Advertisement

الفتاوى الكبرى لابن تيمية 003


مَسْأَلَةٌ:
عَنْ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ مُجَاوِرِي النَّصَارَى، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ إذَا مَرِضَ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَعُودَهُ؟ وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَتْبَعَ جِنَازَتَهُ؟ وَهَلْ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وِزْرٌ، أَمْ لَا؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ، وَأَمَّا عِيَادَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَا. فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِتَأْلِيفِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِذَا مَاتَ كَافِرًا فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ: وَلِهَذَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ]
362 - 2 مَسْأَلَةٌ:
هَلْ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ؟
الْجَوَابُ: التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ حَرَامٌ، بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ تُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إنَّهَا دَاءٌ، وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ: أَنَّهُ «نَهَى عَنْ الدَّوَاءِ بِالْخَبِيثِ» . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» .
وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ ضُفْدَعٍ تُجْعَلُ فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: إنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ» . وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ قَطْعًا. وَلَيْسَ
(3/5)

لَهُ عَنْهُ عِوَضٌ، وَالْأَكْلُ مِنْهَا وَاجِبٌ، فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ. دَخَلَ النَّارَ. وَهُنَا لَا يُعْلَمُ حُصُولُ الشِّفَاءِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا الدَّوَاءُ، بَلْ اللَّهُ تَعَالَى يُعَافِي الْعَبْدَ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالتَّدَاوِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
363 - 3: سُئِلَ: عَنْ الْمُدَاوَاةِ بِالْخَمْرِ: وَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا جَائِزَةٌ. فَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» فَاَلَّذِي يَقُولُ: تَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ فَمَا حُجَّتُهُ وَقَالُوا: إنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَقُولُ بِجَوَازِ الْمُدَاوَاةِ بِهِ فَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ مَا حُجَّتُهُ؟
أَجَابَ: وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَئِمَّةِ: كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ تُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إنَّهَا دَاءٌ، وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ» وَالْخَمْرُ أُمُّ الْخَبَائِثِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَاَلَّذِينَ جَوَّزُوا التَّدَاوِيَ بِالْمُحَرَّمِ قَاسُوا ذَلِكَ عَلَى إبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ: كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ لِلْمُضْطَرِّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُضْطَرَّ يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ يَقِينًا بِتَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّهُ إذَا أَكَلَهَا سَدَّتْ رَمَقَهُ، وَأَزَالَتْ ضَرُورَتَهُ، وَأَمَّا الْخَبَائِثُ بَلْ وَغَيْرُهَا فَلَا يُتَيَقَّنُ حُصُولُ الشِّفَاءِ بِهَا، فَمَا أَكْثَرُ مَنْ يَتَدَاوَى وَلَا يُشْفَى، وَلِهَذَا أَبَاحُوا دَفْعَ الْغَصَّةِ بِالْخَمْرِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا، وَتَعَيُّنِهَا لَهُ، بِخِلَافِ شُرْبِهَا لِلْعَطَشِ. فَقَدْ تَنَازَعُوا فِيهِ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهَا لَا تَرْوِي.
الثَّانِي:
أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى إزَالَةِ ضَرُورَتِهِ إلَّا الْأَكْلُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ،
(3/6)

وَأَمَّا التَّدَاوِي فَلَا يَتَعَيَّنُ تَنَاوُلُ هَذَا الْخَبِيثِ، طَرِيقًا لِشِفَائِهِ، فَإِنَّ الْأَدْوِيَةَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ يَحْصُلُ الشِّفَاءُ بِغَيْرِ الْأَدْوِيَةِ كَالدُّعَاءِ، وَالرُّقْيَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ نَوْعَيْ الدَّوَاءِ. حَتَّى قَالَ بُقْرَاطُ: نِسْبَةُ طِبِّنَا إلَى طِبِّ أَرْبَابِ الْهَيَاكِلِ، كَنِسْبَةِ طِبِّ الْعَجَائِزِ إلَى طِبِّنَا.
وَقَدْ يَحْصُلُ الشِّفَاءُ بِغَيْرِ سَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ بَلْ بِمَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْجِسْمِ مِنْ الْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ:
أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ. وَأَمَّا التَّدَاوِي فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَئِمَّةِ. وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، بَلْ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ: التَّدَاوِي؟ أَمْ الصَّبْرُ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ الْجَارِيَةِ الَّتِي كَانَتْ تُصْرَعُ، وَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْعُوَ لَهَا، فَقَالَ: إنْ أَحْبَبْت أَنْ تَصْبِرِي وَلَك الْجَنَّةُ، وَإِنْ أَحْبَبْت دَعَوْت اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَك فَقَالَتْ: بَلْ أَصْبِرُ، وَلَكِنِّي أَنْكَشِفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَنْكَشِفَ، فَدَعَا لَهَا أَنْ لَا تَتَكَشَّفَ.» وَلِأَنَّ خَلْقًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَكُونُوا يَتَدَاوَوْنَ، بَلْ فِيهِمْ مَنْ اخْتَارَ الْمَرَضَ. كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ تَرْكَ التَّدَاوِي.
وَإِذَا كَانَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَاجِبًا، وَالتَّدَاوِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لَمْ يَجُزْ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنَّ مَا كَانَ وَاجِبًا قَدْ يُبَاحُ فِيهِ مَا لَا يُبَاحُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ؛ لِكَوْنِ مَصْلَحَةِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ تَغْمُرُ مَفْسَدَةَ الْمُحَرَّمِ، وَالشَّارِعُ يَعْتَبِرُ الْمَفَاسِدَ وَالْمَصَالِحَ، فَإِذَا اجْتَمَعَا قَدَّمَ
الْمَصْلَحَةَ
الرَّاجِحَةَ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ؛ وَلِهَذَا أَبَاحَ فِي الْجِهَادِ الْوَاجِبِ مَا لَمْ يُبِحْهُ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى أَبَاحَ رَمْيَ الْعَدُوِّ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَتَعَمُّدُ ذَلِكَ يَحْرُمُ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[التَّدَاوِي بِشَحْمِ الْخِنْزِيرِ]
364 - 4 - سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ وُصِفَ لَهُ شَحْمُ الْخِنْزِيرِ لِمَرَضٍ بِهِ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: وَأَمَّا التَّدَاوِي بِأَكْلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّلَطُّخِ بِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ
(3/7)

النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
وَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ. كَمَا يَجُوزُ اسْتِنْجَاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ. وَمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ. كَمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا. كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ، وَدَهْنِ الْجُلُودِ، وَالِاسْتِصْبَاحِ بِهِ، وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ ثَمَنِهِ. وَلِهَذَا رَخَّصَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ، فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُنَجِّسُهَا.
365 - 5 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ يَتَدَاوَى بِالْخَمْرِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، هَلْ يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] فِي إبَاحَةِ مَا ذُكِرَ؟ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِذَلِكَ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ يُتَدَاوَى بِهَا فَقَالَ: إنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ الدَّوَاءِ بِالْخَبِيثِ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» .
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَرُورَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ الشِّفَاءُ بِهَا، كَمَا يُتَيَقَّنُ الشِّبَعُ بِاللَّحْمِ الْمُحَرَّمِ؛ وَلِأَنَّ الشِّفَاءَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ طَرِيقٌ، بَلْ يَحْصُلُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ إلَّا بِالْأَكْلِ.
(3/8)

[مَسْأَلَةٌ الْمَرِيض إذَا قَالَ لَهُ الطَّبِيب دَوَاؤُك لَحْم الْكَلْبِ أَوْ الْخِنْزِيرِ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي الْمَرِيضِ إذَا قَالَتْ لَهُ الْأَطِبَّاءُ: مَالَك دَوَاءٌ غَيْرُ أَكْلِ لَحْمِ الْكَلْبِ، أَوْ الْخِنْزِيرِ. فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مَعَ قَوْله تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» ؟ وَإِذَا وُصِفَ لَهُ الْخَمْرُ أَوْ النَّبِيذُ: هَلْ يَجُوزُ شُرْبُهُ مَعَ هَذِهِ النُّصُوصِ؟ أَمْ لَا؟ وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يُؤَلِّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ؟ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْخَبَائِثِ، لِمَا رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْد الْجُعْفِيَّ. «سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ، وَأَنْزَلَ الدَّاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الدَّوَاءِ بِالْخَبِيثِ» ، وَفِي لَفْظٍ يَعْنِي السُّمَّ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: «ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَوَاءً، وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ تُجْعَلُ فِيهِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي السُّكْرِ: " إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ " ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّدَاوِي بِالْخَبَائِثِ، مُصَرِّحَةٌ بِتَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ إذْ هِيَ أُمُّ الْخَبَائِثِ، وَجِمَاعُ كُلِّ إثْمٍ.
وَالْخَمْرُ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ، كَمَا ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ،
(3/9)

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنْ الْعَسَلِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ: وَهُوَ مِنْ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبِتْعِ. وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ - وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ حُبْشَانَ مِنْ الْيَمَنِ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنْ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ: أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ أَنْ يُسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» الْحَدِيثَ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَأَنَّهُ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ: إنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ إلَّا بِهَذَا الدَّوَاءِ الْمُعَيَّنِ. فَهَذَا قَوْلُ جَاهِلً، لَا يَقُولُهُ مَنْ يَعْلَمُ الطِّبَّ أَصْلًا، فَضْلًا عَمَّنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ الشِّفَاءَ لَيْسَ فِي سَبَبٍ مُعَيَّنٍ يُوجِبُهُ فِي الْعَادَةِ، كَمَا لِلشِّبَعِ سَبَبٌ مُعَيَّنٌ يُوجِبُهُ فِي الْعَادَةِ، إذْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُشْفِيهِ اللَّهُ بِلَا دَوَاءٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْفِيهِ اللَّهُ بِالْأَدْوِيَةِ الْجُثْمَانِيَّةِ، حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فَلَا يَحْصُلُ الشِّفَاءُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلشِّبَعِ. وَلِهَذَا أَبَاحَ اللَّهُ لِلْمُضْطَرِّ الْخَبَائِثَ أَنْ يَأْكُلَهَا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا فِي الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّ الْجُوعَ يَزُولُ بِهَا، وَلَا يَزُولُ بِغَيْرِهَا، بَلْ يَمُوتُ أَوْ يَمْرَضُ مِنْ الْجُوعِ، فَلَمَّا تَعَيَّنَتْ طَرِيقًا إلَى الْمَقْصُودِ أَبَاحَهَا اللَّهُ، بِخِلَافِ الْأَدْوِيَةِ الْخَبِيثَةِ.
بَلْ قَدْ قِيلَ: مَنْ اسْتَشْفَى بِالْأَدْوِيَةِ الْخَبِيثَةِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَرَضٍ فِي قَلْبِهِ، وَذَلِكَ
(3/10)

فِي إيمَانِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الْمُؤْمِنِينَ لَمَا جَعَلَ اللَّهُ شِفَاءَهُ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَمَّا التَّدَاوِي فَلَا يَجِبُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ بِالْحَلَالِ، وَتَنَازَعُوا: هَلْ الْأَفْضَلُ فِعْلُهُ؟ أَوْ تَرْكُهُ عَلَى طَرِيقِ التَّوَكُّلِ؟ .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَغَيْرَهَا، لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَدَاوِيَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
وَأَمَّا مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ لَا لِمُجَرَّدِ الضَّرُورَةِ: كَلِبَاسِ الْحَرِيرِ. فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ، لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَهَذَا جَائِزٌ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ إنَّمَا حَرُمَ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَلِهَذَا أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِحَاجَتِهِنَّ إلَى التَّزَيُّنِ بِهِ، وَأُبِيحَ لَهُنَّ التَّسَتُّرُ بِهِ مُطْلَقًا فَالْحَاجَةُ إلَى التَّدَاوِي بِهِ كَذَلِكَ، بَلْ أَوْلَى، وَهَذِهِ حَرُمَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْفَخْرِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لُبْسُهَا لِلْبَرْدِ: أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ غَيْرُهَا.

وَأَمَّا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَلِّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ أَوْ لَا فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَيْسَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَحْدِيدِ وَقْتِ السَّاعَةِ نَصٌّ أَصْلًا، بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 187] . أَيْ خَفِيَتْ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَالَ تَعَالَى لِمُوسَى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أُطْلِعُ عَلَيْهَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ» . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ
(3/11)

لَيْسَ بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْ السَّائِلِ، وَكَانَ السَّائِلُ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ جِبْرِيلُ إلَّا بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ، وَحِينَ أَجَابَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمْ نَكُنْ نَظُنُّهُ إلَّا أَعْرَابِيًّا.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْلَمَ بِالسَّاعَةِ مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ مِيقَاتِهَا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِأَشْرَاطِهَا وَهِيَ عَلَامَاتُهَا، وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَبَعْضُهَا يَأْتِي بَعْدُ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ مِثْلُ الَّذِي صَنَّفَ كِتَابًا وَسَمَّاهُ الدَّارَ الْمُنَظَّمَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُعَظَّمِ، وَذَكَرَ فِيهِ عَشْرَ دَلَالَاتٍ، بَيَّنَ فِيهَا وَقْتَهَا، وَاَلَّذِينَ تَكَلَّمُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَاَلَّذِي تَكَلَّمَ فِي عَنْقَاءَ مَغْرِبٍ وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ صُورَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ أَتْبَاعِهِمْ فَغَالِبُهُمْ كَاذِبُونَ مُفْتَرُونَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَادَّعَوْا فِي ذَلِكَ الْكَشْفَ وَمَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .

[مَسْأَلَةٌ مَا تَفْعَلُهُ الشَّيَاطِينُ الْجَانَّةُ مِنْ مَسِّهَا وَتَخْبِيطِهَا]
367 - 7 - مَسْأَلَةٌ:
هَلْ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ يُنْكِرُ مَا تَفْعَلُهُ الشَّيَاطِينُ الْجَانَّةُ مِنْ مَسَّهَا وَتَخْبِيطِهَا وَجَوَلَانِ بَوَارِقِهَا عَلَى بَنِي آدَمَ، وَاعْتِرَاضِهَا؟ فَهَلْ لِذَلِكَ مُعَالَجَةٌ بِالْمُخْرَقَاتِ وَالْأَحْرَازِ، وَالْعَزَائِمِ، وَالْأَقْسَامِ، وَالرُّقَى، وَالتَّعَوُّذَاتِ، وَالتَّمَائِمِ؟ وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجِنَّ يَرْجِعُونَ إلَى الْحَقَائِقِ عِنْدَ عَامِرَةِ الْأَجْسَادِ بِالْبَوَارِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْخَوَاتِمَ الْمُتَّخَذَةَ مَعَ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ سُرْيَانِيٍّ، وَعِبْرَانِيٍّ، وَعَجَمِيٍّ، وَعَرَبِيٍّ، لَيْسَ لَهَا بُرْهَانٌ، وَإِنَّهَا مِنْ مُخْتَلَقِ الْأَقَاوِيلِ، وَخُرَافَاتِ الْأَبَاطِيلِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ الْقُوَّةِ، وَلَا مِنْ الْقَبْضِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُتَوَلِّي هَذَا الشَّأْنِ عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ، وَالْأَوْقَاتِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وُجُودُ الْجِنِّ ثَابِتٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَأَئِمَّتِهَا. وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]
(3/12)

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قُلْت لِأَبِي: إنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ: إنَّ الْجِنِّيَّ لَا يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ، هَذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَمْرٌ مَشْهُورٌ، فَإِنَّهُ يُصْرَعُ الرَّجُلُ فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ، وَيُضْرَبُ عَلَى بَدَنِهِ ضَرْبًا عَظِيمًا لَوْ ضُرِبَ بِهِ جَمَلٌ لَأَثَّرَ بِهِ أَثَرًا عَظِيمًا. وَالْمَصْرُوعُ مَعَ هَذَا لَا يُحِسُّ بِالضَّرْبِ، وَلَا بِالْكَلَامِ الَّذِي يَقُولُهُ. وَقَدْ يُجَرُّ الْمَصْرُوعُ، وَغَيْرُ الْمَصْرُوعِ، وَيُجَرُّ الْبِسَاطُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ. وَيُحَوِّلُ آلَاتٍ، وَيُنْقَلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان، وَيَجْرِي غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ مَنْ شَاهَدَهَا. أَفَادَتْهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، بِأَنَّ النَّاطِقَ عَلَى لِسَانِ الْإِنْسِيِّ. وَالْمُحَرِّكَ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الْإِنْسَانِ.
وَلَيْسَ فِي أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُنْكِرُ دُخُولَ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّ الشَّرْعَ يُكَذِّبُ ذَلِكَ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى الشَّرْعِ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مُعَالَجَةُ الْمَصْرُوعِ بِالرُّقَى، وَالتَّعَوُّذَاتِ. فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: فَإِنْ كَانَتْ الرُّقَى وَالتَّعَاوِيذُ مِمَّا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا، وَمِمَّا يَجُوزُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا الرَّجُلُ، دَاعِيًا لِلَّهِ، ذَاكِرًا لَهُ، وَمُخَاطِبًا لِخَلْقِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْقَى بِهَا الْمَصْرُوعُ، وَيُعَوَّذَ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ أَذِنَ فِي الرُّقَى، مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا» . وَقَالَ: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَلِمَاتٌ مُحَرَّمَةٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْمَعْنَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كُفْرٌ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَ بِهَا وَلَا يَعْزِمَ، وَلَا يَقْسِمَ، وَإِنْ
(3/13)

كَانَ الْجِنِّيُّ قَدْ يَنْصَرِفُ عَنْ الْمَصْرُوعِ بِهَا، فَإِنَّمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَرَسُولُهُ ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ، كَالسِّيمَا وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ، فَإِنَّ السَّاحِرَ السِّيمَاوِيَّ وَإِنْ كَانَ يَنَالُ بِذَلِكَ بَعْضَ أَغْرَاضِهِ، كَمَا يَنَالُ السَّارِقُ بِالسَّرِقَةِ بَعْضَ أَغْرَاضِهِ، وَكَمَا يَنَالُ الْكَاذِبُ بِكَذِبِهِ وَبِالْخِيَانَةِ بَعْضَ أَغْرَاضِهِ، وَكَمَا يَنَالُ الْمُشْرِكُ بِشِرْكِهِ وَكُفْرِهِ بَعْضَ أَغْرَاضِهِ، وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ نَالُوا بَعْضَ أَغْرَاضِهِمْ بِهَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّهَا تُعْقِبُهُمْ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَعْظَمَ مِمَّا حَصَلُوهُ مِنْ أَغْرَاضِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرُّسُلَ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَمَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَتِهِ.
وَمَنْفَعَتُهُ رَاجِحَةٌ عَلَى الْمَضَرَّةِ. وَإِنْ كَرِهَتْهُ النُّفُوسُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] الْآيَةَ. فَأَمَرَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلنُّفُوسِ، لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَا يَحْصُلُ لِلنُّفُوسِ مِنْ أَلَمِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْرَبُ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ لِتَحْصُلَ لَهُ الْعَافِيَةُ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ حُصُولِ الْعَافِيَةِ لَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى أَلَمِ شُرْبِ الدَّوَاءِ. وَكَذَلِكَ التَّاجِرُ الَّذِي يَتَغَرَّبُ عَنْ وَطَنِهِ، وَيَسْهَرُ، وَيَخَافُ، وَيَتَحَمَّلُ هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ، مَصْلَحَةُ الرِّبْحِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى هَذِهِ الْمَكَارِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ السَّاحِرِ: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} [البقرة: 102]- إلَى قَوْلِهِ - {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ السَّاحِرَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ.
وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ بَعْضَ أَغْرَاضِهِمْ فِي الدُّنْيَا:
(3/14)

{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] آمَنُوا وَاتَّقَوْا بِفِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، لَكَانَ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُمْ بِالسِّحْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] . وَقَالَ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] . وَقَالَ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 41] الْآيَتَيْنِ. وَقَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 201 - 202] .
وَالْأَحَادِيثُ فِيمَا يُثِيبُ اللَّهُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَدْفَعَ كُلَّ ضَرَرٍ بِمَا شَاءَ، وَلَا يَجْلِبَ كُلَّ نَفْعٍ بِمَا شَاءَ، بَلْ لَا يَجْلِبُ النَّفْعَ إلَّا بِمَا فِيهِ تَقْوَى اللَّهِ، وَلَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ إلَّا بِمَا فِيهِ تَقْوَى اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْعَزَائِمِ وَالْأَقْسَامِ وَالدُّعَاءِ وَالْخَلْوَةِ وَالسَّهَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ.
فَمَنْ كَذَّبَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ مِنْ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالسِّحْرِ، وَمَا يَأْتُونَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ: كَدُعَاءِ الْكَوَاكِبِ، وَتَخْرِيجِ الْقُوَى الْفَعَّالَةِ السَّمَاوِيَّةِ بِالْقُوَى الْمُنْفَعِلَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَمَا يَنْزِلُ مِنْ الشَّيَاطِينِ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، فَالشَّيَاطِينُ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وَيُسَمُّونَهَا رُوحَانِيَّةَ الْكَوَاكِبِ وَأَنْكَرُوا دُخُولَ الْجِنِّ فِي أَبْدَانِ الْإِنْسِ، وَحُضُورَهَا بِمَا يَسْتَحْضِرُونَ بِهِ مِنْ الْعَزَائِمِ وَالْأَقْسَامِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ، فَقَدْ كَذَّبَ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمًا.
وَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ بِمَا رَآهُ مُؤَثِّرًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِنَ ذَلِكَ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ - فَيَفْعَلَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ، وَيَتْرُكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ - وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ
(3/15)

وَرَسُولُهُ، إمَّا مِنْ الْكُفْرِ وَإِمَّا مِنْ الْفُسُوقِ، وَإِمَّا الْعِصْيَانُ، بَلْ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَيَتْرُكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ.
وَمِمَّا شَرَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّعَوُّذِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ. وَلَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ» وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ «كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ» «وَلَمَّا جَاءَتْهُ الشَّيَاطِينُ بِلَهَبٍ مِنْ نَارٍ، أَمَرَ بِهَذَا التَّعَوُّذِ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ، وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» .
فَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ الَّتِي يَقُولُهَا الْعَبْدُ إذَا أَصْبَحَ، وَإِذَا أَمْسَى، وَإِذَا نَامَ، وَإِذَا خَافَ شَيْئًا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا فِيهِ بَلَاغٌ. فَمَنْ سَلَكَ مِثْلَ هَذِهِ السَّبِيلِ، فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَمَنْ دَخَلَ فِي سَبِيلِ أَهْلِ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الدَّاخِلَةِ فِي الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَبِذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ ذَمَّهُ مِنْ مُبَدِّلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ. حَيْثُ قَالَ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى} [البقرة: 101 - 102]- إلَى قَوْلِهِ -: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَيْفِيَّةُ الْجِنِّ وَمَقَالَتُهُمْ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ كَيْفِيَّةُ الْجِنِّ وَمَقَالَتُهُمْ بِعَدَمِ عِلْمِهِ لَمْ يُنْكِرْ وُجُودَهُمْ إذْ وُجُودُهُمْ ثَابِتٌ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، غَيْرُ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ رَآهُمْ، وَفِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآهُمْ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالْخَبَرِ وَالْيَقِينِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَلَّمَهُمْ
(3/16)

وَكَلَّمُوهُ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِمْ، وَهَذَا يَكُونُ لِصَالِحِينَ، وَغَيْرِ صَالِحِينَ.
وَلَوْ ذَكَرْت مَا جَرَى لِي، وَلِأَصْحَابِي مَعَهُمْ لَطَالَ الْخِطَابُ، وَكَذَلِكَ مَا جَرَى لِغَيْرِنَا، لَكِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْأَجْوِبَةِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى مَا يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ، لَا يَكُونُ لِمَا يَخْتَصُّ بِعِلْمِهِ الْمُجِيبُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ لِمَنْ يُصَدِّقُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ مُبْتَلًى سَكَنَ فِي دَارٍ بَيْنَ قَوْمٍ أَصِحَّاءَ]
368 - 8 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ مُبْتَلًى سَكَنَ فِي دَارِ بَيْنَ قَوْمٍ أَصِحَّاءَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُمْكِنُنَا مُجَاوَرَتُك، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَاوِرَ الْأَصِحَّاءَ، فَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ السَّكَنِ بَيْنَ الْأَصِحَّاءِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُورِدْ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» فَنَهَى صَاحِبَ الْإِبِلِ الْمِرَاضِ أَنْ يُورِدَهَا عَلَى صَاحِبِ الْإِبِلِ الصِّحَاحِ، مَعَ قَوْلِهِ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» . وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّهُ «لَمَّا قَدِمَ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ، أَرْسَلَ إلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ» .

[الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّتِ الَّذِي كَانَ لَا يُصَلِّي]
369 - 9 - سُئِلَ: عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الَّذِي كَانَ لَا يُصَلِّي، هَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا أَجْرٌ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ عَلَيْهِ إثْمٌ إذَا تَرَكَهَا، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي؟ وَكَذَلِكَ الَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَمَا كَانَ يُصَلِّي، هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: أَمَّا مَنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ:
(3/17)

مِنْ الْمُنَاكَحَةِ، وَالْمُوَارَثَةِ. وَتَغْسِيلِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ وَالزَّنْدَقَةُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] وَقَالَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] .
وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْفِسْقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِهِمْ زَجْرًا لِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ، كَمَا امْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَلَى الْغَالِّ، وَعَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ، وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ - كَانَ عَمَلُهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ حَسَنًا.
وَقَدْ قَالَ لِجُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ابْنُهُ: إنِّي لَمْ أَنَمْ الْبَارِحَةَ بَشَمًا، فَقَالَ: أَمَا إنَّك لَوْ مِتّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْك. كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَتَلْت نَفْسَك بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ. وَهَذَا مِنْ جِنْسِ هَجْرِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكَبَائِرِ حَتَّى يَتُوبُوا، فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَمَنْ صَلَّى عَلَى أَحَدِهِمْ يَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَلَوْ امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا.
وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ النِّفَاقُ وَهُوَ مُسْلِمٌ يَجُوزُ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ، وَيُؤْمَرُ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] وَكُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ تُسَوَّغُ عُقُوبَتُهُ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ، حَتَّى مِمَّنْ فِي هَجْرِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ رَاجِحَةٌ فَتَحْصُلُ الْمَصَالِحُ الشَّرْعِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/18)

[مِنْ يُصَلِّي وَقْتًا وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ كَثِيرًا]
سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي وَقْتًا، وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ كَثِيرًا، أَوْ لَا يُصَلِّي، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟
أَجَابَ: مِثْلُ هَذَا مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، بَلَى الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ النِّفَاقَ يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَيُغَسَّلُونَ، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ. كَمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلِمَ نِفَاقَ شَخْصٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. كَمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عُلِمَ نِفَاقُهُ.
وَأَمَّا مَنْ شُكَّ فِي حَالِهِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ ظَاهِرَ الْإِسْلَامِ. كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ نِفَاقُهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ النَّهْيُ عَنْهُ، وَلَكِنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُنَافِقِ لَا تَنْفَعُهُ، «كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَلْبَسَ ابْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنْ اللَّهِ» وَقَالَ تَعَالَى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] .
وَتَارِكُ الصَّلَاةِ أَحْيَانًا، وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْفِسْقِ، فَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ إذَا كَانَ فِي هَجْرِ هَذَا، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا لَهُمْ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ [هَجَرُوهُ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ] ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَالْغَالِّ، وَالْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ، وَهَذَا شَرٌّ مِنْهُمْ.
فَصْلٌ
قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يُخَلِّفَ وَفَاءً، قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ صَارَ هُوَ يُوفِيهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَصَارَ الْمَدِينُ يُخَلِّفُ وَفَاءً.
(3/19)

هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عَنْهُ: «إنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ عَبْدٌ بِهَا، بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا، أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَدَعُ قَضَاءً» رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ تَرْكَ الدَّيْنِ بَعْدَ الْكَبَائِرِ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لَا قَضَاءَ لَهُ، فَعَلَى فَاعِلِ الْكَبَائِرِ أَوْلَى، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ قَاتِلُ نَفْسِهِ، وَالْغَالُّ: لَمَّا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمَا. وَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِذَوِي الْفَضْلِ تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى ذَوِي الْكَبَائِرِ الظَّاهِرَةِ، وَالدُّعَاةِ إلَى الْبِدَعِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةً فِي الْجُمْلَةِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: «الشَّهِيدُ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الدَّيْنُ» فَأَرَادَ بِهِ أَنَّ صَاحِبَهُ يُوَفَّاهُ.

[مَسْأَلَةٌ هَرَبَ لَهُ مَمْلُوكٌ ثُمَّ رَجَعَ]
371 - 11 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ مَمْلُوكٌ هَرَبَ، ثُمَّ رَجَعَ. فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذَ سِكِّينَتَهُ وَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهَلْ يَأْثَمُ سَيِّدُهُ؟ وَهَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ. وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ قَدْ ظَلَمَهُ، وَاعْتَدَى عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يُفَرِّجَ اللَّهُ.
فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ ظَلَمَهُ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يُقَتِّرَ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ، أَوْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ يُرِيدُ بِهِ فَاحِشَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَإِنَّ عَلَى سَيِّدِهِ مِنْ الْوِزْرِ بِقَدْرِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ.
«وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: صَلُّوا عَلَيْهِ» فَيَجُوزُ لِعُمُومِ النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ. وَأَمَّا أَئِمَّةُ الدِّينِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ. فَإِذَا تَرَكُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ زَجْرًا لِغَيْرِهِ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا حَقٌّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
372 - 12 - سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ يَدَّعِي الْمَشْيَخَةَ: فَرَأَى ثُعْبَانًا، فَقَامَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ
(3/20)

لِيَقْتُلَهُ، فَمَنَعَهُ عَنْهُ، وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ، عَلَى مَعْنَى الْكَرَامَةِ لَهُ، فَلَدَغَهُ الثُّعْبَانُ فَمَاتَ. فَهَلْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ؟ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَتْرُكُوا الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا، وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ كَمَا «امْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَلَى الْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» . وَقَالُوا لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: إنَّ ابْنَك الْبَارِحَةَ لَمْ يَبِتْ، فَقَالَ: بَشَمًا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَّا إنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ. فَبَيَّنَ سَمُرَةَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَشَمًا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ.
فَهَذَا الَّذِي مَنَعَ مِنْ قَتْلِ الْحَيَّةِ، وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ، أَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ نَفْسَهُ، بَلْ لَوْ فَعَلَ هَذَا غَيْرُهُ بِهِ لَوَجَبَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ، فَهَذَا شَبِيهُ عَمَلِهِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَكَلَ حَتَّى بَشِمَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، فَمَنْ جَنَى جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِبًا، كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّاتِ مِنْ نَوْعِ الْجِنَايَاتِ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُبَاحٍ. وَهَذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَذَا الْفِعْلِ إلَّا إظْهَارُ خَارِقِ الْعَادَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَمْنَعُ انْخِرَاقَ الْعَادَةِ.
كَيْفَ وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ كَذَّابُونَ مُلْبِسُونَ خَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَهْيِهِ، يُخْرِجُونَ النَّاسَ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ إلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَيُفْسِدُونَ عَقْلَ النَّاسِ وَدِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَيَجْعَلُونَ الْعَاقِلَ مُولِهًا كَالْمَجْنُونِ، أَوْ مُتَوَلِّهًا بِمَنْزِلَةِ الشَّيْطَانِ الْمَفْتُونِ، وَيُخْرِجُونَ الْإِنْسَانَ عَنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بِدَعٍ مُضَادَّةٍ لَهَا، فَيَفْتِلُونَ الشُّعُورَ وَيَكْشِفُونَ الرُّءُوسَ، بَدَلًا عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَرْجِيلِ الشَّعْرِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ، بَدَلًا عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَيُصَلُّونَ صَلَاةً نَاقِصَةَ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى بِدَعِهِمْ الْمُنْكَرَةِ عَلَى أَتَمِّ الْحَالَاتِ، وَيَصْنَعُونَ اللَّاذَنَ، وَمَاءَ الْوَرْدِ. وَالزَّعْفَرَانَ، لِإِمْسَاكِ الْحَيَّاتِ، وَدُخُولِ النَّارِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحِيَلِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةَ بَدَلًا عَمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ
(3/21)

وَالْأَحْوَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ، وَيُفْسِدُونَ مَنْ يُفْسِدُونَهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بَدَلًا عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْعِفَّةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ، وَحِفْظِ الْفَرْجِ، وَكَفِّ اللِّسَانِ.
وَمَنْ كَانَ مُبْتَدِعًا ظَاهِرَ الْبِدْعَةِ، وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَمِنْ الْإِنْكَارِ الْمَشْرُوعِ أَنْ يُهْجَرَ حَتَّى يَتُوبَ، وَمِنْ الْهَجْرِ امْتِنَاعُ أَهْلِ الدِّينِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِيَنْزَجِرَ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِطَرِيقَتِهِ، وَيَدْعُو إلَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِمِثْلِ هَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[رَكِبَ الْبَحْرَ لِلتِّجَارَةِ فَغَرِقَ]
373 - 13 - سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ رَكِبَ الْبَحْرَ لِلتِّجَارَةِ: فَغَرِقَ، فَهَلْ مَاتَ شَهِيدًا؟
أَجَابَ: نَعَمْ، مَاتَ شَهِيدًا، إذَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِرُكُوبِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ، وَالْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي نِفَاسِهَا شَهِيدَةٌ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ» . وَجَاءَ ذِكْرُ غَيْرِ هَؤُلَاءِ.
وَرُكُوبُ الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ جَائِزٌ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ. وَأَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ: إنَّهُ شَهِيدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[رَفْع الصَّوْتِ فِي الْجِنَازَةِ]
374 - 14 - سُئِلَ: عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْجِنَازَةِ؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَ الْجِنَازَةِ، لَا بِقِرَاءَةٍ وَلَا ذِكْرٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتْبَعَ بِصَوْتٍ، أَوْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَجُلًا يَقُولُ فِي جِنَازَةٍ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ بَعْدُ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ - وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ
(3/22)

التَّابِعِينَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الذِّكْرِ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: إنَّ هَذَا قَدْ صَارَ إجْمَاعًا مِنْ النَّاسِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَا زَالَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَمَا زَالَتْ جَنَائِزُ كَثِيرَةٌ تَخْرُجُ بِغَيْرِ هَذَا فِي عِدَّةِ أَمْصَارٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا كَوْنُ أَهْلِ بَلَدٍ، أَوْ بَلَدَيْنِ، أَوْ عَشْرٍ: تَعَوَّدُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِإِجْمَاعٍ: بَلْ أَهْلُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَهِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْإِيمَانِ، وَالْعِلْمِ، لَمْ يَكُونُوا يَغْفُلُونَ ذَلِكَ؛ بَلْ لَوْ اتَّفَقُوا فِي مِثْلِ زَمَنِ مَالِكٍ وَشُيُوخِهِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَمْ يَنْقُلُوهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُلَفَائِهِ، لَمْ يَكُنْ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ زَمَنِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَيْسَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا يُشَبَّهُ بِجَنَائِزِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَادَتُهُمْ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ مَعَ الْجَنَائِزِ، وَقَدْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ فِي شُرُوطِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّمَا نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ طَرِيقِ سَلَفِنَا الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إذَا اتَّبَعْنَا طَرِيقَ سَلَفِنَا الْأَوَّلِ كُنَّا مُصِيبِينَ، وَإِنْ شَارَكَنَا فِي بَعْضِ ذَلِكَ مَنْ شَارَكَنَا، كَمَا أَنَّهُمْ يُشَارِكُونَنَا فِي الدَّفْنِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ.

[نَصْرَانِيَّة بَعْلُهَا مُسْلِمٌ تُوُفِّيَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لَهُ سَبْعَةُ أَشْهُرٍ]
375 - 15 - سُئِلَ: عَنْ امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ، بَعْلُهَا مُسْلِمٌ: تُوُفِّيَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لَهُ سَبْعَةُ أَشْهُرٍ. فَهَلْ تُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ أَوْ مَعَ النَّصَارَى؟
الْجَوَابُ: لَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مَقَابِرِ النَّصَارَى، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُسْلِمٌ، وَكَافِرٌ، فَلَا يُدْفَنُ الْكَافِرُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا الْمُسْلِمُ مَعَ الْكَافِرِينَ؛ بَلْ تُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً، وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الطِّفْلِ إلَى ظَهْرِهَا، فَإِذَا دُفِنَتْ كَذَلِكَ كَانَ
(3/23)

وَجْهُ الصَّبِيِّ الْمُسْلِمِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَالطِّفْلُ يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

[تَلْقِين الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ]
376 - 16 - سُئِلَ: مُفْتِي الْأَنَامِ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ الْكِرَامِ، تَقِيُّ الدِّينِ بَقِيَّةُ الْمُجْتَهِدِينَ، أَثَابَهُ اللَّهُ، وَأَحْسَنَ إلَيْهِ. عَنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ، هَلْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَوْ عَنْ صَحَابَتِهِ؟ وَهَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يَجُوزُ فِعْلُهُ؟ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: هَذَا التَّلْقِينُ الْمَذْكُورُ قَدْ نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِهِ، كَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّهُ مِمَّا لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ؛ وَلَمْ يَكُنْ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ هَذَا التَّلْقِينَ لَا بَأْسَ بِهِ، فَرَخَّصُوا فِيهِ، وَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ. وَاسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَاَلَّذِي فِي السُّنَنِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ إذَا دُفِنَ، وَيَقُولُ: سَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَقِّنُوا أَمْوَاتَكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . فَتَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ سُنَّةٌ، مَأْمُورٌ بِهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَقْبُورَ يُسْأَلُ، وَيُمْتَحَنُ، وَأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ لَهُ؛ فَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ التَّلْقِينَ يَنْفَعُهُ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» وَأَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» ، وَأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى. فَقَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ
(3/24)

عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللَّهُ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
377 - 17 - سُئِلَ: هَلْ يَجِبُ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْقِرَاءَةُ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ؟
الْجَوَابُ: تَلْقِينُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ وَاجِبًا، بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِ بَيْنَهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ. بَلْ ذَلِكَ مَأْثُورٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ كَأَبِي أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ.
فَمِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ. فَالْأَقْوَالُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ: الِاسْتِحْبَابُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِبَاحَةُ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهَا فِي الْأُخْرَى. وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِيهَا لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِهِ بِفَوَاتِحِ الْبَقَرَةِ، وَخَوَاتِيمِهَا. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
فَالْقِرَاءَةُ عِنْدَ الدَّفْنِ مَأْثُورَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ أَثَرٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ]
378 - 18 - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُشْرَعُ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ؟ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ: وَأَمَّا تَلْقِينُ الْمَيِّتِ فَقَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَحْسَنُوهُ أَيْضًا. ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي. وَالرَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ نَفْسُهُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِيهِ شَيْءٌ.
وَمِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ يَفْعَلُهُ: كَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ.
(3/25)

وَمِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَنْ اسْتَحَبَّهُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الْمَيِّت هَلْ يَجُوزُ نَقْلُهُ]
379 - 19 - سُئِلَ: عَنْ الْمَيِّتِ هَلْ يَجُوزُ نَقْلُهُ. أَمْ لَا؟ وَأَرْوَاحُ الْمَوْتَى هَلْ تَجْتَمِعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. أَمْ لَا؟ وَرُوحُ الْمَيِّتِ هَلْ تَنْزِلُ فِي الْقَبْرِ، أَمْ لَا؟ وَيَعْرِفُ الْمَيِّتُ مَنْ يَزُورُهُ، أَمْ لَا؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. لَا يُنْبَشُ الْمَيِّتُ مِنْ قَبْرِهِ، إلَّا لِحَاجَةٍ. مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَدْفِنُ الْأَوَّلُ فِيهِ مَا يُؤْذِي الْمَيِّتَ، فَيُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا نَقَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ إذَا قُبِضَتْ تَجْتَمِعُ بِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى، وَيَسْأَلُ الْمَوْتَى الْقَادِمَ عَلَيْهِمْ عَنْ حَالِ الْأَحْيَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ تَزَوَّجَ. فُلَانٌ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ. وَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. ذُهِبَ بِهِ إلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ.
وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْمَوْتَى فَتَجْتَمِعُ: الْأَعْلَى يَنْزِلُ إلَى الْأَدْنَى. وَالْأَدْنَى لَا يَصْعَدُ إلَى الْأَعْلَى. وَالرُّوحُ تُشْرِفُ عَلَى الْقَبْرِ، وَتُعَادُ إلَى اللَّحْدِ أَحْيَانًا. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ، حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» .
وَالْمَيِّتُ قَدْ يَعْرِفُ مَنْ يَزُورُهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ. وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
380 - 20 - سُئِلَ: عَنْ قَوْمٍ لَهُمْ تُرْبَةٌ: وَهِيَ فِي مَكَان مُنْقَطِعٍ، وَقُتِلَ فِيهَا قَتِيلٌ، وَقَدْ بَنَوْا لَهُمْ تُرْبَةً أُخْرَى، هَلْ يَجُوزُ نَقْلُ مَوْتَاهُمْ إلَى التُّرْبَةِ الْمُسْتَجَدَّةِ؟ أَمْ لَا؟
أَجَابَ: لَا يُنْبَشُ الْمَيِّتُ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/26)

[مَسْأَلَةٌ الْأَجْسَادُ لَا تُنْقَلُ مِنْ الْقُبُورِ]
مَسْأَلَةٌ:
فِيمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَنْقُلُونَ مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَقَابِرِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَيَنْقُلُونَ مِنْ مَقَابِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَقْصُودُهُمْ أَنَّ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَقَدْ مَاتَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمًا، أَوْ كَانَ كِتَابِيًّا وَخُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَمَاتَ مُسْلِمًا فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَفِي الظَّاهِرِ مَاتَ كَافِرًا فَهَؤُلَاءِ يُنْقَلُونَ. فَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِذَلِكَ حُجَّةٌ؟ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَمَّا الْأَجْسَادُ فَإِنَّهَا لَا تُنْقَلُ مِنْ الْقُبُورِ، لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَكُونُ ظَاهِرُهُ الْإِسْلَامَ، وَيَكُونُ مُنَافِقًا، إمَّا يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا مُعَطِّلًا.
فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ نُظَرَائِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] أَيْ أَشْبَاهَهُمْ، وَنُظَرَاءَهُمْ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ مَنْ مَاتَ، وَظَاهِرُهُ كَافِرًا، أَنْ يَكُونَ آمَنَ بِاَللَّهِ، قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ، وَكَتَمَ أَهْلُهُ ذَلِكَ، إمَّا لِأَجْلِ مِيرَاثٍ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ مَقْبُورًا مَعَ الْكُفَّارِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ فِي نَقْلِ الْمَلَائِكَةِ، فَمَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ أَثَرًا.

[قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى]
382 - 22 - سُئِلَ: عَنْ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ إذَا مَاتَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَيْسَ فِي الْآيَةِ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَنْتَفِعُ بِدُعَاءِ الْخَلْقِ لَهُ، وَبِمَا يُعْمَلُ عَنْهُ مِنْ الْبِرِّ بَلْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقُونَ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ.
(3/27)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ - رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: 7 - 9] . فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمَغْفِرَةِ، وَوِقَايَةِ الْعَذَابِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَدُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَ عَمَلًا لِلْعَبْدِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] . وَقَالَ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41] . وَقَالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28] . فَقَدْ ذَكَرَ اسْتِغْفَارَ الرُّسُلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَمْرًا بِذَلِكَ، وَإِخْبَارًا عَنْهُمْ بِذَلِكَ.
وَمِنْ السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي مَنْ جَحَدَهَا كَفَرَ: صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَدُعَاؤُهُمْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ. وَكَذَلِكَ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ السُّنَنَ فِيهَا مُتَوَاتِرَةٌ، بَلْ لَمْ يُنْكِرْ شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَشَفَاعَتُهُ دُعَاؤُهُ، وَسُؤَالُهُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَجَاحِدُ مِثْلِ ذَلِكَ كَافِرٌ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ، مِثْلُ مَا فِي الصِّحَاحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّ لِي مَخْرَفًا - أَيْ بُسْتَانًا - أُشْهِدُكُمْ أَنِّي تَصَدَّقْت بِهِ عَنْهَا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ
(3/28)

نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يُوصِ، أَيَنْفَعُهُ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّ الْعَاصِ بْنَ وَائِلٍ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَذْبَحَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَأَنَّ هِشَامَ بْنَ الْعَاصِ نَحَرَ حِصَّتَهُ خَمْسِينَ، وَأَنَّ عَمْرًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَّا أَبُوك فَلَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْت عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْت عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ» .
وَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي أَبَوَانِ، وَكُنْت أَبَرُّهُمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا. فَكَيْفَ بِالْبِرِّ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ مِنْ بَعْدِ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِك، وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِك، وَأَنْ تَصَدَّقَ لَهُمَا مَعَ صَدَقَتِك» .
وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيِّ، قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ «إنَّ الْبِرَّ بَعْدَ الْبِرِّ، أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْك مَعَ صَلَاتِك، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِك» ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قُلْت لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، قَالَ: ثِقَةٌ، قُلْت: عَمَّنْ؟ قَالَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ. فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قُلْت: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَفَاوِزَ تُقْطَعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ.
وَالْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ.
وَالْأَئِمَّةُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ، كَالْعِتْقِ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَمَعَ هَذَا فَفِي
(3/29)

الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صِيَامُ نَذْرٍ، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدَّى ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّك» . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ أُخْتِي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِك دَيْنٌ أَكُنْت تَقْضِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ بْنِ حَصِيبٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَيُجْزِي عَنْهَا أَنْ أَصُومَ عَنْهَا، قَالَ: نَعَمْ» .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ يُصَامُ عَنْ الْمَيِّتِ مَا نَذَرَ، وَأَنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَالْأَئِمَّةُ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُخَالِفْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ مَنْ بَلَغَتْهُ، وَإِنَّمَا خَالَفَهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَمْرٍو بِأَنَّهُمْ إذَا صَامُوا عَنْ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ. وَأَمَّا الْحَجُّ فَيُجْزِي عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، لَيْسَ فِيهِ إلَّا اخْتِلَافٌ شَاذٌّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ: حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضَيْته عَنْهَا؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَلَمْ تَحُجَّ، أَفَيُجْزِي - أَوْ يُقْضَى - أَنْ أَحُجَّ عَنْهَا، قَالَ: نَعَمْ» .
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: " أَنَّهُ أَمَرَ بِحَجِّ الْفَرْضِ عَنْ الْمَيِّتِ وَبِحَجِّ النَّذْرِ ". كَمَا أَمَرَ بِالصِّيَامِ. وَأَنَّ الْمَأْمُورَ تَارَةً يَكُونُ وَلَدًا، وَتَارَةً يَكُونُ أَخًا، وَشَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِالدَّيْنِ، يَكُونُ عَلَى الْمَيِّتِ. وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ
(3/30)

يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ. كَمَا جَاءَ مُصَرِّحًا بِهِ فِي الْأَخِ.
فَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عِلْمٌ مُفَصَّلٌ مُبَيَّنٌ. فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] . «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» ، بَلْ هَذَا حَقٌّ، وَهَذَا حَقٌّ.
أَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ: «انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» فَذَكَرَ الْوَلَدَ، وَدُعَاؤُهُ لَهُ خَاصَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا قَالَ: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 2] . قَالُوا: إنَّهُ وَلَدُهُ. وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» . فَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّاعِي فِي وُجُودِ الْوَلَدِ كَانَ عَمَلُهُ مِنْ كَسْبِهِ، بِخِلَافِ الْأَخِ، وَالْعَمِّ وَالْأَبِ، وَنَحْوِهِمْ. فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ أَيْضًا بِدُعَائِهِمْ، بَلْ بِدُعَاءِ الْأَجَانِبِ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَمَلِ غَيْرِهِ. فَإِذَا دَعَا لَهُ وَلَدُهُ كَانَ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ، وَإِذَا دَعَا لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ. وَأَمَّا الْآيَةُ فَلِلنَّاسِ عَنْهَا أَجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ. كَمَا قِيلَ: إنَّهَا تَخْتَصُّ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَقِيلَ: إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ، وَقِيلَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَقِيلَ: إنَّهَا تَنَالُ السَّعْيَ مُبَاشَرَةً، وَسَبَبًا.
وَالْإِيمَانُ مِنْ سَعْيِهِ الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ. وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ الْآيَةِ حَقٌّ لَا يُخَالِفُ بَقِيَّةَ النُّصُوصِ. فَإِنَّهُ قَالَ: {لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] . وَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ سَعْيَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَيَسْتَحِقُّهُ. كَمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَكَاسِبِ مَا اكْتَسَبَهُ هُوَ. وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمِلْكٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ، لَا لَهُ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، كَمَا يَنْتَفِعُ الرَّجُلُ بِكَسْبِ غَيْرِهِ.
فَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَيُثَابُ الْمُصَلِّي عَلَى سَعْيِهِ الَّذِي هُوَ صَلَاتُهُ،
(3/31)

وَالْمَيِّتُ أَيْضًا يُرْحَمُ بِصَلَاةِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً وَيُرْوَى أَرْبَعِينَ، وَيُرْوَى ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ، وَيَشْفَعُونَ فِيهِ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ - أَوْ قَالَ إلَّا غُفِرَ لَهُ -» فَاَللَّهُ تَعَالَى يُثِيبُ هَذَا السَّاعِيَ عَلَى سَعْيِهِ الَّذِي هُوَ لَهُ، وَيَرْحَمُ ذَلِكَ الْمَيِّتَ بِسَعْيِ هَذَا الْحَيِّ لِدُعَائِهِ لَهُ، وَصَدَقَتِهِ عَنْهُ، وَصِيَامِهِ عَنْهُ، وَحَجِّهِ عَنْهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ دَعْوَةً إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ دَعْوَةً قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ. وَلَك بِمِثْلِهِ» .
فَهَذَا مِنْ السَّعْيِ الَّذِي يَنْفَعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ يُثِيبُ اللَّهُ هَذَا، وَيَرْحَمُ هَذَا. {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ، أَوْ الْحَيُّ، أَوْ يُرْحَمُ بِهِ يَكُونُ مِنْ سَعْيِهِ، بَلْ أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مَعَ آبَائِهِمْ بِلَا سَعْيٍ، فَاَلَّذِي لَمْ يَجُزْ إلَّا بِهِ أَخَصُّ مِنْ كُلِّ انْتِفَاعٍ؛ لِئَلَّا يَطْلُبَ الْإِنْسَانُ الثَّوَابَ عَلَى غَيْرِ عَمَلِهِ، وَهُوَ كَالدَّيْنِ يُوفِيهِ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَا وَفَّى بِهِ الدَّيْنَ؛ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُوفِي لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الْقِرَاءَة لِلْمَيِّتِ]
383 - 23 - سُئِلَ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ - وَفَّقَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِمَرْضَاتِهِ - فِي الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ، هَلْ تَصِلُ إلَيْهِ؟ أَمْ لَا؟ وَالْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَطَعَامِ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِمَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ وَالصَّدَقَةِ عَنْ الْمَيِّتِ، أَيُّهُمَا الْمَشْرُوعُ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ؟ وَالْمَسْجِدِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقُبُورِ، وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَمَا يُعْلَمُ هَلْ بُنِيَ قَبْلَ الْقُبُورِ؟ أَوْ الْقُبُورُ قَبْلَهُ؟ وَلَهُ ثَلَاثٌ: رِزْقٌ، وَأَرْبَعِمِائَةِ أصددمون قَدِيمَةٍ مِنْ زَمَانِ الرُّومِ، مَا هُوَ لَهُ، بَلْ لِلْمَسْجِدِ، وَفِيهِ الْخُطْبَةُ كُلَّ جُمُعَةٍ، وَالصَّلَاةِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَلَهُ كُلَّ سَنَةٍ مَوْسِمٌ يَأْتِي إلَيْهِ رِجَالٌ كَثِيرٌ وَنِسَاءٌ وَيَأْتُونَ بِالنُّذُورِ مَعَهُمْ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي الْبَلَدِ؟ أَفْتُونَا يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ مَأْجُورِينَ.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمَّا الصَّدَقَةُ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا بِاتِّفَاقِ
(3/32)

الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ. مِثْلُ «قَوْلِ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ» . وَكَذَلِكَ يَنْفَعُهُ الْحَجُّ عَنْهُ، وَالْأُضْحِيَّةُ عَنْهُ، وَالْعِتْقُ عَنْهُ.
وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا الصِّيَامُ عَنْهُ وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَنْهُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: يُنْتَفَعُ بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمَا. وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي:
لَا تَصِلُ إلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِنَفْسِ الْقِرَاءَةِ، وَالْإِهْدَاءِ، فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالْأَذَانِ، وَالْإِمَامَةِ. وَالْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ. فَقِيلَ: يَصِحُّ لِذَلِكَ. كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ، فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَإِذَا فُعِلَتْ بِعُرُوضٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَجْرٌ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، لَا مَا فُعِلَ لِأَجْلِ عُرُوضِ الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا لِلْفَقِيرِ، دُونَ الْغَنِيِّ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، كَمَا أَذِنَ اللَّهُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ الْفَقْرِ وَيَسْتَغْنِي مَعَ الْغِنَى. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ عَلَى هَذَا، فَإِذَا فَعَلَهَا الْفَقِيرُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْأُجْرَةَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ، وَلِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَاَللَّهُ يَأْجُرُهُ عَلَى نِيَّتِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ صَالِحًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إلَّا لِأَجْلِ الْعُرُوضِ، فَلَا ثَوَابَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ، فَلَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْعَمَلِ، لَا نَفْسُ الْعَمَلِ. فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَصَلَ ذَلِكَ إلَى
(3/33)

الْمَيِّتِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ مَنْ يَسْتَعِينُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ كَانَ أَفْضَلَ، وَأَحْسَنَ، فَإِنَّ إعَانَةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.
وَأَمَّا صَنْعَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهِ فَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِدْعَةٌ، بَلْ قَدْ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصَنْعَتَهُمْ الطَّعَامَ لِلنَّاسِ مِنْ النِّيَاحَةِ.
وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِهِ طَعَامٌ، كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى الْقُبُورِ، فَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ السَّلَفِ. وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ، فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَرَخَّصَ فِيهَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ دَفْنِهِ بِفَوَاتِحِ الْبَقَرَةِ، وَخَوَاتِمِهَا.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ قَبْرِهِ بِالْبَقَرَةِ، وَهَذَا إنَّمَا كَانَ عِنْدَ الدَّفْنِ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا فَرَّقَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ حِينَ الدَّفْنِ، وَالْقِرَاءَةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الدَّفْنِ، فَإِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ غَلِطَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . فَالْمَيِّتُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يُثَابُ عَلَى سَمَاعٍ، وَلَا غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، وَيَسْمَعُ سَلَامَ الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَيَسْمَعُ غَيْرَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَا اُسْتُثْنِيَ.
وَأَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَتُسَمَّى " مَشَاهِدَ " فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ؛ بَلْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا
(3/34)

ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» ، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ، وَالسُّرُجَ» .
وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسَاجِدِ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهَا، لَا أَمْرَ إيجَابٍ، وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ. وَلَا فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَشَاهِدِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ وَنَحْوِهَا فَضِيلَةٌ عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ، فَضْلًا عَنْ الْمَسَاجِدِ، بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا فِيهَا فَضْلٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ، فَقَدْ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَرَقَ مِنْ الدِّينِ، بَلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَإِنْ كَانُوا مُتَنَازِعِينَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ: هَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مَكْرُوهَةٌ؟ أَوْ مُبَاحَةٌ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَنْبُوشَةِ وَالْقَدِيمَةِ، فَذَلِكَ لِأَجْلِ تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِالنَّجَاسَةِ لِاخْتِلَاطِ التُّرَابِ بِصَدِيدِ الْمَوْتَى.
وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَصْلُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: هَذِهِ أَسْمَاءُ قَوْمٍ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ، فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وَلِهَذَا لَا يُشْرَعُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْذَرَ لِلْمَشَاهِدِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ، لَا زَيْتٌ، وَلَا شَمْعٌ، وَلَا دَرَاهِمُ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَلِلْمُجَاوِرِينَ عِنْدَهَا، وَخُدَّامِ الْقُبُورِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ لَعَنَ مَنْ يَتَّخِذُ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. وَمَنْ نَذَرَ ذَلِكَ فَقَدْ نَذَرَ مَعْصِيَةً. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» .
(3/35)

وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَهِيَ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَكِنْ إنْ تَصَدَّقَ بِالنَّذْرِ فِي الْمَشَاهِدِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ يَسْتَعِينُونَ بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَدْ أَحْسَنَ فِي ذَلِكَ، وَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْقُلَ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَخُطَبَهُمْ مِنْ مَسْجِدٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، إلَى مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ الْقُبُورِ، وَنَحْوِهَا. بَلْ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، حَيْثُ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَفَعَلُوا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَتَرَكُوا السُّنَّةَ، وَفَعَلُوا الْبِدْعَةَ. تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَارْتَكَبُوا مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَجِبُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ. {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور: 37] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] .
وَأَمَّا الْقُبُورُ الَّتِي فِي الْمَشَاهِدِ وَغَيْرِهَا، فَالسُّنَّةُ لِمَنْ زَارَهَا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ، كَمَا «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولُوا إذَا زَارُوا الْقُبُورَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ عَنْ قَرِيبٍ لَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» . وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِالْقَبْرِ، أَوْ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ، أَوْ قَصْدُهُ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهُ، مُعْتَقِدًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ النَّذْرُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ
(3/36)

الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الشِّرْكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

[مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُهْدِيَ ثَوَابَهُ لِوَالِدَيْهِ وَلِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ]
384 - 24 - سُئِلَ: عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، هَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُهْدِيَ ثَوَابَهُ لِوَالِدَيْهِ، وَلِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ؟ أَوْ يَجْعَلَ ثَوَابَهُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً؟
الْجَوَابُ: أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ مَا وَافَقَ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَدْيَ الصَّحَابَةِ، كَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ.
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا الْأَصْلُ. فَالْأَمْرُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ، فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَانُوا يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ لِأَحْيَائِهِمْ، وَأَمْوَاتِهِمْ، فِي صَلَاتِهِمْ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَعِنْدَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ عِنْدَ كُلِّ خَتْمَةٍ دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ، فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ عَقِيبَ الْخَتْمِ لِنَفْسِهِ، وَلِوَالِدِيهِ، وَلِمَشَايِخِهِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَانَ هَذَا مِنْ الْجِنْسِ الْمَشْرُوعِ. وَكَذَلِكَ دُعَاؤُهُ لَهُمْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَاطِنِ الْإِجَابَةِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَرَ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ الصَّوْمُ. فَالصَّدَقَةُ عَنْ الْمَوْتَى مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي الصَّوْمِ عَنْهُمْ. وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَجُوزُ إهْدَاءُ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ
(3/37)

الْمَالِيَّةِ، وَالْبَدَنِيَّةِ إلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ. كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
فَإِذَا أُهْدِيَ لِمَيِّتٍ ثَوَابُ صِيَامٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ، جَازَ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ يَقُولُونَ: إنَّمَا يُشْرَعُ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ إذَا صَلَّوْا تَطَوُّعًا، وَصَامُوا، وَحَجُّوا، أَوْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. يَهْدُونَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِمَوْتَاهُمْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا لِخُصُوصِهِمْ، بَلْ كَانَ عَادَتُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[هَلَّلَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ وَأَهْدَاهُ لِلْمَيِّتِ]
385 - 25 - سُئِلَ: عَمَّنْ «هَلَّلَ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَأَهْدَاهُ لِلْمَيِّتِ، يَكُونُ بَرَاءَةً لِلْمَيِّتِ مِنْ النَّارِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ؟ أَمْ لَا؟ وَإِذَا هَلَّلَ الْإِنْسَانُ وَأَهْدَاهُ إلَى الْمَيِّتِ يَصِلُ إلَيْهِ ثَوَابُهُ، أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا هَلَّلَ الْإِنْسَانُ هَكَذَا: سَبْعُونَ أَلْفًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ. وَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ نَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا حَدِيثًا صَحِيحًا، وَلَا ضَعِيفًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[قِرَاءَة أَهْلِ الْمَيِّتِ لَهُ]
386 - 26 - سُئِلَ: عَنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَيِّتِ تَصِلُ إلَيْهِ؟ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ، إذَا أَهْدَاهُ إلَى الْمَيِّتِ يَصِلُ إلَيْهِ ثَوَابُهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ قِرَاءَةُ أَهْلِهِ، وَتَسْبِيحُهُمْ، وَتَكْبِيرُهُمْ، وَسَائِرُ ذِكْرِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى، إذَا أَهْدَوْهُ إلَى الْمَيِّتِ، وَصَلَ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
387 - 27 - سُئِلَ: هَلْ الْقِرَاءَةُ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْوَلَدِ أَوْ لَا؟ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
الْجَوَابُ: أَمَّا وُصُولُ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: كَالْقِرَاءَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، إلَى أَنَّهَا تَصِلُ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، إلَى أَنَّهَا لَا تَصِلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/38)

[الْمَشْرُوع فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ]
سُئِلَ: عَنْ الْمَشْرُوعِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟
الْجَوَابُ: أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ: فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: شَرْعِيَّةٍ، وَبِدْعِيَّةٍ.
فَالشَّرْعِيَّةُ:
مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ كَمَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَتِهِ. كَمَا «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزُورُ أَهْلَ الْبَقِيعِ، وَيَزُورُ شُهَدَاءَ أُحُدٍ، وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» .
وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ دُعَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ: كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّلَامِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا: مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلَوْا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» .
وَأَمَّا الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ: وَهِيَ زِيَارَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ، مِنْ جِنْسِ زِيَارَةِ النَّصَارَى الَّذِي يَقْصِدُونَ دُعَاءَ الْمَيِّتِ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَطَلَبَ الْحَوَائِجِ عِنْدَهُ، فَيُصَلُّونَ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَيَدْعُونَ بِهِ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَأَئِمَّتِهَا، بَلْ قَدْ سَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَابَ الشِّرْكِ. فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا» . قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ لَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» .
(3/39)

فَالزِّيَارَةُ الْأُولَى مِنْ جِنْسِ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِحْسَانِ إلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.
وَالثَّانِي:
مِنْ جِنْسِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ، وَالظُّلْمِ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَحَقِّ عِبَادِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] . شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] » وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ. فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالتَّابِعُونَ يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ كَرِهَ الْأَئِمَّةُ وُقُوفَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلدُّعَاءِ. وَقَالُوا هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، بَلْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَعَلَى صَاحِبَيْهِ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ بِمَخْلُوقٍ، لَا النَّبِيِّ، وَلَا الْمَلَائِكَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
وَقَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ جَدْبٌ وَشِدَّةٌ، وَكَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَسْتَسْقُونَ وَيَدْعُونَ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيَسْتَنْصِرُونَ، وَيَتَوَسَّلُونَ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ: بِدُعَائِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ» . وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا صَالِحٍ، وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَهُ، وَلَا طَلَبَ الْحَوَائِجِ
(3/40)

مِنْهُ، وَلَا الْأَقْسَامَ عَلَى اللَّهِ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ: بَلْ كُلُّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرُ طِبَاقِ الْأُمَّةِ.

