Advertisement

المستدرك على مجموع الفتاوى 001



الكتاب: المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
جمعه ورتبه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (المتوفى: 1421هـ)
الطبعة: الأولى، 1418 هـ
عدد الأجزاء: 5 أجزاء
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ـ[المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام]ـ
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
جمعه ورتبه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (المتوفى: 1421هـ)
الطبعة: الأولى، 1418 هـ
عدد الأجزاء: 5 أجزاء
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
منَّ الله جل وعلا بجمع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله وطبعها في كتاب عدد مجلداته سبعة وثلاثون مجلدًا، ثلاثون منها طبعت في الرياض في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله على نفقته الخاصة عام 1381هـ، ثم طبعت السبعة الباقية في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة عام 1386هـ.
ثم صورت السبعة والثلاثون في عهد الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله بأمره في المغرب.
ثم صورت بأمر الملك فهد حفظه الله في عام 1397هـ.
وهي الآن تصور في مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة لطباعة المصحف الشريف.
وهكذا تلقاها ملوك آل سعود لاحقا عن سابق بالتقدير والعناية، وبذلوا في سبيل إخراجها الغالي والنفيس، ولا تزال عند العلماء والمفتين والقضاة والمتعلمين من أكبر المراجع وأوثقها، وهي كما قال عنها سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: رحمه الله «هذا كتاب عظيم القدر كثير الفائدة» .
(1/5)

وقد ذكرت في مقدمتي للطبعة الأولى منها قصة جمع هذه الفتاوى، وأصولها المطبوعة سابقا والمخطوطة، وما قمت به مع والدي رحمه الله في جمعها، وترتيبها، وتصحيح أصولها.
وبحكم إشرافي أيضًا على طباعتها وضعت لكل مجلد فهرسا خاصا شاملا لكل ما فيه مما يتعلق بفنه أو بابه ومما لا يتعلق بهما.
ثم بعد نهاية طبع الخمسة والثلاثين مجلدا وضعت لها فهرسا عاما شاملا مرتبا على حسب الفنون وعلى ترتيب أبوابها وفصولها وعباراتها في مجلدين ضخمين. فلم تبق مسألة أو بحث مقصود أو مستطرد إلا ذكرته فيهما. فما لم يكن في هذين المجلدين فليس موجودا في الخمسة والثلاثين.
(1/6)

هذا المستدرك

ثم بعد أن جمعت فتاوى ورسائل مفتي الديار السعودية ورئيس قضائها والشئون الإسلامية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بأمر جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله وطبعت في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة عام تسعة وتسعين وثلاثمائة وألف بأمره في ثلاثة عشر مجلدا وانتشرت، وانتفع الناس بها (1) فكرت في البحث عن شيء «ما» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (قدس الله روحه) ، فتذكرت أني حين سافرت إلى بغداد للبحث عن فتاوى شيخ الإسلام عثرت على مجلد من «الدرر المضية من الفتاوى المصرية» وعدد مجلداتها ستة فيما ذكره ابن القيم رحمه الله ويقول العليمي سبعة (2) ، وتبين أن الخمسة الباقية مفقودة رأيت بعد ذلك أن أرجع إلى مختصر هذه الفتاوى الذي اختصره بدر الدين محمد بن علي بن محمد البعلي الحنبلي المتوفى سنة 777 أو 778هـ وطبع في مطبعة أنصار السنة بمصر في عام 1368هـ لأجمع منها ما ليس في الجزء الأول الذي أدخلته في مجموع الفتاوى السابق، فوجدت فيه فتاوى كثيرة ليست في المجموع الأول، بلغ عددها سبعا وخمسين ومائتي مسألة قليل منها موجود في المجموع السابق لكن في هذا مع زيادة.
__________
(1) ولها فهرس عام في مجلد مخطوط.
(2) ذكرها ابن القيم في النونية بقوله:

وكذاك أجوبة له مصرية ... في ست أسفار كتبن سمان

ويقول العليمي: إنها سبع مجلدات (الدر المنضد جـ2/478) .
(1/7)

ثم بدا لي أن أنظر في «الاختيارات الفقهية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية التي جمعها ورتبها علاء الدين علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي المتوفى سنة (803) مع زيادات من فوائده على المجموع، والتي قال عنها الناشر: «هذه خلاصة الفتاوى وزبدتها» . وأثنى عليها وعلى كل اختياراته ابن القيم فقال: «إنها لا تقصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب وشيخهما أبي يعلى إن لم ترجح عليها» فتحصل منها مما ليس في مجموع الفتاوى سبع وثلاثون وستمائة، منها ما فيه زيادة أو زيادات كما تقدم.
ثم تتبعت مؤلفات تلاميذه رحمهم الله ومن نقل عنه فتذكرت أني قرأت مؤلفات ابن القيم كلها في أول عهدي بطلب العلم وجدت فيها نقولاً كثيرة عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، وابن القيم هو أخص تلاميذه، والذي لازمه ملازمة تامة ما يقرب من ست عشرة سنة ونهل من فيض علمه الواسع. وهذه النقول لم تدخل في المجموع السابق فبدأت بمراجعتها وهي أربعة وعشرون كتابا (1) ، فاجتمع لدي منها ست وعشرون ومائة مسألة.
ومن بين كتب تلاميذه «الفروع» لمحمد بن مفلح بن مفرج المقدسي المتوفى (763) وعدد مجلداته ستة راجعتها فخرجت منها بثلاث وتسعين ومائتي مسألة. وهذا الكتاب ومؤلفه موضع التقدير من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، قال عنه ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح حضر عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ونقل عنه كثيرا، وكان يقول: ما أنت ابن مفلح، بل أنت مفلح (2) ، وقد تحصل منها ثلاث وستون ومائتا مسألة.
__________
(1) يأتي ذكر أسمائها وعدد أجزائها.
(2) مختصر طبقات الحنابلة «الناشر دار الكتاب العربي»
(1/8)

ومن بين الكتب التي راجعتها كتاب «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» تأليف علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت 885) وعدد مجلداته اثنا عشر فظفرت منه بتسع وعشرين وثلاثمائة مسألة. وقد قال مؤلف هذا الكتاب: إن علاء الدين البعلي جامع اختيارات شيخ الإسلام لم يستوفها كلها. فاستدرك ما فاته، كما أنه نقل عن جملة من كتب شيخ الإسلام وفتاويه ومنها حاشيته على المحرر، والفتاوى المصرية (1) وجميع ما وجدته في الإنصاف تسعة وعشرون وثلاثمائة.
ومن بين ما رجعت إليه «مُسَوَّدة آل تيمية» وقد اجتمع لي مما يخص شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية من هذه المسودة اثنتان وثمانون ومائتا مسألة. ولم أقتبس من فتاوى والده وجده إلا ما رجحه هو أو تعقبه. ولم أقتبس مما أضافه جامع الفتاوى أي شيء.
ومنها «الآداب الشرعية» لابن مفلح وقد اقتبست منه إحدى وثمانين مسألة وعدد مجلداته ثلاثة..
ولم أعثر في شرح الزركشي على مختصر الخرقي إلا على خمس عشرة مسألة في مجلداته التي حققها فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.
وقد ضم هذا المستدرك مجموعة من الرسائل بخط مؤلفها عددها «اثنتا عشرة» تقع في ثلاثين صفحة كنت حصلت عليها حين جمعي للفتاوى التي في المكتبة الظاهرية بدمشق (372) لكن لم أتمكن في ذلك الوقت من قراءتها ونسخها على الوجه الصحيح الذي تبرأ الذمة بنقله، لكني عدت إليها بعد ذلك للقراءة المتأنية وقابلت بعض نصوصها
__________
(1) وقد رأيت فيما نقلته أن تلاميذه وعلماء المذهب يتتبعون كتبه الكبار أيضًا: كرده على الرافضي، «واقتضاء الصراط المستقيم» ، و «شرح العمدة» وغيرها، وقد نبهت على ذلك في أماكنه.
(1/9)

على نظيره في بعض المراجع الأخرى، ومع ذلك لم تخلُ من فراغات لكنها لا تخل بالسياق العام.
وما عدا ذلك مما لم أسمه هنا فقد ذكرت مرجعه عند نقله في موضعه.
وقد بلغ مجموع المسائل الذي ضمها هذا المستدرك أكثر من ألفي مسألة، منها نحو المائتين لها أصل في المجموع الأول لكنها تختلف عن أصولها: بزيادة أو إيضاح، أو تعقب، أو جمع لبعض المسائل المتشابهة أو تعريفات.
هذا وقد ضمنت هذا المستدرك مقتطفات تدل على فضل الشيخ وكرم أخلاقه، رحمه الله رحمة واسعة.
طريقتي
طريقتي التي وصلت بها إلى أن فتاوى المستدرك ليست في المجموع الأول:
1- أني عرضت الفتاوى الجديدة على فهارس الفتاوى السابقة فما لم أجده في الفهارس العامة «المجلدين» عرفت أنه ليس موجوداً في المجموع السابق.
2- ولمزيد من التأكد أرجع إلى مظنة المسألة حتى يثبت لي وجودها أو عدمه، أو أن في الأخير زيادة، أم لا.
والله جل وعلا أسأله أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

21/2/1418هـ
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
(1/10)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
(العلم، وفضله، وأقسامه، وفضائل الأعمال، ودرجاتها، وأقسام الناس في ذلك)

لا ريب أن الذين أوتوا العلم والإيمان أرفع من الذين أوتوا الإيمان فقط، كما دل عليه الكتاب (1) والسنة (2) .
والعلم الممدوح هو الذي ورّثه الأنبياء.
وهذا العلم: ثلاثة أقسام:
علم بأسماء الله وصفاته وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله «سورة الإخلاص» و «آية الكرسي» ونحوهما.
__________
(1) من ذلك قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة الآية: 11] .
(2) كما أخرجا في الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» . وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في العلم وفضله وشرفه وبيان عموم الحاجة إليه، وتوقف كمال العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه، مائة وخمسين وجها (انظر مفتاح دار السعادة ص48-168) .
(1/11)

والقسم الثاني: العلم بما أخبر الله تعالى به مما كان من الأمور الماضية ومما يكون من المستقبلة وما هو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثله أنزل الله القصص والوعد والوعيد وصفة الجنة والنار.
والقسم الثالث: العلم بما أمر الله به من الأمور المتعلقة بالقلوب والجوارح: من الإيمان بالله، ومن معارف القلوب وأحوالها، وأحوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه العلم بأصول الإيمان، وقواعد الإسلام، والعلم بالأقوال والأفعال الظاهرة مما هو في كتب الفقه.
وقد يكون الرجل حافظا لحروف العلم ولا يكون مؤمنا بل منافقا، فالمؤمن الذي لا يحفظ العلم وصوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق قد ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان. فأما الذي أوتي العلم والإيمان فهو مؤمن عليم. «هذا أصل» .
و «أصل آخر» وهو: أنه ليس كل عمل أورث كشفا أو تصرفا في الكون يكون أفضل من العمل الذي لا يورث ذلك، فإن الكشف إن لم يكن مما يستعان به على دين الله والإيمان به كان من متاع الحياة الدنيا، وقد يحصل ذلك للكفار وإن لم يحصل لأهل الإيمان.
وفضائل الأعمال ودرجاتها لا تتلقى عن مثل من يحصل له هذا، بل من الكتاب والسنة، فأكرم الخلق عند الله أتقاهم لله.
وتفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقا، وقد يكون مقيدًا في وقت أو زمان أو شخص، وقد يأتي الرجل بالعمل الفاضل ويفوتُ شروطه وغيره يأتي بالمفضول مكملا فيكون هذا أفضل من ذلك (1) .
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية (ط 1368هـ بمطبعة السنة المحمدية) ص146 (غير موجود انظر جـ2/453 من الفهارس العامة لمجموع الفتاوى) .
(1/12)

وطلب العلم الواجب لكونه معينا (1) على كل أحد: إما لكونه محتاجا إلى جواب مسائل في أصول دينه أو فروعه ولا يجد في بلده من يجيبه، وإما لكونه فرضا على الكفاية ولم يقم به من يُسْقِطُ الفرض، فيجوز السفر لطلب ذلك بدون رضا الوالدين فلا طاعة لهما في ترك فريضة (2) .
__________
(1) كذا في الأصل. وغالبا ما تستعمل كلمة متعينًا في مثل هذا.
(2) مختصر الفتاوى المصرية (ص589، 590) فيه زيادات عما في مجموع الفتاوى. انظر الفهارس العامة جـ2/254. وقدمت هذين النقلين هنا كمدخل لما في هذا المستدرك.
(1/13)

توحيد الألوهية

[الإله] .
«الإله» : هو الذي تألهه القلوب: بكمال المحبة، والتعظيم، والإجلال، والرجا والخوف (1) .
[توحيد الخليلين وكمال التوحيد]
قال شيخنا: «والخليلان» ، هم أكمل خاصة الخاصة توحيدًا، ولا يجوز أن يكون في الأمة مَنْ هو أكمل توحيدًا من نبي من الأنبياء، فضلاً عن الرسل، فضلاً عن أولي العزم، فضلاً عن الخليلين.
وكمال هذا التوحيد هو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلا، بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء: يحب من أحب وما أحب، ويبغض ما أبغض وما أبغض، ويوالي من يوالي، ويعادي من يعادي، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه (2) .
[مما يلجئ المؤمنين إلى توحيد الله والتعلق به] .
قال الشيخ تقي الدين: من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضر ما يلجؤهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه لا يرجون أحدا سواه، فتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم: من التوكل عليه، والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان، وذوق طعمه، والبراءة من الشرك، ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب والضر؛ وما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله
__________
(1) مختصر الفتاوى ص268 (لا توجد في المجموع انظر الفهارس العامة جـ1/3) .
(2) مدارج السالكين جـ3/485 غير موجودة انظر الفهارس العامة جـ1/3.
(1/15)

الدين فأعظم من أن يعبر عنه مقال؛ ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قيل: يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك. وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي أن ينصرف عني ذلك. لأن النفس لا تريد إلا حظها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيًّا» (1) .
[التكبر شر من الشرك] .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: التكبر شر من الشرك فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره (2) .
[التلفظ بالشهادة لا يكفي لدخول الجنة ولو حج]
ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب والسنة والإجماع (3) .
وتُكَفِّر الشهادة غير الدين. قال شيخنا: وغير مظالم العباد: كقتل، وظلم، وزكاة، وحج أخرهما. وقال شيخنا: ومن اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعا (4) .
[الإسلام وما يناقصه أو يقدح فيه]
(مسألة) : الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو: عبادة الله وحده لا شريك له. فإذا كان مطلوب العبد من الأمور التي لا يقدر
__________
(1) الآداب الشرعية جـ2/185 موجود بعضه انظر الفهارس العامة جـ1/8
(2) مدارج السالكين ص332 غير موجود في مجموع الفتاوى. ومن الآن فما بعد لا أنبه على ما ليس بموجود لكثرته، يكفي السكوت عنه بأنه غير موجود. وما كان فيه زيادة أو زيادات أو إيضاح أو لكونه أطول أو أشمل أو غير ذلك أنبه عليه إن شاء الله تعالى.
(3) مختصر الفتاوى ص93.
(4) فروع جـ6/194 (يترتب مع جـ1 من الفهارس العامة ص5) .
(1/16)

عليها إلا الله مثل: شفاء مريضه، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافيته مما به من بلاء الدنيا والآخرة، أو انتصاره على عدوه، أو هداية قلبه، أو غفران ذنبه، أو دخوله الجنة ونجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويُحسِّن خُلُقه، وأمثال ذلك، فهذا لا يجوز أن يطلب إلا من الله تعالى.
ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ ميت أو حي: اغفر لي ذنبي وانصرني على عدوي. فمن سأل مخلوقا شيئا من ذلك فهو مشرك به قد اتخذ لله ندا، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهذا مثل دين النصارى.
وكذلك قوله: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو في جيرتك، فلان يظلمني يا شيخي فلان: انصرني عليه.
وأما ما يقدر عليه العبد فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض، فإن «مسألة المخلوق» قد تكون جائزة، وقد تكون منهيا عنها. ومن ذلك قوله: يا فلان ادع الله لي، اسأل الله لي كذا. فطلب الدعاء ممن هو فوقه أو دونه مشروع، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي» ، وذلك لأجل منفعته - صلى الله عليه وسلم - بطلب الوسيلة له ومنفعتنا بالشفاعة. وفرق بين من يطلب من غيره الدعاء لمنفعته منه وبين من يسأل غيره لحاجته إليه فقط. وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيان فأسقنا» .
وأما «زيارة القبور المشروعة» فهي أن يسلم على الميت ويدعو له فقط كالصلاة على جنازته. فليس في الزيارة المشروعة حاجة للحي إلى الميت ولا توسل به؛ بل فيها منفعة الميت كالصلاة عليه، والله يرحم
(1/17)

هذا ويثيبه على عمله، ويرحم هذا ويثيبه على دعائه للميت وتذكره الدار الآخرة، كما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة الزيارة، وكما كان هو - صلى الله عليه وسلم - يزور.
والمقصود: أن من يأتي إلى القبر أو إلى رجل صالح ويستنجده فهذا على ثلاث درجات:
إحداها: أن يسأل حاجته، مثل أن يقول: اغفر لي ونحوه، فهذا شرك كما تقدم.
الثانية: أن يطلب منه أن يدعو له لأنه أقرب إلى الإجابة، فهذا مشروع في الحي. وأما الميت فلم يشرع لنا أن نقول له: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك؛ ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد في حديث؛ بل في الصحيح: «أن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس» ولم يأت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كانوا إذا جاءوا قبره سلموا عليه، فإذا دعوا استقبلوا القبلة ودعوا الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع. وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إتيان قبره، واتخاذه عيدا، ومسجدا في أحاديث كثيرة.
ولهذا قال العلماء: إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، ولا يجوز أن ينذر للقبر ولا للمجاورين عنده شيء من الأشياء: لا دراهم، ولا زيت، ولا شمع، ولا حيوان، ولا غير ذلك.
ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد الموتى مستحبة أو فيها فضيلة، ولا إن الدعاء والصلاة أفضل عند القبور منها عند غيرها؛ بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت (1) أفضل من الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين. وقد شرع الله الصلاة في المساجد دون المشاهد.
__________
(1) يعني النوافل أو بعضها.
(1/18)

ولهذا اتفق المسلمون على أن من زار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من أهل بيته أو غيرهم أن لا يتمسح به، ولا يقبل ما أقيم عليه من الأنصاب ولا يطاف حوله، بل ليس شيء يشرع تقبيله إلا الحجر الأسود، وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه قال فيه: «إنك حجر لا تضر ولا تنفع» . ولكن تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان المنبر موجودا، فكرهه مالك وغيره.
وأما التمسح بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلهم نهى عنه أشد النهي، وذلك أنهم علموا ما قصده النبي - صلى الله عليه وسلم - من حسم مادة الشرك وتحقيق التوحيد لله وحده.
وهذا مما يظهر به الفرق بين سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد موته، وسؤال العبد الصالح في حياته وبعد موته؛ وذلك لأن أحدا في حياته لا يُعبد كما قال المسيح عليه السلام: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [117/5] .
وقال نبينا - صلى الله عليه وسلم -: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» ، وكذا لما سجد له معاذ رضي الله عنه نهاه، وقال: «إنه لا يصلح السجود إلا لله» وما كان أحد أحب إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كانوا يقومون له إذا قدم عليهم لما يعلمون من كراهته لذلك. فهذا شأن أنبياء الله وأوليائه. وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه من يريد العلو في الأرض بالفساد: كفرعون، ومشايخ الضلالة الذي غرضهم العلو في الأرض.
والفتنة بالأنبياء والصالحين واتخاذهم أربابا والإشراك بهم في غيبتهم أقرب من الفتنة بالملوك ورؤساء الدنيا.
(1/19)

فظهر الفرق بين سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - والعبد الصالح في حياته بحضوره وبين سؤاله في مماته وغيبته.
ومن أعظم الشرك أن يستغيث الإنسان برجل ميت عند المصائب فيقل: يا سيدي فلان كأنه يطلب منه إزالة ضرره أو جلب نفعه، كما هو حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم؛ فإذا حصل هذا الشرك نزلت عليهم الشياطين وأغوتهم، وربما خاطبتهم كما كانت تفعل مع أصحاب الأصنام، لا سيما عند سماع المكاء والتصدية؛ فإن الشياطين تنزل عليهم عنده، وقد يصيب أحدهم من الإرغاء والإزباد والصياح المنكر، وتكلمه بما لا يعقله هو ولا الحاضرون، وأمثال ذلك.
وأما «القسم الثالث» : وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك، افعل لي كذا وكذا فهذا يفعله كثير من الناس لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: لم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه إلا ما رأيته في «فتاوى العز بن عبد السلام» فإنه أفتى أنه لا يجوز لأحد أن يفعل هذا إلا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إن صح الحديث في النبي - صلى الله عليه وسلم - أو معنى ذلك، وذلك أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي اللهم شفعه في» ، فهذا الحديث استدل به طائفة على التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته ومماته. وليس فيه على فرض صحته أنه دعاه واستغاث به؛ بل فيه أنه سأله بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الممشى إلى الصلاة: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق مُمْشَاي هذا» فالله قد جعل على نفسه حقا فقال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [47/30] .
(1/20)

وقالت طائفة: ليس في هذا الحديث جواز التوسل به في مماته ولا مغيبه؛ بل إنما فيه التوسل به في حياته بحضوره، كما استسقى عمر بالعباس لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنا كنا نتوسل إليك بنبينا» . وذلك أن التوسل به في حياته هو أنهم كانوا يتوسلون به: أي يسألونه أن يدعو الله لهم فيدعو لهم، ويدعون، فيتوسلون بشفاعته ودعائه، كما سألوه أن يستسقي لهم يوم الجمعة، وكذلك معاوية رضي الله عنه لما استسقى قال: «اللهم إنا نتشفع إليك بخيارنا يزيد بن الأسود الجرشي، ارفع يديك يا يزيد إلى الله، فرفع يديه ودعا فَسُقُوا» وكذلك قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والدين، وإن كانوا من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحسن.
ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا بالرجل الصالح بعد موته، ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار، ولا في غير ذلك من الأدعية.
و «الدعاء مخ العبادة» والعبادة مبناها على السنة والاتباع؛ لا على الهوى، والابتداع فإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع (1) .
[وجه الدلالة من أحاديث النهي عن اتخاذ قبره عيدا..] .
قال شيخ الإسلام (قدس الله روحه) (2) : ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان. ثم إنه قرن ذلك بقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة
__________
(1) مختصر الفتاوى (ص191-197) هذه المسألة مختصرة اشتملت على تعريف الدين، وبيان أنواع من الشرك تضاده، وبعض البدع المتعلقة بالقبور، وبيان مقاصد الزائرين لها. موجود لفظها في المجموع متفرقا في مسائل فاستحسنت إيرادها هنا تقريبا للفائدة (انظر جـ1 من الفهارس العامة ص 2- 4) .
(2) لما ذكر ابن القيم رحمه الله أحاديث في النهي عن اتخاذ القبور عيدا، قال: قال شيخنا -قدس الله روحه-: ووجه الدلالة إلخ.
(1/21)

فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت ونهى عن تحري العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم. ثم إنه عقب النهي عن اتخاذه عيدا بقوله: «وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيدا (1) .
[الأمور المبتدعة عند القبور مراتب] .
قال شيخنا -قدس الله روحه-: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب:
أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس. قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام.
وهذا يحصل للكافر من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا. وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة. وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله.
المرتبة الثانية: أن يسأل الله عز وجل به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة باتفاق المسلمين.
الثالثة: أن يسأله نفسه.
الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد؛ فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة المسلمين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب.
__________
(1) إغاثة اللهفان جـ1/191، 182 جـ1/4.
(1/22)

والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر (1) .

فصل
[التفصيل في قول: أنا في بركة فلان] :
قوله: أنا في بركة فلان، أو تحت نظره، أو يا فلان مُدَّني بخاطرك.
فإن أراد أن نظره أو خاطره أو بركته مستقلة بتحصيل المنافع ودفع المضار فهو كذب وشرك وإن أراد أن فلانا دعا فانتفعت بدعائه، أو أنه علمني، أو أنه أدبني وأنا في بركة ما انتفعت به من تعليمه وتأديبه فهو صحيح.
وإن أراد أنه بعد موته يجلب المنافع أو يدفع المضار فهو كذب محرم، وهو الشرك الذي حظره الله على عباده، والذي لا يغفره إلا بالتوبة منه (2) .
[حكايات مكذوبة على أحمد]
وروي من غير طريق: أن الشافعي رضي الله عنه كتب من مصر كتابا وأعطاه للربيع بن سليمان، وقال: اذهب به إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وائتني بالجواب فجاء به إليه، فلما قرأه تغرغرت عيناه بالدموع، وكان الشافعي ذكر فيه أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام وقال له: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام، وقل
له: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن، لا تجبهم يرفع الله لك علمًا
__________
(1) إغاثة اللهفان (1/217، 218) هذا تفصيل جيد وأسلوب آخر مكانه المناسب في الفهارس العامة جـ1/8.
(2) مختصر الفتاوى ص177، 178 فيه زيادة أمثلة على ما في الفتوى المطولة جـ11/113، 114 وللفهارس العامة جـ1/9.
(1/23)

يوم القيامة فقال له الربيع: البشارة، فأعطاه قميصه الذي يلي جلده، وجواب الكتاب. فقال له الشافعي: أي شيء دفع إليك؟ قال: القميص الذي يلي جلده. قال: ليس نفجعك به، ولكن بُلَّهُ وادفع إلينا الماء حتى نشركك فيه. وفي بعض الطرق قال الربيع: فغسلته وحملت ماءه إليه فتركه في قنينة، وكنت أراه في كل يوم يأخذ منه فيمسح على وجهه تبركا بأحمد بن حنبل رضي الله عنهما.
وقد قال الشيخ تقي الدين: كذبوا على أحمد بن حنبل حكايات في السنة والورع، وذكر هذه الحكاية، وحكاية امتناعه من الخبز الذي خبز في بيت ابنه صالح لما تولى القضاء (1) .
[النذر لقبور النصارى وتعظيم كنائسهم وقسيسيهم] .
ومن نذر لقبر من قبور النصارى فإنه يستتاب، بل كل من عظم شيئا من شعائر الكفار مثل الكنائس، أو قبور القسيسين، أو عظم الأحياء منهم يرجو بركتهم فإنه كافر يستتاب (2) .
[بناء المساجد والقباب على القبور]
مسألة: بناء المساجد على القبور محرم باتفاق الأئمة. ولو بني على القبر مسجد نهي عنه أيضا باتفاق العلماء. وإنما تنازعوا في تطيينه فرخص فيه أحمد والشافعي، وكرهه أبو حنيفة كالتجصيص. وبناء القباب والمساجد على القبور محدث في الإسلام من قريب، وكذلك ترتيب القراءة على القبور محدث (3) .
[كسوة القبور، ونذر الزيت والحصر]
أما تغشية قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم بالأغشية من الثياب الحريرية وغيرها فليس مشروعا في الدين، ولا قربة لرب العالمين، فلا يجب الوفاء به إذا نذر بلا نزاع بين العلماء والأئمة؛ بل ينهى عن ذلك.
__________
(1) الآداب الشرعية جـ2/13 يتبع جـ1/9 من الفهارس العامة لمجموع الفتاوى.
(2) مختصر الفتاوى ص552 يفهرس مع جـ1/9 من الفهارس العامة.
(3) مختصر الفتاوى ص190 هذه المسألة فيها تفصيل أكثر. ومكانها المناسب جـ1/9 من الفهارس المذكورة.
(1/24)

وهل عليه كفارة؟ على قولين. وكذلك الزيت والحصر لمكان لا يصلي فيه المسلمون ولا ينتفعون به ليس بطاعة لله ولا ينعقد نذره.
ولكن من العلماء من أوجب فيه كفارة يمين، أو صرف النذر في طاعة الله نظير هذه. ومنهم من لا يوجب شيئًا، فيكون هذا مالا ضائعا لا مستحق له، فيصرف في مصالح المسلمين حيث ينتفعون به في مسجد أو غيره (1) .
[السلام على الشيخ بعد الأذان]
وأما السلام على الشيخ عقب الأذان أو كسوة قبره بالثياب فقد اتفق الأئمة على أنه ينكر إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين ذلك، فكيف بقبر مجنون وضال من ضلال الصوفية (2) .
[السفر للمشاهد وإذا سمي حجا، والطواف بالصخرة أو الحجرة النبوية]
مسألة: والذي عليه أئمة المسلمين وجمهور العلماء أن السفر للمشاهد التي على القبور غير مشروع؛ بل معصية من أشنع المعاصي، حتى لا يجوز قصر الصلاة فيه عند من لا يجوز قصرها في سفر المعصية؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والأقصى ومسجدي هذا» ولهذا اتفق سلف الأمة وخلفها على أنه لو نذر السفر إلى مشهد علي ونحوه لم يوف بهذا النذر؛ بخلاف ما لو نذر إتيان المسجد الحرام فإنه يجب عليه الوفاء اتفاقا، وكذا لو نذر إتيان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو المسجد الأقصى وجب عليه الوفاء عند مالك وأحمد والشافعي ولا يجب عند أبي حنيفة.
لكن إذا سمي: «حَجًّا» مقيدًا بقيد يخرجه عن شبهة المشروع مثل أن يقال: حج النصارى، وحج أهل البدع، وحج الضالين، كما يقال صوم النصارى، وصوم اليهود، وصلاة النصارى، وصلاة اليهود، وصلاة
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص249، والاختيارات ص93 للفهارس جـ1/9.
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص561 يناسب ما في جـ1/9/50 من الفهارس العامة.
(1/25)

الرافضة، وعيد الرافضة، ونحو ذلك فهو جائز ليميز بين الحق المأمور به والباطل المنهي عنه.
بل السفر المشروع إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى المسجد الأقصى إنما يكون للصلاة التي ورد الحديث في فضلها؛ وليس لأحد أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص البيت العتيق كما يفعله بعض الضلال: من الطواف بالصخرة، أو الحجرة النبوية، أو السفر إلى المقدس وقت التعريف، أو الذبح هناك، وحلق الرأس، ونحو ذلك فكل هذا من دين الجاهلية، وهو من المنكرات في دين الإسلام التي ينبغي ردع فاعلها (1) .
[ليس هناك قدم النبي ولا يجوز تقبيله ولا التمسح به]
وليس «القدم» الذي بالصخور المشهورة عند العامة قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا قدم أحد من الأنبياء عليهم السلام، ولا يضاف إلى الشريعة تقبيله، ولا التمسح به، فلا شيء من الأرض يقبل ويتمسح به سوى الحجر الأسود والركنين اليمانيين بالبيت العتيق. وتنازعوا في جواز التمسح بمنبره - صلى الله عليه وسلم - حين كان موجودا (2) .
[أنصاب بدمشق كسرها الشيخ وحزب الله الموحدين]
قال ابن القيم رحمه الله: وكان بدمشق كثير من الأنصاب فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين: كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنصب الذي كان تحت الطاحون الذي عند مقابر النصارى ينتابه الناس للتبرك به. وكان صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به وقطع الله سبحانه النصب الذي كان عند الرحبة يسرج عنده ويتبرك به المشركون، وكان عمودا طويلا على رأسه حجر كالكرة، وعند مسجد
__________
(1) مختصر الفتاوى ص515 هذا ملخص لموضوع السفر للمشاهد. وفيه التنبيه على أنه لا يجوز أن يسمى حجا إلا بقيد، وكذلك صومهم وصلاتهم وأعيادهم للتفريق بين الحق والباطل (للفهارس العامة جـ1/10) .
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص568 تفهرس جـ1/11.
(1/26)

درب الحجر نصب قد بني عليه مسجد صغير يعبده المشركون، يسر الله كسره (1) .
[لا يرقون وهم استحباب الرقية]
قال ابن القيم رحمه الله: زاد مسلم وحده «ولا يَرْقُون» فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الزيادة وهم من الراوي لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يرقون» ، لأن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الرقى فقال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» ، وقال: «لا بأس بالرقى ما لم يكن شركا» ، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع (2) .
وليس عند البخاري: «لا يرقون» وهو الصواب (3) .
وأما «الطيرة» فإن يكون قد بدأ في فعل أمر وعزم عليه (4) فيسمع كلمة مكروهة مثل: «ما يتم» فيتركه فهذا منهي عنه.
[الطيرة ينهى عنها. المستحب الاستخارة]
والذي ينبغي الاستخارة التي علمها النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته. لم يجعل الفأل والطيرة أمرا باعثا على شيء من الفعل أو الترك، وإنما يأتمر وينتهي بذلك أهل الجاهلية الذي يستقسمون بالأزلام، وقد حرم الله الاستقسام بها: كالضرب بالحصى، والشعير، واللوح، والخشب، والورق المكتوب عليه حروف أبجد، وأبيات شعر، ونحو ذلك، منهي عنه؛ لأنها من أسباب الاستقسام بالأزلام (5) .
__________
(1) إغاثة اللهفان جـ1/212 تفهرس تابعة جـ1/12.
(2) مفتاح دار السعادة ص580 تتبع في الفهارس العامة جـ1/13.
(3) حادي الأرواح ص100 تتبع في الفهارس العامة جـ1/13.
(4) وهذه أصح مما في المجموع قد فعل أمرًا.
(5) مختصر الفتاوى ص266. للفهارس العامة جـ1/13 وجـ2/73.
(1/27)

صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» و «من حلف بغير الله فقد أشرك» .
[الحلف بغير الله، والحلف بالأمانة]
فليس لأحد أن يحلف لا بملك ولا نبي ولا غير ذلك من المخلوقات، ولا يحلف إلا باسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته. وقد روي: «من حلف بالأمانة فليس منا» فمن حلف بالأمانة لا يدري ما حلف به أو عنى به مخلوقا فقد أساء. وإن أراد بها صفة من صفات الله نحو: وأمانة الله، أو عظمته؛ جاز ذلك.
وهل الحلف بغير الله محرم، أو مكروه؟ على قولين: الأول أصح، وكان السلف يعزرون من يحلف بالطلاق. وكل ما سوى الله يدخل في [ذلك] :مثل الكعبة، والكرسي، والملائكة، والنبيين، والملوك، ونعمة السلطان، أو الشيخ، أو تربة أبيه، ونحو ذلك ولكن في الحلف برسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة نزاع.
[قد يستحب الحلف]
وكثرة الحلف مكروه ولكن قد يستحب إذا كان فيه مصلحة شرعية كما أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [53/10] ، {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [4/67] ، {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [3/34] (1) .
[قول القائل: اللهم أمنا مكرك ... ]
وقول القائل: «اللهم أمنا مكرك ولا تؤمنا مكرك» له معنيان: أحدهما صحيح، والآخر فاسد. فإن أراد لا تؤمنا مكرك: أي لا تجعلنا نأمنه؛ بل اجعلنا نخافه فالمؤمن يخاف مكر الله. ومكر الله أن يعاقبه على سيئاته والكافر لا يخشى الله فلا يخاف مكره، ومكره أن يعاقبه على الذنب لكن من حيث لا يشعر.
وقوله: «أمنا مكرك» يريد قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} [82/6] يجعل له أن يمكر بهم وإن كانوا يخافون المكر، فيكون حقيقة قوله:
__________
(1) مختصر الفتاوى ص548. للفهارس العامة جـ1/13.
(1/28)

«أمنا مكرك» إئجرني على حسناتي، ولا تعاقبني بذنب غيري: {فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [112/20] .
فأما المعنى الفاسد فأن يريد: اللهم أمنا من مكرك، أي: لا نخافك أن تمكر بنا، وقد يريد: لا تؤمنا مكرك: أي لا تجعل لنا أمنا من العذاب (1) .
[السؤال بغير الله شرك]
ولا تكون الصدقة إلا لوجه الله تعالى، فمن سأل بغير الله من صحابي أو شيخ أو غيره فينهى عن ذلك، فإنه حرام قطعا؛ بل شرك (2) .
[تقبيل اليد ومدها للتقبيل والانحناء المعانقة والمصافحة]
فأما تقبيل اليد فلم يكونوا يعتادونه إلا قليلا (3) ولما قدموا عليه - صلى الله عليه وسلم - عام مؤتة قبلوا يده، وقالوا: نحن الفرارون، قال: «بل أنتم العكارون» (4) . وقَبَّلَ أبو عبيدة يد عمر، ورخص أكثر الفقهاء أحمد وغيره لمن فعل ذلك على وجه التدين، لا على وجه التعظيم للدنيا، وكره ذلك آخرون كمالك وغيره، وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى.
وأما ابتداء مد اليد للناس ليقبلوها وقصده لذلك فينهى عن ذلك بلا نزاع كائنا من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل المبتدئ بذلك وفي السنن: «قالوا: يا رسول الله يلقى أحدنا أخاه أفينحني له؟ قال: «لا» قالوا: فيلتزمه ويعانقه؟ قال: «لا» ، قالوا: فيصافحه؟ قال: «نعم» (5) .
قال الشيخ تقي الدين: فأبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم، فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى. والتفريق
__________
(1) مختصر الفتاوى ص84. للفهارس العامة جـ1/14.
(2) مختصر الفتاوى ص76. للفهارس العامة جـ1/16.
(3) يعني الصحابة كما في أول الفصل قوله: ولم يكن من عادة الصحابة.
(4) الذين يعطفون إلى الحرب.
(5) مختصر الفتاوى ص564 والآداب الشرعية جـ2/259. للفهارس العامة جـ1/18.
(1/29)

