Advertisement

الصفدية 002

وهذا الثاني قول غلاة القرامطة الباطنية كأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثاله وعمدتهم في ذلك نفي التشبيه وهذا لفظه في كتاب الافتخار له قال: "تعالوا أيها الأمم المختلفة لنريكم ما به افتخارنا ونظهر عوراتكم ونكشف عن عيوبكم ولنبتدىء أولا بالتوحيد فأقول إنكم رميتمونا بالتعطيل وسميتم أنفسكم موحدة وأنتم بما رميتمونا به أشد استحقاقا وله التزاما ونحن بما سميتم به أنفسكم أحق منكم وذلك أنكم تعلمون يقينا أنا نقر بأن لهذا العالم مبدعا أبدعه لا من شيء ولا من مادة ولا بآلة ولا بمعين ولا بمثال صورة معلومة عنده قد نطقت وانتشرت دعوتنا إليه
(2/3)

فلما جردناه عن الصفات والإضافات وقدسناه عن النعوت والسمات قدحتم فينا وسميتمونا معطلة.
أليس التعطيل هو الإنكار الذي يؤدي قولكم في معبودكم إليه لأنكم إذا أضفتم مبدعكم وخالقكم إلى أي شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير ثم يكون الموسوم به من خلقه غير مبدع ولا خالق ولا بارىء جاز أن يكون مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه الذي نفيتموه أن يكون مبدعا وخالقا وبارئا أن يكون غير مبدع ولا خالق ولا بارىء وما قدم الغير عليه كان عما يتلوه معطلا فأي الفريقين أحق بالتعطيل أهل الحقائق الذين أقروا به على الرسم الذي رسموه أم أنتم قد أنكرتم ما أقررتم به فإذا كان إقراركم بتوحيدكم يؤدي إلى التعطيل وإقرارنا إلى الإثبات المحض فأي افتخار أعظم من درك الحقائق والوقوف على الطرائق".
ومضمون كلامه أنكم إذا أضفتم خالقكم ومبدعكم إلى شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير مثل قولكم ذو القوة وذو العلم ونحو ذلك مما تضاف فيه الذات إلى صفاتها فيقال فهي ذات علم وقدرة وحياة ونحو ذلك وكان الموسم بذلك الوسم غير خالق جاز أن يكون غير مبدع ولا خالق لأن هذا تشبيه له
(2/4)

بخلقه من بعض الوجوه وإذا أشبهه من وجه جاز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على المخلوق والمخلوق يمتنع أن يكون خالقا فيمتنع أن يكون الخالق خالقا.
وهذه الشبهة تدور في كلام كثير من الناس والجواب عنها من وجوه:
أحدها: أنه لا يوصف بمثل ما يوصف به شيء من المخلوقات ولا تضاف ذاته إلى صفة تماثل صفة المخلوقين بل لا توصف بنفس ما يوصف به غيره ولا تضاف ذاته إلى الصفة التي تضاف إليها ذات غيره بل ليس في المخلوقات شيء يوصف بنفس ما يوصف به غيره ولا تضاف ذاته إلى الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره ولا يوسم بنفس سمة غيره فالخالق أولى أن لا يكون كذلك.
نعم في المخلوقات ما يكون له مثل فيوصف بمثل ما يوصف به غيره ويوسم بمثل ما يوسم به غيره وتضاف ذاته إلى صفة مثل الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره.
والخالق سبحانه لا مثل له فيمتنع أن تكون نفس صفته صفة غيره أو مثل صفة غيره وكذلك يقال يمتنع أن تكون ذاته مضافة إلى الصفة التي تضاف ذات غيره إليها أو إلى مثلها أو أن يكون موسوما بذلك.
فإذا قيل في حقه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (سورة الذاريات 58) وقيل في حقه: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ}
(2/5)

(سورة البقرة 255) وقيل في حق المخلوق إن له قوة وعلما لم يكن هذا العلم والقوة هو هذا العلم والقوة ولا هو مثله بل هذا علم وقوة يختص به الرب وهذا علم وقوة يختص به العبد وإذا اتفقا في مسمى القوة والعلم عند الإطلاق لم يستلزم ذلك أن يكون أحدهما هو عين الآخر ولا أن يكون مثله.
بل إذا قيل في الفلك إنه شيء قائم بنفسه وقيل في الخشبة إنها شيء قائم بنفسه موجود لم يلزم أن يكون هذا هو هذا ولا مثله وإذا قيل في لون السماء إنه عرض قائم بغيره وقيل في طعم التفاحة إنه عرض قائم بغيره لم يجب أن يكون هذا هو ذاك ولا مثله.
فاجتماع الشيئين في اسم عام لا يوجب أن يكون ما يتصف به أحدهما من ذلك المسمى هو نفس ما يتصف به الآخر ولا مثله وهذه الأسماء التي يسميها بعض الناس مشككة وهو نوع من الأسماء المتواطئة التواطؤ العام وهي من الأسماء العامة التي تسميها النحاة اسم جنس ويسمى معانيها المنطقيون الكليات.
والجواب الثاني أن يقال لهذا المستدل أنت قد قلت في أول خطبة كتابك: "الحمد لله المعبود بلا ولا ولا الذي سنا مجده في صدور أوليائه يتلألأ بأنه بعد لا إله إلا المبدع ذي الجود الغفور الرحيم" وقلت: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي عنه كل إثبات
(2/6)

مؤيسة لديه ساه وشبه بأنه مبدع الكل أحرى لا يستنكف أحد من عبادته والخضوع له بربوبيته والتذلل لعزته وجلاله المتعزز بالكبرياء والجبروت والمنفرد بالعظمة والملكوت والمتوحد بكلمة اللاهوت العزيز في سلطانه فلا يغالب والمتكبر بقدسه عن رويات الخواطر فلا يطالب الظاهر بقدرته في جميع بريته فلا ينكر والشاهد بنافذ أمره فلا يستر المحتجب بتعمده عن أن يكون كمثله شيء إذ هو بلفظ واسع أي أنه بادىء لا مسبوق له من التنزيه أسناها ومن التسبيح أعلاها ومن التقديس أهناها وكلها وراء ما تحصره هوية العقل ويستخرجه قواه والغنى بتمام قدرته عن أمثال الصور والأشباح ومبدع القلم لتخطيط الألواح".
فأنت في هذا الكلام تذكر أنه ذو الجود الغفور الرحيم وذكرت أنه له عزة وكبرياء وعظمة وجبروتا وملكوتا وذكرت أنه العزيز الظاهر بقدرته وغير ذلك مما فيه إثبات أسماء لله وصفات وخلقه يسمون بما يشبه هذه الأسماء والصفات فيقال لأحدهم رحيم عزيز.
(2/7)

كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (سورة التوبة 128) .
وقال تعالى: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} (سورة يوسف 51) .
وقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (سورة المنافقون 8) .
وقال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} (سورة النمل 23) .
وقال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} (سورة غافر 35) .
وقال: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} (سورة الكهف 79) ونظائر هذا متعددة.
فإذا كان المخلوق يوصف بأنه رحيم وعزيز وأن له رحمة وعزة وأنه عظيم جبار متكبر ونحو ذلك فقد وصفته بالصفات والإضافات وأضفته إلى شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير.
وإذا كان كذلك فإما أن يكون قولك متناقضا فيبطل وهكذا هو في نفس الأمر فإن قولهم متناقض في نفسه فإنهم لا بد أن يعبروا عن الله بنوع ما من العبارات المتضمنة للمعاني فيكون ذلك مناقضا لما ادعوه من التجريد والسلب العام وإما أن تقول هذه الأمور التي أثبتها له ليست مثل ما يثبت للمخلوقين فهذا جواب لك عما يثبته أهل الإثبات.
(2/8)

وإن ادعيت أن اللفظ مشترك اشتراكا لفظيا من غير أن يكون بين المعنيين تشابه أصلا فهذا الجواب إن كان صحيحا أجابوا بمثله وإن كان باطلا لم ينفعك.
الجواب الثالث: أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا فيه وهو المعنى العام الكلي لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به وهذا لا محذور فيه بل هو حق فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق موجودا أو هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه أو قيل هذا حي عليم رحيم وقيل هذا حي عليم رحيم كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم.
وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيد بالعبد فقيل وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد والله منزه عما يختص به العبد وأما إذا اتصف الرب به أو أخذ مطلقا غير مختص بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا.
(2/9)

الوجه الرابع: أن يقال: إذا قيل هذا يشبه هذا من وجه كذا فيجب أن يكون حكمه حكمه من ذلك الوجه لم يجب أن يكون حكمه حكمه من غير ذلك الوجه فالسواد إذا شارك البياض في كون كل منهما عرضا قائما بغيره لم يجب أن يشاركه من جهة كونه سوادا والجسم القائم بنفسه إذا شارك العرض في كون كل منهما موجودا لم يجب أن يشاركه في خصائص الأعراض وكذلك إذا قلنا إن الأجسام ليست متماثلة وهو أصح القولين فالجسم إذا شارك الجسم في لوازم الجسمية لم يجب أن يشاركه فيما يختص به أحدهما عن الآخر فإذا شاركه في كونه يشار إليه أو في كونه قائما بنفسه أو في قبول الأبعاد الثلاثة أو غير ذلك لم يجب أن يكون التراب مماثلا للنار فيما يختص به ولا التفاح مماثلا للخبر فيما يختص به.
وبهذا تظهر المغلطة في الحجة فإنه لما قال إذا أضفتم مبدعكم إلى شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير وكان الموسوم به غير مبدع ولا خالق ولا بارىء جاز أن يكون مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه الذي نفيتم أن يكون مبدعا خالقا أن يكون غير مبدع ولا خالق.
فإنه يقال له قولك من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه أتعني بذلك أنه يثبت للمخلوق مثل ما يثبت له بحيث يجوز على هذا ما يجوز
(2/10)

على هذا ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه أتعني أنه يثبت له ما فيه نوع من التشابه.
فإن ادعيت الأول كان ممنوعا وممتنعا فإنهم إذا قالوا لله علم وقدرة وللمخلوق علم وقدرة لم يقولوا إن العلمين والقدرتين متماثلان بحيث يجب لأحدهما ما وجب للآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجوز عليه ما يجوز عليه بل هذا معلوم الفساد بالضرورة وإن كان بعض من يثبت له بعض الصفات وينفي بعضها مثل من يثبت لله العلم والقدرة وينفي الرضا والغضب والوجه واليد قد يقول ليس بين علمنا وعلم الله فرق ولا بين سمعنا وسمع الله فرق ولا بين بصرنا وبصر الله فرق إلا في الحدوث والقدم.
ومقصوده بذلك أن ينفصل عن إلزام المثبتة فإنهم يقولون له كما أثبت لله علما وقدرة وسمعا وبصرا وليس مثل سمعنا وبصرنا ولا علمنا وقدرتنا فكذلك أثبت له رضا وغضبا ووجها ويدا وليس مثل رضانا ولا غضبنا ولا وجوهنا ولا أيدينا فيريد بزعمه أن يذكر الفرق بأن التماثل موجود في الوصفين فليس بين العلمين والقدرتين فرق إلا في الحدوث والقدم فكذلك يجب أن لا يكون بين الوجهين واليدين إلا في الحدوث والقدم فيجب أن يكون وجهه ويده جارحة وكذلك في سائر الصفات
(2/11)

وهذا القول باطل قطعا فإنه لو تماثل العلمان والقدرتان لجاز على أحدهما ما يجوز على الآخر وامتنع عليه ما يمتنع عليه ووجب له ما وجب له ولو جاز أن يقال ذلك في العلم والقدرة لجاز أن يقال ذلك في الحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة وغير ذلك من الصفات.
وإن جاز أن يقال ذلك في الصفات جاز مثله في الذات لأن نسبة علم الرب إلى ذاته كنسبة علم العبد إلى ذاته فهما علمان وعالمان وإن جاز أن يقال العلم مثل العلم إلا في الحدوث والقدم جاز أن يقال العالم كالعالم إلا في الحدوث والقدم.
وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو يتبين من وجوه:
منها أنه لو تماثلت الذاتان لامتنع اختصاص أحدهما بالحدوث والأخرى بالقدم فإن المقتضى لقدم الرب هو نفس ذاته لا يحتاج في ثبوت قدمه إلى غيره والمقتضى لكون العبد مفتقرا إلى من يخلقه نفس ذاته ليس افتقاره مستفادا من أمر خارج عن ذاته فإذا كان المثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر وهذه الذات لا يجوز عليها القدم بل يمتنع عليها وتلك يجب لها القدم ويمتنع عليها العدم وإذا امتنع تماثلهما فامتنع تماثل صفاتهما فإن صفة كل موصوف بحسبه.
فإن قيل الأمور المختلفة قد تشترك في لوازم متماثلة كالإنسان والفرس يشتركان في الحيوانية.
قيل ليست الحيوانية العامة المختصة للإنسان مماثلة من كل وجه للحيوانية المختصة بالفرس بل هما مختلفان حسب اختلاف الحقيقتين
(2/12)

وإن اشتركا في الحيوانية العامة فذلك العام لا يوجد عاما إلا في الذهن لا في الخارج.
تبيين ذلك أن خاصة الحيوانية الحس والحركة الإرادية وإحساس الفرس ليس مثل إحساس الإنسان بل ولا مثل إحساس الهر والفأر وإن اشتركا في الحيوانية ولا حركته الإرادية مثل حركة هذه الحيوانات الإرادية ولو ماثل الإنسان سائر الحيوان في الحس والحركة الإرادية للزم أن تثبت لكل منهما لوازم حس الآخر وحركته الإرادية فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع وحس الإنسان وحركته الإرادية يلزمهما لوازم يمتنع اتصاف الهر والفأر بها وكذلك بالعكس فعلمنا أن الحس والحركة مختلفان فيهما بالنوع كما أن حقيقتهما مختلفة بالنوع فحيوانيتهما مختلفة بالنوع والمختلف بالنوع والحقيقة ليس متماثلا واشتراكهما في جنس الحيوانية كاشتراك السواد والبياض في جنس اللونية مع أنهما مختلفان بالنوع والحقيقة.
وأيضا فكل ما للرب تعالى من صفات الكمال فهو من لوازم ذاته فلو ماثلته ذات أخرى لاتصفت بمثل ما اتصف به الرب بحيث يكون بكل شيء عليما وعلى كل شيء قديرا ويكون قادرا على خلق مثل هذا العالم وأمثال ذلك مما يعلم امتناعه.
وأيضا فالرب تعالى لو كان له مثل للزم أن يقدر على ما يقدر عليه وأن يريد كما يريد وحينئذ فيمتنع وجود العالم لأنه إن أمكن أن يستقل به كل منهما لزم أن يكون كل منهما فاعلا له كله غير فاعل لشيء
(2/13)

منه وهذا جمع بين النقيضين وإن لم يمكن أن يستقل به أحدهما إلا إذا تركه الآخر كانت قدرته مشروطة بتمكين الآخر له وكذلك إن لم يمكن أحدهما فعله إلا بمعاونة الآخر لزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا جعله الآخر قادرا وحينئذ فلا يكون أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء وإذا لم يكن أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء امتنع حال الاجتماع قدرتهما لأنه ليس هناك شيء غيرهما يجعلهما قادرين وليس لواحد منهما قدرة يعين بها الآخر فلو كان كل منهما صار قادرا بجعل الآخر له لزم الدور في التأثير وهو الدور القبلي الباطل باتفاق العقلاء وهو معلوم الفساد ضرورة بعد التصور

وهذا بخلاف إذا كان هناك ثالث يجعلهما قادرين بالاجتماع فإن هذا هو الدور المعي وهو جائز ولهذا لا يوجد شيئان من الموجودات يصير لهما قدرة حال الاجتماع إلا بإحداث ثالث ذلك لهما أو بانضمام قوة أحدهما إلى قوة الآخر كالمشتركين من الآدميين لا بد أن يكون لأحدهما عند الإنفراد قدرة على شيء أو عند الإجتماع تقوى قدرتهما
والتقدير هنا أنه لا شيء من القدرة ثابت حال الإنفراد وإذا كان تقدير مثل له يستلزم أن يكون قادرا مثله وتقدير ربين قادرين ممتنع علم انتفاء مثله وإذا كان تقديرهما غير قادرين ممتنعا أيضا علم انتفاء شريك على كل وجه وأن تقدير مثل له أو شريك له ممتنع لذاته سواء
(2/14)

قدر المثل مشاركا أو غير مشارك وسواء قدر الشريك مماثلا أو غير مماثل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
ومما يبين امتناع تماثل العلمين أن الرب بكل شيء عليم سواء قيل إنه عالم بعلم واحد أو بعلوم غير متناهية وليس علم العبد لا هكذا ولا هكذا بل هذا ممتنع فيه ولو قال القائل علم الرب بالشيء المعين كعلم العبد به كان ممتنعا فإن الرب يعلمه علم إحاطة به والعبد لا يحيط به.
وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الله أعلم وأقدر من خلقه كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} (سورة فصلت 15) .
وقال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} إلى قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (سورة النجم 32) .
وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (سورة النور 19) .
وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (سورة الإسراء 85) .
وهذا أوضح في المنقول والمعقول وأعظم من أن يحتاج إلى شواهد فكيف يجوز أن يظن التماثل مع ثبوت التفاضل.
وهذا إنما ذكرته لأن بعض معتزلة الصفاتية الذين يثبتون الصفات السبعة وينفون الصفات الخبرية ويزعمون أن هذا تشبيه ممتنع أورد عليهم هذا بسبب محنة وقعت بين المثبتة والنفاة وكان قاضي القضاة وقيل بل نثبت هذه الصفات مع انتفاء المماثلة كما أثبتم تلك الصفات
(2/15)

مع انتفاء المماثلة فكما أن له علما ولنا علم وليس علمه مثل علمنا ولنا قدرة وله قدرة وليست قدرته مثل قدرتنا فكذلك يقال في الصفات الخبرية.
فقال ليس بين علمنا وعلمه فرق إلا في الحدوث والقدم فإذا أثبتنا له الوجه ونحوه لزم أن يكون مثل وجوهنا إلا في الحدوث والقدم فعلم المعارضون له فساد هذا القول وقبحه شرعا وعقلا وأن قولا يستلزم مثل هذا من أفسد الأقوال.
وهذا القول شعبة من قول الباطنية المذكورين نفاة الصفات الثبوتية والسلبية والأسماء فإنهم جردوه عن جميع ذلك حذرا من التشبيه المذكور.
والمقصود هنا بيان جواب الباطنية القرامطة وهذا الجواب الذي ذكرناه على أحد القولين وهو جواز كون النفي مشابها لغيره من وجه دون وجه وهذا هو الصحيح الذي عليه أكثر الناس وهو المنصوص عن أحمد وغيره.
وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه
(2/16)

وهؤلاء يقولون إذا كان هذا حيا عالما وهذا حيا عالما لم يجب أن يكون بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أ 4 ن تتبدل على كل من الأجسام مع بقاء حقيقته.
وهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد بالضرورة بعد التصور الصحيح.
وهؤلاء يجيبون هؤلاء الباطنية بجواب خامس وهو أن الخالق والمخلوق إذا سمي كل واحد منهما فاعلا أو قادرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما وإنما يكون التماثل في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك وهؤلاء يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ينفصلون بهذا الجواب فإن منازعهم يقول فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه وجعلتموه
(2/17)

مجسما ولا يمكنهم أن يذكروا فرقا صحيحا وكل ما يقولونه يمكن المثبت أن يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه تجسيما وما لم يسموه تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع.
ونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين لا يلتزمون قولهم وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين بطلانها وانتفائها.
فقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب.
(2/18)

فابن سينا وأمثاله من أئمة هؤلاء وكان أهل بيته من أهل دعوة الحاكم وأمثاله من أئمة القرامطة الباطنية الإسماعيلية.
وقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو وجود المخلوق أو جزء منه
(2/18)

وعلى كل تقدير فحقيقة قول هؤلاء نفي الوجود الواجب المباين للوجود الممكن ونفي وجود الخالق المباين للمخلوقات ونفي وجود القديم المباين للمحدثات وهذا قول المعطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان أن طريقة ابن سينا وأتباعه في الوجود الواجب لا يفيد إلا إثبات وجود واجب فقط وأنها لا تفيد أنه مباين للعالم إلا بطريقة نفي الصفات وهي باطلة ولو صحت لم تفد إلا إثبات هذا الوجود المطلق لا تفيد وجودا مباينا للمخلوقات منفصلا عنها فتفيد إثبات وجود في الذهن أو إثبات وجود مشترك بين الموجودات لا تفيد إثبات وجود مباين لوجود الممكنات.
وهو إنما أخذه من كلام المعتزلة لما قسموا الموجود إلى محدث وقديم وبينوا ثبوت القديم أخذ هو يقسمه إلى واجب وممكن وغرضه إثبات وجود الواجب بدون إثبات حدوث العالم وجعل وجود العالم ممكنا وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة كأرسطو وأتباعه فإن الممكن عندهم لا يكون موجودا وهم لم يقسموا الوجود إلى واجب وممكن كما فعله ابن سينا بل أثبتوا العلة الأولى بالحركة فقالوا الفلك يتحرك حركة شوقية للتشبه بالعلة الأولى وهو عندهم محرك للفلك كتحريك المحبوب لمحبه وقولهم أعظم فسادا من قول ابن سينا.
وهذه الطريقة التي سلكها ابن سينا وأتباعه والمعتزلة يمكن سلوكها بأنواع أخر مثل أن يقال الوجود ينقسم إلى غنى عن غيره وفقير إلى
(2/19)

غيره والفقير لا يوجد بدون الغنى فيلزم وجود الغني على التقديرين والوجود ينقسم إلى قيوم يقوم بنفسه ويقيم غيره وإلى ما ليس بقيوم وما ليس بقيوم لا يوجد إلا بالقيوم فيلزم وجود القيوم على التقديرين.
وكذلك يقال الوجود ينقسم إلى مخلوق وإلى غير مخلوق والمخلوق لا بد له من وجود خالق غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين ثم يقال وهذا الموجود الذي ليس بمخلوق هو الخالق للمخلوقات فإن وجوده إنما علم بضرورة وجود المخلوقات فثبت وجود الخالق على كل تقدير.
ثم يقال والقديم إما قديم بنفسه وإما قديم بغيره والقديم بغيره ممتنع لأنه لا يكون قديما بنفسه إلا إذا كان لازما للقديم بنفسه وإلا فلو جاز أن يوجد معه وجاز أن لا يوجد معه لم يترجح أحدهما إلا بمرجح لكن القديم المحدث للمخلوقات لا يجوز أن يلزمه شيء من آثاره لأن آثاره لا تلزمه إلا إذا كان موجبا بنفسه بحيث لا يتخلف عنه موجبه ولو كان كذلك لم تصدر عنه الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط فإذا صدرت عنه الحوادث علم أنه ليس مستلزما لمفعوله.
وإذا قيل إن العقول لازمة له وهي موجبة للأفلاك ولأنفس الأفلاك
(2/20)

قيل فالأفلاك مستلزمة للحوادث والحوادث مقارنة للعقول اللازمة له فلم يزل فاعلا للحوادث وعلى عبارتهم لم يزل علة لها أو موجبا والعلة القديمة المستلزمة لمعلولها لا يكون معلولها حادثا ولا مستلزما للحوادث ولا مقارنا لحادث ولا شيء من معلولها لأنه يقتضي أن ذلك الحادث قديم معها معلول لها والحادث لا يكون مقارنا للقديم ولا معلولا له ولا يمكن أن يقال بتسلسل الحوادث وحدوثها شيئا بعد شيء على هذا التقدير لأنها على هذا التقدير لا تكون في الأزل علة لشيء من الحوادث ولكن تكون علة لكل واحد عند حدوثه إذ العلة التامة هي المستلزمة للمعلول وتكون عليتها وتأثيرها حادثة شيئا فشيئا كحدوث المعلولات التي هي الآثار وإذا كان المعلول لا يخلو عن حادث فيكون مستلزما للحوادث ومقارنا لها لم يمكن وجوده إلا مع لازمه المقارن له ووجود لازمه عنها في الأزل محال فوجود الملزوم عنها في الأزل محال سواء جعل اللازم مجموع الحوادث أو واحد من الحوادث أو نوع الحوادث شيئا بعد شيء فعلى التقديرات الثلاثة لا يمكن وجود ذلك عن علة أزلية وهي الموجب بذاته وهذا لأن الجميع معلول لها
(2/21)

أما إذا قدر أنها هي تحدث الحوادث شيئا بعد شيء فلا تكون علة تامة للحوادث وقدر هناك موجب بذاته لشيء آخر وهو مقارن للحوادث أمكن أن يقال إن نوع الحوادث دائم مع وجود شيء آخر باق أزلي فإنما الكلام هنا إذا كان العالم جميعه معلولا للعلة التامة الأزلية فإن هذا ممتنع على كل تقدير سواء قدر العالم لا يخلو من الحوادث أو قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن.
أما على الأول فلأنه لم يوجد بدون الحوادث ولا يمكن وجوده مع الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها وأما إذا قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن فلأنه يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ولأنه على هذا التقدير لا يكون يحدث الحوادث بعد أن لم يكن موجبا بذاته في الأزل لأنه جمع بين النقيضين بل لا بد أن يقال هو فاعل باختياره يمكنه أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا بحال.
وعلى هذا التقدير إن لم يكن فعله في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن أمكن فعله في الأزل لزم ثبوت فعله في الأزل وأن يكون فاعلا دائما لأن المقتضى موجود والمانع مفقود فإن المقتضى لكونه فاعلا ليس شيئا خارجا عن نفسه لامتناع كونه مفتقرا إلى غيره وكون غيره مؤثرا فيه والتقدير أن الفعل ممكن في الأزل وإذا كان المقتضي قائما والمانع زائلا لزم ثبوت الفعل
(2/22)

ولهذا كان المانعون من هذا إنما منعوا منه لاعتقادهم امتناع الفعل في الأزل إما لامتناع حوادث لا أول لها عندهم أو لأن الفعل ينافي الأزلية أو لغير ذلك وعلى كل تقدير فإنه يمتنع قدم شيء بعينه من العالم وكذلك إذا قدر أن الفعل دائم فإنه دائم باختياره وقدرته فلا يكون الفعل الثاني إلا بعد الأول وليس هو موجبا بذاته في الأزل لشيء من الأفعال ولا من الأفعال ما هو قديم أزلي.
والأفعال نوعان لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولا والفعل المتعدي يقتضي مفعولا فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة وأما المتعدية فكانت بعد أن لم تكن لم يلزم وجود ثبوت شيء من المفعولات في الأزل وإن قدر أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضا والمستلزم لمفعول فإذا كان الفعل يحدث شيئا بعد شيء فالمفعول المشروط به أولا بالحدوث شيئا بعد شيء لأن وجود المشروط بدون الشرط محال فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في العالم شيء يقارنه في الأزل وإن قدر أنه لم يزل فاعلا سبحانه وتعالى فهذه الطريقة قرر فيها ثبوت القديم المحدث للحوادث وحدوث كل ما سواه من غير احتياج إلى طريقة الوجوب والإمكان ولا إلى طريقة الجواهر والأعراض.
ويمكن تقدير هذا على طريقة الوجوب بأن يقال قد ثبت أن الوجود ينقسم إلى واجب بنفسه وممكن والذي لا ريب في إمكانه هو الحوادث فإنا نعلم وجودها بعد العدم فلزم إمكان وجودها وعدمها بخلاف ما لم يعلم إلا وجوده فإنا نحتاج أن يعلم إمكانه بطريق آخر.
(2/23)

وإذا كانت الحوادث ممكنة والممكن لا بد له من الواجب بنفسه ثبت أن المحدث للحوادث هو الواجب بنفسه وإذا كان المحدث لها هو الواجب بنفسه امتنع أن يكون علة تامة لها في الأزل لكون العلة التامة تستلزم معلولها فيجب أن تكون جميع الحوادث صادرة عن علة تامة أزلية وهذا باطل سواء قدر صدور مجموعها عنه في الأزل أو صدور واحد بعينه أو صدورها واحدا بعد واحد كما تقدم فإن كون مجموعها أو واحد من الحوادث بعينه أزليا ممتنع لذاته وكون النوع حادثا شيئا بعد شيء يمنع أن يكون المحدث له علة أزلية فإن العلة الأزلية يقارنها المعلول والمتجدد لا يكون مقارنا للأزلي في الأزل ولأن كلا من الحوادث لا تكون علته التامة إلا عند وجوده وإلا لزم حدوث الحادث عن العلة التامة من غير أن يتجدد تمامها له عند حدوثه فتمام العلة للحوادث وأزليتها جمع بين النقيضين.
وقد تقدم بيان هذا وتمام الدليل وهكذا يمكن إذا قسم الموجود إلى غني وفقير وقيل إن الفقير لا بد له من غنى ثم قيل والحوادث فقيرة فيلزم صدروها عن الغنى.
أو قيل إنه ينقسم إلى قيوم وغير قيوم وغير القيوم مفتقر إليه والحوادث مفتقرة إلى القيوم ويساق الدليل إلى آخره.
(2/24)

وكذلك إذا قيل الوجود ينقسم إلى كامل وناقص والناقص لا بد له من الكامل لأن الناقص مفتقر إلى الكامل إذ لو كان مستغنيا بنفسه لكان كاملا فإن الغنى من أعظم صفات الكمال ولو كان الكامل مفتقرا إليه لكان هو الناقص ولو كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر للزم الدور القبلي السبقي وهو باطل وإذا ثبت وجود الكامل فلا بد أن يكون قديما إذ لو كان حادثا لكان الوجود كله حادثا والحادث مفتقر إلى القديم فلا بد من القديم.
وأيضا فالحوادث هي الناقصة لأن نفس الحدوث يوجب الافتقار إلى الغنى والفقر أعظم صفات النقص فيلزم افتقار الحوادث إلى الكامل ويساق الكلام إلى آخره.
وأيضا فيقال: الوجود ينقسم إلى خالق ومخلوق كما تقدم والخالق يستحيل أن يكون شيء ممن مخلوقاته أزليا معه لأنه لو كان كذلك لكان علة موجبة له وذلك ممتنع كما تقدم.
ويمكن تقدير صفات الكمال لله سبحانه بهذه الطرق كلها فإنه إذا ثبت وجود الواجب بنفسه أو وجود القديم أو الغنى أو وجود القيوم أو الكامل أو الخالق أو نحو ذلك من خصائص الرب تبارك وتعالى فإنه يقال الكمال الذي لا نقص فيه الممكن للموجود من حيث هو موجود إما أن يكون ممكنا له وإما أن يكون ممتنعا عليه والثاني باطل لأن هذا الكمال ممكن للمحدثات الممكنات الفقيرة إليه المخلوقات فإن الواحد منها يمكن أن يكون حيا عالما قادرا سميعا
(2/25)

بصيرا متكلما فإن لم يمكن ذلك فيه لزم إمكان اتصاف المفضول بالكمال الذي لا نقص فيه دون اتصاف الأفضل به وهذا ممتنع.
وأيضا فكل كمال في المحدثات الممكنات المخلوقات فمنه فمن جعل غيره كاملا فهو أحق بالكمال فالخالق أولى بالكمال والمدح والثناء من المخلوقات.
وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة فثبت إمكان اتصافه بالكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه وإذا ثبت إمكان ذلك فإما أن يفتقر في ثبوت هذا الكمال له إلى غيره وإما أن لا يفتقر والأول باطل لأنه قد ثبت أنه غني ولأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره ولأن الخالق الذي ليس بمخلوق لا يكون فقيرا إلى غيره ولأن القديم الذي أحدث كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ولأن القيوم القائم بنفسه المقيم كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ولأنه لو افتقر إلى غيره فذلك الغير إما أن يكون من مفعولاته وإما أن يكون واجبا بنفسه.
فإن كان الأول لزم الدور القبلي وهو ممتنع ولأن كل ما لمفعولاته من الكمال فهو منه فلو لم يستفد كماله إلا من مفعوله لزم أن لا يحصل الكمال له حتى يحصل الكمال لمفعوله ولا يحصل الكمال لمفعوله حتى يحصل له لأن جاعل الكامل كاملا أولى بالكمال وإن افتقر إلى واجب غيره يجعله كاملا كان ذلك الغير هو الرب الكامل وكان الأول
(2/26)

مفعولا له مخلوقا ونحن تكلمنا في الأزلي القديم الواجب بنفسه القيوم الفاعل لكل ما سواه.
فثبت بهاتين المقدمتين أن كل كمال لا نقص فيه ممكن للوجود فهو ممكن له وثبت أنه لا يتوقف ثبوت ذلك له على غيره فحينئذ يلزم ثبوت ذلك الكمال له ولزومه إياه لأنه إذا حصل المقتضى التام الذي لا يتوقف اقتضاؤه على شيء لزم ثبوت مقتضاه والعلة التامة يلزمها معلولها فإذا كان الواجب التام يلزمه موجبه فهو سبحانه وحده الموجب لكمال نفسه المقتضي لذلك فيلزم أن يكون الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه ثابتا له لازما دائما وهو المقصود.
وإثبات صفاته اللازمة له بطريق الإيجاب الذاتي هو الحق دون إثبات مخلوقاته وحينئذ فيكون طريقة الوجوب وغيرها من الطرق العقلية دلت على إثبات صفات الكمال له ونفى النقائص عنه وهذا وغيره مما بين دل على أن الطرق العقلية كلها مثبتة لصفات الكمال لله وأن من استدل بوجوبه أو قدمه أو غير ذلك على نفي صفاته كان مخطئا ضالا وتبين أن هذه الطرق العقلية كلها يمكن إثبات الصفات والأفعال بها وإثبات حدوث كل ما سواه.
ونحن نبهنا على هذه الفوائد الجليلة منها أن طائفة من أهل الكلام كصاحب الإرشاد ومن اتبعه يزعمون أن تنزيهه عن
(2/27)

النقائص لم يعلموه بالعقل بل بالسمع وهو الإجماع على ذلك وجعلوا عمدتهم فيما ينفونه عنه هو نفي الجسم كما فعلت ذلك المعتزلة واعتمدوا في نفي الجسم على إثبات حدوث الأجسام واعتمدوا في ذلك على امتناع حوادث لا أول لها وكذلك نفاة الفلاسفة جعلوا عمدتهم فيما ينفونه هو نفي التركيب واعتمدوا في نفي التركيب على إمكان التركيب واعتمدوا في إمكان ذلك على أن المجموع لا يكون واجبا لافتقاره إلى بعض أفراده.
وهذا الكلام قد تقدم التنبيه على فساده وبينا ما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة وأن كون الموصوف بصفات لازمة واجبا بنفسه إذا قيل إنه يتضمن افتقاره إلى بعض لوازم ذاته أو ما يدخل في مسمى ذاته كان مضمونه أنه لا يوجد إلا به وليس في ذلك ما يقتضي كون ذلك الفرد فاعلا له ولا علة فاعلة له والواجب بنفسه هو الذي لا يكون له فاعل ولا علة فاعلة له.
وأما إذا قدر موجود بنفسه ذو صفات لازمة فذلك لا ينافي أن لا يكون له فاعل ولو قدر مجموع واجب بنفسه لا يوجد إلا بوجود كل من أجزائه لم يكن في العقل ما يمنع أن يكون هذا غير مفتقر إلى فاعل.
ولفظ الوجوب بالنفس قد صار فيه بحسب كثرة الخوض فيه اشتراك لفظي فإن عني به أنه لا يكون له صفة ولا لازم فهذا لا دليل على ثبوته.
ثم من العجب أن هؤلاء يجعلونه معلولاته لازمة له مع زعمهم أنه
(2/28)

واجب بنفسه فكيف يمتنع أن تكون صفاته لازمة له مع كونه واجبا بنفسه فإن كان الواجب بنفسه هو الذي لا يكون له لازم أصلا فليس في الوجود واجب بنفسه على قولهم وإن كان استلزامه لشيء لا يمنع وجوبه بنفسه فأحق الأشياء بذلك صفاته فاستلزامه إياها لا يمنع وجوبه بنفسه وإن عنى به أنه لا يكون له محل يقوم به ولا علة قابلة فالصفات على هذا الوجه لا تكون واجبة بنفسها بل تكون واجبا بالذات التي لا تفتقر إلى محل مع أن الدليل الذي دل على أن الممكنات لا بد لها من واجب بذاته دل على أنه لا بد لها من موجود بنفسه لا يكون له فاعل ولا علة فاعلة.
ولا ريب أنه لا بد أن يكون غنيا عن الممكنات لأن افتقاره إليها يمنع كونه موجودا بنفسه فلا يجوز له أن يفتقر إلى الممكنات لا إلى محل ولا إلى غير محل لكن هذا لا يمنع أن تكون صفاته واجبة أيضا وداخلة في مسمى الواجب بنفسه وكونها لا تقوم إلا به لا يوجب احتياجها إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة مباينة للمعلول.
وإذا سميت الذات علة كما تقدم بمعنى أنها موجبة للصفات مستلزمة لها فهذا معنى صحيح لكن العلة الفاعلة التي يدعونها في علة العالم ليست من هذا الباب فينبغي أن يبين المراد في العبارات
(2/29)

المجملة فإنه قد قيل إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وأما طريقة الذين اعتمدوا في النفي على حدوث الجسم فإن أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة نازعوهم في امتناع دوام الحوادث وقالوا إن هذا يخالف العقل والنقل وقالوا أنتم زعمتم أنكم بهذه الطريق تثبتون حدوث العالم وإثبات الصانع وهذه الطريق تناقض ذلك فإن هذه لا تتم إلا بإثبات ذات معطلة عن الفعل فعلت بلا سبب أصلا وهذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وهو يسد إثبات الصانع.
قالوا: وما ذكرتموه من الأدلة على امتناع دوام الأفعال والحوادث في الماضي يرد عليكم في المستقبل وليس بين هذين فرق معقول فإنه ما من ماض إلا وقد كان مستقبلا ولا مستقبل إلا ولا بد أن يصير ماضيا فالفرق بين الماضي والمستقبل فرق إضافي بحسب حال الوقت الذي جعل حاضرا وبحسب من يكون في ذلك الوقت فإن ما مضى هو ماض بالنسبة إليه وما سيكون مستقبل بالنسبة إليه ولا ريب أن الماضي عدم والمستقبل لم يوجد بعد فهذا وجد ثم عدم وهذا سيوجد ثم يعدم فكلاهما داخل في الموجود وكلاهما غير دائم الوجود.
قالوا ولهذا لما عرف أئمة طريقكم بطلان الفرق سووا بين الماضي والمستقبل وهما الجهم بن صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف إمام
(2/30)

المعتزلة والجهم كان قبل أبي الهذيل وهو أسبق منه إلى هذه الحجة ونفى الصفات ولهذا زعم أن العالم كله يفنى ويفنى نعيم الجنة وأهل الجنة حتى لا يبقى موجود إلا الله كما كان الأمر في الابتداء كذلك.
والذين سلكوا سبيله أعجزتهم حجته فمنهم من يقول كان القياس ما قاله لكن النصوص جاءت بدوام الدارين كما يذكر ذلك طائفة من المصنفين كصاحب الإيضاح وغيره وهذا كلام فاسد فإن الدليل العقلي متى انتقض بطل والنصوص لا تأتي بخلاف المعقول الصريح أبدا.
ومنهم من يقول نحن نقول بفناء الحركات دون فناء الأجسام كما قاله أبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة وهذا يستلزم وجود الأجسام خالية عن الحركة وإذا جوز ذلك في المستقبل فليجوزه في الماضي فيلتزم ما فر منه من قدم الأجسام وكثير منهم فرق بين الماضي والمستقبل بأن هذا دخل في الوجود وهذا لم يدخل فهذا يمكن فيه التطبيق بخلاف هذا.
وهذا فرق ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الماضي عدم فلا يمكن فيه التطبيق كما ذكروه
(2/31)

والثاني: أن دليلكم دليل التطبيق والموازاة مبناه على أن ما لا يتناها لا يكون بعضه أكثر من بعض.
قالوا: فإذا فرضنا الحوادث من الطوفان والحوادث من الهجرة وطبقنا بينهما فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهو محال وإن تفاضلا لزم فيما لا يتناهى أن يكون بعضه أزيد من بعضه قالوا وهذا محال.
فقيل لهم: هذا ينقض عليكم بالحوادث في المستقبل فإن الحوادث المستقبلة من الطوفان أزيد منها في الهجرة ففرق بعضهم بأن ذاك وجد وهذا لم يوجد وهو فرق ضعيف كما ترى.
وأما قولهم: ما لا يتناهى لا يتفاضل فإنهم منعوهم ذلك وقالوا بل كلما دام الشيء كان بقاؤه أطول وإن كان لا أول له وكلما حدثت الحوادث كانت أكثر مما وجد وإن كان لا نهاية له كما أن العدد كلما ضعفته كان أزيد وإن كان لا نهاية له وإذا ضعفت الواحد والعشرة والألف تضعيفا دائما فآحاد الألف أكثر من آحاد العشرة وآحاد العشرة أكثر من آحاد الواحد فتضعيف الجميع لا يتناهى.
ومنهم من فرق بين الماضي والمستقبل.
فإنك إذا قلت لا أعطيتك درهما إلا أعطيتك آخر كان ممكنا وإذا قلت لا أعطيك درهما حتى أعطيك درهما كان غير ممكن.
(2/32)

وهذا ذكره صاحب الإرشاد وغيره وليس هو بتمثيل مطابق إنما المطابق أن يقال ما أعطيتك درهما إلا وقد أعطيتك قبله درهما فأما إذا قال لا أعطيك حتى أعطيك فهنا نفى المستقبل حتى يحصل المستقبل.
والمقصود أن ما هو إثبات ماض قبله ماض لا إثبات مستقبل قبله مستقبل فالتقديرات أربعة مستقبل بعده مستقبل وماض قبله ماض ومستقبل قبله مستقبل وماض بعده ماض فهذان متماثلان وذانك متماثلان والممتنع هنا ذانك لا هذان.
وأيضا فالاعتماد في تنزيه الباري على نفي الجسم طريقة مبتدعة في الشرع متناقضة في العقل فلا تصح لا شرعا ولا عقلا.
أما الشرع فإنه لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف والأئمة بل الكلام في صفات الله بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة ولو كان ذلك مما يعتمد في الشرع لدل الشرع عليه وقد عاب الله على اليهود ما وصفوه به من النقائص كقولهم إن الله فقير وقولهم يد الله مغلولة وقولهم استراح والتوراة مملوءة من الصفات فلم يعب عليهم ما فيها ولا ذكر أنهم حرفوا ذلك.
وكثير من أهل الكلام يرد على اليهود بالطريقة المبتدعة ويدع طريقة القرآن.
(2/33)

وأما التناقض في العقل فإنه ما من أحد يثبت شيئا وينفي شيئا لكونه مستلزما للتجسيم إلا أمكن النافي أن يقول له فيما أثبته نظير ما قاله له فيما نفاه.
وهذه عادة الطوائف بعضها مع بعض فالمعتزلة لما قالت للصفاتية من الأشعرية وغيرهم إذا قلتم إن لله حياة وعلما وقدرة وكلاما فلا تعقل هذه المعاني إلا أعراضا والعرض لا يقوم إلا بجسم.
فقالت لهم الصفاتية نحن وأنتم متفقون على أن الله حي عليم قدير ونحن لا نعقل حيا عليما قديرا إلا جسما فإذا جاز إثبات حي عليم قدير ليس بجسم فكذلك قد يجوز إثبات حياة وقدرة تقوم به وليست عرضا وليس هو جسما.
وطائفة من الباطنية والفلاسفة قالت للمعتزلة إذا قلتم إن الله حي عليم قدير فلا نعقل مسمى بهذه الأسماء إلا جسما.
فقالت لهم المعتزلة وأنتم قلتم إن الله موجود قائم بنفسه ولا يعقل موجود قائم بنفسه إلا جسما فإن جاز إثبات موجود قائم بنفسه ليس بجسم جاز إثبات كونه حيا عليما قديرا ولا يكون جسما.
وقالت معتزلة الصفاتية الذين ينفون الصفات الخبرية كصاحب الإرشاد وأتباعه لأئمتهم كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله
(2/34)

ابن مجاهد والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وغيرهم واليد لا تعقل إلا أبعاض الجسم فإذا أثبتموها وقلتم ليست أبعاض جسم كان هذا غير معقول.
فقال المثبتون كما أنا لا نعقل حياة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا إلا عرضا قائما بجسم ثم أثبتنا هذه الصفات وقلنا جميعا نحن وأنتم إنها ليست أعراضنا فكذلك نثبت هذه الصفات ونقول ليست أبعاضا فليس نفي الأعراض عن هذه بأولى من نفي الأبعاض عن هذه
(2/35)

ثم إن المثبتة دارت على النفاة فقالوا للمعتزلة إذا أثبتم حيا عليما قديرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة كان هذا تناقضا مثل إثبات أسود بلا سواد وأبيض بلا بياض وطويلا بلا طول وجميلا بلا جمال فإن اسم الفعل المشتق يستلزم ثبوت ما منه الاشتقاق فإثبات اسم فاعل بلا مسمى مصدر تناقض عقلا وسمعا.
وقالوا للفلاسفة إذا قلتم موجود ومعقول وعاقل وعقل وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجعلتم هذا كله واحدا فهذا مكابرة للعقل وإذا قلتم العشق هو العاشق واللذة هو الملتذ به والعلم هو العالم فهذا أعظم تناقضا فمن جعل الصفة هي الموصوف أو هذه الصفة هي تلك كان مكابرا للعقل.
وقال المثبتون للصفات الشرعية لنفاتها لماذا نفيتم أن الله يرضى ويغضب ويحب ويفرح ونحو ذلك مما نطق به الكتاب والسنة.
قالوا لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والتشبيه فإنا لا نعقل الغضب إلا غليان دم القلب لطلب الإنتقام أو ما يحصل عنه الغليان وكذلك سائرها.
قالوا وكذلك إثبات السمع والبصر والكلام والإرادة ونحو ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم فإنا لا نعقل الإرادة إلا ميل المريد إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره أو ما يلازم هذا المعنى وإلا فإرادة لمراد لا ينفع صاحبه ولا يضره لا يعقل في الشاهد قالوا إرادة الحق لا تشبه إرادة المخلوقين.
(2/36)

قالوا: وكذلك غضب الحق ورضاه لا يشبه غضب خلقه ورضاهم فالقول في أحدهما كالقول في الآخر أما تجويز أحدهما ومنع الآخر فهو مكابرة.
قالوا: الدليل العقلي دل على إثبات الإرادة دون الغضب.
قالوا: فالدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول ونحن أنكرنا عليكم نفيكم لما لم يقم دليل على نفيه فكيف إذا دل السمع على إثباته.
وأيضا فيمكن أن تثبت هذه بأدلة عقلية من جنس أدلة تلك الصفات فإن الفعل دل على القدرة والإحكام دل على العلم والتخصيص دل على الإرادة وإكرام المطيع وعقوبة العاصي دل على الحب والبغض والرضا والغضب أو يقال هذه صفات كمال لا نقص فيها فيجب اتصاف الرب بها ونحو ذلك من الطرق العقلية ولهذا وصف الرب بالرضا والغضب والحب والبغض والفرح ولم يوصف بالحزن والبكاء فإن هذه صفات نقص تستلزم العجز وأما الأولى فصفات كمال تستلزم القدرة وغيرها من صفات الكمال.
وقد تقدم أن العقل يدل على استحقاق الرب لصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص وهو يوجب أن لا يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فإن المثلين ما يجوز على أحدهما ما يجوز
(2/37)

على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو جاز مماثلة شيء من الأشياء له في شيء من الأشياء للزم أني جوز عليه ما يجوز عليه ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه.
ما يمتنع عليه وهو سبحانه يجب له الوجود والقدم والبقاء ويمتنع عليه الحدوث والعدم والإمكان فلو ماثله شيء من المحدثات الممكنات للزم أن يجب للمحدث القدم وللممكن الوجوب وأن يجب للواجب القديم الحدوث والإمكان وذلك يستلزم الجمع بين النقيضين من وجوه متعددة.
فإن قيل فالواجب والممكن يتفقان في مسمى الوجود والقيام بالنفس وأن كلا منهما حي عليم قدير فيلزم أن يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر.
قيل: هما لم يتماثلا في هذا الذي اتفقا فيه ولم يتساويا في ذلك بل الثابت لله من ذلك ليس مماثلا للثابت للمخلوق من ذلك بل بينهما من التفاضل أعظم من التفاضل الذي بين أعظم المخلوقات وأدناها.
وإذا قيل: اشتركا في ذلك فمعناه أنهما اشتركا في الكلي المطلق الذي لا يوجد كليا مطلقا إلا في الذهن لا في الخارج وإلا فما لكل منهما من ذلك يختص به لا يشركه فيه غيره ثم ذلك المشترك لا يلزمه شيء من صفات النقص وما وجب له وجاز عليه وامتنع عليه فلا محذور في اتصاف الرب به فمسمى كون الشيء موجودا قائما بنفسه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا وإن قيل إنه متفق مشترك فما لزم هذا المشترك ووجب له وجاز عليه أو امتنع عليه فالرب موصوف به
(2/38)

ولا محذور في ذلك فإنما المحذور فيما كان من خصائص المخلوق فالرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين إذ خصائصهم كلها تنافي ما استحقه من الكمال الواجب له فهي نقائص بالنسبة إليه وإن قدر أنها كمال للمخلوق.
وكمال كل شيء بحسب ما يمكن وجوده له والمخلوق لا يمكن أن يكون قديما واجبا بنفسه ربا غنيا عما سواه إلى غير ذلك من خصائص الرب فهذا الكمال اختص به الرب كما اختص الرب تبارك وتعالى من الكمال الذي يوصف العبد بما يتفق فيه الاسم كالحياة والعلم والقدرة بما لا يماثله فيه المخلوق فالرب مختص إما بنوع لا يوصف به غيره مثل كونه رب العالمين ونحو ذلك وإما بما لا يماثله فيه غيره كالحياة والعلم.
ثم إنه إذا علم استحقاق الرب تعالى لصفات الكمال لزم أن يكون متكلما سميعا بصيرا لأن هذه الصفات من صفات الكمال وإن لم يتصف بها لزم اتصافه بنقائصها.
ومن ظن أن الكمال لا يعلم إلا بالسمع كصاحب الإرشاد أثبت صدق الرسول بدلالة المعجزة الجارية مجرى تصديق الرسول
(2/39)

وقال: إن العلم بكونه رسولا وتصديق المرسل له لا يقف على العلم بكونه متكلما ثم يعلم تنزيهه عن النقائص بالسمع.
فقال له آخرون: فإذا كان مرجعكم في نفي النقائص إلى السمع فأثبتوا هذه الصفات بالسمع من أول الأمر ولا حاجة بكم إلى جعل ذلك موقوفا على مقدمة نفي النقائص التي لا تثبت إلا بالسمع.
وأما أئمة الصفاتية فيقولون إن إثبات الكمال ونفي النقص يعلم بالعقل ولهذا أثبت هذه الصفات بالعقل أئمة السلف وأئمة متكلمة الصفاتية كالأشعري وأمثاله فإنهم كلهم يثبتون استحقاق الرب لهذه الصفات بالعقل.
ومما أنكر عليهم الناس في النفي بطريقة نفي الجسم أن قالوا إن هذه الطريقة هي التي ولدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن وكلام الله تعالى حتى صار كثير من الناس أو أكثرهم في ذلك إما حائرا وإما مخطئا مبتدعا وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك وصار الذين سلكوا هذه الطريق يذكرون ما يمكن من الاختلاف ولا يعلمون أن في المسألة قولا سوى ما ذكروه.
كما نجد أرباب المقالات والملل والنحل يذكرون ذلك مثل كتب
(2/40)

المقالات لأبي عيسى الوراق والنوبختي ولأبي الحسن الأشعري ولأبي القاسم الكعبي ولأبي الفتح الشهرستاني ولأبي محمد بن حزم وغير هؤلاء.
وكذلك كتب البحث والمناظرة وذلك أن الجهمية والمعتزلة الذين هم أئمة هذه الطريق لما اعتقدوا أن حدوث العالم إنما علم بحدوث
(2/41)

ما قام به من الأعراض كالحركات وغيرها وأن ما قام بذلك يكون حادثا قالوا لأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث.
وكثير منهم لم يتفطنوا في هذا المقام للفرق بين مقارنة الحوادث المعينة وبين مقارنة حادث بعد حادث إلى غير نهاية بل إذا قيل ذلك تصور العقل أن هذا حادث ليس بقديم وأن ذاك لا يكون قبله بل معه أو بعده فلزم أن يكون قرين الحادث حادثا.
ولكن حكم العقل بهذا على معين ليس حكما على حوادث متعاقبة وعلى النوع المتعاقب من الواحد المعين ولكن تفطن للفرق كثير منهم فاحتجوا على امتناع حوادث لا أول لها بما نبهنا على بعضه وقد استوفينا الحجج في هذا الباب في درء تعارض العقل والنقل وذكرنا كل ما بلغنا أنه ذكر في هذا الباب.
وكذلك أيضا أصحاب هذه الطريق لم يفرقوا بين أن يكون مقارن الحوادث مخلوقا مفعولا محتاجا إلى غيره بحيث لا يمكن أن يفعل دون الحوادث في الأزل وبين أن يكون هو الفاعل المحدث الغنى عن غيره لأن حجتهم وهي امتناع دوام الحوادث تتناول النوعين.
(2/42)

والذين عارضوا هؤلاء من الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك كأرسطو وأتباعه فإنهم جوزوا حوادث لا أول لها ولم يفرقوا بين النوعين.
وأما أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة ففرقوا بين النوعين فإنه إذا كان المقارن للحوادث الذي لا يخلو عنها مفعولا لغيره هو والحوادث لزم أن يكون أزليا مربوبا وأن يكون ربه موجبا له بذاته بحيث يقارن وجودُه وجودَه والموجب بذاته في الأزل لا يوجب الحادث وحده ولا الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه فإن إيجاب النوع الحادث في الأزل ممتنع وكذلك إيجاب الحادث وقرينه في الأزل فإنه يقتضي أن يكون الحادث لازما للموجب في الأزل وهذا ممتنع بل الحادث لا يكون إلا شيئا بعد شيء.
وإذا قيل: اللازم هو النوع الذي يحدث شيئا فشيئا لم يكن شيء من هذا لازما للموجب بذاته ولم يكن أيضا في الأزل موجبا له وإنما يكون إيجابه له شيئا بعد شيء فلا يتصور في الأزل موجب بذاته فلا يتصور قديم يكون غيره ربه وذلك لأن كونه موجبا في الأزل يستلزم كمال إيجابه ومؤثريته فإن ما يسمى الفاعل أو الموجب أو المقتضي أو المؤثر أو نحو ذلك من الأسماء التي تقال في هذا الباب لا يكون مؤثرا حتى يستكمل جميع الشروط التي بها يكون مؤثرا وإذا استكملها وجب حصول الأثر لأن وجود الأثر بدون استكمال شروط التأثير
(2/43)

ممتنع وتخلفه بعد استكمالها ممتنع لأنه لو تخلف ولم يجب حينئذ لكان إما ممتنعا وإما ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن يكون الفعل بعد استكمال الفاعل جميع الشروط ممتنعا وهذا تناقض.
ثم إذا قدر أنه كان ممتنعا فإن دام امتناعه لزم أن لا يمكن الفعل بحال وهو خلاف الواقع وإن أمكن بعد ذلك لزم أن يصير ممكنا بعد أن كان ممتنعا مع انه لم يتجدد شرط من شروط التأثير يصحح كون الفاعل مؤثرا.
ومعلوم أن الإمكان بعد الامتناع لا يكون إلا لتجدد أمر يمكن معه الفعل وإن لم يتجدد شيء لزم استواء الحالين فيلزم تخصيص أحدهما بالامتناع والآخر بالإمكان ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا ممتنع في بدائة العقول.
وإن قيل إن الفعل كان ممكنا مع استكمال المؤثر وشروط التأثير ليس بواجب ولا ممتنع.
قيل فحينئذ يمكن وجوده في تلك الحال ويمكن وجوده بعد هذا فتخصيص أحدهما بالوجود إن لم يفتقر إلى مرجح لزم الترجيح بلا مرجح وإن افتقر إلى مرجح كان ذلك المرجح من جملة شروط التأثير وكان الفعل بدونه ممتنعا لا ممكنا فأحد الأمرين لازم إما وجود الممكن وذلك عند وجود مقتضيه التام وإما عدمه وذلك عند عدم مقتضيه التام.
ولهذا قال المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء
(2/44)

كونه وجب كونه لا يمكن أن لا يكون وما لم يشأ كونه يمتنع كونه فلا يكون بدون مشيئته.
وإذا كان كذلك فوجود شيء من حوادث العالم وسائر أجزائه في الأزل ممتنع لأنه لا يوجد إلا مع وجود مجموع المؤثرية ولو وجد في الأزل مجموع المؤثرية لزم وجود جميع الآثار ولو وجد جميع الآثار في الأزل لم يحدث في العالم شيء.
ولو قيل: وجد مجموع المؤثرية لحادث بعد حادث.
قيل: كل حادث لا يكون مجموع المؤثرية موجود إلا عند وجوده لأنه لو وجد مجموع المؤثرية ولم يوجد لزم وجود مجموع المؤثر التام بدون أثره ووجوب الموجب التام بدون موجبه والعلة التامة بدون معلولها وهو باطل.
ووجود المخلوق المستلزم للحوادث بدون الحوادث ممتنع فامتنع وجود شيء من المخلوقات في الأزل كما امتنع وجود شيء من الحوادث في الأزل ولو قدر أن بعض العالم قديم وهو خال عن الحوادث ثم تجددت فيه الحوادث لقيل فحينئذ فيلزم حدوث الحادث بلا سبب مرجح وذلك يقتضي ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح فتبين أن الممكنات مستلزمة للحوادث وأن الممكن المستلزم للحوادث لا يكون شيء منه قديما فليس مع الله شيء قديم من العالم.
وبهذا يظهر الفرق بين ما قارن الحوادث من الممكنات وبين ما قارن الواجب بذاته كأفعاله القائمة به ونحو ذلك فإن الواجب هو
(2/45)

