Advertisement

المستدرك على مجموع الفتاوى 002

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
قدَّسَ الله رُوحَه

المجلد الثاني
أصول الفقه

جمعه ورتبه
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
(2/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

أصول الفقه

[شيخنا] : فصل
معرفة «أصول الفقه» فرض كفاية. وقيل: فرض عين على من أراد الاجتهاد والحكم والفتوى. وتقديم معرفته أولى عند ابن عقيل وغيره لبناء الفروع عليها. وعند القاضي تقديم الفروع أولى؛ لأنها الثمرة المرادة من الأصول. فالفقيه حقيقة من له أهلية تامة يعرف بها الحكم إذا شاء بدليله مع معرفة جملة كثيرة من الأحكام الفرعية وحضورها عنده بأدلتها الخاصة والعامة (1) .
[شيخنا] : فصل
في أقسام أصول الفقه وأدلة الشرع على طريقة القاضي وهي ثلاثة أضرب: أصل، ومفهوم أصل، واستصحاب.
وقيل: ضربان: أقوال، وهي النص والإجماع والاستخراج.
والأول أصح؛ لأنه أعم. ولم يذكر قول الصاحب لأنه مختلف فيه.
__________
(1) المسودة ص 571 ف 2/3.
(2/5)

فأما الأصل: فالكتاب، والسنة، والإجماع. والكتاب مجمل ومفصل.
والسنة ضربان: مأخوذة عنه، ومخبر بها، والمخبر به متكلم في سنده، والسند له إما متواتر وإما آحاد. والمبين ضربان: قول، أو فعل (1) .
وأما مفهوم الأصل فثلاثة أضرب: مفهوم الخطاب، ودليله، ومعناه. والاستصحاب نوعان.
ومن أصول الأحكام الهاتف الذي يعلم أنه حق مثل الذي سمعوه يأمرهم بغسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قميصه؛ لكن هذا في التعيين والأفضل وكذلك استخارة الله، كقول العباس رضي الله عنه في اللاحد والضارح: اللهم خر لنبيك، وهو بمنزلة القرعة، وفعلهم بمنزلة فعله تكريما له. وفعل الله تعالى كرمي قوم لوط بالحجارة (2) .
وكان شيخ الإسلام يقول: من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - (3) .

الأحكام الخمسة

وقد ذكر الشيخ تقي الدين: أن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا. قال: وذكر القاضي: أنه هل يطلق الحرام على ما ثبت بدليل ظني روايتين (4) .
المباح: قال شيخنا: قال القاضي: هو كل فعل مأذون فيه بلا
__________
(1) في أ «والمبين على طريقين قول وفعل وإقرار على قول أو فعل» .
(2) المسودة ص 572 ف 2/3.
(3) مفتاح دار السعادة ص 90 ف 2/3.
(4) الآداب الشرعية جـ1/125 ف 2/4.
(2/6)

ثواب ولا عقاب. وفيه احتراز من فعل الصبيان والمجانين والبهائم (1) .
[شيخنا] : فصل
الجائز: ما وافق الشريعة، وقد يريد به الفقهاء ما ليس بلازم (2) .
[الأعيان المنتفع بها قبل الشرع هل هي على الحظر أو الإباحة]
مسألة: الأعيان المنتفع بها قبل الشرع (3) على الحظر في قول ابن حامد والقاضي والحلواني، وبه قال ابن أبي هريرة؛ حكاه عنه القاضي أبو يعلى وأبو الطيب. وذكر أصحاب الحظر من أصحابنا وغيرهم -منهم الحلواني- أن ما تدعو إليه الحاجة من التنفس والتنقل وأكل ما يضطر إليه من الأطعمة جائز؛ وإنما المنع مما لا تدعو إليه الحاجة [فإن العقل لا يمنع هذا كما أن الشرع لا يمنعه، وأعاد ذلك مرة ثانية وقال: لا يقبح تناول هذه الأشياء عند الحاجة وخوف الضرر، والمعتزلة البغداديون والإمامية] . وقالت الحنفية فيما ذكره أبو سفيان وأهل الظاهر وابن سريج وأبو حامد المروذي الشافعيان والمعتزلة البصريون وأبو هاشم الجبائي ووالده: هي على الإباحة، وحكى ابن برهان أن هذا قول ابن أبي هريرة، من أصحابهم، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل فقال: لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئًا، فحكم بالإباحة حيث لم يرد سمع بحظره. قال القاضي: هو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي لأنه نص على جواز الانتفاع قبل الإذن (4) من الله وهذا اختيار القاضي في مقدمة المجرد، وهذا اختيار أبي الخطاب، وقال أبو الحسن (5) الخزري من أصحابنا والأشعرية: هي على الوقف، قال أبو الخطاب: وأراه أقوى على أصل من يقول: إن العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة وهو قول أكثر أصحابنا، وهو قول الصيرفي وأبي علي
__________
(1) المسودة ص 577 ف 2/4.
(2) المسودة ص 577 ف2/4.
(3) في أ: «قبل المسمع» وهو محرف عن «قبل السمع» .
(4) في ب: «قبل الأمر» .
(5) في أ: «وهذا اختيار أبي الخطاب الخزري» .
(2/7)

الطبري الشافعيين، قال أبو الحسن صاحبنا من قال: كانت على الإباحة فقد أخطأ وذكر القاضي أن القائل بالوقف موافق للقائل بالإباحة في التحقيق؛ لأن من قال بالوقف يقول: لا يثاب على الامتناع منه ولا يأثم بفعله، وإنما هو خلاف في عبارة. وقال ابن عقيل: بل القول بالوقف أقرب إلى الحظر منه إلى الإباحة.
قال شيخنا: قلت: كلام أبي الحسن الخزري يوافق قول ابن عقيل لأنه يحتج على الفتوى بالإقدام عليها كما يحتج الحاظر والمبيح. يعني بالتناول (1) .
قال شيخنا: قلت: هذا على قول من فسر الوقف بالشك دون النفي، مع أن كلام ابن عقيل أنه (2) ثابت على التفسيرين.
قال والد شيخنا: وقال ابن عقيل: الأليق بمذهبه أن يقال: لا ندري ما الحكم. وقال ابن عقيل: لا حكم لها قبل السمع، وهذا هو الصحيح الذي لا يجوز على المذهب غيره، وهذا اختيار أبي محمد أيضا؛ لكن أبو محمد يفسره بنفي الحكم مطلقا (3) وبعدم الحرج كاختيار الجد، وكذلك فسر ابن برهان مذهب الوقف فقال: هي على الوقف عندما لا يوصف بحظر ولا إباحة ولا وجوب، بل هي كأفعال البهائم (4) ، وكذلك قال أبو الطيب: تفسير الوقف: أنه لا يقال: إنها مباحة ولا محظورة إلا بورود الشرع، فما ورد بالإذن فيه فهو مباح وما ورد بالمنع منه فهو محظور. وذكر في أثناء كلامه أنه كفعل البهيمة، وأن الواقفة يجزمون بأن لا إثم قبل الشرع، وقال أبو زيد في جماعة من
__________
(1) في نسخة: «يفتي» بدل يعني.
(2) كلمة «أنه» ساقطة من أ.
(3) كلمة «مطلقا» ساقطة من أ.
(4) في أ: «كفعل البهائم» .
(2/8)

متأخري المعتزلة: لا حكم لها قبل السمع وبعدما ورد السمع تبينا أنها كانت مباحة، حكاه ابن برهان. وذكر أبو الطيب في آخر المسألة أكثر مما ذكره القاضي من الإشكال وجوابه، وذكر داود استدلال بعض أصحابه به. والقائلون بالحظر اختلفوا في القدر الذي لا تقوم النفس إلا به كالتنفس في الهواء وشرب الماء وأكل الطعام الذي يسد الرمق: هل هو محظور أو مباح؟ على قولين، والذي ذكره القاضي أن التنفس والانتقال في الجهات إذا كان لحاجة جاز، لأن الإذن قد دخل فيه من جهة العقل. قال: فنظيره أن يضطر إلى أكل طعام غيره فيباح، لأن العقل لا يمنع من هذا كما لا يمنع الشرع من ذلك عند الحاجة، وإن لم تكن به حاجة منعناه، وادعى ذلك مرة ثانية وذكر أيضا في «اللامع» أنه إذا كان السمع هو الحاظ والمبيح فالسمع ورد مفصلا لم يرد حاظر. ثم ورد سمع آخر مبيحا أو ورد مبيحا ثم ورد سمع آخر حاظرًا. وأجاب عن قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [29/2] قال: معناه للاعتبار، لا للإتلاف، وأول قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [5/5] بأن معناه ما هو داع إلى فعل الواجب، ويجوز أن يقال: الطيبات هي الحلال؛ ثم هو معارض بقوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [40/79] .
قال شيخنا: قلت: هذا أحد الاحتمالين في الروضة وأحد قولي أصحابنا وغيرهم بأن ما قبل السمع هل يستصحب إذا قامت الأدلة السمعية على عدم الإباحة إلا ما استثناه الدليل؟ قال القاضي: واحتج الواقف بأن كونه على الحظر أو على الإباحة أنها تعلم على قولكم قبل الشرع بالعقل وما علم حكمه بدليل لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه مثل شكر المنعم وقبح الظلم. قال: والجواب أنه كذلك فيما عرف ببدائه العقل وضرورات العقول كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم؛ فأما ما يعرف بثواني العقول استنباطا واستدلالا فلا يمنع أن يرد الشرع بخلافه،
(2/9)

لأنا قلنا على الحظر وجوزنا أن يكون على الإباحة أو على الوقف، ولكن كان هذا عندنا أظهر فصرنا إليه فإذا ورد الشرع كان أولى مما عرفناه استدلالا مع تجويز غيره. ثم أجاب بأن ورود الشرع إذن في التصرف، وورود الإذن في الثاني لا يمنع حظرا متقدما، وذكر أنه محظور لمعنى لا لعينه [فلا يمتنع ورود الشرع بخلافه] (1) .
[شيخنا] : فصل
اختلف جواب القاضي وغيره من أصحابنا في «مسألة الأعيان» مع قولهم بأن العقل لا يحظر ولا يبيح فقال القاضي: وأبو الخطاب والحلواني: إنما علمنا أن العقل لا يحظر ولا يبيح إلا بالشرع وخلافنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع: إن العقل يحظر ويبيح إلى أن ورد الشرع فمنع ذلك، إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع ذلك. قال الحلواني: وأجاب بعض الناس عن ذلك بأنا علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو الإلهام من قبل الله لعباده بحظر ذلك وهذا غير ممتنع كما ألهم أبو بكر وعمر.
قال شيخنا: كلا الجوابين ضعيف على هذا الأصل. وكذلك ذكر القاضي الجواب الثاني فقال: وقد قيل: إنا قد علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو إلهام من الله لعباده بحظر ذلك وإباحته، كما ألهم أبا بكر أن قال: الذي في بطن أم عبد جارية (2) وكما ألهم عمر أشياء ورد الشرع بموافقتها.
قال القاضي: الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها، فذكر شيخنا رضي الله عنه أنها على الحظر إلى أن يرد الشرع
__________
(1) المسودة ص 474-477 ف 2/5.
(2) في د: «أم عبد الله» .
(2/10)

بإباحتها، قال: وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف ابن موسى: لا يخمس السلب ما سمعنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس السلب. وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السلب؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع فيه فيبقى على أصل الحظر.
قال شيخنا: قلت: لأن السلب قد استحقه القائل بالشرع فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل، وهذا ليس من موارد النزاع.
قال: وكذلك نقل الأثرم وابن بدينا في الحلي يوجد لقطة، فقال: إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير. قال: فاستدام أحمد التحريم ومنع الملك على الأصل، لأنه لم يرد شرع في غير الدراهم.
وأما قول أهل الإباحة فقال: أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل؟ فقال: لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئا. قيل له: فالنبق؟ قال: ليس فيه حديث صحيح وما يعجبني قطعه. قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك؟ قال: لأنه على كل حال قد جاء فيه كراهة والنخل لم يجئ فيه شيء. قال القاضي: فقد استدام أحمد للإباحة في قطع النخل لأنه لم يرد شرع يحظره.
قال شيخنا: قلت: لا شك أنه أفتى بعدم البأس؛ لكن يجوز أن يكون للعمومات الشرعية ويجوز أن يكون سكوت الشرع عفوا، ويجوز أن يكون استصحابا لعدم التحريم، ويجوز أن يكون سكوت الشرع لأن الأصل إباحة عقلية مع أن هذا من الأفعال لا من الأعيان.
[والأفعال قبل مجيء السمع تنقسم] :
قال شيخنا: قال القاضي: ذكر أبو الحسن التميمي في جزء وقع إليّ بخطه فيما أخرجه من أصول الفقه، فقال: «الأفعال قبل مجيء السمع» تنقسم قسمين: منها حسن، ومنها قبيح. فما كان [منها] في العقل قبيحا فهو محظور لا يجوز الإقدام عليه كالكذب والظلم وكفر نعمة المنعم وما جرى مجرى ذلك؛ لأنه يكتسب بفعله الذم واللوم.
(2/11)

وأما الحسن من العقل فينقسم قسمين أيضا منها ما يجب فعله، ومنها ما لا يجب فعله. أما الذي يجب فعله فهو مثل شكر نعمة المنعم والعدل والإنصاف وما جرى مجرى ذلك مما في معناه من الحسن فإنه واجب لا يجوز الانصراف عنه. ومن الحسن ما لا يجب فعله وإن كان حسنا مثل التفضل وبر الناس وقري الضيف وإطعام الطعام ونحوه (1) .
فصل
[لا يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجبا ولا ... وقد يرد ... ]
قال شيخنا: ولا يجوز أن يرد السمع بحظر ما كان في العقل واجبا نحو شكر المنعم والعدل والإنصاف ونحوه. وكذلك لا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا نحو الكذب والظلم وكفر نعمة المنعم ونحوه؛ وإنما يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا على شرط المنفعة نحو إيلام بعض الحيوان -يعني بالذبح- لما فيه من المنفعة كما جاز إدخال الآلام علينا بالفصد والحجامة وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة وإن لم يجز ذلك لغير منفعة، وما أعطيناه من أموالنا بغير استحقاق للفقراء أو غيرهم ممن يطلب بدفعه إليهم الثواب من الله أو الحمد من الناس والثناء الجميل؛ فإن هذا وما أشبهه يجري مجرى الآلام التي تطلب بها المنافع من الفصد والحجامة وشرب الأدوية. وقد يرد الشرع بحظر ما لم يكن له في العقل منزلة في القبح نحو الأكل والشرب والتصرف الذي لا ضرر على فاعله في فعله في ظاهر أمره. فالواجب أن تجري أحكام الأفعال على منازلها في العقل؛ فإما أن تكون قبيحا في العقل فيمتنع منه، أو يكون واجبا في العقل فيلزم أمره ويجب فعله. أو يكون حسنا ليس بواجب فيكون الإنسان مخيرا بين أن يفعله وبين أن لا يفعله من نحو اكتساب المنافع بالتجارات وما في معناها.
فإذا ورد السمع فيما الإنسان فيه مخير كشف السمع عن حاله وبين
__________
(1) المسودة ص 477-480 ف 2/5.
(2/12)

أمره؛ فإما أن يدخله في جملة الحسن الذي يجب فعله أو في جملة القبيح الذي لا يجوز فعله.
قال القاضي: وهذا من كلام أبي الحسن يقتضي أن العقل يوجب ويقبح قال: وقد ذكرنا في الجزء الأول من «المعتمد» خلاف هذا، وحكينا خلاف المعتزلة في هذه المسألة، وبينا قول أحمد في رواية عبدوس: ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، إنما هو الاتباع، واستدل بدليلين.
قال القاضي: وقال أبو الحسن: والحظر والإباحة والحلال والحرام والحسن والقبح والطاعة والمعصية وما يجب وما لا يجب كل ذلك راجع إلى أفعال الفاعلين دون المفعول فيه. فالأعيان والأجسام لا تكون محظورة ولا مباحة ولا تكون طاعة ولا معصية.
قال القاضي: وهذا كما قال أبو الحسن. وقد يطلق ذلك في المفعول توسعا واستعارة فيقال: العصير حلال مباح ما لم يفسد، فإذا فسد وصار خمرا كان حراما ومحظورا. والمذكي حلال ومباح والميتة محظورة، وهي حرام، يريدون أن شرب العصير حلال ومباح ما لم يفسد، وأكل المذكي حلال ومباح، ويطلقون ذلك والمراد به أفعالهم.
قال شيخنا: تقدمت هذه المسألة في العموم (1) والصحيح أنه حقيقة في الأعيان أيضا (2) .

فصل
في حقيقة قول ابن عقيل الذي صوره على المذاهب في «الأعيان قبل السمع» .
__________
(1) المسودة ص 480-482 ف 2/5.
(2) انظر ص 94 من المسودة.
(2/13)

[لا بد من الفرق بين نفي الأدلة ونفي المدلولات وبين الجواز الذهني والجواز العقلي في مسألة الأعيان وغيرها]
قد كتبت قوله: «إن مقتضى أصلنا أنها لا توصف بحظر ولا إباحة؛ لأن ذلك لا يثبت عندنا إلا بالشرع، فإذا لم يكن شرع فلا حظر ولا إباحة» ثم قال: والأليق بمذهبه أن يقال: لا نعلم ما الحكم، فهذا يقيني، وهذا شك. ثم قال: فإذا كان مذهب صاحبنا أن العقل لا يوجب ولا يحظر، وأن عباد الأوثان لا يعاقبون على شيء مما اعتقدوه ولا على شيء من الأفعال، وأن لا عقوبة ولا عذاب قبل السمع فلا وجه للقول بإباحته قبل السمع أو حظره. فهذا أصل لا ينبغي أن يغفل لأنه من أصول الدين، فلا يسقط حكمه بمذهب في أصول الفقه.
قال: وإذا ساغ لشيخنا رضي الله عنه أن يأخذ له أصلا هو حظر أو إباحة من نهيه تارة فيما لم يرد فيه سمع كقطع السدر، وتارة في إباحة كتجويزه قطع النخل فلم لا يأخذ من كلامه الذي لا يحصى: لا أدري ما هذا، ما سمعت فيه شيئا، أنا أجبن أن أقول بكذا. فيؤخذ منه أحد مذهبين: إما الوقف، أو الإمساك عن الفتوى رأسا، وأن يقال فيما لم يرد فيه سمع: لا مذهب له إلا الإمساك. فافهم هذا الأصل؛ فإنه يستمر على قوله في المتشابه من الآيات وظواهر الأخبار، وأنها لا تفسر ولا تؤول، ولا وجه للقطع بالإباحة أو الحظر مع عدم السمع وعدم قضية العقل.
قال شيخنا: قلت: هذا الكلام من ابن عقيل -مع ما تقدم من أن صاحب الوقف أقرب إلى الحظر لأنه يحتج على الفتوى بالإقدام كالحاظر- يقتضي أن المذهب أنه لا يقطع فيها بحظر ولا إباحة لانتقاء دليل ذلك وهو الشرع، ثم هو مع ذلك إما أن يسكت كما يسكت الرجل عن الكلام فيما لم يعلم شكا أو أن يقف فيبقى الحظر والإباحة عند نفسه أو في الخارج؛ ففرق بين أن يقال: ليست عندنا محظورة ولا مباحة، أو ليست في الخارج كذلك. وإذا نفاهما فعنده أنه لا يأذن في الإقدام لأن الإذن إباحة، وهذا تجويز منه ذهنا أن يكون في الباطن فيها
(2/14)

مفسدة راجحة، وهذا يتوجه إذا نفي حكم العقل ولم ينف صفة العقل. فيقال: ما نعلم أنه لا حكم للعقل، بل نُجَوِّز أذهاننا أن للعقل صفة وإن لم تكن للعقل صفة، إذا فرق بين نفي الدليل ونفي المدلول، وبين التجويز الذهني الذي يرجع إلى عدم العلم وبين التجويز الخارجي الذي يرجع إلى وصف الذوات.
فكلام ابن عقيل مستمر إذا فسر نفي العقل بنفي دلالته، لا بنفي صفة العقل وجوز جوازا ذهنيا أن يكون للعقل صفة وإن لم يثبت جوازها في الخارج. فحينئذ يقال: لا حظر ولا إباحة لانتفاء دليله، والنقل لا يثبت ذلك، ولم يعلم أيضا انتفاء أن يكون في الفعل ضرر أو ذم من الله لم نقف عليه بعقولنا، ولم يكشف لنا سمع، فهذا شك في ثبوت صفة الأفعال، لا في علم العقل بها. وقد يقال أيضا: ما علمنا أن العقل يدرك ذلك، فنحن لم نعلم أن للعقل صفة، ولم نعلم عدم ذلك، ولو كان ثم صفة فلم نعلم أن العقل يدركها أو علمنا أنه لا يدركها فيلزم من ذلك انتفاء الحظر والإباحة والتوقف في نفي الحكم مطلقا. ومن لم يحكم الفرق بين نفي الأدلة ونفي المدلولات وبين الجواز العيني والجواز العقلي وإلا اختبط كثيرا في أمثال هذه الأشياء. ولهذا قال ابن عقيل في أثناء هذه المسألة: لا جواب لهذه المسألة على التحقيق إلا قول المسئول: لا أعلم ما كان الحكم قبل الشرع، إذ لا طريق لنا إلى العلم بالحكم. وكلامه كله يدل على أنه غير حاكم بثبوت حكم ولا نفيه ولا دليل عليه أصلا كما لا دليل على المتردد؛ بخلاف النافي فعليه الدليل فهو لا يعلم ثبوت الحكم ولا انتفاؤه.
فصل
[يمكن أن يرد الشرع بما لا يحيله العقل]
قال شيخنا: من قال من أصحابنا: «إن للأفعال والأعيان حكما قبل الشرع» اختلفت أقوالهم فيما يجوز تغييره بالشرع وما لا يجوز، فقال أبو
(2/15)

الخطاب: ما ثبت بالعقل ينقسم قسمين؛ فما كان منه واجبا بعينه كشكر المنعم والإنصاف وقبح الظلم فلا يصح أن يرد الشرع بخلاف ذلك. وما وجب لعلة أو دليل مثل الأعيان التي فيها الخلاف فيصح أن يرتفع الدليل والعلة فيرتفع ذلك الحكم العقلي كفروع الدين المنسوخة. وقال التميمي: لا يجوز أن يرد الشرع في الأعيان بما يخالف حكم العقل إلا بشرط منفعة تزيد في العقل أيضا على ذلك الحكم كذبح الحيوان، والبط، والفصد، فعلى هذا يمنع أصل الدليل. وقال عنه في موضع آخر: لا يجوز أن يرد الشرع بحظر موجبات العقل أو إباحة محظوراته. وقيل: إن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل إذا كان العقل لا يحيله ذكر هذه الثلاثة أبو الخطاب.
وقال الحلواني: ما يعرف ببداءة العقول وضروراتها فلا يجوز أن يرد الشرع بخلاف مقتضاه. فأما ما يعرف بتولد العقل استنباطا واستدلالا فلا يمنع أن يرد الشرع بخلافه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل

[ما لا يدخل تحت الخلاف المذكور]
قال القاضي في «مسألة الأعيان قبل الشرع» : وإنما يتصور هذا الاختلاف في الأحكام الشرعيات من تحريم لحم الحمر وإباحة لحم الأنعام وما يشبه ذلك مما قد كان يجوز حظره وتجوز إباحته، فأما ما لا يجوز له الحظر بحال كمعرفة الله ومعرفة وحدانيته وما لا يجوز عليه الإباحة كالكفر بالله وجحد التوحيد وغيره فلا يقع فيه خلاف؛ بل هو على صفة واحدة لا تتغير ولا تنقلب، وإنما الاختلاف فيما ذكرنا.
وأما ابن عقيل فطرد خلاف الوقف في الجميع، حتى في التثنية
__________
(1) المسودة ص 482-484 ف 2/5.
(2/16)

والتثليث والسجود للصنم وصرف العبادة والشكر إلى غير الواحد القديم الذي قد عرف وحدته وقدمه.
قال -يعني القاضي: ويجب القول باستصحاب الحال العقلي مثل أن يدل الدليل العقلي على أن الأشياء على الحظر أو على الإباحة قبل ورود الشرع بذلك فيستصحب هذا الأصل حتى يدل دليل الشرع على خلافه. وأما استصحاب الشرع مثل أن يثبت الحكم في الشرع بإجماع ثم وقع الخلاف في استدامته كالمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة فالقول فيه محتمل أنه غير مستصحب، ويحتمل أن يستصحب لحكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[لا يقال أن الأشياء كلها على الإباحة]
ذكر قوم أن الكلام فيها عبث، لأن بني آدم لم يخلوا من الشرع، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية عبد الله فيما خرجه في محبسه إذ يقول: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم. فأخبر أن كل زمان لم يخل من رسول أو عالم يقتدى به.
قال أبو الخطاب: وتتصور هذه المسألة في قوم لم تبلغهم الدعوة وعندهم ثمار وفي موضع آخر، وهو أن يقول: إن هذه الأشياء لو قدرنا خلو الشرع عن حكمها ما ينبغي أن يكون حكمها يعتد (1) أن كل من حرم شيئا أو أباحه قال: قد طلبت في الشرع دليلا على ذلك فلم أجد فبقيت على حكم الأصل.
وكذلك قال ابن عقيل: من شروط المفتي أن يعرف ما الأصل الذي ينبني عليه استصحاب الحال: هل هو الحظر أو الإباحة أو الوقف ليكون عند عدم الأدلة متمسكا بالأصل إلى أن تقوم دلالة تخرجه عن أصله.
__________
(1) نسخة: «ويفيد في الفقه» .
(2/17)

وقال القاضي: واعلم أنه لا يجوز إطلاق هذه العبارة لأن من الأشياء ما لا يجوز أن يقال: إنها على الإباحة كالكفر بالله والجحد له والقول بنفي التوحيد، وإنما يتكلم في الأشياء التي يجوز في العقول حظرها وإباحتها كتحريم لحم الخنزير وإباحة لحم الأنعام، وتتصور هذه المسألة في شخص خلقه الله في برية لا يعرف شيئا من الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة: هل تكون تلك الأشياء في حقه على الإباحة أو على الحظر حتى يرد شرع؟
قال شيخنا: قلت: وهذا يقتضي أن المسألة تعم الأعيان والأفعال (1) .
[استصحاب براءة الذمة من الواجبات فيه نظر]
مسألة: استصحاب أصل براءة الذمة من الواجبات حتى يوجد الموجب الشرعي دليل صحيح ذكره أصحابنا القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل، وله مأخذان.
أحدهما: أن عدم الدليل دليل على أن الله ما أوجبه علينا، لأن الإيجاب من غير دليل محال.
والثاني: البقاء على حكم العقل المقتضي لبراءة الذمة أو دليل الشرع لمن قبلنا.
ومن هذا الوجه يلزم بالمناظرة. قال القاضي: استصحاب براءة الذمة من الواجب حتى يدل دليل شرعي عليه هو صحيح بإجماع أهل العلم كما في الوتر.
قال شيخنا: قوله: «استصحاب في نفي الواجب» (2) احتراز من
__________
(1) المسودة ص 484، 485 ف 2/5.
(2) نسخة في نفي الإجماع.
(2/18)

استصحاب في نفي التحريم أو الإباحة، فإن فيه خلافا مبنيا على مسألة الأعيان قبل الشرع. وأما دعوى الإجماع على نفي الواجبات بالاستصحاب ففيه نظر؛ فإن من يقول بالإيجاب العقلي من أصحابنا وغيرهم لا يقف الوجوب على دليل شرعي، اللهم إلا أن يراد به في الأحكام التي لا مجال للعقل فيها بالاتفاق كوجوب الصلاة والأضحية ونحو ذلك.
قال القاضي (1) : هو صحيح إجماع أهل العلم. وقال أبو الخطاب: هو صحيح بإجماع الأمة. قال: وقد ذكره أصحاب أبي حنيفة والقاضي أبو الطيب، وذكره أبو سفيان، وقال: عدم الدليل دليل، ثم قال: وحكى أبو سفيان عن بعض الفقهاء أنه يأبى هذه الطريقة في الاستدلال، وقد ذكر ابن برهان ما يقارب ذلك، وحكاه أبو الخطاب عن قوم من المتكلمين، مع حكاية أبي سفيان عن بعض الفقهاء، وكذلك ذكر أبو الخطاب في أثناء مسألة القياس، قال: لو كانت النصوص وافية بحكم الحوادث لما افتقر أهل الظاهر في كثير من الحوادث إلى استصحاب الحال وأدلة العقل. فإن قيل: فيرجع إلى استصحاب الحال وحكم العقل. قيل: لا نسلم أن ذلك دليل في الشرع. جواب آخر: أن الحوادث في عصر الصحابة لم يرجعوا فيها إلى استصحاب الحال ولا أدلة العقل، وإنما رجعوا إلى القياس على ما بينا فدل على أن ذلك لا يجوز. هذا كلامه.
قال شيخنا: جعل القاضي استصحاب الحال الذي طريقه العقل مثل أن يقال: أجمعنا على براءة الذمة فمن زعم اشتغالها بزكاة
الحلي فعليه الدليل، فقال: نص أحمد على هذا في رواية صالح ويوسف ابن موسى: لا يخمس السلب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخمسه قال: فجعل
__________
(1) المسودة ص 485 ف 2/5.
(2/19)

الأصل دلالة على إسقاط الخمس متى لم يعلم الدليل عليه، وكذلك نقل حنبل فيمن أكل أو شرب: عليه القضاء ولا كفارة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالكفارة (1) .
[الأخذ بأقل ما قيل فيه خلاف]
مسألة: يجوز الأخذ بأقل ما قيل ونفي ما زاد؛ لأنه يرجع حاصله إلى استصحاب دليل العقل على براءة الذمة فيما لم يثبت شغلها به. وأما إن يكون الأخذ بأقل ما قيل أخذا وتمسكا بالإجماع فلا، لأن النزاع في الاقتصار عليه ولا إجماع فيه. قال بعضهم: هذا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه. وقال قوم: بل يؤخذ بأكثر ما قيل، ذكرهما ابن حزم. وقال بعضهم: ليس بدليل صحيح.
قال شيخنا: قلت: إذا اختلفت البينتان في قيمة المتلف فهل يوجب الأقل، أو بقسطهما؟ فيه روايتان، وكذلك لو اختلف شاهدان. فهذا يبين أن في إيجاب الأقل بهذا المسلك اختلافا، وهو متوجه؛ فإن إيجاب الثلث أو الربع ونحو ذلك لا بد أن يكون له مستند، ولا مستند على هذا التقدير، وإنما وقع الاتفاق على وجوبه اتفاقا، فهو شبيه بالإجماع المركب إذا أجمعوا على مسألتين مختلفتي المأخذ، ويعود الأمر إلى جواز انعقاد الإجماع بالبحث والاتفاقات وإن كان كل من المجمعين ليس له مأخذ صحيح وأشار إليه ابن حزم (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا كان العموم أو الإطلاق أو الاستحباب منزلا على نوع دون نوع فهل]
فأما إن ثبت أن العموم أو الإطلاق أو الاستصحاب نزل على نوع دون نوع، فهل يجوز الاستمساك به فيما عدا النوع المتفق على خروجه؟ هذا أقوى من الأول، وهو الاستصحاب أقوى منه في الخطاب،
__________
(1) المسودة ص 489 ف 2/5.
(2) المسودة ص 590 ف 2/5.
(2/20)

وذلك لأن صاحب التحديد بالثلاثة مثلا لا بد له من دليل يختص به على التحديد بها، كما أن صاحب العشرة لا بد له من دليل على التحديد بالعشرة، فتكافئا في ذلك، فلم يجز لأحدهما الاستدلال بالظاهر لعدم دلالة الظاهر وحده على مذهبه. وأما النوع فالدليل المخرج له من العموم يتفاوتان فيه، فمن أراد إخراج نوع آخر فعليه دليل ثان. وحاصله: أن خروج نوع يتفقان في الدلالة عليه كما اتفقا في حكمه، وخروج ما بينهما من المقدار لا يتفقان في دليله كما لا يتفقان في حكمه وإنما هو إجماع مركب، فهو نظير القياس على أصل مركب وأضعف منه، ومثل ذلك في الفروع الاحتجاج بعموم آية السرقة في سارق ما أصله الإباحة وما يسرع فساده، ولولا ذلك لما جاز الاستمساك بعام مخصوص، وإنما يقبح ذلك إذا كثرت الأنواع المخصوصة بحيث يكون النوع المتروك أقل من الأنواع المخرجة، فهذا فيه تفصيل ونظر، وهذا قد يتعارض فيه الإضمار والتخصيص [فقيل: هما سواء. وقيل التخصيص أولى، ويتعارض فيه المجاز والتخصيص] (1) . وهذا البحث قد يقدح في الاستمساك بأقل ما قيل، لأن القائل بوجوب ثلث دية المسلم لا بد من دليل غير الإجماع وغير براءة الذمة، إذ ليس الثلث بأولى من الربع ومن الخمس.
والمناظرة إنما هي مع ذلك القائل الأول لا مع الثاني والثالث. وإجماعهم على وجوب الثلث نوع من الإجماعات المركبة؛ فإن وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول: إنما أوجبت النصف لدليل، فإن كان صحيحا وجب القول به، وإن كان ضعيفا فلست موافقا على وجوب الثلث، كما يقال
مثل ذلك في حلي الصغيرة وعشر الخضروات الخراجية وإجبار بنت خمس عشرة؛ لكن القولان المركبان قد يكون كل واحد منهما أعم من
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من أ.
(2/21)

الآخر، كما في هذه النظائر، وقد يكون أحدهما هو العام كما في نصاب السرقة وكما في التقابض، فإن بعضهم يستعمل مثل هذا وفيه نظر، مثل أن يقال للأم مع الأخوين: اتفقوا على وجوب السدس واختلفوا فيما زاد عليه والأصل عدمه، فإن القائل بالثلث كذلك. فهذا يشبه القول بأقل ما قيل، بل هو هو. ولو قال أيضا: قد اتفقوا على توريث الجد واختلفوا في توريث الإخوة لكان ضعيفا؛ لأن القدر الذي اتفقوا عليه إنما هو ما لم يقل إنه حق الأخ، إلا أن يحتج على ميراث الجد بنص وبنفي ميراث الأخ بالأصل، فهذا نوع آخر. وقد يقال: المقتضى لتوريث الجد الجميع ثابت بالإجماع وإما المانع منه المزاحمة وهي منتفية بالأصل، فهذا قريب من التمسك بأقل ما قيل بل هو أقوى منه لأن الإجماع على استحقاق الجميع عند عدم المزاحم إجماع مفرد لا مركب.
وهنا مسائل كثيرة من الظواهر السمعية والعقلية التي قد علم بالنص أو الإجماع أو العقل أن دلالتها ليست مطلقة. وغالب كلام المتنازعين في هذا النوع من الأدلة، وهو محتاج إلى تحقيق وتفصيل إذ الكلام في أنواع الأدلة، ثم في أنواع التقييدات من جهة التقدير والتنويع والقلة والكثرة وغير ذلك. والله أعلم (1) .
فصل
في حد القبيح والحسن والمباح
قال شيخنا: قال القاضي: قد قيل: الحسن ما له فعله، والقبيح ما ليس له فعله. قال: وقيل: المباح من الحسن. وقيل: الحسن ما مدح فاعله والقبيح عكسه، وقال هذا القائل: لا يوصف المباح بأنه حسن (2) .
__________
(1) المسودة في أصول الفقه من ص 492-494 ف 2/5، 11. وقد اكتفيت في الإشارة إلى النسخ بما أشار إليه كما تقدم ولما يأتي.
(2) المسودة ص 577 ف 2/5.
(2/22)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الحكم الشرعي]
الحكم الشرعي: إما أن يقع على نفس قول الشارع وخطابه، أو على تكليفه بالأفعال، أو على صفة للأفعال تثبت بالشرع، أو على هيئة يكون الفعل عليها بإذن الشرع.
قال: بعض أصحابنا: قد نص أحمد رحمه الله أن الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله. وقد قال كل واحد من هذه الأقوال قوم من الناس. وللاختلاف مقامان:
أحدهما: «مسألة التحسين والتقبيح» . والثاني: «كسب العباد» . والله سبحانه وتعالى أعلى، وأعلم، وأعز، وأكرم (1) .
[لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم]
ولا تلزم الشرائع إلا بعد العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد. فعلى هذا لا تلزم الصلاة حربيا أسلم في دار الحرب ولا يعلم وجوبها.
والوجهان في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة، أو لم يزك، أو أكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة.
والأصح أن لا قضاء ولا إثم إذا لم تقصد، اتفاقا، للعفو عن الخطأ والنسيان.
ومن عقد عقدا فاسدا مختلفا فيه باجتهاد أو تقليد واتصل به القبض لم يؤمر برده وإن كان مخالفا للنص.
وكذلك النكاح إذا بان له خطأ الاجتهاد أو التقليد وقد انقضى المفسد لم يفارق وإن كان المفسد قائما فارقها (2) .
__________
(1) المسودة في أصول الفقه ص 577، 578 ف 2/5.
(2) اختيارات ص 31 ف 2/6.
(2/23)

الأحكام لا تثبت في حق العبد إلا بعد بلوغها إليه، وهو اختيار شيخنا رضي الله عنه (1) .
فصل
[المغمى عليه]
النائم والناسي غير مكلفين، وذكر الآية: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [43/4] وأجاب عنها. وكذلك ذكره ابن عقيل وهو قول أكثر المتكلمين.
قال شيخنا: وكذلك المغمى عليه (2) .
واختلف الفقهاء والأصوليون في المكره: هل يسمى مختارا أم لا؟
[والمكره]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: التحقيق أنه محمول على الاختيار، فله اختيار في الفعل، وبه صح وقوع؛ فإنه لولا إرادته واختياره لما وقع الفعل؛ ولكنه محمول على أن هذه الإرادة والاختيار، ليست من قبله، فهو مختار باعتبار أن غيره حله على الاختيار ولم يكن مختارا من نفسه. هذا معنى كلامه.
[الجن ومناكحتهم]
وقال شيخنا: ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة؛ لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء فقد يدل ذلك على مناكحتهم وغيرها، وقد يقتضيه إطلاق أصحابنا (3) .
قال أبو العباس في رده على الرافضي: جاءت السنة بثوابه على ما فعله وعقابه على ما تركه ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل.
__________
(1) بدائع الفوائد جـ4/168 ف 2/6.
(2) المسودة ص 37 ف 2/6.
(3) فروع جـ1/604 ف 2/6.
(2/24)

[الباطل في عرف الفقهاء وفي الآية]
والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم، وهو ما أبرأ الذمة. فقولهم: بطلت صلاته وصومه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء؛ لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء في الآخرة وقال تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [33/47] الإبطال هو إبطال الثواب ولا يُسَلَّم بطلانه جميعه؛ بل قد يثاب على ما فعله فلا يكون مبطلا لعمله (1) .
[إذا استدل مبطل بآية أو حديث صحيح ففي ذلك ما يدل على نقيض قوله]
قال لي شيخنا: أنا ألتزم أن لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [103/6] هي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها (2) .
__________
(1) اختيارات ص 111 ف 2/7.
(2) حادي 288، 299 ف 2/9.
(2/25)

مسائل النسخ

[تعريفه]
مسألة: في حد النسخ، قال القاضي: هو عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان مع تراخيه عنه. وقال قوم من المتكلمين: هو إخراج ما أريد باللفظ، قال: وهذا غلط، لأنه يفضي إلى البداء.
وقال شيخنا: قلت: هذا من القاضي مخالف لما قاله في النسخ قبل الوقت، فإنه ضعف قول من جعله أمرا بمقدمات الفعل أو أمرا مقيدا، وهنا أجاب بما ضعفه هناك (1) .
[ما يجوز نسخه وما لا يجوز]
مسألة: يجوز نسخ العبادة وإن قيد الأمر بها أولا بلفظ التأبيد، هذا قول أكثر أهل العلم، خلافا لمن قال: لا يجوز.
قال القاضي: يجوز تأبيد العبادة بأن ينقطع الوحي أو يضطر إلى قصد الرسول فيه، كما اضطررنا إلى قصده في تأبيد شريعته وأنه لا نبي بعده.
قال شيخنا: قلت: فلم يجعل له دليلا لفظيا (2) .
قال شيخنا: قال القاضي في «العدة» في الخبر هل يصح نسخه أم لا؟ فإن كان خبرا لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به فلا يصح نسخه، كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات، والخبر بموسى
__________
(1) المسودة ص 195 ف2/8.
(2) المسودة ص 195 ف2/8.
(2/26)

وعيسى وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان، ونحو ذلك فهذا لا يصح نسخه، لأنه يفضي إلى الكذب.
قال شيخنا: قلت: إلا أن النسخ اللغوي كما في قوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [52/22] على قول من قال: إنه ألقي في التلاوة «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» . وإن كان مما يصح أن يتغير ويقع على غير الوجه المخبر عنه فإنه يصح نسخه، كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر أو عدل أو فاسق فهذا يجوز نسخه، فإذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن جاز أن يقول بعد ذلك هو كافر، وكذلك يجوز أن يقول: الصلاة على المكلف في المستقبل، ثم يقول بعده: ليس على المكلف فعل صلاة؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال.
قال رضي الله عنه: وعلى هذا يخرج نسخ قوله: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [284/2] كما قد جاء عن الصحابة والتابعين خلافا لمن أنكره من أصحابنا وغيرهم كابن الجوزي. فضابط القاضي: أن الخبر إن قبل التغيير جاز النسخ وإلا فلا. وعلى هذا فيجوز نسخ الوعد والوعيد قبل الفعل كقوله: «من بنى هذا الحائط فله درهم» ثم يرفع ذلك. والفقهاء يفرقون بين التعليق وبين التخيير (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[فضيلة الناسخ على المنسوخ]
لما قال المخالف القرآن كله متساو في الخبر فقوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [106/2] يدل على أنه لا ينسخ بالأثقل، فقال: ومعلوم أنه لم يرد بقوله: (بخير منها) فضيلة الناسخ على المنسوخ، لأن القرآن كله متساو
__________
(1) المسودة ص 197 ف 2/8.
(2/27)

في الفضيلة فعلم أنه أراد الأخف، فلم يمنع القاضي ذلك، بل قال: الخير ما كان أنفع: إما بزيادة الثواب مع المشقة، وإما بكثرة انتفاع المغير به، فإنه سبب لزيادة الثواب، فالأنفع هو ما كان أكثر ثوابا وكثرة الثواب بأحد السببين. ثم في مسألة نسخ القرآن بالسنة لما قال المخالف: «التلاوة لا يكون بعضها خيرا من بعض، وإنما يكون ذلك في النفع» قال القاضي: ولا يصح هذا القول؛ لأنه قد يكون بعضها خيرا من بعض على معنى أنها أكثر ثوابا مثل سورة (طه) و (يس) وما أشبه ذلك. وقد يكون في بعضها من الإعجاز في اللفظ والنظم أكثر مما في البعض، وكانت العرب تعجب من بعض القرآن ولا تعجب من بعض.
قال شيخنا: قلت: بقي القول الثالث -وهو الحق- التفاضل الحقيقي كما نطقت به النصوص الصحيحة الصريحة (1) .
[شيخنا] : فصل
[نسخ التلاوة ونسخ الحكم]
ذكر القاضي في ضمن مسألة نسخ القرآن بالسنة أن الخلاف في نسخ تلاوته بأن يقول النبي: لا تقرءوا هذه الآية فتصير تلاوتها منسوخة بالسنة، وفي نسخ حكمه مع بقاء تلاوته، وأن المجيز يجيزهما جميعا، وجعل نسخ التلاوة أعظم من نسخ الحكم؛ فإنه منعهما جميعا.
قال شيخنا: قلت: إذا قال الرسول: «هذه الآية قد رفعها الله» فهو تبليغ منه لارتفاعها كإخباره بنزولها، فلا ينبغي أن يمنع من هذا وإن منع من نسخ الحكم، فيكون الأمر على ضد ما يتوهم فيما ذكره القاضي. وقال القاضي وأبو الخطاب في مسألة قراءة الفاتحة [من الانتصار] : والثابت باليقين كان يحتمل الرفع بخبر الواحد في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛
لأن الموجب للخير لا يوجب البقاء وإنما البقاء لعدم دلالة الرفع، والثابت
__________
(1) المسودة ص 201 ف 2/8.
(2/28)

لعدم الأدلة يرتفع بأدنى دليل، ألا ترى أن القبلة كانت ثابتة إلى بيت المقدس ثم إن واحدا أخبر أهل قباء بالنقل إلى الكعبة فاستداروا وأقرهم الرسول. وذكر القاضي في ضمن مسألة النسخ أن نسخ القرآن بخبر الواحد والقياس يجوز عقلا، وإنما منعناه شرعا، وعد نسخ تقدم الصدقة بين يدي النجوى نسخ وجوبه إلى إباحة الفعل والترك، وجعل المنسوخ إلى الندب قسما آخر، كالمصابرة فإنه يجب مصابرة الاثنين، ويستحب مصابرة أكثر من ذلك، وجعل من المحظور إلى مباح زيادة القبور ونسخها بالإباحة بعد الحظر، ولم يذكر إلا نسخ الوجوب إلى وجوب أو ندب أو إباحة، ونسخ الحظر إلى إباحة، فلم يذكر نسخ إباحة (1) .
[هل السنة تنسخ القرآن؟]
قال شيخنا: قال ابن أبي موسى: والسنة لا تنسخ القرآن عندنا، ولكنها تخص وتبين. وقد وري عنه رواية [أخرى] : أن القرآن ينسخ بالمتواتر من السنة (2) .
قال شيخنا: حكى محمد بن بركات النحوي في كتاب الناسخ والمنسوخ أن بعضهم جوز نسخ القرآن بالإجماع، وبعضهم جوزه بالقياس قال: وهذا يجوز أن يكون مناقضا (3) .
قال: واختلف في نسخ الإجماع بالإجماع والقياس بالقياس، والمشهور عن مالك وأصحابه نسخ القرآن بالإجماع ومنع نسخ الإجماع بالإجماع والقياس بالقياس، فقال: وهذا ذكره البغداديون في أصولهم.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وهل يوجد ذلك؟]
اختلف من قال بجواز نسخ القرآن بالسنة: هل وجد ذلك [أم لا] ؟ فقال بعضهم: وجد ذلك. وقال بعضهم: لم يوجد، قال أبو الخطاب:
__________
(1) المسودة ص 204، 205 ف 2/8.
(2) المسودة ص 202 ف 2/8.
(3) نسخة «منافقًا» .
(2/29)

وهو الأقوى عندي. وحكى ابن عقيل في الفنون عمن قال: «إن خبر الواحد والقياس يجوز أن ينسخ حكم القرآن» . وقرر حنبلي ذلك، أظنه نفسه. وقال: خرج من هذا أن ورود حكم القرآن لا يقطع بثبوته مع ورود خبر الواحد والقياس بما يخالف ذلك الحكم ويصير كأن صاحب الشرع يقول: اقطعوا بحكم كلامي ما لم يرد خبر واحد أو شهادة اثنين أو قياس يضاد حكم كلامي، ومع وروده فلا تقطعوا بحكم كلامي، هذا هو التحقيق، وبناه على أن الحكم بهما قطعي لا ظني. وذكر الباقلاني فيما ذكر أبو حاتم في اللامع أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة [قال: ولا يجوز نسخه بأخبار الآحاد، وأما أخبار الآحاد التي قامت الحجة على ثبوتها وأخبار التواتر التي توجب العلم فقد اختلف الناس فيها] . فقال جمهور المتكلمين وأصحاب مالك وأبي حنيفة: إنه يجوز، وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز إلا بأخبار متواترة. واختلف هؤلاء فقال بعضهم: وجد في الشرع. وقال آخرون: يجوز وما وجد، ومنع منه الشافعي وجمهور أصحابه. ثم منهم من منع منه عقلا، قال: منع القدرية في الأصلح. ومنهم من اقتصر على منع السمع.
قال شيخنا: قلت: وهذا يقتضي أن من أصله أن بعض أخبار الآحاد تجري مجرى التواتر، وأظن الأشعري قد حكي في مقالاته أن مذهب أهل السنة والحديث أنه لا ينسخ بالسنة، وقال: وإليه أذهب (1) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[نسخ القرآن بالسنة المتواترة]
فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة فيجوز عقلا قاله القاضي وبعض الشافعية (2) خلافا لبعضهم (3) .
__________
(1) المسودة ص 204 ف 2/8.
(2) نسخة: «وبعض المالكية» بدل الشافعية.
(3) المسودة ص 204 ف 2/8.
(2/30)

[نسخ السنة بقرآن]
مسألة: يجوز نسخ السنة بالقرآن وبه قالت الحنفية، وللشافعي فيه قولان ذكرهما القاضي وابن عقيل وأبو الطيب. ويتخرج لنا المنع إذا منعنا من تخصيصها به. والأول قول عامة الفقهاء من المالكية والشافعية والمتكلمين والمعتزلة، قال ابن برهان: وشذت طائفة من أصحابنا فمنعوا من ذلك وعزوه إلى الشافعي، قال القاضي في مقدمة المجرد: ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة نص عليه، وأما نسخ السنة بالكتاب فكلامه محتمل، ففي موضع ما يقتضي أن لا تنسخ سنة إلا بسنة مثلها، وفي موضع يجوز ذلك. وقال في العدة: أومأ إليه أحمد، فقال عبد الله: سألت أبي عن رجل أسير أخذ منه الكفار عهد الله وميثاقه أن يرجع إليهم، فقال: فيه اختلاف قلت لأبي: حديث أبي جندل. قال: ذاك صالح على أن يردوا من جاءهم مسلما فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجال ومنع النساء، ونزلت فيهم: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} وقال القاضي: وظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة بقرآن (1) .
قال شيخنا: قلت: الذي منع نسخ السنة بقرآن يقول: إذا نزل القرآن فلا بد أن يسن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تنسخ السنة الأولى، وهذا حاصل وأما بدون ذلك فلم يقع (2) .
[الزيادة على النص هل تكون نسخا؟]
مسألة: الزيادة على النص ليست نسخا عند أصحابنا والمالكية والشافعية (3) والجبائي وابنه أبي هاشم. وقالت الحنفية منهم الكرخي وأبو عبد الله البصري وغيرهما: هي نسخ. وقالت الأشعرية وابن نصر المالكي والباجي متابعة منهم لابن الباقلاني: إن غيرت حكم المزيد عليه كجعل الصلاة ذات الركعتين أربعا فهو نسخ وإن لم تغيره كزيادة عدد
__________
(1) قلت: لعله «السنة» .
(2) المسودة ص 206 ف2/8.
(3) نسخة: «والشافعي» .
(2/31)

الجلد وإضافة الرجم إلى الجلد فليس بنسخ، ولم يحك أبو الطيب هذا القول إلا عن أبي بكر الأشعري يعني الباقلاني. وحكى ابن برهان هذا عن عبد الجبار بن أحمد، وحكى مذهبا آخر.
قال شيخنا: قلت: التحقيق في مسألة الزيادة على النص زيادة إيجاب أو تحريم أو إباحة أن الزيادة ليست نسخا إذا رفعت موجب الاستصحاب أو المفهوم الذي لم يثبت حكمه، إلا بمعنى النسخ العام الذي يدخل فيه التخصيص ومخالفة الاستصحاب ونحوهما، وذلك يجوز بخبر الواحد والقياس. وأما إن رفعت موجب الخطاب فهو نسخ [بمعنى] النسخ المشهور في عرف المتأخرين إن كان ذلك الموجب قد ثبت أنه مراد [بالخطاب. وأما إذا لم يثبت أنه مراد إما مع] تأخر المفسر عند من يجوز تأخره.
أو مع جواز تأخره عند من يوجب الاقتران فإنه كتخصيص العموم، مثال الأول: ضم النفي إلى الجلد ونحو ذلك، فإنه إنما رفع الاستصحاب والمفهوم ولم يرفع موجب الخطاب المنطوق. فالزيادة على النص بمنزلة تخصيص العموم وتقييد المطلق.
ومثال الثاني: لو أوجب النفي في حد القاذف، وكذا التفسيق ورد الشهادة متعلقا بهما فقد قال الغزالي وأبو محمد: إنه لا يكون نسخا؛ لأن ذلك تابع لجلد، لا مقصود، فأشبه نسخ عدة الحول إلى أربعة أشهر وعشر، فإن ذلك نسخ لوجوب العدة، لا تحريم نكاح الأزواج، وهكذا قال. والصواب أن نسخ العدة لكلا الحكمين نسخ لإيجاب الزيادة (1) ولتحريم نكاح الأزواج، فهو نسخ لبعض موجب الخطاب الذي أريد وإبقاء لبعضه وهو كتخصيص العموم الذي استقر وأبد كآية اللعان ونحوها، وكذلك على هذا إذا كانت الزيادة شرطا في صحة المزيد بحيث يكون وجود المزيد كعدمه بدون الزيادة، كزيادة ركعتين في صلاة
__________
(1) نسخة: «نسخ الإيجاب والزيادة» .
(2/32)

الحضر وزيادة الأركان والشروط في العبادات؛ فإن من قال: «هذا نسخ» قال: لأن الخطاب الأول اقتضى الصحة والإجزاء مع الوجوب وقد ارتفع بالزيادة الصحة والإجزاء. وقد أجاب أبو محمد عن هذا بأن النسخ رفع جميع موجب الخطاب لا رفع بعضه، إذ رفع بعضه كتخصيص العموم وترك المفهوم، وبأنه لو كان نسخا فإنما يكون إذا استقر وثبت، ومن المحتمل أن دليل الزيادة كان مقارنا.
والتحقيق: أن الكلام في مقامين، أحدهما: أن الصحة والأجزاء من مدلول الخطاب فقط، أم من مدلول العقل، والثاني: أنه إذا كان من مدلول الخطاب فرفع بعضه هو كتخصيص العموم (1) يفرق فيه بين ما ثبت أنه مراد؛ فإن مسألة الزيادة على النص إذا رفعت بعض موجب الخطاب هي بمنزلة تخصيص العموم، فالزيادة على الخطاب بالتقييد كالنقص منه بالتخصيص. وهذه المسألة هي بعينها مسألة تقييد المطلق؛ فإن ذلك زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، كالزيادة في الحد فإنها نقص في المحدود. والتخصيص زيادة خطاب تنقص الخطاب الأول.
فنقول: أما «المقام الأول» : فإن الصحة حصول المقصود، والإجزاء حصول الامتثال، وهذا يستفاد من معرفة المقصود والأمر، وهو إنما يعلم بالعقل مع الاستصحاب؛ فإنه لا بد أن يقال: لم يؤمر إلا بهذا، وقد امتثل، وليس المقصود إلا هذا، وقد حصل، فالعلم بالمثبت من جهة الخطاب، وبالمنفي من جهة الاستصحاب والمفهوم، فإذا أوجب زيادة رفعت موجب الاستصحاب والمفهوم، وإذا جعلها شرطا رفعت الحكم المركب من السمع والعقل، فلم ترفع حكما سمعيا؛ بل إنما رفعت ما ثبت بالاستصحاب والمفهوم، فإنه بهما تثبت الصحة
__________
(1) نسخة: «فرفع بعضه تخصيص يفرق» .
(2/33)

والإجزاء لا بنفس الخطاب فلا يكون رفعه نسخا. هذا هو الجواب المحقق، دون ما ذكره أبو محمد.
المقام الثاني: أنه لو رفع بعض موجب الخطاب فإن ثبت أنه مراد - كما لو ثبت أن الأمر للوجوب ثم نسخ إلى الندب، أو العموم ثم خص، أو لمطلق المعنى ثم قيد- فهذا نسخ، وإن لم يثبت أنه مراد لم يكن نسخا، وتراخي المخصص والمقيد لا يوجب أن يكون مرادا في ظاهر المذهب، وفي الرواية الأخرى: يوجب أن يكون مرادا. فإذا قيل: استقرار العموم والمفهوم إن عني به انفصال الصارف ففيه الروايتان. وإن عني به استقرار حكمه فهذا لا ينبغي أن يكون فيه خلاف مع أن كلام أبي محمد يقتضي خلاف ذلك.
فقد تحرر أن الزيادة تارة ترفع موجب الاستصحاب. وتارة ترفع موجب المفهوم. وتارة ترفع موجب الإطلاق والعموم. وفي هذين الموضعين: تارة يكون قد ثبت أن المتكلم أراد مقتضى المفهوم أو الإطلاق والعموم. وتارة لم يثبت أنه أراده. فمتى لم يثبت أنه أراده فهو كتخصيص العموم. وأما إن ثبت أنه أراده فهو بمنزلة الاستصحاب الذي قرره السمع، رفعه يكون نسخا، لكن ذلك لا لأنه مجرد زيادة على النص لكن بمعنى آخر. فالصواب ما أطلقه الأصحاب من أن الزيادة على النص ليست نسخا بحال، والقول فيها كالقول في تخصيص العموم وتقييد المطلق سواء. وأيضا فالزيادة تارة تكون في الحكم فقط، وتارة في الفعل فالأول: مثل أنه أباح الجهاد أولا ثم أوجبه، أو يندب إلى الشيء ثم يوجبه فهنا زاد الحكم من غير أن يرفع الحكم الأول، وإنما رفع موجب الاستصحاب والمفهوم، إلا أن يكون الخطاب الأول قد نفى الوجوب.
ثم الخطاب إذا دل على عدم الإيجاب وعدم التحريم فهو مثل
(2/34)

النصوص الواردة في الخمر قبل التحريم: هل هو نسخ؟ فيه خلاف، قال أبو محمد: هو نسخ. والأشبه أنه ليس بنسخ؛ لأنه لم ينف الحرج ولم يؤذن في الفعل، وإذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل إلى حين النسخ، والإقرار المستقر حجة. وأما غير المستقر فبمنزلة الاستصحاب المرفوع. فلو فعل المسلمون شيئا مدة فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخا، وإن كان الإقرار [على الشيء] حجة شرعية لأن الإقرار إنما يكون حجة إذا لم ينهوا عنه بحال، فمتى نهوا عنه [فيما بعد زال] شرط كونه حجة، وقد يقال: هو نسخ (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال القاضي: واحتج بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخا لدليل الخطاب يجب أن يكون نسخا للمزيد عليه. وبيانه أنه إذا أمر الله أن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة كان ذلك نسخا لدليل الخطاب؛ لأن قوله: «اجلدوا مائة» دليله لا تجلدوا أكثر منها، وهذا كما قالت الصحابة والتابعون: إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء من الماء» منسوخ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه دون حكم النطق. فقال القاضي: والجواب أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه، وهو بعد الزيادة كهو قبلها، وليس كذلك دليل الخطاب، فإنه قد زال، لأن تقديره: لا تزيدوا على المائة، وقد أوجب الزيادة عليها، فصار المنع من الزيادة منسوخا. قال: وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم. قال: لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد. قال القاضي: والصحيح أنه نسخ؛ لأن العموم إذا استقر بتأخر بيان التخصيص كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا، وكذلك دليل
__________
(1) المسودة في أصول الفقه ص 207-211 فيه زيادة ف 2/8.
(2/35)

الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا، وكذلك ذكر أبو محمد أنه لو ثبت حكم المفهوم واستقر بتراخي البيان يكون نسخا.
قال شيخنا: قلت: هذا ينبني على جواز تأخير البيان: إن لم نجوزه فالتراخي يقتضي الاستقرار وإن جوزناه فالتراخي لا يقتضي الاستقرار (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا نسخ الأصل فهل تتبعه فروعه]
إذا نسخ الأصل تبعت فروعه، مثله القاضي بمسألتين إحداهما نسخ التوضؤ بالنبيذ النيء يتبعه المطبوخ وقد أجزأ بنية من النهار فكذلك كل صوم معين مستحق ثم نسخ وجوبه وبقي حكمه في غيره. والأولى صحيحة، وفيها نظر أيضا. فإن المنسوخ عندهم تجويز شربه فتتبعه الطهورية فإنها نفس المسألة.
وأما المسألة الثانية: ففيها نظر، والصحيح فيها أن ذلك لا يوجب نسخ ذلك الحكم. وأصحابنا كثيرا ما يسلكون هذه الطريقة إلى استدلالهم (2) ، وذلك بأن المنسوخ هو وجوب صوم يوم عاشوراء فسقط أجزاؤه بنية من النهار لعدم المحل. فأما كون الواجب يجزئ بنية من النهار فلم يتعرض لنسخه.
وهذا مثل احتجاجهم في القرعة بقصة يونس، وهي في الذم. ومما يشبه نسخ بعض الأصل قرعة يونس على إلقاء نفسه في اليم، فإن الاقتراع على مثل هذا لا يجوز في شرعنا، لأن المذنب نفسه لو عرفناه لم نلقه، فهل يكون نسخ القرعة في هذا الأصل نسخا لجنس القرعة؟
__________
(1) المسودة في أصول الفقه ص 111، 212 ف 2/8.
(2) نسخة: «في استدلالهم» .
(2/36)

أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على القرعة. وأقرب منه قرعة زكريا، فإنهم اقترعوا على الحضانة، وهو جائز، لكن المقترعون كانوا رجالا أجانب فاقترعوا لأنهم قد كان في شرعهم له ولاية حضانة المحررة، فارتفاع الحكم في عين الأصل لا يكون رفعا له في مثل ذلك الأصل إذا وجد.
ومثل ذلك نهيه لمعاذ عن الجمع بين الائتمام وإمامة قومه إذا كان للتطويل عليهم هل يكون نسخا لما دل الجمع عليه من ائتمام المفترض بالمتنفل؟ قال القاضي في مسألة «نسخ الأصل نسخ لفرعه» : احتج المخالف بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخا بالقياس على موضع النص، وهذا لا يجوز بالإجماع. فقال: والجواب: أنه ليس بنسخ بالقياس، وإنما زال الموجب فزال ما تعلق به، كما إذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها. قال: وإنما النسخ بالقياس أن ينسخ حكم الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره، وهذا لا يجوز بالإجماع. فأما إزالته بنسخ أصله فليس بنسخ بالقياس.
قال شيخنا: قلت: بل هو في المعنى نسخ بالقياس كما هو إثبات بالقياس؛ لأن الحكم الثابت في الأصل أثبت في الفرع قياسا، ثم إذا ثبت التحريم في الأصل ثبت في الفرع قياسا، إلا أن يقول القاضي: أنا أزيل حكم الأصل عن الفرع ولا أثبت ضده فلا يمشي هذا، لأن الفرع كان قد ثبت فيه حكم الأصل فلا بد من مزيل إما خطاب وإما حكم، والخطاب لم يتناوله فثبت أنه نسخ لحكم الأصل، وهذا جائز ولهذا قال لما ذكر المسألة مفردة: وأما القياس فلا ينسخ لأنه مستنبط من أصل فلا يصح نسخه مع بقاء الأصل المستنبط منه، والأصل باق فكان القياس باقيا ببقائه، وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضا، لأنه إنما يصح ما لم يعارضه أصل، فإن عارضه أصل سقط في نفسه فبطل أن ينسخ الأصل به.
(2/37)

