Advertisement

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية 004


[فَصْلٌ: تَفْسِيرُهُمْ لِتَجَسُّمِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِالْمَسِيحِ وَأَنَّهُ اتِّحَادٌ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَنَحْوِهِ وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ]
قَالُوا: وَأَمَّا تَجَسُّمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ الَّتِي بِهَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَتَجَسُّدُهَا بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ الَّذِي أُخِذَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْمُصْطَفَاةِ، الَّتِي فُضِّلَتْ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَاتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِهِ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنَ اخْتِلَاطٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوِ اسْتِحَالَةٍ، وَخَاطَبَ النَّاسَ كَمَا خَاطَبَ اللَّهُ مُوسَى النَّبِيَّ مِنَ الْعَوْسَجَةِ، فَفَعَلَ الْمُعْجِزَ بِلَاهُوتِهِ، وَأَظْهَرَ الْعَجْزَ بِنَاسُوتِهِ، وَالْفِعْلَانِ هُمَا مِنَ الْمَسِيحِ الْوَاحِدِ
وَالْجَوَابُ: إِنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَالْكُفْرِ وَالتَّنَاقُضِ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ الَّتِي بِهَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، وَهُوَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كُنْ، فَالْخَالِقُ لَمْ يَخْلُقْ بِهِ الْأَشْيَاءَ، بَلْ هُوَ خَلَقَهَا، وَالْكَلَامُ الَّذِي بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقَ لَهَا، بَلْ خَلَقَ الْخَالِقُ الْأَشْيَاءَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَبَيْنَ مَا بِهِ خَلْقُ الْخَالِقِ مَعْقُولٌ.
وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْخَالِقَ هُوَ الَّذِيْ بِهِ خُلِقَتِ الْمَخْلُوقَاتُ، فَجَعَلُوا الْكَلِمَةَ هِيَ الْخَالِقَ، وَجَعَلُوا الْمَخْلُوقَاتِ خُلِقَتْ بِهَا.
(4/5)

وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّ الْكَلِمَةَ إِنْ كَانَتْ مُجَرَّدَ الصِّفَةِ، فَإِنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ خَالِقَةً، وَإِنْ كَانَتِ الصِّفَةُ مَعَ الْمَوْصُوفِ فَهَذَا هُوَ الْخَالِقُ، لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَخْلُوقَ بِهِ
وَالثَّانِيْ: قَوْلُهُمْ: تَجَسُّدُهَا بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ وَقَوْلُهُمْ: تَجَسُّمُ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ تَجَسَّمَتْ وَتَجَسَّدَتْ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلِمَةَ صَارَتْ جَسَدًا وَجِسْمًا بِالْإِنْسَانِ الْمَخْلُوقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْقِلَابَهَا جَسَدًا وَجِسْمًا، وَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِحَالَتَهَا وَتَغَيُّرَهَا، وَهُمْ قَالُوا: اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنْ تَغَيُّرٍ وَاسْتِحَالَةٍ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: اتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِهِ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنِ اخْتِلَاطٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوِ اسْتِحَالَةٍ، كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الِاتِّحَادَ يُصَيِّرُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، فَيُقَالُ قَبْلَ الِاتِّحَادِ: كَانَ اللَّاهُوتُ جَوْهَرًا وَالنَّاسُوتُ جَوْهَرًا آخَرَ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كَانَ هَذَا شَيْئًا وَهَذَا شَيْئًا، أَوْ هَذَا عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَهَذَا عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، فَبَعْدَ الِاتِّحَادِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ كَمَا كَانَا أَوْ صَارَ الِاثْنَانِ وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ كَمَا كَانَا فَلَا اتِّحَادَ، بَلْ هُمَا مُتَعَدِّدَانِ كَمَا كَانَا مُتَعَدِّدَيْنِ، وَإِنْ كَانَا قَدْ صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَاحِدُ هُوَ أَحَدَهُمَا، فَالْآخَرُ قَدْ عُدِمَ وَهَذَا عَدَمٌ لِأَحَدِهِمَا لَا اتِّحَادُهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي صَارَ وَاحِدًا لَيْسَ هُوَ أَحَدَهُمَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِهِمَا وَاسْتِحَالَتِهِمَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ اثْنَيْنِ بَاقِيَيْنِ بِصِفَاتِهِمَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اتِّحَادٌ.
فَإِذَا قِيلَ: اتَّحَدَ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنِ اخْتِلَاطٍ أَوْ تَغَيُّرٍ أَوِ اسْتِحَالَةٍ، كَانَ
(4/6)

هَذَا كَلَامًا مُتَنَاقِضًا، يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ التَّمَدُّدِ وَالْمُبَايَنَةِ، لَا مَعَ الِاتِّحَادِ، يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اتَّحَدَ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ، أَوِ الْمَاءُ وَالْخَمْرُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ الْحَاصِلُ مِنِ اتِّحَادِهِمَا شَيْئًا ثَالِثًا لَيْسَ مَاءً مَحْضًا وَلَا لَبَنًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ نَوْعٌ ثَالِثٌ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ قَدِ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ وَاخْتَلَطَ، وَأَمَّا اتِّحَادٌ بِدُونِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَعْقُولٍ.
وَلِهَذَا عَظُمَ اضْطِرَابُ النَّصَارَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهُمْ، وَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ عَلَى الْآخَرِ مَا يَقُولُهُ وَيَقُولُ هُوَ قَوْلًا يَكُونُ مَرْدُودًا، فَكَانَتْ أَقْوَالُهُمْ كُلُّهَا بَاطِلَةً مَرْدُودَةً، إِذْ كَانُوا قَدِ اشْتَرَكُوا فِي أَصْلٍ فَاسِدٍ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أُمُورٍ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ تِلْكَ اللَّوَازِمِ كَانَ بَاطِلًا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَيَأْخُذُ هَذَا بَعْضَ اللَّوَازِمِ فَيَرُدُّهُ الْآخَرُ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ لَازِمًا آخَرَ فَيَرُدُّهُ الْآخَرُ.
وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْمَقَالَاتِ الْبَاطِلَةِ، إِذَا اشْتَرَكَ فِيهَا طَائِفَةٌ لَزِمَهَا لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ، وَفَسَادُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَلْزُومِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْمَلْزُومُ تَحَقَّقَ اللَّازِمُ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ الرَّابِعِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُ: إِنَّهُمَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُضَافُ إِلَى الْيَعْقُوبِيَّةِ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اخْتَلَطَا وَامْتَزَجَا، كَمَا يَخْتَلِطُ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ، وَالْمَاءُ وَالْخَمْرُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّحَادِ، لَا يُعْقَلُ
(4/7)

الِاتِّحَادُ إِلَّا هَكَذَا، لَكِنَّ فَسَادَهُ ظَاهِرٌ لِعُقُولِ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَازِمًا لِقَوْلٍ النَّصَارَى وَفَسَادُهُ ظَاهِرًا، كَانَ فَسَادُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَلْزُومِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ، وَالَّذِي ضُرِبَ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِبُطْلَانِهِ وَتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَائِلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [مريم: 88] (88) {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} [مريم: 89] (89) {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90] (90) {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 91] (91) {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] (92) {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] (93) {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} [مريم: 94] (94) {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95] الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُمْ: وَخَاطَبَ النَّاسَ كَمَا خَاطَبَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعَوْسَجَةِ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَلَّمَهُمْ الْمَسِيحُ مِمَنْ آمَنَ بِهِ وَكَفَرَ بِهِ، بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِمَّا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ، فَإِنْ كَانَ آحَادُ النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ آحَادِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ.
(4/8)

الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ خِطَابَ اللَّهِ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ أَفْضَلُ مِنْ خِطَابِهِ لِمَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، وَالْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُكَلِّمْ عَامَّةَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، بَلْ لَمْ يُكَلِّمْ إِلَّا نَاسًا مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَمْ يُكَلِّمْ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَسُولًا، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَهُ رُسُلًا كَثِيرِينَ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيْثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ عِدَّتَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] وَقَالَ تَعَالَى:
{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْمُسْنَدِ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» وَهَذِهِ
(4/9)

السَبْعُونَ سَوَاءً كَانَتْ هِيَ الَّتِي هَدَاهَا أَوْ هِيَ الْجَمِيعَ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، وَلَمْ يُكَلِّمِ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ بَشَرٍ حَلَّ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُكَلِّمُ لِلنَّاسِ فِي عِيسَى هُوَ اللَّهَ، لَكَانَ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِلَّذِينِ كَلَّمَهُمْ عِيسَى مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلَ مِنْ تَكْلِيمِهِ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ النَّاسُوتَ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ النَّوَاسِيتِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرَاهُ كَانَ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ الِاتِّصَالَ بِهِ وَمَمَاسَّتَهُ، فَضْلًا عَنِ الِاتِّحَادِ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الشَّجَرَةِ، كَانَ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ مُخَالِفًا لِمَا يُسْمَعُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَلِهَذَا لَمْ تُطِقْ بَنُو إِسْرَائِيْلَ سَمَاعَ ذَلِكَ الصَّوْتِ، بَلْ قَالُوا لِمُوسَى: صِفْ لَنَا ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.
(4/10)

كَمَا رَوَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فِيمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: " لَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي أَسْمَعُ هُوَ كَلَامُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا مُوسَى، هُوَ كَلَامِي، وَإِنَّمَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلَافِ لِسَانٍ، وَلِي قُوَّةُ الْأَلْسُنِ كُلِّهَا، وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَلَّمْتُكَ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ بَدَنُكَ، وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا لَمِتَّ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ قَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا كَلَامَ رَبِّكَ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: فَشَبِّهْهُ لَنَا. قَالَ: هَلْ سَمِعْتُمْ أَصْوَاتَ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تُقْبِلُ فِي أَحْلَى حَلَاوَةٍ سَمِعْتُمُوهَا، فَكَأَنَّهُ مِثْلُهُ ".
وَأَمَّا الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَسْمَعُ صَوْتَهُ
(4/11)

كَصَوْتِ سَائِرِ النَّاسِ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْهُمْ بِمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ الْجِنِّيَّ إِذَا حَلَّ فِي الْإِنْسِيِّ كَمَا يَحِلُّ فِي الْمَصْرُوعِ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، فَإِنَّهُ يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ، وَيَعْرِفُ الْحَاضِرُونَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ الْإِنْسِيِّ مَعَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْإِنْسِيِّ، وَحَرَكَةِ أَعْضَائِهِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الصَّوْتَ حَصَلَ بِحَرَكَةِ بَدَنِ الْإِنْسِيِّ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا خَالَفَ بِهِ الْمَعْهُودَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِيِّ، وَالْإِنْسَانُ الَّذِي حَلَّ فِيهِ الْجِنِّيُّ يَغِيبُ عَنْهُ عَقْلُهُ وَلَا يَشْعُرُ بِمَا تَكَلَّمَ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِهِ، فَرَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ حَلَّ فِي بَشَرٍ وَاتَّحَدَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِ، وَكَانَ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ كَلَامَ اللَّهِ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ، لَكَانَ يَظْهَرُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَعْهُودِ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِيِّ مَا هُوَ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَكَانَ يَتَغَيَّرُ حَالُ الْإِنْسِيِّ غَايَةَ التَّغَيُّرِ، فَإِنَّ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا تَجَلَّى لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَإِذَا كَانَ الْبَدَنُ الْإِنْسِيُّ لَا يَثْبُتُ لِتَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِحُلُولِهِ فِيهِ وَتَكَلُّمِهِ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فِي الْبَدَنِ؟
وَقَدْ كَانَ الْوَحْيُ وَالْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي بَاطِنِهِمْ يَظْهَرُ التَّغَيُّرُ فِي أَبْدَانِهِمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ثَقُلَ حَتَّى يَبْرُكَ بِهِ الْبَعِيرُ، وَإِنْ كَانَ فَخِذُهُ عَلَى أَحَدٍ ثَقُلَ حَتَّى كَادَ يَرُضُّهُ.
(4/12)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ " أَنْ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» ".
وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مَقَتَ الْآدَمِيِّينَ، لِمَا وَقَرَ فِي سَمْعِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَكَانَ النُّورُ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى كَانَ
(4/13)

يَتَبَرْقَعُ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَ النَّصَارَى قَدِ اتَّحَدَ بِهِ اللَّاهُوتُ مِنْ حِينِ عَلِقَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَلَمْ يَزَلْ مُتَّحِدًا بِهِ وَهُوَ حَمْلٌ فِي بَطْنِهَا، يَعْظُمُ اتِّحَادُهُ بِهِ كُلَّمَا كَبِرَ، ثُمَّ كَذَلِكَ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ وَهُوَ صَبِيٌّ إِلَى أَنْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ وَهُوَ مُتَّحِدٌ بِهِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ جَمِيعًا، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بَدَنُ الْمَسِيْحِ تَغَيُّرًا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَلَا ظَهَرَ مِنَ الْأَنْوَارِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَسِيْحَ قَبْلَ أَنْ يُعَمِّدَهُ (يُوحَنَّا) وَيَرَى شِبْهَ الْحَمَامَةِ نَازِلًا عَلَيْهِ، لَمْ يُظْهِرِ الْآيَاتِ، بَلْ كَانَ كَآحَادِ النَّاسِ، وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ قَلْبُ الْمَاءِ خَمْرًا.
وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمُجَرَّدِ مَا سَمِعَ الْكَلَامَ ظَهَرَ عَلَيْهِ النُّورُ، وَأَيْنَ سَمْعُ الْكَلَامِ مِنَ الِاتِّحَادِ بِهِ؟
وَمُوسَى لَمَّا سَمِعَ الْكَلَامَ وَكَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّجَرَةِ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَظَهَرَ لَهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ مَا يُنَاسِبُ تَكْلِيمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَالرَّبُّ دَائِمًا عِنْدَ النَّصَارَى مُتَّحِدٌ بِبَدَنِ الْمَسِيحِ، وَلَمْ يُظْهِرْ مِنْ آيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعَظْمَةِ إِلَّا مَا يُظْهِرُ أَكْثَرَ مِنْهُ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمُخَاطِبَ لِلنَّاسِ إِنْ كَانَ هُوَ مَجْمُوعَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ فَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ يَدْعُو وَيَسْأَلُ، وَالْمَجْمُوعُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ يَسْأَلُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ اللَّاهُوتَ وَحْدَهُ
(4/14)

كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ هَذَا، فَهُوَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ النَّاسُوتَ وَحْدَهُ فَلَمْ يَكُنِ اللَّاهُوتُ مُخَاطِبًا لِلنَّاسِ وَلَمْ يُكَلِّمِ اللَّهُ النَّاسَ مِنَ النَّاسُوتِ كَمَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ.
وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ حَقِيقَةِ كَلَامِ النَّاسُوتِ وَكَلَامِ اللَّاهُوتِ.
وَكَلَامُ الْمَسِيحِ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَثِيرٌ وَهُمْ يُقِرُّونَ بِهِ، لَكِنْ يَقُولُونَ ذَلِكَ كَلَامُ النَّاسُوتِ. فَيُقَالُ لَهُمْ حِينَئِذٍ: فَالْمُخَاطِبُ لِلنَّاسِ هُوَ النَّاسُوتُ دُونَ اللَّاهُوتِ، وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْخَلْقَ مِنْ بَدَنِ الْمَسِيحِ كَمَا خَاطَبَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ.
وَالْخِطَابُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ هُوَ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّاهُوتِ، وَالْكَلَامُ الَّذِي كَانَ يُسْمَعُ مِنَ الْمَسِيحِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَخْتَصُّ بِاللَّاهُوتِ، بَلْ عَامَّتُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَلَامُ النَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، كَانَ
(4/15)

الْكَلَامُ كَلَامَ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّجَرَةِ كَلَامٌ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَثَلُ مُطَابِقًا، كَانَ الَّذِي يُكَلِّمُ النَّاسَ مِنْ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّاهُوتَ وَحْدَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسُوتَ كَانَ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ، مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ الْوَاضِحَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الَّذِي نَادَى مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِكَلَامِ الرُّبُوبِيَّةِ فَقَالَ:
{إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30]
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي - إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى - فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 14 - 16] .
وَسَائِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَان الْمَسِيحِ فَلَمْ يَقُلْ كَلِمَةً مِنْ هَذَا أَصْلًا، بَلْ كَانَ فِي كَلَامِهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ رَسُولٌ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُحْتَاجٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُنَاقِضُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَلَامَ الْمُنَادِي لِمُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، فَمَنْ سَوَّى بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَانَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبَيْنَ إِنْسَانٍ مِنَ
(4/16)

الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ أَضَلُّ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:
{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98] .
فَإِنَّ أُولَئِكَ جَعَلُوهُمْ أَنْدَادًا لِلَّهِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَهَؤُلَاءِ الضُّلَّالُ جَعَلُوا هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي كَلَّمَ الْعِبَادَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي نَادَى مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ رُسُلِهِ بِمَا لَا يُقَدِّرُ الْمَخْلُوقُ قَدْرَهُ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْخَلْقَ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْحَوَارِيُّونَ رُسُلَهُ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، لَكَانَ الْحَوَارِيُّونَ إِمَّا مِثْلُ مُوسَى وَإِمَّا أَعْظَمُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ آيَاتٌ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى، فَضْلًا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، فَإِنَّ أَعْظَمَ آيَاتِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ شَارَكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَإِلْيَاسَ وَغَيْرِهِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ غَيْرَ الْمَسِيحِ أَحْيَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْمَوْتَى، وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مِنْ جُمْلَةِ آيَاتِهِ الْعَصَا الَّتِي انْقَلَبَتْ فَصَارَتْ ثُعْبَانًا مُبِينًا حَتَّى بَلَعَتِ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وَكَانَ غَيْرَ مَرَّةٍ يُلْقِيهَا فَتَصِيرُ ثُعْبَانًا ثُمَّ يُمْسِكُهَا فَتَعُودُ عَصًا.
(4/17)

وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ آيَةٌ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَانَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ، فَإِذَا عَاشَ فَقَدْ عَادَ إِلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِقَامَتِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَقَدْ أَحْيَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى فِي الدُّنْيَا
وَأَمَّا انْقِلَابُ خَشَبَةٍ تَصِيرُ حَيَوَانًا ثُمَّ تَعُودُ خَشَبَةً مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَتَبْتَلِعُ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ، فَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ حَيَاةِ الْمَيِّتِ
وَأَيْضًا فَاللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَحْيَا مِنَ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَعْظَمَ مِمَنْ أَحْيَاهُمْ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ، قَالَ تَعَالَى:
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 55 - 56]
. وَقَالَ تَعَالَى:
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73]
وَقَالَ تَعَالَى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] .
(4/18)

وَأَيْضًا فَمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُخْرِجُ يَدَهُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ إِبْرَاءِ أَثَرِ الْبَرَصِ الَّذِي فَعَلَهُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ مُعْتَادٌ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ، وَأَمَّا بَيَاضُ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ ثُمَّ عَوْدُهَا إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ، فَفِيهِ أَمْرَانِ عَجِيبَانِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا نَظِيرٌ.
وَأَيْضًا فَمُوسَى فَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْبَحْرَ حَتَّى عَبَرَ فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ بَاهِرٌ فِيهِ مِنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَمِنْ إِهْلَاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّ مُوسَى مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ لِلْمَسِيحِ.
وَأَيْضًا فَمُوسَى كَانَ اللَّهُ يُطْعِمُهُمْ عَلَى يَدِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مَعَ كَثْرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيُفَجِّرُ لَهُمْ بِضَرْبِهِ لِلْحَجَرِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا يَكْفِيهِمْ.
وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ إِنْزَالِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْمَائِدَةِ، وَمِنْ قَلْبِ الْمَاءِ خَمْرًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُحْكَى عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَكَانَ لِمُوسَى فِي عَدُوِّهِ مِنَ الْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ وَسَائِرِ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ لِلْمَسِيحِ، فَلَوْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ رُسُلًا قَدْ كَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِثْلَ مَا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ كَانُوا مِثْلَ مُوسَى، فَكَيْفَ وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ آيَاتٌ مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى، وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّاهُوتُ
(4/19)

الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى لَكَانَ يُظْهِرُ مِنْ قُدْرَتِهِ أَعْظَمُ مِمَّا أَظْهَرَهُ عَلَى يَدِ مُوسَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُلَّ فِي بَدَنِ مُوسَى، وَلَا كَانَ اللَّاهُوتُ يُكَلِّمُ الْخَلْقَ مِنْ مُوسَى، كَمَا يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ فِي الْمَسِيحِ، وَمَعَ هَذِهِ فَالْآيَاتُ الَّتِي أَيَّدَ بِهَا عَبْدَهُ مُوسَى، تِلْكَ الْآيَاتُ الْعَظِيمَةُ، فَكَيْفَ تَكُونُ آيَاتُهُ إِذَا كَانَ هُوَ نَفْسَهُ الَّذِي قَدْ حَلَّ فِي بَدَنِ الْمَسِيحِ، وَهُوَ الَّذِي يُخَاطِبُ النَّاسَ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ؟
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ خَاطَبَ النَّاسَ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا خَاطَبَ مُوسَى النَّبِيَّ مِنَ الْعَوْسَجَةِ مَنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ كُلِّهَا لَمْ يَحُلَّ فِي الشَّجَرَةِ، وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهَا، كَمَا يَزْعُمُونَ هُمْ أَنَّهُ حَلَّ بِالْمَسِيحِ وَاتَّحَدَ بِهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ حَلَّ بِبَاطِنِ الْمَسِيحِ، بَلْ وَبِظَاهِرِهِ، وَاتَّحَدَ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَالرَّبُّ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ فِي بَاطِنِ الشَّجَرَةِ، وَلَا حَلَّ فِيهَا، وَلَا اتَّحَدَ بِهَا، وَقَوْلُ اللَّهِ إِنَّهُ كَلَّمَهُ مِنْهَا وَنَادَاهُ مِنْهَا كَقَوْلِهِ أَنَّهُ: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى - إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات: 15 - 16] .
وَفِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ
(4/20)

الرَّبَّ تَعَالَى حَلَّ فِي بَاطِنِ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ، أَوِ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، أَوِ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَلَا أَنَّهُ اتَّحَدَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا صَارَ هُوَ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَلَا شَخْصًا وَاحِدًا، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّصَارَى: إِنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: صَارَا شَخْصًا وَاحِدًا، بَلْ وَلَا قَالَ أَحَدٌ: أَنَّهُ حَلَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَحُلُولِ الْمَاءِ فِي اللَّبَنِ، أَوِ النَّارِ فِي الْحَدِيدِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّاهُوتَ حَلَّ فِي النَّاسُوتِ. كَذَلِكَ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ قَالَ شَيْئًا مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ، وَلَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً، إِذْ لَا يُحْتَجُّ إِلَّا بِنَقْلٍ ثَابِتٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ بِمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى وَنَادَاهُ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَتَكْلِيمُهُ لَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ مِنْ جِنْسِ مَا أَخْبَرَ بِنُزُولِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَنُزُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحِسَابِ الْخَلْقِ، وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا حُلُولُهُ فِي الْبَشَرِ أَوِ اتِّحَادُهُ بِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَقْلًا وَسَمْعًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ نَبِيٌّ.
وَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ
(4/21)

هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ الْخَالِقُ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ وَالذَّاتَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ هُوَ الْكَلِمَةُ دُونَ الذَّاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأَبَ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَمْ يَتَبَعَّضْ وَلَمْ يَتَجَزَّأْ.
وَمَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ الصِّفَةُ لَا يُمْكِنُ مُفَارَقَتُهَا لِلْمَوْصُوفِ، فَلَا تَتَّحِدُ وَتَحُلُّ دُونَ الْمَوْصُوفِ، لَا سِيَّمَا وَالْمُتَّحِدُ الْحَالُّ عِنْدَهُمْ هُوَ الْخَالِقُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَبُ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ: الْمُتَّحِدُ الْحَالُّ هُوَ الْأَبُ، بَلْ هُوَ الِابْنُ، وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الِابْنَ هُوَ الْمُتَّحِدُ الْحَالُّ دُونَ الْأَبِ، فَالْمُتَّحِدُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي مَا اتَّحَدَ، وَالِابْنُ اتَّحَدَ وَالْأَبُ مَا اتَّحَدَ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمُتَّحِدَ اتَّخَذَ عِيسَى حِجَابًا احْتَجَبَ بِهِ، وَمَسْكَنًا يَسْكُنُ فِيهِ، خَاطَبَ النَّاسَ فِيهِ، وَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ الْأَبُ لَمْ يَحْتَجِبْ بِهِ وَلَمْ يُسْكُنْ فِيهِ وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهِ، فَلَزِمَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ شَيْءٌ اتَّحَدَ وَمِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَتَّحِدْ، فَالْأَبُ لَمْ يَتَّحِدْ، وَالِابْنُ اتَّحَدَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ لَمْ يَتَبَعَّضْ، وَيُبْطِلُ تَمْثِيلَهُمْ بِالْمُخَاطَبِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّ ذَاكَ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَيْسَ هُوَ الِابْنُ دُونَ الْأَبِ، مَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْفُرُوقِ الْكَثِيرَةِ الْمُبَيِّنَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ بُطْلَانَ تَمْثِيلِ هَذَا بِهَذَا.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ
(4/22)

بِكَلَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ فِي الْمَسِيحِ اللَّاهُوتُ الَّذِي أَرْسَلَ مُوسَى وَغَيْرَهَ، لَمْ يَخْضَعْ لِمُوسَى وَلِتَوْرَاتِهِ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيُكْمِلَهَا لَا لِيَنْقُضَهَا، وَلَا كَانَ يَقُومُ بِشَرَائِعِهَا، فَإِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ لَوْ كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟
وَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى: فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ خَوْفًا أَنْ يُكَذِّبُوهُ، كَانَ عُذْرُهُمْ أَقْبَحُ مِنْ ذَنْبِهِمْ، فَرَبُّ الْعَالَمِينَ مِمَنْ يَخَافُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ ! .
وَمُوسَى لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ يُكَذِّبُهُ كَانَ يُظْهِرُ مِنَ الْآيَاتِ يُذِلُّ بِهَا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مَعَ عُتُوِّهِ وَعُتُوِّ قَوْمِهِ، وَلَمْ تَكُنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَعْتَى مَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَلَوْ كَانَ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، كَانَ مَا يُؤَيِّدُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْآيَاتِ أَعْظَمَ مِمَّا يُؤَيِّدُ بِهِ عَبْدَهُ مُوسَى.
وَمِنْ عَجَائِبِ النَّصَارَى أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ مَعَ ادِّعَائِهِمْ فِيهِ غَايَةَ الْعَجْزِ حَتَّى صُلِبَ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيَقُولُونَ: هُوَ رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ، لَمْ يُصْلَبْ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي رُسُلِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، كَمَا نَصَرَ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ فَإِذَا
(4/23)

كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا مَغْلُوبًا، فَكَيْفَ يَكُونُ رَبًّا مَغْلُوبًا مَصْلُوبًا؟ ! .
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ فَعَلَ الْمُعْجِزَاتِ بِلَاهُوتِهِ، وَأَظْهَرَ الْعَجْزَ بِنَاسُوتِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ فَعَلَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ مُتَّحِدًا بِشَيْءٍ مِنَ الْبَشَرِ، فَأَيُّ ضَرُورَةٍ لَهُ إِلَى أَنْ يَتَّحِدَ بِالْبَشَرِ إِذَا فَعَلَ مُعْجِزَاتٍ دُونَ ذَلِكَ؟ !
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَسِيحَ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ مُعْجِزَاتٌ كَمَا ظَهَرَ لِسَائِرِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُعْجِزَاتُ بَعْضِهِمْ أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ تَكُنِ الْمُعْجِزَاتُ دَلِيلًا عَلَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدَيْهِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّاهُوتَ إِنْ كَانَ مُتَّحِدًا بِالنَّاسُوتِ لَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْلُهُ عَنْ فِعْلِ النَّاسُوتِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا كَانَ كُلُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ عَجْزٍ وَمُعْجِزٍ هُوَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، كَالْأَمْثَالِ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ ذَلِكَ بِالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ مَعَ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ.
(4/24)

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَةَ إِذَا أُدْخِلَتِ النَّارَ حَتَّى صَارَتْ بَيْضَاءَ كَالنَّارِ الْبَيْضَاءِ فَفِعْلُهَا فِعْلٌ وَاحِدٌ، لَيْسَ لَهَا فِعْلَانِ مُتَمَيِّزَانِ: أَحَدُهُمَا بِالْحَدِيدِ، وَالْآخَرُ بِالنَّارِ، بَلْ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ وَقُوَّةُ النَّارِ، بَلْ فِيهَا قُوَّةٌ ثَالِثَةٌ لَيْسَتْ قُوَّةَ الْحَدِيدِ وَلَا قُوَّةَ النَّارِ، إِذْ لَيْسَتْ حَدِيدًا مَحْضًا وَلَا نَارًا مَحْضًا.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ إِذَا اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ، فَالْمُتَّحِدُ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فِعْلُهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ، مِنْهُ مَا لَيْسَ مَاءً مَحْضًا وَلَا لَبَنًا مَحْضًا، لَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ لَهُ فِعْلَيْنِ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فِعْلٌ بِكَوْنِهِ لَبَنًا مَحْضًا، وَفِعْلٌ بِكَوْنِهِ مَاءً مَحْضًا، فَقَوْلُهُمْ بِالِاتِّحَادِ يُوجِبُ اسْتِحَالَةَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، وَأَنْ يَصِيرَ فِعْلُ الْمُتَّحِدِ شَيْئًا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ اللَّاهُوتُ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ فَهُمَا اثْنَانِ شَخْصَانِ وَجَوْهَرَانِ وَطَبِيعَتَانِ وَمَشِيئَتَانِ، وَلَيْسَ هَذَا دِينُ النَّصَارَى مَعَ أَنَّ حُلُولَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْبَشَرِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ.
وَكَذَلِكَ إِذَا مَثَّلُوهُ بِالنَّفْسِ مَعَ الْبَدَنِ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهَا بِمُفَارَقَةِ الْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ الْبَدَنُ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ.
وَالْإِنْسَانُ الَّذِي نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ فَصَارَتْ بَدَنًا فِيهِ الرُّوحُ هُوَ
(4/25)

نَوْعٌ ثَالِثٌ لَيْسَ فِيهِ بَدَنٌ مَحْضٌ، وَرُوحٌ مَحْضٌ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا بِبَدَنِهِ، وَكَذَا بِنَفْسِهِ، بَلْ أَفْعَالُهُ تَشْتَرِكُ فِيهَا الرُّوحُ، فَهُوَ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ، فَالرُّوحُ تَتَلَذَّذُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَبِهَا صَارَ آكِلًا شَارِبًا، وَإِلَّا فَالْبَدَنُ الْمَيِّتُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَإِذَا نَظَرَ وَاسْتَدَلَّ وَسَمِعَ وَرَأَى وَتَعَلَّمَ، فَالنَّفْسُ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِالْبَدَنِ، وَالْبَدَنُ يَظْهَرُ فِيهِ ذَلِكَ، وَالرُّوحُ وَحْدَهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ فِعْلَ اللَّاهُوتِ بَعْدَ الِاتِّحَادِ كَفِعْلِهِ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ النَّاسُوتِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ الِاتِّحَادَ.
وَالْقَوْلُ بِهَذَا مَعَ الِاتِّحَادِ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، وَلَا يُعْقَلُ نَظِيرُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَنَفْسُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا مَنِ النَّصَارَى لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُمَثِّلَهُ بِشَيْءٍ مَعْقُولٍ.
(4/26)

[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ أَثْبَتَ فِي الْمَسِيحِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ]
قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ هَذَا الْإِنْسَانُ يَقُولُ:
{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]
. وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَنَا: إِذْ قَدْ شَهِدَ أَنَّهُ إِنْسَانٌ مِثْلُنَا، أَيْ بِالنَّاسُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنْ مَرْيَمَ، وَكَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ الْمُتَّحِدَةِ فِيهِ، وَحَاشَا أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ الْخَالِقَةَ مِثْلَنَا نَحْنُ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَيْضًا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]
. فَأَشَارَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلَى اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ
(4/27)

عَلَيْهَا أَلَمٌ وَلَا عَرَضٌ، وَقَالَ أَيْضًا:
{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]
. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ:
{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] .
فَأَعْنَى بِمَوْتِهِ عَنْ مَوْتِ النَّاسُوتِ الَّذِي أُخِذَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:
{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157] .
فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ نَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَتَأَلَّمَ بِنَاسُوتِهِ، وَلَمْ يُصْلَبْ وَلَا تَأَلَّمَ بِلَاهُوتِهِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: دَعْوَاهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَثْبَتَ فِي الْمَسِيحِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، كَمَا يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى فِيهِ، هُوَ مِنَ الْكَذِبِ الْوَاضِحِ الْمَعْلُومِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
(4/28)

وَسَلَّمَ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْ دِينِهِ بِالِاضْطِرَارِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ دِينِهِ تَصْدِيقُ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ، فَلَوِ ادَّعَى الْيَهُودُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُكَذِّبُ الْمَسِيحَ وَيَجْحَدُ رِسَالَتَهُ، كَانَ كَدَعْوَى النَّصَارَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَبِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17] .
وقَوْلُهُ تَعَالَى:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
(4/29)

وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 72 - 77]
. وَقَالَ تَعَالَى:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 30 - 34] .
(4/30)

وَقَالَ تَعَالَى:
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ - وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ - وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: 57 - 65]
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 116 - 117]
فَأَخْبَرَ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، بِقَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دَامَ فِيهِمْ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ كَانَ اللَّهُ هُوَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ غَلِطَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ
(4/31)

أَوْ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِهِ، أَوْ تَعَمَّدَ تَغْيِيرَ دِينِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ دَرَكٌ، وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ عَلَيْهِ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ قَالَ:
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 30 - 32] .
ثُمَّ طَلَبَ لِنَفْسِهِ السَّلَامَ فَقَالَ:
{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] .
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: (عَلَيْنَا مِنْهُ السَّلَامُ) كَمَا تَقُولُهُ الْغَالِيَةُ فِيمَنْ يَدَّعُونَ فِيهِ الْإِلَآهِيَةَ كَالنُّصَيْرِيَّةِ فِي عَلِيٍّ، وَالْحَاكِمِيَّةِ فِي الْحَاكِمِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ وَلَا قُتِلَ
(4/32)

إِنَّمَا قَالَ:
{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55]
وَقَالَ الْمَسِيحُ:
{فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117]
وَقَالَ تَعَالَى:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا - وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا - فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا - وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 155 - 161] .
فَذَمَّ اللَّهُ الْيَهُودَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: قَوْلُهُمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ; حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهَا بَغِيٌّ، وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ: {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} [النساء: 157] .
قَالَ تَعَالَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] .
(4/33)

وَأَضَافَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَيْهِمْ وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ النَّصَارَى ; لِأَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا صَلْبَ الْمَصْلُوبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ هُمُ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى شَاهِدًا هَذَا مَعَهُمْ، بَلْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ خَائِفِينَ غَائِبِينَ، فَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الصَّلْبَ، وَإِنَّمَا شَهِدَهُ الْيَهُودُ وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ صَلَبُوا الْمَسِيحَ، وَالَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، إِنَّمَا نَقَلُوهُ عَنْ أُولَئِكَ الْيَهُودِ وَهُمْ شُرَطٌ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ، لَمْ يَكُونُوا خَلْقًا كَثِيرًا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
قَالَ تَعَالَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] . فَنَفَى عَنْهُ الْقَتْلَ، ثُمَّ قَالَ:
{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] .
وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ قِيلَ قَبْلَ مَوْتِ الْيَهُودِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، كَمَا قِيلَ: أَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَضْعَفُ، فَإِنَّهُ لَوْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَنَفَعَهُ إِيمَانُهُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
وَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْغَرْغَرَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي
(4/34)

هَذَا فَائِدَةٌ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ يُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ الَّذِي كَانَ يَجْحَدُهُ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِيمَانِهِ بِالْمَسِيحِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ وَالْيَهُودِيُّ الَّذِي يَمُوتُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ يَمُوتُ كَافِرًا بِمُحَمَّدٍ وَالْمَسِيحِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلِأَنَّهُ قَالَ:
{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]
وَقَوْلُهُ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159]
فِعْلٌ مُقَسَمٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ بَعْدَ إِخْبَارِ اللَّهِ بِهَذَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ لَقَالَ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، لَمْ يَقِلْ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159]
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَهَذَا يَعُمُّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَذَلِكَ إِذَا نَزَلَ آمَنَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ كَاذِبًا كَمَا تَقُولُ الْيَهُودُ وَلَا هُوَ اللَّهُ كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى.
وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْكِتَابِيُّ، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ إِيمَانَ كُلِّ يَهُودِيٍّ
(4/35)

وَنَصْرَانِيٍّ، وَهَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ، وَهُوَ لَمَّا قَالَ:
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِيمَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هُوَ، عُلِمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْعُمُومِ عُمُومَ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ نُزُولِهِ ; أَيْ لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، لَا إِيمَانَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا.
وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَبْقَى بَلَدٌ إِلَّا دَخْلَهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، أَيْ مِنَ الْمَدَائِنِ الْمَوْجُودَةِ حِينَئِذٍ، وَسَبَبُ إِيمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ لَيْسَ بِكَذَّابٍ وَلَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ إِيمَانَهُمْ بِهِ إِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ رَفْعَهُ إِلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ:
{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]
وَهُوَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَمُوتُ حِينَئِذٍ أَخْبَرَ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى:
{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ - وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ
(4/36)

مُسْتَقِيمٌ - فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: 59 - 65] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ» . " وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158] .
(4/37)

بَيَانٌ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ حَيًّا وَسَلَّمَهُ مِنَ الْقَتْلِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَلَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَفْظُ التَّوَفِّي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ: الِاسْتِيفَاءُ وَالْقَبْضُ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحُدُهَا: تَوَفِّي النَّوْمِ، وَالثَّانِي: تَوَفِّي الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ: تَوَفِّي الرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ حَالِ أَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ، وَالْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَيْسَتْ حَالُهُ كَحَالَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ، وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ عَنَي بِمَوْتِهِ عَنْ مَوْتِ النَّاسُوتِ، كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا عَلَى أَصْلِهِمْ: عَنَي بِتَوَفَّيْتُهُ عَنْ تَوَفِّي النَّاسُوتِ، وَسَوَاءٌ قِيلَ مَوْتُهُ أَوْ تَوَفَّيْتُهُ فَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ النَّاسُوتِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ غَيْرَهُ لَمْ يُتَوَفَّ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَالَ:
(4/38)

{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]
فَالْمُتَوَفَّى هُوَ الْمَرْفُوعُ إِلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمَرْفُوعَ هُوَ اللَّاهُوتُ، مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَوْتٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَرْفُوعَ غَيْرَ الْمُتَوَفَّى، وَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَرْفُوعَ هُوَ الْمُتَوَفَّى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157] .
هُوَ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ:
{إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} [النساء: 157] .
وَالْيَهُودُ لَمْ يَدَّعُوا قَتْلَ لَاهُوتٍ، وَلَا أَثْبَتُوا لِلَّهِ لَاهُوتًا فِي الْمَسِيحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ دَعْوَى قَتْلِهِ عَنِ النَّصَارَى حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ مَقْصُودَهُمْ قَتْلُ النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، بَلْ عَنِ الْيَهُودِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ إِلَّا النَّاسُوتَ.
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157] .
فَأَثْبَتَ رَفْعَ الَّذِي قَالُوا إِنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ النَّاسُوتُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ الْقَتْلُ. وَهُوَ الَّذِي رُفِعَ، وَالنَّصَارَى مُعْتَرِفُونَ بِرَفْعِ النَّاسُوتِ، لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صُلِبَ، وَأَقَامَ فِي الْقَبْرِ إِمَّا يَوْمًا وَإِمَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ الرَّبِّ النَّاسُوتُ مَعَ اللَّاهُوتِ.
(4/39)

وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157]
مَعْنَاهُ: أَنَّ نَفْيَ قَتْلِهِ هُوَ يَقِينٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، بِخِلَافِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فَإِنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْهُ مِنْ قَتْلِهِ وَغَيْرِ قَتْلِهِ فَلَيْسُوا مُسْتَيْقِنِينَ أَنَّهُ قُتِلَ ; إِذْ لَا حُجَّةَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ.
وَلِذَلِكَ كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: لَمْ يُصْلَبْ، فَإِنَّ الَّذِينَ صَلَبُوا الْمَصْلُوبَ هُمْ الْيَهُودُ، وَكَانَ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْمَسِيحُ بِغَيْرِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا مَنْ هُوَ الْمَسِيحُ مِنْ أُولَئِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَا أَعْرِفُهُ فَعَرَفُوهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْكَلَامِ مَا قَتَلُوهُ عِلْمًا بَلْ ظَنًّا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ - تَعَالَى:
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55] .
فَلَوْ كَانَ الْمَرْفُوعُ هُوَ اللَّاهُوتَ، لَكَانَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِكَلِمَتِهِ: " إِنِّي أَرْفَعُكَ إِلَيَّ "، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّهُ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ رَفْعُ نَفْسِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا قَالُوا: هُوَ الْكَلِمَةُ فَهُمْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّهُ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، لَا يَجْعَلُونَهُ بِمَنْزِلَةِ التَّوْرَاةِ
(4/40)

وَالْقُرْآنِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ:
{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]
بَلْ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَرَفْعُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ مُمْتَنِعٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ تَوْفِيَتِهِ لَمْ يَكُنِ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ إِلَّا اللَّهَ دُونَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ كُنْتَ أَنْتَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، كَقَوْلِهِ: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ} [الأنفال: 32] وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَ تَوْفِيُتِهِ لَيْسَ رَقِيبًا عَلَى أَتْبَاعِهِ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الرَّقِيبُ الْمُطَّلِعُ عَلَيْهِمُ الْمُحْصِي أَعْمَالَهُمُ الْمُجَازِي عَلَيْهَا، وَالْمَسِيحُ لَيْسَ بِرَقِيبٍ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَلَا يُحْصِيهَا وَلَا يُجَازِيهِمْ بِهَا.
(4/41)

[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمْ بِوُرُودِ تَسْمِيَةِ الْمَسِيحِ خَالِقًا فِي الْقُرْآنِ]
قَالُوا: وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْكِتَابِ خَالِقًا حَيْثُ قَالَ:
{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [المائدة: 110]
فَأَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةِ بِالنَّاسُوتِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَرْيَمَ لِأَنَّهُ كَذَا قَالَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَيْسَ خَالِقٌ إِلَّا اللَّهَ وَكَلِمَتَهُ وَرُوُحَهُ.
وَهَذَا مِمَّا يُوَافِقُ رَأْيَنَا وَاعْتِقَادَنَا فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ لِذِكْرِهِ، لِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ:
{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49]
أَيْ بِإِذْنِ لَاهُوتِ الْكَلِمَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ.
(4/42)

وَالْجَوَابُ: أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَغَيْرِهَا، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، وَهَكَذَا شَأْنُ جَمِيعِ أَهْلِ الضَّلَالِ إِذَا احْتَجُّوا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامِ أَنْبِيَائِهِ كَانَ فِي نَفْسِ مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ، وَذَلِكَ لِعَظَمَةِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَمَا أَنْطِقَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ هَدًى وَبَيَانًا لِلْخَلْقِ وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَجْمَعِينَ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ مَا يُفَرِّقُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، لَكِنَّ النَّاسَ يُؤْتَوْنَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ لَا مِنْ قِبَلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى.
إِمَّا مِنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ الَّذِي قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ حَقَّ التَّدَبُّرِ حَتَّى يَفْقَهُوهُ وَيَفْهَمُوهُ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَخْذِهِمْ بِبَعْضِ الْحَقِّ دُونَ بَعْضٍ، مِثْلَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ دُونَ بَعْضٍ، فَيَضِلُّونَ مِنْ جِهَةِ مَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ النَّصَارَى:
{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14]
وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ نِسْبَتِهِمْ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ مِنْ أَقْوَالٍ كُذِبَتْ عَلَيْهِمْ وَمِنْ جِهَةِ تَرْجَمَةِ أَقْوَالِهِمْ بِغَيْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَتَفْسِيرِهَا بِغَيْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّفْسِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ
(4/43)

وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيُؤْخَذَ كَلَامُهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَتُعْرَفَ مَا عَادَتُهُ يَعْنِيهِ وَيُرِيدُهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ إِذَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَتُعْرَفَ الْمَعَانِي الَّتِي عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِذَا عُرِفَ عُرْفُهُ وَعَادَتُهُ فِي مَعَانِيهِ وَأَلْفَاظِهِ، كَانَ هَذَا مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِهِ.
وَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ لَفْظُهُ فِي مَعْنًى لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَتُرِكَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَحُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى خِلَافِ الْمَعْنَى الَّذِي قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ يُرِيدُهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ بِجَعْلِ كَلَامِهِ مُتَنَاقِضًا، وَتَرْكِ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ سَائِرَ كَلَامِهِ، كَانَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكَلَامِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَتَبْدِيلًا لِمَقَاصِدِهِ وَكَذِبًا عَلَيْهِ.
فَهَذَا أَصْلُ مَنْ ضَلَّ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِمْ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا، فَنَقُولُ:
الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ هُنَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحُدُهَا: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ عَنِ الْمَسِيحِ خَلْقًا مُطْلَقًا، وَلَا خَلْقًا عَامًّا، كَمَا ذَكَرَ عَنْ نَفْسِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]
(4/44)

وَقَالَ تَعَالَى:
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 22 - 24]
. فَذَكَرَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، وَلَمْ يَصِفْ قَطُّ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا لَا مَلَكًا وَلَا نَبِيًّا، وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ - لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 62 - 63]
. وَقَالَ تَعَالَى:
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 100 - 101]
. وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَبِأَنَّهُ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَأَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَمْ يَصِفْ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا بِشَيْءٍ مِنَ
(4/45)

الْخَصَائِصِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا، الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
وَأَمَّا الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ فِيهِ:
{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} [المائدة: 110]
وَقَالَ الْمَسِيحُ عَنْ نَفْسِهِ:
{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49] فَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا خَلْقَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ خَاصٍّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْخَالِقُ هُوَ ذَاكَ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ تَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الطَّيْرِ، وَهَذَا الْخَلْقُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُصَوِّرَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَغَيْرِ الطَّيْرِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ مُحَرَّمٌ، بِخِلَافِ تَصْوِيرِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَالْمُعْجِزَةُ أَنَّهُ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَيَصِيرُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ الْمُعْجِزَةُ مُجَرَّدَ خَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّ هَذَا مُشْتَرَكٌ، وَقَدْ لَعَنَ
(4/46)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَوِّرِينَ، وَقَالَ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ»
. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ الْمَسِيحَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ التَّصْوِيرَ وَالنَّفْخَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَأَخْبَرَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
. وَقَالَ تَعَالَى:
{يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [المائدة: 110] .
(4/47)

وَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَصَرِيحٌ بِأَنَّ الْآذِنَ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَالْمُعَلِّمَ لَيْسَ هُوَ الْمُعَلَّمَ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَتِهِ لَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ، كَمَا لَيْسَ هُوَ وَالِدَتُهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: أَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ، ثُمَّ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ الْكَلِمَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ تُنَاقُضَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْآذِنُ لِلْمَسِيحِ، وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّاهُوتَ الْمُتَّحِدَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحُ هُوَ الْخَالِقُ وَهُوَ الْآذِنُ فَجَعَلُوا الْخَالِقَ هُوَ الْآذِنُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْآنِ بِمَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّاهُوتَ إِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْخَالِقُ فَكَيْفَ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْذَنَ لِنَفْسِهِ وَيُنْعِمَ عَلَى نَفْسِهِ؟
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْخَالِقَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْكَلَامِ أَوِ الْكَلَامَ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلذَّاتِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْكَلَامَ، فَالْكَلَامُ
(4/48)

صِفَةٌ لَا تَكُونُ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا خَالِقَةً، وَلَوْ لَمْ تَتَّحِدْ بِالنَّاسُوتِ، وَاتِّحَادُهَا بِالنَّاسُوتِ دُونَ الْمَوْصُوفِ مُمْتَنِعٌ لَوْ كَانَ الِاتِّحَادُ مُمْكِنًا، فَكَيْفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؟
فَقَدْ تَبَيَّنَ امْتِنَاعُ كَوْنِ الْكَلِمَةِ تَكُونُ خَالِقَةً مِنْ وُجُوهٍ.
وَإِنْ كَانَ الْخَالِقُ هُوَ الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِالْكَلَامِ، فَذَاكَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَعِنْدَهُمْ هُوَ الْأَبُ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ الْأَبَ، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَذِنَ لِلْمَسِيحِ حَتَّى خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَلَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَلَيْسَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ وَلَا ابْنُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لِلَّهِ وَلَكِنْ عَبْدُهُ فَعَلَ بِإِذْنِهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: فَأَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةِ فِي النَّاسُوتِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ كَذَا قَالَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ". يُقَالُ لَهُمْ: هَذَا النَّصُّ عَنْ دَاوُدَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، كَمَا أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ وَسَائِرُ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْخَالِقَةُ، كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْخَالِقِ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَبَيْنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَمْرٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ، كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَادِرِ
(4/49)

وَالْقُدْرَةِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ هُوَ الْخَالِقُ وَقَدْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ، وَلَيْسَتِ الْقُدْرَةُ هِيَ الْخَالِقَةُ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرِيدِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَتْ مَشِيئَتُهُ هِيَ الْخَالِقَةُ.
وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالْعِبَادَةُ هُوَ لِلْإِلَهِ الْخَالِقِ لَا لِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: يَا اللَّهُ يَا رَبَّنَا يَا خَالِقَنَا، ارْحَمْنَا وَاغْفِرْ لَنَا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَلَا يَا قُدْرَةَ اللَّهِ وَيَا مَشِيئَةَ اللَّهِ وَيَا عَلَمَ اللَّهِ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَكَلَامِهِ، وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ هِيَ الْخَالِقَةُ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ قَوْلَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " بِكَلِمَةِ اللَّهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " يُوَافِقُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ: أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي التَّوْرَاةِ قَالَ اللَّهُ: " لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا "
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُمْ: لِأَنَّهُ لَيْسَ خَالِقٌ إِلَّا اللَّهَ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ، إِنْ أَرَادُوا بِكَلِمَتِهِ كَلَامَهُ، وَبِرُوحِهِ حَيَاتَهُ، فَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَمْ يُعَبِّرْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ حَيَاةِ اللَّهِ بِأَنَّهَا رُوحُ اللَّهِ، فَمَنْ حَمَلَ كَلَامَ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ الرَّوْحِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ حَيَاةُ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا كَلَامُهُ وَحَيَاتُهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْخَالِقُ هُوَ اللَّهُ وَحْدُهُ، وَصِفَاتُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ لَا يُحْتَاجُ أَنْ تُجْعَلَ
(4/50)

مَعْطُوفَةً عَلَى اسْمِهِ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ الَّتِي تُؤْذِنُ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي خَلْقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ " دَخَلَ كُلُّ مَا سِوَاهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَمْ تَدْخُلْ صِفَاتُهُ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَكَلَامِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ لَيْسَتْ أَشْيَاءً مُبَايِنَةً لَهُ، بَلْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى مُتَنَاوِلَةٌ لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُتَّصِفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِأَسْمَائِهِ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ تِلْكَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ صِفَةٍ فَضْلًا عَنْ وُجُودِ ذَاتِهِ تَعَالَى مُجَرَّدَةً عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ الَّتِي هِيَ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ ذَاتِهِ دُونَهَا، وَلِهَذَا لَا يُقَالُ: اللَّهُ وَعِلْمُهُ خَلَقَ، وَاللَّهُ وَقُدْرَتُهُ خَلَقَ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِكَلِمَتِهِ وَرُوحِهِ الْمَسِيحَ أَوْ شَيْئًا اتَّحَدَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ، فَالْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ كَسَائِرِ الرُّسُلِ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الْخَالِقُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنْ أُرِيدَ بِالرُّوحِ وَالْكَلِمَةِ مَا هُوَ صِفَةُ اللَّهِ، فَتِلْكَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا لَيْسَ بِصِفَةٍ فَذَلِكَ مَخْلُوقٌ لَهُ كَالنَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ الْمَسِيحَ ; لِأَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ هُوَ اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ،
(4/51)

وَهُوَ عِنْدَهُمُ اسْمٌ لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ لَمَّا اتَّحَدَا، وَالِاتِّحَادُ فِعْلٌ حَادِثٌ عِنْدَهُمْ، فَقَبْلَ الِاتِّحَادِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَاسُوتٌ وَلَا مَا يُسَمَّى مَسِيحًا، فَعُلِمَ أَنَّ دَاوُدَ لَمْ يُرِدْ بِكَلِمَةِ اللَّهِ الْمَسِيحَ، وَلَكِنْ غَايَتُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: أَرَادَ الْكَلِمَةَ الَّتِي اتَّحَدَتْ فِيمَا بَعْدُ بِالْمَسِيحِ، لَكِنَّ الَّذِي خَلَقَ بِإِذْنِ اللَّهِ هُوَ الْمَسِيحُ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ:
{يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]
فَالْكَلِمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي خَلَقَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيْسَتْ هِيَ الْمَسِيحَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَاحْتِجَاجُهُمْ بِهَذَا عَلَى هَذَا احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ، بَلْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَاسُوتٌ حِينَ خُلِقَتْ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ، وَالْمَسِيحُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّاسُوتُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ.
(4/52)

[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِتَشْبِيهِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِيسَى بِآدَمَ وَرَدُّ تَفْسِيرِهِمْ لِذَلِكَ]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59]
فَأَعْنَى بِقَوْلِهِ: {مَثَلَ عِيسَى} [آل عمران: 59] إِشَارَةً إِلَى الْبَشَرِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ مَرْيَمَ الطَّاهِرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَاهُنَا اسْمَ الْمَسِيحِ، إِنَّمَا ذَكَرَ عِيسَى فَقَطْ.
كَمَا أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَلَا مُبَاضَعَةٍ، فَكَذَلِكَ جَسَدُ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَلَا مُبَاضَعَةٍ، وَكَمَا أَنَّ جَسَدَ آدَمَ ذَاقَ الْمَوْتَ، فَكَذَلِكَ جَسَدُ الْمَسِيحِ ذَاقَ الْمَوْتَ، وَقَدْ يُبَرْهَنُ بِقَوْلِهِ أَيْضًا قَائِلًا: إِنَّ اللَّهَ أَلْقَى كَلِمَتَهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَذَلِكَ حَسْبَ قَوْلِنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْأَزَلِيَّةَ الْخَالِقَةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ وَتَجَسَّدَتْ بِإِنْسَانٍ كَامِلٍ، وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ طَبِيعَتَانِ: طَبِيعَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ:
(4/53)

الَّتِي هِيَ طَبِيعَةُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَطَبِيعَةٌ نَاسُوتِيَّةٌ: الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مُوسَى النَّبِيِّ، إِذْ يَقُولُ: (أَلَيْسَ هَذَا الْأَبُ الَّذِي خَلَقَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ) قِيلَ: وَعَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ (رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي) وَأَيْضًا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: (بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِرُوحِ فَاهِ جَمِيعُ قُوَاهُنَّ) وَلَيْسَ يَدُلُّ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ خَالِقِينَ، بَلْ خَالِقٍ وَاحِدٍ: الْأَبُ وَنُطْقُهُ: أَيْ كَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ: أَيْ حَيَاتُهُ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]
كَلَامٌ حَقٌّ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ هَذَا النَّوْعَ الْبَشَرِيَّ عَلَى الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ ; لِيُبَيِّنَ عُمُومَ قُدْرَتِهِ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى، وَخَلَقَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]
وَخَلَقَ الْمَسِيحَ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْخَلْقِ مِنْ ذَكَرٍ
(4/54)

وَأُنْثَى، وَكَانَ خَلْقُ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَعْجَبَ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ، وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَخَلْقُ آدَمَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَهُوَ أَصْلُ خَلْقِ حَوَّاءَ.
فَلِهَذَا شَبَّهَهُ اللَّهُ بِخَلْقِ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ، فَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ قَادِرًا أَنْ يَخْلُقَهُ مِنْ تُرَابِ، وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، أَفَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَهُ مِنَ امْرَأَةٍ هِيَ مِنْ جِنْسِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ؟ وَهُوَ سُبْحَانُهُ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، لَمَّا نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَقَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ بِمَا نُفِخَ مِنْ رُوحِهِ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، بَلْ كُلُّهُ نَاسُوتٌ، فَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ كُلُّهُ نَاسُوتٌ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي ضِمْنِ الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي شَأْنِ النَّصَارَى، لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَارَى نَجْرَانَ وَنَاظَرُوهُ فِي الْمَسِيحِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا أَنْزَلَ، فَبَيَّنَ فِيهِ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَكَذَّبَ اللَّهُ الطَّائِفَتَيْنِ: هَؤُلَاءِ فِي غُلُوِّهِمْ فِيهِ، وَهَؤُلَاءِ فِي ذَمِّهِمْ لَهُ.
وَقَالَ عَقِبَ هَذِهِ الْآيَةِ:
(4/55)

{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ - قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 61 - 64]
. وَقَدِ امْتَثَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ اللَّهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَعَرَفُوا أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوهُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَعْنَتَهُ، فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ وَهُمْ صَاغِرُونَ، ثُمَّ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} [آل عمران: 64] إِلَى آخِرِهَا.
وَكَانَ أَحْيَانًا يَقْرَأُ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى: بِقَوْلِهِ:
{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]
(4/56)

وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبَدٌ لَيْسَ بِإِلَهٍ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَمَا خُلِقَ آدَمَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُبَاهِلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِلَهٌ، فَيَدْعُو كُلٌّ مِنَ الْمُتَبَاهِلَيْنِ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَقَرِيبَهُ الْمُخْتَصَّ بِهِ، ثُمَّ يَبْتَهِلُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَيَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَعْنَتَهُ عَلَى الْكَاذِبِينَ، فَإِنْ كَانَ النَّصَارَى كَاذِبِينَ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ، حَقَّتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَنْ قَالَ: لَيْسَ هُوَ اللَّهَ بَلْ عَبْدُ اللَّهِ، كَاذِبًا، حَقَّتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ، وَهَذَا إِنْصَافٌ مِنْ صَاحِبِ يَقِينٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ.
وَالنَّصَارَى لَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، نَكَلُوا عَنِ الْمُبَاهَلَةِ، وَقَدْ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ:
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62]
تَكْذِيبًا لِلنَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمَسِيحَ فِيهِ لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ النَّاسُوتُ فَقَطْ دُونَ اللَّاهُوتِ؟ وَبِهَذَا ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ، قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59]
فَأَعْنَى بِقَوْلِهِ: عِيسَى، إِشَارَةً إِلَى الْبَشَرِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ مَرْيَمَ الطَّاهِرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَاهُنَا اسْمَ الْمَسِيحِ
(4/57)

إِنَّمَا ذَكَرَ عِيسَى فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: عِيسَى هُوَ الْمَسِيحُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ:
{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [المائدة: 75]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَسِيحُ إِلَّا رَسُولًا لَيْسَ هُوَ بِإِلَهٍ وَأَنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَالَّذِي هُوَ ابْنٌ مِنْ مَرْيَمَ هُوَ النَّاسُوتُ وَقَالَ:
{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 171 - 172]
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]
وَقَالَ تَعَالَى:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 17] .
(4/58)

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ مَوْتِهِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ صُلِبَ نَاسُوتُهُ دُونَ لَاهُوتِهِ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
فَإِنَّ نَاسُوتَهُ لَمْ يُصْلَبْ، وَلَيْسَ فِيهِ لَاهُوتٌ، وَهُمْ ذَكَرُوا ذَلِكَ دَعْوًى مُجَرَّدَةً فَيُكْتَفَى فِي مُقَابَلَتِهَا بِالْمَنْعِ.
لَكِنْ نَقُولُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّهُمْ فِي اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ يُشَبِّهُونَهُ تَارَةً بِاتِّحَادِ الْمَاءِ بِاللَّبَنِ، وَهَذَا تَشْبِيهُ الْيَعْقُوبِيَّةِ، وَتَارَةً بِاتِّحَادِ النَّارِ بِالْحَدِيدِ أَوِ النَّفْسِ بِالْجِسْمِ، وَهَذَا تَشْبِيهُ الْمَلِكَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْمَاءِ شَيْءٌ إِلَّا وَصَلَ إِلَى اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ النَّارُ الَّتِي فِي الْحَدِيدِ مَتَى طُرِقَ الْحَدِيدُ أَوْ بُصِقَ عَلَيْهِ لَحِقَ ذَلِكَ بِالنَّارِ الَّتِي فِيهِ، وَالْبَدَنُ إِذَا ضُرِبَ وَعُذِّبَ لَحِقَ أَلَمُ الضَّرْبِ وَالْعَذَابِ بِالنَّفْسِ، فَكَأَنَّ حَقِيقَةَ تَمْثِيلِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّاهُوتَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ النَّاسُوتَ مِنْ إِهَانَةِ الْيَهُودِ وَتَعْذِيبِهِمْ لَهُ وَإِيلَامِهِمْ لَهُ وَالصَّلْبِ الَّذِي ادَّعَوْهُ
وَهَذَا لَازَمٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ، فَإِنَّ الِاتِّحَادَ لَوْ كَانَ مَا يُصِيبُ أَحَدَهُمَا لَا يُشْرِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ هُنَا اتِّحَادٌ بَلْ تَعَدُّدٌ.
(4/59)

الرَّابِعُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنْ جَعَلُوا إِلَهَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُتَّحِدًا بِبَشَرٍ فِي جَوْفِ امْرَأَةٍ، وَجَعَلُوهُ لَهُ مَسْكَنًا، ثُمَّ جَعَلُوا أَخَابِثَ خَلْقِ اللَّهِ أَمْسَكُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ وَصَلَبُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ وَيَقُولُ: " إِلَهِي إِلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي " وَهُمْ يَقُولُونَ: الَّذِي كَانَ يَسْمَعُ النَّاسُ كَلَامَهُ هُوَ اللَّاهُوتُ، كَمَا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَيَقُولُونَ: هُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالْكَلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ الدَّاعِي الْمُسْتَغِيثُ الْمَصْلُوبُ هُوَ اللَّاهُوتُ وَهُوَ الْمُسْتَغِيثُ الْمُتَضَرِّعُ وَهُوَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ، وَأَيْضًا فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، فَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغِيثًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغَاثًا بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدْعُوًّا، فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الدَّاعِيَ هُوَ غَيْرُ الْمَدْعُوِّ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ لَا وَاحِدًا، وَإِذَا قَالُوا: هَمَا وَاحِدٌ فَالدَّاعِي هُوَ الْمَدْعُوُّ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّاهُوتَ كَانَ قَادِرًا عَلَى دَفْعِهِمْ عَنْ نَاسُوتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَإِنْ قَالُوا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ أَقْدَرَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
(4/60)

وَأَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَقْهُورًا مَأْسُورًا مَعَ قَوْمٍ مِنْ شِرَارِ الْيَهُودِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالتَّنَقُّصِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، وَأَنَّهُ بَخِيلٌ، وَأَنَّهُ فَقِيرٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَسُبُّ بِهِ الْكُفَّارُ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَإِنْ قَالُوا: كَانَ قَادِرًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُدْوَانِ الْكُفَّارِ عَلَى نَاسُوتِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لِذَلِكَ، فَسُنَّةُ اللَّهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ نَصْرُ رُسُلِهِ الْمُسْتَغِيثِينَ بِهِ، فَكَيْفَ لَمْ يُغِثْ نَاسُوتَهُ الْمُسْتَصْرِخَ بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قُتِلَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَهُوَ صَابِرٌ، فَإِنَّ أُولَئِكَ صَبَرُوا حَتَّى قُتِلُوا شُهَدَاءَ، وَالنَّاسُوتُ عِنْدَهُمُ اسْتَغَاثَ وَقَالَ: " إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي "، وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَكْرًا، كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَكَرَ بِالشَّيْطَانِ وَأَخْفَى نَفْسَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِوَجْهِ حَقٍّ، فَنَاسُوتُهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَجْزَعَ وَلَا يَهْرُبَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ جَزَعِ النَّاسُوتِ وَهَرَبِهِ وَدُعَائِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: مَشِيئَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، فَكَيْفَ شَاءَ ذَلِكَ وَهَرَبَ مِمَّا يَكْرَهُهُ النَّاسُوتُ؟ بَلْ لَوْ يَشَاءُ اللَّاهُوتُ مَا يَكْرَهُهُ كَانَا مُتَبَايِنَيْنِ، وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الْمَكْرِ بِالْعَدُوِّ وَلَمْ يَجْزَعِ النَّاسُوتُ، كَمَا جَرَى لِيُوسُفَ مَعَ
(4/61)

أَخِيهِ لَمَّا وَافَقَهُ عَلَى أَنَّهُ يَحْمِلُ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ، وَيُظْهِرُ أَنَّهُ سَارِقٌ لَمْ يَجْزَعْ أَخُوهُ لَمَّا ظَهَرَ الصُّوَاعُ فِي رَحْلِهِ، كَمَا جَزِعَ إِخْوَتُهُ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا، وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّطَّارِ الْعَيَّارِينَ يُمْسَكُونَ وَيُصْلَبُونَ وَهُمْ ثَابِتُونَ صَابِرُونَ، فَمَا بَالُ هَذَا يَجْزَعُ الْجَزَعَ الْعَظِيمَ الَّذِي يَصِفُونَ بِهِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ يَقْتَضِي غَايَةَ النَّقْصِ الْعَظِيمِ مَعَ دَعْوَاهُمْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُمْ إِنَّهُ كَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ فَقَطْ لَا أُقْنُومَ الْحَيَاةِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: وَقَدْ بَرْهَنَ بِقَوْلِهِ رَأْيَنَا أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَائِلًا: إِنَّ اللَّهَ أَلْقَى كَلِمَتَهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَذَلِكَ حَسْبَ قَوْلِنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْخَالِقَةَ الْأَزَلِيَّةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ وَاتَّحَدَتْ بِإِنْسَانٍ كَامِلٍ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنْ ضَلَلْتُمْ فِي تَأْوِيلِهِ كَمَا ضَلَلْتُمْ فِي تَأْوِيلِ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا بَلَّغُوهُ عَنِ اللَّهِ،
(4/62)

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:
{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ - قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 45 - 47]
فَفِي هَذَا الْكَلَامِ وُجُوهٌ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ هُوَ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى:
مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ: (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) وَقَوْلُهُ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ تَقْتَضِي أَنَّهُ كَلِمَةٌ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ كَلَامَهُ كُلَّهُ كَمَا يَقُولُ النَّصَارَى.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ حَيْثُ قَالَ:
{كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47]
كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ كهيعص:
{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [مريم: 34 - 35]
(4/63)

فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ تُبَيِّنُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ) وَهَذَا تَفْسِيرُ كَوْنِهِ كَلِمَةً مِنْهُ.
وَقَالَ " اسْمَهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " أَخْبَرَ أَنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَجِيهٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرِّبِينَ، وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَةُ مَخْلُوقٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَكَلَامُهُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ لَا يُقَالُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ مَرْيَمُ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ هُوَ وَلَدُ مَرْيَمَ، لَا وَلَدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 171 - 173] .
فَقَدْ نَهَى النَّصَارَى عَنِ الْغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ، وَأَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى
(4/64)

مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ رَسُولُهُ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا ثَلَاثَةً، وَقَالَ: {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171] ، {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171] ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ أَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171] ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ وَعَظَّمَهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 171] فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] أَيْ: لَنْ يَسْتَنْكِفُوا أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَمَعَ هَذَا الْبَيَانِ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ، هَلْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ (وَكَلِمَتُهُ) أَنَّهُ إِلَهٌ خَالِقٌ؟ أَوْ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ؟ وَأَنَّ قَوْلَهُ: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حَيَاتُهُ، أَوْ رُوحُهُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ ذَاتِهِ؟
ثُمَّ نَقُولُ أَيْضًا: أَمَّا قَوْلُهُ (وَكَلِمَتُهُ) فَقَدْ بَيَّنَ مُرَادَهُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِـ (كُنْ) وَفِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَنْ يُسَمَّى الْمَفْعُولُ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، فَيُسَمَّى الْمَخْلُوقُ خَلْقًا لِقَوْلِهِ: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرًا، وَالْمَقْدُورُ قُدْرَةً وَقَدَرًا، وَالْمَعْلُومُ عِلْمًا، وَالْمَرْحُومُ بِهِ رَحْمَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38]
(4/65)

وَقَوْلُهُ
{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَيَقُولُ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي.» وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً فَبِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ وَيَتَعَاطَفُونَ، وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ هَذِهِ إِلَى تِلْكَ، فَرَحِمَ بِهَا الْخَلْقَ» وَيُقَالُ لِلْمَطَرِ: هَذِهِ قُدْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَيُقَالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ عِلْمَهُ فِيكَ، أَيْ مَعْلُومَهُ، فَتَسْمِيَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةً مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ (الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ) وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ النَّصَارَى الْحُلُولِيَّةَ وَالْجَهْمِيَّةَ الْمُعَطِّلَةَ اعْتَرَضُوا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَتِ النَّصَارَى: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْمَسِيحُ كَلِمَةُ اللَّهِ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: الْمَسِيحُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا.
(4/66)

وَأَجَابَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: بِأَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ كَلَامًا، فَإِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ وَبَشَرٌ مَوْلُودٌ مِنِ امْرَأَةٍ، وَكَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ وَلَا بَشَرٍ وَلَا مَوْلُودٍ مِنِ امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّ الْمَسِيحَ خُلِقَ بِالْكَلَامِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ نَفْسُهُ كَلَامُ اللَّهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟
وَقَدْ قِيلَ: أَكْثَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ، وَمَا مِنْ عَاقِلٍ إِذَا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، إِلَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ وَلَا خَالِقٌ.
ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسُ الْكَلَامِ، فَالْكَلَامُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِخَالِقٍ، وَالتَّوْرَاةُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَتْ بِخَالِقَةٍ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ خَالِقٌ، فَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ نَفْسَ الْكَلَامِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا، فَكَيْفَ وَلَيْسَ هُوَ الْكَلَامَ، وَإِنَّمَا خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ، وَخُصَّ بِاسْمِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ فَخُلِقَ بِالْكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِ السُّنَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْبَشَرِ.
وَقَوْلُهُ: (بِرُوحٍ مِنْهُ) لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]
(4/67)

وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]
وَقَالَ تَعَالَى:
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]
. {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ - رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً - فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 1 - 3]
فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ رُوحُ اللَّهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ.
فَالْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ رُوحٌ مِنْ تِلْكَ الرُّوحِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا، قَالَ تَعَالَى:
{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 17 - 19]
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] .
(4/68)

وَقَالَ:
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَفَخَ فِي مَرْيَمَ مِنْ رُوحِهِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ نَفَخَ فِي آدَمَ مِنْ رُوحِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رُوحَهُ {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا - قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا - قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم: 17 - 21] فَحَمَلَتْهُ
فَهَذَا الرُّوحُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا لِيَهَبَ لَهَا غُلَامًا زَكِيًّا، مَخْلُوقٌ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي خُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْهُ وَمِنْ مَرْيَمَ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ مَخْلُوقًا فَكَيْفَ الْفَرْعُ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ؟ وَقَوْلُهُ عَنِ الْمَسِيحِ: (وَرُوحٌ مِنْهُ) خُصَّ الْمَسِيحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَخَ فِي أُمِّهِ مِنَ الرُّوحِ، فَحَبِلَتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّفْخِ، وَذَلِكَ غَيْرُ رُوحِهِ الَّتِي يُشَارِكُهُ فِيهَا سَائِرُ الْبَشَرِ فَامْتَازَ بِأَنْ حَبِلَتْ بِهِ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ، فَلِهَذَا سُمِّيَ رُوحًا مِنْهُ
وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: رُوحٌ مِنْهُ، أَيْ رَسُولٌ مِنْهُ سَمَّاهُ بِاسْمِ الرُّوحِ الرَّسُولِ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا، فَكَمَا يُسَمَّى " كَلِمَةً " يُسَمَّى
(4/69)

" رُوحًا " لِأَنَّهُ كُوِّنَ بِالْكَلِمَةِ، لَا كَمَا يُخْلَقُ الْآدَمِيُّونَ غَيْرَهُ، وَيُسَمَّى " رُوحًا "، لِأَنَّهُ حَبِلَتْ بِهِ أُمُّهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ الَّذِي نُفِخَ فِيهَا، لَمْ تَحْبَلْ بِهِ مِنْ ذَكَرٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَمَّا خُلِقَ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ وَمِنْ مَرْيَمَ سُمَّيَ " رُوحًا " بِخِلَافِ سَائِرِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّهُ يُخْلَقُ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ: (تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ) وَلَوِ اقْتَصَرُوا عَلَى هَذَا، وَفَسَّرُوا رُوحَ الْقُدُسِ بِالْمَلَكِ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا وَهُوَ رُوحُ اللَّهِ، لَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا رُوحَ الْقُدُسِ حَيَاةَ اللَّهِ وَجَعَلُوهُ رَبًّا وَتَنَاقَضُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي فِيهِ أُقْنُومَانِ: أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَأُقْنُومُ الرُّوحِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَكَمَا يُسَمَّى الْمَسِيحُ كَلِمَةً لِأَنَّهُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ، يُسَمَّى " رُوحًا " لِأَنَّهُ حَلَّ بِهِ مِنَ الرُّوحِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ:
{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ} [الأنعام: 114]
وَقَالَ:
{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] .
(4/70)

وَقَدْ قَالَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ: " الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ " وَقَالَ فِي الْمَسِيحِ: " {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] " قِيلَ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُضَافِ إِلَى اللَّهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا أَوْ صِفَةً فِيهَا كَانَ مَخْلُوقًا، وَإِنْ كَانَ صِفَةً مُضَافًا إِلَى اللَّهِ كَعِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ إِضَافَةَ صِفَةٍ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ إِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً أَوْ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا كَمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالنِّعَمِ، وَالرُّوحِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَقَالَ: " {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم: 19] " كَانَ مَخْلُوقًا، وَإِنْ كَانَ صِفَةً لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا الْمَخْلُوقُ كَالْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا، فَإِنَّ ذَلِكَ قَائِمٌ بِاللَّهِ، وَمَا يَقُومُ بِاللَّهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ بُطْلَانِ احْتِجَاجِ النَّصَارَى وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَا بَاطِنِهِ حُجَّةٌ فِي سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا بِآيَاتٍ مُتَشَابِهَاتٍ وَتَرَكُوا الْمُحْكَمَ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]
وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى، فَهُمْ مُرَادُونَ مِنَ الْآيَةِ قَطْعًا، ثُمَّ قَالَ:
{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] .
(4/71)

وَفِيهَا قَوْلَانِ وَقِرَاءَتَانِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِلَّا اللَّهُ) ، وَيَقُولُ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقِفُ، بَلْ يَصِلُ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] وَيَقُولُ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَأْثُورٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: قَدْ يَكُونُ الْحَالُ مِنَ الْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا " أَيْ قَائِلِينَ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ بِاعْتِبَارِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ يُرَادُ بِهِ التَّفْسِيرُ وَمَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ آيَةً إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ فِي مَاذَا نَزَلَتْ، وَمَاذَا عَنَى بِهَا.
وَقَدْ يُعْنَى بِالتَّأْوِيلِ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْ كَيْفِيَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخَرِ، وَوَقْتِ السَّاعَةِ وَنُزُولِ عِيسَى، وَنَحْوَ ذَلِكَ،
(4/72)

فَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا لَفْظُ التَّأْوِيلِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يُرِيدُونَ بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ هَذَا وَلَا هُوَ مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ خَصُّوا لَفْظَ التَّأْوِيلِ بِهَذَا، بَلْ لَفْظُ التَّأْوِيلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ الْكَلَامُ، وَإِنْ وَافَقَ ظَاهِرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: 53] .
وَمِنْهُ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا، كَقَوْلِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ:
{هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100]
وَكَقَوْلِهِ:
{إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 37] .
وَقَوْلِهِ:
{ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّصَارَى حُجَّةٌ لَا فِي ظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَلَا فِي بَاطِنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
(4/73)

{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]
وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ جَوْهَرٌ، وَهِيَ رَبٌّ لَا يَخْلُقُ بِهَا الْخَالِقُ، بَلْ هِيَ الْخَالِقَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، كَمَا قَالُوا فِي كِتَابِهِمْ: (إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْخَالِقَةَ الْأَزَلِيَّةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ) ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا لَيْسَتْ خَالِقَةً، إِذِ الْخَالِقُ لَا يُلْقِيهِ شَيْءٌ بَلْ هُوَ يُلْقِي غَيْرَهُ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ نَوْعَانِ: كَوْنِيَّةٌ، وَدِينِيَّةٌ.
فَالْكَوْنِيَّةُ: كَقَوْلِهِ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ.
وَالدِّينِيَّةُ: أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ وَإِرَادَتُهُ وَإِذْنُهُ وَإِرْسَالُهُ وَبَعْثُهُ يَنْقَسِمُ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلْقَاءَ الْقَوْلِ فِي غَيْرِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: 94]
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا
(4/74)

الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ - وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} [النحل: 86 - 87]
وَقَالَ تَعَالَى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]
وَأَمَّا لَقَّنْتُهُ الْقَوْلَ وَلَقَّيْتُهُ فَتَلَقَّاهُ، فَذَلِكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحَفَظَهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَلْقَيْتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا يَقُولُهُ فِيمَا يُخَاطِبُهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ، كَمَنْ أَلْقَيْتَ إِلَيْهِ الْقَوْلَ بِخِلَافِ الْقَوْلِ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ، وَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ السَّلَامَ، وَلَيْسَ هُنَا إِلَّا خِطَابٌ سَمِعُوهُ لَمْ يَحْصُلْ نَفْسُ صِفَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْمُخَاطَبِ، فَكَذَلِكَ مَرْيَمُ إِذَا أَلْقَى اللَّهُ كَلِمَتَهُ إِلَيْهَا وَهِيَ قَوْلُ: " كُنْ " لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ صِفَتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ حَلَّتْ فِي سَائِرِ مَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ كَلَامَهُ، كَمَا لَا تَحْصُلُ صِفَةُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ فِيمَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَلَامُهُ.
(4/75)

[فَصْلٌ: بَيَانُ اضْطِرَابِ كَلَامِ النَّصَارَى وَتَفَرُّقِهِمْ فِي بَابِ طَبِيعَةِ الْمَسِيحِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ طَبِيعَتَانِ:
طَبِيعَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ: الَّتِي هِيَ طَبِيعَةُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ.
وَطَبِيعَةٌ نَاسُوتِيَّةٌ: الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَاتَّحَدَتْ بِهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: كَلَامُ النَّصَارَى فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفٌ مُتَنَاقِضٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَلَا قَوْلٌ مَعْقُولٌ، وَلَا قَوْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابٌ، بَلْ هُمْ فِيهِ فِرَقٌ وَطَوَائِفُ كُلُّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، كَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلِكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَنَقْلُ الْأَقْوَالِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ، كَثِيرَةُ الِاخْتِلَافِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: لَوِ اجْتَمَعَ عَشْرَةُ نَصَارَى لَتَفَرَّقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقَادِهِمْ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَمَانَتِهِمْ، لَمْ يَنْطِقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يُوجَدُ لَا فِي كَلَامِ
(4/76)

الْمَسِيحِ وَلَا الْحَوَارِيِّينَ وَلَا أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنَّ عِنْدَهُمْ فِي الْكُتُبِ أَلْفَاظًا مُتَشَابِهَةً وَأَلْفَاظًا مُحْكَمَةً يَتَنَازَعُونَ فِي فَهْمِهَا، ثُمَّ الْقَائِلُونَ مِنْهُمْ بِالْأَمَانَةِ وَهُمْ عَامَّةُ النَّصَارَى الْيَوْمَ مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَنَفْسُ قَوْلِهِمْ مُتَنَاقِضٌ يَمْتَنِعُ تَصَوُّرَهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ.
فَلِهَذَا صَارَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي لَفْظَ أَمَانَتِهِمْ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتُرُ بَعْضَ ذَلِكَ كَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ وَهُمُ الْمَلِكَانِيَّةُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَلَمَّا ابْتَدَعُوا مَا ابْتَدَعُوا مِنَ التَّثْلِيثِ وَالْحُلُولِ، كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ يُوجَدُ نَقْلُ النَّاسِ لِمَقَالَاتِهِمْ مُخْتَلِفًا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الَّتِي يَنْقُلُ ذَلِكَ النَّاقِلُ قَوْلَهَا، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَحْكِيهِ كَثِيرٌ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، كَمَا نَقَلُوا عَنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُهُ أَبُو الْقَاسِمِ
(4/77)

الْأَنْصَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْقَدِيمَ وَاحِدٌ بِالْجَوْهَرِ، ثَلَاثَةٌ بِالْأُقْنُومِ، وَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْأُقْنُومِ: الْوُجُودَ وَالْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ.
وَنَقَلُوا عَنْهُمْ: أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ لَيْسَا بِوَصْفَيْنِ زَائِدَيْنِ عَلَى الذَّاتِ مَوْجُودَيْنِ، بَلْ هُمَا صِفَتَانِ نَفْسِيَّتَانِ لِلْجَوْهَرِ، قَالُوا: وَلَوْ مُثِّلَ مَذْهَبِهِمْ بِمِثَالٍ لَقِيلَ: إِنَّ الْأَقَانِيمَ عِنْدَهُمْ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ عِنْدَ مُثْبِتِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ سَوَادِيَّةَ اللَّوْنِ وَلَوْنِيَّتَهُ صِفَتَانِ نَفْسِيَّتَانِ لِلْعَرَضِ، قَالَ: وَرُبَّمَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الْأَقَانِيمِ بِالْأَبِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَيَعْنُونَ بِالْأَبِ الْوُجُودَ، وَبِالِابْنِ الْمَسِيحَ وَالْكَلِمَةَ، وَرُبَّمَا سَمَّوُا الْعِلْمَ
(4/78)

كَلِمَةً، وَالْكَلِمَةَ عِلْمًا، وَيُعَبِّرُونَ عَنِ الْحَيَاةِ بِالرُّوحِ، قَالَ: وَلَا يُرِيدُونَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَا يُسَمُّونَ الْعِلْمَ قَبْلَ تَدَرُّعِهِ بِالْمَسِيحِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ ابْنًا، بَلِ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ مَعَ مَا تَدَرَّعَ بِهِ ابْنٌ، قَالُوا: وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ وَتَدَرَّعَتْ بِالنَّاسُوتِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الِاتِّحَادِ فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالِاخْتِلَاطِ وَالِامْتِزَاجِ، وَهَذَا مَذْهَبُ طَوَائِفَ مِنَ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلِكَانِيَّةِ، قَالُوا: إِنَّ الْكَلِمَةَ خَالَطَتْ جَسَدَ الْمَسِيحِ وَمَازَجَتْهُ كَمَا مَازَجَ الْخَمْرُ الْمَاءَ أَوِ اللَّبَنَ، قَالُوا: وَهَذَا مَذْهَبُ الرُّومِ وَمُعْظَمُهُمُ الْمَلِكَانِيَّةُ، قَالُوا: فَمَازَجَتِ الْكَلِمَةُ جَسَدَ الْمَسِيحِ فَصَارَتْ شَيْئًا وَاحِدًا وَصَارَتِ الْكَثْرَةُ قِلَّةً.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَعَاقِبَةِ إِلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا وَدَمًا، وَقَالُوا: وَصَارَتْ شِرْذِمَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّحَادِ ظُهُورُ اللَّاهُوتِ عَلَى النَّاسُوتِ كَظُهُورِ الصُّورَةِ فِي الْمِرْآةِ، وَالنَّقْشِ فِي الْخَاتَمِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ظُهُورُ اللَّاهُوتِ عَلَى النَّاسُوتِ كَاسْتِوَاءِ الْإِلَهِ عَلَى الْعَرْشِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّحَادِ الْحُلُولُ. قَالُوا: وَقَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْجَوْهَرِ وَالْأَقَانِيمِ
(4/79)

فَذَهَبَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجَوْهَرَ لَيْسَ بِغَيْرِ الْأَقَانِيمِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ هِيَ، وَصَرَّحَتِ الْمَلَكَانِيَّةُ بِأَنَّهُ غَيْرُ الْأَقَانِيمِ، وَآخَرُونَ قَالُوا: هُوَ الْأَقَانِيمُ.
قَالُوا: وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَذَهَبَتِ الرُّومُ إِلَى التَّصْرِيحِ بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَامْتَنَعَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ فِي وَجْهٍ وَالْتَزَمُوهُ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْكَلِمَةُ إِلَهٌ وَالرُّوحُ إِلَهٌ وَالْأَبُ إِلَهٌ، وَالثَّلَاثَةُ الْأَقَانِيمُ الَّتِي كُلُّ أُقْنُومٍ إِلَهٌ، إِلَهٌ وَاحِدٌ.
قَالُوا: وَذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّ عِيسَى كَانَ ابْنًا لِلَّهِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَامَةِ، فَكَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، كَذَلِكَ اتَّخَذَ عِيسَى ابْنًا.
قَالُوا: وَهَؤُلَاءِ يُقَالُ لَهُمُ: الْأَرِيُوسِيَّةُ. فَهَذَا نَقْلُ طَائِفَةٍ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا قَوْلٌ لِمَنْ قَالَهُ مِنَ النَّصَارَى، وَفِيهِ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ أَمَانَتِهِمْ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ الْعِلْمَ قَبْلَ تَدَرُّعِهِ بِالْمَسِيحِ ابْنًا، بَلِ الْمَسِيحُ مَعَ مَا تَدَرَّعَ بِهِ ابْنٌ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ فِرَقُ النَّصَارَى مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَخِلَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ أَمَانَتُهُمْ، إِذْ صَرَّحُوا فِيهَا بِأَنَّ الْكَلِمَةَ ابْنٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مَوْلُودٌ قَبْلَ الدُّهُورِ، وَهَذَا صِفَةُ اللَّاهُوتِ عِنْدَهُمْ، وَفِيهَا أَشْيَاءُ يَقُولُهَا بَعْضُ النَّصَارَى لَا كُلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُمْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ صِفَةُ فِعْلٍ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَمِنَ
(4/80)

الْيَهُودِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ.
وَنَقَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَقَالُوا: اتَّفَقَتْ طَوَائِفُ النَّصَارَى عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، وَأَنْ كُلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْأَقَانِيمِ جَوْهَرٌ خَاصٌّ يَجْمَعُهَا الْجَوْهَرُ الْعَامُّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْأَقَانِيمَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْأُقْنُومِيَّةِ، مُتَّفِقَةٌ فِي الْجَوْهَرِيَّةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الْأُقْنُومِيَّةِ، بَلْ مُتَغَايِرَةً، وَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا هُوَ الْآخَرُ، وَلَا هُوَ غَيْرُهُ، وَلَيْسَتْ مُتَغَايِرَةً وَلَا مُخْتَلِفَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ الْجَوْهَرَ لَيْسَ هُوَ غَيْرَهَا إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَقَانِيمَ هِيَ الْجَوْهَرُ غَيْرُ الْأَقَانِيمِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ الْأَبُ، وَالْأَقَانِيمُ الْحَيَاةُ، وَهِيَ رُوحُ الْقُدُسِ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْعِلْمُ، وَأَنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِأَحَدِ الْأَقَانِيمِ الَّذِي هُوَ الِابْنُ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَكَانَ مَسِيحًا عِنْدَ الِاتِّحَادِ، لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، حُمِلَ، وَوُلِدَ، وَنَشَأَ، وَقُتِلَ، وَصُلِبَ، وَدُفِنَ.
(4/81)

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَقَالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ قَدِيمٌ وَمُحَدَثٌ، وَأَنَّ اتِّحَادَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَشِيئَةِ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمَا وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَا جَوْهَرَيْنِ.
وَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: لَمَّا اتَّحَدَا صَارَ الْجَوْهَرَانِ الْجَوْهَرُ الْقَدِيمُ وَالْجَوْهَرُ الْمُحْدَثُ جَوْهَرًا وَاحِدًا.
وَاخْتَلَفُوا هَاهُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَوْهَرُ الْمُحْدَثُ صَارَ قَدِيمًا، وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُمَا لَمَّا اتَّحَدَا صَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا قَدِيمًا مِنْ وَجْهٍ مُحْدَثًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَقَالَتِ الْمَلِكَانِيَّةُ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أُقْنُومَانِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَقَالَتِ الْأَرِيُوسِيَّةُ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا أَقَانِيمَ لَهُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُصْلَبْ وَلَمْ يَقْتُلْ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: الْمَسِيحُ لَيْسَ بِابْنِ اللَّهِ، وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالتَّقْرِيبِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلِمَةِ الْمُلْقَاةِ إِلَى مَرْيَمَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْكَلِمَةَ حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ حُلُولَ الْمُمَازَجَةِ، كَمَا يَحُلُّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ فَيُمَازِجُهُ وَيُخَالِطُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّهَا حَلَّتْ فِي مَرْيَمَ مِنْ غَيْرِ مُمَازَجَةٍ، كَمَا أَنَّ شَخْصَ الْإِنْسَانِ يَحُلُّ فِي الْمِرْآةِ وَفِي الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ مِنْ غَيْرِ مُمَازَجَةٍ.
(4/82)

وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى أَنَّ النَّاسُوتَ مَعَ اللَّاهُوتِ كَمَثَلِ الْخَاتَمِ مَعَ الشَّمْعِ، يُؤَثِّرُ فِيهِ بِالنَّقْشِ، ثُمَّ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَثَرُهُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ وَمَنْ مَعَهُ: وَاخْتَلَفَتِ النَّصَارَى فِي الْأَقَانِيمِ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: هِيَ جَوَاهِرٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَوَاصٌّ، وَقَالَ قَوْمٌ هِيَ صِفَاتٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ أَشْخَاصٌ، وَالْأَبُ عِنْدَهُمُ الْجَوْهَرُ الْجَامِعُ لِلْأَقَانِيمِ، وَالِابْنُ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي اتَّحَدَتْ عِنْدَ مَبْدَأِ الْمَسِيحِ، وَالرُّوحُ هِيَ الْحَيَاةُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّحَادَ صِفَةُ فِعْلٍ وَلَيْسَ بِصِفَةِ ذَاتٍ.
قَالُوا: وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الِاتِّحَادِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَزَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَنَّ الِاتِّحَادَ هُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ الِابْنُ حَلَّتْ جَسَدَ الْمَسِيحِ وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ.
وَزَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَنَّ الِاتِّحَادَ: هُوَ الِاخْتِلَاطُ وَالِامْتِزَاجُ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْيَعْقُوبِيَّةِ: هُوَ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ قَدِ انْقَلَبَتْ لَحْمًا وَدَمًا بِالِاخْتِلَاطِ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ: الِاتِّحَادُ هُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ وَالنَّاسُوتَ اخْتَلَطَا وَامْتَزَجَا كَاخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالْخَمْرِ وَامْتِزَاجِهِمَا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرِ بِاللَّبَنِ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: الِاتِّحَادُ هُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا فَصَارَا هَيْكَلًا وَاحِدًا.
(4/83)

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ: الِاتِّحَادُ مِثْلَ ظُهُورِ صُورَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْمِرْآةِ، وَكَظُهُورِ الطَّابَعِ فِي الْمَطْبُوعِ، مِثْلَ الْخَاتَمِ فِي الشَّمْعِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: الْكَلِمَةُ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا حَلَّتْهُ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ، كَمَا نَقُولُ: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ، وَكَمَا نَقُولُ: إِنَّ الْعَقْلَ جَوْهَرٌ حَالٌّ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ لِلنَّفْسِ وَلَا مُمَاسَّةٍ لَهَا. وَقَالَتِ الْمَلِكَانِيَّةُ: الِاتِّحَادُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ صَارَا وَاحِدًا وَصَارَتِ الْكَثْرَةُ قِلَّةً.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الزَّاغُونِيُّ هُوَ نَحْوُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقَاضِيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ: النَّصَارَى فِرَقٌ مِنْهُمْ أَصْحَابُ أَرِيُوسَ، وَكَانَ قِسِّيسًا بِالْأَسْكَنْدَرِيَّةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: التَّوْحِيدُ الْمُجَرَّدُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ
(4/84)

مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ " قُسْطَنْطِينَ " الْأَوَّلِ بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَأَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ مَلُوكِ الرُّومِ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَرِيُوسَ هَذَا.
قَالَ: وَمِنْهُمْ أَصْحَابُ بُولُسَ الشِمْشَاطِيِّ، وَكَانَ بَطْرِيَارِكًا بِأَنْطَاكِيَةَ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ وَكَانَ قَوْلُهُ بِالتَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ كَأَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مَرْيَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ، وَأَنَّهُ إِنْسَانٌ لَا إِلَهِيَّةَ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا الْكَلِمَةُ وَلَا الرُّوحُ الْقُدُسِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أَصْحَابُ مَقْدِنْيُوسَ، كَانَ بَطْرِيَارِكًا بَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بَعْدَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ أَيَّامَ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ أَرِيُوسِيًّا كَأَبِيهِ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِ مَقْدُونِيُوسَ هَذَا التَّوْحِيدُ الْمُجَرَّدُ وَأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ إِنْسَانٌ نَبِيٌّ رَسُولٌ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَأَنَّ عِيسَى هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ، وَأَنَّ رُوحَ
(4/85)

الْقُدُسِ وَالْكَلِمَةَ مَخْلُوقَانِ، خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمُ الْبَرْبَرَانِيَّةُ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ عِيسَى وَأُمَّهُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: وَهَذِهِ الْفِرَقُ قَدْ بَادَتْ، وَعُمْدَتُهُمُ الْيَوْمَ ثَلَاثُ فِرَقٍ، وَأَعْظَمُهَا فِرَقُ الْمَلِكَانِيَّةِ، وَهِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ مُلُوكِ النَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حَاشَا الْحَبَشَةَ وَالنُّوبَةَ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ كُلِّ مَمْلَكَةِ النَّصَارَى حَاشَا النُّوبَةَ وَالْحَبَشَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمِيعِ نَصَارَى أَفْرِيقِيَّةَ وَصِقِلِّيَّةَ
(4/86)

وَالْأَنْدَلُسِ وَجُمْهُورِ الشَّامِ، وَقَوْلُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ الْقُدُسِ، كُلُّهَا لَمْ تَزَلْ، وَأَنَّ عِيسَى إِلَهٌ تَامٌّ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ لَيْسَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي صُلِبَ وَقُتِلَ، وَأَنَّ الْإِلَهَ مِنْهُ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْإِلَهَ وَالْإِنْسَانَ، وَأَنَّهُمَا مَعًا شَيْءٌ وَاحِدٌ ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ.
وَقَالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَلِدِ الْإِلَهَ، وَإِنَّمَا وَلَدَتِ الْإِنْسَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِدِ الْإِنْسَانَ، وَإِنَّمَا وَلَدَ الْإِلَهَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ، وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ غَالِبَةٌ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى نَسْطُورَ، وَكَانَ بَطْرِيَارِكًا بَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ مَاتَ وَصُلِبَ وَقُتِلَ، وَأَنَّ الْعَالَمَ بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا
(4/87)

مُدَبِّرٍ، وَالْفَلَكَ بِلَا مُدَبِّرٍ، ثُمَّ قَامَ وَرَجَعَ كَمَا كَانَ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَادَ مُحْدَثًا، وَالْمُحْدَثُ عَادَ قَدِيمًا، وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ مَحْمُولًا بِهِ، وَهُمْ فِي أَعْمَالِ مِصْرَ وَجَمِيعِ النُّوبَةِ وَجَمِيعِ الْحَبَشَةِ، وَمُلُوكُ الْأُمَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
قُلْتُ: وَمِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِمَقَالَاتِهِمْ مَنْ كَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَأَسْلَمَ عَلَى بَصِيرَةٍ بَعْدَ الْخِبْرَةِ بِكُتُبِهِمْ وَمَقَالَاتِهِمْ، كَالْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الَّذِي كَتَبَ رِسَالَةً إِلَى أَخِيهِ عَلِيٍّ بْنِ أَيُّوبَ يَذْكُرُ فِيهَا سَبَبَ إِسْلَامِهِ وَيَذْكُرُ الْأَدِلَّةَ عَلَى بُطْلَانِ دِينِ النَّصَارَى وَصِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ، قَالَ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَخِيهِ لَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ إِسْلَامِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ: " ثُمَّ أُعْلِمُكَ أَرْشَدَكَ اللَّهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِي فِي الشَّكِّ الَّذِي دَخَلَنِي فِيمَا كُنْتُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِبْشَاعِ بِالْقَوْلِ بِهِ مِنْ أَكْثَرَ
(4/88)

مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً لِمَا كُنْت أَقِفُ عَلَيْهِ فِي الْمَقَالَةِ مِنْ فَسَاد التَّوْحِيد لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا أُدْخِلَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ شَرِيعَةُ النَّصَارَى، وَوَضْعِ الِاحْتِجَاجَاتِ الَّتِي لَا تَزْكُو وَلَا تَثْبُتُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَكُنْتُ إِذَا تَبَحَّرْتُهُ وَأَجَلْتُ الْفِكْرَ فِيهِ، بَانَ لِي عَوَارُهُ، وَنَفَرَتْ نَفْسِي مِنْ قَبُولِهِ، وَإِذَا فَكَّرْتُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي مَنَّ اللَّهِ عَلَيَّ بِهِ، وَجَدْتُ أُصُولَهُ ثَابِتَةً وَفُرُوعَهُ مُسْتَقِيمَةً وَشَرَائِعَهُ جَمِيلَةً.
وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِمَنْ عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْوَاحِدِ الْفَرْدِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْجَوَادِ الْعَدْلِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَإِلَهِ مُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الَّذِي لَا ابْتِدَاءَ لَهُ وَلَا انْتِهَاءَ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ، وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا مِنْ شَيْءٍ وَلَا عَلَى مِثَالٍ، بَلْ كَيْفَ شَاءَ وَبِأَنْ قَالَ لَهَا: " كَوْنِي " فَكَانَتْ عَلَى مَا قَدَّرَ وَأَرَادَ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَلَا يُغْلَبُ، وَالْجَوَادُ فَلَا يَبْخَلُ، لَا يَفُوتُهُ مَطْلُوبٌ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] ، وَمَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَكُلُّ مَذْكُورٍ أَوْ مَوْهُومٍ هُوَ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِهِ، وَكُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، ثُمَّ نُؤْمِنُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ; لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
(4/89)

الْمُشْرِكُونَ، وَنُؤْمِنُ بِمُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُؤْمِنُ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَأَنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، ذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
قَالَ: وَكَانَ يَحْمِلُنِي إِلْفُ دِينِي وَطُولُ الْمُدَّةِ وَالْعَهْدِ عَلَيْهِ وَالِاجْتِمَاعُ مَعَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَأَهْلِ الْمَوَدَّاتِ عَلَى التَّسْوِيفِ بِالْعَزْمِ، وَالتَّلَبُّثِ عَلَى إِبْرَامِ الْأَمْرِ، وَيَعْرِضُ مَعَ ذَلِكَ الْفِكْرُ فِي إِمْعَانِ النَّظَرِ وَالِازْدِيَادِ فِي الْبَصِيرَةِ، فَلَمْ أَدَعْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ أَنْبِيَاءِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْقُرْآنِ إِلَّا نَظَرْتُ فِيهِ وَتَصَفَّحْتُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ مَقَالَاتِ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَّا تَأَمَّلْتُهُ، فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ لِلْحَقِّ مَدْفَعًا، وَلَا لِلشَّكِّ فِيهِ مَوْضِعًا، وَلَا لِلْأَنَاةِ وَالتَّلَبُّثِ وَجْهًا، خَرَجْتُ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِنَفْسِي هَارِبًا بِدِينِي عَنْ نِعْمَةٍ وَأَهْلِ مُسْتَقَرٍّ وَمَحَلٍّ وَعِزٍّ وَمُتَصَرِّفٍ فِي عَمَلٍ، فَأَظْهَرْتُ مَا أَظْهَرْتُهُ عَنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَسَرِيرَةٍ صَادِقَةٍ، وَيَقِينٍ ثَابِتٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ،
(4/90)

وَإِيَّاهُ تَعَالَى نَسْأَلُ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْهُ رَحْمَةً، إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ.
قَالَ: وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي مَقَالَاتِ النَّصَارَى وَجَدْتُ صِنْفًا مِنْهُمْ يُعْرَفُونَ بِالْأَرِيُوسِيَّةِ يُجَرِّدُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَيَعْتَرِفُونَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا يَقُولُونَ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ النَّصَارَى مِنْ رُبُوبِيَّةٍ وَلَا بُنُوَّةٍ خَاصَّةٍ وَلَا غَيْرِهِمَا، وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ مُقِرُّونَ بِمَا جَاءَ بِهِ تَلَامِيذُهُ وَالْحَامِلُونَ عَنْهُ، فَكَانَتْ هَذِهِ الطَّبَقَةُ قَرِيبَةً مِنَ الْحَقِّ مُخَالِفَةً لِبَعْضِهِ فِي جُحُودِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَفْعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ: ثُمَّ وَجَدْتُ مِنْهُمْ صِنْفًا يُعْرَفُونَ بِالْيَعْقُوبِيَّةِ، يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا طَبِيعَةُ النَّاسُوتِ وَالْأُخْرَى طَبِيعَةُ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتَا كَمَا تَرَكَّبَتِ النَّفْسُ مَعَ الْبَدَنِ فَصَارَتَا إِنْسَانًا وَاحِدًا وَجَوْهَرًا وَاحِدًا وَشَخْصًا وَاحِدًا، وَأَنَّ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ الْوَاحِدَةَ وَالشَّخْصَ الْوَاحِدَ هُوَ الْمَسِيحُ، وَهُوَ إِلَهٌ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ كُلُّهُ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ، وَإِنَّ اللَّهَ مَاتَ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ مُتَجَسِّدًا، وَدُفِنَ وَقَامَ مِنْ بَيْنِ الْأَمْوَاتِ وَصَعِدَ إِلَى
(4/91)

السَّمَاءِ، فَجَاءُوا مِنَ الْقَوْلِ بِمَا لَوْ عُرِضَ عَلَى السَّمَاءِ لَانْفَطَرَتْ، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَانْشَقَّتْ، أَوْ عَلَى الْجِبَالِ لَانْهَدَّتْ، فَلَمْ يَكُنْ لِمُحَاجَّةِ هَؤُلَاءِ وَجْهٌ، إِذْ كَانَ كُفْرُهُمْ بِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ النَّصَارَى كَالْمَالِكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فِي قَوْلِ الْمَلِكَانِيَّةِ وَهُمُ الرُّومُ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّصَارَى فَوَجَدْتُهُمْ قَالُوا: إِنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي هُوَ اللَّهُ الْكَلِمَةُ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ تَجَسُّدًا كَامِلًا كَسَائِرِ أَجْسَادِ النَّاسِ، وَرَكَّبَ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ نَفْسًا كَامِلَةً بِالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ كَسَائِرِ أَنْفُسِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا بِالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ جَوْهَرِ النَّاسِ، وَإِلَهًا بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ كَمِثْلِ أَبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ وَثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللَّاهُوتِ كَمَا لَمْ يَزَلْ يَصِحُّ لَهُ جَوْهَرُ النَّاسُوتِ الَّذِي لَبِسَهُ مِنْ مَرْيَمَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ وَطَبِيعَتَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَهُ بِلَاهُوتِهِ مَشِيئَةٌ مِثْلَ الْأَبِ وَالرُّوحِ، وَلَهُ بِنَاسُوتِهِ مَشِيئَةٌ مِثْلَ مَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا، وَأَنْ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ
(4/92)

اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، مَاتَ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمُتْ، وَالَّذِي وَلَدَتْ مَرْيَمُ قَدْ مَاتَ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ (فَهُوَ إِلَهٌ تَامٌّ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَهُ مَشِيئَةُ اللَّاهُوتِ وَمَشِيئَةُ النَّاسُوتِ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَا نَقُولُ شَخْصَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَنَا الْقَوْلُ بِأَرْبَعَةِ أَقَانِيمَ.
قَالَ: فَهَؤُلَاءِ أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَتَتْ بِهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ فِي وِلَادَةِ مَرْيَمَ اللَّهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ لَا تَشُكُّ جَمَاعَةُ النَّصَارَى أَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ مَاتَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمُتْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَيِّتًا لَمْ يَمُتْ، وَقَائِمًا قَاعِدًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ؟ وَهَلْ بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ فَرْقٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الطَّبَائِعِ؟
قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فِي قَوْلِ النَّسْطُورِيَّةِ فَوَجَدْتُهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ شَخْصَانِ وَطَبِيعَتَانِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ غَيْرُ طَبِيعَةِ نَاسُوتِهِ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ لَمَّا تَوَحَّدَتْ بِالنَّاسُوتِ بِشَخْصِهَا
(4/93)

الْكَلِمَةُ الَّتِي صَارَتِ الطَّبِيعَتَانِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاللَّاهُوتُ لَا يَقْبَلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانَ، وَلَا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، وَالنَّاسُوتُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَكَانَ الْمَسِيحُ بِتِلْكَ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، فَهُوَ إِلَهٌ بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الَّذِي لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الْقَابِلِ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوتِهِ، وَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ مُنْذُ تَوَحَّدَتْ بِنَاسُوتِهِ.
وَقَالَ: فَوَجَدْنَا الْيَعْقُوبِيَّةَ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، تَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ الْمُبْطِلُونَ وَيَقُولُهُ الْعَادِلُونَ، وَأَنَّهُ تَأَلَّمَ وَصُلِبَ وَمَاتَ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ بَيْنِ الْمَوْتَى، وَهَذَا الْكُفْرُ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِمْ سَائِرُ مِلَلِ النَّصَارَى وَغَيْرُهِمْ، وَوَجَدْنَا الْمَلِكَانِيَّةَ قَدْ حَادُوا عَنْ هَذَا التَّصْرِيحِ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَتَانِ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ، فَلَهُ بِلَاهُوتِهِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الْأَبِ وَالرُّوحِ، وَلَهُ بِنَاسُوتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ. وَأَوْهَمُوا الْوَاقِفَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ بِمَا اخْتَرَعُوهُ مِنْ هَذَا الِاخْتِيَارِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى قَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، فَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا وَأَنَّ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ عِنْدَ جَمَاعَتِهِمْ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ، مَاتَ بِالْجَسَدِ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمُتْ، وَالَّذِي قَدْ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ قَدْ مَاتَ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَيِّتٌ لَمْ يَمُتْ؟ وَهَلْ بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الطَّبَائِعِ فَرْقٌ؟
(4/94)

وَإِذَا كَانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، وَأَنَّ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَهُوَ الْمَسِيحُ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِلْجَوْهَرَيْنِ، لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ قَدْ مَاتَ، فَهَلْ وَقَعَتِ الْوِلَادَةُ وَالْمَوْتُ وَسَائِرُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَحْكِي النَّصَارَى أَنَّهَا فُعِلَتْ بِالْمَسِيحِ إِلَّا عَلَيْهِمَا؟
فَكَيْفَ يَصِحُّ لِذِي عَقْلٍ عِبَادَةُ مَوْلُودٍ مِنِ امْرَأَةٍ بَشَرِيَّةٍ قَدْ مَاتَ وَنَالَتْهُ الْعِلَلُ وَالْآفَاتُ؟
قُلْتُ: وَمِمَّا يُوَضِّحُ تَنَاقُضَهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحِ وَهُوَ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ مَعَ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ بِطَبِيعَتَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ فَيُثْبِتُونَ لِلْجَوْهَرَيْنِ أُقْنُومًا وَاحِدًا، وَيَقُولُونَ: هُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَجَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، فَيَثْبُتُونَ لِلْجَوْهَرِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ، وَلِلْجَوْهَرَيْنِ الْمُتَّحِدَيْنِ أُقْنُومًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ مَشِيئَةَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةٌ، وَالنَّاسُوتُ وَاللَّاهُوتُ يُثْبِتُونَ لَهُمَا مَشِيئَتَيْنِ وَطَبِيعَتَيْنِ، وَمَعَ هَذَا هُمَا عِنْدَهُمْ شَخْصٌ وَاحِدٌ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي غَايَةَ التَّنَاقُضِ سَوَاءٌ فَسَّرُوا الْأُقْنُومَ بِالصِّفَةِ، أَوِ الشَّخْصِ، أَوِ الذَّاتِ مَعَ الصِّفَةِ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ قَالُوهُ.
وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهَذَا الْكَلَامِ مَا تَصَوَّرُوا مَا قَالُوهُ،
(4/95)

بَلْ كَانُوا ضُلَّالًا جُهَّالًا، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُ حَقٌّ، فَلِهَذَا لَا يُوجَدُ عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ فِي التَّثْلِيثِ وَالْأَقَانِيمِ وَالِاتِّحَادِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ بِغَيْرِ سَمْعٍ وَعَقْلٍ، بَلْ أَلْقَوْا أَقْوَالًا مُخَالِفَةً لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: ثُمَّ وَجَدْنَا النَّصَارَى الْمَعْرُوفِينَ بِالنَّسْطُورِيَّةِ قَدْ خَالَفُوا الْيَعْقُوبِيَّةَ وَالْمَلِكَانِيَّةَ فِي قَوْلِهِمْ بِشَخْصَيْنِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ الطَّبِيعَتَيْنِ اتَّحَدَتَا فَصَارَتَا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى شَبِيهِ قَوْلِهِمْ فِي أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، فَإِذَا كَانَتْ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ فَقَدْ لَزِمَهُمْ وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّهَا وَلَدَتْ هَذَا اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ الْمُتَّحِدَيْنِ.
وَقَدْ رَجَعَ الْمَعْنَى إِلَى قَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَارُوا لِذَلِكَ أَلْفَاظًا زَوَّقُوهَا وَقَدَرُوا بِهَا التَّمْوِيِهَ عَلَى السَّامِعِ، وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالْقَوْلِ كَتَصْرِيحِ الْيَعْقُوبِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالشَّيْءِ هُوَ الْمُمَازِجُ لَهُ وَالْمُجْتَمِعُ مَعَهُ حَتَّى صَارَ مَازِجُهُ وَهُوَ شَيْئًا وَاحِدًا، ثُمَّ أَكَّدُوا الْقَوْلَ بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّ النَّاسُوتَ مُنْذُ اتَّحَدَ بِاللَّاهُوتِ لَمْ يُفَارِقْهُ، فَمَا لَمْ يُفَارِقِ الشَّيْءَ هَلْ هُوَ إِلَّا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي سَائِرِ مُتَفَرَّقَاتِهِ مِنْ ضُرٍّ وَنَفْعٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٍّ، وَحَاجَةٍ وَغِنًى؟
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوُتِهِ فَهَذِهِ أُغْلُوطَةٌ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُولَدُ وَلَدٌ مُتَحِدٍّ بِشَيْءٍ آخَرَ مُجَامِعٌ لَهُ دُونَ ذَلِكَ الشَّيْءِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَاكَ وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ؟ وَهَلْ يَصِحُّ
(4/96)

هَذَا عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ؟ أَوَلَيْسَ الْحُكْمُ عِنْدَ كُلِّ نَاظِرٍ وَمِنْ كُلِّ ذِي عَقْلٍ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ مَعًا؟ بِمَعْنَى الِاتِّحَادِ وَبِمَعْنَى الِاسْمِ الْجَامِعِ لِلَاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَهُوَ الْمَسِيحُ، وَكَذَلِكَ الْحَمْلُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَأَنْ يَكُونَ الْبَطْنُ قَدْ حَوَاهُمَا؟
قَالَ: فَإِنْ لَجُّوا فِي الْبَاطِلِ وَدَافَعُوا عَنْ قَبِيحِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَمَالُوا إِلَى تَحْسِينِهَا بِالتَّمْوِيهَاتِ الْمُشَكِّكَةِ لِمَنْ قَصَرَتْ مَعْرِفَتُهُ، فَنَحْنُ نُقِيمُ عَلَيْهِمْ شَاهِدًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لَا يُمْكِنُهُمْ دَفْعُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ شَرِيعَةَ إِيمَانِهِمُ الَّتِي أَلَّفَهَا لَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ مِنَ الْبَطَارِكَةِ وَالْمَطَارِنَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالْأَحْبَارِ فِي دِينِهِمْ وَذَوِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ مِنْ آفَاقِ الْأَرْضِ بِمَدِينَةِ " قُسْطَنْطِينِيَّةَ " وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، يَصِفُونَ أَنَّهُمْ نَطَقُوا بِهَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ جَمَاعَتُهُمْ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَقَالَاتِ فِيهَا، وَلَا يَتِمُّ لَهُمْ قُرْبَانٌ إِلَّا بِهَا عَلَى هَذَا النَّسَقِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِ، مَالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صَانِعِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَاحِدِ، بِكْرِ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ، وَخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا مَعْشَرَ الْبَشَرِ، وَمِنْ
(4/97)

أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَصَارَ إِنْسَانًا، وَحُبِلَ بِهِ وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ أَيَّامَ قِيطُوسَ بْنِ بِيلَاطُوسَ، وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْوَاحِدِ رُوحِ الْحَقِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبِيهِ رُوحٌ، وَمَجِيئُهُ، وَبِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَبِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيخِيَّةٍ جَاثِلِيقِيَّةٍ، وَبِقِيَامَةِ أَبْدَانِنَا، وَبِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ.
قَالَ: فَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ يَجْتَمِعُ عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا، وَبَذْلِ الْمُهَجِ فِيهَا، وَإِخْرَاجِ الْأَنْفُسِ دُونَهَا جَمَاهِيرُهُمْ مِنَ الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ.
وَقَدِ اعْتَرَفُوا فِيهَا جَمِيعًا بِأَنَّ الرَّبَّ الْمَسِيحَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ عَلَى مَا اقْتَصَصْنَاهُ مِنْهَا الْإِلَهُ الْحَقُّ مِنَ الْإِلَهِ الْحَقِّ، نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَصَارَ إِنْسَانًا وَحُبِلَ بِهِ وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ.
(4/98)

قَالَ: فَهَلْ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ شُبْهَةٌ أَوْ عَلَقَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْعَنِتُ الْمُدَافِعُ عَنِ الْحُجَّةِ؟ فَتَدَبَّرُوا هَذَا الْقَوْلَ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ، وَلَا أَنْ يَدْفَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ، فَمَرْيَمُ عَلَى قَوْلِكُمْ وَلَدَتِ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ، وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ فَمَرْيَمُ وَلَدَتْ إِنْسَانًا، وَفِي ذَلِكَ أَجْمَعَ بُطْلَانُ شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ، فَاخْتَارُوا أَيَّ الْقَوْلَيْنِ شِئْتُمْ، فَإِنَّ فِيهِ نَقْضَ الدِّينِ.
قَالَ: وَقَدْ يَجِبُ عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ أَنْ تَزْجُرَهُمْ عُقُولُهُمْ عَنْ عِبَادَةِ إِلَهٍ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ آدَمِيَّةٌ، ثُمَّ مَكَثَ عَلَى الْأَرْضِ ثَلَاثِينَ سَنَةً تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ غِذَاءٍ وَتَرْبِيَةٍ، وَصِحَّةٍ وَسَقَمٍ، وَخَوْفٍ وَأَمْنٍ، وَتَعَلُّمٍ وَتَعْلِيمٍ، لَا يَتَهَيَّأُ لَكُمْ أَنْ تَدَّعُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مِنْ أَسْبَابِ اللَّاهُوتِيَّةِ شَيْءٌ، وَلَا لَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهَا مِنْ حَاجَتِهِمْ وَضَرُورَاتِهِمْ وَهُمُومِهِمْ وَمِحَنِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ مَخْرَجٌ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مَا أَحْدَثَهُ مِنْ إِظْهَارِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنُّبُوَّاتِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ الْمُعْجِزَةِ بِقُوَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهَا وَمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، فَكَانَتْ مُدَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، ثُمَّ انْقَضَى أَمْرُهُ بِمَا يَصِفُونَ أَنَّهُ انْقَضَى بِهِ وَيَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْسٍ وَضَرْبٍ وَقَذْفٍ، وَصَلْبٍ وَقَتْلٍ، فَهَلْ تَقْبَلُ الْعُقُولَ مَا يَقُولُونَ مِنْ
(4/99)

أَنَّ إِلَهًا نَالَ عِبَادُهُ مِنْهُ، مِثْلَ مَا تَذْكُرُونَ أَنَّهُ نِيلَ مِنْهُ؟
فَإِنْ تَأَوَّلْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ حَلَّ بِالْجِسْمِ، وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِمَا شَرَحْنَاهُ مِنْ مَعْنَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ، أَفَلَيْسَ قَدْ وَقَعَ بِجِسْمٍ تَوَحَّدَتِ اللَّاهُوتِيَّةُ بِهِ، وَحَلَّتِ الرُّوحُ فِيهِ، وَقَدْ أَنْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَا تَزْعُمُونَ وَتَصِفُونَ لِخَلَاصِ الْخَلْقِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ لِلْحِسَابِ، وَقَدْ وَجَدْنَاكُمْ تُؤْثِرُونَ أَخْبَارًا فِي قَوْمٍ عَرَضُوا التَّوَابِيتَ فِيهَا شُهَدَاءُ لَكُمْ بِأَنَّ الْأَيْدِيَ الَّتِي بُسِطَتْ إِلَيْهَا جَفَّتْ، أَوْ هَلْ نَالَ أَحَدًا مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَالْغَمِّ وَالْقَلَقِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ فِي إِزَالَةِ مَا حَلَّ بِهِ، مِثْلَ مَا يُحْكَى فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّهُ نَالَهُ، وَوَجَدْنَا الْكُتُبَ تُنْبِئُ بِأَنَّهُ نِيلَ مِنْ جُورْجِيسَ أَحَدِ مِنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ بِالْقَتْلِ وَالْحَرْقِ وَالنَّشْرِ بِالْمَنَاشِيرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَنَالَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَيْضًا عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ الْمُلُوكُ الْمُحَارِبُونَ لَهُمْ يَسُومُونَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الرُّجُوعِ عَنْ أَدْيَانِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانَ أُولَئِكَ الْمُلُوكُ عَلَيْهِ فَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَاحْتَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ، فَلَمْ يَهْرُبُوا مِنَ الْمَوْتِ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمُ الْهَرَبُ مِنْ
(4/100)

بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَالِاسْتِتَارُ وَإِخْفَاءُ أَشْخَاصِهِمْ، وَمَا أَظْهَرُوا فِي حَالٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ جَزَعًا وَلَا هَلَعًا، وَهُمْ بَعْضُ الْآدَمِيِّينَ التَّابِعِينَ لَهُ، لِأَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَنَالُونَ بِهِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ نَقُولُ قَوْلًا آخَرَ: قَدْ نَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ سُقْمِهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، لَا يَقَعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا شَكٌّ وَلَا طَعْنٌ، وَلَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانُ، وَهِيَ أَصْلُ أَمْرِ الْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ:
فَأَوَّلُهَا الْبُشْرَى الَّتِي أَتَى بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الَّذِي شَهِدَ لَهُ الْمَسِيحُ بِأَنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ.
وَالثَّالِثَةُ: النِّدَاءُ الْمَسْمُوعُ مِنَ السَّمَاءِ.
وَالرَّابِعَةُ: قَوْلُ الْمَسِيحِ عَنْ نَفْسِهِ حِينَ سَأَلَهُ يَحْيَى عَنْ شَأْنِهِ.
وَالَّذِي قَالَ جِبْرِيلُ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي إِنْجِيلِكُمْ لِمَرْيَمَ حِينَ بَشَّرَهَا: (السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمُمْتَلِئَةُ نِعَمًا، رَبُّنَا مَعَكِ أَيَّتُهَا الْمُبَارَكَةُ فِي النِّسَاءِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ مَرْيَمُ ذُعِرَتْ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا تَرْهَبِي يَا مَرْيَمُ فَقَدْ فُزْتِ بِنِعْمَةٍ مِنْ رَبِّكِ، فَهَا أَنْتَ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يَسُوعَ وَيَكُونُ كَبِيرًا، وَيُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ الْعَلِيِّ، وَيُعْطِيهِ اللَّهُ الرَّبُّ كُرْسِيَّ أَبِيهِ
(4/101)

دَاوُدَ، وَيَكُونُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ. فَقَالَتْ مَرْيَمُ: أَنَّى يَكُونُ لِي ذَلِكَ وَلَمْ يَمْسَسْنِي رَجُلٌ؟ قَالَ لَهَا الْمَلَكُ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يَأْتِيكِ، أَوْ قَالَ: يَحِلُّ فِيكِ، وَقُوَّةَ الْعَلِيِّ تُحْبِلُكِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الَّذِي يُولَدُ مِنْكِ قِدِّيسًا، وَيُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ الْعَلِيِّ) .
قَالَ: فَلَمْ نَرَ الْمَلَكَ قَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ هُوَ خَالِقُكِ، وَهُوَ الرَّبُّ كَمَا سَمَّيْتُمُوهُ، بَلْ أَزَالَ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ الرَّبَّ يُعْطِيِهِ كُرْسِيَّ أَبِيهِ دَاوُدَ، وَيَصْطَفِيِهِ وَيُكْرِمُهُ، وَأَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ أَبُوهُ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ، وَمَا قَالَ أَيْضًا: (أَنَّهُ يَكُونُ مَلِكًا عَلَى الْأَرْضِ) وَإِنَّمَا جُعِلَ لَهُ الْمُلْكُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَطْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَنْ يُسَمَّى بِابْنِ اللَّهِ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، فَمِنْ ذَلِكَ إِقْرَارُكُمْ بِأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللَّهِ
(4/102)

بِالْمَحَبَّةِ، وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ) ، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ يَعْقُوبَ وَغَيْرَهُ بَنِيهِ خُصُوصًا، فَالسَّبِيلُ فِي الْمَسِيحِ إِذَا لَمْ تُلْحِقُوهُ فِي هَذَا الِاسْمِ بِالْجُمْهُورِ أَنْ يَجْرِيَ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَجْرَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ اخْتُصُّوا بِهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَبْرَارِ، وَنِسْبَةُ الْمَلَكِ إِيَّاهُ إِلَى أَبِيهِ دَاوُدَ تُحَقِّقُ أَنَّ أَبَاهُ دَاوُدَ، وَأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى عَلَى جِهَةِ الِاصْطِفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ، وَأَنَّ حُلُولَ الرُّوحِ عَلَيْهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي قَالَهَا " مَتَّى " التِّلْمِيذُ لِلشَّعْبِ عَنِ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ: (لَسْتُمْ أَنْتُمْ مُتَكَلِّمِينَ، بَلْ رُوحُ اللَّهِ تَأْتِيكُمْ تَتَكَلَّمُ فِيكُمْ) .
فَأَخْبَرَ أَنَّ الرُّوحَ تَحِلُّ فِي الْقَوْمِ أَجْمَعِينَ وَتَتَكَلَّمُ فِيهِمْ، وَقَالَ الْمَلَكُ فِي بِشَارَتِهِ لِمَرْيَمَ بِالْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ يَكُونُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ. فَخَصَّ آلَ يَعْقُوبَ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يَكُونُ إِلَهًا لِلْخَلَائِقِ، وَمَعْنَى قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
(4/103)

لِمَرْيَمَ 74: (رَبُّنَا مَعَكِ) مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: (إِنِّي مَعَكُمْ) فَقَدْ قَالَ لِيُوشَعَ بْنِ نُونَ: (إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى عَبْدِي) فَقَوْلُ النَّصَارَى كُلِّهُمْ فِي مَجَارِي لُغَتِهِمْ وَمَعَانِي أَلْفَاظِهِمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرُوحَ الْقُدُسِ مَعَ كُلِّ خَطِيبٍ وَرَاهِبٍ وَفَاضِلٍ فِي دِينِهِ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ.
قَالَ: وَأَمَّا النِّدَاءُ الَّذِي سَمِعَهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا مِنَ السَّمَاءِ فِي الْمَسِيحِ، وَشَهَادَةُ يَحْيَى لَهُ، فَإِنَّ " مَتَّى " قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْأُرْدُنِّ تَفَتَّحَتْ لَهُ السَّمَاءُ، فَنَظَرَ يَحْيَى إِلَى رُوحِ الْقُدُسِ قَدْ نَزَلَتْ عَلَى الْمَسِيحِ كَهَيْئَةِ حَمَامَةٍ، وَسَمِعَ نِدَاءً مِنَ السَّمَاءِ: إِنَّ هَذَا ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ) .
(4/104)

فَقَدْ عَلِمْنَا وَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُصْطَفَى مَفْعُولٌ، وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ، وَلَيْسَ يَسْتَنْكِفُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ فِي كُلِّ كَلَامِهِ، وَمَا زَالَ يَقُولُ: (إِلَهِي وَإِلَهِكُمْ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ) وَكُلَّمَا يُصَحِّحُ بِهِ أَنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَرْبُوبٌ مَبْعُوثٌ مَأْمُورٌ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ، وَيَفْعَلُ مَا حُدَّ لَهُ، وَنَحْنُ نَشْرَحُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَجَدْنَا الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ احْتَاجَ إِلَى تَكْمِيلِ أَمْرِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ يَحْيَى لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ وَسَأَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَيْسَ مَرْتَبَةُ الْمَقْصُودِ بِدُونِ مَرْتَبَةِ الْقَاصِدِ الرَّاغِبِ، وَقَالَ " لُوقَا " التِّلْمِيذُ فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ يَحْيَى الْمَعْمِدَانِيَّ أَرْسَلَ إِلَى الْمَسِيحِ بَعْدَ أَنْ عَمَّدَهُ وَسَأَلَهُ: أَنْتَ ذَلِكَ الَّذِي تَجِيءُ، أَوْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟) فَكَانَ جَوَابَ الْمَسِيحِ
(4/105)

لِرُسُلِهِ: (أَنِ ارْجِعُوا فَأَخْبِرُوهُ بِمَا تَرَوْنَ مِنْ عُمْيَانٍ يُبْصِرُونَ، وَزُمْنٍ يَنْهَضُونَ، وَصُمٍّ يَسْمَعُونَ، فَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَغْتَرَّ بِي، أَوْ يَذِلَّ فِي أَمْرِي) .
قَالَ: فَوَجَدْنَا يَحْيَى مَعَ مَحَلِّهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ مَا شَهِدَ بِهِ لِلْمَسِيحِ لَهُ مِنْ أَنَّهُ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ، قَدْ شَكَّ فِيهِ، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنْ جَوَابِ الْمَسِيحِ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَصِفُونَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا قَالَ: إِنِّي خَالِقُكَ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ، بَلْ حَذَّرَ الْغَلَطَ فِي أَمْرِهِ وَالِاغْتِرَارَ، وَلَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَظْهَرَ بِنُبُوَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَبَقَ إِلَى مِثْلِهَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَلَا رَأَيْنَا يَحْيَى زَادَ فِي وَضْعِهِ إِيَّاهُ لَمَّا قَرَّظَهُ وَأَعْلَا ذِكْرَهُ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِي أَمْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَسْأَلَتِهِ عَنْ حَالِهِ عَلَى أَنْ قَالَ: (هُوَ أَقْوَى مِنِّي، وَأَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَحُلَّ مَعْقِدَ خُفِّهِ) وَلَمْ يَقِلْ إِنَّهُ
(4/106)

خَالِقِي، وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ الْخَيِّرُ فِيمَنْ هُوَ دُونَهُ مِثْلَ الَّذِي قَالَ يَحْيَى فِيهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَخُشُوعًا، كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ فِي يَحْيَى: (إِنَّهُ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ) .
قَالَ: فَتَرَكْتُمْ مَا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالنُّبُوَّاتُ فِي الْمَسِيحِ وَهُوَ أَصْلُكُمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ بِنَاؤُكُمْ، وَجَعَلْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ شَرِيعَةً غَيْرَهَا، وَمَثَلُ الَّذِينَ عَقَدُوا هَذِهِ الشَّرِيعَةَ لَكُمْ مَثَلُ مَنْ آمَنَ بِنُبُوَّةِ رَجُلٍ يَنْتَفِي مِنَ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: إِنَّهُ مَرْبُوبٌ مَبْعُوثٌ، وَيَقُولُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُ مَكْرَمٌ مُصْطَفًى، وَأَنَّ أَبَاهُ دَاوُدَ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ، وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَيَشْهَدُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَلَى مِثْلِهِ، وَتَقُولُونَ: بَلْ هُوَ خَالِقٌ أَزَلِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتُرُ نَفْسَهُ، وَيَقُولُ: الْمَسِيحُ وَغَيْرُهُ مِمَنْ سَمَّيْنَا أَنَّهُ مُعْطًى وَأَنَّ اللَّهَ مُعْطِيِهِ، وَتَقُولُونَ: بَلْ رَازِقُ النِّعَمِ وَوَاهِبُهَا، وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَتَقُولُونَ: بَلْ هُوَ الَّذِي نَزَلَ لِخَلَاصِنَا، وَتَعْتَقِدُونَ سَبَبَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَكُمْ، وَيَحْتَمِلَ الْخَطِيئَةَ، وَيَرْبِطَ الشَّيْطَانَ! فَقَدْ وَجَدْنَا الْخَلَاصَ
(4/107)

لَمْ يَقَعْ، وَالْخَطِيئَةَ قَائِمَةً لَمْ تَزَلْ، وَالشَّيْطَانَ أَعْتَى مَا كَانَ لَمْ يُرْبَطْ، بَلْ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَحَصَرَهُ فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَمْتَحِنُهُ، وَقَالَ لَهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ مَعَهُ: (إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ لِهَذِهِ الصُّخُورِ تَصِيرُ خُبْزًا، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ مُجِيبًا لَهُ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ لَا تَكُونُ بِالْخُبْزِ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ سَاقَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى مَدِينَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَقَامَهُ عَلَى قَرْنَةِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَارْمِ بِنَفْسِكَ مِنْ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُوَكَّلُ بِكَ، لِئَلَّا تَعْثَرَ رِجْلُكَ بِالْحَجَرِ. قَالَ يَسُوعُ: وَمَكْتُوبٌ أَيْضًا: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ. ثُمَّ سَاقَهُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمْلَكَاتِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا، وَقَالَ لَهُ: إِنْ خَرَرْتَ عَلَى وَجْهِكَ سَاجِدًا لِي جَعَلْتُ هَذَا الَّذِي تَرَى كُلَّهُ لَكَ. قَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: اغْرُبْ أَيُّهَا الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ: اسْجُدْ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ، وَلَا تَعْبُدْ شَيْئًا سِوَاهُ. ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلَكًا اقْتَلَعَ الْعَدُوَّ مِنْ مَكَانِهِ وَرَمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَطْلَقَ السَّبِيلَ لِلْمَسِيحِ.
(4/108)

وَقَالَ: أَفَلَا يَعْلَمُ مَنْ كَانَ فِي عَقْلِهِ أَدْنَى مُسْكَةٍ، أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَكُونُ مِنْ شَيْطَانٍ إِلَى إِلَهٍ، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَأَزَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَلَمَا قَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجَرِّبَ اللَّهَ، وَأَنْ نَسْجُدَ لِلرَّبِّ، وَلَا نَعْبُدَ شَيْئًا سِوَاهُ) . وَكَيْفَ لَمْ يَرْبُطِ الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْبُطَ عَنْ أُمَّتِهِ؟ قَالَ: فَهَذِهِ أُمُورٌ إِذَا تَأَمَّلَهَا الْمُتَأَمِّلُ قُبِّحَتْ جِدًّا، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهَا، وَاشْتَدَّ تَنَاقُضُهَا وَاضْطِرَابُهَا.
قَالَ: وَمِمَّا يُعْجَبُ مِنْهُ أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَصَارَا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ مُنْذُ اتَّحَدَ بِهِ، وَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَقَامَ مَوْلُودًا وَتَغَذَّى بِاللَّبَنِ، وَمَرْبُوبًا صَبِيًّا مُغَذًّى بِالْأَغْذِيَةِ إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا أَمْرٌ يُوجِبُ هَذَا الْمَحَلَّ، وَلَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُظَرَائِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَرْقٌ، وَلَا سَطَعَ مِنْهُ نُورٌ، وَلَا ظَهَرَتْ لَهُ سَكِينَةٌ، وَلَا حَفَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّهْلِيلِ، وَلَا أَلَمَّ بِهِ الشَّعَثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَوْقَ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعَوْسَجَةِ كَيْفَ شَاءَ فَأَشْرَقَ مَا حَوْلَهَا نُورًا، وَكَلَّمَهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ فَاضْطَرَبَتْ فِي الْجَبَلِ النِّيرَانُ، وَالْتَبَسَ وَجْهَهُ النُّورُ السَّاطِعُ حَتَّى كَانَ يَتَبَرْقَعُ إِذَا جَلَسَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا قَرُبَ
(4/109)

مِنْهُ فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قَالَ: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ) مِنْ صَعْقَتِهِ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَتَجَلَّى مَجْدُ اللَّهِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَرَأَوْا حَوْلَ مَجْدِهِ رَبْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ دَاوُدَ: (يَا رَبِّ إِنَّكَ حَيْثُ عَبَرْتَ بِبِلَادِ سِنِينَ تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ مِنْكَ وَانْفَطَرَتْ مِنْ هَيْبَتِكَ) . وَقَالَ أَيْضًا كَالْمُخَاطِبِ لِلْبَحْرِ وَالْجِبَالِ وَالْمُتَعَجِّبِ مِنْهَا: (مَا لَكَ أَيُّهَا الْبَحْرُ هَارِبًا، وَأَنْتَ يَا نَهْرُ الْأُرْدُنِّ لِمَ وَلَّيْتَ رَاجِعًا، وَمَا لَكِ أَيَّتُهَا الْجِبَالُ تَنْفِرِينَ كَالْأَبَابِيلِ، وَمَالَكُنَّ أَيَّتُهَا الشَّوَامِخُ وَالْهَضَبَاتُ تَنْزُو نَزْوَ الشِّيَاءِ) . ثُمَّ قَالَ كَالْمُجِيبِ عَنْهُمْ: (مِنْ قُدَّامِ الرَّبِّ تَزَلْزَلَتِ الْبِقَاعُ) .
قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَزَلِيُّ الْخَالِقُ أَوْ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ، فَكَيْفَ لَمْ تَرْجُفْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْجِبَالُ وَلَمْ تَتَصَرَّفْ عَنْ مَشِيئَتِهِ الْأَنْهَارُ وَالْبِحَارُ؟ أَوْ كَيْفَ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ آيَاتٌ بَاهِرَاتٌ أَجَلُّ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ مِثْلَ الْمَشْيِ عَلَى مُتُونِ الْهَوَاءِ، وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّيَاحِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ
(4/110)

الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَإِحْرَاقِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ، كَمَا أَحْرَقَ إِيلِيَا مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنْ جُنْدِ أُحَابَ الْمَلِكِ، وَيَمْنَعُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَا فَعَلُوا عَلَى زَعْمِكُمْ بِجِسْمِهِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ أَوْ أَنَّهُ هَيْكَلُ الْخَالِقِ؟
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الِابْنَ إِنَّمَا يُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ، لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنَ الْأَبِ وَظَهَرَ مِنْهُ، فَلَمْ نَقِفْ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ تَقُولُ: إِنَّ الرُّوحَ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنَ الْأَبِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ فَالرُّوحُ أَيْضًا ابْنٌ، لِأَنَّهَا تَخْرُجُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: وَلَمْ نَفْهَمْ أَيْضًا قَوْلَكُمْ: إِنَّ الِابْنَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَأَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ سَاقَهُ إِلَى الْبَرِّ لِيَمْتَحِنَهُ الشَّيْطَانُ، فَمَا كَانَتْ حَاجَةُ الِابْنِ إِلَى أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ وَهِيَ فِي قَوْلِكُمْ مِثْلُهُ تُدَبِّرُهُ وَتُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَوَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْغَيْرَ السَّابِقَ الْمُدَبِّرَ فَاعِلٌ، وَالْمَسْبُوقَ
(4/111)

الْمُدَبَّرَ مَفْعُولٌ بِهِ، فَالِابْنُ إِذَنْ دُونَ الرُّوحِ وَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأَنَّ الْأَزَلِيَّ لَا يَنْفَكُّ مِنَ الْأَزَلِيِّ وَهُوَ مِثْلُهُ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ الْمَلَكُ لِأُمِّهِ مَرْيَمَ، فَلِمَ سَمَّيْتُمُوهُ كَلِمَةَ اللَّهِ وَابْنَهُ، وَلَمْ تُسَمُّوهُ رُوحَهُ، فَإِنَّمَا قَالَ لَهَا الْمَلَكُ: إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ. وَالرُّوحُ غَيْرُ الِابْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَمَا قَالَتِ الشَّرِيعَةُ إِنَّهُ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ سَاقَهُ إِلَى الْبَرِّ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ عَلَيْهِ، وَلِمَ تُثَلِّثُونَ بِهِ فِي إِيمَانِكُمْ فَتَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ؟
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ أَيَّتُهَا النَّسْطُورِيَّةُ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَحِكْمَةً هُمَا الِابْنُ، وَحَيَاةً هِيَ الرُّوحُ قَدِيمَيْنِ، وَلِعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ ذَاتٌ كَذَاتِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَهُ عِلْمٌ وَحَيَاةٌ، وَلِحَيَاتِهِ الَّتِي هِيَ رُوحُهُ عِلْمٌ وَحَيَاةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ الْأَبَ لَمَّا رَأَى اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَى خَلْقِهِ وَنُكُولِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مُنَاوَأَتِهِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَهُ الْفَرْدَ وَحَبِيبَهُ وَجَعَلَهُ فِدَاءً وَوَفَاءً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَصَارَ إِنْسَانًا، ثُمَّ وُلِدَ وَنَشَأَ وَعَاشَ ثَلَاثِينَ سَنَةً يَتَقَلَّبُ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، يُصَلِّي
(4/112)

فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَسْتَنُّ بِسُنَنِهِمْ، لَا يَدَّعِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِمْ، وَلَا يَنْتَحِلُ رِسَالَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا بُنُوَّةً حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ. أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ وَجَاءَ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْمَشْهُورَةِ، فَأَنْكَرَتْهُ الْيَهُودُ وَقَتَلَتْهُ وَصَلَبَتْهُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
وَصَدَّقْتُمْ بِشَرِيعَةِ الْإِيمَانِ وَكَفَّرْتُمْ مَنْ خَالَفَهَا، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ خَلَعْتُمُوهَا وَانْسَلَخْتُمْ مِنْهَا وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ وَأُقْنُومَانِ، جَوْهَرٌ قَدِيمٌ وَجَوْهَرٌ حَدِيثٌ، وَلِكُلِّ جَوْهَرٍ أُقْنُومٌ عَلَى حِيَالِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ قَدِيمٌ يَقُومُ بِمَعْنَيَيْنِ، فَهُوَ وَاحِدٌ يَقُومُ بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ، وَثَلَاثَةٌ لَهَا مَعْنًى وَاحِدٌ، كَالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: الْقُرْصُ وَالْحَرُّ وَالنُّورُ. فَالْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ يُعْبَدُ.
فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِكُمْ هَذَا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَوْلُودٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ مُرْسَلٌ لَكِنَّكُمْ تَسْتَحْيُونَ أَنْ تُسَمُّوهُ رَسُولًا، إِذْ كُنْتُمْ لَا تُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَأَقْبَلْتُمْ عَلَى الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَاللَّعْنِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ وَالْمَسِيحَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ قَدَّمْتُمُ الْمَسِيحَ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَدَأْتُمْ بِهِ فِي التَّمْجِيدِ، وَرَفَعْتُمْ إِلَيْهِ تَهَالِيلَكُمْ وَرَغَائِبَكُمْ فِي أَوْقَاتِ الْقَرَابِينِ خَاصَّةً، وَهِيَ أَجَلُّ صَلَوَاتِكُمْ وَأَفْضَلُ مَحَافِلِكُمْ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّهُ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنْكُمْ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ مَذَابِحِكُمْ
(4/113)

وَأَهْلُهُ مَرْعُوبُونَ فَتَتَوَقَّعُونَ نُزُولَ رُوحِ الْقُدُسِ، بِزَعْمِكُمْ مِنَ السَّمَاءِ بِدُعَائِهِ.
فَيَفْتَحُ دُعَاءَهُ وَيَقُولُ: (لِيَتِمَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ نِعْمَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ الْأَبِ، وَمُشَارَكَةُ رُوحُ الْقُدُسِ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ) . ثُمَّ يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالشِّرْكِ، وَتَصْغِيرٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ أَنْ جَعَلْتُمُ النِّعَمَ وَالْمَوَاهِبَ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَهُوَ مُعْطًى وَمُخَوَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِكُمْ، وَجَعَلْتُمْ لِلَّهِ بَعْدَ الْمَسِيحِ مَحَبَّةً وَلِرُوحِهِ مُشَارَكَةً.
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ قَدْ عِبْتُمْ عَلَى الْيَعْقُوبِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي شَرِيعَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ حَقٌّ، وَأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ، فَمَا مَعْنَى الْمُنَافَرَةِ، وَمَا الْفَرْقُ، وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ؟
وَشَرِيعَةُ إِيمَانِكُمْ تَقُولُ: نُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الْمَسِيحِ الَّذِي مِنْ خَبَرِهِ وَحَالِهِ الَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ عَلَى عَهْدِ الْمَلِكِ " بِيلَاطِيسَ "
(4/114)

النَّبَطِيِّ، وَدُفِنَ وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، أَلَيْسَ هَذَا إِقْرَارًا بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ؟ فَتَدَبَّرُوا هَذَا الْقَوْلَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ، فَإِنَّ مَرْيَمَ عِنْدَكُمْ وَلَدَتِ اللَّهَ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ فَإِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِنْسَانًا، وَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ، فَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ اخْتَرْتُمُوهُ فَفِيهِ نَقْضُ دِينِكُمْ، ثُمَّ عِبْتُمْ عَلَى الْمَلِكَانِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسِيحِ إِلَّا أُقْنُومًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ صَارَ مَعَ الْأَزَلِيِّ الْخَالِقِ شَيْئًا وَاحِدًا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقُلْتُمْ بِأَنَّ لَهُ أُقْنُومَيْنِ، لِكُلِّ جَوْهَرٍ أُقْنُومٌ عَلَى حِيَالِهِ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ رَجَعْتُمْ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ فَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ مَرْيَمَ مَبْعُوثًا، فَإِنَّهُ هَيْكَلٌ لِابْنِ اللَّهِ الْأَزَلِيِّ، وَنَحْنُ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عِنْدَكُمْ عَلَى هَذَا فَمَا تَنْقِمُونَ عَلَى الْمَلَكِيَّةِ، وَمَا مَعْنَى الِافْتِرَاقِ؟ وَقَدْ رَجَعْتُمْ فِي الِاتِّحَادِ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ؟ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ تَحَارُ فِيهِ الْأَفْهَامُ.
فَإِنْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ بِمَعْنَى الْأَمَانَةِ عِنْدَكُمْ حَقًّا، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ يَعْقُوبُ، وَذَلِكَ أَنَّا إِذَا ابْتَدَأْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي ذِكْرِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ نَسَّقْنَا الْمَعَانِيَ نَسَقًا وَاحِدًا وَانْحَدَرْنَا فِيهَا إِلَى آخِرِهَا، وَجَدْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ أَلْقَوْهَا لَكُمْ قَدْ صَحَّحُوا أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ بِكْرُ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، وَهُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ
(4/115)

مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَتْقَنَ الْعَوَالِمَ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ لِخَلَاصِكُمْ، فَتَجَسَّدَ وَحَمَلَتْهُ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَقُتِلَ وَصُلِبَ، فَمَنْ أَنْكَرَ قَوْلَ الْيَعْقُوبِيَّةِ لَزِمَهُ أَنْ يُنْكِرَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ وَيَلْعَنُ مَنْ أَلَّفَهَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ يَعْنِي الَّذِينَ وَضَعُوا الْأَمَانَةَ بِكَلِمَاتٍ وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا فِي الْإِنْجِيلِ مُشْكَلَاتٍ تَأَوَّلَتْ فِيهَا مَا وَقَعَ بِهَوَاهَا، وَتَرَكَتْ مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِنَ الْكَلَامِ الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ الَّذِي يَشْهَدُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَشَهَادَةُ تَلَامِيذِهِ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِالْمُشْكَلِ الْيَسِيرِ، وَجَعَلَتْ لَهُ مَا أَحَبَّتْ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَأَلْغَتِ الْوَاضِحَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ.
قَالَ: فَأَمَّا احْتِجَاجُكُمْ بِالشَّمْسِ، وَأَنَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ، وَتَشْبِيهُكُمْ مَا يَقُولُونَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ تَمْوِيهٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ نُورَ الشَّمْسِ لَا يُحَدُّ بِحَدِّ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ حَرُّهَا لَا يُحَدُّ بِحَدِّ الشَّمْسِ، إِذْ كَانَ حَدُّ الشَّمْسِ جِسْمًا مُسْتَدِيرًا مُضِيئًا مُسَخَّنًا دَائِرًا فِي وَسَطِ الْأَفْلَاكِ دَوَرَانًا دَائِمًا، وَيَتَهَيَّأُ أَنْ يُحَدَّ نُورُهَا وَحَرُّهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ نُورَهَا أَوْ حَرَّهَا جِسْمٌ مُسْتَدِيرٌ مُضِيءٌ مُسَخَّنٌ دَائِمُ الدَّوَرَانِ، وَلَوْ كَانَ نُورُهَا وَحَرُّهَا شَمْسًا حَقًّا مِنْ شَمْسٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ
(4/116)

جَوْهَرِ أَبِيهِ، لَكَانَ مَا قُلْتُمْ لَهُ مَثَلًا تَامًّا، وَالْأَمْرُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ فَلَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَقَعُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مِنْكُمْ فِيهِ بَاطِلَةٌ.
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَذْكُرُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَأَبْطَلَ بِنُزُولِهِ الْمَوْتَ وَالْآثَامَ، فَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَطُولُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَنْ قَبِلَهُ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يَسْتَقْبِحْ أَنْ يَعْتَقِدَ دِيَانَةً لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُحَالِ الْبَائِنِ عَمَّا تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ وَتُنْبِئُ بِهِ الْمُشَاهَدَةُ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا، فَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ مِنْ عَقْدِ مَا هُوَ أَمْحَلُ وَأَبْطَلُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْخَطِيئَةُ بَطَلَتْ بِمَجِيئِهِ، فَالَّذِينَ قَتَلُوهُ إِذًا لَيْسُوا خَاطِئِينَ وَلَا مَأْثُومِينَ، لِأَنَّ لَا خَاطِئَ بَعْدَ مَجِيئِهِ وَلَا خَطِيئَةَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا الَّذِينَ قَتَلُوا حَوَارِيَّهُ وَأَحْرَقُوا أَسْفَارَهُ غَيْرُ خَاطِئِينَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَرَاهُ مِنْ جَمَاعَتِكُمْ مُنْذُ ذَلِكَ الدَّهْرِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ يَقْتُلُ وَيَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَلُوطُ، وَيَسْكَرُ وَيَكْذِبُ، وَيَرْكَبُ كُلَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهَا غَيْرُ خَاطِئِينَ، وَلَا مَأْثُومِينَ.
فَمَنْ جَحَدَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى التَّسْبِيحَةِ الَّتِي تُقْرَأُ بِعَقِبِ كُلِّ قُرْبَانٍ، وَهُوَ أَنْ (يَا رَبَّنَا الَّذِي غَلَبَ بِوَجَعِهِ الْمَوْتَ الطَّاغِي) .
(4/117)

وَفِي الْأُخْرَى الَّتِي تُقَالُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْفِصْحِ: (إِنَّ فَخْرَنَا بِالصَّلِيبِ الَّذِي بَطَلَ بِهِ سُلْطَانُ الْمَوْتِ وَصِرْنَا إِلَى الْأَمْنِ وَالنَّجَاةِ بِسَبَبِهِ) . وَفِي بَعْضِ التَّسَابِيحِ (بِصَلَوَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ بَطَلَ الْمَوْتُ، وَانْطَفَأَتْ فِتَنُ الشَّيْطَانِ، وَدَرَسَتْ آثَارُهَا) . فَأَيُّ خَطِيئَةٍ بَطَلَتْ؟ وَأَيُّ فِتْنَةٍ لِلشَّيْطَانِ انْطَفَأَتْ؟ أَوْ أَيُّ أَمْرٍ كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْآثَامِ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ؟
قَالَ: فَإِذَا كَانَ التَّمْوِيهُ يَقَعُ فِيمَا يُلْحِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْبَيَانِ، فَهُوَ فِيمَا أُشْكِلَ مِنَ الْأُمُورِ وَفُعِلَ بِالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي تَأَوَّلَهَا أُولَئِكَ الْمُتَأَوِّلُونَ أَوْقَعُ.
وَإِذَا كُنْتُمْ قَدْ قَبِلْتُمْ هَذَا الْمُحَالَ الظَّاهِرَ الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ عَنِ الصِّبْيَانِ، فَأَنْتُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِنَ الْمُحَالِ أَقْبَلُ، وَهَذَا إِنْجِيلُكُمْ يُكَذِّبُ هَذَا الْقَوْلَ، حَيْثُ يَقُولُ الْمَسِيحُ فِيهِ: (مَا أَكْثَرَ مَنْ يَقُولُ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا سَيِّدَنَا أَلَيْسَ بِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا الشَّيْطَانَ، فَأَقُولُ: اغْرُبُوا عَنِّي أَيُّهَا الْفَجَرَةُ الْغَاوُونَ، فَمَا عَرَفْتُكُمْ قَطُّ) فَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ
(4/118)

عُلَمَائِكُمْ مَا قَالُوا، وَوَضَعِهِمْ لَكُمْ مَا وَضَعُوا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (إِنِّي جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مَيْمَنَتِي وَمَيْسَرَتِي وَقَائِلٌ لِأَهْلِ الْمَيْسَرَةِ: إِنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي، وَعَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي، وَكُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي، وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي، وَمَرِيضًا فَلَمْ تَعُودُونِي، فَاذْهَبُوا إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ تَأْسِيسِ الدُّنْيَا.
وَأَقُولُ لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ: فَعَلْتُمْ بِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَاذْهَبُوا إِلَى النَّعِيمِ الْمُعَدِّ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ تَأْسِيسِ الدُّنْيَا) . فَهَلْ أَدْخَلَ أُولَئِكَ النَّارَ إِلَّا خَطَايَاهُمُ الَّتِي رَكِبُوهَا؟ وَهَلْ صَارَ هَؤُلَاءِ إِلَى النَّعِيمِ إِلَّا بِأَعْمَالِهِمُ الْجَمِيلَةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ بَطَلَتْ، فَقَدْ بَهَتَ، وَقَدْ خَالَفَ قَوْلَ الْمَسِيحِ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
وَقَالَ: وَيَا أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ وَالْمَعْرِفَةِ، حَيْثُ يَنْسُبُونَهُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ، وَيَنْحِلُونَهُ اللَّاهُوتِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَهُ خَالِقَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَإِلَهَهُمْ، بِمَاذَا سَاغَ ذَلِكَ لَكُمْ، وَمَا الْحُجَّةُ فِيهِ عِنْدَكُمْ؟
هَلْ قَالَتْ كُتُبُ النُّبُوَّاتِ فِيهِ ذَلِكَ؟ أَوْ هَلْ قَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ؟ أَوْ قَالَهُ أَحَدٌ عَنْ تَلَامِذَتِهِ وَالنَّاقِلِينَ عَنْهُ الَّذِينَ هُمْ عِمَادُ دِينِكُمْ وَأَسَاسُهُ وَمَنْ أَخَذْتُمُ الشَّرَائِعَ وَالسُّنَنَ عَنْهُ؟ وَمَنْ كَتَبَ الْإِنْجِيلَ وَبَيَّنَهُ، قَدْ أَفْصَحَ فِي كُلِّ الْإِنْجِيلِ مِنْ كَلَامِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ وَوَصَايَاهُ بِمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً بِأَنَّهُ عَبْدٌ
(4/119)

مِثْلُكُمْ وَمَرْبُوبٌ مَعَكُمْ، وَمُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَرَبِّكُمْ، وَمُبْدِي مَا أَمَرَ بِهِ فِيكُمْ، وَحَكَى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَوَارِيُّوهُ وَتَلَامِذَتُهُ وَوَصَفُوهُ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ.
وَفِي كَلَامِهِمْ بِأَنَّهُ رَجُلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَبِيٌّ لَهُ قُوَّةٌ وَفَضْلٌ، فَتَأَوَّلْتُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ كَلَامَهُ عَلَى مَعْنَى النَّاسُوتِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ، لَأَفْصَحَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ إِلَهٌ، كَمَا أَفْصَحَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ وَلَكِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ وَلَا ادَّعَاهُ، وَلَا دَعَا إِلَيْهِ وَلَا ادَّعَتْهُ لَهُ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَلَا كُتُبُ تَلَامِذَتِهِ وَلَا حُكِيَ عَنْهُمْ، وَلَا أَوْجَبَهُ كَلَامُ جِبْرِيلَ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَلَا قَوْلُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّكُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَصَيَّرَ الْمَاءَ خَمْرًا، وَكَثَّرَ الْقَلِيلَ، فَيَجِبُ الْآنَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى كُلِّ مَنْ فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِعْلًا فَنَجْعَلَهُ رَبًّا وَإِلَهًا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ أَنَّ إِلْيَاسَ أَحْيَا ابْنَ الْأَرْمَلَةِ، وَأَنَّ الْيَسَعَ
(4/120)

أَحْيَا ابْنَ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَأَنَّ " حِزْقِيَالَ " أَحْيَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَنْ ذَكَرْنَا بِإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى إِلَهًا.
وَأَمَا إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُخْبِرُ أَنَّ يُوسُفَ أَبْرَأَ عَيْنَ أَبِيهِ يَعْقُوبَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ، وَهَذَا مُوسَى طَرَحَ الْعَصَا فَصَارَتْ حَيَّةً لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَضَرَبَ بِهَا الرَّمْلَ فَصَارَ قُمَّلًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَهًا.
(4/121)

