Advertisement

المستدرك على مجموع الفتاوى 003

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
قدَّسَ الله رُوحَه

المجلد الثالث
الطهارة - الجهاد

جمعه ورتبه
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
(3/4)

كتاب الطهارة

باب المياه

وقد اختلف العلماء في «الطهور» هل هو بمعنى «الطاهر» أم لا؟
وهذا النزاع معروف بين المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة.
قال كثير من أصحاب مالك وأحمد والشافعي: «الطهور» متعد. و «الطاهر» لازم.
وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بل «الطاهر» هو «الطهور» وهو قول الخرقي.
وفصل الخطاب في المسألة: أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل يراد به اللزوم والتعدي النحوي اللفظي، ويراد به التعدي الفقهي.
فالأول أن يراد باللازم ما لم ينصب المفعول به، ويراد بالمتعدي ما نصب المفعول به، فهذا لا تفرق العرب فيه «فاعل» و «فعول» في اللزوم فمن قال: إن فعول هذا بمعنى فاعل، من أن كلاَّ منهما مفعول به كما قال كثير من الحنفية فقد أصاب، ومن اعتقد أن فعول بمعنى فاعل الماضي فقد أخطأ.
وأما التعدي الفقهي فيراد به أن الماء الذي يتطهر به في رفع الحدث، بخلاف ما كان كالأدهان والألبان.
(3/5)

وعلى هذا فلفظ طاهر في الشرع أعم من لفظ «طهور» فكل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورا.
وقد غلط الفريقان في ظنهم أن «طهورًا» معدول عن طاهر، وإنما هو اسم لما يتطهر به؛ فإن العرب تقول: طهور، ووجور لما يتطهر به، ويوجر به، وبالضم للفعل الذي هو مسمى المصدر فطهور صيغة مبينة لما يفعل به، وليس معدولا عن طاهر، ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورً} [48/25] وقال في الآية الأخرى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [11/8] .
إذا عرفت هذا فالطاهر يتناول الماء وغيره، وكذلك الطهور؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - «جعل التراب طهورا» ، ولكن لفظ «طاهر» يقع على جامدات كثيرة كالثياب والأطعمة وعلى مائعات كثيرة كالأدهان والألبان، وتلك لا يمكن أن يتطهر بها فهي طاهرة ليست بطهور.
قال بعض الناس: لا فائدة في النزاع في المسألة. قال القاضي أبو يعلى: فائدته أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء لاختصاصه بالتطهير، وعندهم تجوز لمشاركته غير الماء في الطهارة، قال أبو العباس: وله فائدة أخرى: وهي أن الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهرا كما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وغيره ليس بطهور فلا يدفع، وعندهم الجميع سواء (1) .
وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان؛ وبالمتغير بطاهر، وهو رواية عن أحمد رحمه الله، وهو مذهب أبي حنيفة، وبما خلت به امرأة لطهارة وهو رواية عن أحمد رحمه الله تعالى وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
__________
(1) اختيارات (1، 2) وللفهارس العامة (2/ 32) .
(3/6)

وبالمستعمل في رفع الحدث وهو رواية اختارها ابن عقيل وأبو البقاء، وطوائف من العلماء، وذهبت طائفة إلى نجاسته وهو رواية عن أحمد رحمه الله (1) .

فصل

الماء المتغير بالطاهر الذي يمكن صونه عنه: فيه قولان لأحمد وغيره.
قال شيخ الإسلام: والصحيح عندي -وعليه نصوص أحمد-، أنه لا يسلبه الطهورية لأن المتغير بالطاهرات إما أن يتناوله اسم الماء عند الإطلاق أو لا. فإن تناوله فلا فرق بين ما يمكن صونه وما لا يمكن صونه، وبين ما تغير بأصل الخلقة وغيره.
وإذا تناوله فلا فرق بين هذين النوعين وبين غيرهما؛ إذ الفرق بين ما كان دائما وحادثا، وما كان يمكن الاحتراز عنه وما لا يمكن إنما هي فروق فقهية، أما كونها فروقا من جهة اللغة وتناول اللفظ لها فلا.
وبهذا يظهر الجواب عن جميع شواهد أدلتهم: مثل اشتراء الماء في باب الوكالة، والنذر، والوقف أو اليمين أو غير ذلك فإن خطاب الناس في هذه الأحكام لا فرق فيه بين مقارن وحادث، فحقيقة قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [6/5] إن كان شاملا للمتغير بأصل الخلقة أو لما تغير بما يشق الاحتراز عنه فهو شامل لما تغير بما لا يشق صونه عنه، وإذا كانت دلالة القرآن على الكل سواء كان التمسك بدلالة القرآن حجة لمن جعله طهورا؛ لا عليه.
__________
(1) اختيارات (3) فيه زيادات، وللفهارس (2/ 32) .
(3/7)

وليس في المسألة دليل من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس بل الأحاديث كما في المحرم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسدر» ، وفي غسل ابنته قال: «اغسلنها بماء وسدر» وتوضؤ أم سلمة من قصعة فيها أثر العجين، وقوله: «تمرة طيبة وماء طهور» كل ذلك ونحوه نص دال على جواز استعمال الماء المتغير بالطاهرات أدل منها على نقيض ذلك.
وأيضا الأصل بقاء ما كان على ما كان، وليس هذا استصحابا للإجماع في مورد النزاع حتى يقال: فيه خلاف؛ فإن ذلك هو دعوى بقاء الإجماع؛ بل يقال: هو قبل التغير طاهر بالنص والإجماع، والأصل بقاء الحكم على ما كان وإن لم يكن الدليل شاملا له، إذ مع شمول الدليل إنما يكون استدلالاً بنص أو إجماع، لا بالاستصحاب، وهذا الاستدلال إنما هو بالاستصحاب.
وقول بعض الحنفية: إن الماء لا ينقسم إلى طاهر ونجس، فليس بشيء لأنه إن أراد: كل ما يسمى ماءً مطلقا ومقيدًا فهو خطأ، لأن المياه المعتصرة طاهرة ولا يجوز بها رفع الحدث.
وإن أراد الماء المطلق، لم يصح، فإن النجس لا يدخل في المطلق.
وقولهم: «طهور» بمعنى «طاهر» غلط، لأن «الطهور» اسم لما يتطهر به كالفطور، والسحور والوجور لما يفطر عليه ويتسحر به ويوجر به؛ ولهذا قال تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} والطاهر لا يدل على ما يتطهر به، ومن ظن أن الطهور معدول عن طاهر فيكون بمنزلته في التعدية واللزوم عند النحويين فهو قول من لم يحكم قوله من جهة العربية.
(3/8)

وبهذا تظهر دلالة النصوص على ما قلنا كقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: «هو الطهور ماؤه» وقوله: «جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا» مما يبين أن المراد ما يتطهر به، ولا يجوز أن يراد طاهر لفساد المعنى، ولا يجوز أن يراد طهور تعدية طاهر لفساد الاستعمال (1) .
قال الخلال: حدثنا صالح بن أحمد؛ قال: قلت لأبي: إذا اغتسل الجنب في البئر أو في الغدير وفيه الماء أكثر من قلتين؟ قال: يجزيه ذلك، قال أحمد: أنجس الماء؟
قول أحمد: أنجس الماء؟ ظن بعض أصحابه أنه أراد نجاسة الخبث فذكر رواية عنه: وإنما أراد أحمد نجاسة الحدث، كما يراد بالطهارة طهارة الحدث، وأحمد رضي الله عنه لا يخالف سنة ظاهرة معلومة له قط، والسنة في ذلك أبين من أن تخفى على أقل أتباعه.
وحمل كلامه على الغدير يغتسل فيه أقل من قلتين من نجاسة الحدث، وليست هذه المسألة من موارد الظنون بل هي قطعية بلا ريب.
ولا يستحب غسل البدن والثوب منه، وهو أصح الروايتين عنه.
وأول القاضي القول بنجاسة الماء بجعله في صفة النجس في منع الوضوء لا أنه تنجس حقيقة.
وظاهر كلام القاضي في التعليق: أن الحدث لا يرتفع عن الأعضاء إلا بعد الانفصال كما لا يصير مستعملا إلا بذلك، فهذا إذا نوى وهو في الماء، وإذا نوى قبل الانغماس ففيه وجهان، وأما إذا صب الماء على العضو: فهنا ينبغي أن يرتفع الحدث (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (ص13، 14) ، وللفهارس العامة (2/ 33) .
(2) اختيارات ص (3) ، وللفهارس (2/ 33) في الاختيارات زيادات.
(3/9)

وذكر في «شرح العمدة» : أن نجاسة الماء ليست عينية؛ لأنه يطهر غيره فنفسه أولى (1) .
لو سبل ماء للشرب هل يجوز الوضوء منه مع الكراهة، أم يحرم؟ على وجهين: وقيل: يكره الغسل (خ) لا الوضوء (و) واختاره شيخنا (2) .
وإن انفصل غير متغير بعد زوالها فهو طاهر، وإن كان على غير الأرض فهو طاهر، وهل يكون طهورا؟ على وجهين والوجه الثاني: أنه طهور، قال المجد: وهو الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: هذا أقوى (3) .
فائدة: ظاهر كلام المصنف أن الماء في محل التطهير لا يؤثر تغيره والحالة هذه، وقيل فيه قول: يؤثر واختاره الشيخ تقي الدين (4) .

فصل

وأما الماء إذا تغير بالنجاسات فإنه ينجس بالاتفاق.
وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة.
أحدها: لا ينجس وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك، وكثير من أهل الحديث، وإحدى الروايات عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه ونصرها ابن عقيل في المفردات وابن المني وغيرهماِ.
__________
(1) الفروع (1/ 75) وللفهارس (2/، 32) .
(2) اختيارات (5) وللفهارس العامة (2/ 33) .
(3) الإنصاف (1/ 46، 47) وللفهارس العامة (2/ 33) .
(4) الإنصاف (1/ 47) وللفهارس العامة (2/ 33) .
(3/10)

والثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة، وهي رواية البصريين عن مالك.
والثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى اختارها طائفة من أصحابه الفرق بين القلتين وغيرهما؛ فمالك لا يحد الكثير بالقلتين والشافعي وأحمد يحدان الكثير بالقلتين.
والرابع: الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرها، فالأول ينجس منه ما أمكن نزحه دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني فإنه لا ينجس القلتين فصاعدا، وهذا أشهر الروايات عن أحمد واختيار أكثر أصحابه.
والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه، ثم حدوا ما لم يصل إليه بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، ثم تنازعوا: هل يحد بحركة المتوضئ أو المغتسل؟ وقدر ذلك محمد بن الحسن بمسجده فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع. وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسة هل يمكن تطهيرها؟ فزعم بشر المريسي أنه لا يمكن، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمكن تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة.
والسادس: قول أهل الظاهر الذين ينجسون ما بال فيه البائل دون ما ألقي فيه البول، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير.
وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أن اختلاط الخبيث وهو النجاسة بالماء هل يوجب تحريم الجميع، أم يقال: بل قد استحال في الماء فلم يبق له حكم.
فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول، ثم من استثنى الكثير قال: هذا يشق الاحتراز من وقوع النجاسة فيه فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد.
(3/11)

وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها وقدروه بالحركة، أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق.
والصواب هو القول الأول، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء طاهر سواء كان قليلا أو كثيرا، وكذلك في المائعات كلها، وذلك أن الله تعالى أباح الطيبات وحرم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث وجب دخوله في الحلال دون الحرام.
وأيضا فقد ثبت من حديث أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء» . قال أحمد: حديث صحيح، وهو في المسند أيضا عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات.
وأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باق ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إذا استحالت فإن الماء طهور وليس هناك نجاسة قائمة.
ومما يبين ذلك: أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت ثم شربها شارب لم يكن شاربا للخمر، ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها، ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل وذلك الماء لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك.
وأيضا فإن هذا باق على أوصاف خلقته فيدخل في عموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه.
(3/12)

فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد «نهى عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه؟» قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدا للذريعة، أو يقال: إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه.
وأيضا فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير.
فيقال لصاحب القلتين: أتجوز بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك.
وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة؟ إن جوزته خالفت ظاهر النص؛ فإن هذا ماء دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير إلا نقضت قولك.
وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع: إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق: أتسوغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص، وإلا نقضت قولك.
فإذا كان النص بل والإجماع دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول بل تقدير الماء وغير ذلك مما يشترك فيه القليل والكثير كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلا بالنهي، فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن البول فيه لأن البول ينجسه، فإن هذا خلاف النص والإجماع.
وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول، فقوله ظاهر الفساد؛ فإن صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول، إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه.
(3/13)

فإن قيل: ففي حديث القلتين: «أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجسه شيء» .
قيل: حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) .
فإذا صح فمنطوقه موافق لغيره، وهو أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء.
وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت عنه مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق، وهذا مفهوم قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين ينجس؛ بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود؛ والمقدار الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة؛ بخلاف القليل فإنه قد يغيره، وذلك إذا سأل عنه فإنه لا يحمل النجاسة في العادة فلا ينجسه، وما دونه فقد يحمل وقد لا يحمل، فإن حملها تنجس وإلا فلا، وحمل النجاسة هو كونها محمولة فيه.
ويحقق ذلك أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هذا التقدير ابتداء وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب.
والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة
__________
(1) هذه نهاية المطبوع في المجموع، ويبتدي ما لم يطبع من قوله: فإذا صح منطوقه إلى آخر الفتوى، وهو تكميل لبيان الأحكام التي في صدر هذه الفتوى.
(3/14)

بالاتفاق كقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [31/7] فإنه خص هذه الصورة بالنهي لأنها هي الواقعة، لا لأن التحريم يختص بها.
وكذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [283/2] فذكر الرهن في هذه الصورة للحاجة لا للكثرة مع أنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة، فهذا رهن في الحضر، فكذلك قوله: «إذا بلغ الماء قلتين» في جواب سؤال معين هو بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان ذلك المسئول عنه كثيرا قد بلغ قلتين ومن شأن الكثير أن لا يحمل الخبث فلا يبقى الخبث فيه محمولا بل يستحيل فيه الخبث لكثرته بين لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه فلا ينجس.
ودل كلامه على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولا، فحيث كان الخبث محمولا موجودا في الماء كان نجسا، وحيث كان الخبث مستهلكا فيه غير محمول في الماء كان باقيا على طهارته.
والمنازع يقول: المؤثر في التنجيس في القليل ولو مطلقا هو نفس الملاقاة وهي موجودة لحمل الخبث كان القليل والكثير سواء في ذلك. وكونه لا يحمل الخبث ليس هو لعجزه عنه كما يظنه بعض الناس فإنه لو كان كذلك لكان القليل أولى أن يحمله، فصار حديث القلتين موافقا لقوله «الماء طهور لا ينجسه شيء» .
والتقدير فيه لبيان أنه في صورة السؤال لم ينجس؛ لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث؛ فإن هذا مخالفة للحس؛ إذ ما دون القلتين قد يحمل الخبث وقد لا يحمله، فإن كان الخبث كثيرا وكان الماء يسيرا يحمل الخبث، وإن كان الخبث يسيرا والماء كثيرا لم يحمل الخبث؛ بخلاف القلتين فإنه لا يحمل في العادة الخبث الذي سألوه عنه.
(3/15)

ونكتة الجواب: أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله أمر حسي يعرف بالعكس، فإذا كان الخبث موجودا فيه كان محمولا، وإن كان مستهلكا لم يكن محمولا، فإذا علم كثرة الماء وضعف الملاقي علم أنه لا يحمل الخبث.
والدليل على هذا اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث، فصار قوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» و «لم ينجسه شيء» كقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهو إنما أراد إذا لم يتغير في الموضعين، وأما إذا كان قليلا فقد يحمل الخبث لضعفه.
وعلى هذا يخرج أمره بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعا إحداهن بالتراب والأمر بإراقته، فإن قوله «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه» أو «فليغسله سبعا أولاهن بالتراب» كقوله: «إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» .
فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس وهو الواحد من آنية المياه فكذلك تلك الآنية هي الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء، وذلك أن الكلب يلغ بلسانه شيئا بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج فلا يحيله الماء القليل بل يبقى، فيكون ذلك الخبث محمولا في ماء يسير في ذلك الإناء، فيراق ذلك الماء لأجل كون الخبث محمولا فيه لما يروى: «ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث» .
وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر، فإن الخمر إذا انقلبت في الدن بإذن الله تعالى كانت طاهرة باتفاق العلماء، وكذلك جوانب الدن، فهناك يغسل الإناء وهنا لا يغسل، لأن الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر.
(3/16)

وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أراد الفصل بين المقدار الذي ينجس بمجرد الملاقاة وبين ما لا ينجس إلا بالتغير لقال: «إذا لم يبلغ قلتين نجس، وما بلغهما لم ينجس إلا بالتغير» أو نحو ذلك من الكلام الذي يدل على ذلك.
فأما مجرد قوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» مع أن الكثير ينجس بالتغير بالاتفاق فلا يدل على أن هذا هو المقصود، بل يدل على أنه في العادة لا يحمل الأخباث فلا تنجسه، فهو إخبار عن انتفاء سبب التنجيس، وبيان لكون المنجس في نفس الأمر هو حمل الخبث، والله أعلم (1) .
«حديث القلتين» .
وأما علته فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر، واختلف فيه عليه واختلف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس ابن تيمية وقفه، ورجع البيهقي في سننه وقفه وجعله هو الصواب.
قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ذلك ابنه عنه (2) .
لا يسوغ الاجتهاد في حل المسكر فكيف الطهارة به قاله شيخنا (3) .
__________
(1) المسائل الماردينيات (17-26) ، وللفهارس العامة (2/ 33) قلت: وفي الفروع (1/ 84، 85) ذكر الخلاف في النجس، وقول الشيخ: وما انتشرت إليه عادة أمامها ووراءها.
(2) تهذيب السنن (1/ 62) ، وللفهارس العامة (2/ 44) .
(3) الفروع (1/ 72) ، وللفهارس (2/ 33) .
(3/17)

ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة ولو وقفت على طائفة معينة كمدرسة ورباط ولو في ملكه لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع فإنما يسوغ مع الاستغناء.. ولا أجرة في الأصح (1) .
وفي الثياب المشتبهة بنجس أنه يتحرى ويصلي في واحد، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، قَلَّت الطاهرة أو كثرة (2) .
ولو أشبهت ميتة بمذكاة وجب الكف عنهما ولم يتحر من غير ضرورة، والحرام باطنا الميتة في أحد الوجهين اختاره الشيخ تقي الدين (3) .

باب الآنية

يحرم استعمال آنية الذهب والفضة واتخاذها، ذكره القاضي في الخلاف، وما لا يستعمل فهو أسهل مثل الضبة في السكين والقدح، وكذلك نقل جعفر بن محمد: لا يعجبني رءوس القوارير والمكحلة والمرود.
ويحرم استعمال إناء مفضض إذا كان كثيرا، ولا يكره يسيره لحاجة ويكره لغيرها.
ونص على التفصيل في رواية جماعة، وفي رواية أبي الحارث: رأس المكحلة والميل وحلقة المرآة إذا كانت من فضة فهي من الضبة والمكحلة. وأجاز الضبة فإنها في العادة تستعمل للحاجة وهو كسر
__________
(1) الاختيارات (9) والفروع (1/ 124) ، وللفهارس (2/ 33) .
(2) اختيارات (5) ، وللفهارس العامة (2/ 33) .
(3) الإنصاف (1/ 69) ، وللفهارس العامة (2/ 33) .
(3/18)

الإناء، ومنع من الحلقة بأنها تستعمل عند عدم الحاجة، ولهذا تستعمل مع صحة الإناء، كذلك رأس المكحلة والقوارير تستعمل للزينة، وقال في رواية نصر وجعفر بن محمد: لا بأس يضببه (1) وأكره الحلقة.
وقال في رواية مهنا وابن منصور: لا بأس في إناء مفضض إذا لم يقع فمه على الفضة.
قال القاضي: وقد فرق بين الضبة والحلقة ورأس المكحلة.
وقال أبو العباس: وكلام أحمد رحمه الله لمن تدبره لم يتعرض للحاجة وعدمها، وإنما فرق بين ما يستعمل وبين ما لا يستعمل؛ فإنه قال: رأس المكحلة والميل وحلقة المرآة إذا كانا من الفضة فهو من الآنية. وما لا يستعمل فهو أهون مثل الضبة في السكين والقدح. فقد نص على أنه إذا كان الفرق في الاستعمال كالحلقة يمسك بها الإناء وكذلك رأس المكحلة فليس كذلك، بخلاف قبضة السكين فإنها لا تستعمل، ثم أطلق: لا بأس بالضبة وأكره الحلقة، ولم يعتبر الحاجة.
وقال أيضا في رواية مهنا ومنصور: لا بأس بالشرب في قدح مضبب إذا لم يقع فمه على الضبة مثل العلم في الثواب، فقد رخص في الشرب في المفضض ولم يشترط حاجة ولم يقيده بالقلة وقاسه على العلم في الثوب، وهذا بين في أن الفضة تباح على سبيل التبع كالحرير، ومقتضى هذه الرواية أن يباح الكثير إذا كان أقل مما هو فيه ولم يستعمل، وهذا هو الصواب.
وكذلك في التعليق القديم: إنما كره أحمد الحلقة في الإناء، ولم يكره الضبة، لأن الحلقة يحصل الانتفاع بها على الانفراد لأنها تستعمل
__________
(1) نسخة بالضبة.
(3/19)

بما هو المنفصل وهو الزيادة، والضبة لا تنفرد باستعمالها، ولأن الحلقة قد يمكن الانتفاع بها لو انفردت.
وقد ذكر في موضع آخر: أن أحمد إنما كره الحلقة في الإناء اتباعا لابن عمر، والمنع هنا مقتضى النص والقياس؛ فإن تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه إلا ما استثني، إذ النهي عن الشيء نهي عن بعضه.
فأما يسير الذهب فلا يباح بحال نص عليه في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الفص إذا خاف عليه أن يسقط هل يجعل له مسمار من ذهب؟ فقال: إنما رخص على الأسنان للضرورة، فأما المسمار فلا، فإذا كان هذا في اللباس ففي الآنية أولى.
وقد غلطت طائفة من أصحاب أحمد حيث حكت قولاً بيسير الذهب تبعًا لقوله في الآنية عن أبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في اللباس والتحلي، وباب اللباس أوسع.
ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة.
ولا يجوز لطخ اللجام والسرج بالفضة نص عليه، وعنه ما يدل على إباحته وهو مذهب أبي حنيفة.
وحيث أبيحت الضبة فإنما يراد من إباحتها أن تحتاج إلى تلك الصورة؛ لا إلى كونها من ذهب أو فضة؛ فإن هذه ضرورة وهي تبيح المتعذر.
ويباح الاكتحال بميل الذهب والفضة، لأنها حاجة ويباحان لها، قاله أبو المعالي (1) .
__________
(1) اختيارات (6-8) فيه زيادات نقل نصوص أحمد وذكر ناقليها وبيان حد القليل وتفصيل، وللفهارس (2/ 33) .
(3/20)

فإن توضأ منهما فهل تصح طهارته على وجهين: أحدهما تصح منها.. والوجه الثاني لا تصح الطهارة منها جزم به ناظم المفردات وهو منها، واختاره أبو بكر والقاضي أبو الحسين والشيخ تقي الدين قاله الزركشي (1) .
جلد الميتة:
قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: ويباح استعماله في اليابسات مع القول بالنجاسة في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: لا تباح وهو الأظهر، للنهي عن ذلك فأما قبل الدبغ فلا ينتفع به قولا واحدا (2) .
والوجه الثاني أن الحكم قبل الدبغ وبعده سواء، قال في الفائق: ويباح الانتفاع بها في اليابسات اختاره الشيخ تقي الدين. اهـ.
الثاني مفهوم كلامه أنه لا يجوز استعمالها في غير اليابسات كالمائعات ونحوها.. قال لأنها نجسة العين.. وقال الشيخ تقي الدين في فتاويه يجوز الانتفاع بها في ذلك إن لم ينجس العين (3) .
ولا يطهر جلد غير المأكول في الذكاة، بل لا يجوز ذبحه، وقال الشيخ تقي الدين: ولو كان في النزع (4) .
ويجوز الانتفاع بالنجاسات في رواية، لكن كرهه أحمد وجماعة، وعنه وشحم ميتة (وش) أومأ إليه في رواية ابن منصور، ومال إليه شيخنا (5) .
__________
(1) الإنصاف (1/ 80، 81) وللفهارس (2/ 33) .
(2) الإنصاف (1/ 87، 88) وللفهارس العامة (2/ 33) .
(3) الإنصاف (1/ 87، 88) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(4) الإنصاف (1/ 89) وللفهارس (2/ 34) .
(5) الفروع (1/ 106) وللفهارس (2/ 34) .
(3/21)

وفأرة المسك طاهرة عند جماهير العلماء، وليس ذلك فيما يبان من البهيمة وهي حية؛ بل هو بمنزلة البيض والولد واللبن والصوف والله أعلم (1) .
باب الاستنجاء
وأما حمد العاطس وإجابة المؤذن فيحمد ويجيب بقلبه، ويكره بلفظه، وعنه لا يكره.
قال الشيخ تقي الدين يجيب المؤذن في الخلاء (2) .
فروى عبد الله وحنبل عن أحمد: إذا عطس الرجل في صلاته يحمد الله في نفسه ولا يرفع صوته، ويحمد الله إذا عطس بخلاء، قال أبو داود للإمام أحمد: في الرجل يعطس في الصلاة المكتوبة وغيرها؟ قال أحمد: يحمد الله ولا يجهر، قلت: يحرك بها لسانه؟ قال: نعم.
قال القاضي: وفي هذا إذا عطس في الخلاء فقد نقل صالح وابن منصور يحمد في نفسه، ونقل بكر بن محمد يحرك به شفتيه في الخلاء، قال القاضي: بحيث لا يسمعه، وقال: ما لا يسمعه لا يكون كلاما فيجري مجرى الذكر في نفسه، ولا تبطل به الصلاة في الرواية الثانية وفاقا للقاضي وجعلها أولى الروايتين، قال أبو العباس: أما مسألة الصلاة فتقارب مسألة الخلاء، فإن الحمد لله ذكر لله ونص أحمد على أنه يقوله في الصلاة بمنزلة أذكار المخافتة، لكن لا يجهر به كما يجهر به خارج الصلاة ليس أنه لا يسمع نفسه، وأما مسألة الخلاء فيحتمل أن يكون ما قال القاضي، ويحتمل أن تكون الروايتان معناهما الذكر الخفي عن غيره كما في الصلاة، ويحتمل أن يكون في المسألة روايتان: إحداهما في نفسه بلا لفظ، والثانية باللفظ (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (16) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(2) الإنصاف (1/ 95) وللفهارس العامة (2/ 34، 50) .
(3) الإنصاف (1/ 105) وللفهارس العامة (2/ 34، 50) .
(3/22)

قال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن نقول بوجوب الاستنجاء باليسرى ومسح الفرج بها لأن النهي في كليهما: الإنصاف (8/ 326) وللفهارس (2/ 34) .
ويكره رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض وهو الصحيح جزم به في الفصول والمغنى وشرح ابن منجا وشرح العمدة للشيخ تقي الدين (1) .
يحرم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي مطلقا سواء الفضاء والبنيان وهو رواية اختارها أبو بكر عبد العزيز، ولا يكفي انحرافه عن الجهة (2) .
وقال الشيخ: يستحب أن يمكث بعد البول قليلا (3) .
ونص أحمد: لا يستجمر في غير المخرج، وقيل: يستجمر في الصفحتين والحشفة (وش) واختار شيخنا وغيره ذلك لعموم الأدلة بجواز الاستجمار ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك تقدير (4) .
وحدد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة ما يتجاوز موضع العادة بأن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألية فأكثر، والبول إلى نصف الحشفة فأكثر فحينئذ يتعين الماء (5) .
قوله: وفي وجوب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في نجاسة وجنابة وجهان:
__________
(1) تصحيح الفروع (1/ 115) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(2) الاختيارات (28) والإنصاف (1/ 101) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(3) الفروع (1/ 118) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(4) الفروع (1/ 119) والاختيارات (9) وللفهارس (2/ 34) .
(5) الإنصاف (1/ 105) وللفهارس (2/ 34) .
(3/23)

أحدهما: لا يجب وهو الصحيح نص عليه واختاره المجد وحفيده وغيرهما (1) .
إذا كان في المسجد بركة يغلق عليها بابه ويمشي حولها دون أن يصلي حلوها فهل يبال فيها؟
هذا يشبه البول في المسجد في القارورة، ومن الفقهاء من نهى عنه لأن هواء المسجد كقرارة في الحرمة، ومنهم من يرخص للحاجة، والأشبه أن هذا إذا فعل للحاجة فقريب، وأما إذا اتخذ مبالا أو متنجى فلا (2) .
قال الشيخ تقي الدين: ولا يغسل في المسجد ميت، قال: ويجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلين وفي نسخة للمصلحة بلا محذور (3) .
وإن كان في دخول أهل الذمة مطهرة المسلمين تضييق أو تنجس أو إفساد ماء ونحوه وجب منعهم، قال: وإن لم يكن ضرر ولهم ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين فليس لهم مزاحمتهم (4) .
«إلا الروث والعظام» واختار الشيخ تقي الدين الإجزاء بهما، قال في الفروع: وظاهر كلام الشيخ تقي الدين وبما نهي عنه، قال: لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقى بل لإفساده.
فإن قيل: يزول بطعامنا مع التحريم فهذا أولى، واختار الشيخ تقي الدين في قواعده الإجزاء بالمطعوم ونحوه ذكره الزركشي أيضًا (5) .
__________
(1) تصحيح الفروع (1/ 120) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(2) مختصر الفتاوى (33) وللفهارس (2/ 34) .
(3) الإنصاف (1/ 168) وللفهارس (2/ 34) .
(4) فروع (1/ 124) والاختيارات (9) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(5) الإنصاف (1/ 110) فيه زيادة، وللفهارس العامة (2/ 34) .
(3/24)

واختار أبو العباس في قواعده الإجزاء بالحجر المغضوب ونحوه من عصب ونحوها وفي المطعوم ونحوه، ومن مذهبه زوال النجاسة بغير الماء من المزيلات كماء الورد ونحوه (1) .
فإن توضأ قبله فهل يصح وضوءه؟ على روايتين: إحداهما: يصح، قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: هذا أشهر (2) .

باب السواك وسنن الوضوء

السواك يطلق على الفعل، وعلى ما يتسوك به، قال الليث: وتؤنثه العرب أيضا.
وغلطه الأزهري في ذلك وتبعه ابن سيدة في المحكم (3) .
وهو في جميع الأوقات مستحب، والأصح ولو لصائم بعد الزوال وهو رواية عن أحمد وقاله مالك وغيره، قال أبو العباس: والسواك ما علمت أحدا كرهه في المسجد والآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون فيه فكيف يكره (4) ؟
وعنه يستحب للصائم كل وقت اختاره شيخنا (5) .
ويستاك بيساره، نقله حرب، قال شيخنا: ما علمت إما ما خالف فيه كاستنثاره (6) .
وذكر أصحابنا رحمهم الله استحباب الإدهان مطلقا، وخصه الشيخ
__________
(1) الزركشي (1/ 228) وللفهارس (2/ 34) .
(2) الإنصاف (1/ 114) وللفهارس العامة (2/ 34)
(3) الاختيارات (10) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(4) الاختيارات (10) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(5) الفروع (1/ 125) وللفهارس العامة (2/ 34) .
(6) الفروع (1/ 128) ف (2/ 34) .
(3/25)

تقي الدين رحمه الله بالبلاد الحارة، وأن الحمام لأهل البلاد الباردة كالإدهان لغيرهم (1) .
«نهى عن الترجل إلا غبا» والترجل تسريح الشعر ودهنه، وظاهر ذلك أن اللحية كالرأس، وفي شرح العمدة: ودهن البدن، و (الغب) يوما ويوما نقله يعقوب.
وفي الرعاية ما لم يجف الأول لا مطلقا للنساء (ش) ويفعله للحاجة للخبر.
واختار شيخنا فعل الأصلح بالبلد كالغسل بماء حار ببلد رطب؛ لأن المقصود ترجيل الشعر ولأنه فعل الصحابة رضي الله عنهم، وأن مثله نوع اللبس والمأكل وأنهم لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده ويلبس من لباس بلده من غير أن يقصدوا قوت المدينة ولباسها.
قال: ومن هذا أن الغالب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحاب الإزار والرداء فهل هما أفضل لكل أحد ولو مع القميص؟ أو الأفضل مع القميص السراويل فقط؟ هذا مما تنازع فيه العلماء. والثاني أظهر. فالاقتداء به تارة يكون في نوع الفعل، وتارة في جنسه، فإنه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو المعنى العام. قال: وهذا ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه (2) .
ويحرم حلق اللحية ذكره شيخنا (3) .
__________
(1) الآداب الشرعية (3/ 21) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(2) الفروع (1/ 128، 129) وللفهارس (2/ 35) .
(3) الفروع (1/ 129) والاختيارات (10) والإنصاف (1/ 121) قال في الفروع: ويأتي في العدالة هل هو كبيرة، ويأتي في آخر ستر العورة والوليمة التشبه الكفار.
(3/26)

وقص الشارب ليس بعيب، بل فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدح فاعله ومن عاب شيئا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أقر عليه عرف ذلك فإن أصر كفر (1) .
قال شيخنا: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة (2) .
وينبغي إذا راهق البلوغ أن يختتن، كما كانت العرب تفعل لئلا يبلغ إلا وهو مختون (3) .
زمن صغر أفضل إلى التمييز، وقال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور (4) .
وليس حلق الرأس في غير نسك بسنة ولا قربة باتفاق المسلمين. وتنازعوا في كراهته، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يعزر بحلق الرأس فإنه كان عند السلف مثله (5) .

قال ابن القيم رحمه الله:

فصل

ويتعلق بالحلق مسألة القزع، وهي حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه، وقال: أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن عمر بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القَزَعِ، والقَزَعُ أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه» .
__________
(1) مختصر الفتاوى (28) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(2) الفروع (1/ 133) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(3) الاختيارات (10) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(4) الإنصاف (1/ 134) ، وللفهارس العامة (2/ 35) .
(5) مختصر الفتاوى (28) وللفهارس العامة والتقريب (2/ 35) .
(3/27)

قال شيخنا: وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا، ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل فإنه ظلم لبعض بدنه، ونظيره نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما (1) .
هل أحاديث الأمر بغسل اليدين من القيام من الليل واجب؟ فيه روايتان. إحداهما واجب، والرواية الثانية لا تنهض لذلك اختارها الخرقي والشيخان، قال أبو العباس اختارها الخرقي وجماعة (2) .
هل يستحب أخذ ماء جديد لهما؟ فيه روايتان. إحداهما: يستحب مسحهما بماء جديد، والثانية: لا يستحب بل يمسحان بماء الرأس اختاره القاضي في تعليقه وأبو الخطاب في خلافه الصغير والمجد في شرح الهداية والشيخ تقي الدين (3) .
قال ابن رجب في الطبقات: ذكر الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: أن أبا الفتح بن حلية قاضي حران كان يختار مسح الأذنين بماء جديد بعد مسحهما بماء الرأس، قال ابن رجب: وهو غريب جدا، والذي رأيناه في شرح العمدة أنه قال: ذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحا بماء الرأس، قال: وليس بشيء، فزاد ابن حامد، والظاهر أن القاضي عبد الوهاب هو ابن جلبة قاضي حران (4) .
__________
(1) تحفة الودود (80) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(2) الزركشي (1/ 169) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(3) تصحيح الفروع (1/ 150) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(4) الإنصاف (1/ 135) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(3/28)

باب فروض الوضوء وصفته
لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود؛ فإنه روى أن سلمان الفارسي قال: إنا نجده في التوراة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من بركة الطعام الوضوء قبله وبعده» وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت الأحاديث الصحيحة: «أنهم يبعثون يوم القيامة غرا» الحديث.
وحديث ابن ماجه: «وضوء الأنبياء قبلي» ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا، ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء (1) .
قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة؛ بل تستحب، ويتوجه قياس المذهب بدخول الوقت لوجوب الصلاة إذا ووجوب الشرط بوجوب المشروط، ويتوجه مثله في غسل، قال شيخنا: وهو لفظي.
يجب الوضوء بالحدث، وقيل: يجب بإرادة الصلاة بعده. قال الشيخ تقي الدين والخلاف لفظي (2) .
الوضوء عبادة لأنه لا يعلم إلا من الشارع، وكل فعل لا يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كالصلاة والصوم، ولأنه مستلزم للثواب كما وعد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - المتوضئ بتكفير خطاياه، فلا بد فيه من النية، ومن لم يوجب النية رأى ذلك من شرائط الصلاة فهو كالسترة.
وهل يصح غسل الكافر من الجنابة؟ على قولين؛ بخلاف وضوئه (3) .
__________
(1) الاختيارات (10، 11) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(2) الفروع (1/ 157) والاختيارات (11) والإنصاف (1/ 194) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(3) مختصر الفتاوى (28) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(3/29)

التسمية في الوضوء واجبة، قال الشيخ تقي الدين: اختارها القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا بل أكثرهم (1) ، والأفضل بثلاث غرفات المضمضة والاستنشاق يجمعهما بغرفة واحدة (2) وإن نوى الحدثين، وقال شيخنا: أو الأكبر ارتفعا (3) .
غسل اليدين للقائم من نوم الليل فيه روايتان. إحداهما يجب.
والثانية لا يجب غسلهما بل يستحب. قال الشيخ تقي الدين: اختاره القاضي وجماعة (4) .
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز الاقتصار على البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر إذا قلنا يجزئ مسح بعض الرأس (5) .
وعنه يجزئ مسح بعض الرأس من غير تحديد وقال القاضي: يجوز مسح بعضه للعذر، واختار الشيخ تقي الدين أنه يمسح معه العمامة للعذر كالنزلة ونحوها، ويكون كالجبيرة فلا توقيت (6) .
قال في الفائق: ولا يستحب الزيادة على محل الفرض في أنص الروايتين اختاره شيخنا (7) .
وما فعله أبو هريرة رضي الله عنه فهو شيء تأوله وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة كانت تلقب بمسألة «إطالة الغرة» وإن كانت الغرة في الوجه خاصة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها
__________
(1) الإنصاف (1/ 128) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(2) الاختيارات (11) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(3) الفروع 1/ 205) .
(4) الإنصاف: (1/ 131) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(5) الإنصاف: (1/ 162) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(6) الإنصاف: (1/ 162) وللفهارس العامة (2/ 35) .
(7) الإنصاف: (1/ 168) ف (2/ 37) .
(3/30)

روايتان عن الإمام أحمد، إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة والشافعي واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.
والثانية: لا يستحب، وهو مذهب مالك وهي اختيار شيخنا أبي العباس (1) .
قال شيخنا: إذا كان مستحبا له أن يقتصر على البعض كوضوء ابن عمر لنومه جنبا إلا رجليه، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام من الليل فأتى حاجته يعني الحدث ثم غسل وجهه ويديه ثم نام، وذكر بعض العلماء أن هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره (2) .
وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء ففي صحة طهارته وجهان:
أحدهما: لا تصح، والوجه الثاني: تصح، وهو الصحيح.. قال في مجمع البحرين واختاره الشيخ تقي الدين (3) .
ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين (4) .
وألحق الشيخ تقي الدين كل يسير منع حيث كان من البدن كدم وعجين ونحوهما واختاره (5) .
والأقطع يغسل الباقي أصلا، ويلزمه بأجرة مثله، وفي الإعادة وجهان:
__________
(1) إغاثة اللهفان (181) والإنصاف (1/ 168) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(2) الفروع (1/ 154) والاختيارات (12) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(3) الفروع (1/ 153) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(4) الاختيارات (12) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(5) الإنصاف (1/ 158) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(3/31)

أحدهما: لا يعيد، وهو الصحيح واختاره ابن عبدوس في تذكرته والشيخ تقي الدين (1) .
فائدة: يجب على الصبي الوضوء بموجباته، وجعل الشيخ تقي الدين مسألة الغسل إلزامه باستجمار ونحوه (2) .
يستحب للذي يتشهد بعد الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء، ذكر في الاختيارات (ص38) .

باب المسح على الخفين

والذين خفي عليهم (3) ظنوا معارضة آية المائدة للمسح؛ لأنه أمر فيها بغسل الرجلين، واختلفوا في الآية مع المسح على الخفين.
فقالت طائفة: المسح على الخفين ناسخ للآية قاله الخطابي. قال: وفيه دلالة على أنهم كانوا يرون نسخ القرآن بالسنة، قال الطبري: مخصص.
وقالت طائفة: هو أمر زائد على ما في الكتاب. ومال إليه أبو العباس، وجميع ما يدعى من السنة أنه ناسخ للقرآن غلط.
أما أحاديث المسح فهي تبين المراد من القرآن؛ إذ ليس فيه أن لابس الخف يجب عليه غسل الرجلين. وإنما فيه أن من قام إلى الصلاة يغسل، وهذا عام لكل قائم إلى الصلاة؛ لكن ليس عاما لكل أحواله؛ بل هو مطلق في ذلك مسكوت عنه.
__________
(1) تصحيح الفروع (1/ 152، 153) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(2) الإنصاف (1/ 234) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(3) قال أبو العباس وخفي أصله أصل المسح على الخفين على كثير من السلف والخلف حتى أنكره بعض الصحابة.
(3/32)

قال أبو عمر بن عبد البر: معاذ الله أن يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب الله، بل يبين مراده.
وطائفة قالت كالشافعي وابن القصار ومال إليه أبو العباس أيضا: أن الآية قرأت بالخفض والنصب، فيحمل النصب على غسل الرجلين والخفض على مسح الخفين فيكون القرآن كآيتين (1) .
وهل المسح أفضل، أم غسل الرجلين، أم هما سواء؟ ثلاث روايات عن أحمد.
والأفضل لكل أحد بحسب قدمه؛ فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه، اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولمن قدماه مكشوفتان: الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابس الخفين (2) ، وعبارة الإنصاف.
وفصل الخطاب أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف اهـ (3) .
والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وقيل: يمسح كالجبيرة واختاره الشيخ تقي الدين، قال في الفروع، وقال في الاختيارات: ولا تتوقف مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين (4) .
__________
(1) الاختيارات (12، 13) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(2) الاختيارات (13) زيادة إيضاح وللفهارس العامة (2/ 36) .
(3) الإنصاف (1/ 169) وللفهارس العامة (2/ 36) .
(4) الإنصاف (1/ 176) هذا توضيح وللفهارس العامة (2/ 36) .
(3/33)

قال في الاختيارات: ويجوز المسح على الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكن (1) .
وقال: يجوز المسح على الخف المخرق إلا المخرق أكثره فكالنعل، فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم لم يجز المسح عليه، وقيل: يجوز المسح عليه اختاره الشيخ تقي الدين (2) .
لو كان لا ينضم الخرق بنفسه لم يجز المسح عليه، وقيل: يجوز اختاره الشيخ تقي الدين (3) .
واختار الشيخ تقي الدين أيضا جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب (4) .
وإن مسح مسافر ثم أقام أتم مسح مقيم، قال الشيخ تقي الدين: هي اختيار أكثر أصحابنا (5) .
ولا يجوز المسح على غير المحنكة إلا أن تكون ذات ذوابة في أحد الوجهين: أحدهما يجوز المسح عليها، وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين بطريق الأولى، فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء فذات الدؤابة أولى بالجواز، وقال عن العمامة الصماء: هي القلانس (6) .
ويمسح على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره (7) .
وعلى القدم ونعلها الذي يشق نزعها إلا بيد أو رجل كما جاءت به
__________
(1) الإنصاف (1/ 179) هذا مختصر مفيد وهو في الاختيارات.
(2) الإنصاف (1/ 181، 182) وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3) الإنصاف (1/ 182) هذا مختصر مفيد وللفهارس العامة (2/ 37) .
(4) الإنصاف (1/ 179) وللفهارس العامة (2/ 37) . لعله يعني المسح على النعل وقدمها
(5) الإنصاف (1/ 177) وللفهارس العامة (2/ 37) .
(6) الإنصاف (1/ 186، 187) زيادة شرح وإيضاح مع الاختصار، وللفهارس العامة (2/ 37) .
(7) الاختيارات (13) وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3/34)

الآثار والاكتفاء بأكثر القدم هنا، والظاهر منها غسلا أو مسحا أولى من مسح بعض الخف ولهذا لا يتوقت (1) .
وذكر في موضع آخر: أن الرجل لها ثلاث أحوال: الكشف له الغسل وهو أعلى المراتب، والستر له المسح، وحالة متوسطة وهي إذا كانت في النعل فلا هي مما يجوز المسح ولا هي بارزة فيجب الغسل فأعطيت حالة متوسطة وهي الرش، وحيث أطلق عليها المسح في هذه الحال فالمراد به الرش، وقد ورد الرش على النعلين، والمسح عليهما في المسند من حديث أوس بن أوس ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس (2) .
يشترط للمسح اللبس على طهارة، ويعتبر كمالها، وعنه: لا. اختاره شيخنا (3) .
إن كان الممسوح عليه غير جبيرة فالصحيح من المذهب أنه يشترط لجواز المسح عليه كمال الطهارة قبل لبسه، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يشترط كمالها اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، وقال: وعنه لا يشترط الطهارة لمسح العمامة ذكره ابن هبيرة، وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأسا فإن لبس محدثا ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح،
قال الزركشي: وهو غريب بعيد، قلت: اختاره الشيخ تقي الدين، وقال أيضا: ويتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس
على طهارة ويكفيه فيهما الطهارة المتقدمة؛ لأن العادة أن من
توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها ولا يبقى مكشوف الرأس
__________
(1) الاختيارات (13) والفروع (1/ 160) وفي الإنصاف (1/ 183) وكمسح عمامة وللفهارس العامة (2/ 37) .
(2) الاختيارات (14) وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3) الفروع (1/ 165) وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3/35)

إلى آخر الوضوء. اهـ (1) .
ومن غسل إحدى رجليه ثم أدخلها الخف قبل غسل الأخرى فإنه يجوز المسح عليها من غير اشتراط خلع، ولبسه قبل إكمال الطهارة كلبسه بعدها، وكذا لبس العمامة قبل إكمال الطهارة، وهو إحدى الروايتين، وهو مذهب أبي حنيفة.
ولو غسل الرجلين في الخفين بعد أن لبسهما محدثا جاز المسح وهو مذهب أبي حنيفة وقول مخرج في مذهب أحمد (2) .
ولو نوى جنب رفع حدثه وغسل رجليه وأدخلهما في الخف ثم تمم طهارته أو فعله محدث ولم نعتبر الترتيب لم يمسح على الأولى (الرواية الأولى) ويمسح على الثانية (الرواية الثانية) وكذا الحكم لو لبس عمامة قبل طهر كامل فلو مسح رأسه ثم لبسها ثم غسل رجليه خلع على الأولى ثم لبس، وعلى الثانية يجوز المسح ولو لبسها محدثا ثم توضأ ومسح رأسه ورفعها رفعا فاحشا فكذلك.
قال الشيخ تقي الدين: كما لو لبس الخف محدثا ثم غسل رجليه رفعهما إلى الساق ثم أعادهما، وإن لم يرفعهما رفعا فاحشا احتمل أنه كما لو غسل رجليه في الخف، لأن الرفع اليسير لا يخرجه عن حكم اللبس، ولهذا لا تبطل الطهارة به، ويحتمل أنه كابتداء اللبس لأنه إنما عفي عنه هناك للمشقة اهـ.
وتقدم أن الشيخ تقي الدين اختار أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة ويكفي فيها الطهارة المستدامة، وقال أيضا: يتوجه أنه لا يخلعهما بعد وضوئه ثم يلبسها بخلاف الخف، وهذا مراد ابن هبيرة.
__________
(1) الإنصاف (1/ 172) توضيح لما في الاختيارات وللفهارس العامة (2/ 37) .
(2) الاختيارات (14، 15) فيه زيادة مسألتين وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3/36)

في الإفصاح في العمامة هل يشترط أن يكون لبسها على طهارة؟ عنه روايتان (1) .
قال ابن القيم رحمه الله ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ثم يباشر الجرح بالمسح وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة، وأنه خير من التيمم، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا ريب أنه بمقتضى القياس؛ فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب، ولم أزل استبعد هذا حتى رأيت نص أحمد هذا بخلافه.
ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفه فكيف يكون أولى من المسح على الجرح نفسه بغير حائل، فالقياس والآثار تشهد بصحة هذا النص. وقد ذكرت في الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار من قال بذلك من السلف وذكرت عنهم الآثار بذلك، وكان شيخنا أبو العباس يذهب إلى هذا ويضعف القول بالتيمم بدل المسح (2) .
ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري، كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور (3) .
ومتى ظهر قدم الماسح ورأسه أو انقضت مدة المسح استأنف
__________
(1) الإنصاف (1/ 172، 173) زيادة إيضاح لما تقدم وللفهارس العامة (2/ 37) .
(2) البدائع (4/ 62) وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3) الاختيارات (15) هذه العبارة أوضح وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3/37)

الطهارة، وعنه يجزيه مسح رأسه وغسل قدميه وأطلقهما في الهداية والمستوعب واختيار الشيخ تقي الدين أن الطهارة لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه (1) .

