Advertisement

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 002


[فصل في مفهوم العيد والحذر من التشبه بالكفار في أعيادهم]
فصل العيد: اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم (1) فيه اجتماع، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك.
وكذلك حريم (2) العيد: هو وما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون (3) فيها أشياء لأجله، (4) (4) أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله (5) (5) أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام (6) عيدهم، كيوم الخميس والميلاد، ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع (7) أو الشهر الآخر.
وإنما المحرك له على إحداث ذلك وجود عيدهم ولولا
_________
(1) الضمير هنا يرجع إلى الكفار (أهل الكتاب والمشركين ومَنْ سواهم) .
(2) في المطبوعة: تحريم، وما أثبته أصح ويفسره ما بعده.
(3) في (أط) وفي المطبوعة: تحدث.
(4) (4، 5) ما بين الرقمين سقط من المطبوعة.
(5) (4، 5) ما بين الرقمين سقط من المطبوعة.
(6) في (ج د) : يوم.
(7) في المطبوعة: أنا أصنع لكم في هذا الأسبوع.
(2/5)

هو (1) لم يقتضوا ذلك، فهذا من مقتضيات المشابهة. لكن يحال الأهل على عيد الله ورسوله ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب (2) أهله لله أرضاه الله وأرضاهم.
وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي (3) فتنة أضر على الرجال من النساء» (4) .
وأكثر ما يفسد الملك والدول (5) طاعة النساء وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة (6) رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن (7) يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (8) .
_________
(1) في (ب) : ولا ذلك.
(2) في (أ) : غضب.
(3) في المطبوعة زاد: (على أمتي) ، وهي زيادة انفردت بها المطبوعة.
(4) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، الحديث رقم (5096) من فتح الباري (9 / 137) ، وصحيح مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، الحديث رقم (2740) ، (4 / 2097) .
(5) في (ج د) : الملل والدُّول.
(6) هو الصحابي الجليل: نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي، أسلم بالطائف حين حاصرها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم، نزل البصرة ومات بها سنة (52هـ) . انظر: أسد الغابة (5 / 151) ، وتقريب التهذيب (2 / 30 6) ، (ت139) .
(7) في جميع النسخ المخطوطة: لا أفلح، وفي البخاري والمطبوعة كما أثبته.
(8) صحيح البخاري، كتاب الفتن، الباب (18) ، الحديث رقم (7099) من فتح الباري (13 / 53) .
(2/6)

وروي أيضا: «هلكت الرجال حين أطاعت النساء» (1) .
وقد قال صلى الله عليه وسلم (2) لأمهات المؤمنين، لما راجعنه في تقديم أبي بكر: «إنكن صواحب يوسف» (3) . يريد أن النساء من شأنهن مراجعة ذي اللب، كما قال في الحديث الآخر: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن» (4) .
«ولما أنشده الأعشى - أعشى باهلة - (5) أبياته التي يقول فيها: (. . . . . . . . . . . . . . . . .
وهن شر غالب لمن غلب
)
_________
(1) أخرجه أحمد عن أبي بكرة بلفظ (هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء ـ ثلاثًا ـ) المسند (5 / 45) ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (2 / 712) ، الحديث (9596) ، وقال: " حديث حسن ". وإسناده عند أحمد جيد. وضعفه الألباني. انظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته 879 رقم 6097.
(2) في المطبوعة: لإحدى أمهات المؤمنين حين راجعته.
(3) جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، الباب رقم (19) ، الحديث (3384، 3385) فتح الباري (6 / 417 ـ 418) .
(4) أخرجاه في الصحيحين: في مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان. .، الحديث رقم (79) ، (1 / 87) ، بهذا اللفظ، إلا أنه قال: " أغلب لذي لب منكن ". وفي البخاري: كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، الحديث رقم (304) ، (1 / 405) من فتح الباري، ولفظه: " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. . ".
(5) أكثر المصادر تسميه: عبد الله بن الأعور المازني، وقال ابن حجر في الإصابة: " إنه الحرمازي، وليس في بني مازن أعشى، إنما تتفق المصادر على أن اسمه: عبد الله بن الأعور، صحابي، ولست أدري ما وجه تسميته (أعشى باهلة) هنا، فأعشى باهلة اسمه: عامر بن الحارث بن رياح الباهلي، ولم أجد من المصادر ما يشير إلى أنه قال هذه الأبيات ". والله أعلم. انظر: الإصابة (2 / 276) ، (ت4535) ، وأسد الغابة (1 / 102) ، واللباب (3 / 45) ، ومسند أحمد (2 / 204) ، وطبقات ابن سعد (7 / 53) ، والأعلام (3 / 250) .
(2/7)

جعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها ويقول: "
وهن شر غالب لمن غلب
» (1) . ولذلك امتن الله على زكريا عليه السلام حيث قال: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] (2) وقال بعض العلماء: " ينبغي للرجل أن يجتهد (3) إلى الله في إصلاح زوجه له ".
_________
(1) جاء ذلك في قصة في مسند أحمد (2 / 202) ، وذكرها ابن سعد في طبقاته (7 / 53، 54) ، وابن كثير في السيرة، تحقيق مصطفى عبد الواحد (4 / 142) .
(2) سورة الأنبياء: من الآية 90.
(3) في المطبوعة زاد: في الرغبة.
(2/8)

[فصل في أعياد الكفار]
[بعض ما يفعله الناس من المسلمين من البدع في ذلك]
فصل أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم أو مكان، أن سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذا عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع، ونحن ننبه على ما رأينا كثيرا من الناس قد وقعوا فيه:
فمن ذلك الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون ويسمونه عيد العشاء (1) وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد؛ هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من (2) المنكرات.
فمنه: خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه (3) موسما لبيع البخور وشرائه، وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت إذ اتخذ وقتا للبيع، ورقي البخور (4) مطلقا في
_________
(1) في (أ) : العشائين، وفي (ط) : العشا.
(2) في (ب ج د) : وهو المنكرات.
(3) في المطبوعة: واتخاذ هذه الأيام موسمًا.
(4) رقي البخور: أي: البخور الذي قرئت عليه الرقى.
(2/9)

ذلك الوقت أو في غيره، أو قصد شراء البخور المرقي (1) فإن رقي البخور واتخاذه (2) قربانا هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب بسائر الطيب من المسك وغيره مما له أجزاء بخارية وإن لطفت، أو له رائحة محضة، (3) ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب.
وكذلك اختصاصه بطبخ رز بلبن، أو بسيسة، (4) أو عدس، أو صبغ، أو بيض، أو مقر (5) . . ونحو ذلك؛ فأما القمار بالبيض، أو بيع البيض لمن يقامر به، أو شراؤه من المقامرين (6) فحكمه ظاهر.
ومن ذلك: ما يفعله الأكارون، من نكت (7) البقر بالنقط (8) الحمر أو نكت الشجر أيضا، أو جمع أنواع من النبات (9) والتبرك بها، والاغتسال بمائها، ومن ذلك: ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون، (10) والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال بشيء من ذلك، فإن أصل ذلك ماء المعمودية.
_________
(1) في (ج د) : للموتى. بدل المرقي، والرقى: هي ما يقرأ من قرآن وأدعية وتعاويذ ونحوها.
(2) في (أط) : واتخاذ البخور قربانًا.
(3) في المطبوعة: وإنما يستحب.
(4) في المطبوعة: أو بسمن. وقال في القاموس المحيط: واتخاذ البسيسة بأن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو الزيت. انظر: فصل الباء، باب السين (2 / 207) .
(5) أو مقر: ساقطة من المطبوعة. والمقر هو: الصبر أو شبيه به، ويطلق على اللبن أيضًا، المصدر السابق (2 / 241) .
(6) في (ب ج د) : من المتقامرين.
(7) في المطبوعة: نقط، وهي تفسير للنكت.
(8) في (ج د) : بالفقس.
(9) في المطبوعة: أنواع الثياب.
(10) في (أج د) : أو الاغتسال.
(2/10)

ومن ذلك: ترك الوظائف الراتبة من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام.
والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يوما كسائر الأيام، فإنا قد قدمنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية (1) وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيدون (2) فيه.
ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس في أثناء الشتاء في أثناء كانون الأول لأربع وعشرين خلت منه، ويزعمون أنه ميلاد عيسى عليه السلام، فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل: إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ذلك. فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدا هو دين النصارى، ليس لذلك أصل في دين الإسلام، ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلا على عهد السلف الماضين، بل أصله مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه سبب طبيعي (3) وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران، ولأنواع مخصوصة من الأطعمة.
ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام -أظنها أحد عشر يوما- عمد (4) يحيى لعيسى عليهما السلام في ماء (5) المعمودية فهم يتعمدون (6) في هذا الوقت، ويسمونه عيد الغطاس، وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن
_________
(1) في الجاهلية: ساقطة من (أ) .
(2) في (أ) : يتعبدون، وفي (ط) : يعبدون.
(3) في (أ) : طبعي.
(4) في (ج د) : عهد، وما أثبته أرجح، ويفسره ما بعده، وفي المطبوعة: عمد يحيى عيسى، وهو خلاف المخطوطات.
(5) في (ب) : بناء، أو: نبأ.
(6) في (ج د) : يتعهدون.
(2/11)

أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة.
وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان، وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل (1) .

[النهي عن فعل ما يعين الكفار في أعيادهم]
وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك فمن (2) صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب (3) دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد، لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل: إهداء الشمع ونحوه في الميلاد أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم (4) كما ذكرناه.
ولا يبيع (5) المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر، فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قدمنا أنه قيل للإمام أحمد: (6) هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور
_________
(1) من قبل: ساقطة من (ب) .
(2) في (أ) : فمنع.
(3) في المطبوعة: لم تجب إجابة دعوته. وهذا يوهم جواز إجابة هذه الدعوة مع عدم وجوب ذلك.
(4) بهم: سقطت من (ج د) .
(5) في (أب) : يبايع.
(6) في (ج) : في هذه.
(2/12)

يانور (1) ودير أيوب، وأشباهه يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير ذلك؛ إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق (2) قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق (3) فلا بأس.
وقال أبو الحسن الآمدي: " فأما ما يبيعون (4) في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره ". نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم " فهذا الكلام محتمل؛ لأنه أجاز شهود السوق مطلقا بائعا، ومشتريا؛ لأنه قال: " إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس " هذا يعم البائع، والمشتري، لا سيما إن كان الضمير في قوله: " يجلبون " عائدا إلى المسلمين، فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى السوق.
ويحتمل -وهو أقوى- أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخص في الشراء منهم، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي يقيمها الكفار لعيدهم، وقال في آخر مسألته: " يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم " وذلك؛ لأن السائل مهنا بن يحيى الشامي، وهو فقيه عالم، وكان (5) -والله أعلم- قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود أسواقهم بمنزلة شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة
_________
(1) في (أ) والمطبوعة: طور يابور، وفي (ط) : مهملة، محتملة للأمرين، ولم أجد لهذا الطور ذكرًا. أما دير أيوب فقد مر ذكره (1 / 517) .
(2) في المطبوعة: أسقطت العبارة: وإنما يشهدون الأسواق.
(3) في (ج د) : الأسواق.
(4) في (أ) : يبتغون.
(5) في المطبوعة: وكأنه.
(2/13)

في شهود السوق، ولم يسأل عن بيع المسلم لهم إما لظهور الحكم عنده، وإما لعدم الحاجة إليه إذ ذاك، وكلام الآمدي أيضا محتمل (1) للوجهين. لكن الأظهر فيه الرخصة في البيع أيضا؛ لقوله: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم "، وقوله: " وإن قصد إلى توفير (2) ذلك وتحسينه لأجلهم ".
فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة فيجوز؛ لأن ذلك ليس فيه (3) شهود منكر، ولا إعانة على معصية؛ لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه (4) لعيدهم عنهم (5) فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون (6) لأعياد باطلة.
وأيضا، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل (7) سوقا يباع (8) فيها السلاح لمن يقتل به معصوما، أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل (9) ليشتري منها، بل هذا أجود؛ لأن
_________
(1) في (أ) زاد: بعد محتمل: آخر أيضًا، وفي (ط) : زاد أيضًا.
(2) في (أ) : توفية.
(3) فيه: سقطت من (ج د) .
(4) في (ج د) : يتبايعونه.
(5) في المطبوعة زاد: (الذي يظهر أنه إعانة لهم، وتكثير لسوادهم) بعد (عنهم) وقبل (فيكون) .
(6) في (ب) : ما كان في الأعياد باطلة. ويكون: ساقطة من (ط) .
(7) في (أ) : الرجال.
(8) في (ب) : فابتاع.
(9) في (أ) زاد: سوقًا يباع، ولعل نظر الناسخ سبق إلى الكلمة التي فوقها فكتبها هنا، وهي: (سوقًا يباع) كذلك.
(2/14)

البائع في هذا السوق ذمي، وقد أقروا (1) على هذه المبايعة.
ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر -رضي الله عنه- في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي (2) دار حرب، وحديث عمر -رضي الله عنه- وأحاديث أخر بسطت القول فيها (3) في غير هذا الموضع (4) مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية.
فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو: (5) أن بيع الكفار عنبا أو عصيرا يتخذونه خمرا لا يجوز (6) وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به مسلما.
وقد دل حديث عمر -رضي الله عنه- في إهداء الحلة السيراء (7) إلى أخ له بمكة مشرك (8) على جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة، وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح
_________
(1) في (أ) : أقروه.
(2) في المطبوعة زاد: حينذاك، ودار: سقطت من (أ) .
(3) في (ب ج د) : عليها.
(4) في (أ) زاد: غيرهم، ولعله خلط من الناسخ.
(5) في المطبوعة قال: وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار.
(6) لا يجوز: أسقطت من المطبوعة بناءً على التغيير الأول في العبارة.
(7) السيراء كما قال في القاموس: نوع من البرود فيه خطوط صفر، أو يخالطه حرير. انظر: القاموس المحيط، فصل السين، باب الراء (2 / 56) .
(8) جاء ذلك في حديث أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح، المسند (2 / 103) في مسند ابن عمر.
(2/15)

الروايتين (1) ولم يجز بالخمر بحال، وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه.
فهذا الأصل فيه اشتباه، فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جوز ذلك، وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان، فقد يقال: (2) بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب، فإن حمل الثياب والطعام إلى أرض الحرب فيه إعانة على دينهم في الجملة، وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب فهنا أولى، وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك، لكن هل هو منع تحريم؟ أو تنزيه؟ مبني على ما سيأتي. وقد ذكر عبد الملك بن حبيب (3) أن هذا مما اجتمع (4) على كراهته، وصرح بأن مذهب مالك أن ذلك حرام.
قال عبد الملك بن حبيب في (الواضحة) (5) كره مالك أكل ما ذبح النصارى لكنائسهم، ونهى عنه من غير تحريم، قال: وكذلك ما ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى (6) من أحبارهم ورهبانهم الذين يعظمون، فقد كان مالك وغيره ممن يقتدى به يكره أكل هذا كله من
_________
(1) يعني عن أحمد بن حنبل. انظر: المغني والشرح الكبير (1 / 627) في المغني.
(2) في (ب) : فقد قال.
(3) هو: الإمام عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي القرطبي، أبو مروان، ولد سنة (174هـ) ، إمام في الفقه المالكي، عالم الأندلس وفقيهها في وقته، وله مؤلفات كثيرة منها: (1) الواضحة في السنن والفقه. (2) تفسير موطأ مالك. (3) طبقات الفقهاء والتابعين. وهو ضعيف الحديث، توفي سنة (238هـ) . انظر: لسان الميزان (4 / 59، 60) ، (ت 174) ؛ والأعلام للزركلي (4 / 157) .
(4) في (ب) : أجمع.
(5) الواضحة، كتاب في الفقه المالكي، ألفه عبد الملك المذكور. انظر: الأعلام للزركلي (4 / 157) .
(6) من: سقطت من (أ) .
(2/16)

ذبائحهم، وبه نأخذ، وهو يضاهي قول الله تعالى {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] (1) وهي ذبائحهم (2) التي كانوا يذبحون لأصنامهم التي كانوا يعبدون. قال: وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك (3) ويقولون: (قد أحل الله لنا ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون، وما يريدون بها، وروى ذلك ابن وهب (4) عن ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء (5) وسليمان بن يسار (6) وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب (7) وربيعة (8) ويحيى بن سعيد (9)
_________
(1) سورة البقرة: من الآية 173.
(2) ذبائحهم: سقطت من (أ) .
(3) كذا في (أ) والمطبوعة. وفي بقية النسخ: يستخفون ذلك.
(4) مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(5) هو الصحابي الجليل: عويمر بن مالك بن زيد بن قيس الخزرجي، الأنصاري، آخى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينه وبين سلمان الفارسي، وشهد ما بعد أحد من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولي قضاء دمشق في عهد عثمان بن عفان، وتوفي بها سنة (32هـ) . انظر: طبقات ابن سعد (7 / 391 ـ 393) ؛ والإصابة (5 / 185 ـ 186) .
(6) في (ب) : بن بشار. ولعل (ابن يسار) أصح كما هو في بقية النسخ، وسليمان بن يسار مرت ترجمته.
(7) هو: الزهري. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(8) في المطبوعة قال: ربيعة بن عبد الرحمن. وهو خلاف جميع النسخ، كما أنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وليس ابن عبد الرحمن، وهو: ربيعة بن فروخ، وفروخ هو أبو عبد الرحمن، التيمي بالولاء، أبو عثمان، المدني، المشهور بربيعة الرأي، قال ابن حجر في التقريب: (ثقة فقيه مشهور) ، وهو من الطبقة الخامسة، أخرج له الستة، توفي سنة (136هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 247) ، (ت60) .
(9) لعله يحيى بن سعيد القطان، إمام الحديث، والجرح، والتعديل، ثقة متقن حافظ، وإمام قدوة، من كبار الطبقة التاسعة، وهو معاصر لابن وهب المذكور هنا، توفي سنة (198هـ) وعمره (78) سنة. انظر: تقريب التهذيب (2 / 248) ، (ت72) . ويحتمل أنه يقصد: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي، أبو سعيد، من علماء المدينة ومحدثيها وحفاظها الكبار المشاهير، تولى قضاء الحيرة، وتوفي سنة (144هـ) ، والأرجح عندي أنه هو المقصود هنا، لمعاصرته لربيعة وابن شهاب وعمر بن عبد العزيز. انظر: تهذيب التهذيب (11 / 221 ـ 224) ، (ت 360) .
(2/17)

ومكحول (1) وعطاء (2) .
قال عبد الملك: وترك ما ذبحوا لأعيادهم وأقستهم (3) وموتاهم، وكنائسهم أفضل. قال: وإن فيه عيبا آخر: أن أكله (4) من تعظيم شركهم.
ولقد سأل سعد المعافري (5) مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم يتصدقون به عنهم: أيأكل منه المسلم؟ فقال: " لا ينبغي (6) لا يأخذه منهم "؛ لأنه إنما يعمل تعظيما للشرك فهو كالذبائح (7) للأعياد والكنائس.
وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة: (8) هل يجوز (9) لمسلم شراؤه؟ فقال: " لا يحل ذلك له؛ لأنه تعظيم
_________
(1) هو: مكحول الشامي، أبو عبد الله، الفقيه الدمشقي، من علماء الشام وفقهائها، رمي بالقول بالقدر لكنه رجع، وهو ثقة لكنه يدلس. أخرج له مسلم، توفي سنة (114هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (10 / 289 ـ 293) ، (ت 509) .
(2) مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(3) في (أ) : وأقسستهم، والمقصود بها في العبارتين: القساوسة، وهي جمع قس، وهو لقب من ألقاب من يسمون برجال الدين عند النصارى.
(4) في (أ) والمطبوعة: كله.
(5) هو: سعد بن عبد الله المعافري، من علماء المالكية، ومن تلاميذ مالك، تفقه عليه ابن وهب وابن القاسم من كبار المالكية، توفي سنة (173هـ) . انظر: طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي (ص150) .
(6) في المطبوعة: لا ينبغي أن يأخذه منهم.
(7) في المطبوعة: كالذبح.
(8) في (ج د) : لكنيسة.
(9) في (أ) : للمسلم.
(2/18)

لشعائرهم (1) وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء " (2) . وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها (3) وربما حبست تلك (4) الأرض على الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها (5) من وجهين:
الواحد: (6) من العون على تعظيم الكنيسة.
والآخر: من جهة (7) بيع الحبس (8) ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين، ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض (9) فيها بمنع ولا تنفيذ ولا بشيء.
قال: وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة (10) عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه، وكره ابن القاسم للمسلم يهدي (11) للنصارى شيئا في عيدهم (12) مكافأة لهم (13) ورآه من تعظيم عيدهم (14)
_________
(1) لشعائرهم: سقطت من (أب) .
(2) في (أ) : سواء، ولعله خطأ إملائي من الناسخ.
(3) أي ترميمها وإصلاحها.
(4) تلك: سقطت من (أ) .
(5) في (أ) والمطبوعة: لمسلم أن يشتريها.
(6) في المطبوعة زاد: أن ذلك.
(7) في (أ) والمطبوعة: من وجه.
(8) في (أ) : الحبيس.
(9) في (أب) : يعرض.
(10) في (أ) والمطبوعة: السخط.
(11) في المطبوعة: أن يهدي للنصراني.
(12) في (أط) : للنصراني في عيده.
(13) في (أط) والمطبوعة: له.
(14) في (أط) والمطبوعة: عيده.
(2/19)

وعونا لهم (1) على مصلحة (2) كفرهم (3) ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم؟ لا لحما، ولا إداما (4) ولا ثوبا، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه.
فأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع (5) على كراهيته، بل هو عندي أشد، فهذا كله كلام ابن حبيب.
وقد ذكر أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم (6) ومهاداتهم ما يستعينون به على أعيادهم، وقد صرح بأن مذهب مالك: أنه لا يحل ذلك.
وأما نصوص أحمد على مسائل هذا الباب: فقال إسحاق بن إبراهيم (7) سئل أبو عبد الله -رحمه الله- عن نصارى، وقفوا ضيعة للبيعة: أيستأجرها الرجل (8) المسلم منهم؟ فقال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم (9) على ما هم فيه، وقال أيضا: سمعت أبا عبد الله، وسأله رجل بناء: أبني للمجوس ناووسا (10) قال: لا تبن
_________
(1) في (أط) والمطبوعة: له.
(2) مصلحة: سقطت من المطبوعة.
(3) في (أط) والمطبوعة: كفره.
(4) في (ب) : أدما، وفي (ج د) : دما.
(5) في (ب) أجمع.
(6) في (أ) : متابعتهم.
(7) هو: النيسابوري، مرت ترجمته. انظر فهرس الأعلام.
(8) الرجل: ساقطة من (أ) .
(9) في (أ) : لا يعنهم.
(10) الناووس: صندوق من خشب أو نحوه يضعون فيه جثة الميت. انظر: المعجم الوسيط (2 / 971) .
(2/20)

لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه (1) . وقد نقل عن محمد بن الحكم (2) وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا بكراء؟ قال: لا بأس به، والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق، فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم.

[بيع الدار ونحوها للذمي وإجارتها له]
وقال الخلال: " باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه " وذكر عن المروزي أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي، وفيها محاريبه: (3) فقال: " نصراني (4) ! " واستعظم ذلك، وقال: " لا تباع يضرب فيها بالناقوس (5) وينصب (6) فيها الصلبان، وقال: لا تباع من الكفار "، وشدد في ذلك.
وعن أبي الحارث (7) أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاء
_________
(1) انظر: مسائل الإمام أحمد للنيسابوري (2 / 30) ، المسألة رقم (1299) .
(2) هو: محمد بن الحكم أبو بكر الأحول، سمع من الإمام أحمد مسائل، وكان له علم وفهم سديد، توفي قبل الإمام سنة (223هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (1 / 295، 404) .
(3) المحاريب جمع محراب، وهو: مقام الإمام في المسجد، ويطلق على الغرفة، وصدر البيت. انظر: القاموس المحيط، فصل الحاء، باب الباء (1 / 54) ، والذي يظهر لي أن المقصود بالمحاريب هنا: الأماكن التي تخصص لصلاة التطوع وصلاة النساء في المنزل، والله أعلم.
(4) في المطبوعة: فيها نصراني.
(5) في (أ) : يضرب فيها الناقوس.
(6) في (ط) : وتنصب.
(7) يغلب على ظني أنه: أحمد بن محمد الصائغ، أبو الحارث، فقد كان أحمد بن حنبل يقدمه ويكرمه، وروى عن الإمام مسائل كثيرة. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 74، 75) ، (ت 59) .
(2/21)

نصراني فأرغبه، وزاده في ثمن الدار، ترى (1) له أن يبيع داره منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ قال: " لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافر يكفر (2) بالله فيها! يبيعها من مسلم أحب إلي " فهذا نص على المنع.
ونقل عنه إبراهيم بن الحارث (3) قيل لأبي عبد الله: الرجل يكري منزله من الذمي ينزل فيه، وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر، ويشرك فيها؟ قال: " ابن عون (4) كان لا يكري إلا من أهل الذمة يقول: يرعبهم " (5) ".
قيل له: كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا. قال: " لا، ولكنه أراد: أنه كره أن يرعب (6) المسلمين، يقول: إذا جئت أطلب الكراء من المسلم أرعبته. فإذا كان ذميا كان (7) أهون عنده " وجعل أبو عبد الله يعجب لهذا من ابن عون، فيما رأيت. وهكذا نقل الأثرم سواء، ولفظه: قلت لأبي عبد الله.
_________
(1) في (أ) : وضع في الهامش: هل، قبل: ترى.
(2) يكفر: ساقطة من (أ) .
(3) هو: إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، من كبار أصحاب الإمام أحمد، ويعد من الطبقة الثانية عشرة. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 94) (ت 92) ، وتهذيب التهذيب (1 / 113) ، (ت197) .
(4) لعله عبد الله بن عون بن أبي عون بن يزيد، الهلالي، الخراز، البغدادي، ثقة عابد، من الطبقة العاشرة، توفي سنة (232هـ) ، أخرج له مسلم والنسائي. انظر: تقريب التهذيب (1 / 439) ، (ت527) ، وهو معاصر للإمام أحمد. وربما يكون المقصود: الإمام عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، عالم فقيه، من السادسة، توفي سنة (150هـ) ، وهذا هو الأرجح عندي؛ لأنه فقيه يناسب اعتبار الإمام أحمد لقوله وفعله، انظر: تقريب التهذيب (1 / 439) ، (ت 526) .
(5) في (ب ج د ط) : يرغبهم، وما أثبته أصح،؛ لأن السياق يتطلبه.
(6) في (ب ط) : يرغب، والصحيح ما أثبته كسابقه؛ لأنه في طلب الكراء، وفيه إرعاب للمستأجر؛ لأنه غارم.
(7) كان: ساقطة من (ج د) .
(2/22)

ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها.
ونقل عنه مهنا قال: سألت أحمد عن الرجل يكري المجوس داره، أو دكانه، وهو يعلم أنهم يزنون، فقال: " كان ابن عون (1) لا يرى أن يكري المسلمين، يقول: أرعبهم (2) في أخذ الغلة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين ".
قال أبو بكر الخلال: كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي، فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون، ولم ينفذ (3) لأبي عبد الله فيه قول.
وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون، والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي (4) أنه كره ذلك كراهة شديدة، فلو نفذ (5) لأبي عبد الله (6) قول في السكنى؛ لكان (7) السكنى والبيع عندي واحدا، والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ (8) (8) لأنه يكفر فيها، وينصب الصلبان، وغير ذلك، والأمر عندي: أنه لا يباع منه ولا يكرى (9) (9) ؛ لأنه معنى واحد.
_________
(1) في (أ) : ابن عوف. وهو تحريف من الناسخ.
(2) في (أط) : أرغبهم. والمثبت أصح كما بينت.
(3) في (أ) : ينقل.
(4) في (ب) : من ذمي.
(5) في (ب) نقل.
(6) في (أ) : فيه قول.
(7) في (أ) : كأن. وفي المطبوعة: لكانت.
(8) ما بين الرقمين ساقط من (أ) .
(9) ما بين الرقمين ساقط من (أ) .
(2/23)

قال: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان (1) قال: سئل أبو عبد الله عن حصين بن عبد الرحمن (2) فقال: " روى عنه (3) حفص (4) لا أعرفه " قال أبو بكر: هذا من النساك حدثني أبو سعيد الأشج (5) سمعت أبا خالد الأحمر (6) يقول: حفص هذا العدوي نفسه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة، من عون البصري (7) فقال له أحمد: " حفص "؟ قال: نعم.
_________
(1) هو: أحمد بن الحسين بن حسان السامري ـ من سرّ من رأى ـ قال في طبقات الحنابلة: رأى إمامنا أحمد، وروى عنه أشياء. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 39) ، (ت12) ، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص125) ، تحقيق د. عبد الله التركي.
(2) يظهر لي أنه: حصين بن عبد الرحمن النخعي الكوفي (وهو غير حصين بن عبد الرحمن السلمي المشهور،؛ لأن حفص بن غياث من الطبقة الثامنة، وحصين السلمي من الخامسة) ، أما حصين المترجم له فهو من الطبقة السابعة، قال ابن حجر في التقريب: قلت: قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب (2 / 383) ، (ت662) .
(3) في (أ) روى عن حفص. والصحيح ما أثبته. انظر: تهذيب التهذيب (2 / 383) .
(4) هو: حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمرو، الكوفي، القاضي، ثقة، صاحب حديث، ولد سنة (117هـ) وتوفي سنة (195هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (2 / 415-418) (ت 725) .
(5) هو: عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي، أبو سعيد الأشج، من صغار الطبقة العاشرة، ثقة، أخرج له الستة، مات سنة (257هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 419) ، (ت 342) .
(6) هو: سليمان بن حيان الأزدي، الكوفي، أبو خالد الأحمر، قال في التقريب: صدوق يخطئ، من الثامنة، وأخرج له الستة، توفي سنة (190هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 323) ، (ت425) .
(7) لم أتوصل لمعرفته؛ لأن المعروفين بهذا الاسم كثيرون، ولم أجد ما يدل عليه. وكذلك الشيخ هنا شك فيه.
(2/24)

فعجب أحمد، يعني من حفص بن غياث، قال الخلال: وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله.
قلت: عون هذا كأنه من أهل البدع، أو من الفساق بالعمل، فقد أنكر أبو خالد الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة، أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدع، وعجب أحمد (1) أيضا من فعل القاضي.
قال الخلال: " فإذا كان يكره بيعها من فاسق، فكذلك من كافر، وإن كان الذمي يقر، والفاسق لا يقر، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم "، وهكذا ذكر القاضي عن أبي بكر عبد العزيز (2) أنه ذكر قوله في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي، فقال أبو بكر: " لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة" ووافقه القاضي (3) وأصحابه على ذلك.
وعن إسحاق بن منصور (4) أنه قال لأبي عبد الله: سئل -يعني الأوزاعي - عن الرجل يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني، فكره ذلك، وقال أحمد: " ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس به (5) ".
_________
(1) أحمد: سقطت من (ج د) .
(2) في (ج د) : أبي عبد العزيز. أي أن: (بكر) سقطت.
(3) هو: أبو يعلى الفراء.
(4) هو: إسحاق بن منصور بن بهرام التميمي، أبو أيوب الكوسج، المروزي ثم النيسابوري، صاحب مسائل الإمامين: أحمد وإسحاق، إمام ثقة واسع العلم، توفي سنة (251هـ) . انظر: خلاصة تذهيب التهذيب (ص30) ، وشذرات الذهب (2 / 123) .
(5) به: سقطت من (أط) والمطبوعة.
(2/25)

وعن أبي النضر العجلي (1) قال: قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني، فهو يكره أكل كرائه، ولكنه يقضي للحمال (2) بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد كراهية ".
وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافر، فقد ذكرنا منع أحمد منه. ثم اختلف أصحابه: هل هذا تنزيه أو تحريم؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: (3) " كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح فيها (4) المحظورات، فإن فعل أساء، ولم يبطل البيع " وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها، وأما الخلال وصاحبه (5) والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وقد ذكر كلام الخلال وصاحبه، وقال القاضي: " لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو يبيع فيه الخمر، سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر، أو لم يشرط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر ".
_________
(1) هو: إسماعيل بن عبد الله بن ميمون بن عبد الحميد، أبو النضر العجلي، مروزي الأصل، نقل عن الإمام أحمد أشياء كثيرة، ونقل عنه مسائل مهمة، توفي سنة (270هـ) ، وعمره (84) سنة. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 105) ، (ت115) .
(2) في (أط) : للجمّال. والجمّال هو: صاحب الجمل (البعير) الذي يؤجر بعيره للأحمال، ونحوها. والحمّال: الذي يؤجر نفسه أو دابته للأحمال، فهو أعم.
(3) الشريف: محمد بن أحمد بن أبي موسى، الهاشمي القاضي، أبو علي، ولد سنة (345هـ) ، من علماء عصره، ومن كبار أتباع الإمام أحمد، من مصنفاته: الإرشاد في المذهب. وشرح كتاب الخرقي، وتولى القضاء في عهد القادر بالله. وتوفي سنة (428هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (2 / 182 ـ 186) ، (ت652) .
(4) فيها: ساقطة من (أب ط) .
(5) يعني: أبا بكر عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال.
(2/26)

وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: " لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها (1) يبيعها من مسلم أحب إلي ". قال أبو بكر: " لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز (2) البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة ".
وقال أيضا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة: " لا يستأجرها الرجل المسلم منهم، يعينهم على ما هم فيه ". قال: وبهذا قال الشافعي " (3) .
فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر، مستشهدا على ذلك بنص أحمد على أنه لا يبيعها لكافر، ولا يستكري وقف الكنيسة، وذلك يقتضي أن المنع في هاتين الصورتين عنده منع تحريم، ثم قال القاضي في أثناء المسألة: فإن قيل أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة، مع علمه بأنهم يفعلون فيها ذلك؟ قيل: " المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون (4) وعجب منه، وذكر القاضي رواية الأثرم، وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي.
وكذلك أبو بكر قال: إذا أجاز أجاز (5) وإذا منع منع (6) وما لا يجوز فهو محرم "، وكلام أحمد رحمه الله (7) محتمل الأمرين، فإن قوله في رواية
_________
(1) في (ج د) : يكفر فيها بالله.
(2) في (أ) : جاز.
(3) انظر: (الأم) للشافعي (4 / 213) ففيه ما يفيد هذا المعنى لا نصه.
(4) في المطبوعة زاد: -رضي الله عنه-.
(5) في (ج د) : إذا أجاز جاز.
(6) أي: إذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة، كما هو مبين قبل قليل في الأصل.
(7) في (ط) : -رضي الله عنه-.
(2/27)

أبي الحارث " يبيعها من مسلم أحب إلي " يقتضي أنه منع تنزيه. واستعظامه لذلك (1) في رواية المروذي (2) وقوله: " لا تباع من الكفار " (3) -وشدد في ذلك- يقتضي التحريم.
وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع، وأن ما حكاه عن ابن عون ليس بقول له، وإن إعجابه بفعل ابن عون إنما كان لحسن مقصد ابن عون، ونيته الصالحة، ويمكن أن يقال: بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن إعجابه بالفعل دليل على (4) جوازه عنده، واقتصاره على (5) الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين.
والفرق بين الإجارة والبيع: أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أخرى، وهو صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم، وإنزال ذلك بالكفار، وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارا لكافر (6) لكن لما تضمنه (7) من المصلحة جاز، وكذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة.
فأما البيع: فهذه المصلحة منتفية فيه، وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى (8) وغيره أن البيع مكروه غير محرم، فإن الكراهة في الإجارة تزول
_________
(1) في (أ) : كذلك.
(2) في (ج د) وفي المطبوعة: المروزي.
(3) في (أ) : لا يباع من الكافر.
(4) على: ساقطة من (أ) والمطبوعة.
(5) في (ج د) : عن.
(6) في المطبوعة: وإن كان فيه إقرار الكفار.
(7) في (أ) : تضمنته.
(8) في (ط) : علي بن أبي موسى. ولعله تصرف من الناسخ؛ لأن ابن أبي موسى اسمه محمد كما مر، أو لعلها: أبو علي، وهي كنيته، فحرفت.
(2/28)

بهذه المصلحة الراجحة كما في نظائره فيصير في المسألة أربعة أقوال (1) .
وهذا الخلاف عندنا، والتردد في الكراهة، هو (2) إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة، فأما إن آجره إياه لأجل بيع الخمر، أو اتخاذها كنيسة أو بيعة؛ لم يجز قولا واحدا، وبه قال الشافعي وغيره، كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور.
وقال أبو حنيفة: " يجوز أن يؤجرها لذلك " (3) .
قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط (4) أن يبيع فيه الخمر، وبين أن (5) لا يشترط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، أن الإجارة تصح".
ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط؛ لأن له أن لا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة، وتستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة، فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء، كان ذكرها وترك ذكرها سواء، كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها، فإن الأجرة تستحق عليه، وإن لم يفعل ذلك، وكذا يقول (6) فيما إذا استأجر رجلا يحمل (7) خمرا، أو ميتة، أو خنزيرا: أنه يصح؛ لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمل عليه
_________
(1) ملخصها: القول الأول: تحريم البيع والإجارة من الذمي.
القول الثاني: كراهة البيع والإجارة.
القول الثالث: تحريم البيع وكراهية الإجارة.
القول الرابع: كراهية البيع وجواز الإجارة.
(2) في المطبوعة زاد: فيما.
(3) الإشارة ترجع إلى تأجير الدار لبيع الخمر، واتخاذها كنيسة، لا إلى إكراء الأمة للفجور.
(4) يشترط: سقطت من (أ) .
(5) في (ج د) : أو لا يشترط.
(6) في (ب) : نقول.
(7) في المطبوعة: لحمل خنزير، أو ميتة أو خمر.
(2/29)

بدله عصيرا استحق الأجرة، فهذا التقييد عنده لغو، فهو بمنزلة الإجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزة، وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا، ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة، قال: لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره.
وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: " ليس المقيد كالمطلق، بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي منفعة (1) محرمة، وإن جاز للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها، وألزموه ما لو اكترى دارا يتخذها مسجدا، فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد إجارة.
ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية وقالوا: " إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها، والعاصر إنما يعصر عصيرا لكن إذا رأى أن المعتصر (2) يريد أن يتخذه خمرا، وعصره (3) استحق اللعنة، وهذا أصل مقرر في غير هذا الموضع.
لكن معاصي الذمي (4) قسمان:
أحدهما: ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها.
والثاني: ما اقتضى عقد الذمة منعه منها، أو من (5) إظهارها.
_________
(1) في (ب) : المنفعة.
(2) في (أ) : المقصود.
(3) في المطبوعة: لذلك استحق اللعنة.
(4) جميع النسخ المخطوطة قالت: معاصي الدين. ويظهر أن (الذمي) أصح كما جاء في المطبوعة.
(5) في (ب) : أو منعه من إظهارها. وفي (ط) : منعه منها أو إظهارها، أي: بسقوط (من) .
(2/30)

فأما القسم الثاني: فلا ريب أنه لا يجوز (1) على أصلنا أن يؤاجر أو يبايع (2) إذا غلب على الظن أن يفعل ذلك كالمسلم وأولى.
وأما القسم الأول: فعلى ما قاله ابن أبي موسى: " يكره ولا يحرم "؛ لأنا قد أقررناه (3) على ذلك، وإعانته على سكنى هذه (4) الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية، وإنما كره ذلك لأنه إعانة من غير مصلحة، لإمكان بيعها من مسلم، بخلاف الإقرار (5) بالجزية، فإنه جاز (6) لأجل المصلحة ".
وعلى ما قاله القاضي لا يجوز؛ لأنه إعانة على ما يستعين به على المعصية، من غير مصلحة تقابل (7) هذه المفسدة فلم يجز، بخلاف إسكانهم دار الإسلام، فإن فيه من المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم بالجزية.

[ابتياع الذمي أرض العشر من مسلم]
ومما يشبه ذلك: أنه قد اختلف قول أحمد إذا ابتاع الذمي أرض عشر من مسلم، على روايتين، منع من (8) ذلك في إحداهما، قال: " لأنه لا زكاة على الذمي، وفيه إبطال العشر (9) وهذا ضرر على المسلمين " قال: " وكذلك لا يمكنون (10)
_________
(1) في (د) : يجوز.
(2) في المطبوعة زاد: الذمي عليه.
(3) في المطبوعة: قررناه.
(4) هذه: ساقطة من المطبوعة.
(5) في (أ) : إقرارهم.
(6) في (أ) جائز.
(7) في (ط) : مقابل.
(8) من: سقطت من (أ) .
(9) في (أ) : للعشر.
(10) في (أط) : لا يمكنوا.
(2/31)

من استئجار أرض العشر لهذه العلة (1) .
وقال في الرواية الأخرى: " لا بأس أن يشتري الذمي أرض العشر من مسلم ". واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي فيما تخرج هذه الأرض على روايتين:
قال في إحداهما: " لا عشر عليه، ولا شيء سوى الجزية ".
وقال في الرواية الأخرى: " عليه فيما يخرج من هذه الأرض (2) الخمس ضعف ما كان على المسلم " ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ينهون عن شرائها، فإن اشتروها أضعف (3) عليهم العشر (4) .
وفي كلام أحمد ما يدل على هذا (5) فإذا كان قد اختلف قوله في جواز تمليكهم عامر (6) الأرض العشرية؛ لما فيه من رفع العشر، فالمفسدة الدينية الحاصلة بكفرهم وفسقهم -في دار كانت للمسلمين (7) يعبد الله فيها ويطاع- أعظم من منع العشر. ولهذا تردد: " هل يرفع الضرر بمنع التملك بالكلية؟ " إذ مع تجويز البيع: إما أن يعطل حق المسلمين، أو تؤخذ الزكاة من الكفار، وكلاهما غير ممكن، فكان منع التملك أسهل، كما منعناه من تملك العبد المسلم والمصحف، لما فيه من تمكين عدو الله من أولياء الله (8) وكلام الله.
وكذلك نمنعهم -على ظاهر المذهب- من شراء السبي الذي جرى عليه
_________
(1) انظر: المغني والشرح الكبير (2 / 592) في المغني.
(2) في (أط) : فيما تخرج هذه الأرض.
(3) في المطبوعة: ضعف.
(4) المغني والشرح الكبير (2 / 593) في المغني.
(5) في (أ) وفي المطبوعة: هذه.
(6) في المطبوعة: تمليكهم رقبة الأرض. فقال: رقبة. بدل: عامر.
(7) في (ب) : كانت دارًا للمسلمين.
(8) في (ط) : من أولياء وكلام الله.
(2/32)

سهام المسلمين (1) كما شرط عليهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أو يرفع الضرر بإبقاء حق الأرض عليه، كما يؤخذ ممن اتجر منهم في أرض المسلمين (2) ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة. ويتخرج: أنه لا يؤخذ منه إلا عشر واحد كالمسألة الآتية، وهذا في العشرية التي ليست خراجية.
فأما الخراجية فقالوا: ليس لذمي (3) أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة، وإذا جوزنا بيع أرض العنوة كان حكم الذمي في ابتياعها كحكمه في ابتياع أرض العشر المحض، إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور، بمعنى (4) أن العشر يجب فيما أخرجت.
وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ليست خراجية، هل للذمي أن يتملكها بالإحياء (5) ؟ قال طائفة من العلماء: ليس (6) له ذلك، وهو قول الشافعي (7) وابن حامد (8) وهذا قياس إحدى الروايتين عن أحمد في
_________
(1) في (ب) : المؤمنين.
(2) في (ط) : أرض الإسلام.
(3) في (أ) : للذمي.
(4) في (أ) : وبمعنى.
(5) في (ب) : بإحياء.
(6) في (ج د) : (له ذلك) بدون (ليس) . ويفيد جواز التملك بالإحياء، لا نفيه. والصحيح أن المراد العكس كما هو مثبت؛ لأن المؤلف أورد الرأي القائل بالجواز بعد أسطر قليلة. وربما تكون (ليس) سقطت سهوًا من الناسخين.
(7) انظر: الأم للشافعي (4 / 14، 15) .
(8) في (ب) : وأبي حامد. وفي المطبوعة: وأبي حامد الغزالي، وإضافة الغزالي ربما تكون أحدثت في المطبوعة. أما بقية المخطوطات (أج د ط) فهي كما أثبته، وهو الأرجح؛ لأن ابن حامد من كبار علماء الحنابلة وله مسائل وآراء مشهورة وكثيرة، وله مصنفات كثيرة أيضًا فيناسب ذكر رأيه بإزاء الأئمة الكبار كأحمد والشافعي. وابن حامد هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله، البغدادي، إمام الحنابلة في زمانه، له مؤلفات كثيرة، منها: شرح الخرقي، والجامع في المذهب، وشرح أصول الدين، وغيرها، توفي سنة (403هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (2 / 170 ـ 177) .
(2/33)

منعه ابتياعها (1) فإنها إذا لم يجوِّز تملكها بالابتياع فبالإحياء أولى، لكن قد يفرق بينهما بأن (2) المبتاعة أرض عامرة، ففيه ضرر محقق بخلاف إحياء الميتة فإنه لا يقطع حقا، والمنصوص عن أحمد - وعليه الجمهور من أصحابه (3) - أنه يملكها بالإحياء، وهو قول أبي حنيفة، واختلف فيه عن مالك (4) .

متسوى3 أخذ العشر على أرض أهل الذمة
ثم هل عليه (5) العشر؟ فيه روايتان:
قال ابن أبي موسى: " ومن أحيا من أهل الذمة أرضا مواتا فهي له، ولا زكاة عليه فيها، ولا عشر فيما أخرجت " وقد روي عنه رواية أخرى: " أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم، ويؤخذ منهم العشر مما يخرج، يضاعف عليهم " والأول عنه أظهر.
فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى، من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء، هو قياس تضعيفه فيما ملكه بالابتياع. لكن نقل حرب عنه في رجل من أهل الذمة أحيا مواتا. قال: " هو عشر " (6) ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب هو العشر المأخوذ من المسلم من غير تضعيف (7) فحكوا في وجوب العشر فيها روايتين، وابن أبي موسى نقل الروايتين في وجوب عشر مضعف (8) .
_________
(1) انظر: المغني والشرح الكبير (6 / 150) .
(2) في (أ) : فإن.
(3) في (أ) : جمهور أصحابه.
(4) انظر: المغني والشرح الكبير (6 / 150 ـ 151) .
(5) في المطبوعة زاد: فيها.
(6) في المطبوعة: هو عشري، وهو أتم للمعنى.
(7) ما بين الرقمين سقط من (ب) .
(8) ما بين الرقمين سقط من (ب) .
(2/34)

وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع كذلك. وهذا الذي نقله ابن أبي موسى أصح؛ فإن (1) الكرماني (2) ومحمد بن أبي (3) حرب (4) وإبراهيم بن هانئ (5) ويعقوب بن بختان (6) نقلوا: أن أحمد سئل- وقال حرب: سألت أحمد (7) قلت-: " إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه؟ " قال: " أما أنا فأقول: ليس عليه شيء " قال: " وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر ". قال: " وأهل البصرة يقولون قولا عجبا! يقولون: يضاعف عليه العشر " (8) قال: وسألت أحمد مرة أخرى، فقلت: إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا؟ قال: " هو عشر ". وقال مرة أخرى: " ليس عليه شيء ".
وروى حرب عن عبيد الله بن الحسن العنبري (9) أنه قيل له: أخذكم
_________
(1) في (أ) : قال.
(2) هو: حرب بن إسماعيل. مرت ترجمته. انظر فهرس الأعلام.
(3) في المطبوعة: محمد بن حرب. ولعل: أبي، سقطت سهوًا.
(4) هو: محمد بن نقيب بن أبي حرب الجرجرائي، كان أحمد بن حنبل يكاتبه، ويسأل عن أخباره، فنقل عن الإمام، وروى عنه مسائل جيدة. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 331) ، (ت 472) .
(5) هو: إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو إسحاق، من العباد الثقات، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وكان ورعًا صالحًا، توفي سنة (265هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (1 / 97 ـ 98) ، ت (105) ، وشذرات الذهب (2 / 149) .
(6) هو: يعقوب بن إسحاق بن بختان، أبو يوسف، سمع من الإمام أحمد، وكان جاره وصديقه، وروى عنه مسائل، وكان أحد الصالحين الثقات. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 415) ، (ت 541) .
(7) في (أ) : بن حنبل.
(8) المغني والشرح الكبير (2 / 593) في المغني.
(9) هو: عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر، العنبري، قاضي البصرة، من الفقهاء الثقات، من الطبقة السابعة، أخرج له مسلم في موضع واحد، توفي سنة (168هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 531) ، (ت 1434) .
(2/35)

الخمس من أرض أهل (1) الذمة، التي في أرض العرب، أبأثر عندكم، أم بغير أثر؟ قال: " ليس عندنا فيه أثر، ولكن قسناه بما (2) أمر به عمر -رضي الله عنه- أن يؤخذ من أموالهم إذا اتجروا بها، ومروا بها على عشار ".
فهذا أحمد -رضي الله عنه- سئل عن إحياء الذمي (3) الأرض، فأجاب: بأنه ليس عليه شيء، وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض: هل يمنع، أو يضعف عليه العشر؟ وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحدة، وهو تملك الذمي الأرض العشرية، سواء كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك.
وكذلك ذكر العنبري قاضي أهل البصرة: أنهم يأخذون الخمس (4) من جميع أرض أهل (5) الذمة العشرية، وذلك يعم ما ملك (6) انتقالا، أو ابتداء (7) .
وهذا يفيدك أن أحمد إذا منع الذمي أن يبتاع الأرض العشرية، فكذلك يمنعه من إحيائها، وأنه إذا أخذ منه فيما ابتاعه الخمس، فكذلك فيما أحياه، وأن من نقل عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة (8) فليس بمستقيم، وإنما سببه قوله (9) في الرواية الأخرى التي نقلها الكرماني: هي أرض
_________
(1) أهل: سقطت من (أب) والمطبوعة.
(2) في المطبوعة: على ما أمر به.
(3) في (ج د) : عن إحياء الأرض. أي أن: (الذمي) ساقطة.
(4) الخمس: سقطت من المطبوعة.
(5) في (أ) : أرض الذمة.
(6) في (ج د) : ملكه.
(7) في (أج د) : وابتداء.
(8) في (ب) : المبايعة.
(9) في (أ) : اشتبه.
(2/36)

عشر (1) . ولكن هذا كلام مجمل قد فسره (2) أبو عبد الله في موضع آخر، وبين مأخذه. ونقل الفقه: إن لم يعرف الناقل مأخذ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرا.
وقد أفصح أرباب هذا القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة، فإن الذمي إذا (3) اتجر في غير أرضه (4) فإنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلمين، وهو نصف العشر، فكذلك إذا استحدث أرضا غير أرضه (5) ؛ لأنه في كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي، وحق الحرث والتجارة قرينان، كما في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] (6) .
وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: يؤخذ من أموال أهل الذمة، إذا اتجروا فيها قومت، ثم أخذ منهم زكاتها مرتين، تضعف عليهم؛ لقول (7) عمر -رضي الله عنه-: " أضعفها عليهم ". فمن الناس من شبه (8) الزرع (9) على ذلك.
_________
(1) في المطبوعة: عشرية.
(2) في المطبوعة: فصّله.
(3) إذا: سقطت من (أ) .
(4) (4، 5) ما بين الرقمين سقط من (ج د) .
(5) (4، 5) ما بين الرقمين سقط من (ج د) .
(6) سورة البقرة: من الآية 267. وفي المطبوعة: ساق صدر الآية: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ". وفي (أب) : " كلوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض "، وهو خطأ في سياق الآية، حيث جاءت (كلوا) ، بدل: (أنفقوا) .
(7) في (ب) : كقول عمر.
(8) في المطبوعة: قاس.
(9) في (أ) : على ما قال الميموني.
(2/37)

قال الميموني: " والذي لا شك (1) فيه من قول أبي عبد الله -غير مرة-: أن أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما ينظر إلى ما أخرجت، يؤخذ منهم العشر مرتين ".
قال الميموني: " قلت لأبي عبد الله: فالذي يشتري أرض العشر ما عليه؟ " قال لي: " الناس كلهم يختلفون في هذا: منهم من لا يرى عليه شيئا، ويشبهه بماله ليس عليه فيه زكاة إذا كان مقيما ما كان بين أظهرنا، وبماشيته " فيقول (2) " هذه أموال، وليس عليه فيها صدقة ". ومنهم من يقول: " هذه حقوق لقوم، ولا يكون شراؤه الأرض يذهب بحقوق هؤلاء منهم "، والحسن يقول: " إذا اشتراها ضوعف عليه ". قلت: " كيف يضعف عليه؟ " قال: " لأن عليه العشر، فيؤخذ منه الخمس " قلت: " يذهب إلى أن يضعف عليه الخمس فيؤخذ منه الخمس (3) فالتفت إلي، فقال: " نعم يضعف عليهم ".
قال: وذاكرنا أبا عبد الله: أن مالكا كان يرى أن لا يؤخذ منهم شيء، وكان يحول بينهم وبين الشراء لشيء منها، وهذه الرواية اختيار الخلال، وهي مسألة كبيرة، ليس هذا موضع استقصائها.
والفقهاء أيضا مختلفون في هذه المسألة، كما ذكره أبو عبد الله.
فمن نقل عنه تضعيف العشر: عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيره من أهل البصرة، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو قول أبي يوسف (4) .
_________
(1) في (أ) وفي المطبوعة: لا أشك.
(2) في (ب) : منقول.
(3) فيؤخذ عليه الخمس: سقطت من (ج د) .
(4) انظر: المغني والشرح الكبير (6 / 593) ، وانظر: كتاب الخراج لأبي يوسف (ص132) موسوعة الخراج، ط دار المعرفة بلبنان.
(2/38)

ومنهم من قال: " بل يؤخذ العشر على ما كان عليه، كالقول الذي ذكره بعض أصحابنا ". ويروى هذا عن (1) الثوري، ومحمد بن الحسن.
وحكي عن الثوري: لا شيء عليه كالرواية الأخرى عن أحمد. ويروى هذا عن مالك أيضا، وعن مالك: أنه يؤمر ببيعها. وحكي ذلك عن الحسن بن صالح (2) وشريك (3) وهو قول الشافعي. وقال أبو ثور (4) يجبر على بيعها.
وقياس قول من يضعف العشر: أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب عليه خُمْسَيْن (5) ضعفا ما يؤخذ من الذمي، كما أنه إذا اتجر في دار الإسلام (6) يؤخذ منه العشر، ضعفا ما يؤخذ من الذمي. فقد ظهر
_________
(1) عن: ساقطة من (أ) .
(2) هو: الحسن بن صالح بن صالح بن حيان بن شفي الهمداني الثوري، ولد سنة (100هـ) ، وكان حسن الفقه والعبادة، ورعًا، ثقة في الحديث، إلا أن فيه تشيعًا، وأخذ عليه بعضهم قوله بالخروج والسيف، توفي سنة (169هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (2 / 285 ـ 289) ، (ت 516) .
(3) هو: شريك بن عبد الله بن أبي شريك، النخعي الكوفي القاضي، ولد سنة (90هـ) . قال ابن حجر في التقريب: " صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا عابدًا، شديدًا على أهل البدع، وقد أخرج له مسلم والأربعة، وتوفي سنة (178هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 351) ، (ت 64) ، والبداية والنهاية لابن كثير (10 / 171) .
(4) هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، كان من أصحاب محمد بن الحسن، فلما قدم الشافعي العراق أخذ عنه، وتتلمذ عليه حتى صار من الفقهاء المشاهير، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجه. وتوفي سنة (240هـ) . انظر: طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي (ص92) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 35) ، (ت 197) .
(5) في (ط ب) : خمسان.
(6) في (أط) : بلاد الإسلام. وفي (د) : بلاد المسلمين.
(2/39)

أنا (1) -على إحدى الروايتين، وقول طوائف من أهل العلم -نمنعهم من (2) أن يستولوا على عقار في دار الإسلام للمسلمين فيه حق من المساكن والمزارع، كما نمنعهم أن يحدثوا في دار الإسلام (3) بناء لعباداتهم من كنيسة أو بيعة أو صومعة؛ لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم على ما كانوا عليه (4) من غير تعد منهم إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق.
وهذا لأن مقصود الدعوة: أن تكون كلمة الله هي العليا، وإنما أقروا بالجزية للضرورة العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها، ولهذا لم يثبت عن (5) واحد من السلف حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك أحمد رحمه الله وغيره؛ لأن الشقص الذي يملكه مسلم، إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي، كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى ذمي بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول (6) .
ولهذا نص أحمد على أن البائع للشقص إذا كان مسلما وشريكه ذمي، لم يجب (7) له شفعة؛ لأن الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، بمنزلة الحقوق التي تجب على المسلم للمسلم: كإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وكمنعه (8) أن يبيع على بيعه أو يخطب على خطبته، وهذا كله عند أحمد مخصوص بالمسلمين، وفي البيع والخطبة خلاف بين الفقهاء.
_________
(1) أنا: سقطت من المطبوعة.
(2) من: سقطت من (ط) .
(3) في (أ) : في الإسلام.
(4) عليه: ساقطة من (أ) .
(5) في (أج د) وفي المطبوعة: (غير) بدل (عن) .
(6) في (أ) : الأصل.
(7) من هنا حتى قوله: (على المسلم للمسلم) سقط من (د) .
(8) في المطبوعة زاد: وكفه.
(2/40)

[استئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع للكنيسة]
وأما استئجاره الأرض الموقوفة على الكنيسة، وشراؤه ما يباع (1) للكنيسة: فقد أطلق (2) أحمد المنع أنه لا يستأجرها، لا يعينهم على ما هم فيه، وكذلك أطلقه (3) الآمدي وغيره.
ومثل هذا ما لو اشترى من المال الموقوف للكنيسة أو الموصى (4) لها به، أو باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك، والمنع هنا أشد؛ لأن نفس هذا المال الذي يبذله يصرف في المعصية، فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرا بخلاف نفس السكنى، فإنها ليست محرمة، ولكنهم يعصون في المنزل، فقد يشبه ما لو قد باعهم الخبز واللحم والثياب، فإنهم قد يستعينون بذلك على الكفر، وإن كان الإسكان فوق هذا؛ لأن نفس الأكل والشرب ليس بمحرم، ونفس المنفعة المعقود عليها في الإجارة -وهو اللبث- قد يكون محرما، ألا ترى أن الرجل لا ينهى أن (5) يتصدق على الكفار والفساق في الجملة، وينهى أن يقعد في منزله من يكفر أو يفسق؟
وقد تقدم تصريح ابن القاسم أن هذا الشراء لا يحل، وأطلق الشافعي المنع من معاونتهم على بناء الكنيسة، ونحو ذلك، فقال في كتاب الجزية من الأم (6) " ولو أوصى -يعني الذمي- بثلث ماله أو شيء منه يبني به كنيسة لصلوات (7) النصارى (8) أو يستأجر به خدما للكنيسة، أو تعمر به الكنيسة،
_________
(1) في المطبوعة: على الكنيسة.
(2) في (ج) : اطلع.
(3) في (ج ط) : أطلق.
(4) في المطبوعة: للكنيسة الموصى لها به.
(5) في (ب د) : ألا ترى الرجل لا ينهى عن أن يتصدق. . إلخ.
(6) الأم هو: أحد كتب الإمام الشافعي في الفقه.
(7) في (أط) : لصلاة.
(8) في الأم: لصلاة النصراني.
(2/41)

أو يستصبح به فيها، أو يشتري به أرضا (1) فتكون صدقة على الكنيسة، أو تعمر به (2) أو ما في هذا المعنى؛ كانت الوصية باطلة (3) ولو أوصى أن يبني كنيسة (4) ينزلها مار الطريق، أو وقفها على قوم يسكنونها (5) جازت الوصية، وليس في بنيان الكنيسة معصية، إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذي اجتماعهم فيها على الشرك"، قال: وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارا، أو غير (6) ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم (7) .
وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز رواية واحدة؛ لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة، أو صومعة، كالإجارة لكتبهم (8) المحرفة.
وأما مسألة حمل الخمر والميتة والخنزير للنصراني أو للمسلم فقد تقدم لفظ أحمد أنه قال فيمن حمل (9) خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني: فهو يكره أكل كرائه، ولكن يقضي للحمال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد. زاد بعضهم فيها: ويكره أن يحمل الميتة بكراء، أو يخرج دابة ميتة، ونحو هذا.
ثم اختلف أصحابنا في هذا الجواب على ثلاث طرق:
_________
(1) أرضًا: سقطت من (أط) .
(2) في المطبوعة: أو تعمر من غلتها. وفي الأم: أو تعمر بها.
(3) هنا تجد في الأم كلامًا زائدًا عما ذكره المؤلف، لعله تركه على وجه الاختصار. راجع: الأم (4 / 213) .
(4) كنيسة: ساقطة من (ط) .
(5) هنا أيضًا ترك المؤلف كلامًا ذكره في الأم. انظر: الأم (4 / 213) .
(6) في (أ) : أو غيره.
(7) راجع: كتاب (الأم) للشافعي (3 / 213) .
(8) في المطبوعة: لكتب كتبهم.
(9) حمل: ساقطة من (أ) .
(2/42)

أحدها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. قال: فإن فعل قضي له بالكراء، وإن آجر (1) نفسه لحمل محرم لمسلم (2) كانت الكراهة أشد، ويأخذ الكراء. وهل يطيب له أم لا (3) على وجهين، أوجههما: أنه لا يطيب له، وليتصدق (4) به. وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي، قال: وإذا آجر (5) نفسه من رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة؛ كره. نص عليه. وهذه كراهة تحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها.
إذا ثبت هذا فيقضى (6) له بالكراء، وغير ممتنع أن يقضى بالكراء وإن كان محرما، كإجارة الحجام، فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح.
الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة رواية واحدة: أن هذه الإجارة لا تصح، وهي طريقة القاضي في المجرد (7) وهي طريقة ضعيفة، رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة، فإنه صنف المجرد قديما.
الطريقة الثالثة: تخرج هذه المسألة على روايتين: إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل وللأجرة.
_________
(1) في (أ) : أجر.
(2) لمسلم: سقطت من (ط) .
(3) أم لا: ساقطة من (ط) والمطبوعة.
(4) في (ج د) : ويتصدق.
(5) في (أ) : أجر.
(6) في المطبوعة: ولكن يقضى له.
(7) المجرد: كتاب من كتب القاضي أبي يعلى في فقه المذهب الحنبلي. انظر: طبقات الحنابلة (2 / 205) .
(2/43)

والثانية (1) لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرة، وإن حمل. وذلك (2) على قياس قوله في أن الخمر (3) لا يجوز إمساكها، وتجب إراقتها.
قال في رواية أبي طالب (4) إذا أسلم، وله خمر أو خنازير، تصب الخمر وتسرح الخنازير، وقد حرما عليه، وإن قتلها (5) فلا بأس، فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها، ولأنه قد نص في رواية ابن منصور: أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر.
فقد منع من إجارة نفسه على حفظ الكرم الذي يتخذ للخمر، فأولى أن يمنع من إجارة نفسه على حمل الخمر. فهذه طريقة القاضي في التعليق وتصرفه، وعليها أكثر أصحابه، مثل أبي الخطاب، وهي طريقة من احتذى حذوه من المتأخرين.
والمنصور عندهم الرواية المخرجة، وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وهذا عند أصحابنا فيما إذا استأجر على حمل الخمر إلى بيته، أو حانوته، أو حيث لا يجوز إقرارها، سواء كان حملها للشرب أو مطلقا: فأما إن كان (6) يحملها ليريقها، أو يحمل
_________
(1) في (ج د) : والثاني: فيه لا تصح.
(2) ذلك: ساقطة من (ط) .
(3) في (ب ج د) وفي المطبوعة: قوله في الخمر: لا تجوز إمساكها. . إلخ.
(4) هو: أحمد بن حميد، أبو طالب المشكاني، من الطبقة الأولى من تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه مسائل كثيرة، وكان صحبه قديمًا إلى أن مات الإمام أحمد. وكان أبو طالب رجلا صالحًا، توفي سنة (244هـ) . انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1 / 39 ـ 40) ، (ت13) .
(5) في (أ) : قتل.
(6) في المطبوعة: فإذا كان.
(2/44)

الميتة (1) لينقلها إلى الصحراء؛ لئلا يتأذى بنتن ريحها، فإنه يجوز الإجارة على ذلك؛ لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه، وهذا مذهب مالك، وأظنه مذهب الشافعي أيضا. ومذهب أبي حنيفة كالرواية الأولى، ومأخذه في ذلك: أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق عين (2) حمل الخمر، وأيضا فإن مجرد حملها ليس معصية؛ لجواز أن تحمل لتراق، أو تخلل عنده، ولهذا إذا كان الحمل للشرب لم يصح، ومع هذا فإنه يكره الحمل.
والأشبه -والله أعلم- طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا، وهي ليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت لقصد المعتصر، والمستحمل فهو كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والخمر في يد المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضي له بعوضه، كذلك هاهنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته.
ثم نحن نحرم الأجرة عليه، لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر، والمشتري بخلاف من استأجر للزنا أو التلوط أو القتل أو الغصب أو السرقة، فإن نفس هذا العمل محرم لا (3) لأجل قصد المشتري، فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا، فإنه لا يقضي له (4) بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمة.
_________
(1) في المطبوعة: ليدفنها أو لينقلها.
(2) في المطبوعة: غير.
(3) لا: سقطت من (ط) .
(4) له: سقطت من (أ) .
(2/45)

ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا، ولا بالفساد مطلقا، بل هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه مال (1) الجعل والأجرة (2) وهي فاسدة (3) بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة والجعل، ولهذا في الشريعة نظائر.
وعلى هذا فنص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له (4) بكرائه، ولو لم نفعل هذا لكان (5) في هذا منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وما هم بأهل أن يعاونوا على ذلك.
بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال. نعم: البغي والمغني والنائحة، ونحوهم؛ إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا: هل يتصدقون بها، أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها (6) قولان أصحهما: أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة (7) ولا يباح الأخذ (8) بل يتصدق بها، وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر.
_________
(1) مال: سقطت من (ب) .
(2) الأجرة: سقطت من (ط) ، وفي (أ) : شطب عليها.
(3) في (ب) : وفاسدة.
(4) له: ساقطة من (أ) .
(5) في (أ) : لما كان.
(6) من هنا حتى قوله: فإن الزاني ومستمع الغناء. . إلخ، بعد نصف صفحة تقريبًا: كله سقط من (ط) .
(7) في (أ) : البيعة.
(8) في (ب د) : للآخذ، وهو وجيه.
(2/46)

ومن ظن (1) أنها ترد على الباذل المستأجر؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب (2) ردها عليه كالمقبوض بالربا، أو نحوه من العقود الفاسدة.
فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند (3) من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك (4) كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد.
فأما إذا تلف المقبوض عند القابض، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا، وحينئذ فيقال: وإن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد فاسد، فإن الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا العوض (5) المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة (6) بالقبض، والأصول تقتضي: أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر (7) على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال.
وأيضا، (8) فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته (9) وعوضها جميعا منه، بخلاف ما لو كان العوض خمرا أو ميتة، فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح
_________
(1) في (أ) : وفي ظني.
(2) في (أ) : يستحب.
(3) في (أ) : على من يقول.
(4) في (أ) : بالعقد الفاسد تلك فيما هو. . إلخ، ولعله خلط من الناسخ.
(5) في (ط) : الغرض.
(6) في (أ) : المنفعة: ساقطة.
(7) في (أ) : فإذا رد على المستأجر.
(8) وأيضا فإن: ساقطة من (ط) .
(9) في المطبوعة: في أحد منفعتيه وعوضهما.
(2/47)

لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي عمل بها. فيقال على هذا: فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها. قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل (1) القبض لم نحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد، ولكن في حق (2) المسلم تحرم (3) هذه الأجرة (4) عليه؛ لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت، حيث صرفت قوتك في عمل محرم، فلا يقضى لك بأجرة. فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضوا لي برده، فإنما (5) أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة. قلنا له: دفعته بمعاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ (6) فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا ومثل هذا (7) يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر، وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض (8) ثمنها وقبضها وشراها، ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع، ولا سيما ونحن نعاقب الخمار -بياع الخمر- بأن نحرق الحانوت التي تباع فيها الخمر، نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء؛ (9) فإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-
_________
(1) في المطبوعة: على القبض.
(2) حق: ساقطة من (أط) .
(3) في (أط) : تحرم عليه هذه.
(4) في (أ) : الإجارة.
(5) في (أط) : فإني.
(6) في (ب د) : ما أخذه.
(7) في (أ) والمطبوعة: فهذا ومثله.
(8) في (ب د) : إذا قبض.
(9) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (1 / 221 ـ 222) .
(2/48)

حرق حانوتا يباع فيها الخمر (1) وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حرق قرية يباع فيها الخمر (2) وهي آثار معروفة، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع (3) ؛ وذلك لأن (4) العقوبات المالية (5) عندنا باقية غير منسوخة (6) .
فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل، فمعلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم المحرمة، مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد، بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه إلى بيعهم العقار؛ لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به على العيد، إذ العيد كما قدمنا اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذه إعانة على ما يقام من العادات، لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس محرما في نفسه، بخلاف شرب الخمر؛ فإنه محرم في نفسه.
فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم: مثل صليب، أو شعانين، أو معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صورة ونحو ذلك؛ فهذا لا ريب في تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون به في أعيادهم (7) للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته.
لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك، أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة
_________
(1) أخرجه عبد الرزاق بسنده في المصنف (6 / 77) ، حديث رقم (10051) ، وذكر أنه حرق (بيتًا) ، بدل (حانوتًا) . انظر: الآداب الشرعية (1 / 221 ـ 222) .
(2) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (1 / 222) .
(3) فصّل المؤلف هذا الموضوع في عدة مواضع، منها: في مجموع الفتاوى (28 / 664 ـ 667) .
(4) في (ب) : أن.
(5) في (أ) : العقوبات الدينية.
(6) انظر: زاد المعاد (5 / 54) .
(7) في أعيادهم: ساقطة من (ط) .
(2/49)

تحريم كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها (1) الخمر، ولأن هذه الإعانة قد تفضي إلى إظهار الدين (2) وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من إعانة شخص معين. لكن من يقول: هذا مكروه كراهة تنزيه يقول: هذا متردد بين بيع العصير وبيع الخنزير، وليس هذا مثل بيعهم العصير الذي يتخذونه خمرا؛ لأنا إنما يحرم علينا أن نبيع الكفار ما كان محرم الجنس: كالخمر، والخنزير. فأما ما (3) يباح في حال دون حال كالحرير ونحوه فيجوز بيعه لهم.
وأيضا، فإن الطعام واللباس الذي يباعونه (4) في عيدهم ليس محرما في نفسه، وإنما الأعمال التي يعملونها (5) به لما كانت شعار الكفر (6) نهي عنها المسلم لما فيها من مفسدة انجراره إلى بعض فروع الكفر (7) . فأما الكافر فهي لا تزيده من الفساد أكثر مما هو فيه؛ لأن نفس حقيقة الكفر قائمة به؛ فدلالة الكفر وعلامته إذا كانت مباحة (8) لم يكن فيها كفر زائد (9) كما لو باعهم المسلم ثياب الغيار (10) التي يتميزون بها عن المسلمين، بخلاف شرب الخمر وأكل الخنزير فإنه زيادة في الكفر.
_________
(1) عليها: ساقطة من (ط) .
(2) كذا في جميع النسخ المخطوطة، وفي المطبوعة: الدين الباطل، وهو أنسب للسياق.
(3) ما: ساقطة من (أ) .
(4) في (ط د) : يبايعونه، وفي المطبوعة: يبتاعونه.
(5) في المطبوعة: يعملونه بها.
(6) في المطبوعة: الكفار.
(7) في المطبوعة: الكفار.
(8) في (أب ط) : مباحًا.
(9) من هنا حتى قوله: بخلاف شرب الخمر، (بعد سطر) : ساقط من (ط) .
(10) في (أ) : العياد.
(2/50)

نعم: لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبا، أو شعانين ونحو ذلك (1) فهنا قد باعهم ما يستعينون به على نفس المعصية (2) ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن شعار الكفر وعلامته ودلالته على وجهين:
وجه نؤمر به في دين (3) الإسلام، وهو (4) ما فيه إذلال للكفر وصغار، فهذا إذا اتبعوه (5) كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله، فإنا نحن نأمرهم بلباس (6) الغيار.
ووجه ننهى عنه وهو ما فيه إعلاء للكفر وإظهار له، كرفع أصواتهم بكتابهم، وإظهار الشعانين، وبيع النواقيس لهم، وبيع الرايات والألوية لهم، ونحو ذلك، فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون (7) بإزالتها، والمنع منها في (8) ديار الإسلام، فلا يجوز إعانتهم عليها.

[قبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهم]
وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم، فقد قدمنا عن علي -رضي الله عنه- أنه أتي بهدية النيروز فقبلها (9) . وروى ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا جرير (10) عن قابوس (11) عن أبيه (12) أن امرأة سألت عائشة، قالت: إن لنا
_________
(1) في (ب د) : ونحو هذا.
(2) من هنا حتى قوله: وأما قبول الهدية، (بعد ستة سطور تقريبًا) : سقط من (ط) .
(3) في المطبوعة: دار الإسلام.
(4) في (ب) : وهي.
(5) في المطبوعة: ابتاعوه.
(6) في المطبوعة: بلبس.
(7) في (أ) : التي يأخذون.
(8) في (أ) : من ديار.
(9) مرت (ص515) .
(10) هو جرير بن عبد الحميد، (مرت ترجمته) ، انظر: فهرس الأعلام.
(11) هو قابوس بن أبي ظبيان، (مرت ترجمته) ، انظر: فهرس الأعلام.
(12) أبوه هو حصين بن جندب، (مرت ترجمته) ، انظر: فهرس الأعلام.
(2/51)

أظآرا (1) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا. فقالت: "أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا (2) ولكن كلوا من أشجارهم " (3) وقال حدثنا وكيع عن الحسن (4) بن حكيم، عن أمة (5) عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: " ما كان من فاكهة فكلوه (6) وما كان من غير ذلك فردوه " (7) .
فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر (8) كفرهم. لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها؛ فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما (9) لم يذبحوه للعيد، فأما ذبائح المجوس، فالحكم فيها معلوم، فإنها حرام عند العامة (10) .
_________
(1) الأظآر: جمع ظئر، وهي: المرضعة لغير ولدها، ويطلق على زوجها أيضًا، ولعل المقصود بالأظآر هنا: الأقارب من الرضاعة. انظر: القاموس المحيط، فصل الظاء، باب الراء (2 / 83) ، وهي في (أب) : أظيار.
(2) في (د) : فلا تأكلوا منه.
(3) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب العقيقة، طعام المجوس، الأثر رقم (4423) ، (8 / 87) . انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 253) .
(4) في المطبوعة: الحكم، وهو خطأ، والصواب هو: الحسن بن حكيم بن طهمان أبو حكيم، وثقه ابن معين وأبو حاتم. انظر: الجرح والتعديل (3 / 6) ، (ت22) .
(5) هي مولاة لأبي برزة. انظر: الجرح والتعديل (3 / 6) .
(6) في (أ) : وكلوه.
(7) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب العقيقة، طعام المجوس، الأثر رقم (4424) ، (8 / 88) .
(8) في (ب ط) : شعار.
(9) في (أط) : ما لم يذبحوه.
(10) أي عامة أهل العلم.
(2/52)

[ذبيحتهم يوم عيدهم وأنواع ذبائح أهل الكتاب]
فأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله، نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة، فعن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى، ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد الله (1) بن عمر.
قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال: إن كان (2) مما يذبحون لكنائسهم (3) . فقال: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح (4) .
وذكر أيضا: أنه سأل أبا (5) عبد الله عمن ذبح من أهل الكتاب ولم يسم، فقال: إن كان مما يذبحون لكنائسهم. فقال ابن عمر (6) يترك التسمية فيه على عمد؛ إنما يذبح للمسيح، وقد كرهه ابن عمر، إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل، وأكثر ما رأيت منه (7) الكراهية لأكل ما ذبحوا لكنائسهم.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب، ولم تسم.
قال: " إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون لكنائسهم قد يدعون التسمية فيه على عمد " وقال المروزي: قرئ على أبي عبد الله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (8) قال: " على الأصنام " وقال: " كل شيء ذبح على الأصنام لا يؤكل ".
_________
(1) في (ب د) : وابن عمر.
(2) في (ب ط) : إن كانوا.
(3) في المطبوعة: فلا يحل، وهو أتم للعبارة، لكنه خلاف المخطوطات.
(4) انظر: المغني والشرح الكبير (11 / 36، 37) ، فقد ذكر ذلك.
(5) أبا: ساقطة من (ب) .
(6) في المطبوعة: فقال: يتركون التسمية.
(7) في (د) : فيه.
(8) سورة المائدة: من الآية 3.
(2/53)

وقال حنبل: قال عمي (1) " أكره كل ما ذبح لغير الله، والكنائس إذا ذبح لها، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به (2) وما ذبح يريد به غير الله فلا آكله، وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه ".
وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: سألت ميمونا (3) عما ذبحت النصارى لأعيادهم وكنائسهم، فكره أكله. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: " لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله به (4) ويؤكل كل ما سوى ذلك، وإنما أحل الله عز وجل من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه، قال الله عز وجل {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (5) وقال: (6) {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] (7) فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه ".
وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني (8) يقول: اسم المسيح، قال: كل، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال: لا تأكل، قال الله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (9) فلا أرى هذا ذكاة {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (10) .
فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم،
_________
(1) عمه هو الإمام أحمد بن حنبل.
(2) به: ساقطة من (أ) .
(3) لعله ميمون بن مهران، مرت ترجمته، انظر: فهرس الأعلام.
(4) به: سقطت من (أ) .
(5) سورة الأنعام: من الآية 121.
(6) في (ب) : زاد قوله تعالى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ ومَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ " سورة المائدة من الآية 3.
(7) سورة البقرة: من الآية 173.
(8) في (ب) : النصارى.
(9) سورة الأنعام: من الآية 121.
(10) سورة المائدة: من الآية: 3.
(2/54)

وهذا قول عامة قدماء الأصحاب، قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم: " كل من روى عن أبي عبد الله روى الكراهة (1) فيه، وهي متفرقة في هذه الأبواب.
وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (2) {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (3) فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به، وأما التسمية وتركها، فقد روى عنه جميع أصحابه: أنه لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه، إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم، فإنه معنى قوله تعالى {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (4) وعند أبي عبد الله أن تفسير {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (5) إنما عنى به (6) الميتة. وقد أخرجته (7) في موضعه.
ومقصود الخلال: أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط؛ فإن ذلك عنده لا يحرم، وإنما كان لأنهم ذبحوا لغير الله، سواء كانوا يسمون غير الله أو لا يسمون الله ولا غيره، ولكن قصدهم الذبح لغيره (8) وقال ابن أبي موسى: ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولا يؤكل ما ذبح للزهرة (9) .
_________
(1) في (أ) : الكراهية.
(2) سورة الأنعام: من الآية 121.
(3) سورة المائدة: من الآية 3.
(4) سورة المائدة: من الآية 3.
(5) سورة الأنعام: من الآية 121.
(6) به: سقطت من (أط) .
(7) في (أ) : أخرجت.
(8) في (د) والمطبوعة: ولكن قال.
(9) في (ط) : للزهري.
(2/55)

والرواية الثانية: أن ذلك مكروه غير محرم، وهذه التي ذكرها القاضي وغيره. وأخذوا ذلك -فيما أظنه- مما نقله عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عمن ذبح للزهرة، قال: لا يعجبني. قلت: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حراما، ولكن لا يعجبني (1) . وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم.
ويمكن أن يقال: إنما توقف عن تسميته محرما؛ لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت فيه الأدلة، كالجمع بين الأختين المملوكتين (2) ونحوه، هل يسمى حراما؟ على روايتين، كالروايتين عنه في أن ما اختلف في وجوبه، هل يسمى فرضا؟ على روايتين.
ومن أصحابنا من أطلق الكراهة، ولم يفسر: هل أراد التحريم أو التنزيه؟ قال أبو الحسن الآمدي: ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر. فقال أحمد: مما أهل لغير الله به (3) أكرهه، كل ذبح لغير الله، والكنائس، وما ذبحوا في أعيادهم، أكرهه؛ فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به.
وكذلك مذهب مالك، يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم، أو ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم (4) .
وفي المدونة: " وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم، أو لأعيادهم، من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] (5) قال
_________
(1) انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 250) .
(2) المملوكتين: ساقطة من المطبوعة.
(3) في المطبوعة: هو مما أهل به لغير الله.
(4) انظر: المدونة (2 / 67) برواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك.
(5) سورة الأنعام: من الآية 145.
انظر: المدونة برواية سحنون عن ابن القاسم، عن مالك (2 / 67) ، وفيها معنى الكلام لا لفظه.
(2/56)

ابن القاسم: وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح، وهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم، ولا أرى أن يؤكل.
ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها، عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا فيما لم يسموا (1) غير الله.
فإن سموا غير الله في عيدهم، أو غير عيدهم: حرم في أشهر الروايتين، وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد، وهو قول علي بن أبي طالب، وغيره من الصحابة، منهم أبو الدرداء (2) وأبو أمامة، والعرباض بن سارية، وعبادة بن الصامت، وهو قول أكثر فقهاء الشام وغيرهم.
والثانية: لا يحرم، وإن سموا غير الله، وهذا قول عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي والليث.
نقل ابن (3) منصور: أنه قيل لأبي عبد الله: سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم (4) الله متعمدا، قال: أرى أن لا يؤكل، قيل له: أرأيت إن كان يرى أنه يجزي عنه فلم يذكر؟ قال: أرى أن لا يؤكل. قال أحمد: المسلم (5) فيه اسم الله، يؤكل. ولكن قد أساء في ترك التسمية؛ النصارى: أليس يذكرون غير (6) اسم الله.
_________
(1) في (ج ط) وفي المطبوعة: وهذا فيما لم يسموا عليه غير الله.
(2) من هنا إلى قوله: والثانية: لا يحرم: ساقطة من (أ) .
(3) يعني: سعيد بن منصور.
(4) في (ط) : ولم يذكر الله.
(5) في (د) : إن لم يسم فيه اسم الله.
(6) في (د) : اسم غير الله.
(2/57)

ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله عز وجل {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] (1) وفي عموم قوله {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] (2) ؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله. يقال: أهللت بكذا، إذا تكلمت به (3) وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير (4) الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل النيات في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة بالنية؟
وتسمية (5) الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في قربانه: (6) " اللهم (7) منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر " (8)
_________
(1) سورة المائدة: من الآية 5.
(2) سورة المائدة: من الآية 3.
(3) به: ساقطة من (ب) .
(4) في (أب د) : لغير الله.
(5) في (ب) : وتسميته.
(6) أي: أضحيته.
(7) في (ب ط) : زاد في الهامش (هذا) بعد (اللهم) بحيث تكون العبارة: (اللهم هذا منك ولك) .
(8) جاء ذلك فيما أخرجه أحمد في المسند. انظر: الفتح الرباني (13 / 62) ، حديث رقم (48) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9 / 287) ، وبمعناه ما أخرجه أبو داود في كتاب الضحايا، الحديث رقم (2795) ، (3 / 231) ، وجاء فيه: " اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر "، وفي حديث آخر أخرجه ابن ماجه في كتاب الأضاحي، الحديث رقم (3121) ، وفيه: " اللهم منك ولك "، ولم يذكر التسمية، لكنها وردت في أحاديث أخرى.
(2/58)

اتباعا لقوله تعالى {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] (1) .
والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح، وتارة (2) (2) يذبحونها قربانا إليهم، وتارة (3) (3) يجمعون بينهما، وكل ذلك -والله أعلم- يدخل فيما أهل لغير الله به، فإن من سمى غير الله فقد أهل به لغير الله، فقوله: (باسم كذا) استعانة به، وقوله (لكذا) (4) عبادة له؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

[ما ذبح على النصب]
وأيضا، فإنه سبحانه حرم (5) ما ذبح على النصب، وهي كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى.
وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] (6) فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم؛ هل تشترط في ذبيحة الكتابي؟ على روايتين: وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط، فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين. فلما تعارض العموم الحاظر، وهو قول (7) الله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] (8) والعموم المبيح، وهو قوله:
_________
(1) سورة الأنعام: الآية 162.
(2) (2، 3) ما بين الرقمين سقط من (د) .
(3) (2، 3) ما بين الرقمين سقط من (د) .
(4) في (د) : كذا.
(5) في (ط) : كل ما ذبح.
(6) سورة الأنعام: من الآية 121.
(7) وهو قول: سقطت من (ط) .
(8) سورة البقرة: الآية 173. وفي (أب د) : " وما أهل لغير الله به " سورة المائدة: الآية 3.
(2/59)

{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] (1) اختلف العلماء في ذلك.
والأشبه بالكتاب والسنة: ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لم يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأن عموم قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (2) عموم محفوظ لم تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة (3) فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله، أو ذبح باسم غير الله (4) لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي؛ لأن قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] (5) سواء، وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه حل (6) ولأنه قد تعارض دليلان، حاظر ومبيح، فالحاظر: أولى (7) . ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره، قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء عليهم السلام، فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم، منتف في هذا. والله أعلم.
فإن قيل: أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا: باسم المسيح ونحوه، فتحريمه ظاهر، أما إذا لم يسموا أحدا، ولكن قصدوا الذبح للمسيح،
_________
(1) حل لكم: سقطت من (أ) .
سورة المائدة: من الآية 5.
(2) سورة المائدة: من الآية 3.
(3) في (ب) : بالمبيحة.
(4) في (ب) : زاد: أو في غير محل الذكاة.
(5) سورة المائدة: من الآية 5.
(6) في المطبوعة: يحل لنا.
(7) في المطبوعة زاد: أن يقدم.
(2/60)

أو للكوكب (1) ونحوها، فما وجه تحريمه؟
قيل: قد (2) تقدمت الإشارة إلى ذلك. وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح على النصب، وذلك يقتضي تحريمه، وإن كان ذابحه كتابيا، لأنه لو كان التحريم لكونه وثنيا، لم يكن فرق بين ذبحه على النصب وغيرها، ولأنه لما أباح لنا طعام أهل الكتاب، دل على أن طعام المشركين حرام، فتخصيص ما ذبح على الوثن يقتضي فائدة جديدة.
وأيضا: فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله؛ وقد دخل فيما أهل به لغير الله ما (3) أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح على النصب، فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في الكنائس، فهو مذبوح على النصب، ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته، فإنما حرم لأنه قصد بذبحه عبادة الوثن وتعظيمه، وهذه الأنصاب قد قيل: هي من الأصنام، وقيل: هي غير الأصنام.
قالوا: كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة، ويعبدونها، ويذبحون عليها، وكانوا إذا شاءوا بدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم منها.
ويدل على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه: "حتى صرت كالنصب الأحمر " (4) يريد أنه كان يصير أحمر من تلوثه بالدم.
_________
(1) في (ب) : أو الكواكب.
(2) قد: سقطت من (ب) .
(3) في (ط) : بما.
(4) أخرجه مسلم من حديث طويل في قصة إسلام أبي ذر، ونص هذه العبارة في مسلم " كأني نصب أحمر "، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي ذر، الحديث رقم (2473) ، (4 / 1920) . وأخرجه أحمد في المسند (5 / 175) بنحوه.
(2/61)

وفي قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] قولان:
أحدهما: أن نفس الذبح كان يكون عليها، كما ذكرناه، فيكون ذبحهم عليها تقربا إلى الأصنام، وهذا على قول من يجعلها غير الأصنام، فيكون الذبح عليها لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام، أو مذبوح لها، وذلك يقتضي تحريم كل ما ذبح لغير الله، ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة الذبح لغير الله، كما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح في مواضع أصنام المشركين، وموضع أعيادهم، وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة؛ لكونها محل شرك، فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله؛ كانت حقيقة التحريم قد وجدت فيه.
والقول الثاني: أن الذبح على النصب، أي: لأجل النصب، كما قيل: أولم (1) على زينب بخبز ولحم (2) وأطعم فلان على ولده، وذبح فلان على ولده، ونحو ذلك، ومنه قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] (3) وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام، ولا منافاة بين كون الذبح لها، وبين كونها كانت تلوث بالدم، وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة.
واختلاف هذين القولين في قوله تعالى {عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (4) نظير
_________
(1) في المطبوعة: كما قيل: أولم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم على زينب. لكنه خلاف جميع النسخ المخطوطة.
(2) ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أولم حين تزوج زينب بنت جحش بخبز ولحم، جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، الحديث رقم (4793) من فتح الباري (8 / 527) ، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب زواج زينب، الحديث رقم (1428) ، (2 / 1048) .
(3) سورة البقرة: من الآية 185.
(4) في (ط) : على الأنصاب. وهو خطأ.
انظر: أقوال بعض السلف في ذلك في: تفسير ابن جرير، (6 / 48، 49) .
(2/62)

الاختلاف في قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34] (1) وقوله تعالى {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28] (2) .
فإنه قد قيل: المراد بذكر اسم الله عليها، إذا كانت حاضرة.
وقيل: بل يعم ذكره لأجلها في مغيبها وشهودها، بمنزلة قوله تعالى {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] (3) .
وفي الحقيقة: مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] كما قد أومأنا إليه.
وفيها قول ثالث ضعيف: أن المعنى على اسم النصب. وهذا ضعيف؛ لأن هذا المعنى حاصل من قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] فيكون تكريرا. لكن اللفظ يحتمله، كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة (4) عن سالم (5) «عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل (6) بأسفل
_________
(1) سورة الحج: من الآية 34.
(2) سورة الحج: من الآية 28.
(3) سورة البقرة: من الآية 185.
(4) هو: موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي، أخرج له الستة، توفي سنة (141هـ) . انظر: تقريب التهذيب (2 / 286) ، (ت1486) .
(5) هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، المدني الفقيه، من أئمة التابعين علمًا وفقهًا وورعًا وعبادة وتقى، وكان يشبه أباه في السمت والهدي، ومن الرواة الثقات المكثرين للحديث. توفي سنة (106هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (3 / 438) .
(6) هو: زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، والد سعيد بن زيد، وابن عم عمر بن الخطاب. قال ابن حجر في الإصابة: " ذكره البغوي وابن منده وغيرهما من الصحابة، وفيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين "، وهو ممن كان على دين الحنيفية في الجاهلية. انظر: الإصابة (1 / 569) ، (ت2923) .
(2/63)

بلدح (1) وذلك (2) قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم (3) إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة في لحم. فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا (4) آكل مما تذبحون على أنصابكم (5) ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه» (6) . وفي رواية له: " وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: " الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله؟! (7) إنكارا لذلك وإعظاما له.
وأيضا فإن قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود: فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم (8) من الاستعانة
_________
(1) بلدح: واد غرب مكة. انظر: معجم البلدان (1 / 480) .
(2) في البخاري: وذاك.
(3) في المطبوعة: (فقدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم) ، وهي من ألفاظ الحديث. وفي (ب) : فقدم إلى رسول الله.
(4) في المطبوعة: لست. وهي من ألفاظ الحديث الواردة.
(5) في (ب د) : على أصنامكم. والصحيح ما أثبته من بقية النسخ كما في البخاري.
(6) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ذبح على النصب والأصنام، الحديث رقم (5499) من فتح الباري (9 / 630) ، وكتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، الحديث رقم (3826) ، (7 / 142) .
(7) هذه من بقية الحديث السابق رقم (3826) من فتح الباري.
(8) في المطبوعة زاد هنا: شركًا.
(2/64)

باسمه (1) في فواتح الأمور. فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة (2) أو قصد به ذلك، أولى.
وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله.
وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا به (3) إليه لحرم (4) وإن قال فيه: (5) بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى (6) والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.

[ذبائح الجن المزعزمة]
ومن هذا الباب: ما قد يفعله الجاهلون بمكة -شرفها الله- (7) وغيرها من الذبح للجن (8) ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح الجن (9) ويدل على المسألة ما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح في مواضع
_________
(1) في المطبوعة: باسم هذا الغير.
(2) في (د) : أو الزهري. والزهرة: نجم من النجوم السيارة شديدة اللمعان.
(3) به: سقطت من (أ) .
(4) في (ب) : يحرم.
(5) فيه: سقطت من (ط) .
(6) في المطبوعة زاد: الأولياءو.
(7) شرفها الله: سقطت من (ب د) .
(8) وذلك اتقاء لشرهم بزعمهم.
(9) أورد ذلك البيهقي في السنن الكبرى في حديث مرسل، عن الزهري يرفع الحديث (9 / 314) ، وابن حبان رواه في الضعفاء مرفوعًا، وذكر سنده إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم. راجع: تيسير العزيز الحميد (ص158) ، ط الإفتاء.
(2/65)

الأصنام، ومواضع أعياد الكفار.
ويدل على ذلك أيضا: ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا هارون بن عبد الله (1) حدثنا حماد بن مسعدة (2) عن عوف (3) عن أبي ريحانة (4) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاقرة الأعراب (5) " قال أبو داود: غندر أوقفه على ابن عباس (6) .
وروى أبو بكر بن أبي شيبة في تفسيره: حدثنا وكيع، عن أصحابه، عن عوف الأعرابي (7) عن أبي ريحانة قال: سئل ابن عباس، عن معاقرة الأعراب بينها، فقال: " إني أخاف أن تكون مما أهل لغير الله به " (8) .
_________
(1) هو: هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي، أبو موسى، الحمال البزاز، ثقة من الطبقة العاشرة، أخرج له الستة عدا البخاري. توفي سنة (243هـ) ، وعمره يناهز الثمانين. انظر: تقريب التهذيب (2 / 312) ، (ت18) .
(2) هو: حماد بن مسعدة التميمي البصري، أبو سعيد، ثقة، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة. توفي سنة (202هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 197) ، (ت548) .
(3) هو: عوف بن أبي جميلة. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(4) هو: عبد الله بن مطر البصري ـ وقيل: اسمه زياد ـ أبو ريحانة، صدوق، تغير آخر أمره، من الطبقة الثالثة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر: تقريب التهذيب (1 / 451) ، (ت642) .
(5) في (ط) : الأصحاب: وهو تحريف من النساخ.
(6) انظر: سنن أبي داود، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب، الحديث رقم (2820) ، (3 / 246) ، ومعاقرة الأعراب: أن يتبارى الرجلان ويتفاخران في عقر الإبل، ويتكاثران في ذلك، فأيهما يعقر أكثر من صاحبه تكون الغلبة له. انظر: معالم السنن للخطابي في حاشية أبي داود (3 / 246) .
(7) هو: عوف بن أبي جميلة. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(8) لم أعثر على تفسير ابن أبي شيبة.
(2/66)

وروى أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن (1) دحيم في تفسيره، حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن منصور، عن ربعي بن (2) عبد الله بن الجارود (3) قال: سمعت الجارود (4) قال: كان (5) من بني رياح (6) رجل يقال له: ابن وثيل (7) شاعر، نافر أبا الفرزدق غالبا (8) الشاعر، بماء بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من إبله، وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الإبل الماء قاما إليها بأسيافهما فجعلا ينسفان عراقيبها، فخرج الناس على الحمرات (9) والبغال، يريدون الحمل (10) وعلي -رضي الله عنه- بالكوفة فخرج على بغلة
_________
(1) هو: إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم القرشي الدمشقي.
انظر: غاية النهاية (1 / 16) .
(2) في المطبوعة: عن وهو خطأ.
(3) هو: ربعي بن عبد الله بن الجارود بن أبي سبرة الهذلي البصري، قال في التقريب: " صدوق من الثامنة " أخرج له أبو داود في سننه. انظر: تقريب التهذيب (1 / 243) ، (ت29) .
(4) هو: الجارود بن أبي سبرة الهذلي، البصري، أبو نوفل، جد ربعي السابقة ترجمته. قال في التقريب: " صدوق من الثالثة " توفي سنة (120هـ) ، أخرج له أبو داود. انظر: التقريب (1 / 124) ، (ت20) .
(5) في (أب ط) : يعني كان. وفي (د) : كان يعني، ولعل يعني من زيادات النساخ.
(6) هم بطن من تميم ينسب إلى رياح بن يربوع التميمي. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (2 / 46) .
(7) هو: سحيم بن وثيل الرياحي، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، شاعر مخضرم. انظر: الإصابة (2 / 110) ، (ت 3665) .
(8) هو: غالب بن صعصعة بن ناجية التميمي، والد الفرزدق الشاعر، قال في الإصابة: لأبيه صحبة، وله إدراك. انظر: الإصابة (3 / 193) ، (ت6931) .
(9) في المطبوعة: الحمر. والحُمُرات جمع: حُمُر، والحُمُر جمع: حِمَار. فالحُمُرات جمع الجمع: انظر: لسان العرب، مادة (حمر) ، (4 / 212) .
(10) في المطبوعة: اللحم، والمقصود بالحمل: حمل اللحم.
(2/67)

رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو ينادي: " يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله " (1) .
فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد (2) بذبحه غير الله، داخلا فيما أهل به لغير الله؛ فعلمت (3) أن الآية لم يقتصر بها على اللفظ باسم غير الله، بل ما قصد به التقرب إلى غير الله فهو كذلك، وكذلك (4) تفاسير التابعين على أن ما ذبح على النصب هو ما ذبح لغير الله.

[عودة إلى تفصيل القول فيما ذبح على النصب]
وروينا في تفسير مجاهد المشهور عنه الصحيح من رواية ابن أبي نجيح في قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (5) قال: " كانت حجارة حول الكعبة يذبح لها أهل الجاهلية، ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أعجب إليهم منها " (6) .
وروى ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن الحسن، في قوله تعالى {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] (7) قال: " هو بمنزلة (8) ما ذبح لغير الله ".
وفي تفسير قتادة المشهور عنه: " وأما ما ذبح على النصب: فالنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك " (9) .
_________
(1) أورده ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم بسنده " حدثنا أبي حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي بن عبد الله سمعت الجارود بن عبد الله. . "، فذكر القصة (2 / 8) .
(2) في (أط) : ما قد قصد.
(3) من هنا حتى قوله: بل ما قصد (سطر تقريبًا) : سقط من (أ) .
(4) وكذلك: ساقطة من (أ) .
(5) سورة المائدة: من الآية 3.
(6) انظر: تفسير مجاهد (تحقيق عبد الرحمن السورتي) (ص185) ، وتفسير الطبري (6 / 48، 49) .
(7) من هنا حتى قوله: فالنصب حجارة (سطر تقريبًا) : سقط من (د) .
(8) في (ط) : هو ما ذبح لغير الله، أي: بسقوط (بمنزلة) .
(9) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6 / 48) .
(2/68)

وفي تفسير علي بن أبي طلحة (1) عن ابن عباس: " النصب أصنام كانوا يذبحون ويهلون عليها " (2) .
فإن قيل: فقد نقل إسماعيل بن سعيد (3) قال: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم. قال: " لا بأس به " (4) .
قيل: إنما قال أحمد ذلك؛ لأن المسلم إذا ذبحه سمى الله عليه، ولم يقصد ذبحه لغير الله، ولا يسمي غيره، بل يقصد ضد (5) ما قصده صاحب الشاة، فتصير نية صاحب الشاة لا أثر لها، والذابح هو المؤثر في الذبح، بدليل أن المسلم لو وكل كتابيا في ذبيحة، فسمى عليها غير الله (6) لم تبح.
ولهذا لما كان الذبح عبادة في نفسه كره علي -رضي الله عنه- (7) وغير واحد من أهل العلم -منهم أحمد في إحدى الروايتين عنه- أن يوكل المسلم في ذبح
_________
(1) هو: علي بن أبي طلحة سالم بن المخارق الهاشمي، أصله من الجزيرة وانتقل إلى حمص، روى عن ابن عباس، ولم يسمع منه، صدوق، قال عنه النسائي: ليس به بأس، وضعفه بعضهم، أخرج له مسلم حديثًا واحدا، وكذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه. توفي سنة (143هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (7 / 339 ـ 341) ، (ت567) ، وتقريب التهذيب (2 / 39) ، (ت362) .
(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6 / 49) .
(3) هو: إسماعيل بن سعيد الشالنجي، أبو إسحاق، من أكثر من روى عن أحمد من أصحابه، وكان كبير القدر عندهم، إمام فاضل، صنف كتبًا في الفقه وغيره. توفي سنة (246هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (1 / 104، 105) ، (ت113) ، واللباب في تهذيب الأنساب (2 / 176، 177) .
(4) ذكر ذلك في المغني والشرح الكبير أيضًا (11 / 36) .
(5) في المطبوعة: (منه غير) ، بدل: (ضد) .
(6) انظر: المغني والشرح الكبير (11 / 36) .
(7) في (أط) : عليه السلام. ولعله إدراج من النساخ.
(2/69)

نسيكته كتابيا؛ لأن نفس الذبح عبادة بدنية، مثل الصلاة، ولهذا تختص بمكان وزمان ونحو ذلك، بخلاف تفرقة اللحم، فإنه عبادة مالية، ولهذا اختلف العلماء في وجوب تخصيص أهل الحرم بلحوم الهدايا المذبوحة في الحرم، وإن كان الصحيح تخصيصهم بها، وهذا بخلاف الصدقة، فإنها عبادة مالية محضة، فلهذا قد لا يؤثر فيها نية الوكيل، على أن هذه المسألة منصوصة عن أحمد محتملة.
فهذا تمام الكلام في ذبائحهم لأعيادهم.
(2/70)

[فصل في صوم أيام عيد الكفار]
فصل فأما صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم، كصوم يوم النيروز والمهرجان، وهما يومان يعظمهما الفرس، فقد اختلف فيها؛ لأجل أن المخالفة (1) تحصل بالصوم، أو بترك تخصيصه بعمل أصلا.
فنذكر صوم يوم (2) السبت أولا:
وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي (3) عن أخته الصماء (4) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء (5)
_________
(1) في (ب) : المخالفة المفردة تحصل.
(2) يوم: سقطت من (أ) .
(3) هو: عبد الله بن بسر بن أبي بسر المازني السلمي، له ولأبيه صحبة، مات بالشام سنة (88هـ) ، وعمره (94) ، وقيل: (100) سنة، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة، وكان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم قال له: " يعيش هذا الغلام قرنًا ". انظر: الإصابة (2 / 281 ـ 282) ، (ت4564) ، وتهذيب التهذيب (5 / 158، 159) ، (ت271) .
(4) هي: الصماء بنت بسر المازنية، لها ولأبويها صحبة، وقيل: اسمها بهية، أو نهيمة. انظر: الإصابة (4 / 351) ، (ت666) ؛ والاستيعاب بهامش الإصابة (4 / 352) ؛ وتهذيب التهذيب (12 / 431، 432) ، (ت2825) .
(5) في (ب) : لخاء، وهو تصحيف، واللحاء هو: القشر.
(2/71)

عنب أو عود شجرة - وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء (1) شجرة - فليمضغه» (2) رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن " (3) وقد رواه النسائي من وجوه أخرى عن خالد وعبد الله بن بسر، ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة.
وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه: قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفترد (4) به فقال أما صيام يوم السبت يفترد (5) به فقد جاء في (6) ذلك الحديث حديث الصماء (7) " يعني حديث ثور عن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن
_________
(1) في (ب) : لخاء، وهو تصحيف، واللحاء هو القشر.
(2) انظر: سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في صوم يوم السبت، حديث رقم (744) ، (3 / 120) ، وسنن أبي داود كتاب الصوم، باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم، حديث رقم (2421) ، (2 / 805) ، وصحيح ابن خزيمة (3 / 317) ، حديث رقم (2164) ، وابن ماجه في كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام يوم السبت، حديث رقم (1726) ، (1 / 550) ، وأخرجه أحمد في المسند من طريقين (6 / 368، 369) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال: حديث صحيح (2 / 739) ، رقم (9818) . والحاكم في المستدرك (1 / 435) ، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه "، ولم أجده في سنن النسائي الصغرى المطبوعة، ولعله في السنن الكبرى.
(3) انظر: الهامش السابق.
(4) كذا: (يفترد) في (أد ط) ، وفي (ب) : (يفرد) ، وفي المطبوعة: (يتفرد) في الأولى (وينفرد) في الثانية. وأوردها ابن قدامة في المغني بمثل ما أثبته من (أد ط) (3 / 98) والمغني والشرح الكبير، وكلها بمعنى الإفراد.
(5) نفس التعليق السابق.
(6) في (أط) : فيه.
(7) ساق هذه الرواية في المغني والشرح (3 / 98، 99) .
(2/72)

النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» (1) ". قال أبو عبد الله: " وكان (2) يحيى بن سعيد يتقيه (3) وأبى (4) أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعته من أبي عاصم (5) .
قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة حين سئلت: «أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها؟ فقالت: " السبت والأحد» (6) .
ومنها: حديث جويرية (7) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: «أصمت
_________
(1) هذا هو الحديث السابق.
(2) وكان: سقطت من (ط) .
(3) في المطبوعة: ينفيه.
(4) في (أط) : (أبى) بدون واو العطف.
(5) انظر: المغني والشرح الكبير (3 / 99) في المغني.
هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل، البصري، ثقة، ثبت، توفي سنة (212هـ) ، أخرج له الستة. انظر: تقريب التهذيب (1 / 373) ، (ت16) .
(6) جاء ذلك في حديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4 / 303) ، وابن خزيمة في صحيحه (3 / 318) ، حديث رقم 2167) ، وقال الألباني في هامش الكتاب: (إسناده حسن وصححه ابن حبان) ، وأحمد في المسند (6 / 324) ، والحاكم في المستدرك (1 / 436) ، وذكر أن إسناده صحيح، وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4 / 235) .
(7) هي: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب الخزاعية، أم المؤمنين، كان اسمها: برة، ولما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم سماها (جويرية) ، وكان سباها يوم المريسيع فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبته على نفسها فأدى عنها رسول الله وتزوجها، فأعتق الصحابة من سبي من قومها حين صاروا أصهار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم، وكانت من فضليات النساء أدبًا وفصاحة، توفيت رضي الله عنها بالمدينة المنورة سنة (56هـ) وعمرها (65) سنة. انظر: أسد الغابة (5 / 419 ـ 421) ، والأعلام للزركلي (2 / 148) .
(2/73)

أمس؟ " [قالت: لا، قال] (1) " أتريدين أن تصومي غدا؟ " (2) فالغد هو يوم السبت» .
وحديث أبي هريرة: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا بيوم قبله أو يوم (3) بعده» (4) . فاليوم الذي بعده هو (5) يوم السبت.
ومنها: أنه كان يصوم شعبان كله، (6) وفيه يوم السبت.
ومنها: أنه أمر بصوم المحرم (7) وفيه يوم السبت، وقال: «من صام
_________
(1) ما بين القوسين المعقوفين ساقط من جميع المخطوطة، ولعله سهو من المؤلف، وأثبته من البخاري والمطبوعة.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب صوم يوم الجمعة، الحديث رقم (1986) من فتح الباري (4 / 232) ، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3 / 316) ، الحديث رقم (2164) ، وقال الألباني في تعليقه على الحديث: إسناده صحيح لكن أعله الحافظ (يعني ابن حجر) بالمخالفة.
(3) في (ط) : أو بيوم.
(4) أخرجاه في الصحيحين. انظر: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم الجمعة، الحديث رقم (1985) من فتح الباري (4 / 232) ، ولفظه: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده) ، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردًا، الحديث رقم (1144) ، ولفظه: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده) (2 / 801) .
(5) هو: ساقطة من (د) .
(6) انظر: فتح الباري (4 / 213، 214) تجد الحديث الوارد في البخاري عن صوم شعبان، وكلام ابن حجر حوله.
(7) جاء ذلك في حديث أخرجه مسلم وغيره. انظر: صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم، الحديث رقم (1163) ، (2 / 821) .
(2/74)

رمضان، وأتبعه بست من شوال» . . . . " (1) وقد يكون فيها السبت.
وأمر بصيام أيام البيض (2) وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا (3) كثير (4) .
فهذا الأثرم، فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في (5) علل الحديث (يحيى بن سعيد) كان يتقيه، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث.
واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت، ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده.
وعلى هذا؛ فيكون الحديث: إما شاذا غير محفوظ، وإما منسوخا، وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم، وأبي داود.
_________
(1) وتكملة الحديث " كان كصيام الدهر "، أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة من شوال، الحديث رقم (1164) ، (2 / 822 / 822) .
(2) جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري. انظر: فتح الباري، الحديث رقم (1981) ، (4 / 226) ، ومسلم (2 / 818) .
(3) في (ب) : هذه.
(4) في (أ) : كثيرة.
(5) في: سقطت من (ط) .
(2/75)

وقال أبو داود (1) "هذا حديث منسوخ " (2) . وذكر أبو داود بإسناده (3) عن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام السبت، يقول ابن شهاب: " هذا حديث حمصي " (4) وعن الأوزاعي قال: " ما زلت له كاتما حتى رأيته انتشر بعد " (5) يعني حديث (6) ابن بسر في صوم يوم السبت. قال أبو داود: قال مالك: " هذا كذب " (7) وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة.
وأما أكثر (8) أصحابنا ففهموا (9) من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم، فأجاب بالحديث، وجوابه بالحديث (10) يقتضي اتباعه.
وما ذكره عن يحيى (11) إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم، عملا بهذا الحديث، لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد كصوم يوم الجمعة، وشهر رجب.
_________
(1) قال أبو داود: ساقطة من (ط) .
(2) لفظ أبو داود: " وهذا الحديث منسوخ "، سنن أبي داود (2 / 806) .
(3) في (أب) : بإسناد.
(4) ذكر ذلك الحاكم في المستدرك (1 / 436) ، وأبو داود (2 / 807) ، وقال في عون المعبود: " هذا حديث حمصي " يريد تضعيفه؛ لأن في حديث عبد الله بن بسر راويان حمصيان. . " إلخ. راجع: عون المعبود وشرح سنن أبي داود (7 / 74) .
(5) انظر: سنن أبي داود (2 / 807) .
(6) حديث سقطت من (أ) .
(7) انظر: سنن أبي داود (2 / 807) .
(8) في (أ) : وما أكثر أهل العلم أصحابنا.
(9) في (أ) : فقهوا.
(10) بالحديث: سقطت من (ط) .
(11) يعني يحيى بن سعيد القطان، حيث ذكر أنه يتقي هذا الحديث.
(2/76)

وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة، حدثنا موسى بن وردان (1) «عن عبيد الأعرج (2) حدثتني جدتي -يعني الصماء - أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت هو يتغدى، فقال: " تعالي تغدي " (3) فقالت: " إني صائمة " فقال لها: " أصمت أمس؟ " قالت: لا، قال: " كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (4) . وهذا وإن كان إسناده ضعيفا لكن تدل عليه سائر الأحاديث، وعلى هذا فيكون قوله: " لا تصوموا يوم السبت " أي: لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده.
وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض (5) مجرد كونه فرضا، لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك. وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور (6) الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل.
_________
(1) هو: موسى بن وردان القرشي، العامري، بالولاء، أبو عمرو، البصري القاضي، قال في التقريب: " صدوق ربما أخطأ من الثالثة "، توفي سنة (117هـ) ، وعمره (74) سنة. انظر: تقريب التهذيب (2 / 289) ، (ت1518) .
(2) كذا ورد اسمه في المسند (6 / 368) ، وقد بحثت عنه في كل كتب التراجم التي اطلعت عليها، فلم أعثر له على ترجمة.
(3) في المسند: (تعالي فكلي) .
(4) مسند أحمد (6 / 368) ، في حديث الصماء بنت بسر. وقد ذكر المؤلف أن الحديث ضعيف.
(5) من هنا حتى قوله: ضم غيره إليه. . (بعد سطر تقريبًا) : سقطت من (أ) .
(6) صور: ساقطة من (أ) .
(2/77)

ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة: فعللها ابن عقيل بأنه يوم تمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم (1) في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. وعلله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد يعارض بيوم (2) الأحد، فإنه يوم عيد النصارى، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " اليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى " (3) .
وقد يقال: إذا كان يوم عيد، فمخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر، ويدل على ذلك ما رواه كريب مولى ابن عباس قال: «أرسلني ابن عباس، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: " إنهما يوما (4) عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» رواه أحمد والنسائي، وابن أبي عاصم (5) وصححه بعض
_________
(1) في (أ) : والصيام.
(2) في (ط) : يوم.
(3) أخرجه أحمد في المسند عن أبي هريرة وفي لفظه: (اليوم لنا، ولليهود غدًا وللنصارى بعد غد. .) الحديث (2 / 503، 509، 512) . وذكرها في مواضع أخرى ولفظه: " إن الله عز وجل كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها وهدانا الله لها، فالناس لنا تبع، فاليهود غدًا والنصارى بعد غد " المسند (2 / 491) وغيرها. وأخرجه مسلم بهذا اللفظ الذي أورده المؤلف في كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، الحديث رقم (855) ، وهذا اللفظ تحت رقم (20) في الباب (2 / 585، 586) ، والبخاري بلفظ آخر. انظر: الحديث رقم (876) من فتح الباري (2 / 354) .
(4) في (أب ط) : يوم.
(5) انظر: مسند أحمد (6 / 324) .
(2/78)

الحفاظ (1) . وهذا نص في استحباب صوم (2) يوم عيدهم لأجل قصد (3) مخالفتهم.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» رواه الترمذي، وقال: " حديث حسن " (4) قال: " وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه " (5) وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره (6) صوم يوم السبت وحده، وعلل ذلك بأنهم يتركون فيه العمل والصوم مظنة ذلك، فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم.
_________
(1) كالحاكم في المستدرك (1 / 109) حيث ذكر أنه صحيح الإسناد، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3 / 318) . وقال الألباني: إسناده حسن، وصححه ابن حبان.
(2) صوم: ساقطة من (ب) .
(3) في (أ) : كأنها: فضل.
(4) سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في صوم يوم الاثنين والخميس، الحديث رقم (746) ، (3 / 121، 122) .
(5) نفس المرجع السابق.
(6) كذا في جميع النسخ المخطوطة. والمقصود (صوم يوم السبت) ، لذلك زادها في المطبوعة.
(2/79)

[فصل في صوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين]
فصل وأما النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم (1) يكره صوم يوم السبت من الأصحاب وغيرهم، قد لا يكره صوم ذلك اليوم؛ (2) بل ربما يستحبه لأجل مخالفتهم، وكرههما أكثر الأصحاب (3) وقد قال أحمد في رواية عبد الله: حدثنا وكيع (4) عن سفيان، عن رجل، عن أنس، والحسن: كرها (5) صوم يوم (6) النيروز والمهرجان (7) . قال: (8) أبي: أبان بن أبي (9) عياش (10) -يعني الرجل-، وقد اختلف الأصحاب: هل يدل مثل
_________
(1) في (د) : فمن يكره.
(2) اليوم: سقطت من (أب ط) .
(3) في (ب) : وغيرهم.
(4) حدثنا: سقطت من (ب ط) . وفي (أ) : ووكيع.
(5) في المطبوعة: أنهما كرها.
(6) يوم: سقطت من (أ) .
(7) انظر: المغني والشرح الكبير (3 / 99) في المغني.
(8) في (ب د) : وقال. و (أبي) : سقطت من (ط) .
(9) في المطبوعة: أبان بن عياش. والصحيح ما أثبته.
(10) هو: أبان بن أبي عياش، فيروز، البصري العبدي، أبو إسماعيل، قال في التقريب: " متروك "، توفي في حدود سنة (140هـ) ، انظر: تقريب التهذيب (1 / 31) ، (ت164) .
(2/80)

ذلك على مذهبه؟ على وجهين.
وعللوا ذلك بأنهما يومان تعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكره، كيوم السبت. قال الإمام أبو محمد المقدسي (1) " وعلى قياس هذا؛ كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم (2) .
وقد يقال: يكره صوم يوم (3) النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام (4) التي لا تعرف بحساب العرب. بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛ لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية كانت ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام، وإحياء أمرها، وإظهار حالها، بخلاف السبت والأحد، فإنهما من حساب المسلمين فليس في صومهما مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب (5) الجاهلي العجمي، توفيقا بين الآثار. والله أعلم.
_________
(1) هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي، الفقيه الإمام، أبو محمد، موفق الدين، من الأئمة الأعلام في الفقه وأصوله، والفرائض، والتفسير، والأحاديث، له مصنفات كثيرة جليلة، من أشهرها: المغني، مختصر الهداية، والكافي، والمقنع ـ وكلها في الفقه ـ وروضة الناظر في الأصول. وغيرها. توفي سنة (626هـ) ، ومولده سنة (541هـ) . انظر: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة (2 / 133ـ 149) ، (ت272) .
(2) المغني والشرح الكبير (3 / 99) في المغني.
(3) يوم: ساقطة من (أب ط) .
(4) في المطبوعة زاد: العجمية.
(5) في (أ) : قال: بالحساب العربي الجاهلي العجمي، وهو خلط من الناسخ.
(2/81)

[فصل في سائر الأعياد والمواسم المبتدعة]
[ما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر لوجهين]
[الأول دخول سائر الأعياد والمواسم المبتدعة في مسمى البدع المحدثات]
فصل ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات (1) المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه. وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين:
أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار. والثاني: أنها من البدع.
فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر، وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب، لوجهين:
أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات (2) فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعين السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (3) وفي رواية للنسائي (4) «وكل ضلالة في
_________
(1) المنكرات: سقطت من (أط) .
(2) في (د) : والمحدثات.
(3) صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، الحديث رقم (867) ، (3 / 592) ، وللحديث بقية منها: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) . . إلخ.
(4) في (أ) : وفي رواية النسائي.
(2/82)

النار» (1) .
وفيما رواه أيضا في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) . وفي لفظ في الصحيحين: «من أحدث في أمرنا (هذا) ما ليس منه فهو رد» (3) .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه (5) من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (6) .
_________
(1) لم أجدها في السنن الصغرى والمطبوعة، فلعلها في السنن الكبرى.
(2) صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، الحديث رقم (1718) ، (18) من أحاديث الباب (3 / 1343، 1344) .
(3) صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، الحديث رقم (2697) ، (5 / 301) من فتح الباري، وصحيح مسلم، الحديث بالرقم السابق (1718) ، (17) وجعلت (هذا) بين قوسين لأنها لا توجد في النسخ المخطوطة فأثبتها من رواية الصحيحين المشار إليها هنا، وتوجد في المطبوعة كذلك.
(4) هو الصحابي الجليل: العرباض بن سارية السلمي، أبو نجيح، من أوائل الصحابة إسلامًا، ومن أهل الفقه، وممن نزل فيهم قوله تعالى: " ولَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ " نزل حمص بعد الفتوح، توفي سنة (75هـ) . انظر: الإصابة (2 / 473) ، (ت5501) .
(5) أنه: سقطت من (ب ط) .
(6) سنن أبي داود، كتاب السنّة، باب لزوم السنّة، الحديث رقم (4607) ، (5 / 13) ، وسنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنّة، الحديث رقم (2676) ، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح " (5 / 44، 45) ، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب اتباع سنّة الخلفاء الراشدين، الحديث رقم (42) ، (1 / 15، 16) ، ومسند أحمد (4 / 126، 127) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك من أكثر من طريق، قال في أحدها: " هذا حديث صحيح ليس له علة "، وقال في آخر: " هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعًا، ولا أعرف له علة ". المستدرك (1 / 95 ـ97) .
(2/83)

وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا، قال تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] (1) فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله.
نعم: قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده، لكن (2) لا يجوز اتباعه في ذلك كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا قد علم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا، وقد قال سبحانه {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] (3) .
قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله ما عبدوهم قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» (4) .
فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب؛ فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضا نصيب، ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه لاجتهاده، ومثابا أيضا على
_________
(1) سورة الشورى: من الآية 21.
(2) في (ب) : ولكن.
(3) سورة التوبة: الآية 31.
(4) مرت الإشارة إلى الحديث (ص78) .
(2/84)

الاجتهاد (1) فيتخلف عنه الذم لفوات شرطه أو لوجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائما. ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه، أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له، أو عرض عن طلب معرفته لهوى، أو لكسل (2) أو نحو ذلك.
وأيضا، فإن الله عاب على المشركين شيئين:
أحدهما أنهم أشركوا به (3) ما لم ينزل به سلطانا.
والثاني: تحريمهم ما لم يحرمه الله عليهم.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه مسلم، عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: إني خلقت (4) عبادي حنفاء فاجتالتهم (5) الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (6) .
قال سبحانه {سَيَقُولُ (7) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148]
_________
(1) في (د) : على اجتهاده.
(2) في (ب) : أو لشغل.
(3) في (ب ج د) : بالله.
(4) في المطبوعة: جعلت.
(5) في (ب) : فاجتالهم الشيطان، وحرم عليهم ما أحللت لهم، وأمرهم. . الحديث. ومعنى اجتالتهم: أي حولتهم، وحرفتهم عن الحق.
(6) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها أهل الجنة، الحديث رقم (2865) ، (4 / 2197) ، والحديث طويل، وجاء فيه ما أورده المؤلف، مع اختلاف يسير في الألفاظ، قوله: " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأَمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا. . " الحديث.
(7) في (أ) : وقال الذين أشركوا. . إلخ. وهذا صدر آية النحل 35. والآية التي ساقها المؤلف آية الأنعام. وهذا خلط من الناسخ.
(2/85)

(1) فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن (2) المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة، وإما مستحبة، وأن فعلها خير من تركها.
ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا عبدوا به الله في زعمهم كما أحدثته (3) النصارى من أنواع العبادات المحدثة.
وأصل الضلال في أهل الأرض (4) إنما نشأ من هذين:
إما اتخاذ دين لم يشرعه الله.
أو تحريم ما لم يحرمه الله.
ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى:
عبادات يتخذونها دينا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة (5) .
وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم (6) .
فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله.
والأصل في العادات: أن لا (7) يحظر منها إلا ما حظره الله.
وهذه المواسم المحدثة إنما نهى (8) عنها لما حدث
_________
(1) سورة الأنعام: من الآية 148.
(2) في (أ) : قال المشركون.
(3) في (ط) : أحدثه.
(4) في أهل الأرض: ساقطة من (ب) .
(5) والآخرة: سقطت من (أ) .
(6) وإلى عادات. . إلخ: سقطت من (أ) .
(7) في (أ) : أن يحظر.
(8) في (أ) : نهى الله.
(2/86)

فيها (1) من الدين الذي يتقرب به المتقربون (2) كما سنذكره إن شاء الله.
واعلم أن هذه القاعدة، وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة؛ بدليل قول عمر -رضي الله عنه- في صلاة التراويح: " نعمت البدعة هذه " (3) وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست بمكروهة، أو هي حسنة؛ للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس.
وربما يضم إلى ذلك مَنْ لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده (4) بمثابة من إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. وما أكثر (5) ما قد يحتج بعض من يتميز (6) من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها.
والغرض أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دل على
_________
(1) في (ط) : لما حدث في الدين.
(2) المتقربون: سقطت من (أط) والمطبوعة.
(3) أخرجه البخاري في قصة جمع عمر للناس على إمام واحد في صلاة التراويح، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، الحديث رقم (2010) من فتح الباري (4 / 250) .
(4) في (ب) : يعتاد. وفي (ج) : يعتاده.
(5) في (ب) : ومن أكثر ما يحتج. وفي (د) : وبأكثر ما قد يحتج.
(6) كذا في جميع النسخ التي بين يدي (يتميز) .
(2/87)

حسن بعض البدع، إما من الأدلة (1) الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين (2) أو المتأولين في الجملة. ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان:
أحدهما: أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنا، فهذا مما قد يقوله بعضهم.
المقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة (3) هذه بدعة حسنة؛ لأن (4) فيها من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة.
والجواب: أما القول إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحل (5) لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم.
وأما المعارضات، فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه.
وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك
_________
(1) في (ب) : الدلالة.
(2) في (أ) : التي يعتمد عليها الجاهلون.
(3) في المطبوعة: سيئة.
(4) في (أ) : لا فيها. أي أن نون (لأن) سقطت، وفي (ب) : لكن فيها.
(5) في (ب) : لا يحل.
(2/88)

العموم اللفظي المعنوي موجبا للنهي، ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، أو قول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم، ونحو ذلك، فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعارض به.
ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها، بناء على أن الأمة أقرتها، ولم تنكرها (1) فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟
وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في (2) عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم، لا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى؟ ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله (3) أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين.
_________
(1) في (أ) : ولم تنكر.
(2) في (ب) : من عصر مالك.
(3) وهذه هي حال سائر أصحاب الطرق الصوفية التي ابتليت بها أكثر بلاد المسلمين، فإنهم بجهلهم عملوا من العبادات ما لم يأذن به الله، وابتدعوا عوائد وأورادًا وطقوسًا ليس لها أصل في الكتاب والسنّة، حتى لقد بلغ الأمر ببعضهم إلى تعمد رفض ما جاء عن الله ورسوله، بدعوى أن شيوخهم يتلقون عن الله مباشرة، أو عن رسول الله بعد موته في المنام، بل واليقظة! ومن هنا زلت أقدامهم عن الحق، والعياذ بالله.
(2/89)

والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم: أنه ليس طريقة أهل العلم، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين، وقد يبدي ذو العلم و (1) الدين له فيها مستندا آخر من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله بها وعمله لها (2) ليس مستندا (3) إلى ما أبداه من الحجة الشرعية، وإن كانت شبهة، وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ورسوله، من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان، وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره، ودفعا لمن يناظره.
والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل، فنوع من النفاق في العلم والجدل، والكلام والعمل.
وأيضا، فلا يجوز حمل قوله صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة " على البدعة التي نهى عنها بخصوصها؛ لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي، قد علم بذلك النهي أنه قبيح (4) محرم، سواء كان بدعة، أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في (5) الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه، سواء كان مفعولا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن، وما نهى عنه فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير،
_________
(1) في (أد ج) : أو الدين.
(2) لها: ساقطة من (ب) .
(3) في المطبوعة: أسقط قوله: إلى ما أبداه من الحجة الشرعية، وكتب بدلها: آخر من الأدلة الشرعية.
(4) في المطبوعة: قد أبيح.
(5) في (أ) : من الدين.
(2/90)

لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: «كل بدعة ضلالة» بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة. أو: كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة، ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة. . وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء:
أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإنما علم أنه منهي عنه بخصوصه، فقد علم حكمه (1) بذلك النهي، وما لم يعلم لا يندرج في هذا الحديث، فلا يبقى في هذا الحديث فائدة! مع كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب به في الجمع، ويعده من جوامع الكلم.
الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير، فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى، تعليق له بما لا تأثير له، كسائر الصفات العديمة التأثير.
الثالث: أن الخطاب بمثل هذا، إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر- وهو كونه منهيا عنه- كتمان لما يجب بيانه، وبيان لما لم (2) يقصد ظاهره، فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة عنها (3) نهي (4) خاص، وليس كل ما فيه (5) نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض، لا يسوغ للمتكلم، إلا أن يكون مدلسا، كما لو قال: (الأسود) ، وعنى به الفرس، أو: الفرس، وعنى به الأسود.
_________
(1) في (ط) : حكمة ذلك النهي.
(2) لم: سقطت من (ط) .
(3) في المطبوعة: جاء عنها.
(4) من هنا حتى قوله: فالتكلم (سطر تقريبًا) : ساقط من (أ) .
(5) في المطبوعة: جاء فيه.
(2/91)

الرابع: (1) أن قوله «كل بدعة ضلالة» ، وإياكم ومحدثات الأمور، إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص، كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجوز بحال.
الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص، كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع، فإنك لو (2) تأملت البدع التي نهى (3) عنها بأعيانها، وما لم ينه (4) عنها بأعيانها، وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة.
فهذه الوجوه وغيرها: توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد، لا يجوز حمل الحديث عليه، سواء أراد المتأول أن (5) يعضد التأويل بدليل صارف، أو لم يعضد، فإن على المتأول (6) بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه، من ذلك الحديث، ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك.
وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث. فهذا الجواب عن مقامهم الأول.
وأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة
_________
(1) في (ب) : والرابع.
(2) في (ب) : إذا تأملت.
(3) نهى: ساقطة من (ط) .
(4) في (ب د) : التي لم ينه عنها.
(5) في (أ) : أول. وهو تحريف.
(6) في (أ) : فإن على التأويل.
(2/92)

ضلالة، فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن، وهو بدعة: إما أنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه، فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح المعارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم.
وإذا عرفت أن (1) الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين، فعلى التقديرين: الدلالة من الحديث باقية، لا ترد بما ذكروه (2) ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول (3) أقرب منه إلى التأويل، بل الذي يقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يقال هي بدعة: إن هذا العمل المعين مثلا ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده (5) بأبي هو وأمي -عليه الصلاة والسلام-.
فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول
_________
(1) في (ب) : بأن الجواب.
(2) في (أ) : بما ذكره.
(3) في (ب د) : إلى المشاقة أقرب.
(4) في المطبوعة: من نص رسول الله.
(5) في (أط) : مقصده.
(2/93)

رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه» (1) ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثا (2) وصلاها أيضا في العشر الأواخر في جماعة مرات (3) وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (4) كما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح (5) رواه أهل السنن. وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال (6) الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب
_________
(1) أخرجه أحمد في المسند، انظر: الفتح الرباني (9 / 244) ؛ وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، الحديث رقم (1328) ، (1 / 421) ، وابن خزيمة في صحيحه في كتاب الصيام، الباب (235) ، الحديث رقم (2201) ، (3 / 335) ، وفي إسناد هذا الحديث، النضر بن شيبان، ضعيف. انظر: الفتح الرباني (9 / 244) ، وقال فيه ابن خزيمة: فهذه اللفظة معناها صحيح من كتاب الله عز وجل، وسنّة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا بهذا الإسناد، فإني خائف أن يكون هذا الإسناد وهمًا، أخاف أن يكون أبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئًا، وهذا الخبر لم يروه عن أبي سلمة أحد أعلمه غير النضر بن شيبان (3 / 335) من صحيح ابن خزيمة.
(2) بل ثلاثًا: سقطت من (ط) .
(3) من هنا إلى قوله: وكان الناس يصلونها (بعد أربعة أسطر تقريبًا) : سقطت من (ط) .
(4) انظر: سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، الحديث رقم (806) ، (3 / 169) ، وقال الترمذي فيه: " هذا حديث حسن صحيح "، وانظر: سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنّة فيها، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، الحديث رقم (1327) ، (1 / 4201) ، وصحيح ابن خزيمة، كتاب الصيام، باب (240) ، الحديث رقم (2206) ، (3 / 337، 338) ، ولفظه: " إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة " الحديث. وفسروا الفلاح في الحديث بالسحور.
(5) نفس التعليق السابق.
(6) حال: سقطت من (أ) .
(2/94)

لقيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعات (1) في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم.
وأما قول عمر: " نعمت البدعة هذه " (2) فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه؛ لقالوا: قول الصاحب (3) ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب. نعم، يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف، على إحدى (4) الروايتين، فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة، أما غيرها فلا.
ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك: بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية، وذلك أن (5) البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق.
وأما البدعة الشرعية: فما (6) لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه (7) بعد موته أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر
_________
(1) في المطبوعة: جماعة.
(2) هذه: سقطت من (أ) .
(3) يعني: الصحابي.
(4) في (أ) : أحد.
(5) في (ب) :؛ لأن.
(6) في (ب) : فكل ما لم. وكذلك في المطبوعة.
(7) في (أ) : أو إيجاب.
(2/95)

-رضي الله عنه- فإذا عمل (1) ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ (2) كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي (3) عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة: " إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف " (4) .
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» (5) لم يرد به كل (6) عمل مبتدأ، فإن (7) دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان كذلك: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى؛ وقد قال لهم في الليلة الثالثة،
_________
(1) في المطبوعة: فإذا عمل أحد ذلك العمل.
(2) في المطبوعة: مبتدع.
(3) النجاشي: لقب يلقب به ملوك الحبشة، كما يقال لملك الفرس: كسرى، ولملك الروم: قيصر، ونجاشي الحبشة المعني هنا هو: أصحمة بن بحر، وكان ملكًا صالحًا، لبيبًا ذكيًا، وعالمًا عادلا، شهد له الرسول عليه السلام بالإسلام والصلاح، وصلى عليه حين مات، وهو الذي آوى المسلمين في هجرتهم للحبشة وأكرمهم، ودفع عنهم أذى قريش. توفي رحمه الله سنة تسع من الهجرة، وقيل قبل ذلك، انظر: السيرة النبوية لابن كثير (2 / 29، 30) .
(4) انظر: السيرة النبوية لابن كثير (2 / 18) .
(5) ضلالة: ساقطة من (أط) .
(6) كل: سقطت من (ب) .
(7) في (د) : فإنه.
(2/96)

أو الرابعة (1) لما اجتمعوا: "إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" (2) فعلّل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملا لم يكونوا يعملونه من قبل؛ فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم (3) يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض.
وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير (4) الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وعلى آله
_________
(1) أو الرابعة: سقطت من (أ) .
(2) أخرجه البخاري مع اختلاف يسير في كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه، الحديث رقم (7290) ، (13 / 264) فتح الباري، وفي كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، الحديث رقم (2012) ، (4 / 250، 251) فتح الباري، وفي كتاب الجمعة، باب (29) ، الحديث رقم (924) فتح الباري، وفي مواضع أخرى أيضًا، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان، الحديث رقم (761) ، (1 / 524) ، وأخرجه أحمد في المسند (5 / 182) .
(3) في المطبوعة: وإن لم.
(4) في (ب) : فيعين.
(2/97)

وسلم، فعمل المسلمون (1) بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة. وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهما من أرض العرب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك في مرضه فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» (2) وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم، وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم، فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود (3) "كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم". وكما جاءوا إلى علي (4) رضي الله عنه في خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا: "كتابك بخطك" (5) فامتنع من ذلك؛ لأن
_________
(1) في (ط) : المسلمين.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه بفظ: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، الحديث رقم (1767) ، (3 / 1388) ، ونحوه الترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، الحديث رقم (1607) ، (4 / 156) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود في كتاب الخراج، باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب، الحديث رقم (3030) ، (3 / 424) ، وفي لفظ الترمذي وأبي داود: "أترك"، بدل: "أدع". وانظر مسند أحمد (3 / 345) ، كما أخرج أحمد أيضًا عن أبي عبيدة بن الجراح قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم قال: (أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب) المسند (1 / 196) .
(3) في (أط) : اليهودي.
(4) في (د) : إلى عثمان.
(5) أخرج نحو هذا القاسم بن سلام، أبو عبيد، في كتاب الأموال، بسنده عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، وفيه قولهم لعلي: (وكتابك بيدك) ، كتاب الأموال (ص98) .
(2/98)

ذلك الفعل (1) كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان محدثا بعده، ومغيرا لما فعله هو صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا تأخذوه» (2) فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن (3) يعينهم على أهوائهم وإن كانت معصية، كان من امتنع من أخذه متبعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك قبول العطاء من أولي الأمر محدثا، لكن لما أحدثوا هم (4) أُحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي (5) سيفا وقوله له: «قاتل به المشركين، فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره» (6) فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على
_________
(1) في المطبوعة زاد: من عمر.
(2) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الخراج والإمارة، باب كراهية الاقتراض في آخر الزمان، الحديث رقم (2958) ، (3 / 363) ، ولفظه: (يا أيها الناس خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا تجاحفت قريش على الملك وكان عن دين أحدكم فدعوه) ومثله عند الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم (4239) ، (4 / 281) ، وقال محققه: (وهو ضعيف) . وفي سنده عند أبي داود مجهول. وأخرجه البخاري في الكبير وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال: صحيح (1 / 600) ، رقم (3893) .
(3) في (ط) : لم. وهو تحريف.
(4) في المطبوعة زاد: ما أحدثوه.
(5) هو الصحابي الجليل: أهبان بن صيفي الغفاري، من بني حرام بن غفار، وكنيته أبو مسلم، سكن البصرة. انظر: أسد الغابة (1 / 138) .
(6) جاء ذلك في قصة علي بن أبي طالب مع أهبان، ذكرها أحمد في المسند (5 / 69) ، (6 / 393) ، وذكر ابن حجر في الإصابة (1 / 138) طرفًا من هذه القصة، وأسانيده عند أحمد جيدة، وليس في القصة قوله: (قاتل به المشركين) .
(2/99)

عهد (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هو بأمره صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا الباب قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، فإنه وإن كان بدعة لغوية من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط، لكن لما قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوا (2) ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (3) وقد علم أن الزكاة من حقها (4) فلم تعصم (5) من منع الزكاة كما بينه في الحديث الآخر الصحيح «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (6) وهذا باب واسع.
والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم (7) يرونه مصلحة إذ لو (8) اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه
_________
(1) في (ب) : على عهده، لكن. . إلخ. أي: إن عبارة (رسول الله صلى الله عليه وسلم) سقطت.
(2) في (ب ج د) : فإذا قالوها. وفي المطبوعة: فإذا فعلوا ذلك.
(3) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (8) ، الحديث رقم (21) و (34) من كتاب الإيمان (1 / 52) ، وجاء فيه: (ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك. .) ، بدل: (وأن محمدًا رسول الله) . وأخرجه أحمد في المسند في قصة إعطائه عليًا الراية يوم خيبر، قال علي رضي الله عنه: يا رسول الله علام أقاتل؟ قال: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم ـ فإذا فعلوا ذلك. .) . الحديث. المسند (2 / 384) في مسند أبي هريرة.
(4) في المطبوعة: من حق لا إله إلا الله.
(5) في المطبوعة: فلم يعصم مجرد قولها.
(6) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب (17) ، الحديث رقم (25) من فتح الباري (1 / 75) ، ومسلم في كتاب الإيمان، باب (8) ، الحديث رقم (22) ، (1 / 53) .
(7) في (أ) : إلا أنهم.
(8) في (أ) : إذا اعتقدوه.
(2/100)

عقل ولا دين فما رآه الناس (1) مصلحة نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان السبب المحوج إليه أمرا حدث (2) بعد النبي صلى الله عليه وسلم من (3) غير تفريط منا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن "كان المقتضي لفعله قائما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض زال بموته.
وأما ما لم يحدث سبب (4) يحوج إليه أو (5) كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودا، لو كان مصلحة ولم يفعل، يعلم أنه ليس بمصلحة. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة.
ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.
والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم (6) يؤمر به: وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان:
منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ (7) كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نفاة القياس.
_________
(1) في المطبوعة: المسلمون.
(2) في (ب د) : أحدث.
(3) في المطبوعة: لكن تركه النبي عليه السلام من غير تفريط منا.
(4) في (د) : بسبب.
(5) في (أ) : لو.
(6) في المطبوعة: ما لم.
(7) في المطبوعة: تحت دليل من كلام الشارع.
(2/101)

ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون (1) .
فأما ما (2) كان المقتضي لفعله موجودا لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما دخل (3) فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير واحد من الصحابة: «إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون» (4) .
فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] (5) وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: 33] (6)
_________
(1) في (أب ط) : القياسون. والقياسيون هم: القائلون بالقياس في الاستدلال واستنباط الأحكام من الأئمة والفقهاء، ويعرِّف الأصوليون القياس بأنه: رد فرع إلى أصله بعلة جامعة. وذلك كرد النبيذ إلى الخمر بعلة الإسكار. انظر: شرح الكوكب المنير للفتوحي (ص272) .
(2) في (ط) : فأما إن كان.
(3) كذا في النسخ المخطوطة، وفي المطبوعة: وإنما أدخله فيه من نسب. . إلخ.
(4) ذكر الحاكم في المستدرك نحو هذا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. المستدرك (4 / 420) ، وذكره نحوه البغوي في شرح السنّة (1 / 317) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذكر ابن مفلح في الآداب الشرعية عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا: (إن أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم فاتهموها على أنفسكم) ، ثم قال: (يزيد ضعيف ولم يترك) (2 / 52) وللحديث شواهد صحيحة.
(5) سورة الأحزاب: من الآية 41.
(6) سورة فصلت: من الآية 33. وفي (أ) : أكمل الآية.
(2/102)

أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على (1) حسن الأذان في العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع. بل يقال: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيا، وزوال المانع، سنة، كما أن فعله سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فإن رجلا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن ينصب مكانًا آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة.
ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة. فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيرا. فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد (2) كان ثابتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل (3) عموم وكل قياس.
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس: تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء (4) أنكره المسلمون لأنه
_________
(1) في (أ) : عن.
(2) في (ب د) : فقد.
(3) كل: سقطت من (ط) .
(4) الذي فعل ذلك هو: مروان بن الحكم، كما جاء في صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، الحديث رقم (956) ، (2 / 448، 449) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب العيدين، الحديث رقم (889) ، (2 / 605) .
(2/103)

بدعة، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم.
فيقال له: سبب هذا تفريطك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، أو إن قصدت صلاح دينهم، فلا (1) تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى، بل الطريق في (2) ذلك أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر، وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم.
وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة، فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها» (3) وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم، وبينت أن الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل (4) للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.
وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله -لما احتاجوا إلى
_________
(1) في المطبوعة: فلست. ومعناه: أنك بفعلك هذا لا تعلمهم ما ينفعهم؛ لأن ما علمتهم ـ وهو: تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين ـ معصية، لأنها بدعة خالفت بها السنّة، كما أن تفريطك ابتداءً معصية.
(2) في (ب) : في هذا.
(3) الحديث مرّ تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(4) فضل: سقطت من (أ) .
(2/104)

المكوس (1) الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم.
وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث (2) بها رسوله صلى الله عليه وسلم -وهي سنته- لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا (3) حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي (4) جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] (5) ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعم الكلاميون (6) أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون (7) أنهم يتمون (8) به فروع (9) الدين، وما كان من الحجج صحيحا ومن الرأي سديدا، فذلك له أصل في كتاب الله
_________
(1) المكوس: هي الضرائب. خاصة تلك التي تأخذها الدول على البضائع الواردة من خارجها، وهي أموال مسلمين، وتسمى اليوم (الجمارك) .
(2) في (أ) : بعث الله بها.
(3) في (ب) : ليميزوا.
(4) في (أب ط) : الذي جعله الله.
(5) سورة البقرة: من الآية 143.
(6) الكلاميون: هم أهل الكلام والفلسفة الذين يخوضون في العقيدة وأمور الغيب وأسماء الله وصفاته بكلام يخترعونه من عندهم لم ينزله الله ولم يؤثر عن أنبيائه، كالجهمية والمعتزلة وبعض الأشاعرة والفلاسفة وأكثر الصوفية.
(7) في (أط) : القياسون: وقد عرفتهم من قبل. ولعل المؤلف هنا ذم أولئك الذين يتوسعون بالأخذ بالقياس ويستهينون بالنصوص من الفقهاء ونحوهم.
(8) في (ب) : متمون.
(9) في (ط) : فروج.
(2/105)

وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه.
وكذلك العباد: إذا تعبدوا بما شرع من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا، وذاقوا طعم الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي بعث الله به (1) رسوله، وجدوا في ذلك من الأحوال الزكية، والمقامات العلية، والنتائج العظيمة، ما يغنيهم عما قد يحدث في نوعه: كالتغيير ونحوه، من السماعات المبتدعة، الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد، لفّقها بعض الناس. أو في قدره: كزيادات من التعبدات، أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بالمشروع منها، وإن كان كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء (2) معذورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد.
فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح، وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده، بل قد يكون صدّيقا عظيما، فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا، وعمله كله سنة، إذ كان يكون بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا باب واسع.
والكلام في أنواع البدع وأحكامها وصفاتها، لا يتسع له هذا الكتاب، وإنما الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح، الذي ذكرناه (3) والتعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع، مما يجب العمل بها.