وَأَمَّا إِبْرَاءُ الْأَبْرَصِ، فَإِنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ بِأَنَّ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءَ الرُّومِ بَرِصَ فَرَحَلَ مِنْ بَلَدِهِ قَاصِدًا الْيَسَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُبْرِأَهُ مِنْ بَرَصِهِ، فَأَخْبَرَ الْكِتَابُ بِأَنَّ الرَّجُلَ وَقَفَ بِبَابِ الْيَسَعَ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُ، فَقِيلَ لِلْيَسَعِ: إِنَّ بِبَابِكَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ " نَعْمَانُ " وَهُوَ أَجَلُّ عُظَمَاءِ الرُّومِ، بِهِ بَرَصٌ وَقَدْ قَصَدَكَ لِتُبْرِأَهِ مِنْ مَرَضِهِ، فَإِنْ أَذِنْتَ لَهُ دَخَلَ إِلَيْكَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقُلْ لَهُ: يَنْغَمِسُ فِي الْأُرْدُنِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَأَبْلَغَ الرَّسُولُ لِنَعْمَانَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْيَسَعُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَرَجَعَ قَافِلًا إِلَى بَلَدِهِ، فَأَتْبَعَهُ خَادِمُ الْيَسَعَ فَأَوْهَمَهُ أَنَّ الْيَسَعَ وَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ يُطْلَبُ مِنْهُ مَالَا، فَسُرَّ الرَّجُلُ بِذَلِكَ وَدَفَعَ إِلَى الْخَادِمِ مَالًا وَجَوْهَرًا، وَرَجَعَ فَأَخْفَى ذَلِكَ وَسَتَرَهُ.
ثُمَّ دَخَلَ إِلَى الْيَسَعَ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: تَبِعْتَ نَعْمَانَ وَأَوْهَمْتَهُ عَنِّي كَذَا وَكَذَا، وَأَخَذْتَ مِنْهُ كَذَا وَأَخْفَيْتَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا، إِذْ فَعَلْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِهِ، فَلْيَصِرْ بَرَصُهُ عَلَيْكَ وَعَلَى نَسْلِكَ، فَبِرَصَ ذَلِكَ الْخَادِمُ عَلَى الْمَكَانِ.
قَالَ: فَهَذَا الْيَسَعُ قَدْ أَبْرَأَ أَبْرَصًا، وَأَبْرَصَ صَحِيحًا، وَهُوَ أَعْظَمُ
(4/122)

مِمَّا فَعَلَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ إِلَهًا.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ كِتَابَ سِفْرَ الْمُلُوكِ يُخْبِرُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَارَ إِلَى الْأُرْدُنِّ وَمَعَهُ الْيَسَعُ تِلْمِيذُهُ، فَأَخَذَ عِمَامَتَهُ فَضَرْبَ بِهَا الْأُرْدُنَّ فَاسْتَيْبَسَ لَهُ الْمَاءَ حَتَّى مَشَى عَلَيْهِ هُوَ وَالْيَسَعُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ عَلَى فَرَسٍ مِنْ نُورٍ وَالْيَسَعُ يَرَاهُ، وَدَفَعَ عِمَامَتَهُ إِلَى الْيَسَعَ، فَلَمَّا رَجَعَ الْيَسَعُ إِلَى الْأُرْدُنِّ ضَرَبَ بِهَا الْمَاءَ فَاسْتَيْبَسَ لَهُ حَتَّى مَشَى عَلَيْهِ رَاجِعًا وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمَشْيِهِ عَلَى الْمَاءِ إِلَهًا، وَلَا كَانَ إِلْيَاسُ بِصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَهًا.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ صَيَّرَ الْمَاءَ خَمْرًا، فَهَذَا كِتَابُ سِفْرَ الْمُلُوكَ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْيَسَعَ نَزَلَ بِامْرَأَةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ فَأَضَافَتْهُ وَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عَلَى زَوْجِي دَيْنًا قَدْ فَدَحَهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لَنَا بِقَضَاءِ دَيْنَنَا فَافْعَلْ.
فَقَالَ لَهَا الْيَسَعُ: اجْمَعِي كُلَّ مَا عِنْدَكِ مِنَ الْآنِيَةِ، وَاسْتَعِيرِي مِنْ جِيرَانِكِ جَمِيعَ مَا قَدَرْتِ عَلَيْهِ مِنْ آنِيَتِهِمْ. فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَمَلَأَتِ الْآنِيَةَ كُلَّهَا مَاءً فَقَالَ: اتْرُكِيهِ لَيْلَتَكِ هَذِهِ. وَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا فَأَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الْمَاءُ كُلُّهُ زَيْتًا، فَبَاعُوهُ فَقَضَوْا دَيْنَهُمْ
(4/123)

وَتَحْوِيلُ الْمَاءِ زَيْتًا أَبْدَعُ مِنْ تَحْوِيلِهِ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنِ الْيَسَعُ بِذَلِكَ إِلَهًا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمُ: الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثَّرَ الْقَلِيلَ حَتَّى أَكَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ، فَإِنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ نَزَلَ بِامْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، وَكَانَ الْقَحْطُ قَدْ عَمَّ النَّاسَ وَأَجْدَبَتِ الْبِلَادُ، وَمَاتَ الْخَلْقُ ضُرًّا وَهَزْلًا، وَكَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، فَقَالَ لِلْأَرْمَلَةِ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا كَفٌّ مِنْ دَقِيقٍ فِي قِلَّةٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَخْبِزَهُ لِطِفْلٍ لِي، وَقَدْ أَيْقَنَّا بِالْهَلَاكِ لِمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْقَحْطِ.
فَقَالَ لَهَا: أَحْضِرِيهِ فَلَا عَلَيْكِ. فَأَتَتْهُ بِهِ، فَبَارَكَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ عِنْدَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ تَأْكُلُ هِيَ وَأَهْلُهَا وَجِيرَانُهَا مِنْهُ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَدْ فَعَلَ إِلْيَاسُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَ الْمَسِيحُ، لِأَنَّ إِلْيَاسَ كَثَّرَ الْقَلِيلَ وَأَدَامَهُ، وَالْمَسِيحَ كَثَّرَ الْقَلِيلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ إِلْيَاسُ بِفِعْلِهِ هَذَا إِلَهًا.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ صُنْعٌ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّ الصُّنْعَ فِيهَا وَالْقُدْرَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَجْرَاهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَقَدْ صَدَقْتُمْ، وَنَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: كَذَلِكَ الْمَسِيحُ لَيْسَ لَهُ صُنْعٌ فِيمَا ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَعَاجِيبِ، إِذْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهَا عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسِيحَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؟ وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ آيَةً تَضَرَّعَتْ إِلَى اللَّهِ وَدَعَتْهُ وَأَقَرَّتْ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَشَهِدَتْ عَلَى أَنْفُسِهَا بِالْعُبُودِيَّةِ.
(4/124)

قِيلَ لَكُمْ: وَكَذَلِكَ سَبِيلُ الْمَسِيحِ، سَبِيلُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، قَدْ كَانَ يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ وَيَعْتَرِفُ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وَيُقِرُّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْجِيلَ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْعَازِرُ، فَقَالَ: (يَا أَبِي أَدْعُوكَ كَمَا كُنْتُ أَدْعُوكَ مِنْ قَبْلُ فَتُجِيبُنِي وَتَسْتَجِيبُ لِي، وَأَنَا أَدْعُوكَ مِنْ أَجْلِ هَؤُلَاءِ الْقِيَامِ لِيَعْلَمُوا) . وَقَالَ بِزَعْمِكُمْ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ: (إِلَهِي إِلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي؟) ، وَقَالَ: (يَا أَبِي اغْفِرْ لِلْيَهُودِ مَا يَعْمَلُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ) .
وَقَالَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: (يَا أَبِي أَحْمَدُكَ) . وَقَالَ: (يَا أَبِي إِنْ كَانَ بُدٌّ أَنْ يَتَعَدَّانِي هَذَا الْكَأْسُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ) . وَقَالَ أَيْضًا: (أَنَا أَذْهَبُ إِلَى إِلَهِي الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ
(4/125)

مِنِّي) وَقَالَ: (لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ شَيْئًا وَلَا أَتَفَكَّرَ فِيهِ إِلَّا بِاسْمِ إِلَهِي) . وَقَالَ يَعْنِي نَفْسَهَ: (لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِمَنْ أَرْسَلَهُ) .
وَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ) .
وَالْمَسِيحُ قَدْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَلَدَ، وَرَآهُ النَّاسُ فَمَا مَاتُوا مِنْ رُؤْيَتِهِ وَلَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ لَبِثَ فِيهِمْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: وَعَامَّةُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا عَنِ الْكُتُبِ تَعْتَرِفُ بِهِ النَّصَارَى، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ يُنَازِعُهُ فِي يَسِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ، فَنَازَعَهُ هُنَا فِي قَوْلِهِ:
(4/126)

(لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ) . وَقَالَ: هَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الْمَسِيحُ لِلْحِوَارِيِّينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ لَفْظُ (لَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ) .
قَالَ: وَقَالَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: ": (إِنَّكُمْ مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الْبَشَرِ فَحِينَئِذٍ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَشَيْءٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي لَا أَفْعَلُ، وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ كَالَّذِي عَلَّمَنِي أَبِي) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أُرْسِلْتُ مُعَلِّمًا) . وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (اخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لَا يُجَلُّ فِي مَدِينَتِهِ) وَأَخْبَرَ الْإِنْجِيلُ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ الْمَسِيحَ فَقَالَتْ: إِنَّكَ لَذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ؟ فَقَالَ لَهَا الْمَسِيحُ: (صَدَقْتِ، طُوبَى لَكِ) . وَقَالَ لِتَلَامِذَتِهِ: (كَمَا بَعَثَنِي أَبِي كَذَلِكَ أَبْعَثُ بِكُمْ) .
قَالَ: فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَّهُ مَأْلُوهٌ وَمَرْبُوبٌ وَمَبْعُوثٌ، وَقَالَ
(4/127)

لِتَلَامِذَتِهِ: (إِنَّ مَنْ قَبِلَكُمْ وَآوَاكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَإِنَّمَا يَقْبَلُ مَنْ أَرْسَلَنِي، وَمِنْ قَبِلَ نَبِيًّا بِاسْمِ نَبِيٍّ فَإِنَّمَا يَفُوزُ بِأَجْرِ مَنْ قَبِلَ النَّبِيِّ) .
فَبَيَّنَ هَاهُنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّ سَبِيلَهُ مَعَ اللَّهِ سَبِيلُهُمْ مَعَهُ، وَقَالَ مَتَّى التِّلْمِيذُ فِي إِنْجِيلِهِ، يَسْتَشْهِدُ عَلَى الْمَسِيحِ بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ، وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ إِلَيْهِ نَفْسِي، أَنَا وَاضِعٌ رُوحِي عَلَيْهِ، وَيَدْعُو الْأُمَمَ إِلَى الْحَقِّ) . فَلَنْ يَحْتَاجَ إِلَى حُجَّةٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ حُجَّةً لَكُمْ، فَقَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدًا، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ يَضَعُ عَلَيْهِ رُوحَهُ وَيُؤَيِّدُهُ بِهَا كَمَا أَيَّدَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالرُّوحِ فَأَظْهَرُوا الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ عَنْهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ مَا بَشَّرَ بِهِ جِبْرِيلُ الْمَلَكُ مَرْيَمَ حِينَ ظَهَرَ لَهَا، وَقَالَ الْقَوْلَ الَّذِي سُقْنَاهُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا.
وَقَالَ يُوحَنَّا التِّلْمِيذُ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ كَلَامِي الَّذِي تَسْمَعُونَ هُوَ كَلَامُ مَنْ أَرْسَلَنِي) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ
(4/128)

آخَرَ: (إِنَّ أَبِي أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنِّي) . وَقَالَ أَيْضًا: (كَمَا أَمَرَنِي أَبِي كَذَلِكَ أَفْعَلُ أَنَا، أَنَا الْكَرْمُ وَأَبِي هُوَ الْفَلَّاحُ) . وَقَالَ يُوحَنَّا: (كَمَا لِلْأَبِ حَيَاةٌ فِي جَوْهَرِهِ، فَكَذَلِكَ أَعْطَى الِابْنَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي قَيْنُومِهِ) . قَالَ: فَالْمُعْطِي خِلَافَ الْمُعْطَى لَا مَحَالَةَ، وَالْفَاعِلُ خِلَافَ الْمَفْعُولِ.
قَالَ: وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: (إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَنَا الشَّاهِدَ لِنَفْسِي عَلَى صِحَّةِ دَعْوَايَ، لَكَانَتْ شَهَادَتِي بَاطِلَةً، لَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي، فَأَنَا أَشْهَدُ لِنَفْسِي وَيَشْهَدُ لِي أَبِي الَّذِي أَرْسَلَنِي) . وَقَالَ الْمَسِيحُ لَبَنِي
(4/129)

إِسْرَائِيلَ: (تُرِيدُونَ قَتْلِي، وَأَنَا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الْحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُهُ.!
قَالَ: وَقَالَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الْمَوْتَى: (يَا أَبِي أَشْكُرُكَ عَلَى اسْتِجَابَتِكَ دُعَائِي وَأَعْتَرِفُ لَكَ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ كُلَّ وَقْتٍ تُجِيبُ دَعْوَتِي، لَكِنْ أَسْأَلُكَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِيُؤْمِنُوا بِأَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي) . قَالَ: فَأَيُّ تَضَرُّعٍ وَإِقْرَارٍ بِالرِّسَالَةِ وَالْمَسْأَلَةِ وَالطَّلَبِ لِلْإِجَابَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ مِنْ هَذَا أَوْ أَكْثَرُ؟
قَالَ: وَقَالَ فِي بَعْضِ مُخَاطَبَتِهِ لِلْيَهُودِ وَقَدْ نَسَبُوهُ إِلَى الْجُنُونِ: (أَنَا لَسْتُ بِمَجْنُونٍ، وَلَكِنْ أُكْرِمُ أَبِي وَلَا أُحِبُّ مَدْحَ نَفْسِي، بَلْ أَمْدَحُ أَبِي، لِأَنِّي أَعْرِفُهُ، وَلَوْ قُلْتُ: إِنِّي لَا أَعْرِفُهُ، لَكُنْتُ كَذَّابًا مِثْلَكُمْ، بَلْ أَعْرِفُهُ وَأَتَمَسَّكُ بِأَمْرِهِ) .
(4/130)

قَالَ: وَقَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِهِ الْمِائَةِ وَعَشْرَةٍ: (قَالَ الرَّبُّ اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِرِجْلَيْكَ، عَصَا الْعَظَمَةِ تَبْعَثُ الرَّبَّ مِنْ صِهْيُونَ، وَيُبْسَطُ عَلَى أَعْدَائِكَ شَعْبُكَ يَا مَسِيحُ يَوْمَ الرُّعْبِ فِي بَهَاءِ الْقُدْسِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي وَلَدْتُكَ يَا صَبِيُّ، عَهْدُ الرَّبِّ وَلَا يَكْذِبُ أَنَّكَ أَنْتَ الْكَاهِنُ الْمُؤَيَّدُ يُشْبِهُ مَلَكْلِيزْ دَاقْ.)
قَالَ: فَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ يَنْسُبُونَهَا إِلَى اللَّاهُوتِ، وَقَدْ أَبَانَ دَاوُدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ، أَنَّ لِرَبِّهِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبًّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَعْلَى أَعْطَاهُ مَا حَكَيْنَاهُ، وَمَنَحَهُ ذَلِكَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، إِنَّ عَصَا الْعَظَمَةِ تَبْعَثُ رَبَّهُ هَذَا مِنْ صِهْيُونَ وَسَمَّاهُ صَبِيًّا مُحَقِّقًا لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ: الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ وَنَسَقًا عَلَى أَوَّلِ كَلَامِهِ وَهُوَ رَبُّهُ، وَوَصَفَ أَنَّهُ الْكَاهِنُ الْمُؤَيَّدُ الَّذِي يُشْبِهُ مَلَكْلِيزْ دَاقْ.
(4/131)

قُلْتُ: قَالُوا: وَهَذَا الْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْخَلِيلَ أَعْطَاهُ الْقُرْبَانَ، وَإِذَا كَانَ الْمَسِيحُ مُشَبَّهًا بِهِ مَعَ تَسْمِيَتِهِ كَاهِنًا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُهُ: (مِنَ الْبَدْءِ وَلَدْتُكَ) ، فَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ دَاوُدَ: (تَبَنَّنِي عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْبَدْءِ. ذَكَرْتُكَ وَهَدَيْتُ كُلَّ أَعْمَالِكَ) . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَفْظُ النَّصِّ: (إِنَّ الرَّبَّ يَبْعَثُ عَصَاهُ مِنْ صِهْيُونَ) .
قَالَ: وَقَالَ شَمْعُونُ الصَّفَا رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ قَصَصِهِمْ: (يَا رِجَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْمَعُوا مَقَالَتِي، إِنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ رَجُلٌ ظَهِيرٌ لَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْقُوَّةِ وَالْأَيْدِي وَالْعَجَائِبِ الَّتِي أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ، فَأَقَامَ اللَّهُ يَسُوعَ هَذَا مِنْ
(4/132)

بَيْنِ الْأَمْوَاتِ) .
قَالَ: فَأَيُّ شَهَادَةٍ أَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؟ وَهُوَ أَوْثَقُ التَّلَامِيذِ عِنْدَكُمْ يُخْبِرُ كَمَا تَرَوْنَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَجُلٌ وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّ الَّذِي بَعَثَهُ مِنْ بَيْنِ الْمَوْتَى هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ: وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ يَسُوعَ الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ رَبًّا وَمَسِيحًا) . قَالَ: فَهَذَا الْقَوْلُ يُزِيلُ تَأْوِيلَ مَنْ لَعَلَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ النَّاسُوتَ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَبًّا وَمَسِيحًا، وَالْمَجْعُولَ مَخْلُوقٌ مَفْعُولٌ، قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَاصِرِيٌّ ; لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: " نَاصِرَةُ "
(4/133)

فِي الْأُرْدُنِّ وَبِهَا سُمِّيَتِ النَّصْرَانِيَّةُ.
قَالَ: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُوسُفَ رَبًّا، قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ: (وَلِلْعُبُودِيَّةِ بِيعَ يُوسُفُ وَشَدُّوا بِالْكُبُولِ رِجْلَيْهِ وَبِالْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ حَتَّى صَدَّقَتْ كَلِمَتُهُ قَوْلَ الرَّبِّ جربهُ، بَعَثَ الْمَلِكُ فَخَلَّاهُ وَصَيَّرَهُ مُسَلَّطًا عَلَى شَعْبِهِ، وَرَبًّا عَلَى بَنِيهِ، وَمُسَلَّطًا عَلَى فِتْيَانِهِ) .
وَقَالَ لُوقَا فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِلُوقَا تِلْمِيذِهِ جِبْرِيلُ فِي الطَّرِيقِ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالُكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ غَرِيبٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ) عَلَى قَوْلِهِمْ فِيهِ.
(4/134)

قَالَ: فَهَذَا قَوْلُهُ وَأَقْوَالُ تَلَامِيذِهِ قَدْ تَرَكْتُمُوهَا وَعَقَدْتُمْ عَلَى بِدَعٍ ابْتَدَعَهَا لَكُمْ أَوَّلُوكُمْ تُؤَدِّي إِلَى الضَّلَالَةِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَقَالَ دَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي فِي زَبُورِهِ مُخَاطِبًا لِلَّهِ وَمُثْنِيًا عَلَى الْمَسِيحِ: (مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَالْإِنْسَانُ الَّذِي أَمَرْتَهُ وَجَعَلْتَهُ دُونَ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلًا، وَأَلْبَسْتَهُ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَاتِ؟) ، وَقَالَ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: (قَالَ لِيَ الرَّبُّ: أَنْتَ ابْنِي وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ، سَلْنِي فَأُعْطِيكَ) ، فَقَوْلُهُ: " وَلَدْتُكَ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ غَيْرُ قَدِيمٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " الْيَوْمَ " فَحَدَّ بِالْيَوْمِ حَدًّا لِوِلَادَتِهِ أَزَالَ بِهِ الشَّكَّ فِي أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَدَلَّ بِقَوْلِهِ: " سَلْنِي فَأُعْطِيكَ " عَلَى أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَطِيَّةِ، قَالَ: فَهَذَا مَا حَضَرَنَا مِنَ الْآيَاتِ فِي تَصْحِيحِ خَلْقِ الْمَسِيحِ وَعُبُودِيَّتِهِ، وَبُطْلَانِ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ لَا يُحْصَى، فَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَاتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَلَامِيذِهِ بِمِثْلِ مَا قَدْ بَيَّنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِكُمْ، فَمَا الْحُجَّةُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ لَهُ وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ أَخَذْتُمْ ذَلِكَ وَاخْتَرْتُمُ الْكَلَامَ الشَّنِيعَ الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ
(4/135)

الْمَعْقُولِ، وَتُنْكِرُهُ النُّفُوسُ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، الَّذِي لَا يَصِحُّ بِحُجَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا تَأْوِيلٍ عَلَى الْقَوْلِ الْجَمِيلِ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَيُشَاكِلُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَجَلَالَهُ.
قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلْتُمْ كُلَّ مَا بَيَّنَاهُ تَأَمُّلَ إِنْصَافٍ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَإِشْفَاقٍ عَلَيْهَا، عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَأَوَّلَ فِيهِ لِلنَّاسُوتِ شَيْئًا دُونَ اللَّاهُوتِ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَسِيحِ الْبُنُوَّةَ بِقَوْلِهِ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَيَا أَبِي، وَبَعَثَنِي أَبِي) . قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ الْإِنْجِيلُ أُنْزِلَ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ تُبَدَّلْ وَلَمْ تُغَيَّرْ، فَإِنَّ اللُّغَةَ قَدْ أَجَازَتْ أَنْ يُسَمَّى الْوَلِيُّ ابْنًا، وَقَدْ سَمَّاكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بَنِيهِ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ فِي مِثْلِ حَالِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِإِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) . وَقَالَ لِدَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: (أَنْتَ ابْنِي وَحَبِيبِي) . وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ لِلْحِوَارِيِّينَ: (أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ) . فَسَمَّى الْحَوَارِيِّينَ أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا هُوَ اللَّهُ
(4/136)

وَمَنْ كَانَ لَهُ إِلَهٌ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ كَمَا تَقُولُونَ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْإِلَهِيَّةَ بِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ ابْنًا، فَنَلْتَزِمُ ذَلِكَ وَنَشْهَدُ بِالْإِلَهِيَّةِ لِكُلِّ مَنْ سَمَّاهُ ابْنًا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ إِسْرَائِيلَ وَدَاوُدَ وَنُظَرَاءَهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا أَبْنَاءَ اللَّهِ عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
قُلْنَا: يَجُوزُ لِمُعَارِضٍ أَنْ يُعَارِضَكُمْ، فَيَقُولَ لَكُمْ: مَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِسْرَائِيلُ وَدَاوُدُ ابْنَيِ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَسِيحُ ابْنَ رَحْمَةٍ، وَمَا الْفَرْقُ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ إِلَى مُقْعَدٍ فَقَالَ: (قُمْ قُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، فَقَامَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) .
قُلْنَا لَكُمْ: هَذَا إِلْيَاسُ أَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَأَمْطَرَتْ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْيَسَعُ أَمَرَ نَعْمَانَ الرُّومِيَّ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي
(4/137)

الْأُرْدُنِّ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ وَلَا تَضَرُّعٍ، عَلَى أنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُ فِي الْإِنْجِيلِ قَدْ تَضَرَّعَ، وَسَأَلَ مَسَائِلَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
وَقَالَ فِي بَعْضِ الْإِنْجِيلِ: (يَا أَبِي أَشْكُرُكَ عَلَى اسْتِجَابَتِكَ دُعَائِي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ تُجِيبُ دَعْوَتِي، لَكِنْ أَسْأَلُكَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِيُؤْمِنُوا بِأَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي) .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْغُفْرَانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِبَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: (قُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ) وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ.
قُلْنَا: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ مِنَ التَّوْرَاةِ لِمُوسَى: (اخْرُجْ أَنْتَ وَشَعْبُكَ الَّذِي أَخْرَجْتَ مِنْ مِصْرَ، وَأَنَا أَجْعَلُ مَعَكُمْ مَلَكًا يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ) .
فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّهُ غَفَرَ ذُنُوبَ الْمُقْعَدِ، فَالْمَلَكُ إِذًا إِلَهٌ، لِأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
(4/138)

فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ رَبًّا فَقَالَ: (ابْنُ الْبَشَرِ رَبُّ السَّبْتِ) .
قُلْنَا: فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُخْبِرُ بِأَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى الْمَلَكَيْنِ قَدْ أَقْبَلَا مِنَ الْبَرِّيَّةِ لِهَلَاكِ قَوْمِهِ قَالَ لَهُمَا: (يَا رَبِّي مِيلَا إِلَى مَنْزِلِ عَبْدِكُمَا) . وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا احْتِجَاجٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِذِكْرِ مَنْ سُمِّيَ فِي الْكُتُبِ رَبًّا مِنْ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سُمِّيَ رَبًّا، فَهَؤُلَاءِ إِذًا آلِهَةٌ، لِأَنَّهُمْ سُمُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ تَنَبَّأَتْ بِإِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ أَشْعِيَا: (الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ " عَمَانْوِيلَ ") ، وَتَفْسِيرُهُ: " مَعَنَا إِلَهُنَا ".
قُلْنَا: إِنَّ هَذَا اسْمٌ يَعَارُهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ
(4/139)

اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُنْفَرِدَ بِمَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (قَدْ جَعَلْتُكَ لِهَارُونَ إِلَهًا، وَجَعَلْتُهُ لَكَ نَبِيًّا) .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (قَدْ جَعَلْتُكَ يَا مُوسَى إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ) . وَقَالَ دَاوُدُ فِي الزَّبُورِ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ حِكْمَةٌ: (كُلُّكُمْ آلِهَةٌ وَمِنَ الْعَلِيَّةِ تُدْعَوْنَ) .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ مُوسَى إِلَهًا لِهَارُونَ عَلَى مَعْنَى الرِّيَاسَةِ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ إِنَّهُ إِلَهٌ لِأُمَّتِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي، وَأَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) .
قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: (أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ قَبُولَكُمْ لِأَمْرِي هُوَ قَبُولُكُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا يَقُولُ رَسُولُ الرَّجُلِ: أَنَا وَمَنْ أَرْسَلَنِي وَاحِدٌ،
(4/140)

وَيَقُولُ الْوَكِيلُ: أَنَا وَمَنْ وَكَّلَنِي وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ يَقُومُ فِيمَا يُؤَدِّيِهِ مَقَامَهُ، وَيُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ وَيُطَالِبُ لَهُ بِحُقُوقِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي) ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُظْهِرُهَا فَقَدْ رَأَى أَفْعَالَ أَبِي.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: (أَنَا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ) ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ وَلَدِهِ؟ وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ (قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ) عَلِمْنَا مَا أَرَادَ أَنَّهُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
قُلْنَا: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ فِي حِكْمَتِهِ: (أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا وَكُنْتُ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ بَدَأَ الْأَرْضَ) ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ ابْنُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا بِالْإِلَهِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ دَاوُدُ أَيْضًا فِي الزَّبُورِ: (ذَكَرْتُكَ يَا رَبِّ مِنَ الْبَدْءِ، وَهُدِيتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ) .
(4/141)

فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ كَلَامَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مُتَأَوَّلٌ، لِأَنَّهُمَا مِنْ وَلَدِ إِسْرَائِيلَ، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا قَبْلَ الدُّنْيَا.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَسِيحِ أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا مُتَأَوَّلٌ، لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ تَأَوَّلْتُمْ تَأَوَّلْنَا، وَإِنْ تَعَلَّقْتُمْ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي الْمَسِيحِ تَعَلَّقْنَا بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي سُلَيْمَانَ وَدَاوُدَ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟
وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الِاحْتِجَاجَ عَلَى تَأْوِيلِكُمْ لِتَعْلَمُوا بُطْلَانَ مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ غَيْرُ وَاقِعٍ بِحَقِّهِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاسْمُ يَعْنِي " عَمَانْوِيلَ " لَمَّا وَقَعَ عَلَى الْمَسِيحِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّ " إِلَهَنَا مَعَنَا " يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ وَمَعَ شَعْبِهِ مُعِينًا وَنَاصِرًا.
وَمِمَّا يُصَحِّحُ ذَلِكَ أَنَّكُمْ تَتَّسِمُونَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَسَمَّى بِهِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَسَمَّى بِالْمَسِيحِ ; لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَعْنَاهُ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ تَلَامِيذَ الْمَسِيحِ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْآيَاتِ بِاسْمِ الْمَسِيحِ.
قُلْنَا لَكُمْ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا: (قَدْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَبِقُوَّةِ إِلْيَاسَ، وَهِيَ قُوَّةٌ تَفْعَلُ الْآيَاتِ) ، فَأَضَافَ الْقُوَّةَ إِلَى إِلْيَاسَ.
(4/142)

فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّهُ فُعِلَتِ الْآيَاتُ بِاسْمِهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ إِلْيَاسَ إِلَهٌ فَإِنَّهُ فُعِلَتْ بِقُوَّتِهِ الْآيَاتُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا الْمَسِيحُ عَلَى زَعْمِكُمْ أُلْصِقَتْ بِمَيِّتٍ فَعَاشَ، فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ. قُلْنَا لَكُمْ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْيَسَعَ إِلَهٌ؟ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ (بِأَنَّ كِتَابَ سَفْرِ الْمُلُوكِ يُخْبِرُ بِأَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَحَمَلَهُ أَهْلُهُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَلَمَّا كَانُوا بَيْنَ الْقُبُورِ رَأَوْا عَدُوًّا لَهُمْ يُرِيدُ أَنْفُسَهُمْ فَطَرَحُوا الْمَيِّتَ عَنْ رِقَابِهِمْ وَبَادَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَلْقَوْا عَلَيْهِ الْمَيِّتَ قَبْرَ الْيَسَعَ، فَلَمَّا أَصَابَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ تُرَابُ قَبْرِ الْيَسَعَ عَاشَ وَأَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّ الْخَشَبَةَ الَّتِي ذَكَرُوا أَنَّهُ صُلِبَ عَلَيْهَا أُلْصِقَتْ بِمَيِّتٍ فَعَاشَ، فَالْيَسَعُ إِلَهٌ، لِأَنَّ تُرَابَ قَبْرِهِ لَصِقَ بِمَيِّتٍ فَعَاشَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ. قُلْنَا لَكُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أُعْجُوبَةُ الْوِلَادَةِ تُوجِبُ الْإِلَهِيَّةَ وَلَا الرُّبُوبِيَّةَ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ فِي
(4/143)

ذَلِكَ لِلْخَالِقِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا لِلْمَخْلُوقِ، وَعَلَى أَنَّهُ يُوجِدُكُمْ لِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ فَحْلٍ بِلَا أُنْثَى، وَخَلْقُ أُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، أَعْجَبُ مِنْ ذَكَرٍ مِنْ أُنْثَى بِغَيْرِ ذَكَرٍ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ تُرَابٍ، وَخَلْقُ بَشَرٍ مِنْ تُرَابٍ أَعْجَبُ وَأَبْدَعُ مِنْ خَلْقِ ذَكَرٍ مِنْ أُنْثَى بِلَا فَحْلٍ، فَمَا الْفَرْقُ؟
قَالَ: وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلُّهَا هِيَ الْأَسْبَابُ الَّتِي تَتَعَلَّقُونَ بِهَا فِي نِحْلَتِكُمُ الْمَسِيحَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَإِضَافَتِكُمْ إِلَيْهِ الْإِلَهِيَّةَ، وَقَدْ وَصَفْنَاهَا عَلَى حَقَائِقِهَا عِنْدَكُمْ، وَقَبِلْنَا فِيهَا قَوْلَكُمْ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا بَعْضَ مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَأَوْجَدْنَاكُمْ بِطُولِ مَا تَنْتَحِلُونَهُ وَفَسَادِ مَا تَتَأَوَّلُونَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي فِي أَيْدِيِكُمُ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْإِنْجِيلِ، فَمَا الَّذِي يُثْبِتُ الْحُجَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكُمْ؟
قَالَ: وَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ لِتَلَامِيذِهِ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ وَالْقِيَامَةِ: (إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ السَّاعَةَ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا الِابْنُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ
(4/144)

يَعْرِفُهُ) . قَالَ: فَهَذَا إِقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَنْقُوصُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعَزُّ وَأَعْلَمُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ خِلَافُهُ وَأَعْلَا مِنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ (أَحَدٌ) عُمُومَهُ بِذَلِكَ الْخَلْقِ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ) وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَا الِابْنُ) وَلَهُ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَشَهِدَ قَوْلُهُ هَذَا شَهَادَةً وَاضِحَةً عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، بَلْ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَأَطْلَعَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَجَعَلَهُ لَهُ، وَأَنَّهُ لِقُصُورِ مَعْرِفَتِهِ بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِحَيْثُ يَصِفُونَهُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَمِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، تَعَالَى اللَّهُ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا كَمَا يَقُولُونَ، لَعَلِمَ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ وَسَرَائِرِ الْأُمُورِ وَعَلَانِيَتِهَا، إِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي إِذَا سُئِلْتُمْ عَنْهُ تَعَلَّقْتُمْ بِأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ.
قُلْتُ: مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ خَصَّ
(4/145)

الْمَلَائِكَةَ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعْلَمُهُ، فَقَالَ: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ) ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَا الِابْنُ يَعْرِفُهُ، وَأَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ يَعْرِفُهُ) ، فَنَفَى مَعْرِفَةَ الِابْنِ، وَأَثْبَتَ أَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ يَعْرِفُهُ، وَمُرَادُهُ بِالِابْنِ الْمَسِيحِ، فَعُرِفَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَعْرِفُهُ، وَأَثْبَتَ أَنَّ الرَّبَّ يَعْرِفُهُ دُونَ الِابْنِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ عِنْدَ الْمَسِيحِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، إِذْ كَانَ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْعِلْمِ عَنِ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ) ، الْمُرَادُ بِهِ النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، كَمَا أُرِيدَ بِلَفْظِ الِابْنِ فِي سَائِرِ كَلَامِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ لَمْ يُرِدْ قَطُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِلَفْظِ الِابْنِ اللَّاهُوتَ، بَلْ إِطْلَاقُ الِابْنِ عَلَى اللَّاهُوتِ مِمَّا ابْتَدَعَتْهُ النَّصَارَى وَحَمَلُوا عَلَيْهَا كَلَامَ الْمَسِيحِ، فَابْتَدَعُوا لِصِفَاتِ اللَّهِ أَسْمَاءً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَحَمَلُوا عَلَيْهَا كَلَامَ الْمَسِيحَ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَعْنَى لُغَتِهِمُ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالتَّكْلِيمِ بِهَا، لَا عَلَى لُغَةٍ يُحْدِثُهَا مَنْ بَعْدَهَمْ وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: فَإِنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ النَّصَارَى وَأَشْبَاهُهُمْ يَفْتَحُ بَابَ الْإِلْحَادِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
" {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [فصلت: 40] ".
(4/146)

وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ مَعَانِيَ بِرَأْيِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا بِأَلْفَاظٍ تُنَاسِبُهَا بِنَوْعِ مُنَاسَبَةٍ، وَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَهَا مَعَانٍ أُخَرَ، وَيَجْعَلَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ دَالَّةً عَلَى مَعَانِيهِ الَّتِي رَآهَا، ثُمَّ يَجْعَلَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَكَلَّمَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَجَاءَتْ بِهَا الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ أَرَادُوا بِهَا مَعَانِيهِ هُوَ، وَهَكَذَا فَعَلَ سَائِرُ أَهْلِ الْإِلْحَادِ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا فَعَلَتْهُ النَّصَارَى مِثْلَ مَا عَمَدَتِ الْمَلَاحِدَةُ الْمُتَّبِعُونَ لِفَلَاسِفَةِ الْيُونَانَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالتَّوْرَاةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا هُوَ عَالِمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ لَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَ بِمَشِيئَةٍ، وَلَا يُقِيمُ النَّاسَ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَقَالُوا: خَلَقَ وَأَحْدَثَ وَفَعَلَ وَصَنَعَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُقَالُ عَلَى الْإِحْدَاثِ الذَّاتِيِّ، وَالْإِحْدَاثِ الزَّمَانِيِّ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ إِيجَابُ الْعِلَّةِ لِمَعْلُولِهَا الْمُقَارِنِ لَهَا فِي الزَّمَانِ.
وَالثَّانِي: إِيجَادُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَالُوا: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَحْدَثَ ذَلِكَ وَأَبْدَعَهَ وَصَنَعَهُ، كَمَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لَكِنْ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ الْإِحْدَاثُ الذَّاتِيُّ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْلُولٌ لَهُ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمْ يَسْتَعْمِلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ
(4/147)

وَالسَّلَامُ بَلْ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ لَفْظَ الْخَلْقِ وَالْإِحْدَاثِ إِلَّا فِيمَا كَانَ بَعْدَ عَدَمِهِ، وَهُوَ مَا كَانَ مَسْبُوقًا بِعَدَمِهِ وَوُجُودِ غَيْرِهِ، وَمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فِي جَمِيعِ لُغَاتِ الْأُمَمِ، وَأَيْضًا فَاللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي لُغَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا بَعْضُ النَّاسِ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَدَّعُونَهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَتَصَوَّرْهُ إِلَّا بَعْضُ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْعَامُّ الَّذِي تَدَاوَلَهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مَوْضُوعًا لَهُ إِذَا كَانَ هَذَا يُبْطِلُ مَقْصُودَ اللُّغَاتِ، وَيُبْطِلُ تَعْرِيفَ الْأَنْبِيَاءِ لِلنَّاسِ، فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ؟ كَمَا هُوَ بَاطِلٌ فِي صَحِيحِ الْمَنْقُولِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ أَحَدًا قَطُّ عَبَّرَ عَنِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا وَلَا يَزَالُ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ أَوْ مَخْلُوقٌ أَوْ مَصْنُوعٌ أَوْ مَفْعُولٌ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِتُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّكُمْ مُوَافِقُونَ لَهُمْ، وَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ قَدْ أَخْبَرَتْ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى وَبِنِدَائِهِ إِيَّاهُ مِنَ الطُّورِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّهَا شَجَرَةُ الْعُلَّيْقِ.
وَأَخْبَرَتْ بِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُلْقِي عَصَاهُ فَتَصِيرُ حَيَّةً
(4/148)

تَسْعَى، وَيُخْبِرُ بِأَنَّ اللَّهَ فَلَقَ الْبَحْرَ، فَقَالَتِ الْمَلَاحِدَةُ: إِنَّ الشَّيْءَ الثَّابِتَ يُسَمَّى طُورًا، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ كَالْجَبَلِ، وَالْقُلُوبَ تُسَمَّى أَوْدِيَةً، وَإِظْهَارَ الْعُلُومِ بِتَفْجِيرِ يَنَابِيعِ الْعِلْمِ، وَالْحُجَّةَ الْمُبْتَلِعَةَ كَلَامَ أَهْلِ الْبَاطِلِ هِيَ عَصًا مَعْنَوِيَّةٌ، فَمُرَادُ الْكُتُبِ بِالطُّورِ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ الَّذِي فَاضَ مِنْهُ الْعِلْمُ عَلَى قَلْبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْوَادِي قَلْبُ مُوسَى، وَالْكَلَامُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى سَمِعَهُ مِنْ سَمَاءِ عَقْلِهِ، وَتِلْكَ الْأَصْوَاتُ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي رَآهَا كَانَتْ أَشْخَاصًا نُورَانِيَّةً تَمَثَّلَتْ فِي نَفْسِهِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَالْبَحْرُ الَّذِي فَلَقَهُ هُوَ بَحْرُ الْعِلْمِ، وَالْعَصَا كَانَتْ حُجَّتَهُ، غَلَبَ عَلَى السَّحَرَةِ بِحُجَّتِهِ الْعِلْمِيَّةِ فَابْتَلَعَتْ حُجَّتُهُ شُبَهَهُمُ الَّتِي جَعَلُوهَا حِبَالًا يَتَوَسَّلُونَ بِهَا إِلَى نَيْلِ أَغْرَاضِهِمْ، وَعِصِيًّا يَقْهَرُونَ بِهَا مَنْ يُجَادِلُونَهُ.
أَفَلَيْسَ مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَى الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِقِصَّةِ مُوسَى كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الرُّسُلِ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى هَذَا، بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُوسَى سَمِعَ نِدَاءَ اللَّهِ لَهُ، وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ مِنَ الطُّورِ طُورِ سَيْنَا الَّذِي هُوَ الْجَبَلُ، وَقَلَبَ عَصَاهُ الَّتِي كَانَ يَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِهِ ثُعْبَانًا عَظِيمًا، وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ وَأَغْرَقَ فِيهِ آلَ فِرْعَوْنَ فَغَرِقُوا وَمَاتُوا فِيهِ وَهَلَكُوا، وَأَمْثَالُ هَذَا مِنْ تَحْرِيفَاتِ الْمَلَاحِدَةِ كَثِيرٌ.
فَهَكَذَا النَّصَارَى حَرَّفُوا كُتُبَ اللَّهِ وَسَمَّوْا صِفَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ
(4/149)

الَّتِي هِيَ عِلْمُهُ أَوْ حِكْمَتُهُ ابْنًا، وَسَمَّوْهَا أَيْضًا كَلِمَةً، وَسَمَّوْا صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ، الَّتِي هِيَ حَيَاتُهُ رُوحَ الْقُدُسِ، وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَا تُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَطُّ لَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ سَمَّى عِلْمَ اللَّهِ الْقَائِمَ بِهِ ابْنَهُ، بَلْ وَسَمَّى عِلْمَ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ الْقَائِمَ بِهِ ابْنَهُ، وَلَكِنْ لَفْظُ الِابْنِ يُعَبَّرُ بِهِ عَمَّنْ وُلِدَ الْوِلَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَمَّنْ كَانَ هُوَ سَبَبًا فِي وُجُودِهِ، كَمَا يُقَالُ: ابْنُ السَّبِيلِ، لِمَنْ وَلَدَتْهُ الطَّرِيقُ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الطَّرِيقِ جُعِلَ كَأَنَّهُ وَلَدُهُ.
وَيُقَالُ لِبَعْضِ الطَّيْرِ: ابْنُ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ جِهَةِ الْمَاءِ، وَيُقَالُ: كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الِابْنَ يَنْتَسِبُ إِلَى أَبِيهِ وَيُحِبُّهُ وَيُضَافُ إِلَيْهِ، أَيْ كُونُوا مِمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْآخِرَةِ وَيُحِبُّهَا وَيُضَافُ إِلَيْهَا، وَهَذَا اللَّفْظُ مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ فِي حَقِّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُرَبِّيِهِمْ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ) . وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِيَعْقُوبَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) .
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ لَهُ وَالِاصْطِفَاءُ لَهُ، وَالرَّحْمَةُ لَهُ، وَكَانَ الْمَعْنَى مَفْهُومًا عِنْدَ
(4/150)

الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَمَنْ يُخَاطِبُونَهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَشَابِهَةِ، فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ يُرِيدُونَ بِهِ الْمَعْنَى الْبَاطِلَ.
وَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُهُ، وَبَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: الْعُقُولُ الْعَشَرَةُ هِيَ بَنُوهُ، وَالنُّفُوسُ الْفَلَكِيَّةُ هِيَ بَنَاتُهُ وَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْكُتُبِ وَأَكْمَلُهَا بِإِبْطَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَمَنْعِ اسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَنَزَّهَ اللَّهَ عَنْ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، كَمَا نَزَّهَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ تَنْزِيهِهِ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ وَيُقَدِّسُونَهُ عَنِ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ، بَلْ تُنَافِي مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ فِي أَفْعَالِهِ، كَمَا وَجَبَ لَهُ الْكَمَالُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ لَا يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَّا مَا كَانَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، فَأَمَّا الْمُمْكِنُ الْمَقْدُورُ فَيَقُولُ: لَا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ إِلَّا بِالْخَبَرِ أَوْ بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ الَّتِي يُمْكِنُ انْتِقَاضُهَا، فَهَذَا لَا يَبْقَى مَعَهُ مَا يَنْفِي بِهِ عَنِ اللَّهِ الْأَفْعَالَ الْمَذْمُومَةَ الْقَبِيحَةَ، وَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ قَدْ نَزَّهَتِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ، كَمَا نَزَّهَتْهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
(4/151)

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] .
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] .
وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ:
{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ
(4/152)

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1 - 2] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91 - 92] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 151] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]
فَكَمَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْوِلَادَةِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ.
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 88 - 91]
(4/153)

{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 92 - 95] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] .
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: أَنَّى يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: أَنِّي اتَّخَذْتُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» .
(4/154)

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ» .
وَلِهَذَا كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ: لَا تَرْحَمُوا النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ. فَجَاءَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ وَحَرَّمَتْ أَنْ يُتَكَلَّمَ فِي حَقِّ اللَّهِ بِاسْمِ ابْنٍ أَوْ وَلَدٍ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، كَمَا مَنَعَتْ أَنْ يَسْجُدَ أَحَدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ، كَمَا مَنَعَتْ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، لِئَلَّا يُشْبِهَ عُبَّادَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَكَانَتْ بِسَدِّهَا لِلْأَبْوَابِ الَّتِي يُجْعَلُ لِلَّهِ فِيهَا
(4/155)

الشَّرِيكُ وَالْوَلَدُ أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، كَمَا سَدَّتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الذَّرَائِعِ، مِثْلَ تَحْرِيمِهَا قَلِيلَ الْمُسْكِرِ ; لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى كَثِيرِهِ، فَإِنَّ أُصُولَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا:
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عُقُوبَةً، فَإِنَّ هَذَا جَاءَ فِي شَرْعِ التَّوْرَاةِ دُونَ شَرْعِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لِأَمَةِ مُحَمَّدٍ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، وَكَذَلِكَ تَكْمِيلُ التَّوْحِيدِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ وَسَدُّ أَبْوَابِ الشِّرْكِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى إِيجَابِ التَّوْحِيدِ وَتَحْرِيمِ أَنْ يُجْعَلَ لِلَّهِ شَرِيكٌ أَوْ وَلَدٌ.
فَإِذَا كَانَ مُرَادُ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالِابْنِ هُوَ النَّاسُوتُ، وَهُوَ لَمْ يُسَمِّ اللَّاهُوتَ ابْنًا، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَإِنْ قَالُوا: مُرَادُهُ بِالِابْنِ اللَّاهُوتُ أَوِ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّاهُوتَ أَوِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ وَهَذَا بَاطِلٌ،
(4/156)

وَكَذِبٌ، وَهُوَ أَيْضًا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ.
فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ مِنَ الْمَسِيحِ مَعَ سَائِرِ نُصُوصِهِ وَنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الِابْنِ هُوَ النَّاسُوتُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِطَابًا لِلنَّاسُوتِ الْمُتَّحِدِ بِاللَّاهُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، كَمَا يَتَأَوَّلُهُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّصَارَى، لِأَنَّ كُلَّ مَا عَلِمَهُ اللَّاهُوتُ الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ عَلِمَهُ النَّاسُوتُ، وَلِأَنَّ النَّاسُوتَ لَيْسَ هُوَ الِابْنُ عِنْدَهُمْ دُونَ اللَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ بِهِ، بَلِ اسْمُ الِابْنِ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّاهُوتُ، وَلِأَجْلِ الِاتِّحَادِ دَخَلَ فِيهِ النَّاسُوتُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ إِلَّا عِلْمَ الْأَبِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَثْنِ عِلْمَ الِابْنِ الْأَزَلِيَّ عِنْدَهُمْ، بَلْ نَفَى عِلْمَ مَا سِوَى الْأَبِ بِهِ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(4/157)

[فَصْلٌ: مُوَاصَلَةُ الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى بِمَا قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ ثُمَّ بِكَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ]
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: وَمِثْلُ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا خَاطَبَهُ الرَّجُلُ عَلَى مَا كُتِبَ فِي الْإِنْجِيلِ فَقَالَ لَهُ: (أَيُّهَا الْخَيِّرُ، فَقَالَ: لَيْسَ الْخَيِّرُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، قُلْتُ: وَبَعْضُهُمْ يُتَرْجِمُهُ أَيُّهَا الصَّالِحُ، فَقَالَ: لَيْسَ الصَّالِحُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ) . قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ: (إِنِّي لَمْ آتِ لِأَعْمَلَ بِمَشِيئَتِي، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي) . قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لَهُ مَشِيئَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ، كَمَا يَقُولُونَ، لَمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَقَدْ أَبْطَلَ بِهِ مَا تَدَّعُونَهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: ثُمَّ أَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَدَّعُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَمِنْ قُوَّةِ اللَّهِ غَيْرُ بَائِنَةٍ مِنْهُ وَلَا مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ، وَتَشْهَدُونَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْجِيلِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَجْلِسُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَيَدِينُ النَّاسَ
(4/158)

يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَيَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَحَهُ ذَلِكَ إِذْ كَانَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَالِسُ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ الْعَالِمِينَ يَوْمَ الدِّينِ، وَالْقَاعِدُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ وَهُوَ شَخْصٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لَا يُشَكُّ فِيهِ هُوَ الْجَسَدُ الَّذِي كَانَ فِي الْأَرْضِ الْمُتَوَحِّدُ بِهِ الرُّبُوبِيَّةُ، فَقَدَ فَصَلْتُمْ بَيْنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَهُ، وَبَعَّضْتُمُوهُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي السَّمَاءِ شَخْصَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا كُفْرٌ وَشِرْكٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ جَسَدًا خَالِيًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ، وَقَدْ عَادَتْ إِلَى اللَّهِ كَمَا بَدَتْ مِنْهُ، فَقَدْ زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي تَنْتَحِلُونَهُ إِيَّاهَا.
قَالَ: وَنَسْأَلُكُمْ عَنْ وَاحِدَةٍ نُحِبُّ أَنْ تُخْبِرُونَا بِهَا، هِيَ أَصْلُ مَا وَضَعْتُمُوهُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ الَّتِي تَرْجِعُ بِزَعْمِكُمْ إِلَى جَوْهَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ اللَّاهُوتُ، مَا هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتُمُوهُ؟ وَمَنْ أَمَرَكُمْ بِهِ؟ وَفِي أَيِّ كِتَابٍ نَزَلَ؟ وَأَيُّ نَبِيٍّ تَنَبَّأَ بِهِ؟ أَوْ أَيُّ قَوْلٍ لِلْمَسِيحِ تَدَّعُونَهُ فِيهِ؟ وَهَلْ بَنَيْتُمْ أَمْرَكُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا عَلَى قَوْلِ " مَتَّى " التِّلْمِيذِ عَلَى الْمَسِيحِ
(4/159)

عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُمْ: (اذْهَبُوا فَعَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) .
قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ فِيهِ بِأَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِلَى أَنْ تَجْتَمِعَ لَهُمْ بَرَكَاتُ اللَّهِ وَبَرَكَةُ نَبِيِّهِ الْمَسِيحِ وَرُوحِ الْقُدُسِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَقَدْ نَرَاكُمْ إِذَا أَرَدْتُمُ الدُّعَاءَ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ قُلْتُمْ: صَلَاةُ فُلَانٍ الْقِدِّيسَ تَكُونُ مَعَكَ. وَمَعْنَى الصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ. وَاسْمُ فُلَانٍ النَّبِيِّ يُعِينُكَ عَلَى أُمُورِكَ.
وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]
يَقْرِنُ طَاعَتَهُ نَبِيَّهُ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَفَنَقُولُ لِذَلِكَ إِنَّهُمْ جَمِيعًا آلِهَةٌ؟
قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى يَدُقُّ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ التَّأْوِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَاهُ، أَوْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، فَلِمَ حَكَمْتُمْ بِأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ
(4/160)

الْأَسْمَاءَ لَمَّا أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَارَتْ آلِهَةً، وَجَعَلْتُمْ لَهَا أَقَانِيمَ لِكُلِّ اسْمٍ أُقْنُومٌ يَخُصُّهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَكَيْفَ اسْتَجَزْتُمْ مَا أَشْرَكْتُمُوهُ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَصِحُّ؟
وَإِذَا قُلْتُمْ بِثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ كُلُّ أُقْنُومٍ بِذَاتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَعْتَرِفُوا ضَرُورَةً بِأَنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ مِنْهَا حَيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ حَكِيمٌ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ إِنَّهُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، فَنَرَاكُمْ أَخَذْتُمُ الْأُقْنُومَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْدَثْتُمُوهَا مَعَ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ حَيٌّ، فَحِكْمَتُهُ الْكَلِمَةُ وَهِيَ الْمَسِيحُ، وَرُوحُهُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مِثْلُهَا كَثِيرٌ، لِأَنَّهُ يُقَالُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ حَيٌّ قَدِيرٌ.
وَكَذَلِكَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُنَا إِيَّاهُ لَا تَلْحَقُ صِفَاتَهُ وَلَا تَبْلُغُ كُنْهَ مَجْدِهِ إِلَّا بِالتَّمْثِيلِ لِعَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَعُلُوِّهُ، فَنَحَلْتُمْ صِفَاتِهِ الَّتِي هِيَ مَعْنَاهُ وَلَيْسَتْ سِوَاهُ غَيْرَهُ وَجَعَلْتُمُوهُ
(4/161)

أَقَانِيمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ مِثْلُ الَّذِي لَهُ، وَمَا مِنْهَا أُقْنُومٌ لَهُ صِفَةٌ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِكُمْ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ مِثْلُهُ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَقَانِيمُ آلِهَةٌ وَكُلُّ صِفَةٍ إِلَهٌ، وَهِيَ مِنْ جَوْهَرِهِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ صِفَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ إِلَهًا مِثْلَهُ إِذْ كَانَ مِنْ جَوْهَرِهِ فَيَتَّسِعُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ.
قَالَ: وَإِذَا قُلْتُمْ بِثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ هِيَ فِي السَّمَاءِ مِنْ جَوْهَرٍ قَدِيمٍ، أَفَلَيْسَ يَلْزَمُكُمُ الْإِقْرَارُ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لِأَنَّ الْأَقَانِيمَ أَشْخَاصٌ يُومَأُ إِلَيْهَا وَيَقَعُ الْحَدُّ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَمَا الْحُجَّةُ وَأَنْتُمْ تَذْكُرُونَ فِي بَعْضِ احْتِجَاجِكُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ تَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ غَيْرُ مُتَبَعِّضَةٍ وَلَا مُنْفَصِلَةٍ، وَتُشَبِّهُونَهَا فِي اجْتِمَاعِهَا وَظُهُورِ مَا يَظْهَرُ مِنْهَا بِالشَّمْسِ، وَقَدْ نَرَاكُمْ عَقَدْتُمْ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ وَإِنْسَانٌ مُتَّحِدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَجْلِسُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَالْجَالِسُ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ أَلَيْسَ هُوَ مُنْفَصِلًا
(4/162)

عَنْهُ مَفْرُوزًا عَنْهُ؟ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قِيَاسٌ، أَوْ يَصِحُّ بِهِ عَقْدُ دِينٍ؟ تَقُولُونَ مَرَّةً مُجْتَمِعٌ، وَمَرَّةً مُنْفَصِلٌ، وَمَا شَبَّهْتُمُوهُ بِهِ مِنَ الشَّمْسِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُنَا لِبُطْلَانِ الْحُجَّةِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ قِيَاسُهُ الْقِيَاسَ الَّذِي تَعَلَّقْتُمْ بِهِ.
عَلَى أَنَّا وَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ فِي مَعْنَى التَّثْلِيثِ: إِنَّ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّ " مَتَّى " التِّلْمِيذَ حَكَاهُ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: (سِيرُوا فِي الْبِلَادِ، وَعَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) . وَأَنَّكُمْ فَكَّرْتُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ بِعُقُولِكُمْ فَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْ ثَبَتَ حُدُوثُ الْعَالَمِ عَلِمْتُمْ أَنَّ لَهُ مُحْدِثًا فَتَوَهَّمْتُمُوهُ شَيْئًا مَوْجُودًا، ثُمَّ تَوَهَّمْتُمُوهُ حَيًّا ثُمَّ نَاطِقًا، لِأَنَّ الشَّيْءَ يَنْقَسِمُ لِحَيٍّ وَلَا حَيٍّ، وَالْحَيُّ يَنْقَسِمُ لِنَاطِقٍ وَلَا نَاطِقٍ.
وَأَنَّكُمْ عَلِمْتُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، فَأَثْبَتُّمْ لَهُ حَيَاةً وَنُطْقًا غَيْرَهُ فِي الشَّخْصِ وَهُمَا هُوَ فِي الْجَوْهَرِيَّةِ.
فَنَقُولُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ: إِذَا كَانَ الْحَيُّ لَهُ حَيَاةٌ وَنُطْقٌ، فَأَخْبِرُونَا عَنْهُ: أَتَقُولُونَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَزِيزٌ، أَمْ عَاجِزٌ ذَلِيلٌ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَزِيزٌ، قُلْنَا: فَأَثْبِتُوا لَهُ قُدْرَةً وَعِزَّةً، كَمَا أَثْبَتُّمْ لَهُ حَيَاةً وَحِكْمَةً.
(4/163)

فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يَلْزَمُنَا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ عَزِيزٌ بِنَفْسِهِ، قُلْنَا لَكُمْ: وَكَذَلِكَ فَقُولُوا: إِنَّهُ حَيٌّ بِنَفْسِهِ وَنَاطِقٌ بِنَفْسِهِ، وَلَا بُدَّ لَكُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ التَّثْلِيثِ، أَوْ إِثْبَاتِ التَّخْمِيسِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ وَهَيْهَاتَ مِنْ فَرْقٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ أَيْضًا: إِنَّا كُلَّمَا تَأَمَّلْنَا مَعَكُمْ فِي نِسْبَةِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْإِلَهِيَّةِ وَعِبَادَتِكُمْ لَهُ مَعَ اللَّهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهَا، وَطَلَبْنَا لَكُمُ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ كُتُبِكُمْ، ازْدَدْنَا بَصِيرَةً فِي اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ وَوَضْعِكُمْ لَهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا يَثْبُتُ لَكُمْ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يَشْهَدُ بِهِ لَكُمْ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِكُمْ، وَوَجَدْنَا أَبْيَنَ مَا جَاءَ فِي الْمَسِيحِ وَصِحَّةِ أَمْرِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ مَا قَالَ " مَتَّى " التِّلْمِيذُ: (إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى أَرْضِ قَيْسَارِيَّةَ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَنِّي ابْنُ الْبَشَرِ؟ فَقَالُوا: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّكَ يُوحَنَّا الْمَعْمِدَانِيُّ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّكَ أَرْمِيَا، أَوْ أَحَدُ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: فَأَنْتُمْ مَاذَا تَقُولُونَ؟ فَأَجَابَهُ سَمْعَانُ الصَّفَا، وَهُوَ رَئِيسُهُمْ، فَقَالَ: أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَقِّ. فَأَجَابَهُ الْمَسِيحُ وَقَالَ: طُوبَى لَكَ يَا سَمْعَانُ ابْنَ يُونَانَ، إِنَّهُ لَمْ يُطْلِعْكَ عَلَى
(4/164)

هَذَا لَحْمٌ وَلَا دَمٌ، وَلَكِنْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ) .
وَحَكَى لُوقَا فِي إِنْجِيلِهِ هَذَا الْخَبَرَ فَقَالَ: (إِنَّ سَمْعَانَ أَجَابَهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَسِيحُ اللَّهِ) ، وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ اللَّهِ، فَهَذَا كَلَامُ تِلْمِيذِهِ الرَّئِيسِ فِيهِ وَأَرْضَاهُ مَا قَالَ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ إِلَّا مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ وَلَمْ نَدْفَعْكُمْ قَطُّ عَنْ أَنَّهُ مَسِيحُ اللَّهِ، وَلَا عَنْ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ فِي لُغَتِكُمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ وَالصَّفْوَةِ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلَيْنِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيكُمْ جَمِيعًا: (إِنَّ اللَّهَ إِلَهِي وَإِلَهُكُمْ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ) ، فَنَعْمَلُ عَلَى احْتِجَاجِكُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكُمْ فِي مَعْنَى
(4/165)

النُّبُوَّةِ وَنَجْعَلُهُ مِثْلَ مَنْ سُمِّيَ فِي الْكُتُبِ ابْنًا عَلَى جِهَةِ الِاصْطِفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ مِثْلَ إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِ، بَلْ قَدْ خَصَّ إِسْرَائِيلَ بِأَنْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) . وَهَذَا كَلَامٌ لَهُ مَذْهَبٌ فِي اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْكُتُبُ، وَلَيْسَتْ بِمُوجِبَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ كَانَ قَدْ شَارَكَهُ فِي هَذَا الِاسْمِ غَيْرُهُ، فَلِمَ لَا جَعَلْتُمُوهُ كَمَا جَعَلَ نَفْسَهُ؟
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَيُزِيلُ تَأْوِيلَ مَنْ يَتَأَوَّلُهُ لَهُ مَا لَمْ يَدَّعِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، قَوْلُهُ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ: (أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَلَا الِابْنُ يَعْنِي نَفْسَهُ إِلَّا الْأَبُ وَحْدَهُ) ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: (أَيُّهَا الْعَالِمُ الصَّالِحُ، أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ لِي، الَّذِي تَكُونُ لِي حَيَاةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؟ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ لِي صَالِحًا؟ لَيْسَ الصَّالِحُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ) ، فَاعْتَرَفَ لِلَّهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا وَلَا أَحَدَ مِنَ الْخَلْقِ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَتْهُ فَقَالَتْ: (أَنْتَ ذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ؟
(4/166)

فَقَالَ لَهَا الْمَسِيحُ: صَدَقْتِ طُوبَى لَكِ) ، ثُمَّ قَالَ لِلشَّيْطَانِ حِينَ اخْتَبَرَهُ فَسَامَهُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ رَأَسِ الْهَيْكَلِ، فَقَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجَرِّبَ الرَّبَّ) ، ثُمَّ سَامَهُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ فَقَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا نَعْبُدَ سِوَاهُ) ، ثُمَّ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِ وَقْتٍ لِلَّهِ، وَآخِرُهَا اللَّيْلَةَ الَّتِي أَخَذَتْهُ الْيَهُودُ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ إِلَهًا كَمَا زَعَمْتُمْ فَلِمَنْ كَانَ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ؟
ثُمَّ قَوْلُ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ حِينَ دَخَلَ أُورْشَلِيمَ، وَهِيَ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى الْأَتَانِ، لِمَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ لَمَّا رَاجَتِ الْمَدِينَةُ بِهِ: (هَذَا هُوَ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ النَّبِيُّ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ) ؟ ثُمَّ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْإِنْجِيلِ: (اخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لَا يُبَجَّلُ فِي مَدِينَتِهِ) . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يُهَانُ نَبِيٌّ إِلَّا فِي مَدِينَتِهِ وَفِي بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ) .
وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ خُطْبِهِ: (إِنَّ هَذَا الْجِيلَ السُّوءَ يُرِيدُ آيَةً وَأَنَّهُ
(4/167)

لَا يُعْطَى إِلَّا آيَةَ يُونُسَ، كَمَا كَانَ يُونُسُ لِأَهْلِ " نِينَوَى ": كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الْبَشَرِ لِهَذَا الْجِيلِ، رِجَالُ نِينَوَى يَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ فَيَخْصِمُونَهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَابُوا عَلَى قَوْلِ يُونُسَ النَّبِيِّ، وَإِنَّ هَاهُنَا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ) .
ثُمَّ قَوْلُ دَاوُدَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ: (مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَجَعَلْتَهُ
(4/168)

دُونَ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلًا) . ثُمَّ قَوْلُ تَلَامِيذِهِ فِيهِ مَا شَرَحْنَاهُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا مَا تَقَدَّمَ وَوَصْفُهُمْ أَنَّهُ رَجُلٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْأَيْدِي وَالْقُوَّةِ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ تَلَامِذَتَهُ فَرَكِبُوا السَّفِينَةَ وَقَالَ لَهُمْ: (امْضُوا فَإِنِّي أَلْحَقُ بِكُمْ، فَأَتَاهُمْ يَمْشِي عَلَى الْبَحْرِ فَلَمَّا رَأَوْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ قَالُوا: مَا هَذَا الْحَالُ وَيْحٌ، وَمِنَ الْغَرَقِ صَاحُوا. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: اطْمَئِنُّوا وَلَا تَخَافُوا أَنَا هُوَ، فَأَجَابَهُ شَمْعُونَ الصَّفَا وَقَالَ لَهُ: يَا رَبِّ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ فَأْذَنْ لِي آتِيكَ عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ، فَنَزَلَ سَمْعَانُ إِلَى الْمَاءِ لِيَمْشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ وَجَعَلَ يَغْرَقُ، فَصَاحَ وَقَالَ: يَا رَبِّ أَغِثْنِي، فَبَسَطَ يَدَهُ يَسُوعُ فَأَخَذَهُ وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَشَكَّكْتَ يَا قَلِيلَ الْأَمَانَةِ؟) . قَالَ: فَبَانَ بِذَلِكَ عَجْزُ الْمَسِيحِ عَنْ إِتْمَامِ مَا سَأَلَهُ شَمْعُونُ الصَّفَا، وَمِثْلُهُ أَمْرُ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِيَسُوعَ خَبَرَ ابْنَتِهِ وَمَا يَنَالُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهَا إِلَى تَلَامِيذِهِ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ، وَقَدْ كَانَ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فَأَخْرَجَهُ هُوَ مِنْهَا.
وَقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوهَا مِنْهُ عَلِمُوا أَنَّهَا فِي شَأْنِهِمْ، فَهَمُّوا أَنْ يَأْخُذُوهُ ثُمَّ فَرِقُوا
(4/169)

مِنَ الْجُمُوعِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْزِلُونَهُ مِثْلَ النَّبِيِّ.
وَقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ لَمَّا جَاءَتْهُ أُمُّ ابْنَيْ زِنْدَا، وَكَانَتْ مِنْ تَلَامِذَتِهِ مَعَ ابْنَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: (مَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ تُجْلِسَ ابْنَايَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِكَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ، وَلَكِنْ مَنْ وُعِدَ لَهُ مِنْ أَبِي) .
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: فَمَا يَكُونُ يَا هَؤُلَاءِ أَفْصَحُ وَأَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِنَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ لَكُمْ فِي كُتُبِكُمْ، مَا رَضِيتُمْ بِقَوْلِهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِقَوْلِ تَلَامِذَتِهِ فِيهِ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ تَنَبَّأَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا قَوْلِ جُمُوعِهِ الَّذِينَ تَوَلَّوْهُ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ عَنْهُ وَتَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ،
(4/170)

وَأَخَذْتُمْ بِآرَاءِ قَوْمٍ تَأَوَّلُوا لَكُمْ عَلَى عِلْمِكُمْ بِأَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الرَّأْيِ، فَقَالَ كُلُّ قَوْمٍ فِي الْمَسِيحِ مَا اخْتَارُوا، وَاتَّبَعَ كُلًّا مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا بِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ سَلَكَ مَنْ بَعْدَهُمْ سَبِيلَ الْآبَاءِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ.
فَبَيِّنُوا لَنَا حُجَّتَكُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَيْهَاتَ مِنْ حُجَّةٍ وَنَحْنُ نَسْتَوْهِبُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ مِنْهُ.
قَالَ: وَمِمَّا يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لِتَلَامِيذِهِ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا 55: (فَأَمَّا أَنْتُمُ الَّذِينَ صَبَرْتُمْ مَعِي فِي بَلَائِي وَتَجَارِبِي فَإِنِّي أَعِدُكُمْ كَمَا وَعَدَنِي أَبِي الْمَلَكُوتَ لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا مَعِي عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي) فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ وَعَدَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ تَلَامِيذِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَهَذَا مَا لَا شَكَّ لَكُمْ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِكُمْ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
(4/171)

وَالنَّعِيمِ هُنَاكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِشَمْعُونَ حِينَ أَتَتْهُ الْجُمُوعُ فَأَخَذُوهُ: (أَمْ تَظُنُّ أَنِّي لَسْتُ قَادِرًا أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقِيمَ لِيَ اثْنَيْ عَشَرَ جُنْدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَكِنْ: كَيْفَ تَتِمُّ الْكُتُبُ أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ) ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنِّي قَادِرٌ أَنْ أَدْفَعَهُمْ عَنْ نَفْسِي، وَلَا أَنِّي آمُرُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَمْنَعُوا عَنِّي، كَمَا يَقُولُ مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْأَمْرُ.
قَالَ: وَنَجِدُكُمْ تَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ أَبِيهِ أَزَلِيٌّ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي الْقَوْلَ أَنْ يُثْبِتَ الْحُجَّةَ فِيهِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِإِيضَاحِهَا، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْخَطْبِ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يَقَعُ التَّلَاعُبَ بِهِ، وَلَا تَجْتَرِئُ النُّفُوسُ عَلَى رُكُوبِ الشُّبَهَاتِ فِيهِ، وَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَعَهُ مِمَنْ يَتَّبِعُ قَوْلَهُ، إِنْ كَانَ هَذَا الِابْنُ أَزَلِيًّا عَلَى مَا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ فَلَيْسَ هَذَا بِمَوْلُودٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فَلَيْسَ بِأَزَلِيٍّ ; لِأَنَّ اسْمَ الْأَزَلِيَّةِ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ.
وَمَعْنَى الْمَوْلُودِ: أَنَّهُ حَادِثٌ مَفْعُولٌ، وَكُلُّ مَفْعُولٍ فَلَهُ أَوَّلٌ، فَكَيْفَ
(4/172)

مَا أَرَدْتُمُ الْقَوْلَ فِيهِ كَانَ بُطْلَانَ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ: وَنَسْأَلُكُمْ أَيْضًا عَنْ وَاحِدَةٍ، لِمَ سَمَّيْتُمُ الْأَبَ أَبًا وَالِابْنَ ابْنًا؟ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ وَجَبَ لِلْأَبِ اسْمُ الْأُبُوَّةِ لِقِدَمِهِ، فَالِابْنُ أَيْضًا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ بِعَيْنِهِ، إِذْ كَانَ قَدِيمًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَالِمًا عَزِيزًا فَهُوَ أَيْضًا عَالِمٌ عَزِيزٌ تَشْهَدُ شَرِيعَةُ الْإِيمَانِ لَهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهَا: إِنَّهُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ كُلَّهَا وَأُتْقِنَتْ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ نَزَلَ لِخَلَاصِكُمْ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَالِمًا عَزِيزًا، فَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تُبْطِلُ اسْمَ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَفِي إِبْطَالِهَا بُطْلَانُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَقُولُ: وُلِدَ مِنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ وَالِابْنُ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْقِدَمِ وَالْقُدْرَةِ، فَبِأَيِّ فَضْلٍ وَسُلْطَانٍ لِلْأَبِ عَلَيْهِ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَصَارَ الْأَبُ بَاعِثًا وَالِابْنُ مَبْعُوثًا، وَالْأَبُ مَتْبُوعًا مُطَاعًا وَالِابْنُ تَابِعًا مُطِيعًا؟ .
وَمِمَّا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِنَا وَبُطْلَانِ مَا تَأَوَّلَهُ أَوَّلُوكُمْ فِي عُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، أَنَّ " مَتَّى " التِّلْمِيذَ حِينَ بَنَى كِتَابَهُ الْإِنْجِيلَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ أَنْ قَالَ: كِتَابُ مَوْلِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَنَسَبَهُ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَلَمْ يَقِلْ: إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَلَا إِنَّهُ إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ كَمَا يَقُولُونَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ تَسْمِيَةَ يَسُوعَ لِلنَّاسُوتِ الَّذِي قَدْ جَعَلْتُمُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ
(4/173)

كُلِّ مَنِ الْتَمَسَ الْحُجَّةَ مِنْكُمْ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ فِيمَا يَعْتَرِفُ بِهِ لِلْمَسِيحِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، فَقَدْ نَسَّقَ " مَتَّى " عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُمُ اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ جَامِعُ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ، فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي إِبْطَالِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا؟ .
وَمِمَّا يُصَحِّحُ قَوْلَنَا وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ الْمَلَكِ لِمَرْيَمَ عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهَا: إِنَّهُ ابْنُ دَاوُدَ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ.
قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي شَرِيعَةِ الْإِيمَانِ: أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ بِكْرُ الْخَلَائِقِ، فَإِنْ كُنْتُمْ ذَهَبْتُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ عَلَى نَحْوِ مَا يُسَمَّى أَوَّلُ وَلَدِ الرَّجُلِ وَكَبِيرُهُمْ فَجَائِزٌ، وَهُوَ مُحَقِّقٌ لِقَوْلِنَا فِي عُبُودِيَّتِهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ أَرَدْتُمْ بِذِكْرِ الْبِكْرِ أَنَّهُ أَوَّلُ قَدِيمٍ، فَلَسْنَا نَعْرِفُ لِلْبِكْرِ مَعْنًى فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ إِلَّا لِلْأَكْبَرِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَوَّلِ مِنَ الْوَلَدِ، وَبِكْرُ الْخَلَائِقِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْخَلَائِقِ.
كَمَا أَنَّ بِكْرَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جِنْسِهِمَا، وَبَاكُورَةُ الثِّمَارِ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَمَرَةٌ، وَلِأَنَّ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: بِكْرُ وَلَدِ آدَمَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ بِكْرُ الْمَصْنُوعَاتِ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، وَبِكْرُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ:
(4/174)

(يَا ابْنِي بِكْرِي) أَيْ إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (إِنَّهُ نَظَرَ بَنُو اللَّهِ إِلَى بَنَاتِ النَّاسِ فَشَغَفُوا بِهِنَّ) . فَهَلْ يُوجِبُ لِآلِ إِسْرَائِيلَ إِلَهِيَّةً بِهَذَا الْقَوْلِ؟
قَالَ: وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ وُلِدَ مِنْ أَبِيهِ قَبْلَ الْعَوَالِمِ وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، فَلَيْسَ يَخْلُو الْأَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوْلَدَ شَيْئًا مَوْجُودًا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا فَإِنَّ الْأَبَ لَمْ يَلِدْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ حَادِثٌ، لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ كَمَا قُلْنَا.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ قَوْلَنَا فِي خَلْقِ الْمَسِيحِ: أَنَّ هَذَا الِاسْمَ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ، لِأَنَّهُ مُسِحَ لِلنُّبُوَّةِ وَالْخَيْرِ وَمَاسَحَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَدْ قَالَ دَاوُدُ فِي زَبُورِهِ قَوْلًا يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ: (مِنْ أَجْلِ هَذَا الْبَرِّ مَسَحَكَ اللَّهُ إِلَهَكَ أَكْثَرَ مِمَّا مَسَحَ بِهِ نُظَرَاءَكَ) فَأَبَانَ دَاوُدُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعْنَى الْمَسْحِ بِإِنْجِيلِهِ، وَأَنَّ مَاسِحَهُ اللَّهُ إِلَهُهُ، وَأَنَّهُ مُصْطَفًى مُكَرَّمٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى نُظَرَائِهِ، وَقَالَ دَاوُدُ أَيْضًا فِي مَزْمُورِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ يُخَاطِبُ اللَّهَ: (مِنْ
(4/175)

أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لَا يَغْلِبُ وَجْهُ مَسِيحِكَ. عَهِدَ الرَّبِّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ، وَلَا يَرْجِعُ عَنْهُ) يَعْنِي بِمَسِيحِهِ نَفْسَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ لِلنُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ زَبُورِهِ، فَسَمَّى نَفْسَهُ مَسِيحَ اللَّهِ.
قَالَ: وَإِذَا نَظَرَ فِي الْإِنْجِيلِ وَكُتُبِ بُولُسَ وَغَيْرِهِ مِمَنْ يَحْتَجُّ بِهِ النَّصَارَى، وَجَدَ نَحَوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ آيَةٍ مِمَّا فِيهِ اسْمُ الْمَسِيحِ وَكُلُّهَا تَنْطِقُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ مَرْبُوبٌ وَأَنَّ اللَّهَ اخْتَصَّهُ بِالْكَرَامَاتِ، مَا خَلَا آيَاتٍ يَسِيرَةٍ مُشْكَلَاتٍ قَدْ تَأَوَّلَهَا كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ وَضَعُوا الشَّرِيعَةَ بِاخْتِيَارِهِمْ عَلَى هَوَاهُمْ، فَأَخَذُوا بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ، وَتَرَكُوا الْمُعْظَمَ الَّذِي يَنْطِقُ بِعُبُودِيَّتِهِ، فَلَوْ كَانُوا قَصَدُوا الْحَقَّ لَرَدُّوا تِلْكَ الْمُشْكَلَاتِ الشَّاذَّةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي يُوجَدُ لَهَا مِنَ التَّأْوِيلِ خِلَافُ مَا يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى الْوَاضِحَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي قَدْ بَانَتْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقَاسَ الْجُزْءُ عَلَى الْكُلِّ، وَيُسْتَدَلَّ عَلَى مَا غَابَ بِمَا حَضَرَ، وَعَلَى مَا أُشْكِلَ بِمَا ظَهَرَ، فَمِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ الْمُشْكَلَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي
(4/176)