قديم أزلي واجب الوجود بنفسه لا يفتقر في ذلك إلى علة قديمة ولا موجب قديم ولا فاعل قديم بل قدمه ووجوبه من لوازم ذاته القديمة فإذا قدر أنه كما قال أئمة السلف لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا أفعالا تقوم به كان غاية ما يلزم دوام الحوادث فإن كان هذا ممتنعا لزم حدوث ما لا يخلو عن الحوادث وأن الحوادث لها أول فيلزم حدوث العالم وإن كان هذا ممكنا لزم حدوث كل شيء من العالم أيضا لأن الحوادث لا تكون إلا شيئا بعد شيء يمتنع وجودها في آن واحد فليس من الأوقات في الأزل إلى الأبد وقت يمكن فيه وجود جميع المحدثات وهو فاعل لكل حادث وقت إحداثه إياه وهو لا يفتقر في إحداثه الحوادث إلى شيء مباين له بل هو الغني بنفسه عما سواه فليس كونه محدثا لهذا الحادث أو لهذا الحادث بحيث يكون محدثا له بالفعل أمرا قديما لازما لذاته في الأزل ولا هو في الأزل محدثا لجميع الحوادث ولكن هو في الأزل فاعل كما هو في الأبد فاعل لم يزل ولا يزال فاعلا أي فاعلا شيئا بعد شيء وليس في الأزل شيئا محدودا كان فيه فاعلا للجميع بل هو في كل حال أزلي قديم كما لم يزل أزليا قديما.
ففي كل حال يفعل كما كان فيما قبلها يفعل وفيما بعدها يفعل ولم يقارنه على الدوام شيء من الأفعال فأن لا يقارنه شيء من المفعولات بطريق الأولى والأحرى فلا يكون شيء من الأفعال أزليا قديما فلا يكون شيء من المفعولات أزليا قديما ولا يجوز أن يكون في وقت من الأوقات مؤثرا في جميع الحوادث ولا فيما يستلزم جميع الحوادث ولا يكون في وقت من الأوقات يصير مؤثرا في حادث بعد حادث ولكن هو لا يزال مؤثرا
(2/46)

في حادث بعد حادث لكن لا يقال إنه كان في الأزل أو وقت بعينه مؤثرا في حادث بعد حادث فكونه مؤثرا في حادث بعد حادث هي صفة قديمة النوع باقية ليست قديمة منقطعة.
ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما زال موجودا ليس لوجوده أول ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئا بعد شيء فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديما ولا مجموعه قديم ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار فالتأثير الدائم الذي يكون شيئا بعد شيء وهو من لوازم ذاته هو قديم النوع وليس شيء من أعيانه قديما فليس شيء من أعيان الآثار قديما لا الفلك ولا غيره ولا ما يسمى عقولا ولا نفوسا ولا غير ذلك فليس هو في وقت معين من الأوقات مؤثرا في حادث بعد حادث ولكنه دائما مؤثر في حادث بعد حادث كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثرا في مجموع الحوادث بل هو مؤثر شيئا بعد شيء وهو مؤثر في حادث بعد حادث وقتا بعد وقت فإذا كان المفعول مستلزما للحوادث لم يفعل إلا والحوادث مفعوله معه وهي وإن كانت مفعولة فيه شيئا بعد شيء فالمحدث لها شيئا بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت بعينه لزم أن يكون محدثا من جملتها وهو المطلوب.
وإن قيل: هو مقارن له قديم معه بحيث يوجد معه كل وقت.
قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له لا محدثا له ولا بد أن يكون علة تامة فيكون في الأزل مؤثرا تام التأثير مستجمعا لشروط
(2/47)

التأثير لشيء معين وإذا كان مؤثرا قديما دائما لشيء معين كانت لوازم ذلك المعين معه لا يمكن تأخر شيء منها عنه لامتناع وجود الملزوم بدون اللازم فيلزم وجود الحوادث كلها في الأزل.
فإذا قيل: هي تلزم العالم شيئا بعد شيء.
قيل: فيجب أن يكون محدثها يحدثها شيئا بعد شيء فلا يكون التأثير المعين فيها ولا في شيء منها ولا في واحد بعد واحد أزليا فإن ما يوجد شيئا بعد شيء لم يكن أزليا إلا باعتبار النوع كما تقدم وإنما يكون الأزلي نوع التأثير والكلام إنما هو في شيء معين من العالم فلا يكون شيء معين من العالم أزليا.
يبين هذا أن العالم مفعول له فإذا كان الفعل لا يكون إلا شيئا بعد شيء فالمفعول بطريق الأولى والأحرى.
وإذا قدر مفعول قديم لازم له لزم أن يقدر معه فعل قديم لازم له وإذا كان فعل هذا قديما لازم له وفعل الحوادث الملازمة له شيئا بعد شيء كان له فعلان ومفعولان مع تلازمهما أحدهما قديم لازم له في القدم لا يتأخر عنه شيء في الأزل والآخر دائم يحدث شيئا بعد شيء لا يجوز أن يقارنه شيء في الأزل.
والتقدير أن أحدهما مقارن للآخر ملازم له وهذا جمع بين المتناقضين فإنه إذا قدر أن العالم أو شيء منه قديم لازم له في الأزل لا يجوز تأخره عنه لكونه معلولا له مفعول الفعل القديم اللازم له والعالم
(2/48)

مقارن للحوادث التي ليس شيء منها قديم لازم له في الأزل بل كان كل واحد منها متأخر عنه ووجودها واحد بعد واحد ليس هو نفيا قديما ثابتا في الأزل بل موجودا شيئا بعد شيء كان ما لا يمكن وجوده في الأزل مقارنا لما يجب وجوده في الأزل وهو متناقض فتبين أن فعلها في الأزل شيئا بعد شيء ممتنع كما أن فعل مجموعها ممتنع وكما أن كل فعل واحد منها في الأزل ممتنع فإذا امتنع فعلها في الأزل على كل تقدير امتنع فعل ما يلزم منها على كل تقدير فإنه إن فعل معها كان ممتنعا وإن فعل معها تقدم فعلها أيضا وهو ممتنع.
وإذا كان قدم العالم أو شيء من المستلزم للحوادث يتضمن فعل الحوادث في الأزل وهو ممتنع على كل تقدير ثبت امتناع قدم شيء من العالم على كل تقدير.
والفرق ثابت بين فعل الحوادث في الأزل وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث فإن الأول يقتضي أن فعلا قديما معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء والثاني يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئا بعد شيء فهذا يقتضي قدم نوع الفعل ودوامه وذاك يقتضي قدم فعل معين وقد تبين أنه يمتنع قدم فعل معين للحوادث فيمتنع فعل الحوادث بدون ملازمها فثبت امتناع فعل الملازم لها في القدم وذلك أن التلازم من الطرفين فإن التقدير أن كل شيء من العالم فإنه مقارن للحوادث ملازم لها يلزم من وجود شيء من العالم وجود حادث معه ويلزم من وجود شيء من حوادث العالم وجود شيء آخر معه ولو كان الملزوم من أحد الطرفين لكفى فإن
(2/49)

المقصود أن يكون كل شيء من العالم لا يسبق الحوادث المعلوم حدوثها بل يكون معها أو بعدها فإذا كان كل شيء من العالم مستلزما للحوادث كفى ذلك فإن ذلك الجزء من العالم لو كان قديما لكان قديما بفعل قديم معين له وللحوادث معه فإن وجوده بدون وجود الحوادث ممتنع وفعل قديم للحوادث ممتنع ففعل قديم ملزومها ممتنع فقدم ملزومها ممتنع وهو المطلوب.
وإذا أخذت التلازم من الطرفين قلت فعل الحوادث بفعل قديم ممتنع وفعلها بدون ملازمها المقارن لها ممتنع فيلزم إذا فعلت أن تفعل مع ملزومها وذلك لا يكون إلا بفعل قديم وهو ممتنع.
وهذا بين كيفما قلبته فإنك إذا فرضت الملزوم يفعل بفعل قديم وفعلت هي أيضا بفعل قديم آخر لزم قدم الفعلين جميعا لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر فإنه كما تلازم المفعولان تلازم الفعلان وإذا كان أحد المتلازمين يمتنع قدمه فالآخر أيضا يمتنع قدمه لأنه لو لم يمتنع قدمه للزم إما وجودهما وهو ممتنع أو وجود أحد المتلازمين دون الآخر وهو ممتنع.
فقد تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها بل مع القول بوجوب ذلك يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه القديم الذي لا يحتاج إلى شيء وبين دوام فعله أو مفعوله وقدم ذلك فإن الأول سبحانه هو قديم بنفسه واجب غني وأما فعله فهو شيء بعد شيء.
(2/50)

فإذا قيل: هو قديم النوع وأعيانها حادثة لزم حدوث كل ما سواه وامتناع قدم شيء معه وأنه يمتنع أن يكون شيء من مفعولاته قديما إذ كل مفعول فهو مستلزم للحوادث والإلزام حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح لأنه لا يكون قديما إلا بفعل قديم العين لا قديم النوع وفعل قديم العين للحادث ممتنع ولملازم الحادث ممتنع وفعلان قديمان مقترنان أحدهما للحادث والآخر لملازم الحادث ممتنع فتبين امتناع قدم فعل شيء من العالم على كل تقدير لأن وجود المفعول بدون الفعل المشروط فيه ممتنع.
وقد عرف أيضا أن وجود العالم منفكا عن الحوادث ثم إحداث الحوادث فيه أيضا ممتنع فثبت امتناع قدمه على كل تقدير.
ويمكن تقدير حدوث كل العالم بالنظر إلى نفس الفاعل المؤثر فيه مع قطع النظر عن العالم خلاف ما يزعمه ابن الخطيب وطائفة أن القائلين بالقدم نظروا إلى المؤثر والقائلين بالحدوث نظروا إلى الأثر.
وذلك أن يقال قد ثبت أنه موصوف بصفات الكمال وأن الكمال الممكن الوجود لازم له واجب له وأنه مستلزم لذلك.
وحينئذ فيقال الفاعل الذي يمكنه أن يفعل شيئا بعد شيء ويحدث الحوادث أكمل ممن لا يمكنه الإحداث بل لا يكون مفعوله
(2/51)

إلا مقارنا له بل يقال هذا في الحقيقة ليس مفعولا له إذ ما كان لازما للشيء لا يتجدد فهو من باب صفاته اللازمة له لا من باب أفعاله فإن ما لزم الشيء ولم يحدث ويتجدد لم يكن حاصلا بقدرته واختياره بل كان من لوازم ذاته وما كان من لوازم ذاته لا يتجدد ولا يحدث كان داخلا في مسمى ذاته كصفاته اللازمة له فلم يكن ذلك من أفعاله ولا من مفعولاته.
وإذا كان كذلك فتقدير واجب بنفسه أو قديم أو قيوم أو غني لا يفعل شيئا ولا يحدثه ولا يقدر على ذلك تقدير مسلوب لصفات الكمال وكون الفعل ممكنا شيئا بعد شيء أمر ممكن في الوجود كما هو موجود للمخلوقات فثبت أنه كمال ممكن ولا نقص فيه لا سيما وهم يسلمون أن الجود صفة كمال فواجب لا يفعل ولا يجود ولا يحدث شيئا أنقص ممن يفعل ويجود ويحدث شيئا بعد شيء وإذا كان كمالا لا نقص فيه وهو ممكن الوجود لزم أن يكون ثابتا لواجب الوجود وأن يكون ثابتا للقديم وأن يكون ثابتا للغنى عما سواه وأن يكون ثابتا للقيوم.
وإذا كان كذلك فمن كانت هذه صفته امتنع وجود المفعول معه لأنه لو وجد معه للزم سلب الكمال وهو الإحداث شيئا بعد شيء والفعل الدائم للمفعولات شيئا بعد شيء وإذا كان نفس الكمال الذي يستحقه لذاته يوجب أن يفعل شيئا بعد شيء ويمتنع أن يقارنه
(2/52)

شيء من المفعولات فيكون لازما له ثبت حدوث كل ما سواه وهو المطلوب.
وهذا مما احتجوا به على قدم العالم وهو يدل على حدوثه فإنهم قالوا الفعل صفة كمال والجود صفة كمال فلا يجوز أن يسلبهما الباري تعالى في الأزل.
فيقال لهم: الكمال أن يفعل دائما شيئا بعد شيء أو أن يكون المفعول معه قديما والثاني باطل قطعا.
أما أولا: فلأنه خلاف المعلوم بالضرورة.
وأما ثانيا: فلأنه يقال لهم إذا كان الفعل الحادث شيئا بعد شيء ليس صفة كمال بل الفعل المقارن له فإنه يلزم أن لا يحدث شيء.
وأيضا فإن هذا معارض بأن يقال بل الأفعال المحدثة النوع الدائمة إلى الأبد أكمل من فعل واحد قديم من غير أفعال حادثة فالذين قالوا لم يكن فاعلا حتى أحدث السموات وهو محدث شيئا بعد شيء إلى الأبد أحسن قولا ممن قال إنه لم يزل فاعلا لشيء واحد ولا يفعل غيره فإن كثرة الأفعال والمفعولات أكمل من قلة الأفعال والمفعولات فتبين أن ما أثبتوه للخالق من كون هذا العالم لازما له قديما بقدمه هو صفة نقص ليس صفة كمال.
والمقصود هنا أن الذين أثبتوا حدوث العالم بحدوث الجسم كما تقدم قالوا فإذا كان الدليل على حدوث المحدثات إنما هو قيام
(2/53)

الصفات والأفعال بها فكل ما قامت به فهو حادث وإلا انتقض الدليل على حدوث العالم وإثبات الصانع.
قالوا: فيجب أن يكون كلامه حادثا بعد أن لم يكن ويصير متكلما بعد أن لم يكن كما أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا وفعله حادث.
قالوا: وكل ما قامت به الحوادث فهو حادث كما تقدم فيلزم أن لا يقوم به كلام ولا فعل ولا صفة فقالوا كلامه مخلوق في غيره ولا يقوم به علم ولا قدرة ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات لأنه لو قام به ذلك لكان عرضا قائما بالجسم والجسم محدث قالوا وليس هو فوق العالم ولا مباين للعالم ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل من عنده شيء ولا يرى لأنه لو كان كذلك لكان جسما والجسم محدث.
فلما أظهروا هذا القول شاع في الأمة إنكار ذلك وقالوا هذا تعطيل للخالق وجحود لصفاته وكلامه وأفعاله ولذاته فظهر عن الأئمة والسلف النكير والتكفير للجهمية وهؤلاء الذين قالوا القرآن مخلوق فلما شاع الخوض في هذا والنزاع ودخلت فيه أهل السيوف والأقلام وعظم فيه النزاع والخصام ظهر لجمهور المسلمين وأئمة الدين فساد هذا القول فإنه يجر إلى قول فرعون ونحوه من المعطلة وإن كان قائلو ذلك ما قصدوا به ذلك بل دخلوا في بحوث ظنوها تنصر ما جاء به الرسول فكان الأمر بالعكس فإنهم لم يفهموا ما جاء به الرسول ولا دليله.
(2/54)

وأما أول من أظهر ذلك في الإسلام فإن بعض أهل العلم يقولون إنه كان ملحدا زنديقا وكان يعلم أن قوله يستلزم تعطيل الصانع فأحدث هذا كما أحدثت الزنادقة الرفض تسترا بموالاة علي فلما أطبق أهل السنة والجماعة والجمهور على أن كلام الله غير مخلوق صار القائلون لذلك أربع فرق:
فرقتان قالتا: إذا لم يكن مخلوقا فهو قديم فإنه إما مخلوق منفصل عن الرب وإما قديم قائم به فالقديم صفاته والمخلوق المنفصل مفعولاته وقالوا الكلام كالحياة لا يتعلق بمشيئته وقدرته واختياره فلا يقال إنه يقدر على الكلام ولا إنه يتكلم بمشيئته واختياره وقدرته وأنكر هؤلاء وجود أفعال تقوم به شيئا بعد شيء وقالوا هذا هو الدليل الذي احتججنا به على حدوث العالم وأجسامه وهو كونه لا يخلو من الحوادث فإنه إذا قامت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
(2/55)

ثم من هؤلاء من قال: إذا كان قديما فالقديم لا يكون حروفا وأصواتا لأنها متعاقبة شيئا بعد شيء ولا يكون معاني متعددة لأن وجود ما لا يتناهى من المعاني متعدد وتخصيص قدر دون قدر تحكم قالوا فيكون القديم معنى واحدا هو النهي والأمر والخبر والاستخبار والعبارة عن ذلك المعنى بالعربية قرآن وبالعبرية توراة وبالسريانية إنجيل.
وهذا أصل قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري
(2/55)

والقلانسي وغيرهما فقال لهم الجمهور هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإنه يلزم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئا واحدا قالوا ونحن نعلم بالاضطرار أن التوراة إذا عربناها لم تكن معانيها معاني القرآن ولا معنى آية الكرسي آية الدين ولا معنى سورة الإخلاص معنى تبت يدا أبي لهب قالوا ولا معنى الخبر هو معنى الأمر بأي شيء فسر المعنى سواء فسر بالعلم أو الإرادة أو بأمر آخر يخالف العلم والإرادة فنحن نعلم أن هذا ليس هو ذا.
وقالوا لهؤلاء: إن جاز أن يكون الخبر هو الأمر والنهي فتكون الحقيقتان شيئا واحدا فجوزوا أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة أو تكون الصفات كلها شيئا واحدا.
فلما أوردوا هذا السؤال قال بعضهم هذا سؤال لا جواب لنا عنه كما ذكر ذلك الآمدي وغيره وقال بعضهم هذا يتوجه من جهة العقل ونحن إنما أثبتنا تعدد الصفات بالإجماع لا بالعقل لأن الناس إما مثبت للصفات وإما ناف لها والمثبتون يقولون بتعددها فالقول بإثباتها واتحادها خرق للإجماع وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني وغيرهما وهي طريقة القاضي أبي يعلى في باب الصفات والكلام في الجملة
(2/56)

ومنهم من طلب أن يفرق بين البابين فذكر ما أنكره هؤلاء وغيرهم عليه فهؤلاء يقولون بقدم الكلام لكن يقولون باتحاد الحقائق المتعددة فهم اتحادية في الصفات.
(2/57)

والفريق الثاني وافقوهم على القدم وعلى أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأن الكلام المعين صفة لازمة لذاته وأنه ما ثم إلا قديم لازم له بعينه وأما مخلوق منفصل عنه وأما ما يتعلق بقدرته ومشيئته ويقوم بذاته فأنكروه وادعوا كما ادعى أولئك وجود الحوادث بدون سبب حادث والترجيح بمجرد الإرادة مع تماثل وقت الفعل وغيره وقالوا القادر يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح.
ثم رأوا قول أولئك أن الكلام العربي ليس بكلام الله ولم يتكلم الله به ولا يتكلم وإنما كلامه مجرد معنى هو حقائق مختلفة قولا مخالفا للمعقول والمنقول.
قالوا: فالكلام القديم هو الحروف والأصوات ومنهم من قال الحروف دون الأصوات فهي قديمة أزلية بأعيانها لا نقول بوجود شيء بعد شيء وأنه ما زال يقول يا آدم يا نوح يا موسى من الأزل إلى الأبد ولا يزال يقول ذلك وقال هؤلاء باقتران الحروف بعضها ببعض في الأزل وأن الياء والسين موجودتان معا في الأزل والترتيب بينهما إنما هو ترتيب في ذاتهما أو في ظهورهما لا في وجودهما.
(2/57)

وهذا قول طائفة من أهل الكلام والحديث والفقه حكاه الأشعري في المقالات عن طائفة قالته وقد وافقهم عليه طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم.
فأنكر الجمهور هذا القول وقالوا هذا مخالف لصريح المعقول والمنقول فإن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82) وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (سورة البقرة 30) أي واذكر إذ قال ربك للملائكة والمؤقت بظرف معين لا يكون قديما أزليا.
وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة آل عمران 59) وقال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} (سورة طه 11) ومثل هذا في القرآن كثير.
قالوا والصوت كالحركة توجد شيئا بعد شيء فيستحيل اقتران أوله بآخره ووجوده كله في وقت واحد وإنما يوجد متعاقبا ثم جمهور أرباب هذا القول قالوا هذا القرآن كلام الله وليست الأصوات المسموعة من القرآن صوت الله بل صوت الله غير ذلك ولكن هذا المسموع كلام الله وهو مسموع بصوت القارىء كما قال تعالى:
(2/58)

{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} (سورة التوبة 6) وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "زينوا القرآن بأصواتكم" فأضاف الكلام إلى الله والصوت إلى القارىء.
وقالت طائفة: بل نفس هذا الصوت المسموع هو الصوت القديم أو مشتمل على الصوت القديم وقالوا إن القديم يظهر قرين الحركات المحدثة وإن الأصوات ليست فعل العباد لأنها إنما تكون فعلا لهم إذا كانت متولدة عن أفعالهم ونحن لا نقول بالتولد بل هي مضافة إلى الله بحسب ما توجبه الإضافة فإن كان بغير القرآن كانت مخلوقة له وإن كانت بالقرآن كانت صفة له وهي الصوت القديم.
(2/59)

فقال جمهور الأمة: هذا قول معلوم الفساد بالضرورة مخالف للمعقول والمنقول وهي نوع من البدع الباطلة شرعا وعقلا.
وقال الفريق الثالث: أنتم وإنما أوتيتم من حيث جعلتم أن الله لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بقدرته ومشيئته وأنكرتم قيام الأفعال به لذلك فإنما أقول إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام قائم به وإن كان حادثا وأنا أقول تحله الحوادث وليس في الأدلة ما ينفي هذا لا شرعا ولا عقلا بل العقل والنص متطابقان على إثبات ذلك.
وهذا قول طوائف كأبي معاذ التومني وزهير الأثري ومحمد بن كرام وأصحابه وطوائف غير هؤلاء أظن منهم هشام بن الحكم وغيره.
لكن هؤلاء قالوا: ليس الكلام ولا شيء منه قديما وإنه يتكلم بعد أن لم يكن متكلما كما يقول إنه فعل بعد أن لم يكن فعل لئلا يلزم وجود حوادث لا أول لها ويبطل الدليل الدال على حدوث العالم.
قالوا: ولكن هو يقول قادر على الكلام في الأزل كما قلتم أنتم
(2/60)

ونحن إنه قادر على الفعل في الأزل مع اتفاقنا جميعا على أن الفعل في الأزل ممتنع.
فهذه أربعة طوائف بل خمسة ممن يقول القرآن غير مخلوق والأخرى هم الخلقية.
وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم ومن دخل معهم من ملاحدة أهل الكلام والتصوف فعندهم ليس لله كلام منفصل عن نفوس الأنبياء وغيرهم وإنما كلامه أوجد فيها.
ومن العجب أنهم فروا من قدم صفاته وجعلوا فعله المنفصل عنه قديما لازما له ومن المعلوم أن قدم الصفات أقرب إلى المعقول من قدم المفعولات فإذا جاز أن يكون مفعوله المنفصل عنه لازما لذاته لا يفارقها ويكون واجب الوجود بذاته ملزوما للأجسام المنفصلة عنه فلم لا يكون ملزوما لصفاته القديمة.
ويقال لهؤلاء أنتم عندكم لا يمتنع قيام الحوادث بالقديم فإن الفلك قديم عندكم وهو محل الحوادث ولا يمتنع قدم الأجسام عندكم فإن الفلك جسم قديم عندكم ولا يمتنع قدم الموصوف والصفة عندكم فإن الفلك قديم عندكم بصفته اللازمة له فلماذا أنكرتم أن يكون القديم الواجب بنفسه متصفا بهذه الصفات.
فإن قلتم قيام الصفات تركيب والواجب لا يكون مركبا.
(2/61)

قيل: قد قدمنا أن لفظ التركيب لفظ مجمل وأنه إن أريد ما ركبه غيره أو ما كان مفترقا فاجتمع أو ما يمكن انفصال بعضه عن بعض فهذا منتف وذلك غير لازم من اتصافه بالصفات والأفعال.
وهم لم يريدوا هذا وإنما أرادوا تعدد المعاني التي يتصف بها وهذا لا دليل على نفيه بل الأدلة تستلزم ثبوته وقيل لكم معنى قولكم لا يكون مركبا أي لا يكون موصوفا بصفات ولا يكون ملزوما لصفاته وأنتم عندكم هو ملزوم لمفعولاته ويقال أنتم عندكم أن الفلك واجب بوجوبه قديم بقدمه ومع هذا فهو متصف بهذا.
فإذا قلتم: هذا واجب بغيره وذاك واجب بنفسه.
قيل: ما ذكرتم من الفرق يقتضي أن أحدهما له موجب أبدعه والآخر ليس له مبدع أوجبه وهذا لا يتعلق بالصفات والأجزاء وغير ذلك فإنكم إذا قلتم لو كان موصوفا لكان مفتقرا إلى غيره والواجب لا يفتقر إلى غيره وإن أردتم بالافتقار إلى الغير المبدع فليس في ذلك افتقار إلى مبدع وإن أردتم أنه مستلزم لصفاته وأبعاضه ونحو ذلك فليس فيما ذكرتموه ما يوجب الفرق في ذلك بين ما له مبدع وما لا مبدع له وقد قال كثير منكم بأن الفلك واجب بذاته كانت هذه الحجة التي احتججتم بها عليهم حجة فاسدة كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
وأما السلف والأئمة رضي الله عنهم فلم يقولوا شيئا من هذه الأقوال ولا بنوا على شيء من تلك الأصول المزلزلة بل كلامهم
(2/62)

مضمونه أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال لم يزل قديرا ولم يزل عليما ولم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا لما شاء وأنه سبحانه وتعالى لم يعدم كمالا ممكنا بل هو المستحق لأنواع الكمال الممكن الوجود وذلك واجب له ولا يقدر العباد أن يعلموا ما يستحقه الرب من الحمد والثناء بل قد قال أعلمهم بالله لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
والحمد والثناء إنما يكون بالأمور الوجودية أو ما يستلزم الأمور الوجودية فأما العدم المحض فلا مدح فيه ولا ثناء فإن المعدوم المحض لا يثنى عليه ولهذا لا يثني سبحانه وتعالى على نفسه إلا بالصفات الثبوتية أو ما يستلزم ذلك كقوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (سورة البقرة 255)
(2/63)

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذه الآية أعظم آية في القرآن كتاب الله وقد وصف نفسه فيها بالصفات الثبوتية وذكر فيها خمسة سلوب.
الأول: قوله: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فإنه يقتضي انفراده بالألوهية وذلك يتضمن انفراده بالربوبية وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه وأنه خالق ما سواه ومعبوده وذلك صفة إثبات.
الثاني: قوله: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} وهذا يتضمن كمال الحياة والقيومية فإن السنة والنوم نقص في الحياة والقيومية والنوم أخ الموت ومن نام لم يمكنه حفظ الأمور فهو سبحانه منزه عن السنة والنوم تنزيها يستلزم كمال حياته وقيوميته والحياة والقيومية من الإثبات.
الثالث: قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} فإن هذا متضمن أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وهذا يتضمن كمال قدرته وخلقه وربوبيته وأن غيره لا يؤثر فيه بوجه من الوجوه كما يؤثر في المخلوقين من يشفع عندهم فيحملهم على الفعل بعد أن لم يكونوا فاعلين وإنما
(2/64)

الشفاعة عنده بإذنه فهو الذي يأذن للشفيع وهو الذي يجعله شفيعا ثم يقبل شفاعته فلا شريك له ولا عون بوجه من الوجوه وذلك يتضمن كمال القدرة والخلق والربوبية والغنى والصمدية.
الرابع: قوله: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} فإن هذا يقتضي أنه الذي يعلم العباد ما شاء من علمه وأنه لا علم لهم إلا ما علمهم فبين أنه المنفرد بالتعليم والهداية لا يعلم أحد شيئا إن لم يعلمه إياه كما أنه المنفرد بالخلق والإحداث فهو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى وأول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (سورة العلق 1 5) .
الخامس: قوله: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يكرثه ولا يثقل عليه وهذا يقتضي كمال القدرة وتمامها وأنه لا تلحقه مشقة ولا حرج ونظير هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (سورة ق 38) فإن نفي اللغوب يقتضي كمال قدرته وانتفاء ما يضادها من اللغوب.
كذلك قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} (سورة الأنعام 103) نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث لا تدركه الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي إمكان رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات الرؤية ونفي إحاطة الأبصار به
(2/65)

وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا يرى ولهذا نظائر في القرآن.
والمقصود أن المدح والثناء لا يكون إلا في الإثبات فإنه إنما يكون بصفات الكمال والكمال إنما يكون في الأمور الوجودية فأما العدم فلا كمال فيه فمن لم يصفه إلا بالسلوب وقال إنه الوجود المقيد بالسلوب كما قال ابن سينا وأمثاله من الباطنية فهو لم يثبته ولم يجعله موجودا فضلا عن أن يكون موصوفا بالكمال ممدوحا مثنيا عليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الكلام صفة كمال كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر صفة كمال وأن المتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن الحي أكمل من الجماد ولهذا عاب الله الجمادات المعبودة بأنها لا تتكلم كما في قوله تعالى: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} (سورة طه 89) وكذلك قول الخليل: {مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ} (سورة الصافات 92) سواء كان المراد بيان أن العابد أكمل من معبوده وهذا ممتنع أو بيان أن المعبود يجب أن يكون متصفا بصفات الكمال.
وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من يتكلم بقدرته ومشيئته فهو أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل يكون الكلام المعين لازما لذاته ومن المعلوم أنه من لم يزل متكلما إذا شاء فهو أكمل ممن كان لا يمكنه الكلام ثم صار يمكنه.
قال هؤلاء: وكلام السلف والأئمة في هذا الباب متناسب
(2/66)

يصدق بعضه بعضا وهم أطلقوا القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق لما حدثت الجهمية والمعتزلة الذين كانوا يقولون هو مخلوق خلقه مباينا له فذكروا ما يناقض هذا الكلام فقالوا كلام الله غير مخلوق وقالوا منه بدأ وإليه يعود لأن هؤلاء يقولون لم يبتدىء منه وإنما يبتدىء من المحل المخلوق الذي خلق فيه.
فقال السلف: "منه بدأ" ردا على هؤلاء وقالوا لو كان مخلوقا منفصلا عنه لم يكن كلاما له بل كان كلاما للمحل الذي خلق فيه فإن الرب لا يتصف بما يخلقه في غيره ولم يقم به كما لا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والطعوم والحركات.
والإضافة إليه إضافتان: إضافة صفة وإضافة عبودية فالأول كإضافة ما لا يقوم بنفسه من العلم والكلام ونحو ذلك والثاني كإضافة ما يقوم بنفسه كالعبد والروح والبيت والناقة والأرض ونحو ذلك فإن كانت إضافة الأعيان على وجهين إضافة ملك مجرد وإضافة اختصاص لكونه يعبد فيها أو لغير ذلك كإضافة الناقة والمسجد وغير ذلك.
ولهذا قال السلف: "كلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق" وقالوا: "كلامه منه وليس ببائن عنه" كل ذلك ردا على هؤلاء ولم يقل أحد منهم بأن الكلام معنى واحد قائم بالذات هو معنى التوراة والإنجيل ولا قال أحد منهم إن الأصوات التي تكلم الله بها توجد كلها غير متعاقبة توجد معا في آن واحد مقترنة قديمة أزلية وأن الصوت الذي سمعه موسى قديم أزلي لم يزل ولا يزال.
(2/67)

ولا قال أحد منهم: إن الله يتجدد له كونه متكلما بعد أن لم يكن ولم ينكر أحد منهم دوام فعل الله ولا أنه لم يزل متكلما إذا شاء بل قالوا إن الله يتكلم بصوت وأنه ينادي بصوت كما دلت عليه النصوص ولكن لم يقولوا إنه يتكلم بدون قدرته ومشيئته بل نطق بهذا غير واحد منهم كالإمام أحمد وغيره وسائرهم يقرون بذلك.
وقد احتج كثير منهم كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والبويطي صاحب الشافعي وغيرهم على أن القرآن غير مخلوق بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82) فلو كان كن مخلوقة لزم أن لا يوجد شيء من المخلوقات لأن كن تكون مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فلا يوجد شيء.
وقد يظن بعض من لم يفهم غور كلامهم وحقائق الأمور أن هذا منهم استدلال بإبطال التسلسل مطلقا وأن ذلك يناقض دوام كونه لم يزل متكلما إذا شاء وأن هذا تناقض منهم وليس الأمر كذلك بل التسلسل نوعان تسلسل في المؤثرات وهذا باطل بالاتفاق وتسلسل في الآثار المفعولات فهذا فيه نزاع فكثير من النظار يجيزه وكثير منهم لا يجيزه وكلام الأئمة مبني على قول من أجازه وفرق بين النوعين.
وذلك أن التسلسل في المؤثرات يقتضي أن لا يوجد شيء كما تقدم فإنه إذا لم يكن يوجد هذا حتى يوجد شيء آخر ولا يوجد الشيء الآخر حتى يوجد شيء آخر وهلم جرا فإنه يقتضي تقدير أشياء كلها حادثة بعد العدم مفتقرة إلى من يوجدها وليس فيها من يوجد شيئا بنفسه ولا موجود بنفسه.
(2/68)

ومعلوم أنه إذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم تكن الجملة موجودة بنفسها بطريق الأولى فإن الجملة مفتقرة إلى كل واحد من الآحاد فإذا كان كل من الآحاد فقيرا ممكنا لا يوجد بنفسه فالمفتقر إليه أولى بالفقر وأولى ألا يكون موجودا بنفسه.
وتسلسل المفتقرات والمعدومات يقتضي كثرة المعدومات بل هذا تسلسل ممتنعات فإن ما لا يوجد حتى يوجد ما لا يوجد ممتنع وتقدير أمور كلها مفعولات ليس فيها غير مفعول مع أنه ليس لها فاعل مباين لها ممتنع ضرورة وكثرة الممتنعات المفتقرات لا تقتضي إمكان شيء منها فضلا عن وجوده.
والتسلسل في أصل تمام التأثير كالتسلسل في أصل التأثير والفاعل لا بد أن يكون حيا عالما قادرا مريدا فاعلا بنفسه فلا يجوز أن يقال لا يصير فاعلا لشيء حتى يجعله شيء آخر فاعلا وذلك الآخر لا يصير فاعلا حتى يجعله شيء آخر فاعلا إلى غير نهاية بل لا بد من إثبات فاعل بنفسه لم يجعله غيره فهو مثل أن يقال لا يوجد حتى يوجد ولا يجوز أن يقال لا يفعل شيئا حتى يعلم ولا يعلم حتى يعلمه غيره وذلك الغير لا يعلم حتى يعلمه غيره إلى غير نهاية بل لا بد من عالم بنفسه ولا يجوز أن يقال لا يقدر حتى يقدره غيره وذلك الغير لا يقدر حتى يقدره غيره إلى غير نهاية بل لا بد من قادر بنفسه.
وكذلك إذ قيل لا يكون فاعلا حتى يكون فاعلا ولا يكون عالما أصلا حتى يكون عالما ولا يكون قادرا أصلا حتى يكون قادرا فإذا
(2/69)

قال: لا يؤثر حتى يصير مؤثرا ولا يصير مؤثرا حتى يصير مؤثرا لم يصر مؤثرا بحال.
وأما إذا قيل: لا يكون مؤثرا في هذا حتى يؤثر في شيء آخر ولا يكون مؤثرا في ذلك الشيء حتى يكون مؤثرا في شيء قبله فهذا تسلسل في الآثار والتأثيرات المتعاقبة ليس هو تسلسلا في نفس أصل كونه مؤثرا فالتأثير الثاني ليس موقوفا على كون المؤثر في نفسه مؤثرا فإنه مؤثر بنفسه بل على حدوث تأثير قبل هذا التأثير فيلزم وجود تأثيرات متعاقبة فإن كان المؤثر مؤثرا في نفسه جاز ذلك.
ومعنى ذلك أن الرب تعالى لا يتوقف كونه خالقا على غيره أصلا وأما كونه خالقا لهذا فقد يكون مشروطا بخلقه لغيره فالتسلسل في التأثيرات المعينة تسلسل في الآثار.
وأما التسلسل في أصل الخلق فهو تسلسل في أصل التأثير وذلك ممتنع بخلاف التأثيرات المتعاقبة لآثار متعاقبة وأن كل تأثير في غير ما أثر فيه الأول وهذا تسلسل في الآثار وفي التأثيرات هي آثار لغيرها ليس تسلسلا في نفس أصل التأثير فإنه مؤثر بنفسه والممتنع هو أن لا يصير الشيء مؤثرا حتى يصير مؤثرا ولا يصير خالقا حتى يصير خالقا.
وبهذا احتج أئمة السنة رضي الله عنهم فإن الله قد قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة النحل 40) وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82)
(2/70)

وقال: {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة البقرة 117) .
فهذا يقتضي أنه إذا أراد شيئا فإنما أمره أن يقول له كن فيكون وقوله: {إِذَا أَرَادَ شَيْئاً} عام في ما يريده وهو لم يخلق شيئا إلا وقد أراده فاقتضى هذا انه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن فلو كانت كن مخلوقة لكانت مخلوقة بكن أخرى وكذلك الثانية مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فيلزم ألا يخلق شيئا لأنه لا يصير خالقا لشيء حتى يخلق كن أخرى ولا يخلق كن حتى يخلق كن فلزم التسلسل في كونه خالقا وهو تسلسل في أصل التأثير وفي أصل كون المؤثر مؤثرا وهو تسلسل في أصل الخلق كالتسلسل في ذات الخالق.
فإذا قدر ذلك لزم أن لا يصير خالقا بحال كما إذا قيل لا يصير قادرا حتى يقدر أن يصير قادرا ولا يقدر أن يصير قادرا حتى يقدر أن يقدر أن يصير قادرا أو قيل لا يخلق شيئا حتى يجعل نفسه خالقا ولا يجعل نفسه خالقا حتى يخلق شيئا فإن هذا ممتنع.
وهذا بخلاف ما إذا قيل لا يخلق هذا حتى يخلق هذا ففرق بين أن يقال لا يخلق شيئا بحال حتى يخلق هذا أو لا يخلق شيئا بحال حتى يخلق ما به يصير خالقا وبين أن يقال لا يخلق هذا حتى يخلق هذا فالأول ممتنع بالاتفاق وأما الثاني ففيه نزاع بل يجب أن يكون خالقا بنفسه لا يتوقف كونه خالقا على كونه خالقا وإن توقف كونه خالقا لهذا على كونه خالقا لهذا فلما دل القرآن على أن قوله كن مما يخلق بها جميع المراد كانت من تمام الخلق فلم يجز أن تكون مخلوقة.
(2/71)

وأيضا فإذا كانت مخلوقة فلا بد أن تخلق في محل ومحلها مخلوق قبلها وظاهر القرآن يخالف.
ذلك ولهذا زعم أبو الهذيل العلاف أنها مخلوقة لا في محل وأما ما يقوم بالرب تعالى من صفاته وأفعاله فليس مخلوقاته على طريقة الجمهور الذين يفرقون بين الخلق والمخلوق سواء قالوا إن عين الخلق قديم أو قالوا إنه حادث العين أو قالوا إنه حادث الأعيان وإن قدم نوعه.
وهذان القائلان يجعلان خلقه متعلقا بمشيئته وقدرته فإن هؤلاء كلهم خلقه عندهم وما يقوم بذاته من أفعاله ليس مخلوقا سواء قالوا إنه متعلق بمشيئته وقدرته أو قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته فإنه كما أن قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (سورة الزمر 62) لم يدخل فيه الخالق نفسه فلم يدخل فيه ما هو داخل على مسمى الخالق وهو ما قام به من صفاته وأفعاله.
والمحتجون بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق لهم قولان والنزاع في ذلك في جميع الطوائف بين أصحاب أحمد وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب مالك وغيرهم فالذين يقولون إن كن المعينة قديمة إما بلفظها ومعناها كما يقوله الاقترانية وإما بمعناها دون لفظها كما يقوله الاتحادية فإنهم ألزموهم أن الله تعالى قال: {أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال وأنه قال فيكون وهذا يقتضي أن يكون عقب قوله: "كن".
وأما الذين يقولون إنه يقول كن بقدرته ومشيئته ويقول: كن
(2/72)

بعد كن فهؤلاء لا يرد عليهم هذا السؤال كما يقول ذلك أكثر الذين قالوا إن القرآن غير مخلوق من أهل الحديث وأهل الكلام والفقهاء.
وعلى هذا فإذا قيل الحروف غير مخلوقة حروف المعجم كان صحيحا بمعنى النوع لا بمعنى أن الحرف المعين القائم بالشخص المعين في الزمن المعين غير مخلوق فنوع الحروف قديم وإن لم يكن المعين قديما وهكذا يقال في لوازم ذلك.
قال هؤلاء المتبعون للسلف والأئمة: فقد تبين بالمعقول المطابق للمنقول أن كلا الطائفتين مخطئة الذين قالوا بقدم العالم ولزومه للرب وانتفاء صفاته وأفعاله والذين قالوا بأن الرب لا يقوم به صفة ولا فعل ولا كلام وادعوا حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال بناء على طريقة حدوث الجسم لامتناع حوادث لا أول لها.
قالوا: ولهذا قال هؤلاء بتعطيل الرب في المستقبل كما قالوا بتعطيله في الماضي فادعوا فناء العالم كله أو فناء حركاته وأنه يبقى الرب بلا فعل أصلا كما ادعى ذلك الجهم وأتباعه وأبو الهذيل وأتباعه.
وآخرون يقولون: إن الله يفني العالم كله ثم يعيده ويدعون أن القيامة التي أخبرت بها الرسل هي فناء العالم كله ثم إعادته وهم متنازعون في فنائه هل يجب عقلا أو يجوز عقلا وإذا جاز عقلا فهل يجب سمعا أو يجوز سمعا؟
ومن المعلوم أن القرآن لم يخبر بفناء العالم في المستقبل قط كما لم يخبر بأن الله خلق السموات والأرض من غير شيء بل أخبر سبحانه
(2/73)

وتعالى بخلق السموات والأرض كما أخبر بخلق الإنسان والجن وغير ذلك من المخلوقات وأخبر أنه خالق كل شيء.
قال الله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} (سورة السجدة 7: 8) .
وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة آل عمران 59) .
وقال تعالى: {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} (سورة الرحمن 14 15) .
وقال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (سورة ص 71 72) .
وقال: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (سورة طه 55) .
وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} (سورة المؤمنون 12 13) .
وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم".
(2/74)

فالله سبحانه قد أخبر بخلق الإنسان الذي هو آدم وبخلق ذريته شيئا بعد شيء في غير آية وأخبر أن ذلك مخلوق من غيره فالأصل مخلوق من الطين من التراب والماء ثم جعل صلصالا فيبس وجف وذلك بالهواء.
ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" وأخبر أنه خلق الجن من النار وأنه خلق الملائكة من النور ولم يذكر أنه خلق هذه الأصناف لا من شيء.
وكذلك أخبر عن خلق السموات والأرض فقال: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} (سورة فصلت 9 10) قالوا الجميع في أربعة أيام: {ثم استوى إلى السماء} : الدنيا {وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
(2/75)

فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (سورة فصلت 11 12) فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان قيل هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش فإن البخار نوع من الدخان.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (سورة البقرة 29) .
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (سورة هود 7) فأخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأنه كان عرشه على الماء.
وفي صحيح البخاري والمسند وغيرهما عن عمران بن حصين أن بني تميم جاءوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا فتغير وجه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم جاء أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر؟ فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" وفي لفظ "ولم يكن شيء غيره" وفي لفظ آخر "ولم يكن معه شيء".
لكن الظاهر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل إلا واحدة والأخريتان رويتا
(2/76)

بالمعنى فإن المجلس كان واحدا لم يتكرر ليقال: إنه قال كل لفظ في مجلس ولو كرر الألفاظ لذكر ذلك عمران.
ومثل هذا يقع كثيرا في الحديث كقوله في حديث المرأة التي عرضت نفسها عليه: "أنكحتكها بما معك من القرآن" وفي رواية أخرى "زوجتكها" وفي أخرى "أملكتها"
(2/77)

واللفظ الأول مطابق لما رواه مسلم في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول: "اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوارة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر".
فقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء" مطابق لقوله: " كان الله ولم يكن شيء قبله" والحديث دل بأنه كان عرشه على الماء وأنه كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض.
وهكذا جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" فأخبر في
(2/78)

هذا الحديث الصحيح بما يوافق ذلك الحديث الصحيح أيضا أنه قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض حين كان عرشه على الماء وكلاهما يوافق القرآن.
وفي حديث أبي رزين العقيلي الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما أنه قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش" فأخبر في هذا الحديث أنه خلق العرش كما أخبر في غير موضع من القرآن أنه رب العرش وكما دخل العرش في قوله خالق كل شيء ولم يدخل في خلق السموات والأرض في ستة أيام بل كان مخلوقا قبل ذلك.
(2/79)

وقد تنازع السلف هل خلق العرش أولا أو القلم؟ على قولين حكاهما الحافظ أبو نعيم العلاء الهمداني وغيره أصحهما أن العرش أولا ومن قال إن القلم خلق أولا احتج بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه وغيره عن عبادة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "أول ما خلق الله القلم قال له:
(2/79)

اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".
وقد روى عن ابن عباس من عدة أوجه أول ما خلق الله القلم فهذه الأحاديث هي المعروفة عند أهل العلم بالحديث وأما ما يروى " أول ما خلق الله العقل قال أقبل فأقبل" فهو موضوع وبتقدير صحته فلفظه أول ما خلق قال له فليس في شيء من العلم المنقول عن الأنبياء لا عن نبينا ولا عن غيره أن العقل أول المخلوقات كما يقول ذلك المتفلسفة ومن أخذ ذلك عنهم من متكلم ومتصوف وغيره.
ومن زعم أن العقل يسمى قلما لأنه ينقش العلوم في لوح النفس وسمى النفس لوحا فأول ما في هذا أن هذا يعلم بالإضطرار أنه ليس من لغة العرب ولا قاله أحد من مفسري القرآن والحديث ثم يقال: قد
(2/80)

أخبر أنه كتب ما يكون إلى يوم القيامة فقط وعندهم هو المبدع للعالم كله وهو رب كل شيء بعد الأول وأيضا فإنه أخبر انه قدر ذلك وكتبه قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأنه بعد أن كتب في الذكر كل شيء خلق السموات والأرض وعندهم أنه ومفعوله قديمان أزليان وأنه لم تزل معه السموات والأرض وأنها متولدة عنه معلولة لم تتأخر عنه لحظة فضلا عن خمسين ألف سنة.
وأيضا فالعقل الأول عندهم تولد عنه العقل الثاني والنفس والفلك وإبداع العقل أعظم من إبداعه للنفس والفلك وإبداعه لذلك أعظم من مجرد نقشه في النفس والنفس الفلكية جمهورهم يقولون إنها عرض في الفلك ولكن ابن سينا وطائفة قليلة يقولون إنها جوهر قائم بنفسه فكيف يعبر عن العقل الأول بأضعف أفعاله ولا يعبر عنه بأجل أفعاله وأعظمها وإن شاع هذا شاع تسمية الواجب بنفسه قلما أيضا لأنه علم العقل الأول ما يعلمه للنفس.
وأيضا فهم يقولون: إن العقول هي الملائكة التي أخبرت بها الرسل فإذا كانت العقول تسمى أقلاما لنقشها العلم في النفوس فالملائكة تسمى أقلاما ومن قال إن الملائكة هي أقلام فهو أخس من بهيمة الأنعام وكذلك ينبغي أن يسمى كل معلم قلما وهذا ليس لي لغة العرب لا حقيقة ولا مجازا.
وأيضا فإنه قد قال في القلم: "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"
(2/81)

وهذا إشارة إلى كتابة ما في هذا العالم الكائن إلى يوم القيامة لا كتابة ما يكون بعد ذلك.
ودلائل فساد قول هؤلاء كثيرة وإذا عرف بطلان قولهم بقي القولان اللذان للمسلمين وإنما قولنا الصحيح أن العرش خلق أولا لأن ذلك ثبت في الحديث الصحيح رواه مسلم في صحيحه "أنه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" فهذا يدل على أنه قدر إذ كان عرشه على الماء فكان العرش موجودا مخلوقا عند التقدير لم يوجد بعده.
وكذلك قوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: " كان الله ولا شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء" وفي رواية "ثم كتب في الذكر كل شيء" فهو أيضا دليل على أن الكتابة في الذكر كانت والعرش على الماء.
وأما الحديث الذي فيه أول ما خلق الله القلم وأنه أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فذلك بيان لخلق العالم الذي خلقه في ستة أيام وأن تقدير هذا العالم كان قبل خلقه وأنه أول ما خلق من أسباب هذا العالم القلم لأن تقدير المخلوق سابق لخلق المخلوق.
وهذا ذكر فيه انه كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة فالمقدر به هو المخلوق الذي خلق القلم قبله ولم يذكر فيه تقدير جميع المخلوقات
(2/82)

الكائنة بعد القيامة فلم يجب أن يكون متقدما على غيره هذه المقدرات المخلوقة مما خلق قبل ذلك.
وقد جاءت الآثار المتعددة عن الصحابة والتابعين وغيرهم بأن الله سبحانه لما كان عرشه على الماء خلق السماء من بخار الماء وأيبس الأرض وهكذا في أول التوراة الإخبار بأن الماء كان موجودا وأن الريح كانت ترف عليه وأن الله خلق من ذلك الماء السماء والأرض فهذه الأخبار الثابتة عن نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الكتاب والسنة مطابقة لما عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى مما في التوراة وكل ذلك يصدق بعضه بعضا ويخبر أن الله خلق هذا العالم سمواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كان قبل ذلك مخلوقات كالماء والعرش فليس في إخبار الله تعالى أن السموات والأرض أبدعتا من غير شيء ولا أنه لم يكن قبلها شيء من المخلوقات.
وقد أخبر الله في غير موضع أنه خالق كل شيء وأنه رب كل شيء وهذا يناقض قول من يقول إنه موجب بذاته لهذا العالم وأنه معلول له فإن خلق الشيء يتضمن إحداثه ولم يقل أحد من أهل لغة العرب أن الشيء يكون محدثا ويكون قديما أزليا وكونه مخلوقا قديما أزليا أبعد في لغتهم من ذلك فإن الناس متفقون على أن كل مخلوق حادث ومحدث وأنه يسمى في اللغة حادث ومحدث ومتنازعون في أن كل حادث ومحدث هل يكون مخلوقا؟
(2/83)

ولم أعلم أنهم نقلوا أنه يجب أن يسمى في اللغة مخلوقا وإنما النزاع بينهم في ذلك نزاع عقلي ومن هنا نشأ الاضطراب بين الناس في مسألة كلام الله ومسألة أفعال الله فصاروا يحملون ما يسمعونه من الكلام على عرفهم فغلط كثير منهم في فهم كلام السلف والأئمة بل وفي فهم كلام الله ورسوله والواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته وعادته التي يخاطب بها لا نفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته.
كما أصاب كثيرا من الناس في قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} (سورة الأنبياء 2) فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين هو ما لا أول لوجوده وما لم يسبقه عدم فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث وكل ما كان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره هل يسمى قديما حقيقة أو مجازا؟ على قولين لهم.
وأما اللغة التي نزل بها القرآن فالقديم فيها خلاف المحدث وهما من الأمور النسبية فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم مستعملا إلا فيما يقدم على غيره وإن كان موجودا بعد عدمه لكن ما لم يزل موجودا هو أحق بالقدم.
(2/84)

وقد تنازع الناس في القديم هل يجعل من أسماء الله؟ فذهب طائفة كابن حزم إلى أنه لا يسمى قديما بناء على أن الأسماء توقيفية ولم يثبت هذا الاسم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والمقصود أنه مستعمل في القرآن فيما تقدم على غيره كقوله تعالى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} (سورة يس 39) وقوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} (سورة يوسف 95) وقوله: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} (سورة الأحقاف 11) وقوله عن إبراهيم: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ} (سورة الشعراء 75 76) فالمحدث يقابل هذا القديم.
وكان القرآن ينزل شيئا فشيئا فما تقدم نزوله فهو متقدم على ما تأخر نزوله وما تأخر نزوله محدث بالنسبة إلى ذلك المتقدم ولهذا قال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} (سورة الأنبياء 2) فدل أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث.
والذكر كله مخلوق ومحدث مسبوق بالعدم عند القائلين بأن القرآن وغيره من كلام الله مخلوق أو هو كله مخلوق مسبوق بعدم وإن لم نقل مخلوق فلا يكون للتخصيص عندهم معنى لكن يبقى أن يقال فإذا كان موصوفا بالحدوث الأخص وهو تقدم غيره عليه فالحدوث الأعم وهو كونه مسبوقا بالعدم لازم لهذا ولكن هذا لا يقتضي أن يكون نوع الذكر كذلك كما قد عرف.
وهكذا فهم كثير من الناس لكلام السلف والأئمة في القرآن
(2/85)

فإنه اشتهر أن السلف كانوا يقولون: "القرآن غير مخلوق" وكانت المعتزلة والكلابية ومن وافقهم من أهل الحديث والفقه والتصوف ليس عندهم إلا قديم أو مخلوق فالرب قديم إما بدون الصفات عند المعتزلة وإما بصفاته عند الكلابية وما سوى ذلك مخلوق منفصل عن الله كائن بعد أن لم يكن.
فصار هؤلاء يعتقدون أن من قال القرآن غير مخلوق فمراده أنه قدم لازم لذات الله وأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولا يجوز أن يقال يقدر أن يتكلم أو أنه يتكلم بمشيئته وهذا أحد قولي أبي حنيفة وأحمد والشافعي ومالك وغيرهم.
وقد حكى القولين عن أصحاب أحمد أبو بكر عبد العزيز في كتابه وأبو عبد الله بن حامد في أصوله والقول الثاني وهو قول جمهور أهل الحديث وأئمة السنة وطوائف من أهل الكلام من
(2/86)

الهشامية والكرامية وأبي معاذ وزهير الأثري وطوائف من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ومذهب داود بن علي وغيرهم فهؤلاء يقولون ثم قسم ثالث ليس بمخلوق منفصل عن الله وليس بقديم العين وإن كان نوعه قديما وقد يقال في الشيء إنه قديم بمعنى أنه لم يزل شيئا بعد شيء وقد يقال قديم بمعنى أنه موجود بعينه في الأزل.
ولما صارت المعتزلة والكلابية ومن وافقهما لا يعتقدون أنه ليس هنا إلا قولان أنه قديم ومخلوق وأنه لا موجود إلا قديم بعينه لم تزل عينه أو مخلوق منفصل عن الله طال النزاع في مسألة القرآن وصارت الخلقية يحتجون بما يدل على أن القرآن متعلق بمشيئة الله وقدرته وأن الكلام مستلزم لفعل المتكلم ويحتجون بما يدل على أن الكلام فعل وأنه متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يقول كلاما متعلقا بالأوقات كقوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} (سورة طه 116) وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} (سورة الزخرف 3) وقوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} (سورة هود 1) .
(2/87)

وما يدل على أنه متكلم بكلام بعد كلام كقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة آل عمران 59) وأمثال ذلك.
ومنازعوهم يحتجون بما يدل على أنه وصف لله قائم بذات الله وأنه يمتنع أن لا يكون كلامه إلا ما خلقه في غيره وأنه لو كان الكلام مخلوقا لم يختص بالإضافة إليه إضافة قول بل يضاف إليه كما يضاف إليه سائر المخلوقات وأنه يلزم أن يكون ما خلقه من الكلام في غيره كلاما له وهو خالق كل شيء فكل كلام كلامه وأن يكون ما خلقه من الأصوات صوتا له وأن الكلام لا يوصف به إلا من قام به كما لا يوصف بالعلم والحياة والحركة إلا من قام به ذلك.
ويقول هؤلاء: الكلام من صفات الذات ليس من صفات الفعل وأما الجمهور من أهل الحديث والكلام والفقه والتصوف وغيرهم فيقولون مدلول الأدلة الصحيحة من الجانبين صحيحة ولا تناقض بينهما ولا منافاة بين كونه صفة ذات وصفة فعل فإن الأقسام ثلاثة:
أحدها: ما توصف به الذات مع عدم تعلق القدرة والمشيئة به كالحياة.
والثاني: ما يكون مخلوقا بائنا عن الله فهذه هي المفعولات والصنفان الأولان يقول أكثرهم هذه هي الأفعال ولا يفرقون بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق وبعضهم يفرق مع قوله أنه ما ثم إلا قديم أو مخلوق فيجعل التكوين صفة قديمة كما يقول ذلك غيره في الإرادة
(2/88)

وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد والشافعي وغيرهم.
والثالث: ما يقوم بذات الرب مع كونه بقدرته ومشيئته فهذا في الصفات الذاتية لقيامة بالذات وهو من الفعلية لتعلقه بالمشيئة والقدرة والكلام عند الصنف الثالث من هذا الضرب.
فإذا عرف منشأ اضطراب الناس نقلا وعقلا في كلام الله فكذلك في أفعاله فإن الذين لم يجعلوا الأمر إلا نوعين قديما بعينه أو مخلوقا منفصلا عنه من المعتزلة ونحوهم وقد علموا أن الله خالق كل شيء صاروا يفهمون من كون الله خالق كل شيء أن الله بقي معطلا من الفعل أو من الفعل والكلام تعطيلا أزليا قديما لا أول له ثم فعل أو تكلم بدون سبب اقتضى ذلك أصلا ثم يقول كثير منهم وهكذا يصير معطلا في الأبد لا يفعل شيئا ولا يتكلم فكان لا يفعل ولا يتكلم ثم يصير لا يتكلم ولا يفعل شيئا وإنما المدة التي تكلم فيها وعمل مدة محدودة الطرفين ويجعلون هذا هو دين الرسل الذي جاءت به الكتب وبعثت به الرسل ويترجمون عما جاءت به الرسل بعباراتهم بحسب فهمهم فيقولون العالم محدث والعالم ما سوى الله.
ومعنى ذلك أن الله لم يزل معطلا عن الفعل والكلام حتى أحدث العالم بلا سبب أصلا بل نفس القادر المختار يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح أصلا كالجائع إذا قدم له رغيفان والهارب إذا عن له
(2/89)

