Advertisement

من قتل الإبداع


مَنْ قَتَل الإبداعَ؟




مَنْ قَتَل الإبداعَ؟

وكيف يمكن إعادته للحياة؟
سبع استراتيجيات أساسية تجعلك أنت وفريقك ومؤسستك أكثر إبداعًا

تأليف
أندرو جرانت وجايا جرانت

ترجمة
أحمد عبد المنعم يوسف
مراجعة
إيمان عبد الغني نجم



مَنْ قَتَل الإبداعَ؟

Who Killed Creativity?

أندرو جرانت وجايا جرانت

Andrew Grant, and Gaia Grant


جرانت، أندرو.
مَنْ قَتَل الإبداعَ؟ وكيف يمكن إعادته للحياة؟ سبع استراتيجيات أساسية تجعلك أنت وفريقك ومؤسستك أكثر إبداعًا/تأليف أندرو جرانت، جايا جرانت.
  

     ?- الإبداع
          أ- جرانت، جايا (مؤلف مشارك)
          ب- العنوان



تصميم الغلاف: إسلام الشيمي.




إلى زوي وكالِن، طفلَيْنَا المبدعَيْنِ الرائعَيْنِ، اللذين ألهمانا لنستمرَّ في الابتكار وتدريس أهمية التفكير الإبداعي للجيل القادم.

نبذة عن مؤلفَيْ هذا الكتاب


أندرو جرانت وجايا جرانت، زوجان وفريق عمل مُفْعَم بالنشاط، وهما مؤسِّسا شركة الاستشارات تيريان إنترناشونال ومديراها. وحيث إن اهتمامهما مُنْصَبٌّ على الإبداع المؤسسي، فهما يصمِّمان ويقدِّمان تجارب تعليمية فائقة الإبداع للقادة ولفرق العمل. وقد عملا لما يزيد عن خمسة وعشرين عامًا، وفي أكثر من ثلاثين دولة على جميع المستويات من قاعة الفصل إلى قاعة الاجتماعات، ومن التعليم القَبَلي إلى التدريب المؤسسي. وحاليًّا تُقدَّم حلقات شركة تيريان الدراسية وبرامجها الخاصة بالتعلم التجريبي بموجِب ترخيص في عدد من الدول حول العالم. أندرو مُحاضِر رئيسي جذَّاب، يزداد عليه الطلب من كبار مسئولي الشركات الواردة في قائمة مجلة فورتشن لأفضل ??? شركة، وجايا مؤلِّفة لعدد من الكتب والمصادر الأخرى، بما في ذلك «رقعة من الفردوس» و«إيقاع الحياة». وقد تشاركا في تأليف المصادر التعليمية الموجهة على كافة المستويات، بما فيها «برنامج الصحة الشامل للمدارس» الذي أسهم في تحسين معيشة ما يزيد عن خمسة وعشرين مليون طفل في الدول النامية على مستوى العالم. ويعيش أندرو وجايا برفقة طفليهما بين سيدني وبالي، ما لم يكونا على سفر.
دكتور جيسون جاليت، أسهم مساهمة شرفية في هذا الكتاب، وهو عالم حائز على جوائز، وعالم نفسي مُعتمَد يحمل دكتوراه في علم الأعصاب. وقد رسَّخَتْ تجارب جيسون في الإبداع أهمية المعالجة اللاواعية له. وقد نُشرت أبحاثه في عديد من الدوريات العلمية الدولية التي يقيِّمها الأقران.
يُرجى زيارة (www.whokilledcreativity.com) لمزيد من المعلومات والمصادر، بما فيها من حلقات دراسية، وورش عمل، وجلسات لمحاضرين رئيسيين، ومقالات، ومُدونات، واستطلاعات للرأي، ومقاطع فيديو، ولعبة ألواح «مَن قتل الإبداع؟» التي تأتي على نمط لعبة «من فعلها؟» كذلك يرجى زيارة (www.tirian.com) للحصول على المجموعة الكاملة من البرامج التي تقدِّمها شركة تيريان. ويمكن للقراء أن يُراسلوا (book@whokilledcreativity.com) إلكترونيًّا للحصول على حزمة تكميلية من التطبيقات والأدوات التي يمكنهم تحميلها من شبكة الويب.
شكر وتقدير


أثناء إعداد هذا الكتاب، عملنا مع فريقنا في شركة تيريان عن كَثَب، فشارك الفريق في إعداد دراسات الحالة والقصص، وقدَّم يَدَ العون في تنقيح الأفكار والمعلومات. وساعد المسئولان التنفيذيان بشركة تيريان — لويد إروين وكارول فيوسِك — في تصميم موادِّ الحلقات الدراسية وإعادة صياغتها، كما ساهما في إعداد أقسام ذات صلة من الكتاب؛ ومن ثم فإننا نُكِنُّ لهما أشد الامتنان لإسهاماتهما. كما نتقدم بجزيل الشكر لصاحب الموهبة الإبداعية بروس هادون، الذي كان معنا منذ بداية رحلتنا هذه، وساهم في تشكيل أفكارنا الأولية. ونقدِّر التعليقات القيمة التي وردتنا من جميع أعضاء الفريق، ومن بينهم دارين ماكوبين — المبدع الكوميدي في فريقنا — والدكتور بيتر داوني، وسيندي ماليفا، وروينا وينفيلد.

مقدمة


قتل ودمار في الفردوس

في الأول من أكتوبر عام ????، في تمام السادسة وخمسين دقيقة مساءً، دخل رجلان بسيطان يرتديان قميصين قصيري الأكمام وسروالين من الجينز وحذاءَين رياضيين، ويحملان حقيبتي ظهر صغيرتين، إلى مطعمين على الشاطئ في بالي بإندونيسيا، ونسفا نفسيهما. وبهذا الفعل البسيط، قَتَلَ الرجلان عشرين شخصًا على الفور وجرحا ما يقرب من مائة آخرين. عُثر فيما بعدُ على بقايا حقائب الظهر وأشلاء سيقانهما ورأسيهما المشوَّهة بشدة، ولكن لم يُعثر على جذع أي منهما؛ مما يدل على أنهما انتحاريان. ومع أن ذلك الحادث ليس أكبر حادث تفجير انتحاري يضرب بالي (إذ مات مائتا شخص في هجوم مخطط بسيارة مفخخة قبل عامين فقط من هذا الحادث على وجه التحديد)، فقد كان لهذا الحادث أثر خاص فينا. إذ كان المطعمان اللذان هاجمهما الانتحاريان على بعد خمسين مترًا فقط من العتبة الأمامية لمنزلنا الهادئ.
كانت الجزيرة الإندونيسية التي اخترناها سكنًا لنا منتجعًا استوائيًّا آمنًا عندما انتقلنا للعيش فيها أول مرة منذ ثلاثة عشر عامًا. تتمتع بالي بتراث ثقافي مذهل الثراء، وقد حُفظ على مدار الزمن، كما أن لدى شعبها طاقة إبداعية فريدة تنبُع من عيشهم على أرض خصبة مثمرة. وكان الركن الصغير الذي اخترنا أن نعيش فيه أحلامنا الجامحة — وهو خليج جيمباران — تجسيدًا للكمال الاستوائي المذهل، لكن كما غيرت الأحداث الدولية، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، شكل العالم، زادت التوترات المحلية ولم يعد ملاذُنا الهادئ محصَّنًا.
بالنسبة لنا، لم يكن ذلك التفجير مجردَ حادث عشوائي لن يتكرر، إنما كان ذروة سلسلة طويلة من الأحداث المزعجة الآخذة في الازدياد، كما لو كان هناك مخطط لتدمير هذه الرقعة الآمنة من الفردوس. وإننا نشاطركم هذه القصة؛ لأننا نعتقد أنها تعكس في نواحٍ كثيرة السلسلة الدرامية من الأحداث التي نظن أنها قد تؤدِّي إلى موت الإبداع …
فلنَسرُدْ خلفية الموضوع في البداية. قبل ذلك اليوم المشئوم بعشر سنوات، كانت قريتنا الهادئة التي تعتمد على الصيد — وتقع في الطرف الجنوبي من الجزيرة — لا تزال نقية نسبيًّا لم تطلها يد الفساد. لا تبعد القرية سوى ?? كيلومترات من صخب المركز السياحي المكتظِّ في حي كوتا، وعلى الرغم من ذلك، كانت هادئة جدًّا وطبيعية وكأنها على كوكب آخر. كانت النساء تصنع القرابين والزينة الملوَّنة الجميلة يوميًّا لتقدِّمها للآلهة، كما كان الرجال يَنحِتُون تماثيل خشبية وحجرية بالغة المهارة. بعد ذلك أتى السياح، وفي أعقابهم رائدو الأعمال مسرعين في لهفة للحصول على حصة من هذا النشاط السياحي. وعندها، تغيَّر محور التركيز في المكان جذريًّا.
بدت التغيرات الأولى بريئة للغاية، وبعد ستة أشهر من افتتاح بعض سكان المنطقة أربعة مطاعم صغيرة لشواء الأكلات البحرية على الشاطئ، استيقظنا ذات صباح لا على الصوت المعتاد اللطيف للأمواج وهي ترتطم بالشاطئ الرملي، لكن على ضوضاء ماكينة نشر مزعجة تسحقُ وتجتثُّ الأشجار الموجودة في المدخل بوحشية؛ لإفساح الطريق لإنشاء سلسلة من مطاعم مماثلة تقدِّم الأكلات البحرية. وسرعان ما اختفت الأشجار، ونُقلت الأبقار إلى مراعٍ أكثر خضرة، وتحوَّل الحقل جذريًّا إلى موقف كبير للسيارات، ممهَّد وجاهز لاستيعاب أعداد هائلة من حافلات السياح. ولم يعُدْ لدى السكان المحليين وقتٌ لعباداتهم الدينية ولا للفنون الثقافية، كما نشأت خلافات بينهم حول من يمتلك المطاعم ومن يحصل على العمل ومن يَجْنِي المال. ومع توالي الشاحنات المحملة بمواد البناء، تبدَّل الحقل الأخضر الذي تحفُّه الرمال أمام منزلنا، وصار موقعًا لمائة وعشرة مطاعم مذهلة مكتظة بالناس ومشبعة بالدخان، وكلٌّ منها نسخةٌ طبق الأصل للمطعم المجاور له؛ بلا ابتكار أو إبداع، بل مجرد صفوف وصفوف من الرتابة المدفوعة بوعود جني المال.
توافَدَ آلاف السياح إلى المنطقة، وسرعان ما تراكمت القمامة، وتسبَّبت حافلات السياح في سد الشوارع الضيقة، وبدأت المياه العكرة الملوثة تطغى على الرمال التي يومًا ما كانت نقية. وصار الهواء مثقلًا بدخان الشواء الخانق ليتسبَّب في انهمار دموع عينيك كلما سرت في الطرقات، وتسميم سكان المنطقة كلَّ يوم بلا شك.
نعم، لقد اقتحمت السياحة رقعتنا من الفردوس وستترك لدى رحيلها علامة لا تَنْمَحِي. وبمرور الوقت، انهال تدفق الوفود الضخمة على منطقتنا المحلية، فاختنقت بالدخان وضربها جشع التجارة ثم غزاها الإرهابيون في النهاية.
هذا المكان لم يعد المكان الذي أُغْرِمْنَا به من قبل؛ إذ تحوَّل إلى شيء مختلف بالكلية، وسارت القرية التي اتسمت بالبراءة فيما مضى في اتجاه حتمي لتدمير نفسها. ولكن لا يرجع انتكاس هذا الموطن الشاطئي الجميل إلى أمر محدد بعينه، بل إلى مزيج من العوامل، إلى سلسلة من الأحداث لا أمل في الرجوع فيها بكل وضوح. فلم يتعمَّد أحد تدمير الشاطئ أو المجتمع القروي، بل لم يعترف أحد بالمساهمة في هذا القتل البطيء المؤلم. ومع ذلك، كان الأثر الناتج واضحًا للجميع.
على النحو نفسه، إننا نرى أن البراءة الإبداعية تتعرض تدريجيًّا للدهس والخنق والاعتداء المباشر في جميع مجالات الحياة وفي كافة أنحاء العالم. فنصطدم مع وقائع التغيير الجذري المتوالية في حياتنا الفردية ومجتمعاتنا ومؤسساتنا، حتى إننا نجد صعوبة في مواكبة كل التغيرات. وأول ضحايا هذه العملية هو عادةً الإبداع الذي لا يمكنه تحمُّل مثل هذه الضغوط الخارجية بسهولة. وحال اختناق الإبداع كمِثل حال تخريب خليج جيمباران، فلم يكن أي منهما متعمَّدًا. فليس ثمة مجرم أو منظمة (كما نأمل!) ممن لديهم خطة شاملة لتحويلنا إلى كائنات من الموتى الأحياء بلا مخيلة. فيبدو أن البراءة الإبداعية التي كانت تعرفنا وتميِّزنا في صغرنا تاهت وسط السعي لتحقيق الأهداف الشخصية أو المؤسسية. ويبدو الأمر كأننا نغفل المبادئ والشغف الذي يمدنا بالهدف، ونفقد الدافع والقدرة على الإبداع أثناء تلك العملية. وفي حين كان الجميع في بالي مشغولين بجني المال من السياح، احتضر الشاطئ النقي وانهارت القيم الأساسية لمجتمع بالي المبدع. واليوم تسقط العديد من المؤسسات في الفخ نفسه؛ فتسعى وراء جني الربح قصير الأمد في مقابل خسارة القيم الراسخة، وهذا مثال واضح للبراءة المفقودة.
تشير آخر الأبحاث إلى أن متوسط مستوى الذكاء يرتفع مع كل جيل، بينما بقي متوسط مستوى الإبداع راكدًا حتى عام ????، وبعدها أخذ في الهبوط. ويفقد الكثير منا حِسَّ الإبداع الذي تمتعنا به حينما كنَّا صغارًا بمرور الوقت. فنلتحق بالمدرسة وكلنا حماس وانطلاق وأفكار جديدة، لكننا نتخرَّج بعد اثنيْ عَشَرَ عامًا وقد تعلَّمنا في أغلب الأحيان أهمية أن نكون «على صواب» بدلًا من «التحلي بالإبداع». وكذلك يلاحَظ قمع الإبداع في الكثير من المؤسسات. ورغم أن كثيرًا من رواد الأعمال يبدءون بأفكار جديدة ومبتكرة، فإن الذين يُديرون مؤسساتهم في نهاية المطاف يتعلَّمون تأسيس أنظمة وهياكل تكفل الاستقرار، وغالبًا ما تتعارض هذه العملية مع الحاجة إلى التفكير الإبداعي.
إذن فما هو الإبداع بالضبط؟ ولماذا نشعر بأن له من الأهمية ما يستوجب الحفاظ عليه من الدمار؟ على الرغم من أن الجميع يبدو مطمئنًّا لاستخدام لفظة «الإبداع» في محادثاتهم اليومية — فيؤكِّدون بسهولة أن فلانًا يتمتع بقدر «قليل» أو «كثير» من الإبداع — يسعى الخبراء جاهدين من أجل التوصل إلى تعريف مبسَّط. ومن المتَّفَق عليه عمومًا أنه يتضمَّن عملية استخدام الخيال لابتكار أفكار جديدة ومبتكرة. ومن المتفق عليه بالنسبة للتفكير الإبداعي العملي — أي التطبيق العملي للإبداع — وجود صفتين أساسيتين فيه، وهما الأصالة والمنفعة. وهذا النطاق الواسع يضمُّ الكثير من الأشياء (انظر إذا ما كان يتطابق مع تعريفك للإبداع)، إلا أنه يُغْفِل أكثرَ ما يميِّز هذه الخاصية. فنحن نؤمن بأن الإبداع أهم وأعمُّ من ذلك؛ نحن نؤمن بأنه استجابة أساسية للحياة.
وعلى كل حال، الحياة هي سلسلة من الاختيارات أو هي مسار به العديد من مفترقات الطرق، وعند كل مفترق طريق لك أن تختار إما أن تؤدِّي الأعمال بالطريقة التي اعتدت عليها أو أن تعمل شيئًا مختلفًا؛ شيئًا جديدًا ومبتكرًا. لك أن تقبل العادات والتقاليد الراسخة، أو أن تجد طريقةً فضلى عبر إجراء تعديلات وتحسينات في طريقك. فلكل منهج من مناهج الحياة إيجابيات وسلبيات، والحياة الناجحة غالبًا ما تتضمَّن مزيجًا منهما. ومع ذلك، نوضِّح في هذا الكتاب أن الكثير من الناس والمؤسسات قد وجدوا راحة جمَّةً في تأدية «ما ينجز المطلوب» أو ما هو خالٍ من المخاطر، بل وأدمنوا فعل ذلك. لكن أحيانًا ما يؤدِّي هذا الخيار ذو المظهر الآمن إلى انتكاس وخراب دون قصد، وأحيانًا أخرى تعمل قوًى شريرةٌ لتعتدي على حريتك في الاختيار مباشرةً وتقيِّد قدرتك على التفكير بإبداع.
لكن بدلًا من أن نكتفي بتدريس مجموعة من المبادئ والاستراتيجيات التي تهدف إلى إنقاذ التفكير الإبداعي، سوف نستعرض أولًا كيف نُؤْمِنُ بموت الإبداع ولماذا، خلال إجراء تحقيق شامل في جريمة القتل، فنطرح ونحقق في السؤال: «مَن قتل الإبداع؟» سيهيمن على المراحل الأولية من التحقيق في جريمة القتل هذه البحثُ في سبب اختيارنا المعتاد للمسار التدميري، والتفتيش عن المسئول عن ذلك الاختيار. وبعد ذلك سندرس المسار البديل؛ وهو مسار مبتكر وربما مثالي من شأنه أن يُنْقِذَ الإبداع وأن يؤدِّي إلى حياة ذات جودة أعلى.
هل من المهم أن نُمْضِيَ الوقت في دراسة الأثر الذي قد يتخلَّف عن موت الإبداع؟ نظن ذلك. فرغم أن الأثر السلبي لتأدية ما ينجز المطلوب أو ما هو آمن لا يُلاحظ على الفور، فإن المشكلة تكمن في أن تلك الطريقة سوف تكون ناجزة إلى أن يؤدِّيها شخص آخر بأسلوب أفضل، كما أنها قد لا تناسب الجميع أو لا تعود بالنفع عليهم أجمعين بأفضل طريقة. وهذه الحجة العملية حول ضرورة الابتكار — على سبيل المثال طرح منتجات وعمليات وأسواق ونماذج عمل جديدة — رغم قوتها لا تُعَدُّ بأي حال من الأحوال السبب الوحيد لأهمية الإبداع؛ إذ إن له فوائد أخرى نوعًا ما ملموسة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى. أما جوهرة التاج والهبة التي نأمل أن يبرزها هذا الكتاب بإسهاب، فهي أن الإبداع يجعل الحياة أكثر ثراءً وأكثر تشويقًا، وإذا طُبق كما ينبغي يمكنه أيضًا أن يُضفي معنًى للحياة ويجعلها أكثر إرضاءً. ويا لها من هبة بديعة حقًّا! فيمكن إذن بثُّ الحياة في أي عملية أو مكان أو أمر يشوبه الملل أو السلبية أو عدم الإرضاء من خلال إشراك الإبداع في الصورة. وإننا نأمل أن يقدِّم لك هذا الكتاب بعض الأفكار العملية، وأن يمدَّك بالرغبة في الحفاظ على هذه العملية في حياتك وفي مجتمعك وفي عملك.
لكننا سنحتاج منك أن تتعايش مع روح منهجنا المختار. فبدلًا من مجرد تقديم مبادئ مباشرة، سوف نجسد هذه المبادئ في شخصيات يمكنك إيجاد توافق بينك وبينها بسهولة. وبعدها نُجري تحقيقًا في مسرح الجريمة للكشف عن أي أدلة قد تتوافر عن قتل الإبداع خلال هذه الشخصيات. انظر كيف أصبَحت المسلسلات التليفزيونية المثيرة عن مسارح الجريمة عملًا تجاريًّا كبيرًا؛ فالمسلسل التليفزيوني الشهير «تحقيق في مسرح الجريمة» تمتَّع بجمهور يزيد عن ???? مليون مشاهد في أنحاء العالم.1 فهذه المسلسلات التي تصوِّر مهمة تحليل الأدلة التي عادةً ما تكون بسيطة ومملَّة على أنها عمل ماهر ومثير للغاية، يُعتَقَد أنها غيَّرت منهج العديد من المحاكمات الفعلية اليوم؛ إذ تضطر النيابة الآن إلى تقديم المزيد من الأدلة الجنائية في المحكمة. وأغلب ما يُعرض هو تجسيد حي للاختلاق الهوليوودي، لكن هذه العروض ساهمت في الكشف عن عملية شديدة الدقة، وهذه هي العملية التي نودُّ استخدامها هنا. وإحدى الطرق التي نبدأ بها تحقيقنا هي دراسة الحالة «قبل الوفاة»؛ إذ إن الوقاية دائمًا ما تكون خيرًا من إجراء الفحص بعد الوفاة. وهذا يَعنِي إمكانية تحسين الأفكار والأنظمة والعمليات قبل حلول الكارثة. فعن طريق تخيُّل حدوث أمر ما فعليًّا (بتطبيق ما يسمى بالإدراك المتأخِّر المحتمل)، وُجد أن الناس يُمكِنهم تحديد الأسباب على نحو صحيح للنتائج المستقبلية بدقة تبلغ نسبتها ?? بالمائة،2 إذن سيكون ذلك بلا شك أداةً قيِّمةً جدًّا. في الجزء الأول، سنحقِّق في مسرح الجريمة ونستعرض أسباب اعتقادنا بأن الإبداع آخِذٌ في الانحدار (الفصل الأول) قبل استخدام منهج التنميط النفسي لتحديد هوية المشتَبَه بهم المحتملين في جريمة القتل وتحليل دوافعهم (الفصل الثاني). كما أننا سنبحث في المواقع المحتملة للقَتَلَة (الفصل الثالث)، وسنناقش تفصيلًا سبب أهمية إنقاذ الإبداع (الفصل الرابع). أما في الجزء الثاني، فسنُبحر في آخر الأبحاث المثيرة حول المخِّ حتى نكتشف كيفية اكتساب مهارة التفكير الإبداعي (الفصل الخامس)، ونوفِّر الأنماط النفسية للمنقذين المحتملين ونكتشف بعض الاستراتيجيات البسيطة التي يمكن استخدامها لإنقاذ الإبداع (الفصل السادس)، فضلًا عن اكتشاف المَوَاطن التي يمكن إنقاذ الإبداع فيها (الفصل السابع). وفي نهاية الجزء الثاني، سنتركك مع تطور غير متوقع في مسار القصة؛ لأنه كما هو الحال مع مسرح الجريمة الحقيقي، ليست الحقيقة بلا تعقيد. لذا نأمل في أن نتحدَّاكم للانخراط بعمق في عملية الإنقاذ (الفصل الثامن) ولنوفر لكم دراسة حالة عملية كمثال ونموذج على التغيير (الفصل التاسع). لكن بدلًا من تقديم كل ذلك بطريقة علمية جافة، فإننا نُخطِّط لإشراكك وإمتاعك عبر مزج أدلة مقنعة وحقائق مذهلة مع دراسات حالات وقصص استبصارية. وفي حين أن الكثير من الكتب توفِّر «أدوات» للتفكير الإبداعي، فإننا نأمل أن يساعدك هذا الكتاب على سد الفجوة في ثورة المعلومات — وربما حتى رأب الصدع على نحو مناسب — عبر ربط جميع المعلومات والأفكار القيمة بتجربتك الشخصية.
إذا لعبتَ ألعابًا على شاكلة «من فعلها؟» في صغرك، فستكون لديك خلفية عن منهج التحقيق البسيط في جرائم القتل الذي نحن بصدد استخدامه. وعلى غرار لعبة «من فعلها؟» سنحاول معًا التوصل إلى ما يلي: مَن أو ما الذي قتل الإبداع؟
كيف قُتل، ما السلاح؟
أين قُتل؟
أثناء التحقيق سنوضِّح كيف قُتل الإبداع، فلم يتسبب عامل واحد في مقتله بل مزيج من العوامل المشتركة. ومعًا سنكتشف أن كثيرًا من هذه العوامل يقع تحت سيطرتنا. والخبر السار هو أن الإبداع — على عكس الموت الجسدي — لا يَفنَى تمامًا أبدًا. فتبقى القدرة مغروسة فينا. ويمكننا إجراء عملية التحقيق بأكملها عكسيًّا حتى نتوصَّل إلى ما يلي: من أو ما الذي يمكنه إنقاذ الإبداع؟
كيف يمكن إنقاذه، وما الاستراتيجيات التي يمكن استخدامها؟
أين يمكن إنقاذه؟
ذلك سيكون المرحلة الثانية من تحقيقنا؛ وهي استكشاف بعض الاستراتيجيات البسيطة لتنمية التفكير الإبداعي والتطبيقات الإبداعية على جميع المستويات.
لنبدأ الآن تحسس طريقنا وسط الدخان والحطام الناتجين عما تعرَّض للتدمير لإعادة إحياء الإبداع الذي تُرك لفترة طويلة ساكنًا وهامدًا. ونأمل أن تستمتع بلعب دور التحري معنا في عملية التحقيق المعقَّدة هذه.

الجزء الأول
مَن قَتَلَ الإبداع؟



الفصل الأول
التحقيق في مسرح الجريمة


تحقيقات مسرح جريمة مقتل التفكير الإبداعي

(صوت قرمشة.)
«انظر يا أبي، سفينة شراعية!»
كان ابننا كالن البالغ من العمر خمس سنوات يجلس في المقعد الخلفي في السيارة، وقد أخذ أوَّلَ قضمة من قطعة بسكويت كبيرة مستديرة؛ وفتح عالَمًا من الاحتمالات.
•••

(صوت قرمشة.)
«انظر، إنها قمرٌ الآن!»
غمرت الإثارة كالن، لكنه لم يحصل على استجابة من والده في البداية. فكان عقل أندرو منغمسًا في عمل جادٍّ، ولم يكن يحتمل أيَّ إلهاء بألعاب طفولية. فكان منشغلًا بالتفكير في محاضرة سيتحدَّث فيها بصفة رئيسية عن الأبحاث الجديدة الرائدة حول الإبداع والابتكار، لكنه كان يواجه صعوبة في الإتيان بافتتاحية إبداعية للمحاضرة. ومع شعور أندرو أنه تحت ضغط ليخرج بشيء برَّاق يُلَائِم محاضرته لمساء ذلك اليوم، أدرك أنه كان عليه الحفاظ على تركيزه في مهمته التي كانت بين يديه.
«آسف يا كالن، لديَّ عملٌ لأُنجزه.»
•••

(صوت قرمشة.)
«لكن انظر أبي، عليك أن تنظر! لقد صارت جبلًا.»
«بُنَيَّ، ليس الآن! أنا أُحاول أن أُبدع.»
•••

(صوت قرمشة متلاحق.)
الصبي (غير مرتدع): «أبي، إنها الآن طائر.»
•••

غالبًا بسبب شعور أندرو بالذنب والمسئولية الأبوية، وربما أيضًا رغبةً منه في أن يجد سبيلًا لإنهاء المقاطعات، التَفَتَ لينظر إلى ابنه الذي كان يحمل قطعة بسكويت على شكل مثلَّث، وقد التهم معظَمَها إلا قضمتين، فهمهم سريعًا في إشارة إلى أنه رآها، ثم عاد ليركِّز في التحدي الجاد الذي كان بصدد التعامل معه.
وفجأة طرأت الفكرة على ذهنه. وفي لحظة من لحظات الاكتشاف المفاجئ أدرك أندرو أنه بينما كان مشغولًا بمحاولة استحضار حلول إبداعية، كان كالن يطبِّق التفكير الإبداعي بخبرة. وتبيَّن أنه في حين نتعامل مع هذه المهام بصرامة وانضباط أكاديميَّينِ، فإن التنمية الإبداعية تتمثَّل في قدرتنا على التخيُّل والحلم. وفي هذه اللحظة، أدرك أندرو أن الإبداع توجهٌ أكثر منه عملًا، وأن التنمية الإبداعية تَسِير عكس تيَّار المعارف التقليدية. ورأى أنه ليس علينا أن نُصبح أكثر «خبرة» في المجال ولا أن نحشد المزيد من الحقائق حول التفكير الإبداعي وحلِّ المشكلات، إنما علينا أن نعرف كيف ننفتح على أفكار واحتمالات جديدة، وكيف نستغل ونسخِّر الفضول الفطري الذي نُولَد به.
كانت تلك القصة هي ما افتتح به أندرو محاضرته مساء ذلك اليوم؛ اشترى علبة من البسكويت، وفي افتتاح المحاضرة طلب من ستة مصرفيين من بين الحضور الذين بلغ عددهم ثلاثمائة شخصٍ أن يصعدوا إلى المِنَصَّة، وطلب من كل واحد منهم أن يَقْضِم قَضْمَةً من البسكويت. ثم سأل المشارِكة الأولى عما تراه، فحكَّت المصرفية رأسها وفكَّرت بعمق ثم أجابت في النهاية بصراحة واقتناع متناهيينِ: «قطعة بسكويت تنقصها قضمة!» إنَّ قدرة كالن على رؤية سبعة أشكال شديدة الاختلاف عن بعضها بسهولة ودون أي جهد بعد سبع قضمات متتالية أدخلتنا فجأة في أكثر المراحل أهمية في رحلتنا لاستكشاف الإبداع والابتكار. (من الشائق أن نذكر هنا تمرينًا بسيطًا لقياس مستوى الإبداع، حيث يُطلب من المشاركين التفكير في عدد من الاستخدامات المختلفة لشيء معتاد؛ قالب طوب على سبيل المثال. وفي حين يعاني أغلب المتسابقين كي يأتوا بأكثر من خمس أفكار، يستطيع الإنسان المبدع أن يأتي بأكثر من ذلك بكثير.)
دفعتنا هذه التجربة الأولى إلى التساؤل عن سبب ابتعادنا عن الأسلوب البريء المَرِح للحياة مع تقدُّمنا في العمر، وعن سبب فقداننا للقدرة على التفكير بإبداع. ومع تزايد الحاجة إلى التفكير والتصرف بإبداع بسبب النمو الهائل في متطلَّبات الحياة الحديثة وضغوطاتها، أصبحت إعادة اكتشاف هذه القدرة أكثرَ أهميةً الآن من ذي قبل.
(?) هل التفكير الإبداعي بهذه الأهمية؟

لمَّا كان الإبداع روحًا حرة قد تتهرَّب من المدرسة أو العمل بسعادة وتقضي ساعات في أحلام اليقظة بالحقول الفسيحة، فإنه يمثِّل الطفل الكامن بداخلنا جميعًا الذي يتوق للحرية. وعندما يُقيَّد الإبداع بالروتين أو يُحصر بالتوقعات، فإنه يصارع من أجل البقاء. فهو يعتمد على الفرص الجديدة في طرح أفكار جديدة من شأنها أن تمدَّ العقل والروح بالأكسجين. ومتى خُنق أيٌّ منهما بأيِّ عدد من العوامل الخفية أو مُعْلنة القسوة، يُقتل الإبداع.
التفكير الإبداعي يمكِّن الناس من التعامل مع المشكلات والحلول بطرق أكثر ابتكارًا. وفيما يتعلَّق بالقدرة على دمج الأفكار الموجودة بالفعل في تركيبات جديدة، فإننا لا يمكننا — دون التفكير الإبداعي — أن نتعلَّم كيف نتأقلم من أجل أن نتمكَّن من التعامل مع المستقبل؛ فسنبقى دائمًا عالقين في الماضي ولن نتمكن من البقاء.
الدليل دامغ على أن الإبداع في الوقت الحالي مهارة شديدة الأهمية للعمل والحياة. ويقول باحثون عديدون إن عدم القدرة على التفكير على نحو إبداعي هو عامل خطر ذو شأن لأيِّ مؤسسة. ففي تحدٍّ تقليدي للتفكير التباعدي التقاربي والذي قاس القدرة على التفكير على نحو إبداعي، تبيَّن أن أولئك الذين كانوا أكثرَ نجاحًا في مهامِّ تحديد المشكلات وحلها يمتلكون علاقات أفضل. إذ مكَّنهم التفكير الإبداعي من اكتساب مزيد من المرونة، التي بدورها عززت قدرتهم على التعامل مع الضغط وإيجاد الحلول بدلًا من النظر إلى المشكلات على أنها عوائق. وقد وجدت دراسة أجريت على ???? طالب أمريكي في المرحلة الإعدادية أن أولئك الذين يمتلكون مهارات تفكير إبداعي جيدة غلب عليهم امتلاك مزيد من الثقة في المستقبل، موقنين أنهم سيقدرون على التوصل لحلول إبداعية لأي مشكلة تظهر في طريقهم. تبيَّن كذلك أن الطلاب الذين زاد معدل خوضهم تجربة الإبداع، تزيد درجة التزامهم في المدرسة، ويتحصَّلون على نتائج أكاديمية أفضل، ويزيد احتمال مكوثهم بالدراسة لمدة أطول.1 من المسلَّم به الآن على نطاق واسع أن الإبداع مهارة عمل بالغة الأهمية. وفي استطلاع حديث أجرته شركة آي بي إم2 لأكثر من ???? مديرٍ تنفيذيٍّ من ?? مجالًا مختلفًا ومن ?? دولة مختلفة، صُنف الإبداع على أنه أكثر خصال القيادة أهمية (تبلغ نسبة أهميته ?? بالمائة) وأنه أكثر أهمية حتى من النزاهة (التي تبلغ نسبة أهميتها ?? بالمائة) والتفكير العالمي (تبلغ نسبته ?? بالمائة). وحدَّدت آي بي إم عددًا من العوامل التي تميِّز «القادة المبدعين»، وتوصَّلتْ إلى أن ??? منهم يُصنِّفون الابتكار على أنه «مقدرة أساسية». فأولئك القادة يستطيعون الابتعاد عن كل المناهج والنماذج الاعتيادية للتوصل إلى حلول جديدة تميِّزهم عن العامة.3 لا يمكِّننا التفكير الإبداعي من التعامل بكفاءة مع المشكلات الحالية فحسب، بل يمكِّننا أيضًا من توقُّع المشكلات المحتملة والتوصل إلى حلول مُثْلَى. ومع ذلك يُقوَّض الإبداع دون قصد كلَّ يوم في بيئات العمل التي تأسست — لأسباب منطقية تمامًا — بغرض تحسين مستويات ضرورات العمل إلى أقصى حد مثل تنسيق الأعمال والطاقة الإنتاجية والسيطرة. فلا يُتوقع من المديرين تجاهل ضرورات العمل، لكن في سعيهم لتلبية هذه الضرورات قد يصمِّمون نُظُمًا تَسْحَقُ الإبداع بصورة منهجية دون قصد.4 وشرح أحد الرؤساء التنفيذيين لمؤسسة مالية من بين الذين التقينا بهم الوضعَ قائلًا: «إذا طلبتُ من أعضاء فريقي تسلُّق ذلك الجبل فإنهم رائعون، أما إذا سألتهم أن يختاروا الجبل ليتسلقوه فسوف يحدقون بي تحديقًا.» ووفقًا للدكتور جيفري ويست الذي أُجريت معه مقابلة حول موضوع «لماذا تستمر المدن في النمو وتنهار الشركات ويموت الناس دائمًا، وتزداد وتيرة الحياة؟»5 إن الابتكار ضروريٌّ لبقاء حضارتنا، بكل ما تحمله الكلمة من معنًى. ويعتقد ويست بصفته عالم فيزياء والرئيس السابق لمعهد سانتا في أَنَّك إذا كنت تسعى للحصول على دورات لا نهائية من النمو (كما في نظامنا الرأسمالي الحالي)، يجب أن تمتلك الابتكار لدعم هذه الدورات. لكن المشكلة هي أننا بحاجة إلى الابتكار في وقت أسرع وأسرع حتى نواكب وتيرة النمو. اكتشف ويست أن وتيرة الحياة تزداد سرعة أيضًا مع زيادة تعداد السكان. فيقول: «إن كل ما يجري في نيويورك اليوم يَسيرُ بوتيرة نظامية أسرع مما يجري في سان فرانسيسكو ومما يجري في سانتا في، وذلك حتى ينطبق على سرعة سير الأقدام هناك، فالوقت هناك يمر بسرعة أكبر فأكبر. لذا عليك أن تأتي بابتكارات بوتيرة أسرع فأسرع حتى تتجنَّب الانهيار. وينتج كل ذلك من النمو الأُسِّي الذي يحفزه التوسع الخطي الفائق.» ويوضح ويست أن الحضارات والمؤسسات كافة تتبع ما يسمى بمنحنى النمو السيني حيث تتوقف أو تعيد ضبط اتجاهها بعد فترة زمنية معينة. وبالنسبة لجميع المؤسسات، فإن النمو عادةً ما يتوقف عند نفس النقطة — حوالي نصف تريليون دولار — أو بعد أربعين عامًا أو ثلاثة أجيال. وحتى هذه اللحظة، يشير المنحنى السيني إلى أن المبيعات آخذة في الزيادة بثبات، لكن نسبة الأرباح إلى المبيعات آخذة في التناقص بثبات. ونظريًّا يوضح المنحنى أن هذه النسبة تصل في نهاية المطاف إلى الصفر، إلا أن تقلبات السوق تُنهي حياة المؤسسات قبل الوصول إلى هذه النقطة. عادةً ترى المؤسسات هذا النذير لأول مرة عند هذه النقطة، فتبدأ في تقليل النفقات على الابتكار، مثلًا من خلال تقليص ميزانيات الأبحاث والتطوير، في الوقت الذي تشتدُّ فيه الحاجة إليه. وما يقتل المؤسسات في نهاية المطاف هو قلة البصيرة التي عادة ما تتسم بها المؤسسات في تلك المرحلة الحرجة من دورة حياتها. وتخنق الضروريات الشركات عندما تسمح لنفسها بأن تقع تحت سيطرة البيروقراطية والإدارة بدلًا من الإبداع والابتكار، وهو أمر لا مَفَرَّ منه وفقًا لويست.
ومن ثم، فإن الإبداع شديد الأهمية لبقاء الأفراد والمؤسسات. والأكثرُ أهميةً التفكيرُ الإبداعي الذي يعاوننا على إنقاذ العالم؛ لأنه يمكِّننا — نحن البشرَ — من الحلم وتخيل مستقبل أفضل ومن تنفيذ هذه الرؤيا. عندما حدَّد مارتن لوثر كينج رؤيته للمستقبل في خطبته الشهيرة «لديَّ حلمٌ …» فإنه جسَّد موهبة التفكير الإبداعي ومقدرتها على خلق الدافع للتغيير وعلى التحفيز لثورة حقيقية. ودوَّن هذه الشرارة الإبداعية، وهي شرارة لا بدَّ لها أن تشتعل إلى حد ما داخلنا جميعًا، فإن جذوة الحياة ذات المعنى، ووجودنا برمته سيكون بلا مضمون أو غرض حقيقي. فالتفكير الإبداعي ضروريٌّ لتطور الجنس البشري واستمرار الحياة لما هو أسمى من مجرد البقاء المادي. وإذا أعدنا النظر إلى الماضي، فسنجد أن العديد من الأفكار والمُثل العليا التي أصبحت سائدة الآن (مثل حركة الحفاظ على البيئة) بدأت بحلم إبداعي لعدد قليل من الأفراد الثوريين المنعزلين الذين كان يُنظر إليهم على أنهم متطرفون، لكن أصبح لهم اليوم كبيرُ الأثر على مستقبل الكوكب بأكمله.
(?) هل الموت الإبداعي وشيك؟

الإحصاءات الجوهرية

أدت الأبحاث التي أجريت على تراجع الإبداع إلى بعض النتائج المذهلة. ففي عينة شملت ???? طفلٍ تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات، صُنف ??? منهم على أنهم «عباقرة» في التفكير التباعدي؛ أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني وعشر سنوات، فإن النسبة انخفضت معهم إلى ??? فقط؛ وعند الوصول إلى العمر بين ثلاث عشرة وخمس عشرة سنة، انخفضت النسبة مرة أخرى إلى ???. بمعنى آخر، يصبح الأطفال أقل إبداعًا مع نموِّهم. بالإضافة إلى ذلك، في تجربة خاضعة للتحكم أجريت على ???? شخص بالغ (تبلغ أعمارهم ?? عامًا فأكثر)، لم يصنف منهم با? «عباقرة» سوى ??.6 فعندما بدأ عالم النفس الأمريكي إي بول تورانس — منذ أكثر من خمسين عامًا — تحديد العوامل الرئيسية للتفكير الإبداعي وتقييم الأفراد وفقًا لهذه المعايير، لم تكن لديه أدنى فكرة عمَّا ستكشفه هذه التقييمات في نهاية المطاف. وتوصَّل تورانس وزميله جارنيت ميلر — اللذان تابعا الأفراد على مر الزمن — إلى أن الصفات التي حدداها في الأطفال الصغار كانت مؤشرات أساسية للنجاح المهْني الإبداعي. وأصبحت هذه التقييمات هي المعيار الذهبي في مجالهما واستُخدمت منذ ذلك الوقت كمؤشر موثوق به لإنجازات البالغين. وخلال استعراض البيانات التي جمعها تورانس وزملاؤه طوال الحياة وإعادة تحليلها، وُجد أن الإنجازات الإبداعية على مدى الحياة ترتبط بالإبداع بقوة تبلغ ثلاثة أضعاف قوة علاقتها بنسبة الذكاء في مرحلة الطفولة.7 وهناك نتيجة جديدة صادمة أخرى تمَّ التوصل إليها من تحليل البيانات التي جمعها تورانس على مر الزمن؛ وهي أنه رغم ازدياد مستويات ذكاء كل جيل بحواليْ عشر نقاط بسبب البيئات المعززة (ما يسمى بتأثير فلين)، فإن درجات الإبداع حقيقةً تأخذ في الانخفاض مع مرور الوقت. وبعد تحليل ما يزيد عن ??? ألف درجة من درجات تورانس الخاصة بالأطفال والبالغين، وُجد أنه رغم ارتفاع درجات الإبداع مع ارتفاع مستويات معدل الذكاء حتى العام ????، فإن درجات الإبداع هبطت منذ ذلك الوقت بشكل ملحوظ.8 ومثال آخر على تراجع الإبداع مع التقدم في العمر يوجد في تمرين يسمى «تحدي المارشميلو». في هذا النشاط، يُطلب من المشاركين بناء أطول هيكل دون دعامة يمكنهم بناؤه باستخدام حلوى المارشميلو وعيدان المكرونة الاسباجيتي فقط، يتفوق الأطفال على البالغين بثبات. وفي واقع الأمر، لم يقدر على بناء الهيكل القائم بذاته سوى نصف البالغين، بينما يبني الأطفال هياكل أطول وأجمل وفقًا لجميع مقاييس الابتكار. أما البالغون فهم حرفيًّا دون المستوى.9 إذن لماذا يحدث ذلك؟ من الواضح أن هناك نوعًا من التدخل، ولسوء الحظ تُشير كل الأدلة إلى الهيكل ذاته الذي عليه أن يشجِّع على الإبداع ويرعاه أكثر من غيره؛ وهو نظام التعليم. فقد رأينا — على سبيل المثال — أن حماس كالن نحو الاختراع والاكتشاف قبل أن يلتحق بالمدرسة كان ملهمًا. وفي الوقت نفسه، بدا أن أخته الكبرى زوي قد وقعت بالفعل ضحية لهذا النظام. فزوي كانت منحصرة بالكامل وفعليًّا داخل الهيكل الذي بدا كأنما يوجه نحو تحديد رؤية الأطفال في مجالات بعينها وتعطيل التفكير التباعدي. وحقيقةً، لقد بدأنا نتساءل عما إذا كان نظام التعليم يقتل التفكير الإبداعي فعليًّا بدلًا من إلهامه.
فقررنا إجراء مقابلات مع الأطفال في سياق المدرسة لنحاول أن نفهم ما يحدث للأولاد حينما ينخرطون في نظام التعليم.10 فذهبنا إلى مدرسة أولادنا الدولية في بالي ولا سلاح معنا سوى سلسلة من الأسئلة وكاميرا للفيديو، لكننا انبهرنا من الردود الصارخة التي حصلنا عليها من مجموعات العينات الصغيرة. مع سيرنا في المدرسة، مررنا بملاعب بها حدائق مبهجة وأدوات ألعاب رائعة، وبعدها انتقلنا إلى فصول الصغار التي تزيِّنُها كلُّ أنواع المنتجات الإبداعية التي صنعها الأطفال بأنفسهم. وعندما أجرينا مقابلات مع هؤلاء الأطفال الصغار، كان هناك حماس بالغ. أجل، شعر جميعهم بأنهم مبدعون وطبعًا كانوا فخورين بذلك! ونحن شعرنا براحة وأمل بالغين بأن الإبداع لا يزال بخير وحيًّا في المدرسة. أما فصول الكبار، فكانت قصة أخرى. فحلَّت جداول الرياضيات ورسومات العلوم محلَّ الأعمال الفنية على الحائط، وجلس الأطفال في صفوف مهذَّبِين وخانعين. ورأى المدرِّسون الذين التقينا بهم أنه «لا داعي للمزيد من التحفيز في البيئة» حيث يتم «إعداد الطلاب للمدرسة الثانوية» ثم «إعدادهم للجامعة». وكانت إجابات الطلاب على الأسئلة التي طرحناها سلبية بشكل ملحوظ. وذُعرت زوي لرؤية والديها يدخلان الفصل ويطرحان أسئلة محرجة حول الإبداع. ولم تُبْدِ ابنتنا الثرثارة الودود أيَّ اهتمام بالموضوع. ومثلها مثل زملائها، اكتفت بهزِّ كتفيها والنظر بعيدًا عندما سألناها إذا كانت تشعر بأنها مبدعة. ومنذ ذلك الحين تدنَّى مقدار حبها للتعلم بسرعة كبيرة. كنا قد افترضنا سابقًا أن الأطفال قد يشعرون بأنهم أقلُّ إبداعًا، وأنهم بالمجمل يُظهِرون مستويات إبداع أضعف في سياق المدرسة أثناء ترقِّيهم في النظام، وأكدت انطباعاتنا الأولى مخاوفنا. وحسب فرضية أن الأطفال بطبيعتهم مفكرون إبداعيون (سنناقش أسباب هذه الفرضية في هذا الكتاب)، أردنا أن نرى إن كان من الممكن أن تدعم العقول البريئة غير الأكاديمية الأبحاث الأكاديمية حول الإبداع، وانبهرنا بعدما اكتشفنا أن الكثير من الإجابات المرتجلة التي حصلنا عليها توافقت مع نتائج الأبحاث. فقد أظهر لنا الأطفال في عمر الخامسة فِراسةً مذهلة؛ مثل: كيف أن التفكير الإبداعي يبحث عن أنماط مختلفة «ويتوصل إلى أفكار مختلفة ويوصل كل الأمور ببعضها» (شاهد الفيديو بعنوان Hands up على الموقع الإلكتروني (www.whokilledcreativity.com)). نحن لا نكبر لنصبح مبدعين، بل نكبر بسبب الإبداع؛ بل إننا نتعلم منه.
السير كين روبنسون(?) هل أنت مبدع؟

بعد زيارتنا المدرسية، استطلعنا آراء الآلاف من المشاركين في الحلقات الدراسية الدولية من الشركات التي عملنا معها. وعند سؤالهم عما إذا كانوا يظنُّون بأنهم كانوا أكثر إبداعًا في صغرهم عن كبرهم، ردَّ أكثر من ??? منهم بالإيجاب. واعترف الكثير منهم بأنهم يجدون مشقة في التحلِّي بالإبداع في بيئات عملهم الحالية، وهذا الأمر ليس مفاجئًا عندما تنظر إلى تركيز الشركات على تحقيق أهداف عملية وعلى المحصلة النهائية. وأفاد غالبيتهم في استطلاعنا أنهم كانوا أكثر إبداعًا عند بدء عملهم بالمؤسسة. فيبدو أن كلًّا من أنظمة التعليم وأنظمة العمل عملت على كَبْت الإبداع بطريقة ما.
ما الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات إذن لحلِّ هذه المشكلة؟ ستبدأ الشركات الذكية بتحمُّل بعض المسئولية تجاه التعليم التفاعلي وليس تجاه مهارات التدريب فحسب. وستُدرك أولًا أن التدريب لا يساوي دائمًا التعليم. فالتدريب يدور حول تنمية مجموعة مهارات محددة ونقل المعارف والحقائق على أمل أن يستفيد العاملون من هذه المعلومات عند الضرورة. أما التعليم، فيدور حول تنمية المهارات اللازمة للتعلم والبحث المستمرينِ؛ أي إنه في نهاية المطاف يُعنى بتعلم كيفية التفكير بإبداع. وربما علينا أن نتدارك أوجه القصور في كثير من الأنظمة الحالية التي تعتمد على «بنك المعرفة» كما يسميها المعلِّم والمنظِّر باولو فريري، وأن نفكر في طريقة لإدخال عمليات تعليمية فعلية في مؤسساتنا بدلًا منها.
من الخطأ أن نفترض أن المشاركين في برامج تدريب الشركات يرغبون في التعلم والاستماع إلى ما يقوله المدرب، فليس هناك من هو أشد مقاومةً للتعلم من المتهكِّمين البالغين. فسوء تجاربهم مع نظام التعليم غالبًا ما ينزع منهم الرغبة في المزيد، ومن ثَمَّ يكونون غير مستعدين لمواكبة التغيير. وهم يواجهون صعوبة في الإتيان بأفكار جديدة وفي التفكير بإبداع، وعندما ينتهي المطاف بهؤلاء في مناصب إدارية، فسيكون للخلاف الذي ينشأ بسبب رؤيتهم لطريقة سير الأمور ونظرتهم للآخرين آثار بعيدة المدى، وقد يؤدي إلى توقف نمو الشركة تدريجيًّا.
مفتاح الإبداع هو الحفاظ على التخيُّل الطفولي الحر وتغذيته بالمعرفة بدلًا من إحلال المعرفة محله.
بروس هادون ولإعادة بناء الإبداع خلال العمليات التعليمية الموجهة (وليس التدريب البسيط)، عليك أولًا أن تتعرَّف على القَتَلَة وتتعامل معهم لتتأكد من أنهم ليس لديهم أي تأثير سلبي على البيئة. وهذا هو ما نعتزم القيام به الآن.

الفصل الثاني
مَن قتل الإبداع وما الأسلحة المستخدَمة؟


تحديد نمط شخصية القاتل: قتلة الإبداع السبعة الفتَّاكون

«طبيعي على نحو مخيف» لكنه قادر على إظهار «قسوة غير عادية»؛ كانت تلك هي الكلمات التي استخدمها الطبيب الشرعي توماس بوند في ثمانينيات القرن التاسع عشر لوصف النمط المرجح لأكثر السفاحين بشاعة في التاريخ. كان «جاك السفاح» مشتبَهًا به في جرائم قتل مروِّعة لخمس مومسات من لندن، قُطعت حلوقهن وشُوهت أجسادهن قبل نزع أحشائهن جزئيًّا. لم تُكتشف هوية القاتل الحقيقية قطُّ؛ فربما لَقِيَ حتفه بعد فترة قصيرة من موجة القتل التي انخرط بها أو ربما يكون قد حُكم عليه بالسجن بسبب جريمة أخرى.
كان النمط المبدئي التي قدمه بوند دقيقًا للغاية على الأرجح. فعندما حلَّل نمط عمليات القتل توصَّل إلى أن القاتل يحتمل أن يكون «إنسانًا متواضعًا في المظهر والسلوك ويتميز بالجرأة والهدوء في مواجهة العنف الذي لا يمكن تخيله … متوسط العمر ويعيش بمفرده ويرتدي معطفًا طويلًا ليخفي الدماء التي تنتج عن جرائمه (إذ كان يرتكب جرائمه في الأماكن العامة)». مع ذلك، لم يتوفَّر لدى الشرطة التي استخدمت تقنيات بدائية جدًّا للتحقيق في ذلك الوقت ما يكفي من المعلومات للعثور على القاتل، ثم أغلقت القضية بعد أربع سنوات. وحيث إن رجال الشرطة لم يقتنعوا بتوصيف بوند، فقد عجزوا عن أن يدركوا أن الشخص الذي يبحثون عنه ربما لم يُعانِ مرضًا عقليًّا أو يُبْدِ اضطرابًا؛ لذلك يغلب الظن أنهم كانوا يبحثون عن النمط الخطأ. وأظهر فيلم وثائقي حديث أعاد دراسة القضية باستخدام أساليب حديثة كيف أن أساليب التنميط يمكنها أن تساهم في هذه الأنواع من تحقيقات جرائم القتل. كما كشف الفيلم أن محددي الأنماط النفسيين في العصر الحديث انتهوا إلى أن جاك السفاح كان إنسانًا عاقلًا وطبيعي المظهر على وجه الحقيقة.1 يمكن أيضًا أن يكون السفاحون الصامتون الذين يستهدفون الإبداع «طبيعيين على نحو مخيف» وعادةً ما يصعب رصدهم بسهولة. ولعل وقت جمع الأدلة واستخدام أحدث أدوات التنميط قد حان حتى نُلقي القبض على الجناة ونَعزلهم ونجرِّدهم من أسلحتهم ونكشف مآويهم. ويعد استخدام «التنميط الجنائي» خُطوةً أولى في التحقيق في جريمة قتل الإبداع للتعرف على القتلة المحتملين المشتَبَه بهم. وتمدُّ هذه العملية المحققين بلمحة عامة عن الأنماط النفسية للشخصيات التي يحتمل تورطها في تلك الجرائم، ومن ثم عن دوافعهم. كذلك يمكن أن يساعد التنميط في تحليل طبيعة الجناية وطريقة ارتكاب الجريمة.
بعد خبرة تزيد عن خمسة وعشرين عامًا من العمل في كل من نظام التعليم وقطاع الأعمال، كشفت تحقيقاتنا حول قتلة الإبداع النقاب عن بضعة أنماط بالغة الوضوح. وسنعرفك الآن على هذه السمات، والشخصيات التي تجسِّدها، ونمنحك الفرصة للنظر فيما إذا كان أولئك القتلة يندسُّون غير مرصودين داخل المجتمع عامة أم يختبئون غير ملحوظين في محل عملك أو في مجال خبرتك العملية. والمشتَبَه بهم الحاليون يمكن التعرف عليهم بسهولة باستخدام هذه الأنواع من الأنماط العامة. فهي تضم طائفة من الشخصيات المريضة التي تجسِّد جميعها صفات مدمرة تعيش داخل الأفراد والأنظمة في المجتمع على جميع مستوياته. وقد يكون من الشائق أن تفكر فيما إن كان هؤلاء المشتَبَه بهم ممن يتسكَّعون في حيِّك السَّكَني.
يمكن أن يوجد المجرمون في كل مكان؛ حتى في المنزل المجاور. لكن قد يصعب التعرف على الإنسان المعتلِّ اجتماعيًّا الذي يمكن أن يكون بارعًا في الاندماج مع الناس على نحو غير ملحوظ. والمعتلُّون اجتماعيًّا، مثل بقيتنا، يقبعون في مكان ما على سلسلة تمتدُّ من المقبول اجتماعيًّا إلى المريض نفسيًّا. وقد تشعر بالصدمة إذا اطلعت على الأعراض المصاحبة لأيٍّ من اضطرابات الشخصيات ورأيت أن كثيرًا من هذه الأعراض ينطبق عليك. والحقيقة أنه قد وُجد أن أكثر من ??? من البشر في جميع أنحاء العالم2 أكدوا أنهم يستوفون نسبة من هذه المعايير في مرحلة ما من حياتهم.3 لكن رغم أن هذه التصنيفات يمكن أن تساعدنا في التشخيص والعلاج، وتساعدنا في هذا السياق على فهم الأشياء، فإنها ليست دلالية أو حاسمة في العموم. وليس الغرض من هذا الكتاب هو وصم الأشخاص أو شنقهم دون محاكمة، بل تحديد المبادئ والنظم التي تُديم المناهج السلبية للوصول إلى التفكير الإبداعي وقياس مدى سيادتها — فقط — في حياتك اليومية أو في مؤسستك. والسيكوباتيون، ويعرفون أيضًا بالمعتلِّين اجتماعيًّا، يشكِّلون قرابة ?? من السكان. قد تبدو هذه النسبة ضئيلة، لكن إذا وُضعت في سياقها، تكون فعليًّا أعلى من نسبة الذين يعانون من اضطرابات فقدان الشهية الشهيرة (حوالي ?????) أو بمعدلات الإصابة بسرطان الأمعاء الذي استُهدف كقضية صحية أساسية. وسلوكيات المعتلِّين اجتماعيًّا يمكن أن يكون لها أثر أكبر بكثير على الآخرين. ورغم تصوير الإعلام عادةً للمعتلين اجتماعيًّا على أنهم عنيفون، يظل العديد من المعتلِّين اجتماعيًّا غير العنيفين متوارين بعيدًا عن الأنظار، ويمكن لأثرهم على المجتمع أن يكون فتَّاكًا. وبدلًا من تسميتهم بأنهم أفراد مكتملو الإنسانية، يوصفون بأنهم «قناصون اجتماعيون» تنقصهم «خصلة الروح» ويميلون إلى العمل «كآلات فعالة … ذات برمجة اجتماعية حاذقة»، وقد يكونون بارعين فكريًّا، لكن هناك عادةً عدم توافق بين أقوالهم وأفعالهم.4 في حالة السيكوباتيين، يصاب جزءُ المخ المسئول عن معالجة التعاطف (وهو اللوزة المخية) بالقصور. فهم — حسب التعريف — يعانون من اضطراب في الشخصية يتَّسِم بسلوكيات عدوانية ومعادية للمجتمع إلى جانب افتقار إلى التعاطف أو الإحساس بالندم.5 ويشير ذلك إلى تأثر الإبداع أيضًا حيث إن الإنسان يحتاج إلى التفكير الإبداعي ليضع نفسه محل الآخرين ليرى ما يرونه، ويشعر بما يشعرون به. وغالبًا ما يحقق السيكوباتيون نجاحات كبيرة، وذلك على وجه الدقة لأن افتقارهم إلى الإحساس بالندم أو الذنب يعني قدرتهم على أن يسحقوا من يقف في طريقهم «بلا رحمة». وما يثير القلق، أنك كلما علوتَ في سُلَّم السلطة، كان السيكوباتيون أكثر انتشارًا. فثمة اختبار، يسمى قائمة هير المعدلة للسيكوباتية، يضم عشرين سمة شخصية أو سلوكية تتأصل في السيكوباتيين.6 من هذه السمات الشعور المتضخم بتقدير الذات، والافتقار إلى الشعور بالندم أو الذنب، والمشكلات السلوكية المبكرة، والبراعة الإجرامية. فهل شهدت أيًّا من هذه الخصال في مؤسستك؟ وهل ربطت بين اضطرابات السلوك وقتلة الإبداع؟ فالسلوك غير الطبيعي المعادي للمجتمع الذي يؤثر في قدرة الآخرين على الإبداع يؤدي في نهاية المطاف إلى قتل الإبداع. سنوجز الآن المراحل الأربع لعملية القتل، ونقدِّم بعضًا من القتلة السيكوباتيين الأكثر اتصافًا بصفة «الطبيعيين على نحو مخيف» ممن تعرَّفْنا عليهم في الأفراد والمؤسسات. فتشتمل مراحل تدمير الإبداع التي حددناها على: المرحلة الأولى: القمع.
المرحلة الثانية: التقييد.
المرحلة الثالثة: التدهور.
المرحلة الرابعة: التدمير.
كما هو موضح في الجدول ?-?، هناك سبعة قتلة إبداع محتملون وأسلحة مشتبه بها، اكتشفنا أنها أسهمت في هذه العملية الانتكاسية. جدول ?-?: نموذج دورة حياة التفكير الإبداعي – موت التفكير الإبداعي.
?موت التفكير الإبداعي: مراحل الانتكاس?عملية القتلسلاح القتلالمشتَبَه بهمالمرحلة الأولىالقمع?استخدام التحكم والخوف لتقييد التفكير المنفتح?التحكم (طاقم التحكم)الإرغام الساحقالبيروقراطية، التنمر، القيادة، القمع?الخوف (عائلة الخوف)الإرهاب المطبقالخوف من الفشل، الخوف من المجازفة، الخوف من المجهولالمرحلة الثانيةالتقييد?استخدام الضغط والعزل لتقييد الأفكار?الضغط (جماعة الضغط)الإجهاد الخانقالإجهاد المفرط، تعدُّد المهام، التوقعات غير الواقعية?العزل (زمرة العزل)الانحياز الصارممصادر المعلومات المتحيزة، التجانس، الافتقار إلى التنوعالمرحلة الثالثةالتدهور?تثبيط النمو بسبب اللامبالاة?اللامبالاة (عشيرة اللامبالاة)الخمول الفتاكالافتقار إلى التحفيز، الافتقار إلى المبادرة، الافتقار إلى الدافعالمرحلة الرابعةالتدمير?ضِيق الأفق والتشاؤم المدمران?ضيق الأفق (عصابة ضيق الأفق)التعصب العنيدالحنكة المقيَّدة، التحيز، التفكير الجماعي?التشاؤم (فوج التشاؤم)السلبية الخبيثةالسلبية، اليأس، الافتقار إلى الثقة
ولتقليص دائرة المشتَبَه بهم، سنركز على مجموعات الأنماط التي كشفنا عنها في أبحاثنا وتجاربنا. فبعد أن أجرينا ورش عمل حول الإبداع شملت أكثر من ?? ألف شخص حول العالم — بَيْنَ المديرين التنفيذيين ومديري الشركات إلى أطفال رياض الأطفال، وبين الأغنياء والمتعلمين إلى الفقراء والمحرومين — تمكنَّا من التوصل إلى استنتاجات عامة معينة من اكتشافاتنا. فعلى سبيل المثال، غالبية الناس يُقِرُّون بفائدة التفكير الإبداعي، لكن مع دعمهم له من حيث المبدأ؛ ليست لديهم أدنى فكرة عن طريقة احتضار الإبداع في حياتهم الشخصية. في بداية جلساتنا حول إحياء الإبداع، غالبًا ما نواجه وابلًا من الاحتجاجات القائلة إنه «لن يجدي نفعًا بالنسبة لي أو لمؤسستي» فضلًا عن سلسلة من أسباب ذلك. لكننا وجدنا أن قلة من الناس، أو الكتب المصنفة حول الموضوع، قد توقفت لتفحص في أي قدر من التفصيل سبب أن يكون الأمر على تلك الشاكلة، والطريقة التي مات بها الإبداع حقًّا.
وقد تُصدم بمجرد اكتشاف مدى قرب هجمات أولئك القتلة منك …
(?) المرحلة الأولى: القمع – استخدام التحكم والخوف لتقييد التفكير المنفتح

تتضمن المرحلة الأولى من عملية القتل نمطين أساسيين للقتلة: «طاقم التحكم» الذين يسحقون الفكر المستقل والإرادة الفردية، و«عائلة الخوف»؛ وهم قتلة هادئون في استطاعتهم تقويض الثقة وقهر الفرد.
(?-?) نمط القتل الأول: طاقم التحكم

عادةً ما تكون الحاجة للسلطة هي ما يحرك نمط «التحكم»، ويُعرف طاقمه أيضًا باسم القامعين المتنمِّرين. فالأفراد والأنظمة الذين يتَّسِمون بهذا النمط يَميلون إلى الهيمنة على الآخرين وقمعهم. فهم يُمْلُون على الآخرين نتائج معينة ويوجهونهم نحوها بدلًا من تمكين الاستكشاف والنمو الشخصيين والتشجيع عليهما. ويشعر ضحايا نمط التحكم غالبًا بأنهم مُقَيَّدون أو عالقون في مأزق لا فكاك منه. فالقاتل المتحكم يميل إلى القتل من خلال قمع القدرة على التفكير بحريةٍ واستقلالية، وعادة ما تُسحق إرادة الضحايا. ويمكن أن يعاني هؤلاء القتلة من اضطرابات في الشخصية تَميل إلى أن تكون معادية للمجتمع أو حتى ساديَّة. أما سلاحهم المفضل فهو الإرغام الساحق.
التعذيب المؤسسي: أغلال القرون الوسطى وأنظمة التطفُّل

في العصور الوسطى، كان السجناء المدانون يُقيدون أحيانًا إلى أداة عقاب تسمى الفَلَقة؛ وهي ألواح خشبية متصلة بمفصَّلات توصد في مكانها ويُدخل فيها عنق السجين ويداه للتعذيب. ولمَّا كان الإخزاء والسخرية العلنيان جزءًا أساسيًّا من العقاب، فقد كان ذلك العقاب يقع في مكان عام حيث يُشجع المارة على قذف الضحية قاصرة اليد بالطين والأطعمة العفنة أو حتى بالغائط. وقد يُترك السجين في العراء لأيام؛ فيتعرض لظروف طقس قاسية، ومن ثم شاع أن يلقى هؤلاء المقيدون لأيام متتالية حتفهم بسبب انخفاض درجة حرارة أجسامهم أو الإنهاك من ارتفاع درجة حرارة الجو. وكان الهدف من ذلك سحق روح المرء من خلال إنهاك البدن والإذلال.
قد تظن أن أدوات التعذيب تلك هي شيء من الماضي، إلا أنه في الوقت الحالي لا يزال هناك تسعة وستون مصنعًا معروفًا للأغلال وأصفاد الأرجل ومكبلات الأصابع ويقع معظمها في الولايات المتحدة وأوروبا.7 وتعمل الأصفاد على تقييد الحركة لا إبطالها كليًّا، فتتيح للسجين حرية محدودة يقيِّدها تحكم خارجي. وتوثِّق منظمة العفو الدولية الكَمَّ الهائل من انتهاكات حقوق الإنسان الحالية التي يُستخدم فيها التقييد والتعذيب والإرهاب كوسائل للتحكم.8 ومثل الفَلَقة والأغلال التي صُمِّمت لتقييد الحركة الجسدية، هناك العديد من الأنظمة المؤسساتية التي صُممت — عن عمد أو عن غير عمد — لتثبِّط النمو والتطور العقليين والعاطفيين، فتحطم إرادة الإبداع. وعندما تنشأ أنظمة تقيِّد حرية الفكر، لا يملك الإبداع فرصة للازدهار. ويمكن لذلك أن يحدث على الصعيد المحلي أو الصعيد العالمي عن طريق الديكتاتورية القمعية، اجتماعيًّا ومؤسسيًّا وفرديًّا.
إنَّ أولئك الذين ينطبق عليهم نمط التحكم هم — بلغة فجَّة — سفاحون. فغالبًا ما يكون سلوك الشخصيات في هذا النمط واضحًا، غير أننا غالبًا ما نكون من الخوف بدرجة تمنعنا من مواجهتهم، تاركين إياهم «يفلتون بجريمة القتل». ونحن نعلم أين يتسكَّع هؤلاء السفاحون — إنهم يحيطون بنا من كل حدب — لكننا نخشى الاعتراف بوجودهم. وتمامًا كما تواصل الزوجات المعنَّفات العيش مع أزواجهن المتعسفين بسبب تعلقهن العاطفي بهم، فإننا نُصرُّ على السماح للأنظمة الداعمة للتحكم بالسيطرة على حياتنا لأنها باتت مألوفة لنا. وما دام يتم التساهل مع تلك الأنظمة المُتحكمة، فإنها ستستمر في سحق الإبداع.
عملنا ذات مرة مع مجموعة إدارية في مجال تكنولوجيا المعلومات كانت قد عانت مع هذا القاتل الذي ترسخ في المؤسسة. وقرب انتهاء إحدى ورش عمل التفكير الإبداعي التي نظَّمناها، كان فريق القيادة الرئيسي المكون من ثلاثين فردًا قد تمكَّن من التوصل إلى مئات الأفكار الشائقة؛ ليتطور العديد من هذه الأفكار إلى خطط عمل محددة وعملية. ومع انتصاف الظهيرة، كان الحماس والدافع يملآنِهم حرصًا على العودة إلى أقسامهم محمَّلين بتلك الأفكار الجديدة الرائعة وبتلك الطاقة المتجددة التي يولدها التفكير الإبداعي. بعد ذلك، ظهر المدير العام. كانت هذه الجلسة قد نظمت بناءً على طلب هذا المدير العام، ورغم أنه كان حريصًا نظريًّا على أن يتعلم أعضاء فريقه التفكير الإبداعي، فعلى الصعيد العملي، وعقب رؤيته لنتائج الورشة، اتَّجَهَ دون عمد إلى إخماده. فبعدما رحَّب المدير العام بالمجموعة في بداية اليوم، عاد إلى مكتبه ليستكمل ما سمَّاه «عمله الحقيقي» في إشارة واضحة منه إلى أنه غير منخرط في العملية ولا يهتم بها. وعندما دُعي إلى العودة إلى المحاضرة ليستمع إلى الأفكار الإبداعية لتحسين الأداء التي كان فريقه قد توصل إليها، جلس عاقدًا ذراعيه وساقيه بملامح جدية وأبقى على سلوكه غير المتجاوب الذي كاد يتسم بالسلبية طوال الجلسة، وأظهرت لغة جسده بوضوح أنه لم يكن متقبلًا الأفكار الجديدة أو لم يكن على استعداد للاستمرار في مناقشتها.
لعلَّ المدير العام أدرك أن العديد من الأفكار الجديدة لم تكن قابلة للتنفيذ الفوري، وأن بعضها قد يكون مكلفًا وقد يستغرق تنفيذها الكثير من الوقت. لكنه أغفل غرض عملية توليد الأفكار والبحث عن سبل إبداعية لتحسين عملية تنفيذ الأعمال. كان بإمكانه أن يشجِّع على إنتاج المزيد من الأفكار بدلًا من وَأْدِها، وكان يمكن أن يستخدم هذه الأفكار كنقطة انطلاقة لاستكشاف المزيد. بعد ذلك في الجلسة، اجتهد المدير العام في منع تدفُّق الأفكار الإبداعية بتوجيه نقاش المتابعة نحو نتائج محددة من اختياره بدلًا من أن يفتح المجال إلى حرية التعبير. وكانت النتيجة على المدى الطويل هي عدم تغيير أي شيء في النظام؛ فكان هناك العديد من الموظفين غير الراضين — الذين استقال عدد منهم ومضى بحياته — بينما خسرت الشركة فرصة لمعالجة قضايا أساسية.
القصة السوداء لبنك ليمان براذرز — الذي وصف بأنه محلُّ عمل به رؤساء يعمدون إلى الإرغام والتنمُّر والمراقبة الشديدة — ذائعة الصيت في الوقت الحالي.9 وكما قال ديفيد جولدفارب — الرئيس الدولي للشراكات الاستراتيجية بالبنك — إن النهاية «جاءت سريعًا جدًّا، ولم يكن أحد مستعدًّا لها، فلم يخطر على بال أحد وقتها أننا سننهار، فجلُّ ما كنا نعرفه أن لدينا الكثير من العمل لننجزه.» استخدم الرؤساء الإرغام سلاحًا فتاكًا، ودائمًا ما كانوا يتحكَّمون في موظفيهم، سواء بأسلوب رسمي أو غير رسمي، وأنشئوا ثقافة الخوف حتى لا يجرؤ أحد على التشكيك في النظام. ونتيجة لذلك انهار البنك بالكامل. كانت ثقافة التنمُّر شديدة القوة حتى إنه مع توقُّع البعض للنتيجة مسبقًا، لم يجرؤ أحد على إثارة الأمر. وقد علَّق مصرفي شهير قائلًا: «لقد سحقوا الناس. بنوا قلعةً لنهبهم. إنني لم أقابِل لمرة واحدة في كل تلك السنوات موظفًا في إحدى الشركات الكبيرة في وول ستريت يعاني من أزمة ضمير.»10 ومن خلال استخدام النفوذ والسلطة وإنشاء أنظمة وإبقائها بهدف تكبيل التفكير الحر والأفكار الجديدة، يقتل التحكُّمُ الإبداع ببراعة. هناك حكمة تقول بأنه ليس هناك ما هو أكثر طرافة من النكات التي يلقيها أصحاب النفوذ. فالقوة والسلطة اللتان يمارسهما الأشخاص المتحكِّمون والأنظمة المتحكمة تُخْمِد الفكر المستقلَّ، ويكون هذا شديد التدمير على المدى الطويل. إن الحاجة إلى «السيطرة» قد تنبُع من شعور الفرد بعدم الأمان وبالنقص، فتصبح محاولة لتعويض هذا الخلل في الشخصية، إذن فإن فهم الدوافع التي تشكل هذا النمط قد يُسهِم في إزالة قوتها التدميرية.
قائمة المشتَبَه بهم الرئيسيَّين في طاقم التحكم: الأنظمة القمعية.
الأنظمة الخانقة (البيروقراطية).
الرؤساء المتنمِّرون.
(أ) المشتَبَه به الأول: الأنظمة القمعية

المافيا ذات الوعيد

صورة المافيا الإيطالية التقليدية — حيث الملابس الداكنة، والهيئة المخيفة ولهجة صقلية الثقيلة، وسمعتهم بارتكاب العنف ضد أي شخص يقف في طريقهم وبالإفلات دون عقاب — ساهمت في سهولة التعرف عليهم اليوم. وليس معروفًا تحديدًا أصل هذه المجموعة الإجرامية التي ظهرت في صقلية في منتصف القرن التاسع عشر خلال الفترة الانتقالية بين نهاية عهد الإقطاع، وضم صقلية إلى سيادة الدولة الإيطالية عام ????. في ظل النظام الإقطاعي، تَمَلَّكَت طبقة النبلاء معظم الأراضي، ولكنهم منذ عام ???? شرعوا في بيع أراضيهم أو تأجيرها للمواطنين الأفراد، وفي عام ???? ارتفع عدد ملاك الأراضي عشرة أضعاف، من ألفيْ مالك إلى عشرين ألفًا.11 وبدون موارد للشرطة لمتابعة العدد الهائل للنزاعات التي نشأت، انخرط محكمون وحماة مخالفون للقانون، ممن نظموا أنفسهم في نهاية المطاف في «جماعات مسلحة» أو في عشائر، في الأمر. ثم جندت العشائر — التي عرفت فيما بعد بالمافيا — مجرمين وقطَّاع طرق سابقين واعتمدت على العنف لفرض سيطرتها. وسرعان ما انخرطت في السياسة. وفي أوائل عام ????، توصَّل باحث الموروثات الشعبية جوزيبي بيتر إلى جوهر المافيا عندما كتب: «المافيا هي وعي المرء بقيمته الذاتية، وهو المفهوم المبالَغ فيه لقوة الفرد باعتباره الحكم الوحيد لكل نزاع، وكل صراع على مصالح أو أفكار.» ومثله مثل المافيا، يبذل طاقم التحكم في المؤسسات جهده لنيل السيطرة السياسية والحفاظ عليها حتى ينفِّذ برنامجه الخاص. وهذا النوع من التحكم يسحق الإبداع من خلال الإكراه الذي يَغرِس جذور الخوف.
يحتاج الابتكار في معظم الأحيان إلى أن ينبع من القمة حتى يَضمن بقاءه، أو يستلزم على الأقل بعض الدعم من القمة. وتحتاج الشركات المبتكرة إلى قادة مبتكرين. فأينما فرض القادة السيطرة السلبية والقسرية على فرقهم باستخدام أساليب القيادة الاستبدادية، عانت الثقة الإبداعية. فالقادة الذين يُبدُون شكوكهم دون دراسة الإمكانات الإبداعية للأفكار الوليدة، والذين لا يقرون بالجهود الإبداعية النابعة من الموظفين أو يقبلون بها، لا يثبطون الإبداع فقط بل يُطفِئون جَذْوَته حقيقةً. وخلال مؤتمر عُقِدَ في كارديف عام ????،12 نُودِيَ إلى حملة وطنية «للدفاع عن الإبداع الأكاديمي» من الهجمة الملحوظة للروتين المستحكم والمديرين المتنمِّرين. وحث المحاضرون فيه المشاركين على «مقاومة شعورهم بالعجز أمام المديرين المفعمين بالحماسة المفرطة وأمام متطلبات عملية المراجعة، ومؤشرات الأداء وأعمال تقييم الأبحاث. ورأوا ضرورة إعداد الموظفين من أجل «إزالة الحواجز» في بيئة العمل واتخاذ مجازفات إبداعية. وأهم من كل ذلك رعاية الأفكار الإبداعية حتى «تجد لها مأوًى»، كما يجب التسامح مع الأفكار السلبية أو الأخطاء في المقابل.» (ب) المشتَبَه به الثاني: البيروقراطية

قريبة المافيا المهذبة

يمكن وصف البيروقراطية على أنها القريبة المهذبة للمافيا التي ترعرعت في كنف النظام ولا تعرف سواه. إنها لا تتعمد إيذاء الآخرين، لكنها تعمل في إطار عالم متحكم من أنظمة وعمليات خانقة. ومثلها مثل مرضى الوسواس القهري تعاني من «الالتزام الصارم بالقواعد والأعراف الأخلاقية والتنظيم المبالغ فيه» بما في ذلك الانشغال المفرط بالتفاصيل والحقائق الدقيقة. كما تميل إلى اتباع اللوائح بلا هوادة، وإعداد القوائم والجداول الزمنية بلا توقف. فالبيروقراطية لا تعي قدر سيطرتها على العلاقات الشخصية على حساب المرونة وتفتُّح الذهن والكفاءة. وهي تظهر بوضوح في كل مكان في المؤسسات الكبيرة والقوية.
البيروقراطية مثل ذلك الرجل في العمل الذي لا يحبه أحد لكنَّ الجميع يعلم بوجوده. وهذا لا يعني أنها عدوانية أو شريرة، إنما هي حقًّا مملَّة ومتصلِّبة. وعندما ينظر المرء إلى عملها في نهاية الأمر، يرى أنها دسَّت أنفها في كل شيء لكنها لم تنتج أي شيء ذي قيمة على الإطلاق. وتقتل البيروقراطية الإبداع في صمت أحيانًا، فلا يدرك المرء أن الوقت الذي خصصه ليبتكر فيه قد ضاع في ملء الاستمارات. وأحيانًا تكون أكثر وضوحًا؛ حيث إن قواعد الصحة والسلامة المهنية لن تسمح لك بالاستمتاع بيوم عمل دون قيادة السيارة لأنها لن تسمح لك بإيقاف دراجتك في المكتب كي لا تتسبب في إصابة أحد.
وكشف الدكتور جيسون في تقرير الطب الشرعي أن الهياكل الصلبة لا تستوعب الابتكار أو تعدد الزوايا (وهي ببساطة تعني تنوع الأمور أو تعدد أبعادها)، فلا تجد المقترحات الابتكارية مكانًا محددًا تتجه إليه ولهذا لا تجد من يقترحها من الأساس. أما الهياكل السلسة على الجانب الآخر، فتسمح بتعدد الأبعاد وتوفر فرصًا للالتقاء والتعاون. وفي نفس الوقت، قد تؤدي الحرية المفرطة إلى عدم النظام؛ لذلك من المهم أن نعثر على مركز الاتزان الدقيق والمثالي بين المرونة والقوة.
عُرِّفت البيروقراطية على أنها «مكتب يسير بخطًى بطيئة». وبينما تضمن الأنظمة الصارمة في محل العمل الاستقرار، فإن ذلك لا يَعني أنها تشجع على الإبداع بالضرورة. فالشكليات التي تحرِّكها الإرادة السياسية قد تبطئ التفكير الإبداعي في المؤسسة وتقيده.13 ولإنتاج الأفكار المبتكرة، يتعيَّن على المبدعين من المهنيين العمل في أنظمة تقدر التعاون القائم على الحيادية وغير المشروط.14 قبل مائة سنة كان للبيروقراطية مدلول إيجابي؛15 إذ صُممت لتحل محل الممارسات الاستبدادية للسلطة على يد الأنظمة القمعية. لكن لسخرية القدر، سرعان ما تحوَّلت إلى نظام مقيِّد في ذاته. وفي كتاب «إنجاح البيروقراطية»، يصف المؤلف مايكل بالي البيروقراطية بأنها: «الطريقة الوحيدة المتَّبعة لتنسيق أعداد هائلة من الناس للتعامل مع مشكلات ضخمة.» لكنه أيضًا يوضح الحاجة إلى إضفاء المرونة على البيروقراطية عبر معرفة مكان وزمان تغيير القواعد بدلًا من مجرد التقيُّد بها. فيسأل بالي: «لماذا تحمل البيروقراطية هذه السمعة السيئة؟ هل هو شيء في البيروقراطية ذاتها؟ أم هي أشباح أخرى في النظام تساهم في تحويل الكفاءة إلى روتين عبر ملايين التغيرات البطيئة؟» ويؤمن بالي بأن البيروقراطية مثلها مثل أي أداة أخرى تقاس كفاءتها وفقًا للناس الذين يستخدمونها، وإذا كان لدى المستخدمين أجندات محددة مسبقًا فحتمًا ستخرج النتائج متحيزة.16 تصبح الأنظمة قمعية عبر القيادة الاستبدادية، كما أنها تتصلب إذا لم تتجدد وتُحَدَّثْ كل حين. وللأسف دائمًا ما يضع هدف الربح ضغوطًا خارجية على المؤسسة وعلى الأفراد، لكن هذا المطلب عليه أن يكون متوازنًا بعناية مع الحاجة إلى حرية الفكر كي تبدع.
(?) المشتَبَه به الثالث: القيادة المتنمرة

التنمر والمحصلة النهائية

المدير المتنمر قريبٌ — ليس بعيد الصلة — لزعيم المافيا الذي يرغب في التحكم. وقد وُجد أن المدير المتنمر لا يجسِّد نمط قيادة مميزًا فحسب، بل يبدو أنه يُظهر كذلك مجموعة متباينة من اضطرابات الشخصية. فعندما أُخضِع مديرون تنفيذيون بريطانيون ومرضى نفسيون مجرمون لاختبارات متطابقة للشخصية، أظهرت النتائج أن ثلاثة من اضطرابات الشخصية كانت أكثر شيوعًا بين المديرين التنفيذيين منها في المجرمين المختلين.17،?18 وكان الفارق الرئيسي بين المجرمين والمديرين التنفيذيين — كما انتهت إلى ذلك النتائج — أن المديرين التنفيذيين سيكوباتيون ناجحون،19 بينما المجرمون غير ناجحين! وكانت الاضطرابات التي وجدت النتائج أنها أكثر شيوعًا بين المديرين التنفيذيين هي: اضطراب الشخصية التمثيلية: يشمل الشخصيات ذات الجاذبية السطحية، والمنافقة، والأنانية، والمتلاعبة.
اضطراب الشخصية النرجسية: يشمل الشخصيات المهووسة بالعظمة، والشخصيات التي ينصبُّ اهتمامها بنفسها دون مراعاة للآخرين، والشخصيات التي تستغلُّ الآخرين، والشخصيات ذات الحس العالي بالفردية.
اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية: يشمل الشخصيات التي تسعى للكمال، والشخصيات التي تُفْرِط في التفاني في العمل، والشخصيات الصلبة، وذات الميول التعنُّتية والديكتاتورية.
وكشفت الاختبارات صفاتٍ أخرى شائعة فيما بين المديرين التنفيذيين «السيكوباتيين الناجحين»، وهي اضطرابات التحكم في الغضب والحس غير السوي في الحقيقة.20 يشعر العديد من المتنمِّرين بعدم الأهلية ويجدون صعوبات في التواصل مع الآخرين، وغالبًا ما تنعكس هذه الصفات بأسلوب غير لائق. ووُجد أيضًا أن النزعات النرجسية تصاحب دوافع التنمر والشعور بالرضا لمشاهدة معاناة الآخرين.21 هل يبدو الأمر مألوفًا لك؟ خلصت الاختبارات إلى أن غلبة هذه الصفات لدى المديرين التنفيذيين فسَّرت سبب عدم قدرة العديد من الرؤساء المتنمرين على تحديد مشكلاتهم في القيادة، وأنه نادرًا ما تكون لديهم الرغبة أو القدرة على تغيير سلوكهم إذا لفت أحد الأشخاص نظرهم إلى تعنُّتهم. كما أنهم لا شعور لديهم على الأرجح بأي ندم أو ذنب.22 وصلت نسبة السيكوباتيين بين المديرين إلى واحد من كل خمسة وعشرين23 كما زادت نسبة الأمراض النفسية بين مديري الشركات (وهو ما يُعرف باسم «الجنون بلا هذيان»)24 أربعة أضعاف نسبتها بين العامة. وباستخدام لغة المجال المالي، فإن تكلفة التنمُّر قد تكلِّف مؤسسة مكونة من ???? عامل قرابة ?,? مليون دولار أمريكي، على أساس التكاليف المصاحبة لاستبدال الأفراد المتضررين من التنمر، وهذا المبلغ لا يشمل تكلفة أي نزاعات قضائية قد تنشأ ضد المؤسسة.25 وبانتشار التنمر في الشركات، أصبح الأمر قضية شائعة في وسائل الإعلام.26،?27 في الوقت الذي يمثل فيه التحرش الجنسي والازدراء العنصري مرشَّحَين واضحين لقائمة المطلوبين للعدالة، تمكَّن التنمر حتى الآن من أن يُفلِت من الانتباه، ربما لأن له شخصية مخادعة تتخطَّى الحدود عندما لا يكون هناك شخص مهم يتابع. فبمقدوره أن يكون مثل القنَّاص الذي ينقضُّ على ضحاياه عندما لا يكون هناك شخص آخر بالجوار. ويزداد المدير المتنمر قوةً سرًّا، حيثما يكون الأفراد أكثر خوفًا من أن يجهروا بالقول. ومع أن عديدين يشتكون من هذا القاتل، تجرَّأ بضعة أشخاص فقط على مناقشة المشكلات في حضوره.
وكشفت إحدى استطلاعات الرأي المؤثرة حول سياسات المكاتب28 عن زيادة واضحة في نمط «المدير المتطفِّل العدواني». وأوضح قرابة ثلث المشاركين أنهم يرغبون في تغيير وظائفهم لأن مديريهم المتنمرين لا يمنحونهم أي استقلالية في العمل. ورأى ??? من المشاركين أن معدلات التنمر في محل العمل تأخذ في الازدياد بصفة عامة، وقال ??? إن التنمر قد يتصاعد إلى صراع؛ بينما تعرَّض نحو ?? منهم لإيذاء جسدي فعلي، وعانى قرابة ??? من المضايقة اللفظية، وشعر بالقهر حوالي ??? من المشاركين في الاستطلاع بسبب ثقافة ساعات العمل المطولة القسرية أو بسبب «استبعادهم» أو «تهميشهم» عمدًا. أما الأعراض الأخرى لهذه الثقافة، فهي «أساليب التعامل الفظة» و«النقد الجارح بلا سبب» و«ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين» بالإضافة إلى من يحصد ما زرعه زميله من أعمال. قد ينشئ المديرون المتنمِّرون بيئات عمل: قسرية.
رجعية.
ذمَّامة.
وهذه البيئات قد تخلق عقلية الصراع من أجل البقاء بالإضافة إلى الثقافات التالية: الخوف.
القلق.
الغضب.
حماية الذات.
قلة الحيلة.
في بيئة العمل العدائية، يعمُّ التخريب المهني. فالموظفون الذين يشعرون بأنهم مسلوبو الحيلة، ويشعرون أنهم واقعون تحت ضغط شديد ويفتقرون إلى الدعم للتعامل مع هذا الضغط، غالبًا ما يردون الصفعة بأساليب خفية وتخريبية. وفي مثل هذه البيئة السلبية، لا مجال أو حافز للتفكير الإبداعي. وتقول متخصصة علمِ النفس المهني بيفرلي ستون في مقال في صحيفة الجارديان: «إن إتمام أعمال متأخرة بجودة قليلة، أو التظاهر بالمرض عندما تشتدُّ الحاجة إليك أو التمسك بالروتين حتى لا تُنجز هذه المهام كما ينبغي هي ثلاثة أشكال شائعة للتخريب المهني.»29 يميل المديرون المتنمرون أيضًا إلى خلق بيئات عمل تنافسية وقد تكون مدمرة أيضًا. فحينما تشجع المنافسة بين الموظفين فتشتعل حماستهم بالحوافز الفردية على حساب تنمية ثقافة تعاونية، يُدَمَّر الإبداع التعاوني الذي يزدهر في البيئات المنفتحة التي تتقبَّل الآخرين. وتبرُز «نظرية التنافس» هذه في عدد كبير من المؤسسات اليوم،30 وبالفعل اتَّضح أن أكثر من ثلاثة أرباع المديرين التنفيذيين الذين يسوء مستوى أدائهم يَنْصِبُون شباك الفشل لخلفائهم أو يتعمَّدون اختيار خلفاء ضعاف للحفاظ على سمعتهم.31 كما يستطيع المديرون إخماد الإبداع بفاعلية عندما لا يقرون بالجهود الإبداعية التي يبذلها الموظفون. ويحدث ذلك من خلال عدم تشجيع الأفكار الإبداعية، وكذلك من خلال الحرص على إبداء الامتعاض أو التشكيك في الأفكار دون موازنة معقولة بالدعم والتقييمات الإيجابية.32 وأخيرًا إذا ثبتت صحة كلِّ هذه الأبحاث في نهاية المطاف، يبقى السؤال: «لماذا هذا العدد الكبير من المديرين السيكوباتيين؟» في حاجة ماسة إلى الإجابة. فلا يمكن أن يكون كل البشر سيكوباتيين؛ لذا فالمنطق يحتِّم علينا التفكر في ثلاث إجابات لهذا السؤال: ينجذب السيكوباتيون إلى مناصب السلطة داخل الشركات.
يُصمَّم النظام المؤسسي بطريقة تحوِّل الأشخاص العاديين إلى سيكوباتيين أو على الأقل يحفِّز ويطوِّر أسوأ الخصال فيهم.
يُؤسَّس النظام على هذا النحو فيسمح بترقية من يطأ رأس زميله (مجازًا ليس حرفيًّا، كما نأمل).
إننا نُؤْمن أن الإجابات الثلاث سليمة، لكن الجرم الأساسي هو الإجابة الثالثة؛ فإذا كنت على استعداد أن تتصرَّف بقسوة وخداع، وتتقن إظهار عكس ذلك، فستتمكن من المضي قدمًا في ثقافات الشركات، وهذا الأمر في غاية الخطورة ومن الصعب جدًّا تغييره.
عند وفاة زعيم المافيا أو تقاعده من منصبه القيادي، غالبًا ما تذهب معه سمعة عشيرته أو «عائلته». فتحظى العشيرة بفرصة أكبر للبقاء إذا كان هناك قادة أقوياء محتملون داخل الصفوف. لكن طاقم التحكم لن يحظى بهذه القبضة المحكمة دون تحالف وثيق مع جماعة أخرى في العائلة من المقربين؛ وهي عائلة الخوف التي تتمكَّن من تولِّي زمام الأمور بسهولة في الوقت الذي يُفقد فيه التحكم …
تقرير المحقق

هل قابلت نمط القمع هذا في حيِّك أو في محلِّ عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• الأنظمة المؤسَّسِيَّة الخانقة. • الاهتمام بالتفاصيل البيروقراطية بدلًا من النتائج المبنية على القيمة. • القيادة التعسفية بدلًا من الديمقراطية. • نزعة نحو الهيمنة. • الحرية المقيَّدة.
أثره على الضحايا:
• انعدام الثقة. • انحدار تقدير الذات. • الاستكانة، أو الميل إلى الاستسلام أو التنازل بسهولة.
(?-?) نمط القتل الثاني: عائلة الخوف

المشتَبَه بهم الذين ينطبق عليهم هذا النمط قد يبدون بمظهر أليف، لكنهم في واقع الأمر قَتَلَة صامتون وفتَّاكون. وغالبًا ما تنشأ عائلة الخوف وتترعرع في كنف المتحكمين، كما تبقى قريبة إلى جوارهم أغلبَ الوقت، وما يحرِّك عائلة الخوف في المقام الأول هو الحاجة للأمان. وغالبًا ما تتمكَّن عائلة الخوف من ضحاياها باستخدام الذعر حينما يشعر الضحايا بالضغط الشديد فيغرقون تحت وطأة القلق المُفْرِط. ويشعر الضحايا عادة بالذُّعْر لدرجة تمنعهم من المجازفة بالخروج والمبادرة بإنقاذ أنفسهم. ولافتقادهم القدرة على مقاومة القلق، فهم يغرقون فيه بسهولة. ويمكن أن تتضمَّن اضطرابات الشخصية ذات الصلة: الوسواس القهري، والشخصية التجنُّبية، والشخصية الانهزامية، والقلق العام، والرهاب. والسلاح المفضل لعائلة الخوف هو «الإرهاب المُطْبِق».
فرانكلين روزفلت والعراب