قال شيخنا: قلت: ولم يتعرض لنسخه مع أصله بفرع الأصل الناسخ لأصله، وهي المسألة المتقدمة (1) .
[هل يجوز نسخ القياس في عصر النبوة؟]
وقال ابن عقيل في أواخر كتابه: يجوز نسخ القياس في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن طريق النسخ حاصل، وهو الوحي، فإذا قال: حرمت المفاضلة في البرِّ لأنه مطعوم كان ذلك نصا منه على الحكم وعلى علته. وقد اختلف الناس: هل نصه على العلة إذن منه في القياس أم لا؟ على مذهبين. فإن كان هذا إذنا أو أذن في القياس نصا فقاسوا الأرز على البر، فعاد وقال بعد ذلك بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، فقال قوم: يكون تخصيصا للعلة بالطعم في البر خاصة.
قال شيخنا: قلت: هو أشبه بكلام أحمد، وكلامه في مسألة الاستحسان يدل عليه.
وقال قوم: يكون نسخا للقياس. والذي لا خلاف فيه أن يصرح فيقول: لا تقيسوا الأرز على البر في تحريم التفاضل فهذا غير ممتنع؛ بل الممتنع نسخ قياس استنباطه بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا وحي ينزل بعد عصره، فإن عثر على نص يخالف حكم القياس كان القياس باطلا (2) (3) .
[نسخ القياس والنسخ به وصور ذلك]
مسألة: نسخ القياس والنسخ به مسألة عظيمة. والحنفية وغيرهم يقعون فيها كثيرا فإنهم يعارضون بين قياس أحد النصين والنص الآخر، ويجعلونه ناسخا أو منسوخا، وأحمد يخالفهم في ذلك. والنكتة أنه: هل يجوز أن يكون بين الفرع والأصل فرق يصح معه الفرق في الحكم؟ فإن لم يصح فرق وإلا ثبت النسخ إلا أن يقال بالتعبد.
__________
(1) المسودة ص213-215 ف 2/8.
(2) نسخة: «كان القياس رفعا، لكنه لا يكون نسخا، لكن نتبين أن القياس كان باطلا» .
(3) المسودة ص 215، 216 ف 2/8.
(2/38)

قال شيخنا: قلت: متى كان أصل القياس متقدما في الثبوت على النص المخالف له أمكن أن يكون نسخا (1) (2) .
مسألة: قال أبو الخطاب في نسخ [ما ثبت] بالقياس إن كان ثبوته بعلة منصوص عليها أو منبه عليها: مثل أن ينص على تحريم البر لعلة الكيل ويتعبد بالقياس عليه، ثم ينص بعده على إباحته في الأرز ويمنع من قياس البر عليه كان نسخا. فأما ما ثبت بقياس مستنبط فلا يصح نسخه، ومتى وجدنا نصا بخلافه، وجب المصير إليه وتبينا به فساد القياس. هذا معنى كلامه. وعندي في تقييده أولا نظر.
وقال المقدسي: ما يثبت بالقياس إن كان منصوصا على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به، وإن لم يكن منصوصا على علته لم ينسخ ولم ينسخ به.
وشذت طائفة فأجازته. والذي ذكره القاضي أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به.
وقال الجويني: إذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط. وقال أبو حنيفة: لا يبطل القياس. ثم قال الجويني: وعندي أن المعنى المستنبط من الأصل إذا نسخ بقي معنى الأصل له، فإن صح الاستدلال نظرنا فيه، وإن لم يصح أبطلناه.
قال شيخنا: مسألة النسخ بالقياس لها صور:
إحداها: أن ينسخ حكم الأصل فيتبعه الفرع أولا، أو يفصل بين العلة المنصوصة وغيرها.
الثانية: أن يكون حكم الأصل ثابتا ويجيء نص في الفرع يخالف موجب القياس: فهل يكون ذلك نسخًا لذلك الحكم الثابت بالقياس؟
__________
(1) نسخة: «أمكن أن يكون ناسخًا» .
(2) المسودة ص 216 ف 2/8.
(2/39)

طريقة القاضي أن هذا لا يقع؛ لأنه يقول: ما دام حكم الأصل باقيا وجب بقاء حكم الفرع ولا يزول الفرع إلا بزوال أصله. وقال غيره: بل وجود النص يبين أن القياس فاسد؛ لأن جواز استعماله موقوف على فقد النص، فتكون العلة مخصوصة. وقال أبو الخطاب وغيره: إن كانت علة الأصل منصوصة كان نسخا.
الثالثة: أن يرد نص، ثم يجيء بعده نص حكم فرعه يخالف الأول: فهل ينسخ الأول بهذا القياس؟ قال القاضي وابن عقيل وغيرهما: لا ينسخ به؛ بل يكون فاسدا، وفي ضمن تعليله النص على العلة المنصوصة. وقيل: ينسخ بالقياس المنصوص على علته. فالخلاف في العلة المنصوصة: عند القاضي وابن عقيل لا ينسخ ولا ينسخ به. وعند أبي الخطاب: ينسخ ولا ينسخ به. وهل يشترط في النسخ به أن يمنع من القياس على الناسخ؟ عند أبي الخطاب يشترط وعند صاحب المغني ينسخ وينسخ به.
قال شيخنا: هذا الذي فهمته من النقل فليراجع. وتعليل القاضي وغيره في مسألة نسخ المفهوم وغيرها يقتضي إجراءه مجرى المنصوص على علته، كما قال صاحب المغني.
وتحقيق الأمر في نسخ القياس: إنه إن استقر حكم ثم جاء بعده نص يعارضه كان نسخا للقياس فقط، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة. وإن لم يستقر حكمها كان مجيء النص دليلا على فساد القياس. وهكذا القول في نسخ العموم والمفهوم وكل دليل ظني بقطعي أو بظني أرجح منه؛ فإنه عند التعارض إما أن يرفع الحكم أو دلالة الدليل عليه. فالأول هو النسخ الخاص. والثاني من باب فوات الشرط أو وجود المانع. ونسخ القياس المنصوص على علته يبني على تخصيص العلة: إن جوزنا تخصيصها فهي كنسخ اللفظ العام، فيكون نسخ الفرع
(2/40)

تخصيصا، وإن لم نجوز تخصيصها فهو نسخ. والذي ذكره أصحابنا والشافعية والمالكية عن الحنفية أنهم احتجوا بحديث الوضوء بالنبيذ، فقيل لهم: ذلك كان نيئا وعندكم لا يجوز الوضوء بالنَّيِّئ. فقالوا: إذا ثبت الوضوء بالنَّيِّئ في ذلك الوقت ثبت الوضوء بالمطبوخ، لأن أحدا لا يفرق بينهما في ذلك الوقت، ثم نسخ النيئ وبقي المطبوخ. فقال أصحابنا وموافقوهم: إذا كان ثبوته بثبوته كان زواله بزواله.
قال شيخنا: قلت: الذي ذكره الحنفية جيد، لو فرض أنه لم يحرم من الأنبذة إلا النيئ، وذلك أنه على هذا التقرير جاز التوضؤ بهما إذ ذاك ثم صار الأصل حراما دون الفرع، فالمعنى الناسخ اختص به الأصل دون الفرع، وكذلك قولهم في مسألة التبييت في صوم عاشوراء، فإنه إذا ثبت أن صوما واجبا يجزئ بغير تبييت كان حكم سائر الصوم الواجب كذلك ثم نسخ الحكم في الأصل وإنما هو لزوال وجوبه.
والتحقيق أن هذا ليس من باب نسخ الحكم في الأصل وإنما هو من باب نسخ الأصل نفسه؛ فإن الشارع تارة ينسخ الحكم مع بقاء الأصل فهنا لا يقع ريب أن الفرع يتبعه. وتارة يرفع الأصل فلا يلزم رفع الحكم بتقدير وجود الأصل.
والمسألة محتملة، إذ لقائل أن يقول: لو بقي الأصل فقد كان يبقى حكمه وقد لا يبقى. ومن هذا الباب حديث معاذا إذا قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن الإمامة بهم (1) .
[شيخنا] : فصل
بيان الغاية المجهولة مثل التي في قوله: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [15/4] نسخ عند القاضي وغيره، وقال: الناسخ قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [2/24] ، قال: لأن هذه الغاية مشروطة في
__________
(1) المسودة ص 216-218 ف 2/8.
(2/41)

[بيان الغاية المجهولة نسخ]
حكم مطلق؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف أو إلى النسخ، وكذلك ذكر في نسخ الأخف بالأثقل: إن حد الزنا في أول الإسلام كان الحبس، ثم نسخ وجعل حد البكر الجلد والتغريب، والثيب الجلد والرجم. وكذلك قال القاضي: لما احتج اليهود بما حكوه عن موسى أنه قال: شريعتي مؤبدة ما دامت السموات والأرض. فأجاب بالتكذيب. وبجواب آخر وهو أنه لو ثبت لكان معناه إلا أن يدعو صادق إلى تركها، وهو من ظهرت المعجزة على يده وثبتت نبوته بمثل ما ثبتت به نبوة موسى؛ والخبر يجوز تخصيصه كما يجوز تخصيص الأمر والنهي.
[وشريعتنا ناسخة للشرائع قبلها]
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: وعلى هذا يستقيم أن شريعتنا ناسخة، وهذا قول أبي الحسن وغيره. ثم ذكر القاضي [في مسألة نسخ القرآن بالسنة] أن الحبس من الآية لم ينسخ؛ لأن النسخ أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه ثم يرد ما يرفع بعضه. والآية لم ترد بالحبس على التأبيد، وإنما ورد به إلى غاية هو أن يجعل الله لهن سبيلا، فأثبت الغاية، فوجب الحد بعد الآية بالخبر. ذكر ذلك في جواب من زعم أن بعض القرآن نسخ بالسنة كآية الوصية بقوله: «لا وصية لوارث» وآية حد الزنا من الحبس والأذى بقوله: «خذوا عني» ، وقوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [191/2] بقتل ابن خطل. فقال القاضي: الوصية منسوخة بآية المواريث. وأجاب عن حد الزنا بما تقدم ذكره. قال: وقد قيل: إنه في البكر منسوخ بقول: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [2/24] وفي الثيب بآية الرجم التي نسخ رسمها وبقي حكمها، وقوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [191/2] منسوخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [5/9] (1) .
__________
(1) المسودة ص 219، 220 ف 2/8.
(2/42)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا نسخ النطق فهل ينسخ المفهوم والعلة؟]
إذا نسخ النطق فقال أبو محمد: ينسخ أيضا ما ثبت بعلة النص أو بمفهومه أو بدليله خلافا لبعض الحنفية.
قال شيخنا: قلت: قد خالفه ابن عقيل وغيره في انتساخ المفهوم الذي هو الفحوى، وكذلك خالفه الجد في العلة المنصوصة. وأما دليل الخطاب فهو كمفهوم الموافقة وأولى. ففي هذه المسائل وجهان. وجماع هذا: أن معقول الأصل الذي هو القياس والتنبيه والدليل إما أن تنسخ مفردة، أو تنسخ مع أصلها. وعلى التقديرين فالناسخ لها إما نص أو هي، فيجيء اثنا عشر قسما أو أربعة وعشرون (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[والحكم المبتدأ أيضا]
كلام القاضي يقتضي أن هذا لا يختص بمسألة النسخ؛ بل يشمل الحكم المبتدأ؛ فإنه قال: إذا كان الناسخ مع جبريل ولم يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه ليس بنسخ، وإن وصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل يكون نسخا؟ ظاهر كلام أصحابنا أنه ليس بنسخ إلا عمن بلغه ذلك وعلم، لأنه أخذ بقصة أهل قباء، واحتج بها على إثبات خبر الواحد في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد. ثم قال في الدليل: ولأن الخطاب لا يتوجه إلى من لا علم له به. كما لا يخاطب النائم والمجنون لعدم علمهما وتمييزهما، ولأنه لا خلاف أنه مأمور بالأمر الأول، ومتى تركه مع جهله بالناسخ كان عاصيا، فدل على أن الخطاب باق عليه. قال: واحتج المخالف بأنه لا يمتنع أن يسقط حكم الخطاب بما لم يعلم كالموكل إذا عزل وكيله وانعزل قبل العلم فلا يصح بيعه. فأجاب بأن في تلك المسألة روايتين إحداهما: لا ينعزل ويحكم بصحة بيعه، وكذلك لو مات الموكل فباع
__________
(1) المسودة ص 222 ف 2/8.
(2/43)

صح بيعه وعلى هذا قال أصحابنا: إذا حلف على زوجته فقال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فأذن لها وهي لا تعلم وخرجت وقع الطلاق ولم يكن لذلك الإذن حكم. وفيه رواية أخرى: ينعزل الوكيل وإن لم يعلم. فعلى هذا الفرق بينهما أن أوامر الله ونواهيه مقرونة بالثواب والعقاب فاعتبر فيها العلم بالمأمور به والمنهي عنه وليس كذلك الإذن في التصرف والرجوع فيه؛ فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. وقد ذكرت هذه المسألة في موضع آخر، وبينت أن فيها ثلاثة أقوال لنا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
يتعلق بمسألة النسخ بالقياس
[قاعدة أحمد فيما إذا تعارض حديثان في قضيتين..]
قاعدة أحمد التي ذكرها في كلامه [ودلت عليها تصرفاته] : أنه إذا تعارض حديثان في قضيتين متشابهتين داخلتين تحت جنس واحد لم يدفع أحد النصين بقياس النص الآخر؛ بل يستعمل كل واحد من النصين في موضعه، ويجعل النوعين حكمين مختلفين، والمسكوت عنه يلحقه بأحدهما، مثل ما عمل في السجود قبل السلام وبعده، ومثل ما عمل في صلاة الفذ خلف رجلا كان أو امرأة، ومثل ما عمل فيمن باع عبدا وله مال مع حديث القلادة الخيبرية، وفي مسألة مد عجوة، ومثل ما عمل في حديث هند: «خذي ما يكفيك وولدك» مع قوله: «أد الأمانة إلى من ائتمنك» وهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يظهر بين النوعين المنصوصين فرق، فهذا ظاهر.
والثاني: أن يعلم انتفاء الفرق، فهذا ظاهر أيضا. وأحمد وغيره يقولون بالتعارض، مثل أن يكون أحد النصين في حق زيد والآخر في حق عمرو، ونحو ذلك.
__________
(1) المسودة ص 223، 224 ف 2/8.
(2/44)

والثالث: أن تكون التسوية ممكنة، والفرق ممكنا، فهنا هو مضطرب الفقهاء، فمن غلب على رأيه التسوية قال بالتعارض والنسخ، مثلا، ومن جوز أن يكون هناك فرق لم يقدم على رفع أحد النصين بقياس النص الآخر، وقد يعم كلام أحمد هذا القسم فينظر ويقول: هذا من جنس خبر الواحد المخالف لقياس الأصول. وأهل الرأي كثيرا ما يعارضون النصوص الخاصة بقياس نصوص أخرى، أو بعمومها، وفي كلام أحمد إنكار على من يفعل ذلك (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في النسخ بالعموم والقياس
[النسخ بالعموم والقياس]
الحنفية يقولون بهذا كثيرا، وأصحابنا والشافعية وغيرهم يدفعونه كثيرا. والحاجة إلى معرفته ماسة، فإنه كثيرا ما وقعت أحكام الأفعال في وقت لم يكن نظائر تلك الأفعال محرمة ثم حرمت تلك الأفعال بلفظ يخصها أو بلفظ يعمها والفعل الآخر. فالواجب فيه أن ينظر، فإن كان ذلك العموم مما قد عرف دخول تلك الصورة فيه كان نسخا (2) ، وكذلك إذا لم يكن بين الصورتين فرق، وهذا مثل ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه كان يعامل المشركين والمنافقين من العفو والصفح قبل نزول براءة» وكانت المساجد ينتابها المشركون قبل نزول براءة وكان المسلمون يلون أقاربهم المشركين في الغسل وغيره، كولاية علي أباه، قبل أن يقطع الله الموالاة بينهم.
وبالجملة: متى كان الحكم الأول قد عرفت علته وزالت بمجيء النص الناسخ أو كان معنى النص الناسخ متناولا لتلك الصورة فلا ريب
__________
(1) المسودة ص 225 ف 2/8.
(2) نسخة: «كان ناسخًا»
(2/45)

في ناسخ. وتختلف بعض آراء المجتهدين في بعض هذه التفاصيل وهذه القاعدة يحتاج إليها في الفقه كثيرا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[النسخ بالتعليل نسخ للشريعة وما له إلى الانحلال ... ]
ما حكم به الشارع مطلقا أو في أعيان: فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زوالا مطلقا قد ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز ذلك، ذكروه في مسألة التحليل، وذكره المالكية في حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق والضالة المكتومة ومانع الزكاة وتحريق متاع الغال، وهو يشبه قول من يقول: إن حكم المؤلفة قد انقطع.
قال شيخنا: وهذا عندي اصطلام للدين ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول عن شرعه بالرأي؛ فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جوز هذا بالرأي نسخ بالرأي. وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك، ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب إلا بخطاب. ثم منهم من يقول: قد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل والاضطباع. ومنهم من يقول: النطق حكم مطلق وإن كان سببه خاصا، فقد ثبتت العلة بها مطلقا. وهذان جوابان لا يحتاج إليهما، واستمساك الصحابة بنهيه عن الادخار في العام القابل يبطل هذه الطريقة. وهذا أصل عظيم.
وهذا أقسام؛ أحدها: أن يكون الحكم ثبت بخطاب مطلق.
الثاني: أن يثبت في أعيان. الثالث: أن لا يكون خطابا وإنما يكون فعلا أو إقرارا وينبغي أن يذكر هذا في مسألة النسخ بالقياس، ويسمى النسخ بالتعليل؛ فإنه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتسقط حكم الخطاب (2) .
__________
(1) المسودة ص 226، 227 ف 2/8.
(2) المسودة ص 277، 228 ف 2/8.
(2/46)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا عادت العلة، والعكس]
فإن كان الحكم مطلقا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن إذا عادت يعود؟ فهذا أحق من الأول، وفيه نظر. وعكسه أن ينسخ الحكم بخطاب فيعلل الناسخ بعلة مختصة بذلك الزمان بحيث إذا زالت العلة زالت النسخ. والفقهاء يقعون في هذا كثيرا، وهو أيضا خطاب مطلق أو معين أو فعل أو إقرار. فأما الفعل والإقرار فيقع هذا فيه كثيرا؛ إذ لا عموم له وكذلك يقع في القضية التي في عين كثيرا، لكن وقوعه في الخطاب العام فيه نظر (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال ابن عقيل: قال حنبلي: والنسخ لا يحصل تأريخه بالدليل العقلي، ولا مجال للعقل في علم التقديم والتأخير، ولا يحصل إلا من طريق الخبر (2) .
[إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة]
مسألة: إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة فإنا لا نصير إلى قوله حتى يخبر بماذا نسخت. قال القاضي: أومأ إليه أحمد. وبه قالت الحنفية والشافعية. وفيه رواية أخرى: يقبل قوله ذكرها ابن عقيل وغيره. وهكذا كان القاضي قد قال أولا. وعندي أنه إن كان هناك نص آخر يخالفها فإنه يقبل قوله في ذلك؛ لأن الظاهر أن ذلك النص هو النسخ، ويكون حاصل قول الصحابي الإعلام بالتقدم والتأخر، وقوله يقبل في ذلك.
والد شيخنا: وذكر أبو الخطاب أنه يقبل في الخبر، ولم يفصل كالرواية التي حكاها ابن عقيل، ولم يذكر لنا خلافا.
__________
(1) المسودة ص 228 ف 2/8.
(2) المسودة ص 230 ف 2/8.
(2/47)

شيخنا: وذكر الباجي في هذه المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يقبل بحال حتى يبين الناسخ ليعلم أنه ناسخ، لأن هذا كفتياه، وهو قول ابن الباقلاني والسمناني، واختاره الباجي. والثاني: أنه إن ذكر الناسخ لم يقع به نسخ، وإن لم يذكره وقع. والثالث: يقع به نسخ بكل حال (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا قال الصحابي هذا الخبر منسوخ]
قال القاضي: فأما خبر الواحد إذا أخبر به صحابي وزعم أنه منسوخ فإنه على قول من يجوز للراوي نقل معنى الأخبار يجب أن يثبت به النسخ؛ لأن ظاهر كلامه أنه معنى كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النسخ؛ لامتناع أن يحمل قوله على غير حقيقته. وأما على قول من يعتبر اللفظ فلا ينسخ به؛ لجواز أن يكون ما سمعه ظن أنه ناسخ، ولو أظهره لم يكن ناسخا عندنا (2) .
[وإذا قال الراوي كان كذا ونسخ]
مسألة: إذا قال الراوي: كان كذا ونسخ، فقال ابن برهان: قبل قوله في الإثبات دون النسخ عندنا. وقال أصحاب أبي حنيفة: قبل قوله في النسخ.
قال شيخنا: ويجب الفرق بين أن يقول: «كان كذا، ونسخ» وبين أن يقول لخبر معلوم بنقل غيره «هذا منسوخ» فإن هذا بمنزلة قوله عن الآية «هي منسوخة» (3) .
__________
(1) المسودة ص 230، 231 ف 2/8.
(2) المسودة ص 231 ف 2/8.
(3) المسودة ص 231، 232 ف 2/8.
(2/48)

الأصل الثاني السنة

مسألة: التأسي بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقتضيه العقل، لم يذكر ابن برهان فيه خلافا.
[التأسي بأفعال النبي هل يقتضيه العقل ويوجبه]
[والد شيخنا] : وذكره القاضي في الكفاية والعدة، وذكره الحلواني، وقال: خلافا لبعض الناس في قولهم: وجوبها بالعقل.
شيخنا: وكذلك حكى ابن عقيل عن بعض الأصوليين ورد عليه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وأفعاله هل لها دليل وهل يفعل المكروه ... ]
قال القاضي: أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها دليل، وأخذه من قول أحمد: لا يصلي على القبر بعد شهر، لحديث أم سعد، ووافقه ابن عقيل في الأخذ وخالفه في الحكم. والصحيح ضعف الأخذ والحكم.
وقال ابن عقيل: ذكر أصحابنا عن أحمد أنه جعل للفعل دليلا، وأخذه من مسألة الصلاة على القبر، وأحال هو ذلك، وجوز أن يكون المستند استصحاب الحال، وبسط القول، وسلم الدلالة إذ أكثر الفعل، وأكثر الكلام (2) .
__________
(1) المسودة ص 186 ف 2/8.
(2) المسودة ص 189 ف 2/8.
(2/49)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب فإن وجوبها من جهة السمع، خلافا لمن قال: تجب بالعقل. هذا كلام القاضي، وهذا أخص من التأسي (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال القاضي: النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل المكروه ليبين الجواز، لأنه يحصل فيه التأسي، لأن الفعل يدل على الجواز، فإذا فعله استدل به على جوازه، وانتفت الكراهية، وذكر عن الحنفية أنهم يحملون توضؤه بسؤر الهر على بيان الجواز مع الكراهية (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[السهو في البلاغ ولا يقر عليه]
يجوز النسيان على رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - في أحكام الشرع عند جمهور العلماء، كما في حديث ذي اليدين وغيره، وكما دل عليه القرآن واتفقوا على أنه لا يقر عليه، بل يعلمه الله به. ثم قال الأكثرون: شرطه تنبيهه - صلى الله عليه وسلم - (3) على الفور متصلا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير. وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته، واختاره أبو المعالي. ومنعت طائفة السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه في الأقوال البلاغية، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائيني. قال القاضي عياض: واختلفوا في جواز السهو عليه - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يتعلق بالبلاغ وبيان الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه، فجوزه الجمهور. وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده. وأما السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق
__________
(1) المسودة ص 353 ف 2/8.
(2) المسودة ص 189، 190 ف 2/8.
(3) نسخة تبيينه - صلى الله عليه وسلم -.
(2/50)

بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فجوزه قوم، قال عياض: والحق ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليه خلف في خبر، لا تعمدا ولا سهوا، لا في صحة ولا في مرض، ولا رضا ولا غضب. وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع.
قال شيخنا: سيأتي ما يتعلق بهذه في مسألة اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -. ودعوى الإجماع في الأقوال البلاغية لا يصح، وإنما المجمع عليه عدم الإقرار فقط. وقوله: «لم أنس ولم تقصر» ، وقوله في حديث اليهودية: «إنما تفتن يهود» ثم بعد أيام أوحي إليه أنه يفتنون (1) يدل على عدم ما رجحه عياض (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[دلالة أفعاله في صفات العبادات ... على الأفضلية وفي العادات.. على الاستحباب]
في دلالة أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الأفضلية.
وهي مسألة كثيرة المنفعة، وذلك في صفات العبادات، وفي مقاديرها، وفي العادات، وكذلك دلالة تقريره، وهي حال أصحابه على عهده، وترك فعله وفعلهم، وكذلك في الأخلاق والأحوال (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في دلالة أفعاله العادية على الاستحباب أصلا وصفة: كالطعام، والشراب، واللباس، والركوب، والمراكب، والملابس، والنكاح، والسكنى، والمسكن، والنوم، والفراش، والمشي، والكلام.
واعلم أن مسألة الأفعال لها ثلاثة أصول:
__________
(1) لعله: «إنكم تفتنون» .
(2) المسودة ص 190 ف 2/8.
(3) المسودة ص 191 ف 2/8.
(2/51)

[الأفعال لها ثلاثة أحوال]
أحدها: أن حكم أمته كحكمه في الوجوب والتحريم وتوابعهما إلا أن يدل دليل يخالف ذلك، وهذا لا يختص بالأفعال، بل يدخل فيه ما عرف حكمه في حقه بخطاب من الله أو من جهته؛ ولهذا ذكرت هذه في الأوامر أعني «مسألة الخطاب» وقد ذكر عن التميمي وأبي الخطاب التوقف في ذلك، وأخذا من كلام أحمد ما يشبه رواية، والصواب عنه العكس. وعلى هذا فالفعل إذا كان تفسيرا لمجمل شملنا وإياه، أو امتثالا لأمر شملنا وإياه لم يحتج إلى هذا الأصل، وقد يكون هذا من طريق الأولى: بأن يعلم سبب التحريم في حقه وهو في حقنا أشد، وسبب الإباحة أو الوجوب.
الأصل الثاني: أن نفس فعله يدل على حكمه - صلى الله عليه وسلم -: إما حكم معين، أو حكم مطلق، وأدنى الدرجات الإباحة. وعلى تعليل التميمي لتجويز الصغائر يتوقف في دلالته في حقه على حكمه. وقد اختلف أصحابنا في مذهب أحمد: هل يؤخذ من فعله؟ على وجهين. ومثل هذا تعليله بتجويز النسيان والسهو؛ لكن هذا مأخذ رديء، فإنه لا يقر على ذلك. والكلام في فعل لم يظهر عليه عتاب. فمتى ثبت أن الفعل يدل على حكم كذا وثبت أنا مساوون له في الحكم ثبت الحكم في حقنا.
الأصل الثالث: أن الفعل هل يقتضي حكما في حقنا من الوجوب مثلا وإن لم يكن واجبا عليه، كما يجب على المأموم متابعة الإمام فيما لا يجب على المأموم، وعلى الجيش متابعة الإمام فيما لا يجب على الإمام، وعلى الحجيج موافقة الإمام في المقام بالمعرف إلى إفاضة الإمام؟ هذا ممكن أيضا؛ بل من الممكن أن يكون سبب الوجوب في حقه معدوما في حقنا ويجب علينا لأجل المتابعة ونحوها، كما يجب علينا الرمل والاضطباع مع عدم السبب الموجب له في حق الأولين، أو سبب الاستحباب منتفيا في حقنا وقد نبه القرآن على هذا بقوله: {مَا
(2/52)

كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [120/9] فصار واجبا عليهم لموافقته ولو لم يكن قد تعين الغزو في ذلك الوقت إلى ذلك الوجه. وهذا الذي ذكرناه في المتابعة قد يقال في كل فعل صدر منه اتفاقا لا قصدا، كما كان ابن عمر يفعل في المشي في طريق مكة، وكما في تفضيل إخراج التمر. وهذا في الاقتداء نظير الامتثال في الأمر. فالفائدة قد تكون في نفس تهدينا بهديه وبأمره وفي نفس الفعل المفعول المأمور به والمقتدى به فيه، فهذا أحرى في الاقتداء ينبغي أن يتفطن له فإنه لطيف، وطريق أحمد تقتضيه. وهذا في الطرف الآخر من المنافاة لقول من قال: إن المأمور به قد يرتفع لارتفاع علته من غير نسخ؛ فإن أحمد تسرى لأجل المتابعة، واختفى ثلاثا لأجل المتابعة، وقال: وما بلغني حديث إلا عملت به، حتى أعطى الحجام دينارا، وكان يتحرى الموافقة لجميع الأفعال النبوية (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
احتج القائل بأن فعله لا يدل على وجوبه علينا بأن المتبوع أوكد حالا من المتبع فإذا كان ظاهر فعله لا ينبئ عن جوبه عليه فلأن لا يدل على وجوبه علينا أولى. فقال القاضي: هذا يبطل على أصل المخالف بالأمر، فإنهم يجعلونه دالا على الوجوب في حق غيره ولا يدل على وجوبه عليه لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر عندهم. قال: وعلى أنا نقول: إن ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه كما يدل على ذلك في حق غيره، كما قلنا في أوامره: هي لازمة له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء ولا فرق بينهما، وهذا قياس المذهب (2) .
__________
(1) المسودة ص 191، 192 ف 2/8.
(2) المسودة ص 193 ف2/8.
(2/53)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
وليس تركه موجبا علينا ترك ما تركه، استدل به المخالف، وسلمه القاضي له من غير خلاف ذكره ونقضه بالأمر فإن ترك الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به وأمره يوجب امتثال ما أمر به (1) .
قال شيخنا: قال ابن بطة فيما كتب به إلى ابن شاقلا في جوابات مسائل، وقال: والدليل على أن سنته وأوامره قد كان فيها بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره أنه قد عوتب على بعضها ولو أمر بها لما عوتب عليها، من ذلك حكمه في أسارى بدر، وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [159/3] فلو كان وحيا لم يشاور فيه. قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى صحة ما قاله أبو عبد الله بن بطة في رواية الميموني لما قيل له: ههنا قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا به. قال: ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» ، وما علمهم بما أوتي.
وأما أبو حفص العكبري فإنه ذكر في باب التسعير قوله: «لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله بها» قال: هذا يدل على أن كل سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته فبأمر الله وبهذا نطق القرآن (2) .
فصل
واختلف القائلون بجواز الحكم له بالاجتهاد في تطرق الخطأ عليه فيه، فقال أصحابنا وذكره أبو الخطاب في مسألة تصويب المجتهدين وأكثر الشافعية، وأهل الحديث: يجوز ذلك، لكن لا يقر عليه، وسلم ابن عقيل
__________
(1) المسودة ص 193 ف 2/8.
(2) المسودة ص 507، 508 ف 2/8.
(2/54)

وغيره امتناع الخطأ فيما أخبر به عن الله وفيما أجمعت الأمة عليه.
قال شيخنا: قلت: هذا في الأمة مبني على مسألة انقراض العصر. وأما في التبليغ ففي جواز ما لا يقر عليه من ذلك خلاف معروف سببه حديث السهو (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تصفيق قول القاضي]
قال المخالف: اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا، كذلك اتفاق الصواب. فقال القاضي: غير ممتنع أن يقع في الأمرين معا كما تتفق أمور كثيرة على طريقة واحدة كما يقع في العلوم، وقال: يجوز أن يبعث الله رسولا ويجعل له أن يشرع الشريعة كلها فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي إذا علم الله أن المصلحة فيه، كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء إذا علم أنه لا يختار أكل الحرام، وجوز بالنوعين ما يحكم فيه باجتهاد واستدلال وما يقوله إذا خطر بباله من غير اجتهاد إذا علم الله أنه يصيب ما هو المراد عند الله؛ لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي أنه يخير في تقليد من شاء من العلماء ويكون ذلك حكم الله عليه من غير أن يرجع إلى أصل يستدل به، واحتج بما حرم إسرائيل على نفسه، واحتج بالمخير والمطلق، وهو ضعيف (2) .
مما يوجب اتباع القرآن والرسول في سنته وأمره وفعله (3) :
{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [38/2] .
__________
(1) المسودة ص 509 ف 2/8.
(2) المسودة ص 510، 511 ف 2/8.
(3) هذا العنوان من المؤلف أحمد بن تيمية.
(2/55)

{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} الآية [123، 124/20] .
{وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} الآية [99، 100/20] .
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} الآية [121/2] .
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [170/2] .
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} الآية [213/2] .
{وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [129/2] .
{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [151/2] .
{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [231/2] .
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [34/33] .
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [23/3] .
(2/56)

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [101/2] .
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآيتين [159، 160/2] .
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} الآية [174/2] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [104/2] .
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [31/3] .
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [32/3] .
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [132/3] .
{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} إلى قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [101-103/3] .
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [164/3] .
{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} [125/3] .
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [172/3] .
(2/57)

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} إلى قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [13، 14/4] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [59/4] .
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [61/4] .
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} إلى قوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} إلى قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوْعَظُونَ بِهِ} [64-66/4] .
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [69/4] .
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [115/4] .
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} الآيات [41-44/5] .
{وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} [12/5] .
(2/58)

{قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [68/5] .
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الآية [49/5] .
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} الآية [92/5] .
{وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} إلى قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [103، 104/5] .
{اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [106/6] .
{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} إلى قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [50/6] .
{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [3/7] .
{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [170/7] .
{فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} الآية [156، 157/7] .
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} إلى قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [1/7] .
(2/59)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} إلى قوله: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} إلى قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [24-46/8] .

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ} [13/8] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [20/8] .
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [24/9] .
{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} [42/9] .

{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} [117/9] .

{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [17/9] .

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ} [71/9] .
{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [59/9] .

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [17/11] .

{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
(2/60)

إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [62، 63/9] .
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الآية [9/17] .
{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [27/18] .
{إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [45/21] .
{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [47/24] .

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} إلى قوله: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ} إلى قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [62، 63/24] .

{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} إلى قوله: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} إلى قوله: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} [27-29/25] .

{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} في قصة: نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وشعيب [108، 126، 150، 163، 179/26] .
{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [45/29] .
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} إلى قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [91، 92/27] .
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [21/31] .
(2/61)

{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [15/10] .
{يَا قَوْم اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} الآية [20، 21/36] .
{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ} [109/10] .
{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [43/19] .
{لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [134/20] .
{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [2/33] .
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [45، 46/33] .
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [21/23] .

{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى قوله: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [31-34/33] .

{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [36/33] .
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} إلى قوله: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} [36، 37/33] .

{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [29/35] .
(2/62)

{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [11/36] .
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [45/50] .
{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [10/42] .
{أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [21/43] .
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [43/43] .
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} الآيتين [18، 19/45] .
{اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [4/46] .
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [9، 33/47] .
{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [9/48] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [1/49] .
{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [2/49] .
{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} [7/49] .
{إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} [9/58] .
{فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [13/58] .
{لَا تَجِدُ قَوْمًا} إلى قوله: {يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [22/58] .
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [2/62] .
(2/63)

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} [5/62] .
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [12/64] .
{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} [8/65] .
{قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [2، 3/71] .
{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [15، 16/73] .
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} في موضعين [43/16و 7/21] هو الذكر المذكور في قوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [164/20] ، وقوله: {آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} ، وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا} [99/20] ، إلى قوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [48-50/21] ، وقوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [2/21] ، {مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} [5/26] ، {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا} [10، 11/65] ، {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} [34/33] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} [6/15] ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [9/15] (1) .
__________
(1) مجموع 69 ص 271 هذه الآيات شبيهة بالآيات التي ساقها في أول العقيدة الواسطية و (مائة آية) ف 2/8.
(2/64)

كتاب الأخبار

قال القاضي: للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبرا كالأمر ولا يفتقر إلى قرينة يكون بها خبرا.
وقالت المعتزلة: لا صيغة له، وإنما يدل اللفظ عليه بقرينة وهو قصد المخبر إلى الإخبار به، كقولهم في الأمر وقالت الأشعرية: الخبر نوع من الكلام، وهو معنى قائم في النفس يعبر عنه بعبارة تدل تلك العبارة على الخبر لا بنفسها كما قالوا في الأمر والنهي.
قال شيخنا: وفي قوله: «للخبر صيغة» مناقشة لابن عقيل حيث يقول: للأمر والنهي والعموم صيغة (1) . وقول القاضي أجود؛ لأن الأمر والخبر والعموم هو اللفظ والمعنى جميعا، ليس هذا اللفظ فقط؛ فتقدير: لهذا المركب خبر يدل بنفسه على المركب، بخلاف ما إذا قيل: الأمر هو الصيغة فقط فإن الدليل يبقى هو المدلول عليه. ومن قال: هو المدلول أيضا لم يصب. ومن الناس من لا يحكي إلا القولين المتطرفين دون الوسط (2) .
مسألة: اختلف الناس في الكذب: هل قبحه لنفسه أو بحسب المكان؟ فقال الأكثرون منهم ابن عقيل: قبحه بحسب مكانه، ولهذا
__________
(1) قلت: يفهم من كلام الشيخ أن ابن عقيل قال: «الأمر هو الصيغة» .
(2) المسودة ص 232 ف 2/9.
(2/65)

حسن عند العلماء حيث أجازه الشرع [وذهبت شرذمة إلى أن قبحه لنفسه، وعند هؤلاء هو قبيح حيث أجازه الشرع أيضا] قالوا: لكنه دفع به ما هو أقبح منه. وبعد ابن عقيل هذا، وعلى المذهبين مهما أمكن جعل المعاريض مكانه حرم.
قال شيخنا: وهذا المسألة تبنى على القول بالقبح العقلي، فمن نفاه وقال: «لا حكم إلا لله» جعله بحسب موضعه ومن أثبته وجعل الأحكام لذوات المحل قبحه لذاته (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل خبر الأربعة يوجب العلم والعمل]
قال القاضي أبو يعلى متابعة لأبي الطيب وقاله قبلهما ابن الباقلاني متابعة للجبائي: يجب أن يكون أكثر من أربعة؛ لأن خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجبا للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة موجبا لذلك، ولو كان هكذا الوجب إذا شهد أربعة على رجل بالزنا أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة، ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلاً.
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: وقد ألحق القاضي «لا يتأتى منهم التواطؤ على الكذب إما لكثرتهم، أو لدينهم وصلاحهم» وقال في مسألة خبر الواحد: لا يفيد العلم، لو كان موجبا للعلم لأوجبه على أي صفة وجد: من المسلم والكافر والعدل والفاسق والحر والعبد والصغير والكبير، كما أن الخبر المتواتر لما أوجب العلم لم يختلف باختلاف صفات المخبرين بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون والصغار والكبار والعدول والفساق.
قال شيخنا: قلت: هذا الكلام -مع أنه ي غاية السقوط- مناقض
__________
(1) المسودة ص 233 ف 2/9.
(2/66)

لقوله: إما لكثرتهم وإما لدينهم وصلاحهم. وهذا الثاني أصح. ثم إنه كما تقدم فرق في وجوب العمل أو في غلبة الظن بين مخبر ومخبر فكذلك في العلم، والعلم بتأثير الصفات ضروري، وجحوده عناد، وهذا الحق (1) يمنع أن يستوي الأربعة (2) .
ثم هذا باطل من وجوه. أحدها: أن العشرة وأكثر منها لو شهدوا بالزنا لوجب عليه أن يسأل فلا اختصاص بالأربعة. الثاني: أنه لو علم أنه زنا اضطرارا بالمشاهدة لم يرجمه إلا بالثقات، فكذلك إذا أخبره من يعلم بصدقه اضطرار؛ لأن القاضي إنما يقضي بأمر مضبوط؛ نعم لو شهد بالأمر عدد يفيد خبرهم العلم لكل أحد فهذا فيه نظر، لكنه لا يكاد يقع، لإمكان التواطؤ. وأما الشاهد نفسه يجوز أن يستند إلى التواتر، وكذلك الحاكم فيما يحكم فيه بعلمه كعدالة الشهود وفسقهم، فمناط الشهادة علم الشاهد بأي طريق حصل. ومناط الحكم طريق ظاهرة مضبوطة -وإن لم تفد العلم- لأجل العدل بين الناس (3) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[لا ترد الأخبار بالاستدلال]
قال ابن عقيل: المحققون من العلماء يمنعون رد الأخبار بالاستدلال ومثله برد خبر القهقهة استدلالاً بفضل الصحابة المانع من الضحك،
وكذلك لو شهدت بينة عادلة على معروف بالخير بإتلاف أو غصب لم ترد شهادتهم بالاستبعاد ومثله برد عائشة قول ابن عباس
في حديث الرؤية بقولها: لقد قف شعري. قال: فردت خبره بالاستدلال فلم يعول أهل التحقيق على ردها، ومثله أيضا بقوله: «لأزيدن على السبعين» حيث قيل له: هذا يفيد الصحة، فقال: هذا رد للأخبار
__________
(1) نسخة: «الأحق» .
(2) نسخة: «الأربعات» .
(3) المسودة ص 237 ف 2/9.
(2/67)

بالاستدلال ولا يجوز ذلك، لأن السند يأتي بالعجائب، وهي من أكثر الدلائل لإثبات الأحكام (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[بعمل بخبر الواحد بدون سؤاله]
قال أبو الخطاب: الحكم بخبر الواحد عن الرسول لمن يمكنه سؤاله (2) مثل الحكم باجتهاده واختياره أنه لا يجوز. والذي ذكره بقية أصحابنا القاضي وابن عقيل جواز العمل بخبر الواحد لمن أمكنه سؤاله، أو أمكنه الرجوع إلى التواتر محتجين به في المسألة بمقتضى أنه إجماع. وهذا مثل قول بعض أصحابنا: إنه لا يعمل بقول المؤذن مع إمكان العلم بالوقت. وهذا القول خلاف مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وخلاف ما شهدت به النصوص، وذكر في مسألة منع التقليد أن المتمكن من العلم لا يجوز له العدول إلى الظن، وجعله محل وفاق، واحتج به في المسألة (3) .
مسألة: خبر الواحد يوجب العمل وغلبة الظن دون القطع في قول الجمهور؛ وارتضى الجويني من العبارة أن يقال: لا يفيد العلم ولكن يجب العمل عنده؛ لا به؛ بل بالأدلة القطعية على وجوب العمل بمقتضاه؛ ثم قال: هذه مناقشة في اللفظ، ونقل عن أحمد ما يدل على أنه قد يفيد القطع إذا صح واختاره جماعة من أصحابنا.
قال والد شيخنا: ونصره القاضي في الكفاية.
قال شيخنا: وهو الذي ذكره ابن أبي موسى في الإرشاد، وتأول القاضي كلامه على أن القطع قد يحصل استدلالا بأمور انضمت إليه: من تلقي الأمة له بالقبول، أو دعوى المخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمعه منه في
__________
(1) المسودة ص 238 ف 2/9.
(2) نسخة: «ولم يمكنه سؤاله» .
(3) المسودة ص 239 ف 2/9.
(2/68)

حضرته فيسكت ولا ينكر عليه، أو دعواه على جماعة حاضرين السماع معه فلا ينكرونه ونحو ذلك، وحصر ذلك بأقسام أربعة هو وأبو الطيب جميعا.
ومن أطلق القول بأنه يفيد العلم فسره بعضهم بأنه العلم الظاهر دون المقطوع به؛ وسلم القاضي العلم الظاهر. وقال النظام إبراهيم: خبر الواحد يجوز أن يفيد العلم الضروري إذا قارنه أمارة، وكذلك قال بعض أهل الحديث: منه ما يوجب العلم كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه وأثبت أبو إسحاق الإسفرائيني فيما ذكره الجويني قسما بين المتواتر والآحاد سماه «المستفيض» وزعم أنه يفيد العلم نظرا. والمتواتر يفيد العلم ضرورة، وأنكر عليه الجويني ذلك، وحكي عن الأستاذ أبي بكر: أن الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول محكوم بصدقه، وأنه في بعض مصنفاته.
وقال: إن اتفقوا على العمل به لم يحكم بصدقه لجواز العمل بالظاهر، وإن قبلوه قولا وقطعا حكم به. وقال ابن الباقلاني: لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا؛ لأن تصحيح الأئمة للخبر يجري على حكم الظاهر، فقيل له: لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق ماذا تقول؟ فقال مجيبا: لا يتصور ذلك.
والد شيخنا: والقطع بصحة الخبر الذين تلقته الأمة بالقبول أو عملت بموجبه لأجله قول عامة الفقهاء من المالكية ذكره عبد الوهاب والحنفية فيما أظن والشافعية والحنبلة. واختلف هؤلاء في إجماعهم على العمل به: هل يدل على علمهم بصحته قبل العمل به؟ على قولين، أحدهما: يشترط. والثاني: لا يشترط. وعلى الأول لا يجوز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد وإن عمل به الجمهور. وقال عيسى بن أبان: ذلك يدل على قيام الحجة به وصحته، وخالفه الأكثرون بناء على
(2/69)

الاعتداد بخلاف الواحد والاثنين، [وذكره أبو الحسن البستي من الحنفية في كتاب اللباب، فقال: وتقدم رواية الفقيه على القياس ولا يجوز ذلك لغير الفقيه؛ بل يقدم القياس على روايته] وفي كتاب اللامع لابن حاتم صاحب ابن الباقلاني، قال: قال عيسى بن أبان: إن كان راوي الخبر متيقظا ترك القياس لأجله؛ وإن لم يكن كذلك وجب الاجتهاد في الترجيح. ومن الناس من قال: القياس أولى بالمصير إليه، وإليه صار جماعة من أصحاب مالك. وأما الشافعي وأكثر أصحابه فيترك عندهم الخبر للقياس الجلي، ويترك الخفي للخبر، قال: وكل هذه الأقوال عندنا باطلة.
قال الأثرم في كتاب معاني الحديث: الذي يذهب إليه أحمد بن حنبل أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد برئ منها وبرئت منه، وقال: إذا جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت بالحكم والفرض ودنت الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك. قال شيخنا: نقلته من خط القاضي على ظهر المجلد الثاني من العدة، وذكر أنه نقله من كتاب بخط أبي حفص العكبري رواية أبي حفص عمر بن زيد (1) .
وقال أيضا: قال أحمد بن حنبل: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة ولم يصب منه فليأكل، وإن كان قد تناول وأقيمت الصلاة فليقوموا فليصلوا، وفيه أيضا في حديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة» . فقال أبو عبد الله: أدفع هذا الحديث بأنه قد روي عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا.
قال شيخنا: قلت: أبو عبد الله يشهد للعشرة بالجنة والخبر فيه
__________
(1) في نسخة: «عمر بن بدر» .
(2/70)

[الشهادة والخبر واحد]
خبر واحد، وبنى ذلك على أن الشهادة والخبر واحد. ولفظ القاضي في العدة: خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري، وقد رأيت في كتاب معاني الحديث للأثرم بخط أبي حفص العكبري، وساق الرواية كما تقدم، قال: فقد صرح القول بأنه لا يقطع به، ورأيت في كتاب الرسالة لأبي العباس أحمد بن جعفر الفارسي فقال: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه على ما روي ولا ننص، قال القاضي: وقوله: «ولا ننص الشهادة» معناه عندي -والله أعلم- لا نقطع على ذلك.
قال شيخنا: قلت: لفظ «ننص» هو المشهور، ومعناه لا نشهد على المعين، وإلا فقد قال: نعلم أنه كما جاء، وهذا يقتضي أنه يفيد العلم. وأيضا فإن من أصله أن يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد، وهو خبر واحد، وقال: أشهد وأعلم واحد. وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر الواحد، وقد خالفه ابن المديني وغيره.
قال القاضي: وقد نقل أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما، فعابه، وقال: ما أدري ما هذا. وظاهر أنه سوى فيه بين العمل والعلم.
قال شيخنا: قلت: قد يكون من هذا قوله: ذو اليدين أخبر بخلاف نفسه ونحن ليس عندنا علم برده، وإنما هو علم يأتينا به.
قال القاضي: وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية: نؤمن بها ونعلم أنها حق نقطع على العلم بها. قال: وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا، وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم.
(2/71)

قال: وهذا عندي محمول على وجه صحيح من كلام أحمد، وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال، لا من جهة الضرورة، والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه:
أحدها: أن تتلقاه الأمة بالقبول، فيدل ذلك على أنه حق، لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ ولأن قبول الأمة له يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته، لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به لا تجتمع الأمة على قبوله، وإنما يقبله قوم ويرده قوم.
والثاني: خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو واحد فنقطع بصدقه؛ لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته.
الثالث: أن يخبر الواحد ويدعي على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمعه منه فلا ينكره فيدل على أنه حق، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقر على الكذب.
الرابع: أن يخبر الواحد ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه معه فلا ينكر منهم أحد، فيدل على أنه صدق، لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه، والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال، وقال إبراهيم النظام: خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري إذا قارنته أمارة.
[لا تنحصر أخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام]
قال شيخنا: قلت: حصره لأخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام ليس بجامع؛ لأن مما يوجب العلم أيضا ما تلقاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقبول كإخباره عن تميم الداري بما أخبر به، ومنه إخبار شخصين عن قضية يعلم أنهما لم يتواطآ عليها ويتعذر في العادة الاتفاق على الكذب فيها أو الخطأ، ومنه غير ذلك.
ثم أفرد ابن برهان فصلين في آخر كتاب الأخبار، أحدهما: فيما إذا أجمع الناس على العمل بخبر الواحد: هل يصير كالمتواتر؟ واختار أنه لا يصير. والثاني: إذا ادعى الواحد على جماعة بحضرتهم صدقه
(2/72)

فسكتوا، فقال قوم: يصير كالمتواتر، واختار هو أن ذلك لا يتصور، لأن الدواعي في مثل ذلك لا تنفك عن تصديق أو تكذيب ولو من البعض (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع
[ليس خبر كل واحد يفيد العلم]
هل يفيد العلم؟ فإن أحدا من العقلاء لم يقل أن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول.
قال ابن عبد البر: اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل: هل يوجب العلم والعمل جميعا، أم يوجب العمل دون العلم؟ قال: والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الأثر وبعض أهل النظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به الله وقطع العذر لمجيئه مجيئا لا اختلاف فيه، قال: وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر أنه يوجب العلم والعمل جميعا، منهم الحسين الكرابيسي وغيره؛ وذكر ابن خويز منداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[أخبار الآحاد تصلح لإثبات الديانات]
مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات.
قال القاضي في مقدمة المجرد: وخبر الواحد يوجب العلم إذا صح ولم تختلف الرواة فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول
__________
(1) المسودة ص 240-244 ف 2/9.
(2) المسودة ص 244 ف 2/9.
(2/73)

به، وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول، والمذهب على ما حكيت لا غير (1) (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[نقد قول ابن عقيل بأن أخبار الفات وتوهم التنبيه فيجب تأويل بعضها]
قال ابن عقيل: أخبار الآحاد إذا جاءت بما ظاهره التشبيه وللتأويل فيها مجال. لكن يبعد عن اللغة حتى يكون كأنه لغز: هل يجب ردها رأسا، أم يجب قبولها ويكلف العلماء تأويلها؟ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة مذاهب؛ فقوم قالوا بظاهرها. وضعفه بأن ظاهرها يعطي الأعضاء والانتقالات وحمل الأعراض. والمذهب الثاني: رد الأخبار صفحا، واتهموا رواتها إما بالوضع أو بعدم الضبط. والمذهب الثالث قال: يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها، وإن كان من بعيد اللغة ونادرها، قال: وهذا هو اعتقادنا، قال: ولا يختلف العلماء أنه إذا كان طريق ذلك قطعيا كآي القرآن وأخبار التواتر أنه لا يرد؛ بل يبقى على مذهبين: إما التأويل، أو الحمل على الظاهر.
قال شيخنا: قلت: هذا خلاف ما قرره في انتصاره لأصحاب الحديث، وإن كان كلامه في هذا الباب الاختلاف، وخلاف ما عليه عامة أهل السنة المتقدمين من السلف. وناقشه ابن غنيمة فقال: قد فرض الكلام في الأخبار التي ظاهرها التشبيه، وحملها على ظاهرها يوجب التشبيه، فلم يبق إلا التأويل، أو حملها على ما جاءت لا على الظاهر. ومن متأخري أصحابنا وغيرهم كابن الجوزي من يجوز التأويل ولا يوجبه فهذا قول آخر. والمقالات فيها تبلغ سبعة أو أزيد (3) .
__________
(1) المسودة ص 248 ف 2/9.
(2) قلت: ويأتي في أخبار الآحاد وزيادة ذكرها في مسائل الإجماع.
(3) المسودة ص 249 ف 2/9.
(2/74)

[المرسل ومتى يكون حجة]
وقال شيخنا: ذكر القاضي عن الشافعي أنه قال: إن كان الظاهر من حال المرسل الثقة من التابعين أن ما يرسله مسند عند غيره قبل منه. وقال أيضا: المرسل مقبول ممن وجد لأكثر مراسيله أصول في المسانيد. وقال: المرسل يقبل إذا عمل به بعض الصحابة. وقال مرة: المرسل يعمل به إذا أفتى به عوام العلماء. وقال: مراسيل ابن المسيب مقبولة لأنه وجد مراسيله مسانيد، فقيل: إن الشافعي أراد به قوته من الترجيح لا إثبات حكم به. وقيل: إن الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم ذكره القاضي.
قال شيخنا: وليس بجيد. وذكر الباجي أن المرسل عندهم إنما يكون حجة إذا كان عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة؛ لأنه قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا من المتصل ولم يفرق (1) .
فصل
[وإذا أريد بالمرسل ما بعد عصر التابعين]
قال شيخنا: قلت: ما ذكره القاضي وابن عقيل أن مرسل أهل عصرنا مقبول كغيره ليس مذهب أحمد، فإنا نجزم أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثي وقته وعلمائهم، بل يطالبهم بالإسناد. نعم المجتهدون في الحديث الذين يعرفون صحيحه وضعيفه إذا قال أحدهم: ثبت هذا أو صح هذا، أو قال أحدهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا واحتج بذلك فهذا نعم، كتعليق البخاري المجزوم به.
وبحث القاضي يدل على أنه أراد بالمرسل من أهل عصرنا ما أرسله عن واحد، فهذا قريب، بخلاف ما أرسله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن سقوط واحد أو اثنين ليس كسقوط عشرة، وحجته لا تتناول إلا ما سقط منه واحد؛ فإنه قال: المرسل إذا كان ثقة. فظاهره أن الذي أرسل عنه
__________
(1) المسودة ص 251 فيه زيادة ف 2/9.
(2/75)

عدل، وهذا المعنى موجود في أهل الأعصار (1) .
[إذا كان في الإسناد رجل مجهول وإذا روى عنه العدل أو كان يأخذ عن الثقات]
مسألة: وإذا كان في الإسناد رجل مجهول الحال، فهو على الخلاف المذكور في المرسل، كذا ذكر القاضي وابن عقيل في ضمن مسألة الإرسال، وذكرا في موضع آخر المسألة مستقلة أنه لا يقبل خبر مستور الحال، وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وذكر الخلال في الفتن من العلل. منها: قلت لأحمد: حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن عمر بن هارون الأنصاري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أشراط الساعة سوء الجوار وقطيعة الأرحام وأن يعطل السير عن الجهاد وأن تختل الدنيا بالدين» . فقال: ليس بصحيح. قلت: لم قال: من عمر بن هارون. قلت: لا يعرف. قال القاضي: هذه الرواية تدل على أن رواية العدل عن غيره ليس بتعديل، وتدل على أن الجهالة بعين الراوي تمنع من صحة الحديث. منها: سألت أحمد عن حاتم بن زيد (2) الهمداني ثقة هو؟ قال: كان يزيد بن هارون يحدث عنه. قلت: ثقة هو؟ قال: لا أدري وكرهه. قال: وهذه الرواية تمنع أيضا أن تكون رواية العدل تعديلا. وقال أبو حنيفة: يقبل خبره إذا عرف إسلامه. وعدم القبول مذهب الشافعي. وذكر المقدسي في قبول رواية مجهول العدالة روايتين (3) ؛ إحداهما: لا تقبل. والثانية: يقبل مجهول العدالة خاصة دون بقية الشروط، وكذلك ذكرها أبو الخطاب كشيخه. واختار الجويني الوقف فيه بتفسير ذكره (4) .
والد شيخنا: وذكر القاضي في الكفاية: أنه تقبل رواية من عرف
__________
(1) المسودة ص 251، 252 ف 2/9.
(2) نسخة: «حاتم بن يزيد الهمداني» .
(3) نسخة: «مجهول الحال» .
(4) «تقبل في زمن تكثر فيه الجنايات دون غيره» .
(2/76)

إسلامه وجهلت عدالته في الزمن الذي لم تكثر فيه الجنايات، فأما مع كثرة الجنايات فلا بد من معرفة العدالة.
شيخنا: وقال القاضي في ضمن مسألة ما لا نفس له سائلة لما احتج بحديث سلمان، فطعن فيه المخالف بأن «بقية» ضعيف فقال القاضي: قولك ضعيف لا يوجب رد الخبر، لأنك لم تبين وجه ضعفه. فقال المخالف: فيجب أن تتوقفوا عنه حتى يتبين سبب ضعفه، كالبينة إذا طعن فيها المشهود عليه وجب على الحاكم أن يتوقف عن الحكم حتى يبين وجه الطعن. فقال القاضي: حكم الخبر أوسع من الشهادة ألا ترى أنه يسمع ممن ظاهره العدالة ولا تسمع الشهادة ممن ظاهرة العدالة.
والد شيخنا: الفرق بين رواية المستور (1) وقبول الحديث إذا كان في إسناده مستور على طريقة القاضي وغيره ثابت، وليس تناقضا، لأنه يقول: إذا روى العدل عمن لا نعرفه نحن كان تعديلا له، فتكون عدالته ثابتة برواية المحدث عنه، بخلاف المستور إذا كان هو الذي شافهنا بالرواية، فإنه ليس هنا ما يوجب عدالته، كالشاهد المستور عند القاضي [هذا معنى كلام القاضي وغيره] وهو مبني على أن الرواية تعديل [وقد صرح بذلك في ضمن مسألة المرسل] والصحيح في هذه المسألة الذي يوجبه كلام الإمام أن من عرف من حاله الأخذ من الثقات، كمالك وعبد الرحمن بن مهدي كان تعديلا دون غيره، ويمكن تثبيت رواية المستور في وسط الإسناد على هذا القول بأنه إذا سمي المحدث فقد أزال العذر، بخلاف ما إذا قال: «رجل من بني فلان» فإنه لولا اعتقاده عدالته كانت روايته ضياعا.
__________
(1) نسخة: «مستور الحال» .
(2/77)

شيخنا: ثم رأيت القاضي قد صرح بهذا الفرق في مسألة المستور. وأما في مقدمة المجرد فقال: الخبر المرسل أن يروي عن رجل ولا يذكر اسمه، أو عمن لم يلقه، ثم قال: ولا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف مجرد إسلامه على نصوص أحمد فلأن يعرف فيجعل ذلك حجة في رد حديثه، فالأول فيمن لم يعرف اسمه، وهنا قد عرف (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[فالمرسل طبقات]
قد ذكر القاضي أن من صور المرسل أن يروي عن مجهول لم يعرف عينه كقوله: «رجل من بني فلان» فاحتج مخالفه بأن الجهل بعين الراوي أكبر من الجهل بصفته، لأن من جهلت عينه جهلت عينه وصفته، ثم ثبت أنه لو كان معروف العين مجهول الصفة مثل أن يقول: «أخبرني به فلان ولا أعرف أثقة هو أم غير ثقة» لم يقبل خبره، فبأن لا يقبل خبره إذا لم يذكره أصلا أولى. فقال القاضي: والجواب أنا لا نسلم أن صفته مجهولة؛ لأن رواية العدل عن رجل تعديل له، لا يجوز في حقه أن يروي عن فاسق. وقد قيل: إذا كان فلان معروفا بالإسلام فإنه يقبل خبره، لأن ظاهر أمره العدالة وترك مواقعة المحظور، وجواز أن يكون فعل ما يوجب جرحا في شهادته غير معلوم فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من عدم العلم بجرحه. فإن قيل: فيجب أن تقبل شهادته وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي ذكرته. قيل: تقبل شهادته في إحدى الروايتين. فعلى هذا لا فرق. ولا نقبلها في الأخرى احتياطا للشهادة كما احتطنا لها من الوجوه التي ذكرناها.
قال شيخنا: قلت: فقد ذكر أنه تقبل رواية المستور وإن لم تقبل
__________
(1) المسودة ص 252-255 ف 2/9.
(2/78)

شهادته، وجعل المجهول العين أجود، إذ الرواية عنه تعديل، بخلاف المعين الذي صرح بعدم العلم بعدالته، فيكون المرسل طبقات:
أحدها: أن يجزم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله.
الثاني: أن يقول: حدثني رجل، أو فلان. ألا ترى أن شهود الفرع لو شهدوا بما سمعوه من شهود الأصل جاز وكانت شهادة استفاضة. ومتى قالوا: أشهدنا فلان أو شاهد فلان فلا بد من البحث عن الأصول.
الثالث: أن يقول: ولا أعلم حاله.
وأما إذا قال: حدثني الثقة ففي كونه مرسلا وجهان: أصحهما أنه ليس بمرسل. ولو قال: حدثني فلان وهو ثقة لم يكن مرسلا بالاتفاق.
ثم ذكر القاضي مسألة مستقلة: أنه لا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف إسلامه، وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد وقد سأله عن ابن حميد يروي عن مشايخ لا نعرفهم وأهل البلد يثنون عليهم، فقال: إذا أثنوا عليهم قبل ذلك منهم، هم أعرف بهم. قال: وظاهر هذا أنه لا يقبل خبره إذا لم تعرف عدالته لأنه اعتبر تعديل أهل البلد لهم.
قال شيخنا: قلت: هذا في كلام أحمد كثير جدا. قال: وحكي عن أبي حنيفة أنه يقبل خبر من لم تعرف عدالته إذا عرف إسلامه. واحتج القاضي بأن كل خبر لم يقبل من فاسق كان من شروطه معرفة عدالة المخبر كالشهادة. قال: ولا يلزم عليه الخبر المرسل؛ لأن رواية العدل عنه تعديل. قال: وخبر الأعرابي الشاهد بالهلال يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - عرف من حال الشاهد أنه عدل ثقة فلذلك حكم بشهادته. قال: وليس من شرطه معرفة العدالة الباطنة؛ لأن اعتبارها يشق، ويفارق
(2/79)