[الِاخْتِلَافُ إلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ]
389 - 29 - سُئِلَ الشَّيْخُ عَنْ الزِّيَارَةِ؟
أَجَابَ: أَمَّا الِاخْتِلَافُ إلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدَّفْنِ أَنْ يُقَامَ عَلَى قَبْرِهِ، وَيُدْعَى لَهُ بِالتَّثْبِيتِ. كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ كَانَ إذَا دُفِنَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُومُ عَلَى قَبْرِهِ، وَيَقُولُ: سَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» . وَهَذَا مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَعَنْ الْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ، كَانَ دَلِيلُ الْخِطَابِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُصَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ، وَيُقَامُ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ.
فَزِيَارَةُ الْمَيِّتِ الْمَشْرُوعَةِ بِالدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ هِيَ مِنْ هَذَا الْقِيَامِ الْمَشْرُوعِ.

[الْأَحْيَاء إذَا زَارُوا الْأَمْوَاتَ هَلْ يَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِهِمْ]
390 - 30 - سُئِلَ: عَنْ الْأَحْيَاءِ إذَا زَارُوا الْأَمْوَاتَ هَلْ يَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِهِمْ؟ وَهَلْ يَعْلَمُونَ بِالْمَيِّتِ إذَا مَاتَ مِنْ قَرَابَتِهِمْ، أَوْ غَيْرِهِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ قَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ بِتَلَاقِيهِمْ، وَتَسَاؤُلِهِمْ، وَعَرْضِ أَعْمَالِ الْأَحْيَاءِ عَلَى الْأَمْوَاتِ. كَمَا رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: قَالَ: «إذَا قُبِضَتْ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ تَلْقَاهَا الرَّحْمَةُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، كَمَا يَتَلَقَّوْنَ الْبَشِيرَ فِي الدُّنْيَا، فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اُنْظُرُوا أَخَاكُمْ يَسْتَرِيحُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي
(3/41)

كَرْبٍ شَدِيدٍ. قَالَ: فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ، وَيَسْأَلُونَهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَمَا فَعَلَتْ فُلَانَةُ، هَلْ تَزَوَّجَتْ» الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا عِلْمُ الْمَيِّتِ بِالْحَيِّ إذَا زَارَهُ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلَّا عَرَفَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ صَاحِبُ الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ حَيَاةِ الشَّهِيدِ، وَرِزْقِهِ، وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ دُخُولِ أَرْوَاحِهِمْ الْجَنَّةَ، فَذَهَبَ طَوَائِفُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ دُونَ الصِّدِّيقِينَ، وَغَيْرِهِمْ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْحَيَاةَ، وَالرِّزْقَ، وَدُخُولَ الْأَرْوَاحِ الْجَنَّةَ، لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالشَّهِيدِ. كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ الثَّابِتَةُ، وَيَخْتَصُّ الشَّهِيدُ بِالذِّكْرِ، لِكَوْنِ الظَّانِّ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمُوتُ، فَيَنْكُلُ عَنْ الْجِهَادِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ لِيَزُولَ الْمَانِعُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْجِهَادِ، وَالشَّهَادَةِ.
كَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِعُ. وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُمْ لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ خَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ.

[زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ]
391 - 31 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَمُفْتِي الْأَنَامِ، الْعَالِمِ، الْعَامِلِ، الزَّاهِدِ، الْوَرِعِ، نَاصِرِ السُّنَّةِ، وَقَامِعِ الْبِدْعَةِ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ صَحَّ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ؟ أَمْ يُكْرَهُ؟ أَمْ يُسْتَحَبُّ؟
(3/42)

وَإِذَا قِيلَ: بِالْكَرَاهَةِ. هَلْ تَكُونُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ؟ أَمْ تَنْزِيهٍ؟ وَهَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي " أَمْ لَا؟ وَهَلْ صَحَّ فِي فَضْلِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ، أَمْ لَا؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَهَى عَنْهَا نَهْيًا عَامًّا، ثُمَّ أَذِنَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا. فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَ أُمِّي، فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» . وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالْأُخْرَى مُتَنَازَعٌ فِيهَا.
فَأَمَّا الْأُولَى: فَإِنَّ الزِّيَارَةَ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: زِيَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَزِيَارَةٍ بِدْعِيَّةٍ.
فَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ: السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» وَهَذَا الدُّعَاءُ يُرْوَى بَعْضُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ. كَمَا رُوِيَتْ أَلْفَاظُ التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ وَهَذِهِ الزِّيَارَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا إذَا خَرَجَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ أَهْلِ الْبَقِيعِ.
وَأَمَّا الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ: فَمِنْ جِنْسِ زِيَارَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَهْلِ الْبِدَعِ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا» . قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ
(3/43)

وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» فَالزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ مِثْلُ قَصْدِ قَبْرِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهُ أَوْ الدُّعَاءِ عِنْدَهُ، أَوْ بِهِ، أَوْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ قَبْرِهِ، أَوْ الِاسْتِغَاثَةِ بِهِ، أَوْ الْأَقْسَامِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَلَا سَنَّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، بَلْ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْكِبَارُ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ بَعْضُ النَّاسِ «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي» هُوَ مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ الَّتِي لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَرْوُونَهُ مِنْ قَوْلِهِ: «لَوْ أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ ظَنَّهُ بِحَجَرٍ لَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ» فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ.
وَقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقٍ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْكَرْخِيِّ " عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إلَّا بِهِ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، وَبِحَقِّ خَلْقِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا أَكْرَهُ هَذَا. وَأَكْرَهُ بِحَقِّ فُلَانٍ، وَبِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ، وَرُسُلِكَ، وَبِحَقِّ الْبَيْتِ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
قَالَ الْقُدُورِيُّ شَارِحُ الْكِتَابِ: الْمَسْأَلَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ، فَلَا يَجُوزُ يَعْنِي: وِفَاقًا.
قُلْت:
وَأَمَّا الِاسْتِشْفَاعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَهُوَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ، وَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَبِالْإِيمَانِ بِهِ، وَبِمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، فَهَذَا مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ
(3/44)

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ» وَقَالَ ذَلِكَ لِعَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا» فَبَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَأَمَّا الْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَهُوَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ، قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَى أُمَّتِهِ أَنَّهُ بَلَّغَهُمْ، كَمَا جَعَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ: «أَلَا هَلْ بَلَغْتُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُبُهَا إلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَأَمَّا إجَابَةُ الدَّاعِي، وَتَفْرِيجُ الْكُرُبَاتِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَاتِ، فَهَذَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ.
وَلِهَذَا فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلرَّسُولِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّسُولُ مِنْ الطَّاعَةِ، فَإِنَّهُ {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .
وَأَمَّا الْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى فَجُعِلَ ذَلِكَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] فَجَعَلَ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:
(3/45)

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] . وَأَمَّا التَّوَكُّلُ وَالرَّغْبَةُ فَلِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} [آل عمران: 173] . وَلَمْ يَقُلْ وَرَسُولُهُ.
وَقَالَ: {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] وَلَمْ يَقُلْ: وَإِلَى الرَّسُولِ، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 8] . فَالْعِبَادَةُ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّوَكُّلُ وَالدُّعَاءُ وَالرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْإِرْضَاءُ: فَعَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَنُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَنُرْضِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، وَإِرْضَاءَهُ إرْضَاءٌ لِلَّهِ، وَحُبَّهُ مِنْ حُبِّ اللَّهِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنْ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ بَدَّلُوا الدِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَسَائِطَ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ إلَّا مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ، بِفِعْلِ مَا أَمَرَ، وَتَرْكِ مَا حَذَّرَ.
وَمَنْ جَعَلَ إلَى اللَّهِ طَرِيقًا غَيْرَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ: مِثْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَوْ الْمُلُوكِ مَنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُتَابَعَةِ رَسُولِهِ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُفْتَرَاةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ. كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَأْذَنَ عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَقَالُوا: اذْهَبْ إلَى مَنْ أَنْتَ رَسُولٌ إلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُمْ أَصْبَحُوا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالسِّرِّ الَّذِي نَاجَاهُ اللَّهُ بِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ بِدُونِ إعْلَامِ الرَّسُولِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُمْ قَاتَلُوهُ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَقَالُوا: مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ كُنَّا مَعَهُ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ، وَالْكَذِبِ.
وَمِثْلُ احْتِجَاجِ بَعْضِهِمْ بِقِصَّةِ الْخَضِرِ وَمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: عَلَى أَنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اسْتَغْنَى الْخَضِرُ عَنْ مُوسَى، وَمِثْلُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ لَهُ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ، يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي
(3/46)

كَثُرَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الزُّهْدِ وَالْفَقْرِ، وَالتَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ وَالتَّفَلْسُفِ. وَكُفْرُ هَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ، وَقَدْ يَكُونُ أَخَفَّ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ.

وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءٍ وَالْمُؤْمِنِينَ وَاسِطَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْأُلُوهِيَّةِ، مِثْلَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ؛ بَلْ غَايَةُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ سَبَبًا: مِثْلُ أَنْ يَدْعُوَ أَوْ يَشْفَعَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] وَيَقُولُ: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وَيَقُولُ: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا} [الإسراء: 56] {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] . قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا كُفْرٌ، وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ فِي الشَّفَاعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَالْمُشْرِكُونَ أَثْبَتُوا الشَّفَاعَةَ، الَّتِي هِيَ شِرْكٌ؛ كَشَفَاعَةِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ، كَمَا يَشْفَعُ عِنْدَ الْمُلُوكِ خَوَاصُّهُمْ لِحَاجَةِ الْمُلُوكِ إلَى ذَلِكَ، فَيَسْأَلُونَهُمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وَتُجِيبُ الْمُلُوكُ سُؤَالَهُمْ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ، فَاَلَّذِينَ أَثْبَتُوا مِثْلَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُشْرِكُونَ كُفَّارٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى
(3/47)

أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، بَلْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إجَابَةُ دُعَاءِ الشَّافِعِينَ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] وَقَالَ: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] . وَقَالَ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 43 - 44] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ صَاحِبِ " يس ": {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ - إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [يس: 23 - 24] {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 25] .
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّالٌ، مُخَالِفُونَ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِإِجْمَاعِ خَيْرِ الْقُرُونِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُمْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَفَوْا مَا نَفَاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتُوهَا هِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ. كَشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إذَا جَاءَ النَّاسُ إلَى آدَمَ، ثُمَّ نُوحٍ، ثُمَّ إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ يَأْتُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَالَ: «فَأَذْهَبُ إلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ، لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ، فَيَقُولُ: أَيْ مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ: يُسْمَعُ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» ، فَهُوَ يَأْتِي رَبَّهُ سُبْحَانَهُ، فَيَبْدَأُ بِالسُّجُودِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ شَفَعَ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا الْقُرْآنُ كَمَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيَنْفِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، مِثْلُ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الْغَائِبِينَ وَالْمَيِّتِينَ قَضَاءَ حَوَائِجِهِمْ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ قَضَوْهَا، وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَخَوَاصِّ الْمُلُوكِ عِنْدَ الْمُلُوكِ، يَشْفَعُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُلُوكِ، وَلَهُمْ
(3/48)

عَلَى الْمُلُوكِ إدْلَالٌ يَقْضُونَ بِهِ حَوَائِجَهُمْ، فَيَجْعَلُونَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ شُرَكَاءِ الْمِلْكِ، وَبِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِهِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَالزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ:
هِيَ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَدُعَاءِ خَلْقِهِ، وَإِحْدَاثِ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
وَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ:
هِيَ مِنْ جِنْسِ الْإِحْسَانِ إلَى الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَهِيَ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَنْفَعُ اللَّهُ بِهَا الدَّاعِيَ، وَالْمَدْعُوَّ لَهُ، كَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلَبِ الْوَسِيلَةِ، وَالدُّعَاءِ لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا: فَالزِّيَارَةُ الْمَأْذُونُ فِيهَا، هَلْ فِيهَا إذْنٌ لِلنِّسَاءِ، وَنَسْخٌ لِلنَّهْيِ فِي حَقِّهِنَّ؟ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا، بَلْ هُنَّ مَنْهِيَّاتٌ عَنْهَا؟ وَهَلْ النَّهْيُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، أَوْ تَنْزِيهٍ؟ فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ، وَالثَّلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ أَيْضًا، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ حُكِيَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ نَظِيرُ تَنَازُعِهِمْ فِي تَشْيِيعِ النِّسَاءِ لِلْجَنَائِزِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُرَخِّصُ فِي الزِّيَارَةِ دُونَ التَّشْيِيعِ، كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْذُونٌ لَهُنَّ فِي الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُنَّ كَمَا أَذِنَ لِلرِّجَالِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» خِطَابٌ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْإِذْنِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فَزُورُوهَا " صِيغَةُ تَذْكِيرٍ، وَصِيغَةُ تَذْكِيرٍ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ بِالْوَضْعِ، وَقَدْ تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، لَكِنْ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ:
(3/49)

قِيلَ: إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ تَنَاوُلُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ دُخُولُ النِّسَاءِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الضَّعِيفِ، وَالْعَامُّ لَا يُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ الْخَاصَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ فِي نَهْيِ النِّسَاءِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بَلْ وَلَا يَنْسَخُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ:
لَوْ كَانَ النِّسَاءُ دَاخِلَاتٍ فِي الْخِطَابِ، لَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، كَمَا اُسْتُحِبَّ لِلرِّجَالِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ بِعِلَّةٍ تَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» وَلِهَذَا تَجُوزُ زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» .
وَأَمَّا زِيَارَتُهُ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَذَلِكَ فِيهِ أَيْضًا الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ وَالدُّعَاءُ، كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّتَهُ إذَا زَارُوا قُبُورَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، وَيَدْعُوا لَهُمْ. فَلَوْ كَانَتْ زِيَارَةُ الْقُبُورِ مَأْذُونًا فِيهَا لِلنِّسَاءِ لَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ، كَمَا اُسْتُحِبَّ لِلرِّجَالِ، لِمَا فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَذَكُّرِ الْمَوْتِ. وَمَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ اسْتَحَبَّ لَهُنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَلَا كَانَ النِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ يَخْرُجْنَ إلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ، كَمَا يَخْرُجُ الرِّجَالُ.
وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي الزِّيَارَةِ اعْتَمَدُوا عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهَا وَقَالَتْ: لَوْ شَهِدْتُكَ لَمَا زُرْتُكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَارَةَ لَيْسَتْ مُسْتَحَبَّةً لِلنِّسَاءِ، كَمَا تُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتُحِبَّ لَهَا زِيَارَتُهُ، كَمَا تُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَتُهُ، سَوَاءٌ شَهِدَتْهُ أَوْ لَمْ تَشْهَدْهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ أَوْكَدُ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ صَلَاتِهِنَّ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُنَّ اتِّبَاعُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّوَابِ، فَكَيْفَ بِالزِّيَارَةِ؟ ،
(3/50)

الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: غَايَةُ مَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَزُورُوا الْقُبُورَ» خِطَابٌ عَامٌّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» . هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ صِيغَةِ التَّذْكِيرِ، فَإِنَّ لَفْظَ: " مَنْ " يَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ. وَلَفْظُ " مَنْ " أَبْلَغُ صِيَغِ الْعُمُومِ، ثُمَّ قَدْ عُلِمَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَتَنَاوَلْ النِّسَاءَ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُنَّ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، سَوَاءٌ كَانَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ. فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْنَ فِي هَذَا الْعُمُومِ، فَكَذَلِكَ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكِلَاهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ تَشْيِيعَ الْجِنَازَةِ مِنْ جِنْسِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] فَنَهَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَعَنْ الْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ،
وَكَانَ دَلِيلُ الْخِطَابِ وَمُوجِبُ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ، وَيُقَامُ عَلَى قُبُورِهِمْ. وَذَلِكَ كَمَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ الْقِيَامُ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَهُوَ مَقْصُودُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَأَنْ لَا يَدْخُلْنَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ الَّتِي غَايَتُهَا دُونَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَ النِّسَاءُ أَنْ يُصَلِّينَ عَلَى الْمَيِّتِ بِلَا اتِّبَاعٍ، كَمَا يُصَلِّينَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ لَهُ، وَالِاسْتِغْفَارِ فِي الْبَيْتِ.
وَإِذَا قِيلَ مَفْسَدَةُ الِاتِّبَاعِ لِلْجَنَائِزِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ حَدِيثَةٌ، وَفِي ذَلِكَ أَذًى لِلْمَيِّتِ، وَفِتْنَةٌ لِلْحَيِّ بِأَصْوَاتِهِنَّ، وَصُوَرِهِنَّ. قِيلَ: وَمُطْلَقُ الِاتِّبَاعِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالِاتِّبَاعِ الْحَمْلُ وَالدَّفْنُ، وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الزِّيَارَةِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ - وَذَلِكَ الْفَرْضُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ
(3/51)

رَجُلٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا نِسَاءُ لَكَانَ حَمْلُهُ وَدَفْنُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ، وَفِي تَغْسِيلِهِنَّ لِلرِّجَالِ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ. وَكَذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ غُسْلُ الْمَيِّتِ هَلْ يُيَمَّمُ؟ فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - فَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ مَنْهِيَّاتٌ عَمَّا جِنْسُهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَمَصْلَحَتُهُ أَعْظَمُ إذَا قَامَ بِهِ الرِّجَالُ، فَمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى أَحَدٍ أَوْلَى.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: مَفْسَدَةُ التَّشْيِيعِ أَعْظَمُ: مَمْنُوعٌ؛ بَلْ إذَا رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي الزِّيَارَةِ كَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ تَكْرِيرِ ذَلِكَ، فَتَعْظُمُ فِيهِ الْمَفْسَدَةُ، وَيَتَجَدَّدُ الْجَزَعُ، وَالْأَذَى لِلْمَيِّتِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ قَصْدِ الرِّجَالِ لَهُنَّ وَالِافْتِتَانِ بِهِنَّ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بِسَبَبِ زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ زِيَارَةِ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ اتِّبَاعِهِنَّ، وَأَنَّ نَهْيَ الِاتِّبَاعِ إذَا كَانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ نَهْيُ الزِّيَارَةِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ نَهْيَ الْمَرْأَةِ عَنْ الِاتِّبَاعِ قَدْ يَتَعَذَّرُ لِفَرْطِ الْجَزَعِ، كَمَا يَتَعَذَّرُ تَسْكِينُهُنَّ لِفَرْطِ الْجَزَعِ أَيْضًا، فَإِذَا خَفَّفَ هَذِهِ الْقُوَّةَ الْمُقْتَضِي لَمْ يَلْزَمْ تَخْفِيفُ مَا لَا يَقْوَى الْمُقْتَضِي فِيهِ. وَإِذَا عَفَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ عَمَّا لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَعْفُوَ لَهُ عَمَّا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ بِدُونِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ الْوَاجِبَةِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ:
أَنْ يُقَالَ: قَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقَيْنِ: «أَنَّهُ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي نُسَخٍ تَصْحِيحُهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ ذِكْرِ الزِّيَارَةِ فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ تَرَكَهُ شُعْبَةُ، وَلَيْسَ بِذَاكَ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ.
وَقَالَ
(3/52)

السَّعْدِيُّ وَالنَّسَائِيُّ لَيْسَ بِقَوِيِّ الْحَدِيثِ. وَالثَّانِي فِيهِ أَبُو صَالِحٍ بَاذَامُ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، وَقَدْ ضَعَّفُوهُ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ تَرَكَ حَدِيثَ أَبِي صَالِحٍ، وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ، وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ تَفْسِيرٌ، وَمَا أَقَلُّ مَالِهِ فِي الْمُسْنَدِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ رَضِيَهُ. قُلْتُ: الْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ كُلٌّ مِنْ الرَّجُلَيْنِ قَدْ عَدَّلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، كَمَا جَرَّحَهُ آخَرُونَ، أَمَّا عُمَرُ فَقَدْ قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ مِنْ أَصْعَبِ النَّاسِ تَزْكِيَةً وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَرَكَهُ شُعْبَةُ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ. كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ يَسْمَعْ شُعْبَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ شَيْئًا، وَشُعْبَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَمَالِكٌ، وَنَحْوُهُمْ قَدْ كَانُوا يَتْرُكُونَ الْحَدِيثَ عَنْ أُنَاسٍ لِنَوْعِ شُبْهَةٍ بَلَغَتْهُمْ، لَا تُوجِبُ رَدَّ أَخْبَارِهِمْ، فَهُمْ إذَا رَوَوْا عَنْ شَخْصٍ كَانَتْ رِوَايَتُهُمْ تَعْدِيلًا لَهُ وَأَمَّا تَرْكُ الرِّوَايَةِ فَقَدْ يَكُونُ لِشُبْهَةٍ لَا تُوجِبُ الْجُرْحَ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ قَدْ خُرِّجَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ عِبَارَةٌ لَيِّنَةٌ، تَقْتَضِي أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي حِفْظِهِ بَعْضُ التَّغَيُّرِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا تَقْتَضِي عِنْدَهُمْ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ، وَلَا مُبَالَغَةً فِي الْغَلَطِ وَأَمَّا أَبُو صَالِحٍ: فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا تَرَكَ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، وَمَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَتْرُكْهُ شُعْبَةُ وَلَا زَائِدَةُ، فَهَذِهِ رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ، كَمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ شُعْبَةَ.
وَتَرْكُ ابْنِ مَهْدِيٍّ لَهُ لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ. فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ أَعْلَمُ بِالْعِلَلِ وَالرِّجَالِ مِنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ أَعْلَمُ بِالرِّجَالِ مِنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَأَمْثَالِهِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثَهُ، وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ. فَأَبُو حَاتِمٍ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَهُ فِي التَّعْدِيلِ صَعْبٌ، وَالْحُجَّةُ فِي اصْطِلَاحِهِ لَيْسَ هُوَ الْحُجَّةُ فِي جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(3/53)

وَهَذَا كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُمْ رَضَوْهُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعَالِيَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَهُ، وَلِأَمْثَالِهِ. لَكِنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ تَخْرِيجِهِمَا لِلشَّخْصِ لَا يُوجِبُ رَدَّ حَدِيثِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَيُقَالُ: إذَا كَانَ الْجَارِحُ وَالْمُعَدِّلُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، لَمْ يُقْبَلْ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا، فَيَكُونُ التَّعْدِيلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْجَرْحِ الْمُطْلَقِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَدِيثَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ فِي الْحَسَنِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ كَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجَرْحِ إلَّا مَا ذُكِرَ، كَانَ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَسَنِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْآخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرِجَالُ هَذَا لَيْسَ رِجَالَ هَذَا، فَلَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَإِنَّمَا التَّضْعِيفُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْحِفْظِ، وَمِثْلُ هَذَا حُجَّةٌ بِلَا رَيْبٍ، وَهَذَا مِنْ أَجْوَدِ الْحَسَنِ الَّذِي شَرَطَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحَسَنَ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَّهَمٌ، وَلَمْ يَكُنْ شَاذًّا: أَيْ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ بِنَقْلِ الثِّقَاتِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ مُتَّهَمٌ، وَلَا خَالَفَهُ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يُخَافُ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ: إمَّا تَعَمُّدُ الْكَذِبِ، وَإِمَّا خَطَأُ الرَّاوِي، فَإِذَا كَانَ مِنْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَلَيْسَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَتَّفِقَ تَسَاوِي الْكَذِبِ فِيهِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الرُّوَاةُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ وَأَمَّا الْخَطَأُ فَإِنَّهُ مَعَ التَّعَدُّدِ يَضْعُفُ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَطْلُبَانِ مَعَ الْمُحَدِّثِ الْوَاحِدِ مَنْ يُوَافِقُهُ خَشْيَةَ الْغَلَطِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَرْأَتَيْنِ {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282] هَذَا لَوْ كَانَا عَنْ صَاحِبٍ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ عَنْ صَاحِبٍ، وَذَلِكَ عَنْ آخَرَ، وَفِي لَفْظِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى لَفْظِ الْآخَرِ، فَهَذَا كُلُّهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ مَعْرُوفٌ.
فَإِنْ قِيلَ:
فَهَبْ أَنَّهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَنْسَخُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ، وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ
(3/54)

«أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْمَقَابِرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَيْسَ كَانَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا» . قِيلَ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا:
أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْخِطَابُ بِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْ النِّسَاءَ، فَلَا يَدْخُلْنَ فِي الْحُكْمِ النَّاسِخِ.
الثَّانِي: خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، أَوْ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» وَقَوْلُهُ: " فَزُورُوهَا " بِطَرِيقِ التَّبَعِ، فَيَدْخُلْنَ بِعُمُومٍ ضَعِيفٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلنِّسَاءِ، وَالْعَامُّ إذَا عُرِفَ أَنَّهُ بَعْدَ الْخَاصِّ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعَامَّ بَعْدَ الْخَاصِّ، إذْ قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» بَعْدَ إذْنِهِ لِلرِّجَالِ فِي الزِّيَارَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ، وَذَكَرَ هَذَا بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ، وَلَعْنَ الزَّائِرَاتِ جَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِالنِّسَاءِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ وَالسُّرُجِ بَاقٍ مُحْكَمٌ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَكَذَلِكَ الْآخَرُ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَأَحْمَدُ احْتَجَّ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، لِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى ذَلِكَ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ تُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ.
وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ. فَإِنَّ الْمُحْتَجَّ عَلَيْهَا احْتَجَّ بِالنَّهْيِ الْعَامِّ، فَدَفَعَتْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَتْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْمُحْتَجُّ النَّهْيَ الْمُخْتَصَّ بِالنِّسَاءِ الَّذِي فِيهِ لَعْنُهُنَّ عَلَى الزِّيَارَةِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهَا: " قَدْ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا " فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا أَمْرًا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ، وَالِاسْتِحْبَابُ إنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً، وَلَكِنْ عَائِشَةُ بَيَّنَتْ أَنَّ أَمْرَهُ الثَّانِيَ نَسَخَ نَهْيَهُ الْأَوَّلَ، فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ وَهُوَ النِّسَاءُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. وَلَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَقِدُ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْمُورَاتٌ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ لَكَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ الرِّجَالُ، وَلَمْ تَقُلْ لِأَخِيهَا: لَمَا زُرْتُكَ.
(3/55)

الْجَوَابُ الثَّالِثُ: جَوَابُ مَنْ يَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: حَدِيثُ اللَّعْنِ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَحَدِيثُ الْإِذْنِ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ. وَبَقِيَ أَصْلُ الْكَرَاهَةِ، يُؤَيِّدُ هَذَا «قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا» .
وَالزِّيَارَةُ مِنْ جِنْسِ الِاتِّبَاعِ فَيَكُونُ كِلَاهُمَا مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ.
الْجَوَابُ الرَّابِعُ: جَوَابُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ: كَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: اللَّعْنُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الزَّوَّارَاتِ، وَهُنَّ الْمُكْثِرَاتُ لِلزِّيَارَةِ، فَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي الدَّهْرِ لَا تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ، وَلَا تَكُنْ الْمَرْأَةُ زَائِرَةً، وَيَقُولُونَ: عَائِشَةُ زَارَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَمْ تَكُنْ زَوَّارَةً.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ: فَيَقُولُونَ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ " الزَّوَّارَاتِ " وَلَفْظُ الزَّوَّارَاتِ قَدْ يَكُونُ لِتَعَدُّدِهِنَّ، كَمَا يُقَالُ: فُتِّحَتْ الْأَبْوَابُ، إذْ لِكُلِّ بَابٍ فَتْحٌ يَخُصُّهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِكُلِّ بَابٍ فَتْحًا وَاحِدًا.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا يَحْرُمُ، وَمَا لَا يَحْرُمُ، وَاللَّعْنُ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: التَّشْيِيعُ كَذَلِكَ، وَيُحْتَجُّ بِمَا رُوِيَ فِي التَّشْيِيعِ مِنْ التَّغْلِيظِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ، فَإِنَّكُنَّ تَفْتِنَّ الْحَيَّ، وَتُؤْذِينَ الْمَيِّتَ» وَقَوْلُهُ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَمَا إنَّكِ لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى لَمْ تَدْخُلْ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَكُونَ كَذَا وَكَذَا» وَهَذَانِ يُؤَيِّدُهُمَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ «نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» . وَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا. فَقَدْ يَكُونُ مُرَادُهَا لَمْ يُؤَكِّدْ النَّهْيَ، وَهَذَا لَا يَنْفِي التَّحْرِيمَ، وَقَدْ تَكُونُ هِيَ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَهْيِ تَحْرِيمٍ، وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ
لَا فِي ظَنِّ غَيْرِهِ.
الْجَوَابُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ الْإِذْنَ لِلرِّجَالِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ،
(3/56)

وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ، وَيُدْمِعُ الْعَيْنَ، هَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فُتِحَ لَهَا هَذَا الْبَابُ أَخْرَجَهَا إلَى الْجَزَعِ وَالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّعْفِ، وَكَثْرَةِ الْجَزَعِ، وَقِلَّةِ الصَّبْرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِبُكَائِهَا، وَلِافْتِتَانِ الرِّجَالِ بِصَوْتِهَا، وَصُورَتِهَا.
كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «فَإِنَّكُنَّ تَفْتُنَّ الْحَيَّ، وَتُؤْذِينَ الْمَيِّتَ» وَإِذَا كَانَتْ زِيَارَةُ النِّسَاءِ مَظِنَّةً وَسَبَبًا لِلْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي حَقِّهِنَّ، وَحَقِّ الرِّجَالِ، وَالْحِكْمَةُ هُنَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ، وَلَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ.
وَمِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا كَانَتْ خَفِيَّةً، أَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِمَظِنَّتِهَا، فَيَحْرُمُ هَذَا الْبَابُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، كَمَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَكَمَا حَرُمَ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا دُعَاؤُهَا لِلْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي بَيْتِهَا. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا إذَا زَارَتْ الْمَقْبَرَةَ بَدَا مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، لَمْ تَجُزْ لَهَا الزِّيَارَةُ بِلَا نِزَاعٍ.

[فَصْل زِيَارَة قَبْرِ النَّبِيِّ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا صَحِيحٌ، وَلَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ، كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَلَا أَهْلُ الْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ، كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَنَحْوِهِ، وَلَا أَهْلُ الْمُصَنَّفَاتِ كَمُوَطَّأِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا. بَلْ عَامَّةُ مَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ مَوْضُوعَةٌ. كَمَا يُرْوَى عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ» وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي، فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ» لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، فَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ. أَوْ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ، مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِرِوَايَتِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
(3/57)

وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» وَكَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً تُبَلِّغُنِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، فَلِهَذَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ.

وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَرِهَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمَالِكٌ قَدْ أَدْرَكَ النَّاسَ مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ عِنْدَهُمْ أَلْفَاظُ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ يَدْعُو: بَلْ وَكَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنْ يَقُومَ لِلدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَنَّهُ لَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا.
وَقَدْ ذَكَرُوا فِي أَسْبَابِ كَرَاهَتِهِ، أَنْ يَقُولَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ، لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ الزِّيَارَةَ الْبِدْعِيَّةَ، وَهِيَ قَصْدُ الْمَيِّتِ لِسُؤَالِهِ، وَدُعَائِهِ، وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَهُمْ يَعْنُونَ بِلَفْظِ الزِّيَارَةِ مِثْلَ هَذَا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
أَمَّا لَفْظُ الزِّيَارَةِ فِي عُمُومِ الْقُبُورِ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُمَا مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: «فَزُورُوا الْقُبُورَ. فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» مَعَ زِيَارَتِهِ لِقَبْرِ أُمِّهِ، فَإِنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ زِيَارَةَ قُبُورِ الْكُفَّارِ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ زِيَارَةُ الْمَيِّتِ لِدُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَزُورُ مُعَظَّمًا فِي الدِّينِ: كَالْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ. فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَعْنِي بِزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ هَذِهِ الزِّيَارَةَ الْبِدْعِيَّةَ وَالشِّرْكِيَّةَ، فَلِهَذَا كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذَا. وَإِنْ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ.
فَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَرْوِيَ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا فِي
(3/58)

زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ الثَّابِتُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ يُنَاقِضُ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ الَّذِي تَرْوِيهِ الْجُهَّالُ بِهَذَا اللَّفْظِ. كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ» .
وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» . وَأَشْبَاهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنِ، وَالْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ.
فَكَيْفَ يَعْدِلُ مَنْ لَهُ عِلْمٌ وَإِيمَانٌ عَنْ مُوجِبِ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، إلَى مَا يُنَاقِضُ مَعْنَاهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يُثْبِتْ مِنْهَا شَيْئًا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
392 - 32 - سُئِلَ: عَنْ زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ: هَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ: أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ. وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ نَهَى زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» .
(3/59)

فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ أَهْلُ الْقَوْلِ الْآخَرِ. قِيلَ: هَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» هَذَا خِطَابٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ لَفْظٌ مُذَكَّرٌ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، أَوْ مُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِ. فَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ فَلَا ذِكْرَ لِلنِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِمْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ عَامًّا، وَقَوْلُهُ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» فَاَلَّذِي يَتَّخِذُونَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ، سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا، وَأَمَّا الَّذِينَ يَزُورُونَ فَإِنَّمَا لَعَنَ النِّسَاءَ الزَّوَّارَاتِ دُونَ الرِّجَالِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا خَاصًّا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الرُّخْصَةِ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَذَلِكَ لَوْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهَا.
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» فَهَذَا عَامٌّ وَالنِّسَاءُ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي نُشَيِّعُ مَيِّتًا، فَلَمَّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا الطَّرِيقَ إذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ، فَلَمَّا دَنَتْ إذَا هِيَ فَاطِمَةُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا أَخْرَجَك يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِك؟ ، قَالَتْ: أَتَيْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَعَزَّيْنَاهُمْ بِمَيِّتِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى، أَمَا إنَّك لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى مَا رَأَيْت الْجَنَّةَ، حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيك» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ فَسَّرَ " الْكُدَى " بِالْقُبُورِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[هَلْ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ كَلَامَ زَائِرِهِ وَيَرَى شَخْصَهُ]
393 - 33 - سُئِلَ: هَلْ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ كَلَامَ زَائِرِهِ، وَيَرَى شَخْصَهُ؟ وَهَلْ تُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَمْ تَكُونُ تُرَفْرِفُ عَلَى قَبْرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ؟ وَهَلْ تَصِلُ إلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَالصَّدَقَةُ مِنْ نَاحِلِيهِ وَغَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ وَغَيْرِهِ؟ وَهَلْ تُجْمَعُ رُوحُهُ مَعَ أَرْوَاحِ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا قَرِيبًا مِنْهُمْ أَوْ بَعِيدًا؟ وَهَلْ تُنْقَلُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ يَكُونُ بَدَنُهُ إذَا
(3/60)

مَاتَ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ؟ وَدُفِنَ بِهَا يُنْقَلُ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي وُلِدَ بِهَا، وَهَلْ يَتَأَذَّى بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟ وَالْمَسْئُولُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْفُصُولِ - فَصْلًا، فَصْلًا - جَوَابًا وَاضِحًا، مُسْتَوْعِبًا لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا نُقِلَ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَشَرْحِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ: أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، وَاخْتِلَافِهِمْ، وَمَا الرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ. مَأْجُورِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَعَمْ يَسْمَعُ الْمَيِّتُ فِي الْجُمْلَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ» .
وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَسَمِعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُونَ، وَأَنَّى يُجِيبُونَ، وَقَدْ جُيِّفُوا؟ ، فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتَ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ» ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ وَقَالَ: إنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْآنَ مَا أَقُولُ» .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ. وَيَقُولُ: «قُولُوا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» فَهَذَا خِطَابٌ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ مَنْ يَسْمَعُ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» .
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك؟ وَقَدْ أَرِمْت - يَعْنِي صِرْتُ رَمِيمًا - فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ
(3/61)

الْأَنْبِيَاءِ» . وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» .
فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ فِي الْجُمْلَةِ كَلَامَ الْحَيِّ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ لَهُ دَائِمًا، بَلْ قَدْ يَسْمَعُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ كَمَا قَدْ يُعْرَضُ لِلْحَيِّ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْمَعُ أَحْيَانًا خِطَابَ مَنْ يُخَاطِبُهُ، وَقَدْ لَا يَسْمَعُ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ، وَهَذَا السَّمْعُ سَمْعُ إدْرَاكٍ، لَيْسَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَلَا هُوَ السَّمْعُ الْمَنْفِيُّ بِقَوْلِهِ: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ سَمْعُ الْقُبُورِ وَالِامْتِثَالِ. فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْكَافِرَ كَالْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَاهُ، وَكَالْبَهَائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَلَا تَفْقَهُ الْمَعْنَى.
فَالْمَيِّتُ وَإِنْ سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إجَابَةُ الدَّاعِي، وَلَا امْتِثَالَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَنُهِيَ عَنْهُ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ سَمِعَ الْخِطَابَ، وَفَهِمَ الْمَعْنَى. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23]
وَأَمَّا رُؤْيَةُ الْمَيِّتِ: فَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا.

فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: هَلْ تُعَادُ رُوحُهُ إلَى بَدَنِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، أَمْ تَكُونُ تُرَفْرِفُ عَلَى قَبْرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ؟ فَإِنَّ رُوحَهُ تُعَادُ إلَى الْبَدَنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَتُعَادُ أَيْضًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: «أَنَّ نَسَمَةَ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» وَفِي لَفْظٍ «ثُمَّ تَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ» وَمَعَ ذَلِكَ فَتَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ مَتَى شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ فِي اللَّحْظَةِ بِمَنْزِلَةِ
(3/62)

نُزُولِ الْمَلَكِ، وَظُهُورِ الشُّعَاعِ فِي الْأَرْضِ، وَانْتِبَاهِ النَّائِمِ.
وَهَذَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثَارٍ، أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَكُونُ فِي أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَرْوَاحُ تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِ دَفْنِ الْمَيِّتِ لَا تُفَارِقُهُ، فَهَذَا يَكُونُ أَحْيَانًا، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْأَرْوَاحَ مُرْسَلَةٌ، تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ، وَالصَّدَقَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي وُصُولِ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، كَمَا يَصِلُ إلَيْهِ أَيْضًا الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَالدُّعَاءُ عِنْدَ قَبْرِهِ.
وَتَنَازَعُوا فِي وُصُولِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ: كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْجَمِيعَ يَصِلُ إلَيْهِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَثَبَتَ أَيْضًا: «أَنَّهُ أَمَرَ امْرَأَةً مَاتَتْ أُمُّهَا، وَعَلَيْهَا صَوْمٌ، أَنْ تَصُومَ عَنْ أُمِّهَا» . وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «لَوْ أَنَّ أَبَاك أَسْلَمَ فَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ، أَوْ صُمْتَ، أَوْ أَعْتَقْتَ عَنْهُ، نَفَعَهُ ذَلِكَ» وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] فَيُقَالُ لَهُ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ: أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لَهُ، وَيُسْتَغْفَرُ لَهُ وَهَذَا مِنْ سَعْيِ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مَا سَلَفَ مِنْ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَالْعِتْقِ، وَهُوَ مِنْ سَعْيِ غَيْرِهِ. وَمَا كَانَ مِنْ جَوَابِهِمْ فِي مَوَارِدِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ جَوَابُ الْبَاقِينَ فِي مَوَاقِعِ النِّزَاعِ. وَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
لَكِنَّ الْجَوَابَ الْمُحَقَّقَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِسَعْيِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] فَهُوَ لَا يَمْلِكُ إلَّا سَعْيَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ ذَلِكَ. وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ لَهُ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ إلَّا مَالَ نَفْسِهِ،
(3/63)

وَنَفْعَ نَفْسِهِ. فَمَالُ غَيْرِهِ وَنَفْعُ غَيْرِهِ هُوَ كَذَلِكَ لِلْغَيْرِ؛ لَكِنْ إذَا تَبَرَّعَ لَهُ الْغَيْرُ بِذَلِكَ جَازَ.
وَهَكَذَا هَذَا إذَا تَبَرَّعَ لَهُ الْغَيْرُ بِسَعْيِهِ نَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، كَمَا يَنْفَعُهُ بِدُعَائِهِ لَهُ، وَالصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَهُوَ يَنْتَفِعُ بِكُلِّ مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَقَارِبِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، كَمَا يَنْتَفِعُ بِصَلَاةِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ عِنْدَ قَبْرِهِ.

فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: هَلْ تَجْتَمِعُ رُوحُهُ مَعَ أَرْوَاحِ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ؟ فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ تَلَقَّتْهُ الْأَرْوَاحُ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْأَحْيَاءِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ، فَيَقُولُونَ لَهُ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: عَمِلَ عَمَلَ صَلَاحٍ، فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: أَلَمْ يَقْدَمْ عَلَيْكُمْ؟ ، فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُونَ ذُهِبَ بِهِ إلَى الْهَاوِيَةِ» .
وَلَمَّا كَانَتْ أَعْمَالُ الْأَحْيَاءِ تُعْرَضُ عَلَى الْمَوْتَى، كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا أُخْزَى بِهِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ". فَهَذَا اجْتِمَاعُهُمْ عِنْدَ قُدُومِهِ يَسْأَلُونَهُ فَيُجِيبُهُمْ.

وَأَمَّا اسْتِقْرَارُهُمْ فَبِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ؛ لَكِنَّ الْأَعْلَى يَنْزِلُ إلَى الْأَسْفَلِ، وَالْأَسْفَلُ لَا يَصْعَدُ إلَى الْأَعْلَى، فَيَجْتَمِعُونَ إذَا شَاءَ اللَّهُ، كَمَا يَجْتَمِعُونَ فِي الدُّنْيَا مَعَ تَفَاوُتِ مَنَازِلِهِمْ، وَيَتَزَاوَرُونَ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمَدَافِنُ مُتَبَاعِدَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ مُتَقَارِبَةً. قَدْ تَجْتَمِعُ الْأَرْوَاحُ مَعَ تَبَاعُدِ الْمَدَافِنِ، وَقَدْ تَفْتَرِقُ مَعَ تَقَارُبِ الْمَدَافِنِ، يُدْفَنُ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ الْكَافِرِ، وَرُوحُ هَذَا فِي الْجَنَّةِ، وَرُوحُ هَذَا فِي النَّارِ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونَانِ جَالِسَيْنِ أَوْ نَائِمَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَقَلْبُ هَذَا يُنَعَّمُ، وَقَلْبُ هَذَا يُعَذَّبُ. وَلَيْسَ بَيْنَ الرُّوحَيْنِ اتِّصَالٌ. فَالْأَرْوَاحُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ: فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» .
وَالْبَدَنُ لَا يُنْقَلُ إلَى مَوْضِعِ الْوِلَادَةِ، بَلْ قَدْ جَاءَ: «إنَّ الْمَيِّتَ يُذَرُّ عَلَيْهِ مِنْ تُرَابِ
(3/64)

حُفْرَتِهِ» وَمِثْلُ هَذَا لَا يُجْزَمُ بِهِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. بَلْ أَجْوَدُ مِنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِيهِ: «إنَّهُ مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ إلَّا قِيسَ لَهُ مِنْ مَسْقَطِ رَأْسِهِ إلَى مُنْقَطِعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ» .
وَالْإِنْسَانُ يُبْعَثُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ، وَبَدَنُهُ فِي قَبْرِهِ مُشَاهَدٌ، فَلَا تُدْفَعُ الْمُشَاهَدَةُ، بِظُنُونٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، بَلْ هِيَ مُخَالِفَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَالنَّقْلِ.

فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يُؤْذِيهِ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْعُلَمَاءِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَتَأَذَّى بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» - وَفِي لَفْظٍ - «مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لَمَّا أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَعَلَتْ أُخْتُهُ تَنْدُبُ، وَتَقُولُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: مَا قُلْت لِي شَيْئًا إلَّا قِيلَ لِي: أَكَذَلِكَ أَنْتَ؟ وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْذِيبِ الْإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ثُمَّ تَنَوَّعَتْ طُرُقُهُمْ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَّطِ الرُّوَاةَ لَهَا، كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ عَائِشَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِهِ فَيُعَذَّبُ عَلَى إيصَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ: كَالْمُزَنِيِّ، وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ، فَيُعَذَّبُ عَلَى تَرْكِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ: مِنْهُمْ جَدِّي أَبُو الْبَرَكَاتِ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا.
وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي يَرْوِيهَا مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ
(3/65)

عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ لَا تُرَدُّ بِمِثْلِ هَذَا. وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَهَا مِثْلُ هَذَا نَظَائِرُ تَرُدُّ الْحَدِيثَ بِنَوْعٍ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ لِاعْتِقَادِهَا بُطْلَانَ مَعْنَاهُ، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا الْبَابَ وَجَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ الَّذِي يَرْوِيهِ الثِّقَةُ لَا يَرُدُّهُ أَحَدٌ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا كَانَ مُخْطِئًا.
وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفْظَيْنِ - وَهِيَ الصَّادِقَةُ فِيمَا نَقَلَتْهُ - فَرَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ: «إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَزِيدَهُ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، جَازَ أَنْ يُعَذَّبَ غَيْرُهُ ابْتِدَاءً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ؛ وَلِهَذَا رَدَّ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَلَفِ الْحَدِيثِ هَذَا الْحَدِيثَ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى. وَقَالَ: الْأَشْبَهُ رِوَايَتُهَا الْأُخْرَى: «إنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ» .
وَاَلَّذِينَ أَقَرُّوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مُقْتَضَاهُ، ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ عُقُوبَةِ الْإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَاعْتَقَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ الْإِنْسَانَ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، فَجَوَّزُوا أَنْ يُدْخِلُوا أَوْلَادَ الْكُفَّارِ النَّارَ بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهُ طَوَائِفُ مُنْتَسِبَةٌ إلَى السُّنَّةِ، فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْخِلُ النَّارَ إلَّا مَنْ عَصَاهُ. كَمَا قَالَ: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85] فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْ أَتْبَاعِ إبْلِيسَ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فِيهَا مَوْضِعٌ، فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ إبْلِيسَ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ.
وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ: أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.
كَمَا قَدْ أَجَابَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: إنَّهُمْ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ غَلَطٌ عَلَى أَحْمَدَ. وَطَائِفَةٌ جَزَمُوا أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُهُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ رُؤْيَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا رَأَى إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، وَعِنْدَهُ أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ» .
وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمْ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، وَلَا يُحْكَمُ لِمُعَيَّنٍ مِنْهُمْ
(3/66)

بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ يُؤْمَرُونَ وَيُنْهَوْنَ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَنْقَطِعُ بِدُخُولِ دَارِ الْجَزَاءِ وَهِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَأَمَّا عَرَصَاتُ الْقِيَامَةِ فَيُمْتَحَنُونَ فِيهَا كَمَا يُمْتَحَنُونَ فِي الْبَرْزَخِ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 43] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَتَجَلَّى اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي الْمَوْقِفِ، إذَا قِيلَ: لِيَتْبَعَ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَتْبَعُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ، وَتَبَقَّى الْمُؤْمِنُونَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ الرَّبُّ الْحَقُّ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْرِفُونَ فَيُنْكِرُونَهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَتَبْقَى ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ كَقُرُونِ الْبَقَرِ، فَيُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُدُوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] الْآيَةَ» وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هَهُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِذَنْبِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَقَوْلِهِ: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّائِحَةَ لَا تُعَاقَبُ، بَلْ النَّائِحَةُ تُعَاقَبُ عَلَى النِّيَاحَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تَلْبَسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِرْعًا مِنْ جَرَبٍ وَسِرْبَالًا مِنْ قَطِرَانٍ» فَلَا يُحْمَلُ عَمَلٌ يَنُوحُ وِزْرُهُ أَحَدٌ.