طريقان فطمع المناظرون لهم في قدم العالم من الدهرية من اليونان أتباع أرسطو وغيرهم واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا امتناع حدوث العالم بعد دوام التعطيل الذاتي فقد قطعوا هؤلاء وأثبتوا قدم العالم وقدم هذه الأفلاك كما هو قول أرسطو.
ويقول ابن سينا: "العقل الصريح الذي لم يكذب قط يعلم أنا إذا فرضنا ذاتا معطلة كانت لا تفعل ثم فعلت بعد أن لم تفعل فلا بد من حدوث شيء إما قدرة وإما إرادة وإما سبب ما وأما إذا كانت لا تفعل ثم حال أن تفعل كحال أن لا تفعل لزم أن لا تفعل والتقدير أنها فعلت فلزم الجمع بين النقيضين وإنما لزم الجمع لأنا فرضنا ذاتا معطلة عن الفعل فإذا كان هذا باطلا فنقيضه حق.
ولكن هذا لا يفيد قدم العالم ولا قدم شيء من العالم ولا قدم فعل بعينه ولا مفعول بعينه بل هذا بعينه يدل على امتناع قدم شيء من العالم وإن قدر أفعال متعاقبة فإنه إذا كان حال الذات فيما لا يزال كحالها في الأزل ولم تختلف لزم أن لا يحدث عنها هذا الحادث المعين لأنها كانت وهذا الحادث لم يحدث وهي الآن على ما كانت عليه فيلزم أن لا يحدث هذا الحادث.
وإذا قيل: تجدد في العالم أمور جعلت هذا مستعدا للفعل.
قيل: والكلام في ذلك المتجدد كالكلام في غيره يمتنع أن يتجدد عن ذات حالها عند التجدد وقبل التجدد شيء سواء تجدد بواسطة أو بغير واسطة فإن الحادث يقتضي حصوله كمال التأثير وقت
(2/90)

إحداثه والقول في حدوث تمام ذلك التأثير كالقول في ذلك الأثر الحادث فلا بد أن ينتهي إلى المؤثر الأول إنه تجدد له حال يوجب كمال التأثير حال حدوث كل أثر وإن كان كمال حدوث التأثير بذاته وإن كانت ذاته اقتضت أن تفعل شيئا بعد شيء فهي التي تكون بنفسها فاعلة لهذا ثم لهذا ثم لهذا ليس غيرها يجعلها فاعلا فإن ذلك الغير هو من مفعولاتها فهي التي جعلته مفعولا فما ثم إلا الفاعل ومفعولاته ولا شيء من مفعولاته إلا منه.
فهذا ممكن في العقل بخلاف ما إذا قيل إنه دائما يحدث الأنواع المختلفة الحادثة وحاله حين جدد هذا كحاله قبل ذلك فإن هذا إن جاز جاز أن لا يكون فاعلا ثم يصير فاعلا له من غير تجدد شيء فإن امتنع أن يفعل بعد أن لم يفعل من غير تجدد شيء امتنع أن يفعل هذا بعد أن لم يكن فاعلا له من غير تجدد شيء فهم أنكروا على خصومهم حدوث حادث عن القديم بلا سبب حادث وقولهم يستلزم أن جميع الحوادث المتعاقبة المختلفة تحدث عن القديم بدون سبب حادث سواء قالوا إنها تحدث بواسطة العقل وبدون واسطة العقل فإن العقل عندهم لازم لذاته لا يحدث فيه شيء من الحوادث أصلا.
فتبين أن قولهم الذي فروا إليه أشد بطلانا وتناقضا من قول خصومهم الذي فروا منه يبين ذلك أن حدوث الحوادث عن القديم الواجب بنفسه بلا حدوث سبب إن كان ممكنا كان قول منازعيهم ممكنا وبطلت حجتهم على قدم شيء من العالم وإن كان ممتنعا كان قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم.
(2/91)

فتبين فساد قولهم على تقدير النقيضين فيكون فاسدا في نفس الأمر قطعا وذلك انه إذا لم يمكن حدوث حادث من القديم الواجب إلا بحدوث سبب أو حال للمحدث والتقدير عندهم أن القديم الواجب بنفسه لا يقوم به شيء من الأمور الاختيارية ولا يحدث له حال أصلا بل حاله قبل إحداث المعين وبعده سواء فحينئذ لا يكون محدثا لشيء من الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط فيلزم حدوث الحوادث بغير محدث.
وهم يعتذرون في هذا الموضع بأن يقولوا الواجب لنفسه الذي يسمونه العلة الأولى والمبدأ عام الفيض دائما ولكن حدوث الحوادث عنه يتوقف على حدوث الاستعدادات والقوابل فإذا حدثت حدث عنه الفيض كما يقولون مثل ذلك في العقل الفعال فيقولون إن فيضه على ما تحت الفلك عام ولكن يتوقف ذلك على حدوث الاستعدادات والقوابل بامتزاج الأجسام الحاصل عن حركات الأفلاك واتصالات الكواكب.
وهذا الاعتذار من أعظم الخطأ والكلام الباطل لوجهين:
أحدهما أن العقل الفعال عندهم ليس هو علة تامة لحدوث ما يفيض عنه ولا فاعلا مستقلا بل حدوث الفيض عنه يتوقف على حوادث تحدث من غيره فكأن له شريكا في الفيض فلهذا يتوقف فيضه
(2/92)

على ما يحدث عن مشاركيه وأما الواجب بنفسه الذي يسمونه العلة الأولى والمبدأ الأول فلا يتوقف فيضه على غير ذاته ولا له شريك غني عنه بل كل ما سواه صادر عنه ومفعول له وهم يسمونه معلولا له وموجبا له ونحو ذلك فلم يجز أن يكون فيض الرب تعالى موقوفا على حدوث حادث من غيره كما جاز مثل ذلك في العقل الفعال عندهم والتمثيل بالعقل الفعال على أصلهم.
وأما المسلمون فلا حقيقة عندهم للعقل الفعال بل التمثيل يحصل بالشمس فإنها إذا ظهرت كان نورها وحرارتها عامة وإن توقف ذلك على حدوث استعدادات وقوابل فإذا كان هناك سقف أو سحاب يمنع فيض ضوئها وحرارتها ثم زال ذلك المانع حدث الضوء والحرارة بدون تجدد فعل في ذاتها وإنما هو لحدوث حادث في غيرها.
الثاني: أن يقال الواجب بنفسه القديم رب العالمين الذي يسمونه العلة الأولى والمبدأ الأول إما أن يكون علة تامة في الأزل بنفسه أي مقتضيا وموجبا بنفسه كما يدعونه وإما أن يتوقف إيجابه على غيره فإن كان الأول لزم أن يقترن به جميع موجبه ومقتضاه في الأزل فيكون جميع معلولاته أزلية وكل واحد من الحوادث ليس أزليا فلا يكون شيء منها من معلولاته فلا يكون شيء منها حادث عنه لا بسوط ولا غيره فيلزم أن لا محدث لها بحال إذ ليس هناك واجب قديم غيره يكون مبدأ للحوادث وعلة لها بوسط أو بغير وسط.
وإن قيل: يتوقف إيجابه على غيره لزم أن لا يكون علة تامة فلا
(2/93)

يقارنه شيء من المعلولات في الأزل هذا يبطل قولهم ويقتضي امتناع قدم شيء من العالم.
وأيضا فإن إيجابه إذا كان متوقفا على غيره كان ذلك مستلزما للدور القبلي وللتسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل باتفاق العقلاء فإن ذلك الغير إن كان معلولا له لزم الدور القبلي وإن لم يكن معلولا له لزم التسلسل في المؤثرات فإن تأثيره حينئذ يكون موقوفا على ذلك الغير وذلك الغير إن كان ممكنا فلا بد له من واجب والقول فيه كالقول في الأول وإن كان واجبا بنفسه لزم توقف تأثير كل من الواجبين على تأثير الآخر فلا يكون هذا مؤثرا حتى يجعله الآخر مؤثرا وكذلك بالعكس فلا يكون كل واحد منهما مؤثرا وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان أن قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم وأن الأصل الذي بنوا عليه حجتهم وهم أن المؤثر التام لا بد أن يقارنه الأثر والأثر لا بد أن يقارنه المؤثر التام هو نفسه يبطل حجتهم ومذهبهم فإنه يقتضي أن المؤثر التام لم يكن تاما مؤثرا لشيء من الحوادث إلا حين حدوثه.
وحينئذ فقبل ذلك لم يكن مؤثرا تاما ثم صار مؤثرا فانتقل من عدم التأثير إلى وجود التأثير من غير تغير منه ولا حدوث شيء عنه أصلا عندهم فإنهم إذا قالوا حركات الأفلاك هي شرط في التأثير أو قالوا تصورات النفس الفلكية وإراداتها الحادثة هي الشرط في التأثير أو قالوا كل حادث شرط لما بعده كان هذا باطلا من وجbهين:
(2/94)

أحدهما: أن القول في حدوث تلك الحوادث من الحركات والإرادات والتصورات كالقول فيما حدث عنها فلا يكون مؤثرا تاما فيها حتى يحدث له ما به يصير مؤثرا تاما وهو لا يحدث فيه شيء من الحوادث عندهم فلا يكون مؤثرا تاما في حال من الأحوال لشيء من الحوادث.
الثاني: أن يقال الحادث الأول لا يجوز أن يكون هو الذي به صار المؤثر تاما فيما بعده من الحوادث فإن تمام المؤثر لا بد أن يكون موجودا عند وجود الأثر سواء سمي شرطا أو جزءا أو عدم مانع أو غير ذلك من الأسماء لأن التقدير أن العلة التامة يقارنها معلولها وأن الأثر يقارنه المؤثر التام فلو قدر وجود بعض ما به يتم المؤثر قبل وجود الأثر وعدمه عند وجود الأثر للزم أن لا يكون المؤثر التام موجودا عند وجود الأثر وأن لا يكون الأثر موجودا عند وجود المؤثر التام بل يكون موجودا عند عدم بعض ما به يتم المؤثر.
والتقدير خلاف ذلك ولهذا وجب وجود العلة التامة عند وجود المعلول وإن شئت قلت والفاعل التام عند وجود المفعول وإن شئت المؤثر التام عن وجود الأثر.
فإن قيل: يمكن أن يكون تأثير القديم في الثاني مشروط بعدم الأول وعدم الأول مقارن لحدوث الثاني لا يكون الشرط مجرد حدوث الأول كما يقول من يقول إنه لم يزل متكلما إذا شاء وفاعلا بمشيئته شيئا بعد شيء.
(2/95)

فنقول: إن نفس ذاته هي المؤثرة في كل واحد واحد من تلك الأقوال والأفعال لكن تأثيرها في الثاني مشروط بعدم الأول.
وإلا فلو قيل: إن الحادث الثاني يجب أن يحدث عند حدوثه أمر وجودي يلزم التسلسل في تمام التأثير وذلك من التسلسل في التأثير وهو ممتنع فإنه إذا كان ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث عند حدوثه حادث وهذا أيضا يحدث عند حدوثه حادث لزم التسلسل في تمام أسباب ومسببات إلى غير نهاية وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء كما يمتنع أن يكون لهذا المحدث محدث ولهذا محدث إلى غير نهاية فلا بد أن تكون الحوادث صادرة عن قديم ويكون حدوث الثاني مشروطا بعدم الأول فيكون بما في المؤثر الحادث عدم الأول والمؤثر القديم يحدث هذا بعد هذا وحدوث الثاني مشروط بعدم الأول.
قيل: هذا الذي ذكر يجب اعتباره في الفاعل الأول الواجب بذاته إذا كان فاعلا لشيء بعد شيء ولم يكن مؤثرا تاما لشيء أزلي بل ذاته مستلزمة لنوع التأثير لا لتأثير معين.
وهؤلاء القائلون بقدم العالم اشتبه عليهم نوع التأثير بعين التأثير فلما رأوا أن الذات تستلزم كونه مؤثرا لامتناع حدوث ذلك لم يميزوا بين النوع والعين فظنوا أن هذا يقتضي قدم الأفلاك أو غيرها من أعيان العالم.
(2/96)

وهذا خطأ قطعا فإن الذات تستلزم نوع التأثير لا عينه فإذا قدر أنها لم تزل فاعلة لشيء بعد شيء لم يكن شيء من مفعولاتها قديما بل كل ما سواها حادث كائن بعد أن لم يكن وإن كان فعلها من لوازم ذاتها.
والذين قابلوا هؤلاء لما أرادوا أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الله ظنوا أن هذا يتضمن أنه كان معطلا غير قادر على الفعل وأن كونه محدثا لا يصح إلا على هذا الوجه فهؤلاء أثبتوا التعطيل عن نوع الفعل وأولئك أثبتوا قدم عين الفعل وليس لهم حجة تدل على ذلك قط وإنما يدل على ما يذكرونه من الحجج على ثبوت النوع لا على ثبوت عين الفعل ولا عين المفعول ولو كان يقتضي دليلهم الصحيح قدم عين الفعل والمفعول لامتنع حدوث شيء من الحوادث وهو مخالف للمشهود.
وحينئذ فالذي هو من لوازم ذاته نوع الفعل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في العالم شيء قديم وحينئذ لا يكون في الأزل مؤثرا تاما في شيء من العالم ولكن لم يزل مؤثرا تاما في شيء بعد شيء وكل أثر يوجد عند حصول كمال التأثير فيه والمقتضى لكمال التأثير فه هو الذات عند حصول الشروط وارتفاع الموانع.
وهذا إنما يكون في الذات التي تقوم بها الأمور الاختيارية وتفعل بالقدرة والمشيئة بل وتتصف بما أخبرت به الرسل من أن الله يحب ويبغض ويرضى ويسخط ويكره ويفرح وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة فأما إذا لم يكن إلا حال واحدة أزلا وأبدا وقدر أن لها معلولا لزم أن يكون على حال واحدة أزلا وأبدا.
(2/97)

وإذا قيل: إنها توجب الحدث الثاني بشرط عدم الأول.
قيل: الحوادث الصادرة عنها مختلفة فإن الحركات مختلفة إذ ليست حركة التاسع هي وحدها الموجبة لجميع الحوادث بل الحركات المختصة بكل فلك فلك ليست ناشئة عنها.
وحينئذ فهو يحدث حركات مختلفة شيئا بعد شيء وحوادث مختلفة شيء بعد شيء فيمتنع أن يكون في الأزل موجبا لها ويمتنع أن يتجدد له ما يصير به موجبا بدون فعل منه فإن القول في إيجابه للشرط كالقول في إيجابه للمشروط وتلك الحوادث لها محل قديم وهو معلوم فيلزم أن يكون مقتضيه في الأزل للمحل مقتضيه للآثار شيئا بعد شيء وهو في جميع ذلك على حال واحدة من الأزل إلى الأبد.
والمعلول صادر عن العلة لازم لها فإذا كان على حال واحدة لزم أن يكون المعلول على حال واحدة وإلا لزم وجود المعلول بدون العلة.
وهو حقيقة مذهب القوم فإن كل ما في المعلول هو من العلة فإذا قدر أن العلة لا يتنوع فعلها ولا صفة لها ولا يحدث فيها شيء لزم أن يكون المعلول كذلك واحدا لا يتنوع ولا يحدث فيه شيء وهو خلاف المشاهدة وهذا أمر لا محيد عنه.
وحذاقهم معترفون بهذا فإن ما ادعوه مخالف لصريح المعقول لمن تصور حقيقة قول القوم وإنما طمعوا في أهل الكلام المبتدعين الذين ذمهم السلف والأئمة لما اشتمل عليه كلامهم من الباطل شرعا وعقلا فإنهم خالفوا السمع والعقل وظنوا أن الرسل أخبرت بأن الباري كان
(2/98)

معطلا لا يقدر أن يفعل ولا أن يتكلم ثم بعد هذا قدر أن يفعل وأن يتكلم 4 فانتقل من عدم القدرة إلى القدرة بلا حدوث شيء وانتقل الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا حدوث شيء ولزم أن يكون بين الباري وبين أول كلامه وفعله مدة لا نهاية لها وليس هناك مدة وأن يكون قبل الزمان زمان زمان إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعها المتكلمة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم في الإسلام فجاء أولئك الملحدة فرأوا أن هذه أقوال فاسدة فظنوا أنهم إذا أفسدوها بدوام فاعلية الرب وأن ما جاز وجوده عنه وجب وجوده لزم من ذلك قدم هذا العالم ودوامه وأن الرب تعالى لم يحدث هذا العالم ولا يغيره ولا يقيم القيامة الكبرى إذ فعله واحد لا يتبدل.
وهذا من أعظم الجهل والضلال عقلا كما هو من أعظم الإلحاد شرعا فإن الفعل ليس واحد بالعين إذ لو كان كذلك لم يحدث شيء وإذا كان يفعل شيئا بعد شيء فلا فرق بين إحداث أنواع من الحيوان لم تكن وإحداث عالم لم يكن وإحداث إشخاص لم تكن.
والحوادث المختلفة في العالم دالة على أحداث فاعلة للحوادث ولهذا يبين سبحانه وتعالى الأدلة على إثبات الصانع بإحداثه الحوادث المشهودة كإنزال المطر وإنبات النبات وخلق الإنسان وغيره من الحيوان.
وقد ذكر في غير هذا الموضع تنازع الناس في هذا المقام فإن طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم يقولون إن المؤثر التام يجب أن
(2/99)

يتقدم بالزمان على الأثر ولهذا يقولون القدرة على الفعل لا تكون إلا قبل الفعل وكذلك الإرادة للفعل.
وأما أهل السنة المثبتون للقدر فعندهم لا بد من وجود القدرة عند الفعل ويعنون بالقدرة مجموع ما به يصير العبد فاعلا فدخل في ذلك الإرادة وغيرها.
لكنهم متنازعون هل يجوز وجود القدرة قبل الفعل وبقاؤها إلى حين الفعل وأنه عند الفعل ينضم إليها الإرادة أم لا يجوز وجودها إلا عند الفعل؟ على قولين.
فالأول: قول أئمة الفقهاء وأهل السنة وهو المنقول عن أبي حنيفة وأبي محمد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي العباس بن سريج وغيرهم ممن يقول القدرة تصلح للضدين وهو قول الفقهاء والجمهور الذين يقسمون القدرة إلى نوعين مصححة للفعل وهي المشترطة في الأمر والنهي وهي مشتركة بين المطيع والعاصي ومستلزمة للفعل وهي التي يختص بها المطيع دون العاصي.
والثاني: قول من يقول لا تكون القدرة إلا عند الفعل وأن خلاف المعلوم غير مقدور للعبد وأن العاصي ليس قادرا على الطاعة وهذا قول أبي الحسن الأشعري ومن وافقه من أهل الكلام والفقه على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
(2/100)

لكن جمهور هؤلاء متناقضون فيقولون في هذا الموضع القدرة لا تكون إلا مع الفعل وفي الفقه وأصوله يجعلون العاصي قادرا على الطاعة كما يجب الحج على المستطيع سواء حج أو لم يحج وقد يجعلون النزاع لفظيا منقولون الصحة المتقدمة وسلامة البنية المتقدمة ليست هي الاستطاعة التي لا تكون إلا مع الفعل.
لكن يقال لهم: نصوص الكتاب والسنة توجب جعل ذلك من الإستطاعة وإذا كان النزاع لفظيا فأحق الألفاظ بالرعاية ألفاظ الشارع الواردة في الكتاب والسنة.
وبالجملة فمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر وأن الله خالق أفعال العباد أن مجموع ما يوجب وجود فعل العبد لا يوجد إلا عند وجود فعله.
لكنهم في أفعال الله متنازعون فالكلابية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إن القدرة القديمة والإرادة القديمة هي المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه من غير تجدد أمر وجودي فقالوا هنا إن المؤثر التام يتقدم على أثره أو يقولون من تمام المؤثر التعلق الحادث عند وجود الأثر لكن هذا التعلق عندهم عدمي.
وأما الكرامية ونحوهم فإنهم وإن قالوا إنه عند حدوث حوادث
(2/101)

العالم قد يقوم بذاته أمور اختيارية من إرادة أو كلام أو غير ذلك فهم يقولون إن الحوادث ابتداء حدثت بغير سبب حادث فيرد عليهم في أصل الحدوث ما يرد على أولئك في تفصيل الحوادث.
وأما المعتزلة وغيرهم من القدرية قولهم في التأثير واحد وهو أن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح.
والذين ناظروهم وناظروا الفلاسفة على أصل الكلابية كأبي عبد الله الرازي وغيره إذا ناظروا القدرية من المعتزلة وغيرهم استدلوا بأن القادر المختار لا يرجح الفعل على الترك إلا بمرجح وقالوا إن رجحان فاعلية العبد على تاركيته يتوقف على مرجح تام يستلزم وجود الأثر.
وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم قالوا إن القادر المختار يرجح أحد طرفي مقدوريه على الآخر بلا مرجح وادعوا أن المرجح التام إنما يستلزم الأثر إذا كان موجبا بالذات فأما إذا كان فاعلا بالاختيار فلا وربما ادعى بعضهم العلم الضروري بالفرق بين ترجيح الموجب بالذات والفاعل بالاختيار.
وهذا تناقض بين لمن فهمه فإنه إن كان الفرق صحيحا بطلت حجتهم على القدرية من المعتزلة وغيرهم ولزم جواز إحداث العبد لفعله بلا سبب حادث لأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وإن كان الفرق باطلا لزم بطلان جوابهم للفلاسفة فأحد الأمرين لازم إما بطلان حجتهم على هؤلاء وإما بطلان جوابهم لهؤلاء.
(2/102)

وأيضا فإن الموجب بالذات قد يراد به ما تكون مجرد ذاته العارية عن الصفات والأفعال مستلزمة لموجبه وعلى هذا فيحصل الفرق بين مسمى الموجب بالذات ومسمى الفاعل بالاختيار وقد يراد به ما يوجب بذاته الموصوفة بالصفات والمشيئة والفعل وعلى هذا فكونه موجبا بالذات لا ينافي كونه فاعلا بالاختيار.
فقولهم: إن الترجيح بدون مرجح تام ممتنع في الموجب بالذات دون الفاعل بالاختيار قول باطل لأنه حينئذ قد يكون فاعلا باختياره وعند حصول القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود الفعل فيكون موجبا بذاته الموصوفة بالقدرة والاختيار لا بذات مسلوبة القدرة والاختيار.
وغاية ما يمكن أن يقال في الاعتذار عن تناقض هؤلاء أن القديم المختار له أن يرجح أحد مقدوريه بدون مرجح بدون المحدث المختار لأن المحدث لا يتصور حدوث شيء منه إلا من غيره فإن كونه قادرا مريدا وفاعلا إنما هو من غيره فنفس ذاته ليس من لوازمها أن تكون قادرة مريدة فاعلة بل ذلك لها من غيرها فلهذا لا يرجح بغير مرجح وهي إذا افتقرت إلى مرجح فالمرجح يحدث من الله تعالى بخلاف القديم الواجب بنفسه سبحانه فإنه هو المحدث لكل ما سواه وهو بنفسه مستغن عن كل ما سواه فيمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح.
فيقال لهؤلاء هذا فرق فاسد من وجوه متعددة.
(2/103)

منها: أن يقال كون المؤثر التام يستلزم أثره ويقارنه وأن الأثر يستلزم المؤثر التام ويقارنه وأن يقال كون المرجح التام يستلزم الرجحان وأن الرجحان بدون المرجح التام ممتنع قضية كلية لا تقبل الانتقاض ولا التخصيص كما قيل المحدث لا بد له من المحدث والتخصيص المحدث لا بد له من مخصص والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح فهذه قضايا كلية لا تنتقض سواء قدر المحدث والمخصص والمرجح قديما أو محدثا.
ومنها: أن يقال ما به يعلم أن المحدث لا يرجح بدون مرجح تام به يعلم ذلك في القديم مثل أن يقال الإرادة إما أن يجب مقارنة مرادها لها وإما أن لا يجب فإن وجب لزم إذا كانت الإرادة قديمة أن يكون المراد قديما وبطل قولهم وإن لم يجب فإما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن لا يوجد المراد مع وجود الإرادة وهذا باطل فإنهم يقولون إن الإرادة باقية إلى حين وجود المراد.
وأيضا فإذا كان ممتنعا فإن لم يصر ممكنا لزم دوام الامتناع فيلزم أن لا يحدث شيء وإن صار بعد ذلك ممكنا والتقدير أنه لم يتجدد شيء لزم أن يصير الشيء ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير حدوث شيء فينقلب الشيء من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
(2/104)

ثم إذا قيل هو ممكن بعدها أو قيل هو ممكن معها فالممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح والتقدير أنه ليس هناك مرجح غير ما ذكر فيلزم أن لا يوجد شيء أصلا.
وإذا قيل المرجح تعلق الإرادة.
قيل هذا التعلق إذا كان حادثا فلا بد له من محدث وإن كان قديما فلم يتجدد شيء.
وأيضا فإن كان أمرا وجوديا فهو حادث من الحوادث فلا بد له من محدث وإن كان عدما فليس بشيء فلا مرجح هناك فإن ما ليس بشيء لا يكون مرجحا للوجود.
وأيضا فإذا كان حال قبل حدوث الحادث كالحال بعده كما هو قولهم من كل وجه كان تخصيص أحد الحالين بالحدوث ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح.
وقول القائل: إن الإرادة لذاتها تقتضي التخصيص بلا مخصص قول باطل فإن الإرادة التي يعرفها الناس من أنفسهم لا توجب ترجيحا إلا بمرجح وإرادة الإنسان لأحد المتماثلين دون الآخر مع تساويهما من كل وجه ومع كون نسبة الإرادة إليهما سواء ممتنع لمن تصوره والعلم بامتناعه ضروري وهذا هو نفس الترجيح بلا مرجح.
(2/105)

بل الذي يعلمه الناس من أنفسهم أن إرادة الإنسان أحد الشيئين ليست هي إرادته للآخر سواء ماثله أو خالفه فضلا عن أن يكون إرادة واحدة نسبتها إلى المثلين سواء وهي ترجح أحدهما بلا مرجح وإن جاز أن يقال إن هذه الإرادة حاصلة له وهي ترجح أحد متعلقيها المتماثلين بلا مرجح جاز أن يقال نفس الإنسان يرجح إرادة هذا على إرادة هذا بلا مرجح.
وحينئذ فلا يكون حدوث الإرادة مفتقرا إلى سبب غير نفس الإنسان بل نفسه يمكنها إحداث هذه الإرادة دون هذه الإرادة بلا مرجح.
وهذا قول القدرية الذين يقولون إن الإنسان هو الذي يحدث إرادته بلا إرادة ويقولون إن الإرادة لا تعلل ويقولون مثل ذلك في القديم يقولون إنه يحدث الإرادة بلا إرادة.
وقول هؤلاء وإن طردوه فهو فاسد من وجوه:
منها: أنهم أثبتوا الحوادث بلا محدث تام والأثر بلا مؤثر تام والممكن بلا مرجح تام.
ومنها: أنهم رجحوا أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا مع بطلانه بالضرورة فهو يسد عليهم طريق إثبات الصانع.
ومنها أنهم خصوا أحد الزمانين المتماثلين بالحدوث بلا مرجح وهو كذلك
(2/106)

ومنها: أنهم أثبتوا إحداث المختار للحوادث بلا إرادة فإن إرادته حادثة بلا إرادة إذ الإرادة عندهم ليست من لوازم نفسه بل هي تحدث من محدثها ومتى جاز إحداث حادث بلا إرادة جاز إحداث آخر ولهذا تفرقوا في إرادة الباري تعالى.
فالبغداديون من المعتزلة ومن وافقهم من الرافضة واليهود نفوها والبصريون أثبتوا إرادة حادثة لا في محل فلزمهم إثبات صفة قائمة بل عرض قائم بنفسه وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو إبطال لحقيقة الغرض وإن جاز ذلك جاز إثبات كلام لا في محل وعلم لا في محل وقدرة لا في محل.
ومنها: أنهم أثبتوا حادثا بلا إرادة.
ومنها: أنهم جعلوا الحي مريدا بإرادة ليست قائمة به كما جعلوه متكلما بكلام لا يقوم به وإن جاز هذا جاز أن يعلم بعلم لا يقوم به ويقدر بقدرة لا تقوم به ويحيا بحياة لا تقوم به إلى أمثال ذلك.
ومما يبين فساد ما ذكروه من الفرق أن يقال أنتم قررتم أنه لا بد عند وجود المقدور المراد من وجود القدرة والإرادة وأنه يمتنع وجود المقدور المراد بقدرة وإرادة تتقدم على المقدور المراد وأبطلتم قول القدرية في ذلك بأنه يستلزم وجود الحادث بأمر معدوم وإن قدر أنه عند وجود المقدور المراد كانت الإرادة أو القدرية معدومة فلا بد من وجود ذلك عند
(2/107)

وجود المقدور المراد فإن كان وجود ذلك قبل وجود المقدور المراد مثل وجوده عند وجود المقدور المراد كان وجود ذلك أزلا ولم يؤثر شيئا فإذا كان الحال لم يتغير فهو بعد ذلك أيضا لم يؤثر شيئا وهذا أضعف من القول بوجوده عقب الإرادة والقدرة لأنه هنا مؤثر تأخر عنه أثره وهناك أثر بلا مؤثر والقول بوجود أثر بلا مؤثر أفسد من القول بأثر تأخر عن مؤثره.
ولهذا كان إنكار الناس على القدرية قولهم بأنه ليس لله على المؤمنين نعمة من بها إلا وقد أعطى مثلها للكافر أشد من إنكارهم عليهم أن الإيمان بقدرة متقدمة وإرادة متقدمة.
والناس يعلمون افتقار أنفسهم إلى الله تعالى في أن يهديهم ويعينهم على الإيمان والعمل الصالح أعظم مما يعلمون كون الأثر يقارن المؤثر وإذا قيل لأحدهم الإعانة التي أعطيت للصحابة على الإيمان كالإعانة التي أعطيت لأبي جهل وأبي لهب بادرت فطرته إلى إنكار ذلك.
وكذلك في نظائر ذلك مثل أن يقال ما به أعين المصلى هو مثل ما به أعين تارك الصلاة وما به أعين المهتدي مثل ما به أعين الضال فإن الفطرة تشهد أنه لو استوى الأمران لم يختص أحدهما بالطاعة.
وهذا مع أن التماثل إنما تدعيه القدرية في القدرة خاصة وأما الإرادة فإنهم يقولون إن المؤمن يحدث إرادة الإيمان فإذا كانت
(2/108)

الفطرة تنكر تساوي القدرتين مع اختصاص أحدهما بالإرادة أعظم مما تنكر تأخر الأثر عن المؤثر فكيف إذا قيل إن القدرة والإرادة في حال وجود الفعل كحالها قبل وجود الفعل وأن الفعل حدث بلا تجدد شيء أصلا؟!
فإن هذا مما يعلم بالفطرة إنكاره ويعلم أنه لا بد حين وجود الفعل من حصول تمام المؤثر الذي به يصير الفاعل مريدا إرادة جازمة وقادرا قدرة تامة فإنه مع القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور والمراد.
ولا ريب أن الله على كل شيء قدير كما نطق به القرآن في غير موضع فإن قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن لكن الممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودا معدوما أو متحركا ساكنا أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آن آن واحد أو كون اليوم موجودا مع أمس وغدا وأمثال ذلك.
وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب وأما الممتنع لغيره وهو ما علم الله أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون وكتب أنه لا يكون فهذا لا يكون لعدم إرادته وأنه لا يكون فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهذا لو شاء لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة وأمثال ذلك.
(2/109)

والقادر إذا لم يفعل الشيء لعدم إرادته له لم يمنع ذلك أن يكون قادرا عليه بخلاف ما إذا لم يفعله لكونه ليس قادرا عليه والقادر يجوز أن يفعل كلا من الضدين ويريده على طريق البدل بخلاف فعلهما على وجه الجمع فإنه ممتنع لذاته.
ولو كان فعل القادر موقوفا على إعانة غيره أو ممنوعا بغيره لم يكن قادرا بنفسه وهذا من دلائل الوحدانية فإن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لامتناع كون قدرته من غيره ويمتنع اجتماع قادرين بأنفسهما على شيء واحد فإن قدرة أحدهما عليه مشروطة بعدم قدرة الآخر عليه حال كون الأول قادرا لامتناع اجتماع قدرتين تامتين على فعل واحد وامتناع اجتماع فاعلين مستقلين على فعل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه إذا فرض أن قدرته وإرادته وسائر ما يتوقف الفعل عليه حال وجود الفعل كما هي حال عدم وجود الفعل كان هذا ممتنعا بالضرورة كامتناع هذا في كل مؤثر تام بل لا بد لحال الفعل من اختصاصه بأمر لا يكون موجودا عند عدم الفعل.
وأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء ولم يزل تقوم به الأمور الاختيارية فلا يرد عليهم شيء من هذه التناقضات الواردة على هؤلاء الأصناف من أهل الكلام والفلسفة.
(2/110)

وكذلك لا يرد على من وافقهم من أساطين الفلاسفة القائلين بقيام الأمور الإرادية بذاته وأنه لم يزل كذلك كما يقوله أبو البركات صاحب المعتبر وغيره من متقدمي الفلاسفة ومتأخريهم فإن هؤلاء يطردون الأصل المتقدم في أن المؤثر التام يستلزم أثره وأن الأثر يلازم المؤثر التام ولا يفرقون في ذلك بين مؤثر ومؤثر.
والرب تعالى عندهم فاعل لكل ما سواه بقدرته واختياره وإذا سمي موجبا بالذات بمعنى أنه موجب بذاته الموصوفة بالقدرة والاختيار ما يحدثه من الحوادث في وقت إحداثه إياه فهذا حق عندهم كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويقولون إن كل حادث فله سبب حادث وإن كمال فاعلية الرب تعالى لكل مفعول هو عند فعله إياه كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82) .
وهؤلاء يطرد على أصلهم بيان تناقض الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك وفساد حجتهم ومذهبهم وأما غيرهم فإنه وإن بين تناقض الفلاسفة من وجه فإنه يتناقض هو من وجه آخر فهم يردون باطلا بباطل ويقابلون بدعة ببدعة لكن لكل حال كل من كان إلى اتباع الرسل أقرب كان قوله أقوم وأقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول ممن هو أبعد منه عن متابعة الرسل فإن المعقول الصريح لا يدرك إلا على موافقة أقوال الرسل لا على مخالفتها.
والمقصود هنا بيان فساد قول هؤلاء الفلاسفة ومذهبهم وأنه
(2/111)

أعظم فسادا من قول القدرية المعتزلة وغيرهم ومن الكلابية وغيرهم من أصناف أهل الكلام فإن هؤلاء الفلاسفة الدهرية لا سيما معطلة الصفات منهم يحتجون بأن المؤثر التام لا بد أن يقارنه أثره ثم يقولون والرب لا بد أن يكون مؤثرا تاما في الأزل إذ لو لم يكن كذلك للزم حدوث تمام تأثيره والكلام في حدوث ذلك الحادث كالكلام في غيره فيلزم التسلسل بمعنى حدوث تمامات لا نهاية لها في آن واحد للعلة الفاعلة وهو باطل لم يقل به طائفة من الطوائف كما لم يقل بتسلسل علل تامة.
وحجتهم مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات وهو متفق عليه بين العقلاء وامتناع الترجيح بغير مرجح والمعتزلة والكلابية والكرامية ونحوهم أبطلوها لجواز الترجيح عندهم من القادر بلا مرجح.
وقد عرف ما في هذا الجواب وأنه إنما يستقيم على أصول القدرية والجهمية ولهذا كان النزاع هنا بين القدرية والدهرية وكلاهما مبطل لكن القدرية أمثل لكنهم عارضوها بحدوث الحوادث اليومية فإن حجتهم تستلزم أن لا يحدث شيء وقد حدث.
والمعارضة تدل على فساد الحجة لكن لا تحلها ولا تبين وجه فسادها وقد طعن الأرموي وغيره في هذه المعارضة وقد بينا فساد طعنه وصحة هذه المعارضة كما ذكرها الغزالي والرازي والأبهري وغيرهم ممن عارض بها الفلاسفة.
وجاء بعد الأرموي الهندي فنقل طعنه فيها نقلا مجردا ولم يجب عنه
(2/112)

بشيء وذكر الأرموي جوابه الذي سماه الجواب الباهر وأخذه من كلام الرازي لأنه أجاب بهذا الجواب الذي سماه الباهر من المطالب العالية فأجاب أنه لا يلزم منه قدم العالم الجسماني لجواز أن يوجد عقل في الأزل أو نفس تصدر عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منهما بعدما يليه حتى ننتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم.
ثم إن الهندي لم يكن عنده غير ما نقله من كلام هؤلاء وهذا الجواب بنى عليه أبو عبد الله القشيري المعروف بابن دقيق العيد حيث جزم بحدوث الأجسام دون سواها مع جعله جميع الممكنات صادرة عن الواجب.
وهذا الجواب بنوه على ظنهم الفاسد وهو أن الدليل قد قام على حدوث الأجسام دون ما سواها بناء على أن المتكلمين لم يقيموا دليلا على أنه لا ممكن إلا الجسم أو العرض كما قد ذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم من متأخري أهل الكلام المخلوط بالفلسفة من المعتزلة والأشعرية.
(2/113)

وهذا الجواب لا يوافق دين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وهو باطل ولم يحصل به جواب عن أدلة الفلاسفة.
(2/113)

وهو باطل من وجوه:
أحدها: أن يقال فالنفس عند هؤلاء لا تكون إلا مقارنة للجسم فإنها متعلقة به تعلق التدبير وهم متنازعون هل هي جوهر أو عرض وحينئذ فوجود نفوس دون أجسام ممتنع فبطل أصل هذا الجواب.
الثاني: أن يقال دليل المعتزلة ومن وافقهم على حدوث الأجسام إنما هو لامتناع حوادث لا أول لها وهذا بعينه يقتضي حدوث النفس فإنه تقوم بها الحوادث فإذا امتنع أن تقوم بها الحوادث التي لا تتناهى لزم حدوثها فطريقة المعتزلة ومن وافقهم في حدوث الأجسام إن كانت صحيحة لزم حدوث النفوس مثل هذه الطريقة وإن كان باطلة بطل التفريق بين النفوس والأجسام فلزم على التقديرين أن يكون قول هؤلاء بحدوث الأجسام دون النفوس قولا باطلا.
الجواب الثالث: أن يقال دليل حدوث الأجسام الذي هو امتناع حوادث لا أول لها يوجب حدوث النفوس كما تقدم وأما العقول فبتقدير ثبوتها كما يدعيها هؤلاء المتفلسفة فهي قديمة لازمة لذات الله وهو تعالى موجب بذاته لها في الأزل إيجابا قديما دائما فقدم العقول مستلزم لكونه موجبا بذاته لشيء معين دائما وكونه محدثا للأجسام أو للأجسام والنفوس بعد أن لم تكن ينافي كونه موجبا بذاته في الأزل فإن الذي يفعل بعد أن لم يكن يفعل لا يكون إن قدر وجوده إلا فاعلا بالاختيار فصار هذا القول مستلزما لكونه موجبا
(2/114)

بالذات غير موجب بالذات وذلك جمع بين النقيضين فتبين أن القول بحدوث الأجسام مع قدم العقول جمع بين النقيضين فيكون باطلا.
وإيضاح هذا أنه إما أن يجوز أن يفعل بعد أن لم يفعل وإما أن لا يجوز فإن جاز ذلك كما يقوله من يقوله من أهل الكلام جاز حدوث كل ما سواه وإن لم يجز ذلك لزم أنه لم يزل فاعلا وحينئذ فإن قيل لم يزل فاعلا لشيء بعد شيء أمكن دوام الفاعلية مع حدوث كل ما سواه وإن قيل لم يزل فاعلا لشيء معين لم يكن فرق بين العقول وبين غيرها فالقول بقدم العقول مع حدوث الأجسام قول متناقض.
وبهذا يتبين أن ما استدل به من استدل من المتكلمين على حدوث الأجسام وإن كان صحيحا يستلزم حدوث كل ما سوى الله ويظهر خطأ متأخريهم الذين اعترضوا على متقدميهم بأن دليلهم على حدوث الأجسام والأعراض لا يتناول حدوث كل ما سوى الله لإمكان وجود العقول والنفوس التي يثبتها المشاؤون من الفلاسفة وإمكان قدمها قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا صحيحا على نفي ما سوى الأعراض والأجسام وقد بينا بطلان كلام هؤلاء في غير موضع.
وللنظار في إبطاله طرق:
إحداها طريقة من يقول العلم بأن كل ممكن إما جسم وإما عرض قائم بالجسم علم ضروري كما ذكر ذلك غير واحد من أئمة النظار كأبي المعالي وغيره.
(2/115)

والثانية طريقة من يقول: الوجود لا يكون إلا مشارا إليه أو قائما بمشار إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين ومن هؤلاء من يصرح بأنه لا موجود إلا الجسم وما يقوم بالجسم كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
الطريقة الثالثة: أن يقال هب أنه لم يعلم انتفاء ما سوى الأجسام والأعراض لكن دليل حدوثها يستلزم حدوث كل ما سوى الله.
وهذا يتبين بالجواب الرابع: وهو أن يقال لا ريب أن النظار المثبتين لحدوث أجسام العالم وأعراضه من المعتزلة والكلابية والكرامية والهشامية والنجارية والضرارية والجهمية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث الذين بنوا ذلك على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث هم صنفان صنف يقول إن الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهؤلاء يقولون بحدوث الأجسام وأعراضها مطلقا.
وصنف يقولون: إن الجسم نوعان: نوع يخلو عن الحوادث ونوع لا يخلو عن الحوادث فالذي لا يخلو عن الحوادث هو الحادث دون الأول كما يقول ذلك من يقوله من الهشامية والكرامية وغيرهم وعلى قول هؤلاء فالسكون أمر عدمي لا وجودي وحدوث الحوادث ابتداء في القديم بعد أن لم يكن كحدوث الحوادث عنه ابتداء بعد أن لم يكن فأدلة هؤلاء على حدوث الجسم
(2/116)

الذي لا يخلو عن الحوادث إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وإن كانت باطلة لم تدل لا على حدوث الأجسام ولا غيرها.
فقول القائل: إن دليلهم يتضمن حدوث الأجسام دون ما سواها قول باطل وذلك أنه على التقدير الأول يكون كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث حدوثا مسبوقا بعدم والحادث عن عدم لا يكون صادرا عن قديم موجب بذاته في الأزل فإن الموجب بذاته في الأزل يكون موجبا أزليا لا يكون حادثا مسبوقا بالعدم وسواء كان حدوث الحادث عنه بوسط أو بغير وسط فامتنع على هذا التقدير أن يكون الواجب الوجود بنفسه موجبا بالذات في الأزل وإذا امتنع هذا امتنع أن يكون معه قديم سواء سمي ذلك القديم عقلا أو نفسا أو غير ذلك فإنه إذا قدر عقل قديم ممكن لزم أن يكون صادرا عن علة تامة قديمة وهو الموجب بذاته في الأزل وأن يكون معلوله دائما معه لا يتخلف منه شيء وعلى هذا التقدير فيمتنع حدوث الحوادث بعد أن لم تكن فظهر بذلك أنه إذا قدر أن الحوادث لها ابتداء وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها لزم أن يكون الباري فاعلا باختياره وأن لا يكون معه في الأزل قديم أصلا.
فتبين بذلك أن أدلة هؤلاء النظار على حدوث الأجسام والأعراض إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وتبين بذلك أن أئمة هؤلاء النظار أحذق من متأخريهم وأقوى ردا على الفلاسفة وغيرهم وأن ما اعترض متأخروهم عليهم باطل.
(2/117)

الوجه الخامس: أن يقال: لو كانت الحوادث تحدث في النفس شيئا بعد شيء لكان لا بد لها من محدث والقديم الذي لا يتجدد له أمر يقوم به لا يحدث عنه شيء كما تقدم فقول هؤلاء بحدوث هذه الأمور عنه كقول الفلاسفة بحدوث حركات الفلك وأنها أزلية.
الوجه السادس: أن يقال: فهذا يقتضي كون الرب موجبا بذاته للعقول والنفوس وأنه ليس فاعلا باختياره يفعل شيئا بعد شيء وأن العقول والنفوس متولدة عنه تولدا ذاتيا وهذا معلوم الفساد عقلا ونقلا وهو مخالف لدين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين.
الوجه السابع: أن يقال: فإذا كان موجبا بذاته على هذا التقدير لم يكن اختصاص الزمان الذي حدث فيه الأجسام دون ما قبله وبعده بأولى من العكس والتقدير أن القديم لا تقوم به الأمور الاختيارية وقول القائل إن بعض تلك التصورات تكون سببا لفيض الأجسام عن القديم إنما يصح لو كان هناك سبب يقتضي حدوث تصورات تخالف ما قبلها وهذا إنما يكون إذا كان الرب فاعلا باختياره والأمور الاختيارية تقوم بذاته فأما إذا قدر أنه لا يفعل شيئا باختياره ولا يقوم به أمر اختياري بل هو مجرد عن الصفات والأفعال لا يتجدد منه ما يقتضي الإحداث كان امتناع حدوث الأجسام حينئذ كامتناع حدوثها عن القديم ابتداء.
(2/118)

الوجه الثامن: أن هذا القول مبني على وجود العقول والنفوس التي يذكرها هؤلاء وأنها أمور قائمة بأنفسها موجودة في الخارج لا يشار إليها ولا هي داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة للعالم ولا حالة فيه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا تجوز رؤيتها ولا هي أجسام ولا قائمة بالأجسام وجمهور العقلاء يقولون إن بطلان هذا معلوم بالاضطرار.
فقد تبين فساد جواب هاتين الفرقتين وأن الجواب لهؤلاء الفلاسفة بالمعارضة جواب صحيح لكن ليس فيه حل الشبهة.
وأما الجواب عنها بغير المعارضة فمن وجوه:
أحدها: أن يقال التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت دلالة هذه الحجة على قدم شيء بعينه لا فلك ولا غيره لأنه حينئذ يجوز أن يكون حادثا بسبب كان قبله وهكذا القول في كل ما سوى الله وإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث أول ولزم حدوث كل ما تقوم به الحوادث وذلك يستلزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب فلزم بطلان حجتهم على تقدير النقيضين.
(2/119)

وليست هذه الحجة مبنية على امتناع التسلسل في الآثار كما يظنه من يظنه فإن المحتجين بها لا يمنعون التسلسل في الآثار وإنما يمنعون ما يمنعه سائر العقلاء من التسلسل في المؤثرات ومن التسلسل فيما به أصل التأثير وقد يشتبه تمام التأثير في الشيء المعين وتمام التأثير في جنس التأثير وحجتهم مبنية على امتناع التأثير في الأزل فإنها مبنية على أنه لا يحدث شي إلا بحدوث تمام تأثيره فلو كان لجنس الحوادث ابتداء لزم أن يكون لذلك الحدوث تمام حادث ولذلك التمام تمام حادث وهلم جرا.
وتحرير هذا الجواب أن يقال: التسلسل نوعان:
أحدهما: التسلسل في المؤثرات وهذا مما اتفق العقلاء على امتناعه وامتناعه معلوم بصريح العقل بل مجرد تصوره التام يكفي في العلم بفساده وأما التسلسل في الآثار بأن يكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء دائما فهذا متنازع فيه هل هو ممتنع أزلا وأبدا أو جائز أزلا وأبدا أو ممتنع أزلا وجائز أبدا؟ على ثلاثة أقوال معروفة للناس.
والتسلسل في الآثار قد يقتضي التسلسل في تمام التأثيرات المعينة لا التسلسل في أصول التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور الأول كان تمام التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور الأول كان تمام التأثير في الأمر الثاني موقوفا على صدور الأثر الأول كالمتحركات كلها من الشمس والقمر وغيرهما فإن الجزء الثاني من الحركة موقوف على صدور الجزء الأول منها.
(2/120)

لكن التسلسل في تمام التأثير نوعان تمام التأثير مطلقا وتمام التأثير المعين فإن الشيء قد يكون شرطا في كون الفاعل فاعلا مطلقا فلا يمكن أن يفعل شيئا إلا بذلك الشرط فهذا شرط في التأثير المطلق وهو شرط في جنس التأثير وأصل التأثير وقد يكون شرطا في كونه فاعلا لفعل معين فالتسلسل في هذا القسم الثاني ليس بممتنع عند من يجوز التسلسل في الآثار فإنه إذا جاز أن يفعل شيئا بعد شيء دائما جاز أن يكون الفعل الأول شرطا في الثاني.
وأما القسم الأول وهو التسلسل في أصل التأثير فهذا ممتنع كالتسلسل في المؤثرات فإن الشيء إذا امتنع أن يفعل شيئا من الأشياء حتى يفعل شيئا من الأشياء كان جنس وجود الفعل موقوفا على جنس وجود الفعل قبله فلا يكون فعل أصلا حتى يكون قبله فعل ما وهذا ممتنع لذاته فإنه يستلزم وجود الشيء قبل وجوده ووجوده قبل وجوده يقتضي أن يكون موجودا معدوما وهذا جمع بين النقيضين.
ولهذا استدل غير واحد من أئمة المسلمين على أن كلام الله غير مخلوق بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة يس 82) فإن النص دل على أنه لا يخلق شيئا حتى يقول له كن فيكون فلو كان كن مخلوقا لزم أن يخلقه بكن وكذلك هذا يجب أن يكون مخلوقا بكلمة أخرى وهذا يستلزم التسلسل في أصل الخلق وهو التسلسل في التأثير وهو ممتنع لذاته فإنه إذا لم يخلق شيئا أصلا حتى يخلق قبل ذلك شيئا آخر كان هذا ممتنعا لذاته فكان
(2/121)

وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلا فيه جمع بين النقيضين بخلاف ما إذا قيل إنه لا يخلق مخلوقا معينا حتى يخلق مخلوقا معينا فإن هذا ليس بممتنع كما انه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الوالد.
إذا تبين هذا فحجة الفلاسفة الدهرية في قدم العالم مبنية على مقدمتين إحداهما امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية امتناع التسلسل في أصل التأثير لا في تأثير معين فإنهم قالوا المؤثر التام إن كان في الأزل لزم قدم الأثر فإنه لو حدث بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وإن لم يكن المؤثر التام في الأزل امتنع أن يحدث عنه شيء لأن ذلك الحادث يمتنع أن يحدث بدون سبب حادث لما فيه من الترجيح بلا مرجح ويمتنع حدوث سبب حادث لأن القول في حدوث ذلك السبب الذي هو الشرط كالقول في حدوث المشروط به إذ التقدير أنه لم يكن في الأزل مؤثر تام فلا بد من حدوث تمام أصل التأثير وجنسه بحيث يصير المؤثر مؤثرا بعد أن لم يكن مؤثرا بحال.
وهذا ممتنع لذاته كما تقدم لأن حدوث كونه مؤثرا لا بد له من مؤثر ولا مؤثر إلا هو فيلزم أن يكون مؤثرا قبل أن يكون مؤثرا بحال وهو جمع بين النقيضين.
وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما ثم إنه جعل نفسه مؤثرا تاما لزم الترجيح بلا مرجح فإن امتناع جعل نفسه مؤثرا بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين أبلغ في الامتناع من إحداث أثر منفصل عنه بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين.
(2/122)

فإذا قيل: المؤثر التام يستلزم أثره بعد ذلك كان تخصيصا بلا مخصص.
قيل وما ليس بمؤثر تام يمتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرا تاما بنفسه لما فيه من التخصيص بلا مخصص.
لكن هذا القسم يدل على امتناعه أيضا دليل آخر وهو أنه إذا لم يكن مؤثرا تاما ثم قدر أنه أحدث ما به صار مؤثرا تاما فذلك الإحداث يقتضي أن يكون مؤثرا تاما فيما أحدثه والتقدير أنه ليس بمؤثر تام في شيء من الأشياء فيلزم أن يكون مؤثرا في شيء حتى لا يكون مؤثرا في شيء من الأشياء وهو جمع بين النقيضين.
وهذا القسم هو من باب الدور القبلي فإنه لا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا ولا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا وهو مثل أن يقال لا يكون موجودا إلا بعد أن يصير موجودا ولا يصير موجودا إلا بعد أن يصير موجودا وهذا دور ممتنع لذاته وهو أيضا من باب التسلسل في أصل التأثير ولكن سماه المتأخرون تسلسلا لأنهم قالوا مجموع ما يتوقف عليه وجود العالم إن كان ثابتا في الأزل لزم وجوده لأن تخلف الأثر عن المؤثر ممتنع وإن لم يكن ثابتا في الأزل ثم حدث ما به يصير مؤثرا في العالم فالقول في ذلك الحادث كالقول فيما قبله ويلزم التسلسل ومعناه أن ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير الفاعل فاعلا وذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير
(2/123)

الفاعل فاعلا فالفاعل لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا فباعتبار كون الثاني غير الأول سمي تسلسلا وباعتبار كون جنس الإحداث موقوفا على جنس الإحداث يسمى دورا فهو تسلسل إذا أخذ حادث بعد الحادث وهو دور إذا أخذ جنس الحوادث ووجود حادث بعد حادث إنما يمكن إذا كان هناك فاعل محدث يحدث شيئا بعد شيء فأصل كونه فاعلا لا يتوقف على حدوث شيء من الأشياء بل يكون من لوازم ذاته وإحداثه للمعين قد يكون موقوفا على إحداثه للمعين.
فحقيقة حجة هؤلاء أن القول بحدوث جنس الفعل يستلزم تأخر الأثر عن المؤثر التام أو وجوده بدون المؤثر التام فالذي سموه تسلسلا مضمونه وجود الأثر بدون المؤثر التام فلما كانت حجتهم مبنية على مقدمتين: إحداهما: امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية: امتناع التسلسل كان مضمون الأولى امتناع أن يتأخر الأثر عن مؤثره التام تأخر بينونة وانفصال ومضمون الثانية امتناع صدور أثر بدون مؤثر تام فالأمر يرجع إلى أصل واحد وهو تلازم المؤثر التام وأثره فلا يكون مؤثر تام إلا وأثره لازم له ولا يكون أثر إلا ومؤثره التام لازم له ثم هل ترتب الأثر على مؤثره التام ترتبا زمانيا أو ترتبا عقليا بحث آخر في غير هذا الموضع.
فإذا عرف حقيقة الأصل الذي بنوا عليه حجتهم فقول القائل
(2/124)

في الجواب: التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت هذه الحجة لأن مبناها على امتناع التسلسل في الآثار يرد عليه أن مبناها على امتناع التسلسل في أصل التأثير وجنسه والممكن إنما هو التسلسل في جنس الآثار وأعيان التأثيرات لا في جنس التأثير فإن الفرق بين التسلسل في الآثار والتسلسل في التأثير ثابت كما سبق والممتنع التسلسل في التأثير أي في جنسه فهذا السؤال هو الوارد على هذا الجواب.
وجواب هذا الإيراد أن يقال: إذا كان التسلسل في الآثار ممكنا وفي أعيان التأثيرات أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مخلوقة من شيء آخر قبلها كما أخبرت بذلك الرسل فإنهم أخبروا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء وأخبروا أنه: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (سورة فصلت 11) والدخان فيما ذكره المفسرون: هو البخار وهو بخار ذلك الماء فقد أخبروا أنها مخلوقة من مادة كانت موجودة قبلها وتلك المادة يمكن أن تكون مخلوقة من مادة كانت كما خلق الله الإنسان من مادة وخلق المادة من مادة.
وإذا كان كذلك كان ما جوزوه في الآثار مبطلا لحجتهم على قدم هذا العالم وهذا هو المطلوب فإنهم إنما احتجوا على قدمه بكون المؤثر التام لا بد أن يكون ثابتا في الأزل فإنه لو لم يكن مؤثرا ثم صار
(2/125)

مؤثرا افتقر حدوث تأثيره إلى مؤثر وذلك المؤثر أو تمام تأثيره يفتقر إلى مؤثر وذلك يقتضي التسلسل في أصل التأثير وتمام كونه مؤثرا والتسلسل في تمام أصل التأثير ممتنع كالتسلسل في نفس المؤثر.
فيقال لهم: هب أن هذا ممتنع لكن أنتم تجوزون التسلسل في أعيان التأثيرات والآثار فهذا التسلسل إن كان ممكنا بطلت الحجة التي يحتج بها على قدم العالم أو قدم شيء من العالم وهذا هو المطلوب.
وأما قدم نوع التأثير فهذا لا ينفعهم في مطلوبهم ولا يقدح فيما جاءت به الرسل بل هو دليل على تصديق ما جاءت به الرسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن لامتناع المؤثر التام في الأزل لشيء من الأشياء لأن كل ما سوى الله ملزوم للحدوث فوجوده بدون الحوادث المقارنة له محال ووجود الحوادث عن مؤثر تام يستلزم أثره محال ووجود حادث بعد حادث من مؤثر تام محال فإنه لا يكون مؤثرا تاما في الشيء إلا إذا استعقبه أثره وليس شيء من الحوادث المتعاقبة يستعقب المؤثر الأزلي لأنه يقتضي كون شيء من الحوادث المتعاقبة أزليا وهو ممتنع لأن ما قارن الأزلي فهو أزلي ليس له مبدأ محدود حتى يكون الشيء عقبه فلا يكون المقارن له إلا أزليا فإذا كان كل ما سوى الرب لا يوجد إلا مقارنا لحادث ولا يمكن وجود الحوادث لا معينة ولا متعاقبة عن مؤثر تام أزلي ولا يمكن شيء من العالم إلا مقارنا
(2/126)