الشهادة لأن اعتبارها لا يشق لأن لها معتبرا وهو الحاكم، والاعتبار إليه، وليس كل من سمع الحديث حاكما.
قال شيخنا: فقد رتبهم أربع مراتب: مسلم، وعدل الظاهر، وباطن، وفاسق. وكأنه يعني بالعدالة الباطنة ما يثبت عند الحاكم، وبالظاهرة ما ثبت عند الناس بلا حاكم (1) واعتبار هذا في شهادة النكاح قول حسن.
[والد شيخنا] : ... ... فصل
[إذا تحمل صغيرا وروى كبيرا]
فإن تحمل صغيرا وروى كبيرا أو تحمل كافرا أو فاسقا وروى مسلما عدلا قبلت روايته.
قال والد شيخنا: ويغلب على ظني أن فيه خلافا في مذهبنا (2) .
قال شيخنا: وكذلك هو، ذكره ابن الباقلاني. وذكر القاضي أنه إذا تحمل وهو مميز ورواه بعد البلوغ جاز؛ لإجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة، وقياسا على الشهادة. قال أحمد في رواية أبي الحارث والمروذي وحنبل: يصح سماع الصغير إذا عقل وضبط وذكر القاضي حديث محمود بن الربيع في المحبة. قال: وهذا يدل على أن ابن خمس يعقل فيصح سماعه (3) .
مسألة: ولا تختلف الرواية في قبول مرسل الصحابة ورواية المجهول منهم وهو قول الجمهور، وذكره أبو الطيب، ولم يحك خلافا لهم.
__________
(1) نسخة: «تزكية الناس بلا حاكم» .
(2) نسخة: «خلافا لغيرنا» .
(3) المسودة ص 258 ف 2/9.
(2/80)

[مرسل الصحابي مقبول، وما يراد به وبمرسل التابعي]
وقال بعض الشافعية: لا يقبل وإن قبلنا مرسل سعيد بن المسيب؛ لأن ذلك قد علم كونه مسندا بالتتبع، كما قال الشافعي. وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين فهو موجود في الصحابة، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال: أخبرني بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا كان بمنزلة المسند، كذلك إذا قال التابعي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يكون مثله.
وقد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فالحديث صحيح؟ قال: نعم. وقال أيضا: لو قال نفسان من التابعين: أشهدنا نفسان من الصحابة على شهادتهما لم تجز حتى يعيناهما وفي الخبر يجوز عند الجميع.
قال شيخنا: قلت: كأن مرسل الصاحب عنده ما أرسله الصاحب أو روى عن صاحب مجهول، كما أن مرسل التابعين عنده يشمل ما أرسل التابع وروى عن تابعي مجهول.
قال: فإن قيل: الصحابي معلوم العدالة بأن الله عدله وزكاه وأخبر عن إيمانه ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مأواه. قيل: قد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - للتابعين كما شهد للصحابة فقال: «خير القرون قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وليس من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته، وإنما نعتبر عدالته في الظاهر، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم، فيجب أن يتساووا في النقل (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
زعم القاضي الصيمري الحنفي أن الصحابي إذا قال: هذا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مرسل حتى يقول: حدثني بما فيه؛ لأن قوله: «هذا
__________
(1) المسودة ص 259 ف 2/9.
(2/81)

[إذا قال الصحابي: هذا كتاب رسول الله فهو متصل]
كتاب رسول الله» يحتمل هذا كتابه دفعه إلي وقال: اعمل بما فيه أو أده عني، وهذا مرسل، لا يختلف أهل الأصول في ذلك، فهو مثل المحدث إذا دفع الكتاب إلى غيره وقال: اروه، فإنه يكون مناولة أو يكون إجازة لا سماعا، ذكره في كتاب الصدقة لأبي بكر رضي الله عنه.
قال شيخنا: قلت: هذا خطأ من وجوه:
أحدها: أنه جعل المناولة من قسم المرسل، وليس كذلك، فإنه متصل.
الثاني: أنه جعل كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده ليس بخطاب [لمن دفعه إليه] وهذا يبطل كتبه كلها، والإجماع بخلاف هذا.
الثالث: أن مرسل الصحابة حجة (1) .
[المعنعن فيه تفصيل]
مسألة: المسند بلفظ [العنعنة] إذا لم يتحقق فيه إرسال صحيح محتج به، نص عليه، وبه قالت الشافعية وعامة المحدثين. وقال بعضهم: ليس بصحيح، لا مكان الإرسال فيه من بعض أهل الحديث.
لفظ القاضي: فإن روى حديثا عن معين فقال: حدثني فلان عن فلان حمل على أنه سمع ذلك منه من غير واسطة ويكون خبرا متصلا، وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث وعبد الله: ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت، وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه وداود عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت.
قال شيخنا: قلت: نص أحمد إنما هو في أسانيد مخصوصة، ولم يفرق القاضي بين من عرف بالإرسال أو لم يعرف، وبين أن يعلم إمكان
__________
(1) المسودة ص 260 ف 2/9.
(2/82)

اللقاء أو لا يعلم، وفي المسألة خلاف (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[رواية المبتدع]
ذكر القاضي أنه لا تقبل رواية المبتدع الداعي إلى بدعته، قال: لأنه إذا دعا لا يؤمن أن يضع لما يدعو إليه حديثا يوافقه، وكذلك أبو الخطاب لم يذكر في الداعي خلافا، وذكر في غيره ثلاث روايات (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[من فعل محرما بتأويل]
فأما من فعل محرما بتأويل فلا ترد روايته في ظاهر المذهب، قال أبو حاتم: حادثت أحمد بن حنبل فيمن شرب النبيذ من محدثي أهل الكوفة وسميت له عددا منهم. فقال: هذه زلات [لهم] لا تسقط بزلاتهم عدالتهم (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ومن يبيع بالعينة وأخذ الأجرة على الرواية]
قال الشيخ الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: ومنع -يعني الإمام أحمد- من رواية الحديث عمن يعامل ويبيع بالعينة، وهو محمول على النسيئة التي هي ربا، وكل بيع فيه ربا، قال في رواية سندي الخواتيمي: لا يعجبني أن يكتب الحديث عن معين. قال في الواضح: يعني بيع هذه العينة. وقال في رواية حبيش وسلمة بن شبيب: لا نكتب عن هؤلاء الذين يأخذون الدراهم على الحديث ويحدثون ولا كرامة. قال القاضي: هذا على طريق الورع؛ لأن بيع العينة وأخذ الأجرة على رواية الحديث مما يسوغ فيه الاجتهاد، وما ساغ فيه الاجتهاد لم يفسق فاعله (4) .
__________
(1) المسودة ص 260، 261 ف 2/9.
(2) المسودة ص 264 ف 2/9.
(3) المسودة ص265 ف 2/9.
(4) المسودة ص 266 ف 2/9.
(2/83)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأسباب الموهمة لا يرد لأجلها خبر الواحد]
قال القاضي: فأما الأسباب الموهمة التي لا يرد لأجلها خبر الواحد، فمنها أن تلحقه غفلة في وقت، فإن خبره لا يرد، لأن أحدا لا ينفك عن أن تلحقه غفلة في وقت؛ بل إن روى خبرا في حال غفلته لم يثبت خبره.
قال عبد الله: قلت لأبي: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكا عن صالح مولى التوأمة، فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك أدرك صالحا وقد اختلط وهو كبير، ما أعلم به بأسا، من سمع منه قديما، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة.
ومنها: أن يضطرب بعض حديثه فلا يرد حديثه؛ لأن كل أحد لا يقدر على ضبط ما سمعه كله.
ومنها: أن ينفرد بنقل حديث واحد لا يروى غيره، فلا يرد حديثه لجواز أن ينفرد به من كل أحد، حديث له حادث (1) فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابه عنها.
ومنها: أن لا تعرف له مجالسة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قد يجالسه فلا يعرف ذلك منه، وقد يأخذ الحديث عنه من غير مجالسة.
ومنها: أن يروي حديثًا يخالفه فيه أكثر الصحابة.
ومنها: أن يكون معروفا باللقب، وقد اختلف في اسمه.
ومنها: أن ينسى بعض حديثه فذكر فعاد إليه، فلا يرد حديثه لذلك؛ بل إن روى حديثا لا أصل له وقال: نقلته على بصيرة مني بذلك فهو مردود الحديث، فإن قال: سهوت أو أخطأت قبل خبره، وقد نص
__________
(1) نسخة: «له حادثة» .
(2/84)

أحمد على هذا في رواية حرب في الرجل إذا سها في الإسناد فأخطأ فيه ولا يتعمد ذلك أرجو أن لا يكون به بأس (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأمور التي يرد الخبر من أجلها]
ذكر القاضي أن الخبر يرد من جهة المخبر بخمسة أشياء. إما أن يخالف موجبات العقول. وإما أن يخالف الكتاب والسنة المتواترة. وإما أن يخالف الإجماع، فقد يكون دليلا على نسخه قال: الرابع: أن يروي ما يجب على الكافة علمه، مثل أن يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد إلى أبي بكر أو إلى عمر أو إلى عثمان أو علي، فإذا انفرد الواحد بنقل مثل هذا كان مردودا. قال: فإن قيل: أليس ما تعم به البلوى يفتقر إليه كل واحد ويثبت بخبر الواحد؟ قيل: كل واحد مفتقر إلى العمل، لا إلى علمه؛ فهذا يثبت بخبر الواحد، وليس كذلك ثبوت الخلافة والعهد إلى واحد؛ لأن على كل واحد أن يعرفه ويعلمه قطعا، فلهذا لم يثبت بخبر الواحد.
قال: الخامس: أن ينفرد بما جرت العادة بنقله بالتواتر (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في الجندي
[الرواية عن الجندي. ولبس السواد]
قال في رواية المروذي: وقد سأله: يكتب عن الرجل إذا كان جنديا؟ فقال: أما نحن فلا نكتب عنهم، وكذلك قال في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا كان الرجل في الجند لم أكتب عنه. قال القاضي: وهذا محمول على طريق الورع، لأن الجندي لا يتجنب المحرمات في الغالب.
__________
(1) المسودة ص 267، 268 ف 2/9.
(2) المسودة ص 268 ف 2/9.
(2/85)

قال شيخنا: قلت: خص نفسه بالامتناع، لأنه مظنة الظلم والاعتداء، ولهذا كره لبس السواد لما فيه من التشبه بهم، ويدل عليه قوله: «خذ العطاء ما كان عطاء فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا يأخذه» والملوك المتأخرون إنما يرزقون على طاعتهم وإن كانت معصية، لا على طاعة الله ورسوله (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا عمل العدل بخبر غيره]
فإن عمل العدل بخبر غيره كان تعديلا له، كما لو عدله بقوله. ذكره القاضي في ضمن مسألة من غير خلاف، أي في مسألة العدل عن غيره. وكذلك ذكره الباجي (2) .
مسألة: لا يقبل الجرح إلا مفسرا مبين السبب، وبه قال الشافعي. وعنه أنه يقبل كالتعديل، وذهب إليه جماعة. وقال ابن الباقلاني: يقبل الجرح المطلق ولا يقبل التعديل المطلق، فصارت المذاهب في المسألتين أربعة (3) . وقال الجويني: هذا يختلف بالمعدل والجارح، فإن كان إماما في ذلك من أهل صناعته قبل منه إطلاقه وإلا فلا. وكذلك قال المقدسي في الجرح.
[الجرح والتعديل والتفصيل فيه]
قال القاضي: ولا يقبل الجرح إلا مفسرا، وليس قول أصحاب الحديث «فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء» مما يوجب جرحه ورد خبره. قال: وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي؛ لأنه قال له: إن يحيى بن معين سألته عن الصائم يحتجم؟ فقال: لا شيء عليه، ليس يثبت فيها خبر، فقال أبو عبد الله: هذا كلام مجازفة. قال: فلم يقبل مجرد الجرح من يحيى.
__________
(1) المسودة ص 269 ف 2/9.
(2) المسودة ص 269 ف 2/9.
(3) نسخة: «في المسألة» .
(2/86)

قال شيخنا: قلت: لأن أحمد قد علم عدة أخبار فيها، فكيف يقبل نفي ما أثبته؟ ولهذا لما أطلق يحيى الكلام نسبه إلى المجازفة.
قال: وكذلك نقل مهنا عنه قلت لأحمد: حديث خديجة كان أبوها يرغب أن يزوجه، فقال أحمد: الحديث معروف، سمعته من غير واحد. قلت: إن الناس ينكرون هذا، قال: ليس هو بمنكر، قال: فلم يقبل مجرد إنكارهم.
قال شيخنا: قلت: لأنه قد علم خلاف ذلك، والطعن في حديث قد علم ثبوته لا يقبل.
قال: ونقل عنه المروذي ما يدل على أنه يقبل، فقال: قرئ على أبي عبد الله حديث عائشة كانت تلبي: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك» فقال أبو عبد الله: كان فيه «والملك لا شريك لك» فتركته لأن الناس خالفوه. وقوله: «تركته» معناه: ترك روايته لأجل ترك الناس له وإن لم تظهر العلة.
قال شيخنا: قلت: قد ذكر الخلال تضعيف المشايخ لعاصم بن عبيد الله، وهو ظاهر في أن الجرح المطلق يقبل، وهو مكتوب في المسودات، وهذا إنما يقتضي أن الزيادة التي تركها الجمهور لا تقبل.
قال شيخنا: هذا الباب يفرق فيه بين جرح الرجل وتزكيته، وبين جرح الحديث وتثبيته. ويفرق فيه بين الأئمة الذي هم في الحديث بمنزلة القضاة في الشهود وبين من هو شاهد محض. فإن جرح المحدث يكون بزيادة علم. وأما جرح الحديث فتارة يكون لطلاع له على علة، وتارة لعدم علمه بالطريق الأخرى، أو بحال المحدث به (1) .
مسألة: يقبل جرح الواحد وتعديله عندنا، وبه قال المحققون،
__________
(1) المسودة ص 269-271 ف 2/9.
(2/87)

[هل يقبل جرح الواحد وتعديله]
ذكره الجويني، وقد نص عليه في التعديل؛ لأن العدد ليس بشرط في قبول الخبر ههنا، بخلاف الشهادة. وهذا أحد الوجهين للشافعية. والآخر لا يقبل الجرح إلا من اثنين كما في الشهادة حكاها (1) أبو الطيب وحكى الثاني الجويني عن بعض المحدثين.
قال القاضي: فإن صرح عدلان بما يوجب الجرح ثبت الجرح، وإن صرح أحدهما بما يوجب الجرح ثبت أيضا. وهذا قياس قوله في التعديل أنه يثبت بقول الواحد؛ فإن العدد ليس بشرط في قبول الخبر، فلم يكن شرطا في جرح الراوي؛ بخلاف الشهادة.
فأما تعديل الواحد فيقبل كما يقبل جرحه، قال في رواية الأثرم: إذا روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن رجل فهو حجة. قال: وهذا يدل على أن رواية العدل عن غيره تعديل له، ويدل أيضا على أن تعديل الواحد مقبول. وكذلك نقل أبو زرعة، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة. قال: وقد نقل مهنا عنه ما يدل على أن رواية العدل لا تكون تعديلا، ويجب السؤال عنه، فقال: سألت أحمد عن رباح بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقال: هكذا روى عنه عبد الرزاق، قلت: كيف هو؟ قال: ضعيف: قال: وظاهر هذا أنه لم يجعل رواية العدل عن غيره تعديلا له.
قال شيخنا: قلت: مذهبه التفصيل بين بعض الأشخاص وبعض. وقوله في صالح مولى التوأمة يقتضي أن الكثرة معتبرة، ونقل إسماعيل بن سعيد قلت لأحمد: تعديل الرجل الواحد إذا كان مشهورا بالصلاح؟ قال: يقبل ذلك. قال القاضي: وظاهر هذا أن تعديل الواحد للشاهد مقبول (2) .
__________
(1) نسخة: «حكاهما» .
(2) المسودة ص 271، 272 ف 2/9.
(2/88)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[خبر الواحد إذا طعن فيه السلف]
خبر الواحد إذا طعن فيه السلف لم يجز الاحتجاج به عند الحنفية، وقد روي ما يشبه قولهم عن علقمة في إنكاره على الشعبي حديث فاطمة لما طعن فيه عمر وغيره (1) .
فصل
[الأخذ بالحديث الضعيف والمرسل إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه أو للاعتبار به الضعيف في اصطلاحهم]
ذكر القاضي كلام أحمد في الحديث الضعيف والأخذ به، ونقل الأثرم قال: رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إسناده شيء يأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافه، وتكلم عليه ابن عقيل. وقال النوفلي: سمعت أحمد يقول: إذا روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضائل الأعمال وما لا يرفع حكما فلا نصعب. قال القاضي: قد أطلق أحمد القول بالأخذ بالحديث الضعيف، فقال مهنا: قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح. فقيل له: تأخذ بحديث: «كل الناس أكفاء إلا حائكا أو حجاما» وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه وكذلك قال في رواية ابن مشيش وقد سأله عمن تحل له الصدقة، وإلى أي شيء تذهب في هذا؟ فقال: إلى حديث حكيم بن جبير. فقلت: وحكيم بن جبير ثابت عندك [في الحديث] قال: ليس هو عندي ثبتا في الحديث. وكذلك قال مهنا: سألت أحمد عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة. قال: ليس بصحيح والعمل عليه، كان عبد الرزاق يقول: معمر عن الزهري مرسلا. قال القاضي: معنى قول أحمد
__________
(1) المسودة ص 272، 273 ف 2/9.
(2/89)

«ضعيف» على طريقة أصحاب الحديث؛ لأنهم يضعفون بما لا يوجب التضعيف عند الفقهاء كالإرسال والتدليس والتفرد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده. فقوله: «هو ضعيف» على هذا الوجه. وقوله: «والعمل عليه» معناه على طريقة الفقهاء. قال: وقد ذكر أحمد جماعة ممن يروي عنه مع ضعفه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: قد يحتاج أن يحدث الرجل عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق وعمرو بن حكام ومحمد بن معاوية وعلي بن الجعد وإسحاق بن أبي إسرائيل ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم. وقال في رواية ابن القاسم في ابن لهيعة: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد. وقال في رواية المروذي: كنت لا أكتب حديثه -يعني جابرا الجعفي- ثم كتبته اعتبر به. وقال له مهنا: لم تكتب عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف؟ قال: أعرفه. قال القاضي: والوجه في الرواية عن الضعيف أن فيه فائدة، وهو أن يكون الحديث قد روي من طريق صحيح فتكون رواية الضعيف ترجيحا (1) ، أو ينفرد الضعيف بالرواية فيعلم ضعفه، لأنه لم يرو إلا من طريقه، فلا يقبل.
قال شيخنا: قوله: «كأني أستدل به مع حديث غيره؛ لا أنه حجة إذا انفرد» يفيد شيئين؛ أحدهما: أنه جزء حجة، لا حجة، فإذا انضم إليه الحديث الآخر صار حجة؛ وإن لم يكن واحد منهما حجة فضعيفان قد يقومان مقام قوي (2) . الثاني: أنه لا يحتج بمثل هذا منفردا، وهذا يقتضي أنه لا يحتج بالضعيف المنفرد، فإما أن يريد به نفي الاحتجاج
__________
(1) نسخة: «مرجحًا» .
(2) نسخة: «قد يقويان» .
(2/90)

مطلقا، أو إذا لو يوجد أثبت منه. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن خراش؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟ قلت: نعم. قال: لا، الأحاديث بخلافه، وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجل لم يسموه. قال: قلت: فقد ذكرته في المسند؟ قال: قصدت في المسند المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أفصل ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. [ذكره القاضي في مسألة الوضوء بالنبيذ] .
قال شيخنا: قلت: مراده بالحديث الذي رواه ربعي عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قدم أعرابيان فشهدا» أو حديث: «لا تقدموا الشهر» أو غيرهما.
قال شيخنا: قلت: وعلى هذه الطريقة التي ذكرها أحمد بنى عليه أبو داود «كتاب السنن» لمن تأمله، ولعله أخذ ذلك عن أحمد، فقد بين أن مثل عبد العزيز بن أبي رواد ومثل الذي فيه رجل لم يسم يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه.
وقال أحمد في رواية أبي طالب: ليس في السدر حديث صحيح، وما يعجبني قطعه، لأنه على حال قد جاء فيه كراهة. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا كان في المسألة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما
(2/91)

أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه (1) .
فصل
[التدليس يكره ولا يوجب رد الخبر]
شيخنا: قال القاضي: فأما التدليس فإنه يكره، ولكن لا يمنع من قبول الخبر. وصورته أن ينقل عمن لم يسمع منه لكنه سمع عن رجل عنه فأتى بلفظ يوهم أنه قد سمع منه [مثل: أن يكون قد عاصر الزهري ولم يسمع منه، لكن سمع عن رجل عنه، فأتى بلفظ يوهم أنه قد سمعه من الزهري بلا واسطة] فيقول: روى الزهري، أو قال الزهري، أو عن الزهري، فكل من سمع هذا يذهب إلى أنه سمع من الزهري بلا واسطة، وكذلك إذا سمع الخبر من رجل معروف بعلامة مشهورة فعدل عنها إلى غيرها من أسمائه مثل: إن كان مشهورا بكنيته فروى عنه باسمه، أو كان مشهورا باسمه فروى عنه بكنيته، حتى لا يعرف من الرجل، فكل هذا مكروه، نص عليه في رواية حرب، فقال: أكره التدليس، وأقل شيء فيه أنه يتزين للناس، أو يتزيد -شك حرب- وكذلك نقل عنه المروذي: لا يعجبني التدليس، هو من الزينة، وكذلك نقل مهنا عنه: التدليس عيب.
قال شيخنا: قلت: هذه الكراهة تنزيه أو تحريم؟ يخرج على القولين في معاريض من ليس بظالم ولا مظلوم، والأشبه أنه محرم، فإن تدليس الرواية والحديث أعظم من تدليس المبيع، لكن من فعله متأول فيه، فلم يفسق.
قال القاضي: إذا ثبت أنه مكروه فإنه لا يمنع من قبول الخبر، نص عليه في رواية مهنا، وقيل له: كان شعبة يقول: التدليس كذب فقال أحمد: لا، قد دلس قوم ونحن نروي عنهم.
__________
(1) المسودة ص 273-276 ف 2/9.
(2/92)

وذهب قوم من أهل الحديث إلى أنه لا يقبل خبره، لأنه روى عمن لم يسمع منه. قال القاضي: وهذا غلط لأنه ما كذب فيما نقل، بل كان ما قاله صدقا في الباطن، إلا أنه أوهم في خبره، ومن أوهم في خبره لم يرد خبره بذلك، كمن قيل له: حججت؟ فقال: لا مرة ولا مرتين، يوهم أنه حج أكثر، وحقيقته أنه ما حج أصلا.
قال شيخنا: قلت: لكن ما هو صادق في الحقيقة العرفية، ولا مبين لما ينبغي بيانه (1) .
[إذا روى العدل عن العدل خبرًا ثم أنكره المروي عنه أو نسيه]
مسألة: إذا روى العدل عن العدل خبرا، ثم نسيه المروي عنه فأنكره لم يقدح ذلك فيه، في إحدى الروايتين، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يضعف الحديث عندك أن يحدث الرجل النفر بالحديث عن الرجل فيسأل عنه فينكره، أو لا يعرفه؟ فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا، ولفظه في العدة: فينكره ولا يعرفه فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا. فقلت: مثل حديث الولي، ومثل حديث اليمين مع الشاهد، فقال: قد كان معمر يروي عن أبيه عن ثقة عن عبيد الله بن عمر- لفظ القاضي: إذا روى العدل عن العدل خبرا ثم نسي المروي عنه الخبر فأنكره لم يجب اطراح الخبر، ووجب العمل به في إحدى الروايتين، وفيه رواية أخرى يرد الخبر، ولا يجوز العمل به، وقد نص على الروايتين في إنكار الزهري روايته حديث عائشة في الولي، فقال في رواية الأثرم وذكره، وكذلك نقل الميموني عنه لما ذكر له حديث الزهري وما قاله، فقال: كان ابن عيينة يحدث بأشياء، ثم قال: ليس من حديثي ولا أعرفه، قد يحدث الرجل ثم ينسى، وكذلك نقل عنه أبو طالب: يجوز أن يكون الزهري حدث به ثم نسيه، فقد نص على قبوله.
__________
(1) المسودة ص 276، 277 ف 2/9.
(2/93)

ونقل عنه خلاف هذا، فقال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله: حديث عائشة أيما امرأة تزوجت [بغير ولي] فقال: لا أحسبه صحيحا؛ لأن إسماعيل قال: قال ابن جريج: لقيت الزهري فسألته عنه، فقال: لا أعرفه وكذلك نقل حرب عنه أنه سئل عن حديث الولي، فقال: لا يصح؛ لأن الزهري سئل عنه فأنكره.
فال شيخنا: قلت: وضع المسألة يقتضي أنه لا يشمل إذا جحد المروي عنه، وعموم كلامه يقتضي العموم لهذه الصورة؛ لأن الإنكار يشمل القسمين، وقول ابن عيينة: ليس من حديثي نفي، وعلله القاضي بأن المروي عنه غير عالم ببطلان روايته، والراوي عنه ثقة، فالمروي عنه كسائر الناس.
قال شيخنا: قلت: وهذا القيد قد اعتبره أصحابنا فيما إذا سبح به إنسان. ويعتبر أيضا في الحاكم، وبهذه الرواية قال الشافعي وأصحابه (1) .
[الرواية على الخط والكتاب]
استدل القاضي في «مسألة الرواية على خطه» بأن الأخبار مبناها على حسن الظن والمسامحة ومراعاة الظاهر من غير تحرج، ألا ترى أنه لا يشترط فيها العدالة في الباطن، ويقبل فيها قول العبيد والنساء وحديث العنعنة، والظاهر من حال السماع الموجود الصحة فجاز العمل عليه، واحتج برجوع الصحابة رضي الله عنهم إلى كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - والعمل عليها فإنه من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب.
قال شيخنا: قلت: هذا رجوع إلى خط غيره، والعمدة فيه خبر الحامل، واحتج برواية الضرير، والسماع من وراء حجاب فإنه سلمها في الرواية من منعها في الشهادة (2) .
__________
(1) المسودة ص 278، 279 ف 2/9.
(2) المسودة ص 281 ف 2/9.
(2/94)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا أبدل كلمة الرسول بالنبي أو بالعكس]
إذا سمع من الراوي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» أو «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» أو «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» أو «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» جاز أن يبدل مكان الرسول النبي [نص عليه فيما رواه عمر المغازلي. وكذا مكان النبي رسول الله] وقال صالح: قلت لأبي [عبد الله] يكون في الحديث: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فيجعله الإنسان «قال النبي - صلى الله عليه وسلم -» قال: أرجو أن لا يكون به بأس (1) .
[إذا قرئ على المحدث وسكت هل هو إقرار ومتى يجوز أن يقول حدثني أو أخبرني]
مسألة: وإذا قرئ على المحدث وهو يسمع فسكت، فالظاهر أنه إقرار، قاله القاضي أبو يعلى وأبو الطيب، قالا: والأحوط أن يستنطقه الإقرار به، وقيد هذه المسألة القاضي في كتاب القولين بما إذا لم يقر به الشيخ لفظا، فقال: مسألة: إذا قرئ عليه وهو ساكت يسمع، ولم يقل له: هو كما قرأت عليك، فيقول: نعم، أو يقول له ابتداء: أقرأ عليك؟ فيقول: أقرأ، فإذا لم يقل له شيئا من هذا فهل يجوز أن يقول حدثني فلان، أو أخبرني؟ على روايتين، إحداهما: لا يجوز؛ لأنه ما حدثه ولا أخبره؛ بل يسوغ له إذا كان ثقة أن يعمل بما قرأ عليه ويرويه، فيقول: قرأت على فلان فلم ينكره؛ لأن سكوته على ذلك رضا به، وقد نص على هذا في رواية حنبل وقيل له: سأل ابن عون الحسن، فقال: أقرأ عليك فأقول: حدثنا الحسن؟ قال: نعم، قال حنبل: سألت أحمد عن ذلك فقال: لا، ولكن يقول: قرأت, والرواية الثانية يجوز أن يقول: حدثني وأخبرني، لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضا بما قرأه وإمضاء له، فجاز أن يقول: حدثني وأخبرني، كما لو قال له: اروه عني، ولأنه لما حصل سكوته دلالة على جواز الرواية جاز أن يجعله في جواز ذلك في مسألتنا، وقد نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله وهو يقرأ عليه شيئا من الأحاديث، أقول: حدثني أحمد؟
__________
(1) المسودة ص 382، 383 ف 2/9.
(2/95)

فقال: إن قال فما أرى به بأسا، ولكن يقول: «قرأت عليه» أحب إلي لمن يريد الصدق. قال: فقد نص على جوازه، واختار أن يقول: «قرأت عليه» ليحكي الحال، فإذا قال له: هو كما قرأت عليك؟ فقال: نعم، فهل يقول: «أخبرنا» و «حدثنا» أم يجوز أن يقول أخبرنا فقط؟ على روايتين، إحداهما: يجوز أن يقول: أخبرنا، وحدثنا، لا فرق بينهما، نص عليه فيما حدثنا به الخلال أن عبد الجبار بن أحمد قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أخبرنا وحدثنا واحد، ونقل حنبل إذا قال الشيخ حدثنا قلت: حدثنا، يتقفى لفظ الشيخ، إنما هو دين، ولا يقول لأخبرنا حدثنا، ولا لحدثنا أخبرنا، على لفظ الشيخ. قال أبو بكر الخلال: قد سهل أبو عبد الله في هذا المعنى على جواز رواية الحديث على المعنى، قال: والأول أشبه.
فإن كان في سماعه «عن فلان» فهل يجوز أن يقال: «قال فلان» أم لا؟ نقل الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني عن أحمد: إذا كان «عن فلان» في الكتاب، قال: فلا يغيره. قال الخلال: هذا وهم من الحسن بن محمد؛ لأن هذا عند أحمد شديد، وقد ذكره في كتاب العلل وإنكاره على أهل المدينة.
قال شيخنا: قلت: فعلى هذه الطريقة فما أقر به يقول: «أخبرني» قولا واحدا، وفي «حدثني» روايتان، وفيما لم يقر به لفظا بل حالا هل يقول أخبرني وحدثني؟ على روايتين. وعلى الأولى في جوازهما جميعا روايتان في المسألتين، صرح بهما في العدة، فقال: ولا فرق بين أن يقول: هو كما قرأته عليك فيقر به وبين أن يقول: أرويه عنك فيقول له: اروه عني، وأنه على الخلاف الذي حكينا. ولفظ أحمد الذي في العدة هو الذي في كتاب الروايتين، وهو رواية إسحاق ورواية حنبل، وإنما هما في لفظ [حدثني وأما لفظ] أخبرني فقد يؤخذ من قوله: «ولكن يقول قرأت» ولم يقل تقول أخبرني، وكذلك قوله في رواية سلمة
(2/96)

ابن شبيب: «حدثنا وأخبرنا واحد» قاله غير مرة، فيقتضي استواؤهما في المنع والإذن. ثم قال في العدة: إذا قرئ عليه وهو ساكت لم يقر به فالظاهر أنه إقرار.
قال شيخنا: وهنا طريقة ثالثة أن يكون في المسألة ثلاث روايات، الثالثة: الفرق بين أخبرنا وحدثنا، فإنه في رواية أبي داود قد جعل التحديث أسهل من الإخبار، وكذلك قوله: «حدثنا وأخبرنا واحد فيما كان سماعا من الشيخ» يقتضي الفرق بينهما فيما لم يكن سماعا.
ويتلخص في المسألتين مع اللفظين عدة أقوال: جوازهما فيهما، ومنعهما فيهما، الثالث جواز الإخبار دون التحديث فيهما، والرابع جوازهما فيما أقر به لفظا دون ما أقر به حالا، الخامس جواز الإخبار فيما أقر به دون التحديث فيما لم يقر به (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العرض على مراتب]
الكلام في العرض على مراتب:
إحداها: هل تجوز الرواية والعمل به، أم لا؟ فيه خلاف قديم عن بعض العراقيين، ومذهب أهل الحجاز وأهل الحديث كأحمد وغيره جوازه كعرض الحاكم والشاهد على المقر.
الثانية: أنه قد يكون بصيغة الاستفهام، وقد يكون بصيغة الخبر وهو الغالب، وكلاهما جائز في الشهادة والرواية.
الثالثة: أنه قد يتكلم بالجواب بالموافقة كقولهم: نعم، وهو ظاهر، وقد يقول: أرويه عنك؟ فيقول: نعم، فهذا إذن، والأول خبر، قال القاضي: إذا ثبت في أحد الموضعين، أنه خبر وليس بأمر ثبت في الآخر، لأن أحمد ما فرق بينهما (2) .
__________
(1) المسودة ص 283-286 ف 2/9.
(2) نسخة: «لأن أحدا» .
(2/97)

الرابعة: السكوت، قال القاضي: فإن قرئ عليه وهو ساكت لم يقر به فالظاهر أنه إقرار، لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضاء منه بما قرأه وإمضاء له، فجاز أن يقول: أخبرني، وحدثني، كما لو أقر به، والأحوط أن يقول له: هو كما قرأته أو قرئ عليك، فإذا قال: «نعم» حدث به عنه.
قال شيخنا: قلت: الجواب بنعم عندنا صريح، ولهذا ينعقد به النكاح، فصح أن يقول: حدثني، وأما على وجه لنا أنه كناية كقول الشافعي فقد يتوجه المنع من قول حدثني وأخبرني (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا روى بالإجازة ... ]
إذا روى بالإجازة أن يقول: أجاز لي، أو حدثني أو أخبرني إجازة، ولا يجوز أن يقول: حدثني أو أخبرني، مطلقًا. ذكره ابن عقيل (2) .
فصل
ويقول في الإجازة: حدثني أو أخبرني إجازة، فإن لم يقل: «إجازة» لم يجز، وجوزه قوم.
قال شيخنا: قلت: كان يفعله أبو نعيم الأصبهاني (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في رواية صالح: قلت: الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا أو كذا ولا يفهم عنه، ترى أن يروي ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا، قلت: الكتاب قد طال على الإنسان عهده لا يعرف بعض حروفه فيخبره
__________
(1) المسودة ص 286، 287 ف 2/9.
(2) المسودة ص 285 ف 2/9.
(3) المسودة ص 288 ف 2/9.
(2/98)

به بعض أصحابه، ما ترى في ذلك؟ قال: إن كان يعلم أنه كما في الكتاب فليس به بأس.
[إذا كان يدغم الحرف أو لا يعرف بعض حروف كتابه]
أبو داود: سأل رجل أحمد بن حنبل [فقال] : أجد في كتابي «جريج» وأنا أعلم أنه «عن ابن جريج» فقال: أصلحه ورووه على الصحة.
عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا تم الحديث (1) وكان بجانبه من يبصر النحو يقول له كذا فيصلحه أو نحو هذا الكلام (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا لم يحفظ ما قرأه المحدث أو قرئ عليه ... ]
إذا لم يحفظ ما قرأه المحدث أو قرئ عليه فينبغي أن يكون ناظرا في كتاب فيه ما يقرأه المحدث من حفظه أو من كتاب ليضبط ما قرأه المحدث، نص عليه في مواضع، وإن كان المحدث يقرأ في كتاب فيجوز أن يرفع بصره، وإذا حدث من حفظه فهو أبعد من ضبطهم إذا لم يحفظوه ولم يكتبوه (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[معارضة الكتاب]
يجوز أن يعارض الكتاب الذي سمعه بنسخة أخرى مع غيره، نص عليه، وبه قال الجمهور، وقالت طائفة: لا يعارضه إلا مع نفسه، ينظر في الأصل مرة وفي النسخة مرة أخرى (4) .
__________
(1) نسخة: «قرأ الحديث» .
(2) المسودة ص 289 ف 2/9.
(3) المسودة ص 289 ف 2/9.
(4) المسودة ص 289 ف 2/9.
(2/99)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
في سماع الصبي
[سماع الصبي والضرير]
قال عبد الله: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ قال: إذا عقل وضبط، قلت: فإنه بلغني عن رجل فسميته أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد البراء وابن عمر واستصغرهما يوم بدر، فأنكر قوله، وقال: بئس القول هذا، يجوز سماعه إذا عقل فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع؟ وذكر أيضا قوما، وسألت أبي مرة: ما يقول في سماع الضرير؟ قال: إذا كان يحفظ الحديث فلا بأس، وإذا لم يكن يحفظ فلا، وقال: قد كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بشيء يرى أنه لم يحفظه يقول: في كتابنا أو في كتابي عن أبي إسحاق الشيباني ولا يقول حدثنا ولا سمعت. قلت لأبي: والأصم؟ قال: هو كذلك بهذه المنزلة إلا ما حفظ من المحدث يعني -والله أعلم- أنه لا بد من سماعه ولا يكتفى بوجوده في كتابه.
وزعم قوم أنه يجب أن يكون وقت التحميل بالغا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[من المحدثين من لا يكون حجة إذا انفرد وكذلك الحديث]
من المحدثين من لا يكون حجة إذا انفرد، فإذا وافقه مثله صار حجة، وكذلك الحديث يروى من وجهين فيصير بذلك حجة. وهذا باب واسع يجب اعتباره، قال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن لهيعة، فقال: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، قال: أنا قد أكتب حديث الرجل على هذا المعنى كأني أستدل به مع حديث غيره بشده، لا أنه حجة إذا انفرد، قلت: فإذا كان الرجل على هذا ليس حديثه بحجة في شيء، قال: إذا انفرد بالحديث فنعم، ولكن إذا كان حديث عنه وعن غيره كان في هذا تقوية.
__________
(1) المسودة ص 290، 291 ف 2/9.
(2/100)

وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، إلا أني كنت كثيرا ما أكتب حديث الرجل لا أعرفه ويقوي بعضه بعضا.
وسأله المروذي عن جابر الجعفي، فقال: قد كنت لا أكتب حديثه ثم كتبته أعتبر به.
وقال له مهنا: لم تكتب حديث ابن أبي مريم وهو ضعيف؟ قال: أعرفه. وقال سمعته يقول لرجل عنده في حديث رجل متروك، قال له الرجل: قد رميت بحديثه ما أدري أين هو، قال له أبو عبد الله: ولم؟ كيف لم تدعها حتى تنظر فيها وتعتبر بها (1) .
[إذا قال الصحابي أو التابعي من السنة كذا أو أمرنا بكذا ونهينا عن كذا]
مسألة: إذا قال الصحابي: «من السنة كذا وكذا» اقتضى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أصحابنا وعامة الشافعية وجماعة من الحنفية منهم أبو عبد الله البصري. وقال أبو بكر الرازي والكرخي والصيرفي: لا يقتضي ذلك، واختاره الجويني.
قال القاضي: إذا قال الصحابي: «من السنة كذا» كقول علي: «من السنة ألا يقتل حر بعبد» اقتضى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك إذا قال التابعي: «من السنة كذا» كان بمنزلة المرسل، فيكون حجة على الصحيح من الروايتين، كما قال سعيد بن المسيب: «من السنة إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته أن يفرق بينهما الحاكم» وكذا إذا قال الصحابي: «أمرنا بكذا ونهينا عن كذا» فإنه يرجع إلى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه، وكذلك إذا قال: «رخص لنا في كذا» وقد نقل أبو النظر العجلي عن أحمد في جراحات النساء مثل جراحات الرجال حتى تبلغ الثلث، فإذا زاد فهو على النصف من جراحات الرجال، قال: وهو قول زيد بن ثابت، وقول علي كله على النصف. قيل له: كيف لم تذهب إلى قول علي؟ قال: لأن هذا يعني قول زيد ليس بقياس، قال: قال سعيد بن المسيب: «هو السنة» .
__________
(1) المسودة ص 294، 295 ف 2/9.
(2/101)

قال القاضي: وهذا يقتضي أن قول التابعي: «من السنة» أنها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قدم قول زيد على قول علي، لأنه وافق قول سعيد: «إنما هي السنة» وبين أنه ليس بقياس. قال: وقد رأيت هذا لبعض أصحابنا ويغلب على ظني أنه أبو حفص البرمكي ذكره في مسائل البرزاطي لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال: «مضت السنة أن ما أدركت الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المبتاع» فقال بعد هذا: صار هذا الحديث مرفوعا بقوله: «مضت السنة» ويدخل في المسند. حرر ابنه عبد الله أن هذا القائل هو ابن بطة.
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: ويغلب على ظني أن هذا الضرب لم يذكره أحمد في الحديث المسند، فلا يكون عنده مرفوعا (1) .
مسألة: فإن قال التابعي ذلك فكذلك، إلا أنه يكون بمنزلة المرسل، وقد أومأ أحمد إلى ذلك.
والد شيخنا: قال المقدسي: وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر وذكر قول التابعي في هذه وفي التي بعدها. قال أبو الخطاب: في ذلك وجهان، بناء على المرسل.
قال شيخنا رضي الله عنه: الخلاف في «أمرنا» و «نهينا» إنما يتوجه عند الإطلاق، وأما عند الاقتران -بأن الأمر كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو زمنه- فلا يتوجه، كقول أنس في الأذان: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» في السياق المعروف، وكقول عائشة: «كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» وقول زيد بن أرقم: «كان الرجل منا يحدث أخاه وهو في الصلاة حتى نزل قوله {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [238/2] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» وقول سهل بن سعيد: «كان الناس يؤمرون أن يضعوا أيمانهم على شمائلهم» .
__________
(1) المسودة ص 295، 296 ف 2/9.
(2/102)

وقول أنس في الصف بين السواري: «كنا نطرد عن هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» كذا ذكر الغزالي وأبو محمد قوله: «وقت لنا» (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[كنا نفعل كذا على عهد الرسول حجة من وجهين]
قول الصحابي: «كنا نفعل كذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -» يحتج به من وجهين. من جهة: أن فعلهم حجة كقولهم، ومن جهة: إقرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فالأول كقول أبي سعيد (2) : «كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن» فهذا لا يحتاج إلى أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن هذا المأخذ قد ذكره أبو سعيد (3) ولم أر الأصوليين تعرضوا له.
وأما الثاني: فيحتاج إلى بلوغ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه الأقوال الثلاثة:
أحدها: قول أبي الخطاب وأبي محمد أنه حجة مطلقا؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - فسكت عنه ليكون دليلا.
والثاني: ليس بحجة كالوجه الذي ذكره القاضي، وهو قول الحنفية. وأما إذا كانت العادة تقتضي أنه بلغه فذاك دليل على البلوغ.
وأصل هذا أن الأصل قول الله تعالى وفعله وتركه القول وتركه الفعل، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتركه القول وتركه العمل. وإن كانت قد جرت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه، ومن جهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد يقولون بما يقول أصحابنا قوله، وفعله، وإقراره. وقد يقولون: «وإمساكه» وهذا أجود؛ فإن إقراره ترك النهي فإنه يدل على العفو عن تحريم. وأما الإمساك فإنه يعم ترك الأمر أيضا الذي يفيد العفو عن الإيجاب كترك الأمر بصدقة
__________
(1) نسخة: «كقول جابر» .
(2) نسخة: «كقول جابر» .
(3) نسخة: «كقول جابر» .
(2/103)

خضروات المدينة فإن ترك الأمر مع الحاجة إلى البيان يدل على عدم الإيجاب، كترك النهي، وأما ترك الفعل فإنه يدل على عدم الاستحباب وعدم الإيجاب كثيرا؛ فإن ترك الفعل مع قيام المقتضي له يدل على عدم كونه مشروعا كترك النهي مع الحاجة إلى البيان.
وأما «فعل الله» كعذابه للمنذرين فإنه دليل على تحريم ما فعلوه ووجوب ما أمروا به، وكما استدل أصحابنا وغيرهم من السلف بفعل الله تعالى ورجم قوم لوط على رجمهم. وأما ترك القول فكما يستدل بعدم أمره على عدم الإيجاب وبعدم نهيه على عدم التحريم، كقوله: «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» وهو الدليل الثاني للاستدلال على عدم الحكم بعدم الدليل، وكما استدل أبو سعيد بعدم النهي عن الفعل على عدم تحريمه. وأما ترك الفعل فكإنجائه للمؤمنين دون المنذرين (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[قول الصحابي نزلت في كذا]
قول الصاحب: «نزلت هذه الآية في كذا» هل هو من باب الرواية أو الاجتهاد؟ طريقة البخاري في صحيحه تقتضي أنه من باب المرفوع وأحمد في المسند لم يذكر مثل هذا (2) .
[إذا تفرد العدل بزيادة لا تنافي المزيد عليه]
مسألة: إذا انفرد العدل عن سائر الثقات بزيادة لا تنافي المزيد عليه قبلت، نص عليه، وهو قول جماعة الفقهاء والمتكلمين وقول الشافعي. وقال جماعة من أهل الحديث: لا تقبل. وعن المالكية وجهان. وعن أحمد قول كقولهم فيما إذا خالف ظاهر المزيد عليه، وعنه ترد مطلقا إذا تركها الجمهور، وكذلك حكى ابن برهان هذا المذهب الثاني عن أبي حنيفة [وحكاه الجويني عن أبي حنيفة] [ولفظ ترجمته: إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بزيادة فيها] .
__________
(1) المسودة ص 297-299 ف 2/9.
(2) المسودة ص 299 ف 2/9.
(2/104)

قال شيخنا: قلت: لعل مأخذه أن الزيادة تخالف المزيد عليه، لأنها تقيده، والتقييد نسخ عنده، وذكر أبو الخطاب قبولها إذا تعدد المجلس، وإن اتحدوا كأن كان الذي ترك الزيادة جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت، وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قبلت.
قال شيخنا: قال القاضي: إذا روى جماعة من الثقات حديثا وانفرد أحدهم بزيادة لا تخالف المزيد عليه، مثل أن ينقلوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت وانفرد أحدهم بقوله دخل وصلى تثبت تلك الزيادة بقوله، كالمنفرد بحديث عنهم، وهكذا لو أرسلوه كلهم ورفعه واحد منهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه مسندا بروايته، وهكذا لو وقفوه كلهم على صحابي ورفعه واحد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت هذا المرفوع، ولم يرد قال وقد نص أحمد على الأخذ بالزائد في مواضع فقال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله عن مسألة في فوات الحج، فقال: فيها روايتان، إحداهما فيها زيادة دم، قال أبو عبد الله: والزائد أولى أن يؤخذ به، قال: وهذا مذهبنا في الأحاديث: إذا كانت الزيادة في أحدهما أخذنا بالزيادة [وهذا النص يدخل في الأخبار، وفي المطلق والمقيد] قال: ونقل الميموني عنه أنه قال: نقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة ولم يصل، ونقل أنه صلى فهذا يشهد أنه صلى. وابن عمر يقول: لم يقنت في الفجر، وغيره يقول: قنت، فهذه شهادة عليه بأنه قد قنت، وحديث أنس: بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخضب، وقوم يقولون قد خضب، فالذي شهد على الشيء [فهو] أوكد.
وذهب جماعة إلى أن ما انفرد به الواحد كان مردودا، وقد روي عن أحمد نحو هذا في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث والمروذي إذا تبايعا فخير أحدهما صاحبه بعد البيع هل يجب البيع؟ فقال: هكذا في حديث ابن عمر. قيل له: تذهب إليه؟ قال: لا أنا أذهب إلى الأحاديث النافية، الخيار لهما ما لم يتفرقا، ليس فيها شيء من هذا.
(2/105)

قال القاضي: قد صرح في رواية ابن عمر بزيادتها، لأن الجماعة ما نقلوها، وإنما تفرد بها ابن عمر، وقد قال في رواية أبي طالب: كان الحجاج بن أرطاة من الحفاظ، قيل له: هو عند الناس ليس بذاك، قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس [لا يكاد يوجد له حديث إلا وفيه زيادة] .
قال شيخنا: قلت: أخرج منه تركه للزيادة في حديث عائشة: «والملك لا شريك له» قال: لأن الناس خالفوه، قال المروذي: قرئ على أبي عبد الله حديث عائشة: «كانت تلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» فقال أبو عبد الله: كان فيه: «والملك لا شريك لك» فتركه لأن الناس خالفوه (1) .
[شيخنا] : ... ... فصل
[مسألة الزيادة ذات شعب واشتباه. إيضاح ذلك]
هذه المسألة ذات شعب واشتباه بغيرها، وذلك أن الكلام في ثبوتها أوردها غير اتباعها عملا؛ فإنه قد يروى حديثان منفصلان في قصة، وفي أحدهما زيادة، فهنا لا ريب في قبولها إذا رواها ثقة، كما لو روى حديثا مفردا متضمنا حكما آخر، لكن قد يوجب ذلك تقييد الرواية الأخرى أو تخصيصها فتبقى من باب الخطابين المطلق والمقيد، وهنا قد خالفت إطلاق الرواية الأخرى، كما في حديث ابن عمر في البيعين، فكلام أحمد في رواية ابن القاسم إشارة إلى هذا القسم، وكذلك في حديث ابن عمر؛ لكن إذا كان راوي المطلق عدد أو راوي المقيد واحدا وهو تقييد يرفع موجب ذلك الخبر صار كالنسخ، عنده، وتعارضا، فلا يرفع الأقوى الأضعف؛ ولهذا يتوقف في النسخ بمثل هذه الرواية عنه في التفريق، وكنسخ القيام للجنازة ونحو ذلك، فإن نسخ خبر العدل بالواحد يتوقف فيه. وأما الخبر الواحد فإما أن ترد إحدى الروايتين عن المنشئ
__________
(1) المسودة ص 299-301 ف 2/9.
(2/106)

للكلام، أو عن المخبر به. فأما الأول فهي المسألة المذكورة هنا، وهي زيادة أحد الصاحبين ما لم يروه الآخر، وهي ترجع إلى القسم الأول إن تعدد المجلس، وأما إن اتحد ولم يعلم واحد منهما فهي هي. وأما إن كانت الزيادة عن المخبر عنه فهنا الزيادة في حديث واحد قطعا؛ لأن تعدد مجالس الأخبار لا يوجب تعدد المخبر عنه؛ لكن قد يرويه المحدث بكماله وقد يختصره.
فسبب عدم قبول الزيادة إما تعدد المتكلم وإما حفظ الزائد دون غيره. وإما أن يكون تركهم لروايتها لا لعدم علمهم بها بل للاختصار وترك روايتها يبتني على جواز نقل بعض الحديث دون بعض إن كان الترك موهما ولهذا قرنوا إحدى المسألتين بالأخرى.
وأيضا فزيادة بعض الرواة بعض الحديث يستمد من قاعدة، وهي: أن التفرد بالرواية قد يقدح تارة ولا يقدح أخرى، فإذا كان المقتضي للاشتراك قائما ولم يقدح قدح وإلا فلا، ومنه رواية ما تعم به البلوى وغير ذلك، وذلك لأنها إذا كانت ثابتة فالمحدث إما أن يكون قد ذكرها للبقية أو لم يذكرها. وإذا ذكرها فإما أنهم لم يسمعوها، أو سمعوها وما حفظوها، أو حفظوها وما حدثوا بها، ليس هنا سبب رابع. فإن كان المقتضي لذكرها وسمعها وحفظها والتحديث بها موجودا صارت مثل المثبت والنافي سواء. وأما الاختلاف في الإسناد والإرسال والرفع والوقف ففيه تفصيل أيضا. وكلام أحمد وغيره في هذه الأبواب مبني على التفصيل، وأهل الحديث أعلم من غيرهم (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا كانت تخالف المزيد]
ذكر القاضي في ضمن المسألة أن المنفرد بزيادة لا تخالف المزيد
__________
(1) المسودة ص 302، 303 ف 2/9.
(2/107)

كالمنفرد بحديث، فأورد عليه ترك أحمد لزيادة ابن أبي عروبة الاستسعاء، قال في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام وهشام الدستوائي فلم يذكروه ولا أذهب إلى الاستسعاء. فقال القاضي: هذا باب آخر، وهو أن هذه الزيادة تخالف المزيد عليه فيكون كأنه تفرد بضد ما نقلته الجماعة، فيقدم ما كثرت روايته على ما قلت، وكذلك فيما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «في زكاة الفطر نصف صاع من بر» وروي «صاع من بر» فهذه الزيادة تخالف المزيد عليه، فيقدم أحدهما بكثرة الرواة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[التعارض الحقيقي لا يوجد في الأخبار]
لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. ذكره أبو بكر الخلال، وهذا قول القاضي (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المضطرب]
يقدم حديث من لم يضطرب لفظه على ما اضطرب لفظه قاله القاضي (3) .
[الترجيح]
[شيخنا] مسألة: يجوز ترجيح أحد الدليلين الظنيين على الآخر عند عامة العلماء، واختلف النقل فيه عن البصري (4) .
[شيخنا] مسألة: لا ترجيح في المذاهب الخالية عن دليل، وحكى عبد الجبار بن أحمد عن أصحابه جواز ذلك (5) .
__________
(1) المسودة ص 304 ف 2/9.
(2) المسودة ص 306 ف 2/9.
(3) المسودة ص 308 ف 2/9.
(4) المسودة ص 309 ف 2/9.
(5) المسودة ص 309ف 2/9.
(2/108)

مسألة: فأما ترجيح أحد الدليلين على الآخر بقلة احتماله للخطأ أو كثرة احتمال الآخر فنفاه القاضي، وفرق بين ما يوجب صحة الشيء وبيانه فإنه يقوى بكثرة وجوه الإثبات لكثرة الرواة في الخبر وكثرة الاشتباه في القياس، وبين ما يوجب فساد الشيء فإنه لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة، كما لو كان الراوي مغفلا فإن ذلك يمنع قبول خبره، ولا يختلف بوجود الفسق معها وعدمه.
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: هذا ضعيف ولو صح لكان الفرق بين ما يوجب الفساد وبين ما يحتمل الفساد ظاهرا، ومسألته من القسم الثاني (1) .
[إذا تعارض المرسل وحديث عن الصحابة]
مسألة: [شيخنا] إذا تعارض خبر مرسل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديث عن الصحابة أو التابعين فالذي عن الصحابة أولى من المرسل نص عليه، ولفظه: قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأبي عبد الله: حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة أو التابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إلي (2) .
[تقديم رواية المثبت على النافي]
مسألة: [شيخنا] في تقديم رواية المثبت على النافي، نص عليه أحمد، قال إسماعيل: إذا كان النفي مستندا إلى علم بالعدم -بأن كانت جهات الإثبات معلومة- لا إلى عدم علم بأن النفي والإثبات في جهة هذه الصورة يتقابلان من غير ترجيح (3) .
مسألة: رواية من تقدم إسلامه ومن تأخر سواء، قاله القاضي وغيره. وقال بعض الشافعية: تقدم رواية المتأخر إسلامه.
قال شيخنا: ذكر ابن عقيل ما يشبه هذا فلينظر في أوائل الثاني
__________
(1) المسودة ص 309 ف 2/9.
(2) المسودة ص 310 ف 2/9.
(3) المسودة ص 310، 311 ف 2/9.
(2/109)

بالأصل له.
[هل تقدم رواية من تقدم إسلامه وهجرته ... ]
وقال أبو الخطاب: تقدم رواية من قد تقدمت هجرته وكثرت صحبته، وكذا قال ابن عقيل: تقدم رواية من كثرت صحبته وقد تقدم [وقال إسماعيل: لا تقدم رواية من تقدم إسلامه على من تأخر إسلامه] (1) .
فصل
[سبب ذهاب ما ذهب من الدين وظهور ما ظهر من البدع]
قاعدة: بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا إلى جميع الخلق: أهل العلم والعبادة، وأهل الولاية والإمارة من الخاصة، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة ورضي لهم الإسلام دينا. فالهدى يدخل فيه العلم النافع ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح فعاش الناس في ذلك الهدى ودين الحق. ثم ظهرت البدع والفجور، فصار من الأمة من استمسك بالهدى ودين الحق. ومنهم من عدل عن بعض ذلك فاستمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم وخاضوا كالذي خاضوا.
فالمنحرف: إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه، كما قال الحسن البصري، وسفيان الثوري وجماعات من السلف: إن من سلم من فتنة البدعة وفتنة الدنيا فقد سلم. وإن كانت البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ففتنة البدعة في أهل العلم والدين. وفتنة الدنيا في ذوي السلطان والمال؛ ولهذا قال بعض الناس: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء. وقد قال أبو محمد الرملي عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: بالماضين ما كان أشبهه، وعن الدنيا ما كان أصبره، أتته البدعة فنفاها، والدنيا فأباها. وقد قال الله تعالى: {إِنَّ
__________
(1) المسودة ص 311 ف 2/9.
(2/110)

كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [34/9] وقال ابن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأخبار سوء ورهبانها

فالأمراء من الملوك وأتباعهم يقولون لما أحدثوه: «سياسة» ويقولون: «شرع وسياسة» والعلماء المتكلمون يقولون: عقليات وكلام، ويقولون: العقل والشرع. والعباد والفقراء والصوفية يقولون: «حقيقة وشريعة» . وسياسة هؤلاء وعقليات هؤلاء وحقيقة هؤلاء أعظم قدرا في صدورهم من كتاب الله وسنة رسوله حالا، أو اعتقادا. وبإزائهم قوم من الفقهاء والمحدثين والعباد والعامة ينتسبون إلى الكتاب والسنة والشرع وهم لا يعلمون من ذلك ما يحتاج إليه؛ بل فيهم من الجهل بحقائق ذلك أو التقليد لبعض رؤسائهم ما أوجب نقص الكتاب والسنة والشريعة في قلوب أولئك فتقصير هؤلاء وعدوان أولئك كان سببا لذهاب ما ذهب من الدين وظهور ما ظهر من البدع. والله أعلم (1) .
__________
(1) مجموع 69 ورقة 80 ف 2/10، 11.
(2/111)

الأصل الثالث الإجماع

[الإجماع حجة]
مسألة: ولا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، نص عليه، وهو قول جماعة الفقهاء والمتكلمين، وحكي عن إبراهيم النظام وطائفة من المرجئة وبعض المتكلمين أنه ليس بحجة وأنه يجوز اجتماع الكل على الخطأ، وقالت الرافضة: ليس الإجماع حجة، وإنما قول الإمام وحده حجة. والمشهور عن النظام إنكار تصوره. والأول حكاه القاضيان أبو يعلى وأبو الطيب. وأول من استدل بالآية الشافعي رضي الله عنه.
[وإذا اختلف الصحابة لم يخرج عن أقاويلهم وينظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسنة (1) ]
قال القاضي: الإجماع حجة مقطوع عليها (2) يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم أرأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا.
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: قال في رواية عبد الله: الحجة على من زعم أنه إذا كان أمرا مجمعا عليه ثم افترقوا إنا نقف على ما أجمعوا عليه، إلى آخره وهي مكتوبة في مسألة انقراض العصر قال:
__________
(1) نسخة: «حجة قطعية» .
(2) كما يأتي.
(2/113)

وقد أطلق القول في رواية عبد الله فقال: من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا وهذه دعوى بشر المريسي والأصم؛ ولكن يقول: «لا نعلم الناس اختلفوا» إذا لم يبلغه. وكذلك نقل المروذي عنه أنه قال: كيف يجوز للرجل أن يقول: «أجمعوا» ؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم، لو قال: «إني لم أعلم مخالفا» كان ذلك، ونقل أبو طالب عنه أنه قال: هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: «لا أعلم فيه اختلافا» فهو أحسن من قوله: «إجماع الناس» وكذلك نقل أبو الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا.
قال القاضي: فظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإجماع، وليس هذا على ظاهره، وإنما قال هذا عن طريق الورع؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث، وادعى الإجماع في رواية الحسن بن ثواب فقال: أذهب في التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق. فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ فقال: بالإجماع عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس.
[دعوى الإجماع التي أنكرها أحمد والإجماع الذي يعتبره]
قال شيخنا: قلت: الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين.
ثم هذا منه نهي عن دعوى الإجماع العام النطقي، وهو كالإجماع السكوتي، أو إجماع الجمهور من غير علم بالمخالف؛ فإنه قال في القراءة خلف الإمام: ادعي الإجماع في نزول الآية وفي عدم الوجوب
(2/114)

في صلاة الجهر، وإنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين، وقد ادعى الإجماع في مسائل الفقه غير واحد من مالك ومحمد بن الحسن والشافعي وأبي عبيد في مسائل وفيها خلاف لم يطلعوه وقد جاء الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع في كلام عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وغيرهما حيث يقول كل منهما: اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن فبما أجمع عليه الصالحون. وفي لفظ: بما أجمع عليه الناس؛ لكن يقتضي تأخير هذا عن الأصلين، وما ذاك إلا لأن هؤلاء لا يخالفون الأصلين (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[دلالة كونه حجة]
دلالة كون الإجماع حجة هو الشرع. وقيل: العقل أيضا [نثبته حجة: إما بالسمع، وإما بالعقل. والسمع إما بالكتاب، وإما بالسنة، ونثبت السنة بالتواتر المعنوي، وبأن العادة والدين يمنع من تصديق ما لم يثبت ومن معارضة القواطع ما ليس بقاطع. والعقل إما العادة الطبيعية، وإما دين السلف الشرعي المانع من القطع بما ليس بحق] (2) (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[أخبار الآحاد يدل على صحتها طرق]
قال المخالف: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل هذه المسألة، فقال القاضي: هذه مسألة شرعية طريقها مثل مسائل الفروع ليس للمخالف فيها طريق يمكنه أن يقول: إنه يوجب القطع. وجواب آخر، وهو أنه تواتر في المعنى من وجهين:
__________
(1) المسودة ص 315-317 ف 2/10.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ كما نبه عليه الطابع.
(3) المسودة ص 317 ف 2/10.
(2/115)

أحدهما: أن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة ورواة شتى لم يجز أن يكون جميعها كذبا، ولم يكن بد أن يكون بعضها صحيحا، كما لو أخبرنا الجمع الكثير بإسلامهم وجب أن يكون فيهم صادق، ولهذا أثبتنا كثيرا من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثبتنا وجوب العمل بخبر الواحد بما روي عن الصحابة من العمل به في قضايا مختلفة.
والثاني: أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد أنه رده؛ ولهذا نقول: إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» لما اتفقوا على العمل به دلَّ على أنه صحيح عندهم.
[قال شيخنا رضي الله عنه] : قلت: وثم طريق ثالث، وهو ثبوت القدر المشترك من المعنى، وهذا غير القطع بصحة واحد من الألفاظ.
قال في أدلة المسألة: وأيضا فلا خلاف أن نصب الزكاة والمقادير الواجبة فيها وأركان الصلاة مقطوع بها، ومعلوم أنه ما ثبت بها خبر متواتر، وإنما نقل فيها أخبار آحاد: ابن عمر وأنس وغيرهما، عدد معروف، فلما اتفقوا عليها وقطعوا على ثبوتها علمنا أن قبولها قطعي من حيث الإجماع، لا من حيث أخبار الآحاد؛ من ناحية أن الأمة تلقتها بالقبول فصارت الأخبار فيها كالمتواتر.
واستدل ابن عقيل بأن تأخر نص عن نص يثبت بخبر الواحد، فيترتب عليه النسخ، وإن كان النسخ لا يثبت بخبر الواحد (1) .
مسألة: يعتبر انقراض العصر عند القاضي والمقدسي والحلواني وابن عقيل. وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وذكر ابن برهان أنه مذهبهم.
__________
(1) المسودة ص 319، 320 ف 2/10. فيه زيادة إيضاح.
(2/116)