باب نواقض الوضوء

وإن كانت (النجاسات) من غير السبيلين لم ينقض إلا كثيرها، واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق لا ينقض الكثير مطلقا (2) .
ونقل الميموني لا ينقض النوم بحال، واختار الشيخ تقي الدين إن ظن بقاء طهره (3) .
من النواقض أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وقال الشيخ تقي الدين يستحب إن لمسها لشهوة وإلا فلا (4) .
وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: إذا قلنا بالنقض في الملموس اعتبرنا الشهوة في المشهور كما نعتبرها من اللامس حتى ينتقض وضوءه إذا وجدت الشهوة منه دون اللامس، ولا ينتقض إذ لم توجد منه وإن وجدت عند اللامس اهـ (5) .
ومس اليهودي أو النصراني لا ينقض الوضوء باتفاق المسلمين (6) .
__________
(1) الإنصاف (1/ 190) وللفهارس العامة والتقريب (2/ 37) .
(2) الإنصاف (1/ 197) قال هنا مطلقا وللفهارس العامة (2/ 37) .
(3) الإنصاف (1/ 199) فيه زيادة وللفهارس العامة (2/ 38) .
(4) الإنصاف (1/ 211) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(5) الإنصاف (1/ 215) فيه زيادة وللفهارس العامة (2/ 38) .
(6) مختصر الفتاوى (32) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(3/38)

السابع أكل لحم الجزور، وعنه لا ينقض مطلقا اختاره الشيخ تقي الدين (1) .
فإن شرب من لبنها فعلى روايتين: إحداهما: لا ينقض. قال الشيخ تقي الدين اختاره الكثير من أصحابنا (2) .
ويستحب الوضوء من أكل لحم الإبل، وأما اللحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع فينبني الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي فلا يتعدى إلى غيره، أو معقول المعنى فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه فالوضوء منه أولى (3) .
وفي المسائل يجب الوضوء من لحم الإبل لحديثين صحيحين. لعله آخر ما أفتى به (4) .
وأما نقض الغيبة للوضوء فقد نقل عن طائفة من السلف وبعض الخلف القول بالنقض، والتحقيق أن الطهارة لها معنيان:
أحدهما: الطهارة من الذنوب كقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [33/ 37] ، وقوله: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [56/57] ، وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [103/9] .
والمعنى الثاني: الطهارة الحسية بالماء والتراب، وإنما أمر بهذه لتتحقق تلك؛ فالفاعل للمنهي عنه خرج عن مقصود الطهارة، فيستحب له إعادة الوضوء، وأما أنه ينقض كالنقض بقضاء الحاجة فلا، ولكن إن
__________
(1) الإنصاف (1/ 216) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(2) الإنصاف (1/ 217) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(3) الإنصاف (1/ 218) والفروع (1/ 184) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(4) الاختيارات (16) فيه زيادة.
(3/39)

صلى بعد الغيبة كان أجره على صلاته أنقص بقدر نقص الطهارة النفسية فتخريج كلامهم على هذا لا ينافي قول الأئمة (1) .
قال أبو العباس في قديم خطه: خطر لي أن الردة تنقض الوضوء، لأن العبادة من شرط صحتها دوام شرطها استصحابا في سائر الأوقات، وإذا كان كذلك فالنية من شرائط الطهارة على أصلنا، والكافر ليس من أهلها وهو مذهب أحمد (2) .
{لا يمسه إلا المطهرون} قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر (3) .
والدراهم المكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله يجوز للمحدث لمسها، وإذا كانت معه في منديل أو خرقة وشق إمساكها جاز أن يدخل بها الخلاء (4) .

باب الغسل

لو انتبه بالغ أو من يحتمل بلوغه فوجد بللا جهل أنه مني وجب الغسل مطلقا على الصحيح من المذهب، وعنه: يجب مع الحلم، وعنه لا يجب مطلقا ذكرها الشيخ تقي الدين (5) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (89) .
(2) الاختيارات (16) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(3) التبيان (143) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(4) الاختيارات (17) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(5) الإنصاف (1/ 228) وللفهارس العامة (2/ 38) .
(3/40)

ولو اغتسل الكافر بسبب يوجبه ثم أسلم لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم (1) .
والردة عن الإسلام قيل إنما تركوها لعدم فائدتها؛ لأنه إذا لم يعد إلى الإسلام فظاهر، وإن عاد إلى الإسلام وجب عليه الغسل ويدخل فيه الوضوء.
وقال الشيخ تقي الدين: فائدته تظهر فيما إذا عاد إلى الإسلام فإنا نوجب عليه الوضوء أو الغسل، فإن نواهما بالغسل أجزأه وإن قلنا لم ينتقض وضوءه لم يجب عليه الغسل اهـ (2) .
وإذا وجب الغسل بخروج المني فقياسه وجوبه بخروج الحيض (3) .
واختار الشيخ تقي الدين عدم استحباب الغسل للوقوف بعرفة وطواف الوداع، والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، وقال: ولو قلنا باستحباب الغسل لدخول مكة كان الغسل للطواف بعد ذلك نوع عبث لا معنى له.
قال في المستوعب يستحب الغسل لدخول مكة ولو كانت حائضا أو نفساء، وقال الشيخ تقي الدين: لا يستحب لها ذلك (4) .
ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهو بعض من مذهب من يوجبه مطلقا بطريق الأولى (5) .
__________
(1) الاختيارات (17) وللفهارس العامة (2/ 39) .
(2) الإنصاف (1/ 219) وللفهارس العامة (2) .
(3) الاختيارات (17) وللفهارس العامة (2/ 39) .
(4) الإنصاف (1/ 250) وللفهارس العامة (2/ 39) .
(5) الاختيارات (17) وللفهارس العامة (2/ 39) .
(3/41)

ولا يستحب تكرار الغسل على بدنه وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد (1) .
ويفيض الماء على جسده ثلاثا، وقيل: مرة واختاره الشيخ تقي الدين.
لو نوى جنب بانغماسه كله أو بعضه -في ماء قليل راكد- رفع حدثه لم يرتفع وقيل: يرتفع واختاره الشيخ تقي الدين (2) .
قال ابن القيم رحمه الله بعد كلام سبق، فهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه في استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة.
قال شيخنا: ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع (3) .
ويكره الاغتسال في مستحم وماء عريانا قال شيخنا: عليه أكثر نصوصه (4) .
لو نوى الطهارة الكبرى فقط لا يجزي عن الصغرى، وقال الشيخ تقي الدين يرتفع أيضا الأصغر معه (5) .
__________
(1) الاختيارات (17) وللفهارس العامة (2/ 40) .
(2) الإنصاف (1/ 252) وللفهارس العامة (2/ 40) .
(3) إغاثة اللهفان (127) وللفهارس العامة (2/ 40) .
(4) الفروع (1/ 206) والاختيارات (16) والإنصاف (1/ 262) وللفهارس العامة (2/ 40) .
(5) الإنصاف (1/ 260) زيادة إيضاح وللفهارس العامة (2/ 40) .
(3/42)

إذا أراد الجنب النوم استحب له غسل فرجه ووضوءه، مطلقا، وقال الشيخ تقي الدين في كلام أحمد ما ظاهره وجوبه.
لو أحدث بعد الوضوء لا يعيده، قال في الفروع، وظاهر كلام الشيخ تقي الدين أنه يعيده حتى يبيت على إحدى الطهارتين وقال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب» وهو حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارقطني (1) .
وذكر شيخنا في الجنب: (لا تدخل الملائكة عليه) إلا إذا توضأ (2) .

باب التيمم

وعنه: يجوز التيمم للفرض قبل وقته، فالنفل المعين أولى واختاره الشيخ تقي الدين (3) .
ويلزمه قبول الماء قرضا، وكذا ثمنه والمراد وله ما يوفيه، وقاله شيخنا (4) .
وإن بذل ماء للأولى من حي أو ميت فالميت أحق ولو كان الحي عليه نجاسة وهو مذهب الشافعي، قال أبو العباس: وهذه المسألة في الماء المشترك أيضا (5) وأنه أولى من التشقيص (6) .
وعبارة الإنصاف: من عليه نجاسة أحق من الميت والحائض.
__________
(1) الاختيارات (17) والإنصاف (1/ 261) وللفهارس العامة (2/ 40) .
(2) الاختيارات (17) والإنصاف (1/ 261) وللفهارس العامة (2/ 40) .
(3) الإنصاف (1/ 263) ، وللفهارس العامة (2/ 41) الفروع (1/ 213) والاختيارات (21) والإنصاف (1/ 270) والفهارس العامة (2/ 41) .
(4) الفروع (1/ 213) والاختيارات (21) والإنصاف (1/ 270) والفهارس العامة (2/ 41) .
(5) الاختيارات (28) والفهارس العامة (2/ 41) .
(6) الفروع (1/ 233) .
(3/43)

والجنب ... وقيل: الميت أولى اختاره المجد وحفيده، قال الشيخ تقي الدين: وتأتي هذه المسألة أيضا في الماء المشترك وقال: هو ظاهر ما نقل عن أحمد وهو أولى من التشقيص (1) ولا يتيمم للنجاسة على بدنه وهو قول الثلاثة خلافا لأشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله (2) .
وإن تيمم في الحضر خوفًا من البرد وصلى ففي وجوب الإعادة روايتان. واختار الشيخ تقي الدين لا إعادة عليه، وعلى القول بالإعادة الثانية فرضه على الصحيح، وقيل: هما فرضه واختاره الشيخ في شرح العمدة (3) .
وإن نوى فرضًا فله فعله والجمع بين الصلاتين وقضاء الفوائت والنوافل..
وقال الشيخ تقي الدين: ظاهر كلامهم لا فرق بين ما وجب بالشرع وما وجب بالنذر اهـ (4) .
وقال الشيخ تقي الدين: يتخرج أن لا يصلي نافلة بتيمم جنازة، ويباح الطواف بتيمم النافلة على المشهور في المذهب كمس المصحف، قال الشيخ تقي الدين: ولو كان الطواف فرضا.
وقال أيضا الشيخ تقي الدين في الفتاوى المصرية التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى أعدل الأقوال (5) .
ويجوز التيمم لمن يصلي التطوع بالليل وإن كان في البلد ولا
__________
(1) الإنصاف (1/ 307) وللفهارس (2/ 41) .
(2) الاختيارات (28) وللفهارس (2/ 41) .
(3) الإنصاف (1/ 281) لم يصرح في الحضر هناك وللفهارس (2/ 41) .
(4) الإنصاف (1/ 293) وللفهارس (2/ 41) .
(5) الإنصاف (1/ 296) وللفهارس (2/42) .
(3/44)

يؤخر ورده إلى النهار (1) وثبت أنه عليه الصلاة والسلام تيمم لرد السلام وألحق به من خاف فوات العيد (2) .
قال أبو العباس: وهذا فيمن تيمم لعدم الماء.
أما من تيمم لمرض كالجرح ونحوه فينبغي أن يكون كالمستحاضة ذكره في المبدع (3) .
فإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه يبطل تيممه وهذا اختيار ... والشيخ تقي الدين قاله في الفائق (4) .
ومن أبيح له التيمم فله أن يصلي به أول الوقت ولو علم وجود الماء آخر الوقت، وفيه أفضلية (5) .
ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء، وقيل: التأخير أفضل إن علم وجوده فقط واختاره الشيخ تقي الدين (6) .
ولا يستحب حمل التراب معه للتيمم قاله طائفة من العلماء، خلافا لما نقل عن أحمد (7) .
باب إزالة النجاسة
وفي نجاسة شعر الكلب قولان هما روايتان. فلو تمعط في بئر.
__________
(1) الاختيارات (20) وللفهارس (2/42) .
(2) اختيارات (20) وللفهارس العامة (2/42) .
(3) الزركشي (2/ 382) .
(4) الإنصاف (1/ 298) وللفهارس (2/42) .
قلت: كذا في الإنصاف ولعله [لم] يبطل تيممه كما تقدم عنه في المسح.
(5) الاختيارات (20) وللفهارس العامة (2/ 42) .
(6) الإنصاف (1/ 300) وللفهارس (2/42) .
(7) الاختيارات (21) والفروع (1/ 224) وللفهارس (2/42) .
(3/45)

فهل يجب نزحه؟ يجب نزحه عند من ينجسه، وهو قول فقهاء الكوفة كأبي حنيفة، وقيل: لا ينجس إلا بالتغير وهو قول الجمهور، فيجوز استعمال الماء وإن خرج فيه شعر عند من يطهره، وعند المنجس يقول: إذا خرج في الدلو -وهو قليل- نجس، وهو المشهور: والأظهر أن شعر الكلب طاهر، لأنه لم يثبت فيه دليل شرعي (1) .
وفي سائر النجاسات ثلاث روايات إحداهن يجب غسلها سبعا، والثانية يجب غسلها ثلاثا، والثالثة تكاثر بالماء من غير عدد اختارها، والشيخ تقي الدين (2) .
وهل يقوم الإشنان ونحوه مقام التراب؟ فيه وجهان: أحدهما يجزئ ذلك ويقوم مقام التراب وهو الصحيح: قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: هذا أقوى الوجوه (3) .
وإذا تنجس أسفل خف وحذاء بالمشي.. وقيل كذا الرجل ذكره شيخنا واختاره، وذيل المرأة قيل كذلك، وقيل: يغسل، ونقل إسماعيل ابن سعيد يطهر بمروره على طاهر يزيلها اختاره شيخنا ومال إليه (4) .
ولا يجوز إزالة نجاسة إلا بماء طهور.. وعنه بكل مائع طاهر مزيل كخل اختاره ابن عقيل وشيخنا، قال: ويحرم استعمال طعام أو شراب في إزالتها (5) .
وإذا تنجس ما يضره الغسل كثياب حرير والورق وغير ذلك (6) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (17) والفروع (1/ 235) والاختيارات (225) وللفهارس (2/43) .
(2) الإنصاف (1/ 313) وللفهارس (2/43) .
(3) الفروع (1/ 236، 237) وللفهارس (2/43) .
(4) الفروع (1/ 245) وللفهارس (2/43) .
(5) الفروع (1/ 259) وللفهارس (2/43) .
(6) عبارة الإنصاف: ونحوهما.
(3/46)

أجزأ مسحه في أظهر قولي العلماء، وأصله الخلاف في إزالة النجاسة بغير الماء، ويجزيه استعمال الطعام والشراب في إزالة النجاسة، لا إفساد الماء المحتاج إليه، كما ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها والإبل التي يحج عليها والبقر التي يحرث عليها ونحو ذلك لما في ذلك من الحاجة إليها (1) .
ولو ألقي فيها (2) أحد شيئا يريد به إفسادها على صاحبها لا تخليلها أو قصد صاحبها ذلك بأن يكون عاجزا عن إراقتها لكونها في حِب فيريد إفسادها لا تخليلها فعموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تحل سدا للذريعة ويحتمل أن تحل.
وإذا انقلبت بفعل الله تعالى فالقياس فيها مثل أن يكون هناك ملح فيقع فيها من غير فعل أحد فينبغي على الطريقة المشهورة أن تحل. وعلى طريقة من علل النجاسة بإلقاء شيء لا تحل، فإن القاضي ذكر في خمر النبيذ أنها على الطريقة لا تحل، لما فيها من الماء وأن كلام الإمام أحمد يقتضي حلها.
أما تخليل الذمي الخمر بمجرد إمساكها فينبغي جوازه على معنى كلام أحمد، فإنه علل المنع بأنه لا ينبغي لمسلم أن يكون في بيته الخمر وهذا ليس بمسلم ولأن الذمي لا يمنع من إمساكها، ولو كان المائع غير الماء كثيرا فزال تغيره بنفسه توقف أبو العباس في طهارته (3) .
وإن ظنت نجاسة طين شارع وقلنا بنجاسته فهل يعفى عن يسيره أم لا؟ يعفى عن يسيره واختاره شيخنا تقي الدين (4) .
__________
(1) الاختيارات (23) وللفهارس (2/43) .
(2) يعني الخمرة.
(3) اختيارات (24) فيها زيادات وللفهارس (2/43) .
(4) الفروع (1/ 255) وللفهارس (2/43) .
(3/47)

قال الشيخ تقي الدين: لو تحققت نجاسة طين الشوارع عفي عن يسيره لمشقة التحرز منه ذكره بعض أصحابنا واختاره (1) .
وقطع ابن تميم وابن حمدان أن تراب الشارع طاهر واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هو أصح القولين (2) .
حكم ريق الصبي ولعابه:
قال ابن القيم رحمه الله: هذه المسألة مما تعم بها البلوى، وقد علم الشارع أن الطفل يقيء كثيرا، ولا يمكن غسل فمه، ولا يزال ريقه ولعابه يسيل على من يربيه، ولم يأمل الشارع بغسل الثياب من ذلك، ولا منع من الصلاة فيها، ولا أمر بالتحرز من ريق الطفل، فقالت طائفة من الفقهاء: هذا من النجاسة التي يعفى عنها للمشقة والحاجة كطين الشوارع والنجاسة بعد الاستجمار ونجاسة أسفل الخف والحذاء بعد دلكهما بالأرض.
قال شيخنا وغيره من الأصحاب: بل ريق الطفل يطهر فمه للحاجة كما كان ريق الهرة مطهرا لفمه (3) .
وقول الأصحاب: وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، يعني أن جنسها طاهر وقد يعرض له ما يكون نجس العين كالدود المتولد من العذرة فإنه نجس ذكره القاضي، وتتخرج طهارته بناء على أن الاستحالة إذا كانت بفعل الله تعالى طهرت، ولا بد أن يلحظ طهارة ظاهره من العذرة بأن يغمس في ماء ونحوه إلى أن لا يكون على بدنه شيء منها (4) .
__________
(1) الإنصاف (1/ 335) وللفهارس (2/43) .
(2) الإنصاف (1/ 335) وللفهارس (2/43) .
(3) تحفة الورد (172) وللفهارس (2/43) .
(4) الاختيارات (26) وللفهارس (2/44) .
(3/48)

فصل

قال ابن القيم رحمه الله:
ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المذي فأمر بالوضوء منه فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابه» .
رواه أحمد والترمذي والنسائي، فجوز نضح ما أصابه المذي، كما أمر بنضح بول الغلام.
قال شيخنا: وهذا هو الصواب؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها لكثرة ما يصيب ثوب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الخف والحذاء (1) .
ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذي والقيح والصديد ولم يقم دليل على نجاسته وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته.
والأقوى في المذي أنه يجزي فيه النضح وهو إحدى الروايتين عن أحمد (2) .
ويد الصبي إذا أدخلها في الإناء فإنه يكره استعمال الماء الذي غمس يده فيه، وكذلك تكره الصلاة في ثوبه، وسئل أحمد رحمه الله في رواية الأثرم عن الصلاة في ثوب الصبي؟ فكرهها (3) .
وإذا أكلت الهرة فأرة ونحوها فإذا طال الفصل طهر فمها بريقها لأجل الحاجة، وهذا أقوى الأقوال، واختاره طائفة من أصحاب أحمد
__________
(1) إغاثة اللهفان (1/ 150) وللفهارس (2/44) .
(2) الاختيارات (26) وللفهارس (2/44) .
(3) الاختيارات (26) وللفهارس (2/44) .
(3/49)

وأبي حنيفة، وكذلك أفواه الأطفال والبهائم (1) .
ولا يعفى عن يسير نجاسة في الأطعمة ولا غير ما تقدم، وخالف شيخنا وغيره فيها وذكره قولا في المذهب، لأن الله تعالى إنما حرم الدم المسفوح، وما الفرق بين كونه في مرقة القدر أو مائع آخر أو في السكين أو غيره، وكانت أيدي الصحابة تتلوث بالجرح والدمل ولم ينقل عنهم التحرز من المائع حتى يغسلوه، ولعموم البلوى ببعر الفأر وغيره، وقال أيضًا: نص عليه أحمد وهو نص القرآن (2) .
ولم يذكر جماعة إلا دم العروق، وقال شيخنا: لا أعلم خلافا في العفو عنه وأنه لا ينجس المرقة بل يؤكل معها (3) ، وعبارة الإنصاف: الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق إلخ.
وعنه في الطير: لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف، فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط، ذكره شيخنا ومال إليه (4) ولا فرق في الكراهة بين جوارح الطير وغيرها وسواء كان يأكل الجيف أو لا (5) .
ولا ينجس الآدمي بالموت وهو ظاهر مذهب أحمد والشافعي وأصح القولين في مذهب مالك، وخصه في شرح العمدة بالمسلم، وقاله جده أبو البركات في شرح الهداية (6) .
وروث دود القز طاهر عند أكثر العلماء، ودود الجروح (7) .
__________
(1) الاختيارات (27) فيها زيادات وللفهارس (2/44) .
(2) الفروع (1/ 257) وللفهارس (2/44) .
(3) الفروع (1/ 255) وللفهارس (2/44) .
(4) الفروع (1/ 246) والإنصاف (1/ 327) توضيح أكثر، وللفهارس (2/ 44) .
(5) الاختيارات (25) وللفهارس (2/44) .
(6) الاختيارات (32، 33) والإنصاف (1/ 337) وللفهارس (2/44) .
(7) الاختيارات (25) وللفهارس (2/44) .
(3/50)

ويجوز الانتفاع بالنجاسات سواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي، وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور (1) .

باب الحيض

ويحرم وطء الحائض فإن وطئ في الفرج فعليه دينار أو نصفه كفارة، واعتبر شيخنا كونه مضروبا.
قال الأكثر: يجوز إلى مسكين واحد كنذر مطلق، وذكر شيخنا وجها، ومن له أخذ زكاة لحاجته، قال في شرح العمدة: وكذا صدقة مطلقة (2) .
وقيل: عليهما كفارة واحدة يشتركان فيها، قال ابن عبيدان: ذكره شيخنا في شرح العمدة (3) .
ومن كانت ترى يوما دما ويوما طهرا فالنقاء طهر والدم حيض. وعنه أيام النقاء والدم حيض اختاره الشيخ تقي الدين (4) .
الصحيح من المذهب أنها لا تجلس ما جاوز اليوم والليلة إلا بعد تكراره ثلاثا، وعليه جماهير الأصحاب وهو من المفردات فتجلس الرابعة على الصحيح وقيل: تجلسه في الثالثة قاله القاضي في الجامع الكبير. وعنه يصير عادة بمرتين، وقيل في الثاني واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إن كلام أحمد يقتضيه (5) .
وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها
__________
(1) الاختيارات (25) وللفهارس (2/45) .
(2) الفروع (1/ 262) والاختيارات (27) وللفهارس (2/45) .
(3) الإنصاف (1/ 352) وللفهارس (2/45) .
(4) الإنصاف (1/ 383) وللفهارس (2/45) .
(5) الإنصاف (1/ 361) .
(3/51)

لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثا أو مرتين، قال المصنف هنا: وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار، قلت: وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره، قال ابن تميم: وهو أشبه، قال ابن عبيدان: وهو الصحيح قال في الفائق: وهو المختار واختاره الشيخ تقي الدين (1) .
هي طاهر إذا رأت البياض، وذكر شيخنا أنه قول أكثر أصحابنا إن كان الطهر ساعة، وعنه: أقله ساعة، وعنه: يوم، اختاره الشيخ، وقال: إلا أن ترى ما يدل عليه (2) .
والمبتدئة بدم أسود والأصح وأحمر، -وفي صفرة أو كدرة وجهان- تجلس برؤيته نقله الجماعة ويتوجه احتمال بمضي أقله تترك الصلاة والصوم أقل الحيض في ظاهر المذهب ثم تغتسل، وإن انقطع لدون أقله فلا حيض، ولأقله حيض، وإن جاوز أقله اغتسلت عند انقطاعه في مدة الحيض ولم تجلس ما جاوزه حتى يتكرر ثلاثا فتجلس الرابع نص على ذلك، وقيل: في الثالث: وعنه: يتكرر مرتين فتجلس في الثالث. وقيل: في الثاني، واختاره شيخنا، وأن الكلام يقتضيه ويصير عادة.
وتعيد واجب صوم ونحوه نص عليه، وعنه: قبل تكراره احتياطا، واختار شيخنا لا تجب الإعادة (3) .
ويجوز التداوي لحصول الحيض ذكره شيخنا إلا قرب رمضان لتفطره (4) .
__________
(1) الإنصاف (1/ 371) توضيح للفهارس الاختيارات (25) وللفهارس (2/46) .
(2) الفروع (1/ 267) وللفهارس (2/46) .
(3) الفروع (1/ 269) والإنصاف (1/ 361) وللفهارس (2/46) .
(4) الفروع (1/ 281) والاختيارات (30) والإنصاف (1/ 383) وللفهارس (2/46) .
(3/52)

كتاب الصلاة

تنازع الناس في اسم الصلاة هل هو من الأسماء المنقولة عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية على ما كانت عليه في اللغة، أو أنها تصرف فيها الشارع تصرف أهل العرف فهي بالنسبة إلى عرف أهل اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشرع حقيقة؟ على ثلاثة أقوال.
والتحقيق أن الشارع لم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها كقوله تعالى: {وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [97/3] فذكر بيتا خاصا، فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد؛ بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه (1) .
والسكران بالخمر والحشيش إذا علم ما يقول فعليه الصلاة بعد غسل فمه وما أصابه، وهل عليه أن يستقيء ما في بطنه؟ على قولين للعلماء. أصحهما لا؛ لكن إذا لم يتب فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار» .
فلا بد لهم من الصلاة، وإن كان قد قيل إنها لا تقبل، وإن تابوا
__________
(1) الاختيارات (30) هذا النقل أتم مما في المجموع وللفهارس العامة (2/ 47) .
(3/53)

قبلها لله، وإن صلوا فقد تكون على رأي من ينفي القبول أنه لا ثواب لهم عليها لكن اندفع عنهم عقاب الترك في الدنيا (1) .
ومن كفر بترك الصلاة الأصوب أنه يصير مسلما بفعلها من غير إعادة الشهادتين لأن كفره بالامتناع كإبليس وتارك الزكاة كذلك.
فإذا تقرب بالصلاة يكون بها مسلما وإن كان محدثا، ولا يصح الائتمام به لفقد شرطه لا لفقد الإسلام، وعلى هذا عليه أن يعيد. اهـ (2) .
قال شيخنا: والأشبه أيضا أن الزنديق لا بد أن يذكر أنه تائب باطنا، وإن لم يقل فلعل أن يكون باطنه تغير (3) .
ولا تلزم الصلاة صبيا ولو بلغ عشرا، قاله جمهور العلماء، وثواب صلاة الصبي له (4) ، وتصح من مميز وثواب فعله له ذكره الشيخ في غير موضع وذكره شيخنا (5) .
ويحرم تأخيرها.. فيحرم لغير جمع أوشرط قريب وقال شيخنا: أو شرط قريب، ليس مذهبا لأحمد وأصحابه، وأن الوقت يقدم، واختار تقديم الشرط إن انتبه قرب طلوعها (6) .
والمسافر العادم للماء إذا علم أنه يجد الماء بعد الوقت فلا يجوز له التأخير إلى ما بعد الوقت؛ بل يصلي بالتيمم في الوقت بلا نزاع، وكذلك العاجز عن الركوع والسجود والقراءة إذا علم أنه يمكنه أن يصلي
__________
(1) مختصر الفتاوى (63) وللفهارس العامة (2/ 47) .
(2) تصحيح الفروع (1/ 288) والاختيارات (32) وللفهارس العامة (2/ 47) .
(3) الفروع (1/ 295) وللفهارس العامة (2/ 47) .
(4) الاختيارات (32) وللفهارس العامة (2/ 47) .
(5) الفروع (1/ 290، 291) وللفهارس العامة (2/ 47) .
(6) الفروع (1/ 293) وللفهارس العامة (2/ 48) وما في الفروع أوضح مما في المجموع.
(3/54)

بعد الوقت بإتمام الركوع والسجود والقراءة كان الواجب أن يصلي في الوقت بحسب إمكانه (1) .
وكذلك كل من أخر صلاة عن وقتها فقد أتى بابا من الكبائر (2) .
وتفويت العصر أعظم من تفويت غيرها؛ فإنها الوسطى، وعرضت على من كان قبلنا فضيعوها، ومن حافظ عليها فله الأجر مرتين، ولما فاتت سليمان فعل بالخيل ما فعل.
وفي الصحيح: «من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله» وفيه «فقد وتر أهله وماله» في حديث آخر (3) .
ويعفى عن النائم والناسي إن كان محافظا على الصلاة حال اليقظة والذكر، وأما من لم يكن محافظا عوقب على الترك مطلقا (4) .
والمحافظ على الصلاة أقرب إلى الرحمة ممن لم يصلها ولو فعل ما فعل (5) .
وينبغي الإشاعة عنه بتركها حتى يصلي قاله شيخنا، قال: ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته (6) .
ولا تسقط الصلاة بحج ولا تضعيف في المساجد الثلاثة ولا غير ذلك إجماعا، وتارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه؛ بل يكثر من التطوع، وكذلك الصوم وهو قول طائفة من السلف كأبي
__________
(1) الاختيارات (32) وللفهارس العامة (2/ 48) .
(2) مختصر الفتاوى (164) وللفهارس العامة (2/ 48) .
(3) مختصر الفتاوى (164) وللفهارس العامة (2/ 48) .
(4) مختصر الفتاوى (55) وللفهارس العامة (2/ 48) .
(5) الاختيارات (32) وللفهارس العامة (2/ 48) .
(6) الفروع (1/ 294) وللفهارس العامة (2/ 48) .
(3/55)

عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود بن علي وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه، «وأمره - صلى الله عليه وسلم - المجامع في نهار رمضان بالقضاء» ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه (1) .
ومن فاتته الظهر والعصر نسيانا قضى، وأما من فوتهما متعمدا فقد أتى عظيم الكبائر، وعليه القضاء عند الجمهور، وعند بعضهم لا يصح فعلها قضاء، ومع وجوب القضاء عليه لا تبرأ ذمته من جميع الواجبات ولا يقبلها الله تعالى بحيث يرتفع عنه العقاب، بل لعله يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء ويبقى عليه إثم التفويت يحتاج إلى مسقط آخر، قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما في وصيته: واعلم أن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار، ولا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، والعمل المذكور هو صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء (2) .
قال شيخنا: اختار الأكثر أنها (الردة) لا تحبطه (العمل) إلا بالموت عليها (3) .

باب الأذان

ويكره أن يوصل الأذان بما قبله مثل قول بعض المؤذنين {قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [111/17] (4) .
__________
(1) الاختيارات (34) وللفهارس (2/ 49) .
(2) مختصر الفتاوى (65) وللفهارس (2/ 48) . فيه تفصيل غير موجود في المجموع.
(3) فروع ج (1/ 287) وللفهارس (2/ 49) .
(4) الاختيارات (38) وللفهارس (2/ 50) .
(3/56)

ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، وقيل: يجوز إن كان فقيرا ولا يجوز مع غناه، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: وكذا كل قربة ذكره عنه في تجريد العناية، قلت: ويأتي في باب الإجارة (1) .
ويستحب للمؤذن أن يرفع فمه ووجهه إلى السماء إذا أذن أو أقام ونص عليه أحمد، كما يستحب للذي يتشهد عقيب الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء، وكما يستحب للمحرم بالصلاة أن يرفع رأسه قليلا لأن التهليل والتكبير إعلان بذكر الله لا يصلح إلا له فاستحب الإشارة إليه كما تستحب الإشارة بالأصبع الواحدة في التشهد والدعاء، وهذا بخلاف الصلاة والدعاء إذ المستحب فيه خفض الطرف (2) .
وقال الآمدي: السنة أن يكون المؤذن من أولاد من جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم الأذان، وإن كان من غيرهم جاز، وقال أبو العباس: ولم يذكر هذا أكثر أصحابنا، وظاهر كلام أحمد لا يقدم بذلك، فإنه نص على أن المتنازعين في الأذان لا يقدم أحدهما بكون أبيه هو المؤذن (3) .
ويتخرج أن لا يجزئ أذان القاعد بغير عذر كأحد الوجهين في الخطبة وأولى؛ إذ لم ينقل عن أحد من السلف الأذان قاعدا لغير عذر، وخطب بعضهم قاعدا لغير عذر، وأطلق أحمد الكراهة، والكراهة المطلقة هل تنصرف إلى التحريم أو التنزيه؟ على وجهين (4) .
وأكثر الروايات عن أحمد المنع من أذان الجنب، وتوقف عن الإعادة في بعضها، وصرح بعدم الإعادة في بعضها، وهو اختيار أكثر
__________
(1) الإنصاف (1/ 409) وللفهارس (2/ 49) .
(2) اختيارات (38) وللفهارس (2/ 50) .
(3) الاختيارات (39) وللفهارس (2/ 50) .
(4) الاختيارات (36) وتصحيح الفروع (1/ 316) وللفهارس (2/ 50) .
(3/57)

الأصحاب، وذكر جماعة عنه رواية بالإعادة واختارها الخرقي (1) .
وفي إجزاء الأذان في الفاسق روايتان: أقواهما عدمه لمخالفته أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما ترتيب الفاسق مؤذنا فلا ينبغي قولا واحدا (2) .
والصبي المميز يتخرج في أذانه للبالغ روايتان كشهادته وولايته.
وقال في موضع آخر: اختلف الأصحاب في تحقيق موضع الخلاف، منهم من يقول موضع الخلاف سقوط الفرض به والسنة المؤكدة إذا لم يوجد سواه، وأما صحة أذانه في الجملة وكونه جائزا إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، ومنهم من أطلق الخلاف؛ لأن أحمد قال: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم إذا كان قد راهق، وقال في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الغلام يؤذن قبل أن يحتلم فلم يعجبه.
والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام لا يجوز أن يباشره صبي قولا واحدا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتد به في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك فهذا فيه الروايتان والصحيح جوازه (3) .
وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة بل ذلك بدعة منكرة (4) .
__________
(1) الاختيارات (37) وللفهارس (2/ 40) .
(2) الاختيارات (37) وللفهارس (2/ 50) .
(3) الاختيارات (37) وتصحيح الفروعه (1/ 319) وللفهارس (2/ 50) .
(4) مختصر الفتاوى (39، 40) والاختيارات (39) وللفهارس (2/ 50) .
(3/58)

فأما ما سوى الأذان من تسبيح ونشيد ورفع صوت بدعاء فليس بمسنون عند الأئمة، ولا أعلم أحدا استحبه، بل ذكره طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد من البدع المكروهة، وما كان مكروها لم يكن لأحد أن يأمر به ولا ينكر على تركه ولا يعلق به استحقاق رزق، ولا يلزم فعله ولو شرطه واقف.
وإذا قيل في بعض هذه الصور مصلحة راجحة على مفسدتها فيقتصر من ذلك على القدر الذي يحصل به المصلحة دون الزيادة التي هي ضرر بلا مصلحة راجحة (1) .
وكذلك التثويب بين الأذان والإقامة لم يكن على عهد رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بل كرهه أكثر الأئمة والسلف وعدوه بدعة (2) .
ويستحب إذا أخذ المؤذن في الأذان أن لا يقوم؛ إذ في ذلك تشبه بالشيطان.
قال أحمد: لا يقوم أول ما يبدأ ويصبر قليلا (3) ويجيب مؤذنا ثانيا وأكثر حيث يستحب ذلك كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد
النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) .
والخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه، وهل هو حرام أو مكروه؟ في المسألة وجهان إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص عليه أحمد.
__________
(1) مختصر الفتاوى (41) وللفهارس (2/ 50) ويأتي في صلاة الجمعة بيان الأمور المذمومة في هذه الآذان.
(2) مختصر الفتاوى (40) وللفهارس (2/ 50) .
(3) الاختيارات (40) وللفهارس (2/ 50) .
(4) الاختيارات (39) وللفهارس (2/ 50) .
(3/59)

والإقامة كالنداء بالأذان (1) .
وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم استحب له أن يجلس، وإن لم يكن صلى تحية المسجد، قال ابن منصور: رأيت أبا عبد الله أحمد خرج عند المغرب فحين انتهى إلى موضع الصف أخذ المؤذن في الإقامة
فجلس (2) .
والسنة أن ينادي للكسوف: «الصلاة جامعة» ولا ينادي للعيد والاستسقاء وقاله طائفة من أصحابنا، ولهذا لا يشرع للجنازة ولا للتراويح على نص أحمد، خلافا للقاضي، لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقياس على الكسوف فاسد الاعتبار (3) .
ولم يكن التبليغ وراء الإمام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلفائه، ولكن لما مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس مرة وكان أبو بكر يسمع الناس التكبير؛ على أن الظاهر عن أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان إماما للناس، فيكون تبليغه لأنه إمام للناس، وكذا بلغ مرة أخرى حين صرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجحش شقه الأيمن، ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يستحب التبليغ بل يكره إلا لحاجة مثل ضعف صوت الإمام وبعد المأموم ونحوه، وقد اختلفوا فيه في هذه الحال، والمعروف عن أحمد أنه جائز وأصح قولي مالك، وأما عند عدم الحاجة فبدعة، بل صرح كثير منهم أنه مكروه، بل قد ذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد إلى أنه يبطل صلاة المبلغ لغير حاجة ولم يستحبه أحد من العلماء حينئذ، ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر وهذا أقل أحواله (4) .
__________
(1) الاختيارات (48) وللفهارس (2/ 50) .
(2) الاختيارات (38) وللفهارس (2/ 50) .
(3) الاختيارات (38) وللفهارس (2/ 50) .
(4) مختصر الفتاوى (40) والاختيارات (39) وللفهارس العامة (2/ 50) .
(3/60)

الذي جاءت به السنة هو ما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه من أنه كان بعض المؤذنين يؤذنون قبل الفجر، وبعضهم بعد طلوع الفجر، وأبلغ ما قاله الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم في تقديم الأذان من نصف الليل، مع أن أبا حنيفة وغيره ينهون عن الأذان قبل الوقت مطلقا (1) .
وليس الأذان بواجب للصلاة الفائتة، وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه، وإن كان يقضي صلوات فأذن أول مرة وأقام لبقية الصلوات كان حسنا أيضا (2) .
وهو أفضل من الإمامة وهو أصح الروايتين عن أحمد واختيار أكثر أصحابه.
وأما إمامته - صلى الله عليه وسلم - وإمامة الخلفاء الراشدين فكانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يكن يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (3) .