أولًا وقبل كل شيء، اسمحوا لي أن أؤكد على إيماني الراسخ بأن الشيء الوحيد الذي يجب أن نخاف منه هو الخوف نفسه؛ ذلك الرعب غير الواضح وغير العقلاني وغير المبرر الذي يشلُّ الجهود اللازمة لتحويل التراجع إلى تقدم.33 الرجل الذي تكلَّم بهذه الكلمات — وهو فرانكلين روزفلت — عرف كيف يمكن للخوف أن يُصيب بالإعاقة. أصيب روزفلت بشلل الأطفال وهو في التاسعة والثلاثين من عمره وفَقَدَ القدرة على استخدام ساقيه، وواصل روزفلت محاولة تحقيق طموحه السياسي بإرادة حديدية. وقد ذكرت زوجته، إلينور: «أعلم أنه انتابه خوف حقيقي في بداية مرضه، لكنه تعلَّم أن يتغلَّب عليه. وبعدها لم أسمعه قط يقول إنه يخاف أي شيء.»
وأثناء ولاية روزفلت كرئيس، كان مسئولًا عن قيادة الولايات المتحدة في مرحلة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخها، وهي الفترة التي شهدت الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية. وفي خطاب تنصيبه الأول عام ????، دعا شعبه لمواجهة أكبر مخاوفه. فواجه روزفلت الكوارث الاقتصادية الضخمة والتوقعات السيئة التي تلت، ووحَّد أمته بخطاب ملهم تضمَّن العبارة الخالدة السالفة الذكر، وكلمات تنمُّ عن التحدي ترددت أصداؤها عبر الأجيال. وقد اتخذ روزفلت نهجًا تكتيكيًّا ثابتًا وقت الحرب وطبَّق سياسة خارجية واضحة بصفته زعيم حرب عام ????. وبعد انتهاء الحرب، لم يتخلَّ روزفلت عن أَمَلِه القوي بقدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على السلام بالتعاون مع حلفاء الحرب السابقين. وإنجازاته تذكِّرنا بأنه «ليس هناك شيء لنخشاه سوى الخوف نفسه.»
الخوف هو عراب عصابة القتلة،34 وهو ما يسيِّر كافة القتلة الآخرين أمامه. فحيثما تربَّص الخوف، فمن المستحيل أن تَمضي قدمًا بثقة، وبدون الثقة لن يكون هناك أي تقدم. والأشخاص الذين يفتقرون إلى الثقة يميلون إلى التمسك بالروتين نفسه واتباع الأساليب نفسها؛ لأن هذا الأمر يجلب عليهم مشاعر الأمن والأمان. فبدلًا من المجازفة والاستعداد للخروج من المنطقة التي تبعث عليهم الشعور بالاطمئنان، يلتزم هؤلاء بكل ما هو آمن، ومن ثم يفوِّتون على أنفسهم فُرَص توسيع مداركهم وتغذية تجاربهم؛ أي فرص أن يصيروا أكثرَ إبداعًا. ويرتبط انعدام الثقة أيضًا بالقلق والخوف من الفشل الذي حتمًا يخمد الإبداع في نهاية المطاف مثله مثل الإجهاد. وبالطبع تتأثَّر مستويات الثقة بالعديد من العوامل المذكورة هنا، بما في ذلك أساليب القيادة الاستبدادية والأنظمة القمعية. إذن، تحتاج معالجة مشكلات عدم الشعور بالأمان أن تسير بالتوازي مع معالجة هذه القضايا الأخرى. عندما نعيش في خوف مستمر، نكون معرَّضين لخطر الإصابة بالقلق العام وانعدام الشعور بالأمان؛ مما يؤدي بدوره إلى عرقلة الإبداع. حتى الخوف المحسوس (غير الحقيقي) يمكن أن يكون معرقِلًا. فقد اتَّضح — على سبيل المثال — أن صياغة المشكلة بطريقة مختلفة قد يُخَلِّف أثرًا آخر، حتى إذا بقيت الأوضاع والحقائق كما هي.35 فالخوف يقتل الإبداع عبر غمر الأفراد باستمرار تحت الضغط؛ فيُضطرون إلى النضال حتى يتمكنوا من الطفو، وكلما زاد نضالهم أسرع غرقهم. وفي الماء، لا يستغرق الأمر سوى ثلاث دقائق لتغرق بمجرد أن تبدأ باستنشاق الماء بدلًا من الهواء. وبنفس الحال، يُمكِنُنَا الاستسلام للخوف والتسليم لقوته بسرعة كبيرة، وكلما تخبَّطنا وأطلقنا صرخات واهنة أو غير مسموعة للنجدة في أكثر من هيئة، استسلمنا للخوف أسرع ورضخنا للضغوط الخارجية التي سمحتْ للخوف بالتحكم. إن تزايد الافتقار إلى الشعور بالأمان فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي الحالي يؤدي إلى وجود «قِدْر ضغط مِلْؤُه التوتر» في العديد من محالِّ العمل؛36 لذا، من المهم معالجة هذا النمط من أنماط القتل بصراحة وبصورة مباشرة. قائمة المشتَبَه بهم في عائلة الخوف: الخوف من الفشل.
الخوف من المجازفة.
الخوف من المجهول.
(أ) المشتَبَه به الأول: الخوف من الفشل

ارتكاب الخطأ ذي المليون دولار

إنه الطاغية الغاشم الذي يخيف أكثر الناس بسالة، وهذا المجرم المعروف يترعرع على الخوف من تجربة الأفكار الجديدة والخوف من احتمالية الفشل. ويقول دكتور جيسون إن الأفراد المبدعين عليهم أن يتَّسِموا بالمرونة، إذا واجههم الرفض، والاكتفاء الذاتي وتقوية الذات. والسِّيَر الذاتية لكبار الفنانين وكبار العلماء تبدأ تقريبًا دائمًا بفترة طويلة من عدم الاعتراف بهم. وهذا عامل مهمٌّ يستبعد كثيرًا من الناس من أن يكونوا مبدعين إنتاجيًّا. فالتغلب على الشعور بعدم الأمان حيال الإبداع هو لأصحاب القلوب الجريئة.
النجاح مصدر دعم عظيم، لكنه تجربة تعلُّم رديئة. فأنا أفضِّل اقتحام رأس الرياضي الذي فشل وعاد مرة ثانية عن ذلك الذي تُوِّج بالنجاح.
إدوارد دي بونو37 ألهمت الصدفة العديد من الاختراعات (منتجات شركة ثري إم سكوتشجارد38 مثال شهير على ذلك) أو جاءت هذه الاختراعات نتيجة للأشخاص الذين يستخدمون الفشل كفرصة للتعلم؛ أي الأشخاص الذين لا يخشون الفشل وكانوا على استعداد للنهوض مرة أخرى والمحاولة مرارًا وتكرارًا. انظر في أمثلة الفشل وتصحيح الأهداف التالية: إذا انحرفت سفينة عن مسارها فهي لا «تفشل» ببساطة؛ إذ يدرك الربان أنه بحاجة إلى تصحيحٍ لإعادة السفينة إلى مسارها. إذن فلغة المؤسسة حول «الفشل» أمر في غاية الأهمية للإبداع.
مصرف إيج، ومقره في المملكة المتحدة، خاطَرَ بالفشل حينما حاول أن يكون مُفْرِطَ الابتكار. تأسَّس مصرف إيج عام ???? — وكان تابعًا فيما سبق لمصرف برودنشال بانكينج العام المحدود — كأول مصرف في العالم يعتمد على الإنترنت بنسبة مائة في المائة. ويتخصص مصرف إيج في الادخار وبطاقات الائتمان والقروض لكنه أيضًا يقدِّم الرهن العقاري وبرامج التأمين، وكانت تدار حساباته عبر الإنترنت أو عبر مركز الاتصال فقط. وفي عام ????، باع برودنشال مصرف إيج لمجموعة سيتي جروب مقابل ??? مليون جنيه استرليني.39
قد يكون الفشل في الواقع محمودًا في شركة مثل ثري إم. فهناك وقعت قصة ربما تكون مشكوكًا في صحتها؛ إذ عندما ارتكب موظف خطأً فادحًا كلَّف الشركة مليون دولار، سُئل رئيسه إذا كان سيطرده، فأجاب: «أطرده؟ لقد اكتسبنا للتوِّ تجربة تعلُّم قيمتها مليون دولار!» لن يكون جميع المديرين متسامحين هكذا؛ إلا أن المؤسسات التي تأخذ الإبداع على محمل الجد قد تكون كذلك، في حالة إذا كانت النوايا والمناهج إيجابية.
ونظريًّا، من المهم إدراك قيمة «الفشل المبكر والمتكرر» في عملية اختبار المنتَج وتنقيحه. فالاعتراف بالفشل هو عنصر مهم من عملية الشفافية لرؤية الأخطاء وتصحيحها عند حدوثها. لكن يقال لنا الآن إن هناك أنواعًا معينة فقط من الفشل يمكن تحمُّلها. دعونا لا نُغفل أنه يجب علينا ضمان أن إخفاقاتنا لن تؤثر سلبًا على الآخرين أو على خط سير الأعمال، كلما أمكن الأمر، وعلينا أن نتحلَّى بالأمانة عند التعامل مع العواقب المحتملة للسماح بوقوع الفشل. ويقول المصمم جيمر هانت: «أيُّ شخص مرَّ بتجربة فشل قصمت ظهره، يعلم كم هي قبيحة ومؤلمة ومدمِّرة جسديًّا، فهي تطاردك على فراشك عندما لا تقدر على النوم في منتصف الليل وتهدِّد العلاقات الراسخة القيِّمة. فقد يتجنبك عملاؤك، ويفقد من يدعمونك الثقة فيك، وبعدها تبدأ مرحلة مطولة وأحيانًا مهلكة من الشك في قدراتك.»40 إنَّ إنتاج النماذج الأولية من الأعمال هي طريقة يمكن أن يكون الفشل خلالها مثمرًا. فهذه العملية تسمح باختبار المناهج الجديدة وتجربتها دون التعرُّض لمخاطر وآثار فشل كبير وغير مقيَّد. فالوقوع في إخفاقات صغيرة بسرعة قد يؤدِّي إلى التطور الإيجابي من خلال ضمان وجود سلسلة من التحسينات الإضافية. أما بالنسبة للمساهمين، فتقبُّلهم للتصميمات قد يتطلَّب قبول الفشل الذريع كنتيجة طبيعية للنجاح الساحق. فحتى بعد الوقوع في فشل كبير، يكون التعافي نتيجة رائعة للمجازفة المبدئية.41 ولاستيعاب أهمية تقبُّل الفشل، انظر إلى مُنْتَجَيْنِ من منتجات شركة أبل نسيناهما منذ فترة طويلة، وكذلك الدور الذي لعباه في تاريخ الابتكار. فلم تتمكَّن شركة أبل من الاحتفاء بالنجاح المبهر لجهاز الكمبيوتر الشخصي ماكنتوش إلا بعد الفشل الذريع لجهاز أبل، ليزا، الذي سبق ماكنتوش. وعلى الأرجح يتساءل الكثير منكم ما هذا الليزا؛ إنه المُنْتَج الذي تلاشى في غياهب النسيان، إذ كان باهظ الثمن وبطيئًا؛ مما أعطى شركة أبل درسًا لن تنساه. كما كان لأبل فشل منسيٌّ آخر في المساعد الرقمي الشخصي نيوتن، وهو أول منصات الأجهزة اللوحية، لكن هذا الفشل أعقبه جهاز آي باد. إذن هل كانت التكلفة مجدية؟ بالطبع كانت كذلك!
وركزت حملة دعائية جديدة لشركة أبل على حقيقة أن الأشخاص المبدعين البواسل على استعداد للمجازفة بالفشل. فشعار أبل هو «الفشل بذكاء»؛ إذ وُلد الماكنتوش من حطام الليزا، وتلا الآي فون ذو الشعبية الكبيرة إخفاق الهاتف الموسيقي الأول لأبل الذي أُنتِج بالتعاون مع شركة موتورولا. وفي المرتين تعلمت أبل من أخطائها وكررت المحاولة. فتقوم أجهزتها الحديثة على التكنولوجيا التي طوَّرتها شركة نيكست، وهي شركة أسسها ستيف جوبز في ثمانينيات القرن العشرين وباءت بالفشل، فحازت ملكيتَها أبل بعد ذلك. والدرس الأشمل الذي نتعلَّمه من ذلك هو ألا نشجُب الفشل بل نتعلَّم منه.
يقول المضارب المحترف وعالم الرياضيات نسيم طالب إن دُورَ النشر غالبًا ما تُصْدِرُ كُتبًا تحقِّق مبيعات ضعيفة وتُخسرهم الأموال قبل الانفراجة الكبيرة التالية لهم. وتبقى دور النشر في عملها في إنتاج الكتب مهما كانت النتائج، إلا أنَّها تسعى إلى العثور على سلسلة روايات توايلايت أو هاري بوتر القادمة لنشرها. فتسعى إلى إصدار كتاب يحقِّق مبيعات قياسية، وعندها تصبح كل الخسائر السابقة لها منسية أو قليلة الأهمية.42 يحدد عالم الاقتصاد تيم هارفورد موضوعات جوهرية تقوم على الإخفاقات الآمنة، وهي ما يسميها ? «مبادئ بالشينسكي»؛ أولًا: ابحثْ عن أفكار جديدة وجرب أمورًا جديدة؛ ثانيًا: عند تجربة أمر جديد، جرِّبه وفقًا لمعيار يتقبَّل الفشل؛ وثالثًا: اسعَ وراء التقييم وتعلَّم من الأخطاء على مدى الطريق.43 إنَّ الفشل المقنَّع قد يكون خطيرًا أيضًا. ورغم أن كثيرًا من الناس ينبهرون بمهارة الرابحين الكبار في الأسواق المالية وموهبتهم الواضحتين، فالواقع هو أن أغنى المتعاملين في سوق الأسهم في وول ستريت هم أكثر الناس عُرضةً للفشل في أي وقت نتيجة لسلوكياتهم المجازِفة «الإبداعية» الخطرة.44 وعندما يفشل هؤلاء أو كما يقال «عندما يسقطون» يحلُّ محلهم بسرعة متعاملون شغوفون جدد؛ مما يخفي حقيقة أنه وقع إخفاق كبير، وأن «النجم» السابق قد «أفل» الآن. فهذا التركيز على أصحاب الإنجازات الكبيرة وهُمْ في قمة نجاحهم وليس خلال حياتهم المهنية بأسرها يشوِّه بصيرتنا نحو الذين ينبغي أن نتطلَّع إليهم ونَقِيس أنفسنا بهم. ولإزالة عنصر الخوف من الفشل، علينا أن نتعرَّف عليه ونتعامل معه. (ب) المشتَبَه به الثاني: الخوف من المجازفة

الثائرون على المعتقدات التقليدية في مقابل المصابين بالرهاب

إنَّ القدرة الصبيانية على المُجازفة والمخاطرة بوقوع الفشل، دون خوف قد تؤدِّي إلى الابتكار الناجح. ويتطلَّب الابتكار خرق طرق التفكير والتصرف المعتادة؛ إذ إن المبدعين ثوَّارٌ على التقاليد؛ فهم أناس يَكسِرون القواعد. كلنا نبدأ ثوارًا في طفولتنا المبكرة، فنفعل ما يحلو لنا ونَخْرِق «القواعد» دون أن نشعر، إلى أن يفسِّر أحدهم القواعد لنا ويُرَبِّينا تربية مجتمعية على السلوك المقبول.45 وفي مقطع الفيديو المدرسي بعنوان Hands Up، أو «ارفع يديك»، الخاص بنا، لاحظ المعلم أنطوني لينون أن «الأطفال لا خوف لديهم؛ هم فقط يستفزُّونك، غير قلقين بما قد يحدث بعد ذلك.»46 قد تتخيَّل أن القواعد هي جزء من اللعبة في مجال العمل، وأنه يجب أن تتقبَّلها على حالها، إلا أن عالم النفس ورائد الأعمال روجر شانك يتحدى هذا المفهوم، معللًا ذلك بأن الرغبة في المجازفة والفشل أمر أساسي للابتكار. ورغم أن أغلب المؤسسات الكبيرة تُحْجِم عن المخاطر — أي كما يقول إن «وول ستريت تكره المجازفة» — فالمؤسسات التي تسمح بالابتكار والفشل هي أكثرها تقدمًا.47 وعلى أرض الواقع في الأعمال الاقتصادية، يخشى العديد من الناس خسارة وظائفهم، ومن ثَمَّ لا يجازفون إلا قليلًا. وفي بعض الأحيان يخشى الناس من تقديم أفكار إبداعية في المواقف الجماعية أو يخشون عرضها على آخرين في المؤسسة خوفًا من أن تُقابل بالرفض أو الازدراء. لكنَّ بناء الثقة الكافية للخروج والمجازفة هو الفيصل بين النجاح والفشل على المدى الطويل.
(?) المشتَبَه به الثالث: الخوف من المجهول

الخوف المجرد

في البداية، كانت وحوشنا ومخاوفنا تأتي في الليل، حين لم نكن نعلم ما يقبع في الظلام وراء أراضي بيتنا. وفي الوقت الذي كانت فيه الغابة لا تزال لغزًا، كانت مخاوفنا تقبع في أعماق الغابة، وما إن فهمنا الأرض حتى انتقلت إلى المحيطات، والآن بعد أن ركبنا البحار انتقلت وحوشنا ومخاوفنا منها إلى الفضاء الخارجي وما هو خارق للطبيعة.
لطالما خَشِينا ما جَهِلْناه. وطبعًا أنت لا تعرف ما تجهله، وقد يتجنب العديد من الناس المجازفة إذا تصوروا أنها قد تأتي بنتيجة سلبية. ولقد استحضرت الأحوال الاقتصادية الحالية مخاوف غير اعتيادية وغالبًا غير معقولة داخل الفرد، مما كان له عظيم الأثر على ظروف محل العمل وثقافته. تقول جين كلارك، وهي مديرة شركة استشارات علم النفس المهني؛ نيكولسن ماكبرايد: «مستوى العدائية الحالي في العمل يعكس الخوف المجرد من المستقبل، ويعكس اعتقاد العاملين بأنه مهما أكدت الشركات أنه لن يكون هناك المزيد من تسريح العمال، فإن الفأس ستستمر في الاجتزاز.» فكلارك تؤمن أن قسوة بيئة العمل اليوم تتناقض صراحةً مع رؤية الشركة المعرب عنها بوضوح والتي تطالب بوضع حقوق الموظفين والعمل الجماعي في قلب فلسفة أعمالها.48 منذ عام ???? بدأت صحة روزفلت في التدهور. وبحلول عام ????، عندما بلغ الثانية والستين من العمر، انتكست صحته انتكاسًا حادًّا، وكشفت التحاليل أن إجهادات جسده بسبب طريقة تعامله مع الشلل الذي أصيب به، وإجهاد العمل، وسنوات التدخين قد قضت عليه تمامًا. وفي عصر يوم ?? أبريل عام ????، قال روزفلت لكبير خدمه: «أشعر بألم مريع في مؤخرة رأسي.» قبل أن ينهار على كرسيه فاقدًا الوعي. ومات بعدها بفترة وجيزة بسبب سكتة دماغية؛ أي نزيف حادٍّ في المخ. فالرجل الذي لم يُظْهِرْ أيَّ خوف خلال فترة قيادته الطويلة، والذي تحمَّل بشجاعة بالغة الحملَ الإضافي لعجزه، هزمه الضغط أخيرًا، وهو القاتل التالي في قائمة المشتَبَه بهم.
لا تخف من اللصوص أو القتلة؛ فهم أخطار خارجية، أخطار تافهة. ينبغي أن نخشى من أنفسنا … المخاطر الكبيرة توجد بداخلنا، لماذا نقلق مما يهدد رءوسنا وجيوبنا؟
فلنفكِّر أولًا فيما يهدد أرواحنا.
فيكتور هوجوتقرير المحقق

هل قابلت نمط الخوف هذا في حيِّك أو في محل عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• قمع الثقة في تجربة أشياء جديدة. • عدم القدرة على المجازفات.
أثره على الضحايا:
• الذعر: عدم القدرة على التفكير في الخيارات بوضوح وبإبداع. • الشلل: عدم القدرة على اتخاذ أيِّ تصرف. • النزعة إلى الهروب من التحديات.
(?) المرحلة الثانية: التقييد – استخدام الضغط والعزل لتقييد الأفكار

المرحلة الثانية من عملية القتل تقيِّد التفكير وتتضمَّن «جماعة الضغط»، وهم القتلة الذين يُدخِلون التوتر والإجهاد غير المبرَّرين إلى بيئة العمل، و«زمرة العزل»، وهم القتلة الذين يعزلون ضحيتهم ويحاصرونها.
(?-?) نمط القتل الثالث: جماعة الضغط

أولئك الذين يجسدون هذا النمط يحركهم بناء التوقعات غير الواقعية والضغط على ضحاياهم إلى أقصى حد. ومع الوتيرة المتسارعة للحياة والزيادة الكبيرة في سرعة الاتصالات، يظهر نمط الضغط في كل مكان في المجتمع. ويقضي هذا القاتل الجذاب على ضحاياه عبر وضع قبضته الخانقة على أعناق التوقعات، سواء الواقعية أو المتخيَّلة. وأُولَى الإشارات الدالة على أن القاتل ينتمي لهذا النمط في العمل هي الشعور بالإجهاد، وهو ما كشف عنه نطاق واسع من الأعراض الجسدية والنفسية التي قد تَكُون قاتلة. إن قبضته المتينة على ضحاياه غالبًا ما تُصيبهم بالهلع وتشلُّ حركتهم، وتستنفد طاقتهم، وتسلب منهم الوقت لإنقاذ أنفسهم باستراتيجيات إبداعية، فيختنقون في نهاية المطاف. والاضطرابات الشخصية المرتبطة بهم هي: التمثيلية والشخصية الحدية والمُدمنة. وسلاحهم المفضل هو «الإجهاد الخانق».
انتحار نجم الروك والموت اختناقًا

مات مايكل هاتشينس — المغني الرئيسي الجذاب لفريق إن-إكسيس الذي لاقى نجاحًا عالميًّا — ميتة جديرة بأن تُذكر في الصحف الصفراء، تمامًا كما عاش حياة مثيرة. ففي عام ????، عُثِرَ على مغنِّي الروك الشهواني ذي السبعة والثلاثين عامًا معلَّقًا بمشنقة صنعها بيديه في فندق ريتز كارلتون في سيدني. وترددت الشائعات وقتها أنه كان يحاول منع دخول الأكسجين إلى دماغه عمدًا لغرض الاستثارة الجنسية؛ وهو سلوك يُعرَف طبيًّا باسم الاختناق الجنسي الذاتي. فعندما ينقبض الشريانان الرئيسيَّان على جانبي الرقبة (الشريانان السباتيان)، ينتج عن ذلك انخفاض في كمية الأكسجين التي تصل إلى المخ؛ مما يحفز حالة من الصفاء شبيهة بالهلوسة تسمى نقص التأكسج. ويُقال إن هذه «الهجمة» من الهلوسة — بالإضافة إلى نسبة الدوبامين المرتفعة التي ينتجها الإرجاز الجنسي — شديدة الإمتاع؛ ولذا تسبب إدمانها، ولا يختلف تأثيرها عن تأثير بعض المخدِّرات القوية.
إذا كانت الإشاعات صحيحة، وإذا كان مايكل هاتشينس بالفعل رحل عن هذا العالم ساعيًا وراء رغبة نهمة للمتعة الجنسية، إذن لم يكن هو الأول، وللأسف لن يكون الأخير الذي يخطو ذلك الدرب. فهي غريزة يبدو أننا نتشارك فيها مع الحيوانات الأخرى. وفي واحدة من التجارب الشهيرة، وُصِّلت فئران بأسلاك كي تتلقَّى إرجازًا كل مرة تضغط فيها على رافعة،49،?50 فالفئران التي اكتشفت المتعة التي قد تجلبها الرافعة أدمنت الحصول على مكافأة الدوبامين، فبدأت تهمل رعاية احتياجاتها الفسيولوجية وماتت من هذه التجربة في نهاية الأمر. صاح أحد المشاركين في إحدى ورش عملنا ذات مرة عند سماعه لهذه القصة قائلًا: «نعم، لكنها طريقة رائعة للرحيل!» هذا يجسِّد الطبيعة الإدمانية للضغط وعلاقات الحب أو الكره الشديدة التي تربطنا به،51،?52 وتستطيع الضغوط أيضًا السيطرة على من يستمتع باندفاع الأدرينالين الذي يسببه الضغط، ويدمن الكثير من الناس «الإثارة» التي يجلبها. إنَّ الموت خنقًا طريقة درامية للموت، كما تظهره الكثير من المسلسلات التليفزيونية والأفلام. فتلهث الضحية سعيًا وراء الهواء بينما ينحبس الدم عن المخ وترتفع معدلات ثاني أكسيد الكربون إلى معدلات سُمِّية. وبالمثل، عندما تؤدِّي الالتزامات والتوقعات إلى ضغط عارم، تنحبس طاقتنا الإبداعية، وتُعرقَل وظائف المخ الطبيعية. وهذا النوع من المجرمين لا يقتل إلا إذا كان قريبًا من الضحية، ولا يترك أيَّ آثار مرئية.
يشهد الناس الضغط اليوم بعدة طرق مختلفة. فوتيرة الحياة المتسارعة أدَّت إلى زيادة المتطلبات في العمل، وصار المتوقع من الأفراد هو قضاء ساعات عمل أطول مع زيادة التزاماتهم الشخصية. والنتيجة هي أننا جميعًا نَجْرِي بسرعة أكبر فقط لأجل البقاء في الرقعة نفسها، مكافحين من أجل الوفاء بهذه الالتزامات. فالمزيد من مواعيد تسليم الأعمال، والكميات الهائلة من سبل التواصل التي يجب التعامل معها خلال البريد الإلكتروني والفيسبوك والهاتف المحمول وتويتر، وقوائم المهام التي تزداد بنودًا ويتعيَّن النظر فيها، والتوقعات الخيالية للأبناء من الآباء، وتدخُّل الآباء في شئون أولادهم، كلها أنشطة لا مَفَرَّ من أدائها وهي أيضًا تعرِّف «سباق الفئران» الذي علينا جميعًا أن نتكيَّف ونتعامل معه.
تؤدي متطلبات الإنتاج المتزايدة من الموظفين إلى أزمة في مستويات الرضا الوظيفي. ففي دراسة أُجريت عام ????، كشف ??? من أرباب العمل أن عبء الأعمال لديهم قد زاد عن العام السابق، وأفاد ??? من الموظفين عن تحمُّلِهم حجم أعمال أكبر خلال الفترة نفسها.53 وأظهر استطلاع للرأي أُجري في نفس الوقت تقريبًا أن نسبة الأمريكيين السعداء بعملهم لا تزيد عن ???، وهي أقل نسبة رضًا وظيفي في مدة هذه الدراسة البالغة اثنين وعشرين عامًا،54 كما يمكن افتراض أن نسبة الرضا الوظيفي المنخفضة ترجع جزئيًّا إلى الكساد الاقتصادي في حد ذاته، إلا أنها كانت في ازدياد على مدى السنوات العشرين الماضية. الضغط هو ذلك القاتل الذي ما إن يُسمح له بالدخول حتى يبقى عبئًا دائمًا، مثله كمثل انغرازك في فيلم رعب لا يمكنك فيه الهربُ من إحساس مروِّع بوقوع كارثة. قد يبدو في البداية كصحبة طيبة، إذ يمكن أن يبدو قضاء الوقت في ظل وجود الضغط أمرًا ممتعًا يبعث على النشاط. ولكن لن تمضي فترة طويلة حتى يبدأ في فرض سيطرته وإحكام قبضته. وقد يبدو الضغط غير ضارٍّ لهذه الدرجة إذ يمتلك ذلك الحضور المألوف كما لو كان صديقًا قديمًا يطرق بابك بين الحين والآخر لتبادل الحديث. وأظهرت الأبحاث أننا كلما اعتدنا على أمر ما، بدأنا في رؤية ملامحه جذابةً، لكن في حالة الضغط يصير الأمر أكثر خطورة. وقبل أن تدرك الأمر، يكون الضغط قد استقرَّ في بيتك مثل الحماة غير المرغوب فيها، ويزداد هيمنةً فلا يُبْقِي مجالًا إلَّا للقليل في حياتك. وعندما يفرض الضغط سيطرته الكاملة، لا يكون هناك ببساطة أي متسع (أو وقت في اليوم) للإبداع. ربما تمنحك الإجازة ارتياحًا مؤقتًا، لكن يبقى الضغط في انتظارك، مُرحبًا بك في البيت في اللحظة التي تعود فيها إلى روتينك المعتاد.
تحت الضغط، تكون الاستجابة الغريزية للجسم هي إما «القتال أو الفرار أو التجمد في موضعك»، فمن الممكن أن يؤدي الإفراز الدائم للأدرينالين إلى مشكلات في التعامل مع الغضب والانفعال، أو ما يسمى بردِّ فعل القتال. والفرار يقدم حلًّا مؤقتًا ليس أكثر، وفي نهاية المطاف، سيلاحقك الضغط ويواجهك من حيث لا تتوقع؛ ولذا تحتاج معظم الضغوط إلى التعامل معها بدلًا من الفرار منها. ومن الواضح أنك إذا تجمدت في موضعك، فإنك ستكون في خطر كبير، وستقع ضحية للضغوط أسرع مما كنت تتوقَّع.
عندما يقع المخ تحت وطأة الإجهاد، تُحفز الاستجابة الوجدانية الأولية المسماة ? «تعطُّل الإحساس» كآلية للتكيُّف، فتنقلك بسرعة نحو ما يسمى ? «المنطقة الحمراء».55 نادرًا ما يكون الأشخاص في هذه الحالة على دراية بتأثيرات الانفعالات السلبية، ونادرًا ما يستطيعون السيطرة عليها، كما يصاحبها القلق والخوف والغضب، والضيق والإحساس بالذنب أو أيهما. وحينما تنطلق مشاعر «المنطقة الحمراء»، يكون لها غالبًا تأثير سلبي على العلاقات الشخصية وعلاقات العمل؛ مما يؤدي إلى انقطاع حالة الاسترخاء وتفتُّح الذهن اللازمة للتفكير الإبداعي. ولذا نحن في حاجة إلى أن نتعلَّم كيفية التحكم في استجابات المخ هذه بكفاءة أكبر حتى يتسنَّى لنا الوصول إلى القشرة الجبهية الأمامية بسهولة وضمان بقائنا في منطقة التفكير الحرة المنفتحة المسماة «المنطقة الزرقاء». قائمة المشتَبَه بهم في جماعة الضغط الذين سنتحدث عنهم هنا: الإجهاد المفرط.
تعدد المهام وإدمان التكنولوجيا.
زيادة التوقعات.
(أ) المشتَبَه به الأول: الإجهاد المفرط

شخصية عابثة جذابة

الإجهاد أشبه بشخصية بارزة في المجتمع تتميز بعبثها وجاذبيتها؛ فهو قاتل نشط جدًّا لكن كونه قاتلًا أمر لا يعرفه الجميع، فهو يعمل بكفاءة عبر نهج خفي وساحر. وغالبًا ما يتسكَّع حول الآخرين في جماعة الضغط، ويتواصل معهم حتى يقتلهم أينما واتته الفرصة لذلك. وأغلب الناس يستمتعون بقضاء الوقت معه لكنهم عندما يُدرِكون أنه يستنفد طاقتهم من أجل إمتاعه يكون بالفعل قد سلبهم حياتهم. ووجوده المستمر يحفز مجموعة كبيرة من الأعراض الجسدية والشعورية. وتبدأ هذه الأعراض بمشكلات تبدو ظاهريًّا تافهة مثل فقدان القدرة على النوم، والصداع واضطرابات المعدة وآلام المفاصل، ولكنها تؤدِّي في نهاية الأمر إلى أمراض سرطانية وسكتات دماغية وأمراض القلب فضلًا عن الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والاضطراب الثنائيِّ القطب والإدمان والعُصاب والذهان. يمكن للإجهاد أن يقتل بطرق مختلفة.
إذا كان لنا أن نشبه الإجهاد بمصطلحات الطب النفسي، فقد نساويه باضطراب الشخصية التمثيلية. فوفقًا لتعريف الجمعية الأمريكية للطب النفسي، يتَّسِم اضطراب الشخصية التمثيلية بنمط من «المبالغة في الانفعال والسعي لجذب الانتباه، بما في ذلك الحاجة الملحَّة للاستحسان والسلوك المغوي غير اللائق. فهؤلاء الأفراد الذين يعانون هذا الاضطراب يمتازون بالحيوية والمبالغة في ردود الفعل والنشاط والحماسة والعبث. أما السمات المتصلة بالشخصية فتشمل السلوك الأناني والانغماس في الذات والتَّوق المستمر لجذب التقدير، والسلوك المتلاعب المستمر لإشباع احتياجاتهم الفردية.» فالأشخاص المصابون بهذا الاضطراب غالبًا ما تكون لديهم مهارات اجتماعية بارعة ويمتلكون القدرة على التعامل اجتماعيًّا ومهنيًّا على مستويات عالية، لكنهم يَمِيلون إلى استخدام هذه المهارات للتلاعب بالآخرين وكي يصبحوا محطَّ الأنظار.
بات شائعًا الآن أن يبدأ الناس حديثهم بسؤالك عن مدى انشغالك، ويكون الرد الشائع والمقبول هو أن تشيح بعينيك ثم تشير إلى كم الإجهاد المُفْرِط الذي تَقَعُ تحته في الوقت الحالي (هذا هو الرد نفسه في كل مرة تُسأل فيها). وغالبًا ما يرتدي المديرون التنفيذيون الذين يتفاخرون بكونهم أسرى الإجهاد شارةَ الضغط كوسام شرف على صدورهم، فهم يشعرون أنهم في أفضل حال حين يعبرون عن انشغالهم الدائم ووقوعهم تحت الضغط.
إذن لماذا وكيف يقتل الإجهاد الإبداع؟ في الحقيقة تستطيع الضغوط الحديثة العصف بالمخ؛ مما يستنفد الطاقة والموارد المتاحة — لولاه — من أجل التفكير الإبداعي. يجب أن يُعالَج التفكير الإبداعي من خلال الفص الجبهي الانعكاسي الأكثر تعقيدًا في المخ، وعندما نكون تحت ضغط أو في حالة من القلق، وعندما نشعر بعدم الأمان أو عدم سماع الآخرين لصوتنا، توجه الموارد المُخِّيَّة إلى التعامل مع الاحتياجات الفورية لوظائف البقاء الأولية للجذع الأساسي في المخ. ووفقًا لعلماء الأعصاب فإن الإجهاد المستمر أو الزائد قد يدمِّر خلايا المخ وهيكله ووظائفه مما يُسفر عن أعراض جانبية مثل اعتلالات في الذاكرة والاكتئاب. كما يعمل الإجهاد على منع استبدال الخلايا في الحصين؛ وهي واحدة من المناطق القليلة في المخ التي تستطيع تكوين خلايا جديدة على مدار حياة الفرد. وكلتا الظاهرتين تؤثِّران على خلايا التواصل والذاكرة بالمخ.
وفقًا لتدرج ماسلو الهرمي للاحتياجات، لا يمكننا تنفيذ المهام ذات المستويات العالية من التفكير مثل الإبداع إلا إذا لُبِّيَت احتياجاتنا الأساسية. وفي تدرُّجه الهرمي، يجب تلبية احتياجات «تقدير الذات» قبل تلبية احتياجات «تحقيق الذات». وحيثما وجد التقدير وجد الإجهاد، وفي ثقافتنا احتياجات التقدير تعتمد في الغالب على العمل والمال، والعديد من الأشخاص (بمجرد تلبية احتياجاتهم الأساسية، وبغض النظر عن المكان الذي بدءوا منه أو وصلوا إليه) يكافحون أشدَّ الكفاح من أجل اكتساب التقدير خلال تسلق السُّلَّم الوظيفي وجني المزيد من الأموال. على الرغم من ذلك، فالإبداع لا يسكن إلا في تحقيق الذات. والطبيعة المتناقضة لهذا النوع من الضغط تعني أن الإجهاد يجعلك تدور في فلك احتياجات التقدير. ويُحرَز تحقيق الذات عندما تتمكن من تجاهل كافة إلهاءات الضغط والإجهاد المزعجة وذلك للتركيز على القيم التي تقدرها ثم وضع هذه القيم موضع التطبيق في حياتك. بعبارة أخرى، يقصد بتحقيق الذات «خلق» حياتك الخاصة بنشاط.56 قد يؤدي الإجهاد المزمن إلى تغيرات هيكلية في المخ. فالإفراز المستمر لهرمونات للستيرويدات القشرية قد يغيِّر الأعصاب والمشابك العصبية في الحصين والقشرة الجبهية الأمامية،57 وقد ينتج عن هذا ضعف في ذاكرة العمل والذاكرة المكانية، وقد يؤدي إلى عَدائِيَّة زائدة. كما يمكن أن يؤدِّي أيضًا إلى عجز في الجسم المخطَّط، وهو ما يؤدي إلى انحراف استراتيجيات صناعة القرار وتقليل المرونة؛ وهي متطلب هام للتفكير الإبداعي.58 وتحت الإجهاد يعود المخ إلى أنماط أكثر تحفُّظية من التفكير ووظائف اعتيادية أكثر جمودًا للذاكرة، على حساب ذاكرة «إدراكية» أكثر مرونة.59 لقد أصبح الإجهاد مشكلة سائدة ومكلفة في محل العمل اليوم، ووفقًا لإحصائيات أمريكية جديدة: يصاب ثلث العمال بمستويات عالية من الإجهاد في وظائفهم.
ينظر ربع الموظفين إلى وظائفهم على أنها مسبِّب الإجهاد الأول في حياتهم.60
يؤمن ثلاثة أرباع الموظفين بأن العمال يعانون من الإجهاد المهني أكثر من الجيل السابق.61
كما تُظهر الأدلة في الولايات المتحدة أن التكاليف المتعلقة بالإجهاد تكبِّد الشركات نفقات ضخمة؛62 إذ كانت تكاليف الرعاية الصحية للعمال المصابين بمستويات مرتفعة من الإجهاد أكثر ? ??? ممن أقروا مستويات أقل من الإجهاد أثناء العمل. والذين عانوا من الاكتئاب إلى جانب الإجهاد تكلَّفوا رعاية صحية بنسبة ???? أكثَرَ من غيرهم، بزيادة سنوية أكثر من ???? دولار أمريكي للفرد. ويرتبط الإجهاد بصورة وثيقة بالإنهاك الوظيفي،63 وبالمثل فقد تَمَّ تحديد الإجهاد على أنه هو السبب الرئيسي لترك العاملين للشركات.64 إنَّ الإجهاد في العمل يمثِّل قاتلًا بارزًا في اليابان حتى إنهم اخترعوا كلمة لوصفه وهي «كاروشي» ومعناها الحرفي هو «الموت من فرط العمل»، وتشمل جميع القتلة في العمل الذين يأتون بغتةً مثل النوبات القلبية والجلطات. والكاروشي سبب معروف للموت في اليابان وقد ورد في تصنيف منفصل في إحصائيات الدولة. وفي اللعبة الشهيرة متعددة المنصات المسماة كاروشي أيضًا، يواجه اللاعبون الموت كلما انتقلوا من مستوًى إلى آخر!
يتوقَّع نموذج التحكم بالمطالب أن أكثر تأثيرات الضغط النفسي ضررًا بالصحة تظهر عندما تكون متطلبات الوظيفة كبيرة لكن القدرة على اتخاذ القرارات ضعيفة. ويرتبط المستوى العالي من التحكم الوظيفي بزيادة الرضا الوظيفي وانخفاض معدلات الاكتئاب. وقد تؤدِّي المطالب الكبيرة دون التحكم الكافي إلى قلق متزايد،65 ويقوم نموذج اختلال التوازن بين المجهود والمكافأة على نتائج الأبحاث التي تقول إنَّ الضيق النفسي والتأثيرات الصحية الضارة تحدث في الوقت الذي يُلاحظ فيه اختلال التوازن بين الجهود المبذولة والمكافآت الوظيفية.66 على الرغم من جميع تلك المخاطر، يمكن أن يكون الإجهاد بنَّاءً إذا أُدِير بطريقة سليمة. فيمكن ? «الإجهاد الحسن» أن يحفز الدافع والتنفيذ. ففي بعض الأحيان يعمل الناس بأقصى طاقاتهم حتى مواعيد التسليم؛ فبعض الكُتَّاب على سبيل المثال يضعون لأنفسهم أهدافًا محددة مثل إنتاج عدد محدد من الكلمات يوميًّا أو المحافظة على تركيزهم المنضبط لعدد ساعات محدد. وقد يحسِّن الطلاب التركيز حينما يُدركون أنهم يستعدون للاختبارات. لكنَّ هناك خيطًا رفيعًا بين الإجهاد البناء وهو ما يتحمله الجسم لفترات قصيرة من الوقت فقط، والإجهاد الهدام وهو غالبًا حالة مطولة لا يستطيع الجسم أن يتعامل معها على المدى الطويل.
(ب) المشتَبَه به الثاني: تعدد المهام وإدمان التكنولوجيا

الإدمان وتعدد القنوات

إنَّ مراقبة الآباء لطريقة دراسة المراهقين قد تجلب لهم التوتر هذه الأيام؛ إذ إننا قديمًا كنَّا نسعى للدراسة في مكان هادئ، إلا أن الأبناء الآن يتعرَّضون باستمرار لوابل من فرص التواصل المتعددة عبر الأجهزة الإلكترونية التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى والتي لا يمكنهم إطفاؤها بكل ما تحمل الكلمة من معنًى. فمثلًا حينما كانت زوي في عامها الأخير في المدرسة وتذاكر استعدادًا للامتحانات النهائية، غالبًا ما كانت تجلس أمام التلفاز وكتاب الدراسة في يدها والموسيقى في أذنيها وهاتفها الذكي يرن في جيبها لينبِّهها بأمر يخصُّ أصدقاءها في الوسائط الاجتماعية والذي لا بد من الرد عليه فورًا. بالنسبة لنا، هذا المستوى من المدخلات قد يُربِكنا، لكن يبدو أن الشباب اليوم يتطوَّرُون بسرعة للتعامل مع مصادر المعلومات المتعددة في نفس الوقت.
إنَّ التكنولوجيا الحديثة توفر علينا الوقت بلا شك، إلا أنها قد تسبِّب ضغوطًا إضافية؛ حيث إن أنشطة العمل والأنشطة الترفيهية تدور حول متطلبات التواصل التكنولوجي الغامرة. وبالطبع يمكننا إتقان تعدد المهام، إلا أننا كثيرًا ما نصير دون وعي عبيدًا لها في نهاية المطاف. ومع تزايد سرعة تكنولوجيا الاتصالات، تُتوقع زيادة سرعة الاستجابة مما يصرفنا عن فرص التفكير الإبداعي.
بعض الناس يرتاحون لهذه التكنولوجيا بل يشعرون أنهم مسيطرون، لكن الكثير يشعرون أنهم مغلوبون على أمرهم وغير قادرين على السيطرة. والبعض يعاني من «إدمان المعلومات»، وهو مصطلح جديد يُستَخدَم لوصف إدمان البريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة.67 ولا يُعَدُّ إدمان البريد الإلكتروني أو الرسائل خطرًا على الصحة العقلية وحسب، بل يمكن أن يضعف مستويات الذكاء أكثر من ضِعْفَيْ أثر إدمان الماريجوانا!68 ويشرح عالم النفس دان إريالي احتمالية إدمان البريد الإلكتروني، فيقول: «إن أمعنت التفكير فيه، تجدْ أن البريد الإلكتروني يشبه المقامرة، أغلبه رسائل مهملة، ومثله مثل سحب ذراع ماكينات القمار والخسارة، ولكننا بين الفينة والأخرى قد تصلنا رسالة نريدها، ربما بها أخبار طيبة عن وظيفة، أو القليل من القيل والقال، أو رسالة من شخص لم نسمع أخباره منذ وقت طويل، أو معلومة مهمة. فنكون في قمة السعادة لتلقينا البريد الإلكتروني (المال) غير المتوقع الذي أدمنا قراءته آملين في المزيد.»69 كل يوم، يفتح الموظف النموذجي صندوق الوارد لبريده الإلكتروني خمسين مرة ويستخدم الرسائل الفورية سبعًا وسبعين مرة.70 ومثل فئران تجارب علم النفس السلوكي لبي إف سكينر، فإن جداول الإثابة المتغيرة (بالإضافة إلى الخوف من عدم الرد بسرعة كافية وفقًا للتوقعات) تدفعنا للإدمان. وفي دراسة استقصائية، أشار أكثر من نصف المشاركين الذين بلغ عددهم ???? فرد، إلى أنهم دائمًا يستجيبون للبريد الإلكتروني «فورًا» أو في أسرع وقت ممكن، كما أضاف ??? منهم أنهم قد يقاطعون اجتماعًا للرد عليه؛ وأشار ??? إلى أنهم يقرءون رسائل العمل في المنزل أو الإجازة؛ وقال ??? إنهم لا يمانعون في إرسال الرسائل القصيرة حين ممارستهم للجنس! وكما هو الحال مع الأشكال الأخرى من الاعتمادية، فإن المخَّ يغيِّر صِلاته العصبية أو يتشكَّل بطريقة مختلفة مع ارتفاع الدوبامين بسبب إدمان التكنولوجيا.71 إن قَطْعَ مهمة بسبب أي نوع من المقاطعة أو الإلهاء له من الضرر على الأداء الذكي ما يساوي عدم النوم لليلة بأكملها.72 إن ما يهدره الموظف العادي هو ?,? ساعة يوميًّا من وقت الإنتاج بقفزه من مهمة إلى أخرى. فالمخ يحتاج إلى التركيز حتى يتمكَّن من الإنتاج، وإذا فقد القدرة على التركيز فقد يأخذ خمسًا وعشرين دقيقة للعودة مرة أخرى إلى القدرة الكاملة على الإنتاج. وأظهرت إحدى التجارب حول قراءة بعض المشاركين لنصوص دون أيِّ إلهاء، أن ??? تمكَّنُوا من إعطاء إجابات سليمة عن أسئلة تتعلَّق بمعلومات في النص، لكن عندما طلب منهم الاستماع إلى شيء مع قراءة النص، لم يتمكَّن من الإجابة على تلك الأسئلة بصورة سليمة سوى ???.73 فأدمغتنا ليست مصمَّمة ببساطة للتعامل مع مصادر متعددة من المدخَلات. وكي تُعالَج المعلومات نحتاج إلى التركيز، ومن الصعب على المخِّ أن يستوعب الكثير من المعلومات إذا طُلب منه توقفه ثم إعادة ضبطه ثم التركيز على رسالة جديدة باستمرار. فكل مرة نُنهي مهمة ونبدأ أخرى جديدة، نفقد بيانات من المهمة الأولى كما نخسر معلومات من الثانية. وقد تكررت هذه النتائج في تجاربَ مماثلةٍ أكثرَ من مرة. وكل معلومة إضافية تدخل إلى أدمغتنا تنقص من تركيزنا، وكل شكل إضافي من أشكال المخرجات التي نحاول التركيز عليها يقلل من تركيزنا الكلي. فالإفراط في المدخلات والمخرجات يؤدي إلى جودة عمل متدنية وعقلية غير إنتاجية «تضيع الوقت».74 المشكلة هي أن المخَّ البشري يشبه في عمله تقنية خيوط المعالجة الفائقة أكثر من تقنية الخيوط المتعددة. فنحن نستوعب سياقات متعددة، لكن رغم أن المخَّ يقدر على التنقل بين «القنوات» بسرعة، فإنه لا يقدر على معالجة أكثر من قناة واحدة بكفاءة في اللحظة الواحدة. فالطاقة اللازمة للانتقال بين سياقين ليست بالقليلة. تخيَّل مدى الإحباط الذي يقع فيه مجال الدعاية بسبب أننا لا يمكننا استيعاب كافة كتل المعلومات التي نُتخَم بها أينما ذهبنا! فعلى مدار ?? ساعة، يتلقَّى الشاب العادي ستًّا وعشرين ساعة من المحتوى، وبالطبع لا يُمكِنه معالجته كله. وفي محاولة لتضمين الرسائل في ظل هذا الازدحام، تعلَّم العاملون بمجال الدعاية تقليص عدد الكلمات واختزال الرسائل والتأكد من تضمين كافة المدخلات بالتوازي؛ أي فعليًّا «النزول بمستوى» المعلومات التي نمرِّرها للجيل القادم بتبسيطها. وكلما حاول المعلنون التنافس لجذب انتباه الأطفال، أصبحت الحملة على أطفالنا المتعبين من فرط الانتباه أكثرَ ضراوة. وقد بدأت عقولهم بالفعل تتكيَّف مع «ظاهرة تعدد القنوات»، لكنها أتت غالبًا على حساب فترات الانتباه لديهم وعلى حساب صحتهم العقلية والوجدانية، وطبعًا على حساب قدرتهم على الإبداع. وبدون مساحة للعقل للتنفس، أو مجال لتدفق ونمو الأفكار الإبداعية، فإن أي تصرفات إبداعية شُجاعة تُقتلع بسرعة وتُترك للموت.75(?) المشتَبَه به الثالث: ارتفاع سقف التوقعات

الصراع الكارثي الناتج عن تعدد الأدوار

أصبح ضيق الوقت المزمن مُعضِلة كبيرة في المجتمعات السريعة الخُطى. فجميعنا يشتكي من عدم كفاية عدد ساعات اليوم الواحد. ولكن إذا كان اليوم أطول، فمن المحتمل أن نملأ الوقت المتاح بكافة الأنشطة «العاجلة» التي إما فُرضت علينا وإما أعددناها بأنفسنا.
ومن أكبر مصادر الضغط في الحياة العصرية الصراعُ بين الأدوار. فكلنا نلعب عددًا من الأدوار المختلفة في حياتنا، وكلما زادت التوقعات في كلٍّ من هذه الأدوار، ازداد حجم الضغط الإجمالي الذي نتعرَّض له. وتتنافس مختلف الأدوار الشخصية والمهنية للحصول على وقتنا واسترعاء انتباهنا. ففي البيت دائمًا ما نتصارع مع الأدوار والمسئوليات الأسرية والاجتماعية، بينما أننا في وظائفنا أيضًا نحتاج إلى أن نتنقل بين الأدوار الرسمية وغير الرسمية التي تنافس بعضها بعضًا. وتظهر أكبر مشكلاتنا عندما لا تتحدد أدوارنا في العمل بوضوح، فتكون التوقعات والحدود غير واضحة. وهذا قد يؤدي إلى ارتباك الأدوار والإحباط؛ مما ينتج عنه السخط الوظيفي وزيادة الضغط.
ويعرَّف الصراع بين الأدوار على أنه «عدم التوافق بين التوقعات المنتظرة من الأدوار المختلفة.»76 فمعظم استطلاعات الرأي تقيس الصراع بين الأدوار في ضوء الضغوط الناتجة عن الوقت77 أو التضارب بين ساعات العمل والأدوار الأخرى.78 وقد وُجدت علاقة واضحة بين الصراع بين الأدوار والضغوط والصراعات الأُسرية، وذلك جنبًا إلى جنب مع الصعوبات المعرفية الزائدة. وبطبيعة الحال هذا يُعيق التفكير الإبداعي، الذي يعتمد على خلو الجو من الإجهاد والصراع. وعادةً ما يقضي الصراع بين الأدوار على شعور الفرد بالتواصل الشخصي والاندماج النفسي مع الوظيفة؛ مما يؤثر على المواظبة على الحضور إلى العمل وحركة دوران العمالة، وكلا الأمرين يكلِّف المؤسسة الكثير.79 فكلما حدَّدنا أدوارنا بوضوح، ودمجناها بطرق مفهومة و/أو بسطناها، قلَّ الضغط والإجهاد اللذين نتعرض لهما وازدادت المساحة التي نُعطيها لأنفسنا لننمو بإبداع. المكالمة الهاتفية قبل الأخيرة التي أجراها مايكل هاتشينس كانت رسالة صوتية تركها لمديرة أعماله مارثا تروب وكانت كما يلي: «مارثا، معك مايكل، لقد سئمت ونلت كفايتي (لفظ سباب).» وعندما أعادت تروب الاتصال لم يرد أحد. وكانت مكالمته الأخيرة لصديقته السابقة التي أمضى معها سنين طويلة، وفي هذه المكالمة بدا شديد الاضطراب، وبعدها بفترة ليست بطويلة عثرت خادمة الفندق على جثته.80 وهكذا في النهاية، فإن أسلوب حياة نجم الروك المغرق في اللذات ربما يكون قد قضى على ضحية غافلة أخرى. فحينما نفشل في التعامل مع الكروب التي تنهال علينا، يصبح الضغط ساحقًا. إننا بدون دراية نفتح الأبواب للذئاب، وما كان سابقًا شديد المتعة يتحوَّل فجأة إلى أمر شديد الألم. وهكذا يُخمد الإبداع. لكنَّ هناك قتلة آخرين قد يكونون أكثر مكرًا وخفاءً، ولكنهم على نفس المستوى من التهديد. تقرير المحقق

هل قابلت نمط الضغط هذا في حيِّك أو في محل عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• العمل كرهًا لتحقيق توقعات غير واقعية. • خلق إجهاد غير منطقي.
أثره على الضحايا:
• الارتباك. • الإحباط. • صعوبة في إدارة الوقت وتحديد الأولويات.
(?-?) نمط القتل الرابع: زمرة العزل

يُعرف من ينطبق عليهم هذا النمط أيضًا باسم القتلة العازلين، وهم يستخدمون مزيجًا فتاكًا من التفرقة والتجانس حتى يجبروا الضحية على الامتثال لتحيزاتهم. فهم يضعون ضحاياهم في حَجْرٍ، بعيدًا عن الأفكار والمعلومات المختلفة، ويمنعون عنهم الآراء المتنوعة ومن ثم الحصول على أي أدوات محتملة قد تُنقِذ حياتهم. فلا يمتلك الضحايا إلا خيارات محدودة دون درايتهم بذلك؛ إذ يتعرَّضون للتجريح والضرب حتى يخضعوا، ثم يموتون بسبب الإصابات المتراكمة التي تشمل الضربات الخفية الموجهة إلى قدرتهم على التفكير بشكل مختلف وباستقلالية. ولأن القتلة الذين ينطبق عليهم هذا النمط يشكِّلون زُمَرًا حتى داخل المجتمعات ذات الطبيعة المتنوعة ظاهريًّا، فإنهم يفلتون من جرائمهم في وضح النهار. وهذا النوع من القتلة يميل إلى النرجسية، وسلاحه المفضل هو «الانحياز الصارم».
الحبس الانفرادي وحب الذات الخبيث

في بعض البلدان، الحبس الانفرادي هو أكثر العقوبات المغلَّظة التي يمكن فرضها بالقانون على السجناء الذين لا يُطبق عليهم حكم الإعدام. يمكن أن يكون لهذا الحبس آثار بدنية ونفسية حادة، ويعتبره العديد من نشطاء حقوق الإنسان نوعًا من التعذيب. ومع مرور الوقت، يمكن أن تنتج القيود المفروضة على المدخلات، والحرمان الحسي، تغيرات على المدى الطويل في فسيولوجيا المخ وتتسبب في بعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب.81 يُعتبر العزل أحد قَتَلَة الإبداع، فيُقصِي الأفراد داخل المؤسسات، رغم أن الكثير من الناس يختارون تبنِّي تلك القيود بإرادتهم. وكما أن وضع السجناء في الحبس الانفرادي يحدُّ من تجاربهم ويقلِّص قدراتهم العقلية، يقيِّد العزل خبرات الضحايا ويقوِّض قدراتهم على المدى الطويل. ويجوز تشبيه النمط السيكوباتي لهذا القاتل بالنمط السيكوباتي للشخص النرجسي. وباعتماد القاتل على آراء الآخرين بطريقة مبالغ فيها، وشعوره القوي بامتلاكه حقوقًا عن الآخرين، وبطبيعته المتلاعبة والاستغلالية، وبأوهام عظمته الشخصية مقابل إنجازاته الفعلية، يصبح العزل قاتلًا منغمسًا في ذاته. ويقول سام فاكنن مؤلف كتاب «حب الذات الخبيث»: «حب الذات يساعد على البقاء؛ فهو شرط أساسي»، ويستطرد شارحًا أنه عندما ينبُع هذا الحب من مصادر خارجية فقط، يتحول هذا النوع من الاهتمام بالذات إلى شيء خبيث؛ أي إنه يقتل باستخدام العاطفة.82 وهذا الهوس بالنفس وبالمصالح التي تتعلَّق مباشرةً بالذات يحد الطاقات الإبداعية ويُعيق النموَّ الإبداعي. فالعزل قاتل خبيث، لا يشعر ضحاياه بأن خياراتهم محدودة، ولا أنهم قد تحوَّلوا إلى شخصيات متحيِّزة خلال العملية. ويتسم العزل أيضًا بالإغواء فيبدو جذَّابًا إلا أنه يُخفي أسراره الخبيثة.
انظر إلى جاذبية منطقة نورذرن بيتشيز في سيدني التي سكنَّاها على فترات متباعدة لسنين طويلة. بها أجمل شواطئ العالم، حيث تمتدُّ لمسافة ?? كيلومترًا من مدينة مانلي وحتى بالم بيتش، وهي قريبة من المدينة إلا أنها تبعُد عن صَخَبها بمليون ميل. والشريط الساحلي يمتدُّ بمحاذاة برزخ ضيِّق بين المحيط وبين خليج بيت ووتر، وتضيق مساحته كلما ابتعدت عن المدينة. وأول المنطقة رسميًّا هو جسر سبيت بريدج الذي يفصل بين نورذرن بيتشيز وضواحي الأثرياء بموسمان، وآخرها هو منتجع بالم بيتش لأصحاب المليارات. وتعيش بالمنطقة مجموعات اقتصادية واجتماعية متنوعة، ومع ذلك تبقى المنطقة ذات ثقافة موحدة، وقد قيل إنَّ معلمي المدارس المصابين بالإحباط وصفوها بأنها «شبه جزيرة معزولة». فأهالي هذه البلدة من المحافظين سياسيًّا، ومحدودو الأفق بشدة. وهم يحمون حياتهم البسيطة أشد حماية ويشعرون بالسعادة بعدم وجود شبكة مواصلات عامة؛ مما يُبقي أفواج السياح بعيدة عنهم. هناك عدد قليل جدًّا من الفنادق وساحة تخييم واحدة. لقد احتضنت منطقة بوندي متنوعة السمات من صميم قلبها المسلسل التليفزيوني الشهير «إنقاذ بوندي»، لكن عندما حضر ممثلو المسلسل الأمريكي الناجح «باي ووتش» وطاقمه إلى شاطئ أفالون في نورذرن بيتشيز، أعيدوا فورًا إلى ديارهم؛ كاد الأهالي يفتكون بديفيد هاسلهوف وأصدقائه؛ إذ أرادوا ألا يكون لهم نصيب من الاهتمام العالمي بالمسلسل.83 عندما كانت ابنتنا زوي طفلة، عاشت وسافرت معنا إلى دول أخرى قبل أن ننتقل مرة أخرى للعيش في منطقة نورذرن بيتشيز، حينما كانت في أواخر سنوات مراهقتها. وعندما التحقت بمدرسة محلية في عمر الرابعة عشرة، علم الطلاب بأنها انتقلت لتوِّها من مدرسة في إندونيسيا. وتعجَّب أحدهم قائلًا: «لكنني كنت أظن أن أطفال إندونيسيا ذَوُو بشرة سمراء وشعر أسود!» (زوي بيضاء البشرة وشقراء!) وذعرت زوي حينما اكتشفت أن بعض زملائها في الدراسة ليست لديهم أدنى فكرة من هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما، وقالوا إنهم لا يكترثون إذ إنهم يرون بأن تلك معلومات لم تكن ذات أهمية. وفي اختبارات الجغرافيا، يرتكب الطلاب أخطاءً فادحة مثل عدم التفريق بين الهند وأفريقيا على الخريطة وتسمية جامايكا واحدة من القارات السبع.
أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين سافروا وعاشوا خارج البلاد أكثر إبداعًا من أولئك الذين لم يعيشوا في الخارج، وذلك عبر عدد من المعايير المختلفة، بما فيها معايير التبصُّر وتداعي الأفكار وتوليدها. وهذه النتيجة المذهلة تكشف عن أهمية التعرُّض لمجموعة كبيرة من المعلومات والأفكار على مدى حياتنا. فإذا لم نَلْتَقِ بأفكار متنوعة وأناس مختلفين في حياتنا، فسنبقى في حصانة من الحاجة للتفكير بإبداع. وكلما تقدَّمت بنا السن، نستمر في عزل أنفسنا عن الأفكار الجديدة. ولكي نشعر بالأمان، نتجمَّع حول أناس يشبهوننا فكريًّا، وهو ما يزيد من عزلتنا عن التجارب الجديدة.84 وعلى مرِّ التاريخ، زاد تطور المدن من تنوع الأفكار الإنسانية وانتشارها زيادةً كبيرة، وهو ما خَلَقَ ميزة تطورية هامة. فتُقَدِّم المدن وفرةً كبيرة من فرص التعلم والثقافة، وتبذل الثروات لدعمها، ولكنَّ لهذا النمو جانبًا سلبيًّا. ففي المجتمعات الرأسمالية حيث يزدهر الابتكار، تحتاج الاقتصادات لأن تحافظ على نموها باستمرار، ? «النمو اللامتناهي» هو نمو إيجابي بطرق عدة، ورغم أن النمو السيني في علم الأحياء تبطؤ خطاه في نهاية المطاف حتى يتوقف، فإنه في الاقتصادات الرأسمالية لا يتوقف النمو وإلا مات النظام؛ مما يعني أن الانهيار الاقتصادي النهائي أمر حتمي كما حدده جيفري ويست.85 ومن الناحية الحسابية، هذا الضرب من النمو اللامتناهي يستنفد كافة الموارد ويؤدِّي إلى الانهيار (مبدأ «تفرُّد الوقت المحدد»). في الماضي، كنَّا نتجنَّب هذا الانهيار من خلال الابتكار المتواصل، الذي مكَّنَنَا من «إعادة ضبط الساعة». ومع كل اكتشاف أو اختراع جديد مهم مثل اكتشاف البنسلين أو اختراع الكمبيوتر، وجدنا طريقة لإعادة إنتاج النموذج الثقافي والاقتصادي الأوَّلي، ومن ثَم استطعنا أن «نتغلَّب على النظام»؛ مما ضمن إبقاء عملية الابتكار على قيد الحياة. التغلب على العزل، إذن، سيتضمَّن استراتيجيات نمو حذرة تضمن تفتح الذهن والوصول إلى أفكار جديدة، لتمكين الابتكار المستمر، وأيضًا من أجل مواصلة مساءلة النظام وإعادة إنتاجه وإلا دمر الابتكار في نهاية المطاف.
قائمة عناصر «زمرة العزل» الذين سنركِّز عليهم هنا: مصادر المعلومات المتحيزة (مثل وسائل الإعلام).
ملازمة الأشخاص المتشابهين فكريًّا (التجانس).
الافتقار إلى التنوع.
(أ) المشتَبَه به الأول: مصادر المعلومات المتحيزة

تليفزيون الواقع واضطراب قصور الانتباه

قررنا ذات مرة الإشارة إلى مسلسل من تليفزيون الواقع كدراسة حالة في حلقة دراسية قدَّمناها دارت حول التفكير الإبداعي (كمثال على التفكير غير الإبداعي). فتصفَّحنا الإنترنت لكي نرى إذا كان بمقدورنا الحصول على مقطع فيديو قصير لاستخدامه، فاكتشفنا أن شخصًا ما قد حمَّل نسخة مدتها ثلاث دقائق من حلقة مدتها ?? دقيقة. وضحكنا من فرط الذهول إذ كيف يمكنك اختزال محتوى ?? دقيقة إلى ثلاث دقائق والإبقاء على حبكة الرواية كما هي!86 بل إن البرامج الإخبارية أصبحت خفيفة وأكثر إثارة حتى تسترعي انتباهنا وتمتعنا بدلًا من مجرد مدِّنا بالمعلومات كما كان هدفها النبيل أساسًا. ويجسِّد تويتر معضلة توليد وإعادة إنتاج المعلومات الفورية السريعة بطريقة قد تُصيبنا بالصَّرَع في نهاية المطاف؛ إذ ننتقل من المشاهير إلى الأزمات ثم نعود مرة أخرى. وغالبًا ما تخاطب وسائل الإعلام أقلَّ المستويات الثقافية لكسب دولارات الإعلانات، والنتيجة هي تزويدنا بكمٍّ محدد جدًّا من المعلومات وعزلنا عزلًا تامًّا عما يدور فعليًّا حولنا في العالم.87 بالنظر إلى الوضع الحالي لوسائل الإعلام، فلا عجب أن تَجِدَ الباحثة في جامعة تكساس بأوستن، إليزابيث فاندرووتر، أن الإبداع لدى الأطفال ينخفض بنسبة ??? لكل ساعة يقضونها أمام التلفاز.88 وهذا التأثير ضخم جدًّا؛ إذ إن هذا يَعنِي أن الطفل العادي الذي يشاهد التلفاز لمدة ثلاث ساعات يوميًّا، تتدنَّى نسبة الإبداع لديه بمقدار ???. لكن ماذا عن الأطفال الذين يشاهدون التلفاز لأكثر من عشر ساعات يوميًّا؟ تتخيَّل التأثير التدميري للتكنولوجيا الحديثة على البالغين، إذ إن اهتمامات العمل والأنشطة الترفيهية تدور حول متطلبات الحضور الطاغي والمستمر للتكنولوجيا. وبالطبع يُمكِنُنَا السيطرة عليها، إلا أننا ننتهي عبيدًا لها في نهاية المطاف دون إدراكنا. ومع تحسُّن تكنولوجيا الاتصالات، نتوقَّع سرعة في الاستجابة مما يشوِّش على فرص التفكير الإبداعي. تتحالف وسائل الإعلام تحالفًا وثيقًا بتعدد المهام وغيرها من المتآمرين بجماعة الضغط. وباتحادهم معًا، يمكنهم أن يُضفوا على ضحاياهم شعورًا بأنهم في أكثر لحظات حياتهم انشغالًا. وبالرغم من ذلك، لم يَمْضِ على الإنسان قط وقت شعر فيه بالخمول الشديد وعدم الحركة مثل هذه الأيام. وكما قال البروفيسور بول أوبراين، من مركز السمنة في جامعة موناش: «إن التكنولوجيات الحديثة مكَّنتنا من الانغماس في غريزتنا الإنسانية التي تميل إلى الكسل وتسويف الأعمال بإنتاج أعمال أخرى.»89 وكما لو كانت تلك الشخصيات تعاني من اضطراب قصور الانتباه، فإنها تنتقل من عمل شيء معين إلى آخر بسرعة البرق، ومعًا تُشتِّت انتباه ضحاياها، لتتأكد من عدم وجود أي وقت للإبداع. وفي حين أن جماعة الضغط عادةً ما تكون جذابة، ويكون الضيوف المدعوون وطاقم التحكم سفاحين واضحين، فإن العصابة الإعلامية غالبًا ما تتلاعب بمكر عن عمد. ووفقًا للسلوكيات الذهانية، فإن وسائل الإعلام التي نتعرض إليها أغلب الوقت تتسم بالنرجسية (إذ تُظهِر نمطًا سائدًا من عظمة الذات، واحتياجًا إلى نيل الإعجاب والافتقار إلى التعاطف، وتحتوي على سلوكيات سائدة من السعي لاسترعاء الانتباه والإغواء غير اللائق والسلوكيات السطحية أو المُبالغ فيها). ووسائل الإعلام كثيرة المطالب ولديها شَرَه لا يشبع بالزهيد ويحتاج إلى تغذيته باستمرار. وعبر وسائل الخداع البصري (البوتوكس، والفرشاة الهوائية، إلى جانب مهارات التعديل البارعة، والتصوير)، تستطيع وسائل الإعلام خلق صورة من الواقع تقوم على الكمال الاصطناعي التام. وغالبًا ما ينمي ذلك فينا الشعور بالنقص والتدني وعدم القدرة على تلبية التوقعات غير الواقعية. ولا تبقى وسائل الإعلام على قيد الحياة إلا خلال محركها، ألا وهو الإعلان؛ إذ ينفق المعلنون جميعًا على التلفاز سنويًّا قرابة سبعين مليار دولارٍ أمريكي سنويًّا في الولايات المتحدة. وفي الفيلم الهدام «أكثر الأفلام مبيعًا»،90 يُتيح المخرج مورجان سبيرلوك الفرصة لثلاثة وعشرين من الرعاة لأنْ ينشروا أفكارهم دون خجل في الفيلم. وعبر إنتاج فيلم كامل عن قوة الإعلان، وهو ممول بأكمله من الإعلان، أخرج مورجان هذه العلاقة الفاسدة المترابطة إلى النور بذكاء. وقد أوضح سبيرلوك أن الإعلان قد أصبح واسع الانتشار بشدة في الأفلام وفي الحياة عمومًا، حتى إن الناس عادةً ما يُغفلونه. وأشار رالف نادر المناصر لحقوق المستهلك إلى أن هناك «إعلانات الآن في دورات المياه العامة، وعلى أرضية المتاجر وفي المصاعد، حتى على حوائط المدارس وعلى جانبيْ حافلات المدارس.»91 والبرنامج الوثائقي «أسرار الماركات التجارية الكبرى» الذي أنتجته محطة بي بي سي، ويقدمه أليكس رايلي، يسلط الضوء على إغراءات العلامات التجارية الكبرى. فيصف رايلي الازدحام الفوضوي التي تسبَّب به افتتاح متجر جديد لشركة أبل ويقول: «كان المشهد الذي رأيته في الافتتاح أشبه باجتماع لصلاة بروتستانتية، ليس مجرد فرصة لشراء هاتف أو كمبيوتر محمول!» وذكر رايلي بالفعل أن علماء الأعصاب توصَّلوا إلى أن الماركات التجارية الكبرى قد استولت على منطقة في المخ كانت مخصصة سابقًا للدين.92،?93 إنَّ اختبار تذوق كوكاكولا وبيبسي الذي أجري في السبعينيات من القرن الماضي ويعرف الآن بسمعته السيئة هو دراسة حالة مثيرة للاهتمام للطريقة التي تتخذها العلامات التجارية الكبرى لتقليص مساحة تفكيرنا. يذكر العديد من الناس القصة الأصلية، وفيها أجرت شركة بيبسي اختبارات تذوُّق في جميع أرجاء أمريكا لمنتجها ومنتج كوكاكولا — دون أن يعرف المحكَّم أيهما يتذوق — وأقنعت جيلًا بأسره أن طعم بيبسي أفضل من كوكاكولا. حاولت كوكاكولا أن تقلِّد تركيبة منافستها الناجحة، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا. ولا يعرف الكثير من الناس القصة اللاحقة بهذه الرواية. ففي عام ????، وضع عالم الأعصاب ريد مونتاجيو تجربة في محاولة لقياس «تأثير العلامة التجارية» لكوكاكولا. ولتنفيذ هذا الأمر، أعاد التجربة الأصلية مع اختلاف طفيف: في هذه المرة أوضح أيًّا من العينات كوكاكولا وأيها بيبسي. وللدهشة، قال تقريبًا كافة المشاركين إنهم يفضلون الكوكاكولا، وأظهرت الفحوصات التي أجريت على مخاخهم نشاطًا كبيرًا في منطقة القشرة الجبهية الأمامية، وهي المسئولة عن القوى الإدراكية رفيعة المستوى. لقد اقتنع المشاركون بماركة الكوكاكولا أيما اقتناع حتى إنها غيَّرت أنماط مخاخهم وخلقت «حبًّا» أعمى لعلامة المنتج التجارية.94 والتحدي الأكبر الذي نواجهه الآن هو تحديد أين نضع أكثر الموارد قيمة، وهو انتباهنا؛ ومن ثم «عاطفتنا». فحينما تكون مصادر معلوماتنا محدودة من حيث المضمون لكنها كبيرة كمًّا، لا يمكن للعقل أن يتكيف معها ببساطة. والشيء الجيد في وسائل الإعلام هو أننا — إلى حدٍّ ما — يمكننا أن نطفئها أو أن نختار برامج إيجابية تفتح عقولنا أمام أفكار ومعلومات جديدة وتحفز التفكير الإبداعي. وما دمنا نتحكم في جودة ما نتعرض له وكمه، وما دمنا نتخذ نظرة تشككية إيجابية في الدوافع الكامنة وراء آراء وسائل الإعلام، يمكن للإعلام أن يفتح نافذة إيجابية على العالم وأن يكون حليفًا وليس قاتلًا.
(ب) المشتَبَه به الثاني: ملازمة الأشخاص المتشابهين فكريًّا

رتابة المستوى المتوسط

القادة الذين يتعمَّدون إحاطة أنفسهم بالأشخاص المشابهين لهم فكريًّا، يخلقون بيئة بها تنوع ضئيل في الأفكار. وإذا كان أعضاء المجموعة الواحدة شديدي الشبه، فسيصعب عليهم مواصلة التعلم؛ لأنه لا يأتي أي من أعضاء الفريق بمعلومات جديدة على الطاولة.95 فالفِرَق التي تتكوَّن من أنواع مختلفة من الناس (الفرق المتنوعة) هي أكثرهم إبداعًا. وفي كتاب «تأثير ميديتشي» يصف فرانس جوهانسون كيف اكتشف أن الإبداع ينشأ على الأرجح عند نقطة الالتقاء بين مختلف الثقافات والأنظمة والخلفيات حين يكون التنوع في ذروته. في إحدى التجارب، قام الباحثون بدراسة مجموعتين: مجموعة متجانسة (مجموعة ذات أساليب متشابهة سلوكيًّا وفكريًّا وتعليميًّا) ومجموعة غير متجانسة (مختلطة من حيث أساليب السلوك والتفكير والتعليم) وأعطوهما مشكلة لحلها. المجموعة المتجانسة حلت المشكلة في وقت أسرع من المجموعة غير المتجانسة، لكن النتائج كانت دائمًا في مستوًى متوسط. أما المجموعة غير المتجانسة فكريًّا، فاتخذت وقتًا أطول لإيجاد حل لكنها أتت بنتيجة ممتازة. كانت هناك خلافات أكثر في هذه المجموعة، لكن المهم هو قدرتها على إدارة وتوجيه هذه الخلافات بكفاءة. فعندما تُناقِش الفرق غير المتجانسة فكرةً ما، عادةً ما يبتعدون عن الحدود القصوى ويقتربون نحو مركز المجموعة ومتوسطها، فيأتون بنتيجة أكثر توازنًا. فالتنوع في الرأي هو الضمانة الفضلى الوحيدة للمجموعة لجني مكاسب من المناقشة وجهًا لوجه. وغياب النقاش وآراء الأقلية يشكل خطرًا على الفريق.96 تصل المجموعات لأقصى درجات الذكاء إذا تحقَّق التوازن بين المعلومات التي يتشارك فيها الجميع والمعلومات التي يعرفها كل عضو من أعضاء المجموعة بمفرده. وما يحافظ على وعي المجموعة هو تضافر كل أجزاء هذه المعلومات المستقلة. فالمجموعات غير المتجانسة التي يمكنها إدارة تنوعها تمتلك فرصة أفضل لحل المشكلات من المجموعات أو الأفراد المتجانسين. فحينما تجتمع الفرق بشكل سليم، تكتسب القدرة على الخروج بحلول فعالة وقوية. وتركز الاستراتيجية الجيدة للفرق على: المدركات الحسية للفريق (الطريقة التي يشعر بها الفريق).
عمليات الفريق (طريقة تفكير الفريق).
إجراءات الفريق (الطريقة التي يتصرَّف بها الفريق).
عندما عينت شركة إتش بي بيتر كارولتشيك لكي يؤسس لمشروع برمجة جديد، قال إنَّ أول مبدأ سيطبِّقه هو اكتساب تصورات متعددة من خبرات مهنية متنوعة؛ أي تسخير قوة إبداع الفريق. وبمجرد حصول الأفراد على الفرصة لتطوير قدراتهم الإبداعية، على الفِرَق أن تكون مهيأة لعملية الابتكار الإبداعي، ثم تنفيذها في المؤسسة. وستظل دائمًا الأفكار والاحتمالات الإبداعية قيد التحسين على يد الفريق، بشرط أن تكون الهياكل والاستراتيجيات في مكانها السليم لدعم عمليات الفريق.
فحيثما وُجد اتصال ملائم بين الإبداع الفردي وعمليات الفريق، يسهل الانتقال من مفاهيم فردية بسيطة إلى حلول معقدة. وتستفيد العمليات الإبداعية بشكل هائل من المدخلات المتمثلة في نطاق التصورات والأفكار. يستطيع المرء أن يبني بوتقة للأفكار الإبداعية من مساهمات مختلف الأشخاص، ومن خلال دمج تصوراتهم المختلفة بكفاءة؛ إذ يستغل إبداع الفرق مواهب الأفراد الإبداعية ويدمجها لتقديم نتيجة مذهلة. ليس كل البشر مبدعين، من حيث قدرتهم على خلق شيء من لا شيء أو تصميم وتشكيل تصورات جديدة غير اعتيادية عن طريق الفن، لكن الجميع يستطيع المساهمة في العملية الإبداعية من خلال استخدام نقاط القوة لديهم. ويشكل الناس ائتلافًا عند اتحادهم لإيجاد حل لمشكلة ما، فيأتي كل عضو بأفكاره وطاقاته الخاصة الفريدة.
(?) المشتَبَه به الثالث: الافتقار إلى التنوع

الميل نحو التشابه والرؤية الضيقة

الافتقار إلى التنوع على مستوى القيادة في المؤسسات يمكنه أيضًا أن يؤدي إلى مشكلات.97 ويبدو أن النطاق المحدود لأساليب التفكير هو الجاني الرئيس. إذ يجنح القادة إلى اختيار ذوي العقول المشابهة لهم ودعمهم وترقيتهم، إلا أنه بمرور الوقت تصبح المؤسسة بمعزل عن مختلف أساليب التفكير وعن الأفكار التي من المرجَّح أن تؤدي إلى الابتكار. وكما أوضح المدون الرائد تشوك فراي الذي تدور كتاباته حول الابتكار: «بدون تنوع أنماط التفكير ووجهات النظر لدى قادة الشركات، من المحتمل ألا تتعرف الشركة على الموظفين المبدعين، ومن المحتمل ألا تتبنَّى الصراع المستوطن في قطع العلاقات وإقامتها، ومن المحتمل أن تفتقر إلى نطاق الرؤية المطلوبة للاستفادة القصوى مما يستطيع الإبداع تحفيزه … والقيادة في الشركات هي أقل المجموعات تنوعًا في العادة بصورة طبيعية … ونزعة الكثير من فرق القيادة نحو التشابه دون شعورها بذلك يضع الشركة أمام أخطار الرؤية الضيقة في الوقت الذي لا تستطيع تحملها، وهي في القمة.»98 هناك أدلة دامغة من قوانين القياس العالمية على أن تعدد الأبعاد يؤدي إلى الابتكار. وهذا ينطبق على المدن والبلدان والفترات الزمنية، فالشركات تنتقل حتمًا من تعدد الأبعاد إلى انعدام الأبعاد لأنها مضطرة إلى ذلك؛ مما يؤدي في النهاية إلى موتها.99 كلما طالت فترة عملك في الشركة، زاد خطر انفصالك عن الحياة الواقعية (فيما يخص الكيفية التي يفكر بها العملاء ويشعرون ويتصرفون) وزادت احتمالية تبنِّيك للتفكير الجماعي. فعندما يعتقد عدد كبير من الناس اعتقادًا جماعيًّا بأنهم خبراء، يضيق نطاق الاحتمالات وتتقلَّص القدرة الإبداعية على حل المشكلات. وفي مواقف العمل، هذا الأمر يمكن أن يعني أيضًا أن هناك ضغوطًا لأنْ نتوافق مع الآخرين، وأنه من الممكن أن يغير أحدهم رأيه، ليس موافقةً، بل لأنه يرى أن التوافق مع قرار المجموعة أسهل من مخالفتها. وتتبنى كثير من المؤسسات المختلفة ثقافة مشابهة من الاعتماد على القادة؛ مما يعيق حركة التنمية نهائيًّا.
وقد وصف مصرفي من مصرف ليمان براذرز تأثير العزل الذي ساد الأيام الأخيرة من عمر الشركة، وقال: «قبيل هذه الأزمة، شعرنا أننا بمعزل عن واقع السوق كله. وكانت تجربة أشبه بخروج الروح من الجسد؛ حيث جلسنا نشاهد الناس تجيء وتروح؛ ويتحدثون عما سيحدث بعد ذلك، وعن عدد الذين سيفقدون وظائفهم. لقد أطعمنا الوحش حتى انفجر.»100 وهكذا يتسبب الافتقار إلى الانفتاح على الأفكار والمعلومات الجديدة في الانهيار الداخلي في نهاية المطاف. قد يكون تبني التنوع أمرًا مخيفًا، بل ربما حتى يعتبر طريقًا محفوفًا بالمخاطر. وعلى النقيض من ذلك، فإن عدم قبول التنوع يؤدي إلى الانهيار. ويقضي جزء من نظرية جيفري ويست بأن المدن تحتاج لأن تتقبل التنوع بصورة أكبر من المعتاد، بل وتدعم حتى الأشخاص المجانين ولهذا السبب تستمر في النمو. وخلافًا للمؤسسات التي لا يمكنها أن تتقبل إلا من ينصاعون ويمتثلون للأوامر ويتسنى لها بكل سهولة تسريح من تعتبرهم مجانين؛ تتسبب المدن في إحداث التقبل. وقد صوَّر ويست ذلك بقوله: «إذا ذهبت إلى جنرال موتورز أو إلى الخطوط الجوية الأمريكية، فلن ترى أناسًا مجانين، فالمجانين يُفصلون من العمل.»
من الممكن أن ينتج عن الحرمان الحسي سواء المطول أو القسري — مثل ما يُرى في الحبس الانفرادي — شعور بالقلق الشديد والهلوسة والأفكار الشاذة والاكتئاب. إنه وسيلة فعالة للتعذيب، إلا أن الفترات القصيرة من الحرمان الحسي توصف بأنها شكل من أشكال التحرر من الضغط يبعث على الاسترخاء، كما أنها تُفضي إلى التأمل. وتُستخدم أحواض الطفو أو العزل في بعض الأحيان كوسيلة لتخفيف حدة التوتر وخفض ضغط الدم وزيادة تدفُّقه. فبعد مرحلة أولية من الشعور بالقلق والتململ والحكة الاضطرارية (ويُشار إلى هذا الشعور أيضًا في بعض الأحيان أثناء المراحل الأولى لعملية التأمل)، عادةً ما ينتقل الشخص داخل حوض الطفو بصورة نموذجية من الموجات المخية ألفا وبيتا إلى موجات ثيتا. ويحدث وقوع هذه الموجات في العادة بين فترات النوم والاستيقاظ، ويمكنها أن تحفز حالة من الحلم الإبداعي. ومن الممكن أيضًا استخدام أحواض العزل هذه لتوليد مشاهد تصويرية مركزة وخلق التفكير الإبداعي. ولهذا من المهم استغلال هذه الفرص بغرض الخلوة الشخصية بمعناها الإيجابي، مع ضمان ألا تعزل الإنسان أو تعود بنتائج عكسية عليه، وألا تصبح حالة عقلية دائمة.
تقرير المحقق

هل قابلت نمط العزل هذا في حيِّك أو في محل عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• الانعزال عن نطاق واسع من الآراء والأفكار. • النزعة إلى تجاهل الآراء والأفكار المخالفة أو محاربتها. • تشكيل الزُّمَر.
أثره على الضحايا:
• ضيق الأفق. • الميل إلى التحيز الضار والتعصب الأعمى أو التمييز في المعاملة.
(?) المرحلة الثالثة: التدهور – تثبيط النمو بسبب اللامبالاة

تشير المرحلة الثالثة من عملية القتل إلى تأثير «القمع» و«التقييد» على الفرد وتسلِّط الضوء على «عشيرة اللامبالاة»، وهم الأفراد المتبلِّدون الذين ينتهي بهم المطاف وهم يعذِّبون الآخرين للتعويض عن انفصالهم عن العالم وعدم اكتراثهم.
(?-?) نمط القتل الخامس: عشيرة اللامبالاة

القتلة الذين ينطبق عليهم نمط «اللامبالاة» يفتقرون إلى الحافز والدافع. وغالبًا ما يقع هؤلاء الأشرار أنفسهم ضحايا للأنظمة التي أماتت إرادتهم لتحقق النجاح. فدون حافز أو دافع لإحراز التقدم وتحقيق الإنجازات، وبوجود الرغبة في رؤية الآخرين يعانون نفس الألم، غالبًا ما يُعيق هؤلاء القتلة الخطرون النمو بصورة ملحوظة. فيتخلصون من القامات ويقوِّضون جميع الجهود المبذولة في سبيل التنمية. وغالبًا ما يُلاحَظ هذا النمط في التهكم الجارح والسخرية اللاذعة؛ فيشعر هؤلاء القتلة بالازدراء نحو من يساعدون على إنقاذ الأرواح أو من يعززون التقدم، فيوغرون طعناتهم لتخترق قلوب ضحاياهم وأعضائهم الحيوية اللازمة لبقائهم. وتموت الضحية إما على الفور أو تنزف ببطء حتى تفارقها الروح إذ تفرغ منها إرادتها للحياة. وأنماط اللامبالاة تتَّسِم في الغالب بالفصام، وسلاحها المفضل هو «الخمول الفتاك».
إنتاج الذهب من البول

في عام ????، أقنع ألماني يسمى هينينج براند نفسه بإمكانية إنتاج الذهب من بول الإنسان بعد تقطيره. وكان هينينج في كل ليلة يجمع بوله في دلو حتى خزَّن خمسين دلوًا ممتلئة ببوله في قبوه على مدى أشهر. وبعد فترة من الزمن، بدأت المادة تتوهَّج وفور تعرضها للهواء الطلق اشتعلت فيها النيران، وقد عُرفت هذه المادة فيما بعد بالفوسفور. وفي النهاية، يُستخدم الفوسفور لأغراض متعددة ابتداءً من السماد والمواد المتفجرة وانتهاءً بمعجون الأسنان والمنظفات. ومنذ اكتشاف فوائد الفوسفور، جُمع وخُزن بول الجنود في دِلَاء (يُنتج كل ???? لتر من البول حواليْ ?? جرامًا من الفوسفور)، وبعدها تطورت عمليات إنتاج الفوسفور إلى أشكال أكثر كفاءة.
هل كان هينينج مبدعًا أم محظوظًا أم مجنونًا أم ذكيًّا أم واهمًا أم كل ما سبق؟ هل يتحتم علينا أن نأتي بفكرة جنونية مثل تحويل بولنا إلى ذهب حتى يتسنى لنا اختراع شيء جدير بالاهتمام؛ حتى نكون مبدعين؟ هذه القصة توضح لنا الدور الذي يلعبه الحظ والإصرار في خلق الإبداع. كما أنها تثير تساؤلًا: هل يولَد العباقرة المبدعون أم يُصنعون؟ والإجابة البسيطة هي أن التنمية الإبداعية تتطلَّب قدرًا صغيرًا من الاثنين معًا، فهي تتطلب شرارة إبداعية أو على الأقل رغبة في التعلم وممارسة الأساليب الإبداعية، لكنها أيضًا تتطلب عادةً الكثير من المثابرة العنيدة من أجل التوصل إلى نجاح إبداعي حقيقي.
وكشف تأمُّل مالكوم جلادويل101 للعبقرية الإبداعية عن مدى أهمية هذين العنصرين، فيقول: «هل تدرك أننا لم نكن لنسمع أبدًا عن شركة فيرجن للتسجيلات أو عن ريتشارد برانسون لولا المقطع الموسيقي الناجح «الأجراس الأنبوبية»، أو إذا قرر أحد مديري البنك الذي تعامل معه ذات صباح ألا يمدد من فترة السماح لائتمانه، أو لو قرر برانسون ألا يستجدي لمد الفترة؟ إن لم يخترع توماس إديسون المصباح الكهربائي، فهل كان سيخترعه شخص آخر؟ إن لم يظل ستيف جوبز في شركة أبل، هل كنا سنحصل على الآي فون الشبيه بسكين الجيب السويسرية متعددة الوظائف، أو مفهوم متجر التطبيقات الذي أحدث ثورة في الهواتف المحمولة ومجال الموسيقى كذلك؟» اللامبالاة تقتل الإبداع عبر إخماد أي شرارة إبداعية أولية ربما كانت متوهجة، أو عبر تثبيط الإرادة نحو المثابرة إن واتت الفرصة شرارة الإبداع تلك أن تشتعل. فالابتكار الحقيقي يتطلب فترة طويلة من التفكير الإبداعي الُمكرس ولذا يمكن للقتلة اللامبالين قتله بسهولة. فهم ينفذون عملهم إما بقطف ضحاياهم في مجدهم وإما بتوجيه الطعنات إليهم بلا هوادة، فيستنفدون ما لديهم من التحفيز الإبداعي. أما من يقدر على التغلب على هذه العشيرة، فيستمر في إشعال إرادته وحماسه لمواصلة التحلِّي بالإبداع على الرغم من التحديات المتواصلة.
والقتلة الذين يطعنون ضحاياهم أو يجلدونهم عادة ما يخططون مسبقًا لفعلتهم بأسلوب محدد الأهداف، وهذا يميز من ينطبق عليهم نمط «اللامبالاة». فما يظهر من افتقار للدافع أو الاهتمام أو العاطفة قد يتحول إلى «طعنة من الخلف» أو «تصرف جارح للمشاعر» متعمد. وعشيرة اللامبالاة التي تتسم بالتهكم والسخرية، يمكنها إلحاق ضرر جسيم بالمؤسسة التي لا تدعم ثقافة شَغُوفًا بالالتزام.
ويمكن قياس تأثير اللامبالاة على أي مؤسسة من خلال مستويات مشاركة الموظفين في العمل، ويمكن قياس هذه المشاركة من خلال: مدى التزام الموظفين بشيء ما أو بعلاقة مع أفراد في المؤسسة.
مدى كدحهم في العمل.
مدة بقائهم في المكان نتيجة لهذا الالتزام.
تُعرف مشاركة الموظف على أنها عامل أساسي في نجاح الفرد والفريق داخل المؤسسة. فهي تتعلق مباشرةً بالروح المعنوية والإنتاجية، وفي النهاية تؤثِّر في نجاح العمل التجاري. وأوضحت دراسة أجريت على ?? ألف موظف حول العالم102 مدى أهمية مشاركة الموظفين في العمل. إذ وجدت أن المؤسسات التي تقل بها نسبة مشاركة الموظفين هي أكثر المؤسسات عرضة لخسارة المواهب ولضعف الأداء. وإلى جانب كون عدم مشاركة الموظفين مُخلَّة بالنظام، فإنها يمكنها أيضًا أن تصبح هدَّامًة جدًّا. وقد وُجد كذلك أنه رغم أن غالبية الموظفين في الشركات ليسوا على درجة عالية من الالتزام وليسوا منعدمي الالتزام أيضًا بدرجة كبيرة، فإن وجود أكثر من موظف واحد مقابل عشرة موظفين منعدمي الالتزام تمامًا (بمعنى أنهم شديدو الاعتراض على شيء ما أو شخص ما داخل المؤسسة) من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على الآخرين، كما يمكن أن يؤثِّر على ثقافة المؤسسة بأكملها. فلندرس هذه الحقائق الدامغة: ??? من القوى العاملة مشاركون بصورة كبيرة في العمل، و??? ليسوا مشاركين كليةً ولا منفصلين كليةً، و??? منفصلون كليةً. أما بالنسبة للموظفين ذوي المشاركة المرتفعة في العمل، فيتميزون بأداء أفضل بنسبة ??? وتقلُّ نسبة احتمالية مغادرتهم الشركة إلى حوالي ???. ومما لا شك فيه أن اللامبالاة في محل العمل التي تنشأ عندما تقل نسبة المشاركة تكلِّف المؤسسات تكلفة باهظة. وأظهرت دراسة استقصائية بريطانية103 أن بعض الموظَّفِين يتصفحون الإنترنت لما يزيد عن ثلاث ساعات يوميًّا،104 كما أوضح محللون آخرون أن ??? من العاملين يعانون من التراجع الكبير في قدرتهم على الإنتاج في فترات بعد الظهر.105 ليس هناك علاقة مباشرة وُجدت بين مجموعات معينة داخل المؤسسة ومستويات المشاركة. فلا النوع، ولا مدة العمل بالشركة، ولا الوظيفة — على سبيل المثال — تتنبَّأ بمشاركة الموظفين فيما يبدو على الإطلاق. وفي الحقيقة، لم يتبين أيٌّ من أفضل خمسة وعشرين حافزًا لمشاركة الموظفين — تم تحديدها في الاستطلاع — من المحتمل أن يؤثر على مستويات مشاركة الموظفين. لكن يبدو أن ثقافة الشركة واستراتيجياتها وسياساتها لها تأثير قوي. فالاختلافات الجوهرية في مشاركة الموظفين في مختلف الشركات تعكس مدى أهمية هذا البعد. فإذا شعر الموظفون داخل المؤسسة بارتباطهم بخطة رئيسية إيجابية، يَظهر الالتزام فيما يبدو. فعدم امتلاك رؤية إيجابية وعدم القدرة على الارتباط بهذه الرؤية — أو ما هو أفضل من ذلك؛ أي تبني هذه الرؤية — يؤديان إلى السقوط في الهاوية.
إنَّ اللامبالاة تسبب جراحًا قاتلة في المؤسسة، فقد يتحوَّل النقص الواضح في الدافع والاهتمام والحماسة إلى ما هو أسوأ. فالمؤسسة التي تعاني من اللامبالاة ستعم بها ثقافة مدمرة تتصف بالخداع والتنمر، كما أن الجروح التي تسببت بها هذه الأسلحة لا تلتئم بسهولة. وكلما زاد عمق الجرح، نتج ضرر داخلي دائم لن تُصلحه أي جراحة. كما تصبح المؤسسة عرضة للعدوى التي تنتشر بسهولة.
ومنذ بداية الخليقة وحتى العصور الوسطى، ساد الظن أن الجروح الجسدية تشير إلى قلب دامٍ أو روح مجروحة. والجروح التي تسببها اللامبالاة تستهدف إيذاء الناس نفسيًّا، لكنها لسخرية القدر غالبًا ما تكشف النقاب عن الجروح النفسية العميقة للقتلة اللامبالين أنفسهم.
قائمة المشتَبَه بهم في عشيرة اللامبالاة الذين سنتحدث عنهم هنا: الافتقار إلى التحفيز.
الافتقار إلى المبادرة.
الافتقار إلى الدافع.
(أ) المشتَبَه به الأول: الافتقار إلى التحفيز