للحادث امتنع وجود شيء من العالم في الأزل إذ وجوده في الأزل ممتنع بدون الحادث وممتنع مع الحادث.
ولا يمكن أن يقال القول في حوادثه المتعاقبة عليه كحركات الفلك كالقول في كلمات الرب المتوالية وأفعاله المتوالية لأن الرب هو الموجود بنفسه الواجب الوجود بنفسه الغني بنفسه القيوم بنفسه فلا يتوقف قوله وفعله على غيره ولا يمتنع أن يكون فعله الثاني أو كلامه الثاني مشروطا بوجود الأول قبله إذ ما يكون بذاته حادثا شيئا بعد شيء يمتنع وجوده كله في الأزل وأما ما سواه فهو مفعول مصنوع مفتقر من كل وجه إلى غيره فإذا كانت الحوادث تقارنه شيئا بعد شيء امتنع أن تصدر عن مؤثر تام أزلي وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي يحدث شيئا بعد شيء بل يجب أن يقارنه أثره وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي موجبا لذاته في الأزل ومقتضيا لحوادثه شيئا بعد شيء لأن حدوث الحوادث المتوالية عن مؤثر تام باق على حالة واحدة وحينئذ فيجوز ترجيح القادر المختار بلا مرجح فتبطل حجتهم.
وإن كانت تحدث الحوادث بحدوث أمور منه بحيث تكون ذاته مؤثرا تاما لذات الفلك في الأزل وأفعاله المتوالية موجبة لحوادثه المتوالية فهو لم يكن قط إلا مقارنا لأفعال متوالية قائمة به وحدوث مفعول بلا فعل ممتنع وقدم فعل معين ممتنع لأن الفعل لذاته يقتضي أن يكون شيئا بعد شيء ولا يعقل قدم عين الفعل.
وهذا دليل مستقل على حدوث كل ما سوى الله فإن المفعول
(2/127)

القديم لا بد له من فعل قديم وتقدير فعل قديم العين ليس كله ممتنع لذاته لأن العقل لا يعقل إلا حادث الأعيان وإن فرض قدم نوعه لحدوثه شيئا بعد شيء كالحركة التي لا تعقل إلا حادثة الأعيان وإن فرض قدم نوعها.
وأيضا فإن الفعل لا بد أن يتقدم المفعول الأزلي لا يتقدمه غيره وهذا أيضا دليل ثان مستقل على حدوث كل ما سوى الله.
وقول القائل الأثر يقارن المؤثر والمعلول يقارن العلة إذا أريد به أن يكون عقبه فهذا ممكن وأما إذا أريد به أنهما يكونان معا فهذا ممتنع والتقدم الحقيقي بدون الزمان لا يعقل.
وقول القائل إن تقدم العلة على المعلول تقدم عقلي لا زماني دعوى مجردة وتمثيل ذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم تمثيل غير مطابق فإن حركة اليد ليست علة تامة لا لهذا ولا لهذا بل هي ملزومة لها والشيئان المتلازمان الصادران عن فاعل واحد ليس أحدهما معلولا لآخر وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر.
وأيضا فهذا يستلزم أن يكون للذات فعل معين قديم معها لازم لها بأفعال متوالية قائمة بها بحيث تضاف الحوادث إلى تلك الأفعال المتوالية ويضاف المفعول القديم إلى الفعل القديم وذلك يقتضي أن يكون ذلك الفعل القديم تناول الملزوم دون اللازم فإنه يتناول العين الملزومة للحوادث دون حوادثها اللازمة كالفلك مثلا والفاعل إذا فعل مفعولا بفعل امتنع أن يفعل بدون لوازمه فإن ذلك يقتضي أن يكون
(2/128)

الفعل القديم تناول ذلك المفعول وأفعال أخر تناولت لوزامه المتعاقبة ومعلوم أن الواجب بالذات أوجب ذاته ذلك الموجب وإيجاب ذاته لها هو فعلها إياها وهذا الفعل القديم الذي هو الإيجاب القديم لا بد أن يكون من لوازم الذات فيمتنع وجودها بدون ذلك الفعل القديم وذلك الفعل القديم يمتنع وجوده بدون لوزامه المتوالية وتلك اللوازم المتوالية مفتقرة إلى الفعل القديم والفعل القديم يفتقر إليها بمعنى أنه يمتنع وجود أحدهما إلا مع الآخر لامتناع وجود مفعول أحدهما إلا مع الآخر.
والقديم لا يجوز أن يكون مفتقرا إلى الحوادث لافتقار المعلول إلى العلة ولافتقار المشروط إلى الشرط ولكن قد تكون الحوادث لازمة له مفتقرة إليه وأما هو فلا يكون مفتقر لا إلى عينها ولا إلى نوعها لأن النوع إنما يوجد شيئا فشيئا فيكون القديم الأزلي مفتقرا إلى ما لا يوجد إلا شيئا بعد شيء وما وجب قدمه امتنع عدمه ودام وجوده وما دام وجوده ووجب ذلك لا يكون مفتقرا إلى حوادث متعاقبة إذ لو جاز ذلك لجاز أن يقال إن الرب الذي يفعل دائما مفتقر إلى فعله لكون فعله لازما له فإن غاية ما يقال في ذلك إن الفعل القديم مشروط بمقارنة الأفعال المتوالية بحيث لا يتصور أن يكون ذلك القديم إلا مع هذه الحوادث المتعاقبة.
وحينئذ فيكون وجود فعله القديم بدون الحوادث ممتنع وفعله من لوزام ذاته بمنزلة صفاته اللازمة له فيكون ذلك بمنزلة أن يقال: إن صفاته
(2/129)

اللازمة له يمتنع وجودها إلا مع الحوادث المتعاقبة والحوادث المتعاقبة أفعاله وهذا بمنزلة أن ذاته مفتقرة أو مشروطة بأفعاله المتعاقبة.
ومعلوم أن أفعاله مفتقرة إليه من كل وجه فيمتنع أن يفتقر إلى ما هو مفتقر إليه.
وهذا دليل ثالث مستقل في المسألة فإن وجود العالم بدون الحوادث ممتنع فلو كان فعله العالم كصفاته الذاتية اللازمة له مفتقرا إلى الحوادث كان صفاته اللازمة له مفتقرة إلى الحوادث وهذا ممتنع وذلك لأن ما لزم ذاته وما قام بها فهو صفة لها.
وهؤلاء إن قالوا إن المفعول نفس الفعل والموجب نفس الإيجاب كما هو قول طائفة من النظار فهذا باطل قطعا فإنا نعلم أن خلق المخلوق ليس هو نفس المخلوق ولا ذلك يقتضي أن تكون المخلوقات وجدت بدون فعل من الرب.
ولأن الذين قالوا ذلك من أهل الكلام كالأشعري ومن وافقه كابن عقيل وغيره إنما قالوا ذلك لئلا يلزم التسلسل في الآثار وهو باطل عندهم فإنهم قالوا لو كان الخلق غير المخلوق والتأثير غير الأثر فذلك الخلق إن كان قديما لزم قدم المخلوق وهو ممتنع وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل.
والذين خالفوهم ثلاث طوائف طائفة قالت بل الفعل قديم أزلي ومفعوله محدث كما يقول ذلك طوائف من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث والصوفية ومن أهل الكلام.
(2/130)

وهؤلاء يقولون كما وافقتمونا على أن الإرادة قديمة والمراد متأخر فكذلك نقول الفعل قديم والمفعول متأخر.
وطائفة ثانية قالت: بل الفعل حادث العين قائم بذاته ولا يلزم التسلسل كما يلزم التسلسل إذا كانت المفعولات حادثة الأعيان وهذا قول طوائف من الكرامية والمرجئة وغيرهم.
وطائفة ثالثة قالت: بل أعيان الفعل حادثة وإن جاز أن يكون نوعه قديما.
والمقصود هنا أن الذين قالوا إن الفعل عين المفعول إنما فروا من التسلسل وهو جائز عند هؤلاء الفلاسفة وحينئذ فلا يمكنهم أن يحتجوا بحجة هؤلاء فلا تكون حجة على أن الفعل نفس المفعول إلا قولهم بنفي الصفات مطلقا أو قولهم بنفي الأمور الاختيارية وكلا القولين في غاية الفساد وهم متنازعون في كلا الأصلين.
فقول النفاة منهم ومن غيرهم ضعيف فيهما كما بسط في موضعه مع أن القول بحدوث العالم مستلزم لهذين الأصلين كما أن هذين الأصلين يستلزمان لحدوث العالم.
وإذا كان كذلك تبين أنه لا يمكنهم القول بأن الفعل نفس المفعول فيلزم أن يكون غيره فإذا قدر الفعل قديم العين كانت صفة لازمة له قديمة العين وإذا كان كذلك فإنه يمتنع أن يفتقر إلى شيء من الحوادث سواء كانت حادثة النوع أو الأعيان كما يمتنع ذلك في ذاته القديمة فإنها إن كانت مفتقرة افتقار المعلول إلى علته امتنع كون
(2/131)

الحادث علة للقديم وإن كانت مفتقرة افتقار المشروط إلى شرطه فلا ريب أن المحدث مشروط بالقديم فإذا كان القديم مشروطا به كان كل من الأمرين مشروطا بالآخر.
وهذا ممكن فما كان معلولي علة واحدة وهما حادثان كالأبوة والبنوة أو ما كانا قديمين متلازمين لا علة لهما كالذات والصفات أما إذا كان أحدهما قديم العين والآخر حادث الأعيان كان وجود القديم مشروطا بأمور لم توجد بعد وكان الشرط متأخرا عن المشروط.
وإن قيل: المشروط هو النوع وهو ملازم للعين لكن النوع لا يوجد إلا شيئا فشيئا فلا وقت من الأوقات إلا والمقرون بالقديم واحد محدث فيكون ذلك المحدث شرطا في وجود ذلك القديم لا يوجد إلا مع وجوده كما لا يوجد أحد المحدثين إلا مع الآخر ولا الذات القديمة إلا مع الصفة القديمة والقديم لازم للذات وكل من الحوادث ليس بلازم بل عارض وإن كان النوع لازما.
أقصى ما يقال: إن الذات هي الموجبة للمعين اللازم وللنوع الحادث أعيانه فيشبه ذلك أحد الصفتين مع الأخرى فيقال الأمر اللازم لا وجود للذات بدونه وإذا كان قائما بالذات فقد دخل في مسماها وصار منها فإن أسماء الله تعالى متناولة لصفاته فما قام بذاته من الصفات اللازمة فهو داخل في اسمه تعالى.
فإذا كان ذلك مشروطا بأفعال يحدثها شيئا بعد شيء صار ما هو
(2/132)

واجب الوجود مفتقرا إلى ما هو ممكن الوجود مع أن هذا المقام إذا تحرر كان مفسدا لأصل مذهبهم وكان دليلا مستقلا رابعا.
فإن حقيقة قولهم: إن الفلك لازم لذات الله تعالى لا يمكن وجود الرب بدون وجود الفلك بل هو مستلزم له كما أن الفلك مستلزم له فهما متلازمان وهذا بعينه قول بأن مفعوله شرط في وجوده وأن وجوده بدون وجود مفعوله ممتنع وهو قول بافتقار الواجب بذاته إلى الممكن بذاته وهو ممتنع.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن ذكرناها هنا تنبيها على حجتهم العظمى وأن إبطال حجتهم قد يتضمن بطلان قولهم ويكون دليلا على صحة ما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم.
الوجه الثاني: أن يقال إحدى المقدمتين في هذه الحجة بطلان التسلسل وأنتم قائلون بجوازه ولكن منازعوكم يقولون بامتناعه فتكون الحجة على أصلكم إلزامية لا علمية فلا تفيدكم المطلوب.
هذا إذا فسروا التسلسل بالتسلسل في الآثار دون التأثير وإن فسروه بالتسلسل في أصل التأثير فهذا لا يقوله أحد وهذا هو مراد أئمتهم بالتسلسل في هذا الموضع وإن فهم منه بعض الناس الأول لكن هذه الحجة حينئذ إنما تدل على دوام نوع الحادث فمن قال لم
(2/133)

يزل مؤثرا متكلما إذا شاء وفى بموجب هذه الحجة ولا تدل على قدم شيء من العالم أصلا

ومنازعوكم قد عارضوكم وألزموكم امتناع الحوادث مطلقا فتبين فسادها أيضا

فإن قالوا نحن نجوز التسلسل في الحوادث القائمة بالعالم وهذه تقتضي التسلسل قبل حدوث العالم أو قبل حدوث شيء من العالم وذلك لا نقول به
قيل لهم أولا إذا كان التسلسل في الأزل ممكنا لم يكن فرق بين هذا وهذا بل يجوز أن يقال إن الرب تقوم به أمور اختيارية لا أول لها
وقيل لهم ثانيا هذا لا ينفعكم في قدم الأفلاك وما فيها لإمكان أن يكون حدوثها موقوفا على أسباب قبلها حادثة وكذلك الأخرى
وقيل لهم ثالثا إذا أمكن التسلسل في الأفعال اللازمة القائمة بالصانع أو في المفعولات المتعدية كان كل منهما مبطلا لاحتجاجكم على قدم الأفلاك والعناصر فكيف إذا اجتمع هذا وهذا
الوجه الثالث أن يقال هذا مبني على امتناع التسلسل في الآثار والتسلسل سواء عنى به التسلسل في أصل التأثير أو في الآثار فإنه لا يدل على مطلوبكم والذي يليق بهذه الحجة إنما هو التسلسل في أصل الفعل وهو ممتنع وفاقا
(2/134)

وأما التسلسل في الآثار فهذا فيه قولان معروفان للناس أحدهما منعه كقول كثير من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث.
والثاني: جوازه كما هو قول كثير من أهل الحديث والكلام والفلسفة.
وحينئذ فهؤلاء يقولون بجواز هذا التسلسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن سواء قالوا بقدم نوع الفعل اللازم أو نوع الفعل اللازم والمتعدي فعلى التقديرين يمكن أن يكون كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بالعدم والرب فاعل بمشيئته وقدرته سائر الأشياء.
وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول أصلا إذ ليس لهم حجة تقتضي قدم الأفلاك والعناصر ولا قدم شيء من العالم أصلا بل جميع ما يحتجون به إنما يدل على دوام كون الرب فاعلا سواء في ذلك الحجج العائدة إلى الفاعل والمادة والصورة والغاية وغير ذلك فالأولى مثل قولهم إن كونه فاعلا أمر لازم لنفسه لأنه لو كان عارضا لهذا لاقتضى حدوث ما يجعله كذلك وذلك لا يكون إلا فعلا له ولا يكون عارضا لما تقدم فلا بد أن يكون كونه فاعلا من لوازمه ذاته.
وكذلك قولهم: هو جواد وعلة جوده ذاته ونحو ذلك فإن هذا يدل على كون نوع الفعل من لوازمه لا على فعل معين ولا مفعول معين فليس في ذلك ما يدل على قدم السموات ولا مادة السموات ولا غير ذلك من أصناف العالم بل هذا دل على أنه لا يلزمه عين الفعل إذ لو
(2/135)

لزمه ذلك لكان فعله كله قديما والمؤثر التام يستلزم أثره فكان تكون جميع المفعولات قديمة فلا يكون في العالم شيء حادث وهو خلاف الحس.
وبهذا يظهر كشف عوار هذه الحجة التي حارت فيها عقول جمهور النظار فإنهم إذا قالوا كل ما لا بد منه في كونه مؤثرا لا بد وأن يكون موجودا في الأزل وإلا لزم حدوثه بعد ذلك بدون مؤثر تام وهو ممتنع وإذا كان موجودا في الأزل لزم حصول الأثر معه كان لفظ التأثير مجملا فإنه يراد به جنس التأثير ويراد به التأثير المعين ويراد به التأثير العام في كل شيء فإنه إما عام وإما مطلق وإما معين فإن أريد به التأثير في كل شيء لزم كون كل شيء قديما وهو مخالف للحس.
وكذلك إن أريد به معين فإنها لا تدل على امتناعه لجواز أن يكون مشروطا بحادث قبله وهم وسائر العقلاء يسلمون حدوث الشيء المعين وإن أريد به الجنس لم يدل إلا على دوام النوع لا على قدم شيء بعينه فلم يكن فيها ما يدل على قدم شيء من العالم.
والأزل ليس عبارة عن وقت بعينه فإذا قيل جميع الأمور المعتبرة في كونه مؤثرا هي قديمة أزلية قيل في كونه مؤثرا في الجملة وكونه مؤثرا في شيء بعينه أو في كونه مؤثرا في كل شيء؟
الأول مسلم عند السلف والأئمة ولا ينفعهم والثاني ممنوع وكذلك ثالثهم وذلك لأن كونه مؤثرا في شيء بعد شيء يقتضي دوام مؤثرتيه ولا يقتضي قدم شيء من العالم ودوام التأثير في شيء بعد شيء هو
(2/136)

ممكن عندهم وهو لا يخلو إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا حصل المقصود وإن كان ممتنعا لزم حدوث كل ما سواه.
فتبين أن قولهم بقدم شيء من العالم لا حجة عليه بوجه من الوجوه وكذلك قولهم: إن التقدم والتأخر لا يعقل إلا بالزمان الذي هو مقدار الحركة وقولهم إن كون الشيء حادثا يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن والقبلية والبعدية من لوازم الزمان فإن هذا يستلزم دوام نوع الفعل لا دوام حركة الفلك والشمس والقمر بل السموات والأرض إذا كان الله قد خلقهما في ستة أيام كان هذا الشمس والقمر وهذا الليل والنهار مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن وإن كان بعد قيام القيامة انشقاق السموات وتكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر الكواكب تكون حركات أخرى ولها زمان آخر.
كما قال تعالى في الجنة: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} (سورة مريم 62) وفي الجنة يوم الجمعة يوم المزيد فهناك أيام معروفة بأمور أخر جعلها الله في الجنة غير الشمس والقمر وكذلك قولهم: إن كل حادث مسبوق بالإمكان المفتقر إلى مادة غايته أن قبل كل حادث حادثا وهذا لا يوجب قدم شيء من العالم وإنما يقتضي تسلسل الحوادث.
وكذلك إذا قيل إن المؤثرية وصف وجودي فإن كانت حادثة
(2/137)

افتقرت إلى أخرى ولزم التسلسل وكونه محلا للحوادث وإن كانت قديمة لزم قدم الأثر فإن لازم هذا الدليل ليس بممتنع عندهم وعند السلف وجمهور أهل الحديث وهو كون القديم تقوم به الحوادث المتسلسلة ثم إن كان هذا ممتنعا لزم حدوث الأفلاك فبطلت الحجة الدالة على قدمها وإن لم يكن ممتنعا بطلت الحجة فهي باطلة على التقديرين وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لا حجة لهم تدل على قدم شيء من العالم ولكن الذين ناظروهم من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم جعلوا نوع فعله ومفعوله محصور الابتداء والانتهاء كما قاله الجهم بن صفوان وأبو الهذيل إماما هاتين الطائفتين أو جعلوه ممتنع الدوام في الابتداء دون الانتهاء كما قال ذلك كثير من أتباعهما وجعلوا الرب يمتنع عليه الكلام باختياره في الأزل ويمتنع عليه الفعل الاختياري في الأزل بل جعلوه غير قادر على الكلام والفعل في الأزل كما يقوله المعتزلة والكرامية أو غير قادر على الفعل في الأزل ولا قادر على الكلام لا في الأزل ولا فيما يزال كما يقوله الكلابية والأشعرية والسالمية بل الكلام عندهم كالحياة لا يوصف بأنه قادر عليه ولا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته واختياره.
وكثير من هؤلاء يقول إن العالم يعدم بالكلية فلا يبقى الرب فاعلا لشيء كما لم يكن قبل ذلك على قولهم وهو فناء هذا العالم عندهم ويقول إن ذلك دل عليه السمع والعقل ومنهم من يقول بل دل عليه السمع وإن إعادة الله للعالم هو بأن يعدمه بالكلية ثم يعيد العالم الذي كان أعدمه.
(2/138)

فهؤلاء وأمثالهم تكلموا في تعطيل الرب عن الفعل وعن الكلام وقالوا إن كلامه مخلوق أو محدث النوع أو محدث العين كان الكلام بعد أن لم يكن متكلما في الأزل بل ولا كان عندهم قادرا على الكلام وإن أطلق بعضهم أنه لم يزل قادرا فهم يقولون مع ذلك بامتناع المقدور في الأزل ومعلوم أنه مع امتناع المقدور يمتنع كونه قادرا وقالوا إن هذا هو القول بحدوث العالم الذي أخبرت به الرسل ونسبوا هذا القول إلى أهل الملل هم ومناظروهم من الفلاسفة.
ولهذا استظهرت الفلاسفة على أهل الملل بسبب ظنهم أن هذا هو قولهم حتى آل الأمر إلى أن يقول الفلاسفة إن الرسل لم تخبر بعلم وإنما أخبرت بما فيه تخييل وتمثيل ومعلوم أنه ليس في كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ولا في أثر عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين شيء من هذه الأقوال ولا ما يستلزم هذه الأقوال بل هي أقوال مبتدعة في الدين وهي من الكلام الذي أنكره السلف والأئمة وعابوه وذموه.
وقول أولئك بأن السموات أزلية وأنها لا تنشق أعظم إلحادا وضلالا ومخالفة لدين الرسل وهؤلاء أثبتوا قدم الأعيان المخلوقة وأولئك نفوا قدرة الرب على الفعل والكلام دائما فادعوا حدوث النوع.
وهذا كما في مسألة القرآن طائفة ادعت قدم أعيان الكلام إما المعنى الواحد المعين وإما الحروف المعينة أو الأصوات والحروف المعينة حتى قالوا إن ما سمعه موسى كان قديما لم يزل الله متصفا به وإنما تجدد السماع فقط وقالوا إنه لم يناده في ذلك الوقت كما دل عليه القرآن
(2/139)

حيث يقول: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} (سورة طه 11) بل ما زال مناديا له في الأزل ولكن تجدد سماع موسى لذلك النداء.
وطائفة قالت: بل نوع الكلام حادث بعد أن لم يكن إما حادثا في غيره فيكون مخلوقا وإما في نفسه فيكون حادثا أو محدثا غير مخلوق وقال هؤلاء لم يكن في الأزل متصفا بأنه متكلما إلا إذا فسروا المتكلم بالقادر على الكلام ثم كان تفسيره بهذا مع امتناع الكلام في الأزل جمع بين النقيضين بل لم يزل عندهم غير متكلم ويمتنع عندهم أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء.
والسلف والأئمة قالوا: لم يزل الله متكلما إذا شاء فالفرق بين دوام النوع وقدمه ودوام الشيء المعين وقدمه يكشف الحجاب عن الصواب في هذا الباب الذي اضطرب فيه أولو الألباب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول ولكن حجتهم تقتضي دوام فاعلية الرب وأن الفعل ولازمه الذي هو تقرير الفعل المسمى بالزمان لا أول له وأن إمكان حدوث الحوادث لا أول له وإمكان تأثير الرب فيها لا أول له وهذا كله يقتضي دوام نوع الفعل لا دوام فعل معين.
وقد تقدم بيان أن قولهم يقدم العالم عن العلة التامة باطل قطعا وأن العلة التامة لا يجوز تأخر شيء من معلولها عنها بل وجود علة تامة لم تزل مقارنة لمعلول ممتنع ويمتنع أن يكون المقارن في الزمان مفعولا للفاعل
(2/140)

والحوادث متعاقبة شيئا بعد شيء لا يجوز حدوثها عن علة تامة أزلية فبطلت حجتهم وبطل قولهم بقدم العالم وتبين إمكان حدوث كل ما سوى الله وأنه يمتنع أن يكون العالم صادرا عن علة تامة أزلية موجبة بالذات وهو المطلوب.
وتبين أنه لا يمكن حدوث شيء من الحوادث إلا عن فاعل يفعل شيئا بعد شيء وإن قدر أنه غير فاعل بالإرادة فكيف إذا تبين أنه لا تحدث الحوادث إلا عن فاعل مختار بأمور اختيارية تقوم به؟
والعالم مستلزم للحوادث فيمتنع ثبوت الملزوم دون اللازم فيمتنع صدور العالم عن موجب بالذات فيمتنع قدمه ويمتنع قدم شيء منه فإن أي شيء قدر قدمه لم يصدر إلا عن موجب بذاته سواء قدر موجب بذات مجردة أو موجب بالإرادة لذلك القديم يكون إيجابه له قديما دائما بدوامه فيكون ذلك الإيجاب الذي هو التأثير والاقتضاء والفعل المعين لذلك المفعول المعين في الأزل قديما أزليا دائما بدوام الرب تعالى وهو إنما يلزمه نوع الفعل لا فعل معين إذا الفعل لا يعقل ولا يمكن إلا شيئا فشيئا فأما شيء معين دائم ملزوم للحوادث أو غير ملزوم للحوادث فلا يعقل أنه فعل لا سيما ومثل هذا لا يكون إلا مفعولا بالاختيار بل لا يكون إلا عن ذات تختار شيئا بعد شيء فهي لا تكون مجردة عن الاختيار ولا تكون علة تامة أزلية فضلا عن أن يجتمع فيها عدم الاختيار مع كونه علة تامة أزلية.
(2/141)

أقصى ما يقال: إنه قد تقوم بها الأمور الاختيارية شيئا بعد شيء وكل ما قام بها شيء من ذلك حصل تمام التأثير لما يحدث حينئذ وهي بمجردها علة تامة للمعين الذي يلزمه الحوادث لكن هذا باطل أيضا فإنها لا تكون مجردة قط ولا يمكن أن تكون بمجردها فاعلة لشيء.
وأيضا فلا يمكن أن يقارن المفعول فاعله في الزمان وذلك أنه لو قدر تجردها في وقت لم يجز حصول قيام شيء من الأمور الاختيارية لها بعد ذلك لأن ذلك يقتضي حدوث حادث بلا سبب وبتقدير تجردها عن الأمور الاختيارية القائمة بها يمتنع أن يحدث عنها أو فيها شيء لامتناع حدوث الشيء بدون علة تامة وهي مع تجردها ليست علة تامة إذ لو كانت كذلك للزم مقارنة الأمور الاختيارية المتجددة شيئا بعد شيء لها في الأزل وذلك جمع بين النقيضين.
والأمور الاختيارية الحاصلة شيئا بعد شيء لازمة لها فيمتنع تقدير تجردها عنها فلا يمكن تجردها ولو قدر تجردها لم يجز أن يكون مجردها علة تامة أزلية لشيء معين لأن ذلك المعين مستلزم للحوادث إذ كل ممكن فإنه لم يسبق الحوادث فلو كانت علة تامة أزلية للزم وجود كل واحد من الحوادث في الأزل وهو جمع بين النقيضين وإذا امتنع تجردها وامتنع بتقدير تجردها أن يصدر عنها شيء امتنع أن يصدر شيء عنها إلا مع قيام الأمور الاختيارية بها
(2/142)

والأمور الاختيارية حاصلة شيء بعد شيء فامتنع أن تكون علة تامة لشيء معين دائما إذ مجموع الأمور المشروطة في التأثير إذا لم تكن إلا حاصلة شيئا فشيئا امتنع أن تكون دائمة لشيء معين فامتنع قدم شيء معين فإنه إذا كان قديما أزليا دائما لم يكن بد من أن يكون المقتضي التام له قديما أزليا دائما ومقتضي تام أزلي ممتنع فقدمه ممتنع لأن المقتضي التام إما الذات المجردة عن قيام الأمور المتعاقبة بها التي تصير بها فاعلة شيئا فشيئا أو الذات الموصوفة بذلك والأول الذي يقوله من الفلاسفة من يقوله ممتنع لامتناع تجردها وامتناع حصول شيء عنها في حال التجريد لو قدر ذلك لأن المعلول ملزوم للحوادث فلا يجوز وجوده عن علة تامة أزلية وهي المجردة.
وأما الذات الموصوفة بذلك فهي لا تصير فاعلة إلا شيئا فشيئا كما تقدم فيمتنع أن يكون لها فعل معين قديم أزلي فضلا عن أن يكون لها مفعول معين قديم أزلي.
ولا يمكن أن يقال هي بمجردها مقتضية لمحل الحوادث وما يقوم بها مقتض لتلك الحوادث لأن الفاعل بقدرته ومشيئته لا يتوزع بعض فعله عليه مجردا عن الإرادة وبعضه عليه مقرونا بالإرادة إذ فعل الموصوف بالإرادة بدون الإرادة ممتنع وكذلك ما يقدر قائما به من
(2/143)

الأمور المتجددة فإنها قائمة به فليس موجودا دونها حتى يقال إنه يفعل بدونها وتقدير الانفصال لا يقتضي تحقيق الانفصال.
وهذا كما لو قيل: مجرد الذات تفعل منفكة عن الصفات لا سيما وتلك الأمور شرط في الفعل فلا يوجد المشروط بدون شرطه كما أن الحوادث القائمة بالمفعول شرط في وجوده فيمتنع وجود المستلزم للحوادث بدون الحوادث.
وكذلك يمتنع أن تفعل الذات الملزومة دون لوازمها إذ فعلها لملزوم الحوادث مشروط بفعلها لحوادثه اللازمة وفعلها ذلك لا يوجد إلا شيئا فشيئا فصار ذلك الفعل مشروطا بما لا يوجد إلا شيئا فشيئا ووجود المشروط بدون الشرط ممتنع ففعل الملزوم وحده ممتنع فكما أن وجود ذات مجردة عن الصفات ممتنع فوجود فعله مجردا عن ما يقوم به ممتنع ففعله لا يوجد إلا مع اللوازم ولا يكون فعلا له إلا مع اللوازم كما أن المفعول لا يكون موجودا ولا مفعولا إلا مع اللوازم وإذا لم يكن فعلا له إلا مع اللوازم المتعاقبة لم يكن فعلا أزليا فلا يكون المفعول أزليا لأن اللوازم المتعاقبة ليس مجموعها أزليا ولا واحدا منها أزليا ولكن النوع أزلي بمعنى وجوده شيئا فشيئا فيكون الفعل المشروط به موجودا شيئا فشيئا لامتناع وجود المشروط بدون الشرط وإذا كان ذلك الفعل يوجد شيئا فشيئا كان المفعول كذلك بطريق الأولى لامتناع تقدم المفعول على فعله فلا يكون فعل دائم معين فلا يكون مفعول معين دائم.
(2/144)

يبين ذلك أن الفعل هو الإبداع والخلق الذي يسمى اقتضاء وإيجابا وتأثيرا ونحو ذلك.
فإذا قيل: إبداع الملزوم واحد معين أزلي وإبداع اللوازم نوع يتجدد شيئا فشيئا فأحد الإبداعين ملزوم للآخر كما أن أحد المبدعين ملزوم للآخر والثاني شرط في نفس كون الأول إبداعا للمفعول لا في مجرد وجوده فإنه لا يصير الإبداع إبداعا إلا مع لازمه الحاصل شيئا فشيئا فلا يكون الإبداع إلا شيئا فشيئا.
وليس لزوم هذا لهذا كلزوم نوع الفعل للذات لأن الذات تستلزم صفاتها اللازمة لها وليست مفعولة لها وفعلها صادر عنها وليس أحد الإبداعين صادر عن الآخر بل إبداع المعين إذا قدر أنه أزلي لم يزل كان نوع الإبداع للأمور المتعاقبة قديما أيضا لم يزل وكل منها فعل وخلق وإبداع.
ونفس حقيقة الفعل المعين يمتنع قدمه فكيف إذا كان ملازما لما هو حادث شيئا فشيئا فإنهما فعلان متلازمان وأحدهما لا يوجد إلا شيئا فشيئا فالآخر لا يوجد إلا شيئا فشيئا لكونه فعلا بالإرادة ولأن وجود أحد المتلازمين دون الآخر ممتنع وأحدهما يمتنع قدم عينه فالآخر يمتنع قدم عينه لأن وجود القديم الواجب بعلته كما تجب الصفة القديمة بالذات المستلزمة لها لا يتوقف على وجود شيء من الحوادث.
ولئن قدر دوام نوعها فليست الصفة القديمة متوفقة عليها
(2/145)

كما أن الذات القديمة ليست متوقفة عليها بخلاف المفعول المعين وفعله المعين فإنه متوقف على وجود ما لا بد له منه من الحوادث المتعاقبة والمحتاج إلى الحوادث المتعاقبة لا يكون قديما أزليا وأحد الفعلين والمفعولين يحتاج إلى الآخر المشروط به الذي يمتنع وجوده إلا بوجود شرط في فعل الفاعل فلا يمكن فعل هذا إلا مع فعل هذا بخلاف الذات وصفاتها مع الفعل.
وإذا لم يمكن فعله إلا مع فعل هذا وهذا لا يكون شيء منه قديما فالآخر كذلك ولا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين ولزوم ذلك الفعل لذات الرب كما تلزم الصفة للموصوف.
ومن المعلوم بصريح المعقول الفرق بين صفة الموصوف وبين فعل الفاعل أما الصفة فيعقل كونها لازمة للموصوف إما عينا كالحياة وإما نوعا كالكلام والإرادة ويعقل كونها عارضة لكن ذلك إنما يكون في المخلوق.
وأما الفعل فلا يعقل إلا حادثا شيئا بعد شيء وإلا فمن لم يحدث شيئا لا يعقل أنه فعل ولا أبدع سواء فعل بالإرادة أو قدر إنه فعل بلا إرادة ولو كان الفعل لا يحدث لم يعقل الفرق بينه وبين الصفة اللازمة إذ كلاهما معنى قائم بالذات لازم لها بعينه وما كان كذلك لم يكن فعلا لذلك الموصوف ولا يعقل كون الموصوف فعله.
(2/146)

وإن قدِّر أن الفعل هو المفعول وأنه مبدع المفعولات بدون فعل فلزوم هذا له أبعد عن المعقول من لزوم ما يقوم به لا سيما إذا كان قد فعله بقدرته ومشيئته فإن هذا لا يعقل كونه مقدورا مرادا بل إذا قدر أن هذا مفعول مراد لزم إمكان كون الصفة اللازمة التي لا توجد الذات إلا بها مقدورة مرادة.
والقادر المريد لا يكن فاعلا إلا بقدرته وإرادته فإذا كانت قدرته وإرادته مقدورة مرادة لزم الدور في التأثير والفعل والاقتضاء فلا يكون قادرا مريدا حتى يكون قادرا مريدا وهذا ممتنع في صريح العقل.
وإيضاح ذلك أن ما كان لازما للذات بعينه إما أن يمكن كونه مقدورا مرادا وإما أن لا يمكن فإن لم يمكن كونه مقدورا مرادا ثبت ما قلناه ويتبين أن ما كان لازما بعينه للذات لم يكن مقدورا ولا مرادا فلا يكون شيء من الفعل لازما للذات لأن الفعل لا يكون إلا بقدرته وإرادته لأنه فاعل بالاختيار لأنه لو كان موجبا بالذات لم يتأخر عنه شيء من آثاره ولأن تقدير ذات مجردة عن الصفات ممتنع ولأن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله وإن سمي علة فلا يعقل مفعول مقارن للفاعل في الزمان.
وما يذكر من أن التقدم بالذات كتقدم العلة على المعلول لأنه في الاقتران في الزمان إذا أريد بالعلة الفاعل فهو باطل وإن أريد به غير ذلك فليس هو المراد هنا.
وما يذكر من قولهم تحركت يدي فتحرك المفتاح ليس بمثال
(2/147)

مطابق فإن حركة اليد ليست فاعلة لحركة المفتاح بل هي ملازمة لها وقد بين في غير هذا الموضع أن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله بالزمان مع قطع النظر عن كونه فاعلا بالإرادة.
وكونه فاعلا بالإرادة دليل آخر فإنه إذا كان الفعل بقدرته وإرادته وكل ما كان بقدرته وإرادته لم تكن عينه لازمة لذاته فلم يكن شيء من أعيان الفعل لازما لذاته فلا يكون شيء من المفعولات لازما لذاته فلا يكون قديما وهو المطلوب.
وهذا في غاية الحسن والصحة.
وإن قيل: يمكن أن يكون المعين اللازم للذات مقدورا مرادا.
قيل: فتلك القدرة والإرادة يمكن حينئذ أن تكون مقدورة مرادة وحينئذ فإن كانت مقدروة مرادة بتلك الإرادة والقدرة لزم الدور في التأثير والفعل والاقتضاء وإن كانت بأخرى لزم التسلسل في التأثير ونوعه.
وكلاهما ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء فإنه حينئذ تلزم الذات قدرة قديمة وإرادة قديمة وتلك لا توجد إلا بقدرة قديمة وإرادة أخرى قديمة وتلك لا توجد إلا بقدرة أخرى قديمة وإرادة أخرى قديمة والفاعل لا يفعل شيئا من القدر والإرادات إلا بعد فعله لبعض القدر والإرادات فلا تلزم أن لا يفعل شيئا فهذا هو الدور في أصل الفعل والتأثير.
(2/148)

وإن قيل: بل الفعل المعين اللازم للذات مقدور مراد ونفس القدرة والإرادة المشروطتين فيه ليست مقدورتين مرادتين.
قيل: إن كان المرجع إلى المعقول الصريح فلا فرق بين تقدير فعل معين لازم لذات فاعلة وتقدير غيره من الأمور اللازمة لذات ذلك الفعل فإن الذات مستوجبة للوازمها المعينة لا يمكن وجودها بدون وجود شيء من لوازمها فتفريق المفرق بين لازم ولازم بأن هذا اللازم هو لازم له بقدرته وإرادته وهذا اللازم لازم له بدون قدرته وإرادته تفريق بين المتماثلين وخروج عما يعقل في هذا الباب.
ومن أعرض عن نصوص الأنبياء وادعى عقليات تخالفها وليس معه معقول صريح ولا قياس صحيح كان كلامه خارجا عن العقل والسمع كما قال أهل النار: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (سورة الملك 10) .
وهذا الموضع من أحكمه انكشف له حجاب هذا الباب فإن نفس كون الفاعل فاعلا يقتضي حدوث الفعل إما نوعا وإما عينا وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه بل هو لازم لذات الفاعل فليس هو فعل أصلا.
ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم لم يزل معه.
ولهذا كان كلام الله الذي بعث به رسله موافقا لما فطر الله عليه الخلائق والذي فطر عليه العباد أنه إذا قيل هذا فعل هذا أو صنعه
(2/149)

أو خلقه أو أبدعه أو نحو هذه العبارات لم يعقل منه إلا أنه أحدثه بعد أن لم يكن وهذه المقدمة بينة بنفسها لا يحتاج إلى إثباتها بأدلة فطرية بل تقدير نقيضها معلوم الفساد في بدائه العقول.
فإذا قيل هذا مفعول لهذا وهو معه لم يزل مقارنا له كان هذا عند العقل جمعا بين النقيضين وكأنه قيل هو مفعول له ليس مفعولا له بل يقول العاقل إذا كان الأمر كذلك لم يكن جعل أحدهما فاعلا والآخر مفعولا بأولى من العكس.
وإذا قيل: أحدهما ممكن يقبل الوجود والعدم والآخر واجب بنفسه لا يقبل العدم كان هذا أيضا مما تنكره العقول بفطرتها.
فإنه إذا قيل: هذا يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد لم يعقل هذا إلا فيما كان حادثا والإمكان يعود إلى الفاعل تارة وإلى القابل أخرى فيقال في الأول هذا يمكنه أن يكتب ويقوم ويتكلم ويقال في الثاني هذه الأرض يمكن أن يزدرع فيها وهذه المرأة يمكن أن تحمل.
وهذا القدر مما اتفق عليه الجمهور من العقلاء وهو مذهب أئمة الفلاسفة بل مذهب أئمة المشائين كأرسطو وأتباعه فإنهم لم يصفوا بالإمكان إلا ما كان حادثا.
(2/150)

وأما تقدير قديم ممكن فهذا يوجد في كلام ابن سينا ومن سلك سبيله كالسهروردي وكالرازي والآمدي وقد أنكر ذلك على ابن سينا طائفة من الفلاسفة إخوانه كابن رشد الحفيد وغيره وبينوا أنه خرج بذلك عن مذهب سلفه القدماء كما خرج به عن المعقول الصريح.
ولهذا ورد على هؤلاء في الإمكان من الإشكالات ما لم يمكنهم الجواب عنه كما قد بيناه في كلامنا على المحصل وغيره فإنهم فرضوا ما يستلزم الجمع بين النقيضين وهي تقدير ذات قديمة أزلية لا يمكن عدمها ألبتة.
فإن قالوا مع ذلك: هي واجبة بغيرها وقالوا مع ذلك هذه الذات باعتبار حقيقتها تقبل الوجود والعدم ليس أحدهما أولى بها وزادوا على ذلك فقالوا لا يكون وجودها ولا عدمها إلا بسبب منفصل قالوا وسبب عدمها عدم السبب الفاعل.
فقال لهم جمهور العقلاء هذا باطل من وجهين: أحدهما: أن
(2/151)

العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى سبب بل العقل الصريح يعلم أن ما لم يوجد قط لا يحتاج في أن لا يوجد إلى علة.
ولهذا قال نظار المسلمين إن العدم المحض لا يحتاج إلى علة ثم إذا قالوا علة العدم عدم العلة كان عدم العلة أيضا محتاجا إلى علة إن كان العدم لا بد له من علة.
نعم إذا قيل: عدم العلة يستلزم عدم المعلول كان هذا صحيحا ولكن ليس كل ملزوم فاعلا فكل ما لا يوجد إلا بسبب يلزم من عدم سببه عدمه لأن نفس عدم السبب هو الذي جعله معدوما في نفس الأمر بل عدمه في نفس الأمر لا علة له أصلا.
الثاني: قولهم في موجود قديم أزلي إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقولون مثل ذلك في الفلك فإن هذا باطل أيضا عند جماهير العقلاء من الفلاسفة وأهل الملل وغيرهم وإنما قالته هذه الشرذمة.
وأول من قال من الفلاسفة بقدم الفلك صورته ومادته هو أرسطو واتبعه على ذلك من اتبعه كثامثطيوس والإسكندر
(2/152)

الأفرديوسي لكن هؤلاء لم يقولوا إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقوله ابن سينا وأتباعه فإن القابل للعدم إن أريد به هذا القديم فالقديم الواجب وجوده ولو بغيره كيف يعقل قبوله العدم؟
وهذا كالصفات اللازمة لذات الرب تعالى فإنها لا تقبل العدم بحال فحياته تعالى لازمة لذاته المقدسة لا تقبل العدم أصلا بل فرض عدمها محال.
وإن قيل: هو باعتبار ذاته يقبل العدم.
قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن تقدير ذات غير الوجود المعين قول تقوله طائفة من الفلاسفة كأتباع أرسطو من أهل المنطق وهو قول باطل عند جمهور العقلاء كما قد بسط في موضعه.
ولهذا كان تفريق هؤلاء بين الصفات المقومة الداخلة في الماهية والصفات العرضية اللازمة إما للماهية وإما لوجودها يعود عند التحقيق إلى اعتبارات ذهنية لا إلى صفات تبنى الحقائق عليها في نفس الأمر.
(2/153)

بل حقيقة قولهم في تمام الماهية وجزء الماهية ولازم الماهية يرجع في المعنى إلى دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فما قصده الإنسان بلفظ كان تمام ذلك مراده وتمام معناه وتمام الماهية القائمة في ذهنه التي عبر عنها بذلك اللفظ وما كان جزء ذلك المعنى وهو المدلول عليه بالتضمن وهو جزء ما أراده وجزء ما قام بنفسه من تلك الماهية وما كان لازما لمدلول اللفظ كان خارجا عن المدلول لازما له وهو خارج عن تلك الماهية القائمة في نفسه لازم لها.
وهذا الموضع قد بسط في الكلام على المنطق بسطا ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه فمن حقق كلامهم في الصفات الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفات اللازمة الخارجة عن الماهية ورأى كتبهم الكبار المبسوطات في هذا الباب وأعطى النظر العقلي حقه ولم يسلم عبارات لم يحقق معناها تبين له أن ما يذكرونه من الفرق بين الذاتي والعرضي اللازم وما يذكرونه من تركيب الحقيقة من الجنس والفصل وأن هذا هو الذاتي المشترك وهذا هو الذاتي المميز والمركب منهما هو النوع وأن العرضي المشترك هو العرض العام والعرضي المميز هو الخاصة وإنما يعود هذا إلى أمور اعتبارية وهو تركب في الذهن لا تركب في الخارج وذلك يتبع ما يتصوره الإنسان ويعبر عنه لا يتبع الحقائق في نفس الأمر فمن تصور حيوانا ناطقا فالأول ذاتي مشترك والثاني ذاتي مميز والضاحك خارج عما تصوره ومن تصور حيوانا ضاحكا كان الأمر بالعكس فالضاحك في تصور هذا ذاتي والناطق خارج عن الذات.
(2/154)

وهذا المعنى مما تفطن له طائفة من النظار من الفلاسفة وغيرهم وبينوا به ما وقع من غلط هؤلاء في هذا الموضع الذي اشتبه فيه الماهيات الذهنية بالحقائق الخارجية وإلا فكيف يكون الإنسان الموجود في الخارج مركبا من الحيوان والناطق أو الحيوانية والناطقية إن كان مركبا من عرضين فالجوهر لا يتركب من عرضين وإن كان من جوهرين فالإنسان الموجود ليس فيه جواهر متعددة الواحد جسم والآخر حساس والآخر نامي والآخر متحرك بالإرادة والآخر ناطق بل الحق أن الموصوف بهذه الصفة هو الموصوف بالآخر فهو نفسه جسم حساس نام متحرك بالإرادة ولكن بعض هذه الصفات جنسه أعم من بعض فالأعم منها يشركه فيه كل جسم والنامي يشركه فيه النبات والحساس يشركه فيه الحيوان البهيم والناطق لا يشركه فيه إلا الإنسان وأما الموصوف المعين فما قام به من الصفات مختص ولا يشركه فيه غيره وإذا قيل يشاركه فيه غيره فالاشتراك في الأمر الكلي الذي لا يكون كليا إلا في الذهن ومتى وجد في الخارج لم يكن إلا معينا.
والإنسان به ذات موصوفة بصفات ومعلوم أن صفة الموصوف لا تكون متقدمة عليه لا في العقل ولا في الوجود ولا يكون مركبا منها وهم يقولون إن أجزاء المركب متقدمة عليه سابقة له وهذا ممتنع في صفة الموصوف لكن إذا أريد بالمركب ما يتصوره الذهن من قول القائل جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق فلا ريب أن هذا
(2/155)

مركب في الذهن وله أجزاء كما إذا تكلم اللسان به كان مجموع الكلام مركبا من الأجزاء وإذا كتب اللفظ بالخط كانت الكتابة مركبة من الأجزاء فالشيء له حقيقة في نفسه ثم يتصور في الذهن ثم يعبر عنه باللسان ثم يكتب بالقلم له وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي لكن وجوده الذي هو الوجود الحقيقي هو الوجود العيني كالإنسان الموجود في الخارج.
وهذا الإنسان يتصف بأنه حي وبأنه ناطق لكن لم تكن هذه الصفات متقدمة عليه لا في الخارج ولا في العقل ولا مركب منهما بل هو متصف بهما كما هو متصف بسائر صفاته اللازمة له وهذا هو الذي عليه نظار المسلمين وجمهور العقلاء أن الصفات اللازمة للموصوف كلها مشتركة في هذا الباب وأما تقسيمها إلى ما هو ذاتي داخل في الحقيقة وعرضي لازم خارج وتقسيم اللازم إلى ما هو لازم للذات ولازم لوجودها فهذا قول هؤلاء المنطقيين وقد خالفهم في ذلك جمهور طوائف النظار من المسلمين وغيرهم كما هو موجود في كتب النظار المسلمين.
وأول من علمت أنه وافقهم على ذلك أبو حامد في كتبه وأنكر الناس عليه ذلك كما أنكروا ما وافقهم عليه في بعض مسائل الإلهيات والنبوات وإن كان أبو حامد نفسه قد أنكر عليهم ما أنكره من خطئهم في الإلهيات فهذه الأمور مبسوطة في موضعها.
والمقصود هنا أن إثبات قديم أزلي يمكن وجوده ويمكن عدمه قول
(2/156)

منكر عند جماهير النظار من المسلمين والفلاسفة كما هو منكر في فطر العقلاء لأن دعوى ذات الممكن في الخارج غير الموجود في الخارج باطل وما يذكرونه من أن الإنسان يتصور المثلث مع الشك في وجوده فذاك لأنه لا يتصوره في الذهن ولا نزاع بين العقلاء أن ما تتصوره الأذهان مغاير لما يوجد في الخارج فإذا أريد بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وقيل ماهية الشيء مغايرة لوجوده كان هذا صحيحا وإنما المنكر أن يراد بالماهية أمر ثابت في الخارج غير الموجود الخارج ويقال إن تلك الماهية هي حقيقة هذا الموجود وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
الوجه الثاني: أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فالقديم الواجب الوجود بغيره لم تزل ماهيته موجودة والوجود لازم لها وتقدير عدمها تقدير ممتنع فإذا قيل يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة لم يكن صحيحا بل لا يمكن عدمها بحال وغايته أن وجودها اللازم لها هو من غيرها لا منها مع أنه وجود واجب بغيره هذا لو أمكن أن يكون القديم الأزلي مفعولا وهذا ممتنع في فطر العقلاء قاطبة.
ولهذا جاءت الكتب الإلهية بخطاب الناس بالمعقولات الصحيحة الفطرية فإن الرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها والنفس إنما تنال كمالها بسعادتها ونجاتها بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة ولهذا حيث ذكر الله في كتابه شيئا من هذه الأسماء التي تدل على الفعل لم يعقل العقلاء من ذلك إلا أنه محدث كقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ
(2/157)

رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} (سورة العلق 1 3) فهل يعقل العقلاء قط أن الشيء يكون مخلوقا ولا يكون حادثا غير هؤلاء الملحدين في السمعيات والعقليات الذين سلكوا في العقليات مسلك السفسطة وفي السمعيات مسلك القرمطة.
وكذلك قوله: {خََلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} (سورة النحل 3) .
وقوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} (سورة الذاريات: 3) وقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} (سورة الشمس: 5) .
وقوله: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} (سورة النازعات 27 28) .
وقوله: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (سورة الرعد 2) .
وقوله: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً} (سورة الأنبياء 32) {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (سورة الأنعام 1) {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} (سورة الأنبياء 33) إلى أمثال ذلك من الخطاب الذي قد علم بالاضطرار معناه وأن بناءها أمر حادث كان بعد أن لم يكن وليس المراد أنها قديمة أزلية لم تزل كذلك وأن معنى خلقها أنها معلولة لعلة قديمة أزلية.
ومن افترائهم على السمعيات أنهم يسمعون هذا أيضا حدوثا
(2/158)

ويقولون: هذا العالم محدث أي معلول ومعنى حدوثه عندهم وجوبه بالواجب بنفسه وافتقاره إليه.
ومعلوم بالاضطرار أن هذا لا يسمى حدوثا كما لا يسمى خلقا ولم يختلف المسلمون وغيرهم أن كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن كل مخلوق حدث وإنما تنازعوا في كل محدث هل يجب أن يكون مخلوقا وأن كل حادث يجب أن يكون محدثا هذا فيه نزاع معروف بين المسلمين كما هو مبسوط في موضعه.
ولهذا كان قدماء النظار عندهم كل من قال العالم قديم فقد أنكر الصانع إذ كانوا لا يعقلون أن يقال هو قديم وهو مفعول ولكن متأخريهم لما رأوا من قال من الفلاسفة إنه معلول غير واجب ذكروا هذا القول وبحثوا مع أصحابه.
وأما أرسطو وأتباعه فإنما في كلامهم إثبات العلة الأولى من حيث هي غاية وأن الفلك يتحرك للتشبه بها فأوجب وجودها من هذه الجهة لم يثبت وجودها من حيث أن الفلك معلول علة فاعلة كما فعله ابن سينا ومن سلك سبيله فإنه سلك سبيلا بعضها من أصول سلفه الفلاسفة وبعضها أخذه من أصول المعتزلة ونحوهم والرسل صلوات الله عليهم لم يقولوا إن الرب كان في الأزل متعطلا عن الكلام والفعل وأنه لم يمكنه أن يتكلم ولا أن يفعل في الأزل بمشيئته وقدرته وإنما أهل الكلام
(2/159)

المحدث في الإسلام من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم في أصلهم التبس عليهم حدوث الأعيان المخلوقة بحدوث نوعها كما التبس عليهم قدم نوع كلام الله بقدم عين الكلمة وظنوا أن حدوث الأعيان لا يحصل إلا بحدوث النوع فالتزموا تعطيل الرب وتعجيزه في الأزل عن الكلام والفعال وسلبوه صفات الكمال فتسلطت عليهم السلف والأئمة ورثة الأنبياء بالتبديع والتضليل بل وبالتكفير وانفتح عليهم من الفلاسفة سد الدهرية بعد أن كان مبنيا بزبر الحديد فلا للإسلام نصروا ولا للكفار كسروا ولا بحبل الله اعتصموا ولا للكتاب والسنة اتبعوا بل فرقوا دينهم وكانوا شيعا واعتاضوا عن الشريعة الإلهية بما أحدثوا بآرائهم بدعا.
ومما يبين هذا انه لما كان شواهد الافتقار في أعيان العالم واحتياجها إلى الصانع بينة ظاهرة بل معلومة بالبديهة كان معلوما مع ذلك أن كلا منها محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن في فطر العامة فإن الأمر مبني على مقدمتين إحداهما أن هذا المعين مفتقر إلى فاعل إذ هو ليس بواجب بنفسه والثانية أن ما افتقر إلى فاعل لم يكن إلا محدثا فإذا كل شيء من العالم تثبت فيه هاتان المقدمتان.
وأما كون هذا المعين مفعولا مخلوقا مربوبا مفتقرا إلى بارئه وأنه لازم لفاعله للزوم الفعل الذي به فعله فاعله كلزوم حياته أو بدون فعل قائم به فهذا مما لا يعقله الخلق بفطرتهم التي فطروا عليها.
(2/160)

وهذا النوع من الكلام دليل مستقل على حدوث كل شيء من العالم من جهة كونه ممكنا مفعولا لغيره لا واجبا بنفسه والأول من جهة كونه ممكنا مستلزما لاقترانه بالحوادث فإذا عرف أنه محتاج إلى مبدعه الواجب بنفسه علم أنه محدث من جهة أن فعل الفاعل لا يكون إلا حادث العين أو النوع ومن جهة أن ما كان مستلزما للحوادث لم يمكن أن يفعله الفاعل دونها وفاعل الحوادث لا يكون موجبا بذاته يلزمه مفعوله وما لم يلزمه مفعوله المعين لا يكون مفعوله قديما فلا يكون شيء من العالم قديما.
ومن تدبر كلام الدهرية القائلين بقدم الأفلاك من المتفلسفة الإلهيين كأرسطو وشيعته وغيرهم لم يجد لهم دليلا أصلا على قدم شيء من العالم لا الأفلاك ولا غيرها ولكن يذكرون ما يدل على دوام فاعليه الفاعل ونحو ذلك.
والذين ناظروا هؤلاء من أهل الجدل والكلام الذي ذمه السلف وعابوه بنوا الأمر على أن الرب لم يزل معطلا عن الكلام والفعل لا يمكنه أن يتكلم ولا أن يفعل ثم صار يمكنه الكلام والفعل بعد أن لم يمكنه من غير تجدد شيء.
وهذا أصل الجهمية والمعتزلة والكرامية وهو أصل الكلابية والأشعرية لكن سلكوا في كلام الله تعالى وصفاته مسلكا انفردوا به دون السلف والأئمة وأهل الحديث ودون المعتزلة كما هو معروف من قولهم.
ولهذا كان فيما أنكره الناس على الكلابية قولهم إن الرب لم يكن
(2/161)

قادرا على الفعل في الأزل وليس هذا قولهم وحدهم بل هو قول هؤلاء الذين أخذوا عنهم الكلام.
ولهذا لما وقع في أرض المشرق زمن السلطان محمود بن سبكتكين ثم في أول دولة السلاجقة زمن ألب رسلان فتنة بين الحنفية والشافعية وكان السلطان قد تقدم بلعنة أهل البدع على المنابر لما كاتبه الحاكم المصري الملحد ودعاه إلى مبايعته فأرسل إلى الإمام القادر فعرفه لصورة الحال وبمبايعته لشريعة الإسلام وكتب الإمام القادر الإعتقاد القادري المعروف وعامته من نظم الشيخ أبي أحمد الكرجي وأمر القائم بقراءته على الناس وتقدم باستتابة أهل البدع فاستتيبت المعتزلة سنة بضع وأربعمائة وجرى على القاضي أبي بكر بن الطيب محنة وقام عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني الشافعي والشيخ أبو عبد الله بن حامد الحنبلي وكان الإسفراييني مظهرا للإنكار عليه جدا مظهرا لمخالفته في قوله في القرآن وكان القاضي أبو بكر يكتب محمد بن الطيب الحنبلي إذ كانت الأشعرية منتسبة إلى السنة وإلى أئمتها منتصرة للمقالات المشهورة عن إمام السنة أحمد بن حنبل وغيره من علماء أهل السنة وصنف القاضي أبو بكر إذ ذاك كتابه المشهور في الرد على الباطنية حزب الحاكم المصري العبيدي وقام السلطان محمود بأرض المشرق وأظهر لعنة أهل البدع على المنابر وكذلك بعده ملوك السلاجقة فأدخل أقوام من الحنفية وغيرهم الأشعرية في اللعنة حتى صنف أبو القاسم القشيري شكايته المشهورة وصنف الحافظ أبو بكر البيهقي رسالة معروفة وذكروا أشياء مما نقمت على أبي الحسن الأشعري وكان مما ذكروه قوله إن الرب لم يكن في الازل قادرا على الفعل.
(2/162)