[اعتبار انقراض العصر في صحة الإجماع]
[قال شيخنا] : قلت: سر المسألة أن المدرك لا يعتبر وفاته؛ بل يعتبر عدم خلافه إذا قلنا به. وذهب المتكلمون من المعتزلة والأشعرية وأصحاب أبي حنيفة فيما ذكره أبو سفيان إلى أنه لا يعتبر. وعن الشافعية كالمذهبين، ولهم وجه ثالث: إن كان الإجماع مطلق لم يعتبر -وإن كان بشرط- وهو إن قالوا: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح صرنا إليه اعتبر انقراض العصر. واختار الجويني إن أسندوه إلى الظن لم يكن إجماعا حتى يمضي زمان طويل حتى لو ماتوا عقبيه لم يستقر ولو مضت مدة طويلة قبل موتهم استقر، فلم يعتبر انقراض العصر في ذلك بل مضى زمن طويل، وتكلم في ضبطه بكلام كثير. والمذهب الثاني اختيار أبي الخطاب، وقال: هو قول عامة العلماء، وذكر أن أحمد أومأ إليه (1) أيضا. وحكى ابن عقيل قولا آخر بأنه إن كان قولا من الجميع لم يعتبر فيه انقراض العصر، وإن كان قولا من البعض وسكوتا من الباقين اشترط انقراض العصر، والذين اعتبروا انقراض العصر منهم من اعتبر موت جميع الصحابة، ومنهم من اعتبر موت الأكثر، ومنهم من اعتبر موت علمائهم.
قال شيخنا: قال القاضي في مقدمة المجرد: انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره، فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل الإجماع وإن أدرك بعض التابعين عصرهم وهو من أهل الإجماع اعتد بخلافه، وقد قدم أحمد قول سعيد بن المسيب على قول ابن عباس في أن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وقول سعيد أيضا في أن خراج العبد مقدر من قيمة كالحر خلافا لابن عباس، ثم قال بعد هذا فيها: وإذا أدرك التابعي زمان الصحابة وهو من أهل الاجتهاد لم يعتبر قوله في إجماعهم، ولم يعتد
__________
(1) نسخة: «وذكر عن أحمد أنه أومأ»
(2/117)

بخلافه لهم، وقد قال أحمد فيمن حكم بقول التابعين وترك قول الصحابة: نقض حكمه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
احتج من قال: «لا يشترط انقراض العصر» بأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة في عصر الصحابة، فروي عن الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك حي، فلو كان انقراض العصر شرطا لما احتج بذلك قبل انقراضه.
فقال القاضي: والجواب أنا لا نعرف هذا عن التابعين، وما حكوه عن الحسن فيحتاج إلى أن ينقل لفظه حتى ينظر كيف وقع ذلك منه.
[يحتج بإجماعهم في حياتهم]
قال: وعلى أنه لو كان منقولا لم يكن فيه حجة؛ لأن من الناس من قال: قول الصحابي وحده حجة، وهو الصحيح من الروايتين لنا، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون الحسن احتج بقول الواحد منهم لا يإجماعهم.
قال شيخنا: قلت: هذا جواب ضعيف، فإنا إذا اشترطنا انقراض العصر في المجمعين فلأن نشترطه في الواحد أولى؛ فإن قوله بعد رجوعه عنه لا يكون حجة وفاقا وإذا كان الاحتجاج بهذا الواحد في حياته مع أن رجوعه يبطل اتباعه فلأن يحتج بقول الجماعة في حياتهم أولى، وإنما المتوجه أن يحتج بقولهم في حياتهم وإن كان انقراض العصر شرطا؛ لأن الآية التي احتجوا بها في قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [115/4] ذم الله تعالى بها من خالفهم في حياتهم قبل انقراضهم وكذلك شهادتهم على الناس قبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياة الشهيد.
__________
(1) المسودة ص 320، 321 ف 2/10.
(2/118)

وأيضا فلأنهم إذا اتفقوا وجب عليهم جميعا اتباع اتفاقهم إلى حين يحدث خلاف بينهم، وهذا كما يجب علينا طاعة الرسول فيما يأمر به وإن جاز تبدله بنسخ أو تغيير من الله تعالى، وذلك لأن الأصل عدم رجوعهم وبقاء أقوالهم ثم إذا رجعوا فأكثر ما في الباب أنهم اتفقوا على خطأ لم يقروا عليه، وهذا جائز عند هذا القائل وإنما هم معصومون عن دوام الخطأ، وهذا قريب إذا لم يطل الزمان بحيث يتبعهم الناس على ذلك الخطأ على وجه لا يمكن إزالته، فأما مع ذلك فلا يجوز كما لا يجوز في الرسالة. وكذا قال القاضي: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعلناه حجة لنا وبينا أنه يعتبر في ذلك انقراضه لأنه قد يرجع عنه ويتركه على أن قوله لا يقف العمل به على انقراضه، لأنه بالنسخ لا يتبين الخطأ بل يرجع عما كان عليه مع كونه كان صوابا في ذلك الوقت، وليس كذلك رجوع المجمعين؛ لأنه عن خطأ تبين لهم (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[واللاحقون إذا صاروا مجتهدين قبل انقضاء العصر]
فإن كان الذين صاروا مجتهدين موجودين في حال إجماع الأولين فلا أثر لذلك، إذ وجودهم غير مجتهدين بمنزلة عدمهم أو وجودهم كفارا أو صبيانا، وإن صاروا مجتهدين قبل انقراض عصر الأولين لكن لم يخالفوهم حتى انقرض عصرهم فهذا الخلاف مسبوق بالإجماع المتقدم لأن المجتهد اللاحق لا يعتبر انقراض عصره في صحة الإجماع الأول بلا تردد إذا وافق أو سكت. أما إذا وافق فلا ريب، إذ لو اعتبر ذلك لما استمر إجماع. وأما إذا سكت فكذلك أيضا إذا منعناه أن يخالف. وإن سوغ له أن يخالف ولم يخالف فالإجماع قد تم بشروطه فإن المجمعين انقرض عصرهم من غير خلاف.
__________
(1) المسودة ص 323-331 ف 2/10.
(2/119)

والضابط أن اللاحق إما أن يتأهل قبل الانقراض أو بعده. وعلى الأول فإما أن يوافق أو يخالف، أو يسكت.
[قال شيخنا] : قلت: سر المسألة (1) أن المدرك لا يعتبر وفاته، بل يعتبر عدم خلافه إذا قلنا به، قال القاضي: انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره، فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل الإجماع. وإن أدرك بعض التابعين عصرهم وهو من أهل الاجتهاد اعتد بخلافه إذا قلنا إنه يعتد بخلافه معهم، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله، قال: الحجة على من زعم أنه إذا كان أمرا مجمعا عليه ثم افترقوا أنا نقف على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعا، إن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر وخالفه علي بعد موته فرأى أن تسترق فكان الإجماع في الأصل أنها أمة. وحد الخمر ضرب أبو بكر أربعين ثم ضرب عمر ثمانين وضرب علي في خلافة عثمان أربعين، وقال: ضرب أبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين، وكل سنة. فالحجة عليه في الإجماع في الضرب أربعين ثم عمر خالفه فزاد أربعين ثم ضرب علي أربعين، قال: وظاهر هذا اعتبار انقراض العصر؛ لأنه اعتد بخلاف علي بعد عمر في أم الولد، وكذا اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا مات أحد الفريقين ثم أجمع من بعدهم هل يرفع الخلاف؟]
وإن مات أحد الفريقين بحيث يكون الباقي كل الفريق الآخر أو بعضهم فقد اختلف فيه من قال: «إجماع التابعين على أحد القولين يرفع الخلاف» على قولين، أحدهما -وهو الذي ذكره القاضي محل وفاق، واستدل به عليهم- أنه لا يرفع الخلاف المتقدم، وإن كان هؤلاء لو
__________
(1) نسخة: «كما تقدم» المسودة ص 323، 324 ف 2/10.
(2) المسودة ص 324، 325 ف 2/10.
(2/120)

أجمعوا قطعوا الخلاف الحادث (1) .
قال القاضي: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمع التابعون على أحدهما لم يرتفع الخلاف، وجاز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية يوسف بن موسى، قال: ما اختلف فيه علي وزيد ينظر أشبهه بالكتاب والسنة.
شيخنا: وكذلك نقل المروذي عنه: إذا اختلف الصحابة ينظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسنة، وكذلك نقل أبو الحارث: ينظر إلى أقرب الأمور وأشبهها بالكتاب والسنة.
قال: وظاهر هذا أنه رجع في ذلك إلى موافقة الدليل ولم يرجع إلى إجماع التابعين على أحد القولين (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[مما استدل به على أن إجماع التابعين لا يرفع الخلاف]
قال القاضي في مسألة إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة: لا يرفع الخلاف؛ بل يجوز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به، لما رواه الآجري في كتابه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم» ، فقيل له: كيف تحتجون بهذا الحديث وقد قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عمن احتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي بمنزلة النجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» فقال: لا يصح هذا الحديث؟ قيل له: قد احتج أحمد به واعتمد عليه في فضائل الصحابة، فقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أنبأنا عبيد الله (3) بن حنبل بن إسحاق بن حنبل، حدثني أبي، سمعت أبا عبد الله يقول: الغلو في ذكر أصحاب محمد لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الله الله
__________
(1) المسودة ص 324، 325 ف 2/10.
(2) المسودة ص 325، 326 ف 2/10.
(3) نسخة عبد الله.
(2/121)

في أصحابي لا تتخذوهم غرضا» وقال: «إنما هم بمنزلة النجوم بمن اقتديتم منهم اهتديتم» قال: فقد احتج بهذا اللفظ فدل عل صحته عنده (1) .
[إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين فهل يجوز لمن بعدهم القول بالتفرقة؟]
مسألة: فإن اختلف الصحابة في مسألتين على قولين؛ أحدهما بالإثبات فيهما والآخر بالنفي فيهما جاز لمن بعدهم القول بالتفرقة، وأن يقول في كل مسألة بقول طائفة منهم، في قول أكثر العلماء.
وحكى ابن برهان لأصحابه في ذلك وجهين:
أحدهما: كما قدمنا اختاره القاضي. وحكى أبو الخطاب عن أحمد ما يدل عليه في التي قبلها.
والثاني: لا يجوز اختاره أبو الخطاب وزعم أنه ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث، وأشار إلى عموم كلامه (2) في التي قبلها، وذكر أنه متى صرحوا بالتسوية لم تجز التفرقة ولم يذكر خلافا.
ولنا وجه ثالث بالتفرقة، اختاره المقدسي، وقال قوم منهم الحلواني والمقدسي: إن صرحوا بينها بالتسوية لم تجز التفرقة، وإلا جازت، قال أبو الطيب: وهو قول أكثرهم، وقد ذكر أصحابنا في بسط كلامهم في التي قبلها ما يقتضي أن هذا من جملتها حيث ذكروا في حجة المخالف تفرقة مسروق بين زوج وأبوين وبين امرأة وأبوين (3) وقد أجاب ابن برهان بما يوافق ما قلنا وأنه ليس النزاع في ذلك.
[والد شيخنا] : وذكر القاضي أبو يعلى في الكفاية أنهم إن صرحوا بالتسوية لم يجز إحداث قول ثالث بالتفرقة وإن لم يصرحوا فوجهان.
__________
(1) المسودة ص 326 ف 2/10.
(2) نسخة: «إلى عموم نصه» .
(3) هما المسألتان الغراوان في الميراث.
(2/122)

قال شيخنا: أبو العباس: والظاهر أن هذا فيما إذا كان بين المسألتين نوع من الشبه، مثل قولهم في زوج وأبوين وزوجة وأبوين. وأما إذا لم يكن بينهما نوع من الشبه مثل أن يوجب أحدهم النية في الوضوء ولا يجيز بيع الأعيان الغائبة من غير صفة ولا يوجب الآخر النية في الوضوء ويجوز بيع الأعيان الغائبة من غير صفة فينبغي أن يكون القول بجواز التفرقة إجماعا ههنا فيوجب الثالث النية في الوضوء ولا يجوز بيع الغائب، أو بالعكس، ومثل القاضي هذه المسألة بأن يوجب بعض الأمة النية في الوضوء ولا يجعل الصوم من شرط الاعتكاف ولا يوجب الباقون النية في الوضوء ويجعلون الصوم من شرط الاعتكاف.
قال والد شيخنا: وهذا ينافي ما ذكرناه وهو بعيد جدا، ويمكن أن يقال: بينهما نوع من الشبه. قال: ثم إني رأيت أبا الخطاب قد أشار إلى نحو ما ذكرناه فذكر أن الصحابة إذا اختلفوا في مسألتين على قولين فإن صرحوا بالتسوية لم يجز إحداث قول ثالث، وإن لم يصرحوا بالتسوية نظرت فإن كان طريق الحكم فيهما مختلفا، ثم مثل بالنية في الوضوء والصوم في الاعتكاف، وذكر أن القول بالتفرقة في مثل هذه الصورة يجوز ولم يذكر خلافا. قال: ولأنه لو لزم ذلك للزم من وافق أحمد في مسألة أن يوافقه في جميع مذهبه، والأمة مجمعة على خلاف ذلك. ثم ذكر فيما إذا كان طريق الحكم فيهما واحدا، ومثل بزوج وأبوين وزوجة وأبوين، كما ذكرنا وهذا يخالف قول شيخه ويوافق قولنا.
[قال شيخنا] : وهذا التفصيل قول عبد الوهاب المالكي، وقد ذكر القاضي في خلافه في ضمن مسألة قراءة الجنب بعض آية: إن الصحابة لما اختلفت في هذه المسألة على قولين المنع مطلقا والجواز مطلقا منعنا في آية موافقة لمن منع [منهم] وجوزنا في بعض آية موافقة لمن جوز،
(2/123)

ولم نخرج عن أقاويلهم (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في الإجماع المركب
مثل حلي الصبي وعدم العشر في خضروات الأرض الخراجية ونحو ذلك (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا قيل إن قول الصحابي حجة فهل يجوز أن يجمع التابعون على خلافه؟]
إذا قلنا: «هو حجة» فهل يجوز أن يجمع التابعون على خلافه؟ قال عبد الوهاب المالكي: يجوز، ويتبين بذلك أنه كان هناك قول صحابي آخر بخلافه (3) كما يجوز الإجماع على مخالفة خبر، ويدل الإجماع على أنه منسوخ بخبر، أو بآية، أو أن المراد خلاف ظاهره، وحينئذ فيجب العمل بالإجماع. وظاهر كلام أحمد أن ذلك لا يجوز أو أنه لو وقع لم يمنع كون قول الصحابي حجة، وهذا مبني على أن إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة لا يوجب أن يكون هو الصواب، لأنهم بعض من تكلم في تلك المسألة من الأمة (4) .
مسألة: إذا قال بعض الصحابة، وانتشر في الباقي، وسكتوا ولم يظهر خلافه فهو إجماع، يجب العمل به عندنا.
[إذا قال بعض الصحابة وانتشر وسكتوا عن مخالفته حتى انقضى العصر]
قال شيخنا: إذا سكتوا عن مخالفته حتى انقرض العصر، هكذا قيده القاضي، قال في المجرد: هو حجة ودليل مقطوع عليه يجب اتباعه وتحرم مخالفته، وهو إجماع.
__________
(1) المسودة ص 327، 328 ف 2/10.
(2) المسودة ص 331 ف 2/10.
(3) نسخة: «لا يخالفه» .
(4) المسودة ص 334 ف 2/10.
(2/124)

قال القاضي حسين في تعليقه: إذا قال الصحابي قولا ولم ينتشر فيما بينهم فإن كان معه قياس خفي فيقدم ذلك على القياس الجلي قولا واحدا، وكذلك إذا كان معه خبر مرسل مجرد. فإن كان متجردا عن القياس فهل يقدم القياس الجلي على ذلك؟ فيه قولان، الجديد يقدم القياس. وإن انتشر بين الصحابة من طريق الفتيا كان حجة مقطوعا بها. وهل يسمى إجماعا؟ فيه وجهان: أحدهما يكون إجماعا، ويشترط انقراض العصر على ذلك وجها واحدا، وإن كان على طريق القضاء قيل هو حجة قولا واحدا. وقيل: فيه قولان [قال المصنف] وهو قول المالكية وأكثر الحنفية فيما ذكره أبو سفيان والجرجاني وأكثر الشافعية، وكذلك الكرخي الحنفي وأبو الطيب الطبري. وقال بعض الحنفية: يكون حجة ولا يكون إجماعا وكذلك قال بعض الشافعية [يكون حجة ولا يكون إجماعا] لأن الشافعي قال: لا ينسب إلى ساكت قول، هذا قول أبي بكر الصيرفي، وقال: هذا هو الأشبه بمذهب الشافعي، بل هو مذهبه.
وقال داود وبعض المتكلمين منهم ابن الباقلاني والجويني: ليس بحجة ولا إجماع، وحكي عن قوم من المعتزلة والأشعرية وسماهم أبو الخطاب فقال: واختلف فيه من قال: «كل مجتهد مصيب» فقال الجبائي كقولنا، وقال ابن برهان: يكون حجة ولا يكون إجماعا، وقال أبو عبد الله البصري كقول داود وابن الباقلاني (1) .
مسألة: إذا قال الصحابي قولا ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة، نص عليه أحمد في مواضع [وقدمه على القياس] (2) . واختاره أبو بكر في التنبيه.
__________
(1) المسودة ص 335 ف 2/11.
(2) ساقطة من نسخة.
(2/125)

[إذا قال صحابي قولا ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة. طريقة أحمد في جواباته وأعماله]
قال شيخنا: قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة أو عن التابعين فإذا وجدت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين فإذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا لم أجد فعن التابعين وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث يعمل له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة.
وقال الشافعي في «الرسالة العتيقة» بعد أن ذكر فصلا في اتباع الصحابة للسنة: ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم إن أجمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا، بهذا نقول، ولم نخرج من أقاويلهم، وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله؛ فإنهم فوقنا في كل عام واجتهاد وورع وعدل وأمر استدرك (1) به علم أو استنبط به قياس وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من اتباعنا لأنفسنا.
وروى الربيع عنه: قال المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما: ما حدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا: فهذه البدعة الضلالة.
وروى الربيع عنه قال: لا يكون لك أن تقيس إلا عن أصل أو قياس على أصل. والأصل: كتاب أو سنة، أو قول بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو إجماع الناس.
وقال في رواية يونس: لا يقال للأصل: لم ولا كيف (2) ؟
[إذا قال الصحابي قولا لا يهتدي إليه قياس فهل يعمل به وإن خالفه صحابي آخر؟]
مسألة: فإذا قال الصحابي قولا لا يهتدي إليه قياس فإنه يجب
__________
(1) نسخة: «استدل به» .
(2) نسخة: «استدل به» .
(2/126)

العمل به، ويجعل في حكم التوقيف المرفوع، بحيث يعمل به وإن خالفه قول صحابي آخر، نص عليه في مواضع، وبه قالت الحنفية.
وقالت الشافعية: لا يحمل على التوقيف، بل حكمه حكم مجتهد فيه (1) ، واختاره أبو الخطاب مع حكايته فيه وجهين، وابن عقيل، وحكى الأول عن شيخه فقط، ومثله بقول عمر في عيب الدابة وفي حمل العاقلة دية قاتل نفسه، وقول ابن عباس فيمن نذر ذبح ولده. وادعى ابن عقيل أن الظاهر عدم التوقيف معه (2) .
قال شيخنا: وقد يقال: الأمر محتمل
قال شيخنا: ولم يذكر القاضي في هذه المسألة نصا عن أحمد، ولا ذكر إلا مثلها (3) ولفظه قد تقدم (4) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا اختلف التابعون]
قال القاضي: وإذا اختلف التابعون في الحادثة جاز لغيرهم الدخول معهم في الاجتهاد، إذا كانوا من أهل الاجتهاد.
وذكر شيخنا رواية أخرى: أنهم لا يدخلون معهم [في الاجتهاد] ويسقط قولهم معهم (5) .
[إذا عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدا]
مسألة: إذ عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدا لم يجز لمن بعده من الخلفاء فسخه ولا نقضه، نحو ما عقد عمر من صلح بني تغلب، ومن خراج السواد والجزية وما جرى مجراه.
__________
(1) المسودة ص 337 ف 2/11.
(2) نسخة: «حكم مجتهداته» .
(3) نسخة: «ولا ذكر إلا أمثلة» .
(4) المسودة ص 338، 339 ف 2/11.
(5) المسودة ص 339 ف 2/11.
(2/127)

وقال ابن عقيل: يجوز [القول بأن لمن بعده من الخلفاء أن يغيره ويعمل فيه باجتهاده، لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة. هذا معنى كلامه بعد أن حكى الأول عن أصحابنا وقرره] .
قال شيخنا: قلت: هذا مثل تغيير ما ضربه من الجزية والخراج، وفيه خلاف مشهور في المذهب (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا اختلف الصحابة على قولين وأحدهما فتيا والآخر حكما]
قال القاضي: إذا اختلف الصحابة على قولين وكان أحدهما فتيا والآخر حكما فقد قيل: الحكم أولى؛ لأن الحكم لازم فهو أولى، وقيل: الفتيا أولى؛ لأن وقت الفتيا أوسع من وقت الحكم، ولأنه يمكن منازعته (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا اختلف الصحابة بعد موت النبي وكان أحدهما أقرب من رسول الله ... ]
إذا اختلف الصحابة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أحدهما أقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أميرا له على سرية أو قاضيا أو رسولا له لم يوجب ذلك رجحان قوله، ذكره ابن عقيل محل وفاق استدل به (3) .
[هل يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد]
مسألة: يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، قال ابن عقيل: وهو قول أكثر الفقهاء، ذكرها في أواخر كتابه، قال أبو سفيان: وهو مذهب شيوخنا: قال: وقال بعض شيوخنا: لا يجوز.
قال شيخنا: تكلم على ذلك ابن عقيل بكلام ذكره، فقال: هذا [على] ما يقع لي خلاف في عبارة وتحتها (4) اتفاق، فإن خبر الواحد لا
__________
(1) المسودة ص 341 ف 2/11.
(2) المسودة ص 342 ف 2/11.
(3) المسودة ص 342 ف 2/11.
(4) نسخة: «وبحثها اتفاق»
(2/128)

يعطي علما، ولكن يفيد ظنا، ونحن إذا قلنا إنه يثبت به الإجماع فلسنا قاطعين بالإجماع ولا بحصوله بخبر الواحد، بل هو بمنزلة ثبوت قول النبي - صلى الله عليه وسلم - والمنازع قال: «الإجماع دليل قطعي» وخبر الواحد دليل ظني، فلا يثبت قطعيا (1) .
[نبينا لم يكن على دين قومه؛ لكن هل كان متعبدا بشيء من الشرائع قبله؟]
مسألة: نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على دين قومه نص عليه، بل كان متعبدًا بما صح عنده من شريعة إبراهيم ذكره ابن عقيل، قال: وبه قال أصحاب الشافعي. وقال قوم بالوقف، وأنه يجوز ذلك ويجوز أنه لم يكن متعبدا بشيء أصلا. ورأينا اختاره الجويني وابن الباقلاني وأبو الخطاب وبه قال الحنفية فيما حكاه السرخسي أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع وإنما صار بعد البعثة شرع من قبله شرع له.
قال شيخنا: قلت: وهذا مأخذ جيد. قال الجويني: وذهب قوم إلى أنه كان على شريعة نوح، وفرقة إلى أنه كان على شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع وقال ابن الباقلاني لم يكن على شرع أصلا وقطع بذلك وقالت المعتزلة كان متعبدا بشريعة العقل بفعل محاسنه واجتناب قبائحه.
قال شيخنا: وقال القاضي وغيره: كان متعبدا بشرع من قبله مطلقا، وحكاه عن أصحاب الشافعي. قال القاضي والحلواني: «مسألة» ونبينا كان قبل أن يبعث متعبدا باتباع شريعة من قبله على كلتا الروايتين.
[وذكر ابن عقيل في الجزء التاسع والعاشر أحكاما كثيرة من أحكام النسخ وشروطه وما ظن منها وليس كذلك، ولعله ذكر أحكام النسخ كلها وفروعا كثيرة] (2) ، وكان القاضي أولا قد فرع ذلك على الروايتين، فإن
__________
(1) المسودة ص 344، 345 ف 2/11.
(2) هذه العبارة ساقطة في بعض النسخ.
(2/129)

قلنا لم يكن متعبدا به بعد البعث فكذلك قبله، وإن قلنا كان متعبدا به بعده فقبله أولى، ثم ضرب على ذلك، وذكر أنه كان متعبدا به على الروايتين جميعا (1) .
قال شيخنا: أما على قولنا باستصحاب الشرع الأول فيستقيم على إحدى الروايتين؛ لكن يقال: لم يثبت عنده. وقد أفرد القاضي فصلا في أنه يجوز أن يكون النبي الثاني متعبدا بما تعبد به النبي الأول والعقل لا يمنع من ذلك فقيل له: فما الفائدة في بعثه وإظهار الأعلام على يده إذا لم يأت بشريعة مبتدأة؟ فأجاب: بأنه إنما حسن إظهار الأعلام على يديه؛ لأنه لابد أن يأتي بما لا يعرف إلا من جهته، إما أن يكون ما يأتي به شريعة مبتدأة، أو يكون ذلك مما كان الأول متعبدا به إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا من جهة النبي الثاني.
قال شيخنا: قلت: وهذا فيه نظر، فإنه يجوز عندنا إظهار الكرامات للأولياء فكيف للنبي المتبع؟ وتكون فائدته التقوية كأنبياء بني إسرائيل.
ثم قال: «مسألة» : إذا ثبت جواز ذلك فهل كان نبينا متعبدا بشريعة من كان قبله أم لا؟ فيه روايتان، إحداهما أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا فقد صار شريعة لنبينا ويلزمه أحكامه من حيث أنه قد صار شريعة له، لا من حيث كان شريعة لمن كان قبله، وإنما يثبت كونه شرعا لهم مقطوعا عليه، إما بكتاب أو بخبر من جهة الصادق أو بنقل متواتر، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا، وقد أومأ أحمد إلى هذا فقال في رواية صالح فيمن حلف ينحر ولده: عليه كبش يذبحه ويتصدق بلحمه، قال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [107/37] ، قال:
__________
(1) في الأصل تكرار وليس من كلام الشيخ فتركته.
(2/130)

فقد أوجب أحمد الكبش في ذلك واحتج بالآية عليه، وهي شريعة إبراهيم. وقال أيضا في رواية أبي الحارث والأثرم وحنبل والفضل بن زياد وعبد الصمد، وقد سئل عن القرعة، فقال: في كتاب الله في موضعين قال الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [141/37] ، وقال: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} [44/3] فقد احتج بالآيتين في إثبات القرعة، وهي في شريعة يونس ومريم. وقال أيضا في رواية أبي طالب وصالح قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [45/5] فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقتل مؤمن بكافر» دل على أن الآية ليست في النفس على ظاهرها، وكأنها أنزلت في بني إسرائيل بقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} . قال: فقد بين أن الآية على ظاهرها شرع لنا حتى ورد البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلم أنها خاصة فيهم. وكذلك نقل أبو الحارث عنه: «لا يقتل مؤمن بكافر» قيل له: أليس قد قال الله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} قال: ليس هذا موضعه، علي بن أبي طالب يحكي ما في الصحيفة: «لا يقتل مؤمن بكافر» وعن عثمان ومعاوية: «لم يقتلوا المؤمن بالكافر» (1) . قال: وهذا يدل على أن الآية على ظاهرها في المسلمين ومن قبلهم ولكن عارضها بحديث الصحيفة ولو لم يكن كذلك لما عارضها ولقال: ذلك خاص لمن قبلنا وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي في جملة مسائل خرجها في الأصول.
وفيه رواية أخرى: أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع إلا ما دل الدليل على ثبوته في شرعه؛ فيكون شرعا له مبتدأ أومأ إليه في رواية أبي طالب في موضع آخر، فقال: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} كتبت على
__________
(1) نسخة: «مؤمنا بكافر» .
(2/131)

اليهود، قال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي في التوراة ولنا: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [178/2] .
قال شيخنا: قلت: فقد ذكر القاضي أنه إنما تلزمنا أحكامه في حيث صارت شريعة لنبينا لا من حيث كانت شريعة لمن كان قبله، فيكون اتباعه لأمر الله لنا على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وهو الذي حكاه عن الحنفية، ولهذا قالوا: لم يكن قبل البعث متعبدا به، وعلى ما ذكره أبو محمد البغدادي في جدله وذكره القاضي في أثناء المسألة كما ذكره أبو محمد وهو أن الحكم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه حتى يرد دليل نسخه، وليس في نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الأحكام التي قبله، فإن النسخ إنما يكون عند [التنافي] ولأنه شرع مطلق فوجب أن يدخل فيه كل مكلف إذا لم ينسخ كشرع نبينا، ولأن نبينا كان قبل بعثته متعبدا فدل على أنه كان مأمورا به بشرع من قبله.
قال شيخنا: قلتِ: هذه الطريقة فيها نظر، وقد تأول القاضي قوله: وكل نبي مبعوث إلى قومه المتبوع وغيره تبع له. والذي ذكره أبو محمد أنه ثابت في حقنا استصحاب الحال، لأنه شرع شرعه الله، ولم ينسخه، وعلى هذا يكون ثبوته في حقنا إما لشمول الحكم لنا لفظا، وإما بالعقل بناء على أن الأصل تساوي الأحكام وهو الاعتبار الذي ذكره الله في قصصهم.
فصار لها ثلاثة مآخذ: إما الكتاب والسنة، والإجماع، وإما الكتاب الأول وإما العقل والاعتبار فيكون من باب الخاص لفظا العام حكما. والمسألة مبنية على أنه لو لم يبعث إلينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: هل كان يجوز أو يجب التعبد بتلك الشرائع؟ وهي تشبه حاله قبل البعثة.
قال شيخنا: قول القاضي: «من دليل مقطوع عليه» قد أعاده في المسألة وقال: إنه متى لم يقطع على ذلك ونعلمه من جهة يقع العلم
(2/132)

بها لم يجب اتباعه. والصحيح أنه يثبت (1) بأخبار الآحاد عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الرجوع إلى ملة أهل الكتاب ففيه الكلام (2) .
__________
(1) نسخة: «ثبت» .
(2) المسودة ص 184-186 ف 2/12.
(2/133)

الاستحسان

[الاستحسان وتخصيص العلة، وموضع الاستحسان هل يقاس عليه، وما يقال إنه مخالف للقياس وليس كذلك]
مسألة: «الاستحسان» كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون به، وأنكره الشافعي عليهم، وبسط أبو الخطاب القول فيه عقيب تخصيص العلة، قال القاضي عبد الوهاب المالكي: ليس بمنصوص عن مالك، إلا أن كتب أصحابنا مملوءة من ذكره والقول به، ونص عليه أبو القاسم وأشهب وغيرهما، وفسره الحلواني بأوجه. ويحتمل عندي أن يكون الاستحسان ترك القياس الجلي وغيره الدليل نص من خبر واحد أو غيره، أو ترك القياس لقول الصحابي فيما لا يجري فيه القياس كما تقدم. وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في كتاب «الهداية» في مسألة العينة حيث قال: لا يجوز استحسانا فلينظر إن كان ذكر ذلك أحد. ثم إني رأيت الفخر إسماعيل في كتابه «الجدل» قد ذكر هذا الذي ذكرته بعينه في تفسير الاستحسان أعني ترك القياس للحديث المخالف للقياس، اللائق بتفسير الاستحسان ما ذكرته ثانيا من ترك القياس لمخالفة الصحابي له، أعني فيما لا يجري فيه القياس؛ فإن الحنفية وافقونا في أن الصحابي إذا قال قولا لا يهتدي إلى القياس حمل على أنه قاله توقيفا والشافعية خالفونا في ذلك، وكذا الحنفية وافقونا في الاستحسان، والشافعية خالفونا وهذا وجه حسن إن شاء الله.
[قال شيخنا] : وقد أطلق أحمد القول بالاستحسان في مواضع، قال في رواية الميموني: استحسن أن يتيمم لكل صلاة، والقياس أنه
(2/134)

بمنزلة الماء يصلي به حتى يحدث أو يجد الماء. وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا فزرعها: الزرع لرب الأرض، وعليه النفقة، وهذا شيء لا يوافق القياس، لكن أستحسن أن يدفع إليه النفقة. وقال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان. وقال في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب المال: فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت.
وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وذكر عن إياس بن معاوية، وكتب مالك مشحونة بالاستحسان، وكذلك قال الشافعي: أستحسن في المتعة قدر ثلاثين درهما.
وقد أنكر الشافعي وأصحابه القول بالاستحسان، وقال أحمد في رواية أبي طالب: أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون ما يزعمون أنه الحق بالاستحسان، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه. قال القاضي: هذا يدل على إبطال القول بالاستحسان.
قال أبو الخطاب: وعندي أنه أنكر عليهم القول بالاستحسان من غير دليل ولهذا قال: «يتركون القياس الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان» فلو كان الاستحسان عن دليل ذهبوا إليه لم ينكره؛ لأنه حق، وقال: «أنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه» معناه: أني أترك القياس بالخبر، وهذا هو الاستحسان بالدليل.
وفصله فصولا؛ أحدها: أن هذه التسمية صحيحة. الثاني في حده.
(2/135)

قال: والذي يقتضيه كلام أصحابنا أن يكون «حد الاستحسان» العدول عن موجب القياس إلى دليل هو أقوى منه؛ لأنه لم يرد لفظه إلا أنه ترك القياس للاستحسان، فأما في ترك دليل آخر فلم يرد. قال: وحده شيخنا بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه. قال: وليس بشيء؛ لأن الأحكام لا يقال بعضها أولى من بعض ولا بعضها أقوى من بعض وإنما القوة للأدلة.
وحده بعضهم بأنه ترك القياس إلى قياس أقوى منه، قال: وهذا باطل فإنهم إذا تركوا القياس لنص أو تنبيه كان استحسانا.
وحده بعضهم بأنه ترك طريقة الحكم على طريقة أخرى أولى منها لولاها لوجب البنيان على الأولى.
وحده الكرخي بأنه العدول عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم في نظائرها لوجه هو أقوى من الأول. قال: وهذا معنى الذي قبله، ويلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص استحسانا، والعدول عن العموم إلى الخصوص استحسانا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال أبو الخطاب: ومعنى الاستحسان أن بعض الأمارات تكون أقوى من القياس فيعدل إليها عن غير أن يفسد القياس، وهذا راجع إلى تخصيص العلة. قال: وشيخنا يمنع من تخصيص العلة وينصر القول بالاستحسان، ولا أعرف لقوله وجها. وقد أورد القاضي على نفسه هذا في مسألة تخصيص العلة، وفرق بين تخصيصها وبين ترك قياس الأصول للخبر، قال: ولأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس وعن غير قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيصا بدليل (2) .
__________
(1) المسودة ص 451-453 ف 2/12.
(2) المسودة ص 453 ف 2/12.
(2/136)

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.
فصل
في الاستحسان، وتخصيص العلة، وموضع الاستحسان هل يقاس عليه أم لا؟ وما يرد من الأحكام الثابتة بالنص والإجماع ويقال: إنها مخالفة للقياس. فإن هذه قواعد كثر اضطراب الناس فيها، والحاجة ماسة إلى تحقيقها في كثير من مسائل الشريعة أصولها وفروعها.
أما الاستحسان فالمشهور من معانيه أنه مخالفة القياس لدليل قد يراد به غير ذلك.
والعلماء في لفظه ومعناه المذكور على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر هذا اللفظ مطلقا، وهم نفاة القياس كداود وأصحابه وكثير من أهل الكلام من المعتزلة والشيعة وغيرهم، فليس عندهم في أدلة الشرع لا قياس ولا استحسان.
ومنهم: من يقر به بهذا المعنى ويجوز مخالفة القياس للاستحسان ويعمل بالقياس فيما عدا صورة الاستحسان، وهذا هو الصواب عن أبي حنفية وأصحابه.
ومنهم: من ذم الاستحسان تارة وقال به تارة كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم.
وفي كتب مالك وأصحابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع.
والشافعي قال: من استحسن فقد شرع، وتكلم في إبطال الاستحسان وبسط القول في ذلك، وكان من أعظم الأئمة إنكارا له،
(2/137)

وهو الذي عليه أصحابه في أصول الفقه، ومع هذا فقد قال بلفظ الاستحسان، كما قال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين درهما، ولهذا يحكي للشافعي من الاستحسان قولهم: قديم، وجديد.
وكذلك أحمد بن حنبل نقل عنه أبو طالب أنه قال: أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون الذين يزعمون أنه الحق بالاستحسان، قال: وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا يقتضي إبطال القول بالاستحسان، وكيف لا يصح قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه.
قلت: مراد أحمد أني أستعمل النصوص كلها ولا أقيس على أحد النصين قياسا يعارض النص الآخر كما يفعل من ذكره حيث قاسوا على أحد النصين ثم يثبتون الاستحسان إما بالنص أو غيره، والقياس عندهم من جنس العلة الصحيحة، فينقضون العلة التي يدعون صحتها بمجمل أو قياس معارض.
وهذا من أحمد يبين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة، وأن انتقاضها بمساويها من مخالف يوجب فسادها؛ ولهذا قال: لا أقيس على أحد النصين قياسا ينقضه النص الآخر، فإن ذلك يدل على فساد القياس. وهو يستعمل مثل هذا في مواضع مثل حديث أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا أراد أحدكم أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئا» مع حديث عائشة: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يبعث به وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم» . والناس في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم: من سوى بين الهدي والأضحية في المنع ويقول: إذا أرسل المحرم هديا لم يحل حتى ينحر كما يروى عن ابن عباس وغيره.
(2/138)

ومنهم: من سوى بينهما في الإذن ويقول: بل المضحي لا يمنع عن شيء كما لا يمنع المهدي، فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر.
وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم عملوا بالنصين ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، كما أن الله لما أحل البيع وحرم الربا لم يقس المسلمون أحدهما على الآخر، وإنما هذا قياس المشركين، وكذلك لما أحل الله الذكي وحرم الميتة لم يقيسوا أحدهما على الآخر، بل هذا قياس المشركين، وكذلك لما جاء الكتاب والسنة بالقرعة وجاء بتحريم القمار لم يقيسوا أحدهما على الآخر، أجازوا القرعة وحرموا الميسر والاستقسام بالأزلام ولم يقل بها.
وكان أحمد أكثر الفقهاء عملا بالقرعة، لما كان عنده فيها من النصوص والآثار.
وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس إذا صلى الإمام قاعدا أن يصلوا قعودا أجمعين، ثم لما افتتحوا الصلاة قياما أتمها بهم قياما عملا بالحديثين ولم يقس على أحدهما قياسا يناقض الآخر بجعله منسوخا كما فعل طائفة من الفقهاء كالشافعي والحميدي وغيره. واستدل هو وغيره بأن الصحابة بعده لما صلوا جلوسا أمروا من خلفهم بالجلوس وقال: شهدوا صلاته في آخر عمره مثل أسيد بن الحضير وهو من أفضل السابقين الأولين من الأنصار، وقد فعل ذلك في عهد أبي بكر فإنه قتل في قتال المرتدين من بني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب.
وقد قال أحمد بالاستحسان في مواضع، كقوله في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب.
(2/139)

قال: وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت. وقال في رواية الميموني: أستحسن أن يتيمم لكل صلاة ولكن القياس أنه بمنزلة الماء يصلي به حتى يحدث أو يجد الماء. وقال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول ولكن هو استحسان واضح؛ فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها، وهذا شبه ذاك.
وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا وزرعها: الزرع لرب الأرض وعليه النفقة، وليس هذا شيئا يوافق القياس. أستحسن أن يدفع إليه نفقته. اهـ.
وقد جعل القاضي أبو يعلى المسألة على روايتين، ونصر هو وأتباعه كأبي الخطاب وابن عقيل القول بالاستحسان كقول أصحاب أبي حنيفة. ونصر هؤلاء الاستحسان الذي يقولون به بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أقل منه. وقيل: هو أولى القياسين.
قالوا -وهذا لفظ القاضي- وأما الحجة التي يرجع إليها في الاستحسان فهي الكتاب تارة، والسنة أخرى، والإجماع ثالثة. وبالاستدلال يترجح شبه بعض الأصول على بعض، كما قلنا بالاستحسان لأجل الكتاب في شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر إذا لم نجد مسلما.
قال: ومما قلنا فيه بالاستحسان للسنة فيمن غصب أرضا وزرعها فالزرع لذي الأرض وعلى صاحب الأرض النفقة لصاحب الزرع، لحديث رافع بن خديج عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من زرع في أرض قوم فالزرع لرب الأرض وله نفقته» وقال: كان القياس أن يكون الزرع لزارعه.
(2/140)

قال: ومما قلنا فيه بذلك للإجماع: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات، وكان القياس ألا يجوز ذلك لوجود العلة وهي الوزن إلا أنهم استحسنوا فيه للإجماع.
قلت: من ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعته على أبيه أو أبي أمه بالنص والإجماع، والقياس عند من يجعل النفقة على كل وارث بفرض أو تعصيب، أو على كل ذي رحم محرم أو على عمودي النسب مطلقا -أي تكون على من لا يرث- وكذلك يقولون: جواز إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع على خلاف القياس؛ بل قد يقولون بجواز الإجارة بل وجواز القرض والقراض وغير ذلك على خلاف القياس للإجماع؛ لكن إذا أبدوا معنى يقتضي التخصيص مثل الحاجة فمثل هذا يقول به جميع الأئمة؛ بل جميع علماء الملة، مثل إباحة الميتة للمضطر للنص وصلاة المريض قاعدا للحاجة ونحو ذلك، وإنما يتنازعون إذا لم يظهروا في إحدى الصورتين معنى يوجب الفرق.
ولهذا فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة، كما ذكر ذلك أبو الحسن البصري والرازي وغيرهما، وكذلك هو؛ فإن عامة الاستحسان الذي يقال فيه إنه يخالف القياس حقيقته تخصيص العلة.
والمشهور عن أصحاب الشافعي منع تخصيص العلة، وعن أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيصها كالمشهور عنهما في منع الاستحسان وإجازته.
ولكن في مذهب الشافعي خلاف في جواز تخصيص العلة، كما في مذهب مالك وأحمد.
ومن الناس من يحكي ذلك روايتين عن أحمد.
والقاضي أبو يعلى وأكثر أتباعه كابن عقيل ينفون تخصيص العلة
(2/141)

مع قولهم بالاستحسان وكذلك أصحاب (1) .
وأما أبو الخطاب فيختار تخصيص العلة موافقة لأصحاب أبي حنيفة؛ فإن هذا هو الاستحسان كما تقدم. وهو لا يجوز أن يخصصها بمجرد دليل يدل على التخصيص وإن لم يبين اختصاص صورة النقض بفوات شرط أو وجود مانع. وهذا حقيقة ما ذكره القاضي، وهو لا ينفي الاستحسان كما ذكره من الأمثلة؛ لكن القاضي وغيره ممن يقول بالاستحسان ومنع تخصيص العلة فرقوا بينهما فقالوا: واللفظ للقاضي لا يجوز تخصيص العلة الشرعية، وتخصيصها نقضها. قال: ولذلك قال أحمد في رواية الحسن بن حيان: القياس كأن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال: وهذا الكلام يمنع من تخصيصها قال: وقد ذكر أبو إسحاق -يعني ابن شاقلا- في شرح الخرقي فقال: أصحابنا على وجهين؛ منهم: من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذاك. وقال: وقد ذكرها أبو الحسن الجزري في جزء فيه مسائل الأصول: لا يجوز تخصيصها. قال: وقول أحمد: القياس كان يقتضي ألا يجوز شراء أرض السواد؛ لأنه لا يجوز بيعها. ليس موجبا لتخصيص العلة بأنها من حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول من الحكم العام. وقد يترك قياس الأصول للخبر، ولذلك أجاب من احتج على جواز تخصيصها بالاستحسان، وقد قال: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال أحمد: القياس كما تقول وإنما هو استحسان، واحتج بقول الصحابة في المصاحف وقال في الجواب بمثل تخصيص العلة كالمنع من جريها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول، ولأنهم يعدلون في الاستحسان
__________
(1) بياض في الأصل محل كلمة.
(2/142)

عن قياس وعن غير قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيص بدليل. وقد تابعه أبو الخطاب.
وهذا الذي ذكره القاضي فيه قد ذكره كثير من العلماء فيما إذا عارض النص قياس الأصول فقالوا: يقدم النص.
واختلفوا فيما إذا عارض خبر الواحد قياس الأصول كحديث المصراة ونحوه، وإنما الأول مثل حمل العاقلة؛ فإنهم يقولون: هو خلاف قياس الأصول، وهو ثابت بالنص والإجماع.
وهذا يذكره بعض الناس قولا ثالثا في تخصيص العلة، ويذكرون قولا رابعا وهو أنه يجوز المنصوصة دون المستنبطة. وأكثر المانعين من التخصيص من أصحاب الشافعي وأحمد كابن حامد وأبي الطيب والقاضي أبي يعلى وغيرهم يقولون: إن اختصت المنصوصة يقينا أنها بعض العلة وإلا فلا يجوز تخصيصها بحال. وهذا النزاع إنما هو في علة قام على صحتها دليل كالتأثير والمناسبة. وأما إذا اكتفى فيها بمجرد الطرد والسلامة من المفسدات فهذه تبطل بالتخصيص باتفاقهم. وأما الطرد المحض الذي يعلم خلوه عن المعاني المعتبرة فذاك لا يحتج به عند أحد من العلماء المعتبرين؛ وإنما النزاع في الطرد الشبهي كالمجوزات الشبهية التي يحتج بها كثير من الطوائف الأربعة، لا سيما قدماء أصحاب الشافعي فإنها كثيرة في حججهم أكثر من غيرهم.
والتحقيق في هذا الباب: أن العلة تقال على «العلة التامة» وهي المستلزمة لمعلولها. فهذه متى انتقضت بطلت بالاتفاق وتقال على «العلة البعضية» وتسمى الديرة، وتسمى السبب، ودليل العلة، ونحو ذلك فهذه إذا انتقضت لفرق مؤثر يفرق فيه بين صورة النقض وغيرها من الصور لم تفسد. ثم إذا كانت صورة الفرع التي هي صورة النزاع في
(2/143)

معنى صورة النقض ألحقت بها، وإن كانت في معنى صورة الأصل ألحقت بها.
فمن قال: إن العلة لا يجوز تخصيصها مطلقا لفوات شرط أو وجود مانع فهذا مخطئ قطعا، وقوله مخالف لإجماع السلف كلهم الأئمة الأربعة وغيرهم؛ فإنهم كلهم يقولون بتخصيص العلة لمعنى يوجب الفرق، وكلامهم في ذلك أكثر من أن يحصر. وهذا معنى قول من قال: تخصيصها مذهب الأئمة الأربعة. والقول بالاستحسان المخالف للقياس لا يكون إلا مع القول بتخصيص العلة. وما ذكروه من اعتراض النص على قياس الأصول فهو أحد أنواع تخصيص العلة، وهذا تسليم منهم لكون العلة تقتضي التخصيص في الجملة.
وأما من جوز تخصيص العلة بمجرد دليل لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وغيرها فهذا مورد النزاع في الاستحسان المخالف للقياس وغيره.
ثم هذه العلة إن كانت مستنبطة وخصت بنص ولم يتبين الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها فهذا أضعف ما يكون. وهذا هو الذي كان ينكره كثيرا الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وكلام أحمد فيما تقدم أراد به هذا؛ فإن العلة السببية لم تعلم صحتها إلا بالرأي، فإذا عارضها النص كان مبطلا لها. والنص إذا عارض العلة دل على فسادها، كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع.
وأما إذا كانت العلة منصوصة وقد جاء نص بتخصيص بعض صور العلة فهذا مما لا ينكره أحمد بل ولا الشافعي ولا غيرهما، كما إذا جاء نص في صورة وجاء نص يخالفه في صورة أخرى لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم فهؤلاء يقرون النصوص ولا يقيسون
(2/144)

منصوصًا على منصوص خالف حكمه، بل هذا من جنس الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [275/2] وهذا هو الذي قال أحمد فيه: أنا أذهب إلى كل حديث كما جاء ولا أقيس عليه. أي لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر فأجعل الأحاديث متناقضة وأدفع بعضها ببعض بل أستعملها كلها.
والذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون: الصورتان سواء لا فرق بينهما فيكون أحد النصين ناسخا للآخر.
ومثل هذا كثيرا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومن ينازعهم ممن يقيس منصوصًا على منصوص ويجعل أحد النصين منسوخا لمخالفته قياس النص الآخر فيمضي هذا القياس ويبقى الأمر دائرا: هل دل الشرع على التسوية بين الصورتين حتى يجعل حكمهما سواء ويجعل الحكم الوارد في إحداهما منسوخا بالحكم المضاد له الوارد في الأخرى كما يقوله من يجعل القرعة منسوخة بآية الميسر، وأمر المأمومين بأن يتبعوا الإمام فإذا كبر كبروا وإذا ركع ركعوا وإذا صلى جالسا صلوا جلوسا أجمعين (1) قياسهم على الصلاة التي صلوا بعضها خلف إمام قائم وباقيها خلف إمام قاعد، ويجعل حديث الأضحية والهدي أحدهما منسوخا بالآخر ويجعلون قطع جاحد العارية منسوخًا بقوله: «ليس على المختلس ولا المنتهب ولا الخائن قطع» ويجعلون العقوبة المالية منسوخة بالنهي عن إضاعة المال، ويجعلون تضعيف الغرم على من درئ عنه القطع منسوخا بقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [40/42] ويجعل بعضهم ما شرطه النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين المشركين من الهدنة منسوخا بقوله: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل»
__________
(1) كلمة في الأصل غير واضحة ولعلها: فيطردون.
(2/145)

وكثيرا مما يدعونه من الناسخ لا يعلمون أنه بعد المنسوخ. فهذا ونحوه من دفع النصوص الصحيحة الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما ينكره أحمد وغيره.
وكان أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. وقال: ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين: المجمل والقياس، ومراده أنه لا يعارض بهما ما يثبت بنص خاص، ولا يعمل بمجردهما قبل النظر في النصوص والأدلة الخاصة المفسرة. وكلامه وكلام غيره من الأئمة كالشافعي وغيره من المجمل لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم معناه كما يظنه بعض الناس، ولا ما لا يستقل بالدلالة؛ فإن هذا لا يجوز الاحتجاج به.
قال: وأما إذا جاء نصان بحكمين مختلفين في صورتين وثم صور مسكوت عنها فهل يقال القياس هو مقتضى أحد النصين فما سكت عنه يلحق به وإن لم يعلم المعنى الفارق بينه وبين الآخر؟ فهذا هو الاستحسان الذي تنوزع فيه. فكثير من الفقهاء يقول به كأصحاب أبي حنيفة وكثير من أصحاب أحمد وغيره، وهذا هو الذي ذكره القاضي بقوله: اعتراض النص على قياس الأصول، وهو في الحقيقة قول بتخصيص العلة، كما تقدم.
ومن لم يجوز تخصيصها في صورة التخصيص وغيره إلا بفارق يقول: لا بد أن يعلم الجامع أو الفارق، فليس إلحاق المشكوك بأحد النصين بأولى من إلحاقه بالآخر، وإذا علم المعنى من أحد النصين ولم يعلم من الآخر وجاز أن يكون المشكك فيه من معنى هذا ومعنى هذا لم يلحق بواحد منهما إلا بدليل. وإذا علم المعنى من أحد النصين ووجوده مشكوك فيه ولم يعلم المعنى من الآخر فهذا أقوى من الذي قبله؛ فإنه هنا قد علم بعض القياس الصحيح وشموله لصورة المسكوت. وأما وجود الفارق فيه فمشكوك فيه.
(2/146)

وهذا نظير أخذ أحمد بالنصوص الواردة في سجود السهو، فما كان منها قبل السلام أخذ به، وما كان بعد السلام أخذ به، وما لم يجيء فيه نص ألحقه بما قبل السلام لأنه القياس عنده.
وتحقيق هذا كما مر: أنه إما أن يعلم استواء الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع. وإما أن يعلم افتراقهما وإما أن لا يعلم واحد منهما.
فالأول متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض علم أن العلة باطلة. وهذا مثل دعوى من يدعي أن الواجب النفقة بين الإيلاد أو بين الرحم المحرمة، أو مطلق الإرث بفرض أو تعصيب؛ ويقول: إذا اجتمع الجد والجدة كانت النفقة عليهما؛ فإنه لما ثبت بالنص والإجماع أنه إذا اجتمع الأبوان كانت النفقة على الأب علم أن العصبة في ذلك يقدم على غيره إذا كان وارثا بفرض وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وعلم أن قوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [233/2] هو الوارث المطلق، وهو العاصب إن كان موجودا؛ لأن عمر جبر بني عم منغوس على نفقته. وهذه الآية صريحة في إلحاق نفقة الصغير على الوارث العاصب، وقال بها جمهور السلف، وليس فيما خالفها حجة أصلا؛ ولكن ادعى بعضهم أنها منسوخة، ونقل ذلك عن مالك. وبعضهم قال: عليه أن لا يضار فتركها بدون نسخ أو تأويل هو من نوع تحريف الكلم عن مواضعه لغير معارض لها أصلا مما يعلم بطلانه كل من تدبر ذلك.
وإذا كانت الأم أقرب الناس إليه لا نفقة عليها مع الأب وهي تحوز الثلث معه فأن لا يجب على الجدة مع الجد وهي تحوز السدس أولى وأحرى. والقائلون بذلك يقولون: القياس يقتضي وجوب ثلثها على الأم؛ لكن ترك ذلك للنص. فيقال: أي قياس معكم إنما يكون قياسا لو كان معهم نص يتناول هذه الصورة بلفظه أو معناه، وليس معهم ذلك،
(2/147)

ولو كان ذلك لكان مجيء هذا النص بهذا يوجب إلحاق نظائره به فيقاس على الأب مع الأم.
وكذلك إسلام النقدين في الموزونات يقدح في كون العلة الوزن، ولم يثبت ذلك بنص بين؛ بل بعلة مستنبطة قد عارضها ما هو أقوى منها؛ فانتقاض العلة يوجب بطلانها إذا لم تختص صورة النقض بفرق معنوي قطعا؛ فإن الشارع حكيم عادل لا يفرق بين المتماثلين، فلا تكون الصورتان متماثلتين ثم يخالف بين حكميهما؛ بل اختلاف الحكمين دليل على اختلاف الصورتين في نفس الأمر، فإن علم أنه فرق بينهما كان ذلك دليلا على عدم استوائهما في نفس الأمر، وإن لم يعلم مجيء الفرق لم يجز أن يجمع ويسوى إلا بدليل يقتضي ذلك. وهذا معنى قول إياس بن معاوية من القضاة: قيسوا للقضاة ما صلح الناس فإذا فسدوا فاستحسنوا. فأقر مخالفة القياس إذا تغير الأمر بحصول معاند يمنع القياس.
وأحمد قال بالاستحسان لأجل الفارق بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من باب تخصيص العلة للفارق المؤثر، وهذا حق، وأنكر الاستحسان إذا خصت العلة من غير فارق مؤثر؛ ولهذا قال: يدعون القياس الذي هو حق عندهم للاستحسان.
وهذا أيضا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو منكر كما أنكروه؛ فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقا وجمعا بين الصورتين بلا دليل شرعي؛ بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله وأمر الله ورسوله، فهو عندهم وضع شرع ابتداء وقد قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [21/42] وذلك أنه إذا كان القياس لم ينص الشارع على علته ولا دل لفظ الشارع على عموم المعنى فيه ولكن رأي الرائي
(2/148)

ذلك لمناسبة أو لمشابهة ظنها مناط الحكم ثم خص من ذلك المعنى صورا بنص يعارضه كان معذورا في عمله بالنص؛ لكن مجيء النص بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة تامة قطعا؛ فإن العلة التامة لا تقبل الانتقاض، فإن لم يعلم أن مورد النص مختص بمعنى يوجب الفرق لم يطمئن عليه إلى أن ذلك المعنى هو العلة؛ بل يجوز أن تكون العلة معنى آخر، أو أن يكون ذلك المعنى بعض العلة، وحينئذ فلا يسوى الحكم في جميع موارد ما ظنه علة.
وإن كان مورد الاستحسان هو أيضا معنى ظنه مناسبا أو مشابها فإنه محتاج حينئذ إلى أن يثبت ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف، فلا يكون قد ترك القياس إلا لقياس أقوى منه لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق بينها وبين غيرها، فلا يكون لنا حينئذ استحسانا يخرج عن نص أو قياس. وهذا هو الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما من الاستحسان.
وما قال به فإنما [هو] : عدول عن قياس لاختصاص تلك الصورة بما يوجب الفرق. وحينئذ فلا يكون الاستحسان الصحيح عدولا عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال. وهذا هو الصواب كما بسطناه في مصنف مفرد وبينا فيه أنه ليس من الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلا.
[وهل يقاس على صور الاستحسان وتقاس على غيرها]
وعلى هذا فصور الاستحسان العدول بها عن سنن القياس يقاس عليها عند أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا عرف المعنى الذي لأجله ثبت الحكم فيها، وذكروا عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يقاس عليها، وهو من جنس تخصيص العلة؛ فإن من جوز التخصيص والاستحسان من غير فارق معنوي قال: العدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارق معنوي فلا يقاس عليه؛ لأن من شرط القياس
(2/149)

وجود العلة ومعرفتها. ومن قاس قال: بل لا يكون إلا لفارق فإذا عرفنا قسنا.
قال القاضي وغيره: مسألة المخصوص من جملة القياس يقاس عليه.
أما القياس عليه فإن أحمد قال في رواية ابن منصور: إذا نذر أن يذبح نفسه يفدي نفسه بذبح كبش. فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده وإن كان ذلك مخصوصًا من جملة القياس، وإنما ثبت بقول ابن عباس.
وأما قياسه على غيره فإن أحمد قال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ قال: القياس كما تقول، ولكن هذا استحسان، واحتج بأن الصحابة رخصوا في شراء المصاحف دون بيعها (1) . فقد قاس مخصوصا من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس وبهذا قال الشافعي (2) . وقال أصحاب أبي حنيفة (3) : لا يقاس على غيره، ولا يقاس غيره عليه إلا أن تكون علته منصوصة (4) أو مجمعًا على جواز القياس عليه؛ فالمنصوص كقوله: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (5) والمجمع عليه كالتحالف في الإجارة قياسا على التحالف في البيع أن قضيتهما سواء. ومثل قياس الجنازة على الصلاة في
__________
(1) في العدة زيادة: «وهذا يشبه بيعها» .
(2) في العدة: «أصحاب الشافعي» .
(3) في العدة: المخصوص من جملة القياس لا يقاس على غيره.
(4) لفظ العدة: إلا أن يكون معللا أو مجمعا على جواز القياس عليه.
(5) لفظ العدة: أما المعلل كقوله في الهر إلخ. في العدة: فقاسوا عليه كل ما وجدت فيه هذه العلة من ساكني البيوت مثل الفأر والحية ونحو ذلك.
(2/150)

الانتقاض بالقهقهة وإسقاط الكفارة في الاستقاء. الأكل والوضوء بنبيذ التمر لا يقاس عليه غيره من الأنبذة وجواز البناء على صلاته إذا أحدث لا يقاس عليه من أمنى بالاحتلام ونحوه (1) .
واحتج أصحاب الشافعي بحجج وهذا لفظ القاضي أبي يعلى، قال: وأيضا فإنا إذا قسنا على المخصوص أو قسنا المخصوص على غيره. وحملنا النبيذ على غيره من المائعات والقهقهة على الكلام ويدعى أنه استحسن تركه لما هو أولى منه. قال: وهذا غير صحيح لوجهين؛ أحدهما: أنه يلزمه أن يبين الأولى وإلا حكم القياس متوجه عليه. وهذا كما لو قال: القرآن يدل على كذا ولكن تركته للسنة فتكون حجة القرآن لازمة له ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن ولا يكفي في ذلك مجرد الدعوى.
والثاني: أن يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس فلهذا تركه، والقياس إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلاً ولم يكن له حكم، كما لو عارضه نص كتاب أو سنة أو إجماع ولما حكم بصحة القياس ههنا امتنع أن يكون ما عارضه أقوى منه ومانعًا.
قلت: مضمون هذا إبطال أن يكون هذا مخصوصًا من جملة القياس وقياسه على سائر الصور، وهذا إبطال للاستحسان وهذا يقتضي
__________
(1) عبارة العدة: مثل التحالف في الإجارة عند الاختلاف على إثباته في التبايعات، لاتفاق الناس الذين أوجبوا التحالف في البيع أن حكم الإجارة حكم البيع، وما عدا ذلك لا يجوز القياس عليه ولا قياسه على غيره مثل إيجاب الوضوء من القهقهة في الصلاة فلا تقاس عليه القهقهة في صلاة الجنازة وفي سجود التلاوة؛ لأن الأثر ورد بإيجاب الوضوء من القهقهة في صلاة لها ركوع وسجود ومثل إسقاط الكفارة في استدعاء القيء فلا يقاس عليه الأكل ومثل جواز الوضوء بنبيذ التمر فلا يقاس عليه غيره من الأنبذة للأثر الوارد ومثل جواز البناء على الصلاة إذا سبقه الحدث فيها لا يقاس عليه من احتلم في صلاته وفكر وأمنى ونحو ذلك.
(2/151)

أن الاستحسان إذا خالف القياس لزم بطلان الاستحسان إن كان القياس صحيحا أو بطلان القياس إذا كان المعارض له صحيحا. وهذا يتوجه فيمن يقول بالاستحسان وجعل معارضة الاستحسان للعلة كمعارضته لحكمها، وهذا قول نفاة الاستحسان مطلقًا.
والتحقيق في ذلك: أنه إذا تعارض القياس والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرق وإلا لزم بطلان أحدهما وهو مسألة تخصيص العلة بعينها؛ فإن لم يكن بين المخصوصة وغيرها فرق لزم التسوية؛ وحينئذ فإما أن تكون العلة باطلة، وإما أن يكون تخصيص تلك الصورة باطلاً. وهذا هو الصواب في هذا كله، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه؛ فإنهم لا يأتون بفرق مؤثر بينهما، كما لم يأتوا بفرق مؤثر بين نبيذ التمر وغيره من المائعات، ولا بين القهقهة في الصلاة التي فيها ركوع وسجود وبين صلاة الجنازة وغيرها مما يشترطون فيه الطهارة.
وذكروا أدلة أخرى جيدة كقولهم -واللفظ للقاضي-: وأيضا فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلا فوجب القياس عليه كسائر الأصول، وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول له بأولى من رد تلك الأصول لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل واحد منهما في مقتضاه وأجراؤه على عمومه.
وأيضًا: فإن القياس يجري مجرى خبر الواحد بدليل أن كل واحد منهما يثبت بغالب الظن، ثم ثبت أنه يصح أن يرد مخالفا لقياس الأصول، كذلك القياس مثله. اهـ.
قلت: ومن هذا الباب جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ومزدلفة لو لم يرد به نص في أسفار أخر وأن قصره الصلاة بعرفة بأهل مكة وغيرهم فليس مخالفا لعادته فإنه ما زال يقصر في السفر؛ بل هو بيان استواء السفر
(2/152)