في مثل هذا بالصفات فيه نظر. قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقا لغير الوالدين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له، فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقا خطأ، وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك. وما أراد أبو عبد الله -والله أعلم- إلا لغير القادم من سفر، فإنه نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به، وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث؛ فإن القادم يتلقى؛ لكن هذا قام فعانقهم، والمعانقة لا تكون إلا بالقيام.
[القيام للقادم من السفر، وللحاضر الذي طالت غيبته والذي يتكرر مجيؤه]
وأما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر.
فأما الحاضر الذي يتكرر مجيؤه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ، بل المنصوص عن أبي عبد الله هو الصواب.
وقال أيضًا: لا يجوز أن يكون قاعدا وهم قيام، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وفي الصحيح: أنهم لما قاموا خلفه قال: «لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا» (1) .
وقال في «الإرشاد» : المعانقة عند القدوم من السفر حسنة. وقال الشيخ تقي الدين: فقيدها بالقدوم من السفر، وقال: القاضي أطلق، والمنصوص في السفر. انتهى كلامه (2) .
وقال الشيخ عبد القادر: ولا ينزع يده حتى ينزع الآخر يده إذا كان
__________
(1) الآداب الشرعية جـ1/459، 460 الفهرس تابع جـ1/18 من الفهارس وجـ2/262.
(2) الآداب الشرعية جـ1/259.
(1/30)

هو المبتدي.
[متى ينزع يده إذا سلم]
قال الشيخ تقي الدين: الضابط أن من غلب على ظنه أن الآخر ينزع أمسك؛ وإلا فلو استحب الإمساك لكل منهما أفضى إلى دوام المعاقدة؛ لكن تقييد عبد القادر حسن أن النازع هو المبتدي انتهى كلامه (1) .
__________
(1) الآداب الشرعية جـ2/262 تابع الفهارس العامة جـ1/18 وجـ 2/299، 161.
(1/31)

توحيد الربوبية

[هو الدليل]
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء.
وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:

وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل (1)

[التفاوت في معرفة الله]
ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا، ويتفاوتون في درجات العرفان (2) .
[شرك في الربوبية]
ومن قال: إن أحدا من أولياء الله يقول للشيء: كن فيكون، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله سبحانه وتعالى. وليس كل ما يريده ابن آدم يحصل له ولو كان من كان؛ لكن في الآخرة يحصل له كل ما يريد، فإذا اشتهى حصل له ذلك بقدرة الله تعالى (3) .
[شرك أهل وحدة الوجود]
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس
__________
(1) مدارج السالكين جـ1/60 يناسب جـ1/22 من الفهارس العامة.
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص177جـ1/22 للفهارس العامة جـ1/22.
(3) مختصر الفتاوى ص587 جـ1/31.
(1/33)

الله روحه) يحكي عن بعض العارفين أنه قال: العامة يعبدون الله، وهؤلاء يعبدون نفوسهم (1) .
فصل
الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة سواء جمع الوصفين كالحرف المسموع، أو أحدهما كالحرف المكتوب، والصوت الذي ليس بحرف: إذا كانت متعلقة بالدين فلا تخلو عن ثلاثة أقسام:
إما أن تكون سببًا للإيمان.
وإما أن تكون سببا للكفر.
وإما أن تكون مجملة تصلح لهذا ولهذا.
[من الكلام ما يكون سببا للهدى، أو الضلال، والأصوات المثيرة للوجد والطرب. أو مجمل يوجب فسادين]
فالأول كلام الله وكلام رسوله وأنبيائه وخلفائهم بلفظه أو معناه؛ فإن السامع إذا سمع القرآن كان سماعه سببا للهدى، فيوجب الهدى إن لم يكن مانع. وإذا نظر فيه وتدبره كان ناظرا في دليل هاد يوصله إلى العلم والمعرفة إذا كان النظر صحيحا. فأهل النظر من أهل العلم والكلام إذا كان نظرهم فيه وكلاهم فيه اهتدوا.
وأهل السماع والوجد إذا كان سماعهم له ووجدهم به رشدوا؛ ولهذا حض سبحانه على تدبره وعلى سماعه، فهو أحسن الحديث، وخير الكلام، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «زينوا القرآن بأصواتكم» ، وقال: «لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» .
[حروف القرامطة والإسماعيلية وأهل وحدة الوجود] :
وأما النوع الثاني: فالكلام المتضمن للكفر، والنافق، لا سيما إذا
__________
(1) مدارج السالكين جـ1/260 للفهارس جـ1/35.
(1/34)

زخرف بالعبادات والشبهات، وحسن باللحون والأصوات من نظم ونثر مثل كلام القرامطة والإسماعيلية وكلام التلمساني نظمه ونثره، وكلام ابن سبعين، والبلياني، وغيرهم من الملاحدة؛ فإن حروفهم سبب لاعتقاد الضلال، وهو اعتقاد أن الله هو المخلوقات، وأنه ليس وراء المخلوق خالق خلقه متميز عنه، كحقيقة قول فرعون والقرامطة من جحود خالق الخلق؛ لكن فرعون نفاه بقوله ظاهرا وباطنا، فهو أكفر من هذا الوجه، من جهة أنه كان معاندا جاحدا. وهؤلاء قد يكون أحدهم ضالا يعتقد أنه على هدى ففرعون أكفر منهم من جهة أنه نفاه مطلقًا وإن كان معاندا في نفيه. وجحوده مستكبرا عليه. وهؤلاء قد يكون أحدهم مقرا بوجوده ومعتقدا أنه هو الذي يثبته ويحسب أنه مهتد في ذلك وأن هذا هو دين الأنبياء؛ لكن هؤلاء أضر على الأمة من فرعون؛ لأنهم يرون أن هذا دين الأنبياء وفرعون كان أعلم منهم لكن علم ضار أنه كان مستيقنا بأن للعالمين رب؛ كما قال له موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [102/17] ، لكن كان مع علمه معاندا فهو أصح منهم علما وأعظم كفرا وعنادا. وهؤلاء أضر منه على الأمة؛ لكن فيهم نوع من الإيمان، وهؤلاء أقروا باسمه وبالتعبد له، وجعلوه هو المخلوقات، وهو إياهم، وصرحوا بأن من عبد الشمس والقمر والطواغيت فما عبد إلا الله، ولا يتصور أن يعبد إلا الله، وأن العابد هو المعبود ولكن عبد نفسه، وزعموا أنه هو الذي جاءت به الرسل والأنبياء وكبار العارفين، فهم من هذا الوجه أضر على الناس من فرعون.
[أيما هؤلاء أو فرعون أكفر وأضل وأضر على الأمة]
كما يذكره ابن عربي في «فصوص الحكم» ويذكره «القونوي» في «مفتاح غيب الجمع والوجود» ويذكره «العفيف» في «شرح الأسماء الحسنى» وفي «شرح قصيدة ابن الفارض» وفي أشعاره. وإن كان «ابن عربي» يرى أن المعدوم شيء ثابت في العدم كقول من يقول ذلك من
(1/35)

المعتزلة والرافضة، ويرى أن وجود الحق فاض عليهم فيرى أن وجود الكائنات عين وجود الحق، وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم وكما قال بعضهم: من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له صاحبه: من الذي كذب.
وقد يبتلى ببعض ذلك حالا بعض جهال المتصوفة إذا كانوا قد أقروا بما ظنوا أنه هو وحاروا فيه، فإن الحيرة ظاهرة عليهم لما هم فيه من التناقض، والمتعبدة فإنهم لما توجهوا بقلوبهم إلى الله وذكره وأحبوه شهدت قلوبهم الوجود العام بالمخلوقات الصادر عن الحق الذي خلق السموات والأرض فاعتقدوا أن هذا الحق المخلوق هو الحق الخالق، فأشبهوا من بعض الوجوه من رأى شعاع الشمس فظن أنها هي الشمس، أو رأى الظل فظن أنه الشخص.
وأما صاحبه «الصدر الرومي» فيرى أنه هو الوجود المطلق الساري في الكائنات؛ لا يفرق بين الوجود والماهية، ولا الفائض والمفيض عنه؛ لكن ليس هو عين كل موجود؛ فإن المطلق ليس هو المعين، وهذا تعطيل محض، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة.
وأما الأول ففيه قسط من ذلك.
وصاحبه «التلمساني» ونحوه لا يفرق بين مطلق ومعين، ولا بين وجود وماهية، بل عنده أن نفس الأكوان هي الله، وهي أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر مع البحر، وأجزاء البيت من البيت:

فما البحر إلا الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد

[أهل الاتحاد الخاص والحلول الخاص]
فهؤلاء في الكفر الصريح هو أهل الإلحاد والاتحاد العام، بخلاف من قال بالاتحاد الخاص المقيد في نبي أو غير نبي كالنصارى وغالية الرافضة وغالية جهال المتعبدة من الحلاجية واليونسية وبعض العدوية
(1/36)

والحاكمية وغيرهم؛ فإن هؤلاء يقولون بالاتحاد المعين المقيد. ثم مع كل فريق من أهل الاتحاد المطلق والمعين فريقا ثانيا يقولون بالحلول: إما الحلول المطلق، وهو قول من يقول: إن الحق حال في الأماكن كلها، فهذا كفر قديم في الأمة من كفر «الجهمية» الذي كان السلف ينكرون قولهم، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، فإن هؤلاء الحلولية إخوان هؤلاء الاتحادية. أولئك قالوا: هو في جميع المصنوعات، وهؤلاء قالوا: هو المصنوعات.
وهؤلاء الاتحادية المطلقة والحلولية إنما أوقعهم في ذلك عدم إثباتهم لما جاءت به الرسل من رب العالمين الذي فوق الخلق، الذي استوى على العرش، فإنهم تجهموا في أنه ليس فوق العالم ولا داخله ولا خارجه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي رأوها منطبقة على الوجود المطلق، وهم عباد لابد لقلوبهم من شيء تعبده، فلم يجدوا ما يطابق هذه السلوب إلا وجود المخلوقات.
وأما المتكلمة الجهمية فإنهم في العلم والكلام، والعلم يتناول الموجود والمعدوم فإذا وصفوه بالسلوب وكانت إنما تطابق المعدوم لم يضرهم إذا كان الذي أثبتوه معدوما فإنهم لا يعبدون شيئا كما أخبر السلف بذلك عنهم.
فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدتهم يعبدون كل شيء.
في مبدأ دولة التتار «ابن الخطيب» متكلم المعطلة الجهمية والزنادقة. و «ابن عربي» متصوفهم وعارفهم فاتفقا على جحد رب العالمين الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل؛ واختلفا بعد ذلك. فالأول: أثبت العالم؛ لكن بالكلام الباطل، والثاني: أثبت العالم، لكن بالعقل الفاسد.
فتدبر هذا واجمعه مع ما قدمته من القواعد يتبين لك الأمر. والله أعلم.
(1/37)

وكذلك أهل الحلول الخاص إخوان أهل الاتحاد الخاص، كما افترقت النصارى في المسيح، فإن «النسطورية» قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، «واليعقوبية» قالوا باتحاد اللاهوت والناسوت. و «الملكانية» قالوا بالاتحاد من وجه دون وجه. الأولون شبهوه بالماء في الإناء. والآخرون شبهوه بالماء واللبن، والثالثة شبهوه بالنار في الحديد، فقالوا: هما جوهر واحد واقنومان. ثم هؤلاء أهل الاتحاد المخصوص يحتاجون أن يقولوا: أن الرب والعبد اتحدا بعد أن كانا اثنين وأن اللاهوت اتحد أو امتزج أو اختلط أو اتصل بالناسوت بعد أن لم يكن كذلك.
وأما «أهل الاتحاد المطلق» فإن لفظة الاتحاد عندهم ليست مطابقة لمذهبهم؛ فإن عندهم ما زال واحدا، ولا يزال، لم يكن شيئان فصار واحدا، ولكن كانت الكثرة والتفرق في قلب الإنسان لما كان محجوبا عن شهود هذه الحقيقة فلما انكشف الحجاب عن قلبه شهد الأمر. فالمراتب في اعتقاده وخياله، وأما الكثرة والتفرق فهو عندهم بمنزلة أجزاء الكل أو جزئيات الكل، كما تقدم.
وهؤلاء إذا أُنْشِدَ شعر بعضهم بصوت مُلَحَّن كشعر التلمساني وبعض شعر ابن إسرائيل، مثل قوله:
وما أنت غير الكون بل أنت عنيه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق

وقوله:

وتلتذ إن مرت على خدي يدي ... لأني في الحقيقة لست سواكم

كان هذا من سماع الذي هو سبب الكفر.
وأما «المجمل من الحروف والأصوات» فمثل كثير من المنطق والكلام، ومثل الأشعار التي فيها ذكر الحب مطلقا بتوابعه من الهجر والوصل والصدود والشوق؛ مثل كثير من شعر ابن الفارض، فإن تلك
(1/38)

القصيدة يتقبلها الزنديق التلمساني ونحوه ممن يقول: إن الله هو وجود المخلوقات؛ وقد نقلها قوم صحيحو الاعتقاد من الصوفية، وأخذوا ما فيها من وصف الحب وأهله، وتنازع الفريقان قوله:

ولي من أتم النظرتين إشارة ... تنزه عن رأي الحلول عقيدتي

فأولئك المنافقون يقولون: إنه متعد الحلول إلى الاتحاد، بل إلى وحدة الوجود؛ فإن الحلول من حال إلى محل، وهذا يثبته، وإنما الوجود شيء واحد، فهذا أراد.
والمؤمنون يقولون: بل أراد إثبات عبوديته لله، وأنه لا يحل مخلوقاته؛ بل هو بائن من خلقه، كما هو مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة.
لكن من تأمل بقية هذه القصيدة وتأمل هذه الأبيات وما بعدها وجدها صريحة في مذهب الاتحادية المنافقين الفرعونية القرامطة، وعلم أن نَفَسَهُ وَنَفَسَ التلمساني هو نَفَسُ ابن عربي، وأن هؤلاء كلهم قولهم كفر صريح معلوم فساده بالاضطرار العقلي والشرعي، والاضطرار الذوقي أيضا؛ ولكن كثرة ما يصفون جنس الحب يبقى في كلامهم إجمال.
وكذلك «الأصوات المثيرة للوجد والطرب» تحرك كل قلب إلى مطلوبه قد اشترك فيها: محب الرحمن، ومحب الإيمان، ومحب الغلمان، ومحب النسوان، ومحب المردان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان، ولهذا لم تجئ الشريعة بهذا السماع، ولا فعلها القرون الثلاثة الفاضلة، بل هو محدث في حدود أواخر المائة الثامنة؛ ولهذا امتنع عن حضوره أكابر العارفين وأئمة العلم وأهل الاتباع للشريعة، ونهوا عنه.
وقد حضره جماعة من المشايخ الصالحين وأهل الأحوال لما تثير فيهم من وجدهم الكامن، فيثير العزم الساكن، ويهيج الوجد القاطن؛ وكانوا في حضوره على درجات، وشاركهم فيه جماعات من أهل البدع
(1/39)

والضلالات، وإن كان لهم أحوال فيها كشوفات وتأثيرات؛ فنتج لهم أحوال غير مرضية للرحمن، مثل من يحضر أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومثل مغالبة بعضهم بعضا، والسعي في سلب إيمانه، أو غير ذلك من أنواع البغي والعدوان، فدخلوا بذلك على الإعانة على الإثم والعدوان، وفرطوا فيما أمروا به من الإعانة على البر والتقوى.
وصار بسبب كونه مشتركا يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والصديق والزنديق، منزلة من بنى معبدا مطلقا يتعبد فيه أهل كل ملة ونحلة، فيجتمع فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس والمشركون والصابئون كل يصلي إلى قبلته، ولا ينهى بعضهم بعضا، وجعل لهم فيه مطاعم وملابس، فقد يتفقون لما فيه من القدر المشترك من المطعم والملبس والمسكن، ويتفاوتون لما فيه من اختلاف مقاصدهم ونياتهم ووجههم، فإن وجه القلوب أعظم تفاوتا من وِجَهِ الأجساد.
ولهذا اتفقت الأنبياء والمرسلون على أن وجهة قلوبهم إلى الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [29/7] .
وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [125/4] ، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [111، 112/2] .
وأما وجهة الأبدان فقد قال: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [148/2] ، وقد عمم حيث قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [115/2] .
(1/40)

ثم الدخول في الحروف والأصوات المجملة والاشتراك فيها يوجب فسادين:
أحدهما: سقوط خاصية الحروف والأصوات المشروعة لنا المختصة بنا التي وجبت علينا أو استحبت لنا وفضلنا بها على غيرنا.
الثاني: الخروج من المجمل المشترك إلى المفصل بأهل الكفر والنفاق كما وقع في ذلك خلائق كثيرون، حتى أنه في المجمع الواحد ينشد البيت المجمل والبيت الكفري. والله أعلم وأحكم.
ومما يتعلق بهذا أن أصل الصابئة الحروف والأصوات المجملة المشتركة كما فعله ابن سينا متكلم الصابئة في الإسلام في كتبه الصابئية كالإشارات فإنه افتتحها بالكلام في المجمل والمشترك -وهو المنطق- وختمه بالعبادة والسماع للصوت المطلق المشترك، كما يتكلم في علم الموسيقى وهو الصوت المجمل المشترك؛ فإن الحروف المنطقية المجملة والأصوات النغمية المجملة هي دين الصابئة لا توجب الإسلام ولا تحرمه، ولا تأمر به ولا تنهى عنه، وقد ينفع تارة ويضر أخرى.
والأصل فيها أنها غير مشروعة ولا مأمور بها، والله أعلم (1) .
__________
(1) مجموع الفتاوى 69ص244 فيها زيادة إيضاح عما في المجموع. وفي النونية لابن القيم مقتطفات منها.
(1/41)

توحيد الأسماء والصفات
الأسماء الحسنى

[إحصاء الأسماء الحسنى في القرآن]
{أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [110/17] ، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [20/8] ، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [180/7] ، {لَهُ الأَسْمَاءُ الْحسُنْىَ} [24/59] .
ترتيب أسماء الله سبحانه وتعالى الظاهرة نحو مائة وخمسين موجودة في كتاب الله: مفردة، ومفرقة، ومضافة، ومشبهة بالمضافة (1) .
فأما الموصولة المضمرة فأكثر من أن تحصى، وكذلك ما قد يشتق من الأفعال المذكورة في القرآن.
أسماء الألوهية والربوبية والملك أكثر من أن تُحصى (2) :
«إله» : أكثر ما يقع مضافا، كقوله: {وَإِلَهُكُمْ} [163/2] ، {إِلَهِ النَّاسِ} [3/114] ، {إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [133/2] ، {إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [38/28] ، أو منكورا موصوفا بالوحدانية،
__________
(1) وفي ورقة أخرى مسودة بخطه أيضًا زيادة: وعاملة في ظرف أو غيره 69 ص273.
(2) وهذا العنوان ترتيب أسماء الله إلى قوله في القرآن من خطه رحمه الله، وكذلك قوله أسماء الألوهية إلخ، وكذلك قوله أسماء الوحدانية إلخ.
(1/43)

كقوله: {إِلَهٌ وَاحِدٌ} [163/2] ، كقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [84/43] .
«الإل» كقوله: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [9/10] على قول، وفي قوله (1) :
«الرب» : لم يقع إلا مضافا: إما إضافة عامة، كقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} في أكثر من عشرين موضعا (2) ، وقوله: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [24/26] ، {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [28/26] ، {رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [26/26] ، {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} [5/37] ، {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [9/73] ، {رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [86/23] ، {بِرَبِّ الْفَلَقِ} [1/113] ، {رَبُّ الْعَرْشِ} [22/21] ، {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [26/27] ، {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [116/23] .
وأما إضافة خاصة كقوله: {بِرَبِّ النَّاسِ} [1/114] ، {رَبَّنَا} [127/2] ، {رَبِّيَ} [258/2] ، {وَرَبُّكَ} [69/28] ، {رَبَّكُمُ} [21/2] ، و {رَبُّهُ} [110/2] ، و {رَّبِهم} [5/2] ، و {رَبّ مُوْسَى وَهَارُون} [122/7] ، وهذا لا يكاد يحصى.
ووقع مجامعي المضاف في قوله: {سَلَمٌ قَوْلاًَ مِنْ رَّبِّ رَّحِيم} [58/36] .
«الملك» : وقع مقرونا في قوله: {الملكُ القدوسُ} [23/59 و1/62] ، في
__________
(1) كلمة غير مقروءة، ولعلها قول أبي بكر: «لم يخرج من إل» يعني من إلاه أو من الله.
(2) ثمانية وعشرين حسب تعداد المعجم المفهرس لألفاظ القرآن وقد اكتفى بذكر سورة وآية إذا كثرت.
(1/44)

موضعين، ومقرونا في قوله: {الْمَلِكُ الْحَقُّ} في موضعين
[114/20 و116/23] .
المالك: وقع مضافًا: {مَالِك يَوْمِ الدِّيْنِ} [4/1] و {مَالِكَ الْمُلْكِ} [26/3] .
«المليك» : وقع مقرونا في قوله: {عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِر} [55/54] .
«أسماء الفعل العامة» : {فَعَّالُ لِمَا يُرِيْد} في موضعين أو ثلاثة [107/11 و 16/85] ، {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [79/21] .
«وخاصة» : وذلك عام ومشبهة بالمضاف كقوله: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [95/6] ، {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [96/6] ، و {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [18/8] ، و {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ} [1/35] ، و {رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [7/28] ، فإن هذا معناه معنى الأفعال المضارعة؛ لكن لفظه لفظ الأسماء.
و {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [50/30] و: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [22/32] ، {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} [41/43] وأعم منه: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [95/5] ، {لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [131/6] معناه معنى الأفعال. وكذلك قوله: {كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا} [15/44] .
«ومعنى أسماء الأفعال» : كقوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [142/4] ، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [23/29] ، {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [47، 48/51] .
(1/45)

أسماء الخلق: الخالق وقع مفردا في قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [3/35] وفي قوله: {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [59/56] .
ومضاف إضافة عامة في قوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} في ثلاثة مواضع [102/6 و 16/13 و 62/39 و 62/40] .
ووقع مقرونا في قوله: [الخالق البارئ المصور] [24/59] وقوله: {الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [81/36 و 86/15] .
ومفضلا في قوله: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [14/23 و 125/37] .
«الفاطر» : لم يقع إلا مضافا في قوله: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} في نحو ستة مواضع [14/6] .
«البارئ» : جاء مفردا في قوله: {الْبَارِئُ} [24/59] ومضافا في قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [54/2] .
«المصور» : جاء مفردا في قوله: {الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [24/59] .
«البديع» : لم يقع إلا مضافًا في قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} في موضعين [117/2 و 101/6] بديع: أي مبدعهما. ومن زعم أنه خفض وجعله من (1) وأن المعنى بديعة سمواته وأرضه فقد أخطأ.
«الرزاق» : وقع مفردا في قوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [58/51] و.... (2) .
__________
(1) كلمة مطموسة في التصوير ص274، وفي تفسير البيضاوي: وقرئ بديع مجرورا على البدل من الضمير في قوله: (له) وبديع منصوبا على المدح.
(2) بياض ولعله «ومفضلا»
(1/46)

في قوله: {خَيرُ الرَّازِقِينَ} في خمسة مواضع [114/5] .
«الجامع» : جاء مضافا في قوله: {جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [9/3] وفي قوله: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [140/4] .
الصادق: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [146/6] .
المرسل: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [45/28] ، {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} (1) [5/44] لأن الإرسال والإمداد لا بد فيه من واسطة ولكثرة معانيه.
المنذر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [3/44] .
المؤمن: في قوله: {الْمُؤْمِنُ} [23/59] .
المبتلي: في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [30/23] .
المبرم: في قوله: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} [79/43] .
الحكم: في قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [114/6.
الحكيم: مقرونا بالعزيز في أكثر من أربعين موضعًا: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (2) ومقرونا بالخبير: {الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} في نحو أربعة مواضع [18/6] ومقرونا بالعلم: {الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} في قريب من ثلاثين
__________
(1) كلمات غير مقروءة في المصور ولعلها تشير إلى ضمير الجمع وأنه لم يأت بلفظ المفرد كما تدل عليه العبارة بعدها وأنه نظير (إنا) و (نحن) من بعض الوجوه، -والله أعلم-.
(2) في 47 موضعا أولها في [129/2] .
(1/47)

موضعا (1) و: {الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} في نحو من سبعة مواضع (2) ، وبالحميد في قوله: {حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [42/41] ، وبالتواب في قوله: {تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [10/24] ، وبالعلي في قوله: {عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [51/42] بعد قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية، وبالواسع في قوله: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [130/4] .
«الحاكم» : لم يجئ إلا بصيغة التفضيل في قوله: {أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [45/11 و 8/95] في موضعين، و: {خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} في ثلاثة مواضع [87/7 و 109/10 و 80/12] .
«الفاصل» : كذلك في قوله: {خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [57/6] .
«الفتاح» : جاء مقرونا في قوله: {وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [26/34] ، ومفضلا في قوله: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [89/7] .
«الهادي» : جاء مقيدا في قوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [54/22] وقد قيل في قوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [7/13] وليس بشيء بل المراد النبي الداعي المبين.
«الشكور» : جاء مقرونا بالعليم: {شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [158/2] ، {شَاكِرًا عَلِيمًا} [147/4] وجاء مقرونا بالغفور: {غَفُورٌ شَكُورٌ} في موضعين أو ثلاثة (3) . وهذا من سعة الكرم؛ فإنه قرن العلم بالشكر؛ لأن العلم يحيط بتفاصيل الأعمال، وقرن بالمغفرة الشكور ليبين أن المسيء مع أنه يغفر له يضاعف له الحسنات، وبالحليم في قوله: {شَكُورٌ حَلِيمٌ} [17/64] .
__________
(1) بل أربعة وثلاثون منها في سورة البقرة الآية: 32.
(2) سبعة مواضع فقط منها في سورة الذاريات الآية 30.
(3) ثلاثة فقط 30/35 و 34/35 و23/43.
(1/48)

«الموفي» : جاء مقيدا في قوله: {لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [109/11] .
أسماء الوحدانية ونحو ذلك من الأسماء الجامعة للتنزيه والتحميد
«الأحد» : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [1/112] .
«الواحد» : وقع مقرونا صفة في قوله: {إِلَهٌ وَاحِدٌ} في نحو خمسة مواضع (1) ، ومفردا خبرا في معنى المقرون في قوله: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} [4/37] ومقرونا بالقهار في قوله: {الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [65/38] .
وأما «الواحد» : فقط غلط من أدخله في أسماء الله.
«الصمد» : في قوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} [2/112] .
«الغني» : وقع مفردا في قوله: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [38/47] ، وهو هنا يجمع معنيي الغنى، وفي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [97/3] ، {غَنِيٌّ عَنْكُمْ} [39/7] ، ومقرونا في قوله: {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [6/60] و: {غَنِيٌّ حَمِيدٌ} في نحو تسعة مواضع (2) ، {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} في موضعين [133/6] (3) .
«القدوس» : وقع مقرونا في قوله: {الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [23/59] .
«السلام» : وقع مقرونا في: {الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [23/59] ، وهذا القرانُ في معنى الإفراد.
__________
(1) في عشرة مواضع منها في سورة البقرة الآية 163.
(2) في عشرة مواضع - لكن بعضها {الغني الحميد} {غنيا حميدا} - منها في سورة البقرة الآية 267.
(3) والآية الأخرى: {وربك الغفور ذو الرحمة} [85/18] .
(1/49)

«الوتر» : في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [3/89] على قول مجاهد وغيره.
«الحي» : جاء مفردا في قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [58/25] ، وفي قوله: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [65/40] ومقرونا في قوله: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} في ثلاثة مواضع [255/2 و 2/3 و 111/20] .
«القائم» : جاء (1) في قوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [18/3] ، وقوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [33/13] .
«الباقي» : جاء مفضلا في قوله: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [73/20] .
«الوارث» : جاء مفضلا في قوله: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [89/21] ، {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} صفة [23/15] .
«الحق» : جاء مقرونا في قوله: {الْمَلِكُ الْحَقُّ} [114/20] ، وفي قوله: {الْحَقُّ الْمُبِينُ} [25/24] ، وفي قوله: {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [30/10] و: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} [32/10] ومفردا في قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} في ثلاثة مواضع [6/22 و 62/22 و 30/31] .
«النور» : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [35/4] .
«المبين» : جاء مقرونا: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [25/31] .
«العليم» : جاء مفردا في قوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [76/12] ، وفي قوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [70/4] ومنه نوع مقيد جاء
__________
(1) بياض ولعله مقيدا.
(1/50)

مقرونا بالحليم: {عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [12/4] ، {حَلِيْمٌ عَلِيْمٌ} [12/4]
و: {الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [83/12] و: {الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [84/43] .
و: {عَلِيمًا حَكِيمًا} في أكثر من ثلاثين موضعا (1) .
ومقرونًا: {عَلِيمٌ خَبِيرٌ} في نحو ثلاثة مواضع (2) .
ومقرونا بالواسع في قوله: {وَاسِعٌ عَلِيمٌ} في نحو أربع مواضع (3) .
ومقرونا بالسميع: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} نحو ثلاثين موضعا (4) .
و: {شَاكِرٌ عَلِيمٌ} موضعان [158/2] و: {شَاكِرًا عَلِيمًا} [147/4] .
و: {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} نحو ستة مواضع (5) . و: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} نحو ثلاثة مواضع (6) . و: {عَلِيمٌ قَدِيرٌ} نحو أربعة مواضع (7) .
وفي قوله: {الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [26/34] ومبالغا عاما في قوله: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} في بضعة عشر موضعا (8) .
وخاصًا: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} في نحو اثني عشر موضعا (9) ، {عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} موضعان [44/9] .
{عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} موضعان [47/9] .
{بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} موضعان [51/23] .
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [127/4] .
__________
(1) في عشرة مواضع حسب المعجم المفهرس منها في سورة النساء الآية 11.
(2) في موضعين 34/31 و13/49، وفي موضع {العليم الخبير} ، وفي موضع {عليما خبيرا} .
(3) في سبعة مواضع منها (32/24) .
(4) بهذه الصيغة خمسة عشر، وخمسة عشر {السميع العليم} وموضع {لسميع عليم} .
(5) منها في (78/27) .
(6) في خمس عشرة آية منها في (6/12) .
(7) 50/42 و 70/4) وموضعان {العليم القدير} .
(8) في ثلاثة عشر موضعا منها (35/24) .
(9) في اثني عشر منها في (23/31) .
(1/51)

و: {بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [50/12] ، و: {مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [92/3] ، و: {بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [79/36] .
«العالم» : لم يجئ إلا مضافا في قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} في نحو ستة مواضع (1) .
«العلام» : جاء مضافا في قوله: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في نحو ثلاثة مواضع (2) .
«الأعلم» : لم يجئ إلا مضافا: {بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [10/29] ، وفي قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [30/53] ، وقوله: {أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [56/28] ، {أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [119/6] ، {أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [58/6] ، {أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} [25/17] ، {أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [30/53] .
«خبير» : جاء مقيدا: {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [234و 271/2] ، و: {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} في نحو من عشرين موضعا (3) ، وفي قوله: {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} في نحو ثلاثة مواضع (4) .
وفي قوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [11/111] ،
وفي قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا} [96/17] ، ومقرونا في قوله:
{خَبِيرًا بَصِيرًا} [30/17] ، و: {عَلِيمٌ خَبِيرٌ} في نحو ثلاثة
مواضع [13/49 و 3/66 و 35/4] ، ومقرونا مبالغا في قوله: {بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ
__________
(1) في عشرة مواضع منها (13/6) .
(2) في أربعة مواضع منها في (109/5) .
(3) في عشرين منها في (53/24)
(4) في موضعين (58/25 و 17/17) .
(1/52)

بَصِيرٌ} موضعان [27/42] ، و: {الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} أربعة مواضع [18/6] ، ومقرونا باللطيف: {لَطِيفٌ خَبِيرٌ} في نحو ستة مواضع (1) .
«السميع» : جاء مقرونا بالعليم في نحو ثلاثين موضعا (2) ، وفي قوله: {سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [50/34] ، وبالبصير في نحو تسعة مواضع (3) ،ومضافا في قوله: {سَمِيعُ الدُّعَاءِ} في قصة زكريا وإبراهيم [38/3 و 39/14] .
«البصير» : جاء مقرونا بالسميع سبعة مواضع (4) ....، في قوله: {بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [18/49] ، و: {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} في نحو من عشرين (5) ، {بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [20/3] في نحو أربعة مواضع (6) ، وفي قوله: {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} [35/20] ، وفي قوله: {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [15/84] .
«الرقيب» : جاء مؤكدا عاما في قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [52/33] ، وخاصا في قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [1/4] ، وخاصا في قوله: {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [117/5] .
«الشهيد» : جاء مفردا في معنى المقيد في قوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} في نحو أربعة مواضع (7) ، و.... (8) ، في قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
__________
(1) في اثنين وثلاثين منها (127/2) .
(2) في عشر منها في (1/17) .
(3) في خمسة منها (34/33) .
(4) بياض بالأصل ولعله «ومضافا» .
(5) {بصير بما يعملون} و {بما يعملون بصير} الجميع إحدى وعشرون منها (39/28) .
(6) أربعة مواضع مع قوله: {بعباده بصيرا} .
(7) ثلاثة مواضع (79/4) .
(8) بياض بالأصل.
(1/53)

شَيْءٍ شَهِيدٌ} [6/58] ، و: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [55/33] ، {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [98/3] ،..... (1) ، {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [96/17] ، و: {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا} [52/29] ، و: {اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [19/6] .
«الشاهد» : جاء.... (2) بصيغة الجمع في قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [78/21] ، {إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [61/10] ، ومفردا في قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [3/85] على قول. وفي قوله: {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [81/3] .
«اللطيف» : جاء مقرونا بالخبير في نحو خمسة مواضع (3) و ... (4) في قوله: {لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} [100/12] ، و: {لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}
[19/42] .
«قدير» : معلقًا عامًا كما في قوله: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} في قريب من ثلاثين موضعا (5) ، ومعلقا خاصًا في قوله: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [133/4] ، ومفردا في قوله: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [54/25] ، ومقرونًا بالعلم في نحو من أربعة مواضع (6) ، ومقرونا في قوله: {عَفُوًّا قَدِيرًا} [149/4] {وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ
__________
(1) بياض بالأصل.
(2) بياض بالأصل.
(3) منها. (103/6) .
(4) بياض بالأصل.
(5) في 33 منها (20/2) .
(6) في ثلاثة مواضع منها (70/16) .
(1/54)

غَفُورٌ رَحِيمٌ} [7/60] ... (1) ، {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً} [37/6] ، {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا} [65/6] ، {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [18/23] ، والقدرة على المعاد في قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [40/75] ، {بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [81/36] ، {بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [33/46] ، {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [8/86] ، {إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ
خَيْرًا مِنْهُمْ} [40/70] ، وجاء مفردا في قوله: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [23/77] .
«القوي» : جاء مقرونا بالعزيز في قوله: {الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} في نحو ثلاثة مواضع (2) .
«ذو القوة» : جاء في قوله: {الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [58/51] .
«القاهر» : جاء في قوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} موضعان [18/6 و 61/6] .
«القهار» : جاء في قوله: {الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} في نحو سبعة مواضع (3) .
«العزيز» : جاء مقرونا بالحكيم في أكثر من أربعين
موضعا (4) ، وبالعليم في نحو ستة مواضع (5) ، و: {الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} في عدة
__________
(1) بياض بالأصل.
(2) في ثلاثة منها (66/11) .
(3) في ستة منها (39/12) .
(4) في 42 موضعا منها (129/2) بما فيها: {عزيز حكيم} .
(5) في ستة منها: {العزيز العليم} (9/43) .
(1/55)