أسرار النجاح الساحق

في كتاب السير كين روبنسون «العنصر» الذي يدور حول الإبداع، أجرى المؤلف مقابلات مع عدد من المبدعين في مسعًى للوقوف على سر نجاحهم. فقد يظن البعض خطأً — مما يرونه من العدد الكبير من النجوم المشهورين — أنه لا بدَّ لك أن تكون متسربًا من التعليم لتكون مبدعًا.106 أما روبنسون فيرى أنه على كل واحد منا أن يبحث عن «عنصره» (أو كما يسميه شيكسنتميهاي107 في أطروحته الأقدم والأكثر اعتمادًا على المنهج العلمي: إيجاد «تدفقنا»). وتظهر أهمية التقاء الموهبة الطبيعية بالشغف الذاتي في الأبحاث — وكلاهما مكونان أساسيان لرحلة البحث عن العنصر أو التدفق — لكن لا يمكن تجاهل «الحظ» أيضًا باعتباره عاملًا رئيسيًّا من عوامل النجاح. إذن فالفيصل الرئيسي هو وجود الدافع أو عدمه. وفي مسعاك للوصول إلى أفضل طريق لتصبح ناجحًا بإبداع ولتبتكر بحكمة، لا بدَّ أن تسلط تركيزك على العملية أكثر من النتيجة؛ إذ قد تكون النتائج متحيزة. فعلى سبيل المثال لا يصف أغلب رجال الأعمال قرارًا ما ? «الأحمق» إذا أدرَّ الأموال، حتى إن أتى القرار ? «ضربة حظ». لكن عادة ما تصلنا قصص الناجحين الذين اكتشفوا شيئًا عظيمًا مشوَّهةً.108 فليس ممكنًا أن تقيِّم بنجاح دربًا معيَّنًا سلكه إنسان في حياته بمعزل عن الآخرين؛ دون أن تضع نُصب عينيك أولئك الذين خطت خطاهم الدرب نفسه. إذن أين نجد أنفسنا عند محاولتنا تحديد سمات العباقرة المُبدعين؟ دائمًا ما تبدو الأشياء أكثر وضوحًا بعد وقوعها، فيخيم شبح تحيُّز الإدراك المتأخر على العديد من دراسات الحالات. لذا، من الخطير أن تتطلع إلى إنسان أتى بفكرة إبداعية وتعكس هندسة تجربته كلها بعملية بسيطة خطوة بخطوة من النهاية إلى البداية. لقد كُشف أمر بعض الذين كان نجاحهم مبنيًّا على قرارات بها مجازفات جنونية إبَّان الأزمة المالية العالمية وأزمة الائتمان في عاميْ ???? و????. فبعد الأزمة اعترف بعض المصرفيين أنهم لم تكن لديهم أدنى فكرة عما كانوا يفعلونه ولا كيف باتوا ناجحين، إنما الأمر هو استمرار الناس في طلب النصح منهم فاستمروا هم في تقديمه. ويمعن المصرفي بوول ستريت مايكل لويس النظر في الأزمة بعد انهيار إمبراطوريته (في ضوء إدراكه المتأخر) وصرح قائلًا: «إلى يومنا هذا يبقى لغزًا لي استعداد البنوك الاستثمارية بوول ستريت لدفع مئات الآلاف من الدولارات إليَّ من أجل تقديم استشارات استثمارية للبالغين. لقد كنت في الرابعة والعشرين من عمري، بلا أي خبرة أو اهتمام بتخمين أي الأسهم أو السندات تصعد أو أيها تهبط. فالمهمة الأساسية لوول ستريت هي تخصيص رأس المال؛ أي تقرير من ينبغي أن يحصل عليه ومن ينبغي ألا يحصل عليه. وصدقوني، لم تكن لديَّ أدنى فكرة.»109 ليس بالحظ وحده ينجح الفرد في تنمية الأفكار الإبداعية واتخاذ القرارات الإبداعية، لكنَّ المدخلات الصغيرة التي تُلاحَق بثبات على مر الوقت تؤدي إلى نتائج وأحداث متفاوتة. وقد يستفيد الأحمق الوفير الحظ من الفوز باليانصيب مرة واحدة (أو بسبب دورة تصاعدية في سوق الأسهم) لكن دعه يحاول أن يعيد الكَرَّة مرارًا في جميع الظروف. فقليلو الحظ الذين لا يكفُّون عن المحاولة مستخدمين المبادئ الآتي ذكرها، قد يستفيدون على الأرجح من قسط من الحظ على المدى البعيد. وفي واقع حياتنا، يميل كل فرد منا في آخر الأمر إلى نزعتنا الأصيلة نحو التفاؤل (وهو ما يُبقِينا مثابرين) أو التشاؤم (وهو ما يدفعنا للاستسلام). إننا نحتاج إلى إمعان النظر في العملية التي تخلق نجاحًا طويل الأمد بدلًا من أحداث جوهرية قصيرة الأجل تلفت انتباه الإعلام.110 فمعظم رواد الأعمال الذين حققوا نجاحات ساحقة على مدًى طويل يميلون إلى الحيطة؛ إذ يتخذون مجازفات صغيرة وفي الوقت نفسه يبقون قدمهم على أرض صلبة، لكن هذا النهج المُتواضع لا يجد مكانًا للمنافسة في الإعلام مع آل برانسون المبهرين الذين تسللوا إلى حياتنا في مناطيد الهواء الحمراء محاطين بالفتيات الجذابات وشعارات السعادة. فقد سوَّق برانسون إبداعه تجاريًّا (وهذا بالفعل إبداع ذكي!) ولكنه ليس القاعدة بل هو من شواذِّها. وقد يشكِّل برانسون ورواد الأعمال أمثاله إلهامًا لنا، لكننا نادرًا ما نسمع عمَّن كانوا أقل «حظًّا». فإذا كان النجاح الإبداعي يقوم على مزيج من الموهبة والحظ، فإن ما هو بحاجة ليكون مبدعًا هو التحفيز، وما يمنع الناس من التحلي بالنجاح الإبداعي و«الحظ» هو الافتقار للتحفيز والدافع. إذن، كيف لنا أن «نلاحق بثبات» الفرصَ لنخلق حظنا الخاص؟
(ب) المشتَبَه به الثاني: الافتقار إلى المبادرة

ما بعد ضربة الحظ

إذا كانت لديك الشرارة الإبداعية الأولية لاستكشاف فكرة جديدة، فإن الخطوة التالية التي تضمن أنك لا تنتظر ببساطة أن يكون النجاح حليفك من خلال «الحظ» هي أن تنتهز فرص النجاح بفاعلية. وهذا هو الملتقى التالي في الرحلة حيث يُحتمل أن تقتل فيه اللامبالاة الإبداع.
الحظ يواتي الذهن المستعد.
لويس باستور غالبًا ما يلعب الحظ دورًا في إشهار نجاحك وإكسابه الاعتراف والتقدير أو غير ذلك، إلا أن الأمر ليس كذلك بالضرورة في عملية التفكير الإبداعي نفسها. فحتى تأتي بفكرة إبداعية أو حل إبداعي بحق، فإنك تحتاج إلى «انطلاقة إبداعية» إيجابية؛ أي الانطلاق من لحظة الاكتشاف «وجدتها!» التي لا تواتي المرء إلا بالمثابرة المنضبطة خلال عمليات المحاولة والخطأ المتأنية. نعم، من الممكن أن يُلهِمنا أناس مبدعون وافرو الحظ، لكن علينا أن نَعِيَ أنه ليس لكافة المبدعين ضربات حظ. ويمكننا البدء في استخلاص العوامل التي يمكننا أن نستخدمها لتوفير الظروف المناسبة لانطلاقتنا الإبداعية الخاصة، فقط عن طريق إمعان النظر في «العمليات» التي تكمن وراء أعمال الناجحين المبدعين. وعلى الرغم من أنه لا أحد يستطيع أن يضمن النجاح عبر اتباع خطوات معينة، فإننا نعلم بالفعل أنك بالطبع لن تنجح إن لم تحاول. وكما يقول المثل «ستفوتك كل الفرص التي لم تنتهزها.» وهذا هو الفيصل الرئيسي بين من يمارس التفكير الإبداعي بنجاح ومن لا يفعل. وبمعنى آخر، إن الذين نجحوا في تحقيق الانطلاقات الإبداعية «المحظوظة» يتميَّزون دائمًا بإصرار عنيد يخلق فرصًا للنجاح.
لقد وُجد أن الأشخاص «المحظوظين» يتقبَّلون الاحتمالات إلى حد بعيد، وتؤكد الأبحاث المُجْرَاة عن العقلية الإبداعية هذا الأمر. فدون العقلية المتفائلة، يسهل التعرض لأَسْرِ الخوف والاستسلام قبل التوصل إلى الحل. بيد أن هذا النوع من التفاؤل ليس مجرد ضربة حظ. فيقول عالم النفس ريتشارد وايزمان: «أغلب الناس لا يتقبلون ما يوجد حولهم.»111 فلتفتح الباب أمام التجارب الجديدة. فمن ناحية، يعْلَق عاثرو الحظ في الروتين (البيروقراطية)، وإذا لمحت أعينهم شيئًا جديدًا، عزفوا عن نيل نصيب منه (الخوف). أما سعداء الحظ — من ناحية أخرى — فدائمًا ما يَتُوقون للجديد. فهم على أُهْبَة الاستعداد لخوض المخاطر، كما أنهم على قدر من الاسترخاء يمكِّنهم في المقام الأول من ملاحظة الفرص. لكن لا يسعك القول بشكل عام إنه متى أتاك حدْس ما، فهو حدْس سليم وعليك الانسياق وراءه. لكنك قد تَضِلُّ في بحر المعرفة الزاخر الذي أضَفْت إلى مياهه عبر سنين، إن عجزت عن إدراك هذه الفرص وتقييمها كما ينبغي. مفهوم «محاباة الباقين رغم الصعاب»112 (حمْل المشاهير الناجحين على الأكتاف وتجاهل من فشل) يقدم لنا منظورًا مشوَّهًا للحقائق. فلأنَّ عقولنا مصممة لرصد الأنماط، فإننا نميل للبحث عن القواسم المُشتركة بين «قصص النجاح الإبداعية» آملين أن تمدَّنا بتركيبة سحرية سرية. لكن واقع الحال هو أننا غالبًا ما نحاول الكشف عن الأنماط في مواضع تنعدم فيها الأنماط، وقد تكون التركيبة السرية هي الإصرار المتفائل. فتزيد احتمالية نجاح الناس لأنه ببساطة كلما زاد عدد الذين يسعون وراء انطلاقة إبداعية أو نجاح ابتكاري، زادت أرجحية وقوع واحد منهم على الأقل حليفًا للحظ. فإن لم يخترع توماس إديسون المصباح الكهربائي أو لم يبتكر بيل جيتس منتَج البرمجيات المستخدم في جميع أنحاء العالم، فلنا أن نوقن أن شخصًا آخر كان سيأتي بحل لتلك المشكلات في مرحلة ما. نحن بحاجة إلى استخلاص المبادئ الإبداعية بدلًا من حمل الأفراد على الأكتاف. (?) المشتَبَه به الثالث: الافتقار إلى الدافع

هزيمة السرطان

النقطة الثالثة في العملية الإبداعية التي يمكن أن يتعرض فيها التفكير الإبداعي لهجوم شرس هي المرحلة التي يحين فيها دفع الأفكار قيد التطوير نحو تطبيقات محددة ومتابعتها حتى إتمامها.
لدينا صديق تتجسَّد فيه العقلية الإيجابية والعمل الجاد الضروري للانطلاقة الإبداعية؛ وهو محامٍ نشطٌ وناجحٌ اتَّجه للعمل مدربًا على المستوى الأوليمبي بعدما خاض صراعًا مضنيًا مع السرطان الفتَّاك. هذا الصديق هو جون هارفي الذي يعي جيدًا معنى المثابرة عند مواجهة التحديات. كان أندرو وجون يمارسان رياضة ركوب الأمواج معًا على مدى عدة سنوات قبل أن يدرك أندرو القدرات الحقيقية لهذا الرجل الهادئ. فبعد أن عرفنا ما واجهه جون وما وصل إليه، قرَّرْنا أن ندعوه للحوار مع بعض عملائنا من الشركات عن رحلته الشخصية. وأول مجموعة التقى بها جون كانت حزمة من سماسرة البورصة المتشكِّكين والمُنْهَكين، ذوي القصور في الانتباه. وقد كان التحدي أمامه هو إلهامهم وتحفيزهم حتى تنشأ لديهم عقليات متفائلة. وحتى يسترعي جون انتباههم، جلس على مقعد في مقدمة الغرفة وأوصل نفسه بجهاز لمراقبة ضربات القلب، وعُرض الرسم البياني لضربات القلب على شاشة. واندهشت المجموعة عندما تمكن جون في دقائق من رفع معدل ضربات قلبه من المعدل الطبيعي في حالة السكون؛ من حوالي ?? ضربة في الدقيقة إلى أكثر من ??? ضربة في الدقيقة، وبعد دقائق قليلة خفضه إلى ما يقل عن ?? ضربة في الدقيقة. والآن انتبه الجمهور، آملين أنهم لو أنصتوا بانتباه لعلهم يتعلمون السر وراء تحكم جون. وصاح بعضهم بعد ذلك إعجابًا قائلين: «يا للعجب! ليتني كنت مثلك.» وكان ذلك رد فعل تقليديًّا لقصص جون وعروضه المبهرة (ولا يزال لديه العديد من العروض المبهرة في جَعْبته)، ولكننا ما إنْ نسمع ردة الفعل هذه حتى نقول لأنفسنا «لو أنهم يعون ما مر به ليصل لتلك المرحلة.»
لم يكن لدى جون خيار آخر إلا محاولة هزيمة السرطان الذي هدد بالقضاء عليه، فأخضع جون عقله وجسده لأبحاث شديدة التنظيم لإيجاد طرق لمواجهة الأورام التي استوطنت جسده لمدة عشرين عامًا. وعلى مدى كل تلك السنوات، أدهش الأطباء والمتخصصين بمرونة عقله وقدرته على الاستمرار في الكفاح والبقاء. تعلَّم جون تخليق الكورتيزون الطبيعي في جسده والتحكم في مستويات حمض اللاكتيك أثناء ممارسته للرياضة. وتعلم أيضًا استهداف السرطان بعقله، وتقليص حجمه خلال تدريبات التصور الإبداعي فحسب. وخلال هذه الفترة، وصل جون للنهائيات في بطولات عالمية للتجديف في الأماكن المغلقة (أمام أبطال أوليمبيين سابقين)، كما أحرز العديد من الأرقام القياسية الأسترالية في رياضة التجديف. ومنذ ذلك الحين وهو يعمل مدربًا لأبطال العالم من الرياضيين والمشاهير وحتى رئيس الوزراء الفريد.
بنهاية هذه المحاضرة التحفيزية الأولى، أطلق سماسرة البورصة على جون لقب «المحظوظ»، وفي الحقيقة كان جون واحدًا من سعداء الحظ الذين تغلَّبوا على هذه المحن، ولكن روتينه اليومي شديدُ الانضباط والتركيز. ولا يدرك معظم من يعرفه مدى العمل الشاق الذي يؤديه ليُبْقِيَ السرطان بمنأًى عنه. فيخطِّط جون ليومه وأسبوعه وشهره بعناية بالغة، كما يخطِّط لأهداف على المدى القصير تؤدي إلى رؤًى بعيدة المدى. ويمارس تدريباته لما يقارب ثماني ساعات يوميًّا، كما «يدرِّب» عقله لستِّ ساعات إضافية في المتوسط. في مرحلة ما، اشتدت آلام سرطان العظام في كَتِف جون فلم يَقْدِرْ على التجديف على آلته، لذا بدلًا من ذلك، أمضى ساعات في تخيُّل عملية التجديف، واستجاب بدنه — بما فيه نبضه — كما لو كان يجدِّف فعلًا. ورغم عجزه عن التدريب على آلته، تابع جون مسيرته حتى حصل على لقب البطولة للعام التالي، وذلك بالتصور الإيجابي وحده. إذن فليس الحظ هو ما أبقى جون مركِّزًا على أهدافه وعلى قيد الحياة في نهاية الأمر، بل العمل الجاد ووضوح الرؤية.
كانت المحصلة النهائية الرئيسية التي توصَّل إليها جلادويل خلال أبحاثه هي أن العبقري الناجح هو مزيج قوي من ظروف — كان الحظ حليفها — وعمل جاد؛ وليس مجرد وراثة جينية.113 وبتحليل جلادويل لتواريخ ميلاد الأطفال في الفِرَق الرياضية، توصل إلى أن الأطفال المولودين في تواريخ مقاربة لآخر يوم في ميعاد التقديم في المدارس — ومن ثَمَّ هم الأكبر سنًّا في صفهم — يحظون بفرصة أكبر للنجاح من أقرانهم الأصغر سنًّا الذين هم في الغالب أقل حجمًا وأضعف جسدًا. وإذ إن الأطفال الأكبر سنًّا من أقرانهم ينضجون جسديًّا بشكل أسرع، فإنهم يتمُّ اختيارهم على الأرجح في الفِرق الرياضية؛ الأمر الذي يشكِّل ثقتهم بأنفسهم ويحفزهم؛ مما يحسن من أدائهم. ويشير جلادويل إلى أنه من الأفضل لك أن تكون الأكبر سنًّا في صف من الصغار على أن تكون الأصغر سنًّا في صفٍّ من الكبار. وهناك بالتأكيد دائمًا عنصر الحظ الذي لا يمكن التحكم فيه بالضرورة. عندما صدر ألبوم فرقة بينك فلويد «الجانب المظلم من القمر» في مارس ????، حقَّق أكبر نسبة مبيعات على الإطلاق (?? مليون نسخة، كما بقي لمدة ??? أسبوعًا على قوائم أفضل المبيعات)، وبهذا الإصدار ظن الكثيرون أن الفرقة حققت نجاحًا دوليًّا بين ليلة وضحاها. أما حقيقة الأمر كما يرويها أعضاء الفرقة في فيلم وثائقي فهي أن نجاحهم أتى من آلاف الساعات التي انتهت بتسجيل الألبوم، فقالوا: «لقد تطلَّب الأمر عشر سنوات من الإعداد.»114 وفي أواخر حياة مايكل جاكسون، كان معروفًا للعالم بما يحدث له خارج المسرح وليس ما يقدمه على خشبة المسرح. لكن فيلم «هذا هو» — وهو تكريم لجاكسون مبني على مشاهد صورت من التمرينات قبل حفله الأخير — أظهر التجهيزات المكثفة وساعات التدريب العديدة التي انعكست في عروضه المميزة بالمرونة والبراعة. ومن الواضح أن حجم العمل كان كبيرًا في إعداد العبقرية الإبداعية التي تميِّز عروض جاكسون المبهرة والمنتَج الرائج تسويقيًّا. إضافةً إلى ذلك، تُظهر السيرة الذاتية لبرانسون الفترات التي حالفه فيها الحظ في حياته، والتي ساعدته في تمهيد الطريق لنجاحه في ريادة الأعمال. إلا أنها تبيِّن كذلك الدافع الكبير والجهد الهائل الذي بُذل لتحقيق هذا النجاح. فلقد ساعدته إرادته القوية وإصراره على النجاح على العودة من الفشل وتخطِّي الصعاب والعقبات لتحقيق أهدافه المرجوة. ماذا عن بيل جيتس؟ هل مرَّ كذلك بفترة كان الحظ فيها حليفه؟ هل كان ببساطة في المكان المناسب في الوقت المناسب؟ لقد وُلد، بالتأكيد، في الوقت الذي بدأت فيه الفرص المناسبة له في الظهور. فتمكن على غير العادة من استخدام أجهزة كمبيوتر أكثر تطورًا من أجهزة الأجيال السابقة أو حتى تلك التي حلم بها معظم أقرانه. وقد تصادف أن كان لوالدته من العلاقات ما ساعده في قيادة شركته الوليدة نحو بداية موفقة على غير العادة. لكنه كان على استعداد أيضًا للتدريب لساعات طويلة لإتقان المهارات المطلوبة (وكان غالبًا ما يعمل أثناء الليل لأن أجهزة الكمبيوتر كانت متوافرة أكثر حينها). ولو تغيرت الظروف تغيرًا بسيطًا، ما كنا لنقرأ عن بيل جيتس الآن، لكن عن شخص آخر حقَّق ما حققه جيتس. وأيًّا كان ذلك الشخص، فإنه كان على الأرجح سيقضي مثل بيل جيتس آلاف الساعات من سنوات مراهقته في تعلُّم الأكواد وتطوير المهارات.
ومما لا شك فيه أن هينينج براند كان إنسانًا متفائلًا. لقد آمن أنه يستطيع صنع شيء استثنائي من «لا شيء»؛ أي إنتاج الثروة (الذهب) من الفضلات (بول الإنسان). وفي هذا الشأن كان مخطئًا أشدَّ الخطأ. ففي الغالب فاحت الروائح الكريهة في منزله (من الصعب تخيل ما هو أسوأ من الرائحة النتنة لبول الإنسان «المحفوظ» والتي تنبعث من القبو!). إلا أن دافعه لاتباع غرائزه وإصراره الشديد المتمركز فقط حول التمسك بالتجربة يعني أنه توصل مصادفةً إلى شيء غير متوقع تمامًا في النهاية، إلا أنه مفيد بشكل لا يصدق؛ ألا وهو الفوسفور. هل كان لشخص آخر أن يكتشف الفوسفور على مر الزمن؟ من المرجح جدًّا. لذا نكرر أن الاكتشاف في حد ذاته ليس الدرس الأساسي هنا، بل العملية هي الأمر المهم. ويمكننا أن نرى التَّفاني الخالص والالتزام الذي يتطلَّبه الأمر للوصول إلى أفكار وحلول إبداعية جديدة، ويمكننا أن نتعلم أيضًا أن مَنْ حاول نجح.
لذا بدلًا من السماح للعداء بأن يتراكم داخلنا ثم نوجِّه هذه العداوة للخارج، فإن أفضل طريقة للتغلب على اللامبالاة هي تحويل هذه الطاقة إلى إرادة نحو المثابرة. ومثل هينينج براند قد لا تجد الذهب، ولكنك ستندهش بما سيُنتجه الالتزام والدافع والإصرار العنيد. فتحويل الماء إلى نبيذ، والبول إلى فوسفور؛ أي التحول من العادي إلى الاستثنائي، لا يحتاج دائمًا إلى إيمان بالقوى الخارقة، أو ثقة تامة في أساليب الخداع البصري؛ إنما يتعلق الأمر بتحفيزك، وأخذك لزمام المبادرة لبدء رحلة البحث، وامتلاكك التركيز والإصرار والالتزام لتحقيق ما تريد.
تقرير المحقق

هل قابلت نمط اللامبالاة هذا في حيِّك أو في محل عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• نزعة للاستسلام بسهولة (الافتقار إلى المثابرة). • السخرية والتهكم. • التخلص من القامات.
أثره على الضحايا:
• الانفصال عن الآخرين. • الافتقار إلى الاهتمام بالنمو.
(?) المرحلة الرابعة: التدمير – ضيق الأفق الهدَّام والتشاؤم

المرحلة النهائية من مراحل عملية القتل الانتكاسية قد تؤدي كذلك إلى ضرر يتعذَّر تداركه. وتشمل هذه المرحلة «عصابة ضيق الأفق» الذين باتوا متعصِّبين ضد الآراء والأفكار الأخرى ومن ثَمَّ يستهدفون الضحايا البريئة بلا رحمة. وتشمل أيضًا المرحلة «فوج التشاؤم» الذين تخلوا عن آمالهم فبدءوا بتسميم الآخرين بسلبيتهم الخبيثة.
(?-?) نمط القتل السادس: عصابة ضيق الأفق

باستخدام نهج عنيد وتعسفي غالبًا، يضمن القتلة الذين ينطبق عليهم نمط ضيق الأفق بقاء ضحاياهم الحمقى محبوسين داخل أنماط سلوكياتهم المألوفة والقياسية. والضحايا هم من يسببون هذا لأنفسهم بصورة غير متعمدة بسبب طرقهم المألوفة في التفكير والتصرف. ومن ينطبق عليه نمط عصابة ضيق الأفق — الذي هو وثيق الصلة بنمط العزل — يكُنْ لديه في العادة نطاق محدود من المدخلات بينما تُعرض عليه أفكار وأساليب تفكير مختلفة. ونتيجة لذلك، يميل هو وأقرانه إلى أن يكونوا من أصحاب العقليات الجامدة والمنهج الضيق الأفق، ويَفرضون هذا التصلب على ضحاياهم. فيقتنع ضحاياهم بالنظر في اتجاه واحد فقط، ولا يدركون أن قبضة ضيق الأفق تستحكم بشدةٍ وصرامة عليهم، كما أنهم لا يشعرون بأنهم يموتون ببطء. وعندما يكتشفون ذلك، يكون أوان الفرار قد فات. وتُظهِر عصابة ضيق الأفق عادةً علامات «اضطراب الشخصية التجنبية»، وسلاحهم المفضل هو «التعصُّب العنيد».
معارك الفورمولا وان وتضييق نطاق القنوات

قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، سيطر البلدان الأوروبيان الصناعيان الكبيران — ألمانيا وإيطاليا — على سباقات الفورمولا وان للسيارات. وفي معظم السنوات، كان التنافس على البطولة العالمية يدور بين مرسيدس-بنز ومازيراتي وفيراري، وكان معروفًا حينها أن كل ما يتطلَّبه الفوز بالسباقات هو صناعة سيارات أقوى ومحركات أكبر. وكانت قوة الحصان هي مقياس قيمة السيارة. ومع ذلك، بحلول الستينيات من القرن الماضي، ظهر جيل جديد من فرق السباق في بريطانيا. وبدون دعم من أي مصنع أو أي دولة، جمعوا المال والأدوات والقوى العاملة لصناعة السيارات في جراجات بسيطة بالضواحي. وصممت بحدس وإبداع، وجرى اختبارها بشكل أساسي على المضامير أثناء السباقات. وعندما ظهرت في سباق أقيم في عطلة نهاية الأسبوع، استهزأت بها فرق السباقات العريقة، حيث أطلق عليها إنزو فيراري — مؤسس هذه الماركة الإيطالية البارعة — لقب «سيارات الورش» مستهزئًا بافتقارها إلى التاريخ وقلة مواردها. لكنْ حدث شيء مذهل بعدها: فازت بالسباقات! واستمرت في الفوز. وطوال الستينيات والسبعينيات، فازت سيارات الورش بالسباقات كل عام تقريبًا في بطولة العالم.115 بم تميزت سيارات الورش؟ لقد مثَّلت منهجًا منفتحًا للابتكار. فبالاستغناء عن الموارد والأفكار الجامدة الخاصة بمنافسيهم، قرَّر القائمون على إنتاجها أن يتخذوا مسارًا مختلفًا. فبدءوا بصفحة جديدة وجربوا أفكارًا جديدة وارتجلوا بمرح ودون خوف من الفشل.116 كانت البداية هي نقل محرك السيارة من المقدمة إلى المؤخرة. وهذا سهَّل التعامل مع السيارة، وزاد من سرعتها على المضمار ومن القدرة على توقُّع حركتها عند زوايا المضمار. كما استخدموا موادَّ جديدة لصناعة سيارات أخف وزنًا وأكثر قوة وصلابة. وشكَّل المحرك جزءًا من قوة السيارة بعد أن كان مجرد أداة مربوطة في هيكلها. على الجانب الآخر، تمسكت الفرق العريقة — المحصنة بأساليبها والمؤمنة بتاريخها — بافتراضاتها عن أسرع سبيل حول المضمار؛ وهو المزيد من القوة. وفي الوقت نفسه، واصلت سيارات الورش الفوز بالسباقات. غالبًا ما يكون ضيق الأفق غير ظاهر لذوي البصيرة المحدودة. فكلما قلَّ الوقت الذي تقضيه في النظر حولك، قلَّ إدراكك للخيارات المتاحة أمامك، وعلقت أفكارك وسلوكياتك في ثغرة واحدة من اختيارك. وقبل أن تدرك ما يحدث ذلك، سرعان ما تجد أن عينيك قد تحجَّرتا نصب اتجاه واحد فقط، ولن تقدر على رؤية الاحتمالات البديلة. فيحبس ضيق الأفق الإبداع ويحطمه عبر تقييد القدرات ووجهات النظر.
ومن الممكن أن تؤدي وجهات النظر المحدودة وعدم مرونة المنهج المتخذ في الحياة إلى سلوك سيكوباتي، وكما أوضحنا، أصبح هذا السلوك شائعًا جدًّا في المؤسسات في يومنا هذا.117 وغالبًا ما يتم الخلط بين السلوك السيكوباتي والموهبة في مؤسسات اليوم، كما يقول مؤلفا كتاب «ثعابين في بذلات». وكما ستجد عناصر السيكوباتية في السلوكيات التحكمية مثل التنمر (كما ناقشناه في قسم النمط الأول للقتل)، ستجدها أيضًا في ضيق الأفق. وغالبًا ما يبدي الأشخاص الذين يعانون اضطرابات في الشخصية آفاقًا محدودة وهذا يميز نوعًا معينًا من الموظفين المهنيين. لكن هذا الأمر يتحول إلى مصدر قلق حقيقي عندما يهدد بموت الإبداع. ويؤدي ضيق الأفق إلى التفكير التقاربي بينما تتطلب العملية الإبداعية الكاملة تفكيرًا تباعديًّا قبل اختيار نقطة الارتكاز. ولتوضيح كيف يمكن للعقل أن يُحاصَر بهذا الشكل، حاوِلْ أن تتخيل منضدةً عليها عدد من الكُرات الصغيرة الموضوعة عشوائيًّا. والآن تخيل أنك ملزم بترتيب هذه الكُرات في صفين منظمين. وبدلًا من الترتيب الفعلي لكل كرة خلف الأخرى، تخيل في ذهنك قناتين على المنضدة، ومن ثَمَّ عندما تلقي الكرات على المنضدة، فإنها تسقط تلقائيًّا في القناة الخاصة بها بسلاسة وتشكل صفين منظمين. عد إلى مخيلتك ثانية وتصور أن هذه القنوات قد تشكلت من أثر السقوط المستمر للكرات. وبهذه الطريقة، تصبح هذه القنوات بكفاءة نظامًا «ذاتي التنظيم». وقد يكون هذا الأمر ميزة لعملية التنظيم إلا أنه قد يتحول إلى عيب بالنسبة للتفكير الإبداعي البشري.
هناك العديد من الأنظمة الذاتية التنظيم التي تحدث بشكل طبيعي. فالجداول المائية، والأنهار، والأودية على سبيل المثال تتحول إلى أنظمة ذاتية التنظيم نتيجة للعوامل الجيولوجية وأنماط هطول الأمطار. والأمطار المستقبلية ستتوجه تلقائيًّا إلى هذه المناطق المنحوتة طبيعيًّا في الأراضي. ومن الغريب أن عقولنا أيضًا تؤسس هذه الأنظمة ذاتية التنظيم. فمع نمو عقولنا على مرِّ الوقت، تجنح إلى بناء «مناطق استجماع للمعلومات» مما يشجع عقولنا على دفع جميع الأفكار نحو قنوات أو طرق تفكير نظامية. ويُظهِر المسح المخي بالأشعة كيف يمكن أن تتطور بعض المسارات العصبية دون غيرها، حيث تشكل «طرقًا سريعة» لتمر بها المعلومات بسرعة وسهولة، أو «ممرات في الأدغال» تتفتَّح مع مرور الوقت وتصبح أسهل في سَلْكِها. وبصورة متزايدة، يتطلَّب الأمر بذل الكثير من الجهد لإجبار الأفكار المستقبلية على الخروج عن هذه الطرق السريعة البالية من كثرة الاستعمال، والتفكير بطرق جديدة. وتنقل شبكة الخلايا العصبية بالمخ الأفكار باستخدام النبضات الكهربية، وكلما زاد انطلاق هذه النبضات، زاد نمو هذه الممرات العصبية، ومن ثَمَّ فإنها غالبًا ما تصبح أكثر سمكًا وأثقل وزنًا من الوصلات العصبية التي لا تنطلق كثيرًا.
أتى إدوارد دي بونو بفكرة التنظيم الذاتي للعقل لأول مرة بعد إجراء الأبحاث على أجهزة الجسم ذاتية التنظيم، مثل القلب والدورة الدموية والجهاز التنفسي والغدد.118 ومن هناك، كان التطور الطبيعي هو البحث في الشبكات العصبية في المخ. وقد استنتج من هذه الأبحاث أن المخَّ بارع في تشكيل الأنماط، ولأن الأنماط غالبًا ما تكون غير متماثلة، فإنه باستطاعة المخ تطوير التفكير الجانبي. وأنماط الفكر البشري تميل إلى الدخول في هذه القنوات المعيارية، أو تحديد طرق التفكير، إذا لم تواجَه بتحديات بانتظام. ويسعى المخ لتنظيم أفكاره — وعادةً ما يكون ذلك استجابةً للمعلومات الواردة — في حالات مستقرة مؤقتًا تأتي بعضها وراء بعض لتشكِّل تسلسلًا. وعندما يتكرر التسلسل أو النمط، يتحوَّل إلى نمط للتفكير أو عقلية توجه الأفكار المستقبلية بطريقة أكثر سهولة في نفس المسار، ومن ثَمَّ يتحول إلى طريقة معيارية للنظر في الوضع أو المشكلة.
إنَّ المنهج السادس المتَّبَع للتنمية الإبداعية الفردية يؤكد على الحاجة إلى استكشاف جميع السبل والمسارات الممكنة، حتى لو بدت غير عقلانية في أول الأمر. على الأرجح، إن أكثر التعبيرات شيوعًا حول الإبداع هو «التفكير خارج الصندوق»، لكن ما الذي يعنيه ذلك حقًّا؟ في أحيان كثيرة، عند بحثنا عن حلول، نعْلَق في نهاية المطاف «داخل الصندوق»، وهو ما يعني أننا ندخل إلى المكان الذي نُخَزِّن فيه كل الأفكار التي تنسجم مع نظامنا الحالي عند ورودها، وبعدها نوصد الغطاء عليه لضمان عدم خروج أي شيء منه أو ورود أي جديد إليه. ومن المثير للدهشة أن هذه هي طريقة عمل «السحر». فمعظم ألعاب السحر تعتمد على قدرة الساحر على إبقاء تفكير الجمهور داخل الصندوق؛ أي الإبقاء على تفكيرهم في خطوط متوقعة وبأساليب متوقَّعَة. وحتى تتمكن من الابتكار حقًّا، عليك أن تتخطَّى حدود هذا النظام ذي التفكير المعياري حتى «تنطلق خارج الصندوق» وحتى تتبع مسارات مختلفة وجديدة. وعند اتصالك مرة أخرى بالقضايا التي بدت لنا سابقًا بلا حلول كثيرة، فستندهش من النتائج التي يمكنك أن تكتشفها بنفسك.
والهدف من كل ذلك هو وجود نظامٍ تُنشئ المعلومات الواردة خلاله سلسلةً من الأنشطة. وبمرور الوقت تتحول هذه السلسلة إلى مسارات أو أنماط مفضلة عن غيرها. وتعد هذه الأنماط مفيدة — فور إنشائها — لأنها تسمح لنا بإدراك الأمور بسلاسة، والتنبؤ بالخطوة التالية بسهولة. وبما أن الإدراك هو الأساس للعمل اليومي، وبما أن القدرة على التنبؤ هي أساس للذكاء، إذن فمن الواضح أن الأنماط آلية جوهرية للبقاء تمكِّننا من مواجهة تحديات الحياة. وبمجرد إنشاء الأنماط، يمكننا بعدها تحليل المواقف الجديدة وفهمها بسهولة بناءً على الخبرات السابقة.
لكنْ تبقى مشكلة نظام الأنماط البسيط هي الحاجة إلى عدد ضخم من الأنماط للتعامل مع كافة أنواع المواقف. فيجب أن يخضع أي موقف جديد — لا يؤدي مباشرة إلى نمط موجود — إلى التحليل وإعادة الهيكلة من جديد. لكنَّ المخ يعالج هذه المشكلة بطريقة بسيطة جدًّا. فمثلها مثل الأنهار، تمتلك الأنماط مناطق استجماع كبيرة؛ مما يعني أن أي نشاط داخل منطقة الاستجماع سيقود الطريق نحو النمط المُنشأ. وترى أجهزة الكمبيوتر أن هذا النوع من تمييز الأنماط صعب للغاية بسبب مرونته الشديدة، لكنَّ المخ لديه القدرة على التمييز فورًا وتلقائيًّا. وعلينا أن نفهم كيف يمكن أن تشتمل العملية في نهاية الأمر على نطاق واسع من المواقف، إن كنا نرى مناطق الاستجماع أشبه بالأقماع. فهذا يعني أننا متى نظرنا إلى العالم، فسنكون على استعداد لرؤيته وفقًا للأنماط القائمة لدينا، ولهذا يُعَدُّ حس الإدراك قويًّا جدًّا ومفيدًا جدًّا. لكن لهذا السبب أيضًا لا تؤدي عملية تحليل المعلومات على الأرجح إلى أفكار جديدة.
ولأن المخ لا يرى إلا ما هو على استعداد لرؤيته (الأنماط القائمة)، فعندما نعمل على تحليل البيانات، نميل إلى انتقاء الأفكار التي هي في مخزوننا بالفعل. وتمامًا مثلما يسيطر السحرة عمدًا على محور انتباهنا، فإنه عندما تُستغل «رؤيتنا الضيقة» بتسخير تركيزنا على أمر واحد فقط، تكبح عقولنا كل ما هو حولنا دون هذا الأمر.119 فنحن نتوقع تنفيذ الأمور بطريقة معينة. بينما يتطلب التفكير الإبداعي منا أن نتعلم فتح مسارات جديدة لتفكيرنا؛ فاستكشاف مسارات مختلفة يعني، إذن، أن تكون على دراية بأنماط أو أساليب مألوفة للتعامل مع الأمور، دون أن تكون مقيدًا بها. ذاكرتنا أيضًا تميل إلى ضيق الأفق، إذا نظرنا إلى الطريقة التي تعيد بها بناء الخبرات التي تشمل عناصر دقيقة وغير دقيقة. وكما هو الحال في حلقات التغذية الراجعة، نسمح لضيق الأفق بتولِّي زمام الأمور، ونعزِّز صورة من ذاكرتنا وخبراتنا تتفق مع أنماط الفكر الحالية.
قائمة المشتَبَه بهم من عصابة ضيق الأفق الذين يستحكمون بقبضتهم الشريرة: الحنكة المقيَّدة.
التحيز.
التفكير الجماعي.
(أ) المشتَبَه به الأول: الحنكة المقيَّدة

زن والخبير المتعجرف

اكتسبت قصة الطالب المنتمي لطائفة الزن البوذية شعبيتها من العديد من أفلام هوليوود؛ إذ يزور هذا الطالب معلِّمه ساعيًا وراء الحكمة، وكما جرت العادة، قدَّم المعلم الشاي للطالب، لكن عندما وصل مستوى الشاي حافة الكوب، استمر المعلم في صبه. فصاح الطالب المتحير: «لقد امتلأ كوب الشاي عن آخره ولن يتحمل المزيد.»
فتوقف المعلم ونظر إلى الطالب، وقال: «أنت مثل الكوب؛ ممتلئ عن آخرك بآرائك وأفكارك الخاصة. فكيف يمكنك أن تتعلم دون أن تفرغ كوبك أولًا؟»120 يستعرض فيلم «أفاتار» هذه الفكرة بطريقة مختلفة:121 يتَّسم شعب نافي الخرافي — الذي غزاه الجنس البشري — بتواضع نشأ لديهم عبر الصلة الروحانية مع عالمهم الطبيعي. وعند مقابلة الشخصية البشرية الرئيسية جيك سولي، الذي أُرسل إلى شعب نافي في هيئة الأفاتار ليتفاوض معهم على التنقيب عن المعادن في أراضيهم، قال النافي تاساهيك (الصالح أو المعلم الروحي) لسولي: «إنه من الصعب ملء كوب ممتلئ بالفعل.» إن انعدام القدرة على تقبل الأفكار الجديدة، والاستماع والتعلم، هو ما يمثل أسوأ صفات الجنس البشري في الفيلم. وفي النهاية لا يتمكن سولي من تعلم الأفكار والمهارات الجديدة والنجاح في مجال جديد تمامًا، إلا بعد «إفراغ كوبه». فنحن ننظر إلى الجهل دائمًا على أنه علامة على الضعف أو الغباء، وهذا أمر مؤسف؛ لأنه يشجع على التظاهر بالمعرفة مما يبعدنا عن التعلم الحقيقي. وتسمي طائفة الزن هذا الأمر بالعقل «الخبير»؛ وهو الإطار الذهني الذي ينشأ عندما نشعر بأننا على دراية بكل شيء. فنحن نتمسَّك بأفكارنا ونغلق الباب أمام تعلم الجديد. ولإحياء الإبداع من الضروري أن نستخلص أسلوب التفكير الذي يعيد الأفكار مرة أخرى إلى الحياة. فإحياء التفكير الإبداعي في نهاية المطاف يتضمن تواضع المبتدئين. إنَّ الاعتقاد بأن الخبرة في مجالٍ ما تعادل الحنكة، ومن ثَمَّ تعادل قدرًا أكبر من الكفاءة، قد وقع موقع التفنيد في عدد من دراسات الحالة.122 وأجرت إحدى هذه الدراسات على سبيل المثال مقارنة بين معالجين نفسيين من حملة المؤهلات العليا وسنوات طويلة من الخبرة، ومعالجين نفسيين مبتدئين دون أي خبرة سوى ثلاثة أشهر من التدريب المحدود. وأظهرت نتائج الدراسة فروقًا ضئيلة جدًّا بين المجموعتين في قدرتهم على تقييم المرضى ومعالجتهم بدقة. فالأطباء في الواقع تقل قدرتهم على تشخيص الأمراض الغريبة بعد فترة معينة من تلقيهم التدريب؛ لأنهم نادرًا ما يقابلونها. وفي إحدى دراسات الحالة الشائقة الأخرى، تم التنسيق لمسابقة تذوق نبيذ في باريس في عام ???? سُميت ? «حكم باريس» وشملت تذوقًا لأنواع من النبيذ القادمة من فرنسا وكاليفورنيا دون معرفة أيهما يتذوق المحكَّم. ولقي «خبراء» النبيذ صعوبة في التمييز بين نبيذ كاليفورنيا وفرنسا الذي قُدم لهم، وأعطوا النبيذ الأمريكي أعلى الدرجات. وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الحكام ذوي الباع الكبير بالنبيذ، لا يُعدُّون أكثر خبرة في تمييز النبيذ من شاربي النبيذ العاديين. والأدهى هو تأكيدهم لهذه النتيجة خلال الاختبارات المعملية التي أجروها.123 المنظور الضيق لدى العديد من الخبراء يجعل من الصعب عليهم تقبل الأفكار الإبداعية الجديدة؛ إذ يحيا عقل الخبراء ما بين الماضي والمستقبل، بينما يحيا عقل المبتدئين في الحاضر. وإذ يشعر الخبير أنه قد مرت عليه كل هذه الأمور من قبل؛ يرى المبتدئ كل هذه التفاصيل كما لو كان يراها للمرة الأولى.124 ولا يقبل عقل الخبراء فكرة الاحتمالات المختلفة؛ لأنه قد فقد براءته الإبداعية.125 فيتحوَّل إلى عقل المتشائمين الواقعيين. أمَّا المبتدئون، فهُم على النقيض من ذلك على استعداد للتعلم المستمر. كما أن المبتدئين يتقبلون المحاولة والفشل والبدء من جديد. إذن فعقل المبتدئ المبدع هو بالضرورة عقل متفائل دومًا. وتُظهِر الأبحاث أن مجموعات الخبراء قد ينتهي بهم الأمر وهم يتشاركون الوهم بأنهم معصومون من الخطأ، والميل إلى دحض الحجج المضادة باستخدام المنطق.126 ويجوز أيضًا ألا يكون الخبراء بارعين في تقييم قراراتهم، وعادةً ما يبالغون في تقدير أرجحية أنهم على صواب. وقد خلصت دراسة حديثة أجريت على سماسرة أسواق صرف العملات الأجنبية إلى أنهم يبالغون في تقدير دقة توقعات سعر الصرف بنسبة ??? في الغالب. ومن ثَمَّ فإن الأشياء التي تتأثر ? «أوهام العصمة من الخطأ» لدى الخبراء تشمل ضيق الأفق والافتقار إلى الحكم الرشيد والميل إلى التفكير الجماعي.127 تتجه العديد من المؤسسات اليوم إلى الابتعاد عن «الخبراء» ذوي الخبرة الواسعة بصفتهم الأمناء الوحيدين للمعرفة. وفي اجتماع للمديرين التنفيذيين في إحدى شركات السيارات الكبرى في العالم، على سبيل المثال، سُئل خمسة وثلاثون مديرًا تنفيذيًّا عن آخر مرة اشتروا فيها سيارة. كانت الفكرة هي جمع معلومات بشأن ما يتطلع إليه المشترون، ليس فقط من قطاعات السوق المستهدفة وإنما من متخذي القرارات النافذة حول تصميم السيارات وبنيتها والتسويق لها وتوزيعها. لكن تبيَّن أن هؤلاء الناس لم يشتروا السيارات الخاصة بهم منذ سنوات؛ فبعد أن توفرت لديهم سيارات الشركة منذ زمن طويل، لا يتذكر أحد منهم شعور اختيار سيارة. وفي المقابل، كان الموظفون الأصغر سنًّا الذين لم يحصلوا على سيارات الشركة، يتمتعون بنظرة ثاقبة للواقع، وكانوا قادرين على تقديم مساهمات ذات شأن في الأبحاث.128 وخلال البحث في الطرق المختلفة لجمع المعلومات، وضعت هذه الشركة يدها على مشكلة لم تبدُ لأحد مسبقًا؛ مما أبرز رؤًى نافذة جديدة. وهناك أسباب عديدة لأرجحية أن يكون الأشخاص الأكثر ابتكارًا في أي مؤسسة هم عادةً أحدث الملتحقين بها. فيميل الشباب لامتلاك أكبر قدر من الطاقة والثقة. ولكونهم «غرباء» فإن لديهم قدرًا أقل من الاحترام للتقاليد والأنظمة المتبعة. كما أن افتقارهم إلى الخبرة يعد ميزة إيجابية لأنهم لا يتقيدون بتقاليد الشركة أو بأي أفكار مسبقة، بينما يظن الموظفون الأقدم أنهم على علم بأن كل ما يُطرح قد وُضع حيزَ التجريب قبل ذلك (وأيضًا قد فشل).
إنَّ المعلومات أصبحت شديدة التعقيد؛ فلا يمكن للخبير الواحد أن يعرف كل شيء. لذا على القادة الاستفادة من المعرفة الجمعية للفريق الذي يقودونه. وأظهرت الأبحاث أن الخبراء قد يتَّسِمون بنطاق معرفي «ضيق للغاية»؛ إذ يرفضون البدائل الإبداعية أو وجهات النظر الجديدة نحو القضايا.
في عقل المبتدئ العديد من الاحتمالات، لكن ليس في عقل الخبير سوى القليل.
شونريو سوزوكي(ب) المشتَبَه به الثاني: التحيز

التصورات المسبقة المسمَّمة

عندما تفكر في الإبداع، هل تفكر في «القيء» و«السم» و«العذاب»؟ خلُص مشروع بحثي مثير للاهتمام إلى أن الأشخاص رغم أنهم يُبدون رغبتهم في الإبداع، فإنهم عادةً ما يقرنون الأفكار الإبداعية لاشعوريًّا بتلك المفاهيم السلبية جدًّا. وقد تكون المفاجأة أننا نحن البشرَ شكلنا انحيازًا فطريًّا ضد الأفكار الإبداعية لاشعوريًّا على الأرجح؛ إذ ترفض المؤسسات على كافة المستويات عمومًا الأفكار الإبداعية، بما في ذلك المؤسسات الأكاديمية والعلمية. وفي مؤسسات التعليم كذلك، يشدد المعلمون على أهمية الإبداع، إلا أنهم يعطِّلونه لاشعوريًّا. حتى المؤسسات التي تدافع باستماتة عن أهمية الأفكار الإبداعية القصوى، تُرفض فيها تلك الأفكار غالبًا. وحقيقةً، إنَّ لهذا التحيز الفطري ضد الإبداع آثارًا كارثية على القدرة على تمييز الأفكار الإبداعية! ويوصي الباحثون — في مواجهة هذا التحيز الواضح — بأن يحوِّل أصحاب التفكير الإبداعي تركيزهم من «توليد المزيد من الأفكار الإبداعية إلى اكتشاف سبل لمساعدة المؤسسات المبتكرة على التعرف على الإبداع وقبوله.»129 تشتقُّ كلمة تحيُّز بالإنجليزية من كلمة لاتينية تعني الحكم المسبق. من ثم فإن التحيز هو الميل إلى إصدار أحكام مسبقة بدلًا من الانتظار والحكم على الموقف بناءً على جوانبه. لكن للأسف، نظرًا لأن العديد من المحفزات المعتادة التي تُنشط التحيُّز باتت متأصِّلة في أنماط تفكيرنا مع الوقت، فإنه من الصعب التخلص من قوتها ونفوذها. فهذا المطارد يرافقنا منذ صغرنا، لذلك لا نشعر بسهولة بأنه مجرم. فلقد وُلدنا وترعرعنا في ثقافة معينة، ومن ثَمَّ نقع ضحايا لقيوده التي تحد من قدرتنا على التفكير بإبداع وتقبل الأفكار الجديدة، حتى لو انصبَّ تفكيرنا على التفكير الإبداعي نفسه.
أثبت الدكتور جيسون في أبحاثه مؤخرًا أن هناك منطقة في أدمغتنا تسمى الفص الصدغي الأمامي ويبدو أنها مهمة للإبقاء على وجود الروابط التحيزية. ففي إحدى التجارب، عندما عُطِّل عمل هذه المنطقة فعليًّا عن طريق تحفيز المخ، وُجد أن احتمالية ربط «العرب» ? «الإرهاب» كانت أقلَّ لدى المشاركين في الاختبار.
يُبقِيك التحيُّز سجينًا «داخل الصندوق» بمحض إرادتك. ولن تمتلك الفرصة لإلقاء نظرة على «العالم الكبير الرحب» والاتجاه نحو حرية التفكير الإبداعي إلا عندما تتعرف على حدود هذا الصندوق؛ أي أبعاده وخصائصه.130(?) المشتَبَه به الثالث: التفكير الجماعي

وَهْم العصمة من الخطأ

كما أسلفنا في قسم «العزل»، العديد من القادة يعمدون إلى أن يحيطوا أنفسهم بأناس مشابهين لهم فكريًّا، ومن ثَمَّ يشكِّلون بيئات بها تنوع ضئيل في الأفكار. تواجه المجموعات ذات الأعضاء شديدي التشابه أو «واسعي المعرفة» صعوبة في مواصلة التعلم؛ لأن أيًّا من أعضاء الفريق لا يأتي بمعلومات جديدة على الطاولة؛ إلا قليلًا. وكلما طالت فترة عملك في المؤسسة، زاد خطر انفصالك عن «الحياة الواقعية» (فيما يخص كيف يفكر العملاء ويشعرون ويتصرفون) وزادت احتمالية تبنِّيك للتفكير الجماعي. فعندما يعتقد عدد كبير من الناس اعتقادًا جماعيًّا بأنهم خبراء، يَضِيق نطاق الاحتمالات الإبداعية وتتقلَّص القدرة الإبداعية على حل المشكلات. وتحت الضغوط من أجل التوافق مع الآخرين، من الممكن أن يغيِّر الأفراد آراءهم؛ ليس لقبولهم الأمر، بل لأن التوافق مع المجموعة أسهل من مخالفتها. وثقافة الاعتماد على القادة يُعِيق أيضًا حركة التنمية.
توضِّح إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية — مثل غزو خليج الخنازير المشئوم وعدم التنبُّؤ بهجوم اليابان على بيرل هاربُر — كيف يقع صُنَّاع القرار بسهولة في فخ التفكير الجماعي عندما يتشابهون في طريقة التفكير ونظرتهم للعالم. فكلما تقاربت مجموعات الخبراء التي تضم مفكرين ذوي عقليات متشابهة، زاد انعزالها عن الأفكار والآراء الأخرى، وضعُف حكمها نتيجة لذلك بصورة متزايدة. وباقتناعهم بأن وجهات نظرهم الضيقة هي الرأي الأفضل أو الأوحد، يبدأ تأثير «وهم العصمة من الخطأ» ويتوقفون عن البحث عن أفكار وخطط بديلة.131 فلقد وضعت مجموعة صغيرة من وكالة المخابرات المركزية والبنتاجون والبيت الأبيض استراتيجية غزو خليج الخنازير، ولم تشرع في طلب المشورة الخارجية أو وضعها في الحسبان؛ إلا قليلًا. وحتى لم يدرس الذين خططوا للعملية المعلومات الأساسية المهمة؛ مثل شعبية كاسترو وقوة القوى الثورية في كوبا في ذلك الوقت (????)، فضلًا عن الإمدادات اللوجستية للاستيلاء على الجزيرة الجبلية بعدد ???? جندي فحسب. وكان هؤلاء هم الذين سيقيِّمون نجاح العملية! مَن يتبع الجماعة فلن يصل إلى ما هو أبعد من الجماعة، ومَن يسِرْ بمفرده فسيجد نفسه — على الأرجح — في أماكن لم يَطَأْهَا سواه.
ألبرت أينشتاين في عالم سباق السيارات الفورمولا وان، تمسَّكت الفرق العريقة بما تعرفه وواصلت التطور بمحاذاة المسار نفسه الذي لما يفارقها قط؛ فصنعت سيارات أكبر، في حين صنَّعت سيارات الورش سيارات أخف وزنًا. ركزت الفرق العريقة على قوة الحصان، بينما ركزت سيارات الورش على قوة العقل. وبسبب اقتناع الفرق العريقة بأنها ستهزم الفرق الناشئة في نهاية الأمر، فقد وثقت في آراء الخبراء وفي منهجياتهم المجرَّبة والسليمة. لكن في النهاية، فاز الابتكار غير المحدود على الحنكة ضيقة الأفق.
تقرير المحقق

هل قابلت نمطَ ضِيق الأفق هذا في حيِّك أو في محل عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• تقييد التفكير. • تقييد القدرة على النظر إلى ما وراء «المعتاد». • الإبقاء على التفكير المحافظ.
أثره على الضحايا:
• الاقتناع بأنهم على حق وأن الآخرين مخطئون. • الميل للشك في المختلفين معهم أو نقدهم.
(?-?) نمط القتل السابع: فوج التشاؤم

النوع الذي يندرج تحت هذا النمط، وهو قاتل خفي آخر، يرتكب جريمة التدمير ببراعة عبر حالة ذهنية سامة تسبِّب اعتلالًا بالأعصاب. وهذه العملية الموهِنة للعزيمة تنشر الأمراض الخبيثة وتلحق العجز بضحاياها. فيبدأ المصابون بهذا الداء بالتواصل مع الآخرين بطرق سلبية، وفي نهاية المطاف يهدمون محاولاتهم ومحاولات الآخرين للبقاء الإيجابي. ويقتل التشاؤم باستخدام خنق الأفكار والآراء الجديدة الإيجابية. ويتَّسِم المتشائمون على الأرجح بالشخصية الانهزامية والتلذذ بتعذيب الذات، والسلاح المفضل لأولئك المعذِّبين المنحرفين هو «السلبية الخبيثة».
الحرب الكيميائية والنظر من ثقب التشاؤم

طُرحت الأسلحة الكيميائية كوسيلة من وسائل الحرب على نطاق واسع لأول مرة في الحرب العالمية الأولى. إذ أطلق الألمان غاز الكلور — وهو منتج ثانويٌّ في صناعة الأصباغ — ضد الحلفاء في الجبهة الغربية في مطلع عام ????. وتسبب الغاز الرمادي المائل للخضرة المنبعث في قتل الجنود اختناقًا عندما كان بتركيزات قوية للغاية. تحوَّل غاز الكلور إلى حمض الهيدروكلوريك عندما تحلل في الماء الموجود في رئتي الضحية، وهذا دمَّر أنسجة الرئتين. كما كان غاز الكلور أيضًا سلاحًا نفسيًّا قويًّا؛ فمتى رأت القوات سحابات الغاز الرمادي المائل للخضرة المميزة فزعوا ووقعت الرهبة في نفوسهم.
ورغم إدانة بريطانيا للتسلح بالغاز باعتباره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، فسرعان ما أقرَّت بحتمية استخدام السلاح نفسه إن كانت تريد البقاء، ولكن عندما استخدمته لأول مرة في سبتمبر ???? ارتدَّ أثره على جنودها بكل ما تعنيه الكلمة. فلأن هذا النوع من الأسلحة اعتمد اعتمادًا شديدًا على حالة الرياح المناسبة، فإن التغير غير المتوقع في حركة الرياح كان يعني عدم وصول الغاز إلى العدو، بل أسوأ من ذلك وهو إمكانية هبوبه مرة أخرى على صفوفهم. وهذا هو ما جرى في هذه الحادثة. وما ضاعف الكارثة كان إرسال مفاتيح تحويل خاطئة مع بعض العبوات، فأصيبت العبوات غير المفتوحة بالقذائف الألمانية مما أدى إلى انتشار المزيد من الغاز بين الصفوف البريطانية. وبالرغم من ارتداء الجنود القائمين بإطلاق الغاز أقنعةً للوقاية منها، فإنَّ الحرارة غَشَتْ فتحات النظر الصغيرة في الأقنعة، ففتح العديد من الجنود أقنعتهم ليتمكنوا من الرؤية واستنشاق الهواء النقي، فتمكَّن منهم الغاز.
وبعدها، طوَّر علماء الكيمياء الفرنسيون سلاحًا كيميائيًّا جديدًا وهو غاز الفوسجين، الذي تميَّز بأنه عديم اللون، وعديم الرائحة نسبيًّا، فلم يكن يمكن اكتشافه بسهولة. وحل غاز الخردل بدوره محل الفوسجين في عام ???? وقد خلف حروقًا كيميائية مروعة في ضحاياه وأصاب العديد منهم بالعمى وتسبب في ضيق التنفس والتقيؤ مما أدى إلى الموت الحتمي. وهذا الغاز الأصفر كان أثقل من الهواء فاستقر على الأرض ودام مفعوله لقرابة الأشهر في الضربة الواحدة، وفقًا للأحوال الجوية. وأصبح غاز الخردل أكثر الأسلحة الكيميائية انتشارًا والأسوأ سمعة في الحرب العالمية الأولى.132 الوفاة جراء الغاز عادةً ما تكون بطيئة ومؤلمة. والتشاؤم مثله مثل الغاز، يتسبب في البداية في حالة من السخط والتهيُّج، وفي النهاية يسبب ألمًا عاطفيًّا ونفسيًّا، ويعرِّض الإبداع إلى موت بطيء ومؤلم. وباستخدام سلاح السلبية الخبيث، يكون التشاؤم قاتلًا عصبيًّا ومَرَضيًّا يصد الناس عنه في النهاية. وكذلك قد يأتي بسهولة بنتائج عكسية على من يستخدمونه فيثير قلقهم ومن ثم يصبحون ضحاياه غير المقصودين. وسلبية التشاؤم هي سلاح خطير لا يمكن التغلب عليه بسهولة، إذ لا يسهل دائمًا التحكم في الظروف التي يوجه فيها هذا السلاح ضرباته. وعلى عكس بعض القتلة الأكثر دهاءً، تُعد دوافع التشاؤم وأثره واضحة للعِيان. ولا أحد يستمتع بالبقاء مع المتشائمين؛ فصحبتهم ليست لطيفة. ويمكنك دائمًا توقُّع تصرفاتهم، لكنهم يفرضون إرادتهم بلا كلل، ولذا يسهُل انجرافك إلى الكآبة السلبية التي يبثونها.
يُعرَف التشاؤم والتفاؤل الآن كخصال محددة تميِّز الأفراد وتحدد نظرتهم إلى الحياة. وفي إحدى الدراسات،133 قسَّم الباحثون الأطفال إلى متفائلين (متحكمين في أنفسهم) ومتشائمين (قليلي الحيلة). وبعدها أعطوهم سلسلة من الاختبارات: أولًا مهام مستحيلة، ثم مهام ممكنة. وقبل فشلهم لم تكن هناك فروق في الأداء، ولكن ظهرت الفروق التالية بعد وقوع الفشل بالنسبة للمتشائمين؛ إذ انخفضت مهارات حل المشكلات من مستوى المرحلة الدراسية الرابعة إلى مستوى المرحلة الدراسية الأولى، فبدءوا يكرهون ما يخوَّل إليهم من مهامَّ. وبعد إعطائهم جميعًا مهمة ليس بالمستحيل إتمامها، تغاضى الأطفال قليلو الحيلة عن النجاح الذي حققوه من قبل وتوقفوا عن المحاولة وحسب. أما المتفائلون، فحافظوا على مستوى المرحلة الدراسية الرابعة، واستمروا في التركيز وأظهروا ثقة كافية للاستمرار في المحاولة. وقد أوضح هذا البحث أن الأطفال أو البالغين الذين يؤمنون بأنهم قليلو الحيلة يتوقفون عن المحاولة ويهبط أداؤهم. فعندما يتوقف الناس عن المحاولة، لا يتطلعون إلى أفكار وطرق جديدة لحل المشكلات؛ فيكفُّون عن الإبداع. ولأن غير المبدعين من الناس يلتزمون بالروتين، فإنهم لا يرغبون في المشاركة فيما هو جديد عند رؤيته. وبهذه الطريقة يشلُّ التشاؤم الإبداع. يرى بعض الأطباء النفسيين اليوم أن «التشاؤم الدفاعي» يعتبر آلية تكيف بنَّاءة لأنه يضمن وجود منظور واقعي للأمور. فبإمكان الأشخاص الذين لديهم نظرة تشاؤمية فطرية أن يجدوا سبلًا للعمل «في أسوأ السيناريوهات المتوقعة» والتوافق مع متطلبات الحياة الحديثة. إن الانغماس في أفكار سلبية مثل هذه قد يساعد بالفعل العديد من الناس في بذل أفضل ما لديهم وذلك بكونهم على استعداد لما هو أسوأ.134 ولكن التشاؤم المفرط ليس صحيًّا على الإطلاق (أيضًا التفاؤل غير الواقعي خطير). ويشبه المصابون بالتشاؤم الدفاعيِّ المصابين بالاكتئاب الخفيف إذ إنهم يُبدُون توقعات سلبية ومستويات عالية من القلق. وكذلك يقع المفرِطون في التشاؤم بسهولة أكبر في الاكتئاب، إلا أن العكس يسري أيضًا؛ إذ قد يتسبب الاكتئاب في زيادة النظرة التشاؤمية لدى الفرد.135 وبالنسبة للتفكير الإبداعي، يشجِّع التفاؤل على تقبل المزيد من الاحتمالات،136 وبالرغم من الاعتقاد القديم بأن التشاؤم والاكتئاب يعزِّزان الفكر الإبداعي، فالعكس هو الصحيح في حقيقة الأمر.137 إذ أدرك الباحثون منذ زمن أن المشاعر السلبية تُضفي على الأشخاص نوعًا من الرؤية الضيقة أو تحجب انتباههم، وأن الأشخاص يصلون لأعلى مستويات الإبداع عندما يشعرون بالتفاؤل والسعادة. إذ تسمح حالة التفاؤل للأشخاص بتقبل المعلومات بجميع أنواعها. وكما يقول العالم النفسي آدم أندرسون — وهو أحد المشاركين في دراسة بجامعة تورونتو — إنه «عندما تكون في حالة مزاجية طيبة، قد تتعمق في أشياء كنت دائمًا ما تتجاهلها»، وهكذا «بدلًا من النظر من ثقب صغير، تحصل على منظر طبيعيٍّ فسيح أو إطلالة بانورامية على العالم.»138 يَميل المتشائمون لإبداء مستوًى متدنٍّ من الثقة، وعدم الاهتمام بالأنشطة، وعدم وجود الدافع القوي أو الطموح للخروج من نظرتهم الضيقة وتحقيق الإنجازات، ومن ثم من غير المرجح أن يبدعوا بنشاط. وقال نيتشه: «إنَّ التشاؤم يؤدي إلى الاستسلام.»139 ومن ناحية أخرى، ينزع المتفائلون إلى النجاح في الحياة. فرجال المبيعات المتفائلون يتفوقون على أقرانهم المتشائمين بنسبة ?? بالمائة. وفي الحقيقة، يمكن رؤية فوائد التفاؤل في مختلف مجالات العمل والمهام الوظيفية. فعلى سبيل المثال، الأطباء ذوو الحالة الذهنية الإيجابية تكون دقة تشخيصاتهم أعلى بنسبة ??? من الأطباء السلبيين.140 قائمة المشتَبَه بهم في فوج التشاؤم الذين سنتحدث عنهم الآن: السلبية (مثل اللغة والعواطف السلبية).
اليأس.
الافتقار إلى الثقة.
(أ) المشتَبَه به الأول: السلبية

الانهزامية الغادرة

اللغة التشاؤمية قد تدمر الإبداع خلال تقييد التفكير. ومن خلال إعادة صياغة الكلام، من الممكن تغيير محور التركيز ليتفتح المجال للمزيد من الاحتمالات. خذ بعين الاعتبار بعض الأمثلة من خدمة العملاء. فبدلًا من قولك: «لا يمكننا فعل هذا.» يمكنك قول: «هذه قد تكون مشكلة، لكن يمكننا أن نقوم بهذا بدلًا من …» وبدلًا من قول: «لا يمكننا البدء قبل أن نأتي بالمعلومات التي نحتاج إليها منك.» يمكنك أن تقول: «الرجاء إعطاؤنا المعلومات التي نحتاج إليها منك كي نبدأ.»
انظر كيف تمكنت شركة شل للبترول من استغلال مشكلات اللغة السلبية في إحدى إعلاناتها:… إن أزمة الطاقة الحقيقية تكمن في القصور الذاتي الذي يصيب كل بني جنسنا إلا قليلًا حينما نواجه مشكلات تبدو عويصة، وفي ميل الأغلبية لقول «لا» و«مطلقًا» و«لا أقدر» والاستسلام بسهولة. ومن دواعي سرورنا أن المبدعين القائمين على حل المشكلات في شل لا يقبلون بكلمة «لا» إجابة …141 وفيما يلي بعض الأمثلة الشهيرة عن أساليب الشخصية الانهزامية التي يفكر بها الناس في أحداث حياتهم ويفسرونها بها: التفكير ذو الحدين: رؤية الأحداث من منظورين نقيضين، بطريقة «إما كل شيء أو لا شيء» (على سبيل المثال تصور الأحداث إما رائعة أو مروعة، دون اعتراف بالمساحات الرمادية بينهما).
الشخصنة المفرطة: الاستنتاج تلقائيًّا أن سلوك الآخر أو مزاجه هو رد فعل مباشر لك (مثال: هي بحالة مزاجية سيئة، إذن لا بدَّ أنني فعلت أمرًا خاطئًا).
التعميم الزائد: النظر إلى حدث ما بأن له أثرًا أكبر في جوانب عدة في حياتك أكثر مما يحتمله حقيقةً.
العجز المكتسب هو رد الفعل بالاستسلام، وتجاهل الإيجابي منها.
الاستنتاج العاطفي: استنتاج أن ما تشعر به لا بد أن يكون الحقيقة (مثال: إن كنت تشعر بأنك غبي، فحتمًا أنت غبي).
للتغلُّب على التشاؤم، من المهم أن تتعرف على جميع هذه الميول وتتعامل معها. ويمكن مواجهة السلبية بطرق، منها: التفكير المحدد.
تجنب الشخصنة والتعميم غير الضروريين.
الفلترة الإيجابية.
الاستنتاج المنطقي.
(ب) المشتَبَه به الثاني: اليأس

العجز المكتسب

العجز المكتسب هو رد الفعل بالاستسلام، واستجابة بالانسحاب تنبع من الإيمان بأنه مهما كان ما تقوم به فإنه لن يُجدي. إن الطريقة التي عادةً ما تفسر بها لنفسك سبب وقوع الأحداث — أي أسلوبك الشخصي في التفسير — تحدد مدى العجز الذي وصلت إليه. فمن المهم عند الابتكار أن تثابر وأن تدفع الفشل لتأتي بحلول مبتكرة. وأهم من ذلك هو ما تفكر فيه حين تفشل. إن استخدام قوة التفكير غير السلبي — أي تغيير الأمور المدمرة التي تحدِّث نفسك بها عند مرورك بانتكاسة من تلك التي تناوبها الحياة بيننا جميعًا — هو المهارة الرئيسية للتفاؤل. فجملة «دائمًا ما أحاول لكنني أحيانًا أفشل.» أفضل كثيرًا من «دائمًا ما أفشل لكنني أحيانًا أحاول.»
تزيد احتمالية إصابة المتشائمين بالاكتئاب بنسبة تصل إلى ثمانية أضعاف عند وقوع أحداث سيئة؛142 فأداؤهم في الدراسة وفي الرياضة وأغلب الوظائف أكثر سوءًا مما تُظهره مواهبهم. تسوء صحتهم البدنية وتقصر أعمارهم؛ وتكون علاقاتهم أكثر اضطرابًا. فهم يميلون للوم أنفسهم عندما تسوء الأمور، ويصبحون أكثر عزوفًا عن المحاولة من جديد مع كل تجربة سلبية. فيبدءون في النظر إلى الأحداث الإيجابية في حياتهم باعتبارها «حظوظًا» ليس لها علاقة بهم ويتوقعون ما هو أسوأ. ومن ناحية أخرى، فإن فوائد التفاؤل والحالة الذهنية الإيجابية هائلة؛ فالمتفائلون يتمتَّعون بحياة صحية أفضل وعلاقات أقوى، وهم أكثر إنتاجًا، ويتعرَّضون لإجهاد أقل. وهذا لأن المتفائلين يَمِيلون إلى خوض المزيد من المخاطر وإلقاء اللوم على ظروف خارجية إذا فشلوا، ويحافظون على عقلية «المحاولة من جديد»؛ مما يجعلهم أقرب إلى النجاح في المستقبل، وأقل ضِيقًا بالفشل بوجه عام. وبهذه الطريقة، يصنع كل من المتفائلين والمتشائمين مصيرهم بأيديهم. وبحسب التعريف المعجمي، فإن الأمل يعني «التطلع للأمام برغبة وثقة حكيمة». وبدون أمل — كما يُستدل من المعنى — لن تكون هناك رغبة ولا ثقة؛ مما يعني صعوبة الأخذ بزمام المبادرة والمثابرة خلال عملية الإبداع.
الاحتمال هو جوهر التفكير الإدراكي والتفكير الإبداعي والتفكير التصميمي والتفكير الاستكشافي.
إدوارد دي بونو(?) المشتَبَه به الثالث: الافتقار إلى الثقة

بُغض الجنس البشري والعدمية

وفقًا لما جاء عن بعض الباحثين المسلمين، قد يؤدِّي التشاؤم إلى الارتياب الهدَّام في الآخرين،143 وهذا قد يحدُّ من التفكير في الاحتمالات ويقلل مستويات تفتح الذهن المطلوب للعملية الإبداعية. ويقول هؤلاء الباحثون إنَّ مشكلات الارتياب الناجم عن التشاؤم قد: تدمر جذور التناغم بين الناس.
تؤدي إلى الانسحاب.
تؤثر على المنطق والقدرة على الحكم على الآخرين بإنصاف.
تنقل العدوى والإصابة بها.
فعند تعميم هذا النوع من الارتياب التشاؤمي، يُسمى وقتئذٍ ببُغض الجنس البشري؛ وهو بغض أو ازدراء أو كراهية الناس بشكل عام. ووفقًا لأفلاطون، ينبع بغض الجنس البشري من التوقعات المحبَطة باستمرار أو التفاؤل الساذج المبالغ فيه. وتارةً أخرى نؤكد، عندما تُغلِق الباب في وجه الناس وأمام الفرص، فأنت تغلقه في وجه مدخلات إيجابية محتملة للتفكير الإبداعي.
غالبًا ما يكون لدى السيكوباتيين والقتلة السفاحين ميولٌ لبغض البشر. وكان القاتل الأمريكي السفاح كارل بانزرام أكبر مثال على ذلك.144 حيث كشف بانزرام — الذي اعترف بارتكاب اثنتين وعشرين جريمة قتل وانتهاك عرض أكثر من ألف ذكر — عن نظرته العدمية في كلماته الأخيرة الشهيرة، وبصق في وجه منفذ حكم الإعدام عند إحكام حبل المشنقة حول رقبته قائلًا: «أتمنى لو كانت للبشرية جمعاء رقبة واحدة حتى أخنقها!»145 ومن حسن الحظ أن عددًا قليلًا من المؤسسات تتعرض لهذا المستوى من البغض للجنس البشري، لكن علينا جميعًا أن ننتبه كي لا نسمح بنمو الارتياب. انصرفت الولايات المتحدة عن الحرب البيولوجية وعن أول استخدام للأسلحة الكيميائية في ?? نوفمبر ????. والقرار الذي صدر آنذاك لا يزال ساريًا حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين، يتم التخلص من الأسلحة الكيميائية بإغراق حمولات السفن من الأسلحة، ومؤخرًا يتم حرقها في المناطق الجبلية. وقد دُمر الآن معظم مخزون الأسلحة الكيميائية.
ربما يكون من الممكن الحد من طرق التفكير التشاؤمية واللغة التشاؤمية أو التخلص منها بنفس الطريقة. ولربما الأكثر أهمية هو أننا يمكننا تعلم «إغراق» أو «حرق» اللغة والأفعال التي تُديم المشكلة، أو من الأفضل العمل على «تحييد» هذه العقلية متى كان ممكنًا. وبعدها يمكن أن نضمن أن يتوفَّر للتفكير الإيجابي الظروف المواتية التي يحتاجها للبقاء على قيد الحياة.
تقرير المحقق

هل قابلت نمط التشاؤم هذا في حيِّك أو في محل عملك؟ خصائص هذا النمط تشمل:
• خلق عقلية سلبية مسممة. • إخماد الأفكار والآراء الجديدة. • غرس شعور باليأس. • خلق الارتياب.
أثره على الضحايا:
• العجز مكتسب. • العزلة. • غياب الإرادة.

الفصل الثالث
أين قُتل الإبداع؟


البحث عن مواقع القتل المحتملة

تخيَّل أنك تسير نحو مقعد في حديقة لتتناول غداءك. وفجأة يرنُّ هاتفك بنغمة سرية، تنبِّهك إلى حقيقة أنك على وشك الجلوس بجانب مرتكب جرائم جنسية مسجَّل، أو ربما حتى قاتلٍ. وهذا ليس سيناريو من فيلم رعب أو خيال علمي. فهذه التكنولوجيا موجودة حولنا منذ فترة. ومن الممكن فعلًا تحميل تطبيق على آي فون أو آندرويد يخبرك بعدد المجرمين الموجودين في محيط نصف قطر حول المنطقة التي أنت فيها. وقد تم اختباره مؤخرًا في أحد المواقع بالمدينة ليغطِّي منطقة محددة، فكشف عن اثنين من فئة المجرمين العنيفين، وأربعة من فئة المجرمين المدانين بالسرقة أو السطو، وخمسين من فئة المدانين بارتكاب جرائم متعددة، وحوالي اثنيْ عشر من فئة ذوي المخالفات المرورية أو غيرها من المخالفات القانونية الأخرى. هذا قد يُشعِرك بالارتياب ولو قليلًا. ما الذي ينتويه كل هؤلاء المجرمين؟ علق أحد المدوِّنين قائلًا: «بعد أن عشت هنا قرابة خمسة عشر عامًا، غالبًا سأبدأ في أن أوصد بابي ليلًا … يا إلهي! مدينتي يكتسحها المغتصبون والمتحرشون بالأطفال. عليَّ أن أكفَّ عن النظر في هذه الخريطة!»
في المملكة المتحدة، قامت مجموعة تسمى «المجموعة الخيرية لمانعي وقوع الجرائم» بوضع خريطة ? «البؤر الإجرامية» التي يعيش فيها أكثر المجرمين شراسة في بريطانيا. وقد لا يثير الدهشة أن تكون المدن المزدحمة على رأس البؤر الإجرامية. فحسبما ذكر وزير داخلية حكومة الظل كريس جرايلينج: «إن أكثر المجرمين عنادًا غالبًا ما يخرجون من أكثر المناطق حرمانًا والتي يصعب التعامل معها في أكبر مدننا. وهذا يؤكد على كيفية تأثر تلك المناطق بالجرائم تأثرًا كبيرًا.»1 وتستخدم الشرطة هذه الإحصائيات عند البتِّ في أماكن توزيع الموارد وفي تركيزها على برامج منع الجرائم والتعليم. وبالطريقة نفسها، كلما تعرفنا على أماكن وجود قتلة إبداعنا، كنا على استعداد أفضل لإيجاد سُبل لمنع أنشطتهم والتعامل معها. لذا من المفيد معرفة ما إذا كانت هناك أماكن معينة في المؤسسة من «البؤر الإجرامية» التي يتسكَّع فيها الأشرار.
(?) تحديد «البؤر الإجرامية»: من مكتب المدير إلى الكافيتريا

أغلب اللصوص كُسالى، فهم يستخدمون أسهل طريقة للدخول إلى موقعهم المستهدف.2 ووسيلتهم المفضلة للدخول هي ذات وسيلتنا: الدخول من الباب. قتلة الإبداع يفضلون أيضًا الدخول ببساطة خلال الباب الأمامي لغرف معيشتنا أو محالِّ عملنا، ثم يتمركزون بسعادة في البؤر المفضلة لديهم. ولأنهم غالبًا ما يكونون متنكرين بمهارة أو شديدي الجاذبية، فعادة ما يفلتون بجرمهم. هناك تمرين شائق (وكثيرًا ما يكون مُسليًا)، وهو أن تتصفح قسم القتلة في هذا الكتاب وترى إن دخل كل قاتل مؤسستك دون أن يُكتشف، وإذا كان الأمر كذلك، فأين يمكن أن تكون أماكن تسكُّعه المفضَّلة. ويمكنك أيضًا محاولة مطابقة القاتل والسلاح مع أكثر الأماكن المحتملة. سيكون عليك أولًا أن تفكر فيمن فعلها: هل هو على سبيل المثال الإجهاد المفرط مستخدمًا الإرهاب المطبق في مكتب المدير؟ أم البيروقراطية مستخدمة الإرغام الساحق في قسم الحسابات؟ في ورش العمل التي نعقدها، نستخدم لعبة الألواح التي تحاكي الواقع مع هذه الشخصيات لإثارة النقاش حول هذا الموضوع، ثم تصوت المجموعات على أكثر الجناة والأسلحة والمواقع المحتملة، التي تختلف كثيرًا من مؤسسة إلى أخرى، وحتى من فريق إلى آخر.
عند النظر في الأماكن التي يُرجَّح وجود قتلة الإبداع بها، قد يثير اهتمامك أن تعود بذاكرتك إلى أيام المدرسة. هل تتذكر أين كان يتجمع الأطفال القساة؟ في حالتنا، وبالعودة بالذاكرة، لم يكن ذلك يحدث في الأماكن الجذابة أو المحببة؛ فكانوا حقيقةً يتجمَّعون في المراحيض! وكثيرًا ما كان الطلاب الصغار يحبسون أنفسهم عن التبول طوال النهار كي لا يجازفوا بمواجهة طلاب الصف الأعلى من المدخنين وسَلِيطِي اللسان في المراحيض. على الجانب الآخر، كانت مكتبةُ المدرسة، الساكنة والمملة — لكنها آمنة وهادئة — والتي كانت ملاذ الخجولين (خاصة إذا كانوا يتعرضون للتنمُّر) محجوزةً للمهووسين بالدراسة. وفي أبحاثنا، وجدنا أنه في مؤسسات العمل يميل قتلة الإبداع إلى التسلل إلى تلك المناطق الأكثر صرامةً وتنظيمًا والأقل تفتحًا ومرحًا.
وقد كشف استطلاع لنا أجريناه على الإنترنت عن بعض العوامل البيئية الرئيسية التي ترتبط بموت الإبداع من وجهة نظر المشاركين. فأشار العديد إلى أنه كلما ترقى الفرد في المؤسسة (على سبيل المثال الرئيس التنفيذي، وأعضاء مجلس الإدارة، والمديرون التنفيذيون، وموظفو الحسابات والموارد البشرية)، زاد احتمال قتل الإبداع. وكان من بين التعليقات: «الموارد البشرية والمالية هما أكثر المجالات المنظمة في حقل عملي تقييدًا للإبداع» وكذلك «يُقتل الإبداع في أي مكان يُصغَى فيه إلى الناس ويُقدَّرون بسبب مكانتهم لا مواهبهم وقدراتهم.»3 العامل البيئي الهام الآخر الذي ينبغي وضعه في الاعتبار هو البيئة الاجتماعية. في المدرسة لديك من جهةٍ المتنمِّرون أو الأولاد القساة (وسنسميهم هنا أطفال ثقافة المرحاض لاستحضار صورة معينة في ذهنك)، ومن جهة أخرى المهووسون بالمذاكرة (ولنسمِّهم أطفال ثقافة المكتبة)، لكن معظم الأطفال يقعون في مكان ما في المنتصف بين هذين الطرفين. فهؤلاء الأطفال غالبًا ما يتأثرون بسهولة بأحد الطريقين؛ بثقافة المرحاض أو ثقافة المكتبة. والأمر متروك للمدرسة لإرساء أجواء إيجابية وخلق ثقافة بنَّاءة، مع الحرص على إنشاء مرافق توصلهم إلى مهمتهم. ومثله مثل تأثير المصوت المتأرجح، فإن تأثير الطالب المتأرجح يمكن أن يكون هائلًا إذا استُثمر بكفاءة. فلا ينتهي تأثير الأقران عندما نتخرج من المدرسة. فنحن نحب إرضاء الناس الذين نقضي وقتنا معهم، وإن كان هذا يعني أن نكون مسيطرين أو ساخرين أو ضيقي الأفق، فسيفعل الكثير منا ذلك. وإن كان يعني أن نشجع الآخرين، فسنفعل ذلك أيضًا، ما دام هناك حافز. وإذا أوقف من حولك الإبداع، فسيصعب الخروج بأفكار جديدة، لكن إذا تمَّ التشجيع عليه فسيشارك الجميع بحماس. فثقافتا المرحاض والمكتبة تنتشران في كل مكان.
في المؤسسات أيضًا يمكن خلق بيئة إيجابية تضمن وجود تحيز بنَّاء نحو التفكير الإبداعي وبعيدًا عن قتلة الإبداع الذين قد يبسطون نفوذهم. ومفهوم «نقطة التحول»4 لمالكوم جلادويل يتعلق بديناميكيات الفريق كما يتعلق بمجالات أخرى.5 فأحيانًا يتسبب تغيير طفيف في العاملين في الفريق إلى تغيير البيئة بأكملها. إن لأي مؤسسة ثقافة من شأنها تشجيع أيٍّ من المجرمين أو المحفزين على الازدهار. انظر إلى البنك الوطني الأسترالي ومجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية. فقد أعلنت كلتا المؤسستين أنهما حريصتان على تغيير طريقة عملهما. وكلتا المؤسستين تستخدمان نهجًا مطابقًا للتغيير (يُسمى برنامج البنك الوطني الأسترالي «الانطلاق»، ويسمى برنامج مجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية «الاندفاع»)، وقد صممت شركة ماكينزي للاستشارات الإدارية كلا البرنامجين سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وكلاهما يركزان على السلوكيات الاجتماعية التي تحتاج إلى التعديل حتى تُحدث تغييرًا ثقافيًّا إيجابيًّا. وفقًا لمهندسي برامج مجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية، فإن أنواع القيم المؤثرة التي سوف تحدد هذه السلوكيات وتنشئ تغييرًا ثقافيًّا إيجابيًّا تشمل الثقة والشفافية والمساءلة والتمكين.6 وإن لم يحدث هذا الأمر، أو إن سيطرت المنافسة المدمرة وعدم الثقة على المؤسسة، فلا يمكن أن يبقى الإبداع على قيد الحياة. إذن، كيف تتعامل مع ثقافة المرحاض في المدرسة أو مؤسسة العمل؟ حاول أن تعقد اجتماعاتك هناك، وتحويلها إلى درس عملي! قرر مدير تنفيذي إقليمي مبدع في شركة جرايهاوند أن يذهب دون إخطار إلى محطة للحافلات تكثر بها المشكلات وعقد اجتماعًا مفاجئًا للموظفين في المراحيض ليسلط الضوء على حقيقة أنهم عليهم التشديد على الحفاظ على نظافة المراحيض.7 كان هذا درسًا عمليًّا واضحًا ذا تأثير قوي بلا شك. وفي درس عملي آخر مماثل، عقدت مدرسة خاصة اجتماعًا في المراحيض تُوِّجَ بنجاح مبهر مماثل. فقد كانت هناك مجموعة من الفتيات يبلغ عمرهن اثنيْ عشر عامًا يجتمعن بانتظام في المراحيض ويتركن بصمات أحمر الشفاه على المرايا. وكلما أزال عامل النظافة الآثار، ظهر المزيد في اليوم التالي. وباءت بالفشل كل جهود الناظرة لتأديب الفتيات، واستمرت آثار أحمر الشفاه في الظهور، حتى جاءت أخيرًا بحل إبداعي. فدعت الفتيات إلى الحمام مع عامل النظافة، وشرحت لهن مقدار الجهد الذي يُبذل في تنظيف المرايا. ثم طلبت من عامل النظافة توضيح ذلك. فأخذ عامل النظافة ممسحة، وغمسها في مقعد المرحاض، ونظف بها المرآة. توقَّفت المشكلة بعد ذلك! هذا الفصل سوف يبحر في بعض الأماكن العامة التي تجدها في معظم المنظمات والمؤسسات، سواء الحكومية أو الخاصة، على كافة المستويات. انظر ما إذا كان يمكنك معرفة أين يتمركز قتلة الإبداع في مؤسستك!
(?-?) موقع الجريمة المحتمل الأول: مكتب المدير

ترك القتلة بصماتهم هنا بالتأكيد. يكافح الرؤساء التنفيذيون وغيرهم من المديرين الرفيعي المستوى عادةً لمواكبة بيئات العمل المتقلبة والآخذة في التعقيد. إنهم بحاجة إلى التركيز على قضايا الشركة الأساسية البارزة. وكشفت دراسة أجرتها شركة آي بي إم8 أن أقل من نصف المديرين التنفيذيين العالميين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن مؤسساتهم مستعدة للتعامل مع التحولات الهائلة في الطريقة التي ينبغي أن تدار بها الأعمال. إنهم يدخلون في تحديات يومية بمحاولتهم التعامل مع مجالات رئيسية مثل اللوائح الحكومية الجديدة، والتغيرات في مراكز القوة الاقتصادية العالمية، والتحول الصناعي المتسارع، والأحجام المتزايدة للبيانات، وتفضيلات العملاء التي تتطور بسرعة. وهنا تنبع الحاجة إلى الإبداع بلا شك؛ لكن أيضًا مع الحاجة للتوافق مع هذه التوقعات واسعة النطاق، غالبًا ما لا يكون هناك مجال للتفكير الإبداعي. ولقد وصف الرئيس التنفيذي لإحدى المؤسسات الكبيرة التي أجرينا استطلاعًا للرأي فيها الإحباط الذي ينتج عن اضطراره إلى إدارة الشركة وفقًا لأوامر مجلس الإدارة، وأثره على ثقته الإبداعية. فأوضح كيف أن منظوره الإبداعي الذي بدأ به قد توقَّف عن العطاء؛ إذ تعيَّن عليه أن يلبِّي الإرشادات شديدة الصرامة. وقال: «عندما كنت صغيرًا لم تكن أمامي أي حواجز، لم أكن أعرف أي شيء أفضل، لم أكن أعمل وفق برنامج محدد، ولم أهتمَّ بما يظنه الناس، لم يكن لديَّ أي جانب سلبي؛ كان العالم لَوْحَتِي. لكني الآن أدرك أنه رغم أنني لديَّ المزيد لأبذله والمزيد من الدافع لأتحرك، فأنا مقيد بأوامر مجلس الإدارة.»9 إنَّ المديرين على كل المستويات وفي كل المؤسسات يضطرون إلى التعامل مع الضغوط التي تأتي من أعلى ومن أسفل، وعليهم التوصل إلى طرق مبتكرة لإعادة تشكيل المستقبل.
(?-?) موقع الجريمة المحتمل الثاني: غرفة اجتماعات مجلس الإدارة

الكثير من الموظفين لا يدركون أن كل شخص له مدير. وغالبًا ما توجَّه النميمة والسخرية صوب المناصب العليا، ويفترض الغالبية أن المسئولية النهائية تقع على أعتاب مكتب الرئيس التنفيذي. لكن الرؤساء التنفيذيين يشغلون أكثر الوظائف عزلة في العالم، كما أنهم يخضعون للمساءلة أيضًا. فيحتاج الرئيس التنفيذي إلى إدارة الشركة والحفاظ على ربحها من النقصان، بالإضافة إلى تقديم تقاريره إلى مجلس الإدارة. وفي المقابل، على مجلس الإدارة ضمان أن القرارات التي تُتخذ تُرضي حَمَلَة الأسهم. لذا فكل شخص تقريبًا مسئول أمام شخص آخر. وجماعة الضغط وعائلة الخوف وفوج التشاؤم يترددون كثيرًا على اجتماعات مجلس الإدارة. كما أنك كثيرًا ما تجد زمرة العزل وعصابة ضيق الأفق هناك. وفي ظل الانتباه الشديد الموجَّه لهذا الجمع ذي الشأن، فإن تخطي حدود المألوف من الكلام أو اقتراح شيء جديد وإبداعيٍّ عادةً ما لا يكون جديرًا بالمخاطرة. فلا يُحتفى بالإبداع إلا إذا استطاع تقديم ربح قصير الأمد، ومكاسب مالية صافية. وعادةً ما تكون الضغوط بالغة الشدة فلا يبقى مجال حتى للتفكير في ابتكارات أو تحوُّلات جذرية قد تغيِّر مجريات الأمور.
(?-?) موقع الجريمة المحتمل الثالث: قسم الحسابات/المالية

كان هناك صاحب عمل يُجري مقابلات مع مرشحين لشغل منصب مدير قسم. وقرر اختيار المتقدم الذي يستطيع أن يقدم أفضل إجابة على السؤال: «كم يساوي ? + ?؟» أخرج المهندس مسطرته الحاسبة، وحركها إلى الأمام والخلف، ثم أعلن أخيرًا، «إن الإجابة تقع بين ???? و????» وقال المتخصص في الرياضيات: «خلال ساعتين يمكنني أن أثبت أنها تُساوي ? خلال البرهان القصير التالي …» وقال المحامي: «في قضية سفينسون ضد الولاية أُعلن أن ? + ? تساوي ?»، وسأل التاجر: «هل أنت مشترٍ أم بائع؟» ونظر المحاسب إلى صاحب العمل ثم نهض من على كرسيه وذهب ليعرف إن كان هناك من يتنصَّت عند الباب، وأسدل الستائر. ثم أخيرًا عاد إلى صاحب العمل، وانحنى عليه فوق المكتب وقال بصوت منخفض: «ماذا تريدها أن تكون؟»
يُستخدم مصطلح «المحاسبة الإبداعية» كثيرًا لوصف كيفية استخدام الأفراد والشركات الممارسات المحاسبية لتقليل ضرائبهم وتضخيم أصولهم أو التصريح بحجم ديون أقل من الحقيقي. ويُعرَّف المحاسب على أنه «شخص يحل مشكلة لم تكن تعرف أنك تعاني منها بطريقة لا تفهمها وبتكلفة لا تستطيع تحملها.» ورغم هذا، لا يرى المحاسبون أنفسهم مبدعين!
وكثيرًا ما يتم الاستشهاد بشركة إنرون على أنها تجسيد للمحاسبة الإبداعية، وأنها خير مثال على ما يحدث عندما تتخطى الممارسة المهنية الحدود. كانت مؤسسة آرثر أندرسن — وهي المدقق المحاسبي للشركة — واحدة من كبرى شركات المحاسبة الموقرة في هذا المجال في ذلك الوقت؛ لذلك تفاجأ الجميع بأن الاحتيال قد بلغ المدى. والذين يعرفون مدى انتشار هذا النوع من الاحتيال المحاسبي يظنون أنهم ألقي القبض عليهم لحظِّهم العاثر.
وبصرف النظر عن هذا النموذج الملتبس فيه للإبداع، لا تستخدم «المحاسبة» و«الإبداع» كثيرًا في الجملة نفسها. فعلى قسم المحاسبة أن يكون «دقيقًا» و«صحيحًا» بصرامة؛ لذلك عليه اتباع نظم وإجراءات صارمة في إطار إرشادات ثابتة، وأن يُولِيَ عناية خاصة بمصادر الربح. ويرى مستشار الأعمال جيم كولينز أنه في حين أن الربح ضروريٌّ لبقاء المؤسسة على المدى الطويل، فإنه مثل الأكسجين؛ شيء نحتاج إليه للعيش لكنه ليس ما نعيش لأجله.10 فيجب رَأْبُ الصَّدْع المحتمل بين الهدف والربح، بصفته الدافع الأساسي، بفعالية حتى ينمو التفكير الإبداعي ويترعرع في هذا الجزء من المؤسسة. (?-?) موقع الجريمة المحتمل الرابع: مكاتب المديرين التنفيذيين

أصحاب النفوذ يجدون صعوبة في الرؤية من أي منظور عدا منظورهم الخاص، وَفْقَ ما انتهت إليه دراسة حديثة.11 فعندما طلبت الدراسة من المشاركين استخدام إصبع يدهم للتظاهر برسم حرف E على جباههم، وُجد أن أكثر الناس نفوذًا كانوا يرسمون هذا الحرف وفقًا لمنظورهم، ووجدوا صعوبة في تخيل كيف يراه الآخرون. وأفضى الاستنتاج إلى أن النفوذ يدفع الأفراد إلى تحميل وجهة نظرهم الخاصة أهمية زائدة عن الحد. وعلى المديرين التنفيذين الحذر من ألا تُشعِر لغتهم الآخرين بالاغتراب في محل العمل، أو تمنعهم من المساهمة في المؤسسة. وإليكم كيف يرى الفيلسوف سام كين إحدى المشكلات:كل مؤسسة ومهنة … لديها لغتها الخاصة. وطبيعة المهن والمؤسسات هي استحداث لغات خاصة يفهمها العاملون بالداخل، لكنها مبهمة لغيرهم؛ ويعني أن تكون مهنيًّا أن تتحدَّث بالشفرات. وبالنسبة لعديمي المعرفة بالمجال، تعد قراءة الوثائق الداخلية مثلها مثل فك رموز الشفرة. فليس من غير المألوف للمهنيين على جميع المستويات استخدام التشويش والتعقيد والإبهام لادعاء المعرفة — ومن ثَمَّ النفوذ — غير المتوفر للشخص العادي.12(?-?) موقع الجريمة المحتمل الخامس: قسم الأبحاث والتطوير