كِتَابِنَا هَذَا وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ وَالْحُجَّةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا تَأَوَّلُوهُ.
وَمِنْهَا مَا يَحْكُونَ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ: (أَنَا بِأَبِي) ، وَقَدْ فَسَّرَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ وَكَشَفَهُ. قَالَ " يُوحَنَّا " فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ تَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ فِي تَلَامِيذِهِ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرَّبُّ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ بِاسْمِكَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَكَمَا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ، وَكَذَلِكَ أُرْسِلُهُمْ أَنَا أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا أَيْضًا: إِنِّي قَدْ مَنَحْتُهُمْ مِنَ الْمَجْدِ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي وَمَنَحْتَنِي لِيَكُونُوا أَيْضًا شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَأَنَا بِهِمْ وَأَنْتَ بِي)
قَالَ: هُوَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ مَعِي وَأَنْتَ لِي، كَمَا أَنَا مَعَ تَلَامِيذِي وَلَهُمْ.
قُلْتُ: أَوْ أَرَادَ أَنَّكَ بِي هَدَيْتَ الْخَلْقَ وَعَلَّمْتَهُمْ وَأَنَا أَهْدِيهِمْ
(4/177)

وَأُعَلِّمُهُمْ. وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِرُسُلِهِ هَدَى عِبَادَهُ وَعَلَّمَهُمْ، وَالرُّسُلَ عَلَّمُوا الْغَائِبِينَ عَنْهُمْ بِالْحَاضِرِينَ الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنْهُمْ، وَقَوْلُهُ: لِيَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا: أَرَادَ بِهِ اتِّفَاقَ صِدْقِهِمْ وَأَمْرِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، وَهَذَا مُفَسَّرٌ، وَقَدْ قَالَ: لِيَكُونُوا هُمْ شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَقَدْ طَلَبَ لَهُمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لَهُ وَلِرَبِّهِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ: كَمَا أَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَيْ أَنَا مُوَافِقُكَ فِي أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَرِضَاكَ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اتِّحَادَ ذَاتِهِ بِهِ، كَمَا لَمْ يُرِدْ أَنْ تَتَّحِدَ ذَوَاتُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ طَلَبَ لَهُمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ.
قَالَ: أَوْ يَكُونُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى مَعْنًى دَقِيقٍ لَا يَعْرِفْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ بَطُلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِهَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلُكُمْ مُمَازَجَتَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي اللَّاهُوتِ بِقَوْلِهِ فِي تَلَامِيذِهِ أَنَّهُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ أَبَاهُ بِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ ذَهَبَ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ بِهِ إِلَى مُشَارَكَتِهِ فِي
(4/178)

اللَّاهُوتِ فَقَدْ قَالَ فِي تَلَامِذَتِهِ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ شُرَكَاءَ فِي الْمَحَلِّ، وَهَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يَجْتَرِئُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَحَدٌ.
قَالَ: وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ كِتَابُهَا وَدَعْوَتُهَا وَمَعْبُودُهَا وَاحِدٌ يَتَمَسَّكُونَ بِأَمْرِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَلَامِذَتِهِ وَإِنْجِيِلِهِ وَسُنَّتِهِ وَشَرَائِعِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَبْدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِلَهٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ وَلَدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومٌ وَطَبِيعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أُقْنُومَانِ وَطَبِيعَتَانِ.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ وَيَقُولُ: إِنَّ الْحَقَّ فِي يَدِهِ، وَكُلُّهُمْ لَا يَأْتِي مِنَ الْكِتَابِ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ يُثْبِتُ بِهَا دَعْوَاهُ، وَلَا مِنْ قِيَاسِهِ لِنَفْسِهِ وَتَأَوُّلِهُ بِمَا يَصِحُّ لَهُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي دِينِهِ وَاعْتِقَادِهِ إِلَى مَا تَأَوَّلَهُ لَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ، بِمَا يُخَالِفُ إِنْجِيلَهُمْ وَكُتُبَهُمْ بِالْهَوَى وَالْعِنَادِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَهُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى التَّأْوِيلِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا مِنْ جِهَةِ مَا أَحْدَثُوا لِأَنْفُسِهِمْ، سُبْحَانَهُ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُجَجَ فِي بُطْلَانِ كُلِّ قَوْلٍ لَكُمْ
(4/179)

مِمَّا عَقَدْتُمْ بِهِ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ، وَوَجَدْنَا قَوْمًا مِنْكُمْ إِذَا نُوظِرُوا فِي ذَلِكَ قَالُوا: قَدْ وَجَدْنَا أَكْثَرَ الْأَدْيَانِ يَخْتَلِفُ أَهْلُهَا فِيهَا، وَيَتَفَرَّقُونَ عَلَى مَقَالَاتٍ شَتَّى هُمْ عَلَيْهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّ الصَّوَابَ فِي يَدِهِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ سُوءِ الِاخْتِيَارِ، وَذَهَابِ الْقُلُوبِ عَنْ رُشْدِهَا وَانْصِرَافِهَا عَنْ سَبِيلِ حَقِّهَا.
فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ فِي عَقْدِ مَعْبُودِهِمْ، وَلَا شَكُّوا فِيهِ وَلَا تَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيمَا اخْتَارُوهُ، إِلَّا أَهْلُ مِلَلِ النَّصْرَانِيَّةِ فَقَطْ.
وَسَائِرُ مَنْ سِوَاهُمْ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ وَشَرَائِعِهِ، مِثْلَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَسُنَنٍ لَهُمْ، وَمِثْلَ اخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَدَرِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ دَفَعَهُ.
وَفِي تَفْضِيلِ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نُظَرَائِهِمْ بَعْدَ اتِّفَاقِ جَمَاعَتِهِمْ عَلَى إِلَهِهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ وَخَالِقِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ إِلَهَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا وَلَدَ.
ثُمَّ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشُكُّونَ فِيهِ، وَعَلَى الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُرْسَلِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
فَإِذَا صَحَّ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ، كَانَ مَا سِوَاهَا خَلَلًا لَا يَقَعُ مَعَهُ كُفْرٌ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ دِينٌ.
(4/180)

وَالْبَلَاءُ الْعَظِيمُ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَعْبُودِ.
فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لَمْ يَعْرِفُوا لَهُمْ إِلَهًا وَلَا دِينًا، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِمْ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ، لَوَجَبَ أَنْ يَتَوَقَّفُوا عَنْهُ، إِذْ كَانَ أَهْلُهُ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى شَيْءٍ فِيهِ.
وَدَلَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَقَالَاتِهِمْ وَمُبَايَنَتِهَا مَا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِ.
فَأَمَّا قَوْلُنَا فِي بَابِ التَّوْحِيدِ، وَاعْتِرَافُنَا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيُنَا عَنْهُ الشُّرَكَاءَ وَالْأَنْدَادَ وَالْأَمْثَالَ وَالْأَوْلَادَ، فَهُوَ قَوْلٌ لَا يَشُكُّونَ فِي صِحَّتِهِ وَلَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ وَسَائِرِ الْمِلَلِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ بِالدَّهْرِ وَسَائِرِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُقِرُّ بِهِ وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ.
إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُتَابِعُنَا عَلَى تَحْدِيدِ التَّوْحِيدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُ الْعِلَلَ فِيهِ، بِأَنْ يَقُولَ: ثَلَاثَةٌ تَرْجِعُ إِلَى وَاحِدٍ، وَصَنَمًا نَعْبُدُهُ إِجْلَالًا لِلَّهِ لِيُقَرِّبَنَا إِلَى رَبِّنَا وَرَبِّهِ، وَمُدَبِّرٌ لِلْأُمُورِ قَدِيمٌ لَا بُدَّ أَنْ نَعْتَرِفَ بِهِ خَالِقَهَا وَبَارِيِهَا.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِقَوْلِنَا، وَذَاهِبٌ إِلَى مَذْهَبِنَا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِاللَّهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ.
فَقَدْ صَحَّ عَقْدُنَا بِلَا شَكٍّ مِنْكُمْ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ فِيهِ،
(4/181)

وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ تَقُودُكُمُ الضَّرُورَةُ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَنَا عَلَيْهِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى تَوْفِيقِهِ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ وَيُدِيمَ لَنَا تَسْدِيدَهُ بِقُدْرَتِهِ، وَأَنْ يُحْيِيَنَا وَيُمِيتَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ وَلَا جَاحِدِينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ مُسْتَصْعَبٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، وَهُوَ بِمَنْ خَافَهُ وَاتَّقَاهُ وَطَلَبَ مَا عِنْدَهُ وَلَمْ يُلْحِدْ فِي دِينِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. اهـ.
قُلْتُ: هَذَا آخِرُ مَا كَتَبْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ مِمَنْ كَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَأَخْبَرِ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِمْ، فَنَقْلُهُ لِقَوْلِهِمْ أَصَحُّ مِنْ نَقْلِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنَ الرَّدِّ عَلَى مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، وَمَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ مِنَ الْحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ كَلَامَ مَنْ نَقَلَ مَذَاهِبَهِمْ مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الْمُنْتَصِرِينَ لِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَنَذْكُرُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حُجَجِهِمْ، مِثْلَ ابْنِ الْبِطْرِيقِ،
(4/182)

بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَهُ الَّذِي سَمَّاهُ " نَظْمُ الْجَوْهَرِ " وَذَكَرَ فِيهِ أَخْبَارَ النَّصَارَى وَمَجَامِعَهُمْ وَاخْتِلَافَهُمْ، وَسَبَبَ إِحْدَاثِهِمْ مَا أَحْدَثُوهُ مَعَ انْتِصَارِهِ لِقَوْلِ الْمَلِكِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي تَارِيخِهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النَّصَارَى الَّذِي سَمَّاهُ " نَظْمُ الْجَوْهَرِ "، وَذَكَرَ فِيهِ مَبْدَأَ الْخَلْقِ وَتَوَارِيخَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَمِ وَأَخْبَارَ مُلُوكِ الرُّومِ وَأَصْحَابِ الْكَرَاسِيِّ بِرُومِيَّةَ وَقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَغَيْرِهِمَا، وَوَصَفَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَفِرَقَ أَهْلِهَا، وَهُوَ مَلِكِيٌّ، رَدَّ عَلَى سَائِرِ طَوَائِفِ النَّصَارَى لَمَّا ذَكَرَ مَوْلِدَ الْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ مَلِكِ الرُّومِ قَيْصَرَ الْمُسَمَّى أُغُسْطُسَ لِثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، قَالَ: وَمَلَكَ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
(4/183)

قَالَ: وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنَهُ " طِيبَارْيُوسُ " قَيْصَرُ بِرُومِيَّةَ، وَلِلْمَسِيحِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَكَانَ لِقَيْصَرَ هَذَا صَدِيقٌ يُقَالُ لَهُ " بِلَاطِسُ " مِنْ قَرْيَةٍ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ الَّذِي تَحْتَ " قُسْطَنْطِينِيَّةَ " وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْبَحْرُ " السُّطْسُ " وَلِذَلِكَ يُسَمَّى " بِلَاطِسُ النَّبَطِيُّ " فَوَلَّاهُ عَلَى أَرْضِ " يَهُوذَا ".
قَالَ: وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " طِيبَارْيُوسَ " قَيْصَرَ هَذَا ظَهَرَ " يَحْيَى " ابْنُ زَكَرِيَّا الْمَعْمِدَانِيُّ، فَعَمَّدَ الْيَهُودَ فِي الْأُرْدُنِّ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا.
فَجَاءَ الْمَسِيحُ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا فَعَمَّدَهُ يَحْيَى فِي الْأُرْدُنِّ،
(4/184)

وَلِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِ يَحْيَى، وَقِصَّةَ الصَّلْبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ النَّصَارَى.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَتَبَ بِلَاطِسُ " إِلَى " طِيبَارْيُوسَ " الْمَلِكِ بِخَبَرِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَمَا تَفْعَلُ تَلَامِيذُهُ مِنَ الْعَجَائِبِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِبْرَاءِ الْمَرْضَى وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى.
فَأَرَادَ أَنْ يُؤْمِنَ بِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَيُظْهِرَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
وَذَكَرَ أَنَّ فِي عَصْرِهِ بُنِيَتْ مَدِينَةُ " طَبَرِيَّةَ " مُشْتَقَّةٌ مِنَ اسْمِهِ.
قَالَ: وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. قَتَلَ " بِلَاطِسَ " وَوَلَّى شَخْصًا كَانَ شَدِيدًا عَلَى تَلَامِيذِ الْمَسِيحِ، وَقَتَلَ رَئِيسَ الشُّهَدَاءِ وَالشَّمَامِسَةِ، فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ التَّلَامِيذُ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً، وَقُتِلَ
(4/185)

مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُ مَاتَ هَذَا وَوَلِيَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ، وَفِي زَمَنِهِ وَقَعَ جُوعٌ وَوَبَاءٌ وَفِي زَمَنِهِ كَتَبَ " مَتَّى " وَبَيَّنَ إِنْجِيلَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفَسَّرَهُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ إِلَى الرُّومِيَّةِ " يُوحَنَّا " صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ.
قَالَ: وَفِي تِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ " مُرْقُسُ " صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ بِمَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَخْصٍ جُعِلَ بَطْرِيَرْكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَنَّهُ صَيَّرَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسِّيسًا وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَاتَ الْبَطْرِيَرْكُ أَنْ يَخْتَارُوا وَاحِدًا مِنْ الِاثْنَيْ
(4/186)

عَشَرَ قِسِّيسًا، وَيَضَعَ الِاثْنَا عَشَرَ قِسِّيسًا أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ وَيُبَارِكُونَهُ وَيُصْلِحُونَهُ بَطْرِيَرْكًا، ثُمَّ يَخْتَارُونَ رَجُلًا فَاضِلًا قِسِّيسًا وَيُصَيِّرُونَهُ مَعَهُمْ بَدَلَ الْقِسِّيسِ الَّذِي أَصْلَحُوهُ بَتْرَكًا، لِيَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَبَدًا.
فَلَمْ يَزَلْ رَسْمُهُمْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَلَى هَذَا إِلَى زَمَنِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
فَأَمَرَهُمْ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الَّذِي كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَنْ لَا يُفْعَلَ هَذَا فِيمَا بَعْدُ، وَمَنَعَ أَنْ يُصْلِحَ الْأَقِسَّاءُ الْبَتْرَكَ، بَلْ يَخْتَارُوا مِنْ أَيِّ بَلَدٍ كَانَ رَجُلًا فَاضِلًا، وَإِذَا مَاتَ الْبَتْرَكُ اجْتَمَعَ الْأَسَاقِفَةُ فَأَصْلَحُوا الْبَتْرَكَ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ كَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْأَقِسَّةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
فَانْقَطَعَ الرَّسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ إِصْلَاحِ الْأَقِسَّاءِ الْبَتْرَكَ، وَجَعَلَ التَّيْسِيرَ لَهُمْ فِي إِصْلَاحِ الْبَتْرَكِ بَابَا، ثُمَّ سَمَّى بَتْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَابَا، وَمَعْنَاهُ الْجَدُّ.
(4/187)

وَمِنْ حَنَانْيَا الَّذِي أَصْلَحَهُ " مُرْقُسُ الْبَشِيرُ " إِلَى حَادِي عَشَرَ بَطْرَكًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَمَلِ مِصْرَ أُسْقُفٌّ وَلَمْ يَكُنِ الْبَطَارِكَةُ قَبْلَهُ أَصْلَحُوا أَسْقُفًّا، وَأَنَّ الْعَامَّةَ لَمَّا سَمِعَتِ الْأَسَاقِفَةَ يُسَمُّونَ الْبَطْرِيَرْكَ أَبًا قَالُوا: إِذَا كُنَّا نَحْنُ نُسَمِّي الْأَسْقُفَّ أَبًا، وَالْأَسْقُفُّ يُسَمِّي الْبَطْرِيكَ أَبًا، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُسَمِّيَ الْبَطْرِيَرْكَ بَابَا ; أَيِ الْجَدُّ، إِذْ كَانَ أَبًا لِأَبِيِنَا، فَسُمِّيَ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ وَقْتِ " هِرَقْلَ " بَابَا، أَيِ الْجَدُّ.
قَالَ: وَخَرَجَ " مُرْقُسُ " إِلَى " بَرْقَةَ " يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ وَمَاتَ " قُلُودْيُوسُ " قَيْصَرُ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ " نَارُونُ " ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَهَاجَ عَلَى النَّصَارَى الشَّرَّ وَالْبَلَاءَ وَالْعَذَابَ.
قَالَ: وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ " بُطْرُسُ " رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ الْإِنْجِيلَ
(4/188)

(إِنْجِيلَ مُرْقُسَ) عَنْ مُرْقُسَ بِمَدِينَةِ رُومِيَّةَ، وَنَسَبَهُ إِلَى مُرْقُسَ.
قَالَ: وَفِي عَصْرِ هَذَا الْمَلِكِ كَتَبَ " لُوقَا " إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ إِلَى رَجُلٍ شَرِيفٍ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ " فُوفِيلَّا " فَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا الْأَبْرِكْسِسَ الَّذِي فِيهِ أَخْبَارُ التَّلَامِيذِ.
وَقَدْ كَانَ " لُوقَا الْبَشِيرُ " صَاحِبُ " بُوُلُسَ الرَّسُولِ " يَقُولُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ أَنَّ " لُوقَا " الطَّبِيبَ يَقُولُ: " عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ".
وَقَالَ: وَأَخَذَ ثَارُونُ قَيْصَرُ لِبُطْرُسَ فَصَلَبَهُ مُنَكَّسًا، ثُمَّ قَتَلَهُ، لِأَنَّ بُطْرُسَ قَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَصْلُبَنِي فَاصْلُبْنِي مُنَكَّسًا، لِئَلَّا أَكُونَ مِثْلَ سَيِّدِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ صُلِبَ قَائِمًا، وَضُرِبَ عُنُقُ بُوُلُسَ الرَّسُولِ بِالسَّيْفِ.
وَأَقَامَ بُطْرُسُ بَعْدَ صُعُودِ الْمَسِيحِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
(4/189)

قَالَ: وَكَانَ مُرْقُسُ صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَرْقَةَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ فَأَقَامَ سَبْعَ سِنِينَ.
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ نَارُونَ قَيْصَرَ قُتِلَ مُرْقُسُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَأُحْرِقَ جَسَدُهُ بِالنَّارِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ عِدَّةَ قَيَاصِرَةٍ، وَذَكَرَ أَنَّ " طِيطَسَ " خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا وَأَصَابَ أَهْلَهَا جُوعٌ عَظِيمٌ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حَتَّى كَانُوا يَشُقُّونَ بُطُونَ الْحَبَالَى وَيَضْرِبُونَ بِأَطْفَالِهِمُ الصُّخُورَ.
وَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ وَالْهَيْكَلَ، وَأَضْرَمَ بِهَا النَّارَ، وَأَحْصَى الْقَتْلَى عَلَى يَدَيْهِ فَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ.
وَذَكَرَ عِدَّةَ قَيَاصِرَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ وَلِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، يُقَالُ لَهُ: " ذُومَا طِيَانُوسُ " وَكَانَ شَدِيدًا جِدًّا عَلَى الْيَهُودِ، وَأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ مَلِكُهُمْ، وَأَنَّ مُلْكَهُ إِلَى الدَّهْرِ.
فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَأَمَرَ بِقَتْلِ النَّصَارَى، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي مُلْكِهِ نَصْرَانِيٌّ.
(4/190)

وَكَانَ " يُوحَنَّا " صَاحِبُ الْإِنْجِيلِ هُنَاكَ فَسَمِعَ بِهَذَا، فَخَافَ وَهَرَبَ إِلَى أَفْسِسَ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِإِكْرَامِهِمْ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ تَوَلَّى بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى، ثُمَّ مَلَكَ آخَرُ بَعْدَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، يُسَمَّى " طِرَايَانُوسُ ".
قَالَ: وَهَذَا الْمَلِكُ أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا طَوِيلًا، وَقَتَلَ شُهَدَاءَ كَثِيرَةً، وَقَتَلَ بَطْرِيَرْكَ إِنْطَاكِيَةَ بِرُومِيَّةَ وَقَتَلَ أَسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَبَهُ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَعْبَدَ النَّصَارَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ وَلَا شَرِيعَةٌ.
(4/191)

فَلِشِدَّةِ مَا اسْتُعْبِدَ النَّصَارَى وَغِلَظِ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، رَحِمَتْهُمُ الرُّومُ وَشَهِدَ وُزَرَاءُ الْمَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ شَرِيعَةٌ وَدِينٌ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُسْتَعْبَدُوا، فَكَفَّ عَنْهُمُ الْأَذِيَّةَ.
قَالَ: وَفِي عَصْرِهِ كَتَبَ " يُوحَنَّا " إِنْجِيلَهُ بِالرُّومِيَّةِ فِي جَزِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا: " تِيمْرَا " مِنْ أَرْضِ الرُّومِ مِنْ أَرْضِ " أَثِينَةَ " فِي عَصْرِ رَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَيْلَسُوفٍ يُقَالُ لَهُ: " مُومُودِسُ ".
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ رَجَعَ الْيَهُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا كَثُرُوا وَامْتَلَأَتْ مِنْهُمُ الْمَدِينَةُ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوا مِنْهُمْ مَلِكًا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ " طِيبَارْيُوسَ قَيْصَرَ " فَوَجَّهَ بِقَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
(4/192)

قَالَ: وَخَرَجَ عَلَى قَيْصَرَ هَذَا خَارِجِيٌّ مُقَاتِلٌ بِبَابِلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَقُتِلَ قَيْصَرُ فِي الْحَرْبِ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ " أَنْدِرْيَانُوسُ قَيْصَرَ " عِشْرِينَ سَنَةً، فَخَرَجَ إِلَى ذَلِكَ الْخَارِجِيِّ بِبَابِلَ فَهَزَمَهُ، وَصَارَ إِلَى مِصْرَ فَلَقِيَ مِنْهُ أَهْلُ مِصْرَ شِدَّةً شَدِيدَةً، وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَصَابَ " إِيلِيَا " ابْنَهُ عِلَّةٌ فِي بَدَنِهِ، فَكَانَ يَنْفُذُ إِلَى الْبُلْدَانِ يَطْلُبُ شِفَاءً لِعِلَّتِهِ، فَوَصَفُوا لَهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا وَافَاهَا رَآهَا خَرَابًا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا كَنِيسَةً لِلنَّصَارَى، فَأَمَرَ أَنْ تُبْنَى الْمَدِينَةُ وَتُحَصَّنَ بِحِصْنٍ قَوِيٍّ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ أَقْبَلُوا مِنْ كُلِّ بَلَدِ وَكُلِّ مَدِينَةٍ، فَمَا كَانَ إِلَّا زَمَانٌ قَلِيلٌ حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهُمُ الْمَدِينَةُ، فَلَمَّا كَثُرُوا
(4/193)

مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا.
فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِإِيلِيَا بْنِ قَيْصَرَ إِنْدِرْيَانُوسَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ بِقَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ مَعَ خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَحَاصَرَ الْمَدِينَةَ، فَمَاتَ كُلُّ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، ثُمَّ فَتَحَهَا فَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ مَا لَا يُحْصَى، وَهَدَمَ الْحِصْنَ وَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ حَتَّى صَيَّرَهَا صَحْرَاءَ.
قَالَ: وَهَذَا آخِرُ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَرَبَ مِنَ الْيَهُودِ مَنْ هَرَبَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْجِبَالِ وَإِلَى الْغَوْرِ.
وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَهُودِيٌّ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْيَهُودُ وَيُسْتَأْصَلُوا، وَأَنْ يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ الْيُونَانِيُّونَ وَيَبْنُوا عَلَى بَابِ الْهَيْكَلِ بُرْجًا، وَيُجْعَلَ فَوْقَهُ أَلْوَاحًا وَيَكْتُبُوا عَلَيْهِ اسْمَ " إِيلِيَا الْمَلِكِ " وَذَلِكَ مِنْ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ.
قَالَ: وَالْبُرْجُ الْيَوْمَ عَلَى بَابِ مَدِينَةِ الْقُدْسِ، وَسُمِّيَ مِحْرَابُ دَاوُدَ.
قَالَ: فَسُمِّيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ " إِيلِيَا ".
فَمِنَ الْخَرَابِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخْرَبَهُ " طِيطَسُ " إِلَى هَذَا الْخَرَابِ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
وَامْتَلَأَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ، فَنَظَرُوا إِلَى النَّصَارَى يَأْتُونَ
(4/194)

إِلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَبْرُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ، فَيُصَلُّونَ، فَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَبَنَى الْيُونَانِيُّونَ عَلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ هَيْكَلًا عَلَى اسْمِ الزُّهْرَةِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْرَبَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ.
قَالَ: ثُمَّ مَاتَ " إِيلِيَا الْمَلِكُ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ " أَنْطُونْيُوسُ قَيْصَرُ " بِرُومِيَّةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ: وَفِي إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ صَيَّرَ " يَهُودَا " أُسْقُفًّا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَقَامَ سَنَتَيْنِ وَمَاتَ.
قَالَ: فَمِنْ يَعْقُوبَ أُسْقُفِّ الْمَقْدِسِ الْأَوَّلِ إِلَى يَهُودَا أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هَذَا، كَانَتِ الْأَسَاقِفَةُ الَّذِينَ صُيِّرُوا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَخْتُونِينَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ وَلِيَ بَعْدَ هَذَا قَيْصَرُ آخَرُ اسْمُهُ " مُرْقُسُ " تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنَّهُ أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا شَدِيدًا، وَاسْتُشْهِدَ فِي زَمَانِهِ شُهَدَاءُ كَثِيرُونَ.
(4/195)

قَالَ: وَكَانَ فِي أَيَّامِهِ جُوعٌ شَدِيدٌ وَوَبَاءٌ عَظِيمٌ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ سِنِينَ، وَكَادَ الْمَلِكُ وَجَمِيعُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ أَنْ يَهْلِكُوا مِنَ الْجُوعِ.
فَسَأَلُوا النَّصَارَى أَنْ يَبْتَهِلُوا إِلَى إِلَهِهِمْ، فَدَعَوْا فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا عَظِيمًا وَارْتَفَعَ الْوَبَاءُ وَالْقَحْطُ.
قَالَ: وَكَانَ بِأَيَّامِهِ بِأَرْضِ الْيُونَانِيِّينَ " مَغْنُوسُ " الْحَكِيمُ.
قَالَ: وَفِي خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ، صَيَّرَ " لُولْيَاثُوسَ " بَطْرِيَرْكًا، وَهُوَ أَوَّلُ بَطْرِيَرْكٍ أَصْلَحَ الْأَسَاقِفَةَ فِي عَمَلِ مِصْرَ، أَقَامَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَمَاتَ.
(4/196)

[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتُهُ فِي ذَلِكَ]
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ كَتَبَ بَطْرِيَرْكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَطَرَكِ إِنْطَاكِيَةَ وَبَطْرَكِ رُومِيَّةَ فِي كِتَابَ فِصْحِ النَّصَارَى وَصَوْمِهِمْ، وَكَيْفَ يُسْتَخْرَجُ مِنْ فِصْحِ الْيَهُودِ، فَوَضَعُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا بَعْدَ صُعُودِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى
(4/197)

السَّمَاءِ إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْغِطَاسِ مِنَ الْغَدِ يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُفْطِرُونَ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ، لِأَنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ لَمَّا اعْتَمَدَ بِالْأُرْدُنِّ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَقَامَ بِهَا صَائِمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ النَّصَارَى إِذَا أَفْصَحَ الْيَهُودُ عَيَّدُوا هُمُ الْفِصْحَ.
فَوَضَعَ هَؤُلَاءِ الْبَطَارِكَةُ حِسَابًا لِلْفِصْحِ لِيَصُومَ النَّصَارَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَكُونَ فِطْرُهُمْ يَوْمَ الْفِصْحِ لِيَتِمَّ فَرَحُهُمْ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: فَقَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمَّا صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَقِبَ الْمَعْمُودِيَّةِ، وَكَانَ يُعَيِّدُ مَعَ الْيَهُودِ فِي عِيدِهِمْ لَا يُعَيِّدُ عَقِبَ صَوْمِهِ، شَارَكَهُ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ مُدَّةً، فَصَارُوا يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ عَقِبَ الْغَطَاسِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ الْمَعْمُودِيَّةِ، وَيُعَيِّدُونَ مَعَ الْيَهُودِ الْعِيدَ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ هَذَا ابْتَدَعُوا تَغْيِيرَ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَصُومُوا عَقِبَ الْغَطَاسِ، بَلْ نَقَلُوا الصَّوْمَ إِلَى وَقْتٍ يَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ عِيدِ الْيَهُودِ، فَيَكُونُ عِيدُهُمْ مَعَ عِيدِ الْيَهُودِ، وَهُوَ فِصْحُ الْمَسِيحِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَقْتَ قِيَامَتِهِ مِنْ قَبْرِهِ.
قَالَ: وَمَاتَ " مُرْقُصُ الْمَلِكُ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ " قُمُودُوسُ قَيْصَرُ " بِرُومِيَّةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ فِي أَرْضِ الْيُونَانِيِّينَ فِي مَدِينَةِ " أَفْرِغَامِسَ "، " جَالِينُوسُ " الْحَكِيمُ صَاحِبُ صِنَاعَةِ الطِّبِّ.
وَذَكَرَ " جَالِينُوسُ " فِي فِهْرِسْتِ كُتُبِهِ أَنَّهُ رَبَّى " قَمُودُوسَ الْمَلِكَ ".
(4/198)

وَذَكَرَ " جَالِينُوسُ " فِي الْمَقَالَةِ الْأُولَى مِنَ الْكِتَابِ الْمَعْرُوفِ بِـ (كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّفْسِ) : أَنَّهُ كَانَ فِي عَصْرِ " قُمُودُوسَ الْمَلِكِ " رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " بُولُسُ " طَلَبَهُ " قُمُوُدُوسُ الْمَلِكُ " لِيَقْتُلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَكَانَ لَهُ غُلَامَانِ، فَقَبَضَهُمَا الْمَلِكُ، فَضَرَبَهُمَا الْمَلِكُ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا أَنْ يَدُلَّاهُ عَلَى مَوْلَاهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلَا لِكَرَمِ أَنْفُسِهِمَا وَنَخْوَتِهِمَا وَشَدَّةِ مُحَامَاتِهِمَا عَلَى مَوْلَاهُمَا، فَقَتَلَهُمَا. وَأَنَّ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى بُولُسَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ مُلْكِ " قُمُودُوسَ قَيْصَرَ " فَهَذَا مَا ذَكَرَ جَالِينُوسُ.
قَالَ: وَكَانَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ " دِيمُقْرَاطِيسَ " الْحَكِيمِ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْمُدَّةُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ " سَعِيدٌ " هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْمَسِيحِ إِلَى هُنَا مِائَتَا سَنَةٍ، بَلْ ذَكَرَ إِلَى الْخَرَابِ مِائَةً وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ " لِدِيمُقْرَاطِيسَ " قَبْلَ هَذَا.
(4/199)

قَالَ: وَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَتِ الْفُرْسُ فَغَلَبَتْ عَلَى " بَابِلَ "، وَأَمَدُّوا فَارِسَ، وَتَمَلَّكَ " أَزْدَشِيرُ بْنُ سَاسَانَ " بَابِلَ مِنْ أَهْلِ أَصْطَخَرَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَلِكٍ مُلِّكَ عَلَى فَارِسَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ: وَمَاتَ " قُمُودُوسُ قَيْصَرُ " مِلْكُ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ آخَرَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ بِرُومِيَّةَ " سَوِيرِسُ قَيْصَرُ " سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " أَزْدَشِيرَ ".
وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ شَدِيدًا، قَدْ أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَعَذَابًا كَبِيرًا، وَقَتَلَ كُلَّ عَالِمٍ مِنْهُمْ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَاسْتُشْهِدَ فِي أَيَّامِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَهَدَمَ الْكَنَائِسَ وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا،
(4/200)

وَسَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ، وَهُوَ " أَنْطُونْيُوسُ " الْأَصْلَعُ سِتَّ سِنِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَانَتِ النَّصَارَى فِي أَيَّامِهِ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُحِبُّ النَّصَارَى، وَفِي أَيَّامِهِ سُمِّيَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " بَابَا " أَيِ الْجَدُّ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَهَذَا أَثَارَ عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً طَوِيلًا وَحُزْنًا عَظِيمًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَأَخَذَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ خَلْقًا كَثِيرًا وَقَتَلَ بَتْرَكَ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ أُسْقُفُّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَتْلِهِ هَرَبَ وَتَرَكَ الْكُرْسِيَّ.
قَالَ: وَمَاتَ قَيْصَرُ هَذَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مُلْكِ " بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ أَرْبَعَ سِنِينَ،
(4/201)

وَاسْمُهُ " غِرْدِيَانُوسُ " وَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ مَاتَ " بَهْرَامُ بْنُ هُرْمُزَ " وَمُلِّكَ بَعْدَهُ " بَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ " عَلَى الْفُرْسِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ رَجُلٌ فَارِسِيٌّ يُقَالُ لَهُ: " مَانِي " فَأَظْهَرَ دِينَ الْمَانِيَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَخَذَهُ " بَهْرَامُ بْنُ بَهْرَامَ " مَلِكُ الْفُرْسِ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَأَخَذَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَغَرَسَ رُءُوسَهُمْ فِي الطِّينِ مُنَكَّسِينَ حَتَّى مَاتُوا مُنَكَّسِينَ.
وَمَلَكَ بَعْدَ قَيْصَرَ هَذَا " فِيلِبْسُ " قَيْصَرُ بِرُومِيَّةَ سَبْعَ سِنِينَ، وَآمَنَ بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ اسْمَهُ " دَاقْنُوسُ " وَهُوَ " دِقْيَانُوسُ " وَذَلِكَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ " فَلَقِيَ النَّصَارَى مِنْهُ حُزْنًا طَوِيلًا وَعَذَابًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى وَاسْتُشْهِدَ فِي أَيَّامِهِ مِنَ الشُّهَدَاءِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَتَلَ بَطْرَقَ رُومِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " فَبَنَى
(4/202)

فِي وَسَطِهَا هَيْكَلًا عَظِيمًا وَصَيَّرَ فِيهِ الْأَصْنَامَ، وَأَمَرَ أَنْ يُسْجَدَ لِلْأَصْنَامِ وَيُذْبَحَ لَهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قُتِلَ، فَقَتَلَ مِنَ النَّصَارَى بِأَفْسِسَ خَلْقًا عَظِيمًا، وَصَلَبَهُمْ عَلَى الْحِصْنِ وَاتَّخَذَ مِنْ أَوْلَادِ عُظَمَاءِ " أَفْسِسَ " سَبْعَةَ غِلْمَانٍ مِنْ خَوَاصِّهِ وَعَلَى كِسْوَتِهِ، وَقَدَّمَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدِهِ، وَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ، أَسْمَاءَ أَصْحَابِ أَهْلِ الْكَهْفِ.
قَالَ: وَهَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ الْغِلْمَانُ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْأَصْنَامِ، فَأَعْلَمُوا الْمَلِكَ بِخَبَرِهِمْ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَأَطْلَقَ سَبِيلَهُمْ إِلَى حِينِ رُجُوعِهِ.
فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذَ الْغِلْمَانُ كُلَّ مَا لَهُمْ فَتَصَدَّقُوا بِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى جَبَلٍ عَظِيمٍ يُقَالُ لَهُ: " جَاوِسُ " شَرْقِيَّ أَفْسِسَ " فِيهِ كَهْفٌ كَبِيرٌ فَاخْتَفَوْا فِي الْكَهْفِ، فَكَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَتَنَكَّرُ وَيَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، فَيَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي شَأْنِهِمْ وَيَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا وَيَرْجِعُ فَيُعْلِمُهُمْ.
فَقَدِمَ " دِقْيَانُوسُ " الْمَلِكُ فَسَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ فِي جَبَلِ " جَاوِسَ " فِي الْكَهْفِ مُخْتَفِينَ.
فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يُبْنَى بَابُ الْكَهْفِ عَلَيْهِمْ لِيَمُوتُوا، وَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ، فَنَامُوا كَالْأَمْوَاتِ.
(4/203)

وَأَخَذَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ، وَكَتَبَ فِيهَا خَبَرَهُمْ وَقِصَّتَهُمْ مَعَ " دِقْيَانُوسَ " الْمَلِكِ، وَصَيَّرَ الصَّفِيحَةَ فِي صُنْدُوقِ نُحَاسٍ وَدَفَنَهُ دَاخِلَ الْكَهْفِ، وَبَنَى الْكَهْفَ.
وَمَاتَ الْمَلِكُ " دِقْيَانُوسُ قَيْصَرُ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرَانِ بِرُومِيَّةَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ قَيْصَرُ آخَرُ اسْمُهُ " غِنْيُونُوسُ " خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرُ آخَرُ سَنَةً وَاحِدَةً وَمَاتَ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " هُرْمُزَ ".
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ هَذَا، صَيَّرَ " بُولُسَ " بَطْرَكًا عَلَى أَنْطَاكِيَّةَ وَيُسَمَّى: " بُولُوسُ الشِّمْشَاطِيُّ " قَالَ: وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ دِينَ " الْبُولْيَانِيَّةِ "، فَسُمِّيَ التَّابِعُونَ لِدِينِهِ وَالْقَائِلُونَ بِمَقَالَتِهِ بُولْيَانِيِّينَ.
قَالَ: وَكَانَتْ مَقَالَتُهُ: أَنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ إِنْسَانًا كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الِابْنِ مِنْ مَرْيَمَ وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ، صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، فَحَلَّتْ فِيهِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ: (ابْنُ اللَّهِ) .
(4/204)

وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ وَلَا نُؤْمِنُ بِالْكَلِمَةِ، وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ.
قَالَ: وَبَعْدَ مَوْتِهِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا فِي مَدِينَةِ " أَنْطَاكِيَةَ " وَنَظَرُوا فِي مَقَالَةِ " بُولُسَ "، فَأَوْجَبُوا عَلَى هَذَا الشِّمْشَاطِيِّ اللَّعْنَ فَلَعَنُوهُ، وَلَعَنُوا مَنْ يَقُولُ مَقَالَتَهُ وَانْصَرَفُوا.
قَالَ: وَبَعْدَهُ مَلَكَ قَيْصَرُ آخَرُ سِتَّ سِنِينَ، اسْمُهُ " أُورَاغُوسُ قَيْصَرَ ".
قَالَ: وَكَانَ النَّصَارَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ يُصَّلُّونَ فِي الْمَطَامِيرِ وَالْبُيُوتِ فَزَعًا مِنَ الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْهَرُ بَتْرَكٌ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ; لِئَلَّا يَقْتُلُوهُمْ.
فَلَمَّا صَارَ " نَارُونَ " بَطْرَكًا، ظَهَرَ وَلَمْ يَزَلْ يُدَارِي الرُّومَ حَتَّى بَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ كَنِيسَةَ " حَنَّا " وَ " مَارِ مَرْيَمَ " وَمَلَكَ بَعْدَهُ
(4/205)

قَيْصَرَانِ، ثُمَّ قَيْصَرُ اسْمُهُ " فَارُوسُ " وَذَلِكَ فِي تِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ ". وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى النَّصَارَى، قَتَلَ الْأَخَوَيْنِ " قَزْمَانَ " وَ " دِمْيَانَ " الشَّهِيدَيْنِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ " دِقْيِطْيَانُوسُ ".
قَالَ: فَمِنْ خَرَابِ " طِيطَسَ " لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مُلْكِ " دِقْيِطْيَانُوسَ " مِائَتَانِ وَسِتِّ سِنِينَ، وَمِنْ مَوْلِدِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " مِائَتَانِ وَسِتٌّ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنَ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى " دِقْيِطْيَانُوسَ " أَلْفٌ وَتِسْعُمِائَةٍ وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
قَالَ: وَمَلَكَ " دِقْيِطْيَانُوسْ " فِي إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ
(4/206)

" سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " مَلِكِ الْفُرْسِ، وَمَلَكَ مَعَهُ اثْنَانِ تَمَلَّكَا عَلَى الرُّومِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهَؤُلَاءِ أَثَارُوا عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا طَوِيلًا وَعَذَابًا أَلِيمًا وَشِدَّةً شَدِيدَةً تَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَمْوَالِ، وَاسْتَشْهَدُوا أُلُوفًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَعَذَّبُوا " مَارِي جِرْجِسَ " أَصْنَافَ الْعَذَابِ وَقَتَلُوهُ بِفِلَسْطِينَ، وَقَتَلُوا " مَارِي مِينَا " وَ " مَارِي بَقْطَرَ " وَ " أَيِتْمَاخُوسَ " وَ " مِرْكُورُسَ " وَغَيْرَهُمَا.
قَالَ: وَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِمَا صُيِّرَ " بُطْرُسُ " بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ وَقُتِلَ.
(4/207)

وَفِي عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِمَا، ضُرِبَ عُنُقُ بُطْرُسَ هَذَا الْبَطْرَكِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ لِبُطْرُسَ تِلْمِيذَانِ، اسْمُ أَحَدِهِمَا " أَشْلَا " وَالْآخُرِ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: " أُورْيُوسُ " يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ اللَّهُ الْفَرْدُ، وَالِابْنُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَقَدْ كَانَ (الْأَبُ) إِذْ لَمْ يَكُنِ الِابْنُ.
فَقَالَ " بُطْرُسُ " الْبَطْرَكُ لِتِلْمِيذَيْهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ لَعَنَ " أَرِيُوسَ " فَاحْذَرَا أَنْ تَقْبَلَا قَوْلَهُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَسِيحَ فِي النَّوْمِ مَشْقُوقَ الثَّوْبِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَنْ شَقِّ ثَوْبَكَ؟ فَقَالَ لِي: " أَرِيُوسُ "، فَاحْذَرُوا أَنْ تَقْبَلُوهُ وَيَدْخُلَ مَعَكُمُ الْكَنِيسَةَ، كَنِيسَةَ اللَّهِ.
قَالَ: وَبَعْدَ قَتْلِ " بُطْرُسَ " بِخَمْسِ سِنِينَ صُيِّرَ " أَشِيلَا " بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَمَاتَ.
وَكَانَ " أَرِيُوسُ " قَدِ اسْتَعَانَ عَلَى " أَشْلَا " بِأَصْدِقَائِهِ، فَأَوْرَى أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، فَقَبِلَهُ " أَشْلَا " وَأَدْخَلَهُ الْكَنِيسَةَ وَجَعَلَهُ قِسِّيسًا.
(4/208)

قَالَ: وَأَمَّا " دِقِيطْيَانُوسُ " الْمَلِكُ فَكَانَ يَطْلُبُ النَّصَارَى فَيَقْتُلُهُمْ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي طَلَبِهِمْ إِذْ بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: " مَلْطِيَّةَ " فَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِ نِقْمَتَهُ، فَوَقَعَ فِي عِلَلٍ عَظِيمَةٍ وَأَمْرَاضٍ عَظِيمَةٍ حَتَّى ذَابَ جِسْمُهُ، وَكَانَ الدُّودُ يَتَسَاقَطُ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَقَطَ لِسَانُهُ مِنْ حَنَكِهِ وَمَاتَ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرَانِ، أَحَدُهُمَا الْمَشْرِقَ وَالشَّامَ وَأَرْضَ الرُّومِ، وَالْآخَرُ رُومِيَّةَ وَنَحْوَهَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ " عَلَانْيُوسُ " وَالْآخَرُ " مَقْصُطْيُوسُ " فَكَانَا كَالسِّبَاعِ الضَّارِيَةِ عَلَى النَّصَارَى، وَأَثَارَا عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ وَالْجَلَاءَ وَمَا لَا يَصِفُهُ وَاصِفٌ، وَفَعَلَا بِهِمْ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ قَبْلَهُمْ.
وَمَلَكَ مَعَهُمَا عَلَى بِزَنْطِيَّةَ، وَمَا وَالَاهَا " قُسْطُسُ " أَبُو " قُسْطَنْطِينَ "،
(4/209)

وَكَانَ رَجُلًا دَيِّنًا مُبْغِضًا لِلْأَصْنَامِ مُحِبًّا لِلنَّصَارَى.
فَخَرَجَ " قُسْطُسُ " إِلَى نَاحِيَةِ الْجَزِيرَةِ وَ " الرَّهَا "، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى " الرَّهَا " يُقَالُ لَهَا: " كُفَرْجَاثُ " فَنَظَرَ فِيهَا امْرَأَةً حَسَنَةً جَمِيلَةً يُقَالُ لَهَا: " هِيلَانَةُ " وَكَانَتْ قَدْ تَنَصَّرَتْ عَلَى يَدَيْ أُسْقُفِّ " الرَّهَا " وَتَعَلَّمَتْ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ.
وَوَلَدَتْ " هِيلَانَةُ " " قُسْطَنْطِينَ " " فَتَرَبَّى بِـ " الرَّهَا " وَتَعَلَّمَ حِكَمَ الْيُونَانِيِّينَ، وَكَانَ غُلَامًا حَسَنَ الْوَجْهِ قَلِيلَ الشَّرِّ، وَدِيعًا مُحِبًّا لِلْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا " عَلَانْيُوسُ " فَكَانَ رَجُلًا وَحْشِيًّا شَدِيدَ الْبَأْسِ، مُبْغِضًا لِلنَّصَارَى جِدًّا كَثِيرَ الْقَتْلِ لَهُمْ، مُحِبًّا لِلنِّسَاءِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِلنَّصَارَى بِنْتًا بِكْرًا إِلَّا أَخَذَهَا وَأَفْسَدَهَا وَقَتَلَهَا، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَهَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالنَّصَارَى، وَكَانَ النَّصَارَى فِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ جِدًّا مَعَهُمْ.
وَبَلَغَهُ خَبَرُ " قُسْطَنْطِينَ " وَأَنَّهُ غُلَامٌ هَادٍ قَلِيلُ الشَّرِّ كَثِيرُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ.
وَأَخْبَرَهُ الْحُكَمَاءُ الَّذِينَ لَهُ وَالْمُنَجِّمُونَ أَنَّ " " قُسْطَنْطِينَ " " سَيَمْلِكُ مُلْكًا عَظِيمًا، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ.
(4/210)

وَعَلِمَ " " قُسْطَنْطِينُ " " بِذَلِكَ فَهَرَبَ مِنَ " الرَّهَا " وَذَهَبَ إِلَى مَدِينَةِ " بِزَنْطِيَّةَ " وَوَصَلَ إِلَى أَبِيهِ " قُسْطُسَ " فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمُلْكَ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ مَاتَ " قُسْطُسُ " وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى " عَلَانْيُوسَ " الْمَلِكِ عِلَلًا عَظِيمَةً، حَتَّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وَتَهَرَّأَ، وَبَقِيَ مَطْرُوحًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ.
فَعَجِبَ النَّاسُ مِمَّا نَالَهُ، وَرَحِمَهُ أَعْدَاؤُهُ مِمَّا حَلَّ بِهِ.
فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا الَّذِي بِي مِمَّا أَقْتُلُ النَّصَارَى.
فَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يُطْلِقُوا النَّصَارَى مِنَ الْحُبُوسِ، وَأَنْ يُكْرِمُوهُمْ وَلَا يُؤْذُوهُمْ، وَيَسْأَلُونَهُمْ أَنْ يَدْعُوا لَهُ فِي صَلَاتِهِمْ.
فَصَلَّى النَّصَارَى عَلَى الْمَلِكِ وَدَعَوْا لَهُ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْعَافِيَةَ وَرَجَعَ إِلَى أَفْضَلِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ.
فَلَمَّا صَحَّ وَقَوِيَ، رَجَعَ إِلَى أَشَرَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدَى.
وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يَقْتُلُوا النَّصَارَى، وَلَا يَعِيشَ فِي مَمْلَكَتِهِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَسْكُنُوا مَدِينَةً وَلَا قَرْيَةً لَهُ.
فَمِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلَى كَانُوا يُحْمَلُونَ عَلَى الْعَجَلِ وَيَرْمُونَ بِهِمْ فِي الْبِحَارِ وَالصَّحَارِي، وَقُتِلَ " مَارِ جِرْجِسُ " وَأَخَاهُ بِمَدِينَةِ " قَبَاذُوقِيَّةَ "
(4/211)

وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا، وَقَتَلَ " بَرْبَارَةَ "، وَذَكَرَ حَرْبًا جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ " سَابُورَ " لَمَّا تَنَكَّرَ " سَابُورُ " وَجَاءَ إِلَيْهِ مُتَنَكِّرًا وَعَرَفَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا " مَقْسِطْيُوسُ " فَكَانَ شِرِّيرًا عَلَى أَهْلِ رُومِيَّةَ، وَاسْتَعْبَدَ كُلَّ مَنْ كَانَ بِرُومِيَّةَ وَخَاصَّةً النَّصَارَى، فَكَانَ يَنْهَبُ أَمْوَالَهُمْ وَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ رُومِيَّةَ بِمُلْكِ " " قُسْطَنْطِينَ " " وَأَنَّهُ مُبْغِضٌ لِلشَّرِّ مُحِبٌّ لِلْخَيْرِ، وَأَنَّ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مَعَهُ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، كَتَبَ رُؤَسَاءُ رُومِيَّةَ إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " يَسْأَلُونَهُ وَيَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ " مَقْسِطْيُوسَ " عَدُوِّ اللَّهِ.
فَلَمَّا قَرَأَ كُتُبَهُمْ، اغْتَمَّ غَمًّا شَدِيدًا وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ، إِذْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فِي السَّمَاءِ صَلِيبٌ مِنْ كَوَاكِبَ تُضِيءُ، مَكْتُوبًا حَوْلَهُ بِهَذَا تَغَلِبُ.
فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَآمَنَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَذَلِكَ لَسِتِّ سِنِينَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ أَبِيهِ.
(4/212)

فَتَجَهَّزَ " " قُسْطَنْطِينُ " " وَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَةِ " مَقْسِطْيُوسَ " مَلِكِ رُومِيَّةَ، وَعَمِلَ صَلِيبًا كَبِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَصَيَّرَهُ عَلَى رَأْسِ الْبَنْدِ وَخَرَجَ يُرِيدُ " مَقْسِطْيُوسَ ".
فَلَمَّا سَمِعَ " مَقْسِطْيُوسُ " أَنَّ " " قُسْطَنْطِينَ " " قَدْ وَافَاهُ لِمُحَارَبَتِهِ، اسْتَعَدَّ لِحَرْبِهِ وَعَقَدَ جِسْرًا عَلَى النَّهْرِ الَّذِي قُدَّامَ رُومِيَّةَ، وَخَرَجَ مَعَ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ يُحَارِبُ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
فَأُعْطِيَ " " قُسْطَنْطِينُ " " النُّصْرَةَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ " مَقْسِطْيُوسَ " مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ " مَقْسِطْيُوسُ " وَغَرِقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى امْتَلَأَ الْبَحْرُ وَهُوَ النَّهْرُ الَّذِي عِنْدَ رُومِيَّةَ غَرْقَى وَقَتْلَى.
وَخَرَجَ أَهْلُ رُومِيَّةَ إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " بِالْإِكْلِيلِ الذَّهَبِ وَكُلِّ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، فَلَقُوا " " قُسْطَنْطِينَ " " وَفَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ أَنْ تُدْفَنَ أَجْسَادُ النَّصَارَى الشُّهَدَاءِ الْمَصَالِيبِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنَ النَّصَارَى هَرَبَ أَوْ نَفَاهُ " مَقْسِطْيُوسُ " يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَمَوْضِعِهِ، وَمَنْ أُخِذَ لَهُ شَيْءٌ رُدَّ إِلَيْهِ.
وَأَقَامَ أَهْلُ رُومِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يُعَيِّدُونَ لِلْمَلِكِ وَلِلصَّلِيبِ وَيَفْرَحُونَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ " عَلَانْيُوسُ " جَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَتَجَهَّزَ لِقِتَالِ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
(4/213)

فَلَمَّا عَايَنَهُ انْهَزَمُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَأَخَذَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَأْمَنَ.
وَأَفْلَتَ " عَلَانْيُوسُ " عُرْيَانًا، فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَوَّى مَوْضِعًا مَوْضِعًا حَتَّى وَافَى مَدِينَتَهُ، فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالسَّحَرَةَ وَالْعَرَّافِينَ الَّذِينَ كَانَ يُحِبُّهُمْ وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، لِئَلَّا يَقَعُوا فِي يَدِ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى " عَلَانْيُوسَ " نَارًا فِي جَوْفِهِ حَتَّى كَانَتْ أَحْشَاؤُهُ تَتَقَطَّعُ مِنَ الْحَرِّ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ فِي جَوْفِهِ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَهَرَّأَ لَحْمُهُ عَلَى عَظْمِهِ وَمَاتَ.
وَمَلَكَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الدُّنْيَا فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَذَلِكَ فِي إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " مَلِكِ الْفُرْسِ.
قَالَ: وَتَنَصَّرَ " " قُسْطَنْطِينُ " " فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: " نِيقُومِيدْيَا "، وَذَلِكَ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَرَاجُ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ أَبْنِيَةُ الْكَنَائِسِ.
(4/214)

قَالَ: وَفِي خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ صَيَّرَ " الْأَكْصَنْدُرُوسَ " بَطْرِيَرْكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ بَطْرَكِهَا " بُطْرُسَ " الَّذِي قُتِلَ وَهُوَ رَفِيقُ " أَشْلَا "، فَأَقَامَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ رِيَاسَتِهِ، كَانَ الْمَجْمَعُ بِمَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ " الَّذِي رُتِّبَتْ فِيهِ الْأَمَانَةُ الْأَرْثُذُكْسِيَّةُ.
فَمَنَعَ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " أَرِيُوسَ " مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، وَقَالَ: إِنَّ " أَرِيُوسَ " مَلْعُونٌ، لِأَنَّ " بُطْرُسَ " الْبَتْرَكَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ قَالَ لَنَا: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ " أَرِيُوسَ " فَلَا تَقْبَلُوهُ وَلَا تُدْخِلُوهُ الْكَنِيسَةَ.
وَكَانَ عَلَى مَدِينَةِ " أَسْيُوطَ " مِنْ عَمَلِ مِصْرَ أُسْقُفٌّ يَرَى رَأْيَ " أَرِيُوسَ " فَلَعَنَهُ أَيْضًا.
وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ كَانَتْ " كِلَاوْبَطْرَةُ " الْمَلِكَةُ بَنَتْهُ
(4/215)

عَلَى اسْمِ زُحَلَ، وَكَانَ فِيهِ صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ عَظِيمٍ يُسَمَّى: " مِيكَائِيلُ "، وَكَانَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمِصْرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فِي شَهْرِ " هَتُورَ " وَهُوَ " تِشْرِينُ الثَّانِي " يُعَيِّدُونَ لِذَلِكَ الصَّنَمِ عِيدًا عَظِيمًا، وَيَذْبَحُونَ الذَّبَائِحَ الْكَثِيرَةَ.
فَلَمَّا صَارَ هَذَا بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَظَهَرَتِ النَّصْرَانِيَّةُ، أَرَادَ أَنْ يَكْسِرَ الصَّنَمَ وَيُبْطِلَ الذَّبَائِحَ.
فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهِلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَاحْتَالَ لَهُمْ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا صَنَمٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ، فَلَوْ صَيَّرْتُمُ الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ الْمَلَاكِ، وَجَعَلْتُمْ هَذِهِ الذَّبَائِحَ لَهُ كَانَ أَنْفَعَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ مِنْ هَذَا الصَّنَمِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
فَكَسَرَ الصَّنَمَ، وَأَصْلَحَ مِنْهُ صَلِيبًا وَسَمَّى الْهَيْكَلَ " كَنِيسَةَ مِيكَائِيلَ " وَهِيَ الْكَنِيسَةُ الَّتِي تُسَمَّى " قَيْسَارِيَّةَ "، احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ وَقْتَ مُوَافَاةِ الْجُيُوشِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ الْقَرَامِطَةِ مَعَ الْمُسَمَّى
(4/216)

أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَعَهُ أَمِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّى " حُبَاسَةُ " وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ " الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ ".
وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مِصْرَ يَوْمَئِذٍ مَوْلَاهُ الْمَعْرُوفُ " بِتَكِينَ الْحَاجِبِ " رَجُلٌ تُرْكِيٌّ، فَنَفَرَ إِلَى الْمَغَارِبَةِ وَجَاءَهُ مَدَدٌ مِنَ الشَّرْقِ مَعَ الْخَادِمِ الْمُلَقَّبِ " مُونِسٌ " الْأُسْتَاذُ.
(4/217)

فَهَرَبَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ وَحُبَاسَةُ وَجُنُودُهُمَا، وَصَيَّرَ الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ الْمَلَكِ وَالذَّبَائِحَ.
وَإِلَى الْيَوْمِ الْقِبْطُ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُعَيِّدُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَ مِيكَائِيلَ الْمَلَاكِ وَيَذْبَحُونَ فِيهِ الذَّبَائِحَ الْكَثِيرَةَ، وَكَذَلِكَ الْمَلِكِيَّةُ يُعَيِّدُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَ مِيكَائِيلَ الْمَلَاكُ وَصَارَ رَسْمًا إِلَى الْيَوْمِ.
قَالَ: فَلَمَّا مَنَعَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " أَرِيُوسَ " مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، خَرَجَ " أَرِيُوسُ " مُسْتَعْدِيًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ أُسْقُفَّانِ، فَاسْتَغَاثُوا إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " الْمَلِكِ.
وَقَالَ " أَرِيُوسُ ": إِنَّهُ تَعَدَّى عَلَيَّ وَأَخْرَجَنِي مِنَ الْكَنِيسَةِ ظُلْمًا.
وَسَأَلَ الْمَلِكَ أَنْ يَشْخَصَ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيُنَاظِرَهُ قُدَّامَ الْمَلِكِ.
فَوَجَّهَ " " قُسْطَنْطِينُ " " بِرَسُولٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَشْخَصَ الْبَطْرَكَ، وَجَمْع بَيْنَهَ وَبَيْنَ " أَرِيُوسَ " لِيُنَاظِرَهُ فَقَالَ " " قُسْطَنْطِينُ " " " لِأَرِيُوسَ ": اشْرَحْ مَقَالَتَكَ.
(4/218)

قَالَ " أَرِيُوسُ ": أَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنِ الِابْنُ، ثُمَّ اللَّهُ أَحْدَثَ الِابْنَ، فَكَانَ كَلِمَةً لَهُ إِلَّا أَنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى ذَلِكَ الِابْنِ الْمُسَمَّى كَلِمَةً، فَكَانَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ، إِذْ يَقُولُ: (وَهَبْ لِي سُلْطَانًا عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فَكَانَ هُوَ الْخَالِقَ لَهُمَا بِمَا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْكَلِمَةَ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ فَصَارَ ذَلِكَ مَسِيحًا وَاحِدًا.
فَالْمَسِيحُ الْآنَ مَعْنَيَانِ: كَلِمَةٌ وَجَسَدٌ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَخْلُوقَانِ.
قَالَ: فَأَجَابَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَالَ: تُخْبِرُنَا الْآنَ أَيُّمَا أَوْجَبُ عَلَيْنَا عِنْدَكَ، عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا أَوْ عِبَادَةُ مَنْ لَمْ يَخْلُقْنَا.
قَالَ " أَرِيُوسُ ": بَلْ عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا.
قَالَ لَهُ الْبَطْرَكُ: فَإِنْ كَانَ خَالِقُنَا الِابْنَ كَمَا وَصَفْتَ، وَكَانَ الِابْنُ مَخْلُوقًا، فَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ أَوْجَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَبِ الَّذِي لَيْسَ بِخَالِقٍ، بَلْ تَصِيرُ عِبَادَةُ الْأَبِ الْخَالِقِ لِلِابْنِ كُفْرًا، وَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ إِيمَانًا، وَذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ الْأَقَاوِيلِ.
فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ مَقَالَةَ الْبَطْرَكِ، وَشَنَّعَ عِنْدَهُمْ
(4/219)

مَقَالَةَ " أَرِيوسَ "، وَدَارَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
فَأَمَرَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْبَطْرَكَ " الْأَكْصَنْدَرُوسَ " أَنْ يَلْعَنَ " أَرِيُوسَ " وَكُلَّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ: بَلْ يُوَجِّهُ الْمَلِكُ فَيَشْخَصُ الْبَطَارِكَةُ وَالْأَسَاقِفَةُ حَتَّى يَكُونَ لَنَا مَجْمَعٌ، وَنَضَعَ فِيهِ قَضِيَّةً وَنَلْعَنَ " أَرِيُوسَ " وَنَشْرَحَ الدِّينَ وَنُوَضِّحَهُ لِلنَّاسِ.
فَبَعَثَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْمَلِكُ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فَجَمَعَ الْبَطَارِكَةَ وَالْأَسَاقِفَةَ فَاجْتَمَعَ فِي مَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ " بَعْدَ سَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ، أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًّا، وَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَمَرْيَمُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمُ " الْمَرْيَمَانِيَّةُ "، وَيُسَمَّوْنَ " الْمَرْيَمِيِّينَ ".
(4/220)

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ شُعْلَةِ نَارٍ تَعَلَّقَتْ مِنْ شُعْلَةِ نَارٍ، فَلَمْ تَنْقُصِ الْأُولَى لِإِيقَادِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " سِبَارِينُونَ " وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَمْ تَحْبَلْ مَرْيَمُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا مَرَّ نُورٌ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ فِي الْمِيزَابِ، لِأَنَّ " كَلِمَةَ اللَّهِ " دَخَلَتْ مِنْ أُذُنِهَا وَخَرَجَتْ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْوَلَدُ مِنْ سَاعَتِهَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " أُلْبَانَ " وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، وَأَنَّ ابْتِدَاءَ الِابْنِ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ، صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَحَلَّتْ فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَالْمَشِيئَةُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ " ابْنُ اللَّهِ " وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، يُسَمُّونَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْكَلِمَةِ وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهِيَ مَقَالَةُ " بُولُصَ الشِّمْشَاطِيِّ " بَطْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ وَأَشْيَاعِهِ، وَهُمُ " الْبُولْيَانِيُّونَ ".
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لَمْ يَزَلْ صَالِحٌ وَطَالِحٌ وَعَدْلٌ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " مَرْقِيُونَ " وَأَشْيَاعِهِ.
(4/221)

وَزَعَمُوا أَنَّ " مَرْقِيُونَ " رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ، وَأَنْكَرُوا " بُطْرُسَ " السَّلِيحَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: رَبُّنَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَهِيَ مَقَالَةُ " بُولُسَ " الرَّسُولِ، وَمَقَالَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْمَلِكُ مَقَالَاتِهِمْ، عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَأَخْلَى لَهُمْ دَارَا وَتَقَدَّمَ لَهُمْ بِالْإِكْرَامِ وَالضِّيَافَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِيَنْظُرَ مَنْ مَعَهُ الْحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ.
فَاتَّفَقَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ، فَنَاظَرُوا بَقِيَّةَ الْأَسَاقِفَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فَأَفْلَجُوا عَلَيْهِمْ حُجَجَهُمْ وَأَظْهَرُوا الدِّينَ الْمُسْتَقِيمَ، وَكَانَ أَيْضًا بَاقِي الْأَسَاقِفَةِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ وَالْآرَاءِ.
وَصَنَعَ الْمَلِكُ لِلثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا مَجْلِسًا خَاصًّا عَظِيمًا، وَجَلَسَ فِي وَسَطِهِ، وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَسَيْفَهُ وَقَضِيبَهُ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ سَلَّطْتُكُمُ الْيَوْمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ لِتَصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، لِتَصْنَعُوا مَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَصْنَعُوا مِمَّا فِيهِ قِوَامُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَبَارَكُوا عَلَى الْمَلِكِ وَقَلَّدُوهُ سَيْفَهُ، وَقَالُوا لَهُ: أَظْهِرْ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَذُبَّ عَنْهُ.
(4/222)

وَوَضَعُوا لَهُ أَرْبَعِينَ كِتَابًا، فِيهَا السُّنَنُ وَالشَّرَائِعُ، وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ الْأَسَاقِفَةُ وَمَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهَا.
وَكَانَ رَئِيسُ الْمَجْمَعِ وَالْمُقَدَّمُ فِيهِ " الْأَكْصَنْدَرُوسَ " بَطْرِيَرْكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَطْرَكَ الْإِنْطَاكِيَةِ، وَأُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَوَجَّهَ بَطْرَكُ رُومِيَّةَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلَيْنِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى نَفْيِ " أَرِيُوسَ " وَأَصْحَابِهِ وَلَعَنُوهُمْ وَكُلَّ مَنْ قَالَ مَقَالَتَهُ، وَوَضَعُوا تِلْكَ الْأَمَانَةَ، وَثَبَّتُوا أَنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ الِابْنَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَبِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِصْحُ النَّصَارَى فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِصْحُ الْيَهُودِ مَعَ فِصْحِ النَّصَارَى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَثَبَّتُوا مَا وَضَعَهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حِسَابِ الصَّوْمِ وَالْفِصْحِ،
(4/223)

وَأَنْ يَكُونَ فِطْرُ النَّصَارَى يَوْمَ فِصْحِهِمْ، يَوْمَ الْأَحَدِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ.
لِأَنَّ النَّصَارَى كَمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ كَانُوا إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْحَمِيمِ وَهُوَ عِيدُ الْغِطَاسِ صَامُوا مِنَ الْغَدِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيُفْطِرُونَ.
فَإِذَا كَانَ عِيدُ الْيَهُودِ عَيَّدُوا مَعَهُمُ الْفِصْحَ، فَصَيَّرُوا يَوْمَ الْفِصْحِ لِلْفِطْرِ، وَمَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلْأُسْقُفِّ زَوْجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسَاقِفَةَ مُنْذُ وَقْتِ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى مَجْمَعِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ كَانَ لَهُمْ نِسَاءٌ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا اخْتِيرَ وَاحِدٌ أُسْقُفًّا وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، تَبِيتُ مَعَهُ وَلَمْ تَتَنَحَّ عَنْهُ، مَا خَلَا الْبَطَارِكَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نِسَاءٌ وَلَا كَانُوا أَيْضًا يُصَيِّرُونَ أَحَدًا بَطْرَكًا لَهُ زَوْجَةٌ.
قَالَ: وَانْصَرَفُوا مُكْرَمِينَ مَحْظُوظِينَ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلِكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: وَسَنَّ " قُسْطَنْطِينُ " الْمَلِكُ ثَلَاثَ سُنَنٍ:
أَحَدُهَا: كَسْرُ الْأَصْنَامِ وَقَتْلُ كُلِّ مَنْ يَعْبُدُهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ إِلَّا أَوْلَادُ النَّصَارَى، وَيَكُونُونَ أُمَرَاءَ وَقُوَّادًا.
(4/224)

وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُقِيمَ النَّاسُ جُمُعَةَ الْفِصْحِ وَالْجُمُعَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لَا يَعْمَلُونَ فِيهَا عَمَلًا، وَلَا يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ.
قَالَ: وَتَقَدَّمَ " قُسْطَنْطِينُ " إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَطْلُبَ مَوْضِعَ الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلِيبِ، وَيَبْنِيَ الْكَنَائِسَ وَيَبْدَأَ بِبِنَاءِ الْقِيَامَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
فَقَالَتْ " هِيلَانَةُ " أُمُّ " قُسْطَنْطِينَ " لِلْمَلِكِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَصِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَطْلُبَ الْمَوَاضِعَ الْمُقَدَّسَةَ فَأَبْنِيَهَا، فَدَفَعَ الْمَلِكُ إِلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً.
وَسَارَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حِرْصٌ وَلَا هِمَّةٌ إِلَّا طَلَبَ الصَّلِيبِ.
فَجَمَعَتِ الْيَهُودَ وَالسُّكَّانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَارَتْ مِنْهُمْ عَشْرَةً، وَمِنَ الْعَشْرَةِ ثَلَاثَةً كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: " يَهُوذَا " فَسَأَلَتْهُمْ أَنْ يَدُلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِ الصَّلِيبِ فَامْتَنَعُوا، وَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا عِلْمٌ مِنْهُ وَلَا خِبْرَةٌ بِالْمَوْضِعِ.
فَأَمَرَتْ بِهِمْ فَطَرَحَتْهُمْ فِي جُبٍّ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، فَأَقَامُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُطْعَمُوا وَلَمْ يُسْقَوْا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ الَّذِي اسْمُهُ يَهُوذَا لِصَاحِبَيْهِ: إِنَّ أَبَاهُ عَرَّفَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَطْلُبُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَإِنَّ جَدَّهُ عَرَّفَ أَبَاهُ.
فَصَاحَ الِاثْنَانِ مِنَ الْجُبِّ: أَخْرِجُونَا حَتَّى نُعْلِمَ الْمَلِكَةَ بِحَالِ هَذَا الرَّجُلِ.
(4/225)

فَأَخْرَجُوهُمْ، فَأَخْبَرُوا الْمَلِكَةَ بِمَا قَالَ لَهُمَا " يَهُوذَا " فَأَمَرَتْ بِضَرْبِهِ بِالسِّيَاطِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ، فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْمَقْبَرَةُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ، وَكَانَتْ مَزْبَلَةٌ عَظِيمَةٌ هُنَاكَ، فَصَلَّى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَقْبَرَةُ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُزَلْزِلَ الْمَكَانَ وَتُخْرِجَ مِنْهُ دُخَانًا حَتَّى نُؤْمِنَ، فَزُلْزِلَ الْمَوْضِعُ وَخَرَجَ مِنْهُ دُخَانٌ كَمَا سَأَلَ فَآمَنَ.
فَأَمَرَتْ " هِيلَانَةُ " بِكَنْسِ الْمَوْضِعِ مِنَ التُّرَابِ، فَظَهَرَتِ الْمَقْبَرَةُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ وَوُجِدَ ثَلَاثَةُ صُلْبَانٍ، قَالَتْ " هَيْلَانَةُ " كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ بِصَلِيبِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ؟ وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ عَلِيلٌ شَدِيدُ الْعِلَّةِ قَدْ يُئِسَ مِنْهُ، فَوُضِعَ الصَّلِيبُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَقَامَ الْمَرِيضُ وَلَيْسَ بِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُ.
فَعَلِمَتْ " هِيلَانَةُ " أَنَّهُ الصَّلِيبُ الَّذِي لِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ، فَجَعَلَتْهُ فِي غِلَافٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَحَمْلَتْهُ مَعَهَا وَجَمَّلَتْهُ بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَتْ كُلَّ مَا كَانَ مَدْفُونًا مِنْ آثَارِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَحَمَلَتْهُ إِلَى ابْنِهَا " قُسْطَنْطِينَ " وَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقِيَامَةِ فِي مَوْضِعِ الصَّلِيبِ وَالْأَقْرَانِيُّونَ وَكَنِيسَةَ " قُسْطَنْطِينَ "، وَانْصَرَفَتْ وَأَمَرَتْ أُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَبْنِيَ بَاقِيَ الْكَنَائِسَ، وَذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: فَمِنْ مِيلَادِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى أَنْ وُجِدَ الصَّلِيبُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَذَكَرَ أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا اجْتَمَعُوا بِمَجْمَعٍ عَظِيمٍ بِبَيْتِ
(4/226)

الْمَقْدِسِ.
وَكَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ قَدْ دَسَّهُ بَطْرَكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ لِيَسْأَلُوا بَطْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ أَظْهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَرِيُوسَ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَهُ وَيَقُولُ بِمَقَالَتِهِ، فَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ وَاسْمُهُ " مَانْيُوسُ " فَقَالَ: إِنَّ " أَرِيوُسَ " لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ، وَلَكِنْ قَالَ بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ، لِأَنَّهُ " كَلِمَةُ اللَّهِ " الَّتِي بِهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ، وَلَمْ تَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ كَلِمَتُهُ، كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ: " كُلٌّ بِيَدِهِ كَانَ، وَمِنْ دُونِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ ". فَقَالَ: بِهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ نُورُ الْبَشَرِ. وَقَالَ: فِي هَذَا الْعَالَمِ وَالْعَالَمُ بِهِ تَكَوَّنَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِهِ تَكَوَّنَتْ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهَا كُوِّنَتْ لَهُ، قَالَ: فَهَذِهِ كَانَتْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " وَلَكِنَّ الثَّلَاثَمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا تَعَدَّوْا عَلَيْهِ وَظَلَمُوهُ وَحَرَّمُوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
فَرَدَّ عَلَيْهِ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَالَ: أَمَّا " أَرِيُوسُ " فَلَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهِ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا وَلَا ظَلَمُوهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: " إِنَّ الِابْنَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْأَبِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا خُلِقَتْ بِالِابْنِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ لَهَا خَالِقًا، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا خُلِقَ مِنْهَا شَيْئًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْمَسِيحِ، قَوْلَهُ: " الْأَبُ يَخْلُقُ وَأَنَا أَخْلُقُ " وَقَالَ: " إِنْ أَنَا لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَ أَبِي
(4/227)

فَلَا تُصَدِّقُونِي ". وَقَالَ: " كَمَا أَنَّ الْأَبَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ، كَذَلِكَ الِابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُحْيِي وَيَخْلُقُ، وَفِي هَذَا تَكْذِيبٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَإِنَّمَا خُلِقَتْ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُوِّنَتْ بِهِ، فَإِنَّمَا كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ حَيٌّ فَعَالٌ، وَكَانَ قَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: " إِثْمًا أَفْعَلُ الْخَلْقَ وَالْحَيَاةَ " كَانَ قَوْلُكَ: (بِهِ كُوِّنَتِ الْأَشْيَاءُ) إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ كَوَّنَهَا فَكَانَتْ بِهِ مُكَوَّنَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَتَنَاقَضَ الْقَوْلَانِ.
قَالَ: وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقَالَ: (أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ ": إِنَّ الْأَبَ يُرِيدُ الشَّيْءَ فَيُكَوِّنُهُ الِابْنُ، وَالْإِرَادَةُ لِلْأَبِ وَالتَّكْوِينُ لِلِابْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْسُدُ أَيْضًا إِذْ كَانَ الِابْنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا فَقَدْ صَارَ حَظُّ الْمَخْلُوقِ فِي الْخَلْقِ أَوْفَى مِنْ حَظِّ الْخَالِقِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَرَادَ وَفَعَلَ، وَذَاكَ أَرَادَ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَهَذَا أَوْفَرُ حَظًّا فِي فِعْلِهِ مِنْ ذَاكَ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهِ لِمَا يُرِيدُ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مِنَ الْخَلْقِ لِمَا يُرِيدُ الْخَالِقُ مِنْهُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِي الْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ، فَإِنْ كَانَ
(4/228)

مَجْهُولًا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَجَائِزٌ أَنْ يُطَاعَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعْصَى وَجَائِزٌ أَنْ يُثَابَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعَاقَبَ، وَهَذَا أَشْنَعُ فِي الْقَوْلِ.
قَالَ: وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْخَالِقُ إِنَّمَا خَلَقَ خَلْقَهُ بِمَخْلُوقٍ، فَالْمَخْلُوقُ غَيْرُ الْخَالِقِ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْخَالِقَ يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَالْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُتَمِّمٍ لِيَفْعَلَ بِهِ إِذْ كَانَ لَا يَتِمُّ لَهُ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ مَنْقُوصٌ، وَالْخَالِقُ يَتَعَالَى عَنْ هَذَا كُلِّهِ.
قَالَ: فَلَمَّا دَحَضَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حُجَجَ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ وَظَهَرَ لِمَنْ حَضَرَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ، تَحَيَّرُوا وَخَجِلُوا فَوَثَبُوا عَلَى بَطْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُقْتَلَ، فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمُ ابْنُ أُخْتِ " قُسْطَنْطِينَ "، وَهَرَبَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الْمُحْتَجُّ عَلَى أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ " وَصَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ، ثُمَّ أَصْلَحَ دُهْنَ الْمَيْرُونِ وَقَدَّسَ الْكَنَائِسَ وَمَسَحَهَا بِدُهْنِ الْمَيْرُونِ، وَسَارَ إِلَى الْمَلِكِ فَأَعْلَمَهُ بِالْخَبَرِ فَصَرَفَهُ الْمَلِكُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
(4/229)

[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتُهُ فِي ذَلِكَ]
قَالَ: وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ يَهُودِيٌّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَلَا يَجُوزَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَنَصَّرْ يُقْتَلْ. فَتَنَصَّرَ مِنَ الْيَهُودِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَقِيلَ لِـ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ: إِنَّ الْيَهُودَ يَتَنَصَّرُونَ مَنْ فَزِعِ الْقَتْلِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. قَالَ الْمَلِكُ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟
قَالَ بُولُسُ الْبَتْرَكُ: إِنَّ الْخِنْزِيرَ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامٌ وَالْيَهُودُ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَأْمُرْ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا وَتُطْعِمَهُمْ مِنْهَا، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: إِذَا كَانَ الْخِنْزِيرُ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَنُطْعِمَهُ لِلنَّاسِ؟
فَقَالَ لَهُ " بُولُسُ " الْبَتْرَكُ: إِنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ قَدْ أَبْطَلَ كُلَّ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَجَاءَ بِنَامُوسٍ آخَرَ وَبِتَوْرَاةٍ جَدِيدَةٍ وَهُوَ الْإِنْجِيلُ، وَفِي إِنْجِيلِهِ الْمُقَدَّسِ: (أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يُنْجِسُ، وَإِنَّمَا يُنْجِسُ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ) .
(4/230)

وَقَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ مَدِينَةِ " فُورِينْيُوسَ " الْأُولَى: (الطَّعَامُ لِلْبَطْنِ آلَتُهُ لَهَا، وَالْبَطْنُ لِلطَّعَامِ، وَلَهُ يُلْعَنُ) . وَمَكْتُوبٌ فِي " الْإِبْرِكْسِسِ " يَعْنِي أَخْبَارَ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّ بُطْرُسَ رَئِيسَ الْحَوَارِيِّينَ كَانَ فِي مَدِينَةِ " يَافَا " فِي مَنْزِلِ رَجُلٍ دَبَّاغٍ يُقَالُ لَهُ: " سِيمُونُ "، وَأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى الْمَنْزِلِ لِيُصَلِّيَ وَقْتَ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ سُبَاتٌ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ تَفَتَّحَتْ وَإِذَا إِزَارٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى بَلَغَ الْأَرْضَ.
وَفِيهِ: كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَيْرِ السَّمَاءِ. وَسَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ لَهُ: يَا بُطْرُسُ، قُمْ فَاذْبَحْ وَكُلْ، فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا رَبِّ مَا أَكَلْتُ شَيْئًا نَجِسًا قَطُّ وَلَا وَسِخًا قَطُّ فَجَاءَ
(4/231)

صَوْتٌ ثَانٍ: كُلُّ مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ بِهَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ إِنَّ الْإِزَارَ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَجِبَ بُطْرُسُ وَتَحَيَّرَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
فَبِهَذَا الْمَنْظَرِ وَبِمَا قَالَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِهِ الْمُقَدَّسِ، أَمَرَ بُطْرُسُ وَبُولُسُ أَنْ نَأْكُلَ كُلَّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ مِنَ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ حَلَالًا لَنَا.
فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا وَتُقَطَّعَ صِغَارًا صِغَارًا وَتَصِيرَ عَلَى أَبْوَابِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ يَوْمَ أَحَدِ الْفِصْحِ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَنِيسَةِ يَلْقُمُ لُقْمَةً مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ يُقْتَلْ، فَقُتِلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
(4/232)

قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ لِـ " قُسْطَنْطِينَ " ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ أَكْبَرُهُمْ " قُسْطَنْطِينُ " بْنُ " قُسْطَنْطِينَ " وَذَلِكَ حِينَ مَلَكَ " أَزْدَشِيُرُ بْنُ سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " عَلَى الْفُرْسِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ " سَابُورُ بْنُ سَابُورَ " لِخَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ " أَرِيُوسَ " وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ إِلَى الْمَلِكِ " قُسْطَنْطِينَ "، فَحَمَلُوا لَهُ دِينَهُمْ وَمَقَالَتَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ الثَّلَاثَمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا بِنِيقِيَّةَ قَدْ أَخْطَأُوا وَحَادُوا عَنِ الْحَقِّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الِابْنَ مُتَّفِقٌ مَعَ الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، فَتَأْمُرُ أَنْ لَا يُقَالَ هَذَا، فَإِنَّهُ خَطَأٌ. فَأَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ظَهَرَ عَلَى " الْأَقْرَانِيُّونَ " وَهُوَ الْجَلْجَلَةُ نِصْفَ النَّهَارِ صَلِيبٌ مِنْ نُورٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ يَفُوقُ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَكَانَ يَبْلُغُ إِلَى طُورِ زَيْتَا فَرَأَى ذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ.
(4/233)

فَكَتَبَ أُسْقُفُّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى " قُسْطَنْطِينَ " بْنِ " قُسْطَنْطِينَ " بِالْخَبَرِ وَقَالَ: فِي أَيَّامِ أَبِيكَ السَّعِيدِ ظَهَرَ صَلِيبٌ كَوَاكِبُ مِنَ السَّمَاءِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، وَفِي أَيَّامِكَ ظَهَرَ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَلَى " الْأَقُرَانِيُّونَ " صَلِيبٌ مِنْ نُورٍ يَفُوقُ نُورُهُ نُورَ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلَ أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ " فَإِنَّهُمْ حَائِدُونَ عَنِ الْحَقِّ كُفَّارٌ، قَدْ لَعَنَهُمُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، وَلَعَنُوا كُلَّ مَنْ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِمْ. فَقِيلَ قَوْلُهُ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَبَتْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَبَابِلَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
فَسُمِّيَ التَّابِعُونَ لِأَرِيُوسَ وَالْقَائِلُونَ بِمَقَالَتِهِ " أَرِيُوسِيِّيِنَ " مُشْتَقًّا مِنَ اسْمِهِ.
قَالَ: وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ " صُيِّرَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَطْرَكٌ أَرِيُوسِيٌّ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ أَرِيُوسِيٌّ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ مَنَانِيٌّ، وَصُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَتْرَكٌ مَنَانِيٌّ.
(4/234)

قَالَ فَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ صُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَطْرَكٌ، وَكَانَ يَقُولُ: رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقَةٌ، وَأَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ وَمَاتَ.
وَنُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ فَصُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَكَانَ مَنَانِيًّا.
قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ " أَرِيُوسِيِّينَ " وَ " مَنَانِيِّينَ " فَغَلَبُوا عَلَى كَنَائِسِ مِصْرَ فَأَخَذُوهَا وَوَثَبُوا عَلَى بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَاسْتَخْفَى، وَصَيَّرُوا عَلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ بَتْرَكًا مَنَانِيًّا.
وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَدِمَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَائِدٌ، وَكَانَ أَرِيُوسِيًّا، فَنَفَى الْمَلِكِيَّ وَأَقَامَ بَطْرَكًا أَرِيُوسِيًّا.
فَلَمَّا خَرَجَ الْقَائِدُ قَتَلَ الْمَلِكِيُّونَ ذَلِكَ الْبَتْرَكَ الْأَرِيُوسِيَّ وَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ.
(4/235)

وَمَاتَ الْمَلِكُ " قُسْطَنْطِينُ " بْنُ " قُسْطَنْطِينَ " وَلَهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ " يُولْيَانُوسُ " الْمَلِكُ الْكَافِرُ عَلَى الرُّومِ سِنِينَ، وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الشُّهَدَاءِ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ وَثَبَ الْأَرِيُوسِيُّونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى أُسْقُفِّهَا الْمَلِكِيِّ الَّذِي كَتَبَ بِظُهُورِ الصَّلِيبِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَصَيَّرُوا أُسْقُفًّا أَرِيُوسِيًّا.
قَالَ: وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ، صَيَّرَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَطْرَكًا عَلَى الْأَمَانَةِ، أَقَامَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ رِيَاسَتِهِ، كَانَ الْمَجْمَعُ الثَّانِي بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عَصْرِهِ أَهْلُ مَدِينَةِ " نَيِرْيَارَ " كُلُّهُمْ صَابِئُونَ، فَوَضَعَ
(4/236)

أُسْقُفُّ " نِيِرْيَارَ مِيمْرَا " فِي مِيلَادِ الْمَسِيحِ وَيَقُولُ فِي ابْتِدَائِهِ الْمَيْمَرَ: السَّيِّدُ وُلِدَ مَخْتُونًا، فَخُذُوا الْمَسِيحَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسْتَقْبِلُوهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِمُ اسْتَهْزَأُوا بِهِ، وَأَقْبَلُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْحَمِيمِ، وَضَعَ " مَيْمَرَا " فِي عِيدِ الْحَمِيمِ، هَتَكَ فِيهِ دِينَ الصَّابِئِينَ وَفَضَحَهُمْ فِيهِ، وَمَكَّنَ فِيهِ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عَصْرِ " يُولْيَانُوسَ " الْمَلِكِ الْكَافِرِ أَوَّلُ رَاهِبٍ سَكَنَ بَرِّيَّةَ مِصْرَ وَبَنَى الدِّيَارَاتِ وَجَمَعَ الرُّهْبَانَ.
وَكَانَ آخَرُ بِالشَّامِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ بَرِّيَّةَ " الْأُرْدُنِّ " وَجَمَعَ الرُّهْبَانَ وَبَنَى الدِّيَارَاتِ.
قَالَ: وَخَرَجَ هَذَا الْمَلِكُ الْكَافِرُ لِقِتَالِ " سَابُورَ " مَلِكِ الْفُرْسِ، فَلِسُوءِ مَذْهَبِهِ وَرَدَاءَةِ دِينِهِ وَمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، ظَفَرَ بِهِ مَلِكُ
(4/237)

الْفُرْسِ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
وَذَكَرَ أُسْقُفُّ " قَيْسَارِيَّةَ " أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي مِحْرَابِهِ وَحِذَاؤُهُ لَوْحٌ فِيهِ صُورَةُ " مَارِي مَرْكُورُسَ " الشَّاهِدِ، فَنَظَرَ إِلَى اللَّوْحِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ صُورَةَ الشَّاهِدِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ إِذْ غَابَتْ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى عَادَتْ صُورَةُ الشَّاهِدِ إِلَى اللَّوْحِ، وَفِي طَرَفِ الْحَرْبَةِ الْمُصَوَّرَةِ الَّتِي فِي يَدِ الشَّاهِدِ شَبِيهٌ بِالدَّمِ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ الْمَلِكَ الْكَافِرَ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ.
فَعَلِمَ أَنَّ " مَارِي مَرْكُوسَ " الشَّاهِدَ قَتَلَهُ ; لِشِدَّةِ بُغْضِهِ الَّذِي كَانَ لِلنَّصَارَى، وَمَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.
وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا جَمَاعَةً مِنَ الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، كَانَ بَعْضُهُمْ أَرِيُوسِيًّا وَبَعْضُهُمْ مَنَانِيًّا وَبَعْضُهُمْ مَلَكِيًّا، وَذَكَرَ فِتَنًا بَيْنَهُمْ وَتَعَصُّبَ كُلِّ طَائِفَةٍ لِبَتْرَكِهَا حَتَّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَنْفِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ النَّصَارَى وَكَثُرَتْ مَقَالَاتُهُمْ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ "، وَأَنَّهُمْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا اسْمُهُ " تِذُوسُ "، وَأَنَّ
(4/238)

الْوُزَرَاءَ وَالْقُوَّادَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ذَاكِرِينَ أَنَّ مَقَالَاتِ النَّاسِ اخْتَلَفَتْ وَفَسَدَتْ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " وَ " مَقْدِينُوسَ " فَيَنْظُرُ الْمَلِكُ فِي هَذَا وَيَذُبُّ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ وَيُوَضِّحُ الْأَمَانَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ.
وَكَتَبَ إِلَى بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ وَأَسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرُوا مَعَ أَسَاقِفَتِهِمْ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ، إِلَّا بَطْرَكَ رُومِيَّةَ، فَإِنَّهُ كَتَبَ وَأَنْفَذَ بِالْأَمَانَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ.
فَاجْتَمَعَ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًّا، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ الْبَطَارِكَةُ الثَّلَاثَةُ، فَدَفَعَ الْمَلِكُ إِلَيْهِمْ كِتَابَ بَطْرَكِ رُومِيَّةَ، فَكَانَ صَحِيحًا مُوَافِقًا، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ إِلَهٌ، وَلَكِنْ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
فَقَالَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: لَيْسَ رُوحُ الْقُدُسِ عِنْدِي مَعْنًى غَيْرَ
(4/239)

حَيَاتِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، فَقَدْ زَعَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ، وَإِذَا زَعَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ، فَقَدْ كَفَرْنَا، وَمَنْ كَفَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ اللَّعْنُ.
فَاتَّفَقُوا عَلَى لَعْنِ " مَقْدُونْيُوسَ " فَلَعَنُوهُ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَعَنُوا الْبَطَارِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ، وَلَعَنُوا أُسْقُفَّ لُونِيَّةَ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَعَنُوا " بُولِينَارْيُوسَ " وَأَشْيَاعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَجْهٌ وَاحِدٌ.
وَلَعَنُوا " بُولِينَارْيُوسَ " وَأَشْيَاعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ جَسَدَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِغَيْرِ فِعْلٍ.
وَثَبَّتُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ خَالِقَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ إِلَهٌ حَقٌّ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ الْأَبِ وَالِابْنِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَزَادَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي مَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ ": (وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ) .
(4/240)

وَثَبَّتُوا أَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ وَثَلَاثَةُ وُجُوهٍ وَثَلَاثَةُ خَوَاصٍّ فِي وَحْدَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكِيَانٍ وَاحِدٍ، وَثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ إِلَهٌ وَاحِدٌ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَثَبَتُوا أَنَّ جَسَدَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِنَفْسٍ نَاطِقَةٍ عَقْلِيَّةٍ.
قَالَ: فَمِنَ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا الْمَجْمَعِ الثَّانِي ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
قَالَ: وَأَطْلَقَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلْبَطَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالرُّهْبَانِ أَكْلَ اللَّحْمِ مِنْ أَجْلِ الْمَنَانِيَّةِ لِيُعْرَفَ الْمَنَانِيُّ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَنَانِيَّةَ لَا يَرَوْنَ أَكْلَ اللَّحْمِ وَلَا شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَتَّةَ.
وَكَانَ أَكْثَرُ أَسَاقِفَةِ مِصْرَ مَنَانِيَّةً، فَأَكَلَ بَطَارِكَةُ مِصْرَ وَأُسْقُفُّهُمُ اللَّحْمَ.
وَأَمَّا بَطَارِكَةُ رُومِيَّةَ وَقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَسَاقِفَتُهَا وَرُهْبَانُهَا، فَلَمْ يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَأَكَلُوا بَدَلَ اللَّحْمِ السَّمَكَ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ اللَّحْمِ إِذْ كَانَ حَيَوَانًا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: لَمْ يُطْلَقْ أَكْلُ اللَّحْمِ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَاضُونَ مِنْهُ بِالسَّمَكِ، إِذْ لَيْسَ بِذَبِيحَةٍ، وَيَمْنَعُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ إِذْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ الَّذِينَ أَقَامُوا السَّمَكَ مَقَامَ اللَّحْمِ، وَسَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فَقَدْ أَكَلَ
(4/241)

اللَّحْمَ، فَوَجَبَ ضَرُورَةُ أَكْلِ اللَّحْمِ اقْتِدَاءً بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فِي السَّنَةِ، لِيُزِيلُوا الشَّكَّ مِنْ مَذْهَبِ الْمَنَانِيَّةِ.
قَالَ: وَفِي " الْأَبْرِكْسِسِ " مَكْتُوبًا، مَا نَظَرَهُ " بُطْرُسُ " السَّلِيحُ بِـ " يَافَا " مِنْ تَنَزُّلِ السَّبْنِيَّةِ، وَفِيهَا كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ، وَلِهَذَا الْحُكْمِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَأْكُلِ اللَّحْمَ مُخَالِفٌ لِشَرِيعَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَمُضَاهَاةٌ لِمَذْهَبِ الصَّابِئَةِ الرُّومِ، وَهُمْ لَا يَغْتَسِلُونَ إِلَى الْيَوْمِ، لِأَنَّ الْمَنَانِيَّةَ لَا يَرَوْنَ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ أَقَامُوهُ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا تَرَكُوا الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، لِشِدَّةِ بَرْدِ بِلَادِهِمْ وَبَرَدِ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ بِالْجُمْلَةِ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَاءَ فِي الشِّتَاءِ ; لِثَلْجِهِ وَبَرْدِهِ، فَصَارَ سُنَّةً جَارِيَةً شِتَاءً وَصَيْفًا.
وَالْمَنَانِيَّةُ صِنْفَانِ: السَّمَّاعُونَ، وَالصِّدِّيقُونَ.
فَالسَّمَّاعُونَ: يَصُومُونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامًا مَعْلُومَةً.
وَالصِّدِّيقُونَ: يَصُومُونَ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَلَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مَا نَبَتَ مِنَ الْأَرْضِ.
(4/242)

فَلَمَّا تَنَصَّرُوا خَافُوا أَنْ يَتْرُكُوا أَكْلَ اللَّحْمِ فَيُعْلَمَ بِهِمْ، فَجَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ صِيَامًا، فَصَامُوا الْمِيلَادَ وَالْحَوَارِيِّينَ.
فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ وَتَرَبَّوْا فِي هَذَا الصَّوْمِ أَكَلُوا اللَّحْمَ، فَتَبِعَتْهُمْ فِي ذَلِكَ النَّسَاطِرَةُ وَالْيَعَاقِبَةُ وَالْمَارُونِيَّةُ، وَصَارَتْ سُنَّةً اسْتَحْسَنَتْهَا الْمَلِكِيَّةُ، فَتَبِعُوهُمْ وَخَاصَّةً الْمُقِيمُونَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الرُّومُ: فَمَا تَرَكُوا أَكْلَ اللَّحْمِ فِي أَيَّامِ صَوْمِ الْمِيلَادِ وَصَوْمِ الْحَوَارِيِّينَ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّوْمِ الْكَبِيرِ.
فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ الْمِيلَادَ وَالْحَوَارِيِّينَ وَالسَّيِّدَةَ وَلَا يَأْكُلَ لَحْمًا، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِ قَطْعُ اللَّحْمِ طُولَ السَّنَةِ إِلَّا فِي صَوْمِ الْأَرْبَعِينَ الْمُقَدَّسَةِ فَقَطْ، وَمَنْ فَعَلَ بِضِدِّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ رَاجِعٌ إِلَى أَصْحَابِ الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ.
قَالَ: وَفِي ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " ثِذُوسَ " ظَهَرَتِ الْفِتْيَةُ الَّذِينَ كَانُوا هَرَبُوا مِنْ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ وَاخْتَفَوْا فِي الْكَهْفِ.
(4/243)

وَذَلِكَ أَنَّ الرُّعَاةَ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ كَانُوا إِذَا جَازُوا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ، قَلَعُوا الطُّوبَ الْمَبْنِيَّ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ حَتَّى عَادَ مَفْتُوحًا كَالْبَابِ.
فَلَمَّا انْتَبَهَتِ الْفِتْيَةُ تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَقَالُوا لِصَاحِبِهِمُ الَّذِي كَانَ يَذْهَبُ يَبْتَاعُ لَهُمُ الطَّعَامَ: امْضِ وَاشْتَرِ لَنَا طَعَامًا وَاسْتَعْلِمْ خَبَرَ ذَاقْنُوسَ.
فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى بَابِ الْكَهْفِ، نَظَرَ إِلَى الْبُنْيَانِ وَالْهَدْمِ ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَلَغَ بَابَ الْمَدِينَةِ وَهِيَ " أَفْسِسَ " فَرَأَى بَابَ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ صَلِيبٌ كَبِيرٌ مَنْصُوبٌ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: أَحْسَبُ أَنِّي نَائِمٌ، فَأَقْبَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا هَلْ يَرَى مَنْ يَعْرِفُهُ، فَلَمْ يَرَ، فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا وَقَالَ: لَعَلِّي أَخْطَأْتُ الطَّرِيقَ، وَلَعَلَّ هَذِهِ مَدِينَةٌ أُخْرَى.
ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَدَفَعَ دَرَاهِمَ مِمَّا كَانَ مَعَهُ عَلَيْهَا صُورَةُ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لَعَلَّهُ أَصَابَ كَنْزًا، ثُمَّ قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ.
وَصَاحَ النَّاسُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَلَّمُوهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَصَارُوا بِهِ إِلَى بَطْرِيقِ الْمَدِينَةِ وَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَهَدَّدَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَاءَ إِلَى أُسْقُفِّ الْمَدِينَةِ فَكَلَّمَهُ وَخَوَّفَهُ وَقَالَ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُكَلِّمْنِي وَتَقُلْ لِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ.
(4/244)

وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الْكَلَامِ خَوْفًا مِنْ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ جَمَاعَةُ مُلُوكٍ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى آلَمَهُ الضَّرْبُ فَخَبِّرَهُمْ بِحَالِهِ عَلَى جَلِيَّتِهَا.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ " دِقْيَانُوسَ " قَدْ مَاتَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ مُلُوكٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمَلِكُ الْيَوْمَ " ثِذُوسُ " الْكَبِيرُ، وَقَدْ ظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ.
ثُمَّ سَارَ مَعَهُمْ إِلَى الْكَهْفِ فَنَظَرُوا إِلَى أَصْحَابِهِ وَالصُّنْدُوقِ النُّحَاسِ الَّذِي فِي الصَّحِيفَةِ الرَّصَاصِ مَكْتُوبٌ فِيهَا قِصَّتُهُمْ وَخَبَرُهُمْ.
فَكَثُرَ تَعَجُّبُهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْمَلِكِ يُعْلِمُونَهُ بَخَبَرِهِمْ، فَرَكِبَ وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَكَلَّمَهُمْ.
وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دَخَلَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَهُمْ أَمْوَاتًا، فَأَمَرَ أَنْ يُتْرَكُوا فِي الْكَهْفِ وَلَا يُخْرَجُوا، وَلَكِنْ يُدْفَنُوا فِيهِ وَتُبْنَى عَلَيْهِمْ كَنِيسَةٌ، وَتُسَمَّى بِأَسْمَائِهِمْ، وَيُعَيَّدُ لَهَا عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَانْصَرَفَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: فَمِنْ وَقْتِ هَرَبِ الْفِتْيَةِ مِنْ " ذَاقْيُوسَ " إِلَى الْكَهْفِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرُوا فِيهِ وَمَاتُوا، مِائَةٌ وَسَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
قُلْتُ: هَذَا مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.
(4/245)

لَكِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ ذَكَرَهُ كَلَامًا مِنْهُ تَعَالَى.
قَالَ سَعِيدٌ: وَفِي زَمَنِهِ كَانَتْ قِصَّةُ بَتْرَكِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ " يُوحَنَّا " الْمُلَقَّبِ بِـ " فَمِ الذَّهَبِ " وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ " ثِذُوسُ " الصَّغِيرُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ ".
وَفِي زَمَنِهِ جُعِلَ " نَسْطُورِسُ " الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ مَقَالَةُ النَّسْطُورِيَّةِ بَطْرَكًا عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ " نَسْطُورِسُ " يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ لَيْسَتْ بِوَالِدَةٍ إِلَهًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ اثْنَانِ.
أَحَدُهُمَا: الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ، وَالْآخَرُ: الَّذِي هُوَ إِنْسَانٌ مَوْلُودٌ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ مَسِيحٌ بِالْمَحَبَّةِ مُتَوَحِّدٌ مَعَ ابْنِ إِلَهٍ، وَيُقَالُ لَهُ: إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، لَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ مَوْهِبَةٌ، وَاتِّفَاقُ الِاسْمَيْنِ وَالْكَرَامَةِ شَبِيهًا بِأَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ.
فَبَلَغَ قَوْلُهُ بَطْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُقَبِّحُ عَلَيْهِ
(4/246)

فِعْلَهُ وَمَقَالَتَهُ وَيُعَرِّفُهُ فَسَادَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُهُ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا رَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ " نَسْطُورِسُ " عَنْ مَقَالَتِهِ.
فَكَتَبَ إِلَى بَطْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى " نَسْطُورِسَ " وَيُعَرِفَهُ قُبْحَ فِعْلِهِ وَرَأْيِهِ وَفَسَادَ مَقَالَتِهِ وَيَسْأَلُهُ الرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ.
فَكَتَبَ إِلَى " نَسْطُورِسَ " إِنْ هُوَ لَمْ يَرْجِعِ اجْتَمِعُوا وَالْعَنُوهُ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا رَسَائِلُ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَرْجِعْ.
فَكَتَبُوا إِلَى بَطْرَكِ رُومِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَبَطْرَكِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " لِيَنْظُرُوا فِي مَقَالَةِ " نَسْطُورِسَ ".
فَاجْتَمَعَ بِالْمَدِينَةِ مِائَتَا أُسْقُفٍّ مُقَدَّمُهُمْ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَتَأَخَّرَ بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ فَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ وَبَعَثُوا إِلَى " نَسْطُورِسَ " فَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمْ، فَنَظَرُوا فِي مَقَالَتِهِ وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ اللَّعْنَ، فَلَعَنُوهُ وَنَفَوْهُ وَثَبَّتُوا أَنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ حَقٌّ وَإِنْسَانٌ مَعْرُوفٌ بِطَبِيعَتَيْنِ مُتَوَحِّدَةٌ فِي الْأُقْنُومِ.
وَهَذَا هُوَ خِلَافُ الْمَحَبَّةِ، لِأَنَّ " نَسْطُورِسَ " كَانَ يَقُولُ: إِنَّ التَّحَيُّدَ (أَيِ الِاتِّحَادُ) : اتِّفَاقُ الْوَجْهَيْنِ، وَأَمَّا التَّحَيُّدُ (أَيِ الِاتِّحَادُ الْمُسْتَقِيمُ) : فَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ أُقْنُومًا وَاحِدًا مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
فَلَمَّا لَعَنُوا " نَسْطُورِسَ " قَدِمَ " يُوحَنَّا " بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ، فَلَمَّا وَجَدَهُمْ قَدْ لَعَنُوهُ قَبْلَ حُضُورِهِ، غَضِبَ وَقَالَ: ظَلَمْتُمْ " نَسْطُورِسَ " وَلَعَنْتُمُوهُ بَاطِلًا،
(4/247)

وَتَعَصَّبَ مَعَ " نُسْطُورِسَ " فَجَمَعَ الْأَسَاقِفَةَ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ، فَقَطَعَ بَطْرَكَ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَقَطَعَ أُسْقُفَ " أُفْسُسَ ".
فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ قُبْحَ فِعَالِهِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ عَظِيمٌ، وَخَرَجُوا مِنْ " أُفْسُسَ " وَصَارَ أَصْحَابُ بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَالْمَشْرِقِيُّونَ حِزْبَيْنِ، فَلَمْ يَزَلْ " ثُذُوسُ " الْمَلِكُ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ.
وَكَتَبَ الْمَشْرِقِيُّونَ صَحِيفَةً وَثَبَّتُوا فِيهَا الْأَمَانَةَ الصَّحِيحَةَ، وَقَالُوا فِيهَا: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ الْقِدِّيسَةَ وَلَدَتْ إِلَهًا رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، الَّذِي هُوَ مَعَ أَبِيهِ فِي الطَّبِيعَةِ، وَمَعَ النَّاسِ فِي النَّاسُوتِ، وَأَقَرُّوا بِطَبِيعَتَيْنِ وَوَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُقْنُومٍ وَاحِدٍ، وَلَعَنُوا " نُسْطُورِسَ " وَوَجَّهُوا بِالصَّحِيفَةِ إِلَى بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَقَبِلَ الصَّحِيفَةَ وَأَجَابَهُمْ عَنْهَا بِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَمَّا قَبِلَ صَحِيفَةَ الْمَشْرِقِيِّينَ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يَقْبَلْ طَبِيعَتَيْنِ وَوَجْهًا وَاحِدًا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَاذِبُونَ ; لِأَنَّ كُتُبَهُ تَنْطِقُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أَرْسَلَ نُسْخَةَ صَحِيفَةِ الْمَشْرِقِيِّينَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّ الْمَشْرِقِيِّينَ رَجَعُوا إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوَافِقِينَ لِنُسْطُورِسَ.
قَالَ: فَمِنَ الْمَجْمَعِ الثَّانِي إِلَى الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ أُسْقُفًا الْمُجْتَمِعِينَ بِمَدِينَةِ قُسْطَنْطِينَ، وَلَعَنُوا " مَقْدُونْيُوسَ " إِلَى هَذَا الْمَجْمَعِ الْمِائَتَيْنِ أُسْقُفًا الْمُجْتَمِعِينَ بِأُفْسُسَ عَلَى " نُسْطُورِسَ " - إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً.
(4/248)

قَالَ: وَلَمَّا نُفِيَ " نُسْطُورِسُ " صَارَ إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِضَيْعَةٍ فِي صَعِيدِ مِصْرَ يُقَالُ لَهَا: " إِخْمِيمُ " وَمَاتَ وَدُفِنَ بِهَا.
وَكَانَتْ مَقَالَتُهُ قَدِ انْدَرَسَتْ، فَأَحْيَاهَا مِنْ بَعْدِهِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ " مَطْرَانُ نَصِيبِينَ " فِي عَصْرِ بُوسِيطَيَانُوسَ مَلِكِ الرُّومِ وَقِبَادِ بْنِ فَيْرُوزَ مَلِكِ الْفُرْسِ، فَبَثَّهَا بِالْمَشْرِقِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ النُّسْطُورِيَّةُ بِالْمَشْرِقِ وَخَاصَّةً أَرْضَ فَارِسَ بِالْعِرَاقِ وَالْمُوصِلِ وَنَصِيبِينَ وَالْفُرَاتِ وَالْجَزِيرَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى النُّسْطُورِيَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأُبَيِّنَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ وَفَسَادَهُ ; لِأَنَّ النُّسْطُورِيَّةَ فِي عَصْرِنَا هَذَا خَالَفُوا قَوْلَ " نُسْطُورَ " الْقَدِيمَ، وَزَعَمُوا أَنَّ " نُسْطُورَ " كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ وَأُقْنُومَانِ، إِلَهٌ تَامٌّ بِأُقْنُومِهِ وَجَوْهَرِهِ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ بِأُقْنُومِهِ وَجَوْهَرِهِ.
وَإِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ ; لِأَنَّ الْأَبَ عِنْدَهُمْ وَلَدَ إِلَهًا وَلَمْ يَلِدْ إِنْسَانًا، وَمَرْيَمُ وَلَدَتْ إِنْسَانًا وَلَمْ تَلِدْ إِلَهًا.
(4/249)

فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَالْمَسِيحُ مَسِيحَانِ وَابْنَانِ، فَمَسِيحٌ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، وَمَسِيحٌ إِنْسَانٌ وَابْنُ إِنْسَانٍ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِمَرْيَمَ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ أَوْ لَمْ تَلِدْهُ.
فَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وِلَادًا رُوحَانِيًّا أَوْ جُسْمَانِيًّا.
فَإِنْ كَانَ جُسْمَانِيًّا، فَهُوَ غَيْرُ الَّذِي وَلَدَهُ الْأَبُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسِيحَانِ.
وَإِنْ كَانَ رُوحَانِيًّا، فَالْمَسِيحُ ابْنٌ وَاحِدٌ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ مَسِيحٌ وَاحِدٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ صَفِيحَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تَتَّحِدُ بِهَا النَّارُ فَإِنَّهَا سَيْفٌ وَاحِدٌ تَحْرِقُ وَتَمْنَعُ وَتَقْطَعُ وَتُضِيءُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجِهَةِ الْحَدِيدِيَّةِ هِيَ الْمُحْرِقَةُ الْمُضِيئَةُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ النَّارِ، إِذْ كَانَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَارٌ مِنَ الْحَدِيدِ غَيْرَ مُحْرِقٍ.
وَلَا الْجِهَةُ النَّارِيَّةُ هِيَ الْقَاطِعَةُ الْمَانِعَةُ، إِذْ كَانَ شَأْنُ النَّارِ الْإِضَاءَةَ وَالْإِحْرَاقَ لَا الْقَطْعَ.
فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا وَصَحَّ مَا تَعْتَقِدُهُ الْمَلَكِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَبَانَ زَيْفُ قَوْلِ النُّسْطُورِيَّةِ: إِنَّ الْمَسِيحَ أُقْنُومَانِ.
(4/250)

قُلْتُ: يُقَالُ لِهَذَا: إِنَّ قَوْلَ النُّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَا بَاطِلَيْنِ فَقَوْلُ الْمَلَكِيَّةِ أَشَدُّ بُطْلَانًا وَأَعْظَمُ كُفْرًا وَتَنَاقُضًا، وَمَا ذَكَرَهُ هَذَا بَاطِلٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَالْمَسِيحُ مَسِيحَانِ.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ اللَّاهُوتُ بِمُجَرَّدِهِ يُسَمَّى مَسِيحًا، فَإِنَّ النُّسْطُورِيَّةَ وَافَقُوهُمْ عَلَى بَاطِلٍ، وَهُوَ أَنَّ الرَّبَّ وَلَدَ إِلَهًا، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا غَيْرِهِ: إِنَّ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ مَوْلُودَةٌ، وَلَا أَنَّ الرَّبَّ لَهُ مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ.
وَلَكِنْ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، فَصِفَةُ اللَّهِ لَمْ يُسَمِّهَا أَحَدٌ مَسِيحًا.
فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ لَا اتِّحَادَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ مَسِيحًا، وَلَا هُنَاكَ مَسِيحٌ هُوَ إِلَهٌ، وَلَا مَسِيحٌ هُوَ ابْنُ إِلَهٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ " نُسْطُورَ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي نَقُولُ: إِنَّهُ مَسِيحٌ مُتَوَحِّدٌ بِالْمَحَبَّةِ مَعَ ابْنِ إِلَهٍ، وَيُقَالُ لَهُ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، لَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ مُوهِبَهُ.
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْإِنْسَانُ فَقَطْ دُونَ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ
(4/251)

الْمَسِيحَ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَلَا ابْنِ إِلَهٍ فِي الْحَقِيقَةِ.
فَبَطَلَ مَا أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ، مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مَسِيحَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا بُدَّ لِمَرْيَمَ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ أَوْ لَمْ تَلِدْهُ.
فَيُقَالُ: بَلْ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ وَهُوَ غَيْرُ اللَّاهُوتِ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَبَ وَلَدَهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَسِيحَانِ، بَلْ مَسِيحٌ وَاحِدٌ إِنْسَانٌ مَخْلُوقٌ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ وَلَدَتْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وِلَادًا رُوحَانِيًّا أَوْ جُسْمَانِيًّا، فَإِنْ كَانَ رُوحَانِيًّا، فَالْمَسِيحُ ابْنٌ وَاحِدٌ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، مَسِيحٌ وَاحِدٌ - تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ وَحُجَّةٌ فَاسِدَةٌ دَاحِضَةٌ.
فَإِنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَلِدْ وِلَادَةً رُوحَانِيَّةً، بَلْ خَرَجَ الْوَلَدُ مِنْ فَرْجِهَا كَمَا تَخْرُجُ أَوْلَادُ النِّسَاءِ مِنْ فُرُوجِهِنَّ، سَوَاءٌ كَانَتْ عُذْرَتُهَا بَاقِيَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِصَفِيحَةِ الْحَدِيدِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَثَلٌ مُطَابِقٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِهِ.
فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ؟ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْمَلَكِيَّةِ وَفَسَادِ قَوْلِ خُصُومِهِمْ، فَكَيْفَ وَهُوَ تَمْثِيلٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ؟
فَإِنَّ الْحَدِيدَ إِذَا اتَّحَدَتْ بِهِ النَّارُ كَانَ الْحَدِيدُ قَدِ اسْتَحَالَ عَنْ صِفَتِهِ فَلَمْ يَبْقَ حَدِيدًا مَحْضًا، وَلَيْسَتْ نَارًا مَحْضًا، وَالْخَشَبُ
(4/252)

وَغَيْرُهُ إِذَا أُحْرِقَ وَصَارَ نَارًا، فَلَيْسَ هُوَ خَشَبًا مَحْضًا وَلَيْسَ هُوَ نَارًا مَحْضَةً بَسِيطَةً.
فَمِنْ شَأْنِ الشَّيْئَيْنِ إِذَا اتَّحَدَا، أَنْ يَسْتَحِيلَ كُلٌّ مِنْهَا إِلَى جَوْهَرٍ ثَالِثٍ وَطَبِيعَةٍ ثَالِثَةٍ لَيْسَتْ هَذَا وَلَا هَذَا، كَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ إِذَا اتَّحَدَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ جَوْهَرًا ثَالِثًا وَطَبِيعَةً ثَالِثَةً لَا لَبَنًا مَحْضًا وَلَا مَاءً مَحْضًا، وَكَذَلِكَ النَّارُ مَعَ الْحَدِيدِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ جَوْهَرًا ثَالِثًا لَيْسَ حَدِيدًا مَحْضًا وَلَا خَشَبًا مَحْضًا وَلَا نَارًا مَحْضَةً، لَكِنَّ الْحَدِيدَ إِذَا بَرُدَ هُوَ حَدِيدٌ، لَكِنَّهُ تَغَيَّرَتْ حَقِيقَتُهُ، فَالنَّارُ تُلِينُهُ وَتُذْهِبُ خَبَثَهُ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ اتِّحَادِهِ بِالنَّارِ كَمَا كَانَ قَبْلُ، وَالْخَشَبُ يَصِيرُ فَحْمًا وَهُوَ جَوْهَرٌ ثَالِثٌ، إِذْ كَانَ مِنْ طَبْعِ النَّارِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي كُلِّ جَسَدٍ بِحَسَبِهِ، فَتُؤَثِّرُ فِي الْحَدِيدِ بِحَسَبِهِ، وَفِي الْخَشَبِ بِحَسَبِهِ.
وَكُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّحَدَا فَإِنَّهُمَا يَصِيرَانِ جَوْهَرًا ثَالِثًا وَأُقْنُومًا ثَالِثًا وَطَبِيعَةً ثَالِثَةً.
فَإِنْ كَانَ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ قَدِ اتَّحَدَا - كَمَا زَعَمُوا - فَقَدِ اسْتَحَالَتْ صِفَةُ اللَّاهُوتِ وَاسْتَحَالَتْ صِفَةُ النَّاسُوتِ، فَلَمْ يَبْقَ اللَّاهُوتُ لَاهُوتًا وَلَا النَّاسُوتُ نَاسُوتًا، بَلْ صَارَا جَوْهَرًا ثَالِثًا لَا لَاهُوتًا وَلَا نَاسُوتًا، وَهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
فَإِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا تَسْتَحِيلُ صِفَاتُهُ بِصِفَاتِ
(4/253)

الْمُحْدَثَاتِ، وَلَا يَنْقَلِبُ الْقَدِيمُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُحْدَثًا، وَلَا يَسْتَحِيلُ الْقَدِيمُ الرَّبُّ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ الْمُحْدَثُ إِلَى شَيْءٍ ثَالِثٍ.
بَلْ صِفَاتُ الرَّبِّ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَنْقَلِبُ وَلَا تَسْتَحِيلُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَسْتَحِيلَ إِلَى أَمْرٍ ثَالِثٍ.
ثُمَّ هَذَا الثَّالِثُ، إِنْ كَانَ قَدِيمًا خَالِقًا، صَارَ هُنَا خَالِقَيْنِ قَدِيمَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا، كَانَ الْخَالِقُ قَدْ صَارَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْخَالِقِ إِلَى خَالِقٍ آخَرَ أَوْ إِلَى مَخْلُوقٍ، مُمْتَنِعٌ ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا، أَنَّ مَا مَثَّلُوا بِهِ مِنَ الْحَدِيدَةِ الْمُحَمَّاةِ بِالنَّارِ، هِيَ جَوْهَرٌ ثَالِثٌ يَجْرِي عَلَى نَارِهَا مَا يَجْرِي عَلَى حَدِيدِهَا، فَإِذَا طُرِقَتْ، فَالتَّطْرِيقُ وَاقِعٌ عَلَى نَارِهَا كَمَا هُوَ وَاقِعٌ عَلَى حَدِيدِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا مُدَّتْ، وَكَذَلِكَ إِذَا بُصِقَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا أُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا التَّمْثِيلُ مُطَابِقًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا حَلَّ بِالنَّاسُوتِ قَدْ حَلَّ بِاللَّاهُوتِ.
فَيَكُونُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ، وَهُوَ الَّذِي صُفِعَ عِنْدَهُمْ، وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَجُعِلَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، وَصُلِبَ وَمَاتَ وَتَأَلَّمَ، كَمَا يُحْكَى مِثْلُ هَذَا عَنِ الْيَعْقُوبِيَّةِ.
وَهَذَا لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَ بِالِاتِّحَادِ، حَتَّى النُّسْطُورِيَّةِ إِنْ قَالُوا: إِنَّهُمَا
(4/254)

مُتَّحِدَانِ بِالْمَشِيئَةِ بِمَعْنَى أَنَّ مَشِيئَةَ هَذَا عَيْنُ مَشِيئَةِ هَذَا.
بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالُوا: إِنَّ مَشِيئَتَهُ مُوَافِقَةٌ لِمَشِيئَتِهِ، لَيْسَتْ إِيَّاهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 72 - 75] . فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُمَا مَخْلُوقَانِ مَرْبُوبَانِ، إِذِ الْخَالِقُ أَحَدٌ صَمَدٌ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ.
وَذَكَرَ مَرْيَمَ مَعَ الْمَسِيحِ ; لِأَنَّ مِنَ النَّصَارَى مَنِ اتَّخَذَهَا إِلَهًا آخَرَ فَعَبَدَهَا كَمَا عَبَدَ الْمَسِيحَ.
وَالَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَطْلُبُ مِنْهَا كُلَّ مَا يُطْلَبُ
(4/255)

مِنَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولَ لَهَا: اغْفِرِي لِي وَارْحَمِينِي، وَغَيْرَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَشْفَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى ابْنِهَا.
فَتَارَةً يَقُولُونَ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، اشْفَعِي لَنَا إِلَى الْإِلَهِ، وَتَارَةً يَسْأَلُونَهَا الْحَوَائِجَ الَّتِي تُطْلَبُ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَذْكُرُونَ شَفَاعَةً، وَآخَرُونَ يَعْبُدُونَهَا كَمَا يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ.
وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ هَذَا عَنْهُمْ، لَمَّا ذَكَرَ اجْتِمَاعَهُمْ عِنْدَ " قُسْطَنْطِينَ " بِـ " نِيقِيَةَ ".
قَالَ: وَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَأُمُّهُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمُ الْمَرْيَمَانِيُّونَ وَيُسَمَّوْنَ الْمَرْيَمَانِيَّةَ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 116 - 117] . وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَحْكِ هَذَا عَنْ جَمِيعِ النَّصَارَى، بَلْ سَأَلَ
(4/256)

الْمَسِيحَ سُؤَالًا يُقَرِّعُ بِهِ مَنِ اتَّخَذَهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَيُقَالُ لِلنُّسْطُورِيَّةِ أَيْضًا: أَخْبِرُونَا عَنِ النَّاسُوتِ الَّتِي اتَّحَدَتْ بِهَا اللَّاهُوتُ وَسُمِّيَ مَسِيحًا، هَلْ لَمْ يَزَلْ مَسِيحًا مُنْذُ كَانَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ إِلَى حِينِ وَضَعَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ وَشَبَّ وَصُلِبَ وَقُتِلَ؟ أَمْ كَانَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ اتَّحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ فَكَانَ مَسِيحًا؟
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ مَسِيحًا وَهُوَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا وَلَدَتْ مَرْيَمُ إِنْسَانًا كَانَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ اتَّحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ فَكَانَ مَسِيحًا، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ وَكَذَّبُوا الْإِنْجِيلَ وَبَوْلُصَ وَجَمِيعَ كُتُبِ الْكَنِيسَةِ، وَخَرَجُوا عَنْ مَقَالَةِ النَّصْرَانِيَّةِ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ فِي النَّاسُوتِ عِنْدَ الْحَمْلِ، وَإِنَّهُ كَانَ مَسِيحًا وَهُوَ مَحْمُولٌ وَمَوْلُودٌ وَمُرْضَعٌ إِلَى أَنْ صُلِبَ وَقُتِلَ - قَدْ أَقَرُّوا أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا مَسِيحًا وَاحِدًا، أُقْنُومًا وَاحِدًا.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا التَّقْسِيمُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ النَّصَارَى الَّذِي ابْتَدَعَهُ طَوَائِفُهُمُ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنَّ الِاتِّحَادَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حِينِ حَمَلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْمُو قَلِيلًا قَلِيلًا كَنُمُوِّ جَسَدِ الْمَسِيحِ،
(4/257)

وَالِاتِّحَادُ بَاطِلٌ، كَمَا قَدْ قُرِّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ لَظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ.
فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعَظَمَةِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ كَانَ إِذَا كَلَّمَ مُوسَى يَظْهَرُ آيَاتُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُصَاحَبَتِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ مِمَّا ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّحِدًا وَلَا حَالًّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَمَّا تَجَلَّى مِنْ طُورِ سَيْنَا وَأَشْرَقَ مِنْ " سَاعِيرَ " وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ " فَارَانَ " بِمَا أَنْزَلَهُ مِنْ كُتُبِهِ، ظَهَرَ آثَارُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ مُتَّحِدَةً وَلَا حَالَّةً بِفَارَانَ وَلَا طُورِ سَيْنَا، بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ.
فَكَيْفَ تَكُونُ ذَاتُهُ مُتَّحِدَةً بِمَا فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، أَوْ حَالَّةً فِيهِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ؟
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ يَقُولُ النُّسْطُورِيَّةُ لَهُ: النَّاسُوتُ كَانَ مَسِيحًا مِنْ حِينِ الْحَمْلِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا مُقَدَّسًا، لَا بِمَعْنَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ.
وَإِنْ قَالُوا: الْمَسِيحُ اسْمُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا. فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يَقْتَضِي هَذَا، وَالنُّسْطُورِيَّةُ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ، لَكِنْ قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ لَهُمَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ.
ثُمَّ قَدْ يُقَالُ لِجَسَدِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ: هَذَا الْإِنْسَانُ، فَيُقَالُ وَهُوَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ أُمِّهِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ: هَذَا الْجَنِينُ وَهَذَا الْحَمْلُ. فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَسِيحٌ بِدُونِ اللَّاهُوتِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ تَقُولُ النَّسَاطِرَةُ بِاقْتِرَانِ اللَّاهُوتِ مِنْ حِينِ الْحَمْلِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَلَدَتْ إِلَهًا، إِذْ لَمْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ، بَلْ قَالُوا: هُمَا
(4/258)

جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ، وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا وَلَمْ تَلِدِ الْآخَرَ، كَمَا تَقُولُ الْمَلَكِيَّةُ مَعَهُمْ: إِنَّهُ صُلِبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُصْلَبِ الْآخَرُ، وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَمُتِ الْآخَرُ، وَتَأَلَّمَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَتَأَلَّمِ الْآخَرُ.
فَكَيْفَ جَوَّزَ الْمَلَكِيَّةُ حِينَ الْمَوْتِ أَنْ يَحُلَّ الْمَوْتُ وَالصَّلْبُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَسَائِرُ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ بِأَحَدِ الْجَوْهَرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا - حِينَ الْوِلَادَةِ - أَنْ تَلِدَ مَرْيَمُ أَحَدَ الْجَوْهَرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ تَنَاقُضِهِمْ؟ كَقَوْلِهِمْ جَمِيعًا: إِنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّاهُوتَ مَعَ النَّاسُوتِ قَعَدَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ.
وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ الْقَاعِدَ عَنْ يَمِينِ الْآخَرِ هُوَ ذَلِكَ الْآخَرُ، وَهُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَإِلَهٌ وَاحِدٌ، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، فَمُنَاقَضَتُهُمْ كَثِيرَةٌ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ النُّسْطُورِيَّةِ أَيْضًا مُتَنَاقِضٌ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نُصَحِّحَ قَوْلَ الْمَلَكِيَّةِ دُونَ قَوْلِهِمْ، بَلْ قَوْلُ الْمَلَكِيَّةِ أَعْظَمُ فَسَادًا وَتَنَاقُضًا.
فَالنُّسْطُورِيَّةُ يَقُولُونَ: الْإِلَهُ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يُصْلَبْ.
وَالْيَعْقُوبِيَّةُ يَقُولُونَ: وُلِدَ وَصُلِبَ.
وَالْمَلَكِيَّةُ يَقُولُونَ: وُلِدَ وَلَمْ يُصْلَبْ.
وَمَتَى جَازَ أَنْ يُولَدَ، جَازَ أَنْ يَمُوتَ وَيُصْلَبَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصْلَبَ وَيَمُوتَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُولَدَ.
(4/259)

فَتَجْوِيزُ أَحَدِهِمَا وَمَنْعُ الْآخَرِ تَنَاقُضٌ.
وَيُقَالُ لِلْمَلَكِيَّةِ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ عِنْدَ الْحَمْلِ، وَكَانَ مَسِيحًا وَهُوَ مَصْفُوعٌ وَمَصْلُوبٌ وَمَيِّتٌ وَمُتَأَلِّمٌ. وَتَقُولُونَ: هَذَا كَانَ بِالنَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَهَذَا التَّنَاقُضُ مِنْ جِنْسِ تَنَاقُضِ النَّسَاطِرَةِ.
قَالَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ: وَيُقَالُ لِلنَّسَاطِرَةِ أَيْضًا: مَتَى اتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِالْإِنْسَانِ؟ أَقَبْلَ الْوِلَادَةِ، أَمْ فِي حَالِ الْوِلَادَةِ؟
فَإِنْ قَالُوا: قَبْلَ الْوِلَادَةِ، قُلْنَا لَهُمْ: قَبْلَ الْوِلَادَةِ، قَبْلَ الْحَمْلِ؟ أَوْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَهُوَ حَمْلٌ؟
فَإِنْ قَالُوا: قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَقَبْلَ الْحَمْلِ، فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ اتَّحَدَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا وَقَبْلَ أَنْ يُصَوَّرَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَدَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ: إِنَّ الْقَدِيمَ اتَّحَدَ بِإِنْسَانٍ جُزْئِيٍّ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْجُزْئِيَّ إِنَّمَا كَانَ إِنْسَانًا جُزْئِيًّا، لَمَّا صَارَ مُصَوَّرًا بَشَرِيًّا.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا السُّؤَالُ لَازِمٌ لِلطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالِاتِّحَادِ أَعْظَمَ مِنَ النَّسَاطِرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِإِنْسَانٍ كُلِّيٍّ، كَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَقَاوِيلِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ مُعَيَّنٌ جُزْئِيٌّ، يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا كُلِّيًّا.
(4/260)

ثُمَّ قَالَ: وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ اللَّاهُوتَ قَدْ كَانَ حَلَّ مَعَ النَّاسُوتِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهَا مِنْ بَدْءِ الْحَمْلِ مُقِيمًا مَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْجَنِينُ، ثُمَّ وُلِدَا مَعًا، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ.
فَيُقَالُ: قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وُلِدَ النَّاسُوتُ دُونَ اللَّاهُوتِ، كَمَا يَقُولُ الْمَلَكِيَّةُ: إِنَّهُ صُلِبَ النَّاسُوتُ دُونَ اللَّاهُوتِ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا مُتَنَاقِضًا، فَالنَّسَاطِرَةُ أَقَلُّ تَنَاقُضًا ; لِأَنَّ الْمَلَكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، أُقْنُومٌ وَاحِدٌ، فَقَدِ اتَّحَدَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
فَإِذَا جَازَ مَعَ هَذَا أَنْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالصَّلْبِ وَالْمَوْتِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ، هُوَ أَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ قَالُوا: اتَّحَدَ بِهِ وَهُوَ حَمْلٌ صُورَةٌ تَامَّةٌ.
قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ كَانَ الْإِلَهُ حَمْلًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ، جَازَ أَنْ يُولَدَ.
فَيُقَالُ: هُمْ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُمَا صَارَا شَخْصًا وَاحِدًا، أُقْنُومًا وَاحِدًا، بَلْ يَقُولُونَ: جَوْهَرَانِ أُقْنُومَانِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقُولُونَ: حَمَلَتْ بِإِلَهٍ،
(4/261)

وَلَا وَلَدَتْ إِلَهًا، كَمَا لَا يَقُولُ الْمَلَكِيَّةُ: صُلِبَ اللَّاهُوتُ وَمَاتَ اللَّاهُوتُ، مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا.
قَالَ: فَإِنْ قَالُوا: كَانَ الِاتِّحَادُ فِي حَالِ الْوِلَادَةِ.
قُلْنَا: فَقَدْ وَلَدَتْ مَرْيَمُ الْكَلِمَةَ إِذًا مَعَ الْإِنْسَانِ، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ إِلَهٌ، فَقَدْ وَلَدَتْ مَرْيَمُ إِلَهًا.
فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ. قُلْنَا: فَإِذَا جَازَ أَنْ يُولَدَ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَمْلًا؟ فَإِذَا أَجَازُوا ذَلِكَ، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ، قُلْنَا: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ الْإِلَهُ مَوْلُودًا، وَلَمْ يَكُنِ الِاتِّحَادُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا، وَلَا فِي حَالِ كَوْنِهِ وَلَدًا فِي حَالِ الْوِلَادَةِ.
قُلْنَا: فَهَذَا نَقْضُ قَوْلِكُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ ; لِأَنَّ الْمَسِيحَ - عِنْدَكُمْ - لَيْسَ هُوَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ، وَمَرْيَمُ - عِنْدَكُمْ - إِنَّمَا وَلَدَتِ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ.
وَإِذَا كَانَ الْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ، وَعِنْدَكُمْ إِنَّمَا وَلَدَتِ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ قَبْلَ الِاتِّحَادِ، فَإِنَّمَا وَلَدَتْ إِذًا مَا لَيْسَ بِمَسِيحٍ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا كَانَ مَسِيحًا بِالِاتِّحَادِ، وَكَانَ الِاتِّحَادُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَإِنَّمَا كَانَ مَسِيحًا بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا - عِنْدَكُمْ - فَاسِدًا، وَكَانَتْ مَرْيَمُ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، فَمَرْيَمُ لَمْ تَلِدِ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنَّهَا قَدْ وَلَدَتِ الْإِلَهَ مَعَ الْإِنْسَانِ، وَيُوجِبُ أَنَّ الِاتِّحَادَ كَانَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ.
(4/262)

قَالَ: فَقَدْ تَبَيَّنَ زَائِفُ مَا تَعْتَقِدُهُ النُّسْطُورِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ لَاهُوتِهِ، وَصَحَّ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا مَسِيحًا وَاحِدًا.
قَالَ: وَيُقَالُ لَهُمْ: إِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ، جَوْهَرٌ قَدِيمٌ وَجَوْهَرٌ مُحْدَثٌ، ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ هَذَيْنِ الْجَوْهَرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْمَسِيحُ، وَإِذَا وَلَدَتْهُمَا وَأَحَدُهُمَا إِلَهٌ، فَقَدْ وَلَدَتْ إِلَهًا قَدِيمًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَلِدَ إِلَّا مَا كَانَ مَحْمُولًا، فَهَذَا يُوجِبُ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ حَامِلَةً لِذَلِكَ الْإِلَهِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ زَائِفُ مَا تَعْتَقِدُهُ النُّسْطُورِيَّةُ، أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَحْمِلْ إِلَهًا وَلَمْ تَلِدْهُ، وَصَحَّ مَا تَعْتَقِدُهُ الْمَلَكِيَّةُ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِلَهًا مَسِيحًا وَاحِدًا وَابْنًا وَاحِدًا، أُقْنُومًا وَاحِدًا.
فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ هَذَا التَّنَاقُضُ مِنَ النُّسْطُورِيَّةِ بِأَعْظَمَ مِنْ تَنَاقُضِ الْمَلَكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ - مَعَ قَوْلِهِمْ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، وَأَنَّهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ - يَقُولُونَ: إِنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَرَّفُ، وَأَنَّهُ أُخِذِ وَصُفِعَ وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ وَصُلِبَ وَتَأَلَّمَ وَمَاتَ دُونَ الْآخَرِ.
فَإِذَا كَانَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ مُتَنَاقِضًا، فَقَوْلُ الْمَلَكِيَّةِ أَعْظَمُ تَنَاقُضًا، فَإِذَا مَنَعُوا أَنْ تَحْمِلَ الْمَرْأَةُ وَتَلِدَ النَّاسُوتَ دُونَ اللَّاهُوتِ لِأَجْلِ الِاتِّحَادِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَجَبَ أَنْ يَمْنَعُوا أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُصْلَبَ وَيُقْتَلَ أَحَدُهُمَا
(4/263)

دُونَ الْآخَرِ لِأَجْلِ الِاتِّحَادِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَكَوْنُ الصَّلْبِ وَالْقَتْلِ أَعْظَمَ مُنَافَاةً لِلرُّبُوبِيَّةِ مِنْ حَمْلِ مَرْيَمَ بِهِ وَوِلَادَتِهِ إِيَّاهُ، لَا يَمْنَعُ كَوْنَ كُلِّ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا عَلَى اللَّهِ.
وَمَنْ جَوَّزَ عَقْلُهُ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ وَهِيَ بِكْرٌ، فَقَدْ جَعَلَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَخْرُجُ مِنْ ثُقْبٍ صَغِيرٍ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنَ الِامْتِنَاعِ.
وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِ هَذَا، جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُلِّ ثُقْبٍ مِثْلِ ذَلِكَ الثُّقْبِ وَأَكْبَرِ مِنْهُ، وَجَوَّزَ أَنْ يَخْرُجَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ فَمِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَفَرْجِهِ، وَمِنْ شُقُوقِ الْأَبْوَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثُّقُوبِ.
وَإِنْ قَالُوا: ذَاكَ مَكَانٌ طَاهِرٌ. قِيلَ: أَفْوَاهُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَطْهَرُ مِنْ كُلِّ فَرْجٍ فِي الْعَالَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ فَمِ كُلِّ نَبِيٍّ وَوَلِيٍّ لِلَّهِ، وَمِنْ أُذُنِهِ وَمِنْ أَنْفِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْخُرُوقَ وَالثُّقُوبَ أَفْضَلُ مِنْ فُرُوجِ النِّسَاءِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ كَوْنَ اللَّهِ مَوْلُودًا مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ، غَيْرُ كَوْنِهِ مَوْلُودًا فِي الْأَزَلِ مِنَ الْأَبِ، بَلْ هُمَا وِلَادَتَانِ رُوحَانِيَّةٌ وَجُسْمَانِيَّةٌ.
وَهُمْ إِذَا طُولِبُوا بِتَفْهِيمِ مَا يَقُولُونَهُ، وَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ؛ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَخْرُجُ مِنْ ثُقْبٍ ضَيِّقٍ، لَا فَرْجٍ وَلَا فَمٍ وَلَا أُذُنٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْقَابِ. قَالُوا: هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَلَدَتْهُ، بَلْ وَلَا نَطَقَ
(4/264)

نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلُودٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مَوْلُودٌ، لَا عِلْمُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلَا نَطَقَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْمَسِيحُ وَلَا غَيْرُهُ بِأَنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَلَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا فِيهَا كَلِمَاتٌ مُجْمَلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، كَقَوْلِهِ: (أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) كَمَا قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] وَقَوْلِهِ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فَإِذَا قَالَ بَعْضُ مَلَاحِدَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشِّيعَةِ أَوِ الْمُتَصَوِّفَةِ
(4/265)

أَوْ غَيْرِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِمُحَمَّدٍ ; لِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] كَانَ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى.
وَالْآيَةُ لَمْ تَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ مُبَايَعَةُ الرَّسُولِ مُبَايَعَةٌ لِلَّهِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ أَمَرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَنَهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ مَوْلُودٌ الْوِلَادَةَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا وِلَادَةً عَقْلِيَّةً وَرُوحَانِيَّةً، وَلَا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تُسَمَّى ابْنًا لِلَّهِ، وَلَا أَنَّ اللَّاهُوتَ ابْنُ اللَّهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْطِقُوا بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلُودٌ مِنِ امْرَأَةٍ وِلَادَةً، وَخَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا، فَيَكُونُ مَوْلُودًا وِلَادَةً جُسْمَانِيَّةً.
وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَتِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِمَنِ ادَّعَاهُ عَلَى مَنْ نَفَاهُ حُجَّةٌ مِنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، غَايَةُ مَا عِنْدَهُمُ التَّمَسُّكُ بِأَلْفَاظٍ مُتَشَابِهَةٍ وَتَغْيِيرُ أَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ مُحْكَمَةٍ، تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَوْلُودَ إِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ.
فَإِذَا قَالُوا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَشَابِهَةِ: لَا نَعْلَمُ مُرَادَ الرَّسُولِ بِهَا، كَانَ هَذَا مِمَّا قَدْ يُعْذَرُونَ بِهِ، فَإِنَّ الْمُتَشَابِهَ مِنَ النُّصُوصِ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
فَإِذَا قَالُوا: لَسْنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ
(4/266)

- كَانُوا شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولَةٌ.
بِخِلَافِ الْقَوْلِ الَّذِي تَكَلَّمُوا بِهِ هُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، فَإِنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا مَعْنَاهُ الَّذِي عَنَوْهُ بِهِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ شَرْعٌ أَوْ عَقْلٌ.
فَإِذَا قَالُوا: نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي قُلْنَاهُ لَا نَتَصَوَّرُ مَعْنَاهُ، كَانُوا مُعْتَرِفِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ غَايَةَ مَا عِنْدَهُمُ التَّمَسُّكُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُطَالَبُونَ بِتَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْكَمِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَإِذَا قَالُوا: هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ لَا نَفْهَمُهُ، قِيلَ لَهُمْ: فَدَعُوا الْمُتَشَابِهَ لَا تَحْتَجُّوا بِهِ، وَلَا تَذْكُرُوا لَهُ مَعْنًى تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ لَا تَعْقِلُونَهُ.
فَمَتَى ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّا لَا نَفْهَمُهُ - فَإِنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
وَأَمَّا إِذَا فَسَّرُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِقَوْلٍ عَبَّرُوا بِهِ عَلَى مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالُوا: هَذَا مُرَادُهُمْ مَعَ تَعْبِيرِهِمْ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ أُخْرَى - طُولِبُوا بِأَنْ يُبَيِّنُوا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ فَهِمْتُمْ مَا قُلْتُمُوهُ فَبَيِّنُوهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْهَمُوهُ فَلَا تَتَكَلَّمُوا بِلَا عِلْمٍ.
(4/267)

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: إِنَّ أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ - أَعْنِي " نُسْطُورِيُوسَ " وَ " أَرْطِيُوسَ " وَ " دِيسُقُورُسَ " وَ " سُورَسَ " وَ " يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيَّ " وَأَشْيَاعَهُمْ - الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا الزَّيْفَ وَالْمُحَالَ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، وَزَاغُوا عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ لِسُوءِ رَأْيِهِمْ، فَقَدْ تَوَرَّطُوا فِي بَحْرِ الضَّلَالَةِ.
وَهُمْ - جَمِيعًا - فِيمَا ارْتَطَمُوا فِيهِ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ يُضْمِرُونَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاتِّحَادِ لَاهُوتِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِنَاسُوتِهِ، وَيَتَوَرَّطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْخُلْطَةِ، وَيَتَمَسَّكُ بِهِ.
فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُوَضِّحَ وَجْهَ الْخُلْطَةِ، وَأُبَيِّنَ ذَلِكَ ; لِتَقِفَ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مِنْ عَظِيمِ تَدْبِيرِ اللَّهِ وَكَمَالِ عَدْلِهِ وَجَلِيلِ رَحْمَتِهِ، أَنْ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهِيَ الَّتِي مِنْ جَوْهَرِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ، وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ قَطُّ، وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ، وَلَا مِنْ جَوْهَرِهِ، فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِقِوَامِهَا الْقَائِمِ الدَّائِمِ الثَّابِتِ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَهِيَ جَارِيَةٌ طَاهِرَةٌ
(4/268)

مُخْتَارَةٌ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، اصْطَفَاهَا اللَّهُ لِهَذَا التَّدْبِيرِ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَطَهَّرَهَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، رُوحِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ، حَتَّى جَعَلَهَا أَهْلًا لِحُلُولِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيَّةِ بِهَا، فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا، بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ، خَلْقًا جَدِيدًا مِنْ غَيْرِ نُطْفَةٍ آدَمِيَّةٍ جَرَتْ عَلَيْهَا الْخَطِيئَةُ، وَمِنْ غَيْرِ مُجَامَعَةٍ بَشَرِيَّةٍ وَلَا انْفِكَاكِ عُذْرَةِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ الْمُقَدَّسَةِ، فَهُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ بِجَسَدِهِ وَنَفْسِهِ الدَّمَوِيَّةِ وَرُوحِهِ الْكَلِمَانِيَّةِ الَّتِي مِنْ صُورَةِ اللَّهِ فِي الْإِنْسَانِ وَشِبْهِهِ، فَكَانَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ لِلُطْفِهَا عَنْ جَمِيعِ مَا لَطُفَ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ إِلَّا فِي غَلِيظِ الْخَلْقِ، وَلَا يُرَى مَا هُوَ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ إِلَّا مَعَ مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَهْلِ الْأَثْقَالِ مِنْ غَلِيظِ الْخَلْقِ.
وَإِنَّا وَجَدْنَا رُوحَ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلَةَ الْكَلِمَانِيَّةَ أَلْطَفُ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَوْلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحِجَابِ اللَّهِ، فَكَانَتْ لَهَا حِجَابًا وَلِمَنْ هُوَ أَلْطَفُ مِنْهَا، وَكَانَتِ النَّفْسُ الدَّمَوِيَّةُ لَهَا حِجَابًا وَالْجَسَدُ الْغَلِيظُ حِجَابًا.
فَعَلَى هَذَا خَالَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ لِنَفْسِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلَةُ بِجَسَدِهَا وَدَمِهَا وَرُوحِهَا الْعَاقِلَةِ الْكَلِمَانِيَّةِ، وَصَارَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِقِوَامِهَا قِوَامًا لِتَثْلِيثِ النَّاسُوتِ الَّتِي كَمُلَ جَوْهَرُهَا بِتَقْوِيمِ قِوَامِ كَلِمَةِ اللَّهِ إِيَّاهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا إِلَّا بِقِوَامٍ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهَا وَكَوَّنَهَا
(4/269)

لَا مِنْ شَيْءٍ، لَا سَبَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا مِنْ نُطْفَةٍ، وَلَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، غَيْرَ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الْخَالِقَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ التَّثْلِيثِ الْإِلَهِيِّ، فَذَلِكَ الْقِوَامُ مَعْدُودٌ مَعْرُوفٌ مَعَ النَّاسِ، لَمَّا ضُمَّ إِلَيْهِ وَخَلَقَهُ لَهُ؛ الْتَحَمَ بِهِ مِنْ جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ - بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ - قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ، وَاحِدٌ فِي التَّثْلِيثِ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَاحِدٌ فِي النَّاسِ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَيْسَ بِاثْنَيْنِ، وَلَكِنْ وَاحِدٌ مَعَ الْأَبِ وَالرُّوحِ وَهُوَ إِيَّاهُ وَاحِدٌ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا بِجَوْهَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ جَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الْخَالِقِ، وَجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الْمَخْلُوقِ، بِتَوْحِيدِ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الِابْنُ الْمَوْلُودُ مِنَ اللَّهِ قَبْلَ الْأَدْهَارِ كُلِّهَا، وَهُوَ إِيَّاهُ الْمَوْلُودُ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ مِنَ الْأَبِ وَلَا مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ.
قُلْتُ: فَهَذَا كَلَامُ سَعِيدِ بْنِ الْبِطْرِيقِ الَّذِي قَرَّرَ بِهِ دِينَ النَّصَارَى، وَفِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوهًا.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: إِنَّ مِنْ عَظِيمِ تَدْبِيرِ اللَّهِ أَنْ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ، الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ جَوْهَرِهِ، لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِقِوَامِهَا الْقَائِمِ الدَّائِمِ، فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ.
فَيُقَالُ: قَدْ جَعَلْتَ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ، وَقُلْتَ - بَعْدَ هَذَا -: وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ، وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ، وَقُلْتَ - بَعْدَهَا -:
(4/270)

فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ جَمِيعًا، خَلْقًا جَدِيدًا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخَالِقُ الْعَالَمِ - عِنْدَكُمْ - خَالِقٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، أَمْ لِلْعَالَمِ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ خَالِقُونَ؟ .
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ خَالِقُونَ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ يُصَرِّحُونَ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَثَلَاثَةِ خَالِقِينَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ.
فَيُقَالُ: هَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، فَإِمَّا هَذَا، وَإِمَّا هَذَا.
وَإِذَا قُلْتُمُ: الْخَالِقُ وَاحِدٌ، لَهُ ثَلَاثُ صِفَاتٍ، لَمْ نُنَازِعْكُمْ فِي أَنَّ الْخَالِقَ لَهُ صِفَاتٌ، لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ بِثَلَاثَةٍ.
فَإِنْ قَالُوا بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ خَالِقِينَ، كَمَا قَدْ كَثُرَ مِنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ، بَانَ كُفْرُهُمْ وَعَظُمَ شِرْكُهُمْ، وَبَانَ أَنَّ شِرْكَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شِرْكٍ فِي الْعَالَمِ، فَغَايَةُ الْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةِ - إِثْبَاتُ اثْنَيْنِ، نُورٍ وَظُلْمَةٍ، وَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ ثَلَاثَةً.
ثُمَّ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِكَوْنِ الْخَالِقِ وَاحِدًا، كَثِيرَةٌ جِدًّا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا هُنَا.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ، لَهُ صِفَاتٌ، قِيلَ لَهُمْ: فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِكُمْ: إِنَّهُ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ، وَقَوْلِكِمْ: (وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ
(4/271)

وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ) وَقَوْلِكِمْ: (فَهَبَطَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ) ، وَقَوْلِكِمْ: (فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ، خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ الرُّوحِ) . فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلِمَةَ خَالِقَةٌ وَأَنَّ الرُّوحَ خَالِقَةٌ، وَأَنَّهَا خَلَقَتْ بِمَسَرَّةِ الْأَبِ الْخَالِقِ وَمُؤَازَرَةِ الرُّوحِ الْخَالِقَةِ، وَهَذَا الْخَالِقُ هَبَطَ وَالْأَبُ لَمْ يَهْبِطْ.
فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ وَاحِدًا لَهُ صِفَاتٌ، لَمْ يَكُنْ هُنَا إِلَّا خَالِقٌ وَاحِدٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُكُمْ: (بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ) ، وَقَدْ نَطَقَتِ الْكُتُبُ بِأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ، فَيَقُولُ لَهَا: (كُنْ فَيَكُونُ) ، هَكَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهِمَا.
لَكِنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بِكَلَامِهِ، لَيْسَ كَلَامُةُ خَالِقًا.
وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ قَطُّ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
وَالتَّوْرَاةُ كَلَامُ اللَّهِ، وَالْإِنْجِيلُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي.
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ كَلِمَتَهُ هِيَ الْخَالِقَةُ وَإِنَّهُ خَلَقَ بِهَا - كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ.
فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ هِيَ الْخَالِقَةُ، لَمْ تَكُنْ هِيَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَالْمَخْلُوقُ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُكُمْ: (كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ) أَهِيَ
(4/272)

كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ، أَمْ هِيَ بَعْضُ كَلَامِ اللَّهِ، أَمْ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، الَّذِي يُثْبِتُهُ ابْنُ كِلَابٍ، أَمْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، أَمْ هِيَ الذَّاتُ الْمُتَكَلِّمَةُ؟ .
فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الذَّاتُ الْمُتَكَلِّمَةُ، فَهِيَ الْأَبُ وَالرَّبُّ، وَتَكُونُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ كَلَامٌ مَوْلُودٌ، وَلَا كَلِمَةٌ أُرْسِلَتْ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْمُتَّحِدَةَ بِالْمَسِيحِ لَيْسَتْ هِيَ الْأَبُ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ.
قِيلَ لَهُمْ: فَيَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ وَسَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّهَا هِيَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ، أَوِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ.
قِيلَ لَهُمْ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَا بَاطِلَيْنِ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِهِمَا لَزِمَكُمْ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ، فَإِنَّ هَذَيْنِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِمَا - هُمَا جَمِيعُ كَلَامِ اللَّهِ.
وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ، عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ الْقَدِيمَةُ الْقَائِمَةُ بِالذَّاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَذَيْنِ.
(4/273)

إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ بَعْضُ كَلِمَاتِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ لِلَّهِ كَلِمَاتٌ أُخَرُ غَيْرُ الْمَسِيحِ، فَاجْعَلُوا كُلَّ كَلِمَةٍ خَلْقًا كَمَا جَعَلْتُمُ الْكَلِمَةَ الْمُتَّحِدَةَ بِالْمَسِيحِ خَالِقًا، إِذْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: (الْكَلِمَةُ هِيَ الْخَالِقَةُ وَهِيَ الْمَخْلُوقُ بِهَا) ، فَقُولُوا عَنْ سَائِرِ كَلِمَاتِ اللَّهِ إِنَّهَا خَالِقَةٌ مَخْلُوقٌ بِهَا، وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَدَّدُ الْخَالِقُ بِتَعَدُّدِ كَلِمَاتِ اللَّهِ.
وَإِذَا كَانَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، كَانَ الْخَلْقُ خَالِقِينَ لَا نِهَايَةَ لَهُمْ، وَهَذَا غَايَةُ الْبَاطِلِ وَالْكَفْرِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، أَيُّ شَيْءٍ فَسَّرُوا بِهِ الْكَلِمَةَ تَبَيَّنَ بِهِ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ، وَيَقُولُونَ الْكَذِبَ وَالْكُفْرَ الْمُتَنَاقِضَ، وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ تَقْلِيدُ مَنْ أَضَلَّهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: مَا لَمْ يُعْلَمْ بِالْمَعْقُولِ، فَلَيْسَ فِي الْمَنْقُولِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَنْتُمْ لَا تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَرَفْتُمُوهُ بِالْعَقْلِ، لَكِنْ بِمَا نُقِلَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ قَدْ فَسَّرْتُمْ كَلِمَتَهُ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ بِحَيَاتِهِ، فَمِنْ أَيِّ نَبِيٍّ تَنْقُلُونَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى ابْنًا، وَأَنَّ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ حَيَاتَهُ خَلَقَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ عِلْمَهُ خَالِقٌ وَإِلَهٌ وَرَبٌّ، وَحَيَاتَهُ خَالِقَةٌ وَإِلَهٌ وَرَبٌّ، وَلَيْسَ
(4/274)

فِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَلَدًا لَهُ وَلَا ابْنًا، وَلَا ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ وَلَدَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ. فَدَعْوَاكُمْ أَنَّ صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ وُلِدَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً وِلَادَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً، وَوِلَادَةً حَادِثَةً مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ - كَذِبٌ مَعْلُومٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ اللَّهَ وَلَدَ، وَلَا إِنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ وَلَدَهُ، لَا وِلَادَةً رُوحَانِيَّةً، وَلَا وِلَادَةً جُسْمَانِيَّةً.
وَهَذَا وَإِنْ أَبْطَلَ قَوْلَ الْمَلَكِيَّةِ، فَهُوَ لِقَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ أَشَدُّ إِبْطَالًا، وَهُوَ مُبْطِلٌ أَيْضًا لِقَوْلِ النُّسْطُورِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، فَإِنَّ طَوَائِفَهُمُ الثَّلَاثَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْأَمَانَةِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا فِي زَمَنِ " قُسْطَنْطِينَ " بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْمَسِيحِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُكُمْ: بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ.
مَنْ قَالَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِلَا رُوحِهِ قَطُّ، أَوْ إِنَّ رُوحَهُ صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ، أَوْ إِنَّهَا حَيَاتُهُ؟
وَكَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِأَنَّ رُوحَ اللَّهِ وَرُوحَ الْقُدُسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هُوَ مَا يُنْزِلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، كَالْوَحْيِ وَالتَّأْيِيدِ، أَوِ الْمَلَائِكَةُ، فَلَيْسَتْ رُوحُ اللَّهِ صِفَةً قَائِمَةً بِهِ وَلَا غَيْرَهَا، وَلَكِنَّهَا أَمْرٌ بَائِنٌ عَنْهُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ وَهَبَطَتْ وَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ، فَهُوَ نَفْسُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَبَطَ وَالْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ، أَمْ
(4/275)

رَبُّ الْعَالَمِينَ نَفْسُهُ لَمْ يَهْبِطْ وَلَمْ يَلْتَحِمْ مِنْ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هَبَطَ وَالْتَحَمَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ نَفْسُهُ هَبَطَ وَالْتَحَمَ، كَانَ الْأَبُ الْوَالِدُ لِلْكَلِمَةِ، هُوَ الَّذِي هَبَطَ وَالْتَحَمَ، وَكَانَ الْأَبُ هُوَ الْكَلِمَةُ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِأَقْوَالِكُمْ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَبْعُوثَ الْهَابِطَ الْمُلْتَحِمَ لَيْسَ هُوَ الْأَبُ، بَلْ هُوَ كَلِمَةُ الرَّبِّ، فَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ الْخَالِقَ، فَيَكُونُ هُنَاكَ خَالِقَانِ، خَالِقٌ أُرْسِلَ فَهَبَطَ وَالْتَحَمَ، وَخَالِقٌ أَرْسَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَهْبِطْ وَلَمْ يَلْتَحِمْ، وَقَدْ أَثْبَتُّمْ خَالِقًا ثَالِثًا، وَهُوَ الرُّوحُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ خَالِقِينَ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ كَلِمَتَهُ الْخَالِقَةَ الَّتِي بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ فَمَعَ كَوْنِهِ جَعَلَهَا خَالِقَةً، جَعَلَ أَنَّهُ بِهَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، وَالَّذِي خَلَقَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ هُوَ خَالِقٌ، فَجَعَلَهَا خَالِقَةً، وَجَعَلَ خَالِقًا آخَرَ، وَجَعَلَ أَحَدَ الْخَالِقَيْنِ قَدْ خَلَقَ الْآخَرُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ هَذَا الْخَالِقَ قَدْ بَعَثَ ذَاكَ الْخَالِقَ الَّذِي بِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ احْتَجَبَتْ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ خَلْقًا جَدِيدًا.
وَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْخَالِقَةُ بِمَسَرَّةِ الْأَبِ الْخَالِقِ عَلَى الْخَلْقِ، فَالْأَبُ لَمْ يَخْلُقْهُ، بَلْ سُرَّ بِذَلِكَ، وَرُوحُ الْقُدُسِ وَازَرَتْ ذَلِكَ، وَالْخَالِقُ خَلَقَ الْخَلْقَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلْخَالِقِ مَنْ يُوَازِرُهُ عَلَى الْخَلْقِ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالْخَلْقِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ.
فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ، تَارَةً يَقُولُونَ: هِيَ الْخَالِقَةُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: خَلَقَ بِهَا
(4/276)