وهذا أصل قول هؤلاء المتكلمين الذين احتجوا على حدوث العالم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها ويلزم من ذلك امتناع أن يكون مقدورا للرب فقالوا صار الفعل ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا.
ومعلوم عند من يعلم الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها أنه ليس في الكتاب ولا السنة شيء يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكنا له في الأزل أو لم يكن الفعل والكلام ممكنا له في الأزل أو أنه لم يزل معطلا عن الفعل أو عن الفعل والكلام لم يزل معطلا ثم إنه صار قادرا فاعلا متكلما بعد أن لم يكن كذلك.
وقد يجيبون عن هذا بجواب فيه مغلطة فيقولون لم يزل قادرا ولكن المقدور كان ممتنعا في الأزل وهذا تناقض فإن المقدور لا يكون ممتنعا بل لا يكون إلا ممكنا ولأن ذلك يتضمن الانتقال من الامتناع إلى الإمكان بلا حدوث شيء وهو باطل.
والجهم هو أول من أظهر هذا الكلام في الإسلام وطرد قياسه بأن ما كان له ابتداء فلا بد أن يكون له انتهاء وأن الدليل الدال على امتناع ما لا يتناهى لا يفرق بين الماضي والمستقبل فقال بفناء الجنة والنار.
وكان هذا مما أنكره عليه سلف الأمة وأئمتها مع إنكارهم عليه نفي الصفات والقول بخلق القرآن ونفى الرؤية الذي هو لازم قوله بهذه الحجة.
(2/163)

فإن طردها أوجب عليه أن لا يقوم بذات الله لا صفة ولا فعل ولا كلام وكان ذلك مستلزما لنفي الصانع ولهذا عظم نكير سلف الأمة عليه وعلى أتباعه من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم.
قال حرب الكرماني ورواه عنه أبو بكر الخلال في كتاب السنة ثنا محمد بن إدريس يعني أبا حاتم الرازي ثنا علي بن ميسرة ثنا علي بن الحسين بن شقيق سمعت خارجة بن مصعب يقول: "كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله قال تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} (سورة الرعد 35) وقالوا: ينقطع.
وقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (سورة القيامة 22: 23) فقالوا: لا تنظر".
وقال الخلال ثنا أبو داود السجستاني ثنا أحمد حدثني أبي قال: قال إبراهيم بن طهمان ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم يعني جهما.
قال أبو داود ثنا عبد الله بن مخلد ثنا علي بن إبراهيم ثنا يحيى ابن شبل قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير إذ جاء شاب فقال: ما تقول في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (سورة القصص 88) فقال مقاتل: "هذا جهمي" ثم قال: "ويحك والله إن
(2/164)

جهما ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء إنما كان رجلا أعطي لسانا".
قال أبو داود ثنا أحمد بن الصباح ثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك قال: "إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى وما نستطيع أن نحكي كلام الجهمية".
قال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل ثنا محمد بن مصفى ثنا بقية بن الوليد عن عبد العزيز بن الماجشون قال: "جهم وشيعته الجاحدون".
وقال ثنا عبد الله بن أحمد ثنا الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك ثنا حماد بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: "الجهمية كفار".
وقال عبد الله بن أحمد ثنا محمد بن صالح مولى بني هاشم ثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي أنا المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه قال: "ليس قوم أشد نقضا للإسلام من الجهمية".
قال عبد الله حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وعلي بن مسلم ثنا سليمان بن حرب سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: "إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء".
قال الخلال أنا أبو بكر المروزي ثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال كان أبي وعبد الرحمن يقولان: "الجهمية تدور على أن ليس
(2/165)

في السماء شيء" قال المروزي سمعت أحمد الدورقي سمعت يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال كفار لا يعبدون شيئا قال المروزي ثنا إسماعيل بن أبي كريمة سمعت يزيد بن هرون يقول: "القرآن كلام الله لعن الله جهما ومن يقول بقوله كان كافرا جاحدا ترك الصلاة أربعين يوما يريد زعم يرتاد دينا وذلك أنه شك في الإسلام".
قال الخلال وأخبرني حرب الكرماني ثنا أبو علي الحسن بن الصباح ثنا قاسم العمري ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب حدثنا أبي عن جدي حبيب قال شهدت خالد بن عبد الله القسري خطب الناس بواسط يوم النحر فقال: "أيها الناس ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه.
والجهم بن صفوان أخذ مذهبه عن الجعد بن درهم وكان الجعد هذا من أهل حران وإليه ينسب مروان الجعدي آخر خلفاء بني أمية وكان بحران أئمة الفلاسفة الصابئة القائلين بقدم العالم وتعطيل الصفات وعنهم أخذ تحقيق ذلك أبو نصر الفارابي لما دخل حران وكان الجعد فيما يقال أخذ تعطيل الصفات عنهم ولهذا أنكر كلام الله ومحبة الله فلا يكون له كليم ولا خليل.
هذا مع أن الفلاسفة مختلفون في قدم العالم وحدوثه وأساطينهم
(2/166)

المتقدمون على القول بحدوثه بل وعلى إثبات الصفات والأمور الاختيارية القائمة بالله وأول من عرف عنه من الفلاسفة المشائين القول بقدم الأفلاك هو أرسطو وحججه على ذلك واهية جدا لا تدل على مطلوبه بل استدلاله على قدم الزمان وأنه مقدار الحركة فيلزم قدمها ثم ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك وهذا غلط عظيم فإن جنس الزمان إذا قيل الزمان مقدار الحركة فهو مقدار جنس للحركة لا حركة معينة بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة ولهذا كان جنس الزمان باقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة وانشقاق السماء وتكوير الشمس ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك ولهم في الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة مع أن الجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير بل أنوار وحركات أخر.
فمن قال: إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء كان الكلام عنده صفة ذات قائم بذات الله وهو يتكلم بفعله وفعله بمشيئته وقدرته فمقدار ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك من غير أن يكون شيء من العالم قديم مع الله تعالى ولا يحتاج مع ذلك أن يقال لإمكان الفعل بداية ولا أن يجمع بين النقيضين في التقدير فيقال إذا قيل الفعل أو الحادث بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه فإن هذا التقدير جمع بين النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور.
(2/167)

فإذا قيل لم يزل الرب قادرا وقيل مع ذلك لم يكن الفعل ممكنا ثم صار ممكنا وأنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع كونه كان غير قادر ثم صار قادرا فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع بين المتناقضين وكذلك هذا وذلك أن الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم يجب أن يكون له أول فكل ما سبق بالعدم فله أول إذ العدم قبله وما لا أول له ليس قبله شيء بل هو دائم لم يزل.
فإذا قيل: الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه كان المعنى أن الفعل بشرط كونه له أول لا أول له ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة وصحة الأزلية وربما قالوا بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان وهو فرق لا حقيقة له فإنه إذا كان الإمكان الذي هو الصحة أزليا فمعنى ذلك أنه لم يزل الفعل ممكنا صحيحا.
هذا هو المراد بأزلية الإمكان والصحة ومعلوم أن هذا يتضمن إمكان أزلية الفعل وصحة ذلك فإنه إما أن يكون الثابت في نفس الأمر أزلية الفعل أو امتناعها فإن كان الثابت هو الامتناع كان الفعل ممتنعا في الأزل فلم يكن ممكنا وحينئذ فلا يكون الإمكان أزليا بل حادثا بعد أن لم يكن وهذا قول بأن إمكان الفعل ليس بأزلي بل حادث بعد أن لم يكن من غير مسبب يوجب حدوثه وهو خلاف قولهم بأزلية الإمكان.
(2/168)

ثم إنه ممتنع بصريح العقل فإنه إذا كان إمكان الفعل له بذاته وهو حادث بعد أن لم يكن كان هذا ممتنعا لوجهين أحدهما أنه يلزم حصول الإمكان بعد الامتناع من غير سبب أوجب كونه قادرا وهو سلب لصفة الكمال للرب في الأزل ودعوى حدوثها بعد أن لم تكن من غير سبب أوجب ذلك وكلاهما ممتنع فإن كماله من لوازم ذاته وكونه قادرا من لوازم ذاته إذ لو لم يكن من لوازم ذاته لكان عارضا لهذا وكان مفتقرا في ثبوت كونه قادرا إلى غيره ثم ذلك الغير إن كان مفعوله فإنه يستلزم الدور القبلي فإنه لا يكون فاعلا للمفعول إلا إذا كان قادرا فلو استفاد كونه قادرا من المفعول والمفعول لا يكون قادرا على الإقدار إلا بإقداره لزم أن لا يكون هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا فلا يكون واحد منهما قادرا.
وأيضا فكون المفعول هو الذي يجعل الفاعل قادرا أو فاعلا معلوم فساده بصريح العقل فإن كل ما للمفعول هو من الفاعل لا من نفسه فلو لم يكن الفاعل قادرا إلا بإقدار المفعول له لم يكن قادرا بحال بل ولا كان مفعول أصلا فضلا عن كونه قادرا فضلا عن كونه مقدورا لفاعله.
وكذلك لو قدر قديمان أو واجبان كل منهما إنما صار واجبا قادرا بإقدار الآخر كان هذا ممتنعا في صريح العقل وكان مستلزما للدور القبلي فإن هذا لا يكون قادرا حتى يجعله ذاك قادرا وذاك لا يكون قادرا حتى يجعله هذا قادرا فلا يكون كل واحد منهما قادرا.
(2/169)

فإن كون القادر قادرا في نفسه هو سابق لكونه يجعل غيره قادرا فمن ليس بقادر في نفسه يمتنع أن يجعل غيره قادرا فالامتناع يعلم من جهة بطلان الدور القبلي ومن جهة أن من ليس بقادر يمتنع أن يجعل غيره قادرا.
وهذا من أحسن ما يستدل به على التوحيد فإنه يعلم به أن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لا تكون قدرته مستفادة من غيره وحينئذ فإذا قدر قادران كان اجتماعهما على فعل المفعول الواحد ممتنعا لذاته بصريح العقل واتفاق العقلاء فإن فعل أحدهما له يوجب استقلاله فيمتنع أن يكون له شريك فضلا عن أن يكون هناك فاعل آخر مستقل.
ولهذا كان من المعلوم عند العقلاء بصريح العقل أنه يمتنع اجتماع مؤثرين تامين على أثر واحد وإن شئت قلت يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد.
وإذا كان كذلك فإذا قدر ربان امتنع استقلال كل منهما بفعل شيء واحد بل إذا فعل أحدهما شيئا كان الآخر فاعلا لشيء آخر وهذا تحقيق قوله تعالى: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} (سورة المؤمنون 91) .
وأيضا فإذا كانا قادرين فإن أمكن أحدهما أن يفعل بدون الآخر أمكن أن يريد ضد مراد الآخر فيلزم التمانع فإنه إن وجد مرادهما لزم اجتماع الضدين وإن لم يوجد مراد واحد منهما لزم عجزهما جميعا ولزم خلو المحل من أحد المتقابلين اللذين لا يخلو الجسم عنهما مثل أن يريد
(2/170)

أحدهما إحياء جسم ويريد الآخر إماتته أو يريد تحريكه ويريد الآخر تسكينه ونحو ذلك.
وإن قيل: يجب اتفاقهما في الفعل بمعنى أنه إذا فعل أحدهما شيئا لم يعارضه الآخر فيه لم يكن واحد منهما قادرا إلا بشرط تمكين الآخر له والإمساك عن معارضته وهذا يستلزم أن لا يكون واحد منهما قادر بنفسه وهو ممتنع كما تقدم.
وإن فسر الاتفاق في الفعل بمعنى الاشتراك فيه فالاشتراك في المفعول الواحد بمعنى أن كلا منهما مستقل بالمفعول ممتنع كما تقدم.
والاشتراك بمعنى أن هذا له فعل ومفعول غير فعل هذا ومفعوله يوجب أن يذهب كل إله بما خلق والعالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا ويحتاج بعضه إلى بعض احتياجا يمتنع معه أن يكون بعضه مفعولا لواحد وبعضه مفعولا لآخر فإذا قدر فاعلان لزم أن يذهب كل إله بما خلق وأن يعلو بعضهم على بعض فذهاب كل إله بما خلق لأن مفعول هذا غير مفعول هذا وعلو بعضهم على بعض لأن كونهما قادرين يوجب أن كلا منهما غني في قدرته عن الآخر وأنه يمكنه أن يفعل بدونه فيمتنع أن يفعلا شيئا سواء كانا متفقين لامتناع صدور الفعل الواحد عن فاعلين أو كانا مختلفين لأن ذلك يستلزم التمانع فيكون كل منهما مانعا للآخر فلا بد أن يكون أحدهما هو القادر دون الآخر فيكون
(2/171)

القادر هو القاهر للآخر فيعلو عليه كما قال تعالى: {وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (سورة المؤمنون 91) وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر لما تكلمنا على طرق الناس في إثبات التوحيد ومعناه.
والمقصود هنا أنه يمتنع كون واجبين قدرة كل منهما مشروطة بقدرة الآخر فلا بد أن يكون الرب قادرا بنفسه فتكون قدرته من لوازم ذاته واللازم لا ينفك عن الملزوم وإذا لم يزل قادرا لم يزل يمكنه فعل المقدور وإذا لم يكن فعل المقدور ممكنا لم يكن قادرا في الأزل بل صار قادرا بعد أن لم يكن وليس هذا من الدور المعي الممكن مثل أن يقال لا يكون هذا قادرا إلا مع كون هذا قادرا فإن هذا ممكن في المخلوقات لمعلولي العلة الواحدة فإنهما يحصلان بعلة واحدة فلذلك إذا كان الفاعلان قادرين بإقدار ثالث أمكن أن تكون قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر كالأمور المتلازمة التي لا يوجد هذا وقوته إلا مع هذا وقوته.
وأما الواجبان القديمان الخالقان اللذان لم يستفيدا قدرتهما من ثالث فلو قيل إن قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر لكان من باب الدور القبلي فإن أحدهما إذا لم تكن قدرته من نفسه ولا من ثالث كانت من الآخر وهذا هو الدور القبلي وإن قيل بل هي حاصلة منه ومن الآخر قيل فالحاصل فيه مشروط بقدرته فلا بد له من قدرة يستقل بها لا يفتقر فيها إلى غيره ولا يكون غيره شرطا فيها فتكون تلك القدرة من لوازم ذاته وهو المطلوب وإن كانت من لوازم ذاته امتنع أن يصيرا قادرا بعد أن لم يكن وامتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد أن لم يكن
(2/172)

فثبت أنه لم يزل قادرا ولم يزل المقدور ممكنا فثبت أن إمكان الفعل لا أول له وإذا كان الفعل لم يزل ممكنا أمكن أن يكون أزليا وإلا امتنع كونه أزليا.
فعلم أن القول بأزلية الإمكان دون إمكان الأزلية جمع بين النقيضين وحذاقهم يعترفون بهذا وإنما ألجأهم إلى هذا ما ادعوه من كون الفعل أو الكلام والفعل لم يكن ممكنا فصار ممكنا بعد أن لم يكن وهذا أول من قاله في الإسلام الجهمية والمعتزلة ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام ولا نقل هذا أحد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا بلفظه ولا بمعناه ولا عن أصحابه ولا عن التابعين لهم بإحسان.
ثم إنهم لما قالوا هذا احتاجوا أن يجيبوا عن قول المنازع لهم الإمكان لا أول له إذ لو كان له أول للزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا موجب فقالوا نقدر أن إمكان الحدوث لا أول له أو نقول الإمكان بشرط حدوث الممكن لا أول له فيكون حقيقة الكلام إمكان الحدوث له أول لا أول له وهو جمع بين النقيضين بل كل ما قدر أنه يجب حدوثه ويمتنع قدمه فإن إمكان حدوثه له أول ويمتنع أن يكون إمكان هذا الحدوث لا أول له وسواء كان إمكان الحدوث مشروطا بشرط من جهة الفاعل أو القابل فمتى كان إمكان الحدوث له أول امتنع أن لا يكون له أول وإن كان الحدوث للذي له أول يعقل في أعيان الحوادث فما من شيء من المخلوقات إلا وإمكان حدوثه للذي له أول ويمتنع أن يكون حادثا ويكون إمكان الحدوث أزليا.
(2/173)

فهذا القول الذي أحدثته الجهمية والقدرية في الإسلام واتبعهم عليه من اتبعهم وهو بدعة في الشرع وباطل في العقل.
وأما إبطال مذاهب الفلاسفة المخالفة للكتاب والسنة فهو ولله الحمد ممكن بصريح المعقول من وجوه متعددة لا تستلزم إلا حقا.
فقول الفلاسفة بقدم شيء بعينه من العالم يوجب أنه علة تامة له وهذا باطل من وجوه متعددة كما قد ذكر في موضعه.
وأيضا فإنه يمتنع حدوث حادث عن علة قديمة لم يقم بها شيء فإن الفاعل إذا كان حاله عند وجود المعلول الحادث وقبله ومعه سواء كان تخصيص الوقت المعين بحدوث الحادث المعين تخصيصا بلا مخصص وحدوثا بلا سبب حادث فيمتنع أن يحدث عنه شيء بوسط أو بغير وسط فيلزمه أن لا يكون للحوادث محدث وهذا غاية السفسطة.
ففروا من القول بأن الحادث لا بد له من سبب فلزمهم أن لا يكون له محدث فكان ما فروا إليه أعظم مما فروا منه بكثير.
فتبين أنه لو كان علة قديمة لم يكن حاله بعد أن أوجب ذلك القديم كحاله حين أوجبه لأنه لو استوت الحالان لم يكن تخصيص حال القدم بالإيجاب أولى من غير حال القدم ولم يكن حال الإحداث المعين أولى من حال عدم الإحداث المعين إذ كانت نسبة الجميع إليه سواء من كل وجه.
(2/174)

وإذا قيل: إنه موجب للمعين دائما.
قيل له: إيجاب الفاعل للمفعول المعين بمعنى مقارنته له في الزمان ممتنع كما بين في موضعه.
وإيجاب الحوادث شيئا بعد شيء بدون قيام أمور متجددة به ممتنع أيضا كما قد بسط في موضعه وإيجاب المعين بدون هذا الحادث وهذا الحادث محال وإيجاب هذا الحادث دائما وهذا الحادث دائما محال.
وأما إيجاب الحوادث شيئا بعد شيء فيستلزم أن لا يكون موجبا للحادث إلا عند حدوثه وحينئذ يستكمل شرائط الإيجاب فيلزم من ذلك تجدد الإيجاب بشيء بعد شيء فحينئذ لم يكن موجبا لمعين إلا بإيجاب معين وما استلزم الحوادث لا يكون له إيجاب معين وأما الإيجاب الذي يتجدد شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون به شيء بعينه قديما لأن القديم لا يكون إلا بإيجاب قديم بعينه لا يتجدد شيئا بعد شيء.
وصار أصل التنازع في فعل الله هل هو قديم أو مخلوق أو حادث؟ من جنس أصل التنازع في كلام الله تعالى وكثير من المتنازعين في كلامه وفعله ليس عندهم إلا قديم بعينه لم يزل أو حادث النوع له ابتداء فالأول قول الفلاسفة القائلين بقدمه والثاني قول المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.
ومسألة حدوث العالم متعلقة بهذا لكن الدهرية لم يمكنهم القول
(2/175)

بقدم كل شيء من أعيان العالم فإنه خلاف الشاهد فقالوا بقدم أصول العالم كالأفلاك والعناصر وهم يقولون بدوام الحوادث ويثبتون قديم النوع حادث الأعيان.
وصار المناظرون لهم من أهل الكلام يمنعونهم ثبوت هذا النوع ويقولون كل ما ثبت حدوث شيء من نوعه لزم أن يكون نوعه حادثا وأن يكون له ابتداء لامتناع دوام الحدوث والفعل عندهم وظنوا أن القول بأن الله خالق كل شيء لا يتم إلا بهذا فاستظهر الفلاسفة عليهم بهذا وطولوا الكلام عليهم في إبطال هذا وظنوا أنهم بردهم ثبت لهم قدم العالم.
وكان خطأ هؤلاء الفلاسفة أعظم من خطأ أولئك فإن نفس الأصل الكلي الذي اعتمدوا عليه لو أعطوه حقه لم يكن فيه دليل إلا على إبطال قول من زعم أن الرب كان معطلا عن الفعل والكلام ليس فيه دليل على قدم شيء من العالم بل هو بعينه يدل على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن.
والاستدلال بذلك أصح من الاستدلال بتناهي الحوادث لوجهين أحدهما: أن ذلك قد بينوا بطلانه والنزاع فيه طويل ولوازمه شنيعة.
(2/176)

والثاني: أن متأخريهم قالوا هذا إنما يدل على حدوث الأجسام التي لا تخلو عن الحوادث.
قالوا فإذا جاز وجود موجود ليس بجسم كالعقول والنفوس لم يكن في هذا ما يدل على حدوث هذا.
وهكذا ذكره الشهرستاني والرازي والآمدي والأرموي وغيرهم حتى قال من قال في عقيدته: "الأجسام حادثة" من المتأخرين أتباع هؤلاء وقد لا يجزم بقدم العقول والنفوس لكن يقف عند ذلك ويجزم بحدوث الأجسام لكون هذا هو الذي دل عليه العقل عنده وزعم بعض هؤلاء أن سبب حدوث الأجسام هو ما يحدث من تصورات النفوس المتعاقبة وأجابوا بهذا عما طالبهم به خصومهم من شبهة الحدوث.
وزعم الرازي في المطالب العالية أن هذا هو الجواب الباهر عن حجة الفلاسفة واتبعه على ذلك الأرموي في كتابه وزعم هؤلاء أن قدماء المتكلمين لم يجيبوا.
عنه وليس الأمر كذلك بل شيوخ المتكلمين قرروا في كتبهم بأنه يمتنع وجود ممكن إلا جسما أو عرضا وبينوا أن ما يدعى الفلاسفة إثباته خارجا عن ذلك كالعقل والنفس والمادة والصورة باطل وإنما يعود ذلك إلى إثبات أمور ثابتة في الذهن لا في الخارج وهي من نوع العرض
(2/177)

أو إلى ثبوت قدر مشترك بين الأجسام وهو الكليات التي لا تخرج عن جسم أو عرض أو إثبات صورة هي إما جسم وإما عرض حتى أن ابن حزم وهو ممن يعظم الفلاسفة قرر أن الأمر منحصر في الأجسام والأعراض وبينوا أنه لا يخرج الممكن عنهما.
وآخرون من أئمة الكلام والنظر قرروا ما هو أعم من ذلك أن الموجود لا يخرج عن هذين القسمين وبينوا أن ما يدعى غيرهم إثباته إما أن يكون ممتنعا ثبوته في الخارج وإما أن يكون داخلا في أحد القسمين.
ولكن لفظ الجسم والعرض فيه نزاع اصطلاح لفظي وفيه نزاع عقلي كما قد بسط في موضعه والمقصود هنا أن الفلاسفة لا حجة لهم أصلا على قدم شيء من أشخاص العالم بل الأصل العقلي الذي يعتمدون عليه يمنع قدمها وقد ذكرنا هذا في مواضع.
وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم وهو الذي أخذ فلسفة الأوائل لخصها وضم إليها البحوث العقلية التي تلقاها عن المتكلمين من المعتزلة وغيرهم فزاد فيها ما يوافقها ويقويها بحث صار لهم في الإلهيات كلام له قدر لا يوجد لمتقدميهم فصار أحسن ما عندهم من الإلهيات ما استفاده ابن سينا من كلام المتكلمين والمواضع التي تخالف أصولهم وقد زل فيها المتكلمون صارت عمدة له في الرد على المتكلمين
(2/178)

والمتكلمون المعتزلة لهم مواضع أخطأوا فيها وشاركهم الفلاسفة فيها فصارت الفلاسفة تحتج بها عليهم كنفي الصفات ولهم مواضع انفردوا بالخطأ فيها دون غيرهم من المسلمين والفلاسفة فاستطالت بها عليهم الفلاسفة كقولهم إن المحدث لا يحتاج إلى الفاعل إلا في حال حدوثه لا في حال بقائه وقولهم إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وقولهم إن الممكن يترجح أحد طرفيه إذا كان الوجود أولى به من العدم وإن لم ينته إلى حد الوجود.
فهذه الأمور ونحوها من كلام القدرية التي خالفهم فيها أهل السنة وجمهور المسلمين هي مما طولت لسانه عليهم واشتركوا هم وهم في نفي الصفات وسلك ابن سينا فيها مسلكا فمن تدبر كلامه وجده مشتقا من كلامهم إذ كلام قدماء الفلاسفة في ذلك نزر قليل ولم يصر للقوم كلام يعتد به في الإلهيات إلا بسبب ابن سينا وأمثاله بما استفاده من مبتدعة المسلمين.
ولهذا لم يكن أولئك يسمون هذا العلم الإلهي وإنما يسمونه علم ما بعد الطبيعة باعتبار وجوده أو علم ما بعد الطبيعة باعتبار معرفته وهو كلام في الوجود المطلق ولواحقه كالواحد ولواحقه وكتقسيم ذلك إلى الجوهر والعرض وكتقسيم العرض إلى الأجناس التسعة التي هي الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع
(2/179)

والملك وأن يفعل وأن ينفعل ومنهم من يجعلها خمسة ومنهم من يجعلها ثلاثة وقد أنشد فيها:
زيد الطويل الأسود بن مالك ... في بيته بالأمس كان متكى
بيده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوا
ثم أخذوا يتكلمون في أنواع هذه الأجناس حتى ينتهوا إلى مبادئ علومهم الجزئية كالمقدار الذي هو موضوع الهندسة والعدد الذي هو موضوع الحساب والجسم الذي هو موضوع العلم الطبيعي ونحو ذلك وتكلموا في العلة والمعلول بكلام قليل.
وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود وممكن الوجود فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم وإلا فكلام سلفهم إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول.
وقد تكلمت على ما ذكره معلمهم الأول أرسطو في غير هذا الموضع وبينت قلة فائدة الحق منه وما فيه من التقصير والخطأ الكثير وأنه كما قيل: "لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فيقلى".
وأولئك كانوا يعتمدون في إثبات العلة الأولى على أن الفلك متحرك بإرادة والمتحرك بالإرادة لا بد له من مراد يكون محركا له تحريك المعشوق لعاشقه وهذا إذا ثبت لم يفد إلا أن له علة غائية لا يفيد أنه معلول
(2/180)

لعلة فاعلة وهم مع ذلك لا يجعلون مراد الفلك عبادة الله ومحبته بل مراده التشبه به ولهذا جعلوا الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة.
والفلك عندهم ليس مفعولا ولا ممكنا ولا معلولا لعلة فاعلة بل هو موجود بنفسه والممكن عندهم لا يكون إلا المحدث المسبوق بالعدم والفلك ليس كذلك.
(2/181)

وابن رشد وأمثاله من الفلاسفة يسلكون طريقة القدماء في هذا الباب فعدل ابن سينا عن ذلك إلى ما استفاده من طرق المتكلمين فسلك طريق تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث وتكلم على خصائص واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل إنما هو وجوده بنفسه واستغناؤه عن موجد فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه مثل عدم الصفات وأشياء غير هذه.
وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم فلما أثبتوا قديما وأخذوا يجعلون القدم مستلزما لما يدعونه من نفي الصفات جعلوا الوجود الذي ادعاه كالقدم الذي ادعوه وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين.
وسلك طريقا ثانيا في إثبات واجب الوجود ذكرها في كتابه المسمى بالنجاة وهي مبنية على الحدوث فقال: "فصل في آخر في
(2/181)

البيان" ويقول أيضا: "إن كل حادث فله علة مع حدوثه فلا يخلوا إما أن يكون حادثا باطلا مع الحدوث لا يبقى زمانا وإما أن يكون إنما يبطل الحدوث بلا فصل زمان وإما أن يكون بعد الحدوث باقيا والقسم الأول محال ظاهر الإحالة والقسم الثاني أيضا محال لأن الآنات لا تتالى وحدوث أعيان واحدة بعد الأخرى متباينة في العدد لا على سبيل الاتصال الموجود في مثل الحركة يوجب تتالي الآنات وقد بطل ذلك في العلم الطبيعي ومع ذلك فليس يمكن أن يقال إن كل موجود هو كذلك فإن في الموجودات موجودات باقية بأعيانها فلنفرض الكلام فيها فنقول إن كل حادث فله علة في حدوثه وعلة في ثباته ويمكن أن يكون ذاتا واحدة مثل القالب في تشكيله للماء ويمكن أن يكونا شيئين مثل الصورة الصنمية فإن محدثها الصانع ومثبتها يبوسة جوهر العنصر المتخذ منه".
(2/182)

وملخص هذا الكلام أن الموجود الحادث قد يبقى فلا يمكن أن يقال حين حدوثه بطل فإنه جمع بين النقيضين ولا أنه يجب عدمه بعد حدوثه إلا في مثل الحركة وأما في غيرها فأن نعلم أن فيها ما هو باق وأيضا فإنه يوجب تتالي الآنات وهو مبني على مسألة إثبات الجوهر الفرد فيكون الآن جزءا لا ينقسم تلو الآن الآخر وهو يبطل ذلك.
وفي الجملة فهذه المقدمة هو أن في المحدثات أمورا باقية هي حق لا ينازعه فيها أحد وما يحكي عن النظام أنه قال إن الأجسام لا تبقى إما أن يقال هو مخالفة للضرورة وإما أن يقال النزاع فيها لفظي وإما أن يقال النزاع فيها في مسألة أخرى وهو افتقار المحدث في حال بقائه إلى ما يبقيه فإنه قد قيل إن النظام إنما أراد بذلك مخالفة أصحابه المعتزلة الذين يقولون إن المحدث إنما يفتقر إلى المؤثر حين حدوثه لا حين بقائه فقال هو إن الباقي حال بقائه مفتقر إلى المؤثر وهذا الذي قاله النظام هو الذي قصده ابن سينا أيضا وهو الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة وجماهير العقلاء.
ولهذا قال ابن سينا بعد ذلك كلاما صحيحا قال: "ولا يجوز أن يكون الحادث ثابت الوجود بعد حدوثه بذاته حتى يكون إذا حدث فهو واجب أن يوجد ويثبت لا بعلة في الوجود والثبات".
"وذلك أنك تعلم أن كل حادث بل كل معلول فإنه
(2/183)

باعتبار ذاته ممكن الوجود ولكن الحق أن ذاته ممكنة في نفسها وإن كان باشتراط عدمها ممتنع الوجود وباشتراط وجودها واجب الوجود وفرق بين أن يقال وجود زيد الموجود واجب وبين أن يقال وجود زيد ما دام موجودا فإنه واجب وكذلك فرق بين أن يقال إن ثبات الحادث واجب بذاته وبين أن يقال إنه واجب بشرط ما دام موجودا فالأول كاذب والثاني صادق فإذا لم نتعرض لهذا الشرط كان ثبات الوجود غير واجب واعلم أن ما أكسبه الوجود وجوبا أكسبه العدم امتناعا ومحال أن يكون حال العدم ممكنا ثم يكون حال الوجود واجبا بل الشيء في نفسه ممكن ويعدم ويوجد وأي الشرطين اشترط عليه دوامه صار مع شرط دوامه ضروري الحكم لا ممكنا ولم يتناقض ذلك فإن الإمكان باعتبار ذاته والوجوب والامتناع باعتبار شرط لاحق به فإذا كانت الصورة كذلك فليس للمكن في نفسه وجود واجب بغير اشتراط ألبتة بل ما دام ذاته تلك الذات لم تكن واجبة الوجود بالذات بل بالغير وبالشرط فلم يزل متعلق الوجود بالغير وكل ما احتيج
(2/184)

فيه إلى غير وشرط فهو محتاج فيه إلى سبب فقد بان أن ثبات الحادث ووجوده بعد الحدوث بسبب يمد وجوده فإن وجوده هو بنفسه غير واجب فليس لأحد من المنطقيين أن يعترض علينا فنقول إن الإمكان الحقيقي هو الكائن في حال العدم للشيء وإن كل ما يوجد فوجوده ضروري فإن قيل له ممكن فباشتراك الاسم فإنه يقال له إن كان الحصول يلحقه بالضروري الوجود فإن العدم أيضا يجب أن يلحقه بالضروري العدم ولا يحفظ عليه الإمكان فإنه كما أنه متى كان موجودا كان واجبا أي يكون موجودا ما دام موجودا كذلك متى كان معدوما كان واجبا أي يكون معدوما ما دام
(2/185)

معدوما لأن نظرنا هنا في الواجب بذاته والممكن بذاته ونظرنا في المنطق ليس كذلك".
قلت: هذا الذي ذكره من اعتراض أهل المنطق عليه قد اعترض عليه ابن رشد وغيره وإن كان ابن رشد متأخرا عنه.
وذلك أن الممكن في كلام سلفهم الفلاسفة كأرسطو وأصحابه إنما يكون في حال العدم ولهذا يقولون إن الإمكان يفتقر إلى محل يقوم به قبل حصول الممكن ولهذا قالوا كل حادث فإنه مسبوق بإمكان العدم والإمكان وصف ثبوتي فلا بد له من مادة تقوم به.
وأولئك لم يكونوا يقسمون الموجود إلى واجب وممكن وإنما هذا تقسيم ابن سينا وأتباعه بل العالم عندهم من قسم الواجب لا الممكن فلفظ الممكن يراد به هذا وهذا وابن سينا لم يرض أن يجعله من باب الاشتراط اللفظي فقط بل أخذ القدر المشترك وهو إمكان أن يوجد وأن يعدم مع قطع النظر عما هو متصف به في الحال وهو السبب الموجب لأحدهما ولا ريب أن هذا يتصف به في الحالين وأما إذا أريد بالممكن أن يوجد أي يصير موجودا في المستقبل فلا يتصف به إلا المعدوم القابل لذلك.
وهذا الذي قاله يستلزم أمرين باطلين:
(2/186)

أحدهما: ما غلط فيه هو وسلفه حيث ظنوا أن في الخارج حقيقة تقبل هذا وهذا وأنها متصفة بالوجود والعدم كالذين قالوا المعدوم شيء وقد بسط هذا في موضعه وبين أن الصواب أن هذه الحقيقة المتصورة في العقل هي المحكوم عليها بأنها تقبل أن تكون موجودة في الأعيان وتقبل أن لا تكون موجوده كما أن الممتنع كاجتماع النقيضين إذا قلنا إنه ممتنع فالمراد أن هذه الحقيقة المتصورة ممتنع ثبوتها في الخارج.
الثاني: ما خالف فيه وهو ومتبعوه سلفه حيث ظنوا أن القديم الأزلي الواجب الوجود قد يكون ممكنا بغيره يقبل العدم فإنهم جمعوا في ذلك بين كونه ممتنع العدم وكونه قابل العدم وهو إنما يقبل العدم باعتبار كون ذاته مجردة عن الموجب وهذا تقدير ممتنع فلا يقبل العدم إلا على تقدير ممتنع وما كان كذلك فقبوله للعدم ممتنع فجمعوا بين النقيضين وورد عليهم إشكالات لا جواب لهم عنها كما قد بسط في مواضع مثل الكلام على المحصل وغيره.
والمقصود هنا تمام كلامه في افتقار المحدثات إلى علة دائمة ليتبين من نفس يصححونه بالمعقول ثبوت حدوث كل ما سوى الله.
قال: "فتبين من هذا أن المعلولات مفتقرة في بيان
(2/187)

وجودها إلى العلة وكيف وقد قلنا إنه لا تأثير للعلة في العدم السابق فإن علته عدم العلة ولا في كون هذا الوجود بعد العدم فإن هذا مستحيل أن لا يكون هكذا فإن الحادثات لا يمكن أن يكون لها وجود بالطبع إلا بعد عدم فالمتعلق بالعلة هو الوجود الممكن في ذاته لا في شيء من كونه عبد عدم أو غير ذلك فيجب أن يدوم هذا المتعلق فيجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول".
قلت: هذا إشارة إلى ما قدمه قبل هذا من أن سبب الافتقار إلى المؤثر هو الإمكان لا الحدوث وليس لنا غرض هنا في كشف ذلك فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الافتقار إلى المؤثر ليس علة أصلا بل نفس المفتقر إلى المؤثر مفتقر إليه لذاته لا لوصف من أوصاف ذاته فكل ما سوى الله فإنه بذاته فقير إليه لا يتصور أن لا يكون فقيرا إليه وفقره إلى الله ليس لعلة أوجبت له أن يكون فقيرا بل فقره لذاته.
(2/188)

وأما كونه محدثا وكونه ممكنا يقبل الوجود والعدم فهذا دليل على فقره ومستلزم لفقره فإن المحدث كان معدوما وما كان معدوما لم يكن موجودا بنفسه بل بغيره وكذلك ما كان يقبل الوجود والعدم فإنه ليس له من ذاته أن يكون موجودا وهذا مثل قولنا مصنوع مخلوق ونحو ذلك فإن ذلك دليل على افتقاره وإلا ففقر الأشياء واحتياجها إلى الخالق هو لذاتها وقولنا لذاته هو بحسب ما اعتيد من الخطاب وإلا فليس لها ذات دونه توصف بفقر ولا غنى بل هو المبدع لإنياتها ولا إنية لها بدون إبداعه ولا دوام لإنياتها بدون إبداعه ولا علة لذلك أصلا كما أن وجوبه بنفسه لا علة له واستغناؤه عن غيره لا علة له.
وإذا قلنا: هو موجود بنفسه أو واجب بنفسه أو غني بنفسه فليس المراد أن نفسه جعلته موجودا أو جعلته واجبا أو جعلته غنيا بل نفس الوجود الواجب الغني هو نفسه لا أن هنا فاعلا ومفعولا وعلة معلولا وإنما يغلط في هذا من يظن أن وجوده زائد على حقيقته كأبي هاشم وطائفة من أهل الكلام ومن وافقه من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم والرازي في أحد قوليه فإنهم يجعلون الوجود الواجب معلول الذات الموصوفة كما يجعلون هم والمتفلسفة الذات الممكنة قابلة للوجود المتصفة به ويجعلون الوجود صفة للذات الموجودة.
وهذا يقوله تبعا لهم طوائف من نظار أهل السنة كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير منهم كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره والمتكلم بهذا
(2/189)

إما أنه توسع في العبارة أو زل في الفهم وإلا فالذي عليه حذاق النظار من متكلمي أهل السنة وغيرهم أن الموجود في الخارج هو الحقيقة الموجودة في الخارج ليس هناك شيئان: أحدهما: وجود هو جوهر أو عرض والثاني: حقيقة موجودة متصفة بهذا.
ولفظ الوجود قد يعنى به المصدر إما مصدر وجد يجد وجودا أو مصدر أوجده الله او مصدر وجدته أجده وجودا.
لكن ليس المراد في هذا المقام مسمى المصادر فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه لهم وهذا عند الأكثرين هو فعل غير المخلوقين وعند كثير من النظار الخلق هو المخلوق.
وأما مصدر وجدت الشيء أجده كما في قوله تعالى: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} (سورة النور 39) فهذا فعل قائم بالواجد كالرؤية والمعاينة ونحو ذلك وليس مرادهم بقولهم هذا موجود هذا مرئي معاين وإن كان أصل اللفظ أخذ من هذا فإن ما كان ثابتا في نفسه كان بحيث يجده الواجد أي يراه ويعاينه بخلاف المعدوم المنفي فسمي ما هو بحيث يجده الواجد موجودا لكن إذا قالوا وجد فمرادهم أنه حصل وكان ولا يلحظون أن غيره وجده وإن كان لفظ الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله فإذا كان المراد أنه كان وحصل فمعلوم أن كونه وحصوله مصدر كان يكون وحصل يحصل لكن هو إذا صار كائنا وحاصلا فالكائن الحاصل هي حقيقته الموجودة ليس هناك هذا الكائن الحاصل وجود قائم به بعد كونه غير حقيقته الموجودة.
(2/190)

إذا تبين هذا فقولنا: مفتقر لذاته لا يريد به أن هناك ذاتا غير الموجودة ثابتة في الخارج هي الموصوفة بالفقر وإنما يسوغ هذا عند من يقول المعدوم شيء وحقيقته زائده على الوجود في الخارج وإنما المقصود بذلك أن هذا الموجود المخلوق في الخارج هو فقير محتاج فنفس حقيقته التي هي الموجودة هي الفقيرة وإذا قدر أن هناك وجودا زائدا عليه أو وجوده الذي هو مصدر فكل ذلك فقير محتاج كما أن نفسه الموجودة فقيرة محتاجة كما أن الرب غني بنفسه الموجودة وهذا المخلوق موصوف بالفقر والحاجة قبل أن يوجد وبعد أن وجد.
أما قبل وجوده فالمراد بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بالخالق فلا يصير موجودا بنفسه وأما بعد الوجود فالمراد بذلك أنه ما صار موجودا ولا يدوم وجوده ولا صار له حقيقة ولا تدوم له حقيقة إلا بالخالق.
وإذا قلنا: لا يكون موجودا فقد أخبرنا عن شيء تصورناه قبل وجوده وهذه هي ما يتصور في الذهن منه.
ولا ريب أن الذين قالوا: المعدم شيء والذين قالوا: إن ماهية الشيء زائدة على وجوده وجدوا الفرق بين ما هو ثابت في الذهن وما هو ثابت في الخارج.
وهذا فرق صحيح فإن المعاني الذهنية ليست هي الحقائق
(2/191)

الخارجية لكن توهموا أن هذه المعاني الذهنية ثابتة في الخارج وهذا غلط وهذا مبسوط في موضعه.
وإذا كان كل ما سوى الله مفتقرا إليه لذاته والحدوث والإمكان مستلزمان لفقره دالان عليه فهل يتصور إمكان بلا حدوث هذا محل نزاع فجمهور العقلاء من الأولين والآخرين أهل الملل قاطبة وأئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه يقولون إن الإمكان والحدوث متلازمان وخالف في ذلك ابن سينا وموافقوه فزعموا أن الممكن قد يكون قديما أزليا واجبا بغيره.
والمقصود هنا أن ابن سينا ذكر أنه يجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول فما دام المعلول دامت عليته كذلك ما دامت العلة دام معلولها.
قال: "فإذ قد اتضح هذه المقدمات فلا بد من واجب الوجود وذلك أن الممكنات إذا وجدت وثبت وجودها كان لها علل لثبات الوجود ويجوز أن تكون تلك العلل علل الحدوث بعينها إن بقيت مع الحادث ويجوز أن تكون عللا أخرى ولكن مع الحادثات وتنتهي لا محالة إلى واجب الوجود إذ قد بينا أن العلل لا تذهب إلى غير نهاية ولا تدور".
(2/192)

قال: "وهذا في ممكنات الوجود التي لا تفرض حادثة أولى وأظهر".
قال: "فإن تشكك متشكك وسأل فقال إنه لما كان إنما يثبت الممكن الحادث بعلة وتلك العلة لا تخلو إما أن تكون دائما علة لثباته أو حدث كونها علة لثباته فإن كانت دائما علة لثباته وجب أن لا يكون الممكن حادثا وقد وضعناه حادثا فإن حدث كونها علة لثباته فيحتاج أيضا كونه علة لثباته والنسبة التي له إليه إلى علة أخرى لثباته بعد العلة المحدثة لهذه النسبة فإن النسبة التي بينهما قد كانت بسبب ما فيجب أن يدوم ويبقى بسبب والكلام في الأخرى كالكلام في الأولى فهذا بعينه يوجب وضع العلل الممكنة الحادثة معا بلا نهاية".
(2/193)

قال: "نقول في جواب هذا إنه لولا تسبب شيء من شأن ذلك الشيء أن يكون حدوثه بلا ثبات أو ثباته على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فيلزم منه انتهاء علل محدثة ومثبتة إلى علل أخرى في زمان آخر يناقض تلك أو يزيد عليها تأثيرا حادثا من غير تشايع آنات بل مع بقاء كل علة ومعلول ريثما يتألف إلى الآخر لكان هذا الاعتراض لازما".
قال: "فأما هذا الشيء فهو الحركة وخصوصا المكانية وخصوصا المستديرة".
قلت: من هنا يتبين المقصود فإن هذا الاعتراض لازم لا محيد عنه وما ذكره من الجواب في غاية الفساد وذلك أن صاحب الاعتراض قال ثبات الحادث لا بد له من علة دائمة كما تقدم فإن كانت تلك العلة القديمة دائمة وجب كون المحدث بها قديما معها لا حادثا فإن حدث كونها علة فذاك أيضا حادث فيلزم أن تكون علية ذلك الحادث حادثة ثانية ثم علية ثبات تلك العلة الحادثة يقتضي علة حادثة ثالثة وهلم جرا.
(2/194)

والعلة يجب أن تكون مع المعلول فهذا يقتضي تقدير علل ممكنة حادثة معا بلا نهاية وهو ممتنع.
وهذا الاعتراض مستقيم سواء قيل إن علة الحدوث هي علة الثبات أو قيل للثبات علة غير علة الحدوث وذلك أن علة الحدوث لا بد أن تكون حادثة أيضا فإنها لو كانت قديمة لزم صدور الحادث عن العلة القديمة وهذا ممتنع فإن تلك العلة إما أن تكون دائما علة لحدوثه فيلزم أن يكون المحدث غير محدث بل دائما وإما أن تكون حال كونه علة لحدوثه ثم حدوث كونها علة لحدوثه هو أمر حادث والقول فيه كالقول الأول فلا بد أن تكون له علة حادثة فهذه حوادث في آن واحد لأن علية العلة يجب أن تكون مع المعلول.
وأما الجواب الذي ذكره فمقصوده به أنه لولا الحركة لكان هذا الاعتراض لازما فإن الحركة تحدث بلا ثبات أو تثبت على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فلزم بها انتهاء العلل المحدثة والمثبتة إلى علل أخر في زمان آخر.
ومضمون هذا أن كون الشيء علة لحدوث شيء أو لثباته وإن كان حادثا فيسبب حدوثه الحركة المتصلة والحركة المتصلة تحدث عللا أخر في زمان آخر لتلك الكليات فلا تزال العلة باقية بهذا السبب.
(2/195)

فيقال: هذا الجواب باطل من وجهين:
أحدهما: أن الكلام في حدوث هذه الحركة الحادثة كالكلام في حدوث غيرها سواء كانت طبيعية أو قسرية أو إرادية لا سيما وهم يقولون هي إرادية.
وقد قال بعد هذا: "وأما الحركة الإرادية فإن عللها أمور إرادية ثابتة واحدة كأنها كلية تنحو نحو الغرض الذي يحصل من التصور أولا فهو محفوظ بعينه ثابت وإرادة بعد إرادة بحيث يتصور بعد بعد بعد وأين بعد أين معين كحركة بعد حركة ويكون كل ذلك على سبيل التجدد لا على سبيل الثبات ويكون هناك شيء واحد ثابت دائما وهو الإرادة الثابتة ها هنا الكلية كما كانت الطبيعة في الطبيعة وأشياء تتجدد وهي تصورات جزئية وإرادات مختلفة كما يكون في الطبيعة اختلافات مقادير القرب والبعد ويكون جميعها على سبيل الحدوث".
(2/196)

قال: "ولولا حدوث أحوال على علة باقية بعضها علة لبعض على الاتصال لما أمكن أن كون حركة فإنه لا يجوز أن يلزم عن علة ثابتة أمر غير ثابت".
قال: "وأنت تعلم من هذا أن العقل المجرد لا يكون مبدأ جزء الحركة بل يحتاج إلى قوة أخرى من شأنها أن تتجدد فيها الإرادة وتحيل الأينات الجزئية وهذا يسمى النفس وأن العقل المجرد إذا كان مبدأ الحركة فيجب أن يكون مبدءا آمرا متمثلا أو متشوقا أو شيئا مما أشبه هذا فأما مباشر للتحريك فكلا بل يجب أن يباشر التحريك بالإرادة ما من شأنه أن يتغير بوجه ما فيحدث منه إرادة بعد إرادة على الاتصال وقد أشار المعلم الأول في كلامه في النفس إلى أصل ينتفع به في هذا المعنى إذ قال إن لذلك أي العقل النظري الحكم العقلي وأما لهذا فالأفعال الجزئية
(2/197)

والتعقلات الجزئية أي العقل العملي وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء".
قلت: فقد بين أن العلة الثابتة لا يلزمها أمر غير ثابت وأن الحركة لا تحدث إلا بحدوث تصورات وإرادات جزئية وحينئذ فيقال الكلام في حدوث تلك التصورات الجزئية والإرادات الجزئية التي تحدث عنها الحركة كالقول في حدوث الحركة وليس فوقها عندكم إلا أمر ثابت لا يحدث والأمر الثابت لا يلزم أن يحدث عنه أمر غير ثابت ولا يلزم الثابت أمر غير ثابت وهذا يلزم منه أن لا يكون للحوادث محدث أصلا أو لا يكون تمام علة حدوثها حاصلة بل تحدث حوادث متصلة من إرادات وتصورات وليس هناك إلا أمر ثابت والثابت لا يلزم عنه أمر غير ثابت.
فهذا مما يبين بطلان قولهم ومن وجه آخر هو أنه إذا كانت العلة الثابتة لا يلزم عنها أمر غير ثابت فواجب الوجود عندكم علة ثابتة فلا يلزم عنها أمر غير ثابت بل أمر ثابت وإذا كان هذا الذي يلزم عنها فلا يلزم عنه إلا ثابت فالمعقول ثابت والنفس في ذاتها ثابتة فلا يلزم عن ذلك إلا أمر ثابت والتصورات والإرادات المتعاقبة والحركة الحادثة عنها أمر غير ثابت وليس هناك علة لا علة ثابتة ولا علة غير ثابتة.
(2/198)

وهذا تصريح بأن الحوادث تحدث بلا علة وأين تقريره من أن الحوادث بعد الحدوث لا بد لها من علة لثباتها وقد أنكر على من قال يكفيها علة الحدوث وقوله يستلزم أن لا تكون للحوادث علة لحدوثها ولا لثباتها.
ومما يبين هذا انه قد ذكر عن المعلم الأول كلاما ارتضاه وهو قوله إن للعقل النظري الحكم العقلي وأما العقل العملي فله الأفعال الجزئية والتعقلات الجزئية.
قال: "وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء" وإذا كان كذلك فمعلوم أن أعمالنا الحادثة بإراداتنا الجزئية وتعقلاتنا الجزئية لا تحصل إلا بسبب يقتضي ذلك وإلا فمجرد العقل الكلي لا يوجب ذلك لكن هم يقولون إن سبب تغيرات تصوراتنا وإراداتنا هي سبب لحدوث الحوادث مطلقا وهو الحركة الفلكية ولم يتكلم هنا في سبب حدوث الحركة الفلكية المقتضية لتغيرنا إذ لم يكن هناك إلا شيء ثابت دائم إلا عقل كلي وإرادة ثابتة واحدة كلية فأين سبب حدوث هذه الإرادات والتعقلات المتعاقبة التي هي سبب حدوث الحوادث كلها في السموات والأرض؟
وأيضا فقد قال بعد ذلك: "فقد بان إذاً أن شيئا ثباته على
(2/199)

سبيل الحدوث وهو الحركة وأن له علة إنما تكون علة بالفعل لتجدد بعد تجدد يعرض من حالها على الاتصال أو يكون لها ذات باقية متغيرة الأحوال ولولا أنها متغيرة الأحوال لم يحدث عنها تغير ولولا أنها دائمة باقية لم يحدث عنها اتصال التغير وعلى أنه لا بد للتغير من حامل باق سواء كان تغير المؤثر حين يؤثر أو تغير المتأثر فقد انكشفت الشبهة المسئول عنها إذ ظهر أن علل إثبات الحادثات تنتهي إلى علل أولى لها ثابتة الذوات متبدلة الأحوال تبدلا يكون سبب كل ما تجدد وتلك الذات الثابتة مع الحال المعلولة لتلك الذات بسبب أمر آخر مؤد إلى الحال الثابتة التي تصير الذات بها علة لما تجدد ثانيا".
(2/200)

فيقال لهذا: فهذا يقتضي أن العلل الأولى متبدلة الأحوال وتبدل أحوالها هو من الأمور الحادثة فلا بد من بيان سبب حدوثه وإلا فالعلل الثابتة لا يصدر عنها أمور غير ثابتة فهذا أحد الوجهين:
الوجه الثاني: أن يقال هب أن الحركة سببها أحوال حادثة لهذه الذات لكن العلة يجب أن تكون مع المعلول فإذا كان المعلول ثابتا وجب أن تكون علته ثابتة والحركة منقضية والأحوال التي عنها الحركة وهي التصورات الجزئية والإرادات الجزئية منقضية لا يثبت منها شيء فيجب كما كان معلولها حادثا لا قديما أن يكون أيضا زائلا بزوالها لا ثابتا.
وإن قلت بإثبات علية بأمر حادث غير ذلك الأمر الأول.
قيل: الحادث الحركة المتوالية كما لا تكون ثابتة لا يكون علتها ولا معلولها ثابتا فكما أن الثابت لا يلزم عنه غير ثابت فغير الثابت لا يلزم عنه ثابت بل المعلول مساو للعلة في الثبات وعدم الثبات.
فالقوم كما أنهم أثبتوا حوادث لا تحدث أصلا فأثبتوا ثبوت ثابتات بلا مثبت أصلا فحقيقة قولهم إنه ليس للحوادث محدث ولا للباقيات مبق وهو إنكار المبدع للممكنات وللحوادث فهذا اللازم مذهب القوم لا محيد عنه.
(2/201)

فإن قيل: هم يقولون إن تلك الأحوال لها محرك أول فهذا هم متفقون عليه كما ذكره أرسطو وأتباعه.
وقد ذكره ابن سينا فقال: "فصل في أن المحرك الأول كيف يحرك وأنه محرك على سبيل الشوق" قال: "والذي يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد واشتياق فهو الغاية والغرض الذي إليه ينحو المتحرك هو المعشوق والمعشوق بما هو معشوق هو الخير عند العاشق".
قال: "ولا بد أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته ليس من شأنه أن ينال وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار الإمكان".
قال: "والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل حال تكون للشيء دائما ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي
(2/202)

بالعدد فحفظ بالنوع والتعاقب فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن ومبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه ويتبع ذلك من الأحوال والمستفاد من المقادير الفائقة ما يتشبه فيه بالأول من حيث هو مفيض الخيرات لا أن يكون المقصود تلك الأشياء فتكون الحركة لأجل تلك الأشياء بل أن يكون المقصود هو التشبه بالأول بقدر الإمكان في أن يكون على أكمل الأمور في نفسه وفيما يتبعه من حيث هو تشبه بالأول لا من حيث هو يصدر عنه أمور
(2/203)

بعده فتكون الحركة لأجل ذلك المقصود الأول والتشبه به وتعقل ذاته في كمالها الأبدي وذلك يوجب البقاء الأبدي على أكمل ما يكون لجوهر الشيء في أحواله ولوازمه".
إلى أن قال: "فعلى هذا النحو يحرك المبدأ الأول جرم السماء".
قال: "وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا أن المعلم الأول إذا قال إن الفلك متحرك بطبعه فماذا يعني أو قال إنه متحرك بالنفس فماذا يعني أو قال إنه متحرك بقوة غير متناهية يحرك كما يحرك المعشوق فماذا يعني وأنه ليس في أقواله تناقض ولا اختلاف".
قلت: فهذا الذي قالوه يقتضي أن الأول إنما يحرك الأفلاك الحركة الإرادية الشوقية كما يحرك المعشوق لعاشقه تحريك المتشبه به لا لأنه محبوب معبود لذاته ومعلوم أن هذا غايته أنه تحريك من جهة كونه محبوبا مرادا لا من جهة كونه فاعلا ومبدعا وهذا كتحريك الطعام للآكل
(2/204)

والشراب للشارب وكتحريك حسن المرأة لزوجها حتى يجامعها وتحريك الروائح الطيبة للشام حتى يشمها وتحريك كل شائق مطلوب مراد لمن طلبه وأراده واشتاق إليه وكل محبوب لمن أحبه.
ومعلوم أن المطلوب المحبوب المراد ليس هو الفاعل المحدث لنفس القوة التي بها يشتهي ولا لنفس الشهوة ولكن وجوده سبب في أن هذا المريد أراد ذلك وفعله وهو سبب غائي لا سبب فاعلي والسبب الغائي هو سابق في التصور والقصد من غير أن يكون له وجود في الخارج وفي الحقيقة فإنما يحرك المحب العاشق الطالب ما في نفسه من تصور المطلوب وقصده ولهذا يكون قبل وجود المطلوب في الخارج بل إذا كانت ذات المحبوب تراد لفعل يتعلق بها كأكل الطعام وشرب الشراب والمتعة بالمرأة نظرا ومباشرة وجماعا ونحو ذلك فالمطلوب بهذه الأفعال هي العلة الغائية فكيف إذا كان المطلوب هو التشبه بالمحبوب لا فعل يتعلق به فليس هو هنا فاعلا شيئا من التصورات والإرادات الحادثة في نفس المحب ولا لشي من أفعاله التي يتشبه فيها بالمحب فقد تبين أن الذي قالوه لو كان صحيحا لم يكن فيه إثبات فاعل لشيء من الحوادث لا العلوية ولا السفلية بل ولا إثبات مبدع لشيء من الممكنات.
وأيضا فالمعلم الأول وأتباعه لم يثبتوا أن الفلك ممكن بذاته واجب بغيره ولا أنه معلول علة مبدعه وإنما جعلوا علة حركته وجود الأول
(2/205)