باب شروط الصلاة
الوقت

ويعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بالوقت وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وكما شهدت له النصوص خلافا لبعض أصحابنا (4) .
__________
(1) مختصر الفتناوى (41) وللفهارس (2/ 50) .
(2) اختيارات (36) فيه زيادات وللفهارس (2/ 50) .
(3) اختيارات (36) فيه زيادات وللفهارس (2/ 50) .
(4) اختيارات (34) والإنصاف (1/ 441) وللفهارس (2/ 50) .
(3/61)

بدأ جماعة من أصحابنا كالخرقي القاضي في بعض كتبه وغيرهما بالظهر، ومنهم من بدأ بالفجر كأبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في موضع، وهذا أجود لأن الصلاة الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي الأولى (1) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [84/20] ، وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضا ربه، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها، ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، قال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره (2) .
وجمهور العلماء يرون أن تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة مثل المتيمم يؤخر ليصلي آخر الوقت بوضوء، والمنفرد يؤخر ليصلي آخر الوقت مع جماعة ونحو ذلك (3) .
لم أجد أحدا قال: إن تأخير جميع الصلوات أفضل؛ لكن منهم من يقول بعضها أفضل، كما يقول أبو حنيفة في الفجر والعصر.
والمواقيت التي علمها جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته حين بين مواقيت الصلاة وهي التي ذكرها العلماء في كتبهم هي في الأيام المعتادة.
فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يوم كسنة» قال: «اقدرا له» فله حكم آخر، يبين ذلك أن صلاة الظهر في الأيام المعتادة
__________
(1) الفروع (1/ 308) والإنصاف (1/ 439) وللفهارس (2/ 50) .
(2) المدارج (1/ 59) وللفهارس (2/ 50) .
(3) اختيارات (33) فيه زيادة، وللفهارس (2/ 50) .
(3/62)

لا تكون إلا بعد الزوال وانتصاف النهار، وفي ذلك اليوم يكون من أوائل اليوم بقدر ذلك، وكذلك وقت العصر هي في الأيام المعتادة إذا زاد ظل كل شيء على مثله عند الجمهور، كمالك وأحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهذا آخر وقتها عند مالك وأحمد في إحدى الراويتين والشافعي.
والمقصود: أن في ذلك اليوم لا يكون وقت العصر فيه إذا صار ظل كل شيء لا مثله ولا مثليه، بل يكون أول يوم قبل هذا الوقت بشيء كثير، فكما أن وقت الظهر والعصر ذلك اليوم هما قبل الزوال، كذلك صلاة المغرب والعشاء قبل الغروب، وكذلك صلاة الفجر فيه تكون بقدر الأوقات في الأيام المعتادة ولا ينظر فيها إلى حركة الشمس لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك، وهكذا كما قيل في قوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [62/ 19] قال بعضهم: يؤتون على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، وقيل: يعرف ذلك بأنوار تظهر من ناحية العرش كما يعرف ذلك في الدنيا بنور الشمس.
وقول الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله أرأيت اليوم كالسنة أيكفينا فيه صلاة اليوم؟ فقال: «لا ولكن اقدروا له قدره» أراد اليوم والليلة.
فقد يعني به الليل كما يعني بلفظ الليلة الليلة بيومها، كقوله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [41/ 3] وفي الموضع الآخر: {ثلاث ليال سويا} [10/19] ويوم كقوله: «يوم عرفة» ، «وإذا فاته الوقوف يوم عرفة» يراد اليوم والليلة التي تليه.
وأيضا إذا علموا أنهم يقدرون لثلاث صلوات قبل وقتها المعتاد
(3/63)

علم بطريق اللزوم أنهم يقدرون للمغرب والعشاء، ووقوع ذلك في النهار كوقوع صلاتي المغرب والعشاء قبل الزوال من ذلك اليوم.
وأيضا فقوله: «اعتكف العشر» يدخل فيه الليل، وقوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً} [142/ 7] دخل فيها النهار والله أعلم (1) .
وقال في اقتضاء الصراط المستقيم في تسمية العشاء بالعتمة إن الأشهر عندنا (2) إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم الآخر، وأن مثلها العشاء في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء (3) .
فالمرأة إذا غلب على ظنها أنها لا تخرج من الحمام حتى يفوت العصر أو تصفر الشمس لم يجز لها تفويت العصر باتفاق الأئمة بل إما أن تصلي في البيت جمعا، وإما أن تخرج من الحمام وتصلي، وإما أن تصلي في الحمام، وجمعها في البيت خير من صلاتها في الحمام (4) .
ومن دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع، وهو قول مالك وزفر، رواه زفر عن أبي حنيفة، ومتى زال المانع من تكليفه في وقت الصلاة لزمته إن أدرك فيها قدر ركعة، وإلا فلا وهو قول الليث وقول الشافعي ومقالة في مذهب أحمد (5) .
ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جن أو حاضت المرأة لزمه القضاء، وعنه: لا بد أن يمكنه الأداء اختارها جماعة منهم ابن بطة وابن أبي موسى والشيخ تقي الدين، واختار الشيخ تقي الدين أيضًا أنه لا
__________
(1) مختصر الفتاوى (38، 39) وللفهارس (2/ 50) .
(2) عبارة الإنصاف الأشهر عنه.
(3) الفروع (1/ 303) والإنصاف (1/ 435) وللفهارس (2/ 50) .
(4) مختصر الفتاوى (73) وللفهارس (2/ 50) .
(5) الاختيارات (34) وللفهارس (2/ 50) .
(3/64)

تترتب الأحكام إلا أن تضايق الوقت عن فعل الصلاة ثم يوجد المانع، وذكر الشيخ تقي الدين الخلاف عندنا فيما إذا طرأ مانع أو تكليف هل يعتبر بتكبيرة أو ركعة؟ واختار بركعة في التكليف (1) .
قال شيخنا: إن عجز فمات بعد التوبة غفر له، قال: ولا تسقط بحج ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة ولا غير ذلك (2) .

سترة العورة

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي.
ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا (3) .
اختلفت عبارات أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم، عورة، وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة، والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه (4) .
__________
(1) الإنصاف (1/ 441، 442) .
(2) الفروع (1/ 308) وللفهارس (2/ 51) .
(3) مدارج (2/ 384) ويحتمل أن قوله: وكان لبعض السلف إلخ من كلام تلميذه وللفهارس (2/ 51) .
(4) الاختيارات (40) والإنصاف (1/ 452) وفيه زيادة إيضاح، وللفهارس (2/ 52) .
(3/65)

وفي الكفين روايتان: إحداهما عورة، والرواية الثانية ليستا بعورة.. واختارها الشيخ تقي الدين (1) .
واختار الشيخ تقي الدين أن القدمين ليستا بعورة أيضا (2) .
ولا يختلف المذهب في أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة، وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط كالرواية في عورة الرجل، وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا وعلى الشريعة عموما وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول (3) .
واختار الشيخ تقي الدين أن الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء، وهذا من جنس اختياره أن الفصاد في البلاد الرطبة أولى وأن الاغتسال بالماء الحار في البلاد الرطبة أولى من الإدهان اعتبارا في كل بلد بعادتهم ومصلحتهم (4) .
السدل هو أن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى قال الشيخ تقي الدين هذا الصحيح المنصوص عليه (5) .
وقال الشيخ تقي الدين: واعتبار لبس الطيالسة على العمائم لا أصل له في السنة، ولم يكن من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم؛ بل ثبت في الصحيح حديث الدجال «أنه يخرج معه سبعون ألفا مطيلسين من يهود أصبهان» وكذلك جاء في غير هذا الحديث: أن الطيالسة من شعار اليهود، ولهذا كره من كره لبسها لما رواه أبو داود.
__________
(1) قلت: المراد هنا في الصلاة أما في باب النظر فيأتي أنها من الزينة الباطنة.
(2) الإنصاف (1/ 452) وللفهارس (2/ 52) .
(3) الإنصاف (1/ 453) وللفهارس (2/ 52) .
(4) الاختيارات (40، 41) وللفهارس (2/ 50) .
(5) الآداب (3/ 523) والفروع (1/ 356) وللفهارس (2/ 52) .
(3/66)

وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» (1) انتهى كلامه (2) .
وقال ابن عقيل في مكان آخر: يكره ما يشبه زي الكفار دون العرب، وقاله أيضا غيره.
وعن ابن عمر مرفوعا: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح، قال شيخنا: أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [51/5] في مخالفة الأمر (3) .
ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء من شعارهم حرم لبسها (4) .
والنظري ليس له التشبه في لباسه بلباس أعداء المسلمين (5) .
قال الشيخ تقي الدين: وإرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السنة، وإطالة الذؤابة كثيرا من الإسبال المنهي عنه انتهى كلامه (6) .
قال ابن القيم رحمه الله: وكان إذا اعتم أخرى عمامته بين كتفيه.
وكان شيخنا قدس الله روحه في الجنة يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة «لما رأى رب العزة تبارك وتعالى فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض» وهو في الترمذي وسئل عنه البخاري فقال: صحيح، قال:
__________
(1) الإنصاف (1/ 469) وللفهارس (2/ 52) .
(2) الآداب (3/ 524، 525) والفروع (1/ 355) وللفهارس (2/ 53) .
(3) الفروع (1/ 360) وللفهارس (2/ 53) .
(4) الاختيارات (243) وللفهارس (2/ 52) .
(5) الاختيارات (77) وللفهارس (2/ 52) .
(6) الآداب (3/ 529) والفروع (1/ 356) وللفهارس (2/ 52) .
(3/67)

فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه، وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، ولم أر هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره (1) .
وكره مالك وأحمد لبس العمامة المقطعة التي ليست تحت الحنك منها شيء.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «لا ينظر الله إلى قوم لا يديرون عمائمهم تحت أذقانهم» وكانوا يسمونها الفاسقية لكن رخص فيها إسحاق وغيره، وروي أن أبناء المهاجرين كانوا يتعممون كذلك، وقد يجمع بينهما بأن هذا حال المجاهدين والمستعدين له، وهذا حال من ليس من أهل الجهاد، وإمساكها بالسيور يشبه التحنيك (2) .
ومن لم يجد إلا ثوبا لطيفا أرسله على كتفيه وعجزه، فإن لم يجد ثيابا صلى جالسا، ونص عليه، فإن لم يحوهما ائتزر به وصلى قائما، وقال القاضي: ستر منكبيه ويصلي جالسا، والأول هو الصحيح، وقول القاضي ضعيف (3) .
قال الشيخ تقي الدين: لا يلزمه الاستتار بالطين عند الآمدي وغيره، وهو الصواب المقطوع به، وقيل: إنه المنصوص عن أحمد (4) .
ولكن يستحب أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إن أمكن (5) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شد على وسطه منطقة (6) .
__________
(1) زاد المعاد (1/ 43) وللفهارس (2/ 52) .
(2) مختصر الفتاوى (29) وللفهارس (2/ 53) .
(3) الاختيارات (42) وللفهارس (2/ 53) .
(4) تصحيح الفروع (1/ 327) وللفهارس (2/ 53) .
(5) الاختيارات (42) وللفهارس (2/ 53) .
(6) زاد المعاد (1/ 33) وللفهارس (2/ 53) .
(3/68)

والصلاة في النعلين سنة أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر إذا كان فيها أذى أن يدلكهما بالأرض فإنها لهما طهور، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وصلاته - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالنعال في المسجد مع أنهم يسجدون على ما يلاقي النعال كل ذلك دليل على طهارة أسفل النعل، مع أنهم كانوا يروحون بها إلى الحش للبراز، فإذا رأى عليهما أثر النجاسة فدلكهما بالأرض طهرتا (1) .
وفي لبس جلد الثعلب وافتراش جلد سبع روايتان، قال الشيخ تقي الدين: وأما الثعلب ففيه نزاع، والأظهر جواز الصلاة فيه (2) .
ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين، والوجه الثاني: لا يحرم؛ بل يكره ذكره ابن عقيل والشيخ تقي الدين رواية (3) .
ولو صلى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة فهو كالأرض المغصوبة، وإن صلى على فراش مغصوب فوجهان أظهرهما البطلان.
ولو غصب مسجدا وغيره بأن حوله عن كونه مسجدا بدعوى ملكه أو وقفه على جهة أخرى لم تصح صلاته فيه، وإن أبقاه مسجدا ومنع الناس من الصلاة فيه ففي صحة صلاته فيه وجهان اختار طائفة من المتأخرين الصحة والأقوى البطلان.
ولو تلف في يده لم يضمنه عند ابن عقيل، وقياس المذهب ضمانه (4) .
والعبد الآبق لا يصح نفله ويصح فرضه عند ابن عقيل وابن
__________
(1) مختصر الفتاوى (42) الفروع (1/ 359) وللفهارس (2/ 52) .
(2) الفروع (1/ 106) وللفهارس (2/ 53) .
(3) الإنصاف (1/ 473) وللفهارس (2/ 52) .
(4) الاختيارات (42) وللفهارس (2/ 52) .
(3/69)

الزاغوني وبطلان فرضه قوي أيضا كما جاء في الحديث مرفوعا، وينبغي قبول صلاته (1) .
ولو كان المصلي جاهلا بالمكان والثوب أنه حرام فلا إعادة عليه سواء قلنا إن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد، لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة، وكذا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية بل يكون طاعة.
وأما المحبوس في مكان مغصوب فينبغي أن لا تجب عليه الإعادة إذا صلى فيه قولا واحدا، لأن لبثه فيه ليس بمحرم، ومن أصحابنا من يجعل فيمن لم يجد إلا الثوب الحرير روايتين كمن لم يجد إلا الثوب النجس، وعلى هذا فمن لم يمكنه أن يصلي إلا في الموضع الغصب فيه الروايتان وأولى، وكذلك كل مكره على الكون بالمكان النجس والغصب بحيث يخاف ضررا من الخروج في نفسه أو ماله ينبغي أن يكون كالمحبوس وذكر ابن الزاغوني في صحة الصلاة في ملك غيره بغير إذنه إذا لم يكن محوطا عليه وجهين، وأن المذهب الصحة، يؤيده أنه يدخله ويأكل ثمره فلأن يدخله بلا أكل ولا أذى أولى وأحرى.
والمقبوض بعقد فاسد من الثياب والعقار، أفتى بعض أصحابنا بأنه كالمغصوب سواء، وعلى هذا فإن لم يكن المال الذي يلبسه ويسكنه حلالا في نفسه لم يتعلق به حق الله تعالى ولا حق عباده وإلا لم تصح فيه الصلاة، وكذلك الماء في الطهارة، وكذلك المركوب والزاد في الحج وهذا يدخل فيه شيء كثير وفيه نوع مشقة (2) .
وله حشو جباب وفرش بحرير (وش) وقيل: لا وذكر ابن عقيل رواية كبطانة.
__________
(1) الإنصاف (1/ 473) وللفهارس (2/ 53) .
(2) الاختيارات (43) فيه زيادة وللفهارس (2/ 52) .
(3/70)

وفي تحريم كتابة المهر وجهان: أحدهما لا يحرم بل يكره وهو الصحيح قدمه في الرعاية وتبعه في الآداب الكبرى والوسطى، والوجه الثاني يحرم في الأقيس قاله في الرعاية الكبرى واختاره ابن عقيل والشيخ تقي الدين (1) .
فإن استوى (الحرير) وما نسج معه فعلى وجهين.. والوجه الثاني يحرم، قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: الأشبه أنه يحرم لعموم الخبر (2) .
لبس الحرير حيث يكون سدى بحيث يكون القطن والكتان أغلى قيمة منه وفي تحريمه إضرار بهم، لأنه أرخص عليهم، يخرج على وجهين لتعارض لفظ النص ومعناه، كالروايتين في إخراج غير الأصناف الخمسة إذا لم يكن قوتا لذلك البلد.
ولو كان الظهور للحرير وهو أقل من غيره ففيه ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة، والإباحة، وحديث الحلة السيراء والقسي يستدل به على تحريم ما ظهر فيه الحرير؛ لأن ما فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن ينسج مع غيرها من الكتان أو القطن فالنبي - صلى الله عليه وسلم - حرمها لظهور الحرير فيها ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من القطن أو الكتان أكثر، أم لا؟ مع أن العادة أنه أقل، فإن استويا فالأشبه بكلام أحمد التحريم.
والثياب القسية ثياب مخططة بحرير قال البخاري في صحيحه، قال عاصم، عن أبي بردة: قلنا لعلي ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير كأمثال الأترج.
وقال أبو عبيد: هي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير
__________
(1) الفروع وتصحيح (1/ 351) وللفهارس (2/ 54) .
(2) الإنصاف (1/ 480) وللفهارس (2/ 54) .
(3/71)

فقد اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير وليست حريرا مصمتا، وهذا هو الملحم.
والخز أخف من وجهين: إحداهما سداه من حرير، والسدى أيسر من اللحمة، وهو الذي بين ابن عباس جوازه بقوله: فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به.
والثاني: أن الخز ثخين والحرير مستور بالوبر فيه فيصير بمنزلة الحشو.
والخز اسم لثلاثة أشياء: للوبر الذي ينسج مع الحرير، وهو وبر الأرنب، واسم لمجموع الحرير والوبر، واسم لرديء الحرير، فالأول والثاني حلال، والثالث حرام.
وجعل بعض أصحابنا المتأخرين الملحم والقسي والخز على الوجهين، وجعل التحريم قول أبي بكر؛ لأنه حرم الملحم والقسي، والإباحة قول ابن البناء، لأنه أباح الخز، وهذا لا يصلح، لأن أبا بكر قال: ويلبس الخز ولا يلبس الملح ولا الديباج.
وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره فمن زعم أن في الخز خلافا فقد غلط.
وأما لبس الرجال الحرير كالكتولة والقباء فحرام على الرجال بالاتفاق على الأجناد وغيرهم، لكن تنازع العلماء في لبسه عند القتال بغير ضرورة على قولين: أظهرهما الإباحة.
وأما إن احتاج إلى الحرير في السلاح ولم يقم غيره مقامه فهذا يجوز بلا نزاع (1) (2) .
__________
(1) الاختيارات (75، 76) وللفهارس (2/ 54) .
(2) قلت: وتقدم ويأتي حكم اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك.
(3/72)

وقال الشيخ تقي الدين: يجوز بيع حرير لكافر ولبسه له؛ لأن عمر بعث بما أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أخ له مشرك رواه أحمد والبخاري ومسلم.
قال شيخنا: وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة للكفار، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وعملها لهم بالأجرة (1) .
والخلاف في كسوة الحيطان إذا لم تكن الكسوة حريرا أو ذهبا، فأما الحرير والذهب فيحرم، كما تحرم ستور الحرير والذهب على الرجال والحيطان والأبواب التي تشترك فيها الرجال والنساء وأن تكون كالتي للرجال.
وأما الحيطان والأبواب التي تختص بالمرأة ففي كون ستورها وكسوتها كفرشها نظر؛ إذ ليس هو من اللباس.
ولا ريب في تحريم فرش الثياب تحت دابة الأمير وأمثاله، لا سيما إن كانت خزا أو مغصوبة، ورخص أبو محمد في ستر الحيطان لحاجة من وقاية حر أو برد، ومقتضى كلام القاضي المنع، لإطلاقه على مقتضى كلام الإمام أحمد.
ويكره تعليق الستور على الأبواب من غير حاجة لوجود أغلاق غيرها من أبواب الخشب ونحوها، وكذلك تكرار الستور في الدهليز لغير حاجة؛ فإن ما زاد على الحاجة فهو سرف، وهل يرتقي إلى التحريم؟ فيه نظر (2) .
وأطلق في المستوعب: له الخضاب بالحناء، وقال في مكان آخر: كرهه أحمد، لأنه من الزينة، وقال شيخنا: هو بلا حاجة مختص بالنساء، ثم احتج بلعن المتشبهين والمتشبهات (3) .
__________
(1) الاختيارات (244) .
(2) الفروع (3/ 454) وللفهارس (2/ 54) .
(3/73)

اجتناب النجاسة

وجوب تطهير البدن من الخبث، يحتج عليه بأحاديث الاستنجاء، وبحديث التنزه عن البول، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - «حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء ثم صلي فيه» من حديث أسماء وغيرها، وبحديث أبي سعيد في «دلك النعلين بالتراب ثم الصلاة فيهما» .
وطهارة البقعة يستدل عليها بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأعرابي: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة» وأمره - صلى الله عليه وسلم - بصب الماء على البول (1) .
ونزاع الفقهاء فيمن صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه؟ على قولين معروفين الأظهر أنه لا يعيد؛ بل الصحيح أن كل من صلى في الوقت بحسب إمكانه لا يعيد كالعاجز عن الطهارة والستارة والاستقبال أو اجتناب النجاسة أو عن إكمال الركوع والسجود أو عن قراءة الفاتحة ونحوهم (2) .
قال ابن القيم رحمه الله في مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس: هذه مسألة نزاع.. قال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه لم يحكم ببطلان صلاته بالشك، فإن الأصل عدم النجاسة وقد شك فيها في هذا الثوب فيصلي فيه، كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم حاله (3) .
ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك.
__________
(1) الاختيارات (43) وللفهارس (2/ 54) .
(2) مختصر الفتاوى (36) هذه أطول مما في المجموع وللفهارس (2/ 54) .
(3) إغاثة اللهفان (1/ 176) وللفهارس (2/ 54) .
(3/74)

وذكر طائفة من أصحابنا أن وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة لأنه لا يتناول اسم المقبرة وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلي فيه، فهذا ينبني على أن المنع يكون متناولا لتحريم الصلاة عند القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد (1) .
ولا تصح الصلاة في الحش ولا إليه، ولا فرق عند عامة أصحابنا بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه، واختار ابن عقيل: أنه إذا كان بين المصلي وبين الحش ونحوه حائل مثل جدار المسجد لم يكره، والأول هو المأثور عن السلف (2) .
وقال الآمدي: تكره الصلاة في الرحى ولا فرق بين علوها وسفلها، قال أبو العباس: ولعل هذا لما فيها من الصوت الذي يلهي المصلي ويشغله (3) .
ولا تصح الفريضة في الكعبة؛ بل النافلة وهو مذهب أحمد، وأما صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيت الحرام فإنها كانت تطوعا فلا يلحق به الفرض لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى داخل البيت ركعتين، ثم قال: «هذه القبلة» فيشبه
والله أعلم أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقب الصلاة خارج البيت
__________
(1) الاختيارات (44) وللفهارس (2/ 55) .
(2) الاختيارات (44) وللفهارس (2/ 55) .
(3) الاختيارات (45) وللفهارس (2/ 55) .
(3/75)

بيانا؛ لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كاف في الفرض لأجل أنه صلى التطوع في البيت، وإلا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة، فلا بد لهذا الكلام من فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع في محل الشبهة وابن عباس راوي هذا الحديث فهم منه هذا المعنى وهو أعلم بما سمع.
وإن نذر الصلاة في الكعبة جاز، كما لو نذر الصلاة على الراحلة، وأما إن نذر الصلاة مطلقا فإنه يعتبر فيها شروط الفريضة؛ لأن النذر المطلق يحذى فيه حذو الفرائض (1) .

استقبال القبلة

قال الدارقطني وغيره في قول الراوي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى على حمار» غلط من عمرو بن يحيى المازني، وإنما المعروف صلاته - صلى الله عليه وسلم - على راحلته أو البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم في رواية أخرى، ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو هذا، وقيل: إن في تغليطه نظرا، وقيل: إنه شاذ لمخالفته الجماعة (2) .
وتصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة أو حصول ضرر بالمشيء أو تبرز للخفرة (3) .
وذكر طائفة من الأصحاب أن الواجب في استقبال القبلة هواؤها دون بنيانها بدليل المصلي على جبل أبي قبيس وغيره من الجبال العالية بمكة، فإنه إنما يستقبل الهواء لا البنيان، وبدليل ما لو انتقضت الكعبة
__________
(1) الاختيارات (45) الاختيارات (44) وللفهارس (2/ 55) . قلت: ويأتي زيادة إيضاح في فتاوى استقبال القبلة.
(2) الاختيارات (46) وللفهارس (2/ 56) .
(3) الاختيارات (74) وللفهارس (2/ 56) .
(3/76)

والعياذ بالله فإنه يكفيه استقبال العرصة، قال أبو العباس: الواجب استقبال البنيان، وأما العرصة والهواء فليس بكعبة ولا بناء وأما ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه فإنما ذلك لأن بين يدي المصلي قبله شاخصة مرتفعة وإن لم تكن مسامته فإن المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالإمام، وأما إذ زال بناء الكعبة والعياذ بالله فنقول بموجبه وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئا يصلي إليه، لأن أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنه جعل القبلة البناء الشاخص.
وكذلك قال الآمدي: إن صلى بإزاء الباب وكان مفتوحا لا تصح صلاته وإن كان مردودا صحت، وإن كان مفتوحا وبين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، لأنه يصلي إلى جزء من البيت. فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء صحت الصلاة، وإن لم يكن بين يديه شيء لم تصح، وهذا من كلام الآمدي يدل على أن البناء لو زال لم تصح الصلاة إلا أن يكون بين يديه شيء، وإنما يعني به -والله أعلم- ما كان شاخصا كما قيده فيما لو صلى إلى الباب، ولأنه علل ذلك بأنه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت. فعلم أن مجرد العرصة غير كاف، ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي في أخبار مكة أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير، لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ففعل ذلك ابن الزبير، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئا منصوبا شاخصا، وأن العرصة ليست قبلة،
ولم ينقل أن أحدا من السلف خالف في ذلك ولا أنكره، نعم لو فرض أنه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها بأن يقع ذلك إذا
هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطا إذا لم يجد
(3/77)

سترة فإن قواعد إبراهيم كالخط، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا: أن البناء إذا زال صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم إنه لا يصلي: على ظهر الكعبة، ومن قال هذا يفرق بأنه إذا زال البناء لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوما سقوط استقباله إذا كان موجودا، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز.
وإذا قلنا لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص فإنه يكفي شخوصه ولو أنه شيء يسير كالعتبة التي للباب قاله ابن عقيل، وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز أن يصلي إلى الباب إذا كان مفتوحا، لكن إذا كان بين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها، بل لا بد أن يكون مثل آخرة الرحل؛ لأنها السترة التي قدر بها الشارع السترة المستحبة فلأن يكون تقديرها في الواجب أولى، ثم إن كانت السترة التي فوق السطح ونحوه بناء أو خشبة مسمرة ونحو ذلك مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك جازت الصلاة إليه لأنه جزء من البيت، وإن كان هناك لبن وآجر بعضه فوق بعض أو خشبة معروضة غير مسمرة ونحو ذلك لم يكن قبلة فيما ذكره أصحابنا لأنه ليس من البيت، ويتوجه أن يكتفى في ذلك بما يكون سترة في الصلاة، لأنه شيء شاخص ولأن حديث ابن عباس وابن الزبير دليل على الاكتفاء بكل ما يكون قبلة وسترة، فإن الخشب والستور المعدة عليها لا يتبع في مطلق البيع.
وقال ابن حامد وابن عقيل في الواضح وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة لم تصح صلاته، لأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت الأحاديث بأنه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة احتياطًا
(3/78)

للعبادتين، وقال القاضي في التعليق: يجوز التوجه إليه في الصلاة وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة، قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب لأنه من البيت بالسنة الثابتة، وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لما نقضه ابن الزبير، ونص أحمد أنه لا يصلي الفرض في الحجر، فقال: لا يصلي في الحجر، والحجر من البيت، قال أبو العباس: والحجر جميعه ليس من البيت، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته ألبتة (1) .
وإن اختلف مجتهدان في جهتين.. أنهما إذا استويا عنده له اتباع أيهما شاء وجزم به الشيخ تقي الدين في المسودة، وقال: ذكره القاضي في أصوله المختلفة بما يقتضي أنه محل وفاق ولم يمنعه (2) .

النية
قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه واحدة منها؛ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر، فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه، ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرح بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتش هل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أحد من أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه، فإن كان هذا هدى، فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال (3) .
__________
(1) الاختيارات (47-49) وللفهارس (2/ 56) .
(2) الفروع (1/ 386، 387) وللفهارس (2/ 56) .
(3) إغاثة اللهفان (1/ 38) .
(3/79)

قال شيخنا: يحرم خروجه لشكه في النية للعلم بأنه ما دخل إلا بنية، وكشكه هل أحدث (1) .
ولو سمى إماما أو جنازة فأخطأ صحت صلاته إن كان قصده خلف من حضر وعلى من حضر وإلا فلا (2) .
ولا يتنفل منفرد مأموما على الأصح (وهـ م ر) ولا إماما اختاره الأكثر، وعنه يصح اختاره الشيخ وشيخنا (3) .

باب صفة الصلاة

ويتوجه: يجب تسوية الصفوف وهو ظاهر كلام شيخنا (4) .
ولا تنعقد إلا بقوله قائما في فرض: الله أكبر وهي ركن بقدر ما يسمع نفسه، ومع عذر بحيث يحصل السماع مع عدمه، واختار شيخنا الاكتفاء بالحروف وإن لم يسمعها وذكره وجها (وم) وكذا ذكر واجب (5) .
وإذا قدر المصلي أن يقول: الله أكبر لزمه ولا يجزئه غيرها وهو قول مالك وأحمد (6) .
قال شيخنا: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في التحيات: أت، أت، ألتحي، ألتحي،
وفي السلام: أس، أس. وقوله في التكبير: أكككبر ونحو ذلك فهذا
__________
(1) الفروع (1/ 397) والاختيارات (49) وللفهارس العامة والتقريب (2/ 56) .
(2) الاختيارات (49) والفروع (1/ 400) وللفهارس (2/ 57) .
(3) الفروع (1/ 400) ف (2/ 57) .
(4) الفروع (1/ 408) وللفهارس (2/ 58) .
(5) الفروع (1/ 410) وللفهارس (2/ 48) .
(6) الاختيارات (50) وللفهارس (2/ 58) .
(3/80)

الظاهر بطلان صلاته به، وربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه وما كان عليه أصحابه، وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور، ومحدثاتها، وتعذيب نفسه، وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو الأنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفي وحده، وانفعال النفس وذلها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه، وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل في العقل كما قال أبو حامد الغزالي وغيره، الوسوسة: إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب (1) .
ويستحب التعوذ أول كل قراءة ويجهر في الصلاة بالتعوذ وبالبسملة وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانا فإنه المنصوص عن أحمد تعليما للسنة (2) .
قال شيخنا: وتكتب البسملة أوائل الكتب، كما كتبها سليمان، وكتبها النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية وإلى قيصر وغير (3) .
ولا يشترط أن يسمع المصلي نفسه القراءة الواجبة، بل يكفيه الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها وهو وجه في مذهب أحمد واختاره
__________
(1) إغاثة (1/ 139) ف (2/ 58) .
(2) الاختيارات (50) ف (2/ 59) .
(3) الفروع (1/ 414) والاختيارات (51) ف (2/ 59) .
(3/81)

الكرخي من الحنفية وكذا كل ذكر واجب (1) .
والفاتحة أعظم سورة في القرآن قال عليه الصلاة والسلام فيها: «أعظم سورة في القرآن» رواه البخاري، وذكر معناه ابن شهاب الزهري وغيره (2) .
وعند شيخنا ترتيب الآيات واجب، لأن ترتيبها بالنص (ع) وترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص في قول جمهور العلماء منهم المالكية والشافعية، قال شيخنا: فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها (3) .
ووقوف القارئ على رءوس الآيات سنة وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف أو غير ذلك.
والقراءة القليلة بتفكر أفضل من الكثيرة بلا تفكر، وهو المنصوص عن الصحابة رضي الله عنهم صريحا، ونقل عن أحمد ما يدل عليه، نقل عنه مثنى بن جامع: رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، ورجل أقل الأكل فقلت نوافله وكان أكثر فكرة فأيهما أفضل؟ فذكر ما جاء في الفكر «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» قال: فرأيت هذا عندنا أفضل للتفكر (4) .
ويكره أن يقول مع إمامه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ونحوه (5) .
__________
(1) الاختيارات (50) قلت: وتقدم النقل عن الفروع وهنا صرح بالقراءة.
(2) الفروع (1/ 415) ف (2/ 60) .
(3) الفروع (1/ 415) ف (2/ 60) .
(4) الاختيارات (53) ف (2/ 60) . وف (1/ 247) .
(5) الاختيارات (53) والفروع (1/ 425) ف (2/ 60) .
(3/82)

ومن لم يحسن القراءة ولا الذكر، أو الأخرس لا يحرك لسانه حركة مجردة.
ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب؛ لأنه عبث ينافي الخشوع وزيادة على غير المشروع (1) .
وسمعته يقول في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: أن القرآن هو أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالة الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد فمن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به (2) .
وقول القائل: إن طوَّل القيام على الركوع والجلوس بين السجدتين تبطل صلاته قول ضعيف باطل (3) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه:

فصل

الصلاة مؤلفة من أقوال وأفعال، فأعظم أقوالها القرآن، وأعظم أفعالها الركوع والسجود وأول ما أنزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [1/96] وختمها بقوله {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [19/96] فافتتحها بالأمر بالقراءة وختمها بالأمر بالسجود وكل منهما يكون عبادة مستقلة.
فالقراءة في نفسها عبادة مطلقا إلا في مواضع، والسجود عبادة
__________
(1) الاختيارات (55) وتحفة الودود (156) ولفظها: وزيادة عمل غير مشروع، ف (2/ 60) .
(2) مدارج (2/ 285) واختيارات (58) زيادة إيضاح.
(3) مختصر الفتاوى (62) ف (2/ 61) .
(3/83)

بسبب السهو والتلاوة وسجود الشكر، وعند الآيات على قول. فالتلاوة الخاصة سبب السجود.
وقد ذكر الله الركوع والسجود في مواضع فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [77/22] فهذا أمر بهما وقال تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [29/48] فهذا ثناء عليهم بهما، وإن كان ذكرهما منتظما لبقية أفعال الصلاة كما في القراءة والقيام والتسبيح والسجود المجرد وهو من باب التعبير بالبعض عن الجميع، وهو دليل على وجوبه فيه، وقال تعالى لبني إسرائيل {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [43/2] فأفرد الركوع بالتخصيص بعد الأمر بإقامة الصلاة، ويشبه والله أعلم أن يكون فيه معنيان:
أحدهما: أنهم لا يركعون في صلاتهم فأمرهم بالركوع إذا كانوا لا يفهمون ذلك في نفس الصلاة.
الثاني: أن قوله: {مَعَ الرَّاكِعِينَ} أمر بصلاة الجماعة، ودل بذلك على وجوبها، وأمر بالركوع معهم؛ لأنه بالركوع يكون مدركا للركعة، فإذا ركع معهم فقد فعل بقية الأفعال معهم، وما قبل الركوع من القيام لا يجب فعله معهم فما بعده لازم؛ بخلاف ما لو قال: قوموا، أو: اسجدوا لم يدل على ذلك.
وقال لمريم: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [43/3] قد يكون أمرا لها بصلاة الجماعة وإن كانت امرأة لأنها كانت محررة منذورة لله عاكفة في المسجد، وقال تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [24/38] قد قيل: إنه السجود، وقال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [48/77] وذكر السجود والقيام في
(3/84)

قوله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [64/25] وفي قوله: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [9/39] وذكر السجود في قوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [19/96] وفي قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [42-43/68] وقوله: {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [154/4] وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [98/15] وقوله: {وَمِنَ الليْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [40/50] وقوله: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [102/4] .
وآيات سجود التلاوة {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [206/7] .
وقوله: {وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [49، 50/16] .
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} الآية: [107/17] ، وقوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [58/19] وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} الآية: [18/22] وقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [77/22] وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [60/25] وقوله: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [25/27] وقوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ
(3/85)

إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [32/15] .
وقوله: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [37/41] .
وقوله: {فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا} [62/53] .
وقوله: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [21/84] .
وقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [19/84] .
فآية الأعراف والرعد والنحل والحج فيها الخبر عن سجود المخلوقات، لكن في الأعراف سجود الملائكة وفي الحج سجود المخلوقات طوعية، وهذا لم يعم بني آدم، وسجود الكائنات مطلق ليس مقيدا بركوع فشرع السجود عند ذكره، لأن المؤمن داخل في ذلك، أو متشبه بصاحبه.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} الآية: [107/17] وقوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [58/19] خبر عن سجود بسبب التلاوة، فأمر بالسجود عند التلاوة.
ونظيره: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [21/84] وقوله: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ} [24/27] وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [37/41] نهي عن السجود لغير الله مطلقا وأمر بالسجود له فشرع السجود المقابل للمنهي عنه.
وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا
(3/86)

تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [60/25] فأخبر عن امتناع الكافر عن السجود مطلقا فيشرع السجود المقابل له، وهو مطلق السجود هناك في مقابلة المعبود الباطل وهنا في مقابلة الكافر الممتنع عن الحق.
وأما قوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [77/22] فلا ريب أن هذا أمر بسجود الصلاة فلذلك جرى فيه النزاع فقيل: هو أمر به كما في قوله: {اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [43/3] .
وقيل: هذا لا يمنع أن يكون سببا لذلك، كما أن آيات التلاوة والسجود تتضمن السجود في الصلاة عقب سماع القرآن.

فصل
ولما كثر ذكر السجود في القرآن، تارة أمرا به، وتارة ذما لمن تركه، وتارة: ثناء على فاعله، وتارة إخبارا عن سجود عظماء الخليقة وعمومهم كان ذلك دليلا على فضيلة السجود، وهذا ظاهر فإن السجود فيه غاية الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها حتى إن مواضع الصلاة سميت به فقيل: مسجد ولم يقل: مقام، ولا مركع لوجهين:
أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر.
والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد يسجد على سبعة أعضاء وإنما يقوم على رجلين، وأما الركوع فسيان نسبة الأرض إليه وإلى القيام، فلهذا قيل: مسجد وهو موضع السجود دون موضع الركوع، والركوع نصف
سجود، والسجود شرع مثنى مثنى في كل ركعة سجدتان ولم
يشرع من الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جعل أيضا مثنى وهو سجدتا السهو، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسميهما المرغمتين وقال في
الشك «إن كانت صلاته وترا شفعتا له صلاته، وإن كانت تامة
(3/87)

كانت ترغيمًا للشيطان» فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة؛ لأن الركن الأعم في كل ركعة هما السجدتان، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعني على نفسك بكثرة السجود» ، وقال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
ولما كانت الصلاة مثنى مثنى، جعل في كل ركعة السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين معقودتان بركعة، فتصير وترا سجدتين وركوع، والركوع مقدمة أمامهما كتقدمة الوقوف على طواف الزيارة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أدركتمونا ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركعة فقد أدرك» كما قال: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» ومن فاته التعريف فإنه يفعل الطواف والسعي ولكن لا يكون مدركا للحج، لكن يكون متحللا بعمرة، أو عمل عمرة ولهذا قيل: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [43/2] فالركوع مع السجود تقدمة وتوطئه وباب إليه، وهو مشترك بين القيام والسجود وبرزخ بينهما، فالقيام قيام القراءة بعده، وأما القيام بعده فهو -والله أعلم- لأجل السجود بعده ليكون السجود عن قيام وهو السجود الكامل، فالرفع منه تكميل للركوع، والخفض من القيام تكميل للسجود، ولهذا هو ركن تام كما جاءت به السنة، وليس معادلا لبقية الأركان كما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «لا تقبل الله صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» لعدم تكميلهما فإنه أيضا إذا لم يقم صلبه بين السجدتين لا يكون قد أكمل الأولى برفعها ولا الثانية بخفضها، فالسجود إذا شرع في الانحناء وهو قاعد، أما إذا كان وجهه قريبًا من الأرض وألصقه فليس هذا بسجود.
ومن هنا غلط من غلط وقال: إن الاعتدالين ليس بركنين طويلين لما ظنوا أن المقصود مجرد الفصل، والصواب ما جاءت به السنة إيجابًا
(3/88)

للاعتدال واستحبابًا لإتمامه وتسويته بسائر الأركان، لأن هذا القيام والقعود إن كان تابعا من بعض الوجوه فالقعود في آخر الصلاة أيضا تابع للصلاة وهم يطردون أصلهم في عدم إيجابه عند بعضهم، والركوع أيضا تابع من بعض الوجوه للسجود الذي هو غاية الخضوع، كما قال: {سَاجِدًا وَقَائِمًا} [9/39] .
فإذا كان بعض أركان الصلاة الفعلية أفضل من بعض وأبلغ في كونه مقصودا لم يمنع إيجاب التابع المفضول كالركعتين الأخريين مع الأوليين وكإيجاب الطمأنينة.
وحرف المسألة: أن إتمام الأركان فرض ولا يتم إلا بذلك، وإتمام الصلاة من إقامتها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فإن قوله في الخوف والسفر {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [101/4] فالخوف يبيح قصر الأفعال والسفر قصر الأعداد دليل على وجوب الإتمام في الأمن والطمأنينة لقوله: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [103/4] وإتمامها من إقامتها كما جاءت به السنة حيث قال للمسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ، وقال: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» فجعل من لم يتمها لم يصل، والله سبحانه أعلم (1) .

ما يكره في الصلاة

ومن الأدب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - المصلي أن يرفع بصره إلى السماء، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال
__________
(1) من «الكلام على مسألة السماع» لابن القيم (219-229) دار العاصمة الرياض، عن مخطوطة مكتبة اسكوريال بأسبانيا رقم 1593 وهي موجودة في مكتبة الجامعة الإسلامية مصورة.
(3/89)

أدب الصلاة أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا خافضا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق (1) .

فصل

آل محمد فيه قولان:
أحدهما: أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة، نص عليه أحمد والشافعي، وهو أصح.
وعلى هذا فتحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته: روايتان الأصح: دخولهن دون مواليهن كبريرة، بخلاف موالي الرجال.
وعلى هذا: أهل بيته هم بنو هاشم من ذرية أبي طالب والعباس والحارث أبناء عبد المطلب أعمام النبي - صلى الله عليه وسلم - فذرية هؤلاء الثلاثة أهل بيته، وكذلك ذرية أبي لهب عند الجمهور، وليس من أعمامه من له نسل غير هؤلاء الأربعة.
وأفضل أهل بيته علي وفاطمة وحسن وحسين الذين أدار عليهم الكساء وخصهم بالدعاء.
وظاهر كلام أبي العباس في موضع آخر، أن حمزة أفضل من حسن وحسين واختاره بعض العلماء (2) .
__________
(1) مدارج (2/ 385) ف (2/ 65) .
(2) هذا النقل عن الاختيارات (55) من قوله وظاهر كلام أبي العباس إلى قوله بعض العلماء بحث معترض في هذا الفصل يناسب وضعه هنا.
(3/90)

وأما بنو المطلب هل هم من أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة؟. على روايتين.
والقول الثاني: آل محمد هم أمته، أو الأتقياء من أمته، روي ذلك عن مالك وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
ولفظ آل فلان، إذا أطلق دخل فيه فلان وآله، وقد يقال: محمد وآل محمد، فلا يدخل فيهم محمد، وكذلك أهل البيت.
وأصل آل أول، فحركة الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
ومن قال: إن أصله أهل فقد غلط، لأن الأهل يضاف إلى الجماد وغيره.
وأما آل فإنما يضاف إلى شخص معظم من شأنه أن يئول إليه غيره أي يسوسه فيكون مآله إليه فيتناول نفسه ومن يئول إليه.
ولهذا جاء في أكثر الألفاظ، «كما صليت على إبراهيم» جاء في بعضها «على إبراهيم» لأنه هو الأصل في الصلاة وسائر أهل بيته تبع له.
ولم يأت «على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» بل روي ولكنه غير ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن المتأخرين من يرى الجمع بين ألفاظ الأدعية التي رويت بألفاظ متنوعة مثل قوله: «ظلما كثيرا كبيرا» وهي طريقة محدثة بل فاسدة عقلا، لأنه لم يستحب أحد من المسلمين للقارئ أن يجمع بين حروف القراءة.
فإن قيل: فلم جاء «على محمد وعلى آل محمد» فذكر محمد وآله بخلاف إبراهيم؟
قيل: لأن الصلاة على محمد وآله ذكرت في مقام الطلب والدعاء،
(3/91)

وفي إبراهيم في مقام الخبر، والجملة الطلبية إذا بسطت كان بسطها مناسبا لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه، فأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع لا يحتمل الزيادة ولا النقصان فلم يكن في زيادة اللفظ زيادة معنى فكان الإيجاز أحسن ولهذا جاء بلفظ «إبراهيم» ، تارة وبلفظ «آل إبراهيم» أخرى لأن كلا من اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر، وهو الصلاة التي وقعت ومضت، إذ قد علم أن الذي وقع هو الصلاة عليه وعلى آله بخلاف ما لو طلب صلاة على محمد فإنه يدل على طلب الصلاة على آل محمد، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بيننا بهذا اللفظ لم يعلم ما يريد به.
ولو قيل: «صل على محمد» ، لكان إنما يصلي عليه في العموم، فقيل: على محمد وآل محمد ليخص بالدعاء.
ثم إن قيل: إنه داخل في آله مع الاقتران، كما هو داخل مع الإطلاق فقد صُلي عليه مرتين خصوصا وعموما.
ولو قيل: إنه لم يدخل ففي ذلك بيان أن الصلاة على آله إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذي بسببه طلبت الصلاة على آله.
فإن قيل: قوله «صليت على آل إبراهيم» يشعر بفضيلة إبراهيم، لأن المشبه دون المشبه به؟
قيل: الجواب: أن محمدا داخل في آل إبراهيم، لأنه في الأصح أحق من غيره من الأنبياء بالدخول فيدخل عموما في آل إبراهيم، ثم أمرنا أن نصلي على محمد على آله خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما، ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم، والباقي له، فيطلب له من الصلاة هذا القدر العظيم فيحصل له به أعظم ما لإبراهيم وغيره، ويظهر به من فضيلته على كل من النبيين ما هو اللائق به - صلى الله عليه وسلم -.
(3/92)

وجواب ثان وهو أن «آل إبراهيم» فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد، فإذا طلب له من الصلاة مثل ما صلي على هؤلاء حصل لآله ما يليق بهم، فإنهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد فحصل له بذلك مزية ليست لإبراهيم ولا لغيره، وهذا حسن أيضا.
وجواب ثالث: منع أن يكون المشبه دون المشبه به.
وجواب رابع: أن التشبيه عائد إلى الصلاة على الآل فقط فعند قوله «على محمد» انقطع الكلام وقوله «على آل محمد» مبتدأ وهذا نقل عن الشافعي وهو ضعيف كالذي قبله، لأن الفعل العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، وهو العامل في أداة التشبيه، والحذف إنما يجوز مع قيام الدليل، كما لو قال: اضرب زيدا وعمرو مثل ضربك خالدا وجعل التشبيه للمعطوف كان تلبيسا.
ومحمد أفضل الرسل باتفاق المسلمين، لكن وقع نزاع، هل هو أفضل من جملتهم؟ قطع طائفة بأن أفضل، كما أن صديقه أبا بكر وزن إيمانه بإيمان جميع الأمة فرجح.
فعلى هذا يكون آل محمد الذين هو فيهم أفضل من آل إبراهيم الذين ليس فيهم محمد وإن كان فيهم عدد من الأنبياء، وإن لم يكن محمد من آل نفسه فيكون آل محمد ليس فيهم نبي دون آل إبراهيم ففيهم أنبياء.
وإن قلنا: إنه داخل في آل إبراهيم كان آل إبراهيم فيهم محمد وأنبياء غيره وآل محمد فيهم محمد ولا نبي معه فتكون الجملة التي هو وغيره فيها من الأنبياء أفضل من الآخرين.
واتفق المسلمون على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء كله سرا أفضل، بل الجهر ورفع الصوت بالصلاة بدعة، ورفع الصوت بذلك أو
(3/93)

بالترضي قدام الخطيب في الجمعة مكروه أو محرم بالاتفاق، ومنهم من يقول: سرا، ومنهم من يسكت.
والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، بلفظ الحديث أفضل من كل لفظ، ولا يزاد عليه كما في الأذان والتشهد قاله الأئمة الأربعة وغيرهم، وهي في الصلاة واجبة في أشهر الروايتين وقول للشافعي، ولا تجب في غيرها، والرواية الأخرى: لا تجب في الصلاة، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
ثم منهم من قال: تجب في العمر مرة، ومنهم من قال: تجب في المجلس الذي يذكر فيه - صلى الله عليه وسلم - (1) .
ولا تجوز الصلاة على غير الأنبياء إذا اتخذت شعارا، وهو قول متوسط بين من قال بالمنع مطلقا وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا وهو منصوص أحمد (2) .
وقوله في حديث أبي بكر رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (3) .
ثبت في صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
وهذا موافق لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [31/4] وكذلك
__________
(1) مختصر الفتاوى المصرية (88-92) هذا فيه زيادات كثيرة عما في (22/ 460-464) ف (2/ 62) .
(2) اختيارات (55) هذا لفظ مختصر في الموضوع ف (2/ 62) .
(3) تقدم هذا الحديث وشرحه في المجلد الأول قسم الحديث المرتب على حروف الهجاء.
(3/94)

قوله {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللمَمَ} [33/35] فقد فسر اللمم: بأنه غير الوطء من النظر واللمس والسمع والمشي ونحوه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما رأيت أشبه باللم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي الفرج يصدق ذلك أو يكذبه» وسماه الله لمما لأن العبد المؤمن يلم بالكبيرة ولا يأتيها قال:

متى تأتنا تلمم بنا في دارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

وقال

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد

فإن الطارق يلم بأهل المنزل قبل أن يدخل إلى منزلهم.
ويقال: اللمم أن يلم بالذنب الصغير مرة من غير إصرار، لأن من أصر على الصغيرة صارت كبيرة، كما في الترمذي: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» ، فقد جاء الكتاب والسنة بتكفير الصغائر لمن اجتنب الكبائر وهذا لا ريب فيه.
ثم قال قائلون: مفهوم هذا أنه لا يكفر الصغائر إلا بهذا الشرط، فمن لم يجتنب الكبائر كلها لا يكفر عنه صغيرة، وخالف الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن من أتى كبيرة استحق العقوبة حتما، فتحبط جميع حسناته بتلك الكبيرة ويستحق التخليد في النار لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها، وهذا قول باطل باتفاق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وسائر أهل السنة.
(3/95)

والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا: لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد، وهذا أيضا باطل، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن.
وقد يفعل العبد من الحسنات ما يمحو الله به بعض الكبائر كما غفر للبغي بسقي الكلب، وقوله لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ولكن هذا يختلف باختلاف الحسنات ومقاديرها وبصفات الكبائر ومقاديرها، فلا يمكن لنا أن نعين حسنة تكفر بها الكبائر كلها غير التوبة فمن أتى كبيرة ولم يتب منها ولكن أتى معها بحسنات أخر فهذا يتوقف أمره على الموازنة والمقابلة، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [6-9/101] فلهذا كان صاحب الكبيرة تحت الخطر ما لم يتب منها، فإذا أتى بحسنات يرجى له محو الكبيرة، وكان بين الخوف والرجاء.
والحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر، كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن، وكذلك حديث البغي، وإلا فليس كل من سقى كلبا عطشانا يغفر له، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.
(3/96)

وأما من شهد له النص فنقطع له، ومن له لسان صدق ففيه نزاع (1) .
والمصافحة أدبار الصلوات بدعة باتفاق المسلمين، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة، وقد اعتقد بعضهم أنها في أدبار الصلاة تندرج في عموم الاستحباب وبعضهم أنها مباحة.
والتحقيق أنها بدعة إذا فعلت على أنها عبادة، أما إذا كانت أحيانا لكونه لقيه عقيب الصلاة - لا لأجل الصلاة - فهذا حسن كما أن الناس لو اعتادوا سلاما غير المشروع عقيب الصلاة كره.
وأما المعانقة ففي الحديث النهي عنها، ويحمل النهي على فعلها دائما، وأما عند اللقاء فقد جاء فيها حديث جعفر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه فالتزمه وقبل بين عينيه» (2) .