أحرز الجزء الخامس من فيلم «السريع والغاضب»13 نجاحًا ماديًّا كبيرًا، محطمًا العديد من الأرقام القياسية لشباك التذاكر من خلال نوع جديد من قصص «مطاردات السيارات» التي لا تركز على سباقات السيارات بقدر تركيزها على السرقات المسلحة، والهدف هو نقطة الشرطة الفاسدة. وبينما يراقب فريق المجرمين نقطة الشرطة ويتفكرون فيما إذا كان باستطاعتهم اقتحامها، يظن أغلبهم أنه ضَرْبٌ من المستحيل. لكنَّ بطلنا موضع الثقة دومينيك توريتو (فين ديزل) يشرح لهم أن معظم نقاط الشرطة والسجون مصمَّمة لإبقاء الناس في داخلها، لا إبعادهم عنها، ويظن أن نقطة الضعف هذه يمكن استغلالها. وبطبيعة الحال يحقق المجرمون هدفهم في نهاية المطاف ويقودون سياراتهم نحو نقطة الشرطة البعيدة عنهم في مطاردة شديدة السرعة (وهو جُلُّ غرض الفيلم). ويعكس الفيلم النمط التقليدي للرجال الطيبين في مقابل الأشرار خلال حصر الأشرار في نقطة الشرطة، ويقدم رسالة شائقة هي أن المجرمين يُعثَر عليهم في آخر الأماكن التي يُتوقع أن يكونوا بها. في مؤسسات الأعمال، قد يكون قسم الأبحاث والتطوير على الأرجح هو آخر مكان يبحث فيه فريق التحقيق في مسرح الجريمة عن قتلة الإبداع. ففي نهاية المطاف، يُفترض أن ينشأ الإبداع هناك. فقد تنعدم احتمالية موت الإبداع في مختبرات الأبحاث والتطوير، لكن ربما يكون ذلك هو نقطة ضعف القسم الكبرى، فلا يحدده أحد على أنه مسرح جريمة. تخيل مقابلة شخص يعمل في قسم الأبحاث والتطوير يعلن أنه ليس مبدعًا؛ سيكون الأمر مثل فندق يقول مسئولوه إنه ليس به أسرَّة!
إننا نتوقع من قسم الأبحاث والتطوير أن يكون حاضنًا للإبداع (وأحيانًا يكون المكان الوحيد الذي يزدهر فيه الإبداع). لكن القتلة أمثال اللامبالاة والعزل لا تزال لديهم القدرة على توجيه الضربات بسهولة هناك. من المشكلات وراء إبقاء الأبحاث والتطوير كقسم منفصل أنه يمكن تقسيمه إلى مثيري الأفكار الذين يأتون بغالبية الأفكار الإبداعية، وآخرين لا يوكل إليهم هذا الدور، فيُغَضُّ النظر عنهم ولا يَجْرِي تشجيعهم على الإتيان بأفكار إبداعية. كما أنه — إلى حد ما — يمكن للإبداع هنا أن يُخمِد الحماس الإبداعي في أقسام أخرى من المؤسسة. وإذا ظن الشخص العادي أن التفكير الإبداعي هو دور قسم الأبحاث والتطوير، فسيستمر في المجاهدة بغير فاعلية في عمله. لذا، بينما لم يُقتل الإبداع في قسم الأبحاث والتطوير، فهو يُخمد خِلسة ودون علم في كل مكان آخر لمجرد وجود دور لقسم الأبحاث والتطوير.
ومن المشكلات الأخرى أن قِسْم الأبحاث والتطوير رغم أنه قد يولِّد أفكارًا خلابة، فإن تطبيق هذه الأفكار ليس مضمونًا. ويشكو العديد من العاملين في ذلك القسم من أنهم مجرد قسم وحيد منعزل، ومن أن أفكارهم الإبداعية كثيرًا ما يحدُّ منها الآخرون. فكل العاملين في قسم الأبحاث والتطوير الذين التقيناهم يشعرون بأنهم مقيدون من الأقسام الأخرى. ولأنه يصعب تقييم نجاح القسم خلال معايير قياسية مثل دوران العمالة أو الإيرادات، فإنه قد يُستنزف القسم كاملًا من حيث الموارد ونطاق قدراته في حالة الضغوط المالية الشديدة. فالطبيعة غير المنتظمة لهذه الوظيفة، وحقيقة أنها لا تتحرك بالعوامل السوقية المعتادة هما من القضايا الهامة التي ينبغي أخذها في الاعتبار في هذا الصدد.
إذا رغب قسم الأبحاث والتطوير في ازدهار الإبداع والابتكار وفي تأثيرهما على المؤسسة بأكملها، فعليه التأكد من أنه ليس ببساطة غارقًا في مشروعاته الخاصة. فقد يحتاج إلى المرور على قسمي العلاقات العامة والمبيعات من أجل الإتيان ببعض التلميحات حول كيفية «بيع» أفكارهم الجديدة داخل الشركة مع ضمان قبول شراء أفكارهم. وقد يخبرك العديد من البائعين عن الأفكار الرائعة التي لم تستطع الخروج من ورشة العمل بسبب ضعف مهارات التواصل أو الإقناع. فيحتاج العاملون في قسم الأبحاث والتطوير إلى إجادة قوة التأثير التي ربما تكون أكثر الأمور التي حاولوا تجنبها في دورهم البحثي!
ولقد أوضح أحد الباحثين الذين تحدثنا إليهم أن قسم الأبحاث والتطوير يحتاج لاستمرارية تزويده بالموارد والمهارات إلى جانب التطور الإبداعي بدلًا من تكديسه في غرفة ومطالبته بالإتيان بالنتائج. أما في حالة رغبته في أن يكون معقلًا للإبداع، وإذا أراد ضمان إبراء ساحته من حيث إمكانية أن يكون موقعًا لجريمة قتل الإبداع، فعليه التأكد من أن جميع أبوابه مفتوحة على مصاريعها أمام تدفق الأفكار إلى الداخل وفيض الابتكارات إلى الخارج. وعلى العاملين فيه أيضًا ضمان عدم شعور الآخرين داخل المؤسسة بالتهديد بسبب حنكتهم في هذا المجال، بل والحرص على شعورهم بأنهم مرحَّب بهم بصفتهم شركاء مبدعين.
اقتحم أبطال فيلم «السريع والغاضب» نقطة الشرطة بسهولة كبيرة لأن أحدًا لم يتوقع هذا العمل الخطير أو يخطط لمثله. خذ الحذر كي لا يتسلل القتلة إلى قسم الأبحاث والتطوير بهذه السهولة.
(?-?) موقع الجريمة المحتمل السادس: قسم المبيعات والتسويق

قتلة الإبداع في قسم المبيعات والتسويق لديهم طريقة ذكية لإبادته هناك. إنهم ببساطة يحرضون مختلف فرق المبيعات والتسويق بعضهم ضد بعض أو ضد الأقسام الأخرى في المؤسسة، وفي النهاية يقتل الجميع بعضهم بعضًا، كما هو الحال في أفلام العصابات القديمة.
غالبًا ما يكون قسم المبيعات والتسويق مبدعًا في منهجيات البيع وأفكار التسويق، ولكنه يصطدم بطريق مسدود مرارًا وتكرارًا عندما يصل الأمر إلى التنفيذ. فعندما يبدأ قسم المالية في الضغط لتلبية الأهداف المالية أو خفض الإنفاق، فحتمًا يُخمد الحماس في قسم المبيعات والتسويق وتموت الأفكار الإبداعية. والمفارقة هي أن كل العاملين المهرة بقسم المبيعات والتسويق عليهم التعامل بالأرقام، التي قد تتحول إلى حمل دائم على عاتقهم. في المواقف التقليدية، يلوم قسم المبيعات قسم التسويق في حالة الفشل، لكنه يسند فضل النجاح إلى نفسه. ويظن أربع وخمسون في المائة من فرق المبيعات أنهم سيحققون أهداف المبيعات بسهولة أكثر إذا كان قسم التسويق قادرًا على إصدار رسائل تسويقية أكثر جاذبية؛ ومن ناحية أخرى يعتقد ????? من المُسوِّقين أنه على فرق المبيعات متابعة خطواتهم باستمرار، كما يشعر ??? منهم أن فِرَق المبيعات لا تُجِيد استخدام الرسائل والأدوات التي تستحدثها فرق التسويق.14 إنَّ المنافسة وانعدام الثقة داخل أقسام المبيعات والتسويق يمثِّلان مشكلة كبيرة حيث يتم غالبًا إهدار ??? من نفقات التسويق ووسائل المَبِيعات.15 مَن قتل الإبداع في قسم المبيعات والتسويق؟ لقد كان قاتلًا ذكيًّا؛ حيث مهَّد الطريق ثم جلس ليراقب. قد يتحوَّل مسرح الجريمة بسهولة إلى مشاجرة مكتملة الجوانب تنتهي بعواقب دموية. وإذ لا يمكن التحكم في هذا الأمر، تتحول حلقات العصف الذهني بسهولة إلى «حلقات لتبادل اللوم»، وسرعان ما يرى أعضاء الفريق أنه من الأسهل توجيه النقد بدلًا من تنمية الإبداع.16 وعندما يتحقق العكس — أي عندما يتشارك قسم المبيعات والتسويق مع الأقسام الأخرى ويتبادلون الأفكار الإبداعية — إذن ستزيد الإيرادات وتظهر فرص الابتكار. شركة وول مارت (للبيع بالتجزئة)، على سبيل المثال، أتت ببعض الأفكار الإبداعية حول العرض والطلب. فبعد أن أخذوا بعض الوقت لدراسة قواعد بياناتهم في عام ????، لاحظوا بيع عدد كبير من الكشافات والبطاريات، ولم يكن هذا مفاجأة، لكن في الوقت نفسه ارتفعت مبيعات بسكويت الإفطار الأمريكي الخفيف المُحَلَّى الذي يسمى بوب تارتس إلى أقصى حد. لم تتوقع شركة التجزئة هذه أنها بحاجة إلى تكديس منتج مثل هذا قبل الإعصار (وفترات انقطاع الكهرباء التي صاحبته)، لكن بعض التحليلات الإبداعية — التي استفادت من قسم المبيعات بالتعاون مع سلسلة التوريد وفرق التحليل — ساعدت في العثور على فرصة للمبيعات. قد لا يكون أمرًا مفاجئًا أن تصل أرباح شركة وول مارت إلى حوالي ??? مليار دولار؛ وهو ما يزيد على إجمالي الناتج المحلي للعديد من الدول برمتها. وبوجود أكثر من مليونيْ موظف يتعاملون مع أكثر من ??? مليون صفقة للمستهلكين في الأسبوع وأكثر من ???? متجر يتطلَّب المتابعة في أنحاء العالم، إنه من الإعجاز أنها قادرة على متابعة هذه البيانات، لكن من الواضح أن هذا ساهم في نجاحها كثيرًا. فالفكرة الإبداعية البسيطة التي تدعمها التكنولوجيا الحديثة غيَّرت من نموذج أعمال كامل وأتت بفائدة على مجال الأعمال على نحو لا يمكن تقدير أبعاده.17(?-?) موقع الجريمة المحتمل السابع: الكافيتريا

قد تكون الكافيتريا نقطة محورية للاجتماع وتبادل الآراء. وفي أي مدينة مزدحمة — حيث تزيد فرص تبادل المعلومات — تُعَدُّ الكافيتريا هي المركز. فبعض الكافيتريات تكون مفتوحة على مصاريعها وعرضة لقتلة الإبداع للتسكُّع فيها، بينما يرحب الكثير منها بالإبداع بحماس. لكن المشكلة قد تكمن في تأثُّر العديد من الأشخاص أشدَّ تأثُّرٍ بأعضاء جماعة الضغط بدرجة تمنعهم من التوجه نحو الكافيتريا من الأساس. وعندما يمنعنا انشغالنا عن الالتقاء ومعرفة آخر الأخبار، نبدد فرصًا في الالتقاء بالآخرين لنتبادل الأفكار الإبداعية.
كانت غلاية القهوة المشتركة في أوقات الاستراحة تعطي فرصة للتواصل مع زملاء العمل والأصدقاء خلال اليوم. وكانت الثرثرة العابرة والأنباء المقتضبة الشائقة حول المؤسسة مهمة في الحفاظ على باب الحوار مفتوحًا ولتقوية العلاقات داخل المؤسسة. لكن الآن — إذ يُعِدُّ الناس فنجان القهوة لأنفسهم كلٌّ على حدة، ويحصلون على كوب من الماء من مبرِّد المياه أو يعرجون إلى ستاربكس لشراء مشروب مناسب يحتسونه في الخارج — كم أصبحوا سريعًا منعزلين اجتماعيًّا. ومن العلامات الدالة على هذا التغير الذي طرأ بمرور الزمن أن تخلصت شركة مايكروسوفت في الولايات المتحدة من كل ما لديها من غلايات القهوة في عام ???? وجاءت بدلًا منها بآلات صنع القهوة التي تصنع كوبًا واحدًا في المرة الواحدة. يمكن إذن لصنع القهوة في وعاء مشترك أن يساعد على تعزيز الإبداع التعاوني.18 أصبح جدول أعمال الموضوعات التي تأتي على هامش العمل كهذه من الأهمية بمكان؛ حيث إنَّ المديرين التنفيذيين في المؤسسات قد أخذوا في التنبه لها. ومنذ أكثر من عشرين عامًا مضت، كان عالم النفس الأمريكي إدجار شاين في كتابه «ثقافة وقيادة المؤسسات» أول من ذكر أن هذه التفاصيل الخفية في ثقافة الشركات بحاجة إلى أن ندركها.19 كما أن إيان ديفيز — المدير المنتدب الإقليمي لشركة ماكينزي — أكَّد أيضًا على حاجة القادة إلى فهم كيفية استخدام هذه «السلطة الودية». فإذا استطاعوا أن يتعلَّموا إدارة القضايا الداخلية والخارجية المعقدة المتأصلة في المؤسسات المعاصرة اليوم، فسيتمكنون من تعزيز الإبداع والابتكار. وربما حان الوقت كي يتنبه عدد أكبر من الناس لهذا الموضوع! (?-?) موقع الجريمة المحتمل الثامن: قاعة المحاضرات أو الفصل المدرسي

عندما يتعلَّق الأمر بالتعلُّم، أو التدريب والتنمية، فعلينا أن نغير توقعاتنا كي ندرك حقيقة أن الحياة غامضة، وأن نتقبَّل احتمالية وجود العديد من الإجابات «الصحيحة»، وذلك بناءً على ما تبحث عنه. فمنهج «الإجابة الصحيحة الواحدة» يقتل الإبداع؛ لأن الناس يكفُّون عن البحث بمجرد عثورهم على تلك الإجابة. وهكذا لا يلبث الفضول الذي يخلق حبًّا متواصلًا للتعلم أن يخمد. ومثل البيت القديم الذي كان يجمِّع التذكارات لأعوام، تصبح عقولنا مكتظة بمعلومات عديمة الفائدة، ولن نملك المساحة العقلية ولا الطاقة للانطلاق والاستكشاف. وكما يقول مستشار الإبداع روجر فون أويك في كتابه «ضربة على جانب الرأس»: «ليس لدينا فرصة قَطُّ لطرح الأسئلة التي تأخذنا من طريق متهالك من كثرة الاستخدام إلى وجهات جديدة. فإذا نجحنا باستمرار، نستهوي الظن بأننا قد وجدنا وصفة النجاح ولم نعد مُعرَّضين لأخطاء البشر.»20 ويصف تيم هارفورد هذا النهج بأنه اتخاذ «خطوات متوقعة عبر مسار مختار بعناية»، ويندب حال المؤسسات التعليمية مثل جامعة هارفرد التي تحوَّلت إلى معاقل «للرضاء قصير الأجل».21 والتحول إلى مؤسسة تعليمية حقيقية ليس عملية سلبية. فكلما ترسَّخت جذور هياكل الشركات، مات الدافع إلى التعليم والنمو، ما لم تكن هناك مبادرة فعالة لضمان استمراره.22 وإذا لم يكن هناك سوى منهج تعليمي ذي حلقة واحدة، فستستمرُّ المشكلات في إعادة الظهور في المستقبل إذا لم يتم التعامل معها بأسلوب سليم على المدى القصير.23 وللأسف، ومما قد يثير الصدمة، إن العديد من المشاركين في استطلاعنا للرأي أشاروا إلى أن قسم الموارد البشرية أيضًا يقتل الإبداع. فبدلًا من دعم التنمية الإبداعية وتعزيزها — وهو ما تتوقعه من معقل الموارد البشرية/التدريب — يتم التركيز على القفز بين الحلقات لمجاراة الأمور بدلًا من التفكير والتخطيط المسبق في فرص النمو في المستقبل.
(?-?) موقع الجريمة المحتمل التاسع: الملعب

لربما نُصاب بالصدمة عندما يصل الجيل المقبل من الأطفال إلى عالم الأعمال. ووفقًا لسوزان لين مؤلفة كتاب «الأطفال المستهلكون»، يجري الآن تعليم الأطفال أن ما يؤدي بهم للسعادة هو ما تُنتجه المؤسسات الكبيرة. فتقول إن الصغار لا يميلون إلى نحت عصا هاري بوتر من قطعة خشب، لكنهم يريدون العصا البلاستيكية ذات العلامة التجارية البارعة التي شاهدوا دعايتها في التليفزيون. وتعتقد لين أنهم الآن يستكشفون العالم بناءً على الأفضل للشركات التجارية وليس الأفضل بالنسبة لهم، ولا يمكن أن يكون ذلك مبشِّرًا بالخير. ولقد تغيَّرت الألعاب محوريًّا منذ الوقت الذي ابتكر فيه الأطفال عالم المرح لأنفسهم — من العمر الذي صدقت فيه كلمات أفلاطون الشهيرة «الحاجة أُمُّ الاختراع» — إلى عالم يصممه الكبار بدوافع غير صادقة في الغالب؛24 حيث لم يعد الأطفال بحاجة إلى الإبداع.25 يجب أن يكون الملعب مستنبتًا للإبداع؛ أي بيئة مفتوحة للاستكشاف والتجريب الحر، لكنه ربما لم يعد يوفر هذه الفرصة. فعلى اللعب الحر أن يخلق حالة ذهنية تمكنك من الشعور بالأمن والأمان واستكشاف الأفكار دون قيود. لكن يجري الآن تحويل اللعب الحر إلى «لعب مكبوح».
تُظهِر الأبحاث بوضوح أن الأفراد الذين توفر لهم وقتٌ قليلٌ للعب في صغرهم، يكونون أقل إبداعًا في كبرهم. والأطفال (والحيوانات) الذين لا يمارسون اللعب الحر في صغرهم قد يتحوَّلون إلى بالغين مصابين بالقلق وغير متلائمين اجتماعيًّا.26 واللعب الحر هو أحد القنوات اللازمة لضمان أن موارد العقل قد غيَّرَتْ مسارها بعيدًا عن التعامل مع وظائف البقاء الأولية فحسب، فتتمكن من التوصل إلى التفكير الإبداعي. وقد لا توفر مؤسساتنا اليوم هذه الفرصة. عندما دُرست تفصيلًا حياة تشارلز ويتمان — القاتل الذي أردى العديد من الناس من برج جامعة تكساس — وُجد أنه كان جدًّا محرومًا من اللعب في طفولته؛ مما كان عاملًا مؤثرًا عرَّضه للجريمة التي ارتكبها. وقد وُجد أيضًا أن هذا الحرمان كان عاملًا أساسيًّا في العديد من الجرائم الأخرى المشابهة مثل مذبحة جامعة فرجينيا تيك.27 إنَّ فرص أخذ استراحات في العمل وإتاحة الوقت للتفكير واللعب الحر — وتصميم أماكن للتعلم والعمل لتشجيعهما — أمر مهم للتطور الإبداعي في المستقبل. وفي الواقع، وُجدت أدلة غير متوقعة على أن هذا الانتقال قد يكون طور التحقيق الآن. وهناك نظرية جديدة تسلط الضوء على نزعة اجتماعية شائقة، إذ يُعتقد أن البالغين الآن يتشبَّثون بالسلوكيات والتصرفات التي ترتبط بصورة تقليدية بالشباب كآلية من آليات البقاء.28 ويُعتقد أن عدم النضج هذا يمكِّن البالغين اليوم من التفكير إبداعيًّا والاستجابة أيضًا بإبداع للمتطلبات المعاصرة المتغيرة. وبينما كان النضج والحكمة والخبرة قديمًا خصالًا ثمينة في بيئة متوقعة «ثابتة»، فإن العقلية المنفتحة الشابة تبدو استراتيجية أفضل للتكيُّف مع بيئة سريعة التغير. وتقول جينيفر فيجاس عن النظرية إن «ما يتطلَّبُه الاقتصاد الجديد هو الاستجابة الطفولية والمرونة الإدراكية؛ بمعنًى آخر إن روح الشباب والمرح هي استجابات تكيفية للتغيير حينما تكون الوظائف والمهارات والتكنولوجيا في حالة تغير مستمر. وهذا يوضح بالتأكيد سلوك المراهقين الظاهري للمبتكرين أمثال ريتشارد برانسون وستيف وزنياك. وإذا صح ذلك، يكون لهذا السلوك آثار كبيرة على كل شيء بدءًا من سياسة الموارد البشرية حتى تصميم المكاتب.» يعتقد أستاذ علم الطب النظري بروس تشارلتون أن المجتمع لم يعُد يُعِد الصغار رسميًّا لمرحلة «البلوغ» من خلال طقوس قاسية، ولذلك، ليس غريبًا على الأطفال أن يحتفظوا بالكثير من عاداتهم الطفولية في مرحلة البلوغ. وتعمل «استدامة مرحلة الطفولة نفسيًّا» أثناء التعليم المستمر على تحفيز نوع معين من مرونة العقل والانفتاح على الأفكار الجديدة. والذين يستمرون في إبقاء عقولهم متفتحة بعد إنهائهم تعليمهم الرسمي يتمكَّنُون بصفة عامة من البقاء والنجاح أفضل من نظرائهم.
(?) الإبداع يُقتل في أي زمان ومكان

بالطبع لا تقتصر مواقع جريمة القتل على مكاتب أو أقسام أو أماكن بعينها. ومن ضيق الأفق الشديد افتراض أن موت الإبداع مقصور على مكان واحد بعينه. فأي عدد من حالات موت الإبداع يمكن أن تجده في أي مكان وزمان، بل ويتنقَّل موت الإبداع في العادة من مكان لآخر ليستقر أحيانًا في موقع واحد، ويمر أحيانًا أخرى على المواقع في زيارة عابرة فحسب. وأحيانًا تكون هذه الحالات مصاحبة لأشخاص أو مواقف أو أنظمة معينة، وعادةً ما يثيرها مزيج من العوامل المختلفة.
وكثيرًا ما توجِّه أماكن أو أقسام معينة أصابع الاتهام إلى الأقسام الأخرى وتُلقِي عليها اللوم لموت الإبداع. والمنخرطون في هذا المجال — على سبيل المثال — غالبًا ما سيقولون إنَّ القتلة موجودون في المكاتب الإدارية العليا، و«لعبة اللوم» هذه قد تستنفد فاعلية الفريق. إن أكثر من ??? من الفرق التي يعمل أعضاؤها في مواقع بعيدٌ بعضُهم عن بعض يفشلون في تحقيق أهدافهم، عادةً لشعورهم بأنهم مقيدون أو معطَّلون بسبب مهامَّ يرونها منفصلة عن الاحتياجات والخبرات الحقيقية.29 وفي آخر المطاف، تشيِّد الكثير من المؤسسات «صوامع» فيها «يُحاصَر» الآخرون أو «يُسجنون» بسبب التحامل عليهم والتوقعات المنتظرة منهم، ووقتها يسهل إلقاء اللوم على الآخرين «من فوق الأسوار». يقول البعض إنَّ شركة سوني خسرت سباق صناعة الموسيقى أمام شركة أبل بعد انطلاقتها القوية المذهلة؛ وذلك لأن سوني جعلت من الأقسام صوامع بلا رؤية إيجابية مشتركة. وأشار أحد الموظفين قائلًا: «لقد ازدهرت شركة سوني لفترة طويلة معتمدةً على ثقافة تنافسية شديدة، حيث حُفز المهندسون على تفوق بعضهم على بعض وليس عمل بعضهم مع بعضٍ.» وفي تلك الأثناء في شركة أبل، كلما ترسَّخت ثقافة تعاونية إيجابية، زاد إبداعهم، وسرعان ما تبخرت الحدود بين الأقسام. ويوضِّح أحد موظفي شركة أبل التباين قائلًا: «كنا جميعًا نعمل معًا في وقت متأخر من الليل، وكان عملًا مليئًا بالنشاط. لقد كان مشروعًا جماعيًّا مذهلًا. لم تكن هناك أي حدود. موظفو البرمجيات وموظفو صيانة الأجهزة وموظفو البرامج الثابتة.»30 لقد أُدين مؤخرًا اللص البريطاني ستيوارت ماكورميك وحُكِم عليه بالسجن لارتكابه جريمة واحدة فقط، ولكنه اعترف بعدها بارتكاب ??? جرائم أخرى لم تُكتشف فيما سبق! فباكتشاف الأماكن التي يفضل المجرمون قضاء الوقت فيها، ثم عزل أولئك المجرمين والتعامل معهم، ربما يمكن الكشف عن مجموعة من قضايا أكثر تعقيدًا لم تكن قد لوحظت من قبل والتعامل معها. وسيكون أمرًا لطيفًا أن يكون لدينا تطبيق ينبهنا خلال نغمة سرية في كل مرة نذهب لمكان يُعد بؤرة إجرامية ينشط بها قاتلو الإبداع. ونظرًا لعدم وجود مثل تلك التكنولوجيا (ونظرًا لجنون الشك الذي يمكن أن ينتج عنها)، علينا أن نعتمد على غريزتنا أو على الأقل نتأكد أننا نتشارك معًا في نقاش مفيد وصحي حول الموضوع حتى نتمكن من التعرف على القتلة في أي مكان في المؤسسة.31
الفصل الرابع
لماذا ننقذ الإبداع؟


الاستجابة للطوارئ

يُجرى الآن تدريب فرقة إنقاذ جديدة للتعامل مع حالات الطوارئ الحرجة. وربما يكون اختيار أبعد المنقذين احتمالًا — الفرسان ذوو الدروع اللامعة الذين سنصفهم الآن — ليس راجعًا لقوتهم البدنية أو خبرتهم الواسعة بالطب. إنهم مدرَّبون بعناية، بيد أن أقدامهم لا تطأ غرفة التدريب أبدًا. وتحقق فرق الإنقاذ هذه معدلات نجاح مرتفعة للغاية عند إرسالها لأكثر المواقف خطورة، إلا أنها لا تحصل على مكافأة نظير الشجاعة التي تُبدِيها أو تنال التقدير الذي ربما تستحقه.
وفرقة الإنقاذ — في واقع الأمر — هي فريق من القوارض المكسوَّة بالفِرَاء، وهي جيش مصغر من المخاطرين من الجرذان المجهَّزين للخروج إلى المجهول واكتشاف مواطن الخطر. فالجرذان التي دربها العالم النفسي آلان بولينج تساعد في التعامل مع مشكلتين رئيسيتين مختلفتين كثيرًا في العالم النامي وهما؛ الألغام الأرضية ومرض السل. فالألغام الأرضية تقتل ما يزيد عن ?? ألف شخص كل عام أو تتسبب في إصابتهم بعاهات مستديمة؛ مما يجعلها مصدرًا رئيسيًّا من مصادر المعاناة في العالم النامي. ومثال على ذلك دولة موزمبيق؛ حيث ما زالت الألغام الأرضية تمثِّل مشكلة كبيرة بعد الحرب الأهلية التي استمرت ستة عشر عامًا، بل وتُهدد سبل عيش آلاف المدنيين. وإن عاد الناس إلى الأراضي المزروعة بالألغام، يتعرضوا لخطر فقدان أحد أطرافهم، ولكنهم إن لم يتمكَّنوا من زراعة المحاصيل الغذائية، يتعرضوا لخطر المجاعة. وبعد ثمانية أشهر من التدريب المختَبَري الدقيق، تدربت الجرذان الجرابية الأفريقية، التي تتمتع بحاسة شم حادة جدًّا، على أن تكتشف الألغام في الحقل بدقة تصل إلى ????. ويجري الآن تدريب الجرذان على اكتشاف مرض السل الذي لا يزال يُودي بحياة قرابة مليونيْ شخص تقريبًا كل عام، وفقًا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية. ووُجد أن دقة الجرذان في التنبؤ بوجود مرض السل تزيد عن دقة الفحص المجهري المسحي المعياري بمعدل ???.
والمفارقة إذن هي أننا بينما عادةً ما نربط الجرذان بالمرض والخطر والموت (تأمَّلْ مرض الطاعون الدبلي، وهو مرض نشرته القوارض عبر البراغيث التي تحملها، وقد أودى بحياة أكثر من ??? مليون شخص حول العالم)، فإنها الآن قد تكون المنقذ في معركتنا ضد المرض والخطر والموت.1 ومما لا شك فيه أن ثمة العديد ممن يفضلون عدم معرفة الكثير عن ساكني المجاري ذوي الصرير هؤلاء، لكن رغم السمعة الشنيعة للجرذان، فإنها في الواقع حيوانات ذكية بالفعل غالبًا ما تجد سبلًا إبداعية للتعامل مع التحديات. ولإثبات مستوى الذكاء الإبداعي المرتفع لدى الجرذان، وضع اثنان من المدوِّنين قائمة بصفات الجرذان، مقترحين بضعة أسباب معقولة لأخذ الجرذان على محمل الجد عندما يتعلَّق الأمر بالتفكير الإبداعي وحل المشكلات: قدرتها على تعلم خوض المتاهات خلال المحاولة والخطأ.
براعتها في الإقدام على المجهول والتعلم من أخطائها.
قدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات واستخدامها في مواقف معينة (مثلًا، استغلال المعلومات حول أي من الغذاء صالح ولذيذ، وأي منه سام ويسبب المرض).
قدرتها على تأسيس هياكل تنظيمية في سن مبكرة وتعلُّم البقاء في أماكنها داخل هذا النظام (أغلب الوقت) حتى تُفيد المجموعة كلها.
ويقال إن الجرذان تبوَّأت المكانة التي بلغتها في الأبراج الفلكية الصينية بسبب إبداعها، وليس بسبب مهاراتها الجسمانية أو الفكرية الكبيرة. ويروي الصينيون في إحدى القصص أنَّ الجُرَذ تمكَّن من المنافسة والفوز في سباق الإمبراطور جايد عن طريق الدهاء. فتمكَّن من التفوق بدهائه وحيلته على صديقه القط حتى يدخل في السباق، وأثناء السباق اعتلى ظهر الثور الذي يُعد أكثر الحيوانات تسامحًا وشجاعة واجتهادًا في العمل. وعند اقتراب خط النهاية، قفز الجرذ من فوق رأس الثور ليحتل المركز الأول. وبذلك تمكن الجرذ من التقدم على مجموعة الحيوانات وذلك خلال العمل بطريقة أكثر ذكاءً، وليست أكثر كدًّا وجدية. وصورة هذا السباق بين الحيوانات ذات الأحجام والقوى المختلفة صورة طريفة، غير أن هذه القصة قد تُعطي درسًا للأفراد أو المؤسسات التي تواجه تحديات اقتصادية أو سياسية. فالتفكير الإبداعي مكَّن الجرذ من التركيز على هدفه وتحقيقه. وهذا هو النهج الذي سيساعدنا على خوض تحديات المستقبل.
لم يعد الابتكار ضربًا من الترف والرفاهية بل هو ضروري. ويَعِي أصحاب البصيرة أنه لا خيار باقيًا أمامهم سوى التحلِّي بالإبداع والاتخاذ من الابتكار سبيلًا. وربما علينا أن نبدأ في الإيمان بقدرتنا على صنع حظنا، أو بعبارة أدق، على خلق فرصنا من خلال تعمد اتخاذ القرارات الإبداعية. وهذا الدرس يمكن تعلُّمه جيدًا من الجُرَذ!
(?) الابتكار ضرورة وليس رفاهية

الحاجة إلى البراعة البشرية والمؤسسية أمر لا جدال فيه، لكنه لا يقتصر على استدامة النمو الاقتصادي ودعم النظام الرأسمالي حتى يتحقق النمو. فهناك عدد لا يحصى من القرارات والإجراءات الهامة التي نتخذها والتي تغير حياتنا. كما أننا محاطون بمشكلات ذات ثقل محلي وقومي ودولي تستجدي حلولًا إبداعية؛ بدءًا من الحفاظ على البيئة إلى إحلال السلام في أفغانستان وإنهاء بائقة الفقر. ولن نتمكَّن من استخلاص الحلول المطلوبة إلا من الأفراد والمجتمعات التي تأخذ على عاتقها عملية التفكير الإبداعي.
إنَّ الأوقات الاقتصادية الصعبة أو الظروف القاسية للسوق عادة ما تملي علينا التخلص أولًا من المجالات التي يُنظر إليها على أنها «إضافات» غير أساسية. عندئذ سيتخلى الفرد عن الرغبة في التنمية بطرق إبداعية وسيؤدي المهمة التي تدر عليه الأموال بكل بساطة. كما ستنقص المؤسسات الإنفاق الاختياري كي تركِّز على المجالات التي تُعد محورية لأعمالها. وفي مثل هذه الأوقات، يعد الابتكار من الكماليات؛ نوعًا من الرفاهية لا يمكنك دعمها إلا في أوقات الخير الوفير، عندما تبحث عن سبل لتسبق الآخرين بخطوة. لكن وتيرة الحياة تغيرت كثيرًا إذ أصبح الابتكار الآن بالفعل أحد المهارات الأساسية للبقاء؛ فهو ضرورة وليس رفاهية.
ولكي يواكب الناس الآخرين ولكي يتفادوا أن يتم استبعادهم وفقًا لآخر تدابير خفض التكاليف، عليهم بكافة مستوياتهم أن يتمكنوا من التفكير والتصرف بإبداع، وعلى المؤسسات أن تعيش وتتنفس ابتكارًا. وفي لحظة تحول تطورية، لا بدَّ أن تظهر الآن التكيُّفات الجديدة، ليس على مدى آلاف السنين أو على مدى أجيال على الأقل كما كانت في السابق، لكن لمرات عديدة في الحياة الواحدة. ويجب أن نفكر في المستقبل ونمضي قُدُمًا بطرق أكثر ذكاءً وبراعةً حتى نحمي أنفسنا من الزوال.
تأمَّل على سبيل المثال التوجه نحو تقليص العمالة في الأوقات العصيبة. تُعْرف هذه الحالة أحيانًا باسم «التحجيم السليم» (وتحدث بعدما تكون المؤسسات قد أفرطت في الثقة بنفسها وعيَّنت موظفين أكثر من احتياجاتها الحقيقية)، وفكرتها العامة هي اتخاذ تدابير جوهرية لتقليص حجم مؤسسة «زائدة الوزن» أو حتى «بدينة» إلى حجم صحي ومستدام. وبدلًا من البحث عن سبل لتعديل النظام الغذائي وممارسة الرياضة، لتصبح المؤسسات أكثر لياقة وقدرةً خلال العملية (للحفاظ على المجاز)، فإن معظم المؤسسات تفزع وتلجأ إلى إجراء جراحة كبيرة لاستئصال «الدهون الزائدة» التي يرونها. ومع ذلك، وكلما استمر الوضع، تبقى المشكلات الحقيقية في مكانها، بل قد تعاود الظهور مرة أخرى مثلها مثل النمو السرطاني، وربما حتى بعواقب أكثر خطورة. وهذا بغَض النظر عن حقيقة أن «أجزاء الجسم المبتورة» — أي الأشخاص الذين عوملوا على أنهم فائض غير مُرحَّب به — وبقية الجسم نفسه سيشعرون بالألم العميق والصدمة.
أي فريق أو مؤسسة تحتاج إلى «فقدان بعض الوزن الزائد» أو «التخلص من الدهون» عليه التأكُّد من عدم إزالة أطراف حيوية قد تحمل شرايين رئيسية تدعم الوظائف المؤسسية الصحية. فمن الضروري تحديد الأماكن التي يمكن أن تجْرَى فيها التغيرات الإبداعية، والتكاليف التي يمكن تقليصها دون الحاجة إلى اللجوء إلى عملية بتر جراحية كبرى.
لم تعد كلمات التفكير الإبداعي والابتكار طنَّانة لأكثر الناس إقدامًا ومجازفة، لكنها أُقِرَّت كمهارات ومناهج أساسية لأي استراتيجية استباقية للمؤسسات. ويمكن للابتكار أن يكون أداة النجاة الأساسية التي تفسح مكانًا للتقدم الإيجابي. وإذا فشلت في أن تبتكر، أو إذا كنت تقر وتعترف بفضله فحسب بدلًا من ضمان أنه جزء لا يتجزأ من الوظائف اليومية، فستتَّضِح العواقب سريعًا. وسيتحتَّم على كل الأفراد والمؤسسات التأكد من أن الابتكار يُستخدم في بناء المستقبل وأن ذلك يصل للجميع بوضوح.
ولقد اكتشفنا أنه في مثل هذه الأوقات لم يعد كافيًا الحفاظ على الوضع الراهن؛ أي استمرار العمل بلا أهداف حقيقية. فالبقاء يَعْنِي الوجود في طليعة الجماعة، مهما كانت الضغوط الخارجية. لا أعذار، ويجب النظر إلى الإبداع الجماعي الاستباقي على أنه إحدى الكفاءات الضرورية. فما كان مقبولًا العام الماضي قد لا يَضَعُك حتى عند خط البداية هذا العام. وقبل أن يصل الخبر إلى مسامعك، تكون فائدة الصدارة التي قد تمتعت بها مؤسستك من قبل بمثل فائدة قسم ضاربي الآلة الكاتبة في عصر الكمبيوتر. فشركة ويسترن يونيون — على سبيل المثال — بدأت أعمالها في القرن التاسع عشر حيث كانت تنقل الأموال على ظهور الخيل من مدينة إلى أخرى، لكنها نجحت في التكيف باستمرار مع الظروف السريعة التغير. وعلى مدى أكثر من مائة عام، استطاعت الإضافة إلى نقاط قوتها خلال تعديل المنتجات والخدمات التي تقدمها تعديلًا جذريًّا، مع الحفاظ على قيمها الأساسية. إنه التفكير الإبداعي الذي مكنَّها من الازدهار وسط كل هذه التحديات.
«التخلص من الدهون» عملية استباقية ستظل ضرورية لإبقاء المؤسسة صحية وعلى أهبة الاستعداد للأداء العالي في كل الأوقات. لكن كل ما يفعله تخفيض حجم العمالة التفاعلي المفاجئ، الذي يحفزه الخوف من الركود أو من وقوع أزمة لن تتكرر، هو إخافة الموظفين؛ مما يزيد من نوبة الفزع الإعلامية السلبية، ويؤدي إلى مستويات تحفيز أقل وإلى الشلل. فكيف يأتي الموظفون إلى العمل كل يوم مستعدين لتقديم أفضل ما لديهم في حين أنهم في شك مما سيطرأ على وظائفهم من تغيير أو ما إذا كانت ظروف عملهم ستتغير؟
(?) ابتكر، لا تبتر

يجب تعزيز الإبداع بصفته مهارة عمل أساسية في بيئتنا التنافسية المعاصرة. فوفقًا لمصمم العلامات التجارية بروس هادون، سرعان ما يسأم المستهلكون من ابتكارات الأمس، ونظرًا لأن البيئات التي تتسم بالتغيير السريع تتطلب أفكارًا جديدة باستمرار، على المؤسسات الناجحة أن تتوصل إلى أفكار أفضل قبل منافسيها.
أطلعَنَا فندقٌ ست نجوم يزيد سعر الليلة فيه عن ???? دولار — وقد عملنا معه من قبل — على قصة نجاحه الكبيرة على مدار سنوات. فبدون مجهود إضافي في المبيعات والتسويق، استمر النزلاء في التوافد على الفندق. لكن على الرغم من أنهم استفادوا من معدلات الإشغال والرسوم العالية، لم يتوقف أحد ليسأل عن سبب نجاحهم. فلم يبدءوا في طرح الأسئلة الهامة ولم يدركوا مدى أهمية الاستمرار في الابتكار إلا بعد المرور بأزمة وبعد انخفاض حاد مفاجئ في حجم الأعمال.
وشركة أخرى عملنا معها في الآونة الأخيرة كانت أيضًا عالقة في مشكلة كبيرة. فهذه الشركة الرائدة في مجال إنتاج زيوت تشحيم الآلات أتت بمنتج جديد رائع، غير أن عملاءها لم يتمكنوا من استخدامه كما ينبغي؛ مما أتى بنتائج ضارة. في واقع الأمر، كان هذا عيبَ مستخدِم وليس عيبًا في المنتَج، لكن العملاء ألقوا باللوم على المنتج. فقد أخذت في التلف والتعطُّل أفضل آلات العملاء لأن المستخدمين لم يغيروا الزيت بقدر كافٍ. فكلما قدُم الزيت بَلِيَت الآلات، وصارت سمعة شركة زيت التشحيم في خطر التعرض للتشويه الأزلي. وخلال ورشة العمل الجماعية التي أقمناها حول «التعاون الإبداعي»، شجعنا فريق المشروع على البحث عن حلول إبداعية. وفي غضون بضع ساعات، توصل الفريق إلى تصميم جديد للمنتج أدى إلى التخلص من مشكلة المستخدمين بكفاءة. فعندما أدخلناهم في عملية التفكير الإبداعي، اكتشفنا أنه من الممكن تطبيق مبدأ فُرَش الأسنان التي يتغير لونها عندما تبلى على هذه الآلات. وكان الحل في تغيُّر لون الزيت أو حتى رائحته عندما يكون في حاجة إلى الاستبدال. فقد توصل الفريق إلى حل عملي رائع للمشكلة التي كلفتهم خسائر مالية شديدة كما كلفتهم سمعة الشركة.
وفي مثال آخر بسيط، وفرت إحدى شركات الطيران مئات الآلاف من الدولارات عندما اكتشف فريق المضيفين كمية الكافيار التي تُهدر في الدرجة الأولى. وتمكنوا من تصميم عملية جديدة أدت إلى تقليل هذا الإسراف غير الضروري وحافظت في الوقت نفسه على سعادة الركاب.
ويعتقد آلان نوبل — الذي يعمل بشركة جوجل في أستراليا — أن نجاح جوجل يُنسب إلى الابتكار. فيقول: «يجب أن يكون الابتكار موجودًا، فهو مثل الهواء الذي تتنفَّسه؛ فأنت تبتكر لكي تبقى على قيد الحياة، وليس هناك ما نمنهجه، فالابتكار ببساطة يتعلق بما تقوم به.» ويحتاج الأمر إلى رؤية عظيمة وثقافة واضحة ومحددة للشركات وقيادة تمكينية للوصول إلى مستوى النجاح الذي حققته شركة جوجل، لكن عليك أن تبدأ من نقطة ما. فلا يمكنك الاعتماد على الأمل والحظ فحسبُ للبقاء في المقدمة.2 وأكثر الأشخاص الذين يزيد احتمال توصلهم إلى أفكار إبداعية هم الذين يعملون بالفعل في اتصال مباشر بالعملاء، فهم أول من يدركون المطلوب. لكن الشركات القليلة التي تتفهم الحاجة إلى التنمية الإبداعية عادة ما تبدأ التنفيذ من المستويات العليا. وإذا لم يكن هناك تركيز عملي محدد في هذا المستوى، فقد ينتهي الحال بالتنمية الإبداعية إلى مجرد تمرين «للتفكير الجماعي» لا يحدث فيه سوى تعزيز أفكار راسخة. ونادرًا ما تعكس هذه العملية ما يجري على أرض الواقع في المؤسسة ونادرًا ما تصل إلى المؤسسة بأكملها.
إنَّ السعي لتكون «الأفضل» و«الأسرع» و«الأقل ثمنًا» دون تشييد روابط واضحة مع العملية الإبداعية يمكن أن يأتي بنتائج عكسية أو حتى مدمرة.3 ولقد أدركت وكالة ناسا هذا الأمر بعد التجربة المريرة التي عاشتها أثناء كارثة المكوك الفضائي المشئومة في فبراير عام ????. فقد لحقت أضرار بالجناح الأيسر للمكوك الفضائي بسبب الحطام الذي خلفه المكوك عند الإقلاع؛ مما تسبَّب في شق تجويف في بدن المركبة الفضائية. وانفجر المكوك أثناء عودته إلى الغلاف الجوي. وعلى الرغم من أن فريق الفضاء بوكالة ناسا كان قد حدد المشكلة بالفعل بعدما تسبب الحطام في إلحاق أضرار بالمكوك عند الإطلاق مرتين قبل ذلك، لم تتمكن ناسا من حل هذه المشكلة.4 وفي هذه الحالة، فإن الضغوط الناتجة عن الحفاظ على مسار البرنامج الفضائي بدون أخذ الوقت لتحليل المشكلة من جميع الزوايا أدى إلى وقوع كارثة. ذكرنا في المقدمة الدمار الذي لحق بمجتمعنا الشاطئي المفضل بجزيرة بالي. فقد رأينا هذا المجتمع يموت ببطء على مدار فترة من الزمن، ثم هُرِع إلى الموت في النهاية بوقوع تفجير إرهابي. لم يتعمد المسئولون في قرية جيمباران تدمير القرية، لكنها تدمرت رغم ذلك بمرور الوقت. ولكن هذه ليست نهاية القصة؛ لأن المجتمع بقي واستمر الناس في العيش. وكان أحد الردود تجاه ذلك هو أن الكهنة الهندوسيين المحليين في بالي أقاموا مراسم تطهير ضخمة. وفي إطار بحثهم عن تفسير لما حدث، درسوا قضايا أعمق فأدركوا أن مواطني بالي ككل كانوا يسعون وراء مكاسب على المدى القصير على حساب مبادئ طويلة الأمد.
لقد قدمنا حجج قوية لمحاكمة قتلة الإبداع المحتملين، لكننا نعلم أنه لم يتعمد أحد الشروع في تدمير الإبداع، كما أن استطلاعات الرأي التي نجريها تشير إلى أن مسارح الجريمة تنتشر بالتساوي في معظم أرجاء المؤسسة دون وجود مشتبه به بعينه واضح. إذن، فالمضي قدمًا قد يعني طرح الضغائن جانبًا والبحث عن سبل للإنقاذ والإصلاح بدلًا من الثأر. وقد يعني أيضًا البحث في أعماق أنفسنا لنتعرَّف على المبادئ التي أغفلناها في سباقنا نحو المستقبل.
سنختم هذا القسم الأول بقصة من مكان آخر في إندونيسيا، وهو شاطئ جزيرة جميل ولكنه بعيدٌ جدًّا لم يستولِ عليه السياح بعدُ. في هذا المكان أسَّس المدير العام للفندق بيئة داخلية جميلة لنزلائه، إلا أنه كانت هناك بعض المشكلات بسبب الهجمات العشوائية وحوادث السرقة من أهل القرى المجاورة. وكان يُضطَرُّ العاملون إلى تحذير السياح بأنهم إن ذهبوا إلى الشاطئ فسيذهبون على مسئوليتهم الشخصية، وهو الأمر الذي حتمًا سبَّب القلق للكثير منهم. وخاض الناس في الحديث، وثَنَت التقارير السلبية المنشورة على الموقع الإلكتروني للسفر «تريب أدفايزور» السياح عن الذهاب؛ مما يعني أن قسم التسويق كان يفقد سيطرته. والأشخاص الذين كانوا يتجرءون على الخروج إلى الشاطئ كانوا كثيرًا ما يعودون دون كاميراتهم، شاحبي اللون رغم السمرة التي عملوا جاهدين على اكتسابها في الصباح، وكما بدت على وجوههم ملامح الخوف جراء التعرض للسرقة في وضح النهار.
لكن المدير العام كان مبدعًا. فقد علم أن اللصوص الذين يسطون على السياح كانت لديهم احتياجاتهم الخاصة؛ إذ كانوا يفتقرون إلى ما يكفيهم للعيش وإطعام عائلاتهم (ولا بدَّ أنه من الصعب مشاهدة سائح يحمل كاميرا تبلغ قيمتها قيمة راتب ثلاث سنوات في حين لا يجد أطفالك الطعام.) ومن المفهوم أن أهل المنطقة كانوا منزعجين من تشييد مالك أجنبي فندقًا في قريتهم ثم نقله جميع الأرباح التي يجنيها بعيدًا إلى مكان آخر. كانوا قد فقدوا قوتهم وكبرياءهم، وأصبحت الفجوة الآن بين من يملكون ومن لا يملكون واضحة على نحو موجع للغاية. فلجأ بعض القرويين إلى الجريمة بعدما كانوا فيما مضى أناسًا مسالمين سلميين. بالطبع لم يكن يعرف الكثير من السياح هذا السياق أو يفهمونه؛ فمعظمهم لم يرَ إلا مجرمين ينصبون أكمنة للسياح الذين لا حول لهم ولا قوة ويسرقونهم ما إن يخرجوا من المنتجع.
علم المدير أنه عليه التعامل مع المشكلة الحقيقية، وقرر أنه لن يستطيع مواجهتها بمجرد زيادة الأمن كما فعل المديرون الآخرون قبل ذلك غالبًا. بدلًا من ذلك، التقى بالقرويين حتى يعرف ما هي احتياجاتهم الخاصة. وعندما استوعب وضعهم، توصَّل إلى ما قد يُدرك متأخرًا أنه حل بسيطٌ (لكن هذا هو الإبداع أغلب الوقت!) وهو أن يتحمَّل نفس الأشخاص الذين كان يسرقون السياح مسئولية الأمن على الشاطئ، ودَفَع أموالًا لهم من أجل حماية النزلاء بدلًا من عزلهم وسلب قوتهم مثلما كان يَجْرِي من قبل. فوفر لهم ذلك دخلًا لائقًا كما أعاد لهم شعورهم بالكرامة. وحُلَّت المشكلة بإشعار هؤلاء الناس بأنهم ذوو قيمة وبإعطائهم هدفًا يسعون لتحقيقه. والقرويون الذين اتسموا بالعداوة من قبل أصبحوا جزءًا من الحل، وبين نحو عشية وضحاها أُزيلت اللافتات وتعايش الفندق ونزلاؤه والقرويون في وئام. ويقول روبرت جرين وجوست إلفيرز في كتاب «القوانين الثمانية والأربعين للقوة»:5 «كلما استطعت، ادفن ضغينتك حيال عدوك، واحرص على جعله في خدمتك.» وقال أبراهام لنكولن جملته الشهيرة: «أفضل طريقة لتدمير العدو … هي كسب صداقته.» يمكنك التعامل بفاعلية مع التأثيرات السلبية دون اللجوء إلى تدابير قاسية وخلق عداوات، إذا توصَّلت إلى صُلب الموضوع وحددت الاحتياجات والدوافع الدفينة، وإذا بحثت عن حلول تفيد الجميع. ويمكن التعامل مع قتلة الإبداع بالطريقة نفسها. فبعزل القتلة أو إصلاحهم، وبتحديد الأسلحة وطرحها جانبًا، يُتاح للناس استقبال الإبداع مرة أخرى في حياتهم ومؤسساتهم.

الجزء الثاني
… وكيف يمكن إعادته للحياة؟



الفصل الخامس
تقرير المعمل الجنائي


الابتكار خارج المضمار وتمرين العقل

تزداد رجفة قلبك عندما ترى طفلك العزيز مربوطًا بإحكام بإحدى زلاجات الثلوج الخاصة بحالات الطوارئ والمزودة بالإسعافات الأولية، وهي تتأرجح في طريقها إلى سفح جبل سويسري شديد الانحدار ويقودها مسئول الإسعافات الأولية. بالنسبة لأسرة حريصة على ممارسة رياضة التزلج على الجليد، فإن رؤية هذه الزلاجات أمر مألوف، وعادةً ما يذكِّرهم ذلك بجدية بالأخطار الكامنة في هذه الرياضة التي لا تبحث إلا عن المتاعب. فكر في الأمر: الوقوف على لوح لامع للغاية، ثم الاندفاع بسرعة قصوى إلى أسفل المنحدَر على جبل فوق كتلة بيضاء من بلورات الثلج الزلقة، لا بدَّ أن يعتبر ذلك أمرًا جنونيًّا!
لكن كان ذلك مبلغ تفكيرنا في أن كالن — الذي كان وقتها طفلًا نشيطًا في الثانية عشرة من عمره — مصاب بجروح بالغة. ولعلَّ قلوبنا عادت لتنبض بانتظام في آن واحد عندما وصلت الزلاجة ورأينا ابننا يبتسم. «لقد كانت جولة ممتعة.» كذا قال كالن، مضيفًا: «هل لي أن أفعلها مرة أخرى؟!» وفي النهاية، كان الشيء الوحيد الذي عانى منه في هذا اليوم هو الألم والكدمات في ساقيه بالإضافة إلى جرح في كبريائه، ولكن لحسن الحظ لم تكن هناك عظام مكسورة. وبينما تتكشف القصة شيئًا فشيئًا، عرفنا أنه خرج عن «مضمار» التزلج كما كان يحب، لكنه لم يرَ انحدار الجرف المفاجئ في ظلال الظهيرة. ولقد ساعده المسعفون الذين أسرعوا لنجدته وسط الجليد على التعافي بدنيًّا كما زودوه بنصائح قيمة حول إجراءات السلامة في الجبال، مما يضمن بعد ذلك احترامه للمسارات الجامحة التي تقع خارج مضمار التزلج مع استمتاعه بالتزلج.
ونظرًا لأن المسعفين هم عادةً أول من يصل إلى موقع الحادث أو الجريمة العنيفة، فإنهم يتعاملون دائمًا مع مواقف الحياة أو الموت. تاريخيًّا، كان قادة المائة عند الرومان الطاعنون في السن هم أول مسعفين عرفهم التاريخ. فلأنهم لم يعودوا قادرين على خوض المعارك، كان يُطلب منهم في كثير من الأحيان تنفيذُ الإجراءات الطبية الخطيرة مثل تقطيب الجروح وبتر أعضاء الجرحى من المقاتلين. وكان مفهوم «الفرز» الذي يعود إلى الحرب الأهلية الأمريكية قد مكَّن المسعفين من زيادة فرص نجاة المصابين كثيرًا. وينطوي مفهوم الفرز على تصنيف المرضى إلى ثلاث فئات طبقًا لخطورة حالتهم.1 وحيث إن الإبداع هو الضحية، فيجوز تطبيق هذا المبدأ أيضًا عليه. وإنعاش الإبداع يحتاج إلى دراسة ثلاثة عوامل: إنقاذ التفكير الإبداعي الفردي: الضحية الأولى للجريمة.
إيجاد حلول جماعية: قناة الإنعاش.
تأسيس أنظمة ابتكارية: نظام دعم الحياة للتدخل الابتكاري المتواصل.
وبدلًا من اقتصار عملية الإنقاذ على الإبداع وحده (وهو القدرة على استخدام الخيال للتوصل إلى أفكار أو أشياء جديدة ومبتكرة)، علينا اتخاذ خطوة أخرى بإحياء التفكير الإبداعي خلال تقديم استراتيجيات للنمو المتواصل. والحل الإبداعي للمشكلات هو عملية ابتكار حل لمسألة أو مشكلة أو فرصة أو تحدٍّ، وهو النتيجة الطبيعية للتفكير الإبداعي. ونظرًا لأن عمليتي التفكير الإبداعي وحل المشكلات عمليتان تركِّزان على النتائج، فإنهما ليستا مجرد تفكير متأنٍّ دون فعل، بل عمليتان منتِجتان. فالابتكار هو التطبيق العملي لعملية التفكير الإبداعي. لكن المشكلة هنا هي أن حل المسائل في الواجبات المدرسية أو تذكُّر المعلومات في تقييمات التدريبات لا يشمل عادةً الحل الإبداعي للمشكلات؛ لأن هذه المشكلات عادةً ما يكون لها حلول معروفة، لكن حتى الآن لا تزال هذه هي الطريقة نفسها التي حاول بها مجتمعنا إحياء التفكير الإبداعي.
وفيما يخص كالن، سمحنا له بمواصلة ممارسة رياضة التزلج على الجليد، وبطبيعة الحال أعطينا له الكثير من التعليمات الصارمة والتحذيرات الأبوية الشديدة، واستمر في المنافسة حتى فاز ببضع ميداليات ذهبية وبلغ المنافسة على المستوى القومي. وعندما مضى قدمًا إلى القفزات الخطرة والخدع البهلوانية — التي تثير قلقنا كثيرًا — تذكر نصائح المسعفين: «اعرف ما هو أمامك، وسِرْ بسرعة آمنة إذا لم تكن تعرف ما هو أمامك، وتدرب على الحركة الجديدة حتى تتقن جميع زواياها، إلى أن تصبح طبيعية بالنسبة لك.» وسرعان ما اكتشفنا أروع اختراعات رياضات الجليد التي مَكَّنت كالن من القيام بذلك؛ ففي هذا الوقت تقريبًا، استُخدمت لأول مرة الوسائد الهوائية الضخمة القابلة للنفخ التي صممت لالتقاطك بلطف عندما تهبط إلى الأرض بعد القيام بحركات جريئة في الهواء. وبمساعدة إحدى هذه الوسائد، تمكن كالن من التدرُّب على أكثر حركات الجمباز جرأةً من قفز وتَلَوٍّ في الهواء، وأتقنها؛ حيث كان يقفز إلى ارتفاع كبير كما يحلو له مرارًا وتكرارًا، ويهبط بسلام على فقاعة هوائية ضخمة.
لقد ذكرنا لك هذه القصة لأننا على وشك أن نأخذك في مغامرة خارج المضمار. نريد أن نوسِّع نطاق تفكيرك ونتحداك بطرق قد تظن أنها مستحيلة. قد تشعر في نهاية الأمر بعدم الراحة كليَّةً، لكن لا تقلق؛ لقد وجدنا سبلًا لتكون هذه المغامرة ممتعة لا مؤلمة كما هو محتمل، وها نحن نعرِّفك على دورية إنقاذ من المسعفين، وهي لن تقتصر على مساعدتك على تقطيب الجرح وتجبير المعنويات المحطمة مما تشهده في معارك التفكير الابتكاري، بل يمكنها أن توفر لك أيضًا استراتيجيات للارتقاء إلى مستويات جديدة. وبعد سنوات من التجريب، توصلنا إلى سبل لتيسير توسيع نطاق تفكيرك دون التعرض لخطر الإجهاد الشديد. ووضعنا سلسلة من التمارين التي تمكِّنك من التدرُّب (بأمان) إلى أن تبني المهارات والثقة اللازمة لإجراء أكثر ما تستبعد من التجارب الإبداعية، والتوصل إلى أكثر الأفكار روعة. ويمكننا إنقاذك من الاضطرار إلى تحمل المخاطر الكبيرة (والصعبة) التي قد تكلِّف سمعتك أو شركتك مبالغ طائلة من المال. وفي مغامرة التفكير الإبداعي هذه، من المستبعد أن تعاني مما هو أكثر من صدمة بسيطة في أقل مناطق المخ استخدامًا.
(?) تدريب العقل: وسِّع نطاق تفكيرك دون أن تعرِّضه للإجهاد الشديد

مثلما يحتاج الوصول إلى مرحلة القفزات والمراوغات في الهواء على لوح التزلج الكثير من الممارسة والتدرُّب، فإن التحليل الإبداعي والتطوير الابتكاري الفعالَيْن أيضًا يستلزمان التدرُّب. ومن المهم إعداد الذهن للتحديات قبل الشروع في رحلة إحياء العملية الإبداعية. والإبداع كغيره من المواهب والمهارات لا يأتي دائمًا بسرعة وسهولة؛ فعادةً ما يستلزم تطويره مثابرة وخبرة جمة. من أين إذن نبدأ مع توسيع النطاق الإبداعي؟
بجسمك أكثر من ??? عضلة، وفي الواقع تشكل العضلات في المتوسط ??? من وزن الجسم. ويمكن تطبيق تعبير «حرِّكها وإلا تفقدها!» مباشرة على الألياف العضلية. ويعد القسيم العضلي أحد أجزاء اللُّيَيف العضلي المخطط، وهو عبارة عن قِطع صغيرة من العضلات. وإذا لم تمرَّنْ هذه العضلات عبر شدها وبسطها، فستفقد في الواقع مائة قسيم عضلي يوميًّا. والآن، فلتتصور المخ على أنه عضلة. إننا في هذا الكتاب نريد أن نمرِّن عضلات المخ التي لم تستخدمها لفترة طويلة، ربما حتى منذ الطفولة. ويتكون المخ من مناطق مختلفة ترتبط تقريبًا بوظائف مختلفة؛ ولكل منها غرض مختلف، ولكن الشخص واسع المعرفة يستخدم جميع أجزاء عقله.
يمكن أيضًا استخدام تعبير «استخدمها وإلا تفقدها» في سياق المحافظة على بقاء عقولنا نشطة. يسعى الشخص السليم بدنيًّا إلى بناء جميع مجموعاته العضلية ثم يركز على مناطق معينة يرغب في تقويتها. ويفعل الشخص السليم ذهنيًّا الأمر نفسه مع عقله. وتوضح دراسات أجريت حول التفكير الإبداعي أن الأطفال ذوي المستويات المنخفضة في التفكير التباعدي — ممن يستمرون في تمرين «عضلات» الإبداع — يمكنهم أن يتفوَّقوا على الأطفال ذوي مستويات التفكير التباعدي الأعلى الذين لا يؤدون هذه التمارين. وقال أينشتاين: «عندما ينبسط العقل بفعل أفكار جديدة، فإنه لا يعود أبدًا إلى أبعاده الأصلية مرة أخرى.» بعبارة أخرى، إنه ينمو ليستوعب القدرات الجديدة.
يكشف مجالٌ آخر من مجالات أبحاث المخ التي تكشف قدرتنا على تعلم التفكير الإبداعي أدلةً متزايدةً على أن المخ في الواقع مرن. يبدو أن المخ ليس متصلًا بالكامل بمسارات عصبية محددة المواقع يتم إعدادها مسبقًا وفقًا للترميز الجيني ثم تُرسَّخ بعد ذلك طيلة الحياة. وتدعم الأبحاث المتوالية فكرة أنه يمكن «إعادة تزويد المخ بالوصلات العصبية» في أي مرحلة من مراحل الحياة لتكوين علاقات جديدة ومتنوعة.2 وتمَّ التوصل أيضًا إلى أن مرونة المخ كافية لتعزيز وبناء مناطق معينة على مر الزمن. وذلك من شأنه أن يعطينا الأمل بأننا حتى وإن شعرنا أن لدينا أنماطَ تفكير متأصلةً برسوخ وطرق إدراك وتصرف معتادة، فإننا لن نبقى محصورين فيها طوال العمر. وحسبما لاحظ المعالج النفسي ريتشارد هيل في إحدى مناقشات منتدى مجلس تدريب المهارات الإبداعية،3 يكشف لنا علم الأعصاب أنباءً سارةً حول مرونة العقل حيث إن «المخ البشري يفضِّل الاندماج والاختلاط اجتماعيَّا والتوسع بأسلوب إبداعي»، وإننا — وهو الأفضل — «منظمون بتطور سلالاتنا … لننخرط اجتماعيًّا ونسعى بأسلوب إبداعي للتوصل إلى المعنى الشخصي لنا كإعداد افتراضي؛ أي عندما يسير كل شيء على ما يرام.» ومن المثير للاهتمام أنه بعد عقود من ملاحظة ماسلو هذه الميول في السلوك البشري، بدأ علم الأعصاب في توفير قاعدة تجريبية تدعم هذه النظريات. ولقد ركز المعلِّمون على مدى مئات السنين على التدريبات والتمرينات التي تقوِّي وصلات المخ.4 وبعد أن بات هذا الأسلوب غير عصري في ستينيات القرن العشرين؛ أي بعدما خلُص المدرسون إلى أن تلك المنهجيات كانت صارمة بصورة مبالغ فيها، بدأ العديد من الطلاب في مواجهة صعوبات في المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب. وقد نُبذ النهج شبه المتعصب للتعليم الذي اعتمد على الصَّم — في تعلم اللغات مثلًا — (وحقيقةً، يعزز الصَّم الذاكرة السمعية والتفكير عند تعلم اللغات)، واعتمد كذلك على الاهتمام الشديد بالكتابة بخط اليد (الذي يساعد على تقوية المهارات الحركية، ويزوِّد التحدث والقراءة بالسرعة والطلاقة). لكن بندول الساعة يتحرك الآن إلى الوراء مرة أخرى. وسعى قدر كبير من الأبحاث مؤخرًا إلى تحديد تلك الوصلات التي يمكن تطويرها، والفائدة وراء تطويرها. وتتيح التمرينات الموجهة تقوية الروابط العصبية الضعيفة، ولا يختلف ذلك عن الطريقة التي يمكن أن تقوي بها التمرينات الرياضية الموجهة عضلات بدنية معينة بسرعة. ما أثر التدريب العقلي المتخصِّص؟ تمَّ التوصل إلى أن الحيوانات التي تُربى في بيئات خصبة (أي محاطة بحيوانات أخرى، ويتاح أمامها فرص الاستكشاف واللعب) تتعلَّم بشكل أفضل من غيرها من الحيوانات من نفس النوع التي لم تقضِ وقتًا في هذا النوع من البيئة الخصبة،5 وتتميز الحيوانات في البيئات الخصبة بما يلي: مستويات أعلى من مادة الإستيل كولين؛ وهي مادة كيمائية بالمخ ضرورية للتعلم.
زيادة وزن المخ (أكبر بمقدار ?? في القشرة الدماغية و?? في المنطقة التي تستهدفها التمرينات).
زيادة فروع الخلايا العصبية «المدربة» بمقدار ??? وزيادة حجمها وعدد وصلاتها في كل خلية عصبية وزيادة في تدفق الدم.
وقد أظهرت التشريحات التي أُجريت على الجثث أيضًا أن الأشخاص الذين تلقوا تعليمًا في مجالات محددة ينمو لديهم عدد أكبر من الفروع العصبية، وهذا يرتبط بزيادة عامة في حجم المخ وسُمكه في تلك المناطق تحديدًا.
(?) إلى أي مدًى يمكن تعليم التفكير الإبداعي؟

إذن هل يمكن تعليم التفكير الإبداعي؟ هل هناك أي أساس بيئي يشكل التفكير الإبداعي؟ يقول عالم الأعصاب بجامعة نيو ميكسيكو ريكس يونج إن نسبة ??? تقريبًا من إبداعنا تُتوارث من الجينات و??? منها تأتي نتيجة التأثيرات البيئية.6 ويقول إن جميع الناس يتمتعون بالقدرة على التفكير الإبداعي الذي يتأثر بتفاعلاتهم مع البيئة. وحتى إن لم تُحفَّز هذه القدرة في سن مبكرة، فإنها تعاود الظهور في وقت لاحق في الحياة. وإذا وصل المخ إلى أعلى مستويات الاسترخاء وأخذ في التفكير في احتمالات متعددة، فعندئذ تكون عملية التفكير الإبداعي المتقدم ممكنة. تقول تيريزا أمابل الأستاذة بكلية هارفرد للأعمال: «الأسطورة المتعلقة بالإبداع هي أنه يرتبط بشخصية أو عبقرية معينة في الإنسان،7 وفي واقع الأمر، الإبداع يعتمد فعلًا إلى حد ما على ذكاء8 الفرد وحنكته وموهبته وخبرته. وبالطبع هو كذلك. لكنه يعتمد أيضًا على التفكير الإبداعي باعتباره مهارةً تنطوي على بعض الخصائص مثل الميل للمجازفة وقلب المشكلة رأسًا على عقب للإتيان بمنظور جديد. وهذا يمكن تعلمه.» يؤكد الدكتور جيسون أنه تمَّ التوصل إلى أن الإبداع يرتبط بالمتغيرات التالية في الشخصية: الذكاء (طبقًا لنتائج اختبارات قياس مستوى الذكاء).
المرونة الإدراكية (مثلًا كما تُقاس باختبار وسكونسن لتصنيف البطاقات).
المثابرة البالغة؛ التي تصل في كثير من الأحيان إلى حد الهوس بإتمام الشيء (أحد أبعاد الشخصية).
الانفتاح على الخبرات/الانبساط النفسي (وفقًا لقائمة سمات الشخصية الخمس الكبرى).
التفكير التباعدي والطلاقة (من اختبار جيلدفورد للاستخدامات البديلة).
وبصرف النظر عن أبعاد الشخصية والذكاء تلك، هناك عدد من العوامل البيئية التي يمكن أن تؤثِّر بشكل كبير على التنمية الإبداعية، ويجوز قول إن هذه العوامل أكثر أهمية. ولتطوير التفكير الإبداعي، تعلَّمْ كيف تهيئ الظروف لتعزيزه بأفضل طريقة. إن تنمية الإبداع قريبة الشبه بتعزيز الفرص المناسبة لازدهاره، وليس توجيه ضربة خاطفة. ويقول سكوت بيركَن في كتاب «أساطير الابتكار»9 إنك إذا انتظرت لحظة من لحظات الاكتشاف المفاجئ «فلا يمكنك الشعور إلا بالملل»! قد يكون التحدي المتمثل في «أن تكون مبدعًا» مخيفًا لأولئك الذين لا يشعرون بأنهم يميلون إلى خوض هذا الطريق. ولأننا كثيرًا ما نربط الإبداع بالمقدرة الفنية أو الموسيقية، يفترض العديد من الأشخاص الذين لا يتمتعون بهذه المواهب أنهم لا يمكنهم أن يكونوا أكثر إبداعًا، لكن رغم أن الجميع ليسوا فنانين، فبالتأكيد يمكن للجميع أن يكونوا مبدعين. إذ يركز التفكير الإبداعي على تغيير الأفكار والتصورات والمفاهيم بدلًا من تطوير الجماليات أو العمل بكد أكبر على تلك الأفكار والتصورات والمفاهيم. لكن الخبر السار هو أن الإبداع أيضًا «طريقة تفكير». وتلعب القدرة الفطرية دورًا بالطبع، لكن السلوك الإيجابي والإرادة يمكنهما تعويض أي نقص في تلك المنطقة.
إننا نُولَدُ جميعًا مزودين بالقدرة الإبداعية، لكنَّ كثيرًا منا نسي كيف يستخدمها أو يطبقها. وتوضح أغلب الأبحاث في هذا المجال أن أي شخص ذي مستوى ذكاء عادي يقدر على التفكير الإبداعي، فأكثر ما يَكْبِت الإبداع فينا هو فشلنا في تمرينه.
ويحدد مايكل ميتشالكو10 الخصائص الرئيسية للمبتكرين فيما يلي: المبتكرون لديهم نية الإبداع ويتصرفون ويتحدثون بأسلوب إيجابي ومرِح.
المبتكرون يدرسون ماهية الشيء وما يمكن أن يكون عليه بدلًا مما هو ليس عليه. فبدلًا من استبعاد بعض الاحتمالات، يدرس المبتكرون جميع الاحتمالات، سواء الحقيقية أو المتخيَّلة.
المبتكرون يفسرون العالم لأنفسهم ويتجاهلون تفسيرات المفكرين السابقين. والمبتكرون مبدعون لأنهم يؤمنون بأنهم مبدعون.
يتعلم المبتكرون كيف ينظرون إلى الأمور بطرق مختلفة، ويستخدمون أساليب مختلفة من التفكير.
ولتدريس التفكير الإبداعي، نحن بحاجة أولًا إلى خلق بيئة لتشجيع التنمية الإبداعية في هذه المجالات. ويمكننا — على سبيل المثال — العمل على الآتي (وهو ما يُشكل أساس استراتيجياتنا السبع): تشجيع نية الابتكار: جعْل العملية الإبداعية عملية مرحة ومشوقة وذات صلة، بالإضافة إلى توفير الوقت والفرص المخصصة من أجل التنمية الإبداعية.
تدريس التفاؤل والثقة بالنفس: الكشف عن أنماط التفكير التي تؤدي إلى تفكير منفتح وليس منغلقًا، وخلق ثقافة يُعامل فيها الموظفون باحترام.
بناء الثقة والتفكير المستقل: توفير منبر للأفكار الإبداعية يتم فيه تشجيع جميع الأفكار ودعمها، وفيه يمكن للأفراد الشعور بالفخر بما حققوه وتعلُّم طرح هذه الأفكار بثقة، والاعتماد على التجربة على أنها فرصة للتعلم، وليست مجرد لحظة للثناء أو التوبيخ.
توضيح كيفية رؤية الاحتمالات المختلفة: استخدام التمارين التي تشجع على التفكير التباعدي.
(?) تمرين العقل

يرى الدكتور جيسون أنه «لا توجد نواة واحدة للإبداع في المخ.» بل إن الإبداع غالبًا ما يكون مهمة شديدة التعقيد تدمج جميع القدرات العقلية المختلفة التي نستخدمها في التفكير العادي. وفي مثال التزلج على الجليد الذي ذكرناه، على الرغم من أن الناس يفترضون أن رياضة التزلج لا تستخدم سوى عضلات الساقين، فهي في الحقيقة تستخدم مزيجًا معقدًا من العضلات في جميع أجزاء الجسم؛ من عضلات الرقبة إلى عضلات المعدة والذراعين. وبالمثل، فإن الإبداع عملية معقدة ومتكاملة.
جدول ?-?: أنماط الإبداع الأربعة.
?النمط الإدراكيالنمط الشعوريالنمط المتعمد ??معالجة إدراكية متعمدةمعالجة شعورية متعمدة«شِق المخ الأيسر»«شِق المخ الأيمن»من القشرة الجبهية الأمامية إلى منطقة الربط الجداريَّة الصدغية القذاليةمن القشرة الجبهية الأمامية إلى الهياكل الحوفيةالنمط التلقائي ?معالجة غير واعيةمعالجة شعورية غير واعيةمن منطقة الربط الجداريَّة الصدغية القذالية إلى القشرة الجبهية الأماميةمن الهياكل الحوفية إلى القشرة الجبهية الأمامية
وتكشف أنماط الإبداع الأربعة التي حددها علم الأعصاب (انظر الجدول ?-?) كيف يمكننا تنمية التفكير الإبداعي على نحو بنَّاء من خلال نظام يُطبق «من الأمام إلى الخلف»؛ أي عن طريق إدراك الحاجة إلى تعمد تطوير الإبداع في القشرة الجبهية الأمامية — القادرة على التفكير الواعي — ثم تمريره إلى الخلف إما إلى أجزاء المعالجة الإدراكية أو الشعورية.11 وفي الواقع، بمعرفة هذه العمليات المختلفة، يمكن زيادة فرص التوصل إلى سبل مختلفة لحل المشكلات. ويوضح النموذج أنه إلى جانب الإبداع التلقائي الذي يظهر ببساطة عندما نوضع في البيئة السليمة، يمكننا أيضًا تشكيل المخ على نحو متعمد من أجل توليد حلول إبداعية.12 يمكن استخدام التمارين الموجهة أو أي تدخلات أخرى من أجل تقوية وظائف المخ في المناطق ذات الصلة ومن أجل تشجيع الإبداع. ويمكن أن تساعد هذه التمارين في إنشاء مسارات غير مكتشفة مسبقًا وتقوية المسارات الضعيفة وفتح الباب لاحتمالات جديدة. فعلى سبيل المثال، في إحدى الطرق التي غالبًا ما تُستخدم في التدريب على الأداء المرتفع وإعادة التأهيل، يوضع الفرد في موقف جديد يُحاكي النتيجة المرجوة. وخلال التعرض لهذا الموقف، تتشكل وصلات جديدة في المخ الذي يمكن تمرينه ذهنيًّا بعد ذلك لتقوية المسارات العصبية التي تخلق فرصة للتعرف على الأنماط وتدعم التنمية في هذه المنطقة. ويمكن أن يليه التمرين البدني الفعلي في النهاية. وحينما استخدم هذا النهج مع فرق السباحة، سُحب السباحون في الماء بسرعات عالية (أسرع مما لو كانوا يسبحون بأنفسهم). فمَكَّن ذلك السباحين من الشعور بالحركة الشديدة السرعة من أجل تحفيز المخ على تكوين الوصلات اللازمة لمحاكاة هذه الحركة، ولمعرفة كيفية ممارسة المهارات اللازمة للوصول إلى سرعات عالية في سباق السباحة في النهاية.
بات مفهوم تمرين العقل الآن مفهومًا شائعًا لدرجة أن «الصالات الرياضة» المعنية بتدريبات العقل أصبحت صناعة تقدَّر قيمتُها بملايين الدولارات، بعد أن كان يعد سوقًا متخصصة للأشخاص المصابين بالألزهايمر أو بمشكلات إدراكية أخرى. وصمَّمت شركات مثل لوموسيتي ألعابًا ومنتجات أخرى لتحسين أداء العقل لاقت قبولًا عالميًّا من جميع الفئات السكانية. فاشترك قرابة ?? مليون شخص في أكثر من ??? دولة في موقع شركة لوموسيتي الإلكتروني أو حملوا تطبيقات الآي فون الخاصة بها. وتتوقع إحدى شركات أبحاث السوق التي تتابع على وجه الخصوص التطور في مجال «لياقة» المخ أن هذه السوق سوف تنمو إلى ما يُقدر بملياريْ دولار على الأقل بحلول عام ????.13 وقد خلص ريكس يونج إلى أن الذين يجتهدون في ممارسة الأنشطة الإبداعية يتعلمون كيفية توظيف الشبكات الإبداعية بأدمغتهم بوتيرة أسرع وأفضل. وعند المواظبة على ممارسة هذه الأنشطة مدى الحياة، فإن الأنماط العصبية في المخ تتغير تدريجيًّا. ورغم أن طوال القامة بديهيًّا يتمتعون بميزة عند ممارسة رياضة مثل كرة السلة، فإن هذا لا يعني أن الأشخاص الذين لا يتمتعون بالطول الشديد لا يمكنهم التمرُّن حتى يتقنوا كرة السلة. وبالمثل، يتمتع المبدعون بالفطرة بميزة في التفكير الإبداعي وربما تزيد لديهم احتمالية قضاء حياتهم العملية في ذلك المجال، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن لأي شخص آخر تطوير تفكيره الإبداعي. وبالإضافة إلى الجوانب الفطرية في نشاط المخ، فهناك مجالات معينة أخرى يمكن تنميتها مثل التفكير التقاربي والانتباه المركَّز. إن القدرة على الانتقال بسرعة بين التفكير التقاربي والتفكير التباعدي بالغة الأهمية أيضًا، والخبر السار هو أن هذا الأمر يمكن تعلمه أيضًا. وأوضح عدد من الدراسات أن أنماط المخ قد تغيرت وظهرت قدرة أكبر على التفكير الإبداعي خلال تصميم برامج تدريب تُنَاوِب بين فترات من التفكير التقاربي المكثَّف مع الحد الأقصى للتفكير التباعدي مرارًا وتكرارًا على مدى عدة مراحل.14 والدراسات التي أجريت حول عازفي موسيقى الجاز وهم يرتجلون كانت شائقة على وجه الخصوص في هذا المجال. فالعازفون المدربون تدريبًا جيدًا يَقْدِرون على تعطيل الموصل الصدغي الجداري الأيمن، الذي عادةً ما يكون له يد في قراءة المحفزات الواردة وتصنيفها من حيث درجة صلتها. ويستطيعون خلال تعطيل هذا الموصِّل — ومن ثم حجب عوامل التشتُّت — تحقيق مستويات عليا من التركيز ومن ثَمَّ عزف الموسيقى بعفوية أكثر. ويُعد الراقصون والممثلون الكوميديون والخطباء — والرياضيون أيضًا — من بين الأشخاص المدربين الذين تبيَّن أنهم يتمتعون بالقدرة على الانتقال إلى هذا المستوى الرفيع من التركيز. لذا، فإن تعلم تعطيل هذا الجزء من المخ قد يساعد على التنمية الإبداعية.
(?) إبطاء إطلاق النبضات المشبكية

منذ عدة سنوات، قيل لعائلة من أصدقائنا إن ابنتهم التي كانت في رياض الأطفال آنذاك قد تحتاج إلى مساعدة خاصة؛ إذ بدت وكأنها كانت تواجه صعوبة في التركيز على الأنشطة، وكانت تستجيب ببطء وتتعلَّم ببطء. فحينما يكون الأطفال مشغولين بإعداد أدواتهم في بداية اليوم، تحدِّق طفلتهم من النافذة بذهن شارد. ومتى ينتهي الأطفال من تغيير ملابسهم ويخرجون من أجل استراحة الصباح، تكون هي ما زالت على الأرض تحاول عقد أربطة حذائها. وبطبيعة الحال شعر والداها بقلق شديد فأخذاها لإجراء اختبار نفسي مناسب. واتضح أن هذه الطفلة لم تكن تعاني من تأخُّر عقلي على الإطلاق، بل على النقيض من ذلك، كان مستوى الذكاء لديها مرتفعًا على غير العادة. وسرعان ما اكتشفوا بعد ذلك أنها كانت تستغرق الوقت في التفكير في المعلومات ومعالجتها على مستوًى عالٍ، فتتوصل في نهاية المطاف إلى روابط ونتائج ممتازة.
فلنتَّجِه الآن إلى المعمل الجنائي لفحص المخ قليلًا ومعرفة ما يحدث به عندما نُبدع. وإذ تستمر الأبحاث الرائدة الجديدة حول العقل في الظهور، فإننا نتعلَّم الكثير والكثير عن الطريقة التي يحلل بها المعلومات، فضلًا عن تعلُّم سبل علمية جديدة لإحياء التفكير الإبداعي. من المتعارف عليه بصورة متزايدة أن المسارات العصبية تتكون في مرحلة مبكرة من الحياة، وأن نمو مسارات معينة أو عدمه أمر أساسي لتنمية قدراتنا في مجالات بعينها أو لتقوية ذكائنا العام. وقد تمَّ التوصُّل إلى أنه من الممكن تعمُّد دعم قوة مسارات عصبية معينة وتنمية قدراتها، وتقوية نوع معيَّن من الذكاء عبر التدريب خلال تلك العملية. وحيث إنه من الممكن القول بأن الذكاء هو تكوين تأكيدات سريعة — وهذا بلغة العقل يعني وجود نواة ذات استجابة سريعة ومسارات عصبية راسخة — فإن هذا التدريب قد يَزِيد نسبة الذكاء في جوانب معينة قد تساهم في مستوى الذكاء العام. ومع ذلك، أثبتت نتائج أبحاث أجريت في الآونة الأخيرة اكتشافات أخرى مهمة أحدث تتعارض مع هذه الفكرة.
ففي الوقت الذي يسعى فيه علماء الأعصاب إلى اكتشاف الأساس العلمي للتفكير الإبداعي، توصلت فرق بحثية مختلفة الآن إلى أن العقول البطيئة قد تحتضن قدرًا أكبر من الأفكار الإبداعية.15 فعندما تزداد درجات التفكير التباعدي، تنخفض تدريجيًّا كمية مادة بيضاء تسمى بالميلين، وهي موجودة في أجزاء معينة من القشرة الأمامية اليسرى.16 وهذا قد يعني أن هؤلاء الأشخاص يعانون من بطء في الإرسال العصبي؛ لأن هذه المادة البيضاء هي عبارة عن شريحة دهنية عازلة تلتفُّ حول الخلايا العصبية، وتسمح للنبضات الكهربائية التي تنتقل على طول الأعصاب بالتحرك بسرعة. وانخفاض كمية الميلين يعني أن المعلومات تنتقل ببطء أكثر. وكلما زادت القدرة على التفكير التباعدي لدى الفرد، يقل «تكامل» المادة البيضاء لديه. وعلى وجه الخصوص، اكتشف ريكس يونج أن الأشخاص الأكثر إبداعًا يملكون مادة بيضاء أقل تكاملًا في المنطقة التي تربط القشرة الجبهية الأمامية بالمهاد الذي يقع في مكان أعمق.17 ويمكن القول إن هذه الوصلات البعيدة في المخ هي السبب في الوظائف الإدراكية المتنوعة وربما تدعم عمليات التفكير غير المتخصصة والمباشرة مثل الإبداع. وأدت هذه النتيجة التجريبية إلى التوصل إلى فكرة غير متوقعة: أنه رغم افتراض أن المخ الذي يعمل بكفاءة يعزِّز التفكير الإبداعي، فالأشخاص الذين يملكون المشابك العصبية المخية التي تُطلق نبضات أبطأ من المعتاد يتمتعون بقدرة أكبر على التفكير الإبداعي. وقد يرجع ذلك إلى أنه في هذا الجزء من المللي ثانية بين إطلاق نبضة واستقبالها، يكون أمام الرسالة فرصة لعمل وصلات جديدة أخرى. أثناء التفكير الإبداعي، فإن المسار من فكر إلى آخر لا يكون خطًّا مستقيمًا، وهذا يعني أن الأشخاص الذين يتمتَّعون بدرجة عالية من الإبداع يمكنهم تكوين وصلات جديدة ابتكارية بسهولة، كما أنهم أيضًا لا يتقيَّدون بالمناهج القياسية. فهم لا يشعرون بانسجام مع طرق التفكير الراسخة ولا يتبعون المسارات المعيارية.
لا تزال هذه النظرية تخمينية، وهناك الكثير من الأدلة التي تَدْحَضُهَا وتربط سرعة الإرسال العصبي بالذكاء، والذكاء بزيادة الإبداع. وفي المقابل، يقول بول طومسون — الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس — إن إرسال المعلومات السريع خلال المشابك العصبية ليس أمرًا حيويًّا للفكر الإبداعي مثلما تُوُقِّعَ سابقًا. فهو يرى أن «السرعة الذهنية الكبيرة قد تكون مفيدة للعب الشطرنج أو حل مكعب روبيك، لكنك لا تعتقد بالضرورة أن كتابة الروايات أو ابتكار الأعمال الفنية أمر يتطلب سرعة ذهنية فائقة.»18 لذلك عند النظر في السؤال: كيف يُمكِنُنَا تقوية التفكير الإبداعي؟ فربما نحتاج إلى التفكير في كيفية المساهمة في إبطاء عمليات التفكير لإتاحة الفرصة لظهور وصلات مشبكية جديدة. وهو ما يعني على الأرجح أننا بحاجة إلى البدء في إبطاء إيقاع حياتنا.
(?) مفتاح «تشغيل/إيقاف» المخ

سوف يتَّضِح لك أن تحفيز حالة من الاسترخاء أمر بالغ الأهمية لتشجيع التفكير الإبداعي، إذا ما ربطت بين هذه النظريات الجديدة الشائقة والحقيقة المعروفة منذ أمد بأن الضغط العصبي يمكنه أن يتسبب في «إغلاق» أو «إيقاف عمل» جوانب مهمة في المخ بحيث لا يمكن الوصول إليها مرة أخرى. ومن المهم أن تتمكَّن من الوصول إلى مستويات أعمق وأكثر اتساعًا في المخ، بدءًا من الحصين وحتى القشرة الجبهية الأمامية. وكلما زاد استرخاء الفرد، زاد «تفتح» عقله وزادت سهولة تكوين وصلات أوسع نطاقًا. وفي الواقع، يُتيح الاسترخاء تحرر التفكير الواعي من المهام الملحة والمباشرة وصولًا إلى تفكير أكثر تفتحًا وتباعدًا.19 ويبدو أن المخ قادر على إيقاف عمل الوصلات مؤقتًا في حالة الضغط العصبي الجسيم، وهو ما يحدث غالبًا بعد الصدمات، عندما يفقد الفرد الذاكرة إما لفترة قصيرة أو طويلة، ربما للحد من الألم وحماية الفرد في النهاية. ويقول البعض إن هذه غريزة تنشط بشدة لدى الحيوانات في اللحظة التي تؤكل فيها! فهل لاحظت من قبل أنه في اللحظة التي يبدأ فيها الأسد بالتهام الغزال، فإن الغزال يتوقف عن الصراع ويُصبِح هادئًا للغاية وفي عينه نظرة جوفاء؟ ربما لأن الحيوان يهرب من الألم والرعب بدخوله في حالة تفارقية. ولا يعني هذا أننا نوصي بهذه الحالة العقلية للعمل المثمر، حتى وإن كان هناك قاتل إبداع يتربص في الخفاء!
وبالمثل يبدو أن الضغط النفسي قد يتسبَّب في تعطيل تقبل الأفراد للتعلم وترحيبهم به. وقد يكون ذلك مُهمًّا على وجه الخصوص فيما يتعلق بالتفكير الإبداعي الذي يتطلَّب حالة من الاسترخاء، والقدرة على إمعان التفكير في الخيارات بوتيرة بطيئة وتفتح الذهن على استكشاف البدائل المختلفة دون خوف. وحسبما يشير ريتشارد هيل، عندما يتعرَّض الإنسان إلى ضغط نفسي أو صدمة، فإن المخ يعطِّل عمل الأنظمة المعنية بالعثور على المعنى الشخصي والاجتماعي والتي تؤثِّر على التفكير الإبداعي من أجل مساعدة موارد المخ على التركيز.20 ويبدو أنه هناك جين معين يُمكِّننا من أن نكون أكثر استرخاءً في ظل الضغط العصبي وأكثر قدرة على التعامل مع الأثر المحتمل للضغط من خلال تكوين المزيد من الخلايا في الحُصين. وقد يتم «إيقاف» نشاط هذا الجين في مرحلة مبكرة من الحياة في حالة وجود عوامل بيئية خانقة. وقد تبيَّن أنه عندما يتسبب الضغط العصبي في تقليل بروتين معين — وهو عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ — فإن الخلايا العصبية في بعض الأجزاء في الحُصين تتقلَّص ويقلُّ حجم الحُصين ككل. ونظرًا لأن الحُصين يلعب دورًا رئيسيًّا في المزاج والإدراك والذاكرة، فإن الضغط العصبي يضرُّ بالتأكيد بتنمية التفكير الإبداعي. ومن المثير للاهتمام أن إحدى الدراسات أوضحت أن صغار الجرذان يُولَدُون بهذا الجين متوقفًا نشاطه بالفعل، وربما يكون ذلك آلية وقائية، ولا يتم إثارته إلا عندما ترعى الأم جرذها الصغير بالاعتناء والتغذية.21 ولذا، لكي نتمكَّن من تشجيع التفكير الإبداعي، من المهم ألا يكون هناك ضغط عصبي خارجي زائد عن الحد، و/أو أن تكون الآليات الفعالة للتعامل مع الضغط في نصابها الصحيح. وهذا من شأنه أن يَضمَن إشراك مناطق المخ التي يمكنها الوصول إلى المعنى الشخصي في العملية، كما يضمن ازدهار الفرد.
(?) مسارات جديدة للتفكير المتفوق

مثلما تعلَّم كالن كيفية شَقِّ مساراتٍ جديدة على الجليد غير المحدد بمسارات، فإنه بإمكان الناس كافةً تعلُّم كيفية التوصل إلى أفكار إبداعية جديدة تُوَسِّع نطاق تفكيرهم وتتحداهم. ومثلما احتاج كالن إلى التدريب لممارسة مهاراته الجديدة — بينما كان يمرِّن نفسه على القفز والدوران — فنحن أيضًا بإمكاننا التمرُّن باستخدام الاستراتيجيات التي ستصل بنا إلى التفكير الإبداعي المتفوق. وستحدد مبادئ واستراتيجيات الإنقاذ التالية الخطواتِ البسيطة التي من الضروري اتخاذها، كما ستضمن التمارين التي نقدمها هنا استخدامك للوسائد الكبيرة القابلة للنفخ (وسائل الأمان) عندما تمارس الحركات الصعبة في الهواء (المهام الصعبة وأنشطة توسيع نطاق التفكير). وسيدفع ذلك عنك الحرج أثناء التدريب، وقد يجنبك ارتكاب خطأ المليون دولار!