مواضع (1) ، و: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [6/34] ، و: {الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} في نحو ثلاثة مواضع (2) ، و: {الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [2/67] ، و: {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} في نحو اثني عشر موضعا (3) ، و: {عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [47/14] ثلاثة مواضع، و: {أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [42/54] ، ومقرونا كمفرد: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [23/59] .
«المحيط» : جاء معلقا عاما في قوله: {بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [54/41] ،وخاصا في قوله: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [20/85] ،و: {مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [19/2] ، {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ستة مواضع (4) .
«رفيع الدرجات» : في قوله: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [15/40] .
«ذو المعارج» : في قوله: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} [2، 3/70] .
«العلي» : جاء مقرونا في قوله: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [9/13] ، وفي قوله: {الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} خمسة مواضع [62/22] . وفي هذه المواضع «العلي» ، و «المتعالي» ، وجاء في قوله: {عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [51/42] ، و «الأعلى» في قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [1/87] .
«العظيم» : جاء مقرونا في قوله: {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} موضعان [255/2] ،
__________
(1) في ثلاثة منها (66/11) {القوي العزيز} موضعان.
(2) ثلاثة مواضع منها (66/33) .
(3) في اثني عشر منها (9/26) .
(4) أربعة بما فيها {تعملون محيط} (120/3 و 92/11 و 108/4 و 47/8) .
(1/56)

ومفردا في قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ثلاثة مواضع [52/69] ، وهو نعت للرب بدليل قوله: «سبحان ربي العظيم» .
«المهيمن» : في قوله: {الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [23/59] .
«الكفيل» : في قوله: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [91/16] .
«الوكيل» : جاء مفردا في قوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} في نحو تسعة مواضع (1) ، {اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [66/12] ، و: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [9/73] ، و: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [12/11] .
«الحسيب» : جاء.... (2) في قوله: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [86/4] ، وفي قوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} موضعان [6/4] .
«الحاسب» :جاء في قوله: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [47/21] ، ومفضلا في قوله: {أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [6/6] .
«سريع الحساب» : في نحو سبعة مواضع (3) .
«الولي» : جاء مفردا في قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} [9/42] ، وفي قوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [45/4] ، ومضافا في مثل قوله: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ} [96/7] ، {أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [101/12] .
«المولى» : جاء مقرونا في قوله: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [40/8] .
__________
(1) ستة مواضع منها (81/4) .
(2) بياض.
(3) ثمانية منها (202/2) .
(1/57)

ومضافًا في قوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ} [40/8] ، {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ} [4/66] ، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [11/47] .
«الناصر» : جاء مفضلا في قوله: {خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [150/3] ، وتقدم قوله: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .
«الحفيظ» : جاء في قوله: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} موضعان [57/11] .
«الحافظ» : جاء مفضلا في قوله: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} [64/12] ن و ... (1) في قوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [82/21] ، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [9/15] .
« ... » (2) جاء مقرونا في قوله: {قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [61/11] ، وقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [186/2] ، ومفضلا في قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [16/50] ، وقوله: {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} [85/56] (3) .
«المجيب» :جاء مقرونا في قوله: {قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [61/11] .
«الرحيم» : قريب المائة والثلاثة عشر (4) ، جاء مقرونا بالغفور في نحو من ستين موضعا (5) ، بالرحمن في البسملة، وفي النمل أيضا، وفي
__________
(1) بياض.
(2) بياض.
(3) المراد بالقرب في سورة (ق) قرب ملائكته. ضعف قول من قال: بالعلم والقدرة. قرب الملائكة والشياطين من قلب ابن آدم، أما قربه تعالى من عابديه وسائليه فصحيح، انظر ص91 من جـ1/من الفهارس العامة لمجموع الفتاوى.
(4) مائة وواحد.
(5) سبعين منها (1/1) .
(1/58)

غير ذلك ثلاثة مواضع (1) ، ومقرونا بالرءوف في نحو (2) . وفي قوله: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [58/36] ، ومقرونا بالعزيز في أكثر من عشرة مواضع (3) ، ومتعلقا تعلقا عاما في قوله: {بِكُمْ رَحِيمًا} [29/4] ، وخاصا في قوله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [43/33] ، وجاء مفضلا في قوله: {خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [109/23] ، وفي قوله: {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [151/7] .
«الرءوف» : جاء مقرونا في قوله: {رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ثلاثة مواضع [117/9] ، ومعلقا في قوله: {رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [207/2] ، ومقرونا متعلقا في قوله: {بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} موضعان [65/22 و 143/2] .
«الغفور» : جاء مقرونا بالرحيم في نحو خمسين موضعا (4) ، ومطلقا في قوله: {وَرَبٌّ غَفُورٌ} [15/34] ، ومقرونا بالشكور [30/35] ، ومقرونا بالحليم [235/2] ، والتواب في حديث (5) ، وبالعزيز [2/67] ، وبالودود [14/85] ، وبالعفو في أربعة مواضع [60/24] .
«الغفار» : ثلاثة مواضع [66/38] .
«الغافر» : جاء مضافا في قوله: {غَافِرِ الذَّنْبِ} [3/40] .
«ذو المغفرة» : جاء في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [32/53] ، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [6/13] ، وقوله: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [56/74] .
__________
(1) و {إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} ، {تنزيل من الرحمن الرحيم} .
(2) في تسعة مواضع.
(3) في أحد عشر موضعا منها في (5/3) .
(4) في تسعة وأربعين منها (173/2) .
(5) {التواب الرحيم}
(1/59)

«العفو» : جاء مقرونا بالقدير في قوله: {عَفُوًّا قَدِيرًا} [149/4] ، وبالغفور في أربعة مواضع (1) .
«الحليم» : جاء مقرونا بالغفور في ثلاثة مواضع أو أكثر (2) ، وبالعليم في نحو ذلك (3) ، وبالغني في قوله: {غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [263/2] ، وبالشكور في قوله: {شَكُورٌ حَلِيمٌ} [17/64] .
«التواب» : جاء مقرونا بالرحيم في نحو ستة مواضع [10/24] ، وبالحكيم في قوله: {تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [10/24] ، وجاء مفردا في قوله: {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [3/110] .
«قابل التوب» : جاء في قوله: {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [3/40] .
«سريع العقاب» : {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [167/7] .
«أشد بأسا وأشد تنكيلا» : جاء في قوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [84/4] .
«شديد العقاب» : في نحو عشرة مواضع (4) .
«الوهاب» : جاء مفردا في قوله: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [8/3] .
«أسرع مكرا» : في قوله {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ
__________
(1) خمسة مواضع منها (60/22) .
(2) في ستة مواضع منها (225/2) .
(3) في ثلاثة مواضع منها (12/4) .
(4) في أحد عشر منها (165/2) .
(1/60)

مَا تَمْكُرُونَ} [21/10] ، وقد جاء اسما له على وجه التفضيل في قوله: {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} في ثلاثة مواضع [54/3] ، ومنه: {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [18/8] {مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [2/9] .
.... (1) {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [22/32] ، {فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} [41/43] ، ومضافا في قوله: {عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} في ثلاثة مواضع [4/3] .
«الكريم» : جاء مقرونا في قوله: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [6/82] .
«الأكرم» : كذلك جاء مقرونا قرن وصف لا عطف في قوله: {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وهو أول ما نزل [3/96] .
«البر» : جاء في قوله: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [28/52] .
«المجيد» :جاء مقرونا بالحميد في قوله: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [73/11] ، وفي قوله: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} على إحدى القراءتين [15/85] .
«الحميد» : جاء مفردا في قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [1/14] ، ومقرونا بالمجيد في قوله: {حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [73/11] ، وبالغني: {غَنِيٌّ
__________
(1) بياض في الأصل.
(1/61)

حَمِيدٌ} في نحو ثلاثة مواضع (1) ، ومقرونا أيضا في قوله: {حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [42/41] ، وقوله: {الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [28/42] ، وفي قوله: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [8/85] .
«خير» : جاء في قوله: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [73/20] .
«ذو الجلال والإكرام» : جاء في قوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [78/55] .
وقد غلط في أن يكون من أسمائه قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [27/55] فإن صفة وجهه ... (2) .
«ذو الطول» : جاء في قوله: {شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [3/40] .
«ذو الفضل العظيم» : جاء مطلقا في نحو ستة مواضع (3) ، ومقيدا في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [243/2] ، وفي قوله: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [152/3] ، و: {ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [251/2] .
«أهل التقوى» : جاء مقرونا في قوله: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [56/74] .
«الزارع» : جاء مفردا معرفا تعريفا كتعريف الإضافة في قوله:
__________
(1) في ثلاثة مواضع منها (267/2) أما مع (الغني) فهي ستة أيضًا و {غنيا حميدا} السابع.
(2) بياض.
(3) في ستة مواضع منها (21/57) .
(1/62)

{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [63، 64/56] .
المنشئ: جاء كذلك في قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} [71، 72/56] .
الموسع: جاء في قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [47/51] .
محيي: جاء في قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [50/30 وتقدم] .
المنزل: لم يجئ إلا مقيدا في قوله: {أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [29/23] ، وقوله: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} [34/29] {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [68، 69/56] .
المنجي: في قوله: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} إن جعل اسما [33/29] .
جاعل: {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ} [61/40] ، {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ} [1/35 وتقدم] ، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [7/28 وتقدم] .
« ... » (1) ، {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [95/6 وتقدم] (2) .
ومما جاء متعديا بنفسه أو بحرف الجر بمعنى آخر: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [26/16] ، {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ}
__________
(1) بياض.
(2) قلت تقدم ذكر محيي ... وجاعل ... وفالق ... ومنزل أنها من أسماء الفعل الخاصة.
(1/63)

[23/25] ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [20/2] ، {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [27/2] (1) .
[مستقر الرحمة]
وقال له (2) رجل: جمعنا الله وإياك في مستقر رحمته. فقال: لا تقل هذا. وكان أبو العباس يميل إلى أنه لا يكره الدعاء بذلك، ويقول: إن الرحمة ههنا المراد بها الرحمة المخلوقة، ومستقرها الجنة، وهو قول طائفة من السلف (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: وسألت شيخ الإسلام رحمه الله يوما فقلت له: إذا كان الرب سبحانه يرضى بطاعة العبد، ويفرح بتوبته، ويغضب من مخالفته، فهل يجوز أن يؤثر المحدث في القديم حبا وبغضا وفرحا وغير ذلك؟.
[لا يؤثر المخلوق في الخالق رضا ولا غصبا]
قال: لي: الرب سبحانه هو الذي خلق أسباب الرضى والغضب والفرح، وإنما كان بمشيئته وخلقه، فلم يكن ذلك التأثير من غيره، بل من نفسه بنفسه. والممتنع أن يؤثر غيره فيه. وأما أن يخلق هو أسبابا ويشاؤها ويقدرها تقتضي رضاه ومحبته وفرحه وغضبه لهذا ليس بمحال، فإن ذلك منه بدأ وإليه يعود. والله سبحانه أعلم (4) .
قال ابن القيم رحمه الله: فإن قيل قد نقل القشيري عن ذي النون أنه سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [5/20] فقال: أثبت ذاته، ونفى مكانه، وهو موجود بذاته، والأشياء موجودة بحكمته كما شاء.
__________
(1) مجموع 69 ورقة 274، 275 تفهرس تابعة جـ1 ص72 من الفهارس العامة.
(2) للإمام أحمد.
(3) اختيارات ص 319 تفهرس ص12 جـ1 من الفهارس العامة.
(4) مدارج السالكين جـ2/433، 434 تفهرس مقابل ص82 جـ1 الفهارس العامة.
(1/64)

[ما نقل عن القشيري في الاستواء باطل]
قيل: القشيري لم يذكر لهذه الحكاية إسنادا وما ذكرناه مسند عنه (1) . وفي كتب التصوف من الحكايات المكذوبة ما الله به عليم.
قال شيخ الإسلام: وهذا النقل باطل؛ فإن هذا الكلام ليس فيه مناسبة للآية؛ بل هو مناقض لها؛ فإن هذه الآية لم تتضمن إثبات ذاته ونفي مكانه بوجه من الوجوه، فكيف يفسر ذلك؟
قال: وأما قوله موجود بذاته والأشياء موجودة بحكمته فحق، ولكن ليس هذا معنى الآية (2) .
فصل
أثبت أئمة من أهل السنة «الحد» كما قيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته، على عرشه، بائن من خلقه. قيل له: بحد؟ قال: بحد. وكذلك أحمد في أشهر الروايتين عنه، وكثير من أصحابه كالقاضي وابن الزاغوني وغيرهما، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي وحكاه عن أهل السنة وشيخ الإسلام الهروي، وخلق كثير.
[استواؤه تعالى على العرش بحد، هل يقال لصفاته حد، وله مقدار ونهاية؟]
وأنكر ذلك آخرون من المتكلمين: كأبي المعالي الجويني وطوائف من المعتزلة، والأشعرية، وبعض الحنبلية.
وفصل الخطاب: أن «الحد» له عدة معاني ترجع إلى أصلين: منها ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنها ما هو متفق عليه بين أهل السنة،
__________
(1) المسند عنه ما رواه أبو الشيخ في كتاب العظمة بإسناد عنه أنه قال: «أشرقت لنوره السموات وأنار بوجهه الظلمات، وحجب جلاله عن العيون، وناجاه على عرشه السنة الصدور»
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص171 للفهارس جـ1/85.
(1/65)

ومنها ما هو متنازع فيه؛ فإن «الحد» يكون لحقيقة الشيء النوعية، وهو حد الماهية. ويكون لعينه الذاتية، وهو حد لوجوده.
فالأول: هو «الحد» الذي يتكلم فيه المتكلمون من المنطقيين وغيرهم.
والثاني: كالحد الذي ينعته الشروطيون في حدود العقار وفي حُلَى الأشخاص. فإذا انحصر نوعه في شخصه كالشمس مثلا كان له حد بالاعتبارين. وهو بالاعتبار الأول: كلي لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. وهو بالاعتبار الثاني: عيني يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
وإن قيل: إن وجود كل شيء عين ماهيته أو قيل ذلك في حق الله تعالى فقط كان الحد الذي هو حقيقته العينية الوجودية هو الحد الذي هو الماهية النوعية إذا عني به حقيقة المحدود. وإن عني بالحد القول الدال على ماهية الشيء لم يكن لذلك وجود إلا في الذهن لا في الخارج، والله أعلم (1) (2) .
فأما الأول فقد يعني بالحد حقيقة الشيء، وقد يعني به القول الدال على ماهيته.
__________
(1) من قوله: وهو بالاعتبار الأول كلي إلى قوله والله أعلم في الهامش بخطه أيضًا وليس هو نهاية البحث.
(2) وقال رحمه الله في رده على المنطقيين: أشرف الموجودات واجب الوجود، ووجوده معين لا كلي؛ فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
وقال أيضًا: قولهم: إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها شبيه بقول من يقول: المعدوم شيء، وهو من أفسد ما يكون إلى أن قال: وحقيقة الفرق الصحيح: أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء، والوجود ما يكون خارجا عنه. وهذا فرق صحيح؛ فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه. وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل. مجموع الفتاوى (9/97-99، 125) .
(1/66)

فأما «الحد» بمعنى حقيقة الشيء التي هو بها يتميز بها عن غيره، فلا ريب بين المسلمين أن الله له حقيقة، وذات فذلك حده الذي لا يعلمه غيره، كما جاء في الأثر: يا من لا يعلم ما هو إلا [هو] ولا يبلغ قدرته غيره.
وهل يقال له ماهية لا يعلمها غيره، ولا تجري ماهيته في مقال. أو يقال: لا ماهية له؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم. الأول قول أكثرهم.
وأما الحد بمعنى القول -فله أسماء تميزه عن غيره وله حدود بخواصه التي تميزه عن [غيره] كقولنا: رب العالمين، وخالق السموات والأرض والأول والآخر والظاهر والباطن.
وأما «الحد» المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله تعالى.
فأما حد عينه الذاتية فيراد به: علي بذاته وحد بصفاته وحد بمقداره.
فأما الأول: فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميزه عنه بحيث لا يختلط به وهذا داخل فيما قصده ابن المبارك وغيره؛ خلافا للجهمية الذين يجعلونه مختلطا بالمخلوقات؛ ولهذا قال: بائن من خلقه بحد. فإن «الحد» هو الفصل والتمييز بينه وبين غيره. و «الحد» بهذا المعنى متفق عليه بين أهل السنة القائلين بأن الله فوق العرش بل وعند الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه أيضا؛ فإن الأعراض المختلفة كالطعم واللون إذا قامت بجسم واحد كانت متميزة بخصائصها وحدودها وليست متميزة بأعيانها وذواتها (1) .
__________
(1) باقي الكلام على الأعراض مخروم في الأصل. والمعنى واضح بدونه. ومعروف الكلام في الأعراض.
(1/67)

وأما الثاني: فهو بمعنى صفاته القائمة به المميزة له عن غيره، كما يقال في حُلية الموصوف ونعوته، فله حد بهذا الاعتبار.
وأما «الحد» بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حد له ولا غاية ولا مقدار وقيل: له حد من جانب العرش فقط وقيل: له حد ونهاية لا يعلمها غيره؛ إذ لا يعقل موجود بدون ذلك, وقد يقال: إن ابن المبارك وغيره قصدوه، إذ لو لم يريدوا ذلك لم يكن حاجة إلى قولهم: على عرشه بل يكفي أن يقال: هو منفصل عن خلقه متميز عنهم (1) .
[الرد على من يقول بنفي الفوقية معللا بلزوم الجهة وقدمها أو لزوم الانتقال]
قول من قال: يلزم من كون الشيء فوق كونه في جهة -سواء كانت الجهة داخل العالم أو خارجه- وثبوت الانقسام لذاته، لأن كل واحد من جوانبه غير الجانب الآخر، وكل ممكن القسمة لذاته ممكن الوجود لذاته ويلزم أيضا من كون الشيء في جهة: إما قدم الجهة وإما ثبوت الانتقال.
فالجواب عن ذلك: أما الحجة الأولى فللناس في جوابها طريقان:
أحدهما: أنه تعالى فوق العرش، وهو مع ذلك ليس بداخل العالم ولا بمنقسم. وهذا قول الكلابية وأئمة الأشعرية وغيرهم. وإذا قيل لهم: هذا ممتنع. قالوا: إثبات وجود م وجود لا داخل العالم ولا خارجه أبعد عن العقول من إثبات موجود خارج العالم وليس بجسم ولا منقسم، فإن كان الأول جائزا في العقل فالثاني أولى بالجواز وإن كان ممتنعا بطل قول النفاة.
الطريق الثاني: أن يقال: هل الانقسام فيه بالفعل أو بالإمكان؟ فإن
__________
(1) مجموع 69 ص 145 فيه زيادة.
(1/68)

كان بالإمكان بحيث يقبل التفريق والتبعيض لم يسلم اللزوم، ولا دل ذلك عليه؛ وإنما ذكر في الدليل أن كل جانب غير الآخر.
ومطلق المغايرة لا يقتضي قبول التفريق والانفصال؛ فإن لفظ «غير» فيه اصطلاحان، أحدهما: اصطلاح الأشعرية ومن وافقهم أن ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود أو ما جاز مفارقة أحدهما مطلقا ولهذا لا يقولون صفات الله مغايرة لذاته؛ بل لا يقولون إن الصفة اللازمة للمخلوق مغايرة له، ولا أن بعض الجملة مغاير لها، ولا الواحد من العشرة مغاير لها. فعلى هذا إذا لم يقبل التفريق لم يكن أحد من الجانبين مغايرا للآخر.
والاصطلاح الثاني: أن حد «غير» ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر.
وهذا اصطلاح المعتزلة والكرامية، فعلى هذا تكون صفة الموصوف مغايرة له، وتكون صفات الله مغايرة لذاته، ويكون كلام الله غير الله.
وعلى القولين الأولين لا يكون كلامه غيره.
والذي عليه السلف أنه لا يطلق إثبات المغايرة، ولا نفيها، لكن يفصل (1) : هل أريد «بالغير» أنه ممكن العلم بهذا دون هذا، أو يريدون أنه يمكن مفارقة هذا لهذا، ووجود هذا بدون هذا، وتحقق ماهية هذا دون هذا، ونحو ذلك؟
فعلى هذا التفسير لا تكون الصفة اللازمة للموصوف مغايرة للموصوف، ولا البعض اللازم للكل مغايرا للكل على ذلك.
وأما لزوم «الانتقال» فللناس عنه جوابان مبنيان على جواز قيام
__________
(1) يعني: يستفصل المطلق لهذه العبارة.
(1/69)

الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة بذاته. فمن لم يجوز ذلك قال: إنه لما خلق العالم لم ينتقل هو ولم يتغير؛ بل خلقه مباينا له، لم يدخل في العالم ولم يدخل العالم فيه، وحدث بينه وبين العالم إضافة التحتية، وحدوث الإضافات جائزًا اتفاقًا؛ بل لا بد منه. وهذا قول من يقول: الاستواء إضافة محضة، وأنه فعل فعلا في العرش صار به مستويا عليه بكونه خلق العرش تحته فلزم أن يكون هو فوقه من غير حركة من الرب ولا تحول قائم بذاته.
والجواب الثاني: جواب من يجوز قيام الأفعال الإرادية بذاته كما هو المفهوم من النصوص، وهؤلاء يلتزمون ما ذكر من معنى الانتقال والحركة؛ لكن منهم من يقر بالمعنى دون اللفظ لكون الشرع لم يرد بهذا اللفظ، وإنما ورد بلفظ الاستواء والمجيء والنزول ونحو ذلك.
ومنهم من يقر باللفظ أيضا ويقول إن ذلك لا يستلزم الحدوث، وأن الاستدلال بذلك على الحدوث باطل. ومن قال: إن ذلك حجة إبراهيم عليه السلام فقد أبطل، بل قصته تدل على نقيض المطلوب، كما قد بسط كلام الناس عليها في غير هذا المكان وهذا الذي احتملته هذه الورقة (1) .
[قول ابن كلاب هنا جيد]
قال ابن كلاب في بعض كتبه: وأُخرج من النظر والأثر من قال: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه. حكاه عنه شيخ الإسلام في عامة كتبه الكلامية (2) .
قال شيخنا: وعلى ذلك [إثبات الرؤية] جميع أهل السنة وسلف
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص581-584 تفهرس تابعه جـ1/ص89، 94، 113 من الفهارس العامة لمجموع فتاوى ابن تيمية.
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص179 تفهرس تابعة جـ1/89 من الفهارس العامة.
(1/70)

الأمة وأئمة الإسلام (1) .
[الساق من الصفات]
مسألة: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [42/68] أنه قال: عن شدة. وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي فيه تجلى الله تعالى لعباده يوم القيامة «وأنه يحتجب ثم يتجلى، قال: فيكشف عن ساقه فينظرون إليه» .
والذي في القرآن (ساق) ليست مضافة فلهذا وقع النزاع هل هو من الصفات أم لا؟
قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: ولا أعلم خلافا عن الصحابة في شيء مما يعد من الصفات المذكورة في القرآن إلا هذه الآية، لعدم الإضافة فيها. والذي يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله في قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [75/38] ، وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [207/55] ، ونحو ذلك، فإن الصفات تثبت ويجب تنزيه الرب عن التمثيل؛ لأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [11/42] (2) .

فصل

ولما تمكن الشيطان من المتكلمين في الله بعقولهم زين لهم اتباع الجهم فيما التزمه في ذلك من الحكم على الله سبحانه بنفي صفاته المقدسة العليا التي وصف بها نفسه المقدسة في شريعة الإسلام التي
__________
(1) الصواعق ص 1454- وللفهارس العامة جـ1/97.
(2) مختصر الفتاوى ص 201، 202، هذه أطول مما في المجموع. انظر الفهارس العامة جـ1/99، 341.
(1/71)

بعث بها محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليصححوا بذلك دعواهم الباطلة «معرفة حدوث العالم» وهو ما سوى الله في التفتيش على الله بدلائل العقل من غير جهة السمع. وزين لهم الشيطان أنها صفات نقص يجب تنزيه الله عنها، لأن أسماءها تماثل في اللفظ أسماء صفات المخلوقين الناقصة بنقصهم؛ فلزم من ذلك المماثلة في الحقيقة والكيفية، فوجب تنزيه الله عنها، وإلا كان جسمًا ممكنا محدثا اعتبارا بالمخلوق في زعمهم، وذلك خطأ باين (1) .
[حبهم نفى صفات الله تقليدا للفلاسفة الضالين الذين قاسوه على مخلوقاته والمتكلمون قلدوه]
وزين لهم الاحتجاج على ذلك بخرافات وترهات باطلة ليس فيها مقدمة صحيحة يصح الاحتجاج بها بين يدي الله على صحة الكلام في الله بدلائل العقل في اعتباره بمخلوقاته؛ لأن حقيقتها ومعناها التسوية بين الله وبين مخلوقاته في حكم الطبيعي والمنطق المختص حكمهما بالمخلوقات دون الخالق؛ لأن واضعهما من الفلاسفة وغيرهم «أرسطوطاليس» وغيره، إنما وضعهما على حكم المشهود من المخلوقات ومن طبائعها إذ لم يكن له وصول إلى حكم الخالق سبحانه من غير جهة السمع، والسمع لا قدر له عنده، لاعتقاده أن النبوة فيض لا وحي.
وعلى حكم الإيمان بأنها وحي فهي إنما وردت بتوحيد الله وعدم مماثلة شيء له لا في حقيقة ذاته ولا في حقائق صفاته وأفعاله ولا في شيء من بيناته؛ لكنه سبحانه جعل {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي يتبعون ما جاءت به النبوة على حكم التسليم والإيمان وجعلها أيضا سببا لضلال الضالين بإرادتهم الكشف والاطلاع في مقام التسليم والإيمان على عين اليقين في معرفة الله من غير جهة الأنبياء آدم ومن بعده، وذلك كما قال سبحانه:
__________
(1) كذا بالأصل والمعنى بين.
(1/72)

{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [26/2] وذلك لما فيه من أسماء الله الحسنى وأسماء صفاته وأفعاله التي تشبه أسماء المخلوقين وأسماء صفاتهم وأفعالهم في اللفظ فقط دون الحقائق والكيفيات؛ لأنه يلزم من وحدانية الله عند من يعرف معناها وحدانية صفاته وأفعاله وعدم صحة اعتباره بمخلوقاته فلا يجوز التسوية بينه وبين مخلوقاته لا في طبائعها ولا في أحكامها؛ بل حقيقة ذاته وحقائق صفاته وأفعاله على الوجه اللائق بجلاله، فلا سبيل إلى معرفته وحقيقته.
المخلوق وحقائق صفاته وأفعاله على الوجه المناسب له ولما خلقه الله عليه من الفقر والنقص.
[اتفاق أسماء مخلوقاته تعالى وصفاتهم مع أسمائه وصفاته في اللفظ لا في الكيفية]
وإذا كان سبحانه قد سمى نفسه الإلهية المقدسة الكاملة الغنية بمثل ما سمى به عبده المخلوق الفقير والناقص مثل: الملك، والمؤمن، والعزيز، والجبار، والمتكبر، والعليم، والسميع، والبصير، والحكم، والعدل، وغير ذلك. وكذلك سمى صفاته وأفعاله الإلهية المقدسة الكاملة بمثل ما سمى به صفات المخلوق وأفعاله المخلوقة الناقصة مثل الحياة والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والتعجب، والضحك، والوجه، واليدين، والقدم، والمجيء، والإتيان، والاستواء، والنزول؛ وغير ذلك كانت المماثلة في اللفظ بالأسماء فقط. وحقيقة ذات العبد وكيفيته على الوجه المشهود الذي خلقه الله عليه بقدرته ومشيئته وحقيقة ذات الله وكيفيته على الوجه اللائق بكماله وعز وجلاله الذي استأثر علينا به ولا سبيل لنا إلى معرفته وكذلك حقائق صفاته وأفعاله وكيفياتها على الوجه اللائق بذاته وكماله وعز جلاله فيجب الإيمان بما ورد به الشرع من أسماء الله وأسماء صفاته وأفعاله. وأن مسمياتها على الوجه اللائق بكماله وعز جلاله. ويجب السكوت عما سكت عنه الشرع من بيان حقائقها وكيفياتها. ولا يصح التمسك بدين النبوة والإيمان بأنها وحي لا فيض إلا على هذا الوجه.
(1/73)

[وزعموا أنها تقتضي النقص والحدوث فلا يمكن الاستدلال على حدوث العالم إلا بنفيها فنفوها]
فلما استعمل المتكلمون في الله بعقولهم «المنطق» في العلم الإلهي على حكم الطبيعي وجعلوا مقدمات المنطق في ذلك شاملة للخالق والمخلوق في أن الاتصاف بهذه الصفات ملازم للحدوث لزمهم الباطل من نفي صفات الله وأفعاله فالتزموا ذلك تنزيها لله عنها في زعمهم وإلا كان جسما مركبا محدثا قياسا على المخلوق بالمثال والاستقراء وغالطوا فيما هو محقق من كون الحكم على بعض المخلوقات بأحكام بعضها بالمثال والاستقراء ظني وليس بعلم. وأما الحكم على الخالق بذلك بأحكام مخلوقاته فليس بعلمي ولا ظني؛ بل وهمي وجهلي وهذا هو ثمرة طلب الكشف والاطلاع في مقام التسليم والإيمان؛ فإن وحد الله (1) واحتجابه عن خلقه يمنع من التوصل إليه من غير جهة السمع عند من يفهم وينصف.
[والتزموا القول بالتعطيل عن الخلق والتدبير في الأزل]
ثم سوّل لهم الشيطان الحكم على الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا بالتعطيل عن الخلق والإحداث والتصرف ألبتة في الأزل الماضي الذي لا أول له ولا نهاية وأنه لم يخلق قبل هذا العالم المذكور في الشرع شيئًا، ولم يتصرف بشيء ألبتة، بل لم يزل في الأزل عطلا معطلا: إما لعدم القدرة على قول الجهمية ومن وافقتهم وإما لعدم المشيئة على قول المعتزلة ومن وافقهم ثم لما عرضت له القدرة أو المشيئة تغير بسبب خلق هذا العالم وصار كل يوم هو في شأن؛ ليصححوا بذلك دعوى معرفة نسبة هذا العالم. وقد ذكرت هذا في أول الباب.
فقول «جهم» : إن التعطيل في الأزل كان لعدم القدرة هو لما كان معترفا بالله، ومظهرا أن الله هو الذي أحدثه من غير طريق السمع التي تعرف سبحانه إليهم منها وعرفهم منها أنه هو الذي خلق السموات
__________
(1) كذا بالأصل ولعله توحد الله -أي كونه واحدا لا مثيل له في جلاله وكماله كما هو في دعاء ختم القرآن له.
(1/74)

والأرض فأطاعوا الشيطان في ذلك وحكموا على الله بأنه لم يزل في الأزل الذي لا أول له ولا نهاية معطلا عن الخلق والإحداث والتصرف ألبتة، لأنهم وجدوا الطريق إلى معرفة ذلك من غير جهة السمع مسدودة مع الاعتراف لله بجواز أن يكون قد خلق قبل هذا العالم شيئا، لأنه لو وجد أو حصل في الوجود قبل هذا العالم شيء غير الله لجاز في العقل أن يكون حدوث هذا العالم عنه كالحيوان والنبات وكذلك ما قبله وما قبله وما قبله وهلم جرّا إلى غير نهاية، فامتنعت معرفة الله من غير هذا الوجة وقد زين لهم الشيطان عدم صحة الدين إلا بمعرفته منه فالتزموا الحكم عليه بذلك.
[والتزم جهم التعطيل عن الخلق في المستقبل ثم اعتقد بطلان الإلهية وترك الصلاة فقتل وصلب]
وكان «الجهم» أحذقهم فلذلك فهم أن هذه الدعوى لا تصح مع الاعتراف لله بالقدرة في الأزل لأن الاعتراف بالقدرة يوجب جواز الفعل، ومع جواز الفعل يجوز أن يكون حدوث هذا العالم عنه، وهذا لازم كل اللزوم على حكم الغلط أو الضلال في دعوى أن المقام في هذا الباب مقام كشف واطلاع بدلائل العقل مع دعوى التمسك بالدين «النبوة» والإيمان بأنها وحي لا فيض للتعلق بالشرع. وكان أحذق المتكلمين في الله بعقولهم وأصحهم روية وأضلهم في عدم الإيمان بالغيب، فلذلك فهم بطلان هذا الحكم ومعرفة الله من هذا الطريق مع الاعتراف له بالقدرة في الأزل، فلذلك حكم عليه بعدم القدرة في الأزل، واقتضى ضلاله أن يلزم من ذلك أنه سيعود الأمر إلى عدم القدرة. ومن هنا قال بفناء الجنة والنار. ثم ظهر له بعد ذلك بطلان هذا كله وأضله الله عن الإيمان بالشرع، فاعتقد بطلان الإلهية وأعرض عن الشرع وترك الصلاة، وقال: إذا تبت عند من أعبده صلبت. فضرب الوالي بخراسان عنقه وصلبه سنة ثلاثين ومائة.
(1/75)

وقد تعلق بعضهم في الحكم على الله بالتعطيل في الأزل بحديث عمران بن حصين (1) (2) .
[وصف أهل الكلام وحيرتهم]
قال ابن القيم رحمه الله: وقال لي شيخنا مرة في وصف هؤلاء (3) : إنهم طافوا على أرباب المذاهب، ففازوا بأخس المطالب (4) .
وقال ابن القيم: وحدثني شيخ الإسلام قال: حكى لي بعض الأذكياء وكان قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة -وهو ابن واصل الحموي- أنه قال له الشيخ: اضطجع على فراشي، وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يلطع الفجر، ولم يترجح عندي شيء (5) .
وقال ابن القيم رحمه الله بعد نقله عن عاصم بن عدي: ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه اعتقد أن ليس في السماء رب.
[حقيقة قول الجهمية]
قال شيخ الإسلام: كان الجهمية يدورون على ذلك، ولم يكونوا يصرحون به لوفور السلف والأئمة وكثرة أهل السنة. فلما بعد العهد وانقرض الأئمة صرح أتباعهم بما كان أولئك يشيرون إليه ويدورون حوله.
قال وهكذا ظهرت البدع كلما طال الأمر وبعد العهد اشتد أمرهم وتغلظت.
__________
(1) آخر الصحيفة بياض. قلت: وقد أجاب شيخ الإسلام رحمه الله عن هذا الحديث في مجموع الفتاوى وغيره -انظر جـ 18 ص 210-244، وجـ 2 ص 272-278.
(2) مجموع 69 ورقة 2-4 يفهرس تابعا جـ1/117 من الفهارس العامة لمجموع الفتاوى.
(3) يعني المتكلمين.
(4) الفوائد لابن القيم ص103 وللفهارس العامة جـ1/89.
(5) الصواعق جـ3/842.
(1/76)

قال: وأول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة القدر والإرجاء ثم بدعة التشيع إلى أن انتهى الأمر إلى الاتحاد والحلول وأمثالهما (1) .
الآيات التي فيها صفات الله سبحانه التي تأولها متأخرو الجهمية وسموها الصفات السمعية، وهي ما سوى الصفات السبعة (2) .
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [9/2] الآية، {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [14، 15/2] ، {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [53، 54/3] ، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [142/4] ، الآية، {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية [33/5] {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [30/8] ، {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [27/8] ، {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ} [71/8] ، {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [63/9] ، {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} إلى قوله: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [79/9] ، {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} [21/10] ، {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [13/13] ، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [205/2] ، {وَأَقْسِطُوا
__________
(1) اجتماع الجيوش الإسلامية ص136 وللفهارس جـ1/119.
(2) وهذا العنوان من خط المؤلف، ويدل على أن الأشاعرة المتأخرين جهمية كما سمى كتابه الذي رد فيه على الرازي: «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» وكما صرح بأن هذا مذهب الأشاعرة في الرسالة «التدمرية»
(1/77)

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [9/49] ، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [190/2] ، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [159/3] ، {إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [26/2] ، {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [195/2] ، {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [31/3] ، {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} [148/4] الآية، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [18/5] الآية، {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [54/5] ، {ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [93/5] ، {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [46/9] ، وهذه كراهة شرعية قدرية ضد المحبة لكونهم يضرون بخروجهم {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ} إلى قوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} [15/3] ، {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} إلى قوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [72/9] {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [62/9] ، {فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [96/9] ، {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} إلى قوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [100/9] ،
{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [84/20] .
{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [7/39] ، {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [90/2] ، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} إلى قوله:
(1/78)