الذكر بعد الصلاة

وما جاء في خبر ثوبان «من أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين» المراد به الدعاء الذي يؤمن المأموم عليه كدعاء القنوت فإن المأموم إذا أمن كان داعيا، قال تعالى لموسى وهارون: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [89/10] وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن والمأموم يؤمن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (575-577) ف (2/ 63) فيها زيادة إيضاح عما في المجموع.
(2) مختصر الفتاوى (67) فيها زيادات عما في المجموع ف (2/63) .
(3) الوابل الصيب (229) وزاد المعاد (1/ 78) ف (2/ 64) الاختيارات (56) والفروع
(1/ 456) .
(3/97)

ويحرم الاعتداء في الدعاء لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [55/7] والاعتداء قد يكون في نفس الطلب، وقد يكون في نفس المطلوب (1) .
ويكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء ذكره في الغنية من الأدب، وهو قول شريح وآخرين وظاهر كلام جماعة واختاره شيخنا في الأجوبة المصرية الأصولية لفعله عليه السلام (وم ش) قال: وذكر بعض أصحابنا خلافا بيننا في كراهته، قال شيخنا: وما علمت أحد استحبه (2) .
وإذا لم يخلص الداعي الدعاء ولم يجتنب الحرام تبعد إجابته إلا مضطرا أو مظلوما (3) .
وفي النسائي الكبير عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عقيب كل صلاة إلا نسيانا أو نحوه (4) .
ولا يستحب الدعاء عقب الصلوات لغير عارض كالاستسقاء أو تعليم المأموم ولم يستحبه الأئمة الأربعة (5) .
ويسن للداعي رفع يديه والابتداء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يختمه بذلك كله وبالتأمين (6) .
__________
(1) الاختيارات (56) والفروع (1/ 458) .
(2) فروع (1/ 460) ف (2)
(3) اختيارات (57) والفروع (1/ 460) ف (2/ 64) .
(4) الوابل الصيب (229) وزاد المعاد (1/ 78) ف (2/ 64) .
(5) الاختيارات (57) .
(6) اختيارات (56) والفروع (1/ 456) ف (2/ 64) .
(3/98)

ما يكره في الصلاة
وكره شيخنا السجود عليها -الصورة- وسبق في اللباس من سترة العورة (1) .
والصواب أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترته يقطع الصلاة (2) ، وقال: هو مذهب أحمد رحمه الله (3) .

أركان الصلاة وواجباتها

يجب تحريك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة وغيرها مع القدرة.
ومن قال: إنها تصح بدونه يستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب.
والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد أن يكون بحيث يسمع نفسه إذا لم يكن مانع، وفيه وجه أن تكون الحركة بالحرف.
وأكمل الذكر بالقلب واللسان، ثم بالقلب، ثم باللسان، والمأمور به في الصلاة القلب واللسان جميعًا، لكن ذكر اللسان مقدور، والقلب قد لا يقدر عليه للوسواس، فلو قدررجلان أحدهما ذكر الذكر الواجب بالقلب فقط، والثاني بلسانه فقط فإن الأول لا يجزئه في صلاته بلا نزاع وإن قدر ذكر القلب أفضل، لأنه ترك الواجب المقدور عليه، كما أن الخشوع لله بالقلب والبدن أكمل منه بالقلب وحده، وهو بالقلب وحده أكمل منه بالبدن وحده.
__________
(1) الفروع (1/ 485) ف (2/ 65) .
(2) مختصر الفتاوى المصرية (56) ف (2/ 65) .
(3) الاختيارات (59) .
(3/99)

ثم إن المصلي لو اقتصر على خشوع القلب لم يجزئه بلا نزاع، ولو غلب الوسواس على قلبه في أكثر الصلاة لم تصح صلاته عند أبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي، لكن المشهور عند الأئمة أن الفرض يسقط بذلك.
والتحقيق أن كل عمل في الظاهر من مؤمن لا بد أن يصحبه عمل القلب، بخلاف العكس فلا يتصور عمل البدن منفردا إلا من المنافق الذي يصلي رياء وكان عمله باطلا حابطا، ففرق بين المنافق والمؤمن، فيظهر الفرق بين المؤمن الذي يقصد عبادة الله بقلبه مع الوسواس، وبين المنافق الذي لا يصلي إلا رياء الناس.
وأما أبو حامد ونحوه فسووا بين النوعين، فإن كلاهما إنما تسقط عنه الصلاة القتل في الدنيا من غير أن يبرأ ذمته ولا ترفع عنه عقوبة الآخرة، والتسوية بين المؤمن والمنافق في الصلاة خطأ.
نعم قد يكون بعض الناس فيه إيمان ونفاق مثل أن يصلي لله ويحسنها لأجل الناس فيثاب على ما أخلصه لله دون عمله للناس: {ولا يظلم ربك أحدا} (1) .
وقال أيضا: لا يمكن أن يقال: لم لا يأخذ نصيبه منه؟ لأنه مع الإشراك يمتنع أن يكون له شيء، كما أنه بتقدير الإشراك في الربوبية يمتنع أن يصدر عنه شيء، فإن الغير لا وجود له، وهو لم يستقل بالفعل وكذا هنا هو
لم يستقل بالقصد، والغير لا ينفع قصده، ولهذا نظائر كثيرة، في الشرعيات والحسيات إذا خلط بالنافع الضار أفسده، كخلط الماء بالخمر.
يبين هذا أنه لو سأل الله شيئا فقال: اللهم افعل كذا أنت وغيرك،
__________
(1) مختصر الفتاوى (43، 44) والاختيارات بمعناه (59) ف (2/ 65) .
(3/100)

أو دعا الله وغيره فقال: افعلا كذا، لكان هذا طلبا ممتنعا، فإن غيره لا يشاركه وهو على هذا التقدير لا يكون فاعلا له، لأن تقدير وجود الشريك يمنع أن يكون هو أيضا فاعلا فإذا كان هذا يمتنع في الدعاء والسؤال فكذلك يمتنع في العبادة والعمل أن يكون له ولغيره (1) .
والمسبوق إذا لم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة فإنه يركع مع إمامه ولا يتم الفاتحة باتفاق الأئمة، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ، وأما إذا أخر في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام أو كان القيام متسعا ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند الجماهير، وعند الشافعي عليه أن يقرأها وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده على المسبوق خاصة (2) .
وذكر الأصحاب أن ترك ركن وشرط كتركها كلها، قال جماعة: لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها؛ لأنه لا يثاب على قراءة وذكر ونحو ذلك.
وقال شيخنا في رده على الرافضي: جاءت السنة بثوابه على فعله وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم وهو ما أبرأ الذمة فقولهم: بطلت صلاته وصومه وحجه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليها بشيء في الآخرة، إلى أن قال: فنفي الشارع الإيمان عمن ترك واجبا منه أو فعل محرما فيه كنفي غيره، كقوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن» وقوله للمسيء «فإنك لم تصل» «ولا صلاة لفذ» .
__________
(1) الفروع (1/ 496) ف (2/ 65) .
(2) مختصر الفتاوى (59، 60) ف (2/ 65) .
(3/101)

وقال شيخنا أيضا في قوله {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [23/47] البطلان هو بطلان الثواب ولا نسلم بطلانه جميعه، بل قد يثاب على ما فعله فلا يكون مبطلا لعمله (1) .

باب سجود السهو

وتبطل الصلاة بتعمد تكرار الركن الفعلي لا القولي، وهو مذهب الشافعي وأحمد (2) .
ومن تخلف عن الإمام لعذر من نوم أو نسيان ونحوه فمذهب الشافعي وأحمد في رواية أنه إذا أتى بما تخلف عنه ولحق الإمام ولو سبقه بركن أو اثنين أو ثلاثة وهو يدركه في الركعة فصلاته صحيحة (3) .
ومن قال: إن من سلم في الرباعية من ركعتين ساهيا استوجب غضب الله وأقل ما يجب عليه أن ينزل عليه نار من السماء وتحرقه يستتاب من ذلك القول فإن تاب وإلا قتل (4) .
والوسواس إذا قل لم يبطل الصلاة بالاتفاق، لكن ينقصها.
وأما الوسواس إذا غلب فقد قيل يبطل، قال عمر رضي الله عنه: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، وليس من تفكر بالواجب مثل من تفكر بالفضول فعمر رضي الله عنه كان أمير الجيش وهو مأمور بالصلاة والجهاد معا، فلو قدر أنه نقص شيء من الصلاة لأجل الجهاد لم يقدح في كمال إيمانه، فلهذا خففت صلاة الخوف، فكان بمنزلة من يصلي
__________
(1) الفروع (3/ 183) قلت: وتقدم معناه في أصول الفقه نقلا عن الاختيارات ف (2/ 66) .
(2) اختيارات (55) ف (2/ 66) .
(3) مختصر الفتاوى (60) ف (2/ 66) .
(4) مختصر الفتاوى (69) ف (2/ 66) .
(3/102)

صلاة الخوف ولا شك أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حال الخوف كانت ناقصة عن صلاته حال أمنه في الأفعال الظاهرة، فإذا كان قد عفي عن الأفعال الظاهرة فكيف بالباطنة؟ وقال تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [103/4] وإقامتها حال الأمن لا يؤمر به حال الخوف، والله أعلم (1) .
باب صلاة التطوع
وفي رد شيخنا على الرافضي بعد أن ذكر تفضيل أحمد للجهاد والشافعي للصلاة وأبي حنيفة ومالك للعلم: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه رضي الله عنهم بحسب الحاجة والمصلحة (2) .
وقد ذكر شخينا أن تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد وأنه من أنواع الجهاد من جهة أنه من فروض الكفايات، قال والمتأخرون من أصحابنا أطلقوا القول، أفضل ما تطوع به الجهاد، وذلك لمن أراد أن يفعله تطوعًا باعتبار أنه ليس بفرض عين عليه بحيث إن الفرض قد سقط عنه، فإذا باشره وقد سقط الفرض عنه فهل يقع فرضا أو نفلا، على وجهين كالوجهين في صلاة الجنازة إذا أعادها بعد أن صلاها غيره. وانبنى على الوجهين في صلاة الجنازة وجواز فعلها بعد العصر والفجر مرة ثانية. والصحيح أن ذلك يقع فرضا، وأنه يجوز فعلها بعد العصر والفجر وإن كان ابتداء الدخول فيها تطوعا كما في التطوع الذي يلزم بالشرع فإنه كان نفلا ثم يصير إتمامه فرضا (3) .
ونقل حرب أنه قال لرجل له مال كثير: أقم على ولدك وتعاهدهم
__________
(1) مختصر الفتاوى (66) هذا فيه اختصار وزيادة كلمات ف (2/66) .
(2) فروع (1/ 531) ف (2/68) .
(3) الاختيارات (63) والفروع (1/ 526) ف (2/68) .
(3/103)

أحب إلي، ولم يرخص له يعني في غزو غير محتاج إليه (1) .
وقال شيخنا: واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلا ونهارا أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله، والعبادة في غيره تعدل الجهاد للأخبار الصحيحة المشهورة وقد رواها أحمد وغيره، وقال: العمل بالقوس والرمح أفضل من الرباط في الثغر وفي غيره نظيرها (2) .
وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره أن الطواف أفضل من الصلاة فيه وقال شيخنا: وذكره عن جمهور العلماء للخبر (3) .
قال شيخنا: قال أحمد: معرفة الحديث والفقه فيه أعجب إلي من حفظه.
قال شيخنا: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود والله أعلم (4) .
وقال شيخنا: من طلب العلم أو فعل غيره مما هو خير في نفسه لما فيه من المحبة له، لا لله ولا لغيره من الشركاء فليس مذموما، بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها فيتنعم بذلك في الدنيا، ولو كان كل فعل حسن لم يفعل لله مذموما لما أطعم الكافر بحسناته في الدنيا لأنها تكون سيئات، وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه، وهذا معنى قول بعضهم، طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، وقول الآخر: طلبهم له نية، يعني نفس طلبه حسنة تنفعهم، وهذا قيل في العلم لأنه الدليل المرشد.
__________
(1) الفروع (1/ 522) ف (2/68) .
(2) الفروع (1/ 522، 523) واختيارات (52) ف (2/68) .
(3) فروع (1/ 528) ف (2/68) .
(4) اختيارات (63) وفروع (1/ 528) ف (2/68) .
(3/104)

فإذا طلبه بالمحبة وحصله وعرفه بالإخلاص فالإخلاص لا يقع إلا بالعلم، فلو كان طلبه لا يكون إلا بالإخلاص لزم الدور، وعلى هذا ما حكاه أحمد، وهو حال النفوس المحمودة، ومن هذا قول خديجة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: كلا والله لا يخزيك الله فعلمت أن النفس المطبوعة على محبة الأمر المحمود وفعله لا يوقعه الله فيما يضاد ذلك (1) .
قال القاضي: أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة، ومعناه أنه إذا بين ما يقرأ به فقد أتى بالترسل وإن كان مستعجلا في قراءته وأكمله أن يرتل القراءة ويتوقف فيها ما لم يخرجه ذلك إلى التمديد والتمطيط فإذا انتهى إلى التمطيط كان ممنوعا، قال: وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا فقال في رواية أبي الحارث: يعجبني من قراءة القرآن السهلة ولا تعجبني هذه الألحان، قال الشيخ تقي الدين أظنه حكاية عن أبي موسى، والتفهم فيه والاعتبار فيه مع قلة القراءة أفضل من إدراجه بغير تفهم، انتهى كلامه (2) .
وقال الشيخ تقي الدين قراءة القرآن بصفة التلحين الذي يشبه تلحين الغناء مكروه مبتدع، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة (3) .
وإن غلط القراء المصلين فذكر صاحب الترغيب وغيره يكره، وقال شيخنا: ليس لهم القراءة إذن، وعن البياضي واسمه عبد الله بن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر
بعضكم على بعض بالقرآن» ، وعن أبي سعيد قال: «اعتكف رسول الله
__________
(1) فروع (1/ 524) والاختيارات (62، 63) باختلاف غير مخل ف (2/68) .
(2) الآداب الشرعية (2/ 311) ف (2/68) .
(3) الآداب (2/ 315) ف (2/ 68) .
(3/105)

- صلى الله عليه وسلم - في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له فكشف الستور وقال: «كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة» أو قال: «في الصلاة» وعن علي: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه وهم يصلون» رواهن أحمد، ولمالك الأول، ولأبي داود الأخير (1) .
والتراويح سنة وإنما سماها عمر رضي الله عنه بدعة، لأنها لم تفعل قبل ذلك على الوجه الذي جمع الناس فيه على أبي، كما أخرج عمر اليهود والنصارى من الجزيرة وكما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة أهل الردة، وكما جمع أبو بكر رضي الله عنه المصحف، وكما قاتل علي رضي الله عنه الخوارج، وكما شرط على أهل الذمة الشروط وغير ذلك من الأمور التي فعلوها عملا بكتاب الله واتباعا لسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتقدم نظيرها، وكضرب عمر رضي الله عنه الناس على الركعتين بعد العصر، وعلى إلزامه الإفطار في رجب وكسر أبو بكر رضي الله عنه كيزان أهله في رجب وقال لا تشبهوه برمضان.
فهذه العقوبة البدنية والمالية لمن كان يعتقد أن صوم رجب مشروع مستحب وأنه أفضل من صوم غيره من الأشهر، وهذا الاعتقاد خطأ وضلال ومن صامه على هذا الاعتقاد الفاسد كان عاصيا فيعزر على ذلك، ولهذا كرهه من كرهه خشية أن يتعوده الناس، وقال: يستحب أن يفطر بعضه، ومنهم من رخص فيه إذا صام معه شهرا آخر من السنة كالمحرم.
ورجب أحد الأشهر الحرم، وله فضل على غيره من الأشهر التي
__________
(1) الفروع (1/ 555، 655) ف (2/69) . قلت: وإنما سقطت الأحاديث التي ذكرها صاحب الفروع لأنه ذكر من رواها وبين نوع الجهر المنهي عنه وأنه ليس معناه أن لا يسمع من أهل المسجد كلهم صوت ولا يعلم هل هم يقرءون أو صامتون.
(3/106)

ليست بحرم، وكلما كان المكان والزمان أفضل كانت الطاعة فيه أفضل، والمعاصي فيه أشد، وليس هو أفضل الشهور عند الله، بل شهر رمضان أفضل منه كما أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع (1) .
دعاء القنوت:
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا برحمتك واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أعطيت، نستغفرك ربنا اللهم من جميع الذنوب ونتوب إليك، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك وبك منك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحييتنا، واجعلها الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير اللهم
وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - على الدين
__________
(1) مختصر الفتاوى (291) أولها موجود معناه: وأما ما يتعلق برجب فغير موجود وهو متصل بما قبله لا يصلح نزعه لرجب، لكن يشار إليه هناك ف (2/71) .
(3/107)

كله، ولو كره المشركون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين (1) .
قيام الليل والتراويح:
قول عائشة رضي الله عنها: «ما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة إلى الصباح، وما صام شهرا كاملا إلا رمضان» ، وصح عنها رضي الله عنها: «أنه كان يصوم شعبان إلا قليلا، بل كان يصومه كله» ، «وأنه كان إذا دخل العشر شد المئزر وأحيا الليل كله» .
فحمل بعضهم رواية الشك على الجزم، وكذلك من صلى غالب الليل فقد يقال إنه أحياه، أو أنها نفت القيام وأثبتت الإحياء الذي يكون بقيام وإحياء وقراءة وذكر ودعاء وغير ذلك (2) .
وقيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة (3) .
دعاء ختم القرآن (4) .
صدق الله العظيم الذي لا إله إلا هو المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيما وتكبيرا، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرا وتدبيرا المتعالي بعظمته ومجده، الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرًا، الذي أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس بشيرًا ونذيرًا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
__________
(1) لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية مطبعة حجازي بمصر الطبعة الثالثة ف (2/ 100) .
(2) مختصر الفتاوى (84) ف (2/ 70) .
(3) اختيارات (65) والفروع (1/ 560) ف (2/ 70)
(4) دعاء ختم القرآن تأليف شيخ الإسلام وقدوة الأنام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الطبعة الثالثة مطبعة حجازي بجوار قسم الجمالية بمصر، كما يأتي.
(3/108)

اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة حيث أنزلت علينا خير كتبك، وأرسلت إلينا أفضل رسلك، وشرعت لنا أفضل شرائع دينك، وجعلتنا من خير أمة أخرجت للناس، وهديتنا لمعالم دينك الذي ارتضيته لنفسك، وبنيته على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإتياء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، ولك الحمد على ما يسرته من صيام رمضان وقيامه، وتلاوة كتابك العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، بنو إمائك نواصينا بيدك ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعلم بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، ويتلوه حق تلاوته، اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده، ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه ويضيع حدوده، اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك الجنة، ولا تجعلنا ممن اتبعه القرآن فزج في قفاه إلى النار، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم
الراحمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبارك لهم في
(3/109)

أسماعهم وأبصارهم وذرياتهم وأزواجهم أبدا ما أبقيتهم واجعلهم شاكرين لنعمك مثنين بها عليك، قابليها وأتمها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعبادك الصالحون، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته وعافيته ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا
لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وصلى الله
(3/110)

على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم (1) .
وتقول المرأة في سيد الاستغفار وما في معناه: وأنا أمتك بنت أمتك. أو بنت عبدك، ولو قالت: وأنا عبدك، فله مخرج في العربية بتأويل الشخص (2) .
السنن الرواتب:
وكان - صلى الله عليه وسلم - يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن، هذا الذي ثبت عنه في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن» قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه (3) .
وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه عليه السلام في فعلها شيء، إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي الحديث الطويل، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في النهار ست عشرة ركعة، يصلي إذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من ههنا لصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلي قبل الظهر
__________
(1) قلت: وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن دعاء ختم القرآن.. فأجاب: الصواب أنه مشروع وعليه درج أهل العلم من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا وقد كان أنس رضي الله عنه يجمع أهله عند ختم القرآن، ويدعو، فالحاصل أن دعاء ختم القرآن مستحب وعليه درج سلف الأمة وأتباعهم بإحسان، ولا فرق بين فعله داخل أو خارج الصلاة فإذا دعاء الإمام عند ختم القرآن في صلاة التراويح أو في القيام في عشر الأواخر فكله لا بأس به، والصواب أنه لا حرج في ذلك إن شاء الله مجلة اليمامة العدد (1151) في (5/ 9/ 1411) ف (2/ 71) .
(2) اختيارات (65) والفروع (1/ 562) ف (2/ 71) .
(3) زاد المعاد (1/ 82) ف (2/ 71) .
(3/111)

أربع ركعات وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربعا، ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمرسلين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث، ويدفعه جدا ويقول: إنه موضوع، ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره (1) .
وكذلك اجتماع الإمام والمأموم دائما على صلاة ركعتين عقب الفريضة ونحو ذلك كل ذلك مما لا ريب في أنه من البدع (2) .
وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان من السلف من يصليها لكن اجتماع الناس فيها لإحيائها في المساجد بدعة، والله أعلم (3) .
وصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان والاجتماع على صلاة راتبة فيها بدعة وإنما كانوا يصلون في بيوتهم في قيام الليل.
وإن قام معه بعض الناس من غير مداومة على الجماعة فيها وفي غيرها فلا بأس، كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الليلة بابن عباس، وليلة بحذيفة.
وولي الأمر ينبغي أن ينهي عن هذه الاجتماعات البدعية (4) .
وعند جماعة «وصلاة التسبيح» ونصه: لا، لخبر ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمها لعمه العباس أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة، ثم يسبح ويحمد ويهلل ويكبر خمس عشرة مرة، ثم
يقولها في ركوعه، ثم في رفعه منه، ثم في سجوده، ثم في رفعه، ثم في
__________
(1) زاد المعاد (1/ 82) ف (2/78) .
(2) مختصر الفتاوى (86) ف (2/72)
(3) مختصر الفتاوى (291) ف (2/72)
(4) مختصر الفتاوى (292) هذه فيها تأكيد وتوضيح لما في المجموع ف (2/72) .
(3/112)

سجوده ثم في رفعه عشرا عشرا، ثم كذلك في كل ركعة في كل يوم، ثم في الجمعة، ثم في الشهر، ثم في العمر» ، رواه أحمد، وقال: لا يصح، وأبو داود وابن خزيمة والآجري وصححوه والترمذي وغيرهم وادعى شيخنا: أنه كذب، ونص أحمد وأئمة أصحابه على كراهتها ولم يستحبها إمام، واستحبها ابن المبارك على صفة لم يرد بها الخبر لئلا تثبت سنة بخبر لا أصل له، قال: وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوها بالكلية (1) .

صلاة الضحى

وقال في الرعاية: وكان واجبا عليه - صلى الله عليه وسلم - الضحى وقال شيخنا: هذا غلط والخبر «ثلاث هي علي فرائض» موضوع، ولم يكن يداوم على الضحى باتفاق العلماء بسنته (2) .
ومن سمع المؤذن وهو في صلاة التطوع أتمها، ولا يقول مثل ما يقول عند الجمهور، كما لو سمع غيره يقرأ سجدة لم يسجد في الصلاة عند الجمهور (3) .
الاستخارة والسجود لأجل الدعاء أو لسبب
وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سعادة ابن آدم استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله» وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول: ما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين، وثبت في أمره،
__________
(1) فروع (1/ 568) وانظر الاختيارات (65) ف (2/72)
(2) فروع (5/ 162) والإنصاف (8/ 40) ف (2/73)
(3) مختصر الفتاوى (116) ف (2/ 73) .
(3/113)

وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [159/3] ، وقال قتادة ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم (1) .
وقال شيخنا: ولو أراد الدعاء فعفر وجهه بالتراب وسجد له ليدعوه فهذا سجود لأجل الدعاء ولا شيء يمنعه، وابن عباس سجد سجودا مجردا لما جاء نعي بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم آية فاسجدوا» وقال: وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات، فالمكروه هو السجود بلا سبب (2) .
إذا تكرر منه دخول المسجد يستحب له أن يعيد التحية، واختاره الشيخ تقي الدين (3) .
أوقات النهي:
ولا نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس إلى زوالها يوم الجمعة، وهو قول الشافعي.
ويصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة (4) .
ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت النهي، قاله الشافعية (5) .
__________
(1) الكلم الطيب (235) ف (2/ 73) .
(2) الفروع (1/ 505) فيه زيادة ف (2/ 73) .
(3) تصحيح الفروع (1/ 502) ف (2/ 73) .
(4) الاختيارات (66) ف (2/ 74) .
(5) الاختيارات (66) ف (2/ 74) .
(3/114)

باب صلاة الجماعة

الإمامة
مسألة: وإذا كان الرجلان من أهل الديانة فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر، وكان ائتمامه به متعينا (1) .
ومن لا سبب له إلا قراءة سيرة عنترة والبطال ونحوهما لا يجوز أن يرتب إماما يصلي بالمسلمين فإنه يحدث دائما بالأكاذيب ويأكل الجعل عليها، وكلاهما محرم، فإن عنترة والبطال، - وإن كانا موجودين - لكن كذب عليهما ما لا يحصيه إلا الله (2) .

فصل
من شرب الخمر يوما ثم لم يشربها إلى شهر ونيته إذا قدر عليها شربها فهو مصر ليس بتائب وكذلك جميع الذنوب.
ومن اعتاد شربها كما يعتاد أمثالها من الشراب فهو مدمن عليها، فاعتياد الخمر كاعتياد اللحم من الناس من يأكله كل يوم، ومنهم من يأكله كل أسبوع، أو يومين أو أكثر أو أقل.
ولا يجوز أن يولى المصر ولا المدمن إمامة صلاة؛ لكن لو ولي صلي خلفه عند الحاجة، كالجمعة والجماعة التي لا يقوم بها غيره، وإن أمكن الصلاة خلف البر فهو أولى (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (82) ف (2/ 78) .
(2) مختصر الفتاوى (65، 66) ف (2/ 79) .
(3) مختصر الفتاوى (56) ف (2/ 79) .
(3/115)

ويصح ائتمام المسلمين بعضهم ببعض مع اختلافهم في الفروع بإجماع السلف وأصح قول الخلف، فإن صلاة الإمام جائزة إجماعا، لأنه صلى باجتهاده فهو مأجور فاعل الواجب عليه الذي يكفي، وهو من المصلين.
ومن قال: إن صلاته لا تسقط الفرض فقد خالف الإجماع يستتاب بخلاف من صلى بلا وضوء مع علمه، فهذا صلاته فاسدة فلا يأتم به من علم حاله، ولم يزل التابعون رضي الله عنهم أجمعين يؤم بعضهم بعضا مع أنهم مختلفون في الفروع.
وسر المسألة: أن ما تركه المجتهد من البسملة وغيرها إن لم يكن واجبا في نفس الأمر فلا كلام، إن كان واجبا فقد يسقط عنه باجتهاده، وقد قال الله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [286/2] فقال الله: قد فعلت (1) .
ولو ترك الإمام ركنا يعتقده المأموم ولا يعتقده الإمام صحت صلاته خلفه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب مالك واختيار المقدسي.
وقال في موضع آخر: إن الروايات المنقولة عن أحمد لا تجب اختلافا وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيها بخطأ المخالف تجب فيه الإعادة، وما لا يقطع فيه بخطأ المخالف لا تجب فيه الإعادة، وهو الذي تدل عليه السنة والآثار وقياس الأصول، وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء.
وعبارة تصحيح الفروع (2/ 26) ولو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسوغ فيه الاجتهاد صحت صلاته خلفه وهو
__________
(1) مختصر الفتاوى (55) ف (2/ 80) .
(3/116)

المشهور عن أحمد، وقال في موضع آخر إلى آخر ما تقدم (1) .
وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد يتبعه المأموم فيه وإن كان هو لا يراه مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر، وإذا ائتم من يرى القنوت بمن لا يراه تبعه في تركه (2) .
وإذا قال الرجل: لا أصلي إلا خلف من يكون من أهل مذهبي، فهو كلام محرم قائله يستحق العقوبة فإنه ليس من أئمة المسلمين من قال: لا تشرع صلاة المسلم إلا خلف من يوافقه في مذهبه المعين (3) .
ومن قال: لا تجوز الصلاة خلف من لا تعرف عقيدته وما هو عليه فهو قول لم يقله أحد من المسلمين، فإن أهل الحديث السنة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر، حتى إن أهل البدع كالجهمية الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، ومع أن أحمد ابتلي بهم، - وهو أشهر الأئمة بالإمامة في السنة - ومع هذا فلم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف الجهمي والقدري والرافضي، وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام، لكن تنازعوا: هل تعاد؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: قيل: تعاد خلف الفاسق، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة لا تعاد (4) .
ومن قال: إن الإمام إن سبح أكثر من ثلاث بغير رضا المأمومين بطلت صلاته فهو قول باطل محدث لم يقله أحد من الأئمة (5) .
__________
(1) الاختيارات (70) وتصحيح الفروع (2/ 26) ف (2/ 80) .
(2) اختيارات (70) ف (2/ 81) .
(3) مختصر الفتاوى (60) ف (2/ 80) .
(4) مختصر الفتاوى (63) ف (2/ 80) .
(5) مختصر الفتاوى (53) ف (2/ 80) .
(3/117)

ولا إمامة من به حدث مستمر (و) وفيه بمثله وجهان ولا - على الأصح - (ش) إمامة عاجز عن ركن أو شرط، واختار شيخنا الصحة قاله في إمام عليه نجاسة يعجز عنها (1) .
واللحن الذي يحيل المعنى: إن أحاله إلى ما هو من جنس معنى من معاني القرآن خطأ فهذا لا يبطل صلاته، كما لو غلط في القرآن في موضع الاشتباه فخلط سورة بغيرها، وأما إن أحاله إلى ما يخالف معنى القرآن كقوله: (أنعمت) بالضم فهذا بمنزلة كلام الآدميين وهو في مثل هذه الحال كلام محرم في الصلاة؛ لكنه لو تكلم به في الصلاة جاهلا بتحريمه ففي بطلان صلاته نزاع في مذهب أحمد وغيره كالناسي، الصحيح أنه لا يبطل صلاته.
والجاهل بمعنى أنعمت عذره أقوى من عذر الناسي والجاهل، فإنه يعلم أنه كلام الآدميين لكن لا يعلم أنه محظور.
وعلى هذا فلو كان مثل هذا اللحن في نفل القراءة لم تبطل، وأما إذا كان في الفاتحة التي هي فرض فيقال: هب أنها لا تبطل من جهة كونه متكلما، لكنه لم يأت بفرض القراءة، فيكون قد ترك ركنا في الصلاة جاهلا، ولو تركه ناسيا لم تصح صلاته فكذلك إن تركه جاهلا؛ لكن هذا لم يترك أصل الركن وإنما ترك صفة فيه وأتى بغيرها، ظانا أنها هي، فهو بمنزلة من سجد إلى غير القبلة.
ولو ترك بعض الفروض غير عالم بفرضه، ففي هذا الأصل قولان، في مذهب أحمد وغيره.
وأصل ذلك خطاب الشارع: هل يثبت قبل البلوغ والعلم به،
__________
(1) فروع (2/ 21) ف (2/ 80) لفظ الاختيارات (70) وتصح إمامة من عليه نجاسة يعجز عن إزالتها بمن ليس عليه نجاسة.
(3/118)

أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أصحها أنه يعذر فلا تجب الإعادة على هذا الجاهل، ومثله ما لو لم تعلم المرأة أنه يجب ستر رأسها وجسدها لم تعد، ولهذا إذا تغير اجتهاد الحاكم لم ينقض ما حكم فيه، وكذلك المفتي إذا تغير اجتهاده.
وأما إن تعمد اللحن عالما بمعناه بطلت صلاته من جهة أنه لم يقرأ الفاتحة، ومن جهة أنه تكلم بكلام الآدميين بل لو عرف معناه وخاطب به الله كفر، وإن تعمده ولم يعلم معناه لم يكفر، وإن لم يتعمد لكن ظن أنه حق ففي صحة صلاته نزاع، كما ذكرناه.
وكذلك لو علم أنه لحن لكن اعتقد أنه لا يحيل المعنى حتى لو كان إماما ففي صحة صلاة من خلفه نزاع، هما روايتان عن أحمد.
وفي إمامة المتننفل بالمفترض ثلاثة أقوال: يجوز، ولا يجوز ويجوز عند الحاجة نحو أن يكون المأمومين أميين.
أما لو صلى من يلحن بمثله فيجوز إذا كانوا عاجزين عن إصلاحه هذا في الفاتحة، أما في غير الفاتحة فإن تعمده بطلت صلاته.
والذي يحيل المعنى مثل (أنعمتُ) و (إياك) بالضم والكسر، والذي لا يحيله مثل فك الإدغام في موضعه، أو قطع همز الوصل، ومثل الرحمن الرحيم ومالك يوم الدين.
وأما إن قال: (الحمدَ) أو (ربَّ) أو (نستعين) أو (أنعَمَتَ) فهذا تصح صلاته لكل أحد فإنها قراءة وليست لحنا (1) .
ومن يبدل الراء غينا والكاف همزة: لا يؤم إلا مثله، أما من يشوب الراء بغين يخرجها من فوق مخرجها بقليل فتصح إمامته للقارئ.
__________
(1) مختصر الفتاوى (53-55) هذه مستوفاة أكثر من الموجود في المجموع (2/ 81) .
(3/119)

وغيره، وهذا كله مع العجز (1) .
ولا يجوز للعامي أن يقدم على فعل لا يعلم جوازه ويفسق به إن كان مما يفسق به ذكره القاضي (2) .
ويلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره.
وليس له أن يزيد على القدر المشروع وينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد وينقص أحيانا (3) .
وليس للإمام تأخير الصلاة عن الوقت المستحب وبعد حضور أكثر الجماعة منتظرا لأحد؛ بل ينهى عن ذلك إذا شق ويجب عليه رعاية المأمومين (4) .
وإن كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب لم ينبغ أن يؤمهم لأن المقصود بالصلاة جماعة الائتلاف ولهذا قال النبي: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» فإن أمهم فقد أتى بواجب ومحرم يقام به الصلاة فلم تقبل؛ إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها (5) .
وتجوز الصلاة خلف ولد الزنا باتفاقهم، لكن تنازعوا في كراهتها فكرهه مالك وأبو حنيفة، وغير ولد الزنا أولى (6) .
وتجوز صلاة الفجر خلف الظهر في إحدى الروايتين عن أحمد (7) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (64) فيها زيادات عما في المجموع (2/ 81) .
(2) اختيارات (71) ف (2/ 80) .
(3) الاختيارات (69) ف (2/ 81) .
(4) مختصر الفتاوى (82) ف (2/ 81) .
(5) اختيارات (70) ف (2/ 81) .
(6) مختصر الفتاوى (64) ف (2/ 81) .
(7) مختصر الفتاوى (64) ف (2/ 81) .
(3/120)

مسألة: ولو قام رجل يقضي ما فاته فائتم به رجل آخر جاز في أصح قولي العلماء إذا نويا (1) .

موقف الإمام والمأمومين

وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتسوية الصفوف ورصها وسد الفرج، وتكميل الأول فالأول، وأن يتوسط الإمام وتقاربها -يعني: الصفوف- خمس سنن (2) .
وتجوز الصلاة قدام الإمام لعذر من زحمة ونحوها في أعدل الأقوال، وكذا المأموم إذا لم يجد من يقوم معه صلى وحده ولم يدع الجماعة ولم يجذب أحدا يصلي معه، كالمرأة إذا لم تجد من يصافها فيها تصف وحدها بالاتفاق، وهو مأمور بالمصافة مع الإمكان لا مع العجز (3) .
وتصح صلاة الفذ لعذر وفاقا للحنفية، وإذا لم يجد إلا موقفا خلف الصف فالأفضل أن يقف وحده ولا يجذب من يصافه لما في الجذب من التصرف في المجذوب، فإن كان المجذوب يطيعه قائما أفضل له، وللمجذوب الاصطفاف مع بقاء فرجه أو وقوف المتأخر وحده، وكذلك لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل، وقوفهما جميعا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة، لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (59) ف (2/ 81) .
(2) مختصر الفتاوى (74) ف (2/ 81) .
(3) مختصر الفتاوى (66) فيها زيادة تفصيل عما في المجموع ف (2/ 81) .
(4) اختيارات (71) ف (2/ 81) .
(3/121)

والمرأة إذا كان معها امرأة أخرى تصافها كان من حقها أن تقف معها، وكان حكمها إن لم تقف معها حكم المنفرد عن صف الرجال، وهو أحد القولين في مذهب أحمد (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وقال في رواية المروذي: إذا جاء ولا يمكنه الدخول في الصف هل يمد رجلا يصلي معه؟ قال: لا؛ ولكن يزاحم الصف ويدخل.
قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمد جواز جر الرجل في رواية المروذي فإن صح النقل كان في المسألة روايتان، روي عن أبي أيوب قال: تحريك الرجل من الصف ظلم، قلت: وفي المدونة قال مالك: هو خطأ منهما.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ينكره أيضا: ويقول: يصلي خلف الصف فذًا ولا يجذب غيره، قال: وتصح صلاته في هذه الحالة فذًا لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر (2) .
وتصح صلاة الجمعة ونحوها قدام الإمام لعذر، وهو قول في مذهب أحمد، ومن تأخر بلا عذر فلما أذن جاء فصلى قدام الإمام عزر (3) .
وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كرهت إلا لعذر (4) .
ومن آخر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قضى الإمام القيام، أو كان القيام متسعا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند جماهير العلماء.
__________
(1) اختيارات (71) ف (2/ 81) .
(2) بدائع (3/ 87) ف (2/ 81) .
(3) اختيارات (71) ف (2/ 81) .
(4) اختيارات (2/ 71) ف (2/ 81) .
(3/122)

وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة، فهذا الرجل كان حقه أن يركع مع الإمام ولا يتم القراءة لأنه مسبوق (1) .

باب صلاة أهل الأعذار

قال ابن القيم رحمه الله: فائدة في صحيح البخاري ما انفرد به من رواية عمران بن حصين أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل قاعدا قال: «إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» .
قلت: اختلف العلماء هل قوله: «من صلى قاعدا» في الفرض، أو النفل؟ فقالت: طائفة: هذا في الفرض، وهو قول كثير من المحدثين، واختيار شيخنا، فورد على هذا أن من صلى الفرض قاعدا مع قدرته على القيام فصلاته باطلة وإن كان مع عجزه فأجر القاعد مساو لأجر القائم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما» فقال لي شيخنا: وضع صلاة القاعد على النصف مطلقا، وإنما كمل الأجر بالنية للعجز (2) .
وقال شيخنا: من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه منه كان له مثل أجر الفاعل، ثم احتج بحديث أبي كبشة، وحديث: «إن بالمدينة رجالا» وحديث: «إذا مرض العبد» وحديث «من دعا إلى هدى» [قال] : وله نظائر واحتج بها في مكان آخر وبقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} وقال أيضًا عن حديث: «إذا مرض العبد» هذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر الجماعة وإن
__________
(1) اختيارات (71) ف (2/ 81) .
(2) بدائع (4/ 209) ف (2/ 82) .
(3/123)

لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين إنما له بنفس الفعل صلاة منفرد، وكذلك المريض إذا صلى قاعدا أو مضطجعا قال: ومن قصد الجماعة فلم يدركها كان له أجر من صلى في جماعة (1) .

الجمع بين الصلاتين

واعتبر في الفصول الموالاة، قال شيخنا، ومعناها أن لا يفصل بينهما بصلاة ولا كلام لئلا يزول معنى الاسم وهو الجمع، وقال: إذا سبقه الحدث في الثانية وقلنا تبطل [به] فتوضأ أو اغتسل ولم يطل ففي بطلان جمعه احتمالان، واختار شيخنا لا موالاة، وأخذه من رواية أبي طالب والمروذي: للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق، وعلله أحمد بأنه يجوز له الجمع، ومن نصه في جمع المطر، إذا صلى إحداهما في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس (2) .

صلاة الخوف

ويصلي صلاة الخوف في الطريق إذا خاف فوات الوقوف بعرفة، وهو أحد الوجوه الثلاثة في مذهب أحمد (3) .
باب صلاة الجمعة
ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل حكمه بالكلية، نسخ وجوبه وبقي استحبابه والندب إليه وما
علم من تنبيهه وإشارته وهو أنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة
__________
(1) الفروع (2/ 51) ف (2/ 82) .
(2) فروع (2/ 72) فيه زيادة إيضاح ف (2/ 82) .
(3) اختيارات (74) ف (2/ 86) .
(3/124)

المخلوق فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى، فكان بعض السلف الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه ويتأول هذه الأولوية، ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يفعله ويتحراه ما أمكنه، وفاوضته فيه فذكر لي هذا التنبيه والإشارة (1) .
وشاهدت شيخ الإٍسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالصدقة بين يدي مناجاته أفضل وأولى بالفضيلة (2) .
الحادي عشر: أنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي رضي الله عنه ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، ولم يكن اعتماده على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسعر إلا يوم القيامة» وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام (3) .
هؤلاء الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن الجامع ليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة، بل هو بدعة منكرة مشتملة على وجوه مذمومة.
منها: أنه بدعة.
ومنها: أنهم يتركون ما أمروا به، فقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن، إلا في الحيعلة، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله» .
__________
(1) زاد المعاد (110) ومفتاح دار السعادة (362) ف (2/ 86) .
(2) زاد المعاد (110) ومفتاح دار السعادة (362) ف (2/ 86) .
(3) زاد المعاد (1/ 101) ف (2/ 86) .
(3/125)

الثاني: أنه يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - الثالث: أنه يسأل الله له الوسيلة، الرابع: أنه يدعو بعد ذلك بما شاء، فيتركون سماع المؤذن وما أمروا به ويفعلون ما لم يؤمروا به.
ومنها: أنهم يشغلون الناس عن هذه السنن ويخلطون عليهم، فإن أصواتهم تختلط وتشتبه.
وأيضًا: لا فائدة في هذا الأذان، فإن أهل المسجد قد سمعوا قول المؤذن الراتب، وغيرهم لا يسمع هذا المؤذن.
ومنها: أنه يؤذن مؤذنان في وقت واحد، ومتى أذن مؤذنان معا في وقت واحد مفترقان كان مكروها منهيا عنه بخلاف ما إذا أذن واحد بعد واحد كما كان المؤذنان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) .
صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة» لكن إطلاق القول بأنه يكفر لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال في: «الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» ومعلوم أن الصلاة هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظم من صيام يوم عرفة، ولا يكفر السيئات إلا باجتناب الكبائر كما قيده النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف يظن أن صوم يوم أو يومين تطوعًا يكفر الزنا والسرقة وشرب الخمر، والميسر، والسحر، ونحوه؟ فهذا لا يكون (2) .
وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر فقط، وكذا الحج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (40) ف (2/ 86) .
(2) مختصر الفتاوى (290) ف (2/ 86) .
(3) الاختيارات (65) ف (2/ 86) .
(3/126)

وتنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقول طائفة من العلماء، وقد يقال بوجوبها على الأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم، وتصح ممن دونهم، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض، بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان (1) .
وتجب الجمعة على من أقام في غير بناء كالخيام وبيوت الشعر ونحوها، وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الأزجي رواية عن أحمد، ونقل أبو النصر الأزجي عن أحمد: ليس على أهل البادية جمعة، لأنهم ينتقلون فأسقطها عنهم، وعلل ذلك بأنهم غير مستوطنين.
وقال أبو العباس في موضع آخر: يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية (2) .
ويجوز إقامة جمعتين في بلد واحد لأجل الشحناء بأن حضروا كلهم ووقعت الفتنة ويجوز ذلك للضرورة إلى أن تزول الفتنة.
وتسقط الجمعة عمن يخاف بحضوره فتنة إذا لم يكن ظالما.
والواجب عليهم الاعتصام بحبل الله، والاجتماع على ما يرضي الله (3) .
ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود.
ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
__________
(1) اختيارات (79) ف (2/ 86) .
(2) اختيارات (79) ف (2/ 86) .
(3) مختصر الفتاوى (75) ف (2/ 86) .
(3/127)

وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين وتردد في وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة.
وقال في موضع آخر، وهو الأشبه أن الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فيها واجبة، ولا تجب منفردة لقول عمر رضي الله عنه: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك - صلى الله عليه وسلم - وتقدم الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - على الدعاء لوجوب تقديمه على النفس.
وأما الأمر بتقوى الله فالواجب إما معنى ذلك وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى، ومن أوجب لفظ التقوى فقد يحتج بأنها جاءت بهذا اللفظ في قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ} [204/7] وليست كلمة أجمع لما أمر الله من كلمة التقوى.
قال الإمام أحمد في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [204/7] أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة، وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله.
وظاهر كلام أبي العباس: أنها تدل على وجوب الاستماع.
وصرح على أنها تدل على وجوب القراءة في الخطبة، لأن كلمة (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالبا، والظرف للفعل لا بد أن يشتمل على الفعل وإلا لم يكن ظرفا (1) .
وقال شيخ الإسلام في رفع الخطيب يديه على المنبر يوم الجمعة: في هذه قولان، هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه، قيل: يستحب، قاله ابن عقيل: وقيل: لا يستحب، بل هو مكروه، وهو
__________
(1) اختيارات (79، 80) ف (2/ 87) .
(3/128)

أصح. قال إسحاق بن راهوية: هو بدعة للخطيب وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بأصبعه إذا دعا (1) .
وأما القُصَّاص الذين يقومون على رءوس الناس ويشغلون الناس عما يشرع من الصلاة والقراءة والدعاء، لا سيما إن قصوا والإمام يخطب فإن هذا من المنكرات الشنيعة التي ينبغي أزالتها باتفاق الأئمة، وينبغي لولاة الأمور أن يمنعوا من هذا المنكرات كلها، فإنهم متصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الجمعة دخل إلى منزله فصلى ركعتين سنتها، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا.
قال شيخنا أبو العباس: إن صلى في المسجد صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين (3) .
ويحرم تخطي رقاب الناس.
قال أبو العباس في موضع آخر: ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره، لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى (4) .

باب صلاة العيدين

ومن شرطها الاستيطان، وعدد الجمعة، ويفعلها المسافر والعبد والمرأة تبعا، ولا يستحب قضاؤها لمن فاتته منهم، وهو قول أبي حنيفة (5) .
__________
(1) الاختيارات (80) ومختصر الفتاوى (161) ف (2/ 87) .
(2) اختيارات (88) (2/ 87) .
(3) زاد المعاد (1/ 121) ف (2/ 87)
(4) اختيارات (81) ف (2/ 88)
(5) اختيارات (82)
(3/129)

اليوم الثامن من شوال ليس لأحد أن يتخذه عيدا ولا هو عيد الأبرار، بل هو عيد الفجار، ولا يحل أن يحدث فيه المسلم شيئا من شعائر الأعياد، فإن المسلمين متفقون على أنه ليس بعيد.
وكره بعضهم صوم السبت من شوال، عقب العيد مباشرة لئلا يكون فطر يوم الثامن كأنه العيد فينشأ عن ذلك أن يعده عوام الناس عيدا آخر (1) .
وليس الخميس من أعياد المسلمين، بل هو من أعياد النصارى كعيد الميلاد، وعيد الغطاس، لكل أمة قبلة، وليس لأهل الذمة أن يعينوهم على أعيادهم في بلاد المسلمين، وليس للمسلمين أن يعينوهم على أعيادهم لا ببيع ما يستعينون به على عيدهم ولا بإجارة دوابهم ليركبوها في عيدهم، لأن أعيادهم مما حرمه الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لما فيها من الكفر والفسوق والعصيان.
وأما إذا فعل المسلمون معهم أعيادهم مثل صبغ البيض وتحمير دوابهم بمغرة وبخور وتوسيع النفقات وعمل طعام فهذا أظهر من أن يحتاج إلى سؤال بل قد نص طائفة من العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك على كفر من يفعل ذلك.
وقال بعضهم من ذبح بطيخة في عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا.
ولو تشبه المسلم باليهود والنصارى في شيء من الأمور المختصة بهم لنهي عن ذلك باتفاق العلماء وإن كان أصل ذلك جائزا، وإذا لم يكن من شعارهم مثل لباس الأصفر، ونحوه فإن هذا جائز في الأصل، لكن لما صار شعار الكفر لم يجز لأحد من المسلمين، أن يخص مواسمهم
__________
(1) مختصر الفتاوى (290) والاختيارات (111) ف (2/ 90) .
(3/130)

بشيء مما يخصونها به، فليس للمسلم أن يخص خميسهم الحقير بتجديد طعام الرز والعدس والبيض المصبوغ وغير ذلك، ومن فعل ذلك على وجه العبادة والتقرب به واعتقاد التبرر به فإنه يعرف دين الإسلام وأن هذا ليس منه بل هو ضده ويستتاب منه فإن تاب وإلا قتل.
وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم يعمل في أعيادهم مثل هذه الأطعمة ولا يحل له أن يأكل من ذلك، بل لو ذبحوا هم في أعيادهم شيئا لأنفسهم ففي جواز أكل المسلم من ذلك نزاع بين العلماء، والأصح عدم الجواز، لكونهم يذبحونها على وجه القربان، فصار من جنس ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله.
وأما ذبح المسلم لنفسه في أعيادهم على وجه القربة فكفر بين كالذبح للنصب، ولا يجوز الأكل من هذه الذبيحة بلا ريب، ولو لم يقصد التقرب بذلك بل فعله لأنه عادة أو لتفريح أهله فإنه يحرم عليه ذلك، واستحق العقوبة البليغة إن عاد إلى مثل ذلك، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس منا من تشبه بغيرنا» و «من تشبه بقوم فهو منهم» وقد بسطنا ذلك في كتابنا: اقتضاء الصراط المستقيم وذكرنا دلائل ذلك كلها.
وسأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني نذرت أن أذبح ببوانة فهل أوف بنذري؟ فقال: «إن كان بها عيد من أعياد المشركين أو وثن فلا تذبح بها» .
فنهاه أن يذبح في مكان كانوا يتخذونه في الجاهلية عيدا، لئلا يكون ذبحه ذريعة إلى إحياء سنن الكفر، فكيف بمن يظهر شعائر كفرهم وإفكهم؟ وإن كان لا يعلم أنه من خصائص دينهم بل يفعله على وجه العادة فهي عادة جاهلية مأخوذة عنهم، ليس هذا من عادات المسلمين التي أخذوها عن المؤمنين.
(3/131)

والدين الفاسد هو عبادة غير الله أو عبادة الله فاسدة (1) ابتدعها بعض الضالين.
والدين الصحيح عبادة الله وحده، وعبادته بما شرعه الله ورسوله.
وقد كره السلف صيام أيام أعيادهم وإن لم يقصد تعظيمها فكيف بتخصيصها بمثل ما يفعلونه هم، بل قد نهى أئمة الدين عن أشياء ابتدعها بعض الناس من الأعياد وإن لم تكن من أعياد الكفار، كما يفعلونه في يوم عاشوراء، وفي رجب، وفي ليلة نصف شعبان، ونحو ذلك، فقد نهى العلماء عما أحدث في ذلك من الصلوات والاجتماعات والأطعمة والزينة وغير ذلك، فكيف بأعياد المشركين فالناهي عن هذه المنكرات من المطيعين لله ورسوله، كالمجاهدين، في سبيله.
وينبغي لولاة الأمور التشديد في نهي المسلمين عن كل ما فيه عز للنصارى كالسؤال على بابه، وخدمته له بعوض يعطيه إياه، ويكره إجارة نفسه للخدمة في المنصوص من الروايتين، وهو مذهب مالك (2) .
ويحرم بيعهم ما يعملونه كنيسة أو مثالا ونحوه، وكل ما فيه تخصيص لعيدهم أو ما هو بمنزلته قال أبو العباس: لا أعلم خلافا أنه من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا، وتجب عقوبة فاعله، ولا ينبغي إجابة هذه الدعوى.
ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى، ونقله مهنا عن أحمد وبيعه لهم فيه ما يستعينون به عليه (3) .
__________
(1) قلت: كذا بالأصل، ولعله أو عبادة فاسدة ابتدعها إلخ فإنه لا يعبد إلا بما شرع وما لم يشرعه فهو فاسد فلا يسمى عبادة الله والله أعلم.
(2) مختصر الفتاوى (517-519) هذا مفرق في عدة فتاوى وفيه زيادات وتأتي فتوى مماثلة (254) وفيها بيان عبادة النصارى لمريم وللقسيسين (2/ 90) .
(3) اختيارات (243) قلت: ويأتي هذا النقل في وليمة العرس ف (2/ 90) .
(3/132)

وقال الخلال في جامعه باب كراهية خروج المسلمين في أعياد المشركين، وذكر عن مهنا قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام، مثل دير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الغنم والبقر والرقيق والبر وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس، قال الشيخ تقي الدين: فإنما رخص أحمد رحمه الله في دخول السوق بشرط أن لا يدخلوا عليهم بيعهم، فعلم منعه من دخول بيعهم (1) .
والذي يدل عليه كلام أحمد في أكثر المواضع، وهو الذي تدل عليه السنة وآثار السلف أن الاجتماع على جنس القرب والعبادات كالاجتماع على الصلاة أو القراءة وسماعها، أو ذكر الله تعالى، أو دعائه أو تعليم العلم أو غير ذلك نوعان: نوع شرع الاجتماع له على وجه المداومة، وهو قسمان: قسم مؤقت يدور بدوران الأوقات، كالجمعة والعيدين، والحج، والصلوات الخمس، وقسم مسبب، ويتكرر بتكرر الأسباب، كصلاة الاستسقاء والكسوف والآيات، والقنوت في النوازل.
والمؤقت فرضه ونفله إما أن يعود بعود اليوم، وهو الذي يسمى عمل اليوم والليلة كالصلوات الخمس، وسننها الرواتب، والوتر، والأذكار والأدعية المشروعة طرفي النهار وزلفا من الليل.
وإما أن يعود بعود الأسبوع كالجمعة وصوم الاثنين والخميس وإما أن يعود بعود الشهر كصيام أيام البيض، وثلاثة أيام من كل شهر، والذكر المأثور عند رؤية الهلال.
__________
(1) الآداب (3/ 432) ف (2/ 90) .
(3/133)

وإما أن يعود بعود الحول، كصيام شهر رمضان، والعيدين، والحج.
والمسبب ما له سبب وليس له وقت محدود، كصلاة الاستسقاء، والكسوف وقنوت النوازل.
وما لم يشرع فيه الجماعة: كصلاة الاستخارة وصلاة التوبة، وصلاة ركعتين بعد الوضوء، وتحية المسجد ونحو ذلك مما لم يذكر نوعه في باب صلاة التطوع والأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
والنوع الثاني ما لم يسن له الاجتماع المعتاد الدائم كالتعريف في الأمصار، والدعاء المجتمع عليه بعد الفجر والعصر، والصلاة والتطوع المطلق في جماعة، والاجتماع لسماع القرآن وتلاوته، أو سماع العلم والحديث ونحو ذلك، فهذه الأمور لا يكره الاجتماع لها مطلقا، ولم يسن مطلقا بل المداومة عليها بدعة، فيستحب أحيانا، ويباح أحيانا، وتكره المداومة عليها، وهذا هو الذي نص عليه أحمد في الاجتماع على الدعاء والقراءة والذكر ونحو ذلك.
والتفريق بين السنة والبدعة في المداومة أمر عظيم ينبغي التفطن له (1) .

باب صلاة الكسوف

وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقول محققي أصحابنا وغيرهم (2) .
__________
(1) اختيارات (82-84) هذه قاعدة شاملة موجود بعض أفرادها مفرقا في المجموع ف
(2/ 90) .
(2) الاختيارات (84) ف (2/ 91) .
(3/134)

باب في الاستسقاء

من الناس من قال: إن اليد لا ترفع إلا في الاستسقاء، وتركوا رفع اليدين في سائر الأدعية.
ومنهم من فرق بين دعاء الرغبة ودعاء الرهبة، فقال في دعاء الرغبة، يجعل ظاهر كفيه إلى السماء وباطنهما إلى الأرض، وفي الرهبة بالعكس يجعل باطنهما إلى السماء وظاهرهما إلى الأرض، وقالوا: الراغب كالمستطعم والراهب كالمستجير.
والصحيح الرفع مطلقا فقد تواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحاح أن الطفيل قال: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم» .
وفي الصحيحين: «لما دعا لأبي عامر رفع يديه» .
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «لما دعا لأهل البقيع رفع يديه ثلاث مرات» ، رواه مسلم.
وفيه أيضا: أنه رفع يديه فقال: «اللهم أمتي أمتي» ، وفي آخره أن الله تعالى قال: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» .
وفيه «أنه لما نظر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة مد يديه وجعل يهتف بربه فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط دراؤه عن مكنبيه» .
وفي حديث قيس بن سعد رضي الله عنه، فرفع يديه وهو يقول: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على أبي سعد بن عبادة» .
وبعث جيشا فيهم علي رضي الله عنه فرفع يديه وقال: «اللهم لا تمتني حتى تريني عليا» .
(3/135)

«ولما كان أسامة بن زيد رضي الله عنه رديفه فرفع يديه يدعو فسقط حطام الناقة فتناوله بإحدى يديه وهو رافع الأخرى» .
وفي حديث القنوت: «رفع يديه يدعو عليهم» رواه البيهقي والأول رواه أبو داود وغيره.
وروى عنه أنس رضي الله عنه، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء» أخرجاه في الصحيحين وفيهما: «أنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وينحي فيه يديه» .
وهذا هو الذي سماه ابن عباس رضي الله عنه الابتهال، وجعل المراتب ثلاثا، الإشارة بأصبع واحدة كما كان يفعل يوم الجمع على المنبر.
والثانية: المسألة: وهو أن تجعل يديك حذو منكبيك كما في أكثر الأحاديث:
والثالثة: الابتهال وهو الذين ذكره أنس رضي الله عنه، ولهذا قال: «كان يرفع يديه حتى يرى بيان إبطيه» ، وهو الرفع إذا اشتد وكان بطون يديه مما يلي وجهه والأرض وظهورهما مما يلي السماء.
وقد يكون أنس بن مالك رضي الله عنه أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة كما في مسلم وغيره: «أنه كان لا يزيد على أن يرفع أصبعه المسبحة» .
وفي هذه المسألة قولان هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه.
قيل: يستحب قاله ابن عقيل، وقيل: لا يستحب بل هو مكروه وهو أصح: قال إسحاق بن راهويه هو بدعة للخطيب، وإنما كان
النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بأصبعه إذا دعا.
(3/136)

وأما في الاستسقاء فإنه لما استسقى على المنبر رفع يديه كما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه فقد روى أنس في هذا الحديث: «أنه استسقى بهم يوم الجمعة على المنبر فرفع يديه» .
وقد ثبت أنه لم يكن يرفع يديه على المنبر في غير الاستسقاء فيكون أنس أراد هذا المعنى لا سيما وقد كان عبد الملك بن مروان أحدث رفع الأيدي على المنبر وأنس رضي الله عنه أدرك هذا العصر، وقد أنكر ذلك على عبد الملك عاصم بن الحارث، فيكون هو أخبر بالسنة التي أخبر بها غيره من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرفع يديه - يعني على المنبر - إلا في الاستسقاء» .
وهذا يبين أن الاستسقاء مخصوص بمزيد الرفع وهو الابتهال الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما.
فالأحاديث تأتلف ولا تختلف.
ومن ظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرفع المعتدل جعل ظهر كفيه إلى السماء فقد أخطأ.
وكذلك من ظن أنه قصد بوجهه وظهر يديه إلى السماء فقد أخطأ فإنه نهى عن ذلك فقال: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها» أخرجه أبو داود عن ابن عباس، قال: وهو من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وروى أحاديث أخر في أبي داود وغيره.
وبالجملة فهذا الرفع الذي استفاضت به الأحاديث وعليه الأئمة والمسلمون من زمن نبيهم إلى هذا التأريخ.
وحديث أنس الذي تقدم يدل على أنه لشدة الرفع انحنت يداه فصار كفه مما يلي السماء لشدة الرفع لا قصدا لذلك، كما جاء «أنه رفعهما حذاء وجهه» .
(3/137)

وتقدم حديث أنس رضي الله عنه ففيه: أنه رآه يدعو بباطن كفيه وظاهرهما فهذه ثلاثة أنواع في هذا الرفع الشديد.
رفع الابتهال يذكر فيها أن بطونهما مما يلي وجهه، وهذا أشد وتارة يذكر هذا وهذا.
فتبين بذلك أنه لم يقصد في هذا الرفع الشديد لا ظهر اليد ولا بطنها، وهذا لأن الرفع إذا قوي تبقى أصابعهما نحو السماء مع نوع من الانحناء الذي يكون فيه هذا تارة وهذا تارة.
وأما إذا قصد توجيه بطن اليد أو ظهرها فإنما كان توجيه بطنها، وهذا في الرفع المتوسط الذي هو رفع المسألة التي يمكن فيها القصد ورفع ما يختار من البطن والظهر، بخلاف الرفع الشديد الذي يرى به بياض إبطيه فلا يمكن فيه توجيه باطنهما بل ينحني قليلا بحسب الرفع.
فبهذا تأتلف الأحاديث وتظهر السنة (1) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (159-162) ف (2/ 91) .
(3/138)

كتاب الجنائز

واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض، وتشميت العاطس وابتداء السلام، والذي يدل عليه النص وجوب ذلك، فيقال: هو واجب على الكفاية (1) .
وأوجب أبو الفرج وبعض العلماء عيادته، والمراد مرة، واختاره الآجري.
وفي أواخر الرعاية: فرض كفاية، كوجه في ابتداء السلام، ذكره شيخنا واختاره شيخنا (2) .
وسمعت شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية رحمه الله يقول - وقد عرض له بعض الألم - فقال له الطبيب: أضر ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه والذكر، فقال الشيخ: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويت وفرحت أوجب فرحها لها قوة تعين بها الطبيعة على دفع المعارض فإنه عدوها فإذا قويت عليه قهرته، فقال له الطبيب: بلى، فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم وظفرت بما يشكل عليها منه فرحت به وقويت فأوجب ذلك دفع المعارض هذا أو نحوه من الكلام (3) .
__________
(1) اختيارات (85) ف (2/ 92) .
(2) مفتاح دار السعادة (270) .
(3) الآداب (3/ 116) ف (2/ 92) .
(3/139)

قال الشيخ تقي الدين: الأدوية أنواع كثيرة، والدعاء والرقى أعظم نوعي الدواء حتى قال بقراط: نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا.
وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري، بل بما يجعله الله في الجسم من القوى الطبيعية ونحو ذلك، انتهى كلامه (1) .
وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله يكتب على جبهة الراعف: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [44/11] .
قال: ولا يجوز كتابتها بدم، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله (2) .
وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع، من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسها، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا.
وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [115/23] .
وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومد بها، صوته، قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى تخلت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون بأنه يموت لذلك.
__________
(1) الآداب (2/ 457) (2/ 93) .
(2) الفروع (2/ 174، 175) ف (2/ 92) .
(3/140)

الضرب. ففي أثنا الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يحبك، قالت: أنا أريد أن أحج به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك، فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا، ولكن طاعة لله ورسوله، قالت: فأنا أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا، وقال ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله، فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب ألبتة.
وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين (1) .
وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله كما قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} .
وفي الصحيح: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استأجر رجلا مشركا هاديا خريتا» والخريت: الماهر بالهداية و «أتمنه على نفسه وماله» ، «وكانت خزاعة عيبة لرسل الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمهم وكافرهم» ، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمر أن يستطب الحارث بن كلدة وكان كافرا» .
وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عن ذلك، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنا، فإن الله تعالى يقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} انتهى كلامه (2) .
__________
(1) زاد المعاد (3/ 84، 85) ف (2/ 93) .
(2) الآداب (2/ 441، 442) ف (2/ 93) .
(3/141)

والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بياسين (1) .
وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبا يعرف به، قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزيه، ففيه نظر وأنكره شيخنا (2) .

غسل الميت وتكفينه

ومن ظن أن غيره لا يقوم بأمر الميت تعين عليه، وقاله القاضي وغيره (3) .
وترك النبي صلى الله عليه سلم غسل الشهيد والصلاة عليه يدل على عدم الوجوب أما استحباب الترك فلا يدل على التحريم (4) .
روى ابن حبان في صحيحه وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها» ودعا أبو سعيد رضي الله عنه بثياب جدد فلبسها عند الموت وقال ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمل الحديث على ثيابه التي يقبض فيها لا على كفنه.
فقيل: يبعث في نفس الثوب الظاهر، وقيل: إن المراد أنه يبعث على ما مات عليه من العمل كما قال أكثر المفسرين في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [4/74] أي عملك.
يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [104/21] قالت عائشة رضي الله عنها: النساء والرجال ينظر
__________
(1) اختيارات (91) ف (2/ 93) .
(2) عدة الصابرين (80) ف (2/ 93) .
(3) اختيارات (86) ف (2/ 93) .
(4) اختيارات (87) ف (2/ 93) .
(3/142)

بعضهم إلى بعض؟ قال: «نعم» ، قالت، وآفضيحتاه، قال: «الأمر أشد من ذلك» (1) .

الصلاة عليه

وقال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز: هل هو مؤمن، أو منافق؟ فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: «يا أحمد: الشرط، الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط» (2) .
ويصلي على الجنازة مرة بعد أخرى، لأنه دعاء، وهو وجه في المذهب واختاره ابن عقيل في الفنون.
وقال أبو العباس في موضع آخر: ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا لسبب مثل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه، أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة التي صلت أولا فيصلي بهم، ويصلي على القبر ولو إلى شهر وهو مذهب أحمد.
صلى على جنازة وهي على أعناق الرجال وهي واقفة فهذا له مأخذان:
الأول: اشتراط استقرار المحل فقد يخرج على الصلاة في السفينة وعلى الراحلة مع استيفاء الفرائض وإمكان الانتقال، وفيه روايتان.
والثاني: اشتراط محاذاة المصلي للجنازة بحيث (3) كانت أعلى من
__________
(1) مختصر الفتاوى (172، 173) ف (2/ 93) .
(2) إعلام الموقعين (3/ 399) ف (2/ 94) .
(3) نسخة فلو كانت.
(3/143)

رأسه فهذا يخرج على علو الإمام على المأموم، فلو وضعت على كرسي عال أو منبر ارتفع المحذر الأول دون الثاني (1) .
ولا يصلي على الغائب عن البلد إن كان صلي عليه، وهو وجه في المذهب، ومقتضى اللفظ أن من هو خارج السور أو ما يقدر سورا يصلى عليه، أما الغائب فهو الذي يكون انفصاله عن البلد بما يعد الذهاب إليه نوع سفر، وقال القاضي وغيره، إنه يكفي خمسون خطوة، وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لأنه إذا كان من أهل الصلاة في البلد فلا يعد غائبا عنه، ولا يصلي كل يوم على غائب، لأنه لم ينقل، يؤيده قول الإمام أحمد: إذا مات رجل صالح صلي عليه، واحتج بقصة النجاشي.
وما يفعله بعض الناس من أنه كل ليلة يصلي على جميع من مات من المسلمين في ذلك اليوم لا ريب أنه بدعة (2) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إذا مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب، لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه والنبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الغائب، وتركه وفعله سنة، وهذا له موضع وهذا له موضع، والله أعلم (3) .
ومن مات وكان لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعو الصلاة عليه عقوبة ونكالا لأمثاله، لتركه - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) الاختيارات (86) ف (2/ 93) .
(2) اختيارات (87) ف (2/ 94) .
(3) زاد المعاد (4/ 145) ف (2/ 94) .
(3/144)

الصلاة على القاتل وعلى الغال، والمدين الذي لا وفاء له، ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس (1) .
ويستحب القيام للجنازة إذا مرت به وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار ابن عقيل (2) .
ويتبع الجنازة ولو لأجل أهله فقط إحسانا إليهم لتألفهم أو مكافئة أو غير ذلك (3) .
وأما الجنازة التي فيها منكر مثل أن يحمل قدامها أو وراءها الخبز والغنم أو غير ذلك من البدع الفعلية أو القولية، أو يجعل على النعش شنخانات، فهل له أن يمتنع من تشييعها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد.
والصحيح أنه يشيعها، لأنه حق للميت فلا يسقط بفعل غيره، وينكر المنكر بحسبه، وإن كان ممن إذا امتنع تركوا المنكر امتنع، بخلاف الوليمة فإن صاحب الحق هو فاعل المنكر فسقط حقه لمعصيته، كالمتلبس بمعصية لا يسلم عليه حال تلبسه بها، والله أعلم (4) .
وعمل العرس للميت من أعظم البدع المنكرات، وكذلك الضرب بالدف عند الجنازة، لكن يضرب به عند العرس، وكرهه بعضهم مطلقا، والصحيح الفرق، وكان دفهم ليس له صلاصل، ولهذا تنازع العلماء في دف الصلاصل؟ على قولين.
__________
(1) الاختيارات (87) ف (2/ 94) .
(2) اختيارات (87) ف (2/ 94) .
(3) اختيارات (88) ف (2/ 94) .
(4) مختصر الفتاوى (251) ف (2/ 94) .
(3/145)

وأما الشابة فلم يرخص أحد من الأئمة الأربعة في حضورها مجتمع الرجال الأجانب لا في الجنازة ولا في العرس (1) .

حمل الميت ودفنه

كان الميت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة، لا يسرعون ولا يبطئون بل عليهم السكينة، لا نساء معهم، ولا يرفعون أصواتهم، لا بقراءة ولا غيرها، وهذه هي السنة باتفاق المسلمين (2) .
ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك لا هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح (3) .
وفي لحد الرجل للمرأة نزاع: الصحيح أنه إن كان من أهل الخير يلحدها (4) .
وحديث عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا» فسر بعضهم القبر بأنه الصلاة على الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع وإنما معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يكره تعمد تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره (5) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (168) ف (2/ 94) .
(2) مختصر الفتاوى (168) ف (2/ 94) .
(3) يعني: بالعمل الصالح اختيارات (89، 90) ومختصر الفتاوى (172) ف (2/ 94) .
(4) مختصر الفتاوى (172) ف (2/ 94) .
(5) اختيارات (86) ف (2/ 94) .
(3/146)

ويكره دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها جماعة من الأصحاب (1) .
ولا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابل المسلمين تمييزا ظاهرا بحيث لا يختلطون بهم، ولا تشتبه على المسلمين بقبورهم، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت كان أصلح (2) .
وتلقين الميت بعد دفنه، قيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه.
وفعله واثلة بن الأسقع وأبو أمامة، والأظهر أنه مكروه، لأنه لم يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل المستحب الدعاء له، كما في سنن أبي داود أنه كان إذا مات رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبره فيقول: «اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (3) .
ومن بنى في مقبرة المسلمين ما يختص به فهو عاص، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم (4) .
ومن نبش قبور المسلمين عدوانا عوقب بما يردعه وأمثاله عن ذلك، وكذا من خرب مسجدهم فعليه إعادته من ماله (5) .
ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها وبينها، ويتعين إزالتها.
__________
(1) الاختيارات (89) ف (2/ 95) .
(2) اختيارات (94) ف (2/ 95) .
(3) مختصر الفتاوى (168) هنا جزم بأنه مكروه ف (2/ 95) .
(4) الاختيارات (88) ف (2/ 95) .
(5) مختصر الفتاوى (202) ف (2/ 95) .
(3/147)

قال أبو العباس: لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين، وإذا لم يمكنه المشي إلى المسجد إلا على الجبانة فله ذلك ولا يترك المسجد (1) .
ذهب طائفة من المتأخرين إلى جواز إهداء الأعمال الصالحة: من الصدقة والصلاة والقراءة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه.
وفي إهداء الفريضة وجهان.
وأما السلف فلم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك، وهم أخلق بالاتباع.
وحديث أُبي الذي فيه: أجعل صلاتي كلها عليك، قال: «إذا يكفيك الله همك ويغفر ذنبك» المراد أنه يجعل له ربع دعائه أو نصفه أو ثلثه، إلى أن قال: كلها أي كل دعائي، فإن الصلاة في اللغة الدعاء، ولهذا قال له: «إذا يكفيك الله همك ويغفر ذنبك» فإنه إذا صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرًا.
ومن دعا لأخيه وكل الله بها ملكا يقول: «ولك بمثله» فإذا صلى عليه بدل دعائه كفاه الله همه وحصل له مقصود ذلك الدعاء من كفاية همه وغفران ذنبه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فكيف بمن يدعو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بدل نفسه؟ إنه لحقيق أن يحصل له أكثر مما يطلبه لنفسه.
وقد يتوهم متوهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرًا» إنه يحصل للمصلي أكثر مما يحصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس الأمر كذلك، بل له مثل أجر المصلي الذي حصل له، فإنه هو الذي علمه وسن له ذلك فله على ذلك مثل أجره (2) .
__________
(1) اختيارات (88) ف (2/ 95) .
(2) مختصر الفتاوى (175) ف (2/ 95) .
(3/148)

ثم له مثل أجره لخبر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا رواه حرب، وقال شيخنا أو أكثر (1) .
ولا يستحب إهداء القرب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو بدعة، هذا هو الصواب المقطوع به، قال أبو العباس: وأقدم من بلغنا أنه فعل ذلك علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين كان أقدم من الجنيد، وأدرك أحمد طبقته وعاصره وعاش بعده (2) .
واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وبأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا، وبأنه يدري بما يفعله عنده فيسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى لا العكس (3) .
ولا يمنع الكافر من زيارة قبر أبيه المسلم (4) .
قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر أقوال الفرق في جواز البكاء على الميت وعدمه إذا كان معه نياحة أو ندب، قال: فإذا بكى على الميت البكاء المحرم وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نثرهم ونظمهم تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث (5) .
والميت يتأذى بنوح أهله عليه مطلقًا قاله طائفة من العلماء، وما يهيج المصيبة من إنشاد الشعر والوعظ فمن النياحة، وفي الفنون لابن عقيل ما يوافقه (6) .
__________
(1) الفروع (2/ 310) ف (2/96)
(2) اختيارات ص (92) ف (2/95)
(3) اختيارات (90) فيه زيادة ف (2/96)
(4) اختيارات (90) ف (2/97)
(5) عدة الصابرين (87، 88) ف (2/ 98) .
(6) الاختيارات (90) ف (2/98) .
(3/149)

كتاب الزكاة

وتجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة، ولا يعتبر لها مضي حول، وهو رواية عن أحمد، ومنقول عن ابن عباس.
وعنه لا حول لأجرة اختاره شيخنا (1) .
ولا يصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، لأنه قد يحيط بالربح، فهو كشرط فضل دراهم، سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا، الزكاة على رب المال، وصححه شيخنا، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر (2) وركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (3) .
ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، ولا يقال بعدم الصحة ونقله المروذي عن أحمد لأن الزكاة قد تحيط بالربح فيختص رب المال بعمله، لأنا نقول لا يمتنع ذلك، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر وبركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (4) .
__________
(1) اختيارات (98) الفروع (2/ 327) ف (2/ 98) .
(2) نسخة إذا لم يثمر عن ربح الشجر.
(3) الفروع (2/ 338) ف (2/ 98) .
(4) الاختيارات (98) ف (2/ 98) قلت: هذا خلاف ما في الفروع ولعل ما فيه أصح.
(3/151)

لا تجب في دين مؤجل أو على معسر أو مماطل أو جاحد ومغصوب ومسروق وضال وما دفنه ونسيه أو جهل عند من هو ولو حصل في يده، وهو رواية عن أحمد واختارها وصححها طائفة من أصحابه وهو قول أبي حنيفة.
ودين الابن الذي له على أبيه، قال أبو العباس: الأشبه عندي أن يكون بمنزلة المال الضال فيخرج على الروايتين ووجهه ظاهر فإن الابن غير ممكن من المطالبة به فقد حيل بينه وبينه، ولو قيل: لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة لكان متوجها، ودين الولد هل يمنع الزكاة عن الأب لثبوته في الذمة أم لا؟ لتمكنه من إسقاطه؟ أخرجه أبو العباس على وجهين: وجعل أصلها الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه أو عن غيره هل ينزل منزلة تبرعه في المرض أم لا؟ (1) .
وإذا فرط الإنسان ولم يخرج الزكاة حتى مات فعلى الورثة الإخراج عند أحمد والشافعي وكذلك كل حق لله.
وعند غيرهما لا يجب على الورثة مع أنه يعذب بتركه الزكاة.
وأما إذا مات الميت وله غرماء مديونون لم يستوف مما عليهم شيئا فهل مطالبتهم للميت أو للورثة، اضطرب فيها الناس.
والصواب: إن كان الحق مظالم لم يتمكن هو ولا ورثته من استيفائها من قول أو قذف أو غصب فهو المطالب.
وإن كان دينا ثبت باختياره وتمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى مات فورثته تطالب به إلى يوم القيامة.
__________
(1) اختيارات (98) ف (2/ 99) .
(3/152)

وإن كان دينا عجز عن استيفائه هو وورثته فالأشبه أنه هو الذي يطالب به، فإن العجز إذا كان ثابتا فيه وفي الوارث ولم يتمكن أحدهما من الانتفاع بذلك في الدنيا لم يدخل في الميراث فيكون المستحق أحق بحقه في الآخرة، كما في المظالم، والإرث مشروط بالتمكن من الاستيفاء كما أنه مشروط بالعلم بالوارث.
فلو مات وله عصبة بعيدة لا يعرف نسبهم لم يرثوه في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا عام في جميع الحقوق التي لله ولعباده هي مشروطة بالتمكن من العلم والقدرة، والمجهول والمعجوز عنه كالمعدوم.
ولهذا قال العلماء: إن ما يجهل مالكه من الأموال التي قبضت بغير حق كالمكوس أو قبضت بحق كالوديعة والعارية وجهل صاحبها بحيث تعذر ردها عليه فإنها تصرف في مصالح المسلمين، وتكون حلالا لمن أخذها بحق، كأهل الحاجة والاستعانة بها على مصالح المسلمين، دون من أخذها بباطل، كمن يأخذ فوق حقه.
ثم المظلوم إذا طالب بها يوم القيامة وعليه زكاة فلا تقوم هذه بالزكاة بل عقوبة الزكاة أعظم من حسنة المظالم، والوعيد بترك الزكاة عظيم، ولكن الذي ورد أن الفرائض تجبر بالنوافل، فهذا إذا تصدق باختياره صدقة تطوع، ولا يكون شيئا خرج بغير اختياره فإنه يرجى له أن يحاسب بما تركه من الزكاة إذا كان من أهلها العازمين على فعلها.
و «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن أكملها وإلا قيل انظروا إن كان لعبدي تطوع فيكمل بها فريضته ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك» ، روي ذلك أحمد في المسند.
هذا لأن التطوع من جنس الفريضة فأمكن الجبران به عند التعذر، كما قال الصديق رضي الله عنه: إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة.
(3/153)

فيكون من رحمة الله به أن يجعل النفل مثل الفرض، بمنزلة من أحرم بالحج تطوعا وعليه فرضه فإنه يقع عن فرضه عند طائفة كالشافعي وأحمد في المشهور.
وكذلك في رمضان عند أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد.
وكذلك من شك: هل وجب عليه غسل أو وضوء بحدث أم لا؟ فإنه لا يجب عليه غسل.
وكذلك الوضوء عند جمهور العلماء، لكن يستحب له التطهر احتياطا.
وإذا فعل ذلك وكان واجبا عليه في نفس الأمر أجزأ عنه {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .
وكذلك الشارع جعل عمل الغير عنه يقوم مقام فعله فيما عجز عنه، مثل من وجب عليه الحج وهو معضوب أو مات ولم يحج، أو نذر صوما أو غير ذلك، ومات قبل فعله، فعله عنه وليه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «دين الله أحق بالقضاء» أي أحق أن يستوفى من وارث الغريم؛ لأنه أرحم من العباد، فهذا تشهد له الأصول.
أما أن يعتد له بالدين الذي على الناس مع كونه لم يخرج الزكاة فلا يصح.
نعم لو كان للناس عليه مظالم أو ديون بقدر ما له عند الناس كان يسوغ أن يقال يحاسب بذلك فيؤخذ حقه من هذا ويصرف إلى هذا، كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه، وكل هذا من حكم العدل بين العباد {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (1) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (277) ف (2/ 99) .
(3/154)

وهل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء؟ فيه روايتان.
ولو تلف النصاب بغير تفريط من المالك لم يضمن الزكاة على كل من الروايتين واختاره طائفة من أصحاب أحمد (1) .

باب زكاة بهيمة الأنعام

ومن أنكر زكاة السائمة وجبت استتابته (2) .
وقالت طائفة: تجب الزكاة في خمس من البقر كالإبل، ورووا فيه أثرا فقالوا: هذا آخر الأمرين (3) .
وقال ابن عقيل: ولا يجوز إخصاء البهائم ولا كيها بالنار للوسم، وتجوز المداواة حسب ما أجزنا في إحدى الروايتين، وقال في موضع آخر: إن ذلك وخزمها في الأنف لقصد المثلة إثم، وإن كان ذلك لغرض صحيح جاز، وأما فعل ذلك بالآدميين فيحصل به الفسق.
وذكر الشيخ تقي الدين كلام ابن عقيل الأول، وقال: فعلى قوله لا يجوز وسمها قال: وهو ضعيف (4) .

باب زكاة الحبوب والثمار
ونص أبو العباس على وجوب الزكاة في التين للادخار، وإنما اعتبر الكيل والوزن في الروايات لأجل التماثل المعتبر فيها وهو غير موجود ههنا (5) .
__________
(1) اختيارات (98) ف (2/ 99) .
(2) مختصر الفتاوى (278) ف (2/ 99) .
(3) مختصر الفتاوى (271) ف (2/ 99) .
(4) الآداب (3/ 143) ف (2/ 99) .
(5) اختيارات (100) ف (2/ 101) .
(3/155)

وما يديره الماء من النواعير ونحوها مما يصنع من العام إلى العام أو أثناء العام ولا يحتاج إلى دولاب تديره الدواب يجب فيه العشر، لأن مؤنته خفيفة فهي كحرث الأرض وإصلاح الماء (1) .
وتسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه، وهو قول عطاء بن أبي رباح؛ لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمرة بالإعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل، وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أولى بإسقاط الزكاة عنه (2) .
إذا زرع الجندي إقطاعه فعليه فيه الزكاة.
ومذهب سائر الأئمة أنه لا بد في الأرض من عشر أو خراج وهل يجتمعان؟ قال أبو حنيفة: لا فلو كان على مصر خراج كما كان في أول الإسلام كان في وجوب العشر عليها نزاع، فأما اليوم فلا خراج عليها؛ لأن الأرض الخراجية عند أبي حنيفة هي التي يملكها صاحبها وعليه خراجها وهو الخراج الذي ضربه عمر على ما فتح من الأرض عنوة وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه.
فأما الجند فلا يملكون الأرض اليوم فلا خراج عليهم فيكون عليهم العشر بلا نزاع، لكن لو استأجرها رجل وزرعها فالعشر على المستأجر صاحب الزرع عندهم، إلا أبا حنيفة فقال على رب الأرض المؤجر لها (3) .
وكلام أبي العباس في اقتضاء الصراط المستقيم، يعطي أن أهل الذمة منعوا من شراء الأرض العشرية، ولا يصح البيع، وجزم الأصحاب
__________
(1) اختيارات (101) ف (2/ 100) .
(2) اختيارات (101) ف (2/ 100) .
(3) مختصر الفتاوى (276) هذا فيه زيادة تفصيل ف (2/ 101) .
(3/156)

بالصحة ولكن حكى الإمام أحمد عن عمر بن عبد العزيز والحسن أنهم يمنعون من الشراء فإن اشتروا لم تصح، وتعطيل الأرض العشرية باستئجار الذمي لها أو مزارعته فيها كتعطيله بالشراء، وكلام أحمد يوافقه فإنه قال: لا يؤجر منه، - أي الأرض من الذمي - ولا يجوز بقاء أرض بلا عشر ولا خراج اتفاقا، فيخرج من أقطع أرضا بأرض مصر أو غيرها العشر (1) .
ويلحق المدفون حكما الموجود ظاهرا في مكان خراب جاهلي أو طريق غير مسلوك (2) .