[الثاني اشتمالها الفساد في الدين]
والوجه الثاني (4) في ذم المواسم والأعياد المحدثة: ما تشتمل عليه من الفساد في الدين. واعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد.
_________
(1) في (أب ط) : بعث به الرسول.
(2) في المطبوعة زاد: قد يكون.
(3) يعني ـ رحمه الله ـ حديث مسلم: (أما بعد: فإن خير الحديث) إلى قوله: (وكل بدعة ضلالة) ، الذي أورده في أول الفصل، ثم أخذ في الرد على الشبه والمعارضات التي أثارها المخالفون.
(4) الوجه الأول مر (ص82) .
(2/106)

والواجب على الخلق: اتباع الكتاب والسنة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة، فننبه على بعض مفاسدها، فمن ذلك:
أن من أحدث عملا في يوم: كإحداث صوم أول خميس من رجب، والصلاة في ليلة تلك (1) الجمعة، التي يسميها الجاهلون: "صلاة الرغائب" (2) مثلا. وما يتبع ذلك، من إحداث أطعمة وزينة، وتوسيع في النفقة، ونحو ذلك؛ فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب. وذلك لأنه لا بد (3) أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب استحبابا زائدا على الخميس الذي قبله وبعده مثلا، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع خصوصا، وسائر الليالي عموما، إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة، فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع.
وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم، ونص على تأثيره فهو من المعاني المناسبة المؤثرة، فإن مجرد المناسبة مع الاقتران، يدل على العلة عند من يقول بالمناسب القريب وهم (4) كثير من الفقهاء، من أصحابنا وغيرهم. ومن لا يقول إلا بالمؤثرة فلا يكتفي بمجرد المناسبة، حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم، وهو قول كثير من الفقهاء أيضا، من أصحابنا وغيرهم. وهؤلاء إذا رأوا الحكم المنصوص فيه معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر، عللوا ذلك الحكم المنصوص به.
_________
(1) تلك: ساقطة من (ط) .
(2) سيأتي الكلام عنها عندما يتعرض لها المؤلف مع غيرها من البدع الزمانية التي استحدثها الناس (ص121) .
(3) في (ب) : وذلك ولا بد.
(4) في (ب) : وهو.
(2/107)

وهنا قول ثالث قاله كثير من الفقهاء من أصحابنا، وغيرهم أيضا. وهو: أن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به، ولا يكتفى بكونه علل به (1) نظيره أو نوعه.
وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة: أنا إذا رأينا الشارع قد نص على الحكم، ودل على علته، كما قال (2) في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (3) فهذه العلة تسمى المنصوصة، أو المومى إليها، علمت مناسبتها أو لم تعلم فيعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاث، وإن اختلفوا: هل يسمى هذا قياسا أو لا يسمى؟
ومثاله في كلام الناس، ما لو قال السيد لغلامه: لا تدخل داري فلانا، فإنه مبتدع، أو فإنه أسود، ونحو ذلك، فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعا، أو من كان أسود، وهو نظير أن يقول: لا تدخل داري مبتدعا ولا أسود. ولهذا نعمل نحن بمثل هذا في باب الأيمان، فلو قال: لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي (4) حنث بما كانت منته مثل منته، وهو يمنه (5) ونحو ذلك.
_________
(1) في (أ) : علل نظيره.
(2) في (ب) : كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، الحديث رقم (75) ، (1 / 60) ، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، الحديث رقم (92) ، (1 / 153، 154) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة، الحديث رقم (367) ، (1 / 131) ، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء باب الرخصة في الوضوء بسؤر الهرة، الحديث رقم (104) ، (1 / 55) ، وقال المعلق (الأعظمي) : (إسناده صحيح) .
(4) في المطبوعة زاد: فلان.
(5) في المطبوعة: وهو ثمنه.
(2/108)

وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ولم يذكر علته، لكن قد ذكر علة نظيره، أو نوعه. مثل: أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها. وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها لكونها صغيرة، فهل (1) يعتقد أن علة ولاية النكاح هي الصغر -مثلا-؟ كما أن ولاية المال كذلك، أم نقول: بل قد يكون للنكاح علة أخرى، وهي البكارة، -مثلا-؟ فهذه العلة هي المؤثرة، أي قد بين الشارع تأثيرها في حكم منصوص، وسكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم. فالفريقان الأولان يقولان بها، وهو في الحقيقة إثبات للعلة (2) بالقياس، فإنه يقول كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان، كذلك يؤثر في هذا المكان.
والفريق الثالث لا يقول بها، إلا بدلالة خاصة، لجواز أن يكون النوع الواحد من الأحكام له علل مختلفة. ومن هذا النوع: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يستام (3) الرجل على سوم أخيه، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه (4) . فيعلل ذلك بما فيه من فساد ذات البين، كما علل به في قوله: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك
_________
(1) في (أ) : فهلا.
(2) في (ج د) : العلة.
(3) في المطبوعة: يسوم.
(4) ورد في ذلك أحاديث كثيرة، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه. .) الحديث رقم (2140) من فتح الباري (4 / 353) . وجاء النهي عن هذه الأمور في أحاديث في صحيح مسلم. انظر: الحديث رقم (1412) عن ابن عمر، الحديث رقم (1515) ، عن أبي هريرة (3 / 1154، 1155) ، وكلها بروايات وألفاظ متعددة.
(2/109)

قطعتم أرحامكم» (1) وإن كان هذا المثال يظهر التعليل فيه، ما لا يظهر في الأول، فإنما ذاك لأنه لا يظهر فيه وصف مناسب للنهي إلا هذا.
والسبر دليل خاص على العلة، ونظيره من كلام الناس أن يقول: لا تعط هذا الفقير؛ فإنه مبتدع، ثم يسأله فقير آخر مبتدع، فيقول: لا تعطه، وقد (2) يكون ذلك الفقير عدوًا له (3) فهل يحكم بأن العلة هي البدعة، أم يتردد لجواز أن تكون العلة هي العداوة؟ .
وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم، ورأينا فيه وصفا مناسبا له، لكن الشارع لم يذكر تلك العلة، ولا علل بها نظير ذلك الحكم في موضع آخر، فهذا هو الوصف المناسب الغريب؛ لأنه لا نظير له في الشرع، ولا دل كلام الشارع وإيماؤه عليه. فيجوز اتباعه الفريق الأول. ونفاه الآخران، وهذا إدراك لعلة الشارع بنفس عقولنا من غير دلالة منه، كما أن الذي قبله إدراك لعلته بنفس القياس على كلامه. والأول إدراك لعلته بنفس كلامه. ومع هذا: فقد تعلم علة الحكم المعين بالسبر (4) وبدلالات أخرى.
_________
(1) أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة، صدر هذا الحديث: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) ، الحديث رقم (1408) ، رقم (37) من كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (2 / 1029) من طرق وألفاظ متعددة.
(2) وقد: سقطت من (أب ط) .
(3) من هنا حتى قوله: ورأينا فيه وصفًا مناسبًا (سطر ونصف تقريبًا) : سقطت من (ط) .
(4) في المطبوعة: بالصبر. ولعله خطأ مطبعي. والسبر: قال في القاموس المحيط: (السبر امتحان غور الجرح، وغيره) ، فالسبر هو: الاختبار والمتابعة. والأصوليون يعرفون السبر والتقسيم بقولهم: (حصر الأوصاف وإبطال ما لا يصلح) . انظر: القاموس المحيط، فصل السين، باب الراء (2 / 45) ، وشرح الكوكب المنير (ص308) .
(2/110)

فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع، المؤثرة في موضع آخر. وذلك: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو بصيام، وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص". فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخصوا (1) ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (2) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا يومًا قبله أو (3) بعده» (4) وهذا لفظ البخاري.
وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: أتريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا. قال: فأفطري» (5) .
وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر (6) قال: "سألت جابر بن
_________
(1) في مسلم: لا تختصوا.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا، الحديث تابع رقم (1144) ، ورقم (148) من كتاب الصيام (2 / 801) .
(3) في المطبوعة: أو يومًا بعده. لكنه في البخاري كما أثبته من النسخ الأخرى.
(4) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة، الحديث رقم (1985) ، (4 / 232) من فتح الباري. وانظر: صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا، الحديث رقم (1144) ، (2 / 801) .
(5) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة، الحديث رقم (1986) ، (4 / 232) من فتح الباري.
(6) هو: محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية، المخزومي، المكي، ثقة أخرج له الستة، من الطبقة الثالثة. انظر: تقريب التهذيب (2 / 174) ، (ت347) .
(2/111)

عبد الله، وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت"؛ وهذا (1) لفظ مسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده» رواه الإمام أحمد (2) .
ومثل هذا ما (3) أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم (4) أو يومين، إلا أن يكون رجل كان (5) يصوم صومه (6) فليصم ذلك اليوم» (7) . اللفظ للبخاري (8) . أي يصوم عادته.
فوجه الدلالة: أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام:
* قسم شرع تخصيصه بالصيام: إما إيجابًا كرمضان، وإما استحبابًا: كيوم عرفة وعاشوراء.
* وقسم نهى عن صومه مطلقًا: كيوم العيدين.
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا، الحديث رقم (1143) ، (2 / 801) ، وانظر: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة، الحديث رقم (1984) ، (4 / 232) من فتح الباري.
(2) مسند الإمام أحمد (1 / 288) .
(3) ما: ساقطة من (أ) .
(4) في (أ) : بصوم ولا يومين، وهو خلط من الناسخ.
(5) كان: سقطت من (د) .
(6) هذا لفظ البخاري (صومه) . وفي (ب د) وفي المطبوعة: صومًا.
(7) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، الحديث رقم (1914) ، (4 / 127 ـ 128) من فتح الباري.
(8) في المطبوعة: قال: لفظ البخاري: (يصوم عادته) وهذا خطأ في سياق العبارة. والصحيح ما أثبته.
(2/112)

* وقسم إنما نهي عن تخصيصه: كيوم الجمعة، وسرر (1) شعبان.
فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره، فإذا خصص بالفعل نهي عن ذلك، سواء قصد الصائم التخصيص أو (2) لم يقصده، وسواء اعتقد الرجحان، أو لم يعتقده.
ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره، لكان إما أن ينهى عنه مطلقًا: كيوم العيد، أو لا ينهى عنه كيوم عرفة (3) وعاشوراء (4) وتلك المفسدة ليست موجودة في سائر الأوقات (5) وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة.
فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خصيصة له، كما أشعر به لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن نفس الفعل المنهي عنه، أو المأمور به، قد يشتمل على حكمة الأمر أو النهي، كما في قوله: «خالفوا المشركين» (6) .
فلفظ النهي عن الاختصاص لوقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص. فإذا كان يوم الجمعة يومًا فاضلًا، يستحب فيه من الصلاة والدعاء والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة ما لا يستحب في غيره-كان ذلك في مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره (7) ويعتقد أن قيام ليلته كالصيام في نهاره، لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التخصيص دفعًا لهذه المفسدة، التي لا تنشأ إلا من التخصيص.
_________
(1) سرر شعبان: أواخره أو آخر ليلة منه. انظر: مختار الصحاح، مادة (سرر) ، (ص295) .
(2) من هنا حتى قوله: (دون غيره) بعد سطرين تقريبًا، سقط من (أ) .
(3) يوم عرفة: سقطت من (ج ط) .
(4) وعاشوراء: سقطت من (أ) والمطبوعة.
(5) في (ب) : الآفات.
(6) الحديث مر: انظر: فهرس الأحاديث.
(7) في (أ) : زاد: كان. وهو خلط من الناسخ.
(2/113)

وكذلك تلقي رمضان، قد يتوهم أن فيه فضلًا، لما فيه من الاحتياط للصوم، ولا فضل فيه في الشرع، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقيه لذلك.
وهذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن الناس قد (1) يخصون هذه المواسم لاعتقادهم فيها فضيلة. ومتى كان تخصيص الوقت بصوم، أو بصلاة، قد يقترن باعتقاد فضل ذلك، ولا فضل فيه، نهي عن التخصيص، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص.
ومن قال: إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا (2) أخصها، فلا بد أن يكون باعثه: إما موافقة (3) غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم له، ونحو ذلك، وإلا فهو كاذب.
فالداعي (4) إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد (5) أو باعثًا آخر غير ديني، وذلك الاعتقاد ضلال. فإنا قد علمنا يقينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة، لم يذكروا في فضل هذا اليوم والليلة ولا في فضل صومه بخصوصه، وفضل قيامها بخصوصها حرفًا واحدًا. وأن الحديث المأثور فيها موضوع، وأنها إنما حدثت في الإسلام بعد المائة الرابعة، ولا يجوز -والحال هذه- أن يكون لها فضل، لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعون وسائر الأئمة.
_________
(1) قد: سقطت من (أد ط) .
(2) في (ج) : فإذا خصها.
(3) في المطبوعة: تقليد.
(4) في (أ) : كالداعي.
(5) في (أب) : الاعتقاد فاسدًا.
(2/114)

وإن علموه امتنع، مع توفر دواعيهم على العمل الصالح، وتعليم (1) الخلق، والنصيحة لهم-: أن لا يعلموا أحدًا بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحد منهم. فإذا كان هذا الفضل المدعى، مستلزمًا لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين الله، أو لكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم، أن لا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحد من اللازمين منتف: إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع- علم انتفاء الملزوم، وهو الفضل المدعى.
العمل المبتدع -كالأعياد المحدثة- يستلزم لاعتقاد ضلال وفعل ما لا يجوز ثم هذا العمل المبتدع مستلزم: إما لاعتقاد هو ضلال في الدين، أو عمل دين لغير الله سبحانه، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله- لا يجوز.
فهذه البدع -وأمثالها- مستلزمة قطعًا، أو ظاهرًا لفعل ما لا يجوز. فأقل أحوال المستلزم -إن لم يكن محرمًا- أن يكون مكروهًا، وهذا المعنى سار في سائر البدع المحدثة. ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب: من التعظيم، والإجلال، وتلك الأحوال أيضًا باطلة، ليست من دين الله.
ولو فرض أن الرجل قد يقول: أنا لا أعتقد الفضل فلا يمكنه مع التعبد أن يزيل الحال الذي في قلبه، من التعظيم والإجلال، والتعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد، ولو أنه وهم، أو ظن أن هذا أمر ضروري، فإن النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيء امتنع مع ذلك أن تعظمه، ولكن قد تقوم بها خواطر متقابلة. فهو من (2) حيث اعتقاده أنه بدعة، يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه. ومن حيث شعوره بما روى فيه، أو بفعل الناس له، أو بأن فلانًا وفلانًا (3) فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة- يقوم بقلبه
_________
(1) في (أ) : وتعلم.
(2) من: ساقطة من (أ) .
(3) في (أب) : زاد: وفلانًا. ثالثة.
(2/115)

عظمته (1) . فعلمت أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به عن الله. وأنها تورث القلب نفاقًا، ولو كان نفاقًا خفيفًا.
ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل، أو عبد الله بن أبي (2) لرياسته وماله ونسبه، وإحسانه إليهم، وسلطانه عليهم، فإذا ذمه الرسول أو بين نقصه، أو أمر بإهانته أو قتله، فمن لم يخلص إيمانه، وإلا يبقى (3) في قلبه منازعة بين طاعة الرسول التابعة لاعتقاده الصحيح، واتباع ما في نفسه من الحال التابع لتلك الظنون الكاذبة (4) .
فمن تدبر هذا، علم يقينًا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان، ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر.
وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع، من أنواع العبادات التي لا مزية لها في الشرع -إذا جاز أن يتوهم لها مزية- كالصلاة عند القبور، أو الذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل معتقدًا للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية، فكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضًا.
فإن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم -مثلًا- فعلها قوم من أولي العلم والفضل، الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه: من طهارة قلبه ورقته، وزوال آصار الذنوب عنه، وإجابة دعائه، ونحو ذلك، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام، كقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 - 10] (5)
_________
(1) في المطبوعة: بفعله وتعظيمه.
(2) هو: عبد الله بن أبي ابن سلول، رأس المنافقين. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(3) في (ب) : فلا بد أن يبقى في قلبه منازعة.
(4) الكاذبة سقطت من (ط) .
(5) سورة العلق: الآيتان 9، 10.
(2/116)

وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة نور» (1) " (2) ونحو ذلك.
قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولًا مجتهدًا أو مقلدًا كان له أجر على حسن قصده، وعلى عمله، من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدع مغفورًا له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها، إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه: كالصوم والذكر، والقراءة، والركوع، والسجود، وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه، وما اشتملت عليه من المكروه، انتفى موجبه بعفو الله عنه (3) لاجتهاد صاحبها (4) أو تقليده، وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة.
لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها، والاعتياض عنها بالمشروع، الذي لا بدعة فيه، كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضًا فوائد، وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عبادتهم على نوع ما، مشروع في جنسه، كما أن أقوالهم لا بد أن تشتمل على صدق ما، مأثور عن الأنبياء. ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نفعل عباداتهم، أو نروي كلماتهم، لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير إذ لو كان خيرها راجحًا لما أهملتها الشريعة. فنحن نستدل
_________
(1) في المطبوعة زاد: وبرهان. ولعلها زيادة من النساخ، فلم أجد الحديث بهذه الزيادة وإنما بلفظ: (الصلاة نور، والصدقة برهان) .
(2) جاء ذلك في حديث رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، الحديث رقم (223) ، (1 / 203) ، وأحمد في المسند (5 / 343) . وأخرجه غيرهما أيضًا.
(3) عنه: ساقطة من (أ) والمطبوعة.
(4) في (ب) : صاحبه.
(2/117)

بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي.
وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض (1) ؛ لاجتهاد أو غيره، كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالها، وأن لا يقتدى بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم المبين لحقيقتها. وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع (2) مشتملة على مفاسد اعتقادية، أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة.
ثم يقال على سبيل التفصيل: إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين (3) فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقدًا لكراهتها، وأنكرها قوم (4) إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها، فليسوا دونهم (5) . ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيها. ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء (6) .
وأما ما فيها من المنفعة، فيعارضه ما فيها من مفاسد البدع (7) الراجحة:
_________
(1) في (ج) : لعارض.
(2) في (ب ج د) : البدعة.
(3) ودين: ساقطة من (أط) والمطبوعة.
(4) في المطبوعة زاد: كذلك وهؤلاء التاركون والمنكرون.
(5) في المطبوعة زاد: وغيَّر في العبارات هنا فقال: فليسوا دونهم في الفضل، ولو فرضوا دونهم في الفضل فتكون حينئذ قد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إذن إلى الله والرسول. . إلخ.
(6) في المطبوعة زاد: التاركين المنكرين: والإشارة في هؤلاء: إلى الذين كرهوا وأنكروا البدع في العبادات وغيرها.
(7) البدع: ساقطة من (أ) .
(2/118)

منها: مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية: أن القلوب تستعذبها (1) وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرًا من العامة يحافظ عليها (2) ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس.
ومنها: أن الخاصة والعامة تنقص -بسببها- عنايتهم بالفرائض والسنن، ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها، ويخلص وينيب، ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه (3) عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد. وإن لم يفته هذا كله، فلا بد أن يفوته كماله.
ومنها: ما في ذلك من مصير المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا (4) . وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشاء (5) زرع الجاهلية.
ومنها: اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل: تأخير الفطور، وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها، والسجود بعد السلام لغير سهو، وأنواع من الأذكار ومقاديرها لا أصل
_________
(1) في (ب د) : تستعد لها.
(2) قوله: عليها ما لا يحافظ: سقطت من (ط) .
(3) الإشارة إلى البدع التي هي موضوع الكلام هنا.
(4) في المطبوعة زاد: وما يترتب على ذلك.
(5) الانتشاء: من النشوة وهو النشاط. لذلك يقال للسكران إذا سكر: انتشى. وانتشى بالشيء: عاوده مرة بعد أخرى. انظر: القاموس المحيط، فصل النون، باب الواو والياء (4 / 398) ، فالمقصود بانتشاء زرع الجاهلية: نشاطه وعودته بنشوة وقوة بعد ما انكمش بظهور الإسلام.
(2/119)

لها (1) إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته، وسلمت سريرته.
ومنها: مسارقة (2) الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري (3) رحمه الله: ما ترك أحد شيئًا من السنة إلا لكبر في نفسه ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ومنها: ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين، النوع الذي فيه مشابهة، والنوع الذي لا مشابهة فيه.
والكلام في ذم البدع لما كان مقررًا في هذا الموضع (4) لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم.
* * *
_________
(1) في (ب ط) : له.
(2) المسارقة هي: طلب الغفلة. قال في القاموس المحيط: (وهو يسارق النظر إليه، أي: يطلب غفلة لينظر إليه، وانسرق: فتر وضعف. وعنهم: خنس ليذهب) . القاموس المحيط، فصل السين، باب القاف (3 / 253) . والمقصود بمسارقة الطبع هنا: طلبه غفلة من القلب حين يغفل أو يضعف إيمانه، لأن الطبع ميال للانحلال ما لم يعتصم بتقوى الله ورجاء ثوابه وخوف عقابه.
(3) هو: الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري، أبو عثمان، الصابوني الشافعي، حافظ واعظ مفسر، من أئمة السنّة، توفي سنة (449هـ) ، وعمره (77) سنة. انظر: شذرات الذهب (3 / 282) ، والبداية والنهاية (12 / 76) .
(4) انظر: مجموع الفتاوى (11 / 445ـ 475) ، (20 / 103 ـ105) .
(2/120)

[فصل في الأعياد الزمانية المبتدعة]
[أنواع الأعياد الزمانية المبتدعة]
فصل قد تقدم أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع. وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء:
أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال:
أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلًا، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه: مثل أول خميس من رجب (1) وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب (2) فإن تعظيم هذا اليوم والليلة، إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة، وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، مضمونه: فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة، المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب (3) وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم.
والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم: النهي عن إفراد هذا اليوم (4) بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم
_________
(1) انظر: تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب، لابن حجر العسقلاني (ص23) .
(2) انظر: ما قاله العلماء عن هذه الصلاة المزعومة وما ورد فيها من الحديث الموضوع في: تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب، رسالة لابن حجر العسقلاني (مطبوعة) تصحيح الشيخ عبد الله الجبرين، والمنار المنيف لابن القيم (ص95) (تحقيق أبو غدة) ، واللآلئ المصنوعة (2 / 55ـ56) .
(3) نفس التعليق السابق.
(4) في (د) : النوع.
(2/121)

من صنعة الأطعمة، وإظهار الزينة، ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلًا.
وكذلك يوم آخر في وسط رجب، يصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود (1) فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلًا.
النوع الثاني (2) ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا، ولا كان السلف يعظمونه: كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه صلى الله عليه وسلم خطب فيه خطبة وصى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته كما روى ذلك مسلم في صحيحه (3) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه (4) . فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلامًا وعملًا قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالئوا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا، إلا نفرًا قليلًا.
_________
(1) لعلها الصلاة المذكورة في ليلة النصف من رجب. انظر: اللآلئ المصنوعة (2 / 57) .
(2) يعني من الأعياد الزمانية.
(3) جاء ذلك في حديث طويل أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الحديث رقم (2408) ، (4 / 1873) ، وقد جاء فيه: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) كررها ثلاث مرات.
(4) هو الصحابي الجليل: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان الخزرجي، حضر الخندق ـ وهي أول مشاهده ـ مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه يوم أحد استصغره ورده، وشهد سبع عشرة غزوة. وهو الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم بقول المنافق عبد الله بن أبي " لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ " وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقون، وشهد صفين مع علي، ومات بالكوفة سنة (66هـ) . انظر: الإصابة (1 / 560) ، (ت2873) .
(2/122)

والعادة التي جبل الله عليها بني (1) آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة (2) والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع (3) كتمانه.
وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة، وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا محدث لا أصل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم-من اتخذ ذلك اليوم عيدًا، حتى يحدث فيه أعمالًا. إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع.
وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا. وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع. وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه.
وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمًا. والله قد يثيبهم (4) على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا. مع اختلاف الناس في مولده. فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا (5) محضا، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص.
_________
(1) في (أ) : بنو.
(2) قوله: من الأمانة والديانة: سقط من (أد ط) .
(3) في (ج د) : يمتنع.
(4) في (ب) : يثبتهم.
(5) في المطبوعة: اختلاف في العبارة. راجع: (ص295) سطر (2) من المطبوعة.
(2/123)

وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه (1) طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا (2) على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد، والاجتهاد الذين (3) يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في (4) أمر الرسول، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح (5) والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها، كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم» (6) .
واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل
_________
(1) في (ب) : هذا.
(2) في المطبوعة: حرصاء.
(3) كذا في (ط) : (الذين) ، ولعل المراد (اللَّذَين) للمثنى. وفي باقي النسخ: (الذي) .
(4) في (ب) : عن. وفي (ط) : من.
(5) المسابيح جمع مسبحة، وسبحة، وهي خرزات يُسبَّح بها. انظر: مختار الصحاح، مادة (س ب ح) ، (ص282) ، ويزعم الذين يستخدمون المسابيح أنها تعينهم على ضبط عد التسبيح والذكر، لكن المتصوفة يضيفون عليها شيئًا من القداسة والتبرك والاعتقادات الباطلة، ويكاد بعضهم لا يذكر الله ويسبحه دون اصطحابها، مع أنها مبتدعة لا أصل لها في دين الله، لا سيما إذا اعتقد فيها فضيلة.
(6) الحديث أخرجه ابن ماجه، في كتاب المساجد، باب تشييد المساجد، الحديث رقم (741) ، (1 / 244، 245) ، وقال السيوطي في الجامع الصغير (2 / 497) : (حديث حسن) ، الحديث رقم (7918) .
(2/124)

خيرًا (1) بالنسبة إلى [ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من] (2) الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين (3) وهذا قد ابتلى به أكثر (4) الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين:
أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا، في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأنكر المنكر.
الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير، فعوض عنه من الخير (5) المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروهًا، فالتاركون أيضًا للسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجبًا على الإطلاق، ومنها ما يكون واجبًا على التقييد، كما (6) أن الصلاة النافلة لا تجب. ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه (7) أن يأتي بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية، وما يجب على من كان إماما، أو قاضيا، أو مفتيا، أو واليا من الحقوق، وما يجب على طالبي العلم، أو نوافل العبادة من الحقوق.
_________
(1) في المطبوعة: شرًا. وهو قلب للمعنى المراد.
(2) ما بين المعكوفين أثبته من (ب) فقط، وسقط من بقية النسخ والمطبوعة.
(3) في (أ) : والفاسدين.
(4) في (أ) : كثير.
(5) قوله: فعوض عنه من الخير: ساقطة من (د) .
(6) كما: ساقطة من (أ) .
(7) عليه: سقطت من (ج د) .
(2/125)

ومنها: ما يكره المداومة على تركه كراهة شديدة.
ومنها: ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم وعامتها يجب تعليمها والحض عليها والدعاء إليها.
وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة. بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه كما يؤمر بعبادة الله سبحانه، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل، لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، وإلا لم يترك العلم السيئ، أو الناقص، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح، نهيت عنه حفظًا للعمل الصالح.
فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه (1) أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد. ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار، أو نحو ذلك فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد (2) الورق والخط. وليس مقصود أحمد هذا، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا بفساد (3) لا صلاح
_________
(1) في: سقطت من (أ) .
(2) في المطبوعة: تجديد.
(3) في المطبوعة: بالفساد الذي لا صلاح فيه.
(2/126)

فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور: من كتب الأسمار أو الأشعار، أو حكمة فارس والروم.
فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية، والمفاسد، بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف، وجنس المنكر، أو جنس الدليل، وغير الدليل، يتيسر كثيرًا (1) .
فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين (2) وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين.
فالمراتب ثلاث: أحدها: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.
والثانية (3) العمل الصالح من بعض وجوهه، أو أكثرها إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.
والثالثة (4) ما ليس فيه صلاح أصلًا: إما لكونه تركا للعمل الصالح مطلقًا، أو لكونه عملًا فاسدًا محضًا.
_________
(1) انظر: رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤلف. طبعت مستقلة في كتاب بتحقيق صلاح الدين المنجد. وانظر: مجموع الفتاوى (28 / 121 ـ 171) ، للمؤلف أيضًا.
(2) في المطبوعة زاد: فندعو إليه.
(3) في (د) : والثاني.
(4) في (أب د) : والثالث.
(2/127)

فأما الأولى: فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، باطنها وظاهرها، قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقًا، فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه، والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة، من إيجاب واستحباب، والغالب على هذا الضرب: هو أعمال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
وأما المرتبة الثانية: فهي كثيرة جدًا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضًا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملًا صالحًا مشروعًا، ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم: كالكفر والكذب والخيانة، والجهل. ويندرج في هذا أنواع كثيرة.
فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة: كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات (1) ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها: كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال (2) الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته. بل كثير من (3) هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله: من العلم النافع، والعمل الصالح، أو في أحدهما -لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن (4) لا يمكنهم ذلك في المشروع، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع.
_________
(1) أي المباحة التي لم يؤمر بتركها.
(2) قال في مختار الصحاح: وبطل الأجير يبطل، بالضم، بطالة بالفتح، أي تعطل، فهو بطّال. مختار الصحاح، مادة (ب ط ل) ، (ص56) . فهي بمعنى الكسول عن عبادة الله وطاعته.
(3) من: سقطت من (أ) .
(4) لكن: سقطت من (ب) .
(2/128)

ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له، ظاهرًا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها، والعمل بها.
النوع الثالث (1) ما هو معظم في الشريعة: كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين والعشر (2) الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من (3) المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة.
فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك، ما يصير منكرًا ينهى عنه. مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء، في يوم عاشوراء، من التعطش، والتحزن والتجمع (4) وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من غيرهم (5) لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه (6) أحد سيدي شباب (7) أهل الجنة، وطائفة من أهل بيته، بأيدي الفجرة الذين
_________
(1) هذا هو النوع الثالث من الأعياد الزمانية، والأول مضى ص121 والثاني ص122.
(2) العشر: ساقطة من (أ) .
(3) قوله: والعشر الأول من المحرم: سقطت من (أط د) .
(4) في (ب) : التجميع.
(5) إنما تفعل ذلك الرافضة.
(6) يقصد إكرامه بالشهادة حيث قتل شهيدًا.
(7) قد جاء ذلك في حديث أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) . انظر: سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين، الحديث رقم (3768) ، (5 / 656) ، ومسند أحمد (3 / 3) .
(2/129)

أهانهم الله (1) وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تتلقى بما يتلقى به المصائب، من الاسترجاع المشروع (2) فأحدث بعض أهل البدع، في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة، البرآء من فتنة الحسين رضي الله عنه، وغيرها، أمورًا أخرى، مما يكرهها الله ورسوله، وقد روي عن فاطمة بنت الحسين (3) عن أبيها الحسين (4) بن علي رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعًا، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب» رواه أحمد وابن ماجه (5) .
فتدبر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين رضي الله عنه، وعنه (6) بنته التي شهدت مصابه!
_________
(1) انظر: تفاصيل القصة كما رواها ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 172ـ 198) ، وأشار إليها المؤلف في مجموع الفتاوى (25 / 306 ـ 307) .
(2) من ذلك قوله تعالى في وصف المؤمنين: " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" سورة البقرة: الآية 156.
(3) هي: بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدينة، وهي زوجة الحسن بن الحسن بن علي، ثقة من الطبقة الرابعة، ماتت بعد المائة وهي مسنة. انظر: تقريب التهذيب (2 / 609) ، (ت 5) .
(4) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، سبط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وريحانته، وابن بنته فاطمة، وكان كثير الشبه به، وحضر مع أبيه الجمل وصفين، وقتال الخوارج، وفي سنة (61هـ) ، خرج من المدينة قاصدًا الكوفة لأخذ البيعة من أهلها لكنهم خذلوه، وقاتله جيش عبيد الله بن زياد بكربلاء، فقتل بها يوم عاشوراء من سنة (61هـ) . انظر: الإصابة (1 / 332ـ 335) .
(5) انظر: مسند الإمام أحمد (1 / 201) ، وسنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، الحديث رقم (1600) ، (1 / 510) .
(6) في (ب) : وعن بنته.
(2/130)

وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مآتم (1) فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب.
ثم فوتوا (2) بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة، لا أصل لها، مثل: فضل الاغتسال فيه، أو التكحل، أو المصافحة (3) وهذه الأشياء ونحوها، من الأمور المبتدعة، كلها مكروهة، وإنما المستحب صومه.
وقد روي في التوسيع على العيال في آثار معروفة (4) أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن (5) المنتشر (6) عن أبيه (7) قال: «بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» (8) رواه عنه
_________
(1) المآتم جمع مأتم، وقال في مختار الصحاح: المأتم عند العرب: نساء يجتمعن في الخير والشر، والجمع (مآتم) ، وعند العامة: المصيبة. انظر: مختار الصحاح، مادة (أت م) ، (ص4) . فالمقصود بالمآتم التي أشار إليها المؤلف: ما يحدثه بعض الناس من التحزن وإظهار الجزع، وما يصاحب ذلك من التجمع وإقامة المراسم وتلاوة القصص المحزنة ونحو ذلك، بالمناسبات المكروهة، كما تفعل الشيعة أيام عاشوراء.
(2) في (ط) : فرقوا.
(3) انظر: تفصيل هذه المسألة في مجموع الفتاوى للمؤلف (25 / 299ـ 317) .
(4) من هنا حتى قوله: (بعد صفحة ونصف تقريبًا) : وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه. . إلخ: ساقط من (أ) .
(5) ابن: سقطت من (د) .
(6) هو: إبراهيم بن محمد بن المنتشر الأجدع، الهمداني الكوفي، ثقة، من الطبقة الخامسة، أخرج له الستة. انظر: تقريب التهذيب (1 / 42) ، (ت268) .
(7) مر ذكر نسبه الآن في نسب ابنه، وهو ثقة من الطبقة الرابعة، أخرج له الستة. انظر: تقريب التهذيب (2 / 210) ، (ت733) .
(8) جاء ذلك في مسائل الإمام أحمد للنيسابوري قال: (سألت أبا عبد الله قلت: هل سمعت في الحديث أنه من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة؟ قال: نعم، شيء رواه سفيان عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر. قال سفيان ـ وكان من أفضل من رأينا ـ أن بلغه (أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) . انظر: مسائل الإمام أحمد للنيسابوري (1 / 136، 137) ، وذكره المؤلف في مجموع الفتاوى (25 / 300) ، وقال بأنه: (حديث موضوع مكذوب) .
(2/131)

ابن عيينة (1) . وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله. والأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة (2) والرافضة (3) فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتمًا (4) فوضع أولئك فيه آثارًا تقتضي التوسع فيه، واتخاذه عيدًا، وكلاهما باطل.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (5) فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد (6) وكان يتشيع
_________
(1) هو: سفيان. مرت ترجمته. انظر فهرس الأعلام.
(2) الناصبة: هم الذين يبغضون عليًا وأصحابه. انظر: مجموع الفتاوى (25 / 301) .
(3) الرافضة: فرقة من فرق الشيعة الكبرى، بايعوا زيد بن علي، ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين (أبي بكر وعمر) فأبى، فتركوه ورفضوه، أي قاطعوه وخرجوا من بيعته، ومن أصولهم: الإمامة، والعصمة، والمهدية، والتقية، وسب الصحابة، وغيرها. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (1 / 89) ، والتنبيه والرد للملطي (29ـ45) ، وانظر القاموس المحيط (ر ف ض) ص830. ط الرسالة.
(4) في (ب) : مأثمًا.
(5) أخرجه مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، في فضائل الصحابة، باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها، الحديث رقم (2545) ، (4 / 1971، 1972) بغير هذا اللفظ الذي أشار إليه المؤلف، وإنما لفظ مسلم: (إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا) .
(6) هو: المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، كان أول أمره يبغض عليًا ثم مال إلى التشيع حتى استحوذ على الكوفة فالتف إليه جماعات من الشيعة، فقاتل جيوش بني أمية، وكان يظهر ولاءه لابن الزبير فلما انتصر على جيش ابن زياد انفرد بالأمر وأظهر بدعته من التشيع والكهانة ودعوى الوحي إليه، وقاتله مصعب بن الزبير حتى هزمه وقتله سنة (67) ، وعمره (67) سنة. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (8 / 289 ـ 292) .
(2/132)

للحسين، ثم أظهر الكذب والافتراء على الله. وكان فيها الحجاج (1) بن يوسف، وكان في انحراف عن علي وشيعته، وكان مبيرًا (2) .
وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وأولئك (3) فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبًا وأسوأ حالًا.
لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئًا من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، هو من البدع المحدثة المقابلة (4) للرافضة، وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال، والاكتحال وغير ذلك. وصححها بعض الناس: كابن ناصر (5) وغيره، وليس فيها ما يصح. لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها، فعملوا بها، ولم يعلموا أنها كذب، فهذا مثل هذا.
_________
(1) هو: الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، عامل عبد الملك بن مروان وابنه الوليد على العراق، وكان حازمًا قويًا ظالمًا توفي سنة (95هـ) . انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (2 / 29ـ54) .
(2) المبير: هو المهلك. يقال: أباره: أي أهلكه. سمي الحجاج بذلك لكثرة قتله. انظر: مختار الصحاح، مادة (ب ور) ، (ص68) .
(3) من هنا حتى قوله: المقتضي لاستحبابها مكروه (بعد ثلاث صفحات تقريبًا) : سقط من (د) .
(4) أي المقابلة لعمل الشيعة حين بالغوا في التحزن وإقامة المآتم في هذا اليوم فجاء آخرون وبالغوا في مخالفتهم، فجعلوا يوم عاشوراء مناسبة فرح أشبه بالعيد. وكلا الفريقين سن ما لم يشرعه الله.
(5) هو: أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر البغدادي المعروف بالسلامي من علماء القرن السادس، سمع الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وكان كثير الحفظ والعناية بالأدب والنحو واللغة، وانتقل آخر عمره إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع. توفي سنة (551هـ) ، وكانت ولادته سنة (467هـ) . انظر: وفيات الأعيان (4 / 293، 294) ، (ت624) ، (7 / 330) ، وكتاب الذيل على طبقات الحنابلة (1 / 225 ـ 229) ، (ت113) .
(2/133)

وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة (1) لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا.
فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات.
ومن هذا الباب: شهر رجب، فإنه أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: اللهم بارك لنا في (2) رجب وشعبان، وبلغنا (3) رمضان» (4) . ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب، والحديث إذا لم يعلم أنه كذب، فروايته في الفضائل أمر قريب، أما إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من روى عني حديثًا وهو يرى (5) أنه كذب، فهو أحد الكاذبين (6) » (7) .
_________
(1) لعله يقصد بعض المنتسبين إلى العلم والسنة.
(2) في المطبوعة: في شهر رجب.
(3) في (ب) : وبلغنا شهر رمضان.
(4) ذكر ابن حجر العسقلاني هذا الحديث في رسالته (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) (ص11، 12) ، وذكر أنه أخرجه البزار في مسنده، والطبراني في الأوسط والبيهقي في فضائل الأوقات، وأبو يوسف القاضي في كتاب الصيام، وقال ابن حجر: (وهو حديث ليس بالقوي) . وانظر: كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي (1 / 457) ، الحديث رقم (961) فقد أورد الحديث، وعلق عليه.
(5) في المطبوعة: يعلم.
(6) في (ط) : الكذابين.
(7) أخرجه أحمد في المسند (1 / 113) ، عن علي بن أبي طالب (4 / 250، 252، 255) ، عن المغيرة بن شعبة. وأخرجه مسلم مقطوعًا وموصولًا عن المغيرة، في المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات (1 / 9) .
(2/134)

نعم، روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر، وروي (1) غير ذلك، فاتخاذه موسمًا بحيث يفرد بالصوم، مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب (2) وأبي بكرة (3) وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم.
وروى ابن ماجه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب" (4) رواه عن إبراهيم بن منذر الحزامي (5) عن (6) داود بن عطاء (7) حدثني زيد بن
_________
(1) وروي: ساقطة من (ب) .
(2) ابن الخطاب: ساقطة من (ب) . ولمعرفة ما ورد عن عمر في ذلك. انظر: تبيين العجب (ص35) .
(3) في المطبوعة: وأبي بكر، وكلاهما صحيح، لأنه ورد أن أبا بكر نهي أهله عن ذلك. انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (25 / 291) . وكذلك ورد عن أبي بكرة. انظر: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب (ص35) . وأبو بكرة هو الصحابي الجليل: نفيع بن الحارث، وقيل: ابن مسروح، الثقفي، مولى رسول الله عليه السلام، وكان من فضلاء الصحابة وسكن البصرة. انظر: الإصابة (3 / 572) ، (ت8793) .
(4) من هنا حتى قوله: وهل الإفراد المكروه (بعد ثلاثة أسطر تقريبًا) : ساقط من (أ) .
(5) في (ب) : الجزامي وهو تصحيف. وهو: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الأسدي الحزامي، قال في تقريب التهذيب: (صدوق، تكلم فيه أحمد لأجل القرآن) ، من الطبقة العاشرة، توفي سنة (236هـ) ، وقد أخرج له البخاري والترمذي وغيرهما. انظر: تقريب التهذيب (1 / 43، 44) ، (ت283) .
(6) عن: سقطت من (ط) ، وفي (ب) : حدثنا داود بن عطاء.
(7) هو: داود بن عطاء، المزني، بالولاء، أبو سليمان، المدني، ضعيف، لم يخرج له من الستة سوى ابن ماجه، من الطبقة الثامنة. انظر: تقريب التهذيب (1 / 233) ، (ت28) .
(2/135)

عبد الحميد بن (1) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (2) .
، عن سليمان بن علي (3) عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وليس بالقوي (4) .
وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله؟ أو ألا يقرن به شهرا آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رؤوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك (5) .

ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة (6) وأن من السلف من
_________
(1) في المطبوعة: عن عبد الرحمن. وهو تحريف (ابن) ، فالصحيح (ابن) كما هو في النسخ المخطوطة، وسنن ابن ماجه (1 / 554) .
(2) هو: زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي القرشي المدني، مقبول، من الطبقة السابعة، ولم يخرج له من الستة سوى ابن ماجه.
انظر تقريب التهذيب (1 / 275) ، (ت 194) .
(3) هو: سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، عم الخليفتين السفاح والمنصور، مقبول، من الطبقة السادسة، توفي سنة (142) ، وعمره (59) سنة، أخرج له النسائي وابن ماجه. انظر: تقريب التهذيب (1 / 328) ، (ت475) .
(4) في (ب ط) : بقوي.
أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيام، باب صيام أشهر الحرم، الحديث رقم (1743) ، (1 / 554) .
(5) لزيادة الفائدة في بيان حقيقة ما ورد في فضل رجب. راجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب، رسالة لابن حجر العسقلاني مطبوعة بعناية عبد الله الجبرين.
(6) أخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله عليه السلام قال: (يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لاثنين: مشاحن وقاتل نفس) ، مسند أحمد (2 / 176) ، ورجاله ثقات إلا أن فيه ابن لهيعة تكلم فيه بعضهم. انظر: ترجمته (1 / 262) ، وأخرج أحمد أيضًا والترمذي عن عائشة في حديث ذكرت فيه أن النبي عليه السلام قال: (إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب) ، مسند أحمد (6 / 238) ، وسنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، الحديث رقم (739) ، (3 / 116ـ 117) ، وأشار الترمذي إلى تضعيفه. وكذلك أخرجه ابن ماجه. انظر: الحديث رقم (1389) ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (1 / 297) ، حديث رقم (1942) ، وقال: (حديث حسن) . وأشار الشوكاني في الفوائد المجموعة إلى حديث عائشة هذا وقال: (فيه ضعف وانقطاع) ، الفوائد المجموعة (ص51) .
(2/136)

كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء: من السلف (1) من أهل المدينة، وغيرهم من الخلف، من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (2) ". وقال: لا فرق بينها وبين غيرها.
لكن الذي عليه كثير من أهل (3) العلم، أو أكثرهم، من أصحابنا وغيرهم -على تفضيلها، وعليه يدل (4) نص (5) أحمد، لتعدد (6) الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن (7) . وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر.
_________
(1) من السلف: سقطت من (أ) .
(2) جاء ذلك في الحديث المشار إليه آنفًا.
(3) في (ب) : قال: من أهل المدينة من أهل العلم.
(4) في (ب) : ويدل عليه.
(5) في (ط ب) : نصوص أحمد.
(6) في (ب) : لتعداد.
(7) قد أشرت إلى بعض الأحاديث الواردة فيها في مسند أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه، عن عائشة وعبد الله بن عمرو. وهذه الأحاديث إنما تذكر فضل هذه الليلة لكن ليس فيها ما يشير إلى إحيائها بالصلاة والعبادة ولا الاحتفال فيها كما يفعل المبتدعون.
(2/137)

فأما صوم يوم النصف مفردًا (1) فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسمًا تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة، التي لا أصل لها.
وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، من الاجتماع العام للصلاة الألفية (2) في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب (3) والأسواق. فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد، وقدر من القراءة لم يشرع، مكروه. فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية (4) موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه، وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه.
ولو سوغ (5) أن كل ليلة لها نوع فضل، تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان يفعل مثل هذه الصلاة -أو أزيد أو أنقص (6) - ليلتي العيدين، وليلة عرفة، كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب.
وكما بلغني أنه كان (7) في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة، يسمونها صلاة بر الوالدين. وكما كان بعض الناس يصلي
_________
(1) مفردًا: سقطت من (ب) .
(2) الصلاة الألفية هي التي يزعمون أنه ورد الفضل بقراءة " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فيها ألف مرة. انظر: اللآلئ المصنوعة (2 / 58، 59) .
(3) في المطبوعة: والدور.
(4) انظر: تفصيل ذلك في كتب الموضوعات مثل: اللآلئ المصنوعة (2 / 58، 59) ، والفوائد المجموعة (ص50، 51) ، وتبيين العجب (ص25، 26) .
(5) في (ب) : ولو شرع.
(6) في (أ) : أو ليقص.
(7) في (ج د) : أنهم كانوا.
(2/138)

كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة (1) على من مات من المسلمين في جميع الأرض، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع.
وعليك أن تعلم: أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، وجوز التطوع في جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة (2) ففرق بين البابين، وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع (3) أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يفعل أحيانًا، فهذا حسن. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه صلى التطوع في جماعة أحيانًا" (4) . و"خرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون (5) فجلس معهم يستمع" (6) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدًا يقرأ وهم يستمعون.
وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم
_________
(1) في (ب د) : الجنائز.
(2) في المطبوعة: قال: بل ينبغي أن نفرق بين البابين.
(3) في (د) وفي المطبوعة: التطوع.
(4) من ذلك ما ورد في الصحيحين عن أنس أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو واليتيم وأم سليم، ونحو ذلك. انظر: فتح الباري، الحديث رقم (727) ، في كتاب الأذان، الباب رقم (78) ، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة، الحديث رقم (658، 659، 660) ، (1 / 457، 458) ومثله في قصة عتبان بن مالك. انظر: صحيح مسلم، الحديث رقم (33) ، (1 / 455) .
(5) من هنا حتى قوله: وقد ورد (بعد سطر تقريبًا) : سقط من (ط) .
(6) انظر: تفسير ابن كثير في تفسير سورة النساء: الآية 41 (1 / 498) ، فقد ذكر قصة بهذا المعنى ومثله في فتح الباري (9 / 99) .
(2/139)

الرحمة ونزلت (1) عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (2) .
وورد أيضًا في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا (3) إلى حاجتكم. الحديث (4) .
فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر (5) بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي الاجتماع للصلوات الخمس، وللجمعة، وللعيدين وللحج. وذلك هو المبتدع المحدث.
ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع. وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة فروى أبو بكر الخلال، في كتاب الأدب، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: "ما أكرهه للإخوان إذا لم
_________
(1) في (ب) : وينزل. وفي (ج د ط) : وتنزلت.
(2) أخرجه مسلم عن أبي هريرة في حديث طويل وفيه: (وما اجتمع قوم. .) الحديث، باختلاف يسير وزيادة عما ذكره المؤلف. انظر: صحيح مسلم، كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، الحديث رقم (2699) ، (4 / 2074) . ومثله عن أبي سعيد الخدري مختصرًا، الحديث رقم (2700) ، (4 / 202074) من صحيح مسلم أيضًا.
(3) في (أب ط) : هلم.
(4) جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. .) إلخ من حديث طويل في كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله، الحديث رقم (6408) من فتح الباري (11 / 208، 209) ، وفي مسلم بلفظ آخر، الحديث رقم (2689) ، (4 / 2069) .
(5) يتكرر: ساقطة من (ط) .
(2/140)

يجتمعوا على عمد (1) إلا أن يكثروا" (2) .
قال إسحاق بن راهويه كما قال (3) . وإنما معنى أن لا يكثروا: أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا. هذا كلام إسحاق.
وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو السري الحربي (4) قال أبو عبد الله: "وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون، ويذكرون ما أنعم الله عليهم، كما قالت الأنصار؟ " (5) وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد، حدثنا (6) إسماعيل أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين قال: "نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول (7) الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم. قالوا: فيوم الأحد. قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم. قالوا: فيوم العروبة. وكانوا يسموه يوم الجمعة يوم العروبة- فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد (8) بن زرارة فذبحت لهم شاة
_________
(1) في (د) : على عهد.
(2) من هنا حتى قوله: أن لا يتخذوها عادة: سقط من (د) .
(3) أي كما قال الإمام أحمد. وكذا زادها في المطبوعة. وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (2 / 110) .
(4) هو: يعقوب بن يوسف، أبو السري الحربي، نقل عن الإمام أحمد بعض المسائل. انظر: طبقات الحنابلة: 1 / 417) .
(5) طبقات الحنابلة (1 / 417) . وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (2 / 112) .
(6) في (ب د) : قال أخبرنا.
(7) في (ب د) : النبي.
(8) هو الصحابي الأنصاري: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد الخزرجي، من أول الأنصار إسلامًا، وممن بايع بيعة العقبة، وكان نقيب قومه، ومات في السنة الأولى من الهجرة، رضي الله عنه، انظر: أسد الغابة (1 / 71) .
(2/141)

فكفتهم" (1) .
وقال أبو أمية الطرسوسي (2) سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما طفوا (3) السراج. فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس.
وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون (4) فيأمرون رجلا فيقص عليهم. قال: إذا كان ذلك يوما بعد (5) الأيام فليس به بأس.
فقيد أحمد (6) الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة. وكذلك قيد إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء. قال سندي الخواتيمي (7) سألنا أبا عبد الله
_________
(1) جاء ذلك في مصنف عبد الرزاق، كتاب الجمعة، باب أول من جمع، الحديث رقم (5144) ، (3 / 159) ، ولم أجده في مسند أحمد. وأورده القرطبي في تفسيره (18 / 98) ، كما ساقه ابن حجر في فتح الباري (2 / 353) مختصرًا، وذكر أن سنده صحيح إلى ابن سيرين.
(2) هو: محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي الطرسوسي، أبو أمية، بغدادي الأصل، مشهور بكنيته، قال عنه في التقريب: (صدوق صاحب حديث، يهم) ، وروى عن الإمام أحمد بعض المسائل، توفي سنة (273هـ) ، وأخرج له النسائي. انظر: تقريب التهذيب (2 / 141) ، (ت14) أ، وطبقات الحنابلة (1 / 265، 266) ، (ت376) . وفي المطبوعة: قال: وقال أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي. أي ذكر اسمه. وهو خلاف النسخ الأخرى.
(3) في المطبوعة: أطفئوا.
(4) القوم يجتمعون: ساقطة من (أ) .
(5) في (د) : من. ومعنى (بعد الأيام) ، أي: لم يكن متكررًا وفي زمان محدد. والله أعلم.
(6) أحمد: ساقطة من (ط) .
(7) هو: سندي أبو بكر الخواتيمي البغدادي. سمع من الإمام أحمد مسائل صالحة. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 170، 171) ، (ت229) .
(2/142)

عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث " ابن أم مكتوم (1) أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته، حتى يتخذ ذلك مصلى". وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما: يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه.
وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم (2) . ولفظه: سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها؛ يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه: سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته، حتى يتخذه مسجدا، وعلى ما كان يفعله (3) ابن عمر: يتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، حتى رئي يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء. قال: أما على هذا فلا بأس قال: ورخص فيه. ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. وهذا الذي كرهه أحمد وغيره من اعتياد ذلك مأثور عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره لما اتخذ أصحابه مكانا يجتمعون فيه للذكر، فخرج إليهم (4)
_________
(1) هو الصحابي الجليل: عمرو ـ وقيل: عبد الله ـ بن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي، وأم مكتوم، أمه، وهي: عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة. أسلم قديمًا بمكة وكان من المهاجرين الأولين إلى المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليها، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستخلفه على المدينة يصلي بالناس في عامة غزواته، وشهد القادسية، واستشهد بها وكان معه اللواء، وقيل: بل رجع للمدينة فمات بها. انظر: الإصابة (2 / 523، 524) ، (ت5764) .
(2) هو أحمد بن القاسم، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، حدث عن الإمام أحمد بمسائل كثيرة. انظر: طبقات الحنابلة (1 / 55، 56) ، (ت48) .
(3) في (أب ج) : يفعل.
(4) إليهم: ساقطة من (ط) .
(2/143)

قال: "يا قوم لأنتم أهدى من أصحاب (1) محمد (2) أو لأنتم على شعبة ضلالة" (3) .
وأصل هذا: أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات، حتى تصير سننا ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية العباد، فإذا أحدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه. وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده، أو الجماعة المخصوصة أحيانا، ولهذا كره الصحابة إفراد صوم (4) رجب، لما شبه برمضان، وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بويع (5) الصحابة تحتها بيعة الرضوان. لما رأى الناس ينتابونها (6) ويصلون عندها، كأنها المسجد الحرام، أو مسجد المدينة، وكذلك لما رآهم قد عكفوا على مكان قد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عكوفا عاما نهاهم عن ذلك، وقال: "أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ " (7) . أو كما قال رضي الله عنه.
فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع، من غير أن يتخذ جماعة
_________
(1) في المطبوعة: أهدى من محمد.
(2) في (ب) : صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورضي عنهم.
(3) أخرجه الدارمي في سننه، باب في كراهية أخذ الرأي (1 / 68) ، ولفظه: (والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة) ، ذكره في سياق قصة.
(4) صوم: ساقطة من (أب) .
(5) في (د) : التي بايع الصحابة تحتها. وفي المطبوعة: التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحتها.
(6) في (ب) : يأتونها.
(7) انظر القصة في كنز العمال (17 / 140) ورمز له بقوله: (عب) يعني عبد الرزاق في الجامع.
(2/144)

عامة (1) متكررة، تشبه المشروع من الجمعة، والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء، جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد، ونحو ذلك، كله من نوع واحد، يفرق بين الكثير الظاهر منه، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل مكان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة، حتى يصير كأنه واجب، ويترتب (2) على استحبابه وكراهته حكم نذره، واشتراط فعله في الوقف والوصية ونحو ذلك، حيث كان النذر لا يلزم إلا في القرب، وكذلك العمل المشروط في الوقف، لا يجوز أن يكون إلا برا ومعروفا على ظاهر المذهب، وقول جمهور أهل العلم. وسنومئ إلى ذلك إن شاء الله.
وهذه المسائل تفتقر إلى بسط أكثر من هذا، لا يحتمله هذا الموضع، وإنما الغرض التنبيه على المواسم المحدثة. وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع، فهذا لا يحتاج إلى ذكره؛ لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب مثل: رفع الأصوات في المساجد، واختلاط الرجال والنساء، أو كثرة إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة، أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل، فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم. وإنما هذا من جنس سائر (3) الأقوال المحرمة في المساجد، سواء حرمت في المسجد وغيره، كالفواحش والفحش، أو صين (4) عنها المسجد: كالبيع (5) وإنشاد الضالة، وإقامة الحدود ونحو ذلك.
_________
(1) عامة: ساقطة من (ب) .
(2) هنا بياض في (ط) : مكان (يترتب) .
(3) سائر: سقطت من (ط) .
(4) في (ب) : يصان. وفي (د) : مصان.
(5) في المطبوعة زاد: والشراء.
(2/145)

وقد ذكر بعض المتأخرين، من أصحابنا وغيرهم- أنه يستحب قيام هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية، لأن فيها قراءة " قل هو الله أحد " ألف مرة. وربما استحبوا الصوم أيضا، وعمدتهم في خصوص ذلك: الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك (1) . وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة، وعلى ما جاء في فضل هذه الليلة بخصوصها، وما جاء من الأثر بإحيائها، وعلى الاعتياد (2) حيث فيها من المنافع والفوائد ما يقتضي الاستحباب كجنسها من العبادات.
فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية: فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث (3) .
وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق، لكن العمل المعين إما أن يستحب بخصوصه، أو يستحب لما فيه من المعنى العام.
فأما المعنى العام: فلا يوجب جعل خصوصها (4) مستحبا ومن استحبها ذكرها في النفل المقيد: كصلاة الضحى والتراويح. وهذا خطأ، ولهذا لم يذكر هذا أحد من الأئمة المعدودين، لا الأولين ولا الآخرين. وإنما كره التخصيص لما صار يخص ما لا خصوص له بالاعتقاد والاقتصاد (5) كما كره (6)
_________
(1) انظر: اللآلئ المصنوعة (2 / 60) ، والفوائد المجموعة (ص 50، 51) ، وقد ذكروا أن الحديث الوارد في صوم ذلك اليوم موضوع.
(2) في (أ) : الاعتبار. وقوله على الاعتياد: أي أنهم يعتمدون على ما اعتادوه حتى صار كأنه مشروع، وهو باطل.
(3) مرت الإشارة إلى ذلك (ص138) .
(4) في المطبوعة: فلا يجب جعله خصوصًا.
(5) في المطبوعة: والقصد.
(6) في المطبوعة: كما ذكره.
(2/146)