القصير والطويل والقصر في ذلك. فأما منع قصر الكثير فهو مخالف للسنة العامة بلا ريب، وإنما خالف ذلك من عمل على هذه السنة (1) .
وأما قصر غير الكثير فلأن القصر ليس من خصائص الحج ولا متعلقا به، وإنما هو معلق بالسفر طردًا وعكسًا.
وكلامهم في هذه المسألة يقتضي أن ما قيل فيه: إنه خالف القياس من صور الاستحسان فلابد أن يكون قياسه فاسدًا، أو أن يكون تخصيصه بالاستحسان فاسدًا، إذا لم يكن هناك فرق مؤثر. وهذا هو الصواب في هذا الباب.
قالوا: واحتج المخالف بأن قياس الشيء لا يصح مع وجود ما ينافيه، فلما كان القياس مانعا مما ورد به الأثر لم يجز لنا استعمال القياس فيه، لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصًا من جملة القياس.
قالوا: والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن ههنا ما ينافيه؛ لأن المنافاة تكون بدليل خاص، وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكر من التأويل.
والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص.
فأما قياس غيره عليه فلا ينافيه لأنه لا يسقط حكم النص عندهم فيصح القياس عليه.
__________
(1) قلت: لعله: «من لم يكن عنده علم بهذه السنة» .
(2/153)

قلت: هذا الثاني جواز قياس غيره عليه. والأول جواز قياسه على غيره ومنع لكونه مخصوصا من جملة القياس.
والتحقيق: أنه وإن كان مخصوصا من جملة القياس فهو مخصوص من قياس معين لا من كل القياس. وإنما يخص لمعنى فيه يوجب الفرق بينه وبين غيره. فإذا قيس عليه غيره بذلك المعنى لم يناف ذلك كونه مخصوصًا من ذلك القياس الأول.
وحقيقة هذا كله: أنه هل يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر؟ فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر وتخصيص العلة من غير فارق مؤثر ويمنع القياس على المخصوص يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما.
وهم تارة ينكرون صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان. وتارة ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي.
وتارة ينكرون صحة الاثنين فلا يكون القياس صحيحا، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحا؛ بل كلا الحجتين ضعيفة.
فصل
وقد تدبرت عامة هذه المواضع التي يدعي من يدعي فيها من الناس أنها تثبت على خلاف القياس الصحيح، أو أن العلة الشرعية الصحيحة خصت بلا فرق شرعي من فوات شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرق شرعي فوجدت الأمر بخلاف ذلك كما قاله أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما. وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض أيضا فيخص ما يجعله علة بلا فارق مؤثر كما أنه قد يقيس بلا علة مؤثرة.
(2/154)

فالمقصود ضبط أصول الفقه الكلية المطردة المنعكسة، وبيان أن الشريعة ليس فيها ما نص أصلا، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلا مانعا؛ فإن القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، والجمع بين الأشياء التي جمع الله ورسوله بينها فيه والتفريق بينها فيما فرق الله ورسوله بينها فيه.
والقياس: هو اعتبار المعنى الجامع المشترك الذي اعتبره الشارع وجعله مناطا للحكم، وذلك المعنى يكون لفظًا شرعيًّا عامًا أيضًا، فيكون الحكم ثابتا بعموم لفظ الشارع ومعناه.
وقد بينا في غير هذه الموضع أن الأحكام كلها ثابتة بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلها معللة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضا متناولة لجميع الأحكام؛ لكن قد يفهم المعنى من لم يعرف اللفظ العام، وقد يعرف اللفظ العام ودلالته من يفهم العلة العامة. وكثيرًا ما يغلط من يظنه قال لفظا ولم يقله، أو يجعله عاما أو خاصا ويكون مراد الشارع خلاف ذلك، كما يغلط من يظنه اعتبر معنى لم يعتبره أو ألغى معنى وقد اعتبره، ونحو ذلك.
وإنا نبين ما يذكره العلماء أنه استحسان على خلاف القياس.
فمن ذلك ما يذكره أحمد في إحدى الروايتين عنه إذا اعتبر الاستحسان؛ فإنه ذكر عنه روايتين كما تقدم.
والقول الثالث- وهو الذي يدل عليه أكثر نصوصه-: أن الاستحسان المخالف للقياس صحيح إذا كان بينهما فرق مؤثر قد اعتبره الشارع، وليس بصحيح إذا جمع بغير دليل شرعي دعوى بغير دليل شرعي وأنه لا يجوز ترك القياس الصحيح.
أما قوله: «أستحسن أن يتيمم لكل، صلاة؛ لكن القياس أنه بمنزلة
(2/155)

الماء حتى يجد الماء أو يحدث» فهذا القياس هو الرواية الأخرى عنه، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهو الصواب كما دل عليه الكتاب والسنة.
[استحسان أن يتيمم لكل صلاة مخالف للقياس]
وقوله: «القياس» هو قياس الشرع لفظا ومعنى؛ فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين» ، وقوله: «جعلت لي الأرض مسجدا أو طهورا» ونحو ذلك ألفاظ دالة على أن التراب طهور كما جعل الماء طهورا. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: «أصليت بأصحابك وأنت جنب؟» استفهام، سأله أكان ذلك أو لم يكن، وليس خبرا أنه صلى وهو جنب، فلما أخبره أنه تيمم تبين أنه لم يكن جنبا يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا فلو كان المراد الخبر وهو قد صلى مع الجنابة صلاة جائز لم يسأله وإن كانت الجنابة مانعة من الصلاة مطلقا لم يقبل عذره وهو لم يقل «أصليت» ..
والقرآن يدل على أنه طهور بقوله لما ذكر التيمم: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ} [6/5] .
والذين أمروه بالتيمم لكل صلاة فيذكر إما روايات عن بعض الصحابة ضعيفة وعنهم ما يخالفها.
وقالوا: إنه لا يرفع الحدث وإنما هو مبيح فيبيح بقدر الضرورة.
قالوا: والرافع لحدث الماء لما كان إذا قدر على استعمال الماء يستعمله بحكم الحدث السابق من غير تجدد حدث. واحتجوا بقوله لعمرو بن العاص: «أصليت بأصحابك وأنت جنب؟» .
وجواب هذا أن قولهم: لا يرفع، يبيح. كلام لا حقيقة له، ولو صح لم يكن لهم فيه حجة؛ فإن الحدث ليس هو أمرا محسوسًا كطهارة
(2/156)

الخبث؛ بل هو أمر معنوي يمنع الصلاة، فمتى كانت الصلاة جائزة بل واجبة فقد امتنع أن يكون هنا مانع من الصلاة؛ بل قد ارتفع المانع قطعا. وإن قالوا: هو مانع لكنه لا يمنع مع التيمم، فالمانع الذي لا يمنع ليس مانعًا.
فإن قيل: هو منع إذا قدر على استعمال الماء. قيل: هو حينئذ وجد المانع.
فإن قالوا: كيف يعود المانع من غير حدث؟ قيل: كما عاد الحاظر من غير حدث. فالحاظر للصلاة هو المانع، والمبيح لها هو الرافع لهذا المانع.
فإن قيل: إباحتها إلى حين القدرة على استعمال الماء. قيل: وأزال المانع إلى حين القدرة. فكما يقال: أباح إباحة مؤقتة. يقال: إنه رفع رفعا مؤقتا.
وإن قالوا: نحن لا نقبل إلا ما يرفع مطلقا كالماء. قيل: ولا نقبل إلا ما يبيح مطلقا كالماء.
وأيضا فالله ورسوله قد سماه «طهورًا» وجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - «طهور المسلم ما لم يجد الماء» وجعل «تربة الأرض طهورًا» .
الطهور: ما يتطهر به، وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [6/5] والتيمم قد يطهر، ومع الطهارة لا يبقى حدث؛ فإن الطهارة مانعة للحدث: إذ غايتة أن يكون نجاسة معنوية، والطهارة تناقض النجاسة.
فقد تبين هنا: أن القياس هو الصحيح دون الاستحسان الذي يناقضه.
وتخصيص العلة وهو كون هذا بدلا طهورا مبيحا يقوم مقام الماء
(2/157)

عند تعذره في جميع أحكامه، ثم يخص بعض الأحكام من حكم البدلية والطهورية والإباحة، والبدل يقوم مقام المبدل في حكمه لا في صورته والحكم جواز الطهارة به ما لم يجد الماء أو يحدث، فذلك القول مخالف للقياس وتخصيص العلة بلا ريب. والعلة صحيحة بلا ريب.
ونحن إذا قلنا: لا يجوز تخصيص بدون فارق مؤثر أفاد شيئين:
أحدهما: أنه إذا ثبت أنها علة صحيحة لم يجز تخصيصها مثل هذا الموضع.
والثاني: أنه إذا ثبت تخصيصها علم بطلانها، وهذا معنى قولنا: لا يجتمع قياس صحيح واستحسان صحيح إلا مع الفارق المؤثر من الشرع.
[إذا اشترى المضارب غير ما أمر به صاحب المال استحسن..]
وأما قوله في المضارب: إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، قال: وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت. فهذا استحسان منه رآه بفرق مؤثر، أو القياس مستنبط والاستحسان مستنبط، وهو تخصيص لعلة مستنبطة بفرق مستنبط. وأحمد لا يرد مثل هذا الاستحسان؛ لكن قد تكون العلتان أو إحداهما فاسدة، كما لا يرد تخصيص العلة المنصوصة بفرق منصوص كالمتيمم لما جاءت صلاته وليس هنا إلا الحدث مانعًا، فلو تبين مانع لم تجز الصلاة، فلم زوال المانع؟
فإن قيل: الصلاة بالتيمم، رخصة كأكل الميتة في المخمصة، والرخصة استباحة المحظور مع قيام الحاظر. ولا يجوز هنا أن يقال: إنه استباح الصلاة مع قيام الحاظر لها؛ فإن كون الحاظر حاظرا (1) لمعارض راجح وذلك أن المعنى المقتضي للحظر القائم بالميتة موجود حال
__________
(1) خرم هنا مقدار ثلاث كلمات. وهو أول التعريف.
(2/158)

المخمصة كما هو موجود حال القدرة على الميتة في نفسها لم يتغير.
وأما تغير حال الإنسان كان غنيا عنها ثم صار محتاجا إليها حاجة تدفع الفساد الحاصل بأكلها فكذلك التيمم.
قيل: هذا قياس فاسد، وذلك أنه جاء ميتة وأكل والميتة لم تتغير لكن تغير حال الآكل أما ليس إلا الحدث الذي كانت الصلاة محرمة عليه ثم صارت واجبة عليه أو جائزة فالمتيمم به لم يتغير حاله (1) .
والفرق أن المضارب مأمور بجعل، بل هو شريك في الربح وعمله له ولصاحب المال جميعا؛ ولهذا كان للعلماء فيما يستحقه في المضاربة الفاسدة ونحو ذلك قولان: هل يستحق ربح مثله -قسط مثله من الربح- أو أجرة تكون أجرة مثله؟
والقول الأول هو الصواب قطعا. وهذا ينافي مذهب أحمد؛ فإن من أصله أن هذه المعاملات مشاركة لا مؤاجرة بأجرة معلومة. والقياس عنده صحتها.
وإنما يقول أجرة المثل من يجعلها من باب الإجارة ويقول القياس يقتضي فسادها وإنما جوز منها ما جوز للحاجة. وبكل حال فهو يعمل لنفسه لاستحقاق القسط أو الأجرة ويعمل لذي المال؛ فليس هو بمنزلة العامل الذي جعل عمله لصاحب المال كالمتبرع؛ فإن هذا إنما قبض المال ليعمل فيه بالعوض، فالمخالفة لا تخرج عن كون المال بيده قبضه ليعمل فيه بالعوض، ولكن عمل غير ما أمر به فيكون ضامنا لتعديه؛ ولكن ليس إذا كان ضامنا يكون وجوده كعدمه مع أنه مأذون له
في التجارة به في الجملة، ليس هو كمن لم يؤذن له في ذلك. وهو أيضًا
__________
(1) خرم بالأصل بمقدار سطر سببه قص المجلد. وهو بداية المسألة الثانية المتقدمة في المضارب إذا اشترى غير ما أمر به.
(2/159)

من أصل آخر، وهو أنه إذا تصرف بغير أمره كان فضوليا فتكون العقود موقوفة وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر العلماء، وهي التي ذكرها الخرقي في مختصره: أن بيع الفضول وشراه ليس باطلا، بل موقوفًا، فإن باع أو اشترى بعين المال فهو موقوف، وإن اشترى في الذمة فهو موقوف. فأي إجارة والمشترى له وإلا لزم المشتري.
وأما القاضي وأتباعه فاختاروا أن تصرفه مردود إلا أن اشترى في الذمة. والذي ذكره الخرقي أصح؛ لكن قرن هذه المسألة في مواضع في مختصره بالعامل إذا خالف كان متصرفا له بغير إذنه، فإذا أجازه وطلب حقه من الربح صار مجيزا له وصار العامل مأذونا له. والعامل إنما عمل لأجل قصده من الربح فيستحق نصيبه من الربح.
وقول أحمد: كنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت رجوع منه إلى هذا. وجعله الربح في جميع الصور للمالك يقتضي أنه يصحح تصرف الفضول إذا أخبر وإلا كان البيع باطلا.
وكذلك الذي يعين المال كما يقوله الشافعي ومن نصر الرواية الأخرى ويكون البيع عليه ضمان ما فوته من مال فقط، ليس للمالك غير هذا، ولا يكون للعامل أيضا ربح لأنه لم يملك شيئا. والآثار المأثورة عن الصحابة والتابعين في باب البيع والنكاح والطلاق وغير ذلك تدل على أنهم كانوا يقولون بوقف العقود، لا سيما حين يتعذر استئذان المالك؛ ولهذا أحمد يقول بوقفها هنا كما في مسألة المفقود اتباعا للصحابة في ذلك، وإنما ادعى أنها خلاف القياس من لم يتفطن لما فيها من وقف العقود، كما في اللقطة. وتكلم السلف فيمن يتجر بمال غيره في الربح دليل على صحة التصرف عندهم إذا أجازه المالك؛ ولهذا ظهر ما استحسنه أحمد ورجع إليه أخيرا؛ لأنه إذا جاز بالإجارة فالمأذون
له وهو لم يعمل إلا بجعل برضا المالك فلا يجوز منعه حقه؛ وهو إما
(2/160)

على أنه إذا تصرف ابتداء فالربح كله للمالك، وهو إحدى الروايتين في المسألة.
وقيل: يتصدقان به، وهو رواية عن أحمد.
وقيل: هو للعامل كله كقول الشافعي.
وقيل: هما شريكان فيه، وهو أصح الأقوال، وهو المأثور عن عمر؛ لأن المالك لما أذن فيه صار كالمضارب، وهو لم يعمل ليكون الربح للمالك كالمصبغ؛ فإنه لو فعل ذلك كان الربح للمالك. وأما المتجر ليكون الربح له أو بينهما والمالك قد أجاز بيعه ولم يجزه ليكون الربح كله له، فيكون النماء حاصلا بمال هذا وبيع هذا، والتصرف صحيحا مأذونا فيه فيكون الربح بينهما.
ومن قال: يتصدقان به. جعله كغير المأذون فيه، فيكون خبيثا، وهو متعد؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما، فإذا أجاز المالك التصرف جاز، وكذلك في جميع تصرفات الغاصب، لا سيما من لم يعلم أنه غاصب إذا تصرف في المغصوب فأزال اسمه كطحن الحب ونسج الثوب ونحو ذلك ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.
قيل: كل ذلك للمالك دون الغاصب وعليه ضمان النقص كقول الشافعي.
وقيل: ملكه الغاصب وعليه بدله كقول أبي حنيفة.
وقيل: يخير المالك بينهما كقول مالك وهو أصح، بناء على ذلك النص. فإن شاء المالك أجاز تصرفه وطالبه بالنقص كما في العامل المخالف. وإن شاء طالبه بالبدل لإفساده عليه، وبأجرة ذلك لا ذاته عوضه فيجبر على المعاوضة لحق المالك.
(2/161)

وإذا رضي المالك به فهل يكون الغاصب شريكا لما في عمله؟ فيه وجهان.
والأظهر في الجميع أن أثر عمله له، وكونه كان يظهر في تضمينه له؛ لا أن يؤخذ عمله فيعطى لغيره بغير عوض، فإن هذا كله له. والواجب إزالة الظلم بالعدل لا بظلم آخر {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [40/42] لا زيادة عليها.
وأما قوله: فمن غصب أرضا فزرعها، الزرع لذي الأرض وعليه النفقة، وليس هذا شيئا يوافق القياس، واستحسن أن يدفع إليه نفقته.
[إذا غصب أرضا فزرعها استحسن ... ]
فهذا قاله بالنص كما تقدم، لحديث رافع بن خديج، فيجب أن يكون القياس المخالف لهذا النص فاسدا إن لم يدل نص على صحته ويظهر الفارق المؤثر، وإلا فالقياس إذا خالف النص كان فاسدا. أما فساد الحكم المخالف للنص فبالاتفاق. وفساد العلة على قول الجمهور والذي لا يرى تخصيص العلة إلا بفارق مؤثر، وهذا نص قد خالف القياس.
وقولهم: القياس أن الزرع لزارعه. ليس معهم بذلك نص، ولا نظير؛ بل القياس أن الزرع إما أن يكون بينهما كالمزارعة، أو يكون لرب الأرض؛ لأن الحمل لمالك الأنثى دون مالك الذكر؛ لكن المني لا يقوم؛ بخلاف الزرع؛ فلهذا جعل له نفقته؛ فإن الزرع من ترابها ومائها وهوائها وشمسها، كما أن الحمل في البطن غالبه من الأم، وماء الأب قليل، كما أن الحب قليل. وكذلك الشجر إذا لقح أنثاه بذكر فإن الثمر لصاحب الأنثى لا لصاحب اللقاح، والحب كاللقاح.
وقول أحمد: عليه نفقته. يقتضي مثل البذر. ويقتضي أجرة عمله وعمل بدابته.
(2/162)

فقوله: «ليس هذا شيئا يوافق القياس» كقوله في العامل المخالف.
«ثم استحسنت أن يعطيه الأجرة» فكان يناسبه على ما يراه في الغاصب أن لا يكون له أجرة عمله وعمل بدابته. فهو مخالف للقياس من هذه الجهة؛ لأنه إنما عمل ليأخذ العوض لم يعمل مجانا كالعامل في المضاربة، ولأن البذر له فليس غاصبا محضا.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد: هل يعطى بالبذر؛ أو أجرة مثله. والنص ورد بالأول بقوله: «ليس له من الزرع شيء وله نفقته» والقياس يقتضي الثاني. فقد يكون قوله على خلاف القياس من هذا الوجه. وما ورد به النص قد يكون باثنين. وأجرة مثله فيه سواء.
[بيع المصاحف وشراؤها]
أما شري المصاحف فإنما فرق فيهما بين الشرى والبيع؛ لأن العلة موجودة في البيع دون الشرى؛ لكن المشتري راغب في المصحف معظم له باذل فيه ماله، والبائع معتاض عنه بالمال، والشرع يفرق بين هذا وهذا، كما يفرق بين إعطاء المؤلفة قلوبهم بين المعطي والآخذ وكذلك بين اقتداء الأسير وغير ذلك.
ومعلوم أنه لو أعطاه المصحف والأرض الخراجية بلا عوض جاز وقام فيه مقامه، بخلاف ما لا يجوز ملكه كالخمر وغيرها، فإذا بذل له هذا فيه العوض لم تكن مضرته إلا على البائع.
فإن قيل: فإذا لم يحصل للإنسان كلب معلم إلا بثمن فينبغي أن يجوز بذله وإن لم يجز أخذه.
قيل: إن لم يكن بينهما فرق مؤثر في الشرع فما الذي جوز أن قيل هناك يجب عليه إعطاء الكلب بلا عوض بخلاف الأرض والمصحف فهذا ندب، مع أن الثابت عن الصحابة كراهة بيع المصحف، وابن عباس كان يكرهه، وكان أيضا يجوزه ويقول: إنما هو مصور فأخذ أجرة تصويره. فدل على أنها كراهة تنزيه. وروي عن عروة: وددت أن
(2/163)

الأيدي تقطع في بيع المصاحف. وهذا تغليظ تحريم؛ ولهذا اختلفت الرواية عن أحمد: هل هو تنزيه أو تحريم.
وأما شراءه ومبادلته: فهل هو مباح أو مكروه؟ على روايتين. وعن ابن عباس: يجوز أن يبيعه ويشتري بثمنه مصحفا آخر. وليس هذا في المبادلة والشري استبدال به عوضا من الدنيا. فالأظهر جواز ذلك بلا كراهة، وأن البيع أيضا لا يحرم، بل يكره تعظيما لكتاب الله، وليس على التحريم دليل شرعي.
[استحسان شرى الأرض الخراجية دون بيعها]
وكذلك الأرض الخراجية ليس في منع بيعها دليل شرعي أصلا؛ فإن الذي منعوها من الفقهاء قالوا: إنها وقف، وبيع الوقف لا يجوز. وهذا إنما هو في الوقف الذي يبطل بيعه وهو الذي لا يورث ولا يوهب. والأرض الخراجية تورث وتوهب. والوقف الذي لا يباع لا يورث ولا يوهب. وذلك أن المتولي يقوم مقام البائع لا يبطل جنس أصل الوقف.
وأحمد في ظاهر مذهبه يجوز بيع المكاتب لهذا المعنى؛ لأن ذلك لا يبطل حقه من الكتابة؛ بل يكون عند المشتري كما هو عند البائع، وهو يورث بالاتفاق، ولكن العبد فيه سبب الحرية فليس منع بيعه أنه يباع حر كما تخيل أولئك أنه يباع وقف، وليس الأمر كما تخيلوا، بل بيع الحر هو أن يستعبد فيصر بخلاف ما كان حرا. وبيع الوقف: هو أن يجعل طلقا أو يصرف مغله إلى غير جهته، والأرض الخراجية مغلها هو مغلها لم يتغير، وهو الخراج المضروب عليها سواء كان ضريبة كخراج عمر، أو صار مقاسمة، كما فعل متأخرو الخلفاء بأرض السواد وغيرها كما فعله المنصور. فعلى التقديرين حق، كما يبقى مع الإرث والهبة.
والصحابة الذين كرهوا شراها إنما كرهوه لدخول المسلم في
خراج أهل الذمة أو إبطال حق المسلمين منه؛ فإن المشتري إذا أدى الخراج
(2/164)

وهو جزية فقد التزم الصغار، وإن لم يؤد أبطل حق المسلمين؛ فلهذا كره عمر ذلك وغيره من الصحابة، وهم نهوا عن الشرى.
وأما البيع فإنما كان يبيعها أهل الذمة؛ لأن الأرض الخراجية إنما كانت بأيدي أهل الذمة، وكان ذلك أيضا لئلا يشتغل المسلمون بالفلاحة عن الجهاد، فلما كثر المسلمون وصار أكثرهم غير مجاهدين وصار أداءهم الخراج أنفع لعموم المسلمين من كونها بأيدي أهل الذمة لم يصر في ذلك من الصغار ما يكون في أول الإسلام إلا لمن يشتغل بعمارة الأرض عن الجهاد، وهذا لا يختص بالخراجية، بل هو رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلها الذل» رواه البخاري، مع أن الأنصار كانوا هم الفلاحين لأرضهم نهوا عن الاشتغال بعمارة الدنيا عن الجهاد وهذا لا يختص بالأرض الخراجية.
وأما ما ذكره القاضي من قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر. فلا ريب أن الفرق هنا ظاهر. وهذا من الاستحسان وتخصيص العلة التي ظهر فيها الفرق. والمنع من شهادتهم على المسلمين ثبت بالنص، والإذن فيها هنا ثبت بالنص أيضا للحاجة.
[شهادة أهل الذمة على المسلمين في غير السفر]
وهل يعدى هذا إلى جميع مواضع الحاجة؟ فيه عن أحمد روايتان، بناء على أن العلة معلومة وهي موجودة في غير هذا الموضع. هذا وجه القول بالجواز. وأما وجه المنع: فإما أن نقول: لم تعلم العلة وأنها مشتركة، أو علمنا اختصاصها بهذه الصورة للضرورة العامة فيها. هذا إذا ثبت عموم المنع في غير هذه الصورة إما لفظا وإما معنى. وألفاظ القرآن لا عموم فيها بالمنع. وكذلك السنة ليس فيها لفظ عام بالمنع. لم يبق إلا القياس. وتلك المواضع أمر فيها بإشهاد المسلمين، ومعلوم أن ذاك
إنما هو عند القدرة على إشهادهما وهذا واجب في الوصية في السفر. وأما إذا تعذر إشهادهما على الدين في السفر أو على الرجعة فليس في
(2/165)

القرآن ما يدل على المنع من ذلك. وإذا لم يكن في الكتاب والسنة منع من إشهاد أهل الذمة عند تعذر إشهاد المسلمين لم يكن هنا قياس يخالف هذه الآية وقد عمل بها الصحابة وجمهور التابعين.
والذين لم يعملوا بها ليس معهم في خلافها لا نص ولا إجماع ولا قياس. وقد تأولوها بأنها حدس من غير أصل يسلم. وبعضهم قال: نقيس. وقال بعضهم: الشهادة باليمين.
والأقوال الثلاثة باطلة من وجوه كثيرة.
وقول من قال: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين بحال. ليس معهم بذلك نص ولا قياس؛ ولكن كثير من الناس يغلطون لأنهم يجعلون الخاص من الشارع عاما. والله أمر بإشهاد المسلمين على المسلمين إذا أمكن فظن من ظن أن هذا يقتضي أن لا يشهد غيرهم ولو لم يوجد مسلم. وباب الشهادات مبناها على الفرق بين حال القدرة وحال العجز؛ ولهذا قبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وقد نص أحمد على شهادتين في الجراح وغيرها إذا اجتمعن ولم يكن عندهن رجال، مثل اجتماعهن في الحمامات والأعراس ونحو ذلك. وهذا هو الصواب؛ فإنه لا نص ولا إجماع ولا قياس يمنع شهادة النساء في مثل ذلك وليس في الكتاب والسنة ما منع شهادة النساء في العقوبات مطلقا.
وأما إذا نذر ذبح ولده أو نفسه فأحمد اتبع ما ثبت عن ابن عباس وهو مقتضى القياس والنص. فإن كان قادرا كان عليه كبش، وإن تلف المال فعليه كفارة يمين. وهو أصح الروايات عن أحمد، وهو الذي
صرح به في مواضع. وقيل: عليه كفارة يمين في الجميع. وقيل: لا
شيء عليه وذلك أن من نذر نذرا فعليه النذر أو بدله في الشرع، وهناك
(2/166)

تعذر النذر وانتقل إلى البدل الشرعي وهو الكبش كما في نظائره. فليس هنا ما يخالف القياس الصحيح.
وهذا الباب باب تدبر العموم والخصوص من ألفاظ الشرع ومعانيه التي هي علل الأحكام هي الأصل الذي تقرر فيه شرائع الإسلام -والله أعلم-، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله (1) .
قال شيخنا رضي الله عنه: والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان:
[المعاريض]
أحدهما: المعاريض، وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحا ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما فيعني أحد معنييه ويوهم السامع له أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك. وإما لكون دلالة الحال تقتضيه، وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمها إلى اللفظ أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنا بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاص أو بالمطلق المقيد، أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص به، أو غفلة منه، أو جهل، أو غير ذلك من الأسباب مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز كقول الخليل: «هذه أختي» ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نحن من ماء» وقول الصديق رضي الله عنه: هاد يهديني السبيل، ومنه قول عبد الله بن رواحة:

شهدت بأن وعد الله حق ... الأبيات
__________
(1) هذه الفتوى من مجموع (91) ورقة 325-334 وهي كاملة بخط شيخ الإسلام رحمه الله وفيها زيادات.
(2/167)

أوهم امرأته القرآن. وقد يكون واجبا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك.
قال شيخنا: والضابط: أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام، لأنه كتمان وتدليس (1) .
[المجاز]
مسألة: في القرآن مجاز نص عليه بما خرجه في متشابه القرآن في قوله: «إنا» و «نعلم» و «منتقمون» هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرا.
[قال شيخنا: قد يكون مقصوده يجوز في اللغة] (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
استدل القاضي على أن اللفظ الواحد يجوز أن يكون متناولا لموضع الحقيقة والمجاز بقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [92/4] متناول للرقبة الحقيقية ولغيرها من الأعضاء على طريق المجاز وكذلك قوله: اشتريت كذا وكذا رأسا من الغنم، متناول للرأس الذي هو العضو المحسوس ولسائر الأعضاء.
قال شيخنا: قلت: هذا نقل اللفظ من الخصوص إلى العموم، وهو من باب الحقيقة العرفية؛ لأن الرأس أدخل في اللفظ من سائر
الأعضاء بهذا الوضع؛ لكن اجتمع فيه الوصفان فهو مدلول عليه بهما جميعًا فليس هذا من موارد النزاع: لكن تقرير كلامه: أنه إذا صار يعم
__________
(1) إعلام الموقعين 3/246، 247 ف 2/13، 14.
(2) المسودة ص 164، 165 قلت: وقد بسط شيخ الإسلام في نفي المجاز في القرآن وفي اللغة في كتاب الإيمان وغيره وذكر هذه الأمثلة وغيرها وأجاب عنها وكذلك تلميذه ابن القيم وكتابه على هذا المنوال لا تقرير له. والفهارس جـ 2/13 و 1/239. فهو في نظري حكاية لتقسيمهم الكلام إلى حقيقة ومجاز وبيان وجوه المجاز عندهم.
(2/168)

موضع الحقيقة وغيره حقيقة فلأن يكون ذلك مجازا أولى؛ لكن يقال: لفظه في صدر المسألة «يجوز أن يكون اللفظ الواحد متناولا لموضع الحقيقة والمجاز فيكون حقيقة من وجه مجازا من وجه آخر» ، وعلى هذا التقرير يكون مجازا فيقال: هذا في تعميم الخاص نظير البحث في تخصيص العام، إلا أنه هناك نقصت الدلالة وهنا زيدت، فكما أنه هناك يقال هو حقيقة في دلالته على الباقي مجاز أو لا حقيقة ولا مجاز في عدم دلالته على الخارج، يقال هنا: هو حقيقة في دلالته على مسماه الأول مجاز في الزيادة على ذلك. واستدل أيضا بقولهم: «عدل العمرين» عند من يقول هما: أبو بكر وعمر، والمنصوص عن أحمد خلافه، قال: هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وكذلك قولهم: «ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء» قاله القاضي (1) .
فصل في وجوه المجاز
منها: أن يستعمل اللفظ في غير ما هو موضوع له، «الحمار» أطلقوه على البليد واسم الأسد أطلق على الرجل الشجاع.
ومنها: المستعمل في موضعه وغير موضعه كقوله: «فتحرير رقبة» يتناول الرقبة وجميع الأعضاء، وكذلك إطلاق الشيء على ضده كإطلاقهم «السليم» على اللديغ، و «المفازة» على المهلكة.
ومنها: الحذف كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [82/12] ، {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [93/2] .
ومنها: الصلة كقوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [30/42] يعني بما كسبتم.
__________
(1) المسودة ص 168، 169 ف 2/13 وجـ 1/239.
(2/169)

ومنها: أن يطلق اسم المصدر على المفعول: كضرب فلان، وخلق الله، وعلى الفاعل: كرجل عدل.
ومنها: إطلاق اسم الفاعل على المفعول: كقوله: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [21/69] أي مرضية، وعلى المصدر كقولك: «تخشى اللائمة» يعني اللوم.
ومنها: إطلاق اسم المدلول على الدليل، يقال: سمعت علم فلان، أي عبارته عن علمه الدال عليه.
ومنها: أن يطلق اسم المسبب على السبب، كإطلاقهم اسم الرحمة على المطر.
قال: فهذه جملة وجوه للمجاز.
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: جماعها إما زيادة وإما نقص، وإما نقل، والنقل إما إلى النظير، وإما إلى الضد، وإما إلى الأصل، وإما إلى الفرع، وقد دخل في الأصل السبب والفاعل، وفي الفرع الدليل والمفعول والمصدر بالنسبة إلى الفاعل (1) .

فصل
لما قال المخالف: «المجاز كذب لأنه يتناول الشيء على خلاف الوضع» . قال القاضي: هذا خرق للإجماع، لأنهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع استقباحهم الكذب، قال: وعلى أن الكذب يتناول الشيء على غير طريق المطابقة والمجاز قد يطابق الخبر من طريق العرف، وإن كان لا يطابقه من طريق اللغة.
قال شيخنا: قلت: هذا المجاز هو الحقيقة العرفية فليس هو المجاز المطلق (2) .
__________
(1) المسودة ص 169، 170 ف 2/13.
(2) المسودة ص 170 ف 2/13.
(2/170)

وقال القاضي أيضا:

فصل

يصح الاحتجاج بالمجاز والدلالة عليه أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع [كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع] ألا ترى إلى قوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [43/4] ، يفيد المعنى وإن كان مجازا؟ لأن الغائط هو الموضع المطمئن من الأرض استعمال في الخارج. قال: وكذلك قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [22، 23/75] ومعلوم أنه أراد غير الوجوه ناظرة؛ لأن الوجوه لا تنظر وإنما الأعين، وقد احتج الإمام أحمد بهذه الآية في وجود النظر يوم القيامة في رواية المروذي والفضل بن زياد وأبي الحارث.
وأيضا: فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب، كقول الرجل لصاحبه: «تعال» أبلغ من قوله: يمنة ويسرة، وكذلك قوله: «لزيد علي درهم» مجاز وهو أسبق إلى النفس من قوله: «يلزمني لزيد كذا درهم» وإذا كان يقع بالمجاز أكثر مما يقع بالحقيقة صح الاحتجاج به.
قال شيخنا: قلت: كلامه كأنه يشتمل على أن المجاز يصير حقيقة عرفية أو أنه يكون هو الظاهر لما اقترن به، فيكون هو الظاهر: إما لاستعمال غالب، وإما لاقتران مرجح، فإما مجردا، وإما مقرونا، وقد يكون أدل على المقصود من لفظ الحقيقة.
وقوله: «أسبق إلى القلب» يراد به أن معنى لفظ المجاز أسبق من معنى حقيقة لفظ المجاز، وأن ذلك المعنى أسبق من حقيقة ذلك
المعنى؛ فإن معنا حقيقتين: حقيقة بإزاء لفظ المجاز، وحقيقة بإزاء
معناه، تلك عدل عن معناها، وهذه عدل عن لفظها، فالمتكلم
بالمجاز لابد أن يعدل عن معنى حقيقة وعن لفظ حقيقة أخرى إلى لفظ
(2/171)

المجاز ومعناه (1) .
قال القاضي: يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني. أما المضمرات نحو قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [3/5] و: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [96/5] ومعلوم أنه لم يرد نفس العين؛ لأنها فعل الله، وإنما أراد أفعالنا فيها، فيعم تحريمها بالأكل والبيع. وكذلك قوله: «لا أحل المسجد لجنب» ليس المراد عين المسجد، وإنما المراد به أفعالنا (2) .
واحتج المخالف أن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها فإذا حمل على الفعل يجب أن يصير مجازا كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [82/12] قال: والجواب أن هذا وإن لم يتناول ذلك نطقا فهو المراد من غير دليل ويفارق هذا {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} نحوه، لأنا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ لكن بدليل لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله، فاحتاج إلى دليل يعرف به أنه أراد أهلها.
قال شيخنا: قلت: مضمون هذا أن القرينة العقلية إذا عرف المراد بها لم يكن اللفظ مجازا؛ بل حقيقة، فكل ما حمل اللفظ عليه بنفس اللفظ مع العقل فهو حقيقة [أو أنه يحتمل أن يكون هذا حقيقة عرفية، لكن كلامه اقتضى أن ما فهم من اللفظ من غير دليل منفصل فهو حقيقة] وإن لم يكن مدلولا عليه بالوضع، وستأتي حكايته عن أبي الحسن التميمي: أن وصف الأعيان بالحل والحظر [توسع واستعارة كما قال البصري] .
والصحيح في هذا الباب خلاف القولين: أن الأعيان توصف بالحل
__________
(1) المسودة ص 170، 171 ف 2/13 وف 1/239.
(2) المسودة ص 91-93 ف 2/15.
(2/172)

والحظر حقيقة لغوية كما توصف بالطهارة والنجاسة والطيب والخبث، ولا حاجة إلى تكلف لا يقبله عقل ولا لغة ولا شرع، وحينئذ فيكون العموم في لفظ التحريم. وفرق بين عموم الكل لأجزائه وعموم الجميع لأفراده، ويختلف عموم لفظ التحريم وخصوصه بالاستعمال (1) .
مسألة: لا يقاس على المجاز قاله ابن عقيل وابن الزاغوني ولم يذكروا فيه مخالفا، وكذلك ذكره ابن الزاغوني وحكى الخلاف فيه عن بعض الأصحاب بناء على أن اللغة تثبت قياسا.
قال القاضي: في مسألة ثبوت الأسماء بالقياس: وأيضا فإن أهل اللغة قد استعملوا القياس في الأسماء عند وجود معنى المسمى في غيره، وأجروا على الشيء اسم الشيء إذا وجد بعض معناه فيه، الرجل البليد حمارا لوجود البلادة فيه، وسموا الرجل الشجاع سبعا لوجود الشدة فيه، ونظائر ذلك كثيرة، وعلى ذلك قول عمر: الخمر ما خامر العقل، وقول ابن عباس: كل مسكر مخمر خمر. قيل له: هذه التسمية منهم مجاز، فقال: قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك، فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازا، والآخر حقيقة، على أنهم سموا «الأبله» حمارًا مجازا لوجود بعض معانيه، فلما لم يوجد كل معانيه كان مجازا. وأما النبيذ فيوجد فيه معاني الخمر كلها، وكذلك اللوط والنباش.
قال شيخنا: هذا تصريح بأن الأسماء تثبت بالقياس حقائقها ومجازاتها؛ لكن فيه قياس المجاز بالحقيقة. فأما قياس المجاز بالمجاز فمقتضى كلامه أنه إن وجد فيه معاني المجاز المقاس عليها كلها جاز، كما أن الحقيقة إذا وجد فيه معنى الحقيقة كلها جاز (2) .
__________
(1) قلت: إلى أن قال القاضي.
(2) المسودة ص 174، 175 ف 2/15.
(2/173)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العموم والفحوى]
إذا قال: «لا تعط زيدا حبة» فهذا عند ابن عقيل وغيره في اقتضائه النهي عن إعطاء قيراط من باب فحوى الكلام، وذكر عمن قال هذا من باب اللفظ وخالفه بأن للدينار والقيراط اسما يخصه ويخرجه عن دخوله في لفظ الحبة، فيقول القائل: لم آخذ حبة لكن دينارا، وما سلمت على زيد لكن على أهل القرية، وإن كان فيهم زيد، فللتخصيص حكم غير التعميم والشمول.
قال شيخنا: حاصله: أنه يقصد نفي الواحد من الجنس، لا نفي الجنس، بخلاف ما صار يفهم منه كما قيل مثل هذا في قوله: ما رأيت رجلا، بل رجالا، وهذا قريب؛ لأن دلالة الفحوى قطعية بالعرف؛ ثم التزم أنه إذا ادعى عليه دينارا فقال: «لا يستحق علي حبة» لم يكن جوابا قائما مقام قوله: «لا يستحق علي ما ادعاه ولا شيئا منه» واعتذر بأن هذا لم يكن، لأنه ليس بمستفاد من طريق فحوى اللفظ لا المعنى، لكن لأنه ليس بنص؛ ولا يكتفي في دفع الدعوى إلا بالنص دون الظاهر، ولهذا لا يقبل في يمين المدعي: والله إني لصادق فيما ادعيته عليه. ولا يكتفي في يمين المنكر: والله إنه لكاذب فيما ادعاه علي. كل ذلك طلبا للنص الصريح دون الظاهر.
قال شيخنا: والصواب: أن هذا نكرة فيعم جميع الحبات كسائر النكرات، ولكن اقتضاؤه لما لم يندرج في لفظ «حبة» من باب الفحوى؛ إلا أن يقال: مثل هذه الكلمة قد صارت بحكم العرف حقيقة في العموم، فيكون هذا أيضا من باب الحقيقة العرفية، لا من باب الفحوى.
فهذا الباب يجب أن يميز فيه ما عم بطريق الوضع اللغوي، وما عم بطريق الوضع العرفي، وما عم بطريق الفحوى الخطابي، وما عم بطريق المعنى القياسي.
(2/174)

وذكر ابن عقيل من هذا إذا قال: لا تقل غير بعير زيد ولا تمكن القرناء من غنمك من نطح الجماء من غنمه. قال: إذا قال هذا علم ببادرة اللفظ أنه قد حسم موارد الأذى.
قال شيخنا: هذا نوع خامس، قد يكون المنطوق غير مقصود، وإنما المقصود المسكوت من غير أن يكون قد صار دلالة عرفية وإنما هو من باب اللحن.
ويظهر الفرق بين العموم العرفي والفحوى أنا في الفحوى نقول: فهم المنطوق ثم المسكوت إذ اللازم تابع. وفي العموم نقول: فهم الجميع من اللفظ كأفراد العام. فعلى هذا يكون من باب نقل الخاص إلى العام. وعلى الأول يكون من باب استعمال الخاص وإرادة العام. ولنا في قوله: «يدك طالق» وجهان؛ بخلاف الرقبة فإنه لا تردد فيها للنقل (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المطلق والمقيد]
من أمثلة «المطلق» و «المقيد» : الأمر بالغسل بالماء في حديث أسماء وأبي ثعلبة في الثياب والأواني، والأمر بالتسبيع في خبر الولوغ، فإنه نظير العتق سواء. وهنا احتمالات:
أحدها: أنه ترك التقييد فدل بالمفهوم على نفيه.
الثاني: أنه يدل بالاستصحاب.
الثالث: أنه يدل بالإمساك، فإن ترك الإيجاب والتحريم مع الحاجة إلى بيانه أو مع المقتضي له يدل على انتفائه؛ فإذا استفتي فلم يوجب ولم يحظر دل على العدم، فإذا قيد آخر وحمل هذا على هذا بالقياس
__________
(1) المسودة ص 172، 173 ف 2/16.
(2/175)

كان ابتداء إيجاب أو تحريم بقياس. وفي التخصيص يكون بيان عدم الإرادة؛ فالتقييد في الحقيقة زيادة حكم، والتخصيص نقص. وليس بين المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام. ومن قال: التقييد تخصيص فإنه نظر إلى الظاهر، فإن كان المقيد بعد المطلق كان ابتداء حكم رفع ما سكت عنه أولا، ولم يكن هناك تعارض بين خطابين، وإنما هو تعارض بين خطاب وإمساك عن خطاب. وهذا وإن سمي نسخا فيجوز بخبر الواحد فإنه من النسخ العام لا الخاص. وإن كان المتقدم يبقى إمساكه عن الوجوب ثانيا: هل يرفع الوجوب المتقدم في المنصوص وقياسه كما قيل في خبر ماعز، أو يرفعه في القياس فقط، أو لا يرفعه في واحد منهما؟ وإن جهل التأريخ فحمل المقيد على المتأخر يقتضي زيادة حكم بلا تعارض، وحمله على المتقدم يقتضي النسخ أو التعارض (1) فيكون أولى كما قررته لبعض الحاضرين في مسألة العدد في غسل الجنابة. وأما زيادة الجلد على الرجم فإذا قدر أن ترك ذكرها يقتضي عدم الوجوب بقي الجواز على أحد القولين؛ كما قلنا في صلاة الصحيح خلف القاعد، فيجوز أن يقال: إن هذا إلى الإمام: إن رأى زاده وإن رأى تركه. وفي الجملة فسكوت النصوص في الدلالة على عدم الإيجاب واسع، وكذلك الاستحباب (2) .

فصل

[شيخنا] : ذكر القاضي وغيره أن الحنفية احتجوا بقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [4/74] ولم يفرقوا بين الماء وغيره، وهو على عمومه وأجاب بأجوبة: منها: أن الآية عامة، وخبرنا خاص، والخاص يقضي على العام.
__________
(1) نسخة: يقتضي النسخ والتعارض.
(2) المسودة ص 147، 148 ف 2/16.
(2/176)

وكذلك احتجوا بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» ولم يفرق بين الماء وغيره، فهو على العموم فأجاب: بأنه قد روي في بعض الأخبار «فليغسله سبعا بالماء» والمقيد يقتضي على المطلق.
واحتجوا في مسألة النبيذ بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [6/5] وهو عام فيما يغسل به، فوجب حمله على الماء والنبيذ. وأجاب بأجوبة؛ منها: أن المراد الماء، لقوله في آخر الآية: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ولأن الماء مراد بالإجماع، وإذا دخل فيه الماء لم يجز أن يدخل فيه النبيذ؛ لأنه لا يساوي الماء بالإجماع.
قال شيخنا: وهذا كله إدخال للمطلق في العام، وهو جائز باعتبار، ولكن ليعلم أن اللفظ لم يشمل ما هو خارج عن الحقيقة من القيود. وإنما القيود مسكوت عنها، نعم هذا يشتمل من الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ ومنه قولنا: الأمر بالماهية الكلية لا يقتضي الأمر بشيء من قيودها، واحتجاجات الحنفية وأصولهم تقتضي أن المطلق نوع من العام في غير موضع (1) .
[المجمل]
مسألة: الأمر بالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك مجمل. هذا ظاهر كلام أحمد، بل نصه. ذكره ابن عقيل والقاضي أيضا في العدة.
[والد شيخنا] : وآخر العمدة، والحلواني في الرابع.
[شيخنا] : وذكر القاضي في مسألة الأمر بعد الحظر، ومسألة تأخير البيان إنما يحمل على عرف الشرع [كأبي الخطاب] (2) .
__________
(1) المسودة ص 149 لكن في نسختين منها: «قلت» بدل: قال شيخنا ف 2/16.
(2) ساقط ما بين المعقوفتين من بعض النسخ.
(2/177)

وبه قالت الحنفية [ذكره البستي منهم] (1) ، وبه قال بعض الشافعية وقال بعض الشافعية: يتناول ما يفهم منه في اللغة إلى أن يوجد البيان الشرعي. وقال ابن عقيل: [وكذا ينبغي أن يكون أصل من قال: إن الأسماء غير منقولة بل مشتركة بينهما] (2) ، واختاره ابن برهان. والأول مذهب الشافعي ذكره أبو الطيب في: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [56/24] وحكى لهم الوجهين في الكل. وقال أبو الخطاب: ويقوى عندي أن تقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن الآية غير مجملة؛ بل تحمل على الصلاة الشرعية؛ بناء على أن هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشرع، وأنها في الشرع حقيقة لهذه الأفعال المخصوصة، فينصرف أمر الشرع إليها.
قال والد شيخنا: والمقدسي اختار مثل أبي الخطاب.
شيخنا: قلت: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قبل أن يعرف الحقيقة الشرعية أو الزيادات الشرعية كيف يصرف الكلام إليها وبعدما عرف ذلك صار ذلك بيانًا، فما أخرجه عن كونه مجملا في نفسه أو غير مفهوم منه المراد الشرعي. والصحيح أنه إذا كان ذلك بعدما تقررت الزيادة الشرعية [أو المغيرة أنه ينصرف إليها لكونه هو أصل الوضع مع الزيادة] (3) فصرفه إلى زيادة أخرى يخالف الأصل (4) .

فصل
في حد البيان
قال [شيخنا] : قال القاضي: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلا مما يلتبس به ويشتبه به.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ.
(4) المسودة ص 177، 178 ف 2/16.
(2/178)

وقال الصيرفي وأبو بكر عبد العزيز: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى التجلي.
وقال أبو الحسن التميمي: البيان عن الشيء يجري مجرى الدلالة، وبه قال قوم من المتكلمين.
وقال الدقاق: البيان العلم (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المبين]
ذكر القاضي في بيان الجملة قوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [7/4] ، قال: ثم بينه بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [11/4] وبحديث الجدة، وبالإجماع على أن للجدتين السدس، وللجد من الأب السدس (2) .
[تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة]
مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فيه روايتان، إحداهما: الجواز، وهذا ظاهر كلامه في رواية صالح وعبد الله وأكثر أصحابه. ولا فرق بين بيان المجمل [أو العموم] وغيره مما أريد به خلاف ظاهره، واختاره بعض المالكية والحلواني وأبو الخطاب وابن حامد.
قال شيخنا: ذكر القاضي في كتاب القولين أن قول ابن حامد في تأخير البيان ظاهر كلام أحمد في رواية أبي عبد الرحيم الجوزجاني: ومن تأول القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية تكون عامة قصدت لشيء بعينه
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعبر عنها. قال: فظاهر هذا منه وقف الحكم بها على
__________
(1) المسودة ص 572 ف 2/17.
(2) المسودة ص 171، 172 ف 2/16
(2/179)

بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) . والقاضي وهو قول الأشعرية (2) وأكثر الشافعية منه: ابن سريج، والقفال، والإصطخري، وابن أبي هريرة، والطبري، وأبو الطيب، وأبو علي بن خيزان؛ وإن لم يفصلوا وهو قول الأشعري أبي الحسن نفسه غير أن العام عنده من قبيل المجمل، لكونه لا صيغة له، وأبو سليمان الذي سماه أبو الطيب لا أدري أهو الصيرفي أو غيره.
والرواية الأخرى: لا يجوز، حكى ذلك أبو الحسن التميمي عن أحمد، وهو للمقدسي في كتاب المجمل، واختاره أبو الحسن التميمي والمقدسي في كتاب المجمل واختاره أبو الحسن التميمي والمقدسي وأبو بكر عبد العزيز وأكثر المعتزلة وداود وابنه في أهل الظاهر وبعض المالكية، وبعض الشافعية منه: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي، وكثير من الحنفية.
وقال بعض الحنفية وعبد الجبار بن أحمد وبعض الشافعية: يجوز تأخير بيان المجمل. فأما العموم وما يراد به خلاف ظاهره فلا. وهذا التفصيل -وهو جواز تأخير بيان المجمل دون العموم- ذكره أبو الطيب عن أبي الحسن الكرخي وعن القاضي ابن حامد (3) المروزي، قال: وهو قول أبي بكر من أصحابنا. وقال بعض الشافعية بالعكس، وهذا العكس قول أبي الحسن البصري. وقال قوم من المتكلمين: يجوز ذلك في الأخبار دون الأمر والنهي. وقال قوم عكس ذلك (4) .
قال شيخنا: اختلف قول القاضي كسائر العلماء في قوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [44/16] فلما احتج بها الشافعي على أن الله جعل السنة بيانًا للقرآن فلا يجوز أن يكون القرآن
__________
(1) ورواية الجوزجاني نقلها الشيخ في كتاب الإيمان ص 334ط. دمشق.
(2) في نسخة الأشعري.
(3) نسخة أبي حامد.
(4) المسودة ص 178، 179 ف 2/16.
(2/180)

بيانًا للسنة. قال القاضي: المراد به التبليغ ويبين صحة ذلك أنه يجوز تخصيص السنة بالقرآن وكذلك يجوز تفسير مجمل السنة به. واحتج على تأخير البيان بقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [19/75] فقيل له: معناه: ثم إن علينا إظهاره وإعلانه؛ لأنه اشترط ذلك في جميع القرآن، وقال: حقيقة البيان هو إظهار الشيء من الخفاء إلى حالة التجلي والإظهار، وهذا إنما يكون فيما يفتقر إلى بيان فأما ما هو مبين فلا يوجد فيه. وقوله: «إنه اشترط ذلك في جميع القرآن» فلا يمتنع أن يكون المراد بعضه كما قال: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} والمراد بعضه.
قال شيخنا: قلت: هذا ضعيف؛ بخلاف تفسير ابن عباس، ولا دلالة في الآية على محل النزاع (1) .
فصل
[تابع]
[شيخنا] : قولهم: «تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز» ونقل الإجماع على ذلك ينبغي أن يفهم على وجهه، فإن الحاجة قد تدعو إلى بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال لكن قد يحصل التأخير للحاجة أيضا: إما من جهة المبلِّغ أو المبلغ. أما المبلِّغ فإنه لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعا ابتداء، ولا يخاطبهم بجميع الواجبات جملة؛ بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان. وأما المبلغ فلا يمكنه سمع الخطاب وفهمه جميعا، بل على سبيل التدريج، وقد يقوم السبب الموجب لأمرين من اعتقادين أو عملين أو غير ذلك لكن يضيق الوقت عن بيانهما أو القيام بهما فيؤخر أحدهما للحاجة أيضا، ولا يمنع ذلك أن تكون الحاجة داعية إلى بيان الآخر. نعم هذه الحاجة لا يجب أن تستلزم حصول العقاب على الترك. ففي الحقيقة يقال: ما جاز تأخيره لم يجب فعله.
__________
(1) المسودة ص 180، 181 ف 2/16.
(2/181)

على الفور (1) ، لكن هذا لا يمنع قيام الحاجة التي هي سبب الوجوب، لكن يمنع حصول الوجوب لوجود المزاحم الموجب للعجز، ويصير كالدين على المعسر أو [كالجمعة] على المعذور.
وأيضا: فإنما يجب البيان على الوجه الذي يحصل المقصود فإذا كان في الإمهال والاستثناء من مصلحة البيان ما ليس في المبادرة كان ذلك هو البيان مأمور به، وكان هو الواجب أو هو المستحب مثل تأخير البيان للأعرابي المسيء في صلاته إلى ثالث مرة.
وأيضا: فإنما يجب التعجيل إذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج وقته، ونحو ذلك (2) .
قال شيخنا: قال القاضي:
[المحكم والمتشابه]
مسألة: في «المحكم والمتشابه» : ظاهر كلام أحمد أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه: ما احتاج إلى بيان؛ لأنه قد قال في كتاب «السنة» : بيان ما ضلت فيه الزنادقة من المتشابه من القرآن، ثم ذكر آيات تحتاج إلى بيان. وقال في رواية ابن إبراهيم: المحكم الذي ليس فيه اختلاف [وهو المستقل بنفسه] والمتشابه: الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا. ومعناه ما ذكرنا؛ لأن قوله: المحكم الذي ليس فيه اختلاف. هو المستقل بنفسه. وقوله: المتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا. معناه: الذي يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا، لحصول الاختلاف في تأويله، قال: وذلك نحو قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [228/2] لأن القرء من الأسماء المشتركة، تارة يعبر به عن الحيض، وتارة عن الطهر،
__________
(1) نسخة تعلمه على الفور.
(2) المسودة ص 181، 182 ف 2/16.
(2/182)

ونحو قوله: {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [141/6] وهذا قول عامة الفقهاء.
وكان قد كتب في العتق: ولهم عن هذا عبارات: منهم من يقول: المحكم ما خلص لفظه عن الإشكال وعري معناه عن الاشتباه. والمتشابه ما لم يخلص لفظه عن الإشكال ولا عري معناه عن الاشتباه. ومنهم من قال المحكم ما تأويله تنزيله، ولفظه دليله. والمعني متقارب. وقال قوم: المحكم هو الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، والمتشابه: ما كان من ذكر القصص والأمثال؛ لأن المحكم ما استفيد الحكم منه. والمتشابه ما لا يفيد حكمًا.
ومنهم من قال: المحكم ما وصلت حروفه. والمتشابه ما فصلت حروفه. وتفصيلها: أن ينطق بكل حرف كالكلمة، كما في أوائل السور؛ لأن المحكم ما عرف معناه، والمتشابه ما لا يعقل معناه.
ومنهم من قال: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ فإن المنسوخ لا يستفاد منه حكم.
قال شيخنا: قلت: لفظ «النسخ» فيه إجمال، كأنهم أرادوا قوله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ} [52/22] ولكن القرآن كله محكم بهذا المعنى، لقوله: {أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} [1/11] . وقال أبو الحسين عن أصحابه: إن المحكم يستعمل على وجهين؛ أحدهما: أنه محكم الصيغة والفصاحة. والآخر: أنه لا يحتمل تأويلين متشابهين. والمتشابه أيضا يستعمل على وجهين؛ أحدهما: أنه متشابه في الحكم، والآخر: يحتمل تأويلين مختلفين متشابهين احتمالا شديدا.
قال شيخنا أبو العباس: قلت: التشابه الذي هو الاختلاف يعود إلى اللفظ تارة كالمشترك مثلا، وإلى المعنى أخرى بأن يكون قد أثبت تارة ونفي أخرى، كما في قوله: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} [35/77] مع
(2/183)

قوله: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [42/4] ونحو ذلك من المتشابه الذي تكلم عليه ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق وتكلم عليه أحمد وغيره؛ فالأول: كالوقف لعدم الدليل بمنزلة من ليس له ذكر ولا قيل. والثاني: كالوقف لتعارض الدليلين بمنزلة الخنثى الذي له فرجان. وما كان لعدم الدليل فتارة لأن اللفظ يراد به هذا تارة وهذا تارة كالمشترك. وتارة لأن اللفظ لا دلالة له على القدر المميز بحال، كالمتواطئ في مثل قوله: {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [141/6] ، وقوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} [196/2] ونحو ذلك من المجملات؛ ففي الأول: دل اللفظ على أحدهما لا بعينه وفي الثاني: دل على المشترك بينهما من غير دلالة على أحدهما بحال.
[التأويل في الكتاب والسنة غير التأويل عند المتأخرين]
وفي كلام أحمد ومن قبله على المتشابه ببيان معناه أو إزالة التعارض والاختلاف عنه ما يدل على أن التأويل الذي اختص الله به غير بيان المعنى الذي أفهمه خلقه. فما كان مشتبهًا لتنافي الخاطبين أو الدليلين في الظاهر فلا بد من التوفيق بينهما كما فعل أحمد وغيره. وما كان مشتبها لعدم الدلالة (1) على التعيين فقد نعلم التعيين أيضا لأنه مراد بالخطاب، وما أريد بالخطاب يجوز فهمه، وما كان مشتبها لعدم الدلالة على القدر المميز كما في صفات الله تعالى فهنا دال القدر المميز ما دل الخطاب عليه، وهو تأويل الخطاب؛ لأن تأويل الخطاب لا يجب أن يكون مدلولا عليه به ولا مفهوما منه، إذ هو الحقيقة الخارجة، ومتى دل عليها ببعض أحوالها لا يجب أن يكون قد بين جميع أحوالها، فذاك هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله؛ ومنه أيضا مواقيت الوعيد؛ فإن الخطاب لم يبينها ولم يفهم منه، وهي من التأويل الذي انفرد الله بعلمه. فتدبر هذا فإنه نافع جدا في هذه المجازات. فكل ما دل عليه الخطاب يفهم
__________
(1) نسخة لعدم الدليل على التعيين.
(2/184)

في الجملة، ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويله. وما لم يدل عليه قد لا يفهم في الجملة، ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويله. وما لم يدل عليه قد لا يفهم ولا يعلم وإن كان تأويلا له. وفرق بين أن يدل على معين ثم يبينه وبين ألا يدل على خصوصه بحال. مع أن المشترك والمتواطئ متقاربان في هذا الموضع. وعلى هذا سبب نزول الآية في تأويل النصارى صيغ الجمع على أن الآلهة ثلاثة، فهو تأويل في أسماء الله المضمرات، وهو نظير مذهب المشبهة، كما أن رد المشركين لاسم الرحمن إلحاد في أسمائه الظاهرة نظير مذهب الجهمية المعطلة، وتأويل اليهود في حروف المعجم أنها دالة على مقادير أزمنة الحوادث من حيث إن اللفظ فيه اشتراك ولم يبين أحد معانيه. والتأويل المذموم لا يعدو ما فعله هؤلاء في الإيمان بالله واليوم الآخر، بخلاف التأويل العملي، وبخلاف البيان الذي يفسر المراد بالخطاب من غير تعيين تأويله.
وتحرير هذا ببيان أن لفظ التأويل في الكتاب والسنة غير التأويل في ألفاظ المتأخرين، وأن بينهما عموما وخصوصا، إذ ذاك التأويل هو ما لا يدل عليه اللفظ. وهذا التأويل هو ما يدل اللفظ على خلافه. والتأويل عند الأولين غير مدلول اللفظ والعين لا تعلم بنفس الخطاب. وقد كتبت هذا في غير هذا الموضع (1) .
فصل
[الأمر المطلق وأمر الندب]
التحقيق في مسألة أمر الندب - مع قولنا: «إن الأمر المطلق يفيد الإيجاب» - أن يقال: الأمر المطلق لا يكون إلا إيجابا وأما المندوب إليه فهو مأمور به أمرا مقيدا لا مطلقا، فيدخل في مطلق الأمر، لا في
__________
(1) المسودة ص 161-164، 573 ف 2/17 فيها زيادات وإيضاحات وجـ1/236.
(2/185)

الأمر المطلق. يبقى أن يقال: فهل يكون حقيقة أو مجازا؟ فهذا بحث
[اصطلاحي] .
وقد أجاب عنه أبو محمد البغدادي بأنه مشكك كالوجود والبياض. وأجاب القاضي بأن الندب يقتضي الوجوب فهو كدلالة العلم على بعضه، وهو عنده ليس مجازا، وإنما المجاز دلالته على غيره.
قال شيخنا رضي الله عنه: قلت: الندب الذي هو [الطلب] غير الجازم [جزء من] الطلب [الجازم] فتكون [فيه الأقوال الثلاثة التي هي في العام] يفرق في الثالثة بين القرينة اللفظية المتصلة، كقولك: من فعل فقد أحسن وبين غيرها (1) .
فصل
قال القاضي: كون الفعل حسنا ومرادا يدل على الوجوب ما لم يدل دليل على التخيير، وفي النوافل والمباحات قد ذكر الدليل؛ فلهذا لم يقتض الوجوب.
قال: وجواب آخر: أنا لا نسلم أن الأمر يدل على حسن المأمور به وإنما يدل على طلب الفعل واستدعائه من الوجه الذي بينا، وذلك يقتضي الوجوب، وهذا هو الجواب المعول عليه.
قال شيخنا: قلت: فيه فائدتان، إحداهما: نفي الأول. والثانية: قوله: «يدل على الطلب والاستدعاء» فجعله مدلول الأمر لا غير الأمر (2) .
[الأمر دال على اللفظ والمعنى وله صيغة]
مسألة: في أن للأمر صيغة [حقق الجويني] صحة هذه العبارة على
__________
(1) المسودة ص 7 ف 2/17.
(2) المسودة ص 8 ف 2/17.
(2/186)

كلا المذهبين: مذهب مثبتي كلام [النفس] ومذهب نفاته. فقولنا: صيغة الأمر. عند من أثبته، فمعناه أن لهذا المعنى صيغة عبارة تشعر به. وأما من نفاه فقولهم: «صيغة الأمر» كقولك ذات الشيء ونفسه، وآيات القرآن، وأن الأشعرية القائلين بالوقف اختلفوا في تنزيل مذهبه؛ فمنهم من قال: الصيغة مشتركة وضعا. ومنهم من قال: المعنى بالوقف أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل: «افعل» في اللسان فهو إذا مشكوك فيه.
ومنه ابن عقيل أن يقال للأمر والنهي صيغة، أو أن يقال: هي دالة عليه، بل الصيغة نفسها هي الأمر والنهي، والشيء لا يدل على نفسه. قال: وإنما يصح هذا على قول المعتزلة الذي يقولون: الأمر والنهي والإرادة والكراهة، والأشاعرة الذين يقولون: هما معنى قائم بالنفس، والصيغة دالة على المعنى وحكاه عنه (1) . وأما أصحابنا فإني تأملت المذهب فإذا به يحكم بأن الصيغتين أمر ونهي، قال: فقول شيخنا: الصيغة دالة بنفسها على الأمر والنهي اتباع لقول المتكلمين، وإلا فليس لنا أمر ونهي غير الصيغة؛ بل ذلك قول وصيغة، والشيء لا يدل على نفسه.
قال شيخنا أبو العباس حفيد المصنف: قلت: قول القاضي وموافقيه صحيح من وجهين؛ أحدهما: أن الأمر مجموع اللفظ والمعنى، فاللفظ دال على التركيب وليس هو عين المدلول. الثاني: أن اللفظ دال على صيغته التي هي الأمر به، كما يقال: يدل على كونه أمرا، ولم يقل: على الأمر (2) .
__________
(1) قلت: لعله: وحكاية عنه.
(2) المسودة ص 8، 9 ف 2/17.
(2/187)

[الفعل في حال حدوثه مأمور به]
مسألة: الفعل في حال حدوثه مأمور به. قال ابن برهان: هذا مذهبنا، خلافا للمعتزلة ليس مأمورا به. قال: والخلاف لفظي، وبسط الكلام في ذلك، وكذلك بسط الجويني قوله في ذلك وفيه الإنكار على الفريقين خصوصا أصحابه بكلام محقق.
قال شيخنا -بعد «خلافا للمعتزلة ليس مأمورا به» -: وهذا مقتضى قول ابن عقيل في مسألة الأمر بالموجوده فإنه التزم أن المؤمن ليس مأمورا بالإيمان عند وجوده، وأنه لا يصح منه فعل ما هو موجود، كالقيام لا يصح أن يفعله [القائم] لاستغنائه بوجوده عن موجود، والمؤمن لا يفعل الإيمان إلا في مستقبل الحال، وهنا خلاف المذهب (1) .
[الأسماء التي ليس بين معانيها قدر مشترك ... ]
قال ابن القيم رحمه الله: وحكى المتأخرون عن الشافعي رحمه الله والقاضي أبي بكر أنه إذا تجرد عن القرائن وجب حمله على معنييه كالاسم العام، لأنه أحوط إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا سبيل إلى معنى ثالث، وتعطيله غير ممكن، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة فإذا جاء وقت العمل ولم يتبين أن أحدهما هو المقصود بعينه علم أن الحقيقة غير مرادة، إذ لو أريدت لبينت فتعين المجاز، وهو مجموع المعنيين. ومن يقول: إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لما لم يتبين أن المراد أحدهما على أنه أراد كليهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي نظر.
وأما القاضي فمن أصله الوقوف في صيغ العموم، وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل. فمن يقف في ألفاظ العموم كيف
يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق بغير دليل؛ وإنما الذي ذكره في
__________
(1) المسودة ص 70 ف 2/17.
(2/188)

كتبه إحالة الاشتراك رأسا، وما يدعي فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل التواطؤ.
وأما الشافعي رحمه الله فمنصبه في العلم أجل من أن يقول مثل هذا؛ وإنما استنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل. وهذا قد يكون قاله لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطئة، وأن موضعه القدر المشترك بينهما؛ فإنه من الأسماء المتضايقة، كقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه»
ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدر مشترك أن تحمل عند الإطلاق على جميع معانيها (1) .
فصل
[هل التخصيص أولى من المجاز]
[شيخنا] : قال المخالف: لفظ الجمع موضوع للثلاثة فصاعدا، فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن موضوع وترك لحقيقته، وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ.
فقال القاضي: والجواب أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما يجوز التخصيص به ولا يكون بمنزلة النسخ وإنما يكون بمنزلة التخصيص، ولهذا نقول في قوله: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [43/4] ، أن المراد به موضع الصلاة، ونحمله عليه بضرب من الاستدلال.
قال شيخنا: قلت: هو وأبو الخطاب وغيرهما يجعلون التخصيص أولى من المجاز، وهذا لأن التخصيص ترك بعض اللفظ؛ بخلاف التجوز فإنه عدول عن جميع مسماه؛ ولهذا نصر القاضي أن التخصيص
__________
(1) زاد المعاد جـ 4/184 ف 2/18، 329.
(2/189)

لا يجعله مجازًا. وأيضا فظاهر اللفظ قد يكون حقيقة وقد يكون مجازا وأما على قول من يجعل ظهوره بالقرائن المتصلة فذاك أوسع. والله أعلم (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاستثناء]
الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله لغة، قاله أصحابنا والأكثرون.
وقال قوم: يخرج ما لولاه لجاز دخوله (2) .
فصل
[شيخنا] : قال القاضي: الاستثناء كلام ذو صيغ محصورة يدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول، ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قوله: رأيت المؤمنين وما رأيت زيدا ولم أر عمرا أو خالدا، لقولنا: كلامه ذو صيغ محصورة، وحروف الاستثناء محصورة، وليس الواو منها (3) .