باب زكاة النقدين

وما سماه الناس درهما وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم من وجوب الزكاة فيما بلغ مائتين منه، والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه، إلى غير ذلك من الأحكام قل ما فيه من الفضة أو كثر، وكذلك ما سمي دينارا (3) .
أما الفلوس فلا يجوز إخراجها عن النقدين على الصحيح لأنها ولو كانت نافقة فليست في المعاملة كالدراهم، في العادة لأنها قد تكسد وتحرم المعاملة بها ولأنها أنقص سعرا، ولهذا يكون البيع بالفلوس، دون البيع بقيمتها من الدراهم، وغايتها أن تكون بمنزلة المكسرة مع الصحاح والبهرجة مع الخالصة فإن تلك إلى النحاس أقرب.
وعلى هذا إذا أخرج الفلوس وأخرج التفاوت جاز على المنصوص في جواز إخراج التفاوت فيما بين الصحيح والمكسر، بناء على أن
__________
(1) اختيارات (101) ف (2/ 101، 179) .
(2) اختيارات (101) ف (2/ 101) .
(3) اختيارات (102) ف (2/ 102) .
(3/157)

جبران الصفات كجبران المقدار؛ لكن يقال: المكسرة من الجنس والفلوس من غير الجنس فينتفي فيها المأخذ، ولا ينبغي أن يكون إلا وجهان، إلا إذا خرجت بقيمتها فضة لا بسعرها في العرض (1) .
وأما كتابة «لا إله إلا الله» على الدراهم فمحدث من خلافة عبد الملك بن مروان - وإلى الآن - وكانوا يكتبون عليها نحوا من ذلك.
ويجوز للمحدث مسكها وإذا كانت معه في منديل أو خريطة وشق عليه مسكها جاز أن يدخل بها الخلاء.
ولم يضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه دراهم، وإنما حدث ضربها في خلافة عبد الملك كما تقدم (2) .
وسمعت شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطعا هو في التابع غير المنفرد كالزر والعلم ونحوه، وحديث الخريصة هو في الفرد كالخاتم وغيره فلا تعارض بينهما، والله أعلم (3) .
وأما أبو العباس فقد ذكر الخلاف في ضم أحد النقدين (4) .
ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته، ولهذا تنازع أهل هذا القول: هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره.
والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره، وأما إذا كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء.
__________
(1) اختيارات (103) ف (2/ 101) .
(2) مختصر الفتاوى (200، 201) ف (2/ 102) .
(3) مختصر سنن أبي داود (6/ 128) ف (2/ 102) .
(4) اختيارات (102) ف (2/ 102) .
(3/158)

قال الزركشي نقلا عن الشيخ: وكذلك المكروه (1) .

باب زكاة العروض

ما أعد للتجارة من ماء وحطب وغيره ففيه الزكاة، وما أعد للكراء كالقدور والجمال والعقار وغيرها ففيها نزاع في مذهبنا وغيره.
ومن السلف من يوجب الزكاة في المعد للكراء إذا قبض الأجرة. (2) .
ويجوز إخراج زكاة العروض عرضا ويقوى على قول من يقول تجب الزكاة في عين المال (3) .

باب صدقة الفطر

ولا يعتبر في زكاة الفطر ملك نصاب، بل تجب على كل من ملك صاعا فاضلا عن قوته يوم العيد وهو مذهب أحمد، ومن عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه ثم أيسر فأداها فقد أحسن (4) .
صدقة الفطر قدرها صاع من الشعير أو التمر ونصفه من البر عند أبي حنيفة واختيار الشيخ وخرجه على قواعد أحمد (5) .
وقياس قول أحمد في الكفارات (6) .
__________
(1) الزركشي ج (2/ 105) ف (2/ 102) .
(2) مختصر الفتاوى (277) غير موجود هذا التمثيل ف (2/ 103) .
(3) اختيارات (101) ف (2/ 103) .
(4) اختيارات (102) ف (2/ 103) .
(5) مختصر الفتاوى (282) ف (2/ 103) .
(6) الاختيارات (102) ف (2/ 103) .
(3/159)

باب إخراج الزكاة
فصل

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها» يراد بالحق الزكاة ويراد به ما يجب من غير الزكاة: مثل الإعطاء في النوائب لابن السبيل والمسكين وذي الرحم، «ومن حقها حلبها يوم وردها» لأجل ابن السبيل ونحوهم، فإنهم يقعدون على الماء، فإن إطعام المحتاج وسقيه فرض كفاية.
وأما ما يأخذ العداد فإن كان هو من أهل الزكاة أجزأت عن صاحبها عند الأئمة، وإن كان من الكلف التي وضعها الملوك فإنها لا تجزئ عن الزكاة (1) .
وأما ما يؤخذ من التجار بغير اسم الزكاة من الوظائف السلطانية فلا يعتبر من الزكاة، وما يؤخذ باسم الزكاة ففيه نزاع، والأولى إعادتها إذا غلب على الظن أنها لا تصرف إلى مستحقها.
وإذا أخذ ولي الأمر العشر أو زكاة التجارة فصرفها في مصرفها أجزأت باتفاق المسلمين.
وأما إذا كان ولي الأمر يتعدى في صرفها فالمشهور عند الأئمة أنه يجزئ أيضا كما نقل ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم (2) .
وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط وإن لم تكن على صفتها (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (271، 272) ف (2/ 103) .
(2) مختصر الفتاوى (275) ف (2/ 103) .
(3) اختيارات (105) ف (2/ 104) .
(3/160)

وقال الشيخ تقي الدين: إذا وجب العشر على فلاح أو غيره وأمر ولي الأمر بصرفه إلى من يستحق الزكاة وجبت طاعته في ذلك ولم يكن لأحد أن يمتنع من ذلك (1) .
وحكى أبو البركات رواية أخرى أن الدين لا يمنع في الظاهرة مطلقا، قال أبو العباس: ولم أجد بها نصا عن أحمد (2) .
زكاة الباطن:
وقيل: لا يجب دفع الباطن بطلبه، وقال بعضهم: وجها واحدا.
وذكر شيخنا أن من أداها لم تجز مقاتلته للخلف في إجزائها ثم ذكر نص أحمد فيمن قال: أنا أؤديها ولا أعطيها للإمام، لم يكن له قتاله، ثم قال: من جوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوزه، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله لم يجوزه (3) .
وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع مثل أن يعطي من بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر فالصحيح جواز ذلك، فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم إلى إقليم مع حاجة أهل المنقول عنه، وإنما قال السلف، جيران المال أحق بزكاته وكرهوا نقل الزكاة إلى بلد السلطان وغيره ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة، ولهذا في كتاب معاذ بن جبل: «من انتقل من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشره في مخلاف جيرانه والمخلاف عندهم كما يقال المعاملة، وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيا يأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم ولم يقيد ذلك بمسير يومين.
__________
(1) الآداب (1/ 495) ف (2/ 104) .
(2) الزركشي (2/ 485) ف (2/ 104) .
(3) الفروع (2/ 557، 558) ف (2/ 104) .
(3/161)

وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي.
ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية (1) .
ويلزم عامل الزكاة رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه
الخراج (2) .

باب أهل الزكاة

لا ينبغي أن تعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين ولمن يعاونون المؤمنين، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئا حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة في أوقاتها (3) .
إذا اشترى من قبض الزكاة ليدفعها إلى أهلها عقارا أو نحوه فإن عليه أن يؤدي إلى الثمانية الأصناف مقدار الذي قبضه وما حصل من نماء يقسمه بينه وبينهم (4) .
وإذا قبض من ليس من أهل الزكاة مالا من الزكاة وصرفه في شراء عقار أو نحوه فالنماء الذي حصل بعمله وسعيه يجعل مضاربة بينه وبين أهل الزكاة (5) .
والرقاب والغارمون وفي سبيل الله، وابن السبيل مصارف الزكاة فتعطى في فداء الأسرى لمن يفديهم قال شيخنا: أو يوفي ما استدين فيهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تارة يستدين لأهل الزكاة ثم يصرفها لأهل
__________
(1) اختيارات (99) ف (2/ 104) .
(2) اختيارات (106) ف (2/ 104) .
(3) الاختيارات (103) مختصر الفتاوى (275) ف (2/ 105) .
(4) مختصر الفتاوى (277) ف (2/ 105) .
(5) اختيارات (105) ف (2/ 105) .
(3/162)

الدين فعلم أن الصرف وفاء كالصرف أداء، قال: ويعطى من صار مستحقا قبل قسمة المال كزكاة (1) .
ويأخذ الفقير من الزكاة ما يصير به غنيا وإن كثر، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي (2) .
ويجوز للإمام أن يعتق من مال الفيء والمصالح إذا كان في الإعتاق مصلحة، إما لمنفعة المسلمين أو لمنفعة المعتق، أو تأليفا لمن يحتاج إلى تأليفه، وقد ينفذ العتق حيث لا يجوز إذا كان في الرد فساد كما في الولايات مثل أن يكون قد أسلم وهو لكافر ذمي أو معاهد حربي (3) .
ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به وهو إحدى الروايتين عن أحمد (4) .
ومن ليس معه ما يشترى به كتبا يشتغل بها بعلم الدين يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لتعلم دينه أو دنياه منها (5) .
ويجوز الأخذ من الزكاة لما يحتاج إليه في إقامة مؤنته وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة.
وقيل لأحمد رحمه الله: الرجل يكون له الزرع القائم وليس عنده ما يحصده أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم يأخذ (6) .
ونص أحمد في فقير لقريبه وليمة: يستقرض ويهدي له ذكره أبو الحسين في الطبقات، قال شيخنا: فيه صلة الرحم بالقرض (7) .
__________
(1) فروع (4/ 619) ف (2/ 105) .
(2) اختيارات (105) ف (2/ 104، 105) .
(3) اختيارات (105) ف (2/ 105) .
(4) اختيارات (105) ف (2/ 105) .
(5) اختيارات (105) ف (2/ 105) .
(6) اختيارات (105) ف (2/ 105) .
(7) الفروع (6/ 651) ف (2/ 105) .
(3/163)

والذي يخدمه إذا لم تكفه أجرته أعطاه من زكاته إذا لم يستعمله بدل زكاته.
واليتيم المميز يقبض الزكاة لنفسه، وإن لم يكن غير مميز قبضها كافله كائنا من كان (1) .
ويشترط في إخراج الزكاة تمليك المعطى (و) فلا يجوز أن يغدي المساكين ويعشيهم ولا يقضي منها دين ميت غرمه لمصلحة نفسه أو غيره حكاه أبو عبيد وابن عبد البر (ع) لعدم أهليته لقبولها، كما لو كفنه منها (ع) وحكى ابن المنذر عن أبي ثور يجوز، وعن مالك أو بعض أصحابه مثله، وأطلق صاحب التبيان الشافعي وجهين، واختاره شيخنا وذكره إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الغارم لا يشترط تمليكه لأن الله تعالى قال: {وَالْغَارِمِينَ} ولم يقل: وللغارمين (2) .
دفع الزكاة إلى الوالد لا يجوز عند الأئمة المتبوعين في المشهور عنهم؛ إلا إذا أخذها لكونه غارما لإصلاح ذات البين أو للجهاد ونحوه مما فيه مصلحة للمسلمين.
وأما إذا كان غارما في مصلحة نفسه ففيه الخلاف، وجوازه قوي متجه، ويدفعها إلى أبنائه إن كان عاجزا عن نفقتهم في قول بعضهم.
وإن دفعها إلى غريمه وشارطه أن يوفيه إياها فلا يجوز، وإن قصد ذلك من غير شرط ففيه نزاع.
وإن دفعها لا تجب عليه نفقة من هم في عياله فيعطيهم ما لم تجر
__________
(1) اختيارات (104) ف (2/ 105) .
(2) الفروع (2/ 619، 620) فيه زيادات على ما في تفسير الآية ولم يذكر في الزكاة ف
(2/ 105) .
(3/164)

عادتهم بإنفاقه من ماله. وإن أعطاهم ما هو معتاد إنفاقه من ماله ففيه نزاع، والمأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما المنع.
وذكر أحمد رضي الله عنه عن سفيان بن عيينة قال: كان العلماء رحمهم الله يقولون: لا يحابي بها قريبا ولا يدفع بها مذلة ولا مذمة، ولا يقي بها ماله والله أعلم (1) .
وإذا منع بنو هاشم حقهم من الخمس فلا يجوز لهم أخذ الصدقة إلا عند بعض المتأخرين وليس هو قولا لأحد المتبوعين (2) .
وبنو هاشم إذا منعوا خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة، وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقاله أبو يوسف من الحنفية، والإصطخري من الشافعية، لأنه محل حاجة وضرورة.
ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين وهو محكي عن طائفة من أهل البيت (3) .
ومن سأل وظهر صدقه وجب إطعامه لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [24،25/70] وإن ظهر كذبه لم يجب إطعامه، وإن سأل مطلقا بغير معين لم يجب أيضا، وإذا أقسم على غير معين فإن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين.
وقوله: لأجل فلان من المخلوقين فلا حرمة له، وأما قوله: شيء لله ولأجل الله فيعطى لأنه سؤال وليس هذا إقسامًا (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (276، 277) ف (2/ 105) .
(2) مختصر الفتاوى (277) ف (2/ 106) .
(3) اختيارات (104) ف (2/ 106) قلت: وتقدم التسمية بالأشراف في أهل البيت.
(4) مختصر الفتاوى (575) ف (2/ 106) .
(3/165)

وعنه يعتبر في الإعسار ثلاثة، واستحسنه شيخنا، لأن حق الآدمي آكد فاستظهر بالثالث، ولا يقبل في الإعسار شاهد ويمين، وقال شيخنا فيه نظر (1) .
وإعطاء السؤال فرض كافية إن صدقوا.
ومن سأل غيره الدعاء لنفع ذلك الغير أو نفعهما أثيب، وإن قصد نفع نفسه فقط نهى عنه، كسؤال المال، وإن كان لا يأثم.
وقال أبو العباس في الفتاوى المصرية: لا بأس بطلب الناس الدعاء بعضهم من بعض؛ لكن أهل الفضل يفوزون بذلك، إذ الذي يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحده (2) .
ولا تسقط الزكاة والحج والديون ومظالم العباد عمن مات شهيدا (3) .
ويحرم المن بالصدقة وغيرها، وهو كبيرة على نص أحمد أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ويبطل الثواب بذلك للآية، ولأصحابنا خلاف فيه، وفي بطلان طاعة بمعصية، واختار شيخنا الإحباط بمعنى الموازنة وذكر أنه قول أكثر السلف (4) .
قال جماعة من أصحابنا: يجوز العمل مع السلطان وقبول جوائزه، وقيده في الترغيب بالعادل، وقيده في التبصرة بمن غلب عدله وأنها
__________
(1) الفروع (2/ 591) ف (2/ 106) .
(2) اختيارات (106) ف (2/ 106) .
(3) اختيارات (106) ف (2/ 106) .
(4) فروع (2/ 651، 652) ف (2/ 106) قلت، وتقدم.
(3/166)

تكره في رواية، وقيل للإمام أحمد في جائزته ومعاملته فقال: أكرههما وجائزته أحب إلي من الصدقة وقال: هي خير من صلة الإخوان وأجرة التعليم خير منهما، ذكره شيخنا وقال أيضا: ليس بحرام (1) .
__________
(1) الفروع (2/ 661) ف (2/ 106) .
(3/167)

كتاب الصيام

والمستحب قول شهر رمضان كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [185/2] ولا يكره قول رمضان بإسقاط الشهر (وهـ) وأكثر العلماء، وذكر الشيخ: يكره إلا مع قرينة الشهر وفاقا لأكثر الشافعية، وذكر شيخنا وجها يكره وفاقا للمالكية (1) .
وعند شيخنا: لا يقضي متعمد بلا عذر (خ) صوما ولا صلاة، قال: ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه وضعف أمره عليه السلام المجامع بالقضاء لعدول البخاري ومسلم عنه (2) .
وإن حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز لا واجب ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والمنقولات المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله عنهم (3) .
__________
(1) الفروع (3/ 4) ف (2/ 107) .
(2) الفروع (3/ 97) والاختيارات (209) هنا جزم ف (2/ 107) .
(3) اختيارات (107) والفروع (3/ 7) ف (2/ 107) .
(3/169)

وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرًا إلى أنه لا يستحب صومه (1) .
ومن تجدد له الصوم بسبب كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار فإنه يتم بقية يومه، ولا يلزمه قضاء وإن كان قد أكل (2) .
والمريض إذا خاف الضرر استحب له الفطر، والمسافر الأفضل له الفطر فإن أضعفه الصوم عن الجهاد كره له بل يجب منعه إن منعه عن واجب آخر (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان، فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: ليس هذا سفر طويل، فقال الشيخ: هذا فطر للتقوي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرا مباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام وهل يشك ففيه أن الفطر ههنا أولى من فطر المسافر وقد أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم فعل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم (4) .
إذا دخل المسافر فنوى الإقامة في رمضان أقل من أربعة أيام فله أن يفطر (5) .
__________
(1) اختيارات (107) فيه زيادة ذكر ميله رحمه الله ف (2/ 107) .
(2) اختيارات (107) فيه زيادة ف (2/ 110) .
(3) اختيارات (107) هذا ملخص ف (2/ 110) .
(4) بدائع (4/ 45) ف (2/ 110) .
(5) مختصر الفتاوى (288) الاختيارات (107) ف (2/ 110) .
(3/170)

وهل يجب تعيين النية لرمضان؟
فمذهب مالك والشافعي تجب فلو نوى نية مطلقة أو معلقة لم تجزه.
وعند أبي حنيفة: لا يجب التعيين فلو نوى نية مطلقة أو معلقة تقع عن رمضان في هذه الصورة وفي هذه الصورة في مذهب أحمد ثلاثة أقوال:
أحدها: كمذهب مالك والشافعي يجب.
والثاني: كقول أبي حنيفة.
والثالث: تقع عن رمضان مع الإطلاق لا مع نية غير رمضان، وهذا اختيار الخرقي في شرح المختصر واختيار جدي المجد عبد السلام وغيرهم.
والذي يجب أن يفرق بين العالم والجاهل، فمن علم أن غدا من رمضان ولم ينوه بل نوى غيره فقط ترك الواجب فلم يجزه ومن لم يعلم فنوى صوما مطلقا للاحتياط أو صوما مقيدا فهذا إذا قيل بجوازه كان متوجها (1) .
وإن نوى نذرا أو نفلا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلا، كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التبرع ثم تبين أنها كانت حقه فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان؛ بل يقول له: الذي وصل إليك هو كان عندي لك (2) .
ومن خطر في قلبه أنه صائم غدا فقد نوى.
__________
(1) مختصر الفتاوى (283) ف (2/ 111) فيه زيادة وثلاثة أسطر غير موجودة هناك ف
(2/ 111) .
(2) اختيارات (107) ف (2/ 111) .
(3/171)

والصائم لما يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصيام؛ ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان.
وتصح النية المترددة كقوله: إن كان غدا من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (1) .
وإذا نوى صيام التطوع بعد الزوال ففي ثوابه روايتان عن أحمد. والأظهر الثواب، وإذالم ينو الصوم ولكن إذا أشهى الأكل واستمر به الجوع فهذا يكون جوعه من باب المصائب التي تكفر بها خطاياه ويثاب على صبره عليها، ولا يكون من باب الصوم الذي هو عبادة يثاب عليها ثواب الصوم، والله سبحانه وتعالى أعلم (2) .
«ومن فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» صححه الترمذي من حديث زيد بن خالد. وظاهر كلامهم من أي شيء كان كما هو ظاهر الخبر، وكذا رواه ابن خزيمة من حديث سلمان الفارسي وذكر فيه ثوابا عظيما إن أشبعه، وقال شيخنا: مراده بتفطيره أن يشبعه (3) .

باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة

ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة وهو قول بعض أهل العلم، ويفطر بإخراج الدم بالحجامة وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط وهو وجه لنا، أو بإرعاف نفسه وهو قول الأوزاعي، ويفطر الحاجم إن مص القارورة (4) .
__________
(1) اختيارات (107) فيه زيادة إيضاح ف (2/ 111) .
(2) اختيارات (107، 108) ف (2/ 111) .
(3) الفروع (3/ 73) ف (2/ 111) .
(4) اختيارات (108) فيه زيادة واختصار ف (2/ 111) .
(3/172)

ولا يفطر بمذي بسبب قبلة أو لمس وتكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا (1) .
وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث، وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، أحدها: عليه القضاء والكفارة، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى، والثاني: لا شيء عليه، وهذا اختيار شيخنا (2) .
ومن جامع جاهلاً بالرفث فلا قضاء عليه وهو إحدى الروايتين عن أحمد (3) .
وإذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان يحمل عنها ما يجب عليها، وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح، أو لحرمة الزمان؟ فيه قولان: الصواب الثاني (4) .
ونقل طائفة عن طائفة من السلف: أن الغيبة والنميمة ونحوهما تفطر الصائم وذكر وجها في مذهب أحمد.
وتحقيق الأمر في ذلك: أن الله تعالى أمر بالصيام لأجل التقوى، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فإذا لم تحصل له التقوى لم يحصل له مقصود الصوم فينقص من أجر الصوم بحسب ذلك.
والأعمال الصالحة لها مقصودان: حصول الثواب، واندفاع العقاب.
__________
(1) اختيارات (112) ف (2/ 112) .
(2) مفتاح دار السعادة (436) والفروع (3/ 75) ف (2/ 112) .
(3) اختيارات (109) ف (2/ 112) .
(4) اختيارات (109) ف (2/ 112) .
(3/173)

فإذا فعلها مع المنهيات من الغيبة والنميمة وأكل الحرام وغيره فاته الثواب.
فقول الأئمة: لا يفطر، أي لا يعاقب عقاب المعلن بالفطر.
ومن قال: إنه يفطر بمعنى أنه لم يحصل له مقصود الصوم أو قد يذهب بأجر الصوم فقوله موافق لقول الأئمة.
ومن قال: إنه يفطر بمعنى أنه يعاقب على الترك فهو مخالف لأقوالهم (1) .

باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء

وإذا ذاق طعامًا ولفظه أو وضع في فيه عسلاً ومجه فلا بأس به للحاجة كالمضمضة والاستنشاق (2)
وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم (3) .
وإذا شتم الصائم استحب له أن يجهر بقوله: «إني صائم» ، وسواء كان الصوم فرضا أو نفلا، وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد (4) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» صححه الترمذي من حديث زيد بن خالد والمراد بتفطيره أن يشبعه (5) .
وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبر ونحوه أو عن ميت
__________
(1) مختصر الفتاوى (289) ف (2/ 112) .
(2) اختيارات (112) ف (2/ 112)
(3) اختيارات (112) ف (2/ 112) .
(4) اختيارات (109) والفروع (3/ 66) ف (2/ 112) .
(5) وتقدم.
(3/174)

وهما معسران توجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال، وحكى القاضي في صوم النذر في حياة الناذر نحو ذلك.
ومن مات وعليه صوم نذر أجزأ الصوم عنه بلا كفارة.
وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المجامع في رمضان بالقضاء، فضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه (1) .
وإذا شرعت المرأة في قضاء رمضان وجب عليها إتمامه، ولم يكن لزوجها تفطيرها، وإن أمرها أن تؤخر القضاء قبل الشروع فيه كان حسنا، لحديث عائشة (2) .

باب صوم التطوع

ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر للأخبار الصحيحة وفي بعضها «هو كصوم الدهر» والمراد بذلك أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر من غير حصول مفسدة (3) .
وصوم الدهر: الصواب قول من جعله تركًا للأولى أو كرهه، فعلى الأول صوم وفطر يوم أفضل منه خلافا لطائفة من العباد، ذكره شيخنا (4) .
سئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصيام أفضل؟ فقال: «شهر الله الذي تدعونه المحرم» .
قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرم أول العام، وأن يريد به الأشهر الحرم، والله أعلم (5) .
__________
(1) وتقدم.
(2) اختيارات (109) ف (2/ 112) .
(3) اختيارات (109) ف (2/ 113) .
(4) فروع (3/ 115) ف (2/ 113) .
(5) أعلام (4/ 293) ف (2/ 113) .
(3/175)

وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة.
ولا يكره إفراد العاشر بالصوم، وقد أمر أحمد بصومهما، ووافق شيخنا المذهب أنه لا يكره، وقال: مقتضى كلام أحمد يكره، وهو قول ابن عباس وعن أحمد: وجب ثم نسخ، اختاره شيخنا، ومال إليه الشيخ (1) .
ويكره موسم خاص: كالرغائب، وليلة النصف من شعبان، وهو بدعة.
وأما ما يروى في الكحل يوم عاشوراء أو الخضاب، أو الاغتسال، أو المصافحة أو مسح رأس اليتيم أو أكل الحبوب، أو الذبح، أو نحو ذلك لا يستحب منه شيء عند أئمة الدين، بل ينهى عنه.
وما يفعله الرافضة في يوم عاشوراء، من النياحة والندب والمأتم وسب الصحابة رضي الله عنهم هو أيضًا من أعظم البدع والمنكرات، وكل بدعة ضلالة هذا، وهذا، وإن كان بعض البدع والمنكرات أغلظ من بعض (2) .
وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، فإن غم هلال ذي الحجة أو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته إما لانفراده بالرؤية أو لكونه ممن لا يجوز قبول قوله ونحو ذلك واستمر الحال على إكمال ذي القعدة فصوم يوم التاسع الذي هو يوم عرفة من هذا الشهر المشكوك فيه جائز بلا نزاع، وأما من شهد بهلال ذي الحجة من يثبت الشهر به لكن لم يقبله الحاكم، إما لعذر ظاهر، وإما لتقصير في أمره فقال أبو العباس: هذه الصورة تخرج على الخلاف المشهور في مسألة المنفرد بهلال شوال:
__________
(1) اختيارات (110) والفروع (3/ 113) ف (2/ 113) .
(2) اختيارات (243، 244) فيه زيادات ف (2/ 113) .
(3/176)

هل يفطر عملا برؤيته، أم لا يفطر إلا مع الناس؟ في ذلك قولان مشهوران، فعلى قول من يقول: لا يفطر المنفرد برؤية هلال شوال بل يصوم ولا يفطر إلا مع الناس فإنه يقول: لا يستحب صوم يوم عرفة للشاهد الذي لم تقبل شهادته بهلال ذي الحجة، ومن قال في الشاهد بهلال شوال يفطر سرا قال هنا إنه يفطر ولا يصوم لأنه يوم عيد في حقه، ولكن لا يضحي ولا يقف بعرفة بذلك (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ذكر لفطره بعرفة عدة حكم، منها: أنه أقوى على الدعاء، ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله، ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم جمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدا لنهيه عن تخصيصه بالصوم وإن كان صومه لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة.
وكان شيخنا رضي الله عنه يسلك مسلكا آخر، وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختص بمن بعرفة دون أهل الآفاق، قال وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل السنن: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام» ، ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك المجمع لاجتماعهم فيه، والله أعلم (2) . (3) .
ومن صام رجب معتقدا أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعزر، وعليه يحمل فعل عمر، وفي تحريم إفراده وجهان. ومن نذر صومه كل سنة أفطر بعضه وقضاه، وفي الكفارة خلاف، وأما من صام الأشهر الحرم الثلاثة فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصوم شهرا كاملا إلا شهر رمضان،
__________
(1) اختيارات (110) ف (2/ 113) .
(2) زاد المعاد (1/ 168) ف (2/ 113) .
(3) قلت: وتقدم حكم صوم يوم وفطر يوم.
(3/177)

وكان يصوم أكثر شعبان ولم يصح عنه في رجب شيء، وإذا أفطر الصائم بعض رجب وشعبان كان حسنا، ولا يكره صوم العشر الأواخر من شعبان عند أكثر أهل العلم (1) .
وإفراد رجب بالصوم مكروه، نص على ذلك الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، وسائر الأحاديث التي وردت في فضل الصوم فيه موضوعة، لكن لو صام أكثره فلا بأس.
فلو نذر صومه قصدا فهو مثل من نذر صوم يوم الجمعة وغيره من العبادات المكروهة، والواجب أن يصوم شهرا آخر، وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين لنا ولغيرنا، وإنما يلزم الوفاء بما كان طاعة بدون النذر، والنذر في نفسه ليس بطاعة ولكن يجعل الطاعة واجبة، والصلاة في وقت النهي منهي عنها فلا تصير بالنذر طاعة واجبة (2) .
ولا يكره إفراد يوم السبت بالصوم (3) .
قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر، منها حديث أم سلمة يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم السبت والأحد، ويقول: «هما عيدان للمشركين فأنا أحب أن أخالفهما» رواه أحمد والنسائي وإسناده جيد، واختار شيخنا أنه لا يكره وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فالحديث شاذ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم وأبي داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام أحمد
__________
(1) اختيارات (111) ف (2/ 113) .
(2) مختصر الفتاوى (288) ف (2/ 113) .
(3) اختيارات (111) ف (2/ 113) .
(3/178)

الأخذ بالحديث (1) ، ولم يذكر الآجري غير صوم يوم الجمعة فظاهره لا يكره غيره (2) .
ولا يجوز تخصيص صوم أعياد المشركين، ولا صوم يوم الجمعة ولا قيام ليلتها (3) .
ورمضان أفضل الشهور، ويكفر من فضل رجبا عليه (4) .
وليلة القدر أفضل الليالي (5) .
ومن العجب أن طائفة من أصحاب أحمد فضلوا ليلة الجمعة على ليلة القدر، ورأوا أن إحياءها أفضل من إحياء ليلة القدر، وقد ثبت في الصحيح النهي عن تخصيصها بقيام؛ مع أنه ثبت بالتواتر أن ليلة القدر أمر الله بالقيام فيها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - حض على قيامها، وأنه لا عدل لها في ليالي العام (6) .
والأوتار هي باعتبار ما مضى، أو باعتبار ما بقي؟ فليلة إحدى وعشرين وثلاثة، وخمسة وسبعة وتسعة باعتبار ما مضى، وباعتبار ما بقي لتسع بقين وسبع بقين ونحو ذلك فإذا كان الشهر ناقصًا فقيل لتسع كانت ليلة إحدى وعشرين فيكون وتر المستقبل والماضي، وإن كان الشهر كاملا كانت الأوتار هي الأشفاع باعتبار الماضي كما فسره أبو سعيد رضي الله عنه وغيره.
__________
(1) حديث الصماء لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم.
(2) الفروع (3/ 124) ف (2/ 113) .
(3) اختيارات (111) ف (2/ 113) .
(4) اختيارات (113) ف (2/ 114) .
(5) اختيارات (112) ف (2/ 114) .
(6) مختصر الفتاوى (86) ف (2/ 114) .
(3/179)

ولهذا كانت ليلة القدر كثيرًا ما تكون لسبع مضين ولسبع بقين فتكون ليلة أربع وعشرين وهي التي روي أن القرآن نزل فيها.
فالتحقيق أنها تكون في العشر الأواخر، في الأوتار، لكن بالاعتبارين.
فأما ليلة سبع عشرة من رمضان فلا ريب أنها ليلة بدر يومها هو: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [41/8] ولم يجئ حديث يعتمد عليه أنها ليلة القدر إن كان قد قاله بعض الصحابة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «من يقم الحول يصبها» ، وبعضهم يعين لها ليلة من العشر الأواخر.
الصحيح أنها في العشر الأواخر تنتقل، فروى البخاري: «ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» .
والأحاديث المروية أنها في أول ليلة المحرم، أو ليلة عاشوراء، أو أول ليلة من رجب، أو أول ليلة جمعة من رجب، أو ليلة سبع وعشرين، أو ليلة العيدين، وفي الصلاة الألفية ليلة النصف كلها كذب موضوعة، لم يكن أحد يأمر بتخصيص هذه الليالي بقيام ولا صلاة أصلا (1) .

باب الاعتكاف وأحكام المساجد

ومن نذر الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة تعين ما امتاز على غيره بمزية شرعية: كقدم، وكثرة جمع، اختاره أبو العباس في موضع، وحكى في موضع آخر وجهين في مذهبنا (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (85) من قوله: ولهذا كانت ليلة القدر إلخ غير موجودة في (25/ 384) ف (2/ 114) .
(2) اختيارات (113، 114) والفروع (3/ 165) ف (2/ 115) .
(3/180)

«اعتكف العشر» يدخل فيه الليل (1) .
ولم ير أبو العباس لمن قصد المسجد للصلاة، أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه (2) .
ليس للمعتكف أن يخيط ثوبا، وقيل: يجوز أن يخيط لنفسه لا ليكتسب وقيل: بجواز اليسير، وهذه الثلاثة الأقوال في المذهب (3) .
وحكى الشيخ تقي الدين رحمه الله عن الجمهور استحباب المجاورة بمكة، قال: قالوا: ولأن المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في بلد آخر، ولأن الصلاة فيها تتضاعف هي وغيرها من الأعمال انتهى (4) .

أحكام المساجد

وينشأ مسجد إلى جنب آخر إذا كان محتاجا إليه، ولم يقصد الضرر، فإن قصد الضرر أو لا حاجة، فلا ينشأ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، نقلها عن محمد بن موسى، ويجب هدمه وقاله أبو العباس فيما بني بجوار جامع بني أمية (5) .
وليس له البول في المسجد ولو في وعاء، وقال في موضع آخر في البول حول البركة في المسجد هذا يشبه البول في قارورة في المسجد ومنهم من نهى عنه، ومنهم من رخص فيه للحاجة، فأما اتخاذه مبالا فلا (6) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (39) ف (2/ 115) .
(2) اختيارات (114) ف (2/ 115) .
(3) مختصر الفتاوى (292) ف (2/ 115) .
(4) الآداب (3/ 427) ف (2/ 115) .
(5) اختيارات (72) ف (2/ 115) .
(6) الاختيارات (9) قلت، وقد تقدم في باب الاستنجاء وله مناسبة هنا ف (2/ 115) .
(3/181)

والنهي عن قربان المسجد لمن أكل الثوم ونحوه عام في كل مسجد عند عامة العلماء، وحكى القاضي عياض أن النهي خاص بمسجد
النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) .
قال الشيخ تقي الدين: المعاصي في الأيام المعظمة والأمكنة المعظمة تغلظ معصيتها وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان، انتهى كلامه (2) .
ومنع شيخنا اتخاذه طريقا، قال: والاتخاذ والاستئجار كبيع وشراء وقعود صانع وفاعل فيه لمن يكتريه كبضاعة لمشتر لا يجوز (3) .
ويجوز تعليم القرآن في المسجد إذا لم يكن فيه ضرر على المسجد وأهله، بل يستحب (4) .
والسنة في المسجد أن من سبق إلى بقعة لعمل جائز فهو أحق به حتى يقوم منه، لكن المصلون أحق بالسواري.
ويجوز نصب خيمة وسترة لمن يعتكف.
وكذلك لو أقام الرجل مدة إقامة مشروعة، كما أذن - صلى الله عليه وسلم - لوفد ثقيف أن ينزلوا بالمسجد ليكون أرق لقلوبهم، وأقرب لدخول الإيمان فيها، وكما مرض سعدا فيه ليكون أسهل لعيادته، وكالمرأة التي كانت تقم المسجد كان لها خص فيه (5) .
__________
(1) الاختيارات (44) ف (2/ 115) .
(2) الآداب (3/ 430) ف (1/ 304) وتقدم.
(3) فروع (4/ 635) فيه زيادة ف (2/ 115) .
(4) فروع (4/ 635) فيه زيادة ف (2/ 115) .
(5) مختصر الفتاوى (64) واختيارات (265) ف (2/ 115) .
(3/182)

كتاب الحج

والبيت زاده الله تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا له الشرف من وجوه كثيرة.
منها: نفس البقعة شرفها الله على غيرها، كما شرف في بقية الأنواع بعض أشخاصها وكما خص بعض الناس بنوع من الفضل.
ومنها: أن الله بوأه لخليله إبراهيم خير البرية، فليس بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل من إبراهيم الذي بناه ودعا الناس إليه.
ومنها: أنه جعل على الناس حج البيت، حتى حجه الأنبياء كموسى ويونس وغيرهما.
وفيه آيات كثيرة: مثل مقام إبراهيم، ومثل الأمان الذي جعله للناس والطير والوحش.
ومثل إهلاك الجبابرة الذين قصدوا انتهاكه، إلى غير ذلك من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته.
{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [97/3] فلا يقتل الجاني فيه عند أحمد وأبي حنيفة، وكان الكفار يعظمونه حتى ليلقى الرجل قاتل أبيه فلا يقتله.
والإسلام زاده حرمة.
(3/183)

وأما أن يظن أن من دخله كان آمنا من عذاب الله مع تركه الفرائض واتخاذه الأنداد من دون الله فخلاف إجماع المسلمين (1) .
ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا، ولم يقيده أبو عبد الله لسقوط الفرائض بالضرر، وتحرم الطاعة في المعصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فحينئذ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب؛ لكن يستطيب أنفسهما فإن أذنا وإلا حج.
وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة (2) .
والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء.
ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله وخلف مالاً حج عنه في أظهر قولي العلماء.
وإذا وجب الحج على المحجور عليه لم يكن لوليه منعه منه على الوجه الشرعي، والتجارة ليست محرمة؛ لكن ليس للإنسان أن يفعل ما يشغله عن الحج.
ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون قد أعان على هلاك نفسه فلا يكون شهيدًا.
__________
(1) مختصر الفتاوى (301) ف (2/ 116) .
(2) اختيارات (115) ف (2/ 116) .
(3/184)

وتجوز الخفارة عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز مع عدمها، كما يأخذ السلطان من الرعايا.
وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة.
وأما إماء المرأة فيسافرون معها ولا يفتقرن إلى المحرم، لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة، فأما عتقاؤها من الإماء فقد بيض لذلك أبو العباس.
وصحح أبو العباس في الفتاوى المصرية أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم. والمحرم زوج المرأة أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب، ولو كان النسب وطء شبهة لا زنا، وهو قول أكثر العلماء واختاره ابن عقيل (1) .
وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة، ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع، وقاله بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة، وقاله الباجي المالكي في كبيرة غير مشتهاة، وذكر أبو الخطاب رواية المروذي ثم قال: وظاهره جواز خروجها بغير محرم ذكره شيخنا في مسألة العجوز تحضر الجماعة هذا كلامه (2) .
وذكر صاحب المحرر عن نقل أسماء النوى على رأسها للزبير نحو ثلثي فرسخ من المدينة أنه حجة في سفر المرأة السفر القصير بغير محرم، ورعي جارية معاوية بن الحكم في معناه وأولى، فيتوجه على هذا الخلاف، وأما كلام شيخنا ومعناه لغيره فيجوز مثل هذا قولاً.
__________
(1) الاختيارات (115، 116) ف (2/ 117) .
(2) الفروع (3/ 236) ف (2/ 117) .
(3/185)

واحدا لأنه ليس بسفر شرعا ولا عرفا ولا يتأهب له أهبته (1) .
قال شيخنا: ويحرم سفره بأخت زوجته ولو معها، قال في ميت عن امرأة شهد قوم بطلاقه ثلاثا مع علمهم عادة بخلوته بها، لا يقبل؛ لأن إقرارهم يقدح فيهم (2) .
ولا يجوز تكليف الأمة بالرعي، لأن السفر مظنة الطمع [وقد لا يوجد من يذب عنها] (3) .
الحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست بواجبة، وأما إن كان له أقارب محاويج، أو هناك فقراء تضطرهم الحاجة إلى نفقة فالصدقة عليهم أفضل.
أما إذا كان كلاهما تطوعا فالحج أفضل، لأنه عبادة بدنية ومالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك لكن بشرط أن يقيم الواجب في الطريق (4) ، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات ويصدق الحديث ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد، فمن فعل شيئا من تلك المحرمات فقد يكون إثمه أعظم من أجره، فأي فضيلة في هذا؟ قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [197/2] فيه قراءتان {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} بالرفع {وَلَا جِدَالَ} بالفتح: والقراءة الثانية التسوية بين الكل بالفتح.
__________
(1) فروع (5/ 603) ف (2/ 117) .
(2) فروع (5/ 558) ف (2/ 117) .
(3) فروع (5/ 602، 603) .
(4) لأنه عبادة بدنية ومالية وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك، زيادة في الاختيارات عما في مختصر الفتاوى وكذلك قوله في الطريق.
(3/186)

فالقراءة الأولى توافق الحديث الذي في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» جعل الوعد بالمغفرة لمن لم يرفث ولم يفسق.
فالمنهي عنه المحرم في الآية: هو «الرفث» ، وهو الجماع ودواعيه قولا وفعلا، و «الفسوق» ، هو المعاصي كلها، هذا الذي نهى عنه المحرم.
وقوله: {وَلَا جِدَالَ} نهى المحرم عن الجدال مطلقا، بل الجدال بالتي هي أحسن قد يؤمر به المحرم وغيره.
والمعنى أنه أمر الحج قد بينه الله وأوضحه فلم يكن فيه جدال.
وأما القراءة الأخرى، فقالوا في أحد القولين: نهي المحرم عن الثلاثة: الرفث والجماع وذكره، و «الفسوق» ، وهو السباب والجدال.
والتحقيق: أن الفسوق أعم من السباب، والجدال المكروه المحرم هو المراد.
والخصومة من الجدال لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من ترك المراء وهو محق بني الله له بيتا في أعلى الجنة، ومن تركه وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة» .
وقالوا في القول الآخر: حكم هذه القراءة حكم الأولى في أن المراد نهي المحرم عن الرفث والفسوق وهي المعاصي كلها.
وبين الله بعد ذلك أن الحج قد اتضح أمره، فلا جدال بالباطل أي لا تجادلوا فيه بغير حق، فقد ظهر وبان، وهذا القول أصح لموافقته الحديث المتقدم، فإن فيه «من حج فلم يرفث ولم يفسق» فقط.
وبكل حال فالحاج مأمور بالبر والتقوى.
(3/187)

و"البر" إطعام الطعام، وإفشاء السلام، كذا روي في الحديث، وهو يتضمن الإحسان إلى الناس بالنفس والمال.
وإذا حصل من الحاج المشاجرة والخصومة والسب فكفارته الاستغفار وفعل الحسنات الماحية إلى من جهل عليه وغيره، فيحسن إليه ويستغفر له ويدعو له ويداريه ويلاينه، وإن اغتاب غائبا وهو لم يعلم دعا له ولا يحتاج إلى إعلامه في أصح قولي العلماء (1) .
قال شيخنا: قوله عليه السلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» يدخل فيه بإحرام العمرة ولهذا أنكر أحمد على من قال: إن حجة التمتع حجة مكية، نقله الأثرم وهي عند أحمد بعض حجة الكامل بدليل صومها (2) .
وعنه العمرة سنة (وهـ م ق) اختاره شيخنا (3) .
ومن استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحج بالإجماع، فإن خرج عقيب ذلك بحسب الإمكان ومات في الطريق وقع أجره على الله ومات غير عاص، وإن كان فرط ثم خرج بعد ذلك ومات قبل الحج مات عاصيا، وله أجر ما فعله، ولم يسقط عنه الفرض؛ بل يحج عنه من حيث بلغ (4) .
ويجوز حجه عنها (المرأة) اتفاقا، وفي جواز حجها عنه نزاع (5) .
ومن جرد مع الحاج أو غيره وجمع له من الجند المقطعين ما
__________
(1) مختصر الفتاوى (293، 294) ف (2/ 116، 124) .
(2) فروع (3/ 529) ف (2/ 116، 124) .
(3) الفروع (3/ 204) ف (2/ 116، 124)
(4) مختصر الفتاوى (317) ف (2/ 116) .
(5) مختصر الفتاوى (172) ف (2/ 117) .
(3/188)

يعينه على كلفة الطريق أبيح له أخذه، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد وليس في هذا اختلاف (1) .
وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف ويلزم المعطي بذل ما أمر به (2) .
ومن كان قادرا على الكسب ويأكل من صدقات الناس فهو مذموم على ذلك، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب» .
وأما سؤال الناس مع القدرة على الكسب فهو حرام بلا نزاع؛ فمن حج على أن يسأل مع إمكان القعود فهو عاص، فقد جاء بضعة عشر حديثا في النهي عن المسألة (3) .
ومن اغتصب إبلا أو اشتراها بثمن مغصوب أو بعضه وأراد الحج وليس له مال يحج به غيره فإنه يجب عليه أن يعوض أربابها إن أمكن معرفتهم، وإلا تصدق بقيمة الثمن عنهم، فإن عجز عن الصدقة، تصدق وقت قدرته بعد ذلك، وإن عرفهم في قرية ولا يعرف أعيانهم تصدق على فقراء تلك القرية وقد طاب له الحج، والله أعلم (4) .
ومن حج بمال حرام لم يتقبل الله منه حجه، وهل عليه الإعادة؟ على قولين للعلماء (5) .

باب المواقيت

وكذلك يكره الخروج من مكة لعمرة تطوع، وذلك بدعة لم يفعله
__________
(1) اختيارات (119) ف (2/ 117) .
(2) فروع (2/ 117) .
(3) مختصر الفتاوى (575) ف (2/ 117) .
(4) مختصر الفتاوى (297) ف (2/ 117) .
(5) مختصر الفتاوى (295) ف (2/ 117) .
(3/189)

النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه على عهده لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها؛ بل أذن لها بعد المراجعة تطييبا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز (1) .

باب الإحرام

ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفا وإلا فلا جمعا بين الأخبار (2) .
ويقول: «لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» «لبيك إن» بكسر الهمزة عند أحمد.
قال شيخنا: هو أفضل عن أصحابنا والجمهور؛ فإنه حكي عن محمد بن الحسن والكسائي والفراء وغيرهم وقاله الحنفية والشافعية، وحكي الفتح عن أبي حنيفة وآخرين: قال ثعلب: من كسر فقد عم. يعني حمد الله على كل حال، قال: ومن فتح فقد خص، أي لأن الحمد لك، أي لهذا السبب (3) .