{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [93/4] ، {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [80/5] ، {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [9/24] ، {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} إلى قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [114/4] ، {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} إلى قوله: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [6/48] ، {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} [2/5] ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [222/2] ، {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [108/9] . وتفسر محبة التائبين الأحاديث المشهورة في المدح بالتوبة. {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} إلى قوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} [50، 51/27] ، {لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [23/57] ، {لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [58/8] ، {لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [64/6] .
{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ثم قال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} [57، 58/33] ، {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [30/36] أدخل في هذا وهو غلط.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ} [10/40] ، {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا
تَفْعَلُونَ} [3/61] ، {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} [35/40] ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا
(1/79)

مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [28/47] ، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [5/58] ، {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} إلى قوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [22/4] .
{يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [22/58] ، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا} [5/58] ، {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [29/48] ، {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [48/59] ، {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [4/59] ، {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [1/60] ، {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [12/27] ، {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [55/43] ، {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} في موضعين [183/7 و45/68] ، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [15، 16/86] ، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} على قول [29/2] ، {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} الآية [201/2] ، {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [158/6] ، {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [22/89] .
وقد ألحق بذلك: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [5/32] جعلا له بمعنى حديث النزول وهو خطأ فاحش.
ومنه قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [25/25] كما فسرته الأحاديث وما قبلها دليل على ذلك. يبين عند قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [7/10] . وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ
(1/80)

أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} لا يخالف ذلك [158/6] ، وقوله: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} إلى قوله: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [92/17] يشبه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [7/10] ، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [158/6] ، {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} الآيتين [55، 56/2] ، {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [153/4] ، {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} الآية [108/2] ، {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} الآية [118/2] ، {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} الآية [183/3] ، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} الآية [103/6] ، {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} الآية [143/7] ، {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} الآية إلى قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ} الآية إلى قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} الآية [21-25/25] ، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} الآية [26/10] ، {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} [60/17] مفسرة {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [1/17] وقد أدخل في هذا الباب {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} الآية [110/8] على تأويل أنه المرائي وكما دل عليه المرسل يفسر قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [5/42] ، {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [58/36] ،
(1/81)

وقوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [44/33] لكن التحية والرؤية معا.
وقد جاء: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [7/10] الآية {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ} [23/29] ، {يَوْمَ التَّلَاقِ} [15/40] ، {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [8/30] ، {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [6/84] ، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [17/32] ، {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [35/50] قوتهما الأحاديث والآثار {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [22، 23/75] ، {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [23، 24/83] يحتمل هذا بل هو ظاهر فيه. {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [115/2] ، {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [255/2] قول ابن ... (1) وابن عباس: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} [13/3] ... (2) {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [26/3] ، {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [73/3] ، {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [29/57] ، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} إلى قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [64/5] ، {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [175/7] فسرته الأحاديث.
__________
(1) بياض.
(2) بياض.
(1/82)

بخلاف قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [105/21] ، {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [104/9] فسر الأخذ حديث أبي هريرة وغيره. {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [75/38] ، {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [52/6] ، {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [28/18] ، {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} إلى قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} إلى قوله: {وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [38، 39/30] ، {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [9/76] ، {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [19، 20/92] هما بمعنى واحد: ومنه: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [195/7] الآية على طريقة ابن خزيمة والدارمي وغيرهما.
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا}
[71/36] ، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [37/11] ، {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [39/20] ، {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [13، 14/54] ،
{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [12/25] مع الحديث الذي يفسر
ذلك دال على حقيقة الرؤية {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ
الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [88/28] ، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [26، 27/55] ، {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ
مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} [88/23] ، {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [83/36] ، قوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
(1/83)

هَدَيْتَنَا} [8/3] ، {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [5/61] يفسر هذا عدة أحاديث.
{يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [56/39] ربما أدخل في هذا وهو غلط، إلا على وجه آخر. {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [47/51] هو الأيد؛ ليس الأيدي كقوله: {دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} [17/38] بخلاف قوله: {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [45/38] ، {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [67/39] وقد حققه حديث ابن مسعود وابن عمر وغيرهما وآثار كثيرة. {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [10/48] ، {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [29/57] ، {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [42/68] كما فسره حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم. {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [21/76] ، {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [105/2] (1) .
[الأشعري وأئمة أصحابه يثبتون الصفات الخبرية لا يقتصرون على السبع]
قال شيخ الإسلام -قدس الله روحه-: ولما رجع الأشعري من مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال في أهل السنة والحديث (2) وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها: كالإبانة والموجز، والمقالات، وغيرها. وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسين التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة، ويذكرون رده على المعتزلة، وأبدى تناقضهم.
__________
(1) قلت: انتهت الآيات الدالة على الصفات التي ينكرها متأخرو الجهمية كما سبق وذكر بعض الآيات التي أدخلت في الصفات وليست منها وهي من مجموع 69 ورقة 272، 273 وللفهارس العامة جـ1/119.
(2) لعله ومال إلى أهل السنة والحديث.
(1/84)

ثم ذكر ما بين الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف لا سيما بين القاضي أبي بكر بن الباقلاني وبين أبي الفضل التميمي، حتى كان ابن الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل: كتبه محمد بن الطيب الحنبلي، ويكتب أيضا الأشعري.
قال: وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب أحمد لما ذكر عقيدة أحمد.
قال: وأما ابن حامد وابن بطة وغيرهما فإنهم مخالفون لأصل ابن كلاب.
قال: والأشعري وأئمة أصحابه كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وإبطال تأويلها، وليس للأشعري في ذلك قولان أصلا. ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين؛ ولكن لأتباعه قولان في ذلك. ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان أولهما في الإرشاد ورجع عن التأويل في رسالته النظامية وحرمه ونقل إجماع السلف على تحريمه وأنه ليس بواجب ولا جائز (1) .
__________
(1) اجتماع الجيوش الإسلامية ص181. هذا النقل عن ابن تيمية فيه زيادات عما في المجموع. يفهرس جـ1/122 مع الفهارس العامة لمجموع الفتاوى.
(1/85)

مفصل الاعتقاد (1)

[موت الملائكة في الأرض]
ما ذكر من نزول الملائكة إلى الأرض وأنهم يعبدون الله فيها ويموتون فيها لا أصل لذلك (2) .
والصواب الذي عليه المحققون أن الخضر عليه السلام ميت لم يدرك الإسلام (3) .
[كفر من لم يؤمن بمحمد ومن ارتاب في كفر من لم يؤمن به]
ولا خلاف بين المسلمين أن من لم يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بعد بلوغ رسالته إليه أنه كافر مخلد في النار، ومن ارتاب في ذلك فهو كافر يجب قتله، كما استتاب عمر وعلي رضي الله عنهما طائفة جهلت حرمة الخمر فظنت أنها تباح للصالحين دون غيرهم، واتفق الصحابة على أن هؤلاء إن أصروا قتلوا (4) .
فصل
في الأحاديث التي سئل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة فقال: «إن يعش هذا الغلام فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» المراد بذلك «ساعة
__________
(1) مسائل في الاعتقاد، أو في فروع الاعتقاد.
(2) مختصر الفتاوى ص250 يتبع الفهارس العامة جـ1/43.
(3) الاختيارات ص93 يتبع الفهارس العامة جـ1/44.
(4) مختصر الفتاوى ص201 يتبع الفهارس العامة جـ1/44 هذه الفتوى فيها زيادة عما في جـ2 ص 390 من الفهارس العامة.
(1/87)

القرن» وهي موتهم؛ فإن في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: «إن يعش هذا الغلام لم يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» قال هشام: يعني موتهم فهذا يبين تلك الأحاديث.
[الساعة الصغرى، والساعة الكبرى، وأدلتها، وعلاماتها، وأصناف الناس في الإقرار بها]
وقد يراد بالقيامة الموت، وأن من مات فقد قامت قيامته كما قال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أيها الناس إنكم تقولون: القيامة، القيامة؛ فإن من مات قامت قيامته.
وليس واحد من هذين النوعين منافيا لما أخبر الله به من «القيامة الكبرى» التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة بعد أن تعاد الأرواح إلى الأجساد. وإنما ينكر هذا أهل الزندقة من الفلاسفة ونحوهم ويتأولون ما في القرآن من ذلك ومن ذكر القيامة على أن المراد بها الموت؛ نحو تأويلهم قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [1/81] أنها العقل إذا غاب بالموت، {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} [2/81] ، أنها أعضاء الإنسان وحواسه. {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [3/81] أنها أعضاؤه الكبار التي يحملها الحاملون إلى القبر. {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [4/81] أنها ما في بدنه من الأرواح البخارية وقواها. وأمثال هذه التأويلات التي يذكرها السهرودي المقتول على الزندقة في الأرواح العمادية ويذكرها من يذكرها من المتفلسفة القرامطة الباطنية.
فإن «القيامة الكبرى» مما علم بالاضطرار من دين الإسلام. ومن تدبر القرآن وتفسيره والأحاديث المتواترة عنه - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه وسائر الأئمة علم ذلك، كما يعلم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - جاء بالصلاة وبالصوم وحج البيت العتيق وتحريم الفواحش ونحو ذلك، كما في أول سورة الواقعة
(1/88)

وفي آخر السورة: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [83/56] فهذا تفصيل لحال الموت كما أن أول السورة لذكر القيامة. وكذلك قوله: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [1/75] .
ثم قال: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} [2، 3/75] فجمع عظامه هو في القيامة الكبرى، إلى قوله: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} [26، 27، 28/75] فبين ما يقوله عند الموت، إلى قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} إلى أن قال: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [40/75] فاستدل سبحانه بقدرته على الخلق الأول على إحياء الموتى وذلك في القرآن كثير، يستدل بالنشأة الأولى على البعث في القيامة الكبرى.
وتارة يبين البعث ببيان قدرته على خلق الحيوان، وتارة بخلق النبات كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} الآية، وقوله: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} ، إلى قوله: {وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [5-7/22] وقوله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [9/35] .
فهذا كله بيان للقيامة الكبرى.
وتارة يستدل عليها بقدرته على خلق العالم كما في قوله في سورة «ق» : {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ} إلى قوله: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} إلى قوله: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [6، 9، 11/50] .
(1/89)

ثم ذكر الموت بقوله: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [19/50] .
وقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [81/36] .
وقوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [57/40] .
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [33/46] .
وتارة يستدل بالنشأة الأولى نحو قوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا} الآيات [78/36] .
وقوله: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [50/17] .
وذكر إحياء الموتى في غير موضع نحو قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [56/2] .
وقال فيها أيضًا: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [73/2] .
وقال فيها: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [243/2] ، وقال فيها: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [259/2] وذلك أكثر من أن يحصر.
وأما «أشراط الساعة» التي ذكر الله تعالى أنه لا يعلمها إلا هو مثل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك؛ فهي من أشراط الساعة، وهي «القيامة الكبرى» التي لا يعلمها أحد إلا الله فهذه الساعة لا يعلمها أحد غيره سبحانه؛ بخلاف غيرها من موت الإنسان وانخرام القرن فإنه يعرفه من الخلق من شاء الله منهم، وجمهور الخلق يعلمون ذلك تقريبا وإن لم يعلموه تحديدا كما يعلمون أن غالب
(1/90)

الخلق لا يبقون مائة سنة ونحو ذلك مما جرت به العادة. وقد يعلم ذلك بطريق أخرى مما لا يتسع له هذا الموضوع.
فلا يقال في تلك الساعة الصغرى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [187/7] أي خفي علمها على أهل السموات والأرض. وقال: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [63/33] ، وقد قال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [34/31] .
والناس في المعاد على أربعة أصناف:
فالذي عليه الرسل وأتباعهم الذين لا بدعة فيهم هو الإقرار بمعاد الأبدان والأرواح.
وأكثر هؤلاء الدهرية كذبوا بالمعاد مطلقا.
وبين هذين طائفتان: طائفة من أهل الكلام أقروا بمعاد الأبدان والقيامة الكبرى، وأنكروا أمر الأرواح فلم يقروا بأنه بعد الموت نعيم أو عذاب.
ومنهم من أقر بالعذاب على البدن فقط دون الروح، وزعم أن الروح هي الحياة التي للبدن، ومنهم من يقر بمعاد الروح فقط.
وطائفة من المتفلسفة أقروا بمعاد الأنفس فقط دون الأبدان وكفروا بما جاءت به الرسل.
وقد دخل مع أولئك من متكلمي الإثبات جماعة كالقاضي أبي بكر ابن الطيب وأمثاله ممن يزعم أن الروح ليست جوهرا قائما بنفسه لكنها عرض من أعراض البدن.
(1/91)

ومنهم من جعل الروح جزءا من أجزاء البدن وهو الريح الذي يدخل البدن ويخرج منه، والبخار الذي من القلب. وهذه الأقوال فاسدة.
والذي عليه السلف أن الروح التي تقبض بالموت ليست هي البدن ولا جزء منه ولا صفة من صفاته؛ بل هي جوهر قائم بنفسه، ودلائل الكتاب والسنة على ذلك كثيرة جدا.
لكن هؤلاء مع غلطهم وضلالهم أقرب إلى الإسلام ممن قال: إن هذه الروح ليست داخل العالم ولا خارجه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج ولا تحول ولا انتقال، وأن المعاد ليس إلا لها وأن البدن لا يعاد، فإن إنكار معاد الأبدان كفر بين، وقد علم من دين الإسلام فساده، وأن المكذبين بالمعاد مراغمون للرسل مراغمة بينة كما قد بسط في موضعه (1) .

فصل
[الإيمان بمعاد الأرواح والأبدان، وما يحصل للروح في البرزخ من نعيم أو عذاب]
عظيم المنفعة في «أمر المعاد» وذلك أن مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها الإيمان بالقيامة العامة التي يقوم الناس فيها من قبورهم لرب العالمين، ويجزي العباد حينئذ ويحاسبهم، ويدخل فريقا الجنة وفريقا النار، كما هو مبين في الكتاب والسنة.
والإيمان مع ذلك بنعيم القبر وبعذابه، وبما يكون في البرزخ من حين الموت إلى حين القيامة من نعيم وعذاب فالإنسان منذ تفارق
__________
(1) مختصر الفتاوى ص86 أو الفهارس العامة جـ1/45.
(1/92)

روحه بدنه هو إما في نعيم وإما في عذاب فلا يتأخر النعيم والعذاب عن النفوس إلى حين القيامة العامة وإن كان كماله حينئذ، ولا تبقى النفوس المفارقة لأبدانها خارجة عن النعيم والعذاب ألوفا من السنين إلى أن تقوم القيامة الكبرى، ولهذا قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس إنكم تقولون: القيامة، القيامة. وإنه من مات فقد قامت قيامته.
واسم «الساعة» في السنة قد يراد به انقراض القرن وهلاك أهله، كما ذكر ذلك البغوي وغيره، وهو مذكور في أحاديث صحيحة «حتى تقوم عليكم ساعتكم» يريد به انخرام ذلك القرن، فلهذا هو مفسر في الحديث الصحيح.
وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة الإقرار بمعاد الأرواح والأبدان جميعا، وأن الروح باقية بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة.
وأما أهل الأهواء: فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم يكذب بما في البرزخ من النعيم والعذاب ولا يقر بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضا وجود الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيما ولا عذابا ولا ثوابا ولا عقابا إلا عند القيامة الكبرى.
ثم منهم من يقول ليست الروح شيئا ثابتا بدون البدن، وبعض هؤلاء يقر بعذاب القبر ونعيمه للجسد فقط دون روح باقية دونه، وهذا كثير في مقالات طوائف من أهل الكلام. وهم يتكلمون في إحداث العالم وإفنائه، وقد يزعمون أن العالم يفنى بجملته ثم يعاد ومنهم من يزعم أنه يفنى بعد دخول الجنة والنار، وأنهما يفنيان، كما يذكر ذلك عن الجهم بن صفوان، وزعم أبو الهذيل أن حركاتهم تفنى وأمثال هذه المقالات.
[ضلال من ينكر تغيير هذا العالم عند القيامة الكبرى]
وفي مقابلة هؤلاء طوائف من الفلاسفة المشائين وغيرهم ومن قد يتبعهم من المليين يكذبون بالقيامة العامة، وإنما يقرون بالقيامة التي هي
(1/93)

انقراض القرون والطوفانات العامة، وبأن من مات فقد قامت قيامته؛ ويقرون بمعاد الأرواح دون الأبدان. ويمتنعون ولا يقرون بتغيير هذا العالم، ولا بشق السموات وانفطارها، وتكوير الشمس والقمر، واستحالة الأجسام العلوية، كما جاءت به النصوص، بل يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولون ذلك على أنه أمثال مضروبة بحال المعاد الجزئي، وهو حال النفس عند مفارقة البدن، ولا يقرون بإحداث ولا إفناء (1) .
وسماع الميت لقرع نعالهم والسلام عليه ونحو ذلك مما ثبت أن جنس الأموات يسمعونه، ليس ذلك مخصوصا بقوم معينين.
[سماع الميت لقرع نعالهم والسلام عليه عام. معرفة الميت بحال أهله]
وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [80/27] المراد السماع المعتاد الذي يتضمن القبول والانتفاع -كما في حق الكفار- السماع النافع في قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [23/8] ، وقوله تعالى: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} [10/67] فإذا كان قد نفى عن الكافر السمع مطلقَّا وعلم أنه إنما نفى سمع القلب المتضمن للفهم والقبول لا مجرد سماع الكلام فكذلك المشبه به وهو الميت.
والحديث الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: «إن الميت إذا حمل قال قدموني» أو يقول: «يا ويلها» الحديث، ليس هذا هو الكلام المعتاد بتحريك اللسان؛ فإنه لو كان كذلك لسمعه كل أحد ولكن هو أمر باطن آخر وليس هو مجرد الروح، فإن الروح منفصل عن البدن فإن النائم قد يسمع ويتكلم، وذلك بروحه وبدنه الباطن بحيث يظهر أثر ذلك في بدنه، حتى إنه قد يقوم ويصيح ويمشي ويتنعم بدنه ويتعذب ومع ذلك فعيناه مغمضتان، وغالبهم أن لسانه لا يتحرك، لكن إذا قوي أمر
__________
(1) مجموع 69ص 123 فيه زيادات وللفهارس العامة جـ1/45.
(1/94)

الباطن فقد ينطلق اللسان الظاهر حتى يصوت به ولو نودي من حيث الظاهر لا يسمع، فكما أن النائم حاله لا تشبه حال اليقظان -ولا أحواله مختصة بالروح فالميت أبلغ من ذلك- فإن معرفته بالأمور أكمل من النائم.
[قول الميت قدموني أمر باطن آخر]
وإدراك الإنسان بعد موته لأمور الآخرة أكمل من إدراك أهل الدنيا وإن كان قد يعرض للميت حال لا يدرك فيها كما قد يعرض ذلك النائم، وقد روي: «من مات ولم يوص لا يستطيع الكلام»
وأرواح المؤمنين وإن كانت في الجنة فلها اتصال بالبدن إذا شاء الله تعالى من غير زمن طويل، كما تنزل الملائكة في طرفة عين. قال مالك رحمه الله: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت ولهذا روي: «أنها على أفنية القبور» ، و «أنها في الجنة» والجميع حق.
وفي الصحاح أنها ترد إليه بعد الموت ويسأل وترد فتكون متصلة بالبدن بلا ريب والله أعلم.
وقد استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وأنه يرى ويدري بما يفعل عنده، ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا. وروي عن عائشة رضي الله عنها بعد أن دفن عمر رضي الله عنه: «كانت تستتر وتقول: «كان أبي وزوجي، فأما عمر فأجنبي» تعني أنه يراها.
وروي أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم فيعرفهم أحوالهم وأنه ولد لفلان ولد، وتزوجت فلانة ومات فلان فما جاء؟ فيقولون راح إلى أمه الهاوية (1) .
قال شيخ الإسلام: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود
__________
(1) مختصر الفتاوى ص189، 190 وإلى الفهارس العامة جـ1/45.
(1/95)

الروح إلى البدن وقت السؤال. وعود البدن بلا روح قول طائفة من الناس، وأنكره الجمهور.
[عود الروح إلى البدن وقت السؤال]
وقابلهم آخرون فقالوا: السؤال للروح بلا بدن وهذا قاله مُرّة وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده، ولو كان ذلك للروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن؛ فإنها تصعد إلى ما فوق السموات ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره وهو زمن يسير لا يصعد البدن وينزل في مثله. وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم واليقظة وقد مثلها بعضهم بالشمس وشعاعها في الأرض.
[تمثيل حركة الروح بالشمس]
قال شيخنا: وليس هذا مثلا مطابقا فإن نفس الشمس لا تنزل من السماء والشعاع الذي على الأرض ليس هو الشمس ولا صفتها بل هو عرض حصل بسبب الشمس والجرم المقابل لها والروح نفسها تصعد وتنزل (2) .
[قد يصف الميت للنائم دواء، أو يجيبه عن مسألة]
قال ابن القيم رحمه الله: وأما من حصل له الشفاء باستعمال دواء رأى من وصفه له في منامه فكثير جدا، وقد حدثني غير واحد ممن كان غير مائل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآه بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه من مسائل الفرائض وغيرها فأجابه بالصواب (3) .
قال ابن القيم رحمه الله (4) : وأما الفلاسفة المشاءون فقالوا: هو
__________
(1) كتاب الروح ص50 وإلى الفهارس العامة جـ1/46.
(2) كتاب الروح ص45 وللفهارس العامة جـ1/46.
(3) كتاب الروح ص34 وللفهارس العامة جـ1/46.
(4) في ذكر تعريف العشق.
(1/96)

اتفاق أخلاق وتشاكل محبات وتجانسها وشوق كل نفس إلى ما شاكلها وجانسها في الخلقة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد.
[حدوث النفس مع البدن لا قبله]
قلت: هذا مبني على قولهم الفاسد بتقدم النفوس على الأبدان، وعليه بنى ابن سينا قصيدته المشهورة:
هبطت إليك من المحل الأرفع
وسمعت شيخنا يحكي عن بعض فضلاء المغاربة -وهو جمال الدين بن الشريشي شارح المقامات- أنه كان ينكر أن تكون هذه له. قال: وهي مخالفة لما قرره في كتبه من أن حدوث النفس الناطقة مع البدن (1) .
فصل
[الاختلاف في مسمى الإنسان: هل هو الجسد أو الروح أو هما؟]
قد ذكرت في غير هذا الموضع أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان: هل هو الجسد؟ وهو الجملة المشاهدة كما يقوله أكثر أهل الكلام من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسم لما وراء هذه الجملة وهو الروح كما قاله كثير من أهل الفلسفة وطائفة من أهل الكلام؟ أو هو اسم للمجموع؟ على ثلاثة أقوال. والثالث هو الصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة وجمهور الناس، وإن كان الاسم عند التقييد يتناول الجسد فقط، أو الروح فقط أو أحدهما بشرط الآخر فيكون الآخر شرطا تارة، كما كان شطرا في الأصل.
وكذلك اختلفوا في وصفه الظاهر وهو النطق المذكور في قوله: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [23/51] هل هو
__________
(1) روضة المحبين ص140 وللفهارس العامة جـ1/46.
(1/97)

اسم للحروف والأصوات فقط، كما هو قول المعتزلة وطائفة من أهل السنة من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسم لمعنى قائم بالنفس وراء الحروف والأصوات كما هو قول الكلابية والأشعرية وبعض أهل السنة. أو هو اسم لمجموع اللفظ والمعنى؟ على ثلاثة أقوال.
[وفي كلامه: هل هو الحروف والأصوات أو هو لمعاني والحروف أو المعاني]
والثالث هو الصواب الذي عليه الأئمة، وهو منصوص أحمد وغيره حيث نص على أن كل واحد من المعاني والحروف داخلة في مسمى الكلام، وهو قول جمهور الخلق، وهو مدلول الكتاب والسنة، وإن كان الكلام يقع تارة على المعنى ... (1) إما مجردا وإما بشرط الآخر، وهذا في الحروف كثير فإن إضافة الكلام والنطق والقول إلى اللسان ووضع ذلك على الحروف والأصوات كثير. وأما إضافة ذلك إلى النفس والقلب ووضع ذلك على المعاني فمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» ومثل قول أبي الدرداء: ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، وقوله: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. فأضاف اللعنة إلى القلوب واللعنة من الدعاء الذي هو أحد نوعي الكلام. ومثل قول الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار فأوريت بالعلم ونطقت بالحكمة ومثل قول الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب (2) .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد جاء فيما ينجي من عذاب القبر
__________
(1) بياض بالأصل.
(2) المجموع 69 ص148 فيه زيادات. ويفهرس تابعا لصحيفة 46 جـ 1- الفهارس العامة
(1/98)

[تعظيم ابن تيمية لحديث نص على ما ينجي من عذاب القبر وغير ذلك]
حديث فيه الشفاء رواه أبو موسى المديني، وبين علته في كتابه في الترغيب والترهيب وجعله شرحا له، رواه من حديث الفرج بن فضالة: حدثنا هلال أبو جبلة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله فطير الشياطين عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقًا كلما دنا إلى حلقة طرد ومنع فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة عن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير فيه فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترا بينه وبين النار وظلا على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المؤمنين إنه كان وصولا لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل، ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فاستنقذه من
(1/99)

ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي قد بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن روعه ومضى، ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط يحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة»
قال الحافظ أبو موسى المديني: حديث حسن جدا، رواه عن سعيد بن المسيب وعمرو بن ذر وعلي بن زيد بن جدعان.
ونحو هذا الحديث مما قيل فيه: إن رؤيا الأنبياء وحي فهي على ظاهرها لا كنحو ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رأيت كأن سيفي انقطع فأولته كذا وكذا، ورأيت بقرا تنحر، ورأيت كأني في دار عقبة بن رافع» .
وقد روي في رؤياه الطويلة من حديث سمرة في الصحيح ومن حديث علي وأبي أمامة، وروايات هؤلاء الثلاثة قريب بعضها من بعض مشتملة على ذكر عقوبة جماعة من المعذبين في البرزخ فأما في هذه الرواية فذكر العقوبة وأتبعها بما ينجي صاحبها من العمل. وراوي هذا الحديث عن ابن المسيب هلال أبو جبلة مدني لا يعرف بغير هذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه هكذا ذكره الحاكم أبو محمد والحاكم أبو عبد الله. أبو جبلة بغير هاء. وحكياه عن مسلم. ورواه عنه الفرج بن فضالة وهو وسط في الرواية ليس بالقوي ولا المتروك. ورواه عنه بشر بن الوليد الفقيه المعروف بأبي الخطيب كان حسن المذهب جميل الطريقة.
(1/100)

وسمعت شيخ الإسلام يعظم أمر هذا الحديث، وقال: أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث (1) .
[حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية، وتصوير الأعمال في البرزخ]
والأنبياء أحياء في قبورهم، وقد يصلون كما رأى محمد موسى صلوات الله وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء في قبره ليلة الإسراء.
وقد جاء في أحاديث حسان أن العمل الصالح يصور لصاحبه صورة حسنة والسيِّئ صورة قبيحة ينعم بها صاحبها أو يعذب. وجاء مخصوصا ببعض الأعمال مثل: القرآن وغيره؛ وذلك في البرزخ، وفي عرصات القيامة.
وأما جزاء الأعمال بالأعمال فإن كان المعنى أن عبورهم على الصراط بحسب أعمالهم فهذا حق. وأما تصوير العمل لصاحبه على الصراط فلم يبلغني فيه شيء (2) .
وعيسى ابن مريم عليه السلام لم يمت بحيث فارقت روحه بدنه؛ بل هو حي مع كونه توفي، والتوفي الاستيفاء، وهو يصلح لتوفي النوم ولتوفي الموت الذي هو فراق الروح البدن. ولم يذكر القبض الذي هو قبض الروح والبدن جميعا (3) .
[عيسى لم يمت وسينزل]
وينزل عيسى ابن مريم عليه السلام على المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويدرك الدجال بباب اللد الشرقي فيقتله، ويأمر الله بعد قتله أن تحشر الناس إلى الطور؛ ويقال له: يا روح الله تقدم فصل بنا. فيقول: إن بعضكم على بعض أمير، فيصلي بالمسلمين بعضهم، ويتم الصلاة ولا يحدث فيها (4) .
__________
(1) كتاب الروح ص83 والوابل الصيب ص178 (وللفهارس العامة جـ1/45) .
(2) مختصر الفتاوى ص 170، 271 (وللفهارس العامة جـ1/46) .
(3) اختيارات 93 وللفهارس العامة جـ1/46.
(4) مختصر الفتاوى ص 170 وللفهارس جـ1/46.
(1/101)

[الأحاديث في المهدي، وادعاء الدجالين، وادعاء الرافضة]
وأما الأحاديث المأثورة في «المهدي» فمنها ما هو صحيح. ومنها ما هو حسن، وقد صحح الترمذي حديث ابن مسعود وأم سلمة وغيرهما رضي الله عنهم قالوا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما» .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «المهدي من ولد الحسن» .
وما يروى: «لا مهدي إلا عيسى» حديث ضعيف رواه ابن ماجه.
وقد ادعيت هذه «المهدية» لكثير من الدجالين، وكل ذلك باطل؛ مثل ادعاء الرافضة ذلك لمحمد بن الحسن الداخل في السرداب فهذا مما يعلم بطلانه عقلا. ومثل ادعاء محمد بن التومرت أنه المهدي الذي بشر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد اتفق أهل الدين على أنه كاذب. وطوائف ادعوا ذلك: منهم من قتل ومنهم من عزر وحبس، ومنهم من راج أمره على طائفة من الضلال، حتى انكشف ما فعله من المحال. والله المستعان (1) .
مسألة: خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [48/14] فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال «على الصراط» .
فالأرض تبدل كما ثبت في الصحيحين: «أن الناس يحشرون على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد» قال ابن مسعود
__________
(1) مختصر الفتاوى ص250 وللفهارس العامة جـ1/46.
(1/102)

رضي الله عنه: هي أرض بيضاء كهيئة الفضة لم يعمل عليها خطيئة ولا سفك فيها دم حرام ويجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة، غرلا، كما خلقوا فيأخذ الناس من كرب ذلك اليوم وشدته حتى يلجمهم العرق. وبعضهم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا عن مجاهد وغيره من السلف.
[متى تبدل الأرض وتطوى السموات، وأين الناس حينئذ؟ وتبديل الجلود]
فهذا الحديث وسائر الآثار تبين أن الناس يحشرون على الأرض المبدلة، والقرآن يوافق على ذلك، كقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [48/14] وحشرهم وحسابهم يكون قبل الصراط؛ فإن الصراط عليه ينجون إلى الجنة ويسقط أهل النار فيها كما ثبت في الأحاديث.
وحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم يدل على أن التبديل وهم على الصراط لكن البخاري لم يورده فلعله تركه لهذه العلة وغيرها؛ فإن سنده جيد.
أو يقال: تبدل الأرض قبل الصراط وعلى الصراط تبدل السموات. وأما قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [104/21] فالطي غير التبديل، وقال تعالى: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [67/39] ، وفي الصحيحين: «أنه يطوي السموات، ثم يأخذهن بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» ، وفي لفظ: «يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده» وهو في أحاديث كثيرة.
فطي السموات لا ينافي أن يكون الخلق في موضعهم، وليس في
(1/103)

شيء من الأحاديث أنهم يكونون عند الطي على الجسر كما روي ذلك وقد تبدل الأرض غير الأرض وإن كان في تلك الرواية ما فيها.
والذي لا ريب فيه أنه لابد من تبديلها، وطيها.
ومذهب السلف إثبات الصفات لله كما جاءت، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل.
وفي يوم القيامة تبدل الجلود في النار، كما أخبر سبحانه وبحمده. فقيل: إنه تغير الجلود في الصفات لا في الذات فكلما تغيرت الصفات صار هذا غير هذا وإن كان الأصل واحدا، وهذا كما تمد الأرض وتكون السماء كالمهل، وكما يعاد خلق الإنسان ويبقى طوله ستون ذراعا (1) .
[كل يبعث حتى البهائم]
فالإنس والجن يبعثون جميعا بالاتفاق ولم يختلفوا فيما علمت إلا فيمن لم ينفخ فيه الروح. واختار القاضي بعثه، وذكره عن أحمد.
وأما البهائم فهي مبعوثة بالكتاب والسنة قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [38/6] والحديث في قول الكافر يوم القيامة: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [40/78] لما رأى من جعل البهائم ترابا معروف وما أعلم فيه خلافا (2) .
[متى ورود الحوض؟]
ورود حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الصراط، فيرده قوم، ويذاد عنه آخرون وقد بدلوا وغيروا (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص202، 203 وللفهارس جـ1/47.
(2) مختصر الفتاوى ص 254 وللفهارس العامة جـ1/47.
(3) مختصر الفتاوى ص206 وللفهارس العامة جـ1/47.
(1/104)

فصل
[وفي البرزخ والعرصة تكليف]
الدنيا دار تكليف بلا خلاف، وكذلك البرزخ وعرصة القيامة، وإنما ينقطع التكليف بدخول دار الجزاء وهي الجنة أو النار، كما صرح بذلك أصحابنا وغيرهم، والامتحان في البرزخ لمن لم يكن مكلفا ففيه القولان لأصحابنا وغيرهم. وعلى هذا لا خلاف في امتحانهم في العرصة، وغير المكلف قد يرحم؛ فإن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة (1) .
فصل
والتكليف بالأمر والنهي ثابت في الشرع والاتفاق.
وفي ثبوته بالعقل اختلاف بين العلماء من أصحابنا وغيرهم.
[وهل يعلم بالعقل؟]
والثواب والعقاب معلوم بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا والأشعرية وغيرهم، وذهب طوائف إلى أنه يعلم بالعقل، والصواب أن معرفته بالسمع واجبة. وأما بالعقل فقد يعرف وقد لا يعرف، وليست معرفته بالعقل بممتنعة، ولا هي واجبة والله أعلم (2) .
قال ابن القيم: القول الثاني: إن أطفال المشركين في النار، وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد. قال شيخنا: وهو غلط منه على أحمد. وسبب غلطه: أن أحمد سئل عنهم فقال: هم على الحديث. قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -
عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام؟ فقال: «إن شئت أسمعتك
__________
(1) مختصر الفتاوى ص257 وللفهارس العامة جـ1/47.
(2) مختصر الفتاوى ص257 وللفهارس العامة جـ1/47، وجـ2/6.
(1/105)

تضاغيهم في النار» .
[حديث موضوع في أطفال المشركين، أصح الأقوال فيهم]
قال شيخنا: وهذا حديث موضوع وأحمد أجل من أن يحتج بمثله؛ وإنما أراد حديث عائشة: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (1) .
وأطفال المسلمين في الجنة إجماعا.
[إن في الجنة مائة درجة أرجح]
وأما أطفال المشركين فأصح الأجوبة فيهم ما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عنهم فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» فلا نحكم على معين منهم لا بجنة ولا نار. ويروى أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. والصحيح في أطفال الكفار أنهم يمتحنون في عرصات القيامة (2) .
قال ابن القيم رحمه الله: الحديث له لفظان: أحدهما: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» ، والثاني: «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله» ، وشيخنا يرجح هذا اللفظ، وهو لا ينفي أن يكون درجة الجنة أكثر من ذلك.. (3) .
[والأبكار يزوجن في الجنة، مريم]
وأما «الأبكار» فالله يزوجهن في الجنة.
وأما مريم فقد روي: «أنها زوجة نبينا - صلى الله عليه وسلم -» وما أعلم صحة ذلك، والله أعلم (4) .
مسألة: والله سبحانه إذا أراد أن يجمع بين أحد من أعلى الجنة
__________
(1) تهذيب سنن أبي داود جـ7/85 وللفهارس العامة جـ1/47.
(2) اختيارات ص308 وللفهارس العامة جـ1/48 وهذا النقل فيه زيادة فائدة.
(3) حادي الأرواح ص67 طبع صبيح وللفهارس العامة جـ1/48.
(4) مختصر الفتاوى ص 201 وللفهارس العامة جـ1/48.
(1/106)

[وينزل الأعلى إلى الأسفل]
أنزله إلى الأسفل، وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني أحبك ما أستطيع أن أصبر عنك، وإنك في أعلا الجنة فلا أراك، فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [69/4] (1) .
[إبليس يعذب بالنار وقد خلق منها]
و «إبليس» لعنه الله يعذب بالنار هو وذريته، وإن كان من نار، فالإنسان مخلوق من صلصال ولو ضرب بالصلصال لقتله، والله أعلم (2) .
واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن من المخلوقات ما لا يعدم، وهو الجنة، والنار، والعرش، وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكتاب المبتدعين وهو قول باطل (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام: فيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين (4) .
وقال ابن القيم: الرابع قول من يقول: يخرجون منها وتبقى نارا على حالها ليس فيها أحد يعذب. حكاه شيخ الإسلام (5) .
[ما لا يفنى من المخلوقات]
قال ابن القيم: السابع قول من يقول: بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى؛ فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها قال شيخ الإسلام: وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة.
__________
(1) مختصر الفتاوى ص270 وللفهارس العامة جـ1/48.
(2) مختصر الفتاوى ص270 وللفهارس العامة جـ1/48.
(3) مختصر الفتاوى ص 177 وللفهارس العامة جـ1/48 وهو مما يعضد الفتوى الموجودة لذلك نقلته هنا.
(4) حادي الأرواح ص 226 وللفهارس العامة جـ1/48.
(5) حادي الأرواح ص 227 وللفهارس العامة جـ1/48.
(1/107)

[بقاء الجنة والنار] :
وأبي سعيد وغيرهم؛ وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، قال: قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كمقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه، وقال: حدثنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [23/78] .
قال: ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها؛ فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه. ولفظ: «أهل النار» لا يختص بالموحدين؛ بل يختص بمن عداهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» (1) .
قال ابن القيم: فأما القولان بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية؛ وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام، ولا قال به أحد من أهل السنة. وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض، كما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في «كتاب السنة» عن خارجة بن مصعب أنه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل، يقول الله سبحانه وتعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ
__________
(1) حادي الأرواح ص226-228 وللفهارس العامة جـ1/48. قلت: كأن هذا هو آخر كلام ابن تيمية وأن ما تخلله وما بعده من كلام ابن القيم رحمه الله. ومن عادة ابن تيمية أنه يستوفي الأقوال ويناقشها ولم يوجد هنا إلا حكاية بعضها.
(1/108)

وَظِلُّهَا} [35/13] وهم يقولون: لا يدوم. ويقول الله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} [54/38] وهم يقولون: ينفد. ويقول الله عز وجل: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [96/16] .
[هذا ما قاله جهم بناء على أصله]
قال شيخ الإسلام: وهذا قاله جهم لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام التي استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل؛ فدوام الفعل ممتنع عنده على الرب تبارك وتعالى في المستقبل، كما هو ممتنع عليه عنده في الماضي. وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل؛ لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء، فقال بفناء حركات أهل الجنة حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة (1) .