فصل
[شيخنا] : يجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه (4) .

فصل
[شيخنا] : يجوز الاستثناء من الاستثناء (5) .
__________
(1) المسودة ص 151 ف 2/19.
(2) المسودة ص 160 ف 2/19.
(3) المسودة ص 154 ف 2/19.
(4) المسودة ص 154 ف 2/19.
(5) المسودة ص 154 ف 2/19.
(2/190)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما هو الاستثناء في الآيتين؟]
قوله: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [42/15] ، وقوله: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [40/15] أجاب القاضي عنه بجوابين:
أحدهما: أنه استثناء من جميع الجنس، فيجوز أن يقال فيه: إنه يجوز إخراج الأكثر من الأقل. وأما استثناء الأكثر من الأعداد المحصورة فلا. والفرق ورود اللغة في أحدهما دون الآخر، ولأن حمل جميع الجنس على العموم إنما هو من طريق الظاهر، لا من جهة القطع على جميع الجنس، بخلاف الأعداد فإن جميعها منطوق به فصار صريحا.
الجواب الثاني: أنه استثناء منقطع، أي لكن من اتبعك، كقوله: (إلا خطأ) وكقوله: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاستثناء من النفي إثبات]
قوله: «لا صلاة إلا بطهور» و «لا نكاح إلا بولي» ونحو ذلك لا تفيد ثبوت الصلاة والنكاح عند وجوب الطهور والولي. هذا هو المعروف عند الجماعة. واحتج القاضي في مسألة أن النكاح لا يفسد بفساد المهر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» قال القاضي: فاقتضى الظاهر أنه إذا حضره الولي والشهود أنه صحيح، ولم يفرق بين أن يكون فيه مهر فاسد أو صحيح. وهذا دلالة ضعيفة؛ لكن قد يظن أنه يعكر على قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الشرط المتعقب جملا]
فأما الشرط المتعقب جملا فقد سلم الحنفية أنه يعود إلى جميعها، وكذلك ذكر أبو محمد في الروضة: أن الشرط والصفة سلم أكثر
__________
(1) المسودة ص 155 ف 2/19.
(2) المسودة ص 160 ف 2/19.
(2/191)

المخالفين أنهما يعودان إلى الجميع، ونقض عليهم بذلك، وكذلك القاضي، وذكر أن الشرط كقوله: «نساؤه طوالق، وعبيده أحرار، وماله صدقة إن شاء زيد» أو: «إن دخلت الدار» يعود إلى الجميع، وكذلك الاستثناء بمشيئة الله عند الحنفية.
فأما الصفات وعطف البيان والتوكيد والبدل ونحو ذلك من الأسماء المخصصة فينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء.
وأما الجار والمجرور مثل أن يقول: «على أنه» أو «بشرط أنه» ونحو ذلك فينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا؛ لأن هذه الأشياء متعلقة بالكلام لا بالاسم، فهي بمنزلة الشرط اللفظي؛ فإذا قال: «أكرم بين تميم وبين أسد وغطفان المجاهدين» أمكن أن يكون «المجاهدين» تماما لغطفان قط. فإذا قال: «بشرط أن يكونوا مؤمنين» أو: «على أن يكونوا مؤمنين» فإن هذا متعلق بالإكرام وهو متناول للجميع تناولا واحدا، بمنزلة قوله: «إن كانوا مؤمنين» فيجب أن يفرق بين ما يكون متعلقا بالاسم وما يكون متعلقا بالكلام، وهذا فرق بين محقق يجب اعتباره (1) .
[شيخنا] : ... ... ... ... فصل
[والاستثناء المتعقب اسما]
كثير من الناس يدخل في هذه المسألة «الاستثناء المتعقب اسما» فيريدون بقولهم: «يعقب جملة» الجملة التي تقبل الاستثناء لا يريدون بها الجملة من الكلام، وهذا موضع يحتاج إلى الفرق؛ فإنه فرق بين أن يقال: «أكرم هؤلاء وهؤلاء إلا الفساق» ، أو يقال: «أكرم هؤلاء وأكرم هؤلاء إلا الفساق» (2) .
__________
(1) المسودة ص 157 اختصار وزيادة إيضاح ف 2/19.
(2) المسودة ص 157، 158 ف 2/19.
(2/192)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاستثناء إذا تعقب جملا]
موجب ما ذكره أصحابنا وغيرهم: أنه لا فرق بين العطف بالواو أو بالفاء أو بثم على عموم كلامهم، وقد ذكروا في قوله: «أنت طالق ثم طالق إن دخلت الدار» وجهين. وذكر أبو المعالي الجويني فرقا بين الحرف المرتب وغيره في الاستثناء والصفة في شروط الوقف وهو يفيد جدا.
قال القاضي في مقدمة المجرد: والاستثناء إذا تعقب جملا وصلح أن يعود إلى كل واحدة منها لو انفرد فإنه يعود إلى جميعها فيرفعه وكذلك الشرط والمشيئة مثل آية القذف، نص عليه أحمد في طاعة الرسول.
قال شيخنا أبو العباس: الوجه المذكور في الإقرار والطلاق فيما إذا قال: «أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة» هل نعيده إلى الجملة الأخيرة فيبطل أو إلى الجميع فيصح؟ فيه وجهان، فيخرج مثلهما هنا؛ إلا أن يقال هناك: لا يصح عوده إلى الأخيرة، لأن الاستثناء يرفع جميع الأخيرة ومثل هذا لا يكون عربيا فقد أتى باستثناء لا يصح عوده إلى الأخيرة. والقاضي قيد المسألة بأن يكون الاستثناء يصح عوده إلى كل واحدة منها لو انفرد، وذكر في حجتها: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة؛ لأنه لا فرق بين أن يقول: «رأيت رجلا ورجلا» وبين أن يقول: «رأيت رجلين» قال: وهذا صحيح على مذهب أحمد، لقوله في غير المدخول بها: أنه إذا قال: «أنت طالق وطالق وطالق» وقع ثلاثا كالجملة الواحدة. قال: وعلى هذا الأصل إذا قال: «أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة» يقع عليه طلقتان؛ لأنه يكون قد استثنى واحدة من ثلاث.
[هنا ثلاثة أقسام]
قال شيخنا: في هذه المواضع لا يصح عود الاستثناء على كل
(2/193)

جملة؛ بل هنا لم يتعقب الاستثناء جملا بحال، فليست هذه المسألة محل النزاع، وإنما تقرير كلامه: أن الآحاد المتعاقبة بمنزلة الشيء الواحد، فكذلك الجمل. فهنا ثلاثة أقسام: عطف الأسماء الواحدة بعضها على بعض، وعطف الأسماء الشاملة بعضها على بعض، وعطف الكلام المركب بعضه على بعض. ومنع القاضي أن العموم يحصل إلا بوقوع الثلاث (1) على الكلام من غير استثناء وهذا جيد وكذلك جميع المتصل المخصص فإنه مانع لا رافع لكن غايته مذهب الواقفة (2) .
فصل
[ومن الإثبات فيه تفريق]
الاستثناء من النفي ومن الإثبات نفي، عندنا وعند الجمهور وقالت الحنفية: ليس كذلك. وقيل: هو من الإثبات نفي، وأما من النفي فليس بإثبات.
قال شيخنا: ينبغي أن يفرق بين قولنا: «ما رأيت أحدا إلا زيدا» وبين قولنا: «ما جاء القوم إلا زيد» ، وقولنا: «ما له عندي عشرة إلا واحد» فإنه قد قيل: إنه في مثل هذا يكون مقرًّا بواحد. وهذا عندي ليس بجيد وإنما مقصوده أنه ليس له عندي تسعة، وذلك أنه لو قصد الإثبات لكان قوله: «ما له عندي إلا واحد» هو كلام العرب؛ بخلاف استثناء من الصيغ العامة فيفرق بين العدد والعموم (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[بين الأخفش وابن عقيل]
حكى الأخفش أن قول القائل: «ما جاءني غير زيد» لا يدل على مجيء زيد؛ بل يدل على نفي مجيء غيره. ذكره ابن عقيل في حجة التاركين للمفهوم، وقال: قول الأخفش لا يقابل قول أبي عبيد، لأن
__________
(1) نسخة: إلا بوقوع السلب على الكلام.
(2) المسودة ص 158، 159 ف 2/19.
(3) المسودة ص 160 ف 2/19.
(2/194)

الأخفش نحوي ولم يكن من المبرزين في اللغة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ثم للترتيب مع المهملة والتراخي، ذكره ابن عقيل وكثيرون. وذكر ابن عقيل: أن الاستدلال أصحابنا على أن الإمساك لا يكون عودا في آية الظهار (2) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[معنى ثم]
قال القاضي: «ثم» للفصل مع الترتيب، فإذا قال: «رأيت غلاما ثم فلانا» اقتضى أن يكون الثاني متأخرا عن الأول في الرؤية؛ ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أن ذلك للمهلة فيقتضي أن يكون العود العزم على الوطء (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[اختلاف كلام القاضي في الاستثناء]
لا يصح الاستثناء من النكرات كما يصح من المعارف ذكره ابن عقيل محل وفاق، محتجًّا به على أن الاستثناء يخرج ما دخل لا ما صح دخوله. والقاضي ذكر في مسألة الاستثناء من غير الجنس: أن الاستثناء إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ، وفي مسألة العموم أيضًا قرر ذلك، ورد على من قال: هو إخراج ما يصلح دخوله في اللفظ. ثم في مسألة الجمع المنكر احتج المخالف: بأنه لما لم يصح دخول الاستثناء عليه فيخرج بعضه ثبت أنه من ألفاظ العموم كالجمع المعرف. فأجاب القاضي: بأن الاستثناء يخرج البعض من البعض ويخرج البعض من كل فخرج البعض من الذي هو أقل الجمع.
__________
(1) المسودة 160 ف 2/19.
(2) المسودة 356 ف 2/19.
(3) المسودة 564 ف/219، 476.
(2/195)

قال شيخنا: وهذا نقص ما قدمه (1) .
[شيخنا] : فصل
كثير المنفعة، متعلق بالنسخ والعموم وغيرهما.
[الحكم العام أو المطلق إذا ادعي اختصاصه]
وهو أن الحكم العام أو المطلق، هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده، سواء كان ثابتا بخطاب أو بفعل؟ هذا فيه أقسام:
القسم الأول: ما كان عاما [للمكلفين] فيدعى تخصيصه بنفي التعليل، فمنه ما علم بالاضطرار عمومه فمخصصه [كافر] كمدعي تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه، أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه، إلى غير ذلك من دعوى اختصاص بعض المنتسبين إلى العلم أو إلى العبادة بسقوط واجب أو فعل محرم، كما قد وقع لطوائف من المتكلمين والمتعبدين، وهذا كفر ومنه ما ليس كذلك لكن هو مثله.
القسم الثاني: ما كان عاما في الأزمنة لفظًا أو حكمًا فيدعى اختصاصه بزمانه فقط. قال شيخنا: وقد كتبته في غير هذا الموضع.
القسم الثالث: أن يدعى اختصاصه بحال من الأحوال الموجودة في زمان الشرع مما قد يجوز عودها.
القسم الرابع: أن يدعى اختصاصه بمكان الشارع كدعوى اختصاص فرضه للأصناف الخمسة في صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتهم الغالب، وكذلك في الدية والمصراة وغير ذلك. وهذا من جنس الذي قبله، فإنه لا يوجب انقطاع الحكم، بل اختصاصه بحال دون حال (2) .
__________
(1) المسودة ص 354، 355 ف 2/19.
(2) المسودة ص 356 ف 2/19.
(2/196)

القسم الخامس: الأفعال التي فعلها في العبادات والعادات إذا ادعي اختصاصها بزمان أو مكان أو حال.
فهذه أصول عظيمة مبناها على أصلين:
أحدهما: صحة ذلك التعليل وأن الشارع إنما شرع لأجله فقط.
الأصل الثاني: ثبوت الحكم مع عدم تلك العلة لعلة أخرى؛ إذ أكثر ما في هذا دعوى ارتفاع الحكم بما يعتقد أن لا علة غيره.
وقد أجاب أصحابنا بمثل هذا في مسألة التحليل قائسين على الرمل والاضطباع. وزعم من خالفهم أن الأصل المقرر زوال الحكم لزوال علته، وإنما خولف في الرمل والاضطباع لدليل، وحديث ابن عمر في الرمل والاضطباع يخالف هذا، وإنما يزول الحكم بزوال علته في محاله وموارده. وأما زوال نفس الحكم الذي هو النسخ فلا يزول إلا بالشرع.
وفرق بين ارتفاع المحل المحكوم فيه [مع بقاء الحكم وبين زوال نفس الحكم. ومن سلك هذا المسلك أزال ما شرعه الله برأيه وأثبت ما لم يشرعه الله برأيه] وهذا هو تبديل الشرائع (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في حد الخاص:
[الخاص]
وهو اللفظ الدال على واحد بعينه، بخلاف العام والمطلق ذكره الفخر إسماعيل في جُنَّته (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا علق الحكم على صفة في جنس دل على نفيه فيما عداها]
إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله: «في سائمة الغنم
__________
(1) المسودة ص 159 ف 2/19.
(2) المسودة ص 571 ف 2/19.
(2/197)

الزكاة» دل على نفيه عما عداها في ذلك الجنس دون بقية الحيوان، في قول بعض أصحابنا وبه قال بعض الشافعية. قال القاضي في مقدمة المجرد: وقوله: «في سائمة الغنم الزكاة» يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم فحسب ولا يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الحيوان كله. وفيه وجه آخر، قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد أنه يدل على نفيه عما عدا السائمة في سائر الحيوان، وهو قول بعض الشافعية. هذا نقل الحلواني وحكى القاضي عن القائلين بمفهوم الاسم العلم هذين القولين، وقولا ثالثا نفيها -أعني الزكاة- عن سائر الأشياء غير المذكورة قال ابن عقيل: كذلك نقول: لو لم يرد نطق يخص الإبل والبقر، فبعد النص صار يعم سقوط الزكاة في غير السائمة من كل نوع. ومعنى القول الثاني أنها تجب في سائمة الأزواج الثمانية، دون معلوفاتها. وكذلك القاضي ذكرها في العدة على قولين، وردد الكلام في القول الثالث (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا علق بها خبر فرق بين]
فإن علق بها خبرا مثل أن يقول: «زياد الطويل في الدار» فسلم القاضي في الكفاية أنه لا يدل على القصر بنفي ولا إثبات، وقد قال قبل هذا: إن تعليق الوجوب والأخبار بالألقاب يقتضي النفي.
والتحقيق أن يفرق بين أسماء الأعلام والأجناس (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الصفة قسمان]
الصفة قسمان: عارضة كالغنى والثيوبة والامتلاء، وهو الذي جعله أبو محمد مفهوم الصفة، ولازمه كالطعام، وفيها خلاف (3) .
__________
(1) المسودة ص 358 ف 2/20.
(2) المسودة ص 361 ف 2/20.
(3) المسودة ص 353 ف 2/20.
(2/198)

[المفهوم]
المفهوم لا عموم له عند المصنف ... والشيخ تقي الدين وغيرهم من الأصوليين، وأنه يكفي فيه صورة واحدة، كما هو مذكور في أصول الفقه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في فحوى الخطاب
[فحوى الخطاب]
منه: ما يكون المتكلم قصد التنبيه بالأدنى على الأعلى، كآية البر، فهذا معلوم أنه قصد المتكلم بهذا الخطاب، وليس قياسا وجعله قياسا غلط فإنه هو المراد بهذا الخطاب.
ومنه: ما لم يكن قصد المتكلم إلا القسم الأدنى؛ لكن يعلم أنه يثبت مثل ذلك الحكم في الأعلى. وهذا ينقسم إلى مقطوع، ومظنون. ومثالهما ما احتج به أحمد رضي الله عنه وقد سئل عن رهن المصحف عند أهل الذمة، فقال: لا «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» . فهذا قاطع؛ لأنه إذا نهى عما قد يكون وسيلة إلى نيلهم إياه فهو عن إنالتهم إياه أنهى وأنهى. واحتج أن لا شفقة لذمي بقوله: «إذا لقيتموهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقه» فإذا كان ليس لهم في الطريق حق فالشفعة أحرى ألا يكون لهم فيها حق، وهذا مظنون (2) .
__________
(1) الإنصاف 1/73 ف 2/20، 22.
(2) المسودة ص 347 ف 2/20.
(2/199)

القياس

[شيخنا] : ... ... فصل
الكلام في «القياس» : في صحته، ودلالته، ثم في وجوب اتباعه، واعتقاد مدلوله:
فإن الكلام في كون الشيء يفيد الاعتقاد علما أو ظنا غير الكلام في الاستدلال به واعتقاد موجبه.
ثم أن يقال: كلاها ثبت بالشرع فقط، أو بالعقل أيضا، أو أحدهما بأحدهما.
فالأول قول ابن عقيل: إن صحته ووجوب العمل به إنما ثبت بالشرع فقط. وهذا قول المعممة في التصويب، إذ ليس للأدلة عندهم صفة تدل بها في الظنيات.
والثاني -وهو أ، يقال: كلاهما ثبت بالعقل- فهذا قد يقوله من يقول بالإيجاب العقلي.
وأما الثالث -وهو أن صحته ودلالته قد تعلم بالعقل ثم تعلم بالسمع أو ما ظهر به وجب اتباعه- فهذا أشبه بقول أكثر أصحابنا الذين يجعلون المصيب واحدا، ولا إيجاب إلا بالشرع، فإنا نعلم بعقولنا أن النظر في علة الأصل وما دل عليها يغلب على الظن أن الفرع عند الشارع بمنزلتها، بل بعض الأحيان يكون الظني اضطراريا، كما يكون
(2/200)

العلم اضطراريا. ثم نعلم بالسمع أن مثل هذا يعتقد به الحكم، كما أن ظهور صدق العدل المخبر والشاهدين يعلم بالعقل. ثم كون هذا التصديق موجبًا للعمل يعلم بالسمع؛ فإن العقل قد يعرف الأدلة، ويعلم بالنظر فيها حصول اعتقاده، كما قيل في معرفة الله تعالى؛ ثم وجوب النظر والاعتقاد سمعي.
ثم قد يقال هنا: قد دلت الأدلة الشرعية العامة أن ما ظهر من أحكام الله ورسوله وجب اتباعه عموما؛ فإنه إذا استفدنا بالنظر فيها اعتقادا قويا أن هذا حكم الله من غير معارض مقاوم فقد علم بالأدلة السمعية وجوب اتباع مثل ذلك.
وعلى هذا فالقول في القياس الشرعي كالقول في القياس العقلي، وحصول الاعتقاد به لا يتوقف على ما يدل من جهة الشرع على صحة القياس. وأما وجوب النظر فيه أو الاعتقاد به فبالشرع.
وعلى قول ابن عقيل فالعلل الشرعية أمارات مجعولة لمن يقيس الحكم لصفة هو عليها، وقد صرح بذلك في غير موضوع. وأما على القول الأول فإنها لصفات هي عليها.
قال القاضي في كتاب القولين: القياس الشرعي قد نص أحمد في مواضع على أنه حجة تعلق الأحكام عليه، فقال في رواية محمد بن الحكم: لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الإمام والحاكم يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس ويقيس. وكذلك نقل الحسين بن حسان: القياس: هو أن يقيس على أصل إذا كان مثله في كل أحواله. وكذلك نقل أحمد بن القاسم: لا يجوز بيع الحديد والرصاص متفاضلاً قياسًا على الذهب والفضة.
قال: وحكى شيخنا أبو عبد الله أن من أصحابنا من قال:
ليس بحجة قال: لأن أحمد قال في رواية الميموني: يجتنب المتكلم في
(2/201)

الفقه هاتين الخصلتين المجمل والقياس، وكذلك نقل أبو الحارث عنه وقد ذكر أهل الرأي وردهم للحديث، فقال: ما تصنع بالرأي والقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه؟ وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة وإنما يدل على أنه لا يجوز استعماله مع النص ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة وليس هذا بمذهب فيشتغل بتوجيهه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تابع]
اتباع القياس وجب بالشرع عند القائلين به. وهل يجب بالعقل؟ قال أبو الخطاب: ثبت بالعقل أيضا، وبالنقل.
قال ابن عقيل: واختلف المحيلون لورود التعبد به من جهة العقل، في وجه إحالة ذلك وعلته.
فقال بعضهم: إنما استحال ذلك لأنه لا يمكن معرفة الأحكام من جهته لأنها مبنية على المصالح التي لا تدرك به ولا بأمارة مؤدية إلى غلبة الظن. وقال بعضهم: لأن في القول به ما يقتضي وجوب الحكم بالمضاد الممتنع. وقال بعضهم: لأنه اقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما وهو النص، وذلك محال في صفته وحكمته (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأصل في القياس]
قال أبو الخطاب: هل الأصل في القياس الشرعي النص أو حكم النص؟ وأيهما يقع الإسناد إليه؟ اختلف أهل الأصول في ذلك، فقال قوم: الأصل النص والنطق. وقال قوم: الحكم قال ابن عقيل: والذي أختاره أن الأقرب هو المستند، والأصل: هو حكم النص وعلته (3) .
__________
(1) المسودة ص 371-373 ف 2/20.
(2) المسودة ص 369 ف 2/20 قلت: وهذا الفصل والفصلان بعده مقدمان على الفصل الأول.
(3) المسودة ص 370 ف 2/20.
(2/202)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[من نزلت به حادثة وضاق عليه الوقت ... ]
قال أبو الخطاب: من نزلت به حادثة، وكان فيها قاضيا أو مفتيا أو مجتهدا لنفسه، وضاق عليه الوقت، وجب عليه أن يقيس وينظر. وإذا لم يضق عليه الوقت استحب له ذلك، والواجب والمستحب من الدين (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المتردد بين أصلين]
قال القاضي: المتردد بين الأصلين يجب إلحاقه بأحد الأصلين وهو أشبههما به وأقربهما إليه، وإلحاق الوارث بالإقرار أشبه، لأنه لا يشترط فيه العدالة ولا يشترط له لفظ الشهادة، ولا مجلس الحكم، قاله جوابا للحنفية لما قالوا: إنه يشبه الشهادة من حيث حمل النسب على الأب، ويشبه الإقرار من حيث ثبتت المشاركة فيما في يده، فأعطيناه حكم الأصلين، فاشترطنا فيه العدد كالشهادة، ولم نشترط فيه الحرية كالإقرار (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[قياس علة الشبه]
قلت: من قال: «قياس علة الشبه كما فسره القاضي حجة» فلا كلام؛ لكن يرد عليه التسوية بين الشيئين في الحكم مع العلم بافتراقهما في بعض الصفات المؤثرة، وإنما فعلوه لضرورة إلحاق الفرع بأحد الأصلين، فألحقوه بالأشبه به كما تفعل القافة بالولد. ومن قال: «ليس بحجة» فقد يحكم فيه بحكم ثالث مأخوذ من الأصلين وهو طريقة الشبهيين، فيعطيه بعض حكم هذا وبعض حكم هذا، كما فعله أحمد في ملك العبد، وكذلك مالك، وهذا كثير في مذهب مالك وأحمد،
__________
(1) المسودة ص 370، 371 ف 2/20.
(2) المسودة ص 375 ف 2/21.
(2/203)

مثل تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة، والوقف هل هو ملك لله تعالى أو للموقوف عليه، ونحو ذلك.
وطريقة الشبهيين ينكرها كثير من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مقتضى من يقول بغلبة الاشتباه ويعتبر للحادثة أصلا معينا، ومن لم يقل به فقد يقول بها.
والأشبه أنه إن أمكن استعمال الشبهين وإلا ألحق بأشبههما به؛ فإن القائلين بالأشبه كالقاضي سلموا أن العلة لم توجد في الفرع وأنه حكم بغير قياس، بل بأنه أشبه بهذا الأصل من سائر الأصول كما أن في طريقة الشبهيين ليس أحدهما هو الأصل (1) .
[شيخنا] :
[العلة المناسبة والمطردة]
مسألة: العلة المناسبة مقدمة على غير المناسبة، والمطردة مقدمة على المخصوصة إذا قبلت، وكذلك تقدم المنعكسة على غير المنعكسة هذا كلام إسماعيل ابن المني (2) .
[شيخنا]
[إذا قبلت القاصرة]
مسألة: إذا قبلت القاصرة فهي أولى من المتعدية، أو بالعكس أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال. والتسوية اختيار إسماعيل. ومن قال بالثاني -وهو قول القاضي وأبي الخطاب- قال: إن الأكثر فروعا أولى، وعلى ذلك ينبني ترجيح ما قل أوصافها مع أن ذات الوصف قد تكون أكثر فروعا.
وقد ذكر الفخر إسماعيل الرجحان في الأقيسة من وجوه كثيرة فلتنظر وكذلك ذكرها ابن عقيل في موضعين (3) .
__________
(1) المسودة ص 375، 376 ف 2/21.
(2) المسودة ص 378 ف 2/22.
(3) المسودة ص 378 ف 2/22.
(2/204)

[شيخنا] :
[إذا كانت أكثر أوصافا]
مسألة: إذا كانت إحدى العلتين أكثر أوصافا فالقليلة الأوصاف أولى. وقال بعض الشافعية وإسماعيل: هما سواء. هذا نقل الحلواني وأبي الخطاب (1) .
[شيخنا]
[وإذا كانت إحداهما حسية أو إحداهما موجودة في الحال]
مسألة: إذا كانت إحداهما حسية والأخرى حكمية، أو إحداهما إثباتا والأخرى نفيا فلا ترجيح بذلك. وقال بعض الجدليين: ترجح المثبتة الحسية. وقال القاضي وغيره: الثابتة أولى. قال أبو الخطاب وغيره: الحكمية أولى وقال (2) : المثبتة أولى، ولم يذكر فيه خلافا (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومنها: أن تكون إحداهما موجودة في الحال، وصفة أخرى مما يجوز وجوده في الثاني، كقولنا في ر هن المشاع: «عين يصح بيعها» هو راجح على قولهم: «قارن العقد معنى يوجب استحقاق رفع يده في الثاني» (4) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا كان أصلها أقوى]
وترجح إحدى العلتين: بكون أصلها أقوى، مثل أن يكون أصلها مجمعا عليه والأخرى أصلها مختلف فيه (5) .
__________
(1) المسودة ص 378 ف 2/22.
(2) المسودة ص 379 ف 2/22.
(3) لم يذكر القائل هنا.
(4) المسودة ص 382 ف 2/22.
(5) المسودة ص 382 ف 2/22.
(2/205)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا كانت إحداهما ناقلة عن الأصل أو كان وصف إحداهما اسما]
ومنها: أن تكون إحداهما ناقلة عن الأصل أو فيها احتياط والأخرى مبقية، فالأولى أولى، قاله أبو الخطاب، وقاسه على الخبرين، وبأن فيه زيادة حكم واحتياط وإفادة حكم شرعي. وقال بعضهم: هما سواء، وهذا كقياسين تعارضا في إيجاب الوضوء من الملامسة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومن الترجيحات: أن يكون وصف إحداهما اسما ووصف الأخرى صفة. فالصفة أولى؛ لأنها مجمع عليها، هذا قول أبي الخطاب (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العلة المنصوصة تكون تارة]
العلة المنصوصة تارة تكون علة لمورد النص وغيره، وتارة تكون خاصة. وقد ذكر ابن عقيل أمثلة العامة التي توجب الحكم في غير المحل المنصوص قبل الأمر بالقياس أن يقول: حرمت السكر لحلاوته؛ فإنه مثل أن يقول حرمته لأنه حلو. وهذا فيه نظر؛ فإن هذا مثل قوله: حرمته للحلاوة التي فيه، وهذا اللفظ يظهر فيه التعليل بالحلاوة المخصوصة، لا بمطلق الحلاوة؛ بخلاف قوله: لأنه حلو، أو لأنه من الحلو (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العلة المستنبطة لا بد لها من دليل ... ]
والعلة المستنبطة لابد من دليل يدل على صحتها وذلك الدليل هو كونها مؤثرة في الحكم، وسلامتها على الأصول من نقض أو معارضة، ويحوز أن يجعل وصف العلة الدال على الحكم وصفا نافيا.
__________
(1) المسودة ص 384 ف 2/22.
(2) المسودة ص 285 ف 2/22.
(3) المسودة ص 386 ف 2/22.
(2/206)

ويحوز أن يجعل وصفا مثبتا، سواء في ذلك الأوصاف الذاتية والحكمية كما في قوله: «إنها ليست بنجس» تعليلا لطهارة الماء (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل الأصول كلها معللة]
الأصول التي ثبت حكمها بنص أو إجماع ذكر أبو الخطاب أنها كلها معللة وإنما تخفى علينا العلة في النادر منها.
ولفظ القاضي: الأصل هو تعليل الأصول، وإنما ترك تعليلها نادرا، فصار الأصل هو العام الظاهر دون غيره ومن الناس من قال الأصول منقسمة إلى معلل وغير معلل (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[قول القاضي في الدال على صحة العلة المستنبطة يخرج على وجهين]
ثم قال بعد هذا (3) : مسألة في العلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها، الشيء الدال على صحتها يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان، فقال: القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل له وأدبر، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال أبو بكر: يعني في كل أحواله في نفس الحكم، لا في عينه؛ لأنه لابد من المخالفة بينهما.
والوجه الثاني: يفتقر إلى شيئين: دلالة عليها ودلالة على صحتها،
__________
(1) المسودة ص 386 ف 2/22.
(2) المسودة ص 398 ف 2/22.
(3) كأنه يشير إلى قوله القاضي: والعلة المستنبطة لابد من دليل يدل على صحتها إلخ وتقدمت انظر ص 401 من المسودة.
(2/207)

وهو أن يكون الوصف مؤثرا في الحكم المعلل، فإذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول، وهو أن يسلم من نقض أو معارضة. فإن عارضها قياس مثلها أو أقوى منها وقفت ولم تكن علة. وجه الأول أن العلل يستمر هذا الأصل فيها بدلالة المعنى، الموجب لكون المحل اسود وجود السواد، فالشرعية أولى أن يجوز هذا فيها، وقد اتفقت الأمة على أن زنى المحصن هو المعنى الموجب للرجم، لما كان الرجم يجب بوجوده ويعدم بعدمه. قال: ووجه الثاني في أن وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على صحتها أننا قد جعلنا علة تحريم الخمر وجود الشدة فيه، لوجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها، فصارت هذه العلة هي العلة الموجبة لتكفير المستحل للخمر، وإن كانت الشدة توجد في النبيذ ولا يوجد تكفير مستحلة. والدلالة على أن صحتها تأثير الوصف وسلامتها هو أننا وجدنا أن التي لها أوصاف مكيل ومطعوم ومقتات ومزروع وموزون، وله مثل وأجمعنا أن العلة هو الوصف المؤثر في الحكم دون غيره (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الخلاف في العلة المستنبطة هل يقاس عليها؟]
ذكر القاضي في كتاب الروايتين والوجهين اختلافا في المذهب في صحة العلة المستنبطة فقال: إذا ثبت معنى الحكم مقطوعا عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه. فأما إن كان معنى الأصل عرف بالاستنباط مثل علة الربا [في الزائد] بكيل أو مطعوم فهل يجب رد غيره إليه، أم لا؟ فقال شيخنا أبو عبد الله: لا يجب رد غيره إليه، فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنا، وقد سأله: هل نقيس بالرأي؟ فقال: لا، وهو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه، قال:
__________
(1) المسودة ص 403 ف 2/22.
(2/208)

معنى قوله: «لا يقيس بالرأي» يعني ما ثبت أصله بالرأي لا نقيس عليه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الفرع إذا قيس على أصل الوصف المؤثر المناسب والمؤثر غير المناسب، والمناسب غير المؤثر]
تلخيص هذا الباب: أن الفرع إذا قيس على أصل فإما أن يعلم تأثير ذلك الوصف في الحكم الذي في الأصل بنص كتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك.
أما الأول: فلا خلاف فيه عند القياسيين، وإنما الخلاف هل هو دليل لغوي مفهوم من اللفظ أو موقوف على دليل خاص؟
وإن علم تأثير الوصف في حكم الأصل بالاستنباط، وكان الوصف مناسبا؛ فإما أن يعلم تأثيره في غير الأصل بنص أو إجماع، أو لا يعلم له تأثير في غير الأصل. فالأول: هو المناسب المؤثر والملائم. والثاني: هو الغريب ولأصحابنا في هذا الباب ثلاثة أقوال؛ أحدها: القول بالجميع كما قرره أبو محمد المقدسي وأبو محمد البغدادي. والثاني: نفي القول بالغريب، كما ذكره أبو الخطاب في موضع. الثالث: عدم بالجميع كما قاله ابن حامد. وعلى هذا يتبين لك أن أبا محمد والغزالي قبله يدخلان في قسم المستنبط المناسب المؤثر والمنصوص المناسب المؤثر، وهو غلط، فإن الأول فيه قياسان، وهذا فيه قياس واحد.
وحقيقة الأمر: أن المثبت بالقياس إن كان هو الحكم فقط فهو المنصوص، وإن كان الحكم وعلة الأصل فهو المؤثر. وأما الغريب فإثبات بمجرد المناسبة غير المؤثر.
وحقيقة الأمر في المؤثر: أنه قياس لهذا الوصف على ذلك
__________
(1) المسودة ص 404 ف 2/22.
(2/209)

الوصف في علته، فهو إثبات للعلة بالقياس. وعلى هذا فلا يشترط في المؤثر أن يكون مناسبا، وأبو محمد جعله من قسم المناسب.
ونظير هذا تعليق الحكم بالوصف المشتق: هل يشترط فيه المناسبة؟ على وجهين، وكلام القاضي والعراقيين يقتضي أنهم لا يحتجون بالمناسب الغريب، ويحتجون بالمؤثر مناسبا كان أو غير مناسب، ولهم في الدوران خلاف، وجميع أدلتهم تقتضي هذا فصار المؤثر المناسب لم يخالف فيه إلا ابن حامد. وأما المؤثر غير المناسب أو المناسب غير المؤثر ففيهما ثلاثة أوجه. وقال ابن عقيل: الذي لا شبه له هو الذي يقول الفقهاء لا تأثير له. ويقول الخراسانيون: الإخالة له، فجعل المؤثر هو المحل (1) .
فصل
[عكس العلل وعدم التأثير]
الحكم إذا ثبت بعلة يزول بزوالها فإن بقي مع زوالها من غير أن يخلفها علة أخرى كانت عديمة التأثير، فلا تكون علة، وأما إذا خلفها علة أخرى فإنها لا يبطل كونها علة.
وهذا هو التحقيق في «مسألة عكس العلل، وعدم التأثير فيها» فإنه قد يظن أنا إذا جوزنا تعليل الحكم الواجب بالشرع بالنوع بعلتين لم تبطل العلة بعدم التأثير فيها، وهو انتفاء الحكم لانتفاء الوصف لجواز أن يخلفها علة أخرى؛ بل إذا كان الحكم ثابتا انتفى الوصف لثبوته مع ثبوته دل على أنه ليس بعلة. فالنقض وجود الوصف بلا حكم. فإن لم يكن التخلف لفوات شرط أو انتفاء مانع كان دليلا على أنه ليس بعلة، وعدم التأثير هو وجود الحكم بلا وصف. فإن لم يكن له علة أخرى كان دليلا على أن الوصف ليس بعلة.
__________
(1) المسودة ص 407، 408 فيه زيادة ف 2/22.
(2/210)

فإذا عللنا الملك بالبيع أو الإرث أو الاغتنام ونحو ذلك وقلنا في صورة قد عللنا الملك فيها بالبيع: هذا باطل فلا يحصل الملك كان كاملا صحيحا وإن علمنا أن الملك يثبت بإرث وغيره، لكن التقدير أنه لا يثبت له هنا غير البيع. وإذا قلنا: هذا يملك هذه السلعة لأنه اشتراها شراء شرعيا أو لأنه ورثها كان كاملا صحيحا ولا يلزم من ذلك أن يكون الملك منتفيا في كل موضع انتفى فيه البيع أو الإرث؛ لأن الملك له أسباب متعددة. وكذلك الطهارة إذا كان لها سببان فعلل الشارع طهارة بعض الأعيان بسبب كان ذلك كاملا صحيحا، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل موضع انتفى عنه هذا السبب أن يكون الملك منتفيا في كل موضع انتفى فيه البيع، ولا كان منه أن ما انتفى عنه هذا السبب يكون نجسا.
فقوله في الهر: «إنها من الطوافين» دليل على أن الطواف سبب الطهارة فإذا انتفى ما هو سبب فيه زالت طهارته، وقد تثبت الطهارة لغيره وهو الحل كطهارة الصيد والأنعام فإنها طيبة من الطيبات التي أباحها الله تعالى فلا يحتاج إلى تعليل طهارتها بالطواف؛ فإن الطواف يدل على أن ذلك لدفع الحرج في نجاستها.
وقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» قد يقال فيه: أولا: قد يكون المقصود وصف الماء بكونه طهورا وبكونه لا ينجسه شيء، فيكون صفة بعد صفة، ليس المقصود جعل إحداهما علة للأخرى ووصفه بهاتين الصفتين يبين مفارقته للبدن والثوب ونحوهما من هذين الوجهين: من جهة أنه طهور، ومن جهة أنه لا ينجسه شيء.
وإذا لم يعلل نفي النجاسة بكونه طهورا لم يوجب ذلك
حصول النجاسة فيما ليس بطهور بمجرد الملاقاة فإذا
أمكن أن تكون هذه علتان لجواز استقائه من البئر لم يجب أن
يقال: إن إحداهما علة للأخرى؛ بل كان قوله: «لا ينجس» كقوله: «الماء لا ينجسه شيء» وهناك لم يعلل انتفاء النجاسة عنه بكونه
(2/211)

طهورا فكذلك هنا لم يعلل انتفاء النجاسة عنه بكونه طهورا؛ بل هناك علل جواز استعمال سؤر عائشة بأن الماء لا يجنب وهنا علل وضوءه من بئر بضاعة بأن الماء لا ينجس، وزاد مع ذلك «أن الماء طهور» وهذا بين لمن تأمله؛ بل هو ظاهر الحديث.
وبيان ذلك: أنه قد سمى التراب طهورا في نجاسة الحدث والخبث، فقال: «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» وقال في النعلين: «فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور» ومع هذا فإن التراب وغيره من أجزاء الأرض في النجاسة سواء لا فرق بين التراب وغيره، إذا ظهرت فيه النجاسة كان نجسا، وإذا زالت بالشمس ونحوها؛ فإما أن يقال: تزول مطلقا، أو لا تزول مطلقا، لم يفرق بين التراب والرمل وغيرهما من أجزاء الأرض كما فرق بينهما من فرق في طهارة الحدث؛ احتج من يقول بزوالها بحديث البخاري: «وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكونوا يرشون من ذلك شيئا» ، والمسجد كان فيه التراب وغيره.
فإذا كان قوله: «فإن التراب لهما طهور» صريحا في التعليل ولم يخص التراب بذلك، فقوله في الماء: «إنه طهور لا ينجسه شيء» أولى أن يخص بذلك.
لكن هل يقال: إن غير الماء يشاركه في وإزالة النجاسة كما يشارك التراب ما ليس بتراب؟ هذا فيه نزاع مشهور.
وللعلماء في إزالة النجاسة بغير الماء ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز مطلقا، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد.
وقيل: لا يجوز مطلقا، كقول الشافعي، والظاهر عن أحمد.
وقيل: يجوز عند الحاجة، وهو قول ثالث في مذهب أحمد، كما
(2/212)

قيل ذلك على أحد الوجوه في طهارة فم الهر باللعاب، وكذلك أفواه الصبيان ونحوهم من القيء.
فإن قيل: إن طهارة الماء من النجاسة يشاركه فيها غيره صار كالتراب. وإن قيل: لا يشاركه كان قوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» تعليلا لاستبقائه كما سبق.
وبالجملة: فلم أعلم إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم تتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله. فتحريم الحلال كتحليل الحرام. فمن كان عنده علم يرجع إليه أو يعتمد عليه فليتبع العلم، وإن لم يكن عنده إلا مجرد التقليد فالنزاع فيه مشهور، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [116/16] (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا أفسد أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن....]
فأما إذا أفسد أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن دليلا على صحة علته إذا كان من الفقهاء من يعلل بغير علتيهما كمسألة الربا؛ إلا أن ذلك يكون طريقا في إبطال مذهب خصمه، وإلزامه تصحيح علته (2) .
[تخصيص العلة المستنبطة وتخصيص المانع والمنصوصة]
مسألة: لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة، وتخصيصها نقض لها، نص عليه. واختلف فيه أصحابنا على وجهين، ذكرهما أبو إسحاق ابن شاقلا في شرح الخرقي، وذكرهما الخرزي وأبو حفص البرمكي، أحدهما: كالمنصوص اختاره القاضي وأبو الحسن بن الخرزي (3) وبه قال المالكية وأكثر الشافعية وجماعة من المتكلمين وبعض الحنفية وذكر
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية ص 22-24 فيه زيادة حكم وإيضاح ف 2/21، 22.
(2) المسودة ص 409 ف 2/22.
(3) نسخة: وأبو الحسين الجزري.
(2/213)

القاضي كلام أحمد الدال على منع تخصيص العلة من قوله: القياس أن قياس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله - إلى آخره.
قال شيخنا: وفيه نظر، فإنه ذكر هذا أنه إحدى الروايتين في مسألة قيسا الشبه، مع أن التخصيص لا يمنع أن يكون الفرع مثل الأصل في كل أحواله إذا جبر النقص بالفرق.
ثم ذكر أن أبا إسحاق حكى فيها وجهين، قال: وقول أحمد: «القياس يقتضي ألا يجوز شراء أرض السواد لأنه لا يجوز بيعها» ليس بموجب لتخصيص العلة؛ لأن تخصيص العلة لا يمنع جريانها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر....
[قال شيخنا] : تلخيص قول أبي الخطاب في تخصيص العلة: أنه لا يجوز تخصيصها إلا بدليل شرعي يدل على موضع التخصيص، وسواء كان المخصص نصا أو غير نص. وهذا يقتضي جواز تخصيصها وإن لم يبن في صورة التخصيص مانع يقتضي استثناء تلك الصورة من مواضع العلة، فهو يخصها بعموم الأدلة لا بخصوص العلل. وقال: إن مدعي العلة يحتاج إلى تبيين ما يدل عليها في الأصل ويبين أن الموضع الذي يخص دلت عليه دلالة صحيحة منعت من تعليقه على العلة. فأما إذا لم يبين ذلك ووجدت علته مع عدم حكمها فهي منتقضة فاسدة. وكلامه في المسألة يقتضي أنها تخص، لا أن العلة مانعة؛ لكن يكفي في صحتها وجود الحكم معها في الأغلب، كما يكفي في صحة الدليل وجود مدلوله في الأغلب وجعل عمدة قوله أن العلة أمارة والأمارة لا يجب وجود حكمها معها على كل حال، وإن كان ترك الدليل والعلة لا يجوز إلا لموجب.
وهذا القول عندي خطأ، وهو قول من أبى تخصيص العلة، فأما
(2/214)

جواز تخصيص المانع فلا ينبغي أن يشك فيه، والخلاف فيه لفظي اصطلاحي، واختار أبو محمد أنه يجوز تخصيص المنصوصة بالدليل مطلقا كاللفظ. وأما المستنبطة فلا يجوز تخصيصها إلا لفوات شرط أو وجود مانع أو ما علم أنه مستثنى تعبدا، وهل على المستدل أن يحترز في الاصطلاح؟ أختار استحسان ذلك في الشرط دون المانع؛ لأن الشرط أمر وجودي. فيصير في هذا ثلاثة أقوال. واختيار أبي محمد البغدادي اشتراط الاطراد إلا في المنصوصة أو فيما استثني عن القواعد كالمصراة والعاقلة.
[قال شيخنا] : الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها، إلا أن يكون لعلة مانعة، فإنه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصا وإنما عدم المانع شرط في حكمها، فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرق مؤثر: فإن كانت العلة مستنبطة بطلت وكان قيام الدليل على انتفاء الحكم عنها دليلا على فسادها وإن كانت العلة منصوصة وجب العمل بمقتضى عمومها إلا في كل موضع يعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر.
وحاصله: أن التخصيص بغير علة مانع مبطل لكونها علة. وإذا تعارض نص الأصل المعلل ونص النقض وهو معلل فلا كلام. وإن لم يكن معللا بقي التردد في الفرع: هل هو في معنى الأصل أو هو في معنى النقض؟ وقد علم تبعه للأصل دون النقض.
وتلخيصه: أن العلة لا تخص إلا لعلة (1) كما أن الدليل لا يخص إلا بدليل، فإن كانت مستنبطة فلابد من بيان العلة المخصصة، وإن كانت العلة منصوصة كفى بيان دليل مخصص، فهذا لمن تأمل حقيقة الأمر.
__________
(1) نسخة: إلا بعلة.
(2/215)

وأخصر منه: أن العلة المستنبطة لا يجوز تخصيصها إلا لعلة مانعة، وأما المنصوصة فيجوز تخصيصها لعلة مانعة أو دليل مخصص، وهذا في الحقيقة قول المتقدمين الذي منعوا تخصيص العلة.
وقال القاضي في كتاب القولين: هل يجوز تخصيص العلة الشرعية؟ وهو أن توجد العلة ولا حكم قال شيخنا أبو عبد الله: لا يجوز ومتى دخلها التخصيص لم تكن علة، وقد أومأ إليه أحمد في رواية الحسين بن حسان، فقال: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ.
قال: ومن أصحابنا من قال: يجوز تخصيصها فيكون دلالة على الحكم في عين دون عين، قال: وهو المذهب الصحيح (1) ، ومسائل أصحابنا تدل عليه، قال في رواية بكر بن محمد في المذي: يغسل ... ذكره، كما جاء في الأثر، ولو كان القياس لكان يغسل موضع المذي وإنما هو الاتباع. قال: فقد بين أن القياس كان يقتضي غسل نفس الموضع ولكن ترك القياس في ذلك لدليل أولى منه، وهو حديث علي وإذا كان من مذهبه جواز ترك القياس لدليل أقوى منه جاز تخصيصه في موضع لدليل، وذكر نصه في رواية أبي طالب والمروذي: في أموال الكفار، وفي أرض السواد، لثقته في قول الصحابي. قال: ومن أصحابنا من منع تخصيص العلة، فقوله يفضي إلى ترك قول أحمد في المسائل التي ترك القياس فيها (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[متى تنتقض العلة]
القائلون بتخصيص العلة بالنقض عندهم، إذا كان التخصيص
__________
(1) نسخة: وهذا المذهب صحيح.
(2) المسودة ص 412-415 ف 2/22.
(2/216)

بدليل. فأما المانعون من تخصيصها فالنقض مفسد للعلة عندهم. ثم تارة يكون التعليل لجنس الحكم فيكون كالحد. وتارة لعين الحكم: فإن كانت لإلحاق الحكم انتقضت بأعيان المسائل. وإن كانت التعليل لإثبات حكم مجمل لم ينتقض إلا بالنفي المجمل. وإن كان التعليل لنفي مجمل انتقض بإثبات مجمل، أو مفصل. وإن كان التعليل لإثبات مفصل انتقض بالنفي المجمل. وإن كان لنفي لم ينتقض بنفي مجمل (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا كان التعليل لكل نوع أو لمطلق النوع]
إذا كان التعليل لجواز الحكم لم ينتقض بأعيان المسائل، كقولنا في مال الصبي: حر مسلم فجاز أن تجب الزكاة في ماله كالبالغ، فلا ينتقض بغير الزكوي. وإذا كان التعليل للنوع لم ينتقض بعين مسألة، كقولنا في لحم الإبل: نوع عبادة تفسد بالحدث فتفسد بالأكل كالصلاة، فلا ينتقض بالطواف فإنه يفسد بالحدث ولا يفسد بالأكل؛ لأن الطواف بعض النوع.
وعندي في هذا نظر؛ لأن التعليل إن كان لكل نوع انتقض، وإن كان لمطلق النوع لم يلزم دخول الفرع فيه، بل يكفي الأصل وحده؛ إلا أن يقال: إن مقصوده إثبات الحكم في نوع آخر (2) .
[جواز تعليل الحكم بعلتين]
[شيخنا] : مسألة في جواز تعليل الحكم بعلل، ذكر ابن عقيل في مسألة تعليل الحكم بعلتين لما أورد عليه أنه لا يجتمع مؤثران على أثر واحد كقادرين وفاعلين فقال: وأما ما ذكرت من استقلالها بالحكم وأن ذلك يحيل مساعدة علة أخرى مستقلة بالحكم كالمقدور بين قادرين فما تنكر أن تكون عند انفرادها تستقل. ثم إذا انضم إليها غيرها صارتا
__________
(1) المسودة ص 415، 416 ف 2/22.
(2) المسودة ص 216 ف 2/22.
(2/217)

جميعًا في جلب الحكم كوصفين لعلة واحدة في التساعد، وهذا صحيح، فإنها مجعولة تكون علة في زمان دون زمان، وإذا كانت مجعولة لم يستبعد أن يقول: حرمت الاستمتاع بهذه المرأة الحائض لأجل الحيض والإحرام. والمقدور بين قادرين ليس هو بالجعل والوضع، بل من أحاله جعله ممتنعا لمعنى يعود إلى نفسه وذاته (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تعليل الحكم العدمي أو الثبوتي بالعدم]
أما تعليل الحكم العدمي بالعدم فذكر بعضهم أنه لا خلاف فيه، وكذلك ينبغي أن يكون، فإن الحكم ينتفي لانتفاء مقتضيه أكثر مما ينتفي لوجود منافيه. وأما تعليل الحكم الثبوتي به فالعلل ثلاثة أقسام:
أحدها: المعرف وهو: ما يعتبر فيه أن يكون دليلا على الحكم فقط فهذا لا ريب أنه يكون عدما؛ فإن العدم يدل على الوجود كثيرا وعلى هذا فيجوز في قياس الدلالة والشبه أن يكون العدم علة.
والثاني: الموجد فهذا لا يقول أحد إن العدم يوجد وجودا لكن قد اختلف: هل يكون شرطا للعلة أو جزءا منها؟ وهو مبني على العلة الكاملة والمقتضية.
وحيث أضيف الأثر (2) إلى عدم أمر فلا يستلزمه وجود شيء؛ فإن الشيء إذا احتاج إلى أمر ولم يحصل فعدم حصول المحتاج إليه سبب لضرر المحتاج فيه.
والثالث: الداعي، فهذا محل الاختلاف، وهي العلل الشرعية ونحوها. والصواب أن العدم المخصوص يجوز أن يكون داعيا إلى أمر وجودي، كما أن عدم فعل الواجبات داع إلى العقوبة؛ فإن عدم الإيمان
__________
(1) المسودة ص 416 ف 2/22.
(2) نسخة الأمر.
(2/218)

سبب لعذاب عظيم. أما العدم المطلق فلا. ولا يقال مثل هذا في الوجود، فإن الوجود المطلق قد يكون داعيا وحينئذ فقد صح قول أصحابنا: إن العلة يصح في الجملة أن تكون وصفا عدميًّا؛ لأن هذا يصح في بعض المواضع. والمخالف إن لم يدع السلب العام فلا نزاع بيننا وإن ادعاه انتقض قوله ولو بصورة والمسألة متعلقة بشعب كثيرة وتحقيقها حسن.
وقال ابن عقيل: وكل علة حادثة فهي تغير المعلول عما كان عليه، ولذلك قيل للدلالة التي في الفقه علة؛ لأنها تغير معنى الحكم عما كان عليه؛ لأنها أظهرته بعد أن لم يكن ظاهرا، ولذلك لم يجز أن يكون المعدوم الذي لم يوجد علة؛ لأنه لم يكن شيئا قبل وجوده فيطلق عليه التغيير بوجوده؛ بل وجوده هو هو على مذهب أهل السنة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[عدم التأثير في قياس الدلالة]
عدم التأثير في قياس الدلالة يجب أن لا يؤثر؛ لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. ذكره أبو الخطاب في مسألة «عدالة الشهود» من الانتصار و «مسألة النكاح» بلفظ الهبة، وهو معنى قول طائفة من العلماء في الجواب عن عدم التأثير: إن هذا لتقريب الفرع من الأصل وتقوية شبهه به، فإن الوصف تارة يكون لتصحيح العلة. وتارة لتقريب الشبه، إلا أن هذا قد يكون في قياس العلة: بأن يكون للحكم علتان، فهنا مسألتان، والقاضي يعتبره كثيرا في مسائل التعليق: منها
في مسألة إزالة النجاسة، لما قالت الحنفية: مائع طاهر مزيل للعين فجاز إزالة النجاسة به كالماء. فقال: قولكم: «مائع» لا تأثير له؛ لأن المائع والجامد سواء عندكم. وفي هذا أيضا اعتبار عدم التأثير على أصل
__________
(1) المسودة ص 418، 419 ف 2/22.
(2/219)

المخالف. وقالوا أيضا في «مسألة النية» : طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كالإزالة. فقال قوله: «بالماء» لا تأثير له في الأصل؛ إذ لا فرق بين أن تكون بالماء أو بالمائع أو الجامد. وقالوا في «مسألة التسمية» : سبب يتوصل به إلى الصلاة فأشبه ستر العورة فقال: لا تأثير لهذا عنده فإنا لا نتوصل إلى الصلاة بما لا ذكر فيه كالصوم والحج والزكاة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[عدم التأثير في الحكم]
عدم التأثير في الحكم مثل قولنا في مسألة تخليل الخمر: مائع لا يطهر بالكثرة فلا يطهر بالصنعة كالدهن واللبن. فيقول المخالف: قولك: «لا يطهر بالصنعة» لا أثر له في الأصل، فإنه لا يطهر بالصنعة ولا بغيرها.
قال القاضي: التأثير يعتبر في العلة دون الحكم. وقولنا: فلم يطهر بالصنعة حكم العلة (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[سؤال عدم التأثير]
سؤال عدم التأثير إذا كان في قياس العلة فهو مبني على تعليل الحكم بعلتين. فإن بين القائس أنه قد خلف العلة علة أخرى فالقياس صحيح بلا تردد. وإن كان الوصف الثاني عند عدمها موجودا في صورتي وجودها وعدمها أو مفارقا لها. فمن يجوز تعليل الحكم بعلتين مستنبطتين -وقد ذكروا في ذلك خلافا إذا كان للحكم علة عامة- فهل يعلل بعضه بعلة خاصة؟ ينبغي ألا يرى هذا مفسدا للعلة. وأصحابنا يقبلونه ويحوزون هذا وذاك، الله أعلم. لأن غالب الأقيسة المستعملة في خلافهم لا يلتزمون فيها تصحيح العلة، فلذلك يقبل عدم التأثير. ولا
__________
(1) المسودة ص 420 ف 2/20.
(2) المسودة ص 420، 421 ف 2/22.
(2/220)

ريب أنه إذا لم يقم دليل على صحة العلة فعدم التأثير دليل على فسادها، بخلاف ما لو انعكست وقد اطردت فإن ذلك دليل صحتها، فيكون هذا السؤال قادحا في علة لم تثبت إلا بالدوران، وأبو محمد البغدادي لا يقبل سؤال عدم التأثير بناء على تعليل الحكم بعلتين (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ينبغي ألا يرد على القياس النافي]
عدم التأثير ينبغي ألا يرد على القياس النافي، لأن انتفاء الحكم قد يكون لانتفاء علته أو جزئها، أو لوجود مانع أو لفوات شرط فأسباب الانتفاء متعددة؛ بخلاف سبب الثبوت.
وفي الحقيقة فأقيسة النفي ترجع إلى قياس الدلالة ولا تأثير له على الصحيح فيه. والقاضي كثيرا ما يفسد الجمع والفرق بعدم التأثير في النفي، وهو ضعيف مثل أن يقال في مسألة لبن الآدميات: الفرق بين الحية والميتة أن لبن الميتة نجس فيقول: لا تأثير لهذا، فإن لبن الرجل والصيد طاهر ولا يجوز بيعه، أو يقال: إنما لم يجز بيع الدمع والعرق لأنه لا منفعة فيه، فيقول: الوقف وأم الولد فيه منفعة ولا يجوز بيعه. فهذا كلام ضعيف فإن عدم الجواز له أسباب، وعدم التأثير إنما يصح إذا لم تخلف العلة علة أخرى (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأقوال في تأثير العلة]
العلة إذا كانت مؤثرة في محلها ولا تأثير لها في بقية المواضع، فقد قيل: إنها عديمة التأثير، فلا بد أن تكون مؤثرة مطلقا. وقيل -وهو قول عبد الوهاب وغيره- إنه يكفي تأثيرها في محلها كقولهم في الكلب: حيوان فكان طاهرا كالشاة، تأثيره في الحيوان إذا مات ولا تأثير
__________
(1) المسودة ص 421 ف 2/22.
(2) المسودة ص 421، 422 ف 2/22.
(2/221)

له في الجماد فإن الحياة تؤثر في محل دون محل. وقد قيل: إنه يكفي أن تؤثر في بعض المواضع فهذه ثلاثة أقوال (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[التأثير من جهة التنبيه]
التأثير من جهة التنبيه معتبر كالتأثير من جهة المخالفة مثل قول بعضهم: شهادة على الولادة فوجب ألا تثبت بشهادة امرأة واحدة كالمطلقة البائن ادعت الولادة، وعند القائس لا فرق بين الولادة وغيرها فيكتفي بإثبات العدد في غير الولادة أوكد منه في الولادة، فإذا ثبت اعتبار العدد في الولادة ففي غيرها أولى، لأن العرب تارة تثبته باللفظ العام، وتارة باللفظ الخاص (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في تعليق الحكم على مظنة الحكمة دون حقيقتها
[تعليق الحكم على مظنة ... أو إقامة السبب مقام العلة وهو أقسام]
ويسميه بعضهم: إقامة السبب مقام العلة، وهذا منتشر في كلام الفقهاء غير منضبط؛ فإنهم يذكرون هذا في مسألة الإيلاج بلا إنزال، ومسألة النوم، ومسألة السفر، ومسِألة البلوغ. ومنهم من يذكره في مسألة مس النساء. وهو أقسام:
الأول: أن تكون الحكمة التي هي العلة خفية. فهنا لا سبيل إلى تعليق الحكم بها، فإنما يعلق بسببها وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون دليلا عليها كالعدالة مع الصدق والأبوة في التملك، والولاية، ودرء القود، فهنا يعمل بدليل العلة ما لم يعارضه أقوى منه.
__________
(1) المسودة ص 422 ف 2/22.
(2) المسودة ص 422، 423 ف 2/22.
(2/222)