وَأَمَّا تَعْذِيبُ الْمَيِّتِ: فَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْمَيِّتَ يُعَاقَبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. بَلْ قَالَ: " يُعَذَّبُ " وَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعِقَابِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ هُوَ الْأَلَمُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَأَلَّمَ بِسَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ عِقَابًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» فَسَمَّى السَّفَرَ عَذَابًا، وَلَيْسَ هُوَ عِقَابًا عَلَى ذَنْبٍ.
(3/67)

وَالْإِنْسَانُ يُعَذَّبُ بِالْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا، مِثْلُ الْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ، وَالْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ، وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ، فَهُوَ يَتَعَذَّبُ بِسَمَاعِ هَذَا وَشَمِّ هَذَا، وَرُؤْيَةِ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا لَهُ عُوقِبَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنْ يُعَذَّبَ الْمَيِّتُ بِالنِّيَاحَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ النِّيَاحَةُ عَمَلًا لَهُ، يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؟ وَالْإِنْسَانُ فِي قَبْرِهِ يُعَذَّبُ بِكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ، وَيَتَأَلَّمُ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ، وَبِسَمَاعِ كَلَامِهِ. وَلِهَذَا أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: بِأَنَّ الْمَوْتَى إنَّمَا عُمِلَ عِنْدَهُمْ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُمْ يَتَأَلَّمُونَ بِهَا، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ، فَتَعْذِيبُهُمْ بِعَمَلِ الْمَعَاصِي عِنْدَ قُبُورِهِمْ كَتَعْذِيبِهِمْ بِنِيَاحَةِ مَنْ يَنُوحُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ النِّيَاحَةُ سَبَبُ الْعَذَابِ.
وَقَدْ يَنْدَفِعُ حُكْمُ السَّبَبِ بِمَا يُعَارِضُهُ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَيِّتِ مِنْ قُوَّةِ الْكَرَامَةِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ مِنْ الْعَذَابِ، كَمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ الْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ، وَالْأَرْوَاحِ وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ.
وَأَحَادِيثُ الْوَعِيدِ يُذْكَرُ فِيهَا السَّبَبُ. وَقَدْ يَتَخَلَّفُ مُوجِبُهُ لِمَوَانِعَ تَدْفَعُ ذَلِكَ: إمَّا بِتَوْبَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَإِمَّا بِحَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، وَإِمَّا بِمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، وَإِمَّا بِشَفَاعَةِ شَفِيعٍ مُطَاعٍ، وَإِمَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَإِنَّهُ {لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .

وَمَا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ مِنْ الْأَلَمِ الَّتِي هِيَ عَذَابٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزْنٍ، وَلَا أَذًى، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» .
وَفِي الْمُسْنَدِ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا؟ ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ ، أَلَسْتَ يُصِيبُك الْأَذَى؟ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةٌ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا طَيِّبٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] » . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُمْ إذَا عَبَرُوا
(3/68)

عَلَى الصِّرَاطِ، وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنَقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ» . وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْجَوَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَمَا ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ الْخِطَابَ، وَيَصِلُ إلَيْهِمْ الثَّوَابُ، وَيُعَذَّبُونَ بِالنِّيَاحَةِ، بَلْ وَمَا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ السَّائِلُ مِنْ عِقَابِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ يُكْشَفُ لِكَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ زَمَانِنَا يَقَظَةً وَمَنَامًا، وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَيَتَحَقَّقُونَهُ، وَعِنْدَنَا مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الْجَوَابَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَمَا كُشِفَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ هُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُ، فَهَذَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ عِلْمِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ إيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْإِيمَانُ بِغَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] الْآيَةَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» . فَالْمُحَدِّثُ الْمُلْهَمُ الْمُكَاشِفُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِنَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ صَدَقَ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَفَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ. كَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ سَيِّدُ الْمُحَدِّثِينَ إذَا أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْصُومًا، وَإِنَّمَا الْعِصْمَةُ لِلنُّبُوَّةِ.
وَلِهَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ، فَإِنَّ الصِّدِّيقَ لَا يَتَلَقَّى مِنْ قَلْبِهِ، بَلْ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ مَعْصُومَةٌ، وَالْمُحَدِّثُ يَتَلَقَّى تَارَةً عَنْ قَلْبِهِ، وَتَارَةً عَنْ النُّبُوَّةِ، فَمَا تَلَقَّاهُ عَنْ النُّبُوَّةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَمَا أُلْهِمَ فِي قَلْبِهِ: فَإِنْ وَافَقَ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ.
فَلِهَذَا لَا يَعْتَمِدُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ فِي مِثْلِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ إلَّا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ شَوَاهِدُ
(3/69)

وَبَيِّنَاتٌ مِمَّا شَاهِدُوهُ وَوَجَدُوهُ، وَمِمَّا عَقَلُوهُ وَعَمِلُوهُ، وَذَلِكَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ هُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فَهُمْ رُسُلُهُ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ فِيهَا مِنْ الدَّلَائِلِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّوَاهِدِ الْحِسِّيَّةِ الْكَشْفِيَّةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، وَقِيَامُ بَنِي آدَمَ وَكَشْفُهُمْ تَابِعٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا مُخَالِفَ لَهُ، وَمَعَ كَوْنِهِ حَقًّا فَلَا يُفَصَّلُ الْخِلَافُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ بِهِ، كَمَا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِمَا عُرِفَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَهُوَ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.
وَلَكِنْ مَنْ حَصَلَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ بَصِيرَةٌ أَوْ قِيَاسٌ أَوْ بُرْهَانٌ كَانَ ذَلِكَ نُورًا عَلَى نُورٍ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَصِيرَةُ الْمُؤْمِنِ تَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فِيهَا بِأَثَرٍ.
فَإِذَا جَاءَ الْأَثَرُ كَانَ نُورًا عَلَى نُورٍ {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] .

[هَلْ يَتَكَلَّمُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ]
394 - 34 - سُئِلَ: هَلْ يَتَكَلَّمُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ؟ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: يَتَكَلَّمُ، وَقَدْ يَسْمَعُ أَيْضًا مَنْ كَلَّمَهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهُمْ يَسْمَعُونَ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ الْمَيِّتَ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ: فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي، وَيُقَالُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ» . وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
(3/70)

وَكَذَلِكَ يَتَكَلَّمُ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: آهْ، آهْ، لَا أَدْرِي، سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانُ.
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْت اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مِثْلَ الَّذِي أَسْمَعُ» وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ نَادَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، وَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بُكَاء الْأُمِّ وَالْإِخْوَةِ عَلَى الْمَيِّتِ]
395 - 35 - سُئِلَ: عَنْ بُكَاءِ الْأُمِّ وَالْإِخْوَةِ عَلَى الْمَيِّتِ: هَلْ فِيهِ بَأْسٌ عَلَى الْمَيِّتِ؟
أَجَابَ: أَمَّا دَمْعُ الْعَيْنِ، وَحُزْنُ الْقَلْبِ، فَلَا إثْمَ فِيهِ؛ لَكِنَّ النَّدْبَ وَالنِّيَاحَةَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَأَيُّ صَدَقَةٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَنْ الْمَيِّتِ نَفَعَهُ ذَلِكَ.

[مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْزِيَةِ]
396 - 36 - سُئِلَ: عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْزِيَةِ؟ الْجَوَابُ: التَّعْزِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، فَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَا نَقَصَ مِنْ عُمْرِهِ زَادَ فِي عُمْرِك، فَغَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، بَلْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِمَا يَنْفَعُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْظَمُ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك.

وَأَمَّا نَقْصُ الْعُمْرِ وَزِيَادَتُهُ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ عَلَى زِيَادَةِ الْبَرَكَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَحْصُلُ نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ عَمَّا كُتِبَ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ. وَأَمَّا عِلْمُ اللَّهِ الْقَدِيمِ فَلَا يَتَغَيَّرُ.
وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ: فَهَلْ يُغَيَّرُ مَا فِيهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ النُّصُوصِ.

وَأَمَّا صَنْعَةُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، فَمُسْتَحَبَّةٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» لَكِنْ إنَّمَا يَطِيبُ إذَا كَانَ بِطِيبِ نَفْسِ الْمُهْدِي، وَكَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُكَافَأَةً عَنْ مَعْرُوفٍ مِثْلِهِ، فَإِنْ عَلِمَ الرَّجُلُ
(3/71)

أَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَإِنْ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِتَنَاوُلِ الْيَسِيرِ مِنْهُ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، مِثْلُ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَنُوحُ عَلَى الْقَبْرِ وَالنِّسَاءُ مُكْشِفَاتُ الْوُجُوهِ]
397 - 37 - سُئِلَ: عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَنُوحُ عَلَى الْقَبْرِ، وَيَذْكُرُ شَيْئًا لَا يَلِيقُ. وَالنِّسَاءُ مُكْشِفَاتُ الْوُجُوهِ، وَالرِّجَالُ حَوْلَهُمْ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. النِّيَاحَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ. عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا فَإِنَّهَا تَلْبَسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِرْعًا مِنْ جَرَبٍ، وَسِرْبَالًا مِنْ قَطِرَانٍ» وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ: «أَنَّهُ لَعَنَ النَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ» . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» .
وَكَشْفُ النِّسَاءِ وُجُوهَهُنَّ بِحَيْثُ يَرَاهُنَّ الْأَجَانِبُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ هَذَا الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَرْتَدِعْ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَزْجُرُهُ، لَا سِيَّمَا النَّوْحُ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْقُبُورِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، مِنْ الْجَزَعِ وَالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ وَإِيذَاءِ الْمَيِّتِ، وَفِتْنَةِ الْحَيِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ، وَفِعْلِ أَسْبَابِ الْفَوَاحِشِ، وَفَتْحِ بَابِهَا، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْهَوْا عَنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

[مَسْأَلَةٌ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا]
398 - 38 - مَسْأَلَةٌ:
مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا ". وَهَلْ يَتَكَلَّمُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا
(3/72)

قُبُورًا» يَعْنِي: أَنَّ الْقُبُورَ مَوْضِعُ الْمَوْتَى، فَإِذَا لَمْ تُصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَمْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا كُنْتُمْ كَالْمَيِّتِ، وَكَانَتْ كَالْقُبُورِ، فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَاَلَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» . وَفِي لَفْظٍ: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَاَلَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» .
وَأَمَّا سُؤَالُ السَّائِلِ: هَلْ يَتَكَلَّمُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ؟ فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ، وَقَدْ يَسْمَعُ أَيْضًا مَنْ كَلَّمَهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهُمْ يَسْمَعُونَ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ الْمَيِّتَ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي. وَالْإِسْلَامُ دِينِي وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي - وَيُقَالُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ» .
«وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] . وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ» . وَكَذَلِكَ يَتَكَلَّمُ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: آهْ آهْ لَا أَدْرَى سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانُ. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْت اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ مِثْلَ الَّذِي أَسْمَعُ» . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ نَادَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، قَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» . وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/73)

[كِتَابُ النِّكَاحِ] [مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ أَصَابَهُ سِهَامُ إبْلِيسَ الْمَسْمُومَةُ]
ِ 399 - 1 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ أَصَابَهُ سِهَامُ إبْلِيسَ الْمَسْمُومَةُ؟
الْجَوَابُ: مَنْ أَصَابَهُ جُرْحٌ مَسْمُومٌ فَعَلَيْهِ مِمَّا يُخْرِجُ السُّمَّ وَيُبْرِئُ الْجُرْحَ بِالتِّرْيَاقِ وَالْمَرْهَمِ وَذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّمَا مَعَهَا مِثْلُ مَا مَعَهَا» . وَهَذَا مِمَّا يُنْقِصُ الشَّهْوَةَ وَيُضْعِفُ الْعِشْقَ ". الثَّانِي:
أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَقْتَ السَّحَرِ وَتَكُونُ صَلَاتُهُ بِحُضُورِ قَلْبٍ وَخُشُوعٍ وَلْيُكْثِرْ مِنْ الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك. يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قَلْبِي إلَى طَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك، فَإِنَّهُ مَتَى أَدْمَنَ الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ لِلَّهِ صُرِفَ قَلْبُهُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .
الثَّالِثُ:
أَنْ يَبْعُدَ عَنْ سَكَنِ هَذَا الشَّخْصِ، وَالِاجْتِمَاعِ بِمَنْ يَجْتَمِعُ بِهِ، بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ لَهُ خَبَرًا وَلَا يَقَعُ لَهُ عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَرٍ، فَإِنَّ الْبُعْدَ جَفَى. وَمَتَى قَلَّ الذِّكْرُ ضَعُفَ الْأَثَرُ فِي الْقَلْبِ، فَيَفْعَلُ هَذِهِ الْأُمُورَ وَلْيُطَالِعْ بِمَا تَجَدَّدَ لَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(3/77)

[مَسْأَلَةٌ شُرُوط النِّكَاحِ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي شُرُوطِ النِّكَاحِ مَنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا تَتَزَوَّجُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا يَتَسَرَّى وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ مِنْ بَلَدِهَا، فَإِذَا شَرَطَتْ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَاتَّفَقَا عَلَيْهَا وَخَلَا الْعَقْدُ عَنْ ذِكْرِهَا، هَلْ تَكُونُ صَحِيحَةً لَازِمَةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَالْمُقَارَنَةِ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ تَكُونُ صَحِيحَةً لَازِمَةً إذَا لَمْ يُبْطِلَاهَا، حَتَّى لَوْ قَارَنَتْ عَقْدَ الْعَقْدِ، هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْإِمَامِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِمَا فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ. وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَخْرُجُ مِنْ مَسْأَلَةِ صَدَاقِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَهَكَذَا يَطْرُدُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الْعِبَارَاتِ، فَإِنَّ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عِنْدَهُمَا كَالْمُقَارَنَةِ، وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَا تُؤَثِّرُ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي يَجْعَلُ الْعَقْدَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، كَالتَّوَاطُؤِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ تَلْجِئَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَبَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا غَايَةُ نُصُوصِ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَمُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ وَالْمُوَاطَأَةَ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ إذَا لَمْ يَفْسَخَاهَا حَتَّى عَقَدَا الْعَقْدَ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ مُقَيَّدًا بِهَا، وَعَلَى هَذَا جَوَابُ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِ الْحِيَلِ فِي الْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْقَرْضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ أَصْحَابِهِ تَضْيِيقُ الْفَتْوَى عَنْ تَعْدِيدِ أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ، وَكَثِيرٌ فِيهَا مَشْهُورٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِأُصُولِ أَحْمَدَ وَنُصُوصِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَرَّرْنَا دَلَائِلَ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْعُقُودَ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ، مِثْلَ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَعَقْدِ الْهُدْنَةِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، عَلِمَ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى الشُّرُوطِ، ثُمَّ عَقَدُوا الْعَقْدَ بِلَفْظٍ مُطْلَقٍ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالشُّرُوطِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْغَدْرِ، وَالثَّلَاثُ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ تُوَافِقُ ذَلِكَ.
(3/78)

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَهَلْ لَهَا مَهْرٌ؟ وَهَلْ هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟
الْجَوَابُ: إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا مُزَوَّجَةٌ وَلَمْ تَسْتَشْعِرْ لَا مَوْتَهُ وَلَا طَلَاقَهُ، فَهَذِهِ زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، لَا مَهْرَ لَهَا، وَإِذَا اعْتَقَدَتْ مَوْتَهُ أَوْ طَلَاقَهُ فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَلَهَا الْمَهْرُ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ بِنْتٌ دُونَ الْبُلُوغِ فَزَوَّجُوهَا فِي غَيْبَةِ أَبِيهَا]
402 - 4 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ بِنْتٌ وَهِيَ دُونَ الْبُلُوغِ، فَزَوَّجُوهَا فِي غَيْبَةِ أَبِيهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ، وَجَعَلُوا أَنَّ أَبَاهَا تُوُفِّيَ وَهُوَ حَيٌّ، وَشَهِدُوا أَنَّ خَالَهَا أَخُوهَا، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا شَهِدُوا أَنَّ خَالَهَا أَخُوهَا، فَهَذِهِ شَهَادَةُ زُورٍ، وَلَا يَصِيرُ الْخَالُ وَلِيًّا بِذَلِكَ، بَلْ هَذِهِ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، فَيَكُونُ نِكَاحُهَا بَاطِلًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَلِلْأَبِ أَنْ يُجَدِّدَهُ، وَمَنْ شَهِدَ أَنَّ خَالَهَا أَخُوهَا، وَأَنَّ أَبَاهَا مَاتَ فَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ، يَجِبُ تَعْزِيرُهُ، وَيُعَزَّرُ الْخَالُ، إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْأَبُ فِي عِدَّةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ بُنَيَّة دُونَ الْبُلُوغِ وَحَضَرَ مَنْ يَرْغَبُ فِي تَزْوِيجِهَا]
403 - 5 - مَسْأَلَةٌ:
فِي بُنَيَّةٍ دُونَ الْبُلُوغِ وَحَضَرَ مَنْ يَرْغَبُ فِي تَزْوِيجِهَا فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ: إذَا كَانَ الْخَاطِبُ لَهَا كُفُؤًا جَازَ تَزْوِيجُهَا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تُزَوَّجُ بِلَا أَمْرِهَا وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:
(3/79)

إذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ زُوِّجَتْ بِإِذْنِهَا وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَتَزْوِيجُ الْيَتِيمَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [النساء: 127] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي يَرْغَبُ وَلِيُّهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ، وَلَا يُنْكِحَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ حَتَّى يَقْسِطُوا لَهُنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُنْكِحَ الْيَتِيمَةَ إذَا أَصْدَقَهَا صَدَاقَ الْمِثْلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ يَتِيمَة حَضَرَ مَنْ يَرْغَبُ فِي تَزْوِيجِهَا وَلَهَا أَمْلَاكٌ]
404 - 6 - مَسْأَلَةٌ:
فِي يَتِيمَةٍ حَضَرَ مَنْ يَرْغَبُ فِي تَزْوِيجِهَا، وَلَهَا أَمْلَاكٌ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَقَارِهَا شَيْئًا وَيَصْرِفُ ثَمَنَهُ فِي جِهَازٍ وَقُمَاشٍ لَهَا وَحُلِيٍّ يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَقَارِهَا مَا يُجَهِّزُهَا بِهِ، وَيُجَهِّزُهَا الْجِهَازَ الْمَعْرُوفَ، وَالْحُلِيَّ الْمَعْرُوفَ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ جَارِيَةٌ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَ بِهَا وَمَاتَ ثُمَّ خَطَبَهَا مَنْ يَصْلُحُ]
405 - 7 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ، وَقَدْ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَ بِهَا وَمَاتَ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَنْ يَصْلُحُ، فَهَلْ لِأَوْلَادِ سَيِّدِهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ: إذَا خَطَبَهَا مَنْ يَصْلُحُ لَهَا فَعَلَى أَوْلَادِ سَيِّدِهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا،
(3/80)

فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ أَوْ عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ إنْ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ غَيْرُ أَوْلَادِهِ.
لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُقَدِّمُ الْحَاكِمَ إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْعَصَبَةَ كَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ زَوَّجَ الْحَاكِمُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْ امْتَنَعَ الْعَصَبَةُ كُلُّهُمْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا أَذِنَ الْعَصَبَةُ لِلْحَاكِمِ جَازَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُسْتَحَاضَةً]
406 - 8 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُسْتَحَاضَةً لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا مِنْ بَيْتِ أُمِّهَا، وَأَنَّهُمْ غَرَوْهُ، فَهَلْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِالصَّدَاقِ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى أُمِّهَا وَأَبِيهَا يَمِينٌ إذَا أَنْكَرُوا أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ لَهُ وَطْؤُهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: هَذَا عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ مَعَهُ إلَّا بِضَرَرٍ يَخَافُهُ وَأَذًى يَحْصُلُ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَحَاضَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَمَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ حِسًّا كَاسْتِدَادِ الْفَرْجِ، أَوْ طَبْعًا كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ يَثْبُتُ الْفَسْخُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، كَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ.
وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْوَطْءِ كَالنَّجَاسَةِ فِي الْفَرْجِ فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ قِيلَ: إنَّ الصَّدَاقَ يَسْتَقِرُّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَلْوَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ.
وَقِيلَ لَا يَسْتَقِرُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ مَنْ ادَّعَى الْغُرُورَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ.
وَوَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَقِيلَ: يَجُوزُ وَطْؤُهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ، فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ؟ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/81)

[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ ابْنِهِ وَالزَّوْجُ فَاسِقٌ لَا يُصَلِّي]
مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ ابْنِهِ، وَالزَّوْجُ فَاسِقٌ لَا يُصَلِّي وَخَوَّفَهَا حَتَّى أَذِنَتْ فِي النِّكَاحِ، وَقَالُوا: إنْ لَمْ تَأْذَنِي وَإِلَّا زَوَّجَك الشَّرْعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِك، وَهُوَ الْآنَ يَأْخُذُ مَالَهَا، وَيَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا لِكَشْفِ حَالِهَا كَأُمِّهَا وَغَيْرِهَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ: لَيْسَ لِلْعَمِّ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ بِغَيْرِ كُفْءٍ.
إذَا لَمْ تَكُنْ رَاضِيَةً بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ لَوْ رَضِيَتْ هِيَ بِغَيْرِ كُفُؤٍ كَانَ لِوَلِيٍّ آخَرَ غَيْرِ الْمُزَوِّجِ أَنْ يَفْسَخَ النِّكَاحَ، وَلَيْسَ لِلْعَمِّ أَنْ يُكْرِهَ الْمَرْأَةَ الْبَالِغَةَ عَلَى النِّكَاحِ بِكُفْءٍ، فَكَيْفَ إذَا أَكْرَهَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ كُفُؤٍ؟ بَلْ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا مِمَّنْ تَرْضَاهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا قَالَ لَهَا إنْ لَمْ تَأْذَنِي وَإِلَّا زَوَّجَك الشَّرْعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِك، فَأَذِنَتْ بِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْإِذْنُ وَلَا النِّكَاحُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ لَا يُمَكِّنُ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ إجْبَارِ الْكَبِيرَةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْكَبِيرَةِ وَفِي الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا، وَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِمَا يَجِبُ لَهَا وَلَا يَتَعَدَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا وَمَا أَخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَكْشِفُ حَالَهَا إذَا اشْتَكَتْ، بَلْ إمَّا أَنْ يُمَكِّنَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَكْشِفُ كَالْأُمِّ وَغَيْرِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُنَ بِجَنْبِ جِيرَانٍ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّينِ يَكْشِفُونَ حَالَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ يَتِيمَة طَلَبَهَا وَكِيل عَلَى جَبَهَاتِ الْمَدِينَةِ وَزَوْجُ أُمِّهَا كَارِهٌ لَهُ]
408 - 10 - مَسْأَلَةٌ:
فِي بِنْتٍ يَتِيمَةٍ وَقَدْ طَلَبَهَا رَجُلٌ وَكِيلٌ عَلَى جَبَهَاتِ الْمَدِينَةِ وَزَوْجُ أُمِّهَا كَارِهٌ فِي الْوَكِيلِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا عَمُّهَا وَأَخُوهَا بِلَا إذْنٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ: الْمَرْأَةُ الْبَالِغُ لَا يُزَوِّجُهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ بِغَيْرِ إذْنِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ وَكَذَلِكَ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَبُ إلَّا بِإِذْنِهَا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، بَلْ فِي أَصَحِّهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا الْبِنْتُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْبِكْرَ
(3/82)

تَسْتَحِي، قَالَ: إذْنُهَا صُمَاتُهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: «يَأْذَنُهَا أَبُوهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .
وَأَمَّا الْعَمُّ وَالْأَخُ فَلَا يُزَوِّجُونَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا رَضِيَتْ رَجُلًا وَكَانَ كُفُؤًا لَهَا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهَا كَالْأَخِ ثُمَّ الْعَمِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ، فَإِنْ عَضَلَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا، زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ مِنْهُ، وَالْحَاكِمُ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى نِكَاحِ مَنْ لَا تَرْضَاهُ وَلَا يُعْضِلُهَا عَنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْضَاهُ إذَا كَانَ كُفُؤًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا يُجْبِرُهَا وَيُعْضِلُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَالظُّلْمِ الَّذِينَ يُزَوِّجُونَ نِسَاءَهُمْ لِمَنْ يَخْتَارُونَهُ لِغَرَضٍ، لَا لِمَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ، وَيُكْرِهُونَهَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُخْجِلُونَهَا حَتَّى تَفْعَلَ، وَيَعْضُلُونَهَا عَنْ نِكَاحِ مَنْ يَكُونُ كُفُؤًا لَهَا لِعَدَاوَةٍ أَوْ غَرَضٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَهُوَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَأَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ النِّسَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ، لَا فِي أَهْوَائِهِمْ كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْوُكَلَاءِ، فَمَنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ مَصْلَحَةَ مَنْ تَصَرَّفَ لَهُ لَا يَقْصِدُ هَوَاهُ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْأَمَانَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُؤَدَّى إلَى أَهْلِهَا فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] . وَهَذَا مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَة بِوِلَايَةِ أَجْنَبِيّ وَوَلِيُّهَا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ]
409 - 11 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِوِلَايَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَوَلِيُّهَا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ
(3/83)

مُعْتَقِدًا أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ الْمَذْكُورَ حَاكِمٌ عَلَيْهَا، وَدَخَلَ بِهَا وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَتَرَتَّبُ إسْقَاطُ الْحَدِّ وَوُجُوبُ الْمَهْرِ وَيَلْحَقُ النَّسَبُ وَالْإِحْصَانُ؟
الْجَوَابُ: لَا يَجِبُ فِي هَذَا النِّكَاحِ حَدٌّ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، بَلْ يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَيَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُزَوِّجَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ بِحَالٍ، فَفَارَقَهَا الزَّوْجُ حِينَ عَلِمَ ذَلِكَ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ لَهُ سَرِيَّةٌ بِكِتَابٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ وَلَهُ ابْنُ ابْنٍ]
410 - 12 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ سَرِيَّةٌ بِكِتَابٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَهُ ابْنُ ابْنٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ سَرِيَّةً جَدِّهِ الْمَذْكُورِ، فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُ سَرِيَّةِ جَدِّهِ الَّتِي كَانَ يَطَؤُهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَزَوَّجَهَا، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَحِلُّ إبْقَاؤُهُ مَعَهَا إنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ يَتِيمَةً وَشَهِدَتْ أُمُّهَا بِبُلُوغِهَا]
411 - 13 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ يَتِيمَةً، وَشَهِدَتْ أُمُّهَا بِبُلُوغِهَا، فَمَكَثَتْ فِي صُحْبَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ، ثُمَّ شَهِدَتْ أَخَوَاتُهَا وَنِسَاءٌ أُخَرُ أَنَّهَا مَا بَلَغَتْ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ، وَشَهِدَتْ أُمُّهَا بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَالْأُمُّ مَاتَتْ، وَالزَّوْجُ يُرِيدُ الْمُرَاجَعَةَ.
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: أَنَّ نِكَاحَ هَذِهِ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ
(3/84)

الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَقْبُحُ، فَإِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ حِينَ كَانَ يَطَؤُهَا وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا، حَتَّى إذَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا أَخَذُوا يَسْعَوْنَ فِيمَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ حَتَّى لَا يُقَالُ: إنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ، وَهَذَا مِنْ الْمُضَادَّةِ لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ حِينَ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا لَمْ يَتَحَرَّ، وَلَمْ يَسْأَلْ، فَلَمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ أَخَذَ يَسْأَلُ عَمَّا يُبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ فِي الْمُحَرَّمِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ فَاسِقٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهَا الْأَوَّلُ صَحِيحًا، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَالطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَاقِعٌ، وَالْوَطْءُ قَبْلَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ فِيهِ حَرَامًا، وَهَذَا الزَّوْجُ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا سَأَلَ حِينَ طَلَّقَ لِئَلَّا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ فَكَانَ سُؤَالُهُمْ عَمَّا بِهِ يَحْرُمُ الْوَطْءُ الْأَوَّلُ، لِأَجْلِ اسْتِحْلَالِ الْوَطْءِ الثَّانِي.
وَهَذِهِ الْمُضَادَّةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَجْتَنِبْهَا، وَلْيَحْفَظْ حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ لَهَا أَبٌ وَأَخٌ وَوَكِيلُ أَبِيهَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ]
412 - 14 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَبٌ وَأَخٌ وَوَكِيلُ أَبِيهَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ، فَذَهَبَ إلَى الشُّهُودِ، وَغَيَّرَتْ اسْمَهَا وَاسْمَ أَبِيهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ لَهَا مُطَلِّقًا يُرِيدُ تَجْدِيدَ النِّكَاحِ، وَأَحْضَرَتْ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَخُوهَا، فَكَتَبَتْ الشُّهُودُ كِتَابَهَا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ مَا فَعَلَتْهُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَهَلْ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَجِبُ تَعْزِيرُ الْمُعَرِّفِينَ، وَاَلَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ أَخُوهَا، وَاَلَّذِي عَرَّفَ الشُّهُودَ بِمَا ذُكِرَ؟ وَهَلْ يَخْتَصُّ التَّعْزِيرُ بِالْحَاكِمِ أَوْ يُعَزِّرُهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ يَحْتَسِبُ وَغَيْرُهُ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا لَوْ عَزَّرَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ مَرَّاتٍ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُكَرِّرُ التَّعْزِيرَ فِي الْفِعْلِ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، فَكَانَ يُعَزِّرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِائَةً، وَفِي الثَّانِي مِائَةً، وَفِي الثَّالِثِ مِائَةً، يُفَرِّقُ التَّعْزِيرُ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى فَسَادِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ ادَّعَتْ إلَى غَيْرِ أَبِيهَا، وَاسْتَخْلَفَتْ أَخَاهَا، وَهَذَا مِنْ الْكَبَائِرِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:
(3/85)

«مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .
بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعْدٍ وَأَبِي بَكْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» .
وَثَبَتَ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ إلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ رَمَى رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا جَارَ عَلَيْهِ» .
وَهَذَا تَغْلِيظٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً عَظِيمَةً يَسْتَحِقُّ فِيهَا مِائَةَ سَوْطٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الشُّهُودِ وَأَوْقَعَتْهُمْ فِي الْعُقُودِ الْبَاطِلَةِ، وَنَكَحَتْ نِكَاحًا بَاطِلًا، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بَاطِلٌ، يُعَزِّرُونَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ.
بَلْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُقِيمُونَ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ بِالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ جَوَّزَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يُجَوِّزْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ دَعْوَى النَّسَبِ الْكَاذِبِ وَإِقَامَةِ الْوَلِيِّ الْبَاطِلِ، فَكَانَ عُقُوبَةُ هَذِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَاقَبَ أَيْضًا عَلَى كَذِبِهَا، وَكَذَلِكَ الدَّعْوَى أَنَّهُ كَانَ زَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا، وَيُعَاقَبُ الزَّوْجُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ أَخُوهَا يُعَاقَبُ عَلَى هَذَيْنِ الرِّيبَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْمُعَرِّفُونَ بِهِمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ بِالنَّسَبِ لَهَا وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّطْلِيقِ وَعَدَمِ وَلِيٍّ حَاضِرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُبَالَغَ فِي عُقُوبَةِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ
(3/86)

شَاهِدَ الزُّورِ يُسَوَّدُ وَجْهُهُ، بِمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّدُ وَجْهَهُ إشَارَةً إلَى سَوَادِ وَجْهِهِ بِالْكَذِبِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُرْكِبُهُ دَابَّةً مَقْلُوبًا إلَى خَلْفٍ، إشَارَةً إلَى أَنَّهُ قَلَبَ الْحَدِيثَ، وَيُطْلَقُ بِهِ حَتَّى يُشْهِرَهُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ، وَتَعْزِيرُ هَؤُلَاءِ لَيْسَ يَخْتَصُّ بِالْحَاكِمِ، بَلْ يُعَزِّرُهُ الْحَاكِمُ وَالْمُحْتَسِبُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ الْقَادِرِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا فَسَادٌ كَثِيرٌ فِي النِّسَاءِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَة مُدَّة سَنَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَطَلَّقَهَا قَبْل الْإِصَابَةِ]
413 - 15 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ مُدَّةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِالْأُمِّ بَعْدَ طَلَاقِ الْبِنْتِ؟
الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ أُمِّ امْرَأَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِكْرًا بِوِلَايَةِ أَبِيهَا وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ حِينَ الْعَقْدِ]
414 - 16 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِكْرًا بِوِلَايَةِ أَبِيهَا، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ حِينَ الْعَقْدِ، وَكَانَ قَدَّمَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا لِزَوْجٍ قَبْلَهُ، وَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إصَابَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فَوَجَدَهَا بِنْتًا، فَكَتَمَ ذَلِكَ وَحَمَلَتْ الزَّوْجَةُ مِنْهُ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا عَلِمَ الزَّوْجُ أَنَّهَا لَمْ تُسْتَأْذَنْ الْعَقْدَ عَلَيْهَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: إنَّ الْعَقْدَ مَفْسُوخٌ لِكَوْنِهَا بِنْتًا، وَلَمْ تُسْتَأْذَنْ، فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ مَفْسُوخًا وَالْوَطْءُ شُبْهَةً وَيَلْزَمُ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: أَمَّا إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا مِنْ زَوْجٍ، وَهِيَ بَالِغٌ فَهَذِهِ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَلَكِنْ إذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهَا ثُمَّ أَجَازَتْ الْعَقْدَ، جَازَ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ وَلَمْ يَجُزْ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
(3/87)

وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مِنْ زِنًا فَهِيَ كَالثَّيِّبِ مِنْ النِّكَاحِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهَا كَالْبِكْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ وَمَالِكٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَكَارَةُ زَالَتْ بِوَثْبَةٍ أَوْ بِإِصْبَعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْبِكْرِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَالْبِكْرُ يُجْبِرُهَا أَبُوهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِي الْأُخْرَى وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْأَبَ لَا يُجْبِرُهَا إذَا كَانَتْ بَالِغًا، وَهَذَا أَصَحُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَوَاهِدُ الْأُصُولِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: إذَا اخْتَارَتْ هِيَ الْعَقْدُ جَازَ وَإِلَّا يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْنَافٍ، وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ الْأَقْوَى هُنَا لَا سِيَّمَا وَالْأَبُ إنَّمَا عَقَدَ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا بِكْرٌ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْذَانِهَا، فَإِذَا كَانَتْ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَانَ مَعْذُورًا، فَإِذَا اخْتَارَتْ هِيَ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، وَوَقْفُ الْعَقْدِ عَلَى الْإِجَازَةِ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَظْهَرُ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

[مَسْأَلَةٌ خَلَاهَا أَخُوهَا فِي مَكَان لِتُوفِي عِدَّةَ زَوْجِهَا]
415 - 17 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ خَلَاهَا أَخُوهَا فِي مَكَان لِتُوفِي عِدَّةَ زَوْجِهَا، فَلَمَّا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ هَرَبَتْ إلَى بَلَدٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ أَخِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ غَيْرُهُ، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا لَمْ يَكُنْ أَخُوهَا عَاضِلًا لَهَا، وَكَانَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا بِدُونِ إذْنِهِ، وَالْحَالُ هَذِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ لَا يُجْبِرُهَا عَلَى الزَّوَاج غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ]
416 - 18 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِنْتًا وَهِيَ يَتِيمَةٌ، وَعَقَدَ عَقْدَهَا الشَّافِعِيُّ وَلَمْ تُدْرِكْ إلَّا بَعْدَ الْعَقْدِ بِشَهْرَيْنِ، فَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُ نِكَاحِهَا؟
(3/88)

الْجَوَابُ: الْبِنْتُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ، لَا يُجْبِرُهَا عَلَى تَزْوِيجِهَا غَيْرُ: الْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَالْأَخِ، وَالْعَمِّ، وَالسُّلْطَانِ الَّذِي هُوَ الْحَاكِمُ، أَوْ نُوَّابُ الْحَاكِمِ، فِي الْعُقُودِ لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: إحْدَاهُنَّ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ النِّكَاحُ بِلَا إذْنِهَا، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، فَهَذِهِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَوْ زَوَّجَهَا حَاكِمٌ يَرَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَكُونُ تَزْوِيجُهُ حُكْمًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ أَوْ يَفْتَقِرُ إلَى حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، لَكِنَّ الْحَاكِمَ الْمُزَوِّجَ هُنَا شَافِعِيٌّ، فَإِنْ قَلَّدَ قَوْلَ مَنْ يُصَحِّحُ هَذَا النِّكَاحِ وَرَاعَى سَائِرَ شُرُوطِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقْدَمَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ جَائِزٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَنَّهَا بَالِغًا تَزَوَّجَهَا فَكَانَ غَيْرَ بَالِغٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ قَدْ زَوَّجَهَا، وَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ ابْنُهُ بِأُمِّهَا]
417 - 19 - مَسْأَلَةٌ:
جَدَّتِي أُمُّهُ وَأَبِي جَدُّهُ ... وَأَنَا عَمَّةٌ لَهُ وَهُوَ خَالِي
أَفْتِنَا يَا إمَامُ يَرْحَمُك اللَّهُ ... وَيَكْفِيك حَادِثَاتُ اللَّيَالِي
الْجَوَابُ:
رَجُلٌ زَوَّجَ ابْنَهُ أُمَّ بِنْتٍ ... وَأَتَى الْبِنْتُ بِالنِّكَاحِ الْحَلَالِ
فَأَتَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ قَالَتْ الشُّعَرَاءُ ... وَقَالَتْ لِابْنِ هَاتِيك خَالِي
رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ ابْنُهُ بِأُمِّهَا، وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ وَلِابْنِهِ ابْنٌ فَبِنْتُهُ هِيَ الْمُخَاطَبَةُ بِالشِّعْرِ، فَجَدَّتُهَا أُمُّ أُمِّهَا هِيَ أُمُّ ابْنِ الِابْنِ زَوْجَةُ الِابْنِ، وَأَبُوهَا جَدُّ ابْنِ ابْنِهِ، وَهِيَ عَمَّتُهُ
(3/89)

أُخْتُ أَبِيهِ مِنْ الْأَبِ، وَهُوَ خَالُهَا أَخُو أُمِّهَا مِنْ الْأُمِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا]
418 - 20 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُلَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا، وَأَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا، فَدَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ وَإِذَا خَالَفَ هَذِهِ الشُّرُوطَ، فَهَلْ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ إذَا شَرَطَ لَهَا إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرَّى أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، أَوْ رَأْيُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا، وَمَلَكَتْ الْمَرْأَةُ الْفُرْقَةَ بِهِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لِمَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنْ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ "، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ الْفُرُوجُ الَّتِي هِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَحَقَّ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا نَصُّ مِثْلِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، لَيْسَ هُنَاكَ شَرْطٌ يُوفِي بِهِ الْإِجْمَاعُ غَيْرَ الصَّدَاقِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ مَعْرُوفٌ.
وَأَمَّا شَرْطُ مَقَامِ وَلَدِهَا عِنْدَهَا وَنَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، فَهَذَا مِثْلُ الزِّيَادَةِ فِي الصَّدَاقِ، وَالصَّدَاقُ يَحْتَمِلُ مِنْ الْجَهَالَةِ فِيهِ مِنْ النُّصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ مَا لَا يَحْتَمِلُ فِي الثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ، إذْ يَصِحُّ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَكُلُّ جَهَالَةٍ تَنْقُصُ عَنْ جَهَالَةِ الْمِثْلِ تَكُونُ أَحَقَّ بِالْجَوَازِ، لَا سِيَّمَا وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ.
(3/90)

وَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَتَى لَمْ يَقْبَلْ الشُّرُوطَ، فَتَزَوَّجَ أَوْ تَسَرَّى، فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، لَكِنْ فِي تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ نِزَاعٌ لِكَوْنِهِ صَارَ مُجْتَهَدًا فِيهِ، كَخِيَارِ الْعُنَّةِ وَالْعُيُوبِ، إذْ فِيهِ خِلَافٌ، أَوْ يُقَالُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ فِي ثُبُوتِهِ، وَإِنْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي الْفَسْخِ بِهِ كَخِيَارِ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ، مِثْلُ أَنْ يُفْسَخَ عَلَى التَّرَاخِي، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يُوقَفَ الْفَسْخُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَيْضًا، وَلِأَنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ لَهَا فَتُنَاطُ بِأَمْرِ حَاكِمٍ، بِخِلَافِ الْفُسُوخِ فِي الْبَيْعِ. وَالْأَقْوَى أَنَّ الْفَسْخَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ، لَكِنْ إنْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ رَأَى إبْطَالَهُ أَبْطَلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ وَجَدَ صَغِيرَةً فَرَبَّاهَا فَلَمَّا بَلَغَتْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لَهُ]
419 - 21 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ وَجَدَ صَغِيرَةً فَرَبَّاهَا، فَلَمَّا بَلَغَتْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لَهُ، وَرُزِقَ مِنْهَا أَوْلَادًا، ثُمَّ وُجِدَ لَهَا أَخٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحٌ؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَ لَهَا أَخٌ غَائِبٌ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ حِينَئِذٍ لَهَا أَخٌ لِكَوْنِهَا ضَاعَتْ مِنْ أَهْلِهَا حِينَ صِغَرِهَا إلَى مَا بَعْدَ النِّكَاحِ، لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ لِلذُّكُورِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ صَغِيرَة دُونَ الْبُلُوغِ مَاتَ أَبُوهَا]
420 - 22 - مَسْأَلَةٌ:
فِي صَغِيرَةٍ دُونَ الْبُلُوغِ مَاتَ أَبُوهَا، هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا الْأَوْلِيَاءُ مِنْ الْعَصَبَاتِ وَالْحَاكِمِ وَنَائِبُهُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] .
(3/91)

وَأَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] . قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ عَلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127] الْآيَةَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاَلَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ: {يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127] الْآيَةَ الْأُولَى الَّتِي قَالَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] . قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حِجْرِهِ، حَيْثُ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْحَالِ.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَجَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا فِي الْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ رَغِبُوا عَنْهَا، وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ، قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حَتَّى يَرْغَبُوا عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إذَا رَغِبُوا فِيهَا إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا، وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا مِنْ الصَّدَاقِ.
(3/92)

فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُزَوِّجُوا الْيَتَامَى مِنْ النِّسَاءِ إذَا فَرَضُوا لَهُنَّ صَدَاقَ مِثْلِهِنَّ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي تَزْوِيجِهِنَّ بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ جَوَّزُوا إنْكَاحَهَا لَهُمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِدُونِ إذْنِهَا، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ، فَقَدْ أَذِنَتْ، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» .
فَهَذِهِ السُّنَّةُ نَصَّ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ، الَّذِي هُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، أَنَّهَا تُزَوَّجُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهَا لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَبْلُغَ، فَلَا تَصْبِرُ يَتِيمَةٌ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ صَرِيحٌ فِي دُخُولِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي ذَلِكَ، إذْ الْبَالِغَةُ الَّتِي لَهَا أَمْرٌ فِي مَالِهَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرْضَى بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَحَقِيقَتُهُ، وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنْ سُمِّيَ صَاحِبُهُ يَتِيمًا مَجَازًا، فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْيَتِيمَةِ الْبَالِغَةِ دُونَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ، فَهَذَا لَا يُسَوِّغُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بِحَالٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزْوِيج الْمَمَالِيكِ بِالْجِوَارِ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ]
421 - 23 - مَسْأَلَةٌ:
فِي تَزْوِيجِ الْمَمَالِيكِ بِالْجِوَارِ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ إذَا كَانُوا لِمَالِكٍ وَاحِدٍ، وَمَنْ يَعْقِدُ طَرَفَيْ النِّكَاحِ فِي الطَّرَفَيْنِ لَهُمَا وَلِأَوْلَادِهِمْ؟ وَهَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهِنَّ؟
(3/93)

الْجَوَابُ: تَزْوِيجُ الْمَمَالِيكِ بِالْإِمَاءِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانُوا لِمَالِكٍ وَاحِدٍ أَوْ لِمَالِكَيْنِ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى الرِّقِّ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِي يُزَوِّجُ الْأَمَةَ سَيِّدُهَا أَوْ وَكِيلُهُ.
وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَهُوَ يَقْبَلُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا، أَوْ يَقْبَلُ لَهُ وَكِيلُهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا، فَسَيِّدُهُ يَقْبَلُ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ لَهُ قَالَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ: زَوَّجْت مَمْلُوكِي فُلَانًا بِأَمَتِي فُلَانَةَ، وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ الْبَالِغُ، فَهَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَيُكْرِهُهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
وَالثَّانِي:
يُجْبِرُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْأَمَةُ وَالْمَمْلُوكُ الصَّغِيرُ يُزَوِّجُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا الْأَوْلَادُ فَهُمْ تَبَعٌ لِأُمِّهِمْ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَهُمْ تَبَعٌ لِأَبِيهِمْ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ كَانَ سَيِّدَ الْأُمِّ كَانَ أَوْلَادُهَا لَهُ، سَوَاءٌ وُلِدُوا مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ زِنًا، كَمَا أَنَّ الْبَهَائِمَ مِنْ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْحَمِيرِ إذَا نَزَا ذَكَرُهَا عَلَى أُنْثَاهَا كَانَ الْأَوْلَادُ لِمَالِكِ الْأُمِّ وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ مُعْتَقَةً أَوْ حُرَّةَ الْأَصْلِ، وَالْأَبُ مَمْلُوكًا كَانَ الْأَوْلَادُ أَحْرَارًا.
وَأَمَّا النَّسَبُ فَإِنَّهُمْ يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبِيهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْأَبُ عَتِيقًا، وَالْأُمُّ عَتِيقَةً كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَمْلُوكًا انْتَسَبُوا إلَى مَوَالِي الْأُمِّ، فَإِنْ عَتَقَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ انْجَرَّ الْوَلَاءُ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ كَانَ مَالِكًا لِلْأُمِّ مَلَكَ أَوْلَادَهَا، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِالْبَنَاتِ مِنْ أَوْلَادِ إمَائِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَمْتِعُ بِالْأُمِّ فَإِنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِبَنَاتِهَا، فَإِنْ اسْتَمْتَعَ بِالْأُمِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِبَنَاتِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ حَنِثَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَنَكَحَتْ غَيْرَهُ لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ]
422 - 24 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ حَنِثَ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَنَكَحَتْ غَيْرَهُ لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ، فَهَلْ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
(3/94)

الْجَوَابُ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
وَاتَّفَقَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ مِثْلُ: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمْ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزَالَا زَانِيَيْنِ، وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً إذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ لَا نِكَاحُ دُلْسَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِفَاحًا.
وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَرَطَ التَّحْلِيلَ فِي الْعَقْدِ كَانَ بَاطِلًا، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ تَأْثِيرًا، وَجَعَلَ الْعَقْدَ مَعَ ذَلِكَ كَالنِّكَاحِ الْمَعْرُوفِ نِكَاحِ الرَّغْبَةِ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ هَذَا الْعُرْفِ وَاللَّفْظِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْعَبْد الصَّغِيرِ إذَا اُسْتُحِلَّتْ بِهِ النِّسَاءُ وَهُوَ دُونَ الْبُلُوغِ]
423 - 25 - مَسْأَلَةٌ:
فِي الْعَبْدِ الصَّغِيرِ إذَا اُسْتُحِلَّتْ بِهِ النِّسَاءُ وَهُوَ دُونَ الْبُلُوغِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ زَوْجًا وَهُوَ لَا يَدْرِي الْجِمَاعَ؟
الْجَوَابُ: ثَبَتَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ: «لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ،
(3/95)

وَكَاتِبَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَثَبَتَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ: كَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: لَا أُوتِيَ بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتهمَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ، فَقَالَ: بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَسَائِرِهَا اتَّخَذَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجْتهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لِأُحِلَّهَا، ثُمَّ أُطَلِّقَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ. وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً، وَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ "، وَهَذَا لَعَمْرِي إذَا كَانَ الْمُحَلِّلُ كَبِيرًا يَطَؤُهَا وَيَذُوقُ عُسَيْلَتَهَا وَتَذُوقُ عُسَيْلَتَهُ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الَّذِي لَا وَطْءَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ وَلَا يُعَدُّ وَطْؤُهُ وَطْئًا، كَمَنْ لَا يَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ، فَهَذَا لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ هَذَا لَا يُحِلُّهَا، وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ مِمَّا يُعَيِّرُ بِهِ النَّصَارَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَقُولُوا: إنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إذَا طَلَّقَ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَزْنِيَ، وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَجُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ إمَام عَدْل طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ]
424 - 26 - مَسْأَلَةٌ:
فِي إمَامٍ عَدْلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى اُسْتُحِلَّتْ تَحْلِيلَ أَهْلِ مِصْرٍ، وَتَزَوَّجَهَا؟
الْجَوَابُ: إذَا زَوَّجَهَا الرَّجُلُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا طَلَّقَهَا لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ، أَوْ تَوَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ شَرَطَاهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا، فَهَذَا وَأَنْوَاعُهُ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ الَّذِي اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
(3/96)

[مَسْأَلَةٌ شَرَطَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالشُّهُودِ أَنْ لَا يُسْكِنَهَا فِي مَنْزِلِ أَبِيهِ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ شَرَطَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالشُّهُودِ أَنْ لَا يُسْكِنَهَا فِي مَنْزِلِ أَبِيهِ، فَكَانَتْ مُدَّةُ السُّكْنَى مُنْفَرِدَةً وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ النِّكَاحَ إذَا أَرَادَ إبْطَالَ الشَّرْطِ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ أُمَّهَا أَوْ أُخْتَهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ، لَا سِيَّمَا إذَا شَرَطَتْ الرِّضَا بِذَلِكَ، بَلْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَسْكَنٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَالِكٍ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، غَيْرُ مَا شَرَطَ لَهَا، فَكَيْفَ إذَا كَانَ عَاجِزًا أَوْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ النِّكَاحَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا.
فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ لِلسَّكَنِ وَيَصْلُحُ لِسُكْنَى الْفَقِيرِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْ الدُّخُولِ إلَى مَنْزِلِهِ، لَا أُمَّهَا، وَلَا أُخْتَهَا إذَا كَانَ مُعَاشِرًا لَهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ شَرِيف زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ بَالِغٌ لِرَجُلٍ غَيْرِ شَرِيفٍ]
426 - 28 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ شَرِيفٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ، وَهِيَ بِكْرٌ بَالِغٌ، لِرَجُلٍ غَيْرِ شَرِيفٍ مَغْرِبِيٍّ، مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ بِالصَّلَاحِ، بِرِضَاءِ ابْنَتِهِ وَإِذْنِهَا، وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا الْأَبُ بِالرِّضَا، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْعَقْدِ أَمْ لَا؟ مَعَ اسْتِمْرَارِ الزَّوْجَةِ بِالرِّضَا، وَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ، وَقَدَحَ قَادِحٌ، فَأَشْهَدَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّ الرِّضَا وَالْإِذْنَ صَدَرَا مِنْهَا، فَهَلْ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ؟
الْجَوَابُ: لَا يَفْتَقِرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ إلَى الْإِشْهَادِ عَلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ النِّكَاحِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، إلَّا وَجْهًا ضَعِيفًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، بَلْ قَالَ: إذَا قَالَ الْوَلِيُّ: أَذِنَتْ لِي جَازَ، عَقْدُ النِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ.
ثُمَّ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَنْكَرَتْ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إذَا لَمْ تَأْذَنْ حَتَّى عَقَدَ النِّكَاحَ جَازَ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ وَقْفِ الْعُقُودِ.
(3/97)

وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا تَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِ مَوَالِيه فَهُوَ عَلَى هَذَا النِّزَاعِ.
وَأَمَّا الْكَفَاءَةُ فِي النَّسَبِ فَالنَّسَبُ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَمَّا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَهِيَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ، فَإِذَا رَضَوْا بِدُونِ كُفُؤٍ جَازَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يَصْلُحُ النِّكَاحُ مَعَ فِرَاقِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَة الَّتِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِي الزَّوَاجِ شَرْعًا]
427 - 29 - مَسْأَلَةٌ:
فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِي الزَّوَاجِ شَرْعًا، هَلْ يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا بِإِذْنِهَا لِوَلِيِّهَا أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَالَ الْوَلِيُّ: إنَّهَا أَذِنَتْ لِي فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ هَذَا الشَّخْصِ، فَهَلْ لِلْعَاقِدِ أَنْ يَعْتَقِدَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْوَلِيِّ أَمْ قَوْلِهَا؟ وَكَيْفِيَّةُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْإِشْهَادُ عَلَى إذْنِهَا لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا فِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ إنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ، فَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: أَذِنَتْ لِي فِي الْعَقْدِ، فَعَقَدَ الْعَقْدَ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْعَقْدِ، ثُمَّ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى الْإِذْنِ، كَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا صَحِيحًا، بَاطِنًا وَظَاهِرًا. إنْ أَنْكَرَتْ الْإِذْنَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا وَلَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ، وَدَعْوَاهُ الْإِذْنَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ ادَّعَى النِّكَاحَ بَعْدَ مَوْتِ الشُّهُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِشُهُودِ النِّكَاحِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى إذْنِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَلَ عَنْهُ إلَى مَا فِيهِ خِلَافٌ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، إلَّا لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي:
أَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْعَقْدِ، وَأَمَانٌ مِنْ جُحُودِهِ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ جَحْدُ النِّسَاءِ وَكَذِبُهُنَّ، فَإِنَّ تَرْكَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهَا كَثِيرًا مَا يُفْضِي إلَى خِلَافِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، وَفِي ذَلِكَ مَفَاسِدُ مُتَعَدِّدَةٌ.
(3/98)

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي دَعْوَى الِاسْتِئْذَانِ، وَأَنْ يَحْتَالَ بِذَلِكَ عَلَى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ زَوَّجَهَا، وَأَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ أَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَقْدُ الْعَامَّةِ أَنَّهَا إذَا زُوِّجَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ صَارَتْ زَوْجَةً، فَيُفْضِي إلَى مَهْرِهَا وَجَعْلِهَا زَوْجَةً بِدُونِ رِضَاهَا، وَأَمَّا الْعَاقِدُ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْحَاكِمِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُزَوِّجَ لَهَا بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا لَا بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ لِلْوَلِيِّ، فَلَا يُزَوِّجُهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا قَدْ أَذِنَتْ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَاهِدًا عَلَى الْعَقْدِ، وَإِنْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بِدُونِ إذْنِهَا فَهُوَ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إذْنِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.

[مَسْأَلَةٌ مَرِيض تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ]
428 - 30 - مَسْأَلَةٌ:
فِي مَرِيضٍ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ؟
الْجَوَابُ: نِكَاحُ الْمَرِيضِ صَحِيحٌ، تَرِثُ الْمَرْأَةُ فِي قَوْلِ جَمَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا تَسْتَحِقُّ إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ، لَا تَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.