الفصل السادس
كيف يمكن إنقاذ الإبداع؟


نمط المُسْعِف: استراتيجيات التفكير الإبداعي السبع

كنا في رحلة استكشافية بتمويل حكومي إلى منطقة برية مع مجموعة من طلاب المدارس «المعرضين للخطر»، وكان الغرض من هذه الرحلة — كما كنا نأمل — هو مساعدة هؤلاء على إعادة حياتهم مرة أخرى إلى المسار الصحيح. وكان أكثرهم اضطرابًا هم الذين خَرَقُوا القانون من قبل؛ أما الآخرون فقد فَقَدَتْ عائلاتهم الأمل فيهم. وكانت هذه الرحلة مهمة إنقاذ بالنسبة لكثير من هؤلاء الصبية؛ فهي المحطة الأخيرة على طريق طويل يؤدِّي إلى دمار شبه مؤكَّد. وشملت الرحلة الاستكشافية اصطحابهم إلى البرية، بعيدًا عن جميع التأثيرات السلبية المعتادة، وتعريفهم بعواقب سلوكياتهم. كانت رحلة صعبة، فقد انتهى الأمر بالصبية بالاضطرار إلى التخييم على جانب منحدر عندما لم تفلح مهاراتهم الملاحية. واضطروا إلى أكل طعام بارد لعقوا مُعَلَّباته لَعْقًا من شدة الجوع — بعد أن أهدروا حصصًا كبيرة من الطعام في معاركهم حوله — كما تبللت عيدان الكبريت خلال المعركة؛ مما اضطرهم غالبًا إلى نصب الخيام في الظلام، والمعاناة من الأرض القاسية، والتعامل مع الحياة البرية غير المألوفة.
وكان التحدي الأكبر والأخير في الرحلة هو الهبوط بالحبال مسافة كبيرة بلغت ??? متر على منحدر ضخم. لم يكن هناك سوى طريق واحد للخروج من البرية وقد تضمَّن هبوط الجرف، إلا أن هذا الجرف والنزول بانحدار شديد إلى أرض الوادي البعيد في الأسفل كانا كفيلين بإثارة الرعب لدى أكثر المستكشفين إقدامًا. وفي الليلة التي سبقت اليوم الذي كان سيقدم فيه الطلاب على نزول هذا المنحدر الشديد، أخذنا عشرة منهم إلى الجانب الآخر من الوادي حتى يشاهدوا التحدي الذي سيُواجهونه في اليوم التالي. وبعد أن غربت الشمس فوق الجبل، ملقية بظلال كثيفة على الوادي، تأمَّلنا في رهبة ما كان بالفعل أكبرَ هبوط بالحبال في أستراليا على جبل ماونت بانكس. وخيَّم الصمت على الطلاب عندما كانوا يتأمَّلون الهبوط من على الجرف. وعلى الرغم من أننا كنا نُعِدُّ لهذا التحدي الأخير طوال العام، كانت وجوه جميع الطلاب بمن فيهم من هم أكثرهم عنفًا شاحبةً من هَوْلِ مشهد المنحدر الحاد.
وكان جاك الشرس ذو الشعر الأحمر هو أول من سأل عما كان يدور في رأس الجميع قائلًا: «(لَفْظُ سِبَابٍ‎) كيف سننزل هذا الجرف (لَفْظُ سِبَابٍ‎) …؟ ليس لدينا حتى حبل طوله ??? متر، أليس كذلك؟» فأجابه روبرت موافقًا: «نعم، لا يمكننا أن نحمل حبلًا طوله ??? متر، سيكون ثقيلًا للغاية.» فرد دنيس قائلًا: «ما الخيار الآخر المتاح أمامنا؟» مضيفًا «هذا هو السبيل الوحيد للخروج.»
وعندما حلَّ المساء في الوادي، انخفضت المعنويات وسيطر خوف مُمِيت على أفراد المجموعة بأكملها، وكأن الشلل أصابهم من فَرْطِ خوفهم. وانحنى معظم الطلاب جالسين على حافة المنحدر يُصارعون الخوف من المجهول، في محاولة منهم لتصوُّر ما سيقومون به وما سيكون شعورهم بعد ?? ساعة.
كانت الطريقةَ الوحيدةَ لإنزال الصبية أسفل الجبل عبر خطوات صغيرة يسهل قطعها. وكان روبرت محقًّا، فلم يكن لدينا حبل طوله ??? متر، ولكن ما لم يكن يَعرفُهُ الطلاب ذلك الوقت هو أننا لم نكن بحاجة إليه حقيقةً. كان من بين اللوازم التي أحضرناها حبلان طول كُلٍّ منهما ?? مترًا يمكننا استخدامهما في النزول؛ أي إننا سننزل المنحدر على مراحل. فما كانت رؤيته مستحيلةً من مسافة بعيدة هو أن سطح المنحدر كان به بالفعل عدة مستويات من الحواف التي يمكن استخدامها كنقاط منفصلة عند النزول. ونَجَحَ هؤلاء الطلاب بالفعل قبل ذلك في النزول بالحبال عدة مرات لمسافة ?? مترًا؛ لذا كان الأمر كله متعلقًا بمساعدتهم في استيعاب أنهم بحاجة لمواجهة التحدي تدريجيًّا، على مراحل يمكن التحكم بها. فالطلاب اعتقدوا — عندما نظروا للجبل بالكامل — أن المهمة مستحيلة، ولكن عندما قسِّمت المهمة بدءوا يؤمنون أن بإمكانهم تنفيذَها.
في صباح اليوم التالي، هبط جميع الطلاب من على هذا المنحدر الشديد. وكانت المجموعة الأولى قليلة العدد وافرة الحظ، فالضباب لم يكن قد انْقَشَعَ حينها؛ لذا نزلوا أثناء انتشار الغَيْمِ دون أن يُواجههم مشهد حجم الانحدار. ولكن عندما انقشع الغيم وظهر المنحدر بالكامل، استلزم الأمر منا المزيد من التدريبات لإعداد الطلاب نفسيًّا. وأخيرًا، استطعنا رفع معنويَّاتهم لأقصى درجة. وبعد ثماني ساعات (وسبعة منحدرات)، وصل الجميع إلى أرض الوادي بدون وقوع أي حوادث.
ما إنْ توصَّلُوا إلى أنهم يُمكنهم تقسيم المشكلة إلى مراحل، تَمَكَّنَّا من مساعدتهم على معرفة كيفية تطبيق هذا المبدأ على نواحٍ أخرى من حياتهم، بما في ذلك التعامل مع المشكلات التي تواجههم في المدرسة. وفجأة اختفى الخوف المميت من الأمور التي تبدو مستحيلة، وفُتح أمامهم عالم جديد من الاحتمالات. وتغيَّر العديد من هؤلاء الطلاب جذريًّا في تلك اللحظة، بعد أن اكتشفوا ثقة جديدة في أنفسهم نابعة من أنهم قادرون على مواجهة التحديات التي تعترض طريقهم أيًّا كانت. فقد رأوا العالم من منظور جديد.
فمهما كان شعور الأشخاص الذين يواجهون تحديًا إبداعيًّا، ومهما كان قدر الضرر الذي تسبَّب فيه قتلة الإبداع بالفعل، فإنه من الممكن تحقيق الأمور التي تبدو بعيدة المنال، وإنقاذ التفكير الإبداعي. ويرى بعض الأفراد والمؤسسات أنه من الصعب البدء في العملية، والبعض الآخر يبدءون بحماس لكن سرعان ما يشعرون بالإحباط بعد ذلك، أو يتعثَّرون في مكان ما على الطريق. وكلما ازداد حدوث ذلك، قَلَّ تفاؤلهم ومثابرتهم. وقد وجدنا أنه من الأفضل تقسيم المشكلة إلى مراحل لتسهيل عملية الانتقال من حال لآخر، مع تزويد الأشخاص بخطوات واضحة وتدريجية. وحتى مع هذه التسهيلات، يَنْفَدُ صبر الناس ويحاولون تَخَطِّي خطوات هامة، ونتيجة لذلك يُخْفِقُونَ في الوصول إلى الحل الذي كانوا يأملون في التوصل إليه.
عندما تخرُج عن «المضمار» — أو تقفز من على جبل! — قد لا يكون أمامك مسار واضح تسلكه. وبِغَضِّ النظر عن التضاريس الصعبة، يمكنك أن تكون على أُهبة الاستعداد لمواجهة أيِّ شيء باتخاذ كل خطوة في حينها، خلال المهارات والمعَدَّات الملائمة والتخطيط المناسب. والعملية التي سنشرككم فيها في الأقسام التالية ستُساعدكم في استكشاف مسارات نحو التنمية الإبداعية بأسلوب يُسفِر عن نتائج عملية ومفيدة محددة. ولقد قسمنا العملية إلى سبع استراتيجيات بحيث يمكنك تناول استراتيجية واحدة في كل مرة بكل ثقة.
يبدأ الإبداع مع الفرد، إلا أن الأفراد عادة لا يُفسحون المجال أمام إبداعهم للنمو. فضغوط الوقت، ومواعيد التسليم، والبيئة التي لا توفِّر الدعم، والخوف من الفشل، والبيروقراطية، كلها يمكن أن تؤدي إلى شَلِّ الإبداع. لكن أكثر ما يهدده هو قلة التدريب. ولأنك تُسَيْطِرُ على حياتك، يمكنك تنمية الإبداع بمهارة. فمتى كانت آخر مرة خصصت فيها بالفعل وقتًا لمحاولة القيام بشيء إبداعي؟
وما إن ينشأ لدى الأفراد التزام بالتنمية الإبداعية، يمكن أن يأتي بعد ذلك التغيير المؤسَّسِي. والأشخاص الذين لا يظنون أنهم بحاجة إلى أن يتحلَّوْا بالإبداع يَخنقون الإبداع في فريق؛ مما يسمح للمؤسسة بالعمل ولكن بعدم كفاءة. كما أن الافتقار إلى الكفاءة الإبداعية الفردية يعيق تحقيق مطالب العملاء؛ مما يدفعهم إلى الذهاب إلى مكان آخر. فالعملاء والزبائن (الداخليون والخارجيون) سيبتكرون بمساعدة مؤسستك أو بدونها؛ لذا عليك أن تسعى وراء فرص التنمية الإبداعية مسبقًا لتبقى في الطليعة.
وتشمل تنمية الإبداع تَبَنِّي أسلوب جديد في التفكير. وهناك العديد من الطرق المختلفة التي يمكنك من خلالها ممارسة هذا الأسلوب وتحرير قدراتك الإبداعية. وإذ إن هناك أربع مراحل من الانتكاس في موت التفكير الإبداعي، فهناك أيضًا أربع مراحل أخرى من الإحياء موازية لها، وقد أقررنا بضرورتها في عملية الإنقاذ، وهي: المرحلة الأولى: التحرر.
المرحلة الثانية: المبادرة.
المرحلة الثالثة: التحفيز.
المرحلة الرابعة: التحول.
وهناك إذن سبع استراتيجيات نُوصِي بها للمساعدة في عملية الإنقاذ (كما هو موضح في الجدول ?-?). جدول ?-?: نموذج دورة حياة التفكير الإبداعي — إحياء الإبداع.
?إنقاذ التفكير الإبداعي: مراحل الإحياء?عملية الإنقاذاستراتيجية الإنقاذالمرحلة الأولىالتحرر?الحرية والشجاعة للتقدم للأمام والتفكير بحرية?الحرية(?) غرس الفضول?الشجاعة(?) تقبل الغموضالمرحلة الثانيةالمبادرة?الاستقلالية والانفتاح العقلي للتخلص من الضغوط وتحقيق النمو?الاستقلالية(?) إطلاق العنان للخيال?تفتح الذهن(?) استخدام شِقَّي المخالمرحلة الثالثةالتحفيز?الشغف لإحداث تحوُّل?الشغف(?) إعادة صياغة المفاهيم الشائعةالمرحلة الرابعةالتحول?المرونة والإيجابية لإجراء تغييرات حقيقية?المرونة(?) استكشاف مسارات مختلفة?الإيجابية(?) تَبَنِّي التفاؤل
(?) المرحلة الأولى: التحرر – الحرية والشجاعة للتقدم للأمام والتفكير بحرية

توفِّر المرحلة الأولى من عملية الإنقاذ مِنَصَّةً للنمو الإبداعي المحتمل؛ فهي تقر بالحاجة إلى «الحرية» التي تفتح المجال أمام التفكير استعدادًا لقبول احتمالات جديدة، والحاجة إلى «الشجاعة» التي هي منصة الانطلاق لاتخاذ خطوات رحلة جريئة.
(?-?) نمط المنقذ الأول: الحرية

هذه الوسيلة الرائدة للاستكشاف تخلق حالة ذهنية يمكن الشعور من خلالها بالأمن والأمان ويمكن استكشاف الأفكار دون قيود. فالحرية تشجع على القيادة المتواضعة وخلق بيئات عمل يسهل الوصول إليها. فهي حالة لا تُقَيِّدُهَا أفكار أو مفاهيم مسبقة، ولها القدرة على إطلاق العنان للتحديات وفتح المجال للاحتمالات. وباعتبار الحرية وسيلة إنقاذ، فإنها على استعداد لمواجهة أي تَحَدٍّ في أي وقت. والحرية تَتَّسِمُ بسعة الحيلة البالغة وتتمتَّع باكتفاء ذاتي شديد؛ لأنها تجد مسارات جديدة دائمًا وتسافر مخترقة كل الحدود بدلًا من قطع الطريق البالي من كثرة الاستعمال. فهي دائمًا تريد معرفة ماذا هناك عند المنحنى التالي، وماذا على الجبل التالي، وماذا بعد الموعد النهائي التالي لتسليم الأعمال، وماذا في الأفق الجديد. واستراتيجية الإنقاذ التي تفضِّلها هذه الوسيلة الرائدة هي «غرس الفضول». والحرية تساعدك على الإفلات من المشتَبَه بهم في جريمة القتل ممن ينتمون إلى طاقم التحكم؛ إذ يكون سلاحهم الرئيسي هو «الإرغام الساحق».
تأمَّلْ جيسون كيلر، الذي يختلف عن الرؤساء التنفيذين التقليديين. فبدلًا من أن يستمتع بالمزايا التي توفرها له مكانته أو يتباهى بسلطته، يعمل جاهدًا لينشر التواضع والبساطة. وبدلًا من أن يحصل على مكتب زاوية فاخر يطل على أجمل المناظر في العمل، فإنه يجلس في الخارج مع الجميع على مكتب مصنوع جزئيًّا من الصناديق الفارغة. ويهتم كيلر اهتمامًا شخصيًّا بجميع موظَّفيه الجدد، فيدعوهم لتناول الغداء حتى يتعرف عليهم أكثر ويعرف منهم الأمور التي يرغبون في رؤيتها تتحقَّق في المؤسسة.
ويصف الكاتب والمعلم جريجوري فرينستاين هذا النهج الجديد الثوري تجاه الهيكل المؤسسي الذي يدعم الابتكار، ويوضح الأفكار التي أدخلتها هذه الشركة وشركات أخرى مثلها. فهو يوضح كيف لكيلر — وهو الرئيس التنفيذي لموقع هولو1 أكبر المواقع التي تقدِّم البث الحي لمقاطع الفيديو والذي يجني الملايين من الدولارات — أن يتخذ خطوات غير تقليدية في الإدارة. ومع أن منصبه يعطي له حق التمتع بمزايا النجاح، فإنه يرى مبدأً هامًّا للغاية على المحكِّ هنا. فهو يؤمن «بأنك لن تجذب أفضل بَنَّائِي النجاح في العالم وتُبْقِي عليهم في بيئة قيادة وسيطرة.» ويوضح أندرو ماسون — الرئيس التنفيذي لشركة إنترنت أخرى لاقت نجاحًا مماثلًا وهي جروبون — هذا المفهوم ويقول: «نحن نفترض أن الناس طيبون في الأساس وأنهم أشخاص بالغون مسئولون. وتعكس سياساتنا هذا الإيمان.» وتركِّز معظم المؤسسات على وضع قواعد ولوائح للتعامل مع الموظفين صَعْبِي المراس، ولكن ماسون يقول: «إن جزاء إنشاء بيئة عمل تَسُودُهَا البيروقراطية والروتين — حيث يسود افتراض أن نسبة ا? ??? المتبقية من الأشخاص سيئون بالمثل — هو وضع قواعد من شأنها تشجيع الناس على الوصول إلى حدود تلك القواعد … ولأن الشركة لا تُظْهِر لهم الاحترام والاستقلالية اللازمين لإنجاز الأعمال بالطريقة التي يدركون أنها ستُنجز بها، فإنهم يعامِلون الشركة بقلة الاحترام ذاتها.» ويوضح فرينستاين أن ما يحدث في تلك الشركات التي تدعم الإبداع يشمل: إطلاع وكلاء المبيعات على بيانات سير العملية المالية الحقيقية؛ حتى يتمكنوا من صياغة استراتيجيات المبيعات الخاصة بهم بدلًا من أن تُحدد لهم الأهداف من الخارج.
عمل الموظفين وجلوسهم معًا على مكاتب مفتوح بعضُها على بعض دون حواجز، بحيث يكون ثلاثة أو أربعة موظفين جالسين على المكتب الواحد؛ وهي طريقة لا تستلزم الحاجة إلى إشراف إداري مباشر وتشجِّع على المناقشة المستمرة والتبادل الحر للمعلومات.
وليس من الغرابة إذن أن تحصل شركتا هولو وجروبون مؤخرًا على جوائز بسبب التزامهما الاستثنائي بالتمكين في محل العمل. (ورواد هذا الأسلوب من القيادة التمكينية التي تضمن الحرية في المؤسسة هما الحركة النقابية في القرن العشرين والكيبوتس في إسرائيل. وأدخل ريكاردو سندر مفهوم تحديد الموظفين لرواتبهم وتصويتهم على اختيار المديرين الجدد منذ ثلاثين عامًا تقريبًا.)
ينبغي ألا تنطوي إقامة الحرية في المؤسسة على مجرد إجراء إعادة هيكلة سطحية؛ بل هي تحتاج إلى أن تُبنى من الأساسات. ويمكن تأسيس هذه الحرية التي تدعم التعاون عبر إنشاء هياكل إدارية أكثر وضوحًا تُشْعِر الجميع بقدرتهم على الابتكار، ووضع نماذج للقيادة المتواضعة، وتصميم بيئاتِ عملٍ يَسْهُلُ التعامل معها تُتِيح الفرصة للموظفين للاتصال والتعاون. وعندما يتحقَّق هذا الأمر، سنشاهد مزيدًا من الرؤساء التنفيذيين يختلطون مع أولئك الذين يحدثون الفارق في المؤسسة في نهاية المطاف.
وكما أسلفنا، فإن الأطفال (والحيوانات) الذين لا يمارسون «اللعب الحر» في الصغر يصيرون كبارًا يعانون القلق وعدم التكيف مع المجتمع.2 فاللعب الحر قناة أساسية لتحويل موارد المخ بعيدًا عن التعامل مع وظائف البقاء الأساسية حتى يمكنهم التوصل إلى التفكير الإبداعي. وإذا لم يُمارَس التفكير الإبداعي بانتظام، فسيتعذر تأسيس مسارات قوية في المخ كما ستذبل حقيقةً القدرة على التفكير الإبداعي. ويبقى الأفراد الذين تمتعوا بحرية اللعب منذ سن صغيرة على استعداد أفضل لتنمية الثقة الإبداعية اللازمة للازدهار في الحياة بعد ذلك. تُتيح الحرية للجميع فرصًا للتمتع بالتمكين والازدهار بدلًا من أن تسمح للإدارة الاستبدادية على شاكلة المافيا بأن تتولى القيادة. وينال القائد المرشد الذي ييسر العملية الإنتاجية — ويستطيع أن يحفِّز الخبرات والثقة والإبداع في الآخرين ويبرزها — تقديرًا بالغًا، على عكس المدير المتنمِّر المتحكم وسلاحه المختار هو «الإرغام».
(أ) استراتيجية الإنقاذ الأولى: غرس الفضول

العمل المهم والصعب لا يتعلَّق أبدًا بإيجاد الإجابات الصحيحة، بل بإيجاد السؤال المناسب.
بيتر دراكر3 تعتبر صالة الركاب بمطار دينباسار الدولي في بالي عملًا معماريًّا استثنائيًّا، ونحن للأسف لا نستخدم كلمة «استثنائي» هنا بصورة إيجابية. يقع المطار في الطرف الشمالي من خليج جيمباران، بعيدًا نوعًا ما عن مطاعم الأكلات البحرية المفعمة بالدخان، ويمتدُّ المدرج بين بحيرتين زرقاوين صافيتين تحدُّهما شواطئ رملية بيضاء. ويفصل سياج سلكي صغير بين الأمواج المتكسرة الشهيرة في منطقة كوتا السياحية الجذابة، وخليج جيمباران الهادئ في الجانب الآخر. وأغلب السُّيَّاح الوافدين إلى بالي والبالغ عددهم ???? مليون سائح يمرون عبر هذا المطار مرتين، إما وهم يتطلَّعون لقضاء إجازتهم على الشواطئ الاستوائية أو يتذكَّرون بولعٍ ذكرياتهم وتجاربهم. ويتمتَّع هذا المكان بواجهة بحرية جميلة. فسطح المطار (إذا تمكنت من الوصول إليه) يقدم منظرًا بزاوية ??? درجة لآفاق شواطئ الجزيرة المذهلة. ولكن هناك مشكلة كبيرة واحدة، وهي الطوابير الطويلة والانتظار اللانهائي (إذ يصل إلى ثلاث ساعات) حيث يظلُّ المسافرون محتجَزين في قاعة مملة ذات أضواء ساطعة بها متاجر تبيع بضائع باهظة الثمن، وتقريبًا دون أي فرصة للاستمتاع بأجمل ما يميِّز المكان. وباستثناء بضع نوافذ صغيرة تطل على مدرج المطار، بدلًا من إطلالها على المشهد الكامل على جانبيه، فإن المطار مُحاط بالكامل بالأسوار. من الواضح أن المهندس المعماري أخفق في طرح الأسئلة التي من شأنها أن تُتيح التوصُّل إلى حلول إبداعية بخصوص كيفية الاستفادة من هذا الموقع المتميز.
ويقول المهندس المعماري السابق لويد إروين إنه عندما يصمم المهندسون المعماريون المباني، فإنهم من الضروري أن يذهبوا أولًا إلى الموقع لطرح الأسئلة التي تفتح الباب للاحتمالات الإبداعية. وينبغي أن تشمل هذه الأسئلة ما يلي: ما الشيء المميز في هذا الموقع؟
ما الشيء الذي يحتاج إليه هذا الموقع بشدة؟
ما الاستجابة التي يتطلَّبها مني/من المبنى؟
من المستبعد أن يكون المهندسون المعماريون الذين صمموا مطار دينباسار قد طرحوا هذه الأسئلة عندما صمموا هذا المبنى.
ولقد ربح المهندس المعماري الذي صمم دار أوبرا سيدني الشهيرة جائزة مسابقة دولية أطلقت عام ???? لأنه أجاب عن هذه الأسئلة بالكامل تقريبًا. فبالنسبة ليون أوتسون، كان موقع دار الأوبرا يصرح بالأمرين التاليين اللذين أنتجا الإبداع الثوري: الأشرعة: فموقع الواجهة البحرية، والطقس الرائع، وشعبية الإبحار في الميناء، كلها عوامل أوحت بهذا الرمز.
المسقط الخامس: نظرًا لكون الموقع في واجهة المدينة، فإن أوتسون كان على دراية بأن المبنى سيُشاهد من أعلى (من ناطحات السحاب) بقدر ما سيُشاهد من الجانب؛ ولذلك استخدم مصطلح «المسقط الخامس» لوصف مشهد السطح، والذي كان من الضروري أن يكون جميلًا مثله مثل المساقط الأربعة الأخرى.
وأدت الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بالتصميم والموقع والغرض إلى التوصل إلى حل الأشرعة الشهيرة، ومبنًى مميز من العبقرية الإبداعية.
ويتَّسم المخ بالإبداع والفضول بالفطرة، ولا تأتي الخيالات بثمارها إلا عندما يسد المخ الفجوات من أجل «خلق» الواقع. ويرجع الأمر إلينا في إطلاق هذه القدرة، وأفضل طريقة للقيام بذلك تكون بتعلم طرح الأسئلة. فالعقل المتسائل يحفز الفضول، والفضول يعزز الرغبة في التوصل إلى اكتشافات جديدة. ولا يمكن إثارة العملية الإبداعية إلا بواسطة الرغبة الشرهة في التنقيب والاستكشاف؛ أي الفضول الحر والبريء. غير أن هذه الخطوة الأولى في عملية التنمية الإبداعية كثيرًا ما يعوقها عدم القدرة على تخطي الافتراضات والممارسات الراسخة.
قضى جيفري ويست (الذي تطرَّقنا إليه سابقًا حول كتابه عن الابتكار في المدن) معظم حياته المهنية في دراسة فيزياء الطاقة العالية، مصطدمًا بمفاهيم مثل الكوارك والمادة المظلمة ونظرية الأوتار. وبدأ يهتمُّ بتطبيق المبادئ الفيزيائية على العلوم البيولوجية والاجتماعية منذ حوالي خمسة عشر عامًا، وتمكَّن من إدخال بعض المفاهيم الجديدة الرائعة من خلال طرح أسئلة هامة مثل: لماذا يعيش البشر نحو مائة عام؟ لماذا لا يعيشون ألف عام، أو عشرة أعوام أو مليون عام؟ من أين أتى هذا الرقم؟ ما هي آلية الشيخوخة؟4 إنَّ طرح مثل هذه الأسئلة فتح المجال أمام مجموعة كاملة من الاحتمالات الجديدة. وتُعد هذه الخطوة الأولى من غرس الفضول خطوةً ضرورية لأننا عادةً لا نرى العالم الذي نعيش فيه كما هو بل كما نراه. فنحن نرى الحقيقة وفقًا لمجموعة من: الافتراضات.
الاعتقادات.
الخبرات.
التحيزات.
تشكل هذه الأمور صورة العالم لدينا، فتُلوِّن ما نراه أو تشوِّهه. وتميل المؤسسات (والمجتمعات) إلى امتلاك نظرة جماعية للعالم تتبناها الغالبية العظمى من أعضائها. والإبداع هو النظر فيما وراء هذه الصورة للعالم، وأولى الأدوات الإبداعية البارزة هي طرح الأسئلة الموجهة. ووفقًا لمقولة جورج برنارد شو الشهيرة، هناك فرق كبير بين رؤية الأشياء كما هي والسؤال عن السبب ? «لماذا؟» وتصور الأشياء على غير هيئتها والسؤال ? «ماذا لو؟» ويمكن العثور على حلول جديدة وإبداعية كليَّةً خلال التركيز على كيفية زعزعة الأنماط المألوفة أو النظم الحالية.5فهم قوة الفضول

إنَّ طرح أسئلة مناسبة كفاءة مكتسبة تعتمد على التحفيز والدراية والخبرة.6 ونحن بحاجة إلى تعلم طرح الأسئلة — حتى «الغبية» — التي تأتي من الرغبة في البحث عن الحلول الممكنة وليس التوقعات. وإذا كان الإبداع ينشأ مع السؤال، فإن فن طرح أسئلة «غبية» من الممكن أن يؤدي إلى الإبداع المعزز. وللأسف، عندما ننتقل من مرحلة الطفولة إلى البلوغ، فإننا نتوقف عن طرح الأسئلة ونبدأ في الرغبة في توفير الإجابات. والتصرف بناءً على الافتراضات يضر بعملية التوصل إلى حلول إبداعية للمشكلات. ويوفر مجال الطيران مثالًا جديرًا بالاهتمام عن كيفية حدوث ذلك. ففي ?? أغسطس ????، واجهت إحدى الرحلات بشركة طيران إير ترانسات صعوبات في طريقها من تورونتو إلى لشبونة على الطائرة إيرباص إيه ??? التي مرَّ على استخدامها عام واحد. أشار ضوء تحذيري إلى أن الطائرة تفقد الوقود بوتيرة سريعة، وافترض الرُّبان — الذي كان يعرف أن الطائرة جديدة — أن هذا مجرد خلل في الكمبيوتر. وفي وقت لاحق في الرحلة، أشار ضوء تحذيري آخر إلى عدم توازن الوقود بين خزاني الوقود، ففتح الرُّبان صمام التغذية التبادلية ليحول الوقود من الخزان الممتلئ إلى الخزان الفارغ، ولكن الخزان الفارغ كان به ثقب فكان الوقود يتسرب ببساطة إلى الهواء. وفجأة نفد الوقود من الطائرة. لكن لحسن الحظ، فإن الطائرة كانت قد حولت مسارها جنوبًا بسبب الازدحام فوق أمريكا الشمالية، ومن ثم كانت على مسافة بسيطة من جزر الأزور حيث وجَّه الرُّبان الطائرة للهبوط الاضطراري الآمن دون محركات. فلو كان الرُّبان أكثر فضولًا بشأن الأضواء التحذيرية — بدلًا من وضع افتراضات — وأتاح لنفسه المجال أمام احتمالات أخرى، لكان من الممكن تجنب حادث كان من المحتمل أن يصبح كارثيًّا.
ولقد أقرت دراسات استقصائية ضمت ما يربو عن ???? مدير تنفيذي و??? فرد آخرين حول ما عُرف فيما بعد ? «الحمض النووي للمبتكر» بأنَّ طرح الأسئلة إحدى «مهارات الاكتشاف» الخمس الرئيسية التي تفصل المبتكرين الحقيقيين عن الآخرين.7،?8 يُمكِّن الإبداع الناس مما يلي: دراسة بدائل مختلفة: يصف بيير أوميديار (من موقع إيباي) كيف أنه يدفع الناس في الاجتماعات إلى تبرير مواقفهم عبر طرح أسئلة ملتوية ولعب دور محامي الشيطان. فالإجبار على تخيل بدائل مختلفة يمكن أن يؤدي إلى أفكار مبتكرة بالفعل.9
تقييد التفكير وإفساح المجال للتخيل: تفرض الأسئلة المهمة قيودًا على تفكيرنا بطريقة فعالة، والأمر الغريب هو أن هذه القيود يمكن أن تحث على التوصل إلى أفكار لامعة غير تقليدية. وأحد مبادئ جوجل الأساسية أن «الإبداع يحب القيود». ويشمل ذلك استخدام سيناريوهات «ماذا لو؟» فيقضي العديد من الناس الكثير من الوقت في محاولة لفهم كيفية تحسين أداء العملية الحالية؛ ويُعد المبتكرون أكثر الأشخاص ميلًا لطرح الافتراضات التي تكمُن وراء العملية.
إطلاق العنان للقدرة على إثارة الفضول عبر طرح الأسئلة

الأسئلة تضعنا في حالة ذهنية من الاستعداد للتعلم عبر إثارة الفضول. فعند طرحك سؤالًا، أنت تضع هدفًا أمام عقلك. وطرح الأسئلة وسيلة قوية للاستفادة مما تتمتع به من مواهب إبداعية. فالأسئلة تفتح المجال للاحتمالات، وإذا ما استُخدمت جيدًا فمن الممكن أيضًا أن توفر التركيز والتوجيه للتوصل إلى حلول إبداعية للمشكلات. وتجبر الأسئلة المفتوحة — التي ليس لها إجابات محددة — الأشخاص على التفكير خارج نطاق المعتقدات والافتراضات الراسخة لديهم. وتتمثَّل المشكلة الشائعة في أن الأشخاص يريدون أن يقفزوا مباشرةً إلى الإجابات دون دراسةِ ما يبحثون عنه بالفعل. فالأمر يبدو تقريبًا وكأنهم يخشون طرح السؤال في حالة عدم معرفتهم الإجابة بالفعل؛ لذا لا يطرحون السؤال. والشيء الهام الذي ينبغي تذكُّره هنا هو أن الخطوة الأولى تتمثَّل ببساطة في طرح السؤال؛ فأنت لا تريد جميع الإجابات، حتى الآن. وطرح أسئلة مثل «لماذا؟» و«لِمَ لا؟» و«ماذا لو؟» من الممكن أن تدفعنا للتفكير خارج القيود الحالية وفتح عالم مليء بإمكانيات تحقيق الأهداف.
عندما تُواجهك المرة المقبلة مشكلة تتطلَّب حلًّا، اسأل أولًا من؟ وما؟ وكيف؟ ولماذا؟ ولم لا؟ وماذا لو؟ لعلَّ مُصمِّمي صالة الركاب بمطار دينباسار توصَّلوا إلى التصميم من ناحية عملية بحتة، كمركز لتجهيز المسافرين للصعود على متن الطائرة ونزولهم من عليها. ولم يحثهم أحد على طرح أسئلة أبعد من ذلك.
عند إعادة لوحة رامبرانت الشهيرة «دورية الليل» إلى متحف ريكز بأمستردام، أجرى أمناء المتحف تجربة بسيطة ولكنها مميزة. فقد طلبوا من الزائرين طرح أسئلة حول اللوحة، ثم أعدوا إجابات لهذه الأسئلة ووضعوا الأسئلة والإجابات على الحائط خارج الغرفة التي كانت تُعرض بها اللوحة. واكتشفوا أن متوسط الفترة الزمنية التي يقضيها الزائرون في مشاهدة اللوحة قد زاد من ست دقائق إلى ثلاثين دقيقة.10 وأفاد الناس بأن الأسئلة شجعتهم على مشاهدة اللوحة لمدة أطول، والنظر عن كثب وتذكُّر المزيد. ويمكن أن تُسفر الأسئلة عن نتائج مشوقة خلال: تزويد العقل بشيء يهدف إليه.
وضع العقل في حالة «الاستعداد للتعلم».
مساعدة العقل على التركيز.
وعلى الرغم من خضوع مطار بالي إلى عدة تجديدات وتوسعات واسعة النطاق، فإنه لا يزال يتجاهل المشهد الذي يُطِلُّ عليه. وربما لتسهيل عملية الانتظار، ينبغي إتاحة الفرصة للسياح لكتابة بضعة أسئلة وإرسالها إلى المهندسين المعماريين الذي صمموا المطار الحائز على نقطتين ونصف من خمس!11التدرب على أسلوب طرح الأسئلة

لا تقرر ببساطة أنه لا يمكننا أن نصبح أكثر إبداعًا. اسعَ جاهدًا لتحدي الافتراضات، واطْرَح الأسئلة التي ستفتح المجال للاحتمالات مثل: من الذي يتأثَّر بعدم وجود الإبداع؟
من المسئول عن إدخال الإبداع في المؤسسة؟
ما الفارق الذي يمكن أن يُشَكِّله الإبداع في محل العمل؟
ماذا لو كان بإمكاننا تشجيع الجميع في المؤسسة ليكونوا جزءًا من عملية تطوير الإبداع؟
ماذا يمكننا أن نفعل لتغيير الوضع الراهن وجلب أفكار جديدة؟
لماذا ندرس خيارات مختلفة؟
كيف يمكن للأفكار والأساليب الجديدة أن تساعدني/تساعد فريقي؟
كيف يمكننا اتخاذ الإجراءات؟
التطبيق العملي لغرس الفضول

عندما تواجهك المرة القادمة مشكلة تتطلب حلًّا اسأل من؟ وماذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ … على سبيل المثال: من الذي يتأثَّر بالمشكلة؟ من الذي يمكنه التصرف؟
ما هي المشكلات؟ ما الذي يمكن فعله لحلها؟
لماذا ندرس خيارات مختلفة؟
كيف يمكن أن تشكل الإجراءات فَرْقًا؟ كيف يُمكن اتخاذ الإجراء؟
انظر مدى إبداعك عند التوصُّل للحلول!
ملخص استراتيجية الإنقاذ

أنشئْ بيئة تشجِّع على حرية التفكير.
شكِّل عقلية تتقبَّل الاستكشاف.
اطرح أسئلة دون توقع نتائج أو حلول معينة.
(?-?) نمط المنقذ الثاني: الشجاعة

تستعيد الشجاعة — التي تتسم بالهدوء والثبات — الثقة بالنفس. وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقة، فتساعد في التعامل مع الخوف، وتعمل على تحييد ردود الفعل المتمثِّلة في القتال أو الفرار أو التجمد في موضعك في حالة الخوف. وتخلق وسيلة الإنقاذ هذه بيئة لغوية إيجابية تسمح بتدفُّق الأفكار الإبداعية، كما تخلق حالة شعورية إيجابية تشجِّع على طرح أسئلة جريئة. وتثير الشجاعة خيارات واحتمالات جديدة دون الاهتمام بحصر الأفكار والخيارات في فئتي «الأبيض» و«الأسود»، بل إنها تقبل العديد من الظلال الرمادية. واستراتيجية الإنقاذ المفضلة للشجاعة هي تقبُّل الغموض. فهي تتولى مهام الإنقاذ من القتلة على شاكلة الخوف، كالخوف من الفشل والخوف من المجازفة والخوف من المجهول، وسلاحهم المفضل هو «الإرهاب المطبق».
هل سبق لك أن تساءلت لماذا يرغب الناس في الحصول على وشم؟ الاعتقاد السائد هو أن الوشم كان في الأصل وسيلة الرجال لإظهار قدرتهم على مواجهة الخوف. وهذه القدرة كانت تمنحهم ميزة تطورية؛ إذ تفضل السيدات القادرات على الإنجاب الرجال الذين يتمتَّعون بالقوة والجرأة الكافية لحمايتهن. لكنَّ دقَّ الوشم على الجسم باستخدام حجر أو صَدَفة كان بالتأكيد مهمة مؤلمة وخطيرة. فهذه العملية دليل على تحمل الألم وعلى الصحة البدنية؛ لذا كان الموشومون يُظهِرون بالوشم بسالتهم وقوتهم.
يُلاحظ وجود دلالات شبيهة على الشجاعة والحيوية في مملكة الحيوان أيضًا. ففي أنواع كثيرة، تشكل الحيوانات البالغة دائرة دفاعية لحماية صغارها من الحيوانات المفترسة الأقوى منها. فالغزلان عادةً تقفز في الهواء عند الهروب من الأسود. وعلى الطاووس أن يبسط ذيله بالغ الضخامة لكي يُثِير إعجاب من يرغب في التزاوج معها.12 وبدلًا من هذه التعبيرات الاستعراضية، فإن الشجاعة التي تساعد في إنقاذ التفكير الإبداعي هي الثقة الثابتة بالنفس التي تتحدى الخوف وتحيِّده. انظر مرة ثانية إلى أنواع الخوف التي تهدد الإبداع والتي ناقشناها سابقًا، وهي الخوف من المجهول والخوف من المجازفة والخوف من الفشل. فمواجهة النوع الأول يتطلَّب بناء الثقة بالنفس. والنوعان الأخيران هما مفهومان تمامًا في العديد من الحالات. وتأمَّل على سبيل المثال المؤسسات المصرفية حيث يكلِّف القرار الخاطئ المصرف في إحدى المجازفات مبالغ طائلة، ويكلِّف الشخص المعني وظيفته! والثقة بالنفس لا تكفي وحدها في هذه الحالة؛ فيتطلَّب الأمر الجمع بين الثقة بالنفس والانتباه الحَذِر.
لقد عملنا مع بعض البنوك السويسرية شديدة المقاومة للتغيير على مر السنين، وكُنَّا نجد عادةً في ورش عملنا معهم أن التفكير الإبداعي هو أحد آخر المواضيع التي يرغبون في سماعها منا. ويأتي في مقدمة تفكيرهم تحمُّل مسئولية أموال الآخرين، وهو ما يتطلَّب اتباع نهجٍ مقاوِم للتغيير. لقد كانت هناك دروس قاسية مستخلَصة من الأزمة المالية العالمية، وكان الخوف من المجازفة والخوف من الفشل من بين هذه الدروس. ويعتقد الرئيس التنفيذي المحلي لإحدى شركات التأمين التي عملنا معها أن شركات التأمين عليها أن تكون حذرة تمامًا عند الحديث عن التحلي بالإبداع. فيقول: «شركتنا قائمة منذ ما يزيد عن مائة عام بسبب مقاومتها التغيير، وإيجاد الأنظمة الناجحة والتقيد بها.» لذا عليك التقدم بحذر عند إدخال التفكير الإبداعي إلى شركة تعتمد على الموثوقية المقاوِمة للتغيير. فالمجازفة بالفشل في هذا السياق أمرٌ مؤثر للغاية.
يرى تيم هارفورد أن الوسيلة لضمان ألا يكون الفشل كارثيًّا عند تجربة شيء جديد هي أن يتم تطبيق هذا الشيء على نطاق ما يمكن أن يُحتمل فيه الفشل دون أن يقضي على الأخضر واليابس.13 تعلم من أخطائك، كما يمكنك مراقبة العملية من خلال طلب الحصول على تقارير تغذية راجعة بصورة دائمة. ويرى هارفورد كذلك أن الفشل في معظم الحالات غالبًا ما يكون ثمنًا يُستحَق دفعه. فنحن لا نتوقَّع أن تفوز جميع تذاكر اليانصيب، لكن علينا شراء تذكرة إذا كنا نرغب في فرصة للفوز. ولا تعدُّ وظيفة قسم الأبحاث والتطوير في الشركات مجرد إعادة توزيع للموارد، مثل اليانصيب، فيمكنه أن يدخل تحسينات من شأنها نقل الجميع إلى وضع أفضل على المدى الطويل؛ لذا فهو مجال يستحقُّ المخاطرة. ووفقًا للإحصائيات، تميل الاحتمالات إلى النجاح النهائي، إذ إن حالات كثيرة من الفشل البسيط غالبًا ما تؤدي إلى تحقيق بضعة نجاحات لا بأس بها.14 ففي حالة المدير العام لشركة تكنولوجيا المعلومات الذي رفض الإقرار بقيمة الأفكار الجديدة، فإنه لم يدرك أنه على الرغم من أن معظم الأفكار تُعد عرضة للفشل إذا ما تم تنفيذها فعليًّا، فإن نجاح فكرة أو فكرتين من هذه الأفكار سيجعل من هذا الجهد أمرًا يستحق العناء. وفي هذه الحالة، لم يكن هذا المدير العام مستعدًّا لأن يتلمس طريقه قدمًا بطريقة بناءة، ومن ثَمَّ أخمد إبداع فريقه في العملية. كما ستتعثَّر العديد من الأفكار والمشروعات إذا كان هناك خوف من الغموض، عندما يدفع الخوف من المجهول إلى مقاومة الأفكار التي لا تتناسب مع التوقعات المعتادة. لذا من الضروري تنمية تفتح الذهن والثقة لكي ينمو الإبداع.
يذكر الأفراد أن هناك ثلاثَ سمات رئيسية في بيئات المدارس والعمل المثالية:15 المعلمون/القادة يحترمونني.
المعلمون/القادة ودودون، ويمكن تبادل الحديث معهم، ولديهم استعداد للاستماع إليَّ.
المعلمون/القادة يشجِّعونني ويساعدونني على تحقيق النجاح.
ولقد أظهرت دراسات استطلاع أجرتها مؤسسة جالوب أن أفضل القادة يخلقون بيئة يشعر فيها الناس أن بإمكانهم بناء الثقة وإقامة علاقات قوية مع الآخرين. فمثل هذه البيئة تُتِيح للأفراد الفرصة للمجازفة مع التعلم، وكذا الفرصة للتطور في بيئة آمنة تتقبَّلهم. فالأفراد الذين يجدون من يستمع إليهم ويقبلهم تنمو لديهم المرونة، بدلًا من أن يقف الخوف عائقًا أمامهم، ومن ثَمَّ يكونون مستعدين لتحمل المزيد من المخاطر. كما يكون لدى هؤلاء الأفراد القدرة على تقبل الغموض بدلًا من الخوف من التناقض الظاهر.
لقد تشجع روزفلت على قيادة دولته في الحرب العالمية على الرغم من الإعاقة الكبيرة التي كان يعاني منها. فقد أصرَّ على أنه «ليس هناك ما نخشاه سوى الخوف نفسه.» ويمكننا أن نستلهم من هذا النموذج الذي ينمُّ عن ثقة هادئة أنه يمكننا بالتأكيد مواجهة المخاوف التي تكبح إبداعنا والسماح لها بالازدهار.
(أ) استراتيجية الإنقاذ الثانية: تَقَبُّلُ الغموض

في نهاية اليوم الأول، كان منظمو المؤتمر الذي كنا نساعد في إقامته مستائين للغاية. فقد تجاوز المحاضرون الرئيسيون لهذا اليوم أدوار غيرهم في الحديث في وقت التبديل دون أي إشارة لذلك، فكان منهم من يصعد إلى المنصة بمجرد أن ينزل الآخر. ومن المؤكد أنهم لم يحصلوا على ما يكفي من الوقت لمناقشة وجهات نظرهم التي كانوا يرغبون في عرضها وتنسيق الأساليب الخاصة بهم. ونتيجة لذلك، كان المتحدث الثاني يهدم كل شيء قاله المتحدث الأول دون أن يدرك ذلك. ومن ثَمَّ كان هناك تناقض بصورة كاملة بين المتحدثين الرئيسيين في ذلك اليوم، ورأى المنظمون أن هذا شوه من صورتهم. ولكن اتضح بعد ذلك أن هذه التناقضات الظاهرة كان لها فائدة إيجابية. فبدلًا من أن يكون الجمهور مجرد «أوعية فارغة» تنتظر من يملؤها بأفكاره، اضطروا الآن إلى التفكير في النهجين المتعارضين بأنفسهم والتوصل إلى استنتاجاتهم الخاصة. تخيَّل أن تُضطرَّ يومًا — لا قدر الله — إلى التفكير فعليًّا باستقلالية في محاضرة بأحد المؤتمرات!
إنَّ التشجيع على تنوع الآراء والأفكار حتى وإن كانت متعارضة من شأنه أن يُثْرِي العملية الإبداعية. فتلقيننا آراءً وأفكارًا متجانسة لا يُفيد كثيرًا مستوانا الإبداعي. والاستماع للمحاضرات وحضور الحلقات الدراسية يجعل العديد من الأشخاص (ضحايا الأنظمة التعليمية السيئة) مجرد «بنوك» للمعلومات المفيدة التي تكون جاهزة للسحب فيما بعد إذا كانت تُجْدِي نفعًا. ولكن من الصعب أن نصبح مبدعين دون أن يكون هناك سبب لذلك؛ أي لا يمكننا أن نكون مبدعين دون أن ندرك حاجتنا إلى البحث عن حلول جديدة أو العثور على إجابات جديدة.
يرى باولو فريري أن الواقع عملية مؤقتة دائمة التغير، تقوم في جوهرها على الحوار والتفكير النقدي.16 فالواقع ليس ثابتًا أو منفصلَ الحلقات أو سهلَ التنبؤ به، حتى إن جعلته بعض الأنظمة التعليمية يبدو كذلك. وقد كانت رسالة فريري الرئيسية للمعلمين هي أن يحذروا من التشجيع على تكديس المعلومات — كما لو كانت أموالًا في البنوك — والذي ينتقي فيه المتعلِّمون السلبيُّون، ويحددون مسبقًا، المعارفَ التي تُودَع في عقولهم. وقد لاحظ فريري أيضًا خطورة كبت إبداع الأفراد بما أسماه «ثقافة الصمت» التي تجعل الأفراد يفقدون وسائل الاستجابة النقدية للأفكار التي تُفرض عليهم بسبب الثقافة السائدة. ويرى أيضًا أن الاستجابة المناقضة أو المعاكسة التي تقاوم الغموض تقع في صميم حرية التعبير والفكر الحر. فعلى سبيل المثال، أظهرت الأبحاث أنه في مجالس الإدارة الأكثر نجاحًا (المجالس التي تقبل «الأزواج المتناقضة التي يسببها الغموض»)، «يكون الحوار النقدي البنَّاء هو أفضل مؤشر على فاعلية المجلس.»17 وتُشير الأبحاث إلى أن البالغين الذين لديهم قدرة عالية على الإبداع يَنْشَئُون عادةً في كَنَف أسر تجسِّد التناقض؛ «فالآباء يُشَجِّعُون أبناءهم على التفرُّد، وفي الوقت ذاته يوفِّرُون لهم الاستقرار. وفي الوقت الذي يلبون فيه احتياجات أطفالهم بشكل كبير، يضعون أمامهم التحديات من أجل تنمية مهاراتهم، وهو الأمر الذي يُكْسِبُهُمْ نوعًا من القدرة على التكيف: ففي حالات القلق، قد يساعد وجود قواعد واضحة في الحد من الفوضى، ولكن عندما يشعر الأطفال بالملل، فإنهم قد يبحثون عن التغيير أيضًا. وهذه المساحة بين القلق والملل هي المساحة التي يزدهر فيها الإبداع.»18فهم قوة الغموض

يؤكِّد النهج الثاني للتنمية الإبداعية للأفراد على الحاجة إلى تقبُّل الغموض والتعامل معه، بدلًا من رؤية الأمور باللونين الأبيض والأسود فقط وغلق الباب أمام كافة الاحتمالات عند عدم وجود أي خيارات واضحة فيما يبدو. ومن الجدير بالذكر أن قبول أوجه الغموض يُعد من مفاتيح القيادة الناجحة في مجال الابتكار وأحد أسس التفكير الإبداعي. وقد يرتبط الغموض بعدم اليقين بشأن معنى أو استخدام ما، أو برؤية أمور لا تكون واضحة دائمًا أو لا تكون موجودة من الأصل؛ الأمر الذي يؤدي بعد ذلك إلى خلق أفكار إبداعية. يحبِّذ الناس دائمًا أن يكونوا على يقين من الأمور؛ نظرًا لما يحققه لهم من أمان، ولكن تقبُّل الغموض يدور بالكامل حول تبنِّي عدم اليقين.
يرى جيم كولينز أنه يتعيَّن علينا تبنِّي مفهوم «عبقرية الجمع بين المتناقضات»؛19 فعلينا أن نكون قادرين على تبنِّي أمور تبدو متناقضة في عدد من الجوانب في نفس الوقت. وهذا يتطلَّب تَحَلِّينَا بعقل متفتح ونقي، وقدر كبير من الشجاعة لمواجهة الخوف الذي يَقْتُلُ المرونة. لا يخاف القادة المبدعون الموتَ؛ فهم يستخدمون الشجاعة لتعلُّم كيفية الاستفادة منه. ونماذج القيادة الجديدة ليست نماذج ثابتة بل هي متغيرة، فالقائد الجديد يتميَّز بالمرونة والقدرة على التكيف بسهولة مع الاحتياجات والمتطلبات السريعة التغير. وقد تقف اللغة عائقًا أمام القادة؛ مما يجعلهم يفقدون القدرة على التعامل مع المشكلات الهامة وحلِّها بإبداع. ويَكْمُنُ سر التغلُّب على ذلك في تعلُّم تبني الغموض، بيد أن العديد من القادة يجدون صعوبة في هذا الأمر؛ فهم يعتقدون أنهم ينبغي لهم أن يقودوا الموظفين باتخاذ قرارات قوية وحاسمة لا لبس فيها، ولكنهم لا يدركون أنه من الضروري دراسة كافة الخيارات المتاحة بعناية قبل اتخاذ قرارات سديدة. وهذا الأمر يتطلَّب تفكيرًا جانبيًّا إبداعيًّا خارجَ نطاق قواعد اللغة الحالية. ويرى بيتر سينج20 أن فرق الإدارة تَمِيل إلى مواجهة الحقائق المعقدة والمتغيرة بلغة تتناسب مع المشكلات البسيطة، كما يرى بأنه قد حان الوقت للتفكير والعمل بإبداعٍ أكبرَ حالُنا في ذلك حالُ القادة. فالتفكير الإبداعي لن يتأتَّى لنا إلا عندما نتعلَّم كيف نفكِّر خارج نطاق المعطيات المحدَّدة لنا، وذلك عند وجود بيئة لغوية تفسح المجال أمام تدفق الأفكار الإبداعية. إطلاق العنان للقدرة على مواجهة الغموض

قلَّمَا تكون الأفكار الإبداعية سديدة من المرة الأولى. في حقيقة الأمر، فرصة المبتكرين للبدء بالاستراتيجية المُلائِمة لا تتجاوز نسبة ???. وما يصنع الفارق في المؤسسات الإبداعية هو أنها تبدأ على أيِّ حال، حتى إن كان ذلك قبل وضع كافة العناصر في أماكنها الصحيحة. ففي مجال الأعمال من الأفضل أن «تتلمَّس طريقك قُدُمًا» بإبداع على ألا تتحرك على الإطلاق. فإذا كنا نرغب في العمل بإبداع، فهذا يعني غالبًا أن الحلول الكاملة لن تكون متاحة. فمثلًا: بينما انتظر الكثيرون حتى يتأكدوا من جدوى خطواتهم المستقبلية، مضت شركة جوجل قدمًا في اختبار استراتيجيتها وإعادة النظر فيها ثلاث مرات قبل أن تتوصل إلى الاستراتيجية الناجحة التي تحرِّك أعمالها اليوم. فالمُضِيُّ قُدُمًا في تنفيذ الأفكار الإبداعية قبل التيقُّن تمامًا من جدواها يعني أنه سيكون من المهم مواجهة الغموض والتعامل معه على طول الطريق.
ونحن بحاجة إلى التشجيع على التفكير الثنائي، فمعظم القادة الناجحين مفكرون تكامليون؛ بمعنى أن بإمكانهم التفكير في فكرتين متعارضتين في وقت واحد والتوصل إلى فكرة جديدة تتضمَّن عناصر من كلتا الفكرتين ولكنها أفضل من الاثنتين. وهذا هو ما يُسمى بعملية التحليل والتوليف (بدلًا من الاستراتيجية الفائقة أو التنفيذ بدون أخطاء). فهذه العملية تعزِّز العلاقات المتعددة الأبعاد غير الخطية، كما أنها تساعد على تسوية التوتر بين الأفكار المتعارضة من خلال التوصل إلى بدائل جديدة.21 ولذا ابتسمنا عندما أبلَغَنَا منظِّم المؤتمر أن وجود محاضرينِ رئيسيينِ يختلفان حول نفس الموضوع هو أسوأ شيء مرَّ به طوال مسيرته المهنية في تنظيم الفاعليات. فقد أعجبنا في حقيقة الأمر أن يكون لدى المتحدثَيْنِ الشجاعة للتعبير عن أفكارهما المتعارضة؛ الأمر الذي أعطى الجمهور الفرصة للتفكير بشأن هذه الأفكار بأنفسهم. فلنُدخل الغموض في ساحة العمل!
التدرب على أسلوب التفكير الغامض

حتى يتسنَّى لنا استخدام الغموض كأداة إبداعية، يجب أن نسمح بوجود أمرين متناقضين في عدد من الأبعاد المختلفة في نفس الوقت، وأن نتعلَّم كيفية التوليف بين الأمور التي تبدو أضدادًا غير متوافقة. فبدلًا من اختيار «أ» أو «ب»، علينا أن نفكِّر في كيفية الجمع بين «أ» و«ب»؛ مثل: الهدف المعنوي والربح المادي.
الاستمرارية والتغيير.
الحرية والمسئولية.
القوة والحساسية.
العقل والعضلات.
الدافع واللامبالاة.
الاتساق والصراع الإدراكي.
الثقة والريبة.
الاستقلالية والمشاركة.
البعد والقرب.
الإبداع والانتقاد.
جرب هذا التمرين: تأمل أنك تقود سيارتك في ليلة عاصفة ثم تمر بمحطة للحافلات وترى في هذه المحطة ثلاثة أشخاص ينتظرون الحافلة: سيدة عجوز تبدو على وشك الموت.
صديق قديم أنقذ حياتك يومًا ما.
المرأة المثالية التي تحلم بها (أو الرجل المثالي؛ في حالة أن يكون القائم بالتدريب سيدة).
فأي من هؤلاء الثلاثة ستعرض عليه الركوب في السيارة، مع العلم بأنه لا يمكنك إلا أن تُقِلَّ سوى شخص واحد؟ يمكنك أن تُقلَّ السيدة العجوز لأنها أقربهم للموت، ومن ثم تكون واثقًا أنك ستنقذ حياتها، أو تُقلَّ صديقك القديم لأنك مدين له، وهذه هي الفرصة الأمثل لرد الجميل له. لكن في أي من الحالتين، قد لا تتاح لك الفرصة مرة أخرى للعثور على فتاة/فتى أحلامك …
التطبيق العملي لتقبل الغموض

فكِّر في مشكلتين ليس لهما — فيما يبدو — سوى حل واحد من بين حَلَّيْن، وتوصَّل إلى طرق إبداعية يمكنك من خلالها الجمع بين الاحتمالين المتاحين. هذه المعضلة الأخلاقية التي ذكرناها للتو قد استُخدمت بالفعل من قبل كجزء من استمارة التقدم لعمل. ولم يجد المرشح الناجح الذي تمَّ تعيينه (من إجمالي ??? مرشح) أيَّ صعوبة في الوصول إلى الحل التالي: «سأعطي مفاتيح السيارة لصديقي القديم ليُقلَّ السيدة العجوز معه إلى المستشفى. وسأبقى أنا وأنتظر الحافلة مع الفتاة التي أحلم بها.» فهذه الإجابة تظهر مدى إمكانية الوصول إلى حلول إبداعية عند تقبُّل الغموض وعدم غلق باب الاحتمالات.
ملخص استراتيجية الإنقاذ

تحلَّ بالشجاعة لمواجهة الخوف من الفشل المحتمل وعدم اليقين.
تعلَّم كيفية تقبُّل وتبنِّي الأفكار التي تبدو متعارضة لفتح المجال أمام احتمالات جديدة.
(?) المرحلة الثانية: المبادرة – الاستقلالية وتفتح الذهن للتخلص من الضغوط وتحقيق النمو

المرحلة الثانية من عملية الإنقاذ تتضمَّن التحرر من الضغوط والتوقعات، وتفتُّح الذهن لتحقيق النمو. وتشتمل على الاستقلالية التي تحرر العقل فيترقَّب الاحتمالات العديدة، والانفتاح العقلي الذي يضمن وضع وجهات النظر المختلفة في الاعتبار.
(?-?) نمط المنقذ الثالث: الاستقلالية

توفر وسيلة الإنقاذ التخيلية هذه وجهةَ نظرٍ موضوعية حول أي موقف. فالاستقلالية توفر الفرصة للتفكير الهادئ غير الانفعالي حول الأفكار والأفعال. والاستقلالية تتمتَّع بإرادة حرة تمكِّنها من تقبُّل أي عدد من الاحتمالات دون قيود أو أحكام، فضلًا عن أنها تسلِّط الضوء على من لديه اليد العليا من خلال قدرتها على استبعاد العديد من القتلة الذين يسببون قدرًا كبيرًا من الضغط. واستراتيجية الإنقاذ المفضلة للاستقلالية هي إطلاق العنان للخيال. فهي تتولى مهمة الإنقاذ من القتلة المنتمين إلى جماعة الضغط، حيث الإجهاد المفرط وتعدد المهام والتوقعات، والذين يختارون الإجهاد الخانق سلاحًا لهم.
وأحد الاختبارات الأساسية للشجاعة هو الشجاعة اللازمة عند مواجهة الضغط. ففي هذه المواقف، من الضروري أن تتذكَّر أنك تتمتع بحرية الاختيار وأن تستدعي الاستقلالية لتساعدك في مثل هذه المواقف. فمهما شعرنا أننا مستضعفون أو محاصرون بالضغط، تكون حقيقةً لدينا الوسائل التي تمكننا من أن نقرر بأن هذا يكفي. لذا يجب نتحدَّى هذه الشهية النهمة للإجهاد في حياتنا المعاصرة والتصدِّي لها وجهًا لوجه. وتمكِّن الاستقلالية الأفراد من التعرف على القيود الخانقة التي تتسبب في كبحهم، فضلًا عن تمكينهم من إيجاد سبل للتحرر من هذه القيود. كما أنها توفر رؤية موضوعية للوضع وتمنح الفرصة للتفكير الهادئ بشأن الأفكار والأفعال.
والخطوة الأولى التي تحتاج الاستقلالية لاتخاذها هي الابتعاد عن «الانشغال» الدائم، وأخذ «فترة راحة». ففترة الراحة تساعد على توفير منظور مختلف؛ ومن ثم يمكنك تحديد الأولويات بمزيد من السهولة، وتقييم التوقعات لتمييز الواقعية من غير الواقعية. كما أنها ستوفر لك فترة راحة بدنية وذهنية وشعورية يكون جسدك في أمسِّ الحاجة لها، وهذا يساعد على إرساء الأسس للتعلُّم والابتكار. ومن المكاسب غير المتوقَّعَة التي نحقِّقها من أخذ فترة راحة أنها تشمل كذلك قدرًا من الغموض؛ فيمكن أن تأخذ فترة راحة وتتوصل إلى حلول مبتكرة. ويحدث ذلك لأننا عندما نأخذ استراحة من موقف ما، فإن عقولنا تظلُّ تعمل على حل المشكلات من خلال المعالجة غير الواعية. فأيُّ شخص يترك العمل وما زالت توجد مشكلة مُلِحَّة لم يتم حلها بعد، تمرُّ به أثناء الليل لحظة إدراك مفاجئ للحل، رغم أنه لم يعدْ يفكر في المشكلة. ويحدث هذا نتيجة للمعالجة غير الواعية.
الأكثر تشويقًا أن الأشخاص الذين يتمتَّعون بقدرة عالية على الإبداع يبدو أنهم قادرون على استخدام المعالجة غير الواعية للأفكار المبتكرة أكثر من غيرهم، وهذا ما يميزهم ويفاضلهم عن نظرائهم. وقد توصل الدكتور جيسون إلى أنه بعد حصول الأشخاص على فترة راحة فإنهم يتمكنون من الوصول إلى حلول مختلفة أكثر مما يمكنهم الوصول إليها عند العمل بشكل مستمر على مشكلة ما. كما توصَّل في تجربة أخرى في هذا الصدد إلى أن الأشخاص الذين يتمتَّعون بقدرة عالية على الإبداع يوظفون وقت المعالجة غير الواعية بشكل أكثر فاعلية من غيرهم. وإذا ما فكرنا لدقيقة في هذا الأمر، فسيتَّضِح أنه رغم أننا لا نُدرك بوعي سوى قدر محدود من الأشياء في أي وقت، فإننا يمكننا القيام بعدة أمور تلقائيًّا؛ فعلى سبيل المثال، يمكنك قيادة السيارة وإجراء محادثة مع أحد الركاب في نفس الوقت. إذن عندما تركِّز فعليًّا على أي مشكلة في العمل، ماذا يحدث لأجزاء المخ التي تقوم بترميز الانفعالات والتفكير المجرد والصور المرئية؛ على سبيل المثال؟ توضِّح الأشعة التي تَمَّ إجراؤها على المخ أن هذه الأجزاء لا تزال نشطة وفي كثير من النواحي تفعل ما تفعله دائمًا، وببساطة لا يمكنها الوصول إلى إدراكك الواعي. وخلاصة القول هنا أن هذه الأجزاء يمكن استدعاؤها لابتكار طرق تفكير مختلفة بشأن أي موقف من أجل التوصل إلى حلول مبتكرة.
قاست التجارب التي استخدمت فحوصات موجات المخ نشاطًا عصبيًّا جديدًا، عندما تعرَّض أحد الجرذان لموقف جديد. وقد أظهرت هذه التجارب أنه عند إعطاء الجرذ فترة راحة بعد تعرضه لهذا الموقف، لوحظ أن الخلايا العصبية الجديدة تحفزت عبر المخ من الحُصين، وهو نقطة الوصول إلى الذاكرة في المخ. وهذا يضع أساسًا واضحًا للتعلُّم، وعلى الجانب الآخر، إذا لم تحصل على فترة راحة، فسيحدث ضرر في الخلايا العصبية، وسيؤدي هذا الضرر الممتدُّ إلى الحد بشكل كبير من قدرتك على التفكير على نحو إبداعي والتعلم خلال هذه العملية. تخيَّل مدى الضرر الذي من الممكن أن يلحق بأدمغتنا إذا استمررنا في إثارة عقولنا من خلال المحفزات المتزامنة والمستمرة، كما هو الحال عند تعدُّد المهام بوعي. فبدلًا من أن نأخذ فترة راحة، نميل إلى «المُضِيِّ قُدُمًا» في الأعمال التي نحتاج إلى القيام بها بلا هوادة أو كلل دون أن نَأْبَهَ بما نحن عليه من إرهاق ومدى إجهاد أدمغتنا المسكينة. وربما نمنح أنفسنا في النهاية بعض الوقت للراحة أو نحظى بلحظات قليلة هادئة في اليوم (عند الجلوس في محطة الحافلات أو عند سيرنا إلى العمل على سبيل المثال)، ولكنْ بدلًا من أن نقضي هذه الأوقات الهادئة في الاستمتاع بهذه اللحظات والسماح لعقولنا بالتجول والتأمل بصورة بناءة، نستمر في ملئها بأنشطة مجهدة للعقل، مثل كتابة الرسائل النصية أو إرسال التغريدات أو البحث على الإنترنت أو ممارسة بعض الألعاب. وإذا قمنا بذلك فإننا ببساطة لا نعطي عقولنا المساحة التي تحتاجها لتكون إبداعية. وثمة عدد من الباحثين بصدد البدء الآن في إجراء بعض الدراسات لمعرفة مدى تأثير الاستخدام المستمر للتكنولوجيا على الإبداع والخيال لدى الأجيال القادمة.
تعمل شركة برايت هاوس — المختصة باستشارات الابتكار — جاهدةً على توفير فرص التفكير المستقل لموظفيها ومن ثَمَّ تفتح الذهن على الإبداع.22 فبالإضافة إلى الإجازة السنوية الاعتيادية التي يحصل عليها موظفو الشركة وقدرها خمسة أسابيع، فإنهم يحصلون أيضًا على خمسة أيام إضافية (تُسمى «أيامك الخاصة») لتخصيصها للتفكير الحر. وعلى نفس الشاكلة، تسمح شركة مادوك دوجلاس لاستشارات التسويق وتطوير المنتجات لموظفيها بالحصول على ما يصل إلى ??? ساعة في العام لمتابعة مشاريعهم الشخصية.23 ربما لا تزال تتعرَّض لضغوط في عملك أو حياتك، وفي الواقع كما ذكرنا آنفًا، الكثير يتحلَّون بالإبداع أكثر تحت الضغط، وربما يُجدي ذلك نفعًا لك، ولكن من الضروري أن تشعر بأنك مسيطر على الوضع. ومن الضروري أيضًا أن تشعر بأن تعرضك لهذا الضغط هو أمر من اختيارك ولم يُفرض عليك من الخارج، ويعتبر ذلك هو السبب الكامن وراء أهمية الاستقلالية في التعامل مع تهديدات الضغط المحتملة. ويتاح أمام كل شخص قدر معين من الاختيار، وذلك في إطار قيوده وتوقعاته المعتادة، فعلى سبيل المثال، هل تظل مستيقظًا لوقت متأخر من الليل لإنجاز مشروع ما لأنك طُلب منك القيام بذلك، أم لأنك لم تنظم وقتك جيدًا بحيث تتمكن من إنهائه في ساعات العمل العادية؟ هل تُلْقِي باللوم على شخص أو شيء آخر بخصوص ما تشعر به من إجهاد، أم تعمل على تطوير آليات التكيف لديك بشكل أفضل؟
ولتقليل الضغط، من المهم ضمان وجود مُتَّسَعٍ من الوقت عندما لا يكون هناك مواعيد تسليم أو توقعات أو التزامات. ويمكن مواجهة العوامل المسببة للضغط دون الشعور بالإجهاد من خلال إدارة الأفكار والممارسة اليومية لأساليب الاسترخاء. ففي نهاية الأمر، يتمكَّن مروِّضو الأسود من الحفاظ على هدوئهم عند التعامل مع الأسود! فبتقليل الضغط يمكنك تشجيع الاستقلالية وتحفيز التفكير الحر غير المقيد وإطلاق العنان للخيال. وهذا الأمر ينطبق على المؤسسات والأفراد في الوقت ذاته؛ فالمؤسسة التي عادةً ما تكون مجهدة وخاضعة للضغوط ومتأخرة عن مواعيدها، من المؤكد أنْ يكون لديها قيود كبيرة للغاية تَعُوق قدرتها على المُضِيِّ قدمًا بإبداع.
(أ) استراتيجية الإنقاذ الثالثة: إطلاق العنان لخيالك

هل تتذكَّر حينما كان السفر يوفر فرصة لصفاء الذهن؟ عندما استغللت هذا الوقت لتحلم بالمستقبل أو التخطيط لحدث مميز أو لحل بعض المشكلات التي تدور في خَلَدِك أو — كما هو مفترض — في الاسترخاء والراحة؟ ففي حين أن وقت السفر عادةً ما يكون غير منظم وغير مركز، مما يتيح فرصًا للتفكير الحر، فإنه يُستخدم الآن في معظم الأحيان في إنجاز التزامات شخصية وعملية. فكم مرة رأيت فيها أشخاصًا يرسلون رسائل نصية في وسائل المواصلات العامة أو يتصلون فيها بأصدقائهم لإجراء ترتيبات اجتماعية أو يستخدمون فيها أجهزة الآي فون أو البلاك بيري لإجراء عمليات بحث على شبكة الإنترنت أو إرسال رسائل إلكترونية أو إجراء مكالمات للعمل؟ وكم من مرة رأيت فيها أشخاصًا على متن الطائرات يستخدمون أجهزة اللاب توب الخاصة بهم في إعداد عروض باور بوينت أو في تدوين خطط الأعمال؟ وكم من مرة فعلت ذلك؟ مما لا شك فيه أن هذا استغلال جيد للوقت «المهدَر» أثناء التوقُّف عن النشاط، ولكن من الممكن أن يأتي ذلك على حساب إطلاق العنان لخيالك.
في هذه الأيام، معظم أوقات الناس منظمة بدقة شديدة بحيث لا يتوفر لديهم سوى قدر ضئيل للغاية من الوقت «للتفكير الحر»، ذلك النوع من التفكير الذي يشجِّع على الأفكار الإبداعية. فوقت «التفكير الحر» يسمح للعقل بالترحال إلى بيئات جديدة ومصادفة أفكار جديدة (مستفيدًا من مختلف جوانب المخ عندما لا يكون العقل مركزًا على شيء محدد). وقد نما لدينا اعتقاد خاطئ بأنه كلما قضينا مزيدًا من الوقت في التركيز على أنشطة العمل، زادت إنتاجيتنا، ولكن في بعض الأحيان لا تتحرر عقولنا بالفعل لتصبح مبدعة إلا عندما نتوقَّف ونسترخي. فطبقًا لما قاله دي بونو،24 علينا كل يوم خلق «فرص هادفة» تُمَكِّنُنَا من السماح لعقولنا بالتأمل، ولا بدَّ أن يكون هذا الأمر جزءًا من روتيننا اليومي. ولنتأمل استراتيجية جوجل الشهيرة التي تمنح كل موظف من الموظفين يومًا في الأسبوع يجرب فيه أدواتٍ أو أفكارًا جديدة. لا يعمل الخيال إلا في مساحة التفكير التباعدي في عقولنا. فنحن نعلم بديهيًّا أن فترة التوقف عن النشاط تحفِّزُ حِسَّ الابتكار لدينا؛ فعندما نقترح على أحدهم أن يأخذ بعض الوقت للتفكير في أمر ما ليتمكن من الوصول إلى حل، فإننا نسمح بذلك لتفكيره التباعدي بالعمل ونُفْسِح مجالًا لخياله حتى يتنفَّس. ويعمل هذا على زيادة المساحة الكلية المتاحة في عقولنا لتلقِّي أفكار جديدة.
فهم قوة الخيال

متى تراودك أفضل الأفكار وأكثرها إبداعًا؟ الأجوبة الشائعة على هذا السؤال هي عند الاستحمام أو عند الاستيقاظ من النوم أو عند الخلود إلى النوم، والسبب هو أن عقلك في هذه الأوقات يكون في أكثر لحظات التفكير تباعدًا وأقلها تركيزًا.25 ما الصفات المشتركة بين الأشخاص التالين؟
مانفريد أيجن، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء (????).
دونالد كامبل، الحاصل على جائزة المساهمة العلمية من جمعية علم النفس الأمريكية (????).
فريمان دايسون، الحاصل على ميدالية ماكس بلانك (????): الديناميكا الكهربائية الكمومية.
كيكولي، كيميائي القرن التاسع عشر: التركيب الجزيئي للبنزين.
أرشميدس: نظرية الوزن في المياه.
الإجابة: لم يكن أيٌّ من هؤلاء الأشخاص يعمل باجتهاد على «اكتشافه» عند توصله إليه.26 ويُعد التفكير التباعدي أحد المفاتيح الرئيسية للإبداع، ويُعرف هذا التفكير بأنه القدرة على السماح للعقل بالترحال ليذهب إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل، ليحلم. عندما تسمح لعقلك بالتأمُّل، فأنت بذلك تستخدم أقوى أداة إبداعية تتمتع بها وهي الخيال. ويقول ألبرت أينشتاين: «الخيال هو عرض مسبق للأشياء الجذابة المقبلة في حياة المرء.» تذكر أن ?? بالمائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث إلى خمس سنوات يسجلون أعلى مستوى في التفكير التباعدي، بينما يسجل ? بالمائة فحسب من البالغين مستويات مماثلة.27 فعادةً ما نفقد القدرة على التفكير التباعدي مع التعليم والتثقيف النظاميين، لكن هذا لا يمنع أن التفكير التباعدي يلعب دورًا رئيسيًّا في مساعدتنا على حل المشكلات بإبداع. إطلاق العنان لأساليب الخيال

يمكن تنمية الخيال عن طريق تجربة تمارين مخصصة لتوسيع نطاق التفكير ليتمكَّن عقلك من استكشاف نطاق من الاحتمالات.
يُستخدم اختبار بقع الحبر لرورشاخ منذ قرابة ?? عامًا في مساعدة الأشخاص على استكشاف ما يُعتقد أنه أفكار وتفسيرات مختلفة والكشف عن رغباتهم ودوافعهم غير الواعية. وليس بالضرورة أن تؤدي الأفكار الخيالية إلى تحقيق نجاحات هائلة؛ فقد يكون الإبداع التدريجي على نفس الدرجة من الإنتاجية بل وأكثر نجاحًا في كثير من الأحيان.
عمل الخرائط الذهنية28 هو تمرين على إيجاد صلات وتوليد أفكار من أجل حل المشكلات. جربْ هذا التمرين البسيط الخاص لنرَى إلى أين سيقودك: اكتب الكلمة الرئيسية «السعادة» في منتصف ورقة، وارسم خطوطًا تخرج من هذه الكلمة، ثم اكتبْ أفكارك عمَّا يَعنِيه هذا المفهوم بالنسبة لك. تابع هذه العملية حتى تصل إلى أكبر عدد ممكن من المفاهيم المختلفة المنبثقة من المفهوم المحوري. والآن دعنا نطبقه على مجال الأعمال: اكتب السؤال المحوري أو المسألة الغامضة المراد حلها (مثل: «كيف يمكن بيع منتج ممتاز بدون خصم؟») ثم ارسم خريطة ذهنية لحل هذه المسألة (مثل دراسة تعبئة المنتج، وتغيير عادات العملاء، وتغيير المنتج والخدمة والإنتاج). وفكر بشأن مكان بيع المنتج وكيفية بيعه والأشخاص الذين سيُباع إليهم (على سبيل المثال في المدن فقط). هل هناك أي جوانب غامضة يمكن وضع خريطة ذهنية لها؟
التدرب على أساليب الخيال

حاول رؤية الأشكال في السحاب.
فكر في ??? استخدامٍ لكرة البلياردو.
توصَّلْ إلى تفسيرات مختلفة للكلمات الموجودة في القاموس.
توصَّلْ إلى تفسيرات مضحكة جديدة لأسئلة الأطفال المعتادة (مثل «من أين تأتي الجنيات؟» و«ما الذي يجعل الطائرة تطير؟» و«لماذا يحدث رعد وبرق أثناء العواصف؟»)
ارسم شكلًا متناظرًا بوضع دهان في وسط الصفحة ثم اثْنِ الورقة من المنتصف، كما هو الحال في اختبار رورشاخ، وحاول الوصول إلى خمسة تفسيرات مختلفة على الأقل لما يمكن أن يكون عليه الشكل.
التطبيق العملي لإطلاق العنان للخيال

عندما يكون لديك مشكلة أو مسألة ما تتطلَّب حلًّا، اسأل نفسك أسئلة «ماذا لو؟» واستخدم خيالك في التوصل إلى أفكار جامحة ومجنونة. في بعض الأحيان يمكن الوصول إلى أفضل الحلول خلال أبعد الأفكار احتمالًا، إذ تنفتح مدارك عقلك على نطاق جديد من الاحتمالات.
ملخص استراتيجية الإنقاذ

قاوم الضغوط.
أدرك أنك تتمتَّع بالقدرة على استمرار التحكم في تأثيرات الظروف الخارجية.
أعدَّ منصة لإطلاق العنان لخيالك.
(?-?) نمط المنقذ الرابع: تفتح الذهن

يطلق هذا المبادِر، المستقبِل للأفكار، العنانَ للتفكير الإبداعي؛ فتفتح الذهن يمكِّن المرء من إدراك أفكار متنوعة وأغلبها متعارض بعضه مع بعض. ويرى تفتح الذهن قيمة ما في جميع الأشخاص، كما يدرس جميع الخيارات والأفكار. وبعض أكثر الأفكار عمقًا التي يقبلها تفتح الذهن لا تنبع من «الخبراء»، رغم أنهم ينبغي الاستماع إليهم أيضًا. ويخلق تفتح الذهن فرصًا هائلة عبر عدم التقيد بأنماط التفكير المفضلة والتطرق إلى كافة المناهج الممكنة. إن استراتيجية الإنقاذ المفضلة التي يتبعها تفتح الذهن هي استخدام شِقَّي المخ. فهو ينقذنا من القتلة المنتمين إلى زمرة العزل، مثل وسائل الإعلام المتحيزة، والتجانس والافتقار إلى التنوع، وسلاحهم المفضل هو «الانحياز الصارم».
إن تقييد تعرُّضك لمصادر المعلومات يصبح مشكلة بالتأكيد عندما يتعلَّق الأمر بالابتكار، وقد يؤدِّي إلى عزل غير صحي. ورغم أننا قد سبق أن تعرفنا على وسائل الإعلام كمشتَبَه به واضح في جريمة قتل التفكير الإبداعي، فعلينا أن نطبق استراتيجية التفكير الإبداعي الثانية هنا؛ علينا أن نكون على استعداد لتقبل الغموض. فالإعلام في حد ذاته ليس إيجابيًّا ولا سلبيًّا بطبيعته. فبناءً على كيفية استخدام وسائل الإعلام، يمكنها أن تكون أحد قتلة الإبداع أو أحد منعشيه. وحالها حال النار التي من الممكن أن تسهم بإيجابية في حياتنا حين السيطرة عليها، لكن في حالة عدم السيطرة عليها يمكنها أن تكون شديدة التدمير، فوسائل الإعلام لديها القدرة على كل من إلحاق الضرر وتقديم المساعدة.
بالتأكيد لا تستخفُّ جميع البرامج التليفزيونية بعقولنا، فهناك بعض البرامج التي تتطلَّب من المُشَاهد محاولة فهم موضوعات غامضة ذات خيوط متعددة من شأنها أن تشجِّع على تنمية الإبداع.29 (وتعدد الخيوط هو مصطلح يُستخدم في علوم الكمبيوتر للإشارة إلى قدرة أجهزة الكمبيوتر على معالجة العديد من مصادر الإدخال في آن واحد، وينبغي عدم الخلط بينه وبين تعدُّد المهام الذي عادةً ما يُخْمِد الإبداع.) فبعض الحبكات المعقدة للمسلسلات التليفزيونية القصيرة الناجحة — التي غالبًا ما يشارك فيها العديد من الشخصيات في قصص مختلفة ويواجهون مشكلات مختلفة — قد تصعب فيها عملية تجميع أجزاء القصة. فمسلسلات مثل «??» و«الأبطال» و«الهامشية» أخذتنا عبر مناطق زمنية وعوالم موازية مختلفة؛ ففي إحدى حلقات مسلسل «الأبطال» على سبيل المثال تَمَّ تناوُل قصة أكثر من عشرين شخصية رئيسية من ثلاث مناطق زمنية؛ مما يتطلب توسيعًا فعليًّا للنطاق الإبداعي لفهم القصة بالكامل، فضلًا عن إيجاد الحلول! ورغم أن الكوميديا التليفزيونية التقليدية كانت تعتمد عادةً على جملة تستغرق ثلاثين ثانية تمهد للجملة المثيرة للضحك، فإن النكات في مسلسلات مثل «آل سيمبسون» تعمل على عدد من المستويات المختلفة، فتتضمَّن تفاصيل دقيقة جديدة للفكاهة لا تظهر إلا بعد مشاهدتها بضع مرات. وثمة اختلاف بين البرامج الذكية والبرامج التي تجبر المشاهد على أن يكون ذكيًّا. فعندما لا يتحقَّق النشاط الفكري إلا داخل الشاشة، لا تكون هناك حاجة لأنْ يتحلَّى المُشاهِد بالإبداع. فمشاهدة البرامج الذكية لا تحرِّك العقل مثلما لا تحرِّك البدن مشاهدة كرة القدم على شاشة التليفزيون، ما لم تستجبْ لها وتتصرَّف بناءً عليها. لكن عندما يُجبَر المشاهد على ملء التفاصيل واستدعاء قوة العقل الإدراكية المُلحَّة، ستكون هناك فرصة أمام التفكير الإبداعي للازدهار.30 عندما تلعب الشطرنج أو المونوبولي (بنك الحظ)، فليس هناك أي غموض في القواعد أو مستويات التقدم من المبتدئين حتى الخبراء. وحقيقةً، في أغلب الألعاب إذا كانت القواعد غامضة فسيكون هناك خلل فتَّاك في اللعبة. ومع ذلك، ففي العديد من ألعاب الفيديو نادرًا ما تكون قواعد اللعبة محددة مسبقًا، ولا تتَّضِح إلا عند التعمق في اللعب. ويظن الكثير من الناس أن ألعاب الفيديو لا تفيد إلا في تنمية القدرة على التآزر بين حركة اليدين والعينين، لكن مفتاح النجاح الأخير في ألعاب الفيديو يكمُن في حل شفرات قواعدها واستكشاف الفيزياء المعقدة لأحد العوالم، مثلما يفعل أي عالِم. ومن الضروري تطبيق الأساليب العلمية عند تقييم المخاطر المحتملة وتمييز الأنماط والتفكير التشاركي والتحليل. كما تستخدم برامج تليفزيون الواقع أداة هامة في ألعاب الفيديو وهي مرة أخرى عدم تحديد القواعد. وخلال فحص قواعد النظام للوقوف على نقاط الضعف والفرص، يُشجع المشاهِد على التفكير في خيارات مختلفة للوصول إلى نتائج محتملة مختلفة. فيُمرَّن العقل عند حل الألغاز أو كشف الأنماط أو فك خيوط نظام سردي معقد.31 وبعيدًا عن وسائل الإعلام، هناك عدد كبير من الفرص الأخرى للانفتاح على التفكير الإبداعي. ومن المهم معرفة كيفية استخدام جميع مناطق المخ للتحرر من طريقة التفكير أحادية المسار التي يفرضها علينا العزل، والانفتاح على فرص غير تلك التي يميل العقل إليها بطبيعته.
من المعروف منذ فترة أن لكل شِقٍّ من شِقَّيْ مخ الإنسان أدوارًا مهيمنة مختلفة. ووفقًا «لنظرية المخ المشطور»،32 التي اشتهرت بدايةً منذ ما يزيد عن خمسة وثلاثين عامًا، فإن شِقَّي المخ يؤديان وظيفتين مختلفتين تمامًا. فبينما يسيطر شق المخ الأيسر على الكلام واللغة، ومن ثم يركز أيضًا على المهام المنطقية والمفصلة، يتحمَّل شِقُّ المخ الأيمن مسئولية المهام البصرية والحركية. وقد اكتشف الباحثون هذا الاختصاص في الوظائف عندما بتروا الجسم الثفني (وهو حبل سميك من الأعصاب يربط بين شِقَّي المخ المختلفين) للمرضى الذين كانوا يسعون للارتياح من الصرع. وقد أصبح هذا المفهوم أكثر شيوعًا في الآونة الأخيرة لدرجة تصنيف الأشخاص إلى مفكرين «يساري المخ» ومفكرين «يميني المخ» استنادًا إلى شق المخ الذي يُعتقد أنه هو المهيمن. ومع ذلك، لم يحدد علم الأعصاب بشكل قاطع الوظائف التي يختصُّ بها شِقُّ المخ الأيسر والأيمن. فالمخ عضو شمولي ومعقَّد للغاية بحيث يصعُب اختزاله إلى مثل هذا المبدأ المفرط في التبسيط. وكي نجعل المفهوم واضحًا وعمليًّا، سنشير إلى المخ على أنه ثنائي الوظيفة فحسب؛ فالتعمُّق أكثر من هذا سيعقِّد المناقشة، وهو ما لا يخدم غرضنا. ولتبسيط هذه المسألة إذن، ينظر بعض الناس إلى المشكلات من ناحية عملية وواقعية بحتة، متجاهلين الخيال والعاطفة، بينما ينظر البعض الآخر إليها من منظورٍ أكثرَ خيالًا وتأملًا قائمٍ على المشاعر، رافضين المنطق. (وتختص مناطق مختلفة من المخ بالعواطف، ولكنها غائرة، وليست في الجانب الأيمن على وجه التحديد.) وللتعامل مع هذه المشكلة بشكل مبسَّط، أشرنا إلى هذا الأمر ? «هيمنة شق المخ الأيسر» و«هيمنة شق المخ الأيمن»، على الرغم من أن هذه الفكرة قد عفا عليها الزمن قليلًا.
ومن المثير للاهتمام أن الحيوانات ليس لديها الاختصاص نفسه في شقَّيِ المخ، إلا أنه تَمَّ التوصُّل إلى أنها تتمتع بالقدرات نفسها بنسب متساوية تقريبًا في كلا جانبي المخ. (فالدلافين لا تنام أبدًا لقدرتها على إراحة أحد جانبي المخ بينما تستخدم الجانب الآخر، وهكذا تعمل على التبديل بين جانبي المخ!) ولقد أظهر هذا في بداية الأمر أن الهيمنة الجانبية في مخ الإنسان نمو تطوري، إلا أن الأبحاث التي أُجْرِيَتْ في الآونة الأخيرة أثبتت أن الهيمنة الجانبية هي إحدى وسائل المخ لإيجاد مساحة أكبر للنمو. وهو الأمر الذي اتضح بالحقيقة التي تفيد بأنك عندما تعتمد في بعض الوظائف على أحد جانبي المخ وتسمح للجانب الآخر باكتساب تخصص جديد، فإنك بذلك تُفعِّل القدرة على استخدام المزيد من الوظائف.33 وهذه الوظائف ليست محددة المكان بصرامة، بمعنى أنك لا تستطيع التمتع إلا بقدرة واحدة أو أخرى وحسب. إذ يتصل شِقَّا المخ أحدهما بالآخر بعدة جسور عصبية تُعرف باسم الصوار (أكبر هذه الجسور هو الجسم الثفني). وهذا الجسر جنبًا إلى جنب مع جسور عصبية أصغر حجمًا يمكِّننا من توليف المعلومات المستخلصة من كلا المصدرين؛ ومن ثم لسنا يَمِينِي المخ أو يَسَارِي المخ تمامًا. وكلما تعلَّمنا استخدام هذه الجسور، زادت مرونة عقولنا وزادت قدرتها على التعامل مع نطاق واسع من المهام.
تبيَّنَ أيضًا أنه نظرًا لما يتمتَّع به المخ من مرونة كبيرة، رغم احتمالية وجود هيمنة أولية، فإنه يمكن استمرار استخدام كل شق من شِقَّي المخ لتعلُّم مهارات الشقِّ الآخر. فعلى سبيل المثال، تبيَّن أن الشخص الذي أُصيب بسكتة دماغية أثَّرَتْ على شق مخه الأيسر ففقد القدرة على التحدث إثر ذلك، يتعلَّم التحدث مرة أخرى حال خضوعه لتدريب خاص.34 ويستطيع المبدعون إلى حد ما إتقان الإدراك الواعي. فيُمكنهم اتخاذ خيارات واعية بشأن العملية العقلية التي يستخدمونها، وتدريب أنفسهم على توجيه المشكلة لدراستها بأحد جزأي المخ أو بهما معًا، والوصول إلى حلول منطقية وبديهية نتيجة لذلك. ويتعلَّق استخدام شقَّي المخ أولًا بمعرفة نوع الهيمنة الفطرية لديك ومعرفة كيفية التبديل بين شقَّي المخ ومتى يكون ذلك. كما يتعلَّق أيضًا بمعرفة عدد مرات التبديل بين الجانبين مقارنة بالشخص العادي. والانحسار — دون وعي — في أحد شِقَّي المخ دون الآخر لفترات طويلة للغاية قد يكون أحد أعراض الاضطراب ثنائي القطب.
ولكن بإمكان الكثير من الناس التحكُّم في معدل التبديل. فعلماء الرياضيات على سبيل المثال عليهم أن يعتمدوا على أحد جانبي المخ لفترة أطول وأن يحافظوا على تركيزهم، ومن ثَمَّ يقلُّ معدل التبديل لديهم، بينما يتعلَّم الفنانون والموسيقيون والراقصون التبديل بينهما بسرعة أكبر.35 ويستطيع الرهبان البوذيون الحفاظ على معدل تبديل بطيء للغاية وذلك من خلال التأمُّل، كما أنهم يتعمَّدُون الاعتماد على الجانب الأيسر من المخ لفترات زمنية طويلة.36 ويرى عالم الأعصاب جاك بيتيجرو أن سرعة التبديل بين شقَّي المخ قد تحدِّد الأشياء التي سنتقنها في الحياة. وحسبما تكون قد لاحظت بالفعل، فإن هذه المهارة يستلزم اكتسابها قدرًا كبيرًا من الممارسة، شأنها في ذلك شأن معظم المهارات الجديرة بالاهتمام، ولكن على الرغم من ذلك بإمكاننا التدريب على التحكم في التبديل. والترياق النهائي للتخفيف من التأثير المحتمل للعزل القاتل هو ضمان التنوع داخل المجموعات. فمن المرجح للمجموعة المتنوِّعة المكونة من أفراد مستقلين أن تتمكَّن من اتِّخاذ أنواع معينة من القرارات والتوقعات أفضل من الأفراد أو حتى الخبراء. كما يضمن التنوع عدم انسياق المجموعات نحو التطرف، بل يجعلهم قادرين على استيعاب جميع وجهات النظر والتوصل إلى استنتاج متوازن. ويرى جيمس سوروويكي أن «غياب النقاش وعدم أخذ آراء الأقلية يمثِّل خطورة على الفريق»، ويرى كذلك أن «التنوع في الرأي هو خير ضمان لحصاد المجموعة فوائد المناقشة المباشرة.»37 وكما أشرنا في الفصل الثاني، عندما همَّ بيتر كارولتشيك بتأسيس مشروع برمجة جديد في شركة إتش بي، فإنه بدأ بالحصول على وجهات نظر متعددة لضمان الاطلاع على خبرات مختلفة. وقد ثبت أن القادة الذين يتمتَّعون بالقدرة على اختيار فرق متنوعة هم الذين يحصلون على أكثر المجموعات إبداعًا في أي بيئة علمية.38 ورغم أن الكثير من الأشخاص لا يزالون يسعون إلى تكوين فرق متشابهة فكريًّا ومتجانسة، فإنه من المهم إيجاد هياكل تدعم تكوين فرق متنوعة وغير متجانسة تسمح بتنوع نطاق الأفراد والأفكار. (أ) استراتيجية الإنقاذ الرابعة: استخدام شقَّي المخ

تدرك أن أطفالك قد كبروا عندما يتوقَّفون عن سؤالك من أين أتوا ويرفضون أن يخبروك إلى أين هم ذاهبون!
بي جيه أورورك وجود مراهق في الأسرة أمر له خصوصيته. فيبدو أن هناك مرحلة في الحياة يمهر الأولاد فيها في إخفاء الحقيقة (أو على الأقل مماطلة الحقيقة) بإبداع وبراعة. ومن بين الحيل المشتركة بينهم هو أن يقولوا إنهم يَبِيتون لدى أحد أصدقائهم، بينما هم في الواقع يعيثون فسادًا في مكان آخر. وبينما يفترض كلا الوالدين أن الآخر يتولى مراقبة الأبناء، يتمكن الأبناء أنفسهم من التسلل من المراقبة دون أن يكتشفهم أحد. وعند سؤال المراهقين «ما الذي فعلته الليلة الماضية؟» فليس أمامهم سوى إجابتين: (?) أن يقولوا الحقيقة، أو (?) أن يكذبوا. وعند إجابتهم بالحقيقة، هم بذلك يستخدمون الجانب الأكثر واقعية في عقولهم، مستدعين بذلك الأحداث الحقيقية المسجلة في عقولهم. أما عندما يكذبون، فهم حقيقةً يَسردون قصصًا. فيختلقون أحداثًا لم تقع (أو يغيِّرون الحقائق)، وهو ما يستلزم قدرًا كبيرًا من التركيز والتخيُّل. وقد وُجد أن رواية القصص واستدعاء الحقائق يَستخدمان أجزاءً مختلفة من المخ، وهذا الأمر يوفِّر مفتاحًا للغز كيف يمكننا البدء لإحياء التفكير الإبداعي.
وثمة سِرٌّ مفيد للأبوين؛ وهو أنه بإمكاننا الآن اكتشاف متى يروي المراهقون قصصًا من نسج خيالهم (أو فَلْنَكُنْ أكثر صراحة، متى يكذبون). تسبب المسلسل التليفزيوني «اكذب عليَّ» في شهرة الأبحاث التي أجراها عالم النفس بول إيكمن بشأن لغة الجسد. فالافتراض الرئيسي هو أنه عندما يكذب الشخص فإنه يستخدم الجانب الأيمن من مخه (الخيال) ومن ثم تدور عيناه لأعلى ثم إلى اليسار لاستخدام الجزء ذي الصلة من المخ. ولحسن الحظ، فإن التحقق بعناية من عيني المراهق الذي يُحتمل كذبه في صباح اليوم التالي لليلة التي قضاها بالخارج من شأنه أن يساعد على معرفة ما إذا كان لم ينم و/أو ما إذا كان قد تناول مواد ضارة، ومن ثم فإن هذا التمرين مفيد على أي حال.
يذكِّرنا بحث الدكتور جيسون أيضًا بأنه بإمكاننا الاستفادة من العمليات العفوية عن طريق إعطاء المخ وقتًا «للتفكير تحت مستوى الوعي»، ومن ثَمَّ يتمكَّن من الوصول إلى حلول شعورية ومعرفية قد تكون غير متوفرة سابقًا للإدراك الواعي. وهذا يمكِّننا من الاستفادة الكاملة من قدرات المخ وتعلُّم التفكير الإبداعي والتدريب عليه.39فهم قوة استخدام شِقَّي المخ

إنَّ استخدام شقَّي المخ يعمل على تحقيق التكامل الفعال بين هذه الوظائف التالية التي تبدو متعارضة: الوظائف التي يهيمن عليها شق المخ الأيسر: الوظائف المنطقية، والتسلسلية، والتحليلية، والمنهجية، وتلك التي تركِّز على التفاصيل.
الوظائف التي يهيمن عليها شق المخ الأيمن: الوظائف الشمولية، والتركيبية، والفنية، والشعورية، وتلك التي تركز على الصورة الكاملة.
رغم أن معظمنا يولد وبه القدرة على استخدام شقَّي المخ، ورغم أن تطورنا الطبيعي يشجع هذه العملية، فإنَّ ما نمر به من تجارب في الحياة قد يضيق الخناق على هذه القدرة. فكلما زاد استخدامنا لجزء واحد من المخ في حل المشكلات، زادت ميولنا تجاه استخدام هذه المنطقة مرة أخرى. بيد أننا بإمكاننا استعادة التوازن خلال تعمُّد تمرين الأجزاء غير المهيمنة في المخ.
يُستخدم مصطلح «البناء الجدلي»40 لوصف كيفية تعلُّم الاستفادة من وجهات النظر الكثيرة الموجودة في أذهاننا بالفعل. وينطوي هذا المفهوم على فكرة فريدة من نوعها وهي أنه بداخل رأس كلٍّ منا مجلس إدارة متنوع الأعضاء، ولكن لا يُمكِننا عقد اجتماع مثمر لأعضاء هذا المجلس إلا إذا تعلَّمنا كيفية الاستماع إلى كل وجهة نظر ودمجها في عملية صنع القرار. لقد أوضحنا أنه لكي تكون مبدعًا فأنت بحاجة إلى أن تكون قادرًا على تحقيق التوازن بين وظائف شِقِّ المخ الأيسر ووظائف شِقِّ المخ الأيمن، كي تكون محصلة التفكير الإبداعي الذي يستخدم بنجاح جانبي المخ ويؤلف بينهما أكثرَ عمقًا وثراءً؛ فتصير العملية: ليست مجرد وظيفة وإنما تصميم.
ليست مجرد جدال وإنما قصة.
ليست مجرد تركيز وإنما تواؤم.
ليست مجرد منطق وإنما مشاركة.
ليست مجرد جدية وإنما مرح.
ليست مجرد تكديس للعناصر وإنما معنًى.41
إطلاق العنان لاستخدام شِقَّي المخ