الْخَالِقُ فَخَلَقَتْ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ وَازَرَهَا فِي الْخَلْقِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
فَإِنْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ فَالْخَالِقُ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ هُنَاكَ خَالِقٌ آخَرُ وَلَا شَرِيكٌ لَهُ فِي الْخَلْقِ.
وَالْخَالِقُ إِذَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ خَالِقًا، وَلَوْ كَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ إِلَهًا خَالِقًا، لَكَانَ الْآلِهَةُ الْخَالِقُونَ كَثِيرِينَ لَا نِهَايَةَ لَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ وَلَكِنْ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ مِنْ قَبْلِ كُلِّ الدُّهُورِ.
فَيُقَالُ: مَنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مَوْلُودًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْلُودًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟ وَهَلْ يُعْقَلُ مَوْلُودٌ إِلَّا مُحْدَثًا؟ .
وَأَيْضًا فَإِذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يُفَسِّرُونَهَا بِالْعِلْمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مَوْلُودَةً مِنْهُ، فَكَذَلِكَ حَيَاتُهُ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ مُنْبَثِقَةٌ مِنْهُ، فَكَلِمَتُهُ مُنْبَثِقَةٌ مِنْهُ.
فَجَعْلُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْأَزَلِيَّتَيْنِ مَوْلُودَةً مِنَ الْأَزَلِ غَيْرَ مُنْبَثِقَةٍ، وَالْأُخْرَى لَيْسَتْ مَوْلُودَةً مِنَ الْأَزَلِ، بَلْ مُنْبَثِقَةٌ - مَعَ كَوْنِهِ بَاطِلًا فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
فَإِنَّهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِلصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ: إِنَّهَا مَوْلُودَةٌ مِنْهُ فَالْحَيَاةُ مَوْلُودَةٌ.
(4/277)

وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مُنْبَثِقَةٌ، فَالْكَلِمَةُ مُنْبَثِقَةٌ.
وَأَيْضًا فَكَوْنُ الصِّفَةِ إِلَهًا خَالِقًا، وَإِثْبَاتُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ خَالِقِينَ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ - تَنَاقُضٌ آخَرُ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ) إِنْ أَرَادَ بِرُوحِهِ حَيَاتَهُ، فَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنْ مَنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى حَيَاةَ اللَّهِ رُوحَهُ؟ وَمَنِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهَ رُوحًا قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا افْتِرَاءٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟
وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُمُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِرُوحِ اللَّهِ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ بِذَلِكَ حَيَاةَ اللَّهِ قَطُّ.
فَتَسْمِيَةُ حَيَاةِ اللَّهِ رُوحًا، وَتَفْسِيرُ مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ - افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ (فَهَبَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِقِوَامِهَا الْقَائِمِ الدَّائِمِ الثَّابِتِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزُولُ، فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَهِيَ جَارِيَةٌ طَاهِرَةٌ، مُخْتَارَةٌ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، اصْطَفَاهَا اللَّهُ لِهَذَا التَّدْبِيرِ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَطَهَّرَهَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، رُوحِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ، الَّتِي جَعَلَهَا أَهْلًا لِحُلُولِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيَّةِ بِهَا، فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا بِمَسَرَّةِ الْأَبِ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ الْقُدُسِ خَلْقًا جَدِيدًا) .
فَيُقَالُ: إِنَّ الْكُتُبَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي لَهُمْ، وَبِهَذَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ حَيْثُ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، أَنَّهُ نَفَخَ فِي مَرْيَمَ مِنْ رُوحِهِ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رُوحَهُ.
قَالَ تَعَالَى:
(4/278)

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا - فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا - قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا - قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا - فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا - فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 16 - 23] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91]
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]
فَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
لَكِنَّ دَعْوَاكُمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ الْجَوْهَرِيَّةُ ; (أَيْ حَيَاتُهُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ) - أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ.
فَلَمْ يُفَسِّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ رُوحَ الْقُدُسِ بِصِفَةِ اللَّهِ، لَا جَوْهَرِيَّةً وَلَا غَيْرَ
(4/279)

جَوْهَرِيَّةٍ، وَلَا قَدِيمَةً وَلَا غَيْرَ قَدِيمَةٍ، وَلَا أَرَادُوا بِذَلِكَ حَيَاةَ اللَّهِ.
فَقَوْلُكُمْ هَذَا، تَبْدِيلٌ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، كَمَا أَنَّكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ حَيَاتَهُ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، وَإِنَّ صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ هِيَ ابْنُهُ - مِمَّا حَرَّفْتُمْ فِيهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ قَطُّ، وَلَمْ يُطْلَقْ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَكُمْ لَفْظُ الِابْنِ الْمَوْلُودِ إِلَّا عَلَى مُحْدَثٍ مَخْلُوقٍ لَا عَلَى شَيْءٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ، لَا مَوْصُوفٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا عِلْمٍ، وَلَا كَلَامٍ وَلَا حِكْمَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكُلُّ وِلَادَةٍ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ وِلَادَةٌ حَادِثَةٌ زَمَانِيَّةٌ، وَكُلُّ مَوْلُودٍ، فَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ زَمَانِيٌّ، لَيْسِ فِي الْكُتُبِ وِلَادَةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَلَا مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، كَمَا أَنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ ذَلِكَ فِي أَمَانَتِكُمْ وَغَيْرِهَا.
فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُمْكِنًا فِي الْعُقُولِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجْعَلُوهُ مَوْجُودًا وَاقِعًا، وَتَقُولُوا: الْأَنْبِيَاءُ أَرَادُوا ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بَيَّنُوا أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُهُمْ.
فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ، وَالْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، كَانَ مَا قُلْتُمُوهُ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَمَسِيحِهِ، وَكَانَ بَاطِلًا فِي الْمَعْقُولِ، وَكُنْتُمْ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]
(4/280)

ثُمَّ يُقَالُ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: (إِنَّ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ هَبَطَتْ فَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ، وَاحْتَجَبَتْ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا) ، وَقُلْتُمْ: (إِنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِالْإِلَهِ الْخَالِقِ وَوَلَدَتْهُ الَّذِي هُوَ الِابْنُ) .
فَإِذَا جَوَّزْتُمْ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ هِيَ أُمًّا لِلْخَالِقِ الَّذِي هُوَ الِابْنُ حَمَلَتْهُ وَوَلَدَتْهُ - فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِلْخَالِقِ الَّذِي هُوَ الْأَبُ مَعَ أَنَّ الْخَالِقَ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ؟ وَقَدْ قُلْتُمْ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِلَا كَلِمَتِهِ وَلَا رُوحِهِ قَطُّ، وَلَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ بَرِيَّةً مِنْهُ قَطُّ، وَلَا مِنْ رُوحِهِ الْخَالِقَةِ وَلَا مِنْ جَوْهَرِهِ.
فَجَعَلْتُمُ الرُّوحَ خَالِقَةً، وَاللَّهَ الَّذِي هُوَ الْأَبُ خَالِقًا، وَالْمَسِيحُ قَدْ تَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْخَالِقَةِ وَمِنْ مَرْيَمَ، فَكَمَا أَنَّ مَرْيَمَ أُمُّهُ، فَالرُّوحُ الْخَالِقَةُ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ.
وَأَيْضًا فَمَرْيَمُ لَهَا اتِّصَالٌ بِالْأَبِ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ، وَكِلَاهُمَا أَبٌ لِلْمَسِيحِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
فَإِذَا كَانَتْ مَرْيَمُ مُتَّصِلَةً بِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ جَعَلْتُمُوهُ أَبًا لِلْمَسِيحِ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْخَالِقَ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ، فَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ جَعْلِ الْخَالِقِ زَوْجَ مَرْيَمَ.
وَمَهْمَا فَسَّرْتُمْ بِهِ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ الْمَخْلُوقِ مِنْهَا، كَانَ تَفْسِيرُ الْتِحَامِ اللَّاهُوتِ بِنَاسُوتِ مَرْيَمَ حَتَّى يَصِيرَ زَوْجًا لِمَرْيَمَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ إِلَّا وَفِي كَوْنِ اللَّاهُوتِ ابْنَ مَرْيَمَ، مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي النَّقْصِ وَالْعَيْبِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أُمَّ الْإِنْسَانِ أَعْلَى قَدْرًا عِنْدَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَأَنَّ تَسَلُّطَهُ
(4/281)

عَلَى زَوْجَتِهِ أَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى أُمِّهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ لِلزَّوْجَةِ، قَوَّامٌ عَلَيْهَا، وَالْمَرْأَةَ أَسِيرَةٌ عِنْدَ زَوْجِهَا، بِخِلَافِ أُمِّهِ.
فَإِذَا جَعَلْتُمُ اللَّاهُوتَ الْخَالِقَ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ ابْنًا لِنَاسُوتِ مَرْيَمَ بِحُكْمِ الِاتِّحَادِ مَعَ كَوْنِهِ خَالِقًا لَهَا بِلَاهُوتِهِ وَابْنًا لَهَا بِنَاسُوتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مُمْتَنِعًا عِنْدَكُمْ وَلَا قَبِيحًا، فَأَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ صَاحِبَةً لَهُ وَزَوْجَةً وَامْرَأَةً بِحُكْمِ الِالْتِحَامِ بِالنَّاسُوتِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِنْ كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا وَقَبِيحًا، فَذَاكَ أَشَدُّ امْتِنَاعًا وَقُبْحًا.
وَلِهَذَا ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّ مَرْيَمَ امْرَأَةُ اللَّهِ وَزَوْجَتُهُ، وَقَالُوا أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ذَكَرُوا شَهْوَتَهُ لِلنِّكَاحِ.
وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ عُقَلَاءِ الْمُلُوكِ مِمَّنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَبَّهُوا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحْبَلَ أُمَّهُ وَوَلَدَتْ لَهُ الْمَسِيحَ ابْنَهُ، كَمَا يُحْبِلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَتَلِدُ لَهُ الْوَلَدَ، فَيَكُونُ قَدِ انْفَصَلَ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ فِي مَرْيَمَ بَعْدَ أَنْ نَكَحَهَا، وَذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي مِنَ اللَّهِ وَمِنْ مَرْيَمَ وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ كَمَا تَلِدُ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ الَّذِي مِنْهَا وَمِنْ زَوْجِهَا، وَقَدْ قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]
(4/282)

فَنَزَّهُوهُ عَنْ هَذَا وَهَذَا، وَهَؤُلَاءِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ أَكْمَلُ عَقْلًا وَدِينًا مِنْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى.
وَقَالَ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101]
فَقَوْلُهُ: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) ، تَقْدِيرُهُ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ فَـ (أَنَّى) فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى: مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ مَعَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ، وَأَنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ مُسْتَقِرٌّ فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ الْخَالِقُ الْمَخْلُوقُ بِهِ قَدْ حَلَّتْ فِي جَوْفِ مَرْيَمَ وَالْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ، وَخَلَقَتْ مِنْهَا إِنْسَانًا هُوَ الْمَسِيحُ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا وَاحْتَجَبَتْ بِهِ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، فَهَلْ كَانَ خَلْقُهَا لِهَذَا الْإِنْسَانِ قَبْلَ الِاتِّحَادِ وَالِاحْتِجَابِ، أَمْ حِينَ ذَلِكَ؟
فَإِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ، مُحَالٌ أَنَّهَا بَعْدَ الِاحْتِجَابِ بِهِ وَالِاتِّحَادِ خَلَقَتْهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَلَقَتْهُ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُ، لَزِمَ كَوْنُ الْمَخْلُوقِ مُتَّحِدًا بِالْخَالِقِ دَائِمًا، لَمْ تَمُرَّ
(4/283)

عَلَيْهِ لَحْظَةٌ إِلَّا وَهُوَ مُتَّحِدٌ بِهِ.
فَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَارِنَ الْمَخْلُوقُ خَالِقَهُ - وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَقَامَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ حَمْلًا كَعَامَّةِ النَّاسِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ هَذَا - فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ الرَّبُّ مُتَّحِدًا بِالْمُضْغَةِ وَالْجَمَادِ الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ.
وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِ هَذَا، جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ بِسَائِرِ الْجَمَادَاتِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الرُّوحَ إِنَّمَا نُفِخَتْ فِيهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا نُفِخَتْ فِيهِ مِنْ حِينِ أَخَذَ الْجَسَدَ مِنْ مَرْيَمَ، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ جُمْهُورِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ وَصُلِبَ وَفَارَقَتْهُ الرُّوحُ النَّاطِقَةُ الْمَنْفُوخَةُ فِيهِ، وَالْإِلَهُ الْمُتَّحِدُ بِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ أَبَدًا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مِنْ حِينِ اتَّحَدَ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ لَمْ يُفَارِقْهُ، بَلْ هُوَ الْآنَ مُتَّحِدٌ بِهِ، وَهُوَ فِي السَّمَاءِ قَاعِدٌ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَذَلِكَ الْقَاعِدُ هُوَ الْخَالِقُ الْقَدِيمُ، وَالْأَبُ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ قَبْلَ النَّفْخِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى أَنْ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ، فَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ
(4/284)

لَمْ يَظْهَرْ مِنْ تِلْكَ الْمُضْغَةِ شَيْءٌ مِنَ الْعَجَائِبِ.
وَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ بِالْعَجَائِبِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْإِلَهُ مُتَّحِدًا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ الْعَجَائِبَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ظُهُورِ الْعَجَائِبِ مِنْ شَيْءٍ الْجَزْمُ بِأَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ مَعَ إِمْكَانِ الِاتِّحَادِ.
وَيَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ جَامِدٍ وَحَيٍّ ظَهَرَتْ مِنْهُ الْعَجَائِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ اتَّحَدَ بِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَعُبَّادُ الْعِجْلِ أَعْذَرُ مِنَ النَّصَارَى، وَإِنْ كَانَ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الصَّنَمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ أَعْذَرُ مِنَ النَّصَارَى ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَجَائِبِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَعْجَمِ وَالْجَمَادِ أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِهَا مِنَ الْإِنْسَانِ النَّاطِقِ، لَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ مَعْرُوفُونَ بِظُهُورِ الْعَجَائِبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ مَنْ يَقُولُ: إِنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَانَتْ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ لَا عَلَى إِلَهِيَّتِهِ.
وَالْمَسِيحُ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْأَعْجَمُ وَالْجَمَادُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
فَإِنْ جَازَ الِاتِّحَادُ بِالْمُضْغَةِ وَالْجِسْمِ الْمَقْبُورِ الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ، فَاتِّحَادُهُ بِالْعِجْلِ وَبِالصَّنَمِ أَوْلَى، وَحِينَئِذٍ فَخُوَارُ الْعِجْلِ عَجِيبٌ مِنْهُ.
فَاسْتِدْلَالُ عُبَّادِ الْعِجْلِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ، خَيْرٌ مِنِ اسْتِدْلَالِ النَّصَارَى عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمُضْغَةِ إِنْ قُدِّرَ ظُهُورُ شَيْءٍ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي قَدْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا.
(4/285)

وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا -
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ: (فَاحْتَجَبَتِ الْكَلِمَةُ الْخَالِقَةُ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ خَلَقَتْهُ لِنَفْسِهَا) ، وَقَوْلُهُ: (فَكَانَتْ مَسْكَنًا فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ لِلُطْفِهَا عَنْ جَمِيعِ مَا لَطُفَ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ) .
يُقَالُ لَهُمْ - أَوَّلًا -: مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ أَلْطَفُ مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهَا أَلْطَفُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [النبأ: 38] وَأَنَّهَا أَلْطَفُ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي نَفَخَ فِي آدَمَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَلْطَفَ، فَأَنْتَ لَا تَقُولُ: إِنَّ الِاحْتِجَابَ وَالِاتِّحَادَ كَانَ بِرُوحِ الْإِنْسَانِ مُجَرَّدَةً، بَلْ بِالْجَسَدِ النَّاسُوتِيِّ الدَّمَوِيِّ الْغَلِيظِ، وَتَقُولُ: (إِنَّ الْخَالِقَ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ) فَتَجْعَلُ الْخَالِقَ قَدِ الْتَحَمَ مِنْ لَحْمِ مَرْيَمَ، وَمِنْ رَحِمَهَا الَّذِي هُوَ لَحْمٌ وَدَمٌ
(4/286)

وَهَذِهِ أَجْسَادٌ كَثِيفَةٌ، بَلْ جُمْهُورُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ قَبْلَ النَّفْخِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ قَبْرِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُكُ: (فَكَانَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ لِلُطْفِهَا عَنْ جَمِيعِ مَا لَطُفَ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ) - وَصْفٌ مَمْنُوعٌ، وَالتَّعْلِيلُ بِهِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَسْكَنًا لِلُطْفِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْكُنَ إِلَّا فِي الرُّوحِ اللَّطِيفَةِ، فَلَمَّا أَثْبَتَ اتِّحَادًا بِالْجَسَدِ الْكَثِيفِ، بَطَلَ قَوْلُكَ: (إِنَّهُ اتَّحَدَ بِالْإِنْسَانِ لِلُطْفِهِ) .
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُكُمْ: (وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَى شَيْئٌ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ إِلَّا فِي غَلِيظِ الْخَلْقِ، وَلَا يُرَى مَا هُوَ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ إِلَّا مَعَ مَا هُوَ أَغْلَطُ مِنْهُ) .
يُقَالُ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمَّا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ قَدْ رَآهُ النَّاسُ وَعَايَنُوهُ، أَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: قَدْ رَآهُ النَّاسُ وَعَايَنُوهُ، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
أَمَّا الْحِسُّ، فَإِنَّ أَحَدًا مِمَّنْ رَأَى الْمَسِيحَ لَمْ يَرَ شَيْئًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَسِيحُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ غَيْرَ الْعَجَائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ، مِنْهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرَ إِلَّا بَدَنَ الْمَسِيحِ الظَّاهِرَ، لَمْ يَرَ بَاطِنَهُ، لَا قَلْبَهُ وَلَا كَبِدَهُ وَلَا طِحَالَهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرَى رُوحَهُ، فَضْلًا عَنْ
(4/287)

أَنْ يَرَى الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يُوحُونَ إِلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرَى اللَّهَ، إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ أَوْ حَالًّا فِيهِ.
فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ مَنْ رَأَى الْمَسِيحَ فَقَدْ رَأَى اللَّهَ عِيَانًا بِبَصَرِهِ - فِي غَايَةِ الْمُبَاهَتَةِ وَالْمُكَابَرَةِ وَالْكَذِبِ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِيهِ، أَوْ مُتَّحِدٌ بِهِ.
فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ وَتَتَّصِلُ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، بَلِ الْجِنُّ تَدْخُلُ فِي بَنِي آدَمَ وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يَرَوْنَ جَسَدَ الْمَصْرُوعِ.
وَكُلُّ إِنْسَانٍ مَعَهُ قَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَلَا يَرَاهُ مَنْ حَوْلَهُ.
وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَقْتَ الْمَوْتِ وَلَا يَرَاهُمْ مَنْ حَوْلَهُ مَعَ أَنَّهُ هُوَ يَرَاهُمْ، قَالَ تَعَالَى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ - فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ - تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الواقعة: 83 - 87] . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى اقْتِرَانِهَا بِالْإِنْسَانِ وَاتِّصَالِهَا بِهِمْ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهَا مُمْكِنَةٌ - لَا يَرَاهَا النَّاسُ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي لَمْ يَرَ النَّاسُ مِنْهُ إِلَّا مَا رَأَوْهُ مِنْ أَمْثَالِهِ مِنَ الرُّسُلِ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَطُّ شَيْءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ جِنْسِ الرُّسُلِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الَّذِينَ رَأَوْهُ، رَأَوُا اللَّهَ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ؟
(4/288)

وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَمُوسَى وَالْمَسِيحُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَخْبَرُوا أَنَّ أَحَدًا لَا يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَإِنَّ رُؤْيَةَ بَعْضِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ، أَوْ بَعْضِ الْجِنِّ - يَظْهَرُ لِرَائِيهَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْأَحْوَالِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ رَأَى اللَّهَ؟
وَالَّذِينَ رَأَوُا الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ حَالُهُمْ إِلَّا كَحَالِ سَائِرِ مَنْ رَأَى الرُّسُلَ، مِنْهُمُ الْكَافِرُ بِهِ الْمُكَذِّبُ لَهُ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بِهِ الْمُصَدِّقُ لَهُ، بَلْ هُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ إِهَانَةِ نَاسُوتِهِ مَا لَا يُعْرَفُ عَنْ نُظَرَائِهِ مِنَ الرُّسُلِ، مِثْلَ ضَرْبِهِ، وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَصَلْبِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ رَأَى اللَّهَ إِمَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ اللَّهُ، أَوْ لَا يَعْرِفَ.
فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ، كَانَ الَّذِينَ رَأَوُا الْمَسِيحَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ اللَّهُ، وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الِاضْطِرَابِ مَا يُقَصِّرُ عَنْهُ الْخُطَّابُ.
وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَهَذَا فِي غَايَةِ الِامْتِنَاعِ، حَيْثُ صَارَ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يُمَيَّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ يَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيُمَيَّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَلَا يَعْرِفُ الرَّائِي أَنَّ هَذَا هُوَ اللَّهُ.
وَلَوَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدَةُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرَ لَمَّا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا رُئِيَ جَسَدُ الْمَسِيحِ الَّذِي احْتَجَبَ بِهِ اللَّهُ. فَقَوْلُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ إِلَّا فِي غَلِيظِ الْخَلْقِ، وَلَا يُرَى مَا هُوَ لَطِيفٌ مِنَ
(4/289)

اللَّطِيفِ إِلَّا مَعَ مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ) - كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. إِذْ كَانَ هَذَا مَثَلًا ضَرَبُوهُ لِلَّهِ لِيُبَيِّنُوا أَنَّهُ يُرَى.
فَإِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُ لَمْ يُرَ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْمَثَلِ فَائِدَةٌ، بَلْ كَانَ هَذَا اسْتِدْلَالًا عَلَى شَيْءٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّطِيفَ لَا يُرَى إِلَّا فِي الْغَلِيظِ - بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللَّطِيفَ كَرُوحِ الْإِنْسَانِ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ عُلِمَ وُجُودُهَا وَأَحَسَّ الْإِنْسَانُ بِرُوحِهِ وَصِفَاتِهَا، فَرُؤْيَتُهَا بِالْبَصَرِ غَيْرُ هَذَا. يُبَيِّنُ ذَلِكَ:
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: (وَإِنَّا وَجَدْنَا رُوحَ الْإِنْسَانِ الْعَاقِلَةَ الْكَلِمَانِيَّةَ - يَعْنُونَ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ - أَلْطَفَ مِنْ لَطِيفِ الْخَلْقِ) ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَوْلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحِجَابِ اللَّهِ، فَكَانَتْ لَهُ حِجَابًا، وَكَانَتِ النَّفْسُ الدَّمَوِيَّةُ لَهَا حِجَابًا وَالْجَسَدُ الْغَلِيظُ حِجَابًا.
فَعَلَى هَذَا خَالَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ نَفْسَ الْإِنْسَانِ الْكَامِلَةَ لِجَسَدِهَا وَدَمِهَا وَرُوحِهَا الْعَاقِلَةِ الْكَلِمَانِيَّةِ، وَصَارَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بِقِوَامِهَا قِوَامًا لِتَثْلِيثِ النَّاسُوتِ الَّتِي كَمَلَ جَوْهَرُهَا بِتَقْوِيمِ قِوَامِ كَلِمَةِ اللَّهِ إِيَّاهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا إِلَّا بِقَوْلٍ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهَا وَقَوَّمَهَا، لَا مِنْ شَيْءٍ سَبَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَلَا مِنْ سَبَبٍ كَانَ لَهَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ غَيْرَ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الْخَالِقَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ التَّثْلِيثِ الْإِلَهِيِّ.
(4/290)

فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَالِقَ احْتَجَبَ بِالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ، وَالنَّفْسَ النَّاطِقَةَ احْتَجَبَتْ بِالْبَدَنِ.
وَأَنْتُمْ تُصَرِّحُونَ بِأَنَّ نَفْسَ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْخَالِقُ، وَهِيَ اللَّهُ عِنْدَكُمْ، الَّتِي خَلَقَتْ لِنَفْسِهَا إِنْسَانًا احْتَجَبَتْ بِهِ، وَقُلْتُمْ: هُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ بِجَسَدِهِ وَنَفْسِهِ الدَّمَوِيَّةِ، وَرُوحِهِ الْكَلِمَانِيَّةِ، أَيْ نَفْسِهِ النَّاطِقَةِ الَّتِي هِيَ صُورَةُ اللَّهِ فِي الْإِنْسَانِ وَشِبْهُهُ، فَكَانَتْ مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ.
فَصَرَّحْتُمْ بِأَنَّ الْبَدَنَ مَعَ الرُّوحِ مَسْكَنٌ لِلَّهِ فِي حُلُولِهِ وَاحْتِجَابِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ الْبَدَنَ وَالرُّوحَ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْخَالِقَةَ الْمُحْتَجِبَةَ الَّتِي قُلْتُمْ: إِنَّهَا اللَّهُ، الْتَحَمَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ.
فَإِذَا كَانَ اللَّهُ الْخَالِقُ قَدِ الْتَحَمَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ نَفْخِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ الَّتِي سَمَّيْتُمُوهَا الرُّوحَ الْكَلِمَانِيَّةَ فِي الْمَسِيحِ.
وَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ - تَعَالَى - قَدِ الْتَحَمَ بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، وَالْتِحَامُهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ حُلُولِهِ فِيهِ، ثُمَّ اتَّخَذَ الْجَسَدَ حِجَابًا قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ الْكَلِمَانِيَّةِ فِيهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّمَا حَلَّ فِي الرُّوحِ لَا فِي الْبَدَنِ، وَهُوَ قَدِ الْتَحَمَ بِالْبَدَنِ وَاتَّخَذَ مِنْهُ جُزْءًا مَسْكَنًا لَهُ وَحِجَابًا قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ الْكَلِمَانِيَّةَ؟
وَقُلْتُمْ أَيْضًا: فَعَلَى هَذَا خَالَطَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ لِنَفْسِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلَةِ بِجَسَدِهَا وَدَمِهَا وَرُوحِهَا الْعَاقِلَةِ الْكَلِمَانِيَّةِ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْخَالِقَ خَالَطَ الْإِنْسَانَ بِجَسَدِهِ وَدَمِهِ وَرُوحِهِ.
(4/291)

فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إِنَّمَا احْتَجَبَتْ بِالرُّوحِ اللَّطِيفَةِ، مَعَ تَصْرِيحِكُمْ بِأَنَّ الْخَالِقَ اخْتَلَطَ بِالْجَسَدِ وَالدَّمِ.
وَهَذَا أَيْضًا يُنَاقِضُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ اتِّحَادًا بَرِيًّا مِنَ الِاخْتِلَاطِ.
فَقَدْ صَرَّحْتُمْ هُنَا أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِهِ، وَسَيَأْتِي نَظَائِرُ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ يُصَرِّحُونَ فِيهِ بِاخْتِلَاطِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُكُمْ: (غَيْرَ قِوَامِ الْكَلِمَةِ الْخَالِقَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ التَّثْلِيثِ الْإِلَهِيِّ، فَذَلِكَ الْقِوَامُ مَعْدُودٌ مَعْرُوفٌ مَعَ النَّاسِ، لَمَّا ضُمَّ إِلَيْهِ وَخَلَقَهُ لَهُ الْتَحَمَ بِهِ مِنْ جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ وَاحِدٌ فِي التَّثْلِيثِ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَيْسَ بِاثْنَيْنِ، وَلَكِنْ وَاحِدٌ مَعَ الْأَبِ وَالرُّوحِ، وَهُوَ إِيَّاهُ وَاحِدٌ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا بِجَوْهَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مِنْ جَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الْخَالِقِ، وَجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الْمَخْلُوقِ، بِتَوْحِيدِ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ قِوَامِ الْكَلِمَةِ، الَّتِي هِيَ الِابْنُ الْمَوْلُودُ مِنَ اللَّهِ مِنْ قَبْلِ كُلِّ الدُّهُورِ، وَهُوَ إِيَّاهُ الْمَوْلُودُ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ مِنَ الْأَبِ، وَلَا مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ.
فَيُقَالُ: فِي هَذَا الْكَلَامِ، بَلْ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، مَا يَطُولُ تَعْدَادُهُ وَوَصْفُهُ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ، وَالْكَلَامِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ قَائِلُهُ، وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ مَعَ سُوءِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: (وَهُوَ إِيَّاهُ) ،
(4/292)

فَيَضَعُ الضَّمِيرَ الْمُنْفَصِلَ مَوْضِعَ الْمُتَّصِلِ، وَيَعْطِفُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِلَا وَاوِ عَطْفٍ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُ مَعَانِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهُمْ لَمْ يَتَصَوَّرُوا مَعْنًى مَعْقُولًا ثُمَّ عَبَّرُوا عَنْهُ حَتَّى يُقَالَ: قَصَّرُوا فِي التَّعْبِيرِ، بَلْ هُمْ فِي ضَلَالٍ وَجَهْلٍ لَا يَتَصَوَّرُونَ مَعْقُولًا، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يَقُولُونَ، بَلْ وَلَا لَهُمُ اعْتِقَادٌ يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ فِي الْمَسِيحِ، بَلْ مَهْمَا قَالُوهُ مِنْ بِدَعِهِمْ كَانَ بَاطِلًا، وَكَانُوا هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ مَا يَقُولُونَ.
لِهَذَا يَقُولُونَ: (هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ) . وَيَقُولُونَ: (قَدِ اتَّحَدَ بِهِ بَشَرٌ لَا يُدْرَكُ) ، فَمَا لَا يُدْرَكُ وَمَا هُوَ فَوْقَ الْعَقْلِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَلَا يَقُولَهُ بِرَأْيِهِ.
لَكِنْ إِذَا أَخْبَرَتِ الرُّسُلُ الصَّادِقُونَ بِمَا يَعْجِزُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ عَنْهُ، عُلِمَ صِدْقُهُمْ، وَإِنْ نَقَلَ عَنْهُمْ نَاقِلٌ مَا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ، عُلِمَ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِمْ، إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَإِمَّا فِي أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ يَقُولُ الْقَوْلَ الَّذِي يَذْكُرُ أَنَّهُ عَلِمَ صِحَّتَهُ، أَوْ أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُهُ، وَلَا يَفْقَهُهُ، فَهَذَا قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رُسُلِهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَهَذَا قَدِ ارْتَكَبَ أَعْظَمَ الْمُحَرَّمَاتِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
(4/293)

وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] .
وَقَالَ تَعَالَى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 171 - 173] .
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - نَهَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فَكَانَ هَذَا نَهْيًا أَنْ يَقُولُوا الْبَاطِلَ، سَوَاءٌ عَلِمُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.
فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ حَقٌّ أَيْضًا، إِذِ الْبَاطِلُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ حَقٌّ، وَإِنِ اعْتَقَدَ مُعْتَقِدٌ اعْتِقَادًا فَاسِدًا أَنَّهُ حَقٌّ، فَذَلِكَ
(4/294)

لَيْسَ بِعِلْمٍ، فَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَقُولُوهُ.
وَعَامَّةُ النَّصَارَى ضُلَّالٌ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ حَقٌّ، بَلْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبَاطِلَ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِمْ: (فَهُوَ بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ الْوَاحِدِ - قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ) .
وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمُ اسْمٌ لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا، اسْمٌ لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَأَحَدُهُمَا مُتَّحِدٌ بِالْآخَرِ، فَهُوَ بِتَوْحِيدِ ذَلِكَ الْقِوَامِ، قِوَامٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ.
وَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسُوتَ وَاللَّاهُوتَ قِوَامٌ لِلَّاهُوتِ، أَوْ أَنَّ النَّاسُوتَ قِوَامٌ لِلَّاهُوتِ، وَهُمْ يُمَثِّلُونَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ قِيلَ: إِنَّ الْجَسَدَ وَالرُّوحَ، أَوِ الْجَسَدَ - قِوَامٌ لِلرُّوحِ، أَوِ النَّارَ وَالْحَدِيدَ، أَوِ الْحَدِيدَ - قِوَامٌ لِلنَّارِ.
فَيُقَالُ: الْخَالِقُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، هَلْ يَكُونُ الْمُحْدَثُ الْمَخْلُوقُ قِوَامًا لَهُ؟ فَيَكُونَ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُحْدَثُ الْمُفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ - قِوَامًا لِلْخَالِقِ الْغَنِيِّ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَظْهَرِ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ؟
فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، أَنَّ الْمَخْلُوقَ
(4/295)

لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِالْخَالِقِ، فَإِنْ كَانَ الْخَالِقُ قِوَامُهُ بِالْمَخْلُوقِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قِوَامُهُ بِالْآخَرِ، فَيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، إِذْ مَا كَانَ قِوَامُ الشَّيْءِ بِهِ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَالِقَ يَحْتَاجُ إِلَى مَخْلُوقِهِ وَهُوَ مِنَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَهَذَا لَازِمٌ لِلنَّصَارَى، سَوَاءٌ قَالُوا بِالِاتِّحَادِ، أَوْ بِالْحُلُولِ بِلَا اتِّحَادٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِرَقُهُمْ الثَّلَاثُ يَقُولُونَ بِنَوْعٍ مِنَ الِاتِّحَادِ، فَإِنَّهُ مَعَ الِاتِّحَادِ كُلٌّ مِنَ الْمُتَّحِدَيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْآخَرِ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ كَمَا يُمَثِّلُونَ بِهِ فِي الرُّوحِ مَعَ الْبَدَنِ، وَالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ.
فَإِنَّ الرُّوحَ الَّتِيَ فِي الْبَدَنِ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْبَدَنِ، كَمَا أَنَّ النَّارَ فِي الْحَدِيدِ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْحَدِيدِ.
وَكَذَلِكَ الْحُلُولُ، فَإِنَّ كُلَّ حَالٍّ مُحْتَاجٌ إِلَى مَحْلُولٍ فِيهِ، وَهُوَ مِنَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، فَلَيْسَ هُوَ مَخْلُوقًا، وَمَعَ هَذَا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْقَدِيمَيْنِ الْأَزَلِيَّيْنِ مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، سَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ لَهُ، أَوْ تَمَامُ الْفَاعِلِ لَهُ، أَوْ كَانَ
(4/296)

مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِهِ.
فَإِنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا بِوُجُودِ لَوَازِمِهِ، وَلَا يَتِمُّ وُجُودُهُ إِلَّا بِهِ، فَكُلُّ مَا قُدِّرَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِهِ.
فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْقَدِيمَيْنِ مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا مَوْجُودًا إِلَّا بِخَلْقِ ذَلِكَ مَا بِهِ تَتِمُّ حَاجَةُ الْآخَرِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هَذَا مَوْجُودًا إِلَّا بِخَلْقِ ذَلِكَ مَا بِهِ تَتِمُّ حَاجَةُ الْآخَرِ.
وَالْخَالِقُ لَا يَكُونُ خَالِقًا حَتَّى يَكُونَ مَوْجُودًا، وَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا بِلَوَازِمِ وُجُودِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا مَوْجُودًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، وَلَا يَكُونَ ذَاكَ مَوْجُودًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، إِذْ كَانَ جَعْلُهُ لِمَا لَمْ يَتِمَّ بِهِ وَجُودُهُ يَتَوَقَّفُ وَجُودُهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا بِهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فِي وُجُودِهِ، أَوْ فِيمَا لَا يَتِمُّ وُجُودُهُ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الدَّوْرُ الْقَبْلِيُّ الْمُمْتَنِعُ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ.
وَأَمَّا الدَّوْرُ الْمَعِيُّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا، وَلَا هَذَا إِلَّا مَعَ هَذَا، كَالْأُبُوَّةِ مَعَ الْبُنُوَّةِ، وَكَصِفَاتِ الرَّبِّ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ، وَصِفَاتِهِ مَعَ ذَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَالِمًا إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ قَادِرًا، وَلَا يَكُونُ عَالِمًا قَادِرًا إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا، وَلَا يَكُونُ حَيًّا إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا، وَلَا تَكُونُ صِفَاتُهُ مَوْجُودَةً إِلَّا بِذَاتِهِ، وَلَا ذَاتُهُ مَوْجُودَةً إِلَّا بِصِفَاتِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ فِي الْمَخْلُوقَيْنِ اللَّذَيْنِ يَفْتَقِرَانِ إِلَى الْخَالِقِ الَّذِي يُحْدِثُهُمَا جَمِيعًا، كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، وَجَائِزٌ فِي الرَّبِّ الْمُلَازِمِ لِصِفَاتِهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا إِذَا قُدِّرَ قَدِيمَانِ أَزَلِيَّانِ رَبَّانِ فَاعِلَانِ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْتَاجًا إِلَى الْآخَرِ، إِذْ كَانَ وُجُودُهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَا يَحْتَاجُ وَجُودُهُ إِلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ فَاعِلًا لِشَيْءٍ إِنْ لَمْ يَتِمَّ وُجُودُهُ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ نَقْصِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ
(4/297)

تَمَامِ وَجُودِهِ، أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِغَيْرِهِ تَمَامَ وُجُودِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ.
وَلَكِنِ الَّذِي قَالَهُ النَّصَارَى، إِنَّهُمْ جَعَلُوا قِوَامَ الْخَالِقِ - تَعَالَى - بِالْمَخْلُوقِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا أَيْضًا مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ أَعْظَمَ مِنِ امْتِنَاعِ قِيَامِ كُلٍّ مِنَ الْخَالِقَيْنِ بِالْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا أَيْضًا مُمْتَنِعًا، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ مُفْتَقِرٌ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ إِلَى الْخَالِقِ، فَيَمْتَنِعُ مَعَ فَقْرِهِ فِي وُجُودِهِ وَتَمَامِ وَجُودِهِ إِلَى الْخَالِقِ أَنْ يَكُونَ قِوَامُ الْخَالِقِ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ تَمَامُ وَجُودِهِ بِهِ، فَيَكُونَ الْمَخْلُوقُ لَا وُجُودَ لِشَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا بِالْخَالِقِ.
فَالْقَدْرُ الَّذِي يُقَالُ: إِنَّهُ يُقِيمُ بِهِ الْخَالِقَ - هُوَ مِنَ الْخَالِقِ، وَالْخَالِقُ خَالِقُهُ وَخَالِقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلَا وُجُودَ لَهُ وَلَا قِيَامَ إِلَّا بِالْخَالِقِ، فَكَيْفَ يَكُونُ بِهِ قِيَامُ الْخَالِقِ؟
وَلَيْسَ هَذَا كَالْجَوْهَرِ وَأَعْرَاضِهِ اللَّازِمَةِ، أَوْ كَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ عِنْدَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصُّورَةَ جَوْهَرٌ إِذَا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّوْرِ الْمَعِيِّ، كَالنُّبُوَّةِ مَعَ الْأُبُوَّةِ، وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ، إِذْ كَانَ الْخَالِقُ لَهُمَا جَمِيعًا هُوَ اللَّهُ.
وَأَمَّا مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا هُوَ الْخَالِقُ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَمَعَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا خَالِقًا وَالْآخِرِ مَخْلُوقًا، فَهُوَ أَشَدُّ امْتِنَاعًا.
وَالرَّبُّ - تَعَالَى - غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا مَعْنَى اسْمِهِ " الصَّمَدِ "، فَإِنَّ الصَّمَدَ الَّذِي يَصْمُدُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ ; لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، لَا يَصْمُدُ
(4/298)

إِلَى شَيْءٍ، وَلَا يَسْأَلُهُ شَيْئًا - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَكَيْفَ يَكُونُ قِوَامُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ؟
وَهَذَا الِاتِّحَادُ الْخَاصُّ مِنَ النَّصَارَى يُشْبِهُ - مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ - قَوْلَ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ، الَّذِينَ يَقُولُونَ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ " الْفُصُوصِ " وَ " الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ ": إِنَّ أَعْيَانَ الْمَخْلُوقَاتِ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ، وَوُجُودُ الْحَقِّ فَاضَ عَلَيْهَا، فَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ الْمُشْتَرَكُ الْعَامُّ، وَهُوَ وُجُودُهُ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ فِي الْعَدَمِ، وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ عَيْنٌ، فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ.
وَيَقُولُونَ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ، ثُمَّ يُثْبِتُونَ تَعَدُّدَ الْأَعْيَانِ، وَيَقُولُونَ: هِيَ مَظَاهِرٌ وَمَجَالٍ.
فَإِنْ كَانَ الْمَظْهَرُ وَالْمَجْلَى غَيْرُ الظَّاهِرِ، فَقَدْ ثَبَتَ التَّعَدُّدُ، وَإِنْ كَانَ
(4/299)

هُوَ إِيَّاهُ، فَلَا تَعَدُّدَ، فَلِهَذَا يُضْطَرُّونَ إِلَى التَّنَاقُضِ كَمَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ النَّصَارَى، حَيْثُ يُثْبِتُونَ الْوَحْدَةَ مَعَ الْكَثْرَةِ، وَيُنْشِدُونَ: (فَيَعْبُدُنِي وَأَعْبُدُهُ وَيَحْمَدُنِي وَأَحْمَدُهُ) . وَهَؤُلَاءِ بَنَوْا قَوْلَهُمْ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ، كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْعَدَمِ، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ.
وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ، أَنَّ الْمَعْدُومَ يُرَادُ إِيجَادُهُ وَيُتَصَوَّرُ، وَيُخْبَرُ بِهِ، وَيُكْتَبُ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَلَهُ وُجُودٌ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ وَالْخَطِّ، وَأَمَّا فِي الْخَارِجِ فَلَا وُجُودَ لَهُ.
وَالْوُجُودُ هُوَ الثُّبُوتُ، فَلَا ثُبُوتَ لَهُ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ الْخَارِجِيِّ، وَإِنَّمَا ثُبُوتُهُ فِي الْعِلْمِ ; أَيْ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ قَبْلَ وُجُودِهِ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ جَعَلُوا نَفْسَ وُجُودِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْخَالِقِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ، هُوَ نَفْسُ وُجُودِ الْمَرْبُوبِ الْمَصْنُوعِ الْمُمْكِنِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ: وَمَنْ عَرَفَ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَعْدَادِ، وَأَنَّ نَفْيَهَا عَيْنُ إِثْبَاتِهَا، عَلِمَ أَنَّ الْحَقَّ الْمُنَزَّهَ هُوَ الْخَلْقُ الْمُشَبَّهُ. فَالْأَمْرُ
(4/300)

لِلْخَالِقِ هُوَ الْمَخْلُوقُ، وَالْأَمْرُ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَا بَلْ هُوَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ، وَهُوَ الْعُيُونُ الْكَثِيرَةُ، وَهُوَ: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) . إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا ذَبَحَ سِوَى نَفْسَهُ: وَمَا نَكَحَ سِوَى نَفْسَهُ.
وَقَالَ: وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْعَلِيُّ، عَلَى مَنْ يَكُونُ عَلِيًّا، وَمَا هُوَ إِلَّا هُوَ؟ أَوْ عَنْ مَاذَا يَكُونُ عَلِيًّا، وَمَا ثَمَّ إِلَّا هُوَ؟ فَعُلُوُّهُ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ، فَالْمُسَمَّى مُحْدَثَاتٍ هِيَ الْعَلِيَّةُ لِذَاتِهَا وَلَيْسَتْ إِلَّا هُوَ.
وَقَدْ نُقِلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: بِمَاذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ؟
قَالَ: بِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] .
أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُجْتَمِعٌ فِي حَقِّهِ - سُبْحَانَهُ - مَا يَتَضَادُّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ أَوَّلًا آخِرًا بَاطِنًا ظَاهِرًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ( «أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ
(4/301)

شَيْءٌ» ) ، فَجَاءَ هَذَا الْمُلْحِدُ وَفَسَّرَ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنَّ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْخَالِقُ، فَقَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْحَقِّ، وَلِسَانٌ مِنْ أَلْسِنَتِهِ، يَنْطِقُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا، فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، فَهُوَ عَيْنُ مَا ظَهَرَ وَهُوَ عَيْنُ مَا بَطَنَ فِي حَالِ ظُهُورِهِ، وَمَا ثَمَّ مَنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ، وَمَا ثَمَّ مَنْ بَاطِنٌ عَنْهُ سِوَاهُ، فَهُوَ ظَاهِرٌ لِنَفْسِهِ بَاطِنٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمُحْدَثَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ النَّصَارَى لِمَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا وَيَحْكِيهِ عَنْ شُيُوخِهِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُسْلِمٌ (أَنْتُمْ كَفَّرْتُمُونَا لِأَجْلِ أَنْ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ، وَشُيُوخُكُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ، وَالْمَسِيحُ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) .
وَهَؤُلَاءِ يُجِيبُونَ النَّصَارَى بِجَوَابٍ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُمْ أَعْظَمُ إِلْحَادًا مِنَ النَّصَارَى.
فَيَقُولُونَ لِلنَّصَارَى: (أَنْتُمْ خَصَّصْتُمُوهُ بِالْمَسِيحِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ، لَا نَخُصُّ الْمَسِيحَ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْذَقِ هَؤُلَاءِ " التِّلْمِسَانِيِّ " الْمُلَقَّبِ بِالْعَفِيفِ: أَنْتَ نُصَيْرِيٌّ.
(4/302)

فَقَالَ: نُصَيْرٌ جُزْءٌ مِنِّي. فَإِنَّ النُّصَيْرِيَّةَ أَتْبَاعُ أَبِي شُعَيْبٍ " مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ " يَقُولُونَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَظِيرَ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، كَذَلِكَ سَائِرُ الْغُلَاةِ فِي عَلِيٍّ، أَوْ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، أَوْ فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بَنِي عُبَيْدٍ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ،
(4/303)

أَوْ فِي الْحَلَّاجِ، أَوْ فِي بَعْضٍ مِنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ أَوْ حُلُولِهِ فِيهِ، نَظِيرَ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ مُحْدَثٌ، وَأَنَّ الْقَدِيمَ حَلَّ أَوِ اتَّحَدَ بِالْمُحْدَثِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونَا مُتَّحِدَيْنِ.
وَأَمَّا أُولَئِكَ فَيَقُولُونَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَمُحَقِّقُوهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ، لَا يَقُولُونَ بِاتِّحَادِ وُجُودَيْنِ، وَلَا بِحُلُولِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
بَلْ قَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْوُجُودَ هُوَ ثُبُوتُ وُجُودِ الْحَقِّ وَثُبُوتُ الْأَشْيَاءِ، اتَّحَدَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ.
فَالْحَقُّ إِذَا ظَهَرَ كَانَ عَبْدًا، وَالْعَبْدُ إِذَا بَطَنَ كَانَ رَبًّا.
وَيَقُولُونَ: إِذَا حَصَلَ لَكَ التَّجَلِّي الذَّاتِيُّ، وَهُوَ هَذَا، لَمْ تَضُرَّكَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَلَا غَيْرُهَا، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ عَيْنُ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَأَنَّ
(4/304)

أَحَدًا لَمْ يَعْبُدْ غَيْرَهُ، كَمَا يَقُولُ ابْنُ عَرَبِيٍّ مُصَوِّبًا لِقَوْمِ نُوحٍ الْكُفَّارِ: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، قَالَ: لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ، فَإِنَّهُ مَا عُدِمَ مِنَ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إِلَى الْغَايَةِ (ادْعُوا إِلَى اللَّهِ) فَهَذَا عَيْنُ الْمَكْرِ، فَأَجَابُوهُ (مَكْرًا) كَمَا دَعَاهُمْ (مَكْرًا) فَقَالُوا فِي مَكْرِهِمْ: {لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] إِذَا تَرَكُوهُمْ جَهِلُوا عَنِ الْحَقِّ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ هَؤُلَاءِ.
فَإِنَّ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ وَجْهًا، يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَيَجْهَلُهُ مَنْ جَهِلَهُ، كَمَا قَالَ فِي الْمُحَمَّدِيِّينَ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] . ; أَيْ حَكَمَ فَمَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَعَ. فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ مَنْ عَبَدَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ ظَهَرَ حَتَّى عَبَدَ، وَأَنَّ التَّفْرِيقَ وَالْكَثْرَةَ كَالْأَعْضَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَحْسُوسَةِ، وَكَالْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ فِي الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ، فَمَا عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ.
وَصَوَّبَ هَذَا الْمُلْحِدُ فِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى.
(4/305)

قَالَ: وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ صَاحِبَ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بِالسَّيْفِ وَإِنْ جَارَ فِي الْعُرْفِ النَّامُوسِيِّ، لِذَلِكَ قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى. ; أَيْ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ أَرْبَابًا بِنِسْبَةٍ مَا، فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيتُهُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْحُكْمِ فِيكُمْ.
قَالَ: وَلَمَّا عَلِمَتِ السَّحَرَةُ صِدْقَ فِرْعَوْنَ فِيمَا قَالَهُ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ. فَالدَّوْلَةُ لَكَ.
قَالَ: فَصَحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى. وَإِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ عَيْنَ الْحَقِّ.
وَصَوَّبَ أَيْضًا أَهْلَ الْعِجْلِ فِي عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَزَعَمَ أَنَّ مُوسَى رَضِيَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَلَمَّا كَانَ مُوسَى أَعْلَمَ بِالْأَمْرِ مِنْ هَارُونَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ قَضَى أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَمَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَعَ، كَانَ عَتْبُهُ عَلَى هَارُونَ لِإِنْكَارِهِ وَعَدَمِ اتِّسَاعِهِ، فَإِنَّ الْعَارِفَ مَنْ يَرَى الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ مَنْ يَرَاهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ لَا يَقُولُونَ بِثُبُوتِ الْأَعْيَانِ فِي الْعَدَمِ، بَلْ يَقُولُونَ: مَا ثَمَّ وُجُودٌ إِلَّا وُجُودُ الْحَقِّ.
لَكِنْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ، فَيَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ السَّارِي فِي الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، كَالْحَيَوَانِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ، وَالْإِنْسَانِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ.
(4/306)

وَيُسَمُّونَ هَذَا الْوُجُودَ: الْإِحَاطَةَ، فَيَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ، إِمَّا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ، وَهَذَا يُسَمَّى الْكُلِّيَّ الْعَقْلِيَّ.
وَهَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنْ يُحْكَى عَنْ شِيعَةِ " أَفْلَاطُونَ " أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْأَعْيَانِ فِي الْخَارِجِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَحَيَوَانِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَيُسَمُّونَهَا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ، وَالْمُثُلَ الْمُعَلَّقَةَ.
وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِخْوَانُهُمْ " أَرِسْطُو " وَشِيعَتُهُ وَجَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ هَذِهِ إِنَّمَا هِيَ مُتَصَوَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا مَوْجُودَةٌ فِي الْأَعْيَانِ، كَمَا يَتَصَوَّرُ الذِّهْنُ عَدَدًا مُطْلَقًا وَمَقَادِيرَ مُطْلَقَةً، كَالنُّقْطَةِ وَالْخَطِّ وَالسَّطْحِ وَالْجِسْمِ التَّعْلِيمِيِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي الْمَوْجُودَاتِ الثَّابِتَةِ فِي الْخَارِجِ.
وَهَذَا الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، يَظُنُّ هَؤُلَاءِ ثُبُوتَهُ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ الْإِحَاطَةَ، وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُجَرَّدُ عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ، وَهُوَ الْعَامُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ،
(4/307)

إِلَى قَدِيمٍ وَحَادِثٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَانْقِسَامِ الْحَيَوَانِ إِلَى نَاطِقٍ وَأَعْجَمَ.
وَهَذَا الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ: هَذَا حَيَوَانٌ، هَذَا إِنْسَانٌ، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ الْعَامُّ شَامِلًا لِأَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ، لَكِنْ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُقَيَّدًا مُعَيَّنًا.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيًّا، فَقَدْ غَلِطَ، فَإِنَّ الْكُلِّيَّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا قَطُّ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، إِذَا تَصَوَّرَ مَنَعَ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْعَقْلَ يَأْخُذُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ بَيْنَ الْمُعَيَّنَاتِ، فَيَكُونُ كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا فِي الْأَذْهَانِ.
وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ هَذَا، وَقَدْ يَجْعَلُونَهُ بَعْدَ هَذَا، فَيَقُولُونَ: هَذَا فَرْقُ الْوَاجِبِ.
وَهَذَا الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُعَيَّنًا فَلَا مَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ سِوَى الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُشَخَّصَةِ بِمَا فِيهَا مِنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا.
وَإِنْ قُدِّرَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ إِمَّا جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ، وَإِمَّا صِفَةٌ لَهَا.
فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ مَوْجُودٌ هُوَ رَبُّ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَعَلَى الثَّانِي، يَكُونُ رَبُّ الْمَوْجُودَاتِ جُزْءَهَا أَوْ صِفَةً لَهَا.
وَمَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ صِفَةَ الشَّيْءِ الْقَائِمَةَ بِهِ لَا تَخْلُقُ
(4/308)

الْمَوْصُوفَ وَأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَخْلُقُ الشَّيْءَ، بَلْ جُزْءُ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنَ الشَّيْءِ.
فَإِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقُ لِلْجُمْلَةِ، كَانَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الشَّيْءِ خَالِقًا لِكُلِّهِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ فِي الْعَالَمِ كَالزُّبْدِ فِي اللَّبَنِ، وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَجْعَلُونَهُ جُزْءًا مِنَ الْعَالَمِ الْمَخْلُوقِ. وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذَا يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لِمَنْ تَبِعَهُمْ: إِنْ لَمْ تَتْرُكِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ، لَمْ يَحْصُلْ لَكَ التَّحْقِيقُ وَالتَّجَلِّي الَّذِي حَصَلَ لَنَا. وَيَقُولُونَ: ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ.
فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - أَكْمَلُ النَّاسِ كَشْفًا، وَهُمْ يُخْبِرُونَ بِمَا يَعْجِزُ عُقُولُ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لَا بِمَا يُعْرَفُ فِي عُقُولِهِمْ أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَيُخْبِرُونَ بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ.
فَمَنْ دُونَهُمْ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ شُهُودٍ وَكَشْفٍ، يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ - عُلِمَ أَنَّ كَشْفَهُ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلَانَهُ، فَهَذَا قَدْ يُمْكِنُ فِيهِ إِصَابَتُهُ، وَقَدْ
(4/309)

يُمْكِنُ خَطَؤُهُ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
وَهَؤُلَاءِ سَمِعُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَقَصَدُوا عِبَادَتَهُ وَمَعْرِفَتَهُ، فَوَقَفُوا عَلَى أَثَرِهِ فِي مَصْنُوعَاتِهِ، فَظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ كَمَنْ سَمِعَ بِالشَّمْسِ، فَلَمَّا أَنْ رَأَى الشُّعَاعَ الْمُنْبَسِطَ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الشَّمْسُ، وَلَمْ يُصْعِدْ بَصَرَهُ وَبَصِيرَتَهُ إِلَى الشَّمْسِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ.
وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمْ تَصْمُدْ بَصَائِرُ قُلُوبِهِمْ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ الْمُبَايِنِ لِمَخْلُوقَاتِهِ.
وَسِرُّ ذَلِكَ، أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِقُلُوبِهِمْ وُجُودًا مُطْلَقًا بَسِيطًا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ، كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ. وَلَا لَهُ صِفَةٌ، وَلَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ الْوُجُودُ الْمُشْتَرَكُ.
لَكِنَّ هَذَا الشُّهُودَ هُوَ فِي نُفُوسِهِمْ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يُخَاطِبُهُمْ لَا يَتَصَوَّرُ مَا يَشْهَدُونَهُ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَا شَهِدُوهُ.
وَقَدْ خَاطَبْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَبَيَّنْتُ لَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَشْهَدُونَهُ هُوَ فِي الذِّهْنِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلْمَوْجُودَاتِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا، وَيَظُنُّونَ مَعَ ظَنِّهِمْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْخَارِجِ غَيْرُ مَا شَهِدُوهُ، فَإِنَّهُمْ يَغِيبُونَ عَنِ الْحِسِّ الَّذِي يُدْرِكُ الْمُعَيَّنَاتِ، وَيُغَيِّبُونَ عُقُولَهُمْ عَنْ تَصَوُّرِهَا، حَتَّى لَا يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَوْجُودٍ وَمَوْجُودٍ، وَيَقُولُونَ: الْحِسُّ فِيهِ تَفْرِقَةٌ، ثُمَّ يَشْهَدُونَ هَذَا الْوُجُودَ
(4/310)

الْمُطْلَقَ مَعَ عَزْلِهِمُ الْحِسَّ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا الْمُطْلَقَ هُوَ نَفْسُ الْمُعَيَّنَاتِ، وَأَنَّهُ مَا بَقِيَ مَوْجُودًا أَصْلًا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْوُجُودَ الْكُلِّيَّ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ كُلِّيًّا، وَأَنَّكُمْ شَهِدْتُمْ ذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ وُجُودَ الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ لَا يُنَاقِضُ وُجُودَ الْمُعَيَّنِ الْمُخْتَصِّ.
فَالْحَيَوَانِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ الْمُطْلَقَةُ، لَا تُنَاقِضُ أَعْيَانَ الْحَيَوَانِ وَأَعْيَانَ الْإِنْسَانِ، وَحِينَئِذٍ فَثُبُوتُ أَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ حَاصِلٌ فِي الْخَارِجِ.
وَهَبْ أَنَّكُمْ غِبْتُمْ عَنْ هَذَا وَلَمْ تَشْهَدُوهُ، فَالْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ الشَّيْءِ لَا يُوجِبُ عَدَمَهُ فِي نَفْسِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْعَبْدُ الشَّيْءَ، أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، أَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِهِ، أَوْ فَنِيَ عَنْ شُهُودِهِ، أَوِ اصْطُلِمَ، أَوْ غَابَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ صَارَ فِي نَفْسِهِ مَعْدُومًا فَانِيًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلِ الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ أَنْ يُعْدَمَ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ وَيَفْنَى وَيَتَلَاشَى، وَبَيْنَ أَنْ يُعْدَمَ شُهُودُ الْإِنْسَانِ لَهُ وَذِكْرُهُ وَمَعْرِفَتُهُ.
وَهَؤُلَاءِ - مِنْ ضَلَالِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّهُ إِذَا فَنِيَ شُهُودُهُمْ لِلْمَوْجُودَاتِ، كَانَتْ فَانِيَةً فِي أَنْفُسِهَا، فَلَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إِلَّا
(4/311)

مَا تَخَيَّلُوهُ مِنَ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ.
وَيَقُولُونَ: الْكَثْرَةُ وَالتَّفْرِقَةُ فِي الْحِسِّ، فَإِذَا فَنِيَ شُهُودُ الْقَلْبِ عَنِ الْحِسِّ، لَمْ يَبْقَ تَفْرِقَةٌ وَلَا كَثْرَةٌ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ شُهُودَ الْحِسِّ حِينَئِذٍ خَطَأٌ، وَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ الْكُلِّيَّاتِ وَالْمُطْلَقَاتِ دُونَ الْحِسِّ، فَإِذَا أَبْطَلُوا مَا شَهِدَهُ الْحِسُّ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ إِلَّا الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ.
ثُمَّ يَظُنُّونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَيَبْقَى الرَّبُّ عِنْدَهُمْ وَهْمًا وَخَيَالًا فِي نُفُوسِهِمْ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ حُذَّاقِهِمْ وَهُوَ التُّسْتَرِيُّ صَاحِبُ ابْنِ سَبْعِينَ: (وَهْمُكَ هُوَ بِتَشْخِيصِ مَا تَحْتَهُ
(4/312)

شَيْءٌ) وَقَالَ:
تَرَى الْوُجُودَ وَاحِدًا وَأَنْتَ ذَاكَ ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ زَائِدٌ مَا ثَمَّ سِوَاكَ
وَقُلْتُ لِبَعْضِ حُذَّاقِهِمْ: هَبْ أَنَّ هَذَا الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ، وَأَنَّهُ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ الْمَشْهُودَةِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكُلَّ شَيْءٍ؟
فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: هَذَا مَا فِيهِ حِيلَةٌ.
وَالْحِسُّ الْبَاطِنُ أَوِ الظَّاهِرُ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الْعَقْلُ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَحْسُوسِ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الْغَلَطِ مِنْ جِنْسِ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّائِمِ وَالْمَمْرُورِ وَالْمُبَرْسَمِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الْحِسِّ الَّذِي لَا عَقْلَ مَعَهُ.
وَالْبَهَائِمُ قَدْ تَكُونُ أَهْدَى مِنْ هَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .
(4/313)

وَهَؤُلَاءِ يُصَرِّحُونَ بِرَفْضِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ فَدَخَلُوا فِي قَوْلِهِ: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] . وَيُلْزِمُونَ أَنْفُسَهُمْ الْغَيْبَةَ عَنِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ الظَّاهِرِ وَالشَّرْعِ، فَلِهَذَا يَقُولُ أَحْذَقُهُمُ التِّلْمِسَانِيُّ:
فَقُلْ لِحِسِّكَ غِبْ وَجْدًا وَذُبْ طَرَبًا ... فِيهَا وَقُلْ لِزَوَالِ الْعَقْلِ لَا تَزُلِ
وَاصْمُتْ إِلَى أَنْ تَرَاهَا فِيكَ نَاطِقَةً ... فَإِنْ وَجَدْتَ لِسَانًا قَائِلًا فَقُلِ
وَهَؤُلَاءِ لِبَسْطِ الْكَلَامِ عَلَيْهِمْ مَوْضِعٌ آخَرُ
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النَّصَارَى زَعَمُوا أَنَّ اللَّاهُوتَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا اتَّحَدَ بِهِ مِنَ النَّاسُوتِ، وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ مُحْتَاجٌ إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَدَمِ.
فَإِنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِغَيْرِهِ فَكُلٌّ مِنَ الْمُتَّحِدَيْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ، مَعَ اسْتِحَالَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَتَغَيُّرِ حَقِيقَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحُلُولُ الْمَعْقُولُ، فَإِنَّ الْحُلُولَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْحَالُّ قَائِمًا بِالْمَحَلِّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أُرِيدَ بِذَلِكَ حُلُولُ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ فِي الْمَوْصُوفَاتِ وَالْجَوَاهِرِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ حُلُولُ الْأَعْيَانِ.
(4/314)

فَإِنَّ كَوْنَ أَحَدِ الْجِسْمَيْنِ مَحَلًّا لِلْآخَرِ، كَحُلُولِ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ، هُوَ يُوجِبُ افْتِقَارَهُ إِلَيْهِ.
وَمَا يَحِلُّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالْإِيمَانِ بِهِ، هُوَ قَائِمٌ بِقُلُوبِهِمْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُهُ الْفَلَاسِفَةُ مِنَ الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْهَيُولَى مَحَلٌّ لِلصُّورَةِ، وَيَعْتَرِفُونَ - مَعَ ذَلِكَ - بِأَنَّ الصُّورَةَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى الْهَيُولَى.
وَالْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، قَدْ يَجْعَلُونَ الْخَالِقَ مَعَ الْمَخْلُوقَاتِ كَالصُّورَةِ مَعَ الْهَيُولَى، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ابْنُ سَبْعِينَ وَيَقُولُ: هُوَ فِي الْمَاءِ مَاءٌ، وَفِي النَّارِ نَارٌ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ بِصُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي مَوَاضِعِ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ حَلَّ فِي الْمَسِيحِ كَمَا حَلَّ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الْحُلُولُ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ دَاوُدَ عِنْدَهُمْ، حَيْثُ قَالُوا: أَنْتَ تَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْقِدِّيسِينَ، فَقَدْ عُرِفَ أَنَّ هَذَا حُلُولُ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَهُدَاهُ
(4/315)

وَنُورُهُ وَالْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا يُسَمَّى ظُهُورًا وَالشُّعَاعُ الْحَالُّ عَلَى الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ عَرَضٌ قَائِمٌ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ.
وَالرُّسُلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَخْبَرُوا بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَالَمِ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، تَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ الْعَلِيُّ وَهُوَ الْأَعْلَى، وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ فِي السَّمَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا.
وَلَيْسَ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ فِي جَوْفِ السَّمَاوَاتِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَحْصُرُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، بَلْ كَلَامُ الرُّسُلِ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ( «أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ
(4/316)

الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» ) ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ فَوْقَهُ.
وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: إِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَلَا يَخْلُو الْعَرْشُ مِنْهُ، فَلَا يَصِيرُ تَحْتَ الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي جَوْفِهَا قَطُّ، بَلِ الْعُلُوُّ عَلَيْهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ حَيْثُ وُجِدَ مَخْلُوقٌ، فَلَا يَكُونُ الرَّبُّ إِلَّا عَالِيًا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ الرُّسُلِ: (فِي السَّمَاءِ) أَيْ فِي الْعُلُوِّ، لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ فِي جَوْفِ الْأَفْلَاكِ، بَلْ السَّمَاءُ الْعُلُوُّ، وَهُوَ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَيْسَ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يَكُونَ الرَّبُّ مَحْصُورًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا هُوَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ، بَلْ لَيْسَ مَوْجُودًا إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، عَالٍ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ هُوَ فِي مَخْلُوقٍ أَصْلًا، سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ جِهَةً، أَوْ لَمْ يُسَمَّ جِهَةً.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ تَعْلُو عَلَيْهِ أَوْ تُحِيطُ بِهِ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ.
كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ، وَلَا عَلَى الْعَرْشِ إِلَهٌ، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَلَا تَصْعَدُ الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ، وَلَا تَنْزِلُ الْكُتُبُ مِنْهُ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَدْنُو إِلَى شَيْءٍ - فَهُوَ أَيْضًا مُخْطِئٌ.
وَمَنْ سَمَّى مَا فَوْقَ الْعَالَمِ جِهَةً، وَجَعَلَ الْعَدَمَ الْمَحْضَ جِهَةً، وَقَالَ
(4/317)

هُوَ فِي جِهَةٍ - بِهَذَا الْمَعْنَى - أَيْ هُوَ نَفْسُهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ.
وَمَنْ نَفَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَقَدْ أَخْطَأَ.
بَلْ طَرِيقُ الِاعْتِصَامِ أَنَّ مَا أَثْبَتَهُ الرُّسُلُ لِلَّهِ، أُثْبِتَ لَهُ، وَمَا نَفَتْهُ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ، نُفِيَ عَنْهُ.
وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي لَمْ تَنْطِقِ الرُّسُلُ فِيهَا بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، كَلَفْظِ الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا يُطْلِقُ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ الْمُرَادِ.
فَمَنْ أَرَادَ بِمَا أَثْبَتَ مَعْنًى صَحِيحًا، فَقَدْ أَصَابَ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ خَطَأً.
وَمَنْ أَرَادَ بِمَا نَفَاهُ مَعْنًى صَحِيحًا، فَقَدْ أَصَابَ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِهِ خَطَأً.
وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ بِلَفْظِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا، أَوْ نَفَى بِلَفْظِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا، فَكِلَاهُمَا مُصِيبٌ فِيمَا عَنَاهُ مِنَ الْحَقِّ، مُخْطِئٌ فِيمَا عَنَاهُ مِنَ الْبَاطِلِ، قَدْ لَبَّسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَجَمَعَ فِي كَلَامِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا.
وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ مُتَطَابِقُونَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ.
وَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يُقَارِبُ أَلْفَ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا لَا يُحْصَى.
(4/318)

[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتِهِ فِي ذَلِكَ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَذَلِكَ مِثْلُ مَا أَنَّ الشُّعَاعَ الْمَوْلُودَ مِنْ عَيْنِ الشَّمْسِ الَّذِي يَمْلَأُ ضَوْءُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نُورًا، وَفِي بَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ يَكُونُ فِيهِ ضِيَاءً بِنُورِهِ مِنْ غَيْرِ مُقَارِنَةٍ لِعَيْنِ الشَّمْسِ الَّتِي تَوَلَّدَ مِنْهَا حَقًّا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنَ الْعَيْنِ وَلَا مِنَ الضَّوْءِ، فَكَذَلِكَ سَكَنَ اللَّهُ فِي النَّاسُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَارِقَهُ الْأَبُ، فَهُوَ مَعَ النَّاسُوتِ، وَهُوَ مَعَ الْأَبِ وَرُوحِ الْقُدُسِ حَقًّا.
فَيُقَالُ: هَذَا التَّمْثِيلُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّمَا يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، كَشُعَاعِ الشَّمْسِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَهُ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ دُونَ سَائِرِ النَّوَاسِيتِ، وَلَوْ مَثَّلَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ - لَكَانَ بَاطِلًا، فَكَيْفَ النَّصَارَى؟ فَإِنَّ الضَّوْءَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْهَوَاءِ وَسُطُوحِ الْأَرْضِ، لَا يَكُونُ تَحْتَ السُّقُوفِ وَالْغِيرَانِ وَبَاطِنِ الْأَرْضِ.
(4/319)

ثُمَّ هَذَا التَّمْثِيلُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ لَيْسَ مُتَوَلِّدًا مِنْ جِرْمِ الشَّمْسِ، وَلَا شُعَاعُ النَّارِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ جِرْمِ النَّارِ، بَلْ هُوَ حَادِثٌ بَائِنٌ عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهَا سَبَبٌ فِي حُصُولِهِ.
وَلِهَذَا يُشَبَّهُ بِهِ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ فِي قَلْبِ الْمُتَعَلِّمِ بِسَبَبِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَاتِ عِلْمِ الْعَالِمِ.
وَلِهَذَا يُشَبَّهُ عِلْمُ الْعَالِمِ بِالسِّرَاجِ الَّذِي يَقْتَبِسُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ نُورِهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْقُصْ.
بِخِلَافِ تَوَلُّدِ الْمَوْلُودِ عَنْ وَالِدِهِ، فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْ عَيْنِهِ.
وَالشُّعَاعُ الْقَائِمُ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، لَيْسَ هُوَ قَائِمًا بِذَاتِ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، بَلْ هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِمَحَلٍّ آخَرَ، وَالْعَرَضُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ فِي مَحَلَّيْنِ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ عِلْمُ اللَّهِ أَوْ حِكْمَتُهُ، مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَالصِّفَةُ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، فَالصِّفَةُ مِثْلُ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الشَّمْسِ مِنِ اسْتِدَارَةٍ وَضَوْءٍ، فَذَاكَ صِفَةٌ لَهَا، وَهُوَ غَيْرُ الشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْهَوَاءِ، فَإِنَّ ذَاكَ بَائِنٌ عَنْهَا، فَكَيْفَ يُجْعَلُ هَذَا هُوَ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ مَقْصُودُنَا أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وَعِلْمَهُ وَنُورَهُ أَنْزَلَهُ إِلَى الْمَسِيحِ وَأَفَاضَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، كَمَا يَفِيضُ الشُّعَاعُ عَنِ الشَّمْسِ.
قِيلَ لَهُمْ: فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ.
(4/320)

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُمُ: الَّذِي يَمْلَأُ ضَوْءُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نُورًا، وَفِي بَيْتٍ مِنَ الْبُيُوتِ يَكُونُ فِيهِ حَقًّا مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةٍ لِعَيْنِ الشَّمْسِ الَّتِي تَوَلَّدَ مِنْهَا حَقًّا.
فَيُقَالُ لَهُمُ: الشُّعَاعُ الَّذِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هُوَ الضَّوْءُ وَهُوَ النُّورُ.
فَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الشُّعَاعَ يَمْلَأُ ضَوْءُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نُورًا، يَقْتَضِي أَنَّهُ شُعَاعٌ وَضَوْءُ شُعَاعٍ، وَنُورٌ حَدَثَ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ لَيْسَ هُنَا إِلَّا جِرْمُ الشَّمْسِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعُهَا، وَهُوَ الضَّوْءُ وَالنُّورُ الَّذِي مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُكُمْ: (مِنْ غَيْرِ مُفَارِقَةِ عَيْنِ الشَّمْسِ) يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الشُّعَاعَ هُوَ نَفْسُ مَا قَامَ بِالشَّمْسِ، وَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ، بَلِ الشُّعَاعُ الَّذِي قَامَ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ عَرَضٌ لَمْ يَقُمْ بِالشَّمْسِ فَقَطْ.
وَكُلُّ شُعَاعِ بُقْعَةٍ، فَلَيْسَ هُوَ عَيْنُ الشُّعَاعِ الَّذِي فِي الْبُقْعَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ هُوَ نَظِيرُهُ وَمِثْلُهُ، وَجِنْسُ الشُّعَاعِ يَجْمَعُهُمَا، كَمَا أَنَّ شُعَاعَ هَذَا السِّرَاجِ، لَيْسَ هُوَ شُعَاعُ هَذَا السِّرَاجِ، وَإِنْ قُدِّرَ اخْتِلَاطُهُمَا حَتَّى يَقْوَى الضَّوْءُ، وَلَا حَرَكَةُ هَذَا الْهَوَاءِ هِيَ حَرَكَةُ هَذَا الْهَوَاءِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ.
الرَّابِعُ: قَوْلُكُمْ: (كَذَلِكَ اللَّهُ سَكَنَ فِي النَّاسُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَارِقَهُ الْأَبُ) تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ.
(4/321)


فَإِنَّ الشَّمْسَ نَفْسَهَا لَمْ تَكُنْ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا سَكَنَ شُعَاعُهَا.
فَوِزَانُهُ أَنْ يُقَالَ: فَكَذَلِكَ سَكَنَ نُورُ اللَّهِ وَبُرْهَانُهُ، وَهُدَاهُ وَرُوحُهُ.
وَهَذَا إِذَا قُلْتَهُ، فَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، تَنْطِقُ كُتُبُهُمْ بِأَنَّ نُورَ اللَّهِ وَرَوْحَهُ وَهُدَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنْ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [النور: 35] .
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ( «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ:
(4/322)

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] » .
الْخَامِسُ: إِنَّكُمْ إِذَا جَعَلْتُمُ اللَّهَ نَفْسَهُ سَاكِنًا فِي الْمَسِيحِ، فَوِزَانُهُ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ نَفْسُهَا سَاكِنَةً فِي مَوْضِعٍ صَغِيرٍ مِنَ الْأَرْضِ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ يُبْطِلُ قَوْلَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَأَعْظَمُ وَأَجَلُ وَأَكْبَرُ. وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالشَّمْسُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ وَمَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الشَّمْسَ سَكَنَتْ فِي جَوْفِ امْرَأَةٍ وَخَرَجَتْ مِنْ فَرْجِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، لَكَانَ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ فَسَادَ قَوْلِهِ، وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْجَهْلِ الْعَظِيمِ أَوِ الْجُنُونِ، وَسَوَاءٌ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ نَفْسَهَا نَزَلَتْ أَوْ لَمْ تَنْزِلْ.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ سَكَنَ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَيَقُولُ أَكْثَرُكُمْ - كَالْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ -: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ مَرْيَمَ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ عَمَّا هُوَ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، كَوْكَبٌ مِنَ الْكَوَاكِبِ أَوْ جَبَلٌ مِنَ الْجِبَالِ أَوْ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ وَخَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا - لَضَحِكَ النَّاسُ مِنْ قَوْلِهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَدَّعِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ !
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، أَوْ نَزَلَ إِلَى الطُّورِ وَكَلَّمَ مُوسَى مِنَ الْعُلَيْقَةِ أَوْ فِي عَمُودِ الْغَمَامِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ
(4/323)

ذَلِكَ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِمَخْلُوقٍ، لَا سَمَاءٍ وَلَا طُورٍ وَلَا شَجَرَةٍ، وَلَا كَانَ كَلَامُهُ قَائِمًا بِشَيْءٍ مَخْلُوقٍ، لَا شَجَرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَكَانَ صَوْتُ الْمَسِيحِ الْقَائِمُ بِهِ، هُوَ صَوْتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِلَا وَاسِطَةٍ.
(4/324)

[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى تَشْبِيهِ النَّصَارَى حُلُولَ كَلِمَةِ اللَّهِ فِي النَّاسُوتِ بِالْكِتَابَةِ فِي الْقِرْطَاسِ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَمِثْلَمَا أَنَّ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ الْمَوْلُودَةَ مِنْ عَقْلِهِ تُكْتَبُ فِي قِرْطَاسٍ، فَهِيَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلُّهَا حَقًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفَارِقَ الْعَقْلَ الَّذِي مِنْهُ وُلِدَتْ، وَلَا يُفَارِقَهَا الْعَقْلُ الَّذِي وَلَدَهَا ; لِأَنَّ الْعَقْلَ بِالْكَلِمَةِ يُعْرَفُ ; لِأَنَّهَا فِيهِ، وَالْكَلِمَةُ كُلُّهَا فِي الْعَقْلِ الَّذِي وَلَدَهَا، وَكُلُّهَا فِي نَفْسِهَا، وَكُلُّهَا فِي الْقِرْطَاسِ الَّذِي الْتَحَمَتْ بِهِ فَكَذَلِكَ كَلِمَةُ اللَّهِ كُلُّهَا فِي الْأَبِ الَّذِي وُلِدَتْ مِنْهُ، وَكُلُّهَا فِي نَفْسِهَا وَفِي الرُّوحِ، وَكُلُّهَا فِي النَّاسُوتِ الَّتِي حَلَّتْ فِيهَا وَالْتَحَمَتْ بِهِ فَيُقَالُ: هَذَا التَّمْثِيلُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِكُمْ، لَا حُجَّةَ لَكُمْ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ حُلُولُ كَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ الْمَسِيحُ فِي النَّاسُوتِ، مِثْلَ كِتَابَةِ الْكَلَامِ فِي الْقِرْطَاسِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَسِيحُ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ كَلَامِ اللَّهِ، كَالتَّوْرَاةِ وَزَبُورِ دَاوُدَ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْقَرَاطِيسِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ
(4/325)