الذي يتشبه به وإنما تكلم في الوجود والواجب والممكن وما يتبع ذلك ابن سينا الذي اشتق ذلك من كلام المتكلمين من المسلمين.
وحينئذ فيقال لهؤلاء: هذا الفلك الذي يتحرك هذه الحركة الشوقية إما أن يكون ممكنا بذاته مفتقرا إلى مبدع يبدعه وإما أن يكون واجبا بذاته فإن كان الأول لزم أن يكون مبدعه يحركه وإن من أبدع ذاته فهو على إبداع حركاته أقدر وحينئذ فليس لكم أن تتكلفوا طريقا في إبداع حركاته فإن حركاته إذا كانت إرادية جاز أن يكون المحرك له ملائكة يحركونه بإرادات فيهم وجاز أن تكون تلك الإرادات عبادات لله لا لأجل التشبه بالله ولا طلب ما لا يدرك فإن كلامهم في مقصود الفلك بحركته يشبه كلام الصبيان إذ كان مقصود الفلك أن يتحرك دائما حركة ليس فيها مقصود إلا إخراج أيون وأوضاع يعلم أنه لا يمكنه إخراجها بمنزلة من تدور طول الزمان حول مكان لأن الكمال أن أتحرك من الأزل إلى الأبد وأنا لا يمكنني ذلك فأدور ما يمكنني من الدوران في هذا المكان فهذا بفعل المجانين أشبه منه بفعل العقلاء.
(2/206)

وإن كان الفلك واجبا بنفسه ليس له مبدع لزم أن يكون واجب الوجود بنفسه مفتقرا إلى علة تحركه لا سيما وقد قالوا إنه لا قوام له إلا بالمحرك الأول وما كان كذلك كان مفتقرا إلى غيره لا واجبا بنفسه فإن الواجب بنفسه لا بد أن يكون غنيا عن غيره فإذا جعلوه واجبا بنفسه مفتقرا إلى غيره فقد جمعوا بين النقيضين وإذا كان مفتقرا إلى غيره لزم أن يكون مربوبا مدبرا فيلزم النوع الأول.
وأيضا فإن كان واجب الوجود لزم أن يجوز على واجب الوجود الحركة باختياره وإذا كان كذلك فقولوا هذا في الأول ولا حاجة إلى هذا.
وأيضا فيلزم أن يكون الواجب الوجود جسما متحيزا تقوم به الحوادث وحينئذ فلا يمتنع أن يكون الأول كذلك.
وأيضا فقد قلتم: إن الثابت لا يلزم عنه أمر غير ثابت والأول ثابت وحركة الفلك غير ثابتة وإرادته وتصوراته غير ثابتة فيجب أن لا تكون لازمة عن الأول فلا يكون الأول علة بحال.
ومما يبين هذا أن يقال: حركة الفلك سواء كانت إرادية أو غير إرادية لا بد لها من علتين علة فاعلة وعلة غائية كسائر الحركات وأنتم لم تثبتوا لها لا علة فاعلة ولا علة غائية فإن ما ذكرتموه من الغاية يمتنع أن يكون مقصود العاقل الذي لا يزال يدور من الأزل إلى الأبد.
وأيضا فيقال: إذا كان الحادث لا بد له من علة حادثة فأن تكون العلة مع المعلول لا يجوز أن تتقدم عليه بدون المعلول ولا أن تتأخر عنه
(2/207)

بدون المعلول فلا توجد إلا معه وحركات الفلك حادثة لزم أن يكون لها علل حادثة تكون معها حادثة والفلك وما فيه معلول لغيره فلا بد لما يحدث فيه من مؤثر منفصل عنه والكلام في ذلك المؤثر كالكلام في غيره فلا بد من إثبات المؤثر الواجب الوجود بنفسه ويمتنع أن يكون تأثيره موقوفا على غيره لئلا يلزم الدور أو التسلسل فيجب أن يكون هو المحدث لهذا كله ويمتنع أن يكون محدثا للحركة اليومية في الأزل لامتناع وجودها في الأزل فكل حركة يومية فإنها لا توجد إلا مقارنة لمؤثرها التام فإذا ليس في الأزل مؤثر تام لشيء من الحركات ويمتنع وجوده في الأزل معها وبدونها فيمتنع كونه أزليا على التقديرين.
أما قدمه معها فلا يكون قديما مع مجموعها ولا مع حركة يومية بعينها لامتناع كون هذا أزليا ولا مع حركة بعد حركة.
أما أولا فلأن المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ولا يعقل ذلك في شاهد ولا غائب سواء قيل إنه فاعل بمشيئته أو فاعل بغير مشيئته فكيف إذا كان فاعلا بمشيئته؟!
فقوله: الفاعل إن كان موجبا بذاته جاز أن يقارنه مفعوله خطأ مخالف لما عليه جماهير عقلاء بني آدم من الأولين والآخرين من أهل الملل والفلاسفة وإنما قال هذا شرذمة من الفلاسفة وإنما يعقل هذا في مستلزم ليس بفاعل كالذات المستلزمة للصفات وأما المفعول فلا يكون مقارنا للفاعل ألبتة كما قد بسط في موضع آخر.
(2/208)

وأما ثانيا: فلأنه إذا قدر قديما مفعولا فإن المقتضي له في الأزل لا بد أن يكون مؤثرا تاما له في الأزل مستلزما له بذاته في الأزل إذ لولا ذلك لم يكن أزليا لامتناع وجود قديم إلا بنفسه أو بموجب لقدمه والمقتضي لقدمه الذي هو مؤثر تام فيه لا يجوز أن يفعل ما هو متحرك دائما لأن المعلول يجب أن يناسب العلة فيمتنع وجود ما لم يزل متحركا عما لا حركة فيه بحال لأن نسبته إلى كل جزء من الحركات واحد في جميع الأوقات فتخصيص بعض الأوقات ببعضها دون بعض مع كون الموجب على حال واحدة في جميع الأوقات ممتنع وإن جوز هذا جاز أن يصدر عنه الفعل بعد أن لم يكن صادرا عنه ولأن العالم يشتمل على أنواع مختلفة فصدورها عن واجب بسيط ممتنع سواء قيل هي حادثة بواسطة أو بغير واسطة إذ الواسطة إن كان واحدا لزم أن يصدر عنه مختلف وإن لم يكن واحدا فقد صدر عن البسيط ما هو مختلف.
وقول القائل: إنه أبدع الثاني بتوسط الأول لا يدفع هذا فإنه إذا قيل صدرا عنه معا لزم صدور المختلف المتعدد وإن كان أحدهما شرطا في الآخر وإن قيل بل أحدهما صدر عن الآخر لزم صدور المختلف عن البسيط ضرورة.
وأيضا فالفلك الثاني مكوكب كثير الكواكب ففيه أمور كثيرة مختلفة وليس فوقه إلا ما هو بسيط عندهم يمتنع أن تصدر عنه المختلفات فكيفما قدروا ظهر ضلالهم.
وإن قالوا: فالرب تقوم به الحوادث كما يقوله كثير من أساطينهم
(2/209)

قيل: فعلى هذا يكون القول بقدم العالم أبعد فإنه يمكن حدوثه على هذا التقدير.
وأيضا فالذات هنا إنما تفعل بواسطة لا بقدرتها والفعل لا يكون إلا حادثا فيمتنع أن يكون مفعوله قديما فإن المفعول لا يتعدد فعله فلو كان المفعول قديما لزم أن يكون قبل فعله وهو ممتنع.
فإن قيل: فعلى هذا القول تكون الذات مستلزمة لما يقوم بها شيئا بعد شيء فكذلك القول في حوادث الفلك.
قيل: الفرق بينهما أن الذات واجبة الوجود بنفسها ما هي عليه من الصفات والأحوال لا يقف شيء من ذلك عليه فإذا قيل إنها مقتضية للثاني بشرط انقضاء الأول لم يمتنع بخلاف المعلول الممكن الذي ليس له من نفسه شيء فإنه مفتقر في نفسه وصفاته وأحواله إلى غيره وغيره هو الخالق لذلك كله فإذا قدر الخالق واحدا بسيطا لا تقوم به صفة ولا فعل امتنع أن تكون ذاته علة للأمور المتغيرة المتكثرة أعظم مما يمتنع أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا إذ العلة إن لم يكن فيها تغير ولا تكثر امتنع وجود ذلك في المعلول كما أنها إذا كان فيها تغير وتكثر امتنع أن يكون المعلول واحدا بسيطا لما بين المعلول والعلة من المناسبة.
ولهذا قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهو صحيح ولكن تقديرهم الأول بسيط لا يصدر عنه فعل تقدير باطل وكذلك
(2/210)

تقديرهم أنه صدر عنه واحد بسيط تقدير باطل فلهذا كثر التناقض والخطأ في أقوالهم وكثر رد الناس عليهم وتجهيلهم لهم في الإلهيات ومتى سلموا ما سلمه الأساطين الأول بحدوث الصفات والأفعال فإن امتناع مقارنة شيء من المفعولات له أزلا وأبدا أظهر منه على التقدير الأول فيمتنع على التقديرين أن يكون حين اقتضائه إياه مؤثرا في حركة بعد حركة بل لما تقدم من أن المؤثر في الحركة يجب أن يقارنها لا يتقدم عليها فالمؤثر التام فيه يجب أن يقارنه فيكون قديما والمؤثر التام في حركة بعد حركة حين تأثيره فيه وقبل تأثيره فيه وبعد تأثيره أما قبله فممتنع فإن القديم ليس قبله شيء وأما بعده فممتنع لأنه حينئذ يلزم أنه حين قدمه لم تكن فيه حركة.
والتقدير أنه مستلزم للحركة ولأنه يستلزم أن يكون المؤثر الأول صار مؤثرا بعد أن لم يكن بدون سبب أوجب ذلك وهذا ممتنع لأن غيره لا يؤثر فيه وأما مع تأثيره فيه فممتنع أيضا لأنه حينئذ على هذا التقدير لا يكون مؤثرا إلا في حادث بعد حادث بل يكون تأثيره في كل حادث بعد تأثيره في الحادث الآخر مع أنه على حال واحدة مع جميع الحوادث.
ووجود الفلك مع جميع حوادثه فممتنع لأنه قد صارت فيه الحوادث فلو حدثت بعد أن لم تكن لافتقرت إلى محدث يحدثها وذلك يقتضي أن المحدث لها حدث أو حدث إحداثه لها في حين إحداثها
(2/211)

لأن المعلول لا تتقدم عليه علته والقول في حدوث إحداث الإحداث كالقول في حدوث الإحداث وهلم جرا وذلك يستلزم تسلسل علل حادثة في آن واحد ليس فيها علة واجبة وذلك ممتنع فامتنع أن تكون فيه الحوادث بعد أن لم تكن وهم يسلمون ذلك وامتنع أن لا تزال فيه لامتناع موجب لها فامتنع أن تكون علة موجبة لفلك مع حوادثه بدون حوادثه وهو المطلوب.
وأيضا فيقال لابن سينا وأتباعه إنكم عدلتم عن طريقة سلفكم في إثبات العلة الأولى عن طريقة الحركة إلى طريق الوجود وقلتم نحن نبين أن وجود الواجب بنفس الوجود لا يفتقر إلى إثباته بالحركة ثم في آخر الأمر أثبتم العلة الأولى بالحركة حركة الفلك كما أثبتها قدماؤكم فإن كانت هذه الطريق صحيحة فلا تعاب ولا يعدل عنها وإن كانت باطلة فلا تسلك.
وإن قيل: هي صحيحة وتلك صحيحة.
قيل: لا يحصل المراد لا بهذه ولا هذه فإن هذه إنما تثبت علة غائية وليس فيها إثبات مبدع للعالم وطريقة الوجود إنما فيها إثبات موجود واجب لا يتعين أن يكون هو الأول الذي يحرك الفلك بل ولا فيها إثبات مغايرته للفلك بل ولا إثبات لوجوده مباينا للعالم إن لم يضموا إلى ذلك طريقة نفي الصفات بنفي ما سموه تركيبا وذلك باطل على ما قد بسط في موضعه وهو باطل أيضا وإن قدر نفي الصفات لأن ذلك
(2/212)

يستلزم بسيطا لا صفة له ولا فعل وذلك يمتنع أن تصدر عنه الأمور البسيطة ا 4 لمتغيرة وأيضا تمتنع مقارنة المفعول للفاعل.
وإن قلتم بمجموع الأمرين يحصل المقصود.
قيل: ولا يحصل بمجموع الطريقين أيضا لأن الوجود الواجب الذي أثبتموه لا حقيقة له في الخارج فضلا عن أن يكون هو الأول ولا في أدلتكم الصحيحة ما يمنع أن يكون هو الأول والذي أثبته أولئك لا يقتضي أن الفلك ليس بواجب الوجود بنفسه وهذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا أنه من نفس كلامهم يتبين نقيض مطلوبهم والله أعلم.
واعلم أن حقيقة قول هؤلاء القوم في أفعال السموات شر من قول القدرية في أفعال الحيوانات ومن أقوال الطبائعية في الطبيعيات مع فساد قول الطائفتين وذلك أن القدرية يقولون إن الله خالق الحيوان وخالق قدرته التي يقدر بها على الخير والشر لكنه يرجح أحدهما باختياره الذي أنشأه من غير أن يحدث ذلك أحد وهو إنما يختار هذا على هذا لحبه إياه فالأمور التي يحبها هي محركة له كما جعل هؤلاء الأول محركا للفلك وهؤلاء جعلوا حركة الفلك اختيارية وتصوراته التي أحدثها هو من غير أن يحدث ذلك أحد لكن لم يثبتوا أن الفلك وقوته من خلق
(2/213)

الخالق كما نفى ذلك القدرية في الحيوان وأما الطبائعية فإنهم يثبتون في الأجسام الطبيعية قوة هي مبدأ الحركة ولكن يجعلون فوقها أمرا آخر أحدثها ويثبتون حدوث الأسباب مع حدوث المسببات وهؤلاء يجعلون الحركة الفلكية متجددة دائما من غير حدوث أمر يقتضي حدوثها وقولهم شر من قول المجوس الذين قالوا بالأصلين اللذين أحدهما يحدث الخير والآخر يحدث الشر سواء قالوا إن فاعل الشر قديم أو محدث وذلك لأن المجوس جعلوا الخير الحادث من الإله القديم الفاعل للخير وهؤلاء لم يثبتوا أن الله أحدث شيئا لا خيرا ولا شرا فإنه لا موجب للحوادث عندهم إلا حركة الأفلاك والأفلاك تتحرك بما يحدثه من التصورات والإرادات من غير أن يكون الله فاعل شيء من ذلك على قولهم.
وأيضا فالمجوس إما أن يجعلوا فاعل الشر قديما آخر فيكونوا قد أخرجوا بعض الحوادث عن خلق الرب وإما أن يكونوا قد جعلوه حادثا فيكونون فيه كالقدرية وقول القدرية خير من قول هؤلاء وقد علم أن كل حادث فلا بد له من محدث وأن كون الحيوان صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا لا بد له من مرجح ومحدث وإلا لو كان حاله وهو فاعل كحاله حين ليس بفاعل لزم الترجيح بلا مرجح فلا بد أن يحدث له عند الفعل ما به يصير فاعلا وذلك الحادث إن كان منه فالقول فيه كالقول في الأول وكالقول في سائر الحوادث وذلك يستلزم حدوث الحادث بلا
(2/214)

محدث وهو ممتنع وإن قيل بالتسلسل لزم تسلسل المؤثرات وهو ممتنع فلا بد أن ننتهي إلى الخالق.
وهذا مما يسلمه الفلاسفة ويحتجون به على المعتزلة فهي حجة عليهم هنا وهو أن يقال كون الفلك متحركا لا بد له من محدث لحركته ونفس التشبه به لا يوجب إحداثا للحركة فيجب أن يكون هو المحدث لها ويمتنع أن يكون محدثا للشيء قبل حدوثه فيجب أن يكون محدثا لكل جزء جزء من الحركة عند حدوثه والفلك مستلزم للحوادث فلا بد له في كل آن من يحدث الحادث فيه ويمتنع في القدم إحداث حادث فيه فيمتنع قدمه لأن القدم لا يكون فيه حادث معين ولا جملة الحوادث بل القدم يتضمن أنه دائم بدوام موجبه فيلزم أن يكون موجبه موجبا لحوادثه شيئا بعد شيء والموجب بذاته المستلزم لمعلوله لا يوجب شيئا بعد شيء بل يكون موجبه لازما له دائما ولأن ذلك يستلزم وجود يتغير يقتضي لزوم ما يتغير بما لا يتغير وكونه مفعولا له وهو ممتنع.
وأيضا فإذا كانت حركات الأفلاك اختيارية ولا موجب للحوادث إلا هي لزم أن يكون المدبر للعالم أربابا متعددة كل منها حي قادر مريد وقدماؤهم يسمونها الآلهة والأرباب وهذا ممتنع لأن الاثنين إذا اشترطا فإما أن يجب اتفاقهما أو يجوز اختلافهما فإن وجب اتفاقهما بحيث لا يجوز أن يريد أحدهما إلا ما يريد الآخر ولا يقدر أن يريد ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله فقدرتهما إما أن تكون من غيرهما وإما أن تكون منهما
(2/215)

فإن كانت منهما لزم أن لا يكون كل واحد منهما قادرا إلا بإقدار الآخر له وذلك دور ممتنع فلا يكون واحد منهما قادرا وإن كانت قدرتهما من غيرهما فهما لا يقدران على الإرادة والفعل إلا بإقدار من فوقهما لهما وذلك يستلزم أن يكون فوق الأفلاك من يجعلها قادرة فاعلة وذلك هو ربها فثبت بذلك كون الأفلاك مربوبة وحينئذ يمتنع قدمها كما تقدم.
وإن جاز اختلافهما لزم تمانعهما والتمانع يقتضي عجز كل من المتمانعين وأن فعله مشروط بتمكين الآخر له وحينئذ فالعاجز لا يحدث الحوادث بل فوقه قادر يدبره فيلزم أن لا يحدث في العالم حادث عنهما فثبت على كل تقدير أن الأفلاك ليست هي نفسها محدثة للحوادث فبطل قول من يجعلها هي المحدثة لحوادث العالم ويجعلها أربابا آلهة.
وأيضا فكل من المخلوقات له وحدة تخصه كالإنسان الواحد والفرس الواحد والشجرة الواحدة ولا يجوز أن يكون المحدث له اثنين فصاعدا لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل التعاون.
أما الأول فمتناقض ممتنع من نفسه فإن استقلال أحدهما يناقض مشاركة الآخر فضلا عن استقلاله.
وأما الثاني فلأن المتشاركين في عمل الأبدان يتميز كل واحد منهما عن عمل الآخر فأما الواحد فيمتنع أن يكون بين اثنين ألا ترى أن البنائين والخياطين والحايكين والكاتبين والحارثين وحاملي الخشبة وكل متشاركين لا بد أن يتميز فعل كل واحد منهما عن فعل الآخر كما قال تعالى: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} (سورة المؤمنون 91) .
(2/216)

وإذا كان الواحد لا يتميز فيه فعل واحد عن فعل آخر امتنع أن يكون مشتركا بين اثنين بل كان خالقه واحدا فمن لم يجعل حدوثه إلا للأفلاك والكواكب المتحركة ونحو ذلك كان قوله باطلا.
وأيضا فقولهم إن العقل الفعال أفاض صور العالم إذا استعدت.
يقال لهم: هذا الذي فاض عنها جوهر او عرض فإن كان عرضا كفيضان الشعاع عن الشمس والضوء عن السراج ونحو ذلك فالمحدثات الحيوان والنبات والمعدن وروح الإنسان جواهر لا أعراض وإن كان الفائض جوهرا قائما بنفسه فهذا إنما يعرف إذا انفصل من الأول شيء كالماء الفائض ونحو ذلك ولكن قد يكون سببا لحدوث شيء آخر.
ومعلوم أن الأجسام تختلط ويمتزج بعضها ويستحيل من حال إلى حال وتلك الحركة عندهم من تحريك الفلك وحدوث الامتزاج الحاصل بالاستحالة تابع لحركة الأجسام لا يتميز أحدهما عن الآخر فلا يكون فاعل هذا غير فاعل هذا حتى يقال التحريك بالأفلاك والامتزاج من العقل الفعال بل فاعل التحريك والخلط هو فاعل المزج والاختلاط وهذا مستلزم لهذا وفعل الملزوم بدون اللازم محال.
وهؤلاء يقولون: الأفلاك إذا تحركت تحركت العناصر فامتزجت فتستعد لقبول الصور التي تفيض عليها من العقل الفعال وهذا كلام لا حقيقة له وذلك أنه إذا نزل الماء على التراب فصار طينا فالذي خلط هذا بهذا هو الذي جعل ذلك طينا ولا يجوز أن يكون هذا غير هذا لأنهما لا يختلطان إلا ويصيرا طينا وفعل الملزوم بدون اللازم ممتنع
(2/217)

فلو قيل إن فاعل الاختلاط غير جاعلهما طينا لقيل إن فاعلا فعل الملزوم بدون لازمه الذي لا يمكن وجوده بدونه وذلك ممتنع.
ويوضح ذلك أنا إذا قدرنا فاعلين ليس أحدهما ملازما للآخر أمكن وجود هذا أو فعله بدون هذا وفعله فيلزم وجود الاختلاط بدون الطين أو الطين بدون الاختلاط وذلك ممتنع وإن جعلا متلازمين امتنع كون كل منهما واجب الوجود بنفسه واستغناؤه عن غيره ولزم افتقار كل منهما إلى غيره وأن لا يوجد إلا بوجود ذلك الغير وحينئذ فيجب أن يكون لهما فاعل مباين لهما وإلا لزم الدور الممتنع وهو الدور في المؤثرات وهو الدور القبلي لأنه يلزم كون هذا مؤثرا في وجود هذا فلا يوجد إلا به وهذا مؤثر في وجود هذا فلا يوجد إلا به.
وأما الدور المعي الاقتراني فذاك إنما يكون في الآثار كالأبوة مع البنوة وكلاهما أمر الإيلاد وأما المؤثرات وشروط التأثير فيمتنع أن يكون الشيئان كل منهما مؤثرا في الآخر أو شرطا في تأثير الآخر فإذا كان شيئان واجبان بأنفسهما كل منهما له تأثير في وجود الآخر بحيث يكون شرطا في وجوده لزم أن لا يوجد واحد منهما حتى يوجد شرط وجوده والتقدير أنه ليس هناك غيرهما ليكون هو الموجد لشرط الوجود بل هذا هو شرط وجود هذا وهذا شرط وجود هذا فلا يوجد واحد منهما وهذا مما يبين أن ليس في العالم ما هو واجب الوجود بنفسه بل الواجب هو واحد مباين للعالم.
يوضح هذا أن وجود كل منهما مفتقر إلى إيجاد الآخر فإن هذا من باب الدور القبلي لأن الموجد قبل الإيجاد لم يكن من باب الدور المعي والدور المعي لا يكون إلا في مفعولين أو في الأمور المتلازمة التي لا تفتقر إلى فاعل لصفات الباري تعالى.
(2/218)

وأيضا فإن قوله بنفي الصفات في غاية الفساد واعتبر ذلك بقول فاضلهم ابن سينا فإن ما في كلامه من المستقيم أخذه من المسلمين وما فيه من ضلال فمن أصحابه أو منه وربما قرنه بما يأخذه من كلام المعتزلة وقولهم أيضا بنفي الصفات باطل فإنه أثبت علمه للأشياء بأنه مبدأ فيعقل نفسه ولوازم نفسه إذ العلم بالملزوم يستلزم العلم باللازم.
وهذه الطريقة إذا بينت على وجهها فهي مأخوذة من قوله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (سورة الملك 14) ليس من كلام أئمته ولا عند أرسطو من ذلك خبر بل أرسطو نفي علمه بالأشياء مطلقا وأما كلامه في نفي الصفات فإنه قال في النجاة: "فصل في تحقيق وحدانية الأول بأن علمه لا يخالف قدرته وإرادته وحياته في المفهوم بل ذلك كله واحد لا يتجزأ لأجل هذه الصفات ذات الواحد المحقق فالأول يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل أنه كيف يكون بذلك النظام لا يعقله وهو مستفيض كائن موجود وكل معلوم الكون وجهة الكون عن مبدئه عنده مبدؤه وهو خير غير مناف وهو تابع الخيرية ذات المبدأ وكمالها المعشوقين لذاتهما فذلك الشيء مراد لكن ليس مراد الأول على نحو مرادنا حتى يكون له فيما يكون
(2/219)

عنه غرض بل هو لذاته مريد هذا النحو من الإرادة العقلية المختصة وحياته هذا بعينه فإن الحياة التي عندنا تكمل بإدراك فعل هذا التحريك ينبعثان عن قوتين مختلفتين وقد قدم أن نفس مدركه وهو ما يعقله عن الكل هو سبب الكل وهو بعينه مبدأ فعله وذلك إيجاد الكل فمعنى الحياة منه وأخذه منه هو إدراك وسبيل إلى الإيجاد فالحياة منه ليس مما يفتقر إلى قوتين مختلفتين ولا الحياة منه غير العلم".
قال: "وكذلك القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ للكل لا مأخوذا عن الكل".
فيقال: هذا الكلام من أفسد ما يعقل العقلاء بطلانه وإن كان هذا التلخيص الذي لخصه ابن سينا لم يصل إليه أحد من سلفه الفلاسفة بل هم أجهل من أن يصلوا إلى هذا.
وذلك أن يقال: أولا ذاته هي نفس أن يعقل النظام أم لا؟ فإن قيل: هو هي لزم أن تكون ذاته هي نفس العلم الذي هو مصدر وصفة ومعنى قائم بغيره والعلم مع العالم هو صفة مع الموصوف كالعرض مع الجوهر ومن
(2/220)

المعلوم أن ذاته قائمة بنفسها وإثبات عقل لها ليس هو إياها.
وأيضا فذاته هي نظام الخير أم لا والأول ممتنع لأن ذاته ليست هي النظام الموجود في الممكنات ولأنه قد فرق بين ذاته وبين النظام فهذا معلوم وذاته عالمة فقد ثبت بهذا أن العالم ليس هو العلم ولا المعلوم وهذا يبطل قولهم.
وأيضا فهذا النظام الموجود في الكل هو واجب بنفسه أو ممكن؟ فالأول يوجب أن يكون الممكن هو الواجب والمبدع هو المبدع وأما الثاني فإذا كان النظام ممكنا فالموجب له ذاته أم علمه به أم مجموعهما؟ فإن كان الأول فلا حاجة إلى علمه بالنظام فتبقى ذات مجردة عن العلم وإن كان الثاني فذاته موجبة للعلم والعلم موجب للنظام فهذا ذات وعلم وهذا ينقض قوله وكذلك إذا قال المجموع.
وأيضا فنفس العلم بنفس النظام من أين صار وحده مقتضيا للنظام ومجرد العلم لا يوجب المعلوم في صورة من الصور لا في العلم النظري ولا العملي أما النظري فظاهر وأما العملي فالعلم شرط في العمل لا أنه موجب للعمل بنفسه وإلا لكان كل من تصور شيئا مما يراد يصير موجودا بنفس تصوره.
وإذا قيل: إن العلم ينقسم إلى فعل وانفعال فالعلم الفعلي غايته أن يكون شرطا في الفعل لا أنه موجب للفعل فكون العلم وحده هو الموجب للنظام قضية لم يذكر عليها دليلا بل ادعاها دعوى مجردة وإذا تصورت علم أنها فاسدة بالضرورة.
(2/221)

وأيضا فعلمه بالنظام الذي أبدعه تابع للنظام إذ لو فرض أن المبدع غير ذلك النظام كان العلم أيضا متعلقا به فيجب أن يكون سبب إبداع النظام غير العلم.
وأيضا فالعلم من شأنه أن يطابق المعلوم أي معلوم كان فلا فرق بالنسبة إلى العلم بين نظام ونظام إن لم يكن هناك سبب يقتضي تخصيص ذلك النظام دون غيره.
وأيضا فيقال: كون ذلك النظام هو النظام الأصلح أمر وجب له بنفسه أم استفاده من مبدعه؟ والأول ممتنع فتعين الثاني وإذا كان إنما استفاده من مبدعه فالموجب له ذات المبدع لا علمه بما في النظام من المصلحة إذ علمه بأن هذا نظام الخير لا يكون علما حتى يكون المعلوم نظام الخير فلا يكون العلم هو الذي جعله نظام الخير وهو في نفسه لم يكن نظام الخير بذاته لأنه يلزم أن يكون واجب الوجود فيلزم أن يكون إنما صار نظام الخير بمبدعه لا بذاته ولا بمجرد العلم وحينئذ فإذا لم يمكن صار نظام الخير بالعلم امتنع أن يصير موجودا بالعلم بطريق الأولى.
وأيضا فإذا قدر الذات عالمة بنظام الخير وهي لا تريده امتنع أن تفعله وإذا قدر أنها إرادته ولم تقدر عليه امتنع أن تفعله ومجرد العلم لا يجعل العالم قادرا ولا مريدا فتعين أنه لا بد من القدرة ومن الإرادة وليس واحدة منهما هي العلم.
وأيضا فافتقار الفعل إلى كون الفاعل قادرا أعظم من افتقاره إلى
(2/222)

كونه عالما ولهذا يثبتون الأفعال الطبيعية بقوى في الأجسام من غير علم فلو قالوا إنه يفعل بقدرة تغني عن العلم لكان خيرا من قولهم يفعل بعلم يغني عن القدرة مع أن كلاهما باطل وهذا المكان يضيق عن استيفاء بيان فساد كلامهم فإنه كلما ازداد اللبيب له تصورا وتفهما ازداد علما بفساده وتناقضه وبأن القوم من أجهل الناس بالله تعالى.
ولهذا أطبق العقلاء على اضطرابهم في العلم الإلهي حتى ابن سبعين وأمثاله يصرحون بذلك فهذا حال هؤلاء الفلاسفة وصار الذين عارضوهم بالكلام المبتدع المخالف للكتاب والسنة الذين يقولون بأن الرب كان معطلا عن الفعل والكلام أو عن الكلام ثم أحدث الكلام عمدتهم في السمع قوله كان الله ولا شيء 4 معه ليس معهم آية ولا حديث.
ثم إن هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أن القرآن مخلوق وأن الله لا علم له ولا قدرة لقوله كان الله ولا شيء معه ثم زاد فيه كثير من المتأخرين وهو الآن على ما عليه كان ومنهم من يظن أن هذا من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أن هذا لم يروه أحد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ويحتج طائفة بهذا على أن الله تعالى لم يستو على العرش وأنه ليس فوق العالم بقولهم وهو الآن على ما عليه كان مع أن الناس متفقون على تجرد النسب والإضافات وأنه تعالى بعد أن خلق السموات والأرض تجدد له نسب وإضافات كالمعية والعلو وغير ذلك.
(2/223)

وجاءت الاتحادية القائلون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق يقولون وهو الآن على ما عليه كان ليس معه غيره، فهذه الموجودات ليست أغيارا له ولا تعدد في الوجود ولا ثنوية ويلقنون شيوخهم العباد المشهورين أن يقولوا الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله ويقولون نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه ونحو ذلك من المقالات التي هي أعظم الكفر والإلحاد وهي عند ذاك الشيخ المعظم تحقيق التوحيد ويكتب مضمونه في ورقة ويبعثها إلى المشهورين بالعلم والذين يرقون بها المرضى.
وقد تقدم أن هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في غير موضع فرواه في أول الكتاب في كتاب العلم ولفظه: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" ولفظه في موضع آخر "ولم يكن شيء غيره" وفي موضع ثالث "ولم يكن شيء معه" والحديث واحد وذكر في مجلس واحد فالظاهر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل إلا أحد الألفاظ الثلاثة والآخران رويا بالمعنى واللفظ الثابت عنه بلا ريب هو الذي جاء في حديث آخر "ولا شيء قبله" وإذا قيل ولا شيء معه ولا غيره مع كونه أخبر عن حال كون عرشه على الماء فمراده أنه لا شيء معه من هذا الأمر المسئول عنه وهم سألوه عن أول الأمر وسياق الحديث يدل على أنه
(2/224)

أخبرهم بأول هذا العالم الذي خلق في ستة أيام لم يخبرهم بما قبل ذلك كما أن الله في القرآن إنما أخبر بذلك فالذي جاءت به السنة مطابق لما في القرآن في المستقبل أخبر تعالى بالقيامة والحسنات والجنة والنار ولم يخبر بأن العالم يعدم ويفنى بحيث لا يبقى شيء بل أخبر باستحالة العالم.
قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (سورة إبراهيم 48) وقال تعالى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} (سورة الرحمن 37) وقال تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} (سورة المعارج 8: 9) وقال تعالى: {إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً} (سورة الواقعة 4-7) وقال تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} (سورة القارعة 4 5) وقال تعالى: {ذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} (سورة التكوير 1 6) وقال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} (سورة الانفطار 1 4) وقال: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} (سورة الانشقاق 1 4) وأمثال هذه النصوص التي تبين الاستحالة والتغير على السموات والأرض والجبال وأنها تستحيل أنواعا من الاستحالة لتعدد الأوقات.
(2/225)

وكذلك أخبر بإحياء الموتى وقيامهم من قبورهم في غير موضع وقرر سبحانه معاد الأبدان بأنواع من التقرير فتارة يخبر بوقوع إحياء الموتى كما أخبر بذلك في سورة البقرة في عدة مواضع في قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} (سورة البقرة 55) إلى قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة البقرة 55-56) وقوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (سورة البقرة 73) وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} (سورة البقرة 243) وقوله: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} (سورة البقرة 259) وقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} الآية (سورة البقرة 260) وذكر إحياء المسيح الموتى وذكر قصة أصحاب الكهف ونومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين والنوم أخو الموت فهذه سبع مواضع.
ومنها إحياء الحيوان البهيم وإبقاء الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير وذكر سبحانه إمكان ذلك بخلق الحيوان وهو الخلق الأول وبخلق النبات وهو نظيره وبخلق السموات والأرض وأن القادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم فالأول بيان للوقوع وهذا بيان للإمكان.
(2/226)

وهؤلاء المتفلسفة المنكرون لمعاد الأبدان ولحدوث الأفلاك عامتهم يقولون إن المعجزات والكرامات قوى نفسانية إما قوة الإدراك والعلم وإما قوة الحركة والعمل فالإدراك هو قوة النفس التي ينال بها العلم فيجعلون ما أخبرت به الرسل وأمرت به كله استفادوه بهذه القوة من غير أن يكون هناك ملائكة هم أحياء ناطقون نزلوا عليهم بوحي ومن غير أن يكون لله كلام تكلم به خارجا عن أنفسهم ومن غير أن يكون هناك رب خلق العالم بقدرته ومشيئته يقدر على تغيير العلويات وتبديل الأرض والسموات.
وكل من فهم حقيقة قولهم وحقيقة ما جاءت به الرسل علم مناقضتهم لهم كما قيل لبعض شيوخنا الفضلاء الذين كانوا يعرفون ذلك ما بين الفلاسفة والأنبياء فقال السيف الأحمر.
بل حقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون لا بالله ولا كتبه ولا ملائكته ولا رسله ولا بالبعث بعد الموت فهم أسوأ حالا من اليهود والنصارى.
والمقصود هنا أن ابن سينا وهؤلاء بنوا أصل دينهم على أن الوجود لا بد له من واجب وأن الواجب يشترط أن يكون واحدا ويعنون بالواحد ما لا صفة له ولا قدر ولا يقوم به فعل لئلا يثبتوا له صفة كالعلم والقدرة فيكون في الوجود واجبان وهذا ضاهوا به المعتزلة حيث قالوا أخص صفات الرب أن يكون قديما فلا تكون له صفة قديمة لئلا يكون في الوجود قديمان وهي عبارة موهمة فيظن الظان أن أهل الإثبات للأسماء والصفات أثبتوا إلهين قديمين وهم إنما أثبتوا إلها واحدا لا إله إلا هو وهو
(2/227)

موصوف بصفاته التي يستحقها وهو سبحانه قديم بصفاته القديمة والصفة القديمة لا يجب أن تكون مثل الموصوف القديم ولا تكون إلها كما أن صفة الإنسان المحدث لا يجب أن تكون مثل الموصوف المحدث ولا تكون إنسانا وكذلك صفة النبي لا يجب أن تكون نبيا.
وكذلك إذا قيل من أثبت الصفات فقد أثبت واجبين وتعدد الواجب ممتنع كان موهما أن المثبتن أثبتوا إلهين واجبين بذاتهما وإنما أثبتوا إلها واحدا واجبا بنفسه له صفات لازمة له واجبة بوجوبه لا يقبل العدم والتعدد الممتنع في الواجب إنما هو تعدد الإله كما أن التعدد الممتنع في القديم إنما هو تعدد الإله القائم بنفسه لأن ذلك هو تعدده.
والمسلمون يقولون كما قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (سورة البقرة 163) والتوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له وهو متضمن لشيئين: أحدهما القول العلمي: وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص وتنزيهه عن أن يماثله احد في شيء من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله أحد في شيء من الكمال كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} (سورة الإخلاص) فالصمدية تثبت له الكمال والأحدية تنفي مماثلة شيء له في ذلك كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع.
والتوحيد العملي الإرادي: أن لا يعبد إلا إياه فلا يدعو إلا إياه
(2/228)

ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف إلا إياه ولا يرجو إلا إياه ويكون الدين كله لله قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (سورة الكافرون) .
وهذا التوحيد يتضمن أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا شريك له في الملك فجاءت الجهمية ومن شاركهم في النفي فأدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهو في الحقيقة تعطيل مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول وأخذ ذلك هؤلاء الملاحدة فزادوا في النفي.
وكانت الجهمية تقول الواحد هو الذي لا ينقسم وهذا لفظ مجمل فإن الله تعالى منزه عن قبول التفريق والتبعيض ولكن مقصودهم بذلك نفى الصفات كما يقولون الواحد الذي لا تركيب فيه ومعلوم أن التركيب الذي هو التركيب المعقول منتفي عن الله فإن التركيب المعقول هو أن يكون اثنان مفترقين فيركبهما غيرهما ثم إن تركبا بأنفسهما كان تركبا لا تركيبا لكن هو أعظم امتناعا في حق الله وكل ما يعقل الناس أنه مركب فهو هذا وهو يمتنع في حق الباري بضرورة العقل واتفاق العقلاء.
وما يقولونه من تركيب الجسم من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة فهو منتف عند جمهور العقلاء في الأجسام المخلوقة فكيف لا يكون منتفيا عن الباري تعالى وما يقولونه من تركيب الأعيان من وجود وماهية هو أيضا منتف عند جمهور العقلاء عن المخلوقات فانتفاؤه عن الخالق أولى.
(2/229)

وما يقولونه أيضا من تركيب الأنواع من الصفات الذاتية الداخلة فهي في ماهيتها المقومة لها المشتركة المميزة هو منتف أيضا عند جمهور العقلاء عن المخلوقات فكيف يكون الخالق؟!
وأما اتصاف الرب تعالى بصفات كماله فهذا ليس تركيبا في المخلوقات والواحد منها إذا قيل إنه موجود حي عليم قدير لم يكن في هذا تركيب يعقل أنه تركيب كما يعقل تركيب الكل من أجزائه وإذا سموا هذا تركيبا اصطلاحا لهم أو توهموه تركيبا ظنا منهم لم يكن لفظهم ووهمهم موجبا لأن ينفي عن الرب ما يستحقه من صفات كماله ويوجب أن يثبت وجودا مطلقا لا حقيقة له إلا في الأذهان وأي موجود قدر في الأذهان كان أكمل منه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
والمقصود هنا أن هؤلاء القائلين بقدم العالم وإن أقروا بمبدع العالم فقولهم بالحجة التي يثبتون عليها إثبات مبدع العالم حجة ضعيفة بل قولهم مستلزم لنفي الصانع وهذا كان المشهور عند أكثر أهل الكلام عن القائلين بقدم العالم أنهم ينكرون الصانع وأكثر كتب المتكلمين ليس فيها نقل عن القائلين بقدم العالم إلا إنكار الصانع ولكن الذين نقلوا كلام ابن سينا وأمثاله هم الذين صاروا يحكون عنهم قولين أحدهما إنكار الصانع والآخر القول بوجوب العالم عن علة موجبة له ولبسوا بهذا على بعض الناس لكن القول بنفي الصانع أعظم فسادا في العقول والأديان من قولهم.
(2/230)

وقد بسطنا الكلام على طرق الناس في إثبات الصانع في غير هذا الموضع وبينا كثرة الطرق في ذلك وأن القرآن جاء بأكمل الطرق في ذلك وتكلمنا على قول من قال إن الإقرار بالصانع فطري ضروري ومن قال إنه نظري استدلالي ومن قال إنه تارة يكون فطريا ضروريا وتارة يكون نظريا استدلاليا وذكرنا ما يذكر في ذلك من المقدمات التي لا يحتاج إليها في أصل الاستدلال وإنما يحتاج إليها من عرضت له الشبهة التي يحتاج إلى إزالتها فتكون الحاجة إلى تلك المقدمة عارضة بحسب حال بعض الناس ليست لازمة لكل من عرف الصانع أو استدل على وجوده فهي من عوارض طريق المعرفة لا من لوازم طريق المعرفة.
وهذا مثل إبطال الدور والتسلسل وغير ذلك فإن الناس في هذا الباب تنوعت مسالكهم فمن الناس من سلك في العلم بإثبات الصانع طريقة يزعم أنه لا يمكن معرفته إلا بها كما يفعل ذلك كثير من أهل النظر والكلام ثم تلك الطريقة قد تكون صحيحة مع طولها واختصارها أو قد تكون باطلة وآخرون يقولون كل ما ذكره الناس من الطرق النظرية والمسالك الاستدلالية في هذا الباب فهو بدعة وضلال لا يحتاج إليه ولا ينتفع به.
وتحقيق الأمر أن الأدلة المذكورة نوعان حق وباطل والحق نوعان أحدهما فيه تطويل لا يحتاج إليه كل أحد والباطل مذموم مطلقا.
والتطويل الذي يذكر على سبيل الحاجة إليه مع أنه يمكن الاستغناء عنه مذموم أيضا.
(2/231)

وأما التطويل الذي قد ينتفع به بعض الناس أو يحتاج إليه بعضهم فإذا ذكر على هذا الوجه فهو حسن وإن كان يستغني عنه بعض الناس.
والنوع الثاني من الأدلة ما هو صحيح مذكور على أقرب الطرق فهذا حق لا عيب فيه وليس هذا موضع تفصيل الكلام في هذا فإن هذا أعظم من أن يكون تبعا لغيره.
والمقصود هنا التنبيه على أن هؤلاء القائلين بأن العالم معلول لعلة مبدعة وأن معجزات الأنبياء قوى نفسانية هم شر من أكثر المشركين وعباد الأصنام ومما يبين ذلك أن هؤلاء لا يقولون إن العبادات التي شرعتها الرسل إنما غايتها إصلاح خلق الإنسان فإن حكمتهم كحكمة سائر الناس نوعان علمية وعملية والعملية هي إصلاح سياسة الخلق والمنزل والمدينة ويزعمون أن الشرائع مقصودها هو هذا وهو السياسة المدنية والمنزلية والخلقية.
وقد تقدم أنا لا ننكر ما في قولهم من الحق بل ننكر عليهم ما في قولهم من الباطل وننكر عليهم زعمهم أن لا حق فيما جاءت به الرسل إلا ما ذكروه فننكر تصديقهم بكثير من الباطل وتكذيبهم بكثير من الحق ولا ريب أن فيما جاءت به الرسل إصلاح أخلاق الناس وإصلاح منازلهم في عشرة الأهل والأزواج وغير ذلك وإصلاح المدائن بالسياسة العادلة الشرعية لكن هذا كله جزء من مقاصد الرسل وهؤلاء الفلاسفة إنما قالوا هذا لأن الله عندهم لا يجيب دعاء داع ولا يحدث ثوابا لعابد مطيع وليس للنفوس بعد المفارقة عندهم ثواب منفصل عنها
(2/232)

ولا عقاب منفصل عنها ولا يقوم الناس من قبورهم عندهم بل الدعاء عندهم هو تصرف النفس في هيولي العالم والعمل الصالح ثوابه عندهم ما يحصل للنفوس من الهيئة الصالحة والنعيم بعد الفراق عندهم هو نفس تنعمها بما يحصل لها من العلم مع أن في أقوالهم أنواعا من الفساد فإن كمال الإنسان عندهم أن يصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود يتمثل فيه صورة الوجود على ما هو عليه.
ثم إنهم يجعلون ذلك هو العلم بالوجود المطلق والمطلق إنما هو في الأذهان لا في الأعيان ويقولون الفلسفة الأولى هي العلم بالوجود ولواحقه فيقسمون الوجود إلى واجب وممكن وجوهر وعرض والجوهر خمسة أنواع والعرض تسعة أنواع ونحو ذلك وهذا كله علم بأمور كلية مطلقة لا وجود لها إلا في الذهن فليس هو علما بنفس أعيان الحقائق الموجودة في الخارج وليس في شيء من هذا علم بالله ولا ملائكته ولا بأنبيائه بل ولا بسمواته وأرضه فإن العلم بهذه عندهم من العلم الطبيعي لا من علم ما بعد الطبيعة.
فهم ضلوا من وجوه منها ظنهم أن النفس كمالها في مجرد العلم وأن العبادات الشرعية مقصودها تهذيب الأخلاق ورياضة النفس حتى تستعد للعلم فإن هذا باطل قطعا وذلك أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية قوة الشعور والعلم والإحسان وقوة الحب والإرادة والطلب والعمل فالنفس ليس كمالها في أن تعلم ربها فقط بل في أن
(2/233)

تعرفه وتحبه وإلا فإذا قدر أن النفس تعرف الواجب وهي تبغضه وتنفر عنه وتذمه كانت شقية معذبة بل هذا الضرب من أعظم الناس شقاء وعذابا وهي حال إبليس وفرعون وكثير من الكفار فإنهم عرفوا الحق ولم يحبوه ولم يتبعوه وكانوا أشد الناس عذابا.
بل حب الله تعالى هو الكمال المطلوب من معرفته وهو من تمام عبادته فإن العبادة متضمنة لكمال الحب مع كمال الذل وهذا حقيقة دين إبراهيم الخليل عليه السلام إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة النحل 120) والأمة هو الذي يؤتم به كما أن القدوة هو الذي يقتدى به كما قال في الآية الأخرى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} (سورة البقرة 124) وإبراهيم الخليل هو الذي عادى هؤلاء كالنمرود وغيره.
فنفس عبادة الله وحده ومحبته وتعظيمه هو من أعظم كمال النفس وسعادتها لا أن سعادتها في مجرد العلم الخالي عن حب وعبادة وتأله وقول هؤلاء من جنس قول جهم وأتباعه الذين يجعلون الإيمان مجرد علم النفس أو تصديقها ولا يجعلون حبها وغير ذلك من أعمالها من الإيمان وقد بينا فساد قول هؤلاء في غير موضع.
وهؤلاء المتفلسفة جمعوا الشر كله فقول جهم بن صفوان الذي عظم السلف الإنكار عليه جزء من قولهم بل المشركون الذين جعلوا مع الله أندادا يحبونهم كحب الله خير من هؤلاء الفلاسفة فإن أولئك أثبتوا محبة الله فجعلوها من كمال الإنسان لكن ضلوا حيث أحبوا مع الله غيره
(2/234)

فكانوا مشركين وهؤلاء معطلون لم يثبتوا محبة له لا خالصة له ولا مشتركة مع غيره ولهذا لا يعبدونه بقلوبهم إذ العبادات عندهم إنما مقصودها إعداد النفس لمجرد العلم الذي يزعمون أنه الغاية عندهم.
وكذلك الجهمية لا تجد في قلوبهم من محبة الله وعبادته ما في قلوب عباده المؤمنين بل غاية عابدهم أن يعتقد أن العباد من جنس الفعلة الذين يعملون بالكراء فمنتهى مقصوده هو الكراء الذي يعطاه وهو فارغ من محبة الله والفلاسفة تذم هؤلاء وتحتقرهم كما ذكرنا كلامهم في ذلك في غير هذا الموضع لكن هؤلاء خير منهم في الجملة فإنهم يوجبون العبادة ويلتزمونها ويعتقدون لها منفعة غير مجرد كونها سببا للعلم بخلاف الفلاسفة والمتصوفة والمتفلسفة فإن عبادتهم مقصودها الكشف والتأثير كما يذكره أبو حامد وأتباعه ومما يبين أمر هذا أنهم يقولون إن الله يلتذ ويبتهج وهذا وإن كان قد أنكره طوائف من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام ومن اتبعهم فالسلف والأئمة وأهل السنة مقرون بما جاء به الكتاب والسنة من محبة الله وفرحه ورضاه وضحكه ونحو ذلك وما يثبتون من الحق فهو داخل في هذه المعاني لكن أهل السنة يعبرون بالعبارات الشرعية فيجمعون بين كمال المعنى واللفظ وموجب العقل والشرع.
وهؤلاء المتفلسفة أخطأوا من وجه آخر حيث قالوا اللذة إدراك الملائم من حيث هو ملائم وهذا غلط فإن اللذة ليست هي الإدراك ولكن الإدراك سببها فهي حاصلة عنه كحصول الصوت عن الحركة والشبع عن الأكل وذلك أن الإنسان يشتهي الطعام فيأكله فيلتذ به هنا ثلاثة أشياء شهوة وإدراك ولذة فليست اللذة هي نفس الأكل
(2/235)

والذوق وإنما هي أمر آخر يحصل بالأكل والذوق وهو أمر يجده الإنسان من نفسه فلا يعبر عنه بعبارة بمعنى أبين منه وكل حي يجد في نفسه اللذة والألم وهؤلاء القوم من عادتهم أنهم يجعلون المعاني المتعددة شيئا واحدا فيجعلون العلم والقدرة والإرادة شيئا واحدا بل يجعلون العلم هو العالم والقدرة هي القادر فكذلك جعلهم اللذة هي الإدراك وفي موضع آخر يجعلون الشيء الواحد أشياء متعددة كما يجعلون الحقائق الموجودة في الخارج شيئين ويجعلون صفاتها اللازمة لها ثلاثة أشياء مقومة داخلة فيها ولازمة لماهيتها.
ومما يبين ذلك أن اللذة لا تكون إلا مع محبة فما لا يكون محبوبا لا يكون في إدراكه لذة وحب الشيء زائد على التصور المشروط في محبته فكذلك اللذة به زائدة على الإدراك المشروط في اللذة.
وإذا تبين هذا علم أن الرب تعالى موصوف بالعلم والحب والفرح والرضا وغير ذلك مما جاء به الكتاب والسنة والعبد كماله في أن يعرف الله فيحبه ثم في الآخرة يراه ويلتذ بالنظر إليه.
كما في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة".
وفي حديث عمار بن يسار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللهم إني أسألك
(2/236)

لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة" رواه النسائي وغيره.
والمقصود هنا أن النفس ليس كمالها في مجرد علم بالله لا يقترن به حب لله ولا عبادة له ولا غير ذلك بل لا تصلح وتكمل إن لم تحب الله وتعبده.
وأيضا فلو قدر كمالها في مجرد العلم فليس هو العلم بوجود مطلق وأمور كليات تقوم بنفسه وهذه هي العقليات التي يجعلونها كمال النفس لا سيما على رأي ابن سينا وموافقيه الذين يزعمون أن الأمور المعينة الشخصية لا تدرك إلا بجسم أو قوة في جسم والنفس عندهم ليست كذلك فلا تدرك شيئا من المعينات الموجودة في الخارج وهذا مما نفوا به كون الباري تعالى يعلم المعينات الموجودة المسماة بالجزئيات فهو عندهم لا يعلم إلا أمرا مطلقا كليا وكذلك النفس ومعلوم أن الموجودات الخارجة ليست كلية فلا يكون العلم بتلك المطلقة المجردة عن التعيين علما بموجود في الخارج فليس هذا علما حقيقيا مطلوبا بالقصد الأول وإنما العلم الحقيقي المطلوب بالقصد الأول هو العلم بالموجودات الخارجة الثابتة في نفسها.
وأيضا فالعلم الذي تكمل النفس به لا بد أن يتضمن العلم بالله وهم لا يعرفون الله بل إنما يعرفون وجودا مطلقا لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان فهم إنما جعلوا العبادات لأجل إصلاح الأخلاق بناء
(2/237)

على أن المقصود بالقصد الأول إنما هو تكميل النفس بهذا العلم وأن تهذيب الأخلاق ورياضة النفس تعد النفس لذلك والعبادات تعين على ذلك فإذا بين فساد الأصل الذي بنوا عليه كلامهم تبين فساده من أصله.
وأيضا فقد علم بالاضطرار من النقل المتواتر والتجارب المعروفة أن الأعمال الصالحة توجب أمورا منفصلة من الخيرات في الدنيا وأن الأعمال الفاسدة توجب نقيض ذلك وأن الله تعالى عذب أهل الشرك والفواحش والظلم كقوم عاد وثمود ولوط وأهل مدين وفرعون بالعذاب المنفصل والمشاهد الخارج عن نفوسهم وأكرم أهل العدل والصلاح بالكرامات الموجودة في المشاهدة وهذا أمر تقر به جميع الأمم فكيف يقال إن العبادات والطاعات ليس مقصودها إلا ما يوجد في النفس من صلاح الخلق؟.
وأيضا فقد تبين بما تقدم أن الله تعالى فاعل مختار يفعل بمشيئته وقدرته وأنه يجيب دعاء عباده المؤمنين وأنه يخرق العادات بأمور خارجة عن القوى الطبيعية والنفسانية المعلومة وهذا مما يبين تأثير العبادات والطاعات في الخارج.
ومما يبين فاسد قولهم أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل الدنيا وأن الرسل لم تبين للناس حقائق الأمور بل أظهرت خلاف ما أبطنت بناء على أن الحق في نفس الأمر هو قول الفلاسفة.
وهذا إذا ظهر للناس أنكرته الفطر وكذب به الناس ولم يبق عندهم إله يخشى ويعبد ولا رب يصلى له ويسجد قالوا فالرسل
(2/238)

ما كان يمكنهم إظهار الحق الذي هو قولنا فأظهرت للناس من التمثيلات ما ينتفعون به وكانت في الباطن تعتقد ما تعتقده الفلاسفة ولهذا يقولون إن الخواص تسقط عنهم العبادات كما يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية والفلاسفة وملاحدة المتصوفة وغيرهم قالوا لأن المقصود العلم والمعرفة فإذا حصل المقصود لم يبق في العبادة فائدة.
ويقولون إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسر إلى خواص أصحابه ما يوافق قولهم ومن عرف حال نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحال أصحابه معه علم بالاضطرار أن هؤلاء مخالفون له مناقضون مفترون عليه وأنهم من شرار المنافقين فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخواص أصحابه كانوا من أعبد الناس لله وأعظمهم إتيانا بأداء الواجبات وترك المحرمات وكان خواص أصحابه من أعظم الناس تقريرا لما بعث به من الإخبار عن الله بأسمائه وصفاته وعن ملائكته وعن اليوم الآخر وغير ذلك من أخباره ومن أعظم الناس تقريرا لما بعث به من الأمر والنهي فكان ما يبطنونه من العلم والحال موافقا لما يظهرونه من القول والعمل ولم يكونوا يبطنون ما يناقض ظاهرهم ولا كانوا يعتقدون مذهب أهل النفي بل قول نفاة الصفات إنما حدث في الأمة بعد انقضاء عصر الصحابة وكبار التابعين وإلا فلم يكن احد يتكلم في زمن الصحابة بشيء من أقوال الجهمية نفاة الصفات فكيف بأقوال هؤلاء الملاحدة الذين نفى الصفات بعض إلحادهم؟!
ولهذا تنازع الناس في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة
(2/239)

أم لا؟ فقالت طائفة من السلف كيوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك الثنتان وسبعون فرقة هم الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وأخرجوا الجهمية من أن تكون من الثنتين وسبعين فرقة وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
وبكل حال فالجهمية حدثوا في الإسلام بعد حدوث هذه البدع الأربعة فأما الصحابة والتابعون فمتفقون على إثبات ما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صفات الله واليوم الآخر والعبادات الشرعية واعلم أن النصارى واليهود خير من هؤلاء من وجوه متعددة فيما يتعلق بالاعتقادات والعبادات والاعتقاد يدخل عندهم في الحكمة النظرية والعبادات في الحكمة العملية.
والمقصود هنا الحكمة العملية فإن اليهود والنصارى يقرون بالعبادات وبأن الله هو المستحق للعبادة ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل لكن بدلوا بعض ما جاءت به الرسل ولم يتبعوا الناسخ من شرائعهم فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر بعد التبديل والنسخ للكتاب الأول وليس في أصل دين اليهود والنصارى سقوط فعل العبادات الشرعية عن أحد ولا حل المحرمات الشرعية لأحد.
(2/240)

وهؤلاء لما ظنوا أن كمال الإنسان في أن يعرف الوجود فقط وظنوا أن ما ذكروه يحصل به معرفة الوجود ظنوا أن العارف منهم لا تجب عليه العبادات الشرعية ولا تحرم عليه المحرمات الشرعية حتى صار المثل يضرب بهم فيقول المترسل في رسائله: "إنهم استحلوا حرمتي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع".
ولهذا صارت الملاحدة الباطنية تسلك هذا المسلك فيسقطون الواجبات الشرعية عن البالغين منهم ويبيحون لهم المحرمات الشرعية والملاحدة الباطنية من الصوفية سلكوا نوعا من هذا وإن كانوا لا يصلون إلى إلحاد ملاحدة الإسماعيلية ونحوهم من المنتسبين إلى التشيع مع اتفاق الشيعة المسلمين على أنهم كفار وهؤلاء الطوائف براء من الحنيفية ملة إبراهيم بل من أتباع المرسلين كلهم.
فإن الله تعالى أرسل الرسل ليدعوا الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (سورة الذاريات 56) وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء 25) وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (سورة النحل 36) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة 21) .
وأخبر عن كل نبي أنه دعا قومه إلى ذلك فقال عن نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (سورة الأعراف 59) وقال عن هود
(2/241)