فصل

[الشهادة لمعين بالجنة أو النار، وسبب التوقف]
وأما الشهادة لرجل بعينه بأنه من أهل النار أو الجنة فليس لأحد ذلك إلا بنص صحيح يوجب، كالعشرة الذين بشرهم الصادق - صلى الله عليه وسلم - بالجنة.
ومنهم من جوز ذلك لمن استفاض في الأمة الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأمثاله.
__________
(1) حادي الأرواح ص223 وللفهارس العامة جـ1/48.
(1/109)

وقد كان بعض السلف يمنع أن يشهد بالجنة لغير الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى ناظر علي بن المديني أحمد في هذه المسألة، فقال: أقول: إنهم في الجنة ولا أشهد لمعين. قال أحمد: متى قلت: إنهم في الجنة، فقد شهدت أنهم في الجنة.
وأما توقف الناس في القطع بالجنة فلخوف الخاتمة.
ومع هذا فنرجو للمحسن ونخاف على المسيء.
ومن ظهر منه أفعال يحبها الله ورسوله وجب أن يعامل بما يوجبه ذلك من الموالاة والمحبة والإكرام ومن ظهر منه خلاف ذلك عومل بمقتضاه (1) .
ولا يشهد بالجنة إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - أو اتفقت الأمة على الثناء عليه، وهو أحد القولين وتواطؤ الرؤيا كتواطؤ الشهادات (2) .
[العهد بالخلافة لأبي بكر]
ولا ريب أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» إنما كان أراد أن يكتب لأبي بكر رضي الله عنه العهد بالخلافة بعده، كما فسر ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها يوم الخميس، قال لها: «ادعي لي أباك وأخاك أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف الناس بعدي» ثم أعلم أن الله يأبى ذلك والمؤمنون إلا أبا بكر. وذلك لما أنه كان قد نصب لهم من العلامة على خلافته من الصلاة بالناس إماما، وسد خوخة غيره، وإخباره بحبه أكثر من غيره، وغير ذلك من العلامات. ثم قال عمر رضي الله عنه: «نسخ الله كتابه ذلك عن الناس» وإلا فما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يترك حكم الله ولا يبلغه لقول عمر.
وقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا
__________
(1) مختصر الفتاوى ص257 وللفهارس العامة جـ1/49.
(2) الاختيارات ص86 وللفهارس العامة جـ49.
(1/110)

الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [60/17] المراد به في حق من شك في خلافة أبي بكر. وصدق ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها رؤيا حق من شاء الله فتنته. وأما من أراد الله هداه فذلك خير لمزيد اجتهاده وموافقته الحق. والله يبتلي العباد بما يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (1) .
[إنزال السكينة على أبي بكر تبع]
{فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [40/9] قال (2) : على أبي بكر. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزلت عليه السكينة: قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- يذهب إلى خلاف هذا ويقول: الضمير عائد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلا وإلى صاحبه تباعا، فهو الذي أنزلت عليه السكينة، وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه (3) .

فصل

[عمر محدث والصديق أكمل]
قال ابن القيم رحمه الله:
المرتبة الرابعة مرتبة التحديث، وهذه دون مرتبة الوحي الخاص، وتكون دون مرتبة الصديقين، كما كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب» .
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلق وجودهم في هذه الأمة بـ «إن»
__________
(1) مختصر الفتاوى ص206، 207 وللفهارس العامة جـ1/50.
(2) الإمام أحمد.
(3) بدائع الفوائد جـ3/112 وللفهارس العامة جـ1/50.
(1/111)

الشرطية مع أنها أفضل الأمم؛ لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته، فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم، ولا صاحب كشف ولا منام، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها.
والمحدث هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به.
قال شيخنا: والصديق أكمل من المحدث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه سلم قلبه وسره وظاهرة وباطنه للرسول فاستغنى به عما منه.
قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول؛ فإن وافقه قبله وإلا رده. فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث.
[قول أصحاب الخيالات حدثني قلبي عن ربي]
قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: «حدثني قلبي، عن ربي» فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عن من؟ عن شيطانه أو عن ربه؟ فإذا قال: حدثني قلبي عن ربي. كان مسند الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به، وذلك كذب.
قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ولا تفوه به يوما من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك؛ بل كتب كاتبه يوما: «هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» فقال: «لا امحه، واكتب هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر والله ورسوله منه بريء» وقال في الكلالة: «أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان» (1) .
__________
(1) المدارج جـ1/39، 40 وللفهارس العامة جـ1/50.
(1/112)

[أفضلية أبي بكر وعمر على جميع الصحابة]
وأبو بكر وعمر (1) أفضل وأشجع وأدين وأكرم من جميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. فينبغي أن تكون القدوة لكل مسلم بهما (2) .
[أفضيلة عبد الرحمن بن عوف وأهل الشورى، وأحقيتهم بالخلافة بعدهما]
والحديث المذكور عن عبد الرحمن رضي الله عنه (3) ، باطل رواه أبو نعيم من طريق رجل اتفق أهل العلم على رد أخباره؛ بل هو مخالف للنصوص وإجماع السلف والأئمة؛ فإنه من أهل الشورى الذين هم أفضل الأمة بعد أبي بكر وعمر. وأهل الشورى هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن والزبير وطلحة وسعد رضي الله عنهم أجمعين. فهؤلاء الستة جعل عمر رضي الله عنه الخلافة فيهم. وأخبر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو عنهم راض. ثم إن ثلاثة قدموا ثلاثة؛ قدموا عثمان وعلي، وعبد الرحمن. ثم إنهم جعلوا عبد الرحمن يختار للأمة ورضوا بذلك. فمن هو بهذه المنزلة كيف يتأخر دخوله الجنة أو يدخل حبوا؟ ولو دخلها لغناه حبوا لدخلها سائر الصحابة الأغنياء حبوا: كعثمان وطلحة والزبير، وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، بل في الأنبياء من هو غني: كإبراهيم وداود وسليمان، ويوسف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (4) .
وقد أجمع المسلمون على أن موسى أفضل من الخضر. فمن قال: إن الخضر أفضل فقد كفر. وسواء قيل: إن الخضر نبي، أو ولي. والجمهور على أنه ليس بنبي؛ بل أنبياء بني إسرائيل الذين اتبعوا التوراة وذكرهم الله تعالى كداود وسليمان أفضل من الخضر بل على قول الجمهور: أنه ليس بنبي فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما أفضل منه.
__________
(1) في الأصل وغيرهما خطأ ظاهر، أو مدخلة، بدليل قوله (بهما) وكما هو معروف بالأدلة الكثيرة أفضليتها.
(2) مختصر الفتاوى ص586 وللفهارس العامة جـ1/50.
(3) عبد الرحمن بن عوف «أنه يدخل الجنة حبوا» .
(4) مختصر الفتاوى ص574 وللفهارس العامة جـ1/50 و 178.
(1/113)

[غاية الخضر]
وكونه يعلم مسائل لا يعلمها موسى لا يوجب أن يكون أفضل منه مطلقا كما أن الهدهد لما قال لسليمان: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [22/27] لم يكن أفضل من سليمان، وكما أن الذين كانوا يلقحون النخل لما كانوا أعلم بتلقيحه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب من ذلك أن يكونوا أفضل منه - صلى الله عليه وسلم - وقد قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأما ما كان من أمر دينكم فإلي» وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كانوا يتعلمون ممن هو دونهم علم الدين الذي هو عندهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ومعلوم (1) رتبتهم في العلم أفضل ممن حصلت له الرؤيا الصالحة. وغاية الخضر أن يكون عنده من الكشف ما هو جزء من أجزاء النبوة. كيف يكون أفضل من نبي؟ فكيف بالرسول؟ فكيف بأولي العزم (2) .
[توضيح قول أم سلمة وحذيفة ولن أبرئ بعدك أحدا]
قال ابن القيم رحمه الله: وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل، عن مسروق قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا» فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا حتى دخل على عمر رضي الله عنه فقال له: اسمع ما تقول أمك، فقام عمر رضي الله عنه حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قالت: لا ولن أبرئ بعدك أحدا.
فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب ولم ترد أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة (3) .
__________
(1) لعله سقطت كلمة «أن»
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص560، 561 وللفهارس العامة جـ1/52.
(3) إغاثة اللفهان جـ1/87 وللفهارس العامة جـ1/52.
(1/114)

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لحذيفة: أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ يعني في المنافقين. فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا. فسمعت شيخنا رضي الله عنه يقول: ليس مراده أني لا أبرئ غيرك من النفاق؛ بل المراد لا أفتح على نفسي هذا الباب فكل من سألني هل سماني لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأزكيه (1) .

فصل
[عترة النبي - صلى الله عليه وسلم - واسم الشرف والأشراف]
وأما «عترة النبي» - صلى الله عليه وسلم - الأقربين التي قال الله فيها: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [214/26] فقيل: إنها قريش كلها؛ لأنها لما نزلت هذه الآية عم قريش بالنذارة ثم خص الأقرب فالأقرب.
وأما اسم «الشرف» فليس هو من الأسماء التي علق الشارع بها حكما حتى يكون حده متلقى من جهة الشرع.
وأما «الشريف في اللغة» فهو خلاف الوضيع والضعيف، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»
ومن رأسه الناس وشرفوه كان شريفهم؛ فالشريف من له الرياسة والسلطان لكن لما كان أهل البيت أحق من أهل البيوت الأخرى بالشرف صار من كان من أهل البيت يسمى شريفا؛ فأهل العراق لا يسمون شريفا إلا من كان علويًا.
وأما أحكام الشريعة التي علقت فهي مذكورة باسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وباسم أهل بيته، وذوي القربى، وهذه الأسماء الثلاثة تتناول جميع بني
__________
(1) الجواب الكافي ص45 وللفهارس العامة جـ1/52.
(1/115)

هاشم لا فرق بين ولد العباس وولد أبي طالب وغيرهم، وأعمام النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين بقيت ذريتهم: العباس، والحارث بن عبد المطلب، وأبو لهب. فمن كان من الثلاثة الأول حرمت عليهم الزكاة، واستحقوا من الخمس باتفاق.
[أفضل الخلق مطلقا وأفضل الخلق من كل صنف، وأفضل الخلق في الطبقات، وأفضل الخلق في الأشخاص]
وأما ذرية أبي لهب ففيه خلاف بين الفقهاء؛ لكن «أبي لهب» خرج عن بني هاشم لما نصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنعوه ممن كان يريد أذاه من قريش، ودخل مع بني هاشم بنو المطلب؛ ولهذا جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أعطى من خمس خيبر لبني هاشم وبني المطلب فقالا: يا رسول الله أما إخواننا بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لأنك منهم وأما بنو المطلب فإنما هم ونحن منك بمنزلة واحدة فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» .
وأفضل الخلق النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.
وأفضل كل صنف أتقاهم كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى» هذا في الأصناف العامة.
وأفضل الخلق في الطبقات: القرن الذي بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
وأما في الأشخاص فأفضلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إبراهيم عليه السلام.
فتبين أن الشرف ليس لبني هاشم خاصة، بل يتنوع بحسب عرف المخاطبين ومقاصدهم.
وأما المسمى بهذا اللفظ فيقال: من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإمامة في قريش ما بقي من الناس اثنان» وقال: «الناس تبع لقريش في هذا الأمر» .
(1/116)

وكذلك لقريش مزية كما قال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل من ولد إبراهيم، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى
قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» .
ومن الأحكام ما يختص بني هاشم أو بني هاشم مع بني المطلب دون سائر قريش، كالاستحقاق من خمس الغنائم، وتحريم الصدقة، ودخولهم في الصلاة إذا صلي على آل محمد وثبوت المزية على غيرهم.
ومن كانت أمه قرشية دون أبيه لم يستحق الإمامة التي اختصت بها قريش، ومن أمه هاشمية فاطمية أو غير فاطمية وأبوه ليس بهاشمي ولا مطلبي فلا يستحق من الخمس كما يستحق بنو هاشم؛ وإن كان ينتسب إليهم نسبا مطلقا فله نوع امتياز لكون أمه منهم.
وأما أولاد العترة فلهم من الاختصاص بقدر ما لهم من النسب لكون أحدهم أفضل من غيرهم.
وبكل حال فهذه الخصائص لا توجب أن يكون الرجل بنفسه أفضل من غيره لأجل نسبه المجرد؛ بل التفاضل عند الله بالتقوى، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين» فمن كان في الإيمان والتقوى أفضل كان عند الله أفضل ممن دونه في ذلك وأولاهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان غيره أقرب نسبا منه؛ فإنه لا شك أن الولاية الإيمانية الدينية أعظم وأوثق صلة من القرابة النسبية، والله أعلم (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص565 وللفهارس العامة جـ1/52.
(2) مرتبة التعبد.
(1/117)

[لما كّمَّلّ النبي مرتبة التعبد كملت له المغفرة واستحق التقديم على الخلائق] :
وصفه الله بها في أشرف مقاماته -مقام الإسراء- كقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [1/17] ومقام الدعوة كقوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [19/72] ، ومقام التحدي كقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [23/2] وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة. وكذلك يقول المسيح عليه السلام لهم إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم السلام: «اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية (قدس الله روحه) يقول: فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى وكمال مغفرة الله له (1) .
[لواء الحمد بيده صورة ومعنى] :
لواء الحمد الذي بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة صورة ومعنى، إشارة إلى سيادته لجميع الخلائق فيكون الخلق تحت لوائه، كما يكون الأجناد تحت ألوية الملوك، وحامله المقدم الذي يكون خطيب الأنبياء إذا وفدوا وإمامهم إذا اجتمعوا، وهو الذي يتقدم للشفاعة فيحمد ربه بمحامد لا يحمده بها غيره. وهو محمد، وأحمد، وأمته الحمادون الذين يحمدون على السراء والضراء، وهو أول من يدعى إلى الجنة فلا تفتح لأحد قبل صاحب لواء الحمد - صلى الله عليه وسلم - (2) .
[هل هو أفضل من جملة الرسل؟ كما أن صديقه رجح بجميع الأمة] :
ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل الرسل باتفاق المسلمين، لكن وقع نزاع هل هو أفضل من جملتهم؟ قطع جماعة بأنه أفضل كما أن صديقه أبا بكر وزن إيمانه بإيمان جميع الأمة فرجح (3) .
ومريم ابنة عمران وآسية زوجة فرعون من أفضل النساء
__________
(1) مدارج جـ3/29، 30 وللفهارس العامة جـ1/53.
(2) مختصر الفتاوى ص579 وللفهارس العامة جـ1/53، 386، 297.
(3) مختصر الفتاوى ص91 وللفهارس العامة جـ 1/53.
(1/118)

[فواضل رجال هذه الأمة ونسائها أفضل من فواضل غيرهم حتى آسية ومريم وهل هي من زوجات نبينا؟]
والفواضل من هذه الأمة كخديجة وعائشة وفاطمة رضي الله عنهن أفضل منهما.
كما أن المفضلين من رجال هذه الأمة أفضل من فضلاء رجال غيرها.
فإن الصواب الذي عليه عامة المسلمين وحكى الإجماع عليه غير واحد أنهما ليستا بنبيتين، وإنما غايتهما الصديقية، كما دل عليه القرآن.
وأما أزواجهما في الآخرة فقد روي في مريم أنها زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو العباس: ولا أعلم ما يقطع به (1) .
وصديقو هذه الأمة رجالها ونساؤها أفضل من صديقي غيرها (2) .
[صديقو هذه الأمة وشر الناس]
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كما أن خير الناس الأنبياء فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم فخير الناس بعدهم: العلماء والشهداء والصديقون، والمخلصون. وشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم (3) .
[حكم ساب الأنبياء أو الصحابة خير الأمم وخير هذه الأمة ... ]
وأجمع المسلمون على أن من سب نبيا فقد كفر. ومن سب أحدا من الأولياء الذي ليسوا بأنبياء فإنه لا يكفر؛ إلا إذا كان سبه مخالفا لأصل الإيمان مثل أن يتخذ ذلك السب دينا وقد علم أنه ليس بدين. وعلى هذا ينبني النزاع في تكفير الرافضة.
وقد اتفق المسلمون على أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الأمم، وأن خير هذه الأمة أصحاب نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأفضلهم السابقون الأولون، وأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم.
__________
(1) اختيارات ص113 وللفهارس العامة والتقريب جـ 1/53.
(2) مختصر الفتاوى ص201 وللفهارس العامة جـ1/53.
(3) الجواب الكافي ص35 وللفهارس العامة جـ1/53، 49.
(1/119)

[هل حب آل محمد نصب؟]
ومن كان رسولا فقد اجتمعت فيه ثلاثة أوصاف: الرسالة، والنبوة، والولاية. ومن كان نبيا فقد اجتمع فيه الصفتان. ومن كان وليا فقط لم يكن فيه إلا صفة واحدة.
ومن كان لكتاب الله أتبع فهو بولاية الله أحق (1) .
وقدس الله روح القائل وهو شيخ الإسلام إذ يقول:

إن كان نصبا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي (2)

وكرامات الأولياء حق باتفاق أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضوع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم؛ وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم.
[كرامات الأولياء وخوارق الكفرة والسحرة والدجال وما توجبه الولاية إذا صحت]
لكن كثيرا ممن يدعيها أو تدعى له يكون كذابا أو ملبوسا عليه.
وأيضا فإنها لا تدل على عصمة صاحبها، ولا على وجوب اتباعه في كل ما يقوله؛ بل قد تصدر بعض الخوارق من الكشف وغيره عن الكفار والسحرة بمواخاتهم للشياطين، كما ثبت عن الدجال أنه يقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت وأنه يقتل واحدا ثم يحييه وأنه يخرج خلفه كنوز الذهب والفضة.
ولهذا اتفق أئمة الدين على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يثبت له ولاية بل ولا إسلام حتى ينظر وقوفه عند الأمر والنهي الذي بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الجامع للمغفرة لكل ذنب
__________
(1) مختصر الفتاوى ص560 وللفهارس العامة جـ1/56.
(2) النونية لابن القيم (مجموعة القصائد المفيدة ص7 وللفهارس العامة جـ1/56) .
(3) مختصر الفتاوى ص60 وإلى الفهارس العامة جـ1/59.
(1/120)

للتائب منه كما دل عليه القرآن والحديث هو الصواب عند جماهير أهل العلم.
[قبول توبة الداعية إلى البدع] :
وإن كان من الناس من استثنى بعض الذنوب كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنا؛ للحديث الإسرائيلي الذي فيه: «وكيف من أضللت» وهذا غلظ؛ فإن الله تعالى قد بين في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع. انتهى كلامه (1) .
قال ابن القيم رحمه الله:
قال (2) : الدرجة الثانية: أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك سماحة لا كظما ومودة لا مصابرة إلى أن قال: ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الناس يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة.
[من أخلاق ابن تيمية]
وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا الكلام فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه. فرحمه الله ورضي عنه (3) .
__________
(1) الآداب الشرعية جـ1/126، 127 وللفهارس العامة جـ1/61.
(2) صاحب المنازل.
(3) مدارج السالكين جـ2/345 وإلى الفهارس العامة والتقريب جـ1/62.
(1/121)

الإيمان

فصل

[عقيدة أهل السنة في أهل الكبائر. مخالفة أهل البدع. الجمع بين نصوص الوعد والوعيد. أمثلة وتعاريف]
الذي عليه أهل السنة: أن الله لا يخلد في النار أحدا من أهل الإيمان.
وخالف في ذلك قوم من أهل البدع: الخوارج والحرورية والمعتزلة، فقالوا: إن أهل الكبائر يخلدون فيها، ومن دخلها لم يخرج منها بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره، وكذبوا.
وعارض هؤلاء قوم من المرجئة: زعموا أن الإيمان حاصل من الخلق جميعهم وأن إيمان الملائكة والأنبياء والصديقين كإيمان أهل الكبائر وكذبوا.
وغلاتهم تزعم أنه لا يدخل في النار أحد، ويحرفون الكلم عن مواضعه، وكل هؤلاء ضالون.
فالطائفة الأولى: نظروا إلى نصوص الوعيد.
والثانية: نظروا إلى نصوص الوعد.
وأما أهل السنة: فآمنوا بكل ما جاء من عند الله ولم يضربوا بعض ذلك ببعض ونظروا في الكتاب والسنة فوجدوا أن أهل الكبائر
(1/123)

من الموحدين الذين توعدهم الله بالعقاب بين أن عقابهم يزول عنهم بأسباب:
أحدها: التوبة، فإن الله يغفر بالتوبة النصوح الذنوب جميعا.
السبب الثاني: الحسنات الماحية، كما قال: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} الآية [8/7] .
السبب الثالث: مصائب الدنيا والبرزخ.
السبب الرابع: الدعاء والشفاعة، مثل الصدقة عليه بعد موته، والدعاء له، والاستغفار.
السبب الخامس: الأعمال الصالحة التي يهديها له غيره من عتاقة وصدقة.
السبب السادس: رحمة ربه.
فكل حديث فيه عن مؤمن أنه يدخل النار أو أنه لا يدخل الجنة فقد فسره الكتاب والسنة أنه عند انتفاء هذه الموانع.
وكذلك «نصوص الوعد» مشروطة بعدم الأسباب المانعة من دخول الجنة، وأعظمها أن يموت كافرا.
ومنها: أن تكثر ذنوبه وظلمه فيؤخذ من حسناته حتى تذهب، ثم توضع عليه سيئات من ظلمهم.
ومنها: أن يعقب العمل ما يبطله: كالمن، والأذى، وترك صلاة العصر قيل: تحبط عمل ذلك اليوم. وقيل: العمل كله، وكما قال
النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .
فانتفى هذا الدخول المطلق وهو دخول الجنة بلا عذاب فمن أتى بالكبائر لم يستحق هذا الدخول المطلق الذي لا عذاب قبله.
(1/124)

ومثل هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «من غشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فإن الاسم المطلق للنبي - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه هو الإيمان الكامل المطلق الذي يستحقون به الثواب، ويدفع الله به عنهم العقاب؛ فمن غشهم لم يكن من هؤلاء؛ بل معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار، ويخرجه من النار.
وإذا جاء «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة و، إن زنا وإن شرب الخمر» ونحوه فهذا يعطي أن صاحب الإيمان مستحق للجنة وأن الذنوب لا تمنعه ذلك لكن قد يحصل له قبل الدخول نوع من العذاب؛ إما في الدنيا وإما في البرزخ وإما في العرصة وإما في النار.
وكذلك «نصوص الوعيد» كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: ملك كذاب، وشيخ زاني، وعائل مستكبر» ، و «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» ، و «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» و «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» و «المستكبر والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» وثلاثة أخر: «رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا لقد أعطي أكثر مما أعطي» و «لا يدخل الجنة بخيل، ولا منان، ولا سيئ الملكة» فإن البخل من الكبائر وهو منع الواجبات: من الزكاة وصلة الرحم، وقرى الضيف، وترك الإعطاء في النوائب، وترك الإنفاق في سبيل الله. وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف، والسحر، وأكل الربا كل ذلك من الكبائر.
(1/125)

بل كل ذنب فيه حد لله في الدنيا أو وعيد في الآخرة مثل غضب الله ولعنته والنار فهو من الكبائر.
وهذا باب يطول وصفه؛ لكن ذكرنا الأصل الجامع لذلك.
ومن تاب من ذنب فيما بينه وبين الله تعالى نرجو أن الله يتوب عليه.
وإن كان من مظالم العباد مثل: ظلم أبويه، فعليه أن يفعل معهم الحسنات بقدر ما فعل معهم من السيئات حتى يقوم هذا بهذا (1) .

فصل

[لا يحبط جميع الأعمال إلا الكفر]
المشهور عند «أهل السنة» القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة أنه لا يحبط العمل إلا الكفر؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حبوط العمل بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر و (ق) وغير ذلك، وهذا لأن ما سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصل الإيمان، ولا بد أن يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يقبل العمل إلا به، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [124/4] ، {مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [19/17] إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه.
وأما «المعتزلة» فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملي، وأنه لا ينعم أبدا، وأن من استحق العقاب لا يستحق ثوابا بحال، ومن استحق الثواب
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص251-254 هذا الفصل موجود معناه مفرقا في مجموع الفتاوى ويفهرس تابعا جـ1/130 من الفهارس العامة.
(1/126)

لا يستحق العقاب؛ فالتزموا لذلك أن تحبط جميع الأعمال الصالحة بالفسق، كما تحبط الأعمال بالكفر. ثم أكثرهم يفسقون بالكبيرة ومنهم من لا يفسق إلا برجحان السيئات وهي التي تحبط الأعمال. وهذا أقرب.
[حبوط بعضها بالفسق أو الرياء]
قلت: الذي ينفي من الإحباط على أصول أهل السنة هو حبوط جميع الأعمال فإنه لا يحبط جميعها إلا بالكفر، وأما الفسق فلا يحبط جميعها؛ سواء فسر بالكبيرة، أو برجحان السيئات؛ لأنه لا بد أن يثاب على إيمانه فلم يحبط.
وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يفسده بعد فراغه وإما لسيئات يقوم عقابها بثوابه، فهذا حق دل عليه الكتاب والسنة كقوله:
{لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [264/2] فأخبر أن المن والأذى يبطل الصدقة، كما أن الرياء المقترن بها يبطلها وإن كان كل منهما لا يبطل الإيمان؛ بل يبطله ورود الكفر عليه أو اقتران النفاق به.
وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوته صلاة العصر فقط حبط عمله» وقول.. (1) : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات» وقوله: «ما تعدون المفلس
فيكم» ؟ قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار، قال: «ليس ذلك بالمفلس وإنما المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا فيعطى هذا
من حسناته وهذا من حسناته فإذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئاتهم
__________
(1) بياض مقدار كلمة والمعنى متصل، ولعله النبي.
(1/127)

فطرحت عليه ثم طرح في النار» (1) .
[قد تعظم الحسنة ويكثر ثوابها]
وذكر الشيخ تقي الدين رضي الله عنه: أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب، وذكر حديث: «فثقلت البطاقة وطاشت السجلات» وحديث: «البغي التي سقت الكلب فشكر الله لها ذلك فغفر لها» وحديث: «الذي نحى غصن شوك عن الطريق فشكر الله له ذلك فغفر له» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (2) .

فصل

[كل مؤمن مسلم ولا عكس]
الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا.
فالمؤمن أفضل من المسلم قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [14/49] .
ومن كان عالما بما أمر الله تعالى به وما نهى عنه فهو عالم بالشريعة ومن لم يكن عالما بذلك فهو جاهل من أجهل الناس (3) .

قاعدة

الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن النار لا يخلد فيها أحد من
__________
(1) مجموع 69/ وللفهارس العامة جـ1/137.
(2) الآداب الشرعية جـ1/147، 148.
(3) مختصر الفتاوى 586 وإلى الفهارس العامة جـ1/135.
(1/128)

أهل الإيمان والتوحيد كما ثبت ذلك في الأحاديث: «أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» ونحوه.
ولكن لابد أن يدخل النار عصاة أهل التوحيد بذنوبهم (1) ويعاقبون على مقدار ذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره.
[الإيمان المطلق والإيمان المقيد والدخول المطلق والدخول المقيد]
وأما أهل البدع فلهم أقوال مضطربة باطلة.
فجمهور «المعتزلة» و «الخوارج» يقولون: من دخل النار خلد فيها وآخرون من المرجئة يقولون: إنا لا نقطع لمعين.
فأولئك اعتقدوا أن الإيمان متى ذهب بعضه ذهب جميعه قالوا والفاسق قد نقص إيمانه.
والحق ما عليه السلف.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث.
إنما سلبه كمال الإيمان الواجب وحقيقته التي يستحق الجنة والنجاة من النار وكذلك قوله: «من غشنا فليس منا» وشبهه.
وما ورد من «نصوص الوعيد المطلقة» كقوله: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} [30/4] فهو مبين ومفسر بما في الكتاب والسنة من النصوص المبينة لذلك المقيدة له. وكذلك ما ورد من «نصوص الوعد المطلقة» .
وكذلك بين أن الحسنات تمحو السيئات، والخطايا تكفر بالمصائب وغيرها من العمل الصالح وغيره: كالدعاء له، والصدقة عنه، والصيام والحج عنه.
فقوله: «لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان» نفى به
__________
(1) قلت: يعني من انتفت عنه تلك الأسباب كما تقدم وكما يأتي، لا أن كل واحد منهم لا بد أن يدخل النار.
(1/129)

الدخول المطلق الذي توعد به في القرآن توعدا مطلقا، وهو دخول الخلود فيها؛ وأنه لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها، مثل قوله: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} [15/92] ، وقوله: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [60/40] .
فيقال: إن من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يمنع من هذا الدخول المعروف، لا أنه لا يصيبه شيء من عذاب النار؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «وأما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا حمما أذن في الشفاعة فخرجوا ضبائر ضبائر فينبتون على نهر الجنة» .
وكذلك قوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» نفى الدخول المطلق المعروف وهو دخول المؤمنين الذين أعدت لهم الجنة كقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [73/39] الآية. وقوله: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [26، 27/36] وأمثال ذلك مما يطلق فيه الدخول والمراد الدخول ابتداء من غير سبق عذاب في النار بحيث لا يفهم من ذلك أنهم يعذبون فهذا الدخول لا يناله من في قلبه مثقال ذرة من كبر.
وأيضا فهذه الأحاديث مبين فيها سبب دخول الجنة من العمل الصالح، وسبب دخول النار كالكبر.
فإن وجد في العبد أحد السببين فقط فهو من أهله، وإن وجدا فيه معا استحق الجنة والنار، فالذي معه كبر وإيمان يستحق النار فيعذب فيها حتى يزول الكبر من قلبه وحينئذ يدخل الجنة ولم يبق في قلبه كبر ولا مثقال ذرة منه، كما أنه [إذا] تاب منه لم يكن من أهله وكذا إذا عذب في الدنيا أو في الآخرة لم يكن حينئذ من أهله.
(1/130)

فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» حق إذا أريد به الدخول المطلق الكامل أريد بـ «المؤمن» الكامل المطلق وإذا أريد بالدخول مطلق الدخول فقد يتناول الدخول بعد العذاب، فإنه يراد به مطلق المؤمن، حتى يتناول الفاسق الذي في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فإن هذا يدخل في مطلق المؤمن كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [92/4] ولا يدخل في المؤمن المطلق كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} الآية [2/8] .
ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ينتفي الاسم عن المسمى تارة لنفي حقيقته وكماله، ويثبت له تارة لوجود أصله وبعضه؛ حتى يقال للعالم القاصر، والصانع القاصر: هذا عالم وهذا صانع بالنسبة إلى من لا يعلم وإلى من لا يصنع. ويقال: هذا ليس بعالم ولا صانع لوجود نقصه وتقصيره. ويقال للكامل: هو العالم والصانع، وهذا هو الشجاع، وأمثاله كثيرة من الأسماء والصفات: كالمؤمن، والكافر، والفاسق، والمنافق. والله أعلم (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وأيضا فإنه يعفى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره.
[يعفى لصاحب المقامات العظيمة ويسامح ... ]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: انظر إلى «موسى» صلوات الله وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله وهو هارون، ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد - صلى الله عليه وسلم - ورَفْعِهِ عليه، وربه
__________
(1) مختصر الفتاوى 204-206. هذا الفصل لم أجده بهذا الإيجاز والوضوح والتفصيل في المجموع وانظر جـ1/137- الفهارس العامة.
(1/131)

تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه، ويكرمه، ويُدَلِّلُه، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر (1) .
وانظر إلى «يونس بن متى» حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى (2) .
وقال ابن القيم أيضا: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وكذلك لطم موسى عين مالك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه؛ وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ رفعه فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يعتبه الله على ذلك.
قال: لأن موسى عليه السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال؛ فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى، وتصدى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد، وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره.
وذو النون لما لم يكن في هذا المقام سجنه في بطن الحوت من غضبه. وقد جعل الله لكل شيء قدرا (3) .
[الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ولكن قد ... ]
قال الشيخ تقي الدين: الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات؛ ولكن قد تحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة (4) . واختاره أيضًا في
__________
(1) المناسب هنا كالقطرة.
(2) مدارج جـ1/328 وللفهارس العامة جـ1/139.
(3) المدارج جـ2/456 وللفهارس العامة جـ1/138.
(4) وفي الاختيارات ص296 عند أهل السنة.
(1/132)

مكان آخر، قال: كما دلت عليه النصوص، واحتج بإبطال الصدقة بالمن والأذى (1) .
[كفارة الشرك]
وقال: كفارة الشرك التوحيد، والحسنات يذهبن السيئات (2) .
قال الشيخ تقي الدين: ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز. وأما لعنة المعين فالأولى تركها؛ لأنه يمكن أن يتوب.
وقال في موضع آخر: قيل لأحمد بن حنبل: أيؤخذ الحديث عن يزيد؟ فقال: لا ولا كرامة أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل؟ وقيل له: إن أقواما يقولون: إنا نحب يزيد فقال: وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقيل له: أفلا تلعنه؟ فقال: متى رأيت أباك يلعن أحدا؟
[الخلاف في لعن المعين من الكفار والفساق. أما على سبيل العموم فجائز]
وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر في لعن المعين من الكفار من أهل القبلة وغيرهم من الفساق بالاعتقاد أو بالعمل: لأصحابنا فيها أقوال:
أحدها: لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز.
والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
والثالث: يجوز مطلقا.
وقال عبد الله بن ًأحمد الحنبلي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: على الجهمية لعنة الله. وكان الحسن يلعن الحجاج، وأحمد يقول: الحجاج رجل سوء.
__________
(1) الآداب جـ1/140.
(2) الآداب جـ1/142 كلاهما إلى الفهارس العامة جـ1/139.
(1/133)

قال الشيخ تقي الدين: ليس في هذا عن أحمد لعنة معين. لكن قول الحسن نعم.
قال الشيخ تقي الدين: لم أره (1) نقل لعنة معينة إلا لعنة نوع أو دعاء على معين بالعذاب أو سبا له. لكن قال (2) : القاضي لم يفرق بين المطلق والمعين، وكذلك جدنا أبو البركات (3) .
قال الشيخ تقي الدين: المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلال اللعن المطلق، لا المعين. كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار؛ فإنا نشهد بأن المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ونشهد بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا من شهد له النص أو شهد له الاستفاضة على قول. فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» فالشفاعة ضد اللعن، كما أن الشهادة ضد اللعن.
وكلام الخلال يقتضي أنه لا يلعن المعينين من الكفار فإنه ذكر قاتل عمر وكان كافرا ويقتضي أنه لا يلعن المعين من أهل الأهواء، فإنه ذكر قاتل علي وكان خارجيا، ثم استدل القاضي للمنع بما جاء من ذم اللعن، وأن هؤلاء ترجى لهم المغفرة، لا تجوز لعنتهم؛ لأن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد بخلاف من حكم بكفره من المتأولين فإنهم مبعدون من الرحمة كغيرهم من الكفار. واستدل على جواز ذلك وإطلاقه بالنصوص التي جاءت باللعن، وجميعها مطلقة كالراشي والمرتشي وآكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبيه.
__________
(1) يعني: الإمام أحمد.
(2) ابن تيمية.
(3) الآداب جـ306 وللفهارس العامة جـ1/138.
(1/134)