النبي صلى الله عليه وسلم: إفراد يوم الجمعة وسرر (1) شعبان بالصيام، وإفراد ليلة الجمعة بالقيام، وصار نظير هذا: لو (2) أحدثت صلاة مقيدة ليالي العشر (3) أو بين العشائين، ونحو ذلك.
فالعبادات ثلاثة:
منها ما هو مستحب بخصوصه: كالنفل المقيد (4) من ركعتي الفجر، وقيام رمضان، ونحو ذلك. وهذا منه المؤقت كقيام الليل.
ومنه المقيد بسبب: كصلاة الاستسقاء، وصلاة الآيات (5) .
ثم قد يكون مقدرا (6) في الشريعة بعدد: كالوتر. وقد يكون مطلقا مع فضل الوقت: كالصلاة يوم الجمعة قبل الصلاة، فصارت أقسام المقيد أربعة.
ومن العبادات ما هو مستحب بعموم معناه، كالنفل المطلق، فإن الشمس إذا طلعت فالصلاة مشهودة محضورة حتى يصلي العصر.
ومنها ما هو مكروه تخصيصه لا مع غيره كقيام (7) ليلة الجمعة. وقد يكره مطلقا، إلا في أحوال مخصوصة، كالصلاة في أوقات النهي. ولهذا اختلف العلماء في كراهة الصلاة بعد الفجر والعصر، هل هو لئلا يفضي إلى تحري
_________
(1) في المطبوعة: وسرد، وهو خطأ.
(2) في (أ) : نظير هذا الحديث.
(3) في المطبوعة: فصار نظير هذا ما لو أحدثت ليالي العشر صلاة مقيدة.
(4) من هنا حتى قوله: بسبب كصلاة الاستسقاء (سطر ونصف) : سقط من (ط) .
(5) صلاة الآيات: صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر. وما يشرع من الفزع للصلاة عند النوازل والزلازل ونحوها.
(6) في (ب) : مقيدا. وفي (ط) : قرر.
(7) في المطبوعة: إلا مع غيره كالقيام.
(2/147)

الصلاة في هذا الوقت، فيرخص في ذوات الأسباب العارضة، أو هو (1) نهي مطلق لا يستثنى منه إلا قدر الحاجة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وفيها أقوال أخر للعلماء (2) .
_________
(1) في المطبوعة: هي.
(2) في المطبوعة زاد: والله أعلم.
انظر: المغني والشرح الكبير (1 / 756 ـ 768) ، وبداية المجتهد (1 / 131 ـ 135) .
(2/148)

[فصل في الأعياد المكانية المبتدعة]
فصل وقد يحدث في اليوم الفاضل، مع العيد العملي المحدث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجا عن الشريعة. فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة، مما لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك، كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعيادا.
وكذلك السفر إلى بيت المقدس، للتعريف فيه، فإن هذا أيضا ضلال بين، فإن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره.
ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك، أو من قصد النسك هناك.
(2/149)

وكذلك ما يفعله بعض الضلال (1) من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة (2) كما يطاف بالكعبة.
فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى.
منها: فعل ذلك في المسجد (3) فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد (4) فكيف بالمسجد الأقصى؟!
ومنها: اتخاذ الباطل دينا.
ومنها فعله في الموسم.
فأما قصد الرجل (5) مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث (6) من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين (7) ورخص فيه أحمد،
_________
(1) في (أ) : الصلاة. وهو تحريف.
(2) الآن بحمد الله لا توجد هذه القبة بجبل عرفات وذلك بفضل الله ثم بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي ناصرها الأئمة من آل سعود، والتي هيأها الله للقضاء على هذه المشاهد والأبنية المبتدعة في جزيرة العرب، ونسأل الله أن يحميها من كيد المبتدعين الذين ما فتئوا يحاولون إحياء بدعهم في هذه البلاد.
(3) في المطبوعة زاد: الأقصى ونحوه.
(4) في (ج د) : المسجد.
(5) في المطبوعة: الرجل المسلم.
(6) هو الصحابي الجليل: عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان القرشي المخزومي، قيل بأنه ولد قبل الهجرة بسنتين، ولي إمارة الكوفة أيام زياد وابنه عبيد الله، وتوفي بها سنة (85هـ) . انظر: الإصابة (2 / 531) ، (ت5808) ، والاستيعاب بهامش الإصابة (2 / 515) .
(7) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (5 / 117، 118) ، والمغني والشرح الكبير (2 / 259) .
(2/150)

وإن كان مع ذلك لا يستحبه (1) هذا هو المشهور عنه (2) . وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين: كإبراهيم النخعي (3) وأبي حنيفة ومالك، وغيرهم.
ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظا ومعنى.
ومن رخص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة (4) حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ولم ينكر عليه، وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة.
لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في (5) المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة مكروه في هذا اليوم وغيره. قال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: "ينبغي أن يسر دعاءه؛ لقوله: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] (6) . قال: هذا في الدعاء. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: وكان (7) يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء.
وروى الخلال بإسناد صحيح، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "أحدث الناس الصوت عند الدعاء" (8) .
وعن سعيد بن أبي عروبة: أن مجالد بن سعيد (9) سمع قوما يعجون في
_________
(1) في (د) : لا يستقبحه.
(2) المغني والشرح الكبير (2 / 259) .
(3) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (5 / 118) .
(4) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (5 / 118) ، حيث ذكر عن الحسن أن أول من صنع ذلك ابن عباس. وكذلك ذكر في المغني والشرح الكبير (2 / 259) .
(5) في (ب د) : هنا في المساجد.
(6) سورة الإسراء: من الآية 110. وفي المطبوعة: أكمل الآية.
(7) في المطبوعة: وكانوا يكرهون. وهو أقرب للصواب.
(8) لم أجده. وكتاب الجامع للخلال لم أحصل عليه.
(9) هو: مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام الهمداني، أبو عمرو، ويقال أبو سعيد، الكوفي، ليس بالقوي في الحديث، وقد تغير في أواخر عمره. مات سنة (144هـ) . انظر تقريب التهذيب (2 / 229) ، (ت 919) .
(2/151)

دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم، إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم، قال: فجعلوا يتسللون رجلا رجلا، حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها (1) .
وروى أيضا بإسناده عن ابن شوذب (2) عن أبي التياح (3) قال: قلت للحسن: إمامنا يقص، فيجتمع (4) الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن (5) إن رفع الصوت بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة (6) .
فرفع الأيدي فيه خلاف وأحاديث ليس هذا موضعها.
والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها: أن في تلك قصد بقعة (7) بعينها للتعريف فيها: كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر، فإنه قصد له بنوعه
_________
(1) لم أجده.
(2) في (أب ط) : ابن سودف. وهو تحريف.
هو عبد الله بن شوذب الخراساني، أبو عبد الرحمن، من الطبقة السابعة، قال ابن حجر في التقريب: (صدوق عابد) أخرج له الأربعة. ومات سنة (157هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 423) ، (ت 380) .
(3) هو يزيد بن حميد الضبعي، أبو التياح، مشهور بكنيته، من الأئمة الثقات الأثبات، أخرج له الستة، من الطبقة الخامسة. توفي سنة (128 هـ) انظر تقريب التهذيب (2 / 363) ، (ت 240) .
(4) في (ط) : فيجمع.
(5) هو الحسن البصري: مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(6) لم أجده.
(7) في (أ) : قصد منفعة بعضها التعريف فيها.
(2/152)

لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكانا معينا لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حول ذلك المسجد لتحول حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه.
وأيضًا، فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (1) . هذا مما لا أعلم فيه خلافا. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره: إما واجب كالجمعة، وإما مستحب كالاعتكاف به.
وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدا، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل، أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية.
وأما ما أحدث في الأعياد، من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد وغيره، لا اختصاص للعيد به، وكذلك لبس الحرير، أو غير ذلك من المنهي عنه في الشرع وترك السنن من جنس فعل البدع، فينبغي إقامة المواسم على ما كان (2) السابقون الأولون يقيمونها، من الصلاة والخطبة المشروعة، والتكبير والصدقة في الفطر، والذبح في الأضحى. فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع. ومن الأئمة من يترك أن يخطب للرجال والنساء. كما كان
_________
(1) هذا حديث متفق عليه، أخرجه البخاري عن أبي هريرة، في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، الحديث رقم (1189) من فتح الباري (3 / 63) ، ومسلم في كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، الحديث رقم (1397) ، (2 / 1014) .
(2) في (ط) : ما كان عليه السابقون.
(2/153)

رسول (1) الله صلى الله عليه وسلم يخطب الرجال ثم النساء (2) .
ومنهم من لا يذكر في خطبته (3) ما ينبغي ذكره، بل يعدل إلى ما تقل فائدته، ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة، إلى أمور أخرى من السنة (4) فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه.
_________
(1) في (ط) : النبي.
(2) جاء ذلك في حديث متفق عليه. انظر: الحديث رقم (978، 979) من فتح الباري، والحديث رقم (884) في مسلم.
(3) في (ب) خطبة.
(4) في المطبوعة: من غير السنة.
(2/154)

[فصل في أنواع الأعياد المكانية]
فصل وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضا كالزمانية - (1) ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما لا خصوص (2) له في الشريعة.
والثاني: ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه.
والثالث: ما يشرع العبادة فيه، لكن لا يتخذ عيدا.
والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها. مثل قوله صلى الله عليه وسلم للذي نذر أن ينحر ببوانة: «أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال: فأوف بنذرك» (3) . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا» (4) . ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا. كما سنذكره إن شاء الله.

[النوع الأول مكان لا خصوص له في الشريعة]
فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة، أو دونها، فقصد ذلك المكان، أو قصد (5) الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء، أو ذكر، أو غير ذلك- ضلال بين.
ثم إن كان به بعض آثار الكفار، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله، في مشابهة الكفار.
_________
(1) في المطبوعة: إلى ثلاث أقسام.
(2) في (أ) : خوص.
(3) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(4) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(5) في (ب) : وهذا الاجتماع.
(2/155)

وهذه أنواع لا يمكن ضبطها (1) بخلاف الزمان، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عباده الأوثان أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. كما ذكر الله ذلك في كتابه (2) حيث يقول: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 19 - 22] (3) .
كل واحد من هذه الثلاثة (4) لمصر من أمصار العرب. والأمصار التي كانت من ناحية الحرم، ومواقيت الحج ثلاثة: مكة، والمدينة، والطائف.
فكانت اللات: لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا، يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله (5) ثم بنوا عليه بنية سموها: بيت الربة. وقصتها معروفة، لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لهدمها لما (6) افتتحت الطائف (7) بعد فتح مكة (8) سنة تسع من الهجرة.
وأما العزى: فكانت (9) لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة
_________
(1) في (ب) : وهذا نوع لا يمكن ضبطه.
(2) في (ب) : في كتابه العزيز.
(3) سورة النجم: الآيات 19- 22.
(4) الثلاثة: ساقطة من (ط) .
(5) في (ط) : تمثالا له.
(6) في المطبوعة: لهدمها المغيرة بن شعبة لما افتتح الطائف، وهو زيادة توضيح مكان الهامش.
(7) انظر: القصة في السيرة النبوية لابن كثير (4 / 61) .
(8) مكة: ساقطة من (ط) .
(9) في (ب ط) : وكانت.
(2/156)

يذبحون عندها ويدعون. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها خالد بن الوليد، عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها، وخرجت منها (1) شيطانة ناشرة شعرها (2) فيئست العزى أن تعبد.
وأما مناة: فكانت لأهل المدينة، يهلون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل.
ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي (3) في أخبار مكة، وغيره من العلماء.
ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» (4) . فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم.
_________
(1) في (ط) : منه.
(2) انظر: القصة في البداية والنهاية (4 / 316) .
(3) هو: محمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق، أحد الإخباريين وأصحاب السير، قال ابن النديم في الفهرست: (وله من الكتب: كتاب مكة وأخبارها وجبالها وأوديتها) ، وهو كتاب أخبار مكة الذي أشار إليه المؤلف هنا. توفي نحو سنة (250) . انظر: الأعلام للزركلي (6 / 222) ، والفهرست لابن النديم (ص162) .
(4) جاء ذلك في حديث أخرجه الترمذي عن أبي واقد الليثي وقال: (هذا حديث حسن) . انظر: سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، الحديث رقم (2180) ، (4 / 475) ، وأحمد في المسند (5 / 218) .
(2/157)

فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ .
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء (1) أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك (2) عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به، ويقال: (3) إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين. فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة (4) عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه، والمسألة معروفة (5) .
وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين، أو البئر (6) . وكذلك إذا نذر مالا (7) من النقد أو غيره للسدنة، أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت (8)
_________
(1) في المطبوعة: أو غيرها. بدل: أو عين ماء.
(2) في (ب ج د) : ليستنسك. وفي (ط) : ليتبتل.
(3) في المطبوعة: ويقول.
(4) في المطبوعة: كفارة يمين. ومعناها صحيح لكنه خلاف النسخ.
(5) انظر: تفصيل القول في نذر المعصية في الفتاوى للمؤلف (11 / 504، 505) ، (27 / 333 ـ 335) ، (33 / 123، 125) ، (35 / 354) . وانظر: المغني والشرح الكبير (11 / 334 ـ 336) .
(6) في (ب ج) : أو النهر.
(7) في (ب) : إذا نذر كلها من النقد.
(8) في المطبوعة: الذين كانوا.
(2/158)

لللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل (1) ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، صلى الله عليه وسلم: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] (2) وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] (3) والذين أتى عليهم موسى عليه السلام وقومه (4) كما قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] (5) .
فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين (6) في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاور بها، نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد (7) التي بالهند، والمجاورين عندها.
ثم هذا (8) المال المنذور، إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل أن يصرفه في عمارة المساجد، أو للصالحين من فقراء المسلمين، الذين
_________
(1) لا يزال كثير من سدنة القبور يتخذون منها تجارة، وبعض الدول اتخذتها مراكز سياحية تدر عليها، وكثير من رجال الطرق الصوفية يعيشون على ذلك.
(2) سورة الأنبياء: الآية 52.
(3) سورة الشعراء: الآيات 75- 77.
(4) في المطبوعة زاد: بعد مجاوزة البحر.
(5) سورة الأعراف: من الآية 138.
(6) في (أ) : والمجاورون، وهو خطأ، لأنه معطوف على مجرور بالإضافة.
(7) في (ب ط) : الأنداد. والأنداد جمع ند، وهو المثيل والشريك والنظير، وهي الأصنام. انظر: مختار الصحاح، مادة (ندد) ، (ص652) . أما الأبداد فهي جمع بد ـ بالكسر ـ المثل والنظير. وبالضم: الصنم، والجمع بددة وأبداد، وهي بيوت الأصنام. انظر: القاموس المحيط، فصل الباء، باب الدال (1 / 286) .
(8) هذا: سقطت من (أ) .
(2/159)

يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له- كان حسنا. فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي، أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، وليس كذلك. فأما ما كان قبرا له أو مقاما، فهذا من النوع الثاني (1) .

[بعض الأمكنة والقبور التي ابتدعها الناس]
وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه: فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم، أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة، لم يمت بدمشق. والله أعلم قبر من هو، لكنه ليس (2) بقبر أبي بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك.
وكذلك مكان بالحائط القبلي، بجامع دمشق (3) يقال إن فيه قبر هود عليه السلام، وما عملت أحدا من أهل العلم ذكر أن هودا النبي مات بدمشق، بل قد قيل إنه مات باليمن، وقيل بمكة، فإن مبعثه كان باليمن، ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة، فأما الشام فلا داره (4) ولا مهاجره، فموته بها -والحال هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه بل ذكروا خلافه- في غاية البعد.
وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق، يقال إنه قبر أويس القرني (5) وما علمت أن أحدا ذكر أن أويسا مات بدمشق، ولا هو متوجه
_________
(1) وهو ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه.
(2) في (ب) : لكن ليس هو بقبر أبي.
(3) بجامع دمشق: ساقطة من (أ) .
(4) في المطبوعة: فلا هي داره.
(5) هو: أويس بن عامر بن عمرو القرني اليمني العابد، من الأتقياء الصالحين، ورد في فضله عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، وقد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدرهم، فمن لقيه منكم فمروه فليستغفر لكم. .) الحديث، أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل أويس القرني، الحديث رقم (2542) ، (4 / 1968) ، وذكر أن عمر طلب منه أن يستغفر له ففطن له الناس فهام على وجهه، ونزل الكوفة، توفي في صفين مع علي رضي الله عنه. انظر: لسان الميزان (1 / 471 ـ 475) ، (ت1449) .
(2/160)


أيضا، فإن أويسا قدم من اليمن إلى أرض العراق. وقد قيل: إنه قتل بصفين، وقيل: إنه مات بنواحي أرض فارس، وقيل غير ذلك. فأما الشام فما ذكر أنه قدم إليها فضلا عن الممات بها.
ومن ذلك أيضا: قبر يقال له: قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف أنها رضي الله عنها ماتت بالمدينة لا بالشام، ولم تقدم الشام أيضا. فإن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن تسافر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن (1) الأنصارية، فإن أهل الشام كشهر بن حوشب (2) ونحوه، كانوا إذا حدثوا عنها قالوا: أم سلمة. وهي بنت عم معاذ بن جبل، وهي من أعيان الصحابيات، ومن ذوات الفقه والدين منهن. أو لعلها أم سلمة (3) امرأة يزيد بن معاوية (4) وهو بعيد، فإن هذه ليست مشهورة بعلم ولا دين. وما أكثر
_________
(1) هي الصحابية الجليلة: أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس، الأنصارية الأوسية الأشهلية، يقال لها: خطيبة النساء. شهدت اليرموك وقتلت تسعة من الروم بعمود فسطاط وعاشت بعد ذلك دهرًا. انظر: الإصابة (4 / 234) ، (ت58) . النساء.
(2) هو: شهر بن حوشب الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن المذكورة هنا، قال ابن حجر في التقريب: (صدوق كثير الإرسال والأوهام) من الثالثة، توفي سنة (112هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 355) ، (ت112) ش.
(3) لم أجد لها ترجمة في المراجع التي اطلعت عليها.
(4) هو: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي، تولى الخلافة بعد أبيه معاوية سنة (60هـ) وبايع له المسلمون، وكان أبوه قد أخذ له البيعة بولاية العهد من قبل، ولد سنة (26هـ) ، وتوفي سنة (64هـ) . انظر: البداية والنهاية (8 / 226 ـ 236) .
(2/161)

الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء المشتركة أو المغيرة.
ومن ذلك: مشهد بقاهرة (1) مصر يقال: إن فيه رأس الحسين رضي الله عنه، وأصله (2) أنه كان بعسقلان مشهد يقال: إن فيه رأس الحسين، فحمل فيما قيل الرأس من هناك إلى مصر، وهو باطل باتفاق أهل العلم، لم يقل أحد من أهل العلم (3) إن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا منها، فإنه حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد (4) بالكوفة، حتى روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغيظه. وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام، ولا يثبت ذلك، فإن الصحابة المسمين في الحديث (5) إنما كانوا بالعراق.
_________
(1) لا يزال هذا القبر المزعوم بالقاهرة وقد بنيت عليه القباب، وتقام حوله كثير من مراسم الشركيات والبدع من الطواف حوله، ودعائه من دون الله والتمسح به، وغير ذلك من الشركيات والبدع والمنكرات، نسأل الله العافية ونسأله سبحانه أن يطهر الأرض من هذه المشاهدة المبتدعة، التي لوثت بها الشيعة والصوفية ديار المسلمين. فمعلوم أن أول من بنى القباب على القبور واتخذها مزارات ومعابد، هم الشيعة، فالدولة الفاطمية هي التي شيدت قبر الحسين في القاهرة وغيره، وكذلك في العراق والشام والحجاز وجزيرة العرب، ثم تولى المهمة أصحاب الطرق الصوفية، فهم الآن الذين يتزعمون رعاية هذه البدع في سائر بلاد المسلمين.
(2) في المطبوعة: وأصله المكذوب.
(3) في (ب د) : منهم.
(4) هو عبيد الله بن زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، ولد سنة (39هـ) ، ولاه معاوية على البصرة سنة (55هـ) ، وفي عهد يزيد ولاه البصرة والكوفة، وتوفي سنة (67هـ) . انظر: البداية والنهاية (8 / 283) .
(5) الحديث الذي أغاظ عبيد الله بن زياد هو: ما رواه البخاري عن أنس بن مالك: (أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي فَجُعل في طست فَجَعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان مخضوبًا بالوسَمة) . انظر: صحيح البخاري، كتاب مناقب الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين، الحديث رقم (3748) ، (7 / 94) ، وذكر ابن كثير أن زيد بن أرقم فعل ذلك. انظر: البداية والنهاية (8 / 191) .
(2/162)

وكذلك مقابر كثيرة لأسماء (1) رجال معروفين، قد علم أنها ليست مقابرهم. فهذه المواضع ليست فيها فضيلة أصلا، وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة، اللهم إلا أن يكون قبرا لرجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين، ليس لها من الخصيصة (2) ما يحسبه الجهال، وإن كانت القبور (3) الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادا (4) ولا أن يفعل ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة، أو تكون قبرا لرجل صالح غير المسمى، فيكون من القسم الثاني.
ومن هذا الباب أيضا: مواضع يقال إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس، من أن فيها أثرا من وطء رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب سبحانه وتعالى! فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم.
وفي مسجد قبلي دمشق -يسمى مسجد القدم- أثر (6) أيضا يقال إن ذلك أثر (7) قدم موسى عليه السلام، وهذا باطل لا أصل له. ولم يقدم موسى دمشق ولا ما حولها.
وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رؤى
_________
(1) في (ب) : لا سيما.
(2) في المطبوعة: الخصوصية.
(3) القبور: ساقطة من (ط) .
(4) في (ب) : عيدًا.
(5) في المطبوعة: من وطء قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(6) في المطبوعة: به أيضًا أثر.
(7) أثر: ساقطة من (ب) .
(2/163)

في المنام هناك، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، وتتخذ مصلى، بإجماع المسلمين. وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب، وربما صور (1) فيها (2) صورة النبي أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه، مضاهاة لأهل الكتاب، كما كان في بعض مساجد دمشق، مسجد (3) يسمى مسجد الكف، فيه تمثال كف يقال: إنه كف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (4) حتى هدم الله ذلك الوثن. وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد.
وفي الحجاز مواضع، كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال: إنه الغار الذي كان فيه (5) النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله في قوله (6) تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] (7) ولا خلاف بين أهل العلم أن الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور، قريب من مكة، معروف عند أهل مكة إلى اليوم.
فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة -كائنة ما كانت- (8) فإن تعظيم
_________
(1) في المطبوعة: صوروا.
(2) في (ج د) : فيه.
(3) مسجد: ساقطة من (أ) .
(4) في (ج) وفي المطبوعة: رضي الله عنه. وهو أولى.
(5) في المطبوعة: الذي أوى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه هو وأبو بكر.
(6) في (د ط) : في القرآن في قوله.
(7) سورة التوبة: من الآية 40.
(8) في المطبوعة زاد: ليس من الإسلام تعظيمها بأي نوع من التعظيم. ويلاحظ أنه في الثلث الأخير من الكتاب ازدادت أخطاء المطبوعة واختلافها عن النسخ المخطوطة زيادة كبيرة يصل معدلها إلى سبع مرات تقريبًا في الصفحة الواحدة أو يزيد، وأكثرها زيادات وتقديم وتأخير، لذلك سيقتصر التنبيه فيما يلي على التنبيه على الزيادات والأخطاء المهمة.
(2/164)

مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة فيها (1) وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. وكما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان بالصوم، وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإن ما كان مقصودا بالتخصيص، مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضا بالفعل.
وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي (2) أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. فإن ذلك المسجد لما بني ضرارا وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، وأمر بهدمه.
وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيما لما لم يعظمه الله، وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدًا للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما، واتخاذها عيدا هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة.
ويلتحق بهذا الضرب -لكنه ليس منه- مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت، مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي، أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقا، وقد يكون كذبا. وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب. فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جدا. وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت
_________
(1) في (ج د) : عندها.
(2) في (ط) : التي.
(2/165)

من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. وغيره قد يثبت غير هذا أيضا مثل: قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد يكون علم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت، إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها.
ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول، وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها: إما (1) مع العلم بأنه (2) لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة، إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه، ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل، ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها، المعصومة عن الخطأ.
وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها (3) الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. وقد يحكي من الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى (4) الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها (5) وكذلك
_________
(1) في (د) : وأما.
(2) في (أ) : فإنه.
(3) في (ط) : بها.
(4) في (ط) : إن قضيت حاجته.
(5) وهذا ابتلاء لهؤلاء المشركين والمبتدعين، كما أنه إمداد في الغي من الشيطان، قال تعالى: " وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ " سورة الأعراف: الآية 202. فإن الله تعالى يسلط على الإنسان عدوه الشيطان بذنوبه وما يرتكبه من بدع. نسأل الله العافية.
(2/166)

يجري لأهل (1) الأبداد (2) من أهل الهند وغيرهم. وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته.
وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس (3) وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض.
وقد صح "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير (4) وإنما يستخرج به من البخيل» (5) فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما (6) لا يضر ولا ينفع؟ .
وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه (7) اضطرار الداعي وصدقه (8) وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه (9) الله لا لأجل دعائه، وقد
_________
(1) في المطبوعة: وكذلك يجري لهم مثل ما يجري لأهل الأبداد.
(2) في (ب) : أنداد.
(3) المقاييس: هي الأقيسة المنطقية والعقلية التي يعتمد عليها الفلاسفة والمنطقيون في اعتقادهم والتي لم تستمد من وحي الله تعالى. وللمؤلف كتاب مستوفى في الرد عليهم وهو كتاب " الرد على المنطقيين " مطبوع.
(4) من هنا حتى قوله: فما الظن (بعد سطر ونصف تقريبا) : سقط من (ط) .
(5) جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، الحديث رقم (6693، 6694) من فتح الباري (11 / 576) ؛ ومسلم في كتاب النذر باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئا، الحديث رقم (2639، 1640) ، (3 / 1260- 1263) ، عن عبد الله وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(6) في (ط) : الذي لا يضر.
(7) في (ط) : شبهه.
(8) في المطبوعة: وصدق التجائه.
(9) في (د) : قضاء الله له.
(2/167)

يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة (1) في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون (2) مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] (3) وقال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] (4) .
وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة.
ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر (5) .
* * *
_________
(1) في (أ) : فيه.
(2) ويرزقون: ساقطة من (أب ط) .
(3) سورة الإسراء: الآية 20.
(4) سورة الجن: الآية 6.
(5) راجع: كتاب المؤلف: " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " (ص689- 732) .
(2/168)

[فصل في النوع الثاني من الأمكنة]
[النوع الثاني ما له خصيصة لا تقتضي اتخاذه عيدا]
فصل النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا، ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده. فمن هذه الأمكنة: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والسلف النهي عن اتخاذها عيدا، عموما وخصوصا. وبينوا معنى العيد.
فأما العموم: فقال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح (1) قال: قرأت على عبد الله بن نافع (2) أخبرني ابن أبي ذئب (3) عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم
_________
(1) هو: أحمد بن صالح المصري؛ أبو جعفر ابن الطبري، ثقة حافظ، من الطبقة العاشرة، تكلم فيه النسائي بسبب أوهام له قليلة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل، توفي سنة (248 هـ) وعمره (78) سنة. انظر: تقريب التهذيب (1 / 16) ، (ت 58) .
(2) لقد تكلم عنه المؤلف بما يكفي، وقال ابن حجر في التقريب: " ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه لين " توفي سنة (206 هـ) ، وأخرج له مسلم والأربعة. انظر. تقريب التهذيب (1 / 456) ، (ت686) .
(3) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من الطبقة السابعة، أخرج له الستة، ومات سنة (158هـ) . انظر: تقريب التهذيب (2 / 184) ، (ت462) .
(2/169)

قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (1) " (2) وهذا إسناد حسن، فإن رواته كلهم ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة. وحسبك بابن معين موثقا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، وهو لين (3) تعرف (4) حفظه وتنكر (5) . فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن، إذ لا خلاف في عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد يغلط أحيانا، ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه، ليس مما ينكر، لأنه سنة مدنية (6) وهو محتاج إليها في فقهه، ومثل هذا يضبطه الفقيه. وللحديث شواهد من غير طريقه، فإن هذا الحديث روي من جهات أخرى (7) فما بقي منكرا. وكل جملة من هذا الحديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة، وإنما الغرض هنا النهي عن اتخاذه عيدا.
_________
(1) في (أ) وفي المطبوعة: حيثما كنتم. وفي (ط) : حيث كنت، وفي أبي داود كما أثبته.
(2) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، الحديث رقم (2042) ، (2 / 534) ، وأخرجه أحمد في المسند (2 / 367) .
(3) في المطبوعة: هو لين الحديث.
(4) في (ب) وفي المطبوعة: يعرف حديثه وينكر.
(5) انظر: تهذيب التهذيب (6 / 51 - 52) ، ترجمة عبد الله بن نافع الصائغ رقم (98) . وانظر أيضا: الجرح والتعديل (5 / 183 - 184) ترجمة عبد الله بن نافع الصائغ رقم (856) .
(6) أي من السنن التي تفعل بالمدينة، أو المعروفة عند أهل المدينة.
(7) فقد أخرجه أحمد في المسند (2 / 367) ، كما سيذكر المؤلف من طرق الحديث ما فيه كفاية.
(2/170)

فمن ذلك: ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا (1) زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم -من ولد ذي الجناحين- حدثنا علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو. فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته عن (2) أبي عن جدي عن رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه (4) .
وروى سعيد في سننه، حدثنا حبان بن علي (5) حدثني محمد بن عجلان (6) عن أبي سعيد مولى المهري (7) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
_________
(1) في المطبوعة: أنبأنا.
(2) في (أد) : عن جدي.
(3) في (د ب) : عن النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم.
(4) مرت الإشارة إلى الحديث ومصادره. انظر: فهرس الأحاديث.
(5) هو: حبان بن علي العنزي الكوفي، ضعيف، وكان له فقه وفضل، من الطبقة الثامنة، أخرج له ابن ماجه، وتوفي سنة (172هـ) ، وعمره (60) سنة. انظر: تقريب التهذيب (1 / 147) ، (ت 98) .
(6) هو: محمد بن عجلان المدني القرشي، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة، أحد العلماء العاملين، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. توفي سنة (148هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (9 / 341، 342) ، (ت564) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 190) ، (ت524) .
(7) في (د) : مولى المهدي. وهو خطأ والصحيح ما أثبته. وأبو سعيد مولى المهري مقبول من الطبقة الثالثة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي. انظر: تقريب التهذيب (2 / 429) ، (ت42) .
(2/171)

«لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» (1) .
وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد (2) أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني، وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء؟ فقلت لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» (3) [ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء] (4) .
فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج من (5) أرسله به وذلك يقتضي ثبوته عنده، ولو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسندا؟ .
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، (6) عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم.
_________
(1) انظر: (1 / 339) من هذا الكتاب.
(2) هو الدراوردي. انظر: فهرس الأعلام.
(3) في المطبوعة: تقديم وتأخير في ألفاظ الحديث. راجع: (ص 323) من المطبوعة.
(4) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث، وقوله: [ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء] من كلام الحسن بن الحسن، وليس من نص الحديث.
(5) في المطبوعة: به من أرسله.
(6) في المطبوعة: وهذا عكس.
(2/172)

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا» (1) .
وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه» (2) ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ، (3) وفي الحديث الآخر: «فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.
والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة، مثل ما روى أبو داود من حديث أبي صخر حميد بن زياد (4) عن يزيد بن عبد الله بن قسيط (5) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر، الحديث رقم (432) ، (1 / 528، 529) من فتح الباري ولفظه: " اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا" وكذلك الحديث رقم (1187) ، (3 / 62) ، واللفظ الذي ذكره المؤلف هو لفظ مسلم في صحيحه، وكتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، الحديث رقم (777) ، 1 / 538) .
(2) أخرجه مسلم في الكتاب والباب السابقين، الحديث رقم (780) ، (1 / 539) ولفظه: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ".
(3) من هنا حتى قوله: أينما كنتم (نصف سطر) : سقط من (أ) .
(4) هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق، الخراط، أبو صخر، صاحب العباء، مدني، صدوق يهم، من الطبقة السادسة، مات سنة (189هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 202) ، (ت594) .
(5) هو: يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة الليثي أبو عبد الله المدني الأعرج ثقة من الطبقة الرابعة أخرج له الستة، ومات سنة (122 هـ) ، وعمره (90) سنة. انظر: تقريب التهذيب (2 / 367) ، (ت281) .
(2/173)

إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» (1) صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث على شرط مسلم.
ومثل ما روى أبو داود أيضا عن أوس بن (2) أوس (3) رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» (4) .
[أرم أي صار رميما، أي عظما باليا، فإذا اتصلت به تاء الضمير فأفصح اللغتين أن يفك الإدغام فيقال: أرمت. وفيه لغة أخرى كما في الرواية: أرمت بتشديد الميم، وقد يخفف، فيقال: أرمت] (5) .
_________
(1) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، الحديث رقم (2041) ، (2 / 534) ، وقد تبين المؤلف أنه على شرط مسلم.
(2) في (د) : بن أبي أوس. لكنه في أبي داود وابن ماجه: أوس بن أوس، كما في النسخ المخطوطة الأخرى.
(3) هو الصحابي الجليل: أوس بن أوس الثقفي، وقد اختلف في اسمه، عداده في أهل الشام: انظر: أسد الغابة (1 / 139، 140) ؛ وتهذيب التهذيب (1 / 381، 382) ، (ت397، 398) .
(4) انظر: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، الحديث رقم (1047) (1 / 635) ، وفيه زيادة قليلة فليراجع، كما أخرجه أبو داود أيضا في كتاب الصلاة، باب الاستغفار، الحديث رقم (1531) ، (2 / 184) باختلاف يسير في أول السياق عما ذكره المؤلف؛ وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز؛ باب (65) ، الحديث رقم (1636) ، (1 / 524) ، وأحمد في مسنده (4 / 8) .
(5) ما بين المعكوفين من المخطوطة (أ) . ولم تذكره النسخ الأخرى كما في المتن، لكن ذكره في النسخة (ط) في الحاشية، وقال: حاشية بخط المصنف. ثم ذكره، وبعده رمز بالإشارة: (ن) .
(2/174)

وفي (1) مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عند قبري (2) سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته» (3) . رواه الدارقطني بمعناه.
وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» (4) إلى أحاديث أخر (5) في هذا الباب متعددة.
ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه، نهى ذلك (6) الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين، عن جده علي، واعلم بمعناه من غيره (7) ؛ فبين أن قصده (8) للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدًا.
وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك (9) من اتخاذه
_________
(1) من هنا حتى قوله: إلى أحاديث أخر (ثلاثة سطور تقريبا) : سقط من (أ) .
(2) في المطبوعة: علي. وعند قبري: ساقطة.
(3) في (ط) : بغلته. وهو تحريف.
(4) سنن النسائي، كتاب السهو، باب السلام على النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم (3 / 43) ، ولفظه: " إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام "؛ وأخرجه الدرامي في سننه، كتاب الرقاق، باب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (1 / 317) ، وأحمد في المسند (1 / 387، 441، 452) ، كلهم عن عبد الله بن مسعود، وقال السيوطي في الجامع الصغير: حديث صحيح (1 / 359) .
(5) في (أ) : أخزى.
(6) في (ط) : نهى عن ذلك.
(7) في المطبوعة: وهم أعلم بمعناه من غيرهم.
(8) في المطبوعة: فتبين أن قصد قبره.
(9) ذلك: ساقطة من (ط) .
(2/175)

عيدًا. فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط.

[إطلاق العيد على المكان الذي يقصد الاجتماع فيه]
والعيد إذا جعل اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه (1) للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة، جعلها الله عيدًا، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها، للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها. فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله.
وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورًا لهم، بتقدير كونها قبورًا لهم، بل وسائر القبور أيضًا داخلة في هذا. فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة، إذ هو بيت المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس، ولا يتكأ عليه عندنا، وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل، كان حقه أوكد.
قال بريدة بن الحصيب (2) رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا
_________
(1) في المطبوعة: وإتيانه. وانتيابه: أي إتيانه مرة بعد أخرى. انظر: القاموس المحيط، فصل الواو، باب الباء (1 / 140) .
(2) هو الصحابي الجليل: بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحرث بن الأعرج الأسلمي، أسلم أثناء الهجرة، وقدم إلي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أحد، وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ست عشرة غزوة، وغزا خراسان في زمن عثمان، وكان سكن البصرة لما فتحت، ثم سكن مرو إلى أن مات في خلافة يزيد سنة (63هـ) . انظر الكتاب: الإصابة (1 / 146) ، (ت632) .
(2/176)

خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: "السلام على أهل الديار"، وفي لفظ: "السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» . رواه مسلم (1) .
وروى أيضًا عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (2) .
وروي أيضًا عن عائشة في حديث طويل "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (3) " (4) .
وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: «فقدته فإذا هو بالبقيع، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» (5) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم،
_________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها الحديث رقم (975) ، 2 / 671) .
(2) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة، الحديث رقم (249) ، (1 / 218) .
(3) في (د ط) : للاحقون.
(4) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، الحديث رقم (974) ، (2 / 669 - 671) .
(5) انظر: سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر، حديث رقم (1546) ، (1 / 493) .
(2/177)

أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه أحمد والترمذي وقال: "حديث حسن غريب" (1) .
وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثمان سنين خرج إلى الشهداء، فصلى عليهم كصلاته على الميت (2) . وروى أبو داود، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا (3) له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (4) . / 50 وقد روي حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام» (5) .
_________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر، الحديث رقم (1053) ، (3 / 369) ، وقال: " وفي الباب عن بريدة وعائشة "، ثم قافل: " حديث ابن عباس حديث حسن غريب " (3 / 369) ؛ وأحمد في المسند عن أبي هريرة وبريدة وعائشة رضي الله عنهم. انظر: الفتح الرباني (8 / 172- 176) .
(2) ورد ذلك في الصحيحين وغيرهما، وقد مر تخريجه. انظر فهرس الأحاديث.
(3) في (د) : واسألوا.
(4) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت، الحديث رقم (3221) ، (3 / 550) ؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الجنائز، باب الاستغفار وسؤال التثبيت للميت عند الدفن (1 / 370) ، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الإسناد، ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي في التلخيص. انظر: الهامش (1 / 370، 371) .
(5) ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال: الخطيب في التاريخ وابن عساكر عن أبي هريرة (2 / 518) ، ح (7062) ، ولفظه: " ما من عبد. ." الحديث. قال المناوي في فيض القدير: " قال الجوزي: حديث لا يصلح "، ثم قال: " وأفاد الحافظ العراقي أن ابن عبد البر خرجه في (التمهيد) و (الاستذكار) بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، وممن صححه عبد الحق " فيض القدير (5 / 487) ، وأخرجه ابن عبد البر في (الاستذكار) (1 / 234) .
(2/178)

وروى في تلقين الميت (1) بعد الدفن حديث فيه نظر، لكن عمل به رجال من أهل الشام الأولين، مع روايتهم له، فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم (2) .
فهذا ونحوه مما (3) كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ويأمر به أمته عند قبور المسلمين، عقب الدفن، (4) وعند زيارتهم، والمرور بهم، إنما هو تحية للميت، كما يحي الحي ودعاء له كما يدعى له، إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده، وفي ضمن الدعاء للميت، دعاء الحي لنفسه، ولسائر المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي، ولسائر المسلمين، وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله، وما كان مثله، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك. وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره.
وروى ابن بطة (5) في الإبانة، بإسناد صحيح، عن معاذ بن
_________
(1) تلقين الميت: أن يقف الرجل على قبر الميت ويقول له: يا فلان اذكر كذا وكذا. . إلخ. انظر: المغني والشرح الكبير (2 / 387) .
(2) فصل المؤلف في هذا الموضوع في مجموع الفتاوى (24 296- 299) . وانظر: المغني والشرح الكبير (2 / 385، 386) . وانظر التفصيل عن الحديث الوارد في ذلك في كتاب (الأذكار) للنووي مع شرحه (الفتوحات الربانية) لابن علان (4 / 194- 196) .
(3) في (أج د) : ما كان.
(4) من هنا حتى قوله: أو بعده (سطران) : ساقطة من (ط) .
(5) هو: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبري المعروف بابن بطة: فقيه وعالم بالحديث، ومن كبار علماء الحنابلة، وله مصنفات كثيرة تزيد على المائة. منها: الشرح والإبانة على أصول الديانة، ومنها: التفرد والعزلة. وتحريم الخمر. وذم الغناء والاستماع إليه، وغيرها ز توفي سنة (387هـ) ، وكانت ولادته سنة (304هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (2 / 144 - 153) ، (ت622) ؛ والأعلام للزركلي (4 / 197) .
(2/179)

معاذ (1) حدثنا ابن (2) عون (3) قال: سأل رجل نافعًا (4) فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر، فقال: نعم، لقد رأيته مائة (5) أو أكثر من مائة مرة، كان يأتي القبر، فيقوم عنده فيقول: "السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي" (6) . وفي رواية أخرى، ذكرها الإمام أحمد محتجًا بها: "ثم ينصرف"، وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ (7) .

[ما يتصل بالقبور من زيارتها والصلاة عندها واتخاذها مساجد والبناء عليها]
وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار، فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي (8) فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (9) ".
وفيه أيضًا عنه قال: «زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور
_________
(1) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى، البصري القاضي، ثقة متقن. مات سنة (196هـ) ، أخرج له الستة. انظر: تهذيب التهذيب (2 / 257) ، (ت1209) .
(2) ابن: ساقطة من (أ) .
(3) في (د) : عوف. والصحيح: ابن عون؛ لأنه هو الراوي عن معاذ، وقد مرت ترجمته. انظر فهرس الأعلام.
(4) أي: مولى ابن عمر.
(5) في (أ) : مائة مرة.
(6) في المطبوعة: على عمر أبي.
(7) انظر: الموطأ، كتاب قصر الصلاة والسفر، باب ما جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رقم (68) ، (2 / 166) .
(8) في (ط) : لأمتي. وهو خطأ.
(9) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه في زيارة قبر أمه، الحديث رقم (976) ، 2 / 671) .
(2/180)

قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت» (1) .
وفي صحيح مسلم (2) عن بريدة، " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " (3) «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (4) . وفي رواية لأحمد والنسائي: «فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا» (5) .
وروى أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» (6) .
فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموت، والدار الآخرة، وأذن (7) إذنًا عامًا، في زيارة قبر المسلم والكافر.
والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة -وهي تذكر الموت والآخرة- موجودة في ذلك كله. وقد كان (8) صلى الله عليه وسلم يأتي قبور أهل
_________
(1) نفس المرجع السابق.
(2) مسلم: ساقطة من (أ) .
(3) في المطبوعة: كنت نهيتكم. لكنه خلاف النسخ الأخرى ومسلم.
(4) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه في زيادة قبر أمه، الحديث رقم (977) ، (2 / 672) .
(5) مسند أحمد (5 / 361) ؛ وسنن النسائي (4 / 89) ؛ ومالك في الموطأ، كتاب الضحايا، باب ادخار لحوم الأضاحي، حديث رقم (8) ، (2 / 485) ؛ وأخرج الشافعي في (الأم) عن مالك، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا " وإسناده صحيح. انظر: (الأم) (1 / 278) . والهجر، بالضم: الكلام القبيح. قال الشافعي: " وذلك مثل الدعاء بالويل والثبور، والنياحة ". (الأم) (1 / 278) ؛ والقاموس المحيط، فصل الهاء، باب الراء (2 / 164) .
(6) مسند أحمد (1 / 145) .
(7) في المطبوعة: وأذن لنا.
(8) في (ب د) : وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(2/181)

البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص (1) بالمسلمين دون الكافرين. فهذه الزيارة وهي زيارة القبور، لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم، هو الذي جاءت به السنة، كما تقدم.
وقد اختلف أصحابنا وغيرهم، هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين:
أحدهما: لا يجوز، والمسافرة لزيارتها معصية، ولا يجوز قصر الصلاة فيها، وهذا قول ابن بطة وابن عقيل، وغيرهما؛ لأن هذا السفر بدعة، لم يكن في عصر السلف، وهو مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي، ولأن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (2) .
وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب (3) بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري (4) لما رأى أبا هريرة راجعًا من الطور الذي كلم الله عليه موسى (5) قال: لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (6) .
_________
(1) في (ب) : تخصيص للمسلمين.
(2) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(3) في المطبوعة زاد: والعبادة.
(4) هو الصحابي الجليل: بصرة بن أبي بصرة، جميل بن بصرة بن وقاص الغفاري، له ولأبيه صحبة. انظر: تهذيب التهذيب (1 / 473) ، (ت876) .
(5) في (ب) : الذي كلم الله موسى عليه.
(6) جاء ذلك في حديث طويل أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة، الحديث رقم (16) ، (ص108 - 110) وفي لفظه: " لا تعمل المطي إلا ثلاثة مساجد"؛ وأخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة (3 / 113 - 116) وبلفظ: " لا تعمل المطي " أيضا. وإسناد الحديث صحيح.
(2/182)

فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله -غير الثلاثة- لا يجوز، مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى- فالسفر إلى بيوت (1) عباده أولى أن لا يجوز.
والوجه الثاني: أنه يجوز السفر إليها، قاله طائفة من المتأخرين، منهم أبو حامد الغزالي (2) وأبو الحسن بن عبدوس الحراني (3) والشيخ أبو محمد المقدسي (4) . وما علمته منقولًا عن أحد من المتقدمين، بناء على أن الحديث
_________
(1) في المطبوعة: بيوت الموتى من عباده.
(2) هو: محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو محمد، الملقب بحجة الإسلام، ولد سنة (450هـ) من فقهاء الشافعية، له مصنفات في الفقه وأصوله والفلسفة، ولولا اشتغاله بالفلسفة والتصوف لكان له شأن أعظم مما كان. من مصنفاته: إحياء علوم الدين، والمستضفى. والوجيز، والخلاصة. توفي سنة 505هـ) . انظر: وفيات الأعيان (4 / 216 - 219) ، (ت588) ؛ والأعلام (7 / 22) .
(3) هو: على بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن عبدوس الحراني، الفقيه الزاهد، العارف الواعظ، أبو الحسن، ولد سنة (511هـ) . من علماء الحنابلة في القرن السادس، له تفسير القرآن العظيم، وكتاب: المذهب في المذهب. توفي سنة (559هـ) . انظر: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة (1 / 241 - 244) ، (ت128) .
(4) ممن يعرف بهذه الكنية: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الجماعيلي المقدسي، تقي الدين، أبو محمد، الحافظ المحدث الفقيه الحنبلي. ولد سنة (541هـ) ، توفي سنة (600هـ) ، وله مصنفات كثيرة منها: العمدة في الأحكام، والأحكام، والكمال في معرفة الرجال، وغيرها. انظر: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة (2 / 5 - 29) . وكذلك: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي، موفق الدين أبو محمد، صاحب كتاب (المغني) في الفقه الحنبلي، وصاحب التصانيف الكثيرة ولد سنة (541هـ) ، وتوفي سنة (620هـ) . انظر: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة (2 / 133 - 149) . وكلاهما يكنى بأبي محمد، كما أن كلا منهما مشهور عند الحنابلة وغيرهم، ولم أجد ما يرجح أيهما المقصود.
(2/183)

لم يتناول النهي عن ذلك، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان، والعلماء والمشايخ، والإخوان، أو بعض المقاصد، من الأمور الدنيوية المباحة.
فأما ما سوى ذلك من المحدثات، فأمور:
منها- الصلاة عند القبور مطلقًا، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه. فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم، من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما، بتحريمه، ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة. فما أدري عنى به التحريم، أو التنزيه؟
ولا ريب في القطع بتحريمه، لما روى مسلم في صحيحه "عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي (1) خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» (2) .
_________
(1) في المطبوعة: منكم. والصحيح ما أثبته كما هو في مسلم والنسخ الأخرى.
(2) انظر: صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، الحديث رقم (532) ، (1 / 377، 378) .
(2/184)

وعن عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن عباس قالا (1) «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا» أخرجه البخاري ومسلم (2) . وأخرجا جميعًا عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود (3) اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (4) وفي رواية لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (5) . / 50 فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.
قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. رواه البخاري ومسلم (6) .
_________
(1) في (ب) : قال.
(2) أخرج البخاري هذا الحديث في مواضع كثيرة. انظر: كتاب الصلاة، الباب (55) ، الحديث رقم (435 -436) فتح الباري (1 / 532) . وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، الحديث رقم (531) ، (1 / 377) .
(3) في المطبوعة: والنصارى. وهو خلاف ما في الصحيحين والنسخ الأخرى.
(4) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، الباب (55) ، الحديث رقم (437) ، (1 / 532) من فتح الباري. وصحيح مسلم، وكتاب المساجد، باب النهى عن بناء المساجد على القبور، الحديث رقم (530) ، (1 / 376، 377) .
من هنا حتى قوله: فقد نهى (سطر واحد تقريبا) : ساقطة من (د) .
(5) صحيح مسلم، الكتاب والباب السابقان، تابع الحديث رقم (530) ، (1 / 377) .
(6) صحيح مسلم، الكتاب والباب السابقان، الحديث رقم (529) ، (1 / 376) . وصحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، الحديث رقم (1330) ، (3 / 200) من فتح الباري.
(2/185)

وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (1) رواه أبو حاتم (2) في صحيحه (3) .
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود (4) اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (5) . رواه الإمام أحمد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي (6) .
_________
(1) مسند أحمد (1 / 435) .
(2) قوله: رواه أبو حاتم في صحيحه: سقطت من (أط) .
(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق والحارث، عن علي، وأحسب معمرا رفعه قال: " من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد ". المصنف (1 / 405) ، رقم (1586) ، باب الصلاة على القبور.
(4) في (ب د) وفي المطبوعة: والنصارى. ولم أجدها في مسند أحمد عن زيد بن ثابت، أي كلمة " والنصارى".
(5) مسند أحمد (5 / 184، 186) في مسند زيد. وفي إسناده عقبة بن عبد الرحمن، مجهول عند بعض أئمة الجرح، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب (7 / 245) ، (ت441) . أما بقية رجال الحديث فهم ثقات، وقد ذكر المؤلف آنفا هذا الحديث من طرق صحيحة متفق عليها عند البخاري ومسلم.
(6) مسند أحمد (1 / 229، 287، 324، 337) ، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، الحديث رقم (3236) ، (3 / 558) ، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا، الحديث رقم (320) ، (2 / 136) ، وقال الترمذي: " حديث ابن عباس حديث حسن " (2 / 137) ، وإذا نظرنا إلى مجموع طرقه وشواهده فهو يصل إلى درجة الصحيح، وتقدم تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(2/186)

وفي الباب أحاديث وآثار (1) كثيرة ليس هذا موضع استقصائها (2) .
فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم- يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب (3) لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأحاديث أخر، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها (4) واحدًا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد، هل حدها ثلاثة أقبر، أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين (5) .

[أنواع من المحرمات]
ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثل ما بني على (6) بعض العلماء، أو الصالحين، أو غيرهم ممن كان مدفونًا في مقبرة مسبلة، فبني على قبره مسجد، أو مدرسة، أو رباط، أو مشهد، وجعل فيه مطهرة، أو لم يجعل فإن هذا مشتمل على أنواع من المحرمات.
أحدها: أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها: كدفن الميت في المسجد، أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة، أو كبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه.
_________
(1) في المطبوعة: أحاديث كثيرة وآثار ليس هذا. . إلخ.
(2) راجع: مجموع الفتاوى للمؤلف (27 / 155- 170) .
(3) ذكر في المغني أن من بنى مسجدا في المقبرة بين القبور فحكمه حكمها. أي في عدم جواز الصلاة (1 / 720- 721) في المغني والشرح الكبير. وانظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (21 / 304، 321 - 323) ، (22 / 194، 195) ، (27 / 140) .
(4) فيها: ساقطة من (ط) .
(5) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرادوي (1 / 490) .
(6) في المطبوعة: على قبر بعض العلماء. وهو توضيح للعبارة مكانه الهامش.
(2/187)

الثاني: اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم، كما قد علم ذلك في كثير من هذه المواضيع.
الثالث: أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبنى على القبور» (1) .
الرابع: أن بناء المطاهر (2) التي هي محل النجاسات، بين مقابر المسلمين، من أقبح ما تجاور به القبور، لا سيما إن كان محل المطهرة قبر رجل (3) مسلم.
الخامس: اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك.
السادس: الإسراج على القبور وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك (4) .
السابع: مشابهة أهل الكتاب في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب كما هو الواقع. إلى غير ذلك من الوجوه.
وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك منامًا فنقبت (5) لذلك. وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، الحديث رقم (970) ، (2 / 667) ، ولفظه: " عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه ".
(2) المطاهر: جمع مطهرة وهي: الأماكن المعدة للتطهر والوضوء. وضاء الحاجة. وهي الحمامات " دورات المياه " في عرفنا اليوم.
(3) رجل: سقطت من (أ) .
(4) تقدم ذكر الحديث الوارد في ذلك قريبا.
(5) في (ب) : مبقيت.
(2/188)

نقبوا ذلك. ثم ترك ذلك مسجدًا بعد الفتوح المتأخرة. وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها، اتباعًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتقاء لمعصيته، كما تقدم.
وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقًا، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، للنهي الوارد، ولا يجوز الوفاء بما ينذر لها من دهن وغيره، بل موجبه موجب نذر المعصية.
ومن ذلك الصلاة عندها، وإن لم (1) يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا» (2) ولم تقصد عائشة رضي الله عنها مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه فإنه يسمى مسجدًا (3) وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (4) .
وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه والبزار، وغيرهم بأسانيد جيدة (5) ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه.
_________
(1) في (ط) : وإن هناك مسجد. ولعله خطأ من الناسخ.
(2) قد مر ذلك قريبا.
(3) في (ب) : زاد: كما أن ما يتطهر به يسمى طهورا. وهو مناسب للسياق، ولكنه لم يرد في النسخ الأخرى.
(4) جاء ذلك في حديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري، كتاب التيمم، الباب (1) ، الحديث رقم (335) من فتح الباري (1 / 435، 436) ؛ وصحيح مسلم، كتاب المساجد، الحديث رقم (523) ، (1 / 371) .
(5) مسند أحمد (3 / 83، 96) ؛ وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، الحديث رقم (492) ، (1 / 330) ؛ وسنن الترمذي، كتاب الصلاة باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، الحديث رقم (317) ، (2 / 131) ؛ وسنن ابن ماجه، كتاب المساجد، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، الحديث رقم (745) ، (1 / 246) ، وقد أشار المؤلف إلى أن أسانيده جيدة.
(2/189)

واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل، أو لا يكون.
ونجاسة الأرض مانع من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن، لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا. فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا (1) .
وروي عنه صلى الله عليه وسلم (2) أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (3) قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا (4) وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد (5) فإني أنهى عن ذلك» (6) .
_________
(1) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(2) في (أط) : وروي عنه اللهم.
(3) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، الحديث رقم (85) ، (1 / 172) ، ومالك أرسله. لكن رواه أحمد عن أبي هريرة موصولا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، المسند (2 / 246) .
(4) مر كلام عائشة قريبا (2 / 185) .
(5) في (ط) : المساجد.
(6) مر الحديث، وفيه: "قبور أنبيائهم وصالحيهم ". انظر: فهرس الأحاديث.
(2/190)

فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا. كما قال الشافعي رضي الله عنه: " وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس " (1) وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في (ناسخ الحديث ومنسوخه) ، وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء فإن قبر النبي أو الرجل الصالح، لم يكن ينبش، والقبر الواحد لا نجاسة عليه.
وقد نبيه هو صلى الله عليه وسلم على العلة بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد» وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها. ولأنه قد روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» (3) . ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (4) . فجمع بين التماثيل والقبور.
وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك، وقد ذكروا أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين كانوا بين
_________
(1) انظر: كتاب (الأم) للشافعي (1 / 278) ، باب ما يكون بعد الدفن. وفيه ما يفيد هذا بمعناه.
(2) هو الصحابي الجليل: كناز بن الحصين بن يربوع بن عمرو، أبو مرثد الغنوي، سكن الشام، وهو حليف حمزة بن عبد المطلب، وشهد بدرا، وتوفي في عهد أبي بكر رضي الله عنه سنة (12هـ) ، وعمره (66) سنة. انظر: أسد الغابة (5 / 294) ؛ والإصابة (4 / 177) ، (ت1032) .
(3) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، الحديث رقم (972) ، (3 / 668) .
(4) الحديث مر تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(2/191)

آدم ونوح عليهما السلام. فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى بن محمد بن قيس: "ويعوق ونسرا" قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم (1) . قال قتادة وغيره: "كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك" (2) .
وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي (3) أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب (4) ونحو ذلك.
فإن (5) يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون (6) ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها (7) في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال.
فهذه المفسدة -التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره- هي التي حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد
_________
(1) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(2) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(3) في المطبوعة: هي التي.
(4) في (ط) : الكواكب.
(5) في المطبوعة: فلأن.
(6) في المطبوعة: ويتخشعون.
(7) في المطبوعة: لا يعبدونها.
(2/192)

المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة، ونحو ذلك كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها؛ لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ - وإن لم يقصد ذلك - سدا للذريعة.
فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن الصلاة عند القبر - أي قبر كان - لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا، بل مزية شر.
واعلم أن تلك البقعة وإن كان قد تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل، لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه.
فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم؛ فلم يغلوا فيهم غلو النصارى، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (1) . فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير تلك البقعة كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربي (2) . على هذه (3) .
_________
(1) أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب في أكثر من موضع. انظر: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا الحديث رقم (3445) ، من فتح الباري (6 / 478) .
(2) في المطبوعة: تربو، من ربا. وتربي: من أربى، وكلاهما بمعنى: زاد. قال تعالى: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. انظر: لسان العرب، مادة (ربا) (14 / 304) .
(3) في (ط) : زاد: الصلاة. وهو خلط من الناسخ.
(2/193)

المصلحة حتى تغمرها أو تزيد عليها، بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة، ومثبتة لما يوجب (1) العذاب، ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها فيكفيه أن يقلد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لولا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة وعن صوم يومي العيدين بل كما حرم الخمر، فإنه لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها، وكذلك تحريم القطرة منها، ولولا غلبة الفساد فيها على الصلاح لما حرمها.
وليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح والمفاسد وإنما عليه طاعتهم. قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] (2) وقال (3) {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] (4) وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم، ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال (5) وإيثار طاعتهم ومتابعة سنتهم، ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم (6) بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك بهم شركا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم، بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم.
وكذلك حقوق الصديقين المحبة والإجلال ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة.
وقد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة: هل هي محرمة أو مكروهة؟
_________
(1) في المطبوعة: اللعنة والعذاب.
(2) سورة النساء: من الآية 64.
(3) قال: ساقطة من (أط) .
(4) سورة النساء: من الآية 80.
(5) والمال: ساقطة من (أ) .
(6) يقم: ساقطة من (أ) .
(2/194)

وإذا قيل: هي محرمة، (1) فهل تصح مع التحريم أم لا؟ المشهور عندنا أنها محرمة لا تصح (2) ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك، وأن صلاته لا تصح (3) .

[الدعاء عند القبور]
وليس الغرض هنا تقرير المسائل المشهورة فإنها معروفة، إنما الغرض التنبيه على ما يخفى من غيرها. فمما (4) يدخل في هذا: قصد القبور للدعاء عندها أو بها. فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور أو كمن يزورها فيسلم عليها، ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به.
الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك (5) أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى تحريم أقرب، والفرق بين البابين ظاهر فإن الرجل لو كان يدعو الله، واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة، أو كان يدعو في بقعة (6) وهناك (7) صليب هو عنه ذاهل، أو دخل كنيسة (8) ليبيت فيها مبيتا جائزا، ودعا الله في
_________
(1) من هنا حتى قوله: ومن تأمل النصوص (سطر تقريبا) : ساقطة من (ط) .
(2) راجع: مجموع الفتاوى (21 / 304، 321، 323،) ، (22 / 194 - 195) ، (27 / 140) .
(3) في المطبوعة: وأن صلاته عندها لا تصح.
(4) في: (ب) فمهما.
(5) في: المطبوعة: عندها.
(6) في (ب ج د) : في البقعة.
(7) في المطبوعة: وكان هناك بقعة فيها صليب.
(8) في (ط) والمطبوعة: إلى كنيسة.
(2/195)

الليل، أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا الله، لم يكن بهذا بأس.
ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب، أو كنيسة (1) يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة، لكان هذا من العظائم. بل لو قصد بيتا أو حانوتا في السوق، أو بعض عواميد الطرقات يدعو عندها، يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من المنكرات المحرمة؛ إذ ليس للدعاء عندها فضل. فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب بل هو (2) أشد من بعضه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها مساجد، واتخاذها عيدا، وعن الصلاة عندها، بخلاف كثير من هذه المواضع. وما يرويه بعض الناس من أنه قال: " إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا (3) بأهل القبور "، أو نحو هذا، فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء (4) والذي يبين ذلك أمور:
أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك (5) بالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة.
ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء، أو لرفع شر كالاستنصار (6) حاله في افتتانه بالقبور - إذا رجا الإجابة عندها - أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين - في حال العافية - لا تكاد قلوبهم تفتن بذلك
_________
(1) في (ج د) : أو في كنيسة.
(2) في (ب) : بل هذا.
(3) في (أ) : فاستغيثوا.
(4) انظر مجموع الفتاوى للمؤلف (1 / 356) ، و (11 / 293) .
(5) في المطبوعة: بقصدها وبالعكوف عليها.
(6) أي طلب النصر والغوث عند الملمات.
(2/196)

إلا قليلا، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدا، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة (1) متحققة في حال (2) هؤلاء، كان نهيهم عن ذلك (3) أوكد وأوكد. وهذا واضح لمن فقه في دين الله، وتبين له (4) ما جاءت به الحنفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال (5) سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد، ونفي الشرك بكل طريق.
الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هنالك رجاء أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن، أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين ولا ذكره أحد من العلماء ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية.
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب غير ذلك، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا، عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به (6) ولم يستسق عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
بل قد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كشفت عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لينزل المطر، فإنه رحمة تنزل على قبره ولم تستسق عنده ولا استغاثت هناك.
ولهذا لما بنيت حجرته (7) على عهد التابعين - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم تركوا في أعلاها كوة إلى السماء وهي إلى الآن باقية فيها، موضوع عليها
_________
(1) في المطبوعة: عن الصلاة عندها.
(2) حال: ساقطة من (أط) .
(3) عن ذلك: ساقطة من (أب ط) .
(4) له: ساقطة من (أط) .
(5) في (أ) : كما سنه.
(6) أي بدعائه كما سيبين المؤلف.
(7) من هنا حتى قوله: وكان السقف بارزا (سطران تقريبا) : سقط من (أ) .
(2/197)

مشمع (1) على أطرافه حجارة تمسكه، وكان السقف بارزا إلى السماء وبني كذلك لما احترق المسجد والمنبر سنة بضع وخمسين وستمائة (2) وظهرت النار بأرض الحجاز، التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى (3) وجرت بعدها فتنة الترك (4) ببغداد وغيرها (5) .
ثم عمر المسجد والسقف كما كان، وأحدث حول الحجرة الحائط الخشبي، ثم بعد ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه (6) .
_________
(1) في المطبوعة: شمع. والمشمع: ما عولج بالشمع من النسيج ونحوه.
انظر: المعجم الوسيط (1 / 496) ، مادة (شمع) .
(2) ذكر ابن كثير التفاصيل الواقعة في البداية والنهاية (13 / 193) في حوادث سنة (654هـ) .
(3) وذكر ابن كثير أيضا هذه الحادثة في البداية والنهاية (13 / 187 - 192) في حوادث سنة (654هـ) أيضا، وهاتان الحادثتان وقعتا في سنة واحدة، وقصة النار المذكورة من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد ورد الخبر الصحيح بوقوعها في الحديث المتفق عليه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى ". أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب خروج النار، حديث رقم (7118) من فتح الباري، (13 / 78) . ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، حديث رقم (2902) ، (2 / 2228) .
(4) كذا في جميع المخطوطات. وفي المطبوعة: (التتر) ، والمعنى واحد لأن المؤلف قد أشار فيما قبل أن التتار هم: بادية الترك. وذكره غيره أيضا. انظر (1 / 418) .
(5) انظر: التفاصيل عن هذه الفتنة التي جرت سنة (656هـ) ، والتي أنهت الخلافة العباسية واستباحت دماء المسلمين على يد هولاكو سلطان التتار وبتحريض من الرافضة الذين هم وراء أغلب الفتن في تاريخ الإسلام. في البداية والنهاية (3 / 200 - 204) .
(6) في المطبوعة: وأنكرها من أنكرها، وفي (أ) : وأنكرهن أكثرها، وهو خلط من الناسخ.
(2/198)

على أنا قد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات يونس بن بكير (1) عن أبي خلدة خالد بن دينار، حدثنا أبو العالية (2) قال: " لما فتحنا تستر (3) وجدنا في بيت مال (4) الهرمزان (5) سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر رضي الله عنه فدعا له كعبا (6) فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه قراءة مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ ، قال: " سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد " قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: " حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه " فقلت: ما يرجون (7) منه؟ قال: " كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا
_________
(1) هو: يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر، الجمال الكوفي، وثقه ابن معين، ومرة قال: صدوقا، وقال النسائي: ليس بالقوي، وأكثرهم يوثقه، إلا أنه يخطئ، أخرج له مسلم وغيره، توفي سنة (199هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (11 / 434 - 436) ، (ت 844) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 384) ، (ت 472) .
(2) هو: رفيع بن دينار مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(3) تستر هي: مدينة بإقليم خوزستان فتحها أبو موسى الأشعري أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. انظر: معجم البلدان لياقوت (2 / 29 - 31) .
(4) في (أط) : مال بيت الهرمزان.
(5) الهرمزان: من قواد الفرس الذين حاربوا جيوش الفتح في العراق، وهو ملك الأهواز، هزمه المسلمون حين فتحوا تستر، فأرسله أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فأعلن إسلامه، وبقي في المدينة حتى قتله عبيد الله بن عمر متهما إياه بالتحريض على قتل عمر رضي الله عنهم.
انظر: البداية والنهاية لابن كثير (7 / 85 - 88) .
(6) هو كعب الأحبار، مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(7) في المطبوعة: ما كانوا يرجون منه.
(2/199)

بسريره (1) فيمطرون ". فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: " رجل يقال له دانيال " (2) فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: " منذ ثلاثمائة سنة ". قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: " لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع " (3) .
ففي هذه القصة (4) ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية (5) قبره، لئلا يفتتن به الناس، وهو إنكار منهم لذلك.
ويذكر (6) أن قبر أبي أيوب الأنصاري عند أهل القسطنطينية كذلك، ولا قدوة بهم (7) فقد كان من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا استسقوا عند قبره (8) ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه. ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعا أن القوم ما كانوا يستغيثون
_________
(1) في (د) : أبرزوا سريره، وفي (ط) : برزوا لسريره.
(2) دانيال: تذكر الروايات التي ذكرها ابن كثير وغيره أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، أو رجل صالح من صالحيهم، كان في الأرض المقدسة، وبعضها جاء في حديث مرسل. انظر: البداية والنهاية (2 / 40 - 42) .
(3) ذكر هذه القصة ابن كثير في البداية والنهاية وقال: إسناده صحيح إلى أبي العالية، وذكر لها أيضا طرقا أخرى تؤكد أن القصة واقعة وصحيحة.
انظر البداية والنهاية (2 / 40 - 42) .
(4) في (ط) : القضية.
(5) في (ب) : تعميمهم. وفي (د) : تعميتهم.
(6) في (أ) والمطبوعة: ويذكرون.
(7) أي أن فعلهم ليس بحجة شرعا، كما أنهم ليسوا أئمة هدى يقتدى بهم، أي الذين فعلوا ذلك من أهل القسطنطينية.
(8) في (أط) والمطبوعة: عنده.
(2/200)

عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جهالهم. كما قد ذكرنا بعضه.
فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون.
فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، ويعلمه من بعدهم. ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم (1) ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه (2) ؟ هذا محال طبعا وشرعا.
وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل، كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها، من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله.
وهذا الدليل قد دل عليه كتاب الله في غير موضع، مثل قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] (3) فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر ولا وجوبه؛ فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] (4)
_________
(1) العظيم: ساقطة من (ط) والمطبوعة.
(2) في (د) : ثم لا يقصدونها.
(3) سورة الشورى: الآية 21.
(4) سورة الأعراف: الآية 33.
(2/201)

وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله على غيره. ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم (1) .
وما أحسن قوله تعالى: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الأعراف: 33] لئلا يحتج بالمقاييس والحكايات.
ومثل هذا قوله تعالى في حكايته عن الخليل: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 80 - 83] (2) .
فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يخوفون المخلصين بشفعائهم (3) فيقال لهم (4) نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم، فإنهم خلق من خلق الله، لا يضرون إلا بعد مشيئة الله، فمن مسه بضر فلا كاشف له إلا هو، ومن أصابه برحمة فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء وأنتم لا تخافون الله، وقد أحدثتم (5) في دينه من الشرك ما لم
_________
(1) في (ط) : ما لا يعلمه.
(2) سورة الأنعام: الآيات 80 - 83.
(3) في (ط) : بشفعاتهم، ولعله تحريف من الناسخ.
(4) في (أ) : فقال لهم.
(5) في المطبوعة: وأنتم قد أحدثتم.
(2/202)

ينزل به وحيا من السماء؟! فأي الفريقين أحق بالأمن؟ من كان لا يخاف إلا الله، ولم يبتدع في دينه شركاء، أم من ابتدع في دينه شركا بغير إذنه؟ بل من آمن ولم يخلط إيمانه بشرك فهؤلاء من (1) المهتدين.
وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم.
فإن قيل: فقد نقل عن بعضهم أنه قال: " قبر معروف (2) الترياق المجرب (3) وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره.
وذكر أبو علي الخرقي (4) في قصص مَنْ هجره أحمد، أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء عند قبر أحمد، ويتوخى الدعاء عنده، وأظنه ذكر ذلك للمروذي (5) ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين، من أهل البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس.
وقد ذكر العلماء (6) المصنفون في مناسك الحج إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم
_________
(1) في المطبوعة قال: فهؤلاء هم الذين لهم الأمن وهم مهتدون.
(2) هو: معروف بن فيروز الكرخي، من العباد والزهاد والمشاهير، مشهور بإجابة الدعوة، وله في التصوف أحوال ومقالات تخالف ما عليه الصحابة والتابعون، توفي سنة (200هـ) . انظر: وفيات الأعيان (5 / 231 - 233) ، (ت 729) ، ومجموع الفتاوى للمؤلف (10 / 468) .
(3) انظر: وفيات الأعيان (5 / 232) ؛ وفي طبقات الحنابلة (1 / 382) ، نسب هذه العبارة لإبراهيم الحربي، ومعنى الترياق المجرب: أنه مجرب في قبول الدعاء عند قبره، وانتفاع من يتبرك به، وهذا من ترهات الصوفية، وإن صح فهو ابتلاء وفتنة للمبتدعين.
(4) هو: الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، أبو علي، صحب بعض أصحاب أحمد كحرب والمروذي. توفي سنة (299هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (2 / 45، 46) .
(5) في المطبوعة: ذكر ذلك المروزي.
(6) في المطبوعة: وقد ذكر المتأخرون.
(2/203)

فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أنه من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له. وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر: أنها بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها، فجازت القراءة (1) كغيرها.
وقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرب أقوام استجابة الدعاء عند قبور معروفة، كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي (2) وغيره.
وقد أدركنا في أزماننا وما قاربها من ذوي الفضل (3) علما وعملا من كان يتحرى الدعاء عندها أو العكوف عليها، وفيهم من كان بارعا في العلم، وفيهم من كان له (4) كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق (5) العلم والدين، لأنه غاية ما يتمسك به المقبريون (6) .