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (سورة هود 50) وكذلك سائرهم وأمثال ذلك فكمال الإنسان وصلاحه وسعادته في أن يعبد الله وحده لا شريك له وهذه ملة إبراهيم التي قال الله فيها: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (سورة البقرة 130) وقال: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 112) .
وهذا هو الإسلام العام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو الذي لا يقبل من أحد دينا غيره لا من المتقدمين ولا من المتأخرين.
قال تعالى عن نوح: {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة يونس 71: 72) .
وقال تعالى عن إبراهيم: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (سورة البقرة 130 132) .
(2/242)

وقال تعالى عن موسى: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} (سورة يونس 84) وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} (سورة المائدة 44) .
وقال تعالى في قصة بلقيس: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة النمل 44) .
وقال تعالى عن الحواريين: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (سورة المائدة 111) فهؤلاء السعداء الكاملون من نوح إلى الحواريين على الإسلام.
وكذلك الإيمان قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 62) .
فبين اتصاف السعداء من هذه الأصناف الأربعة بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وقد ذكر في سورة الحج ست ملل فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (سورة الحج 17) فهنا لما ذكر فصله بينهم يوم القيامة ذكر الملل الست وهناك لما ذكر
(2/243)

السعداء لم يذكر إلا الملل الأربع فإن المجوس والمشركين ليس منهم من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا بل كلهم كفار.
والقرآن بين أن السعداء هم الذين اتبعوا الرسل ولا يكون الكامل إلا سعيدا وأن الأشقياء هم المخالفون للرسل فإنما يعذب الله في الآخرة من يخالف الرسل كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (سورة الإسراء 15) وقال تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} (سورة الملك 8 9) وأمثال هذه النصوص.
وقد قال تعالى في خطابه لإبليس: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (سورة ص 85) فأقسم أنه لابد أن يملأها منه ومن أتباعه فدل ذلك على أنه لا يدخلها إلا من اتبع الشيطان إذ لو دخلها غيرهم لامتلأت من هؤلاء وهؤلاء وهو خلاف النص.
ولهذا لما تنازع الناس في أطفال الكفار فطائفة جزمت بأنهم كلهم في النار وطائفة جزمت بأنهم كلهم في الجنة كان الصواب الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهو قول أهل السنة أنه لا يحكم فيهم كلهم بجنة ولا بنار بل يقال فيهم كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء قيل: يا رسول الله أفرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين"
(2/244)

وكذلك ثبت هذا في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد جاء في آثار أخرى أنهم يمتحنون يوم القيامة وجاءت بذلك أحاديث صحيحة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا كالمجنون والشيخ الكبير الأصم الذي أدركه الإسلام وهو أصم لا يسمع ما يقال ومن مات في الفترة وأن هؤلاء يؤمرون يوم القيامة فإن أطاعوا دخلوا الجنة وإلا استحقوا العذاب وكان هذا تصديقا لعموم قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (سورة الإسراء 15) وبذلك استدل أبو هريرة على أن أطفال الكفار لا يعذبون حتى يمتحنوا في الآخرة
(2/245)

وقد قال تعالى في حق السعداء: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} (سورة الحديد 21) فبين أن الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسله وقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} (سورة طه 123-126) فبين أن من اتبع الهدى الذي جاء من عنده وهو ما جاءت به الرسل فإنه لا يضل ولا يشقى بل يكون من المهتدين المفلحين كما قال تعالى في نعتهم: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة البقرة 2 4) ولهذا قال في الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} .
فأهل الغضب والضلال هم أهل الشقاء والضلال وهم الذين قيل فيهم: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} (سورة القمر 47) وهم ضد أهل الهدى والفلاح فأهل الهدى الذي يتضمن العلم والسعادة هم المتبعون للكتاب المنزل فمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كاليهود والنصارى لم يكن من هؤلاء فكيف بمن لم يؤمن بالكتاب بل هو ممن
(2/246)

قيل فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} (سورة غافر 69 72) إلى قوله في آخر السورة: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (سورة غافر 83) ولهذا قال بعض أهل العلم: "إن هذه الآية تتناول الفلاسفة".
وحقيقة الأمر أن المتفلسفة نوعان: نوع معرضون عما جاءت به الرسل بعد بلوغ ذلك لهم وقيام الحجة عليهم بما جاءت به الرسل فهؤلاء كفار أشقياء بلا ريب ومن كان منهم مؤمنا بما جاءت به الرسل ظاهرا وباطنا فهذا مؤمن حكمه حكم أهل الإيمان لكن لا يمكن مع هذا أن نعتقد ما يناقض الإيمان من أقوالهم بل نوافقهم في الأقوال التي توافق أقوال الرسل أو في أقوال لا تتعلق بالدين لا نفيا ولا إثباتا من الأمور الطبيعية والحسابية.
وأما من وافقهم على أقوالهم المخالفة لما جاءت به الرسل مع تعظيمه للرسل ولنواميسهم وإيجابه لأتباعهم كالفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام فهؤلاء آمنوا ببعض ما جاء به الرسل وكفروا ببعض وهم يشبهون اليهود والنصارى من هذا الوجه لكن هؤلاء بإيمانهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير من اليهود والنصارى واليهود والنصارى بإيمانهم بجنس ما اتفقت عليه الرسل من عبادة الله وحده والإيمان باليوم الآخر والقيامة الكبرى ومعاد الأبدان وإيجاب العبادات الشرعية وتحريم المحرمات الشرعية والتصديق
(2/247)

بحقيقة الملائكة وكلام الله هم خير منهم إلا من كان من اليهود والنصارى على مذهب الفلاسفة وهذا اجتمع فيه نقص الكفر من وجهين وهو أسوأ حالا من هؤلاء وهؤلاء.
فالسعادة مشروطة بشرطين بالإيمان والعمل الصالح بعلم نافع وعمل صالح بكلم طيب وعمل صالح وكلاهما مشروط بأن يكون على موافقة الرسل كما قال أبي بن كعب رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر جلده من خشية الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجر وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير عن اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم إن كانت اجتهادا أو اقتصادا على منهاج الأنبياء وسننهم.
وهؤلاء ظنوا أن الكمال ليس إلا في العلم وأن العمل إنما هو وسيلة فقط ثم خرجوا في العلم والعمل عن منهاج الأنبياء وسننهم وإذا كانت النصارى لكونهم أدخلوا في عبادتهم نوعا من الشرك والبدع خرجوا عن الحنيفية إذ كانت الحنيفية أن لا نعبد إلا الله وحده وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع والنصارى كما قال الله تعالى فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (سورة التوبة 31) وقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ
(2/248)

اللَّهِ} (سورة الحديد 27) ولهذا قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (سورة الملك 2) قال: "أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة".
فإذا كانت النصارى على هذه الحال فكيف بهؤلاء الذين هم أضل منهم فإن ما عند هؤلاء من الحكمة هو جزء مما عند النصارى فإن السياسة الخلقية والمنزلية والمدنية داخلة في دين النصارى الذين ابتدعوا بعضه ولم ينزل الله به وكسر الشهوة والغضب جزء من عبادة الرهبان وكذلك الزهد في المال والرئاسة جزء من حال الراهب الناقص الكافر فكيف يكون هذا هو مقصود العبادة والزهد الذي جاءت به الشريعة؟
وهؤلاء رأوا أن النفس لها قوتان قوة علمية وقوة عملية والقوة العلمية نوعان قوة الحب والبغض والشهوة من الحب والغضب من البغض فبالشهوة تجلب المنفعة والغضب لدفع المضرة وصلاح الجميع بالعدل فجعلوا الحكة العملية في هذه الأربع في العلم والعدل والعفة والشجاعة أو الحلم فالعفة اعتدال قوة الشهوة والحلم أو الشجاعة اعتدال قوة الغضب.
وهذا الذي ذكره جزء من العمل الذي أمرت به الرسل وما ذكروه مع هذا أمر مجمل فإن العلم له أنواع كثيرة والشهوة
(2/249)

والغضب يحتاج معرفة صلاحهما والعدل فيهما إلى تفصيل لا يكفي فيه هذا الإجمال وكذلك العدل فلا ريب أنه لا بد في سلوك الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من إصلاح حال هذه القوى.
(2/250)

لكن ما ذكروه فيه قصور وتقصير من وجوه:
أحدها: أن ما ذكروه كأمر مجمل لا يبين الأنواع التي تستعمل بها الشهوة والغضب والأنواع التي لا تستعمل ولا يبين مقدار ما يستعمل من هذا وهذا ومقدار ما لا يستعمل فكان بمنزلة من علم أن أخلاط البدن تنقسم إلى حار وبارد وأنه ينبغي استعمال ما يوجب اعتدال الأخلاط وهذا كلام مجمل لا يفيد حفظ الصحة ولا إزالة المرض.
الثاني: أنه هب أنه حصل الاعتدال في الشهوة والغضب فهذا القدر لا يوجب السعادة ولو قدر أنه انضم إليه ما يسمونه علما ولا دليل لهم على أن السعادة تحصل بهذا والرسل متفقون على أن مجرد هذا لا يوجب السعادة.
الثالث: أن العلم الذي تحصل به السعادة لم يعرفوا لا نوعه ولا قدره.
الرابع: أن العلم الذي هو أصل السعادة ورأسها هو العلم بالله وهم أبعد الطوائف عنه فلا يعرف في المقالات المشهورة في العلم الإلهي مقالة أبعد عن الحق من مقالتهم فإن مقالة اليهود والنصارى في
(2/250)

العلم الإلهي خير من مقالتهم ومقالات أهل البدع الداخلين في الملل حتى الجهمية والمعتزلة ونحوهم من الطوائف التي تذمها أئمة أهل الملل هي خير من مقالتهم وأعني بذلك مقالة أرسطو وأتباعه وأما ما نقل عن الأساطين قبله فقولهم أقرب إلى الحق من قوله.
الخامس: أن الصفة اللازمة للنفس الناطقة التي هي الحب والإرادة لم يتكلموا في كمالها ولا صلاحها فإن الشهوة والغضب متعلقان بالبدن إما لجلب منافعه وإما لدفع مضاره ولهذا يؤمر فيهما بالعدل بخلاف حب النفس لمعبودها وإلهها وبغضها لغيره وهذا هو حقيقة الحنيفية وهي حقيقة وقول لا إله إلا الله فهذا ليس لهم منه حظ أصلا ولهذا كان الشرك غالبا عليهم بل هم معطلون في العبادة شر من المشركين كما قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سورة غافر 60) وهؤلاء مستكبرون عن عبادة الله بل وعن جنس العبادة مطلقا وهم ممن يتناوله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} (سورة غافر 56) .
وسبب ذلك أنهم لا يجعلون للنفس بعد مفارقتها حركة أصلا بل تبقى عقلا محضا عندهم والعقل في اصطلاحهم هو الروحاني العاقل الذي ليس فيه حركة أصلا ولا له إرادة وطلب ومحبة بل كل ما يمكن أن يكون له فهو له أزلا وأبدا.
وهم يزعمون أن الأول الصادر عن واجب الوجود هو العقل الأول.
(2/251)

ثم عنه العقل الثاني هو إله الفلك التاسع ثم عنه عقل ثالث الذي هو إله الفلك الثامن ثم كذلك إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الذي هو إله فلك القمر وإله ما تحته وعنه يفيض ما تحت فلك القمر من العلوم والأخلاق وعنه يصدر عندهم ما يوحى إلى الأنبياء وغيرهم من العلوم والذين يريدون أن يجمعوا بين الكتب الإلهية وبين كلام هؤلاء المتفلسفة يزعمون أن ذاك هو جبريل الذي ذكرته الرسل ويقولون إنه ليس على الغيب بضنين على قراءة من قرأ بالضاد الساقطة أي هو فياض ليس ببخيل وتارة يجعلون جبريل هو ما يتشكل في نفس النبي من الصور الخيالية المناسبة للعلم الذي حصل له كما يحصل للنائم.
ولهذا قال من سلك سبيلهم كابن عربي: "إن الولي أو خاتم الأولياء أفضل من الرسل والأنبياء وإن الولاية أفضل من النبوة قالوا لأن الذي سموه خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فإن الرسول يأخذ عندهم عن الخيال الذي في نفسه وهو جبريل عندهم والخيال يأخذ عن المعقولات الصريحة والولي بزعمهم يأخذ عن تلك المعقولات ويزعمون أن الملائكة التي أخبرت بها الرسل هي هذه العقول العشرة أو الصور الخيالية التي تمثل في نفوس الناس.
وأما النفوس الفلكية فلهم فيها قولان أحدهما أنها أعراض قائمة بالفلك كالقوة الشهوية والغضبية وهذا قول أكثر أتباع أرسطو
(2/252)

والثاني: أنها جواهر قائمة بأنفسها كالنفس الناطقة وإليه يميل ابن سينا وغيره وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن النفس الناطقة تتبقى عندهم بعد مفارقة البدن عقلا ليس فيها طلب وإرادة ومحبة لعلم أصلا وهذا هو الكمال عندهم ولهذا لما ذكر أبو البركات مذهبهم بين هذا كما قال: "الفصل الثاني في ذكر رأي أرسطو وشيعته في بدء الخلق قال من يعتبر كلامه أن الله الذي بدأ منه الخلق واحد من كل وجه لا كثرة فيه بوجه والواحد لا يصدر عنه إلا واحد فأول خلق من الموجودات موجود واحد هو أقرب الموجودات إليه وأشبهها به قال وأسميه عقلا ويكون معنى العقل عنده معروفا من معنى النفس الإنسانية من جهة كونه جوهرا روحانيا لا جسمانيا كالنفس لكن للنفس علاقة بالبدن كنفس الإنسان الشخصية ونفس الفلك ونفس الكوكب المحركة له على أنها تباشر التحريك والعقل بريء من الأجسام وعلائقها وتكون النفس كالقوة من جهة تحريك الأجسام وتبديل حالاتها فتشعر بمتجدداتها في
(2/253)

الأين والكيف وغير ذلك مما يتجدد للمتحركات بالحركات والعقل بالفعل فيما يعرفه ويعلمه لا يتجدد له علم ومعرفة بشيء لم يكن يعرفه ويعلمه فهذا بالفعل أبدا فيما يعقله على حال واحدة والنفس على حالات مختلفة من جهة ما تعرفه وتبتديه من الأجسام وفيها بحركاتها وتحريكاتها لها فالنفس عقل بالقوة والعقل عقل بالفعل والعقل يعقل جيمع المعقولات والنفس تعقل بعضها فإن تجردت النفس عن الأجسام وانقطعت علاقتها بها وكانت مما تعقل وممن تعقل صارت عقلا بالفعل أيضا وتكون مرتبتها بحسب نوعها في الموجودات وكسبها من المعلومات قالوا فأول العقول هو هذا الذي وجد عن العلة الأولى وكان أول ما سموا عقلا سموه من جهة النفس الإنسانية حيث قالوا إنها عقل بالقوة وتصير بالفعل وما بالقوة لا يخرج نفسه إلى الفعل وإنما يخرجه إلى الفعل شيء هو بالفعل كالنار بالفعل تجعل النفط الذي هو نار بالقوة نارا بالفعل ولا يشعل النفط نفسه فيجعل نفسه نارا بالفعل فهذا الشيء الذي هو عقل بالفعل الذي يجعل نفس الإنسان عقلا بالفعل يسمونه العقل الفعال ويقولون إنه لنفوسنا كالأستاذ والمعلم
(2/254)

والمبدأ الذي عنه توجد فهو مبدؤها القريب في الوجود ومعادها الأدنى من الكمال قالوا ولكل فلك نفس محركة ولكل نفس عقل مفارق تقتدي به فيما تفعله وتعقله حتى تنتهي إلى الفلك الأول فتكون نفسه أول النفوس وعقله أول العقول وهو أول موجود وجد عن المبدأ الأول ويقولون عن المبدأ الأول إنه عقل أيضا لكنه أعلى العقول مرتبة وهو بالفعل أبدا وكل عقل غيره يقتدي بغيره وقدوته هو مبدؤه القريب وهو تعالى قدوة كل مقتد ومبدأ كل مبدأ فهو المبدأ الأول والإله الأقصى ولا يتحاشون من تسميته عقلا وهذا العقل الذي يقولونه الآن منقول بالعربية من لفظة قيلت في لغة يونان وليس موقعها في تلك اللغة موقع هذه في العربية من جهة الوضع الأول على ما قلنا في علم النفس فإن في اللغة العربية يراد بالعقل الشيء الذي يمنع الخواطر والشهوات من الناس ويمنعها عن أن تمضي العزائم بحسبها فإن الإنسان يؤثر أشياء بخواطره الأولى التي تقتضي شهوته وغضبه ويرده
(2/255)

عنها فكره ورأيه ونظره في عواقب أمره فهذا الناظر المفكر الراد عن الخواطر الأولى هو الذي يسمونه عقلا من حيث يصد الإنسان عما هم به كما يصد الناقة عقالها عن الحركة إلى حيث تشاء فهو الذي يسمونه عقلا والعلم بهذا إنما يصح بدليل من جهة النظر حيث يقولون إنه إنما رد الخواطر بفكر صدر عن علم فهو عقل من جهة العمل لا من جهة العلم وهذا الذي يسميه اليونان هو من جهة العلم لا من جهة العمل ويصير مبدءا للعمل" إلى أن قال: "وليس للعقل في عرفهم المعنى الإضافي وله في العربية ذلك فإن العقل عقل لشيء ومعنى العقل المقول في لغتهم لا يراد به الإضافة إلى شيء وإن كانوا يعرفونه بشيء ومن شيء ويسمونه باسم يخصه من ذاته لا من جهة إضافاته وإن أضيف فإلى فعله الخاص به كالعلم والعالم والعاقل والعالم والعقل والعلم عندهم أسماء مترادفة ويقولون أيضا إن فعل العقل الذي هو بالفعل هو ذاته فالعقل والعاقل عندهم واحد".
(2/256)

قلت: العقل في لغة العرب بتناول العلم والعمل بالعلم جميعا ومن أهل الكلام من يجعله اسما لنوع من العلم فقط فيقول هو نوع من العلوم الضرورية ومن الناس من يريد به العمل بالعلم فقط كما ذكره أبو البركات.
وقد يراد بالعقل القوة التي في الإنسان وهي الغريزة التي بها يحصل له ذلك العلم والعمل به ولهذا كان في كلام السلف كأحمد والحارث المحاسبي وغيرهما اسم العقل يتناول هذه الغريزة ومن أنكر الغرائز والطبائع والقوى التي في الأعيان وقال إن القادر المختار يحدث جميع الحوادث بمجرد المشيئة التي ترجح أحد المتماثلين على الآخر لا بمرجح كما يقوله أبو الحسن الأشعري ومن وافقه كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وأبي الحسن بن الزاغوني وأبي بكر بن عربي وغيرهم فإن هؤلاء لا يجعلون اسم العقل إلا لنوع من العلوم الضرورية إذ ليس عندهم طبيعة تكون بها العلوم والإرادات وليس عندهم في الموجودات أسباب تحصل بها الحوادث ولا يترجح حادث على حادث لمعنى فيه بل يقولون إن القادر المختار يفعل عند هذه الأمور لا بها بمجرد عادة فما يقول الإنسان إنه سبب ومسبب يقولون الخالق المختار قرن أحدهما بالآخر عادة لا لأن في أحدهما قوة اقتضى بها الآخر ولهذا من أثبت القياس من هؤلاء يقول إن علل الشرع مجرد أمارات وإنه إن حصل فيها مناسبة كما يحصل في المخلوقات رحمة فذلك مجرد عادة
(2/257)

اقتران لا لأن الخالق خلق هذا بهذا ولا لأجل هذا إذ لا سبب عندهم ولا حكمة يفعل الخالق لأجلها وليس عندهم في القرآن في أفعال الله وأحكامه لام تعليل بل لام عاقبة وهذه مسألة كبيرة قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن اسم العقل في اصطلاح جميع المسلمين بل وجميع أهل الملل وعامة بني آدم يراد به ما هو قائم بغيره سواء كان علما أو قوة أو عملا بعلم أو نحو ذلك لا يراد به ما هو جوهر قائم بنفسه إلا في اصطلاح هؤلاء الفلاسفة والنفس الكاملة بعد المفارقة تصير عقلا عندهم.
ثم إن أتباع أرسطو يقولون إن العقل لا يتجدد له علم أصلا ويقولون إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد ويقولون إن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ليس له صفة أصلا إلى غير ذلك من الأقوال التي يخالفهم فيها غيرهم من الفلاسفة ويقول جمهور العقلاء إنها أقوال معلومة الفساد بصريح المعقول.
وأبو البركات وغيره من الفلاسفة ممن يخالفهم في ذلك ويبين فساد قولهم فيه ولهذا لما حكى أبو البركات قولهم قال: "هذا هو الذي نقل عن شيعة أرسطو وما خالفهم فيه مخالف ولا اعترض
(2/258)

فيه معترض وهو بالأخبار النقلية أشبه منه بالأنظار العقلية فلنأخذ في تتبعه".
قلت: قوله: "لم يخالفهم فيه مخالف" إنما قاله بحسب علمه واطلاعه أو أراد من الفلاسفة المشهورين المصنفين على طريقة أرسطو في المنطق الطبيعي والإلهي كبرقلس والأسكندر الأفرديوسي وثامسطيوس والفارابي وابن سينا وإلا فالمنقول في كتب المقالات عن الفلاسفة المتقدمين من مخالفة هذا المذهب موجود في كتب متعددة لكن أولئك ليس لهم كتب مصنفة على هذه الطريقة بل مذهب أرسطو يشبه مذهب أئمة الفقهاء في الفقه كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وإن خالفهم في كثير منها أئمة كبار مثل الأوزاعي والليث بن سعد والثوري وإسحاق بن راهويه فقد يقول القائل إنه لم يخالف أولئك مخالف أي في الكتب المعروفة المصنفة على مذاهبهم وكتب المقالات تنطق بأن أرسطو هو الذي اشتهر عنه القول بقدم العالم وأما أساطين الفلاسفة قبله فلم يكن هذا قولهم وهذا يحكيه المعظمون لأرسطو وغير المعظمين له مع أن كلام الرجل في الإلهيات قليل جدا وفيه خطأ كثير وإنما علم الرجل الواسع هو الطبيعيات ففيها يتبجح.
والمقصود أن هؤلاء القوم جعلوا النفس بعد فراقها ليس لها علم ولا حركة ولا ازدياد من علم ولا محبة لشيء يطلب حصوله وإنما تلتذ لذة دائمة متماثلة بما حصل لها من العلم كما يقولونه في المبدأ الأول وفي العقول
(2/259)

وظنوا أن هذا هو الكمال وكان ضلالهم في ذلك من أعظم الضلال من جهة أن الكمال ليس إلا في مجرد العلم ومن جهة أنهم لم يثبتوا لها مزيد علم ومن جهة أن ما أثبتوه من العلم لا يكفي في السعادة ومن جهة أن فيه من الجهل ما يناقض العلم فكثير من كلامهم في الإلهيات بل أكثره جهل لا علم.
ولكن المقصود في هذا الوجه أنهم لم يثبتوا للنفس بعد المفارقة كمالا من جهة الحب والإرادة بل من نفس العلم فقط ثم إنهم غلطوا من وجه آخر وهم أنهم جعلوا اللذة هي مجرد العلم.
ونحن نبين هذا فنقول الوجه السادس أن يقال السعادة وهي اللذة والبهجة والسرور الذي يحصل للنفس بما تعلمه من المعارف ليس هو نفس العلم بل هو أمر يحصل بشرط العلم فالعلم شرط فيه ليس موجبا له فضلا عن أن يكون هو إياه وهؤلاء غلطوا من وجهين من ظنهم أن مجرد العلم موجب لذلك والثاني أنهم جعلوا اللذة نفس الإدراك والعلم فقالوا اللذة هي إدراك الملائم من جهة كونه ملائما وهذا غلط فإن اللذة ليست هي نفس الإدراك ولكن هي حاصلة عقب الإدراك فإن الإنسان يشتهي الطعام مثلا فيذوقه فيلتذ بذلك فاللذة ليست هي الذوق ولكن هي حاصلة بالذوق.
وكذلك الأنواع التي يسمونها إدراكا كالسمع والبصر والعلم واللمس ليست هي اللذة بل هي سبب اللذة فإن سمع الصوت الحسن
(2/260)

سبب للذة به وكذلك رؤية الشيء الحسن سببب للذة به والعلم بالشيء الملائم سبب للذة به فاللذة لا تحصل إن لم تكن بين الملتذ والملتذ به ملائمة وهي المحبة فإن لم يكن العالم والمدرك محبا لمعلومه ومدركه أو لما يحصل به لم يلتذ بسبب العلم والإدراك ولهذا قد يدرك الإنسان ما يؤذيه ويعلم ما يؤذيه كما يدرك ويعلم ما يلتذ به فتبين أن العلم والإدراك ليس هو اللذة ولا موجبا لها بل هو شرط فيها وسبب لها بمعنى أنه إذا حصل الحب للمعلوم والمدرك وحصل إدراكه ومعرفته حصلت اللذة به وإلا فلا.
وهؤلاء يقولون: إنه إدراك مخصوص وهو إدراك الملائم فيكون الإدراك على قولهم جنسا تحته نوعان أحدهما اللذة وإذا كان أحدهما اللذة فينبغي أن يكون الألم إدراك المنافي فيكون أحد نوعيه اللذة والآخر الألم ويكون نفس العلم والسمع والبصر والذوق تارة ألما وتارة لذة وفساد هذا معلوم بالضرورة.
وينبغي أن يكون قول القائل: علمت هذا ورأيته وسمعته إذا كان ملائما له بمنزلة قوله تنعمت به وفرحت به وسررت به وابتهجت به وبمنزلة قوله تأذيت به وتألمت به ونحو ذلك ومعلوم فساد هذا وهذا، وهذا ونفيهم فيه نفي الصفات المتعددة كما جعلوا نفس العاقل العالم هو نفس عقله وعلمه ونفس عقله وعلمه هو نفس إرادته ونفس إرادته هو نفس قدرته وكل هذا يعلم فساده بصريح العقل.
والله تعالى فطر العباد على الإقرار به ومحبته وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(2/261)

في الحديث الصحيح: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" أخرجاه في الصحيحين.
وفي صحيح مسلم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يقول الله تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (سورة الروم 30) وهذه ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (سورة النساء 125) وقوله: "أسلم وجهه" أي أخلص قصده وعمله لله وهو محسن في عمله فيكون الله هو معبوده بالعمل الصالح ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله
(2/262)

لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا" وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (سورة الملك 2) قال: "أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة".
وأول من أنكر حقيقة محبة الله لعبده والعبد لربه في الإسلام هو الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال: "يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه.
وكان الجعد هذا أول من ظهر عنه التعطيل بإنكار صفات الله تعالى وبإنكار محبته وتكليمه كما يقول هؤلاء المتفلسفة والجهمية والباطنية ونحوهم من المعطلة والجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم فينكرون أن يكون الله يحب أو يحب حقيقة وينكرون التمتع برؤيته وينكرون أن يكون هو سبحانه موصوفا بالفرح ونحوه لزعمهم أن هذا من نوع اللذة والبهجة والله لا يوصف بذلك عندهم.
وأما هؤلاء الفلاسفة فيقولون إنه يوصف بذلك لكن يتناقضون فيزعمون أن اللذيذ والملتذ واللذة شيء واحد بالعين فيجعلون الصفة هي
(2/263)

الموصوف ويجعلون إحدى الصفتين هي الأخرى ويقولون إن نفس العلم هو نفس اللذة وهو نفس العالم وهو الملتذ وهذا مما يعلم بطلانه بصريح المعقول.
والذين سلكوا مسلك المتفلسفة من أهل التصوف والكلام وأثبتوا لذة المعرفة بالله ولذة النظر إليه في الآخرة جعلوا ذلك هو نفس العلم بوجوده او نحو ذلك كما يذكر ذلك أبو حامد الغزالي ومن حذا حذوه وقد سلك هذا المسلك أبو نصر الفارابي وغيره من الفلاسفة فأقروا بما أخبر به الرسول من رؤية الله في الآخرة وفسروا الرؤية بهذا المعنى الذي أثبتوه على أصولهم الفاسدة.
وهؤلاء الذين خلطوا الفلسفة بالكلام وإن كانوا أقرب إلى الحق المعقول والمنقول منهم فلم يثبتوا لله كل ما يستحقه من الأسماء والصفات كما نطق بذلك الكتاب والسنة ولا أثبتوا كل ما جاءت به الرسل من محبته وعبادته ولذة النظر إليه كما أثبت ذلك سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث.
كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا دخل أهل الجنة منازلهم نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو ألم تبيض
(2/264)

وجوهنا وتثقل موازيننا وتدخلنا الجنة وتجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه وهو الزيادة".
وفي السنن عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث عمار بن ياسر وغيره: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك".
وهذا يتعلق بمسألة محبة الله أي أنه محبوب في نفسه وهو محب لنفسه ولعباده المؤمنين وهي أصل هذا الباب وهي أصل ملة إبراهيم التي بعث الله بها موسى وعيسى ومحمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجمعين بل هي أصل دين الإسلام الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وبها تزول عامة الشبهات الواقعة في هذا الباب في مسألة فعله هل هو معلل أم لا وفي الإرادة والمحبة وفي مسألة التحسين والتقبيح وفي عامة مسائل الخلق والأمر.
(2/265)

والمقصود هنا أن السعادة التي هي كمال البهجة والسرور واللذة ليس هي نفس العلم ولا تحصل بمجرد العلم بل العلم شرط فيها بل لا بد من العلم بالله وبأمره كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث المتفق على صحته: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" فكل من أراد الله به خيرا فلا بد أن يفقهه في الدين فمن لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا وليس كل من فقهه في الدين قد أراد به خيرا بل لا بد مع الفقه في الدين من العمل به فالفقه في الدين شرط في حصول الفلاح فلا بد من معرفة الرب تعالى ولا بد مع معرفته من عبادته والنعيم واللذة حاصل بذلك لا أنه هو ذلك فغلطوا من هذين الوجهين هذا لو كان ما ذكروه من العلم حقا وكان كافيا فكيف والأمر بخلاف ذلك؟!
ولهذا قال من قال من المسلمين: الإيمان قول وعمل ومتابعه للسنة وهؤلاء أخرجوا العمل ولم يلتزموا شرائع الأنبياء وإنما معهم نوع من القول لا يكفي مع ما فيه من الخطاء وهم يدعون أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود ولهذا تنازعوا في بقائها بعد الموت على ثلاثة أقوال والثلاثة للفارابي:
فمنهم من قال تبقى العالمة والجاهلة كما يقوله ابن سينا وأمثاله ومنهم من يقول بل تبقى العالمة فقط لأنها تبقى ببقاء معلوماتها والجاهلة ليس لها معلوم باق فلا تبقى ومنهم من يقول بل كلاهما تفسد بالموت وهو قول المعطلة المحضة منهم ومن غيرهم الذين ينكرون معاد الأبدان ومعاد الأرواح جميعا أو ينكرون معاد
(2/266)

الأرواح وبقاءها بعد الموت فقط مع بقاء البدن فقط كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام المحدث في الإسلام.
فإن لبني آدم في المعاد أربعة أقوال: أحدها: القول بمعاد البدن والروح جميعا وأن الروح المفارقة للبدن التي يسمونها النفس الناطقة تكون بعد فراق البدن منعمة أو معذبة ثم إن الله يعيدها عند القيامة الكبرى إلى البدن وهذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وعليه دل الكتاب والسنة وإن كانوا لا يصفون بالنفس بالصفات التي يذكرها المتفلسفة بل يثبتون لها بعد الموت حركة وبقاء وغير ذلك مما دلت عليه النصوص النبوية والآثار السلفية.
والثاني: القول بمعاد البدن فقط وهذا قول كثير من أهل الكلام من الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم فبنوا ذلك على أنه ليس فينا روح تبقى بعد فارق البدن بل ظنوا أن الروح عرض يقوم بالبدن كالحياة أو جزء من أجزاء البدن كالنفس الخارج والداخل فأنكروا أن تكون الأرواح المفارقة للأبدان منعمة أو معذبة ثم من أثبت من هؤلاء عذاب القبر كالأشعرية وبعض المعتزلة قال إنه تخلق حياة في جزء من أجزاء البدن فينعم أو يعذب وإنكار بقاء النفس بعد الموت
(2/267)

قول مبتدع في الإسلام لم يذهب إليه أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وإن كان كثير من كتب الكلام لا يوجد فيها قول للمسلمين إلا هذا وربما حكاه بعضهم عن أكثر المسلمين وهذا لأن الذين يذكرون هذا كالرازي وأمثاله ليس لهم خبرة بأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة المسلمين في مسائل أصول الدين بل إنما يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المحدث وهؤلاء كلهم مبتدعة عند سلف الأمة وأئمتها وبسبب مناظرة هؤلاء للمتفلسفة حصل شر كثير في الإسلام فإنهم يناظرون بجهل كثير بالعقليات والسمعيات.
والقول الثالث: قول من يقول بمعاد الأرواح التي هي النفس الناطقة فقط كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة.
والرابع: إنكار المعادين مطلقا كما هو قول المكذبين بالجزاء بعد الموت كما كان عليه المكذبون بذلك من مشركي العرب وغيرهم من الأمم ولهذا بين الله المعاد في كتابه بأنواع متعددة من البيان كما قد بسط في موضعه.
الوجه السابع: أن يقال: إن النفس بعد مفارقتها إن لم يكن لها حب وطلب لم يكن لها لذة فإن وجود اللذة بدون المحبة غير معقول ولا موجود بل هو ممتنع فإذا قالوا إن النفس بعد المفارقة لا يبقى لها إلا مجرد
(2/268)

أن تعلم لم يكن لها لذة ولا سرور وإذا قالوا لها لذة وسرور فقد أثبتوا لها محبة فحينئذ تكون لها قوتان قوة العلم والشعور والثاني قوة الإرادة والمحبة ولا تكمل النفس إلا بالكمال في القوتين فدعواهم أن الكمال في مجرد العلم دعوى باطلة بمنزلة من قال كمال النفس في مجرد القدرة أو في مجرد الإرادة.
والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة وحيث كان الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به.
فتارة يكون المعلوم محبوبا يلتذ بعلمه وذكره كما يلتذ المؤمنون بمعرفة الله وذكره بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين ولهذا يقال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير والرغبة فيه والفرح به والسرور واللذة والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات.
وتارة يكون بالعلم يدفع من الشبه ما يعارض محبوبه فقد يكون محبه شيئا وقد عرف منه أمورا عورض فيها فصار عنده ألم ومرض قلب لما عنده من الجهل بزوال تلك الشبه فإذا علم ما يزيلها وجد لذة عظيمة وإما أن يكون محتاجا إلى العلم بذلك لأنه يتوصل به إلى جلب منفعة ودفع مضره وهذا كثير مشهور وأما إن لم يكن هناك محبوب بل المعلوم بغيض فإن تصوره يؤلم النفس لا يسرها فلا يقال إن كل علم يحصل به لذة وهم يسلمون هذا ويقولون إنما اللذة إدراك الملائم لكن يتناقضون مع ذلك فيجعلون اللذة في مجرد علم بالوجود المطلق
(2/269)

من غير بيان فلا يفيد الإنسان فيعود كلامهم إلى أن نفس اللذة هي نفس العلم من غير تقييد بالملائمة للمعلوم ويقولون إن العين تلتذ بالنظر والأذن بالسمع والنفس تلتذ بالعقل ومعلوم أن العين لا تلتذ برؤية كل شيء ولا يلتذ السمع بسمع كل شيء كذلك النفس لا تلتذ بعقل كل شيء بلا لا بد أن يكون ذلك الشيء ملائما أو عونا على الملائم أو مانعا من المنافي ونحو ذلك.
الوجه الثامن: أن يقال إذا كان لها حب وإرادة كان لها عمل في تحصيل المحبوب المراد وهذا نوع من الحركة التي تناسبها فإن الحركة في اصطلاحهم ليست هي النقلة من مكان إلى مكان بل النقلة نوع من الحركة وهم يقولون حركة في الكم وحركة في الكيف وحركة في الأين وحركة في الوضع فالحركة في الكيف هو تحول الموصوف من صفة إلى صفة إما في لونه وإما في طعمه أو ريحه أو غير ذلك وكذلك النفس إذا كانت جاهلة فصارت عالمة أو كانت مبغضة فصارت محبة أو كانت متألمة فصارت ملتذة فهذا حركة في الكيف.
والحركة في الكم مثل النمو الذي يحصل في أبدان الحيوان والنبات.
والحركة في الوضع مثل حركة الفلك فإن حركته لا توجب خروجه من حيزه والحركة في الأين هي النقلة مثل حركة الماء والتراب والهواء والمولدات من حيز إلى حيز وإذا كان كذلك فالنفس بعد الموت لها محبة لشيء وطلب إن حصل التذت به وإلا تألمت فهي متألمة أو ملتذة لما تدركه من مناسب أو مناف وهذه حركة ومن المعلوم بالضرورة أن ما يحدث له آلام ولذات فلا بد له من نوع حركة.
(2/270)

الوجه التاسع: إنهم يقولون اللذة إدراك الملائم والألم إدراك المنافي وسواء كانت اللذة هي نفس الإدراك والشعور والمعرفة أم هي حاصلة بسبب الإدراك والشعور والمعرفة فعلى التقديرين إنما تكون اللذة في إدراك الملائم فلم يبق جنس الإدراك والعلم هو اللذة ولا موجبا للذة بل لا تكون اللذة إلا في إدراك الملائم فلا بد أن يكون المعروف المعلوم المشعور به المدرك ملائما في نفسه للعالم العارف الشاعر المدرك حتى يكون في إدراكه له لذة ومعلوم أن ما لاءم الشيء فهو محب له وما نافره فهو مبغض له فلا بد في اللذة والألم من ثلاثة أمور ملائمة ومنافرة بين المدرك والمدرك ومحبة أو بغضة من المدرك للمدرك ثم علم به وإدراك له ثم تحصل اللذة أو الألم بعد هذا وهذا مما يبين أن أكمل اللذات لذة النظر إلى الله كما دلت عليه نصوص الأنبياء.
ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه قالوا: ما هو ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه وهي الزيادة".
فدل على أن اللذة الحاصلة بالنظر أعظم من كل لذة كانت قبل ذلك.
(2/271)

وفي حديث آخر رواه النسائي وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الغنى والفقر وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين".
وهذا كما أنه ليس في الدنيا من اللذات أعظم من لذة العلم بالله وذكره وعبادته ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" هكذا لفظ الحديث لم يقل حبب إلي ثلاث فإن المحبب إليه من الدنيا اثنان وجعلت قرة عينه في الصلاة فهي أعظم من ذينك ولم يجعلها من الدنيا وفي الحديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر" ولهذا كان أعظم آية في القرآن آية الكرسي كما ثبت في
(2/272)

صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأبي بن كعب: "يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (سورة البقرة 225) فضرب بيده في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر".
وثبت في الصحيح من غير وجه أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن.
فإن القرآن كلام والكلام إما خبر وإما إنشاء فالإنشاء هو الأمر والنهي والإباحة والخبر إما عن المخلوق وهو القصص وإما عن الخالق وقل هو الله أحد اشتملت على هذا الثلث وهو الخبر عن الخالق.
الوجه العاشر: إنه إذا كانت اللذة في إدراك الملائم ولا بد أن يكون المدرك ملائما للمدرك ثم بالإدراك له تحصل اللذة بطل ما يقولونه في
(2/273)

نهاية فلسفتهم وهو أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود فإن ذلك إنما يكون بإدراك الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم التي يقال لها علم ما بعد الطبيعة باعتبار علم الناس وقد يقال علم بأنها باعتبار وجودها في نفسها ويسمونه العلم الإلهي.
ويقولون: موضوعه هو الوجود وما يلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وإلى قديم ومحدث وإلى علة ومعلول وإلى الجوهر والعرض وانقسام الجواهر إلى خمسة وهي النفس والعقل والمادة والصورة والجسم وانقسام الأعراض إلى تسعة أجناس على رأي المعلم الأول جمعها بيتان:
زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتكي
في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوا
فذكر الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ومتى وهو المكان والزمان والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل وقد مانع كثير من الناس في حصرها في تسعة حتى قال بعضهم تنحصر في ثلاثة وبعضهم قال في خمسة.
والمقصود أن موضوع هذا العلم هو أمر كلي مطلق مشترك بين أنواعه فإن الوجود المنقسم إلى الواجب والممكن وإلى الجوهر والعرض وإلى القديم والمحدث ليس هو وجودا معينا موجودا في الخارج إذ القسمة قسمتان قسمة الكلي إلى أنواعه وقسمة الكل إلى أجزائه والمراد بلفظ القسمة عند الجمهور هو الثاني وبذلك جاء القرآن في مثل قوله:
(2/274)

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} (سورة القمر 28) وقوله: {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} (سورة الحجر 44) وقوله: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (سورة الزخرف 32) ومنه باب القسمة التي يذكرها الفقهاء كقسمة المواريث والغنائم والفيء من عقار ومنقول بين المشتركين فيه فيحصل لكل واحد جزء من المقسوم موجود في الخارج غير الجزء الحاصل للشريك الآخر.
وقد قال جابر: "قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
ولهذا كان قدماء النحاة يقولون: الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف كما ذكره غير واحد منهم ابن جني والزجاجي صاحب الجمل وغيرهما فاعترض عليهم بعض المتأخرين كالكزولي صاحب القوانين النحوية وقال: كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص أنواعه فاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست أقساما له.
وكذلك أبو البقاء النحوي ذكر هذا فيما اعترض به على ابن جني وأجاب أن مراده أجزاء الكلام ونحو ذلك.
وليس هذا الاعتراض بشيء فإن ما ذكره هؤلاء إنما هو في القسمة العقلية وهو قسمة الكل الذي يكون كليا في العقل إلى أنواعه وأشخاص أنواعه وأما القسمة الحسية الموجودة في الخارج فهو قسمة
(2/275)

الكل إلى أجزائه والكلام مركب من الاسم والفعل والحرف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والأرض وكتركب بدن الإنسان من رأس وصدر وبطن وأفخاذ وغير ذلك.
فقولهم: الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام أرادوا به هذه القسمة كما يقال الدار ينقسم إلى سفل وعلو وهذه الأرض تنقسم إلى بيضاء وذات شجر ونحو ذلك وهذه القسمة التي يعرفها بنو آدم فإنها قسمة لما هو موجود معلوم بنفسه إما جوهر كالعقار وإما عرض قائم بالجوهر كالكلام والأصوات والألوان وتلك القسمة إنما هي بعد أن ينتزع العقل من الجزئيات أمرا كليا مشتركا عاما ثم يقسمه العقل إلى أنواعه وأشخاصه وهي تلك الجزئيات والكليات الخمسة التي يسمونها الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام تنقسم هذه القسمة فإذا كان موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم هو الوجود الكلي المشترك المطلق الذي يعم كل موجود فلفظه ومعناه يتناول الموجودات كلها وكذلك لفظ الثبوت والشيء ونحوهما مطابق للفظ الوجود عند جمهور النظار.
فغاية ما يسمى الوجود أن يكون بمنزلة مسمى الشيء ومسمى الثبوت والحصول ونحو ذلك وهذا المعلوم ليس هو شيئا موجودا في الخارج حتى يقال إنه ملائم للنفس أو غير ملائم بخلاف ما إذا قيل واجب الوجود ورب العالمين وخالق العالم فإن مسمى هذا الاسم موجود بنفسه سبحانه وتعالى وهو الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه فالنفس إذا عرفته عرفت ما يكون كمالها في معرفته وعبادته وهو سبحانه العلي الأعلى فالعلم به أعلى العلوم إذ العلم يطابق المعلوم.
وأما الوجود العام المشترك كاسم الشيء فذاك لا يوجد كليا إلا في
(2/276)

الذهن ليس في الخارج شيء يعم جميع الأشياء ولا وجود يعم جميع الموجودات.
ومن المعروف عندهم وعند غيرهم أن الكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان وهم قد جعلوا الكليات ثلاثة الطبيعي والعقلي والمنطقي فالطبيعي أن يوجد الكلي مطلقا لا بشرط الإطلاق كما إذا أخذ الإنسان مطلقا والحيوان مطلقا من غير تقييد بوجود ولا عدم ولا وحده ولا كثرة ولا غير ذلك من القيود.
والمنطقي ما يعرض له من العموم والكلية فإن المنطقي ينظر في عموم هذا وخصوصه فكونه عاما وخاصا هو موضوع نظر المنطقي.
والمركب منهما هو العقلي وهو الإنسان بشرط كونه عاما ومطلقا وهو المطلق بشرط الإطلاق وهذا يسلمون كلهم أنه لا يوجد إلا في الذهن إلا من قال بالمثل الأفلاطونية.
وأما الطبيعي فقد يقولون هو موجود في الخارج وقد ينازع منازع في ذلك وفصل الخطاب أنه موجود في الخارج لكن لا يكون كليا في الخارج فليس في الخارج ما هو كلي في الخارج بل ما يوجد كليا في الذهن يوجد في الخارج معينا مشخصا مخصوصا مقيدا وقولهم هذا موجود في الخارج كما يقال لما يتصور في النفس إنه موجود في الخارج وكما يقال فعلت ما في نفسك وقلت ما في نفسك ونحو ذلك فإن الشيء موجود في نفسه ثم الذهن يتصوره ثم يعبر اللسان عن ما تصوره الذهن ثم يكتب بالخط عبارة اللسان ولهذا يقال للشيء أربع وجودات وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي.
(2/277)

ولهذا كان أول ما أنزل الله على رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (سورة العلق 1-5) فذكر في هذه السورة التي ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها أول ما أنزل عليه من القرآن أنه سبحانه موجد الموجودات الأربعة فذكر الوجود العيني وهو الوجود الحقيقي الثابت في نفسه فعم بالخلق وخص الإنسان فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} ثم ذكر الموجودات الثلاثة المطابقة لهذا فعم وخص فقال: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فذكر العلم عموما وخص الإنسان بالتعليم وذكر أنه علم بالقلم وذلك هوالخط والخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى الذي في القلب فإن الخط لا يدل بنفسه على المعنى وإنما يدل على العبارة الدالة على المعنى.
ولهذا من لم يعرف لغة صاحب الخط فإنه إذا قرأ خطا بالعربي واللسان فارسي وهو لا يعرف معنى اللغة الفارسية لم يعرف المعنى فإن الخط إنما يدل بواسطة اللفظ.
فهؤلاء إذا قالوا الكلي الطبيعي موجود في الخارج كما يقال إن
(2/278)

المعلوم في نفسي موجود في الخارج فهو صحيح فإن الكلي الطبيعي مطلق لا بشرط فهو مطابق للأعيان الموجودة في الخارج.
فإذا قيل الإنسان يطلق على هذا وهذا كان صحيحا بخلاف الكلي العقلي فإنه يطلق بشرط الإطلاق وذاك إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان فلا يطابق ما في الخارج بل هو من باب المقدرات الذهنية كما يقدر في الذهن ما يمتنع وجوده في الخارج مثل الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين.
فإذا قدر أن الشيء موجود معدوم أو لا موجود ولا معدوم فهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن ولا يكون في الخارج والذين ظنوا أن هذا الكلي يكون في الخارج مقارنا للموجودات المعينة أو مفارقا لها فقد غلطوا في ذلك كما غلط أمثالهم من المتفلسفة فإن هؤلاء المتفلسفة كثيرا ما يغلطون فيظنون ما هو موجود في الأذهان موجودا في الخارج مثل غلط أولهم فيثاغورس وشيعته في الأعداد المقارنة المطلقة المجردة حيث ظنوا أنها تكون في الخارج مجردة عن المعدودات والمقدورات ومثل غلط أفلاطون وشيعته في الطبائع الكلية كالإنسان الكلي والحيوان الكلي حيث ظنوا أنها تكون في الخارج كليات مجردة عن الأعيان أزلية أبدية لم تزل ولا تزال وقالوا ذلك في الزمان والمكان والمادة فظنوا أن في الخارج جوهرا عقليا أزليا أبديا غير الأجسام وأعراضها وجوهرا مثالا أزليا أبديا غير الأجسام وحركاتها ومقدار حركاتها وظنوا وجود مادة عقلية مجردة عن جميع الصور هي المادة الأولية التي يثبتها هؤلاء.
(2/279)

وقد خالفهم أصحابهم كأرسطو وشيعته والمتأخرون الذين سلكوا خلفه كالفارابي وابن سينا وردوا على متقدميهم وقالوا إن الفلسفة كانت نية فأنضجت فإن مبدأها إنما هو النظر في الطبيعيات ثم انتزعوا من الأمور الطبيعية هذه الكلية العقلية وظنوا وجودها في الخارج.
فرد عليهم هؤلاء وأصابوا في الرد ثم جعل هؤلاء هذه الماهيات العقلية موجودة في الخارج مقارنة للموجودات الحسية الطبيعية فاثبتوا مادة عقلية مع الجواهر الحسية وأثبتوا ماهية مجردة كلية مقارنة للأعيان وقالوا هذه الماهيات غير الوجود وأسباب الماهية شيء وأسباب الوجود شيء فإنا نعقل المثلث قبل أن نعلم وجوده وقالوا هذه الماهية يغشاها غواش غريبة حسية وخيالية.
وقسموا في منطقهم اليوناني المتلقي عن معلمهم الأول أرسطو الذي هو صاحب تعاليم المنطق والطبيعي والإلهي قسموا الصفات اللازمة للموصوف إلى ذاتي داخل في الماهية مقوم لها وإلى عرضي خارج عن الماهية ثم العرضي قسموه إلى لازم للماهية وإلى لازم لوجودها لما فرقوا بين الوجود والماهية وإلى عارض لها إما بطيء الزوال أو سريع الزوال.
وهذا التقسيم وما بنوه عليه من الحدوث مما أنكره عليهم جمهور النظار من المسلمين وغيرهم وبينوا ما بينوه من خطئهم فيه كما قد بسط الكلام عليهم في مواضع.
والمقصود هنا التنبيه على منشأ غلطهم أما تقسيم الصفات إلى لازم للموصوف وإلى غير لازم فهذا حق وهو تقسيم نظار المسلمين يقسمون الصفات إلى لازم وعارض فإن الحيوانية الناطقية والضاحكية لوازم للإنسان بخلاف العربية والعجمية والسواد والبياض والشباب والمشيب والإسلام والكفر.
(2/280)

وأما تقسيم الصفات اللازمة إلى ثلاثة أنواع: نوع داخل في الماهية ونوع خارج عنها والخارج على قسمين: لازم لها ولوجودها ودعوى أن الماهية مركبة من الصفات الداخلة فيها وهي الذاتية وهو الجنس والفصل كالحيوان والناطق وأن الإنسان مركب منهما وأن الحدود الحقيقية لا تصح إلا بذكر الصفات الذاتية المشتركة وهي الجنس والمميزة وهي الفصل وبهما يتم النوع المركب كما يتم الإنسان بالحيوان والناطق فهذا من الخطأ الذي أنكره عليهم نظار المسلمين كما قد كتبنا بعض كلام النظار في ذلك في غير هذا الموضع في الكلام على المحصل وعلى منطق الإشارات وعلى المنطق اليوناني مصنف كبير ومصنف مختصر وغير ذلك.
وذلك أن لفظ الماهية والوجود قد يعني بالماهية ما يتصور في الذهن وبالوجود ما يكون في الخارج وهذا حق لم ينازع فيه نظار المسلمين ولا ريب أن الماهية المتصورة في الذهن ليست عين الموجود في الخارج ولكن ما يتصور في الذهن إذا كان مطابقا لما في الخارج كان علما كما أن القول الذي يكون معناه في الذهن ولفظه في اللسان إذا طابق ما في الخارج كان صدقا وليس نفس القول هو المقول الذي في الخارج فكذلك إذا تصورنا ماهية شيء من الأشياء في أنفسنا فما في النفس من التصور يطابق ما في الخارج لا أن هذا عين ذلك فمن قال إن الماهية غير الوجود وأراد بالماهية الصورة العلمية الذهنية وبالوجود ما يوجد في الخارج فقد أصاب وأما إذا عنى بالماهية والوجود جميعا
(2/281)

ما هو ثابت في الخارج أو عنى بهما جميعا ما هو متصور في الذهن وقيل إن في الذهن شيئين ماهية ووجودها أو في الخارج شيئان ماهية ووجودها فهذا خطأ.
وبهذا التفصيل يزول الاشتباه والنزاع الموجود في أن الماهية هل هي غير وجودها أم لا فمن لم يفصل هذا التفصيل فإما أن يحار ويقف كالآمدي ونحوه وإما أن يختلف كلامه ويتناقض كالرازي ونحوه أو يصر على الباطل إذا نصر أحد القولين كبعض المتكلمين والمتفلسفة.
والمقصود هنا التنبيه على مثار غلطهم وهو أنهم يتوهمون ما في الذهن موجودا بعينه في الخارج كما توهموا ذلك في هذه الكليات إما مجردة على رأي قدمائهم أصحاب المثل الأفلاطونية وأصحاب فيثاغورس وإما مقرونة بالموجودات على رأي متأخريهم كشيعة أرسطو ولهذا كان ما يثبتونه من المجردات المفارقة للمادة ليس يسلم لهم منها شيء إلا نفس الإنسان إذا فارقت بدنه فإنها تكون مفارقة لبدنه بالموت وإنما سموا ما سواها مجردا مفارقا للمادة من هذا الباب.
فما أثبتوه من العقول العشرة المحركات المفارقات التي ليست جسما ولا متعلقة بجسم ويعبرون عن الجسم بالمادة فيقولون لا في مادة ولا متعلقة ومن النفوس الفلكية التسعة التي ليست في جسم ومادة لكنها متعلقة بالمادة التي هي الجسم تعلق التدبير والتصريف.
(2/282)

وهذا التفريق عندهم بين قسمي النفس والعقل أصله من نفس الإنسان فإنها تارة تكون في بدنه مدبرة له فتسمى نفسا وتارة تفارقه فتسمى عقلا عندهم لأنهم عقلت العقليات التي صارت بها عالما معقولا مطابقا للموجود ولهذا سموا العقول العشرة عقولا والنفوس الفلكية نفوسا وهم مختلفون هل هي أعراض في جسم أم هي مجردات؟ على قولين.
وإذا أعطى النظر والبحث حقه وكشف حقيقة ما يقولونه في هذا الباب وأزيلت الشبه عن الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة لم يكن عند القوم من المعقولات المجردة إلا ما هو معقول للإنسان في نفسه مثل الكليات كالإنسانية والحيوانية والوجود العام المشترك ونحو ذلك وإما شيء موجود في نفسه خارج يكون من المعقولات التي أثبتوها فهذا لا حقيقة له.
ولهذا غلط من ظن أن عالم المعقولات التي يثبتونها هو الغيب الذي أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم أجمعين كما يذكر مثل ذلك جماعة ممن رام أن يجمع بين ما قالوه وبين ما أخبرت به الرسل كما يوجد مثل ذلك في كلام الشهرستاني وأبي حامد والرازي وغيرهم فإن ما أثبتوه من العقليات يجعلون فيه الفرق بين العالم العقلي والحسي هو الفرق بين الغيب والشهادة وليس الأمر كذلك فإن المعقولات التي يثبتها هؤلاء إنما هي معقولات في نفس الناس وهو عرض قائم بنفسه.
فأما ما يدعونه من عالم معقول يمتنع أن يكون محسوسا بحال فهذا ليس لهم عليه دليل ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات ذلك أثبتوه
(2/283)

بالكليات كما فعله ابن سينا في إشاراته أو بموجودات لا يحسها الإنسان لا لامتناع الإحساس بها مطلقا بل لأسباب أخر.
وأما ما أخبرت به الرسل من الغيب فليس هو معقولا مجردا في النفس ولا هو موجود في الخارج لا يحس به بحال بل هو مما يحس به كما أخبرت بالملائكة والجن وغير ذلك وكل ذلك مما يجوز رؤيته والإحساس به.
وكذلك ما أخبرت به من الجنة والنار هو مما يحس به وكذلك الرب تبارك وتعالى وتقدس وتعظم تجوز رؤيته بل يرى بالأبصار في الآخرة في عرصات القيامة وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين.
ولهذا فرقت الرسل بين هذا وذاك فإن هذا شهادة أي مشهود لنا محسوس الآن وذاك غيب أي غائب عنا الآن لا نشهده وهذا فرق إضافي باعتبار حالنا في شهوده الآن وعدم شهوده فإذا متنا صار الغيب شهادة وشهدنا ما كانت الرسل أخبرت به وكان غيبا عنا.
قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (سورة ق 22) .
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (سورة الأنعام 30) .
(2/284)

وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (سورة الأحقاف 34) .
وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ} (سورة الملك 25 27) .
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً} (سورة الفرقان 21 22) .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} (سورة النساء 97 99) .
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (سورة الأنفال 50 51) .
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ
(2/285)

أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} (سورة الأنعام 93) وقال: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وبالجملة الملائكة الذين أخبر رسل الله عنهم كما ذكرهم الله في القرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من أخبار الأنبياء من تدبر بعض ما ذكر عنهم وما تقوله المتفلسفة في المجردات العقول العشرة والنفوس التسعة علم بالاضطرار أن هذا مباين لهم من وجوه كثيرة وأن كل من رام من القرامطة الباطنية أو باطنية أهل الكلام والتصوف أن يجعل هذا مكان هذا ويجمع بين ما أخبرت به الرسل وما ذكرته الفلاسفة كان من أجهل الناس إن لم يعرف وأعظمهم تعمدا للكذب إن عرف.
والجمع بين هذا وهذا أبعد من الجمع بين شريعة التوراة بعد النسخ والتبديل وبين شريعة القرآن فإن هؤلاء يزعمون أن العقل الأول أبدع كل ما سوى الرب وكل ما سواه معلول مربوب له والعقل الفعال أبدع كل ما تحت السماء وهو معلول ومربوب له وهذا مما يعلم صبيان المسلمين أنه تكذيب صريح لما جاءت به الرسل ليس في كلام الرسل أن ملكا
(2/286)