قال الشيخ تقي الدين: فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقوال: أحدهما: المنع عموما وتعيينا إلا براوية النص. والثاني: إجازتها. والثالث: التفريق، وهو المنصوص؛ لكن المنع من المعين: هل هو منع كراهة، أو تحريم؟
ثم قال في الرد على الرافضي: لا يجوز، واحتج بنهيه عليه السلام عن لعنة الرجل الذي يدعي حمارا، وقال هنا: ظاهر كلامه الكراهية، وبذلك فسره القاضي فيما بعد لما ذكر قول أحمد: لا تعجبني لعنة الحجاج ونحوه، لو عم فقال: لعنة الله على الظالمين (1) .
وقال في مكان آخر: وقد نقل عن أحمد لعنة أقوام معينين من دعاة أهل البدع؛ ولهذا فرق من فرق من الأصحاب بين لعنة الفاسق بالفعل وبين دعاة أهل الضلال؛ إما بناء على تكفيرهم، وإما بناء على أن ضررهم أشد. ومن جوز لعنة المبتدع المكفر عينا فإنه يجوز لعنة الكافر المعين بطريق الأولى. ومن لم يجوز أن يلعن إلا من ثبت لعنه بالنص فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين. فمن لم يجوز إلا لعن المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصار ولا على وجه الجهاد وإقامة الحدود كالهجرة والتعزير والتحذير. وهذا مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو على أحد قنت بعد الركوع وقال فيه: «اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى نزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية [128/3] » .
قال: وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة أو من أهل القبلة أو مطلقا.
وأما من جوز لعنة الفاسق المعين على وجه البغض في الله عز وجل والبراءة منه والتعزير فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضًا.
__________
(1) الآداب جـ1/307-309 وإلى الفهارس العامة جـ1/138.
(1/135)

ومن يرجح المنع من لعن المعين فقد يجيب عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بأحد أجوبة ثلاثة: إما بأن ذلك منسوخ كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة. وإما أن ذلك مما دخل في قوله: «اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس كذلك فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ورحمة تقربه بها إليك يوم القيامة» . لكن قد يقال: هذا الحديث لا يدل على تحريم اللعنة وإنما يدل على أنه يفعلها باجتهاده بالتعزير، فجعل هذا الدعاء دافعا عمن ليس لها بأهل. وإما أن يقال: اللعن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت بالنص فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون. وقد يقال: الأصل مشاركته في الفعل، ولو كان لا يلعن إلا من علم أنه من أهل النار لما قال: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو شتمته أو لعنته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» . فهذا يقتضي أنه كان يخالف أن يكون لعنه بما يحتاج أن يستدرك بما يقابله من الحسنات فإنه معصوم، والاستدراك بهذا الدعاء يدفع ما يخاف من إصابة دعائه لمن لا يستحقه وإن كان باجتهاد؛ إذ هو باجتهاده الشرعي معصوم لأجل التأسي به.
وقد يقال: نصوص الفعل تدل على الجواز للظالم، كما يقتضي ذلك القياس؛ فإن اللعنة هي البعد عن رحمة الله، ومعلوم أنه يجوز أن يدعى عليه من العذاب بما يكون مبعدا عن رحمة الله عز وجل في بعض المواضع كما تقدم، فاللعنة أولى أن تجوز والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن لعن من علم أنه يحب الله ورسوله، فمن علم أنه مؤمن في الباطن يحب الله ورسوله لا يلعن لأن هذا مرحوم، بخلاف من لا يكون كذلك انتهى كلامه (1) .
__________
(1) الآداب الشرعية جـ1/310، 311 وللفهارس العامة جـ1/138.
(1/136)

القدر

[سبق الماء]
قال ابن القيم رحمه الله: وله (1) أيضا من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: «كنت قائما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك» الحديث بطوله، إلى أن قال: جئت أسألك عن الولد؟ فقال: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل منى المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله»
وسمعت شيخنا رحمه الله يقول: في صحة هذا اللفظ نظر (2) .
[الدعاء بطول العمر]
ويكره الدعاء بالبقاء لكل أحد؛ لأنه شيء قد فرغ منه. ونص عليه (3) .
وليس لأحد اطلاع على اللوح سوى الله.
وما يوجد في كلام بعض الشيوخ والمتكلمين من الاطلاع عليه فمبني على ما اعتقدوه من أن اللوح هو العقل الفعال، وأن نفوس البشر تتصل به، كما يذكر ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا.
__________
(1) أي لمسلم.
(2) الطرق الحكمية ص220 وللفهارس العامة جـ1/143.
(3) الاختيارات ص318، 319 وإلى الفهارس العامة جـ1/143.
(1/137)

[لا يطلع على اللوح المحفوظ إلا الله، ما يعني الغزالي ورسائل إخوان الصفا باللوح والقلم والملائكة والشياطين وكلام الله]
وقد يوجد في كلام أبي حامد الغزالي في مثل جواهر القرآن والإحياء، ويظن من لا يعرف حقيقة هؤلاء ولا حقيقة دين الإسلام أن هذا من كلام أولياء الله المكاشفين، ولا يعلم هذا الجاهل أن الفلاسفة الصوفيين تقوله في العقل الفعال، وأن العالم السفلي يفيض عنه، وأنه في الحقيقة ربه ومدبره.
وكذلك ما يقولونه في «العقول العشرة» من كون كل عقل يفيض عنه ما تحته، وهو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى.
وهؤلاء يأخذون لب الصابئة ويكسونه لحى الإسلام. وهم من جنس الملاحدة المنافقين يلبسون على المسلمين، وإن كان منهم من قد تاب أو تلبس عليه، مع أن أصل الإيمان معه، وأخطأ في ذلك أخطاء قد يغفرها الله له.
ويزعمون أنه لم يسجد لآدم شيء من الملائكة، وأن الشياطين امتنعوا عن السجود له لأنهم يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس: قوى الخير، والشر.
ويجعلون كلام الله للأنبياء ما يفيض عليهم من نفوس الأنبياء وغيرهم وملائكته ما يكون في نفوسهم من الأشكال النورانية.
[هل مكتوب على كل فرج ناكحه؟]
والمقصود أنه يوجد في عبارات هؤلاء إطلاق اللوح والقلم والملائكة ونحو ذلك من عبارات المسلمين ولكن المراد بها عندهم ما هو من دين الصابئة، وليس من دين المسلمين (1) .
وأما ما روي: «أنه مكتوب على كل فرج ناكحه» فليس صحيحًا أيضا (2) . وليس هو من جنس كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لا ريب أن الله
__________
(1) مختصر الفتاوى ص262، 263 وللفهارس العامة جـ1/143.
(2) الحديث الذي قبله باطل وهو «اتخذوا مع الفقراء أيادي ... »
(1/138)

تعالى كتب كل ما يفعله العباد قبل أن يفعلوه، فلذلك عنده. وقد ثبت أن الله يأمر الملك فيكتب على العبد كل ما يفعله قبل أن ينفخ فيه الروح (1) .
فصل
[قول القدرية من المعتزلة ونحوهم كفر وضلال. وتكفير المعين من هؤلاء ومن منكري بعض الصفات يتوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع]
«القدرية» : من المعتزلة وغيرهم من الذين لا يقرون بأن الله خالق كل شيء، ولا أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فإذا أطلق عليهم أنهم خارجون عن التوحيد بمعنى أنهم كذبوا بالقدر، فهذا فيه نزاع حتى في مذهب مالك والشافعي وأحمد.
و «مسألة التكفير» بإنكار بعض الصفات وإثباته (2) قد كثر فيها الاضطراب.
وتحقيق الأمر فيها: أن الشخص المعين الذي ثبت إيمانه لا يحكم بكفره إن لم تقم عليه حجة يكفر بمخالفتها، وإن كان القول كفرا في نفس الأمر بحيث يكفر بجحوده إذا علم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قاله. فقد أنكر طائفة من السلف بعض حروف القرآن؛ لعدم علمهم أنها منه فلم يكفروا. وعلى هذا حمل المحققون حديث الذي قال لأهله: «إذا أنا مت فأحرقوني» فإنه كان جاهلا بقدرة الله إذا فعل ذلك.
وليس كل جهل بعض ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكفر؛ ولهذا قال السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر. ولا يكفرون المعين الذي يقول ذلك؛ لأن ثبوت حكم التكفير في حقه متوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع؛
__________
(1) مختصر الفتاوى ص600، 601 وللفهارس العامة جـ1/143.
(2) يعني إنكار بعض وإثبات بعض: كإثبات السبع وإنكار ما عداها.
(1/139)

فلا يحكم بكفر شخص بعينه إلا أن يعلم أنه منافق بأن قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ولم يقبلها.
لكن قول هؤلاء المعتزلة وأشباههم هو بلا شك من الكفر والضلال (1) .
[الأسباب لا تنكر، لكن هنا ثلاثة أمور ... ]
ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه فلا ينكر ما خلقه الله من الأسباب فينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب؛ بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع.
الثاني: لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب لا يعلم، فمن أثبت سببا بلا علم أو بخلاف الشرع كان مبطلا كمن يظن أن النذر سبب في رفع البلاء.
الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببا للدنيا، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع، فلا يجوز أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه.
وكذلك لا يعبد الله بالبدع وإن ظن في ذلك ثوابا؛ فإن الشيطان قد يعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل له بالكفر والفسق والعصيان بعض أغراضه فلا يجوز له ذلك (2) .
وقد تنازع الناس في الدعاء مطلقا.
__________
(1) مختصر الفتاوى ص572، 573 ويقابل ص147 من جـ1- الفهارس العامة.
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص268، 269 وإلى الفهارس العامة جـ1/148 بعضه غير موجود فنقلت البحث كله.
(1/140)

[الدعاء من أعظم الأسباب. غلط من قال: لا فائدة فيه، أو عبادة محضة، أو علامة على حصول المطلوب]
فقالت طائفة: لا فائدة فيه، وهم المتفلسفة والمتصوفة وتبعهم طائفة من المؤمنين بالشرائع قالوا: إنه عبادة محضة.
وقال آخرون: بل هو أمارة وعلامة على حصول المطلوب وكل هذا باطل.
بل الحق أنه من أعظم الأسباب التي جعلها الله سببا.
والصواب أن الله جعل في الأجسام القوى التي هي الطبائع فإن من أهل الإثبات من أنكرها، وقال: إن الله جعل الآثار عندها لا بها، فيخلق الشبع عند الأكل؛ لا به. وهذا خلاف الكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى قال: {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [57/7] وفي القرآن من هذا كثير.
فهو سبحانه وإن جعل في الأجسام قوى مهيئة فكذلك الدعاء من جملة الأسباب التي خلقها، والسبب لا يستقل بالحكم ولا يوجبه، بل قد يتخلف عنه الحكم لمانع. فإذا كان متوقفا على وجود أسباب أخر وانتفاء موانع فليس في الوجود ما يستقل بالتأثير إلا الله الذي هو خالق كل شيء وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [49/51] فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
[لا يستقل بالتأثير إلا الله]
وقد بسطنا الكلام في بطلان ما قاله المتفلسفون في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وما ذكروه من الترتيب الذي وضعوه لخيالاتهم الفاسدة في غير هذا الموضع (1) .
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص263، 264 يفهرس تابعا جـ1/148 من الفهارس العامة.
(1/141)

المنطق

قال ابن القيم رحمه الله: وزعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني كما أن العروض ميزان الشعر.
وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان، وعوجه، وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان، وصنفوا في رده وتهافته كثيرا.
وآخر من صنف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ألف في رده وإبطاله كتابين -كبيرا وصغيرا- بين فيه تناقضه، وتهافته، وفساد كثير من أوضاعه (1) .
__________
(1) إغاثة اللهفان جـ2/260 وللفهارس العامة جـ1/157.
(1/142)

السلوك، أو التصوف

كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لابد للسالك إلى الله من همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره ويهديه (1) .
وقال العارف: يسير إلى الله عز وجل بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس (2) .
[ما لابد للسالك والعارف منه]
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: العارف لا يرى له على أحد حقا، ولا يشهد له على غيره فضلا؛ ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره. وكان يقول كثيرا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء. وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت.

أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا.
__________
(1) الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية ص35 لمرعي بن يوسف الكرمي ت1033هـ.
(2) الشهادة الزكية ص35.
(1/143)

[المؤلف يستقل علمه وعمله، ظهور ذله وانكساره وافتقاره واعتماده على ربه]
وبعث إليَّ في آخر عمره «قاعدة» في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه.

أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضراتي
وليس لي دونه مولى يدبرني ... ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا ... إلى الشفيع كما قد جاء في الآياتي
ولست أملك شيئا دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذراتي
ولا ظهير له كي يستعين به ... كما يكون لأرباب الولاياتي
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي
فمن بغى مطلبا من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملأ الكون أجمعه ... ما كان منه وما من بعد قد ياتي (1)

[الصبر. صبر يوسف عن مطاوعتها أعظم من صبره على ما فعله به إخوته]
وسمعت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- يقول: كان صبر يوسف عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة فإنه كان شابا وداعية الشباب إليها قوية. وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته. وغريبا والغريب لا يستحيي في بلد غربته مما يستحيي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله. ومملوكا، والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع
__________
(1) المدارج جـ2 ص524 وللفهارس العامة جـ1/181.
(1/144)

الحر. والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله. وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟!
[الصبر على أداء الطاعة ... الصبر واليقين..]
وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل؛ فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية (1) .
وكان يقول بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (2) .
[كيف تواجه العوارض والمحن؟]
قال لي شيخ الإسلام رحمه الله مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد؛ فإذا علم العبد أنه لا بد منهما لم يغب لورودهما، ولم يغتم لذلك، ولم يحزن (3) .
[التوبة العامة، والتوبة المجملة]
قال الشيخ تقي الدين: فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها؛ إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص؛ مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن. وتصح من بعض ذنوبه في الأصح (4) .
وذكر الشيخ تقي الدين أن التوبة المجملة لا توجب دخول كل فرد
__________
(1) مدارج ص156، 157 وللفهارس العامة جـ1/184.
(2) انظر الشهادة الزكية ص35.
(3) مدارج ص389 وللفهارس العامة جـ1/184.
(4) الآداب الشرعية جـ1/55 وللفهارس العامة جـ1/178.
(1/145)

من أفراد الذنوب فيها، ولا تمنع دخوله، كاللفظ المطلق بخلاف العام (1) .
قال ابن عقيل: وعن أحمد أن التوبة لا تصح إلا من جميع الذنوب، قال في رجل قال: لو ضربت ما زنيت، ولكن لا أترك النظر. فقال أحمد رضي الله عنه: ما ينفعه ذلك، وذكر ابن عقيل هذه الرواية ولفظها: أي توبة هذه؟!
وقد قال أحمد في تعاليق إبراهيم الحربي: لو كان في الرجل مائة خصلة من خصال الخير وكان يشرب النبيذ لمحتها كلها ... وقال الشيخ تقي الدين: إنما أراد -يعني أحمد- أن هذه ليست توبة عامة، لم يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر؛ فإن نصوصه المتواترة تنافي ذلك، وحمل كلامه على ما يصدق بعضه بعضا أولى. لا سيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف. انتهى كلامه (2) .
[الجمع بين الرضا والرحمة أكمل]
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ذكر في مناقب «الفضيل بن عياض» أنه ضحك يوم موت ابنه علي، فسئل عن ذلك فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكمل وأفضل، فإنه جمع بين الرضا بقضاء الله تعالى وبين رحمة الطفل؛ فإنه لما قال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
والفضيل ضاق عن الجمع بين الأمرين فلم يتسع للرضا بقضاء الرب وبقاء الرحمة للولد. هذا جواب شيخنا سمعته منه (3) .
__________
(1) الآداب الشرعية جـ1/64 وللفهارس العامة جـ1/178.
(2) الآداب الشرعية ص65 وللفهارس العامة جـ1/178.
(3) تحفة الودود ص84، 85 وللفهارس العامة جـ1/185.
(1/146)

ويستحب البكاء على الميت رحمة له، وهو أكمل من الفرح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» متفق عليه (1) .
[الخوف والرجا لا يغلب أحدهما، والرجا بالنظر إلى سبق الرحمة يجب.. والخوف بالنظر إلى تفريطه]
وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا، فأيهما غلب هلك صاحبه، ونص عليه الإمام أحمد؛ لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس. ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله (2) .
وفي «النصحية» : يغلب الخوف لحمله على العمل وفاقا للشافعية. وقال الفضيل بن عياض وغيره ونصه: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدا. وفي رواية: فأيهما غلب صاحبه هلك.
قال شيخنا: وهذا هو العدل؛ ولهذا من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط: إما في نفسه، وإما في أمور الناس. ومن غلب عليه حال الرجا بلا خوف أوقعه في نوع من الأمن لمكر الله: إما في نفسه وإما في أمور الناس. والرجا بحسب رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه، كما قال تعالى: «أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي خيرا» . وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعديه؛ فإن الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب (3) .
[الخوف المحمود]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله (4) .
[توبة مملوك هارب]
ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- سأله شخص فقال: هربت من أستاذي وأنا صغير، إلى الآن لم أطلع له
__________
(1) الاختيارات ص90 وللفهارس العامة جـ1/185.
(2) الاختيارات ص85 وللفهارس العامة جـ1/187.
(3) فروع جـ2/179، 180 وللفهارس العامة جـ1/187 فيه زيادة تفصيل عما في الاختيارات.
(4) مدارج جـ1/514 وللفهارس العامة جـ1/187.
(1/147)

على خبر، وأنا مملوك، وقد خفت من الله عز وجل، وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي. وقد سألت جماعة من المفتين، فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع؛ فضحك شيخنا، وقال: تصدق بقيمتك أعلى ما كانت عن سيدك، ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثا في غير مصلحة، وإضرارا بك، وتعطيلا لمصالحك؛ ولا مصلحة لأستاذك في هذا ولا لك، ولا للمسلمين. أو نحو هذا من الكلام. والله أعلم (1) .
[توبة من عاوض معاوضة محرمة وقبض ... ]
المسألة الثانية: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (2) .
فصل
وأما التوبة النصوح فقد قال عمر بن الخطاب وغيره من السلف: هو أن يتوب ثم لا يعود. ومن تاب ثم عاد فعليه أن يتوب مرة ثانية، ثم إن عاد فعليه أن يتوب، وكذلك كلما أذنب ولا ييأس من روح الله. وإن لم تكن التوبة نصوحا فلعله إذا عاد إلى التوبة مرة بعد مرة مَنَّ الله عليه في آخر الأمر بتوبة نصوح.
__________
(1) مدارج جـ1/390 وللفهارس العامة جـ1/187..
(2) مدارج جـ1/390 وللفهارس العامة جـ1/187.
(1/148)

[التوبة النصوح. إذا تاب ثم عاد. ومن ختم له بسوء]
والتائب إذا كانت نيته خالصة محضة لم يشبها قصد آخر فإنه لا يعود إلى الذنب؛ فإنه إنما يعود لبقايا غش كانت في نفسه، وقد قيل: إنه قد يعود من تاب توبة نصوحا. وقد يقال: إن الأول أرجح؛ فإن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لم يسخطه أبدا والقلب إذا باشر حقيقة الإيمان لم يتركه.
وهذا أصل تنازع فيه الناس، وهو: أنه من ختم له بسوء: هل يقال إنه كان في أصل عمله غش فعاد إليه، أو كان عمله الأول خالصا لا غش فيه ثم انقلب وانتكس؟ على قولين والتوبة من هذا.
والاستقراء يدل على أنه إذا خلص الإيمان إلى القلب لم يرجع عنه؛ ولكن قد يحصل له اضطراب، ويلقى الشيطان في قلبه وساوس وخطرات ويوجِدُ فيه هما، وأمثال ذلك كما شكى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: «أوقد وجدتموه» ؟ فقالوا: نعم. فقال: «ذلك صريح الإيمان» . وقال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» والحديث في مسلم. فكراهة هذه الوساوس هي صريح الإيمان.
والتائب في نفسه مع الهم والوساوس والميل مع كراهته لذلك، ويقول في قلبه ما لا يخرجه ذلك عن كونه توبة نصوحا. قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار؛ وكان هم يوسف هم خطرات، فترك ما هم به لله، فكتبه الله له حسنة ولم يكتب عليه سيئة، وكان هم امرأة العزيز هم إصرار فكذبت، وأرادت، وظلمت لأجل مرادها.
وقد تنازع الناس في العزم الجازم هل يؤخذ به بدون العمل؟ على قولين.
(1/149)

والصواب: أن العزم الجازم متى اقترن به القدرة والإرادة فلا بد من وجود العمل. فإذا كان العازم قادرا ولم يفعل ما عزم عليه فليس عزمه جازما، فيكون من باب الهم الذي لا يأخذ الله به، ولهذا من عزم على معصية فعل مقدماتها ولو أنه يخطو خطوة برجله أو ينظر نظرة بعينه فإذا عجز عن إتمام مقصوده بها يعاقب؛ لأنه فعل ما يقدر عليه وترك ما عجز عنه (1) .
[تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر]
وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر، إذا كان المقتضي للتوبة منه أقوى من المقتضي للتوبة من الآخر، أو كان المانع من أحدهما أشد. هذا هو المعروف عن السلف والخلف (2) .
[معنى حجز التوبة من المبتدع]
قال المروذي: سئل أحمد رضي الله عنه عما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن الله عز وجل احتجز التوبة عن صاحب بدعة» وحجز التوبة أي شيء معناه؟ قال أحمد: لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [159/6] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هم أهل البدع والأهواء ليست لهم توبة» .
قال الشيخ تقي الدين: لأن اعتقاده لذلك يدعوه إلى ألاَّ ينظر نظرًا تاما إلى دليل خلافه فلا يعرف الحق، ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقال أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع.
وأيضا التوبة من الاعتقاد الذي كثر ملازمة صاحبه له ومعرفته
__________
(1) مختصر الفتاوى ص562، 563 وللفهارس العامة جـ 1/188، 340 وفيها زيادات كثيرة وتفصيل.
(2) الآداب الشرعية جـ1 ص69 وللفهارس العامة جـ1/60 و 188.
(1/150)

بحججه يحتاج إلى ما يقارب ذلك من المعرفة والعلم والأدلة ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شبابهم» قال أحمد وغيره: لأن الشيخ قد عسى في الكفر فإسلامه بعيد (1) .
[هل يعود بعد التوبة إلى درجته، أو أرفع؟]
قال ابن القيم رحمه الله: واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن؟ أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها؟ إلى أن قال:
وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: مثل درجته ومنهم من لا يصل إلى درجته (2) .
قال الشيخ تقي الدين: التائب عمله أعظم من عمل غيره ومن لم تكن له مثل تلك السيئات، فإن كان قد عمل مكان سيئات ذلك حسنات فهذا درجاته بحسب حسناته فقد يكون أرفع من التائب إن كانت حسناته أرفع. وإن كان قد عمل سيئات ولم يتب منها فهذا ناقص. وإن كان مشغولا بما لا ثواب فيه ولا عقاب فهذا التائب الذي اجتهد في التوبة والتبديل له من العمل والمجاهدة ما ليس لذلك البطال (3) .
هل تغفر للكافر الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ فيه قولان معروفان.
قال الشيخ تقي الدين: أحدهما: يغفر له الجميع؛ لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [38/8]
__________
(1) الآداب الشرعية جـ1 ص69 وللفهارس العامة جـ1/60 و 188.
(2) الجواب الكافي ص100، 101 وللفهارس العامة جـ1/188 وهي تشير إلى أن في المجموع ما يفيد أنه قد يصل إلى أعلى من درجته.
(3) الآداب الشرعية جـ1/139 وللفهارس العامة جـ1/188.
(1/151)

أي ينتهوا عن كفرهم، ولأنه اندرج في ضمن المحرم الأكبر فسقط بسقوطه. وفيه نظر.
والثاني: لا نقله البغوي عن أحمد رواه الخلال، وهو ظاهر ما اختاره ابن عقيل.
[غفران الذنوب التي فعلها الكافر حال كفر فيه تفصيل]
قال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الذي تدل عليه النقول والنصوص.
وقال في موضع آخر: إنه إن تاب من جميع معاصيه غفر له، وإن أصر عليها لم يغفر له، وإن كان ذاهلا عن الإصرار والإقلاع إما ناسيا أو ذاكرا غير مريد للفعل ولا للترك غفر له أيضا. والحديثان يأتلفان على هذا -يعني حديث عمرو بن العاص- قول النبي - صلى الله عليه وسلم - له: «يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» رواه مسلم وغيره، وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين: أن ناسا قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام» .
قال الشيخ تقي الدين: فالإسلام لتضمنه التوبة المطلقة يوجب المغفرة المطلقة، إلا أن يقترن به ما ينافي هذا الاقتضاء وهو الإصرار، كما أنه يوجب الإيمان المطلق ما لم يناقضه كفر متصل. فالإصرار في الذنوب كالاعتقاد في التصديق. انتهى كلامه (1) .
[الاستقامة]
قال ابن القيم رحمه الله، بعد ذكره آيات الاستقامة، وتفسير السلف لها: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة (2) .
__________
(1) الآداب جـ1/110، 111 وللفهارس جـ1/188.
(2) مدارج جـ25 وللفهارس جـ1/191.
(1/152)

ويقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة (1) .
[إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور (2) (3) .
[إذا بادرت النفس إلى الطاعة طواعية ... ]
وإذا ارتاضت نفس العبد على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت بها وبادرت إليها طواعية ومحبة كان أفضل ممن يجاهد نفسه على الطاعات ويكرهها عليها، وهو قول الجنيد وجماعة من أهل البصرة (4) .
[الفرح بالله، ودخول جنته في الدنيا. جنة ابن تيمية وطيب حياته ... ]
قال ابن القيم رحمه الله: ورأيت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في المنام وكأني ذكرت له شيئا من أعمال القلوب. وأخذت في تعظيمه ومنفعته -لا أذكره الآن- فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة.
وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله (5) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
__________
(1) مدارج جـ2/176 في جـ11/191.
(2) مدارج جـ2/68 وللفهارس جـ1/191.
(3) قال ابن القيم: يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة وانشراحا وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول.
(4) اختيارات 58 وللفهارس جـ1/191.
(5) مدارج جـ2/104 وللفهارس جـ1/191.
(1/153)

وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ما شاء الله.
وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
ولما أدخل إلى القلعة وصار داخل السور نظر إليه وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [13/57] .
وعلم الله ما رأيت أحدا، أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيس وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه: فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا، وقوة ويقينا وطمأنينة.
فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام رحمه الله قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن
__________
(1) الوابل الصيب ص105، 106 والمدارج جـ1/431، 454 وللفهارس جـ1/192.
(1/154)

الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوما فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر، وهو لمجنون ليلى في قصيدته الطويلة:

وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا (1)

وزاد مرعي بن يوسف الكرمي: وكان يتمثل كثيرا:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير (2)

[الفخر والبغي. والفخر بالإسلام والشريعة]
ولمسلم وأبي داود وغيرهما عن عياض بن حمار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» .
قال الشيخ تقي الدين في «اقتضاء الصراط المستقيم» : فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين نوعي الاستطالة؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر، وإن استطال بغير حق فهو الباغي؛ فلا يحل لا هذا، ولا هذا (3) .
[الغضب]
قال القاضي: ويستحب لمن غضب إن كان قائما جلس، وإذا كان جالسا اضطجع. وقال ابن عقيل: ويستحب لمن غضب أن يغير حاله فإن كان جالسا قام أو اضطجع، وإن كان قائما مشى. وقول القاضي هو الصواب. قاله الشيخ تقي الدين (4) .
قال في «الفنون» : اعتبرت الأخلاق فإذا أشدها وبالاً «الحسد» . قال ابن الجوزي: الإنسان مجبول على حب الترفع على جنسه؛ وإنما يتوجه الذم إلى من عمل بمقتضى التسخط على القدر، أو ينتصب لذم المحسود قال: وينبغي أن يكره ذلك من نفسه.
__________
(1) مدارج جـ3/59، 60 وللفهارس العامة جـ1/192.
(2) الشهادة الزكية ص35.
(3) الآداب جـ2/208 وللفهارس جـ1/193.
(4) الآداب جـ2/271 وللفهارس العامة جـ1/193.
(1/155)

[الحسد ومد اليد واللسان، وإذا سمع من يذم أو يمدح]
وذكر شيخنا: أن عليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، ويستعمل معه التقوى والصبر، وذكر قول الحسن: لا يضرك ما لم تمد به يدا أو لسانا. قال: وكثير ممن عنده دين لا يعين من ظلمه ولا يقوم بما يجب من حقه؛ بل إذا ذمه أحد لم يوافقه ولا يذكر محامده وكذا لو مدحه أحد لسكت، وهذا مذنب في ترك المأمور لا معتد. وأما من اعتدى بقول أو فعل فذاك يعاقب. ومن اتقى وصبر نفعه الله بتقواه، كما جرى لزينب بنت جحش رضي الله عنها. وفي الحديث: «ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الحسد، والظن، والطيرة. وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض» (1) .
[الصمت]
والتحقيق في الصمت: أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حراما، كما قال الصديق: وكذا إن بعد بالصمت عن الكلام المستحب (2) .
[اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك والفقهاء شعارا]
واللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارا فارقا، كما أمر أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في شعورهم وملابسهم، فيه مسألتان:
المسألة الأولى: هل يشرع ذلك استحبابا لتمييز الفقير والفقيه من غيره؟ فإن طائفة من المتأخرين استحبوا ذلك، وأكثر الأئمة لا يستحبون ذلك؛ بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التميز عن الأمة وبثوب الشهرة.
المسألة الثانية: أن لبس المرقعات والمصبغات والصوف من العباءة وغير ذلك فالناس فيه على ثلاثة طرق:
__________
(1) الفروع جـ 6/584 وللفهارس العامة جـ1/192.
(2) الاختيارات ص114 وللفهارس العامة جـ1/195 وجـ2/115 فيه زيادة إيضاح.
(1/156)

منهم: من يكره ذلك مطلقا: إما لكونه بدعة، وإما لما فيه من إظهار الدين.
ومنهم: من استحبه بحيث يلتزمه ويمتنع من تركه، وهو حال كثير ممن ينتسب إلى الخرقة واللبسة، وكلا القولين والفعلين خطأ.
[ولبس المرقع والمصبغ والصوف. وتقطيع الثوب وترقيعه، والمغالاة في الصوف ... ]
والصواب: أنه جائز كلبس غير ذلك، وأنه يستحب أن يرقع الرجل ثوبه للحاجة، كما رقع عمر ثوبه وعائشة وغيرهما من السلف، وكما لبس قوم الصوف للحاجة، ويلبس أيضا للتواضع والمسكنة مع القدرة على غيره، كما جاء في الحديث: «من ترك جيد اللباس وهو يقدر عليه تواضعا لله كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» .
فأما تقطيع الثوب الصحيح وترقيعه فهذا فساد وشهرة، وكذلك تعمد صبغ الثوب لغير فائدة، أو حك الثوب ليظهر التحتاني، أو المغالاة في الصوف الرفيع ونحو ذلك مما فيه إفساد المال ونقص قيمته، أو فيه إظهار التشبه بلباس أهل التواضع والمسكنة مع ارتفاع قيمته وسعره، فإن هذا من النفاق والتلبيس.
فهذان النوعان فيهما إرادة العلو في الأرض بالفساد. والدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مع ما في ذلك من النفاق.
وأيضا فالتقيد بهذه اللبسة بحيث يَكرَهُ اللابس غيرها أو يُكْرِهُ أصحابه ألا يلبسوا غيرها هو أيضا منهي عنه (1) .
[المحافظة على هذا الذكر سبب للقوة]
حديث علي، ووصية النبي - صلى الله عليه وسلم - له ولفاطمة رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا إذا أخذا مضاجعهما للنوم ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين، وقال: «هو خير لكما من خادم» .
__________
(1) الاختيارات ص77-79 هذا فيه زيادة عما في جـ11/555 وللفهارس العامة جـ1/195.
(1/157)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل غيره (1) .
[قراءة هذه الآية على الدابة إذا استعصت]
قال يونس بن عبيد: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [83/3] إلا وقفت بإذن الله. قال شيخنا -قدس الله روحه-: وقد فعلنا ذلك فكان كذلك (2) .
قال ابن القيم: رحمه الله: الحادية والستون (3) أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.
وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر. وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما إلى أن قال:
[ما أعطي ابن تيمية من القوة بسبب الذكر]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر أثرا في هذا الباب ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوها حملوه (4) .
[غذاؤه ومتى يتركه]
وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي. أو كلاما قريبا من هذا.
__________
(1) الوابل الصيب 208 وللفهارس العامة جـ1/197.
(2) الوابل الصيب ص 260 وللفهارس العامة جـ1/197.
(3) من فضائل الذكر التي عددها ابن القيم.
(4) الوابل الصيب ص164، 165 وللفارس العامة جـ1/197.
(1/158)

وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاما هذا معناه (1) .
[التعميم في الدعاء]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرض، وذكر في ذلك حديثا مرفوعا عن علي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو يدعو، فقال: «يا علي عم، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض» (2) .
__________
(1) الوابل الصيب ص93 وللفهارس العامة جـ1/197.
(2) بدائع الفوائد جـ2/174 وللفهارس العامة جـ1/199.
(1/159)

الزهد والورع

والزهد ضد الرغبة، وهو كالبغض المخالف للمحبة، والكراهة المخالفة للإرادة.
[الزهد المشروع، وغير المشروع]
وحقيقة المشروع منه: أن يكون بغضه وحبه وزهده فيه أو عنه تابعا لحب الله وكراهته، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويرضى ما يرضاه، ويسخط ما يسخطه، بحيث لا يكون تابعا لهواه؛ بل لأمر مولاه؛ فإن كثيرا من الزهاد في الدنيا أعرضوا عن فضولها ولم يقبلوا على ما يحبه الله ورسوله، وليس هذا الزهد هو الذي أمر الله به؛ ولهذا كان في المشركين زهاد، وفي أهل الكتاب زهاد وفي أهل البدع زهاد.
ومن الناس من يزهد طلبا للراحة من تعب الدنيا، أو من مسألة أهلها والسلامة من أذاهم، أو لطلب الرياسة، إلى أمثال هذه الأنواع التي لم يأمر الله بها ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما ما أمر الله به ورسوله: فهو أن يزهد فيما لا يحبه الله ورسوله، ويرغب فيما يحبه الله ورسوله؛ فيكون زهده عما لم يأمر الله به أمر إيجاب أو استحباب، سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا، ويكون مع ذلك مقبلا على ما أمر الله به، ولا يترك المكروه بدون فعل المحبوب؛ فإن (1) المقصود بالقصد الأول فهو فعل المحبوب، وترك
__________
(1) لعله: فأما.
(1/161)

المكروه معين على ذلك، فتزكو النفس بذلك، كما يزكو الزرع إذا نقي من الدغل.
وطريق الوصول إلى ذلك: هو الاجتهاد في فعل المأمور وترك المحظور، والاستعانة بالله على ذلك: فمن فعل ذلك وصل إلى حقيقة الإيمان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» بعد قوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (1) .
[ترك بعض المباحات من الزهد]
وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة. أو نحو هذا من الكلام (2) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: لمت بعض الإباحية فقال ذلك (3) ، ثم قال: والكون كله مراده، فأي شيء أبغض منه؟.
[احتجاج بعض الصوفية الإباحية بالإرادة الكونية]
قال الشيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له؟ قال: فكأنما ألقم حجرا، وافتضح بين أصحابه، وكان مقدما فيهم مشارا إليه (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص144، 145 موجود بعض معناه في المجموع انظر الفهارس جـ1/202.
(2) مدارج جـ2/26 وللفهارس العامة جـ1/202.
(3) قال: المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب.
(4) مدارج جـ3/14 وللفهارس العامة جـ1/202.
(1/162)