ارفع يدك اليمنى. هل كنت تعلم أن شِقَّ المخ الأيسر هو ما يتحكَّم في هذه الوظيفة؟ والآن انقر بقدمك اليسرى. هذه الوظيفة يتحكَّم بها شِقُّ المخ الأيمن. سيحاول الأشخاص الذين يستخدمون في الغالب شق دماغهم الأيسر تحليل هذه المعلومات، وسيحللون التفاصيل متسائلين: «هل هذا الأمر حقيقي؟ هل هو قابل للتطبيق؟ كيف يمكننا إثبات أو قياس حدوث ذلك؟» وعلى الجانب الآخر، ونظرًا لأن شق المخ الأيمن يعالج المعلومات «بشكل شمولي؛ كصورة كاملة»، فإن الأشخاص الذين يستخدمون في الغالب شق المخ الأيمن لن يجدوا صعوبة في قبول المنهج التخيلي.
علينا أن نتعلَّم قبول جميع المناهج واستخدامها كي نتمكَّن من إدراك أن العالم ليس مجموعة من الافتراضات المنطقية فحسب وإنما أيضًا أنماط من الخبرة. ونحن جميعًا لدينا ميول طبيعية وتفضيلات؛ على سبيل المثال اليد التي نستخدمها في فعل الأشياء: فكلما زاد استخدامنا لهذه اليد، ازداد شعورنا بالراحة عند استخدامها، ولكن العكس أيضًا صحيح؛ فكلما قلَّ استخدامنا لهذه اليد، قلَّ شعورنا بالراحة عند استخدامها. وإذا طُلب منك التقاط شيء ما بيد واحدة، فأيَّ يد ستكون؟ بينما ننمو، يحدث لدينا تآزر عضلي معيَّن وتفضيلات معينة. وينطبق الشيء نفسه على الأساليب التي نفكِّر بها، لكن كي نكون مبدعين حقًّا، علينا الخروج من هذه الأنماط والانفتاح على أساليب تفكير جديدة.
في حلقاتنا الدراسية، عندما نطلب من الأشخاص وضع خرائط ذهنية لتوضيح مشكلة ما، يُثِير دهشتنا أن استجاباتهم تميل في أغلب الأحيان بشدة نحو شِقٍّ واحد من المخ، الذي يكون عادةً نهج شق المخ الأيسر. وعندما نوضِّح لهم أهمية تفتح الذهن للبحث عن حلول في كلا الجانبين، تظهر مجموعة جديدة شاملة من الأفكار.
لذا قبل أن تضع ولدك المراهق في فراشه في المرة المقبلة قبل ليلة نوم هانئة (آملًا عدم تسلله لاحقًا)، اطلب منه أن ينظِّف أسنانه بيده التي لا يستخدمها؛ إذا أردت أن تنمِّي مهاراته في استخدام شِقَّي المخ.
التدرُّب على استخدام شقَّي المخ

يمكننا خلق التنوع في التفكير خلال بحث المشكلة من زوايا مختلفة (البناء الجدلي). حاول استخدام الأسلوب التالي الخاص بتشكيل مجلس المستشارين الذهني الخاص بك للتشاور معهم عند مواجهة مشكلة ما أو التخطيط للتوصل إلى شيء جديد:42 افترض أن حلولك الأولى ليست صحيحة تمامًا أو غير مكتملة.
فَكِّرْ في بعض الأسباب التي تجعلها كذلك (ما هي الافتراضات والاعتبارات التي قد تكون خاطئة؟)
ماذا تعني هذه الافتراضات الجديدة؟
استنادًا إلى هذا المنظور الجديد، ضع مجموعة ثانية بديلة من الحلول.
التخطيط الذهني يسعى لاستخدام كامل المخ لحل مشكلة أو فهم مسألة ما. فبدلًا من الأساليب المعتادة التي تُجْبِرُ العقل على التفكير بطريقة منطقية، التخطيط الذهني يحثُّ على إيجاد مزيد من الحلول الإبداعية عبر «التعاون» مع بنية المخ وفسيولوجيته خلال التفكير بنماذج شعاعية — وهي تُشْبِهُ كثيرًا نَمَطَ الأفكار إذ تَتَحَرَّكُ عبر الأعصاب في المخ — وتحفيز شقَّي المخ بتساوٍ.
وللتمرين، استخدِمْ أقلام الألوان وارسم رموزًا وأيقونات ومفردات بصرية لخرائطك الذهنية. إن وضع القوائم يُعدُّ إحدى المهام المنوط بها شِقُّ المخ الأيسر؛ بينما استخدام الألوان والمرئيات والنماذج الشعاعية من مهام شِقِّ المخ الأيمن.
اكتبْ مشكلة متعلقة بالعمل ترغب في التعامل معها، وضَعْ قائمة بالحلول المحتملة من الخريطة الذهنية. حَدِّد الحلول المعتمدة على شق المخ الأيسر والحلول المعتمدة على شق المخ الأيمن. فإذا كان يُهَيْمِن عليك أحد جانبي المخ بشكل كبير، فعليك أن تُحاول إيجاد حلول باستخدام الجانب الآخر من المخ.
سَجِّلْ إحدى المهام التي كُلفت بإنجازها مؤخرًا في العمل، ودوِّن كيف تعاملت مع هذه المهمة لتحديد التوجه الطبيعي لديك. والآن ادرس كيفية استخدام الجانب الآخر من المخ بشكل أكبر من خلال استخدام المهارات المرتبطة به.
سَجِّلْ سؤالًا يحتاج إلى إجابة من المشكلات التي حددتها:• قُمْ بإعداد قائمة على الجانب الأيسر حول كيفية التعامل مع المهمة منطقيًّا.• قم بإعداد قائمة على الجانب الأيمن تسرد فيها بعض الاستجابات الخيالية والأكثر شعورية.
وعلى سبيل الإحماء، تدرَّب على أن ترسم صورة متناظرة بيديك اليسرى واليمنى في نفس الوقت، ثم ارسم صورة جانبية للوجه بيدك المهيمنة، ثم ارسم صورة معكوسة لهذا الوجه باليد الأخرى.
لتحسين أداء شِقِّ المُخِّ الأيسر، جَرِّب الآتي: الألغاز الرياضية.
تمارين تعريف الكلمات.
المربعات السحرية.
ولتحسين أداء شِقِّ المخ الأيمن، جَرِّب الآتي: الكتابة الإبداعية.
ألغاز الحروف والكلمات.
ألعاب الوعي المكاني.
التطبيق العملي لاستخدام شقَّي المخ

على الجزء العلوي من ورقة، دَوِّن مهمة تريد إكمالها. وقَسِّم الصفحة إلى عمودين، ثم دوِّن كيفية التعامل مع المهمة من منظور منطقي معتمد على «شق المخ الأيسر» في العمود الأيسر، ودوِّن في العمود الأيمن كيفية التعامل مع المهمة من منظور أوسع خيالًا معتمدٍ على «شق المخ الأيمن» وعلى المشاعر.
ملخص استراتيجية الإنقاذ

كن متفتح الذهن وتقبَّل الآراء والأفكار المختلفة.
احرص على أن تتقبل وجهات النظر المنطقية التي تبدو متعارضة والوجهات الأخرى القائمة على المشاعر بصورة أكبر.
(?) المرحلة الثالثة: التحفيز – الشغف لإحداث تَحَوُّل

المرحلة الثالثة من مراحل عملية الإنقاذ المتجددة تُعالج اللامبالاة وتضمن وجود الإلهام من أجل النموِّ المتواصل. وتركِّز هذه المرحلة على الشَّغَف الذي لا يرضى بطرق التفكير التحفُّظية أو النمطية، لكنه يستمرُّ في تَخَطِّي الحدود لاكتشاف أفكار ومفاهيم جديدة تتولَّد من التزام أعمقَ.
(?-?) نمط المنقذ الخامس: الشغف

هذا المحفِّز المتحمِّس يدرك أهمية الجهد الذي يبذله الحب. فالشغف يدرك أن أكثر الناس نجاحًا عادةً ليسوا من هم أكثرهم موهبة وإنما هم الذين يحضُّهم فضولهم الفطري. وهو لا يرضى بتقبُّل الأمور على هيئتها أو التكيف معها، ولكنه بدلًا من ذلك على استعداد لهدم ما هو قديم من أجل إفساح المجال أمام تكوين روابط إبداعية جديدة. فقوَّته الشفائية وتحفيزه الجوهري يساعدان على استعادة الثقة بالنفس والقدرات ويدفعان المرء نحو تحقيق نتائج مميزة. واستراتيجية الإنعاش التي يفضِّلها الشغف هي إعادة صياغة المفاهيم الشائعة. فهو يوفِّر ملاذًا من قتلة اللامبالاة، كالافتقار إلى التحفيز، والافتقار إلى المبادرة، والافتقار إلى الدافع؛ إذ يكون سلاحهم المفضل هو «الخمول الفتَّاك».
وفي فيكي هاورث مثال على الإبداع الذي يتأتَّى من الشغف المركز. فهي امرأة في مهمة؛ بعد أن أسَّست شركة علاقات عامة ناجحة مع زوجها مايك، لديها الآن الفرصة والاستقلال المادي لتكريس وقتها وطاقتها من أجل إحداث فارق في حياة الآخرين. فهي تستغلُّ ما لديها من خبرات في زيادة التوعية بقضايا الفقر في العالم، ولها في ذلك استراتيجية موجهة. وتُعد فيكي من أنصار «تحدي ميتشا»،43 الذي أرسى قواعد مراحل معينة للمساعدة في ضمان استمرار مساءلة السياسيين عن العمل من أجل تحقيق «الأهداف الإنمائية للألفية» الخاصة بالأمم المتحدة. وهي عبارة عن ثمانية أهداف إنمائية دولية اتفق على تحقيقها كل ا? ??? دولة من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة و?? منظمة دولية على الأقل بحلول عام ????. وفي إطار هذه الأهداف، تعهَّدت الحكومات بالحد من الفقر بطرق معيَّنة، مثل الحدِّ من معدَّل وفيات الأطفال، والقضاء على الفقر المدقع، ومحاربة الأمراض الوبائية العالمية مثل الإيدز، وإرساء شراكات عالمية من أجل التنمية. فهذا المشروع طموح وموجَّه نحو هدف معيَّن وعملي، ويمكن أن يُحْدِث فارقًا بالفعل. والأمر اللافت للانتباه عند لقائك بفيكي هو ما تتمتع به من مرح وحماس نحو المهمة التي بين يديها، فضلًا عن مدى مثابَرَتها على مواصلة جهودها حتى إنجاز هذه المهمة. وفي غمرة إصرارها على عدم الاستسلام وعلى أن تكون «صوت من لا صوت له»، فإنها تشعر بالفخر بعد أن سمَّاها عضو الحكومة الاتحادية المحلية ? «اللحوح الأعلى صوتًا» بالنيابة عن الفقراء. وتحرص فيكي على السفر إلى كانبرا للضَّغط على السياسيين مستخدمة في ذلك تعبيرات بارعة ذكية بشأن التزام المجتمع بالأهداف الإنمائية للألفية. وقد شاركت فيكي مسبقًا — إلى جانب فريق إبداعي من مجتمعها المسيحي والذي لا يقل أعضاؤه حماسةً عنها — في مشروعات مثل عرض صور أكبر من الحجم الطبيعي للسياسيين، مدون عليها ملاحظات من الأطفال تحثُّهم على الاستمرار في دعم الأهداف الإنمائية للألفية. وسعيًا من فيكي لتناول الأزمة العالمية لتوليد النساء على يد قابلات (حيث يسقط المولود على رأسه فور الولادة)، قدمت هدية من نوع خاص لوزير الشئون الخارجية؛ إذ أهدته سترةً مزينة ببطاقات «أمل» مكتوبًا عليها «آمالنا معلقة عليك.» كما نجحت في إقناع بعض السياسيين بالجلوس على مرحاض ضخم في حديقة البرلمان للفت الانتباه إلى مشكلات الصرف الصحي العالمية. وقد أمضت بعض الوقت إلى جانب مايك وأسرتها على أرض الواقع في البلاد التي تدعمها. وتعمل فيكي من خلال الكنيسة التابعة لها مع مؤسسة كومباشن أستراليا، التي تلتزم هي الأخرى بمتابعة الأهداف الإنمائية للألفية. ومن أبرز أنشطتهم الخاصة بجمع التبرعات: مسيرة لجمع التبرعات تجمَع ما يصل إلى ?? ألف دولار في المرة الواحدة من رعاية مجرد عدد قليل من السائرين. وتواجه هذه المسيرة المشاركين بالتحديات التي تواجه البلدان النامية؛ فعلى سبيل المثال يُطلب من المشاركين حمل دِلَاء من المياه أثناء السير مسافة تعادل المسافة التي يحتاج إلى قطعها أناس عدة في العالم ليصلوا إلى مياه الشرب.
حينما تتحلَّى بالشَّغَف، سيكون لديك هدف ودافع هائلان في أغلب الأحوال، وستصبح مبدعًا للغاية. ستحظى بالرغبة في المثابرة والتقدم. وعندما تُوَاتِيكَ هذه الرغبة في فعل شيء ما، فإنك لن تَدَّخِرَ وقتًا ولا جهدًا لإنجازه. فلن تتقبَّل الأمور على حالها بهذه البساطة، بل ستبذل جهدك لتتناولها من منظور مختلف. إن تغيير العالم يتطلَّب الشغف، وتغيير مساحة صغيرة في حياتك يتطلَّب هذا النوع من الشغف والالتزام أيضًا.
تَوَصَّلَ بنجامين بلوم — أستاذ العلوم التربوية بجامعة شيكاجو — إلى أن كافة أصحاب الإنجازات الكبيرة الذين أجرى عليهم دراسته البحثية، وجدوا الإلهام على يد معلِّمِين شديدي الشَّغَف، ونالوا الدعم من والدين مُخْلِصَيْنِ. وقد نما لديهم جميعًا مستوًى رفيع من الحُنْكَة التي تَوَلَّدت من الشغف المفرط الذي يُفْضِي إلى الالتزام، وليس من التمتع بأي مهارة أو موهبة فطرية تُذْكَرُ. والأبحاث التالية لهذه الدراسة — والتي بُنيت على أعمال بلوم الرائدة كما هي مجمَّعة في «دليل كامبريدج للحنكة وأداء الخبراء» — أظهرت أن أصحاب الإنجازات الكبيرة يحققون العظمة بأيديهم، ولا يولدون عظماءَ. وهذا مثال يوضِّح كيف للشغف أن ينشئ الظروف المناسبة لنمو الإبداع لدى الآخرين.
وسلطت تيريسا آمابيلي — الأستاذة بجامعة هارفرد — الضوء على التحفيز في أبحاثها عن التفكير الإبداعي الناجح؛ لأن «الرغبة في عمل شيء لأنك تجده مرضيًا للغاية وصعبًا من منظور شخصي تُلْهِم أسمى مراتب الإبداع، سواء في الفنون أو العلوم أو الأعمال»، حسبما تعتقد.44 وقد أحصى مالكوم جلادويل — الكاتب الذي حاول إضفاء الصفة البشرية على الاقتصاد وزيادة شعبيته على مدار الأعوام القليلة الماضية — بمهارة فائقة عدد الساعات التي يحتاج إليها الفرد حتى يصبح «خبيرًا» في مجال بعينه؛ وهو ?? آلاف ساعة، ما يعادل قرابة ?? سنوات في أغلب الحالات.45 ورغم أن هذا القدر من الوقت مَهُول، سرد جلادويل الأمثلة تباعًا ليبرهن كيف أن هذا هو الحال دائمًا مع أصحاب الإنجازات الكبيرة. لذا فمن يمكنه أن يكرِّس كل تلك الساعات إذا لم يكن يتحلى بالشغف؟ رغم كل هذا التدريب، لا يزال هناك فرق شاسع بين أولئك الذين يُصبِحون «خبراء فنيين» في مجال ما والآخرين الذين تخطَّوْا ما حققه غيرهم قبلهم. ويوضِّح جلادويل أن موتسارت ألَّف أول أعماله الرائدة المبتكرة بأكملها بعد أن تجاوز سن الأربعين؛ بعد أن قضى ?? آلاف ساعة من التدريب على تأليف المقطوعات الموسيقية (ها هو الرقم السحري). إن شغف موتسارت لم يمكِّنه من إنتاج مقطوعات موسيقية ناجحة فنيًّا فحسب، بل مكَّنه أيضًا من توظيف إبداعه لتأليف مقطوعات موسيقية تجذب الآخرين وتبثُّ فيهم الإلهام. لكن حذارِ من أن تُسيء فهم غرضنا هنا. نحن لا نقترح عليك أن تقضي ?? آلاف ساعة في التدريب حتى تصبح مبدعًا، ولكن مقصدنا هو أن الشغف يمهِّد سبيل الإبداع. فكافة أصحاب الإنجازات الكبيرة كانوا بالفعل يتحلَّوْنَ بالشغف الذي شَحَنَ طاقاتهم الإبداعية اللاحقة لأقصى حد.46 فكِّرْ في الأشخاص الذين ألهموا غيرهم من خلال شغفهم والتزامهم: ألكسندر فليمنج لم يكن أول طبيب يلاحظ التعفُّن الذي يتكون على المُستنبت المكشوف أثناء دراسته للبكتيريا القاتلة. وأي طبيب آخر أقلُّ موهبةً منه كان سيتجاهل ما بدت له مصادفةً لا مغزَى لها، لكنَّ فليمنج أبدى اهتمامه بتلك الظاهرة وتساءل عما إذا كانت تلك العملية لها مغزًى علمي بداخلها، وبعد مزيد من الأبحاث اكتشف فليمنج البنسيلين الذي أنقذ فيما بعد أرواح الملايين.
والمؤسسات التي ظنَّت أن الحوافز المالية البسيطة قد تحفِّز الإبداع أو تُثِير الشغف باءت بخيبة الأمل. ففي دراسة أُجريت في الولايات المتحدة، قُدمت حوافز متوسطة القيمة للحثِّ على أداء أفضل في المهام الإبداعية؛ وفي تجربة مشابهة في الهند قُدمت حوافز هائلة (تصل إلى رواتب عدة أشهر). ولكن تبيَّن أن الأداء الإبداعي كان أقل بالفعل في ظل الحوافز المالية المتزايدة. إذن ما الذي يحفِّز الأشخاص ليكونوا مبدعين؟ تبدو الاستقلالية أحد ثلاثة عوامل رئيسية في هذا الشأن، فهي تحفِّز الشغف والكبرياء لدى الفرد.47 مثل اكتشاف هينينج للفوسفور، إذا لم تأخذ زمام المبادرة و«تواصل تقدمك» في العملية الإبداعية، فإنك لن تصل إلى أي مكان أبدًا. وبالمثل، إذا لم يكن لديك الدافع والمثابرة للمضي قدمًا بالعملية الإبداعية إلى نتيجة عملية، فلن تحرز الكثير في واقع الأمر. إنَّ الدافع الداخلي ضروري هنا؛ فإذا لم يكن لديك تحفيز داخلي، فإن شغفك الإبداعي لن يدوم طويلًا. عندما سئل آرثر شاولو — الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام ???? — عن رأيه فيما يشكل الفارق بين العلماء بارعي الإبداع والعلماء الأقل إبداعًا، أجاب بأن «عنصر العمل الشاق حبًّا في العمل يمثِّل نقطة محورية. فأكثر العلماء نجاحًا ليسوا الأكثر موهبة في أغلب الأحيان، بل أولئك الذين يدفعهم الفضول؛ فهم يصرون على معرفة الإجابة.»48(أ) استراتيجية الإنقاذ الخامسة: إعادة صياغة المفاهيم الشائعة

بينما كانت سونيا — زوجة فيليب كان — تعاني آلام المخاض عام ????، انتابته الحيرة حول كيفية إرسال صور إلى أصدقائه بتلك المناسبة بسرعة ويسر. فلم يَرْضَ بالحل المعتاد المتمثِّل في أن يلتقط الصور ويحملها على الكمبيوتر ثم يرسلها عبر البريد الإلكتروني؛ إذ كان لديه الحافز لإيجاد حلٍّ أفضلَ من ذلك. وبينما كان يفكِّر في لحظتها، صمَّمَ برنامجًا على الكمبيوتر المحمول وأوصل كاميرته الرقمية بهاتفه (بعد أن زوَّده أصدقاؤه بالمستلزمات الإلكترونية اللازمة) ثم أرسل لهم الصور على الفور. ربما اتخذت عملية الوضع وقتًا طويلًا، أو ربما كان فيليب سريع التفكير والتصرف! لا نعلم يقينًا قدر الوقت الذي استغرقه مخاض سونيا وشاركها فيه زوجها وجدانيًّا، لكن فكرة الهاتف المزود بكاميرا التي اخترعها كان لها أثر كبير في العالم أجمع. فاستطاع كان أن يُحْرِزَ نجاحًا مبهرًا بعد إعادة تقييم الفصل المتعارف عليه بين الجهازين الإلكترونيين المختلفين ودمجهما بأسلوب ابتكاري. فقد دفعه تحفيزه الداخلي وشغفه نحو الاختراع. واليوم يمكنك أن ترى الناس في كل مكان يُخرجون هواتفهم المزودة بكاميرات لالتقاط صور عفوية ويحملونها على الفور على فيسبوك أو يرسلونها لأصدقائهم.
على مرِّ الزمن، تقيَّد الناس بالمعتقدات والقدرات السائدة، لكنَّ التحلي بالإبداع ينطوي على تعطيل تلك المعتقدات وتخيُّل ما يحتمل وقوعه أيضًا. فعن طريق إعادة صياغة المفاهيم الشائعة، يكون بإمكانك أن تأتي بشيء جديد وإبداعي. وهذا يمنحنا القوة للبدء في صياغة أفكار جديدة وتحويلها إلى حلول عملية، ولكنها تتطلَّب حقيقةً عملية هدم أولًا!
إنَّ عملية إعادة صياغة المفاهيم الشائعة غالبًا ما تشمل فرضية هدامة؛ وهو منهج غير منطقي عن عمد يمكنه تغيير أساليب التفكير الراسخة وتوجيهها لاتجاه مختلف تمامًا. ووفقًا للوك ويليامز49 هناك ثلاث خطوات بسيطة يجب اتباعها: تحديد الوضع.
البحث عن الأفكار المبتذلة.
تحريف تلك الأفكار المبتذلة.
إن الفرضية الهدامة صُممت لتحريك مجريات الأمور بعضَ الشيء ولدعم التغيير المتسارع، وهي بذلك تشبه «التوازن المتقطع» حيث يعترض تغيير مفاجئ عملية التطور البطيئة المملة. ويقول ويليامز على سبيل المثال إنك بدلًا من أن تأتي بتنبؤ عقلاني مثل «إذا شحنت البطارية، فلسوف يعمل الهاتف»، تأتي باستفزاز غير منطقي مثل «ماذا إن لم يحتج الهاتف المحمول إلى بطارية على الإطلاق؟»
العمل الإبداعي هو فعل هدم في المقام الأول.
بابلو بيكاسوفهم قوة إعادة صياغة المفاهيم الشائعة

من السهولة بمكان أن تتعلَّق أكثرَ مما ينبغي بالمفاهيم والروابط الشائعة، لكن من المهم أيضًا أن تنظر إلى ما وراء الحدود المتفق عليها حتى تخلق احتمالات جديدة. وهذا يدفعك إلى أن تسأل: «إذا لم تكن (هذه المشكلة) حصارًا يقيِّدنا، فماذا إذن سيكون الحل؟» من المهم أن تبدأ بما هو مطلوب وليس ما هو ممكن.
ولتحقيق نتائج مذهلة، قد تحتاج إلى تفكيك المفاهيم المألوفة وتشكيل روابط جديدة تمامًا. فنحن حينما نسأل أنفسنا: «ما الذي أدَّى إلى وقوع ذلك؟» فنحن لا نبحث الموقف نفسه وإنما نبحث عن الأسباب أو العوامل الأساسية — أي اللبنات — خلف كل موقف. فالإبداع عملية فصل ووصل متواصلة؛ فالأفكار الإبداعية غالبًا ما تأتي من توصيل فكرتين تبدوان غير متصلتين إحداهما بالأخرى. والإبداع هو العثور على الرابط الخفي بين موقفين يبدوان غير متعلقين أحدهما بالآخر. على سبيل المثال، يستطيع التفكير بالجانب الأيمن من المخ تشكيل الروابط — وليس مجرد تحليلها — من أجل اكتشاف العلاقات بين المجالات غير المتناسقة، كما يَسْتَبِين أنماطًا أكبر، ويتعدَّى الحدود حتى يرى الصورة الكاملة.
إنَّ إعادة صياغة المفاهيم الشائعة تنطوي أيضًا على إيجاد العلاقات. وتكشف أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن العديد من الألغاز الهندسية تمكَّن من حلها غير المهندسين.50 والسبب في ذلك هو أن المنظور أحيانًا ما يكون أهمَّ من مستوى الذكاء. فالقدرة على إحداث قفزات كبيرة في الفكر أمر ضروري. والأشخاص الذين يتعدَّوْنَ الحدود يرفضون التقييدات التي تفرضها مناهج «إما هذا أو ذاك» ويقبلون الغموض. وهؤلاء الأفراد ينظرون إلى الحياة من منظور واسع (على عكس المنظور الضيق الأفق). يعتمد جزء كبير من فهم الذات على البحث عن استعارات شخصية ملائمة حتى تُعِينَنَا على فهم حياتنا. وهذه الاستعارات هي الجسور التي تساعدنا على رؤية الفجوات والروابط بين العلاقات. ولقد تبيَّن أن هناك قدرة إدراكية وحيدة هي التي تفرِّق بين النجوم الفنانين وتميِّزُهم بعضهم عن بعض، ألا وهي إمكانية التعرف على الأنماط ورؤية «الصورة الكاملة».51 فرؤية الصورة الكاملة تمكِّن القادة من تحديد التوجُّهات من قدر وافر من المعلومات. إطلاق العنان للقدرة على إعادة صياغة المفاهيم الشائعة

العديد من الاختراعات الحديثة أتى بها أشخاص عقدوا صلات غير محتملة بين شيئين أو فكرتين لم تكونا قد ارتبطتا بأيِّ شكل من الأشكال من قبل على الأرجح. وتقدِّم شركتا كومباك وديل مثالًا على ذلك. فبعدما لاحظتا أن شركات أخرى ليست من مجالهما مثل كوداك وسوني تقتحم أراضيهما، حينها تبيَّن لشركتيْ تكنولوجيا المعلومات أنه لم يعد في إمكانهما أن يتوقَّفا عند حدود بيع الصناديق السوداء (أي أجهزة الكمبيوتر). فقد كانتا تبيعان سلعة. ولذلك بدأتا بالدعاية على أنهما تَبِيعان «حلول أعمال» خلال أجهزة الكمبيوتر. وقد عرضت كلٌّ منهما مزيجًا من أجهزة الكمبيوتر والكاميرات والأجهزة الإلكترونية الأخرى.
وإليكم المزيد من الأمثلة على روابط جديدة ناجحة: ورق ملاحظات بوست إت من شركة ثري إم واللاصقات الصفراء: الورق اللاصق (صمغ + ورق).
التزلُّج على الماء بواسطة الريح والتزلج الشراعي على الماء (لوح التزلج + الريح).
الكرسي المتحرك (كرسي + عجل).
المساعد الرقمي الشخصي/الهاتف/الكاميرا … إلخ (مفكرة + هاتف + كاميرا).
قد يُفِيدُكَ التدرُّب عبر أخذ بعض العناصر الفردية التي لا يتصل بعضُها ببعض والتي جُمعت من مجالات أخرى وإيجاد طرق لربطها بعضِها ببعض. طلبت جريدة واشنطن بوست52 من المتنافسين في مسابقة أجرتها استخراجَ أيِّ كلمة من المعجم وتغييرها سواء بإضافة حرف واحد أو إزالته أو تغييره، وتقديم تعريف جديد لها. جرِّبها بنفسك. تضمنت المشاركات الفائزة الآتي: نشوة استرداد الضرائب (اسم): البهجة باسترجاع قيمة الضريبة، والتي تستمر إلى أن تدرك أنها كانت أموالك منذ البداية.
بوزون (اسم): هي المادة التي تحيط بالأشخاص الأغبياء وتحجب عنهم اختراق الأفكار النيرة لهم.
نضوب مالي (اسم): القيام بشراء منزل مما يصيب المشتري بالعجز المالي لفترة غير محددة.
إن إعادة صياغة المفاهيم الشائعة ينبغي أن تتعدى مجرد حل لغز كلمات ذكيٍّ أو ربط فكرتين إحداهما بالأخرى عن طريق إضافة المضاف إلى المضاف إليه. فعلى أحسن تقدير، تعني الإضافة عملية ضرب بين كلمتين وليس جمعهما. وحتى تكون عملية الإضافة فعالة، فإنها تتطلَّب ربط الأفكار الرئيسية بعضها ببعض بأسلوب تنتج عنه قيمة إضافية، بمعنى أن يكون حجم القيمة الناتجة أكبر من مجموع الأجزاء الفردية معًا.53 والمخترعون أصحاب البصيرة استطاعوا أن يمدُّوا أبصارهم خلف حدود ما يمكن رؤيته وصولًا إلى احتمالات جديدة. وإليكم مثالًا على ذلك. على مَرِّ السنين، كانت هناك الكثير من حوادث القطارات المروِّعة حول العالم. وكشفت مراجعة المفوضية الأوروبية أن سبب الوفيات الرئيسي في التصادم الذي وقع في تقاطع خطَّي القطار كان ظاهرة تسمى «الامتطاء»، حيث تعتلي عربة قطار عربةً أخرى وتدهَس الناس تحتها. وقد حاول المهندسون على مدى عقود أن يجدوا حلًّا لهذه المشكلة ببناء عربات أقوى من سابقتها، لكن البروفيسور سميث قدَّم حلًّا من نوع آخر عام ????. فعندما رأى زجاجة مياه شرب بلاستيكية مهشمة، لاحظ بين أضلعها أجزاءً ضعيفة مضمنة تبدد الطاقة. ومن هذه الفكرة اللامعة، نشأ علم التصادم الجديد، حيث صممت عربات القطارات لتحتوي على نطاقات في المؤخرة قابلة للسحق لا يشغلها أحد تبدد طاقة التصادم وتنقذ أرواح الكثيرين.54 فدون القدرة على تناول الأفكار القديمة من منظور حديث، لن يكون التقدُّم ممكِنًا.
التدرب على أساليب إعادة صياغة المفاهيم الشائعة

ربما تستغرِب من النتيجة التي قد تكتشفها حينما تعقد روابط جديدة بين قضايا يبدو أن لها حلولًا محدودة. فالتمسُّك بأساليب التفكير التقليدية والمقبولة بصورة شائعة سوف يؤدِّي إلى نتائج عادية في أغلب الأحوال. ولكنك قد تحتاج لتفكيك المفاهيم المألوفة وتكوين روابط جديدة كليةً من أجل التوصل إلى نتائج مذهلة.
إنَّ الأفكار الإبداعية تُعِيدُ صياغة الواقع بشكله المعروف لنا. وتتكوَّن الأفكار الإبداعية من مزيج زاهٍ من الخبرات تمامًا كالحلم، حيث تتدخَّل عناصر مختلفة من الأفكار والخبرات اليومية من الذاكرة ثم تندمج في اللاوعي في صورة أشكال جديدة. فلكيْ تكون مبدعًا، أنت بحاجة إلى أن تتعلَّم كيف تحلم بوعي! وإليك بعض التمارين التي تساعدك على التدرُّب:
تمرين ?

اختر قضية من قضايا العمل التي لم يُتَوَصَّلْ فيها بَعْدُ إلى أفضل النتائج. حاول تفكيك القضية لتتبيَّن العناصر المختلفة التي تشملها. ابحث عن أمثلة ذات صلة من مشروعات ناجحة مختلفة، وأعدْ صياغة أسلوب جديد قائم على تكوين روابط جديدة. حاول أن تَصِلَ بين الجوانب غير المترابطة في خرائط ذهنية حتى تتمكَّن من عقد روابط وخلق احتمالات جديدة.
تمرين ?

بدأت اختراعات كثيرة بروابط تبدو غير متوافقة (على سبيل المثال الذي ذكرناه سابقًا: كرسي متحرك = عجل + كرسي، والتزلج على الماء بواسطة الريح = الريح + لوح التزلج). اجمع ثمانية أشياء تستخدم في الحياة اليومية مثل (النظارة الشمسية، الآلة الحاسبة، الهاتف الجوال، الورق)، ضعها في حقيبة. استخرج عنصرين من الحقيبة وابتكر اختراعًا جديدًا يستخدمهما معًا.
تمرين ?

دوِّن حلمًا راودك مؤخرًا. وتعرَّف على العناصر المختلفة، ثم فَكِّرْ كيف تشكل الحلم.
التطبيق العملي لإعادة صياغة المفاهيم الشائعة

فكِّر في مشروع لا تتحقَّق فيه النتائج المثالية: حاول أن تُجَزِّئ القضايا وأن تحدِّد كافة العناصر المختلفة التي تشتمل عليها.
ضع فرضية هدامة تزعزع طرق التفكير الراسخة.
أَوْجِدْ نماذج إيجابية ذات صلة من مشروعات مختلفة ناجحة.
أَعِدْ صياغة منهج جديد يرتكز على عقد روابط جديدة.
تذكَّرْ أن المفتاح لإعادة صياغة المفاهيم الشائعة هو أن حجم القيمة الناتجة ينبغي أن يكون أكبر من مجموع الأجزاء معًا.
ملخص استراتيجية الإنقاذ

ركِّز على إتاحة المشاركة (والتخلص من اللامبالاة).
اعْثُرْ على أساليب للتواصُل مع الشغف الفردي.
شجِّع الناس على إبداع أساليب تفكير جديدة بدلًا من التمسُّك بالعادات المحافِظة القديمة.
(?) المرحلة الرابعة: التحول – المرونة والإيجابية لإجراء تغييرات حقيقية

تضمن المرحلة الأخيرة من عملية الإنقاذ تغيُّرًا طويل الأمد، وتُتِيحُ أملًا حقيقيًّا للمستقبل. كما تشتمل على المرونة في تناول الأفكار والتحديات الجديدة كُلَّمَا طرأت، والإيجابية؛ وهي القدرة على استدامة التنمية عبر التفاؤل.
(?-?) نمط المُنْقِذ السادس: المرونة

هذا المستكشف غير المتمسِّك بما هو تقليدي لا يتقيَّد بما يظن أنه من المفترض أن يحدث. فلدى المرونة طواعية فطرية تضمن قدرتها على إيجاد أساليب مبتكرة وجديدة لأداء الأعمال. فالمرونة توسِّع حدودك العقلية وتَضْمَنُ أنَّ ذهنك مُهَيَّأٌ لاستكشاف خيارات متعددة، بدلًا من التقيُّد بحدود التجارب المتعارف عليها. إن المغامر المقدام هذا المتجسد في المرونة ينفذ عملية تؤدي إلى تغيير حقيقي ومن ثم إلى التحول في نهاية المطاف. واستراتيجية الإنعاش المفضلة لديها هي استكشاف مسارات مختلفة. وتتولى المرونة مهمة الإنقاذ من القتلة ضَيِّقِي الأفق مثل الحُنكة والتحيُّز والتفكير الجماعي؛ الذين يتخذون من «التعصُّب العنيد» سلاحًا مُفَضَّلًا. والمرونة سمة رئيسية لدى الأطفال لكنهم لا يَلْبَثُون أن يفقدوها مع تقدُّمِهم في العمر.
ابتكرت فتاة لا يتجاوز عمرها اثنيْ عشر عامًا فكرة مذهلة في مسابقة أُجْرِيَت مؤخرًا. لقد تصوَّرت الفتاة «بحث الصور في جوجل»؛ وفيه يمكن للمستخدمين رسم ما يبحثون عنه بدلًا من مجرد كتابته بالكلمات. ولم تلبثْ شركة جوجل بعد ذلك أن أعلنت عن تطويرها تقنية تحمل نفس المفهوم. كما تَخَيَّلَ طفل لا يتجاوز عمره سبع سنوات دُمًى في صورة إنسان آلي تلعب معه، ولكن لا تزال تلك الفكرة هي الأخرى في مراحلها الأولية.55 هذان مجرد نموذجين من الإجابات المذهلة التي طرحها الأطفال ردًّا على السؤال الذي وُجِّه إليهم؛ وهو «ما الشيء الذي تَوَدُّ لجهاز الكمبيوتر أو الإنترنت أن يقوم به إذ لا يقدر على القيام به الآن؟»56 لقد تصوَّرُوا أفكارًا لا تزال قيد التطوير أو كان قد ابتكرها البالغون بالفعل، وهو الأمر الذي يُظْهِر البصيرة النافذة لدى الأطفال. والسبب في أن الأطفال يمتلكون تلك المهارة الفائقة في ابتكار أفكار متقدمة هو أنهم يمتلكون مرونة بالغة في أساليب التفكير لديهم ومنظورًا حديثًا وبراءةً خلابةً ليس للتوقعات وحدود الإدراك عليها من سبيل. إن الأطفال لديهم القدرة على التفكير التباعدي الذي يُغايِر ضيق الأفق الذي يَكْبَحُ جِماح التفكير الإبداعي لدى البالغين. ولكننا غالبًا ما نفترض أن الخبراء وحدهم هم الذين يُبْدِعُون أفكارًا جديدة بعد فترة مديدة من التدريب والتعلُّم. لقد جرت العادة على أن يكافئ النظام التعليمي والمجتمع بشكل عام الخبراء واسعي المعرفة ويُبَجِّلُوهم. والأشخاص الذين يتمكَّنون من التغلُّب على تلك الأنظمة بنجاح يرزقون بنتائج ودرجات اختبارات متميزة، ويرتقون لمناصب عليا، ويتقاضون رواتب وفق خبراتهم ومعرفتهم. لكن اليوم أصبح ظاهرًا للعيان أنه لا يمكن للشخص الواحد أن يكون الخبير الوحيد في ظل توافر قدر أكبر من المعلومات على نطاق واسع، إذن سيتحتم على نماذج التعلم والقيادة أن تتغير. وقادة اليوم ليسوا بحاجة إلى أكبر قدر من المعلومات بل عليهم أن يتمتعوا بالقدرة على اكتشاف أكثر الأفكار ذكاءً وتشجيعها. إن محور اهتمام الخبراء التقليديين ضَيِّق الأفق؛ مما يعني أن بإمكانهم تأسيس قدر كبير من المعرفة حول موضوع أو مجال بعينه، ولكن هذا هو ما يقتل الإبداع. ولذا فإن قائد المستقبل في أمسِّ الحاجة إلى أن يكون مفكرًا واسع المعرفة ومنفتحًا على أساليب تفكير جديدة وفكر حديث.
للخبرة ميزاتها الكثيرة إلا أن لها نقطة سلبية وحيدة وهي فقدان البراءة. والبراءة الإبداعية تأتي إلى الأشخاص الذين لا يعرفون كيف يجب تأدية الشيء. فأولئك لديهم القدرة على إيجاد طريقة مبتكرة لتنفيذه. كما أن امتلاكك لقدر وافر من المعرفة يَعْنِي أنك مُقَيَّدٌ بالمفاهيم والإرشادات الراسخة بالفعل في مجال عمل بعينه، وهذا ما يجعل من الابتكار أمرًا مستحيلًا.
إدوارد دي بونو57 إن العقل البريء المتفتِّح — الذي لديه استعداد ليكون عُرضة للانتقاد ويتكَبَّد المخاطر، الذي يفكر ويشعر كما يفعل الأطفال، الذي لا سبيل للضغط عليه وترتيب أفكاره — هو العقل الوحيد الذي يُمْكِنُه أن يكون مبدعًا بحق. ويُطْلِق دي بونو على تلك العقلية والسلوك المُتَفَتِّحَيْنِ مصطلح «البراءة الإبداعية».
ويُنظر الآن لفكرة البراءة الإبداعية على أنها ذات أهمية بالغة، حتى إن بعض المؤسسات تُتِيح للأطفال أن يشتركوا بفاعلية في عملية توليد الأفكار، فعلى سبيل المثال: شركة تويوتا شَكَّلَتْ ذات مرة «مجلس إدارة» مكونًا من الأطفال كي يقدموا استشارات للشركة حول تطوير منتجاتها.
اتخذت هاسبرو خُطوة مماثلة في مجال الدُّمَى.
أما مركز أبحاث بالو ألتو — التابع لشركة زيروكس — فقد طلب من بعض طلاب المدارس ذات مرة حضور مجموعة من جلسات العصف الذهني حول مستقبل التكنولوجيا.58
ربما تعتمد التنمية المعرفية على الحفاظ على جموع السُّذَّج والجُهَّال.
جيمس جيه مارش59 على الرغم من أنه قد ساد معتقد يقضي بأن الخبرة المتراكمة مطلوبة للتميز في مجال بعينه، وقد يكون ذلك صحيحًا في بعض العلوم (مثل الأحياء والتاريخ وكتابة الرواية)، فإن لتلك القاعدة بعض الشواذ. إذ أوضح عالم النفس بجامعة كاليفورنيا بديفيز — دين سيمونتون60 — أن علماء الفيزياء يقومون على الأرجح بأهم وأول اكتشافاتهم بينما لا يزالون في أواخر العشرينيات من عمرهم. كما يذكر أيضًا مجالًا آخر يصل لأَوْجِهِ حتى قبل بلوغ هذه السن؛ وهو الشعر. كما يعتقد أن أولئك الأشخاص يستفيدون — ولو جزئيًّا — من استعدادهم لتبني الإبداع وعنصر المفاجأة. ولأنهم لم «يتثقفوا» أو يُثقلَوا بالمعارف الموروثة، يكون لديهم استعداد أكبر للتمرد على الوضع الراهن. ويقول سيمونتون إنه مع قضاء المبدعين عدة سنوات في الدراسة الأكاديمية، يبدءون تكرار أنفسهم على الرغم من ذلك.61 انظر — على سبيل المثال — إلى جيمس واطسون الذي شارك في كتابة أحد أهم الأبحاث العلمية على مدار التاريخ (حول تركيبة الحمض النووي) عام ???? بينما كان في سن الخامسة والعشرين اليافعة، وإسحاق نيوتن الذي بدأ اختراع علم التفاضل والتكامل في الثالثة والعشرين، وألبرت أينشتاين الذي نشر العديد من أهمِّ أبحاثه العلمية في سن السادسة والعشرين، وفيرنر هايزنبرج الذي اخترع مفهوم ميكانيكا الكمِّ بينما كان في أواسط العشرينيات من عمره. وأرشميدس وماري كوري وجاليليو وروبرت أوبنهايمر نماذج قليلة إضافية للشباب الذين حقَّقُوا الإنجازات وأحدثوا إسهامات علمية هامة وهم في العشرينيات من عمرهم.62 قد لا يَتِمُّ التوصُّل إلى أحدث الأفكار الجديدة على نحو ملائم هذه الآونة في ظل إجراء تخفيضات على المنح الرئيسية التي تُقَدَّمُ للعلماء الشباب. وفي هذا الشأن، ظهر اتجاه يُثِيرُ القلق في الولايات المتحدة، إذ بينما قدم معهد الصحة القومي معظم المنح للعلماء الشباب عام ????، تُقدَّم اليوم منحٌ للباحثين الذين تبلغ أعمارهم سبعين عامًا أكبر من تلك التي تُقدم للباحثين الذين لم يبلغوا عامهم الثلاثين! وقد فسَّر البعض ذلك بأنه توجه محافظ آخذ في الزيادة، وخوف من المجازفة في المؤسسات. وأي رسم بياني للإبداع على مدى عمر الفرد سيتخذ منحنًى على شكل حرف U معكوس. وما يُثِير المخاوف الآن هو أنه حينما ينال أغلب الأشخاص الفرصة للحصول على التمويل والتقدير الذي يستحقونه، سيكونون قد تجاوزوا على الأرجح ذروتهم الإبداعية. (أ) استراتيجية الإنقاذ السادسة: استكشاف مسارات مختلفة

واجه فندق إنتركونتيننتال في بالي مشكلة كبيرة. كان قد وعد نزلاءه الأثرياء بقضاء عطلة بلا ضغوط عصبية تبعث على الاسترخاء، يعمل على تنسيقها فريقه المهني الكفء. لكن أولى انطباعات النزلاء عن العطلة تتكون غالبًا في مطار دينباسار الممل حتى قبل أن يصلوا إلى الفندق. فإجراءات الجمارك والهجرة التي تفتقر إلى الكفاءة كانت تُضْفِي على النزلاء إرهاقًا فوق إرهاق السفر الطويل، وكان العديد من الأشخاص يبدءون إجازتهم منزعجين وغير راضين.
بعد متابعة الفندق إجراءات الوصول المعقدة وملاحظة تأثيرها على النزلاء المميزين، أدخل عددًا من الإجراءات لتقليل الدورة الزمنية الواضحة ولإعطاء النزيل انطباعًا بحسن الضيافة. في بادئ الأمر، كان تقليل عدد الخطوات التي كان على النزلاء اتباعها أمرًا مستحيلًا، إلا أن العقول المبدعة وجدت حلًّا. فوفَّر الفندق للنزلاء استراحة فاخرة بالمطار للحجز بالفندق؛ وهذه الاستراحة لدى الوصول كانت تَعْنِي أن يسترخي النزلاء على أرائك مريحة وتُقدم لهم مشروبات باردة ومناشف دافئة، في حين كان طاقم الفندق يكمل إجراءات الجمارك والهجرة، وهكذا وفروا على النزلاء عناء الاصطفاف في طوابير طويلة لعدة ساعات. وبعدها كان يوفِّر الفندق خدمة الحجز للنزلاء المميزين، حيث كان مكتب الاستقبال يُنْهِي عملية الحجز الرسمية في المطار لضمان عدم وقوع المزيد من التأخير عند وصول النزلاء إلى الفندق. ونتيجة لتلك الإجراءات، أصبح العديد من النزلاء على استعداد لدفع المزيد من النقود في سبيل الراحة والأمن المتوفرين لهم. إن الأمر لم يتغيَّر من منظور إجراءات الهجرة والجمارك، وإنما كل ما هنالك هو أن النزلاء لمسوا تخفيضًا ملموسًا في عدد العقبات المشتملة عليها هذه الإجراءات (من اثنتيْ عشرة خطوة إلى ثلاث خطوات فحسب). وبذلك نجح فندق إنتركونتيننتال في بالي في إيجاد طريقة لخلق تجربة ضيافة خاصة للنزلاء، وجني دخلٍ عالٍ — عبر «استكشاف مسارات مختلفة» والبحث عن احتمالات جديدة — في الوقت الذي كانت فيه الفنادق الأخرى تخفِّض أسعارها (نظرًا للأزمة الاقتصادية التي اجتاحت آسيا). عندما يفكر أغلب الناس في تحسين الأداء، تتملَّكهم السعادة إذا تمكَّنوا من التخلص من خطوة واحدة من خطوات عملية معقدة أو إجراء تحسينات ذات نسبة مئوية بسيطة، لكن في هذه الحالة أُجري تغيير جذري وأتى بنتائج خيالية.
من الضروري أن تكون قادرًا على إيجاد سبل أكثر كفاءة لقضايا العمل. ومثال على ذلك تحسين الدورة الزمنية الكلية لإجراءات العملاء. تتألف الدورة الزمنية الكلية من مجموع جميع أوقات كل عملية تحدث على حدة بين طلب العميل الخارجي للمنتج أو الخدمة، وتوصيل المنتج أو الخدمة ومدى إتاحته للعميل. وأما الدورة الزمنية للعمليات، فهي مجموع الخطوات المتوالية المتَّبَعة في إنجاز كل عملية. بعض الخطوات تقع بالتوازي بعضها مع بعض، لذا فالخطوة التي تستغرق وقتًا أطول هي فقط التي تضاف إلى الزمن الكلي. كما أن وقت الفراغ أو الانتظار يدخل ضمن حساب مجموع الدورة الزمنية الكلية.
إن أكبر عائق أمام تحقيق ابتكار فعَّال هو أوقات التطور البطيئة.63 إن متطلبات المستهلك السريعة التغير، والعهد بالأعمال إلى جهات في دول أخرى، والبرمجيات المفتوحة المصدر، تجعل وتيرة سير عمل السوق سريعة للغاية. ومع ذلك، فالشركات غالبًا لا تستطيع تنظيم نفسها لتسرع من وتيرة حركتها، كما يقول جورج ستوك جونيور — نائب رئيس شركة بي سي جي المخضرم الذي درس المنافسة التي تعتمد على عنصر الزمن لمدة خمسة وعشرين عامًا. وتتطلَّب الدورات الزمنية السريعة خوض المجازفة حتى في ظل عدم ضمان وجود المقابل المادي الضخم. ويقول ستوك: «تكاد بعض المؤسسات تُصَابُ بالشلل بسبب فكرة [أنها] لا تَسْتَطِيع فعلَ شيء إلا إذا أحدثت تحولًا مهولًا.» ويضيف أن السرعة تتطلَّب التنسيق من المركز، فيقول: «إن المبتكرين السريعين ينظمون مركز الشركة للحثِّ على النمو؛ إنهم لا ينتظرونه حتى يأتيهم عن طريق وحدات العمل.» إن إعادة تصميم العملية لَهِيَ مثال عظيم يبيِّن كيف يمكن أن يُفْسِح استكشاف المسارات المختلفة المجال أمام مناهج أكثر إبداعًا.
فهم القدرة على استكشاف مسارات مختلفة

ذكرنا سابقًا أن أدمغتنا تنشئ شبكات عصبية في عمر باكر، فننجرف سريعًا وراء أنماط تفكير تعتمد على خبراتنا التي نكتسبها باستمرار، وبسهولة شديدة نُنَفِّذُ كل شيء بروتين صارم. يُعد تطوير الأنظمة كَسُبُل فَهْم وتنظيم للمعلومات على نحو فعَّال أمرًا ضروريًّا، ولكن تلك الأنظمة يمكن أن تصبح في نهاية المطاف مقيدة وخانقة لعملية التنمية الإبداعية. لذا فإزالة تلك المسارات المحددة عن عمد، واستكشاف سبل جديدة يمكن أن يكون الانطلاقة نحو التوصل إلى أساليب إبداعية جديدة لفعل الأشياء ولتناول القضايا الصعبة.
في مسابقة تقليدية للإبداع صُممت خصوصًا لاختبار التفكير التباعدي والتقاربي، طُلب من طلاب جامعيين أن يفكروا في كافة الأسباب التي قد تعترض سبيل تخرجهم في الجامعة. ثم أعطوا تعليمات بأن يتخيَّروا أحد هذه الأسباب ويبتكروا للمشكلة أكبر قدر من الحلول. واستطاع عدد كبير من الطلاب سريعًا ذكر كافة الأشياء المتخيلة التي يمكن أن تجعل الأمور تَحِيد عن نصابها الصحيح، بينما كان العديد من الطلبة غير قادرين على إظهار المرونة لإيجاد حلول إبداعية. وقد أوضح الاختبار أن أولئك الذين عجزوا عن إيجاد حلول ممكنة للتعامل مع أزماتهم كانوا الأكثر عرضة للقنوط واليأس.64 من المُهِمِّ أن تتعرف على أسلوبك النموذجي لحل المشكلات وتُفَكِّرَ في وسائل بديلة لا تفكر بها عادةً لتحل تلك المشكلات، سواء كنت تتعامل مع مشكلات شخصية أو قضايا تتعلَّق بالعمل. ويمكنك القيام بذلك إذا سلكتَ طرقًا غير اعتيادية ربما لم تكتشفها من قبل. قد تكون هذه العملية مُرْهِقة، وقد تَعْنِي التخلِّي عن بعض العادات القديمة، ولكنها قد تكون تجربة إيجابية ومنقذة في الوقت ذاته.
وَلْنبدأ بتمرين بسيط يُطلب فيه من المشاركين أن يَصِلوا بين أربع نقاط (تقع على رءوس المربع) بثلاثة خطوط مستقيمة. عليهم أن يبدءوا وينتهوا من النقطة ذاتها دون أن يرفعوا أقلامهم ودون أن يعودوا إلى الخلف. واجه العديد منهم صعوبة في تنفيذ تلك المهمة؛ لأن نجاحها يتطلَّب امتداد الخطوط المستقيمة الثلاثة خارج حدود المربع (الصندوق). وحينما يرى عقلك صندوقًا (أو كما في هذه الحالة أربع نقاط تَتَّخِذُ شكل الصندوق)، يميل إلى أن يبقى داخل الصندوق. ويتطلب الأمر بذل جهد من نوع خاص كي تفكر خارج الصندوق، أو خارج النظام. وكل نظام يعد حدًّا لمجرد أنه نظام. وينبغي على العقل المبدع أن يبحث أولًا عن حلول خارج النظام ثم عن سُبُل جديدة. والخروج عن حدود النظام (بمعنى أن تغير نظامك المرجعي) أكثر ابتكارًا من البقاء بداخله.
وحين طُلب من المشاركين أن يَصِلُوا النقاط الأربع بخطين مستقيمين متوازيين، قال أغلبهم إن ذلك مستحيل. لكن هذا مستحيل حقًّا بالنسبة للأشخاص الذين ينحصر تفكيرهم بنمط تفكير هندسي بعينه. فعندما ننظر إلى الحياة، نعتقد أن لها سطحًا مستويًا ثنائيَّ الأبعاد، حيث يبقى الخطان (البعدان) المتوازيان متوازيين إلى الأبد. ولكن إذا رُسمت هذه النقاط على سطح الأرض وسارت الخطوط المتوازية طوليًّا، فستلتقي بالفعل عند القطبين. إن إيماننا بأن الخطوط المتوازية لا تتقاطع أبدًا نابع من دروس الهندسة التي تلقَّيناها في المدرسة. لكن هندسة إقليدس، التي تُعْنَى بدراسة الأسطح المستوية، ليست إلا نوعًا واحدًا من أنواع الهندسة. فأي هندسة دون هندسة إقليدس تعتمد على دراسة المساحات المنحنية. فخطوط الطول (الخطوط العمودية) تتقاطع مع خط الاستواء (وهو خط أفقي) عند ?? درجة. وقال إقليدس إن الخطين يكونان متوازيين إذا تقاطع معهما خط مقابل لهما عند ?? درجة. إذن، خارج صندوق هندسة إقليدس، يمكن للخطين المتوازيين أن يتوازيا ويتقاطعا؛ هناك غموض يجب أن تتقبَّله حتى تصبح مبدعًا.
والآن سؤال للمبدعين حقًّا: هل يمكن وصل النقاط الأربع بخطٍّ مستقيم واحد؟ يمكن وصلها بجرة قلم واحدة، إذا استخدمت فرشاة رسام ذات عرض كافٍ.
إطلاق العنان لمسارات مختلفة

من أجل توضيح فكرة أن القنوات المعيارية يمكن أن تقيِّد التفكير وشرح كيفية البدء في التغلُّب على هذه القيود، نحوِّل تمرين65 إدوارد دي بونو إلى شرح متحرك. وفي هذه النسخة من التمرين، تَتَسَاقَطُ الحروف من أعلى الشاشة لأسفلها واحدًا تلو الآخر: كان A أول حرف، ثم أتبعه T لتتكون الكلمة AT، ثم جاء دور الحرف R بعد ذلك وأضيف إلى سابقيه لتتكوَّن الكلمة RAT (بمعنى فأر). وعندما سقط الحرف E — ها قد بدأت تفهم اللعبة — وإذا أضفت الحرف E إلى نهاية الكلمة الأخيرة، فستصبح الكلمة الجديدة هي RATE (بمعنى معدل). ثم كان الظهور التالي للحرف G الذي عندما أُضيف تكوَّنت الكلمة الجديدة GRATE (بمعنى حاجز ذي قضبان). حتى الآن، كانت المعلومات الجديدة تُضاف بسهولة إلى الهيكل القائم، ولكن الحرف التالي سيؤدِّي إلى اضطراب النظام؛ لأنه لا يقع في القناة المعتادة. الحرف التالي هو T، ويبدو أنه ما من طريقة سهلة لإضافته … لذا فإننا بحاجة إلى إجراء تعديل على ترتيب الحروف. فأصبحت الكلمة الجديدة التي نتجت عن تلك الحروف هي TARGET (بمعنى هدف) التي لم تكن لتتكوَّن إذا لم تكن مستعدًّا لتغيير نظام الحروف وإعادة ترتيبها من الصفر. يتبيَّن لنا من هذا المثال البسيط مدى تأثير التسلسل الزمني المرتبط بإيصال المعلومة في بناء الهياكل. إن الهياكل تَكُون بحاجة إلى تغيير نظامها أو إعادة بنائها حتى تتكوَّن مفاهيم وأفكار جديدة بأسلوب مختلف، وهذه العملية تُعَدُّ تعريفًا نافعًا للإبداع. فلن تتقدم بدون الإبداع في مثل هذا النوع من الأنظمة، ونحن بحاجة إلى التفكير الإبداعي من أجل التحرر من الهياكل المؤقَّتَة التي أقامها تسلسل خبرات معين. والإبداع ليس مجرد وسيلة لتحسين الأوضاع؛ فدون الإبداع لن نستطيع أن نحقِّق الاستفادة الكاملة من المعلومات والخبرات المتاحة لدينا بالفعل. إنها حبيسة في الهياكل القديمة، كما أننا في أغلب الأوقات نتخيَّر أول السبل المتاحة أو أسرعها مع أنها لا تكون الأفضل دائمًا. وإذا تناولنا المشكلات من منظور إبداعي، فلسوف يكون في مقدورنا العثور على طرق فعالة للتقدم.
إن استكشاف مسارات مختلفة يمكن أن يُحَسِّنَ المحصلة النهائية والخبرة الكلية بنسبة تصل إلى ????. انظر إلى دراسات الحالات الآتية: دشَّنَت شركة بروكتر آند جامبل (بي آند جي) برنامج «تزامن البيانات العالمية» في الصين حصريًّا، ودعت أكبر تجار البيع بالتجزئة مثل كارفور للانضمام إلى برنامج يهدف إلى ربط تجار البيع بالتجزئة بشركة بي آند جي عن طريق أدوات عالية التقنية. ومكَّن البرنامج تجار البيع بالتجزئة من الحصول على معلومات حول المخزون والمنتجات في الوقت المناسب، إلى جانب معرفة أحدث اتجاهات المبيعات. لقد مكنت العملية الجديدة بي آند جي من زيادة إتاحة منتجاتها على أرفف المتاجر، وخُفِّضَ المخزون بنسبة تصل إلى ???؛ مما يعني تحسين الكفاءة والفاعلية والربح في نهاية المطاف66 (انظر إلى دراسة الحالة وخطة الإنقاذ المفصلة في الفصل التاسع).
عندما أجرى المديرون التنفيذيون بشركة طيران ساوث ويست إيرلاينز مقارنات معيارية لزمن الرحلة لديهم — من بدايتها إلى نهايتها — مع الزمن الذي تستغرقه شركات الطيران الأخرى، اكتشفوا أنهم كانوا أَحَدَ الروَّاد بالفعل. ولذا فقد اجتازوا مجال الخطوط الجوية في بحثهم عن أفضل الخبراء في هذا المجال حول العالم، ووجدوا ضالتهم بالفعل في سباق الفورمولا وان. واستطاعت ساوث ويست إيرلاينز أن تُخَفِّض زمن تزويد الوقود الإضافي من أربعين دقيقة إلى اثنتي عشرة دقيقة من خلال تَبَنِّي العمليات المتبعة في مواقف تجمُّع سيارات السباق للتزود بالوقود.67،?68
أفاد قدوم المدير الجديد، سيرجيو ماركيوني بأفكاره المبتكرة شركة فيات؛ فأضحت قادرة على أن تختزل الوقت الذي تستغرقه في إيصال منتجاتها إلى السوق من أربع سنوات إلى ثمانية عشر شهرًا. وعندما تولى سيرجيو الإدارة نقل عنه قوله: «عندما كنت تتجول في المصنع، كان بإمكانك أن ترى الهدر. لم تكن المشكلة في الفوضى فحسب، وإنما في الطريقة التي يتحرك ويعمل بها الناس.»69
أظهرت الأبحاث التي أُجريت عن المتاجر أن عملية تغيير أماكن الموظفين المسئولين عن تسجيل المشتريات وحساب الزبائن استطاع أن يخفِّض عدد ساعات العمل بمعدل ????? ساعة سنويًّا؛ الأمر الذي يَعْنِي خفض الأجور بمعدل ??? مليون دولار سنويًّا لدى المتاجر التي تبنَّت تلك الاستراتيجية.70
خاضت متاجر ألدي ساحة المتاجر سريعًا كمنافس قابل للاستمرارية في ذلك المجال المعقود بإحكام، والصعود في مقابل العملاقين وولورثز وكولز، وذلك بحفاظها على انخفاض أسعارها كثيرًا عنهما، وتوفيرها خدمة أسرع بكثير لدى تسجيل المشتريات وحساب الزبائن. وقد فعلت متاجر ألدي ذلك من خلال تنفيذ العملية البسيطة التالية:71• منتجات أقل = مخزون أقل + تنسيق + حجم متجر أصغر.• علامة تجارية = باركود متعدد خاص = تسجيل مشتريات أسرع لدى الخروج.• تسجيل مشتريات أسرع = فريق عمل أقل + زبائن راضون.
بينما يضيِّع الكثير من الناس أوقاتهم في محاولة فهم كيفية تحسين أداء العمليات القائمة، غالبًا ما يتحدى المبتكرون الافتراضات التي تكمن خلف العمليات.72 لا شيء يتفوَّق على مثال البنك الذي واجه طوابير مرعبة تصل مدة الوقوف فيها إلى خمس ساعات. لقد دعانا البنك لتقديم يَدِ العون في إعادة تصميم عملياته، وقد استخدمنا تمرين «استكشاف مسارات مختلفة» لنرى كيف يمكنه التعامل مع تلك المشكلة. لقد اكتشف المسئولون خلال تطبيق العملية أن الأشخاص الذين لم يكن لديهم حساب في ذلك البنك كانوا يُقبِلون عليه لصرف شيكات بقيمة خمسة دولارات حتى يهربوا من حرارة الجو بالخارج التي تصل إلى ?? درجة، ويتمتعوا بجو مُكَيَّف لطيف! تَوَصَّلَ البنك إلى حل وهو وقوف موظف عند الباب الأمامي حتى يسأل الوافدين عن غرضهم من البنك. أما الذين قصدوا البنك من أجل صرف الشيكات، فقد تم توجيههم إلى فرع آخر، والذين قصدوه لفتح حساب أو لإجراء معاملات بنكية أخرى — وهم يمثلون السوق المستهدفة للبنك — فقد سمح لهم بالدخول.
ترغب شركات عديدة في مضاعفة عائداتها، وبضيق أفقها تفترض أن ذلك يَعْنِي مضاعفة ربحها من حيث النمو. ولكن هل هناك وسائل لزيادة النمو بطرق أخرى بديلة عن مجرد توليد مزيد من المبيعات؟ لقد استطاع فندق إنتركونتيننتال في بالي ودراسات حالة أخرى نوقشت هنا تغييرَ العملية دون اللجوء في الغالب إلى تغيير الأنظمة وفَقْدِ السيطرة عليها (مُحْدِثين بذلك طفرة إبداعية). وبالإدراك المتأخِّر للأمور، وُجد أن تلك الطفرات الإبداعية — رغم أنها لا تبدو دائمًا شديدة الروعة — أفادت الشركات المعنية إفادة عظيمة في سوق العمل. فحينما يصل الراكب إلى المطار، يستحيل أن تهبط الطائرة على باب حجرة النزيل مباشرة وأن تُختصر كافة الروتينات البيروقراطية. ولكن بالتفكير بأسلوب ذكي وماهر، من الممكن تغيير فكرة النزيل وخبرته عن المكان. والآن، بفضل أولئك الذين أعادوا تشكيل المفاهيم الشائعة واستكشفوا مسارات جديدة، نحن لا نبذل أيَّ جهد في حجز الفنادق عبر الإنترنت أو فتح باب حجرتنا باستخدام الهواتف الذكية؛ مما جعل التجربة بأكملها أسرع وأسهل وأرخص!
التدرُّب على أسلوب استكشاف المسارات المختلفة

بإمكانك أن تتدرب مستخدمًا هذا الأسلوب عن طريق استكشاف حلول لإحدى الموضوعات التي حددتها في القسم السابق. انظر إلى الخريطة الذهنية التي وضعتها في آخر خطوة، وحَدِّدِ الطرق التي استخدمت بكثرة في سبيل حلها، مثل مواطن الاكتظاظ المروري ومضاعفة العمالة. وانظر أيضًا إذا كان في إمكانك إيجاد سبل بديلة أكثر فاعلية تمكِّنك من التوصُّل إلى الحلول في أقرب وقت. وإذا ظللت كما كنت، تنشئ طرقًا بالية على طول الخط السابق نفسه، فلربما تحتاج إلى استكشاف احتمالات مختلفة وقَطْع سبل مختلفة.
وحتى تتبع سبلًا مختلفة وتجد حلولًا أبسط وأوفر وأعلى كفاءة أثناء تطبيق عملية إعادة التصميم، فأنت بحاجة إلى: تخطيط العملية.
تحديد المسئول عن كل خطوة.
تحديد قائمة بالجوانب التي يمكن أن تتعثَّر فيها الأمور.
ابتكار أساليب للتقليل من مواضع الخطر تلك.
تقليل الأخطاء عن طريق تقليل عدد الخطوات.
وتذكَّرْ أن كل خطوة هي فرصة جديدة للوقوع في الخطأ. وللتدريب، ابدأ بنشاط يومي تقوم به بانتظام، وحاول أن تقوم به بأسلوب مختلف تمامًا: اسلك طريقًا مختلفًا أثناء ذهابك للعمل، وانظر ماذا ستلاحظ أثناء سيرك في الطريق.
حاول طهي أكلة جديدة تمامًا، أو أضف مكونات مختلفة إلى وصفتك المفضلة.
غيِّر روتينك المعتاد «للاستعداد في الصباح».
التطبيق العملي لاستكشاف مسارات مختلفة

فكِّر في مشكلة تتطلب حلًّا. حدد الحل المعتاد، ثم فَكِّرْ في السبيل الذي قد يسلكه غيرك؛ مَن هم في مثل موقفك. ابتكر عدة أساليب مختلفة ممكنة يمكن أن تحل بها المشكلة.
ملخص استراتيجية الإنقاذ

تقبَّل فكرة أنه يمكن أن يكون هناك أكثر من سبيل لتناول المواقف.
استخدم أسلوب التفكير التباعدي الذي ينتج عن البراءة الإبداعية.
استعدَّ لاستكشاف خيارات مختلفة واسلك سبلًا مغايرة لتحسين مستوى الكفاءة والفاعلية.
(?-?) نمط المنقذ السابع: الإيجابية

هذا الانتهازي المتفائل — الذي تجسِّده الإيجابية — يمثل كلًّا من الاتجاه والمنهج المطلوبين من أجل البقاء والازدهار في خِضَمِّ التحديات. فعن طريق تحديد السبب الرئيسي لاتخاذ الإجراءات والحافز المتواصل، تَدْعَمُ الإيجابية عملية التحول وتُبْقِي عليها. ومن منظور الفكر التفاؤلي واستراتيجيات اللغة، لا تُعدُّ الإيجابية الحقة مجرد حالة ذهنية، وإنما هي اعتقاد راسخ أو نظام للقيم يجعل الإجراءات تُرَكِّز على الهدف المَرْجُوِّ. وبذلك تُناقض الإيجابية السلبية التي قد تعقب الفشل، وتضمن استمرار النجاح على المدى البعيد. واستراتيجية الإحياء المفضلة لدى الإيجابية هي تَبَنِّي التفاؤل، وهي تتولَّى مهمة الإنقاذ من المشتَبَه بهم في جريمة القتل من فوج التشاؤم أمثال السلبية واليأس والافتقار إلى الثقة، وسلاحهم المختار هو «السلبية الخبيثة».
وطريقة عمل الإيجابية تُلاحَظ في طريقة تعامل الأطفال الصغار مع الرياضة. فحينما يتعلَّم الأطفال لُعْبَة التنس، يمكن أن يُخطِئوا إصابة الكرات الموجهة، فيتغاضون عن الأمر بسرعة ويحاولون مرات عديدة تصل إلى مرة واحدة كل عشر ثوانٍ، بما يعادل ??? محاولة في الساعة! إن الفوز في رياضة التنس والجولف وألعاب الكرة الأخرى لا يتحقق بمجرد تسديدة موفَّقة، وإنما من خلال القدرة على إدارة الأخطاء بفاعلية. فالأبطال هم الذين يتعافَوْن سريعًا بعد الفشل.
يتسبَّب الفشل في تَغَلْغُل الشعور لدى الفرد بقلة الحيلة على الأقل مؤقتًا؛ فهو يشبه اللكمة المُوجِعة في المعدة. وألمُه عادةً ما يشعر به المرء بِحِدَّةٍ ثم يَخْتَفِي من جديد، ولكنه يستمر لدى البعض. ولهؤلاء، يسبب الألم الإعاقة على المدى الطويل وقد يزرع في أنفسهم الضغينة أو الشعور المترسِّخ بقلة الحيلة. وأولئك الذين لا يستطيعون استعادة عافيتهم بسلاسة عقب الفشل يجدون صعوبة في الإبقاء على حماستهم لما يقومون به. والفرق الجوهري في التعافي يكمن في الطريقة التي يُفسَّر بها الفشل؛ فالأشخاص الذين يتعافون بصعوبة يفكرون قائلين: «هذا خطئي [أو مشكلتي]، وسوف تستمرُّ مدى الحياة، وسوف تهدم كل ما أفعله.» وأما أولئك الذين يتعافون بسهولة فيقولون: «كانت تلك مجرد ظروف مَرَرْتُ بها، والشعور بالفشل سوف يَمُرُّ مُرور الكرام، فهناك الكثير في تلك الحياة ينبغي أن أكون إيجابيًّا تجاهه.»
حينما يَعْصِف التشاؤم، تتداعى القدرة على التفكير بإيجابية وبحيادية في المواقف. فتحت تأثير هجمات الغاز في الحرب العالمة الأولى، يشتد جوع المخ لغاز إنقاذ الحياة؛ الأكسجين، فيصيب الضحية بعجز عن التفكير بوضوح. وكذلك يُستنزف العقل عندما يفتقر إلى التفاؤل؛ شريان الحياة. والإيجابية — من ناحية أخرى — سبب عظيم يبعث على الحياة، حيث تُزَوِّد صاحبها بالأكسجين اللازم للتنفس في أي موقف. هذه ليست مجرد وجهة نظر إيجابية فارغة تتجاهل حقيقة الموقف. وفي واقع الأمر، اكتشف الباحثون أن الشخص إذا ما رسم صورة وردية لما يتوقع أن يحققه، بينما يكون تحقيقه أمرًا صعب المنال، فإن ذلك سوف يُصيب فرص النجاح في مقتل.73 إن الإيجابية لا تَعْنِي السعادة الدائمة بالمثل، ولكنها ضرب من الأكسجين الذي يُطَهِّرُ العقل من الضبابية، ويجلب له وضوح الرؤية والهدف. ولقد اكتُشف أن المتفائلين هم الأعلى إنتاجًا في كافة مجالات حياتهم والأكثر صحةً والأطول عمرًا. فحينما يغمر الأفرادَ شعور بالتفاؤل، فإنهم يعملون بتركيز أكبر ويُحَقِّقُونَ المزيد من الطموحات ويُشَجِّعُونَ مَنْ حولهم وتتراءى لهم المشكلات على هيئة فرص، كما يشعرون بأن الصراع أَخَفُّ وطأة، وكذلك هم الأكثر حماسةً في بيئة العمل.74 فكلٌّ من المتفائل والمتشائم عرضة لمشكلات الحياة، بيد أن المتفائل هو الذي يَصْمُد أمام كل الظروف على نحو أفضل. ولكن تذكَّر أن الموضوع ليس متعلقًا فقط بالقدرة على التفكير الإيجابي، وإنما يتعلَّق بمدى تجاوبنا مع الأحداث وخاصة الفشل. ويمكن أن يصبح أسلوب تجاوبنا مع الأحداث المعاكسة سلوكًا اعتياديًّا وذا توابع في مجالات حياتنا المختلفة، وردود الفعل تلك يمكن أن تَعني الفارق بين الاستسلام أو التصميم على تحقيق الأهداف. إن الكلمات التي نتخيَّرها لوصف حدث ما يمكن أن يكون لها تأثير على مدركاتنا وعلى سلوكنا بالتبعية. فعندما نعبِّر عما نراه لفظيًّا، فإن لغتنا تتفاعل مع خبرتنا المباشرة، فتنشأ حقيقتنا من هذا التفاعل.75 كما أن أهم حوار نُجريه كل يوم يكون مع أنفسنا؛ إذ إن الحوار النفسي يشكِّل صورتنا الذاتية، وهي المسئولة عن نجاحنا أو على النقيض انهيارنا الذاتي. وإذا انعدمت الصورة الذاتية الإيجابية، فإن «خطى الفرد سوف تتثاقل»، أما الفريق فسيفعل المطلوب منه على نحو «يفي بالغرض» وحسب. بينما في ظل وجود صورة ذاتية إيجابية، سيصبح من الممكن اكتشاف عالم جديد بالكامل. إن عملية الحوار النفسي اللاشعوري أو التفاؤل المكتسب يمكن أن يُستخدم كوسيلة مساعدة قوية للتعلم، وأداة علاجية في مواجهة الاضطرابات، ومن ثم تتبدد المخاوف ومشاعر الرهبة، ويُعاد إحياء الإبداع. يُعيد التفاؤل الحياة لعملية التفكير الإبداعي، مع ضمان الحفاظ على كافة الأفكار والبدايات النيرة ويَمنعها من أن تخبو سريعًا، إلى جانب ضمان وجود قدر كافٍ من الأكسجين اللازم للحياة حتى تزداد الشعلة ويوقد اللهب.
(أ) استراتيجية الإنقاذ السابعة: تَبَنِّي التفاؤل

تخيل جول فيرن غوَّاصة نووية في روايته «عشرون ألف فرسخ تحت الماء» عام ????، غير أنها لم تكن مجرد فكرة مستقبلية غامضة. فقد كان طول البدن الأسطواني للغواصة نوتيلوس يبلغ سبعين مترًا، بينما يبلغ عرضه ثمانية أمتار. أما البدن المزدوج، فكان مدبب النهايات تمامًا مثل السيجار. ورفَّاص الغواصة ذو الأربع شفرات بلغ قطره ستة أمتار بزاوية تَبَاعُد تبلغ سبعة أمتار ونصف المتر. وكان هناك دفة عادية مثبتة في مؤخرة الغواصة، وطائرتا غوص على جانبي مركز الطفو. وعندما كانت نوتيلوس تطفو على السطح، يظل ??? منها تحت سطح البحر، ولذا كانت منصتها تعلو عن مستوى الماء بثمانية أمتار. لقد أظهر فيرن بصيرة لافتة للنظر بشأن الكيفية التي يمكن أن تتقدم بها العلوم والتكنولوجيا. لقد تنبَّأ فيرن أيضًا بعناصر المشكلات البيئية القادمة في ذلك الحين، وانتقد ضمنيًّا استغلال الشعوب المستعمرة من خلال شخصية الكابتن نيمو. فكان يؤمن بما «يُمكن» فعله في المستقبل بدلًا من أن ينصبَّ تركيزه على ما «لا يمكن» فعله حاليًّا. وبالمثل يركِّز التفاؤل دائمًا على ما يمكن حدوثه مستقبلًا وليس على القيود الحالية أو الإخفاقات الغابرة. قال ألبرت أينشتاين ذات مرة: «الخيال هو عرض مسبق للأشياء الجذَّابة المقبلة في حياة المرء.» إذا تعلمنا كيف نوسع أفقنا، فإننا لن نرى الاحتمالات الجديدة فحسب بل سنُحِيلُها حقيقةً أيضًا.
إننا نأمل الآن أن تدرك أن الأشخاص الذين يستطيعون حل مشكلات الطوابير أمام البنوك والمطارات — والتي تستغرق ساعات طويلة — أو أولئك الذين يمكنهم وصل النقاط الأربع في مربع بخط واحد مستقيم، يتشاركون في خصلة خاصة تهيمن عليهم. أمَّا أولئك الذين يقولون: «لا نستطيع فعل ذلك» فيُنْهون التحدي عند هذه النقطة؛ لأنهم يكونون قد انسحبوا بذلك من اللعبة. فعجزهم المكتسب يؤكِّد أنهم لن يتقدموا نحو حل أفضل. وأما الذين يعتقدون أن بإمكانهم إيجاد حلول فَهُم أولئك الذين يَجِدُونها في الغالب.
فَهْم التفاؤل

يوضح إعلان بترول شِل (انظر الفصل الثاني) الاستراتيجية النهائية الشاملة المتبعة في عملية التفكير الإبداعي (وهي في واقع الأمر تَوَجُّهٌ ضروري أكثر منه استراتيجية)؛ إذ توضح أهمية الاعتقاد؛ أهميةَ أن تظل متفائلًا في ضوء التحديات الواضحة.
وتعيد آخر قطعة في الأُحْجِيَة إلى أذهاننا الحاجة إلى استمرارية المثابرة؛ الحاجة إلى أن تتفهَّم الأخطاء والإخفاقات على أنها عراقيل مؤقتة. فالمتفائلون يتعاملون مع العراقيل على أنها تجارب يتعلَّمون منها، ثم لا يلبثون أن يتعافوا منها ويحاولوا من جديد بعزم متجدد. كما أن المتفائل ينظر إلى الموقف السيئ على أنه تحدٍّ، ولذا يحاول أكثر. إن تبنِّي التفاؤل هو الأسلوب الوحيد الذي سيُمَكِّنُنَا من أن نقَدِّر قيمة المحاولة والخطأ على مدار العملية الإبداعية، وأن يظل لدينا الحافز الكافي لمتابعة عملية التقدم الإبداعي حتى نحصد نتاجها. بينما يميل المتشائمون إلى الاعتقاد بأن الأحداث السيئة ستدوم طويلًا، وأنها ستهدم كل شيء يقومون بإنجازه، وأنهم هم أنفسهم السبب في وقوعها. كما أن التشاؤم يمكن أن يحيل العراقيل إلى كوارث، بيد أن هناك التشاؤم المعتدل الذي له نفعه إن وظفه صاحبه بحكمة، ولكنه إذا ما عصف بعقولنا بغير سيطرة عليه، فقد يُصِيبُنَا بالشلل. أما التفاؤل على الجانب الآخر فيمدُّنا بالقوة.76إطلاق العنان للقدرة على التفاؤل

يتحقَّق النجاح بتأكيد القدرة على الإنجاز، وكما يقول إدوارد دي بونو: «نحن بحاجة ليس فقط إلى أن نضع في اعتبارنا قياس حتمية قدرتنا على فعل الأشياء، بل أيضًا إلى قياس احتماليتها.»77 فبإمكاننا تَبَنِّي القدرة على التفاؤل وتوظيفها في حياتنا عن طريق تحديد ما يمكن أن نتعلَّمه من الإخفاقات، ومعرفة أهمية الإبقاء على موقفنا التفاؤلي أثناء الإخفاقات. ماذا عسانا أن نتعلَّم من الفشل؟ جَرِّبِ التمارين الآتية لكي تكتشف بعض الحلول: خُذْ حلًّا يبدو مستحيلًا من خريطة عقلك، وابحث عن كيفية تحقيقه، واتَّبِعْ مسارًا واحدًا على خريطة العقل وانظر إلى الطريقة التي يمكن بها حل المشكلة.
يمكن أن نحصل على الإلهام من أولئك الذين قَبِلُوا التحدي كي نواظب على التفاؤل ونظل متفائلين. ما مدى صعوبة تركك للأمر برمته؟ ما الذي يجعلك تتراجع ولماذا؟ فَكِّرْ في أولئك الرياضيين المعاقين الذين صمدوا من أجل التغلُّب على التحديات البدنية سعيًا وراء تحقيق أهدافهم. أي نوع من الإلهام ذلك الذي يُمكنك الحصول عليه من قصصهم؟ هناك العديد من القصص ودراسات الحالة لأشخاص تَخَيَّلُوا المستقبل لتحقيق طفرة إبداعية أو صلة بارعة، ثم ثابروا فأصبحوا مشهورين. انظر أَنَّى لك أن تبدأ لتخلق احتمالاتك.
التدرُّب على تَبَنِّي التفاؤل

جَرِّبِ التأكيدات الإيجابية بدلًا من الانتقادات الجارحة.
تَدَرَّبْ على ترديد «ليس بعد» بدلًا من «لا» أو «لا أستطيع».
اتخذ لنفسك هواية أو مارس رياضة جديدة، ولا تستسلم حتى تصبح بارعًا فيها.
دوِّن ملاحظات عن الأشياء الإيجابية التي تحدث كل يوم، ولْتَتَّخِذْ لنفسك بضع دقائق للتأمل واكتب ما اكتسبته من خبرات كل ليلة.
التطبيق العملي لَتَبَنِّي التفاؤل

اكتب عبارة تُعَبِّر فيها عن إحساسك تجاه مشكلة تعاني في العثور على حل لها في العمل أو المنزل.
والآن أَعِدْ صياغة هذه العبارة بأسلوب يجعلها إيجابية (قابلة للتحقيق، قابلة للإدارة، قابلة للحل).
ملخص استراتيجية الإنقاذ

صُغْ نموذجًا للحوار الإيجابي مع النفس واللغة الإيجابية والتزم به.
تَدَرَّبْ على التفكير الإيجابي التفاؤلي لتشكيل سلوكيات مرنة وتعزيز التفاؤل.
أعد صياغة (أو غيِّر) اللغة والخبرات المقيدة لتحصل على مخرجات إيجابية.
ما إن تنمِّ تلك المهارات كلها، فستكتشف أنه بإمكانك المجازفة وإنقاذ التفكير الإبداعي، خطوة تلو الأخرى. وسرعان ما ستكتشف أنه يمكن إحياء الإبداع في كافة أرجاء المؤسسة.