من الملائكة خلق كل ما سوى الله ولا خلق جنسا من المخلوقات ولا كان قديما.
بل قد ثبت في الصحيح عن عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم".
وقال سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (سورة الأنبياء 26 27 28) .
وقال تعالى: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران 80) .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (سورة الإسراء 56 57) قال طائفة من السلف: "كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فأخبرهم الله تعالى أن هؤلاء الذين يدعونهم من الملائكة والأنبياء هم عباد الله كما أنتم عباده يرجون رحمته كما ترجون رحمته ويخافون عذابه كما تخافون عذابه ويتقربون إليه كما تتقربون إليه.
وهؤلاء زعموا أن الشفاعة إنما هي بأن يتوجه الإنسان إلى روح
(2/287)

مفارق فيفيض عليه من ذلك الروح وذلك الروح قد فاض عليه الأمر من الرب وشبهوا ذلك بشعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم وقع شعاع المرآة على غيره وقد ذكر هذا المعنى ابن سينا والغزالي في المضنون به على غير أهله وغيرهما ممن بني على أصلهم الفاسد إذ كانوا لا يرون أن الله يسمع كلام عباده ولا يعلم ما في نفوسهم ولا يقدر أن يغير شيئا من العالم ولا له مشيئة يفعل بها من يشاء فأثبتوا الشفاعة على هذا الوجه.
وهذه شر من الشفاعة التي يثبتها مشركو العرب والنصارى والمبتدعون من المسلمين ونحوهم ممن يقول إن الله فاعل مختار فإن هؤلاء يثبتون شفيعا يشفع إلى الله فيقضي حاجته وجعلوا شفيعهم من جنس الذي شفع عند الملوك.
فأبطل الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك وكفر من أثبت هذه الشفاعة فقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} (سورة يونس 18) .
وقال تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (سورة الأنعام 51) .
وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} (سورة السجدة 4) .
(2/288)

وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (سورة البقرة 255) .
وقال عن الملائكة: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} سورة الأنبياء 28) .
وقال: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} (سورة النجم 26) .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سورة سبأ 22) .
وقال تعالى: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (سورة سبأ 23) .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية بأن الملائكة إذا سمعوا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا أزيل الفزع عنهم: {قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (سورة سبأ 23) .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} (سورة البقرة 254) .
(2/289)

وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} (سورة البقرة 48) .
والناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا.
والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل الكبائر.
وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى وعيسى فيقول لهم عيسى اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: "فيأتوني فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أنطلق فأسجد فيحد لي حدا" ذكر هذا ثلاث مرات.
(2/290)

وفي الصحيح أن أبا هريرة قال لرسول الله: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه " فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أسعد الناس بشفاعته في الآخرة أعظمهم إخلاصا لله وتوحيدا له في الدين.
وذلك أنه من يشفع عنده بغير إذنه كان الشافع شريكا له في العقل ولهذا سمي الشفيع شفيعا لأنه يشفع للطالب كما قال تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} (سورة النساء 85) فكل من أعان غيره على أمر فهو شافع له والشافع عند غيره تؤثر فيه حركة تغير اختياره ويكون شريكا له في المطلوب والله منزه عن ذلك كله.
(2/291)

وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأسعد الناس بالمغفرة التي تنال بالشفاعة وغير الشفاعة أعظمهم إخلاصا له لا من كان فيه شرك يرجو غير الله ويسأل غير الله ويعبد غير الله كما يفعل المشركون الذين اتخذوا من دون الله شفعاء سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين أو من يظن فيهم الصلاح فيسألونهم ويستغيثون بهم إما في مغيبهم وإما عند قبورهم.
وكثيرا ما يتمثل لهؤلاء المشركين صورة ذلك الشخص المستغاث به ويكون ذلك شيطانا تمثل على صورته ليضل ذلك المستغيث به المشرك كما كانت الشياطين تكلم الناس من الأصنام وكما يقع كثير من ذلك في أرض الشرك أرض الصين والترك والهند والغرب والجنوب والشمال يرون أحيانا أن ميتهم قد جاء وحدثهم بأمور وقضى لهم حوائج فيظنونه قد عاش بعد موته وإنما هو شيطان قد تمثل على صورته ومنهم من يصنع قربانا للشيطان ويقرب له ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه ويغنون غناء يناسبه ويأتون بشيخ لهم يناسب ذلك الشيطان فيسقونه الدم أو يفعل به الفاحشة أو ينطق بالكفر الذي يختاره الشيطان ثم يتكلم الشيطان إما منفردا وإما على لسان ذلك الشيخ ببعض ما يريدونه وربما صعد الشيخ في الهواء وهم يرونه وقد يحمل للشيطان بعض هؤلاء الشيوخ الذين لهم حال شيطاني فيطير به في الهواء فيذهب به إلى مكان آخر وربما مشى به على الماء لكن لا بد أن يكون الشيخ عاصيا لله ورسوله وكلما كان أفجر وأكفر كان أقرب له إلى الشياطين.
(2/292)

كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} (سورة الشعراء 221-222) .
وإذا كان من أولياء الله المتقين المطيعين لله ورسوله هربت منه هذه الشياطين وكان أعوانه جند الله من الملائكة والجن المؤمنين وغيرهم وقد يطيع الشياطين لولى الله في بعض ما يأمر به من طاعة الله ورسوله تعظيما له وإكراما له لا طاعة لله ولرسوله فهذا يقع كثير ولكن لم تسخر الجن والشياطين تسخيرا مطلقا لغير سليمان عليه السلام وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن هؤلاء الفلاسفة كثيرا ما يظنون الأمور الذهنية المتصورة في الذهن حقائق ثابتة في الخارج وهذا الأمر غالب عليهم كثير في كلامهم ومن تفطن له تبين له وجه غلطهم في كثير من مطالبهم مع أنهم لهم عقول ونظر وفضيلة بالنسبة إلى أتباعهم لا إلى أتباع الرسل.
وعلم القوم الذي كانوا يعرفونه هو الطب والحساب فلهم في الطبيعيات كلام كثير جيد والغالب عليه الجودة وكذلك في الحساب في الكم المنفصل والكم المتصل وفيهم خلاف كثير في علم الهيئة وحركات الكواكب ومقاديرها وكذلك في سائر علومهم هم أكثر الطوائف اختلافا.
وإذا قال أبو عبد الله الرازي: "اتفقت الفلاسفة" فإنما عنده ما ذكره ابن سينا في كتبه وكذلك كلام المشائين أتباع أرسطو وإلا فالفلاسفة أصناف مختلفة وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه
(2/293)

الكبير في المقالات لما ذكر مقالات غير الإسلاميين وكذلك أبو عيسى الوراق والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم ممن يحكي مقالات الناس ويناظرهم ذكروا من أقوال الفلاسفة اختلافهم ما يكون كلام المشائين فيه قليل من كثير.
وإذا كان غاية فلسفتهم إنما هو العلم بكليات لا وجود لها في الخارج إنما يوجد في الخارج أشخاص معينة وتلك الكليات لا وجود لها في الخارج فليس هناك شيء يلائم النفس حتى تكون النفس كاملة سعيدة بمعرفته فتبين أن ما ذكروه من كمال النفس وسعادتها بعد الموت خطأ وضلال.
الوجه الحادي عشر: أن الكليات هي مطابقة لجزئياتها فإذا كانت الجزئيات تقبل التغير من حال إلى حال لم تكن الكليات ثابتة على حال فلا يكون العلم بها علما بشيء باق وكل مخلوق فإنه يقبل التغير من حال إلى حال على ما أخبرت به الرسل ودلت عليه العقول وإذا لم يكن في الموجودات كليات عقلية أزلية أبدية لا تقبل التغير فيبقى ما في النفس من هذه الكليات المتعلقة بالمخلوقات جهلا لا علما وذلك مثل الكليات الطبيعية وهو أن النار تحرق فإن هذا له شروط وموانع فقد لا تحرق لفوات الشروط أو وجود المانع وليست الموانع أمرا محدودا فلا يمكن العلم القاطع أن كل نار تحرق بالفعل لما من عادته أن تحرقه ثم هم يدعون قدم الأفلاك وبقائها وكذلك العقول والنفوس.
(2/294)

فيقال: هذه أمور معينة لا كلية فإذا كانت النفس تبقى ببقاء معلومها فالمعلوم الباقي الأزلي الأبدي الذي لا ريب في بقائه وقدمه وهو رب العالمين فالسعادة والكمال في معرفته وعبادته وهذا هو العلم الأعلى الذي هو علم بالرب الأعلى ليس العلم هو العلم بوجود مطلق وأقسامه كما قوله هؤلاء ومن تبعهم حتى أدخل ذلك في أصول الفقه الرازي ونحوه ويحيلون بالبرهان على العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه.
وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع على كلامهم في الحد والبرهان وبينا ما عليه نظار المسلمين في الحد وأن المقصود به التمييز للمحدود من غيره فمقصوده تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال سواء كان حد الشيء اسم وهو الحد بحسب الاسم أو لشيء موجود وهو الحد بحسب الحقيقة وهذا الحد يحصل بالعرف المطابق للمحدود في العموم والخصوص بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه فيكون الحد مطردا منعكسا كالاسم مع المسمى.
وأما ما يدعونه هم من أن الحد يحصل به معرفة حقيقة المحدود في الخارج وأنه يكون بالصفات الذاتية الداخلة في الحدود المركبة من الجنس والفصل فهذا مما تكلم نظار المسلمين على خطئهم فيه من وجوه كما بيناه في موضعه وبينا أن قولهم إن الإنسان مركب من الجنس والفصل إن أريد به تركيب ما في الذهن فهذا صحيح فإن الإنسان إذا تصور في نفسه حيوانا ناطقا كان ما تصوره مركبا من هذا وهذا وإن
(2/295)

تصور حيوانا ضاحكا كان ما تصوره مركبا هذا وهذا وكان لفظه دالا على ما تصوره بالمطابقة وعلى بعضه بالتضمن وعلى الخارج عنه اللازم له بالالتزام فالمجموع هو مجموع الماهية التي تصورها في نفسه وجزؤها هو جزء الماهية وهو المدلول عليه بالتضمن والخارج عنها اللازم لما هو اللازم للماهية المقصودة في الذهن فيعود تمام الماهية وجزؤها الداخل ولازمها الخارج إلى ما دل عليه بالمطابقة والتضمن والالتزام هذا هو الذي يتحصل من هذا كما حرره من حرره كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وأما أن تكون صفات الموصوف اللازمة بعضها داخل في ماهيته الخارجة وبعضها خارج عن ماهيته الخارجة فهذا باطل وما ذكروه من الفروق الثلاثة بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم قد اعترفوا هم ببطلانها وقد بين بطلانها بالدليل.
وما ذكروه من الوسط بين بعض اللوازم وبعضها أراد به أئمتهم كابن سينا ونحوه أنه الدليل كما يقولون الحد الأوسط فجعلوا من الذات ما يعلم بلا دليل ومنها ما لا يعلم إلا بالدليل وهذا فرق يرجع إلى علم العالم بها لا إلى حقيقة هي علمها في نفس الأمر فظن من ظن من متأخريهم أنهم أرادوا بالوسط أن الصفات اللازمة تارة يتصف بها الموصوف بنفسها وتارة يكون بينه وبينها وسط في هذا الاتصاف.
(2/296)

واضطربوا هنا اضطرابا يظهر به أن القوم في ظلمات بعضها فوق بعض فكلام سلفهم فيه خطأ كثير وقد حصل في النقل والترجمة ما حصل من الخطأ ويزيده متأخروهم خطأ فصاروا في شر من دين اليهود والنصارى فإن ذاك أصله حق جاء من عند الله ولكن هم بدلوا وغيروا وهؤلاء كان الأصل فاسد وكثر الفساد في الفروع فإن حاصل ما انتهى إليه أرسطو في الإلهيات فيه من الفساد ما لا يسعه هذا الموضع والقوم من أجهل الناس بذلك وفيه من الغلط أكثر مما في الطبيعيات.
وهذا إذا اقتصر على الفلسفة الموروثة عن أولئك ولكن المنتسبون إلى الإسلام منهم والعربية صار لهم بسبب ما استفادوه من المسلمين من العقليات الصحيحة والمعارف الإلهية ما صاروا به خيرا من أوليهم وأعلم وأعقل ولهذا يوجد في كلام ابن سينا وأمثاله من تحقيق الأمور الإلهية والكليات العقلية ما لا يوجد لأوليهم وإن كان هو وأمثاله عند أهل الإيمان بالله ورسوله من جملة المرتدين والمنافقين.
وإذا قالوا الإنسان مركب من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية فإن أرادوا انه مركب من جوهرين لزم أن يكون كل موصوف بصفات لازمة ذاتية مركبا من جواهر كثيرة فيكون في الإنسان جوهر هو جسم وجوهر هو حساس وجوهر هو نام وجوهر هو متحرك بالإرادة وجوهر هو ناطق وهذا مما يعلم كل عاقل أنه فاسد وإن أرادوا أنه مركب من عرض فالجوهر كيف يتركب من الأعراض وكيف تكون الأعراض قائمة به مقومة له سابقة عليه وتكون هي أجزاءه وهل تكون قط
(2/297)

صفة موصوف متقدمة عليه بوجه من الوجوه لا سيما وهم يثبتون تقدما في الخارج لكنه تقدم كلي مثلما يدعونه من تقدم العلة على المعلول.
وكلامهم في هذا أيضا فاسد فإنه لا يعرف قط أن الفاعل متقدم على مفعوله إلا تقدما حقيقيا بحيث يكون الفعل بعده حقيقة وهو الذي يسمونه تقدم بالزمان وسواء سمي الفاعل علة أم لم يسم.
وأما قول القائل: حركت يدي فتحرك الخاتم فحركة اليد ليست علة فاعلة لحركة الخاتم بل المحرك لليد هو المحرك للخاتم والخاتم في اليد كأصبع في يد وليست حركة الكف علة لحركة الأصبع ولكنهما متلازمان لما بينهما من الاتصال.
وقد بين هذا في موضعه وبين أن ما يدعونه من الفاعل الموجب بالذات الذي يكون مفعوله مساوقا له بالزمان مما اجتمع الأولون والآخرون من جميع طوائف العقلاء على فساده حتى أرسطو وأتباعه من الفلاسفة المتقدمين وإنما قال هذا بعض المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين ادعوا أن الممكن بنفسه الذي يقبل الوجود والعدم يكون بنفسه قديما أزليا واجبا بغيره.
وهذا قول شرذمة منهم وأما جمهور الفلاسفة القائلون بقدم العالم كأرسطو وأتباعه والقائلون بحدوثه فكلهم ينكرون هذا كما ينكره سائر
(2/298)

العقلاء ويقولون الممكن لا يكون إلا محدثا فكل ما كان ممكنا يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما لم يكن إلا حادثا كما قد بسط في موضعه.
وحينئذ فإذا قالوا النفس تبقى ببقاء معلومها فليس من المعلومات المشهودة ما هو باق أبدا لا يستحيل من حال إلى حال ولا في المعلومات الموجودة التي يعلمون وجودها بالبرهان عندهم ما هو باق أزلا وأبدا لا يستحيل من حال إلى حال إلا الله وحده وما يثبتونه من العقول والنفوس ليس له حقيقة إلا في الوجود الذهني لا الخارجي وأما نفوس بني آدم وإن كانت باقية فهي العالمة التي تكمل وتبقى ببقاء معلومها.
والمقصود أي ليس لها موجود معلوم يعلم بالبرهان بقاؤه أزلا وأبدا ليبقى ببقائه إلا الله وحده وإذا قالوا تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود فهذا العالم ليس ثابتا على حال من الأحوال بل هو يستحيل من حال إلى حال.
أما على القول الحق فإن الأفلاك مخلوقة ومستحيلة وأما على زعمهم بأنها أزلية أبدية فليست كلية إنما هي أشياء معينة فهي من قبيل الحسيات لا من قبيل المعقولات الكلية ولهذا لما قال من قال منهم كابن سينا ونحوه إن الرب لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي وقال إنه يعلم نفسه ويعلم ما يصدر عنه صار متناقضا فإنه سبحانه معين وما يصدر عنه معين والعقول معينة لا كلية والأفلاك معينة لا كلية
(2/299)

فكيف يقال: لا يعلم إلا الكليات ويقال مع ذلك إنه يعلم ما يصدر عنه.
ولهذا كان هذا مما احتج به عليه المسلمون المثبتون للصفات واستدركه عليه أتباعه كالطوسي فأما المسلمون فقالوا كلامه صريح بإثبات كثرة المعلوم وهو دائما يفر من الكثرة وأما الطوسي فلما رأى هذا لازما أنكره على ابن سينا وادعى أن علمه بالمعلومات هي نفس المعلومات وزعم أنه حقق هذا وهذا من أفسد ما قيل في العالم وأبعده عن العقل.
ولقد كان الناس يعجبون ويسخرون من قول الفلاسفة إن العلم هو العالم والعلم هو القدرة فيجعلون هذه الصفة هي الأخرى ويجعلون الصفة هي الموصوف فإن فساد هذا من أبين الأمور في العقل والعلم بفساده ضروري فجاء هذا المتأخر منهم ففر إلى ما هو شر من ذلك فقال بل العلم نفس المعلومات وهذا ما عرفت أحدا من العالمين سبقه إليه وهم يدعون معرفة العقليات وهذا كلامهم في رب العالمين لا يقوله إلا من هو من أضل الناس.
وهم إنما قالوا ما قالوه فرارا من كثرة الصفات وفرارا من حلول الحوادث ولهذا كان كثير من أساطينهم أو أكثرهم وكثير من متأخريهم كأبي البركات يخالفونهم في هذين الأصلين ويقولون بإثبات الصفات وبقيام الحوادث به كما قد حكيت مقالاتهم فإن عامة الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو كانوا يقولون بحدوث الأفلاك لكن
(2/300)

كانوا في المادة هل يقال بحوادث لا أول لها ولكل مادة مادة أو يقال بمادة قديمة أو حديثة وأما صورة الفلك فكانوا يقولون بحدوثها كما أخبرت به الرسل وأول من عرف عنه القول بقدمها أرسطو.
هذا ذكره غير واحد من أهل المقالات وبحث أرسطو في كتابه يدل على ذلك وقد بسط الكلام على أرسطو نفسه وأقواله المنقولة عنه في الإلهيات وبين ما فيها من قلة العلم وكثرة الجهل وأنهم من أبعد الناس معرفة برب العالمين.
(2/301)

والذي لا ريب فيه أنهم لا يؤمنون بالله ولا بملائكته ولا رسله ولا اليوم الآخر ولا يدينون دين الإسلام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو عبادة الله وحده لا شريك له فإن هذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينا غيره.
قال تعالى عن نوح: {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة يونس 71-72) .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وأنه قال: {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الزمر 12) .
(2/301)

وقال تعالى عن إبراهيم: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (سورة البقرة 130 132) .
وقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة آل عمران 67) .
وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة النحل 120) .
وقال: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة الأنعام 161) .
(2/302)

وقال عن قوم موسى: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} (سورة يونس 84) .
وقال عن سحرة فرعون: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} (سورة الشعراء 47-48) إلى قوله: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} (سورة الشعراء 51) وقال في الآية الأخرى: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (سورة الأعراف 126) .
وقال عن يوسف الصديق: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (سورة يوسف 101) .
وقال عن بلقيس: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة النمل 44) .
وقال عن أنبياء بني إسرائيل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة 44) .
وقال عن الحواريين: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} إلى قوله: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} (سورة المائدة 111-112) .
فهذه الرسل وأممهم من نوح إلى الحواريين كلهم على الإسلام
(2/303)

وكذلك كل من كان قبلنا من أهل السعادة فهو مؤمن قال تعال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 62) وفي الآية الأخرى: {وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} (سورة المائدة 69) فإن النصارى أفضل من الصابئين فلما قدموا عليهم نصب لفظ الصابئون ولكن الصابئون أقدم في الزمان فقدموا ها هنا لتقدم زمنهم ورفع اللفظ ليكون ذلك عطفا على المحل فإن المعطوف على المحل مرتبته التأخير ليشعر أنهم مؤخرون في المرتبة وإن قدموا في الزمن واللفظ.
وهو سبحانه ذكر في سورة الحج ملل العالم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (سورة الحج 17) فأخبر أنه يفصل بين أهل الملل أجمعين ولم يذكرهم هنا ليتبين المحمود منهم في الآخرة وفي سورة البقرة والمائدة ذكر أربعة أصناف المسلمين والذين هادوا والنصارى والصابئين ثم قال: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 62) فدل على أن هذه الأربعة منهم من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وأولئك هم السعداء في الآخرة بخلاف من لم يكن من هؤلاء مؤمنا بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وبخلاف من كان من المجوس والمشركين فهؤلاء كلهم لم يذكر منهم سعيد في الآخرة.
(2/304)

وكذلك الإسلام العام قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 111 112) .
وقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (سورة النساء 125) .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي" ولهذا ترجم البخاري على ذلك (باب من جاء في أن دين الأنبياء واحد".
(2/305)

وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} (سورة الشورى 13) فقد أمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه.
وقال في الآية الأخرى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (سورة المؤمنون 51 53) فذم الذين تفرقوا على الأنبياء فآمن هؤلاء ببعض وهؤلاء ببعض وهم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا.
وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (سورة الروم 30 31) .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (سورة الأنعام 159) وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} (سورة النساء 150 151) .
(2/306)

وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (سورة البقرة 213) قال ابن عباس: "وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" وقوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على الحق وهو دين الإسلام فاختلفوا كما ذكر ذلك في سورة يونس هذا قول الجمهور وهو الصواب.
(2/307)

وقد قيل: كانوا أمة واحدة على الباطل وهو من الباطل فدين الله تعالى الذي ارتضاه لنفسه دين واحد في الأولين والآخرين وهو عبادة الله وحده لا شريك له وهذا هو دين الإسلام وتنوع الشرائع كتنوع الشريعة الواحدة للشيء الواحد فإن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين وأفضل المرسلين لا نبي بعده وقد بعث بدين الإسلام ما زال الإسلام دينه وقد
(2/307)

أمر أولا باستقبال صخرة بيت المقدس ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة والدين واحد وإن تنوعت الشريعة فكذلك قوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (سورة المائدة 48) .
فما جعله الله لكل كتاب من الشرعة والمنهاج والمنسك لا يمنع أن يكون الدين واحد فالذين كانوا يتمسكون بالتوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل كانوا على دين الإسلام وإن كان لهم شريعة تختص بهم وكذلك المتمسكون بالإنجيل قبل النسخ والتبديل على دين الإسلام وإن كان المسيح قد نسخ بعض ما في التوراة وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم وكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بدين الإسلام وإن نسخ الله ما نسخه كالقبلة ومن لم يتبع محمدا لم يكن مسلما بل كافرا ولا ينفعه بعد أن بلغه دعوة محمد التمسك بما يخالف ما أمر به فإن ذلك لا يقبل منه.
ولهذا لما أنزل الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} (سورة آل عمران 85) قالت اليهود والنصارى نحن مسلمون فقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (سورة آل عمران 97) فقالوا: لا نحج فقال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (سورة آل عمران 97) وقد روى الترمذي وغيره عن النبي
(2/308)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من ملك زاد أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا".
وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (سورة آل عمران 18-20) فأخبر سبحانه أن الدين عنده هو الإسلام أولا وآخرا وهو دين واحد ثم بين أن أهل الكتاب إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم من بعضهم على بعض لا لأجل طلب الحق.
وهذا كقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (سورة البينة 4 5) .
(2/309)

وقال في الآية الأخرى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (سورة الجاثية 16-19) .
والاختلاف المطلق الذي ذمه الله تعالى في القرآن أن تبتدع كل طائفة قولا يلتبس فيه الحق والباطل فتخالف كل طائفة الطائفة الأخرى وتعاديهم وكلهم مخالفون لما بعث الله به الرسل من دين الإسلام كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح وغيره واختلاف أهل الأهواء من هذه الأمة.
(2/310)

فإن الإسلام وسط في الملل بين الأطراف المتجاذبة والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل فالمسلمون في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين شبهوا الخالق بالمخلوق فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوق وهي صفات النقص فقالوا إن الله فقير وإن الله بخيل وإن الله تعب لما خلق العالم فاستراح وبين النصارى الذين شبهوا المخلوق بالخالق فوصفوه بالصفات المختصة بالخالق فقالوا هو الله.
والمسلمون وصفوا الخالق بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص ونزهوه أن يكون شيء كفوا له في شيء من صفات الكمال فهو منزه عن صفات النقص مطلقا ومنزه في صفات الكمال أن يماثله فيها شيء من المخلوقات.
(2/310)

وكذلك هم في الأنبياء وسط فإن اليهود كما قال فيهم: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (سورة البقرة 87) وكذلك كانوا يقتلون الأنبياء ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.
والنصارى غلوا فأشركوا بهم ومن هو دونهم قال الله فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (سورة التوبة 31) .
والمسلمون آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم ومن سب نبيا من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء وفي استتابته نزاع قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (سورة البقرة 136) .
وقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (سورة البقرة 177) .
وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً
(2/311)

إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (سورة البقرة 285-286) والآية الأخرى وفي الصحيحين عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من قرأ الآيتين في آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وقد ثبت عنه في الصحيح "أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وتارة يقرأ في الأولى بآية الإيمان التي في البقرة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية وفي الثانية بآية الإسلام في آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} إلى قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران 64) .
وكذلك المسلمون وسط في النسخ فإن اليهود قالوا ليس لرب العالمين أن يأمر ثانيا بخلاف ما أمر به أولا والنصارى جوزوا لرؤوسهم أن
(2/312)

يغيروا شريعة المسيح فيحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاؤوا والمسلمون قالوا رب العالمين يأمر بما يشاء له الخلق والأمر وليس لأحد من الخلق أن يغير دينه ولا يبدل شرعه ولكن هو يحدث من أمره ما يشاء فينسخ ما يشاء.
ويثبت ما يشاء وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام فإن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة طاهرة مع اجتناب النجاسة والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله بل يستحلون الخبائث ويباشرون النجاسات وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات والخبائث كان أفضل عندهم والمسلمون أباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث وهم وسط في سائر الأمور وليس هذا موضع بسط ذلك.
وكذلك أهل السنة في الإسلام فهم في الصحابة وسط بين الرافضة التي يغلون في على فيجعلونه معصوما أو نبيا أو إلها وبين الخوارج الذين يكفرونه.
وهم وسط في الوعيد بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة الذين لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة.
وهم في القدر وسط بين النفاة للقدر من المعتزلة وغيرهم وبين الجهمية المثبتة الذين ينكرون حكمة الله في خلقه وأمره.
وهم في الصفات وسط بين المعطلة الذين ينفون صفات الله أو بعضها ويشبهونه بالجماد والمعدوم وبين الممثلة الذين يمثلون صفاته
(2/313)

بصفات خلقه فيصفون الله بصفات خلقه فيصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ومن غير تكييف ولا تحريف.
فمن حيث بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن الإسلام إلا ما أمر به لأن الإسلام أن يستسلم العبد لله رب العالمين لا لغيره فمن استسلم له ولغيره فجعل له ندا فهو مشرك قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} (سورة البقرة 165) .
ومن استكبر عن عبادة الله فلم يستسلم له فهو معطل لعبادته وهو شر من المشركين كفرعون وغيره قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سورة غافر 60) .
والإسلام إنما يكون بأن تعبد الله وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به فكل ما أمر به فهو حين أمر به من دين الإسلام وحين نهى عنه لم يبق من دين الإسلام كما كانت الصخرة أولا من دين الإسلام ثم لما نهى عنها لم تبق من دين الإسلام فلهذا صار المتمسك بالسبت وغيره من الشرائع المنسوخة ليس من دين الإسلام فكيف بالمبدل.
والله تعالى قط لم يرض له دينا غير الإسلام ولا أحد من رسله لا سيما خاتم الأنبياء فإنه لم يرض من أحد إلا بدين الإسلام لا من
(2/314)

المشركين ولا من الذين أوتوا الكتاب وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى آخرها وهي كلمة تقتضي براءته من دينهم وأن ديني لي وأنتم بريئون منه ودينكم لكم وأنا بريء منه.
كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (سورة يونس 41) فقوله: {لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} هو نظير قوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} وقرنه بمقتضاه وموجبه فقال: {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .
ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه السورة: "هي براءة من الشرك" ولهذا كان يقرأها كثيرا مع {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغيرهما لأن فيهما التوحيد هذه فيها توحيد العمل والإرادة وتلك فيها توحيد القول والعلم وإذا قال في تلك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أحد فأمره أن
(2/315)

يقول ما هو خبر عن الله بأنه الأحد الصمد وقال في هذه: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} فأمره أن يقول أنه لا يعبد ما يعبدون من دون الله إذ لا يعبد إلا الله وحده.
ومثل هذا المعنى قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} (سورة الشورى 15) أي لا خصومة والحجة هي ما يحتج به الخصم وإن كان باطلا فليس من شرط لفظ الحجة أن تكون حقا بل إذا كانت حقا سميت بينة وبرهانا ودليلا ولهذا قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (سورة النساء 165) : {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} (سورة البقرة 150) وهم المشركون يحتجون عليكم بحجة باطلة فيقولون قد رجع إلى قبلتنا فيوشك أن يرجع إلى ديننا وبهذا فسر الآية علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن قال من المتأخرين إن إلا بمعنى الواو وقالوا إن المراد لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم قولهم من الباطل الذي يظهر فساده من وجوه كثيرة.
(2/316)

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} (سورة الشورى 16) وقال في الحق: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} (سورة الأنعام 83) .
وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث المتفق على صحته: "إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعا من النار".
وقد قال طائفة من المفسرين أن هذه السورة منسوخة أي فيما ظنوها دلت عليه من ترك القتال فإنهم ظنوا أن قوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} يتضمن ترك القتال ومعلوم أن الله لم يأمر نبيه بمكة بالقتال بل إنما أمره بالقتال بالمدينة وأول آية نزلت في القتال قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (سورة الحج 39) فأذن الله لهم أولا فيه ثم كتب عليهم ثانيا فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} (سورة البقرة 216) .
(2/317)

وكتب عليهم قتال من لم يسالمهم فأما من سالمهم فلم يؤمروا بقتاله كما قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (سورة الأنفال 61) وقال: {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} (سورة النساء 90) .
ولهذا كان بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين كثير من المشركين عهود مطلقة ومؤقتة فالمؤقتة كانت لازمة والمطلقة لم تكن لازمة بل لكل منهما فسخها فلما فتح الله مكة وغزا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبوك سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته أمر فيها بغزو أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (سورة التوبة 29) .
ولما رجع من غزوة تبوك أنزل الله سورة براءة وذكر أحوال المنافقين بقوله (ومنهم) ، (ومنهم) ولهذا تسمى الكاشفة والمبعثرة والفاضحة وأمر بنبذ العهود المطلقة وتحريم الحرم على الكفار
(2/318)

فأرسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر أميرا على الموسم وأمره أن ينهى عن طواف العراة بالبيت وأن ينهى المشركين عن الحج ولهذا كان ينادي في الموسم ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وأتبعه بعلي بن أبي طالب لأجل نبذ العهود إلى المشركين الذين كانت لهم عهود مطلقة وكان أبو بكر هو الأمير على الموسم وعلي معه يصلي خلفه ويأتمر بأمره لكن أرسله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه كان من عادة العرب أن العهود لا يعقدها ولا يحلها إلا المطاع أو رجل من أهل بيته فخاف إن لم يبعث واحدا من أهل بيته أن لا يقبلوا نبذ العهود ولم يرجع أبو بكر إلى المدينة ولا عزله عن شيء كان ولاه وما روى من ذلك فهو من الكذب المعلوم أنه كذب.
وكان تأميره على علي بعد قوله لعلي في غزوة تبوك أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كما قد بسط في موضعه فقال
(2/319)

الله تعالى في براءة: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة التوبة 1) إلى قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (سورة التوبة 4) إلى قوله: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (سورة التوبة 4) .
وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه لا يجوز أن يعاهد الكفار إلا إلى أجل مسمى ثم اضطربوا فقال بعضهم يجوز نقضه ولا يكون لازما وقال بعضهم بل يكون لازما لا ينقضي واضطربوا في نبذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العهد والصحيح أنه يجوز العهد مطلقا ومؤجلا فإن كان مؤجلا كان لازما لا يجوز نقضه لقوله: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} (سورة التوبة 4) وإن كان مطلقا لم يكن لازما فإن العقود اللازمة لا تكون مؤبدة كالشركة والوكالة وغير ذلك وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وسمي من قال كل قول.
والمقصود أن الله لما أنزل براءة وقال فيها: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (سورة التوبة 5) وهي الأربعة التي قال الله فيها: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} (سورة التوبة 2) ليست الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقد قال بعضهم هي هذه وغلط في ذلك قال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
(2/320)

وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} (التوبة 5) وهذه تسمى آية السيف فأمر الله فيها بقتال المشركين وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولهذا قال في آية الفتح: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} (سورة الفتح 16) وهم الروم وفارس كانوا أشد بأسا من العرب ولا بد من مقاتلتهم أو إسلامهم وإذا قوتلوا فإنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بخلاف ما كان قبل آية الجزية فإنهم كانوا تارة يقاتلون وتارة يعاهدون بلا جزية كما عاهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليهود والمشركين بلا جزية وكانوا قد دعوا عام الحديبية إلى قتال من يقاتل أو يعاهد وبعد ذلك يدعون إلى قتال من يقاتلون أو يسلمون ولم يقل أو يسلموا فإنه كان يكون المعنى حتى يسلموا وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية بل إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد قوتلوا القتال المأمور به.
ثم العلماء مختلفون بعد نزول آية الجزية هل تؤخذ من أهل
(2/321)

الكتاب ومن له شبهة كتاب دون غيره أو تؤخذ من كل كافر جازت معاهدته والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما لم يأخذها من العرب لأن قتالهم كان قبل نزول آية الجزية أو يستثنى مشركو العرب فيها ثلاثة أقوال للعلماء مشهورة والجمهور يجوزون أخذها من مشركي الهند والترك وغيرهم من أصناف العجم كما يجوز الجميع معاهدة هؤلاء عند الحاجة أو المصلحة وهل يجوز أن يعاهدوا عهدا مطلقا أو لا يكون إلا مؤقتا على قولين.
فلهذا يوجد كثير من المفسرين يقول في آيات يظن معناها النهي عن القتال إنها منسوخة بآية السيف فالذين قالوا: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} منسوخة هذا مأخذهم والصواب أن هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي بل مضمونها البراءة من دين الكفار وهذا أمر محكم لا ينسخ أبدا وأما أن يقال فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافر فهذا لم يقله أحد من علماء المسلمين أصلا ولا أحد من سلف الأمة ولا من الأولين ولا من الآخرين ولا يقول ذلك إلا من هو مفتقر
(2/322)

على الله ورسوله لم يرض الله بغير دين الإسلام وهو الذي بعث الله به محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخلق بغير هذا الدين قط وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجز المسلمين وقلتهم.
ولهذا لما استأذن الأنصار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة العقبة لما بايعوه في الجهاد قال إني لم أومر بذلك بعد ثم لما كتب القتال كرهه بعضهم فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (سورة النساء 77) وهذه الآية لبسطها موضع آخر.
والمقصود هنا ذكر ما يتعلق بالفلاسفة والفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة الحكمة والفيلسوف في لغتهم محب الحكمة ولهذا يقولون سوفستيا أي حكمة مموهة ثم كثرت في الألسنة فقيل سفسطة أي حكمة مموهة وأما ما يقوله طائفة ممن يحكي مقالات الناس إن في العام رجلا كان اسمه سوفسطا وأنه كان هو شيعته ينكرون الحقائق كلها وجعلوا هذه أربع فرق فرقة تجزم بنفي الحقائق وطائفة تجزم بنفي العلم بها وتقول ليس عند أحد منهم علم بشيء وطائفة واقفة يقولون لا ندري تسمى المتجاهلة وتسمى اللاأدرية وطائفة تجعل الحقائق تتبع العقائد فكل من اعتقد شيئا فهو في نفس الأمر على ما اعتقد فهذا النقل على ظاهره باطل ليس في العالم طائفة معروفة تقول بشيء من هذه الأقوال في كل شيء ولا رجل اسمه سوفسطا.
(2/323)

ولكن كل من هذه الأقوال قد يعرض لكثير من الناس في بعض الأمور فيكون قد سفسط في ذلك الأمر كالكفار الذين جحدوا ما علموا أنه الحق.
قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (سورة النمل 14) وقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة البقرة 146) وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (سورة الأنعام 33) .
فإن في العالم من يكذب فيخبر بخلاف ما يعلم في كثير من الأمور ليس في العالم من يكذب في كل ما يقول وكذلك في العالم من كذب بكثير من الحق الذي يعلمه لكن لا يكذب بكل ما يقال له من الحسيات وغيرها فمن نفى الحقائق مع علمه بها ونفى العلم مع ثبوته فهو من الكاذبين ومن تجاهل وقال لا أدري فهو من الكاتمين ما معه من الحق مثل كاتم الشهادة ومن جعل الحقائق تتبع العقائد كما يظن طائفة من النظار أن ليس في الحوادث التي ليس فيها نص قاطع عندهم حكم معين يطلب بالاجتهاد بل الحكم فيها يتبع الإعتقاد ولهذا قيل في هذا المذهب أوله سفسطة ولكن هو سفسطة حدثت على طائفة من النظار الأذكياء فإن هذا قول أبي الهذيل وأبي
(2/324)

علي وأبي هاشم والأشعري في أظهر قوليه وقول القاضي أبي بكر وأبي حامد الغزالي وغيرهم.
وهو وإن كان قولا ضعيفا مخالفا للكتاب والسنة وإجماع السلف باطل شرعا وعقلا فالقائلون به قوم فضلاء قصدهم الحق لم يكن غرضهم أن يقولوا ما يعلمون أنه باطل وقد بسط الكلام على هذه المسألة في مواضع.
والمقصود أن الفلاسفة هم حكماء اليونان وكل أمة من أهل الكتب المنزلة وغيرهم فلهم حكماء بحسب دينهم كما للهند المشركين حكماء وكان للفرس المجوس حكماء وحكماء المسلمين هم أهل العلم بما بعث الله به رسوله وأهل العمل به قال مالك الحكمة معرفة الدين والعمل وقال ابن قتيبة وغيره الحكمة في اللغة هي العلم والعمل فمن علم ما أخبرت به الرسل فآمن به وصدق بعلم ومعرفة وعلم ما أمر به فسمع وأطاع فقد أوتي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.
فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة صار هذا مطلقا على كل من سلك سبيل أولئك اليونان واتبعهم في حكمتهم والذين اتبعوهم من المتأخرين فصرحوا فيها بأشياء وقربوها إلى الملل وإلا فإذا ذكرت على وجهها ظهر فيها من الباطل ما ينفر عنها كل عاقل عرف دين الرسل فإن الرسل فد جاءوا من العلم والبيان في الأمور الإلهية ما يكون في حكمة اليونان معه من جنس نسبة طب العجائز إلى طب أبقراط أو من جنس نسبة ملحة الإعراب إلى كتاب سيبويه.
(2/325)

وإذا كان كذلك فلاسفة اليونان وفلاسفة العرب والفرس والهند وسائر الأمم الذين لا كتاب لهم ليسوا في الأمور الإلهية بمنزلة علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى بل هؤلاء أعلم منهم بالأمور الإلهية ثم هؤلاء كلهم إذا جاءهم رسول وكذبوه فهم كفار وإن كانوا على شريعة رسول يعملون بها بلا تبديل فهم مؤمنون مسلمون من أهل الجنة وإن لم يكونوا على شريعة ولا جاءهم رسول فهم من أهل الجاهلية كأمثالهم من أهل الفترات وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.
والفلاسفة الذين بلغتهم دعوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضهم من المتظاهرين بالإسلام وبعضهم من اليهود وبعضهم من النصارى وكل من خالف ما جاءت به الرسل فهو ضال من أي الطوائف كان فإن الله بعثهم بالحق والمعقول الصريح دائما يوافق ما جاءت به الرسل لم يخالف العقل الصريح شيئا مما جاءت به الرسل وقد بسط هذا في الكتاب المصنف في درء تعارض العقل والنقل.
والفلاسفة المتظاهرون بالإسلام يقولون إنهم متبعون للرسول لكن إذا كشف حقيقة ما يقولونه في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر تبين لمن يعرف ما جاء به الرسول وما يقولونه في نفس الأمر أن قولهم ليس هو قول المؤمنين بالله ورسوله والمسلمين بل فيه من أقوال الكفار والمنافقين شيء كثير.
وفرق أهل الكلام مع بدعهم وضلالهم أقرب إلى الرسول وإلى دين الإسلام خارجيهم وشيعيهم ومعتزليهم وكراميهم لكن غالب
(2/326)

هؤلاء ناظروهم مناظرة فاسدة سمعا وعقلا فلا هم عرفوا دين الإسلام في كثير من المسائل التي نازعوهم فيها بل صاروا يضيفون إلى دين الإسلام ما ليس منه ولا قالوا في الاستدلال والجواب عن معارضيهم ما هو حق بل ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة.
لكن باطل الفلاسفة أكثر وهم أعظم مخالفة للحق المعلوم بالأدلة الشرعية والعقلية في الأمور الإلهية والدينية من أولئك المبتدعين من أهل الكلام ولكن ضعف معرفة هؤلاء المتكلمين بالحق وأدلته سلطت أولئك كالجند الفساق إذا قاتلوا عسكر الكفار قتالا لم يكونوا فيه بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وكان ذلك مما يسلط الكفار عليهم وإن غلبوهم بالفجور والظلم أديلوا عليهم فإن البغي مصرعه وخيم والعدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال وإنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط.
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (سورة الحديد 25) وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} (سورة الشورى 17) وقال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (سورة الرحمن 7) .
(2/327)

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (سورة المائدة 8) فأمر الله المؤمنين بالعدل على الكفار وإن كانوا يبغضونهم بغضة أمر الله بها ورسوله قال تعالى: {إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} (سورة المائدة 42) وقال: {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (سورة البقرة 190) .
وقد تكلم أهل البدع معهم في مسألة حدوث العالم والمعاد والصفات والنبوات بما أضافوا إلى دين المسلمين من الأقوال التي ليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ولا قالها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة المسلمين وإنما هي مأخوذة عن أهل الكلام المبتدع المحدث المذموم عند السلف والأئمة الذي أصله مأخوذ عن الجهمية والمعتزلة فصارت الأصول التي يذكرها أهل البدع وأتباعهم التي هي يضاف بعضها إلى الله ورسوله ودين الإسلام ويناظر عليها عند من لم يعرف إلا أقوال أهل البدع والمتكلمين والفلاسفة الملحدين بل ومنها ما يظن بل يحكى أنها إجماع المسلمين وأن من خالفها فقد خرج عن دين الإسلام وتكون تلك الأصول من البدع المحدثة في الإسلام المخالفة لقول الله ورسوله والصحابة والتابعين بإحسان.
وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في خلق الله للسموات والأرض في ستة أيام وما جاء به القرآن والحديث الصحيح وما قاله الصحابة والتابعون وما أخبر به أيضا في المعاد من انشقاق السماء
(2/328)

وانفطارها وتسيير الجبال وسجر البحار وتكوير الشمس والقمر وغير ذلك مما فيه استحالة أجزاء هذا العام من حال إلى حال ليس في شيء من ذلك أن العالم كله بعدم ولا يبقى شيء موجود إلا الله كما يقوله من يقوله من أهل الكلام الذين تلقوا ذلك عن الجهمية.
فإن الجهم أصل قوله أن الله لا يقدر على فعل ما لا يتناهى بل جعل لفعله مبدأ ومنتهى وجعله معطلا في الأزل والأبد ولهذا قال إن الجنة والنار يفنيان ويفنى كل شيء وهذا من بدعه التي أنكرها عليه السلف والأئمة وادعى هو وغيره من المعتزلة وغيرهم أن العالم يعدم كله ثم يعاد كله بعد عدمه كله وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف كما قد بسط في موضعه.
وكذلك خلق السموات والأرض قد أخبر أنه كان قبل ذلك عرشه على الماء وقد بسطنا القول في هذه المواضع وبينا ما جاء به السمع وهو مطابق للعقل من أن الله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم وذلك غير تعطله سبحانه عن القول والعمل بمشيئته فإن هذا ليس هو قول السلف وأئمة السنة بل الثابت عنهم خلاف ذلك كما قد بسط في موضعه.
ولهذا تكلم الجهمية والقدرية ومن تبعهم في مسألة قدرة الرب بكلام ناقص جدا ومن نظر في بحوث الرازي وأمثاله معهم في مسألة القادر رأى عجائب ورأى أن الواحد من هؤلاء كأنه يبطن خلاف ما يظهر، يظهر الانتصار لقوله وكلامه يدل على نقيضه فإن كان مع ظهور رجحان أحد القولين لا يشعر برجحانه فهذا جهل عظيم.
(2/329)

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
وأولئك أثبتوا موجبا بالذات مستلزما لمعلوله مجردا عن الصفات وهذا فاسد من وجوه كثيرة قد بينا بعضها وهؤلاء أثبتوا قادرا يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح أصلا وقالوا القادر من يفعل مع جواز أن لا يفعل وهذا إنما هو قول القدرية الذين يقولون إن العبد يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وهو قول الجهمية والقدرية في فعل الرب فأما أهل السنة فعندهم القادر لا يرجح أحد مقدوريه إلا بمرجح وهذا من حججهم على القدرية.
يقول أهل السنة إن الله خص المطيعين بما به رجحوا الطاعة على المعصية دون العصاة ولولا تفضله عليهم بما به رجحوا لم يطيعوه كما قد بسط هذا في موضعه والقادر إذا كان له إرادة تامة لزم وجود مقدوره فهو يوجب بقدرته ومشيئته ما يريده وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما شاءه الرب فواجب كونه وما لم يشأ فيمتنع كونه لكن وجوب لوجود مشيئته وامتناع لعدم مشيئته وإذا فسر القادر المختار بمثل هذا بطلت شبه الفلاسفة النافية للقادر المختار وكذلك الجهم بن صفوان ومن اتبعه يزعمون أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا سبب ولا حكمة فأنكروا ما في الأجسام من الطبائع وما في خلق الله وأمره من الحكمة وما في المخلوقات والشرائع من الأسباب.
(2/330)

والأشعري ومن وافقه اتبعوا جهما على قوله في القدر وإن كانوا يثبتون قدرة وكسبا لكن ما أثبتوه لا حقيقة له في المعنى بل قولهم هو قول جهم وإن نازعوه في إثبات القدرة والكسب ولهذا كان قولهم في نفي ما في الشريعة من الحكم والأسباب خلاف إجماع السلف والفقهاء فإن من أصولهم أن الله لا يخلق لحكمة ولا يأمر لحكمة بل ليس عندهم في القرآن لام تعليل في خلقه وأمره وإذا تكلموا معهم في الأمور الطبيعية أحالوا جميع ذلك على مجرد ترجيح القادر بلا سبب وأن ما وجد من الاقتران فهو عادة محضة لا لارتباط بين هذا وهذا ثم قد يضيفون هذا القول إلى السنة.
وهذا القول لم يقله قط أحد من سلف الأئمة ولا أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم بل المنصوص عنهم وعن غيرهم خلاف هذا القول وإن كان قد قاله طوائف من أصحابهم المتأخرين متابعة لمن قال ذلك من أهل الكلام المتبعين لجهم.
ولهذا لما تكلموا في العقل لم يجعلوه غريزة إذ كان عندهم ليس في الوجود غريزة ولا طبيعة ولا قوة يكون لها أثر أو تكون سببا في غيرها لا قدرة ابن آدم ولا غيرها فاحتاجوا إلى أن جعلوه نوعا من العلوم الضرورية وأتموا الأمر فيه.
والمنصوص عن أئمة الدين أن العقل غريزة كما ذكر ذلك أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما.
(2/331)

وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وإنما المقصود التنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يعرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعون وسلف الأمة وأن ذلك الأمر لا يمكن أن يخالفه معقول صحيح قط بل كل ما خالفه فهو باطل وأن المتكلمين الذين تلقوا أصل كلامهم عن الجهمية والقدرية ونحوهم في كلامهم باطل كثير أدخلوه في دين الإسلام وليس من دين الإسلام ولم يكن أحد منهم ممن يجزم بسعادته في الأولين والآخرين إلا من المؤمنين المسلمين كما دل القرآن على ذلك في غير موضع.
(2/332)

فصل:
وليس في كتب المشائين دعوة إلى عبادة الله ومحبته أصلا بل غايتهم أنهم يقولون: "الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة" ولفظ إله في كلامهم يعني هذا المعنى.
كما قال أبو البركات في المعتبر الفصل الثاني في العلم الإلهي والإلهيات:
"يظهر من المتداول في كلام القدماء أن المراد بلفظ إله
(2/332)

هي معنى إضافي بالقياس إلى من هو إله له وهو الذي يقتديه نفس الشيء الذي هو له إله في فعلها وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة إرادته بحسب مشيئته وتحريكه فكان المتعلم يسمى معلمه الذي يقتدي به إلها وربا ويظهر منه أيضا أن الإله هو الفاعل الذي لا يرى وله على البشر سلطان وقدرة وليس لهم عليه".
قال: "فالنفوس على مذاهبهم فعالة لا ترى ولها سلطان على البشر لكن لهم عليها أيضا سلطان فإن النفوس البشرية يؤذي بعضها بعضها ويتسلط بعضها على بعض وكانوا يشيرون بذلك إلى الملائكة الروحانية وقد سبق لذلك ذكر في كتاب النفس ونستوفي ها هنا النظر فيه فعلم الإلهيات هو الذي تعرف فيه صفات الإله مطلقا ثم صفات إله الآلهة ورب الأرباب هذا لفظه.
(2/333)

قلت: قوله: "هو الذي يقتديه نفس الشيء الذي هو إله في فعلها" أي يقتديه نفس المتأله في فعلها.
وقوله: "وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة إرادته بحسب مشيئته وتحريكه فكان المتعلم يسمى معلمه الذي يقتدي به إلها وربا" يبين أنه يفعل للتشبه به فتجد له النفس جسدها على ما يشاكل إرادة المألوه ويشابهها بحسب مشيئة المألوه وتحريكه فقد بين أن المتأله يفعل كما يفعل مألوهه ويأمره مألوهه فيريد ويحرك جسده بحسب مشيئة المألوه وتحريكه ثم مثل ذلك بالمتعلم مع المعلم الذي يقتدي به ويأتمر بأمره للتشبه به وأنه عندهم إلهه وربه وذلك بمنزلة التلميذ مع أستاذه وغايته أن يكن بمنزلة الأمة مع نبيها تقتدي به وتطيع أمره.
وهذا الذي حكاه عنهم مطابق لما حكاه سائر الناس عنهم أن الفلسفة عندهم هي التشبه بالإله على قدر الطاقة وذكر لله معنى آخر وهو الفاعل الذي لا يرى وله سلطان وجعل الملائكة هي الآلهة بهذا التفسير وبين أن العلم الإلهي يتكلمون فيه على جنس الآلهة ثم على صفات الإله الأكبر الذي هو إله الآلهة فالإلهية عند القوم أمر مشترك بين الله وبين الملائكة وبين المعلمين ومن نقتدي به لكن
(2/334)

إلهية الله أفضل وأكمل كما أن الوجود مشترك بين الموجودات لكن الوجود الواجب أكمل.
وهذا الشرك شر من شرك مشركي العرب فإن أولئك وإن أشركوا بالوسائط وقالوا هم شفعاؤنا عند الله وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فلم يكن التأله عندهم بمعنى التشبه والإقتداء بل بمعنى العبادة والذل والمحبة وهؤلاء مع عظيم شركهم بالله بمخلوقاته جعلوا التأله لنا هو التشبه بالإله لا أنه يحب ويعبد ويدعى ويسأل ولهذا لم تكن الآلهة مختصة بالله عندهم لأن التشبه مبناه على أن الأدنى يتشبه بالذي فوقه والذي فوقه يتشبه بمن فوقه حتى ينتهي إلى الغاية ولهذا سموه إله الآلهة.
ولهذا يقولون: إن كل فلك يتحرك للتشبه بعقله ففلك القمر يتحرك للتشبه بالعقل العاشر والفلك التاسع يتحرك للتشبه بالعقل الثامن.
وبهذا الطريق أثبت أرسطو وأتباعه وجوده وقالوا إن الفلك يتحرك للتشبه به وشبهوه بتحريك المعشوق لعاشقه لكن العاشق يحب ذات المعشوق والفلك عندهم إنما يحب التشبه بالله وهو كتحريك الإمام للمصلين والمتبوع للتابعين فلم يثبتوا بهذا أن الله رب العالمين خلقه وأنشأه ولا أنه إله العالم الذي يحبه العبد ويرجوه ويخشاه.
(2/335)

لكن اسم الإله لما كان موجودا في القرآن وذكره المعربون لكتب أولئك وبينوا معناه في لغة أولئك صار بسبب الاشتراك في اللغتين في إطلاقه تلبيس على من لم يعرف مراد القرآن العزيز باسم الإله ومراد القوم باسم الإله وبين المرادين بون عظيم.
ثم لما كان مقصود القوم التشبه به فهم في الحقيقة لا يعبدونه ولا يستعينونه فهم خارجون عن دين المرسلين القائلين إياك نعبد وإياك نستعين فإن التشبه بغيره مقصوده أن يكون مثله بحسب قدرته فلو قدر أن يكون مثله من كل وجه لفعل ذلك لكن يفعل ما يقدر عليه وليس مراده محبة نفس ذلك المتشبه به ولا الذل له بل مماثلته كما يقوم التلميذ مقام أستاذه والابن مقام أبيه.
وهذا لا يستلزم حب المتشبه ولا بغضه بل كثيرا ما يكون مع البغض الحسد والمنافسة كما قد يكون مع عدم ذلك والغالب انه مع وجود الإثنين لا بد من المنافسة والمنادة وهذا هو الند والكمال عند القوم أن يجعل أحدهم نفسه لله ند.
ثم من العجب أن القوم يدعون التوحيد ويبالغون في نفي التشبيه حتى نفوا الصفات وشنعوا على أهل الكتاب لما جاء من الصفات في التوراة وغيرها وأنكروا قوله في التوراة إنا سنخلق بشرا على صورتنا يشبهنا وهو يدعون أن أحدهم يجعل نفسه شبيها لله فإن كان هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا عندهم لإمكان المشابهة من وجه دون وجه فالله أقدر على أن يفعل ذلك من الواحد منهم وإن كان هذا ممتنعا
(2/336)

مطلقا فما بالهم زعموا أنهم يتشبهون بالله تعالى مع أن التشبيه الذي أثبتوه شرك صريح في الإلهية التي هي مختصة بالله.
ودعوى القدرة على جعل الند لله بقدرة الواحد منا واختياره ومن أثبت الإلهية لغير الله من الملائكة والأنبياء كان مشركا أعظم فكيف من أثبتها لآحاد الناس وأمر الخلق أن يصيروا آلهة متشبهين بالله؟!
وقد قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران 79 80) .
ولهذا ضل من سلك سبيل هؤلاء فصار مقصودهم هو التشبه بالله واحتجوا بما يروون تخلقوا بأخلاق الله.
وصنف أبو حامد شرح أسماء الله الحسنى وضمنه التشبه بالله في كل اسم من أسمائه وسماه التخلق حتى في اسمه الجبار والمتكبر والإله ونحو ذلك من الأسماء التي ثبت بالنص والإجماع أنها مختصة بالله وأنه ليس للعباد فيها نصيب كقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث
(2/337)

الصحيح الذي رواه مسلم وغيره "يقول الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته".
وسلك هذا المسلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما من ملاحدة الصوفية وصار ذلك مع ما ضموا إليه من البدع والإلحاد موقعا لهم في الحلول والإتحاد.
وقد أنكر المازري وغيره على أبي حامد ما ذكره في التخلق وبالغوا في النفي حتى قالوا ليس لله اسم يتخلق به العبد.
ولهذا عدل أبو الحكم بن برجان عن هذا اللفظ إلى لفظ التعبد ولبسط الكلام على ذلك موضع آخر فإن من أسمائه وصفاته ما يحمد العبد على الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك ومنها ما يذم العبد على الاتصاف به كالإلهية والتجبر والتكبر.
(2/338)

وللعبد من الصفات التي يحمد عليها ويؤمر بها ما يمنع اتصاف الرب به كالعبودية والافتقار والحاجة والذل والسؤال ونحو ذلك وهو في كل ذلك كماله في عبادته لله وحده وغاية كماله أن يكون الله هو معبوده فلا يكون شيء أحب إليه من الله ولا شيء أعظم عنده من الله ويكون هو إلهه الذي يعبده وربه الذي يسأله فيتحقق بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
ومتصوفة الفلاسفة تسلك مسلك ابن سينا في مقامات العارفين الذي ذكره في آخر الإشارات وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبين أن ذلك مع مدح الرازي له غايته فناء ناقص مع نقص توحيد الربوبية والإثبات.
وأما الفناء الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب فهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه ومحبته عن محبة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه فيتحقق بحقيقة قول لا إله إلا الله.
وقد ثبت في الصحيح عن عثمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
(2/339)

وفي السنن عن معاذ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
وهذا التوحيد يتضمن إثبات صفات الكمال لله ونفي النقص ونفي مماثلته لشيء من الأشياء وإثبات خصائصه بالمحبة والعبادة والتعظيم ونحو ذلك.
وإنما يتفاوت أهل العلم والإيمان بحسب تفاوتهم في تحقيق هذا التوحيد كما قد بسط في موضعه والله أعلم.
تمت القاعدة من كلام شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحنبلي مؤلف كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) .
(2/340)