[المال. قد يكون تاجر أزهد من فقير]
قال الشيخ تقي الدين: إذا سلم فيه القلب من الهلع واليد من العدوان كان صاحبه محمودا وإن كان معه مال عظيم، بل قد يكون مع هذا زاهدا أزهد من فقير هلوع، كما قيل للإمام أحمد. وذكر ما سبق في أول الفصل (1) وذكر الخبرين السابقين وما رواه الترمذي وحسنه وإسناده جيد عن الحسن، عن أبي سعيد مرفوعًا: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» وعن سفيان أنه قيل له: يكون الرجل زاهدا وله مال؟ قال: نعم، إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر (2) .
[لا بد في الدنيا من كدر]

بينا يُرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يُرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار

وكان الشيخ تقي الدين يتمثل كثيرا بهذين البيتين (3) .
[الامتناع من أكل الطيبات ... ]
ومن امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي فمبتدع مذموم. وما نقل عن الإمام أحمد أنه امتنع من أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - فكذب (4) .
فصل
أولياء الله: هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [62، 63/10] وهم على درجتين:
__________
(1) لما سئل أحمد عن الزاهد يكون زاهدا ومعه مائة دينار قال نعم على شريطة إذا زادت لم يفرح وإذا نقصت لم يحزن.
(2) الآداب الشرعية جـ2/241، 242 وللفهارس العامة جـ1/202.
(3) الآداب جـ2/247 وللفهارس العامة جـ1/202.
(4) اختيارات 323 وللفهارس العامة جـ1/204.
(1/163)

إحداهما: درجة المقتصدين أصحاب اليمين، وهم الذين يؤدون الواجبات ويتركون المحرمات.
والثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين يؤدون الفرائض والنوافل ويتركون المحارم والمكاره. وإن كان لابد لكل عبد من توبة واستغفار يكمل بذلك مقامه.
[أولياء الله. وهم على درجتين من لم يكن منهم أو كان منهم من وجه دون وجه]
فمن كان عالما بما أمر الله به وما نهاه عنه، عاملا بموجب ذلك كان من أولياء الله سواء كانت لبسته في الظاهر لبسة العلماء أو الفقراء أو الجند أو التجار أو الصناع أو الفلاحين؛ لكن إن كان مع ذلك متقربا إلى الله بالنوافل كان من المقربين، وإن كان مع ذلك داعيا غيره إلى الله هاديا للخلق كان أفضل من غيره من أولياء الله، كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [11/58] . قال ابن عباس: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء، لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب» رواهما أهل السنن.
إذا تبين ذلك، فمن كان جاهلا بما أمر الله به وما نهاه عنه لم يكن من أولياء الله وإن كان فيه زهادة وعبادة لم يأمر الله بهما ورسوله كالزهد والعبادة التي كانت في الخوارج والرهبان ونحوهم.
كما أن من كان عالما بأمر الله ونهيه ولم يكن عاملا بذلك لم يكن من أولياء الله؛ بل قد يكون فاسقا فاجرا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظة طعمها مر ولا ريح لها» .
(1/164)

ويقال: ما اتخذ الله وليًا جاهلاً. أي جاهلاً بما أمره الله به ونهاه عنه.
فأما من عرف ما أمر الله به وما نهى عنه وعمل بذلك فهو الولي لله وإن لم يقرأ القرآن كله، وإن لم يحسن أن يفتي الناس ويقضي بينهم.
فأما الذي يرائي بعمله الذي ليس بمشروع، فهذا بمنزلة الفاسق الذي ينتسب إلى العلم ويكون علمه من الكلام المخالف لكتاب الله وسنة رسوله. فكل من هذين الصنفين بعيد عن ولاية الله تعالى؛ بخلاف العالم الفاجر الذي يقول ما يوافق الكتاب والسنة، والعابد الجاهل الذي يقصد بعبادته الخير؛ فإن كلا من هذين مخالف لأولياء الله من وجه دون وجه. فقد يكون في الرجل بعض خصال أولياء الله دون بعض، وقد يكون فيما ذكر معذورا بخطأ أو نسيان، وقد لا يكون معذورا.
ومن قال: إن الأولياء أفضل من جميع الخلق، فقوله أظهر عند جميع أهل الملل من أن يشك في كذبه؛ بل هو معلوم بالضرورة أنه باطل؛ فإن الرسل أفضل، الأنبياء، وأولو العزم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أفضل من سائر المسلمين، وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - سيد ولد آدم؛ وليس يحتاج هذا أن يثبت بحديث ولا أثر، فقد رتب الله سبحانه خلقه فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [69/4] فرتبهم على أربع طبقات.
وأجمع المسلمون على أن من سب نبينا فقد كفر، ومن سب أحدا من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء فإنه لا يكفر؛ إلا إذا كان سبه مخالفا لأصل من أصول الإيمان، مثل أن يتخذ ذلك السب دينا وقد علم أنه ليس بدين. وعلى هذا ينبني النزاع في تكفير الرافضة.
(1/165)

وقد اتفق المسلمون على أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الأمم، وأن خير هذه الأمة أصحاب نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأفضلهم السابقون الأولون، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم.
ومن كان رسولا فقد اجتمعت فيه ثلاثة أصناف (1) : الرسالة، والنبوة، والولاية.
ومن كان نبيا فقد اجتمع فيه الصفتان. ومن كان وليا فقط لم يكن فيه إلا صفة واحدة. ومن كان لكتاب الله أتبع فهو بولاية الله أحق.
وقد أجمع المسلمون على أن موسى أفضل من الخضر، فمن قال: إن الخضر أفضل فقد كفر. وسواء قيل: إن الخضر نبي أو ولي. والجمهور على أنه ليس بنبي، بل أنبياء بني إسرائيل الذين اتبعوا التوراة، وذكرهم الله تعالى كداود وسليمان أفضل من الخضر؛ بل على قول الجمهور، أنه ليس بنبي فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما أفضل منه. وكونه يعلم مسائل لا يعلمها موسى لا يوجب أن يكون أفضل منه مطلقا كما أن الهدهد لما قال لسليمان {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [27/25] لم يكن أفضل من سليمان، وكما أن الذين كانوا يلقحون النخل لما كانوا أعلم بتلقيحه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب من ذلك أن يكونوا أفضل منه - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم، أما ما كان من أمر دينكم فإلي» .
وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كانوا يتعلمون ممن هو دونهم علم الدين الذي هو عندهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ومعلوم أن ذريتهم (2) في العلم أفضل ممن حصلت له الرؤيا الصالحة.
__________
(1) كذا بالأصل ولعله: أوصاف لما يأتي بعده.
(2) كذا في الأصل ولعله: رتبتهم في العلم.
(1/166)

وغاية الخضر أن يكون عنده من الكشف ما هو جزء من أجزاء النبوة فكيف يكون أفضل من نبي، فكيف بالرسول؟ فكيف بأولي العزم؟ (1) (2) .
__________
(1) هذا الفصل فيه زيادات كثيرة عما كان مفرقا في المجموع، وموجز. وقد تقدم نقل حكم من سب نبيا إلخ. وحكم تفضيل الخضر. وإنما أعدت آخر الفتوى هنا لمناسبة ذكر الأولياء ومراتبهم، وتكميل أفضلية الرسل والأنبياء على الأولياء الذين ليسوا بأنبياء.
(2) مختصر الفتاوى 558-561 وإلى الفهارس العامة جـ1/210.
(1/167)

أصول التفسير

[أقوال التابعين في التفسير]
وقال شيخنا: قول أحمد في الرجوع إلى قول التابعين عام في التفسير وغيره (1) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الصحيح منها (2) ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى.
قال: والصحيح في الآية: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [79/56] أن المراد به الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة:
منها: أنه وصفه بأنه (مكنون) والمكنون هو المستور عن العيون وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة.
[إشارة الآية، ومثالان]
ومنها: أنه قال: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} وهم الملائكة، ولو أراد المتوضئين لقال: (المتطهرين) فالملائكة مطهرون، والمؤمنون متطهرون.
ومنها: أن هذا إخبار. ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه بالجزم. والأصل في الخبر أن يكون خبرا صورة ومعنى.
ومنها: أن هذا رد على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن،
__________
(1) الفروع جـ1/ 558 وللفهارس جـ1/ 245.
(2) من الإشارات.
(1/169)

فأخبر تعالى أنه: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [78/56] لا تناله الشياطين ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في آية الشعراء {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [210، 211/26] وإنما تناله الأرواح المطهرة، وهم الملائكة.
ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [12-16/80] قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس.
ومنها: أن الآية مكية من سورة مكية تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات الصانع والرد على الكفار، وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف.
ومنها: أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة؛ إذ من المعلوم أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقا أو باطلا؛ بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه الشيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية. فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك.
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر؛ لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله؛ فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر.
وسمعته يقول في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة
(1/170)

عن دخول البيت فكيف تلج معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؟ فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة (1) .
[من حفظه غير معرب]
مسألة: ومن حفظ القرآن غير معرب فلم يمكنه أن يقرأه إلا بلسان العجم أو عجز عن حفظ إعرابه ونحوه فليقرأ كما يمكنه فهو أولى من تركه {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (2) .
[قراءته في الطرقات وكتابته بحيث يهان]
قراءة القرآن في الطرقات وفي الأسواق منهي عنها؛ لأنها للتأكل بالقرآن، وفيه ابتذال القرآن، ولا يصغي إليه أحد (3) .
ولا يجوز كتابة القرآن بحيث يهان، كما لو كتب على نصيبة قبر تبول عليه الكلاب ويدوسه الناس، كما لا يجوز أن يسافر به إلى أرض العدو. فتجب إزالته وإزالة ما كتب فيه من موضع الإهانة بالاتفاق (4) .
[المزاح حال القراءة]
وما كان مباحا في غير حال القراءة مثل المزاح الذي جاءت به الآثار -وهو أن يمزح ولا يقول إلا صدقا لا يكون في مزاحه كذب ولا عدوان- فهذا لا يفعل في حال قراءة القرآن؛ بل ينزه عنه مجلس القرآن. فليس كل ما يباح في حال غير القراءة يباح فيها، كما أنه ليس كل ما يباح خارج الصلاة يباح فيها، لاسيما ما يشغل القارئ والمستمع عن التدبر والفهم، مثل كونه يخايل ويضحك. فكيف واللغو والضحك حال القراءة من أعمال المشركين، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [26/41] ،
__________
(1) مدارج جـ1/416-418 أكثر هذه الوجوه ليس موجودًا في مجموع الفتاوى. وللفهارس العامة جـ1/243.
(2) مختصر الفتاوى ص93 وللفهارس العامة جـ1/247.
(3) مختصر الفتاوى ص211 وللفهارس العامة جـ1/248.
(4) مختصر الفتاوى ص270 وللفهارس العامة جـ1/248.
(1/171)

وقال تعالى: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا} [9/45] ، وقال: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ} [59، 60/53] .
ووصف المؤمنين بأنهم يبكون ويخشعون حال القراءة.
فمن كان يضحك حال القراءة فقد تشبه بالمشركين لا بالمؤمنين؛ وليس لمن أنكر عليه ذلك أن يقول للذي أنكر: أنت مراء؛ بل عليه أن يطيع الله ورسوله، ولا يكون ممن إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم (1) .
[استعماله لغير ما أنزل له]
وليس لأحد استعمال القرآن لغير ما أنزله الله له؛ وبذلك فسر العلماء الحديث المأثور: «لا يناظر بكتاب الله» أي لا يجعل له نظير يذكر معه، كقول القائل لمن قدم لحاجة: لقد {جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [40/20] وقوله عند الخصومة: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [71/27] ، أو: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [107/9] .
ثم إن خرجه مخرج الاستخفاف بالقرآن والاستهزاء به كفر صاحبه. وأما إن تلا الآية عند الحكم الذي أنزلت له أو كان ما يناسبه من الأحكام فحسن (2) . كقوله لمن دعاه إلى ذنب تاب منه: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [16/24] ، وقوله عند ما أهمه: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [86/12] . (3) [86/12] .
[مسائل تتعلق بالمصحف]
وأما جعل المصحف عند القبر فهو منهي عنه.. (4) .
وأما كتابة القرآن على الدراهم والدنانير فمكروه.. (5) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص605، 606 وللفهارس العامة جـ1/248.
(2) مختصر الفتاوى ص578 والفروع جـ3/194 وللفهارس العامة جـ1/148.
(3) كقوله لمن دعاه إلى آخر الفروع فقط.
(4) ويأتي.
(5) ويأتي في الزكاة.
(1/172)

وأما القيام للمصحف وتقبيله فلا نعلم فيه شيئا عن السلف (1) .
فتح الفأل فيه لم ينقل عن السلف؛ وليس من الفأل الذي يحبه الرسول (2) .
__________
(1) جـ23 من المجموع ص65.
(2) جـ3 من المجموع ص66.
(1/173)

التفسير

سورة الفاتحة

قال ابن القيم رحمه الله: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (1) [5/1] .
وكثيرا ما سمعت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تدفع الرياء، و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تدفع الكبرياء (2) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: في بعض الآثار الإلهية يقول الله تعالى: «إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته» (3) .
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [6/1] قال بعض الناس في جوابه: إن كل عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به، فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه.
__________
(1) مدارج جـ1/73 وللفهارس العامة جـ1/252.
(2) مدارج جـ1/54 وللفهارس العامة جـ1/252.
(3) مدارج جـ3/3 وللفهارس العامة جـ1/252.
(1/175)

وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية فاستدركه واستضعفه جدا وهو كما قال (1) .
سورة البقرة
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [5/2] قال شيخنا: الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله - صلى الله عليه وسلم - أربعة أقسام. قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا (2) ، (3) .
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [34/2] .
وأما عرض السجود على إبليس عند قبر آدم فقد ذكره بعض الناس، وأما عرضه عليه في الآخرة فما علمت أن أحدا ذكره, وكلاهما باطل (4) .
وقوله (5) : في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [150/2] منقطع قد قاله أكثر الناس، ووجهه أن الظالم لا حجة له، فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ليس الاستثناء بمنقطع؛ بل هو متصل على بابه، وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة ههنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق. والحجة في كلام الله نوعان: أحدهما الحجة الحق الصحيحة، كقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا
__________
(1) بدائع جـ 2/39 فهارس جـ 1/253.
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية ص26 للفهارس جـ1/255.
(3) قال ابن القيم رحمه الله في شرح هذه الأقسام: قسم قبلوه ظاهرًا وباطنًا وهم نوعان: أحدهما: أهل الفقه فيه والفهم والتعليم إلخ، والثاني: حفظوه وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة القسم، الثالث: من رده ظاهرًا وباطنًا وكفر به إلخ. انظر ص 26-32 من اجتماع الجيوش.
(4) مختصر الفتاوى المصرية ص177 وللفهارس العامة جـ 1/256.
(5) أبو القاسم السهيلي.
(1/176)

إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [83/6] ، وقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [149/6] ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل، كقوله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [20/3] ، وقوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [25/45] ، وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [258/2] ، وقوله: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [16/42] .
وإذا كانت الحجة اسما لما يحتج به من حق وباطل (تبين) صحة استثناء حجة الظالمين من قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [150/2] ، وهذا في غاية التحقيق. والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} (1) [150/2] .
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال ابن القيم وقال لي شيخنا يوما لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم (2) .

سورة آل عمران

وقوله: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [143/3] لأن الإنسان يشاهد بنفسه هذه الأمور.
وقد قيل: إن الموت نفسه يشاهد ويرى ظاهرا.
وقيل: المرئي أسبابه (3) .
__________
(1) البدائع جـ 4/173 وللفهارس العامة جـ 1/260.
(2) مختصر الفتاوى ص 176 وللفهارس العامة جـ 1/271.
(3) المدارج جـ 1/482.
(1/177)

سورة النساء
فصل
قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [36/4] ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [36، 37/4] ، وقال في سورة الحديد: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} إلى قوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [22، 23، 24/57] .
ففي كلا الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل وهذا-والله أعلم- موافق ما رواه أبو داود وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من الخيلاء ما يحبها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله؛ فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة» أو كما قال. «وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر» فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبها الله، وهي الخيلاء في السماحة والشجاعة، ولذلك قال لأبي دجانة يوم أحد لما اختال بين الصفين فقال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن» ، ولهذا جوزنا في أحد القولين ما رويناه عن عمر من لبس الحرير في الحرب؛ لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في الحرب كما دل عليه الحديثان؛ وذلك -والله أعلم- لأن الاختيال من التخيل والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورا للموجود، وقد يكون تصورا للمفقود. فإن كان مطابقا للموجود ومحمودا في القصد فهو تخيل حق نافع. وإن كان مخالفا للموجود مذموما في القصد فهو الباطل الضار.
(1/178)

والشجاعة والسماحة لابد فيها من قوة للنفس لا تتم إلا بتصور محبوب يحضه على الشجاعة والسماحة، وإلا ففي هذا بذل النفس وفي هذا بذل المال الذي هو مادة النفس، فإن لم تتصور النفس أمرا محبوبا تعتاض به عما تبذله من النفس والمال لم تأت الشجاعة والسماحة؛ فيحب الله تخيل المقاصد الرفيعة والمطالب العالية التي تحض على الشجاعة والسماحة؛ فإن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها، ويحب معالي الأمور. فهذا إذا كان تخيلاً مقصودًا. وأما إذا كان تخيلاً موجودًا فلأن الشجاعة التي مضمونها النصرة ودفع الباطل والضرر والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة الحق، والنفع، هما عظيمان في أنفسهما وإليهما ترجع صفات الكمال من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإذا تخيل الفاعل نفسه عظيما عند صدور ذلك منه كان مطابقا فكان اعتقادا صحيحا نافعا؛ ولهذا لم يذكر أن الله يحبه إلا عند الحرب والصدقة؛ لأنه في هذا الموطن هو صحيح نافع؛ لأنه يحض على المحبوب، وما أعان على المحبوب فمحبوب. فأما بعد صدور ذلك منه فإنه فخر أو منّ والله لا يحب الفخور ولا المنان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند الأكل وشهوة النكاح عند مضاجعة الرجل أهله، فإن كان ذلك نافعًا به تحصل المصلحة (1) .

سورة المائدة
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلفت أقوال الناس في التوراة التي بين أيديهم هل هي مبدلة أم التبديل والتحريف وقع في التأويل لا في التنزيل؟ على ثلاثة أقوال: طرفين، ووسط. فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها مبدلة مغيرة. إلخ.
__________
(1) الكلام هنا ناقص مجموع 69 ص134 وللفهارس العامة جـ1/273 و 336 هذه أطول مما في المجموع.
(1/179)

وغلا بعضهم فجوز الاستجمار بها من البول.
وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا: التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل إلى أن قال:
وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء فاختار هذا المذهب ووهن غيره، فأنكر عليه فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به؛ إلى أن قال ابن القيم: وتوسطت طائفة ثالثة، وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظا يسيرة؛ ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام: «اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاق» فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة (1) .
سورة الأنعام

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [53/6] سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها (2) .
سورة الأعراف

{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} إلى قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [28-33/7] .
__________
(1) إغاثة اللهفان جـ4/353-355 وللفهارس العامة جـ1/274 وجـ2/500.
(2) مدارج جـ2/481 وللفهارس العامة جـ1/281.
(1/180)

قال شيخنا: وفي هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة: من الصوفية، والعباد، والأمراء، والأجناد، والمتفلسفة، والمتكلمين، والعامة وغيرهم، يستحلون من الفواحش ما حرم الله ورسوله ظانين أن الله أباحه أو تقليدا لأسلافهم (1) (2) .

سورة الأنفال

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [45/8] وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه» سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يستشهد به.
وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال، كما قال عنترة:

ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم

وقال الآخر:

ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر

وقال آخر:

ولقد ذكرتك والرماح شواجر ... نحوي وبيض الهند تقطر من دمي

وهذا كثير في أشعارهم، وهو مما يدل على قوة المحبة، فإن ذكر
__________
(1) إغاثة اللهفان جـ2/156 وبعد هذه العبارة: وأصله العشق الذي يبغضه الله ورسوله إلى آخره ص156، وص157، 158- الكلام متصل. ويحتمل أنه من كلام شيخ الإسلام أو شرح له من كلام ابن القيم فليراجعه من أراده هناك.
(2) الفهارس العامة جـ1/283.
(1/181)

المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه، يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها. وهذا دليل على صدق المحبة، والله أعلم (1) (2) .

سورة التوبة

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [5/9] وليست هذه الحرم هي الحرم المذكورة في قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [36/9] . قال شيخنا [من قال] : هذه هي تلك فقوله خطأ وذلك أن هذه قد بينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح بأنها «ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وهذه ليست متوالية فلا يقال فيها «فإذا انسلخت» فإن الثلاثة إذا انسلخت بقي رجب، فإذا انسلخ رجب بقي ثلاثة أشهر ثم يأتي الحرم، فليس جعل هذا انسلاخا بأولى من ذلك. ولا يقال لمثل هذا [انسلخ] إنما يستعمل هذا في الزمن المتصل.
ثم إن جمهور الفقهاء على أن القتال في تلك الحرم مباح، فكيف يقول: فإذا انسلخ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فاقتلوا المشركين وهو قد أباح فيها قتال المشركين (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ذكر الله سبحانه «السكينة» في كتابه في ستة مواضع:
__________
(1) المدارج ص 427، 428 ويحتمل أن كلام ابن تيمية انتهى عند قوله في هذه الحال، وأن البقية شرح من ابن القيم.
(2) للفهارس العامة جـ1/286.
(3) أحكام أهل الذمة جـ2/480 وللفهارس العامة جـ1/287.
(1/182)

الأول: قوله: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [248/2] .

الثاني: قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [26/9] .

الثالث: قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [40/9] .
الرابع: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [4/48] .

الخامس: قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [18/48] .

السادس: قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} الآية [26/48] .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة وسمعته يقول في وقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها -من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة- قال: فلما اشتد عليَّ الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: اقرءوا آيات السكينة قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قلبة (1) .
__________
(1) مدارج جـ2/502، 503 وللفهارس العامة جـ1/288.
(1/183)

سورة يوسف
قال ابن القيم رحمه الله:
فصل
وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.
قال شيخنا رضي الله عنه: وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال: إنه اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك. نعم تخلفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [66/12] وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها. ولو كان [يوسف] قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب نعم لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يحبس رجل بريء ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم، ولو قدر أن ذلك وقع من
(1/184)

يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل، كما ابتلي إبراهيم بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه، وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [76/12] فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه، كما نسبه إلى نفسه في قوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [15، 16/86] ، وفي قوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [50/27] ، وفي قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [30/8] (1) (2) .
قال ابن القيم رحمه الله: ثم في إعراب هذا الكلام وجهان:
أحدهما: أن قوله: {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} [75/12] جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر. وقوله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} جملة ثانية مؤكدة للأولى مقررة لها.
وذكر ابن القيم الفرق بين الجملتين ثم قال: والقول الثاني أن {جَزَاؤُهُ} الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية ومعنى ذلك والفرق بين الجملتين: أن الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق.
__________
(1) إعلام الموقعين جـ3/228، 229 وللفهارس العامة جـ1/293 وجـ 2/234.
(2) لم يقل ابن القيم انتهى كلام شيخه ويحتمل أنه انتهى عند قوله: التي قضاها لهم نهايتها وقد استمر في الكلام على الكيد والمكر والاستهزاء والخداع المذكور في الآيات إلى ص 230.
(1/185)

والثانية: إخبار أن هذه جزاؤه في شرعنا وحكمنا، فالأولى إخبار عن المحكوم عليه. والثانية إخبار عن الحكم، وإن كانا متلازمين، وإن أفادت الثانية معنى الحصر فإنه لا جزاء له غيره.
والقول الثاني: أن {جَزَاؤُهُ} الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية، والمعنى جزاء السارق أن من وجد المسروق في رحله كان هو الجزاء كما تقول جزاء السرقة مَنْ سرق قطعت يده، وجزاء الأعمال من عمل حسنة فبعشر أو سيئة فبواحدة ونظائره.
قال شيخنا رضي الله عنه: وإنما احتمل الوجهين لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس فعل العقوبة. وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب (1) .
سورة الحجر
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [75/15] .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام رحمه الله أمورا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما.
أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام، ولا سبي عام، وأن كلب الجيش وحدته تكون في الأموال. وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة.
__________
(1) إعلام الموقعين جـ3/231، 232 بعد هذا قوله: والمقصود أن إلهام الله لهم هذا الكلام يستمر إلى ص 233 ويظهر لي أن هذا شرح لكلام شيخه كعادته وانظر الفهارس العامة جـ1/93.
(1/186)

ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وسمعته يقول ذلك. قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجريئة (1) في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر.
ولما طلب إلى الديار المصرية، وأريد قتله -بعدما أنضجت له القدور، وقلبت له الأمور- اجتمع أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا. قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رءوس الناس. سمعته يقول ذلك.
ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك؛ فسجد لله شكرا، وأطال فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟ فقال: هذه بداية ذله ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره. فقيل: متى هذا؟ فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته، فوقع الأمر مثل ما أخبر به سمعت ذلك منه.
وقال مرة: يدخل عليّ أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم. فقلت له -أو غيري-: لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاة؟.
وقلت له يوما: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال: شهرا.
__________
(1) في الأصل (الجزئية) وهو غلط.
(1/187)

وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها.
وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته والله أعلم (1) .
سورة الإسراء

{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} .
قال شيخنا رضي الله عنه: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته. فكيف تعبدونهم من دونه؟ وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدا له. قال: ويدل على هذا وجوه:
منها: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [57/17] أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي يرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟!
الثاني: أنه سبحانه لم يقل: {لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} بل قال {لابتغوا إليه سبيلا} ، وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقريب، كقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} ، وأما في المغالبة فإنما يستعمل بعلى كقوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [34/4] .
الثالث: أنهم لم يقولوا: إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قد قال: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} ، وهم إنما كانوا يقولون:
__________
(1) مدارج جـ2/489، 490 وللفهارس العامة جـ1/295، وجـ2/242.
(1/188)

إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه وتقربهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟ (1) .
سورة الكهف
وقوله سبحانه: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [86/18] العين في الأرض ومعنى {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ} أي في رأي الناظر باتفاق المفسرين؛ وليس المراد أنها تسقط من الفلك فتغرب في تلك العين؛ فإنها لا تنزل من السماء إلى الأرض، ولا تفارق فلكها. والفلك فوق الأرض من جميع أقطارها لا يكون تحت الأرض؛ لكن إذا تخيل المتخيل أن الفلك محيط بالأرض توهم أن ما يلي رأسه هو أعلاه وما يلي رجليه هو أسفله، وليس الأمر كذلك؛ بل جانب الفلك من هذا الجانب كجانبه من المشرق والمغرب، والسماء فوق الأرض بالليل والنهار، وإنما السفل هو أضيق مكان في الأرض وهو المركز الذي إليه تنتهي الأثقال. وكل ما تحرك من المركز إلى السماء من أي جانب كان فإنه يصعد من الأسفل إلى الأعلى. والله أعلم (2) .
سورة طه
{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [84/20] ظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه، وأن رضاه هو المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره (3) .
__________
(1) الجواب الكافي ص242. هذه الوجوه غير موجودة في المجموع وللفهارس العامة جـ1/298.
(2) مختصر الفتاوى ص579 وللفهارس العامة جـ1/299.
(3) مدارج جـ3/59 وللفهارس العامة جـ1/301 وجـ2/51.
(1/189)

قوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [124/20] الآية تشمل الكافر فله منها حق الوعيد. وتشمل المؤمن المرتكب الكبيرة فله نصيب من ضنك العيش بقدر إعراضه عن الذكر.
ومذهب أهل السنة أن الشخص الواحد تجتمع فيه الحسنات والسيئات فيستحق الثواب والعقاب جميعًا (1) .
سورة الأنبياء
{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [104/21] وكذلك طي السماء قبل الأرض بأربعين سنة باطل (2) .
عن ابن عباس قال: السجل كاتب كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاتب اسمه السجل قط (3) .

سورة النور

فصل
ما يعلمه الإنسان من حق وباطل فإنه يقوم بقلبه ويحل بروحه المنفوخة فيه المتصلة بالقلب الذي هو المضغة الصنوبرية الشكل.
وقد قيل: إنه يقوم بجميع الجسد، وليس لبعض ذلك مكان من الجسد يتميز به عن مكان آخر باتفاق الناس؛ وإنما الروح هي التي يعبر عن محلها الأول بالقلب تارة، وتسميها الفلاسفة النفس الناطقة، وهي
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 189 وللفهارس العامة جـ1/301.
(2) مختصر الفتاوى ص 250 وللفهارس العامة جـ1/303.
(3) تهذيب السنن جـ4/299 وللفهارس العامة جـ1/303.
(1/190)

الحاملة لجميع الاعتقادات فتنور قلوب المؤمنين وأرواحهم بالمعارف الإلهية، وتظلم قلوب الكافرين بالعقائد الفاسدة، كما ضرب الله مثل المؤمن والكافر في سورة النور.
وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء ووجل القلب واقشعرار الجسوم فمن أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب.
أما الاضطراب الشديد والغشي والصيحان فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يلم، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وأما السكون قسوة وجفاء فهو مذموم (1) .

سورة العنكبوت

قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتى الفرق أبو العباس أحمد ابن تيمية رحمه الله:
فصل
قال الله تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا
آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ
أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ
اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 100 وللفهارس العامة جـ1/309.
(1/191)

بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [1-11/29] .
وقال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [214/2] .
وقال الله تعالى لما ذكر المرتد والمكره بقوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} [106/16] ، قال بعد ذلك: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [110/16] .
فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما ألا يقول: آمنا؛ بل يستمر على عمل السيئات فمن قال (آمنا) امتحنه الرب عز وجل وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب.
ومن لم يقل: (آمنا) فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته، فإن أحدا لن يعجز الله تعالى. هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم
الناس ويؤذونهم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ
الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [112/6] ، وقال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
(1/192)

مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [52/51] ، وقال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [43/41] .
ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فابتلي بما يؤلمه؛ وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم، فلابد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة, والكافر تحصيل له النعمة ابتداء، ثم يصير في الألم.
سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم. فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم ألبتة، وهذا أصل عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصل لكل أحد؛ فإن الإنسان مدني بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه.
وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب: تارة منهم، وتارة من غيرهم. ومن اختبر حاله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا، كقوم يريدون الفواحش والظلم، أو لهم أقوال باطلة في الدين أو شرك، فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [33/7] ، وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أن مدينة فيها غيرهم، وهم لا يتمكنون مما يريدون إلا بموافقة أولئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم، فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء،
(1/193)

ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كان أولئك يخافونه ابتداء؛ كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل؛ إما في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم، فإن لم يجبهم آذوه وعادوه. وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه، وإلا عذب بغيرهم.
فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ويروى موقوفا ومرفوعا: «من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس» ، وفي لفظ: «رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا» وفي لفظ: «وعاد حامده من الناس ذاما» .
وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم. فمن هداه الله وأرشده امتنع عن فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها. وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة، كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا أنه لابد من الابتلاء بما يؤذي الناس؛ لا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبته؛ ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع أنه لابد أن يبتلي الناس، والابتلاء يكون بالسراء والضراء، ولا بد أن
يبتلي الإنسان بما يسره وما يسوؤه فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا، قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [7/18] ، وقال تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [168/7] ، وقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
(1/194)

مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [123، 124/20] ، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [142/3] هذا في آل عمران، وقد قال قبل ذلك في البقرة؛ فإن البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [214/2] .
وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتتن في كير الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصل له شر إلا منها، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [79/4] ، وقال تعالى: {أو لما أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [165/3] ، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [30/42] ، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [53/8] ، {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [11/13] .
وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت. وفي كل ذلك يقول: (إنهم ظلموا أنفسهم) فهم الظالمون لا المظلومون. وأول من اعترف بذلك أبواهم: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [23/7] ، وقال لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [85/38] ، وإبليس إنما اتبعه الغواة منهم، كما قال:
(1/195)

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [39، 40/15] ، وقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [42/15] والغي اتباع هوى النفس.
وما زال السلف معترفين بذلك، كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود: فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله رسوله بريئان منه.
وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي يرويه الرسول عن ربه عز وجل: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» ،وفي الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة» وفي حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه: «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء وملكيه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته: «الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون تهافت الفراش» شبههم بالفراش لخفة حركته، وهي
(1/196)

صغيرة النفس فإنها سريعة الحركة وفي الحديث: «مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة» وفي حديث آخر: «للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا» ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل؛ ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه: إنه استخفه قال عن فرعون إنه استخف قومه فأطاعوه، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [60/30] فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش، وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن. إذا كان مستقرا واليقين: استقرار الإيمان في القلب علما وعملا فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر على المصائب بل تطيش. قال الحسن البصري: إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [24/32] ؛ ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها وغضبها وشهوتها من النار، والشيطان من النار، وفي السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» .
وفي الحديث الآخر: «الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟» ، وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام وفي الحديث المتفق على صحته: «إن الشيطان يجري
من ابن آدم مجرى الدم» ، وفي الصحيحين أن رجلين استبا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد اشتد غضب أحدهما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعلم كلمة
لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»
وقد قال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو
(1/197)

حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [34-36/41] ، وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [96-98/23] (1) .

سورة الأحزاب

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [6/33] .
وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد: أن المسيح عليه السلام قال للحواريين: «إنكم لن تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين» .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: «هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة، كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه» . والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة والله أعلم (2) .
وقال ابن القيم رحمه الله بعد النقل عن شيخ الإسلام ما ذكره عن المسيح في المجلد الثالث من المدارج: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك، ويفسره بأن الولادة نوعان:
أحدهما: هذه المعروفة.
والثاني: ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع.
__________
(1) الفوائد لابن القيم ص 206-212 وإلى الفهارس العامة والتقريب جـ1/313.
(2) المدارج جـ3/140 وللفهارس العامة جـ1/316.
(1/198)

قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبي بن كعب رضي الله عنه: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) ، قال: وهذا معنى القراءة والآية في قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت
أبوته.
قال: فالشيخ، والمعلم، والمؤدب أبو الروح، والوالد أبو الجسم (1) .
وليس للأب إلا ما يدعو به الولد له، فظهر معنى قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فهو الأب الروحاني والوالد الأب الجثماني وهو - صلى الله عليه وسلم - سبب السعادة الأبدية للمؤمن في الدنيا والآخرة، والأب سبب لوجوده في الدنيا. ومعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير ويأمره الله، ولا يجوز له أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي لأنه يدله على ما ينفعه ويقربه إلى ربه ويحصل له باتباعه السعادة الأبدية. فظهر فضل الأب الروحاني على الأب الجثماني؛ فهذا أبوه في الدين، وذاك أبوه في الطين، وأين هذا من هذا؟!
وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين في الحرمة، لا في المحرمية، ولهن من الاحترام ما ليس للأم الوالدة (2) .

سورة فاطر

{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [11/35] .
أما الدعاء بطول العمر فقد كرهه الأئمة، وكان أحمد إذا دعا له
__________
(1) المدارج جـ1/69، 70 وللفهارس العامة جـ1/316.
(2) مختصر الفتاوى ص 176 وللفهارس العامة جـ1/316.
(1/199)

أحد بطول العمر يكره ذلك ويقول: هذا أمر قد فرغ منه.
وحديث أم حبيبة رضي الله عنها لما طلبت إمتاعها بزوجها وأبيها وأخيها فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سألت الله لآجال مضروبة وآثار مبلوغة، وأرزاق مقسومة» ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط (1) .

سورة الشورى

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [52/42] .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلفوا في مفسر المضمر من قوله تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا} فقيل: هو الإيمان لكونه أقرب المذكورين. وقيل: هو الكتاب فإنه النور الذي هدى الله به عباده.
قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} الآية، فسمي وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي (2) .

سورة النجم

وجرت عادة القوم أن يذكروا في هذا المقام (3) قوله تعالى عن نبيه
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 263، 264 وللفهارس العامة جـ1/319.
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية ص38، 39 وللفهارس العامة جـ1/327.
(3) مقام الأدب مع الله. انظر ص376 من المدارج جـ2/ فصل: والآداب ثلاثة أنواع.
(1/200)

- صلى الله عليه وسلم - حين أراه ما أراه {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [17/53] وأبو القاسم القشيري صدر «باب الآداب» بهذه الآية، وكذلك غيره.
وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير: إن هذا وصف لأدبه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب والإخلال به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور. فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة، فكمال إقبال الناظر على المنظور ألا ينصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه (1) .