الثاني: أن يكون حصولها معه ممكنا، كالحدث مع النوم والكذب أو الخطأ مع تهمة القرابة أو العداوة أو الصداقة، وإقرار المريض.
القسم الثاني: أن تكون ظاهرة في الجملة لكن الحكم لا يتعلق بنوعها وإنما يتعلق بمقدار مخصوص منه، وهو غير منضبط فقدرها غير ظاهر، ويمثلون في هذا بالمشقة مع السفر، والعقل مع البلوغ فإن العقل الذي يحصل به التكليف غير منضبط لنا، وكذلك المشقة التي يحصل معها الضرر.
القسم الثالث: أن تكون ظاهرة منضبطة لكن قد تخفى مثل الإيلاج مع الإنزال واللمس مع اللذة وهذا فيه نظر وقد اختلف فيه قبولا وردا، ذكره طائفة من أصحابنا وغيرهم ورده أبو زيد واعتبرته المالكية في مس الذكر ومس النساء، ولفظه السبب يقام مقام العلة إذا كان الغالب منه ذلك وكان التعلق بالعلة يؤدي إلى حرج فأما إمساك الخمر إلى ثلاث وتحريم الخليطين والانتباذ في الأوعية فقد يقال: هو من هذا القسم وقد يقال هو من القسم الأول لخفاء مبادئ الإسكار (1) .
[قياس العكس]
مسألة: قال القاضي: الاستدلال من طريق العكس صحيح، كاستدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل بدمه لأنه لو كان نجسا ما أكل بدمه كسائر الحيوانات النجسة دماؤها، وكقولنا في قراء السورة في الأخريين: لو كانت سنة فيهما لسن الجهر بالقراءة فيهما؛ ألا ترى أن الأوليين لما سن ذلك فيهما سن الجهر بقراءتهما ونحو ذلك وحكي عن الشافعية أن ذلك لا يصح، وكذلك ذكر أبو الخطاب في أول كتاب.
__________
(1) المسودة ص 423، 424 ف 2/20.
(2/223)

القياس أن ذلك لا يسمى قياسا، وقد سماه بعض الحنفية قياسا مجازا، المشهور عنهم وعن الحنفية جوازه ويسمى قياس العكس.
قال شيخنا: والاستدلال به قول المالكية فيما ذكره عبد الوهاب وحكي عن قوم من أهل العلم منعه، ومنعه قول ابن الباقلاني. وكل موضع يقاس فيه قياس العكس فإنه يمكن أن يصاغ القياس صوغ قياس الطرد؛ لكن لا يصرح بالحكم؛ بل يذكر ما يدل عليه، وهو التسوية بين المحلين: محل الحكم المطلوب إثباته، ومحل آخر كسائر الأصول، مثل أن يقال في مسألة النية: طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية كطهارة الخبث (1) ، لكن التسوية في الأصل هي في عدم النية وفي الفرع في ثبوتها وقد ذكر أبو الخطاب هذا وذكر أن بعضهم يقول: هذا قياس فاسد، لأن حكم الأصل ضد حكم الفرع، والمستدل يقول: قصدت التسوية بين الجامد والمائع إلى آخره (2) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[إذا كان في العلة زيادة وصف لا تنتقض بإسقاطه]
فإن كان في العلة زيادة وصف لا تنتقض العلة بإسقاطه فلا تأثير له مثل أن يقال في الجمعة: صلاة مفروضة فلم تفتقر إلى إذن الإمام كسائر الصلوات؛ فإن كونها مفروضة لا أثر له. فمن الناس من قال: لا يحتاج إلى هذا الوصف، ودخوله يضر، ومن الناس من قال: هذه الزيادة لا تضر؛ فإن فيها تنبيها على أن غير الفرض أولى ألا يحتاج، ولأنه يزيد تقريب الوصف من الأصل، فالأولى ذكره وذكره بعد هذا زيادة وصف للتوكيد، وكلام أبي الخطاب يقتضي منعه (3) .
__________
(1) نسخة: كطهارة الجنب.
(2) المسودة ص 425، 426 ف 2/21.
(3) المسودة ص 428 ف 2/20.
(2/224)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[سؤال الكسر هل هو صحيح]
اختلفوا في الكسر: هل هو سؤال صحيح؟ وهو نقض لمعنى العلة فيه قولان، اختار أبو الخطاب أنه ليس بسؤال صحيح، قال: وقد ذكر شيخنا فساد الكسر، ولم يسمه كسرا فقال: في الأسئلة الفاسدة اعتراض خاص، وهو أن يبدل لفظ العلة بغيره ثم يفسد، نحو قولنا في الصائم إذا أكره على الأكل والشرب: إن ما لا يفسد الصوم بسهوه لا يفسده إذا كان مغلوبا عليه كالقيء فيقول المعترض: ليس في كونه مغلوبا أكثر من كونه معذورا، والمعذور يفطر كالمريض، قال: وهذا فاسد لأن العذر غير الغلبة، لأن العذر بالمرض لا يسلب الاختيار بدليل من استقاء لمرض والغلبة تسلب الاختيار كمن غلبه القيء، ولأنه نقل لفظ العلة إلى لفظ آخر ثم أفسده وهذا ليس بفساد للعلة، قال أبو الخطاب: وهذا هو نفس الكسر. وذكر القاضي في ضمن جواب التسوية أن سؤال الكسر صحيح، وأن جوابه بالتسوية يصح وفاقا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[من قال إنه صحيح لزمه ... ]
من قال: «الكسر سؤال صحيح» فإنه يلزمه أن يجيب عنه بفرق تضمنته علته نطقا أو معنى، قاله أبو الخطاب وغيره. وقال بعضهم يكفيه الفرق سواء تضمنته علته أو لم تضمنه، وهذا أقوى فيما يظهر لي، وذكر فصولا تشبه الكسر (2) .
مسألة: قال القاضي وأبو الطيب: لا يجوز لأحد أن يلزم خصمه ما لا يقول به، إلا النقض. فأما غيره كدليل الخطاب أو القياس أو المرسل ونحو ذلك فلا، ولم يذكر خلافا وكذلك قال أبو الخطاب:
ليس للمعترض أن يلزم المعلل ما لا يقول به إلا النقض والكسر على
__________
(1) المسودة ص 429 ف 2/22.
(2) المسودة ص 429 ف 2/22.
(2/225)

قوله من التزمهما، فأما بقية الأدلة مثل المرسل ودليل الخطاب [والقياس] وقول الصحابي فلا يجوز أن يلزمه ذلك وهو يعتقد فساده.
[الاستدلال على فساد قول المنازع لا يستلزم صحة قول المستدل]
قال شيخنا: وتحقيق الأمر: إذا نقض المعترض على المستدل بمذهب المستدل وحده فقد اتفقا على انتقاض العلة أو الدليل، هذا ينقضها بمحل النزاع، وهذا بصورة النقض؛ لكن اتفاقهما على انتقاضها اتفاق على فسادها فهو بمنزلة اتفاقهما على حكم الأصل، وهذا دليل جدلي لا علمي؛ لأن موافقة أحدهما للآخر على صحة المقدمة أو فسادها لا يوجب له أن يكون عالما بها، فعلى كل منهما في نفس الأمر أن يكون له مستند في صحة المقدمة أو فسادها وإلا فالعلة إذا قام دليل صحتها من نص أو إجماع أو إيماء أو تأثير ونحو ذلك فهو دليل شرعي يجب على كل منهما طردها فهي حجة على هذا في صورة الاستدلال وعلى هذا في صورة النقض، فترك أحدهما لإثباته ليس مبيحًا للآخر الترك إذا قام موجبه كما أن موافقة أحدهما للآخر على ما لا يعلم صحته ليس مبيحا له العمل إلا إذا موجبه وكذلك أيضا لو نقض العلة بصورة مسلمة منهم، لكن هذا دفع جدلي بمنزلة حجة جدلية يقول له: أنت لا يصلح لك أن تأمرني باستشهاد من نعتقد كذبه أنا وأنت.
وأما أنا فيما بيني وبين الله فذاك شيء آخر حكمي فيه كحكمك نعم لو أمرتني ونفسك باتباع موجب هذا لاستقام كما أن أحد الخصمين لا يصلح له أن يكون حاكمًا ولا شاهدًا على خصمه وإن كان على الخصم في الباطن أن يتبع الحق. فما دام الخصم معتقدا صحة الانتقاض لا يصلح له أن يأمر باتباع قول منتقض فإذا توقف عن هذا الاعتقاد أو قال: «أريد أن نتناظر حتى نعلم صحة الانتقاض أو فساده» توجه منه ذلك، فيقبل منه هذا السؤال في مناظرة المشاورة لا في مناظرة المجادلة سواء كان المقصود المشاورة في صحة الدليل أو في صحة الحكم، وفرق بين المشاورة والمعاونة التي مقصودها استخراج ما
(2/226)

لم يعلم وبين المجادلة التي مقصودها الدعاء إلى ما قد علم. والأول يدعو إلى حق مطلق، والثاني يدعو إلى حق معين.
وعلى هذا فإذا عارضه المعترض بما هو دليل عند المستدل وحده فهو في المعنى مثل النقض بمذهب المستدل، فإن النقض معارضة في الدليل، كما أن المعارضة المطلقة معارضة في الحكم، وكأنه يقول: هذا الدليل الذي ذكرته موقوف باتفاق مني ومنك. أما عندك فلأنه معارض بهذا الدليل، وأما عندي فلتخلف مدلوله في صورة النزاع، ويقول له: هذا ليس بدليل سالم عندك، فأنت لا تعتقد صحته، فكيف تلزمني بمدلوله؟ والذي يقوله المستدل في دفع هذه المعارضة يقوله المعترض في دفع الاستدلال، ألا ترى أن المعترض لو عارض بدليل عنده أو نقض بصورة يعقدها فهما سواء؟ وفي ذلك قولان يختار أصحابنا منعه. وأما المستدل إذا استدل بما هو دليل عند مناظره فقط فهو في الحقيقة سائل معارض لمناظره بمذهبه، وهو سؤال وارد على مذهبه وهو استدلال على فساد أحد الأمرين إما دليله أو مذهبه، فينبغي أن يعرف وجوه الأدلة والأسئلة، وهذا في الحقيقة استدلال على فساد قول المنازع بما لا يستلزم صحة قول المستدل، بمنزلة إظهار تناقضه، وهو أحد مقاصد الجدل.
قال -يعني القاضي-: لأن إلزامه يكون محتجا بما لا يقول به. ومن وجه آخر حررته أن بهذا النقض يتحقق اتفاقهما على العلة، أما على أصل المعلل فبصورة الإلزام أما على أصل خصمه فبمحل النزاع، وأما في غير ذلك فقد اتفقا على اطراح الأصل الملزم، أما أحدهما فلا يراه دليلا بحال، وأما الآخر فلأنه لما خالفه دل على أنه قد ترك لدليل عنده أقوى منه، وإذا حصل الاتفاق على تركه ههنا بطل إلزامه وكذلك ذكر القاضي وأبو الخطاب أن للمستدل أن ينقض علة السائل لأنه تبين له أنها فاسدة عنده، فلا يجوز أن يحتج بما هو فاسد عنده.
(2/227)

قال شيخنا: قلت: وهذا التعليل يدخل فيه عدم التأثير على أصل المعلل أيضا.
ولفظ القاضي وأبي الخطاب: إن استدل بعلة فعارضه السائل بعلة فنقضها المستدل بأصل نفسه لم يجز ذلك خلافا للجرجاني وبعض الشافعية وكذلك بحث المسألة على أن السائل عارض المستدل بعلة منتقضة على أصل المستدل، وكذلك كانت في خط الجد، وهذا قريب كذلك قال إلكيا الهراسي: لو نقض كلام السائل في معارضته بمسألة فمنعها السائل، وأراد المسئول أن يدل على النقض، أجمع الجمهور أنه لا يجوز من حيث أنه منتقل بخلاف ما إذا منع حكم الأصل الذي قاس عليه فإنه يقبل منه الدلالة عليه. وحاصله: الفرق بين الأصل الممنوع والنقض الممنوع، فأما أنا لسائل ينقض علة المستدل بأصل نفسه فهذا لا يقوله محصل، فإن هذا يمنع الاستدلال، ألا ترى أنهم جوزوا للمستدل أن يستدل بما هو دليل عنده إذا تبين صحته وأن السائل ليس له أن يعارضه بما هو دليل عنده لا عند المستدل؟
وقد ذكر الجد هذه المسِألة، فإن النقض من المعترض بأصل نفسه بمنزلة القياس على أصل نفسه. وحاصله: أن مقدمة الدليل المعارض ممنوعة وهذا ليس ببعيد، كما يجوز ذلك للمستدل؛ فإنه بتقدير صحة مذهب المعترض لا يكون دليل المستدل سالما عن المعارضة، وهو يشبه أن يستدل المستدل بقياس أو مرسل من غير أن يدل عليه، وذلك يفيد إظهار المدارك لا تقرير المسائل، وذلك يفيد جودة بيانه وسلامة أصوله، لا انقطاع خصمه، وذلك يفيد أن ليس واحد منهما مغلوبا وليس هذا مثل وقف المعترض دليل المستدل (1) .
__________
(1) المسودة ص 432-335 ف 2/22.
(2/228)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[لابد أن يتم دليل المستدل أولا]
لا يجوز للسائل أن يعارض المستدل بما ليس دليلا عند السائل، مثل علة منتقضة على أصل السائل؛ بخلاف نقض علة المعلل بما لا يراه المعترض فإنه يجوز. وقال بعض الشافعية: تجوز معارضته بما لا يعتقده السائل، كما تجوز مناقضته بما لا يعتقده. وفرض أبو الخطاب الكلام في معارضة السائل للمستدل بعلة منتقضة على أصل السائل وقياس على معارضته لسائر الأدلة التي لا يقول بها كدليل الخطاب والقياس.
قال شيخنا: قلت: إن كان المعارض قصده إثبات مذهبه لم يجز ذلك وإن كان قصده إبطال دليل المستدل جاز ذلك؛ لأن المستدل إنما يتم دليله إذا سلم عن المعارضة كما لا يتم حتى يسلم من المناقضة فإذا كان المستدل لم يتم الدليل له كيف يلزم به غيره (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا قال: لا أعرف الرواية فيها كفى]
إذا نقض على المستدل بمسألة فقال: لا أعرف الرواية فيها كفى ذلك في دفع النقض، ذكره أبو الخطاب وغيره، قال أبو الخطاب: فإن قال المستدل: أنا أحمل هذه المسألة على مقتضى القياس، وأقول فها كالقول في مسألة الخلاف، فإن كان صاحب المذهب يرى تخصيص العلة لم يجز ذلك لأنه لا يجب الطرد عنده، وإن كان ممن لا يرى التخصيص احتمل أن يجوز ذلك لأنه طرد علته، واحتمل ألا يجوز؛ لأنه يجوز أن يكون صاحب الفرد يعتبر علته فلا يثبت له مذهب بالشك قال: وهذا هو الأظهر عندي (2) .
__________
(1) المسودة ص 435 ف 2/22.
(2) المسودة ص 435، 436 ف 2/22.
(2/229)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا لم يسلم النقض]
إذا لم يسلم النقض فقال الناقض إنما أدل على صحته لم يجز ذلك إلا أن يبين مذهب المانع، ذكره القاضيان (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[القلب]
القلب نوع من المعارضة، قاله أبو الخطاب وغيره. وقال بعض الشافعية: هو إفساد وليس بمعارضة، فيفيد ذلك أنه لا يتكلم عليه بما يتكلم على العلة المبتدأة (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا كانت علة المعترض داخلة في علة المعلل]
وإن عارضه بعلة معلولها داخل في معلول علته لم يصح؛ مثل أن يعارض علة الطعم بعلة القوت، أو يعارض من علل بعموم القتل في منع الإرث بالتهمة في القتل ونحو ذلك، هذا قول طائفة من أصحابنا وأصحاب الشافعي منهم: أبو الخطاب وأبو الطيب، لأن علة المعترض داخلة في علة المعلل (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا لم يمكنه الطعن فيها فعليه أن يبين أن علته متضمنة لها]
وإن كانت العلة المعارض بها متعدية وهي صحيحة عند المستدل أيضا لم يمكنه الطعن فيها، لكن عليه أن يبين أن علته مضمنة لها إن أمكن: بأن يكون جنسهما واحد، أو إحداهما مستلزمة للأخرى، كما إذا قال في الطلاق قبل النكاح: من لا يملك الطلاق المباشر لا ينعقد له صفة الطلاق كالمجنون. فإذا عورض بأنه غير مكلف قال: وهذا غير مالك وهما في الشرع سواء وإن لم تكن صحيحة عنده فلا بد من
__________
(1) المسودة ص 437 ف 2/22.
(2) المسودة ص 441 ف 2/22.
(3) المسودة ص 242 ف 2/22.
(2/230)

إفسادها أو ترجيح علته عليها (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما ليس من شرط المعارضة]
قال أبو الخطاب: ليس من شرط صحة المعارضة أن يعكسها في الفرع ويجوز أن يذكر في الأصل علة وفي الفرع علة أخرى؛ لأن العلة قد تكون شرعية أو حكما هو معكوس على أصله لا على أصل المستدل. والوصف في الفرع قد يكون ثابتا في الأصل على أصله. وقال بعضهم: إن لم يعكسها في الفرع لم يحصل.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الانتقال من السائل هل هو انقطاع؟]
الانتقال من السائل انقطاع عند الجمهور. وكلام القاضي في العدة يقتضي أنه ليس له أن ينتقل عن السؤال قبل تمامه، فإن فعل انقطع وهذا بعيد. وقال الباجي: ليس بانقطاع، بل هو سائغ له قصة إبراهيم. وللأولين عنها جوابان، فإن قال السائل: ظننت أنه لازم فبان خلافه فمكنوني من سؤال آخر، ففيه خلاف قال: والأصح أنه يمكن منه إذا كان انحدارا من الأعلى إلى الأدنى فإن كان ترقيا من الأدنى إلى الأعلى- كما لو أراد الترقي من المعارضة إلى المنع- فقيل: لا يمكن منه؛ لأنه مكذب لنفسه. وقيل: يمكن لأن مقصوده الاسترشاد قال: والمسئول يمكن من الفرض، ولو أراد العدول عن دليل لا يؤيد الأول كان منقطعا وترك الدليل الأول لعجز السائل عن فهمه لا يعد انقطاعا، وعلى ذلك حملت قصة إبراهيم وقيل: يكون انقطاعًا، لأنه التزم نقيضه. وقال ابن عقيل: إذا دخل السائل دخولا يلتزم بعد تحقق الخلاف بينه وبين المسئول فلا يجوز له أن يخرج عن سنن الإلزام إلى أن ينتهي إلى تحقيق أنه لازم فكلما حاول الخصم أن يهرب منه رده إليه.
__________
(1) المسودة ص 442، 443 ف 2/22.
(2/231)

قال: والانتقال عن السؤال هو الخروج عما يوجبه أوله من ملازمة السنن فيه، مثل أن يقول: ما دليل حدوث الأجسام؟ فيقول المجيب: الأعراض فيقول وما حد الأعراض؟ أو يقول: ما مذهبك في الخمر هل هو مال لأهل الذمة؟ فيقول: هو مال لهم، فيقول السائل: وما حد المال؟ فهذا انتقال. قال: فإن أجابه عن ذلك فقد خرج معه أيضا، وهذا كثير ما يتم بين المخلين بآداب الجدل.
قال: وإذا خرج المسئول من دليل إلى دليل آخر قبل إتمام الأول كان انتقالا منه. وإن خرج بعد التمام فليس بانتقال في حكم الجدل. وهذا القول أقرب؛ فإن السائل نوعان: مبطل ومستعلم، فالمبطل هو مقرر للفساد كما أن المستدل مقرر للصحة، وتعديده للأسئلة كتعديد المستدل للأدلة؛ لكن الممانعة المحضة ليس فيها إبطال وإنما الإبطال في المعارضة والمناقضة.
قال: والانتقالات التي ينقطع بها أربعة أقسام: انتقال من مذهب إلى مذهب ومن علة إلى علة ومن إلزام إلى إلزام، ومن تسليم إلى ممانعة.
وذكر ابن عقيل: أن بعضهم رأى أن الانتقال من دليل إلى غيره ليس بانقطاع ولا خروج عن مقتضى الجدال والحجاج، احتجاجا بقصة إبراهيم وأجاب عنه: بأن الخليل لم يكن انتقاله للعجز، لأنه كان قادرا أن يحقق مع نمرود حقيقة الإحياء والإماتة وهو المستدل بالنجوم وغيرها، لكن لما رآه غبيا أو متغابيا انتقل إلى الدليل الأوضح في باب يعجزه عن دعواه المشاركة لباريه فلم يوجد في حقه العجز (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[لا تتكافأ الأدلة القطعية وفي الظنية خلاف]
اتفقوا على أنه لا يجوز تعادل الأدلة القطعية لوجوب وجود
__________
(1) المسودة ص 443-445 ف 2/22.
(2/232)

مدلولاتها وهو محال، وكذلك الأدلة الظنية عندنا، ذكره القاضي وأبو الخطاب، وبه قال الكرخي وأبو سفيان السرخسي وأكثر الشافعية. وقال الرازي والجرجاني والجبائي وابنه: يجوز ذلك وذهب قوم إلى جوازه في القطعيات، ذكره يوسف بن الجوزي. وقد ذكر القاضي فيما اختصره من أصول الدين والفقه رأيته بخطه: لا يجوز تكافؤ الأدلة في أدلة التوحيد وصفات الله وأسمائه والقضاء والقدر. وأما دلائل الفروع مثل الصلاة والصيام والحج الزكاة وغير ذلك فيجوز أن تتكافأ وقال بعد هذا: والمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أمرين متناقضين فحكمه حكم العامي يجب عليه أن يقلد غيره ولا يجوز القول بالتخيير (1) ، (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[انقسام المسائل إلى قطعية واجتهادية، وإلى عقلية وشرعية]
ذكر أبو المعالي أن «المسائل» قسمان: قطعية، ومجتهد فيها. والقطعية عقلية وسمعية.
فالعقلي: ما أدرك بالعقل، سواء كان لا يدرك إلا به كوجود الصانع وتوحيده وكونه متكلما (3) .
قال: أو ما يدرك بالعقل والسمع جميعا: كمسألة الرؤية وخلف الأفعال.
وأما الشرعية: فما عرف من أحكام التكليف ينص كتاب أو سنة متواترة أو بإجماع كوجوب الصلوات وكتقديم خبر الواحد على القياس إذا كان نصًّا.
__________
(1) المسودة ص 448، 449 ف 2/22.
(2) المفهوم لا عموم له تقدم قبل فحوى الخطاب ص 10.
(3) قلت: وقد بين ابن تيمية رحمه الله أدلة وجود الصانع وعدم اقتصارها على العقل كما بين الطريق العقلي الذي سلكه أهل الكلام انظر جـ 1: من الفهارس العامة.
(2/233)

والمجتهدات ما ليس فيه دليل مقطوع به.
قال: وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع، فقيل: الأصل ما فيه دليل قطعي، والفرع بخلافه. فعند هؤلاء الأصل ما عددناه قطعيا، وعبر عنه القاضي بأن كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا فهي من الأصول عقلية كانت أو شرعية.
والفرع: ما لا يحرم الخلاف فيه، أو ما لا يأثم المخطئ فيه.
قال: وقيل الأصل ما لا يجوز التعبد به إلا بأمر واحد، أو ما يعلم من غير تقديم ورود (1) .
[الاجتهاد والتقليد وهل المصيب واحد]
قال القاضي في كتاب الروايتين: الحق عند الله واحد وقد نصب عليه دليلا، وكلف المجتهد طلبه، فإن أصابه فقد أصاب الحق عند الله وفي الحكم وإن أخطأه فقد أخطأ عند الله. وهل أخطأ في الحكم أيضا؟ على روايتين إحداهما: أنه مخطئ في الحكم إلا أن الخطأ موضوع عنه. والثانية: هو مصيب في الحكم.
قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد، عن أبيه عنه، فقال: الحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطئ، وقال بعده كلاما: وإذا اختلف أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في شيء، فأخذ رجل بقول بعضهم وأخذ رجل آخر عن رجل آخر منهم فالحق واحد، وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ.
قال: فظاهر كلامه في أول المسألة أنه مصيب في الحكم؛ لأنه منع من إطلاق الخطأ عليه في الحكم وآخر كلامه يقتضي إطلاق ذلك
__________
(1) المسودة ص 496، 497 ف 2/23.
(2/234)

عليه؛ لأنه قال: عليه أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم لا، فأطلق الخطأ عليه.
ووجه قول من قال: «كل واحد منهما مصيب في الحكم» إقرار الصحابة بعضهم بعضا، وتسويغ استفتاء كل واحد للعامي، ولأنه لو كان الحق في واحد من القولين لنصب عليه دليلا يوجب العلم كما قلنا في مسائل الأصول، فلما لم ينصب ليلا يوجب العلم ثبت أن الحق فيما يعتقده في حقه دون غيره.
[تفريق أحمد]
قال شيخنا: قلت: أحمد فرق لأن الأولين كل منهما استدل بنص والآخرين لا نص مع واحد منهما فعلى هذا من استمسك بنص لا يطلق عليه الخطأ في الحكم كالمصلي إلى القبلة المنسوخة قبل عمله بالناسخ. ومن لا نص معه يقال: هو مخطئ في الحكم بمنزلة الذي ليس هو على شريعة [ولم تبلغه شريعة] فصارت الأقوال ثلاثة، والفرق هو المنصوص.
قال: وقد اختلف أصحابنا فيما جرى بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة: هل كل واحد منهم مصيب في ذلك، أن أحدهم مصيب؟ فحكى شيخنا أبو عبد الله عن أصحابنا في ذلك وجهين؛ أحدهما: أن كلا منهما مصيب في الحكم. والثاني: أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ لا بعينه. والثالث: أن أحدهما مصيب وهو علي، والآخر مخطئ وهو من قاتله.
قال القاضي: ويجب أن يكون القول في ذلك مبنيا على الأصل الذي تقدم، وأن الحق عند الله في ذلك في واحد مهما فإن أصابه فقد أصاب عند الله وفي الحكم، وإن أخطأ عند الله فهل هو مخطئ في الحكم؟ على روايتين؛ إحداهما: أنه مصيب. والثانية: أنه مخطئ.
وقد نص أحمد على الإمساك فيما شجر بينهم، وترك القول فيه
(2/235)

[الإمساك عما شجر بين الصحابة والحكمة فيه، وعدم تعيين المصيب إلا....]
بخطأ أو إصابة. فقال المروذي: جاء يعقوب رسول الخليفة يسأله فيما كان بين علي ومعاوية، فقال: ما أقول فيهم إلا بالحسنى.
وكذلك نقل أحمد بن الحسن الترمذي (1) -وقد سأله: ما يقول فيما كان من أمر طلحة والزبير وعلي وعائشة- فقال: من أنا حتى أقول في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ كان بينهم شيء، الله أعلم به. وكذلك قال في رواية حنبل قال الله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فقد صرح بالوقف.
واستدل القاضي على الوقف ومقتضاه إما تصويبهما أو عدم تعيين المصيب.
قال شيخنا: قلت: أحمد لم يرد الوقف الحكمي، وإنما أراد الإمساك عن النظر في هذا والكلام فيه، كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التفضيل بين الأنبياء؛ وعن تفضيله على يونس، ونحو ذلك من الكلام الذي وإن كان حقا في نفس الأمر فقد يفضي إلى فتنة في القلب. وإذا كان الأموات على الإطلاق لا ينبغي لنا ألا نخير بينهم إلا لحاجة فالصحابة الذين أمرنا بالاستغفار لهم وبمسألة ألا تجعل في قلوبنا غلا لهم أولى. والكلام فيما شجر بينهم يفضي إلى الغل المذموم، ولهذا علل بأنها: {أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} [134/2] .
ونحن وإن علمنا بالنوع أن أحد المختلفين مخطئ فليس علينا أن نعلمه بالشخص، إلا في مسألة تتعلق بنا. فأما اثنان اختلفا في مسألة تختص بأعيانهما فلا حاجة بنا إلى الكلام في عين المخطئ، وهذا
أصل مستمر، ويدل على هذا أن أحمد بنى مسائله في قتال أهل البغي على سيرة علي، ولما أنكر ابن معين على الشافعي ذلك قال له أحمد: ويحك! فماذا عسى أن يقول في هذا المقام إلا هذا؟ يريد أنا لما أردنا
__________
(1) نسخة: نقل الحسن الترمذي.
(2/236)

أن نتكلم في نوع ذلك العمل لأجلنا عينا المصيب والمخطئ. وأما الكلام في عين عملهما لا لأجل عملنا فلا حاجة لنا فيه، فإن أكثر ما فيه نوع علم يقترن به غالبا من غل القلب ما يضر فيكون إثمه أكبر من نفعه كالغيبة مثلا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المسائل تنقسم إلى ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما لا ندري]
إذا ثبت أن المصيب من المختلفين واحد، فهل نقطع بصحة قولنا وخطأ المخالف أم يجوز أن يكون الحق في غير ما قلنا؟ قد نقل عن أبي الطيب الطبري أنه يقطع بخطأ مخالفه، وينقض حكمه، قال أبو الخطاب في التمهيد: وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن الحكم وذكر نصه على نقض حكم من حكم بأن المشتري أسوة الغرماء، والصحيح أن المسائل تنقسم إلى قسمين: إلى ما يقطع فيه بالإصابة، وإلى ما لا ندري أصاب الحق أم أخطأ، بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر.
ولا أظن يخالف في هذا من فهمه وعلى هذا ينبني حكم الحاكم وغيره.
ومن ذلك قول أبي بكر في الكلالة، وقول عمر وغيره، وعليه ينبني حلف الإمام أحمد في مسائل منها العينة، وجبنه عن الحلف في آخر كالشفعة للجار وغير ذلك، وهكذا قال ابن حامد في أصول الفقه في باب كتابة العلم وجمعه وتصنيفه، قال: قال الخلال على المذهب: إنه لا يرى الرد على أهل المدينة، قال ابن حامد: وإنما ذلك على أصل إمامنا في تخطئة أهل الاجتهاد، وهل يسوغ لنا القطع بالخطأ أم لا؟ فأهل المدينة قد قال أحمد: إنهم للآثار يتبعون وأن من اجتهد بالأثر فالحق واحد، والآخذ بالخبر الآخر معذور، فأما أهل الرأي فلا خلاف
__________
(1) المسودة ص 498-501 ف 2/23.
(2/237)

عن أبي عبد الله أن أخذهم بالرأي مع الخبر مقطوع على خطئه، فهو الذي يرد عليه ويبين عن خطئه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
لما تأول المخالف أن قوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ليس عائدا إلى الخطأ في الاجتهاد وإصابة الحكم بدليله، لكن إلى كون المحكوم له يقتطع مال خصمه أو حقه بذلك الحكم لكذب الشهود أو مغالطة الخصم بكونه أخصم وألحن كما جاء في الحديث، وهذا النوع من الخطأ هو الذي يستحق الحاكم فيه أجر اجتهاده وإصابة حكم الشرع حيث قضى بالبينة بظاهر العدالة، وحرم أجر تحصيل الحق لمستحقيه بحكمه، كمن يسقي المضطر ماء لا يعلم أنه مسموم فله أجر قصده لريه واستنقاذه من تلف العطش، ولكن حرم ثواب إحياء نفسه بإسقائه حيث لم يحصل له ذلك بإسقائه» .
[الحكم نوعان: أحدهما مثل الفتيا والثاني الإبداء]
قال ابن عقيل: الجهالة بكذب الشهود وما شاكل ذلك من إقرار الخصم على سبيل التهزي، ونحو ذلك مما لا يضاف إلى الحاكم به الخطأ؛ ولهذا من جهل نجاسة ماء فتوضأ به بناء على حكم الأصل أو أخطأ جهة القبلة مع اجتهاده ولم يعلم لا ينقض ثوابه ولا أجر علمه، لحديث عمر في الميراث (2) .
قال شيخنا: قلت: الحكم نوعان: إنشاء، وإبداء فالإنشاء: كالحكم فيمن نزلوا على حكمه، وكالحكم في الفرائض، وفي لفظ الحرام، وفي موجبات العقود، ونحو ذلك، فهذا مثل الفتيا سواء. الثاني: الإبداء: وهو الحكم بموجب البينة والإقرار والدعوى مع كذبهما
__________
(1) المسودة ص 503، 504 ف 2/23.
(2) نسخة: في الميزاب.
(2/238)

في الباطن، وهذا الذي دل عليه حديث أم سلمة، وهو نوعان؛ أحدهما: أن يعتقد البينة عدولا ولا تكون عدولا، أو يعقد اللفظ إقرارا ولا يكون كذلك فهذا كاعتقاده فيما ليس بدليل على الحكم أنه دليل. الثاني: أن تكون البينة عدلا لكن أخطأت، واللفظ إقرارا لكن أخطأ المقر، وأحدهما أظهر حجته والآخر سكت عنها، كما دل عليه حديث أم سلمة، فهذا كما لو حكم بدليل وكانت دلالته مختلفة فحديث أم سلمة يدل على هذا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد]
قال ابن عقيل: الأمور المنظور فيها والمستدل بها على الأحكام على ضربين: منظور فيها يوصل النظر الصحيح فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه، فهذا دليل على قول الجماعة. والضرب الآخر أمر يوصل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن فيوصف بأنه أمارة من جهة الإصلاح، وقد ذكر في الجزء الأول فيه اصطلاحين، قال: ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يقع عند النظر فيه غالبا الظن أنه طريق للظن أو موصل أو مؤد إليه أنه مما يقع الظن عنده مبتدأ لا أنه طريق كالنظر في الدليل القاطع الذي هو طريق للعلم بمدلوله، وإنما يتجوز بقولنا يوصل ويؤدي وأنه طريق للظن.
قال شيخنا: قلت: هذا موافق لقول من قال من المعتزلة والأشعرية كابن الباقلاني: «إن كل مجتهد مصيب» وإن الظنيات ليست في نفسها على صفات توجب الظن كالعمليات. والصواب عند الجمهور خلافه وهي مسألة: اعتقاد الرجحان، ورجحان الاعتقاد (2) .
__________
(1) المسودة ص 504، 505 ف 2/23.
(2) المسودة ص 505، 506 ف 2/23.
(2/239)

[الاجتهاد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي غيبته]
مسألة: يجوز لمن كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجتهد سواء كان غائبا عنه أو حاضرا معه، وبه قال أكثر الشافعية، ومنع قوم منه لمن بحضرته أو قريبا منه. وحكى الجرجاني عن أصحابه: إن كان بإذنه جاز وإلا فلا هذا قول القاضي وابن عقيل، وهو قول أبي الخطاب، وهو مقتضى قول أحمد؛ لأنه جعل القياس إنما يجوز عند الضرورة كما تقدم في مسألة القياس.
وقال قوم من المتكلمين: لا يجوز ذلك لمن في حضرته حاضرا كان أو غائبا عنه، حكاه ابن عقيل، وهذا هو الذي في مقدمة المجرد، إلا أن يكون غلطا أنه لا يجوز لمن حضر أو غاب. والأول اختيار أبي الطيب. وقال بعض أصحابنا وقوم من المتكلمين: لا يجوز الاجتهاد بحضرته لأنه حكم بغالب الظن مع إمكان العلم، وهذا هو الذي حكاه القاضي في كتاب الروايتين عن ابن حامد، فقال: هل يجوز الاجتهاد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في مجلسه؟ قال شيخنا أبو عبد الله: لا يجوز وعندي أنه يجوز، وعلل قوم شيخه بأنه رجوع إلى غالب الظن مع قدرته على اليقين، وجعلهما أبو الخطاب مسألتين، فقال: مسألة: يجوز لمن غاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد في الحوادث. وقال بعضهم: لا يجوز ثم ذكر في المسألة الثانية أنه في الغيبة به حاجة لأنه لا يمكنه سؤال الرسول وإن أخر الحادثة إلى وقت لقائه بطل الحكم وضاع الناس.
[وإذا ضاق الوقت عن سؤاله في الحادثة]
قال شيخنا: قلت: وبهذا يظهر ما جاء في حديث معاذ من توقفه عن الزكاة، ومن حكمه بالاجتهاد فيفرق بين ما يقرب وما لا يقرب (1) .
مسألة: فإن كان بحضرته أو بموضع يمكنه سؤاله في الحادثة قبل ضيق وقتها جاز له الاجتهاد بشرط أن يأذن له أو يسمع حكمه فيقره
__________
(1) المسودة ص 511، 512 ف 2/23.
(2/240)

عليه، وهو قول الحنفية. وقال الجبائي وابنه وغيرهما: لا يجوز وقال شيخنا (1) وأكثر الشافعية: يجوز بدون الشرط المذكور، ونقل المقدسي كتفصيل أبي الخطاب في مسألة واحدة (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يعتبر مذهبا للإمام أحمد]
قال ابن حمدان: إذا نقل عن الإمام أحمد في مسألة قولان صريحان مختلفان في وقتين وتعذر الجمع بينهما، فإن علم التأريخ فالثاني مذهبه, وقيل: والأول إن جهل رجوعه عنه. وقيل: أو علم، وقلنا مذهبه ما قاله تارة بدليل، وقال من عنده فيهما لا على التخيير ولا التعاقب ولا معا في حق شخص واحد في واقعة واحدة في وقت واحد من مفت واحد، ولا على البدل، ولا مطلقا، بل إذا قلنا: «لا يلزم المجتهد تجديد الاجتهاد بتجدد الحادثة ثانيا، ولا إعلامه المقلد له بتغير اجتهاده قبل عمل المقلد به ليرجع عما أفتاه به، وأنه لا يلزم المقلد تجديد السؤال بتجدد الحادثة ثانيًا، ولا رجوعه إلى اجتهاده الثاني فيها قبل عمله بالأول» فلا ينقض الأول بالثاني وإن كان أرجح منه، ولا يترك الثاني بالأول وإن كان أرجح منه ظنا كمن صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين مختلفين في وقتين ولم يتبين له الخطأ جزما، ولقول عمر في المشركة في جوابه ثانيا: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي، فالمفتي بأحدهما مع دليله لم يخرج عن مذهب الإمام حيث قاله بدليل
لم يقطع بخلافه. ولمن قلده أن يستمر على القول الأول الذي عمل به ولا يتغير عنه بتغير اجتهاد من قلده في الأقيس. ويجوز التخريج منه والتفريع والقياس عليه، ويكون مذهبه إن قلنا: «ما قيس على كلامه مذهب له» وإلا فلا. وإن قلنا: «يلزم المجتهد تجديد اجتهاده فيما أفتى
__________
(1) المسودة ص 512 ف 2/23.
(2) إن كان المراد بشيخنا في هذا هو ابن تيمية.
(2/241)

به لتجدد الحادثة له ثانيا وإعلامه المقلد له بتغير اجتهاده فيما أفتاه به ليرجع عنه، وبعدما عمل به حيث يجب نقضه، وإن المقلد له يلزمه السؤال بتجدد الحادثة له ثانيا ورجوعه إلى قوله الثاني قبل عمله بالأول أو بعده إن وجب نقضه» لم يكن الأول مذهبا له فلا يعمل به المقلد، وإن كان عمل به فلا يستمر عليه إذا لتغير اجتهاد من قلده فيه، ولا يخرج منه حكم إلى غيره، ولا يقاس عليه إذا، وإن بان للمفتي أنه خالف ما يجب العمل به من إجماع أو كتاب أو سنة نقض فتياه، وأعلم المستفتي بذلك ليرجع (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وإن جهل التأريخ فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام أو عوائده أو مقاصده أو أدلته، وقال من عنده: إن لم يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له مع معرفة التاريخ فكون هذا هو الراجح كالمتأخر فيما ذكرنا إذا جهل رجوعه عنه، قال من عنده.. ويحتمل الوقف لاحتمال تقدم الراجح، فإن جعلنا أولهما مذهبا له فهنا أولى لجواز كون الراجح متأخرا، وإن تساويا نقلا ودليلا فالوقف أولى، قال من عنده: ويحتمل التخيير إذا والتساقط. فإذا اتحد حكم القولين دون الفعل كإخراج الحقاق أو بنات اللبون عن مائتي بعير وكل واجب موسع أو مخير خير المجتهد بينهما [وله أن يخير المقلد بينهما] إن لم يكن المجتهد حاكما، وإن منعنا تعادل الأمارات -وهو الظاهر عنده- فلا وقف ولا تخيير ولا تساقط أيضا، وعمل بالراجح رواة
بكثرة أو شهرة أو علم أو ورع أو دليل أو معنى، ويقدم الأعلم. وقيل: الأورع، فإن وافق أحد القولين مذهب غيره فهل هو أولى أم لا؟ قال من عنده: يحتمل وجهين؛ وإن علم تأريخ أحدهما فهو كما لو جهل
__________
(1) المسودة ص 527، 528 ف 2/26.
(2/242)

تأريخهما، ويحتمل الوقف، وقيل: إن أفتى في واقعة بمذهب إمامه ثم وقعت له مرة أخرى وذكر حكمها ودليله أفتى به، إن لم يظهر له خلافه، وإن نسي أو جهل حكمها ودليله وقف حتى يعرفهما أو ضدهما. وقيل: إن أفتى بقول ميت لم يجب تجديد نظره (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وما انفرد به بعض الرواة عن الإمام وقوي دليله فهو مذهبه. وقيل: لا، بل ما رواه جماعة أنه بخلافه أولى (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ويخص كلامه بخاصة في مسألة واحدة. وقيل: لا. وما دل كلامه عليه، فهو مذهبه إن لم يعارضه أقوى منه (3) .

[شيخنا] : ... ... ... فصل
فإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه: «هذا أهون» أو «أشد» أو «أشنع» فقيل: هما عنده سواء، وقيل: لا، قال من عنده: إن اتحد المعنى أو كثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا، وقيل: قوله: «هذا أشنع عند الناس» يقتضي المنع، وقيل: لا، وإن قال: «أخير منه» فهو للجواز، وقيل: للكراهة، قال من عنده: والنظر إلى القرائن أولى في الكل (4) .

[شيخنا] : ... ... ... فصل
وما أجاب عنه (5) بكتاب أو سنة أو إجماع أو قول بعض الصحابة
__________
(1) المسودة ص 528، 529 ف 2/26.
(2) المسودة ص 529 ف 2/26.
(3) المسودة ص 529 ف 2/26.
(4) المسودة ص 530 ف 2/26.
(5) نسخة: فيه.
(2/243)

فهو مذهبه، لأن قول أحدهم عنده حجة على الأصح، وما رواه من سنة أو أثر وصححه أو حسنه أو رضي بسنده أو دونه في كتبه ولم يرده ولم يفت بخلافه فهو مذهبه، وقيل: لا كما لو أفتى بخلافه قبل أو بعد، فإن أفتى بحكم فاعترض عليه فسكت فليس رجوعا، وقيل: بلى (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وإن ذكر عن الصحابة في مسألة قولين فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع، سواء عللهما أو لا، إذا لم يرجح أحدهما ولم يختره أو يحسنه، وقيل: لا مذهبا له منهما عينا، كما لو حكاهما عن التابعين فمن بعدهم، ولا مزية لأحدهما بما ذكر لجواز إحداث قول ثالث، بخلاف الصحابة، وقيل بالوقف، وإن علل أحدهما واستحسن الآخر أو فعلهما في أقوال التابعين أو من بعدهم فأيهما مذهبه؟ فيه وجهان، وإن أعاد ذكر أحدهما أو فرع عليه فهو مذهبه، وقيل: لا، إلا أن يرجحه أو يفتي به. وإن نص في مسألة على حكم وعلله بعلة فوجدت في مسائل أخر فمذهبه في تلك المسائل كالمسألة المعللة، سواء قلنا بتخصيص العلة أو لا كما سبق، وإن نقل عنه في مسألة قولان دليل أحدهما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ودليل الآخر قول صحابي وهو أخص منه، وقلنا: إنه يخص به العموم فأيهما مذهبه؟ فيه وجهان، وإن كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أخصهما أو أحوطهما تعين، وإن وافق أحدهما قول صحابي آخر، والآخر قول تابعي واعتد به إذا، وقيل: وعضده عموم كتاب أو سنة أو أثر فوجهان، وإن ذكر اختلاف الناس وحسن بعضه فهو مذهبه إن سكت عن غيره، وإن سئل مرة فذكر الاختلاف ثم سئل مرة ثانية فتوقف ثم ثالثة فأفتى
فيها فالذي أفتى به مذهبه، وإن أجاب بقوله: «قال فلان كذا» يعني بعض العلماء فوجهان، وإن قال: «يفعل السائل كذا احتياطا» فهو
__________
(1) المسودة ص 530 ف 2/26.
(2/244)

واجب وقيل: بل مندوب، وإن نص على حكم مسألة ثم قال: «ولو قال قائل أو ذهب ذاهب إلى كذا -يعني حكما بخلاف ما نص عليه- كان مذهبا» لم يكن مذهبا للإمام أيضا كما لو قال: وقد ذهب قوم إلى كذا، قال من عنده: ويحتمل بلى، كما لو قال: تحتمل المسألة قولين (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وهل يجعل فعله أو مفهوم كلامه مذهبا له؟ على وجهين، فإن جعلنا المفهوم مذهبا له فنص في مسألة على خلافه بطل المفهوم، وقيل: لا، فتصير المسألة على قولين إن جعلنا أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
الروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد، وكذا قولنا: «وعنه»
وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: «أومأ إليه أحمد» أو أشار إليه أو دل كلامه عليه أو توقف فيه» .
وأما الأوجه: فأقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته.
وإن كانت مأخوذة من نصوص الإمام أو مخرجة
منها فهي روايات مخرجة له أو منقولة من نصوصه إلى ما
يشبهها من المسائل إن قلنا: «ما قيس على كلامه مذهبا له»
وإن قلنا لا فهي أوجه لمن خرجها وقاسها، فإن خرج
من نص ونقل إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها صار
فيها رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه، إذا قلنا المخرج من
__________
(1) المسودة ص 530، 531 ف 2/26
(2) المسودة ص 532 ف 2/26.
(2/245)

نصه مذهبه، وإن قلنا لا ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه، وإن لم يكن فيها نص يخالف القول المخرج فيها من نصه في غيرها فهو وجه لمن خرجه، فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها لهم وجهان، ويمكن جعلهما مذهبا لأحمد بالتخريج دون النقل، لعدم أخذهما من نصه، وإن جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولا مخرجا للإمام ولا مذهبا له بحال. فمن قال من الأصحاب هنا: «هذه المسألة رواية واحدة» أراد نصه. ومن قال: «فيها روايتان» فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره. ومن قال: «فيها وجهان» أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أم لا ولم يجعله مذهبا لأحمد (1) ، فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما، سواء وقعا معا أو لا، من شخص واحد أو أكثر، وسواء علم التأريخ أو جهل.
وأما «القولان هنا» فقد يكون الإمام نص عليهما كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه.
وأما «الاحتمال» فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له.
وأما «التخريج» فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه.
وأما «الوقف» فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والإثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف.
__________
(1) نسخة: سواء جهل مستنده أو علم أو لم يجعله مذهبا لأحمد.
(2/246)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلا به. وفيما قاله قبله بدليل يخالفه ثلاثة أوجه: النفي، والإثبات، والثالث: إن رجع عنه وإلا فهو مذهبه كما يأتي. وقيل: مذهب كل واحد عرفا وعادة: ما اعتقده جزما أو ظنا. وقوله وخطه وتأليفه إما نص أو ما يجري مجراه مما خرج على نصه العام ولا يرى تخصيصه أو المطلق ولا يرى تقييده أو يذكر علة الحكم ولا يرى تخصيصها، أو يعلقها بشرط يزول بزواله، أو يذكر حكم حادثة وغيرها مثلها شرعا كسراية عتق الموسر بعض عبد نفسه له أو لغيره والأمة مثله وما ثبت بالقياس والاجتهاد فمن دين الله وشرعه لا من نصه ولا من نص رسوله (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قوله: «لا يصلح» أو «لا ينبغي» للتحريم، و «لا بأس» و «أرجو أن لا بأس» للإباحة، و «أخشى» أو «أخاف أن يكون» أو «لا يكون» ظاهر في المنع. وقيل: بالوقف، وقوله: «أحب كذا» أو «استحبه» أو «استحسنه» أو «هو أحسن» أو «حسن» أو «يعجبني» أو «هو أعجب إلي» للندب، وقيل: للوجوب، وقوله: «أكره كذا» أو «لا يعجبني» أو «لا أحبه» أو «لا أستحسنه» للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم، وإن قال: «أستقبحه» أو «هو قبيح» أو قال: «لا أراه» فهو حرام، وإن قال: «هذا حرام» ثم قال: «أكرهه» أو «لا يعجبني» فحرام، وقيل: بل مكروه (2) .
[شيخنا] : فصل
فإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه: «هذا أهون» أو «أشد» أو
__________
(1) المسودة ص533 ف 2/26.
(2) المسودة ص 529، 530 ف 2/26.
(2/247)

«أشنع» فقيل: هما عنده سواء؛ وقيل: لا، قال من عنده: إن اتحد المعنى أو كثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا، وقيل قوله: «هذا أشنع عند الناس» يقتضي المنع، وقيل: لا، وإن قال: «أخير منه» فهو للجواز وقيل: للكراهة، قال من عنده: والنظر إلى القرائن أولى في الكل (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يعتبر مذهبا للشافعي]
في قول الشافعي رضي الله عنه: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا ما قلته.
قال أبو عمرو بن الصلاح: عمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا، فكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث، وأفتى به قائلا: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عنه قول موافق. وممن حكي أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك أبو يعقوب البويطي، وأبو القاسم الداركي، وهذا الذي قطع به أبو الحسن إلكيا في أصوله، قال أبو عمرو: وليس هذا إلهين، فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب، وفيمن سلك هذا من عمل بحديث تركه الشافعي عمدا على علم منه بصحته لمانع، كأبي الوليد بن الجارود [ممن صحبه] في حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» وعن ابن خزيمة أنه قيل له: هل تعرف سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا، قال أبو عمرو: وعند هذا أقول: من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه فإن كملت فيه آلات الاجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم
تكمل آلته وجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد
__________
(1) المسودة ص 530 ف 2/26.
(2/248)

لمخالفته عنه جوابا شافيا، فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله أعلم.
قال: والمفتي المنتسب إلى إمام: هل له أن يفتي بمذهب آخر؟ إن كان ذا اجتهاد فأداه اجتهاده إلى مذهب إمام آخر اتبع اجتهاده، وإن كان اجتهاده مشوبا بشيء من التقليد نقل ذلك الشوب [من التقليد] إلى ذلك الإمام الذي أداه اجتهاده إليه، ثم إذا أفتى بين ذلك في فتواه، وذكر العمل بمثل ذلك عن القفال والمروذي والحلواني أنه أنكر مثل ذلك على الغزالي.
قال: وإن لم يكن بنى على اجتهاده فإن ترك مذهبه إلى مذهب هو أسهل عليه وأوسع فالصحيح امتناعه، وإن تركه لكون الآخر أحوط المذهبين فالظاهر جوازه، ثم عليه بيان ذلك في فتواه.
قال: وليس له أن يتخير من القولين (1) أو الوجهين، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما كالجديد مع القديم، وإن لم يتقدم أحدهما عمل بما رجحه الشافعي، فإن لم يرجح شيئا منهما فعليه البحث على الأصح منهما متعرفا ذلك من أصول مذهبه غير متجاوز في الترجيح قواعد مذهبه إلى غيرها إن كان ذا اجتهاد في مذهبه أهلا للتخريج عليه، فإن لم يكن أهلا لذلك فلينقله عن بعض أهل التخريج من أهل المذهب وإن لم يجد شيئا من ذلك فليتوقف كما فعل الماوردي وشيخه الصيمري وشيخه ابن القاص وشيخه أبو حامد المروذي في مسألة الناسي في اليمين. والوجهان فلا بد من ترجيح أحدهما بمثل الطريق المذكورة دون التقدم والتأخر، سواء وقعا معا في حالة واحدة من إمام من أئمة المذهب أو من إمامين واحد بعد واحد، والمنصوص من
__________
(1) نسخة: وليس للمنتسب إلى الشافعي.
(2/249)

القولين راجح إلى المخرج إلا أن يكون المخرج مخرجا من آخر لتعذر الفارق قال: ومن اكتفى بأن يكون في فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح ولا تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع.
وذكر عن أبي الوليد الباجي أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه وذكر أن بعضهم سئلوا عن مسألة فأفتوا فيها بما يضر صاحبها، وكان غائبا، فلما عاد سألهم فقالوا: ما علمنا أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال أبو الوليد: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز (1) .
[التمذهب والتقليد]
وأما قول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأئمة الأربعة. إن أراد أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين فقد أحسن؛ بل هو الصواب من القولين. وإن أراد: أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها فهو مخطئ في الغالب قطعا؛ إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة؛ ولكن تنازع الناس: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين. وقد بسطنا ذلك في موضع آخر. وكثيرا ما يترجح قول من الأقوال يظن الظان أنه خارج عنها ويكون داخلا فيها. لكن لا ريب أن الله لم يأمر الأمة باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم. هذا لا يقوله عالم؛ وإنما هذا كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم؛ فإن الأحاديث التي رواها الشيخان فصححاها قد صححها من الأئمة ما شاء الله؛ فالأخذ بها لأنها قد صحت؛ لا لأنها قول شخص بعينه.
وأما من عرض عليه حديث فقال: لو كان صحيحا لما أهمله أهل
__________
(1) المسودة ص 535-537 ف 2/26.
(2/250)

مذهبنا. فينبغي أن يعزر هذا على فرط جهله وكلامه في الدين بلا علم. والكذب في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعظم الذنوب، وقد اختلف: هل هو فسق أو كفر؟ على قولين (1) .
ولا يجب تقليد واحد بعينه غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن إن كان معتقدا في مسألة باجتهاد أو تقليد فانفصاله عنه لابد له من سبب شرعي يرجح عنده قول غير إمامه؛ فإذا ترجح عند الشافعي مثلا قول مالك قلده، وكذلك غيره. وأما انتقال الإنسان من قول إلى قول بلا سبب شرعي يأمر الشرع به ففي تسويغه نزاع (2) .
لا يجب على المالكي ولا غيره تقليد أحد من الأئمة بعينه في جميع الدين باتفاق الأئمة الكبار (3) .
وأما لزوم «التمذهب بمذهب» والامتناع عن الانتقال منه إلى غيره في مسألة: ففيه وجهان، وفاقا لمالك والشافعي، وعدمه أشهر وفي اللزوم طاعة غير النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل أمره ونهيه، وهذا خلاف الإجماع. قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وإن قال: ينبغي كان جاهلا ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع. وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام. وقال أيضا: بل يجب وأن أحمد نص عليه (4) .
__________
(1) الفروع 6/571، 572 فيه زيادة ف 2/28 فيه زيادة.
(2) مختصر الفتاوى 61 ف 2/28.
(3) مختصر الفتاوى 73 ف 2/28.
(4) مختصر الفتاوى 41 ف 2/28.
(2/251)

ومن ادعى العصمة لأحد في كل ما يقوله بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو ضال، وفي تكفيره نزاع وتفصيل (1) .
ومن قلد من يسوغ له تقليده فليس له أن يجعل قول متبوعه أصح من غيره بالهوى بغير هدى من الله، ولا يجعل متبوعه محنة للناس فمن وافقه والاه ومن خالفه عاداه؛ فإن هذا حرمه الله ورسوله باتفاق المؤمنين؛ بل يجب على المؤمنين أن يكونوا كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} إلى قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [102-106/3] قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
وفي جواز تقليد الميت قولان في مذهب أحمد وغيره.

[شيخنا] : ... ... ... فصل
«التقليد» : قبول القول بغير دليل، فليس المصير إلى الإجماع تقليد؛ لأن الإجماع دليل، وكذلك يقبل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يقال
له: تقليد؛ بخلاف فتوى الفقيه. وذكر في ضمن مسألة التقليد أن الرجوع إلى قول الصحابي ليس بتقليد؛ لأنه حجة، قال فيها: لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك ولم يجز له أن يخالفه، بخلاف الأعلم، وقد
قال أحمد في رواية أبي الحارث: من قلد الخبر رجوت له أن يسلم إن
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 558 ف 2/28.
(2/252)

شاء الله. فقد أطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن كان حجة في نفسه (1) .
[شيخنا] : ... ... ... ... فصل
في التقليد:
وهو قبول قول المقلد بغير حجة، فيلزم المقلد ما كان في ذلك القول من خير وشر. وعلى هذا لا يسمى متبع الرسول ولا الإجماع مقلدا، لقيام الدليل على أنه حجة.
وقال أبو الخطاب أيضا: ما سمعه من الرسول لا يسمى تقليدا، بل هو الحجة الواضحة في الشرع؛ لأنه إن كان بوحي فهو مقطوع بصحته وإن كان عن رأي فهو مقطوع بصحته أيضا، لأنه لا يخطئ فيما شرعه، ومن يجوز الخطأ عليه يقول: لا يقر عليه، فإذا أقره على ما كان أفتاه فهو مقطوع عليه.
قال: وأما الصحابي فلا يجوز للعالم تقليده في إحدى الروايتين، وهو الأقوى عندي. ومن سلم قال: إن قول الصحابي حجة في الشرع، بخلاف المفتي من غير الصحابة بدليل أنه يجب على العالم ترك اجتهاده والأخذ بقول الرسول أو بقول الصحابي عند من جعله حجة، ولا يجب عليه تقليد غيره (2) .