الْمِلَلِ، بَلِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كَلَامَ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ يُكْتَبُ فِي الْقَرَاطِيسِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ - فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21 - 22] .
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77 - 79] . وَقَالَ: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 2] وَقَالَ: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 1]
وَإِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ الْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ هَكَذَا، فَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْمَكْتُوبَ فِي الْقَرَاطِيسِ لَيْسَ هُوَ إِلَهًا خَالِقًا، وَهُوَ كَلَامٌ كَثِيرٌ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَلِمَةٍ وَلَا كَلِمَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، أَوْ يَا تَوْرَاةُ،
(4/326)

أَوْ يَا إِنْجِيلُ، أَوْ يَا قُرْآنُ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِبَاطِلٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْعُقَلَاءِ.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: الْمَسِيحُ إِلَهٌ خَالِقٌ، وَهُوَ يُدْعَى وَيُعْبَدُ، فَكَيْفَ تُشَبِّهُونَهُ بِكَلَامِ اللَّهِ الْمَكْتُوبِ فِي الْقَرَاطِيسِ؟
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ الْمَكْتُوبَ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، يَقُومُ بِهِ وَيُكْتَبُ فِي الْقَرَاطِيسِ عِنْدَ سَلَفِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَجَمَاهِيرِهِمْ.
وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ، هُوَ عَرَضٌ مَخْلُوقٌ، يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ.
فَالْجَمِيعُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ تَقُومُ بِغَيْرِهَا، لَيْسَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَالْمَسِيحُ - عِنْدَكُمْ - لَاهُوتُهُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ وَهُوَ - عِنْدَكُمْ - إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ.
فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ الْإِلَهَ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا كَالصِّفَةِ الَّتِي لَا تَقُومُ إِلَّا بِغَيْرِهَا؟
الثَّالِثُ: قَوْلُكُمْ: (إِنَّ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ مَوْلُودَةٌ مِنْ عَقْلِهِ) ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا فَالتَّوَلُّدُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَادِثًا.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ قَبْلَ
(4/327)

الدُّهُورِ وَتَقُولُونَ - مَعَ هَذَا -: هِيَ إِلَهٌ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ بُطْلَانَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَهِيَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا لَهُ، وَلَا قَالَ: إِنَّ صِفَتَهُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ. وَلَفْظُ الِابْنِ لَا يُوجَدُ عِنْدَكُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا اسْمًا لِنَاسُوتٍ مَخْلُوقٍ، لَا لِصِفَةِ اللَّهِ الْقَدِيمَةِ، فَقَدْ بَدَّلْتُمْ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِهَذَا الِافْتِرَاءِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُكُمْ: (مَوْلُودَةٌ مِنْ عَقْلِهِ) ، إِنْ أَرَدْتُمْ (بِعَقْلِهِ) الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهَا الَّتِي يُسَمِّيهَا قَلْبًا وَرُوحًا وَنَفْسًا، أَوْ نَفْسًا نَاطِقَةً، فَتِلْكَ إِنَّمَا تَقُومُ بِهَا الْمَعَانِي، وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ فَإِنَّمَا تَقُومُ بِفَمِهِ وَلِسَانِهِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ (بِعَقْلِهِ) مَصْدَرَ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، فَالْمَصْدَرُ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْعَقْلِ، وَهُوَ عَرَضٌ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ وَالْكَلِمَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْعَقْلِ الْغَرِيزَةَ الَّتِي فِي الْإِنْسَانِ، فَهُوَ أَيْضًا عَرَضٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ تَسْمِيَتَكُمْ تَكَلُّمَ الْإِنْسَانِ بِالْمَعْنَى أَوِ اللَّفْظِ تَوَلُّدًا، أَمْرٌ اخْتَرَعْتُمُوهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَا فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ.
وَإِنَّمَا ابْتَدَعْتُمْ هَذَا لِتَقُولُوا: إِذَا كَانَ كَلَامُ الْإِنْسَانِ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ، فَكَلَامُ اللَّهِ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ.
وَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَلَا أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا أَنَّ عِلْمَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَلَا أَنَّهُ ابْنُهُ.
(4/328)

السَّادِسُ: قَوْلُكُمْ: (إِنَّ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ الْمَوْلُودَةَ مِنْ عَقْلِهِ تُكْتَبُ فِي الْقِرْطَاسِ، فَهِيَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلُّهَا حَقًّا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفَارِقَ الْعَقْلَ الَّذِي مِنْهُ وُلِدَتْ) ، إِلَى قَوْلِكُمْ: (الْكَلِمَةُ كُلُّهَا فِي الْعَقْلِ الَّذِي وَلَدَهَا، وَكُلُّهَا فِي الْقِرْطَاسِ الَّذِي الْتَحَمَتْ بِهِ) - مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْكَلَامِ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، لَيْسَ هُوَ عَيْنُ وُجُودِهِ مَكْتُوبًا فِي الْقِرْطَاسِ، بَلِ الْقَائِمُ بِقَلْبِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَانٍ: طَلَبٌ وَخَبَرٌ وَعِلْمٌ وَإِرَادَةٌ، وَالْقَائِمُ بِنَفْسِهِ حُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ هِيَ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ، أَوْ هِيَ حُدُودُ أَصْوَاتٍ مُقَطَّعَةٍ، وَلَيْسَ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَلَا فَمِهِ مِدَادٌ كَالْمِدَادِ الَّذِي فِي الْقِرْطَاسِ.
وَالْكَلَامُ مَكْتُوبٌ فِي الْقِرْطَاسِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِرْطَاسِ عِلْمٌ وَطَلَبٌ وَخَبَرٌ قَائِمٌ بِهِ، كَمَا تَقُومُ بِقُلُوبِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَا قَامَ بِهِ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَلَا حُرُوفٌ كَالْأَصْوَاتِ الْقَائِمَةِ بِفَمِ الْمُتَكَلِّمِ، بَلْ لَفْظُ الْحَرْفِ يُقَالُ عَلَى الْحَرْفِ الْمَكْتُوبِ: إِمَّا الْمِدَادِ الْمُصَوَّرِ، وَإِمَّا صُورَةِ الْمِدَادِ وَشَكْلِهِ. وَيُقَالُ عَلَى الْحَرْفِ الْمَنْطُوقِ: إِمَّا الصَّوْتُ الْمُقَطَّعُ، وَإِمَّا حَدُّ الصَّوْتِ وَمَقْطَعُهُ وَصُورَتُهُ.
وَكُلُّ عَاقِلٍ يُمَيِّزُ بِحِسِّهِ وَعَقْلِهِ بَيْنَ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَيْنَ الْمِدَادِ الْمَرْئِيِّ بِالْبَصَرِ، وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ هَذَا هُوَ هَذَا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا وَهَذَا هُوَ نَفْسُ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِقَلْبِ الْمُتَكَلِّمِ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلَّهَا، وَكُلَّهَا فِي الْعَقْلِ الَّذِي وَلَدَهَا، وَكُلَّهَا فِي نَفْسِهَا؟
(4/329)

السَّابِعُ: أَنَّ حَرْفَ (فِي) الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ ظَرْفًا، يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِالْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ وَالرِّيحَ حَالٌّ فِي الْفَاكِهَةِ، أَوِ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالْكَلَامَ حَالٌّ فِي الْمُتَكَلِّمِ، فَهَذَا مَعْنًى مَعْقُولٌ.
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ هَذَا حَالٌّ فِي دَارِهِ، أَوْ إِنَّ الْمَاءَ حَالٌّ فِي الظَّرْفِ، فَهَذَا مَعْنًى آخَرُ.
فَإِنَّ ذَاكَ حُلُولُ صِفَةٍ فِي مَوْصُوفِهَا، وَهَذَا حُلُولُ عَيْنٍ قَائِمَةٍ تُسَمَّى جِسْمًا وَجَوْهَرًا فِي مَحَلِّهَا. وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَكَانِ الْقَوْمِ: الْمَحَلَّةُ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَلَّ بِالْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ.
وَإِذَا قِيلَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْمَاءِ، أَوْ فِي الْمِرْآةِ، أَوْ وَجْهُ فُلَانٍ فِي الْمِرْآةِ، أَوْ كَلَامُ فُلَانٍ فِي هَذَا الْقِرْطَاسِ، فَهَذَا لَهُ مَعْنًى يَفْهَمُهُ النَّاسُ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْوَجْهُ فِي الْمِرْآةِ وَرُؤِيَتْ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهَا ذَاتُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَلَّ فِيهَا مِثَالٌ شُعَاعِيٌّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ إِذَا كُتِبَ فِي الْقِرْطَاسِ، فَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ وَمَقْرُوءٌ فِيهِ وَمَنْظُورٌ فِيهِ، وَيَقُولُونَ: نَظَرْتُ فِي كَلَامِ فُلَانٍ وَقَرَأْتُهُ، وَتَدَبَّرْتُهُ وَفَهِمْتُهُ وَرَأَيْتُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُونَ: رَأَيْتُ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ وَتَأَمَّلْتُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَادِقُونَ يَعْلَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ نَفْسَ جِرْمِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْوَجْهِ لَمْ يَحُلَّ فِي الْمِرْآةِ، وَأَنَّ نَفْسَ مَا قَامَ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَصْوَاتِ لَمْ تَقُمْ بِالْقِرْطَاسِ، بَلْ كَانَتِ الْمِرْآةُ وَاسِطَةً
(4/330)

فِي رُؤْيَةِ الْوَجْهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرُّؤْيَةِ، وَكَانَ الْقِرْطَاسُ وَاسِطَةً فِي مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالرُّؤْيَةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ حَاسَّةَ الْبَصَرِ بَاشَرَتْ مَا فِي الْمِرْآةِ مِنَ الشُّعَاعِ الْمُنْعَكِسِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الشَّمْسُ، وَحَاسَّةُ الْبَصَرِ بَاشَرَتْ مَا فِي الْقِرْطَاسِ مِنَ الْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الْكَلَامُ الْمَكْتُوبُ.
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمِثَالِ الَّذِي فِي الْمِرْآةِ لَيْسَ هُوَ الْوَجْهُ، وَأَنَّ نَفْسَ الْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَكْتُوبُ، بَلْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]
فَفَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ وَبَيْنَ الْمِدَادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْكَلِمَاتُ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا هُوَ هَذَا، وَإِنَّ الْكَلِمَةَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلَّهَا، وَهِيَ فِي الْمُتَكَلِّمِ كُلُّهَا؟
الثَّامِنُ: أَنَّ الْكَلَامَ لَهُ مَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِهِ، وَاللَّفْظَ يُكْتَبُ فِي الْقِرْطَاسِ، فَالْمَكْتُوبُ فِي الْقِرْطَاسِ هُوَ اللَّفْظُ الْمُطَابِقُ لِلْمَعْنَى، لَا يُكْتَبُ الْمَعْنَى بِدُونِ كِتَابَةِ اللَّفْظِ الَّذِي كُتِبَ بِالْخَطِّ ; لِيُعْرَفَ مَا كُتِبَ.
فَدَعْوَى هَؤُلَاءِ أَنَّ نَفْسَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ كُلَّهُ، هُوَ فِي الْقِرْطَاسِ كُلُّهُ - جَعْلٌ لِنَفْسِ الْمَعْنَى هُوَ الْخَطُّ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
(4/331)

التَّاسِعُ: أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ يُقَالُ: إِنَّهُ قَائِمٌ بِهِ.
وَيُقَالُ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْقِرْطَاسِ، وَيُقَالُ: هَذَا هُوَ كَلَامُ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا هُوَ ذَاكَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ فِي الْقِرْطَاسِ هُوَ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ، لَمْ يُكْتَبْ كَلَامٌ غَيْرُهُ.
وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْخَطِّ نَفْسُ الصَّوْتِ، أَوْ نَفْسُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ، أَوْ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، هُوَ حَالٌّ فِي الصُّدُورِ وَالْمَصَاحِفِ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةٍ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يُسْمَعُ مِنَ الْإِنْسَانِ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ، أَوِ الصَّوْتُ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَرْفَ الْقَدِيمَ أَوِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، هُوَ فِي الْقِرْطَاسِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمِدَادِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَدِيمَ حَلَّ فِي الْمُصْحَفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَتَقُولُ النَّصَارَى: نَحْنُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ.
قِيلَ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ
(4/332)

بِهِ كُتُبَهُ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ طَوَائِفًا مِنْهُمْ مُنَافِقُونَ مُلْحِدُونَ وَزَنَادِقَةٌ، وَمِنْهُمْ جُهَّالٌ وَمُبْتَدِعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ النَّصَارَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ شَرًّا مِنْهُ، فَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ. فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَفِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا فِي الْقُرْآنِ مَا قَالُوهُ، لَيْسَ قَوْلُهُمْ مِثْلَ قَوْلِ النَّصَارَى.
فَإِنَّ النَّصَارَى جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا سَمَّوْهُ كَلِمَةً، وَقَالُوا: إِنَّهُ إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَإِنَّهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، فَجَعَلُوا الْمَسِيحَ - الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ - إِلَهًا يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ.
وَلَيْسَ فِي طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ.
وَلَكِنْ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - بَلَّغُوا إِلَى الْخَلْقِ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ.
فَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ، لَيْسَ هُوَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ.
(4/333)

وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي بَلَّغَهُ رَسُولُهُ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَهُ، وَيُسْمَعُ مِنَ الْقَارِئِ كِلَامُ اللَّهِ، لَكِنْ يَقْرَءُونَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ، وَيَسْمَعُونَهُ مِنَ الْقَارِئِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ، فَالْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِئِ، وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ وَكَلَّمَ بِهِ مُوسَى، وَإِنَّ مُوسَى سَمِعَ نِدَاءَ اللَّهِ بِأُذُنِهِ، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ بِالصَّوْتِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْقُرْآنِ وَالْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَحَدَثَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ طَائِفَةٌ مُعَطِّلَةٌ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَلَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مُقَدَّمَهُمْ " الْجَعْدَ " وَصَارَ لَهُمْ مُقَدَّمٌ يُقَالُ لَهُ " الْجَهْمُ " فَنُسِبَتْ إِلَيْهِمُ الْجَهْمِيَّةُ، نُفَاةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
تَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ مَجَازًا.
(4/334)

وَتَارَةً يَقُولُونَ: تَكَلَّمَ وَيَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ، سَمِعَهُ مُوسَى، لَا أَنَّهُ نَفْسَهُ قَامَ بِهِ كَلَامٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَزَيَّنَ هَذَا الْقَوْلَ بَعْضُ ذَوِي الْإِمَارَةِ، فَدَعَوْا إِلَيْهِ مُدَّةً وَأَظْهَرُوهُ، وَعَاقَبُوا مَنْ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أُطْفِئَ ذَلِكَ، وَأُظْهِرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، أَنَّ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَلَامُ اللَّهِ، تَكَلَّمَ هُوَ بِهِ. مِنْهُ بَدَا، لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ هَذَا، وَالنَّاسُ يَتْلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] صَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَقُولُ: إِنَّمَا سَمِعَ صَوْتَ الْقَارِئِ، وَصَوْتُهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ، فَكَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ.
وَلَمْ يُمَيِّزْ هَذَا بَيْنَ أَنْ يُسْمَعَ الْكَلَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى مِنَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُسْمَعَ مِنَ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ سُمِعَ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَبَلِّغِينَ، لَمْ يَكُنْ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ هُوَ صَوْتُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ كَلَامَ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَا كَلَامَ الْمُبَلِّغِ.
فَكَلَامُ اللَّهِ إِذَا سُمِعَ مِنَ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ
(4/335)

لَا كَلَامُ الْمُبَلِّغِينَ، وَإِنْ بَلَّغُوهُ بِأَصْوَاتِهِمْ.
فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسْمُوعُ أَلْفَاظُنَا وَأَصْوَاتُنَا، وَكَلَامُنَا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
وَكَانَ مَقْصُودُ هَؤُلَاءِ، تَحْقِيقَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَوَقَعُوا فِي إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامَ اللَّهِ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى أَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ كَلَامَ اللَّهِ، فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغًا عَنْهُ - لَيْسَ هُوَ كَلَامُهُ مَسْمُوعًا مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ - إِذَا كَانَتْ أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتُهُمْ مَخْلُوقَةً لَيْسَتْ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ - أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي يَقْرَءُونَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ كَلَامَهُمْ، وَيَكُونَ مَخْلُوقًا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حِكَايَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ مَا بَلَّغَهُ حِكَايَةً لِكَلَامِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَا كَلَامَهُ.
وَأَهْلُ الْحِكَايَةِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ حُرُوفًا مُؤَلَّفَةً، إِمَّا قَائِمًا بِذَاتِهِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أَوْ مَخْلُوقَةً فِي غَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالْقَائِمُ بِذَاتِهِ مَعْنًى وَاحِدٌ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: الْحِكَايَةُ تُمَاثِلُ الْمَحْكِيَّ عَنْهُ، فَلَا نَقُولُ: هُوَ حِكَايَةٌ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ عِبَارَتِهِ أَوْ حِكَايَتِهِ.
فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ فَقَالَتْ: بَلْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمَسْمُوعَ
(4/336)

كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَهَذَا الْمَسْمُوعُ هُوَ الصَّوْتُ، فَالصَّوْتُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْمَعُ صَوْتُ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُسْمَعُ صَوْتُ الرَّبِّ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْعَبْدِ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ صَوَّتَ الرَّبِّ حَلَّ فِي الْعِبَادِ، فَضَاهَوُا النَّصَارَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ نَقُولُ: ظَهَرَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يُطْلَقُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ، لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ،
(4/337)

وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ،
(4/338)

وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمْ.
بَلْ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ بِهِ جِبْرِيلَ، فَنَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إِلَى النَّاسِ فَقَرَأَهُ النَّاسُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ قَدِيمًا وَلَا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ قَدِيمٌ.
وَلَمَّا أَحْدَثَ الْجَهْمِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ مِنَ اللَّهِ، قَالَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ: إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
(4/339)

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ اللَّهَ تَكَلِّمُ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَا أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ، وَلَا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ أَوِ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ فِي الْأَزَلِ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ قَدِيمٍ، فَحَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدِيمٌ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَدِيمُ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ، هُوَ مَعْنَى جَمِيعِ كَلَامِ اللَّهِ.
وَذَلِكَ الْمَعْنَى إِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كِانَ تَوْرَاةً، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَانَ إِنْجِيلًا، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ صِفَاتٌ لَهُ لَا أَنْوَاعٌ لَهُ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ قَدِيمٌ، وَهُوَ حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَأَنَّهَا هِيَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ.
فَقَالَ النَّاسُ لِهَؤُلَاءِ: خَالَفْتُمُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ فِي قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَابْتَدَعْتُمْ بِدْعَةً لَمْ يَسْبِقْكُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَرَرْتُمْ مِنْ مَحْذُورٍ إِلَى مَحْذُورٍ، كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ.
ثُمَّ قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ - وَهُوَ مَدْلُولُ جَمِيعِ الْعِبَارَاتِ - مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ فَإِنَّا نَعْلَمُ - بِالِاضْطِرَارِ - أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى آيَةِ
(4/340)

الْكُرْسِيِّ، هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ، وَلَا مَعْنَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] هُوَ مَعْنَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
وَالتَّوْرَاةُ إِذَا عَرَّبْنَاهَا لَمْ تَصِرْ هِيَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَرْجَمْنَا الْقُرْآنَ بِالْعِبْرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ هُوَ تَوْرَاةُ مُوسَى.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْكُمْ: إِنَّهُ حُرُوفٌ، أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ أَزَلِيَّةٌ، ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَإِنَّ الْحُرُوفَ مُتَعَاقِبَةٌ، فَيَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْمَسْبُوقُ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ قَدِيمًا لَمْ يَزَلْ، وَالصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟
وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَوْلِكُمْ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ نَادَى مُوسَى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسَى بِأُذُنِهِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ.
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَلَكِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ، لَا صِفَةُ نَقْصٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ صِفَةُ كَمَالٍ إِذَا قَامَ بِهِ، لَا إِذَا كَانَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ، فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ - إِلَّا بِمَا قَامَ بِهِ - لَا يَتَّصِفُ بِمَا هُوَ بَائِنٌ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا مُتَكَلِّمًا رَحِيمًا مُرِيدًا بِحَيَاةٍ قَامَتْ بِغَيْرِهِ، وَلَا بِعِلْمٍ وَقُدْرَةٍ قَامَتْ بِغَيْرِهِ، وَلَا بِكَلَامٍ وَرَحْمَةٍ وَإِرَادَةٍ قَامَتْ بِغَيْرِهِ.
وَالْكَلَامُ بِمَشِيئَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَأَمَّا كَلَامٌ يَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَإِمَّا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ
(4/341)

أَوْ هُوَ صِفَةُ نَقْصٍ، كَمَا يُدَّعَى مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَصْرُوعِ.
وَإِذَا كَانَ كَمَالًا، فَدَوَامُ الْكَمَالِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِنْ كَوْنِهِ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟
وَكَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كُلَّمَا ابْتُدِعَ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ، أَنْكَرُوهَا وَلَمْ يُقِرُّوهَا، وَلِهَذَا حَفِظَ اللَّهُ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَزَالُ فِي أَمَةِ مُحَمَّدٍ طَائِفَةٌ هَادِيَةٌ مَهْدِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ مَنْصُورَةٌ.
بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ النَّصَارَى ابْتَدَعُوا بِدَعًا خَالَفُوا بِهَا الْمَسِيحَ، وَقَهَرُوا مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعِ الْمَسِيحِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا مَنْ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بَدِينِ الْمَسِيحِ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» ) .
فَلَمَّا أَظْهَرَ قَوْمٌ مِنَ الْوُلَاةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، ثَبَّتَ اللَّهُ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَجُمْهُورَ الْأُمَّةِ، فَلَمْ يُوَافِقُوهُمْ، وَكَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِذْ ذَاكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ الْقَوْلُ الْمُحْدَثُ ظَاهِرًا نَحْوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَئِمَّةُ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورُهَا يُنْكِرُونَهُ، حَتَّى جَاءَ مِنَ الْوُلَاةِ مَنْ مَنَعَ مِنْ إِظْهَارِهِ
(4/342)

وَالْقَوْلِ بِهِ، فَصَارَ مَخْفِيًّا كَغَيْرِهِ مِنَ الْبِدَعِ، وَشَاعَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَقُومُ بِنَا مَخْلُوقٌ. فَقَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَكِنْ أَلْفَاظُنَا بِهِ مَخْلُوقَةٌ، وَتِلَاوَتُنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ.
وَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا الَّذِي نَقْرَؤُهُ مَخْلُوقٌ، أَوْ هَذَا لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ فَقَصَدُوا مَعْنًى صَحِيحًا، وَهُوَ كَوْنُ صِفَاتِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مَخْلُوقَةً.
لَكِنْ غَلِطُوا حَيْثُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ، أَوْ أَفْهَمُوا النَّاسَ بِأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ مَخْلُوقٌ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى أَنَّا إِذَا أَشَرْنَا إِلَى كَلَامِ مُتَكَلِّمٍ قَدْ بُلِّغَ عَنْهُ، فَقُلْنَا مَثَلًا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَوْلِهِ: ( «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ) : هَذَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ لِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(4/343)

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
-: هَذَا كَلَامُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَإِنَّا نُشِيرُ إِلَى نَفْسِ الْكَلَامِ مَعَانِيهِ وَنَظْمِهِ وَحُرُوفِهِ، لَا إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْمُبَلِّغِ مِنْ حَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ، بَلْ وَلَا صَوْتِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ وَفِعْلِهِ.
فَإِنَّ كَوْنَ الْحَيِّ مُتَحَرِّكًا أَوْ مُصَوِّتًا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ، وَلَيْسَ هَذَا صِفَةٌ لَهُ.
وَالْكَلَامُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ النَّاطِقُ عَنِ الْأَعْجَمِ، إِنَّمَا يَتَمَيَّزُ بِالْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِهِ، وَبِاللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لَهَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمَنْظُومَةِ بِالْأَصْوَاتِ الْمُقَطَّعَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلَامِ، لَا الْمُبَلَّغُ عَنْهُ، فَلَيْسَ لِلْمُبَلِّغِ إِلَّا تَأْدِيَةُ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَشِعْرِ لَبِيَدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
فَقَالَ: هَذَا شِعْرِي أَوْ كَلَامِي لِكَوْنِهِ أَنْشَدَهُ بِصَوْتِهِ، لَكَذَّبَهُ النَّاسُ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَقُولُهُ مِثْلُ شِعْرِ لَبِيَدٍ، لَكَذَّبَهُ النَّاسُ وَقَالُوا: بَلْ هُوَ شِعْرُهُ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ أَدَّيْتَهُ بِصَوْتِكَ.
(4/344)

بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ قَائِلٌ قَوْلًا نَظْمًا أَوْ نَثْرًا، وَقَالَ آخَرُ مِثْلَهُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ فُلَانٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 118] وَقَالَ عَنِ الْقُرْآنِ: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] وَلِهَذَا لَوْ قَالَ قَارِئٌ: أَنَا آتِي بِقُرْآنٍ مِثْلَ قُرْآنِ مُحَمَّدٍ، وَتَلَاهُ نَفْسَهُ وَقَالَ: هَذَا مِثْلُهُ، لَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ وَضَحِكُوا مِنْهُ وَقَالُوا: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ هُوَ، لَيْسَ هُوَ كَلَامٌ آخَرُ مُمَاثِلٌ لَهُ.
فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسُولُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هُوَ بِكَلَامِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مِثْلٌ لَهُ، أَوْ حِكَايَةٌ عَنْهُ، أَوْ عِبَارَةٌ.
وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا إِنَّمَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَخْلُقْهُ بَائِنًا عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لِمَا هُوَ كَلَامُهُ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ.
فَإِذَا قِيلَ عَمَّا يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَالْمَخْلُوقُ بَائِنٌ
(4/345)

عَنِ اللَّهِ، لَيْسَ هُوَ كَلَامُهُ، فَقَدْ جُعِلَ مَخْلُوقًا، لَيْسَ هُوَ بِكَلَامِ اللَّهِ، فَصَارَ الْأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَا يُشِيرُونَ بِذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ، بَلْ إِلَى كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ.
وَالْمُبَلِّغُ إِنَّمَا بَلَّغَهُ بِصِفَاتِ نَفْسِهِ، وَالْإِشَارَةُ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ الْمُبَلَّغُ، لَا يُرَادُ بِهَا مَا بِهِ وَقَعَ التَّبْلِيغُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهَذَا، الثَّانِي، مَعَ التَّقْيِيدِ كَمَا فِي مِثْلِ الِاسْمِ إِذَا قِيلَ: عَبَدْتُ اللَّهَ وَدَعَوْتُ اللَّهَ، فَلَيْسَ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَعْبُودَ الْمَدْعُوَّ، هُوَ الِاسْمُ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ، بَلِ الْمَعْبُودُ الْمَدْعُوُّ هُوَ الْمُسَمَّى بِاللَّفْظِ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: الِاسْمُ هُوَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَقُولُ: دَعَوْتُ اللَّهَ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: دَعَوْتُ الْمُسَمَّى بِاللَّهِ، وَظَنَّ هَذَا الْغَالِطُ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ، فَالْمُرَادُ دَعَوْتُ هَذَا اللَّفْظَ، وَمِثْلُ هَذَا يُرَدُّ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ الثَّانِي.
فَمَا مِنْ شَيْءٍ عُبِّرَ عَنْهُ بِاسْمٍ، إِلَّا وَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ هُوَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا لِبَيَانِ الْمُسَمَّيَاتِ، لَا أَنَّ الِاسْمَ نَفْسَهُ هُوَ ذَاتُ الْمُسَمَّى.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالْقَلْبِ هُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، فَغَلَطُهُ وَاضِحٌ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ فِي مِثْلِ قَوْلِكَ: دَعَوْتُ اللَّهَ، وَعَبَدْتُهُ،
(4/346)

هُوَ نَفْسُ اللَّفْظِ، فَغَلَطُهُ وَاضِحٌ، وَلَكِنِ اشْتَبَهَ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَا يُرَادُ بِالِاسْمِ وَنَفْسِ اللَّفْظِ.
كَذَلِكَ أُولَئِكَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ نَفْسُ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ بِلَفْظِ الْمُبَلِّغِ وَكِتَابَتِهِ بِنَفْسِ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ وَمِدَادِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَاضِحٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ.
وَإِذَا كَتَبَ كَاتِبٌ اسْمَ اللَّهِ فِي وَرَقَةٍ، وَنَطَقَ بِاسْمِ اللَّهِ فِي خِطَابِهِ، وَقَالَ قَائِلٌ: أَنَا كَافِرٌ بِهَذَا وَمُؤْمِنٌ بِهَذَا، كَانَ مَفْهُومَ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ بِالْمُسَمَّى الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ وَالْخَطِّ، لَا أَنَّهُ يُؤْمِنُ وَيَكْفُرُ بِصَوْتٍ أَوْ مِدَادٍ.
فَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْقُرَّاءِ وَلِمَا يُكْتَبُ فِي الْمَصَاحِفِ: إِنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ.
أَوْ قَالَ لِمَا يَسْمَعُ مِنْ جَمِيعِ الْمُبَلِّغِينَ لِكَلَامِ غَيْرِهِمْ، وَلِمَا يُوجَدُ فِي الْكُتُبِ: هَذَا كَلَامُ زَيْدٍ، فَلَيْسَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ الصَّوْتَ وَالْمِدَادَ، إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ الَّذِي بَلَّغَهُ زَيْدٌ بِصَوْتِهِ وَكُتِبَ فِي الْقِرْطَاسِ بِالْمِدَادِ.
فَإِذَا قِيلَ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.
وَمَنْ قَصَدَ نَفْسَ الصَّوْتِ أَوِ الْمِدَادِ وَقَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ أَصَابَ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَصَدَ نَفْسَ الصَّوْتِ أَوِ الْخَطِّ وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ أَصَابَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ مُرَادَهُ بِلَفْظٍ لَا لَبْسَ فِيهِ.
(4/347)

فَلِهَذَا كَانَ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَيَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ هُنَا، فَقَدْ يَقُولُونَ: لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ عَنِ الرَّسُولِ، وَخِلَافُ مَا يُعْلَمُ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
فَإِنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ - بِعُقُولِهِمْ - أَنَّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ فَالْكَلَامُ كَلَامُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ الَّذِي قَالَهُ مُبْتَدِيًا آمِرًا بِأَمْرِهِ مُخْبِرًا بِخَبَرِهِ، لَا كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا عَنْهُ مُؤَدِّيًا.
وَلِهَذَا «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي الْمَوَاسِمِ: (أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي) » رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، عَنْ جَابِرٍ.
وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 1]
(4/348)

قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ لِأَبِي بِكْرٍ الصِّدِّيقِ: هَذَا كَلَامُكَ أَمْ كَلَامُ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا كَلَامِ صَاحِبِي، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
فَلِهَذَا اشْتَدَّ بِهِ إِنْكَارُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَالَغَ قَوْمٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَطْلَقُوا عِبَارَاتٍ تَتَضَمَّنُ وَتُشْعِرُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، كَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ الْوَرَقَ وَالْمِدَادَ وَأَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ مَخْلُوقَةٌ، وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي يَحْفَظُهُ الْعِبَادُ وَيَقْرَءُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَكَلَامُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَثِيرٌ فِي هَذَا الْبَابِ، مُتَّفِقٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَكُلُّهُ صَوَابٌ.
(4/349)

وَلَكِنْ قَدْ يُبَيِّنُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَا لَا يُبَيِّنُهُ غَيْرُهُ لِحَاجَتِهِ فِي ذَلِكَ.
فَمَنِ ابْتُلِيَ بِمَنْ يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَانَ كَلَامُهُ فِي ذَمِّ مَنْ يَقُولُ: هَذَا مَخْلُوقٌ، أَكْثَرَ مِنْ ذَمِّهِ لِمَنْ يَقُولُ: لَفْظِيٌّ مَخْلُوقٌ.
وَمَنِ ابْتُلِيَ بِمَنْ يَجْعَلُ بَعْضَ صِفَاتِ الْعِبَادِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، كَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، كَانَ كَلَامُهُ فِي ذَمِّ مَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، أَكْثَرَ، مَعَ نَصِّ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا، عَلَى خَطَأِ الطَّائِفَتَيْنِ.
(4/350)

[فَصْلٌ: مُتَابَعَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ]
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: وَلَيْسَ حُلُولُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ وَالْتِحَامُهَا بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ - عَنِ انْتِقَالٍ وَلَا تَغَيُّرٍ وَلَا احْتِيَالٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ الَجْوَهَرَيْنِ عَنْ كَثَافَةٍ، فَلَا الْإِلَهِيُّ احْتَالَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا خَالِقًا، وَلَا النَّاسِيُّ احْتَالَ عَنْ أَنْ يَكُونَ نَاسِيًّا مَخْلُوقًا.
وَالِاحْتِيَالُ وَالتَّغَيُّرُ، إِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُلْطَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ خَلْقَيْنِ ثَقِيلَيْنِ غَلِيظَيْنِ، مِثْلَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ، أَوِ الْمَاءِ وَالْعَسَلِ، أَوِ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّهُ ثَقِيلٌ غَلِيظٌ، وَكُلُّ ثِقَلٍ تُخَالِطُهُ ثِقْلَةٌ - لَا مَحَالَةَ - يَلْزَمُهُ التَّغَيُّرُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأَثْقَالُ، فَلَا الْخَمْرُ خَمْرًا، وَلَا الْمَاءُ مَاءً بَعْدَ اخْتِلَاطِهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا احْتَالَا جَمِيعًا عَنْ جَوْهَرِهِمَا، فَصَارَ إِلَى أَمْرٍ مُتَغَيِّرٍ لَيْسَ هُوَ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَلَا أَحَدُهُمَا خَالِصٌ مِنَ الْفَسَادِ وَالِاحْتِيَالِ عَنْ حَالِهِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْخُلْطَةُ مِنْ خَلْقٍ لَطِيفٍ وَخَلْقٍ غَلِيظٍ، لَمْ يُخَالِطْ تِلْكَ الْخُلْطَةَ تَغَيُّرٌ وَلَا احْتِيَالٌ، مِثْلَ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِنْسَانًا وَاحِدًا،
(4/351)

أَحَدُهُمَا يَلْتَحِمُ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ تَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ ; أَيِ اسْتَحَالَتْ عَنْ جَوْهَرِهَا أَنْ تَكُونَ نَفْسًا تَعْرِفُهَا بِفِعَالِهَا، وَلَا الْجَسَدُ تَغَيَّرَ وَلَا احْتَالَ عَنْ حَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمِثْلَ مَا كَانَ تَخَالُطُ النَّارِ وَالْحَدِيدِ فَيَلْتَحِمَانِ جَمِيعًا فَيَكُونَانِ جَمْرَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ قَدْ تَغَيَّرَتْ إِلَى أَنْ تَكُونَ حَدِيدَةً ثَقِيلَةً تَشُجُّ وَتَقْطَعُ، وَلَا الْحَدِيدَةُ تَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ إِلَى أَنْ تَكُونَ نَارًا تَحْرِقُ، فَكَذَلِكَ تَفْعَلُ كُلُّ خُلْطَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا رُوحَانِيٌّ لَطِيفٌ، وَالْآخَرُ ثِقَلِيٌّ غَلِيظٌ، مِثْلَ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ وَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَمِثْلَ الشَّمْسِ الْمُخَالِطَةِ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ وَكُلِّ رُطُوبَةٍ وَحَمْأَةٍ، فَهِيَ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَحْتَالُ عَنْ نُورِهَا وَنَقَائِهَا وَضَوْئِهَا، مَعَ مُخَالَطَتِهَا كُلَّ سَوَادٍ وَسِخٍ، وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ.
قَالَ: وَالْخُلْطَةُ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: خُلْطَةٌ بِاخْتِلَاطٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ الثَّقِيلَتَيْنِ وَاحْتِيَالِهِمَا وَفَسَادِهِمَا، مِثْلَ خُلْطَةِ الْخَمْرِ وَالْمَاءِ، وَالْخَلِّ وَالْعَسَلِ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ، احْتِيَالًا وَفَسَادًا ; لِأَنَّ مِزَاجَ الْخَمْرِ وَالْمَاءِ، لَيْسَ بِخَمْرٍ وَلَا مَاءٍ ; لِاحْتِيَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ طَبْعِهِ وَاخْتِلَاطِهِمَا بِفَسَادِهِمَا وَتَغَيُّرِهِمَا عَنْ حَالِهِمَا.
(4/352)

وَكَذَلِكَ خُلْطَةُ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ، قَدْ صَارَتْ لَا خَلًّا وَلَا عَسَلًا ; لِاحْتِيَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَخُلْطَةُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ صَارَتْ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ لَا مِنَ الذَّهَبِ وَلَا مِنَ الْوَرِقِ، وَخُلْطَةُ الْوَرِقِ وَالنُّحَاسِ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ، لَا مِنَ الْوَرِقِ وَلَا مِنَ النُّحَاسِ، فَهَذَا وَجْهٌ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: خُلْطَةُ افْتِرَاقٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ الثَّقِيلَتَيْنِ، وَقَدْ تُعْرَفُ مِنْ تِلْكَ الْخُلْطَةِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ ثَابِتَةً فِي الْأُخْرَى بِقِوَامِهَا وَوَجْهِهَا، مِثْلَ الزَّيْتِ وَالْمَاءِ فِي قِنْدِيلٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلَ الْكَتَّانِ وَالْقَزِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَنْسُوجٍ بِكَتَّانٍ مُضَلَّعٍ بِقَزٍّ، وَمِثْلَ صَنَمٍ نُحَاسٍ رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى خُلْطَةً مَعَ افْتِرَاقِ الطَّبِيعَتَيْنِ وَالْقِوَامَيْنِ، مِثْلَ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقُلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا خُلْطَةٌ ; لِأَنَّ طَبِيعَةَ الْقُلَّةِ فَخَّارٌ، قِوَامُهَا قُلَّةٌ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَاءِ خُلْطَةٌ، بَلْ أَشَدُّ الْفُرْقَةِ.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ وَالزَّيْتُ، لَوْلَا أَنَّ وِعَاءَ الْقِنْدِيلِ الَّذِي هُمَا فِيهِ ضَمَّهُمَا مَا اجْتَمَعَا.
وَكَذَلِكَ الْكَتَّانُ وَالْقَزُّ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ، وَإِنْ كَانَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا بَيْنَ الذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ وَلَمْ يُسْبَكَا خُلْطَةٌ، وَإِنْ جَمَعَهَا صَنَمٌ وَاحِدٌ.
فَهَاتَانِ الْخُلْطَتَانِ لَا تَكُونَا أَبَدًا إِلَّا فِي أَثْقَالِ جُسْمَانِيَّاتٍ غَلِيظَةٍ.
فَإِنِ الْتَحَمَ بَعْضُهُمَا بِبَعْضٍ مِثْلَمَا يُذَابُ الذَّهَبُ وَالنُّحَاسُ وَيُفْرَغَانِ جَمِيعًا، وَقَعَتْ فِي وَجْهِ خُلْطَةِ الِاحْتِيَالِ وَالْفَسَادِ ; لِأَنَّ تِلْكَ النُّقْرَةَ لَيْسَتْ بِذَهَبٍ صَحِيحٍ، وَلَا بِنُحَاسٍ صَحِيحٍ.
(4/353)

فَإِنْ لَمْ تُلْحَمْ وَأَلْزَمَ بَعْضُهَا بَعْضًا، مِثْلَ طَوْقٍ يَكُونُ مِنْ نُحَاسٍ وَذَهَبٍ، وَقَعَتْ مِنْ وَجْهِ خُلْطَةِ الِافْتِرَاقِ الَّتِي لَا يَحِقُّ لَهَا أَنْ تُسَمَّى خُلْطَةً.
وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَقَعَ " نُسْطُورَسُ " وَأَشْيَاعُهُ فَلَزِمُوا خُلْطَةَ الِاحْتِيَالِ وَالْفَسَادِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الطَّبِيعَةَ الْإِلَهِيَّةَ وَالطَّبِيعَةَ النَّاسِيَّةَ اخْتَلَطَا فِي الْمَسِيحِ الْوَاحِدِ، فَهُوَ ذُو قِوَامٍ وَاحِدٍ بِطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ مُخْتَلِطَةٍ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إِلَهِيَّةٍ وَنَاسِيَّةٍ، فَأَقَرُّوا أَنَّهُمَا قَدِ احْتَالَا، وَالِاحْتِيَالُ فَسَادٌ.
وَأَلْزَمُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْكَافِرِ طَبِيعَةَ اللَّهِ الْمَصَائِبَ وَالْمَوْتَ، وَصَيَّرُوا الْمَسِيحَ لَا إِلَهًا صَحِيحًا وَلَا إِنْسَانًا، مِثْلَ الذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ.
فَنُسْطُورَسُ وَأَشْيَاعُهُ لَزِمُوا خُلْطَةَ الْفُرْقَةِ وَالِانْقِطَاعِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْمَسِيحَ الْوَاحِدَ ذُو طَبِيعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، الْإِلَهِيَّةِ وَنَاسِيَّةٍ، وَذُو قِوَامَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، إِلَهِيٍّ وَنَاسِيٍّ، فَصَيَّرُوا الْفُرْقَةَ خُلْطَةً، كَالطَّوْقِ الْمُلَوَّنِ نِصْفَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَهَبٌ وَالْآخَرُ نُحَاسٌ، وَالثَّوْبُ الْمُبَطَّنُ ظَاهِرُهُ خَزٌّ وَبَاطِنُهُ قُطْنٌ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فِي طَبِيعَةٍ وَلَا قِوَامٍ.
وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَسِيحٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الطَّوْقَ الْمُلَوَّنَ طَوْقَانِ، وَالثَّوْبَ الْمُبَطَّنَ ثَوْبَانِ.
فَالْمَسِيحُ - مِثْلَ ذَلِكَ - مَسِيحَانِ، وَاحِدٌ إِلَهِيٌّ بِطَبِيعَتِهِ وَقِوَامِهِ، مِثْلَ قَضِيبِ الذَّهَبِ فِي الطَّوْقِ الْمُلَوَّنِ، وَمِثْلَ ظِهَارَةِ الْخَزِّ فِي الثَّوْبِ الْمُبَطَّنِ.
وَالْآخَرُ نَاسِيٌّ، مِثْلَ قَضِيبِ النُّحَاسِ فِي الطَّوْقِ، وَبِطَانَةِ الْقُطْنِ فِي الثَّوْبِ.
(4/354)

وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، كَيْفَ لَمْ يَفْصِلْ أَهْلُ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِمَا؟ وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ هَاتَيْنِ الْخِلْقَتَيْنِ أَنَّهُمَا خِلْقَتَانِ ذَوَاتَا أَثْقَالٍ جُسْمَانِيَّةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنَ الْخَلْقِ الرُّوحَانِيِّ اللَّطِيفِ الْخَفِيفِ، وَلِذَلِكَ لَا تَقْدِرُ الْأَثْقَالُ الْغَلِيظَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ وُجُوهِ الْخُلْطَةِ ; لِأَنَّهُمَا إِنِ اخْتَلَطَا خُلْطَةً مُلْتَحِمَةً مُمْتَزِجَةً، صَارَتْ إِلَى احْتِيَالٍ وَفَسَادٍ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَى حَالِهَا، لَا تَلْتَحِمُ وَلَا يَمْتَزِجُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَهِيَ عَلَى وَجْهِ خُلْطَةِ الِافْتِرَاقِ، وَمُنْقَطِعَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ جَمَعَهَا صَنَمٌ وَاحِدٌ أَوْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ يُوجَدُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَثْقَالِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَجْهُ خُلْطَةٍ سِوَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَبَدًا، إِمَّا فَسَادٌ وَإِمَّا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْخُلْطَةُ فِي اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا ثَقِيلٌ جُسْمَانِيٌّ، وَالْآخَرُ لَطِيفٌ رُوحَانِيٌّ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْخُلْطَةِ: وَهِيَ خُلْطَةُ الْحُلُولِ بِلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا احْتِيَالٍ، وَلَا فَسَادٍ وَلَا فُرْقَةٍ وَلَا انْقِطَاعٍ، لَكِنَّهَا نَفَاذُ الطَّبِيعَةِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي الطَّبِيعَةِ الثَّقِيلَةِ السُّفْلِيَّةِ، حَتَّى تَنْتَشِرَ فِي جَمِيعِهَا وَتَحُلَّ بِكُلِّهَا، فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ الثَّقِيلَةِ السُّفْلِيَّةِ خِلْوًا مِنَ الطَّبِيعَةِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَلَا احْتِيَالٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ عَنْ طَبِيعَتِهَا الْغَلِيظَةِ الثَّقِيلَةِ، وَلَا تَغْيِيرٌ وَلَا فَسَادٌ لِإِحْدَاهُمَا، مِثْلَ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ، وَمِثْلَ خُلْطَةِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ فِي قِوَامِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهِيَ جَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْقِوَامِ مِنْ طَبِيعَةِ نَارٍ مُلْتَحِمَةٍ مُخَالِطَةٍ لِطَبِيعَةِ الْحَدِيدَةِ بِلَا فُرْقَةٍ مِنِ انْقِطَاعٍ، وَلَا تَخْلِيطِ احْتِيَالٍ وَفَسَادٍ،
(4/355)

وَقَدِ انْتَشَرَتِ النَّارُ فِي جَمِيعِ الْحَدِيدَةِ، وَلَبِسَتْهَا، وَأَنَالَتِ النَّارُ الْحَدِيدَةَ مِنْ قِوَامِهَا وَقُوَّتِهَا حَتَّى أَنَارَتِ الْحَدِيدَةُ وَأُحْرِقَتْ، وَلَمْ تَنَلِ النَّارُ مِنْ ضَعْفِ الْحَدِيدَةِ شَيْئًا مِنَ السَّوَادِ وَلَا الْبُرُودَةِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْخُلْطَةِ دَبَّرَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ خُلْطَتَهَا لِلطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
فَهُوَ مَسِيحٌ وَاحِدٌ ابْنُ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ الْأَدْهَارِ كُلِّهَا، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَوْلُودٌ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ مِنْ سُوسِ أَبِيهِ وَجَوْهَرِهِ وَطَبِيعَتِهِ، وَهُوَ إِيَّاهُ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْمَوْلُودِ مِنْهَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِقِوَامٍ وَاحِدٍ، قِوَامِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْجَامِعِ لِلطَّبِيعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ فِي الْبَدْءِ قَبْلَ كُلِّ بَدْءٍ، وَالنَّاسِيَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الْمُقَوَّمِ بِالْقِوَامِ الْأَزَلِيِّ.
فَهُوَ مَسِيحٌ وَاحِدٌ بِقِوَامٍ وَاحِدٍ أَزَلِيٍّ، ذُو طَبِيعَتَيْنِ إِلَهِيَّةٍ لَمْ تَزَلْ، وَنَاسِيَّةٍ خَلَقَهَا لَهُ وَالْتَحَمَ بِهَا مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، فَقِوَامُهُ ذَلِكَ قِوَامُ الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطَّبِيعَةِ النَّاسِيَّةِ، جَامِعًا لَهُمَا بِلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا فَسَادٍ، وَلَا فُرْقَةِ انْقِطَاعٍ، لَمْ يَزَلْ قِوَامَ الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ، ثُمَّ هُوَ قِوَامُ الطَّبِيعَةِ النَّاسِيَةِ، قَدْ خَلَقَهَا وَكَوَّنَهَا وَقَوَّمَهَا بِقِوَامِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُقِيمُ إِلَّا بِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ إِلَّا لَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ - بَعْدَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَنَاقَضَ،
(4/356)

فَجَعَلَ هَذَا تَارَةً اخْتِلَاطًا، وَتَارَةً يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ اخْتِلَاطًا - أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ - أَوَّلًا - قَدْ يَجْعَلُ هَذَا الْحُلُولَ وَالِالْتِحَامَ اخْتِلَاطًا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ اسْتِحَالَةٌ وَلَا تَغَيُّرٌ، وَيَقُولُ: الِاسْتِحَالَةُ وَالتَّغْيِيرُ إِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُلْطَةَ، إِذَا كَانَتْ مِنْ خَلْقَيْنِ غَلِيظَيْنِ، كَالْمَاءِ وَالْخَمْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ، لَمْ يُخَالِطْ تِلْكَ الْخُلْطَةَ تَغَيُّرٌ وَلَا احْتِيَالٌ - أَيِ اسْتِحَالَةٌ - وَيَقُولُ: وَالْخُلْطَةُ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: ثُمَّ يَقُولُ: أَحَدُهُمَا كَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ، وَالثَّانِي كَالزَّيْتِ وَالْمَاءِ، وَالْكَتَّانِ وَالْقَزِّ، ثُمَّ يَقُولُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى خُلْطَةً مَعَ افْتِرَاقِ الطَّبِيعَتَيْنِ، فَيَجْعَلُهُ مِنْ أَقْسَامِ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى خُلْطَةً.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْمُنَازَعَاتِ اللَّفْظِيَّةَ، بَلْ يَقُولُ: دَعْوَاهُ أَنَّ أَحَدَ نَوْعَيِ الِاخْتِلَاطِ يَكُونُ عَنْ تَغَيُّرٍ وَاسْتِحَالَةٍ، بِخِلَافِ النَّوْعِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ اخْتِلَاطٌ لَطِيفٌ وَغَلِيظٌ - دَعْوَى مَمْنُوعَةٌ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهَا دَلِيلًا، بَلْ يَقُولُ: هِيَ بَاطِلَةٌ، بَلْ لَا يَكُونُ الِاخْتِلَاطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا مَعَ تَغَيُّرٍ وَاسْتِحَالَةٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالشَّوَاهِدِ، فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهِ: (فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْخُلْطَةُ مِنْ خَلْقٍ لَطِيفٍ وَخَلْقٍ غَلِيظٍ، لَمْ يُخَالِطْ تِلْكَ الْخُلْطَةَ تَغَيُّرٌ
(4/357)

وَلَا احْتِيَالٌ، مِثْلَ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِنْسَانًا وَاحِدًا، أَحَدُهُمَا مُلْتَحِمٌ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ تَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ عَنْ جَوْهَرِهَا، أَنْ تَكُونَ نَفْسًا تَعْرِفُهَا بِفِعَالِهَا، وَلَا الْجَسَدُ تَغَيَّرَ وَاسْتَحَالَ عَنْ حَالِهِ وَفِعَالِهِ.
فَيُقَالُ: هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِكُلِّ مَنْ تَصَوَّرَهُ، فَإِنَّ الْجَسَدَ إِذَا خَلَا عَنِ النَّفْسِ، مِثْلَ مَا يَكُونُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَمَا يَكُونُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ بِالْمَوْتِ، بَلْ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبُو الْبَشَرِ، خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ وَمَاءٍ، وَصَارَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ، ثُمَّ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، فَصَارَ جَسَدًا هُوَ لَحْمٌ وَعَظْمٌ وَعَصَبٌ وَدَمٌ.
فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ جَسَدَ آدَمَ قَبْلَ النَّفْسِ وَبَعْدَهَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ تَسْتَحِلْ، وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ يُخْلَقُ أَحَدُهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، فَيَكُونُ جَسَدًا مَيِّتًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَيَصِيرُ الْجَسَدُ حَيًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَيِّتًا؟
وَأَيُّ تَغْيِيرٍ أَعْظَمُ مِنِ انْتِقَالِ الْجَسَدِ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ؟
وَمَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 22] وَالْجَسَدُ إِذَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، فَهُوَ مَوَاتٌ لَيْسَ لَهُ حِسٌّ وَلَا حَرَكَةٌ إِرَادِيَّةٌ، وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يَعْقِلُ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَأْكُلُ
(4/358)

وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا يُمْنِي وَلَا يَنْكِحُ، وَلَا يَتَفَكَّرُ وَلَا يُحِبُّ وَلَا يُبْغِضُ، وَلَا يَشْتَهِي وَلَا يَغْضَبُ.
فَإِذَا اتَّصَلَتْ بِهِ النَّفْسُ، تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُ وَاسْتَحَالَتْ صِفَاتُهُ، وَصَارَ حَسَّاسًا مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ مِثْلُ خُلْطَةِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ إِنْسَانًا وَاحِدًا، أَحَدُهُمَا يَلْتَحِمُ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ تَغَيَّرَتْ وَاسْتَحَالَتْ عَنْ جَوْهَرِهَا، أَنْ تَكُونَ نَفْسًا يَعْرِفُهَا بِفِعَالِهَا، وَلَا الْجَسَدُ تَغَيَّرَ وَلَا اسْتَحَالَ عَنْ حَالِهِ وَأَفْعَالِهِ؟
فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ: إِنَّ الْجَسَدَ كَانَ حَالُهُ وَفِعَالُهُ مَعَ مُفَارَقَةِ النَّفْسِ لَهُ، كَحَالِهِ وَفِعَالِهِ مَعَ مُخَالَطَتِهَا لَهُ؟
وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الْجَسَدَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمُفَارَقَةِ النَّفْسِ لَهُ، حَالُهُ وَفِعَالُهُ كَحَالِهِ وَفِعَالِهِ إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ مُخْتَلِطَةٌ بِهِ، وَهُوَ إِذَا مَاتَ كَالْجَمَادِ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي، قَدْ جَمُدَ دَمُهُ وَاسْوَدَّ، وَلَمْ يَبْقَ سَائِلًا، وَتَغَيُّرُ سَحْنَتِهِ وَلَوْنِهِ، وَتَغَيُّرُ الْجَسَدِ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْمَوْتِ بَعْدَ الْحَيَاةِ - مِنْ أَعْظَمِ التَّغَيُّرَاتِ وَالِاسْتِحَالَاتِ؟
وَكَذَلِكَ النَّفْسُ، فَإِنَّ النَّفْسَ - عِنْدَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ - تَلْتَذُّ بِلَذَّتِهِ، وَتَتَأَلَّمُ بِأَلَمِهِ.
فَإِذَا أَكَلَ الْبَدَنُ وَشَرِبَ، وَنَكَحَ وَاشْتَمَّ، الْتَذَّتِ النَّفْسُ، وَإِذَا ضُرِبَ الْبَدَنُ وَصُفِعَ، وَأُهِينَ وَحُطَّ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ بِذَلِكَ.
فَإِذَا شَبَّهُوا اتِّحَادَ الرَّبِّ بِالْمَسِيحِ بِاتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ، وَهُمْ
(4/359)

يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَكُلَّ أَحَدٍ إِذَا ضُرِبَ وَصُفِعَ وَصُلِبَ فَتَأَلَّمَ بَدَنُهُ، تَأَلَّمَتْ نَفْسُهُ أَيْضًا.
فَإِنْ كَانَ الْأَلَمُ مَعَ نَفْسِ الْمَسِيحِ وَجَسَدِهِ، كَالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ يَتَأَلَّمُ بِتَأَلُّمِ النَّاسُوتِ، وَيَجُوعُ بِجُوعِهِ وَيَشْبَعُ بِشِبَعِهِ، فَإِنَّ أَلَمَ الْجُوعِ وَلَذَّةَ الشِّبَعِ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ إِذَا جَاعَ الْبَدَنُ وَشَبِعَ.
وَأَيْضًا فَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، وَالْإِلَهُ إِلَهٌ قَبْلَ الِاتِّحَادِ، وَالْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ قَبْلَ الِاتِّحَادِ.
فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمَا بَعْدَ الِاتِّحَادِ إِلَهٌ تَامٌّ كَمَا كَانَ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ كَمَا كَانَ.
فَنَظِيرُ هَذَا، أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْمُرَكَّبُ مِنْ بَدَنٍ وَنَفْسٍ، نَفْسًا تَامَّةً وَبَدَنًا تَامًّا، وَأَنْ تَكُونَ الْحَدِيدَةُ الْمُحَمَّاةُ، حَدِيدًا تَامًّا وَنَارًا تَامَّةً، وَهُوَ بَاطِلٌ، بَلِ الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ نَفْسٍ وَبَدَنٍ، وَالْإِنْسَانُ اسْمٌ لِمَجْمُوعٍ، لَيْسَ الْإِنْسَانُ رُوحًا وَالْإِنْسَانُ بَدَنًا.
فَلَوْ كَانَ الِاتِّحَادُ حَقًّا، لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ نِصْفُهُ لَاهُوتٌ، وَنِصْفُهُ نَاسُوتٌ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذَا وَهَذَا.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ إِنْسَانٌ تَامٌّ، وَالْمَسِيحَ نَفْسَهُ إِلَهٌ تَامٌّ، فَإِنَّ تَصَوُّرَ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، حَيْثُ جَعَلُوا
(4/360)

الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ، الْمَوْضُوعُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، هُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ هُوَ نَفْسُ الْإِلَهِ.
وَلَوْ قِيلَ هَذَا فِي مَخْلُوقِينَ، فَقِيلَ: نَفْسُ الْمَلِكِ نَفْسُ الْبَشَرِ، لَكَانَ ظَاهِرَ الْبُطْلَانِ، فَكَيْفَ إِذَا قِيلَ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ لَا سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى لَا يَقُولُونَ: إِنَّ جَسَدَ الْمَسِيحِ مَخْلُوقٌ، بَلْ يَصِفُونَ الْجَمِيعَ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَئِمَّتِهِمُ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ تَامٌّ، لَكِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا فَقَالُوا - مَعَ ذَلِكَ -: وَهُوَ إِنْسَانٌ تَامٌّ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ الْخَالِقُ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقُ، هُوَ مَخْلُوقٌ لَيْسَ هُوَ مَخْلُوقٌ، فَجَمَعُوا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ النَّصَارَى، لَا سِيَّمَا وَاتِّحَادُ اللَّاهُوتِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ - عِنْدَهُمْ - اتِّحَادٌ لَازِمٌ، لَمْ يُفَارِقْهُ الْبَتَّةَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنَ الِاتِّحَادِ الْعَارِضِ، وَمِنْ أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مُتَّحِدًا بِجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ بِالْجَسَدِ مَعَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، ثُمَّ بِالْجَسَدِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ، وَحَيْثُ دُفِنَ فِي الْقَبْرِ وَوُضِعَ التُّرَابُ عَلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفْسُ وَجُعِلَتْ فِي التُّرَابِ مَعَهُ، تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ أَلَمًا شَدِيدًا، ثُمَّ تُفَارِقُ الْبَدَنَ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَمَاتَ، فَفَارَقَتْهُ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ، وَصَارَ الْجَسَدُ لَا رُوحَ فِيهِ، وَاللَّاهُوتُ - مَعَ هَذَا - مُتَّحِدٌ لَمْ يُفَارِقْهُ وَهُوَ فِي الْقَبْرِ، وَاللَّاهُوتُ مُتَّحِدٌ بِهِ، فَيَجْعَلُونَ اتِّحَادَهُ بِهِ أَبْلَغَ مِنِ اتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ.
(4/361)

وَالنَّفْسُ - عِنْدَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ - تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ صِفَاتُهَا وَأَحْوَالُهَا، وَيَصِيرُ لَهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ مَا لَمْ يَكُنْ بِدُونِ الْبَدَنِ، وَعِنْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ، تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهَا وَأَفْعَالُهَا.
فَإِنْ كَانَ تَمْثِيلُهُمْ مُطَابِقًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ قَدْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ وَأَفْعَالُهُ، لَمَّا اخْتَلَطَ بِالْمَسِيحِ، كَمَا تَتَغَيَّرُ صِفَاتُ النَّفْسِ وَأَفْعَالُهَا، وَيَكُونَ الرَّبُّ قَبْلَ هَذَا الِاخْتِلَاطِ كَالنَّفْسِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِبَدَنٍ.
وَأَيْضًا فَالنَّفْسُ وَالْبَدَنُ شَرِيكَانِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، لَهُمَا الثَّوَابُ وَعَلَيْهِمَا الْعِقَابُ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى النَّفْسِ أَكْمَلُ مِنْهُ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّبُّ كَذَلِكَ، كَانَ جَمِيعُ مَا يَفْعَلُهُ الْمَسِيحُ بِاخْتِيَارِهِ فِعْلَ الرَّبِّ، كَمَا أَنَّ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُهُ الْبَدَنُ بِاخْتِيَارِ فِعْلِ النَّفْسِ عَنِ الَّتِي تُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيُقَالُ لَهَا: كُلِي وَاشْرَبِي وَانْكِحِي، وَلَا تَأْكُلِي وَلَا تَشْرَبِي وَلَا تَنْكِحِي.
فَإِنْ كَانَ الرَّبُّ مَعَ النَّاسُوتِ كَذَلِكَ، كَانَ الرَّبُّ هُوَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ الْمَسِيحُ، وَكَانَ الرَّبُّ هُوَ الْمُصَلِّي الصَّائِمُ الْعَابِدُ الدَّاعِي، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ بِلَاهُوتِهِ، وَيَأْكُلُ وَيَعْبُدُ بِنَاسُوتِهِ.
فَإِنَّ النَّفْسَ وَالْبَدَنَ لَمَّا اتَّحَدَا، كَانَتْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلنَّفْسِ وَالْبَدَنِ، فَإِذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ وَصَامَ وَدَعَا، فَالنَّفْسُ وَالْبَدَنُ يُوصَفَانِ بِذَلِكَ جَمِيعًا، بَلِ النَّفْسُ أَخَصُّ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ أَوْ نَهَى، فَكِلَاهُمَا مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا ضُرِبَ، فَأَلَمُ الضَّرْبِ يَصِلُ
(4/362)

إِلَيْهِمَا كَمَا تَصِلُ إِلَيْهِمَا لَذَّةُ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ.
بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الْجِنِّيَّ إِذَا دَخَلَ فِي الْإِنْسِيِّ وَصَرَعَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسِيَّ يَتَغَيَّرُ، حَتَّى يَبْقَى الصَّوْتُ وَالْكَلَامُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ، لَيْسَ هُوَ صَوْتُهُ وَكَلَامُهُ الْمَعْرُوفُ.
وَإِذَا ضُرِبَ بَدَنُ الْإِنْسِيِّ، فَإِنَّ الْجِنِّيَّ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ وَيَصِيحُ وَيَصْرُخُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ أَلَمُ الضَّرْبِ، كَمَا قَدْ جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى، وَنَحْنُ قَدْ فَعَلْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ.
فَإِذَا كَانَ الْجِنِّيُّ تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ وَأَحْوَالُهُ لِحُلُولِهِ فِي الْإِنْسِيِّ، فَكَيْفَ بِنَفْسِ الْإِنْسَانِ؟
وَعِنْدَهُمُ اتِّحَادُ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ مِنَ اتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْجَسَدِ.
فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ - مَعَ هَذَا الِاتِّحَادِ -: إِنَّهُمَا جَوْهَرَانِ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَفْعَالٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، لَا يَشْرَكُهُ الْآخَرُ فِيهَا.
وَيَقُولُونَ - مَعَ قَوْلِهِمْ بِالِاتِّحَادِ -: إِنَّ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي وَيَصُومُ، وَيَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَيَتَكَلَّمُ وَيَتَأَلَّمُ، وَيُضْرَبُ وَيُصْلَبُ، هُوَ نَظِيرُ الْبَدَنِ، وَالَّذِي كَانَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، هُوَ نَظِيرُ النَّفْسِ.
هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ مَعَ النَّاسُوتِ، وَأَنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا وَقَبْلَ حَيَاتِهِ وَعِنْدَ مَمَاتِهِ، وَالْجَسَدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَسَائِرِ أَجْسَادِ الْآدَمِيِّينَ، لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ الرَّبِّ أَصْلًا، بَلْ وَلَا بَعْدَ إِتْيَانِهِ بِالْآيَاتِ، فَإِنَّ تِلْكَ كَانَ يَجْرِي مِثْلُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا عَلَى يَدِ
(4/363)

الْأَنْبِيَاءِ، فَهَذَا أَقْرَبُ أَمْثَالِهِمْ وَقَدْ ظَهَرَ فَسَادُهُ.
وَأَبْعَدُ مِنْهُ وَأَشَدُّ فَسَادًا، تَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِالنَّارِ وَالْحَدِيدِ.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ، أَنَّ النَّارَ إِذَا اتَّصَلَتْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْسَامِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّبَاتِيَّةِ وَالْمَعْدِنِيَّةِ، مِثْلَ جَسَدِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَمِثْلَ الْخَشَبِ وَالْقَصَبِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهِ، وَمِثْلَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّهَا تُغَيِّرُ ذَلِكَ الْجَسَدَ وَتُبَدِّلُ صِفَاتِهِ عَمَّا كَانَتْ، فَتَحْرِقُهُ، أَوْ تُذِيبُهُ، أَوْ تُلِينُهُ، وَالنَّارُ الْمُخْتَلِطَةُ بِهِ لَا تَبْقَى نَارًا مَحْضَةً، بَلْ تَسْتَحِيلُ وَتَتَغَيَّرُ أَيْضًا.
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: وَمِثْلَ مَا تَخْتَلِطُ النَّارُ وَالْحَدِيدُ، فَيَلْتَحِمَانِ جَمِيعًا، فَيَكُونَانِ جَمْرَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ تَغَيَّرَتْ، إِلَى أَنْ تَكُونَ حَدِيدَةً ثَقِيلَةً تَشُجُّ وَتَقْطَعُ، وَلَا الْحَدِيدَةُ تَغَيَّرَتْ وَاسْتَحَالَتْ إِلَى أَنْ تَكُونَ نَارًا تَحْرِقُ) ، كَلَامٌ بَاطِلٌ مُلْبِسٌ، فَإِنَّ الْجَمْرَةَ لَيْسَتْ حَدِيدَةً مَحْضَةً، وَلَا نَارًا مَحْضَةً، بَلْ نَوْعًا ثَالِثًا.
وَقَوْلُهُ: (لَمْ تَتَغَيَّرِ النَّارُ إِلَى أَنْ تَصِيرَ حَدِيدَةً، وَلَا الْحَدِيدَةُ إِلَى أَنْ تَصِيرَ نَارًا) - تَلْبِيسٌ.
فَإِنَّ الِاخْتِلَاطَ لَا يَتَضَمَّنُ الِاسْتِحَالَةَ وَالتَّغَيُّرَ، كَاخْتِلَاطِ الْكَثِيفَيْنِ الَّذِي سَلَّمَهُ مِثْلَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ، وَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ، وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، قَدْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ لَا الْخَمْرُ خَمْرٌ، وَلَا الْمَاءُ مَاءٌ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا اسْتَحَالَا جَمِيعًا عَنْ جَوْهَرِهِمَا، فَصَارَا إِلَى أَمْرٍ مُتَغَيِّرٍ لَيْسَ هُوَ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ، وَلَا أَحَدُهُمَا خَالِصًا مِنَ الْفَسَادِ وَالِاسْتِحَالَةِ عَنْ حَالِهِ.
فَيُقَالُ لَهُ: فَهَذَا الَّذِي سَلَّمْتَ فِيهِ الْفَسَادَ وَالِاسْتِحَالَةَ، لَمْ يَصِرِ
(4/364)

الْخَمْرُ فِيهِ مَاءً، وَلَا الْمَاءُ فِيهِ خَمْرًا، فَكَذَلِكَ مَوْرِدُ النِّزَاعِ إِذَا لَمْ تَصِرِ النَّارُ حَدِيدَةً، وَلَا الْحَدِيدَةُ نَارًا، لَمْ يَنْفَعْكَ هِذَا النَّفْيُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا مِنَ الِاسْتِحَالَةِ إِلَى نَوْعٍ ثَالِثٍ، وَمِنَ الِاسْتِحَالَةِ وَالْفَسَادِ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي اخْتِلَاطِ الْكَثِيفَيْنِ، فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَا خَالَطَتْهُ النَّارُ وَاتَّحَدَتْ بِهِ، غَيَّرَتْهُ وَأَحَالَتْهُ وَأَفْسَدَتْ صُورَتَهُ الْأَوْلَى، وَالنَّارُ الْمُلْتَحِمَةُ بِهِ لَيْسَتْ نَارًا مَحْضَةً.
وَمَعْلُومٌ أَيْضًا أَنَّ الْجَمْرَةَ الَّتِي ضَرَبْتَهَا مَثَلًا لِلْمَسِيحِ فَقُلْتَ: إِنَّ اللَّهَ وَعِيسَى اتَّحَدَا كَاتِّحَادِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، حَتَّى صَارَا جَمْرَةً، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْرَةَ إِذَا ضُرِبَتْ بِالْمِطْرَقَةِ، أَوْ وُضِعَتْ فِي الْمَاءِ، أَوْ مُدَّتْ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَقَعُ بِالْمَجْمُوعِ، لَا تَقَعُ عَلَى حَدِيدَةٍ بِلَا نَارٍ، وَلَا نَارٍ بِلَا حَدِيدَةٍ.
فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا حَلَّ بِالْمَسِيحِ مِنْ ضَرْبٍ وَبُصَاقٍ فِي الْوَجْهِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى الرَّأْسِ، وَمِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَعِبَادَةٍ، وَمِنْ مَشْيٍ وَرُكُوبٍ، وَمِنْ حَمْلٍ وَوِلَادَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَلَّ بِالْمَسِيحِ، وَمِنْ مَوْتٍ، إِمَّا مُتَقَدِّمٍ وَإِمَّا مُتَأَخِّرٍ إِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، وَمِنْ صَلْبٍ - عَلَى قَوْلِهِمْ - أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ حَلَّ بِالْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ لَاهُوتِهِ وَلَا نَاسُوتِهِ، كَمَا يَكُونُ مَا يَحُلُّ بِجَمْرَةِ النَّارِ، مِنْ حَمْلٍ وَوَضْعٍ وَطَرْقٍ بِالْمِطْرَقَةِ وَمَدٍّ، وَتَصْوِيرٍ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ وَإِلْقَاءٍ فِي الْمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ حَالٌّ بِمَجْمُوعِ الْجَمْرَةِ، لَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ ذَلِكَ يَحُلُّ بِالْحَدِيدِ دُونَ النَّارِ، بَلْ هُوَ حَالٌّ بِالْجَمْرَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ مِنْ حَدِيدَةٍ وَنَارٍ، وَمِنْ خَشَبَةٍ وَنَارٍ، وَلَيْسَتْ حَدِيدَةً مَحْضَةً،
(4/365)

وَلَا نَارًا مَحْضَةً، وَلَا مَجْمُوعَ حَدِيدٍ مَحْضٍ، وَنَارٍ مَحْضَةٍ، بَلْ جَوْهَرٌ ثَالِثٌ مُسْتَحِيلٌ مِنْ حَدِيدٍ وَنَارٍ، كَسَائِرِ مَا يَسْتَحِيلُ بِالِاتِّحَادِ وَالِاخْتِلَاطِ إِلَى حَقِيقَةٍ ثَالِثَةٍ.
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا اتَّحَدَا وَاخْتَلَطَا وَصَارَا شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ أَنْ يَكُونَا كَثِيفَيْنِ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَثِيفًا وَالْآخَرُ لَطِيفًا، لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ التَّغَيُّرِ وَالِاسْتِحَالَةِ مَا يُوجِبُ الِاتِّحَادَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَّحِدُ الْمُخْتَلِطُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا شَيْئًا ثَالِثًا، لَيْسَ هُوَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَلَا هُوَ مَجْمُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ.
فَقَوْلُهُمْ: (إِنَّهُ مَعَ الِاتِّحَادِ إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ) ، كَلَامٌ فَاسِدٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
وَكُلَّمَا ضَرَبُوا لَهُ مَثَلًا، كَانَ الْمَثَلُ حُجَّةً عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ، بَلْ مَعَ الِاتِّحَادِ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ تَامٍّ وَلَا إِلَهٍ تَامٍّ، لَكِنَّهُ شَيْءٌ ثَالِثُ مُرَكَّبٌ مِنْ إِنْسَانٍ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ، وَإِلَهٍ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ.
وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ بَاطِلًا - بَلْ إِنْسَانِيَّةُ الْمَسِيحِ بَاقِيَةٌ تَامَّةٌ، كَمَا كَانَتْ لَمْ تَسْتَحِلْ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ بَاقٍ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ، لَمْ يَسْتَحِلْ وَلَمْ يَتَّصِفْ بِشَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا اسْتَحَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ - كَانَ قَوْلُهُمْ ظَاهِرَ الْفَسَادِ.
(4/366)

فَهَذَا مَثَلُهُمْ الثَّانِي الَّذِي ضَرَبُوهُ لِلَّهِ، حَيْثُ شَبَّهُوا الْمَسِيحَ أَوِ اللَّهَ مَعَ الْإِنْسَانِ بِالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ، وَشَبَّهُوهُ بِالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ، وَهَذَا الْمَثَلُ أَشَدُّ فَسَادًا وَأَظْهَرُ.
وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّالِثُ - وَهُوَ تَمْثِيلُ ذَلِكَ بِالشَّمْسِ مَعَ الْمَاءِ وَالطِّينِ -: فَهُوَ أَشَدُّ فَسَادًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا كَمَا تَقَدَّمَ: (وَمَثَلُ الشَّمْسِ الْمُخَالِطَةِ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ وَكُلِّ رُطُوبَةٍ وَحَمْأَةٍ، فَهِيَ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَسْتَحِيلُ عَنْ نُورِهَا وَبَقَائِهَا وَضَوْئِهَا، مَعَ مُخَالَطَتِهَا كُلَّ سَوَادٍ وَوَسَخٍ وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ) .
فَيُقَالُ: أَمَّا جِرْمُ الشَّمْسِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ فَلَمْ يُخَالِطْ شَيْئًا مِنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَا اتَّحَدَ بِهِ وَلَا حَلَّ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبُعْدِ مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَبْعَدُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الشَّمْسِ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ.
فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ نَفْسُهَا لَمْ تَتَّحِدْ، وَلَمْ تَخْتَلِطْ وَلَا حَلَّتْ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، بَلْ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَرَبُّ الْعَالَمِينَ أَوْلَى أَنْ يُنَزَّهَ عَنِ الِاتِّحَادِ وَالِاخْتِلَاطِ وَالْحُلُولِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَلَكِنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ حَلَّ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ وَالْهَوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُومُ بِهِ الشُّعَاعُ، كَمَا يَحُلُّ شُعَاعُ النَّارِ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيطَانِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ جِرْمِ النَّارِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ الَّذِي فِي ذُبَالَةِ الْمِصْبَاحِ هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، لَمْ تَحُلَّ ذَاتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.
(4/367)

وَلَفْظُ الضِّيَاءِ وَالنُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ بِنَفَسِهِ الْمُسْتَنِيرُ، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَالنَّارِ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] وَقَالَ: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} [النبأ: 13] وَسَمَّى سُبْحَانَهُ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَضِيَاءً ; لِأَنَّ فِيهَا مَعَ الْإِنَارَةِ وَالْإِشْرَاقِ تَسْخِينًا وَإِحْرَاقًا، فَهِيَ بِالنَّارِ أَشْبَهُ بِخِلَافِ الْقَمَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعَ الْإِنَارَةِ تَسْخِينًا، فَلِهَذَا قَالَ: {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ لَفْظَ الضِّيَاءِ وَالنُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ الْمُسْتَنِيرُ الْمُضِيءُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّارِ، وَيُرَادُ بِهِ الشُّعَاعُ الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهَذَا الثَّانِي عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُ حَادِثٌ بِسَبَبِهِ.
فَالشُّعَاعُ الَّذِي هُوَ الضَّوْءُ وَالنُّورُ الْحَاصِلُ عَلَى الْمَاءِ وَالطِّينِ وَالْهَوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّحِدًا بِهِ الْبَتَّةَ.
فَهَذَا الْمَثَلُ لَوْ ضَرَبَتْهُ النُّسْطُورِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (إِنَّ النَّاسُوتَ وَاللَّاهُوتَ جَوْهَرَانِ بِطَبِيعَتَيْنِ، حَلَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ) ، لَكَانَ تَمْثِيلًا بَاطِلًا، فَإِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَحُلَّ بِغَيْرِهَا، وَلَا صَارَتْ مَشِيئَتُهَا وَمَشِيئَةُ غَيْرِهَا
(4/368)

وَاحِدَةً كَمَا تَقُولُهُ النُّسْطُورِيَّةُ، بَلْ شُعَاعُهَا حَلَّ بِغَيْرِهِ، وَالشُّعَاعُ حَادِثٌ وَكَائِنٌ عَنْهَا.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مَا يَكُونُ عَنِ الرَّبِّ مِنْ نُورِهِ وَرُوحِ قُدُسِهِ وَهُدَاهُ وَكَلَامِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، يَحُلُّ بِقُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَمُثِّلَ ذَلِكَ بِحُلُولِ الشُّعَاعِ بِالْأَرْضِ - كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعُقُولِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [النور: 35] قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا.
وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: نُورُهُ أَوْ هُدَاهُ أَوْ كَلَامُهُ، وَسَمَّى ذَلِكَ رُوحًا، يَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللَّهُ قَدْ سَمَّى ذَلِكَ رُوحًا فَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] وَقَالَ تَعَالَى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15]
(4/369)

وَقَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22]
وَمَا جَاءَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَنَّ رُوحَ اللَّهِ أَوْ رُوحَ الْقُدُسِ يَحُلُّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ حَقٌّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَإِذَا قِيلَ: كَلَامُ اللَّهِ يَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْقَارِئِينَ، فَهُوَ حَقٌّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَأَمَّا نَفْسُ مَا يَقُومُ بِالرَّبِّ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُومَ هُوَ نَفْسُهُ بِغَيْرِ الرَّبِّ، بَلْ مَا يَقُومُ بِالْمَخْلُوقِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ هُوَ نَفْسُهُ بِغَيْرِهِ.
فَيَمْتَنِعُ فِي صِفَاتِ الشَّمْسِ الْقَائِمَةِ بِهَا مِنْ شَكْلِهَا وَاسْتِدَارَتِهَا، وَمَا قَامَ بِهَا مِنْ نُورٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَقُومَ بِغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ مَا قَامَ بِجِرْمِ النَّارِ مِنْ حَرَارَةٍ وَضَوْءٍ، فَلَا يَقُومُ بِغَيْرِهَا، بَلْ إِذَا جَاوَرَتِ النَّارُ هَوَاءً أَوْ غَيْرَ هَوَاءٍ، حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ سُخُونَةٌ أُخْرَى غَيْرُ السُّخُونَةِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِ النَّارِ تُسَخِّنُ الْهَوَاءَ الَّذِي يُجَاوِرُهَا، كَمَا تُسَخَّنُ الْقِدْرُ الَّذِي يُوقَدُ تَحْتَهَا النَّارُ فَيَسْخُنُ، ثُمَّ يَسْخُنُ الْمَاءُ الَّذِي فِيهَا مَعَ أَنَّ سُخُونَةَ النَّارِ بَاقِيَةٌ فِيهَا، وَسُخُونَةَ الْقِدْرِ بَاقِيَةٌ فِيهَا، وَسُخُونَةُ الْمَاءِ سُخُونَةٌ أُخْرَى حَصَلَتْ فِي الْمَاءِ لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْ تَيْنِكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً عَنْهَا، وَجِنْسُ السُّخُونَةِ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
(4/370)

وَلِهَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي حُلُولِ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَإِنَّ لَفْظَ " الْحُلُولِ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ مَعْنًى بَاطِلٌ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى حَقٌّ.
وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَفْظُ " الْحُلُولِ " بِالْمَعْنَى الصَّحِيحِ، فَتَأَوَّلَهُ مَنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ، كَالنَّصَارَى وَأَشْبَاهِهِمْ عَلَى الْمَعْنَى الْبَاطِلِ، وَقَابَلَهُمْ آخَرُونَ أَنْكَرُوا هَذَا الِاسْمَ بِجَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ بَاطِلٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَنْتَ فِي قَلْبِي، أَوْ سَاكِنٌ فِي قَلْبِي، وَأَنْتَ حَالٌّ فِي قَلْبِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ ذَاتَهُ حَلَّتْ فِيهِ، وَلَكِنْ يُرِيدُونَ أَنَّ تَصَوُّرَهُ وَتَمَثُّلَهُ وَحُبَّهُ وَذِكْرَهُ حَلَّ فِي قَلْبِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظَائِرُ ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ النُّسْطُورِيَّةَ لَوْ شَبَّهُوا مَا يَدَّعُونَهُ مِنِ اتِّحَادٍ وَحُلُولٍ بِالشُّعَاعِ مَعَ الطِّينِ، كَانَ تَمْثِيلُهُمْ بَاطِلًا، فَكَيْفَ بِالْمَلَكِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ بَاطِلًا وَضَلَالًا؟ فَقَوْلُهُمْ: (وَمَثَلُ الشَّمْسِ الْمُخَالِطَةِ لِلطِّينِ وَالْمَاءِ وَكُلِّ رُطُوبَةٍ وَحَمْأَةٍ) ، تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الشَّمْسَ نَفْسَهَا لَمْ تَتَّحِدْ وَلَمْ تَحُلَّ بِغَيْرِهَا، بَلْ ذَلِكَ شُعَاعُهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ نَفْسَهُ لَمْ يَتَّحِدْ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَكِنْ حَلَّ بِهِ وَقَامَ بِهِ.
(4/371)

وَمِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ وَجْهٍ، وَبِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَخْتَصُّ الْمَسِيحُ بِهِ، فَالْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا قِوَامَ لَهَا إِلَّا بِهِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَهِيَ كُلُّهَا مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْهَا، وَلِهَذَا كَانَتْ مِنْ آيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ وَشَوَاهِدِ إِلَهِيَّتِهِ.
وَمَنْ سَمَّاهَا مَظَاهِرَ وَمَجَالِيَ، بِمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ نَفْسَهَا تَظْهَرُ فِيهَا، فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ بِهَا مَشِيئَتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ، فَأَرَادَ بِالْمَظَاهِرِ وَالْمَجَالِي مَا يُرَادُ بِالدَّلَائِلِ وَالشَّوَاهِدِ، فَقَدْ أَصَابَ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: هِيَ آثَارُهُ وَمُقْتَضَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَنُورَهُ وَهُدَاهُ يَحُلُّ فِي قُلُوبِهِمْ، وَهُوَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَالْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ، فَلَا اخْتِصَاصٌ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا، وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ لَمْ يُخَالِطِ الْمَاءَ وَالطِّينَ، وَلَا يُخَالِطُ شَيْئًا مِنَ الْأَعْيَانِ وَلَا يَنْفُذُ فِيهِ وَلَا يَتَّحِدُ بِهِ، بَلْ يَكُونُ عَلَى سَطْحِهِ الظَّاهِرِ فَقَطْ، لَكِنَّ الشُّعَاعَ يُسَخِّنُ مَا يَحُلُّ فِيهِ، فَإِذَا سَخَنَ ذَلِكَ، سَخَنَ جَوْفُهُ
(4/372)

بِالْمُجَاوَرَةِ، كَمَا يَسْخُنُ الْمَاءُ بِسُخُونَةِ الْقِدْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ خَالَطَتِ الْقِدْرَ وَلَا الْمَاءَ.
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ: (إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِابْنِ امْرَأَةٍ، فَصَارَ إِلَهًا تَامًّا وَإِنْسَانًا تَامًّا) ؟
وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الْمَاءَ وَالطِّينَ صَارَ شُعَاعًا تَامًّا، وَطِينًا تَامًّا؟ بَلِ الطِّينُ طِينٌ، لَكِنْ أَثَّرَ الشُّعَاعُ فِيهِ بِتَجْفِيفِهِ، لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ الشُّعَاعُ، وَلَا نَفَذَ فِيهِ، وَلَا حَلَّ فِي بَاطِنِهِ.
فَهَذَا الْمَثَلُ أَبْعَدُ عَنْ مَذْهَبِهِمْ مِنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالنَّارِ مَعَ الْحَدِيدِ، وَمِنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ، فَإِنَّ هُنَاكَ اتِّصَالًا بِبَاطِنِ الْحَدِيدِ وَالْبَدَنِ، وَهُنَا لَمْ يَتَّصِلِ الشُّعَاعُ إِلَّا بِظَاهِرِ الطِّينِ وَغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَالنَّفْسُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَالشُّعَاعُ عَرَضٌ، وَكَذَلِكَ النَّارُ جَوْهَرٌ، فَالشَّمْسُ هُنَا لَمْ تَتَّحِدْ وَلَمْ تَحُلَّ بِالطِّينِ، بَلْ شُعَاعُهَا، بَلْ وَلَا يُوصَفُ الطِّينُ بِاتِّحَادِهِ بِالشُّعَاعِ، وَلَا بِاخْتِلَاطِ الشُّعَاعِ بِبَاطِنِهِ، وَلَا بِحُلُولِ الشَّمْسِ نَفْسِهَا فِيهِ.
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: (إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَمْ تَسْتَحِلْ عَنْ نُورِهَا وَنَقَائِهَا وَضَوْئِهَا مَعَ مُخَالَطَتِهَا كُلَّ وَسَخٍ وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ) ، إِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الشَّمْسِ أَوْ صِفَاتُهَا الْقَائِمَةُ بِهَا، فَتِلْكَ لَمْ تَتَّحِدْ بِغَيْرِهَا وَلَا حَلَّتْ فِيهِ وَلَا قَامَتْ بِغَيْرِهَا.
فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ كَذَلِكَ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - فَهُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يَتَّحِدَ بِغَيْرِهِ وَلَا يَحُلَّ فِيهِ وَلَا يَقُومَ بِهِ.
(4/373)

وَإِنْ أُرِيدَ شُعَاعُهَا، فَشُعَاهُا لَيْسَ هُوَ الشَّمْسُ، فَلَا يَنْفَعُهُمُ التَّمْثِيلُ بِهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ - عِنْدَهُمْ - هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَعَ أَنَّهُ إِنْسَانٌ تَامٌّ، فَهُوَ - عِنْدَهُمْ - إِلَهٌ تَامٌّ، إِنْسَانٌ تَامٌّ، وَالطِّينُ لَيْسَ بِشُعَاعٍ تَامٍّ، وَلَا طِينٍ تَامٍّ، وَالشُّعَاعُ نَفْسُهُ لَا يُخَالِطُ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَقُومُ بِهِ، وَقِيَامُ الْعَرَضِ بِالْمَحَلِّ غَيْرُ مُخَالَطَتِهِ لَهُ، فَإِنَّ الْمُخَالَطَةَ تَكُونُ بِاخْتِلَاطِ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ، كَاخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالطِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا يَقُومُ بِالسَّطْحِ الظَّاهِرِ فَيُقَالُ: إِنَّهُ مُخَالِطٌ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ، فَلَا يُقَالُ لِلشُّعَاعِ الَّذِي عَلَى الْجِبَالِ وَالْبَحْرِ: إِنَّهُ مُخَالِطٌ لِجَمِيعِ الْجِبَالِ وَالْبَحْرِ، وَلَا لِشُعَاعِ النَّارِ: إِنَّهُ مُخَالِطٌ لِلْحِيطَانِ وَدَاخِلٌ لِلْأَرْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا هَذَا الْبَابَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: اخْتِلَاطُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ، كَالْمَاءِ وَالْخَمْرِ.
وَالثَّانِي: اتِّصَالٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاطٍ، كَالْمَاءِ وَالزَّيْتِ، وَالْإِنَاءِ الَّذِي بَعْضُهُ فِضَّةٌ وَبَعْضُهُ ذَهَبٌ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى اخْتِلَاطًا مَعَ افْتِرَاقِ الطَّبِيعَتَيْنِ وَالْقِوَامَيْنِ، مِثْلَ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقُلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا خُلْطَةٌ ; لِأَنَّ طَبِيعَةَ الْفَخَّارِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ خُلْطَةٌ.
وَهَذَا الْفَرْقُ مَوْجُودٌ فِي الشُّعَاعِ وَالطِّينِ، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ
(4/374)

أَشَدُّ مِمَّا بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقُلَّةِ، فَإِنَّ الْمَاءَ جِرْمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَالْجِسْمُ بِالْجِسْمِ أَشْبَهُ مِنَ الْجِسْمِ بِالْعَرَضِ.
وَالْإِلَهُ عِنْدَهُمْ مَخَالِطٌ لِجَمِيعِ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، لَمْ يَخْلُ جُزْءٌ مِنْهُ مِنِ اتِّحَادِ الْإِلَهِ بِهِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟
وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الشُّعَاعَ لَمْ يَسْتَحِلْ عَنْ نُورِهِ وَنَقَائِهِ وَضَوْئِهِ مَعَ مُخَالَطَتِهِ كُلَّ سَوَادٍ وَوَسَخٍ وَنَتَنٍ وَنَجَسٍ، لَمْ يَكُنْ مَثَلًا يُطَابِقُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِطِ الشُّعَاعُ غَيْرَهُ.
ثُمَّ يُقَالُ: إِنْ أَرَادَ بِمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ نَفْسَ الشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْمَحَلِّ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الشُّعَاعَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ مَحَلِّهِ، فَيُرَى فِي الْأَحْمَرِ أَحْمَرَ، وَفِي الْأَسْوَدِ أَسْوَدَ، وَفِي الْأَزْرَقِ أَزْرَقَ، حَتَّى إِنَّ الزُّجَاجَ الْمُخْتَلِفَ الْأَلْوَانِ إِذَا صَارَ مَطْرَحًا لِلشُّعَاعِ، ظَهَرَ الشُّعَاعُ مُتَلَوِّنًا بِتَلَوُّنِ الزُّجَاجِ، فَيُرَى أَحْمَرَ وَأَزْرَقَ وَأَصْفَرَ.
وَقَدْ ضَرَبَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ الْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ - لِلَّهِ أَمْثَالًا بَاطِلَةً شَرًّا مِنْ أَمْثَالِ النَّصَارَى، وَلَهُمْ مَثَلُ السَّوْءِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَكَانَ مِمَّا ضَرَبُوهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَمْثَالِ أَنْ شَبَّهُوهُ بِالشُّعَاعِ فِي الزُّجَاجِ.
فَالْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ فِي الْعَدَمِ - عِنْدَهُمْ - هِيَ الْمُمْكِنَاتُ، وَوُجُودُ الْحَقِّ قَاضٍ عَلَيْهَا، فَشَبَّهُوا وُجُودَهُ بِالشُّعَاعِ، وَأَعْيَانَهُمْ بِالزُّجَاجِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ - قَوْلٌ بَاطِلٌ.
(4/375)

وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ: إِنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ، هُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ حُلُولَ الشُّعَاعِ بِالزُّجَاجِ يَقْتَضِي حُلُولَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْحُلُولَ، وَيَقُولُونَ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ الَّذِي عَلَى نَفْسِ الزُّجَاجِ، لَيْسَ وُجُودُهُ وُجُودَ الزُّجَاجِ، وَعِنْدَهُمْ وُجُودُ الرَّبِّ وُجُودُ الْمُمْكِنَاتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ الْحَالَّ بِهَذَا الزُّجَاجِ، لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ ذَلِكَ الشُّعَاعَ الْحَالَّ بِالزُّجَاجِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ نَظِيرَهُ، وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ لَا يَتَعَدَّدُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشُّعَاعَ عَرَضٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى الزُّجَاجِ، فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ افْتِقَارَ الْعَرَضِ إِلَى مَحَلِّهِ، فَيَلْزَمُ إِذَا مَثَّلُوا بِهِ الرَّبَّ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُفْتَقِرًا إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ مَعَ غِنَى كُلِّ مَا سِوَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا قَلْبُ كُلِّ حَقِيقَةٍ، وَأَعْظَمُ كُفْرٍ بِالْخَالِقِ - تَعَالَى - فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ.
وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَا حَلَّ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْحُلُولِ إِلَّا هَذَا.
وَلِهَذَا كَانَ مَا حَلَّ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَالنُّورِ وَالْمَعْرِفَةِ مُفْتَقِرًا إِلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَقُومُ إِلَّا بِهَا.
(4/376)

وَجَمِيعُ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْأَذْهَانِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى الْأَذْهَانِ، لَا تَقُومُ إِلَّا بِهَا، وَالشُّعَاعُ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَحَلِّهِ، لَا يَقُومُ إِلَّا بِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ النَّظَائِرِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَابَهُوا النَّصَارَى وَزَادُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ وُجُودُ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّهُ قَائِمٌ بِأَعْيَانِ الْمُمْكِنَاتِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْأَعْيَانِ فِي وُجُودِهِ، وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ فِي ثَبَاتِهَا، فَيَجْعَلُونَ الْخَالِقَ مُحْتَاجًا إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَالْمَخْلُوقَ مُحْتَاجًا إِلَى الْخَالِقِ، وَيُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ، كَمَا يُصَرِّحُ بَعْضُ النَّصَارَى، بِأَنَّ اللَّاهُوتَ مُحْتَاجٌ إِلَى النَّاسُوتِ، وَالنَّاسُوتَ مُحْتَاجٌ إِلَى اللَّاهُوتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلَّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ الصَّمَدُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَخْلُوقٍ بِوَجْهٍ مَا، فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ كَافِرٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ؟
وَالْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوهُ لَهُ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى غَيْرِهِ، وَغَيْرُهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، كَالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّصَارَى لَهُ، لَمَّا مَثَّلُوهُ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ مَعَ مَحَلِّهِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الشُّعَاعِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الشُّعَاعِ، وَالشُّعَاعَ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَحَلِّهِ.
فَمُقْتَضَى هَذَا التَّمْثِيلِ، أَنَّ الْإِلَهَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانَ
(4/377)

مُسْتَغْنٍ عَنِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]
(4/378)

[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ عَامَّةَ دِينِ النَّصَارَى لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنِ الْمَسِيحِ]
وَهَذَا الَّذِي قَدْ ذَكَرَهُ هَذَا الْبَتْرَكُ " سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ " الْمُعَظَّمُ عِنْدَ النَّصَارَى، الْمُحِبُّ لَهُمْ، الْمُتَعَصِّبُ لَهُمْ فِي أَخْبَارِهِمُ الَّتِي بَيَّنَ بِهَا أَحْوَالَهُمْ فِي دِينِهِمْ، مُعَظِّمًا لِدِينِهِمْ، مَعَ مَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ زِيَادَةٍ فِيهَا تَحْسِينٌ لِمَا فَعَلُوهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ، مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ ظُهُورِ الصَّلِيبِ، وَمِنْ مُنَاظَرَةِ " أَرْيُوسَ " وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُخَالِفُهُ فِيمَا ذَكَرَ. وَيَذْكُرُ أَنَّ أَمْرَ ظُهُورِ الصَّلِيبِ كَانَ بِتَدْلِيسٍ وَتَلْبِيسٍ وَحِيلَةٍ وَمَكْرٍ. وَيَذْكُرُ أَنَّ " أَرْيُوسَ " لَمْ يَقُلْ قَطُّ: إِنَّ الْمَسِيحَ خَالِقٌ.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ إِذَا صَدَقَ هَذَا فِيمَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ عَامَّةَ الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّصَارَى، لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ مِمَّا ابْتَدَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي إِيمَانِهِمْ وَشَرَائِعِهِمْ مَا يُصَدِّقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]
(4/379)

وَالنَّصَارَى يُقِرُّونَ بِمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْبَتْرَكُ، أَنَّ أَوَّلَ مَلِكٍ أَظْهَرَ دِينَ النَّصَارَى هُوَ " قُسْطَنْطِينُ "، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ نِصْفُ الْفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهَا كَانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ سِتَّمِائَةٍ وَعِشْرِينَ.
وَإِذَا كَانَ النَّصَارَى مُقِرِّينَ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ صَنَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَ مُخَالَفَةِ آخَرِينَ لَهُمْ فِيهِ لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ الْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَكَذَلِكَ قِتَالُ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ وَقَتْلُ مَنْ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، مَعَ أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِنْجِيلِ تُخَالِفُ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْخِتَانُ، وَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الصَّلِيبِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا مُسْتَنَدَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ " قُسْطَنْطِينَ " رَأَى صُورَةَ صَلِيبٍ كَوَاكِبَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ شَرِيعَةٌ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يَحْصُلُ لِلْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالْكَوَاكِبِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَبِمِثْلِ هَذَا بُدِّلَ دِينُ الرُّسُلِ وَأَشْرَكَ النَّاسُ بِرَبِّهِمْ، وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُخَيِّلُ هَذَا وَأَعْظَمَ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ الْإِزَارُ الَّذِي رَآهُ مَنْ رَآهُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي سَمِعَهُ، هَلْ يَجُوزُ لِعَاقِلٍ أَنْ يُغَيِّرَ شَرْعَ اللَّهِ الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ رُسُلُهُ، بِمِثْلِ هَذَا الصَّوْتِ وَالْخَيَالِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ؟ مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ عَنْ " بُطْرُسَ " رَئِيسِ الْحَوَارِيِّينَ، لَيْسَ فِيهِ
(4/380)

تَحْلِيلُ كُلِّ مَا حُرِّمَ، بَلْ قَالَ: (مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ) وَمَا نَجَّسَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَدْ نَجَّسَهُ وَلَمْ يُطَهِّرْهُ، إِلَّا أَنْ يَنْسَخَهُ الْمَسِيحُ. وَالْحَوَارِيُّ لَمْ يُبِحْ لَهُمُ الْخِنْزِيرَ وَسَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ مَعْصُومًا، كَمَا يَظُنُّونَ.
وَالْمَسِيحُ لَمْ يُحِلَّ كُلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا أَحَلَّ بَعْضَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي قِتَالِ النَّصَارَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ لَعْنِ بَعْضِ طَوَائِفِ النَّصَارَى لِبَعْضٍ فِي مَجَامِعِهِمُ السَّبْعَةِ وَغَيْرِ مَجَامِعِهِمْ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَيُصَدِّقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14]
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ: (مَنْ خَالَفَنَا لَعَنَّاهُ) كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ لَاعِنَةٌ مَلْعُونَةٌ.
فَلَيْسَ فِي لَعْنَتِهِمْ لِمَنْ خَالَفَهُمْ إِحْقَاقُ حَقٍّ وَلَا إِبْطَالُ بَاطِلٍ، وَإِنَّمَا يَحِقُّ الْحَقُّ بِالْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
(4/381)

الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرَهُ " سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ " مِنْ أَخْبَارِهِمْ، أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْبَتْرَكُ الْعَظِيمُ مِنْهُمْ إِلَى كَنِيسَةٍ مَبْنِيَّةٍ لِصَنَمٍ مِنَ الْأَصْنَامِ يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ، فَيَحْتَالُ حَتَّى يَجْعَلَهُمْ يَعْبُدُونَ مَكَانَ الصَّنَمِ مَخْلُوقًا أَعْظَمَ مِنْهُ، كَمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا كَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ كَنِيسَةٌ فِيهَا صَنَمٌ اسْمُهُ " مِيكَائِيلُ " فَجَعَلَهَا النَّصَارَى كَنِيسَةً بِاسْمِ " مِيكَائِيلَ الْمَلَكِ " وَصَارُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَكَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ وَيَذْبَحُونَ لَهُ.
وَهَذَا نَقْلٌ لَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ بِمَخْلُوقٍ إِلَى الشِّرْكِ بِمَخْلُوقٍ أَعْلَى مِنْهُ، أُولَئِكَ كَانُوا يَبْنُونَ الْهَيَاكِلَ وَيَجْعَلُونَ فِيهَا الْأَصْنَامَ بِأَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ، كَالشَّمْسِ وَالزُّهَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَنَقَلَهُمْ الْمُبْتَدِعُونَ مِنَ النَّصَارَى إِلَى عِبَادَةِ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79 - 80] .
(4/382)

وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] .
(4/383)

[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ كُلَّ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ وَابْنِ الْبِطْرِيقِ إِنَّمَا هُوَ رَدٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْمَسِيحِ طَبِيعَتَيْنِ]
وَقَدْ حَصَلَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: (وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ نَقُولُ: فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ طَبِيعَتَانِ: طَبِيعَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ الَّتِي هِيَ طَبِيعَةُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، وَطَبِيعَةٌ نَاسُوتِيَّةٌ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَاتَّحَدَتْ بِهِ) .
وَعُرِفَ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مِنْ أَقْوَالِ النَّصَارَى، وَأَنَّ لَهُمْ أَقْوَالًا أُخَرَ تُنَاقِضُ هَذَا.
وَكُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ الْآخَرَ، إِذْ كَانُوا لَيْسُوا عَلَى مَقَالَةٍ تَلَقَّوْهَا عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ، بَلْ هِيَ مَقَالَاتٌ ابْتَدَعَهَا مَنِ ابْتَدَعَهَا مِنْهُمْ، فَضَلُّوا بِهَا وَأَضَلُّوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّوا مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(4/384)

وَالنَّصَارَى أُمَّةٌ يَلْزَمُهُمُ الضَّلَالُ الَّذِي أَصْلُهُ الْجَهْلُ.
وَلَا يُوجَدُ قَطُّ مَنْ هُوَ نَصْرَانِيٌّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، إِلَّا وَهُوَ ضَالٌّ جَاهِلٌ بِمَعْبُودِهِ وَبِأَصْلِ دِينِهِ، لَا يَعْرِفُ مَنْ يَعْبُدُ وَلَا بِمَاذَا يَعْبُدُ، مَعَ اجْتِهَادِ مَنْ يَجْتَهِدُ مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
ثُمَّ يُقَالُ عَلَى هَؤُلَاءِ: قَوْلُهُمْ: (طَبِيعَتَانِ) وَيَقُولُونَ أَيْضًا: (لَهُ مَشِيئَتَانِ) وَيَقُولُونَ أَيْضًا: (إِنَّهُ شَخْصٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ) فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: (إِنَّهُمَا اتَّحَدَا) كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِهِمْ هَذَا، لَا يَقُولُونَ بِشَخْصَيْنِ ; لِئَلَّا يَلْزَمَهُمُ الْقَوْلُ بِأَرْبَعَةِ أَقَانِيمَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: (هُمَا جَوْهَرَانِ) ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: (جَوْهَرٌ وَاحِدٌ) .
فَإِنْ قَالُوا: (هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ) ، صَارَ قَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْيَعْقُوبِيَّةِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ: (إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، وَإِنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، وَهُوَ إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ) .
فَإِذَا كَانَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ قَدِ اسْتَحَالَ وَتَغَيَّرَ، وَكَذَلِكَ النَّاسُوتُ، فَإِنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَذَلِكَ الشَّيْءُ الثَّالِثُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مَحْضًا، وَلَا إِلَهًا مَحْضًا، بَلِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْإِنْسَانِيَّةُ وَالْإِلَهِيَّةُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ الْإِنْسَانُ وَالْإِلَهُ اثْنَيْنِ
(4/385)

مُتَبَايِنَيْنِ، وَهُمَا فِي اصْطِلَاحِهِمْ جَوْهَرَانِ، فَإِذَا صَارَ الْجَوْهَرَانِ جَوْهَرًا وَاحِدًا لَا جَوْهَرَيْنِ، فَقَدْ لَزِمَ ضَرُورَةً أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّالِثُ لَيْسَ هُوَ إِلَهًا مَحْضًا، وَلَا إِنْسَانًا مَحْضًا، وَلَا جَوْهَرَانِ إِنْسَانًا وَإِلَهًا، فَإِنَّ هَذَيْنِ جَوْهَرَانِ لَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ ثَالِثٌ اخْتَلَطَ وَامْتَزَجَ وَاسْتَحَالَ مِنْ هَذَا وَهَذَا، فَتَبَدَّلَتْ حَقِيقَةُ اللَّاهُوتِ وَحَقِيقَةُ النَّاسُوتِ، حَتَّى صَارَ هَذَا الْجَوْهَرُ الثَّالِثُ الَّذِي لَيْسَ لَاهُوتًا مَحْضًا، وَلَا نَاسُوتًا مَحْضًا - كَسَائِرِ مَا يُعْرَفُ مِنَ الِاتِّحَادِ.
فَإِنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ اتَّحَدَا فَصَارَا جَوْهَرًا وَاحِدًا، فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ، كَمَا فِي اتِّحَادِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَسَائِرِ مَا يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ، بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالزَّيْتِ، فَإِنَّهُمَا جَوْهَرَانِ كَمَا كَانَا، لَكِنَّ الزَّيْتَ لَاصِقٌ بِالْمَاءِ وَطَفَا عَلَيْهِ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ، وَمِثْلُ اخْتِلَاطِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، فَإِنَّ الْحَدِيدَ اسْتَحَالَ عَمَّا كَانَ، وَلِهَذَا إِذَا بَرُدَ عَادَ إِلَى مَا كَانَ، وَهَكَذَا اتِّحَادُ الْهَوَاءِ مَعَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، حَتَّى يَصِيرَ بُخَارًا أَوْ غُبَارًا وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ، فَجَمِيعُ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ مِنَ الِاتِّحَادِ إِذَا صَارَ الِاثْنَانِ وَاحِدًا وَارْتَفَعَتِ الثَّنَوِيَّةُ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِحَالَةِ الِاثْنَيْنِ.
وَإِذَا قِيلَ: فِيهِ طَبِيعَةُ الِاثْنَيْنِ وَمَشِيئَةُ الِاثْنَيْنِ، كَمَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ قُوَّةُ الْمَاءِ وَقُوَّةُ اللَّبَنِ.
قِيلَ: لَا بُدَّ - مَعَ ذَلِكَ - أَنْ تَتَغَيَّرَ كُلُّ قُوَّةٍ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ
(4/386)

فَتَنْكَسِرُ الْأُخْرَى، كَمَا يُعْرَفُ فِي سَائِرِ صُوَرِ الِاتِّحَادِ؛ إِذَا اتَّحَدَ هَذَا مَعَ هَذَا كَسَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا قُوَّةَ الْآخَرِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ.
كَمَا إِذَا اتَّحَدَ الْمَاءُ الْبَارِدُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ، انْكَسَرَتْ قُوَّةُ الْحَرِّ وَقُوَّةُ الْبَرْدِ عَمَّا كَانَتْ، فَيَبْقَى الْمُتَّحِدُ مَرْتَبَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْبَرْدِ الْمَحْضِ وَالْحَرِّ الْمَحْضِ.
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ وَاللَّبَنُ وَسَائِرُ صُوَرِ الِاتِّحَادِ.
وَعَلَى هَذَا، فَيَجِبُ إِذَا اتَّحَدَ أَنْ تَتَغَيَّرَ قُوَّةُ اللَّاهُوتِ وَطَبِيعَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ عَمَّا كَانَتْ، وَتَنْكَسِرُ قُوَّةُ النَّاسُوتِ وَطَبِيعَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى هَذَا الْمُتَّحِدُ مُمْتَزِجًا مِنْ لَاهُوتٍ وَنَاسُوتٍ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ اللَّاهُوتِ عَمَّا كَانَ، وَبُطْلَانَ كَمَالِهِ، كَمَا أَنَّهُ يُوجِبُ مِنْ كَمَالِ النَّاسُوتِ مَا لَمْ يَكُنْ.
فَكُلُّ مَا يَصِفُونَ بِهِ النَّاسُوتَ مِنِ اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِهِ، فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ مِنْ نَقْصِ اللَّاهُوتِ وَسَلْبِ كَمَالِهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ وَبُطْلَانِ صِفَاتِهِ التَّامَّةِ - بِحَسَبِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّاسُوتِ بِحُكْمِ الِاتِّحَادِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ اللَّاهُوتُ كَمَا كَانَ، فَلَا اتِّحَادَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلِ النَّاسُوتُ كَمَا كَانَ.
ثُمَّ هُمَا اثْنَانِ لَمْ يَتَّحِدْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا صَارَا شَيْئًا وَاحِدًا.
وَأَيْضًا فَمَعَ كَوْنِ الْجَوْهَرِ وَاحِدًا، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَشِيئَتُهُ وَاحِدَةً وَطَبِيعَتُهُ وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَشِيئَتَيْنِ، لَكَانَ مَحَلَّ إِحْدَى الْمَشِيئَتَيْنِ، إِنْ كَانَ هُوَ مَحَلُّ الْأُخْرَى مَعَ تَضَادِّ مُوجَبِ الْمَشِيئَتَيْنِ، لَزِمَ اجْتِمَاعُ
(4/387)

الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
فَإِنَّ الْإِرَادَةَ النَّاسُوتِيَّةَ تَطْلُبُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَأَنْ تَعْبُدَ وَتَصُومَ وَتُصَلِّي.
وَاللَّاهُوتِيَّةُ، تُوجِبُ امْتِنَاعَهُ مِنْ إِرَادَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَإِرَادَتُهُ أَنْ يَخْلُقَ وَيَرْزُقَ وَيُدَبِّرَ الْعَالَمَ. وَالنَّاسُوتِيَّةُ تَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ.
فَإِذَا قَامَتِ الْإِرَادَتَانِ وَالْكَرَاهَتَانِ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجَوْهَرُ الْمَوْصُوفُ بِهَذَا وَهَذَا مُرِيدًا لِلشَّيْءِ مُمْتَنِعًا مِنْ إِرَادَتِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ كَارِهًا لِلشَّيْءِ غَيْرَ كَارِهٍ لَهُ، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِالْمَوْصُوفِ الْوَاحِدِ إِرَادَتَانِ جَازِمَتَانِ بِالشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، أَوْ كَرَاهَتَانِ جَازِمَتَانِ لِلشَّيْءِ أَوْ نَقِيضِهِ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ إِلَّا بِإِرَادَةٍ جَازِمَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَاللَّاهُوتُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَتَى شَاءَ شَيْئًا مَشِيئَةً جَازِمَةً، فَإِنَّهُ عَلَى مَا شَاءَ قَادِرٌ.
وَالنَّاسُوتُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ خَصَائِصِ الْبَشَرِيَّةِ حَتَّى يُرِيدَ ذَلِكَ إِرَادَةً جَازِمَةً.
وَالنَّاسُوتُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ إِرَادَةَ اللَّاهُوتِ وَيَكْرَهَ ذَلِكَ، فَيَصِيرَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُرِيدًا لِلشَّيْءِ إِرَادَةً جَازِمَةً، قَادِرًا عَلَيْهِ لَيْسَ مُرِيدًا لَهُ إِرَادَةً جَازِمَةً، بَلْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ.
(4/388)

وَيَلْزَمُ أَيْضًا إِذَا كَانَا جَوْهَرًا وَاحِدًا وَقَدْ وُلِدَ، وَصُفِعَ وَضُرِبَ وَصُلِبَ وَمَاتَ وَتَأَلَّمَ، أَنْ يَكُونَ نَفْسُ اللَّاهُوتِ ضُرِبَ وَصُلِبَ وَمَاتَ وَتَأَلَّمَ، كَمَا تَقُولُهُ الْيَعْقُوبِيَّةُ، وَهَذَا لَازِمٌ لِجَمِيعِ النَّصَارَى وَهُوَ مُوجَبُ عَقِيدَةِ إِيمَانِهِمْ.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُمَا جَوْهَرَانِ مَعَ كَوْنِهِمَا عِنْدَهُمْ شَخْصًا وَاحِدًا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمَلَكِيَّةِ، كَانَ هَذَا كَلَامًا مُتَنَاقِضًا، فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا تَعَدُّدَ فِيهِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا حُدَّ بِأَنَّهُ جِسْمٌ.
وَإِنْ شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالنَّفْسِ مَعَ الْجَسَدِ لَزِمَهُمُ الْمَحْدُودُ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، يُقَالُ: إِنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الِاتِّحَادِ، وَلِهَذَا يُحَدُّ بِأَنَّهُ جِسْمٌ حَسَّاسٌ تَامٌّ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ، هَذَا يَتَنَاوَلُ جَسَدَهُ وَرُوحَهُ، وَلِلنَّفْسِ وَالْبَدَنِ مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَتَى شَاءَ الْإِنْسَانُ الْفِعْلَ مَشِيئَةً جَازِمَةً مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَعَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ جَوْهَرٌ آخَرُ لَهُ مَشِيئَةٌ غَيْرَ مَشِيئَتِهِ.
فَإِذَا شَبَّهُوا اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ بِهَذَا، لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَا جَوْهَرًا وَاحِدًا وَمَشِيئَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ.
وَلِهَذَا تَأْلَمُ النَّفْسُ بِمَا يَحْدُثُ فِي الْجَسَدِ مِنَ الْآلَامِ، وَيَتَأَلَّمُ
(4/389)

الْجِسْمُ الَّذِي هُوَ الْقَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ، بِمَا يَحْدُثُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْآلَامِ.
فَإِذَا تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ، تَأَلَّمَ قَلْبُ الْجَسَدِ وَغَيْرُ قَلْبِ الْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَأَلَّمَ الْجَسَدُ وَإِذَا صُفِعَ الْجَسَدُ، وَصُلِبَ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَيْهِ، وَتَأَلَّمَ وَمَاتَ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَالًّا بِالنَّفْسِ وَنَالَهَا مِنْهُ إِهَانَةُ الصَّفْعِ وَأَلَمُ النَّزْعِ مَا يَنَالُهَا، كَمَا يُسَلِّمُونَ لِلَّهِ أَنَّهُ حَلَّ بِنَفْسِ الْمَسِيحِ وَبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ أَنَّ الْإِلَهَ حَلَّ بِبَدَنِ الْمَسِيحِ وَنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَنَازَعُونَ فِي اللَّاهُوتِ، مَعَ أَنَّ النَّفْسَ مُفَارِقَةٌ لِلْبَدَنِ بِالْمَوْتِ.
وَاللَّاهُوتُ عِنْدَهُمْ لَمْ يُفَارِقِ النَّاسُوتَ بِالْمَوْتِ، بَلْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
وَالْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ يَقْعُدُ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَيْضًا فَالْبَدَنُ إِذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفْسُ، تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ وَأَحْكَامُهُ، وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُ بِاجْتِمَاعِهَا وَافْتِرَاقِهَا، وَالنَّفْسُ إِذَا كَانَتْ فِي الْبَدَنِ تَخْتَلِفُ صِفَاتُهَا وَأَحْكَامُهَا.
فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ مُخَالِفًا فِي الصِّفَاتِ وَالْأَحْكَامِ لِسَائِرِ النَّوَاسِيتِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ لَمَّا اتَّحَدَ بِهِ تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهُ وَأَحْكَامُهُ، وَهَذَا هُوَ الِاسْتِحَالَةُ وَالتَّغَيُّرُ وَالتَّبَدُّلُ لِلصِّفَاتِ، مَعَ أَنَّ نَاسُوتَ
(4/390)

الْمَسِيحِ كَانَ مِنْ جِنْسِ نَوَاسِيتِ الْبَشَرِ، لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ ظَهَرَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَأَيُّ مَثَلٍ ضَرَبُوهُ لِلِاتِّحَادِ، كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ بِهِ فَسَادُ قَوْلِهِمْ.
وَإِنْ قَالُوا: هَذَا أَمْرٌ لَا يُعْقَلُ، بَلْ هُوَ فَوْقَ الْعُقُولِ، كَانَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَعْلَمُ الْعَقْلُ بُطْلَانَهُ وَامْتِنَاعَهُ، وَبَيْنَ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ تَصَوُّرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
فَالْأَوَّلُ: مِنْ مُحَالَاتِ الْعُقُولِ، وَالثَّانِي مِنْ مُحَارَاتِ الْعُقُولِ، وَالرُّسُلُ يُخْبِرُونَ بِالثَّانِي.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا يَقُولُهُ إِلَّا كَاذِبٌ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَقُولَ هَذَا، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ يَكُونُ أَبْيَضَ أَسْوَدَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّهُ بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ، وَإِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُ الْعَقْلُ امْتِنَاعَهُ.
وَقَوْلُ النَّصَارَى مِمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ، لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَعْجِزُ عَنْ تَصَوُّرِهِ.
يُوَضِّحُ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي مَرْيَمَ أُمِّ الْمَسِيحِ: (امْرَأَةُ اللَّهِ وَزَوْجَتُهُ) ، وَأَنَّهُ نَكَحَهَا نِكَاحًا عَقْلِيًّا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَلَدُهُ وِلَادَةً عَقْلِيَّةً، لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ أَفْسَدَ فِي الْعَقْلِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا
(4/391)

قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُمْ يُكَفِّرُونَ مِنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْعَقْلِ عَلَى فَسَادِهِ.
وَإِذَا قَالَ: (هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ) لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِهِمُ احْتَجَّتْ عَلَى الْأُخْرَى بِالْعَقْلِ، وَإِذَا قَالُوا: (قَوْلُنَا فَوْقَ الْعَقْلِ) لَمْ يَقْبَلُوا هَذَا الْجَوَابَ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا جَوَابًا صَحِيحًا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُبْحَثَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ بِالْعَقْلِ، بَلْ يَقُولُ كُلُّ مُبْطِلٍ مَا شَاءَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَيَقُولُ: كَلَامِي فَوْقَ الْعَقْلِ، كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَالْوَحْدَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ، وَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِالذَّوْقِ لَا بِالسَّمْعِ وَلَا بِالْعَقْلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ تَصَوُّرِهِ إِذَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - قُبِلَ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يَعْجِزُ غَيْرُهُمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَمْ يَقُلِ الْأَنْبِيَاءُ شَيْئًا مِنْهَا، بَلْ نَفْسُ فِرَقِ النَّصَارَى قَالُوهَا بِآرَائِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمُ اسْتَنْبَطُوهَا مِنْ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ.
فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَهَا مِنْهُمْ: أَنْتَ تَتَصَوَّرُ مَا تَقُولُ، أَمْ لَا تَتَصَوَّرُهُ وَتَفْهَمُهُ وَتَعْقِلُهُ؟
(4/392)

فَإِنْ قَالَ: لَا أَتَصَوَّرُ مَا أَقُولُ وَلَا أَفْقَهُهُ وَلَا أَعْقِلُهُ، قِيلَ لَهُ: فَقَدْ قُلْتَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُ، وَقَفَوْتَ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْقَبَائِحِ الْمُحَرَّمَةِ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ بِرَأْيِهِ عَلَى اللَّهِ قَوْلًا لَا يَتَصَوَّرُهُ وَلَا يَفْهَمُهُ.
وَجَمِيعُ الْعُقَلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ قَالَ قَوْلًا وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُهُ وَلَا يَفْقَهُهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ، وَإِنَّ قَوْلَهُ مِنَ الْبَاطِلِ الْمَذْمُومِ.
وَإِنْ قَالَ قَائِلُهُمْ: إِنِّي أَفْقَهُ مَا أَقُولُ وَأَتَصَوَّرُهُ وَأَعْقِلُهُ، قِيلَ لَهُ: بَيِّنْهُ لِغَيْرِكَ حَتَّى يَفْقَهَهُ وَيَعْقِلَهُ وَيَتَصَوَّرَهُ، وَلَا تَقُلْ هُوَ فَوْقَ الْعَقْلِ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ قَدْ عَقِلْتَهُ وَفَقِهْتَهُ، وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ.
فَإِنَّهُمْ إِنْ كَانُوا يَفْقَهُونَ مَا يَقُولُونَ وَيَعْقِلُونَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعْقُولًا.
وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ، لَزِمَ أَنَّهُمْ قَالُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَفْقَهُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ قَوْلًا بِرَأْيِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، لَا نَقْلًا لِأَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ مَنْ نَقَلَ أَلْفَاظَ الْأَنْبِيَاءِ الثَّابِتَةَ عَنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْقَهَ وَيَعْقِلَ مَا يَقُولُ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) » . فَقَدْ يَحْفَظُ الرَّجُلُ كَلَامًا فَيُبَلِّغُهُ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَفْقَهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَعْقِلَهُ.
(4/393)

فَمَنْ نَقَلَ لَفْظَ التَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ أَوِ الْقُرْآنِ أَوْ أَلْفَاظَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ نُطَالِبْهُ بِبَيَانِ مَعْنَاهُ.
بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ فَهِمَ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ فَهِمْتَ مَا قَالُوهُ، فَهُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ وَعَبَّرْتَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى كَالتُّرْجُمَانِ، فَهَذَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَيَفْقَهُهُ.
وَإِنْ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَفْهَمْ كَلَامَهُمْ، أَوْ لَمْ أَفْهَمْ مَا قُلْتُهُ، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - وَلَمْ يَفْقَهُوا مَا قَالُوهُ هُمْ.
فَلَوْ قَالُوا: لَمْ نَفْهَمْ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَسَكَتُوا، لَكَانُوا أُسْوَةَ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْجُهَّالِ بِمَعَانِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَأَمَّا إِذَا وَضَعُوا عِبَارَةً وَكَلَامًا ابْتَدَعُوهُ، وَأَمَرُوا النَّاسَ بِاعْتِقَادِهِ، وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ، وَقَالُوا: إِنَّا مَعَ هَذَا لَا نَتَصَوَّرُ مَا قُلْنَاهُ وَلَا نَفْقَهُهُ وَلَا نَعْقِلُهُ، فَهَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ يَقُولُونَ الْكَذِبَ الْمُفْتَرَى وَالْكُفْرَ الْوَاضِحَ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّا لَا نَعْقِلُهُ، وَهَذَا حَالُ النَّصَارَى بِلَا رَيْبٍ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ غَلِطَ فِيهِ طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ: غَالِيَةٌ غَلَتْ فِي
(4/394)

الْمَعْقُولَاتِ حَتَّى جَعَلَتْ مَا لَيْسَ مَعْقُولًا مِنَ الْمَعْقُولِ، وَقَدَّمَتْهُ عَلَى الْحِسِّ وَنُصُوصِ الرَّسُولِ.
وَطَائِفَةٌ جَفَتْ عَنْهُ، فَرَدَّتِ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةَ وَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا مَا ظَنَّتْهُ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ وَالْحِسِّيَّاتِ.
وَهَكَذَا النَّاسُ فِي السَّمْعِيَّاتِ نَوْعَانِ، وَكَذَلِكَ هُمْ فِي الْحِسِّيَّاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ نَوْعَانِ.
فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
بِخِلَافِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّهُ مُخْتَلِفٌ مُتَنَاقِضٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 7]
وَإِنَّ مَا عُلِمَ بِمَعْقُولٍ صَرِيحٍ، لَا يُخَالِفُهُ قَطُّ، لَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَا حِسٌّ صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ بِالسَّمْعِ الصَّحِيحِ، لَا يُعَارِضُهُ عَقْلٌ وَلَا حِسٌّ.
وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ الصَّحِيحِ، لَا يُنَاقِضُهُ خَبَرٌ وَلَا مَعْقُولٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يُعَارِضُ الْمَعْقُولَاتِ بِسَمْعٍ أَوْ حِسٍّ.
فَنَقُولُ: لَفْظُ (الْمَعْقُولِ) يُرَادُ بِهِ الْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِفِطَرِهِمُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَقَّاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ،
(4/395)

كَمَا يَعْلَمُونَ تَمَاثُلَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفَيْنِ - أَعْنِي اخْتِلَافَ التَّنَوُّعِ، لَا اخْتِلَافَ التَّضَادِّ وَالتَّبَايُنِ - فَإِنَّ لَفْظَ (الِاخْتِلَافِ) يُرَادُ بِهِ هَذَا وَهَذَا.
وَهَذِهِ الْمَعْقُولَاتُ فِي الْعِلْمِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، هِيَ الَّتِي ذَمَّ اللَّهُ مَنْ خَالَفَهَا بِقَوْلِهِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] وَقَوْلِهِ: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 46]
وَأَمَّا مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ (مَعْقُولَاتٍ) وَيُخَالِفُهُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ، مِثْلَ الْقَوْلِ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَاقِبَةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ إِمَّا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، أَوْ فِي الْمَاضِي فَقَطْ، أَوْ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ جَوَاهِرَ قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا، أَوْ أَنَّ لَنَا دَهْرًا أَوْ مَادَّةً هِيَ جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ جَوْهَرٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَعُدُّهُ مَنْ يَعُدُّهُ مِنَ النُّظَّارِ أَنَّهُ عَقْلِيَّاتٌ
(4/396)

وَيُنَازِعُهُمْ فِيهِ آخَرُونَ.
فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْعَقْلِيَّاتُ الَّتِي لَا يَجِبُ لِأَجْلِهَا رَدُّ الْحِسِّ وَالسَّمْعِ، وَتُبْنَى عَلَيْهَا عُلُومُ بَنِي آدَمَ، بَلْ الْمَعْقُولَاتُ الصَّحِيحَةُ الدَّقِيقَةُ الْخَفِيَّةُ، تُرَدُّ إِلَى مَعْقُولَاتٍ بَدِيهِيَّةٍ أَوَّلِيَّةٍ، بِخِلَافِ الْعَقْلِيَّاتِ الصَّرِيحَةِ، مِثْلَ كَوْنِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعًا، فَإِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ بِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
فَإِذَا جَاءَ فِي الْحِسِّ أَوِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ يُرَى الشَّخْصُ الْوَاحِدُ فِي عَرَفَاتَ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَبْرَحْ، أَوْ يُرَى قَاعِدًا فِي مَكَانِهِ وَهُوَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، أَوْ يُرَى أَنَّهُ أَغَاثَ مَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ، أَوْ جَاءَ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ، فَهَذَا إِنَّمَا هُوَ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، لَيْسَ هُوَ نَفْسُهُ، فَهَذَا يُشْبِهُهُ لَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ.
وَالْحِسِّيَّاتُ إِنْ لَمْ يُمَيَّزْ بَيْنَهَا بِالْعَقْلِ، وَإِلَّا فَالْحِسُّ يَغْلَطُ كَثِيرًا، فَكَذَلِكَ مَنِ ادَّعَى فِيمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمُكَاشَفَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ أَمْرًا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَالِطٌ فِيهِ، كَمَنْ قَالَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ: (إِنِّي أَشْهَدُ بِبَاطِنِي وُجُودًا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ،
(4/397)

لَا اخْتِصَاصَ فِيهِ وَلَا قَيْدَ الْبَتَّةَ) فَلَا يُتَنَازَعُ فِي هَذَا، كَمَا قَدْ يُنَازِعَهُ بَعْضُ النَّاسِ.
لَكِنْ يُقَالُ لَهُ: مَنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّ كَوْنَ مَا شَهِدْتَهُ بِقَلْبِكَ هُوَ اللَّهُ، أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ بِحِسِّ الْقَلْبِ، وَإِذَا ادَّعَيْتَ أَنَّهُ حَصَلَ لَكَ فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، عُلِمَ أَنَّكَ غَالِطٌ، كَمَا قَالَ شَيْخُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ التِّلْمِسَانِيُّ:
يَا صَاحِبِي أَنْتَ تَنْهَانِي وَتَأْمُرُنِي ... وَالْوَجْدُ أَصْدَقُ نَهَّاءٍ وَأَمَّارِ
فَإِنْ أُطِعْكَ وَأَعْصِ الْوَجْدَ عُدْتُ عَمًى ... عَنِ الْعِيَانِ إِلَى أَوْهَامِ أَخْبَارِ
وَعَيْنُ مَا أَنْتَ تَدْعُونِي إِلَيْهِ إِذَا ... حَقَّقْتَ فِيهِ تَرَاهُ النَّهْيَ يَا جَارِ
فَيُقَالُ لَهُ: وَجْدُكَ وَذَوْقُكَ لَمْ يُفِدْكَ إِلَّا شُهُودَ وُجُودٍ مُطْلَقٍ بَسِيطٍ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ بَلْ مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ هَذَا ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ نَفْسِكَ كُلِّيًّا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا؟ بَلْ إِنَّمَا تَشْهَدُهُ كُلِّيًّا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا فِي نَفْسِكَ.
وَلَسْتَ تَعْلَمُ بِحِسٍّ وَلَا عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ أَنَّ هَذَا هُوَ فِي الْخَارِجِ.
كَمَا أَنَّ النَّائِمَ إِذَا شَهِدَ حِسُّهُ الْبَاطِنُ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَقِينٌ أَنَّ هَذَا فِي الْخَارِجِ.
فَإِذَا عَادَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي خَيَالِهِ فِي الْمَنَامِ.
(4/398)

وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَضْعُفُ عَقْلُهُ، فَهَذَا يَشْهَدُ بِحِسِّهِ الْبَاطِنِ أَوِ الظَّاهِرِ أَشْيَاءَ، وَقَدْ ضَعُفَ عَقْلُهُ عَنْ كُنْهِ ذَلِكَ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَهُ كَانَ فِي نَفْسِهِ وَخَيَالِهِ، لَا فِي الْخَارِجِ عَنْ ذَلِكَ.
فَكُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِمَا يُخَالِفُ صَحِيحَ الْمَنْقُولِ أَوْ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ يُعْلَمُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ غَلَطٌ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا يَشْهَدُهُ فِي الْحِسِّ الْبَاطِنِ أَوِ الظَّاهِرِ، لَكِنَّ الْغَلَطَ وَقَعَ فِي ظَنِّهِ الْفَاسِدِ الْمُخَالِفِ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ لَا فِي مُجَرَّدِ الْحِسِّ، فَإِنَّ الْحِسَّ لَيْسَ فِيهِ عِلْمٌ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ.
فَمَنْ رَأَى شَخْصًا، فَلَيْسَ فِي الْحِسِّ إِلَّا رُؤْيَتُهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَقْلٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَلِهَذَا كَانَ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْبَهِيمُ وَالسَّكْرَانُ وَالنَّائِمُ وَنَحْوُهُمْ - لَهُمْ حِسٌّ، وَلَكِنْ لِعَدَمِ الْعَقْلِ لَا يُمَيِّزُونَ أَنَّ هَذَا الْمَشْهُودَ هُوَ كَذَا أَمْ كَذَا، بَلْ قَدْ يَظُنُّونَ ظُنُونًا غَيْرَ مُطَابِقَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ
(4/399)

لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] .
فَالظَّمْآنُ يَرَى أَنَّ مَا ظَنَّهُ مَاءً، وَلَمْ يَكُنْ مَاءً لِاشْتِبَاهِهِ بِالْمَاءِ، وَالْحِسُّ لَمْ يَغْلَطْ، لَكِنْ غَلِطَ عَقْلُهُ.
وَالْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - مَعْصُومُونَ، لَا يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَلَا يَنْقُلُونَ عَنْهُ إِلَّا الصِّدْقَ.
فَمَنِ ادَّعَى فِي أَخْبَارِهِمْ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ، كَانَ كَاذِبًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْقُولُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، أَوْ ذَلِكَ الْمَنْقُولُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
فَمَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَقْلِ مَا يُنَاقِضُهُ.
وَمَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ الْعَقْلَ حَكَمَ بِهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ مَا يُنَاقِضُهُ.
وَقَوْلُ أَهْلِ الِاتِّحَادِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ - سَوَاءٌ ادَّعَوْا الِاتِّحَادَ الْعَامَّ أَوِ الْخَاصَّ - قَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلِ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - قَدْ يُخْبِرُونَ بِمَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لَا بِمَا يَعْلَمُ الْعَقْلُ بُطْلَانَهُ، فَيُخْبِرُونَ بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ.
وَمَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مَعْصُومًا، فَقَدْ يَغْلَطُ وَيَحْصُلُ لَهُ فِي كَشْفِهِ وَحِسِّهِ وَذَوْقِهِ وَشُهُودِهِ أُمُورٌ يَظُنُّ فِيهَا ظُنُونًا كَاذِبَةً.
(4/400)

فَإِذَا أَخْبَرَ مِثْلُ هَذَا بِشَيْءِ - عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ - عُلِمَ أَنَّهُ غَالِطٌ.
وَإِذَا أَخْبَرَ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا يَعْجِزُ عَقْلُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا، بَلْ لَا نَحْكُمُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَالِطًا وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مَا يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
وَإِذَا قَالَ الْقَوْلَ الْمَعْلُومَ فَسَادُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا فَوْقَ الْعَقْلِ، أَوْ هَذَا وَرَاءَ طَوْرِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَوْ هَذَا لَا نَعْرِفُهُ إِنْ لَمْ نَتْرُكِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ، أَوْ قَالَ:
هُمُ مَعْشَرٌ حَلُّوا النِّظَامَ وَأَحْرَقُوا ال ... سِّيَاجَ فَلَا فَرْضٌ لَدَيْهِمْ وَلَا نَفْلُ
مَجَانِينُ إِلَّا أَنَّ سِرَّ جُنُونِهِمْ ... عَزِيزٌ عَلَى أَبْوَابِهِ يَسْجُدُ الْعَقْلُ
قِيلَ: وَهَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَهُ نَبِيٌّ، أَوْ يَنْقُلَهُ صَادِقٌ عَنْ نَبِيٍّ، فَإِنَّ أَقْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُنَاقِضُ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ؟
وَإِنْ قَالَ كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى أَوْ غَيْرُهُمْ: إِنَّ هَذَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ فَهِمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ.
قِيلَ لَهُمْ: الْكَلَامُ فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَطَقَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ شَيْءٌ، وَالْكَلَامُ الَّذِي فَهِمْتُمُوهُ عَنْهُمْ شَيْءٌ آخَرُ.
(4/401)

وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ أَنْتُمْ أَوْ غَيْرُكُمْ، فَهِمْتُمُوهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، لَمْ نَجْزِمْ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ يَتَصَوَّرُ مَا قَالَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا لَمْ يُرِيدُوهُ.
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا قَالَ؟ بَلْ هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَهُ، وَهُوَ لَا يَفْهَمُهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الَّذِي قَالَهُ مَعْلُومَ الْفَسَادِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ؟
فَهَذِهِ ثَلَاثُ مُقَدِّمَاتٍ لَوْ فَهِمَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي فَهِمْتُ كَلَامَهُ، لَمْ يَكُنْ فَهْمُهُ حُجَّةً.
فَكَيْفَ إِذَا قَالَ: إِنِّي لَمْ أَفْهَمْهُ، وَإِنَّ هَذَا فَوْقَ طَوْرِ الْعَقْلِ؟
وَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً، وَلَمْ يَجِبْ تَصْدِيقُهُ مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَنَوْا بِكَلَامِهِمُ الْمَعْنَى الَّذِي اعْتَرَفَ أَنَّهُ فَوْقَ طَوْرِ الْعَقْلِ، فَكَيْفَ إِذَا عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَاطِلٌ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَهُ عَاقِلٌ لَا نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُ نَبِيٍّ؟
(4/402)

[فَصْلٌ: الْجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ النَّصَارَى فِي إِقْرَارِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصِّفَاتِ وَأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ]
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَنَا: إِذَا كَانَ اعْتِقَادُكُمْ فِي الْبَارِي - تَعَالَى - أَنَّهُ وَاحِدٌ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ تَقُولُوا: أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ قُدُسٍ، فَتُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ فِي اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَنَّ لَهُ ابْنًا، وَيَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اعْتِقَادَكُمْ أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ بِذَلِكَ ابْنَ الْمُبَاضَعَةِ وَالتَّنَاسُلِ، فَتُطْرِقُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تُهْمَةً أَنْتُمْ مِنْهَا بَرِيئُونَ؟
قَالُوا: وَهُمْ أَيْضًا، لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْبَارِي جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي جِسْمٍ، وَغَيْرُ ذِي جَوَارِحَ وَأَعْضَاءٍ، وَغَيْرُ مَحْصُورٍ فِي مَكَانٍ، فَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَيَدَيْنِ يَبْسُطُهُمَا، وَسَاقًا، وَوَجْهًا يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَجَنْبًا، وَأَنَّهُ يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَيُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ ذُو جِسْمٍ وَذُو أَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ، وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَيَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُمْ يُجَسِّمُونَ الْبَارِيَ، حَتَّى إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ وَاتَّخَذُوهُ مَذْهَبًا، وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ اعْتِقَادَهُمْ يَتَّهِمُهُمْ بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ.
(4/403)

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعِلَّةَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا، أَنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَوَجْهٌ وَسَاقٌ وَجَنْبٌ، وَأَنَّهُ يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَطَقَ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَكُلُّ مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَوَجْهٌ وَجَنْبٌ وَجَوَارِحُ وَأَعْضَاءٌ، وَأَنَّ ذَاتَهُ تَنْتَقِلُ، فَهُمْ يَلْعَنُونَهُ وَيُكَفِّرُونَهُ، فَإِذَا كَفَّرُوا مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا، فَلَيْسَ لِمُخَالِفِيهِمْ أَنْ يُلْزِمُوهُمْ هَذَا بَعْدَ أَنْ لَا يَعْتَقِدُوهُ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا النَّصَارَى، الْعِلَّةُ فِي قَوْلِنَا: إِنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ: أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ، أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَطَقَ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَقَانِيمِ: غَيْرُ الْأَشْخَاصِ الْمُرَكَّبَةِ وَالْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الشِّرْكَ وَالتَّكْثِيرَ، وَبِالْأَبِ وَالِابْنِ غَيْرُ أُبُوَّةِ وَبُنُوَّةِ نِكَاحٍ أَوْ تَنَاسُلٍ، أَوْ جِمَاعٍ أَوْ مُبَاضَعَةٍ.
وَكُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُتَّفِقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَجْسَامٍ مُؤَلَّفَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ، أَوْ أَعْرَاضٌ، أَوْ قُوًى، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ وَالتَّكْثِيرَ وَالتَّبْعِيضَ وَالتَّشْبِيهَ، أَوْ بُنُوَّةُ نِكَاحٍ، أَوْ تَنَاسُلٍ، أَوْ مُبَاضَعَةٍ، أَوْ جِمَاعٍ، أَوْ وِلَادَةُ زَوْجَةٍ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْأَجْسَامِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، فَنَحْنُ نَلْعَنُهُ وَنُكَفِّرُهُ وَنُجَرِّمُهُ.
وَإِذَا لَعَنَّا أَوْ كَفَّرْنَا مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لِمُخَالِفِينَا أَنْ يُلْزِمُونَا بَعْدَ أَنْ لَا نَعْتَقِدَهُ، وَإِنْ أَلْزَمُونَا الشِّرْكَ وَالتَّشْبِيهَ لِأَجْلِ قَوْلِنَا: أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ
(4/404)

قُدُسٍ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّكْثِيرَ وَالتَّشْبِيهَ، أَلْزَمْنَاهُمْ أَيْضًا - نَحْنُ - التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ لَهُ عَيْنَانِ وَيَدَانِ وَوَجْهٌ وَسَاقٌ وَجَنْبٌ، وَأَنَّ ذَاتَهُ تَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مِنْ بَعْدِ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَنْ آمَنَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَقَالَ مَا قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ وَلَا مَعْنَاهُ، فَهَذَا لَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنِ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَمْ تَقُلْهَا الرُّسُلُ، بَلْ هِيَ تُخَالِفُ مَا قَالُوهُ، وَحَرَّفَ مَا قَالُوهُ، إِمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِمَّا مَعْنًى فَقَطْ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الطَّوَائِفِ.
وَأَصْلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كُتُبِهِ، وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، بَلْ يُثْبِتُونَ لَهُ - تَعَالَى - مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالَ رُسُلِهِ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا خَالَفَ أَقْوَالَ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] أَيْ عَمَّا يَصِفُهُ الْكُفَّارُ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ. {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181]
(4/405)

لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ. {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] .
فَالرُّسُلُ وَصَفُوا اللَّهَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنِ النَّقَائِصِ الْمُنَاقِضَةِ لِلْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَثْبَتُوا لَهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَنَفَوْا عَنْهُ التَّمْثِيلَ، فَأَتَوْا بِإِثْبَاتٍ مُفَصَّلٍ وَنَفْيٍ مُجْمَلٍ.
فَمَنْ نَفَى عَنْهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، كَانَ مُعَطِّلًا، وَمَنْ جَعَلَهَا مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَانَ مُمَثِّلًا، وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالْمُمَثِّلِ يَعْبُدُ صَنَمًا.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ.
(4/406)

فَوَصَفَتْهُ الرُّسُلُ بِأَنَّهُ حَيٌّ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَوْتِ، عَلِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجَهْلِ، قَدِيرٌ قَوِيٌّ عَزِيزٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالذُّلِّ وَاللُّغُوبِ، سُمَيْعٌ بَصِيرٌ مُنَزَّهٌ عَنْ الصَّمِّ وَالْعَمَى، غَنِيٌّ مُنَزَّهٌ عَنِ الْفَقْرِ، جَوَادٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْبُخْلِ، حَكِيمٌ حَلِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ، صَادِقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْكَذِبِ، إِلَى سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، مِثْلَ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ وَدُودٌ رَحِيمٌ لَطِيفٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] .
فَالصَّمَدُ، اسْمٌ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَفْيَ النَّقَائِصِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْكَامِلُ فِي عِلْمِهِ، الْقَدِيرُ الْكَامِلُ فِي قُدْرَتِهِ، الْحَكِيمُ الْكَامِلُ فِي حِكْمَتِهِ.
وَلَنَا مُصَنَّفٌ مَبْسُوطٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَآخَرُ فِي بَيَانِ أَنَّهَا تُعَادِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَذَكَرْنَا كَلَامَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي مَعْنَى " الصَّمَدِ " وَأَنَّ عَامَّةَ مَا قَالُوهُ حَقٌّ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ
(4/407)

مِنْهُمْ: (إِنَّ الصَّمَدَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ) وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: (إِنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ) كَمَا قِيلَ: (إِنَّهُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ) وَكَمَا قِيلَ: (إِنَّهُ الْعَلِيمُ الْكَامِلُ فِي عِلْمِهِ، وَالْقَدِيرُ الْكَامِلُ فِي قُدْرَتِهِ) إِلَى سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ، أَنَّهُ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَنَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَهُ كُفُوًا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحَدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وَقَالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَقَالَ: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74] وَقَالَ: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22]
وَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتِبَ اللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
فَهُوَ أَمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ.
(4/408)

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُمْ فِي أَمَانَتِهِمْ لَمْ يَقُولُوا مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَالْأَنْبِيَاءُ، بَلِ ابْتَدَعُوا اعْتِقَادًا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ ذِكْرُ أَقَانِيمَ لِلَّهِ، لَا ثَلَاثَةٍ وَلَا أَكْثَرَ، وَلَا إِثْبَاتُ ثَلَاثِ صِفَاتٍ، وَلَا تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا لِلَّهِ وَلَا رَبًّا، وَلَا تَسْمِيَةُ حَيَاتِهِ رُوحًا، وَلَا أَنَّ لِلَّهِ ابْنًا هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ خَالِقٌ كَمَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكُفْرِ، لَمْ تُنْقَلْ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
فَقَالُوا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِهِمْ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِ، مَالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صَانِعِ مَا يُرَى وَمَا لَايُرَى، وَهَذَا حَقٌّ.
ثُمَّ قَالُوا: وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَاحِدِ، بِكْرِ الْخَلَايِقِ كُلِّهَا، مَوْلُودٌ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا - مَعْشَرَ النَّاسِ - وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَصَارَ إِنْسَانًا، وَحُبِلَ بِهِ وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَصَعِدَ إِلَى
(4/409)

السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ.
وَنُؤْمِنُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْمُحْيِي، وَرُوحِ الْحَقِّ الْمُنْبَثِقِ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ الَّذِي خَرَجَ مِنْ أَبِيهِ رُوحِ مُحْيِيهِ.
فَأَيْنَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ أُقْنُومٌ، وَإِنَّهُ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِلَّهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَإِنَّهُ خَالِقٌ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّهُ قَعَدَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَإِنَّهُ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
وَأَيْنَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا؟
وَمَنِ الَّذِي سَمَّى كَلَامَ اللَّهِ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ - مَوْلُودًا لَهُ أَوِ ابْنًا لَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ مَوْلُودًا لَهُ أَوِ ابْنًا لَهُ؟
وَمَنِ الَّذِي قَالَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ مَوْلُودٌ، وَهُوَ - مَعَ ذَلِكَ - قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ؟
وَأَيْنَ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلَّهِ أُقْنُومًا ثَالِثًا هُوَ حَيَاتُهُ، وَيُسَمَّى بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَأَنَّهُ أَيْضًا رَبٌّ حَيٌّ مُحْيٍ.
فَلَوْ كَانَ النَّصَارَى آمَنُوا بِنُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا آمَنَ الْمُؤْمِنُونَ،
(4/410)

لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَلَامٌ.
وَمَنِ اعْتَرَضَ عَلَى نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، كَانَ لِفَسَادِ فَهْمِهِ وَنَقَصِ مَعْرِفَتِهِ.
وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا أَقْوَالًا وَعَقَائِدَ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - وَفِيهَا كُفْرٌ ظَاهِرٌ وَتَنَاقُضٌ بَيِّنٌ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا مَعْنًى صَحِيحًا، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِعَ كَلَامًا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ الْمُتَنَاقِضِ الَّذِي يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ، وَيَقُولُ: إِنِّي أَرَدْتُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَالْمُرَادُ الَّذِي يُفَسِّرُونَ بِهِ كَلَامَهُمْ فَاسِدٌ مُتَنَاقِضٌ كَمَا تَقَدَّمَ؟
فَهُمُ ابْتَدَعُوا أَقْوَالًا مُنْكَرَةً وَفَسَّرُوهَا بِتَفْسِيرٍ مُنْكَرٍ، فَكَانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَهُمْ - فِي ذَلِكَ - نَظِيرُ بَعْضِ مَلَاحِدَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ إِلَهِيَّةَ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَيَصِفُونَ اللَّهَ بِصِفَاتٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا كِتَابٌ، وَهَؤُلَاءِ مُلْحِدُونَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا قَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَمْ يَبْتَدِعُوا أَقْوَالًا لَمْ يَأْتِ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، وَجَعَلُوهَا أَصْلَ دِينِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ.
فَهَذَا النَّظْمُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ،
(4/411)

وَلَا يُعْرَفُ عَالِمٌ مَشْهُورٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَائِفَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ طَوَائِفِهِمْ، يُطْلِقُونَ الْعِبَارَةَ الَّتِي حَكَوْهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ قَالُوا عَنْهُمْ: (إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَيَدَيْنِ يَبْسُطُهُمَا، وَسَاقًا وَوَجْهًا يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَجَنْبًا) .
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ رَكَّبُوا مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ بِسُوءِ تَصَرُّفِهِمْ وَفَهْمِهِمْ، تَرْكِيبًا زَعَمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُطْلِقُونَهُ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]
وَالْيَهُودُ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) أَنَّهُ بَخِيلٌ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَوَّادٌ لَا يَبْخَلُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ، كَمَا قَالَ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]
فَبَسْطُ الْيَدَيْنِ الْمُرَادُ بِهِ الْجَوَادُ وَالْعَطَاءُ، لَيْسَ الْمُرَادُ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ بَسْطٍ مُجَرَّدٍ.
وَلَمَّا كَانَ الْعَطَاءُ بِالْيَدِ يَكُونُ بِبَسْطِهَا، صَارَ مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرُ بِبَسْطِ الْيَدِ عَنِ الْعَطَاءِ.
(4/412)

فَلَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) وَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ بَخِيلٌ، كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَوَّادٌ مَاجِدٌ.
وَإِثْبَاتُ الْيَدَيْنِ لَهُ مَوْجُودٌ فِي التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ.
فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا شَيْءٌ يُخَالِفُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا مَا يُنَاقِضُ الْعَقْلَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ، وَجَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُوَافِقُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا لَفْظُ (الْعَيْنَيْنِ) ، فَلَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ.
وَذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ عَيْنَيْنِ.
وَلَكِنَّ الَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي - وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 39 - 37] ،
(4/413)

{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 13] .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: (لَهُ وَجْهٌ يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ) فَلَيْسَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنْ فِي الْقُرْآنِ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26] وَقَوْلُهُ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] وَقَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]
وَهَذَا قَدْ قَالَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ ; أَيْ فَثَمَّ جِهَةُ اللَّهِ، وَالْجِهَةُ كَالْوَعْدِ وَالْعِدَةِ، وَالْوَزْنِ وَالزِّنَةِ.
وَالْمُرَادُ بِوَجْهِ اللَّهِ وَجِهَةِ اللَّهِ - الْوَجْهُ، وَالْجِهَةُ وَالْوِجْهَةُ الَّذِي لِلَّهِ يُسْتَقْبَلُ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 115] ثُمَّ قَالَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]
(4/414)

فَإِذَا كَانَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] وَقَوْلُهُ: (مُوَلِّيهَا) ; أَيْ مُتَوَلِّيهَا أَوْ مُسْتَقْبِلُهَا، فَهَذَا كَقَوْلِهِ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] أَيْ فَأَيْنَمَا تَسْتَقْبِلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ اللَّهِ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ وَجْهٌ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْعِبَادَ أَيْنَمَا يُوَلُّونَ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُوَلُّونَ وَيَسْتَقْبِلُونَ، لَا أَنَّهُ هُوَ يُوَلِّي وَجْهَهُ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، فَهَذَا تَحْرِيفٌ مِنْهُمْ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنْ مَعْنَاهُ وَكَذِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ كُلِّهِ، كَمَا قَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْأُمُورَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ فِي دِينِهِمْ فِيمَا ابْتَدَعُوا مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، دُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: (وَجَنْبٌ) فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَالِمٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا طَائِفَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، أَثْبَتُوا لِلَّهِ جَنْبًا نَظِيرَ جَنْبِ الْإِنْسَانِ، وَهَذَا اللَّفْظُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]
فَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْإِضَافَةِ مَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ
(4/415)

صِفَةً لَهُ، بَلْ قَدْ يُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَخْلُوقَةِ وَصِفَاتِهَا الْقَائِمَةِ بِهَا مَا لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْخَلْقِ، كَقَوْلِهِ: (بَيْتُ اللَّهِ) وَ (نَاقَةَ اللَّهِ) وَ (عِبَادَ اللَّهِ) بَلْ وَكَذَلِكَ (رُوحُ اللَّهِ) عِنْدَ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَجُمْهُورِهِمْ.
وَلَكِنْ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مَا هُوَ صِفَةٌ لَهُ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ لِغَيْرِهِ، مِثْلَ كَلَامِ اللَّهِ وَعِلْمِ اللَّهِ، وَيَدِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَانَ صِفَةً لَهُ.
وَفِي الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَنْبِ مَا هُوَ نَظِيرُ جَنْبِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ قَالَ: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]
وَالتَّفْرِيطُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -.
وَالْإِنْسَانُ إِذَا قَالَ: فُلَانٌ قَدْ فَرَّطَ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَوْ جَانِبِهِ، لَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ التَّفْرِيطَ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ فَرَّطَ فِي جِهَتِهِ وَفِي حَقِّهِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ ظَاهِرَهُ أَنَّ التَّفْرِيطَ فِي نَفْسِ جَنْبِ الْإِنْسَانِ الْمُتَّصِلِ بِأَضْلَاعِهِ، بَلْ ذَلِكَ التَّفْرِيطُ لَمْ يُلَاصِقْهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ - أَنَّ التَّفْرِيطَ كَانَ فِي ذَاتِهِ؟
وَجَنْبُ الشَّيْءِ وَجَانِبُهُ، قَدْ يُرَادُ بِهِ مُنْتَهَاهُ وَحَدُّهُ، وَيُسَمَّى جَنْبُ الْإِنْسَانِ جَنْبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، قَالَ تَعَالَى:
(4/416)

{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16] وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: « (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ) »
وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا تَتَضَمَّنُ صِفَةَ اللَّهِ، كَانَ الْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي سَائِرِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ، وَفِي التَّوْرَاةِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمِّيهَا بَعْضُ النَّاسِ تَجْسِيمًا، هُوَ مِثْلُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مِمَّا أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ.
(4/417)

وَلَوْ كَانُوا هُمُ ابْتَدَعُوا ذَلِكَ، وَوَصَفُوا الْخَالِقَ بِمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنَ التَّجْسِيمِ، لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى مَا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] وَقَوْلِهِ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38]
فَنَفَى عَنْهُ اللُّغُوبَ الَّذِي يُظَنُّ فِي لَفْظِ الِاسْتِرَاحَةِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ تَعِبَ فَاسْتَرَاحَ.
ثُمَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَرَّفُوا مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، وَهَذَا لَفْظُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ
(4/418)

وَغَيْرُهُ وَقَالُوا مَعْنَاهُ: ثُمَّ تَرَكَ الْخَلْقَ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتَرَاحَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ حَرَّفُوا لَفْظَهُ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا لَفْظُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ، وَأَمَّا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ إِذَا ذَكَرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ وَيُصَدِّقُهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: (يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ،
(4/419)

وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ) . قَالَ: فَضَحَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] الْآيَةَ» .
وَفِي التَّوْرَاةِ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِإِصْبَعِهِ ".
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِمَا يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ وَتَرْكِ إِنْكَارِهِ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَتَصْدِيقِهِ عَلَى مَا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ مِنْ ذَلِكَ - لَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ مُخْتَصِّينَ بِذِكْرِ مَا سَمَّوْهُ تَجْسِيمًا، بَلْ يَلْزَمُ أَهْلَ الْكِتَابِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ.
(4/420)

وَقَدِ افْتَرَقَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، مِنْهُمُ الْغَالِي فِي النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنْهُمُ الْغَالِي فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ.
وَالْمُسْلِمُونَ أَئِمَّتُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ مُقْتَصِدُونَ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ جَاءَتْ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ.
وَلَمْ يَجُزْ لِلنَّصَارَى أَنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ مَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ.
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ الْمِلَلِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ التَّثْلِيثَ وَالِاتِّحَادَ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَشْبِيهُ هَذَا بِهَذَا؟
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: (فَيُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ ذُو جِسْمٍ وَأَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ) - كَلَامٌ بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ وَصِفَاتَهُ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ وَصِفَاتِ عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ هِيَ فِي حَقِّهِمْ نَظِيرُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَسَمَّى نَفْسَهُ حَيًّا، كَقَوْلِهِ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] الْآيَةَ.
(4/421)

{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا، كَقَوْلِهِ: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [الأنعام: 95]
مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْحَيُّ كَالْحَيِّ، وَسَمَّى نَفْسَهُ عَلِيمًا، كَقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] .
وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ عَلِيمًا، كَقَوْلِهِ: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28]
مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَلِيمُ كَالْعَلِيمِ.
وَسَمَّى نَفْسَهُ حَلِيمًا، بِقَوْلِهِ: {وَالل