الفصل السابع
أين يمكن إحياء الابتكار؟


فحص مواقع الإنقاذ المحتملة

في حين أن التطبيق الشخصي الذي يُحَدِّدُ البؤر الإجرامية الساخنة (الذي سبقت الإشارة إليه في مقدمة الفصل الثالث) هو اختراع حديث نسبيًّا، فإن فكرة رسم خرائط للمواقع التي ترتكب فيها الجرائم بصورة متكررة ليست جديدة. فقد ظهر أثر التحليل الإحصائي في علم الجريمة لأول مرة مع ملاحظات كيتليه عام ????، متمثِّلًا في أن بعض المناطق في فرنسا ترتفع بها معدلات الجرائم أكثر من غيرها. ومؤخرًا في مينيابوليس، أظهر تحليل شامل لعدد ??? ألف مكالمة أُجريت للشرطة أن عددًا قليلًا من البؤر الساخنة (ما يعادل ?? من المدينة) أطلق ما يعادل ??? من إجمالي الاستنجادات بالشرطة.1 من المفترض أن تتراجع معدلات جرائم الإبداع كثيرًا إذا أمكن إرسال المنقذين لكافة مناطق المؤسسة، وتحديدًا إلى ما تُعْرَف بأنها «بؤر ساخنة»، وإذا ما كانت وسائل الإنعاش في متناوَل اليد في كل وقت. وفي المقابل، ينبغي الارتقاء بالمواطن المحتملة للتنمية الإبداعية وتقديرها على نطاق واسع داخل المؤسسة. وعلى الإبداع أن يكون حرًّا ليتحرك في جميع أرجاء المؤسسة خلال التعاون بلا «صوامع».
إنَّ الصلة المشتركة بين الإبداع والابتكار الفائق تؤدي في كثير من الأحيان إلى وقوع التباس حول المكان المناسب للإبداع في المؤسسة. فيفترض أغلب الناس أنه رغم أن قتلة الإبداع يُمْضُون أوقاتَهم في مناطق ذات بِنًى محكمة بالمؤسسة مثل قسم الحسابات، فإنه يجب ألا يُطبق الإبداع هناك. في الحقيقة، يقول ما يقارب ا? ??? من المديرين إنهم لا يرغبون في تطبيق الإبداع في قسم الحسابات بمؤسساتهم.2 وعندما أخبرْنا صديقًا مقربًا لنا، يعمل مُراقبًا جويًّا، أننا بصدد تأليف كتاب عن التفكير الإبداعي، أجابنا على الفور قائلًا: «من عساه أن يشتري كتابًا حول هذا الموضوع؟!» فبالنسبة له، ليس هناك مكان للإبداع في عملٍ يُعْنَى بالدقة المبنية على حقائق. ربما لم يدرك ما يَعْجِز الكثير من الناس عن رؤيته، وهو أن الإبداع يمكنه أن يُحْدِث فروقًا جوهرية في أي مؤسسة، وفي أي مجال من مجالات المؤسسة. وحتى بالنسبة للمراقبين الجويين، يمكن تحسين إجراءات جداول الخدمة، وتعزيز أساليب العمل، وتغيير العمليات الإدارية. وهذا الصديق نفسه أعرب عن ضيقه قبلها بفترة قصيرة من عدم تغيير نهج الإدارة قط، ومن مدى تعصب هذا النهج وقِدَمه. فتلك هي الأماكن التي يمكن للتفكير الإبداعي أن يُحدث فيها فارقًا جوهريًّا. (?) بناء مستنبتات للابتكار – عودة إلى مكتب المدير والكافيتريا

إذا كانت هناك بؤر ساخنة يَقْضِي فيها المجرمون أوقاتهم، فهناك أيضًا مُسْتَنْبَتَات يعيش فيها الإبداع غالبًا. ومن قبيل السخرية — كما يعلم كثير من الناس — أن يزدهر الإبداع عادةً حول مُبَرِّد المياه في الممرات أو في الكافيتريا، لا في أماكن «العمل» القائمة رسميًّا بالمؤسسة. وربما يفسر هذا الأمر لماذا هي مستنبتات للإبداع؛ لأنه هناك يتقابل الناس ويتحدثون بلا رسميات، حيث يكونون في حالة من الاسترخاء وبعيدًا عن مسامع العناصر المتسلطة، مثل التحكم والضغط والخوف، الذين ربما يعتقدون أن هذه الأماكن ليست محلًّا للقيام بدوريات فيها.
يتعيَّن على مصممي أماكن العمل المهرة أن يُولُوا اهتمامهم لإنشاء بيئات تعزز الإبداع. والعوامل التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تصميم أماكن العمل تتضمن:3 إنشاء مساحات للمناقشات غير الرسمية (على سبيل المثال، أماكن واسعة وغير رسمية لعقد الاجتماعات ولاحتساء القهوة).
التخطيط لإحداث تقارب مكاني بين الإدارات لتعزيز التواصل فيما بينهم.
تجنب إنشاء المكاتب الكبيرة التي تفتقد إلى الدفء وروح الوُدِّ والألفة ولذا ربما تثبِّط المناقشات غير الرسمية.
يمكن كذلك توفير بيئات اجتماعية إيجابية من شأنها تشجيع الابتكار من خلال: استراحة مشتركة لتناول الغداء توفر فرصًا جيدة للتواصل بين الموظفين في الأقسام المؤسسية المختلفة.
وضع جداول أعمال تسمح بالتفاعل وتحث عليه.
يدرك القادة الأذكياء أن بيئة العمل يمكن أن تُخْمِد الإبداع، ولذا يحرصون على استمرار الأفراد في التركيز على التنمية الإبداعية. إذ يقضي الخبير الإداري جيم كولينز عن عمد ??? من وقته فحسب في المهام الإدارية. ولضمان الحفاظ على تركيزه وقدرته على الإبداع، يرفض العديد من فرص إلقاء المحاضرات، والوظائف الاستشارية، وحتى إغراء توسيع شركته. فهو يُصِرُّ على هذا المبدأ الأساسي، فيدوِّن كلَّ شيء يفعله حتى نومه. فهو يعلم أنه في تلك الأوقات التي يشتغل فيها بمهام إدارية فوق طاقته، يتأثر تفكيره الإبداعي وقدرته على التركيز على تطوير أفكار جديدة والبحث عنها.4 ستحتاج مؤسسات المستقبل أن تعمل بجد أكبر من أجل إدخال البُعدية المتزايدة محل العمل، وتعزيز المزيد من التفكير الإبداعي. فتجسد شركة استشارات التصميم والابتكار بشيكاجو، آيديو، الطريقة التي تحتاج بها بيئات العمل إلى أن تتطور من أجل دعم التطوير الابتكاري. وهناك في هذا المكتب استوديو مفتوح يحاط بغرف المشروع، موضحًا المبدأ وهو أن التفكير المتفتح جنبًا إلى جنب مع إجراء التجارب قد يُؤَدِّيان إلى نتائج عملية إيجابية. يُشجع التصميم المفتوح التعاون بين الأفراد، إذ يُنظر إلى الاستوديو على أنه المساحة التي يمكن للموظفين من مختلف التخصصات — مثل المهندسين والمصممين وواضعي استراتيجيات الأعمال والمبرمجين — أن يتعاونوا معًا بشكل فعَّال. ويتضمَّن مبنى شركة آيديو أيضًا كافيتريا مركزية، جنبًا إلى جنب مع منطقة منتديات، وورشة عمل للنماذج الأولية المخصصة، فضلًا عن حديقة مفتوحة على سطح المبنى توفِّر التركيز المشترك وتُحفز الخيال.5 في الماضي، كانت الشركات تُقَدِّرُ الضوابط المحكمة التي تصدر من أعلى إلى أسفل. بينما الآن، أكثر الأمور أهمية هو حشد الموارد من أجل الابتكار وريادة الأعمال. ونتيجة لذلك، يزعم بروفيسور الإدارة بجامعة هارفرد كريستوفر بارتليت أنه يجب إحداث تحول في السلطة لتمكين الأشخاص في المستويات الدنيا في المؤسسة؛ لأن أحدث الأفكار تأتي دائمًا من العقول الشابة الأكثر ذكاءً. فيقول: «هناك اتجاه نحو إقامة مؤسسة ذات تمكين أكثر بكثير6 حيث يكون عليك أن تنقل السلطة إلى الأشخاص الذين لديهم معرفة بالتكنولوجيا ويفهمونها، وإلى من هم أقرب للعملاء والقادرين على تطوير الأفكار.»7 ذُكر عن ستيف بالمر — الرئيس التنفيذي لموقع إم إس إن — في مقال في صحيفة «سيدني مورنينج هيرالد»، أنه قال لقادة أعمال استراتيجية الشركة أن «يُمَنْهِجُوا الابتكار»،8 ولكن آلان نوبل — وهو مهندس أسترالي خبير يعمل لدى جوجل — تحدى هذا المنهج للابتكار وقال: «ما قدمه بالمر كان إلى حد بعيد استجابة لموقفه الإداري حيث تسري السلطة من أعلى إلى أسفل؛ فالأمر أشبه بردة فعل لقوله: «نحن بحاجة إلى الوقوف على كيفية الابتكار بشكل أفضل». فلو كان الابتكار محوريًّا للغاية في ثقافتك، فليس هناك ما يمكن منهجته. إنه هناك، كالهواء الذي تستنشقه؛ فأنت تبتكر لتبقى … ذاك هو ما تقوم به.» وتَمْضِي المقالة لتوضح بعض الاستراتيجيات غير العادية التي استخدمتها جوجل لضمان أن يصير الابتكار جزءًا من النظام. ويتضمَّن هذا تخصيص ??? من وقت مهندسيها للتصميم (جاءت خدمة جوجل للبريد الإلكتروني القائمة على شبكة الويب من أفكار اكتشفوها خلال ذلك الوقت)، وإلغاء مركزية مرافقهم البحثية (حوالي ?? من تلك المرافق تم تأسيسها في دول أخرى؛ الأمر الذي يجنِّب الروتين، ويعزز توليد الأفكار بسرعة أكبر). فتوفر تلك الاستراتيجيات المزيد من الاستقلالية والمرونة، وتَضْمَن توارد الأفكار الجديدة من كافة المستويات.
هناك إعلان آخر مدهش من شِل يكشف لنا كيف يمكن تطبيق ذلك فعليًّا، نصه فيما يلي:هل تبصر عيناك حلولًا في أماكن مستبعدة؟ شاهد مهندسًا يعمل في شِل، اسمه ياب فان بوليجويجين، ابنه الصغير وهو يشرب الحليب المخفوق، ويستخدم ماصة مرنة مقلوبة لكي يصل إلى كافة قطرات الشراب في الكوب الزجاجي. وبعدها، اختُرع مثقاب استخراج النفط من الأماكن التي يصعب الوصول إليها. فالتفكير الملهم والابتكار وحتى شطحات الخيال كلها أجزاء من حياتنا اليومية في شِل.9 ليس الأمر أننا نفقد إبداعنا عندما نصبح بالغين، وإنما نفقد — فيما يبدو — ثقتنا الإبداعية، ونتيجة لذلك فإننا نلجأ للعمل بجدٍّ أكبر لاستردادها. وفي عالم البالغين، لا تُشيد البيئات والفرص المناسبة لكي يزدهر الإبداع، إذ علينا أن نعكس هذا الترتيب لكي نضمن أننا بإمكاننا جميعًا مجاراة متطلبات المستقبل.
(?-?) موقع الإنقاذ المحتمل الأول: مكتب المدير

يحدد استطلاع للرأي أجرته شركة آي بي إم10 الصفات التي تميِّز القادة المبدعين (تلك الصفات التي ترتبط بشكل وثيق مع استراتيجياتنا السبع). وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن القادة المبدعين: يتوقعون إجراء المزيد من التغييرات لنموذج الأعمال بغية تحقيق استراتيجياتهم (الاستراتيجية الأولى: غرس الفضول).
يشعرون بالراحة في التعامل مع الغموض (الاستراتيجية الثانية: تقبل الغموض).
يبتكرون نماذج أعمال جديدة تقوم على افتراضات مختلفة كليةً (الاستراتيجية الثالثة: إطلاق العِنان للخيال).
يزيد مستوى ابتكارهم عن نظرائهم (الاستراتيجية الرابعة: استخدام شِقَّي المخ).
يُرَحِّبون بالابتكار الهدام (الاستراتيجية الخامسة: إعادة صياغة المفاهيم الشائعة).
يتأمَّلون السبل التي لم يَسْمَعْ بها أحد من قبلُ سعيًا وراء تغيير المؤسسة (الاستراتيجية السادسة: استكشاف مسارات مختلفة).
يَتَحَلَّوْنَ بالإبداع ولديهم ما يكفي من البصيرة لاتخاذ قرارات من شأنها تبديل الوضع الراهن (الاستراتيجية السابعة: تبني التفاؤل).
وفضلًا عن ذلك، تَزِيد احتمالية تجاوب المؤسسات ذات الأداء العالي بسرعة مع الأفكار الجديدة بنسبة ??? بُغْيَةَ تناول التغييرات العميقة التي تؤثر على المؤسسة. فيجب على الرؤساء التنفيذيين أن يتعلموا كيفية اتخاذ القرارات الذكية بسرعة، وهذا الأمر ينطوي على التفكير الإبداعي المنضبط.
(?-?) موقع الإنقاذ المحتمل الثاني: غرفة اجتماعات مجلس الإدارة

إن الديناميكيات الصحية لغرفة اجتماعات مجلس الإدارة في غاية الأهمية للحوار المفتوح ومن ثَمَّ لنجاح غرفة الاجتماعات. ومن أكثر النقاط أهمية، والتي اتفق عليها خبراء الحَوْكَمة، الحاجةُ إلى خطاب يَتَّسِم بالشفافية والاعتراض مع الرئيس التنفيذي. فالحوار النقدي البنَّاء هو المؤشِّر المثالي الأوحد على كفاءة مجلس الإدارة. وتعتمد الثقة والطمأنينة على العلاقات الصريحة التي فيها يستطيع الناس طرح الأسئلة وتقديم وجهات نظر مختلفة وربما متعارضة. وكذلك فإن ضمان التنوع ووجود مزيج متجانس من العناصر من الأشياء الهامة أيضًا. فلا يكفي مجرد تمثيل خلفيات مختلفة، إذ يجب أن يُشجع التباين في التصورات.11 وعلى غرفة اجتماعات مجلس الإدارة أن تتقبل الغموض. وهذا يعني تضمين الأزواج المتناقضة؛ مثل: الإبداع والانتقاد، والاتساق والصراع الإدراكي، والثقة والريبة، والاستقلالية والمشاركة، والبعد والقرب إضافة إلى البُعد غير التنفيذي. وإدارة هذه العناصر الغامضة تتضمن نهجًا يقبل التوتر والتفكير الابتكاري. (?-?) موقع الإنقاذ المحتمل الثالث: قسم الحسابات/المالية

قد لا تفاجأ عندما تعرف أن قسم المحاسبة يحتلُّ مرتبة عالية جدًّا (سواء في الحلقات الدراسية التي نُجريها أو في رأي المشاركين في الاستطلاع على شبكة الإنترنت) باعتباره موقعًا محتملًا لقتل الإبداع. وأشارت نسبة ?? فقط من المشاركين في استطلاع الرأي إلى القسم على أنه مكان لإحياء الإبداع. ومؤخرًا، وقفنا قُبَالة ستين مراقبًا ماليًّا من مجموعة فنادق إنتركونتيننتال لتَحَدِّيهم بخصوص هذا الموضوع. طلبنا منهم أن يُجيبوا على هذه الاتهامات، وقد أثارت إجاباتهم الصريحة إعجابنا. وشرح المراقب المالي الذي كنا نعمل معه بشكل وثيق ما يلي: في مجموعة فنادق إنتركونتيننتال، ننظر إلى فريق المالية على أنهم «شركاء العمل الموثوق بهم الذين ينالون تقدير المجموعة». ولقد عزفنا عن التفكير بهم منذ سنوات على أنهم مجرد أجهزة كمبيوتر تُنْجِز المهامَّ الحسابية. فاليوم نحاول أن ندعم استراتيجية مجموعة فنادق إنتركونتيننتال والتأكد من أنها تتلقى الدعم من المصادر الملائمة. كما تُقدر الأقسام الأخرى مساهمات قسم المالية في صناعة القرار والتخطيط، ولذا لا أظن أن قسم المالية من قتلة الإبداع الرئيسيين. فهل لا بد أن يتأكَّد من أن القرارات تجارية؟ نعم. هل لا بد أن يضمن وجود توازن مناسب فيما بين مختلف الأطراف المعنية (الملاك والموظفين والعملاء) عند اتخاذ القرار؟ نعم. هل لا بد أن يضمن وجود قدر معيَّن من الامتثال والسيطرة في محل العمل؟ بالتأكيد. فما دام القسم يستطيع أن يدعم منطقيًّا آراءه، فإنني لا أعتقد أنه يقتل الإبداع. وفي اجتماعنا الأخير تحت عنوان «أسترالاسيا لدعم المال والأعمال»، تعرفنا على الأشخاص الذين كان لهم أداء استثنائي على مدار العام: وللمرة الأولى كانت لدينا جائزة ? «أفضل ابتكار». ليس بوُسعنا أن نضع قالبًا للطريقة التي تُنجَز بها الأشياء دائمًا. ومما يثير الاهتمام اعتقادي بأننا كنا مبتكرين في مضمارنا لأننا كان ينبغي علينا أن نكون مبتكرين لكي نَظَلَّ قادرين على المنافسة. وبسبب الدلالات التي يطرحها مصطلح «المحاسبة الإبداعية»، فإننا نتحدث — على الأرجح — عن «الابتكار» في مجموعة فنادق إنتركونتيننتال في مقابل «الإبداع». إن الإبداع في مجال المال أكثرُ ارتباطًا بارتكاب الأخطاء وإنجاز الأعمال بأسرع الطرق الممكنة وأقلها تكلفة وكفاءة، وممارسة السلوك اللاأخلاقي … إلخ، ولكنَّ الابتكار — على الجانب الآخر — يُنظر إليه بطريقة مختلفة. فهو يهدف إلى تغيير العمليات أو وضعها قيد التنفيذ لتحسين الكفاءة أو الفاعلية. إن الابتكار هو التفكير خارج الصندوق واستغلال ذكائك للتوصل إلى حلول جديدة للقضايا التي نواجهها.
إن قسم الحسابات نفسه ليس هو موقع جريمة القتل الوحيد المشتَبَه به هنا بالطبع. ولكن هناك اتهامات تُشِير إلى أن بؤرة تركيز المالية يمكنها قتل الإبداع في مكان آخر. ويَعتقد عالم النفس الاجتماعي سام كين أن هذه البؤرة تضيق الخناق على مجالات أخرى كثيرة في الشركة، ويطرح مقترحًا تخيليًّا بل وربما يكون ملهِمًا في قوله:إنه لمن الشائق أن نرى ما سوف يحدث داخل الشركات إذا لم يُسمح بالتحدث عن الأرباح والخسائر وأصحاب الأسهم والمنافسة وحصة السوق لمدة مائة يوم. فقد يتساءل بعض العاملين بصوت مرتفع عمَّا إذا كان عملهم الذي أنجزوه إبَّان الساعات الخمسين أو الستين على مدار الأسبوع يعكس كيف كانوا يتمنون بحق قضاء سنواتهم الزائلة. وقد يتساءل البعض الآخر عمَّا إذا كان المنتج المطروح صديقًا للبيئة، أو ما إذا كان إسهامهم في الاقتصاد العالمي سيُفيد أشد سكان العالم حاجةً إليه، أو ما إذا كنا سنختار قياس نجاح مجتمعنا وفقًا لمقدار السعادة القومية الإجمالية [كما يفعلون في بوتان] بدلًا من الناتج القومي الإجمالي.12(?-?) موقع الإنقاذ المحتمل الرابع: مكاتب التنفيذيين

أشارت إحصاءات مراكز السيطرة على المرض والوقاية منه أن العدوى التي يُصاب بها المرضى بسبب المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية تُقَدَّرُ بنحو ??? مليون حالة وتتسبَّب في ?? ألف حالة وفاة كل عام. وأظهرت دراسة أجرتها هذه المراكز عام ???? أن ?? في المائة من أطباء الولايات المتحدة لا يَغْسِلُون أيديهم أثناء تَنَقُّلِهم بين المرضى.13 لقد أدركت كوني جاستريمسكي — وهي كبيرة الممرضات في شبكة باسيت للرعاية الصحية — حجمَ التحدي الذي سيقع على عاتقها عندما دُعِيَتْ للمشاركة في حل المشكلة الصحية، وذلك لعلمها بأن الأطباء لا يتقبَّلون التوجيهات من الآخرين. غير أنها قدمت فكرة إبداعية، وهي أن يعلِّق كل طبيب سريري شارةً مكتوبًا عليها «اسألني عمَّا إذا كنتُ قد غسلتُ يديَّ.» ولكن سرعان ما قوبلت الفكرة بالرفض، وتذكُر لنا جاستريمسكي كيف كانت تُرمى الشارات في وجهها في بادئ الأمر، لكنها استطاعت أن تُغَيِّرَ الثقافة بنجاح ملحوظ في نهاية الأمر.
يتعرَّض التنفيذيون في مجال الصحة عادةً للضغط عليهم من جانب المتطلبات التنظيمية الحكومية؛ لذا عادةً ما يَصْعُب توليد الإبداع والابتكار في هذا السياق. ولذا قدمت شبكة باسيت للرعاية الصحية نظام «أيام إجازات مدفوعة الأجر» والذي يركز اهتمامه على ضمان حصول القادة على الوقت والمساحة اللازمين لاستكشاف أفكار إبداعية.14 وفي كل المؤسسات، على التنفيذيين الاعتراف بالتنمية الإبداعية وتبنِّيها ودعمها بإيجابية. وفي المقابل، يجب أن يَتَلَقَّوا الدعم لضمان حصولهم على الوقت والمساحة للابتكار بأنفسهم.
(?-?) موقع الإنقاذ المحتمل الخامس: قسم الأبحاث والتطوير

لبناء بيئة إبداعية حقًّة في قسم الأبحاث والتطوير، سيحتاج فريق الأبحاث والتطوير إلى أن تُتَاح له الفرصة لمتابعة الأفكار المبتكرة ومراقبتها حتى إتمامها. فالابتكار الحقيقي هو أكثر من مجرد إنجازات بارعة أو منتجات وأفكار «متشابهة لكن بها اختلاف ضئيل»، فهو جديد ومفيد. فالابتكار لا يمكن أن يكون عرَضيًّا أو غير منتظم؛ بل يجب أن يكون منهجيًّا وهادفًا.15 كي يزدهر الإبداع في قسم الأبحاث والتطوير على المدى البعيد، يجب خلق ثقافة الابتكار. ويمكن أن تتمثل هذه الثقافة في نظام من أربعة أجزاء يشكِّله المحوران: «الانطواء (الرعاية الداخلية) — الانبساط (الوعي المؤسسي الخارجي)» و«المرونة (القدرة على التكيف) — التحكم (توجه الإدارة من أعلى إلى أسفل والبيروقراطية)».16 وهذا النظام لافت للنظر؛ فبالرغم من أن المفاهيم على أقصى المحورين تبدو غير متوافقة، فإن كلا النقيضين يوفِّران تفتح الذهن اللازم للتغيير الانتقالي والاستعداد للمجازفة. ويمكن أن يساعد كلاهما في خلق ثقافة الأدهقراطية (على عكس البيروقراطية) في قسم الأبحاث والتطوير، إذا ترسَّخت قيم مماثلة وإذا دُعم التفكير الإبداعي بصورة فعالة؛ إذ إنهما يعكسان الحاجة إلى التحويل. والتمسك بالقواعد الصارمة والأنظمة الهرمية يضر بإنشاء ثقافة الأدهقراطية بصورة كبيرة؛ لذا فمن المهم أن نؤكِّد على ألا يتقيَّد قسم الأبحاث والتطوير بهذين العنصرين.17 من أجل إشراك الأشخاص على جميع مستويات المؤسسة في عمليات قسم الأبحاث والتطوير، تحلَّت تويوتا بقدر كبير من المهارة؛ إذ أعطت كل فرد في المؤسسة دورًا في «مراقبة الجودة». وهذا على الفور مكَّن الأشخاص من تقديم اقتراحات إلى أعلى المكاتب الإدارية حول ما يمكن تحسينه، مع توليد المزيد من الأفكار من خلال إشراك الجميع في العملية الإبداعية. وعن طريق تحريك هذا العنصر من قسم الأبحاث والتطوير إلى المصانع، رفعت الشركة من مستوى الموظفين العاديين بفاعلية وحوَّلتهم إلى مساهمين نُشطاء على مستوًى أعلى.
على قسم الأبحاث والتطوير أن يتعلَّم كيفية إقناع المالية والرؤساء التنفيذيين ومجالس الإدارة والإداريين للمساهمة بأفكار جديدة، لمساعدة الجميع على فهم أن قسم الأبحاث والتطوير هو مكان قيم مركزي (وليس حصريًّا) لرعاية الإبداع. قد يكون هناك عزوف عن الاستثمار في قسم الأبحاث والتطوير، بدعوى أنه ليس من الممكن أن «نخطط» لنتائج إبداعية. والعديد من الشركات — ولا سيما في قطاع الصناعات الدوائية — قد لَحِقَ بها الدمار بسبب النتائج السيئة في الأبحاث والتطوير. ولكن التمويل المستقرَّ يوفِّر المزيد من الحرية للابتكار؛ مما يؤدي إلى نتائج أفضل في نهاية المطاف.18 ويجب ألا يُسمح للضغوط من عائلة الخوف بالقضاء على الأفكار في هذا القسم ويجب التعامل معها بسرعة. (?-?) موقع الإنقاذ المحتمل السادس: قسم المبيعات والتسويق

بعد مدينة نيويورك الصاخبة، تُقَدِّم مدينة كينجفيلد في ولاية ماين تناقضًا صارخًا. بها شارع واحد رئيسي ومحطة وقود واحدة ومكتب بريد واحد، وعلى الأرجح تمتلك شيئًا واحدًا فقط من كل ما يمكن اعتباره أساسيًّا لمجتمع صغير. الجميع يعرف بعضهم بعضًا هناك، وقد استمرَّ ذلك لأجيال سابقة، وهو ما يفسِّر السبب في انخفاض معدل الجريمة. عندما كنا نسافر إليها من المدينة، نلاحظ أن كل شيء نَضِرٌ ونظيف، من الهواء المنعش إلى الثلج النقي، وليس هناك أي دليل على التلوث. لقد كنا دائمًا مفتونين بجرأة الشركات التي يمكن أن تُسَوِّق وتبيع بنجاح شيئًا موجودًا بالفعل بوفرة، إذ توضح مدينة كينجفيلد حقًّا ما يعنيه «بيع الثلج لأهل الإسكيمو».
العديد من العلامات التجارية للمياه المعبأة في زجاجات في الولايات المتحدة تتباهى بأن مياهها تقدم المذاق النقي ? «مياه ينابيع ماين» في زجاجات. فماء ماين رائع للغاية لدرجة أن الناس يسعدون بشرائه في جميع أنحاء البلاد. لكن المفارقة التي أشار لها صديقنا — وهو شخص متحمس محب للمغامرات انتقل إلى ماين للتمتع بحياة ريفية نقية والحصول على هذا الماء الرائع من الصنبور — أن السيدة التي تقف أمامنا في طابور تسجيل المشتريات في السوبر ماركت تشتري زجاجة كبيرة من المياه المعبأة في زجاجات. نعم، تخمينك صائب؛ اشترت السيدة «مياه ينابيع ماين!» لقد نشر مجلس الدفاع عن الموارد الوطنية دراسة علمية استغرقت أربع سنوات مفادها أنه ليس بالضرورة أن يكون الماء المعبأ في زجاجات — الذي يباع في الولايات المتحدة — أنظف أو أكثر أمانًا من معظم مياه الصنبور، ولنا أن نتصوَّر أنه لا يوجد مكان يصدق فيه ذلك القول أكثر من كينجفيلد بولاية ماين. إلا أن بعض مسئولي المبيعات والتسويق المهرة تمكنوا من بيع مياه ينابيع ماين لأهل ماين نفسها.
عندما تفكِّر في الأمر، تجد أن بيع المياه في زجاجات إنما هو انقلاب صارخ في المبيعات والتسويق؛ إذ كانت تعبئة المياه موجودة بالكاد قبل ثلاثين عامًا كضرب من الأعمال التجارية في الولايات المتحدة. وبحلول عام ????، أنفق الأمريكيون ما يصل إلى ?? مليار دولار سنويًّا على مياه الينابيع، وهو أكثر مما ينفقونه على أجهزة الآي بود أو تذاكر السينما.19 ومثل الماء العادي، ربما لم يتمتع الإبداع بتسويق تجاري قوي لسنوات عديدة. وربما يَعْنِي ارتباط الإبداع لدى تسويقه بمجموعة من الفنانين — الذين يتعاطون المخدرات ولا يفعلون شيئًا أكثر من مجرد مشاهدة السحاب والتأمل دون فعل — أن الإبداع لم ينل الانتباه الجاد الذي يستحقه. وحتى وقت قريب، كان من الصعب إقناع الشركات باستثمار الأموال في مهارات التفكير الإبداعي بسبب الاعتقاد بأن ذلك لن ينطوي على أكثر من مجرد ورشة عمل ممتعة لا علاقة لها بالعمل، أو قضاء يوم مرح بالخارج. أما الآن، على العكس، هناك إقرار بأن التفكير الإبداعي استثمار في المستقبل. وربما ينبغي أن تُستغل المبيعات والتسويق داخليًّا للمساعدة في خلق ثقافة أكثر إيجابية وابتكارًا. إنَّ المياه المعبأة في زجاجات ليست أكثر أمانًا أو أكثر صحة من مياه الصنبور، بل في الواقع وُجد في بعض الحالات أن المياه المعبأة في زجاجات تشتمل على بكتيريا أكثر. لكن أي شخص يختار شراء الماء بدلًا من المشروبات الغازية من آلة البيع الآلية يتخذ خيارًا أكثر حفاظًا على صحته بلا شك، ولكنه يبقى خيارًا غير ضروريٍّ. وفي معظم البلدان المتقدمة، بمقدورك إحضار زجاجة مياه من المنزل. وفي البلدان النامية، يُعد أي مصدر للمياه النظيفة موضع تقدير شديد، لكننا ننسى أن لدينا هذا الخيار متاح بسهولة ومجانًا. فهناك العديد من الذين يضطرون إلى السفر أميالًا كل يوم لجمع المياه النظيفة في دَلْو والعودة بها للمنزل. ولا تكون هذه المياه بالضرورة آمنة أو نظيفة. فإذا كان فريق المبيعات والتسويق المبتكِر استطاع بيع المياه المعبأة في ماين، فربما يمكنهم أن يفكروا في حل المشكلة العالمية للحصول على المياه.
إنَّ الإبداع لديه الفرصة ليزدهر في قسم المبيعات والتسويق. وكيفما كانت بداياته، فإنه قسم يمكن — بل ويجب عليه — أن يَبُثَّ الأمل في الجميع. ويمكنه أن يبدأ بالتأكيد باستخدام المهارات والعملية الإقناعية والمتكاملة لبيع الحاجة إلى الإبداع داخل المؤسسة.
(?-?) موقع الإنقاذ المحتمل السابع: الكافيتريا

لماذا كان ستاربكس بهذا النجاح الكبير عندما بدأ؟ وما السبب في أن العديد من سلاسل المقاهي الأخرى المستقلة حاكت نموذج ستاربكس؟ لأنهم جاءوا بفكرة ثورية في إنشاء المقاهي وكأنها غرف معيشة مفتوحة. فلقد أعادوا إنشاء بيئة المنزل بتصميم مكان يمكنك فيه الجلوس والاسترخاء والقراءة وتصفح الإنترنت والاسترخاء أثناء محادثات طويلة مع الأصدقاء في مكان مريح وغير رسمي.
لقد رأى العديد من الناس أن مشاهدة أفلام الفيديو في المنزل بدلًا من الذهاب إلى السينما كانت نهاية حقبة، والآن يجري إحياء الاهتمام بالذهاب إلى السينما. وبنفس الطريقة، كان هناك انبعاث لثقافة المقهى المجتمعي؛ إذ سُميت شركة لويدز لندن في الأصل تيمنًا باسم مقهًى في حينه. وكذلك حل العالمان رفيعا الشأن روبرت هوك وإدموند هيلي مشكلات علمية عصيبة معًا على إبريق من القهوة الطازجة.20 وبالمثل يجري الآن إعادة هذه الثقافة مرة أخرى للمؤسسات. ففي المبنى الإداري الجديد وان رافلز كواي بسنغافورة، حيث تقع مكاتب بنك باركليز، تَمَّ تصميم ساحة كافيتريا فاخرة للموظفين وضيوفهم للتواصل. وتقدمت شركة إلكترونيك آرتس في سنغافورة بخطوة من خلال إضافة غرفة ألعاب تشجِّع الناس على اللعب معًا، بما فيها شبكة كرة السلة وألعاب فيديو. بطبيعة الحال، سوف تفشل الكافيتريا في توفير بيئة للتفكير المتفتِّح إذا نُظر إليها على أنها مجرد موقع آخر لمواصلة العمل. لقد قمنا بترسيخ الاعتقاد الخاطئ الذي يُفِيد بأننا كلما عملنا أكثر، أصبحنا أكثر إنتاجية. ولكن في بعض الأحيان، لا تتحرر عقولنا لتُتاح لها الفرصة للإبداع إلا عندما تتوقف أذهاننا عن العمل. نعم، قد تكون الكافيتريات مكانًا لطيفًا لمواصلة العمل، في ظل الاستمتاع بتغيير المشهد، ولكن ينبغي أيضًا أن تكون أماكن تتيح التواصل مع الآخرين وأخذ استراحة كاملة عن العمل في منتصف يوم حافل. ولذا علينا أن نصنع «فرصًا هادفة» كل يوم (في رأي دي بونو) لإعطاء عقولنا الفرصة للتجول بحرية، والكافيتريا قد تكون هي المكان المثالي لهذا الغرض.
(?-?) موقع الإنقاذ المحتمل الثامن: قاعة المحاضرات

حين تقضي أربع ساعات يوميًّا في المشي في منطقة حرب عصابات خطيرة وتضاريس وعرة للذهاب إلى المدرسة، لا بدَّ إذن أنك جادٌّ بشأن التعلُّم. لقد قضينا بعض الوقت نُدرِّس التعلم والتنمية على جزيرة كبيرة في وسط الفلبين. وخلال فترة وجودنا هناك أجرينا مقابلات مع أطفال المدارس الفقراء الذين كانوا يفعلون ذلك من أجل التعلم. ولم نرَ قَطُّ طلابًا أكثر يقظة وحماسة أو أكثر تعطشًا للتعلم منهم. وعلى الرغم من التحديات، أو ربما — للدقة — بسببها، كان لديهم امتنان نادرًا ما تراه في الأطفال من المناطق الأكثر ترفًا. فهؤلاء الأطفال قَدَّرُوا فرصة التعلم وفرصة تحسين حياتهم خلال التعليم، على النقيض تمامًا من الموقف اللامبالي اللاحماسي أو حتى العدائي للعديد من الأطفال الذين عملنا معهم سابقًا.
بعد قرابة أربعة عشر عامًا من الدراسة، يحصل أطفالنا على المكانة والدرجات المناسبة التي من المفترض أن تعكس مستوى ذكائهم وقدراتهم. وفي الوقت الذي يلتحقون فيه بمجال العمل، سيرى الكثير منهم أن التعلم والتنمية عملية روتينية سوف يطلبها منهم قسم الموارد البشرية و/أو التدريب. فقد يُقَدِّرُ البعض هذا بصفته جزءًا من النمو والتنمية الشخصية؛ والبعض الآخر قد يَتَهَكَّمُ من جدواه والغرض منه. وبحلول الوقت الذي نَعْقِدُ فيه ورش عمل للمؤسسات، نجد أحيانًا أن ??? من جهودنا يجب أن تُوَجَّهَ نحو تطوير الامتنان للعملية التعليمية. إننا نكافح باستمرار في مواجهة المشكلة التي يشعر الكثير من الناس أنها ببساطة لا تستحق أن تأخذ وقتًا من أجل التنمية الشخصية أو الجماعية. فالمشاركون يجلسون في ورشة عمل قلقين من العمل الذي سيتراكم في صندوق الوارد. والأسوأ أن البعض يستمر في فحص بريدهم الإلكتروني ومكالماتهم الميدانية خلال اليوم باستخدام الأجهزة الإلكترونية الصغيرة المحمولة.
متى غيَّرت المؤسسات من نفسها باستمرار من خلال تيسير فرص التعلُّم بذكاء، استفاد الأفراد وازدهرت المؤسسات. فالمؤسسات التي تتعلم وتتغير أسرع من مثيلاتها سيظل نشاطها قائمًا على نحو أفضل في أوقات التغيير. ومن ناحية أخرى، فالمؤسسات التي تحاصرها أنماط عقلية راسخة تَعْجِزُ عن تعلُّم المرونة سوف تتعثر لا محالة.21 إنَّ المخترع هو شخص لم يتخذ تعليمه بجدية مبالَغ فيها.22 فبينما يُعَدُّ الرسوب في الامتحانات دلالة على أنك دون المستوى في النظام التعليمي وقد يَعْنِي أنه نهاية الطريق بالنسبة لك، فإنه يجب أن يتعلم المخترعون أن يفشلوا مرارًا وتكرارًا، ويؤمنوا بأن ما يفعلونه لا يزال ذا قيمة وجديرًا بالاهتمام. وفي نظام التعليم، قد يتطلَّب الأمر رسوبًا واحدًا فقط بعد سلسلة من النجاحات لتُنبذ خارج النظام، لكن يتطلب الأمر من المخترع نجاحًا واحدًا بعد سلسلة من الإخفاقات لتحقيق نتيجة إيجابية. فالفشل بذكاء — أي التعلُّم من النكسات والنمو بسببها — هو أهم مهارات البقاء؛ إذ يحفز الناس على التعلم ونشر التفكير الإبداعي للحياة. (?-?) موقع الإنقاذ المحتمل التاسع: الملعب

مما لا شكَّ فيه أن شركة جوجل تأتي على رأس قائمة «أفضل أماكن العمل». وبالإضافة إلى الساعات المخصصة للموظفين التي يستطيعون تكريسها لمساعي التفكير الإبداعي، تقدم شركة جوجل أيضًا مميزات عظيمة مثل الوجبات المجانية والكشف المجاني. فمكتب جوجل في سيليكون فالي ليس مجرد مكان رائع للعمل به، لكنه أيضًا مكان رائع للعب!23 ففي ظل وجود حمام سباحة، وملاعب الكرة الطائرة الشاطئية، وطاولات الفوسبول، وألعاب الفيديو، وطاولات البلياردو، وتنس الطاولة، وهوكي الانزلاق مرتين في الأسبوع في موقف للسيارات، يتساءل المرء متى يجد الموظفون الوقت للقيام بعملهم «الجاد». لا عجب إذن أن تتلقى شركة جوجل قرابة ???? سيرة ذاتية كل يوم.24 إنَّ اللعب الحر يخلق حالة ذهنية من الممكن خلالها أن تشعر بالاطمئنان لأن تكتشف الأفكار دون قيود. والآباء الذين يحاولون زيادة فرص تعليم أبنائهم لأقصى حد، عن طريق تنقُّلِهم بين عدد لا يُحْصَى من أنشطة ما بعد المدرسة وتخطيط جداول دراسة صارمة، قد يكونون فعلًا عرضة لخطر إخماد الشِّقِّ الإبداعي والابتكاري في عقولهم، بينما يناضل الأطفال المُنْهَكُون لإنهاء يومهم. ولذا فاللعب الحر — كما ذكرنا — هو أحد القنوات اللازمة لتحويل موارد المخ من التعامل مع وظائف البقاء الأولية حتى يتمكَّن من تحقيق التفكير الإبداعي. وإذا لم يتحقق التفكير الإبداعي بانتظام، فلا يمكن أن تنشأ مسارات قوية في المخ، وتضمر القدرة على التفكير بإبداع.
ربما يشكو البعض من عدم وجود مساحة في محل عملهم للعب، لكن اللعب يمكن أن يكون حالة ذهنية أو توجهًا. فالعقل المبدع لا يُمَيِّزُ بين الواقع والخيال، لذلك فإن التمرين الذهني هو وسيلة قوية لِلَّعِبِ بِغَضِّ النظر عن المكان الذي تكون فيه، وهو بلا شك يرفع من الْحَالَة الْمَعْنَوِيَّة.
قضى العالم السلوكي جاك ستوستر وقتًا في القارة القطبية الجنوبية للبحث عن كيفية استمرارية تحفيز الفرق المعزولة. وكانت نتائج أبحاثه ستُطبق على الفرق المعزولة في مجموعة متنوعة من البيئات، بما في ذلك المحطات الفضائية. فاكتشف ستوستر أن البيئة المادية تحدث فرقًا كبيرًا في معنويات الفريق في هذه الحالات، وصولًا إلى تفاصيل محددة مثل لون الجدران. وكما يقول: «إن الباحثين اكتشفوا أنه كلما كان العمل أقل مَغْزًى، ينبغي أن تزيد العناصر الجمالية ذات القيمة. وللمفارقة، يمكن أن يتحمل الناس ويعملوا في ظل ظروف مذهلة، ولكن البيئة الجيِّدة تُعَزِّزُ بلا شك فرص النجاح.»25 ربما لا تمتلك القدرة على تغيير العديد من خصائص بيئة العمل الخاصة بك، ولكن يمكنك على الأقل التأكُّد من أن مساحة العمل وهؤلاء الذين قد تكون ذا تأثير عليهم يساعدون على التفكير الإبداعي ولهم تأثير إيجابي على الروح المعنوية. قد لا يكون مشروعًا يهدف لإنقاذ العالم، ولا يستطيع كل شخص بناء ملعب لجعل العمل أكثر متعة، ولكن يمكننا جميعًا أن نكون مسئولين بطريقة ما للمساعدة في بناء بيئة مرحة تتسم بالإبداع. ويمكننا أن نبدأ بتقدير كيف يمكن لحالة العقل المرحة أن تُسْهِم بجدية في التنمية الحقيقية.
(?) نقل غرفة النوم لقاعة اجتماعات مجلس الإدارة

هناك خوف شائع من أن الجرائم تقع في الليل أكثر مما تقع في النهار؛ لأن المجرم يُتاح له ستار أكبر في الليل، على الرغم من أن إحصاءات وزارة الداخلية البريطانية تظهر أن معظم المجرمين يحتاجون إلى الضوء ليروا ما يقومون به! وقد يكون من المزعج أن نعلم أن ?? في المائة من عمليات السطو في المملكة المتحدة تحدث عندما يكون المنزل مأهولًا، غالبًا والناس نيام.26 إنَّ قتلة الإبداع في كل مكان حولنا، ويمكنهم أن يفعلوا فعلتهم في أي مكان وفي أي وقت، ولكن أجهزة الإنعاش في مُتَنَاوَلِ اليد أيضًا. ودائمًا ما يكون طاقم الإنقاذ في حالات الطوارئ على أُهْبَة الاستعداد للحضور إلى المكان الذي تشتد الحاجة إليه فيه. وفي الواقع، يُعد الليل هو أحد أكثر الأوقات نشاطًا للإحياء الإبداعي بينما يكون الناس نيامًا. فالنوم فرصة هامة للعقل للتجديد والتعافي من الأنشطة اليومية، وربما ليس من المثير للدهشة أن تحدث خلاله أيضًا التنمية الإبداعية الأكثر عمقًا.
من المتعارف عليه بجلاء أن الحرمان من النوم يمكن أن يضر بالأداء والقدرة على الحكم على الأمور. على سبيل المثال، حينما تظل فئران المختبر مستيقظة لساعات من خلال تزويدها بالأنشطة التحفيزية والألعاب، يَتَبَيَّن أن مجموعات الأعصاب الصغيرة تبدأ في الدخول في حالة شبيهة بحالتها أثناء النوم؛ ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف أدائها وقدرتها على التمييز.27 كما تم ربط قلة النوم بالعدوانية والسلوك الجنسي الشاذ وكذلك الاكتئاب.28 وغالبًا ما يُنْصَح الرياضيون المحترفون بأخذ غفوة قصيرة قبل المنافسة للتأكد من أنهم في أفضل حالاتهم. كما تؤدي قلة النوم المزمنة إلى انخفاض نسبة التمثيل الغذائي للجلوكوز من ?? إلى ?? في المائة، وتقليل الوقت المستغرق في الوصول لحالة الإنهاك بنسبة ???، بالإضافة إلى وقوع هفوات في الانتباه والتفاعل. بينما يُحسِّن النوم الإضافي التوقيتات الدقيقة وزمن الاستجابة والانتباه.29 ومن الفوائد الأخرى لِنَيْلِ قسط جَيِّدٍ من النوم أثناء الليل فقدان الوزن وتحسين صحة القلب. إننا نعلم بالبديهة أن «وقت الراحة والاسترخاء» يحفز الإبداع، وعندما نقترح على الأشخاص أن يناموا في هذا الوقت لمساعدتهم على التوصل إلى حل، فإننا نسمح لتفكيرهم التباعدي بالعمل وإفساح المجال لخيالهم للتنفس. فهو يزيد من المساحة الإجمالية التي تتقبل الأفكار الجديدة في المخ. ويُفْسِح «التفكير الحر» للعقل بأن يَهِيم في مناطق جديدة وأن يعثر على أفكار جديدة؛ ويمكن أن ينزلق العقل في نشاط موجة ألفا في المخ، وفي تللك الأثناء لا يركز بصورة دقيقة. وكما أوضح شيكسنتميهاي: «يأخذ اللاوعي محتوى خط الفكر الواعي، وهناك — بعيدًا عن رقابة الوعي — تُتاح الفرصة للمشكلة العلمية المجردة لتكشف عن نفسها على ما هي عليه.»30 ولسوء الحظ هذه الأيام، ليس هناك إلا القليل جدًّا من الوقت للتفكير الحر، حيث إن وقت معظم الناس مُجَدْوَل ومنظم بدقة. تقول ديردريه باريت، عالمة النفس بجامعة هارفرد إن العقل يستخدم النوم كفرصة لإعادة التشغيل وحل المشكلات. وفي إحدى التجارب، طلبت باريت من تلاميذها التركيز على إحدى مشكلات الواجبات المنزلية كل ليلة قبل أن يخلدوا إلى النوم. وفي نهاية الأسبوع، قال قرابة نصف الطلاب إنهم كان يحلمون بالمشكلة، بينما ذكر نحو ربعهم أنهم «رأوا حلمًا يحتوي على الإجابة». ووفقًا لباريت، فإن العقل يعمل على حل المشكلات عندما نحلم بنفس الطريقة التي يعمل بها على حل المشكلات عندما نكون مستيقظين.31 عندما يُطلب من الناس ذكر أكثر مكان يرغبون في زيارته، لا يقولون «وسط مدينة مزدحمة صاخبة» أو «مكتب في بناية شاهقة»، بل إنهم في معظم الأحيان يذكرون مكانًا هادئًا وسلميًّا يمتاز بالجمال الطبيعي، مثل شاطئ لا يزال محتفظًا ببساطته أو منتجع جبلي. وبالهروب إلى مثل هذا المكان، سواء في الواقع أو ببساطة في مخيلتنا، يمكن أن نستحثَّ حالة الهدوء التي سوف تُعَزِّزُ التفكير الإبداعي. وعن طريق التحول ذهنيًّا إلى حالة «مبتعدة نفسيًّا»، فإننا نَفْصِل أنفسنا عن الضغوط والإجهاد المرتبط بالمكان والزمان الحالي وننفتح على الإبداع. ووفقًا لنظرية «مستوى البناء» المتعلقة بالمسافة النفسية،32 من الممكن خلق نفس الشعور بالابتعاد النفسي ببساطة عن طريق التفكير بطريقة مختلفة حول مشكلة معينة أو أخذ وجهة نظر شخص آخر أو تخيل المسألة غير واقعية أو غير محتملة. وقد وجد فريق في جامعة إنديانا علاقة واضحة بين القدرة على زيادة المسافة النفسية والإبداع، فأثبتوا أن هناك عددًا من الأشياء العملية البسيطة التي يمكننا القيام بها لزيادة الإبداع، بما في ذلك السفر إلى أماكن بعيدة (إما جسديًّا أو ذهنيًّا)، والتفكير في المستقبل البعيد، والتواصل مع الناس الذين لا يشبهوننا، والتفكير في بدائل غير مرجحة للواقع. وقد وُجد أن السفر والعيش في الخارج يرتبطان بالإبداع،33 كما أُشير أيضًا إلى أن مجتمعاتنا العالمية الحديثة — التي تُتِيح التواصل مع طائفة واسعة من العناصر الثقافية (مثل الناس والموسيقى والطعام) — تُقَدِّم لنا فرصًا للتفكير المجرد على نحو أكبر.34 إذا كُنْتَ في هذه المرحلة من حياتك لا تستطيع سوى الحلم برحلة سفر غير معتادة، فقم بإلقاء نظرة حولك. وفي المرة القادمة التي تذهب فيها إلى مطعمك الصيني أو التايلاندي المحلي، خذ بعض الوقت للتحدث مع الموظفين لمعرفة كيف يطهون الطعام وما الذي يجعل حياتهم مختلفة. فجميع المدن بها مناطقها الغنية ثقافيًّا؛ ففي أجزاء معينة من لوس أنجلوس من الممكن أن تتخيَّل أنك في المكسيك أو لندن أو الهند، وفي معظم المدن الكبرى في العالم يمكن أن تذهب إلى الحي الصيني، حيث يمكنك أن تشعر أنك دخلت للتو وسط مدينة شنغهاي. فجميع المدن لديها مناطق التنوع الخاصة بها، وبدلًا من أن نشعر بالخطر من ذلك، تعلمنا تبني التجربة، وخاصة البلدان التي تتفاخر بتنوع الثقافات لديها. وبدلًا من التركيز على الآثار السلبية للمدينة (الضغوط والإجهاد)، يمكنك استخدام الفُرَص التي تخلقها المدينة لتعثر على المسافة النفسية التي تحتاجها لتكون مبدعًا.
وبطبيعة الحال، لا يضمن لك السفر إلى بلد آخر بمفردك أن تكون أكثر انفتاحًا على الأفكار الجديدة. فقد تجد العديد من السياح الأستراليين يسافرون إلى بالي على الخطوط الجوية الخاصة ببلادهم (كانتاس)، ويتناولون الطعام الأسترالي (شرائح اللحم والبازلاء والبطاطس المهروسة)، ويحتسون البيرة الأسترالية في حانات شبيهة بالحانات الأسترالية، بينما يشاهدون مباريات كرة القدم الأسترالية على شاشة التليفزيون، ويُقِيمون في فنادق منعزلة تمامًا عن الخارج وقد أُضفيت عليها الصبغة الغربية. إنَّ هؤلاء السياح ينجحون إلى حد ما في تجاهل الثقافة المحلية تمامًا.
الدرس المستفاد هنا هو أن سعة الأفق حالة ذهنية وليست تابعة للموقع، وسواء أكنت تعيش في منطقة فقيرة في إحدى المدن أم في ضاحية مترفة بجوار شاطئ البحر في «شبه جزيرة منعزلة» في نورث سيدني أو في جزيرة استوائية مذهلة، فإنه يمكنك تعلم تقبل الأفكار وطرق التفكير الجديدة. وبذلك يكون لديك عذرٌ مُبَرِّرٌ لأخذ قيلولة أو الاندماج مع أحلام اليقظة خلال ساعات العمل. ولكن إذا كنت لا تتحمل أن يراك أحد نائمًا أثناء أداء وظيفتك — ولن يقتنع المدير بأنك بذلك تصبح مبدعًا — فحاول على الأقل تغيير البيئة المحيطة بك بطريقة تجعلها تدعم التفكير الإبداعي. اجلب غرفة النوم إلى محل عملك، ثم نَمْ.

الفصل الثامن
النجاح الأبدي … أحقًّا أبدي؟


اختبار الإبداع استعدادًا للتغيير النهائي

قبل بضعة أشهر فقط من اندلاع الأحداث الثورية في مصر، تَجَوَّلَتْ عائلتُنا في ميدان التحرير في القاهرة، سائحين هانئي البال. جَذَبْنَا الانتباه وتلقينا الاهتمام المعتاد بشعرنا الأشقر وما يقابله من توقعات بالحصول على العملة الأجنبية منا بسهولة، وكثيرًا ما ألحَّ علينا البائعون لشراء ساعات مقلَّدَة وتحف مُزَيَّفة، ولكن لم يحدث شيء خارج عن نطاق المألوف في تجربة سفر تقليدية، وعمومًا كنا نشعر بالأمان. بعد ذلك، لم يمضِ وقت طويل حتى اجتاحت الشرق الأوسط موجة عارمة من الإصلاح. فشاعت صور ميدان التحرير تحت الحصار في جميع أنحاء العالم، وما كان مؤخرًا سوقًا مفتوحة آمنة تحول إلى ساحة قتال مسدودة بالمتاريس. وبعد فترة وجيزة من الابتهاج، تسلَّل نفس الظلام الذي سكن البلاد قبل الثورة مرة أخرى إليها مع صعود قوى جديدة.
في أَوْجِ الانتفاضة التي أطاحت بنظام مبارك الذي دام في الحكم لمدة ثلاثين عامًا، كانت المخضرمة الشقراء مراسلة سي بي إس، لارا لوجان، في مركز الاحتفالات في ميدان التحرير. وخلال هذه الفترة حيث كان التاريخ يسطر صفحاته والعالم يشاهد، ذكرت لارا أنها تشعر بالأمان. لكن بعدها بوقت قصير، شابت العدائية الجوَّ العام، وتعامل معها حشد قوي يبلغ عدده مائتي شخص معاملةً عدوانية، فهاجموها بوحشية واعتدوا عليها جنسيًّا.1 عقلية الحشود خطيرة. ويعتقد عالم النفس الاجتماعي سام كين2 أن قتلة العصابات حول العالم يستخدمون لغة التحيُّز والصور النمطية لاستغلال أكثر المشاعر الغريزية لدى الحشود. وبالإضافة إلى ذلك، يحدث شيء آخر أكثر تعقيدًا، وهو أن تفريق المسئولية بين عدد من الناس يجعل تنازل الفرد عن حسه بالقيم ممكنًا. أيبدو هذا السيناريو شبيهًا بأي مكان عملت فيه؟ يقول جوزيف كامبل3 إن تحت قناع العدو نرى أنفسنا في النهاية، ويصبح الوضع خطرًا عندما تستطيع العصابة دفع الحشود إلى هيستريا شعورية يُفقد فيها التواصل الشخصي. قبل أن تستعد لمهاجمة قتلة الإبداع في بيئة العمل أو البيئة المعيشية، وقبل أن تتجمَّع حول زملاء عمل أو مواطنين ساخطين مثلك، ضع في الاعتبار أن هؤلاء القتلة المحتملين ليسوا إلا مشتبهًا بهم (وكلٌّ منهم يعيش داخل كل واحد منا بدرجات متفاوتة). ومن التحقيق في مسرح الجريمة، نعلم أن القضية التي نحقق فيها حقيقية، لكن العوامل التي تتضمنها القضية يمكن أن تكون معقدة بشكل لا يصدق. ولذا يجب على كافة الأفراد تقييم موقفهم الشخصي تقييمًا جادًّا لتحديد قتلة الإبداع دون ملاحقة المعارضين وإلقاء اللوم على عوامل خارجية.
(?) هل يمكن العفو عن القتلة … وهل رجال الإنقاذ أبرياء؟

بقدر ما وصفنا أنماط قتلة الإبداع المشتَبَه بهم وصفًا واضحًا وأبرزناهم سفَّاحين أشرارًا، فإننا نعترف بأننا استخدمنا رخصة إبداعية لإيضاح وجهة نظرنا. إن الأشخاص أو الأنظمة «الأخيار» بطبيعتهم يمكن أن تكون لديهم القدرة على القيام بأشياء مدمرة. وبالمثل، فإن الأشخاص أو الأنظمة «الأشرار» — فيما يبدو — يمتلكون القدرة أيضًا على فعل أشياء بناءة. وهذا الغموض هو في صميم الإبداع. فإذا كنت الآن قادرًا على تَقَبُّلِ هذا المستوى من الغموض، إذن أحسنت؛ فقد تَعَلَّمْتَ بذلك درسًا أساسيًّا. لا يمكنك اختزال قتلة الإبداع إلى أوغاد بسطاء، كما أن هؤلاء القتلة لن تُذكر أسماؤهم على الصفحات الأولى للجرائد وبجوارها كلمة «مطلوبون للعدالة» ونص المكافأة المستحَقَّة مقابل الحصول على أي معلومات عن أماكن تواجدهم أو أي بيانات تؤدي إلى اعتقالهم.
يعتمد استجلاب السلوكيات والسمات الإيجابية على البيئة المُحددة والعقلية التي تَنْشَأُ فيها، وعلى القدرة على التدريس والقيادة بكفاءة. على سبيل المثال، يقوم بعض الأفراد أو الأنظمة التي تبدي سمات التحكم أو البيروقراطية أو الخوف بتضمين هذه السمات بمقادير معتدلة من أجل تحقيق أغراض محددة. وفي كثير من الأحيان، لا يكون أولئك الذين يقمعون التفكير الإبداعي على دراية بتأثير ما يفعلون، بل يكونون على أُهْبَة الاستعداد للتغيير. انظر الآن في بعض الجوانب الإيجابية المحتملة لقائمة «أخطر المطلوبين للعدالة»: التحكم: إنك لا تشاهد قائد فريق الاستجابة للطوارئ في خِضَمِّ حالة الطوارئ يسأل عما إذا كان الفريق يرغب في قضاء بعض الوقت في العصف الذهني. فهناك أوقات لا بد فيها من اتخاذ إجراءات بسرعة وبخبرة، وهذه هي الأوقات التي يُتَطَلَّبُ فيها التحكم.
الخوف: هذا هو أحد أكثر الاستجابات التكيفية لدينا، فالخوف يُبْقِينَا على قيد الحياة. فقط تصبح هذه الاستجابة الفسيولوجية ضارة عندما يتمُّ تطبيقها (أو التلاعب بها) بصورة خاطئة.
الضغط: يمكن أن يكون إيجابيًّا عندما يُعاش باعتباره «إجهادًا مفيدًا». ولقد تبيَّن أنه يمكِّن الناس من تحقيق النجاح رغم التحديات ويمكِّنهم كذلك من التركيز، خاصةً في الأحداث قصيرة الأمد.
العزلة: كُلٌّ منا لديه أداة ترشيح انتقائي تُمَكِّنُنَا من فرز المعلومات الواردة حتى نتمكَّن من التركيز على ما هو ذو قيمة. إذا كان لنا أن نستوعب كل جزء من المعلومات التي نُقَابِلُهَا، فقد نصاب بالجنون! ولذلك فإن العزلة يمكن أن تكون مزية هامة.
اللامُبالاة: إنَّ الأشخاص الذين يرغبون في إيجاد طرق ليكونوا أكثر كفاءة قد يكونون قادرين على توجيه هذا الدافع بطريقة إيجابية. فالعمل لساعات طويلة لا يؤدي بالضرورة إلى المزيد من النجاح أو الإنتاجية. وقد رأينا بالفعل أن أفضل الأفكار الإبداعية تتوارد عندما يكون العقل في حالة استرخاء (مثل النوم أو الاسترخاء العميق). لذلك احرص على ألا تعتبر أن الحاجة إلى الراحة والاسترخاء من علامات اللامبالاة.
التشاؤم: يمكن أن يسخِّر الناس قوة الأفكار السلبية لزيادة ثقتهم بأنفسهم وإحراز تقدم كبير نحو تحقيق الأهداف الشخصية.4 وكما هو مُوَضَّحٌ سابقًا، يُوَضِّحُ التشاؤم الدفاعي القيمة التكيُّفية للتفكير من خلال سيناريوهات أسوأ الحالات والتحرر من القلق لتحفيز وتنفيذ إجراءات فعَّالة.
وكما هو الحال مع العديد من الأشياء في الحياة، لا بدَّ من وجود مستوى توازن، فضلًا عن الحاجة لرؤية الأشياء ببصيرة حتى تعرف أين توجد نقطة التوازن؛ لأن التأرجح بين أقصى حدين من المُرَجَّح أن يأتي بنتائج عكسية. وأحيانًا تكون سمات «القاتل» هي الصفات اليومية التي يمكن استخدامها إما سلبًا وإما إيجابًا. ولكن تَذَكَّرْ أن أحد القرارات الرئيسية في هذا الكتاب هو أنه في الحالات الشديدة من الخوف والتشاؤم والضغط على المدى الطويل، سوف يُستهلَك النطاق الترددي للمخ وتُستنزف الطاقة اللازمة للتفكير الإبداعي.
على الجانب الآخر، قد لا يكون رجال الإنقاذ أبرياء دائمًا كما جعلناهم يبدون. على سبيل المثال، انظر كيف يمكن أن تكون الإيجابية العمياء في درجة خطورة التشاؤم الجبري نفسها؛ حيث إن المتفائلين بلا بصيرة يعجِزون عن اكتشاف المخاطر بسهولة. ولقد أتى المتفائلون والمثاليون بالخراب على مر القرون من خلال الجهل بحقائق الطبيعة البشرية والمجتمع البشري، والآمال الساذجة لما يمكن تغييره.5 بطريقة مماثلة، يمكن أن تؤدي الحرية المفرطة إلى الفوضى، وتأتي الاستقلالية المفرطة بنتائج عكسية للابتكار التعاوني، ولربما تَعْنِي المرونة المفرطة عدم وجود هيكل للنمو المنظم. وكما هو الحال في العديد من المجالات في الحياة، يجب علينا وضع حدود ومبادئ توجيهية واضحة من أجل التنمية الإبداعية البناءة. (?) طرفا الإبداع

ماذا عن الإبداع نفسه؟ ربما لا يكون الضحية البريئة التي صورناها؛ فربما يكون لديه تحديات شخصية خاصة به …
بينما كُنَّا نُفكر في هذا الفصل الأخير، احتاج كالن إلى المساعدة في إتمام واجب دراسي عن فنانين مشاهير، وقد أذهَلَنا الجانب السلبي للعبقرية الإبداعية؛ إذ اختار كالن للتركيز على لوحة لفان جوخ رسمها بنفسه بعد أن قطع أذنه بنفسه، وهذا انعكاس للذات ليس شديد الإيجابية لفرد مبدع ومُعَذَّب (وهناك، بالطبع، العديد من الأمثلة الأخرى على ذلك.) أظهر هذا الواجب الدراسي البسيط لنا — أكثر من غيره — المصاعب التي يمكن أن تصاحب العبقرية الإبداعية. ففي حين أننا قد نُعْجَبُ بما حققه المبدعون الاستثنائيون، فإنه من المهم أن ندرك أن العديد من العباقرة المبدعين هم في الواقع نفوس معذبة. وحساسيتهم الشعورية وشغفهم غالبًا ما يكونان مفرطين بدرجة تصيب حياتهم بالخلل الوظيفي العميق بل وتُشكلها عن طريق الصعاب المستمرة المتواصلة. وبالنسبة للبعض، في الواقع، يبدو أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين العبقرية الإبداعية والجنون.
ليس من الصعب رؤية أن العديد من العباقرة المبدعين يحملون عناصر من الجنون ويتميزون بالصفات أو السلوكيات التي تصدم الآخرين لغرابتها. انظر إلى الأمثلة التالية:6 كان ألبرت أينشتاين يلتقط أعقاب السجائر من الشارع ليجمع التبغ لغليونه.
قضى هوارد هيوز أيامًا كاملة في منطقة خالية من الجراثيم بناها بنفسه في وسط جناحه بفندق بيفرلي هيلز.
اعتقد الموسيقار روبرت شومان أن بيتهوفن أخرج مؤلفاته الموسيقية.
أحب سلفادور دالي الاحتفاظ بحيوانات أليفة غريبة.
أظهر مايكل جاكسون هوسًا غير طبيعي بالجراحات التجميلية.
عُرف ستيف جوبز بهوسه ببعض الأشياء بطرق عدة، بما في ذلك النظام الغذائي.
على مرِّ التاريخ، كثيرًا ما تعرَّض العباقرة للاضطهاد، على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص غير التقليديين كانت أمامهم الفرصة لتقديم مساهمات عظيمة للعلوم والمجتمع في عصورهم التنويرية.7 وفي الواقع، ربما يمكن أن يرتبط الإبداع والغرابة بيولوجيًّا ارتباطًا وثيقًا. فيقول البعض إن هناك أدلة على أن الصفتين هما نتيجة لتغيرات جينية تزيد من إزالة التثبيط المعرفي؛ أي فشل المخ في ترشيح المعلومات الغريبة.8 فحينما تصل المعلومات غير المرشحة إلى الوعي الإدراكي في عقول الناس ذوي الذكاء الشديد، وتكون لديهم القدرة على معالجة تلك المعلومات دون أن يشعروا بالارتباك، يمكن أن يؤدي ذلك إلى رؤًى استثنائية. كما أن بعض السمات الإدراكية الأخرى — مثل القدرة على عقد صلات غير عادية أو غريبة — تجدها منتشرة بين المصابين بالفصام والأشخاص الأصحاء المبدعين إلى حد بعيد الذين ينالون درجات مرتفعة في اختبارات التفكير التباعدي، تمامًا مثل المصابين بالأمراض العقلية. ومن المثير للاهتمام أن كلًّا من المجموعتين تتشابهان في وجود كثافة أقل في مستقبلات الدوبامين دي? في المِهاد البَصَرِيِّ بخلاف عامة الناس. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الارتباط والعلاقة السببية. وحول هذه النتائج الجديدة،9 يقترح دكتور فريدريك أولين — من معهد كارولنسكا في ستوكهولم — أنه: «يمكن أن يتيسَّر التفكير خارج الصندوق خلال وجود صندوق أقل كفاءة.» ففي المرحلة التي لا يستطيع فيها الصندوق دعم الأداء السليم تتوارد أفكار رائعة. أما وقد عرضنا كل خصائص شخصيات قتلة الإبداع في هذا الكتاب، فلنذهب إلى ذكر شيء لم يُذكر من قبل؛ ولنتأمل لدقيقة فكرة أن يكون للإبداع ذاته سمات سلوكية فريدة من نوعها.10 إذا كان لنا أن نَصِفَ الإبداع بأنه نمط شخصية، فقد يسعنا القول إذن إن هناك جانبين مختلفين في شخصيته: أحدهما مستكشفٌ سريع الخطى نشيط، والآخر فنانٌ أبطأ وتيرةً؛ شديد التأمل. إنَّ الاضطراب ثنائي القطب (المعروف أيضًا باسم الاكتئاب الهوسي) يشتمل أيضًا من جانب على حالة محمومة مشابهة من الهوس — يمكن أن تتضمن لحظات إدراك مثيرة ومفاجئة — ومن جانب آخر على حالة اكتئاب أخف وطأة؛ يمكن أن تحمل في طياتها بصائر شعورية عميقة. ففي حالة الاضطراب ثنائي القطب، تفتح حالة الهوس المجال أمام التفكير الإبداعي عبر السماح للفرد بالإيمان بأنه ليست هناك حدود. ومثل الحالة الإبداعية النشطة، تكون حالة الهوس متأهبة جسديًّا وقادرة على الاستجابة بسرعة (وأحيانًا بطيش) عبر قدر من التغيرات (الشعورية والإدراكية والسلوكية على سبيل المثال). أما حالة الاكتئاب — على النقيض — فيمكنها أيضًا أن تحفز البصيرة الإبداعية من خلال تمكين الفرد من الوصول لجانبه الشعوري العميق. (في حالة الاكتئاب السريري للأسف، يكون لفترات الكآبة قوة مؤثرة ومدمرة على حد سواء من حيث المهارات). ويمكن أن يعبِّر الإبداع عن نفسه بأيٍّ من هاتين الطريقتين. ولعلنا نفتح المجال لأنفسنا أمام المستكشف والفنان عبر تعلُّم استخدام قدرتنا على التفكير الإبداعي، فنتوصل إلى مهارات ومشاعر أكثر عمقًا مما قد نصل إليه بأي طريق آخر.11 هذا لا يعني بالطبع أن الإبداع يساوي الجنون، وأنت بالتأكيد ليس عليك أن تكون مجنونًا حتى تكون مبدعًا. تذكر أن ?? بالمائة من بيننا يستوفون معايير الاضطرابات النفسية الشديدة في مرحلة ما في حياتهم؛ لذا هناك وقت يعبر فيه الكثير منا حدود ما هو «طبيعي». ولعل الإبداع يظهر أحيانًا بطرق غير اعتيادية، لكن الإبداع في حد ذاته ليس صفة إيجابية ولا سلبية. إنه ببساطة ما هو عليه. والفكرة هي أننا علينا استخدام الإبداع بطريقة بناءة، مع استغلال كل ما يمكننا أن نستغله من جانبي شخصيته التأملي والنشط بتوازن.
فكِّر في أهمية الانفتاح بحق على مشاعرنا وعواطفنا الدفينة. وتأمل كيف يمكننا التواصل مع المشاعر العميقة التي تجلب على حياتنا شغفًا ومعنًى، عَبْر التعامل مع عواطفنا الدفينة والاستجابة لها، ما يُمَكِّننا ربما من إشعال حس التواصل والهدف. وبالتأكيد هذا شكل من أشكال التحرر الجديرة بالسعي وراءها على الرغم من التحديات المحتملة.
(?) اللعب بالنار والمزيد من الابتكارات الهدامة

من المشاهد الغريبة جدًّا التي نراها عند القيادة في المناطق النائية في أستراليا رؤية رجال الإطفاء مع قاذفات اللهب بدلًا من خراطيم المياه. لماذا يُضْرِم عمال الطوارئ هؤلاء النيران في الأدغال بدلًا من إطفاء الحرائق، كما تتوقع منهم أن يفعلوا؟ السبب هو أنهم يعرفون سرًّا تعلموه من أهل البلاد الأصليين في أستراليا، وهو أمر قد عرفه السكان الأصليون لآلاف السنين. تحتاج الأدغال الأسترالية للتجديد بانتظام. فالحريق المتعمد يساعد على حماية المناطق المأهولة بالسكان عبر الحد من تراكم الوقود بطريقة محكمة، وحرق الأدغال يشجع أيضًا على تجديدها على المدى الطويل. فبعد الحريق، تنبت الأشجار والشجيرات الأصلية نباتات وبراعم جديدة، وتنمو من جديد أكثر سمكًا وصلابة مما كانت عليه. لكن لا بدَّ من تقييم ممارسة الحرائق المتعمدة في سياق دورة الحياة الكاملة للأدغال. فدون هذا الحريق، لا يزدهر الموطن الطبيعي.
إنَّ جلب الإبداع إلى حياتك أو مؤسستك يشبه الإجراءات الوقائية التي يتخذها رجال الإطفاء الأستراليون. وحريق الغابات المتعمد ربما يُعَدُّ نوعًا من جرائم الحريق العمد (إذ يسبب الدمار ويخلِّف الخراب) أو عملية إنقاذ استباقية (إذ يؤدي الحريق المتعمَّد المحكم إلى الحماية على المدى الطويل وإلى حياة جديدة في نهاية الأمر). ويُعَدُّ الحريق المُتَعَمَّد تدبيرًا وقائيًّا، فدون الحرق العمد المُنفَّذ بحرص، ستلتهم النيران الشرسة البيئة بلا رحمة في نهاية الأمر.
يمكن مقارنة الحريق المتعمد بما يعرف في علم الاقتصاد السلوكي باسم «الابتكار الهدام»؛ أي التدخل بتصرف ثوري وتخريبي ظاهريًّا، سعيًا وراء هدف أسمى. فقد تكون هناك حاجة إلى إجراء عملية الأرض المحروقة هذه للوصول إلى لُب المشكلة المؤسسية ولتفتيت الأساسات الضعيفة قبل إمكانية إعادة التعمير بطريقة بناءة. لكن بعض المؤسسات قد لا تكون مستعدة لاتخاذ هذه الخطوة. وأحيانًا ما يكون التحول اللازم للابتكار الحقيقي تحديًا شديد القسوة،12 وأحيانًا ما يكون الناس غير مستعدين للجوانب الغامضة الرمادية الضبابية التي ينطوي عليها الإبداع نفسه. فالتشكيك في المعتقدات والأنظمة والعمليات الحالية يمكن أن يكون إجراءً مؤلمًا وقاسيًا، وتعقُّب القتلة المشتَبَه بهم قد يكون أمرًا متواصلًا، ولكنه شر لا بدَّ منه للتوصُّل إلى نتائج إيجابية على المدى الطويل. حتى إن اتفقنا على أن الأفكار الإبداعية الجديدة سوف تُسْفِرُ عن نتائج أفضل وأنها ضرورية للمضي قدمًا، فما عدد الأشخاص الذين سيحفزون مثل هذه العملية الهدامة طوعًا، سواء في حياتهم الخاصة أو في مؤسساتهم؟ وأي قائدٍ يمكن أن يتحمل شن ثورة ابتكارية كبرى عبر تحريك الشركة نحو مرحلة «الحريق المتعمد»؟ مَن على استعداد لهدم شركة لإتاحة المجال لها لتنمو من البداية فتصبح أقوى وأصلب؟ مَن سيبدأ هذا الترميم الهائل مع العلم بأن الفوائد لن تكون محسوسة إلا مع الجيل المقبل، في حين أن الضغط المباشر على الرئيس التنفيذي متمثل في إعداد ميزانية لهذا العام؟ انظر إلى أغلب السياسيين؛ فهم يترددون في القيام بأي شيء يحتمل ألا يكون مرحَّبًا به على المدى القصير، حتى لو كان ذلك يعني أن البلاد سوف تستفيد على المدى الطويل؛ لأنهم لن يخاطروا بخسارة الانتخابات.13 دعنا نقلب الطاولة على الفرضية الرئيسية لهذا الكتاب في تمرين تأملي ممتع، ونفكر في سيناريو «مَن فعلها؟» عكسيًّا. دعونا نتخيل للحظة أن الإبداع هو القاتل المشتبه به وأنه المتهم بتهديد أو قتل القيم الأخرى التي قد تكون أساسية للبقاء، مثل الاستقرار أو الاستمرارية أو طول الأمد. وبعدها يمكننا أن نطرح الأسئلة مثل: «مَن قتل النظام الذي يوفر الاستقرار؟» أو «مَن الذي تحدى الوضع الراهن؟»
يرى جيفري ويست أن عمر الشركة العادية لا يزيد عن أربعين عامًا؛ لأن القادة لا يلمسون الحاجة إلى خوض «الحريق المتعمد» والتجديد أو أنهم لا يريدون المجازفة بخوضه بينما تنمو الشركة وتدر الربح. ووفقًا لويست، فالشركات لا خيار لديها إلا أن «تموت» بطريقة ما كي تبقى بعد دورة النمو والانتكاس الحتمية. ولكن إذا تعاملت مع هذه الحتمية بمهارة، فستستعدُّ لها عبر بدء دورات حياة جديدة تمامًا، من الموت الافتراضي للشركة المبدئية. وعلى الرغم من أن ذلك يمكن أن يمثل لكمة للنظام — مثلما يصدم جهازُ الرجفان القلبَ لإعادته إلى الحياة بما تحمله الكلمة من معنى — فإنه سيعيد البناء من جديد ويُفْسِح المجال أمام بدء حياة منتجة.14 ومثلما يلزم حدوث ذلك على المستوى المؤسسي وعلى نطاق واسع، فيجوز له بل عليه أن يحدث على المستوى الفردي على النطاق الضيق. في القرن التاسع عشر، عندما اكتظت شوارع نيويورك بالعربات التي تجرها الخيول، أصبحت المدينة مهددة بمشكلة ملحة بسبب روث الخيول. وبالفعل كادت المدينة ألا تنجو من هذه الكارثة البيئية، لكنها خرجت من الوحل نتيجة إيجابية؛ إذ أدت هذه الأزمة إلى ضرورة البدء من جديد عبر ابتكار تكنولوجي هائل جديد، وهو الإنتاج الغزير للآلة الجديدة المعروفة آنذاك ? «السيارة». وقد طُرح الابتكار في اللحظة الأخيرة، لكن نتيجة لذلك، كان من المحتمل أن يفقد كل من كان يعمل في مجال العربات التي تجرها الخيول مصدر دخله لو لم يتابعوا هذه التغييرات.15(?) الابتكار أو الموت: العواقب التجارية والاجتماعية للتجديد

إذا لم تكن موجودًا لتشهد تحول نيويورك من عصر العربات التي تجرها الخيول إلى السيارات، أو إذا فاتك التحول إلى الطاقة الكهربية النظيفة نسبيًّا في المنازل بعد عصر حرق الوقود الأحفوري المستنزف — مثل الفحم الذي تسبَّب في تسميم رئات أجيال — ربما تكون لا تزال محظوظًا بالقدر الكافي لتكون شاهدًا على مرحلة تجديد جديدة للحضارة الإنسانية. فشهيتنا النهمة للحصول على أشياء أكثر «على نحو أسرع وأفضل، وبسعر أرخص» تتطلب منا المزيد والمزيد من التفكير الابتكاري.
لذا ما الشكل الذي ستتخذه إعادة ضبط الإبداع التالية؟ إنَّ المشكلة الكبرى الحالية حول الاحتباس الحراري تقدم فرصة كبيرة «لإعادة ضبط الإبداع»؛ إذ تبدو الآن تجسيدًا بارزًا لمبدأ «التصرف أو الموت»، خشية أن يصل بنا المطاف إلى خراب يَبَابٍ على شاكلة ما تَجَسَّدَ في فيلم «ماكس المجنون». وفي مجالات أخرى، نشهد الآن صعود مؤسسات صغرى وبارعة، يمكنها منافسة الشركات الأكبر والأكثر رسوخًا على عدد من الأصعدة. انظر كيف ينال الطفل المبدع الذي يملك جهاز كمبيوتر محمول — ويعمل في مرأبه — احترام المدير التنفيذي الذي كانت له اليد العليا من ذي قبل، بل ويُثِيرُ خوفه في الوقت نفسه.
هناك أيضًا مجال آخر شهد تغييرًا سريعًا، وهو مجال نشر الكتب. إذا كنت تقرأ حاليًّا كتابًا في نسخة مطبوعة، فعليك أن تحافظ عليه؛ فربما يكون الأخير في سلالة قيد الانقراض. لكن الأكثر احتمالًا أن يكون بيدك الآن كتاب تقرؤه في نسخة إلكترونية. فعندما بدأنا في تأليف هذا الكتاب، كانت المكتبات ودور الناشر تعاني من انهيار في المجال الذي يعتمدون عليه، والذي كان في طور عملية الميلاد من جديد ولكن على شبكة الإنترنت (رغم أن الإنكار كان هو الاستجابة الشعورية السائدة كما هو الحال عادةً عند مواجهة احتمالية الموت الجسدي). وكانت إحدى نقاط التحول في ثورة التجديد هذه هي إعلان موقع أمازون في عام ???? أن مبيعات الكتب الإلكترونية قد تجاوزت مبيعات الكتب المطبوعة، وأنهم كانوا يتعاقدون مع المؤلِّفين أنفسهم، مستبعدين ناشري الكتب المطبوعة من الأمر.16 وشهد نفس العام اختفاء سلاسل مكتبات كبيرة من مراكز التسوق المحلية في جميع أنحاء البلاد. لماذا لم تَلْحَقْ هذه المؤسسات بِرِكَاب التحول الابتكاري، ومن ثَمَّ ماتت من الاحتراق غير الخاضع للسيطرة؟ وفقًا لتيم هارفورد:الابتكارات الهدامة هدامة تحديدًا لأن التكنولوجيا الجديدة لا تروق للعملاء التقليديين؛ والمشكلة لدى قادة السوق في التكنولوجيا القديمة ليست بالضرورة أن هذه التكنولوجيا تفتقر إلى القدرة على الابتكار، بل إنها تفتقر إلى الإرادة. وعندما تظهر التكنولوجيا الهدامة، فإنها ربما تربك لاعبًا موجودًا بالفعل في السوق لأن التكنولوجيا ذاتها مختلفة جذريًّا؛ إذ يتجاوز الابتكار — الذي يكون هدامًا على نحو كافٍ — تقريبًا كُلَّ أولئك المهمين بالشركة: باختصار، فإن كل من هو ذو ثقل بالشركة سوف يفقد منصبه إذا شاع الابتكار الهدام داخل تلك الشركة، وسواء بوعي أم بغير وعي، سيحرص أولئك في الغالب على ألا يَشِيع. ونتيجة لذلك، ربما تجد الشركة نفسها في ورطة خطيرة، بل وربما تموت.17 شركة لونلي بلانيت هي مثال لناشر استطاع التكيف مع العصر الرقمي واحتياجات المسافرين المتغيرة؛ وقد تَمَكَّنَتْ من ذلك عبر ابتكار جولات صوتية رقمية جديدة وإتاحة إمكانية «الانتقاء والمزج» التي تتيح للعملاء تحميل فصول من الكتب وطبعها.18 أما مكتبة إنديجو — أكبر مكتبات كندا — فتروِّج للكتب على أنها «أسلوب حياة» وليست مُنْتَجًا، وتَبِيع الهدايا ولُعَبَ الأطفال وألعاب الفيديو والموسيقى وطعام الذوَاقة بل وحتى الأزهار إلى جانب كتبهم. فهي مثال لمكتبة معاصرة مستقلة تستغلُّ حب الناس للكتب ورغبتهم في تقديم الهدايا الجميلة. بالإضافة إلى ذك، بينما تَحَطَّمَ واحترق المساعد الرقمي الشخصي نيوتن الذي أنتجته شركة أبل، ظهر من أنقاضه الآي باد، والكيندل، وأجهزة القراءة الإلكترونية المحمولة الأخرى. إنَّ العديد من المؤسسات التي تعمل في مجال الترفيه — والتي تكافح من أجل البقاء إثر التغيرات التكنولوجية السريعة — تستخدم التفكير الإبداعي لتوليد حلول ذكية. على سبيل المثال، كثيرًا ما كانت تُقلَّد العلامات التجارية الناجحة للملابس قبل أن تصبح قرصنة الموسيقى والبرامج التليفزيونية مشكلة خطيرة. وفي أسواق بالي — ولعديدٍ من السنوات — كافحت شركات ملابس رياضة التزلج على الماء كي تنافس البضائع المقلدة الرخيصة التي كانت تُباع في كل زاوية في الشارع؛ إذ كانت كل سلعة مقلدة تباع بحفنة قليلة من الدولارات وتجذب السياح الراغبين في اقتناص صفقة سريعة بجزء ضئيل من تكلفتها الطبيعي أَيَّمَا انجذاب. نتيجة لذلك، تَوَصَّلَ صاحب إحدى أكبر العلامات التجارية لملابس التزلج على الماء إلى وسيلة بارعة للتعامل مع هذه المشكلة. فبعد أن توصل إلى هوية أكبر المذنبين في سوق الملابس المقلدة الرخيصة، عرض عليهم فرصة الحصول على ترخيص العلامة التجارية الأصلية وتمثيلها في بالي. وفي المقابل، تعهَّدوا بأن تظل العلامات التجارية المزيفة مشكلة قائمة. ففي حين أنه لم يكن لدى أصحاب العلامات التجارية الكبرى القدرة على السيطرة على ما كان يحدث في الأسواق المحلية وفي شوارع كوتا، تمتع السكان المحليون بهذه القدرة. وكان النجاح السريع لهذه الترتيبات مذهلًا.
وما نشهده اليوم ليس دورة طبيعية ومذهلة للنمو والوفاة فحسب، بل هو نموذج تجديد أصبحت فيه المخاطر أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى. وعلى التفكير الإبداعي أن يُطبق لحل مشكلات العالم، وليس لمجرد بيع المزيد من المنتجات وكسب المزيد من الأموال، وزيادة الدخل الفردي على نحو ضخم، ودعم دورة الرأسمالية المحدودة. وبقوة الأفراد، يستطيع القيام بذلك كلُّ مَن أدرك أنه قادر على صنع مستقبله بيديه. وفي ظل سهولة اندلاع ثورة الابتكار بلا قيود، سيتسع نطاقها وستصبح أكثر انتشارًا من أي شيء سبقها. كما ستكون اختبارًا لمدى استعدادنا للتعرف على الاحتياجات المحددة في هذه العملية التمكينية الجديدة والاستجابة لها بإبداع.
(?) حتمية التغيير والتغلب على الصعاب المستقبلية بطريقة بناءة

التغيير حتمي؛ ودائمًا ما ستكون هناك صعاب جديدة علينا تَخَطِّيهَا، وسنحتاج دائمًا إلى الابتكار كي نتغلب على هذه الصعاب التي تواصل ظهورها بحجم متزايد. والابتكار ليس صالحًا ولا خبيثًا؛ فما هو إلا ابتكار. فإما سنشارك بإيجابية في العملية وإما لا؛ ولذا فالأمر متروك لنا لنقرر إن كنا سنمثل جزءًا إيجابيًّا من العملية أم سنصبح ضحاياه قَلِيلِي الحظ.
سيتحتَّم على المؤسسات أيضًا أن تُدْرِكَ أثر هذا الابتكار على مستقبلها. إن لم يخرج الإبداع من المؤسسة، فسوف ينبع من الناس، وإن لم تقدر المؤسسة على التغيير فستُصبح بائدة. أمَّا «الإبداع الهدام»، فسيظهر بمساعدة من المؤسسة أو موافقتها أو بدونهما. وسوف يبتكر العملاء بمساعدة أو من تلقاء أنفسهم. لقد بدأ الناس تنزيل البرامج التليفزيونية ليس لأنهم بالضرورة يستمتعون بتصرفهم بشكل غير قانوني، لكن ببساطة لأنهم لا يريدون أن يُملى عليهم ما يشاهدونه ووقت مشاهدته. ففي النهاية، إنَّ الصبي المراهق الذي ينزل — على نحو غير قانوني — آخر البرامج التليفزيونية من موقع ذا بايريت باي باستخدام برنامج يو تورنت، غالبًا ما سيفضِّل تحميله من موقع محطة إيه بي سي التليفزيونية بدون فيروسات وبجودة عالية الوضوح. وحتى إن اضطروا إلى تحمُّل الإعلانات التقليدية، فسيكون ذلك أفضل من اضطرارهم إلى تحمُّل شريط الإعلان عن المواقع الإباحية التي تصاحب صفحات يو تورنت، وكذلك أفضل مما إذا حدث ونقروا بالصدفة على زر «تحميل» الخاطئ!
وترى باتريشيا بي سيبولد أن: «العملاء قد بسطوا سيطرتهم؛ فتسوُّقهم الجامح القائم على المقارنات يؤدي إلى تآكل هوامش أرباحك. وسلوكهم المتمرِّد يتحدى نماذج أعمالك ويُعَرِّض ملكيتك الفكرية للخطر. وتوقعاتهم الملحة حول منتجات مصمَّمة حسب الطلب، وتجارب مذهلة، ومستويات خدمة عالية، تستنزف مواردك. إنَّ إصرار العملاء على سهولة الوصول إلى ما يريدون دون معوقات يهدد سياسات عملك ويتحدى عملياتك التجارية غير المرنة.»19 لأن الابتكار ينشأ عن التوتر الهيكلي بين واقع الأمور والشكل الذي نتخيَّلها عليه، فإن الفجوة بين ما يستطيع الناس فعله اليوم وما يريدون أن يتمكَّنوا من فعله تقود التغيير إلى ما هو أبعد من توقعات أيِّ شخص. ولذا سوف يتحتم اتخاذ خطوات استباقية للتعامل مع تغير المناخ بدلًا من انتظار الطبيعة الأم لِتُجْرِيَ إعادة ضبط حتميَّة للبيئة. وبدلًا من صناعة المنتجات أو تقديم الخدمات للعملاء، سيتعيَّن على المؤسسات أن تتعلم إتاحة المجال للعميل لتحديد الابتكار وتحفيزه.
حتى التغييرات البسيطة وُجد أنها تُحَقِّقُ فرقًا كبيرًا. تأمل «الكافيتريا دون الصواني» التي تُطبق في بعض الجامعات بالولايات المتحدة. فبمجرد الكَفِّ عن استخدام الصواني، أهدرت كميات أقل من الطعام، واستُخدمت كميات أقل من المياه والطاقة في التنظيف، ونتجت كميات أقل من الفضلات ومياه الصرف، واستهلكت كميات أقل من الطعام، وكلها فوائد إيجابية. فقبل تطبيق هذا النظام لأول مرة في قاعات الطعام بجامعة نبراسكا، لوحظ أن الطلاب بددوا ???? رطلٍ من الطعام الصلب، و??? رطلٍ من السوائل و?? رطلًا من الورق في غضون خمس ساعات فقط. وقد أظهرت الدراسات أن برامج تناول الطعام بدون صواني يحد من تبديد الطعام بنسبة من ?? إلى ?? في المائة للشخص الواحد.20 وفي مجال بيع الملابس بالتجزئة الذي يواجه صعوبات الآن، على تجار التجزئة المنافسة مع المتسوقين معدومي الضمير الذين يقيسون الملابس للتأكد من أنها مقاسهم ثم يتحقَّقُون من أفضل الأسعار على الإنترنت عبر هواتفهم الذكية. وتتعامل بعض المتاجر مع هذا الأمر بفرض رسوم لقياس المعروضات، بقيمة ?? دولارًا لأحذية التزلج، و??? دولار لفستان الزفاف! وبينما وجدت العديد من الشركات أنها تتكبَّد الكثير بسبب هذه الرسوم التي أتت كرد فعل، بدأت متاجر — مثل ماير — عملية «الحريق العمد» الاستباقية مستجيبةً إلى «الابتكارات الهدامة» عبر تأسيس متاجرهم الخاصة على شبكة الإنترنت بالخارج (في هونج كونج) لتثبيت أقدامهم في مدخل سوق الإنترنت المتنامية أسرع فأسرع.
وتقول سيبولد إنه بدلًا من افتراض أن المؤسسة بها «الخبراء» الذين هم أكثر ذكاءً من عملائها — وهو لم يعد الحال دومًا — ستنفتح المؤسسات الذكية على مساهمات العملاء أو الزبائن وستقدِّرها. وجرت التقاليد على أن تُشيَّد المؤسسة على أنها هي المختصة، وأن تُصمم المنتجات لِتَوَقُّعِ ما قد يرغبه العميل. وبعدها يعمل فريق التسويق على بيع هذا المنتج عبر خلق حاجة فعلية له. واليوم — رغم ذلك — أصبحت المنتجات أكثر ملاءمة للمستخدمين وأكثر صلة بهم، كما أنها تَبِيع نفسها إلى حد بعيد، من خلال البدء اعتمادًا على مساهمات العملاء. ويرى البعض أن هذه إحدى الاختلافات الجوهرية بين مايكروسوفت وأبل؛ فمايكروسوفت ركزت الابتكار حول منتجاتها، بينما ركزت أبل الابتكار حول عملائها.
على سبيل المثال، تخطَّت أبل الحدود الإلزامية المعتادة لمنحنى البُعدية عبر إتاحة المجال للجميع لتصميم تطبيقات جديدة لأجهزة آيفون أو الآي باد التي تُنْتِجُها. أَدَّى هذا إلى زيادة القوى العاملة لديها بأكثر من ??? ألف شخص بدون أَيٍّ من التكاليف أو الالتزامات المقترنة بها! ومثَّل تحولًا كاملًا من الطريقة التي كان يُفرَّق بها بين أبل ومايكروسوفت من قبل. فقد أسست مايكروسوفت أولًا نظامًا مفتوحًا جعل من الممكن استخدام منتجاتها مع أي جهاز، بينما بقيت أبل مقيدة، لكن الآن قلبت أبل الطاولة بهذه الفرصة من أجل الاستخدام المفتوح. وما قد يدل عليه هذا هو أن المؤسسات القادرة على توسيع نطاق استخدام منتجاتها تتحرر أكثر لتصبح أكثر إبداعًا، وهذه هي المؤسسات التي ستفوز في نهاية المطاف.
ربما حان الوقت الآن للبدء من جديد ولإتاحة المجال للإبداع لإيجاد طرق جديدة أفضل نحو النمو. ومثلما كانت هناك طرق قليلة للتغلب على الصعاب الحالية بأمان — مع ضمان أنك لن تسقط سقوطًا حرًّا فتنهار أو تنزلق بلا سيطرة على منحنيات العمل الحادة — قدمنا لك في هذا القسم بعض المناهج لتجتاز التغيرات التي سيأتي بها المستقبل. ومثل المتزلج الذي يَبْرَعُ في الخروج عن المسارات، يمكنك تمرين عقلك وممارسة مهاراتك الشخصية لتتعلم أن تستجيب بسرعة وبخبرة لأي عقبات خفية. ومثل أولئك الذين ينزلون من على الارتفاعات عن طريق سلسلة من المراحل التي يتمكَّنون من قطعها بعد التخطيط لها، يمكنك أن تخصص وقتًا لمواجهة التحديات المحددة، ببطء وبعناية، وخطوة بخطوة، مع إبقاء مداركك منفتحة لاحتمالات إبداعية جديدة، في الوقت الذي ستدخل فيه الابتكارات العملية إلى فريقك ومؤسستك.
(?) كيف يمكن لسكان مقلب النفايات بالمكسيك أن ينقذوا الكوكب؟

إذا كان هناك مكان للتخلِّي عن الأمل في الحضارة، فإنه سيكون في ضواحي واحدة من أكبر المدن في العالم وأكثرها تلوثًا، في منطقة من أفقر المناطق على وجه الأرض. فلا تزال لدينا صورة واضحة في مخيلتنا لطفلين يبلغان من العمر تسعة أعوام يطيِّران طائرات ورقية مصنوعة في المنزل ويجريان بأسرع ما يمكنهما. ترتفع الطائرات الورقية إلى أربعة أمتار فوق رءوسنا قبل هبوطها فجأة على كومة من القمامة النتنة. ولكنها لم تكن مجرد كومة منزوية من القمامة، بل كان هذا التل جزءًا صغيرًا من جبل ضخم من القمامة التي امتدت على مد البصر بما لا يقل عن ميل أو ميلين في كل اتجاه. وجبل القمامة هذا — دائم الاحتراق داخليًّا — هو موطن لمجتمع كامل من الناس الذين يُفَتِّشُون فيه عن بقايا طعام ويجمعون المواد القابلة للتدوير لبيعها. المئات من الناس يعيشون هناك في بيوت أنشئت على عجالة بطريقة بدائية من قطع القصدير والخشب؛ أشخاص انتقلوا من الريف بحثًا عن عمل، أشخاص مروا بأوقات عصيبة. وهذا ليس أكثر من واحد من أربعة مجتمعات من جبال القمامة التي تطوق مدينة مكسيكو سيتي، وتُؤْوِي فعليًّا آلاف الفقراء (لمشاهدة مقابلة بالفيديو مع الأطفال، ادخل على www.whokilledcreativity.com). لأول مرة في التاريخ، يعيش الناس الآن بعدد أكبر في المدن عنه في المناطق الريفية. ومع سباقنا نحو المستقبل ستستمر وتيرة التمدن في الازدياد. وسوف تنتقل مليارات أخرى من الناس إلى المدن خلال هذا القرن، وأثناء ذلك، ستستمر هذه المجتمعات الهامشية في النمو والتطور. فضخامة التغييرات وسرعتها لا تسمح للمخططين وواضعي السياسات بالاستجابة بالطريقة المناسبة.21 فالجانب السلبي من التمدن ليس حتميًّا، وسيكون هناك سباق بين النمو السيني الذي يمكن أن يؤدي إلى إعادة ضبط لا مَفَرَّ منها وموت محتمل ونشأة جديدة من التدخل الإبداعي والتجديد المتعمَّد (الحريق المتعمَّد). وبقدر ما يبدو مقلب القمامة بمدينة مكسيكو سيتي مكانًا محبطًا للغاية، فإننا وجدناه مجتمعًا نابضًا بالحياة به أشخاص ذوو عزم وابتسامات ساحرة وروح إيجابية. كانت منازلهم مشيدة على طول شوارع نظيفة، قُطعت عبر أكوام القمامة وكانت تُكنس بعناية كل يوم لإعطاء بعض مظاهر النظام وسط الفوضى. أمَّا «الحدائق» الصغيرة (وكانت شتلات نباتية تعاني داخل علب صدئة قديمة، وبرطمانات صلصة زجاجية قديمة ملونة، وداخل إطارات)، فجسَّدت روح الأمل والمرح الإبداعيين للمجتمع. ورغم أن الأطفال كانوا يعملون بكد كلَّ يوم في جمع المواد القابلة للتدوير للمساهمة في دخل الأسرة، كان أيضًا لديهم الوقت للعب، والإبداع. فصنعوا طائراتهم الورقية من البلاستيك والعصي المهملة، وصنعوا ألعابهم المبتكرة من الدُّمَى التي نبذها الأطفال الأثرياء، فجمعوا الأجزاء والقطع الصغيرة التي وجدها الأطفال الآخرون عديمة الفائدة. فمن العدم — ربما لأنهم لم يملكوا شيئًا — تَحَلَّوْا بالاختراع والابتكار. وبدلًا من مشاهدة القصص الجاهزة على التليفزيون واللعب بالدُّمَى الجاهزة، بدءوا من الصفر، واستخدموا خيالهم لخلق ما لم يكن لديهم.
لقد أمعنا التفكُّر مليًّا في المفارقة التي انطوى عليها الموقف؛ فما كان هناك مكان أبعد ما يكون عن هذا المجتمع من منطقة نورذرن بيتشيز الرغدة في سيدني التي أتينا منها، والتي يشكو فيها الأطفال من الشعور بالملل وعدم وجود شيء ليفعلوه رغم إمكانية حصولهم على أي عدد من الأدوات الجاهزة والألعاب ووسائل التسلية. كان المجتمع المكسيكي أبعدَ ما يكون أيضًا عن فِرْدَوْسِنَا في بالي، حيث أدت القوى الخارجية القوية إلى موت الشاطئ البسيط وفقدان البراءة الإبداعية وزوال الروح الإبداعية في المجتمع القروي. لقد وجدنا خلاصة التفكير الإبداعي المبتكر في آخر الأماكن غير المتوقعة. وأدركنا في ذلك اليوم مدى أهمية اكتشاف العقلية — بل والتعلم منها — التي مَكَّنَتْ هؤلاء الذين لا يمتلكون أي وسائل من بناء شيء من العدم، والتَّحَلِّي بالأمل المستمر في مستقبل أفضل.
ليس على مدننا وحضاراتنا أن تموت، وعلينا ألا ندع الإبداع يقضي نَحْبَه. وفي أثناء سباقنا نحو المستقبل، علينا أن نُحَفِّزَ تبادل الأفكار بدءًا من الطبقات العليا عند مكتب الرئيس التنفيذي ونزولًا إلى مقلب القمامة ثم الصعود مرة أخرى. قد يبدو الوضع مجنونًا للغاية، لكن التطبيق الذكي للإبداع يضمن أنه سيواصل انبعاثه في المزيد من الأماكن الملهمة، في ظل وجود صلات أفضل من أجل النمو المتواصل الإيجابي.
كلما دُمر الإبداع ينبعث مرة أخرى في آخر الأماكن غير المتوقعة، حتى في حطام حضارتنا التي يتصاعد منها الدخان، مثل طائر العنقاء بَرَّاق اللون الخرافي الذي ينبعث من الرماد. فكلٌّ منا لديه القدرة على صناعة شيء رائع من الأشياء التي أُعطيت إلينا. فسواء الأطفال الذين صنعوا الطائرات الورقية ليطيروها فوق مقلب القمامة الذي هو بيتهم، أو معلم المدرسة الذي يُلْهِم تلاميذه لاستكشاف أفكار جديدة، أو موظفو المكاتب الذين يخلقون مصادر إبداعهم في مقارِّ عملهم غير الملهمة، أو القائد الذي بإمكانه أن يغير الشركة بأكملها، فكلٌّ منا لديه مهاراته الفريدة التي يظهرها وأشياء مُمَيَّزة ليقدمها.
عندما نبدأ العمل بهذه الطريقة، فإننا نُضعف قوة قتلة الإبداع ونبثُّ الحياة في العملية الإبداعية؛ مما يساعد على جعل العالم مكانًا أفضل. ونأمل أن تكون قد تلقيت الإلهام لتفتح آفاقك العقلية للبدء بهذه العملية وأن تجد وسيلةً لتقدم بها مساهمتك الإيجابية.