فصل

قال شيخنا: أول أركان الإسلام ومبانيه الخمسة قولا وفعلا وعملا في حق كل مكلف الشهادتين نطقا إن أمكن واعتقادا جاز ما بموجبهما ومقتضاهما وقيل: والتزام أحكام الملة وإشارة مفهومة من الأخرس
__________
(1) المسودة ص 462 ف 2/28.
(2) المسودة ص 553، 554 ف 2/27.
(2/253)

ونحوه، وهما معلومتان عرفا. ومن جهلهما تشريعا، ثم الصلاة، ولا تصح بدون طهارة شرعية مع القدرة عليها، ولا يجب تحصيل شرط الوجوب والإيجاب؛ بل يجب تحصيل شرط أداء ما وجب كالوضوء الغسل وإزالة النجاسة، والتيمم ونحو ذلك، للصلاة الواجبة عليه قبل ذلك.
[ما لا يجوز فيه التقليد]
قال والد شيخنا: الذي ذكره القاضي أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله ووحدانيته والرسالة ولا في السمعيات المتواترة الظاهرة كالصلوات ووجوب الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت لاستواء الناس في طرق علم ذلك. وهذا مطابق لما ذكره ابن عقيل. فأما الفروع التي ليست متواترة ظاهرة فيسوغ التقليد فيها، وإن كان فيها ما لا يسوغ فيه الاجتهاد لإجماع غير مشهور أو نص يعرفه الخاصة -مثل وجوب الشفعة، وحمل العاقلة دية الخطأ وكون الطواف والوقوف ركنين في الحج وتفاصيل نصب الزكاة وفرائضها، وقطع اليمنى من يد السارق، وتنجس الدهن بموت الفأرة، إلى غير ذلك من أحكام مجمع عليها لا تعد ولا تحصى مجمع عليها لا يسوغ فيها الاجتهاد والاختلاف ومع هذا فهي غير ظاهرة ظهور أصول الشرائع- فيسوغ فيها التقليد؛ لأن تكليف العامي معرفة الفرق بين مسائل الإجماع والاختلاف يضاهي تكليفه درك حكم حوادثه بالدليل، ولهذا يكفر جاحد الأحكام الظاهرة المجمع عليها وإن كان عاميا، دون الخفية؛ فما فرق بينهما في التكفير فرق في التقليد، وكذلك أيضا منع التقليد في جميع مسائل الأصول فيه نظر؛ بل الحق ما ذكره القاضي وابن عقيل أن المنع في التوحيد والرسالة فإنهما ركنا الإسلام، وفاتحة الدعوة وعاصمة الدم، ومناط النجاة والفوز. فأما تكليف عموم الناس درك دقائق المسائل الأصولية بالدليل فهو قريب من تكليفهم ذلك في الفروع فالمميز الفرق؛ فإن تراجم هذه المسألة مختلفة في كلام أصحابنا وغيرهم.
(2/254)

قال شيخنا: وكذلك قال أبو الخطاب: الذي لا يسوغ التقليد فيها هو معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة صحة الرسالة، وذكر أن الأدلة على هذه الأصول الثلاثة يعرفه كل أحد بعقله وعلمه، وإن لم يقدر العامي على أن يعبر عنه. قال: وبه قال عامة العلماء. وقال بعض الشافعية: يجوز للعامي التقليد في ذلك. قال: ولا يختلف الشافعية أنه ليس للمكلف المسلم أن يقلد في وجوب الصلاة والصوم عليه ونحو ذلك فأولى أن لا يجوز التقليد في الوحدانية والنبوة. ثم قال: وكذلك أصول العبادات كالصلوات الخمس وصيام رمضان وحج البيت والزكاة؛ فإن الناس أجمعوا على أنه لا يسوغ فيها التقليد لأنه ثبت بالتواتر ونقلته الأمة كلها خلفها عن سلفها. ثم أطلق أبو الخطاب أن العامي لا يجوز له التقليد في مسائل الأصول وقال في البحث مع ابن سريج: لو خشي المكلف أن يموت لم يجز له التقليد في معرفة الله والوحدانية (1) .
[هل يخير المقلد في المجتهدين؟]
مسألة: للعامي أن يقلد في الفروع أي المجتهدين شاء، ولا يلزمه أن يجتهد في أعيان المجتهدين في قول القاضي وأبي الخطاب وجماعة من الفقهاء وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد كما ذكر القاضي أن العامي يتخير بين المفتين ولا يلزمه الاجتهاد. قال: فإن قيل: فهلا قلتم: يلزمه الأخذ بقول من غلظ كما قلتم: إذا تقابل في الحادثة دليلان أحدهما حاظر والآخر مبيح؟ قيل له: فرق بينهما وقال ابن عقيل: لا يتخير؛ بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين الأدين والأورع ومن يشار إليه أنه أعلم، وقال: ذكره أحمد، ولم يحك في المذهب فيه خلافا وذكره القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء في العامي: هل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين؛ أم له الأخذ بقول أيهم شاء؟ على روايتين؛ إحداهما مثل قول القاضي والجمهور منا. والثانية
__________
(1) المسودة ص 459-461 ف 2/27.
(2/255)

مثل قول ابن عقيل، ذكر ذلك في الإتمام لكتاب الروايتين والوجهين، وبهذا قال ابن سريج القفال، وكذلك ذكر ابن برهان لهم الوجهين، وذكره الخرقي فقال: يقلد الأعمى أوثقهما في نفسه. وذكر أبو الخطاب في ضمن مسألة تعادل الأمارات فيها وجهين، أحدهما: يجتهد في أعيان المفتين، ويقلد أعلمهما وأدينهما عنده، وأخذ أصحابنا أن له أن يقلد من شاء من أهل الاجتهاد من قوله في رواية الحسن بن زياد (1) ، وقد سأله عن مسألة في الطلاق فقال: إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله! إن أفتاني إنسان -يعني أنه لا يحنث- فقال: تعرف حلقة المدنيين- حلقة بالرصافة- فقال: له: إن أفتوني به حل؟ قال: نعم. قال: وهذا يدل على أن العامي يخير في المجتهدين. وذكر أبو الخطاب قول من قال: يلزمه أن يجتهد في أعيانهم أيهم أعلم وقد أومأ الخرقي إلى نحو هذا في مسألة القبلة، ووجه أبو الخطاب الأول بالإجماع وبأن معرفة الأعلم تتعذر على العامي، وقال أبو الخطاب: فإن اجتهد في العلماء فاستوى عنده علمهم، فإن كان أدين وجب عليه تقديم الأدين على أحد الوجهين وعلى الوجه الآخر هما سواء، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أدين، فقال بعضهم: هما سواء, وقال آخرون: يعتمد الأعلم، فإن استووا عنده في العلم والدين كان مخيرا في الأخذ بأي أقاويلهم شاء؛ لأنه ليس بعضهم بقبول قوله أولى من بعض.
قال: وإن أفتاه اثنان واختلفا فهل يخير بينهما، وقيل مع التساوي عنده، أو يأخذ بأغلظهما، أو أشدهما، أو بأخفهما، أو بأرجحهما دليلا، أو بقول أعلمهما وأورعهما، أو الأعلم، أو الأورع، أو يسأل مفتيا آخر فيعمل بقول من وافقه منهما، وقيل: أو من خالفه؟ فيه أوجه ذكرت.
قال شيخنا: قلت: بعض هذه الوجوه إنما هي فيما ينسب إلى
__________
(1) نسخة: الحسن بن بشار المخزومي. ونسخة: الحسين بن زياد.
(2/256)

الإمام من أقواله، لا فيما يقلده العامي من أقوال العلماء المختلفين، وأين اختلاف الواحد إلى اختلاف القائلين (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المجتهد هل يقلد مجتهدًا] ؟
ومن جوز للعامي تقليد الأعلم فإنه يجوز له أن يترك تقليده ويعمل على اجتهاد نفسه، ذكره القاضي بما يقتضي أنه محل وفاق، قال: بخلاف العامي؛ فإنه يجب عليه الرجوع إلى قوله، وصرح ابن عقيل بذلك، فقال: ولا خلاف بيننا أنه يجوز ترك اجتهاد غيره والتعويل على اجتهاد نفسه، وإن كان الغير أعلم منه (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تقليد الميت]
قال ابن عقيل: اختلف الأصوليون والفقهاء في تقليد العامي لقول ميت من مجتهدي السلف إذا لم يبق مجتهد في العصر يفتي بقوله: هل يجوز أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقليد مذاهب الموتى ذكره ابن عقيل (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل يجتهد في أعيان المسائل التي يقلد فيها] ؟
الذي ليس بمجتهد له أن يجتهد في أعيان المفتين بلا ريب وهل يجتهد في أعيان المسائل التي يقلد فيها، بحيث إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب فقيه أقوى فعليه أن يقلده فيها ويفتي إخبارا عن قوله، قال ذلك أبو الحسن القدوري وقال أبو الطيب الطبري: ليس للعامي استحسان الأحكام فيما اختلف فيه الفقهاء، ولا أن يقول قول
__________
(1) المسودة ص 462-464 ف 2/28.
(2) المسودة ص 466 ف 2/28.
(3) المسودة ص 466 ويأتي لهذا زيادة إيضاح ص 284 من المسودة ص 522 ف 2/28.
(2/257)

فلان أقوى من قول فلان، ولا حكم لما يغلب على ظنه، ولا اعتبار به، ولا طريق له إلى الاستحسان، كما لا طريق له إلى الصحة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تتبع الرخص لا يجوز]
إذا جوز للعامي أن يقلد من يشاء فالذي يدل عليه كلام أصحابنا وغيرهم أنه لا يجوز له يتتبع الرخص [مطلقا] فإن أحمد أثر (2) مثل ذلك عن السلف وأخبر به (3) فروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: سمعت يحيى القطان يقول: لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل المدينة في السماع، يعني في الغناء، وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة لكان فاسقا، ونقلت من خط القاضي قال: نقلت من مجموع أبي حفص البرمكي قال عبد الله: سمعت أبي، وذكر نحوه وقال الخلال في كتابه: حدثنا يحيى بن طالب الأنطاكي، حدثنا محمد بن مسعود، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال: لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في السماع -يعني الغناء وإتيان النساء في أدبارهن-، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر، كان شر عباد الله عز وجل. وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم -أو قال بزلة كل عالم- اجتمع فيك الشر كله. وفي المعنى آثار عن علي وابن مسعود ومعاذ وسلمان، وفيه مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر.
قال القاضي بعد ذكر كلام الإمام أحمد المنقول من خطه: هذا محمول على أحد وجهين: إما أن يكون من أهل الاجتهاد ولم يؤده اجتهاده إلى الرخص فهذا فاسق [لأنه ترك ما هو الحكم عنده واتبع
__________
(1) المسودة ص 518، 512 ف 2/28.
(2) نسخة: يتتبع الرخص فإن أحمد حكى مثل ذلك.
(3) نسخة: راضيا به.
(2/258)

الباطل، أو يكون عاميا فأقدم على الرخص من غير تقليد فهذا أيضا فاسق] (1) لأنه أخل بفرضه وهو التقليد فأما إن كان عاميا فقلد في ذلك لم يفسق لأنه قلد من يسوغ اجتهاده (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة]
إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة وتساوت فتواهما عند العامي فإنه يكون مخيرا في الأخذ بأيهما شاء، فإذا اختار أحدهما تعين القول الذي اختاره حظرا أو إباحة، ذكره القاضي في أسئلة المخالف بما يقتضي أنه محل وفاق ولم يمنعه (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يجب على العامي]
يجب على العامي قطعا البحث الذي به يعرف صلاح المفتي للاستفتاء إذا لم تكن تقدمت معرفته بذلك، ولا يجوز له استفتاء من اعتزى إلى العلم وإن انتصب في منصب التدريس أو غيره. ويجوز استفتاء من تواتر بين الناس أو استفاض فيهم كونه أهلا للفتوى. وعند بعض الشافعية إنما يعتمد على قوله إذا كان أهلا للفتوى؛ لأن التواتر لا يفيد العلم إلا في المحسوس، ورب شهرة لا أصل لها. ويجوز له استفتاء من أخبر المشهور المذكور عن أهليته. وأطلق أبو إسحاق الشيرازي وغيره أنه يقبل فيه خبر الواحد العدل، وينبغي أن يشترط فيه أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملبس من غيره، قال أبو عمرو: ولا ينبغي أن يكفي في هذه الأزمان مجرد تصديقه للفتوى واشتهاره بمباشرتها، لا بأهليته لها.
فإذا اجتمع اثنان ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ المسودة ص 518، 519 ف 2/28.
(2) المسودة ص 519، 520 ف 2/28.
(3) المسودة ص 519، 520 ف 2/28.
(2/259)

في أعيانهم؟ فيه وجهان، أحدهما -وهو عند العراقيين قول الأكثر والصحيح- أنه لا يجب. الثاني: أنه يجب، قاله ابن سريج والقفال، وصححه صاحبه القاضي حسين، والأول أصح؛ لكن متى اطلع على الأوثق منهما فالأظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر، كما يجب تقديم أرجح الدليلين، فيقدم أورع العالمين وأعلم الورعين، والأعلم أولى من الأورع على الأصح.
وهل يجوز له أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟ فإن كان منتسبا إلى مذهب معين انبنى على أن العامي هل له مذهب؟ فيه وجهان، حكاهما أبو الحسين، أحدهما: لا، فله أن يستفتي من شاء من أهل المذاهب، الثاني: وهو أصح عند القفال والمروذي له مذهب، فلا يجوز له إن كان شافعيا أن يستفتي حنفيا، ولا يخالف إمامه. قاله أبو عمرو: وقد ذكرنا في المفتي المنتسب ما يجوز له مخالفة إمامه، وإن لم يكن قد لانتسب إلى مذهب معين انبنى على أنه: هل يلزمه التمذهب بمذهب معين؟ فيه وجهان ذكرهما ابن برهان، أحدهما: لا يلزمه ذلك، قال أبو عمرو: فعلى هذا هل له أن يستفتي على أي مذهب شاء أو يلزمه أن يبحث حتى يعلم علم مثله أشد المذاهب وأصحها أصلا فيستفتي أهله؟ فيه وجهان، كما في أعيان المفتين. والثاني يلزمه ذلك، وبه قطع إلكيا، وهو جار في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم، قال: فعلى هذا ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه أباه، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة، وإن كانوا أعلم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لأحد منهم مذهب، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم. ثم ذكر رجحان مذهب الشافعي على من قبله، قال: ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك.
فإن اختلف عليه فتوى مفتيين ففيه أوجه؛ أحدها: الأغلظ.
(2/260)

والثاني: الأخف. الثالث: يجتهد في الأوفق فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع، واختاره السمعاني الكبير، ونص الشافعي على مثله في القبلة. والرابع: يسأل مفتيا آخر فيعمل بفتوى من وافقه. والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء، وهو الصحيح عند أبي إسحاق واختاره ابن الصباغ فيما إذا تساوى عنده مفتيان. قال أبو عمرو: والمختار أن عليه الاجتهاد في الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض، وليس هذا من الترجيح المختلف فيه عنده الاستفتاء، فليبحث عن الأوفق من المفتين فيعمل بفتواه، فإن لم يترجح عنده أحدهما استفتى آخر فيعمل بفتوى من وافقه الآخر، فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر والإباحة وقبل العمل بذلك اختار الحظر، وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما، وإن بينا التخيير في غيره، لأنه ضرورة، وإنما يخاطب هذا المفتون، وأما العامي الذي وقع له ذلك فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو غيرهما (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تضعيف قول أبي المعالي]
يجوز تقليد المجتهدين الموتى، ولا يبطل قولهم بموتهم كإجماعهم، وكالشاهد إذا أدى شهادته ومات قبل الحكم بها فإنها لا تبطل؛ بل يحكم بها الحاكم الذي سمعها منه، وإن لزم المفتي تجديد اجتهاده بتجديد الحادثة وإعلام المقلد به بتغير اجتهاده، لوم المقلد تجديد السؤال بتجدد الحادثة له ثانيا، ورجوعه إلى قوله الثاني فيه احتمال لاحتمال تغير اجتهاده لو كان حيا. وقيل: إن مات المفتي قبل العمل بها فله العمل بها. وقيل: لا كما سبق. وإن كان قد عمل بها لم يجز ترك قوله إلى قول غيره في تلك الحادثة.
__________
(1) المسودة ص 464-466 ف 2/28.
(2/261)

وقال أبو المعالي في مسألة تقليد العالم: الاختيار أنه يجوز في العقل ورود التعبد بذلك، ولكن لم يقم دليل وجود ذلك، بل ثبت بالإجماع أنه يجب على المجتهد أن يجتهد، فلهذا الوجوب لا يزول إلا بدليل وما قام عندنا دليل قاطع على أنه يجوز الآن في الشرع للعالم تقليد العالم، فإذا كان الأمران مستويين في العقل وقد تبين بالشرع وجوب أحدهما ولم يرد في الثاني شرع نفيا وإثباتا وجب التمسك بما وضح مسلك الشرع فيه.
قال شيخنا: قلت: هذا ضعيف، فإن اعتماده على الإجماع، وهو لم يجمعوا على وجوب الاجتهاد عينا، بل المجوز للتقليد يقول: الواجب إما الاجتهاد وإما التخيير، كما لو اختلفوا في فريضة ما بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فحقيقة قوله التوقف في المسألة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المجتهد في مذهب إمامه متى تحسب فتياه عن إمامه أو عن نفسه؟]
قال ابن حمدان من عنده: فمن اجتهد في مذهب إمامه فلم يقلده في حكم ودليله ففتياه به عن نفسه لا عن إمامه؛ فهو موافق له فيه، لا تابع له. فإن قوي عنده مذهب غيره أفتى به وأعلم السائل مذهب إمامه وأنه ما أفتاه به.
فإن كان غرض السائل مذهب إمامه لم يفته بغيره وإن قوي عنده؛ ولأنه حيث لم يقو عنده فإن قلد إمامه في حكمه وفي دليله أو دون دليله ففتياه به عن إمامه إن جاز تقليده ميتا.
وإلا فعن نفسه إن قدر على التحرير والتقرير (2)
والتصوير والتعليل والتفريع والتخريج الجمع والفرق كالذي
لم يقلد فيهما، فإن عجز عن ذلك أو بعضه ففتياه عن إمامه لا
__________
(1) المسودة ص 522، 523 ف 2/28.
(2) نسخة: والتفريق.
(2/262)

عن نفسه وكذلك المجتهد في نوع علم أو مسألة منه، ومنعه فيهما أظهر. وقيل: من عرف المذهب دون دليله جاز تقليده فيه. وقيل: إن لم يجد في بلده غيره وعجز عن السفر إلى مفت في موضع بعيد، فإن عدمه في بلده وغيره فله حكم ما قبل الشرع من إباحة وحظر ووقف. ومن أفتى بحكم أو سمعه من مفت فله العمل به، لا فتوى غيره؛ لأنه حكاية فتوى غير وإنما سئل عما عنده (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[متى يلزم السائل العمل بالفتوى؟]
لا يلزم السائل العمل بالفتوى إلا أن يلتزم بها ويظنها حقا، وقيل: ويشرع في العمل بها، فإن لم يجد مفتيا آخر يخالفه لزمه العمل بها مطلقا، كما لو حكم عليه بها حاكم. وذكر ابن الصلاح عن أبي المظفر السمعاني إذا سمع المستفتي الجواب من المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه، ويجوز أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به. وقيل: إنه يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، وهو أولى الأوجه. قال: ولم أجده لغيره، والذي تقتضيه القواعد أنه إنما يلزمه الأخذ بفتياه إذا لم يجد غيره سواء التزم أو لم يلتزم، أو برجحان أحدهما، أو بحكم حاكم (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاجتهاد والمجتهدون]
وذكر ابن عقيل: أن العامي لا يجوز له التقليد إلا لمجتهد، وكذلك التزم أنه لا بد في كل عصر من مجتهد يجوز للعامي تقليده، ويجوز أن يولي القضاء. وهذا يقتضي أن المفتي لا يجوز أن يفتي بالنقل عن غيره من المجتهدين المتقدمين. وابن عقيل إنما عنى بذلك الاجتهاد المطلق (3) .
__________
(1) المسودة ص 523، 524 ف 2/28.
(2) المسودة ص 524 ف 2/28.
(3) المسودة ص 545 ف 2/29.
(2/263)

مسألة: لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر، سواء في ذلك ضيق الزمان وسعته، نص عليه في رواية الفضل بن زياد، ذكرها ابن بطة أن أحمد قال له: يا أبا العباس لا تقلد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقال في رواية أبي الحارث: لا تقلد أمرك أحدا منهم وعليك بالأثر. قال القاضي: فقد منع من التقليد وندب إلى الأخذ بالأثر [وإنما يكون هذا فيمن له معرفة بالأثر والاجتهاد] (1) (2) .
قال أبو الخطاب: وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما: جوازه والثانية: المنع منه، وبه قال الشافعي والصيرفي وابن أبي هريرة وأبو يوسف وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز حكاه أبو سفيان في مسائله. وكلامهم في المسألة يدل على الأعلم فقط، ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعا أو ضيقا وكذلك ذكر هذا ابن حامد في أصوله عن بعض أصحابنا وبعض المالكية واختاره ابن سريج مع ضيق الوقت وحكى عن محمد أنه أجازه لمن هو أعلم منه، ولم يجزه لمن هو مثله أو دونه، وكذلك جزم به عنه ابن برهان وأبو الخطاب ولم يذكر عن أحد تقليد المساوي مع السعة.
قال والد شيخنا: وحكى الحلواني عن أبي حنيفة ومحمد: أنه يجوز تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز تقليد من هو مثله. قال: وحكى عن سفيان الثوري وإسحاق أنه يجوز له تقليد غيره بكل حال، قال أبو الخطاب: وروي [عن] ابن سريج مثل قول محمد الأخير، وروي عنه أنه يجوز مع ضيق الوقت لا مع سعته، قال: وقال بعض الشافعية: إن لم يجتهد فله أن يقلد على الإطلاق، وإن اجتهد لم يجز له التقليد. قال: وحكى عن أبي إسحاق الشيرازي أن مذهبنا جواز تقليد العالم للعالم،
__________
(1) والاجتهاد ساقطة من بعض النسخ.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من بعض النسخ.
(2/264)

وهذا لا نعرفه لأصحابنا، وقد بينا كلام صاحب مقالتنا (1) .
وهذا الذي ذكره أبو الخطاب يدل على أن المجيزين على الإطلاق (2) جوزوا التقليد بعد الاجتهاد حيث جعل التفصيل (3) قولا، ثم ذكر في أثناء المسألة أن المجتهد لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه لم يجز ترك رأيه والأخذ برأي ذلك الغير، فوجب ألا يجوز وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول، فقد جعل المنع من تقليده بعد الاجتهاد محل وفاق.
[تقليد الصحابة]
قال شيخنا: قلت: هذا في تقليد الصحابة عند من جعله من صور المسألة ليس بصحيح، فإن العلماء صرحوا بجواز ذلك وإن خالف رأينا، وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم كانوا يقلدون في مخالفة رأيهم وأما وقوع هذا بالفعل من اتباع الأئمة فكثير لا يحصر.
وذكر أيضا أبو الخطاب أنه لا خلاف في أنه يجوز ترك قول الأعلم لاجتهاده، ثم ذكر بعد هذا أن قول الصحابي ليس من صور هذه المسألة، فإنه يجب عليه ترك اجتهاده لقول الصحابي عند من جعله حجة، ولا يجب عليه تقليد غيره. وحكى أبو المعالي في كتاب الاجتهاد عن الإمام أحمد قال: فأما تقليد الصحابة، قال أحمد: العالم (4)
قبل اجتهاده يقلد الصحابي ويتخير في تقليده من شاء منهم،
ولم يجوز تقليد التابعين، استثنى عمر بن عبد العزيز، وجوز تقليده، وهذا غريب. قال: وقال الشافعي في القديم: قول الصحابي حجة
ويجب على المجتهدين التمسك به، ثم قال: يقدم على القياس الجلي
__________
(1) ونسخة: وهذا لا نعرفه عن بعض، وقد بينا مقالتنا.
(2) نسخة المجيزين الإطلاق.
(3) نسخة التقليد.
(4) نسخة للعالم.
(2/265)

والخفي وفي رواية: على الخفي دون الجلي، وظاهر مذهبه في القديم أنه حجة إذا لم يظهر خلاف في الصحابة، ونقل عنه في القديم: إذا اختلفوا فالتمسك بقول الخلفاء أولى، وقال في الجديد: لا حجة في قول الصحابي، والاختيار عنده إذا انطبق على القياس لم يكن حجة وإذا خالف القياس الجلي فلا يخالفه إلا عن توقيف، قال: وقد بنينا على هذا مسائل في الفروع كتغليظ الدية بالحرمات الثلاث، قال: وعلى هذا يجب أن يقال: يجب على بعض الصحابة الأخذ بقول البعض في محل لا قياس فيه، فإذا اختلفوا فهو كأخبار متعارضة. وعند القاضي قوله ليس بحجة وإن خالف القياس (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا ضاق الوقت فهل يقلد وإذا صلى هل يعيد؟]
ذكر أبو الخطاب في كلامه مع ابن سريج أنه لا يجوز له التقليد مع ضيق الوقت، قال هو والقاضي وابن عقيل: لأن الاجتهاد شرط في صحة فرضه في الحادثة [وعلى الاستدلال في الأصول] فلم يسقط بخوف فوت الوقت كسائر الشروط مثل الطهارة والستارة في الصلاة، وقاس ابن عقيل على الاستفتاء في حق العامي وعلى الاستدلال في الأصول. وقال أبو الخطاب أيضا لما قيل له إنه لا يمكنه أداء فرض باجتهاده، قال القاضي: لا يجوز اعتبار المتمكن بالعاجز، كما لا يجوز اعتبار من لم يجد الماء والسترة بمن يقدر عليهما ولكنه يخاف فوات الوقت إن استعملهما، قال أبو الخطاب: لا نسلم الوصف، لأن فرضه يؤديه بعد اجتهاده، قال: إن كانت العبادة مما يجوز تأخيرها للعذر جاز ههنا، لأن اجتهاده عذر له في التأخير، وإن كانت مما لا يجوز تأخيرها كالصلاة وغيرها فإنه يفعلها على حسب حاله ويعيد، وكذلك من حبس في موضع نجس يصلي ويعيد.
__________
(1) المسودة ص 468-470 ف 2/27، 29.
(2/266)

قال شيخنا: قلت: هذا الأصل المنصوص فيه عدم الإعادة، وكذلك إحدى الروايتين أن الرجل لا يجب عليه صلاتان؛ فعلى هذا يصلي في الوقت ولا يعيد، وهذا قول ابن سريج بعينه فثبت أنه ظاهر مذهبنا. وعلى قياس قول أبي محمد في القبلة أنه يجتهد وإن خرج الوقت تفوت العبادة، وهذا لا يمشي، فإنه قد يكون أحد القولين وجوب فعلها في الحال، والآخر تحريم فعلها فكيف يصنع هذا إلا التقليد؛ فالصواب قول ابن سريج (1) .
[لا يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد]
مسألة: لا يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد يجوز للعامي تقليده، ويجوز أن يولى القضاء، خلافا لبعض المحدثين في قولهم: لم يبق في عصرنا مجتهد. هذا نقل ابن عقيل.
قال شيخنا: وفي كلام القاضي في الإجماع السكوتي إشارة إليه. والأول قول عبد الوهاب المالكي وطوائف ممن تكلم في أصول الفقه وذكروه في مسائل الإجماع (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال أبو الخطاب: أجمع الناس على أن المجتهد إذا حكم في حادثة بحكم ثم جاءته مثلها أنه لا يقنع بذلك الاجتهاد؛ بل يجتهد ثانيا، وما عليه دليل قطعي لا يحتاج إلى ذلك كمن عرف التوحيد والنبوة قال: وفيه نظر.
[إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فهل يجدد النظر؟]
وقال أيضا: إذا سئل المفتي عن مسألة فإن كان قد تقدم له فيها اجتهاد وقول وهو ذاكر لطريق الاجتهاد والحكم جاز له أن يفتي بذلك، وإلا فلا. فإن ذكر الحكم دون طريق الاجتهاد لزمه أن يذكر طريق
__________
(1) المسودة ص 470، 471 ف 2/29.
(2) المسودة ص 472، 473 ف 2/29.
(2/267)

الاجتهاد، ويعيد النظر في ذلك، فإن أداه اجتهاده إلى ذلك الحكم أفتى به، وإن أداه إلى غيره أفتى به أيضًا.
وكذلك ذكر ابن عقيل
وذكر أبو عمرو بن الصلاح: أنه إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فإن كان ذكر الفتيا الأولى ومستندها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو بالنسبة إلى مذهبه إن كان منتسبا إلى مذهب ذي مذهب أفتى بذلك، وإن تذكرها دون مستندها ولم يظهر ما يوجب رجوعه عنها فقد قيل: له أن يفتي بذلك. والأصح أنه لا يفتي حتى يجدد النظر، ومن لم تكن فتياه حكاية عن غيره لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد من العلماء وإذا سئل عن مسألة لم تقع]
إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد من العلماء جاز الاجتهاد فيها، الحكم، والفتوى، لمن هو أهل لذلك للحاجة قال: وقد أومأ أحمد إلى المنع منه كقوله للميموني: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وقيل: يجوز ذلك في الفروع دون الأصول، وهو أولى. فإن سأل عامي عن مسألة لم تقع جاز إجابته, وقيل: يستحب إن قصد معرفة الحكم، لاحتمال أن يقع له أو لغيره أو للتفقه فيه. وقيل: يكره ذلك مطلقا (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الإفتاء والمفتون]
قال أبو الخطاب: وإن أفتى باجتهاده فإن كان المستفتي قد
عمل بما أفتاه لم يلزم المفتي أن يعرفه بتغير اجتهاده، ولم يلزم المستفتي نقض ما عمله، وإن كان لم يعمل بها لزمه ذلك إن أمكنه؛ لأن العامي
__________
(1) المسودة ص 542، 543 ف 2/29.
(2) المسودة ص 543 ف 2/29.
(2/268)

يعمل بذلك الحكم لأنه قول ذلك المفتي، ومعلوم أنه ليس هو قوله في ذلك الحال، فإن لم يفعل ومات المفتي فهل يجوز للمستفتي العمل بما أفتاه؟ فيه احتمالان، إحدهما: لا يجوز، لأنه لا يدري أنه لو كان حيا كان قائلا بذلك الحكم وطريق الاجتهاد فيه، أم لا (1) .

[شيخنا] : ... ... ... فصل
في كيفية الفتوى
إذا سئل المجتهد عن الحكم لم يجز له أن يفتي بمذهب غيره؛ لأنه إنما سئل عما عنده، فإن سئل عن مذهب غيره جاز له أن يحكيه؛ لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء، ولا بما يفتيه به فقيه، وهذا قول أبي الخطاب.
وقال الحليمي والروياني: لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه.
وقال أبو محمد الجويني عن القفال والمروذي: أنه يجوز لمن حفظ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه.
وقال أبو محمد: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به.
قال أبو عمرو: وقول من قال: لا يجوز. معناه: أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه. قال: فعلى هذا من عددناه في المفتين من المقلدين ليسوا في الحقيقة
__________
(1) المسودة ص 543 ف 2/29.
(2/269)

من المفتين، ولكنهم قاموا مقامهم، فعدوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلاً: مذهب فلا كذا، ومقتضى مذهبه كذا [ومنهم] من ترك إضافة ذلك إلى إمامه اكتفاء بالحال.
وذكر الماوردي في الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بنى على دليلها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه يجوز أن يفتي به، ويجوز تقليده فيه. والثاني: يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو السنة. والثالث -وهو الأصح-: أنه لا يجوز ذلك مطلقا (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
لا يشترط في المفتي الحرية والذكورية كالراوي.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون كالراوي [لا تؤثر فيه القرابة والعداوة وجر النفع ودفع الضرر] (2) .
وذكر عن الماوردي أن المفتي إذا نابذ في فتاواه شخصا معينا صار خصما معاندا، ترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته. ولا بأس أن يكون المفتي أعمى، أو أخرس مفهوم الإشارة أو كاتبا، ولا تصح فتيا فاسق، غير أنه يعمل فيما يقع له باجتهاد نفسه، وتقبل فتوى المستور في الأظهر، ولا فرق بين القاضي وغيره في الفتيا. وعن ابن المنذر: أنه كره للقضاة أن يفتوا في مسائل الأحكام دون ما لا مجرى للقضاء فيه كالطهارة والعبادات. وقال ابن سريج: أنا أقضي ولا أفتي. وعن أبي حامد الإسفراييني: أن الحاكم له أن يفتي في العبادات وما لا يتعلق بالأحكام؛ فأما فتياه في الأحكام فلأصحابنا فيها جوابان، أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك (3) .
__________
(1) المسودة ص 544، 545 ف 2/29.
(2) ليس موجودا في بعض النسخ ما بين المعقوفتين.
(3) المسودة ص 555 ف 2/29.
(2/270)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حال الفتوى:
قال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة: الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: «لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد» فإنه إنما عنى به هنا ما كانت الحالة عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي أجمعت الأئمة على أن كلا منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو على سبيل معه. فالقاضي في هذا الوقت وإن لم يكن قد سعى في طلب الأحاديث وانتفاء طرقها وعرف من لغة الناطق بالشريعة - صلى الله عليه وسلم - ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد؛ فإن ذلك قد فرغ له منه، ودأب فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق. فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه في معنى من كان باجتهاده إلى قول قاله؛ وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذا بالحزم، عاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى مع جواز أن يعمل بقول الواحد
إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم واحد نحو التوكيل بغير رضا الخصم،
وكان الحاكم حنفيا، وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على
(2/271)

جواز هذا التوكيل دون أبي حنيفة فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة لمجرد أنه قاله فقيه هو في الجملة من فقهاء الأتباع له من غير أن يثبت عنده بالدليل ولا أداه اجتهاده إلى أن قول أبي حنيفة أولى مما اتفق عليه الجماعة فإني أخاف على مثل هذا أن يكون ممن اتبع هواه، وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وكذلك إن كان على مذهب مالك فقضى بتطهير الكلب. وكذلك إن كان على مذهب الشافعي فقضى في متروك التسمية عمدا بالحل خلافا للثلاثة. وكذلك إن كان على مذهب أحمد فقال أحد الخصمين: كان له علي مال فقضيته يقضي عليه بالبراءة من إقراره مع علمه بخلاف الفقهاء الثلاثة؛ فإن هذا وأمثاله إذا توخى فيه اتباع الأكثرين فأمره عندي أقرب إلى الخلاص وأرجح في العمل.
وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ما سده فرض كفاية. ومتى أهملنا هذا القول ولم نذكره ومشينا على طريق التغافل التي يمشي فيها من يمشي من الفقهاء الذي يذكر كل منهم في كتاب إن صنفه أو كلام إن قاله أنه لا يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام فإن هذا كالإحالة وكالتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم وألا ينفذ لأحد حق، ولا يكاتب به، ولا تقام بينة، ولا يثبت لأحد ملك، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية فكان هذا الأصل غير صحيح، وبان أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعا فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد تجوز إذا تعذر تولية المجتهد، وأنه انعقد الإجماع على تقليد كل واحد من هذه المذاهب الأربعة، وأن إجماع الفقهاء الأربعة حجة لا يخرج الحق عنهم، وأنه ينبغي الاحتراز
(2/272)

من الاختلاف فإن لم يكن فاتباع الأكثر أولى، ويكره تقليد الواحد المخالف للأكثر لأجل تقدم ونحوه.
وقال أيضا: في أول «شرح الحديث» : كل من هذه المذاهب إذا أخذ به آخذ ساغ له ذلك، فإن خرج من الخلاف فأخذ بالأحوط كتحريه مسح جميع رأسه، وأخذ فيما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه كمسألة البسملة بقول الأكثر كان هو الأولى.
قال: وعلى هذا أرى ما استمر من الخلفاء الراشدين -يعني خلفاء بغداد- من ترك الجهر في الجوامع، لأن الخطباء قد يكون فيهم من يعتقد مذهب الشافعي إلا أنهم استمروا على ذلك لما ذكرته. قال: وهذا هو المانع لي من الجهر لأكون مع الأكثر. فأما المجتهد فإنه إذا ثبت عنده حق بمقتضى ما أداه اجتهاده إليه في مسألة، فإن فرضه ما أداه إليه اجتهاده على أن المجتهد اليوم لا يتصور اجتهاده في هذه المسائل التي قد تحررت في المذاهب لأن المتقدمين قد فرغوا من ذلك.
فأما هذا الجدل الذي يقع بين أهل المذاهب فإنه أوفق ما يحمل الأمر فيه بأن يخرج مخرج الإعادة والتدريس فيكون الفقيه فيه معيدا محفوظه ودارسا ما يعلمه. فأما اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسألة مع أن كل واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حجته، ولا هو يرجع إلى خصمه إن ظهرت حجته عليه، ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة، ولا إلى استجلاب مودة، ولا إلى توطئة القلوب لوعي الحق، بل هو على الضد من ذلك؛ فإنه مما قد تكلم فيه العلماء وأظهروا من عذره (1) ما أظهروا كابن بطة وابن حامد في جزئه، ولا يتمارى في أنه محدث متجدد.
__________
(1) نسخة: من عورة.
(2/273)

فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين فإنه لا أرى به بأسا، حيث إن اشتغال الفقهاء بمذهب واحد من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يثير الخلاف معهم ويوقع النزاع فيه؛ فإنه حكى لي الشيخ محمد بن يحيى عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد، فسأله عن بلده فأخبره، فقال له: إن أهل بلدك كلهم يقرءون مذهب الشافعي فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت، فقال له: إن هذا لا يصلح فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدا يعبد معك (1) ولا يدارسك، وكنت خليقا أن تثير خصومة وتوقع نزاعا، بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودله على الشيخ أبي إسحاق وذهب به إليه، فقال: سمعا وطاعة، أقدمه على الفقهاء.
وعلى هذا فلا ينبغي أن يضيق في الاشتراط على المسلمين في شروط المدارس فإن المسلمين إخوة، وهو مساكن تبنى لله، فينبغي أن يكون في اشتراطها ما يتسع لعباد الله، فإنني امتنعت من دخول مدرسة شرط فيها شروط لم أجدها عندي ولعلى منعت بذلك أن أسأل عن مسألة أحتاج إليها أو أفيد أو أستفيد (2) .

[شيخنا] : ... ... ... فصل
في صفة من يجوز له الفتوى أو القضاء:
قال أبو علي الضرير: قلت لأحد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف؟ قال: لا، قلت: مائتا
__________
(1) نسخة: يعيد معك.
(2) المسودة ص 538-542 ف 2/29.
(2/274)

ألف؟ قال: لا، قلت: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: أربعمائة ألف؟ قال: لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو. وقال الحسين بن إسماعيل: قيل لأحمد وأنا أسمع، فذكر مثل ذلك، وعن ابن معين مثل هذا. وقال أحمد بن عبدوس: قال أحمد بن حنبل: من لم يجمع علم الحديث وكثرة طرقه واختلافه لا يحل له الحكم على الحديث ولا الفتيا به. وقال أحمد بن محمد بن النظر: سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يسمع مائة ألف حديث يفتي؟ قال: لا، قلت: فمائتي ألف حديث؟ قال: لا، قلت: فثلاثمائة ألف حديث؟ قال: لعله. وقال أحمد بن منيع: مر أحمد بن حنبل جانبا من الكوفة وبيده خريطة فأخذت بيده، فقلت: مرة إلى الكوفة ومرة إلى البصرة، إلى متى؟ إذا كتب الرجل بيده ثلاثين ألف حديث لم يكفيه، فسكت، ثم قلت: ستين ألفا، فسكت، فقلت: مائة ألف، فقال: حينئذ يعرف شيئا، فنظرنا فإذا أحمد كتب ثلاثمائة ألف عن بهز، وأظنه قال: وروح بن عبادة، وقال أحمد بن العباس النسائي: سألت أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث يقال: هذا صاحب حديث؟ قال: لا، قال: عنده مائتا ألف حديث يقال: إنه صاحب حديث؟ قال: لا، قلت له ثلاثمائة ألف حديث،
فقال بيده كذا، يروح بيده يمنة ويسرة، وأومأ اللؤلؤي كذا وكذا يقلب يده.
قال القاضي في العدة: مسألة في صفة المفتي في الأحكام الذي يحرم عليه التقليد، فذكر نحوا مما ذكروه في صفة القاضي: أن يكون عالما بالكتاب والسنة والإجماع والأدلة من ذلك و [باللغة] (1)
وبالقياس قال: وإذا كان بهذه الصفة وجب عليه أن يعمل في الأحكام باجتهاده، وحرام عليه تقليد غيره، إلا أن يكون ذلك حكما يجب له أو
__________
(1) و [اللغة] ليس في إحدى النسخ.
(2/275)

عليه فيحتاج في فصله إلى حاكم يحكم بينهما باجتهاده، وإذا صار من أهل الاجتهاد بما ذكرنا لم يجب قبول قوله فيما يفتي به إلا أن يكون ثقة مأمونا في دينه، فإذا كان بهذه الصفة وجب على العامة الرجوع إلى قوله وقبول فتياه، وذكر ألفاظ أحمد في صفة المفتي، كقوله في رواية صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأحاديث الصحيحة، عالما بالسنن، وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي. وقال في رواية يوسف بن موسى: لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة.
ثم ذكر ما نقله عبد الله: سألت أبي عن الرجل يريد أن يسأل عن الشيء من أمر دينه مما يبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره وفي مصره من أصحاب الرأي ومن أصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي، لمن يسأل؟ قال: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة.
قال القاضي: فظاهر هذا أنه أجاز تقليدهم وإن لم تكمل فيهم الشرائط التي ذكرنا، ولم يتأول ذلك فظاهره أنه جعلها على روايتين.
قال شيخنا: قلت: قد يقال قوله أولا: «لا ينبغي» ليس بصريح في التحريم فيجوز أنه أراد الكراهة، وقد يقال: هؤلاء إنما أجاز استفتاءهم وإفتاءهم للحاجة والضرورة كما ذكرت نحو ذلك من كلامه في القضاء لما أشار على المتوكل بمن أشار لأجل الحاجة وذلك أنه ليس في المصر إلا من يقلد أبا حنيفة أو من يقلد المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين وإن كان فيه ضعف، وتقليد المتبعين لهذه الآثار خير من تقليد المتبعين للرأي المعين، ففيه جواز الإفتاء والاستفتاء عند الحاجة لغير المجتهد إذا كان عالما بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2/276)

ثم ذكر كلام أحمد أنه لا يكون فقيها حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث. قال: وظاهر هذا الكلام منه أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ هذا القدر، قال: وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا أو أن يكون أراد وصف أكمل الفقهاء فأما ما لا بد منه فالذي وصفنا ودل عليه قول أحمد أن الأصول التي يدور عنها العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يكون ألفا أو ألفا ومائتين.
ثم ذكر عن ابن شاقلا أنه لما جلس للفتيا ذكر هذه المسألة، فقال له رجل: فأنت هو ذا تحفظ هذا القدر حتى هو ذا تفتي الناس؟ قال: فقلت له عافاك الله: إن كنت أنا لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أفتي للناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه.
قال القاضي: وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلد أحمد فيما يفتي به؛ لأنه قد نص في بعض تعاليقه الدالة على منع الفتيا بغير علم قوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [36/17] وقوله: {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [66/3] .
وذكر عن ابن بطة أنه لا يجوز له أن يفتي بما سمع من مفت، إنما يجوز أن يقلد لنفسه، فأما أن يقلد لغيره ويفتي به فلا.
ثم ذكر عن أبي حفص أنه سمع أبا علي النجاد أنه سمع الحسن بن زياد يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناس بها.
قال القاضي: وهذا مبالغة منه في فضله.
[صفة المستفتي]
ثم قال القاضي: فأما صفة المستفتي فهو: العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد، وذكر قول عبد الله: سألت أبي عن رجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلاف الصحابة
(2/277)

والتابعين، وليس للرجل تبصر بالحديث الضعيف والمتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب منها فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل به حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم.
قال القاضي: وظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال إذا لم يكن له معرفة بالكتاب والسنة (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[متى تلزمه الفتوى؟]
وللمفتي أن يرد الفتوى إذا كان في البلد من يقوم مقامه، وإلا لزمه النظر إليها وقال عمرو بن الصلاح: إن لم يكن في البلد إلا هو تعين عليه الجواب، وإن كان في الناحية اثنان واستفتيا معا فالجواب واجب عليهما على الكفاية، وإن لم يحضر غيره. وعند الحليمي يتعين عليه بسؤاله جوابه، وليس له أن يحيله على غيره (2) .

[شيخنا] : ... ... ... فصل
فإن كان في البلد من هو معروف عند العوام [بالفتيا] وهو في الباطن جاهل تعين على هذا الجواب. والأظهر أنه لا يتعين عليه بذلك لحديث ابن أبي ليلى: وإذا سأل العامي عما لم يقع لم تجب مجاوبته (3) .

[والد شيخنا] : ... ... فصل
ويجوز للعالم أن يرشد العامي إلى عالم آخر ليسأله وإن كان يخالف مذهبه نص عليه.
__________
(1) المسودة ص 513-518 ف 2/29.
(2) المسودة ص 512 ف 2/29.
(3) المسودة ص 512 ف 2/29.
(2/278)

[للعالم أن يرشد العامي إلى عالم آخر]
قال شيخنا: قال القاضي: نقلت من الجزء الأول من مسائل الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن الرجل يسأل عن الشيء من المسائل فيرسل صاحب المسألة إلى رجل يسأله هل عليه شيء في ذلك، فقال: إن كان رجلا متبعا وأرشده إليه فلا بأس (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأدب مع المفتي]
لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه ولا يقول له: لم؟ ولا كيف؟ فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك سأل عنه في مجلس آخر، أو فيه بعد قبوله الفتوى مجردة عن الحجة، وذكر السمعاني: أنه لا يمنع من أن يطالب المفتي بالدليل لأجل احتياطه لنفسه، وأنه يلزمه أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعا به، وإلا فلا، لافتقاره حينئذ إلى اجتهاد يقصر العامي عنه. وينبغي له أن يحفظ الأدب مع المفتي ويجله في خطابه وسؤاله ونحو ذلك ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا، ولا ما مذهب إمامك في كذا، ولا يقول إذا استفتى في رقعة: إن كان جوابك موافقا لمن أجاب فيها فاكتب وإلا فلا تكتب، ولا يقول له إذا أجابه: هكذا قلت أنا، ولا هكذا وقع لي، ولا يقول له أفتاني فلان أو أفتاني غيرك بكذا وكذا، ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو على حال ضجر أو هم أو غير ذلك مما يشغل قلبه، ويبدأ بالأسن الأعلم من المفتين، وبالأولى فالأولى.
وقال أبو القاسم الصيمري: إذا أراد جمع الجوابات في رقعة قدم الأسن الأعلم وإن أراد إفرادها فلا يبالي بأيهم بدأ (2) .
__________
(1) المسودة ص 513 ف 2/29.
(2) المسودة ص 554-555 ف 2/27.
(2/279)

وليس للمسلم أن يستفتي إلا من يعلم أنه من أهل العلم والدين، وأن لا يقتدي إلا بمن يصلح الاقتداء به (1) .
[العامي من يستفتي]
وقال شيخنا: لا يجوز استفتاء إلا من يفتي بعلم وعدل (2) .
ولا يجوز أن يقدم العامي على فعل لا يعلم جوازه، ويفسق إن كان مما يفسق به. ذكره القاضي (3) .
والد شيخنا: مسألة: قال ابن عقيل: ولا يجوز للعامي أن يستفتي في الأحكام الشرعية من شاء، بل يجب أن يبحث عن حال من يريد سؤاله وتقليده فإذا أخبره أهل الثقة والخبرة أنه أهل لذلك علما وديانة حينئذ استفتاه وإلا فلا. وقال قوم: لا يجب عليه ذلك؛ بل يسأل من يشاء.
قال شيخنا: وقال أبو الخطاب: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه وإجماعهم على سؤاله، وما يبدو منه من سمات الدين والخير، فأما من لا يراه مشتغلا بالعلم ويرى عليه سيما الدين فلا يجوز له استفتاؤه بمجرد ذلك. وقال أبو المعالي: إذا تقرر عنده بقول الإثبات: إن هذا الرجل بالغ مبلغ الاجتهاد فحينئذ يستفتيه. ثم قال القاضي: له أن يعول على قول عدلين، وقال: لا يستفتي إلا من استفاضت الأخبار ببلوغه منصب الاجتهاد والأمر هنا مظنون (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 82 ف 2/29.
(2) الفروع 6/429 ف 2/29.
(3) اختيارات ص 71 ف 2/29.
(4) المسودة ص 471، 472 ف 2/27.
(2/280)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
في أدب العالم والمتعلم [أو العامي] :
قال سعيد بن يعقوب: كتب إلي أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم:
من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب، أما بعد: فإن الدنيا داء، والسلطان دواء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره. والسلام عليك.
فيه التحذير من استفتاء من يرغب في المال والشرف من العلماء.
وقد كتب في الفقه: هل يشترط في القاضي أن يكون زاهدا ورعا، أو ورعا فقط أو لا يشترط إلا العدالة؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنع العلماء مما هو مباح لغيرهم نظير كراهته لهم ترك قيام الليل وهذا فيما لا يحتاج إليه من مال وشرف. وما ذكر عنه وعن ابن المبارك يوافق ذلك؛ فإنه أخبر أن العالم الصادق هو الزاهد ومثل ذلك عن الحسن البصري.
وروى ابن بطة عن جعفر بن محمد عن أبيه مرفوعا قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل: ما لم يدخلوا في الدنيا» ، قالوا: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتباعهم السلطان، وحبهم الأغنياء فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دمائكم، فإن الله يبطل حسناتهم» (1) .
ويل للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويل للجاهل إذا لم يقبل (2) .
__________
(1) المسودة ص 505، 551 ف 2/29.
(2) مختصر الفتاوى ص 82 ف 2/29.
(2/281)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاسترشاد والجدل]
الخلاف في فرض المسئول في الجواب والدليل مذكور في كتب الجدل، والذي ذكره ابن عقيل في الأدب الكلامي أن الجواب إذا لم يكن مطابقا للسؤال بأن كان أعم منه، أو أخص، كما لو سئل عن المطبوخ فقال: أنا أحرم كل مسكر، أو أحرم مطبوخ التمر - لم يأت بجواب مطابق؛ لأنه معدول عن المطلوب في السؤال قال: وإنما ضربنا لك الأمثلة لأن قوما يجيبون بمثلها ويعدونها أجوبة. وكذلك فيما إذا سئل عن المذهب فذكر الدليل عليه فليس بجواب محقق، كما لا يخلط السؤال عن المذهب بالسؤال عن دليله، وهذا إذا قال مذهبي كذا بدلالة كذا. فأما إن قال: والدليل على ذلك كذا كان قد أتى بجواب محدد؛ إلا أنه أتى بإخبار عما علم يسأل عنه: [قال: والاتباع بجواب لم يسأل عنه كالخلط] (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وحصر ابن عقيل الأسئلة في «أربعة» كما فعله إلكيا في جدله متبعا لمن ذكره:
أحدها: السؤال عن المذهب.
والثاني: السؤال عن الدليل.
ولا اعتراض في ذلك.
والثالث: السؤال عن وجه دلالة الدليل.
والرابع: المطالبة بإجراء العلة في معلولها.
ثم قال ابن عقيل: إنما اعتبرنا ما اعتبرناه من الشروط لغير سؤال
__________
(1) المسودة ص 551، ف 2/؟؟.
(2/282)

الاستفادة والاسترشاد فإنه لا يعتبر لهما شروط من الشروط المذكورة لسؤال الجدل (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ذكر ابن عقيل وابن المني والمراغي وجمهور أهل الجدل أنه لا يطالبه بطرد الدليل إلا بعد تسليم ما ادعاه من دلالة البرهان، فلا ينقض دليله حتى يسلم، وإلا فإنه يجب تقديم المنع.
[متى يطالب بطرد الدليل وهل يقبل المنع بعد التسليم؟]
قال: والتسليم إذا لم يقع بترك مسألة لازمة تجاوزها إلى ما بعدها إما لمساهلة في النظر، وإما لضرب من التدبر على الخصم، وإما للعجز والجهل. ثم هؤلاء الجدليون [المتأخرون] لا يقبلون المنع بعد التسليم، قالوا: لأنه كالرجوع عن الإقرار.
وكذلك ذكر القاضي وغيره أنه إذا منع ثبوت وصف العلة بعد النقض لم يقبل؛ لأن النقض اعتراف بوجود العلة وهي مذكورة في أصل الكتاب؛ وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن السكوت لا يدل على التسليم والإقرار كما لو اشترى منه شيئا فإنه لا يقضي أنه مقر له بالملك، أكثر ما فيه أنه أخر السؤال وتركه، وفرق بين عدم منعه وبين تسليمه وليس كل من لم ينف أو يمنع يكون موافقا.
الثاني: أنه لو اعترف صريحا بصحة مقدمة لجاز رجوعه عنها، بل وجب إذا تبين له الحق في خلافها، وهذا ليس كالإقرار بحقوق الآدميين، فإنه لو أقر بحق لله لجاز رجوعه عنه، فكيف بالأقوال الاعتقادية التي يجب فيها اعتقاد الحق فهو كرجوع المفتي عما تبين له خطؤه [ورجوع الحاكم والشاهد والمحدث عما تبين له خطؤه] ٍ كذلك
__________
(1) المسودة ص 551، 552 ف 2/؟؟.
(2/283)

رجوع المناظر سواء، وليس هذا عيبا عليه في عقله ولا دينه؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، كرجوع الباقين، وهذا بناء منهم على البناء بمقدمة مسلمة وإن لم تكن معلومة؛ لكن فرق بين دوام التسليم والإقرار وبين الرجوع عنه، وقد اعترفوا بالفرق بين أسئلة الجدل وأسئلة الاسترشاد، ومن هنا تخبط، وإلا فلا ينبغي الجدل إلا على وجه الإرشاد والاسترشاد دون الغلبة والاستذلال، وإنما لأهل الجدل والأصول في الجدل العلمي من الحيل والاصطلاح الفاسد أوضاع كثيرة، كما أن للفقهاء والحكام في الجدل الحكمي نحو ذلك، والواجب رد جميع أبواب الجدل والمخاصمة في العلم وفي الحقوق إلى ما دل عليه الكتاب والسنة (1) .
__________
(1) المسودة ص 552، 553 ف 2/؟؟.
(2/284)

مسائل اللغات

مسألة: الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والحج والتيمم ونحو ذلك على أصلها في اللغة لم تخرج، بل ضمت الشرعية إليها شروطا وقيودا، اختاره القاضي في كتبه الثلاثة، وبه قال ابن الباقلاني وجماعة من المتكلمين والأشعرية. وقالت المعتزلة وأكثر الحنفية فيما ذكره أبو الخطاب وأكثر الفقهاء فيما ذكره ابن برهان، ولفظه: الفقهاء قاطبة هي منقولة ومعدول بها عن موجبها اللغوي. قال القاضي: وهذا قول فاسد، لأنه يلزم أن يكون مخاطبا لهم بغير لغتهم، وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [4/14] وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [195/26] .
[خطأ ابن الباقلاني في الأسماء الشرعية]
قال والد شيخنا: وخرجها ابن عقيل على وجهين. وحكى الجويني عن ابن الباقلاني أنها على أصولها لم تنقل، ولم يزد فيها، ورد عليه ذلك، واختار هو في ذلك تفصيلا ذكره.
قال شيخنا: وحقيقة مذهب الباقلاني أن الصلاة ليست اسما للأركان وإنما هي اسم لمجرد الدعاء، لكن قيل لنا في الشرعية: ضموا إلى دعائكم كذا وكذا وادعوا على حال دون حال، والصوم
والإمساك كأنه قيل لنا: أمسكوا من وقت إلى وقت، وضموا إلى الإمساك النية وغيرها، فالقيود واجبة في الحكم غير داخلة في الاسم،
(2/285)

وهذا خطأ قطعًا (1) .
[هل الأسماء كلها من تعليم الله لآدم]
مسألة: «أسماء الأشياء» ثبتت كلها توقيفا من الله تعالى لآدم وتعليما له: إما بتولي خطابه أو بالوحي إليه. هذا مذهب قوم واختاره المقدسي، ولفظ القاضي: قال قوم: جميع أسماء الأشياء في كل لغة كالبيع والنكاح أخذ من جهة توقيف الله لآدم والتعليم له إما بتولي خطابه أو الوحي إليه على لسان من يتولى خطابه وإفهامه. وقيل: عرفت بالمواطأة والاصطلاح، ولا يجوز أن يكون ثبت منها شيء توقيفا، وبه قالت المعتزلة وقيل: يجوز الأمران معا، ويجوز كل واحد منهما، ويجوز أن يوافق فيها اصطلاح توقيفا لآخرين، ويحوز أن يخالف فيها اصطلاح قوم توقيفا لآخرين لم يعلموا به أو علموا ولم يحظر عليهم التواضع؛ فيكون للشيء اسمان توقيفي واصطلاحي وقطع ابن عقيل بأن بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي، وهذا اختيار القاضي، قال: وهو ظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز وبه قال ابن الباقلاني والجويني وابن برهان وجماعة، وقال أبو إسحاق الإسفراييني وجماعة من أصحابه: القدر الذي يدعو به غيره إلى التواضع ثبت توقيفا والبقية اصطلاحا.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل للناس أن يسموا الأشياء بغير ما سماها الله به؟]
قال القاضي: ويجوز أن يسموا الأشياء بغير الأسماء التي وضعها الله علما لها إذا لم يحصل منه حظر لذلك، فإن حظر ذلك لم يجز مخالفة الاسم، ومتى لم يحظر ذلك كان للشيء اسمان، أحدهما موقف من الله والآخر متواضع عليه، وكذلك قال ابن الباقلاني وصاحبه (2) .
__________
(1) المسودة ص 526 ف 2/476.
(2) المسودة ص 562، 563 ف 2/476.
(2/286)

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الألفاظ دالة على المعاني بالوضع]
ذهب الجمهور إلى أن الألفاظ دالة على المعاني بالوضع لا لذواتها وشذ عباد بن سليمان الصيمري فزعم أن دلالتها لذواتها وهذا باطل باختلاف الاسم لاختلاف الطوائف مع اتحاد المسمى (1) .
[بعض القدرية يرون أن كل حقيقة لابد لها من مجاز]
مسألة: اللغة مشتملة على الحقيقة والمجاز في قول الكافة خلافا للإسفراييني.
قال شيخنا: حكى ابن الباقلاني عن بعض القدرية أن كل حقيقة فلابد لها من مجاز وما لا مجاز له فلا حقيقة له، وأن المجاز يكون بالنقل وبالزيادة والنقص، وقيل: لا يكون إلا بالنقل (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[التخصيص والإضمار]
قال القاضي: التخصيص يجري مجرى الإضمار وكذلك ذكر إلكيا في الإضمار: هل هو من المجاز أو ليس منه؟ فيه قولان؛ كالقولين في العموم والخصوص؛ فإن العموم المخصوص نقص المعنى عن اللفظ والإضمار نقص اللفظ عن المعنى وليس فيهما استعمال اللفظ في موضع آخر (3) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في الأسماء المتواطئة العامة، والمشتركة، والمجازية:
زعم قوم من القدرية أن الاسمين إذا جريا على المسميين حقيقة كان كل ما استحقه أحدهما من الصفات استحقه الآخر. وهذا غلط؛
__________
(1) المسودة ص 563، 564 ف 2/476.
(2) المسودة ص 564 ف 2/476.
(3) المسودة ص 565 ف 2/476.
(2/287)

لأن الوضع الذي استحق كل واحد من المسميين ما يستحق صاحبه لم يكن لما ذكروه. وزعم قوم من أهل العراق أن الاسم الواحد لا يقع على شيئين أو أشياء مختلفة متضادة الحقيقة وإنما تكون حقيقة في واحد مجازا في غيره، ولعل هذا يوافق قول الناشئ من المعتزلة فإنه كان يقول: الاسم إذا وقع على مسميين فلا يخلو إما أن يكون لاشتباه ذاتيهما كالجوهرين أو لاشتباه ما حملته ذاتهما كالأسود والأسود، أو لأن الاسمين أضيفا إلى مضاف واحد كمعلوم ومعلوم محسوس يقع على أحدهما حقيقة وعلى الآخر مجازا، وكان يزعم أن الله تعالى حي عالم قادر على الحقيقة والمخلوق موصوف بهذا على المجاز، ومن المعتزلة من عكس ذلك (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في الأسماء المشتقة:
هل هي حقيقة بعد انقضاء المعنى المشتق منه؟
[الأسماء المشتقة هل هي حقيقة بعد انقضاء المعنى؟ ... ]
فيه أقوال، قولان متقابلان: أحدهما: أنه بعد انقضاء المشتق مجاز، وهو قول الحنفية في مسألة الخيار. الثالث: قول أبي الخطاب في مسألة خيار المجلس، وهو الفرق بين ما يطول زمنه كالأكل والشرب وما يقصر زمنه كالبيع والشراء. والضابط: أن ما يعدم عقب وجود مسماه كالبيع والنكاح والاغتسال والتوضؤ فإن الاسم يقع عليه بعد ذلك حقيقة، وما يدوم بعد وجود المسمى كالقيام والقعود فإذا عدم المسمى جميعه كان الاسم مجازا. الرابع: قول أبي الطيب، حكاه القاضي عنه في خيار المجلس. والخامس: من مسائل المجالس أن يسمى عقيب الفعل
زانيا وبائعًا وآكلاً وشاربًا فإذا تطاول الزمان سمي مجازا، فعنده أن
__________
(1) المسودة ص 565 ف 2/476.
(2/288)

الأسماء حقيقة عقيب وجود المعنى المشتق منه؛ بخلاف ما إذا طال الزمان (1) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وحال الشروع في الفعل هل يسمى فاعلا حقيقة]
قال: فأما حال الشروع في الفعل قبل وجود ما يتناوله مطلق الاسم المشتق منه كحين الإيجاب والقبول بالنسبة إلى المتبايعين، والأكل حين أخذ اللقمة قبل وجود مسمى الأكل، فقال أبو الطيب: لا يسمى فاعلا إلا مجازا، وإنما يسمى حقيقة بعد وجود ما يسمى زنا أو أكلا وبيعا فعنده حين تشاغلهما بالتواجب لا يسميان متبايعين، وكذلك قال القاضي: المتبايع اسم مشتق من فعل، فلا يطلق اسم الفاعل إلا بعد وجود الفعل، كالآكل والشارب، فصار حقيقة الاسم بعد وجود الفعل منهما ولهما الخيار. وقال أيضا: حال التشاغل بالبيع لا يسميان متبايعين؛ لأن في اللغة من لم يوجد منه الفعل لا يسمى فاعلا كالآكل والشارب. وقال بعض الحنفية: الاسم إنما هو حقيقة لهما حال التواجب فقط، قال القاضي في مسألة الإجماع: ولأن من يقع عليه اسم المؤمن حقيقة هم الموجودون في العصر، لأن من لم يخلق لا يسمى مؤمنا ومن خلق ومات لا يسمى مؤمنا حقيقة، وإنما كان مؤمنا (2) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المضاف بعد زوال موجب الإضافة]
في المضاف بعد زوال موجب الإضافة كقوله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [27/33] ، وقوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [12/4] ، وقوله: «أيما رجل وجد ماله عند رجل قد أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه» قال بعض الحنفية: صاحب المتاع هو
__________
(1) المسودة ص 567، 568 ف 2/476.
(2) المسودة ص 568 ف 2/476.
(2/289)

المشتري، قال القاضي وغيره: معناه الذي كان صاحب متاع، وهذا مجاز مستعمل يجري مجرى الحقيقة، وقد قال تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [27/33] ، معناه التي كانت أرضهم، وقال: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [12/4] وإنما كن أزواجا، ومنه قولهم: ضرب فلان، وقطيعة فلان، ونهر فلان (1) .

[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إطلاق الاسم المشتق قبل وجود المعنى هل هو مجاز؟]
فأما إطلاق الاسم المشتق قبل وجود المعنى فذكر بعضهم أنه مجاز بالإجماع، وهذا غلط؛ بل هو نوعان:
أحدهما: أن يراد به الصفة دون الفعل، كقولهم: سيف مقطوع، وماء مرو، وخبز مشبع. فقيل: هذا مجاز، قال القاضي: بل هو حقيقة لأن المجاز ما يصح نفيه كأب الأب يسمى أبا مجازا، لأنه يصح نفيه، فيقال: ليس بأب وإنما هو جد، ومعلوم أنه لا يصح أن ينفي عن السيف الذي يقطع [فيقال] : إنه ليس بقطع، ولا عن الخبز الكثير الذي يشبع أو الماء الكثير: إنه غير مشبع أو مرو، فعلم أن ذلك حقيقة.
الثاني: أن يراد الفعل الذي يتحقق وجوه في المستقبل، هو نوعان، أحدهما: أن لا يتغير الفاعل بفعله كأفعال الله تعالى، فهو -سبحانه- عند أصحابنا وجمهور أهل السنة أنه سبحانه وتعالى موصوف في الأزل بالخالق والرازق حقيقة، قال الإمام أحمد رحمه الله: لم يزل الله عز وجل متكلما غفورا رحيما. الثاني: أن يتغير (2) .
__________
(1) المسودة ص 569 ف 2/476.
(2) المسودة ص 570 ف 2/476.
(2/290)

العقل
قال والد شيخنا: ونقل إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال: العقل غزيزة والحكمة فطنة.
قال شيخنا: ذكره أبو الحسن التميمي عن محمد بن أحمد بن مخزوم عن إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال: العقل غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف. قال القاضي: ومعنى قوله: «غريزة» أنه خلقه الله ابتداء، وليس باكتساب العبد ترتيب جيد؛ لكن الغرائز في القوى، وقال ابن فورك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح، قال: ومعنى ذلك كله متقارب، وما ذكرناه أولى، وهو قول الجمهور من المتكلمين، خلافا لما حكي عن الفلاسفة أنه اكتساب. وقال قوم: هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض، قال الجويني: وقال الحارث المحاسبي: العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليس منها، ثم قال: والقدر الذي يحتمله كتابنا أن العقل صفة إذا ثبتت يتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية وإلى مقدمتها من الضروريات التي هي مستند النظريات ثم قال: ولا ينبغي أن يعتقد الناظر أن هذا مبلغ علمنا في حقيقة العقل، ولكن هذا الموضع لا يحتمل أكثر منه.
وقال قوم: هو مادة وطبيعة، وقال آخرون: هو جوهر بسيط (1) .
[شيخنا] : فصل
قال المخالف: العقل من العلوم الضرورية، وذلك لا يختلف في حق كل عاقل. فقال القاضي: والجواب: أن تلك العلوم لم يختلف ما تدرك به من النظر والشم والذوق، فلهذا لم تختلف هي في أنفسها،
__________
(1) المسودة ص 556، 557 ف 2/479.
(2/291)

وليس كذلك العقل، لأنه يختلف ما يدرك وهو التمييز والفكر فيقل في حق بعضهم ويكثر في حق بعض (1) .
مسألة: قال أصحابنا: يصح أن يكون عقل أكمل من [عقل] وأرجح ذكره أبو محمد البربهاري وأبو الحسن التميمي والقاضي.
قال شيخنا: قال أبو محمد في شرح السنة: العقل مولود، أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله يتفاوتون في العقول، مثل الذرة في السموات، ويطالب كل إنسان على قدر ما أعطاه من العقل.
قال والد شيخنا: وذهب أبو الخطاب وابن عقيل إلى أنه لا يجوز أن يكون عقل أرجح من عقل [وهذا مذهب المعتزلة فيما حكاه القاضي والأشعرية. [قالت الأشعرية: وأما قولهم: «عقل فلان أرجح من عقل فلان» ] فإنما هو من التجارب، وقد تسمى التجارب عقلا، وهذا فاسد]
قال شيخنا: وهذا الثاني حكاه القاضي عن [المتكلمين من] الأشعرية والمعتزلة، وكان قد حكاه أولا عن ابن الباقلاني (2) .

تم بعون الله تعالى
المجلد الثاني
ويليه المجلد الثالث
أوله كتاب الطهارة
__________
(1) المسودة ص 557، 558 ف 2/479.
(2) المسودة ص 560 ف 2/479.
(2/292)