[رد القول بأن الأمة أجمعت على استحسان الدعاء عند القبور]
قلنا: الذي ذكرنا كراهته، لا ينقل في استحبابه - فيما علمناه - شيء
_________
(1) في المطبوعة: فجازت القراءة عندها كغيرها.
(2) هو: عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي، أبو الفرج، الحنبلي، الفقيه الزاهد، شيخ الشام في وقته، له مصنفات في الفقه والأصول، منها: التبصرة في أصول الدين، والمبهج، والإيضاح، وغيرها. توفي سنة (486هـ) .
انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (1 / 68 - 73) .
(3) في المطبوعة زاد: عند الناس.
(4) في المطبوعة زاد أيضا: عند الناس.
(5) في المطبوعة: عن طريق أهل العلم.
(6) في المطبوعة: القبوريون، كذا تكررت في مواضع كثيرة ستأتي، في حين أنها في جميع النسخ المخطوطة، وفي كل المواطن التي أوردها المؤلف يقول: " المقبريون " و " المقابريون " كما هو مثبت، ولم ترد بلفظ " القبوريون "، إلا في المطبوعة. ولعله تصرف من أحد النساخ أو المصحح للمطبوعة.
(2/204)

ثابت، عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم (1) عليها حيث قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (2) مع شدة المقتضي فيهم (3) لذلك (4) لو كان فيه فضيلة، فعدم (5) أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو كان فيه فضل يوجب (6) القطع بأن لا فضل فيه.
وأما من بعد هؤلاء، فأكثر ما يفرض: أن الأمة اختلفت، فصار كثير من العلماء أو الصديقين إلى فعل (7) ذلك، وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد أجمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين:
أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره، قديما وحديثا.
الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون، ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض، وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم: هو الكتاب والسنة،
_________
(1) في المطبوعة: أثنى عليها رسول الله.
(2) هذا حديث متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب وباب فضائل أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم، حديث رقم (3650) ، من فتح الباري، (7 / 3) ولفظه " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " الحديث. وأخرجه مسلم في كتاب وباب فضائل الصحابة، حديث رقم (2533، 2534، 2535) ، بلفظ البخاري. وباللفظ الذي أشار إليه المؤلف، لكن قال فيه الراوي: " والله أعلم أذكر الثالثة أم لا " يعني بعد قوله: " ثم الذين يلونهم " (4 / 1962 - 1964) .
(3) في المطبوعة: عندهم.
(4) في (أ) : كذلك.
(5) في (أط) : بعدم.
(6) في (ط) : موجب.
(7) فعل: ساقطة من (ط) .
(2/205)

وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا، فكيف (1) - والحمد لله - لا ينقل هذا عن إمام معروف، ولا عالم متبع؟
بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال: " إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب " أو كلاما هذا معناه. وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له (2) معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين، أفضل من أبي حنيفة، وأمثاله من العلماء. فما باله لم يتوخَّ الدعاء إلا عنده (3) ؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه، مثل أبي يوسف ومحمد (4) وزفر (5) والحسن بن زياد (6) وطبقتهم، لم يكونوا يتحرون الدعاء، لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره.
_________
(1) في المطبوعة: فكيف وهذا - والحمد لله - لم ينقل هذا عن إمام.
(2) في المطبوعة: عند من له أدنى معرفة.
(3) في المطبوعة: إلا عند قبر أبي حنيفة.
(4) هو: محمد بن الحسن الشيباني. مرت ترجمته. انظر فهرس الأعلام.
(5) هو: زفر بن الهذيل بن قيس البصري، من كبار تلاميذ أبي حنيفة، وكان هو المقدم في مجلسه، جمع بين الفقه والعبادة. توفي سنة (158هـ) ، وكانت ولادته سنة (110هـ) ، وهو في الحديث صدوق. انظر: لسان الميزان (2 / 476) ، (ت 1919) .
انظر: الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (ص 75 - 77) .
(6) هو: الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، كان فقيها فطنا، ولي القضاء بالكوفة، وهو في الحديث ليس بشيء، بل اتهمه كثير من أئمة الحديث بالكذب، مات سنة (204هـ) . انظر لسان الميزان (2 / 208، 209) ، (ت 927) ؛ والفوائد البهية في تراجم الحنفية (ص 60، 61) .
(2/206)

ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين (1) خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه.
وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة (2) أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى، لما جاز التمسك بها حتى تثبت. فكيف بالمنقول عن غيره؟
ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله، باجتهاد يخطئ ويصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في زيارة القبور بعد النهي (3) فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة (4) التي يفعلونها، من حجها للصلاة عندها، والاستغاثة (5) بها.
ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرعها، وتركه (6) مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس - من غير نقل عن الأنبياء - (7) النصارى وأمثالهم.
وإنما المتبع في إثبات أحكام الله (8) كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسبيل
_________
(1) في المطبوعة: الصالحين.
(2) المسيبة أي: المهملة السند التي لا أصل لها.
(3) في المطبوعة: النهي عنها.
(4) في (أ) : الزيادة.
(5) في (أ) : والاستعانة.
(6) في المطبوعة: وتركه لها.
(7) في المطبوعة: عن أبناء النصارى، والمقصود من كلام المؤلف: أن النصارى وأمثالهم كغلاة المتصوفة والمقبريين هم الذين يثبتون العبادات ويبتدعونها بالحكايات والمنامات والمقاييس والأوهام، وهذه طرق باطلة.
(8) في المطبوعة: وإنما المتبع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله.
(2/207)

السابقين أو الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصا واستنباطا بحال.
والجواب عنها من وجهين: مجمل ومفصل.
* أما المجمل: فالنقض: فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل (1) . وذلك (2) كفر متناقض.
ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون، عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد.
فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم - فيما يزعمون - بقدر إقبالهم على وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه - دون ما ينفونه -، بضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد (3) إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا، لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن (4)
_________
(1) نعم، إن الاستجابة في هذه الحال ليست دليلا؛ لأنها قد تكون ابتلاء، وقد تكون من باب تعجيل النعيم في الدنيا وتأخير العذاب في الآخرة، أو غير ذلك. ومع هذا فالاستجابة لأمثال هؤلاء نادرة كما سيبين المؤلف بعد قليل.
(2) في (ط) : وهذا.
(3) في (د) : الوالد، وهو تحريف.
(4) في (ب) : حسن الظن، وفي المطبوعة: من حسن الظن.
(2/208)

الظن بواحد دون آخر. وهذه كلها من خصائص الأوثان.
ثم قد استجيب لبلعم بن باعور (1) في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون.
وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبه على أصلين:
منقول: وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عن (2) بعض الأعيان.
ومعقول: وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة.
فأما النقل في ذلك: فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك.
وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم - إنما يستجاب لهم في النادر. ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات، فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير منهم، فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء أوقات الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلاتهم، وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا (3) من جنس ابتهال المقابريين (4) لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع.
_________
(1) في المطبوعة: بن باعوراء، وقد ورد اسمه باللفظين، وهو رجل من الكنعانيين، وقيل: من اليمن، أعطاه الله اسمه الأعظم، وقيل: النبوة، وقيل إنه كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، حتى دعا على موسى عليه السلام وقومه، فعوقب بأن سلب الله منه الإيمان ووقع في الشهوات وطاعة الشيطان، وهو الذي قال الله فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ سورة الأعراف: من الآية 175، وقصته مأثورة عن السلف. انظر: تفاصيلها في تفسير ابن جرير (9 / 83 - 88) وأكثرها من عدد الإسرائيليات. والبداية والنهاية لابن كثير (1 / 322) .
(2) في (د) : من.
(3) في المطبوعة: ابتهلوا ابتهالا.
(4) في المطبوعة: القبوريين. وهو كما قلت خلاف عبارة المؤلف في جميع النسخ المخطوطة.
(2/209)

بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون (1) إذا فعله المخلصون، لم يرد المخلصون إلا نادرا، ولم يستجب للمقابريين (2) إلا نادرا، والمخلصون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يدخر (3) له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله، إذن نكثر. قال: الله أكثر» (4) . فهم في دعائهم لا يزالون بخير.
وأما المقبريون: فإنهم إذا استجيب لهم نادرا، فإن أحدهم يضعف توحيده، ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له (5) في حاجته، اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة، فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على اجتهاده، وغفر له خطأه.
وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في الشرع، كالتمريجات (6) الفلكية، والتوجهات النفسانية. كالعين، والدعاء المحرم،
_________
(1) في المطبوعة: القبوريون أيضا.
(2) في المطبوعة: القبوريين.
(3) في (ط) : أو يؤخر.
(4) أخرجه أحمد في المسند (مع اختلاف يسير في الألفاظ) (3 / 18) ، عن أبي سعيد الخدري، وأخرج الترمذي حديثا بمعناه عن عبادة بن الصامت، سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب انتظار الفرج، الحديث رقم (3573) ، (5 / 566) ، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه " (5 / 567) .
(5) له: سقطت من (ط) .
(6) في (أط) : التمزيجات: ولعلها بالراء أصح. والتمريجات مأخوذة من المرج، وهو: الخلط والفساد والاضطراب والقلق. ولعل القصد بها هنا: تخرصات الفلكيين والذين يعتقدون أن للأفلاك تأثيرا، وتخليطهم بذلك. والتمزيجات أيضا بمعنى: الخلط وما ركب عليه البدن من الطبائع. انظر: القاموس المحيط، فصل الميم، باب الجيم (1 / 214، 215) .
(2/210)

والرقى المحرمة، أو التمريجات الطبيعية. ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب، فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية، فقل أن يحصل (1) لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة. دع الآخرة.
والمخفق (2) من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إن فيها من النكد (3) والضرر ما الله به عليم. فهي في نفسها مضرة ولا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرا وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه (4) . والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب، المباحة أو المستحبة سواء كانت طبيعية: كالتجارة والحراثة، أو كانت دينية: كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع، في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله، بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم، وكالصدقة، وفعل المعروف (5) يحصل بها الخير المحض أو الغالب. وما يحصل من ضرر بفعل مشروع، أو ترك غير مشروع (6) مما نهي عنه، فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة.
_________
(1) في (أط) : حصل.
(2) في المطبوعة: والمخبل. وما أثبته اتفقت عليه النسخ المخطوطة وهو أصح؛ لأنه يقابل المنجح. فالمخفق هو الذي لا يظفر بطلبه، والمنجح بخلافه.
انظر: لسان العرب، مادة (خفق) ، (10 / 82) ، ومادة (نجح) ، (2 / 611) .
(3) في (أ) : من المنكر، وهو تحريف.
(4) في (أ) : من فعله.
(5) وفعل المعروف: ساقطة من (أ) .
(6) في (أ) : عن المشروع.
(2/211)

وهذا الأمر، كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة، فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير، ويدفعان كل شر.
فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض، ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم (1) وعقل، تيقن ذلك يقينا لا شك فيه.
وإذا ثبت ذلك: فليس علينا من سبب (2) التأثير أحيانا، فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء، لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب - وكذلك أنواعها أيضا - لا يضبطها المخلوق (3) لسعة ملكوت الله سبحانه وتعالى، ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم السلام، أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب، قليل الفائدة، أو موجب للضرر.
ومثال النبي صلى الله عليه وسلم مثال طبيب دخل على مريض، فرأى مرضه فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا. ففعل ذلك، فحصل غرضه من الشفاء.
والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض، وصفته، وذمه وذم ما أوجبه. ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام.
والكلام (4) في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف
_________
(1) في (أ) : العام.
(2) في (ط) : من سب.
(3) في (د) : المخلوقات.
(4) في المطبوعة: على أن الكلام.
(2/212)

عقله ودينه، بحيث تختطف (1) عقله فيتأله (2) إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه.
ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة: أن الرجل منهم قد يكون مضطرًّا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا. ولو (3) استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له. كما أن ثعلبة (4) لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال، ونهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له، وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة. وقد " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "، فقالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» (5) .
_________
(1) في (د) : يخطف.
(2) في المطبوعة: بحيث يختلط عقله فيتوله. وتختطف عقله بمعنى: تستلبه وتذهبه.
انظر: القاموس المحيط، فصل الخاء، باب الفاء (3 / 139) . ويتأله: أي يتحير أو يتنسك. انظر القاموس المحيط، فصل الهمزة، باب الهاء (4 / 282) ، والمنجد في اللغة (16) : أله. والمعنى هنا والله أعلم: أن المشتغل بهذه الفلسفة تهيمن على عقله وتعمي بصيرته، وتجعله حيران، أو هائما في طريق التعبد والتنسك الخاطئ كتنسك النصارى وبعض المتصوفة والفلاسفة على غير هدى من الله.
(3) في (ب) : ولو كان قد استجيب له.
(4) هو: ثعلب بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد الأنصاري الأوسي، وقيل: ثعلبة بن أبي حاطب رضي الله عنه، صحابي، وممن شهد بدرا، مات في خلافة عثمان رضي الله عنه. انظر: أسد الغابة (1 / 238) .
(5) مسند أحمد (3 / 4، 16) ، كلاهما عن أبي سعيد الخدري، وفيهما اختلاف يسير عن اللفظ الذي أورده المؤلف.
(2/213)

فكم من عبد دعا دعاء غير مباح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل بلعام وثعلبة، وكخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم، وكان فيها هلاكهم. وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] (1) فهو سبحانه لا يحب المعتدين في صفة (2) الدعاء، ولا في المسؤول، وإن كانت حاجتهم قد تقضى، كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله، واعتداء لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة، ولما يشاء سبحانه، بل أشد من ذلك.
ألست ترى السحر والطلسمات (3) والعين وغير ذلك، من المؤثرات في العالم بإذن الله، قد يقضى (4) بها كثير من أغراض النفوس (5) ومع هذا فقد قال سبحانه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102 - 103] (6) .
فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة، وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] (7) .
وكذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يدعون دعاء محرما، يحصل معه
_________
(1) سورة الأعراف: الآية 55.
(2) صفة: ساقطة من (ط) .
(3) الطلسمات هي: الأشياء المبهمة التي تشبه الألغاز.
(4) في (أ) : يقتضي. وفي المطبوعة: يقضي الله بها.
(5) في المطبوعة زاد: الشريرة.
(6) سورة البقرة: الآيتان 102، 103.
(7) سورة البقرة: من الآية 102.
(2/214)

ذلك الغرض، ويورثهم ضررا أعظم منه، وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا. ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه، على وجه لا يعذر فيه بتقصير في طلب العلم، أو ترك للحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون فيه مجتهدًا، أو مقلدا، كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء؛ لكثرة حسناته وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله به، أو نحو ذلك من الأسباب.
فالحاصل: أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية (1) بمنزلة سائر أنواع العبادات. وقد علم (2) أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة (3) لصاحبها، لاجتهاده أو تقليده، أو حسناته أو غير ذلك. ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى (4) عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين (5) قد زال موجب الكراهة في حقه.

[أثر العبادة والدعاء عند القبور ليس دليلا على استحسانها]
ومن هنا يغلط كثير من الناس، فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، لما ذكرناه. خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا، فيضرون به (6) لأنه ليس العمل مشروعا فيكون (7) لهم ثواب
_________
(1) في (ب) : زاد " قد يغفر تلك الكراهية ".
(2) علم: ساقطة من (أ) .
(3) في (د) : الكراهية.
(4) في (ب) : منهي عنه.
(5) في (د) : للعين.
(6) في المطبوعة: فيضربون به.
(7) في المطبوعة: فلا يكون.
(2/215)

المتبعين، ولا قام بهم (1) صدق ذلك الفاعل الذي (2) لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل.
ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ، حصلت في السماع المبتدع، فإن (3) تلك الآثار، إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين، وإما (4) مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع وليس حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين (5) من الصدق والقصد ما لأجله عذروا، أو غفر لهم، فيهلكون بذلك.
وكما يحكى عن بعض الشيوخ، أنه رئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسُعدى ولُبنى؟ لولا أني (6) أعلم أنك صادق لعذبتك.
فإذا سمعت دعاء، أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها (7) فكثير ما يكون من هذا الباب. ولهذا كان الأئمة، العلماء بشريعة الله، يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره، كما يحكى عن سمنون (8) المحب قال: وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، إلى دجلة.
_________
(1) في (ب) : به.
(2) في جميع النسخ: سقطت (الذي) وما أثبته من المطبوعة، وهو أنسب للسياق.
(3) في (ج د) : فإنما.
(4) في (ط) : أو مقصرين.
(5) في المطبوعة: وليس مع المقلدين.
(6) أني: سقطت من المطبوعة.
(7) في المطبوعة: فاعلم أن كثيرا منها ما يكون.
(8) في المطبوعة: سحنون. والصحيح (سمنون) كما هو مثبت.
وهو: سمنون بن حمزة الخواص، صوفي شاعر، سمى نفسه سمنون الكذاب! سكن بغداد وتوفي بها سنة (290هـ) . انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (10 / 309، 312) ، (ت 581) ؛ والأعلام للزركلي (3 / 140) ؛ ومجموع الفتاوى للمؤلف (10 / 690، 691، 693) حيث ذكر طرفا من أحواله.
(2/216)

فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت. فخرج حوت عظيم، أو كما قال. قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله.
وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة، جاء إلى عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لك ذلك (1) وقال لك: اخرج من عندنا، فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا. وآخرون قضيت حوائجهم، ولم يقل لهم مثل (2) هذا، لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد (3) الذي استسقى في بني إسرائيل.
ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب، إنما هو عن قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعا ودينا لكان أهل المعرفة أولى به. ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة.
أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات، فلا نفرق بين العفو عن
_________
(1) في المطبوعة: إليك هذا.
(2) في (أ) : من هذا.
(3) جاء في كتاب التوابين لابن قدامة (ص 79، 80) ، أنه: أحد عباد بني إسرائيل، طلب منه موسى عليه السلام الاستسقاء، فقال: قدوس قدوس، ما عندك لا يفقد، وخزائنك لا تفنى، وأنت بالبخل لا ترمى، فما هذا الذي لا تعرف به، اسقنا الغيث الساعة الساعة. فانصرفا يخوضان الوحل. نسب ابن قدامة هذه القصة عن ابن البراء في الروضة إلى كعب الأحبار. والله أعلم.
(2/217)

الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له (1) سواء كان ذلك متعلقا بنفس الفعل، أو ببعض صفاته.
وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين (2) من الأنبياء والصالحين. فقضيت حاجته، وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع (3) فيتبع (4) ولا سنة وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه (5) من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.
ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة المطلوب، وإما من جهة نفس الطلب، وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها: إما من جهة المستعاذ منه، وإما من جهة نفس الاستعاذة، فينجون من ذلك (6) الشر، ويقعون فيما هو أعظم منه.
أما المطلوب المحرم، فمثل أن يسأل ما يضره في (7) دنياه أو آخرته، وإن كان لا يعلم أنه يضره، فيستجاب له، «كالرجل الذي عاده (8) النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده مثل الفرخ فقال: " هل كنت تدعو الله بشيء؟ " قال: كنت أقول: اللهم
_________
(1) أي أن العفو عن الفاعل والمغفرة له لا تقتضي إباحة فعله ولا محبته، ما لم يكن فعله مباحا بدليل شرعي معتبر.
(2) في (ط) : لبعض.
(3) في (أ) : الشرع.
(4) في (ط) : متبع.
(5) في المطبوعة: ذلك.
(6) في (ط) : فينجون من الشر.
(7) من هنا حتى قوله: فيستجاب له (سطر تقريبا) : سقط من (أ) .
(8) في (أ) : دعاه.
(2/218)

ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي (1) في الدنيا. قال: " سبحان الله إنك لا تسطيعه - أو لا تطيقه - هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟» (2) وكأهل جابر بن عتيك (3) لما مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (4) .
وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200] (5) فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة من (6) نصيب.
_________
(1) لي: سقطت من (أ) .
(2) جاء ذلك في حديث أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا، الحديث رقم (2688) ، (4 / 2068) ، والترمذي في كتاب الدعوات، الباب (72) ، الحديث رقم (3487) ، (4 / 521 - 522) ، وأحمد في مسنده (3 / 107، 288) .
(3) جاء هذا الاسم لثلاثة من الصحابة ذكرهم ابن حجر في الإصابة منهم: جابر بن عتيك بن الحارث بن هيشة وهذا عاش حتى سنة (61هـ) ، ولم يمت في عهد النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني جابر بن عتيك بن النعمان بن عتيك الأنصاري. والثالث جابر بن عتيك بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب الأنصاري السلمي. ولست أدري أيهما الثاني أو الثالث - يعني المؤلف - ولم أجد ما يرجح، كما أني لم أجد أن للحديث هذا صلة بجابر بن عتيك، والله أعلم. انظر: الإصابة (1 / 214 - 215) ، (ت 1030، 1031، 1032) ؛ وأسد الغابة (1 / 258، 259) .
(4) وجدت هذا اللفظ في كثير من كتب السنة، لكن لم أجده مقرونا بموت جابر بن عتيك، وإنما جاء في قصة موت أبي سلمة، وأنه لما مات ضج ناس من أهله فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لا تدعوا على أنفسكم " الحديث. أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، الحديث رقم (920) ، (2 / 634) .
(5) سورة البقرة: الآية 200.
(6) من: ساقطة من (ب ط) .
(2/219)

ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه، كدعاء بلعم بن باعور على قوم موسى عليه السلام، وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب، فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص، فيدعو لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح، فيستجاب له، ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء، كما يستحقها على سائر الذنوب، فإن لم يحصل له ما يمحوه، من توبة أو حسنات ماحية، أو شفاعة غيره، أو غير ذلك، وإلا فقد يعاقب، إما بأن يسلب ما كان عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته، فينزل عن درجته، وإما أن يسلب عمل الإيمان، فيصير فاسقا، وإما بأن يسلب أصل الإيمان، فيصير كافرا منافقا، أو غير (1) منافق.
وما أكثر ما يبتلى بمثل هذا (2) المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية، بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم، وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب، وربما غلب على أحدهم حال قلبه، حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه، فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس. وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة، التي تحفظ حال (3) القلب، فيؤاخذ على ذلك، وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه، فتقع معفوا عنها.
ثم من غرور هؤلاء وأشباههم، اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى لعبده، وليس في الحقيقة كرامة، وإنما تشبه الكرامة من جهة أنها دعوة نافذة، وسلطان قاهر (4) . وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا
_________
(1) غير: ساقطة من (أ) .
(2) في (أط) : بهذا.
(3) حال: ساقطة من (ط) .
(4) في المطبوعة: من جهة كونها دعوة نافذة وسلطانا قاهرا.
(2/220)

بمنزلة ما ينعم به (1) الكفار والفساق، من الرياسات والأموال في الدنيا، فإنها إنما تصير نعمة حقيقية، إذا لم تضر صاحبها في الآخرة، ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء: هل ما ينعم به الكافر، نعمة أو ليس (2) بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظيا. قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ - نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] (3) وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] (4) .
وفي الحديث: «إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته، فإنما هو استدراج يستدرجه» (5) " (6) .
ومثال هذا في الاستعاذة: «قول المرأة التي جاء (7) النبي صلى الله عليه وسلم ليخطبها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بمعاذ ". ثم انصرف عنها، فقيل
_________
(1) في المطبوعة: ينعم الله به على الكفار.
(2) في (ط) وفي المطبوعة: أم ليس. وما أثبته أصح، لأن (أم) لا تقع بعد (هل) ؛ لأن كلا منهما حرف استفهام، ولا يدخل الاستفهام على الاستفهام. انظر: أوضح المسالك (ص 500) .
(3) سورة المؤمنون: الآيتان 55، 56.
(4) سورة الأنعام: الآية 44.
(5) في المطبوعة: يستدرجه به.
(6) جاء نحو هذا في حديث أخرجه أحمد في المسند عن عقبة بن عامر ولفظه: " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب. فإنما هو استدراج " الحديث. المسند (4 / 145) .
وذكره السيوطي في الجامع الصغير (1 / 97) ، الحديث رقم (629) ، وقال: حديث حسن.
وأخرجه ابن جرير في تفسير الآية التي ذكرها المؤلف، سورة الأنعام: الآية 44.
انظر تفسير ابن جرير (7 / 124) .
(7) في المطبوعة: جاءت ليخطبها.
(2/221)

لها: إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: أنا كنت أشقى من ذلك» (1) ".
وأما التحريم من جهة الطلب: فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب، وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقتضي عقب ذلك أنواعا من القضاء، إذا لم يعارضه معارض، من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم، أو غير ذلك ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة الرسل، وفي بلاد الكفر والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان (2) وزمانه.
ومن هذا: أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد (3) تنزل بهم، فيفرج عنهم، وربما يعاينون أمورا، وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا علم به البتة، وفيهم من يدعو على أقوام، أو يتوجه في إيذائهم، فيرى بعض الأحياء (4) أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربا له بسيف، وإن كان الحايل (5) لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله سبحانه، بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع، من اتباع له، وطاعته فيما يأمره من طاعة الله، ونحو ذلك. فهذا قريب.
وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من الجنس المحرم، (6) محنة من الله، بما تفعله الشياطين لأعوانهم، فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من قد (7) تيقن أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك، أو أن له فيه فعلا؟ .
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآنيته، الحديث رقم (5637) ، (10 / 98) من فتح الباري.
(2) في المطبوعة: الإسلام.
(3) في (أ) : في أمور شدائد.
(4) في (أ) : الأحيال. وهو تحريف.
(5) في المطبوعة: الحي.
(6) في المطبوعة زاد: ما يظنون أنه.
(7) قد: سقطت من (ج) .
(2/222)

وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان السبب محرما لم يجز، كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله، وأن يدعو الله (1) كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. وقد يكون دعاء لله (2) لكنه توسل إليه بما لا يُحب أن يتوسل به، كالمشركين (3) الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله (4) بكلمات لا تصلح أن يناجى بها الله، ويدعى بها، لما في ذلك من الاعتداء.
فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه، لكنها محرمة، لما فيها من الفساد الذي يربي (5) على منفعتها، كما تقدم. ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده (6) الله، وينور قلبه، ويفرق بين أمر (7) التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع (8) ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
* أمور قدرها الله، وهو لا يحبها ولا (9) يرضاها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه.
* وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، لكن لم يعنه على
_________
(1) في المطبوعة زاد: مستشفعا بغيره إليه.
(2) في (أب ط) : دعاء الله.
(3) في المطبوعة: أن يتوسل إليه كما يفعل المشركون.
(4) في (أب) والمطبوعة: دعا الله.
(5) في المطبوعة: يربو.
(6) في (أ) : لمن لم يهد به الله.
(7) في (ط) : أمور.
(8) في المطبوعة: بين أمر القدر وأمر الشرع.
(9) في (أب) : وهو لا يحبها ويرضاها، وما أثبته أصح، ولعل " لا " أسقطت من الناسخين، ويجوز أن تكون الواو للعطف لا للاستئناف، فيكون النفي للحب والرضا معا، وعلى هذا يكون المعنى صحيحا، لكن تكرار النفي أوضح.
(2/223)

حصولها، فهذه محمودة عنده (1) مرضية، وإن لم توجد.
* والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه منه.
فالأول: إعانة الله.
والثاني: عبادة الله.
والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة. كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
فما كان من الدعاء غير المباح إذا أثر: فهو من باب الإعانة لا العبادة (2) كسائر الكفار والمنافقين والفساق. ولهذا قال تعالى في مريم: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [التحريم: 12] (3) «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ " بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر» (4) .
ومن رحمة الله تعالى، أن الدعاء المتضمن شركًا، كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو، ونحو ذلك - لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة (5) إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك. كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40 - 41] (6) .
_________
(1) عنده: ساقطة من (أ) .
(2) في المطبوعة: كدعاء سائر الكفار.
(3) سورة التحريم: من الآية 12.
(4) جاء ذلك في حديث مرسل أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الشعر، باب ما يؤمر به من التعوذ، حديث رقم (10) ، (2 / 951) ، وله شواهد مرفوعة في الموطأ أيضا، حديث رقم (9، 11) ، (2 / 950، 951) ، كما أن له شاهد أيضا في مسلم عن أم حكيم وأبي هريرة في كتاب الذكر باب التعوذ من سوء القضاء، حديث رقم (2708، 2709) من طرق، (4 / 2080، 2081) .
(5) شبهة: سقطت من (ج د) .
(6) سورة الأنعام: الآيتان 40، 41.
(2/224)

وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] (1) .
وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل: 62] (2) .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] (3) .
وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 43 - 44] (4) .
فكون (5) هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه، دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضًا من الإجابات إنما فعلها هو سبحانه (6) وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السماوات والأرض والرياح والسحاب، وغير ذلك من الأجسام العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء، وأن
_________
(1) سورة الإسراء: الآية 67.
(2) سورة النمل: الآية 62.
(3) سورة الإسراء: الآيتان 56، 57.
(4) سورة الزمر: الآيتان 43، 44.
(5) في (ط) : فتكون.
(6) في المطبوعة: إنما حصولها منه وحده.
(2/225)

ما دون هذا بأن يكون خلقًا له أولى، إذ هو منفعل (1) عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام، خالق للمسبب لا محالة.

[أنواع الشرك]
وجماع الأمر: أن الشرك نوعان: * شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما، كما قال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] (2) فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة (3) استقلالا، ولا يشركونه في شيء من ذلك. ولا يعينونه على ملكه، ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فقد انقطعت علاقته (4) .
* وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة. كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة، من شرك أو غيره أسبابا، لا يقدح في توحيد الألوهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن نستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذا كان الله يسخط ذلك، ويعاقب العبد عليه، وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه.
وعامة آيات القرآن تثبت (5) هذا الأصل (6) حتى إنه سبحانه قطع أثر
_________
(1) في المطبوعة: حاصل.
(2) سورة سبأ: الآية 22.
(3) في المطبوعة: مثقال ذرة.
(4) في (ط) : علائقه.
(5) في (ج د ط) : لتثبيت.
(6) في المطبوعة زاد: الأصيل.
(2/226)

الشفاعة بدون إذنه، كقوله سبحانه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] (1) وكقوله سبحانه: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] (2) وقوله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 70] (3) وقوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71] الآية (4) .
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] (5) وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان (6) .
وكذلك قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] (7) وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] (8) وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 43 - 44] (9) . وسورة الزمر أصل عظيم في هذا.
_________
(1) سورة البقرة: من الآية 255.
(2) سورة الأنعام: الآية 51.
(3) سورة الأنعام: من الآية 70.
(4) سورة الأنعام: من الآية 71.
(5) سورة الأنعام: الآية 94.
(6) في المطبوعة زاد: والتوحيد.
(7) سورة السجدة: من الآية 4.
(8) سورة الزمر: من الآية 3.
(9) سورة الزمر: الآيتان 43، 44.
(2/227)

ومن هذا قوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ - يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ - يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 11 - 13] (1) .
وكذلك قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] (2) .
والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء، مع كونه قد يؤثر، إذا قدر أن هذا الدعاء كان سببًا أو جزءًا من السبب، في حصول طلبته.
والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات فزعم (3) قوم من المبطلين، متفلسفة ومتصوفة، أنه لا فائدة فيه أصلًا، فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية، إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب، وحينئذ فلا (4) حاجة إلى الدعاء، أو لا تكون اقتضته، وحينئذ فلا (5) ينفع الدعاء.
وقال قوم ممن تكلم (6) في العلم: بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب، وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول، لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق.
_________
(1) سورة الحج: الآيات 11 - 13.
(2) سورة العنكبوت: الآية 41.
(3) في (أ) : يزعم.
(4) في (ط) : لا حاجة.
(5) في (ب ط) : لا ينفع.
(6) في (أج د) : يتكلم.
(2/228)

والصواب: ما عليه الجمهور - من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب، أو غيره، كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة. وسواء سمي سببًا أو جزءًا من السبب أو شرطًا، فالمقصود هنا واحد، فإذا (1) أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل (2) هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه " (3) .
كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا، أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد الله أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب، فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات، بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم.
فمبدأ الأمور من الله، وتمامها على الله، لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب، أو في ملكوت الرب، بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وجاعل دعاء عبده سببًا لما يريده سبحانه من القضاء، كما «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله (4) أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها (5) هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله» (6) .
_________
(1) في (أط) : وإذ.
(2) في (أ) : أهمل، وهو تحريف من الناسخ.
(3) لم أجده في المراجع التي اطلعت عليها.
(4) يا رسول الله ساقطة من (ب ج د) .
(5) أي ما يتخذ من أسباب للوقاية من المرض والعدو ونحوه.
(6) أخرجه الترمذي عن أبي خزامة عن أبيه وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". انظر: سنن الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الرقى والأدوية، حديث رقم (2065) ، (4 / 399، 400) ، ومرة قال: عن أبي خزامة (4 / 400) ، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا له شفاء، حديث رقم (3437) ، (2 / 1137) ، عن أبي خزامة أيضا. وأخرجه أحمد في المسند (3 / 421) ، عن أبي خزامة عن أبيه أيضا.
(2/229)

وعنه صلى الله عليه وسلم قال (1) «إن الدعاء والبلاء ليلتقيان (2) فيعتلجان بين السماء والأرض» (3) فهذا في الدعاء الذي يكون سببًا في حصول المطلوب (4) (5) .
وأعلى من هذا ما جاء به الكتاب والسنة، أن رضا الله وفرحه، وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحة، كما جاءت به النصوص، وكذلك غضبه ومقته. وقد بسطنا الكلام في (6) هذا الباب، وما للناس فيه من المقالات والاضطراب (7) .
فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببًا، فقد تقدم الكلام عليه.
فأما غالب الأدعية التي ليست مشروعة لا تكون هي السبب في
_________
(1) قال: سقطت من (ب ج د) .
(2) في (ج د) : يلتقيان.
(3) أخرجه الحاكم بلفظ: " وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة "، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك (1 / 123) ، كتاب الدعاء، وأشار إليه المؤلف في مجموع الفتاوى (25 / 191، 192) ، دون تخريج.
(4) للاستزادة من هذا الموضوع: راجع شرح العقيدة الطحاوية (ص 406 - 411) ، تحقيق أحمد شاكر.
(5) من هنا حتى قوله: فما فرض من الأدعية (أربعة سطور تقريبا) : سقط من (ط) .
(6) في (أ) : من هذا الباب.
(7) انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (3 / 133، 138) و (5 / 351 - 356) و (6 / 88 - 105) و (8 / 378) وغيرها.
في المطبوعة زاد: في غير هذا الموضع.
(2/230)

حصول المطلوب، ولا جزءًا منه، ولا يعلم ذلك، بل يتوهم وهما كاذبًا (1) كالنذر سواء. فإن في الصحيح عن ابن عمر " عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» (2) وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك (3) من البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» (4) .
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن النذر لا يأتي بخير، وأنه ليس من الأسباب الجالبة للخير، أو الدافعة لشر أصلًا، وإنما يوافق القدر موافقة كما توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك. ومع هذا فأنت ترى الذين يحكون أنهم وقعوا في شدائد، فنذروا نذورًا (5) تكشف شدائدهم، أكثر - أو قريبًا - من الذين يزعمون أنهم دعوا عند القبور، أو غيرها، فقضيت حوائجهم، بل من كثرة اغترار المضلين (6) بذلك؛ صارت النذور المحرمة في الشرع مآكل لكثير من السدنة والمجاورين، والعاكفين عند (7) بعض المساجد أو غيرها، ويأخذون من الأموال شيئًا كثيرًا، وأولئك الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت. ويقول آخر: خرج علي المحاربون فنذرت (8) ويقول الآخر:
_________
(1) في المطبوعة: بل لا يتوهم إلا وهما كاذبا.
(2) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(3) في (ب) : ذلك.
(4) صحيح مسلم، كتاب النذر، باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئا، تابع الحديث رقم (1640 - 7) ، (3 / 1262) .
(5) في المطبوعة: نذرا.
(6) في (أط د) : المبطلين، وفي المطبوعة: الضالين المضلين.
(7) في المطبوعة: العاكفين على القبور.
(8) قوله: ويقول آخر: خرج علي المحاربون فنذرت: سقط من (أج د) .
(2/231)

ركبت البحر فنذرت (1) . ويقول الآخر: حبست فنذرت. ويقول الآخر: أصابتني فاقة فنذرت.
وقد قام بنفوسهم، أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم. وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله - فضلًا عن معصيته - ليس سببًا لحصول الخير (2) وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه (3) موافقة كما يوافق سائر الأسباب، فما هذه الأدعية غير المشروعة، في حصول المطلوب (4) بأكثر من هذه النذور في حصول المطلوب. بل تجد كثيرًا من الناس يقول: إن المكان الفلاني، أو المشهد الفلاني، أو القبر (5) الفلاني، يقبل النذر، بمعنى أنهم نذروا له نذرًا إن قضيت حاجتهم، وقضيت (6) . كما يقول القائلون: الدعاء عند المشهد الفلاني، أو القبر الفلاني، مستجاب، بمعنى أنهم دعوا هناك مرة، فرأوا أثر الإجابة. بل إذا كان المبطلون يضيفون (7) قضاء حوائجهم (8) إلى خصوص نذر المعصية (9) مع أن جنس النذر لا أثر له في ذلك، لم يبعد منهم إذا أضافوا
_________
(1) قوله: ويقول آخر: ركبت النحر فنذرت: سقط من (ط) .
(2) في (أج د) : سببا للخير، وفي (د) : لحصول خير.
(3) يوافقه: ساقطة من (ط) .
(4) من هنا حتى قوله: بل تجد (نصف سطر تقريبا) : سقط من (أ) .
(5) أو القبر الفلاني: ساقطة من (ط) .
(6) وقضيت: ساقطة من (ب) .
(7) في (ب) : يضفون.
(8) في (أط) : حاجاتهم.
(9) في الورقة (161) من المخطوطة (ط) وجدت تهميشا هذا نصه: " يقول داود الطبيب: هذه البدعة إنما أصلها اليهود، فإنهم ينذرون في كل شيء أصابهم، حتى إذا قيل لأحدهم: صل أو صم أو تصدق، يقول: لا، ولكن أنذر للمكان الفلاني أو للعجوز الفلانية، وما أشبه ذلك. وبعض جهال المسلمين يعينهم على ذلك، حتى إني أعرف شيخا من مشايخ المسلمين المشهورون ينذر زيتا للكنيسة التي لهم، ويزعمون أنها للخضر عليه السلام بقرية (جوبر) ، ويقول: جربت ذلك فوجدته ناجحا، فهذا الجاهل مما كان يعينهم في أمر دينهم ". تمت.
(2/232)

حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع، لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر.
والغرض أن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى ما لا يؤثر نوعًا ولا وصفًا، فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزين لهم. ثم كما لم يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحًا، فكذلك هذا، إذ كلاهما مخالف للشرع.
ومما يوضح ذلك: أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر كان هو السبب، أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة، ولا دليل على ذلك في الغالب إلا الاقتران أحيانًا، أعني: وجودهما جميعًا، وإن تراخي أحدهما عن الآخر مكانًا أو زمانًا مع الانتقاض (1) (2) أضعاف أضعاف الاقتران، ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه، ليس دليلًا على الغلبة (3) باتفاق العقلاء، إذا كان هناك سبب آخر صالح، إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم الغلبة (4) .
فإن قيل: إن التخلف بفوات شرط، أو لوجود مانع.
قيل: بل الاقتران لوجود سبب آخر، وهذا هو الراجح، فإنا نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات، بأنواع من الأسباب، لا يحصيها
_________
(1) في (ط) : مع انتقاض.
(2) من هنا حتى قوله: ليس دليلا (سطر تقريبا) ، سقط من (ج د) .
(3) في المطبوعة: العلة، وهو أصح للسياق، ويدل عليه ما بعده، لكن ما أثبته أجمعت عليه النسخ المخطوطة ويقوم به المعنى.
(4) في المطبوعة: العلية، وهو كما أسلفت في الهامش السابق.
(2/233)

إلا هو، وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع، إلا نادرًا، فإذا رأيناه قد أحدث (1) شيئًا وكان الدعاء المبتدع قد وجد، كان إحالة حدوث الحادث على ما علم من الأسباب التي لا يحصيها إلا الله، أولى من إحالته على ما لم يثبت كونه سببًا.
ثم الاقتران: إن كان دليلًا على العلة، فالانتقاض دليل على عدمها.
وهنا افترق الناس ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالون، والذين أنعم الله عليهم.
فالمغضوب عليهم، يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة، ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر، وقد (2) لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء عليهم السلام.
والضالون: يتوهمون من كل ما يتخيل سببًا، وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس، وغيرهم. والمتكايسون (3) من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية، وقوى نفسانية، وأسباب طبيعية، يدورون حولها، لا يعدلون عنها.
فأما المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه (4) الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من
_________
(1) في المطبوعة: كان شيئا.
(2) وقد لا يؤثر: ساقطة من (أ) .
(3) أي الذين يزعمون الكيس: وهو العقل والغلبة بقوة الحجة العقيلة، والكيس ضد الحمق.
انظر: القاموس المحيط، فصل الكاف، باب السين (2 / 257) .
(4) في (ب) : ما خلق الله.
(2/234)

قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبده المؤمن (1) خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه (2) وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم، (3) ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك من حكمه.
وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلًا لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعامًا عليهم بجلب نعمة، أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم (4) به، من الأعمال الصالحة، والدعوات المشروعة - (5) ما جعله في قوى الأجسام والأنفس (6) ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية، أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، (7) وإن ظن أن له تأثيرًا (8) .
_________
(1) في (ب) : إجابة خارجة.
(2) أي نفس العبد وجسمه وروحه.
(3) من هنا حتى قوله: ثوابهم في الدنيا (سطر ونصف تقريبا) : ساقطة من (ط) .
(4) في المطبوعة: يرد ما أمرهم.
(5) في المطبوعة: إلى ما جعله.
(6) معناه - والله أعلم -: أن الله تعالى يرد عن العبد المؤمن ما فيه ضرر عليه صادر عن القوى التي هي الأجسام، والطبائع التي هي الأنفس، بسبب دعائه وأعماله الصالحة.
(7) من هنا حتى قوله: كما له طرق (سطر تقريبا) : سقط من (ط) .
(8) في المطبوعة تقديم وتأخير خالفت به جميع النسخ المخطوطة، على النحو التالي بعد قوله: " وإن ظن أن له تأثيرا "، جاءت العبارات: " وبالجملة: فالعلم بأن هذا هو السبب " إلى قوله: " من باب النهي عليه كما تقدم "، مقدار نصف صفحة تقريبا، والتي ستأتي بعد صفحتين، بعد قوله: " حتى لا يميزوا بين الحق والباطل "، وما أثبته هو ما أجمعت عليه النسخ المخطوطة، كما أنه أقرب لمناسبة السياق.
(2/235)

وأما العلم بغلبة (1) السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية منها: الاضطرار (2) «فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ غير مرة ماء قليلًا، فوضع يده الكريمة (3) فيه حتى فار الماء من بين أصابعه (4) ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك فيه حتى كثر كثرة خارجة عن العادة» (5) فإن العلم بهذا الاقتران المعين، يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه صلى الله عليه وسلم، علمًا ضروريًّا، كما يعلم أن الرجل إذا ضُرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها، بل (6) أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلًا، مع أن (7) العلم بهذه المقارنة، يوجب علمًا ضروريًا بذلك.
وكذلك لما «دعا صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده» ، فكان نخله يحمل في السنة مرتين، خلاف عادة بلده، ورأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة (8) فإن مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء.
_________
(1) هنا اتفقت جميع النسخ، حتى المطبوعة، على العبارة المثبتة، وهذا مرجح، لما أثبته من النسخ المخطوطة قبل قليل.
(2) في (ب) : بالإضرار.
(3) قوله: الكريمة فيه: سقط من (ط) .
(4) جاء ذلك في أحاديث متفق عليها. انظر: الأحاديث (169، 195، 200) من فتح الباري، والحديث رقم (2279) في صحيح مسلم.
(5) انظر: الحديث رقم (2484، 2618) من فتح الباري، والحديث رقم (27) من مسلم، وهذه شواهد لما ساقه المؤلف، وإلا فالأحاديث الواردة في ذلك كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
(6) بل: ساقطة من (ب) .
(7) أن: ساقطة من (أج د ط) .
(8) جاء ذلك في الصحيحين. انظر: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (61) ، حديث رقم (1982) ، (4 / 228) من فتح الباري. وانظر: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أنس، حديث رقم (2480) ، (4 / 1928) .
(2/236)

ومن رأى طفلًا يبكي بكاء شديدًا، فألقمته أمه الثدي فسكن، علم يقينًا أن سكونه (1) كان لأجل اللبن (2) .
والاحتمالات، وإن تطرقت إلى النوع، فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين. وكذلك الأدعية، فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب المقتضية له، أو يفعل فعلًا كذلك فيجده كذلك (3) كالعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما قال: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، اسقنا، فمطروا في يوم شديد الحر، مطرًا لم يجاوز عسكرهم (4) . وقال: احملنا فمشوا على النهر الكبير مشيًا لم يبل أسافل أقدام دوابهم (5) وأيوب السختياني (6) لما ركض الجبل لصاحبه ركضة، نبعت له عين ماء فشرب، ثم غارت (7) .
فدعاء الله وحده لا شريك له، دل الوحي المنزل، والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته، ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله. فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية (8) في حقهم، فأحدث الله لهم
_________
(1) كذا في (ج د) : سكونه. وفي بقية النسخ: سكوته.
(2) أي السبب: رضاعه من اللبن. وفي المطبوعة: قال: كان لأجل ارتضاعه اللبن. وهو تفسير للعبارة.
(3) كذلك: ساقطة من (أط) .
(4) ساق ابن كثير هذه القصة مسندة من عدة طرق عن أناس من الصحابة وغيرهم شهدوا هذه الواقعة، منهم: أنس بن مالك. انظر: البداية والنهاية (6 / 259، 260) .
(5) نفس المرجع السابق.
(6) هو: أيوب بن أبي تيمية، كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد. توفي سنة (131 هـ) ، وأخرجه له الستة.
انظر: تقريب التهذيب (1 / 89) ، (ت 688) .
(7) أخرجه أبو نعيم في الحلية (3 / 5) .
(8) في (ط) : منفعة.
(2/237)

تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه، على وجه يوجب العلم تارة، والظن الغالب أخرى - أن الدعاء كان هو السبب في هذا، وتجد هذا ثابتًا عند ذوي (1) العقول والبصائر، الذين يعرفون جنس الأدلة، وشروطها، واطرادها.
وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة، فعامته إنما نجد اعتقاده، عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد، وإنما يتفق (2) في أهل الظلمات، من الكفار والمنافقين، أو ذوي (3) الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي حتى لا يميزوا بين الحق والباطل.
وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض (4) السبب، أو شرط السبب، في هذا الأمر الحادث، قد يعلم كثيرًا، وقد يظن كثيرًا، وقد يتوهم كثيرًا وهمًا ليس له مستند صحيح، إلا ضعف العقل.
ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب (5) مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره، لا بد فيه من أحد أمرين:
إما أن لا (6) يكون سببًا صحيحًا، كدعاء من لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئًا. وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه.
فأما ما كان سببًا صحيحًا منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه الشرع (7) بحال. وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه
_________
(1) في (ط) : ذي.
(2) في المطبوعة: يقع.
(3) في (أ) : لذوي.
(4) في (أ) : أو خص السبب. وهو تحريف لـ (بعض) .
(5) في (ج د) : المصائب.
(6) لا: سقطت من (ب) .
(7) في (ب) : في الشرع.
(2/238)

من باب المنهي عنه. كما تقدم.

[الدعاء بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر]
وأما ما ذكر في المناسك، أنه بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، ثم يدعو لنفسه. وذكر أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه (1) - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقًا، بل يؤمر به (2) كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده.
وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا (3) يدنو من القبر، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره، وإنما (4) اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما (5) إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد زال المحذور بلا خلاف وصار في الروضة، أو أمامها. ولعل هذا الذي ذكره الأئمة، أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه (6) عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم (7) فلما نهي أن يتخذ القبر مسجدًا أو قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه.
_________
(1) في المطبوعة: يستقبله بوجهه.
(2) في المطبوعة زاد: للميت.
(3) قالوا: ساقطة من (ط) .
(4) في (أط) : فإنما.
(5) في (أ) : فإذا.
(6) في (ج د) : عنه.
(7) انظر: (ص 184) وما بعدها من هذا الجزء.
(2/239)

وقال (1) مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف (2) عند (3) قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي " (4) .
ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة وثلثت (5) لما بنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة، ولا جعل مسطحًا (6) .
وكذلك (7) قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد. فروى ابن بطة، بإسناد معروف عن هشام بن عروة، حدثني أبي، وقال: " كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز، فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ساق عمر وركبته. فسري عن عمر بن عبد العزيز (8) .
وهذا أصل مستمر، فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلى إليه، ألا ترى أن الرجل (9) لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل (10) الصالح، سواء كانت في المشرق
_________
(1) في (ط) : بل قال.
(2) في (ط) : يفتر.
(3) من هنا حتى قوله: " ولهذا والله أعلم " (سطر تقريبا) : سقط من (أ) . وقوله: " عند قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو لكن ": سقط من (ط) .
(4) انظر: كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 84) .
(5) أي جعلت جدرانها مثلثة الزوايا.
(6) في المطبوعة: قال: ولا جعل جدارها مربعا.
(7) في (ب) : ولذلك.
(8) ذكره ابن حجر في فتح الباري (3 / 257) ، عن أبي بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه. وإسناده صحيح.
(9) في المطبوعة: المسلم.
(10) في المطبوعة: معظمه، بدل: الرجل.
(2/240)

أو غيره، وهذا ضلال بين، وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض (1) الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسوله صلى الله عليه وسلم وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى.
ومما يبين لك ذلك، أن نفس السلام على النبي صلى الله عليه وسلم قد راعوا فيه السنة، حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا» (2) . وبقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (3) فكان (4) بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب، حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك.
ولهذا كره مالك رضي الله عنه (5) وغيره من أهل العلم، لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد، أن يجيء فيسلم (6) على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. وقال: " وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك (7) .
ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام، فما علمت أحدًا رخص فيه، لأن ذلك النوع من
_________
(1) في المطبوعة: بعض مقدسيهم من الصالحين.
(2) الحديث مر تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ، الحديث رقم (3445) ، (6 / 487) فتح الباري.
(4) في (أ) : أو كان.
(5) في (ب) : رحمه الله.
(6) في (أ) : ويسلم.
(7) انظر: كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 87، 88) .
(2/241)

اتخاذه عيدًا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (1) كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحد: أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع.
فخاف مالك وغيره، أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة، نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا.
وأيضًا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم (2) يجيئون إلى المسجد الحرام كل يوم خمس مرات يصلون، ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون (3) عليه، لعلمهم رضي الله عنهم بما (4) كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه من ذلك، وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد، كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك.
قال سعيد (5) في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد (6) حدثني
_________
(1) ذكر القاضي عياض في كتاب (الشفا) عن محمد بن سيرين: " كان الناس يقولون إذ دخلوا المسجد: صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " ونحوه عن فاطمة ترفعه. انظر: (الشفا) (2 / 87) .
(2) من هنا حتى قوله: بما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (سطر ونصف تقريبا) : سقط من (أ) .
(3) في (ط) : فيسلمون.
(4) في (ب) : ما كان.
(5) هو: سعيد بن منصور. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(6) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم، المدني، ضعيف، فقد ضعفه أحمد وعلي بن المديني والنسائي وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. توفي سنة (182 هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (6 / 177 - 179) ، (ت 358) .
(2/242)

أبي (1) عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه (2) . وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع - الصحيح (3) - يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائمًا ولا غالبًا.
وما أحسن ما قال مالك: " لن يصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " (4) ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره. ولهذا كرهت الأئمة (5) استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه. فكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها منفصلة عن مسجده (6) وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات وغُيِّرَ، والحجرة على حالها (7) هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك (8) وكان عمر بن عبد العزيز عامله على
_________
(1) هو: زيد بن أسلم. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(2) انظر: كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 85) ؛ و (الاستذكار) لابن عبد البر (1 / 233) .
(3) انظر: (ص 180) من هذا الجزء.
(4) كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 88) .
(5) في (أب ط) : الأمة.
(6) كذا جاء في (أط) . وفي (ب ج د) وفي المطبوعة: ملاصقة لمسجده. وفي الهامش في (ب ج د) : وضع رمز (خ) وقال: منفصلة عن مسجده. فلعله استدراك. فالذي يظهر لي أن عبارة (منفصلة عن مسجده) أصح؛ لأن هذا الوصف هو الذي يمنع الناس من الوصول إلى القبر من المسجد.
(7) في (ج د) وفي المطبوعة: وغيروا الحجرة عن حالها. وما أثبته من (أب ط) أصح؛ لأنه يدل عليه السياق بعده.
(8) هو: الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي، أحد خلفاء بني أمية، ولد سنة (50 هـ) ، وتولى الخلافة بعد أبيه سنة (86 هـ) ، كثرت في عهده الفتوحات، وكان يكرم طلاب العلم ويعطي العاجزين والمقعدين ونحوهم. واشتهر باللحن، وتوفي سنة (96هـ) . انظر: البداية والنهاية لابن كثير (9 / 161 - 166) .
(2/243)

المدينة، فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك، كسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكرهه.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه. قال أبو عبد الله: شيء يروونه (1) عن ابن أبي فديك (2) عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر: أنه مسح على المنبر. قال: ويروونه (3) عن سعيد بن المسيب في الرمانة (4) .
قلت: ويروون عن يحيى بن سعيد، أنه حين أراد الخروج إلى العراق، جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسنه ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم.
فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة، التي هي (5) موضع
_________
(1) في (ب) : يرويه.
(2) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك الديلي - مولاهم - المدني، أبو إسماعيل، من صغار الطبقة الثامنة، قال ابن حجر في التقريب: " صدوق "، مات سنة (180 هـ) أخرج له الستة: انظر: تقريب التهذيب (2 / 145) ، (ت 52) .
(3) في (ب) : ويرويه.
(4) هي: موضع قعود رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم في المسجد كما سيوضح ذلك المؤلف بعد قليل. انظر: (الشفا) للقاضي عياض (2 / 85) .
(5) في (أب) : التي هو. وفي (ط) : الذي هو.
(2/244)

مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده، ولم يرخصوا في التمسح بقبره. وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى، فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الموضعين (1) ظاهر.
وكره مالك التمسح بالمنبر. كما كرهوا التمسح بالقبر. فأما اليوم فقد احترق المنبر، وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رخص فيه، لأن الأثر (2) المنقول عن ابن عمر وغيره، إنما هو التمسح بمقعده.
وروى الأثرم بإسناده، عن القعنبي (3) عن مالك، عن عبد الله بن دينار (4) قال: رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر. (5) .
الوجه الثالث: في كراهة قصدها للدعاء: أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك، متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا» كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن، ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما، لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبًا ومكانًا.
_________
(1) في (أ) : الوصفين. وفي (ط) : الوضعين.
(2) في (ط) : الأمر.
(3) هو: عبد الله بن مسلمة بن قعنب، القعنبي الحارثي، أبو عبد الرحمن، من الثقات العباد، توفي سنة (221 هـ) ، أخرجه له البخاري ومسلم وغيرهما.
انظر: تقريب التهذيب (1 / 451) ، (ت 638) .
(4) هو: عبد الله بن دينار العدوي - مولاهم - أبو عبد الرحمن، المدني، مولى ابن عمر، ثقة من الطبقة الرابعة. وفي سنة (127 هـ) ، أخرج له الستة.
انظر: تقريب التهذيب (1 / 413) ، (ت 284) .
(5) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ما جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الحديث رقم (68) ، (1 / 166) .
(2/245)

وذكرنا عن أحمد وغيره، أنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف (1) فيستقبل القبلة.
وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين، كمالك وغيره. ومن المتأخرين: مثل أبي الوفاء (2) ابن عقيل، وأبي الفرج بن الجوزي. وما أحفظ - لا عن صاحب ولا تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة المعروفين.
وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم -، فكيف يجوز - والحال (3) هذه - أن يكون الدعاء (4) عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه (5) ولا تأمر به.
نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره (6) . وفلان يدعى عند قبره، ونحو ذلك.
والإنكار (7) على من يقول ويأمر به، كائنًا من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه (8) المسألة أو مقلدًا، فيعفو الله عنه.
_________
(1) في (أ) : أن ينحرف.
(2) أبي الوفاء: ساقطة من (ب) .
(3) في (ب ج د) : والحالة.
(4) الدعاء: سقطت من (ط) .
(5) عنه: سقطت من (أ) .
(6) في (أط) : عنده.
(7) في المطبوعة: كما وجد الإنكار.
(8) في (أ) : في المسألة.
(2/246)

[تفنيد ما ورد في استحباب الدعاء عند القبر]
أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا. بل قد يقال: هذا من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ينذر له. ويعينون (1) عينًا أو بئرًا أو شجرة، أو مغارة، أو حجرًا، أو غير ذلك من الأوثان، فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين، فكذلك القول الأول.
ولم يبلغني - إلى الساعة - عن أحد من السلف رخصة في ذلك، إلا ما روى ابن أبي الدنيا (2) في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي (3) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني بالمدينة محتسبًا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة» (4) .
قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص (5) أن
_________
(1) في (أط) : ويعنون.
(2) هو: عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي الأموي - مولاهم - أبو بكر بن أبي الدنيا، البغدادي، الحافظ، صاحب التصانيف المشهورة، ومؤدب أولاد الخلفاء، صدوق. مات سنة (281هـ) ، وكان ولادته سنة (208هـ) . انظر تهذيب التهذيب (6 / 12، 13) ، (ت 18) .
(3) هو: سليمان بن يزيد الخزاعي، أبو المثنى الكعبي، ووجدت ابن حجر في التقريب والتهذيب مرة يسميه: الكلبي، وأخرى: الكعبي، قال أبو حاتم: منكر الحديث ليس بالقوى، وضعفه الدارقطني. وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف من الطبقة السادسة، أخرج له الترمذي وابن ماجه. انظر: تهذيب التهذيب (12 / 221) ، (ت 1014) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 331) ، (ت 504) ، (2 / 469) ، (ت 17) .
(4) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (2 / 605) ، الحديث رقم (8716) ، وقال: حديث حسن. لكن تعقبه المناوي في فيض القدير فقال: " رمز المؤلف - يعني السيوطي - لحسنه، وليس بحسن؛ ففيه ضعفاء، منهم: أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي، قال الذهبي: ترك، وقال أبو حاتم: منكر الحديث ". فيض القدير (6 / 141) .
(5) هو: عمر بن حفص المدني، ذكره ابن حبان في الثقات، أخرجه له أبو داود، مقبول.
انظر: تهذيب التهذيب (7 / 435) ، (ت 214) .
(2/247)

ابن أبي مليكة (1) كان يقول: من أحب أن يقوم وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه (2) . قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] (3) فقال: " صلى الله عليك يا محمد " حتى (4) يقولها سبعين مرة - ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة (5) .
فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد (6) الدعاء عند القبر. ولا حجة فيه لوجوه:
أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن لا يعرف، ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا، وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية، ليس هو من التابعين، ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة، وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين، لم ينقلوا شيئا من ذلك. ومما يضعفه: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من (7) صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا» (8) فكيف يكون من صلى
_________
(1) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، المدني، من الفقهاء والثقات، أخرج له الستة، وتوفي سنة (117هـ) . انظر: تهذيب التهذيب (1 / 431) ، (ت 452) .
(2) ذكره القاضي عياض في كتابه (الشفا) (2 / 84، 85) .
(3) سورة الأحزاب: من الآية 56.
(4) حتى: ساقطة من (ب ط) .
(5) ذكره القاضي عياض في كتاب (الشفا) (2 / 84) .
(6) قصد: سقطت من (ط) .
(7) في (أط) وفي المطبوعة: أنه من صلى عليه مرة.
(8) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم بعد التشهد، الحديث رقم (408) ، (1 / 306) ، ولفظه: " من صلى علي واحدة. . " الحديث.
(2/248)

عليه سبعين مرة جزاؤه (1) أن يصلي عليه ملك من الملائكة؟ وأحاديثه المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه عن البعيد والقريب.
والثاني: أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة، كما ذكر العلماء ذلك في مناسك الحج. وليس هذا مسألتنا، فإنا قد قدمنا أن من زار زيارة مشروعة، ودعا في ضمنها لم يكره هذا، كما ذكره بعض العلماء، مع ما في ذلك من النزاع، مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عنده للدعاء، وهو أصح.
وإنما المكروه الذي ذكرناه (2) قصد الدعاء عنده ابتداء، كما أن من دخل المسجد، فصلى تحية المسجد، ودعا في ضمنها، لم يكره ذلك، أو توضأ في مكان وصلى هنالك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة، أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد، فنهي عن (3) هذا التخصيص.
الثالث: أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته (4) على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصلاة عليه قبل الدعاء، وفي وسطه وآخره، من أقوى الأسباب التي يرجى بها إجابة سائر الدعاء، كما جاءت به الآثار، مثل قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، الذي يروى موقوفا ومرفوعا: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك» رواه الترمذي (5) .
_________
(1) في (ب ج د) : فجزاؤه.
(2) الذي ذكرناه: ساقطة من (ط) .
(3) عن: ساقطة من (أ) .
(4) في (أ) : الصلاة.
(5) انظر: سنن الترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الحديث رقم (486) ، (2 / 356) ، وكتاب الأذكار للنووي (ص 99) .
(2/249)

وذكر محمد بن الحسن بن زبالة (1) في كتاب (أخبار (2) المدينة) ، فيما رواه عنه الزبير بن بكار (3) روى (4) عنه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي (5) قال: رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له: محمد بن كيسان، يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة، ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فيقوم عند القبر، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو حتى يمسي (6) . فيقول جلساء ربيعة: انظروا (7) إلى ما يصنع (8) هذا؟ فيقول: " دعوه، فإنما للمرء ما نوى "، ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار، وهو مضعف عند أهل الحديث، كالواقدي ونحوه. لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به.
وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين، فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا الرجل أمر مبتدع عندهم، لم يكن من فعل الصحابة وغيرهم من علماء أهل
_________
(1) في (ط) : ابن ذبالة. والصحيح ما أثبته. وهو محمد بن الحسن بن محمد بن زبالة المخزومي، أبو الحسن، المدني، متهم بالكذب، لم يخرج له من الستة غير أبي داود، ولم يكن يريد الإخراج له، كما ذكر ابن حجر في التهذيب؛ لأنه - يعني أبا داود - كان يكذبه. توفي حدود المائتين. انظر: تهذيب التهذيب (9 / 115 - 117) ، (ت 160) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 154) ، (ت 138) .
(2) في (ج د) : الأخبار المدينة. ولم أجد هذا الكتاب.
(3) هو: الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت، من آل الزبير بن العوام، قاضي المدينة، ثقة، من الطبقة العاشرة، توفي سنة (256 هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (10 / 257) ، (ت 16) .
(4) روى: سقطت من (أ) .
(5) في (ج د) : الدارودي. والصحيح ما أثبته. انظر: تقريب التهذيب (2 / 538) .
(6) في (ط) : حتى يمشي.
(7) في (ط) : انظر.
(8) في (أ) : صنع.
(2/250)

المدينة، وإلا لو كان هذا أمرا (1) معروفا من عمل أهل المدينة لما استغربه جلساء ربيعة وأنكروه. بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه، يدل على أنهم على عهد مالك وذويه، ما كانوا يعرفون هذا العمل، وإلا لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكر في كتاب مصنف، ما يتضمن استغراب ذلك. ثم إن جلساء ربيعة - وهم قوم فقهاء علماء - أنكروا ذلك، وربيعة أقره.
فغايته: أن يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى، لا يقتضي إلا الإقرار على ما يكره، فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه، وكذلك لو أراد الصلاة في وقت نهي. وإنما الذي أراده (2) - والله أعلم - أن من كان له نية صالحة أثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع، إذا لم يتعمد مخالفة الشرع - يعني فهذا الدعاء، وإن لم يكن مشروعا، لكن لصاحبه نية صالحة يثاب على نيته.
فيستفاد من ذلك: أنهم مجمعون على أنه (3) غير مستحب، ولا خصيصة في تلك (4) البقعة، وإنما الخير يحصل من جهة نية الداعي، ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه: إما لأنه لم يبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيدا، وعن الصلاة عنده. فإن ربيعة - كما قال أحمد - كان قليل العلم بالآثار. أو بلغه (5) ذلك لكن (6) لم ير مثل هذا داخلا في معنى النهي، أو لأنه لم ير هذا محرما، وإنما غايته أن يكون مكروها، وإنكار المكروه ليس بفرض. أو أنه رأى
_________
(1) أمرا: ساقطة من (أ) .
(2) في المطبوعة: أراده ربيعة.
(3) في المطبوعة: على أن الدعاء عند القبر غير مستحب.
(4) في (أط) : ذلك البقعة.
(5) في (ب) : أو أنه بلغه.
(6) في (ج د) : أو بلغه ذلك ولم ير.
(2/251)

أن ذلك الرجل إنما قصد السلام، والدعاء جاء ضمنا وتبعا. وفي هذا نظر.
ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا (1) في صحة الصلاة عند القبر، ومن لم يبطلها قد لا ينهى من فعل ذلك.
والعمدة على الكتاب والسنة، وما كان عليه السابقون، مع أن محمد بن الحسن هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه. فقال: حدثني عمر بن هارون، عن سلمة بن وردان (2) قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو " (3) فهذا إن كان ثابتا عن أنس فهو مؤيد لما ذكرناه، فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة، وإنما كان يقدم من البصرة، إما مع الحجيج أو نحوهم، فيسلم (4) على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا أراد الدعاء الذي (5) في حق مثله إنما يكون ضمنا وتبعا، استدبر القبر.
وذكر محمد بن الحسن، عن عبد العزيز محمد (6) ومحمد بن إسماعيل (7) وغيرهما، عن محمد بن هلال (8) وعن غير واحد من
_________
(1) قوله: في مثل هذا كما اختلفوا: سقط من (أ) .
(2) هو: سلمة بن وردان الليثي، أبو يعلى، المدني؛ ضعيف، من الطبقة الخامسة، مات سنة بضع وخمسين ومائة. انظر: تقريب التهذيب (1 / 319) ، (ت 387) .
(3) لم أجده.
(4) في (د) : فسلم.
(5) في المطبوعة: فالذي ينبغي في حق مثله.
(6) يعني: الدراوردي. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(7) هو: ابن أبي فديك. مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(8) هو: محمد بن هلال بن أبي هلال المدني، مولى بني كعب، وثقه أحمد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة (162 هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (9 / 498) ، (ت 817) .
(2/252)

أهل العلم: أن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي فيه قبره - هو بيت عائشة الذي كانت تسكن، وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة (1) والذي يلي القبلة منه أطوله، والشرقي والغربي سواء، والشامي أنقصها، وباب البيت مما يلي الشام، وهو (2) مسدود بحجارة سود وقصة.
ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد العزيز زوَّاه (3) لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيها الصلاة من بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - كما حدثني عبد العزيز بن محمد (4) عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر (5) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (6) .
وحدثني (7) مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (8) .
_________
(1) القصة - بالفتح -: الجص، لغة حجازية. انظر: مختار الصحاح، مادة (ق ص ص) ، (ص 538) ، وذكر ذلك في هامش المخطوطة (ط) ، فقال في الهامش: القصة - بالفتح -: الجص: لغة حجازية. انظر: مختار، الورقة (167) من المخطوطة (ط) .
(2) في (أ) : وهو باب مسدود.
(3) زواه: أي جعل له زوايا.
(4) أي الدراوردي.
(5) هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أبو عبد الله، المدني، وثقة ابن سعد وأبو داود، وقال النسائي: ليس به بأس. أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما. توفي سنة (144هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (4 / 337، 338) ، (ت 578) .
(6) الحديث مر تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(7) القائل: وحدثني. والقائل: كما حدثني (قبل سطرين) هو محمد بن الحسن بن زبالة.
(8) الحديث مر تخريجه، انظر: فهرس الأحاديث.
(2/253)

فهذه الآثار، إذا ضمت إلى ما قدمنا من الآثار، علم كيف كان حال السلف في هذا الباب. وأن ما عليه كثير من الخلف في ذلك (1) من المنكرات عندهم.
ولا يدخل في هذا الباب: ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبور غيره من الصالحين. وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة (2) . ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.
وكذلك أيضا ما يروى: " أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه الجدب عام الرمادة (3) فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس " (4) فإن هذا ليس من هذا الباب. ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع.
وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم: أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو " القائل صلى الله عليه وسلم: «إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "،
_________
(1) في (ب) : قال: كثرة ما حدث من المنكرات.
(2) أي: ليالي وقعة الحرة التي حدثت سنة (63هـ) بين أهل المدينة وجيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة، فهزم أهل المدينة واستباحها.
انظر: البداية والنهاية (8 / 217 - 224) .
(3) في (ب) : الرباذة. والصحيح: الرمادة، وسمي عام الرمادة؛ لأن الأرض اسودت من الجدب حتى صار لونها كالرماد. وهو عام (18 هـ) في عهد عمر بن الخطاب.
انظر: البداية والنهاية (8 / 90) .
(4) أورد القصة ابن كثير في البداية والنهاية (7 / 91، 92) ، عن الحافظ أبي بكر البيهقي بإسناده إلى أبي صالح عن مالك. وقال ابن كثير: " وهذا إسناد صحيح " (7 / 92) .
(2/254)

فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» (1) .
وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة.
فهذا القدر (2) إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق (3) بين هذا وهذا. فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور (4) واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك.
وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها - فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه.
وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
_________
(1) الحديث مر تخريجه انظر: فهرس الأحاديث.
(2) من هنا سقط من (أ) ورقة (صفحتان تقريبا) ، إلى قوله: وبعضها يجتمع عندها يوم عاشوراء.
(3) في (ب) : يفرق.
(4) في (ب) : القبر.
(2/255)

وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع (1) كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك.
الوجه الرابع (2) أن اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله، قد أوجب أن تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها (3) اجتماعات كثيرة، في مواسم معينة، وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» وبقوله: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا القبور مساجد، فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (4) .