الفصل التاسع
تنفيذ خطة الإنقاذ


حل اللغز

في اليوم الأخير من امتحانات زوي النهائية في المدرسة، عَبَرَت ابنتنا فِنَاء المدرسة يعتريها شعور حاد بالانكسار. فرغم أنها بذلت قصارى جهدها في المذاكرة، شعرت أنها رسبت في الامتحانات التي قضت ثلاثة عشر عامًا للاستعداد لها. كانت قد خاضت ببسالة خمسة امتحانات، مدة كل منها ثلاث ساعات، تقدمت لها على مدار ثلاثة أيام، ولكنها انهارت في النهاية عندما زادت حدة القلق والغثيان الساحقين. فبكت طوال الاختبارين الأخيرين وأصيب وجهها بالاحمرار والانتفاخ نتيجةً لبكائها، لكنها لم تُعِر اهتمامًا لما يظنه الآخرون. كانت منهكة جدًّا لدرجة أنها لم تهتم بما قاله أي شخص.
وعندما كانت زوي في منتصف ساحة الملعب، أوقفها على الفور صوت مألوف جدًّا يدوي من ورائها: «آنسة، أين زيك المدرسي المناسب!» كان مدير المدرسة، الذي كان يخرج من عرينه بين الفينة والأخرى كي يتصيد الطلاب الغافلين ممن تجرءوا على التعبير عن قدر قليل من الاستقلالية، أو هكذا بدا الأمر. وبعد تَلَقِّيهَا التوبيخ وذرفها للدموع مرة أخرى، غادرت المدرسة في ذلك اليوم للمرة الأخيرة، وشعرت براحة شديدة بأنها لن تضطر للعودة إليها.
بطريقة ما، استنفد النظام المدرسي ثقة زوي مع الوقت، فأنقص منها حتى أصبحت مجرد ظل لما كانت عليه قبل المدرسة. وبعد أن كافحت طوال هذه الأعوام في المدرسة، كان النظام هو الذي خذلها فيما يبدو. كانت طفلة تتسم بالإبداع والذكاء الجلي، واحتلت مكانًا وسط أعلى خمسة بالمائة من الأطفال في عمرها في الاستنتاج اللفظي، لكن معاناتها مع عسر القراءة البصرية صعَّب عليها «الفهم السليم» والشعور بأنها كانت قادرة على «الإنجاز». فذكَّرناها بأن والدها قد رسب في المدرسة ولكن بعد ذلك كان النجاح حليفه في الحياة بطرق عدة (بما في ذلك الحصول على درجات امتياز عالية في الجامعة). وهي أيضًا كان لديها القدرة على النجاح، ولكن مع انخفاض ثقتها بنفسها صَعُبَ إقناعها بذلك. وعند مواجهة زوي لمستقبلها، كان عليها جمع شتات نفسها والبدء في الإيمان بقدراتها مرة أخرى، وبقدرتها على تقديم مساهمة قَيِّمَة للمجتمع. كان علينا أن نقنعها بالتفكير بإبداع وإيجاد طرق لإعادة تحفيز شغفها وخيالها. ولكن كان ذلك بالطبع درسًا يصعب تعلمه.
في الأسبوع التالي ليومها الأخير المشئوم في المدرسة، وُلِدت زوي من جديد. فمع حرية زوي المكتشَفَة حديثًا، أُزِيلَتْ سحابة ضخمة من عقلها وبدأت في تَخَيُّلِ الهيئة التي يمكن أن تُصبح عليها حياتها. فبدأت في إحداث تغييرات جذرية. في ذلك الأسبوع، صَمَّمَتْ مقطع فيديو موسيقيًّا لأحد أصدقائها، وخططت للسفر إلى أوروبا، ونظمت عيد ميلادها الثامن عشر، وحضَّرت نفسها لمقابلة في الجامعة، وتسوقت من أجل وليمة إبداعية وطهتها. ووضعت لنفسها أهدافًا ذات خطط عمل قابلة للتحقيق، اشتملت على إيجاد طرق للحصول على وظيفة، والبحث عن فرص للعمل التطوعي، وقراءة الكتب، واستكمال دروس التصوير الفوتوغرافي … من بين العديد من الأفكار الأخرى. وشعرت أنها حققت في ذلك الأسبوع أكثر مما حققته في السنة التي تسبقه بأكملها، كما شعرت بمساهمتها وتَمَكُّنِها بشكل مذهل في هذه العملية. فعلى حين غِرة انفتح العالم على مصراعيه أمامها!
يقضي أطفال المدارس والبالغون الذين يعملون في المدرسة أو العمل وقتًا أكثر مما يقضونه في أي مكان آخر. وضمان وجود بيئة إيجابية للنمو هو ضرورة أخلاقية واقتصادية على حد سواء. فإذا كان من يقود المؤسسات يُحْسِنون دعم الأفراد والفِرَق التي تعمل بها ويتحققون باستمرار من أن هناك عملية متواصلة من التجديد مبنية على مبادئ النمو الصلبة الإيجابية، فسنتمكَّن من خلق مستويات أعلى بكثير من المشاركة والثقة الإبداعية، والتي تعني المكسب للجميع.1 في هذا القسم الأخير من الكتاب، نُلَخِّصُ بالرسم البياني كل ما نوقش حتى الآن لمساعدتك على تجميع الصورة. وهنا يمكنك أن ترى منذ النظرة الأولى الصلات والعلاقات بين قتلة التفكير الإبداعي ومنقذيه. ونحن على يقين بأنه سيساعدكم على تجهيزكم لمواجهة التحديات الشخصية والمؤسسية التي تواجهونها ولتكونوا استباقيين.
(?) تجريد القتلة من أسلحتهم

مقابل كل قاتل منقذ، ومقابل كل وسيلة تدمير استراتيجية مقابلة للنمو الإيجابي. وجدول ?-? سيساعدك على رؤية الصورة الكاملة في السياق، ويُرْفِقُ حلًّا مقابلًا لكل مشكلات الإبداع المحتملة التي قد تواجهها أنت أو فريقك أو مؤسستك. جدول ?-?: نموذج دورة حياة التفكير الإبداعي — الموت والإحياء.
?موت التفكير الإبداعي: مراحل الانتكاسإنقاذ التفكير الإبداعي: مراحل الإحياء?عملية القتلسلاح القتل?عملية الإنقاذاستراتيجية الإنقاذالمرحلة الأولىالقمع التحرر?استخدام التحكم والخوف لتقييد التفكير المنفتحالحرية والشجاعة للتقدم للأمام والتفكير بحرية?التحكمالإرغام الساحقالحرية(?) زرع الفضول?الخوفالإرهاب المطبقالشجاعة(?) تقبل الغموضالمرحلة الثانيةالتقييد المبادرة?استخدام الضغط والعزل لتقييد الأفكارالاستقلالية وتفتح الذهن للتخلص من الضغوط وتحقيق النمو?الضغطالإجهاد الخانقالاستقلالية(?) إطلاق العنان للخيال?العزلالانحياز الصارمتفتح الذهن(?) استخدام شِقَّي المخالمرحلة الثالثةالتدهور التحفيز?تثبيط النمو بسبب اللامبالاةالشغف لإحداث التحول?اللامبالاةالخمول الفتَّاكالشغف(?) إعادة صياغة المفاهيم الشائعةالمرحلة الرابعةالتدمير التحول?ضيق الأفق والتشاؤم المدمرانالمرونة والإيجابية لإجراء تغييرات حقيقية?ضيق الأفقالتعصب العنيدالمرونة(?) استكشاف مسارات مختلفة?التشاؤمالسلبيَّة الخبيثةالإيجابية(?) تَبَنِّي التفاؤل
أين من المحتمل أن ترى الأخطار والعقبات المحتملة في طريق التفكير الإبداعي أمامك أو أمام فريقك أو مؤسستك؟
(?) الدورة الكاملة: النموذج الكامل لدورة حياة التفكير الإبداعي

عند كل مرحلة يمكن فيها إخماد الإبداع، هناك فرصة لإنقاذه. ونحن على يقين بأنك الآن أفضل إعدادًا لفهم الخيارات التي تواجهها في كل مرحلة ولكي تختار المسارات التي سوف تُلْهِم النمو الإبداعي. ويقدم الشكل ?-? تمثيلًا مرئيًّا لمسار النمو هذا. هل تستطيع أن ترى أين يمكنك إيجاد فرص لتغيير مسارك أو مسار مؤسستك؟ شكل ?-?: نموذج دورة حياة التفكير الإبداعي — المسار نحو النمو.
تطبيق استراتيجيات التفكير الإبداعي السبع: دراسة حالة

تأسست بروكتر وجامبل (بي آند جي) — وهي واحدة من أكثر شركات العالم نجاحًا وابتكارًا — في أبريل ???? باندماج شركة تعمل بمجال تصنيع الشموع لوليم بروكتر وشركة تعمل بمجال تصنيع الصابون لجيمس جامبل. ومعًا، أنشآ متجرًا في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو، التي أطلقا عليها اسم «مدينة الخنازير» لأن الشموع والصابون كانت تُصنع من بقايا دهون الخنازير.
تحدت شركة بي آند جي دورة النمو والموت التي تَمُرُّ بالشركات العادية بأن استمر بقاؤها لما يقرب من ??? عام. وفي عام ????، تَمَّ التصويت عليها كإحدى الشركات الأكثر إبداعًا وابتكارًا في العالم. وتُعرف بي آند جي بأنها إحدى الشركات القائدة في مجال التصنيع التي تُرَكِّزُ على الابتكار ومشاركة المعارف والكفاءات المحسنة وخفض التكاليف وميزة الريادة؛ أي تركز على الحصول على أفكار جديدة بدءًا من تصورها وحتى عرضها على الأَرْفُفِ. والشركة هي المسوق الأجنبي الأكثر نجاحًا في الصين من حيث الحصة السوقية.
إذا أوضحنا مسار رحلة بي آند جي خلال استراتيجيات التفكير الإبداعي السبع، يمكننا أن نرى كيف يعمل هذا النموذج عند التنفيذ. فهذا النموذج، بالإضافة إلى التمارين العملية من حلقاتنا الدراسية، ساعد العديد من العملاء في اجتياز تحدياتهم، والانتقال إلى مستوًى جديد من القدرة الابتكارية وتوليد أفكار جديدة مذهلة. وقرار بي آند جي الانتقال إلى تلك السوق كان نتيجة لمزيج من الأبحاث الموثقة والحدس وبعضٍ من الحظ، وكل ذلك مدعوم بعقلية متفائلة لكنها أيضًا واقعية، وبثقافة على استعداد للنظر في الأفكار الجديدة الملائمة. ومنذ بداياتها مع الصابون والشموع، لم تَقِفْ بي آند جي في محلها، إذ يشهد على تطورها التفكير الإبداعي والابتكار الذكي حتى أصبحت واحدة من أكثر الشركات إثارةً للإعجاب في العالم.
تأمل كيف تُطبَّق الاستراتيجيات عمليًّا في دراسة الحالة المعروضة لشركة بي آند جي كما هو مُبَيَّن في الجدول ?-?.2،?3جدول ?-?: تطبيق استراتيجيات التفكير الإبداعي السبع: دراسة حالة بي آند جي:* اقتحام الصين.
المرحلة الأولى: التحرر: التقدم للأمام والتفكير بحريةالاعتبارات الرئيسيةإجراءات بي آند جيالتحكمإتاحة المجال أمام فرص جديدة للسوقهل ستخمد الأنظمة الأفكار الجديدة والتحول في نهاية الأمر أم ستدعمها؟• قبل عام ????، كان ضربًا من المستحيل لشركة أجنبية أن تعمل في الصين بسبب القيود الصارمة، لكن عندما فُتحت قنوات جديدة في عام ???? رأت بي آند جي احتمالات جديدة.هل تأسست بيئة ديمقراطية؟• كان في الصين تعداد كبير من سكان الريف الذين ظلوا فقراء بالمعايير الغربية، وقُوًى عاملة اعتادت على نظام «وعاء الأرز الحديدي» المتعلق بالملكية الحكومية.هل هناك ما يكفي من الحرية للأفكار كي تزدهر؟• قبل بدء بي آند جي البيع فعليًّا بسنتين إلى ثلاث سنوات، قَدَّمَتْ نفسها إلى السلطات السياسية والشعب وأرسلت فريقًا إلى حقل العمل لاستشعار كيف سيكون العمل بالصين. الحريةاستخدام الأسئلة لتحديد الاحتياجات والخيارات الحقيقيةالاستراتيجية الأولى: غرس الفضول.• بالنسبة لبي آند جي، كان السؤال الأول عن كيفية اقتحام السوق الاستهلاكية في البلدان النامية الكبرى مثل الهند والصين.حدد أفضل الأسئلة التي ستُطْرَح لتحديد الاحتياجات وإتاحة الفرص على أفضل نحو ممكن.• بطرح الأسئلة لتحديد الاحتياجات الحقيقية، تحولت بي آند جي عن الرغبة في تقديم منظفات الغسيل نحو إدراك أن إطلاق الشامبو سيكون خيارًا أفضل. فلم يكن هناك أحد في الصين مهتمًّا بالعلامات التجارية باهظة الثمن الخاصة بمساحيق الغسيل!?• في عام ????، استخدمت بي آند جي استطلاعات الرأي السوقية لتكتشف أن سوق الشامبو في الصين كان شبه معدوم، حتى في المناطق الحضرية. ولم يتعرف المستهلكون إلا على عدد قليل من العلامات التجارية المحلية، بينما في المناطق الريفية كان البعض ما زال يشتري الشامبو عن طريق غَرْفِهِ من أحواض في متاجر البيع بالتجزئة المملوكة للدولة. وكثير من الرجال ما زالوا يغسلون شعرهم بالصابون.?«على مدار عدة أعوام، على المرء أن يتخيَّل كيف سارت عملية طرح خمسة أسئلة ثم طرح خمسة أخرى ثم طرح خمسة أخرى حتى يظن المرء أن الموضوع صار سخيفًا، ثم طرح المزيد من الأسئلة. ثق في العملية؛ فهذه الأسئلة قد تكون «الشعلة» التي تقودك إلى سبل مختلفة لتناول المشكلة.»†الخوفالتعامل مباشرةً مع تحدي جلب منتجات فائقة الجودة لسوق منخفضة الدخلهل هناك عناصر غير معروفة يجب تناولها؟• في نموذج يسمى «خدمة فقراء العالم: الابتكار في قاعدة الهرم الاقتصادي»، يُحَدِّدُ أندرسون أربع نقاط:هل هناك بيئة آمنة تدعم الفشل المحتمل؟الوعي: في حالة بي آند جي، كان على مسئوليها أن يكونوا على بينة من ثلاث قضايا غامضة.هل وُضعت الحدود بدقة؟القدرة المالية: هل يمكن خدمة المستهلكين ذوي الدخل المنخفض بشكل مربح؟ كيف تبيع لهذه السوق بنجاح؟?استخدام المنتجات: كيف يمكن للمستهلكين ذوي الدخل المنخفض استخدام المنتجات باهظة الثمن عادةً؟?الإتاحة: كيف يمكن ضمان حصول المستهلكين ذوي الدخل المنخفض على هذه المنتجات باستمرار وكلما احتاجوها؟ الشجاعةدراسة مَنْظُورَي التكاليف وحماية المنتج والعثور على سبل لدمجهماالاستراتيجية الثانية: تقبُّل الغموض.• كيف يمكنك تغيير المنتج وجعله معقول الثمن دون أن يكون رخيصًا؟ كيف تجعله في المتناول دون أن تفقد ربحيته وسمعته؟حَدِّد الصراعات والتحديات وجوانب الغموض المحتملة، وحَدِّد كيفية فهمها ودمجها حيثما كان ذلك مناسبًا أو التعامل معها بشكل ملائم.• لتتجنب بي آند جي المزاحمة الذاتية بينما توسِّع من العلامة التجارية (بإطلاق علامة تجارية أخرى تابعة لها)، قررت الشركة التركيز على حصة المنتجات؛ كيفية بيع المزيد دون تقليل الثمن.المرحلة الثانية: المبادرة: التخلص من الضغوط وتحقيق النموالضغطمنح الثقة لدراسة كل الاحتمالات بالنهج المختارهل وُضعت توقعات واقعية؟• استُثمر قدر كبير من الوقت والطاقة والمال في هذا المشروع، ومن ثَمَّ فإن فريق بي آند جي شعر بالضغط بالتأكيد من أجل التوصل إلى حل ناجح.هل يشعر الأفراد بالاسترخاء والاستعداد؟• على الرغم من أن فريق بي آند جي قد انتابه القلق على أرض الواقع بأن بيع الشامبو فائق الجودة كان على وشك أن يصبح تحديًا صعبًا، منحتهم القيادة العليا الثقة للتمسك به ودراسة جميع الحلول الممكنة.?• عن طريق وضع توقعات قابلة للتحقيق مع توفير تحدٍّ إبداعي، ضمنت القيادة العليا ألا يصبح الضغط مُعَوِّقًا بل فتح المجال أمام البحث والاستكشاف المستقل.?• اكتسب الفريق في مسرح الأحداث الثقة من خلال ما لاقوه من دعم. الاستقلاليةاستكشاف جميع السبل الممكنة لإنجاح فكرة الشامبوالاستراتيجية الثالثة: إطلاق العنان للخيال.كان فريق بي آند جي يستكشف الأفكار بحرية في هذه المرحلة، من خلال التخطيط الذهني مثلًا لاقتفاء أثر مختلف الأفكار المتشعبة من الفكرة الأساسية مثل:اعصف الذهن بالأفكار بحرية دون تَحَيُّز أو إصدار أحكام.• إعادة النظر في المنتج/التكلفة > أين ننتجه؟?• التسعير > المواد الخام?• الجودة > تغيير التركيبةالعزلتفتح الذهن على الرؤى «العاطفية» وكذلك «الإدراكية»هل مصادر المعلومات غير متحيِّزة؟• كان أكثر تركيز فريق بي آند جي في المراحل الأولى على نهج «الشِّقِّ الأيسر من المخ» المنطقي. فدرسوا في البداية الضرورات التجارية الأساسية مثل المنتجات، والجودة، والدعاية والإنتاج.هل هناك تنوع؟• كان على فريق بي آند جي استخدام النهج العاطفي وكذلك النهج الإدراكي لتقدير الأثر الحقيقي الذي ربما يُخَلِّفُهُ تقديم منتجهم.هل هناك انفتاح على الأفكار المختلفة؟? تفتح الذهندراسة تأثير «الناس» وكذلك ضرورات العملالاستراتيجية الرابعة: استخدام شقَّي المخ.كان يجب إضافة ما يلي إلى اعتبارات الشركة:تَنَاوَلْ جانبي الجدال وادرس جميع الرؤى بلا قيود.• ما شعور المستهلك حول التغيير: العديد منهم كانوا يغسلون شعرهم بالصابون، فماذا كان مدى أهمية الحصول على شعر صحي من وجهة نظرهم؟?كيف أرادوا أن يبدوا: كانوا فخورين بالطريقة التي يظهرون بها، ولكن مع ارتفاع الدخل واطلاعهم بصورة أكبر — عن طريق وسائل الإعلام — على مقاييس جمال أعلى، هل كانوا على استعداد وقتئذٍ للإنفاق على هذه المنتجات؟?كان على فريق بي آند جي دراسة احتياجات المستهلكين وأثرها الاجتماعي المحتمل.المرحلة الثالثة: التحفيز: إحداث التحولاللامبالاةخوض التحدي المتمثل في منافسة مبيعات الشامبو الضخمة المعياريةهل المشاركة الكاملة واضحة؟• في مرحلة يمكن فيها الشعور بالاستسلام بسهولة، كان من المهم لبي آند جي أن تخوض التحديات.هل تحددت العقبات أمام التحفيز أو أي نمو محتمل؟• أدرك المسئولون أن المعيار المقبول كان بيع منتج أقل جودة بكميات كبيرة، وهو ما اعتاد فعله مستخدمو الشامبو في الصين. وفي ذلك الوقت، كان منتج الشامبو الوحيد المتاح مادة هلامية تباع في عبوات كبيرة، وكان الناس يأخذون هذه العبوات لإعادة تعبئتها.هل هناك أي سخرية أو تهكم يجب التعامل معهما؟? الشغفتقديم «المفهوم الجديد المعادة صياغته» للشامبو عالي الجودة في أكياس صغيرة معقولة الثمنالاستراتيجية الخامسة: إعادة صياغة المفاهيم الشائعة.• بدلًا من قبول الفكرة المعيارية (وهي المبيعات الضخمة لمنتجات الشامبو الرخيصة) والمقاومة الواضحة للتغيير، نجحت بي آند جي في أن تطرح مفهومًا ثوريًّا ناجحًا، مؤمنةً أنها تستطيع أن تأتي بحلٍّ يُرْضِي جميع الأطراف.تَنَاوَل الرؤى المختلفة وأَعِدْ صياغة الأفكار لتتوصل إلى حلول جديدة ممكنة.• في هذه المرحلة، أدخلت بي آند جي مفهوم الأكياس التي تستخدم مرة واحدة إلى السوق (بدلًا من استخدام الزجاجات التي تبلغ سعتها ??? مل لمرات عديدة).استمر في المثابرة حتى تشعر بالرضا عن أن جميع الحلول قد دُرست.?المرحلة الرابعة: الدافع: إجراء تغييرات حقيقيةضيق الأفقإدراك أهمية توطين المنتجاتأي المسارات التي يجري اتباعها الآن: المسارات المألوفة «المحافظة» أم الأفكار الجديدة المتقدمة؟• كانت الحكمة التقليدية تنصح بتجاهل هذه المجموعة من الأفراد لأنه «ليس هناك أي أموال يمكن الحصول عليها منهم» ولأن «الفقراء ليسوا على وعي بالعلامات التجارية»، ولكن بي آند جي رفضت أن تُقيد بالحكمة السائدة ووجدت حلًّا إيجابيًّا.هل هناك استعداد لتبني الأفكار التي قد لا تتناسب مع آراء «الخبراء» أو التي قد لا تبدو آمنة أو مريحة؟• عندما حان موعد التنفيذ، بدلًا من مجرد نقل المفاهيم السائدة والمجربة مباشرة من الدول الغربية وتطبيقها، أدركت بي آند جي أنها بحاجة إلى توطين منتجاتها في الصين. المرونةتقديم فكرتها الجديدة الناجحة بطريقة تتصل بالصينيينالاستراتيجية السادسة: استكشاف مسارات مختلفة.• يعزو المحللون نجاح بي آند جي في الصين إلى استراتيجيات التوطين. فقد خصصت تعبئة المنتج وتركيبته وحملات الإعلان عنه وفقًا للصينيين لِتُرْضِيَ رغبات السوق الصينية.ادْرُسْ جميع المسارات المختلفة التي قد يلزم اتخاذها للتنفيذ الكامل، ثم اخْتَرْ أفضلها.• لم يكن باحثو بي آند جي راضين بقبول المناهج القياسية المستخدمة بنجاح في بلدانهم، فأدركوا — بدلًا منها — ضرورة التحلي بالمرونة للنظر في الكيفية التي يتم بها قبول المنتجات وبيعها في سياق ثقافي مختلف تمامًا.?• بعد تجريب طرق مختلفة لتوطين المنتج الجديد في الصين، توصل فريق بي آند جي إلى حلول ناجحة ضمنت استيفاء الاحتياجات المحلية.التشاؤمرفض التركيز على السلبيات وبناء أسس إيجابيةهل هناك تركيز على إنجاح الحل وضمان نجاح العملية أم أن هناك تركيزًا على الفشل المحتمل؟• بدأ إنتاج أكياس الشامبو التجارية في عام ???? (بتكلفة ?? سنتًا لكل كيس)، وأصبحت الأكياس نموذجًا عالميًّا لآسيا، وهي تُستخدم الآن في جميع البلدان النامية.هل هناك يقين بالتوصل إلى حل تعاوني يُرْضِي جميع الأطراف في نهاية المطاف؟• أدرك فريق بي آند جي في أبحاثهم أن الناس يصعدون لأعلى سلم الدخل (والجزء السفلي من الهرم آخذ في التقلص). وفي العقود القليلة القادمة، من المتوقع أن يتقلص سوق الدخل شديد الانخفاض بنسبة ?? في المائة، في حين أن سوق الدخول المنخفضة باعتدال سوف تتغير قليلًا، وسيزيد عدد الأثرياء بنسبة ?? في المائة.?• خلافًا للشركات الأخرى في المنطقة، درست بي آند جي أيضًا الاحتياجات الثقافية المحلية وأسست علاقات طويلة الأجل. الإيجابيةالبناء على المدى الطويلالاستراتيجية السابعة: تَبَنِّي التفاؤل• لم تدخل بي آند جي الصين «على اعتبار أنها سوق تغزوها»، لكن باعتبارها فرصة لعقد شراكات جديدة وتطوير قدرات محلية. وتقديرًا لهذا الالتزام، مَنَحَتِ الحكومة الصينية الشركة امتيازات استثنائية.تَأَكَّدْ من أن الحل المختار قائم على قاعدة قوية من القيم ويدعم رؤية واضحة.?أوجد طرقًا لإنجاح الحل المختار عند التطبيق.?إذا كانت هناك مشكلة مع التطبيق، فلا تستسلم؛ كرر المحاولة مرارًا وتكرارًا!?* Peter Pfeiffer, Sven Massen & Ulrich Bombka. ‘Serving the Low-Income Consumer: How to Tackle This Mostly Ignored Market’, A. T. Kearney (www.atkearney.com/index.php/Publications/serving-the-low-income-consumer.html).† More case studies are available at (www.whokilledcreativity.com).
والآن، جرِّب تطبيق هذا المنهج على مشروع محدد أو مشكلة بعينها تواجهها أو تَقِفُ عقبة أمام فريق عملك أو مؤسستك. واستخدم النموذج الموضح في الجدول ?-? ليوجهك خلال المراحل المختلفة، ولضمان أن بوسعك تطبيق الاستراتيجيات السبع التي قدمناها على مدار الكتاب. جدول ?-?: نموذج تطبيق استراتيجيات التفكير الإبداعي السبع.
المشكلة/التحدي: … … … … …
المرحلة الأولى: التحرر: التقدم للأمام والتفكير بحريةالاعتباراتمنهجكالإجراءاتإجراءاتكالتحكم الحرية?هل ستخمد الأنظمة الأفكار الجديدة والتحول في نهاية الأمر أم ستدعمها؟?الاستراتيجية الأولى: غرس الفضول.?هل تأسست بيئة ديمقراطية؟?حدد أفضل الأسئلة التي سُتطرح لتحديد الاحتياجات وإتاحة الفرص على أفضل نحو ممكن.?هل هناك ما يكفي من الحرية للأفكار كي تزدهر؟?اطْرَح الكثير من الأسئلة قدر استطاعتك.?الخوف الشجاعة?هل هناك عناصر غير معروفة يجب تناولها؟?الاستراتيجية الثانية: تقبُّل الغموض.?هل هناك بيئة آمنة تدعم الفشل المحتمل؟?حدد الصراعات والتحديات وجوانب الغموض المحتملة، وحدد كيفية فهمها ودمجها حيثما كان ذلك مناسبًا أو التعامل معها بشكل ملائم.?هل وُضعت الحدود بدقة؟?ابحث عن «الأزواج المتناقضة» ولا تنزعج منها.?المرحلة الثانية: المبادرة: التخلص من الضغوط وتحقيق النموالاعتباراتمنهجكالإجراءاتإجراءاتكالضغط الاستقلالية?هل وُضعت توقعات واقعية؟?الاستراتيجية الثالثة: إطلاق العنان للخيال.?هل يشعر الأفراد بالاسترخاء والاستعداد؟?اعْصِف الذهن بالأفكار بحرية دون تحيز أو إصدار أحكام.?العزل تفتح الذهن?هل مصادر المعلومات غير منحازة؟?الاستراتيجية الرابعة: استخدام شِقَّي المخ.?هل هناك تنوع؟?تَنَاوَلْ جانبي الجدال وادْرُسْ جميع الرؤى بلا قيود.?هل هناك انفتاح على الأفكار المختلفة؟???المرحلة الثالثة: التحفيز: إحداث التحولالاعتباراتمنهجكالإجراءاتإجراءاتكاللامبالاة الشغف?هل المشاركة الكاملة واضحة؟?الاستراتيجية الخامسة: إعادة صياغة المفاهيم الشائعة?هل تحددت العقبات أمام التحفيز أو أَيِّ نمو محتمل؟?تَنَاوَل الرؤى المختلفة وأَعِدْ صياغة الأفكار لتتوصل إلى حلول جديدة ممكنة.?هل هناك أي سخرية أو تهكُّم يجب التعامل معهما؟?ادْمِجِ الأفكار بطريقة ينتج عنها قيمة إضافية (يجب أن تكون القيمة الناتجة أعظم من مجموع الأجزاء معًا.)?المرحلة الرابعة: الدافع: إجراء تغييرات حقيقيةالاعتباراتمنهجكالإجراءاتإجراءاتكضيق الأفق المرونة?أي المسارات التي يجري اتباعها الآن: المسارات المألوفة «المحافظة» أم الأفكار الجديدة المتقدمة؟?الاستراتيجية السادسة: استكشاف مسارات مختلفة.?هل هناك استعداد لِتَبَنِّي الأفكار التي قد لا تتناسب مع آراء «الخبراء» أو التي قد لا تبدو آمنة أو مريحة؟?ادْرُسْ جميع المسارات المختلفة التي قد يلزم اتخاذها للتنفيذ الكامل، ثم اخْتَرْ أفضلها.?التشاؤم الإيجابية?هل هناك تركيز على أن إنجاح الحل وضمان نجاح العملية أم أن هناك تركيزًا على الفشل المحتمل؟?الاستراتيجية السابعة: تبني التفاؤل.?هل هناك يقين بالتوصل إلى حل تعاوني يُرْضِي جميع الأطراف في نهاية المطاف؟?تَأَكَّدْ من أن الحل المختار قائم على قاعدة قوية من القيم ويدعم رؤية واضحة.???أَوْجِدْ طرقًا لإنجاح الحل المختار عند التطبيق.???إذا كانت هناك مشكلة مع التطبيق، فلا تستسلم؛ كرر المحاولة مرارًا وتكرارًا!?

المصادر الرئيسية


(?) الكتب

Abramson, Paul R. & Pinkerton, Steven D. (1995). With Pleasure. New York: Oxford University Press.
Achor, Shawn (2010). The Happiness Advantage. Random House Audio.
Ariely, Dan (2010). Predictably Irrational. Harper Perennial.
Bandiera, Oriana (2001). Private States and the Enforcement of Property Rights: Theory and Evidence on the Origins of the Sicilian Mafia. London School of Economics and Centre for Economic Policy Research.
Belsky, Scott (2011). Making Ideas Happen. Portfolio Trade.
Bernstein, Peter L. (1998). Against the Gods: The Remarkable Story of Risk. New York: John Wiley & Sons.
Carr, Nicholas (June 2010). The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains. New York: W. W. Norton.
Carroll, Brian James (2006). Lead Generation for the Complex Sale. New York: McGraw-Hill.
Chudacoff, Howard P. (2008). Children at Play. New York: New York University Press.
Collins, Jim (2001). Good to Great. London: Random House Business.
Collins, James C. & Porras, Jerry I. (1998). Built to Last. London: Century Business.
Csikszentmihalyi, Mihaly (2002). Flow. London: Rider.
Damasio, A. R. (1994). Descartes’ Error: Emotion, Reason, and the Human Brain. New York: Grosset/Putnam.
De Bono, Edward (2007). Tactics. London: Profile Business.
De Bono, Edward (1993). Serious Creativity. New York: HarperBusiness.
Dyer, Jeffrey H., Gregersen, Hal B. & Christensen, Clayton M. (2011). The Innovator’s DNA: Mastering the Five Skills of Disruptive Innovators. Boston, MA: Harvard Business Press.
Earley, Pete (1993). The Hot House. New York: Bantam Books.
Gladwell, Malcolm (2008). Outliers. New York: Little, Brown and Co.
Gladwell, Malcolm (2007). The Tipping Point. Playaway Audio Books.
Greene, Robert (1998). The 48 Laws of Power. New York: Viking.
Hand, Derrick & Fife-Yeomans, Janet (2008) [2004]. The Coroner: Investigating Sudden Death. Sydney, NSW: Allen & Unwin.
Hansen, Morten T. (2009). Collaboration. Boston, MA: Harvard Business School Press.
Hare, Robert & Babiak, Paul (2006). Snakes in Suits: When Psychopaths Go to Work. New York: HarperCollins.
Harford, Tim (2011). Adapt: Why Success Always Starts with Failure. HighBridge Audio.
Hasselhoff, David (2006). Making Waves—The Autobiography. London: Hodder & Stoughton.
Keen, Sam (2010). In the Absence of God. New York: Harmony.
Land, George & Jarman, Beth (2000). Breakpoint and Beyond. Champaign, IL: HarperBusiness.
Martin, Brian (with contributions from Truda Gray, Hannah Lendon and Steve Wright) (2007). Justice Ignited. Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
Martin, Brian & Wright, Steve. ‘Countershock: Challenging Pushbutton Torture’, author’s prepublication version of chapter 11 in Martin (2007) (www.bmartin.cc/pubs/07ji/ji11.pdf).
Martin, Roger L. (2009). The Design of Business. Boston, MA: Harvard Business School Press.
Mauzy, Jeff & Harriman, Richard A. (2003). Creativity, Inc. Boston, MA: Harvard Business School Press.
Mowatt, Andrew, Corrigan, John & Long, Doug (2010). The Success Zone. Global Publishing Group.
Nordstr?m, K. & Ridderstrale, J. (2002). Funky Business. London: Financial Times/Prentice Hall.
Norem, Julie K. (2001). The Positive Power of Negative Thinking. Cambridge, Mass.: Basic Books.
Oech, Roger von (1990). A Whack on the Side of the Head. New York: Warner Books.
Osborne, David & Gaebler, Ted (1992). Reinventing Government. New York: Plume.
Pedler, M., Burgogyne, J. & Boydell, T. (1997). The Learning Company: A Strategy for Sustainable Development, 2nd edn. London: McGraw-Hill.
Ridley, Matt (1998). The Origins of Virtue. London: Penguin.
Robinson, Ken & Aronica, Lou (2009). Element: How Finding Your Passion Changes Everything. Tantor Media.
Ronson, Jon (2011). The Psychopath Test. New York: Riverhead.
Schein, Edgar H. (2004). Organizational Culture and Leadership. New York: John Wiley & Sons.
Seligman, Martin E. (2006). Learned Optimism: How to Change Your Mind and Your Life. New York: Vintage.
Senge, P.M. (1990). The Fifth Discipline. London: Century Business.
Sieberg, Daniel (2011). The Digital Diet. New York: Three Rivers Press.
Speculand, Robin (2009). Beyond Strategy. New York: John Wiley & Sons.
Stout, Martha (2010). The Sociopath Next Door—The Mask of Sanity. Sextante (www.cassiopaea.com/cassiopaea/psychopath.htm).
Surowiecki, James (2005). The Wisdom of Crowds. London: Abacus.
Suzuki-roshi, Shunryu (1988). Zen Mind, Beginner’s Mind. Audio Literature.
Taleb, Nassim (2001). Fooled by Randomness. New York: John Wiley & Sons.
Tucker, Jonathan B. (2006). War of Nerves: Chemical Warfare from World War I to Al-Queda. New York: Pantheon.
Vaknin, Sam & Rangelovska, Lidija (eds) (2006). Malignant Self Love–Narcissism Revisited. Czech Republic: Narcissus Publications.
Wallis, Malcolm (1989). Bureaucracy. London: Macmillan.
Ward, Vicky (2010). The Devil’s Casino. New York: John Wiley & Sons.
Winston, Robert (2010). Bad Ideas? New York: Bantam Press.
Young, Damon (2008). Distraction. Carlton, Vic.: Melbourne University Publishing.
(?) المقالات والأبحاث

‘A different game: Information is transforming traditional businesses’ (February 2010). Economist (www.economist.com/node/15557465).
Allen, Nick (2009) ‘Burglar with photographic memory admits 500 crimes’. Telegraph (www.telegraph.co.uk/news/uknews/4358671/Burglar-with-photographicmemory-admits-500-crimes.html).
Amabile, Teresa M. (1998). ‘How to Kill Creativity’. Harvard Business Review (http://hbr.org/product/how-to-killcreativity/an/98501-PDF-ENG).
Board, Belinda Jane & Fritzon, Katarina (2005). ‘Disordered personalities at work’. Psychology Crime and Law 11: 17.
Bornstein, Josh (30 August 2011). ‘Time to outlaw toxic bullies in the workplace’. Australian Financial Review (http://afr.com/p/national/work_space/time_to_outlaw_toxic_bullies_Xfa9LfQaUlVv3KjHHzGTrI).
Aberdeen Group (October 2004). ‘Bridging the Divide: Process, Technology, and the Sales/Marketing Interface’. Market Viewpoint 15: 4. Boston, MA: Aberdeen Group.
Brown, Karalyn (2010). ‘Engaging People’. Australian Institute of Management (www.aim.com.au/DisplayStory.asp?ID=746).
Chiu, Randy K. ‘Relationship among Role Conflicts, Role Satisfactions and Life Satisfaction: Evidence from Hong Kong’. Social Behavior and Personality (http://findarticles.com/p/articles/mi_qa3852/is_199801/ai_n8803995).
Dias-Ferreira, E, Sousa, J. C., Melo, I., Morgado, P., Mesquita, A. R., Cerqueira, J. J., Costa, R.M. & Sousa, N. (2009). ‘Chronic Stress Causes Frontostriatal Reorganization and Affects Decision-Making’. Science 325(5940): 621–5.
Dingfelder, Sadie F. (January 2011). ‘Rats to the rescue’. Monitor 42 (www.apa.org/monitor/2011/01/rats.aspx1).
Ericsson, K. Anders, Prietula, Michael J. & Cokely, Edward T. (2007). ‘The Making of an Expert’. Harvard Business Review (http://hbr.org/2007/07/the-making-of-an-expert/ar/1).
Adam Galinsky (2009). ‘Losing Touch Power diminishes perception and perspective’. Kellogg School of Management (http://insight.kellogg.northwestern.edu/index.php/Kellogg/article/losing_touch).
Geddes, Linda (March 2010). ‘A slow mind may nurture more creative ideas’. New Scientist, (www.newscientist.com/article/mg20527535.500-a-slow-mind-may-nurturemore-creative-ideas.html).
Geddes, Linda (May 2009). ‘Creativity chemical favours the smart’. New Scientist (www.newscientist.com/article/mg20227084.300-creativity-chemical-favours-the-smart.html).
Goetzel, R. Z., Anderson, D. R., Whitmer, R. W., Ozminkowski, R. J., Dunn, R. L. & Wasserman, J. (1998). ‘The relationship between modifiable health risks and health care expenditure: An analysis of the multi-employer HERO health risk and cost database’. Journal of Occupational and Environmental Medicine 40: 843–54.
Gratton, Alain (1988). ‘Effects of electrical stimulation of brain reward sites on release of dopamine in rat: An in vivo electrochemical study’. University of Colorado Health Sciences.
Hicks, W.D. & Klimoski, R. J. (1981). ‘The impact of flextime on employee attitudes’. Academy of Management Journal 24: 333–41.
Insel, Thomas R. & Wang, Philip S. (2010). ‘Rethinking Mental Illness & Mental Health vs Mental Disorders’. Journal of the American Medial Association 303(19): 1978-9.
Irvine, Jessica (2011). ‘There’s no time like the present to let yourself go’. Sydney Morning Herald (www.smh.com.au/national/health/theres-no-time-like-the-present-to-let-yourself-go-20110916-1kdwr.html#ixzz1Y9Xqma5C).
Jonge, J., Landsbergis, P. & Vegchel, N. (2005). ‘Occupational Stress in (inter)action: The Interplay between Job Demands and Job Resources’. Journal of Organizational Behavior 26(5): 535–60.
Kets de Vries, Manfred, F. R. (2003). ‘The Dark Side of Leadership’. Business Strategy Review 14(3), Autumn, p. 26.
Knight, Will (22 April 2005). ‘ “Info-mania” dents IQ more than marijuana’. New Scientist (www.newscientist.com/article/dn7298-infomania-dents-iq-more-than-marijuana.html).
Kopelman, R. E., Greenhaus, J. H., & Connolly, T. F. (1983). ‘A model of work, family, and interrole conflict: A construct validation study’. Organizational Behavior and Human Performance 32: 198–215.
Loewenstein, G. & Lerner, J. (2003). ‘The Role of Emotion in Decision Making’, in R. J. Davidson, H. H. Goldsmith & K. R. Scherer (eds), Handbook of Affective Sciences. New York: Oxford University Press.
Showers, Carolin & Ruben, Cherie (1990). ‘Distinguishing defensive pessimism from depression: Negative expectations and positive coping mechanisms’. Cognitive Therapy and Research 14(4): 385–99.
Macknik, Stephen L. & Martinez-Conde, Susana (2010). ‘Sleights of Mind: What the Neuroscience of Magic Reveals about Our Everyday Deceptions’. Scientific American (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=mind-over-magic).
Matthews, Virginia (January 2003). ‘Kill or be killed’. Guardian (www.guardian.co.uk/money/2003/jan/27/careers.jobsadvice1).
Mattice, Catherine & Spitzberg, Brian (2007). ‘Bullies in Business: Self-Reports of Tactics and Motives’. San Diego State University.
McEwen, B. S. (2007). ‘Physiology and neurobiology of stress and adaptation: Central role of the brain’. Physiological Review 87(3): 873–904.
‘Microsoft needs to let staff innovate: Google’ (June 2007). Sydney Morning Herald (www.smh.com.au/news/biztech/microsoft-needs-to-let-staff-innovate-google/2007/06/01/1180205491599.html).
Milner, Peter M. (1991). ‘Brain-stimulation reward: A review’. Canadian Journal of Psychology/Revue canadienne de psychologie 45(1), March, 1–36.
Minkel, J. R. (18 December 2006). ‘Happiness: Good for Creativity, Bad for Single-Minded Focus’. Scientific American (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=happiness-good-for-creativity).
Morello, Carol (January 2010). ‘Results of polls on job satisfaction are at odds’: Conference Board report. Washington Post (www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2010/01/05/AR2010010503977.html).
NIOSH (1999). Stress at Work. U. S. National Institute for Occupational Safety and Health, DHHS. Publication no. 99–101.
Northwestern National Life Insurance Company (1991). ‘Employee burnout: America’s newest epidemic’. Minneapolis, MN: Northwestern National Life Insurance Company.
Omega Foundation (25-26 October 2002). ‘Stun Weapons and Their Effects’. A draft paper to the International Meeting of Experts on Security Equipment and the Prevention of Torture, London.
Princeton Survey Research Associates (1997). ‘Labor day survey: State of workers’. Princeton, NJ: Princeton Survey Research Associates.
Richtel, Matt (2008). ‘Lost in E-Mail, Tech Firms Face Self-Made Beast’. New York Times (www.nytimes.com/2008/06/14/technology/14email.html?pagewanted=all).
Roffey Park Management (2003). Survey of 372 managers in the UK (www.roffeypark.com/SiteCollectionDocuments/Research%20Reports/manag2003.pdf).
Schmidt, Matthias B. & Schwabe, Lars (September 2011). ‘Splintered by stress: The good and bad of psychological pressure’. Scientific American.
Thompson, Clive (October 2003). ‘There’s a Sucker Born in Every Medial Prefrontal Cortex’. New York Times (www.nytimes.com/2003/10/26/magazine/26BRAINS.html?pagewanted=1).
Turner N., Barling J. & Zacharatos, A. (2002). ‘Positive psychology at work’, in C. R. Snyder & S. J. Lopez (eds), Handbook of Positive Psychology (pp. 715–28). New York: Oxford University Press.
Wenner, Melinda (28 January 2009). ‘The Serious Need for Play’. Scientific American.
Zatz, D. A. (1995). ‘Job Involvement and Interrole Conflict’. Doctoral dissertation, Columbia University.
(?) المصادر الإلكترونية

Alfonso, Veronica (2009). ‘Pessimists’ and Optimists’ Reactions to Interruptions on a Creativity Task’ (http://dspace.sunyconnect.suny.edu/handle/1951/44812).
Bronson, Po & Merryman, Ashley (2010). ‘The Creativity Crisis’. Newsweek (www.thedailybeast.com/newsweek/2010/07/10/the-creativity-crisis.html).
Brown, Stuart (2008). ‘Play is more than fun’. TED talks (www.ted.com/talks/stuart_brown_says_play_is_more_than_fun_it_s_vital.html).
Bunce, Jane (May 2011). ‘Cult of Apple: Why the must-have brand triggers brain reaction “similar to religious devotion”’. Mail Online (www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1389256/Apple-brand-triggers-brain-reaction-similar-religious-devotion.html#ixzz1bSMIsZG5).
Carr, Austin (2010). ‘The Most Important Leadership Quality for CEOs? Creativity’. Fast Company (www.fastcompany.com/1648943/Creativity-the-most-important-leadership-quality-for-ceos-study?partner=homepage_newsletter).
Christensen, Clayton M. & Anthony, Scott D. (January 2007). ‘How to Be a Disrupter’. Forbes (www.forbes.com/2007/01/22/leadership-disrupter-christensen-lead-innovation-cx_hc_0122christensen.html).
Cowing, Keith (2003). ‘NASA Responds to the Columbia Accident Report: Farewell to Faster—Better—Cheaper’ (www.spaceref.com/news/viewnews.html?id=864).
‘Emotions Can Negatively Impact Investment Decisions’ (September 2005). Stanford Graduate School of Business (www.gsb.stanford.edu/news/research/finance_shiv_invesmtdecisions.shtml).
Fishburn, Tom (9 January 2011). ‘Blamestorming’ (http://tomfishburne.com/2011/01/blamestorming.html).
Fox, Catherine ‘Workers by design’ (www.afrboss.com.au/magarticle.asp?doc_id=22153&rgid=2&listed_months=0).
Frey, Chuck (September 2002). ‘Are we too busy to think creatively?’ (www.innovationtools.com/Weblog/innovationblog-detail.asp?ArticleID=21).
Grant, Andrew, Grant, Gaia & Gallate, Jason (2011). ‘Who Killed Creativity Survey’ (www.whokilledcreativity.com/survey).
Hanna, Julie (14 May 2008). ‘Getting Down to the Business of Creativity’. Harvard Business School (http://hbswk.hbs.edu/item/5902.html).
Hunt, Jamer (2001). ‘Among Six Types of Failure, Only a Few Help You Innovate’. Fast Company (www.fastcodesign.com/1664360/lets-be-clear-failure-isnt-always-good).
IBM (2010). ‘Global CEO Study: IBM Biennial Global CEO Study Series’, 4th edn (www-03.ibm.com/press/us/en/pressrelease/31670.wss).
‘“Infomania” worse than marijuana’ (22 April 2005), BBC News (http://news.bbc.co.uk/2/hi/uk_news/4471607.stm).
Kennedy, Jessica (2011). ‘Marketing needs to “pull up its socks” to help sales’ (www.bandt.com.au/content/articles/marketing-needs-to--pull-up-its-socks--to-help-sal.aspx).
Lewis, Michael (2008). ‘The End’ (www.portfolio.com/news-markets/national-news/portfolio/2008/11/11/The-End-of-Wall-Streets-Boom).
Lindstrom, Martin (18 May 2011). ‘The Cure for ADD-vertising’. Fast Company (www.fastcompany.com/1753945/the-cure-for-add-vertising?partner=homepage_newsletter).
Major Formula One Technical Innovations (1950–1998) (www.motorsportsetc.com/info/f1_innov.htm).
Mueller, Jennifer S. (2011). ‘Why people desire but reject creative ideas’. University of Pennsylvania (http://digitalcommons.ilr.cornell.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1457&context=articles).
Nader, Ralph (September 2007). ‘Fighting Back Against the Commercialization of Everything Wrapping the World with Advertising’ (http://moderate.wordpress.com/2007/09/03/ralph-nader-wrapping-the-world-with-advertising/).
‘Overcoming Apathy in the Workplace Smart Manager’ (www.smartmanager.com.au/web/au/smartmanager/en/pages/125_apathy.html).
Palmetto Security (www.palmettoalarm.com/crime-statistics.html).
Pink, Daniel H. (2003). ‘How to Make Your Own Luck’. Fast Company (www.fastcompany.com/magazine/72/realitycheck.html).
Potter, Janet (2011). ‘Mad, Mad World: Jon Ronson’s The Psychopath Test’.
(http//:www.themillions.com/2011/05/mad-mad-world-jon-ronsons-the-psychopath-test.html).
‘Prudential sells Egg to Citigroup’ (January 2007) (www.finextra.com/news/fullstory.aspx?newsitemid=16435).
Richards, Laura (2006). ‘Jack the Ripper’s face “revealed”’ (http://news.bbc.co.uk/2/hi/uk_news/6164544.stm).
Richardson, Laura Sergeant (2009). ‘Frog Design: The Four Secrets of Playtime That Foster Creative Kids’ (www.fastcodesign.com/1662826/frog-design-the-four-secrets-of-playtime-that-foster-creative-kids).
Robinson, Joe (February 2010). ‘Tame the E-mail Beast’ (www.entrepreneur.com/magazine/entrepreneur/2010/march/204980.html).
Scott, Duncan (2009). ‘The Edge of the World: How the Rule of Three Can Save F1’ (http://bleacherreport.com/articles/117975-the-edge-of-the-world-how-the-rule-of-three-can-save-f1).
Shaughnessy, Michael F. (2011). ‘An Interview with Jonathan Plucker: Creativity, the Creative Person and the Creative Mind’ (www.creativity.or.kr/bbs/board.php?bo_table=2011_01&wr_id=3).
Stern, Stefan (March 2006). ‘Wake up and smell the coffee on your corporate culture’. Financial Times (www.ft.com/intl/cms/s/1/7ecca3c4-dba7-11db-9233-000b5df10621.html#axzz1badX4FNW).
Subhani, Ayatullah Ja’far, ‘Being Pessimistic about Others’ (www.alhassanain.com/english/articles/articles/ethics_and_supplication/ethics_articles/being_pessimistic_about_others/001.html).
Tuite, Don (2007). ‘Better, Faster, Cheaper—Pick Any Two’ (http://electronicdesign.com/article/analog-and-mixed-signal/better-faster-cheaper-pick-any-two14997.aspx).
Tysome, Tony (2007). ‘Creativity Campaign to Attack Red Tape’, Times Higher Education (www.timeshighereducation.co.uk/story.asp?storyCode=207402§ioncode=26).
UK crime hotspot map (2010). (www.dailymail.co.uk/news/article-1258197/The-crime-hotspot-map-Britains-hardened-criminals-live.html#ixzz1Y5DKZwsE).
US House of Delegates (February 2010). ABA Criminal Justice Standards on the Treatment of Prisoners (www.americanbar.org/content/dam/aba/publishing/criminal_justice_section_newsletter/treatment_of_prisoners_commentary_website.authcheckdam.pdf).
Virtual Team Performance Facilitation (www.grovewell.com/virtual-team-facilitation.html).
Watson, Richard (4 October 2004). ‘A beginner’s mind’. Fast Company (www.fastcompany.com/resources/innovation/watson/100404.html).
West, Dr Geoffrey (2011). ‘Why Cities Keep Growing, Corporations and People Always Die, and Life Gets Faster’, interviewed by John Brockman (http://edge.org/conversation/geoffrey-west).
Who Killed Creativity (www.whokilledcreativity.com).
Workplace Bullying Survey (2010). (www.workplacebullying.org/wbiresearch/2010-wbi-national-survey).
The 2010 MetLife Study of the American Dream (2010). (www.metlife.com/assets/cao/gbms/studies/10062017_AmDrm_web_version.pdf).
(?) تسجيلات الفيديو والأفلام

Grant, Andrew & Gaia (2009). Hands Up. Tirian.Part 1: ‘How Creative are You?’ (www.youtube.com/watch?v=MhBIiNl3edk).Part 2: ‘Creativity secrets from the kids’ (www.youtube.com/watch?v=77LYUTLH6hQ).Part 3: ‘Creativity secrets from the experts (the teachers’ response)’, (www.youtube.com/watch?v=AX6VgVQ3CMs).
Riley, Alex (2011). ‘Secrets of The Superbrands’ (www.psfk.com/2011/05/secrets-of-the-superbrands-how-apple-products-affect-your-brain.htm).
Schank, Roger (interview with) (2007). ‘The Business of Innovation. Innovators & Iconoclasts’, CNBC (http://innovation.cnbc.com/en/programmes/innovators_iconoclasts).
Wujec, Tom (2010). ‘The Marshmallow Challenge’. TED talks (http://marshmallowchallenge.com/Welcome.html).

ملاحظات


مقدمة

(1) http://www.en.wikipedia.org/wiki/CSI:_Crime_Scene_Investigation. (2) Research conducted in 1989 by Deborah J. Mitchell, of the Wharton School; Jay Russo, of Cornell; and Nancy Pennington, of the University of Colorado (http://hbr.org/2007/09/performing-a-project-premortem/ar/1University of Colorado).الجزء الأول: مَن قَتَلَ الإبداع؟

الفصل الأول: التحقيق في مسرح الجريمة

(1) http://www.smh.com.au/national/education/academic-paints-a-picture-of-arts-as-a-priority-in-classrooms-20110112-19oba.html. (2) IBM 2010 Global CEO Study: IBM biennial Global CEO Study series, 4th edn, ‘Creativity’ (www-03.ibm.com/press/us/en/pressrelease/31670.wss). (3) Austin Carr (2010). ‘The Most Important Leadership Quality for CEOs? Creativity’ (www.fastcompany.com/1648943/Creativity-the-most-important-leadership-quality-for-ceos-study? partner=homepage_newsletter). (4) Teresa M. Amabile (1998). ‘How to Kill Creativity’. Harvard Business Review (http://hbr.org/product/how-to-kill-creativity/an/98501-PDF-ENG). (5) Geoffrey West (2011). ‘Why Cities Keep Growing, Corporations and People Always Die, and Life Gets Faster’, interviewed by John Brockman (http://edge.org/conversation/geoffrey-west). (6) George Land & Beth Jarman (2000). Breakpoint and Beyond. Champaign, IL: HarperBusiness (ISBN: 0962660523). (7) Michael F. Shaughnessy (2011). ‘An Interview with Jonathan Plucker: Creativity, the Creative Person and the Creative Mind’ (www.creativity.or.kr/bbs/board.php?bo_table=2011_01&wr_id=3). (8) Kyung Hee Kim (College of William and Mary), Po Bronson & Ashley Merryman (2010). ‘The Creativity Crisis’. Newsweek (www.thedailybeast.com/newsweek/2010/07/10/the-creativity-crisis.html). (9) Tom Wujec (2010). ‘The Marshmallow Challenge’. TED talks (http://marshmallowchallenge.com/Welcome.html). (10) Andrew & Gaia Grant (2009). Hands Up (video):
Part 1: ‘How creative are you?’ (www.youtube.com/ watch?v=MhBIiNl3edk).
Part 2: ‘Creativity secrets from the kids’ (www.youtube.com/watch?v=77LYUTLH6hQ).
Part 3: ‘Creativity secrets from the experts (the teachers’ response)’ (www.youtube.com/watch?v=AX6VgVQ3CMs).
Watch the video Hands Up at (www.whokilledcreativity.com), Parts 1, 2 and 3 on youtube.com. الفصل الثاني: مَن قتل الإبداع وما الأسلحة المستخدَمة؟

(1) Richards Laura (2006). ‘Jack the Ripper’s face “revealed”’ (http://news.bbc.co.uk/2/hi/uk_news/6164544.stm). (2) Thomas R. Insel & Philip S. Wang (2010). ‘Rethinking Mental Illness and Mental Health vs Mental Disorders’. Journal of the American Medical Association 303(19): 1978-9. (3) In the first 2010 issue of Nature, editor Philip Campbell suggested that the next 10-year period is likely to be the ‘decade for psychiatric disorders’ (www.nature.com/nature/journal/v463/n7277/full/463009a.html). (4) Martha Stout (2010). The Sociopath Next Door—The Mask of Sanity, Sextante (ISBN: 857542551X) (www.cassiopaea.com/cassiopaea/psychopath.htm). (5) Janet Potter (2011). ‘Mad, Mad World: Jon Ronson’s The Psychopath Test’ (www.themillions.com/2011/05/madmad-world-jon-ronsons-the-psychopath-test.html). (6) Jon Ronson (2011). The Psychopath Test. Riverhead (ISBN: 1594488010). (7) Omega Foundation. ‘Stun Weapons and Their Effects’. Draft paper to the International Meeting of Experts on Security Equipment and the Prevention of Torture, London, 25-26 October 2002. (8) Brian Martin, with contributions from Truda Gray, Hannah Lendon & Steve Wright (2007). Justice Ignited. Lanham, MD: Rowman & Littlefield (ISBN: 0742540855). (9) Vicky Ward (2010). The Devil’s Casino. John Wiley & Sons (ISBN: 0470540869). (10) Michael Lewis (2008). ‘The End’. Portfolio (www.portfolio.com/news-markets/national-news/portfolio/2008/11/11/The-End-of-Wall-Streets-Boom). (11) Oriana Bandiera (2001). Private States and the Enforcement of Property Rights: Theory and Evidence on the Origins of the Sicilian Mafia. London School of Economics and CEPR, (http://econ.lse.ac.uk/staff/bandiera/mafia1101.pdf). (12) Tony Tysome (2007). ‘Creativity Campaign to Attack Red Tape’. Times Higher Education (www.timeshighereducation.co.uk/story.asp?storyCode=207402§ioncode=26). (13) Malcolm Wallis (1989). Bureaucracy. London: Macmillan (ISBN: 0333440684). (14) Scott Belsky (2011). Making Ideas Happen. Portfolio (ISBN: 1591844118). (15) David Osborne & Ted Gaebler (1992). Reinventing Government. New York: Plume (ISBN: 0452269423). (16) Michael Balle (1999). ‘Making Bureaucracy Work’. Journal of Management in Medicine 13: 190–200. (17) Belinda Jane Board & Katarina Fritzon (2005). ‘Disordered personalities at work’. Psychology Crime and Law 11:17. doi:10.1080/10683160310001634304. (18) According to leading leadership academic Manfred F.R. Kets de Vries, it seems almost inevitable these days there will be personality disorders in a senior management team. See Manfred F.R. Kets de Vries (2003). ‘The Dark Side of Leadership’. Business Strategy Review 14(3), Autumn, p. 26. (19) Antoine Bechara, associate professor of neurology at the University of Iowa, said the best stock market investors might plausibly be called ‘functional psychopaths’. Baba Shiv, of Stanford Graduate School of Business, said many company chiefs and top lawyers may also exhibit psychopathic traits. See ‘Emotions Can Negatively Impact Investment Decisions’ (2005), (www.gsb.stanford.edu/news/research/finance_shiv_invesmtdecisions.shtml). (20) Robert Hare & Paul Babiak (2006). Snakes in Suits: When Psychopaths Go to Work. New York: HarperCollins. (21) Catherine Mattice & Brian Spitzberg (2007). Bullies in Business: Self-Reports of Tactics and Motives. San Diego State University. (22) Hare & Babiak (2006). (23) Steven Morris (September 2011). ‘One in 25 business leaders may be a psychopath, study finds’. Guardian (www.guardian.co.uk/science/2011/sep/01/psychopath-workplace-jobs-study). (24) Alan Deutschman (July 2005). ‘Is Your Boss a Psychopath?’ Fast Company (www.fastcompany.com/magazine/96/open_boss.html). (25) Rayner & Keashly (2004). (http://en.wikipedia.org/wiki/Workplace_bullying). (26) Josh Bornstein (30 August 2011). ‘Time to outlaw toxic bullies in the workplace’. Australian Financial Review (http://afr.com/p/national/work_space/time_to_outlaw_toxic_bullies_Xfa9LfQaUlVv3KjHHzGTrI). (27) Nearly half of all American workers (49 per cent) report having been affected by workplace bullying, either as a target or as a witness of abusive behaviour against a co-worker. See ‘Workplace Bullying Survey’ (2010) (www.workplacebullying.org/wbiresearch/2010-wbi-national-survey). (28) Roffey Park Management (2003). Survey of 372 managers in the UK in 2003 (www.roffeypark.com/SiteCollectionDocuments/Research%20Reports/manag2003.pdf). (29) Virginia Matthews (January 2003). ‘Kill or be killed’. Guardian (www.guardian.co.uk/money/2003/jan/27/careers.jobsadvice1). (30) Matt Ridley (1998). The Origins of Virtue. London: Penguin (ISBN: 0670874493). (31) Jim Collins (2001). Good to Great. London: Random House Business (ISBN: 0712676090). (32) Veronica Alfonso (2009). ‘Pessimists’ and Optimists’ Reactions to Interruptions on a Creativity Task’ (http://dspace.sunyconnect.suny.edu/handle/1951/44812). (33) Inauguration of President Franklin Delano Roosevelt, 1933. Joint Congressional Committee on Inaugural Ceremonies. (34) More than 50 per cent of respondents in our ‘Who Killed Creativity’ survey listed ‘fear’ as the biggest killer of creativity—more than every other category combined. Tirian (2011). (35) Psychologists Kahneman & Tversky (1979), cited in Peter L. Bernstein (1998), Against the Gods: The Remarkable Story of Risk. New York: John Wiley & Sons. (36) Roffey Park Management Agenda (www.roffeypark.com/SiteCollectionDocuments/Research%20Reports/manag2003.pdf). (37) Edward de Bono (2007). Tactics. London: Profile Business (ISBN: 1861975376). (38) ‘The Invention of Scotchgard’. About.com. Retrieved 21 August 2006. (39) ‘Prudential sells Egg to Citigroup’ (January 2007). (www.finextra.com/news/fullstory.aspx?newsitemid=16435). (40) Jamer Hunt (2001). ‘Among Six Types of Failure, Only a Few Help You Innovate’ Fast Company (www.fastcodesign.com/1664360/lets-be-clear-failure-isnt-always-good). (41) Roger L. Martin (2009). The Design of Business. Boston, MA: Harvard Business School Press (ISBN: 1422177807). (42) Nassim Taleb (2001). Fooled by Randomness. New York: John Wiley & Sons (ISBN: 0471511447). (43) Tim Harford (2011). Adapt: Why Success Always Starts with Failure. New York: Farrar, Straus and Giroux. (44) Taleb (2001). (45) Interview with Roger Schank (2007), ‘The Business of Innovation. Innovators & Iconoclasts, CNBC (http://innovation.cnbc.com/en/programmes/innovators_iconoclasts). (46) Hands Up, Part 3: ‘Creativity secrets from the experts (The teachers’ response)’. (2009). Tirian (www.youtube.com/watch?v=AX6VgVQ3CMs). (47) Interview with Roger Schank (2007). (48) Virginia Matthews (January 2003), ‘Kill or be killed’, Guardian. (49) Alain Gratton (1988). ‘Effects of electrical stimulation of brain reward sites on release of dopamine in rat: An in vivo electrochemical study’. University of Colorado Health Sciences. (50) Peter M. Milner (March 1991). Canadian Journal of Psychology/Revue canadienne de psychologie 45(1): 1–36. (51) A male psychiatric patient and a female epileptic had brain electrodes implanted ‘for therapeutic purposes’, and when stimulation occurred in areas of the limbic system, both reported experiencing sexual pleasure. The wired-up guy, in fact, gave the rats a run for their money, hitting the button some 1500 times an hour! ‘Not surprisingly, he also begged for a few more jolts just before the apparatus was put away’ (www.funtrivia.com/askft/Question49662.html). (52) Paul R. Abramson & Steven D. Pinkerton (1995). With Pleasure. New York: Oxford University Press (ISBN: 6610441995). (53) The 2010 MetLife Study of the American Dream (2010). (www.metlife.com/assets/cao/gbms/studies/10062017_AmDrm_web_version.pdf). (54) Carol Morello (January 2010). ‘Results of polls on job satisfaction are at odds’. Conference Board report, Washington Post (www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2010/01/05/AR2010010503977.html). (55) Andrew Mowatt, John Corrigan & Doug Long (2010). The Success Zone. Global Publishing Group. (56) Damon Young (2008). Distraction. Carlton, Vic.: Melbourne University Publishing (ISBN: 0522853749). (57) B.S. McEwen (2007). ‘Physiology and neurobiology of stress and adaptation: Central role of the brain’. Physiological Review 87(3): 873–904. doi:10.1152/physrev.00041.2006. PMID 17615391. (58) E. Dias-Ferreira, J. C. Sousa, I. Melo, P. Morgado, A. R. Mesquita, J. J. Cerqueira, R. M. Costa & N. Sousa (2009). ‘Chronic Stress Causes Frontostriatal Reorganization and Affects Decision-Making’. Science 325(5940): 621–5. doi:10.1126/science.1171203. PMID 19644122. (59) Matthias B. Schmidt & Lars Schwabe (September 2011). ‘Splintered by stress: The good and bad of psychological pressure’. Scientific American. (60) NIOSH (1999). Stress at Work. U.S. National Institute for Occupational Safety and Health, DHHS (NIOSH) Publication no. 99–101. (61) Northwestern National Life Insurance Company (1991). Employee Burnout: America’s Newest Epidemic. Minneapolis, MN: Northwestern National Life Insurance Company. (62) Princeton Survey Research Associates (1997). Labor Day Survey: State of Workers. Princeton, NJ: Princeton Survey Research Associates. (63) R. Z. Goetzel, D. R. Anderson, R. W. Whitmer, R. J. Ozminkowski, R. L. Dunn & J. Wasserman (1998). ‘The relationship between modifiable health risks and health care expenditure: An analysis of the multi-employer HERO health risk and cost database’. Journal of Occupational and Environmental Medicine 40: 843–54. (64) NIOSH (1999). (65) N. Turner, J. Barling & A. Zacharatos (2002). ‘Positive psychology at work’. In C. R. Snyder & S. J. Lopez (eds), Handbook of Positive Psychology (pp. 715–28). New York: Oxford University Press. (66) J. Jonge, P. Landsbergis & N. Vegchel (2005). ‘Occupational Stress in (inter)action: The Interplay Between Job Demands and Job Resources’. Journal of Organizational Behavior 26(5): 535–60. doi:10.1002/job.327. (67) Daniel Sieberg (2011). The Digital Diet. New York: Three Rivers Press (ISBN: 0307887383). (68) Will Knight (2005). ‘“Info-mania” dents IQ more than marijuana’. New Scientist (www.newscientist.com/article/dn7298-infomania-dents-iq-more-than-marijuana.html). (69) Dan Ariely (2010). Predictably Irrational. New York: Harper Perennial (ISBN: 0061353248). (70) Matt Richtel (2008). ‘Lost in E-Mail, Tech Firms Face Self-Made Beast’. New York Times (www.nytimes.com/2008/06/14/technology/14email.html?pagewanted=all). (71) Joe Robinson (February 2010). ‘Tame the E-mail Beast’ (www.entrepreneur.com/magazine/entrepreneur/2010/march/204980.html), (http://news.bbc.co.uk/2/hi/uk_news/4471607.stm). (72) ‘“Infomania” worse than marijuana’ (April 2005) (http://news.bbc.co.uk/2/hi/uk_news/4471607.stm). (73) Martin Lindstrom (www.fastcompany.com/article/work-smart-stop-multi-tasking-and-do-one-thing-at-a-time.MORE), (www.entrepreneur.com/magazine/entrepreneur/2010/march/204980.html). (74) Charlie Gilkey (www.productiveflourishing.com/multithreading-the-complexity-of-modern-experience). (75) Martin Lindstrom (July 2008). ‘The Cure for ADD-vertising’, Fast Company (http://www.fastcompany.com/1753945/the-cure-for-add-vertising?partner=homepage_newsletter). (76) Randy K. Chiu. ‘Relationship among Role Conflicts, Role Satisfactions and Life Satisfaction: Evidence from Hong Kong’. Social Behavior and Personality (http://findarticles.com/p/articles/mi_qa3852/is_199801/ai_n8803995). (77) R. E. Kopelman, J. H. Greenhaus & T. F. Connolly (1983). ‘A model of work, family, and interrole conflict: A construct validation study’. Organizational Behavior and Human Performance 32: 198–215. (78) W. D. Hicks & R. J. Klimoski (1981). ‘The impact of flextime on employee attitudes’. Academy of Management Journal 24: 333–41. (79) D. A. Zatz (1995). ‘Job involvement and interrole conflict’. Doctoral dissertation, Columbia University. (80) Derrick Hand & Janet Fife-Yeomans (2008) [2004]. The Coroner: Investigating Sudden Death. Sydney, NSW: Allen & Unwin (ISBN 9780733322211). (81) Stuart Grassian, ‘Psychiatric effects of solitary confinement (redacted, non-institution and non-inmate specific version of a declaration submitted in September 1993 in Madrid v. Gomez, 889F. Supp.1146. California, USA. Retrieved 18 June 2008. (82) Sam Vaknin & Lidija Rangelovska (ed.) (2006). Malignant Self Love—Narcissism Revisited. Czech Republic: Narcissus Publications (ISBN: 8023833847). (83) David Hasselhoff (2006). Making Waves—The Autobiography. London: Hodder & Stoughton (ISBN: 0340909315). (84) PsycINFO Database Record. William W. Maddux & Adam D. Galinsky. Journal of Personality and Social Psychology 96(5), May 2009, 1047–61. ©2009 APA, all rights reserved. (85) West (2011). (86) Baggage with Jerry Springer (www.youtube.com/watch?v=kOB9CYpfhOI). (87) http://www.fastcompany.com/1742398/the-twitter-news-cycle-elizabeth-taylor-overtakes-crises-in-japan-libya?partner=homepage_newsletter. (88) Po Bronson & Ashley Merryman (2010). ‘The Creativity Crisis’. Newsweek (www.thedailybeast.com/newsweek/2010/07/10/the-creativity-crisis.html). (89) Jessica Irvine (2011). ‘There’s no time like the present to let yourself go’. Sydney Morning Herald (www.smh.com.au/national/health/theres-no-time-like-the-present-to-let-yourself-go-20110916-1kdwr.html#ixzz1Y9Xqma5C). (90) Morgan Spurlock (dir.). The Greatest Movie Ever Sold (2011). (91) Ralph Nader (September 2007). ‘Fighting Back Against the Commercialization of Everything Wrapping the World with Advertising’ (http://moderate.wordpress.com/2007/09/03/ralph-nader-wrapping-the-world-with-advertising). (92) Alex Riley (2011). ‘Secrets of the Superbrands’ (www.psfk.com/2011/05/secrets-of-the-superbrands-how-apple-products-affect-your-brain.htm). (93) Jane Bunce (May 2011). ‘Cult of Apple: Why the must-have brand triggers brain reaction “similar to religious devotion”’. Mail Online (www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1389256/Apple-brand-triggers-brain-reaction-similar-religious-devotion.html#ixzz1bSMIsZG5). (94) Clive Thompson (October 2003). ‘There’s a Sucker Born in Every Medial Prefrontal Cortex. New York Times (www.nytimes.com/2003/10/26/magazine/26BRAINS.html?pagewanted=1). (95) James Surowiecki (2005). The Wisdom of Crowds. London: Abacus (ISBN: 0349116059). (96) James Surowiecki (2005). (97) Jeff Mauzy & Richard A. Harriman (2003). Creativity, Inc. Boston, MA: Harvard Business School Press (ISBN: 1578512077). (98) Chuck Frey (September 2002). ‘Are we too busy to think creatively?’ (www.innovationtools.com/Weblog/innovationblog-detail.asp?ArticleID=21). (99) West (2011). (100) Lewis (2008). (101) Malcolm Gladwell (2008). Outliers. New York: Little, Brown and Co. (ISBN: 0316036692). (102) Corporate Leadership Council, cited in Karalyn Brown (2010), ‘Engaging People’. Australian Institute of Management (www.aim.com.au/DisplayStory.asp?ID=746). (103) ‘Overcoming Apathy in the Workplace Smart Manager’ (www.smartmanager.com.au/web/au/smartmanager/en/pages/125_apathy.html). (104) ‘Net abuse hits small city firms’. News.scotsman.com, Edinburgh. Retrieved 7 August 2009. (105) Nicholas Carr (2010). The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains. New York: W.W. Norton (ISBN: 978-0393072228). (106) Ken Robinson & Lou Aronica (2009). Element: How Finding Your Passion Changes Everything. Tantor Media (ISBN: 1400140609). (107) Online readers have criticised Robinson’s research as weak and unsubstantiated. (108) Mihaly Csikszentmihalyi (2002). Flow. London: Rider (ISBN: 0712657592). (109) Taleb (2001). (110) Lewis (2008). (111) Taleb (2001). (112) Daniel H. Pink (2003). ‘How to Make Your Own Luck’. Fast Company (www.fastcompany.com/magazine/72/realitycheck.html). (113) Gladwell (2008). (114) Classic Albums: The Making of The Dark Side of the Moon, Eagle Rock Entertainment, 2003. (115) www.motorsportsetc.com/info/f1_innov.htm. (116) Duncan Scott (2009). ‘The Edge of the World: How the Rule of Three Can Save F1’ (http://bleacherreport.com/articles/117975-the-edge-of-the-world-how-the-rule-of-three-can-save-f1). (117) Hare & Babiak (2006). (118) Edward de Bono (1993). Serious Creativity. New York: HarperBusiness (ISBN: 0887306357). (119) Stephen L. Macknik & Susana Martinez-Conde (2010). Sleights of Mind: What the Neuroscience of Magic Reveals about Our Everyday Deceptions (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=mind-over-magic). (120) Rob Minkodd (dir.), The Forbidden Kingdom (2008). (121) James Cameron (dir.), Avatar (2009). (122) K. Anders Ericsson, Michael J. Prietula & Edward T. Cokely (2007). ‘The Making of an Expert’. Harvard Business Review (http://hbr.org/2007/07/the-making-of-an-expert/ar/1). (123) Ericsson, Prietula & Cokely (2007). (124) Shunryu Suzuki-roshi (1988). Zen Mind, Beginner’s Mind. Audio Literature (ISBN: 0944993079). (125) De Bono (1993). (126) Surowiecki (2005). (127) Surowiecki (2005). (128) Richard Watson (4 October 2004). ‘A Beginner’s Mind’. Fast Company (www.fastcompany.com/resources/innovation/watson/100404.html). (129) Jennifer S. Mueller (2011). ‘Why People Desire But Reject Creative Ideas’. University of Pennsylvania (http://digitalcommons.ilr.cornell.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1457&context=articles). (130) http://think-such.blogspot.com/2010/08/blocks-prejudice.html. (131) Surowiecki (2005). (132) Jonathan B. Tucker (2006). War of Nerves: Chemical Warfare from World War I to Al-Queda. New York: Pantheon (ISBN 0375422293). (133) Martin E. Seligman (2006). Learned Optimism: How to Change Your Mind and Your Life. New York: Vintage (ISBN: 1400078393). (134) Julie K. Norem (2001). The Positive Power of Negative Thinking. Cambridge, MA: Basic Books (ISBN: 0465051391). (135) Carolin Showers & Cherie Ruben (1990). ‘Distinguishing defensive pessimism from depression: Negative expectations and positive coping mechanisms’. Cognitive Therapy and Research 14(4): 385–99 (www.springerlink.com/content/v26002p7w2731g33/Carolin Showers and Cherie Ruben). (136) Richard Wiseman, University of Hertfordshire (www.richardwiseman.com/contact.html). (137) See chapter 8 for more on the manic/depressive states that can contribute to creativity. (138) J. R. Minkel (October 2006). ‘Happiness: Good for Creativity, Bad for Single-Minded Focus’. Scientific American (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=happiness-good-for-creativity). (139) ‘Pessimism and depression’ (2008). Trusted.MD Network (http://trusted.md/blog/completecounseling/2008/07/17/pessimism_and_depression#ixzz1XbEV3iaC). (140) Shawn Achor (2010). The Happiness Advantage. Random House Audio (ISBN: 0307749347). (141) Shell TV advertisement on how the Snake Oil Drill was discovered (www.shell.com/home/PlainPageServlet?FC=/aboutshellen/html/iwgen/shell_real/shell_solutions/films/app_transcript_film.html). (142) Seligman (2006). (143) Ayatullah Ja’far Subhani, ‘Being Pessimistic About Others’ (www.alhassanain.com/english/articles/articles/ethics_and_supplication/ethics_articles/being_pessimistic_about_others/001.html). (144) Carl Panzram (1891–1930). (145) Pete Earley (1993). The Hot House. New York: Bantam Books (ISBN: 0553560239). الفصل الثالث: أين قُتل الإبداع؟

(1) ‘The crime hotspot map where Britain’s most hardened criminals live’ (2010). (www.dailymail.co.uk/news/article-1258197/The-crime-hotspot-map-Britains-hardened-criminals-live.html#ixzz1Y5DKZwsE). (2) Palmetto Security (www.palmettoalarm.com/crime-statistics.html). (3) Who Killed Creativity Survey (2011). Tirian (www.whokilledcreativity.com/survey). (4) Malcolm Gladwell (2007). The Tipping Point. Playaway Audio (ISBN: 1602525951). (5) Gladwell (2007). (6) Catherine Fox, ‘Workers by design’ (www.afrboss.com.au/magarticle.asp?doc_id=22153&rgid=2&listed_months=0). (7) Robin Speculand (2009). Beyond Strategy. John Wiley & Sons (ISBN: 0470824980). (8) IBM 2010 Global CEO Study. (9) Who Killed Creativity Survey (2011). (10) James C. Collins & Jerry I. Porras (1998). Built to Last. London: Century Business (ISBN: 0712679618). (11) Adam Galinsky (2009). Losing Touch Power diminishes perception and perspective. Study from the Kellogg School of Management (http://insight.kellogg.northwestern.edu/index.php/Kellogg/article/losing_touch). (12) Sam Keen (2010). In the Absence of God. New York: Harmony (ISBN: 0307462293). (13) Justin Lin (dir.), The Fast & Furious 5 (2011). (14) Jessica Kennedy (2011). ‘Marketing needs to “pull up its socks” to help sales’ (www.bandt.com.au/content/articles/marketing-needs-to--pull-up-its-socks--to-help-sal.aspx). (15) ‘Bridging the Divide: Process, Technology, and the Marketing/Sales Interface’, Market Viewpoint 15(4), October 2004, Aberdeen Group, Boston. (16) Tom Fishburn (January 2011). ‘Blamstorming’ (http://tomfishburne.com/2011/01/blamestorming.html). (17) ‘A different game: Information is transforming traditional businesses’ (February 2010). Economist (www.economist. com/node/15557465). (18) Stefan Stern (March 2006). ‘Wake up and smell the coffee on your corporate culture’. Financial Times (www.ft.com/intl/cms/s/1/7ecca3c4-dba7-11db-9233-000b5df10621.html#axzz1badX4FNW). (19) Edgar H. Schein (2004). Organizational Culture and Leadership, New York: John Wiley & Sons. (20) Roger von Oech (1990). A Whack on the Side of the Head. New York: Warner Books (ISBN: 0880794798). (21) Harford (2011). (22) M. Pedler, J. Burgogyne & T. Boydell (1997). The Learning Company: A Strategy for Sustainable Development, 2nd edn. London: McGraw-Hill. (23) P. M. Senge (1990). The Fifth Discipline. London: Century Business. (24) Howard P. Chudacoff (2008). Children at Play. New York: New York University Press (ISBN: 0814716652). (25) Laura Sergeant Richardson (2009). ‘Frog Design: The Four Secrets of Playtime That Foster Creative Kids’ (www.fastcodesign.com/1662826/frog-design-the-four-secrets-of-playtime-that-foster-creative-kids). (26) Melinda Wenner (28 January 2009). ‘The Serious Need for Play’. Scientific American. (27) Stuart Brown (2008). ‘Play is more than fun’. TED talks (www.ted.com/talks/stuart_brown_says_play_is_more_than_fun_it_s_vital.html). (28) Bruce Charlton, cited in Jennifer Viegas (2006), ‘Serious Study: Immaturity Levels Rising’, Discovery News (http://dsc.discovery.com/news/2006/06/23/immature_hum.html?category=human). (29) Virtual Team Performance Facilitation: Grovewell (www.grovewell.com/virtual-team-facilitation.html). (30) Morten T. Hansen (2009). Collaboration. Boston, MA: Harvard Business School Press (ISBN: 1422115151). (31) Nick Allen (2009). ‘Burglar with photographic memory admits 500 crimes’. Telegraph (www.telegraph.co.uk/news/uknews/4358671/Burglar-with-photographic-memory-admits-500-crimes.html). الفصل الرابع: لماذا ننقذ الإبداع؟

(1) Sadie F. Dingfelder (January 2011). ‘Rats to the rescue’, by Monitor Staff, vol. 42 (www.apa.org/monitor/2011/01/rats.aspx). (2) ‘Microsoft needs to innovate: Google’ (June 2007). Sydney Morning Herald (www.smh.com.au/news/biztech/microsoft-needs-to-let-staff-innovate-google/2007/06/01/1180205491599.html). (3) Don Tuite (2007). ‘Better, Faster, Cheaper—Pick Any Two’ (http://electronicdesign.com/article/analog-and-mixed-signal/better-faster-cheaper-pick-any-two14997.aspx). (4) Keith Cowing (2003). ‘NASA Responds to the Columbia Accident Report: Farewell to Faster – Better – Cheaper’ (www.spaceref.com/news/viewnews.html?id=864). (5) Robert Greene (1998). The 48 Laws of Power. New York: Viking.الجزء الثاني: … وكيف يمكن إعادته للحياة؟

الفصل الخامس: تقرير المعمل الجنائي

(1) M. Chipman, B. E. Hackley & T. S. Spencer (February 1980). ‘Triage of mass casualties: Concepts for coping with mixed battlefield injuries’. Military Medicine 145(2): 99-100. PMID 6768037. (2) Norman Doidge (2007). The Brain That Changes Itself. New York: Viking (ISBN: 067003830X). (3) Richard Hill (2010). Creative Skills Training Council Forum (CTSC) (www.cstc-apa.com). (4) Doidge (2007). (5) Doidge (2007). (6) Linda Geddes (March 2010). ‘A slow mind may nurture more creative ideas’. New Scientist (www.newscientist.com/article/mg20527535.500-a-slow-mind-may-nurture-morecreative-ideas.html). (7) Julia Hanna (14 May 2008). ‘Getting Down to the Business of Creativity’. Harvard Business School (http://hbswk.hbs.edu/item/5902.html). (8) Linda Geddes (May 2009). ‘Creativity chemical favours the smart’. New Scientist (www.newscientist.com/article/mg20227084.300-creativitychemical-favours-the-smart.html). (9) Scott Berkun (2010). The Myths of Innovation. O’Reilly Media (ISBN: 1449389627). (10) Michael Michalko (2006). Thinkertoys: A Handbook of Creative-Thinking Techniques. Berkeley, CA: Ten Speed Press (ISBN: 1580087736). (11) Arne Dietrich (August 2004). Neurocognitive mechanisms underlying the experience of flow’ (http://dunntastic.com/sources/Dietrich%202004%20-%20Neurocognitive%20mechanisms%20underlying%20the%20experiene%20of%20flow.pdf). (12) Arne Dietrich (2004). ‘The cognitive neuroscience of creativity’. Psychonomic Bulletin & Review. (13) E. B. Boyd (June 2011). ‘Why “Brain Gyms” May Be the Next Big Business’. Fast Company (www.fastcompany.com/1760312/are-brain-gyms-the-next-big-business?partner=homepage_newsletter). (14) Bronson & Merryman (2010). (15) Geddes (March 2010). (16) Geddes (March 2010). (17) Geddes (May 2009). (18) Geddes (March 2010). (19) B. L. Fredrickson (2001). ‘The role of positive emotions in positive psychology: The broaden-and-build theory of positive emotions’. American Psychologist. (20) Richard Hill (2010). Creative Skills Training Council Forum (CTSC) (www.cstc-apa.com). (21) Bruce S. McEwen, head of Rockefeller’s Harold and Margaret Milliken Hatch Laboratory of Neuroendocrinology. Science Daily (11 April 2010) (www.sciencedaily.com/releases/2010/04/100410141344.htm). الفصل السادس: كيف يمكن إنقاذ الإبداع؟

(1) Gregory Ferenstein (May 2011). ‘Beyond Hawaiian-Shirt Friday: Groupon, Hulu Inspire Employee Innovation With Radical Trust’. Fast Company (www.fastcompany.com/1754941/groupon-and-hulus-secret-weapon-workplace-democracy?partner=homepage_newsletter). (2) Melinda Wenner (28 January 2009). ‘The Serious Need for Play’. Scientific American. (3) Peter Drucker, cited in Christine Hogan (2003), Practical Facilitation: A Toolkit of Techniques. London: Kogan Page, p. 70. (4) West (2011). (5) Luke Williams (June 2011). ‘Innovation Starts With Disruptive Hypotheses. Here’s How To Create One’. FastCo Design (www.fastcodesign.com/1663970/innovation-starts-with-disruptive-hypotheses-heres-how-to-create-one). (6) Jim Force (2000). ‘Creative Questioning: The Art of Asking Dumb Questions’. The Banff Centre for Management. Published in Leadership Compass, Winter/Spring, pp. 28-9. (7) Jeffrey H. Dyer, Hal B. Gregersen & Clayton M. Christensen (December 2009). ‘The Innovator’s DNA’. Harvard Business Review (http://hbr.org/2009/12/the-innovators-dna/sb2). (8) Dyer, Gregersen & Christensen (July 2011). The Innovator’s DNA: Mastering the Five Skills of Disruptive) Innovators. Boston, MA: Harvard Business Press. (9) Dyer, Gregersen & Christensen (December 2009). (10) Jeff Mauzy & Richard A. Harriman (2003). Creativity, Inc. Boston, MA: Harvard Business School Press (ISBN: 1578512077). (11) www.airlinequality.com/Airports/Airport_forum/dps.htm. (12) Jared Diamond (1992). The Third Chimpanzee: The Evolution and Future of the Human Animal. New York: HarperCollins. (13) Harford (2011). (14) Nassim Taleb (2011). The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable. New York: Random House. (15) Mowat, Corrigan & Long (2010). (16) Paulo Freire (2000). Pedagogy of the Oppressed. London: Continuum International Publishing Group. (17) Morten Huse (2007). Boards, Governance and Value Creation: The Human Side of Corporate Governance. Cambridge University Press, p. 219. (18) Claremont Graduate University’s Mihaly Csikszentmihalyi and University of Northern Iowa’s Gary G. Gute. See Bronson & Merryman (2010). (19) Jim Collins & Jerry I. Porras (2004). Built to Last. New York: Collins (ISBN: 0060566108). (20) Senge (1990). (21) Roger Martin (June 2007). ‘How Successful Leaders Think’ (http://hbr.org/2007/06/how-successful-leaders-think/ar/1). (22) Leigh Buchanan (2008). ‘Innovation: How the Creative Stay Creative’ (www.inc.com/magazine/20080601/innovation-how-the-creative-stay-creative.html). (23) ‘Driven to Distraction’ (http://topics.nytimes.com/top/news/technology/series/driven_to_distraction/index.html). (24) De Bono (1993). (25) Stephen A. Diamond (1 August 2010). ‘Evil Deeds: INCEPTION: Art, Dream and Reality’ (www.psychologytoday.com/blog/evil-deeds/201008/inception-art-dream-and-reality). (26) Dewi Susanti & Kayee Man (2007). ‘Solve your Problems after a Good Night’s Sleep’ (http://creativity-indonesia.blogspot.com/2007/02/sleep-on-your-ideas.html). (27) Land & Jarman (2000). (28) Tony Buzan & Barry Buzan (2003). The Mind Map Book. London: BBC Books (ISBN: 0563487054). (29) Steven Johnson (2005). Everything Bad Is Good for You: How Today’s Popular Culture Is Actually Making Us Smarter. New York: Riverhead. (30) www.productiveflourishing.com/multithreading-the-complexity-of-modern-experience. (31) Steven Johnson (April 2005). ‘Watching TV Makes You Smarter’. New York Times (www.nytimes.com/2005/04/24/magazine/24TV.html?pagewanted=print). (32) Michael S. Gazzaniga. ‘The Split Brain Revisited’ (http://cwx.prenhall.com/bookbind/pubbooks/morris4/medialib/readings/split.html). (33) Gazzaniga, ‘The Split Brain Revisited’. (34) Norman Doidge (2008). The Brain That Changes Itself. London: Penguin (ISBN: 014103887X). (35) Professor Jack Pettigrew (2004). ‘Brain Switch’, Catalyst, ABC TV (www.abc.net.au/catalyst/stories/s1063853.htm). (36) www.uq.edu.au/nuq/jack/jack.html. (37) Surowiecki (2005). (38) Thomas Heinze, Philip Shapira, Juan D. Rogers & Jacqueline M. Senker (2009). Organizational and Institutional Influences on Creativity in Scientific Research. Elsevier. (39) Bronson & Merryman (2010). (40) Stefan M. Herzog & Ralph Hertwig (2009). ‘The Wisdom of Many in One Mind: Improving Individual Judgments With Dialectical Bootstrapping (www.pnas.org/content/108/22/9020.full). (41) Daniel H. Pink (2005). A Whole New Mind. Cyan Books (ISBN: 1904879578). (42) Herzog & Hertwig (2009). (43) Micah Challenge (www.micahchallenge.org.au). (44) Teresa M. Amabile & Steven J. Kramer (2011). The Progress Principle: Using Small Wins to Ignite Joy, Engagement, and Creativity at Work. Boston, MA: Harvard Business Press. (45) Gladwell (2008). (46) Ericsson, Prietula & Cokely (July 2007). (47) Daniel Pink (2009). Drive: The Surprising Truth about What Motivates Us, New York: Riverhead. (48) Joachim Burbiel (2009). ‘Creativity in research and development environments: A practical review’. International Journal of Business Science and Applied Management 4(2). (49) Luke Williams (June 2011). ‘Innovation Starts With Disruptive Hypotheses’. (50) Pink (2005). (51) Daniel Goleman (1997). Emotional Intelligence: Why It Can Matter More Than IQ. New York: Bantam Books. (52) Washington Post (1998) (www.washingtonpost.com/wp-srv/style/invitational/invit980802.htm). (53) K. Nordstr?m & J. Ridderstrale (2002). Funky Business. London: Financial Times/Prentice Hall (ISBN: 0273659073). (54) Subhasish Chatterjee & John F. Carnney (January 2007). ‘Passenger Train Crashworthiness Primary Collisions’. Transportation Research Record. Journal of the Transportation Research Board vol. 1531/1996. (55) Gregory Ferenstein (June 2011). ‘Children Adorably, Accurately Predict the Future Of Computing’. Fast Company (www.fastcompany.com/pics/children-adorably-accurately-predict-future-computing?slide=1). (56) Latitude Research completed a multi-phase innovation study, Children’s Future Requests for Computers and the Internet, in 2010. (57) De Bono (1993). (58) Richard Watson (October 2004). ‘A Beginner’s Mind’. Fast Company (www.fastcompany.com/resources/innovation/watson/100404.html). (59) Surowiecki (2005). (60) Jonah Lehrer (2010). ‘Old Writers, The Frontal Cortex’. Wired (www.wired.com/wiredscience/2010/06/old-writers). (61) Dean Simonton, cited in Jonah Lehrer (19 February 2010), ‘Fleeting Youth, Fading Creativity in Science’. Wall Street Journal (http://online.wsj.com/article/SB10001424052748703444804575071573334216604.html). (62) Lehrer (2010). ‘Fleeting Youth, Fading Creativity in Science’. (63) Jena McGregor (April 2006). ‘The World’s Most Innovative Companies’. Business Week – BCG survey. (64) Mark A. Runco, cited in Bronson & Merryman (2010). (65) De Bono (1993). (66) Ding Qingfen (November 2009). ‘P&G Turns to Innovation to Win More Customers in a Tough Global Economy’. China Daily (www.chinadaily.com.cn/bw/2009-11/23/content_9020223.htm). (67) Kevin Freiberg & Jackie Freiberg (1998). Nuts! Southwest Airlines’ Crazy Recipe for Business and Personal Success. Crown Business. (68) Nirmalya Kumar (December 2006). ‘Strategies to Fight Low-cost Rivals. Harvard Business Review (www.reservegroup.com/reference/lowcostrivals.pdf). (69) Sergio Marchionne (December 2008). ‘Fiat’s Extreme Makeover’. Harvard Business Review (http://hbr.org/2008/12/fiats-extreme-makeover/ar/1). (70) Tim Harford (2008). The Logic of Life. New York: Random House (ISBN: 1400066425). (71) Ingrid Bonn (2007). ‘Case study: Aldi in Australia’. Graduate School of Management, Griffith University. (72) Dyer, Gregersen & Christensen (2009). ‘The Innovator’s DNA’. (73) Alla Katsnelson (September 2011). ‘The Pitfalls of Positive Thinking’. Scientific American. (74) Seligman (2006). (75) Senge (1990). (76) Seligman (2006). (77) De Bono (1993). الفصل السابع: أين يمكن إحياء الابتكار؟

(1) Lawrence W. Sherman (April 2002). ‘Hot Spots of Crime and Criminal Careers of Places’ (www.popcenter.org/library/crimeprevention/volume_04/02-Sherman.pdf). (2) Amabile (1998). (3) Burbiel (2009). (4) Adam Bryant (May 2009). ‘For This Guru, No Question Is Too Big’. New York Times (www.nytimes.com/2009/05/24/business/24collins.html). (5) Carolyn T. Geer, ‘Innovation 101’. Wall Street Journal (http://online.wsj.com/article_email/SB10001424052970204831304576596703319827740-lMyQjAxMTAxMDEwNjExNDYyWj.html?mod=wsj_share_email). (6) Glenda Korporaal (16 April 2010). ‘Power to your people’. The Australian (http://www.theaustralian.com.au/news/features/power-to-your-people/story-e6frgabx-1225852735945). (7) Korporaal (16 April 2010). ‘Power to your people’. (8) ‘Microsoft needs to let staff innovate: Google’ © AAP, 1 June 2007. (9) David Kiley (May 2007). ‘Shell Scores with Online Video’. Bloomberg Business Week (www.businessweek.com/the_thread/brandnewday/archives/2007/05/shell_scores_with_online_video.html). (10) IBM 2010 Global CEO Study. (11) Huse (2007). (12) Keen (2010). (13) ‘Patient Safety: Current Statistics’ (www.patientsafetyfocus.com/patient-safety-current-st.html). (14) Haydn Bush (July 2011). ‘In an Era of “Doing More With Less”, Executives Nurture Creativity’ (www.hhnmag.com/hhnmag/HHNDaily/HHNDailyDisplay.dhtml?id=4400001030). (15) Alan Mumford (2000). ‘A learning approach to strategy’ Journal of Workplace Learning 12(7): 265–71. M. S. Basadur (2004). ‘Leading others to think innovatively together. Creative Leadership’. Leadership Quarterly 15: 103–21. Scott, W. Richard (1995). Institutions and organizations. Thousand Oaks, CA: Sage Publications. (16) Kim S. Cameron & Robert E. Quinn (2011). Diagnosing and Changing Organizational Culture: Based on the Competing Values Framework. New York: Jossey-Bass. (17) Cameron & Quinn (2011). (18) Joachim Burbiel (2007). ‘Creativity in research and development environments: A practical review’. Fraunhofer-Institute for Technological Trend Analysis. International Journal of Business Science and Applied Management 4(2) (www.business-and-management.org/download.php?file=2009/4_2--35-51--Burbiel.pdf). (19) Charles Fishman (1 July 2007). ‘Message in a Bottle’ (www.fastcompany.com/magazine/117/features-message-in-a-bottle.html). (20) http://tropicaltheartist.wordpress.com/2011/09/10/coffee-and-creativity-%E2%80%93-why. (21) Senge (1995). (22) Roger von Oech (1990). A Whack on the Side of the Head. New York: Warner Books (ISBN: 0880794798). (23) David L. Kurtz & Louis E. Boone (2009). Contemporary Business. Stamford, CT: Cengage Learning. (24) ‘100 Best Companies to Work For’ (2007). Fortune (http://money.cnn.com/magazines/fortune/bestcompanies/2007/snapshots/1.html). (25) Jack Stuster (2011). Bold Endeavors. Annapolis, MD: Naval Institute Press (ISBN: 1591148308). (26) ‘Lighting and Crime and the CfDS’ (www.britastro.org/dark-skies/crime.html). (27) Andrea Anderson (3 October 2011). ‘Half Asleep. Deprived of rest, parts of the brain start to snooze’. Scientific American (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=half-asleep-mind-sept-11). (28) Rick Nauert (November 2006). ‘Relationship Between Sleep and Crime Explored’ (http://psychcentral.com/news/2006/11/24/relationship-between-sleep-and-crimeexplored/431.html). (29) Cliff Kuang. ‘Infographic of the Day: Why Pro Athletes Sleep 12 Hours a Day’ (www.fastcodesign.com/1663723/infographic-of-the-day-why-pro-athletes-sleep-12-hours-a-day?partner=homepage_newsletter). (30) Mihaly Csikszentmihalyi (2002). Flow. London: Rider (ISBN: 0712657592). (31) Rachael Rettner (June 2010). ‘Why We Dream: Real Reasons Revealed: Live Science’ (www.livescience.com/8373-dream-real-reasons-revealed.html). (32) Yaacov Trope & Nira Liberman (2010). ‘Construal-Level Theory of Psychological Distance’. Psychological Review 117(2): 440–63. ©2010 American Psychological Association. (33) William Maddux & Adam Galinsky, ‘Cultural Borders and Mental Barriers: The Relationship between Living Abroad and Creativity’. Kellogg School of Management at Northwestern University American Psychological Association via Newswise (www.tricitypsychology.com/blog/living-abroad-makes-people-more-creative/#ixzz1X7hAxBXS). (34) Oren Shapira & Nira Liberman (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=an-easy-way-to-increase-c). الفصل الثامن: النجاح الأبدي … أحقًّا أبدي؟

(1) Mark Egan (April 2011). ‘CBS reporter Lara Logan recounts assault in Egypt’. Reuters (www.reuters.com/article/2011/04/28/us-media-logan-idUSTRE73R81420110428). (2) Sam Keen (1991). Faces of the Enemy: Reflections of the Hostile Imagination. New York: HarperCollins. (3) Joseph Campbell (1972). The Hero with a Thousand Faces, Bollingen Series no. 17, 2nd edn. Princeton, NJ: Princeton University Press. (4) Julie K. Norem (2001). The Positive Power of Negative Thinking. Cambridge, MA: Basic Books (ISBN: 0465051391). (5) Roger Scruton (2010). The Uses of Pessimism: And the Danger of False Hope. Oxford, UK: Oxford University Press. (6) Shelley Carson (April 2011). ‘The Unleashed Mind: Why Creative People Are Eccentric’. Scientific American (www.scientificamerican.com/article.cfm?id=the-unleashed-mind). (7) Clifford A. Pickover (1999). Strange Brains and Genius: The Secret Lives of Eccentric Scientists and Madmen. New York: William Morrow. (8) Carson (April 2011). ‘The Unleashed Mind’. (9) Aldo Rustichini (February 2010). ‘Thinking Outside a Less Intact Box: Thalamic Dopamine D2 Receptor Densities Are Negatively Related to Psychometric Creativity in Healthy Individuals’. Plos One (www.plosone.org/article/info%3Adoi%2F10.1371%2Fjournal.pone.0010670). (10) ‘Dopamine System in Highly Creative People Similar to That Seen in Schizophrenics, Study Finds’ (18 May 2010). Science Daily (www.sciencedaily.com/releases/2010/05/100518064610.htm). (11) HimaBindu K. Krishna (1998). ‘Bipolar Disorder and the Creative Genius’. Serendip (http://serendip.brynmawr.edu/exchange/node/1726). (12) Marianne English (August 2011). ‘Creativity Not as Well Received as We Think’. Discovery News (http://news.discovery.com/human/creativity-110831.html). (13) Clayton Christensen (1997). The Innovator’s Dilemma. Boston, MA: Harvard Business School Press. L. Joseph & Clayton M. Christensen (1995). ‘Disruptive Technologies: Catching the Wave’. Harvard Business Review, January-February. (14) West (2011). ‘Why Cities Keep Growing’. (15) Steven D. Levitt & Stephen J. Dubner (2009). Super Freakonomics: Global Cooling, Patriotic Prostitutes, and Why Suicide Bombers Should Buy Life Insurance. New York: William Morrow. (16) David Streitfeld (October 2011). ‘Amazon Signs Up Authors, Writing Publishers Out of Deal’. New York Times (www.nytimes.com/2011/10/17/technology/amazon-rewrites-the-rules-of-book-publishing.html?_r=1). (17) Harford (2011). (18) Linda Morris (4 October 2011). ‘Lifestyle the draw in new chapter for bookshops’. Sydney Morning Herald (www.smh.com.au/entertainment/books/lifestylethe-draw-in-new-chapter-for-bookshops-20111003-1l5bj.html#ixzz1byHUu3wk). (19) Patricia B. Seybold (2006). Outside Innovation: How Your Customers Will Co-design Your Company’s Future. New York: HarperCollins. (20) Kim Buckley (February 2009). ‘Decision on Trayless Cafeteria System Falls to Students’. Daily Nebraskan (www.dailynebraskan.com/news/decision-on-trayless-cafeteria-system-falls-to-students-1.1370021#.Tqkia7LYjPU). (21) In Africa and Asia, the number of people living in cities increases by an average of approximately 1 million each week. Noel McKeegan (11 June 2007). ‘Over half the world now live in cities according to UN Report’ (www.gizmag.com/go/7613). الفصل التاسع: تنفيذ خطة الإنقاذ

(1) Teresa Amabile & Steven Kramer (September 2011). ‘Do Happier People Work Harder?’ New York Times (www.nytimes.com/2011/09/04/opinion/sunday/do-happier-people-work-harder.html). (2) Laurent Philippe (head of P&G in China) (July 2004). ‘Understanding the Chinese consumer’. McKinsey Quarterly (www.mckinseyquarterly.com/Understanding_the_Chinese_consumer_1468). (3) ‘Cracking China: In a new book, Procter & Gamble tells how it brought consumerism to an untapped market’ (June 2004). Business Library (http://findarticles.com/p/articles/mi_m4070/is_199/ai_n6104076/?tag=mantle_skin;content).