باب محظورات الإحرام

ويقتل النملة إذا عضته، والنحلة إذا آذته، واختار شيخنا: لا يجوز قتل نحل ولو بأخذ كل عسله، قال هو وغيره: إن لم يندفع ضرر نمل إلا بقتله جاز، قال أحمد: يدخن للزنابير إذا خشي أذاهم أحب إلي من تحريقه، والنمل إذا آذاه يقتله (4) .
__________
(1) اختيارات (119) والفروع (3/ 528) فيه التصريح بالحكم ف (2/ 117) .
(2) الاختيارات (116) الفروع (3/ 297) ف (2/ 119) .
(3) الفروع (4/ 240) ف (2/ 119) .
(4) الفروع (3/ 440) ف (2/ 123) .
(3/190)

ونقل ابن منصور والميموني وابن الحكم فيمن وطئ بعد الرمي ينتقض إحرامه ويعتمر من التنعيم فيكون إحرام مكان إحرام، فهذا المذهب أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي جمرة العقبة، ويلزمه أن يحرم من الحل ليجمع بين الحل والحرم ليطوف في إحرام صحيح، لأنه ركن الحج كالوقوف، وإذا أحرم طاف للزيارة وسعى ما لم يكن سعى وتحلل؛ لأن الإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج، هذا ظاهر كلام الخرقي واختاره الشيخ وغيره، وقال: ويحتمل أن الإمام أحمد والأئمة أرادوا هذا وسموه عمرة؛ لأن هذه أفعالها، ويحتمل أن يريدوا عمرة حقيقية فيلزمه سعي وتقصير، واختيار شيخنا كالشيخ، قال: سواء بعد أو لا، ومعناه كلام غيره، وقاله القاضي في المجرد، وقال: شيخنا أيضا: يعتمر مطلقا وعليه نصوص أحمد وجزم به القاضي في الخلاف وابن عقيل في مفرداته وابن الجوزي في كتاب أسباب الهداية وغيرهم (1) .
وإذا تعدى أحد على الركب في الطريق أو في مكة فدفعهم الركب عن أنفسهم كالصائل فيجوز الدفع مع الركب، بل يجب دفع هؤلاء عن الركب.
وإذا تعدى على أهل مكة أو غيرهم، فلا يعينهم على ذلك، وإذا وجد مع الركب جائعا أو عطشانا فعليه أن يبذل ما فضل عن حاجته فأما ما يحتاج إليه فلا يجب بذله، ولو وجد ميتا فليس عليه أن يتخلف ليدفنه بحيث يخاف الانقطاع (2) .
وقال شيخنا: إن تعدى أهل مكة أو غيرهم، على الركب دفع
__________
(1) الفروع (3/ 397، 398) ف (2/ 124) .
(2) الاختيارات (118) ف (2/ 124) .
(3/191)

الركب كما يدفع الصائل، وللإنسان أن يدفع مع الركب بل يجب إن احتيج إليه (1) .
ولا تعصم الأشهر الحرم للعمومات، ولغزو الطائف، وتردد كلام شيخنا (2) .

باب الفدية

والمحرم إن احتاج وقطع شعره لحجامة أو غسل لم يضره، والقمل والبعوض والقراد إن قرصه قتله مجانا، وإلا فلا يقتله، ولا يجوز قتل النحل ولو بأخذ كل عسله، وإن لم يندفع ضرره إلا بقتله جاز (3) .

باب دخول مكة

ويسن أن يستقبل الحجر الأسود وفي الطواف (4) .
صح عن عمر رضي الله عنه أنه قال حين أراد تقبيل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك» ، وزاد بعضهم، أن أبا بكر رضي الله عنه قال: بل يشفع وينفع، وهذا كذب واضح، وروى الأوزاعي عن علي رضي الله عنه في ذلك أثرا لكن إسناده ضعيف واه (5) .
ثم يجعل البيت عن يساره فيقرب جانبه، الأيسر إليه قال شيخنا: لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى فلما كان الأكرم في
__________
(1) مختصر الفتاوى (575) ف (2/ 123) .
(2) فروع (6/ 64) ف (2/ 123) .
(3) فروع (6/ 64) ف (2/ 123) .
(4) اختيارات (118) فيه زيادة (2/ 126) .
(5) مختصر الفتاوى (301) ف (2/ 126) .
(3/192)

ذلك للخارج كان لليمنى (1) .
وعنه: تكره القراءة قال في الترغيب لتغليطه المصلين، وقال شيخنا: ليس له إذا.
وقال شيخنا: تستحب القراءة فيه، لا الجهر بها (2) .
ولا يشرع الطواف بغير الكعبة من سائر الأرض باتفاق المسلمين، ومن اتخذ ذلك عرف واستتيب فإن أصر قتل بالاتفاق (3) .
قال شيخنا: يحرم طوافه بغير البيت اتفاقا، واتفقوا على أنه لا يقبله ولا يتمسح به فإنه من الشرك، وقال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر (4) .
ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه إجماعا فسائر المقامات غيره أولى (5) .
ومن لم يمكنه الطواف إلا عريانا فطوافه عريانا هو من جنس صلاته عريانا إذا لم يجد ما يستره، وهو واجب بالاتفاق، فالطواف مع العري إذا لم يمكنه إلا ذلك أولى وأحرى، وهذا العذر نادر لا يكاد الشخص يعجز عن السترة، لكن لو سلب ثيابه والقافلة خارجون ولا يمكنه أن يتخلف عنهم فالواجب فعل ما قدر عليه من الطواف مع العري، وهو الأظهر (6) .
__________
(1) فروع (3/ 497) ف (2/ 126) .
(2) فروع (3/ 498، 499) ف (2/ 126) .
(3) مختصر الفتاوى (298) ف (2/ 126) .
(4) اختيارات (119) والفروع (3/ 524) فيه التصريح بأنه شرك ف (2/ 126) .
(5) اختيارات (118) فيه زيادة ف (2/ 126) .
(6) مختصر الفتاوى (296) فيها زيادة ف (2/ 126) .
(3/193)

والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم دليل أصلا، وما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طاف توضأ» ، فهذا لا يدل، فإنه كان يتوضأ لكل صلاة (1) .

باب صفة الحج والعمرة

ولا يسقط الوقوف بعرفة شيئا من فرائض الإسلام الواجبة لا من حق الله تعالى كالزكاة ولا من حقوق الآدميين كالدماء والأموال، ومكة لا تشفع لأحد (2) .
وعنه يلزم من دفع قبل الإمام دم، وهل لخائف فوتها صلاة خائف؟ واختاره شيخنا (3) .
يوم عرفة يراد به اليوم والليلة التي تليه (4) .
ولا يشرع صعود جبل الرحمة إجماعا (5) .
وإن قصر فمن جميعه نص عليه، قال شيخنا: لا من كل شعرة بعينها.
ويقص من شعره إذا حل لا من كل شعرة بعينها، والحلق أو التقصير إما واجب، أو مستحب، ومن حكى عن أحمد أنه مباح فقد غلط (6) .
فأما المتمتع فلا بد أن يسعى قبل ذلك.
__________
(1) اختيارات (219) ف (2/ 127) .
(2) مختصر الفتاوى (297) ف (2/ 130) .
(3) الفروع (3/ 509) ف (2/ 130) .
(4) مختصر الفتاوى (39) ف (2/ 130) .
(5) اختيارات (118) ف (2/ 130) .
(6) الفروع (3/ 513) والاختيارات (118) ف (2/ 132) .
(3/194)

وهل عليه سعي ثان؟ فيه روايتان هما قولان للعلماء، وذلك لما روي أن الصحابة رضي الله عنهم تمتعوا بالعمرة إلى الحج ولم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طواف القدوم، وهذا بيان أن عمرة المتمتع بعض حجه، كما أن وضوء المغتسل بعض غسله فيقع السعي، عن جملة النسك، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» والله أعلم (1) .
عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى يعني راجعا» .
قال ابن القيم: هكذا قال ابن عمر، وقال جابر في حديثه الطويل: «ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر» ، رواه مسلم، وقالت عائشة رضي الله عنها: «أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها» ، الحديث وسيأتي.
فاختلف الناس في ذلك، فرجحت طائفة منهم ابن حزم وغيره حديث جابر وأنه صلى الظهر بمكة، قالوا: وقد وافقته عائشة واختصاصها به وقربها منه، واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به أمر لا يرتاب فيه.
قالوا: ولأنه - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمرة وحلق رأسه وخطب الناس ونحر مائة بدنة هو وعلي وانتظر حتى سلخت وأخذ من كل بدنة بضعة فطبخت وأكلا من لحمها.
قال ابن حزم: وكانت حجته في آذار ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ثم يرجع إلى منى والوقت باق.
__________
(1) مختصر الفتاوى (295) فيها زيادة من قوله وهذا بيان ف (2/ 132) .
(3/195)

وقالت طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: الذي يرجح أنه إنما صلى بمنى وجوه:
أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه في إمامة الناس بمنى إماما يصلي بهم الظهر بمنى نائب له ولا ينقله أحد. فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر، ونيابة الصديق لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلح بين بني عمرو بن عوف، ونيابته في مرضه، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة، لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرا على الصلاة قبل ذلك وبعده هو الذي كان يصلي بهم.
الثاني: أنه لو صلى بهم في مكة لكان أهل مكة مقيمين فكان يتعين عليهم الإتمام، ولم يقل لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر» كما قاله في غزوة الفتح.
الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف، ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون به فيهما فظنهما الرائي الظهر، وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلا، لا سيما وهو - صلى الله عليه وسلم - كان إمام الحاج الذي لا يصلي لهم سواه، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادا ولا يقيم لهم من يصلي بهم هذا في غاية البعد (1) .
وذكر أحمد: أنه يأتي الحطيم وهو تحت الميزاب فيدعو، وذكر شيخنا ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر الأسود (2) .
ويتوجه على اختيار شيخنا بعد يوم النحر يوم القر الذي يليه، لأنه احتج بقوله عليه السلام: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» (3) .
__________
(1) تهذيب السنن (2/ 426، 427) ف (2/ 133) .
(2) الفروع (3/ 522، 523) ف (2/ 134) .
(3) الفروع (3/ 145) ف (2/ 134) .
(3/196)

قال أصحابنا: وإن خرج إنسان غير حاج فظاهر كلام أبي العباس لا يودع (1) .
وذكر ابن عقيل وابن الزاغوني: لا يودع البيت ظهره حتى يغيب، قال أبو العباس: هذا بدعة منكرة (2) .
وشهر السلاح عند قدوم تبوك بدعة، زاد شيخنا محرمة.
وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب لا أصل له، فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة، وأن مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بضعا وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع، بدر، وأحد، والخندق وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف (3) .

الصلاة في المسجد النبوي والسلام على الرسول والوقوف للدعاء

قال ابن عقيل وابن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء، قال شيخنا: ووقوفه عندها له (4) .
قال ابن القيم رحمه الله: ومن حديثه أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، قال أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو صخر، أن يزيد بن عبد الله بن قسيط أخبره، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد إليه السلام» أبو صخر اسمه حميد بن زياد، ورواه أبو
__________
(1) الاختيارات (118) والفروع (3/ 521) ف (2/ 135) .
(2) اختيارات (109) فيه ذكر الحكم ف (2/ 136) .
(3) الفروع (3/ 531) والاختيارات (151) ف (2/ 136) .
(4) الفروع (3/ 523) ف (2/ 137) .
(3/197)

داود عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن يزيد المقري، وقد صحح إسناد هذا الحديث، وسألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله من أبي هريرة فقال: ما كان أدركه، وهو ضعيف ففي سماعه منه نظر (1) .
ومكة أفضل بقاع الله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأنص الروايتين عن أحمد، قال أبو العباس: ولا أعلم أحدا فضل تربة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه إليه أحد، ولا وافقه عليه أحد.
والصلاة وغيرها من القرب بمكة أفضل، والمجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان، وتضاعف السيئة والحسنة بمكان أو زمان فاضل، ذكره القاضي وابن الجوزي انتهى (2) .
والمعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ المعصية والعقاب عليها على قدر ذلك المكان والزمان (3) .

باب الفوات والإحصار

والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصر بعدو، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمحصر يلزمه دم في إحدى الروايتين (4) .
وإذا منع في حج عن عرفة تحلل بعمرة مجانا، وعنه كمن منع البيت، وعنه كحصر مرض.
وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا حتى يقدر على البيت
__________
(1) جلاء الأفهام (18، 19) ف (2/ 136) .
(2) الاختيارات (113) والفروع (3/ 493) فيه زيادات ف (2/ 145) .
(3) مختصر الفتاوى (270) ف (2/ 145) وتقدمت هذه العبارة ولها مناسبة فيما أوردت فيه.
(4) اختيارات (120) فيه زيادة ف (2/ 151) .
(3/198)

فإن فاته الحج تحلل بعمرة نقله الجماعة، ولا ينحر هديًا معه إلا بالحرم، نص على التفرقة، وفي لزوم القضاء والهدي الخلاف وأوجب الآجري القضاء هنا. وعنه يتحلل كمحصر بعدو، واختاره شيخنا، وأن مثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة، وكذا من ضل الطريق ذكره في المستوعب، وفي التعليق: لا يتحلل، واحتج شيخنا لاختياره بأن الله لم يوجب على المحصر أن يبقى محرما حولا بغير اختياره، بخلاف بعيد أحرم من بلده ولا يصل إلا في عام، بدليل تحلل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لما حصروا عن إتمام العمرة مع إمكان رجوعهم محرمين إلى العام القابل (1) .

باب الأضحية

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة، وفي البقرة عن سبعة، والذي في الصحيح، أنهم عام الحديبية نحروا البدنة عن سبعة، وهي البعير، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجزي نفس إلا عن نفس.
وأما ذبح البعير عن عشرة فلم يقل به أحد من الأئمة الأربعة.
وحديث النسائي قيل: إنه في قسم الغنائم، فقسم بينهم فجعل الجزور بعشرة من الغنم، لا في النسك، لأن ابن عباس رضي الله عنهما لم يكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر غير النحر إلا في حجة الوداع خاصة، فإنه كان مقيما مع أبيه إلى عام الفتح، فلم يشهد معه عيدًا قبل ذلك لا
__________
(1) الفروع (جـ3/ 538) فيه زيادة ف (2/ 151) .
(3/199)

في حضر ولا في سفر، وبعد الفتح إنما عيد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعياد: عام ثمان، وسبع، وعشر، ولم يسافر سفر حج إلا في حجة الوداع، وسفرتان للغزو وهما: غزوة خيبر وغزوة تبوك، وابن عباس كان صبيًا قبل الاحتلام لم يكن يشهد معه المغازي، لكن شهد معه حجة الوداع، وفي حجة الوداع لم يذبحوا البدنة عن عشرة ولا نقل ذلك أحد (1) .
فصل
ومن ضحى بشاة ثمنها أكثر من ثمن البقرة كان أفضل من البقرة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - سئل أي الصدقات أفضل؟ فقال: (أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) .
والذي دلت عليه السنة أن الضحية وإن كانت واجبة يضحي الرجل بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فقد ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (اللهم هذا عن محمدٍ وآل محمد) وقال: (الرجل يضحي بالشاة الواحدة عن أهل بيته) (2) .
وتعدد أفضل، ومسألة ابن منصور بدنتان سمينتان بتسعة، وبدنة بعشرة فقال: اثنتان أعجب إلي، ورجح الشيخ تقي الدين البدنة السمينة (3) .
والأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي امرأة من مال زوجها عن أهل البيت بدون إذنه ومدين لم يطلبه رب الدين.
وتجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلا بالحكم ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية غيرها
__________
(1) مختصر الفتاوى (522) ف (2/ 151) .
(2) مختصر الفتاوى (525) ف (2/ 151) .
(3) فروع (3/ 541) ف (2/ 151) .
(3/200)

لقصة أبي بردة بن نيار، ويحمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ولن تجزئ عن أحد بعدك) أي بعد حالك.
والأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقا (1) .
وتجزئ الهتماء التي سقط بعض أسنانها في أصح الوجهين.
ولا يستحب أخذ شعره بعد ذبح الأضحية، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والتضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها.
وآخر وقت ذبح الأضحية آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد، ولم ينسخ تحريم الادخار عام مجاعة؛ لأنه سبب التحريم قاله طائفة من العلماء.
ومن عدم ما يضحي به ويعق اقترض وضحى وعق مع عدم القدرة على الوفاء (2) .
وينهى عن التضحية في الكنيسة التي فيها صور، كما ينهى عن ذبحها عند الأصنام، ومن قال: إن نسك المسلمين يذبح عند الأصنام كما يذبح المشركون القرابين لآلهتهم فهو مخالف لإجماع المسلمين، بل يستتاب قائل هذا فإن تاب وإلا قتل، وفي الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن العقر عند القبر، ولم يشرع الصدقة عنده، ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل أو الصلاة أو الصدقة فهو ضال مخالف لإجماع
المسلمين (3) .
__________
(1) اختيارات (120) ف (2/ 151) .
(2) اختيارات (120) ف (2/ 151) .
(3) مختصر الفتاوى (522) ف (2/ 151) .
(3/201)

العقيقة

والعقيقة سنة، وتنازعوا في وجوبها على قولين في مذهب أحمد وغيره، وإن كان بعض أهل العراق لم يعرفها، وهي أفضل من الصدقة.
ويعق الكبير عن نفسه إذا لم يعق عنه أبوه، جوزه طائفة، وروى عبد الحق في أحكامه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن نفسه بعد النبوة، وهذا فيه نظر ونزاع (1) .
ولا يعتبر التمليك في العقيقة.
يكره أن يكنى بأبي يحيى وأبي عيسى ذكره في المستوعب والرعاية وذكره القاضي وابن عقيل ولم يذكر له دليلا، وقال أحمد في رواية ابن منصور: عمن كره أن يكنى بأبي عيسى.
قال الشيخ تقي الدين: فإنما كره أبا عيسى دون أبي يحيى، والفرق ظاهر، انتهى كلامه (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (522) ف (2/ 151) .
(2) الآداب جـ (3/ 164) ف (2/ 152) .
(3/202)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فضله ووجوبه

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات.
ومن الناس من يكون ذلك لهواه، لا لله.
وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه: مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويقيم الحدود؛ لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه.
وكذلك دقيق العلم الذي لا يفهمه إلا خواص الناس.
وجماع الأمر في ذلك بحسب قدرته.
وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه هل يجب عليه حينئذ؟ على قولين: أصحهما أنه يجب وإن لم يقبل منه إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على
مفسدة الترك، كما بقي نوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عاما ينذر
(3/203)

قومه، ولما قالت الأمة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعدون في السبت {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [164/7] أي نقيم عذرنا عند ربنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله.
ومن لم يحب ما أحبه الله وهو المعروف ويبغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر لم يكن مؤمنا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان، ولا يمكن أن يحب جميع المنكرات بالقلب إلا إن كان كافرا، وهو الذي مات قلبه، كما سئل بعض السلف عن ميت الأحياء في قولهم:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
فقال: هو الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض، فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف حيث قالوا: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فهو، قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه مادتان، مادة تمده بالإيمان، ومادة تمده بالنفاق، فذلك خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وفي الجملة فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعين عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فإن تركه كان عاصيا لله ولرسوله، وقد يكون فاسقا وقد يكون كافرا.
وينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيها قبل الأمر، رفيقا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله حليما
بعد الأمر، لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى كما قال تعالى: {وَأْمُرْ
(3/204)

بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (1) [17/31] .
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: [في قوله وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل] إنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل ولهذا قال: (وليس وراء ذلك) فجعل المؤمنين ثلاث طبقات فكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه.
قال: وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم (2) .
مسائل الخلاف هل فيها إنكار؟
وقال في إبطال التحليل، قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم، أو العمل، أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا، وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء.
وأما العمل فإن كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار، كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض
__________
(1) مختصر الفتاوى (580، 581) فيه زيادات عما في المجموع: منها التمثيل بما لا يجوز إنكاره وتوضيح معنى وليس وراء ذلك.. وقوله فقيهًا ... وهو كلام متصل ف (2/ 152) .
(2) الآداب جـ (1/ 180، 181) ف (2/ 152) .
(3/205)

العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.
والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيه دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل والمتعة حرام، وذكر مسائل كثيرة (1) .
آداب المحتسب:
قال الشيخ تقي الدين: الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [17/31] فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر، وفي الصحيحين عن عبادة قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على
السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وعلى أثره علينا وأن
__________
(1) الآداب (1/ 190) ف (2/ 152) .
(3/206)

لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في الفتنة.
فأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم أو ما ظنوه هم ظلمة ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعض المرجئة وأهل الفجور يرون أن إنكار المنكر من الفتن:
وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنا أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك ولهذا ذكر الأستاذ أبو منصور الماتريدي المصنف في الكلام وأصول الدين من الحنفية الذين وراء النهر ما قابل به المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط في هذا الزمان.
وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابا مفردًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما صنف الخلال والدارقطني ذلك، انتهى (1) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (2) .
من المنكرات:
وقال أيضا في مكان آخر: إن من أصر على ترك الجماعة ينكر
__________
(1) الآداب (1/ 176، 177) لم أر هذا في المجموع بهذا اللفظ ف (2/ 153) .
(2) إعلام الموقعين (3/ 16) ف (2/ 161) .
(3/207)

عليه، ويقاتل أيضًا في أحد الوجهين عند من استحبها، وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام عنده الدليل المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة (1) .
وقال الشيخ تقي الدين: ومن كان قادرا على إراقة الخمر وجب عليه إراقتها ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهر الخمر فإنهم يعاقبون عليه أيضا بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم (2) .
كفارة الغيبة:
قال ابن القيم رحمه الله في كفارة الغيبة بعد ذكر الحديث:
وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحليله؟ والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار له وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (3) .
وذكر غير واحد: إن تاب من قذف إنسان أو غيبته قبل علمه به هل يشترط لتوبته إعلامه والتحليل منه؟ على روايتين.
وقال الشيخ تقي الدين بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة قال: فكل مظلمة في العرض من اغتياب صادق وبهت كاذب فهو في معنى القذف إذا القذف قد يكون صدقًا فيكون في المغيب غيبة، وقد يكون كذبا فيكون بهتا، واختيار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء
__________
(1) الآداب جـ (1/ 190) ف (2/ 156) .
(2) الآداب جـ (1/ 297) ف (2/ 155) .
(3) الوابل الصيب ص (292) ف (2/ 158) .
(3/208)

يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته كما روي في الأثير، ومن هذا الباب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إيما مسلم شتمته أو لعنته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة) وهذا المعنى صحيح من وجه (1) .
وإذا زنا بامرأة ثم تاب هل يعلم الزوج؟
وقال شيخ الإسلام تقي الدين أيضا: سئلت عن نظير هذه المسألة، وهو رجل تعرض لامرأة غيره فزنا بها، ثم تاب من ذلك، وسأله زوجها عن ذلك فأنكر، فطلب استحلافه، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموسا، وإن لم يحلف قويت التهمة، وإن أقر جرى عليه وعليها من الشر أمر عظيم.
فأفتيته أنه يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار والصدقة عنه ونحو ذلك بما يكون بإزاء إيذائه له في أهله، فإن الزنا بها تعلق به حق الله تعالى، وحق زوجها من جنس حقه في عرضه، وليس مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال، بل هو من جنس القذف الذي جزاؤه من غير جنسه، فتكون توبة هذا كتوبة القاذف، وتعريضه كتعريضه وحلفه على التعرض كحلفه، وأما لو ظلمه في دم أو مال فإنه لا بد من إيفاء الحق فإن له بدلا، وقد نص أحمد رضي الله عنه في الفرق بين توبة القاتل وبين توبة القاذف.
وهذا الباب ونحوه فيه خلاص عظيم وتفريج كربات للنفوس من آثار المعاصي والمظالم، فإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله عز وجل، ولا يجرؤهم على معاصي الله تعالى، وجميع
النفوس لا بد أن تذنب، فتعريف النفوس ما يخلصها من الذنوب من
__________
(1) الآداب الشرعية جـ (1/ 73، 74) ف (2/ 158) .
(3/209)

التوبة والحسنات الماحيات كالكفارات، والعقوبات هو من أعظم فوائد الشريعة انتهى كلامه (1) .
وقال في الإنصاف: لا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبة ونحوهما إعلامه والتحلل منه على الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: والأشبه أنه يختلف، وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر له ولم يعلمه وذكره الشيخ تقي الدين عن أكثر العلماء وعلى الصحيح من الروايتين لا يجب الاعتراف لو سأل فيعرض ولو مع استحلافه؛ لأنه مظلوم لصحة توبته.
ومن جوز التصريح في الكذب المباح فهنا فيه نظر، ومع عدم التوبة والإحسان تعريضه كذب ويمينه غموس، قال: واختار أصحابنا، لا يعلمه بل يدعو له في مقابلة مظلمته، وقال الشيخ تقي الدين، وزناه بزوجة غيره كالغيبة (2) .
وسئل أيضًا عن غيبة تارك الصلاة فقال: إذا قيل عنه: إنه تارك للصلاة وكان تاركها فهذا جائز، وينبغي أن يشاع ذلك عنه ويهجر حتى يصلي.
وقال الشيخ تقي الدين في المستتر: ويذكره أمره على وجه النصيحة.
وقال أيضًا: يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى (3) .
ومن حلفه مخدومه أنه متى رأى أحدًا خانه يعلمه، فخانه أحد،
__________
(1) الآداب جـ (1/ 79) ف (2/ 158) .
(2) الإنصاف: جـ (1/ 225) ف (2/ 158، 364) .
(3) الآداب جـ (1/ 290) ف (2/ 158) .
(3/210)

فإذا اطلع عليه استوفى حقه منه أو عاقبه بما يستحق من غير عدوان، وجب على الذي عرف بالقضية أن يطلعه وينصحه ولو لم يستخلفه، فكيف إذا حلفه؟ ويأثم إذا سكت عن هذه النصيحة (1) .
ويصح ابتياع كتب الزندقة ليحرقها ذكره الشيخ تقي الدين في مسودة شرح المحرر ولم يزد عليه (2) .
ويخرج من رواية منصوصة عن الإمام أحمد في منع التجارة إلى دار الحرب إذا لم يلزموه بفعل محرم أو ترك واجب، وينكر ما يشاهد من المنكر بحسبه (3) .
وحكى الشيخ تقي الدين أن أبا حنيفة وأحمد وغيرهما، قالوا: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج، لأنه مظهر للمعصية، وقال مالك وصاحب أبي حنيفة: يسلم عليه، انتهى (4) .
وقال أبو داود: قلت لأحمد، أسلم على المخنث؟ قال: لا أدري: السلام اسم من أسماء الله عز وجل، قال الشيخ تقي الدين: فقد توقف في السلام على المخنث (5) .
وذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه: أنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي، ولا يجيب دعوته (6) .
قال الشيخ تقي الدين: فأما الحدث الوضيء فلم يستثنوه، فيه
__________
(1) مختصر الفتاوى (544) ف (2/ 158) .
(2) الآداب (1/ 314) .
(3) اختيارات (243) ف (2/ 160) .
(4) الآداب (3/ 373) ف (2/ 161) .
(5) الآداب (3/ 373) ف (2/ 161) .
(6) الآداب (1/ 373) ف (2/ 161) .
(3/211)

نظر، وهو كما قال: وهذه المسألة تشبه مسألة النظر إليه، وهي مشهورة (1) .
وذكر الشيخ تقي الدين أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره (2) .
الهجر والسلام:
فأما هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله فقال ابن عقيل: يكره، وكلام الأصحاب خلافه، ولهذا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: اقتصاره في الهجرة على الكراهة ليس بجيد، بل من الكبائر على نص أحمد الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وقد صح قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) (3) .
وقال الشيخ تقي الدين فإن اقتصر الراد على لفظ وعليك، كما رد النبي - صلى الله عليه وسلم -، على الأعرابي وهو مقتضى الكتاب فإن المضمر كالمظهر، إلا أن يقال: إذا وصله بكلام فله الاقتصار بخلاف ما إذا سكت، ولولا أن الرد الواجب يحصل به لما أجزأ الاقتصار عليه في الرد على الذمي، ومقتضى كلام ابن أبي موسى وابن عقيل لا يجوز، وكذلك قال الشيخ عبد القادر، انتهى كلامه (4) .
روى أبو جعفر عن ابن عباس مرفوعا: إني لأرى لرد جواب الكتاب علي حقا كما أرى رد جواب السلام، قال الشيخ تقي الدين: وهو المحفوظ عن ابن عباس، يعني: موقوفًا (5) .
__________
(1) الآداب (1/ 380) ف (2/ 161) .
(2) الآداب (1/ 374) ف (2/ 161) .
(3) الآداب (1/ 273) ف (2/ 161) .
(4) الآداب (1/ 384) ف (2/ 161) .
(5) الآداب (1/ 385) ف (2/ 161) .
(3/212)

كتاب الجهاد

وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم (1) .
أنواع الجهاد ومتى يجب كفاية أو عينا؟
والجهاد منه: ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة، والحجة، واللسان، والرأي والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه (2) .
والحرب خدعة.
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... ... هو أول وهو المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لعبد مرة ... ... بلغا من العلياء كل مكان
قال: وعلى الأمير أن يحرضهم على الجهاد ويقاتل بهم عدوه بدعائهم ورأيهم وفعلهم وغير ذلك مما يمكن الاستعانة به على الجهاد، ويفعل مع بر وفاجر يحفظان المسلمين، لا مخذل ونحوه (3) .
__________
(1) روضة المحبين (478) ف (2/ 161) .
(2) اختيارات (310) وفروع (6/ 189) ف (2/ 161) .
(3) فروع (6/ 198، 199) ف (2/ 161) .
(3/213)

ويستحب أن يدعو سرا، قال أبو داود باب ما يدعى عند اللقاء ثم روي بإسناد جيد عن أنس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل.. وكان غير واحد منهم شيخنا يقول هذا عند قصد مجلس علم (1) .
ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد في رواية ابن الحكم، وهو الذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله.
وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها، كما تجب النفقات والزكاة وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية، فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعًا.
قال أبو العباس: سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين، كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير، ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما لا يقدم عليه إلا إذا خوطب به كصدقة الفطر، فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر هو الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة، وأولى، وإن كان حال استنفار الإمام فقضاء الدين أولى؛ إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه ولذلك قلت: لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع، كما في مسألة التترس وأولى، فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله، وقلت أيضًا: إذا
__________
(1) فروع (6/ 204) ف (2/ 162) .
(3/214)

كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه فالواجب وفاؤهم لتحصيل المصلحتين الوفاء والجهاد.
ونصوص أحمد توافق ما كتبته وقد ذكرها الخلال.
قال القاضي: إذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد وكان على مسافة تقصر فيها الصلاة فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة كالحج، وما قاله القاضي من القياس على الحج لم ينقل عن أحمد، وهو ضعيف، فإن وجوب الجهاد قد يكون لدفع ضرر العدو فيكون أوجب من الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة فبعض الجهاد أولى.
وثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه) فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر، وهذا نص في وجوبه مع الإعسار، بخلاف الحج، هذا كله في قتال الطلب.
وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا.
فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده.
والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة، واللسان، والرأي، والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه (1) .
__________
(1) هذان السطران من قوله: والجهاد منه إلى قوله ما يمكنه تقدما في أول الكتاب نقلا عن الاختيارات أيضا ولها مناسبة هناك وهنا.
(3/215)

ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم وأموالهم، قال المروذي: سئل أبو عبد الله عن الغزو في شدة البرد في مثل الكانونين فيتخوف الرجل إن خرج في ذلك الوقت أن يفرط في الصلاة فيرى له أن يغزو أو يقعد، قال: لا يقعد، الغزو خير له وأفضل، فقد قال الإمام أحمد بالخروج مع خشيته تضييع الفرض، لأن هذا مشكوك فيه، أو لأنه إذا أخر الصلاة بعض الأوقات عن وقتها كان ما يحصل له من فضل الغزو مربيا على ما فاته.
وكثيرا ما يكون ثواب بعض المستحبات أو واجبات الكفاية أعظم من ثواب واجب، كما لو تصدق بألف درهم وزكى بدرهم.
قال ابن بختان: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغزو قبل الحج قال: نعم، إلا أنه بعد الحج أجود.
فضل الجهاد:
وسئل أيضا عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج فنزل على قوم ثبطوه عن الغزو وقالوا: إنك لم تحج تريد الغزو، قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه، فإن أعانه الله حج، ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسا.
قال أبو العباس: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده؛ لكن تأخيره لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو لضرر أهل الزكاة، وكتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان ونحو ذلك، وهذا أجود ما ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج إن كان وجب عليه مقدمًا.
وكلام أحمد يقتضي الغزو وإن لم يبق معه مال للحج، لأنه قال: فإن أعانه الله حج مع أن عنده تقديم الحج أولى، كما أنه يتعين الجهاد
(3/216)

بالشروع وعند استنفار الإمام، لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس (1) .
وهل يطيع والديه في تركه أو ترك غيره؟
وقال أبو بكر في زاد المسافر: من أغضب والديه وأبكاهما يرجع فيضحكهما وقال في رواية أبي عبد الله: روى عبد الله بن عمر وقال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعه، فقال: جئت أبايعك على الجهاد، وتركت أبوي يبكيان، قال: (ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما) .
وقال الشيخ تقي الدين بعد قول أبي بكر هذا مقتضى قوله أن يبرا في جميع المباحات، فما أمراه ائتمر، وما نهياه انتهى، ثم ذكر الشيخ تقي الدين: نصوص أحمد تدل على أنه لا طاعة لهما في ترك الفرض، وهي صريحة في عدم ترك الجماعة وعدم تأخير الحج (2) .
وروى المروذي عن علي بن عاصم: أنه سئل عن الشبهة فقال: اطع والديك وسئل عنها بشر بن الحارث، فقال: لا تدخلني بينك وبين والديك، وذكر الشيخ تقي الدين رواية المروذي ثم قال: وقال في رواية ابن إبراهيم فيما هو شبهة فتعرض عليه أمه أن يأكل، فقال: إذا علم أنه حرام بعينه فلا يأكل، قال الشيخ تقي الدين، مفهوم هذه الرواية أنهما قد يطاعان إذا لم يعلم أنه حرام ورواية المروذي فيها أنهما لا يطاعان في الشبهة وكلامه يدل على أنه لولا الشبهة لوجب الأكل لأنه لا ضرر عليه فيه وهو يطيب نفسهما، انتهى كلامه (3) .
__________
(1) اختيارات (308-310) فيها زيادات كثيرة خصوصا بالنسبة إلى الجهاد بالمال وتقديم الغزو على الحج الواجب ف (2/ 163) .
(2) الآداب (1/ 491) ف (2/ 163) .
(3) الآداب (1/ 500) ف (2/ 163) .
(3/217)

فضل تعلم الرمي:
قال شيخ الإسلام: وقد روي أن قوما يتناضلون فقيل: يا رسول الله قد حضرت الصلاة، قال: «إنهم في الصلاة» فشبه رمي النشاب بالصلاة وكفى بذلك فضلا (1) .
قال شيخنا: وهذه الأمور الثلاثة التي فضل كل واحد من الأئمة بعضها، وهي: الصلاة والعلم والجهاد، هي التي قال فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا ثلاث في الدنيا لما أحببت البقاء فيها لولا أن أحمل أو أجهز جيشا في سبيل الله، ولولا مكابدة هذا الليل، ولولا مجالسة أقوام ينتقمون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر لما أحببت البقاء (2) قال ابن القيم رحمه الله: فالأول الجهاد، الثاني قيام الليل، والثالث مذاكرة العلم.
جهاد الدفع:
وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات، لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف.
وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به؛ لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا.
__________
(1) الفروسية ص (6) ف (2/ 163) .
(2) مفتاح دار السعادة ص (130) ف (2/ 165) .
(3/218)

ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف عنه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب (1) .
وتجوز النيابة في الجهاد إذا كان النائب ممن لا يتعين عليه (2) .
وقال شيخنا: جهاد الدافع للكفار يتعين على كل أحد، ويحرم فيه الفرار في مثليهم لأنه جهاد ضرورة لا اختيار، وثبتوا يوم أحد والأحزاب وجوبله وكذا لما قدم التتار دمشق (3) .
ويجوز أن يغمس المسلم نفسه في صف الكفار لمصلحة ولو غلب على ظنه أنهم يقتلونه (4) .
يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بأهل الأهواء كالرافضة والقدرية والجهمية وفروعهم والخوارج:
قال صاحب المحرر في أحكامه: (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) : وذكر هذه الأخبار (5) وقال حفيده: فأوجب - صلى الله عليه وسلم - تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع انتهى كلامه (6) .
قال أبو علي بن الحسين بن أحمد بن المفضل البلخي: دخلت
على أحمد بن حنبل فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال أحمد: لا يستعان بهم، قال: يستعان باليهود والنصارى
__________
(1) اختيارات (311) فيه زيادات فوائد منها التمثيل لقتال الدفع ف (2/ 165) .
(2) اختيارات (315) ف (2/ 165) .
(3) فروع ج (6/ 202) ف (2/ 165) .
(4) مختصر الفتاوى (508) ف (2/ 165) .
(5) التي فيها وجوب نصب هذه الولايات.
(6) الآداب ج (1/ 479) ف (2/ 166) .
(3/219)

ولا يستعان بهم؟ قال: إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم وأصحاب الأهواء داعية، عزاه الشيخ تقي الدين إلى مناقب البيهقي وابن الجوزي يعني للإمام أحمد.
وقال: فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة، انتهى كلامه (1) .
من يعتبر برأيه في أمور الجهاد:
والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا (2) .
لا يستعان بأهل الذمة:
ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة، لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها.
وسئل أحمد في رواية أبي طالب عن الاستعانة بهم في مثل الخراج فقال: لا يستعان بهم في شيء، ومن تولى منهم ديوان للمسلمين ينقض عهده، ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساد لم يجز استعماله، لكن إن تاب ومضت مدة ظهر معها صدق توبته جاز استعماله، وغيره أولى منه بكل حال، فإن أبا بكر رضي الله عنه عهد: ألا يستعمل من أهل الردة أحد وإن عاد إلى الإسلام: لما يخاف من فساد نياتهم (3) .
__________
(1) الآداب (1/ 290) ف (2/ 167) .
(2) التي فيها وجوب نصب هذه الولايات.
(3) اختيارات (311) ف (2/ 168) .
(3/220)

أصناف من يقاتل والغرض من قتالهم:
وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه؛ بخلاف الخارجين عن الشريعة، كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، أو الخوارج الذين قاتلهم علي: كالخرمية، والتتار، وأمثال هذه الطوائف ممن نطق بالشهادتين ولا يلتزم شرائع الإسلام.
وأما الحربي إذا نطق بها كف عنه، ثم إن لم يصل فإنه يستتاب، فإن صلى وإلا قتله الإمام، وليس لأحد من الرعية قتله، إنما يقتله ولي الأمر عند مالك والشافعي وأحمد؛ وعند أبي حنيفة يعاقبه بدون القتل.
وأما إذا كان في طائفة ممتنعين عن الصلاة ونحوها، فهؤلاء يقاتلون كقتال المرتدين والخوارج، ومن قدر عليه قتله، فيجب الفرق بين المقدور عليه وبين قتال الطائفة الممتنعة التي تحتاج إلى قتال (1) .
وقال أبو العباس في رده على الرافضي [كل طائفة] يقع منها التأويل في الدم والمال والعرض، ثم ذكر قتل أسامة للرجل الذي أسلم بعد أن علاه السيف، وخبر المقداد، فقال: قد ثبت أنهم مسلمون يحرم قتلهم ومع هذا فلم يضمن المقتول بقود ولادية؛ لأن القاتل كان متأولاً، وهذا قول أكثرهم كالشافعي وأحمد وغيرهم (2) .
ويجب جهاد الكفار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأسراهم، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ويدعوا المسلمين إلى ما كان عليه السلف من الصدق وحسن الأخلاق، فإن هذا من أعظم أصول الإسلام وقواعد الإيمان التي بعث الله بها رسله وأنزل.
__________
(1) مختصر الفتاوى (510، 511) ف (2/ 170) .
(2) اختيارات ص (312) وانظر الفروع جـ (6/ 216، 217) ف (2/ 170) .
(3/221)

كتبه، أمر عباده عمومًا بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف، كما قال تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [13/42] وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [105/ 3] وأخبر سبحانه أنه أرسل جميع المرسلين بدين الإسلام كما قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [78/22] .
وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنا معاشر الأنبياء إخوة لعلاة ديننا واحد، وأنا أولى بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي) فتبين أن دين الأنبياء واحد، وأنهم إخوة لعلاة، وهم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، فإن كان بالعكس، قيل: أولاد أخياف، وإن اشتركوا في الأمرين قيل: أولاد أعيان.
وهذا لأن الدين هو الأصل، فشبه بالأب، والشرعة، والمنهاج تبع، فشبه بالأم فقال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [48/5] والشرعة والمنهاج السبيل.
وقال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [148/2] والقرآن له شريعة، والتوراة لها شريعة قبل النسخ، واتباع كل شريعة قبل النسخ والتبديل هو الواجب، وهو من تمام الدين الذي هو الإسلام.
فلما بدلت اليهود التوراة ونسخت لم يبقوا مسلمين حيث كفروا ببعض الكتاب وآمنوا ببعض (1) .
والزنديق وهو المنافق كمرتد.. وكذا قال ابن الجوزي بعد أن ذكر هل جهادهم بالكلام أم بالسيف وأورد على الثاني أنه لم يقع؟ فأجاب أنه إذا أظهروه.. وكذا قال شيخنا: هذا كان أولا ثم نزل: {مَلْعُونِينَ
__________
(1) مختصر الفتاوى (509، 510) ف (2/ 171) .
(3/222)

أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [61/ 33] فعلم أنهم إن أظهروه كما كانوا قتلوا (1) .
وقتال التتار ولو كانوا مسلمين هو مثل قتال الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، ويأخذ مالهم وذريتهم: وكذا المتحيز إليهم (2) ولو ادعى إكراهًا. ومن أجهز على جريح لم يأثم، ولو تشهد ومن أخذ منهم شيئًا خمس وبقيته له، ومن ابتاع منهم مال مسلم أخذه ربه، وإن جهله أعطى ما اشتراه به، وهو للمصالح (3) .
ومن قفز إلى بلد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله جاز قتله كالصائل. ذكره شيخنا (4) .
والرافضة الجبلية يجوز أخذ أموالهم وسبي حريمهم يخرج على تكفيرهم (5) .
ويجب أن يحال بين الرافضي وبين أولاده في حال حياتهم، لأنه لا بد أن يفسد دينهم (6) .
التمثيل:
وإن مثل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، الصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ولا نكال لهم عن نظيرها، فأما إن كان في
التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان فإنه هنا
__________
(1) فروع جـ (5/ 52) هذا عام ليس خاصًا بالنصيرية ف (2/ 172) .
(2) عبارة الفروع المقفر إليهم.
(3) اختيارات ص (298) فيه زيادة ف (2/ 173) .
(4) فروع جـ (6/ 150) ف (2/، 173) .
(5) اختيارات ص (298) فيه زيادة ف (2/ 174) .
(6) مختصر الفتاوى ص (510) ف (2/ 175) .
(3/223)

من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القصة في أحد كذلك؛ فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حقًا لله تعالى (1) فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار، ويحرم الجزع، انتهى (2) .

الاسترقاق

والرق الشرعي سببه الكفر لما لم يسلم ويعبد الله أباح الله للمسلم أن يستعبده (3) .
وسئل أبو العباس عن سبي ملطية مسلميها ونصاراها، فحرم مال المسلمين وأباح سبي النصارى وذريتهم ومالهم كسائر الكفار، إذ لا ذمة لهم ولا عهد، لأنهم نقضوا عهدهم السابق من الأئمة بالمحاربة وقطع الطريق وبما فيه الغضاضة علينا والإعانة على ذلك، ولا يعقد لهم الأمن عن قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وهؤلاء التتر لا يقاتلونهم على ذلك؛ بل بعد إظهار إسلامهم لا يقاتلون الناس على الإسلام؛ ولهذا وجب قتال التتر حتى يلتزموا شعائر الإسلام، ومنها الجهاد وإلزام أهل الذمة بالجزية والصغار، ونواب التتر، الذين يسمون الملوك لا يجاهدون على الإسلام، وهم تحت حكم التتر.
ونصارى أهل ملطية وأهل المشرق ويهودهم لو كان لهم ذمة وعهد من ملك مسلم يجاهدهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية كأهل المغرب واليمن لما لم يعاملوا (4) أهل مصر والشام معاملة أهل العهد جاز لأهل
__________
(1) في الفروع: المغلب حق الله تعالى.
(2) اختيارات ص (312) والفروع جـ (6/ 218) فيه زيادة ف (2/ 176) .
(3) مختصر الفتاوى ص (511) ف (2/، 176) .
(4) وفي الفروع ثم لم يعاملوا.
(3/224)

مصر والشام غزوهم واستباحة دمهم ومالهم، لأن أبا جندل وأبا بصير حاربا أهل مكة مع أن بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهدًا، وهذا باتفاق الأئمة، لأن العهد والذمة إنما يكون من الجانبين، والسبي المشتبه يحرم استرقاقه، ومن كسب شيئًا فادعاه رجل وأخذه فعلى الآخذ للمأخوذ منه ما غرمه عليه من نفقة وغيرها إن لم يعرف أنه ملكه أو ملك الغير أو عرف وأنفق غير متبرع. والله أعلم (1) .
ويحكم بإسلام الطفل إذا مات أبواه أو كان نسبه منقطعًا: مثل كونه ولد زنا، أو منفيًا بلعان. وقاله غير واحد من العلماء (2) .