سورة التغابن

وقوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [14/64] (من) للتبعيض بالاتفاق (2) .
__________
(1) مدارج جـ2/382 وللفهارس العامة جـ1/333.
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص147 وللفهارس العامة جـ1/339.
(1/201)

الحديث (1) (2)

«ابتاعيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق» .
قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر أقوال الطوائف في هذا الحديث وهي خمسة:
قال شيخنا: بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله؛ لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه، ولا يبطل البيع به، وأن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر (3) .
قوله في حديث أبي بكر رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .
__________
(1) أما مصطلح الحديث الذي موضعه في الفهارس العامة قبل الحديث فالموجود منه ضمن مسودة آل تيمية وسيأتي ضمن أصول الفقه في الجزء الثاني إن شاء الله.
(2) مرتب على حروف الهجاء.
(3) إعلام الموقعين جـ4/338، 339 وللفهارس العامة جـ1/380.
(1/203)

قال الحكيم الترمذي: هذا عبد اعترف بالظلم ثم التجأ إليه مضطرا لا يجد لذنبه ساترا غيره. ثم سأله مغفرة من عنده والأشياء كلها من عنده ولكن أراد شيئا مخصوصا ليس مما يذكر للعامة فلله رحمة قد عمت الخلق برهم وفاجرهم، سعيدهم وشقيهم، ثم له رحمة خص بها المؤمنين خاصة وهي رحمة الإيمان، ثم له رحمة خص بها المتقين وهي رحمة الطاعة لله تعالى، ولله رحمة خص بها الأولياء نالوا بها الولاية، وله رحمة خص بها الأنبياء نالوا بها النبوة، وقال الراسخون في العلم: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [8/3] فسألوه رحمة من عنده، فهذا صورة ما شرحه ولم يذكر صفة الظلم وأنواعه كما ذكر صفة الرحمة.
وليعلم أن الدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلمه لنفسه ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم بل هو من الأدعية التي يدعوا بها الأنبياء وهم أفضل الخلق، قال الله تعالى عن آدم وحواء: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [23/7] وقال موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [16/28] والخليل عليه السلام: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [41/14] {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [82/26] ، وقال هو وإسماعيل عليه السلام: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إلى قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا} [127، 128/2] ، وقال يونس عليه السلام: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [87/21] . وثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه: «ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي» ، وثبت عنه: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وعلانيته وسره وأوله وآخره. اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي.
(1/204)

اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» وفي الركوع والسجود كان يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي -يتأول القرآن» . وقال له ربه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [55/40] وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [19/47] وسورة النصر آخر ما نزل بعد قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [2/48] فقال له الناس: «هذا لك فما لنا» ؟ قال: فأنزل الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [4/48] .
وفي هذا رد على الطائفة الذين يقولون: معنى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} [2/48] هو ذنب آدم {وَمَا تَأَخَّرَ} هو ذنب أمته؛ فإن هذا القول وإن لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فقد قاله طائفة من المتأخرين. ويظن بعض الجهال أنه قول شريف، وهو كذب على الله وتخريف، فإنه قد ثبت أن الناس يوم القيامة يأتون آدم فيعتذر إليهم ويذكر خطيئته. فلو كان ما تقدم هو ذنب آدم لم يكن يعتذر وقد قالت الصحابة رضي الله عنهم: «هذا لك فما لنا» فلو كان ما تأخر مغفرة ذنوبهم لكان قال: هذا لكم.
وأيضا فقد قال الله له: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فكيف تضاف ذنوب الفساق إليه ويجعل الزنا والسرقة وشرب الخمر ذنبا له؟ : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [18/35] وأي فرق بين ذنب آدم ونوح وإبراهيم وكلهم آباؤه؟ وقد قال في غير موضع: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى
(1/205)

الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [54/24] فكيف يكون ذنب أمته ذنبا له؟ هذا لا يخفى فساده على من له أدنى تدبر وإن كان قاله طائفة من المصنفين في العصمة، حتى ترى ذلك في كلام بعض من له قدم صدق من أهل السنة، لكن الغلو أوجب اتباع الجهال الضلال؛ فإن أصل ذلك من المبتدعين الضالين، وأولهم «الرافضة» فإنهم لما ادعوا العصمة في علي وغيره حتى من الخطأ احتاجوا أن يثبتوا ذلك للأنبياء بطريق الأولى. ولما نزهوا عليا رضي الله عنه ومن دونه أن يكون له ذنب يستغفر منه كان تنزيههم للرسول أولى.
وكذلك «القرامطة» لما ادعوا عصمة أئمتهم الإسماعيلية القرامطة الباطنية الفلاسفة الدهرية وعبدوهم وادعوا فيهم الإلهية كما كانت الغالية تعتقد في علي وغيره الإلهية أو النبوة وكما ألزموا الدعوة للمنتظر وأنه معصوم وقالوا: دخل في سرداب سامرا سنة ستين ومائتين وهو طفل غير مميز، وصار مثل هذا يدّعي حتى ادعى ابن التومرت المغربي صاحب «المرشدة» أنه المهدي صار طائفة من الغلاة في مشايخهم يعتقدون لهم العصمة بقلوبهم أو يقولون: إنه محفوظ والمعنى واحد. ولو أقر له بلسانه عامله بالعصمة بقلبه. فهؤلاء إذا اعتقدوا العصمة في بعض العوام كيف لا يعتقدون ذلك في الأنبياء؟ فإن كان من المسلمين من اعتقد أن الأنبياء أفضل من شيخه وإمامه وهو يعتقد عصمة شيخه فهو يعتقد عصمتهم بطريق الأولى.
وإن كان من الزنادقة الذي يعتقدون أن الشيخ أفضل من النبي -كما يقوله المتفلسفة والشيعة وغلاة الصوفية الاتحادية وغيرهم- فلا بد لهؤلاء أن يقروا الغلو في الأنبياء وحتى يوافقهم الناس على الغلو في أئمتهم.
وهذا كله من شعب النصرانية الذين قال الله فيهم: {قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [77/5] إلى قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ
(1/206)

عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ} إلى قوله: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} إلى قوله: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [171، 172/4] وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، بل قولوا عبد الله فإنما أنا عبد الله» و «إنما أضل من كان قبلكم الغلو في الدين» وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لتركبن سنن من كان قبلكم» ومن قبلنا قصدوا تعظيم الأنبياء والصالحين فوقعوا في تكذيبهم؛ فإن المسيح قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} [30/19] فكذبوه، وقالوا: ما هو عبد الله، بل هو الله، وأشركوا به.
وكذلك الغالية في علي وغيره فإنه حرق الغالية فيه، ونقل عنه من نحو ثمانين وجها: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر» . ويذكر ذلك عن ابن الحنفية كما رواه البخاري، والشيعة تكذبه فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى.
وكذلك اتباع المشايخ يغلون فيهم، ويتركون الطريقة التي يحبها الله ورسوله.
وهذا باب دخل منه الشيطان على خلق كثير فأضلهم حتى جعل أحدهم قول الحق تنقيصا له، كما إذا قيل للنصارى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [75/5] قالوا: هذا تنقص بالمسيح وسوء أدب معه.
وهكذا المنتسبون إلى هذه الأمة تجد أحدهم يغلو في قدوته حتى يكره أن يوصف بما هو فيه، ومع هذا فهو يكذبه ويقول عليه العظائم. وهذا باب يطول والمقصود التنبيه.
إذا عرف ذلك فقد اتفق سلف الأمة وجميع الطوائف الذين لهم قول معتبر أن من سوى الأنبياء ليس بمعصوم لا من الخطأ ولا من
(1/207)

الذنوب سواء كان صديقا أولم يكن ولا فرق بين أن يقول: هو معصوم أو محفوظ أو ممنوع. وقد قال الأئمة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولهذا اتفق الأئمة على أنه - صلى الله عليه وسلم - معصوم فيما يبلغه عن دربه، وقد اتفقوا على أنه لا يقر على الخطأ في ذلك، وكذلك لا يقر على الذنوب لا صغائرها ولا كبائرها.
ولكن تنازعوا: هل يقع من الأنبياء بعض الصغائر مع التوبة منها، أو لا يقع بحال؟
فقال بعض متكلمي الحديث وكثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلة: لا تقع منهم الصغيرة بحال، وزاد الشيعة حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا غير خطأ.
وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من الأشعرية وغيرهم فلم يمنعوا وقوع الصغيرة إذا كان مع التوبة كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة؛ فإن الله يحب التوابين.
وإذا ابتلي بعض الأكابر بما يتوب منه فذاك لكمال النهاية لا لنقص البداية، كما قال بعضهم: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.
وأيضا فالحسنات تتنوع بحسب المقامات، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فمن فهم ما تمحوه التوبة وما ترفع صاحبها إليه من الدرجات وما يتفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات زالت عنه الشبه في هذا الباب وأقر الكتاب والسنة على ما فيهما من الهدى والصواب.
(1/208)

فإن «الغلاة» يتوهمون أن الذنب إذا صدر من العبد كان نقصا في حقه لا ينجبر حتى يجعلوا من لم يسجد لصنم أفضل منه. وهذا جهل، فإن المهاجرين والأنصار الذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضل من أولادهم وغير أولادهم ممن ولد على الإسلام، وإن كانوا في أول الأمر كفار يعبدون الأصنام، بل المنتقل من الضلال إلى الهدى يضاعف له الثواب كما قال تعالى: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [70/25] فالله سبحانه أفرح بتوبة عبده من الذي طلب راحلته في الأرض المهلكة ثم وجدها فإذا كانت التوبة بهذه المثابة كيف لا يكون صاحبها معظما؟
وقد وصف الإنسان بالظلم والجهل، وجعل الفرق بين المؤمن والكافر والمنافق أن المؤمن يتوب فيتوب الله عليه إذ لم يكن له بد من الجهل فقال تعالى: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [73/33] و «خير الخطائين التوابون» و «كل بني آدم خطاؤون» .
وقد ذكر الله الذين وعدهم الحسنى فلم ينف عنهم الذنوب فقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} إلى قوله: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} [33-35/39] فذكر المغفرة والتكفير، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [16/46] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .
واعلم أن كثيرا من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب الزنا والسرقة ونحو ذلك فيستعظم أن كريما يفعل ذلك، ولا يعلم هذا المسكين أن أكثر عقلاء بني آدم لا يسرقون؛ بل ولا يزنون حتى في
(1/209)

جاهليتهم وكفرهم؛ فإن أبا بكر وغيره قبل الإسلام ما كانوا يرضون أن يفعلوا مثل هذه الأعمال، ولما بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة النساء على أن لا يسرقن ولا يزنين قالت: «أو تزني الحرة» ؟ فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلا للإماء، وكذلك اللواط، فأكثر الأمم لم تعرفه ولم يكن يعرف في العرب قط.
ولكن الذنوب تتنوع وهي كثيرة الشعب: كالتي هي من باب الضلال في الإيمان والبدع التي هي من جنس العلو في الأرض بالفساد، والفخر والخيلاء والحسد والكبر والرياء هي في الناس الذين هم متفقون على الفواحش.
وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات كالإخلاص، والتوكل على الله، ورجاء رحمته، وخوف عذابه، والصبر على بلائه، والصبر على حكمه، والتسليم لأمره، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول.
وإذا علم ذلك فظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها وهي محتاجة إليه، وبفعل ما يضرها كما أن ظلم الغير كذلك: إما بمنع حقه أو التعدي.
والنفس إنما تحتاج من العبد إلى فعل ما أمر الله به. وإنما يضرها فعل ما نهى الله عنه، فظلمه لا ينفك عن ترك حسنة أو فعل سيئة، وما يضطر العبد إليه حتى أكل الميتة داخل في هذا فأكلها عند الضرورة واجب في المشهور من مذهب الأئمة الأربعة. وكذلك ما يضرها من جنس العبادات مثل الصوم الذي يزيد في مرضها والاغتسال بالماء البارد الذي يقتلها هو من ظلمها فإن الله أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم وجاء القرآن بالأمر بالصلاح والنهي عن الفساد والصلاح كله طاعة، والفساد كله معصية وقد لا يعلم بعض الناس ذلك على
(1/210)

حقيقته فالمؤمن من يعلم أن الله يأمر بكل مصلحة وينهى عن كل مفسدة.
ومما يجب أن يعرف: أن العبد قد يجب عليه بأسباب أمور لا تجب عليه بدون هذه الأسباب؛ فإن قام بها كان محسنا إلى نفسه، وإلا كان ظالما لنفسه، وإن لم يكن تركها ظلما في حق من لم تجتمع عنده هذه الأسباب: كمن ولي ولاية ففي المسند: «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إماما جائر» وكذلك من لغيره عليه حقوق: كالزوجة والأولاد والجيران، فقد ذكر الله الحقوق العشرة في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [36/4] .
فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب القلوب وبما عليها من الحقوق لله ولعباده، وبما حد لهم من الحدود علم أنه لا يخلو أحد من ترك بعض الحقوق وتعدى بعض الحدود ولهذا أمر الله عباده أن يسألوه أن يهديهم الصراط المستقيم في اليوم والليلة في المكتوبة وحدها سبع عشرة مرة، وهو صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن يطع الله ورسوله فهو مع هؤلاء.
«فالصراط المستقيم» هو طاعة الله ورسوله وهو دين الإسلام التام وهو اتباع القرآن وهو لزوم السنة والجماعة، وهو طريق العبودية وهو طريق الخوف والرجاء.
ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» لعلمه أنه لا يفعل خيرا ولا يجتنب شرا إلا بإعانة الله له وأنه لا بد أن يفعل ما يوجب الاستغفار.
(1/211)

وفي الصحيح: «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»
فقوله: «أبوء لك بنعمتك علي» يتناول نعمته عليه في إعانته على الطاعات. وقوله: «أبوء بذنبي» يبين إقراره بالذنوب التي يحتاج إلى الاستغفار منها، والله غفور رحيم شكور يغفر الكبير ويشكر اليسير.
وجاء عن غير واحد: إني أصبح بين نعمة وذنب أريد أن أحدث للنعمة شكرا، وللذنب استغفارًا، وكان المشايخ يقرنون بين هذه الثلاثة: الشكر لما مضى من إحسان ربه، والاستغفار لما تقدم من إساءة العبد إلى نفسه، والاستعانة لما يستقبله العبد من أموره فلا بد لكل عبد من الثلاثة.
فقوله: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» يتناول ذلك فمن قصر في واحد منها فقد ظلم نفسه بحسب تقصيره والعبد إذا عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [66/4] وقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} .
وإذا ترك العبد العمل بعلمه عاقبه الله بأن يضله عن الهدى وأن لا يعرفه الصراط المستقيم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [5/61] وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [110/6] .
وقال: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [10/2] وفي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإذا زاد زيد فيها حتى تغلو كل قلبه فذلك الران
(1/212)

الذي قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} » [14/83] رواه الترمذي وصححه.
فهذه الأمور يبين الله بها أجناس ظلم العبد نفسه، لكن لكل إنسان بحسبه وبحسب درجته فلنفسه عليه أن يعفها وحدود عليها أن يحفظها ومحارم عليه أن يجتنبها.
فإن أجناس الأعمال ثلاثة: مأمور به. فالواجب هو الفرائض ومنهي عنه وهو المحرم، ومباح له حد فتعديه تعد لحدود الله بل قد تكون الزيادة على بعض الواجبات والمستحبات تعديا لحدود الله. وذلك هو الإسراف كما قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [147/3] .
إذا عرف ذلك فقول القائل: ما مفهوم قول الصديق رضي الله عنه: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» والدعاء بين يدي الله لا يحتمل المجاز، والصديق رضي الله عنه من أئمة التابعين، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره بذلك: هل كان له نازلة شبهة؟ إن قال: كان الصديق رضي الله عنه أجل قدرا من أن يكون له ذنوب تكون ظلما كثيرا فإن ذلك ينافي الصديقية. وهذه الشبهة تزول بوجهين:
أحدهما: أن الصديق رضي الله عنه بل والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كملت مرتبته وانتهت درجته وتم علو منزلته في نهايته لا في بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر الله به من الأعمال الصالحة وأفضلها التوبة وما وجد قبل التوبة فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرا يستغني عن التوبة كما في الحديث: «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة» ، «وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة» ، وكذلك قوله: «اللهم اغفر لي خطئي وجهلي وعمدي وكل ذلك عندي» فيه من الاعتراف أعظم ما في دعاء الصديق رضي الله عنه والصديقون رضي الله عنهم تجوز عليهم جميع الذنوب باتفاق الأئمة.
(1/213)

فصل
فما يلفى لأهل المكاشفات والمخاطبات من المؤمنين هو من جنس ما يكون لأهل القياس والرأي فلا بد من عرضه على الكتاب والسنة والإجماع فليس أحد من هؤلاء المشايخ ولا الصديقين معصوما، فكل من ادعى غناءه عن الرسالة بمكاشفة أو مخاطبة أو عصمة سواء ادعى ذلك لنفسه أو لشيخه فهو من أضل الناس.
ومن استدل على ذلك بقصة الخضر فهو من أجهل الناس، فإن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه، بل قال لموسى: «إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه» ولما سلم عليه قال: «وأَنَّى بأرضك السلام» ؟ قال: أنا موسى. قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم» فالخضر عليه السلام لم يعرف موسى عليه السلام حتى عرفه موسى نفسه.
وأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو الرسول إلى جميع الخلق. فمن لم يتبعه من جميع من بلغته دعوته كان كافرا ضالا ومن قال له مثل ما قال للخضر فهو كافر.
وأيضا ما فعله الخضر فلم يكن خارجا عن شريعة موسى؛ إذ لما بين له الأسباب أقره على ذلك، فكان قد علم الخضر الأسباب التي أباحت له ذلك الفعل ولم يكن يعلمها موسى كما يدخل الرجل على غيره فيأكل طعامه ويأخذ ماله لعلمه بأنه مأذون له.
وأيضا فإن الخضر إن كان نبيا فليس لغيره أن يتشبه به، وإن لم يكن نبيا وهو قول الجمهور فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما أفضل منه، فإن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما خيارها، وكان حالهما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما علم من الطاعة لأمره،
(1/214)

ونحن مأمورون أن نقتدي بهما؛ بل من اعتقد أنه يجوز له أن يخرج عن طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه في شيء من أموره الباطنة والظاهرة فإنه يجب استتابته فإن تاب وإلا قتل كائنا من كان.
وأما ما ذكره الحكيم الترمذي في أصناف الرحمة. فلا ريب أن الرحمة أصناف متنوعة كما ذكره.
وليس في الحديث: «رحمة من عندك» وإنما فيه: «فاغفر لي مغفرة من عندك» ولكن مقصوده أن يشبه هذه بقوله: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [8/3] وقد جعل هذه المغفرة من عنده سبحانه مغفرة مخصوصة ليست مما يبذل للعامة، كما أن الرحمة المخصوصة ليست مما يبذل للعامة.
وهذا الكلام في بعضه نظر. وهو كغيره من المصنفين في كلامه مردود ومقبول. فليس في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مغفرة من عندك» (1) ، ولكن في قول الراسخين في العلم: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [8/3] ونحو ذلك لا يقتضي اختصاص هذا الشخص دون غيره وإلا لما ساغ لغيره أن يدعو بهذا الدعاء وهو خلاف الإجماع أو تفسير اللفظ بما لا يدل عليه.
وقد قال زكريا: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} ولم تكن الذرية مختصة به ولا بالأنبياء؛ بل الله يخرج الأنبياء من الكفار إذا شاء ولكن بمشيئته والله أعلم أنه إذا قال: (من عندك) أو (من لدنك) كان مطلوبا بغير فعل العبد.
فإن ما يعطيه الله العبد على وجهين: منه ما يكون بسبب فعله كالرزق الذي يرزقه الله بكسبه والسيئات التي يغفرها الله بالحسنات
__________
(1) كذا بالأصول وصوابه رحمة من عندك.
(1/215)

الماحية، والولد الذي يعطيه الله بالنكاح المعتاد، والعلم الذي يناله بالتعلم.
ومنه ما يعطيه للعبد ولا يحوجه إلى السبب الذي ينال به في غالب الأمور كما أعطى زكريا الولد مع أن امرأته كانت عاقرا وقد بلغ هو من الكبر عتيا، فهذا وهبه له الله من لدنه ليس بالأسباب المعتادة وكذلك الذي علمه الخضر من لدنه لم يكن بالتعلم المعهود، وكذلك الرحمة الموهوبة ولهذا قال: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .
وقوله: «مغفرة من عندك» لم يقل فيه «من لدنك» بل من عندك.
ومن الناس من يفرق بين «لدنك» و «عندك» كما يفرق بين التقديم والتأخير فإن لم يكن بينهما فرق فقد يكون المراد اغفر لي مغفرة من عندك لا أطلبها بأسباب؛ لا أنها من عزائم المغفرة التي يغفر لصاحبها كالحج والجهاد ونحوه؛ بل اغفر لي مغفرة توجبها لي وتجود بها علي بلا عمل يقتضي تلك المغفرة.
ومن المعلوم أن الله قد يغفر الذنوب بالتوبة، وقد يغفرها بالحسنات أو بالمصائب وقد يغفرها بمجرد استغفار العبد وسؤاله أن يغفر له فهذه مغفرة من عنده.
فيقال: الأشياء وجهان: منها ما جعل بسبب من العبد يوفيه عمله. ومنه ما يفعله بدون ذلك السبب فلا حاجة لسؤاله إحسانا إليه. واستعمال لفظ: «من عندك» في هذا المعنى مناسب دون تخصيص لبعض الناس دون بعض فإن قوله: «من عندك» دلالته على الأول أبين؛ ولهذا يقول الرجل لمن يطلب منه: أعطني من عندك لما يطلبه منه بغير سبب؛ بخلاف ما يطلبه من الحقوق التي عليه كالدين والنفقة الواجبة فلا يقال فيه: «من عندك» والله تعالى أعلم.
(1/216)

وإن كان الخلق لا يوجبون عليه شيئا فهو قد كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه وأوجب بوعده ما يجب لمن وعده إياه؛ فهذا قد يصير واجبا بحكم إيجاب وعده؛ بخلاف ما لم يكن كذلك.
استعمال «من عندك» يراد به أن تكون مغفرة تجود بها أنت لا تحوجني فيها إلى خلقك ولا أحتاج إلى أحد يشفع في أو يستغفر لي.
فاستعمال لفظ: «من عندك» في مثل هذا معروف كما في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه لما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» فقال: من عندك أم من عند الله تعالى؟ قال: «بل من عند الله» وأخبر أنه تاب عليه من عنده.
وكلا الوجهين في قول مريم عن رزقها: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فلما كان الرزق لا يأتي به بشر ولم تسع هي السعي المعتاد قالت: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
فهذه المعاني وما يشبهها هي التي يشهد لها استعمال هذا اللفظ.
وإن قال قائل: وكذلك كلام الحكيم الترمذي أراد به مثل هذا. كان محتملا، وقد قال عمر رضي الله عنه: «احمل كلام أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه» . والله أعلم.
والتوبة والاستغفار قد يكونان من ترك الأفضل والذم والوعيد لا يكونا إلا على ذنب (1) .
وقول الشخص: «اللهم صل على محمد في الأولين» ليس هو مأثورا. والمراد بالأولين من قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - وبالآخرين أمته، قاله الجمهور.
وقيل: الأولين والآخرين أمته. والأول أصح.
__________
(1) مختصر الفتاوى ص103-116 ف2/63.
(1/217)

وقيل ذلك في قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ} [13، 14/56] . ولفظ: «الأول» إضافي فلا شخص إلا وقبله أول، وبعده آخر.
وقوله: «اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين» إن أراد بهم من قبل محمد أو من قبل المصلي فمحتمل، لكن المراد به: صل عليه في الأولين، وإن كانوا ماتوا فالمراد أزواجهم؛ فإنهن موجودات. أو صل عليه في الموجودين فهذا محمل حسن، وفي الآخرين أي فيمن يوجد من المتأخرين.
وقد يكون المراد صل عليه فيمن يصلى عليهم من الأولين والآخرين والملأ الأعلى: أي صل عليه في كل طائفة صليت عليها فهو معنى صحيح (1) .
وسألت شيخ الإسلام عن معنى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: «والماء البارد» والحار أبلغ في الإنقاء.
فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث، ويطفي النار؛ فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا هذا معنى كلامه (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص178 وللفهارس العامة جـ1/391.
(2) إغاثة اللهفان جـ1/57 وللفهارس العامة جـ1/391.
(1/218)

«إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» الحديث. قال ابن القيم رحمه الله:
قال شيخ الإسلام: لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد، ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها. ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: اللهم أعنا، وأعذنا، واغفر لنا. قال ذلك في حديث ابن مسعود (1) .
«إنما الأعمال بالنيات»
قال الشيخ تقي الدين: «قاعدة عامة في الأعمال» ، وذلك أنها قد تشتبه دائما في الظاهر مع افتراقها في الحقيقة والباطن، حتى تكون صورة الخير والشر واحدة؛ وإنما المفرق بينهما الباطن، فيفضي ذلك إلى فعل ما هو شر باعتبار الباطن مع ظن الفاعل أو غيره أنه خير، وإلى ترك ما هو خير مع ظن التارك أو غيره أنه ترك شرا، إلا من عصمه الله تعالى بالهداية وحسن النية. وأكثر ما يبتلى الناس بذلك عند الشهوات والشبهات.
وهذا الأصل هو مذهب أهل السنة وجماهير المسلمين أن الفعل الواحد بالنوع ينقسم إلى طاعة ومعصية، وإن اختلفوا في الواحد بالشخص هل تجتمع فيه الجهتان؟ وخالف أبو هاشم في الواحد بالنوع أيضا واتفق الناس على أن النوع الواحد من الحيوان كالآدمي ينقسم إلى مطيع وعاص. واختلفوا في الشخص الواحد هل يجتمع فيه استحقاق
__________
(1) تهذيب السنن جـ3/54 وللفهارس العامة والتقريب ص397.
(1/219)

الثواب والعقاب والمدح والذم، فذهب أهل السنة المانعون من تخليد أهل الكبائر لجواز ذلك، وأباه المخلدة.
وأنا أذكر لك أمثالا يتفطن لها اللبيب حتى تتحقق النية في العمل، فإنها هي الفارقة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» فإن هذه كلمة جامعة عظيمة القدر؛ فمن الأمثلة الظاهرة في الأعمال: أن الصلاة والصدقة والجهاد والحكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك الصادر من المرائي الذي يريد العلو في الأرض ورياء الناس، ومن المخلص الذي يريد وجه الله والدار الآخرة.
ومن الأمثلة في الترك: أن التقوى والورع الذي هو ترك المحرمات والشبهات من الكذب والظلم وفروع ذلك في الدماء والأموال والأعراض تشتبه بالجبن والبخل والكبر فقد يترك الرجل شهادة الحق الواجب إظهارها ما يظن أنه يتركه خوفا من الكذب، وإنما تركه جنبا عن الحق؛ ويترك الجهاد وإقامة الحدود ظنا أنه تركه ورعا من الظلم إذا كان المحسن إليه يخاف منه الظلم، وإنما تركه بخلا إذا لم يكن في نفس ذلك إعانة على الظلم. وقد يترك قضاء الحقوق الشرعية من الابتداء بالسلام وعيادة المريض وشهود الجنائز والتواضع في الأخلاق وتحمل الشهادة وأدائها وغير ذلك ظنا منه أنه تركه لئلا يفضي إلى مخالطة الظلمة والخونة والكذبة وإنما تركه كبرا وترأسا عليهم، كما أنه يفعل ذلك ظنا أنه فعله لأجل الحقوق الشرعية ومكارم الأخلاق وإنما فعله رغبة إليهم حرصا أو طمعا أو رهبة منهم، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ثم قسم الهجرة الواحدة بالنوع إلى قسمين- من أجل حديث على وجه الأرض (1) .
__________
(1) الآداب جـ1/299 وللفهارس العامة جـ1/403 وكلامه على هذا الحديث أشمل من كل ما هو موجود في مجموع الفتاوى.
(1/220)

«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .
وسئل شيخنا عن هذا الخبر مرفوعا؟ قال: لا يصح؛ وإنما يذكره بعض من صنف في الرقاق، وذكره البغوي مرفوعا في قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ولابن ماجه من رواية إبراهيم بن [أبي] يحيى وهو ضعيف عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعًا: «من مات مريضا مات شهيدا» (1) .
«صارع ركانة على شاة فصرعه» .
قال شيخنا: إسناده جيد (2) .

فصل

في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي قال في آخره عن الله تعالى: «قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء» هذا الحديث لم يجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - عاما في كل ذنب من كل من أذنب وتاب وعاد؛ وإنما ذكره حكاية حال عن عبد كان منه ذلك؛ فأفاد أن العبد قد يعمل من الحسنات العظيمة ما يوجب غفران ما تأخر من ذنوبه، وإن غفر له بأسباب أخر.
وهذا مثل حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه الذي قال فيه لعمر: «وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وما جاء أن غلام حاطب شكاه فقال: والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال: «كذبت، إنه شهد بدرا والحديبية» .
ففي هذه الأحاديث بيان أن المؤمن قد يعمل من الحسنات ما يغفر
__________
(1) الفروع جـ4/461 وللفهارس العامة جـ1/422.
(2) مختصر الفتاوى المصرية ص 208-262 وللفهارس العامة جـ1/428.
(1/221)

له بها ما تأخر من ذنبه، وإن غفر بأسباب غيرها. ويدل على أنه يموت مؤمنا، ويكون من أهل الجنة وإذا وقع منه ذنب يتوب الله عليه كما تاب على بعض البدريين كقدامة بن عبد الله رضي الله عنه لما شرب الخمر متأولا واستتابه عمر رضي الله عنه وأصحابه رضي الله عنهم وجلدوه، وطهر بالحد والتوبة، وإن كان ممن قيل لهم: «اعملوا ما شئتم» .
ومغفرة الله لعبده لا تنافي أن تكون المغفرة بأسبابها، ولا تمنع أن تصدر منه توبة إذ مغفرة الله لعبده مقتضاها ألا يعذبه بعد الموت، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإذا علم من العبد أنه سيتوب أو يعمل حسنات ماحية غفر له في نفس الأمر، إذ لا فرق بين من يحكم له بالمغفرة أو بدخوله الجنة.
ومعلوم أن بشارته - صلى الله عليه وسلم - بالجنة إنما هي لعلمه بما يموت عليه المبشر ولا يمنع أن يعمل سببها.
وعلم الله بالأشياء وآثارها لا ينافي ما علقها عليه من الأسباب، كما أخبر أن: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار» ، ومع ذلك قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ولأن من أخبره أنه ينتصر على عدوه لا يمنع أن يأخذ أسبابه ولا من أخبره أنه يكون له ولد لا يمنع أن يتزوج أو يتسرى. وكذا من أخبره بالمغفرة أو الجنة لا يمنع أن يأخذ بسبب ذلك مريدا للآخرة وساعيا لها سعيها.
ومن ذلك الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قد فعلت» ومع ذلك فمن المشروع لنا أن ندعوه.
ومنه قوله تعالى لنبيه سنة ست من الهجرة: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [2/48] ومع هذا فما زال - صلى الله عليه وسلم - يستغفر ربه بقية عمره؛ وأنزل عليه في آخر عمره سورة النصر: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
(1/222)

وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [3/110] وكان يتأول ذلك في ركوعه وسجوده: أي يمتثل ما أمره به ربه.
فإذا كان سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - يستغفر ربه كيف لا يستغفر غيره ويتوب؟ وإن قيل له ذلك أبى وأخذته العزة.
ولهذا ما زال سبحانه يخاطب أهل بدر وبيعة الرضوان بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويذكر أنه يتوب عليهم كما قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [117/9] وقد نزلت بعد عام الحديبية بثلاث سنين.
وقد كان من شأن «مسطح» الذي كان يصله أبو بكر لرحمه ما كان وهو من أهل بدر رضي الله عنهم وعده الله في قوله: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} [11/24] ، قوله: {وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [15/24] ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [23/24] ، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلدهم. فقد وقع هذا البدري رضي الله عنه المغفور له في هذا الإفك العظيم؛ لكن تاب منه بلا ريب. فتبين أن قوله: «قد غفرت لكم» ، لا يمنع أن يعملوا بعد ذلك ذنوبا ويتوبون منها؛ بل لا بد أن يكون لئلا يتكلوا على الأخبار فقط بل لا بد من فعل السبب من التوبة والحسنات الماحية المتقدمة، أو غير ذلك من الأسباب كالمصائب في الدنيا أو في البرزخ أو عرصات القيامة أو يرحمهم.
وهذه الأسباب يشترك فيها من علم أنه قد غفر له ومن لم يعلم لكن قد علم أن الله يغفر للتائب ويدخله الجنة.
(1/223)

وأما الجاهل بحاله فلا يدري حاله عند الله فعلمه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به وإيمانه العظيم الذي في قلبه بذلك أفاده أنه صار عند الله ممن يغفر له لا محالة، فلا بد له من الأسباب فإنه لابد أن يدوم على الإيمان، ودوامه على الإيمان من أعظم الحسنات الماحية وأن يصلي ويتوب ويستغفر، ونحو ذلك من موجبات المغفرة.
ومن كرر التوبة مرات واسترسل في الذنوب وتعلق بهذا الحديث كان مخدوعا مغرورا من وجهين:
أحدها: ظنه أن الحديث عام في حق كل تائب وإنما هو حكاية حال فيدل على أن من عباد الله من هو كذلك.
والثاني: أن هذا لا يقتضي أن يغفر له بدون أسباب المغفرة كما قدمنا.
ومن كرر التوبة المذكورة والعود للذنب لا يجزم له أنه قد دخل في معنى هذا الحديث، وأنه قد يعمل بعد ذلك ما شاء لا يرجى له أن يكون من أهل الوعد، ولا يجزم لمعين بهذا الحكم، كما لا يجزم في حق معين بالوعيد كسائر نصوص الوعد والوعيد فإن هذا كقوله: من فعل كذا دخل الجنة ومن فعل كذا دخل النار، لا يجزم لمعين لكن يرجى للمحسن، ويخاف المسيء.
ومن هذا الباب حديث البطاقة التي قدر الكف فيها التوحيد وضعت في الميزان فرجحت على تلك السجلات من السيئات.
وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات.
ومن أجل ذلك صار المد من الصحابة رضي الله عنهم أفضل من مثل جبل أحد ذهبا من غيرهم.
(1/224)

ومن ذلك حديث البغيّ التي سقت كلبا فغفر لها؛ فلا يقال في كل بغي سقت كلبا غفر لها؛ لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته.
وهذا يفتح باب العمل، ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [60/23] .
ولهذا استثنى ابن مسعود وغيره في الإيمان فكان يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله فإن الإيمان المطلق الكامل يقتضي أداء الواجب، وأحدهم لا يعلم بيقين أنه أدى كل الواجب كما أمر. ولئن أدوا فهو فضل من الله ورحمة، فلهذا استثنوا فيه. واستثنوا في الصلاة وغيرها؛ لأنه لا يجزم بأنه أتى بها على وجهها، فيأتي بما أتى به من الخير وقلبه وجل.
وإن كان للاستثناء وجه آخر وهو خوف الخاتمة، وأن المؤمن المطلق هو أنه من علم الله أنه يموت على الإيمان الكامل.
ووجه ثالث وهو التبرك بمشيئة الله.
ومثل هذا الحديث يفيد فائدتين عظيمتين.
إحداهما: أن يعمل الإنسان مثل هذا العمل مجتهدا في تقوى الله تعالى حين يثيبه بمثل هذا الجزاء.
الثانية: أنه إذا رأى غيره من المؤمنين له من الذنوب ما يمكن أن يكون له معها مثل هذه الحسنة التي يكون صاحبها مغفورا له لم يشهد له بالنار ولم يعامله بما يعامل به أهل الكبائر؛ بل يرجو أن يرحمه الله؛ بل قد
(1/225)

يكون من أولياء الله فإن من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فلا يحكم على أحد معين من أهل القبلة أنه من أهل النار ولو قتل نفسه، إلا أن يكون له علم يقين كالذي شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل النار لقتله نفسه بالمشقص، وعبد الله بن أبي بن سلول، وإبليس والله أعلم (1) .
«من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص» .
قال ابن القيم رحمه الله بعد كلام سبق: وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حريمه أو عورة فلهم حذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم، وساق الأحاديث ثم قال:
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: هذا ليس من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي (2) .
«لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» (3) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط، وأما الجنة فينشئ الله خلقا آخر» فانقلب على بعض الرواة فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين» (4) .
تم بعون الله تعالى
المجلد الأول ويليه المجلد الثاني أصول الفقه
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص258-262.
(2) زاد المعاد جـ4/112 وللفهارس العامة جـ1/438.
(3) تقدم في أصول التفسير.
(4) زاد المعاد جـ1/120 وللفهارس العامة جـ1/460.
(1/226)