[بعض بدع القبور]
حتى إن بعض القبور يجتمع عندها (5) في يوم من السنة ويسافر إليها (6) إما في المحرم، أو رجب، أو شعبان، أو ذي الحجة، أو غيرها. وبعضها يجتمع عنده في يوم عاشوراء! ، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها
_________
(1) في (ج د) : التي أعلم بها الشارع. وفي المطبوعة: التي حذر منها الشارع.
(2) أي: من وجوه نفي استحباب قصد الدعاء عند القبر، المذكور أولها ص (248) .
(3) في المطبوعة: وربما اجتمع القبوريون عندها. أي بزيادة كلمة (القبوريون) . وهي عبارة لم يكن المؤلف يطلقها كما أسلفت، وكان الأولى أن توضع بالهامش إذا قصد بها إيضاح المعنى.
(4) فإني أنهاكم عن ذلك: ساقطة من (أط) والمطبوعة. وفي (ب) : زاد في الهامش: " ألا فلا تتخذوا القبور مساجد "، وإشارة التهميش قبل قوله: " فإني أنهاكم "، والحديث مر (ص 184) من هذا الجزء.
(5) في المطبوعة: يجتمع عندها القبوريون.
(6) في المطبوعة: ويسافرون إليها لإقامة العيد.
(2/256)

في (1) النصف من شعبان، وبعضها في وقت آخر، بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه، ويجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى، في أيام معلومة (2) من السنة، أو كما يقصد مصلى المصر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم (3) وأشد.
ومنها: ما يسافر إليه من الأمصار، في وقت معين أو في وقت غير معين (4) لقصد الدعاء عنده، والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله لذلك، وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي (5) عنه، إلا أن يكون خلافا حادثا.
وإنما ذكرت الوجهين المتقدمين في السفر المجرد لزيارة القبور. فأما إذا كان السفر للعبادة عندها بالدعاء أو الصلاة (6) أو نحو ذلك: فهذا لا ريب فيه.
حتى إن بعضهم يسميه الحج ويقول: نريد الحج إلى قبر فلان وفلان (7) .
ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع.
وفي الجملة: هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه
_________
(1) في (ب ج د) : وبعضها في يوم النصف من شعبان.
(2) في (ط) : معلومات.
(3) أهم: ساقطة من (أط) .
(4) في (أب ط) : أو في غير وقت معين.
(5) في المطبوعة: في تحريمه والنهي عنه.
(6) في المطبوعة زاد: أو إقامة العيد.
(7) وفلان: ساقطة من (ج د) .
(2/257)

رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا» فإن اعتياد قصد المكان المعين، وفي وقت معين، عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، هو بعينه معنى العيد. ثم ينهى عن دِقِّ ذلك وجله، وهذا هو الذي تقدم عن الإمام أحمد إنكاره، لما قال: " قد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا " وذكر ما يفعل عند قبر الحسين.
وقد ذكرت (1) فيما تقدم: أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجئ بها السنة. فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين؟ .
ويدخل في هذا: ما يفعل بمصر، عند قبر نفيسة (2) وغيرها. وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنه قبر علي رضي الله عنه، وقبر الحسين، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي. وقبر موسى بن جعفر (3) ومحمد بن علي الجواد (4) ببغداد.
_________
(1) في (أط) : فسرت.
(2) هي: نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، ولدت سنة (145 هـ) ، وكانت من النساء التقيات الصالحات العالمات بالتفسير والحديث، وتوفيت بمصر سنة (208 هـ) ، ونصب لها الشيعة مزارا ومشهدا في مصر لا يزال الآن يطوف المبتدعون والجهلة من حوله ويتمسحون به، وتقام عنده الكثير من البدع والشركيات. فنسأل الله العافية.
انظر " وفيات الأعيان (5 / 423، 424) ؛ والأعلام للزركلي (8 / 44) .
(3) هو: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المعروف بالكاظم، عابد صدوق، مات سنة (183 هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (2 / 282) ، (ت 1444) .
(4) هو: محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق الهاشمي، المعروف بالجواد، تزعم الروافض أنه أحد الأئمة الاثني عشر، ولد سنة (195 هـ) ، وتوفي سنة (220هـ) .
انظر: وفيات الأعيان (4 / 175) ، (ت 561) .
(2/258)

وعند قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي. وغيرهما وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي (1) . وكان يفعل نحو ذلك بحران، عند قبر يسمى قبر الأنصاري (2) إلى قبور كثيرة، في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها. كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب، كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهم.
وهؤلاء الفضلاء من الأئمة، إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك.
فأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، هو اتخاذها عيدا، كما تقدم. ولا أعلم بين المسلمين (3) أهل العلم في ذلك خلافا. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين، الذين أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة.
وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء (4) عندها، وإلا فلو لم (5) يقم
_________
(1) هو: طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن علي البسطامي، أبو يزيد، من العباد والزاهدين ومن الغالبين في التصوف، حتى أثر عنه أنه تمادى فيما يسمى بالفناء الذي تزعمه الصوفية، وأثرت عنه كلمات إن صحت فهو ضال مبتدع، توفي سنة (261هـ) . انظر: وفيات الأعيان (2 / 351) ، (ت 312) ؛ ومجموع الفتاوى (2 / 313، 461) ، (13 / 257) .
(2) لم أستطع التعرف عليه.
(3) المسلمين: سقطت من (د) .
(4) الدعاء: ساقطة من (د) .
(5) لم: ساقطة من (ط) .
(2/259)

هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى (1) ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء (2) يجر هذه المفاسد كان حراما، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان.
_________
(1) في (ب) : محي.
(2) في (ج د) : زاد: عندها.
(2/260)

[فصل في عدم جواز سائر العبادات عند القبور]
فصل قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها (1) مساجد وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد.
وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو: اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك، وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، والأمر بالسلام عليها والدعاء لها.
وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها، من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، أو الدعاء ضمنا وتبعا. وتمام الكلام في ذلك، بذكر سائر العبادات، فالقول فيها جميعا (2) كالقول في الدعاء، فليس في ذكر الله هناك، أو القراءة عند القبر، أو الصيام عنده، أو الذبح عنده، فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا. وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك، أو الصيام أو القراءة، أفضل منه في غير تلك البقعة.
فأما ما يذكره بعض الناس، من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن (3) بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر - فهذا (4) إذا عني به أن يصل الثواب إليه، إذا قرئ
_________
(1) أي القبور.
(2) في (ب) : جميعها.
(3) في (ج د ط) : القراءة.
(4) من هنا حتى قوله: فليس عليه أحد (سطر تقريبا) : سقط في (ط) .
(2/261)

عند القبر خاصة، فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين، بل الناس على قولين:
أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية: من الصلاة والقراءة وغيرهما، يصل إلى الميت، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية (1) بالإجماع (2) . وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، ومالك (3) . وهو الصواب لأدلة كثيرة، ذكرناها في غير هذا الموضع (4) .
والثاني: أن ثواب البدنية لا يصل إليه بحال، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي (5) ومالك. وما من أحد من هؤلاء (6) يخص مكانا بالوصول (7) أو عدمه، فأما استماع الميت للأصوات، من القراءة أو غيرها - فحق. لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله (8) هو بعد الموت من استماع أو غيره، وإنما ينعم أو يعذب بما كان عمله (9) هو، أو بما يُعمل عليه (10) بعد الموت من أثره، أو بما يعامل به. كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه،
_________
(1) كالصدقة.
(2) انظر: المغني والشرح الكبير (2 / 242 - 430) في المغني. وانظر: (الأم) للشافعي (4 / 120) .
(3) نفس المصدر السابق.
(4) انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (24 / 309، 313) و (ص 366، 367) ، وسيفصله المؤلف بعد قليل.
(5) انظر: (الأم) للشافعي (4 / 120) .
(6) في (ب ط) : من يخص.
(7) في (ط) : بالصول.
(8) في (ب) : وهو.
(9) في المطبوعة: قد عمله في حياته هو.
(10) في المطبوعة: يعمل غيره عليه.
(2/262)

وكما ينعم بما يهدى إليه، وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية بالإجماع (1) .
وكذلك ذكر طائفة من العلماء، من أصحاب أحمد وغيرهم، ونقلوه عن أحمد، وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي، فقد يقال أيضا: إنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر. وهذا - لو صح - لم يوجب استحباب القراءة عنده، فإن ذلك لو كان مشروعا لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وذلك لأن هذا، وإن كان من نوع مصلحة، ففيه مفسدة راجحة، كما في الصلاة عنده، وتنعم الميت بالدعاء له، والاستغفار والصدقة عنه (2) وغير ذلك من العبادات (3) يحصل له به (4) من النفع أعظم من ذلك، وهو مشروع ولا مفسدة فيه، ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
لكن اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره، أم لا تكره؟
والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد:
إحداها أن ذلك لا بأس به. وهي اختيار الخلال وصاحبه، وأكثر المتأخرين من أصحابه. وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر (5) رضي الله
_________
(1) من هنا حتى: لكن اختلفوا (8 سطور تقريبا) : ساقطة من (أط) .
(2) عنه: ساقطة من (ب) .
(3) في (ب) : لأن ما يحصل به من النفع.
(4) في (ج د) : به له.
(5) في المطبوعة: ابن عمرو، والصحيح (ابن عمر) كما أجمعت عليه النسخ المخطوطة.
وانظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (24 / 317) ، وأشار البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه أن ابن عمر يستحب ذلك.
انظر: السنن الكبرى (4 / 56، 57) ، باب ما ورد في قراءة القرآن عند القبر، وقال النووي في الأذكار: " وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها ". انظر: الفتوحات الربانية (4 / 194) .
(2/263)

عنهما، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح (1) البقرة، وخواتيمها.
ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة.
والثانية: أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صُلِّيَ عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق (2) وأبي بكر المروزي، ونحوهما، وهي (3) مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة.
وقال مالك: " ما علمت أحدًا يفعل ذلك "، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه.
والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر (4) رضي الله عنهما، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون (5) القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا.
وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل.
_________
(1) في (ج د) : بفواتح.
(2) هو: عبد الوهاب بن الحكم بن نافع الوراق، أبو الحسن، صحب الإمام أحمد وسمع عنه، وكان صالحا ورعا ثقة، توفي سنة (251هـ) ، انظر: طبقات الحنابلة (1 / 209 - 212) ، (ت 281) ؛ وتقريب التقريب (1 / 528) ، (ت 1403) .
(3) في (ب ج د) : وهو.
(4) في المطبوعة: عن ابن عمرو. والصحيح (ابن عمر) كما بينت.
(5) أي يترددون، وفي المطبوعة: يتناوبون.
(2/264)

والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك.
ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما (1) يفعل لأجل القبر، بُيِّنَ كما تقدم.
والوقوف (2) التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر (3) وجهاد الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (4) .
وبسط الكلام في الوقوف وشروطها، قد ذكر في موضع آخر (5) وليس هو المقصود هنا. فأما ذكر الله هناك فلا يكره، لكن قصد البقعة للذكر هناك بدعة مكروهة، فإنه نوع من اتخاذها (6) عيدا، وكذلك قصدها للصيام عندها.
_________
(1) في (ب ج د) : وبين ما يفعل.
(2) أي الأوقاف، جمع وقف، قال في الروض المربع: " يقال: وقف الشيء وحبسه وأحبسه وسبله، بمعنى واحد "، ثم قال: " وهو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بر أو قربة ". انظر: الروض المربع بحاشية العنقري (2 / 452) .
(3) في المطبوعة: الكافر.
(4) جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، حديث رقم (3062) ، (6 / 179) من فتح الباري. وفي صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، حديث رقم (111) ، (1 / 105، 106) .
(5) انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (31 / 26 - 56) ، كما تجد بحث الموضوع في مواضع متفرقة في المجلد (31) من أوله حتى (ص 268) .
(6) في (أط) : اتخاذه.
(2/265)

ومن رخص في القراءة فإنه لا يرخص في اتخاذها عيدا، مثل أن يجعل له وقت معلوم، يعتاد فيه القراءة هناك، أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك، كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك، لا يرخص في اتخاذه عيدا كذلك (1) كما تقدم.
وأما الذبح (2) هناك فمنهي عنه مطلقا، ذكره أصحابنا وغيرهم. لما روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عقر في (3) الإسلام» . رواه أحمد (4) وأبو داود، وزاد: قال عبد الرزاق: " كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة " (5) قال أحمد في رواية المروزي: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عقر في الإسلام» كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكره أبو عبد الله أكل لحمه.
قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه. فهذه أنواع العبادات البدنية، أو المالية، أو المركبة (6) منهما.
_________
(1) كذلك: ساقطة من (ب ج د) ، وفي (ب) : مكانها: والذبح.
(2) في (ج د) : وأما العقر هناك، وهو بمعنى الذبح، وقد فسر المؤلف العقر هنا بعد سياق الحديث.
(3) في المطبوعة: في دار الإسلام، ولم أجده بهذا اللفظ.
(4) مسند أحمد (3 / 197) ، وسنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب كراهة الذبح عند القبر (3 / 550 - 551) ، حديث رقم (3222) ؛ وشرح السنة للبغوي، كتاب الجنائز، باب الطعام لأهل الميت (5 / 461) . وأخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب الجنائز، باب الصبر والبكاء والنياحة، حديث رقم (6690) ، (3 / 560) وإسناده صحيح.
(5) أبو داود (3 / 551) .
(6) في (ب) : والمركبة.
(2/266)

[فصل في العكوف عند القبور ومجاورتها وسدانتها]
فصل ومن المحرمات: العكوف عند القبر (1) والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة.
فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم أن العكوف فيه أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله. بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين (2) من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله (3) ورضوان (4) .
وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي (5) على القبور - إما قبر لنبي،
_________
(1) في (أط) : عند قبر.
(2) في المطبوعة: القبوريين كعادته، وهو خلاف اصطلاح المؤلف كما بينت.
(3) في (أب ط) : منه وراضون.
(4) من هنا حتى قوله: وأعظم من ذلك (صفحة كاملة تقريبا) : سقط من (أط) .
(5) التي: ساقطة من (د) .
(2/267)

أو شيخ، أو بعض أهل (1) البيت - أفضل من حج البيت الحرام، ويسمي زيارتها: الحج الأكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت. وبعضهم إذا وصل المدينة رجع (2) وظن أنه حصل له المقصود (3) . وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور (4) لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت؛ لزال هذا عن قلوبهم. ولهذا، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب، كما يسأل ربه، فيقول: اغفر لي وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك.
وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام (5) وأعظم من ذلك (6) قصد الدعاء عنده والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده، من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، أو كشف البلاء. فإنا قد بينا بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، وأن الله لم يجعله سببا لدرك الحاجة، كما جعل الدعاء سببا لذلك، فكيف نذر المعصية، الذي لا يجوز الوفاء به؟
_________
(1) في (ج د) : أو بعض من أهل البيت.
(2) في المطبوعة زاد: ولم يذهب إلى البيت الحرام.
(3) لا يزال بعض الروافض، وبعض المتصوفة يفعلون هذا، فهم يتكبدون مشاق السفر وإجراءاته ونفقاته الباهظة في موسم الحج، ثم لا يحجون وإنما يكتفون بزيارة المدينة.
(4) في المطبوعة: إنما هو لأجل.
(5) في المطبوعة: الأوثان.
(6) في (أط) : وأعظم من ذلك: النذر له.
(2/268)

واعلم أن أهل القبور (1) من الأنبياء والصالحين، المدفونين، يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع، فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غض من (2) أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه.
ومن كرامة الأنبياء والصالحين، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (3) .
وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس، بأنواع من العبادات المبتدعة: إما من الأدعية، وإما من الأشعار (4) وإما من السماعات، ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع، أو بعضه - أعني لإعراض قلوبهم - وإن قاموا بصورة المشروع، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عاقلا لما اشتملت عليه من الكلم الطيب، والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام - أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها.
_________
(1) في المطبوعة: المقبورين، وهو خلاف جميع النسخ المخطوطة.
(2) في المطبوعة: من كرامة أصحابها.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، حديث رقم (2674) ، (4 / 2060) وبقية الحديث: ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ".
(4) كذا في (ط) : الأشعار، وفي بقية النسخ: الأسفار، وما أثبته من (ط) أصح؛ لأن السياق يدل عليه، والأشعار هي من نوع الأدعية والسماعات، أما الأسفار فهي بعيدة عن المعنى المقصود هنا، فتأمل.
(2/269)

ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة (1) والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره.
ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار، وأدبار الصلوات والسجود، ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع، في ذاته أو بعض صفاته.
فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاض عن كل ما يظن (2) من البدع أنه خير بنوعه من السنن، فإنه من يَتَحَرَّ الخيرَ يُعْطَهُ، ومن يتوقَّ الشرَّ يُوقَهُ.
_________
(1) في المطبوعة زاد: والهدى وشفاء القلوب.
(2) في (ب) : بطن.
(2/270)

[فصل في مقامات الأنبياء وحكم قصدها]
[أقوال العلماء وبيان القول الصحيح وأدلته]
فصل فأما مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي (1) قاموا فيها، أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد؛ (2) فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين:
أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة، إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأصطوانة (3) وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك.
والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير (4) من ذلك، كما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد سلكها اتفاقا لا قصدا. قال (5) سندي الخواتيمي: سألنا أبا عبد الله عن الرجل
_________
(1) في (ب) : التي أقاموا فيها أو أقاموا، وهو تكرار للعبارة وأظنه من الناسخ.
(2) من هنا حتى قوله: قال سندي (ستة سطور تقريبا) : سقطت من (أط) .
(3) هي السارية، ويقال: إنها السارية المتوسطة من الروضة الشريفة. انظر: فتح الباري (1 / 577) .
(4) في (ب) : بالتيسير.
(5) في (أط) : فقال.
(2/271)

يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى. وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه ".
وكذلك نقل عنه (1) أحمد بن القاسم: أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة، وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: " أما على «حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا» ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنه: كان (2) يتتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رئي أنه يصب في موضع ماء، فيسأل عن ذلك. فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء، قال: أما على هذا فلا بأس ". قال: ورخص فيه، ثم قال: " ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا (3) في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب (4) .
فقد فصل أبو عبد الله رحمه الله في المشاهد، وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم، كمواضع بالمدينة (5) بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا، والكثير الذي يتخذونه عيدا، كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة قال: " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم
_________
(1) في (ب) : نقل عن أحمد بن القاسم.
(2) كان: سقطت من (أط) .
(3) في (أب ط) : وكثر في هذا المعنى.
(4) لم أجد هذا الكتاب.
(5) في (ط) : المدينة.
(2/272)

يصلي في تلك الأمكنة " قال موسى: " وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة " (1) فهذا كما رخص فيه أحمد رضي الله عنه.
وأما ما كرهه: فروى سعيد بن منصور في سننه، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن معرور بن سويد، " عن عمر رضي الله عنه قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] و {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا (2) هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض " (3) فقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا.
وفي رواية عنه: " أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يصلون فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل،
_________
(1) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (483) ، (1 / 567) من فتح الباري.
(2) هكذا: ساقطة من (ط) .
(3) لم أجده في القسم المطبوع من سنن سعيد بن منصور، وقد أشار ابن حجر في فتح الباري (1 / 569) أن ذلك ثابت عن عمر، وذكر القصة.
كما أخرجه عبد الرزاق في المصنف، باب ما يقرأ في الصبح في السفر، عن معمر، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، ثم ذكر الأثر بتمامه مع اختلاف يسير في الألفاظ (1 / 118، 119) ، رقم (2734) .
(2/273)

ومن لا فليمض ولا يتعمدها " (1) .
وروى محمد بن وضاح (2) وغيره: أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم (3) لأن الناس كانوا يذهبون تحتها. فخاف عمر الفتنة عليهم (4) .
وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان المشاهد - فقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة، ما عدا قباء وأحدا. ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها. فهؤلاء كرهوها مطلقا، لحديث عمر رضي الله عنه هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعيادا، وإلى التشبه بأهل الكتاب، (5) ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم، من المهاجرين والأنصار، أنه (6) كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم.
_________
(1) انظر: كنز العمال (17 / 140) ، والتوسل والوسيلة، للمؤلف (ص 102) ، وقال الشيخ: " صحيح الإسناد ".
(2) هو: محمد بن وضاح القرطبي الحافظ، محدث الأندلس، صدوق ورأس في الحديث، لكنه كثير الأخطاء، فاضل ورع، توفي سنة (287هـ) وكانت ولادته سنة (191هـ) .
انظر لسان الميزان (5 / 416، 417) ، (ت 1372) ؛ وشذرات الذهب (2 / 194) .
(3) في المطبوعة زاد: بيعة الرضوان.
(4) أخرجه ابن سعد في الطبقات بسنده: " أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عون، عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها: شجرة الرضوان، فيصلون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأعدوهم فيها وأمر بها فقطعت "، الطبقات الكبرى (2 / 100) ، وذكره ابن حجر في الفتح، قال: " ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر "، ثم ذكره في فتح الباري (7 / 448) .
(5) من هنا حتى قوله: واستحب آخرون (قدر ستة سطور تقريبا) : ساقط من (أط) .
(6) في المطبوعة: أن أحدا منهم.
(2/274)

والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك، مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها، وذكر طائفة من المصنفين من أصحابنا وغيرهم في المناسك، استحباب زيارة هذه المساجد وعدوا منها مواضع وسموها. وأما أحمد فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدا، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم، كما يرخص في صلاة النساء في المساجد جماعات، وإن كانت بيوتهن خيرا لهن، إلا إذا تبرجن وجمع بذلك بين الآثار، واحتج بحديث ابن أم مكتوم.
ومثله: ما خرجاه في الصحيحين، «عن عتبان بن مالك (1) قال: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا حتى أتخذه مسجدا. فقال: " أفعل إن شاء الله " فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه، بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: " أين تحب أن أصلي من بيتكم (2) " فأشرت له إلى المكان الذي أحب
_________
(1) هو الصحابي الجليل: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان، الأنصاري الخزرجي السالمي، ممن شهد بدرا، وهو إمام قومه بني سالم، توفي في خلافة معاوية.
انظر: الإصابة (2 / 452) ، (ت 5396) .
(2) في المطبوعة: من بيتك، وكذلك في البخاري ومسلم.
(2/275)

أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر، وصففنا (1) وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم» (2) ".
ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن هذا كان أصل قصده بناء مسجد، فأحب أن يكون موضعا يصلي له فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رسم المسجد، بخلاف مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا فاتخذ مسجدا لا لحاجة إلى المسجد، لكن (3) لأجل صلاته فيه.

[الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندها]
فأما الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندها، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب ومثل هذا: ما خرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد (4) قال: " كان سلمة بن الأكوع (5) يتحرى الصلاة عند الأصطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأصطوانة،
_________
(1) في (ب) : وصفنا.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب المساجد والبيوت، حديث رقم (425) ، (1 / 19) . ومسلم، كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، حديث رقم (33) ، (1 / 455) .
(3) في المطبوعة: لكن لا لأجل.
(4) هو: الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع، ثقة، من الرابعة، توفي سنة بضع وأربعين ومائة.
انظر: التقريب (2 / 368) .
(5) هو الصحابي الجليل: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، شهد بيعة الرضوان، وتوفي سنة (74هـ) . انظر: التقريب (1 / 318) .
(2/276)

قال (1) «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها» (2) وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة» (3) .
وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء، وليس بجيد. فإنه هنا أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى البقعة. . فكيف لا يكون هذا القصد مستحبا؟ نعم: إيطان (4) بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهي عنه كما جاءت به السنة، والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان (5) .
فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والاستنان به فيما فعله، وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به.
_________
(1) في (ب ج د) : فقال.
(2) انظر: صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة إلى الأصطوانة، حديث رقم (502) ، (1 / 577) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة، حديث رقم (509) ، (1 / 364، 365) .
(3) صحيح مسلم، الكتاب والباب والحديث السابقين (1 / 364) طريق أخرى للحديث.
(4) الإيطان: هو اتخاذه وطنا، وذلك بأن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد يصلي به. انظر: لسان العرب، مادة (وطن) ، (13 / 451) .
(5) في المخطوطة (ط) تعليق هذا نصه: " يقول الفقير داود الطبيب: أعني إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها، هي من بدع اليهود، فإن لكل واحد من كبرائهم بقعة في الكنيسة لا يقعد فيها سواه، حتى إذا جاء وجد أحدا قاعدا فيها أقامه، وأقام القاعد من تلقاء نفسه؛ لما قد عرف واشتهر بينهم أن هذه البقعة مكان فلان، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". وداود الطبيب هذا لعله داود بن ناصر الموصلي، له مؤلفات في الطب، توفي سنة (726هـ) . انظر: الأعلام للزركلي (2 / 335) .
(2/277)

وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل (1) فعلا من المباحات لسبب، وفعلناه نحن تشبها به، مع انتفاء ذلك السبب، فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما، بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه، لأنها كانت منزله، لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة. فنظير هذا: أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة.
فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها (2) اتفاقا، فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار (3) يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجا وعمارا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة (4) وكل بدعة ضلالة» (5) .
_________
(1) في المطبوعة: فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلا.
(2) في (ب) : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي (ج د) : صلى فيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(3) في (ب) : رضوان الله عليهم أجمعين.
(4) كل محدثة بدعة: ساقطة من (د) .
(5) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم (4607) ، (5 / 13 - 15) . والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم (2676) ، 5 / 44، 45) ، وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، حديث رقم (42) ، (1 / 15) . وأحمد في السنة (4 / 126، 127) . والدارمي في المقدمة (1 / 44، 45) ، باب اتباع السنة.
(2/278)

وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي (1) إذا خالفه نظيره، ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟
أيضا: فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان، سدا للذريعة. فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه، أو صلاتهم فيه، من غير أن يكونوا (2) قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟ .
ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يقال إن الأنبياء قاموا فيها، كالمقامين اللذين بطريق جبل قاسيون بدمشق، اللذين يقال إنهما مقام إبراهيم وعيسى، والمقام الذي يقال إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك، من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما.
ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدا، فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» - ثلاثا - ثم قرأ قوله تعالى:
_________
(1) في المطبوعة زاد: وفعله.
(2) في (ب د) : أن يكون.
(2/279)

{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30] (1)) (2) .
وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ - وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص: 74 - 75] (3) وقال تعالى عن الخليل: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ - أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} [الصافات: 85 - 86] (4) وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] (5) .
وقال تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 1 - 3] (6) .
وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ - فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ - هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [يونس: 28 - 30] (7) .
_________
(1) سورة الحج: من الآيتين 30، 31.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب الشهادات، باب شهادة الزور، الحديث رقم (2299) ، ورقم (2300) ، (4 / 547) ، وقال: هذا عندي أصح، يعني الحديث رقم (2300) ، عن خزيم بن فاتك، والأول عن أيمن بن خزيم. وأخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب شهادة الزور، الحديث رقم (3599) ، (4 / 23، 24) . وابن ماجه رقم (2372) في الأحكام. وأحمد (4 / 321، 322) وغيرهم.
(3) سورة القصص: الآيتان 74، 75.
(4) سورة الصافات: الآيتان 85، 86.
(5) سورة الأنعام: الآية 94.
(6) سورة الزمر: الآيات 1-3.
(7) سورة يونس: الآيات 28 - 30.
(2/280)

وقال تعالى: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] (1) .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] (2) .
قال أبو قلابة: " هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة " (3) . وهو (4) كما قال: فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذلة ما أوعدهم الله به.
والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا: كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب (5) كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل
_________
(1) سورة يونس: الآية 66. ويلاحظ أن المطبوعة جرى فيها اختصار وتغيير في الآيات من قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الآيات إلى هنا. . وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، أما بقية النسخ فهي متفقة.
(2) سورة الأعراف: الآية 152.
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره للآية (9 / 48، 49) بإسناده عن أبي قلابة من طريقين: وقال: كل مفتر، بدل: مبتدع.
(4) في (ج د) : وكما قال.
(5) وقع اختلاف بين النسخ في العبارات هنا، ففي (ب) قال: (فكل من كان أقرب إلى الشرك كان أقرب إلى الكذب والافتراء، كالرافضة) ، وفي (ج د) : (فكل زمان كان أقرب إلى الشرك، أقرب إلى الكذب والافتراء كالرافضة) وما أثبته من (أط) والمطبوعة.
(2/281)

الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون (1) مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور، التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها، والله سبحانه في كتابه إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114] (2) ولم يقل: مشاهد الله.
وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] (3) ولم يقل: عند كل مشهد.
وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] إلى قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] (4) ولم يقل: مشاهد الله. بل المشاهد إنما يعمرها من يخشى غير الله ويرجو غير الله لا يعمرها إلا من فيه نوع من الشرك.
وقال الله تعالى: {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] (5) وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 - 38] (6) وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] (7)
_________
(1) في (أ) : يحرفون في مساجد الله.
(2) سورة البقرة: من الآية 114.
(3) سورة الأعراف: من الآية 29.
(4) سورة التوبة: الآيتان 17، 18.
(5) سورة الحج: الآية 40. وقد أخرها في المطبوعة بعد آيات النور.
(6) سورة النور: الآيات 36 - 38.
(7) سورة الجن: الآية 18.
(2/282)

ولم يقل: وأن المشاهد لله.
وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة كقوله في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» (1) ولم يقل: مشهدا. وقال أيضا في الحديث: «صلاة الرجل في المسجد تفضل عن صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين صلاة» (2) وقال في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته فأحسن الطهور، ثم خرج إلى المسجد لا تنهزه (3) إلا الصلاة، كانت خطواته إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة. فإذا جلس ينتظر الصلاة فالعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث» (4) .
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب من بنى مسجدا، الحديث رقم (450) ، (1 / 544) فتح الباري عن عثمان بن عفان، ولفظه: " وإني سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: " من بنى مسجدا - قال بكير: حسبت أنه قال - يبتغي وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة "، ومسلم في كتاب المساجد، باب فضل بناء المساجد، الحديث رقم (533) بلفظ البخاري، ولفظ آخر: " من بنى مسجدا لله؛ بنى الله له في الجنة مثله " (1 / 378) ، وأخرجه البغوي في شرح السنة بهذا اللفظ الذي ذكره المؤلف في كتاب الطهارة، باب ثواب من بنى مسجدا، تابع الحديث رقم (461) ، (2 / 347) .
(2) أخرجه مسلم بألفاظ متقاربة في كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، الحديث رقم (649) ، (1 / 449، 450) ، والحديث رقم (649) ، (1 / 459) ، وكذلك في صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، الحديث رقم (647) ، (2 / 131) من فتح الباري. وفي ألفاظهما اختلاف يسير عن اللفظ الذي أورده المؤلف.
(3) لا تنهزه: قال النووي في شرح مسلم: لا تنهضه وتقيمه، وهو بمعنى قوله بعده " لا يريد إلا الصلاة " (5 / 66) .
(4) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، الحديث رقم (647) ، (2 / 131) وفي ألفاظه اختلاف يسير عن اللفظ الذي أورده المؤلف، وأخرجه مسلم، بلفظ هو أقرب إلى لفظ المؤلف، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، الحديث رقم (649) ، (1 / 459) .
(2/283)

وهذا مما علم (1) بالتواتر والضرورة من دين الرسول (2) صلى الله عليه وسلم، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد، لا على قبر نبي، ولا غير قبر نبي (3) ولا على مقام نبي، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني (4) على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلا، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي (5) لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه.
واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه (6) وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصًا عنه.
وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه (7) .
_________
(1) في (ط) : يعلم.
(2) في (أط) : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(3) في (د) : ولا غير نبي.
(4) في (ج د) : بُنِيَ.
(5) أو غير نبي: ساقطة من (ب) .
(6) انظر كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 84) .
(7) يعني أصحاب أبي حنيفة.
(2/284)

وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق (1) في المبسوط، والقاضي عياض (2) وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ولكن يسلم ويمضي (3) . وقال أيضًا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج، أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه (4) ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه (5) يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه (6) ببلدنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده (7) .
وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة، ما يوافق هذا ويؤيده من
_________
(1) هو: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الأزدي، فقيه مالكي، ولد سنة (200هـ) له مؤلفات منها: المبسوط، شواهد الموطأ، الأصول، السنن. توفي سنة (282هـ) . انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص 164، 165) .
انظر: الأعلام للزركلي (1 / 310) .
(2) هو: القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمر اليحصبي السبتي. إمام وقته ببلاد المغرب، في الحديث وعلومه والنحو واللغة، وله مصنفات جيدة، منها: التنبيهات، ومشارق الأنوار، وشرح كتاب مسلم، واشتهر بالذكاء وحسن السيرة، توفي سنة (544) ، وكانت ولادته سنة (476هـ) . انظر: وفيات الأعيان (3 / 483 - 485) ؛ والأعلام للزركلي (5 / 99) .
(3) (الشفا) للقاضي عياض (2 / 84) .
(4) فيصلي عليه: سقطت من (أ) . وفي (ب) : ويدعو له فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر.
(5) في المطبوعة: إلا يفعلون ذلك.
(6) من هنا حتى قوله: أول هذه الأمة (سطر تقريبا) : سقط من (ج د) .
(7) انظر: (الشفا) للقاضي عياض (2 / 87 - 88) .
(2/285)

أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية: كالصلاة والسلام. ويكرهون قصده للدعاء، والوقوف عنده للدعاء (1) ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء، أن يدعو مستقبلًا القبلة إما مستدبر القبر وإما منحرفًا عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعو، ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة.
ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء (2) أن يستقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو عنده، وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف، يبين حقيقية الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد (3) قال: " ناظر أبو جعفر (4) أمير المؤمنين مالكًا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له (5) مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] الآية (6) ومدح قومًا (7) فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [الحجرات: 3] الآية (8) وذم قومًا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] الآية (9) .
_________
(1) للدعاء: سقطت من (ب ج د) .
(2) في المطبوعة: للمار.
(3) هو: محمد بن حميد اليشكري. أبو سفيان المعمري، نزيل بغداد، ثقة من التاسعة، أخرج له مسلم وغيره، وتوفي سنة (182هـ) .
انظر: تقريب التهذيب (2 / 156) ، ت (160) .
(4) هو: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي، أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، وليها بعد السفاح، وكان قويا حازما عادلا، مع علم وفقه، تولى الخلافة سنة (136هـ) ، وتوفي سنة (158هـ) ، وعمره (63) .
انظر: البداية والنهاية لابن كثير (10 / 121 - 128) .
(5) في (أ) : فقال: لا ترفع.
(6) سورة الحجرات: الآية 2.
(7) في (أ) : أقواما.
(8) سورة الحجرات: الآية 3.
(9) سورة الحجرات: الآية 4.
(2/286)

وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه (1) الله (2) . وقال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} [النساء: 64] (3) الآية (4) .
فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة، أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد (5) يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، (6) وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقًا، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر، ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة، ويوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره. فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره، وقت الدعاء.
ويشبه - والله أعلم - أن يكون مالك رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه، وهو يسمي ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضًا، ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم.
_________
(1) في (أط) : يشفعك.
(2) في المطبوعة: فيك.
(3) سورة النساء: الآية 64.
(4) أخرجها القاضي عياض في كتاب (الشفا) فصل حرمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد موته (2 / 39، 40) ، وقد فندها المؤلف في كتابه (التوسل والوسيلة) وذكر أنها حكاية منقطعة لم تثبت عن مالك (ص 67، 68) ، وكذبها (ص 150) .
(5) في (أط) : أو قد.
(6) قوله: وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا: سقط من (ج د) .
(2/287)

وكما قال في رواية ابن وهب عنه: " إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ويدعو، ولا يمس القبر بيده (1) وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه ويدعو له ".
ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول: ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة (2) حلت عليه شفاعتي يوم القيامة» (3) .
فقول مالك في هذه الحكاية - إن كان ثابتًا عنه - (4) معناه: إنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة، يشفع فيك يوم القيامة فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون (5) بشفاعته واستشفاع العبد به في الدنيا هو (6) فعل ما يشفع به له يوم القيامة، كسؤال الله له الوسيلة ونحو ذلك.
وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو (7) ويسلم، يعني دعاءه للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
_________
(1) انظر: كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 84) .
(2) في (ب) : علق فوق السطر: فقد. أي: فقد حلت عليه.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن، الحديث رقم (384) ، (1 / 288، 289) وآخره في مسلم، قال " حلت له الشفاعة ".
(4) في (أ) : فمعناه.
(5) في المطبوعة: إلى الله بشفاعته.
(6) في المطبوعة: هو بطاعته وفعل.
(7) في (أ) : ويدنو. وفي (ط) : فيدنو.
(2/288)

فهذا الدعاء هو المشروع هناك، كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يُصلى عليه ويسلم عليه (1) ويُدعى له - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم. وبها تتفق أقوال مالك، ويفرق بين الدعاء (2) الذي أحبه، والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة.
وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} [النساء: 64] (3) الآية، فهي - والله أعلم - باطلة، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلمه، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل (4) بعد الموت لا استغفارا ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية، وأنشد بيتين:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم (5)
ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا؛ لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب
_________
(1) ويسلم عليه: سقطت من (د ب) .
(2) الدعاء: سقطت من (أ) .
(3) سورة النساء: من الآية 64.
(4) في المطبوعة: يسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(5) المغني والشرح الكبير (3 / 588، 589) في المغني. وقد ذكر عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله. . إلخ القصة. وذكر هذين البيتين.
(2/289)

قد بسطت في غير هذا الموضع (1) .
وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل: حتى (2) قال «إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا " قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» (3) .
وقد يفعل الرجل العمل (4) الذي يعتقده صالحًا، ولا يكون عالمًا أنه (5) منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويُعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل (6) لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها. ثم الفاعل قد يكون متأولا، أو مخطئا مجتهدا أو مقلدا، فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع، كالمجتهد المخطئ، وقد بسط (7) هذا في غير هذا الموضع (8) .
_________
(1) انظر (ص230-238) من هذا الجزء.
(2) حتى: سقطت من (أ) .
(3) الحديث مر (ص 213) من هذا الجزء.
(4) العمل: سقطت من (ط) .
(5) في (أ) : به.
(6) بل: ساقطة من (أ) .
(7) في (ط) : وقد بسطت.
(8) انظر: (ص 215) من هذا الجزء.
(2/290)

[الاستسقاء بأهل الخير الأحياء إنما يكون بدعائهم]
والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكًا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه مقيم بالمدينة، يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف. وقد أجدب الناس على عهد عمر (1) رضي الله عنه، فاستسقى بالعباس.
ففي صحيح البخاري، عن أنس: " أن عمر استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقِنا، فيُسقون (2) .
فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به.
ولهذا (3) قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن يكون من أهل (4) بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي (5) وقال اللهم إنا (6) نستسقي بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع (7)
_________
(1) في (أط) : ابن الخطاب.
(2) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، الحديث رقم (1010) ، (2 / 394) من فتح الباري.
(3) ولهذا: سقطت من (د) .
(4) في (ط) : من أهل بيت رسول الله.
(5) هو: يزيد بن الأسود الجرشي أبو الأسود، ذكره بعضهم من الصحابة، ولا يثبت ذلك، وهو في عداد الشاميين، من العباد، وكان أدرك الجاهلية والإسلام.
انظر: الإصابة (3 / 673) ، (ت9393) .
(6) إنا: سقطت من (أط) .
(7) في (ط) : (زوج. . فزوج) وهو تحريف.
(2/291)

يدك فرفع (1) يديه ودعا، ودعا الناس حتى أمطروا (2) .
ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره يستسقي (3) عنده ولا به، والعلماء استحبوا السلام على النبي صلى الله عليه وسلم؛ للحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام» (4) هذا مع ما في النسائي وغيره، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وكّل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» (5) .
وفي سنن أبي داود وغيره عنه، أنه قال «أكثروا من الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي "، فقالوا يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -أي بليت -فقال: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» (6) . فالصلاة عليه -بأبي هو وأمي- والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله، وقد ثبت في الصحيح (7) أنه قال «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها (8) عشرا» (9) .
_________
(1) في (ط) : (زوج. . فزوج) وهو تحريف.
(2) في المطبوعة زاد: وذهب الناس.
ذكر ابن حجر هذه القصة في الإصابة (3 / 673) : " وأخرجه أبو زرعة ويعقوب بن سفيان في تاريخيهما بسند صحيح".
(3) في (أط ب) : فيستسقي.
(4) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(5) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(6) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(7) في (ب) : عنه أنه.
(8) بها: ساقطة من (أط د) .
(9) الحديث مرّ. انظر: فهرس الأحاديث.
(2/292)

والمشروع لنا عند زيارة قبور (1) الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، هو من جنس المشروع عند جنائزهم.
فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له؛ (2) فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له (3) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح والسنن والمسند (4) " أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ويرحم الله المستقدمين منا (5) ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» (6) .
فهذا دعاء خاص للميت، كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام والخاص (7) «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك (8) تعلم متقلبنا
_________
(1) قبور: ساقطة من (أ) .
(2) ما بين الرقمين: ساقطة من (د) .
(3) ما بين الرقمين: ساقطة من (د) .
(4) والمسند: ساقطة من (ط) .
(5) منا: ساقطة من (ط) .
(6) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور، حديث رقم (974، 975) . وسنن الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر، حديث رقم (1053) ، (3 / 369) . وسنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب مما يقول إذا زار القبور أو مر بها، حديث رقم (3237) ، (3 / 558، 559) . وسنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الحوض، حديث رقم (4306) ، (2 / 1439) . ومسند أحمد (2 / 300، 375، 408) ، (6 / 71، 76، 111، 180، 221) . وسنن النسائي (4 / 93، 94) .
(7) في (ط) زاد: في أول الدعاء: " اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. . " إلخ الدعاء، وهو خلط من الناسخ.
(8) قوله: إنك تعلم متقلبنا ومثوانا: ساقطة من (أط) .
(2/293)

ومثوانا» (1) أي (2) ثم يخص الميت بالدعاء.
قال الله تعالى في حق المنافقين: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 84] (3) الآية.
فلما نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم - لأجل كفرهم - دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلى عليه ويقام على قبره. ولهذا في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ثم يقول: " سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (4) .
فأما أن (5) يقصد بالزيارة: سؤال الميت، أو الإقسام به على الله، أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك. بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
_________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما يقول في الصلاة على الميت، حديث رقم (1024) ، (3 / 343، 344) ، وليس فيه قوله: " إنك تعلم متقلبنا ومثوانا "، وقال الترمذي في هذا الحديث: " حديث ولد إبراهيم حديث حسن صحيح " (3 / 344) ، وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، حديث رقم (3201) ، (3 / 539) ، وفيه زيادة، وابن ماجه في كتاب الجنائز، الباب (23) ، الحديث (1498) ، (1 / 480) . وأحمد في المسند. انظر: الفتح الرباني (7 / 235، 236) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (1 / 358) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وذكر له شاهدا صحيحا على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في التلخيص (1 / 358) .
(2) في (أط) : لم يخص.
(3) سورة التوبة: الآية 84.
(4) الحديث مر. انظر: فهرس الاحاديث، وطرفه "استغفروا لأخيكم. . ".
(5) في (ج د) : قصد.
(2/294)

وقال القاضي عياض: (كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عن بعضهم أنه علله بلعنه صلى الله عليه وسلم زوارات القبور، قال (1) وهذا يرده قوله (2) «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (3) . وعن بعضهم أن (4) الزائر أفضل من المزور، قال: وهذا مردود بما جاء من زيارة أهل الجنة لربهم (5) .
قال: والأولى أن يقال في ذلك: إنه إنما كرهه مالك لإضافة الزيارة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه، لقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (6) فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بأولئك؛ قطعًا للذريعة وحسمًا للباب (7) كتاب (الشفا) للقاضي عياض (2 / 82، 83) ، وقد ذكره المؤلف مختصرا. .
قلت (8) غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على (9) استعمال لفظ زيارة القبور في (10) الزيارة
_________
(1) أي: القاضي عياض.
(2) في المطبوعة: كنت.
(3) الحديث مر. انظر: فهرس الاحاديث.
(4) في المطبوعة زاد: أن ذلك لما قيل. وهو يوافق عبارة القاضي قي كتاب (الشفا) (2 / 83) .
(5) في المطبوعة زاد أيضا: ليس بشيء، إذ ليس كل زائر بهذه الصفة، وقد ورد في حديث زيارة أهل الجنة. . إلخ. وهو من كلام القاضي في (الشفا) (2 / 83) .
(6) الحديث مرّ. انظر: فهرس الأحاديث.
(7) في (ب ج د) : للمادة.
(8) في (ب) زاد: وقد.
(9) على: ساقطة من (أب) .
في (ط) : (انتهى إلى لفظ) ، بدل: (على استعمال لفظ) .
(10) في (أ) : أي لفظ.
(2/295)

البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند (1) كالإمام أحمد وغيره.
وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأَجَلُّ حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بل الأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» (2) و «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» (3) و «من حج ولم يزرني فقد جفاني» (4) ونحو هذه الأحاديث، كلها مكذوبة موضوعة.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (5) وفي الصحيح عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (6) فهذه زيارة لأجل (7) تذكرة الآخرة، ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك.
_________
(1) في (ب) : في السنة.
(2) قال النووي في المجموع شرح المهذب في هذا: " وهذا باطل ليس هو مرويا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يعرف في كتاب صحيح ولا ضعيف، بل وضعه بعض الفجرة" (8 / 481) .
(3) أثبت الأئمة أن هذين لا يصحان أيضا. فانظر: الفوائد المجموعة للشوكاني (ص117، 118) ؛ والمقاصد الحسنة (ص427 - 428) ؛ وكشف الخفا (2 / 346، 347، 348) .
(4) نفس المصدر السابق.
(5) الحديث مرّ. انظر: فهرس الأحاديث، وطرفه: " إني كنت نهيتكم".
(6) الحديث مر. انظر: فهرس الأحاديث.
(7) في (أ) : لأجل أن تذكر.
(2/296)

وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين.
وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: " ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا " (1) .
وفي الصحيح أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح (2) بنوا على قبره مسجدا، وصوّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» وهذه في الصحيح (3) .
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (4) .
وفي السنن عنه أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (5) وفي الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (6) .
_________
(1) الحديث مرّ. انظر: فهرس الأحاديث.
(2) في هامش (ب) : أو العبد الصالح.
(3) الحديث مرّ. انظر: فهرس الأحاديث.
(4) انظر الحديث في فهرس الأحاديث.
(5) الحديث مرّ بمعناه بألفاظ مختلفة، في (1 / 337 -339) ، و (ص 170) من هذا الجزء.
(6) انظر الحديث في فهرس الأحاديث.
(2/297)

وفي المسند، وصحيح أبي حاتم، عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (1) .
ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - وكذلك عن أصحابه.
فهذا الذي ينهى (2) عنه: من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه من السلام على الموتى، والدعاء لهم، فالزيارة المشروعة من جنس الثاني (3) . والزيارة المبتدعة من جنس الأول (4) فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك، كما دل عليه النص.
واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل (5) اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور، أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد (6)
_________
(1) مسند أحمد (1 / 405، 435، 454) في مسند عبد الله بن مسعود.
(2) في (أط) : نهى.
(3) في (ب ج د) : من جنس الصلاة على الجنازة، وهي تفسر معنى قوله: (الثاني) وهو: السلام على الموتى والدعاء لهم.
(4) أي: اتخاذ القبور مساجد.
(5) في (أ) : بل قد.
(6) في (ج د) : فقد.
(2/298)

صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل (1) وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا نزاع.
والمقصود هنا: أن هذا ليس بواجب ولا مستحب، باتفاقهم، بل هو (2) مكروه باتفاقهم. والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين:
إحداهما: نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى، وهذه علة من يفرق بين القديمة والحديثة، وهذه العلة في صحتها نزاع، لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور، وهي من مسائل الاستحالة (3) وأكثر علماء المسلمين يقولون إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر (4) وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد.
وقد ثبت في الصحيح: أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان حائطًا لبني النجار، وكان (5) قبورًا من قبور المشركين، ونخلا وخربًا (6) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت (7) وجعل النخل في صف القبلة (8) .
_________
(1) في (أ) : بل بإبطال.
(2) بل هو مكروه باتفاقهم: ساقطة من (ج د) .
(3) الاستحالة هي: تحول الشيء من حقيقة إلى حقيقة أخرى، ومن مادة إلى مادة أخرى كتحول الأجساد إلى تراب.
(4) هم: الذين يأخذون بظاهر النصوص في الاستدلال، ولا يقولون بالقياس.
(5) في المطبوعة: وكان فيه من قبور المشركين ونخل وخرب.
(6) في (أب ط) : ونخل وخرب.
(7) في (أ) : فنشرت.
(8) انظر صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب (48) ، حديث رقم (427) ، (1 / 523) من فتح الباري. وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب ابتناء مسجد النبي، حديث رقم (524) ، (1 / 373) .
(2/299)

فلو كان (1) تراب قبور المشركين نجسا (2) ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل ذلك التراب، فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره، والعلة الثانية ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور؛ لما يفضي إليه ذلك من الشرك وهذه العلة صحيحة باتفاقهم.
والمعللون بالأولى، كالشافعي وغيره، عللوا بهذه أيضًا، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة: من أصحاب أحمد ومالك، كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد، وغيره وعللوا بهذه الثانية أيضًا، وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى.
وقد قال تعالى {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] (3) ذكر ابن عباس وغيره من السلف: " أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " قد ذكر هذا البخاري في صحيحه (4) وأهل التفسير: كابن جرير وغيره (5) وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة (6) وغيره.
ويبين صحة هذه العلة أنه صلى الله عليه وسلم لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم
_________
(1) زاد في المطبوعة: تراب القبور نجس لكان.
(2) في المطبوعة زاد: لكان تراب قبور المشركين نجسا. وغير في العبارة الأولى.
(3) سورة نوح: الآية 23.
(4) انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، باب (1) ، الأثر رقم (4920) (8 / 667) من فتح الباري.
(5) تفسير ابن جرير (29 / 62) .
(6) هو: أبو يزيد، وثيمة بن موسى بن الفرات الوشاء الفارسي الفسوي، كان يتجر بالوشي، رحل إلى البصرة ومصر والأندلس، ثم إلى مصر، وتوفي بها سنة (237هـ) ، وله كتاب في أخبار الردة. انظر: وفيات الأعيان (6 / 12، 13) ، (ت 769) ، وفي المخطوطة (ط) قال: وشيمة وهو خطأ كما تبين كتب التراجم.
(2/300)

أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا، وقد قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (1) . وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا» (2) فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة، وحسم المادة، بأن لا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله (3) . وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله (4) ؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها (5) .
وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع (6) الأدعية والتسبيحات (7) ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه.
وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين؛ حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه: " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " (8) على مذهب المشركين من الهند والصابئة، والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم (9)
_________
(1) انظر فهرس الأحاديث.
(2) انظر فهرس الأحاديث.
(3) ولا يدعوإلا الله: ساقطة من (ج د ط) .
(4) ولا يدعو إلا الله: سقطت من المطبوعة.
(5) في المطبوعة: إلى دعاء المقبورين والصلاة لهم.
(6) في (ط) : من الأدعية.
(7) في المطبوعات: والتعزيمات.
(8) صنف هذا الكتاب: الفخر الرازي. انظر: (الأعلام) للزركلي (6 / 312) . وانظر: تعليق محمد حامد الفقي على المطبوعة (ص405) .
(9) لم أجد له ترجمة.
(2/301)

الهندي، وملكوشا (1) البابلي (2) وابن وحشية (3) وأبي معشر البلخي (4) وثابت بن قرة (5) وأمثالهم ممن دخل في هذا (6) الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى أهل (7) الكتاب. كما قال تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51 - 52] (8) وقد قال غير واحد من السلف: " الجبت: السحر، والطاغوت: الأوثان "، وبعضهم قال: "الشيطان" وكلاهما حق (9) .
هؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر (10) والشرك الذي هو عبادة
_________
(1) في (أط) : مكلوشا.
(2) لم أجد له ذكرا.
(3) هو: أحمد بن علي بن المختار بن عبد الكريم بن جرثيا، الكلداني، الصوفي، دجال يدعي السحر والطلاسم. انظر: (الفهرست) لابن النديم (433) ؛ (والأعلام) للزركلي (1 / 170، 171) .
(4) هو: جعفر بن محمد البلخي، من مشاهير علماء الفلك والنجوم، وله فيها مؤلفات كثيرة، توفي سنة (247) ، وكانت ولادته (206هـ) .
انظر: (الفهرست) لابن النديم (ص386) ؛ و (الأعلام) للزركلي (2 / 127) .
(5) هو: ثابت بن قرة بن مروان بن ثابت بن كرايا، ولد سنة (221 هـ) ، وكان صيرفيا بحارا، واشتغل بالهندسة والطب وعلم الفلك والنجوم والفلسفة، وقربه المعتضد، وهو صابئ مشرك، توفي سنة (288هـ) .
انظر: (الفهرست) لابن النديم (ص 380) ؛ و (الأعلام) للزركلي (2 / 98) .
(6) هذا: سقطت من (د) .
(7) أهل: سقطت من (أج د ط) ، وفي المطبوعة: أهل الإسلام.
(8) سورة النساء: الآيتان 51، 52.
(9) انظر: تفسير ابن جرير (5 / 83، 84) .
(10) في (ط) : وبين الشرك.
(2/302)

الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام - بل ودين جميع الرسل - أنه شرك محرم، بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه، ومخاطبة إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم لقومه كانت في نحو هذا الشرك.
وكذلك قوله تعالى {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ - فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 75 - 83] (1) . فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذه السبيل لأن قومه كانوا يتخذون الكواكب أربابا، يدعونها ويسألونها، ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد (2) أن كوكبا من الكواكب خلق السماوات والأرض، وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب
_________
(1) سورة الأنعام: الآيات 75- 83. وفي المطبوعة: لم يسرد الآيات إنما ذكر أول الآية 75 من سورة الأنعام، ثم قال: إلى قوله: " إن ربك عليم حكيم"، وقد أخطأ في لفظ الآية، والصحيح "حكيم عليم" سورة الأنعام: الآية 83.
(2) في (ج د) : يعتقدون.
(2/303)

هؤلاء المشركين، ولهذا قال الخليل عليه السلام {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] (1) وقال الخليل (2) {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26 - 27] (3) .
والخليل صلوات الله عليه، أنكر شركهم بالكواكب (4) العلوية، وشركهم (5) بالأوثان، التي هي تماثيل وطلاسم لتلك (6) أو هي أمثال (7) لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وكسر (8) الأصنام، كما قال تعالى عنه: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] (9) .
والمقصود هنا: أن الشرك (10) وقع كثيرا، وكذلك الشرك بأهل القبور بمثل (11) دعائهم، والتضرع إليهم، والرغبة إليهم، ونحو ذلك.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن الصلاة التي تتضمن (12) الدعاء لله وحده خالصا عند القبور؛ لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع (13) الشرك من الرغبة إليهم، سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج
_________
(1) سورة الشعراء: الآيات 75- 77.
(2) الخليل: سقطت من (ب) .
(3) سورة الزخرف: الآيتان 26، 27.
(4) في المطبوعة: بعبادة الكواكب.
(5) في المطبوعة: بعبادة الأوثان.
(6) في المطبوعة: لتلك الكواكب.
(7) في المطبوعة: تماثيل.
(8) في (أط) : وذكر الأصنام.
(9) سورة الأنبياء: الآية 58.
(10) في المطبوعة: أن الشرك بعبادة الكواكب.
(11) في المطبوعة: المقبورين من دعائهم.
(12) (أط) : تضمن.
(13) في (أ) : نوع من الشرك.
(2/304)

الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى؟ بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم؛ لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره (1) كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد (2) باتفاق الأئمة.
وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين: أصحهما: أنه نهي تحريم (3) .
ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد (4) وبعض أصحابه، كابن عقيل طرد الخلاف (5) في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم: أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البته، ولا يقسم بمخلوق البته، وهذا هو الصواب (6) .
والإقسام على الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مبني على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في (منسك المروزي) ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به. فكذلك هذا (7) .
وأما غيره: فما علمت بين الأئمة (8) فيه نزاعا بل قد صرح العلماء بالنهي
_________
(1) في (ب) زاد: يعني الإقسام به.
(2) في (أط) : معتقد.
(3) انظر: المغني والشرح الكبير (11 / 162، 164، 209) ؛ وبداية المجتهد (2 / 499، 500) ؛ ومجموع الفتاوى للمؤلف (33 / 62، 68، 125، 126) ، و (35 / 243) ، و (1 / 204) .
(4) من هنا حتى قوله: لكن القول (سطر تقريبا) : سقط من (أط) .
(5) في (ب) : طردا للخلاف.
(6) انظر: المغني والشرح الكبير (11 / 209) ؛ ومجموع الفتاوى (35 / 243) .
(7) في (ب) : زاد: يعني الإقسام. وهو تفسير لمرجع الإشارة.
(8) في (أ) وفي المطبوعة: الأمة.
(2/305)

عن ذلك، واتفقوا على أن الله يُسأل (1) ويقسم عليه بأسمائه وصفاته، كما يقسم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في السنن: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان (2) بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام» (3) .
وفي الحديث الآخر (4) " (5) «اللهم إني أسألك بأنك أنت (6) الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» (7) وفي الحديث الآخر (8) «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (9) فهذه الأدعية
_________
(1) في المطبوعة: أن الله تعالى هو الذي يسأل وحده.
(2) في (أ) : أنت المنان وفي المطبوعة: أنت الله الحنان المنان.
(3) انظر: سنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، الحديث رقم (3858) ، (2 / 1268) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه " (1 / 504) . وأخرجه من طريق أخرى وسكت عنه (1
4) .
(4) في (أ) : الأخير.
(5) في (ب) : أسقط الحديث وذكر الذي بعده.
(6) أنت: سقطت من (أ) .
(7) انظر: سنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، الحديث رقم (3857) ، (1 / 1267- 1268) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك في الكتاب والباب السابقين، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، وذكر له شاهدًا أيضا على شرط مسلم (1 / 504) .
(8) في (أ) : الأخير.
(9) أخرجه أحمد في المسند (1 / 391، 452) في مسند عبد الله بن مسعود، والحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء، باب دعاء دفع الكرب، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه " (1 / 509، 510) .
(2/306)

ونحوها مشروعة باتفاق العلماء. وأما إذا قال: " أسألك بمعاقد (1) العز من عرشك " فهذا فيه نزاع، رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به. ونقل عن أبي حنيفة كراهته.
قال أبو الحسين (2) القدوري (3) في (شرح الكرخي) : قال بشر بن الوليد (4) سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعقد العز من عرشك، أو بحق خلقك (5) . قال أبو يوسف: بمعقد (6) العز من عرشه (7) هو الله، فلا أكره هذا، وأكره: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره.
قالوا جميعًا: فالمسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقا (8) ولكن معقد (9) العز من
_________
(1) في (ج د) : بمقاعد.
(2) في المطبوعة: أبو الحسن. والصحيح ما أثبته.
(3) هو: أحمد بن محمد بن أحمد القدوري، من أكابر فقهاء الحنفية، ولد سنة (362هـ) ، وكان ثقة صدوقا، انتهت إليه رياسة الحنفية في زمنه، توفي سنة (428هـ) .
انظر: الفوائد البهية (ص 30، 31) ؛ واللباب (3 / 19، 20) .
(4) هو: بشر بن الوليد بن خالد الكندي، القاضي، الحنفي، من أصحاب أبي يوسف، وكان صالحا عابدا واسع الفقه، ثقة. توفي سنة (238هـ) .
انظر: الفوائد البهية (ص 54، 55) ؛ ولسان الميزان (2 / 35) ، (ت120) .
(5) في (أ) : أو بحق فلان.
في المطبوعة زاد: وهو قول لأبي يوسف.
(6) في (ج د) : بمقعد.
(7) في: (أ) : من عرشي. وفي (ط) : من عرشك.
(8) في المطبوعة زاد: عليه.
(9) في (ج د) : مقعد.
(2/307)

عرشك (1) هل هو سؤال بمخلوق أو خالق؟ فيه نزاع بينهم، فلذلك تنازعوا فيه، وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: " أسألك بمعاقد (2) العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة " فجوزه لذلك.
وقد نازع في هذا بعض الناس، وقالوا: في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى الصلاة: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي» (3) .
وقد قال تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] (4) على قراءة حمزة وغيره ممن خفض (الأرحام) ، وقالوا: تفسيرها: أي يتساءلون به وبالأرحام، كما يقال: سألتك بالله وبالرحم. ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا باعادة الجار، فإنما قاله لما رأى غالب الكلام بإعادة الجار، وإلا فقد سمع من الكلام العربي - نثره ونظمه - العطف بدون ذلك كما حكى سيبويه: " ما فيها غيره وفرسه " (5) ولا ضرورة هنا، كما يدعى مثل ذلك
_________
(1) من هنا حتى قوله: منتهى الرحمة (سطران تقريبا) : ساقطة من (ط) .
(2) في: (ج د) : بمقاعد.
(3) أخرجه ابن ماجه في كتاب المساجد، باب المشي إلى الصلاة، الحديث رقم (778) ، (1 / 256) ، وكتب المعلق (محمد فؤاد عبد الباقي) : " قال في الزوائد: هذا إسناده مسلسل بالضعفاء، عطية وهو العوفي وفضيل بن مرزوق، والفضل بن الموفق، كلهم ضعفاء. لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده" (1 / 256) ، وأحمد في المسند (3 / 21) كما أشار المؤلف إلى أن الحديث فيه عطية العوفي وفية ضعف. انظر: قول المؤلف فيه (2 / 323) .
(4) سورة النساء: من الآية 1.
(5) بعضهم يذكرها عن قطرب: انظر (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) (ص 506) .
(2/308)

في الشعر، ولأنه قد ثبت في الصحيح أن عمر قال: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فيسقون (1) .
وفي النسائي والترمذي وغيرهما: حديث الأعمى الذي صححه الترمذي وغيرهما: " أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره فأمره أن يتوضأ فيصلي (2) ركعتين ويقول: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، يا نبي الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها (3) اللهم فشفعه في» (4) فدعا الله، فرد الله (5) عليه بصره.
والجواب عن هذا أن يقال:
أولا: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين، كما قال تعالى {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] (6) وكما قال تعالى {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] (7) وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم (8) قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حقه عليهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله
_________
(1) مر، انظر: فهرس الأحاديث.
(2) في (ط ب) : ويصلي.
(3) كذا في المطبوعة والمخطوطات، وفي الترمذي: "لتقضى لي "؛ وفي ابن ماجه: " لتقضى"؛ وفي المسند: " فتقضى لي".
(4) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب (119) ، (5 / 569) ، وقال: " هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه "، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الحاجة، الحديث رقم (1385) ، (1 / 441) ، ثم قال: " قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح (1 / 442) ، وأحمد في المسند (4 / 138) .
(5) في (ب ط) : فرد عليه بصره.
(6) سورة الروم: من الآية 47.
(7) سورة الأنعام: من الآية 54.
(8) في (أط) : لما قال لمعاذ.
(2/309)

إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " حقهم عليه أن لا يعذبهم» (1) فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق (2) .
وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] وبقوله في الحديث (3) الصحيح: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما» (4) والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر.
وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية (5) وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء (6) ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه، وحرم على نفسه (7) لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئا، كما يكون (8) للمخلوق على المخلوق؛
_________
(1) صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، الحديث رقم (5967) ،، (1 / 397- 398) فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب (10) ، (1 / 58، 59) ، الحديث رقم (30) .
(2) من هنا حتى قوله: لا أن العبد نفسه يستحق (تسعة سطور تقريبا) : سقطت من (أط) .
(3) في المطبوعة في الحديث القدسي الصحيح.
(4) جاء ذلك في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في كتاب البر، باب تحريم الظلم، الحديث رقم (2577) ، (4 / 1994) .
(5) انظر: (شرح الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار (ص 123، 314- 317، 345، 645- 647) ، والفرق بين الفرق (ص116) .
(6) في المطبوعة: وربه ومليكه.
(7) في المطبوعة: كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه.
(8) في (ط) : كما يستحقه المخلوق فإن الله.
(2/310)

فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان، والعمل الصالح. ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم (1) أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره؛ فهو جاهل في ذلك.
وإذا كان كذلك: لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه، ليس من باب المعاوضة، ولا من باب (2) ما أوجبه غيره عليه فإنه سبحانه (3) يتعالى عن ذلك.
وإذا سئل بما جعله سببا للمطلوب من (4) الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها بكرامته، وأنه يجعل لهم مخرجا، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيستجيب دعاءهم، ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهة عنده، فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببا.
وأما إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب: فإما أن يكون إقساما عليه به (5) فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم، وبكلماته التامة، ورحمته لهم (6) أن يمنعهم، ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده، يقبل من شفاعتهم ودعائهم، ما لا يقبله من دعاء غيرهم. فإذا قال الداعي أسألك بحق فلان، وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته،
_________
(1) ونحوهم: ساقطة من (ج د ط) .
(2) في (ب) : ولا مما أوجبه.
(3) في _ب ج د) : سبحانه هو. بزيادة: هو.
(4) في المطبوعة: من التقوى والأعمال الصالحة.
(5) في (ط) : ولا.
(6) في المطبوعة زاد: أن ينصرهم ولا يخذلهم.
(2/311)

بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة، لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب.

[التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة]
وحينئذ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله (1) وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها، كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم (2) فهذا مما لا نزاع فيه، بل هذا من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] (3) وقوله سبحانه {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] (4) فإن ابتغاء الوسيلة إليه، هو: طلب من يتوسل به، أي يتوصل ويتقرب به إليه سبحانه، سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر، أو كان على وجه السؤال له، والاستعاذة به، رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار.
ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، الدعاء بمعنى العبادة، أو الدعاء بمعنى المسألة، وإن كان كل منهما يستلزم (5) الآخر، لكن العبد قد تنزل به النازلة فيكون مقصوده (6) طلب حاجته، وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون في أول الأمر قصده حصول ذلك المطلوب: من الرزق والنصر والعافية مطلقا، ثم الدعاء والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله عز وجل ومعرفته ومحبته، والتنعم
_________
(1) في (ط) : ورسوله. هو تحريف من الناسخ.
(2) قد فصل المؤلف هذه المسألة في كتاب مستقل وهو كتاب: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة. مطبوع، فليراجع فإنه مفيدا جدا.
(3) سورة المائدة: من الآية 35.
(4) سورة الإسراء: من الآية 57.
(5) في (أط) : مستلزم.
(6) في (أ) : مقصود.
(2/312)

بذكره ودعائه، ما يكون هو أحب إليه وأعظم قدرا عنده من تلك الحاجة التي همته. وهذا من رحمة الله بعباده، يسوقهم (1) بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية.
وقد يفعل العبد ما أمر به ابتداء لأجل العبادة لله، والطاعة له، ولما عنده من محبته والإنابة إليه، وخشيته، وامتثال أمره، وإن كان (2) ذلك يتضمن حصول الرزق والنصر والعافية، وقد قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] (3) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن أبو داود وغيره: «الدعاء هو العبادة» ، ثم قرأ قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] (4) . وقد فسر هذا الحديث مع القرآن بكلا النوعين: " ادعوني " أي اعبدوني وأطيعوا أمري؛ أستجيب دعاءكم. وقيل: سلوني أعطكم، وكلا المعنيين (5) حق (6) .
وفي الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النزول: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. حتى يطلع
_________
(1) في (أ) : يشوقهم.
(2) كان: سقط من (أ) .
(3) سورة غافر: من الآية 60.
(4) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء، الحديث رقم (1479) ، (2 / 161) ؛ والترمذي في كتاب الدعاء، باب ما جاء في فضل الدعاء، الحديث رقم (3372) ، وقال: " هذا حديث صحيح" (5 / 456) ؛ وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، الحديث رقم (3828) ، 2 / 1258) .
(5) في المطبوعة: النوعين.
(6) انظر: (فتح القدير) للشوكاني (4 / 498) ؛ وتفسير ابن جرير (2 / 93، 94) ، (24 / 51، 52) .
(2/313)

الفجر» (1) فذكر أولا: إجابته الدعاء، ثم ذكر: إعطاء السائل، والمغفرة للمستغفر، فهذا جلب المنفعة، وهذا دفع المضرة، وكلاهما مقصود الداعي المجاب.
وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] (2) .
وقد روي: أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية (3) فأخبر سبحانه أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ثم أمرهم بالاستجابة له وبالإيمان به، كما قال بعضهم: فليستجيبوا لي إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي (4) إني (5) أجيب دعوتهم. قالوا: وبهذين السببين تحصل إجابة الدعوة: بكمال الطاعة لألوهيته، وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه؛ حصل مقصوده من الدعاء، وأجيب دعاؤه، كما قال تعالى {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [الشورى: 26] (6) أي: يستجيب لهم، يقال: استجابه واستجاب له.
فمن دعاه موقنا أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركا وفاسقا، فإنه سبحانه هو القائل: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12] (7) وهو القائل سبحانه:
_________
(1) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة في آخر الليل، الحديث رقم (1145) ، (3 / 29) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر آخر الليل وحديث رقم (758) ، (1 / 521- 523) .
(2) سورة البقرة: الآية 186.
(3) ذكره ابن جرير في تفسيره (2 / 92) بسنده من أكثر من طريق.
(4) بي: ساقطة من (أ) .
(5) في المطبوعة: وليؤمنوا بي إذا دعوتهم.
(6) سورة الشورى: من الآية 26.
(7) سورة يونس: الآية 12.
(2/314)

{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] (1) وهو القائل سبحانه {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40 - 41] (2) .
ولكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته، وأنه يجيب دعاء المضطر، إذا لم يكونوا مخلصين له الدين، في عبادته، ولا مطيعين له ولرسوله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا - وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا - كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 18 - 20] (3) .
وقد دعا الخليل عليه الصلاة والسلام بالرزق لأهل الإيمان فقال: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 126] (4) . قال الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126] (5) فليس كل من متعه الله برزق ونصر، إما إجابة لدعائه، وإما بدون ذلك، يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق.
وقد ذكروا أن بعض الكفار من (6) النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد
_________
(1) سورة الإسراء: الآية 67.
(2) سورة الأنعام: الآيتان 40، 41.
(3) سورة الإسراء: الآيات 18 - 20.
(4) سورة البقرة: الآية 126.
(5) سورة البقرة: الآية 126.
(6) في (أب) : والنصارى. وفي (ط) : ومن النصارى.
(2/315)

ماؤهم العذب، فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم، فاشتور (1) ولاة أمر المسلمين، وقالوا: بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم، فقام أولئك (2) فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم، فاضطرب بعض العامة، فقال الملك لبعض العارفين: أدرك الناس فأمر بنصب منبر له وقال: اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] (3) وقد دعوك مضطرين، وأنت تجيب المضطر إذا دعاك، فأسقيتهم؛ لما تكفلت به من رزقهم، ولما دعوك مضطرين لا لأنك تحبهم، ولا تحب دينهم، والآن فنريد أن ترينا آية يثبت بها الإيمان في قلوب عبادك المؤمنين. فأرسل الله عليهم ريحا فأهلكتهم، أو نحو هذا (4) .
ومن هذا الباب: من قد يدعو دعاء يعتدي (5) فيه، إما بطلب ما لا يصلح، أو بالدعاء الذي فيه معصية الله، شرك أو غيره، فإذا حصل بعض غرضه؛ ظن أن ذلك دليل على أن عمله صالح، بمنزلة من أُملي له، وأُمد بالمال والبنين، يظن أن ذلك مسارعة له في الخيرات.
قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ - نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] (6) وقال تعالى {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] (7) وقال تعالى {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] (8)
_________
(1) أي تشاوروا.
(2) في (ط) : أولئك النصارى.
(3) سورة هود: من الآية 6.
(4) لم أجد هذه القصة في المصادر التي اطلعت عليها.
(5) في (ط) : اعتدى.
(6) سورة المؤمنون: الآيتان 55، 56.
(7) سورة الأنعام: الآية 44.
(8) سورة آل عمران: الآية 178.
(2/316)

والإملاء: إطالة العمر، وما في ضمنه من رزق ونصر. وقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ - وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44 - 45] (1) .
وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع:
وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] (2) والمقصود هنا (3) أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله، فيثاب (4) العبد عليه في الآخرة، مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته، ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سببا لضرر دينه، فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله سبحانه وتعداه من حدوده، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها إليه تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها، وبدعاء (5) الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته.
ومن هذا (6) الباب: استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم، في الاستسقاء وغيره. وقول عمر رضي الله عنه: " إنا كنا إذا أجدبنا (7) توسلنا إليك
_________
(1) سورة القلم: الآيتان 44، 45.
(2) سورة الأعراف: الآية 55.
(3) هنا: ساقطة من (ط) .
(4) في (ج د) : يثاب.
(5) في المطبوعة: وبدعاء أحياء الأنبياء.
(6) هذا: سقطت من (أ) .
(7) أجدبنا: سقطت من (أط) .
(2/317)

بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل (1) إليك بعم نبينا " (2) معناه: نتوسل إليك بدعائه وشفاعته، وسؤاله ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد به أنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعله (3) بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك (4) (5) ويقولون: إنا (6) نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه، ويروون حديثا موضوعا: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض» (7) .
فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، كما ذكر عمر رضي الله عنه؛ لفعلوا ذلك به بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم بأن السؤال به والإقسام به (8) أعظم من العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعله الأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء، لا دعاء، ولا غيره.
وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول الشفاعة، وأن قوله:
_________
(1) من هنا قوله: بدعاء عمه (سطر تقريبا) : ساقط من (أ) .
(2) الأثر مر. انظر: فهرس الأحاديث، وطرفه هو: "اللهم إنا".
(3) في المطبوعة: مما يفعله المبتدعون.
(4) في (ب) : عبدك.
(5) في (ط) : أو يقولون.
(6) إنا: ساقطة من (أب ط) .
(7) قال عنه المؤلف في مجموع الفتاوى، كتاب التوسل والوسيلة (1 / 319) : "وهذا حديث كذب، ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث".
(8) به: سقطت من (أ) .
(2/318)

" أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد (1) نبي الرحمة " أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: " كنا نتوسل إليك بنبينا " فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: " يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه في (2) فطلب (3) من الله أن يشفع فيه نبيه، وقوله: " يا محمد يا نبي الله " هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب الشهود (4) بالقلب: كما يقول المصلي: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو لكون الداعي مجيبا له، مطيعا لأمره، مقتديا به، فيكون التسبب: إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا لشيء منه، ولا شيء من السائل (5) بل بذاته (6) أو بمجرد الإقسام به على الله.
فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بشيء (7) قد
_________
(1) في (ب) : زاد: أي بدعاء نبيك. محمد: سقطت من (ب ط) .
(2) الحديث مر (ص 309) من هذا الجزء.
(3) في (ب) : وطلب.
(4) في (ج د) : المشهود. وفي المطبوعة: لشهوده.
(5) في (أ) : المسايل.
(6) في (أ9: بل بذاته لمجرد الإقسام.
(7) بشيء: سقطت من (أج د) .
(2/319)

يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام.
ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم " فقالوا: ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله، فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإنها طلبت مني مائة دينار، فلما أتيتها بها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتركت الذهب وانصرفت، فإن كنت إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فانفرجت لهم فرجة رأوا منها السماء.
وقال الآخر: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق (1) قبلهما أهلا ولا مالا (2) فناء بي (3) طلب الشجر يوما، فلم أرح (4) عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا (5) فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج (6) عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت الصخرة (7) غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
_________
(1) أغبق: من الغبوق، وهو الشرب بالعشي، وتغبق: حلب بالعشي. انظر: القاموس المحيط، فصل الغين، باب القاف (3 / 280) .
(2) في (ج د) : ولا ولدا بدل: ولا مالا. وفي البخاري أو مالا.
(3) في (أ) : فناء في طلب المشي. وهو خلط من الناسخ.
(4) في (ب) : أرح. ومعنى لم أرح: أي لم أرجع بالعشي، فالروح هو: ما بعد الزوال. مختار الصحاح، مادة (ر وح) (ص262) .
(5) في (ج د) : أو ولدا.
(6) في المطبوعة: فافرج. وفي البخاري: كما أثبته.
(7) الصخرة: سقطت من المطبوعة، ووضع بدلها: عنهم.
(2/320)

وقال الثالث: اللهم إني (1) استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره (2) حتى كثرت منه (3) الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أد لي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت (4) أنا لا استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه (5) فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون " (6) .
فهؤلاء دعوا الله سبحانه بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى (7) الله تعالى، ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] (8) وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به، من العمل الصالح، وسؤاله والتضرع إليه.
ومن هذا: يذكر عن الفضيل بن عياض (9) أنه أصابه عسر البول فقال:
_________
(1) أني: ساقطة من (أ) .
(2) في المطبوعة: أجرته. وفي البخاري: كما أثبته.
(3) في (ب ط) والمطبوعة: منها.
(4) فقلت: سقطت من (أ) .
(5) في (ب) : ولم.
(6) صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرا فترك أجره. .، الحديث رقم (2272) ، (4449) فتح الباري، ومسند أحمد (1 / 116) ، (3 / 142- 143) .
(7) إلى الله: ساقطة من (ط) .
(8) سورة غافر: من الآية 60.
(9) هو: الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي، الزاهد العابد، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما، توفي سنة (187 هـ) . انظر: وفيات الأعيان (4 / 47 - 50) ، (ت531) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 113) ، (ت67) .
(2/321)

بحبي (1) إياك إلا فرجت عني " ففرج عنه (2) . وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: " اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في سبيلك " (3) وسألت الله أن يحيي ولدها. وأمثال ذلك.
وهذا كما قال المؤمنون: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 193 - 194] (4) .
فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وفعل ما يحبه، والعبودية والطاعة، هو من جنس فعل ذلك؛ رجاء لرحمة الله، وخوفا من عذابه، وسؤال الله بأسمائه وصفاته كقوله: «أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السماوات والأرض» ، و «بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» (5) ونحو ذلك يكون من باب التسبب، فإن كون المحمود المنان يقتضي منته على عباده، وإحسانه الذي يحمده عليه.
وكونه (6) الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد يقتضي (7) توحده في صمديته (8) فيكون هو السيد المقصود، الذي يصمد الناس إليه في كل حوائجهم، المستغني عما سواه، وكل ما سواه مفتقرون إليه (9) لا غنى بهم عنه، وهذا سبب
_________
(1) في (أب ط) : لك.
(2) ذكره أبو نعيم في (حلية الأولياء) بسنده (8 / 109) .
(3) ذكره القاضي عياض في كتاب (الشفا) عن أنس (1 / 268) .
(4) سورة آل عمران: من الآيتان 193، 194.
(5) الحديث مر (ص 306) من هذا الجزء.
(6) في (أ) : ولكونه.
(7) في (أط) : يقضي.
(8) في (ب ج د) : صمدانيته.
(9) في (أط) : وكل مفتقرين إليه.
(2/322)

لقضاء المطلوبات (1) وقد يتضمن معنى ذلك: الإقسام عليه بأسمائه وصفاته.
وأما قوله في حديث أبي سعيد: «أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا» (2) فهذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف. لكن بتقدير ثبوته: هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه، أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته؛ لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله.
فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (3) والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (4) قالوا: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، فأورد بعض الناس لفظ (المعافاة) فقال جمهور أهل السنة: المعافاة من الأفعال، وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون: إن أفعال الله قائمة به، وأن الخالق ليس هو المخلوق، وعلى هذا جمهور أصحاب أحمد (5) والشافعي ومالك،
_________
(1) في (أط) : المطالب. وفي (ب) : المطلوب.
(2) الحديث مر (ص 308) من هذا الجزء.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب (42) ، الحديث رقم (486) ، (1 / 352) عن عائشة.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الذكر، باب (16) ، الحديث رقم (2708) ، (4 / 2080- 2081) .
(5) في المطبوعة: وهذا قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد ومالك.
(2/323)

وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامة (1) أهل الحديث، والصوفية، وطوائف من أهل الكلام والفلسفة.
وبهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية (2) نقضا. فإن أهل الإثبات، من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية: من الكلابية (3) والأشعرية (4) والكرامية (5) وغيرهم، استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق، فإن
_________
(1) في المطبوعة: أصحاب أهل الحديث.
(2) الجهيمة هم: أتباع الجهم بن صفوان، وهي فرقة معطلة تنكر أسماء الله وصفاته، وتزعم أن الإنسان مجبور على أفعاله، وأن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط، وغير ذلك من الضلالات.
انظر: (الملل والنحل) للشهرستاني، بهامش (الفصل) (1 / 127 - 130) .
(3) الكلابية هم: أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، والكلابية يثبتون الأسماء والصفات لكن على طريقة أهل الكلام، لذلك يعدهم أهل السنة من متكلمة أهل الإثبات، ويوافقون أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة، بل إنهم في مسائل القدر والأسماء والأحكام أقرب إلى أهل السنة من الأشاعرة. انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (3 / 103) ، (4 / 12، 14، 147، 156، 174) .
(4) الأشعرية هم: أتباع أبي الحسن الأشعري الذين هم على مذهبه - قبل أن يرجع إلى معتقد أهل السنة - وهم في الجملة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا، ويؤولون بقية الصفات بتأويلات عقلية بالرغم من ورود النصوص فيها من الكتاب والسنة، كالوجه واليد وغيرهما من الصفات التي ثبتت لله تعالى كما يليق بجلاله، أثبتها لنفسه في كتابه وفي صحيح سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأشاعرة يوافقون أهل السنة في غالب أصول الاعتقاد، عدا الصفات وبعض الأمور التي لا يتسع المقام لذكرها، وعلى الرغم من أن أبا الحسن الأشعري رجع إلى معتقد أهل السنة - كما بين في كتاب الإبانة - إلا أن اعتقاده الأول لا يزال متبوعا.
انظر: (الملل والنحل) بهامش (الفصل) (1 / 138 - 158) .
(5) الكرامية هم: أتباع محمد بن كرام، والكرامية يعتقدون أن الله تعالى جسم، وأنه تعالى محل للحوادث، وأن له ثقل، وأنه خالق رازق بلا خلق ولا رزق. . إلخ. ولهم في الإيمان قول منكر حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنا. انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (3 / 103) .
وانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص 202 - 214) . وانظر: الملل والنحل للشهرستاني (2 / 11- 22) بهامش الفصل لابن حزم.
(2/324)

الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره، واتصف به ذلك المحل لا غيره، فإذا خلق الله لمحل علما أو قدرة أو حركة، أو نحو ذلك؛ كان هو العالم به (1) القادر به، المتحرك به، ولم يجز أن يقال: إن الرب المتحرك بتلك الحركة، ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين، بل بما قام به من العلم والقدرة. قالوا: فلو كان قد خلق كلاما في غيره، كالشجرة التي نادى منها (2) موسى؛ لكانت الشجرة هي المتصفة بذلك الكلام، فتكون الشجرة هي القائلة لموسى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ} [طه: 14] ولكان ما يخلقه الله من: إنطاق الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب الجبال في (3) وغير ذلك، كلاما له كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل كان كل كلام في الوجود كلامه؛ لأنه خالق كل شيء، وهذا قد التزمه مثل صاحب (الفصوص) (4) وأمثاله من هؤلاء الجهمية الحلولية الاتحادية (5) .
_________
(1) من هنا حتى قوله: القادر بالعلم (سطر) : سقط من (أ) .
(2) في (أ) : فيها. وفي (ط) : تحتها.
(3) (ب) : وتأويل. والجبال: ساقطة من (ط) .
تأويب الجبال: تسبيحها. انظر: مختار الصحاح، مادة (أوب) ، (ص32) .
(4) هو: محي الدين بن عربي، محمد بن علي الطائي، الأندلسي، فيلسوف، متكلم، ملحد، رأس في الضلالة، من دعاة وحدة الوجود، بل هو قدوتهم، نسأل الله السلامة، توفي سنة 638 هـ بدمشق.
(5) الحلولية: هم الذين يعتقدون أن الله تعالى بذاته حل في مخلوقاته كما يحل الماء في الإناء، وأنه تعالى بذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وأما الاتحاد: فهو القول بأن الله تعالى متحد بمخلوقاته وممتزج بها كما يمتزج الماء بالطين، وأن وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، أي أن الوجود واحد. والقول بالحلول والاتحاد مآلهما واحد، وهذه عقيدة غلاة الصوفية والفلاسفة، كابن عربي وابن سبعين والحلاج والتلمساني وغيرهم. انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (2 / 111 - 480) .
(2/325)

فأوردت المعتزلة صفات الأفعال: كالعدل والإحسان، فإنه يقال: إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره، وإحسان خلقه في غيره، فأشكل ذلك على من يقول: ليس لله فعل قائم به، بل فعله هو المفعول المنفصل عنه، وليس خلقه إلا مخلوقه. وأما من طرد القاعدة وقال أيضا: إن الأفعال قائمة به، ولكن المفعولات المخلوقة هي المنفصلة عنه، وفرق بين الخلق والمخلوق، فاطرد دليله واستقام.
والمقصود هنا (1) أن استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم بعفوه ومعافاته من عقوبته، - مع أنه لا يستعاذ بمخلوق - كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان لا يسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء: لا يسأل إلا به، لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله، كما ثبت في الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (2) وفي لفظ للترمذي: «من حلف بغير الله فقد أشرك» قال الترمذي: " حديث حسن " (3) ومع هذا، فالحلف (4) بعزة الله، ولعمر الله، ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به، لم يدخل في الحلف بغير الله؛ لأن لفظ (الغير) قد يراد به المباين المنفصل، ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر صفات الله، أنها غيره، ولم يطلقوا عليه أنها ليست غيره؛ لأن لفظ (5) (الغير) فيه إجمال، قد يراد
_________
(1) في (أ) : هذا.
(2) صحيح البخاري، كتاب الإيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، الحديث رقم (6646) ، (11 / 530) فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله، الحديث رقم (1646) ، (3 / 1267) .
(3) سنن الترمذي، كتاب النذور والأيمان، الحديث رقم (1535) ، (4 / 110) .
(4) في (أ) : فالحلف به بعزة الله.
(5) لفظ: سقطت من (أ) .
(2/326)

به: (1) المباين المنفصل؛ فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلا في لفظ: الغير. وقد يراد به: ما يمكن تصوره، دون تصور ما هو غير له؛ فيكون غيرا بهذا الاصطلاح.
ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى: (الغير) والنزاع في ذلك لفظي، ولكن بسبب ذلك حصلت في مسائل الصفات من الشبهات ما لا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في الألفاظ من الاشتراك والإبهامات، كما قد بُسط في غير هذا الموضع (2) .
ولهذا يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير الله، فإن الثاني باطل؛ لأن مسمى اسم (الله) يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى (الذات) فإنه لا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال: صفات الله زائدة عليه سبحانه، وإن قيل: الصفات زائدة على الذات؛ لأن المراد أنها هي زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات المجردة (3) والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة، فليس اسم الله متناولا لذات مجردة عن الصفات أصلا، ولا يمكن وجود ذلك، ولهذا قال أحمد رحمه الله في مناظرته للجهمية: لا نقول: الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره: هو إله واحد (4) .
وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع.
وأما قول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: (تساءلون به والأرحام) (5) فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم
_________
(1) من هنا حتى قوله: ما يمكن تصوره (سطر تقريبا) : ساقطة من (أ) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (6 / 185 - 212) .
(3) المجردة: ساقطة من (أط) .
(4) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة، تصحيح إسماعيل الأنصاري، (ص 49) .
(5) أي بخفض (الأرحام) عطفا على الضمير في (به) .
(2/327)

توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره، يتوسل إليه بما يوجب صلته: من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل (1) بدعاء الأنبياء، وبطاعتهم، والصلاة عليهم.
ومن هذا الباب: ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه (2) قال: " كنت إذا سألت عليا رضي الله عنه شيئا فلم يعطنيه، قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه فيعطينيه " (3) أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم: أسألك بحق أنبيائك، ونحو ذلك وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل (4) أهل ود أبيه بعد أن يولي» (5) وقوله: «إن من برهما بعد موتهما: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما» (6) .
_________
(1) في (ب ج د) : كالمتوسل.
(2) أنه: ساقطة من (ب ج د) .
(3) وابن جعفر هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، ولد بالحبشة، وله صحبة، مات سنة (80 هـ) . انظر: تقريب التهذيب (1 / 406) .
(4) الرجل: ساقطة من (أ) .
(5) أخرجه مسلم من طرق في كتاب البر والصلة، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، الحديث رقم (2552) ، (4 / 1979) .
(6) انظر: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في بر الوالدين، الحديث رقم (5142) ، (5 / 352) ، وسنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب: صل من كان أبوك يصل، الحديث رقم (3664) ، ومسند أحمد (3 / 498) .
(2/328)

ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه؛ لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما، أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان علي إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره. لكن بين المعنيين فرق، فإن السائل بالنبي، طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ذلك السبب (1) ما يقتضي حصول مطلوبه، ولا كان يسأل ما به، لكان باطلا (2) .
وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم (3) للمقسم به، وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار القسم، وفي مثل هذا قيل: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» ، (4) وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به. فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحض والمنع، والثاني: سؤال للمسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه ورعاية حقه.
فإن كان (5) ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل، حَسُنَ السؤال، كسؤال الإنسان بالرحم وفي هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة، وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم.
وأما بمجرد (6) الأنبياء والصالحين، ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم، ورعايته لحقوقهم التي أنعم الله بها، فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا
_________
(1) في (ج) : التسبب.
(2) في المطبوعة: وإلا كان يسأل ما به باطلا.
(3) في (أ) : بالقسم.
(4) صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب الصلح في الدية، الحديث رقم (2703) ، (5 / 306) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان، الحديث رقم (1675) ، (3 / 1302) .
(5) كان: سقطت من (أب ط) .
(6) في المطبوعة: وأما بمجرد ذوات الأنبياء.
(2/329)

بسبب بين السائل وبينهم، إما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، وإما دعاؤهم له فيستجيب الله شفاعتهم فيه (1) .

[التوسل بالأنبياء والصالحين يكون بطاعتهم واتباعهم أو بدعائهم وشفاعتهم]
فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم. فمجرد دعائه بهم من (2) غير طاعة منه لهم، ولا شفاعة منهم له، فلا ينفعه، وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى.
وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع (3) .
والمقصود هنا: أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد (4) ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سئل أن يسأل الله أو سئل قضاء الحاجة، ونحو ذلك، مما يفعله بعض الناس، إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته، وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة، بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها لله، ولا يسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك. فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك، وأسباب الشرك؟ وقد تقدم الكلام على الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد.
وقد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر " أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى إن «النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة» . ففعل ابن عمر ذلك " وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها.
_________
(1) من هنا حتى قوله: وقد بسطت هذه المسألة (ثلاثة أسطر تقريبا) : سقطت من (أط) .
(2) في المطبوعة: أما مجرد دعاء الداعي وتوسله بهم من غير طاعة.
(3) انظر: كتاب (التوسل والوسيلة) في مجموع الفتاوى للمؤلف (1 / 143، 154) ، (ص 199، 202) .
(4) قد: سقطت من (أ) .
(2/330)

والكلام هنا في ثلاث مسائل: إحداها: أن التأسي (1) به في صورة الفعل الذي فعله، من غير أن يعلم قصده فيه، أو مع عدم السبب الذي فعله، فهذا فيه نزاع مشهور، وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد القولين، وغيرهم يخالفهم (2) في ذلك، والغالب والمعروف عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن عمر رضي الله عنهم وليس هذا مما نحن فيه الآن (3) .
ومن هذا الباب: أنه لو تحرى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى فيه، إذا جاء وقت الصلاة؛ فهذا من هذا القبيل.
المسألة الثانية: أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقتا للصلاة، بل أراد أن (4) ينشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره (5) وإن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك (6) وتواتر عن المهاجرين والأنصار: أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك؛ فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر - لو فعل ذلك - حجة على أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار.
والمسألة الثالثة: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرا قصيرا أو طويلا، مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ليصلي فيه ويدعو،
_________
(1) في (أب ج) : المتأسي.
(2) في (ب ط د) : يخالفونهم.
(3) في (أب) : نحن الآن فيه.
(4) في (أط) : بل إذا ينشئ. وفي (ب) : بل أراد ينشئ.
(5) في (أ) : وغيره.
(6) انظر: (ص144) من هذا الجزء.
(2/331)

أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال: فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، مثل ما كان مبنيا على نعله (1) ومثل ما في (2) جبل قاسيون، وجبل الفتح (3) وجبل طورزيتا (4) الذي ببيت المقدس، ونحو هذه البقاع. فهذا ما يعلم كل من كان عالما بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة، فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره:
وراق ليرقى في حراء ونازل (5)
_________
(1) قال ياقوت في (معجم البلدان) في تعريف (نعل) : وهي أرض بتهامة واليمن، وقيل: حصن على جبل شطب، (5 / 293) . ولعل المقصود نعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما سيشير إليه المؤلف ص337 من هذا الجزء.
(2) في (ب) " ما جاء في جبل قاسيون. وهو جبل مشرف على دمشق. معجم البلدان (4 / 295) .
(3) يظهر أنه جبل بالشام.
(4) في (ب ج د) وفي المطبوعة: وجبل طور سيناء. وما أثبته من (أط) أرجح؛ لأن طورزيتا هو الذي ببيت المقدس وقريب من المسجد الأقصى، ويقال: إن فيه قبور أنبياء كثيرين. وأما طور سيناء فليس بقريب من بيت المقدس.
انظر: معجم البلدان لياقوت (4 / 47، 48) .
(5) جاء ذلك في قصيدة طويلة يدافع فيها عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويتودد فيها قومه ليدعوه، ويخبرهم أنه لن يسلمه حتى يهلك دونه، ومطلعها:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
إلى أن قال:
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل
إلى آخر القصيدة، تجدها في سيرة ابن هشام (1 / 176 - 180) ، تحقيق محمد محيي الدين ط (1383) .
(2/332)

وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصادقة (1) فكان (2) لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجأه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه الملك، فقال له: اقرأ، فقال: لست بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ، فقال: لست بقارئ، قال: مرتين أو ثلاثا، ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره» (3) الحديث بطوله.
فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه (4) إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت - والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم، عند المساجد التي يقال: إنها مساجد عائشة، والجبل الذي عن (5) يمينك يقال له: جبل (6) التنعيم،
_________
(1) في (ب د) : الصالحة.
(2) في (ط) : وكان.
(3) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب (3) ، الحديث رقم (3) ، (1 / 22) فتح الباري. وانظر الأحاديث رقم (3392، 4953) ، 4955، 4956، 4957، 4982) من فتح الباري.
(4) في (ب) : من الصحابة.
(5) في (ب د ط) : على.
(6) جبل: سقطت من (ب ج د) .
(2/333)

والحديبية غربيه -. ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثا. ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة. ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله.
وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام (1) وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة (2) وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة.
ثم بعده خلفاؤه الراشدون، وغيرهم من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء.
وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] (3) وهو غار بجبل ثور، يمان (4) مكة، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مسجدا، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد.
_________
(1) الحرام: سقطت من (ط) .
(2) في (أط) : المزدلفة. بسقوط واو العطف.
(3) سورة التوبة: من الآية 40.
(4) يمان: أي جهة اليمن من مكة. وهي جنوب مكة.
(2/334)

ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه؛ لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك (1) ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك؛ علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وإذا كان حكم مقام نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل غار حراء الذي ابتدي فيه بالإنباء (2) والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه (3) كان قبل الإسلام يتعبد فيه. وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه.
فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يشرع قصدها والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة. فكيف إذا علم أنها كذب، أو لم يعلم صحتها؟
وهذا كما أنه (4) قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين، فلم يستلم الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر، وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود.
وقد اختلف في الركن اليماني: فقيل: يقبله. وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: لا يقبله ولا يقبل يده. والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره.
والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا ولا
_________
(1) في المطبوعة زاد: وأسرعهم إليه.
(2) في (ب ج د) : والرسالة.
(3) في (أط) : مع كونه كان.
(4) في (ط) : كما قد ثبت.
(2/335)

هذا، كما تنطق به الأحاديث الصحيحة، ثم هذه مسألة نزاع، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم، أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيئا من جوانب البيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف، وقد روي: «أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت، فاستلم معاوية الأركان الأربعة. فقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فرجع إليه معاوية» (1) .
وقد اتفق العلماء على ما مضت (2) به السنة، من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] (3) .
فإذا كان هذا بالسنة المتواترة وباتفاق الأئمة، لا يشرع (4) تقبيله بالفم، ولا مسحه باليد، فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يشرع تقبيلها بالفم، ولا مسحها باليد.
_________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في استلام الحجر والركن اليماني دون ما سواهما، الحديث رقم (858) ، (3 / 213) ، وقال: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح "، وقد رواه الترمذي مختصرا، وأخرجه أحمد في المسند (1 / 217) ، عن مجاهد عن ابن عباس، و (1 / 246) عن أبي الطفيل؛ وأخرجه البخاري عن أبي الشعثاء مرسلا. انظر: فتح الباري (3 / 473) ، الحديث رقم (1608) في كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وأخرجه عبد الرازق في المصنف موصولا في كتاب الحج، باب الاستلام في غير طواف، الحديث رقم (8945) ، (5 / 45) .
(2) في (أ) : ما نصرته السنة.
(3) سورة البقرة: من الآية 125.
(4) في المطبوعة: (تقبيلها) .
(2/336)

وأيضا: فإن المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها. فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟
وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل (1) صحيحا، فكيف بما لا يعلم صحته، أو بما (2) يعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم، ويزعمون عند الجهال أن هذا الموضع قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمي إبراهيم الخليل، الذي لا شك (3) فيه، ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال: إنه موضع قدميه، كذبا وافتراء عليه، كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من المقامات؟
فإن قيل: قد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى فيقاس عليه غيره.
قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أريد به المقام عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات (4) بما لم يشركها فيه سائر البقاع، كما خص البيت بالطواف، فما خصت به تلك البقاع لا يقاس بها غيرها، وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها، ونحن استدللنا على أن ما
_________
(1) في المطبوعة: النقل. وهو وجيه. لكنه خلاف النسخ المخطوطة.
(2) في المطبوعة: أو بما لا يعلم أنه مكذوب. وما أثبته أصح؛ لأن السياق يدل عليه.
(3) في (ب) : لا يشك. وفي (د) : لا نشك.
(4) في (ب) : خصت بالعبادة.
(2/337)

لم يشرع هناك من التقبيل والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها.
ومن ذلك القبة (1) التي عند باب (2) عرفات، التي يقال: إنها قبة (3) آدم، فإن هذه لا يشرع قصدها للصلاة والدعاء، باتفاق العلماء، بل نفس رقي الجبل الذي بعرفات الذي يقال له: جبل الرحمة، واسمه: إلال (4) على وزن هلال، ليس مشروعا باتفاقهم، وإنما السنة الوقوف بعرفات: إما عند الصخرات حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم، وإما بسائر عرفات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة» (5) .
وكذلك سائر المساجد المبنية هناك، كالمساجد المبنية عند الجمرات، وبجنب مسجد الخيف مسجد يقال له: (غار المرسلات) فيه نزلت سورة
_________
(1) في المطبوعة: البنية.
(2) في المطبوعة: على جبل عرفات.
(3) هذه القبة لا توجد الآن بحمد الله، وهذا بفضل الله ثم بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المباركة، حيث أزيلت بسببها تلك المشاهد.
(4) في المطبوعة: الأول. والصحيح ما أثبته، فقد ذكر في معجم البلدان أن (إلال) : اسم جبل بعرفات، أو أنه جبل رمل بعرفات يقوم عليه الإمام، وقيل: عن يمين الإمام. وقيل: إنه هو جبل عرفات نفسه. وهذا ما أومأ إليه المؤلف هنا. معجم البلدان (1 / 242، 243) .
(5) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة والمزدلفة، الحديث رقم (166) ، وهو عن مالك، بلغه أن رسول الله صلى عليه وعلى آله وسلم قال:. . الحديث. ورقم (167) عن عبد الله بن الزبير، ولم يرفعه، (1 / 388) . وأخرجه مسلم بغير هذا اللفظ في كتاب الحج، باب أن عرفة كلها موقف، الحديث رقم (149) ، تابع الحديث رقم (1218) ، (2 / 893) . وأورده ابن ماجه مرفوعا عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كتاب المناسك، باب الموقف بعرفات، الحديث رقم (3012) ، (2 / 1002) .
(2/338)

المرسلات، وفوق الجبل مسجد يقال له (مسجد الكبش) ونحو ذلك. لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك.
وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به؛ فالأمر فيه أظهر إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام: أن هذا ليس من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري، لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي (1) شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف، وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد، من دعاء وصلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرا له؛ بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد (2) غيره هناك تحريا لفضله، فبدعة غير مشروعة.

[المساجد التي تشد إليها الرحال]
وأصل هذا: أن المساجد التي تشد إليها الرحال، هي المساجد الثلاثة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (3) وقد روي هذا من وجوه أخرى، وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم، فتُلُقِّي بالقبول عنه.
_________
(1) الذي: سقطت من (د) .
(2) مسجد: سقطت من (ج د) .
(3) مر تخريج الحديث، انظر: فهرس الأحاديث.
(2/339)

فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه، فإن في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد (1) قباء كل سبت ماشيا وراكبا» (2) وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ لمسلم: «فيصلي فيه ركعتين» (3) وذكره البخاري بغير إسناد (4) .
وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ - أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 107 - 110] (5) .
_________
(1) في (ب) : يأتي قباء.
(2) صحيح البخاري، كتاب فصل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتي مسجد قباء كل سبت، الحديث رقم (1193) ، (3 / 69) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء، الحديث رقم (1399) ، (2 / 1016، 1017) .
(3) صحيح مسلم، الباب والكتاب والحديث السابقين (2 / 1016) .
(4) انظر: فتح الباري (3 / 69) ، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب (4) ، تابع الحديث رقم (1194) .
(5) سورة التوبة: الآيات 107 -110.
(2/340)

وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق، الذي كان يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان المشركون يعظمونه، فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي صلى الله عليه وسلم (1) فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا، والقصة مشهورة في ذلك (2) فلم يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به ورسوله، بل لغير ذلك.
فدخل في معنى ذلك: من بنى أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات المشروعة، من المشاهد وغيرها، لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله، ما يقوى بها شبهها، كمسجد (3) الضرار، فلما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] وكان مسجد قباء أسس على التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في الصحيح عنه: أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «مسجدي هذا» (4) فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص (5) مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد قباء (6) يوم السبت.
_________
(1) في المطبوعة زاد: وفراره إلى الكافرين.
(2) انظر: البداية والنهاية (5 / 21) ؛ وتفسير ابن جرير (11 / 17 - 20) .
(3) في (د) : لمسجد.
(4) انظر: صحيح مسلم، كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي، الحديث رقم (1398) ، (2 / 1015) .
(5) في (ج د) : مسجده اختص.
(6) من هنا حتى قوله: كعمرة (سطرا تقريبا) : سقط من (ج د) .
(2/341)

وفي السنن عن أسيد بن ظهير (1) الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: " حديث حسن غريب " (2) .
وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (4) . قال بعض العلماء: قوله: " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء " تنبيه على أنه لا يشرع قصده بشد الرحال، بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر (5) فيه، ثم يأتيه فيقصده (6) كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها.
_________
(1) في المطبوعة: أسيد بن حضير. وهو خطأ، فهو كما أثبته في النسخ المخطوطة والترمذي وأحمد وابن ماجه وغيرهم، وهو: أسيد بن ظهير بن رافع الأنصاري، صحابي، أخو عباد بن بشر لأمه، توفي في خلافة مروان. انظر: تهذيب التهذيب (1 / 349) ، (ت635) .
(2) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، الحديث رقم (324) ، (2 / 145، 146) ، وقال أبو عيسى الترمذي: "حديث أسيد حديث حسن غريب، ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة عن عبد الحميد بن جعفر"، وأخرجه الحاكم في المستدرك (1 / 487) ، وقال: "صحيح الإسناد" وأخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة في مسجد قباء، الحديث رقم (1411) ، (1 / 452) .
(3) هو: سهل بن جعفر بن واهب الأنصاري الأوسي، صحابي جليل، من أهل بدر استخلفه علي على البصرة، ومات في خلافته. انظر: تقريب التقريب (1 / 336) .
(4) مسند أحمد (3 / 487) ، وسنن ابن ماجه أيضا، الكتاب والباب السابقين، الحديث رقم (1412) ، الجزء 1، وسن النسائي (2 / 37) في فضل مسجد قباء والصلاة فيه وإسناده صحيح.
(5) في (ط) : يطهر.
(6) في (أ) : يقصد.
(2/342)

وأما المساجد الثلاثة: فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها، ولكن لو نذر ذلك، هل يجب بالنذر؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما (1) أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع.
والقول الثاني: وهو مذهب مالك (2) وأحمد وغيرهما (3) أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا نذر إتيان مسجد المدينة، ومسجد إيلياء؛ أغناه إتيان المسجد الحرام. وإن نذر إتيان مسجد إيلياء؛ أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين.
وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (4) وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبا، أو لم يكن (5) وإتيان الأفضل إجراء (6) للحديث الوارد في ذلك.
وليس هذا موضع تفصيل هذه المسائل، بل المقصود: أنه لا يشرع السفر (7) إلى مسجد غير الثلاثة، ولو نذر ذلك؛ لم يجب عليه (8) فعله بالنذر باتفاق الأئمة.
_________
(1) في (ب) : أحدها.
(2) مالك: سقطت من (أط) .
(3) في (أط) : وغيره.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب فيما لا يملك وفي معصية، الحديث رقم (6700) ، (11 / 585) فتح الباري.
(5) من هنا حتى قوله: وليس هذا موضوع (سطر تقريبا) : سقط من (ج د) .
(6) في (أب) : آخر.
(7) السفر: سقطت من (ط) .
(8) عليه: سقطت من (د) .
(2/343)

وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين مشهورين.
وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء، وأما سائر المساجد فلها حكم المساجد (1) ولم يخصها النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان، ولهذا كان الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن، إلا قباء خاصة.
وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا: يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه» . قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ، إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها، فأعرف الإجابة " (2) وفي إسناد هذا الحديث: كثير بن زيد (3) وفيه كلام، يوثقه ابن معين تارة، ويضعفه أخرى.
وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا، كما نقل عن جابر. ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان، بل تحرى الزمان، فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها النبي (4) صلى الله عليه وسلم وبنيت بإذنه، ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصه من غير سفر إليه، إلا مسجد قباء؛ فكيف بما سواها؟
_________
(1) في المطبوعة زاد: العامة.
(2) مسند أحمد (3 / 332) وقد تكلم المؤلف عن إسناده.
(3) في (ج د) : بن يزيد. والصحيح: بن زيد، وهو: كثير بن زيد الأسلمي، ثم السهمي - مولاهم - أبو محمد المدني، يقال له: ابن صافنة، وهي أمه، صدوق فيه لين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي، وضعفه النسائي، توفي سنة (158 هـ) .
انظر: تهذيب التهذيب (8 / 413، 415) ، (ت 743) .
(4) في (ط) : رسول الله.
(2/344)

[فصل في المسجد الأقصى]
فصل (1) وأما المسجد الأقصى: فهو أحد المساجد الثلاثة، التي تشد إليها الرحال، وكان المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب - حين جاء عمر (2) إليهم، فسلم النصارى إليه البلد (3) - دخل إليه فوجد على الصخرة زبالة عظيمة جدا، كانت النصارى قد ألقتها عليها (4) معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة، ويصلون إليها، فأخذ عمر في ثوبه (5) منها، واتبعه المسلمون في ذلك.
ويقال: إنه سخر لها الأنباط (6) حتى نظفها، ثم قال لكعب الأحبار (7) " أين ترى أن (8) أبني مصلى المسلمين؟ فقال: ابنه (9) خلف الصخرة، قال:
_________
(1) فصل: ساقطة من (أج د) .
(2) في (أ) : إليهم عمر.
(3) في (ج د) : البلدة.
(4) في (أ) : عليه.
(5) في (ج د) : منها في ثوبه.
(6) الأنباط: قبائل بدوية تسكن شرق الأردن، وكانت لهم دولة قديما، وعاصمتهم البتراء، ولغتهم العربية. انظر: الموسوعة العربية الميسرة (ص231، 232) .
(7) في (ب د ط) : الحبر.
(8) أن: سقطت من (أ) .
(9) في (ب) : أبنية.
(2/345)

يا ابن اليهودية، خالطتك يهودية -أو كما قال-: بل (1) أبنيه في صدر المسجد، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلى المسلمين في قبلي المسجد " (2) .
وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى. والأقصى: اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرما، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة.
وفي وادي " وج " (3) -الذي بالطائف- نزاع بين العلماء.
فبنى عمر المصلى الذي هو في القبلة، ويقال: إن تحته درجا كان يصعد منها إلى ما أمام (4) الأقصى، فبناه على الدرج حيث لم يصل أهل الكتاب، ولم يصل عمر ولا المسلمون عند الصخرة، ولا تمسحوا بها، ولا قبلوها، بل يقال: إن عمر صلى عند محراب داود عليه السلام الخارج.
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ولا يقرب شيئا من تلك البقاع، وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين، كعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسفيان (5) الثوري، وغيرهم.
وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها عن بعض، إلا ما بنى عمر رضي الله عنه لمصلى المسلمين.
وإذا كان المسجد الحرام، ومسجد المدينة، اللذان هما أفضل من المسجد الأقصى بالإجماع، فأحدهما قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
_________
(1) في المطبوعة: فقال عمر: أبنيه في المسجد. . إلخ. أي: بزيادة: (فقال عمر) ، وسقوط: (بل) و (صدر) .
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (7 / 58) ، فقد ساق القصة.
(3) انظر: (معجم البلدان) لياقوت (5 / 361) ، حيث ذكر أنه الطائف.
(4) في المطبوعة: إلى أمام، وفي (ط) : إلى ما وراء.
(5) في (ب ج) : والثوري.
(2/346)

«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف (1) صلاة فيما، سواه إلا المسجد الحرام» (2) والآخر هو المسجد الذي أوجب الله حجه والطواف فيه، وجعله قبلة لعباده المؤمنين. ومع هذا، فليس فيهما يقبل بالفم ولا يستلم باليد، إلا ما جعله الله في الأرض بمنزلة اليمين وهو الحجر الأسود، فكيف يكون في المسجد الأقصى (3) ما يستلم أو يقبل؟
وكانت الصخرة مكشوفة، ولم يكن (4) أحد من الصحابة، لا ولاتهم (5) ولا علماؤهم يخصها (6) بعبادة، وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، مع حكمهما على الشام. وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه، وإن كان لم يحكم عليها ثم كذلك في إمارة معاوية، وابنه، وابن ابنه.
فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير (7) من الفتنة ما جرى، كان هو الذي بنى القبة على الصخرة، وقد قيل: إن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير، أو يقصدونه بحجة الحج، فعظم عبد الملك شأن الصخرة، بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في
_________
(1) في (أط) : خير من الصلاة فيما سواه.
(2) الحديث مر تخريجه. انظر: فهرس الأحاديث.
(3) الأقصى: ساقطة من (ط) .
(4) في (ط) : ولك يعتز بها أحد من الصحابة.
(5) لا ولاتهم: ساقطة من (ج د) .
(6) في (ب) : يخصونها.
(7) هو عبد الله بن الزبير بن العوام، ولد عام الهجرة، وهو أحد العباد، ويعد من شجعان الصحابة، بويع له بالخلافة سنة (64هـ) عقب موت يزيد بن معاوية، ومكث خليفة في الحجاز حتى قتله الحجاج بمكة سنة (73هـ) .
انظر: الإصابة (2 / 309- 311) ، (ت 4682) .
(2/347)

الشتاء والصيف، ليكثر قصد الناس للبيت (1) المقدس، فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير، (والناس على دين الملك) .
وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمها، حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار، عند عبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير حاضر: " إن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى "، فقال عروة: " يقول الله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] (2) وأنت تقول: إن الصخرة عرشه؟ " (3) وأمثال هذا.
ولا ريب أن الخلفاء الراشدين (4) لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة، ولا يتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع كونه (5) كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة؛ وذلك أنها كانت قبلة، ثم نسخت. وهي قبلة (6) اليهود، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم، كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت.
وفي تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود، وقد تقدم كلام العلماء في يوم السبت وعاشوراء ونحو ذلك.
وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء، من أصحابنا وغيرهم: أن اليمين تغلظ ببيت المقدس، بالتحليف (7) عند الصخرة، كما تغلظ في المسجد الحرام،
_________
(1) في (ب) : لبيت المقدس.
(2) سورة البقرة: من الآية 255.
(3) انظر: (المنار المنيف) لابن القيم (ص 86) .
(4) في (ط) : الراشدون، والصحيح (الراشدين) لأنها صفة للخلفاء اسم أن.
(5) مع كونه: ساقطة من (أ) .
(6) في (أ) : لليهود.
(7) بالتحليف: سقطت من (ب) .
(2/348)

بالتحليف بين الركن (1) والمقام، وكما تغلظ في مسجده (2) صلى الله عليه وسلم بالتحليف عند قبره، ولكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ونحوه من الأئمة، بل السنة أن تغلظ اليمين فيها كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد ومقامات الأنبياء، ونحو ذلك. ومن فعل ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للشريعة.
وقد صنف طائفة من الناس مصنفات من فضائل بيت المقدس، وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب، وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم.
وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات: كعب الأحبار، وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الإسرائيليات، وقد قال معاوية رضي الله عنه: " ما رأينا من هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانا " (3) .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه» (4) .
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة
_________
(1) في (ب) : بين الركنين.
(2) في (ب ج) : في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب، رقم (7361) ، (13 / 333) من فتح الباري.
(4) أخرجه أحمد في المسند (4 / 136) . وأبو داود في كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب، حديث رقم (3644) ، (4 / 59- 60) . وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقالوا: آمنا بالله وما أنزل. . " الآية، كتاب التفسير، باب (11) ، حديث رقم (4485) ، (8 / 170) من فتح الباري.
(2/349)

المعصومة التي لا تجتمع (1) على ضلالة: إذا حدث بعض (2) أعيان التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث - كعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأبي العالية، ونحوهم؛ وهم من خيار علماء المسلمين، وأكابر أئمة الدين -توقف أهل العلم في مراسيلهم، فمنهم من يرد المراسيل مطلقا، ومنهم من يتقبلها بشروط، ومنهم من يميز بين من عادته (3) لا يرسل إلا عن ثقة، كسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ومحمد (4) بن سيرين، وبين من عرف عنه (5) أنه قد (6) يرسل عن غير ثقة: كأبي العالية، والحسن، وهؤلاء ليس بين أحدهم (7) وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجل أو رجلان، أو ثلاثة مثلا.
وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب الكتاب مرسلة؛ فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق أهل العلم، إلا أن يعرف أن ذلك من نقل أهل العلم بالحديث، الذين لا يحدثون إلا بما صح (8) كالبخاري في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده، وما وقفه كقوله: وقد ذكر عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده " ونحو ذلك، فإنه حسن عنده.
هذا، وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري.
فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء؟ وبين كعب، وبين
_________
(1) في (ب ط) : لا تجمع.
(2) في (أ) : بعد.
(3) في (أط) : من عادته يرسل عن ثقة.
(4) في (ب ج د) : وابن سيرين.
(5) في (ب) : منه.
(6) قد: ساقطة من (ط) .
(7) في (ب ج د) : ليس بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبينهم.
(8) في (ب ج) : يصح.
(2/350)

النبي الذي ينقل عنه ألف سنة، وأكثر وأقل، وهو لم (1) يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة، بل غايته أن ينقل عن (2) بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك، بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك، ولا يكذبه أيضا (3) إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء، أو ما هو منسوخ في شريعتنا، ما لا يعلمه إلا الله.
ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان، قد فتحوا البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الأمصار، وهم كانوا أعلم بالدين، وأتبع له ممن بعدهم، فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه.
فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء، أو نحو ذلك؛ لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيلهم أولى من (4) اتباع سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل منه، أنه خالف سبيل هذا المخالف. وهذه جملة جامعة (5) لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها.
_________
(1) في (ب ج د) : وهو لا يسند.
(2) في (أب ط) : من.
(3) أيضا: ساقطة من (أ) .
(4) في (ب د ط) : ممن اتبع.
(5) في (ج د) : واسعة.
(2/351)

وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين» (1) ولم يصل بمكان غيره ولا زاره. وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم، مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه» .
وأعجب من ذلك، أنه قد روي فيه: " قيل له في المدينة: انزل فصل هنا " (2) قبل أن يبني مسجده، وإنما كان المكان مقبرة للمشركين، والنبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك. فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة، وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن، بل قبر إبراهيم الخليل: لم يكن في الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من يأتيه للصلاة عنده، ولا الدعاء ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلا.
وقد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب واستوطن الشام خلائق من الصحابة وليس فيهم من فعل شيئا من هذا ولم يبن المسلمون عليه مسجدا أصلا لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة الرابعة، لما أخذوا (3) البيت (4) المقدس، بسبب استيلاء الرافضة على الشام، لما كانوا ملوك مصر، والرافضة أمة مخذولة، ليس لها عقل
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (162) ، (1 / 145) .
(2) أي في مكان المسجد النبوي قبل تأسيسه.
(3) في (أ) : أخذ.
(4) في (ب) : بيت.
(2/352)

صحيح ولا نقل (1) صريح (2) ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة (3) قويت النصارى، وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة؛ وحينئذ نقبت (4) النصارى حجرة الخليل صلوات الله عليه، وجعلت لها بابا، وأثر النقب ظاهر في الباب.
فكان اتخاذ ذلك معبدا، مما أحدثته النصارى، ليس من عمل سلف الأمة وخيارها.
_________
(1) في (ط) : ولا فعل.
(2) في المطبوعة: عقل صحيح، ولا نقل صريح.
(3) للمؤلف كتاب مستوف في بيان ما عليه الرافضة من الباطل وهو: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، فليراجع فإنه مفيد جدا.
(4) في (أ) : بعثت.
(2/353)

[فصل في عدم اختصاص بقعة بقصد العبادة إلا المساجد]
فصل وأصل دين المسلمين: أنه لا تختص بقعة بقصد (1) العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب، من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد -كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع- فهو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه.
ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام، من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره.
وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس (2) لا يشرع في غيرهما: (3) لا تقبيل شيء، ولا استلامه، ولا الطواف به (4) ونحو ذلك. لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما.
_________
(1) في (أب) : تقصد.
(2) في المطبوعة: ما لا.
(3) في (أ) : ولا.
(4) به: سقطت من (ب ج د) .
(2/354)

أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح: أن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وروي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام؛ فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي هذا آخر المساجد» (1) .
وفي صحيح مسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل (2) من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (3) .
وفي مسلم أيضا، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «إن امرأة اشتكت شكوى (4) فقالت: إن شفاني الله لأخرجن، فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتها ذلك (5) فقالت اجلسي، فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» (6) .
وفي المسند، عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال
_________
(1) هذا لفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، تابع الحديث رقم (1394) ، (2 / 1012) ، وأخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب (1) ، الحديث رقم (1190) ، (3 / 63) من فتح الباري.
(2) في المطبوعة: خير. وكلاهما وارد في مسلم: (أفضل) و (خير) .
(3) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، الحديث رقم (1395) ، (2 / 1013) .
(4) في (ب) : بشكوى. وفي مسلم كما هو مثبت.
(5) في المطبوعة: بذلك. وفي مسلم كما هو مثبت.
(6) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، الحديث رقم (1396) ، (2 / 1014) .
(2/355)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل (1) من صلاة في مسجدي بمائة صلاة» (2) . قال أبو عبد الله (3) المقدسي: إسناده على رسم الصحيح.
ولهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد، بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بغار حراء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى قبضه الله.
والاعتكاف من العبادات المشروعة (4) بالمساجد باتفاق الأئمة، كما (5) قال تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] (6) أي: في حال عكوفكم في المساجد (7) لا تباشروهن، وإن كانت المباشرة خارج (8) المسجد. ولهذا قال الفقهاء: إن ركن الاعتكاف: لزوم المسجد لعبادة الله. ومحظوره الذي يبطله: مباشرة النساء.
فأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر، تمثال أو غير تمثال، أو العكوف والمجاورة عند قبر نبي، أو غير نبي، أو مقام نبي، أو غير نبي، فليس هذا من دين المسلمين، بل هو من جنس دين المشركين، الذين أخبر الله عنهم بما ذكره في كتابه، حيث قال:
_________
(1) قوله: وصلاة في المسجد الحرام أفضل: سقطت من (د) .
(2) مسند أحمد (4 / 5) .
(3) مرت ترجمته. انظر: فهرس الأعلام.
(4) في (أط) : المشروطة.
(5) كما: سقطت من (ب ج د) .
(6) سورة البقرة: من الآية 187.
(7) في (ب) : ولا.
(8) في (أب ط) : خارجه.
(2/356)

{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ - قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ - قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ - قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ - وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ - فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 51 - 58] (1) الآيات.
وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ - قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ - قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ - قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ - قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ - الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ - وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ - وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ - وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ - وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 69 - 82] (2) إلى آخر القصة.
وقال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ - إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 138 - 140] (3) .
فهذا عكوف المشركين، وذاك (4) عكوف المسلمين، فعكوف المؤمنين في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له، وعكوف المشركين على ما يرجونه،
_________
(1) سورة الأنبياء: من الآيات 51-58.
(2) في المطبوعة: سرد الآيات إلى قوله: "إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" سورة الشعراء: الآية 89.
سورة الشعراء: الآيات 69-82.
(3) سورة الأعراف: الآيات 138-140، وفي المطبوعة: وقف على قوله تعالى: "وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
(4) في (أ) : وذلك.
(2/357)

ويخافونه من دون الله، وما يتخذونهم شركاء وشفعاء (1) فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول: إن العالم له خالقان ولا إن الله له شريك (2) يساويه في صفاته، هذا لم يقله أحد من المشركين، بل كانوا يقرون بأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر الله عنهم بقوله {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] (3) وقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89] (4) .