الغنائم وقسمتها

وتحريق رحل الغال من باب التعزير، لا الحد الواجب، فيجتهد فيه الإمام بحسب المصلحة. ومن العقوبة المالية حرمانه - صلى الله عليه وسلم - السلب للمددي لما كان في أخذه عدوانًا على ولي الأمر.
وإذا قال الإمام: من أخذ شيئًا فهو له أو فضل بعض الغانمين على بعض، وقلنا ليس له ذلك على رواية: هل تباح لمن لا يعتقد جواز أخذه؟ قد يقال: هذا مبني على الروايتين فيما إذا حكم بإباحة شيء يعتقده المحكوم له حرامًا، وقد يقال: يجوز هنا قولاً واحدًا، لأنا لا نفرق دائمًا في تصرفات السلطان بين الجواز وبين النفوذ؛ لأنا لو قلنا: تبطل ولايته وقسمه وحكمه لما أمكن إزالة هذا الفساد إلا بأشد منه فسادًا، فينفذ دفعًا لاحتماله ولما هو شر منه في الوفاء.
والواجب أن يقال: يباح الأخذ مطلقًا، لكن يشترط أن لا يظلم غيره، وإذا لم يغلب على ظنه واحد من الأمرين فالحل أقرب.
__________
(1) اختيارات ص (317) فروع جـ (6/ 156، 157) ف (2/، 176) .
(2) اختيارات ص (315) ف (2/ 177) .
(3/225)

ولو ترك قسمة الغنيمة وترك هذا القول وسكت سكوت الإذن في الانتهاب وأقر على ذلك فهو إذن، فإن الإذن تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل، وتارة يكون بالإقرار على ذلك، فالثلاث في هذا الباب سواء، كما في إباحة المالك في أكل طعامه ونحو ذلك؛ بل لو عرف أنه راض بذلك فيما يرون أن يصدر منه قول ظاهر أو فعل ظاهر أو إقرار فالرضا منه بتغيير إذنه بمنزلة الدال على ذلك، إذ الأصل رضاه حتى لو أقام الحد وعقد الأنكحة من رضي الإمام بفعله ذلك كان بمنزلة إذنه على أكثر أصولنا، فإن الإذن العرفي عندنا كاللفظي والرضا الخاص كالإذن العام فيجوز للإنسان أن يأكل طعام من يعلم رضاه بذلك لما بينهما من المودة، وهذا أصل في الإباحة والوكالات والولايات، لكن لو ترك القسمة ولم يرض بالانتهاب إما لعجزه أو لأخذه المال ونحو ذلك أو أجاز القسمة فهنا من قدر على أخذ مبلغ حقه من هذا المال المشترك فله ذلك؛ لأن مالكية متعينون، وهو قريب من الورثة؛ لكن يشترط انتفاء المفسدة من فتنة أو نحوها (1) .
وفي رد شيخنا على الرافضي عن بعض أصحابنا (وش) أن الله أضاف هذه الأموال إضافة ملك كسائر أملاك الناس، ثم اختار قول بعض العلماء أنها ليست ملكًا لأحد؛ بل أمرها إلى الله والرسول، بخلاف ما ملكه الله تعالى لعباده فإن له صرفه في المباح (2) .
ويرضخ للبغال والحمير وهو قياس المذهب والأصول، كمن يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان (3) .
__________
(1) الاختيارات ص (314، 315) فيه زيادات وتفصيل وانظر الفروع جـ (6/ 236) ف (2/ 177) .
(2) فروع جـ (6/ 228) فيه زيادة إيضاح ف (2/ 177) .
(3) اختيارات ص (315) ف (2/ 178) .
(3/226)

فصل

الإقطاع اليوم إقطاع استغلال ليس له بيعه ولا هبته باتفاق الأئمة، ولا ينتقل إلى ورثته، بخلاف ما كان في العصور الأولى.
وما يأخذه الجندي ليس أجرة للجهاد، لأنه لو كان أجرة كان لفعل الجهاد، وإنما عليهم أن يقاتلوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، وأجرهم على الله، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
والإقطاع الذي يأخذونه معاونة لهم، ورزقًا لنفقة عيالهم ولإقامة الخيل والسلاح، وفي الحديث (مثل الذي يغزو من أمتي في سبيل الله مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها) فهي ترضعه لما في قلبها عليه من الشفقة والرحمة، لا لأجل أجرها، كذلك المجاهد يغزو لما في قلبه من الإيمان بالله والدار الآخرة، لا لأجل المال.
وإذا كان الله قد أمر المسلمين من الصحابة وغيرهم أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأوجب عليهم عشر أموالهم من الخارج من الأرض فكيف لا يجب على من يعطي مالاً ليجاهد؟ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا) فالذي يعطي المجاهد يكون مجاهدًا بماله، والمجاهد يجاهد بنفسه، وأجر كل واحد منهما على الله لا ينقص أحدها من الآخر شيئًا، ولم يكن هذا أجيرًا لهذا.
ولو أعطى رجل من المسلمين أرضًا يستغلها ويكون هو يجاهد في سبيل الله لوجب عليه فيها العشر ولم يسقط لأجل الجهاد، فإن الإقطاع أولى.
وولي الأمر لا يعطيهم من ماله وإنما يقسم بينهم حقهم كما يقسم
(3/227)

التركة بين الورثة، ولهذا يجوز لهم إجارته كما يجوز لأهل الوقف، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [41/22] .
فمن قام بهذه الأمور نصره الله على عدوه.
فعلى كل من أنبت الله له زرعًا العشر، سواء كان بأرض مصر أو غيرها، من مالك، ومستأجر، ومقطع، ومستعير.
وكذلك التمر والزبيب ونحوه مما تجب فيه الزكاة، فلا تخلى الأرض من عشر، أو خراج باتفاق المسلمين.
ولكن اختلفوا هل يجتمع العشر والخراج الذي هو خراج الإسلام؟
فقال أبو حنيفة: لا وقال الباقون: نعم.
والأرض الخراجية عند أبي حنيفة هي التي يملكها صاحبها وعليه فيها الخراج وله بيعها وهبتها وتورث عنه.
فمن قال: إن أرض مصر اليوم لا عشر عليها عند أبي حنيفة فقد أخطأ لأن الجند لا يملكونها ولا الفلاحون، ولم يضرب على المقطع خراج في خدمته.
وإذا تركت الأرض المملوكة بلا عشر ولا خراج كان هذا مخالفًا لإجماع المسلمين، ومن أفتى بخلو هذه الأرض عن العشر والخراج يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
ومن زعم أن الجهاد هو عوض الخراج فقد أخطأ من وجهين:
(3/228)

أحدهما: أنهم لا يملكون الخراج، بل تنازع الناس في إجارة الإقطاع حتى ظن طائفة من الحنفية وغيرهم أنه لا يؤجر، لأن المقطع لم يملك المنفعة بنفسه، والأرض الخراجية يؤجرها من عليهم الخراج بالإجماع.
والثاني: أن ما يعطاه الجندي من الرزق ليس خراجًا عليهم ولا أجرة للجهاد؛ بل هم أعظم المستحقين، للخراج وغيره من أصول الفيء والفيء. إما أن يختصموا به في أحد القولين: وإما أن يكونوا من أحق المسلمين به، فكيف يكون الخراج مأخوذًا منهم.
وقول القائل: الإمام أسقط عنهم الخراج لكونهم من المقاتلة فصاروا كأنهم يؤدونه.
يقال له: هذا لا يسقط الزكاة؛ لأن إقطاعهم إياها لأجل أن يستغلوها بلا خراج ولو كان جعلها لهم كالخراجية لجاز لهم بيعها والذي تنتقل إليه إما أن يؤدى خراجها أو يسقط عنه الخراج إن كان من المقاتلة، فأما ما لم يكن لهم ذلك علم أنه لا خراج عليهم.
ولو استأجر المجاهد أرضًا كان عليه العشر عند الجمهور عليه الأجرة لرب الأرض وهو قول صاحبي أبي حنيفة.
وأبو حنيفة يقول: العشر على المؤجر: فلا يجتمع عنده الأجرة.
وأبو حنيفة أسقط العشر على من عليه الخراج قال: لأن كلاهما حق وجب بسبب الأرض والمقطع لم يعط شيئًا غير ما أعد نفسه له من القتال، ألا ترى أنه لو أخذ بعض المسلمين أرضًا خراجية كان عليه العشر مع الجهاد.
يوضح ذلك أن الأرض لو كانت عشرية وصارت لبيت المال
(3/229)

بطريق الإرث فأقطعهما السلطان لمن يستغلها من المقاتلة، فهل يكون ذلك مسقطًا للعشر؟
فمن جعل الإقطاع استئجارًا يجعل المجاهدين بمنزلة من يستأجره الإمام للعمارة والفلاحة. يقول: إذا كان الخراج على شخص فاعتاض عنه الإمام ببعض هذه الأعمال كانت الأرض خراجية.
وهذا غلط عظيم، فإنه يخرج الجهاد عن أن يكون قربة وطاعة، ويجعل المجاهد في سبيل الله بمنزلة اليهود والنصارى استؤجروا لعمارة دار وصنعة سلاح.
والفقهاء متفقهون على الفرق بين الاستئجار على القرب وبين رزق أهلها.
فرزق المقاتلة والقضاة والمؤذنين والأئمة جائز بلا نزاع.
وأما الاستئجار فلا يجوز عند أكثرهم لا سيما أبو حنيفة والشافعي، وإن جوزوه على الإمامة فإنه لا يجوز على الجهاد لأنه يصير متعينًا.
فهؤلاء غلطوا على الأئمة عمومًا وعلى أبي حنيفة خصوصًا (1) .
قال شيخنا: ولو يبست الكروم بجراد أو غيره سقط من الخراج حسبما تعطل من النفع قال: وإذا لم يمكن النفع به ببيع أنو إجارة أو عمارة أو غيره لم تجز المطالبة بالخراج (2) .
ويحرم تعشير الأموال والكلف التي ضربها الملوك على الناس (ع) ذكره ابن حزم وشيخنا (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص (272، 275) ف (2/ 178، 201) .
(2) الفروع جـ (6/ 242) ف (2/ 178) .
(3) الفروع جـ (6/ 280) ف (2/ 179) .
(3/230)

لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر ولا على عدمه؛ وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك.
فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه.
وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين فهي لهم، نص عليه الإمام أحمد، وقال في رواية أبي طالب، ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك.
قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام، كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها؛ ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع.
وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرف ربه فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعه من المشتري مجانًا؛ لأن قبض الإمام بحق ظاهرًا وباطنًا.
ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبين مودعًا أو مغصوبًا أو مرهونًا، وكذا القبض، والقبض منه واجب، ومنه مباح، وكذلك صرفه منه واجب، ومنه مباح، قال في المحرر: وكل ما قلنا قد ملكوه ما عدا أم الولد فإذا اغتنمناه وعرف ربه قبل قسمته رد إليه إن شاء وإلا بقي غنيمة.
قال أبو العباس: يظهر الفرق إذا قلنا قد ملكوه يكون الرد ابتداء ملك، وإلا كان كالمغصوب، وإذا كان ابتداء ملك فلا يملكه ربه إلا بالأخذ، فيكون له حق تملكه؛ ولهذا قال: وإلا بقي غنيمة.
(3/231)

ومثله لو ترك العامل حقه في المضاربة أو ترك أحد الورثة حقه أو أحد أهل الوقف المعين حقه ونحو ذلك.
وعلى ذلك إجازة الورثة. ومثله عفو المرأة أو الزوج عن نصف الصداق قال في المحرر: وإن لم يعرفه ربه بعينه قسم ثمنه وجاز التصرف فيه.
قال أبو العباس: أما إذا لم يعلم أنه ملك المسلم فظاهر أنه لا يرده، وأما إذا علم فهل يكون كاللقطة أو كالخمس والفيء واحدًا أو يصير مصروفًا في المصالح وهذا قول أكثر السلف ومذهب أهل المدينة، ورواية عن أحمد ووجه في مذهبه، وليس للغانمين إعطاء أهل الخمس قدره من غير الغنيمة (1) .
والمكوس إذا قطعها الإمام الجند فهي حلال لهم إذا جهل مستحقها، وكذلك إذا رتبها للفقراء والفقهاء وأهل العلم (2) .
وأما إعارة السلاح والخيل لمن يقرض عليها، فإن كان ممن يرتزق من بيت المال ويصرفه في غير مصارفه الشرعية أو يقصر فيما يجب عليه من الجهاد لم يجز إعانته على المعصية والتدليس والتزوير، وكذلك الجندي الذي يسرق النفقة وينفقها في المعاصي والفواحش حتى يبقى لا يمكنه أن يقوم بما يجب عليه.
وكذلك الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله أو يتخذون مالاً ينفع للجهاد من عرض وعقار حتى لا يقوموا بما يجب عليهم.
وأما إذا كان الغازي معذورًا أو معدومًا أو مظلومًا مثل أن يكون قد
__________
(1) اختيارات ص (312-314) فيه زيادات ف (2/ 179) .
(2) اختيارات ص (177) ف (2/ 179) .
(3/232)

ماتت خيله بغير تفريط منه ولم يعوض عنهما (1) وأن الأرض التي له لم تغل ما يقوم بذلك أو حدث له من العيال ما يمنعونه عن تمام العمل، أو كان قد ظلم فلم يعط من بيت المال الرزق الذي عليه أن يقيم به ما ينبغي لمثله فهذا إذا خيف في عَرضِهِ نقصًا أن يزداد ظلمه أو يقطع خبزه مع استحقاقه أو يعطي خبزه لمن هو دونه في نفع المسلمين فأعير ما يتجمل به فلا بأس بذلك، بل يستحب ذلك ويؤمر به إذا كانت الإعارة لأجل أن ترى عيون الكفار جند المسلمين وقصد بذلك عز المسلمين كان حسنًا محمودًا (2) .

الفيء ومصرفه

ولا حق للرافضة في الفيء.
وليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه بما فوق الحاجة، كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه، أو إلى من يهوونه قاله شيخنا وغيره (3) .
ويقدم المحتاج على غيره في الأصح عن أحمد.
وعمال الفيء إذا خانوا فيه وقبلوا هدية أو رشوة فمن فرض له دون أجرته أو دون كفايته وكفاية عياله بالمعروف لم يستخرج منه ذلك القدر.
قال: وإن قلنا: لا يجوز لهم الأخذ خيانة، فإنه يلزم الإمام الإعطاء، فهو كأخذ المضارب حصته أو الغريم دينه بلا إذن فلا فائدة في استخراجه ورده إليهم، بل إن لم يصرفه الإمام في مصارفه الشرعية، لم يعن على ذلك، قال: وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه شاطر عماله.
__________
(1) في الأصل ولم يعرض عنهما ولعله: ولم يعوض عنها.
(2) مختصر الفتاوى ص (520، 521) ف (2/ 180) .
(3) فروع جـ (6/ 291) ف (2/ 180) .
(3/233)

كسعد وخالد وأبي هريرة وعمرو بن العاص ولم يتهمهم بخيانة بينة بل بمحاباة اقتضت أن جعل أموالهم بينهم وبين المسلمين (1) .
وليس للسلطان إطلاق الفيء دائمًا (2) .

باب الأمان والهدنة

ولا يصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد مدة معلومة لازمة، قال شيخنا: وجائزة (3) .
وإذا قال: هادناكم ما شئنا أو شاء فلان لم يصح في الأصح، كقوله: نقركم ما أقركم الله، واختار شيخنا صحته أيضًا (4) .
وفي «المبهج» رواية برد مهر من شرط ردها مسلمة، ونصر لا يلزم، كما لو لم يشترط ذكر ذلك آخر الجهاد في فصل أرض العنوة والصلح، وقال قبيل (كتاب الجزية) ، نقل جعفر: المرأة منهم تجيء إلينا اليوم مسلمة يرد على زوجها المهر، فإن ذلك كان حينئذ ولا ترد المرأة، والظاهر أنه سقط لا قال شيخنا: رد المال الذي هو عوض عن رد المرأة المشروط ردها منسوخ، أما رده نفسه فلا ناسخ له، ولو لم تبق امرأة يشترط ردها فلا يرد مهرها لعدم سببه فإن وجد سببه هو إفساد النكاح فالآية دلت عليه ولم ينسخ، وفي لزوم مسلم تزوجها رد مهرها الذي كان دفعه إليها زوج كان إليه روايتان (5) .
__________
(1) اختيارات ص (320) وفروع جـ (6/ 290، 291) ف (2/ 180) .
(2) اختيارات ص (320) وفروع جـ (6/ 290) ف (2/ 180) .
(3) فروع جـ (6/ 253) ف (2/ 2/ 182) .
(4) فروع جـ (6/ 253) ف (2/ 182) .
(5) فروع جـ (6/ 255) ف (2/ 182) .
(3/234)

أخذ الجزية

والجزية شرعت عقوبة وعوضًا، عن حقن الدم عند أكثر العلماء، وأجرة عن سكني الدار عند بعضهم، ومن قال بالثاني لا يسقطها بإسلام من وجبت عليه ولا بموته، لا جزية على عبد مسلم، وفي عبد الكافر نزاع لأحمد وغيره (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه وزوروه وفيه أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أسقط عن يهود خيبر الجزية، وفيه شهادة علي بن أبي طالب وسعد بن معاذ وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومغازيه وسيره، وتوهموا بل ظنوا صحته، فجروا على حكم هذا الكتاب المزور، حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من طلب منه أن يعين على تنفيذه والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه.
تزوير اليهود:
منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر.
ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت بعد، ولا يعرفها الصحابة حينئذ فإن نزولها عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام.
ومنها: أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، وهذا محال فلم يكن في زمانه كلف ولا سخر تؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف والسخر؛ وإنما هي من وضع الملوك الظلمة واستمر الأمر عليها.
__________
(1) مختصر الفتاوى ص (512) ف (2/ 183) .
(3/235)

ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحد من أهل المغازي والسير، ولا أحد من أهل الحديث والسنة، ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحد من أهل التفسير، ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك عرفوا كذبه وبطلانه، فلما استرقوا بعض الدول في وقت فتنة وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وعتقوه وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله ولرسوله، ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله أمره وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه (1) .
قال شيخنا: ولما كان عام إحدى وسبعمائة أحضر جماعة من يهود دمشق عهودًا ادعوا أنها قديمة، وكلها بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد غشونا (2) بما يقتضي تعظيمها وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة فأسقطت (3) عنهم الجزية بسببها، وبأيديهم توقيع ولاة فلما وقفت عليها تبين في نفسها (4) ، ما يدل على كذبها من وجوه كثيرة جدًا.
منها: اختلاف الخطوط اختلافًا متفاقمًا في تأليف الحروف الذي يعلم معه أن ذلك لا يصدر عن كاتب واحد، وكلها نافية أنه خط علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومنها: أن فيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب ما لا يجوز نسبة مثله إلى علي رضي الله عنه ولا غيره.
__________
(1) زاد المعاد ج (2/ 79، 80) ف (2/ 183) .
(2) في الاختيارات (وقد لبسوها) .
(3) في الاختيارات فأسقطوا.
(4) وبيدهم تواقيع ولاة الأمور بذلك فلما وقفت عليها تبين لي في نقشها ما يدل على كذبها من وجوه عديدة جدًا، الاختيارات ص (317) .
(3/236)

ومنها: الكلام الذي لا يجوز نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حق اليهود مثل: (إنهم يعاملون بالإجلال والإكرام) وقوله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وقوله (أحسن الله بكم الجزاء) وقوله: (عليه أن يكرم محسنكم ويعفو عن مسيئكم) وغير ذلك.
ومنها: أن في الكتاب إسقاط الخراج عنهم مع أنهم في أرض الحجاز، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضع خراجا قط، وأرض الحجاز لا خراج فيها بحال، والخراج أمر يجب على المسلمين فكيف يسقط عن أهل الذمة؟
ومنها: أن في بعضها إسقاط الكلف والسخر عنهم، وهذا مما فعله الملوك المتأخرون لم يشرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه.
وفي بعضها: أنه شهد عنده عبد الله بن سلام وكعب بن مالك وغيرهما من أحبار اليهود، وكعب بن مالك لم يكن من أحبار اليهود فاعتقدوا أنه كعب الأحبار وذلك لم يكن من الصحابة وإنما أسلم على عهد عمر رضي الله عنه.
ومنها: أن لفظ الكلام ونظمه ليس من جنس كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومنها: أن فيه من الإطالة والحشو ما لا يشبه عهود النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيها وجوه أخر متعددة مثل أن هذه العهود لم يذكرها أحد من العلماء المتقدمين قبل ابن شريح ولا ذكروا أنها رفعت إلى أحد من ولاة الأمور فعملوا بها ومثل ذلك مما يتعين شهرته ونقله (1) .
ومن كان من أهل الذمة زنديق يبطن جحود الصائغ أو جحود الرسل أو الكتب المنزلة أو الشرائع أو المعاد ويظهر التدين بموافقة
أهل الكتاب فهذا يجب قتله بلا ريب كما يجب قتل من ارتد من أهل
__________
(1) أحكام أهل الذمة لابن القيم (51-54) .
(3/237)

الكتاب إلى التعطيل، فإن أراد الدخول في الإسلام فهل يقال: إنه يقتل أيضا كما يقتل منافق المسلمين لأنه ما زال يظهر الإقرار بالكتب والرسل؟ أو يقال: بل دين الإسلام فيه من الهدى والنور ما يزيل شبهته؟ بخلاف دين أهل الكتابين؟ هذا فيه نظر (1) .
واختار أبو العباس في رده على الرافضي أخذ الجزية من جميع الكفار، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد بل كانوا قد أسلموا.
وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة، من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب فقد خالف الكتاب والسنة.
ولا يبقى في يد راهب مال إلا ما يتبلغ به فقط.
ويجب أن يؤخذ منه مال كالورق التي في الديورة والمزارع إجماعا.
ومن له تجارة منهم أو زراعة وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم كمن يدعو إليه من راهب وغيره تلزمه الجزية، وحكمه حكمهم بلا نزاع (2) .
وقال شيخنا: اتفقوا على التسوية، بين اليهود والنصارى لتقابلهما وتعارضهما (3) والعشور التي تؤخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية وتقديرها على الخلاف (4) .
لعن الكفار:
ولعن الكفار مطلقا حسن لما فيهم من الكفر، وأما لعن المعين
__________
(1) الاختيارات (317) ف (2/ 170، 183) .
(2) اختيارات ص (319) ف (2/ 183) .
(3) فروع جـ (6/ 260) ف (2/ 183) .
(4) اختيارات ص (319) ف (2/ 185) .
(3/238)

فينهى عنه وفيه نزاع، وتركه أولى (1) .
تشميت العاطس وإذا كان كافرا أو ذميا أو ما شابة:
قال أحمد في رواية أبي طالب: التشميت يهديكم الله ويصلح بالكم، وهذا معنى ما نقل غيره، وقال في رواية حرب، هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه، وقال ابن تميم: يرد عليه العاطس وإن كان المشمت كافرا، فيقول: آمين يهديكم الله ويصلح بالكم وإن كان المشمت المسلم، يغفر الله لنا ولكم، فحسن والأول أفضل، وكذا ذكر ابن عقيل إلا قوله، وإن كان المشمت كافرا، وقال القاضي: إنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظان: أحدهما: (يهديكم الله) الثاني: (يرحمكم الله) كذا قال: وصوابه: (يغفر الله لكم) قاله الشيخ تقي الدين (2) .
قال ابن تيمي: لا يشمت الرجل الشابة ولا تشمته، وقال حرب: قلت لأحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست فقال: إن أراد أن يستنطقها يسمع كلامها فلا؛ لأن الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتها قال الشيخ تقي الدين فيه عموم في الشابة (3) .
فإن عطس رابعة لم يشمته ذكره السامري وقدمه في الرعاية، وهو الذي ذكره الشيخ عبد القادر ومذهب مالك وغيره، وقال الشيخ تقي الدين، وهو المنصوص عن أحمد وذكر رواية صالح ومهنا (4) .
وكره الإمام أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه لأنه شيء فرغ منه، واختاره شيخنا (5) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (512) ف (2/ 183) .
(2) الآداب (2/ 335) ف (2/ 183) .
(3) الآداب (2/ 341) ف (2/ 183) .
(4) الآداب (2/ 342) ف (2/ 183) .
(5) فروع (6/ 270) ف (2/ 184) .
(3/239)

قال الشيخ تقي الدين: وقد نص أحمد على أنه لا يستحب تشميت الذمي، ذكره أبو حفص في كتاب الأدب عن الفضل بن زياد، قال: قلت: يا أبا عبد الله لو عطس يهدي قلت له يهديكم الله ويصلح بالكم قال: أي شيء يقال لليهودي؟ كأنه لم يره، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لم يستحب تشميته لأن التمشيت تحية له فهو كالسلام ولا يستحب أن يبدأ بالسلام كذلك التشميت ويدل عليه ما رواه أبو حفص بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن للمسلم على المسلم ست خصال إن ترك شيئا منهن ترك حقا واجبا عليه: إذا دعاه أن يجيبه وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يحضره وإذا لقيه إن يسلم عليه، وإذا استنصحه أن ينصحه، وإذا عطس أن يشمته، أو يسمته) فلما خص المسلم بذلك دل على أن الكافر بخلافه وهو في السنن إلا قوله: حقا واجبا عليه، ولأحمد ومسلم من حديث أبي هريرة: حق المسلم على المسلم ست، وذكره.
قال الشيخ تقي الدين: التخصيص بالوجوب أو الاستحباب إنما ينفى ذلك في حق الذمي كما ذكره أحمد في النصيحة، وإجابة الدعوة لا تنفي جواز ذلك في حق الذمي من غير استحباب ولا كراهة كإجابة دعوته والذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام أحمد أنه يكره، وكلام ابن عقيل إنما نفى الاستحباب، وفي المسألة تعاطس اليهود عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يجيبهم بالهداية، وإذا كان في التهنئة والتعزية روايتان فالتشميت كذلك (1) .
فإذا سلم أحدهم وجب الرد عليه عند أصحابنا وعند عامة العلماء لصحة الأحاديث عنه عليه السلام بالرد.
__________
(1) الآداب ج (2/ 346، 347) ف (2/ 183) .
(3/240)

السلام عليهم وتهنئتهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم:
وقال الشيخ تقي الدين: إذا سلم الذمي على المسلم فإنه يرد عليه مثل تحيته، وإن قال: أهلا وسهلا فلا بأس. كذا قال: وجزم في مواضع أخر بمثل قول الأصحاب (1) .
وتحرم البداءة بالسلام، وفي الحاجة احتمال، نقل أبو داود فيمن له حاجة إليه، لا يعجبني، ومثله: كيف أنت؟ أو أصبحت؟ أو حالك؟ نص عليه وجوزه شيخنا (2) .
وقال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنسه له فلا بأس بذلك (3) .
واختلف كلام أبي العباس في تحية الذمي، هل ترد بمثلها، أو وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقول: أهلا وسهلا.
وتجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام.
وقال العلماء: يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام (4) .
من الشروط عليهم:
ويمنع أهل الذمة من إظهار الأكل في نهار رمضان؛ فإن هذا من المنكر في دين الإسلام (5) .
وليس لهم إظهار شيء من شعائر دينهم في دار الإسلام لا وقت
__________
(1) الآداب (3/ 414) ف (2/ 183) .
(2) يعني قوله كيف أنت إلخ فروع ج (6/ 271) ف (2/ 184) .
(3) الآداب ج (2/ 416) ف (2/ 183) .
(4) اختيارات (319، 320) ف (2/ 185) .
(5) اختيارات (318) ف (2/ 183) .
(3/241)

الاستسقاء ولا عند لقاء الملوك. ويمنعون من المقام في الحجاز، وهو مكة، والمدينة واليمامة، والينبع، وفدك، وتبوك، ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان (1) .
وإن أبى الذمي بذل الجزية أو الصغار أو التزام حكمنا ينقض عهده، وساب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقتل ولو أسلم وهو مذهب أحمد.
ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين فهذا يقتل ولو أسلم.
ولو قال الذمي: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب ينغصون علينا، إن أراد طائفة معينين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله، وإن ظهر منه قصد العموم ينقض عهده وجب قتله (2) .
وإذا شرط ولي الأمر على التجار الداخلين إلى بلاد الإسلام، وهم من أهل الحرب أن يضمنوا ما أخذه أهل الحرب منهم لتجار المسلمين جاز ذلك وكان شرطا صحيحان لأن غايته أنه ضمان مجهول أو ضمان ما لم يجب، فهو كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر للناس من الديون، وهذا جائز عند أكثر العلماء مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، كما في قوله {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [72/12] ولأن هؤلاء الطائفة الممتنعة ينصر بعضهم بعضا فهم كالشخص الواحد؛ فإذا اشترطوا أن تجارهم يدخلون بلاد الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين له والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأسير العقيلي
__________
(1) اختيارات (319) فروع ج (6/ 276) ف (2/ 184) .
(2) اختيارات (319، 320) ف (2/ 185) .
(3/242)

حين قال: يا محمد علام أوخذ؟ فقال: (بجريرة حلفائك من ثقيف) وأسره النبي - صلى الله عليه وسلم - وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده.
ولو أسرنا حربيًا لأجل تخليص من أسروه منا جاز باتفاق المسلمين.
ولنا أن نحبسه حتى يردوا أسيرنا، ولو أخذنا مال حربي حتى يردوا علينا ما أخذوه لمسلم جاز، فإذا اشترط عليهم ذلك في عقد الأمان جاز (1) .
وليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعائر دينهم في ديار المسلمين، لا في أوقات الاستسقاء ولا في وقت مجيء النوائب، ويمنعون من إظهار التوراة، ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة وصلاتهم، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك (2) .
وكان شيخي رحمه الله يقول: لا يمنع أهل الذمة، من ركوب جنس الخيل، فلو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع.
والحمار الذي تبلغ قيمته مبلغا إذا ركبه واحد منهم لم أر للأصحاب فيه منعا، ولعلهم نظروا إلى الجنس، ومن الكلام الشائع: ركوب الحمار ذل، وركوب الخيل عز انتهى (3) .
ويمنعون من تعلية البنيان على جيرانهم المسلمين، وقال العلماء: ولو في ملك مشترك بين مسلم وذمي، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (516) ف (2/ 184) .
(2) مختصر الفتاوى (517) ف (2/ 814) .
(3) أحكام أهل الذمة (759) ف (2/ 184) .
(4) اختيارات (318) ف (2/ 184) .
(3/243)

الكنائس والبيع والديورة هل تبقى؟
وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته:
ما يقول السادة العلماء وفقهم الله: في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟ فإن ملك جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود بذلك الإقليم أو غير الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده، أو مع غيره، أم لا؟ فإن لم يجز لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟
وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد، أم لا لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا أو أعقبوا فإن قلنا إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ وصححه العراقيون واختاره ابن أبي عصرون في المرشد، فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط أن لا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها
وأيس من معرفتها، أم يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس
(3/244)

والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردد، في أن ذلك كان موجودا عند الفتح أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل الفتح أو شك فيه؟
وإذا لم يجب في حالة الشك فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال، أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من الأولاد من عقدت معهم الذمة وإن سفلوا ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة بل يجري عليهم حكم من سلف، إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ فهل تحتاج كنائسهم وبيعهم إليه أم لا؟
فأجاب: الحمد لله ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكعامة أرض الشام وبعض مدنها وكسواد العراق إلا مواضع قليلة فتحت صلحا وكأرض مصر فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد ري في أرض مصر أنها فتحت صلحا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح، على ما ذكره العلماء المتأملون للروايات الصحيحة في هذا الباب؛ فإنها فتحت أولا صلحا، ثم نقض أهلها العهد فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستمده فأمده بجيش كثير فيه الزبير بن العوام ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة.
ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين ينتفع بفائدها أول المسلمين وآخرهم، ثم
(3/245)

وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك.
فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه، كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار.
ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد.
ما يقال في الكنائس والديرة وما يفعل فيها من العبادات إما مبدل أو محدث لم يشرعه الله أو نهى عنه بعد ما شرعه.
وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين؛ فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلا أو محدثا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله نهى عنه بعد ما شرعه.
وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
ولهذا لما استولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم كبني قينقاع والنضير وقريظة كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون ودخلت في قوله سبحانه {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [27/ 33] ، وفي قوله: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} [6/59] {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [7/59] .
لكن وإن ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متنوع، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبر، وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه
(3/246)

في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك، نفسه والعقار والأرض والمنقول، وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة.
ولهذا لما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم وكانت المزارع ملكا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد.

فصل

وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع بقاء المعابد بأيديهم؟
فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة. منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، لأنه إخراج ملك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهد قديم، ومنهم من يقول: بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد.
فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية، ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين.
ومن قال بجواز إقرارها بأيديهم فقوله أوجه وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا
(3/247)

يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المساكن والمعابد، ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكا، كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلته أو سلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكا له؛ بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم؛ فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه وكانت من كنائس الصلح لم يكن لهم أخذها قهرا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة.

فصل

ومتى انتقض عهدهم:
ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلا عن كنائس العنوة كما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد؛ فإن ناقض العهد أسوأ حالا من الكافر الأصلي ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار ولم يبق من دخل في عهدهم فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئا، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ وكان لمن يعقد لهم الذمة
أن يقرهم في المعابد، وله أن لا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز
(3/248)

هدمه، وإنما اختلفوا في جواز بقائه، وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئا للمسلمين.
أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر.
وأما على قول من يوجب قسمه فلأن عين المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك معين.
وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له، فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له ولا أعلم به قائلا، فلا يفرع عليه؛ وإنما الخلاف في الجواز.
نعم قد يقال في الأبناء إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم لأن لهم شبهة الأمان والعهد؛ بخلاف الناقضين فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له؛ فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه، وما وقع الشك فيه -على هذا التقدير- فهو لبيت المال. وأما الموجودون الآن إذا لم يصدر منهم نقض عهد فهم على الذمة؛ فإن الصبي يتبع أباه في الذمة وأهل داره من أهل الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين؛ لأن الصبي لما لم يكن مستقلا بنفسه جعل تابعا لغيره في الإيمان والأمان.
وعلى هذا جرت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر.
وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديما قبل فتح المسلمين.
أما ما حدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في
(3/249)

الشروط المشهورة عنه: «ألا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا قلاية» امتثالا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا تكون قبلتان ببلد واحد) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا كنيسة في الإسلام.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى؛ فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين؛ فهدمها بصنعاء وغيرها.
وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى أهل وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد فأجابه بهدم كنائس سواد العراق وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أيما مصر مصرته العرب يعني المسلمين فليس للعجم يعني أهل الذمة، أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم (1) .
وكل مصر مصره العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة.. ولهم رم
__________
(1) أحكام أهل الذمة (677-686) ف (2/ 184) .
(3/250)

ما تشعث منها، وعنه وبناؤها إذا انهدمت وعنه منعهما، اختاره الأكثر، قاله ابن هبيرة، كمنع الزيادة، قال شيخنا: ولو في الكيفية، وقال: لا أعلى ولا أوسع اتفاقا (1) .
والكنائس ليست ملكا لأحد، وأهل الذمة ليس لهم منع من يعبد الله فيها لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبين الغافلين أعظم أجرا (2) .
لا يقال لزائر كنائسهم يا حاج ولا لمن يزور القبور والمشاهد:
وإذا زار أهل الذمة كنيسة بيت المقدس فهل يقال لهم: يا حاج، مثلا؟
لا ينبغي أن يقال لهم ذلك تشبيها بحاج البيت الحرام، ومن اعتقد أن زيارتها قربة فقد كفر، فإن كان مسلما فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر فقد كفر وصار مرتدًا، ومن قال لأحدهم: يا حاج فإنه يعاقب عقوبة بليغة تردعه عن مثل هذا الكلام الذي فيه تشبيه القاصدين للكنائس بالقاصدين لبيت الله الحرام، وفيه تعظيم لذلك النصراني وللكنيسة، وهو بمنزلة من يشبه أعياد النصارى بأعياد المسلمين ويعظمها، وأمثال ذلك مما فيه تشبيه الذين كفروا من أهل الكتاب بأهل الإيمان وقد قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [35/68] وقال: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [28/38] .
وأي نصراني قال لنصراني: يا حاج بين المسلمين، فإنه يعاقب على ذلك بما يردعه عقوبة بليغة.
__________
(1) فروع (6/ 274) ف (2/ 184) .
(2) اختيارات (243) ف (2/ 184) .
(3/251)

وكل من يسافر إلى زيارة القبور والمشاهد كما يفعله طوائف من الرافضة ونحوهم في تسميتهم ذلك حجا، وقد صنف بعضهم كتابا سماه مناسك حج المشاهد فمن شبه ذلك الشرك والوثنية بالحج المشروع وجعله مثله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ومن سماه حجا أو جعله مناسك فإنه أيضا يعاقب عقوبة بليغة بما يردعه وأمثاله (1) .
ومما شرط عليهم أيضًا:
ويلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزا ظاهرا كالحياة وأولى، ذكره شيخنا وألا يتكنوا بكنية المسلمين، كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وكذا اللقب، كعز الدين، ونحوه قاله شيخنا.
وقال شيخنا: ومن حمل سلاح والمقاتلة بثقاف ورمي وغيره، لأنه مشروط عليهم (2) .
ومن حمل سلاح والعمل به وتعلم المقاتلة والطعان والرمي وركوب الخيل (3) .
قال ابن القيم رحمه الله:
ولما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكادوا لولا دفاع الله أن يحترق كله، وعلم من علم بذلك من النصارى وواطئوا
عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا به ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي
الأمر من حضره من الفقهاء وأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو رضي به وأقر عليه، وأن حده القتل
حتما لا تخيير للإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدا، والإسلام لا
__________
(1) مختصر الفتاوى (514، 515) ف (2/ 184) .
(2) فروع (6/ 269) .
(3) اختيارات (318) .
(3/252)

يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما لأحكام الله؛ بخلاف الحربي إذا أسلم فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وأفتى به في غير موضع (1) .
وقال شيخنا: من تولى منهم ديوانا للمسلمين انتقض عهده لأنه من الصغار (2) .
__________
(1) زاد المعاد (2/ 75) ف (2/ 185) .
(2) فروع (6/ 205) ف (2/ 185) .
(3/253)

بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين فيمن يسمى الخميس المعروف بعيد النصارى عيدا وفيمن يعتقد أن مريم ابنة عمران عليها السلام تجر ذيلها ذلك اليوم على الزرع فينمو ويلحق اللقيس بالبكير، ويخرجون في ذلك اليوم ثيابهم وحلي النساء يرجون البركة من ذلك اليوم وكثرة الخير، ويكحلون الصبيان، ويمغرون الدواب والشجر لأجل البركة، ويصبغون البيض، ويقامرون به، ويعتقدون حله، ويدقون البخور، ويتبخرون به قصد البركة، أفتونا مأجورين؟
الجواب: قال الشيخ الإمام، العالم العامل، مفتي الفرق، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم، بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي رحمه الله ورضي عنه.
الحمد لله وحده، كل ما يفعل في أعياد الكفار من الخصائص التي يعظم بها فليس للمسلم أن يفعل شيئا منها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من تشبه بقوم فهو منهم) وقال - صلى الله عليه وسلم - (ليس منا من تشبه بغيرنا) وقد شارط عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهل الكتاب ألا يظهروا شيئا من شعائر الكفار لا الأعياد ولا غيرها، واتفق المسلمون على نهيهم عن ذلك كما شرطه عليهم أمير المؤمنين، وسواء قصد المسلم التشبه بهم أو لم يقصد ذلك بحكم العادة التي تعودها فليس له أن يفعل ما هو من خصائصهم، وكل ما فيه تخصيص عيدهم بلباس وطعام ونحو ذلك فهو من خصائص أعيادهم، وليس ذلك من دين المسلمين.
ومن قال: إن مريم تجر ذيلها على الزرع فينمو، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن هذا اعتقاد الكفار النصارى وهو من أفسد الاعتقادات فإن من هو أفضل من مريم من الأنبياء والمرسلين عليهم
(3/254)

السلام لا سعى لهم في إنبات النبات، وإنزال القطر من السموات فكيف يكون ذلك من مريم عليها السلام؟ وإنما هذا اعتقاد النصارى فيها وفي شيوخهم القسيسين أنهم ينفعونهم أو يضرونهم، وهذا من شركهم الذي ذمهم الله تعالى به كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [31/9] ، وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ} [79/3] الآيتين.
فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا هو كافر فكيف بمن اتخذ مريم أو غيرها من الشيوخ؟
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [56/17] قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون العُزير والمسيح والملائكة فقال الله تعالى: هؤلاء الأنبياء والملائكة الذين تدعونهم يرجون رحمتي ويخافون عذابي كما ترجون رحمتي وتخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي، وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، فإذا كان هذا في الملائكة والنبيين فكيف بمن دونهم كمريم وغيرها من الصالحين الرجال والنساء؟
فمن دعا غير الله تعالى أو عبده فهو مشرك بالله العظيم، وإن كان ذلك رجل صالح أو امرأة صالحة.
وكذلك التزين يوم عيد النصارى من المنكرات وصنعة الطعام الزائد عن العادة وتكحيل الصبيان وتحمير الدواب والشجر بالمغرة وغيرها وعمل الولائم وجمع الناس على الطعام في عيدهم، ومن فعل هذه الأمور يتقرب بها إلى الله تعالى راجيا بركتها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا
(3/255)

قتل فإن هذا من إخوان النصارى، كما لو عظم رجل الصليب وصلى إلى المشرق، وتعمد بالعمودية فإن من فعل هذا فهو كافر مرتد يجب قتله شرعا وإن أظهر مع ذلك الإسلام.
وكذلك صبغ البيض فيه.
وأما القمار فيه فإنه حرام في كل وقت فيه وفي غيره.
وكذلك البخور فيه ونحو ذلك.
وبالجملة فليس ليوم عيدهم مزية على غيره، ولا يفعل فيه شيء مما يميزونه هم به.
ولكن لو صامه الرجل قصدا لمخالفتهم فقد كرهه كثير من العلماء، كما روي عن أنس بن مالك، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وغيرهم رضي الله عنهم، لأن من تخصيص أعياد الكفار بالصوم نوع تعظيم لها، وإن كانوا هم لا يصومونه فكيف إذا كان التعظيم من جنس ما يفعلونه؟ ألا ترى أن اليهود كانوا يتخذون يوم عاشوراء عيدا فيصومونه ويظهرون السرور فيه، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيامه مرة واحدة قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان سقط وجوبه وبقي صومه مستحبا ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له إن اليهود والنصارى ويتخذونه عيدا قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) فقال أكثر أهل العلم مراده صوم التاسع والعاشر لئلا يخص يوم عاشوراء بالصوم، كما نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، وكان يقول: (صوموا يوما قبله أو يوما بعدها) وهو - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا في عاشوراء بعد أن كان أمر بصيامه ليخالف اليهود ولا يشاركهم في إفراد تعظيمه هذا مع أن عاشوراء لم يشرع فيه غير الصوم باتفاق علماء المسلمين فكل ما يفعل فيه غير ذلك من الاختضاب والكحل والتزين والاغتسال والتوسع على العيال غير العادة فيه من حبوب وغيرها هو من البدع المحدثة في الدين لم يستحبها أحد
(3/256)

من العلماء ولا السلف، بل كل ما روي فيها من الأحاديث المرفوعة فهي أحاديث موضوعة.
فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره نوعًا من التشبه بهم في عاشوراء فكيف بأعياد الشعانين والخميس وغير ذلك من أعياد الكافرين؟ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل خصائص عيدهم، وقال بعضهم، من ذبح فيه بطيخة فكأنما ذبح خنزيرا.
فالواجب على ولاة الأمور نهي الناس عن هذه المنكرات المحرمة وأمرهم بملازمة شعائر الإسلام الذي لا يقبل الله غيره {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ} [19/3] {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [85/3] .
مصورة عن مكتبة اسطنبول
فقه
نقلها من مكتبة الجامعة الإسلامية بخطة محمد بن عبد الرحمن بن قاسم 3/ 3/ 1412 هـ.
(3/257)