[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً حُرَّةً لَهَا وَلِيٌّ غَيْرُ الْحَاكِمِ]
429 - 31 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً حُرَّةً، لَهَا وَلِيٌّ غَيْرُ الْحَاكِمِ، فَجَاءَ بِشُهُودٍ وَهُوَ يَعْلَمُ فِسْقَ الشُّهُودِ، لَكِنْ لَوْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ قِبَلَهُمْ، فَهَلْ يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ بِشَهَادَتِهِمْ؟ وَإِذَا صَحَّ هَلْ يُكْرَهُ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَإِنَّ الْعَدَالَةَ الْمُشْتَرَطَةَ فِي شَاهِدَيْ النِّكَاحِ إنَّمَا هِيَ أَنْ يَكُونَا مَسْتُورَيْنِ غَيْرَ ظَاهِرَيْ الْفِسْقِ، وَإِذَا كَانَا فِي الْبَاطِنِ فَاسِقَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ ظَاهِرُهُمَا السَّتْرُ، انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِهِمَا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي شَاهِدَيْ النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَا مُعَدَّلَيْنِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمَا صَحَّ نِكَاحُ أَكْثَرِ النَّاسِ إلَّا بِذَلِكَ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ كَانُوا
(3/99)

يَعْقِدُونَ الْأَنْكِحَةَ بِمَحْضَرٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَاضِرُونَ مُعَدَّلِينَ عِنْدَ أُولِي الْأَمْرِ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَا مُبْرِزَيْ الْعَدَالَةِ فَهَؤُلَاءِ شُهُودُ الْحُكَّامِ مُعَدَّلُونَ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ فَاسِقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْبَاطِنِ فُسَّاقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ النِّكَاح الْمُؤَقَّت]
430 - 32 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ رَكَّاضٍ يَسِيرِ الْبِلَادَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، وَيَعْزِلُ عَنْهَا وَيَخَافُ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ؟ وَإِذَا سَافَرَ طَلَّقَهَا وَأَعْطَاهَا حَقَّهَا أَوْ لَا؟ وَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، لَكِنْ يَنْكِحُ نِكَاحًا مُطْلَقًا، لَا يَشْتَرِطُ فِيهِ تَوْقِيتًا، بِحَيْثُ يَكُونُ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ نَوَى طَلَاقَهَا حَتْمًا عِنْدَ انْقِضَاءِ سَفَرِهِ كُرِهَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ نِزَاعٌ، وَلَوْ نَوَى أَنَّهُ إذَا سَافَرَ وَأَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا وَإِلَّا طَلَّقَهَا جَازَ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّوْقِيتَ فَهَذَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ الَّذِي اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ يُرَخِّصُونَ فِيهِ: إمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا لِلْمُضْطَرِّ، كَمَا قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ.
فَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ، قَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَالْقُرْآنُ قَدْ حَرَّمَ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ إلَّا زَوْجَةً أَوْ مَمْلُوكَةً بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 7] .
وَهَذِهِ الْمُسْتَمْتَعُ بِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَلَا مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِلْأَزْوَاجِ أَحْكَامًا مِنْ الْمِيرَاثِ، وَالِاعْتِدَادِ بَعْدَ الْوَفَاةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَعِدَّةُ الطَّلَاقِ
(3/100)

ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا، فَلَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَثَبَتَ فِي حَقِّهَا هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ نَسَخَتْ الْمُتْعَةَ، وَبَسْطُ هَذَا طَوِيلٌ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَإِذَا اُشْتُرِطَ الْأَجَلُ قَبْلَ الْعَقْدِ، فَهُوَ كَالشَّرْطِ الْمُقَارِنِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَأَمَّا إذَا نَوَى الزَّوْجُ الْأَجَلَ وَلَمْ يُظْهِرْهُ لِلْمَرْأَةِ، فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ يُرَخِّصُ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَيَكْرَهُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا.
كَمَا أَنَّهُ لَوْ نَوَى التَّحْلِيلَ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ، وَجَعَلُوهُ مِنْ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، لَكِنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ شَرٌّ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَإِنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ لَمْ يُبَحْ قَطُّ إذْ لَيْسَ مَقْصُودُ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَنْكِحَ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يُعِيدَهَا إلَى الْمُطَلِّقِ قِبَلَهُ، فَهُوَ يُثْبِتُ الْعَقْدَ لِيُزِيلَهُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِحَالٍ، بِخِلَافِ الْمُسْتَمْتِعِ، فَإِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي الِاسْتِمْتَاعِ، لَكِنَّ التَّأْجِيلَ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ مِنْ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالسَّكَنِ، وَيَجْعَلُ الزَّوْجَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ.
فَلِهَذَا كَانَ النِّيَّةُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَخَفَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.
وَأَمَّا الْعَزْلُ، فَقَدْ حَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ جَمَعَ فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ بَيْنَ خَالَةِ رَجُلٍ وَابْنَةِ أَخٍ لَهُ]
431 - 33 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ جَمَعَ فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ بَيْنَ خَالَةِ رَجُلٍ، وَابْنَةِ أَخٍ لَهُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، فَهَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الْأُخْرَى، هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ خَالَةِ أَبِيهَا، فَإِنَّ أَبَاهَا إذَا كَانَ أَخًا لِهَذَا الْآخَرِ مِنْ أُمِّهِ، أَوْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ كَانَتْ خَالَةُ هَذَا خَالَةَ هَذَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَخَاهُ مِنْ أَبِيهِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ لَا تَكُونُ خَالَةُ أَحَدِهِمَا خَالَةَ الْآخَرِ،
(3/101)

بَلْ تَكُونُ عَمَّتَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أَبِيهَا وَخَالَةِ أُمِّهَا، أَوْ عَمَّةِ أَبِيهَا أَوْ عَمَّةِ أُمِّهَا، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِهِمْ.
وَإِذَا تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى كَانَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلًا لَا يَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ، وَلَا يَجِبُ بِعَقْدٍ مَهْرٌ وَلَا مِيرَاثٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَارَقَهَا كَمَا تُفَارَقُ الْأَجْنَبِيَّةُ، فَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَ الثَّانِيَةِ فَارَقَ الْأُولَى، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ الثَّانِي بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَمْ يَجُزْ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَجَازَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَإِذَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ بِلَا عِوَضٍ، كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُولَى بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فِي هَذَا النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَهَا، فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُولَى بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْمَوْطُوءَةَ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي:
لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْقَوْلَانِ.

[مَسْأَلَةٌ مِنْ لَهُ جَارِيَةٌ تَزْنِي]
432 - 34 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ تَزْنِي، فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَتْ تَزْنِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَحِيضَ وَيَسْتَبْرِئَهَا مِنْ الزِّنَا، فَإِنَّ {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3] عَقْدًا وَوَطْئًا، وَمَتَى وَطِئَهَا مَعَ كَوْنِهَا زَانِيَةً كَانَ دَيُّوثًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/102)

[مَسْأَلَةٌ مِنْ لَهُ جَارِيَةٌ ثَابِتَةٌ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ ثَابِتَةٌ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَلْزَمُ سَيِّدَهَا إذَا لَمْ يُجَامِعْهَا؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَى النِّكَاحِ فَلْيُعِفَّهَا، إمَّا بِأَنْ يَطَأَهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ يَطَؤُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إلَّا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدُهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ جَارِيَةٌ مَعْتُوقَةٌ وَقَدْ طَلَبَهَا مِنْهُ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَهَا]
434 - 36 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ مَعْتُوقَةٌ، وَقَدْ طَلَبَهَا مِنْهُ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَهَا، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا أُعْطِيك إيَّاهَا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي زَوَاجِهَا لِذَلِكَ الرَّجُلِ؟
الْجَوَابُ: مَتَى فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ حَنِثَ، لَكِنْ إذَا كَانَ الْخَاطِبُ كُفُؤًا فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ مِثْلُ ابْنِهِ، أَوْ أَبِيهِ، أَوْ أَخِيهِ، أَوْ يُزَوِّجَهَا الْحَاكِمُ بِإِذْنِهَا وَدُونَ إذْنِ الْمُعْتِقِ، فَإِنَّهُ عَاضِلٌ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا زُوِّجَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْوَطْء فِي الدُّبُرِ]
435 - 37 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ يَنْكِحُ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا؟
الْجَوَابُ: وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، بَلْ هُوَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] . وَالْحَرْثُ هُوَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْحَرْثَ مَحَلُّ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ.
(3/103)

وَكَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَبَاحَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا، لَكِنْ فِي الْفَرْجِ خَاصَّةً، وَمَنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ وَطَاوَعَتْهُ، عُزِّرَا جَمِيعًا، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِيَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَمَنْ يَفْجُرُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ وَطْءُ الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ]
436 - 38 - مَسْأَلَةٌ:
فِي الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ، مَا الدَّلِيلُ عَلَى وَطْئِهِنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْإِمَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ، أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَطْءُ الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ وَطْئِهِنَّ بِمِلْكِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ الْمَنْعُ مِنْ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَدْ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ نِكَاحَهُنَّ، وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ، وَلَكِنْ فِي كَرَاهَةِ نِكَاحِهِنَّ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ نِزَاعٌ، وَالْكَرَاهَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ كَرَاهَةُ وَطْءِ الْإِمَاءِ، فِيهِ نِزَاعٌ.
رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَالْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّزَوُّجِ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ، بَلْ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَحَرَّمَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا كَالثَّانِي، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] الْآيَةَ. فَأَبَاحَ الْمُحْصَنَاتِ مِنْهُمْ وَقَالَ فِي آيَةِ الْإِمَاءِ:
(3/104)

{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25] فَإِنَّمَا أَبَاحَ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّاتِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْوَثَنِيَّاتِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَجُعِلَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ خِلَافِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالْوَثَنِيَّاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كُنَّ، وَأَظُنُّ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْوَثَنِيَّةِ نِزَاعًا، وَأَمَّا الْأَمَةُ الْكِتَابِيَّةُ فَلَيْسَ فِي وَطْئِهَا مَعَ إبَاحَةِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ نِزَاعٌ، بَلْ فِي التَّزَوُّجِ بِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ مَعَ الْمَنْعِ مِنْ التَّسَرِّي بِهِنَّ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقُولُهُ فَقِيهٌ، وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهِنَّ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ دَلِيلٌ مِنْ نَصٍّ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، فَبَقِيَ حِلُّ وَطْئِهِنَّ عَلَى الْأَصْلِ وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُنَازِعُ فِي حِلِّ نِكَاحِهِنَّ بِقَوْلِهِ: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] وَقَوْلِهِ: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] إنَّمَا يَتَنَاوَلُ النِّكَاحَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُنَّ، فَيَبْقَى الْحِلُّ عَلَى الْأَصْلِ.
الثَّانِي: إنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] . يَقْتَضِي عُمُومَ جَوَازِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ، حَتَّى أَنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ جَعَلُوا مِثْلَ هَذَا النَّصِّ مُتَنَاوِلًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، حِينَ قَالُوا: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ، وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، فَإِذَا كَانُوا قَدْ
(3/105)

جَعَلُوا عَامًّا فِي صُورَةٍ حَرُمَ فِيهَا النِّكَاحُ فَلَا يَكُونُ عَامًّا فِي صُورَةٍ لَا يَحْرُمُ فِيهَا النِّكَاحُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حِلِّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ، وَيَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهِنَّ، بَلْ قَدْ قِيلَ: يَحِلُّ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، حَيْثُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَمَةَ مُجْمَعٌ عَلَى التَّسَرِّي بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَرْجَحَ مِنْ حِلِّ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ دُونَهُ فَلَوْ حَرُمَ التَّسَرِّي دُونَ النِّكَاحِ كَانَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: إنَّ حِلَّ نِكَاحِهِنَّ يَقْتَضِي حِلَّ التَّسَرِّي بِهِنَّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ جَازَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَمَّا الْعَكْسُ فَقَدْ تَنَازَعَ فِيهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَوْسَعُ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى عَدَدٍ، وَالنِّكَاحُ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى عَدَدٍ، وَمَا حَرُمَ فِيهِ الْجَمْعُ بِالنِّكَاحِ قَدْ نُوزِعَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ فِيهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَسَمٍ وَلَا اسْتِئْذَانٍ فِي عَزْلٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ، وَمِلْكُ النِّكَاحِ نَوْعُ رِقٍّ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ رِقٌّ تَامٌّ.
وَأَبَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ أَهْلُ الْكِتَابِ نِسَاءَهُمْ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ نَوْعُ رِقٍّ، كَمَا قَالَ عُمَرُ: النِّكَاحُ رِقٌّ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25] .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» .
فَجَوَّزَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَرِقَّ هَذِهِ الْكَافِرَةَ، وَلَمْ يُجَوِّزْ لِلْكَافِرِ أَنْ يَسْتَرِقَّ هَذِهِ الْمُسْلِمَةَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، كَمَا جَوَّزَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْلِكَ الْكَافِرَ وَلَمْ يُجَوِّزْ لِلْكَافِرِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمَ، فَإِذًا جَوَازُ وَطْئِهِنَّ مِنْ مِلْكٍ تَامٍّ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(3/106)

يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَانِعَ إمَّا الْكُفْرُ وَإِمَّا الرِّقُّ، وَهَذَا الْكُفْرُ لَيْسَ بِمَانِعٍ، وَالرِّقُّ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ التَّزَوُّجِ، فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْوَطْءِ قَائِمًا، وَالْمَانِعُ مُنْتَفِيًا جَازَ الْوَطْءُ، فَهَذَا الْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى قِيَاسِ التَّمْثِيلِ، وَعَلَى قِيَاسِ الْأَوْلَى، وَيُخْرَجُ مِنْهُ وَجْهٌ رَابِعٌ يَجْعَلُ قِيَاسَ التَّعْلِيلِ، فَيُقَالُ: الرِّقُّ مُقْتَضًى لِجَوَازِ وَطْءِ الْمَمْلُوكَةِ، كَمَا نَبَّهَ النَّصُّ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْوَطْءُ بِسَبَبٍ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، بِأَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً بِالرَّضَاعِ أَوْ بِالطُّهْرِ أَوْ بِالشِّرْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهَا مَا يَصْلُحُ لِلْمَنْعِ إلَّا كَوْنُهَا كِتَابِيَّةً، وَهَذَا لَيْسَ بِمَانِعٍ، فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْحِلِّ قَائِمًا، وَالْمَانِعُ الْمَذْكُورُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا، وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ بَعْدَ تَمَامِ تَصَوُّرِهَا تُوجِبُ الْقَطْعَ بِالْحِلِّ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ مَنْ تَدَبَّرَ سِيَرَ الصَّحَابَةِ، وَالسَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ، وَجَدَ آثَارًا كَثِيرَةً تُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ مَانِعًا، بَلْ هَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ، مِثْلُ الَّذِي كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَتْ تَسُبُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ يَقْتُلُهَا، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ مُسْلِمَةً، لَكِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِلِ مَقْدِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ نِكَاحُ الْمُشْرِكَاتِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] ، وَطَلَّقَ عُمَرُ امْرَأَتَهُ كَانَتْ بِمَكَّةَ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ فَلَا يُعْلَمُ تَارِيخُ نُزُولِهَا، وَفِي الْبَقَرَةِ مَا نَزَلَ مُتَأَخِّرًا كَآيَاتِ الزِّنَا، وَفِيهَا مَا نَزَلَ مُتَقَدِّمًا كَآيَاتِ الصِّيَامِ، وَمِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا أَرَادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، قَالَ لِلْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ: هَلْ لَك فِي نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ فَقَالَ: ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي، وَمِثْلُ فَتْحِهِ لِخَيْبَرِ، وَقَسْمِهِ لِلرَّقِيقِ، وَلَمْ يَنْهَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ وَطْئِهِنَّ حَتَّى يُسْلِمْنَ» ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِبْرَاءِ.
بَلْ مَنْ يُبِيحُ وَطْءَ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَا جَرَى يَوْمَ أَوْطَاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» عَلَى
(3/107)

جَوَازِ وَطْءِ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَفِي هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَالصَّحَابَةُ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ لَمْ يَكُونُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ وَطْءِ النَّصْرَانِيَّاتِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْمَجُوسِيَّةُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَجُوسَ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَحِلَّ طَعَامُهُ وَلَا نِسَاؤُهُ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَفِيهَا نِزَاعٌ شَاذٌّ، فَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 155 - 156] .
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ كَرَاهَةَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وَمَنْعًا لَأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وَدَفْعًا لَأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَائِفَتَيْنِ لَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ كَذِبًا، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَانِعٍ مِنْ قَوْلِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج: 17] فَذَكَرَ الْمِلَلَ السِّتَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الْمِلَلَ الَّتِي فِيهَا سَعِيدٌ قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [البقرة: 62] فِي مَوْضِعَيْنِ، فَلَمْ يَذْكُرْ الْمَجُوسَ وَلَا الْمُشْرِكِينَ، فَلَوْ كَانَ فِي هَاتَيْنِ الْمِلَّتَيْنِ سَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا فِي الصَّابِئِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَذَكَرَهُمْ، فَلَوْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ لَكَانُوا قَبْلَ
(3/108)

النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَى هُدًى، وَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إذَا عَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِمْ، كَمَا كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ الْمَجُوسَ فِي هَؤُلَاءِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ، بَلْ ذَكَرَ الصَّابِئِينَ دُونَهُمْ، مَعَ أَنَّ الصَّابِئِينَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسَ أَبْعَدُ عَنْ الْكِتَابِ مِنْهُمْ.
وَأَيْضًا: فَفِي الْمُسْنَدِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْمَغَازِي، الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «لَمَّا اقْتَتَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ، وَانْتَصَرَتْ الْفُرْسُ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ، وَاسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِكَوْنِ النَّصَارَى أَقْرَبَ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ لَهُمْ كِتَابًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم} [الروم: 1] {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] {فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] {فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 4] » .
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ كِتَابٌ، وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ، أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ، وَقَالَ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرِ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» . وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَعَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تُوَافِقُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ خِلَافٌ.
وَأَمَّا حُذَيْفَةُ فَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِيَهُودِيَّةٍ، وَقَدْ عَمِلَ بِهَذَا الْمُرْسَلِ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْمُرْسَلُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ حُجَّةٌ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَفِي الْآخَرِ هُوَ حُجَّةٌ إذَا عَضَّدَهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَوْ أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَمِثْلُ هَذَا الْمُرْسَلِ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا الْمُرْسَلُ نَصٌّ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، فَرُفِعَ، قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ، لَا أَنَّهُ الْآنَ
(3/109)

بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ أَهْلِ الْكِتَابِ، إذْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ لَا مُبَدَّلٌ وَلَا غَيْرُ مُبَدَّلٍ، وَلَا مَنْسُوخٌ وَلَا غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ ثُمَّ رُفِعَ بَقِيَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ يُؤَثِّرُ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ بِالْجِزْيَةِ إذَا قُيِّدَتْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا الْفُرُوجُ وَالذَّبَائِحُ فَحِلُّهَا مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّتَهُمْ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ خَاصَّةً، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إلَّا هَذَا الْحُكْمَ، وَقَدْ رُوِيَ مُقَيَّدًا: «غَيْرِ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» .
فَمَنْ جَوَّزَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قَاسَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ فِي الْجِزْيَةِ، وَمَنْ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ قَالَ: إنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ. وَالدِّمَاءُ تُعْصَمُ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا تَحِلُّ الْفُرُوجُ وَالذَّبَائِحُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَبَائِحِ بَنِي تَغْلِبَ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] فَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنَعَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَعَ عِصْمَةِ ذَبَائِحِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ كِتَابِ الْمَجُوسِ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ يَقْتَضِي حَقْنَ الدِّمَاءِ دُونَ الذَّبَائِحِ وَالنِّسَاءِ.

[مَسْأَلَةٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ فِي حَالِ شَبُوبِيَّتِهِ]
437 - 39 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ فِي حَالِ شَبُوبِيَّتِهِ، وَقَدْ رَأَى مَعَهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِنْتًا وَهُوَ يَطْلُبُ التَّزَوُّجَ بِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ فِي تَزْوِيجِهَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزْوِيجُ بِهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ بِنْتَ الَّتِي زَنَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ التَّزَوُّجُ بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا فَأَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِهَا حَرُمَتَا عَلَيْهِ.
(3/110)

[مَسْأَلَةٌ بِنْت بَالِغ خُطِبَتْ لِقَرَابَةٍ لَهَا فَأَبَتْ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي بِنْتٍ بَالِغٍ، وَقَدْ خُطِبَتْ لِقَرَابَةٍ لَهَا فَأَبَتْ، وَقَالَ أَهْلُهَا لِلْعَاقِدِ: اعْقِدْ، وَأَبُوهَا حَاضِرٌ، فَهَلْ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا؟
الْجَوَابُ: أَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجُ لَيْسَ كُفُؤًا لَهَا فَلَا تُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِهِ بِلَا رَيْبٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ كُفُؤًا، فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهَا أَبُوهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ قُرَشِيّ تَزَوَّجَ جَارِيَة مَمْلُوكِهِ فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا]
439 - 41 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ قُرَشِيٍّ تَزَوَّجَ بِجَارِيَةِ مَمْلُوكِهِ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا، هَلْ يَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا أَمْ يَكُونُ عَبْدًا مَمْلُوكًا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَعَلِمَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، وَيَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِمَّنْ يُسْتَرَقُّ جِنْسُهُ بِالِاتِّفَاقِ فَهُوَ رَقِيقٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي رِقِّهِ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي رِقِّهِ كَالْعَرَبِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهَا فِيهِمْ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا» ، قَالَ: «وَكَانَتْ سَبِيَّةً مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «ثَلَاثُ خِلَالٍ سَمِعْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي تَمِيمٍ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُنَّ بَعْدَهَا، كَانَ عَلَى عَائِشَةَ مُحَرَّرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْتِقِي مِنْ هَؤُلَاءِ وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي، وَقَالَ: هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قَتْلًا فِي الْمَلَاحِمِ» .
(3/111)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» .
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ بَنِي إسْمَاعِيلَ يُعْتَقُونَ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُعْتِقَ عَنْ الْمُحَرَّرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ، وَفِيهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إمَّا الْمَالَ وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْت اسْتَأْنَيْت بِكُمْ. وَكَانَ انْتَظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَّا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْلِمِينَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَخِوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْت أَنْ أَرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا» . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ سَبَى نِسَاءَ هَوَازِنَ وَهُمْ عَرَبٌ، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَ
(3/112)

الْغَانِمِينَ، فَصَارُوا رَقِيقًا لَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ أَخْذَهُمْ مِنْهُمْ، إمَّا تَبَرُّعًا وَإِمَّا مُعَاوَضَةً، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، لَمَّا اعْتَكَفَ وَبَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ السَّبْيَ، فَأَعْتَقَ جَارِيَةً كَانَتْ عِنْدَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا يَطَئُونَ ذَلِكَ السَّبْيَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ، وَهُوَ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيهِ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» .
وَفِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَوَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ كَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مَلَاحَةً، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك، وَجِئْتُك أَسْتَعِينُك عَلَى كِتَابَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ لَك فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي كِتَابَتَك وَأَتَزَوَّجُك، قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْت. قَالَتْ: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، قَالَتْ: فَقَدْ عَتَقَ بِتَزَوُّجِهِ إيَّاهَا مِائَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» .
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَنَحْوُهَا مَشْهُورٌ بَلْ مُتَوَاتِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْبِي الْعَرَبَ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ، كَمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُهُمْ: سَبَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَرَبَ، وَسَبَى أَبُو بَكْرٍ بَنِي نَاجِيَةَ، كَانَ يُطَارِدُ الْعَرَبَ بِذَلِكَ الِاسْتِرْقَاقِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ، أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِذَا سُبِيَتْ وَاسْتُرِقَّتْ بِدُونِ زَوْجِهَا جَازَ وَطْؤُهَا بِلَا رَيْبٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَحُكِيَ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.
(3/113)

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مِلْكٍ، وَلَهَا زَوْجٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَنَّ نِكَاحَ زَوْجِهَا قَدْ انْفَسَخَ، وَحَلَّ لِمَالِكِهَا وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَمَّا إذَا سُبِيَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ السَّبْيِ الَّذِي كَانَ يَسْبِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي الْحَرْبِ.
وَقَدْ قَاتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ لِقِتَالِ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةَ الَّتِي أَمَّرَ عَلَيْهَا زَيْدًا ثُمَّ جَعْفَرًا، ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ فِي النَّصَارَى الْعَرَبُ وَالرُّومُ.
وَكَذَلِكَ قَاتَلَ الْيَهُودَ بِخَيْبَرَ، وَالنَّضِيرِ، وَقَيْنُقَاعَ، وَكَانَ فِي يَهُودِ الْعَرَبِ وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ يَهُودُ الْيَمَنِ كَانَ فِيهِمْ الْعَرَبُ وَبَنُو إسْرَائِيلَ.
وَأَيْضًا فَسَبَبُ الِاسْتِرْقَاقِ هُوَ الْكُفْرُ بِشَرْطِ الْحَرْبِ، فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَا يُسْتَرَقُّ بِحَالٍ، وَالْمُعَاهَدُ لَا يُسْتَرَقُّ، وَالْكُفْرُ مَعَ الْمُحَارَبَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ كَافِرٍ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، كَمَا يَجُوزُ قِتَالُهُ، فَكُلُّ مَا أَبَاحَ قَتْلَ الْمُقَاتِلَةِ أَبَاحَ سَبْيَ الذُّرِّيَّةِ، وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ مِنْ قَوْلَيْهِ، وَأَحْمَدُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ، كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ اخْتَصُّوا بِشَرَفِ النَّسَبِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ، وَاخْتَصَّ كُفَّارُهُمْ بِفَرْطِ عَدَاوَتِهِ، فَصَارَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ.
كَمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لِلتَّغْلِيظِ، وَلِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّرَفِ بِالْإِسْلَامِ السَّابِقِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ، وَاَلَّذِينَ نَازَعُوهُ لَهُمْ قَوْلَانِ فِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ كَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لَا يُسْتَرَقُّ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِكَوْنِ الْجِزْيَةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَجَمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْعَرَبَ لَا يُسْتَرَقُّونَ.
(3/114)

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس، كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ أَحَدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَا مِنْ الْعَرَبِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، كَاخْتِيَارِ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ لَا يَمْنَعُ فِيهِ الرِّقَّ لِأَجْلِ النَّسَبِ، لَكِنْ لِأَجْلِ الدِّينِ فَإِذَا سَبَى عَرَبِيَّةً فَأَسْلَمَتْ اسْتَرَقَّهَا، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ أَجْبَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا يَحْمِلُونَ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا الرَّقِيقُ الْوَثَنِيُّ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عِنْدَهُمْ بِرِقٍّ، كَمَا يَجُوزُ بِجِزْيَةٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ سَبَوْا الْعَرَبِيَّاتِ وَالْوَثَنِيَّاتِ وَوَطِئُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . ثُمَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ وَطْءَ الْوَثَنِيَّةِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَرَقُّوهُمْ وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْبَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَالرِّقُّ فِيهِ مِنْ الْغِلِّ مَا لَيْسَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ إذَا كَانَ صَحِيحًا صَرِيحًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، فَإِنَّهُمْ سَبَوْا الْعَرَبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عُمَرَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُسْتَرَقَّ رِجَالُهُمْ، فَلَا يُضْرَبَ عَلَيْهِمْ رِقٌّ، كَمَا أَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَلَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِمْ رِقٌّ، لِأَجْلِ إسْلَامِهِمْ لَا لِأَجْلِ النَّسَبِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الصَّحَابَةُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، كَمَا تَمَكَّنُوا مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ طَوَائِفَ مِنْ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا لَمْ يُسْتَرَقَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّهْيِ عَنْ سَبْيِهِمْ شَيْءٌ.
وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَ الْعَرَبِيُّ مَمْلُوكَةً، فَنِكَاحُ الْحُرِّ لِلْمَمْلُوكَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: خَوْفِ الْعَنَتِ، وَعَدَمِ الطَّوْلِ إلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَعَلَّلُوا
(3/115)

ذَلِكَ بِأَنَّ تَزَوُّجَهُ يُفْضِي إلَى اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ الْعَرَبِيِّ وَلَا الْعَجَمِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَمْلُوكَةً، إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَإِذَا تَزَوَّجَهَا لِلضَّرُورَةِ كَانَ وَلَدُهُ مَمْلُوكًا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَالْمَانِعُ عِنْدَهُ أَنْ تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَهُوَ يُفَرِّقُ فِي الِاسْتِرْقَاقِ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا وَطِئَ الْأَمَةَ بِزِنًا، فَإِنَّ وَلَدَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ غَيْرُ لَاحِقٍ، وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا بِنِكَاحٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُهَا حُرَّةً أَوْ اسْتَبْرَأَهَا فَوَطِئَهَا بِظَنِّهَا مَمْلُوكَتَهُ، فَهُنَا وَلَدُهُ حُرٌّ، سَوَاءٌ كَانَ عَرَبِيًّا، أَوْ أَعْجَمِيًّا هَذَا يُسَمَّى الْمَغْرُورَ، فَوَلَدُ الْمَغْرُورِ مِنْ النِّكَاحِ أَوْ الْبَيْعِ حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَةً حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَتَهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، كَمَا قَضَتْ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ سَيِّدُ الْأَمَةِ مِلْكَهُمْ، فَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْرِيعٌ وَنِزَاعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ التَّزْوِيج بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ]
440 - 42 - مَسْأَلَةٌ:
فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] ، وَقَدْ أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ التَّزْوِيجَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ، فَهَلْ هُمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] .
وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ نِكَاحَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِمَّنْ تَقُولُ: إنَّ رَبَّهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ الْيَوْمُ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدْ احْتَجُّوا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَبِقَوْلِهِ: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] .
وَالْجَوَابُ عَنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ غَيْرَ
(3/116)

الْمُشْرِكِينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج: 17] .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
قِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ، وَالْكُتُبِ، لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ، كَمَا قَالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] بِحَيْثُ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا، فَلِأَجْلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الشِّرْكِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَجَبَ تَمَيُّزُهُمْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ اتِّبَاعُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِالتَّوْحِيدِ لَا بِالشِّرْكِ.
فَإِذَا قِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُضِيفُوا إلَيْهِ شِرْكٌ فِيهِ، كَمَا إذَا قِيلَ: الْمُسْلِمُونَ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لَا اتِّحَادٌ، وَلَا رَفْضٌ، وَلَا تَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الدَّاخِلِينَ فِي الْأُمَّةِ قَدْ ابْتَدَعَ هَذِهِ الْبِدَعَ، لَكِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْحِيدِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يُخْبِرْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِالِاسْمِ، بَلْ قَالَ {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190] بِالْفِعْلِ، وَآيَةُ الْبَقَرَةِ قَالَ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ بِالِاسْمِ، وَالِاسْمُ أَوْكَدُ مِنْ الْفِعْلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إنْ شَمِلَهُمْ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، كَمَا وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُفْرَدًا، وَمَقْرُونًا، فَإِذَا أُفْرِدُوا دَخَلَ فِيهِمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِذَا قَرَنُوا أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِمْ، كَمَا قِيلَ، مِثْلُ هَذَا فِي اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: آيَةُ الْبَقَرَةِ عَامَّةٌ، وَتِلْكَ خَاصَّةٌ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ.
(3/117)

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: آيَةُ الْمَائِدَةِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْبَقَرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا» . وَالْآيَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ تَنْسَخُ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ إذَا تَعَارَضَتَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الْمُمْتَحِنَةِ، وَأَمَرَ بِامْتِحَانِ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ كَافِرَةٌ، وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ، وَالْكَوَافِرُ الْمَعْهُودَاتُ هُنَّ الْمُشْرِكَاتُ، مَعَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ يُمَيَّزُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، لِقَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا} [النساء: 51] .
فَإِنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ هُوَ الْإِيمَانُ، وَلَكِنْ هُمْ كَفَرُوا مُبْتَدِعِينَ الْكُفْرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} [النساء: 150] {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 151] .

[بَابٌ مِنْ النِّكَاحِ]
[مَسْأَلَةٌ تَكَلَّم بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ثُمَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا]
بَابٌ مِنْ النِّكَاحِ 441 - 43 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مِنْ امْرَأَتِهِ ثَلَاثًا، فَإِذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيلٍ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَقَعُ بِهَا
(3/118)

الطَّلَاقُ، فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الطَّلَاقُ بَعْدَ هَذَا طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَلَا يَقَعُ.
الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَزُولُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ.
فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْعِدَّةِ، وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً، فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَ مَجْذُومًا]
442 - 44 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَ مَجْذُومًا، فَهَلْ لَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا ظَهَرَ أَنَّ الزَّوْجَ مَجْذُومًا فَلِلْمَرْأَةِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُصَافِحَةً عَلَى صَدَاقِ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ]
443 - 45 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُصَافِحَةً عَلَى صَدَاقِ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، كُلَّ سَنَةٍ نِصْفُ دِينَارٍ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَأَصَابَهَا، فَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا رُزِقَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يَرِثُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا تَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا النِّكَاحَ فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ
(3/119)

تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» . وَكِلَا هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَأْثُورٌ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ يُوجِبُ إعْلَانَ النِّكَاحِ، وَنِكَاحُ السِّرِّ هُوَ مِنْ جِنْسِ نِكَاحِ الْبَغَايَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] فَنِكَاحُ السِّرِّ مِنْ جِنْسِ ذَوَاتِ الْأَخْدَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] . فَخِطَابُ الرِّجَالِ بِتَزْوِيجِ النِّسَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَنْكِحُ نَفْسَهَا، إنَّ الْبَغِيَّ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا، لَكِنْ إنْ اعْتَقَدَ هَذَا نِكَاحًا جَائِزًا كَانَ الْوَطْءُ فِيهِ وَطْءَ شُبْهَةٍ يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهِ، وَيَرِثُ أَبَاهُ، وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَإِنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ
444 - 46 - مَسْأَلَةٌ:
هَلْ تَصِحُّ مَسْأَلَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ، فَمَنْ قَلَّدَهُ فِيهَا، وَعَمِلَ فِيهَا فَلَمَّا عَلِمَ بُطْلَانَهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُحْدَثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُفْتِ بِهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا أَفْتَى بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ قَلَّدَ فِيهَا شَخْصًا ثُمَّ
(3/120)

تَابَ فَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَلَا يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ فِيهَا إذَا كَانَ مُتَأَوِّلًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[مَسْأَلَةٌ تَزْوِيجُ الْمُطَلَّقَةِ بِعَبْدٍ يَطَؤُهَا ثُمَّ تُبَاحُ الزَّوْجَةُ]
445 - 47 - مَسْأَلَةٌ:
هَلْ تَصِحُّ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ بِعَبْدٍ يَطَؤُهَا ثُمَّ تُبَاحُ الزَّوْجَةُ، هِيَ مِنْ صُوَرِ التَّحْلِيلِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .

[مَسْأَلَةٌ لَهُ زَوْجَةٌ وَأُمُّهُ مَا تُرِيدُ الزَّوْجَةَ]
446 - 48 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ وَأُمُّهُ مَا تُرِيدُ الزَّوْجَةَ، فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الَّتِي دَاخِلَ السُّورِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا، فَإِنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ أَوْ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا مِنْ الْمَدِينَةِ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟
الْجَوَابُ: بَلْ يَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا.

[مَسْأَلَةٌ قَوْم يَتَزَوَّجُ هَذَا أُخْتَ هَذَا وَهَذَا أُخْتَ هَذَا]
447 - 49 - مَسْأَلَةٌ:
فِي قَوْمٍ يَتَزَوَّجُ هَذَا أُخْتَ هَذَا، وَهَذَا أُخْتَ هَذَا، أَوْ ابْنَتَهُ وَكُلَّمَا أَنْفَقَ هَذَا أَنْفَقَ هَذَا، وَإِذَا كَسَا هَذَا كَسَا هَذَا، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَفِي الْإِرْضَاءِ، وَالْغَضَبِ إذَا رَضِيَ هَذَا رَضِيَ هَذَا، وَإِذَا أَغْضَبَهَا هَذَا أَغْضَبَهَا الْآخَرُ، فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُمْسِكَ زَوْجَتَهُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حَقٌّ عَلَى
(3/121)

زَوْجِهَا، وَحَقُّهَا لَا يَسْقُطُ بِظُلْمِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .
فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ وَجَبَ إقَامَةُ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْآخَرِ أَنْ يَظْلِمَ زَوْجَتَهُ لِكَوْنِهَا بِنْتًا لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ لِأَجْلِ ظُلْمِ الْآخَرِ فَيَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْعُقُوبَةَ، وَكَانَ لِزَوْجَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ تَطْلُبَ حَقَّهَا مِنْ زَوْجِهَا، وَلَوْ شُرِطَ هَذَا فِي النِّكَاحِ لَكَانَ هَذَا شَرْطًا بَاطِلًا مِنْ جِنْسِ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَه أَوْ أُخْتَهُ، فَكَيْفَ إذَا زَوَّجَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَنْصَفَهَا أَنْصَفَ الْآخَرُ، وَإِنْ ظَلَمَهَا ظَلَمَ الْآخَرُ زَوْجَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا يَحْرُمُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ وَكَّلَ ذِمِّيًّا فِي قَبُولِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ]
448 - 50 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ وَكَّلَ ذِمِّيًّا فِي قَبُولِ نِكَاحِ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ فَإِنَّ الْوَكِيلَ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَوْ وَكَّلَ امْرَأَةً، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ صَبِيًّا غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ النِّكَاحِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبُولُ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَوُكِّلَ فِي ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدًا فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ يُوَكِّلَ سَفِيهًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ يُوَكِّلَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا بِدُونِ وَلِيِّهِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَكِنْ فِي الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَجُوزُ لِمَانِعٍ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُهَا صَحَّتْ الْوَكَالَةُ.
وَأَمَّا تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ، فَهُوَ يُشْبِهُ تَزْوِيجَ الذِّمِّيِّ ابْنَتَهُ الذِّمِّيَّةَ مِنْ مُسْلِمٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا مِنْ ذِمِّيٍّ جَازَ، وَلَكِنْ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ
(3/122)

أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، قِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بَلْ يُوَكِّلُ مُسْلِمًا، وَقِيلَ: لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ بِإِذْنِهِ.
وَكَوْنُهُ وَلِيًّا فِي تَزْوِيجِ الْمُسْلِمِ، مِثْلُ كَوْنِهِ وَكِيلًا فِي تَزْوِيجِ الْمُسْلِمَةِ، وَمَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ، قَالَ إنَّ الْمِلْكَ فِي النِّكَاحِ يَحْصُلُ لِلزَّوْجِ لَا لِلْوَكِيلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، وَالْمِلْكُ يَحْصُلُ لَهُ، فَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ لَمْ يَجُزْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ يَحْصُلُ لِلزَّوْجِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ لِلْمُسْلِمِ فَتَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ بِمَنْزِلَةِ تَوْكِيلِهِ فِي تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ بَعْضَ مَحَارِمِهَا، كَخَالِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِي قَبُولِ نِكَاحِهَا لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُهَا.
كَذَلِكَ الذِّمِّيُّ إذَا تُوُكِّلَ فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُ الْمُسْلِمَةِ، لَكِنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ شَوْبُ الْعِبَادَاتِ وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ: «مَنْ شَهِدَ إمْلَاكَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا شَهِدَ فَتْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَلِهَذَا وَجَبَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، أَنْ يَعْقِدَ بِالْعَرَبِيَّةِ، كَالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعْ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ مُتَوَلِّيًا لِنِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى بُطْلَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَالْكَافِرُ يَصِحُّ مِنْهُ النِّكَاحُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا فَهَرَبَ وَتَرَكَهَا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ]
449 - 51 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ، فَهَرَبَ وَتَرَكَهَا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ، وَلَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهَا نَفَقَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا وَدَخَلَ بِهَا، فَلَمَّا اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا فَسَخَ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا، فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: إنْ كَانَ نِكَاحُ الْأَوَّلِ فُسِخَ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ الثَّانِيَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَتْ الثَّانِيَ قَبْلَ فَسْخِ نِكَاحِ
(3/123)

الْأَوَّلِ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ عَلِمَا أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ بَاقٍ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا النِّكَاحُ فَهُمَا يَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ جَهِلَ الزَّوْجُ نِكَاحَ الْأَوَّلِ أَوْ نَفَاهُ، أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِ قَبْلَ الْفَسْخِ فَنِكَاحُهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّدَاقُ، وَيُلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ، وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَرَّتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ الْأَزْوَاجِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالصَّدَاقِ الَّذِي أَدَّاهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ وَشَرْط عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا تَكُونُ طَالِقًا]
450 - 52 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُ بِهَا تَكُونُ طَالِقًا، وَكُلَّ جَارِيَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَتَسَرَّى، فَمَا الْحُكْمُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؟ .
الْجَوَابُ: هَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلَازِمٌ لَهُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَتَى تَزَوَّجَ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَمَتَى تَسَرَّى عَتَقَتْ عَلَيْهِ الْأَمَةُ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ: فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَا الْعَتَاقُ لَكِنْ إذَا تَزَوَّجَ وَتَسَرَّى كَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا، إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» ؛ وَلِأَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ امْرَأَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ.
فَالْأَقْوَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثٌ: أَحَدُهَا: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ بِهِ، وَلَا تَمْلِكُ امْرَأَتُهُ فِرَاقَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ، لَكِنْ لِامْرَأَتِهِ مَا شُرِطَ لَهَا، فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ، وَهَذَا أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَة وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ]
451 - 53 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَا أَصَابَهَا، فَوَلَدَتْ بَعْدَ
(3/124)

شَهْرَيْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْمَهْرُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَلَا نِصْفَ مَهْرٍ، وَلَا مُتْعَةَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ إذَا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ فِيهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ يَرَى فَسَادَ الْعَقْدِ لِقَطْعِ النِّزَاعِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى تَضَعَ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْوَضْعِ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، لَكِنَّ هَذَا النِّزَاعَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ سَيِّدٍ، أَوْ زَوْجٍ، فَإِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إذَا فَارَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأَمَّا الْحَامِلُ مِنْ زِنًا فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا، وَالنِّزَاعُ فِيمَا إذَا كَانَ نَكَحَهَا طَائِعًا، وَأَمَّا إذَا نَكَحَهَا مُكْرَهًا فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.

[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ رَجُلٍ آخَرَ]
452 - 54 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ رَجُلٍ آخَرَ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي النُّصُوصِ عَنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ:
(3/125)

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَقْدِ، وَهُوَ الْخِطْبَةُ، وَمَنْ أَبْطَلَهُ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ لِلْعَقْدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا يَقْدَحُ فِي دِينِ الرَّجُلِ، وَعَدَالَتِهِ، وَوِلَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

[مَسْأَلَةٌ مَمْلُوك تَزَوَّجَ امْرَأَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ظَهَرَتْ عُبُودِيَّتُهُ]
453 - 55 - مَسْأَلَةٌ:
فِي مَمْلُوكٍ فِي الرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتْ عُبُودِيَّتُهُ، وَكَانَ قَدْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ لَهُ خَيْرًا فِي مِصْرَ وَقَدْ ادَّعَوْا عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَاقْتَرَضَ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَوْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. تَزَوُّجُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إذَا لَمْ يُجِزْهُ السَّيِّدُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» .
لَكِنْ إذَا أَجَازَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَإِذَا طَلَبَ النِّكَاحَ فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32] وَإِذَا غَرَّ الْمَرْأَةَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ حُرٌّ وَتَزَوَّجَهَا، وَدَخَلَ بِهَا، وَجَبَ الْمَهْرُ لَهَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، أَوْ يَجِبُ الْخُمُسَانِ كَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ، هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ يَتَعَلَّقُ هَذَا الْوَاجِبُ بِرَقَبَتِهِ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ،
(3/126)

وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَأَظُنُّهُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ قَدْ يُتْبَعُ بِهِ إذَا أُعْتِقَ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ أَنَّهُ تَلْبِيسٌ عَلَيْهِمْ وَكَذِبٌ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دُخُولُهُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْكَذِبِ عُدْوَانٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَوْ تَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ، فَأَتْلَفَ مَالَهُ أَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَتِهِ، لَا تَجِبُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ، بَلْ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: إنْ شِئْت أَنْ تَفُكَّ مَمْلُوكَك مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تُسَلِّمَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ هَذِهِ الْجِنَايَةَ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَعَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قَدْرِ الْجِنَايَةِ، أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ يَفْدِيهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
فَهَذَا الْعَبْدُ ظَالِمٌ، مُعْتَدٍ، جَارٍ عَلَى هَؤُلَاءِ فَتَتَعَلَّقُ جِنَايَتُهُ بِرَقَبَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ مَعَ قَوْلِهِ أَنَّهُ حُرٌّ، فَهُوَ عُدْوَانٌ عَلَيْهِمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ شَارِب خَمْر]
454 - 56 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ فِي صُحْبَةِ الزَّوْجَةِ سِنِينَ، فَعَلِمَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجَةُ مَا الزَّوْجُ عَلَيْهِ مِنْ النَّجِسِ وَالْفَسَادِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْأَيْمَانِ الْخَائِنَةِ، فَبَانَتْ الزَّوْجَةُ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْإِقْدَامُ عَلَى تَزْوِيجِهِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إنَّ الْوَلِيَّ اسْتَتَابَ الزَّوْجَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَنَكَثَ وَلَمْ يَرْجِعْ، فَهَلْ يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا لَهُ؟ .
الْجَوَابُ: إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا لَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " مِنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاجِرٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا ". لَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ فَلْتُزَوَّجْ بِهِ إذَا كَانَ كُفُؤًا لَهَا وَهِيَ رَاضِيَةٌ بِهِ

وَأَمَّا نِكَاحُ التَّحْلِيلِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» ، وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى نِكَاحِ التَّحْلِيلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/127)

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ فَلَمَّا دَخَلَ رَأَتْ بِجِسْمِهِ بَرَصًا]
مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ رَأَتْ بِجِسْمِهِ بَرَصًا فَهَلْ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ عَلَيْهِ النِّكَاحَ؟ .
الْجَوَابُ: إذَا ظَهَرَتْ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَلِلْآخِرِ فَسْخُ النِّكَاحِ، لَكِنْ إذَا رَضِيَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَلَا فَسْخَ لَهُ، وَإِذَا فَسَخَتْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ جِهَازِهَا، وَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا، وَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَبَانَتْ ثَيِّبًا]
456 - 58 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، فَبَانَتْ ثَيِّبًا فَهَلْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِأَرْشِ الصَّدَاقِ، وَهُوَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَيَنْقُصُ بِنِسْبَتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى، وَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ عَنْهُ الْمَهْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَم.

[مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّج بِامْرَأَةِ وَسَافَرَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً]
457 - 59 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةٍ وَسَافَرَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً، وَلَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهَا شَيْئًا وَلَا لَهَا شَيْءٌ تُنْفِقُهُ عَلَيْهَا، وَهَلَكَتْ مِنْ الْجُوعِ فَحَضَرَ مَنْ يَخْطُبُهَا وَدَخَلَ بِهَا، وَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَعَلِمَ الْحَاكِمُ أَنَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ مَوْجُودٌ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَوَضَعَتْ الْحَمْلُ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي، وَالزَّوْجُ الثَّانِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ صَارَ عُمْرُ الْمَوْلُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَلَمْ يَحْضُرْ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، وَلَا عُرِفَ لَهُ مَكَانٌ، فَهَلْ لَهَا أَنْ تُرَاجِعَ الزَّوْجَ الثَّانِي أَوْ تَنْتَظِرَ الْأَوَّلَ.
الْجَوَابُ: إذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ، وَالْفَسْخُ لِلْحَاكِمِ فَإِذَا فَسَخَتْ هِيَ نَفْسُهَا لِتَعَذُّرِ فَسْخِ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَفْسَخْ الْحَاكِمُ بَلْ شَهِدَ لَهَا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَتَزَوَّجَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَلَمْ يَمُتْ الزَّوْجُ، فَالنِّكَاح بَاطِلٌ لَكِنْ إذَا اعْتَقَدَ الزَّوْجُ الثَّانِي أَنَّهُ صَحِيحٌ لِظَنِّهِ مَوْتَ الزَّوْجِ
(3/128)

الْأَوَّلِ وَانْفِسَاخَ النِّكَاحِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لَكِنْ تَعْتَدُّ لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ إنْ أَمْكَنَ، وَتَتَزَوَّجُ لِمَنْ شَاءَتْ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَمَعَهَا بِنْتٌ فَتُوُفِّيَتْ الزَّوْجَةُ]
458 - 60 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَمَعَهَا بِنْتٌ، وَتُوُفِّيَتْ الزَّوْجَةُ، وَبَقِيَتْ الْبِنْتُ عِنْدَهُ رَبَّاهَا، وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ الْجُنْدِ لِأَخْذِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: لَيْسَ لِلْجُنْدِ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ بِالنَّسَبِ فَمَنْ كَانَ أَصْلَحَ لَهَا حَضَنَهَا، وَزَوْجُ أُمِّهَا مَحْرَمٌ لَهَا، وَأَمَّا الْجُنْدُ فَلَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا، فَإِذَا كَانَ يَحْضُنُهَا حَضَانَةً تَصْلُحُهَا لَمْ تُنْقَلْ مِنْ عِنْدِهِ إلَى أَجْنَبِيٍّ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ مُعْتَقَةَ رَجُلٍ وَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَطَلَّقَهَا]
459 - 61 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ مُعْتَقَةَ رَجُلٍ وَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَطَلَّقَهَا، ثُمَّ حَضَرَتْ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، فَأَرَادَ رَدَّهَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا بَرَاءَةٌ فَخَافَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ بَرَاءَةٌ، فَحَضَرَا عِنْدَ قَاضِي الْبَلَدِ وَادَّعَى أَنَّهَا جَارِيَتُهُ وَأَوْلَدَهَا، وَأَنَّهُ يُرِيدُ عِتْقَهَا وَيَكْتُبُ لَهَا كِتَابًا، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: إذَا زَوَّجَهَا الْقَاضِي بِحُكْمِ أَنَّهُ وَلِيُّهَا، وَكَانَتْ خَلِيَّةً مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ أَوْلَى مِنْ الْحَاكِمِ صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ ظَنَّ الْقَاضِي أَنَّهَا عَتِيقَةٌ وَكَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ فَهَذَا الظَّنُّ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الزَّوْجَ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُعْتَقَةَ يَكُونُ زَوْجُهَا الْمُعْتِقُ وَلِيَّهَا، وَالْقَاضِي نَائِبَهُ، فَهُنَا إذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ بِهَذِهِ النِّيَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبُولُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَلَكِنْ مِنْ كَوْنِهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ، فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/129)

[بَابُ الْوَلَاءِ] [مَسْأَلَةٌ خَلَّفَ ذَكَرًا وَابْنَتَيْنِ غَيْرَ مُرْشِدَيْنِ]
ِ مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ خَلَّفَ وَلَدًا ذَكَرًا، وَابْنَتَيْنِ غَيْرَ مُرْشِدَيْنِ، وَأَنَّ الْبِنْتَ الْوَاحِدَةَ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ وَوَكَّلَتْ زَوْجَهَا فِي قَبْضِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ إرْثِ وَالِدِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَهَلْ لِلْأَخِ الْمَذْكُورِ الْوَلَاءُ عَلَيْهَا؟ وَهَلْ يُطْلَبُ الزَّوْجُ بِمَا قَبَضَهُ، وَمَا صَرَفَهُ لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمَةِ؟ .
الْجَوَابُ: لِلْأَخِ الْوِلَايَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا فَعَلْت فِي مَا لَا يَحِلُّ لَهَا نَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ، وَمَنَعَهَا، وَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَلِوَصِيِّهَا إنْ كَانَ لَهَا وَصِيٌّ الْحَجْرُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ يَحْجُرُ عَلَيْهَا، وَلِأَخِيهَا أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ رَجُل أَسْلَمَ هَلْ تَبْقَى لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكِتَابِيِّينَ]
461 - 63 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ هَلْ تَبْقَى لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكِتَابِيِّينَ؟ .
الْجَوَابُ: لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِي النِّكَاحِ، كَمَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيرَاثِ، فَلَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِنْتَه أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا، وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، لَكِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ مَالِكًا لِلْأَمَةِ زَوَّجَهَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَلِيُّ أَمْرِ زَوْجِهَا بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَإِمَّا بِالْقَرَابَةِ وَالْعَتَاقَةِ فَلَا يُزَوِّجُهَا، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافٌ شَاذٌّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي النَّصْرَانِيِّ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ، كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَرِثُهَا، وَهُمَا قَوْلَانِ شَاذَّانِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ قَطَعَ الْوِلَايَةَ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ بَيْنَهُمْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]
(3/130)

وَقَالَ تَعَالَى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .
وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] إلَى قَوْلِهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] إلَى قَوْلِهِ: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] .
وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَثْبَتَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ أُولِي الْأَرْحَامِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب: 6] .
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72] إلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] إلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] .

[مَسْأَلَةٌ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ مُسْتَوْلَدَةً فَتُوُفِّيَتْ وَخَلَّفَتْ ذَكَرًا وَبِنْتَيْنِ]
462 - 64 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ مُسْتَوْلَدَةً لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُوُفِّيَتْ الْمُسْتَوْلَدَةُ وَخَلَّفَتْ وَلَدًا ذَكَرًا وَبِنْتَيْنِ، فَهَلْ لِلْبَنَاتِ وَلَاءٌ مَعَ الذَّكَرِ؟ وَهَلْ يَرِثْنَ مَعَهُ شَيْئًا؟
(3/131)

الْجَوَابُ: هَذَا فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْوَلَاءَ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْوَلَاءَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، لِلذَّكَرِ كَمِثْلِ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً وَلَهَا وَلَدٌ وَالْعَاقِدُ مَالِكِيٌّ]
463 - 65 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً وَلَهَا وَلَدٌ، وَالْعَاقِدُ مَالِكِيٌّ، فَطَلَبَ الْعَاقِدُ الْوَلَدَ، فَتَعَذَّرَ حُضُورُهُ وَجِيءَ بِغَيْرِهِ، وَأَجَابَ الْعَاقِدُ فِي تَزْوِيجِهَا، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ؟
الْجَوَابُ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ وَلِيُّهَا، وَإِذَا كَانَ حَاضِرًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لَمْ تُزَوَّجْ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَمَّا إنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ أَوْ الْحَاكِمِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا شَافِعِيٌّ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْوَلَدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَانَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، لَكِنَّ الَّذِي زَوَّجَهَا مَالِكِيٌّ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا إلَّا وَلَدُهَا، فَإِذَا لَبَّسَ عَلَيْهِ وَزَوَّجَهَا مَنْ يَعْتَقِدُهُ وَلَدَهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَا الْحَاكِمُ قَدْ زَوَّجَهَا بِوِلَايَتِهِ وَلَا زُوِّجَتْ بِوِلَايَةِ وَلِيٍّ مِنْ نَسَبٍ، أَوْ وَلَاءٍ فَتَكُونُ مَنْكُوحَةً بِدُونِ إذْنِ وَلِيٍّ أَصْلًا، وَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ.
464 - 66 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِوِلَايَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَوَلِيُّهَا فِي مَسَافَةٍ دُونَ الْقَصْرِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ حَاكِمٌ، وَدَخَلَ بِهَا وَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ إسْقَاطِ الْحَدِّ؟ وَوُجُوبُ الْمَهْرِ، وَيُلْحَقُ النَّسَبُ وَيَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَجِبُ فِي هَذَا النِّكَاحِ حَدٌّ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، بَلْ يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَيَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُزَوِّجَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ بِحَالٍ، فَفَارَقَهَا
(3/132)

الزَّوْجُ حِينَ عَلِمَ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

[مَسْأَلَةٌ الْأَمَة إذَا طَلَبَتْ النِّكَاحَ مِنْ كُفُؤٍ]
465 - 67 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ عَبْدٌ وَقَدْ حَبَسَ نِصْفَهُ، قَصَدَ الزَّوَاجَ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ لَهُ التَّزَوُّجُ عَلَى أَصْلِ مَنْ يُجْبِرُ السَّيِّدَ عَلَى تَزْوِيجِهِ، كَمَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ، فَإِنَّ تَزْوِيجَهُ كَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] .
فَأَمَرَ بِتَزْوِيجِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، كَمَا أَمَرَ بِتَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ إذَا طَلَبَتْ النِّكَاحَ مِنْ كُفُؤٍ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَاَلَّذِي يَأْذَنُ لَهُ فِي النِّكَاحِ مَالِكُ نِصْفِهِ، أَوْ وَكِيلُهُ، وَنَاظِرُ النَّصِيبِ الْمُحْبَسِ.

[مَسْأَلَةٌ عَازِب وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الزَّوَاجِ]
466 - 68 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ عَازِبٍ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الزَّوَاجِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا فِيهِ مِنَّةٌ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ كَثِيرُ التَّطَلُّعِ إلَى الزَّوَاجِ، فَهَلْ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الزَّوَاجِ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» .
وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَئُونَةِ لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِنَّ
(3/133)

الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ، وَلِهَذَا أُمِرَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ.

وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ وَيَتَزَوَّجَ؟ فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] .
وَأَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَهُوَ الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَجَاءَ أُنَاسٌ فَأَخَذُوهَا مِنْ بَيْتِهِ وَنَهَبُوهُ]
467 - 69 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَعَدَتْ مَعَهُ أَيَّامًا وَجَاءَ أُنَاسٌ ادَّعَوْا أَنَّهَا فِي الْمَمْلَكَةِ، وَأَخَذُوهَا مِنْ بَيْتِهِ وَنَهَبُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا وَهِيَ حَامِلٌ؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ يُبَيَّنْ لِلزَّوْجِ أَنَّهَا أَمَةٌ بَلْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَظَنَّ أَنَّهَا حُرَّةٌ، أَوْ قِيلَ لَهُ: إنَّهَا حُرَّةٌ، فَهُوَ مَغْرُورٌ وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ لَا رَقِيقٌ. وَأَمَّا النِّكَاحُ فَبَاطِلٌ، إذَا لَمْ يُجِزْهُ السَّيِّدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ صَحَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِكَاحٍ جَدِيدٍ.
وَأَمَّا إنْ ظَهَرَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ، وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، بَلْ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ رُدَّ إلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا]
468 - 70 - مَسْأَلَةٌ:
عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ
(3/134)

وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «الْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْت لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَذَلِكَ إذْنُهَا إذَا هِيَ سَكَتَتْ» .
وَعَنْ خَنْسَاءَ ابْنَةِ خِذَامٍ، أَنَّ «أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ نِكَاحَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؟
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَالْمَرْأَةُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَوِّجَهَا، إلَّا بِإِذْنِهَا كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَرِهَتْ ذَلِكَ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ، إلَّا الصَّغِيرَةُ الْبِكْرُ، فَإِنَّ أَبَاهَا يُزَوِّجُهَا وَلَا إذْنَ لَهَا.
وَأَمَّا الْبَالِغُ الثَّيِّبُ فَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا لَا لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ الْبَالِغُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا بِدُونِ إذْنِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَمَّا الْأَبُ وَالْجَدُّ فَيَنْبَغِي لَهُمَا اسْتِئْذَانُهَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِئْذَانِهَا، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ.
وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِيمَنْ يُزَوِّجُهَا بِهِ، وَيَنْظُرَ فِي الزَّوْجِ هَلْ هُوَ كُفُؤٌ أَوْ غَيْرُ كُفُؤٍ؟ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُزَوِّجُهَا لِمَصْلَحَتِهَا لَا لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِزَوْجٍ نَاقِصٍ لِغَرَضٍ لَهُ، مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُوَلِّيَةَ ذَلِكَ الزَّوْجِ بَدَلَهَا، فَيَكُونُ مِنْ جِنْسِ الشِّغَارِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ يُزَوِّجُهَا بِأَقْوَامٍ يُخَالِفُهُمْ عَلَى أَغْرَاضٍ لَهُ فَاسِدَةٍ، أَوْ
(3/135)

يُزَوِّجُهَا لِرَجُلٍ لِمَالٍ يَبْذُلُهُ لَهُ، وَقَدْ خَطَبَهَا مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجِ، فَيُقَدَّمُ الْخَاطِبُ الَّذِي بَرْطَلَهُ عَلَى الْخَاطِبِ الْكُفْءِ الَّذِي لَمْ يُبَرْطِلْهُ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ فِي بُضْعِ وَلِيَّتِهِ كَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِهَا، فَكَمَا لَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهَا إلَّا بِمَا هُوَ أَصْلَحُ، كَذَلِكَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي بَعْضِهَا إلَّا بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لَهَا، إلَّا أَنَّ الْأَبَ لَهُ مِنْ التَّبَسُّطِ فِي مَالِ وَلَدِهِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» بِخِلَافِ غَيْرِ الْأَبِ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بَالِغَةً مِنْ جَدِّهَا أَبِي أَبِيهَا]
469 - 71 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بَالِغَةً مِنْ جَدِّهَا أَبِي أَبِيهَا وَمَا رَشَدَهَا وَلَا مَعَهُ وَصِيَّةٌ مِنْ أَبِيهَا، فَلَمَّا دَنَتْ وَفَاةُ جَدِّهَا أَوْصَى عَلَى الْبِنْتِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا، فَهَلْ لِلْجَدِّ الْمَذْكُورِ عَلَى الزَّوْجَةِ وِلَايَةٌ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهَا الزَّوْجُ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ عَلَيْهَا؟
الْجَوَابُ: أَمَّا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهَا لَا لِلْجَدِّ وَلَا غَيْرِهِ، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُسْتَحَقُّ الْحَجْرُ عَلَيْهَا فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجَدَّ لَهُ وِلَايَةٌ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْجَارِيَةُ وَمَضَتْ عَلَيْهَا سَنَةٌ، وَأَوْلَدَهَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ رَشِيدَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

[مَسْأَلَةٌ رَجُل تَحْتَ حِجْرِ وَالِدِهِ وَقَدْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
470 - 72 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَحْتَ حِجْرِ وَالِدِهِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِهِ، وَشَهِدَ الْمَعْرُوفُونَ أَنَّ وَالِدَهُ مَاتَ وَهُوَ حَيٌّ، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِهِ حَقٌّ أَمْ لَا؟
(3/136)

الْجَوَابُ: إنْ كَانَ سَفِيهًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ بِدُونِ إذْنِ أَبِيهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا صَحَّ نِكَاحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَبُوهُ، وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ هَلْ نَكَحَ وَهُوَ رُشْدٌ أَوْ وَهُوَ سَفِيهٌ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي صِحَّةِ النِّكَاحِ.

[مَسْأَلَةٌ طَلَبَ مِنْهُ رَجُلٌ بِنْتَه لِنَفْسِهِ]
471 - 73 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ طَلَبَ مِنْهُ رَجُلٌ بِنْتَه لِنَفْسِهِ، قَالَ: مَا أُزَوِّجُك بِنْتِي حَتَّى تُزَوِّجَ بِنْتَك لِأَخِي، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا التَّزْوِيجُ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ ذَلِكَ، قِيلَ: إذَا طَلَبَ الْكُفْءُ بِنْتَه، وَجَبَ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهَا، وَلَا يَحِلُّ مَنْعُهَا لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِمَّنْ يَكُونُ أَصْلَحَ لَهَا، وَيَنْظُرُ فِي مَصْلَحَتِهَا لَا فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، كَمَا يَنْظُرُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ، وَإِذَا تَشَارَطَا أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ ابْنَتَهُ حَتَّى يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ، كَانَ هَذَا نِكَاحًا فَاسِدًا، وَلَوْ سُمِّيَ مَعَ ذَلِكَ صَدَاقٌ آخَرُ، هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
472 - 74 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ بَرْطَلَ وَلِيَّ امْرَأَةٍ لِيُزَوِّجَهَا إيَّاهُ فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ صَالَحَ صَاحِبَ الْمَالِ عَنْهُ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ دَرْكٌ؟
الْجَوَابُ: آثِمٌ فِيمَا فَعَلَ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَصَحِيحٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ الْعَمَل بِالْمَسْأَلَةِ السريجية]
473 - 75 - مَسْأَلَةٌ:
مَا قَوْلُكُمْ فِي الْعَمَلِ بِالسُّرَيْجِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ؟ .
الْجَوَابُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ لَمْ يُفْتِ بِهَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا لَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعِينَ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ
(3/137)

وَأَحْمَدَ، وَلَا أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوهُمْ، كَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَالْمُزَنِيِّ، وَالْبُوَيْطِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ، وَأَبِي دَاوُد، وَغَيْرِهِمْ. لَمْ يُفْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا أَفْتَى بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ، كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَكَانَ الْغَزَالِيُّ يَقُولُ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا، وَبَيَّنَ فَسَادَهَا.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ كَنِكَاحِ النَّصَارَى، وَالدُّورُ الَّذِي تَوَهَّمُوهُ فِيهَا بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ، وَهُوَ إنَّمَا يَقَعُ لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا، وَالتَّعْلِيقُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى مُحَالٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ وُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالتَّسْرِيجُ يَتَضَمَّنُ لِهَذَا الْمُحَالِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا.
وَإِذَا كَانَ قَدْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلْيُمْسِكْ امْرَأَتَهُ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَيَتُوبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتَ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَا يَقَعُ مَعَهُ الْمُعَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ. وَقِيلَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْمُنَجَّزِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ، وَوُقُوعُ الْمُعَلَّقِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ فِيمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ عَتِيقَةَ بَعْضِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إذْنِ مُعْتِقِهَا]
474 - 76 - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ عَتِيقَةَ بَعْضِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَشْتَرُوا الرَّقِيقَ مِنْ مَالِهِمْ وَمَالِ الْمُسْلِمِينَ، بِغَيْرِ إذْنِ مُعْتِقِهَا، فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: أَمَّا إذَا أَعْتَقَتْهَا مِنْ مَالِهَا عِتْقًا شَرْعِيًّا، فَالْوِلَايَةُ لَهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تَرِثُهَا، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهَا مِنْ بَعْدِهَا.
(3/138)

وَأَمَّا تَزْوِيجُ هَذِهِ الْعَتِيقَةِ بِدُونِ إذْنِ الْمُعْتِقَةِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ إذْنَ الْوَلِيِّ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَقُولُ: بِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ يَصِحُّ عِنْدَهُ، لَكِنْ مَنْ يَشْتَرِطُ إذْنَ الْوَلِيِّ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَهُمْ قَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
إحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُعْتِقَةِ، فَإِنَّهَا عَصَبَتُهَا، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ لِلْمَرْأَةِ نَفْسِهَا أَنْ تُزَوِّجَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَزْوِيجَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْمُعْتِقَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلِيَّةً لِنَفْسِهَا، فَلَا تَكُونُ وَلِيَّةً لِغَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا عِنْدَهُمْ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهَا، فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُ هَذِهِ الْمُعْتَقَةَ مَنْ يُزَوِّجُ مُعْتِقَهَا بِإِذْنِ الْعَتِيقَةِ، مِثْلُ أَخِ الْمُعْتَقَةِ وَنَحْوِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ أَهْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْوَلَاءُ لَهُمْ، وَالْحَاكِمُ يُزَوِّجُهَا.

[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً فَاتَّفَقُوا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ]
475 - 77 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً، فَاتَّفَقُوا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، وَأَعْطَى أَبَاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَعْطَى؟ . الْجَوَابُ: إذَا كَانُوا قَدْ وَفَّوْا لَهُ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ نِكَاحِهَا حَتَّى مَاتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ مَا أَعْطَاهُمْ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ الصَّدَاقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِيُمَكِّنُوهُ مِنْ نِكَاحِهَا، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الْمُمْكِنِ.

[مَسْأَلَةٌ التَّحْلِيلُ الْمُتَوَاطِئ عَلَيْهِ مَعَ الزَّوْجِ]
476 - 78، مَسْأَلَةٌ:
فِي هَذَا التَّحْلِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، إذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْإِشْهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْحِيَلِ الْمَعْرُوفَةِ، هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَلَّدَ مَنْ قَالَ بِهِ، هَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ اعْتِقَادٍ وَاعْتِقَادٍ؟ وَهَلْ الْأَوْلَى إمْسَاكُ الْمَرْأَةِ أَمْ لَا؟
(3/139)

الْجَوَابُ: التَّحْلِيلُ الَّذِي يَتَوَاطَئُونَ فِيهِ مَعَ الزَّوْجِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا، عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ أَوْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعِلَهُ فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَسَمَّاهُ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ، وَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
وَكَذَلِكَ مِثْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمْ، لَهُمْ بِذَلِكَ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ يُصَرِّحُونَ فِيهَا بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ التَّحْلِيلَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُحَلِّلٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْعَقْدِ، وَسَمَّوْهُ سِفَاحًا، وَلَا تَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ بِمِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ، وَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْمُحِلِّ إمْسَاكُهَا بِهَذَا التَّحْلِيلِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا.
لَكِنْ إذَا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ جَوَازُ ذَلِكَ، فَتَحَلَّلَتْ وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، فَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا، بَلْ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ عَفَا اللَّهُ فِي الْمَاضِي عَمَّا سَلَفَ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَخْطُب عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا أُجِيبَ إلَى النِّكَاحِ]
477 - 79 - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ ابْنَةَ رَجُلٍ مِنْ الْعُدُولِ، وَاتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى الْمَهْرِ، مِنْهُ عَاجِلٌ وَمِنْهُ آجِلٌ، وَأَوْصَلَ إلَى وَالِدِهَا الْمُعَجَّلَ مِنْ مُدَّةِ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَهُوَ يُوَاصِلُهُمْ بِالنَّفَقَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُكَاتَبَةٌ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا جَاءَ رَجُلٌ فَخَطَبَهَا وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الْمَهْرِ، وَمَنَعَ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ؟
الْجَوَابُ: لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا أُجِيبَ إلَى النِّكَاحِ وَرَكَنُوا إلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» وَتَجِبُ عُقُوبَةُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ، عُقُوبَةً تَمْنَعُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَلْ يَكُونُ نِكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
(3/140)

[مَسْأَلَةٌ الرَّافِضِيَّ هَلْ يَصِحُّ نِكَاحُهُ]
مَسْأَلَةٌ:
فِي الرَّافِضِيِّ، وَمَنْ يَقُولُ: لَا تَلْزَمُهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، هَلْ يَصِحُّ نِكَاحُهُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؟ فَإِنْ تَابَ مِنْ الرَّفْضِ، وَلَزِمَ الصَّلَاةَ حِينًا، ثُمَّ عَادَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ، هَلْ يُقَرُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ؟ الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَ مُوَلِّيَتَهُ رَافِضِيًّا، وَلَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، وَمَتَى زَوَّجُوهُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى فَصَلَّى الْخَمْسَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ رَافِضِيٌّ لَا يُصَلِّي، أَوْ عَادَ إلَى الرَّفْضِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُمْ يَفْسَخُونَ النِّكَاحَ.

[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِرَجُلٍ وَأَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ إلَى بِلَادِهِ]
479 - 81 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِرَجُلٍ، وَأَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ إلَى بِلَادِهِ، فَقَالَ لَهُ وَكِيلُ الْأَبِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ: لَا تُسَافِرْ، إمَّا أَنْ تُعْطِيَ الْحَالَّ مِنْ الصَّدَاقِ، وَتَنْتَقِلَ بِالزَّوْجَةِ، أَوْ تُرْضِيَ الْأَبَ، فَسَافَرَ وَلَمْ يُجِبْ إلَى ذَلِكَ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ مُدَّةَ سَنَةٍ، وَلَمْ يُصَلِّ مِنْهُ نَفَقَةٌ، فَهَلْ لِوَالِدِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ إذَا عَرَضَتْ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، فَبَذَلَ لَهُ تَسْلِيمَهَا وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِذَلِكَ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالْفَسْخِ وَإِذَا كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّج بِخَالَةِ إنْسَانٍ وَلَهُ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَ بِهَا]
480 - 82 - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِخَالَةٍ إنْسَانٍ، وَلَهُ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَ بِهَا، فَجَمَعَ بَيْنَ خَالَتِهِ وَابْنَتِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟
الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَالَةَ رَجُلٍ وَبِنْتَه بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» .
(3/141)

وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ خَالَةَ الْأَبِ، وَخَالَةَ الْأُمِّ، وَالْجَدَّةِ، وَيَتَنَاوَلُ عَمَّةَ كُلٍّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَيْضًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أَبِيهَا، وَلَا خَالَةِ أُمِّهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

[مَسْأَلَةٌ لَهَا أَخَوَانِ دُونَ الْبُلُوغِ وَخَالٌ فَادَّعَى خَالُهَا أَنَّهُ أَخُوهَا]
481 - 83 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَخَوَانِ أَطْفَالٌ دُونَ الْبُلُوغِ، وَلَهَا خَالٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَزَوَّجُ بِهَا، فَادَّعَى خَالُهَا أَنَّهُ أَخُوهَا، وَوُكِّلَ فِي عَقْدِهَا عَلَى الزَّوْجِ، فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا أَوْ صَحِيحًا؟ .
الْجَوَابُ: الْخَالُ لَا يَكُونُ شَقِيقًا، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْأُخُوَّةِ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ، بَلْ يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ مِنْ النَّسَبِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ.

[مَسْأَلَةٌ بِنْت زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِمَكْرُوهٍ]
482 - 84 - مَسْأَلَةٌ: فِي بِنْتٍ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِمَكْرُوهٍ، وَلَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهَا عَقْدٌ قَطُّ، وَطَلَبَهَا مَنْ يَتَزَوَّجُهَا فَذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَرَضِيَ، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِمَا ذُكِرَ إذَا شَهِدَتْ الْمَعْرُوفُونَ أَنَّهَا بِنْتٌ لِتَسْهِيلِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: إذَا شَهِدُوا أَنَّهَا مَا زُوِّجَتْ كَانُوا صَادِقِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَلْبِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ، وَيَنْبَغِي اسْتِنْطَاقُهَا بِالْأَدَبِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَنَازِعُونَ هَلْ إذْنُهَا إذَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِالزِّنَا الصَّمْتُ أَوْ النُّطْقُ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ إذْنُهَا الصُّمَاتُ، كَاَلَّتِي لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا.
483 - 85 - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ أَمْلَكَ عَلَى بِنْتٍ، وَلَهُ مُدَّةُ سِنِينَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَدَفَعَ لَهُمْ وَعَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ، فَوَجَدَ وَالِدَهَا قَدْ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ؟ الْجَوَابُ: قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَحِلُّ
(3/142)

لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» .
فَالرَّجُلُ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً وَرَكَنَ إلَيْهِ مَنْ إلَيْهِ نِكَاحُهَا، كَالْأَبِ الْمُجْبِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا، فَكَيْفَ إذَا كَانُوا قَدْ رَكَنُوا إلَيْهِ وَأَشْهَدُوا بِالْإِمْلَاكِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْعَقْدِ، وَقَبَضُوا مِنْهُ الْهَدَايَا، وَطَالَتْ الْمُدَّةُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوا مُحَرَّمًا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ.
لَكِنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ هَلْ يَقَعُ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، أَنَّ عَقْدَ الثَّانِي بَاطِلٌ فَيُنْزَعُ مِنْهُ وَيُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، فَيُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ، وَيُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ جَمِيعُ مَا أُخِذَ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

[مَسْأَلَةٌ يَتِيمَة لَهَا عُمْرهَا عَشْرُ سِنِينَ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهَا]
484 - 86 - مَسْأَلَةٌ: فِي بِنْتٍ يَتِيمَةٍ، وَلَهَا مِنْ الْعُمْرِ عَشْرُ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَحَدٌ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِإِذْنِهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: هَذِهِ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِكُفْءٍ لَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} [النساء: 127] الْآيَةَ.
وَقَدْ أَخْرَجَا تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ دَلِيلٌ فِي الْيَتِيمَةِ وَزَوْجُهَا مَنْ يَعْدِلُ عَلَيْهَا فِي الْمَهْرِ.
(3/143)

لَكِنْ تَنَازَعَ هَؤُلَاءِ، هَلْ تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا، أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِهَا إذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ، لِمَا فِي السُّنَنِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: «لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» .

[مَسْأَلَةٌ لَهُ زَوْجَةٌ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ]
485 - 87 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَكُلَّمَا دَعَاهَا الرَّجُلُ إلَى فِرَاشِهِ تَأْبَى عَلَيْهِ، وَتُقَدِّمُ صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَصِيَامَ النَّهَارِ عَلَى طَاعَةِ الزَّوْجِ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُ إذَا طَلَبَهَا إلَى الْفِرَاشِ وَذَلِكَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَأَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ وَصِيَامُ النَّهَارِ فَتَطَوُّعٌ، فَكَيْفَ تُقَدِّمُ مُؤْمِنَةٌ النَّافِلَةَ عَلَى الْفَرِيضَةِ؟ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَفْظُهُمْ: «لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ» .
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا إذَا كَانَ زَوْجُهَا شَاهِدًا إلَّا بِإِذْنِهِ فَتَمْنَعُ بِالصَّوْمِ بَعْضَ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهَا إذَا طَلَبَهَا فَامْتَنَعَتْ؟ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ لَعَنَتْهَا
(3/144)

الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى تُصْبِحَ» ".
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .
فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ قَانِتَةً، أَيْ مُدَاوِمَةً عَلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا، فَمَتَى امْتَنَعَتْ عَنْ إجَابَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ كَانَتْ عَاصِيَةً نَاشِزَةً، وَكَانَ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ ضَرْبَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا} [النساء: 34] .
وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ حَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْجَبَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ كُنْت آمِرًا لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» . وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لَهُ إنَّ الرِّجَالَ يُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَفْعَلُونَ وَنَحْنُ لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَسُنَ فِعْلُ إحْدَاكُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ» أَيْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَحْسَنَتْ مُعَاشَرَةَ بَعْلِهَا كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِرِضَاءِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ لَهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْمَلَ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ وَالِدَيْهَا]
486 - 88 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ وَالِدَيْهَا، فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ: بِرُّهَا لِوَالِدَيْهَا؟ أَمْ مُطَاوَعَةُ زَوْجِهَا؟ .
(3/145)

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ كَانَ زَوْجُهَا أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا، وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .
وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إذَا نَظَرْت إلَيْهَا سَرَّتْك، وَإِذَا أَمَرْتهَا أَطَاعَتْك، وَإِذَا غِبْت عَنْهَا حَفِظَتْك فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ» . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ كُنْت آمِرًا لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: «لَأَمَرْت النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحُقُوقِ» . وَفِي الْمُسْنَدِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلُحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ مَنْ قَدَمِهِ إلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةٌ تَجْرِي بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ» ، وَفِي الْمُسْنَدِ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ أَمَرْت أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ لَكَانَ لَهَا أَنْ تَفْعَلَ» ، أَيْ: لَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تَفْعَلَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمُسْنَدِ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى
(3/146)

قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَتَيْت مِنْ الشَّامِ فَوَجَدْتهمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبِطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْت فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنِّي لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ» .
وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ» . رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانًا عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» ` ".
وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25] . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: النِّكَاحُ رِقٌّ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ» .
فَالْمَرْأَةُ عِنْدَ زَوْجِهَا تُشْبِهُ الرَّقِيقَ وَالْأَسِيرَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ سَوَاءٌ أَمَرَهَا أَبُوهَا أَوْ أُمُّهَا أَوْ غَيْرُ أَبَوَيْهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهَا إلَى مَكَان آخَرَ، مَعَ قِيَامِهِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَحِفْظُ
(3/147)

حُدُودَ اللَّهِ فِيهَا، وَنَهَاهَا أَبُوهَا عَنْ طَاعَتِهِ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا دُونَ أَبَوَيْهَا، فَإِنَّ الْأَبَوَيْنِ هُمَا ظَالِمَانِ، لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَنْهَيَاهَا عَنْ طَاعَةِ مِثْلِ هَذَا الزَّوْجِ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطِيعَ أُمَّهَا فِيمَا تَأْمُرُهَا بِهِ مِنْ الِاخْتِلَاعِ مِنْهُ أَوْ مُضَاجَرَتِهِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، مِثْلُ أَنْ تُطَالِبَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالصَّدَاقِ بِمَا تَطْلُبُهُ لِيُطَلِّقَهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ وَاحِدًا مِنْ أَبَوَيْهَا فِي طَلَاقِهِ إذَا كَانَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ فِيهَا.
فَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحِيحِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ غَيْرَ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُتَبَرِّعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» .
وَأَمَّا إذَا أَمَرَهَا أَبَوَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِمَا فِيهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، مِثْلُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَنَهَوْهَا عَنْ تَبْذِيرِ مَالِهَا، وَإِضَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ نَهَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ مِنْ غَيْرِ أَبَوَيْهَا، فَكَيْفَ إذَا كَانَ مِنْ أَبَوَيْهَا؟

وَإِذَا نَهَاهَا الزَّوْجُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ، أَوْ أَمَرَهَا بِمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إنَّهُ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» بَلْ الْمَالِكُ لَوْ أَمَرَ مَمْلُوكَهُ بِمَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُطِيعَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، أَوْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

[مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّج بِامْرَأَتَيْنِ يَجْتَمِعُ بِإِحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبَتِهَا]
487 - 89 - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَتَيْنِ، وَإِحْدَاهُمَا يُحِبُّهَا وَيَكْسُوهَا وَيُعْطِيهَا وَيَجْتَمِعُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبَتِهَا؟ .
(3/148)

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» . فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ فِي الْقَسْمِ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَاتَ عِنْدَ الْأُخْرَى بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُفَضِّلُ إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ، لَكِنْ إنْ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ وَيَطَؤُهَا أَكْثَرَ فَهَذَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] أَيْ: فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ.
وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، فَيَقُولُ: هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» . يَعْنِي: الْقَلْبَ.
وَأَمَّا الْعَدْلُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَهُوَ السُّنَّةُ أَيْضًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فِي النَّفَقَةِ، كَمَا كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ مَعَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ، هَلْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ مُسْتَحَبًّا لَهُ؟ وَتَنَازَعُوا فِي الْعَدْلِ فِي النَّفَقَةِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَوُجُوبُهُ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَهَذَا الْعَدْلُ مَأْمُورٌ بِهِ مَا دَامَتْ زَوْجَةً، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ اصْطَلَحَ هُوَ وَاَلَّتِي يُرِيدُ طَلَاقَهَا عَلَى أَنْ تُقِيمَ عِنْدَهُ بِلَا قَسْمٍ وَهِيَ رَاضِيَةٌ ذَلِكَ جَازَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ
(3/149)

فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ يَوْمِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ سَوْدَةَ، فَوَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ فَأَمْسَكَهَا بِلَا قِسْمَةٍ» ، وَكَذَلِكَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ جَرَى لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ، وَيُقَالُ إنَّ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِيهِ

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِنْتًا عُمْرُهَا عَشْرُ سِنِينَ]
488 - 90 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِنْتًا عُمْرُهَا عَشْرُ سِنِينَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا أَنْ يَسْكُنَ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَنْقُلَهَا عَنْهُمْ، وَلَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، فَأَخَذَهَا إلَيْهِ وَأَخْلَفَ ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الدَّايَاتُ أَنَّهُ نَقَلَهَا، ثُمَّ سَكَنَ بِهَا فِي مَكَان يَضْرِبُهَا فِيهِ الضَّرْبَ الْمُبَرِّحَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَافَرَ بِهَا، ثُمَّ حَضَرَ بِهَا وَمَنَعَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا مَعَ مُدَاوَمَتِهِ عَلَى ضَرْبِهَا، فَهَلْ يَحِلُّ أَنْ تَدُومَ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ .
الْجَوَابُ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَلَا يَحِلُّ إقْرَارُهَا مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، بَلْ إذَا تَعَذَّرَ أَنْ يُعَاشِرَهَا بِالْمَعْرُوفِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَطْئًا يَضُرُّ بِهَا، بَلْ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَيْهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
489 - 91 - مَسْأَلَةٌ: فِي حَدِيثٍ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ كَفَّ لَامِسٍ» . فَهَلْ هُوَ مَا تَرُدُّ نَفْسَهَا عَنْ أَحَدٍ؟ أَوْ مَا تَرُدُّ يَدَهَا فِي الْعَطَاءِ عَنْ أَحَدٍ؟ وَهَلْ هُوَ الصَّحِيحُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرُدُّ طَالِبَ مَالٍ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا مَعَ كَوْنِهَا لَا تَمْنَعُ الرِّجَالَ، وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] .
(3/150)

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، «أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْبَغَايَا يُقَالُ لَهَا عَنَاقٌ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَزَوُّجِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ» . وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] .
فَإِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ فِي حَالِ كَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ، وَالْمُسَافِحَةُ الَّتِي تُسَافِحُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ، وَالْمُتَّخِذَاتُ الْخِدْنِ الَّتِي يَكُونُ لَهَا صَدِيقٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ حَالُهَا لَا تُنْكَحُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ؟ بَلْ تُسَافِحُ مَعَ مَنْ اتَّفَقَ،، وَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ حَالُهَا فِي الْإِمَاءِ، فَكَيْفَ بِالْحَرَائِرِ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] ، فَاشْتَرَطَ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الرِّجَالِ هُنَا كَمَا اشْتَرَطَهُ فِي النِّسَاءِ هُنَاكَ.
وَهَذَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] لِأَنَّهُ مَنْ تَزَوَّجَ زَانِيَةً بِزَانٍ مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَاؤُهُ مَصُونًا مَحْفُوظًا، فَكَانَ مَاؤُهُ مُخْتَلِطًا بِمَاءِ غَيْرِهِ، وَالْفَرْجُ الَّذِي يَطَؤُهُ مُشْتَرَكًا، وَهَذَا هُوَ الزِّنَا، وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَ زَوْجُهَا يَزْنِي بِغَيْرِهَا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا مِنْ جِنْسِ وَطْءِ الزَّانِي لِلْمَرْأَةِ الَّتِي يَزْنِي بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا غَيْرُهُ.
وَإِنَّ مِنْ صُوَرِ الزِّنَى اتِّخَاذُ الْأَخْدَانِ، وَالْعُلَمَاءُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ
(3/151)

قَبْلَ تَوْبَتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، لَكِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالِاعْتِبَارَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَمَنْ تَأَوَّلَ آيَةَ النُّورِ بِالْعَقْدِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ.
ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الدِّيَاثَةِ، وَمَنْ تَزَوَّجَ بَغِيًّا كَانَ دَيُّوثًا بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَخِيلٌ، وَلَا كَذَّابٌ وَلَا دَيُّوثٌ» .
قَالَ تَعَالَى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] أَيْ الرِّجَالُ الطَّيِّبُونَ لِلنِّسَاءِ الطَّيِّبَاتِ، وَالرِّجَالُ الْخَبِيثُونَ لِلنِّسَاءِ الْخَبِيثَاتِ.
وَكَذَلِكَ فِي النِّسَاءِ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَبِيثَةً كَانَ قَرِينُهَا خَبِيثًا، وَإِذَا كَانَ قَرِينُهَا خَبِيثًا كَانَتْ خَبِيثَةً، وَبِهَذَا عَظُمَ الْقَوْلُ فِيمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْلَا مَا عَلَى الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَيْبِ مَا حَصَلَ هَذَا التَّغْلِيظُ، وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وَلَوْ كَانَ تَزَوُّجُ الْبَغِيِّ جَائِزًا لَوَجَبَ تَنْزِيهُ الْأَنْبِيَاءِ عَمَّا يُبَاحُ، كَيْفَ وَفِي نِسَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ هِيَ كَافِرَةٌ، كَمَا فِي أَزْوَاجِ الْمُؤْمِنَاتِ مَنْ هُوَ كَافِرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ - وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 10 - 11] .
وَأَمَّا الْبَغَايَا فَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الصَّالِحِينَ مَنْ تَزَوَّجَ بَغِيًّا، لِأَنَّ الْبِغَاءَ يُفْسِدُ فِرَاشَهُ، وَلِهَذَا أُبِيحَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْكِتَابِيَّةَ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، إذَا كَانَ مُحْصَنًا غَيْرَ مُسَافِحٍ وَلَا مُتَّخِذِ خِدْنٍ، فَعُلِمَ أَنَّ تَزَوُّجَ الْكَافِرَةِ قَدْ يَجُوزُ، وَتَزَوُّجَ الْبَغِيِّ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ ضَرَرَ دِينِهَا لَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ، وَأَمَّا ضَرَرُ بَغَاهَا فَيَتَعَدَّى إلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ زَوْجَةٌ أَسْكَنَهَا بَيْنَ نَاسٍ مَنَاجِيسَ]
490 - 92 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ، أَسْكَنَهَا بَيْنَ نَاسٍ مَنَاجِيسَ، وَهُوَ يَخْرُجُ بِهَا
(3/152)

إلَى الْفُرُجِ وَإِلَى أَمَاكِنِ الْفَسَادِ، وَيُعَاشِرُ مُفْسِدِينَ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: انْتَقِلْ مِنْ هَذَا الْمَسْكَنِ السُّوءِ، فَيَقُولُ: أَنَا زَوْجُهَا وَلِي الْحُكْمُ فِي امْرَأَتِي وَلِي السُّكْنَى، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ شَاءَ، وَلَا يُخْرِجَهَا إلَى حَيْثُ شَاءَ، بَلْ يَسْكُنُ بِهَا فِي مَسْكَنٍ يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا، وَلَا يَخْرُجُ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْفُجُورِ، بَلْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَاشِرَ الْفُجَّارَ عَلَى فُجُورِهِمْ، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عُقُوبَتَيْنِ: عُقُوبَةً عَلَى فُجُورِهِ بِحَسَبِ مَا فَعَلَ، وَعُقُوبَةً عَلَى تَرْكِ صِيَانَةِ زَوْجَتِهِ، وَإِخْرَاجِهَا إلَى أَمَاكِنِ الْفُجُورِ، فَيُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّجَة وَلَهَا أَقَارِبُ أَرَادَتْ أَنْ تَزُورُهُمْ]
491 - 93 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ بِرَجُلٍ، وَلَهَا أَقَارِبُ كُلَّمَا أَرَادَتْ تَزُورُهُمْ أَخَذَتْ الْفِرَاشَ وَتَقْعُدُ عِنْدَهُمْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ، وَقَدْ قَرُبَتْ وِلَادَتُهَا وَمَتَى وَلَدَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَجِيءَ إلَى بَيْتِهَا إلَّا بَعْدَ أَيَّامٍ، وَيَبْقَى الزَّوْجُ بَرْدَانَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوهَا تَلِدَ عِنْدَهُمْ؟ .
الْجَوَابُ: لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَيْهِ وَيَحْبِسَهَا عَنْ زَوْجِهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا مُرْضِعًا أَوْ لِكَوْنِهَا قَابِلَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ، وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَتْ نَاشِزَةً عَاصِيَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُسْتَحِقَّةَ الْعُقُوبَةِ.

[مَسْأَلَةٌ طَلَعَ إلَى بَيْتِهِ فَوَجَدَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا]
492 - 94 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ طَلَعَ إلَى بَيْتِهِ وَجَدَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا، فَوَفَّاهَا حَقَّهَا وَطَلَّقَهَا، ثُمَّ رَجَعَ صَالَحَهَا وَسَمِعَ أَنَّهَا وُجِدَتْ بِجَنْبِ أَجْنَبِيٍّ؟ .
الْجَوَابُ: فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَدْخُلُك بَخِيلٌ وَلَا كَذَّابٌ وَلَا دَيُّوثٌ» وَالدَّيُّوثُ الَّذِي لَا غَيْرَةَ
(3/153)

لَهُ. وَفِي الصَّحِيحِ: عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَإِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] .
وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَزْنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، بَلْ يُفَارِقَهَا وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا.

[مَسْأَلَةٌ اتَّهَمَ زَوْجَتَهُ بِفَاحِشَةٍ]
493 - 95 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ اتَّهَمَ زَوْجَتَهُ بِفَاحِشَةٍ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَرَ عِنْدَهَا مَا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، إلَّا ادَّعَى أَنَّهُ أَرْسَلَهَا إلَى عُرْسٍ ثُمَّ إنَّهُ تَجَسَّسَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْهَا فِي الْعُرْسِ فَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنَّهُ أَتَى إلَى أَوْلِيَائِهَا وَذَكَرَ لَهُمْ الْوَاقِعَةَ فَاسْتَدْعُوا بِهَا لِتُقَابِلَ زَوْجَهَا عَلَى مَا ذَكَرَ، فَامْتَنَعَتْ خَوْفًا مِنْ الضَّرْبِ، فَخَرَجَتْ إلَى بَيْتِ خَالِهَا، ثُمَّ إنَّ الزَّوْجَ بَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا فِي إبْطَالِ حَقِّهَا، وَادَّعَى أَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِحَقِّهَا وَالْإِنْكَارُ الَّذِي أَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ يَسْتَوْجِبُ إنْكَارًا فِي الشَّرْعِ؟
الْجَوَابُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] .
فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْضُلَ الْمَرْأَةَ بِأَنْ يَمْنَعَهَا وَيُضَيِّقَ عَلَيْهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ بَعْضَ الصَّدَاقِ، وَلَا أَنْ يَضْرِبَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، لَكِنْ إذَا أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا هَذَا فِيمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَرْأَةِ فَيَكْشِفُونَ الْحَقَّ مَعَ مَنْ هُوَ، فَيُعِينُونَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَيَّنَ لَهُمْ هِيَ الَّتِي تَعَدَّتْ حُدُودَ اللَّهِ وَآذَتْ الزَّوْجَ فِي فِرَاشِهِ فَهِيَ ظَالِمَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ فَلْتَفْتَدِ مِنْهُ.
(3/154)

وَإِذَا قَالَ: إنَّهُ أَرْسَلَهَا إلَى عُرْسٍ وَلَمْ تَذْهَبْ إلَى الْعُرْسِ، فَلْيَسْأَلْ إلَى أَيْنَ ذَهَبَتْ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إلَى قَوْمٍ لَا رِيبَةَ عِنْدَهُمْ، وَصَدَّقَهَا أُولَئِكَ الْقَوْمُ، أَوْ قَالُوا: لَمْ تَأْتِ إلَيْنَا وَإِلَى الْعُرْسِ لَمْ تَذْهَبْ، كَانَ هَذَا رِيبَةً، وَبِهَذَا يَقْوَى قَوْلُ الزَّوْجِ.
وَأَمَّا الْجِهَازُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ مِنْ بَيْتِ أَبِيهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ اصْطَلَحُوا فَالصُّلْحُ خَيْرٌ، وَمَتَى تَابَتْ الْمَرْأَةُ جَازَ لِزَوْجِهَا أَنْ يُمْسِكَهَا وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى رُجُوعِهَا إلَيْهِ فَلْتُبْرِئْهُ مِنْ الصَّدَاقِ، وَلْيَخْلَعْهَا الزَّوْجُ، فَإِنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ عَجَّلَ لَهَا زَوْجُهَا نَقْدًا لَمْ يُسَمِّهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا]
494 - 96 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ عَجَّلَ لَهَا زَوْجُهَا نَقْدًا وَلَمْ يُسَمِّهِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَطَلَبَ الْحَاكِمُ أَنْ يَحْسِبَ الْمُعَجَّلَ مِنْ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ لِكَوْنِ الْمُعَجَّلِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الصَّدَاقِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ كَانَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْعَاجِلِ الْمُقَدَّمِ وَالْآجِلِ الْمُؤَخَّرِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَطْلُبَ الْمُؤَخَّرَ كُلَّهُ، إنْ لَمْ يُذْكَرْ الْمُعَجَّلُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ أَهْدَى لَهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَقْبَضَهَا مِنْ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى حُسِبَ عَلَى الزَّوْجَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ اعْتَاضَتْ عَنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ]
495 - 97 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ اعْتَاضَتْ عَنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ، فَبَاعَتْ الْعِوَضَ وَقَبَضَتْ الثَّمَنَ، ثُمَّ أَقَرَّتْ أَنَّهَا قَبَضَتْ الصَّدَاقَ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِ الْمِلْكِ، فَهَلْ يَبْطُلُ حَقُّ الْمُشْتَرِي أَوْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِاَلَّذِي اعْتَرَفَتْ أَنَّهَا قَبَضَتْهُ مِنْ غَيْرِ الْمِلْكِ؟
(3/155)

الْجَوَابُ: لَا يَبْطُلُ حَقٌّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهَا ثَمَنَ الْمِلْكِ الَّذِي اعْتَاضَتْ بِهِ، إذَا أَقَرَّتْ بِأَنَّ قَبْضَ صَدَاقِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ أَفْتَى طَائِفَةٌ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِاَلَّذِي اعْتَرَفَتْ بِقَبْضِهِ مِنْ التَّرِكَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ تَضَمَّنَ أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ صَدَاقَهَا، وَأَنَّهَا بَعْدَ هَذَا الِاسْتِيفَاءِ لَهُ أَحْدَثَتْ مِلْكًا آخَرَ، فَإِنَّمَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِمْ الْعَقَارَ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي.

[مَسْأَلَةٌ مُعْسِر هَلْ يُقَسَّطُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ]
496 - 98 - مَسْأَلَةٌ: فِي مُعْسِرٍ هَلْ يُقَسَّطُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَ مُعْسِرًا قُسِّطَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَلَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ يَقْبَلُونَ قَوْلَهُ فِي الْإِعْسَارِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ إلَّا بَعْدَ الْحَبْسِ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا كَانَتْ الْحُكُومَةُ عِنْدَ مَنْ يَحْكُمُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَمْ يُحْبَسْ.

[مَسْأَلَةٌ الْمُطَلَّقَة إذَا وَطِئَهَا الرَّجُلُ فِي الدُّبُرِ]
497 - 99 - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ إذَا وَطِئَهَا الرَّجُلُ فِي الدُّبُرِ تَحِلُّ لِزَوْجِهَا، هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعُسَيْلَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ بِالدُّبُرِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا خِلَافٌ.
وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُمْ يَطْعَنُونَ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلًا، وَمَا يُذْكَرُ
(3/156)

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ فَذَاكَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ وَطْءُ الدُّبُرِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ صَحَّتْ السُّنَّةُ بِخِلَافِهِ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.

[مَسْأَلَةٌ عَزَمَتْ عَلَى الْحَجِّ هِيَ وَزَوْجُهَا فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي شَعْبَانَ]
498 - 100 - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ عَزَمَتْ عَلَى الْحَجِّ هِيَ وَزَوْجُهَا، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي شَعْبَانَ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ فِي الْعِدَّةِ عَنْ الْوَفَاةِ إلَى الْحَجِّ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

[مَسْأَلَةٌ تُوُفِّيَ وَقَعَدَتْ زَوْجَتُهُ فِي عِدَّتِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا]
499 - 101 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَقَعَدَتْ زَوْجَتُهُ فِي عِدَّتِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَمَا قَدَرَتْ تُخَالِفُ مَرْسُومَ السُّلْطَانِ، ثُمَّ سَافَرَتْ وَحَضَرَتْ إلَى الْقَاهِرَةِ وَلَمْ تَتَزَيَّنْ لَا بِطِيبٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ خِطْبَتُهَا أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْعِدَّةُ تَنْقَضِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَلْتُتِمَّهُ فِي بَيْتِهَا وَلَا تَخْرُجْ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا إلَّا لِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَتَجْتَنِبُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ فِي بَنِيهَا وَبَنَاتِهَا، وَلْتَأْكُلْ مَا شَاءَتْ مِنْ حَلَالٍ، وَتَشُمَّ الْفَاكِهَةَ، وَتَجْتَمِعَ بِمَنْ يَجُوزُ لَهَا الِاجْتِمَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ، لَكِنْ إنْ خَطَبَهَا إنْسَانٌ لَا تُجِيبُهُ صَرِيحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ مُطَلَّقَة ادَّعَتْ وَحَلَفَتْ أَنَّهَا قَضَتْ عِدَّتَهَا فَتَزَوَّجَهَا ثَانٍ]
500 - 102 - مَسْأَلَةٌ: فِي مُطَلَّقَةٍ ادَّعَتْ وَحَلَفَتْ أَنَّهَا قَضَتْ عِدَّتَهَا، فَتَزَوَّجَهَا زَوْجٌ ثَانٍ، ثُمَّ حَضَرَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى، وَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: إذَا لَمْ تَحِضْ إلَّا حَيْضَتَيْنِ فَالنِّكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا
(3/157)

كَانَ الزَّوْجُ مُصَدِّقًا لَهَا وَجَبَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَتَكْمُلَ عِدَّةُ الْأَوَّلِ بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي عِدَّةً كَامِلَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا تَزَوَّجَهَا.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ مُصَافِحَةً وَقَعَدَتْ مَعَهُ أَيَّامًا فَطَلَعَ لَهَا زَوْجٌ آخَرُ]
501 - 103 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ مُصَافِحَةً، وَقَعَدَتْ مَعَهُ أَيَّامًا فَطَلَعَ لَهَا زَوْجٌ آخَرُ، فَحَمْلُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَزَوْجُهَا الْأَوَّلُ إلَى الْقَاضِي فَقَالَ لَهَا: تُرِيدِينَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ، فَقَالَتْ: مَا أُرِيدُ إلَّا الزَّوْجَ الثَّانِيَ، فَطَلَّقَهَا الْأَوَّلُ، وَرَسَمَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُوفِيَ عِدَّتَهُ، وَتَمَّ مَعَهَا الزَّوْجُ، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ لَهَا أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا تَزَوَّجَتْ بِالثَّانِي قَبْلَ أَنْ تُوفِيَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ فَارَقَهَا الْأَوَّلُ إمَّا لِفَسَادِ نِكَاحِهِ، وَإِمَّا لِتَطَلُّبِهِ لَهَا، وَإِمَّا لِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا، فَنِكَاحُهَا فَاسِدٌ وَتَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ هِيَ وَهُوَ وَمَنْ زَوَّجَهَا، بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تُتِمَّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الثَّانِي قَدْ وَطِئَهَا اعْتَدَّتْ لَهُ عِدَّةً أُخْرَى، فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّتَانِ تَزَوَّجَتْ حِينَئِذٍ بِمَنْ شَاءَتْ بِالْأَوَّلِ أَوْ بِالثَّانِي أَوْ غَيْرِهِمَا.

[بَابُ الرَّضَاعِ]
[مَسْأَلَةٌ الَّذِي يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ]
502 - 104 - مَسْأَلَةٌ:
مَا الَّذِي يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ؟ وَمَا الَّذِي لَا يَحْرُمُ؟ وَمَا دَلِيلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " إنَّهُ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَلِيَتَبَيَّنُوا جَمِيعَ التَّحْرِيمِ مِنْهُ؟ وَهَلْ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ؟ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ اخْتِلَافٌ فَمَا هُوَ الصَّوَابُ وَالرَّاجِحُ فِيهِ؟ وَهَلْ حُكْمُ رَضَاعِ الصَّبِيِّ الْكَبِيرِ الَّذِي دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ الَّذِي يَبْلُغُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصَّغِيرِ الرَّضِيعِ، فَإِنَّ بَعْضَ النِّسْوَةِ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ خَمْسَ سِنِينَ
(3/158)

وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ؟ وَهَلْ يَقَعُ تَحْرِيمٌ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ الْمُتَزَوِّجَيْنِ بِرَضَاعِ بَعْضِ قَرَابَاتِهِمْ لِبَعْضٍ، وَبَيِّنُوهُ بَيَانًا شَافِيًا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ اتَّفَقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَلَفْظُهُ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» . وَالثَّانِي: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» . وَقَدْ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ صُورَتَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا خَطَأٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْحَدِيثِ شَيْءٌ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: إذَا ارْتَضَعَ الرَّضِيعُ مِنْ الْمَرْأَةِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ الْحَوْلَيْنِ، صَارَتْ الْمَرْأَةُ أُمَّهُ، وَصَارَ زَوْجُهَا الَّذِي جَاءَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ أَبَاهُ، فَصَارَ ابْنًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ جَمِيعُ أَوْلَادِ الْمَرْأَةِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الرَّجُلِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا إخْوَةً لَهُ، سَوَاءٌ وُلِدُوا قَبْلَ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِذَا كَانَ أَوْلَادُهُمَا إخْوَتَهُ، كَانَ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِمَا أَوْلَادَ إخْوَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِمَا، وَلَا أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا، فَإِنَّهُمَا إمَّا إخْوَتُهُ وَإِمَّا أَوْلَادُ إخْوَتِهِ، وَذَلِكَ يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ. وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، وَأَبُوهَا وَأُمُّهَا أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ إخْوَتِهَا، وَلَا مِنْ أَخَوَاتِهَا، وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ أَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُهُ، وَأَبُو الرَّجُلِ وَأُمَّهَاتُهُ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ، فَلَا يَتَزَوَّجُ بِأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ، وَلَا بِأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ، لَكِنْ يَتَزَوَّجُ بِأَوْلَادِ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ. فَإِنَّ جَمِيعَ أَقَارِبِ الرَّجُلِ حَرَامٌ عَلَيْهِ. إلَّا أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلَادُ الْخَالِ وَالْخَالَاتِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: 50] .
فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْأَقَارِبِ، فَيُبَحْنَ مِنْ الرَّضَاعَةِ. وَإِذَا
(3/159)

كَانَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لِلْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا فَأَوْلَادُهُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِمَا، وَيَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَوْلَادِ مِنْ النَّسَبِ، فَهَذِهِ الْجِهَاتُ الثَّلَاثُ مِنْهَا تَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ.
وَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ، وَأَبُوهُ مِنْ النَّسَبِ، وَأُمُّهُ مِنْ النَّسَبِ، فَهُمْ أُجَانِبُ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، لَيْسَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ صِلَةٌ وَلَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ، لِأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ مِنْ أَبِيهِ، وَأُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ، وَلَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يَجُوزُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ أُمِّهِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ أَخٌ مِنْ النَّسَبِ وَأُخْتٌ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِهَذَا أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذَا، وَلِهَذَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذَا.
وَبِهَذَا تَزُولُ الشُّبْهَةُ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ بِأُمِّهِ مِنْ النَّسَبِ، كَمَا يَتَزَوَّجُ بِأُخْتِهِ مِنْ النَّسَبِ وَيَجُوزُ لِأَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ.
وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي النَّسَبِ، فَإِنَّ أَخَا الرَّجُلِ مِنْ النَّسَبِ لَا يَتَزَوَّجُ بِأُمِّهِ مِنْ النَّسَبِ، وَأُخْتَه مِنْ الرَّضَاعِ لَيْسَتْ بِنْتَ أَبِيهِ مِنْ النَّسَبِ وَلَا رَبِيبَتَهُ، فَلِهَذَا جَازَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَيَقُولُ مَنْ لَا يُحَقِّقُ: يَحْرُمُ فِي النَّسَبِ عَلَى أَخِي أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمِّي وَلَا يَحْرُمُ مِثْلُ هَذَا فِي الرَّضَاعِ. وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ نَظِيرُ الْمُحَرَّمِ مِنْ النَّسَبِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أُخْتُهُ أَوْ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ بِابْنِ هَذَا الْأَخِ أَوْ بِأُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، كَمَا لَوْ ارْتَضَعَ هُوَ وَآخَرُ مِنْ امْرَأَةٍ، وَاللَّبَنُ لِفَحْلٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أَخَاهُ وَأُخْتَه مِنْ الرَّضَاعَةِ، لِكَوْنِهِمَا أَخَوَيْنِ لِلْمُرْتَضِعِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَا أَبَاهُ وَأُمَّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ لِكَوْنِهِمَا وَلَدَيْهِمَا مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا لِكَوْنِهِمَا أَخَوَيْ وَلَدَيْهِمَا، فَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَنَحْوَهُ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ.

وَأَمَّا رَضَاعُ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ لَا يَحْرُمُ إلَّا رَضَاعُ الصَّغِيرِ كَاَلَّذِي رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَفِيمَنْ رَضَعَ قَرِيبًا مِنْ الْحَوْلَيْنِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ.
فَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ فَلَا يَحْرُمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِرَضَاعِ الْقَرَائِبِ، مِثْلُ أَنْ تُرْضِعَ زَوْجَتُهُ لِأَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ، فَهُنَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِاَلَّتِي هِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ لِأَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ، إذْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا صِلَةُ نَسَبٍ وَلَا رَضَاعٍ.
وَإِنَّمَا حَرُمَتْ عَلَى أَخِيهَا لِأَنَّهَا أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَلَيْسَتْ أُمَّ نَفْسِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَأُمُّ الْمُرْتَضِعِ مِنْ الرَّضَاعِ لَا تَكُونُ أُمًّا لِإِخْوَتِهِ مِنْ النَّسَبِ، لِأَنَّهَا إنَّمَا أَرْضَعَتْ الرَّضِيعَ وَلَمْ تُرْضِعْ غَيْرَهُ، نَعَمْ لَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ نِسْوَةٌ
(3/160)

يَطَؤُهُنَّ وَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طِفْلًا لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: اللِّقَاحُ وَاحِدٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي الْقُعَيْسِ، الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ.

وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهَا أُمُّهُ أَوْ امْرَأَةُ أَبِيهِ، وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أُمُّ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَلَيْسَتْ أُمَّهُ، وَلَا امْرَأَةَ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا صَاحِبُ اللَّبَنِ لَيْسَ أَبًا لِهَذَا لَا مِنْ النَّسَبِ وَلَا مِنْ الرَّضَاعَةِ.
فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ، وَأُمُّ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ.
قُلْنَا: هَذَا تَلْبِيسٌ وَتَدْلِيسٌ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُ أَخَوَاتِكُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22] فَحَرُمَ عَلَى الرَّجُلِ أُمُّهُ وَمَنْكُوحَةُ أَبِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، وَهَذِهِ تَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَلَا يَتَزَوَّجُ أُمَّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأَمَّا مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهَا تَحْرُمُ لَكِنْ فِيهَا نِزَاعٌ لِكَوْنِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ بِالصِّهْرِ لَا بِالنَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِي تَحْرِيمِهَا، فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: تَحْرُمُ مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَفَيْنَا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا أُمُّ أَخِيهِ الَّتِي لَيْسَتْ أُمًّا وَلَا مَنْكُوحَةَ أَبٍ فَهَذِهِ لَا تُوجَدُ فِي النَّسَبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ فَلَا يَحْرُمُ نَظِيرُهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَتَبْقَى أُمُّ الْأُمِّ مِنْ النَّسَبِ لِأَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَوْ الْأُمُّ مِنْ الرَّضَاعَةِ لِأَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ لَا نَظِيرَ لَهَا مِنْ الْوِلَادَةِ فَلَا تَحْرُمُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ أَعْطَتْ لِامْرَأَةٍ وَلَدًا فَلَمْ تَشْعُر إلَّا وَثَدْيُهَا فِي فَمِ الصَّبِيِّ]
503 - 105 - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ أَعْطَتْ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى وَلَدًا وَهُمَا فِي الْحَمَّامِ، فَلَمْ تَشْعُرْ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَخَذَتْ الْوَلَدَ إلَّا وَثَدْيُهَا فِي فَمِ الصَّبِيِّ، فَانْتَزَعَتْهُ مِنْهُ فِي سَاعَتِهِ، وَمَا عَلِمَتْ، هَلْ ارْتَضَعَ أَمْ لَا؟ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ بَنَاتِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا؟
(3/161)

الْجَوَابُ: لَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ بِذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْ أَوْلَادِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ أُمَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

[مَسْأَلَةٌ رَجُل رَمَدٌ فَغَسَلَ عَيْنَيْهِ بِلَبَنِ زَوْجَتِهِ]
504 - 106 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ رَمَدٌ فَغَسَلَ عَيْنَيْهِ بِلَبَنِ زَوْجَتِهِ، فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا حَصَلَ لَبَنُهَا فِي بَطْنِهِ؟ وَرَجُلٌ يُحِبُّ زَوْجَتَهُ فَلَعِبَ مَعَهَا فَرَضَعَ مِنْ لَبَنِهَا، فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَمَّا غَسْلُ عَيْنَيْهِ بِلَبَنِ امْرَأَتِهِ يَجُوزُ، وَلَا تَحْرُمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَبِيرٌ، وَالْكَبِيرُ إذَا ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَنْتَشِرْ بِذَلِكَ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مُخْتَصٌّ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ تَبَنَّوْهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ التَّبَنِّي.
الثَّانِي: أَنَّ حُصُولَ اللَّبَنِ فِي الْعَيْنِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا، وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّعُوطِ، وَهُوَ مَا إذَا أَدْخَلَ فِي أَنْفِهِ بَعْدَ تَنَازُعِهِمْ بِالْوَجُورِ، وَهُوَ مَا يُطْرَحُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَجُورَ يَحْرُمُ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ السَّعُوطُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ ارْتِضَاعَهُ لَا يُحَرِّمُ امْرَأَتَهُ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

[مَسْأَلَةٌ أَوْدَعَتْ بِنْتَهَا عِنْدَ امْرَأَةِ أَخِيهَا فَقَالَتْ أَرْضَعْتِيهَا فَقَالَتْ لَا]
505 - 107 - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ أَوْدَعَتْ بِنْتَهَا عِنْدَ امْرَأَةِ أَخِيهَا، وَغَابَتْ وَجَاءَتْ
(3/162)

فَقَالَتْ: أَرْضَعْتِيهَا فَقَالَتْ: لَا وَحَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ وَلَدَ أَخِيهَا كَبِرَ، وَكَبِرَتْ بِنْتُهَا الصَّغِيرَةُ، وَأُخْتُهَا ارْتَضَعَتْ مَعَ أَخِيهِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَتْ الْبِنْتُ لَمْ تَرْضَعْ مِنْ أُمِّ الْخَاطِبِ، وَلَا الْخَاطِبُ ارْتَضَعَ مِنْ أُمِّهَا جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ إخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا مِنْ أُمِّ الْخَاطِبِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ الطِّفْلُ إذَا ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ صَارَتْ أُمَّهُ وَزَوْجُهَا صَاحِبُ اللَّبَنِ أَبَاهُ، وَصَارَ أَوْلَادُهُمَا إخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، وَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ وَأَبُوهُ مِنْ النَّسَبِ وَأُمُّهُ مِنْ النَّسَبِ فَهُمْ أَجَانِبُ، يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا أَخَوَاتِهِ، كَمَا يَجُوزُ مِنْ النَّسَبِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أُخْتُ الرَّجُلِ مِنْ أُمِّهِ بِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا نِزَاعٍ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ بَنَتَا خَالَةٍ وَاحِدَة رَضَعَتْ مَعَهُ وَالْأُخْرَى لَمْ تَرْضَعْ مَعَهُ]
506 - 108 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ بَنَاتُ خَالَةٍ، أُخْتَانِ الْوَاحِدَةُ رَضَعَتْ مَعَهُ، وَالْأُخْرَى لَمْ تَرْضَعْ مَعَهُ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي لَمْ تَرْضَعْ مَعَهُ؟
الْجَوَابُ: إذَا ارْتَضَعَ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَ ابْنًا لَهَا، وَحَرُمَ عَلَيْهِ جَمِيعُ بَنَاتِهَا مَنْ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعِ وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَمَتَى ارْتَضَعَتْ الْمَخْطُوبَةُ مِنْ أُمٍّ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَاحِدًا مِنْ ابْنَيْ الْمُرْضِعَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ أُمِّ الْمَخْطُوبَةِ وَلَا هِيَ رَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ إخْوَتُهُمَا تَرَاضَعَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ قَرَابَتَهُ فَقَالَ وَالِدُهُ هِيَ رَضَعَتْ مَعَك]
507 - 109 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ خَطَبَ قَرَابَتَهُ، فَقَالَ وَالِدُهُ: هِيَ رَضَعَتْ مَعَك وَنَهَاهُ عَنْ التَّزْوِيجِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ تَزَوَّجَ بِهَا، وَكَانَ الْعُدُولُ شَهِدُوا عَلَى وَالِدَتِهَا أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْكَرَتْ وَقَالَتْ مَا قُلْت هَذَا الْقَوْلَ إلَّا لِغَرَضٍ، فَهَلْ يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا؟
(3/163)

الْجَوَابُ: إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْرُوفَةً بِالصِّدْقِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إذَا تَزَوَّجَهَا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ لَمَّا ذَكَرَتْ الْأَمَةُ السَّوْدَاءُ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهَا» .
وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي صِدْقِهَا أَوْ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مِنْ الشُّبُهَاتِ، فَاجْتِنَابُهَا أَوْلَى، لَا يُحْكَمُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إلَّا بِحُجَّةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِذَا رَجَعَتْ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ لَمْ تَحْرُمْ الزَّوْجَةُ. لَكِنْ إنْ عَرَفَ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي رُجُوعِهَا، وَأَنَّهَا رَجَعَتْ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حَتَّى كَتَمَتْ الشَّهَادَةَ، لَمْ يَحِلَّ التَّزْوِيجُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
508 - 110 - مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ: الزَّوْجَةُ، وَالْقِطُّ، وَالنَّمْلُ. الزَّوْجَةُ تُرْضِعُ مَنْ لَيْسَ وَلَدُهَا، وَتُنَكِّدُ عَلَيْهِ وَفِرَاشَهُ بِذَلِكَ، وَالْقِطُّ يَأْكُلُ الْفَرَارِيجَ، وَالنَّمْلُ يَدِبُّ فِي الطَّعَامِ، فَهَلْ لَهُمْ حَرْقُ بُيُوتِهِمْ بِالنَّارِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ قَتْلُ الْقِطِّ؟ وَهَلْ لَهُمْ مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ إرْضَاعِهَا؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُرْضِعَ غَيْرَ وَلَدِهَا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ، وَالْقِطُّ إذَا صَالَ عَلَى مَالِهِ فَلَهُ دَفْعُهُ عَنْ الصَّوْلِ وَلَوْ بِالْقَتْلِ، وَلَهُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ ضَرَرِهِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ. وَأَمَّا النَّمْلُ فَيُدْفَعُ ضَرَرُهُ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ]
509 - 111 - مَسْأَلَةٌ:
فِي أُخْتَيْنِ وَلَهُمَا بَنَاتٌ وَبَنِينَ، فَإِذَا أَرْضَعَ الْأُخْتَانِ، هَذِهِ بَنَاتِ هَذِهِ، وَهَذِهِ بَنَاتِ هَذِهِ، فَهَلْ يَحْرُمُ مَنْ عَلَى الْبَنِينَ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا
(3/164)

لَهَا، وَصَارَ جَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ إخْوَةً لِهَذِهِ الْمُرْتَضِعَةِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، مَنْ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعِ وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْتَضِعَةَ، بَلْ يَجُوزُ لِإِخْوَةِ الْمُرْتَضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بِأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ، الَّذِينَ لَمْ يَرْتَضِعُوا مِنْ أُمِّهِنَّ، فَالتَّحْرِيمُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُرْتَضِعَةِ لَا عَلَى إخْوَتِهَا الَّذِينَ لَمْ يَرْتَضِعُوا فَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ إذَا كَانَ هُوَ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ أُمِّهَا، وَهِيَ لَمْ تَرْضِعْ مِنْ أُمِّهِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْمُرْتَضِعَةُ فَلَا تَتَزَوَّجُ وَاحِدًا مِنْ أَوْلَادِ مَنْ أَرْضَعَتْهَا وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْمُرْتَضِعَةَ تُصَيِّرُ الْمُرْضِعَةَ أُمَّهَا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَوْلَادُهَا، وَتُصَيِّرُ إخْوَتَهَا وَأَخَوَاتِهَا أَخْوَالَهَا وَخَالَاتِهَا، وَيَصِيرُ الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ اللَّبَنُ أَبَاهَا وَأَوْلَادُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا إخْوَتَهَا، وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ أَعْمَامَهَا وَعَمَّاتِهَا، وَيَصِيرُ الْمُرْتَضِعُ، وَأَوْلَادُهُ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، أَوْلَادَ الْمُرْضِعَةِ وَالرَّجُلِ الَّذِي دَرَّ اللَّبَنَ بِوَطْئِهِ، وَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتُهُ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ مِنْ النَّسَبِ، فَهُمْ أَجَانِبُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الرَّضَاعِ شَيْءٌ، وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نِزَاعٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
510 - 112 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ بِنْتُ ابْنِ عَمٍّ، وَوَالِدُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورِ قَدْ رَضَعَ بِأُمِّ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَحَدِ أَخَوَاتِهِ، وَذَكَرَتْ أُمُّ الرَّجُلِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ لَمَّا رَضَعَهَا كَانَ عُمْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ، فَهَلْ لِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ؟
الْجَوَابُ: إنْ كَانَ الرَّضَاعُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا.

[مَسْأَلَةٌ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ عَلَى بِنْتٍ لَهَا]
511 - 113 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ عَلَى بِنْتٍ لَهَا، وَلَهَا أَخَوَاتٌ أَصْغَرُ مِنْهَا، فَهَلْ يَحْرُمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَ ابْنًا لِتِلْكَ
(3/165)

الْمَرْأَةِ، فَجَمِيعُ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ وُلِدُوا قَبْلَ الرَّضَاعِ وَاَلَّذِينَ وُلِدُوا بَعْدَهُ هُمْ إخْوَةٌ لِهَذَا الْمُرْتَضِعِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا.

[مَسْأَلَةٌ مُطَلَّقَة وَهِيَ تُرْضِعُ وَقَدْ آجَرَتْ لَبَنَهَا ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا]
512 - 114 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ مُطَلَّقَةٍ وَهِيَ تُرْضِعُ، وَقَدْ آجَرَتْ لَبَنَهَا ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، فَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَهَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَى زَوْجِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ فَيَقِلَّ اللَّبَنُ عَلَى الْوَلَدِ الْجَوَابُ: أَمَّا مُجَرَّدُ الشَّكِّ فَلَا يَمْنَعُ الزَّوْجَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْوَطْءِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ» . فَقَدْ أَخْبَرَ
أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ الْأَوْلَادَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مَنْعُ الزَّوْجِ حَقَّهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْعُ الْحَقِّ السَّابِقِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.

[مَسْأَلَةٌ الْأَب إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ]
513 - 115 - مَسْأَلَةٌ:
فِي الْأَبِ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ، فَهَلْ لَهُ إذَا امْتَنَعَتْ الْأُمُّ عَنْ الِاسْتِرْضَاعِ إلَّا بِأُجْرَةٍ أَنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَهَا؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
514 - 116 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَ امْرَأَةٍ، وَقَدْ ارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ الْأُولَى، وَلِلْأَبِ مِنْ الثَّانِيَةِ بِنْتٌ، فَهَلْ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْبِنْتَ؟ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا فَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ؟
(3/166)

الْجَوَابُ: إذَا ارْتَضَعَ الرَّضَاعَ الْمُحَرَّمَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْبِنْتَ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ اللَّبَنَ لِلْفَحْلِ.
وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا طِفْلًا وَالْأُخْرَى طِفْلَةً، فَهَلْ يَتَزَوَّجُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؟ فَقَالَ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، وَكَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَقُلْت: لَا آذَنُ لَك حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْته فَقَالَ: إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك. فَقَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي، فَقَالَ: إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» .
وَإِذَا تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ مَعَ وَلَدِهَا رَضْعَةً أَوْ بَعْضَ رَضْعَةٍ]
515 - 117 - مَسْأَلَةٌ:
فِي طِفْلٍ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ مَعَ وَلَدِهَا رَضْعَةً أَوْ بَعْضَ رَضْعَةٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ فَرُزِقَتْ مِنْهُ ابْنَةٌ، فَهَلْ يَحِلُّ لِلطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ تَزْوِيجُ الِابْنَةِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، أَمْ لَا؟ وَمَا دَلِيلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْمَصَّةَ الْوَاحِدَةَ أَوْ الرَّضْعَةَ الْوَاحِدَةَ تُحَرِّمُ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» .
وَمِنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» . وَمِنْهَا أَنَّ «رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَالَ:
(3/167)

يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تَحْرُمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ لَا» . وَمِنْهَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، نُسِخَتْ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ» وَمَا حُجَّتُهُمَا مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؟
الْجَوَابُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يُحَرِّمُ إلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ، وَحَدِيثِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا، فَيَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ، فَيَحْتَاجُ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ، وَقِيلَ: يُحَرِّمُ الثَّلَاثُ فَصَاعِدًا وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحِ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» قَالُوا مَفْهُومُهُ: أَنَّ الثَّلَاثَ تَحْرُمُ، وَلَمْ يَحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قُرْآنٌ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُتَوَاتِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ الْأَوَّلُونَ مَعَنَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مُثْبَتَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ حُكْمًا، وَكَوْنُهُ قُرْآنًا، فَمَا ثَبَتَ مِنْ الْحُكْمِ يَثْبُتُ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَهَذَا لَمْ نُثْبِتْهُ وَلَمْ نَتَصَوَّرْ أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ إنَّمَا نُسِخَ رَسْمُهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، فَقَالَ أُولَئِكَ: هَذَا تَنَاقُضٌ وَقِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ، وَأَيْضًا فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ نَفَى قُرْآنًا لَكِنْ بَيَّنَ حُكْمَهُ.
(3/168)

وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ إذَا صَحَّ النَّقْلُ بِهَا عَنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فِي الْأَحْكَامِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] وَقَالَ: اسْمُ الرَّضَاعَةِ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقٌ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَتَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. فَقَالَ الْأَوَّلُونَ: هَذِهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَكَوْنُهَا لَمْ تَبْلُغْ بَعْضَ السَّلَفِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ صِحَّتَهَا.
وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فَكَمَا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ مُقَيَّدَةٌ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ، فَكَذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ عُلِمَ بِالسُّنَّةِ مِقْدَارُ الْفِدْيَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ خَبَرًا وَاحِدًا، بَلْ كَمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا» .
وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ يُظَاهِرُ الْقُرْآنَ، وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَكَذَلِكَ فُسِّرَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَغَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِحَمْلِ قَوْلِهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] وَفُسِّرَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أُمُورٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ مَا هُوَ مُطْلَقٌ مِنْ الْقُرْآنِ، فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنُهُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْخَمْسِ لَهُ أُصُولٌ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ، وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ صَدَقَةٌ، وَالْأَوْقَاصُ بَيْنَ النُّصُبِ خَمْسٌ أَوْ عَشْرٌ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَأَنْوَاعُ الْبِرِّ خَمْسٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] .
(3/169)

وَقَالَ فِي الْكُفْرِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 136] . وَأُولُو الْعَزْمِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، بِقَدْرِ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَالرَّضَاعُ إذَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيَنْشُرُ الْعَظْمَ فَيَصِيرُ نَبَاتُهُ بِهِ كَنَبَاتِهِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُحَرِّمْ رَضَاعُ الْكَبِيرِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ لَيْسَ لَهُمَا تَأْثِيرٌ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا، كَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ مَا دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ حَتَّى لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِشَيْءٍ مِنْ التَّافِهِ، وَاعْتِبَارُهُ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ إذَا كَانَ أَقَلَّ، وَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ فَاصِلٍ، فَهَذَا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَأْخَذِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ فِيهَا يَحْتَاجُ إلَى وَرَقَةٍ أَكْبَرَ مِنْ هَذِهِ، وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَالنِّزَاعُ فِيهَا مِنْ زَمَانِ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تَنَازَعُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّابِعُونَ بَعْدَهُمْ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ هَلْ دَخَلَ اللَّبَنُ فِي جَوْفِ الصَّبِيِّ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَهُنَا لَا نَحْكُمُ بِالتَّحْرِيمِ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَصَلَ فِي فَمِهِ فَإِنَّ حُصُولَ اللَّبَنِ فِي الْفَمِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
516 - 118 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ عَدِيدَةٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ حَضَرَ مَنْ نَازَعَ الزَّوْجَةَ، وَذَكَرَ لِزَوْجِهَا أَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ الَّتِي فِي عِصْمَتِكَ شَرِبَتْ مِنْ لَبَنِ أُمِّك؟
الْجَوَابُ: إنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَهُوَ خَبِيرٌ بِمَا ذَكَرَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا رَضَعَتْ مِنْ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ، رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَايَنَ الرَّضَاعَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ قَرِينَةٌ لَمْ يَتَرَاضَعْ هُوَ وَأَبُوهَا وَلَهُمَا إخْوَةٌ صِغَارٌ تَرَاضَعُوا]
517 - 119 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ لَهُ قَرِينَةٌ لَمْ يَتَرَاضَعْ هُوَ وَأَبُوهَا، لَكِنْ لَهُمَا إخْوَةٌ صِغَارٌ تَرَاضَعُوا، فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَرُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا، فَمَا حُكْمُهُمْ وَمَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فِيهِمْ؟
(3/170)

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ يَرْتَضِعْ هُوَ مِنْ أُمِّهَا وَلَمْ تَرْتَضِعْ هِيَ مِنْ أُمِّهِ بَلْ إخْوَتُهُ رَضَعُوا مِنْ أُمِّهَا، وَإِخْوَتُهَا رَضَعُوا مِنْ أُمِّهِ كَانَتْ حَلَالًا لَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ أُخْتِ أَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، فَإِنَّ الرَّضَاعَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إلَى الْمُرْتَضِعِ وَذُرِّيَّتِهِ وَإِلَى الْمُرْضِعَةِ وَإِلَى زَوْجِهَا الَّذِي وَطِئَهَا، حَتَّى صَارَ لَهَا لَبَنٌ فَتَصِيرُ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهَا وَوَلَدُهَا قَبْلَ الرَّضَاعِ وَبَعْدَهُ أَخُو الرَّضِيعِ، وَيَصِيرُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَوَلَدُهُ قَبْلَ الرَّضَاعِ وَبَعْدَهُ أَخُو الرَّضِيعِ، فَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ وَأَبُوهُ مِنْ النَّسَبِ فَهُمْ أَجَانِبُ مِنْ أَبَوَيْهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا انْتِشَارُ الْحُرْمَةِ إلَى الرَّجُلِ فَإِنَّ هَذِهِ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ الْفَحْلِ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: لَبَنُ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ، وَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ هِيَ تُقَرِّرُ مَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ.
518 - 120 - مَسْأَلَةٌ:
فِي أُخْتَيْنِ أَشِقَّاءَ، لِأَحَدِهِمَا بِنْتَانِ، وَلِلْأُخْرَى ذَكَرٌ، وَقَدْ ارْتَضَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبِنْتَيْنِ وَهِيَ الْكَبِيرَةُ مَعَ الْوَلَدِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِاَلَّتِي لَمْ تَرْضِعْ مَعَهُ؟
الْجَوَابُ: إذَا ارْتَضَعَتْ الْوَاحِدَةُ مِنْ أُمِّ الصَّبِيِّ وَلَمْ يَرْتَضِعْ هُوَ مِنْ أُمِّهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

[مَسْأَلَةٌ ذَات بَعْلٍ وَلَهَا لَبَنٌ عَلَى غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا حَمْلٍ فَأَرْضَعَتْ]
519 - 121 - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ ذَاتِ بَعْلٍ وَلَهَا لَبَنٌ عَلَى غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا حَمْلٍ، فَأَرْضَعَتْ طِفْلَةً لَهَا دُونَ الْحَوْلَيْنِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، وَهِيَ الْمُرْضِعَةُ عَمَّةُ الرَّضِيعَةِ مِنْ النَّسَبِ، ثُمَّ أَرَادَ ابْنُ بِنْتِ هَذِهِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذِهِ الرَّضِيعَةِ، فَهَلْ يَحْرُمُ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: أَمَّا إذَا وَطِئَهَا زَوْجٌ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَابَ لَهَا لَبَنٌ فَهَذَا اللَّبَنُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَإِذَا ارْتَضَعَتْ طِفْلَةٌ خَمْسَ رَضَعَاتٍ صَارَتْ بِنْتُهَا وَابْنُ بِنْتِهَا ابْنَ أُخْتِهَا، وَهِيَ خَالَتُهُ،
(3/171)

سَوَاءٌ كَانَ الِارْتِضَاعُ مَعَ طِفْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَمَّا أُخْتُهَا مِنْ النَّسَبِ الَّتِي لَمْ تَرْضِعْ فَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا اللَّبَنَ ثَابَ لِامْرَأَةٍ لَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ، فَهَذَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ ارْتَضَعَ مَعَ رَجُلٍ وَجَاءَ لِأَحَدِهِمَا بِنْتٌ]
520 - 122 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ ارْتَضَعَ مَعَ رَجُلٍ، وَجَاءَ لِأَحَدِهِمَا بِنْتٌ، فَهَلْ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْبِنْتِ؟
الْجَوَابُ: إذَا ارْتَضَعَ الطِّفْلُ مِنْ الْمَرْأَةِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَ ابْنًا لَهَا، وَصَارَ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا إخْوَتَهُ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ الرَّضَاعَةِ وَاَلَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ الرَّضَاعَةِ، وَالرَّضَاعَةُ يَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ الْآخَرِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا ثُمَّ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ]
521 - 123 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا، ثُمَّ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ وَطْؤُهَا؟ .
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ وَطْءِ أَبِيهِ، وَالْحَالُ هَذِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَفِي السُّنَنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «رَأَيْت خَالِي أَبَا بُرْدَةَ وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْت: إلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ» ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَطْئِهَا بِالنِّكَاحِ وَبَيْنَ وَطْئِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ.

[مَسْأَلَةٌ إتْيَان الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ]
522 - 124 - مَسْأَلَةٌ:
فِي إتْيَانِ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَمَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ:
(3/172)

فَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعَشْرَةِ أَيَّامٍ جَازَ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، وَهَلْ الْأَئِمَّةُ مُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ؟ .
الْجَوَابُ: أَمَّا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَجُوزُ وَطْؤُهَا إذَا انْقَطَعَ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوْ مَرَّ عَلَيْهَا وَقْتُ الصَّلَاةِ فَاغْتَسَلَتْ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْآثَارُ.

[مَسْأَلَةٌ جِمَاع الْحَائِضِ]
523 - 125 - مَسْأَلَةٌ:
فِي جِمَاعِ الْحَائِضِ، يَجُوزُ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: وَطْءُ الْحَائِضِ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ وَطِئَهَا وَكَانَتْ حَائِضًا فَفِي الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَفِي غُسْلِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ دُونَ الْحَيْضِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَوَطْءُ النُّفَسَاءِ كَوَطْءِ الْحَيْضِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَسَوَاءٌ اسْتَمْتَعَ مِنْهَا بِفَمِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ بِرِجْلِهِ، فَلَوْ وَطِئَهَا فِي بَطْنِهَا وَاسْتَمْنَى جَازَ، وَلَوْ اسْتَمْتَعَ بِفَخِذَيْهَا فَفِي جَوَازِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
524 - 126 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً ثُمَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ، ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ الثَّانِي أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ؟
الْجَوَابُ: لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ
(3/173)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ عِنْدَهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ لَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبِيعَهَا الْوَاطِئُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا - وَهَلْ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ وَعَلَى الْمُشْتَرِي اسْتِبْرَاءٌ أَوْ اسْتِبْرَاءَانِ أَوْ يَكْفِيهِمَا اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ رَجُل يَأْتِي زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا]
525 - 127 - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ يَأْتِي زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا أَحَلَالٌ هُوَ، أَمْ حَرَامٌ؟
الْجَوَابُ: وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، بَلْ هُوَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] .
وَالْحَرْثُ هُوَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْحَرْثَ هُوَ مَحَلُّ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ، وَكَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَبَاحَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا لَكِنْ فِي الْفَرْجِ خَاصَّةً، وَمَتَى وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ وَطَاوَعَتْهُ عُزِّرَا جَمِيعًا، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِيَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَاجِرِ وَمَنْ يَفْجُرُ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
526 - 128 - مَسْأَلَةٌ:
فِي أَعْرَابٍ نَازِلِينَ عَلَى الْبَحْرِ وَأَهْلِ بَادِيَةٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُمْ حَاكِمٌ، وَلَا لَهُمْ عَادَةٌ أَنْ يَعْقِدُوا نِكَاحًا إلَّا فِي الْقُرَى حَوْلَهُمْ عِنْدَ أَئِمَّتِهَا، فَهَلْ يَصِحُّ عَقْدُ أَئِمَّةِ الْقُرَى لَهُمْ مُطْلَقًا لِمَنْ لَهَا وَلِيٌّ وَلِمَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ؟ وَرُبَّمَا كَانَ
(3/174)

أَئِمَّةٌ لَيْسَ لَهُمْ إذْنٌ مِنْ مُتَوَلٍّ، فَهَلْ يَصِحُّ عَقْدُهُمْ فِي الشَّرْعِ مَعَ إشْهَادِ مَنْ اتَّفَقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْعُقُودِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ عَلَى الْأَئِمَّةِ إثْمٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ مَانِعٌ غَيْرُ هَذَا الْحَالِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ إذْنِ الْحَاكِمِ لِلْإِمَامِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا مَنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ مِنْ النَّسَبِ، وَهُوَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ، أَوْ الْوَلَاءِ مِثْلُ: أَبِيهَا، وَجَدِّهَا، وَأَخِيهَا، وَعَمِّهَا، وَابْنِ أَخِيهَا، وَابْنِ عَمِّهَا، وَعَمِّ أَبِيهَا، وَابْنِ عَمِّ أَبِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَقَةً فَمُعْتِقُهَا أَوْ عَصَبَةُ مُعْتِقِهَا، فَهَذِهِ يُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ بِإِذْنِهَا، وَالِابْنُ وَلِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا كَانَ النِّكَاحُ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدَانِ مُعَدَّلَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي بِأَنْ كَانَا مَسْتُورَيْنِ صَحَّ النِّكَاحُ إذَا أَعْلَنُوهُ وَلَمْ يَكْتُمُوهُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ فَاسِقَيْنِ صَحَّ النِّكَاحُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، بَلْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا، وَشَاعَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ صَحَّ النِّكَاحُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا يُزَوِّجُونَ النِّسَاءَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُمْ بِالْإِشْهَادِ. وَلَيْسَ فِي اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا فِي الصِّحَاحِ وَلَا فِي السُّنَنِ وَلَا الْمُسْنَدِ.
وَأَمَّا مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَحَلَّةِ نَائِبُ حَاكِمٍ زَوَّجَهَا هُوَ وَأَمِيرُ الْأَعْرَابِ، وَرَئِيسُ الْقَرْيَةِ. وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ إمَامٌ مُطَاعٌ زَوَّجَهَا أَيْضًا بِإِذْنِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ امْرَأَة تُطْعِمُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِحُكْمِ أَنَّهَا تَتْعَبُ فِيهِ]
527 - 129 - مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ تُطْعِمُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِحُكْمِ أَنَّهَا تَتْعَبُ فِيهِ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى، تُطْعِمُ بِالْمَعْرُوفِ، مِثْلِ: الْخُبْزِ، وَالطَّبِيخِ، وَالْفَاكِهَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِطْعَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/175)

[مَسْأَلَةٌ نِكَاحُ الزَّانِيَةِ]
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " نِكَاحُ الزَّانِيَةِ " حَرَامٌ حَتَّى تَتُوبَ، سَوَاءٌ كَانَ زَنَى بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ؛ لَكِنْ مَالِكٌ يَشْتَرِطُ الِاسْتِبْرَاءَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا؛ لَكِنْ إذَا كَانَتْ حَامِلًا لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ، وَالشَّافِعِيُّ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي غَيْرُ مُحْتَرَمٍ، وَحُكْمُهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ. هَذَا مَأْخَذُهُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَامِلِ وَغَيْرِ الْحَامِلِ؛ فَإِنَّ الْحَامِلَ إذَا وَطِئَهَا اسْتَلْحَقَ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ قَطْعًا؛ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَامِلِ.
وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ يَشْتَرِطَانِ " الِاسْتِبْرَاءَ " وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لَكِنْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ يَشْتَرِطَانِ الِاسْتِبْرَاءَ بِحَيْضَةٍ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ هِيَ الَّتِي عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ فَقَطْ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ، وَلَيْسَتْ أَعْظَمَ مِنْ الْمُسْتَبْرَأَةِ الَّتِي يَلْحَقُ وَلَدُهَا سَيِّدَهَا، وَتِلْكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ، فَهَذِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ قَدَّرَ أَنَّهَا حُرَّةٌ - كَاَلَّتِي أُعْتِقَتْ بَعْدَ وَطْءِ سَيِّدِهَا وَأُرِيدَ تَزْوِيجُهَا إمَّا مِنْ الْمُعْتِقِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ - فَإِنَّ هَذِهِ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا. وَهَذِهِ الزَّانِيَةُ لَيْسَتْ كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ الَّتِي يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِالْوَاطِئِ؛ مَعَ أَنَّ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ عَلَى تِلْكَ نِزَاعًا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَصَرِيحِ السُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ: أَنَّ " الْمُخْتَلِعَةَ " لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ؛ لَا عِدَّةَ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ.
وَذَكَرَ مَكِّيٌّ: أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإِذَا كَانَتْ الْمُخْتَلِعَةُ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ بَلْ الِاسْتِبْرَاءُ -
(3/176)

وَيُسَمَّى الِاسْتِبْرَاءُ عِدَّةً - فَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ أَوْلَى، وَالزَّانِيَةُ أَوْلَى.
وَأَيْضًا " فَالْمُهَاجِرَةُ " مِنْ دَارِ الْكُفْرِ كَالْمُمْتَحَنَةِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10] الْآيَةَ. قَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الْحَدِيثَ الْمَأْثُورَ فِيهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ، مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً؛ لَكِنْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِهَا وَاخْتِيَارِهَا فِرَاقَهُ؛ لَا بِطَلَاقٍ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] فَكَانُوا إذَا سَبَوْا الْمَرْأَةَ أُبِيحَتْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْمَسْبِيَّةُ لَيْسَ عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَقَدْ يُسَمَّى ذَلِكَ عِدَّةً.
وَفِي السُّنَنِ فِي حَدِيثِ «بَرِيرَةَ لَمَّا أُعْتِقَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ تَعْتَدَّ» فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَابْنِ حَزْمٍ: إنَّ مَنْ لَيْسَتْ بِمُطَلَّقَةٍ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ إلَّا هَذِهِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ لَفْظَ " تَعْتَدُّ " فِي كَلَامِهِمْ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ، كَمَا ذَكَرْنَا هَذِهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ» فَقَالَ كَذَا، لَكِنَّ هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ.
أَمَّا " أَوَّلًا " فَإِنَّ عَائِشَةَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ الْعِدَّةَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ، وَأَنَّهَا إذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ حَلَّتْ، فَكَيْفَ تَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ؟ ، وَالنِّزَاعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إلَى الْيَوْمِ فِي الْعِدَّةِ: هَلْ هِيَ ثَلَاثُ حِيَضٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ؟ وَمَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَلَوْ كَانَ لِهَذَا أَصْلٌ عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً.

ثُمَّ هَذِهِ سُنَّةٌ عَظِيمَةٌ تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ " أَحَدُهُمَا " أَنَّ الْمُعْتَقَةَ تَحْتَ عَبْدٍ تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. " وَالثَّانِي " أَنَّ الْعِدَّةَ ثَلَاثُ حِيَضٍ. وَأَيْضًا فَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمُعْتَقَةَ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا كَانَ ذَلِكَ طَلْقَةً بَائِنَةً كَقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْعِدَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ طَلَاقٍ؛ لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا
(3/177)

يَكُونُ إلَّا رَجْعِيًّا، وَأَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ مُبَايِنَةٌ فَلَيْسَتْ مِنْ الطَّلْقَاتِ الثُّلَاثِ حَتَّى الْخُلْعُ، كَمَا قَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ فِي " نِكَاحِ الزَّانِيَةِ " وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ " إحْدَاهُمَا " فِي اسْتِبْرَائِهَا، وَهُوَ عِدَّتُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا حُرْمَةَ لِمَاءِ الزَّانِي. يُقَالُ لَهُ: الِاسْتِبْرَاءُ لَمْ يَكُنْ لِحُرْمَةِ مَاءِ الْأَوَّلِ؛ بَلْ لِحُرْمَةِ مَاءِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا وَكَانَتْ قَدْ عَلِقَتْ مِنْ الزَّانِي.

وَأَيْضًا فَفِي اسْتِلْحَاقِ الزَّانِي وَلَدَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَجَعَلَ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ؛ دُونَ الْعَاهِرِ. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ، وَعُمَرُ أَلْحَقَ أَوْلَادًا وُلِدُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِآبَائِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
" وَالثَّانِيَةُ " أَنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَتُوبَ؛ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ؛ وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ آيَةُ النُّورِ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] وَفِي السُّنَنِ حَدِيثُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ فِي عِنَاقٍ. وَاَلَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرُوا لَهَا تَأْوِيلًا وَنَسْخًا، أَمَّا التَّأْوِيلُ: فَقَالُوا الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ، وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ فَسَادُهُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ.
أَمَّا " أَوَّلًا " فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَفْظُ نِكَاحٍ إلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعَقْدُ، وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ الْوَطْءُ أَيْضًا. فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مُجَرَّدُ الْوَطْءِ فَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَطُّ.
(3/178)

وَثَانِيهَا " أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ اسْتِفْتَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّزَوُّجِ بِزَانِيَةٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبُ النُّزُولِ خَارِجًا مِنْ اللَّفْظِ،؟ "
الثَّالِثُ " إنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الزَّانِي لَا يَطَأُ إلَّا زَانِيَةً، أَوْ الزَّانِيَةُ لَا يَطَؤُهَا إلَّا زَانٍ، كَقَوْلِهِ: الْآكِلُ لَا يَأْكُلُ إلَّا مَأْكُولًا، وَالْمَأْكُولُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا آكِلٌ، وَالزَّوْجُ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِزَوْجَةٍ، وَالزَّوْجَةُ لَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا زَوْجٌ؛ وَهَذَا كَلَامٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ اللَّهِ.
" الرَّابِعُ " أَنَّ الزَّانِيَ قَدْ يَسْتَكْرِهُ امْرَأَةً فَيَطَؤُهَا فَيَكُونُ زَانِيًا وَلَا تَكُونُ زَانِيَةً، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ قَدْ تَزْنِي بِنَائِمٍ وَمُكْرَهٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا يَكُونُ زَانِيًا.
" الْخَامِسُ " أَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَا قَدْ عَلِمَهُ الْمُسْلِمُونَ بِآيَاتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَتَحْرِيمُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُنَزَّلَ هَذِهِ الْآيَةُ بِتَحْرِيمِهِ.
" السَّادِسُ " قَالَ: {لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] " فَلَوْ أُرِيدَ الْوَطْءُ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى ذِكْرِ الْمُشْرِكِ فَإِنَّهُ زَانٍ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكَةُ إذَا زَنَى بِهَا رَجُلٌ فَهِيَ زَانِيَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْسِيمِ.
" السَّابِعُ " أَنَّهُ قَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى أَنْ يَذْكُرَ تَحْرِيمَ الزِّنَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ ، وَأَمَّا " النَّسْخُ " فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَائِفَةٌ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] .
وَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَنْسَخُهَا، فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ قَالُوا: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا زَعَمَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَغَيْرُهُ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْسَخُ النُّصُوصَ كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ مَضْمُونُهُ أَنَّ الْأَمَةَ يَجُوزُ لَهَا تَبْدِيلُ دِينِهَا بَعْدَ نَبِيِّهَا، وَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى: أُبِيحَ لِعُلَمَائِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا مِنْ شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ مَا يَرَوْنَهُ؛ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِمَّنْ يَظُنُّ الْإِجْمَاعَ مَنْ يَقُولُ: الْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى نَصٍّ نَاسِخٍ لَمْ يَبْلُغْنَا؛ وَلَا حَدِيثَ إجْمَاعٍ فِي خِلَافِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَكُلُّ مَنْ عَارَضَ نَصًّا بِإِجْمَاعٍ وَادَّعَى نَسْخَهُ
(3/179)

مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَبَيَّنَ أَنَّ النُّصُوصَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِنَصٍّ بَاقٍ مَحْفُوظٍ عِنْدَ الْأُمَّةِ. وَعِلْمُهَا بِالنَّاسِخِ الَّذِي الْعَمَلُ بِهِ أَهَمُّ عِنْدَهَا مِنْ عِلْمِهَا بِالْمَنْسُوخِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَحِفْظُ اللَّهِ النُّصُوصَ النَّاسِخَةَ أَوْلَى مِنْ حِفْظِهِ الْمَنْسُوخَةَ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ فَإِنَّ كَوْنَهَا زَانِيَةً وَصْفٌ عَارِضٌ لَهَا، يُوجِبُ تَحْرِيمًا عَارِضًا: مِثْلُ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً، وَمُعْتَدَّةً، وَمَنْكُوحَةً لِلْغَيْرِ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ إلَى غَايَةٍ، وَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ لَكَانَتْ كَالْوَثَنِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تَحْرُمُ الْمَرْأَةُ مُطْلَقًا أَوْ مُؤَقَّتًا؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِنْكَاحِ الْأَيَامَى مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ؛ وَهُوَ أَمْرٌ بِإِنْكَاحِهِنَّ بِالشُّرُوطِ الَّتِي بَيَّنَهَا وَكَمَا أَنَّهَا لَا تُنْكَحُ فِي الْعِدَّةِ وَالْإِحْرَامِ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَتُوبَ.
وَقَدْ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: «إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ. فَقَالَ طَلِّقْهَا. فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا. قَالَ: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» . الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ فِي مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُؤَوِّلُ " اللَّامِسَ " بِطَالِبِ الْمَالِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. لَكِنَّ لَفْظَ " اللَّامِسِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَنْ مَسَّهَا بِيَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا فَإِنَّ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَكُونُ فِيهَا تَبَرُّجٌ، وَإِذَا نَظَرَ إلَيْهَا رَجُلٌ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لَمْ تَنْفِر عَنْهُ، وَلَا تُمَكِّنُهُ مِنْ وَطْئِهَا.
وَمِثْلُ هَذَا نِكَاحُهَا مَكْرُوهٌ؛ وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُحِبُّهَا، فَإِنَّ هَذِهِ لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنَّهَا مُذْنِبَةٌ بِبَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ؛ فَجَعَلَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ فَقَطْ. وَلَفْظُ " اللَّمْسِ، وَالْمُلَامَسَةِ " إذَا عُنِيَ بِهِمَا الْجِمَاعُ لَا يُخَصُّ بِالْيَدِ، بَلْ إذَا قُرِنَ بِالْيَدِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] .
(3/180)

وَأَيْضًا فَاَلَّتِي تَزْنِي بَعْدَ النِّكَاحِ لَيْسَتْ كَاَلَّتِي تَتَزَوَّجُ وَهِيَ زَانِيَةٌ؛ فَإِنَّ دَوَامَ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ ابْتِدَائِهِ. وَالْإِحْرَامُ وَالْعِدَّةُ تَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ دُونَ الدَّوَامِ فَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهُ قَامَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يَجِبُ فِرَاقُهَا، لَكَانَ الزِّنَا كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ دُونَ الدَّوَامِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] ؟ قِيلَ: الْمُتَزَوِّجُ بِهَا إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ زَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا فَهُوَ كَافِرٌ. فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ تَحْرِيمِ هَذَا وَفِعْلِهِ فَهُوَ زَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ مُشْرِكٌ، كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ الْبَغَايَا. يَقُولُ: فَإِنْ تَزَوَّجْتُمْ بِهِنَّ كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَأَنْتُمْ مُشْرِكُونَ، وَإِنْ اعْتَقَدْتُمْ التَّحْرِيمَ فَأَنْتُمْ زُنَاةٌ. لِأَنَّ هَذِهِ تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا غَيْرَ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا، فَيَبْقَى الزَّوْجُ يَطَؤُهَا كَمَا يَطَؤُهَا أُولَئِكَ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ اشْتَرَكَ فِي وَطْئِهَا رَجُلَانِ فَهِيَ زَانِيَةٌ، فَإِنَّ الْفُرُوجَ لَا تَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ، بَلْ لَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ إلَّا مُحْصَنَةً.

وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُتَزَوِّجُ بِالزَّانِيَةِ زَانِيًا كَانَ مَذْمُومًا عِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ أَعْظَمُ مِمَّا يُذَمُّ الَّذِي يَزْنِي بِنِسَاءِ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَقُولُ فِي " الشَّتْمَةِ ": سَبَّهُ بِالزَّايِ وَالْقَافِ. أَيْ قَالَ: يَا زَوْجَ الْقَحْبَةِ، فَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَتَشَاتَمُ بِهِ النَّاسُ، لِمَا قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُبْحِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُبَاحًا؟ ، وَلِهَذَا كَانَ قَذْفُ الْمَرْأَةِ طَعْنًا فِي زَوْجِهَا، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِبَغِيٍّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَعْنًا فِي الزَّوْجِ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ. فَاَللَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا كَافِرَةً، وَلَمْ يُبَحْ تَزَوُّجُ الْبَغِيِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُفْسِدُ مَقْصُودَ النِّكَاحِ؛ بِخِلَافِ الْكَافِرَةِ، وَلِهَذَا أَبَاحَ اللَّهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُلَاعِنَ مَكَانَ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ إذَا زَنَتْ امْرَأَتُهُ وَأُسْقِطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِلِعَانِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ» .
وَاَلَّذِي يَتَزَوَّجُ بِبَغِيٍّ هُوَ دَيُّوثٌ، وَهَذَا مِمَّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَمِّهِ وَعَيْبِهِ بِذَلِكَ جَمِيعَ
(3/181)

عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهُمْ يَذُمُّ مَنْ تَكُونُ امْرَأَتُهُ بَغِيًّا، وَيُشْتَمُ بِذَلِكَ، وَيُعَيَّرُ بِهِ فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلَى شَرْعِ الْإِسْلَامِ إبَاحَةُ ذَلِكَ،؟ وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَضْلًا عَنْ أَفْضَلِ الشَّرَائِعِ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ الشَّرِيعَةُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي إذَا تَصَوَّرَهُ الْمُؤْمِنُ وَلَوَازِمَهُ اسْتَعْظَمَ أَنْ يُضَافَ مِثْلُ هَذَا إلَى الشَّرِيعَةِ، وَرَأَى أَنَّ تَنْزِيهَهَا عَنْهُ أَعْظَمُ مِنْ تَنْزِيهِ عَائِشَةَ عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ الْإِفْكِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا لَمْ يُفَارِقْ عَائِشَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ مَا قِيلَ أَوَّلًا، وَلَمَّا حَصَلَ لَهُ الشَّكُّ اسْتَشَارَ عَلِيًّا، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَسَأَلَ الْجَارِيَةَ؛ لِيَنْظُرَ إنْ كَانَ حَقًّا فَارَقَهَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا مِنْ السَّمَاءِ، فَذَلِكَ الَّذِي ثَبَتَ نِكَاحُهَا. وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ: إنَّهُ يَجُوزُ إمْسَاكُ بَغِيٍّ.
وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقْصِدُونَ بِالْكَلَامِ فِيهَا الطَّعْنَ فِي الرَّسُولِ، وَلَوْ جَازَ التَّزَوُّجُ بِبَغِيٍّ لَقَالَ: هَذَا لَا حَرَجَ عَلَيَّ فِيهِ، كَمَا كَانَ النِّسَاءُ أَحْيَانًا يُؤْذِينَهُ حَتَّى يَهْجُرَهُنَّ، فَلَيْسَ ذُنُوبُ الْمَرْأَةِ طَعْنًا؛ بِخِلَافِ بِغَائِهَا فَإِنَّهُ طَعَنَ فِيهِ عِنْدَ النَّاسِ قَاطِبَةً، لَيْسَ أَحَدٌ يَدْفَعُ الذَّمَّ عَمَّنْ تَزَوَّجَ بِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا بَغِيَّةٌ مُقِيمَةٌ عَلَى الْبِغَاءِ، وَلِهَذَا تَوَسَّلَ الْمُنَافِقُونَ إلَى الطَّعْنِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا مِنْ السَّمَاءِ، وَقَدْ كَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ ، وَاَللَّهِ مَا عَلِمْت عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا فَقَامَ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - فَقَالَ: أَنَّا أَعْذُرُك مِنْهُ: إنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْت عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَك، فَأَخَذَتْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ غَيْرَةٌ - قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ امْرَأً صَالِحًا؛ وَلَكِنْ أَخَذَتْهُ حَمِيَّةٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ أُبَيٍّ كَانَ كَبِيرَ قَوْمِهِ - فَقَالَ كَذَبْت لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلْهُ، وَلَا تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ: فَقَالَ: كَذَبْت، لَعَمْرُ اللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ. وَثَارَ الْحَيَّانِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَجَعَلَ يُسَكِّنُهُمْ» . فَلَوْلَا أَنَّ مَا قِيلَ فِي عَائِشَةَ طَعَنَ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَطْلُبْ الْمُؤْمِنُونَ قَتْلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ لِقَذْفِهِ لِامْرَأَتِهِ
(3/182)

وَلِهَذَا كَانَ مَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْتَلُ. لِأَنَّهُ قَدَحَ فِي نَسَبِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَذَفَ نِسَاءَهُ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدَحَ فِي دِينِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بَرَاءَتَهَا، وَأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّاتِي لَمْ يُفَارِقْهُنَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَتَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُومَةِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ فِيمَنْ طَلَّقَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ " فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
" أَحَدُهَا ": أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
" وَالثَّانِي ": أَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
" وَالثَّالِثُ ": يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَيَّرَ نِسَاءَهُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفِرَاقِ وَكَانَ الْمَقْصُودُ لِمَنْ فَارَقَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ. فَلَوْ كَانَ هَذَا مُبَاحًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي دِينِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى كَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ يُحَرِّمُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ قَدْ أَبَاحَ مِثْلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ - الَّذِينَ لَا رَيْبَ فِي عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَعُلُوِّ قَدْرِهِمْ - بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ تَأَوَّلُوهُ اُحْتِيجَ إلَى الْبَسْطِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ: يَكُونُ الْقَوْلُ ضَعِيفًا جِدًّا، وَقَدْ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَسَادَاتِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ الْعِصْمَةَ عِنْدَ تَنَازُعِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا فِي الرَّدِّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَلَى الْهَوَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3] ؟ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ الَّذِي لَمْ يَتُبْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَفِيفَةً، كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَطَأُ هَذِهِ وَهَذِهِ وَهَذِهِ كَمَا كَانَ: كَانَ وَطْؤُهُ لِهَذِهِ مِنْ جِنْسِ وَطْئِهِ لِغَيْرِهَا مِنْ الزَّوَانِي، وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاجِرٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا.
" وَأَيْضًا " فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَزْنِي بِنِسَاءِ النَّاسِ كَانَ هَذَا مِمَّا يَدْعُو الْمَرْأَةَ إلَى أَنْ تُمَكِّنَ مِنْهَا غَيْرَهُ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا، فَلَمْ أَرَ مَنْ يَزْنِي بِنِسَاءِ النَّاسِ أَوْ ذَكَرَ أَنْ إلَّا فَيَحْمِلُ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ تَزْنِيَ بِغَيْرِهِ مُقَابَلَةً عَلَى ذَلِكَ وَمُغَايَظَةً.
(3/183)

" وَأَيْضًا " فَإِذَا كَانَ عَادَتُهُ الزِّنَا اسْتَغْنَى بِالْبَغَايَا، فَلَمْ يَكْفِ امْرَأَتُهُ فِي الْإِعْفَافِ، فَتَحْتَاجُ إلَى الزِّنَا.
" وَأَيْضًا " فَإِذَا زَنَى بِنِسَاءِ النَّاسِ طَلَبَ النَّاسُ أَنْ يَزْنُوا بِنِسَائِهِ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَامْرَأَةُ الزَّانِي تَصِيرُ زَانِيَةً مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ اسْتَحَلَّتْ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ كَانَتْ مُشْرِكَةً؛ وَإِنْ لَمْ تَزْنِ بِفَرْجِهَا زَنَتْ بِعَيْنِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَكَادُ يُعْرَفُ فِي نِسَاءِ الرِّجَالِ الزُّنَاةِ الْمُصِرِّينَ عَلَى الزِّنَا الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنْهُ امْرَأَةٌ سَلِيمَةٌ سَلَامَةً تَامَّةً، وَطَبْعُ الْمَرْأَةِ يَدْعُو إلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ إذَا رَأَتْ زَوْجَهَا يَذْهَبُ إلَى النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «بَرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَعِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ» . فَقَوْلُهُ: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً} [النور: 3] إمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ نَفْسَ نِكَاحِهِ وَوَطْئِهِ لَهَا زِنًا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى زِنَاهَا. وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَنَفْسُ وَطْئِهَا مَعَ إصْرَارِهَا عَلَى الزِّنَا زِنًا.
وَكَذَلِكَ { {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} [المائدة: 5] : الْحَرَائِرُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُنَّ الْعَفَائِفُ. فَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ الْمُحْصَنَاتُ بِالْحَرَائِرِ. وَبِالْعَفَائِفِ وَهَذَا حَقٌّ. فَنَقُولُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] ، {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [المائدة: 5] . " الْمُحْصَنَاتُ " قَدْ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هُنَّ الْعَفَائِفُ. هَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُنَّ الْحَرَائِرُ.
وَلَفْظُ (الْمُحْصَنَاتُ) إنْ أُرِيدَ بِهِ " الْحَرَائِرُ " فَالْعِفَّةُ دَاخِلَةٌ فِي الْإِحْصَانِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْمُحْصَنَةِ هِيَ الْعَفِيفَةُ الَّتِي أُحْصِنَ فَرْجُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 23]
(3/184)

وَهُنَّ الْعَفَائِفُ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ.
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
ثُمَّ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الْحُرَّةَ عِنْدَهُمْ لَا تُعْرَفُ بِالزِّنَا؛ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالزِّنَا الْإِمَاءُ وَلِهَذَا «لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى أَنْ لَا تَزْنِيَ قَالَتْ: أَوَتَزْنِي الْحُرَّةُ؟» ، فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ.
وَالْحُرَّةُ خِلَافُ الْأَمَةِ صَارَتْ فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْحُرَّةَ هِيَ الْعَفِيفَةُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ أَمَةً كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِفَّةِ، وَصَارَ لَفْظُ الْإِحْصَانِ يَتَنَاوَلُ الْحُرِّيَّةَ مَعَ الْعِفَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَاءَ لَمْ تَكُنْ عَفَائِفَ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ هُوَ يَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ زَوْجُهَا يُحْصِنُهَا، لِأَنَّهَا تَسْتَكْفِي بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَغَارُ عَلَيْهَا. فَصَارَ لَفْظُ " الْإِحْصَانِ " يَتَنَاوَلُ: الْإِسْلَامَ، وَالْحُرِّيَّةَ، وَالنِّكَاحَ. وَأَصْلُهُ إنَّمَا هُوَ الْعِفَّةُ؛ فَإِنَّ الْعَفِيفَةَ هِيَ الَّتِي أُحْصِنَ فَرْجُهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا، كَالْمُحْصَنِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ، " وَالْبَغَايَا " لَسْنَ مُحْصَنَاتٍ: فَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ نِكَاحَهُنَّ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] وَالْمُسَافِحُ الزَّانِي الَّذِي يَسْفَحُ مَاءَهُ مَعَ هَذِهِ وَهَذِهِ وَكَذَلِكَ الْمُسَافِحَةُ وَالْمُتَّخِذَةُ الْخِدْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ صَدِيقَةٌ يَزْنِي بِهَا دُونَ غَيْرِهِ فَشَرْطٌ فِي الْحِلِّ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ غَيْرَ مُسَافِحٍ، وَلَا مُتَّخِذَ خِدْنٍ. فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَغِيًّا وَتُسَافِحُ هَذَا وَهَذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا مُحْصِنًا لَهَا عَنْ غَيْرِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ مُحْصِنًا لَهَا كَانَتْ مُحْصَنَةً، وَإِذَا كَانَتْ مُسَافِحَةً لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً. وَاَللَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ النِّكَاحَ إذَا كَانَ الرِّجَالُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وَإِذَا شُرِطَ فِيهِ أَنْ لَا يَزْنِيَ بِغَيْرِهَا - فَلَا يَسْفَحُ مَاءَهُ مَعَ غَيْرِهَا - كَانَ أَبْلَغَ، وَأَبْلَغُ.
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: " السِّفَاحُ " الزِّنَا. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (مُحْصِنِينَ) أَيْ مُتَزَوِّجِينَ (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) قَالَ: وَأَصْلُهُ مِنْ سَفَحْت الْقِرْبَةَ إذَا صَبَبْتهَا. فَسَمَّى " الزِّنَا " سِفَاحًا؛ لِأَنَّهُ يَصُبُّ النُّطْفَةَ، وَتَصُبُّ الْمَرْأَةُ النُّطْفَةَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: " السِّفَاحُ " صَبُّ الْمَاءِ بِلَا عَقْدٍ وَلَا نِكَاحٍ، فَهِيَ الَّتِي تَسْفَحُ مَاءَهَا.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: (مُحْصِنِينَ) أَيْ عَاقِدِينَ التَّزَوُّجَ.
(3/185)

وَقَالَ غَيْرُهُمَا: مُتَعَفِّفِينَ غَيْرَ زَانِينَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي النِّسَاءِ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24] . فَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ بِكَسْرِ الصَّادِ. {وَالْمُحْصِنُ " هُوَ الَّذِي يُحْصِنُ غَيْرَهُ؛ لَيْسَ هُوَ الْمُحْصَنُ بِالْفَتْحِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الْحَدِّ. فَلَمْ يُبَحْ إلَّا تَزَوُّجُ مَنْ يَكُونُ مُحْصِنًا لِلْمَرْأَةِ غَيْرَ مُسَافِحٍ وَمَنْ تَزَوَّجَ بِبَغِيٍّ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الْبِغَاءِ وَلَمْ يُحْصِنْهَا مِنْ غَيْرِهِ - بَلْ هِيَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ النِّكَاحِ تَبْغِي مَعَ غَيْرِهِ - فَهُوَ مُسَافِحٌ بِهَا لَا مُحْصِنٌ لَهَا. وَهَذَا حَرَامٌ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إنَّك تَبْتَغِي بِمَالِك النِّكَاحَ لَا تَبْتَغِي بِهِ السِّفَاحَ فَتُعْطِيهَا الْمَهْرَ عَلَى أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَك لَيْسَ لِغَيْرِك فِيهَا حَقٌّ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَيْتهَا عَلَى أَنَّهَا مُسَافِحَةٌ لِمَنْ تُرِيدُ، وَإِنَّهَا صَدِيقَةٌ لَك تَزْنِي بِك دُونَ غَيْرِك فَهَذَا حَرَامٌ؟ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ النِّكَاحُ مَقْصُودُهُ أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ؛ لَا لِغَيْرِهِ، وَهِيَ لَمْ تَتُبْ مِنْ الزِّنَا: لَمْ تَكُنْ مُوفِيَةً بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ يُحْصِنُهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَيُسْكِنُهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الزِّنَا؟ قِيلَ: أَمَّا إذَا أَحْصَنَهَا بِالْقَهْرِ فَلَيْسَ هُوَ بِمِثْلِ الَّذِي يُمَكِّنُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الرِّجَالِ، وَدُخُولِ الرِّجَالِ إلَيْهَا؛ لَكِنْ قَدْ عُرِفَ بِالْعَادَاتِ وَالتَّجَارِبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَهَا إرَادَةٌ فِي غَيْرِ الزَّوْجِ احْتَالَتْ إلَى ذَلِكَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَتُخْفِي عَلَى الزَّوْجِ، وَرُبَّمَا أَفْسَدَتْ عَقْلَ الزَّوْجِ بِمَا تُطْعِمُهُ، وَرُبَّمَا سَحَرَتْهُ أَيْضًا، وَهَذَا كَثِيرٌ مَوْجُودٌ: رِجَالٌ أَطْعَمَهُمْ نِسَاؤُهُمْ، وَسَحَرَتْهُمْ نِسَاؤُهُمْ، حَتَّى يُمْكِنَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَفْعَلَ مَا شَاءَتْ؛ وَقَدْ يَكُونُ قَصْدُهَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَذْهَبَ هُوَ إلَى غَيْرِهَا: فَهِيَ تَقْصِدُ مَنْعَهُ مِنْ الْحَلَالِ، أَوْ مِنْ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ.
وَقَدْ تَقْصِدُ أَنْ يُمْكِنَهَا أَنْ تَفْعَلَ مَا شَاءَتْ فَلَا يَبْقَى مُحْصِنًا لَهَا قَوَّامًا عَلَيْهَا؛ بَلْ تَبْقَى هِيَ الْحَاكِمَةُ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَوْجُودًا فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ وَلَمْ تَكُنْ بَغِيًّا: فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَتْ بَغِيًّا؟ ، وَالْحِكَايَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَيَا لَيْتَهَا مَعَ التَّوْبَةِ يَلْزَمُ مَعَهُ دَوَامُ التَّوْبَةِ: فَهَذَا إذَا أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُهَا، وَقِيلَ لَهُ: أَحْصِنْهَا، وَاحْتَفِظْ أَمْكَنَ ذَلِكَ. أَمَّا بِدُونِ التَّوْبَةِ فَهَذَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ.
(3/186)

وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي تَوْبَتِهَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُرَاوِدُهَا عَلَى نَفْسِهَا. فَإِنْ أَجَابَتْهُ كَمَا كَانَتْ تُجِيبُهُ لَمْ تَتُبْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يُرَاوِدُهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَابَتْ فَإِذَا رَاوَدَهَا نَقَضَتْ التَّوْبَةُ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ إذَا رَاوَدَهَا أَنْ يَقَعَ فِي ذَنْبٍ مَعَهَا. وَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا امْتِحَانَهَا قَالُوا: لَا يُعْرَفُ صِدْقُ تَوْبَتِهَا بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10] " وَالْمُهَاجِرُ " قَدْ يَتَنَاوَلُ التَّائِبَ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ» فَهَذِهِ إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا هَجَرَتْ السُّوءَ اُمْتُحِنَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ صِدْقُ تَوْبَتِهَا.