[أقوال الناس في الشفاعة والقول الحق في ذلك]
وكانوا يقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك " (5) فقال تعالى لهم: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [الروم: 28] (6) . وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] (7) وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 43 - 44] (8) .
_________
(1) في المطبوعة: شركاء لله وشفعاء عند الله.
(2) في (أب ط) : له إله يساويه. وفي المطبوعة: معه إله يساويه. وما أثبته من (ج د) .
(3) سورة لقمان: من الآية 25.
(4) سورة المؤمنون: من الآيات 84-89.
(5) انظر: صحيح مسلم، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، الحديث رقم (1185) ، (2 / 843) .
(6) سورة الروم: الآية 28.
(7) سورة الزمر: من الآية 3.
(8) سورة الزمر: الآيتان 43، 44.
(2/358)

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 18] (1) .
وقال تعالى عن صاحب يس: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ - إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 22 - 25] (2) .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] (3) .
وقال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] (4) . وقال تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51] (5) .
وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط:
فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها (6) القرآن.
والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر (7) من أمته،
_________
(1) سورة يونس: الآية 18.
(2) سورة يس: الآيات22-25.
(3) سورة الأنعام: الآية 94.
(4) سورة المسجدة: من الآية 4.
(5) سورة الأنعام: الآية 51.
(6) في (ب د) : التي نفاها الله بالقرآن.
(7) في (أ) : أهل الكتابين. وهو تحريف من الناسخ.
(2/359)

بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه، كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه.
وأنكروا (1) الشفاعة بقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] (2) وبقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] (3) ونحو ذلك.
وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة.
وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء، كما ثبتت (4) به (5) السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم.
وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] (6) (7) {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] (8)
_________
(1) في (أ) : منكروا.
(2) سورة البقرة: الآية 254.
(3) سورة غافر: من الآية 18، وقد استدلوا بظاهر الآيتين على إنكار الشفاعة، وتناسوا الآيات والأحاديث التي تثبت الشفاعة، والتي سيذكر المؤلف شيئا منها بعد قليل.
(4) في (أب) : ثبت.
(5) في (أ) : بذلك.
(6) سورة البقرة: من الآية 255.
(7) في المطبوعة: وقال.
(8) سورة الأنبياء: من الآية 28.
(2/360)

(1) {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] (2) .
وقد ثبت في الصحيح: أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم إذا طُلبت منه بعد أن تطلب (3) من آدم وأولي العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى؛ فيردونها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، العبد الذي غفر الله (4) له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال «فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له (5) ساجدا، فأحمد (6) ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن، فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل (7) يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي (8) فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة» (9) .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] (10) .
_________
(1) في المطبوعة: وقال.
(2) سورة النجم: الآية 26.
(3) قوله: منه بعد أن تطلب: سقط من (أب) .
(4) في (ب ج د) : غفر له.
(5) له: سقطت من (أط) .
(6) في (ب) : وأحمد.
(7) في (ب) : وتسمع.
(8) في (ب) : فأقول: أمتي. وفي المطبوعة: رب أمتي رب أمتي.
(9) انظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله: "لما خلقت بيدي"، الحديث رقم (7410) ، (13 / 392) فتح الباري، مع اختلاف يسير في ألفاظه، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، الحديث رقم (193) ، (1 / 180-181) بنحو لفظ البخاري، وأخرجه أحمد في المسند (3 / 144) وفيه اختلاف يسير أيضا.
(10) سورة الإسراء: الآيتان 56، 57) .
(2/361)

قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة، فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين (1) يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال: «يا رسول الله، أي الناس أسعد بشفاعتك (2) يوم القيامة؟ قال: " يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيته من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله» (3) .
فكلما كان الرجل أتم (4) إخلاصا (5) لله؛ كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه؛ فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج أن يقبل شفاعته. والله تعالى غني عن العالمين، وهو وحده سبحانه يدبر العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة، وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه، فالأمر كله له.
فإذا كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته.
_________
(1) في المطبوعة: كانوا يتقربون.
(2) في (ط) : بشفاعتكم.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث، حديث رقم (99) ، (1 / 193) فتح الباري، وأحمد في المسند (2 / 373) .
(4) في (ط) : أكثر.
(5) لله: لم تذكر في (أط) .
(2/362)

وأفضل الخلق: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم صلى الله عليه وسلم (1) . وقد امتنع (2) النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه أبي طالب، بعد أن قال: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» (3) وقد صلى على المنافقين ودعا لهم، فقيل له: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] (4) وقيل له أولا: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] (5) . فقال: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت» (6) فأنزل الله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] (7) .
وإبراهيم (8) وقال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ - إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ - يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 74 - 76] (9) .
ولما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه (10) بعد وعده بقوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41] (11) .
_________
(1) كذا في جميع النسخ (صلى الله عليهما وسلم) سوى المطبوعة، فقد سقطت كل العبارة.
(2) في (أ) : أمنع.
(3) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، الحديث رقم (3883) ، (7 / 193) فتح الباري، ومسلم في كتاب الإيمان، باب (9) ، الحديث رقم (24) ،، (1 / 54) ، وكذلك أخرجه البخاري أيضا في كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، الحديث رقم (1360) ، (3 / 222) وفي غيره من المواضع.
(4) سورة التوبة: الآية 84. وانظر: تفسير ابن جرير (28 / 71، 72) .
(5) سورة التوبة: الآية 80.
(6) انظر: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين، الحديث رقم (1366) ، (3 / 228) فتح الباري.
(7) سورة المنافقون: الآية 6.
(8) وإبراهيم: سقطت من (أ) .
(9) سورة هود: الآيات 74- 76.
(10) لأبيه: ساقطة من (أط) .
(11) سورة إبراهيم: الآية 41.
(2/363)

قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] (1) .
وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ - وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 113 - 114] (2) .
والله سبحانه له حقوق (3) لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض (4) حقوق مشتركة؛ ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف (5) النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده (6) .؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حقه عليهم: أن يعبدوه (7) لا يشركوا به شيئا. يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حقهم عليه أن لا يعذبهم» (8) .
_________
(1) سورة الممتحنة: الآية 4.
(2) سورة التوبة: الآيتان 113، 114.
(3) في (ب) : ولا.
(4) في المطبوعة: وللمؤمنين على المؤمنين حقوق.
(5) في المطبوعة: رديف.
(6) في المطبوعة: على العباد.
(7) في (أ) : ولا.
(8) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار، الحديث رقم (2856) ، (6 / 58) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، الحديث رقم (30) ، (1 / 58، 59) .
(2/364)

[أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب]
فالله تعالى مستحق أن نعبده لا نشرك به شيئا، وهذا هو أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، قال الله تعالى {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] (1) .
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] (2) وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] (3) .
ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] (4) . فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وكذلك قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] (5) . فجعل الإيتاء لله وللرسول.
كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] (6) فالحلال ما حلله الرسول، والحرام: ما حرمه الرسول، والدين: ما شرعه الرسول.
وجعل التحسب بالله وحده، فقال تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} [التوبة: 59] ولم يقل ورسوله. كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] (7) .
_________
(1) سورة الزخرف: الآية 45.
(2) سورة الأنبياء: الآية 25.
(3) سورة النحل: من الآية 36.
(4) سورة النور: الآية 52.
(5) سورة التوبة: الآية: 59.
(6) سورة الحشر: من الآية 7.
(7) سورة آل عمران: الآية 173.
(2/365)

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] (1) أي حسبك وحسب من اتبعك: الله، فهو وحده كافيكم (2) ومن ظن أن معناها: حسبك الله والمؤمنون، فقد غلط غلطا عظيما من وجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع (3) .
ثم قال: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] (4) فجعل الفضل لله، وذكر الرسول في الإيتاء، لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة.
ثم قال: {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] (5) فجعل الرغبة إلى الله وحده، دون ما سواه؛ كما قال (6) {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ - وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7 - 8] (7) فأمر بالرغبة إليه. ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا، وإن كان قد أباح في موضع من المواضع ذلك (8) لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله.
كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» (9) فجعل
_________
(1) سورة الأنفال: الآية 64.
(2) في (ب ج د) : كافيهم.
(3) لعله يشير إلى ما ذكره في مجموع الفتاوى (1 / 306) .
(4) سورة التوبة: من الآية 59.
(5) سورة التوبة: من الآية 59.
(6) في المطبوعة: كما قال تعالى في سورة الانشراح.
(7) سورة الانشراح: الآيتان 7، 8.
(8) في (ج د) : في بعض المواضع ذلك. وفي المطبوعة: ذلك في بعض المواضع.
(9) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، حديث رقم (5705) ، (10 / 155) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب، حديث رقم (218) ، (1 / 198) .
(2/366)

من صفاتهم أنهم لا يسترقون: أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل: لا يرقون. وإن كان ذلك قد روي (1) في بعض طرق مسلم (2) فهو غلط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، فالمسترقي طالب للدعاء من غيره؛ بخلاف الراقي غيره، فإنه داع له.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (3) فهو الذي يتوكل عليه (4) ويُستعان به، ويُستغاث به ويُخاف ويُرجى، ويُعبد وتنيب القلوب إليه، لا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ (5) منه إلا إليه، والقرآن كله يحقق هذا الأصل.
والرسول صلى الله عليه وسلم يُطاع ويُحَبُّ ويرضى، ويسلم إليه حكمه، ويعزر، ويوقر، ويتبع، ويؤمن به وبما جاء به، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] (6) .
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] (7) .
_________
(1) في (أط) : قد روي بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رقى نفسه. فقوله: في بعض طرق مسلم فهو غلط: سقطت من (أط) .
(2) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان. باب (94) السابق، حديث رقم (220) ، (1 / 200) .
(3) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة، باب (59) ، حديث رقم (2516) ، (4 / 667) ، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
في المطبوعة: فالله هو الذي.
(4) الذي يتوكل عليه: ساقطة من (ط) .
(5) في المطبوعة: ولا منجى.
(6) سورة النساء: من الآية 80.
(7) سورة النساء: من الآية 64.
(2/367)

وقال تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] (1) .
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} [التوبة: 24] إلى قوله: (2) {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] (3) .
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه (4) وجد (5) حلاة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (6) .
وقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (7) .
«وقال له (8) عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: " لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فلأنت (9)
_________
(1) سورة التوبة: الآية 62.
(2) في المطبوعة: سرد الآية.
(3) سورة التوبة: من الآية 24.
(4) في (ط ب) : فقد وجد.
(5) في (أ) : وجد بهن حلاوة الإيمان.
(6) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، حديث رقم (16) ، (1 / 60) من فتح الباري وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، حديث رقم (43) ، (1 / 66) .
(7) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان، حديث رقم (14) ، (1 / 58) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب محبة رسول الله، حديث رقم (69) ، (1 / 67) .
(8) له: سقطت من (أ) .
(9) في (أ) : فأنت.
(2/368)

أحب إلي من نفسي، قال " الآن يا عمر» (1) .
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] (2) وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 8 - 9] (3) أي: الرسول خاصة {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9] (4) أي: تسبحوا الله تعالى. فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، والتسبيح لله وحده. وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع.
وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحقيق (5) التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم (6) ما شاء الله وشاء محمد، بل: ما شاء الله ثم شاء محمد» (7) «وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله (8) ندا؟ بل (9) ما شاء الله
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ حديث رقم (6632) ، (11 / 523) .
(2) سورة آل عمران: من الآية 31.
(3) سورة الفتح: الآيتان 8، 9 وفي المطبوعة قال: (أو تعزروه وتوقروه) على أنها سياق المؤلف، فقد أخرجها من القوسين.
(4) سورة الفتح: الآية 9.
(5) في (ج) : هذا التوحيد.
(6) لا يقولن أحدكم: ساقطة من (أ) .
(7) أخرجه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت، حديث رقم (2118) ، وأشار المعلق إلى أنه في الزوائد، قال: رجال الإسناد ثقات على شرط البخاري، وفي لفظ ابن ماجه اختلاف يسير عن سياق المؤلف (1 / 685) . وأخرجه الدرامي، كتاب الاستئذان، باب النهي عن أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان (2 / 295) . وأحمد في المسند (5 / 72، 393) ، وكلهم بغير لفظ المؤلف.
(8) في (ج د) : أتجعلني.
(9) في المطبوعة: قل.
(2/369)

وحده» (1) .
والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله، تحقيقا لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] (2) فالصلاة لله وحده، والصدقة لله (3) وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده؛ فالمقصود من الحج: عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: " حنفاء لله، أي حجاجا " (4) فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت.
قال طائفة من السلف: لما أنزل الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] (5) . قالت اليهود والنصارى: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] (6) . فقالوا: لا نحج؟ فقال تعالى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] (7) وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} [آل عمران: 85] (8) عام في الأولين والآخرين، فإن دين الإسلام هو دين الله الذي عليه أنبياؤه، وعباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في
_________
(1) أخرجه أحمد في المسند (1 / 214، 224، 283، 347) ، عن ابن عباس وفيه: "جعلتني لله عدلا" بدل: "ندا" ومعناهما واحد.
(2) سورة البينة: الآية 5.
(3) في (ج د) : أخر قوله: (والصدقة لله وحده) بعد الصيام.
(4) انظر: تفسير ابن جرير (30 / 170) ، حيث ذكر ما أشار إليه المؤلف.
(5) سورة آل عمران: من الآية 85.
(6) سورة آل عمران: الآية 97.
(7) سورة آل عمران: الآية 97.
ذكر ذلك ابن جرير في تفسيره (3 / 241) .
(8) في (د) : " فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ" من بقية الآية.
(2/370)

كتابه من أول رسول بعثه (1) إلى أهل الأرض: نوح، وإبراهيم، وإسرائيل، وموسى، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين.
قال الله تعالى في حق نوح: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ - فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 71 - 72] (2) .
وقال تعالى في إبراهيم وإسرائيل: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 130 - 131] (3) .
وقال تعالى عن يوسف: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] (4) .
وقال تعالى عن موسى وقومه: {وَقَالَ مُوسَى (5) يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84] (6) .
وقال في أنبياء بني إسرائيل:
_________
(1) في (أط) : بعث.
(2) سورة يونس: الآيتان 71، 72.
(3) سورة البقرة: الآيات 130-131، وفي المطبوعة: سرد الآيات إلى قوله: " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" سورة البقرة: من الآية 133.
(4) سورة يوسف: الآية 101.
(5) في (أط) : لقومه. وهي زيادة من النساخ.
(6) سورة يونس: الآية 84.
(2/371)

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44] (1) .
وقال تعالى عن بلقيس: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] (2) .
وقال تعالى عن أمة عيسى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] (3) .
وقال تعالى: (4) {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53] (5) .
وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] (6) .
وقال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 111 - 112] (7) .
وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن (8) إخلاص قصده (9) لله، وهو
_________
(1) سورة المائدة: من الآية 44.
(2) سورة النمل: من الآية 44.
(3) سورة المائدة: الآية 111.
(4) في المطبوعة زاد: عنهم أيضا.
(5) سورة آل عمران: الآية 53.
(6) سورة النساء: الآية 125.
(7) سورة البقرة: الآيتان 111، 112.
(8) في (ب ج د) : يقتضي.
(9) في المطبوعة: قصد العبد لله بالعبادة له وحده، وهي زيادة عما في النسخ المخطوطة.
(2/372)

محسن بالعمل الصالح (1) المأمور به (2) وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا نعبد (3) إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع.
وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] (4) . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه (5) " اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه (6) شيئا " (7) .
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] (8) . قال: " أخلصه وأصوبه ". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: " إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص (9) أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة " (10) .
وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام: شهادة
_________
(1) في المطبوعة زاد: المشروع.
(2) في (أ) : المأمون به.
(3) في (ب) : أن لا يعبدوا.
(4) سورة الكهف: الآية 110.
(5) في دعائه: ساقطة من (أ) .
(6) في (ب) : فيها.
(7) لم أجده.
(8) سورة الملك: من الآية 2.
(9) في (د ب) : فالخالص.
(10) ذكره أبو نعيم في الحلية بسنده عن إبراهيم بن الأشعث أنه سمع الفضيل يقول ذلك (8 / 95) .
(2/373)

أن لا إله إلا الله، وشهادة (1) أن محمدا رسول الله. فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو (2) تتضمن إخلاص الإلهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره، لا بحب ولا خوف ولا رجاء، ولا إجلال ولا إكرام (3) ولا رغبة ولا رهبة؛ بل لا بد أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] (4) .
فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله (5) كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك. وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان» (6) .
فالمؤمنون يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] (7) .
والشهادة بأن محمدا رسول الله، تتضمن: تصديقه في كل ما أخبر،
_________
(1) في (ط) : وأن محمدا.
(2) في (أ) : لا إله إلا الله.
(3) في المطبوعة: ولا إكبار.
(4) سورة الأنفال: من الآية 39.
(5) في (ط) : لغيره.
(6) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، حديث رقم (4679) ، (5 / 60) عن أبي أمامة. وأخرجه الترمذي باختلاف يسير عن اللفظ الذي أورده المؤلف في كتاب صفة القيامة، باب (60) ، حديث رقم (2521) عن أنس الجهني (4 / 670) وقال: " هذا حديث حسن". وأخرجه أحمد في مسند أنس بن معاذ الجهني (3 / 438، 440) .
(7) سورة البقرة: من الآية 165.
(2/374)

وطاعته في كل ما أمر. فما (1) أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته (2) من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، فيخلصوا من التعطيل والتمثيل، ويكونوا (3) في إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل. وعليهم أن يفعلوا ما أمر به وأن ينتهوا (4) عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ويحرموا ما حرمه؛ فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله.
ولهذا، ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما، لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعام: 136] (5) إلى آخر السورة. وما ذكره في صدر سورة الأعراف، وكذلك قوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] (6) .
وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45 - 46] (7) فأخبره (8) أنه أرسله داعيا إليه بإذنه (9) فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك، كما قال
_________
(1) في (ج د) : فكل ما أثبته.
(2) في المطبوعة: ما أثبته الرسول لربه.
(3) في المطبوعة: ويكونون على خير عقيدة في إثبات.
(4) في (أ) : وينتهوا، وفي المطبوعة: أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه.
(5) سورة الأنعام: من الآية 136.
(6) سورة الشورى: من الآية21.
(7) سورة الأحزاب: الآيتان 45، 46.
(8) في (د ب) : فأخبر.
(9) في (أ) زاد: وسراجا منيرا.
(2/375)

تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] (1) وكان من إشراكهم بهم: أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم (2) وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم.
وقد قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] (3) فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم (4) الآخر: أنهم لا يحرمون ما حرمه الله (5) ورسوله، ولا يدينون دين الحق.
والمؤمنون صدقوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما أخبر به (6) عن الله، وعن اليوم الآخر، فآمنوا بالله واليوم الآخر (7) وأطاعوه فيما أمر ونهى، وحلل وحرم، فحرموا ما حرم الله ورسوله، ودانوا دين الحق، فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فأمرهم بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر، وأحل لهم كل طيب، وحرم عليهم كل خبيث.
ولفظ الإسلام: يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص، (8) من
_________
(1) سورة التوبة: الآية 31.
(2) في (ط) : فأضلوهم، وفي (أ) : فأخلوه، وهو تحريف من النساخ.
(3) سورة التوبة: الآية 29.
(4) في (أط) : وباليوم.
(5) في (أ) : ما حرمه الرسول، وفي (ط) : ما حرمه الله والرسول.
(6) ما بين الرقمين ساقط من (ج د) ، ووضع بدله: في باب الإيمان بالله واليوم الآخر.
(7) ما بين الرقمين ساقط من (ج د) ، ووضع بدله: في باب الإيمان بالله واليوم الآخر.
(8) في المطبوعة: مأخوذ من قوله تعالى.
(2/376)

قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29] (1) . فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: " لا إله إلا الله (2) " فمن استسلم لله ولغيره فهو (3) مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، وقد قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] (4) .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ". فقيل له: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، أفمن الكبر ذاك؟ فقال: " لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس» (5) . بطر (6) الحق: جحده ودفعه، وغمط الناس: ازدراؤهم واحتقارهم.
فاليهود موصوفون بالكبر، والنصارى موصوفون بالشرك، قال تعالى في نعت اليهود: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] (7) .
_________
(1) سورة الزمر: من الآية 29.
(2) في (ب) : لا إله إلا هو.
(3) (أ) : هو.
(4) سورة غافر: الآية 60.
(5) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، حديث رقم (91) ، (1 / 93) . وأبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، حديث رقم (4090) ، (4 / 350) . والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الكبر، حديث رقم (1999) ، (4 / 361) .
(6) في (ب) : فبطر.
(7) سورة البقرة: من الآية 87.
(2/377)

وقال في نعت النصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] (1) .
ولهذا قال الله تعالى في سياق خطاب (2) النصارى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] (3) .
وقال تعالى في سياق تقريره للإسلام (4) وخطابه لأهل الكتاب: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] إلى قوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] (5) .

[أصل دين الأنبياء واحد وإنما تنوعت الشرائع]
ولما كان أصل الدين الذي (6) هو دين الإسلام واحدا، وإنما (7) تنوعت الشرائع؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد» (8)
_________
(1) سورة التوبة: الآية 31.
(2) في المطبوعة: الكلام مع النصارى.
(3) سورة آل عمران: الآية 64.
(4) في (ب ط) : تقرير الإسلام.
(5) سورة البقرة: الآيات 136-140. وفي المطبوعة خالف النسخ في سرد الآيات. راجع: (ص 455) من المطبوعة.
(6) الذي: ساقطة من (ط) .
(7) في (أ) وفي المطبوعة: وإن.
(8) جاء ذلك في أحاديث في الصحيحين: انظر: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب (48) ، الحديث رقم (3442) ، (3443) ، (6 / 477، 478) من فتح الباري، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام، الحديث رقم (2365) ، (4 / 1837) . والعلات: الضرائر، فأولاد العلات هم الذين أمهاتهم شتى وأبوهم واحد.
(2/378)

«الأنبياء إخوة لعلات» (1) «وأنا أولى الناس بابن مريم، فإنه ليس بيني وبينه نبي» (2) .
فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو (3) يعبد في كل وقت بما أمر به (4) في ذلك الوقت، وذلك هو دين (5) الإسلام في ذلك الوقت.
وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع (6) كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم (7) هو دين واحد، مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة، كما أمر المسلمون بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة، ويحرم استقبال الصخرة (8) فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته، فهكذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع الجمعة، فكان الاجتماع (9) يوم السبت واجبا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع (10) يوم
_________
(1) نفس المرجع السابق.
(2) نفس المرجع السابق.
(3) في (د) : ويعبد.
(4) به: ساقطة من (ط) .
(5) دين: ساقطة من (أط) .
(6) في (أ) : من الفروع. وفي (ط) : في الفروع.
(7) في (أط) : محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(8) يعنى التي ببيت المقدس.
(9) في (ب ج د) : فكان تعظيم يوم السبت واجبا إذ ذاك.
(10) في (ب ج د) : هو تعظيم يوم الجمعة.
(2/379)

الجمعة، وحرم الاجتماع يوم (1) السبت.
فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ، لم يكن مسلما (2) ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النسخ لم يكن مسلما.
ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13] (3) .
فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 51 - 52] (4) .
وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] (5) {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32] (6) .
فأهل الإشراك متفرقون، وأهل الإخلاص متفقون، وقد قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119] (7) فأهل الرحمة متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا.
_________
(1) في (أ) : (هو) ، بدل (يوم) . وأظنه تحريف من الناسخ.
(2) من هنا حتى قوله: ولم يشرع الله لنبي (سطر تقريبا) : سقط من (ج د) .
(3) سورة الشورى: الآية 13.
(4) سورة المؤمنون: الآيتان 51، 52.
(5) في المطبوعة فصل بين الآيتين (30) و (31) بقوله: ثم قال.
(6) سورة الروم: الآيات 30-32.
(7) سورة هود: من الآيتين 118، 119.
(2/380)

ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع، يفترق أهله؛ فكان لكل قوم من مشركي العرب طاغوت، يتخذونه ندا من دون الله، فيقربون له ويستشفعون به (1) ويشركون به. وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء، وهؤلاء (2) وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء، بل قد يكون لأهل هذا الطاغوت شريعة ليست للآخرين، كما كان أهل المدينة الذين يهلون (3) لمناة الثالثة الأخرى، ويتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة، حتى أنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] (4) الآية.
وهكذا تجد من يتخذ شيئا من نحو (5) الشرك، كالذين يتخذون القبور وآثار الأنبياء والصالحين مساجد، تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستعانة والتوجه من لا تعظمه الطائفة الأخرى.
بخلاف أهل التوحيد، فإنهم يعبدون الله لا يشركون به، في بيوته التي قد أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد جعلت لهم الأرض مسجدا وطهورا. وإن (6) حصل بينهم تنازع (7) في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد، لم يوجب ذلك تفرقا ولا اختلافا، بل هم يعلمون أن المصيب منهم له أجران، وأن المجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له.
والله هو معبودهم (8) إياه يعبدون وعليه يتوكلون، وله يخشون ويرجون،
_________
(1) في المطبوعة: ويستعينون به.
(2) وهؤلاء: ساقطة من (أ) .
(3) في (أ) : يتعبدون لمناة الثالثة.
(4) سورة البقرة: من الآية 158.
(5) في المطبوعة: من نحو هذا الشرك.
(6) في (د) : فإن.
(7) في (ب) : نزاع.
(8) في المطبوعة زاد: وحده.
(2/381)

وبه يستعينون ويستغيثون، وله يدعون ويسألون، فإن خرجوا إلى الصلاة في المساجد، كانوا مبتغين فضلا منه ورضوانا، كما قال تعالى في نعتهم: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] (1) .
وكذلك إذا سافروا إلى أحد (2) المساجد الثلاثة، لا سيما المسجد الحرام، الذي أمروا بالحج إليه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا (3) تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} [المائدة: 2] (4) فهم يؤمون (5) بيته ويبتغون فضلا من ربهم (6) ورضوانا، لا يرغبون إلى غيره، ولا يرجون سواه، ولا يخافون إلا إياه.
وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم (7) واستزلهم عن إخلاص الدين لله (8) إلى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة: الرجاء (9) لغير الله، والرغبة إليه (10) ويشدون الرحال: إما إلى قبر نبي أو صاحب
_________
(1) سورة الفتح: من الآية 29.
(2) أحد: ساقطة من (أ) .
(3) في (أط د) وفي المطبوعة: بدأ بقوله تعالى: "لا تُحِلِّوا شَعَائِرَ اللَّهِ".
(4) سورة المائدة: من الآية 2.
(5) في (ط) : آمين.
(6) في (ط) : منه.
(7) في (ط) : شركهم.
(8) في المطبوعة: لربهم.
(9) في (أط) : الرضا لغير الله. وفي (ب) : الرضا بغير الله. ثم صححها بالهامش: الرجاء لغير الله. وفي المطبوعة: رضى غير الله.
(10) الضمير في (إليه) يرجع إلى الغير، أي: والرغبة إلى غير الله. وفي المطبوعة: قال: والرغبة إلى غيره.
(2/382)

أو صالح، أو من يظن (1) أنه نبي، أو صاحب أو صالح، داعين (2) له راغبين إليه.
ومنهم: من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور، ومنه من يرى أن ذلك أنفع له من حج البيت.
ومن شيوخهم: من يحج، فإذا دخل المدينة، رجع وظن (3) أن هذا أبلغ.
ومن جهالهم: من يتوهم أن زيارة القبور واجبة، ومنهم من (4) يسأل المقبور الميت، كما يسأل الحي الذي لا يموت! يقول يا سيدي فلان، اغفر لي وارحمني وتب علي. أو يقول: اقض عني الدين، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك أو جوارك.
وقد ينذرون أولادهم للمقبور، ويسيبون له (5) السوائب، من البقر (6) وغيرها، كما كان المشركون يسيبون السوائب لطواغيتهم، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103] (7) وقال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] (8) .
_________
(1) في المطبوعة: يظنون.
(2) في (ط) : داين. وهو تحريف من الناسخ.
(3) في المطبوعة: زيادة وتغيير فقال: ومن شيوخهم من يقصد حج البيت، فإذا وصل إلى المدينة رجع مكتفيا بزيارة القبر وظن. . إلخ.
(4) في المطبوعة: وأكثرهم.
(5) في (ب) : لهم.
(6) في المطبوعة زاد: والغنم.
(7) سورة المائدة: من الآية 103.
(8) سورة الأنعام: الآية 136.
(2/383)

ومن السدنة: من يضل الجهال، فيقول: أنا أذكر حاجتك (1) لصاحب الضريح، وهو يذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يذكرها لله (2) .
ومنهم: من يعلق على القبر المكذوب أو غير المكذوب، من الستور والثياب، ويضع عنده من مصوغ الذهب والفضة، ما قد أجمع المسلمون على أنه (3) ليس من دين الإسلام. هذا والمسجد الجامع معطل خراب صورة ومعنى!
وما أكثر من يرى (4) من (5) هؤلاء: أن صلاته عند هذا القبر المضاف إلى بعض المعظمين - مع أنه كذب في نفس الأمر - أعظم من صلاته في المساجد بيوت الله (6) فيزدحمون (7) للصلاة في مواضع الإشراك المبتدعة، التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد، وإن كانت على (8) قبور الأنبياء، ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع (9) ويذكر فيها اسمه، التي قال الله فيها: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] (10) .
_________
(1) في (ط) : صاحبك.
(2) في المطبوعة: وهو يذكرها للنبي يذكرها لله.
(3) في المطبوعة: على أنه من دين المشركين وليس من دين الإسلام.
(4) في المطبوعة: يعتقد.
(5) من: سقطت من (أ) .
(6) في المطبوعة: زيادة: الخالية من القبور والخالصة لله.
(7) في (أط) : يزدحمون.
(8) على: ساقطة من (ط) .
(9) في (أ) : فيذكر.
(10) سورة التوبة: الآية 18.
(2/384)

[غلط طوائف في مسمى التوحيد وبيان الحق في ذلك]
ومن أكابرهم: من (1) يقول: " (2) الكعبة في الصلاة قبلة العامة، والصلاة إلى قبر الشيخ فلان -مع استدبار الكعبة- قبلة الخاصة "!
وهذا وأمثاله من الكفر (3) الصريح باتفاق علماء المسلمين، وهذه المسائل (4) التي تحتمل من البسط وذكر أقوال العلماء فيها ودلائلها أكثر مما كتبنا في هذا المختصر.
وقد كتبنا في (5) ذلك في غير هذا الموضع، ما لا يتسع له هذا الموضع، وإنما نبهنا هنا (6) على رؤوس المسائل، وجنس الدلائل، والتنبيه على مقاصد الشريعة (7) وما فيها من إخلاص الدين لله، وعبادته وحده لا شريك له، وما سدته من الذريعة إلى الشرك، دقه وجله، فإن هذا هو أصل الدين، وحقيقة دين المرسلين (8) وتوحيد رب العالمين.
وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته (9) فطائفة: ظنت أن التوحيد هو نفي (10) الصفات، بل نفي الأسماء الحسنى أيضا، وسموا أنفسهم: أهل التوحيد (11)
_________
(1) في المطبوعة: ومن أكابر شيوخهم.
(2) في (ط) : أن الكعبة.
(3) الكفر: ساقطة من (أ) .
(4) في (ج د) : المسألة.
(5) في (أط ج د) : من ذلك.
(6) في (أ) : بها.
(7) في (ط) : للشريعة.
(8) في (ط) : المسلمين.
(9) في المطبوعة زاد: في نفوسهم.
(10) في (ب) : زاد: (أن) فقال: هو أن نفي.
(11) من هؤلاء: الجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات لله تعالى، ومثلهم القرامطة والباطنية، ومنهم المعتزلة حيث أثبتوا لله الأسماء، ونفوا عنه الصفات. انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف، الرسالة التدمرية (3 / 7 - 10) ، (ص99-100) .
(2/385)

وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات، ووجودا مطلقا بشرط الإطلاق.
وقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول: أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان، لا في الأعيان. وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم ما سموه (تركيبا) وظنوا أن العقل ينفيه، كما قد كشفنا أسرارهم وبينا فرط جهلهم، وما أضلهم من الألفاظ المجملة المشتركة في غير هذا الموضع (1) .
وطائفة: ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله خلق كل شيء، وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال (2) .
ومن أهل الكلام: من أطال نظره في تقرير هذا التوحيد (3) إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص (4) القدرة وفوات الكمال، وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال، وإما بغير ذلك من الدلائل، ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية وأثبت أنه لا إله إلا هو، (5) وأن الإلهية هي: القدرة على الاختراع أو نحو ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله، وأنه لا شريك له في الخلق، كان هذا معنى قولنا: لا إله إلا الله، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد، كما قال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [لقمان: 25]
_________
(1) فصل المؤلف هذا الموضوع في الرسالة التدمرية، وقد طبعت مستقلة في كتاب، كما أنها توجد ضمن مجموع الفتاوى (3 / 1-128) .
(2) وهم طوائف من الفلاسفة وأهل التصوف وعامة المتكلمين انظر: مجموع الفتاوى (3 / 97، 98) .
(3) في (ب ج د) وفي المطبوعة: في تقرير هذا الموضع.
(4) في (ب) : بعض.
(5) من هنا حتى قوله: وأنه لا شريك له (سطر تقريبا) من (أ) .
(2/386)

(1) وقال تعالى {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 84 - 85] (2) الآيات، وقال (3) تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] (4) . قال ابن عباس وغيره: " تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع ذلك (5) يعبدون غيره " (6) .
وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به (7) الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين (8) فلا يعبد إلا إياه (9) فيكون دينه كله لله.
والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب (10) غيره يوجب الفساد، كما قال تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] (11) .
وقد بسطنا (12) الكلام على هذا في غير هذا الموضع (13)
_________
(1) سورة لقمان: الآية 25.
(2) سورة المؤمنون: الآيتان 84، 85.
(3) في (أط) : وقد قال تعالى.
(4) سورة يوسف: الآية106.
(5) في (أط) وفي المطبوعة: مع هذا.
(6) انظر: تفسير ابن جرير (13 / 50، 51) .
(7) في المطبوعة: كل الواجب.
(8) في المطبوعة زاد: والعبادة.
(9) في المطبوعة زاد: ولا يعبده إلا بما شرع.
(10) في (أط) : وحبه لغيره.
(11) سورة الأنبياء: من الآية 22.
(12) في (أ) : وقد سبق الكلام على هذا.
(13) انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (1 / 20-62) .
(2/387)

وبينا أن هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله (1) من يقوله من أهل الكلام، من ذكر دليل التمانع (2) الدال على وحدانية الرب تعالى، فإن التمانع (3) يمنع وجود المفعول، لا يوجب فساده بعد وجوده، وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلات، والثاني يذكر في الحكم والنهايات التي تذكر في العلل التي هي الغايات، كما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فقدم الغاية المقصودة على الوسيلة الموصلة، كما قد بسط في غير هذا الموضع (4) .
ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف، ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات، وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات، وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر -لشمول القدر (5) لكل مخلوق- وكلماته الدينيات التي اختص (6) بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه.
فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين، الذين عبدوه وأطاعوا أمره، واتبعوا رسله.
_________
(1) في (ب ج د) : من يقول.
(2) في (ط) : الممانع، في الموضعين.
(3) في (ط) : الممانع، في الموضعين.
(4) انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (14 / 29-34) .
(5) في المطبوعة: القدرة.
(6) في (ط) : اختص بها بموافقتها.
(2/388)

قال تعالى {أَمْ (1) نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] (2) وقال تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] (3) وقال تعالى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] (4) .
ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه، وبين ما أمر به وأحبه (5) من الإيمان والأعمال الصالحة (6) وما (7) كرهه ونهى عنه وأبغضه: من الكفر والفسوق والعصيان مع شمول قدرته، ومشيئته، وخلقه لكل شيء، وإلا وقع في دين المشركين، الذين قالوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] (8) .
والقدر يؤمن به ولا يحتج به، بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب، ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب (9) كما قال تعالى {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55] (10) ولهذا حج آدم موسى عليهما السلام، لما لام موسى (11) آدم لأجل المصيبة التي حصلت لهم بأكله من الشجرة، فذكر
_________
(1) في (أط) : أفنجعل. وهو خطأ من النساخ.
(2) سورة ص: الآية 28.
(3) سورة الجاثية: الآية 21.
(4) سورة القلم: الآيتان 35، 36. وفي المطبوعة: ذكر الآية الأولى فقط.
(5) في المطبوعة: وأوجبه.
(6) في (ط) وفي المطبوعة: الصالحات.
(7) في المطبوعة: وبين ما كرهه.
(8) سورة الأنعام: من الآية 148.
(9) في (أ) : والمصايب.
(10) سورة غافر: من الآية 55.
(11) في (أط) : لآدم.
(2/389)

له آدم: «أن هذا كان مكتوبا قبل أن أخلق. فحج آدمُ موسى» (1) كما قال تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] (2) وقال تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] (3) قال بعض السلف: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى (4) ويسلم " (5) .
فهذا هو جهة (6) احتجاج آدم بالقدر، ومعاذ الله أن يحتج آدم - أو من هو دونه من المؤمنين- على المعاصي بالقدر، فإنه لو ساغ هذا لساغ أن يحتج إبليس ومن اتبعه من الجن والإنس بذلك، ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود، وسائر أهل الكفر والفسوق والعصيان، ولم يعاقب (7) أحد، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار شرعا وعقلا.
فإن (8) هذا القول لا يطرده أحد من العقلاء، فإن طرده يوجب (9) أن لا يلام أحد على شيء، ولا يعاقب عليه. وهذا المحتج بالقدر لو جنى عليه
_________
(1) جاء ذلك في حديث في الصحيحين. انظر: صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد الحديث رقم (3409) ، (6 / 441) ، وصحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، الحديث رقم (2652) ، (4 / 2042 - 2044) .
(2) سورة الحديد: الآية 22.
(3) سورة التغابن: الآية 11.
(4) في (ط) : فيسلم ويرضى.
(5) أخرجه ابن جرير في تفسيره عن علقمة. تفسير ابن جرير (28 / 80) .
(6) في (أ) : وجهة. وفي المطبوعة: وجه.
(7) في المطبوعة: ولم يعاقب ربنا أحدا.
(8) في (أط) : بأن.
(9) في (أط) : موجب.
(2/390)

جان (1) لطالبه، فإن كان القدر حجة للجاني عليه، وإلا فليس حجة لا لهذا ولا لهذا.
ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولا، لم يمكن للناس (2) أن يعيشوا، إذا كان لكل من اعتدى عليهم أن يحتج بذلك، فيقبلوا عذره ولا يعاقبوه، ولا يمكن اثنان (3) من أهل هذا القول أن يعيشا (4) إذ لكل منهما أن يقتل الآخر، ويفسد (5) جميع أموره، محتجا على ذلك بالقدر.
ثم إن أولئك المبتدعين، الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات، وهؤلاء الذين أخرجوا عنه (6) متابعة الأمر، إذا حققوا القولين؛ أفضى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق (7) والمخلوق، بل يقولون (8) بوحدة الوجود كما قاله أهل الإلحاد (9) القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد (10) الذين يعظمون الأصنام وعابديها، وفرعون وهامان وقومهما، ويجعلون وجود خالق الأرض والسماوات هو وجود كل شيء من الموجودات (11) ويدعون التوحيد والتحقيق
_________
(1) في (أ) : كان.
(2) في (أب ط) : الناس.
(3) في المطبوعة: اثنين.
(4) في (أط) : أن يعيشوا.
(5) في (أ) : وفقد.
(6) في (ب) : عن.
(7) في (ب) : الخلائق. وهو خطأ؛ لأن الخلائق والمخلوق معناهما واحد، والكلام بصدد التفريق بين الخالق والمخلوق.
(8) في (أب ط) : يقولوا.
(9) في (ب) : الاتحاد.
(10) والاتحاد: ساقطة من (ب) .
(11) في (أط) : المخلوقات.
(2/391)

والعرفان، وهم من أعظم أهل الشرك والتلبيس (1) والبهتان.
يقول عارفهم: السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية -أي نظرا إلى الأمر- ثم يرى طاعة بلا معصية- أي نظرا إلى القدر- ثم لا طاعة ولا معصية- أي نظرا إلى أن الوجود واحد -ولا يفرقون (2) بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود.
والوجود ينقسم إلى: قائم بنفسه. وقائم بغيره، وواجب بنفسه، وممكن بنفسه. كما أن الحيوانات مشتركة في مسمى الحيوان، والأناسي يشتركون في مسمى الإنسان، مع العلم الضروري بأنه ليس عين وجود هذا الإنسان هو عين وجود هذا الفرس، بل ولا عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته هو عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته، لكن بينهما قدر مشترك تشابها (3) فيه، قد يسمى كليا (4) ومطلقا وقدرا مشتركا، ونحو ذلك، وهذا لا يكون في الخارج عن الأذهان كليا عاما مطلقا، بل لا يوجد إلا معينا مشخصا، فكل موجود فله ما يخصه من حقيقته، مما (5) لا يشركه فيه غيره، بل ليس بين موجودين في الخارج شيء بعينه اشتركا فيه، ولكن تشابها؛ ففي هذا نظير ما في هذا، كما أن هذا نظير هذا، وكل منهما متميز (6) بذاته وصفاته عما سواه، فكيف الخالق سبحانه وتعالى؟
وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع البسط الذي يليق
_________
(1) في (أ) : والتلفيق، بدل: والتلبيس.
(2) في (ب) : ولا فرق. وفي المطبوعة: ولا يفرق.
(3) في (أط) : مشابها. وفي (ب) : مشبها.
(4) في (ج د) وفي المطبوعة: كليا مطلقا.
(5) في (ب) : بما.
(6) في (أب ط) : مميزه.
(2/392)

به (1) فإنه مقام زلت فيه أقدام، وضلت فيه أحلام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ومن أحكم الأصلين المتقدمين في الصفات، والخلق والأمر؛ فيميز (2) بين المأمور المحبوب (3) المرضي لله، وبين غيره، مع شمول القدر لهما، وأثبت للخالق سبحانه الصفات التي توجب مباينته للمخلوقات، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، أثبت التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما نبه على ذلك في سورتي الإخلاص {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]
فإن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن، إذ كان القرآن باعتبار معانيه ثلاث أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي؛ لأن القرآن كلام الله. والكلام: إما إنشاء، وإما إخبار، والإخبار: إما عن الخالق، وإما عن المخلوق.
والإنشاء: أمر ونهي وإباحة.
فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فيها ثلث التوحيد، الذي هو خبر عن الخالق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «قل هو الله أحد (4) تعدل ثلث القرآن» (5)
_________
(1) في (ب ط) : فيه.
المؤلف رحمه الله بحث هذا الموضوع بحثا شافيا في مواضع كثيرة. انظر: مجموع الفتاوى (3 / 32، 33، 75-78، 188-193) ، و (5 / 105، 210- 212، 327- 364) ، و (9 / 45، 46) ، و (11 / 141-145) ، و (20 / 423- 450) .
(2) في (ب د ط) : فميز.
(3) في (أب) : والمحبوب.
(4) قل هو الله أحد: سقطت من (أ) .
(5) أخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص، الحديث رقم (2899) ، (5 / 168) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وانظر: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في سورة الصمد، الحديث رقم (1461) ، (2 / 152) ، وسنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب ثواب القرآن، الحديث رقم (3787) ، (2 / 1244) ، وصحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد، الحديث رقم (5013) ، (9 / 58، 59) .
(2/393)

وعدل (1) الشيء -بالفتح- يكون: ما سواه، من غير جنسه، كما قال تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] (2) وذلك يقتضي: أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر معه ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما.
ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن، ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا، كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص.
وسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1 - 2]
وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع (3) .
وسورة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] فيها التوحيد القصدي العملي، كما قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1 - 2] وبهذا (4) يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كلاهما (5) يقر بأن الله رب كل شيء (6) ويتميز
_________
(1) في (أ) : وهذا الشيء.
(2) سورة المائدة: من الآية95.
(3) للمؤلف رسالة مستقلة في تفسير سورة الإخلاص.
(4) في (أ) : ولهذا.
(5) في المطبوعة: كل واحد منهما.
(6) في المطبوعة: ومليكه.
(2/394)

عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه، ممن عبد غيره وأشرك به، أو نظر إلى القدر الشامل لكل شيء، فسوى بين المؤمنين والكفار، كما كان يفعل المشركون من العرب.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنها براءة من الشرك» (1) .
وسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فيها إثبات الذات، وما لها من الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الرب الخالق، الأحد الصمد، عن المعطلين له بالحقيقة، نفاة الأسماء والصفات، المضاهين لفرعون وأمثاله ممن أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود، وإن كان في الباطن يقر به، كما قال تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] (2) وقال موسى {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] (3) .
والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات. ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة وغيرهم عكسوا القضية، فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، يقولون ليس كذا، ليس كذا، ليس كذا (4) .
فإذا أرادوا إثباته قالوا: وجود مطلق بشرط النفي، أو بشرط الإطلاق، (5) وهم
_________
(1) جاء ذلك في حديث أخرجه الترمذي في كتاب الأدب، باب (22) ، الحديث رقم (3403) ، (5 / 474) ، وقد ذكره من طرق وذكر ما يفيد صحة بعضها.
وأبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول عند النوم، الحديث رقم (5055) ، (5 / 303) ؛ وأحمد في المسند (5 / 456) ؛ والدرامي في كتاب فضائل القرآن، باب فضل (قل يا أيها الكافرون) (2 / 458، 459) .
(2) سورة النمل: من الآية 14.
(3) سورة الإسراء: الآية 102.
(4) ليس كذا- الثالثة-: سقطت من (د) .
(5) بشرط الإطلاق: سقطت من (أط) .
(2/395)

يقرون في منطقهم اليوناني: أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج، فليس في الخارج حيوان مطلق بشرط الإطلاق، ولا إنسان مطلق بشرط الإطلاق، ولا موجود مطلق بشرط الإطلاق، بخلاف المطلق لا بشرط الذي يطلق على هذا وهذا، وينقسم إلى هذا وهذا، فإن هذا يقال: إنه في الخارج لا يكون إلا معينا (1) مشخصا (2) أو يقولون إنه الوجود المشروط بنفي كل ثبوت عنه (3) فيكون مشاركا لسائر الموجودات في مسمى الوجود، متميزا عنها بالعدم.
وكل موجود متميز بأمر ثبوتي، والوجود خير من العدم (4) فيكون أحقر الموجودات خيرا من هذا (5) الذي ظنوه وجودا واجبا، هذا إذا أمكن تحقيقه في الخارج، فكيف (6) وذلك ممتنع؛ لأن المتميز بين الموجودين لا يكون عدما محضا، بل لا يكون إلا وجودا؟
فهؤلاء الذين يدعون أنهم أفضل المتأخرين، من الفلاسفة المشائين (7) يقولون: في وجود واجب الوجود، ما يعلم بصريح المعقول الموافق لقوانينهم المنطقية: أنه قول بامتناع الوجود الواجب (8) وأنه جمع بين النقيضين، وهذا
_________
(1) في (أط) : إلا معنى.
(2) من هنا حتى قوله: فهؤلاء الذين يدعون (خمسة أسطر تقريبا) : ساقطة من (أط) .
(3) في المطبوعة: عنه منه.
(4) في (ب) : من المعدم.
(5) ما بين الرقمين ساقط من المطبوعة. وقال بدله: خير من العدم. ثم قال: وذلك ممتنع. .إلخ.
(6) ما بين الرقمين ساقط من المطبوعة. وقال بدله: خير من العدم. ثم قال: وذلك ممتنع. .إلخ.
(7) المشاء: الكثير المشي، والمشائي هو: الأرسطي، فالمشاؤون هم: أتباع أرسطو، سموا بذلك لأن أرسطو كان يعلم تلاميذه ماشيا، وهم يمشون. انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا (2 / 373) ، باب الميم.
(8) في المطبوعة: الوجود الواجب الوجود.
(2/396)

في غاية الجهل والضلال.
وأما الرسل صلوات الله عليهم: فطريقتهم طريقة القرآن، قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182] (1) .
والله تعالى يخبر في كتابه أنه: حي، قيوم، عليم، حكيم، غفور، رحيم، سميع، بصير، علي، عظيم، خلق (2) السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وكلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا، يرضى عن المؤمنين، ويغضب على الكافرين (3) إلى أمثال ذلك من الأسماء (4) والصفات.
ويقول في النفي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] (5) {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] (6) {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] (7) {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] (8) فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين، وأنه ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة، المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في شيء من صفاته ولا أفعاله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 43 - 44] (9) .
فالمؤمن يؤمن بالله، وما له من الأسماء الحسنى، ويدعوه بها، ويجتنب
_________
(1) سورة الصافات: الآيات 180- 182.
(2) في (ب) : خالق.
(3) في (أ) : الكافر.
(4) الأسماء: ساقطة من (ج د) .
(5) سورة الشورى: من الآية 11.
(6) سورة الإخلاص: الآية 4.
(7) سورة مريم: من الآية 65.
(8) سورة البقرة: من الآية 22.
(9) سورة الإسراء: الآيتان 43، 44.
(2/397)

الإلحاد في أسمائه وآياته، قال تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180] (1) وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: 40] (2) وهو يدعو الله وحده، ويعبده وحده (3) لا يشرك بعبادة ربه أحدا، ويجتنب طريق المشركين الذين قال الله تعالى فيهم {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] (4) .
وقال تعالى {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 22 - 23] (5) .
وهذه جمل لها تفاصيل، ونكت تشير إلى خطب جليل.
فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والإيمان، وليتخذ الله هاديا ونصيرا، وحاكما (6) ووليا، فإنه نعم المولى ونعم النصير، وكفى بربك هاديا ونصيرا. وإن أحب دعا (7) بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، عن عائشة -رضي الله عنها- «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق
_________
(1) سورة الأعراف: من الآية 180.
(2) سورة فصلت: من الآية 40.
(3) في (ب) زاد: لا شريك له.
(4) سورة الإسراء: الآيتان 56، 57.
(5) سورة سبأ: الآيتان 22، 23.
(6) من هنا حتى قوله: وإن أحب (سطر تقريبا) : سقط من (أب ط) .
(7) في (أب ط) : وإن أحب دعاء فالدعاء الذي رواه مسلم.
(2/398)

بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (1) وذلك أن الله تعالى يقول: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] (2) أي: فاختلفوا، كما في سورة يونس (3) وقد قيل: إنها كذلك في حرف عبد الله (4) {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] (5)
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، الحديث رقم (770) ، (1 / 534) .
(2) سورة البقرة: من الآية 213.
(3) يشير إلى قوله تعالى: " وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا " سورة يونس: الآية 19، وقد أثبتها في المطبوعة في المتن، لكن النسخ المخطوطة لم تذكرها كما هو مثبت.
(4) يعني في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر: تفسير ابن جرير (2 / 194، 195) .
(5) سورة البقرة: الآية 213.
(2/399)

[الخاتمة]
الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على رسوله النبي الأمين، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وبعد: فقد انتهيت -بعون الله وتوفيقه- من تحقيق كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم " لشيخ الإسلام الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وأنا مغتبط بما كسبته من فائدة كبيرة جنيتها من خلال قراءة الكتاب قراءة متأنية، ثم من خلال خدمتي له أثناء تخريج أحاديثه وآثاره، ودراسة موضوعاته، وترجمة أعلامه، وغير ذلك، مما ساقني لقراءة كتب السنة، والتفسير، والرجال، والتاريخ، والفقه، والسيرة، وغيرها، فضلا عن قراءة كتب المؤلف الأخرى.
وقد حاولت خلال تحقيق الكتاب ودراسته: أن أخدم القارئ، وأن أخدم الكتاب، قدر استطاعتي، ومع هذا فإني أحس الآن أن هناك جوانب تركتها، وأخرى قصرت فيها، وهكذا عمل البشر لا يخلو من خلل، ومن نقص، إنما المطلوب التسديد والمقاربة، والاجتهاد وبذل الوسع، وهذا ما حاولته إن شاء الله.
(2/400)

ثم إن القارئ لا بد أن يحس بأن هناك جوانب نقص، ولا بد أن يجد أخطاء وقعت فيها، وأن يتمنى أشياء لو أني فعلتها، ولا بد أن يخالفني في بعض ما فعلته، أو قلته، أو توصلت إليه، وهذا راجع لاختلاف وجهات النظر بين الناس، ولأن عين الناقد بصيرة، ولأن من يستعرض العمل وينظر فيه، غير من يمارسه ويعايشه.
فآمل من القارئ الكريم إذا وجد خطأ، أو لاحظ خللا أو نقصا، أو لديه ما يفيد ويخدم الكتاب والقراء، أن يرشدني إلى ذلك، ويزودني به؛ لأنه بذلك يخدم، ويشارك في الخير.
وأخيرا فإن هذا الكتاب -كما أشرت في الدراسة- من الكتب القيمة التي تحمل العلاج الناجع لكثير من أمراض المسلمين الاعتقادية، والأخلاقية، والسلوكية، ولم يكن علاجا وقتيا لعصر مؤلفه فحسب، بل إنه يعالج الكثير من مشاكل المسلمين اليوم، وكأنه كتب لهذا العصر.
فجزى الله مؤلفه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسأل الله التوفيق والمثوبة لي ولكل من أسهم في إخراج هذا الكتاب وخدمته، وأخص فضيلة شيخي صالح بن فوزان الفوزان، الذي أشرف على تحقيقه، وأسهم بملاحظاته وتوجيهاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.
[تم بحمد الله]
(2/401)

فهرس المراجع (1) المعاجم والموسوعات ونحوها: 1 - أطلس العالم: محمد سيد نصر وجماعة. طبعة جديدة عام 1982 - مكتبة بيروت.
2 - دليل القارئ إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري: عبد الله بن محمد الغنيمان. الطبعة الأولى، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة.
3 - الفهرست: محمد بن إسحاق النديم. طبعة دار المعرفة 1388هـ.
4 - القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. المؤسسة العربية للطباعة والنشر- لبنان.
5 - لسان العرب: محمد بن مكرم ابن منظور. طبعة دار صادر ودار بيروت- لبنان، 1388هـ.
6 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، الطبعة الأولى.
7 - مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. دار الكتاب العربي- لبنان 1967م.
8 - معجم البلدان: ياقوت بن عبد الله الحموي. طبعة دار صادر- بيروت.
(2/477)

9 - المعجم الفلسفي: جميل صليبا. الطبعة الأولى 1973م.
10 - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي: جماعة من المستشرقين. طبعة مكتبة برلين.
11 - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي.
12 - المعجم الوسيط: جماعة من الباحثين: المكتبة العلمية بطهران، أصدره مجمع اللغة العربية بمصر.
13 - مفتاح كنوز السنة: محمد فؤاد عبد الباقي. سهيل كديمي - لاهور 1391هـ.
14 - المنجد في اللغة والأدب والعلوم: لويس معلوف. الطبعة الثامنة عشرة.
15 - الموسوعة العربية الميسرة: بإشراف محمد شفيق غربال. دار الشعب ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر.
(2) كتب التفسير وعلومه: 16 - التبصرة في القراءات السبع: مكي بن أبي طالب. تعليق محمد غوث الندوي، الدار السلفية بالهند.
17 - تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير الدمشقي. صححها نخبة من العلماء، طبع المكتبة الشعبية.
18 - تفسير مجاهد: مجاهد بن جبر المخزومي. تحقيق عبد الرحمن السورتي. طبعة خليفة بن حمد آل ثاني، مطابع الدوحة.
9 - تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: جمع محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. نشر المكتبة التجارية الكبرى، مطبعة الاشتقاق- القاهرة 1380هـ.
20 - الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد القرطبي. نشر دار الكتاب العربي.
21 - جامع البيان في تفسير القرآن: محمد بن جرير الطبري. صورة الطبعة الأولى 1323- بولاق، نشر دار المعرفة- لبنان.
(2/478)

22 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي. نشر محمد أمين دمج - بيروت.
23 - فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني. طبعة ثانية 1383هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
(3) كتب الحديث وعلومه: 24 - الأذكار النووية: يحيى بن شرف النووي. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبعة الملاح بدمشق 1391هـ. 25- الاستذكار لمذاهب الفقهاء الأمصار: يوسف بن عبد البر. تحقيق علي النجدي ناصف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، لجنة إحياء التراث الإسلامي.
26 - تدريب الراوي، شرح تقريب النواوي: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية 1399هـ، دار إحياء السنة النبوية.
27 - جامع الأصول في أحاديث الرسول: المبارك بن محمد بن الأثير الجزري. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبعة 1389هـ.
28 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. الطبعة الأولى 1401هـ، دار الفكر.
29 - سلسلة الأحاديث الصحيحة: محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الثانية 1399هـ، المكتب الإسلامي.
30 - سنن ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني (ابن ماجه) . تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي 1395هـ.
(2/479)

32 - سنن أبي داود، وبهامشه (معالم السنن للخطابي) : سليمان بن الأشعث السجستاني (أبو داود) . إعداد وتعليق عزة عيد الدعاس، الطبعة الأولى 1388هـ.
33 - سنن الترمذي (الجامع الصحيح) : محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض. نشر المكتبة الإسلامية للحاج رياض الشيخ.
34 - سنن الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. بعناية محمد أحمد دهمان. نشر دار إحياء السنة النبوية.
35 - السنن الكبرى، ومعه (الجوهر النقي) لابن التركماني: أحمد بن الحسين البيهقي. طبعة دار الفكر- بيروت. 36- سنن النسائي بشرح السيوطي، وحاشية السندي، أحمد بن شعيب النسائي. الطبعة الأولى 1348هـ، المطبعة المصرية.
37 - شرح السنة: الحسين بن مسعود الفراء البغوي. تحقيق شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى 1396هـ.
38 - شرح النووي على صحيح مسلم: يحيى بن شرف النووي. طبعة دار الفكر- بيروت.
39 - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي. تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي، الطبعة الأولى 1399هـ، المكتب الإسلامي.
40 - صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
41 - عون المعبود (شرح سنن أبي داود) : محمد شمس الحق العظيم آبادي. تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، الطبعة الثانية 1389هـ، المكتبة السلفية بالمدينة.
(2/480)

42 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري (صحيح البخاري) : الشرح لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، والأصل لمحمد بن إسماعيل البخاري. نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.
43 - الفتح الرباني، معه بلوغ الأماني (في مسند أحمد) : أحمد بن عبد الرحمن البنا. الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي.
44 - الفتوحات الربانية على الأذكار النووية: محمد بن علان الشافعي. المكتبة الإسلامية، الحاج رياض الشيخ. 45- فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إسماعيل بن إسحاق القاضي. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الأولى 1383هـ.
46 - الفوائد المجموعة: محمد بن علي الشوكاني. تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، الطبعة الثانية 1392هـ.
47 - فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي. الطبعة الثانية، دار المعرفة- لبنان.
48 - كتاب السنة: عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني. تخريج محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى 1400هـ، المكتب الإسلامي.
49 - كشف الخفا ومزيل الإلباس: إسماعيل بن محمد العجلوني. صححه أحمد القلاش، نشر مكتبة التراث الإسلامي- حلب، ودار التراث- القاهرة.
50 - كنز العمال في سنن الأقوال والأعمال: علي المتقي بن حسام الدين الهندي. نشر مكتبة التراث الإسلامي- حلب.
51 - اللآلئ المصنوعة: جلال الدين السيوطي - الطبعة الأولى، المكتبة الحسينية المصرية- الأزهر، الطبعة الأولى 1397هـ، مؤسسة الرسالة.
52 - المراسيل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: عناية شكر الله قوجاني، الطبعة الأولى 1397هـ، مؤسسة الرسالة.
(2/481)

53 - المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق حمدي عبد المجيد، نشر وزارة الأوقاف العراقية، طبع الدار العربية للطباعة، بغداد.
54 - المستدرك على الصحيحين، بهامشه (التلخيص) للذهبي: محمد بن عبد الله الحاكم: مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب.
55 - مسند الإمام أحمد (بهامشه منتخب كنز العمال) : أحمد بن حنبل الشيباني. المكتب الإسلامي ودار صادر.
56 - المصنف: عبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى 1392هـ.
57 - المصنف: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة. بعناية عبد الخالق أفغاني، طبعة 1387هـ.
58 - المقاصد الحسنة: محمد بن عبد الرحمن السخاوي. الطبعة الأولى 1399هـ، دار الكتب العلمية- لبنان.
59 - المنار المنيف في الصحيح والضعيف: ابن قيِّم الجوزية. تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية- حلب، الطبعة الأولى 1390هـ.
60 - الموطأ: مالك بن أنس، تصحيح وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. طبعة دار إحياء التراث العربي.
(4) كتب الرجال والتراجم والسيرة والتاريخ: 61 - أُسد الغابة في معرفة الصحابة: علي بن أبي الكرم بن الأثير. نشر المكتبة الإسلامية، للحاج رياض الشيخ.
62 - الإصابة في تمييز الصحابة، وبهامشه الاستيعاب لابن عبد البر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. صورة الطبعة الأولى 1328هـ، دار صادر.
63 - الأعلام: خير الدين الزركلي. الطبعة الرابعة 1979م، دار العلم للملايين.
(2/482)

64 - الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية: عمر البزار، تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الثالثة، 1400هـ.
65 - البداية والنهاية: إسماعيل بن كثير. الطبعة الثانية 1978م، مكتبة المعارف- بيروت، ومكتبة النصر- الرياض.
66 - التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري. طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد- الهند.
67 - تاريخ واسط: أسلم بن سهل الرزاز. تحقيق كوركيس عواد، مطبعة المعارف- بغداد 1387هـ.
68 - تبيين العجب بما ورد في فضل رجب: أحمد بن حجر العسقلاني. بعناية عبد الله الجبرين. طبعة 1400هـ. 69- تذكرة الحفاظ: الحافظ أبو عبد الله الذهبي. دار إحياء التراث العربي عن مطبوعات دائرة المعارف العثمانية. 70- تعجيل المنفعة: أحمد بن حجر العسقلاني. طبعة دار الكتاب العربي- بيروت.
71 - تقريب التهذيب: أحمد بن حجر العسقلاني. تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية 1395هـ، دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت.
72 - تهذيب الأسماء واللغات: يحيى بن شرف النووي. إدارة المطبعة المنيرية- بيروت.
73 - تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. صورة الطبعة الأولى 1326هـ، دار صادر.
74 - جامع كرامات الأولياء: يوسف بن إسماعيل النبهاني. تحقيق إبراهيم عطوة عوض، الطبعة الثانية 1394هـ.
(2/483)

75 - الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي. الطبعة الأولى، مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند 1371هـ.
76 - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري. الطبعة الثانية 1391هـ.
77 - ذكر أخبار أصبهان: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني. طبع في مدينة ليدن، مطبعة بريل 1934م، نشر مؤسسة النصر- طهران.
78 - الذيل على طبقات الحنابلة: أبو الفرج عبد الرحمن شهاب الدين الحنبلي. نشر دار المعرفة.
79 - زاد المعاد: ابن قيِّم الجوزية. تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى 1399هـ.
80 - السيرة النبوية: إسماعيل بن كثير: تحقيق مصطفى عبد الواحد، طبعة دار المعرفة- بيروت.
81 - سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الملك بن هشام. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني 1383هـ.
82 - شذرات الذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي. طبعة المكتبة التجارية الكبرى- بيروت.
83 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض بن موسى اليحصبي. طبعة مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني.
84 - طبقات الحنابلة: القاضي محمد بن أبي يعلى. نشر دار المعرفة للطباعة والنشر.
85 - طبقات الفقهاء: أبو إسحاق الشيرازي الشافعي. تحقيق إحسان عباس، دار الرائد العربي، الطبعة الثانية 1401هـ.
86 - الطبقات الكبرى (لابن سعد) : محمد بن سعد. دار صادر- بيروت.
(2/484)

87 - الطبقات الكبرى (للشعراني) : أحمد بن علي الشعراني. طبعة المكتبة الشعبية بلبنان.
88 - غاية النهاية في طبقات القراء: محمد بن محمد بن الجزري. بعناية برجستراسر، الطبعة الثانية 1400هـ.
89 - الفوائد البهية: محمد عبد الحي اللكنوي. تصحيح أبو فراس النعساني، طبعة دار المعرفة- بيروت.
90 - فوات الوفيات، والذيل عليها: محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق إحسان عباس، مطبعة دار صادر- بيروت.
91 - القلائد الجمان، في التعريف بقبائل عرب الزمان: أحمد بن علي القلقشندي. تحقيق إبراهيم الأنباري، الطبعة الأولى 1383هـ، مطبعة السعادة بالقاهرة.
92 - كتاب التوابين: ابن قدامة المقدسي.
93 - اللباب في تهذيب الأنساب: عز الدين بن الأثير الجزري. مكتبة المتنبي- بغداد.
94 - لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. الطبعة الثانية 1971م- 1390هـ، نشر مؤسسة الأعلمي.
95 - مناقب الإمام أحمد: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى 1399هـ.
96 - ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى 1382هـ، دار إحياء الكتب العربية.
97 - وفيات الأعيان: أحمد بن محمد بن خلكان: تحقيق إحسان عباس، طبعة دار صادر، بيروت.
98 - يحيى بن معين وكتابه التاريخ: تحقيق د. أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى 1399هـ.
(2/485)

(5) كتب العقيدة: 99 - الإيمان: شيخ الإسلام ابن تيمية: نشر المكتب الإسلامي عام 1381هـ.
100 - تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد- السعودية.
101 - جامع الرسائل والمسائل (المجموعة الأولى) : شيخ الإسلام ابن تيمية. تحقيق د. محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى 1389هـ، مطبعة المدني- القاهرة.
102 - الرد على الجهمية والزنادقة: الإمام أحمد بن حنبل. تصحيح إسماعيل الأنصاري.
103 - الرد على المنطقيين: شيخ الإسلام ابن تيمية. الطبعة الثانية 1396هـ، إدارة ترجمان السنة- لاهور.
104 - الرسالة التدمرية: شيخ الإسلام ابن تيمية. طبعة كلية الشريعة بالرياض.
105 - شرح الأصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني. تحقيق د. عبد الكريم عثمان في مجلد واحد (خمسة أجزاء) ، الطبعة الأولى 1384هـ، مكتبة وهبة.
106 - الغنية: لعبد القادر الجيلاني. الطبعة الثالثة 1375هـ.
107 - الفرق بين الفِرق: عبد القاهر البغدادي. الطبعة الأولى 1393هـ، دار الآفاق الجديدة.
108 - الفصل: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري.
109 - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: شيخ الإسلام ابن تيمية. طبعة المكتب الإسلامي الثانية 1398هـ.
110 - الملل والنحل: محمد بن أبي القاسم الشهرستاني.
(2/486)

(6) كتب الفقه وأصوله: 111 - أحكام أهل الذمة: ابن قيم الجوزية. تحقيق د. صبحي الصالح، الطبعة الأولى 1381هـ.
112 - الآداب الشرعية: محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، نشر مكتبة الرياض الحديثة 1391هـ.
113 - أصول السرخسي: محمد بن أحمد السرخسي. تحقيق أبو الوفاء أفغاني، نشر إحياء المعارف النعمانية بالهند، طبعة 1372هـ.
114 - أصول الفقه: محمد الخضري بك. الطبعة السادسة 1389هـ، المكتبة التجارية الكبرى.
115 - إعانة الطالبين: السيد البكري. طبعة دار الفكر.
116 - الإفصاح عن معاني الصحاح: يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي. طبع ونشر المؤسسة السعيدية- بالرياض. 117- الأم: محمد بن إدريس الشافعي. بإشراف محمد زهيري النجار، الطبعة الثانية 1393هـ، دار المعرفة- لبنان.
118 - إمتاع العقول، عبد القادر شيبة الحمد. الطبعة الأولى 1381هـ.
119 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: شيخ الإسلام ابن تيمية. تحقيق د. صلاح الدين المنجد، الطبعة الأولى عن دار الكتاب الجديد 1396هـ.
120 - الأموال: أبو عبيد القاسم بن سلام. تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي. نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
121 - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: علي بن سليمان المرداوي. تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى 1374هـ.
122 - الخراج: للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم. طبعة دار المعرفة 1399هـ، ضمن موسوعة الخراج.
(2/487)

123 - الروض المربع (بحاشية العنقري) : منصور البهوتي.
124 - شرح الكوكب المنير: محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي. تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى 1372هـ.
125 - المدونة: الإمام مالك، برواية سحنون عن ابن القاسم. الطبعة الأولى، مطبعة السعادة بمصر.
126 - مسائل الإمام أحمد: إسحاق بن إبراهيم النيسابوري. تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الأولى 1400هـ، المكتب الإسلامي.
127 - مسائل الإمام أحمد: سليمان بن الأشعث أبو داود. تقديم وتصدير محمد رشيد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر.
128 - مسائل الإمام أحمد: عبد الله بن أحمد بن حنبل. تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الأولى 1401هـ، المكتب الإسلامي.
129 - المغني (والشرح الكبير) : عبد الله بن أحمد بن قدامة. بعناية جماعة من العلماء، طبعة دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع 1392هـ.
130 - الهداية، شرح بداية المبتدي: علي بن أبي بكر الرشداني. الطبعة الأخيرة، شركة مصطفى البابي الحلبي ومحمود ونصار الحلبي.
(7) كتب الأدب واللغة: 131 - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: عبد الله بن جمال الدين بن هشام الأنصاري. ومعه إرشاد السالك إلى تحقيق أوضح المسالك: لمحمد محيي الدين عبد الحميد.
132 - السامي في الأسامي: أحمد بن أبي الفضل المدياني النيسابوري. ترتيب د. محمد موسى هنداوي.
133 - شرح القصائد السبع: الحسين بن أحمد الزوزني. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بمصر.
(2/488)