وقَوْله تَعَالَى: {وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] حَرُمَ بِهِ أَنْ يَتَّخِذَ صَدِيقَةً فِي السِّرِّ تَزْنِي مَعَهُ لَا مَعَ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي آيَةِ الْإِمَاءِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] فَذَكَرَ فِي {الْإِمَاءِ} مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ، وَأَمَّا " الْحَرَائِرُ " فَاشْتُرِطَ فِيهِنَّ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وَذَكَرَ فِي الْمَائِدَةِ {وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] لَمَّا ذَكَرَ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِي النِّسَاءِ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا غَيْرَ مُسَافِحِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَاءَ كُنَّ مَعْرُوفَاتٍ بِالزِّنَا دُونَ الْحَرَائِرِ، فَاشْتُرِطَ فِي نِكَاحِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي تَبْغِي لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا إلَّا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُحْصَنَةٌ يُحْصِنُهَا زَوْجُهَا، فَلَا تُسَافِحُ الرِّجَالَ وَلَا تَتَّخِذُ صَدِيقًا.
وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْأُمُورِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْفَاجِرَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
(3/187)

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (مُحْصَنَاتٍ) عَفَائِفَ غَيْرَ زَوَانٍ (وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) يَعْنِي أَخِلَّاءَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ الزِّنَا وَيَسْتَحِلُّونَ مَا خَفِيَ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: " الْمُسَافِحَاتُ " الْمُعْلِنَاتُ بِالزِّنَا " وَالْمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ " ذَوَاتُ الْخَلِيلِ الْوَاحِدِ. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَتَّخِذُ صَدِيقًا تَزْنِي مَعَهُ وَلَا تَزْنِي مَعَ غَيْرِهِ. فَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ الْمُحْصَنَاتِ بِالْعَفَائِفِ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا، وَذَكَرُوا أَنَّ الزِّنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ نَوْعَيْنِ: نَوْعًا مُشْتَرَكًا، وَنَوْعًا مُخْتَصًّا. وَالْمُشْتَرَكُ مَا يَظْهَرُ فِي الْعَادَةِ؛ بِخِلَافِ الْمُخْتَصِّ فَإِنَّهُ مُسْتَتِرٌ فِي الْعَادَةِ. وَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الْمُخْتَصَّ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالنِّكَاحِ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ تَخْتَصُّ فِيهِ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ: وَجَبَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْ اتِّخَاذِ الْأَخْدَانِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ إذَا كَانَ يَزْنِي بِهَا وَحْدَهَا لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهَا [لَمْ يَطَأْهَا غَيْرُهُ] وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَلِدُهُ مِنْهُ، وَلَا يُثْبِتُ لَهَا خَصَائِصَ النِّكَاحِ.
فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى " نِكَاحِ السِّرِّ " فَإِنَّ نِكَاحَ السِّرِّ مِنْ جِنْسِ اتِّخَاذِ الْأَخْدَانِ شَبِيهٌ بِهِ، لَا سِيَّمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا ذَلِكَ: فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَتَّخِذُ صَدِيقَةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ هَذَا، فَلَا يَشَاءُ مَنْ يَزْنِي بِامْرَأَةٍ صَدِيقَةٍ لَهُ إلَّا قَالَ: تَزَوَّجْتهَا. وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ تَزَوَّجَ فِي السِّرِّ: إنَّهُ يَزْنِي بِهَا إلَّا قَالَ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَرْقٌ مُبَيَّنٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] فَإِذَا ظَهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَدْ أَحْصَنَهَا تَمَيَّزَتْ عَنْ الْمُسَافِحَاتِ وَالْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا، وَإِذَا كَانَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَذْهَبَ إلَى الْأَجَانِبِ لَمْ تَتَمَيَّزْ الْمُحْصَنَاتُ، كَمَا أَنَّهُ إذَا كَتَمَ نِكَاحَهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ لَمْ تَتَمَيَّزْ مِنْ الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ هَذَا عَنْ هَذَا، فَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِعْلَانُ فَقَطْ سَوَاءٌ أَشَهِدَ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ. وَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِشْهَادُ سَوَاءٌ أَعْلَنَ أَوْ لَمْ يُعْلِنْ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَمْرَانِ وَهُوَ
(3/188)

الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: يَجِبُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ عَنْ أَحْمَدَ.

وَاشْتِرَاطُ " الْإِشْهَادِ " وَحْدَهُ ضَعِيفٌ؛ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ حَدِيثٌ. وَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ دَائِمًا لَهُ شُرُوطٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا شَرْطًا كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فَتَبَيَّنَ] أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاكِحِهِمْ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ شَيْءٌ، وَلَوْ أَوْجَبَهُ لَكَانَ الْإِيجَابُ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجِبُ إظْهَارُهَا وَإِعْلَانُهَا، فَاشْتِرَاطُ الْمَهْرِ أَوْلَى؛ فَإِنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ تَقْدِيرُهُ فِي الْعَقْدِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ: وَلَمْ يُضَيِّعُوا حِفْظَ مَا لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً مِنْ مَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّ الْهِمَمَ وَالدَّوَاعِيَ تَتَوَافَرُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَأْمُرُ بِحِفْظِ ذَلِكَ. وَهُمْ قَدْ حَفِظُوا نَهْيَهُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَنِكَاحِ الْمُحَرَّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ قَلِيلًا؛ فَكَيْفَ النِّكَاحُ بِلَا إشْهَادٍ إذَا كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ حَرَّمَهُ وَأَبْطَلَهُ كَيْفَ لَا يُحْفَظُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ، بَلْ لَوْ نُقِلَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَكَانَ مَرْدُودًا عِنْدَ مَنْ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَعْظَمُ مِنْ الْبَلْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نِكَاحٍ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِشْهَادٍ؛ وَقَدْ عَقَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِشْهَادِ دُونَ غَيْرِهِ بَاطِلٌ قَطْعًا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلْإِشْهَادِ مُضْطَرِبِينَ اضْطِرَابًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأَصْلِ، فَلَيْسَ لَهُمْ قَوْلٌ يَثْبُتُ عَلَى مِعْيَارِ الشَّرْعِ، إذَا كَانَ
(3/189)

فِيهِمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تَجِبُ عِنْدَهُمْ قَدْ أَمَرَ اللَّه فِيهَا بِإِشْهَادِ ذَوَيْ الْعَدْلِ، فَكَيْفَ بِالْإِشْهَادِ الْوَاجِبِ؟ ، ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ " بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ " وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ يُؤْمَرُونَ بِهِ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي الرَّجْعَةِ، وَاَللَّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ؛ لِئَلَّا يُنْكِرَ الزَّوْجُ وَيَدُومَ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَيُفْضِيَ إلَى إقَامَتِهِ مَعَهَا حَرَامًا؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى طَلَاقٍ لَا رَجْعَةَ مَعَهُ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانٍ عَقِيبَ الْعِدَّةِ فَيَظْهَرَ الطَّلَاقُ.
وَلِهَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِمَّا يَعِيبُ بِهِ أَهْلُ الرَّأْيِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ؛ وَهُمْ أَمَرُوا بِهِ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِإِشْهَادٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ أُمِرَ فِيهِ بِالْإِعْلَانِ فَأَغْنَى إعْلَانُهُ مَعَ دَوَامِهِ عَنْ الْإِشْهَادِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، فَكَانَ هَذَا الْإِظْهَارُ الدَّائِمُ مُغْنِيًا عَنْ الْإِشْهَادِ كَالنَّسَبِ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ أَحَدًا عَلَى وِلَادَةِ امْرَأَتِهِ؛ بَلْ هَذَا يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ هَذَا فَأَغْنَى هَذَا عَنْ الْإِشْهَادِ؛ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَجْحَدُ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَانَ إعْلَانُهُ بِالْإِشْهَادِ. فَالْإِشْهَادُ قَدْ يَجِبُ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْلِنُ وَيَظْهَرُ؛ لَا لِأَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ؛ بَلْ إذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثُمَّ خَرَجَا فَتَحَدَّثَا بِذَلِكَ وَسَمِعَ النَّاسُ، أَوْ جَاءَ الشُّهُودُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَأَخْبِرُوهُمْ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا: كَانَ هَذَا كَافِيًا. وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَةُ السَّلَفِ، لَمْ يَكُونُوا يُكَلَّفُونَ إحْضَارَ شَاهِدَيْنِ، وَلَا كِتَابَةَ صَدَاقٍ.

وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِالْإِيجَابِ مِنْ اشْتِرَاطِ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ: فَهَذَا أَيْضًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ. وَقَدْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ مَنْ يَكُونُ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ قَطْعًا، فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ فِيهَا هَذَا. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ عَلَى قَوْلِهِ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ. فَقِيلَ: يُجْزِئُ فَاسِقَانِ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ مَسْتُورَانِ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: فِي الْمَذْهَبِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ. وَقِيلَ: بَلْ إنْ عَقَدَ حَاكِمٌ فَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا بِمَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ؛ بِخِلَافِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْحُكَّامَ هُمْ
(3/190)

الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَبْرُورِ وَالْمَسْتُورِ. ثُمَّ الْمَعْرُوفُ الْعَدَالَةُ عِنْدَ حَاكِمِ الْبَلَدِ: فَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: حَيْثُ يَعْقِدُونَ الْأَنْكِحَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُهُمْ. وَإِنْ اشْتَرَطُوا مَنْ يَكُونُ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ بِالْخَيْرِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَدْلِ الْمَقْبُولِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. ثُمَّ الشُّهُودُ يَمُوتُونَ وَتَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: مَقْصُودُ الشَّهَادَةِ إثْبَاتُ الْفِرَاشِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ، حِفْظًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ. فَيُقَالُ: هَذَا حَاصِلٌ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ مَعَ الْكِتْمَانِ مُطْلَقًا.
فَاَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ مَعَ الْإِعْلَانِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَانِ.
وَأَمَّا مَعَ الْكِتْمَانِ وَالْإِشْهَادِ فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ. فَهَذَا الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ. وَإِنْ خَلَا عَنْ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ: فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ. فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ خِلَافٌ فَهُوَ قَلِيلٌ. وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ ثُمَّ يُقَالُ بِمَا يُمَيَّزُ هَذَا عَنْ الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا. وَفِي الْمُشْتَرِطِينَ لِلشَّهَادَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ لَا يُعَلِّلُ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْفِرَاشِ؛ لَكِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ حُضُورَ اثْنَيْنِ تَعْظِيمًا لِلنِّكَاحِ. وَهَذَا يَعُودُ إلَى مَقْصُودِ الْإِعْلَانِ. وَإِذَا كَانَ النَّاسُ مِمَّنْ يَجْهَلُ بَعْضُهُمْ حَالَ بَعْضٍ، وَلَا يُعْرَفُ مَنْ عِنْدَهُ هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَوْ خَدِينُهُ، مِثْلُ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا النَّاسُ الْمَجَاهِيلُ: فَهَذَا قَدْ يُقَالُ: يَجِبُ الْإِشْهَادُ هُنَا.

وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَكْتُبُونَ " صَدَاقَاتٍ " لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَزَوَّجُونَ عَلَى مُؤَخَّرٍ؛ بَلْ يُعَجِّلُونَ الْمَهْرَ، وَإِنْ أَخَّرُوهُ فَهُوَ مَعْرُوفٌ؛ فَلَمَّا صَارَ النَّاسُ يَتَزَوَّجُونَ عَلَى الْمُؤَخَّرِ وَالْمُدَّةُ تَطُولُ وَيُنْسَى: صَارُوا يَكْتُبُونَ الْمُؤَخَّرَ، وَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ الصَّدَاقِ؛ وَفِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ؛ لَكِنَّ هَذَا الْإِشْهَادَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ؛ سَوَاءٌ حَضَرَ الشُّهُودُ الْعَقْدَ أَوْ جَاءُوا بَعْدَ الْعَقْدِ فَشَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ نِكَاحٌ قَدْ أُعِلْنَ، وَإِشْهَادُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاصٍ بِكِتْمَانِهِ إعْلَانٌ.

وَهَذَا بِخِلَافِ " الْوَلِيِّ " فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ عَادَةُ الصَّحَابَةِ، إنَّمَا كَانَ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ الرِّجَالُ، لَا يُعْرَفُ أَنَّ امْرَأَةً تُزَوِّجُ نَفْسَهَا. وَهَذَا مِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الْبَغِيَّ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا. لَكِنْ لَا يُكْتَفَى بِالْوَلِيِّ حَتَّى يُعْلِنَ؛ فَإِنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحْسَنًا عَلَى قَرَابَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]
(3/191)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] فَخَاطَبَ الرِّجَالَ بِإِنْكَاحِ الْأَيَامَى، كَمَا خَاطَبَهُمْ بِتَزْوِيجِ الرَّقِيقِ.

وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 221] وَقَوْلُهُ: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] . وَهَذَا الْفَرْقُ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ.
" وَأَيْضًا " فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الصَّدَاقَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يُوجِبْ الْإِشْهَادَ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ الْإِشْهَادِ: فَقَدْ أَسْقَطَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَأَوْجَبَ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ الْمَدَنِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي تَحْرِيمِهِمْ " نِكَاحَ الشِّغَارِ " وَأَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْمَهْرِ، فَحَيْثُ يَكُونُ الْمَهْرُ: فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ، وَهُوَ أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَصْرَحُهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَاخْتِيَارُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ.
وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ رُجْحَانَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ - كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ - عَلَى مَا خَالَفَهَا مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي قِيلَتْ بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النُّصُوصَ؛ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ قَالُوا بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النُّصُوصَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِمْ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَدْ فَعَلُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَاجْتَهَدُوا، وَاَللَّهُ يُثِيبُهُمْ، وَهُمْ مُطِيعُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ يُثِيبُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ: فَآجَرَهُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ؛ وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ عَلِمُوا مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ أَفْضَلَ مِمَّنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ. وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَجْرَانِ، وَأُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] .

وَمَنْ تَدَبَّرَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَهَا مُفَسِّرَةً لِأَمْرِ النِّكَاحِ، لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يَشْتَرِطُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ كَمَا اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ: أَلَّا يَكُونَ إلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَاشْتَرَطَ هَؤُلَاءِ وَطَائِفَةٌ: أَلَّا يَكُونَ إلَّا بِحَضْرَةِ
(3/192)

شَاهِدَيْنِ. ثُمَّ أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا صَحَّحُوا النِّكَاحَ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ.
ثُمَّ صَارُوا طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُصَحِّحُ " نِكَاحَ الشِّغَارِ " لِأَنَّهُ لَا مُفْسِدَ لَهُ إلَّا نَفْيُ الْمَهْرِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ عِنْدَهُمْ. وَطَائِفَةٌ تُبْطِلُهُ، وَتُعَلِّلُ ذَلِكَ بِعِلَلٍ فَاسِدَةٍ؛ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ. وَصَحَّحُوا " نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ " الَّذِي يَقْصِدُ التَّحْلِيلَ، فَكَانَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا لَفْظًا مُعَيَّنًا فِي النِّكَاحِ وَلَا إشْهَادَ شَاهِدَيْنِ مَعَ إعْلَانِهِ وَإِظْهَارِهِ، وَأَبْطَلُوا نِكَاحَ الشِّغَارِ، وَكُلَّ نِكَاحٍ نُفِيَ فِيهِ الْمَهْرُ، وَأَبْطَلُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ أَشْبَهَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ.
ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ الْحِجَازِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ وَسَّعُوا " بَابَ الطَّلَاقِ " فَأَوْقَعُوا طَلَاقَ السَّكْرَانِ، وَالطَّلَاقَ الْمَحْلُوفَ بِهِ، وَأَوْقَعَ هَؤُلَاءِ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ، وَهَؤُلَاءِ الطَّلَاقَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ فِيمَا حُلِفَ بِهِ، وَجَعَلُوا الْفُرْقَةَ الْبَائِنَةَ طَلَاقًا مَحْسُوبًا مِنْ الثَّلَاثِ، فَجَعَلُوا الْخُلْعَ طَلَاقًا بَائِنًا مَحْسُوبًا مِنْ الثَّلَاثِ. إلَى أُمُورٍ أُخْرَى وَسَّعُوا بِهَا الطَّلَاقَ الَّذِي يُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَضَيَّقُوا النِّكَاحَ الْحَلَالَ. ثُمَّ لَمَّا وَسَّعُوا الطَّلَاقَ صَارَ هَؤُلَاءِ يُوَسِّعُونَ فِي الِاحْتِيَالِ فِي عَوْدِ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا، وَهَؤُلَاءِ لَا سَبِيلَ عِنْدَهُمْ إلَى رَدِّهَا؛ فَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي آصَارٍ وَأَغْلَالٍ، وَهَؤُلَاءِ فِي خِدَاعٍ وَاحْتِيَالٍ. وَمَنْ تَأَمَّلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَآثَارَ الصَّحَابَةِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَى عَنْ هَذَا، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَنِيفَةِ السَّمْحَةِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَحَلَّ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ الْخَبَائِثَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
529 - 131 - قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: السُّنَّةُ: تَخْفِيفُ الصَّدَاقِ، وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَاتِهِ: فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا» وَعَنْ
(3/193)

الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلْزِمُوا النِّسَاءَ الرِّجَالَ، وَلَا تُغَالُوا فِي الْمُهُورِ» . «وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ: كَانَ أَوْلَاكُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَصْدُقَ الْمَرْأَةَ صَدَاقًا يَضُرُّ بِهِ إنْ نَقَدَهُ، وَيَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ إنْ كَانَ دَيْنًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوْرَاقٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلَى أَرْبَعِ أَوْرَاقٍ فَكَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عَرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيك؛ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَك فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ فَبَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. " وَالْأُوقِيَّةُ " عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَهِيَ مَجْمُوعُ الصَّدَاقِ، لَيْسَ فِيهِ مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ «تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَعِينُهُ فِي صَدَاقِهَا، فَقَالَ: كَمْ أَصَدَقْت؟ قَالَ: فَقُلْت؛ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ أَوْدِيَتِكُمْ مَا زِدْتُمْ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَإِذَا أَصْدَقَهَا دَيْنًا كَثِيرًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يُعْطِيَهَا إيَّاهُ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصَدَاقٍ يَنْوِي أَنْ لَا يُؤَدِّيَهُ إلَيْهَا فَهُوَ زَانٍ، وَمَنْ ادَّانَ دَيْنًا يَنْوِي أَنْ لَا يَقْضِيَهُ فَهُوَ سَارِقٌ» .

وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْخُيَلَاءِ وَالرِّيَاءِ مِنْ تَكْثِيرِ الْمَهْرِ لِلرِّيَاءِ وَالْفَخْرِ، وَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ أَخْذَهُ مِنْ الزَّوْجِ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يُعْطِيَهُمْ إيَّاهُ: فَهَذَا مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، خَارِجٌ عَنْ الشَّرِيعَةِ.
وَإِنْ قَصَدَ الزَّوْجُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَهُوَ فِي الْغَالِبِ لَا يُطِيقُهُ فَقَدْ حَمَّلَ نَفْسَهُ، وَشَغَلَ
(3/194)

ذِمَّتَهُ، وَتَعَرَّضَ لِنَقْصِ حَسَنَاتِهِ، وَارْتِهَانِهِ بِالدَّيْنِ؛ وَأَهْلُ الْمَرْأَةِ قَدْ آذَوْا صِهْرَهُمْ وَضَرُّوهُ.

[الْمُسْتَحَبُّ فِي الصَّدَاقِ]
وَالْمُسْتَحَبُّ فِي " الصَّدَاقِ " مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَنَاتِهِ، وَكَانَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ. بِالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ، نَحْوًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا. فَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَنَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّدَاقِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كَانَ: صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرُ أَوَاقٍ، وَطَبَّقَ بِيَدَيْهِ. وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ.
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: «قُلْت لِعَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْت: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ: فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ «صَدَاقَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ» ، فَمَنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى أَنْ يَزِيدَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ عَلَى صَدَاقِ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّوَاتِي هُنَّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ صِفَةٍ: فَهُوَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ. وَكَذَلِكَ صَدَاقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ. فَأَمَّا الْفَقْرُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْدُقَ الْمَرْأَةَ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ.

[تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ كُلِّهِ لِلْمَرْأَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ]
وَالْأَوْلَى تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ كُلِّهِ لِلْمَرْأَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا أَمْكَنَ، فَإِنْ قَدَّمَ الْبَعْضَ وَأَخَّرَ الْبَعْضَ: فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الطَّيِّبُ يُرَخِّصُونَ الصَّدَاقَ. فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالُوا: وَزْنُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ. وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِنْتَه عَلَى دِرْهَمَيْنِ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيِّمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، بَعْدَ أَنْ خَطَبَهَا الْخَلِيفَةُ لِابْنِهِ فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ. وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ تَكْثِيرِ صَدَاقِ النِّسَاءِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ اتَّسَعَ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ الصَّدَاقَ كُلَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَمْ يَكُونُوا يُؤَخِّرُونَ مِنْهُ شَيْئًا. وَمَنْ كَانَ لَهُ يَسَارٌ وَوَجَدَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ امْرَأَتَهُ صَدَاقًا كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]
(3/195)

". أَمَّا مَنْ يَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِصَدَاقٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، أَوْ يَعْجِزَ عَنْ وَفَائِهِ: فَهَذَا مَكْرُوهٌ. كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ فِي ذِمَّتِهِ صَدَاقًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ لَهُ: فَهَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
530 - 132 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ، فَشُرِطَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّكَاحِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُلُهَا مِنْ مَنْزِلِهَا، وَكَانَتْ لَهَا ابْنَةٌ، فَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا وَعِنْدَهُ مَا تَزَالُ. فَدَخَلَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ؟ وَإِذَا أَخْلَفَ هَذَا الشَّرْطَ، فَهَلْ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ أَمْ لَا؟ .
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. نَعَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ: كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْوَقْتِ صَدَاقَاتُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ الْقَدِيمَةِ لَمَّا كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: إذَا شُرِطَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ تَسَرَّى أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا، وَمَلَكَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا وَمَلَكَتْ الْفُرْقَةَ بِهِ.
وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ، لِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ "، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُسْتَحَلُّ بِهِ الْفُرُوجُ مِنْ الشُّرُوطِ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، إذْ لَيْسَ هُنَاكَ شَرْطٌ يُوفَى بِهِ بِالْإِجْمَاعِ غَيْرُ الصَّدَاقِ وَالْكَلَامِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ هَذِهِ الشُّرُوطُ.

وَأَمَّا شَرْطُ مَقَامِ وَلَدِهَا عِنْدَهَا وَنَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، فَهَذَا مِثْلُ الزِّيَادَةِ فِي الصَّدَاقِ،
(3/196)

وَالصَّدَاقُ يَحْتَمِلُ مِنْ الْجَهَالَةِ فِيهِ فِي الْمَنْصُوصِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: مَا لَا يَحْتَمِلُ فِي الثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ، وَكُلُّ جَهَالَةٍ تَنْقُصُ عَنْ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ تَكُونُ أَحَقَّ بِالْجَوَازِ، لَا سِيَّمَا مِثْلُ هَذَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، إنْ اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ، فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَمَتَى لَمْ يُوفِ لَهَا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ، فَتَزَوَّجَ، أَوْ تَسَرَّى، فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، لَكِنْ فِي تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ نِزَاعٌ، لِكَوْنِهِ خِيَارًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، كَخِيَارِ الْعُنَّةِ، وَالْعُيُوبِ إذْ فِيهِ خِلَافٌ. أَوْ يُقَالُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ فِي ثُبُوتِهِ وَإِنْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي الْفَسْخِ بِهِ كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ يَثْبُتُ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ: مِثْلُ أَنْ يُفْسَخَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَأَصْلُ ذَلِكَ إنْ تَوَقَّفَ الْفَسْخُ عَلَى الْحُكْمِ هَلْ هُوَ الِاجْتِهَادُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَيْضًا، أَوْ أَنَّ الْفُرْقَةَ يُحْتَاطُ لَهَا؟ وَالْأَقْوَى أَنَّ الْفَسْخَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ كَالْعُنَّةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، لَكِنْ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى فِيهِ إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ رَأَى إبْطَالَهُ أَبْطَلَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
531 - 133 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ، وَلَهَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ، فَلَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ أَحْضَرَتْ شَاهِدَ عَدْلٍ وَجَمَاعَةَ نِسْوَةٍ، وَأَشْهَدَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْإِبْرَاءُ أَمْ لَا؟ وَعَنْ رَجُلٍ وُصِفَ لَهُ شَحْمُ الْخِنْزِيرِ لِمَرَضٍ بِهِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَعَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِيَتِيمَةٍ صَغِيرَةٍ وَعَقَدَ عَقْدَهَا شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ وَلَمْ تُدْرِكْ إلَّا بَعْدَ شَهْرَيْنِ، فَهَلْ هَذَا الْعَقْدُ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ .
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إنْ كَانَ الصَّدَاقُ ثَابِتًا عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَرِضَتْ مَرَضَ الْمَوْتِ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ الْبَاقِينَ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ أَبْرَأَتْهُ فِي الصِّحَّةِ جَازَ ذَلِكَ،
(3/197)

وَثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَثَبَتَ أَيْضًا بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَإِنْ أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ فِي الصِّحَّةِ لَمْ يُقْبَلْ هَذَا الْإِقْرَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا. وَيُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَلَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَخُصَّ الْوَارِثَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ» .

وَأَمَّا التَّدَاوِي: بِأَكْلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَلَا يَجُوزُ، وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّلَطُّخِ بِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، كَمَا يَجُوزُ اسْتِنْجَاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ. وَمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ، كَمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَةِ، فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ، وَدَهْنِ الْجُلُودِ، وَالِاسْتِصْبَاحِ بِهِ، وَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ ثَمَنِهِ، وَلِهَذَا رَخَّصَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُنَجِّسُهَا.

وَأَمَّا الْيَتِيمَةُ: الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ قَبْلُ، وَوَلِيَ تَزْوِيجَهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالسُّلْطَانِ الَّذِي هُوَ حَاكِمٌ وَنُوَّابُ الْحَاكِمِ فِي الْعُقُودِ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ النِّكَاحُ بِلَا إذْنِهَا، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، فَهَذِهِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَوْ زَوَّجَهَا حَاكِمٌ يَرَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَكُونُ تَزْوِيجُهُ حُكْمًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، أَوْ يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ مِنْ غَيْرِهِ يُصَحِّحُ ذَلِكَ، عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، لَكِنَّ الْحَاكِمَ الْمُزَوِّجَ هُنَا شَافِعِيٌّ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَلَّدَ قَوْلَ مَنْ يُصَحِّحُ هَذَا النِّكَاحَ وَرَاعَى سَائِرَ شُرُوطِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ جَازَ - وَإِنْ كَانَ أَقْدَمَ عَلَى
(3/198)

ذَلِكَ وَهُوَ] يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ جَائِزٍ - وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَنَّهَا بَالِغًا فَزَوَّجَهَا فَبَانَتْ غَيْرَ بَالِغٍ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ قَدْ زَوَّجَهَا، فَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بِنْت الزِّنَا هَلْ تُزَوَّجُ بِأَبِيهَا]
532 - 134 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ بِنْتِ الزِّنَا: هَلْ تُزَوَّجُ بِأَبِيهَا؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزْوِيجُ بِهَا، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ؛ حَتَّى تَنَازَعَ الْجُمْهُورُ: هَلْ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا. وَأَمَّا " الْمُتَأَوِّلُ " فَلَا يُقْتَلُ؛ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا. وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُطْلَقًا، كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ: إنَّهُ يُجْلَدُ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا؛ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفْسُقُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفَسَّقَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ الْمَعْذُورَ لَا يُفَسَّقُ؛ بَلْ وَلَا يَأْثَمُ. وَأَحْمَدُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا إنَّمَا ظَهَرَ فِي زَمَنِهِ، لَمْ يَظْهَرْ فِي زَمَنِ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفْهُ.
وَاَلَّذِينَ سَوَّغُوا " نِكَاحَ الْبِنْتِ مِنْ الزِّنَا " حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالُوا: لَيْسَتْ هَذِهِ بِنْتًا فِي الشَّرْعِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ؛ وَلَا يَجِبُ نَفَقَتُهَا؛ وَلَا يَلِي نِكَاحَهَا، وَلَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتًا فِي الشَّرْعِ لَمْ تَدْخُلْ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ، فَتَبْقَى دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] .
وَأَمَّا حُجَّةُ الْجُمْهُورِ فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] الْآيَةَ هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ شَمِلَهُ هَذَا اللَّفْظُ، سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا؛
(3/199)

وَسَوَاءٌ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ التَّوَارُثُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ أَمْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا التَّحْرِيمُ خَاصَّةً، لَيْسَ الْعُمُومُ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ كَالْعُمُومِ فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ وَنَحْوِهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: " أَحَدُهَا " أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ تَتَنَاوَلُ الْبِنْتَ وَبِنْتَ الِابْنِ وَبِنْتَ الْبِنْتِ؛ كَمَا يَتَنَاوَلُ لَفْظَ " الْعَمَّةِ " عَمَّةِ الْأَبِ؛ وَالْأُمِّ، وَالْجَدِّ. وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْأُخْتِ، وَبِنْتُ ابْنِ الْأُخْتِ. وَبِنْتُ بِنْتِ الْأُخْتِ. وَمِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ لَا يَثْبُتُ، لَا فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ، وَلَا نَحْوِهَا مِنْ الْآيَاتِ، وَالنُّصُوصِ الَّتِي عَلَّقَ فِيهَا الْأَحْكَامَ بِالْأَنْسَابِ.
" الثَّانِي " إنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّضَاعَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» وَفِي لَفْظٍ «مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَعَمِلَ الْأَئِمَّةُ بِهِ: فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِطِفْلٍ غَذَّتْهُ مِنْ لَبَنِهَا، أَوْ أَنْ تَنْكِحَ أَوْلَادَهُ، وَحَرَّمَ عَلَى أُمَّهَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَخَالَتِهَا؛ بَلْ حَرَّمَ عَلَى الطِّفْلَةِ الْمُرْتَضِعَةِ مِنْ امْرَأَةٍ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالْفَحْلِ صَاحِبِ اللَّبَنِ، وَهُوَ الَّذِي وَطِئَ الْمَرْأَةَ حَتَّى دَرَّ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ. فَإِذَا كَانَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ بِنْتَه مِنْ الرَّضَاعِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ - سِوَى التَّحْرِيمِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الْحُرْمَةِ - فَكَيْفَ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ بِنْتٍ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ؟ ، وَأَيْنَ الْمَخْلُوقَةُ مِنْ مَائِهِ مِنْ الْمُتَغَذِّيَةِ بِلَبَنٍ دُرَّ بِوَطْئِهِ؟ ، فَهَذَا يُبَيِّنُ التَّحْرِيمَ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الْخِطَابِ، وَمِنْ جِهَةِ التَّنْبِيهِ وَالْفَحْوَى، وَقِيَاسِ الْأَوْلَى.
" الثَّالِثُ " إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء: 23] قَالَ الْعُلَمَاءُ: احْتِرَازٌ عَنْ ابْنِهِ الَّذِي تَبَنَّاهُ، كَمَا قَالَ: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37]
(3/200)

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَسْتَلْحِقُونَ وَلَدَ الزِّنَا أَعْظَمَ مِمَّا يَسْتَلْحِقُونَ وَلَدَ الْمُتَبَنِّي، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء: 23] عُلِمَ أَنَّ لَفْظَ " الْبَنَاتِ " وَنَحْوِهَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي لُغَتِهِمْ دَاخِلًا فِي الِاسْمِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا الْمِيرَاثُ، وَنَحْوُهُ. فَجَوَابُهُ أَنَّ النَّسَبَ تَتَبَعَّضُ أَحْكَامُهُ، فَقَدْ ثَبَتَ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ دُونَ بَعْضٍ، كَمَا وَافَقَ أَكْثَرُ الْمُنَازَعِينَ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَلَاعِنِ وَلَا يَرِثُهُ.

[اسْتِلْحَاق وَلَدِ الزِّنَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِرَاشًا]
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِلْحَاقِ وَلَدِ الزِّنَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِرَاشًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. كَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَلْحَقَ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ قَدْ أَحْبَلَهَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَاخْتَصَمَ فِيهِ سَعْدٌ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: ابْنُ أَخِي. عَهِدَ إلَيَّ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ هَذَا ابْنِي. فَقَالَ عَبْدٌ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ؛ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ الْبَيِّنِ بِعُتْبَةَ، فَجَعَلَهُ أَخَاهَا فِي الْمِيرَاثِ دُونَ الْحُرْمَةِ.

[وَلَد الزِّنَا هَلْ يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ]
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي وَلَدِ الزِّنَا: هَلْ يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا بَسْطٌ لَا تَسَعُهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الضَّعِيفَةِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكِيَهَا عَنْ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَدْحِ فِيهِ، وَلَا عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ لَهُ فِيهَا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ الطَّعْنِ فِي الْأَئِمَّةِ وَاتِّبَاعِ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ صَارَ وَزِيرُ التَّتَرِ يُلْقِي الْفِتْنَةَ بَيْنَ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيُوقِعَهُمْ فِي مَذَاهِبِ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الْإِلْحَادِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ]
533 - 135 - وَسُئِلَ عَمَّنْ زَنَى بِأُخْتِهِ، مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟
(3/201)

أَجَابَ: أَمَّا مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَجَبَ قَتْلُهُ وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، قَالَ: «مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْت لَهُ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا خَالِي؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
534 - 136 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ أَقْوَامٍ يُعَاشِرُونَ " الْمُرْدَانَ " وَقَدْ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ قُبْلَةٌ وَمُضَاجَعَةٌ لِلصَّبِيِّ وَيَدْعُونَ أَنَّهُ يُصْحَبُونَ لِلَّهِ؛ وَلَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ ذَنْبًا وَلَا عَارًا؛ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَصْحَبُهُمْ بِغَيْرِ خَنَا؛ وَيَعْلَمُ أَبُو الصَّبِيِّ بِذَلِكَ وَعَمُّهُ وَأَخُوهُ فَلَا يُنْكِرُونَ: فَمَا حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَؤُلَاءِ؟ وَمَاذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ .
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. الصَّبِيُّ الْأَمْرَدُ الْمَلِيحُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْبِيلُهُ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ؛ بَلْ لَا يُقَبِّلُهُ إلَّا مَنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ: كَالْأَبِ؛ وَالْإِخْوَةِ. وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِاتِّفَاقٍ لِلنَّاسِ؛ بَلْ يَحْرُمُ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ النَّظَرُ إلَيْهِ عِنْدَ خَوْفِ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ لِحَاجَةٍ بِلَا رِيبَةٍ مِثْلُ مُعَامَلَتِهِ؛ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا يُنْظَرُ إلَى الْمَرْأَةِ لِلْحَاجَةِ.
وَأَمَّا " مُضَاجَعَتُهُ ": فَهَذَا أَفْحَشُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ؛ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ؛ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» إذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ وَلَمْ يَحْتَلِمُوا بَعْدُ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ» وَقَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْت الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ» فَإِذَا كَانَتْ الْخَلْوَةُ مُحَرَّمَةً لِمَا يُخَافُ مِنْهَا فَكَيْفَ بِالْمُضَاجَعَةِ؟ ،
(3/202)

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلَّهِ. فَهَذَا أَكْثَرُهُ كَذِبٌ، وَقَدْ يَكُونُ لِلَّهِ مَعَ هَوَى النَّفْسِ، كَمَا يَدَّعِي مَنْ يَدَّعِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي صُحْبَةِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ؛ فَيَبْقَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَجْلَسَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ وَقَالَ: إنَّمَا كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النَّظَرَ» . هَذَا وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُزَوَّجٌ بِتِسْعِ نِسْوَةٍ؛ وَالْوَفْدُ قَوْمٌ صَالِحُونَ، وَلَمْ تَكُنْ الْفَاحِشَةُ مَعْرُوفَةً فِي الْعَرَبِ؟ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْمَشَايِخِ مِنْ التَّحْذِيرِ عَنْ صُحْبَةِ " الْأَحْدَاثِ " مَا يَطُولُ وَصْفُهُ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُفْضِي إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْمُحَرَّمَةِ، وَإِنْ ضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً مِنْ تَعْلِيمٍ أَوْ تَأْدِيبٍ؛ فَإِنَّ " الْمُرْدَانَ " يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُمْ وَتَأْدِيبُهُمْ بِدُونِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِيهَا مَضَرَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى مَنْ يَصْحَبُهُمْ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ: بِسُوءِ الظَّنِّ تَارَةً، وَبِالشُّبْهَةِ أُخْرَى؛ بَلْ رُوِيَ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَجْلِسُ إلَيْهِ الْمُرْدَانُ، فَنَهَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مُجَالَسَتِهِ. وَلَقِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَابًّا فَقَطَعَ شَعْرَهُ، لِمَيْلِ بَعْضِ النِّسَاءِ إلَيْهِ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْ وَطَنِهِ؛ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ.

وَمَنْ أَقَرَّ صَبِيًّا يَتَوَلَّاهُ: مِثْلُ ابْنِهِ، وَأَخَاهُ، أَوْ مَمْلُوكِهِ، أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: فَهُوَ دَيُّوثٌ مَلْعُونٌ، «وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ» فَإِنَّ الْفَاحِشَةَ الْبَاطِنَةَ مَا يَقُومُ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ فِي الْعَادَةِ؛ وَإِنَّمَا تَقُومُ عَلَى الظَّاهِرَةِ، وَهَذِهِ الْعِشْرَةُ الْقَبِيحَةُ مِنْ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] . فَلَوْ ذَكَرْنَا مَا حَصَلَ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَفَاسِدِ، وَمَا ذَكَرُوهُ الْعُلَمَاءُ: لَطَالَ. سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ تَقِيًّا أَوْ فَاجِرًا؛ فَإِنَّ التَّقِيَّ يُعَالِجُ مَرَارَةً فِي مُجَاهَدَةِ هَوَاهُ وَخِلَافِ نَفْسِهِ؛ وَكَثِيرًا مَا يَغْلِبُهُ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ؛ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحْمِلُ حِمْلًا لَا يُطِيقُهُ فَيُعَذِّبُهُ أَوْ يَقْتُلُهُ؛ وَالْفَاجِرُ يَكْمُلُ فُجُورُهُ بِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/203)

[تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ سِنِينَ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَكَانَ وَلِيُّ نِكَاحِهَا فَاسِقًا]
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَكَانَ وَلِيُّ نِكَاحِهَا فَاسِقًا، فَهَلْ يَصِحُّ عَقْدُ الْفَاسِقِ، بِحَيْثُ إذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ نِكَاحِ غَيْرِهِ، أَوْ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ؟ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ؟
أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْوَلِيِّ هَلْ كَانَ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، لِيَجْعَلَ فِسْقَ الْوَلِيِّ ذَرِيعَةً إلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ يُصَحِّحُونَ وِلَايَةَ الْفَاسِقِ، وَأَكْثَرُهُمْ يُوقِعُونَ الطَّلَاقَ فِي مِثْلِ هَذَا النِّكَاحِ، بَلْ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ. وَإِذَا فَرَّعَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِيهِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِلَّ الْحَلَالَ مَنْ يُحَرِّمُ الْحَرَامَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ الشَّيْءَ حَلَالًا حَرَامًا، وَهَذَا الزَّوْجُ كَانَ يَسْتَحِلُّ وَطْأَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَلَوْ مَاتَتْ لَوَرِثَهَا، فَهُوَ عَامِلٌ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَكَيْفَ يَعْمَلُ بَعْدَ الطَّلَاقِ عَلَى فَسَادِهِ؟ فَيَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا إذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي صِحَّتِهِ، فَاسِدًا إذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي فَسَادِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ الشَّيْءِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَافَقَ غَرَضَهُ أَوْ خَالَفَهُ، وَمَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ فِي الْحَالَيْنِ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُطَلِّقُونَ لَا يُفَكِّرُونَ فِي فَسَادِ النِّكَاحِ بِفِسْقِ الْوَلِيِّ إلَّا عِنْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، لَا عِنْدَ الِاسْتِمْتَاعِ وَالتَّوَارُثِ، يَكُونُونَ فِي وَقْتٍ يُقَلِّدُونَ مَنْ يُفْسِدُهُ، وَفِي وَقْتٍ يُقَلِّدُونَ مَنْ يُصَحِّحُهُ؛ بِحَسَبِ الْغَرَضِ وَالْهَوَى، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ هَذَا حَلَفَ يَمِينًا بِالطَّلَاقِ، فَلْيَذْكُرْ يَمِينَهُ لِيُفْتِيَ بِمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ حَنِثَ وَوَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَفِي الْحِنْثِ مَسَائِلُ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَالْأَخْذُ بِقَوْلٍ سَائِغٍ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ الدُّخُولِ فِيمَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ.
وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ ثُبُوتَ شُفْعَةِ الْجِوَارِ إذَا كَانَ طَالِبًا لَهَا، وَعَدَمَ ثُبُوتِهَا إذَا كَانَ مُشْتَرِيًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ. وَكَذَا مَنْ بَنَى
(3/204)

عَلَى صِحَّةِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ فِي حَالِ نِكَاحِهِ وَبَنَى عَلَى فَسَادِ وِلَايَتِهِ فِي حَالِ طَلَاقِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَفْتِي الْمُعَيَّنُ: أَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ذَلِكَ. وَأَنَا مِنْ الْيَوْمِ أَلْتَزِمُ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ بَابَ التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ، وَفَتْحِ الذَّرِيعَةِ. إلَى أَنْ يَكُونَ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ بِحَسَبِ الْأَهْوَاءِ.

[نِكَاح الشِّغَارِ]
وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ شَرْطِ عَدَمِ الْمَهْرِ فَصُحِّحَ النِّكَاحُ، وَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ. وَآخَرُونَ قَالُوا: إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْبُضْعِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ يَصِيرُ بُضْعُهَا مَمْلُوكًا لِزَوْجِهَا، وَلِلزَّوْجَةِ الْأُخْرَى الَّتِي أَصْدَقَتْهُ لِأَنَّ الصَّدَاقَ مِلْكُ الزَّوْجَةِ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنْ سَمَّوْا مَهْرًا صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ قَالَ وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ لِلْأُخْرَى فَسَدَ وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ، كَمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ مِنْ صُوَرِهِ مَا إذَا سَمَّوْا مَهْرًا وَغَيْرَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَشْرُوطًا فِي نِكَاحِ الْأُخْرَى. وَإِنْ كَانَتْ هِيَ لَمْ تَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا مَلَكَهُ وَلِيُّهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْمَهْرِ لِوَلِيِّهَا وَهُوَ إنَّمَا أَخَذَ بُضْعًا. وَفِي ذَلِكَ مَفَاسِدُ.
أَحَدُهَا: اشْتِرَاطُ عَدَمِ الْمَهْرِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ، وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ نَفْيِهِ.
فَالْأَوَّلُ: لَا يَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ. وَالثَّانِي: يَفْسُدُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّانِي: إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي مُحَابَاةً لِلْخَاطِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِي مَصْلَحَةِ وَلِيَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ الْمَشْرُوطُ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ، بَلْ لِزَوْجِهَا.
فَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ زُوِّجَتْ لِأَجْلِ غَيْرِهَا، وَصَارَ بُضْعُهَا مَبْذُولًا لِأَجْلِ مَقْصُودِ غَيْرِهَا، وَالْأَبُ لَهُ حَقٌّ فِي مَالِ وَلَدِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . وَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي بُضْعِهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَمَتَّعُ بِهِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(3/205)

[الْمَرْأَة إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ]
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا عَمَّنْ يَقُولُ: إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ تُبَاحُ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ وَمَنْ اسْتَحَلَّهَا بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ وَمَا صِفَةُ النِّكَاحِ الثَّانِي الَّذِي يُبِيحُهَا لِلْأَوَّلِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ مُثَابِينَ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ.
فَأَجَابَ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إذَا وَقَعَ بِالْمَرْأَةِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: إنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِدُونِ زَوْجٍ ثَانٍ، وَمَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَقَدْ كَذَبَ.
وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ أَوْ اسْتَحَلَّ وَطْأَهَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِدُونِ نِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ - مِثْلُ أَنْ يَكُونَ نَشَأَ بِمَكَانِ قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَ فِيهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، أَوْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ دِينَ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ أَوْ عَلَى اسْتِحْلَالِ هَذَا الْفِعْلِ: فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، كَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ وُجُوبَ الْوَاجِبَاتِ، وَتَحْرِيمَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَحِلَّ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي عُلِمَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْأُمَّةِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ نَبِيِّهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَظَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، كَمَنْ يَجْحَدُ وُجُوبَ " مَبَانِي الْإِسْلَامِ " مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، أَوْ جَحَدَ " تَحْرِيمَ الظُّلْمِ، وَأَنْوَاعِهِ " كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ، أَوْ تَحْرِيمَ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِ " نِكَاحِ الْأَقَارِبِ " سِوَى بَنَاتِ الْعُمُومَةِ وَالْخُؤُولَةِ، وَتَحْرِيمَ " الْمُحَرَّمَاتِ بِالْمُصَاهَرَةِ " وَهُنَّ أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُهُنَّ وَحَلَائِلُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ حِلَّ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ، وَالنِّكَاحِ وَاللِّبَاسِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَتْ إبَاحَتُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ: فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِمَّا لَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، لَا سُنِّيُّهُمْ وَلَا بِدْعِيُّهُمْ.
وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ " مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ كَتَنَازُعِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ فِي " الْحَرَامِ " هَلْ هُوَ طَلَاقٌ، أَوْ يَمِينٌ،
(3/206)

أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي " الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ " كَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْبَتَّةِ: هَلْ يَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ ثَلَاثٌ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي " الْمُولِي ": هَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يَفِ فِيهَا؟ أَمْ يُوقَفُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ؟ وَكَتَنَازُعِ الْعُلَمَاءِ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ، وَالْمُكْرَهِ، وَفِي الطَّلَاقِ بِالْخَطِّ، وَطَلَاقِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَطَلَاقِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ. وَطَلَاقِ الْحَكَمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجِ بِدُونِ تَوْكِيلِهِ. كَمَا تَنَازَعُوا فِي بَذْلِ أَجْرِ الْعِوَضِ بِدُونِ تَوْكِيلِهَا. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الْعُلَمَاءُ.
وَتَنَازَعُوا أَيْضًا فِي مَسَائِلِ " تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ " وَمَسَائِلِ " الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ، وَالْحَرَامِ، وَالنَّذْرِ " كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ الصَّدَقَةُ بِأَلْفٍ. وَتَنَازَعُوا أَيْضًا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ " الْأَيْمَانِ " مُطْلَقًا فِي مُوجِبِ الْيَمِينِ.
وَهَذَا كَتَنَازُعِهِمْ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ: هَلْ يَقَعُ أَوْ لَا يَقَعُ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ؟ أَوْ بَيْنَ مَا يَكُونُ فِيهِ مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ فِي نَوْعِ مِلْكٍ أَوْ غَيْرِ مِلْكٍ؟ وَتَنَازَعُوا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ بَعْدَ النِّكَاحِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. فَقِيلَ: يَقَعُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: لَا يَقَعُ وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُقْصَدُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ كَوْنِهِ، وَبَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُقْصَدُ عَدَمُهُ. وَعَدَمُ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ. " فَالْأَوَّلُ " كَقَوْلِهِ: إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. " وَالثَّانِي " كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَلَيَّ الْحَجُّ.
وَأَمَّا النَّذْرُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ سَلَّمَ مَالِي الْغَائِبَ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ الصَّدَقَةُ بِمِائَةٍ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ. وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ؛ بَلْ مَقْصُودُهُ عَدَمُ الشَّرْطِ، وَهُوَ حَالِفٌ بِالنَّذْرِ، كَمَا إذَا قَالَ: لَا أُسَافِرُ، وَإِنْ سَافَرْت فَعَلَيَّ الصَّوْمُ، أَوْ الْحَجُّ، أَوْ الصَّدَقَةُ، أَوْ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالصَّحَابَةُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: كَابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ أَبِي الْغُمْرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَهَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، أَمْ يُجْزِيهِ الْوَفَاءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْوَفَاءُ، كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَكَاهُ بَعْضُ
(3/207)

الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِهِ. وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِحَالٍ، كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد، وَابْنِ حَزْمٍ.
وَهَكَذَا تَنَازَعُوا عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْعَتَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ. هَلْ يَقَعُ ذَلِكَ إذَا حَنِثَ، أَوْ يُجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؛ بَلْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةٌ؛ وَلَكِنْ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. " أَحَدُهُمَا " يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي وَصَلَ إلَيْنَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، " وَالثَّانِي " لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

فَصْلٌ
وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْته فَعَلَيَّ إذًا عِتْقُ عَبْدِي. فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ؛ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَقَوْلُ دَاوُد، وَابْنِ حَزْمٍ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّكْفِيرِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا.
وَقِيلَ: يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَيْنًا؛ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ فِيمَا بَلَغَنَا بَعْدَ كَثْرَةِ الْبَحْثِ، وَتَتَبُّعِ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ؛ بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ إمَّا ضَعِيفٌ؛ بَلْ كَذِبٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى عَهْدِهِمْ؛ وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أَنْ يُجْزِيَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ نَقِيضُ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَنَّهُ يُعْتَقُ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى أَسَانِيدِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: إنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ ظَنَّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا نِزَاعَ فِيهِ فَاضْطَرَّهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ عَكَسَ مُوجَبَ الدَّلِيلِ فَقَالَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ دُونَ الْعَتَاقِ، وَقَدْ بَسَطَ
(3/208)

الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُجَّةَ كُلِّ قَوْمٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ الظِّهَارِ أَوْ الْحَرَامِ أَوْ النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ، أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ: فَهَلْ يَحْنَثُ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ؟ أَوْ لَا يَحْنَثُ بِحَالٍ، كَقَوْلِ الْمَكِّيِّينَ، وَالْقَوْلِ الْآخَرِ لِلشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَحْمَدَ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا، كَالرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَفَّالِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ امْرَأَتَهُ بَانَتْ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا لَمْ تَبِنْ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ؟ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ كَمَا ذُكِرَ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَشُكُّ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
عِنْدَ مَالِكٍ يَقَعُ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَا يَقَعُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ التَّوَقُّفُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَيُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ الْيَوْمَ كَذَا وَمَضَى الْيَوْمُ، أَوْ شَكَّ فِي فِعْلِهِ هَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي الْيَمِينِ إلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إذَا احْتَمَلَهَا لَفْظُهُ، وَلَمْ يُخَالِفْ الظَّاهِرَ، أَوْ خَالَفَهُ وَكَانَ مَظْلُومًا. وَتَنَازَعُوا هَلْ يُرْجَعُ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَسِيَاقِهَا وَمَا هَيَّجَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَذْهَبُ الْمَدَنِيِّينَ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى ذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ: لَكِنْ فِي مَسَائِلِهِمَا مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ أَعَمَّ مِنْ الْيَمِينِ عُمِلَ بِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى السَّبَبَ. وَإِنْ كَانَ خَاصًّا: فَهَلْ يَقْصُرُ الْيَمِينَ عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَعْتَقِدُهُ عَلَى صِفَةٍ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهَا؟ فَفِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِصِفَةٍ؛ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِخِلَافِهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْت طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ - بِالْفَتْحِ - أَيْ لِأَجْلِ دُخُولِك الدَّارَ؛ وَلَمْ تَكُنْ دَخَلَتْ. فَهَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَنْت طَالِقٌ لِأَنَّك فَعَلْت كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنْ فَعَلَتْهُ؟ وَلَوْ قِيلَ لَهُ: امْرَأَتُك فَعَلَتْ كَذَا؛ فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ. ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْهَا؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَتَنَازَعُوا فِي الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ: كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ؛ وَكَجَمْعِ الثَّلَاثِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
(3/209)

الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ حَرَامٌ؛ وَلَكِنَّ الْأَرْبَعَةَ وَجُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: كَوْنُهُ حَرَامًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ، كَمَا أَنَّ الظِّهَارَ مُحَرَّمٌ وَإِذَا ظَاهَرَ ثَبَتَ حُكْمُ الظِّهَارِ؛ وَكَذَلِكَ " النَّذْرُ " قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ " وَمَعَ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا: لَا يَقَعُ، اعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ فَاسِدًا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَالْجُمْهُورُ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ يَعُمُّهُ لَا يُنَاسِبُ فِعْلَ الْمُحَرَّمِ: كَحِلِّ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَإِجْزَاءِ الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً تُنَاسِبُ فِعْلَ الْمُحَرَّمِ كَالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ؛ فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْ شَيْءٍ إذَا فَعَلَهُ قَدْ تَلْزَمُهُ بِفِعْلِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَدٌّ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ: فَكَذَلِكَ قَدْ يُنْهَى عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ فَإِذَا فَعَلَهُ لَزِمَهُ بِهِ وَاجِبَاتٌ وَمُحَرَّمَاتٌ؛ وَلَكِنْ لَا يُنْهَى عَنْ شَيْءٍ إذَا فَعَلَهُ أُحِلَّتْ لَهُ بِسَبَبِ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ الطَّيِّبَاتُ؛ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ " بَابِ الْإِكْرَامِ وَالْإِحْسَانِ " وَالْمُحَرَّمَاتُ لَا تَكُونُ سَبَبًا مَحْضًا لِلْإِكْرَامِ وَالْإِحْسَانِ؛ بَلْ هِيَ سَبَبٌ لِلْعُقُوبَاتِ إذَا لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] وَقَالَ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] إلَى قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَتَوَقُّفِهِمْ عَنْ امْتِثَالِ أَمْرِهِ كَانَ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْإِيجَابِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» «وَلَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ الْحَجِّ: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: لَا. وَلَوْ قُلْت: نَعَمْ لَوَجَبَ؛ وَلَوْ وَجَبَ لَمْ تُطِيقُوهُ؛ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ. وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(3/210)

وَمِنْ هُنَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ حُرِّمَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ عُقُوبَةً لِلرَّجُلِ حَتَّى لَا يُطَلِّقَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الطَّلَاقَ؛ وَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَالسَّحَرَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السِّحْرِ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْصِبُ عَرْشَهُ عَلَى الْبَحْرِ؛ وَيَبْعَثُ جُنُودَهُ فَأَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً؛ فَيَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا زِلْتُ بِهِ حَتَّى شَرِبَ الْخَمْرَ. فَيَقُولُ السَّاعَةَ يَتُوبُ. وَيَأْتِي الْآخَرُ فَيَقُولُ: مَا زِلْتُ بِهِ حَتَّى فَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. فَيُقَبِّلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَيَقُولُ: أَنْتَ، أَنْتَ» .
وَقَدْ رَوَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يُطَلِّقُونَ بِغَيْرِ عَدَدٍ: يُطَلِّقُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ يَدَعُهَا حَتَّى إذَا شَارَفَتْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ضِرَارًا، فَقَصَرَهُمْ اللَّهُ عَلَى الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ أَوَّلُ حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَآخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ. وَلَوْلَا أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الطَّلَاقِ لَكَانَ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ وَالْأُصُولُ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ أَحْيَانًا. وَحَرَّمَهُ فِي مَوَاضِعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. كَمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ وَلَمْ تَكُنْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ؛ فَإِنَّ هَذَا الطَّلَاقَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَفْضَلِ الشَّرَائِعِ وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ، كَمَا قَالَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» فَأَبَاحَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَطْءَ بِالنِّكَاحِ.
وَالْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا يَطَئُونَ إلَّا بِالنِّكَاحِ؛ لَا يَطَئُونَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. " وَأَصْلُ ابْتِدَاءِ الرِّقِّ " إنَّمَا يَقَعُ مِنْ السَّبْيِ. وَالْغَنَائِمُ لَمْ تَحِلَّ إلَّا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلَنَا، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» فَأَبَاحَ سُبْحَانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْكِحُوا وَأَنْ يُطَلِّقُوا، وَأَنْ يَتَزَوَّجُوا
(3/211)

الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ بَعْدَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ زَوْجِهَا.
" وَالنَّصَارَى " يُحَرِّمُونَ النِّكَاحَ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَمَنْ أَبَاحُوا لَهُ النِّكَاحَ لَمْ يُبِيحُوا لَهُ الطَّلَاقَ. " وَالْيَهُودُ " يُبِيحُونَ الطَّلَاقَ؛ لَكِنْ إذَا تَزَوَّجَتْ الْمُطَلَّقَةُ بِغَيْرِ زَوْجِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ. وَالنَّصَارَى لَا طَلَاقَ عِنْدَهُمْ. وَالْيَهُودُ لَا مُرَاجَعَةَ بَعْدَ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ عِنْدَهُمْ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذَا وَهَذَا.
وَلَوْ أُبِيحَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ عَدَدٍ - كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ - لَكَانَ النَّاسُ يُطَلِّقُونَ دَائِمًا: إذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ يَزْجُرُهُمْ عَنْ الطَّلَاقِ؛ وَفِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ وَالْفَسَادِ مَا أَوْجَبَ حُرْمَةَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فَسَادُ الطَّلَاقِ لِمُجَرَّدِ حَقِّ الْمَرْأَةِ فَقَطْ: كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ حَتَّى يُبَاحَ دَائِمًا بِسُؤَالِهَا؛ بَلْ نَفْسُ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ: إمَّا نَهْيُ تَحْرِيمٍ، أَوْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَمَا كَانَ مُبَاحًا لِلْحَاجَةِ قُدِّرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَالثَّلَاثُ هِيَ مِقْدَارُ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» وَكَمَا قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ إلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تَحُدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» وَكَمَا رُخِّصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ.
وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ إلَّا مِنْ الْقَصْدِ؛ وَلَا يَرَى وُقُوعَ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ؛ كَمَا لَا يَكْفُرُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ مُكْرَهًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ مُسْتَهْزِئًا بِآيَاتِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ كَفَرَ؛ كَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ هَازِلًا وَقَعَ بِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ بِالْكُفْرِ فَقَالَ: إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ
(3/212)

مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ أَوْ فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ. لَمْ يَكْفُرْ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا حُكْمًا مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ فِي اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَلِفُ بِهِ بُغْضًا لَهُ وَنُفُورًا عَنْهُ؛ لَا إرَادَةً لَهُ؛ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتُمُونِي أَلْفًا كَفَرْتُ فَإِنَّ هَذَا يَكْفُرُ. وَهَكَذَا يَقُولُ مَنْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَتَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ لَا يُقْصَدُ كَوْنُهُ، وَبَيْنَ الطَّلَاقِ الْمَقْصُودِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ.
وَلِهَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ افْتَدَتْ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ كَافْتِدَاءِ الْأَسِيرِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الطَّلَاقِ الْمَكْرُوهِ فِي الْأَصْلِ، وَلِهَذَا يُبَاحُ فِي الْحَيْضِ؛ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ.
وَأَمَّا إذَا عَدَلَ هُوَ عَنْ الْخُلْعِ وَطَلَّقَهَا إحْدَى الثَّلَاثِ بِعِوَضٍ فَالتَّفْرِيطُ مِنْهُ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَغَيْرِهِ؛ وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا. وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ جَعَلُوهُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فَسْخًا. كَالْإِقَالَةِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا هُوَ مَعَ الْمَرْأَةِ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ افْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ كَمَا يُفْدَى الْأَسِيرُ فَقَدْ يَفْتَدِي الْأَسِيرُ بِمَالٍ مِنْهُ وَمَالٍ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَعْتِقُ بِمَالٍ يَبْذُلُهُ هُوَ وَمَا يَبْذُلُهُ الْأَجْنَبِيُّ، وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ يَصِحُّ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَعَ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ هَذَا جَمِيعَهُ مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ وَالْإِزَالَةِ.
وَإِذْ كَانَ الْخُلْعُ رَفْعًا لِلنِّكَاحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمَبْذُولُ مِنْ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ. وَتَشْبِيهُ فَسْخِ النِّكَاحِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَزُولُ إلَّا بِرِضَى الْمُتَبَايِعَيْنِ؛ لَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا بِإِزَالَتِهِ؛ بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ إلَيْهَا إزَالَتُهُ؛ بَلْ الزَّوْجُ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ؛ لَكِنْ افْتِدَاؤُهَا نَفْسَهَا مِنْهُ كَافْتِدَاءِ الْأَجْنَبِيِّ لَهَا. وَمَسَائِلُ الطَّلَاقِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالنِّزَاعِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا إذَا وَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَا يُبَاحُ إلَّا بِنِكَاحِ ثَانٍ، وَبِوَطْئِهِ لَهَا عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ الْمَأْمُورَ بِهِ يُؤْمَرُ فِيهِ بِالْعَقْدِ وَبِالْوَطْءِ، بِخِلَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُنْهَى فِيهِ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النِّكَاحُ الْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبُّ يُؤْمَرُ فِيهِ بِالْوَطْءِ مِنْ الْعَقْدِ " وَالنِّكَاحُ الْمُحَرَّمُ " يَحْرُمُ فِيهِ مُجَرَّدُ الْعَقْدِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(3/213)

قَالَ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ. لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَى رِفَاعَةَ بِدُونِ الْوَطْءِ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ إلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ - مَعَ أَنَّهُ أَعْلَمُ التَّابِعِينَ - لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. " وَالنِّكَاحُ الْمُبِيحُ " هُوَ النِّكَاحُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ النِّكَاحُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» فَأَمَّا " نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ " فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَمُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا. وَكَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ: إنَّهُ لَا يُبِيحُهَا إلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ؛ لَا نِكَاحِ مُحَلِّلٍ. وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي نِكَاحِ التَّحْلِيلِ.
وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي " نِكَاحِ الْمُتْعَةِ " فَإِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ التَّحْلِيلِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
" أَحَدُهَا " أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ؛ بِخِلَافِ التَّحْلِيلِ.
" الثَّانِي " أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ؛ بِخِلَافِ التَّحْلِيلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
" الثَّالِثُ " أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْمَرْأَةِ وَلِلْمَرْأَةِ رَغْبَةٌ فِيهِ إلَى أَجَلٍ؛ بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا رَغْبَةٌ فِيهِ بِحَالٍ، وَهُوَ لَيْسَ لَهُ رَغْبَةٌ فِيهَا؛ بَلْ فِي أَخْذِ مَا يُعْطَاهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَغْبَةٌ فَهِيَ مِنْ رَغْبَتِهِ فِي الْوَطْءِ؛ لَا فِي اتِّخَاذِهَا زَوْجَةً، مِنْ جِنْسِ رَغْبَةِ الزَّانِي؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ، وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً. إذْ اللَّهُ عَلِمَ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ. وَلِهَذَا تُعْدَمُ فِيهِ خَصَائِصُ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ الْمَعْرُوفَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] وَالتَّحْلِيلُ فِيهِ الْبِغْضَةُ وَالنُّفْرَةُ؛ وَلِهَذَا لَا يُظْهِرُهُ
(3/214)

أَصْحَابُهُ؛ بَلْ يَكْتُمُونَهُ كَمَا يُكْتَمُ السِّفَاحُ. وَمِنْ شَعَائِرِ النِّكَاحِ إعْلَانُهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» . وَلِهَذَا يَكْفِي فِي إعْلَانِهِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تُوجِبُ الْإِشْهَادَ وَالْإِعْلَانَ؛ فَإِذَا تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ بَطَلَ.
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَلِيمَةُ عَلَيْهِ، وَالنِّثَارُ، وَالطِّيبُ، وَالشَّرَابُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَاتُ النَّاسِ فِي النِّكَاحِ. وَأَمَّا " التَّحْلِيلُ " فَإِنَّهُ لَا يُفْعَلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّلُ زَوْجَ الْمَرْأَةِ، وَلَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ امْرَأَتَهُ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ اسْتِعَارَتُهُ لِيَنْزُوَ عَلَيْهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ تَسْمِيَتُهُ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؛ وَلِهَذَا شُبِّهَ بِحِمَارِ الْعُشْرِيِّينَ الَّذِي يُكْتَرَى لِلتَّقْفِيزِ عَلَى الْإِنَاثِ؛ وَلِهَذَا لَا تَبْقَى الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا بَعْدَ التَّحْلِيلِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ؛ بَلْ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا نَوْعٌ مِنْ النُّفْرَةِ.
وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْلِيلِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ يَأْمُرُ بِهِ الشَّارِعُ: صَارَ الشَّيْطَانُ يُشَبِّهُ بِهِ أَشْيَاءَ مُخَالِفَةً لِلْإِجْمَاعِ، فَصَارَ طَائِفَةٌ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ وِلَادَتَهَا لِذَكَرٍ يُحِلُّهَا، أَوْ إنْ وَطِئَهَا بِالرِّجْلِ عَلَى قَدَمِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ فَوْقَ سَقْفٍ أَوْ سُلَّمٍ هِيَ تَحْتَهُ يُحِلُّهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُمَا إذَا الْتَقَيَا بِعَرَفَاتٍ، كَمَا الْتَقَى آدَم وَامْرَأَتُهُ أَحَلَّهَا ذَلِكَ. وَمِنْهُنَّ مَنْ إذَا تَزَوَّجَتْ بِالْمُحَلَّلِ بِهِ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا؛ بَلْ تُمَكِّنُهُ مِنْ أَمَةٍ لَهَا. وَمِنْهُنَّ مَنْ تُعْطِيهِ شَيْئًا، وَتُوصِيهِ بِأَنْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَلِّلُ الْأُمَّ وَبِنْتَهَا. إلَى أُمُورٍ أُخَرَ قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، بَيَّنَّاهَا فِي " كِتَابِ بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ ". وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ السَّلَفُ خَيْرٌ مِنْ مِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَأْتِي بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا عَدَدَ لَهُ لَكَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَإِنْ كَانَ هَذَا مَنْسُوخًا. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَسْتَكْرِيَ مَنْ يَطَؤُهَا فَهَذَا لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ.
وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْلِيلِ يَفْعَلُونَ أَشْيَاءَ مُحَرَّمَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا أَنْ يُصَرِّحَ بِخُطْبَتِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ عِدَّةِ طَلَاقٍ أَوْ عِدَّةِ وَفَاةٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]
(3/215)

فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمُوَاعَدَةِ سِرًّا، وَعَنْ عَزْمَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي عِدَّةِ الْمَوْتِ فَهُوَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَشَدُّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَدْ تَرْجِعُ إلَى زَوْجِهَا؛ بِخِلَافِ مَنْ مَاتَ عَنْهَا. وَأَمَّا " التَّعْرِيضُ " فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَلَا يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ وَفِيمَا سِوَاهُمَا. فَهَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُوَاعِدَهَا سِرًّا، وَلَا يَعْزِمُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ ثَانٍ وَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَحِلَّ لِلْأَوَّلِ أَنْ يُوَاعِدَهَا سِرًّا، وَلَا يَعْزِمَ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ أَشَدُّ وَأَشَدُّ وَإِذَا كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَهَا، لَا تَصْرِيحًا، وَلَا تَعْرِيضًا؛ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا كَانَتْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا أَنْ يَخْطِبَهَا؛ لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا. بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَخِطْبَتُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ أَعْظَمُ مِنْ خِطْبَتِهَا بَعْدَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالثَّانِي.
وَهَؤُلَاءِ " أَهْلُ التَّحْلِيلِ " قَدْ يُوَاعِدُ أَحَدُهُمْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا، وَيَعْزِمَانِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَقَبْلَ نِكَاحِ الثَّانِي عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، وَيُعْطِيهَا مَا تُنْفِقُهُ عَلَى شُهُودِ عَقْدِ التَّحْلِيلِ، وَلِلْمُحَلِّلِ، وَمَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ التَّحْلِيلِ، وَالزَّوْجُ الْمُحَلِّلُ لَا يُعْطِيهَا مَهْرًا، وَلَا نَفَقَةَ عِدَّةٍ، وَلَا نَفَقَةَ طَلَاقٍ، فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ وَقْتَ نِكَاحِهَا بِالثَّانِي أَنْ يَخْطِبَهَا الْأَوَّلُ - لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا - فَكَيْفَ إذَا خَطَبَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالثَّانِي؟ أَوْ إذَا كَانَ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِي لَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ أَنْ يُوَاعِدَهَا سِرًّا، وَلَا يَعْزِمَ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ: فَكَيْفَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُطَلِّقَ؟ ، بَلْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ، بَلْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ، فَهَذَا كُلُّهُ يَحْرُمُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْلِيلِ يَفْعَلُهُ، وَلَيْسَ فِي التَّحْلِيلِ صُورَةٌ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حِلِّهَا وَلَا صُورَةٌ أَبَاحَهَا النَّصُّ؛ بَلْ مِنْ صُوَرِ التَّحْلِيلِ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَمِنْهَا مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» مِنْهُمْ؛ وَهَذَا وَغَيْرُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ مِنْ التَّحْلِيلِ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْكِحَةِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا السَّلَفُ؛ وَبِكُلِّ حَالٍ فَالصَّحَابَةُ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَبَعْدَهُمْ التَّابِعُونَ، كَمَا ثَبَتَ فِي
(3/216)

الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» فَنِكَاحٌ تَنَازَعَ السَّلَفُ فِي جَوَازِهِ أَقْرَبُ مِنْ نِكَاحٍ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَإِذَا تَنَازَعَ فِيهِ الْخَلَفُ فَإِنَّ أُولَئِكَ أَعْظَمُ عِلْمًا وَدِينًا؛ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَعْظِيمِ تَحْرِيمِهِ كَانَ أَمْرُهُ أَحَقَّ مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَإِنْ اشْتَبَهَ تَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا يَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا]
537 - 139 - سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا يَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَفِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَشَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ، فَهَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ نُوَّر اللَّهُ مَرْقَدَهُ وَضَرِيحَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ إذَا تَزَوَّجَهَا عِنْدَ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
وَإِذَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا كَانَ هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحًا لَازِمًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَمَتَى تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/217)

[كِتَابُ الطَّلَاقِ] [مَسْأَلَةٌ مُسِنَّة كَانَتْ تَحِيض فَشَرِبَتْ دَوَاءً فَانْقَطَعَ دَمُهَا]
ِ 538 - 1 مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْإِيَاسِ، وَكَانَتْ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ، فَشَرِبَتْ دَوَاءً فَانْقَطَعَ دَمُهَا وَاسْتَمَرَّ انْقِطَاعُهُ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، فَهَلْ تَكُونُ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ بِالشُّهُورِ، أَوْ تَتَرَبَّصُ حَتَّى تَبْلُغَ سِنَّ الْآيِسَاتِ؟
الْجَوَابُ: إنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ الدَّمَ لَا يَأْتِي فِيمَا بَعْدُ بِحَالٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ الدَّمُ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَعُودَ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ سَنَةً، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ، كَمَا قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَرْأَةِ يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، تَتَرَبَّصُ سَنَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، كَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا تَنْتَظِرُ حَتَّى تَدْخُلَ فِي سِنِّ الْآيِسَاتِ فَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِمِثْلِهِ، وَتُمْنَعُ مِنْ النِّكَاحِ وَقْتَ حَاجَتِهَا إلَيْهِ، وَيُؤْذَنُ لَهَا فِيهِ حِينَ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى امْرَأَتِهِ إنَّ مَا فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يُحِبُّكِ]
539 - 2 مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى امْرَأَتِهِ إنَّ مَا فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يُحِبُّكِ، فَهَلْ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ طُولَ لِسَانِك، أَوْ مَنْ يُحِبُّكِ مَعَ طُولِ لِسَانِكِ، وَلَا يَعْرِفُ أَحَدًا يُحِبُّهَا فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ،
(3/221)

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُحِبُّهَا حُبًّا مُطْلَقًا بَلْ كَانَ وَاحِدٌ يُبْغِضُهَا مِنْ وَجْهٍ لِأَجْلِ شَرِّهَا فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
540 - 3 - مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى أَخِيهِ بِالطَّلَاقِ لَوْ أَعْطَيْتنِي مِلْءَ ثَوْبِك ذَهَبًا مَا أَعْطَيْتُك هَذِهِ الْحَاجَةَ، ثُمَّ إنَّهُ أَعْطَاهُ تِلْكَ الْحَاجَةَ بِعَيْنِهَا، فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ قَدْ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا، أَوْ مُتَأَوِّلًا، أَوْ يَكُونُ قَدْ امْتَنَعَ لِسَبَبٍ، وَزَالَ ذَلِكَ السَّبَبُ، أَوْ حَلَفَ يَعْتَقِدُهُ بِصِفَةٍ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهَا، فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ عَلَى الْأَقْوَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]
541 - 4 - مَسْأَلَةٌ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ يَمِينًا مِنْ الْأَيْمَانِ، فَالْأَيْمَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَيْسَ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ، كَالْكَعْبَةِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْمَشَايِخِ، وَالْمُلُوكِ وَالْآبَاءِ؛ وَتُرْبَتِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ هِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّهْيُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِمْ. فَفِي الصَّحِيحِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ، وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» ، وَفِي
(3/222)

السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» .
وَالثَّانِي: الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ. فَهَذِهِ يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ فِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَى الْحَلِفِ بِاَللَّهِ مَقْصُودُ الْحَالِفِ بِهَا تَعْظِيمَ الْخَالِقِ - لَا الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ - كَالْحَلِفِ بِالنَّذْرِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ أَوْ الْحَجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ.
أَوْ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا. أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَا أَمْلِكُهُ حَرَامٌ. أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. أَوْ لَا أَفْعَلُهُ. أَوْ إنْ فَعَلْته فَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَكُلُّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْأَيْمَانُ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قِيلَ إذَا حَنِثَ لَزِمَهُ مَا عَلَّقَهُ وَحَلَفَ بِهِ. وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ يُجْزِيهِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَالْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَلْزَمُهُ مَا حَلَفَ بِهِ.
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُوَافِقُ لِلْأَقْوَالِ الثَّابِتَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي جَمِيعِ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] . وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .
فَإِذَا قَالَ: الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ: أَجْزَأَهُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِنْ كَفَّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَهُوَ أَحْسَنُ. وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْعِتْقِ، أَوْ إطْعَامِ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ. وَإِذَا أَطْعَمَهُمْ أَطْعَمَ كُلَّ وَاحِدٍ جِرَايَةً مِنْ الْجِرَايَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي بَلَدِهِ، مِثْلُ:
(3/223)

أَنْ يُطْعِمَ ثَمَانِ أَوَاقٍ، أَوْ تِسْعَ أَوَاقٍ بِالشَّامِيِّ، وَيُطْعِمَ مَعَ ذَلِكَ إدَامَهَا؛ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الشَّامِ فِي إعْطَاءِ الْجِرَايَاتِ خُبْزًا وَإِدَامًا. وَإِذَا كَفَّرَ يَمِينَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ.
وَأَمَّا إذَا قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، مِثْلُ أَنْ يُنَجِّزَ الطَّلَاقَ فَيُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ يَقْصِدُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلطَّلَاقِ إذَا فَعَلْت أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ لَهَا: إنْ فَعَلْته فَأَنْتِ طَالِقٌ. قَصْدُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إذَا فَعَلَتْهُ، فَهَذَا مُطْلَقٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ السَّلَفِ وَجَمَاهِيرِ الْخَلَفِ؛ بِخِلَافِ مَنْ قَصْدُهُ أَنْ يَنْهَاهَا وَيَزْجُرَهَا بِالْيَمِينِ؛ وَلَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ الَّذِي يَكْرَهُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ بَلْ هُوَ مُرِيدٌ لَهَا وَإِنْ فَعَلَتْهُ؛ لَكِنَّهُ قَصَدَ الْيَمِينَ لِمَنْعِهَا عَنْ الْفِعْلِ؛ لَا مُرِيدًا أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ فَعَلَتْهُ، فَهَذَا حَالِفٌ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، بَلْ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا تَقَدَّمَ.

[فَصَلِّ الطَّلَاقُ الَّذِي يَقَعُ بِلَا رَيْبٍ]
فَصْلٌ
وَالطَّلَاقُ الَّذِي يَقَعُ بِلَا رَيْبٍ هُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ وَأَبَاحَهُ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا، أَوْ بَعْدَ مَا يَبِينُ حَمْلُهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً.
فَأَمَّا الطَّلَاقُ الْمُحَرَّمُ: مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْحَيْضِ، أَوْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ أَنْ يَطَأَهَا وَقَبْلَ أَنْ يَبِينَ حَمْلُهَا. فَهَذَا الطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَتَنَازَعُوا فِيمَا يَقَعُ بِهَا، فَقِيلَ: يَقَعُ بِهَا الثَّلَاثُ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ بِهَا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ الْمُحَرَّمُ فِي الْحَيْضِ وَبَعْدَ الْوَطْءِ، هَلْ يَلْزَمُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ النِّكَاحُ الْمُحَرَّمُ، وَالْبَيْعُ الْمُحَرَّمُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ» . وَثَبَتَ أَيْضًا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ «
(3/224)

أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هِيَ وَاحِدَةٌ» . وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ
خِلَافُ هَذِهِ السُّنَّةِ، بَلْ مَا يُخَالِفُهَا إمَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ؛ بَلْ مَرْجُوحٌ. وَإِمَّا إنَّهُ صَحِيحٌ لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ بُسِطَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصَلِّ طَلَاقُ السُّنَّةِ وَطَلَاقُ الْبِدْعَة]
فَصْلٌ
الطَّلَاقُ مِنْهُ طَلَاقُ سُنَّةٍ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ. فَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، أَوْ يُطَلِّقَهَا حَامِلًا قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا.
فَإِنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ، أَوْ وَطِئَهَا وَطَلَّقَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا فَهَذَا طَلَاقٌ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَلْزَمُ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ، أَوْ بِكَلِمَاتٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ، فَهَذَا حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَهُوَ أَيْضًا حَرَامٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: إذَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً لَمْ يُطَلِّقْهَا الثَّانِيَةَ حَتَّى يُرَاجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ يَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِيَةَ وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، فَإِذَا طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا الثَّلَاثَ طَلَاقًا مُحَرَّمًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ.
وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَيَنْكِحَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛
(3/225)

وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ؛ لِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَاحِدَةً» . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ وَرَدَّهَا عَلَيْهِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ثَبَّتَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ.
وَضَعَّفَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ، مَا رُوِيَ «أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَقَدْ اسْتَحْلَفَهُ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً؟» فَإِنَّ رُوَاةَ هَذَا مَجَاهِيلُ لَا يُعْرَفُ حِفْظُهُمْ وَعَدْلُهُمْ؛ وَرُوَاةُ الْأَوَّلِ مَعْرُوفُونَ بِذَلِكَ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَادٍ مَقْبُولٍ أَنَّ أَحَدًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَلْزَمَهُ الثَّلَاثَ؛ بَلْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كُلُّهَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلَكِنْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ: " أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ". أَيْ ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَةً وَجَاءَ: «إنَّ الْمُلَاعِنَ طَلَّقَ ثَلَاثًا» وَتِلْكَ امْرَأَةٌ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى رَجْعَتِهَا؛ بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ طَلَّقَهَا أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ إذَا ارْتَدَّتْ ثَلَاثًا. وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ الْيَهُودِيِّ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا؛ أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمُشْرِكَةِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَإِنَّمَا الطَّلَاقُ الشَّرْعِيُّ أَنْ يُطَلِّقَ مَنْ يَمْلِكُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا أَوْ يَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصَلِّ حَلَفَ الرَّجُل بِالْحَرَامِ]
فَصْلٌ
إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِالْحَرَامِ فَقَالَ: الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا. أَوْ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا. أَوْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت كَذَا. أَوْ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ يَحْرُمُ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت كَذَا. أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَهُ زَوْجَةٌ: فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ وَلَكِنَّ الْقَوْلَ الرَّاجِحَ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ مِنْ الْأَيْمَانِ لَا يَلْزَمُهُ بِهَا
(3/226)

طَلَاقٌ، وَلَوْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ حَتَّى لَوْ قَالَ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَقَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ الظِّهَارَ طَلَاقًا، وَالْإِيلَاءَ طَلَاقًا، فَرَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَجَعَلَ فِي الظِّهَارِ الْكَفَّارَةَ الْكُبْرَى. وَجَعَلَ الْإِيلَاءَ يَمِينًا يَتَرَبَّصُ فِيهَا الرَّجُلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ يُسَرِّحَ بِإِحْسَانٍ. كَذَلِكَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إنَّهُ إذَا كَانَ مُزَوَّجًا فَحَرَّمَ امْرَأَتَهُ أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ مُطْلَقًا كَانَ مُظَاهِرًا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَإِذَا حَلَفَ بِالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي مَذْهَبِهِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَسَوَاءٌ حَلَفَ، أَوْ أَوْقَعَ. وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: بَلْ إنْ حَلَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَإِنْ أَوْقَعَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ. وَهَذَا أَقْوَى وَأَقْيَسُ عَلَى أُصُولِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
فَالْحَالِفُ بِالْحَرَامِ يُجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا يُجْزِئُ الْحَالِفَ بِالنَّذْرِ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ. أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ كَذَلِكَ إذَا حَلَفَ بِالْعِتْقِ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ وَكَذَلِكَ الْحَلِفُ. بِالطَّلَاقِ يُجْزِئُ فِيهِ أَيْضًا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ [جَمَاعَةٌ] مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَالثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ بَلْ مَعْنَاهُ يُوَافِقُهُ. فَكُلُّ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ فِي أَيْمَانِهِمْ فَفِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مَقْصُودُ الرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ أَنْ يُعْتِقَ أَوْ أَنْ يُظَاهِرَ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ مَا أَوْقَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا. وَلَا يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْإِمْسَاك بِمَعْرُوفِ أَوْ التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ]
542 - 5 - مَسْأَلَةٌ:
قَاعِدَةٌ نِكَاحِيَّةٌ () : فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] إلَى قَوْلِهِ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]
(3/227)

إلَى قَوْله تَعَالَى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .
فَجَعَلَ الْمُبَاحَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ. وَأَخْبَرَ أَنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا أَحَقَّ بِالرَّدِّ إلَّا إذَا أَرَادُوا إصْلَاحًا؛ وَجَعَلَ لَهُنَّ مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] . وَقَالَ تَعَالَى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232] .
وَقَوْلُهُ هُنَا: {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ رَضِيَتْ بِغَيْرِ الْمَعْرُوفِ لَكَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَضْلُ، وَالْمَعْرُوفُ تَزْوِيجُ الْكُفْءِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ؛ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أُولَئِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] إلَى قَوْلِهِ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] . فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ التَّرَاضِيَ بِالْمَعْرُوفِ. وَالْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ: التَّسْرِيحُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنَّ لَهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ: " لَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ".
فَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْوَاجِبُ الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ مِنْ أُمُورِ النِّكَاحِ وَحُقُوقِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَكَمَا أَنَّ مَا يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ هُوَ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَهُوَ الْعُرْفُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ فِي حَالِهِمَا نَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً، وَإِنْ كَانَ
(3/228)

ذَلِكَ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِهِمَا مِنْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَالزَّمَانِ كَالشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ وَالْمَكَانِ فَيُطْعِمُهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ مِمَّا هُوَ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ وَهُوَ الْعُرْفُ بَيْنَهُمْ. وَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ الْمُتْعَةِ وَالْعِشْرَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا، وَيَطَأَهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَيَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِهَا وَحَالِهِ. وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَطْءِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْمَعْرُوفِ؛ لَا بِتَقْدِيرٍ مِنْ الشَّرْعِ، قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمِثَالُ الْمَشْهُورُ هُوَ النَّفَقَةُ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْمَعْرُوفِ تَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ نَوْعًا وَقَدْرًا: مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ مُدًّا وَنِصْفًا، أَوْ مُدَّيْنِ؛ قِيَاسًا عَلَى الْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ مَا عَلَيْهِ الْأُمَّةُ عِلْمًا وَعَمَلًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، لَمَّا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ الْكِفَايَةَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهَا نَوْعًا وَلَا قَدْرًا، وَلَوْ تَقَدَّرَ ذَلِكَ بِشَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَبَيَّنَ لَهَا الْقَدْرَ وَالنَّوْعَ، كَمَا بَيَّنَ فَرَائِضَ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ الْعَظِيمَةِ بِعَرَفَاتٍ: لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» .
وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْكِفَايَةُ بِالْمَعْرُوفِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكِفَايَةَ بِالْمَعْرُوفِ تَتَنَوَّعُ بِحَالَةِ الزَّوْجَةِ فِي حَاجَتِهَا، وَيَتَنَوَّعُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، وَيَتَنَوَّعُ حَالُ الزَّوْجِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، وَلَيْسَتْ كِسْوَةُ الْقَصِيرَةِ الضَّئِيلَةِ كَكِسْوَةِ الطَّوِيلَةِ الْجَسِيمَةِ، وَلَا كِسْوَةُ الشِّتَاءِ كَكِسْوَةِ الصَّيْفِ، وَلَا كِفَايَةُ طَعَامِهِ كَطَعَامِهِ، وَلَا طَعَامُ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ كَالْبَارِدَةِ، وَلَا الْمَعْرُوفُ فِي بِلَادِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، كَالْمَعْرُوفِ فِي بِلَادِ الْفَاكِهَةِ وَالْخَمِيرِ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَابْنِ مَاجَهْ، «عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ،
(3/229)

أَنَّهُ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت؛ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ؛ وَلَا تُقَبِّحْ؛ وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ» .
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ مَرَّةً أَنْ تَأْخُذَ كِفَايَةَ وَلَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَهَا يَوْمَ أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ فِي أَكْبَرِ مَجْمَعٍ كَانَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ: «لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . وَقَالَ لِلسَّائِلِ الْمُسْتَفْتِي لَهُ عَنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ: «تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت» ، لَمْ يَأْمُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ؛ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ تَارَةً، وَبِالْمُوَاسَاةِ بِالزَّوْجِ أُخْرَى.
وَهَكَذَا قَالَ فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هُمْ إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ؛ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ؛ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ؛ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» .
فَفِي الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ أَمْرُهُ وَاحِدٌ: تَارَةً يَذْكُرُ أَنَّهُ يَجِبُ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ. وَتَارَةً يَأْمُرُ بِمُوَاسَاتِهِمْ بِالنَّفْسِ. فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ الْمَعْرُوفَ هُوَ الْوَاجِبُ، وَالْمُوَاسَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ. وَقَدْ يُقَالُ أَحَدُهُمَا تَفْسِيرٌ لِلْآخَرِ. وَعَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ هُوَ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ فِي النَّوْعِ، وَالْقَدْرِ، وَصِفَةِ الْإِنْفَاقِ. وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ.
(3/230)

أَمَّا النَّوْعُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُعْطِيَهَا مَكِيلًا كَالْبُرِّ، وَلَا مَوْزُونًا كَالْخُبْزِ، وَلَا ثَمَنَ ذَلِكَ كَالدَّرَاهِمِ؛ بَلْ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ. فَإِذَا أَعْطَاهَا كِفَايَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُمْ أَكْلَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ فَيُعْطِيهَا ذَلِكَ.
أَوْ يَكُونَ أَكْلَ الْخُبْزِ وَالْإِدَامِ فَيُعْطِيهَا ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا حَبًّا فَتَطْحَنَهُ فِي الْبَيْتِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ يَطْحَنُ فِي الطَّاحُونِ وَيَخْبِزُ فِي الْبَيْتِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ يَخْبِزُ فِي الْبَيْتِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ يَشْتَرِي خُبْزًا مِنْ السُّوقِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الطَّبِيخُ وَنَحْوُهُ فَعَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، وَلَا حَبَّاتٌ أَصْلًا؛ لَا بِشَرْعٍ، وَلَا بِفَرْضٍ؛ فَإِنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ دَائِمًا مِنْ الْمُنْكَرِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مُضِرٌّ بِهِ تَارَةً وَبِهَا أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ الْقَدْرُ، لَا يَتَعَيَّنُ مِقْدَارٌ مُطَّرِدٌ؛ بَلْ تَتَنَوَّعُ الْمَقَادِيرُ بِتَنَوُّعِ الْأَوْقَاتِ.
وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكُهَا النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمَعْرُوفُ؛ بَلْ عُرْفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ يَأْتِي بِالطَّعَامِ إلَى مَنْزِلِهِ، فَيَأْكُلَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَمَمْلُوكُهُ: تَارَةً جَمِيعًا، وَتَارَةً أَفْرَادًا. وَيَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلٌ تَارَةً فَيَدَّخِرُونَهُ، وَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ يُمَلِّكُهَا كُلَّ يَوْمٍ دَرَاهِمَ تَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِ؛ بَلْ مَنْ عَاشَرَ امْرَأَةً بِمِثْلِ هَذَا الْفَرْضِ كَانَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَعَاشَرَا بِغَيْرِ الْمَعْرُوفِ وَتَضَارَّا فِي الْعِشْرَةِ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ بِصَاحِبِهِ عِنْدَ الضَّرَرِ؛ لَا عِنْدَ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ فِي الزَّوْجَةِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَ فِي الْمَمْلُوكِ. تَارَةً قَالَ: «لَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» ، كَمَا قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ. وَتَارَةً قَالَ: «تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت» . كَمَا قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَمْلِيكُ الْمَمْلُوكِ نَفَقَتَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَقْتَضِي إيجَابَ التَّمْلِيكِ. وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فَمَتَى اعْتَرَفَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ يُطْعِمُهَا إذَا أَكَلَ وَيَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَى وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ لِمِثْلِهَا فِي بَلَدِهَا فَلَا حَقَّ لَهَا سِوَى ذَلِكَ. وَإِنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يُنْفِقَ بِالْمَعْرُوفِ؛ بَلْ وَلَا لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِدَرَاهِمَ مُقَدَّرَةٍ مُطْلَقًا، أَوْ حَبِّ مِقْدَارٍ مُطْلَقٍ؛ لَكِنْ يَذْكُرُ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِمَا.
(3/231)

[فَصَلِّ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ وَالْوَطْءِ وَالْعِشْرَةِ وَالْمُتْعَةِ]
فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ وَالْوَطْءِ وَالْعِشْرَةِ وَالْمُتْعَةِ وَاجِبَانِ، كَمَا قَدْ قَرَّرْنَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَدِلَّةٍ، وَمَنْ شَكَّ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ فَقَدْ أَبْعَدَ تَأَمُّلِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالسِّيَاسَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. ثُمَّ الْوَاجِبُ قِيلَ: مَبِيتُ لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ، وَالْوَطْءُ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَوْلَى وَالْمُتَزَوِّجِ أَرْبَعًا. وَقِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ وَطْؤُهَا بِالْمَعْرُوفِ، فَيَقُلْ: وَيَكْثُرُ بِحَسَبِ حَاجَتِهَا وَقُدْرَتِهِ، كَالْقُوتِ سَوَاءٌ.
فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهَا مِنْ مُوَافَقَتِهِ فِي الْمَسْكَنِ وَعِشْرَتِهِ وَمُطَاوَعَتِهِ فِي الْمُتْعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ. عَلَيْهَا أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ فِي أَيِّ بَلَدٍ، أَوْ دَارٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ تَشْتَرِطْ خِلَافَهُ؛ وَعَلَيْهَا أَنْ لَا تُفَارِقَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إلَّا لِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا تَنْتَقِلُ، وَلَا تُسَافِرُ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ وَالْأَسِيرِ، وَعَلَيْهَا تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ اسْتِمْتَاعًا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يُسْكِنُهَا مَسْكَنًا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَحْبِسُهَا حَبْسًا يَضُرُّ بِهَا.

[فَصَلِّ خدمة الزَّوْجَة لزوجها]
فَصْلٌ
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَخْدُمَهُ فِي مِثْلِ فِرَاشِ الْمَنْزِلِ؛ وَمُنَاوَلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْخُبْزِ، وَالطَّحْنِ، وَالطَّعَامِ لِمَمَالِيكِهِ، وَبَهَائِمِهِ: مِثْلُ عَلَفِ دَابَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ الْخِدْمَةُ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ، كَضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِشْرَةُ وَالْوَطْءُ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مُعَاشَرَةً لَهُ بِالْمَعْرُوفِ؛ بَلْ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ الْإِنْسَانِ وَصَاحِبُهُ فِي الْمَسْكَنِ إنْ لَمْ يُعَاوِنْهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَاشَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ. وَقِيلَ - وَهُوَ الصَّوَابُ - وُجُوبُ الْخِدْمَةِ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَ سَيِّدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ وَهِيَ عَانِيَةٌ عِنْدَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَعَلَى الْعَانِي وَالْعَبْدِ الْخِدْمَةُ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْخِدْمَةُ الْيَسِيرَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْخِدْمَةُ
(3/232)

بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَخْدُمَهُ الْخِدْمَةَ الْمَعْرُوفَةَ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَيَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ: فَخِدْمَةُ الْبَدْوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الْقَرَوِيَّةِ، وَخِدْمَةُ الْقَوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الضَّعِيفَةِ.

[فَصَلِّ شَرَطَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخِر شَرْطًا لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا يُحَلَّلُ حَرَامًا]
فَصْلٌ
وَالْمَعْرُوفُ فِيمَا لَهُ وَلَهَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يُرْجَعُ فِي مُوجِبِهِ إلَى الْعُرْفِ، كَمَا يُوجِبُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ فِي الْبَيْعِ النَّقْدَ الْمَعْرُوفَ فَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَرْطًا لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا يُحَلِّلُ حَرَامًا فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ؛ فَإِنَّ مُوجِبَاتِ الْعُقُودِ تُتَلَقَّى مِنْ اللَّفْظِ تَارَةً. وَمِنْ الْعُرْفِ تَارَةً أُخْرَى؛ لَكِنَّ كِلَاهُمَا مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ أَنْ يُوجِبَ لِلْآخَرِ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ اللَّهُ مِنْ إيجَابِهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُوجِبَ فِي الْمُعَاوَضَةِ مَا يُبَاحُ بَذْلُهُ بِلَا عِوَضٍ: كَعَارِيَّةِ الْبُضْعِ؛ وَالْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ؛ فَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَجِبَ بِالشَّرْطِ، فَإِنَّهُ إذَا حَرُمَ بَذْلُهُ كَيْفَ يَجِبُ بِالشَّرْطِ؟ ، فَهَذِهِ أُصُولٌ جَامِعَةٌ مَعَ اخْتِصَارٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْفَرْق بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْحَلِفِ]
543 - 6 - مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّلَاقِ، وَالْحَلِفِ وَإِيضَاحِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ -. الصِّيَغُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: صِيغَةُ التَّنْجِيزِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ. أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: فُلَانَةُ طَالِقٌ. أَوْ هِيَ مُطَلَّقَةٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَلَا تَنْفَعُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا فِيهِ كَفَّارَةٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ. أَوْ عَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ. أَوْ: عِتْقُ رَقَبَةٍ. أَوْ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ. أَوْ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ فَهَذِهِ كُلُّهَا إيقَاعَاتٌ لِهَذِهِ الْعُقُودِ بِصِيَغِ التَّنْجِيزِ وَالْإِطْلَاقِ.
(3/233)

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا. أَوْ يَحْلِفُ عَلَى غَيْرِهِ - كَعَبْدِهِ وَصَدِيقِهِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ يَبَرُّ قَسَمَهُ - لَيَفْعَلَن كَذَا. أَوْ لَا يَفْعَلُ كَذَا. أَوْ يَقُولُ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَأَفْعَلَن كَذَا. أَوْ لَا أَفْعَلُهُ. أَوْ يَقُولُ: عَلَيَّ الْحَجُّ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. أَوْ لَا أَفْعَلُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذِهِ صِيَغُ قَسَمٍ، وَهُوَ حَالِفٌ بِهَذِهِ الْأُمُورِ؛ لَا مَوْقِعَ لَهَا. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: إنَّهُ إذَا حَنِثَ لَزِمَهُ مَا حَلَفَ بِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] . وَقَالَ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] .
وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَبِي مُوسَى، أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . وَجَاءَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مُوسَى؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.
وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَحَنِثَ أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَمَنْ حَلَفَ بِأَيْمَانِ الشِّرْكِ: مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ بِتُرْبَةِ أَبِيهِ؛ أَوْ الْكَعْبَةِ، أَوْ نِعْمَةِ السُّلْطَانِ، أَوْ حَيَاةِ الشَّيْخِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ: فَهَذِهِ الْيَمِينُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إذَا حَنِثَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: مِنْ الصِّيَغِ: أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ أَوْ النَّذْرَ بِشَرْطٍ؛ فَيَقُولُ: إنْ كَانَ كَذَا فَعَلَيَّ الطَّلَاقُ. أَوْ الْحَجُّ. أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذَا يُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ لَيْسَ غَرَضُهُ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ - كَمَنْ لَيْسَ غَرَضُهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَالِفِ؛ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ: كَمَنْ غَرَضُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُقُوعِ
(3/234)

الشَّرْطِ: مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ أَبْرَأَتْنِي مِنْ طَلَاقِك فَأَنْتَ طَالِقٌ. فَتُبْرِئُهُ. أَوْ يَكُونُ غَرَضُهُ أَنَّهَا إذَا فَعَلَتْ فَاحِشَةً أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَيَقُولُ: إذَا فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا لِيَمْنَعَهَا؛ وَلَوْ فَعَلَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَلَاقِهَا، فَإِنَّهَا تَارَةً يَكُونُ طَلَاقُهَا أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ حَالِفًا. وَتَارَةً يَكُونُ الشَّرْطُ الْمَكْرُوهُ أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ طَلَاقِهَا. فَيَكُونُ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّرْطُ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، فَشُفِيَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ.
فَالْأَصْلُ فِي هَذَا: أَنْ يُنْظَرَ إلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَقْصُودِهِ، فَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْأُمُورُ وَقَعَتْ مُنَجَّزَةً أَوْ مُعَلَّقَةً إذَا قَصَدَ وُقُوعَهَا عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا؛ وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَهَا إذَا حَنِثَ وَإِنْ وَقَعَ الشَّرْطُ فَهَذَا حَالِفٌ بِهَا؛ لَا مُوقِعٌ لَهَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ؛ لَا مِنْ بَابِ التَّطْلِيقِ، وَالنَّذْرِ، فَالْحَالِفُ هُوَ الَّذِي يَلْتَزِمُ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ، كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلَ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ؛ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَمِينٌ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَقْصِدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ مِنْ نَاذِرٍ وَمُطَلِّقٍ وَمُعَلِّقٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْصِدُ وَيَخْتَارُ لُزُومَ مَا الْتَزَمَهُ، وَكِلَاهُمَا مُلْتَزِمٌ، لَكِنَّ هَذَا الْحَالِفَ يَكْرَهُ وُقُوعَ اللَّازِمِ وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ الْمَلْزُومُ، كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، فَإِنَّ هَذَا يَكْرَهُ الْكُفْرَ، وَلَوْ وَقَعَ الشَّرْطُ: فَهَذَا حَالِفٌ. وَالْمُوقِعُ يَقْصِدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ الْمَلْزُومِ؛ سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ مُرَادًا لَهُ، أَوْ مَكْرُوهًا، أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ: فَهَذَا مُوقِعٌ لَيْسَ بِحَالِفٍ.
وَكِلَاهُمَا مُلْتَزِمٌ مُعَلِّقٌ؛ لَكِنْ هَذَا الْحَالِفُ يَكْرَهُ وُقُوعَ اللَّازِمِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَعَلَيْهِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمَا: فِي تَعْلِيقِ النَّذْرِ. قَالُوا: إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ النَّذْرَ فَقَالَ: لَئِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ الْحَجُّ. فَهُوَ نَاذِرٌ إذَا شَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ فَهَذَا حَالِفٌ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا حَجَّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِثْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ. وَزَيْنَبَ رَبِيبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ. قَالُوا: " يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ ".
هَذَا مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ؛ فَالطَّلَاقُ لَا يَلْزَمُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(3/235)

الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالْعِتْقُ مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ". ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ بِمَنْ غَرَضُهُ أَنْ يُوقِعَهُ؛ لَا لِمَنْ يَكْرَهُ وُقُوعَهُ، كَالْحَالِفِ بِهِ، وَالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كُلُّ يَمِينٍ وَإِنْ عَظُمَتْ فَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ: مِنْ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالنَّذْرِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ مَذْهَبُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ لَكِنْ فِيهِمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ: كَدَاوُد، وَأَصْحَابِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ: كَطَاوُسٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ

. وَالْأَيْمَانُ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْخَلْقُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: يَمِينٌ مُحْتَرَمَةٌ مُنْعَقِدَةٌ: كَالْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى: فَهَذِهِ فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي: الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ: كَالْحَالِفِ بِالْكَعْبَةِ. فَهَذِهِ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْقِدَ الْيَمِينَ لِلَّهِ، فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ. أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ. أَوْ فَنِسَائِي طَوَالِقُ. أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ فِيهَا الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ: إمَّا لُزُومُ الْمَحْلُوفِ بِهِ، وَإِمَّا الْكَفَّارَةُ، وَإِمَّا لَا هَذَا وَلَا هَذَا. وَلَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا يَمِينَانِ: يَمِينٌ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ. أَوْ يَمِينٌ لَيْسَتْ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ: فَهَذِهِ لَا شَيْءَ فِيهَا إذَا حَنِثَ. فَهَذِهِ الْأَيْمَانُ إنْ كَانَتْ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهَا كَفَّارَةٌ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَلْزَمْ بِهَا شَيْءٌ.
فَأَمَّا إثْبَاتُ يَمِينٍ يَلْزَمُ الْحَالِفَ بِهَا مَا الْتَزَمَهُ، وَلَا تُجْزِئُهُ فِيهَا كَفَّارَةٌ: فَهَذَا لَيْسَ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ حُكْمَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا حُكْمَ طَلَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1] {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2] .
(3/236)

وَقَالَ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا - فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 1 - 2] {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] فَهُوَ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حُكْمَ الطَّلَاقِ، وَبَيَّنَ فِي تِلْكَ حُكْمَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْرِفُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَيَعْرِفُوا مَا يَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ وَمَا يَدْخُلُ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْكُمُوا فِي هَذَا بِمَا حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فَيَجْعَلُوا حُكْمَ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكْمَ طَلَاقِهِمْ حُكْمَ أَيْمَانِهِمْ؛ فَإِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِينَ مَيَّزُوا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هُمْ أَجَلُّ قَدْرًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَذَا وَهَذَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء: 59] . فَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَالِاعْتِبَارِ - الَّذِي هُوَ أَصَحُّ الْقِيَاسِ وَأَجْلَاهُ - إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ إذَا فَرَّقُوا بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَيْنَهُ، فَإِنَّ الَّذِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا أَوْقَعَهُمْ هَذَا الِاشْتِبَاهُ: إمَّا فِي آصَارٍ وَأَغْلَالٍ، وَأَمَّا فِي مَكْرٍ وَاحْتِيَالٍ: كَالِاحْتِيَالِ فِي أَلْفَاظِ الْأَيْمَانِ، وَالِاحْتِيَالِ بِطَلَبِ إفْسَادِ النِّكَاحِ، وَالِاحْتِيَالِ بِدَوْرِ الطَّلَاقِ وَالِاحْتِيَالِ بِخَلْعِ الْيَمِينِ، وَالِاحْتِيَالِ بِالتَّحْلِيلِ. وَاَللَّهُ
(3/237)

أَغْنَى الْمُسْلِمِينَ بِنَبِيِّهِمْ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] . أَيْ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ؛ وَمِنْ الدُّخُولِ فِي مُنْكَرَاتِ أَهْلِ الْحِيَلِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصَلِّ التَّعْلِيق الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ إيقَاعُ الطَّلَاق وَاَلَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ]
فَصْلٌ
فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ وَاَلَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ: فَالْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مَكْرُوهًا لَهُ، لَكِنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَإِنَّهُ يُرِيدُ الطَّلَاقَ؛ لِكَوْنِ الشَّرْطِ أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَكْرَهُ طَلَاقَهَا، وَيَكْرَهُ الشَّرْطَ، لَكِنْ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ طَلَاقَهَا: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ كَارِهًا لِلتَّزَوُّجِ بِامْرَأَةٍ بَغِيٍّ أَوْ فَاجِرَةٍ أَوْ خَائِنَةٍ أَوْ هُوَ لَا يَخْتَارُ طَلَاقَهَا؛ لَكِنْ إذَا فَعَلَتْ هَذِهِ الْأُمُورَ: اخْتَارَ طَلَاقَهَا؛ فَيَقُولُ إنْ زَنَيْت أَوْ سَرَقْت أَوْ خُنْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَمُرَادُهُ إذَا فَعَلْت ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا: إمَّا عُقُوبَةً لَهَا؛ وَإِمَّا كَرَاهَةً لِمَقَامِهِ مَعَهَا عَلَى هَذَا الْحَالِ: فَهَذَا مُوقِعٌ لِلطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ، لَا حَالِفٌ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ: كَابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَابْنِ عُمَرَ؛ وَعَنْ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ؛ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؛ وَلَكِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الشِّيعَةِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِحَالِفٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْيَمِينِ الْمُكَفِّرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ سَمَّى هَذَا حَالِفًا، كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مُعَلِّقٍ حَالِفًا؛ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مُنَجِّزٍ لِلطَّلَاقِ حَالِفًا. وَهَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي اللُّغَةِ؛ وَلَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، وَلَا كَلَامِ الصَّحَابَةِ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ يَمِينًا لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ. مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ الْمُسَمَّى. وَهُوَ ظَنُّهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ.
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ فَيُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنَاهُ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنَاهُ: صِيغَةُ الْقَسَمِ.
وَهَذَا الْقَسَمُ إذَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ فَإِنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ كَارِهًا لِلْجَزَاءِ؛ وَهُوَ أَكْرَهُ إلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ: فَيَكُونُ
(3/238)

كَارِهًا لِلشَّرْطِ؛ وَهُوَ لِلْجَزَاءِ أَكْرَهُ، وَيَلْتَزِمُ أَعْظَمَ الْمَكْرُوهَيْنِ عِنْدَهُ لِيَمْتَنِعَ بِهِ مِنْ أَدْنَى الْمَكْرُوهَيْنِ. فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ. أَوْ عَبِيدِي أَحْرَارٌ. أَوْ عَلَيَّ الْحَجُّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَوْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ زَنَيْت أَوْ سَرَقْت أَوْ خُنْت: فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقْصِدُ زَجْرَهَا أَوْ تَخْوِيفَهَا بِالْيَمِينِ، لَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ إذَا فَعَلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرِيدًا لَهَا وَإِنْ فَعَلْت ذَلِكَ؛ لِكَوْنِ طَلَاقِهَا أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ مَقَامِهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَهُوَ عَلَّقَ بِذَلِكَ لِقَصْدِ الْحَظْرِ وَالْمَنْعِ؛ لَا لِقَصْدِ الْإِيقَاعِ: فَهَذَا حَالِفٌ لَيْسَ بِمُوقِعٍ. وَهَذَا هُوَ الْحَالِفُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ. وَالنَّاسُ يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَقَدْ يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الَّتِي فِي مَعْنَاهَا؛ فَإِنْ عُلِمَ هَذَا وَهَذَا سَوَاءٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُلْتَزِمُ لِأَمْرٍ عِنْدَ الشَّرْطِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَزَمُ قُرْبَةً، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ بِهِ، لَا الْحَلِفُ بِهِ، فَلَوْ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ. كَالتَّطْلِيقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَلَوْ الْتَزَمَ الْقُرْبَةَ كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الْحَلِفِ بِهَا لَمْ تَلْزَمْهُ، بَلْ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، وَجُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهَذَا الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ هُوَ الْتَزَمَ وُقُوعَهُ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ، وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَهُ، إذَا أَوْجَدَ الشَّرْطَ كَمَا يَكْرَهُ وُقُوعَ الْكُفْرِ إذَا حَلَفَ بِهِ، وَكَمَا يَكْرَهُ وُجُوبَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ إذَا حَلَفَ بِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا حَالِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، فَيُقَالُ: النَّصُّ وَرَدَ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ شِرْكًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ عَقَدَ الْيَمِينَ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِمَّنْ عَقَدَهَا بِاَللَّهِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّذْرُ أَبْلَغَ مِنْ الْيَمِينِ. فَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِيمَا عُقِدَ لِلَّهِ أَوْلَى مِنْ وُجُوبِهَا فِيمَا عُقِدَ بِاَللَّهِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْمَرْأَة إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ]
544 - 7 - سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِيمَنْ يَقُولُ إنَّ الْمَرْأَةَ. إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ، تُبَاحُ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَا صِفَةُ النِّكَاحِ الثَّانِي الَّذِي يُبِيحُهَا أَفْتُونَا؟
(3/239)

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إذَا وَقَعَ بِالْمَرْأَةِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ. لَمْ تَحِلَّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَقَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ، بِدُونِ نِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ، وَمَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ، اعْتَقَدَ فِي بَعْضِ صُوَرِ التَّعْلِيقِ، وَهِيَ صُورَةُ التَّسْرِيحِ. أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَقَعُ مِنْهُ بَعْدَ هَذَا طَلَاقٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاهِيرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَرَدُّوا هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا نُظَرَائِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ بِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّاهَا وَبَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَمَنْ قَالَ: إنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ لَا يَقَعُ بِحَالٍ، فَقَدْ جَعَلَ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ نِكَاحِ النَّصَارَى.
وَاَللَّهُ قَدْ شَرَعَ الطَّلَاقَ فِي الْجُمْلَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِدُونِ زَوْجٍ ثَانٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ اسْتَحَلَّ وَطْأَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ وَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُرِّفَ الْحُكْمَ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ، بِخِلَافِ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَسَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ، تَنَازَعُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ. هَلْ يَقَعُ فِيهَا الطَّلَاقُ أَوْ لَا يَقَعُ؟ وَهَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ؟ وَتَنَازَعُوا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ هَلْ الطَّلَاقُ مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، إذَا لَمْ تَسْأَلْهُ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ، حَتَّى تَطْهُرَ فَيُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، وَإِنَّهُ يُبَاحُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَمَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ فَإِنَّنَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مُبَاحٌ، فَلَا كَرَاهَةَ وَبِدُونِ الْحَاجَةِ مُكْرَهٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَتَحْرُمُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَمَوَارِدِ النِّزَاعِ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
وَالْمَسَائِلُ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ كَثِيرَةٌ، كَمَسَائِلِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ، هَلْ تَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ أَوْ يَقَعُ بِالظَّاهِرَةِ، وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ، وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ إلَّا بِنِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْوَطْءِ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
(3/240)

كَمَا ثَبَتَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ نِزَاعٌ إلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا كَانَ النِّكَاحُ نِكَاحَ رَغْبَةٍ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الدُّخُولِ، وَمَنْ نَقَلَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ مَالِكٍ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ دَاوُد أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ أَخْطَأَ، إنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُقَالُ: إنَّهُ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَوْلُهُ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ، لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهَا لَا تُبَاحُ لِلْأَوَّلِ إلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ، وَهُوَ النِّكَاحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي