Advertisement

المستدرك على مجموع الفتاوى 004

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
قدَّسَ الله رُوحَه

المجلد الرابع
البيع - الخلع

جمعه ورتبه
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
(4/4)

كتاب البيع

وكل ما عده الناس بيعًا أو هبة: من متعاقب، أو متراخ، من قول، أو فعل، انعقد به البيع والهبة (1) .
ومن استولى على ملك إنسان بلا حق ومنعه إياه حتى يبيعه إياه فهو كبيع المكره بلا عوض (2) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: بيع الحرير للكفار حديث عمر رضي الله عنه يقتضي جوازه؛ بخلاف بيع الخمر؛ فإن الحرير ليس حرامًا على الإطلاق، وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة لهم؛ وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وجاز عملها لهم بالأجرة. انتهى كلامه ذكره في أول باب ما يجوز بيعه من تعليقه على المحرر (3) .
قال شيخنا في الفتاوى المصرية: يجوز تصرفه فيما بيده بالوقف وغيره حتى تقوم حجة شرعية بأنه ليس ملكًا له؛ لكن لا يحكم بالوقف حتى يثبت الملك (4) .
وفي مجموع أبي حفص في الإجارة: نقل يحيى بن محمد
__________
(1) الاختيارات 121 ف 2/ 186.
(2) اختيارات ص122 والفروع ج4/50 ف2/ 186.
(3) الآداب 3/501 ف2/ 187.
(4) فروع ج 4/406 ف2/ 187.
(4/5)

الكحال: سألت أحمد عن رجل له حمام تقيمه غلته يريد أن يبيعه قال: لا يبيعه على أنه حمام يبيعه على أنه عقار ويهدم الحمام: ذكره الشيخ تقي الدين. قال: وكذلك الأبنية المصورة كنائس ونحو ذلك مما هو مبني للمنفعة المحرمة وما هو مصور على صورة المنفعة المحرمة ويمكن تصويره على صورة مباحة: مثل الحرير المفصل للرجال، وخاتم الذهب للرجل، وآنية الذهب والفضة (1) .
قال ابن القيم رحمه الله:
فصل
وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله، ويدخل فيه أبعاضها أيضًا، ولهذا استشكل الصحابة رضي الله عنهم تحريم بيع الشحم مع ما لهم فيه من المنفعة فأخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حرام وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة. وهذا موضع اختلف فيه الناس لاختلافهم في فهم مراده - صلى الله عليه وسلم - وهو أن قوله: «لا هو حرام» هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها
فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة قالوا: إن في شحومها من المنافع كذا وكذا يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: «لا هو حرام» (2) .
ومكة المشرفة فتحت عنوة. ويجوز بيعها لا إجارتها. فإن استأجرها فالأجرة ساقطة يحرم بذلها (3) .
وجوز شيخنا بيع الصفة والسلم حالاً إن كان في ملكه. قال: وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» فلو لم يجز السلم حالاً لقال: لا تبع هذا. سواء كان عنده أولاً. وأما إذا لم يكن
__________
(1) الآداب 3/321 ف 2/ 187.
(2) زاد المعاد ج4/240 ف 2/187.
(3) اختيارات ص121 فيها زيادة ف2/188.
(4/6)

عنده فإنما يفعله لقصد التجارة والربح فيبيعه بسعر ويشتريه بأرخص ويلزمه تسليمه في الحال وقد يقدر عليه وقد لا تحصل له تلك السلعة إلا بثمن أعلى مما تسلف فيندم. وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك ندم المسلف إذ كان يمكنه أن يشتريه بذلك الثمن؛ فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه فإن حصل ندم البائع وإن لم يحصل ندم المشتري.
وفي التلخيص وغيره: لا يصح بيع لحم في جلد أو معه اكتفاء برؤية الجلد فإنه بيع رءوس وسموط قال شيخنا في حيوان مذبوح: يجوز بيعه مع جلده جميعًا، كما قبل الذبح كقول جماهير العلماء، كما يعلمه إذا رآه حيًا. ومنعه بعض متأخري الفقهاء ظنًا أنه بيع غائب بدون رؤية ولا صفة. قال شيخنا: وكذلك يجوز بيع اللحم وحده والجلد وحده. وأبلغ من ذلك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر في سفر الهجرة، اشتريا من رجل شاة، واشترطا له رأسها وجلدها وسواقطها وكذلك كان أصحابه عليه السلام يتبايعون (1) . ويجوز بيع الطير لقصد صوته إذا جاز حبسه. وفيه احتمالان لابن عقيل (2) .
واختار أبو العباس صحة البيع بغير صفة وهو بالخيار إذا رآه، وهو رواية عن أحمد ومذهب الحنفية. وضعفه في موضع آخر (3) .
وإن باعه لبنًا موصوفًا في الذمة واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة صح (4) .
فلا يصح برقم مجهول، ولا بما ينقطع سعره، أو كما يبيع الناس
__________
(1) الفروع ج 2/23، 94 ف2/ 189.
(2) الفروع ج 4/ 29 ف2/189.
(3) اختيارات 121 والفروع ج 4/9 ف2/ 189.
(4) اختيارات 121 ف 2/ 189.
(4/7)

على الأصح فيهن. وصححه شيخنا بثمن المثل، كنكاح، وأنه مسألة السعر، وأخذه من مسألة التحالف (1) .
واحتج بما في المسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى أن يسلم في حائط بعينه» إلا أن يكون قد بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن التمر يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه (2) .
ويجوز بيع الكلاء ونحوه الموجود في أرضه إذا قصد استنباته (3) .
ولو باع ولم يسم الثمن صح بثمن المثل كالنكاح (4) .

فصل
ولا يصح بيع ما قصد به الحرام كعصير يتخذه خمرًا إذا علم ذلك كمذهب أحمد وغيره، أو ظن وهو أحد القولين. ويؤيده أن الأصحاب قالوا: لو ظن المؤجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية كبيع الخمر ونحوه لم يجز له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح الإجارة. والبيع والإجارة سواء (5) .
وإن جمع البائع بين عقدين مختلفي الحكم بعوضين متميزين لم يكن للمشتري أن يقبل أحدهما بعوضه (6) .
ومن باع ربويًا بنسيئة حرم أخذه عن ثمن ما لا يباع به نسيئة ما لم
__________
(1) اختيارات ص 121 ف 2/189.
(2) الفروع ج 4/ 30 ف 2/190. فيه زيادة إيضاح.
(3) الفروع 4/25، 26 ق 2/189.
(4) اختيارات ص 121 فيه زيادة إيضاح ف 2/189.
(5) اختيارات ص 122 ف 2/ 190.
(6) اختيارات ص 122 ف 2/190 فروع ج 4/ 42 ف 2/ 190.
(4/8)

تكن حاجة، وهو توسط بين الإمام أحمد في تحريمه والشيخ أبي مقدس في حله (1) .
وقال أحمد أيضًا: أكره للرجل ألا يكون له تجارة غير النسيئة فلا يبيع بنقد.
قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا، وعلله شيخنا ابن تيمية رضي الله عنه بأنه يدخل في بيع المضطر؛ فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه؛ فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار (2) .

فصل

ويحرم الشراء على شراء أخيه، وإذا فعل ذلك كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة وأخذ السلعة أو عوضها (3) .
وتحرم مسألة التورق، وهو رواية عن أحمد (4) .
قوله: «كشرائه وبيعه زمن الخيار» قال ابن رجب: ومال الإمام أحمد إلى القول بأنه عام في الحالين يعني مدة الخيار وبعدها ولو لزم العقد ... وتبع في ذلك الشيخ تقي الدين فإنه سئل عن ذلك في المسائل البغدادية وأجاب بأن الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد وقدماء أصحابه أنه لا فرق بين زمن الخيار وعدمه، فما أطلقه أبو الخطاب ذكره أبو بكر، وكذلك ذكره القاضي وغيره. وإن كان هذا القيد ذكره جماعة
__________
(1) اختيارات ص 129 ف 2/190.
(2) اختيارات ص129 والفروع ج4/ 45، 46، 71 ف 2/191.
(3) تهذيب السنن ج 5/ 109 ف2/191.
(4) اختيارات ص 122 ف 2/191.
(4/9)

منهم القاضي في بعض المواضع، وابن عقيل فيما أظن، وأبو حكيم وصاحبه السامري، وأسعد بن منجا وأبو محمد وأبو البركات وغيرهم وأطال في ذلك واختاره. وذكر المسألة أيضًا في إبطال التحليل (1) .
وسأله ابن الحكم عن رجل يقر بالعبودية حتى يباع قال: يؤخذ المقر والبائع بالثمن، فإن مات أحدهما أو غاب أخذ الآخر بالثمن واختاره شيخنا (2) .
وقال الشيخ تقي الدين: يكره للرجل أن يحب غلو أسعار المسلمين ويكره الرخص. ويكره المال المكسوب من ذلك، كما قال من قال من الأئمة: إن مالاً جمع من عموم المسلمين لمال سوء (3) .
قال أحمد: لا ينبغي أن يتمنى الغلاء (4) .
ومن ضمن مكانًا للبيع ويشتري فيه وحده كره الشراء منه بلا حاجة. ويحرم عليه أخذ زيادة بلا حق (5) .
ولا يربح على المسترسل أكثر من غيره. وله أن يأخذه منه بالقيمة المعروفة بغير اختياره. قال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح الرجل في العشرة خمسة يكره ذلك قال: إذا كان أجله إلى سنة أو أقل بقدر الربح فلا بأس به. وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل؛ لأنه شبه بيع المضطر. وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة (6) .
وإذا اتفق أهل السوق على ألا يزيدوا في سلعة لهم فيها غرض
__________
(1) اختيارات ص128 ف 2/191.
(2) الفروع وتصحيحه ج 4/45-47 باختصار ف 2/191.
(3) الفروع ج 4/51 ف 2/191 ص 126 ف 2/196 وانظر الزركشي 3/ 577.
(4) الآداب ج 3/ 294 ف 2/ 194.
(5) الاختيارات 192 ف 2/ 194 والفروع 4/ 54.
(6) الاختيارات 122، 123 فروع 4/ 54 فيه زيادة 2/ 196.
(4/10)

ليشتريها أحدهم ويتقاسموها فهذا يضر بالمسلمين أكثر من تلقي الركبان، أما إذا اتفق اثنان وفي السوق من يزيد فلا يحرم ذلك؛ لأن باب المزايدة مفتوح. ولا يجوز أن يطلب بالسلعة ثمنًا كثيرًا ليغري المشتري بها فيدفع ما يزيد على قيمتها إذا كان جاهلاً بالقيمة (1) .

باب الشروط في البيع

وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود -فلو باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن صح البيع والشرط، ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه وعن أحمد نحو العشرين نصًا على صحة الشروط، وأنه يحرم الوطء لنقص الملك. سأل أبو طالب الإمام أحمد عمن اشترى أمة يشترط أن يتسرى بها لا للخدمة قال: لا بأس به، وهذا من أحمد يقتضي أنه إذا شرط على البائع فعلاً أو تركًا في البيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه صح البيع والشرط كاشتراط العتق، وكما اشترط عثمان لصهيب وقف داره عليه، ومثل هذا أن يبيعه بشرط أن يعلمه، أو شرط ألا يخرجه من ذلك البلد، أو شرط ألا يستعمله في العمل الفلاني، أو أن يزوجه، أو يساويه في المطعم، أو لا يبيعه، أو لا يهبه. فإذا امتنع المشتري من الوفاء فهل يجبر عليه أو يفسخ؟ على وجهين؛ وهو قياس قولنا: إذا شرط في النكاح ألا يسافر بها أو ألا يتزوج عليها؛ إذ لا فرق في الحقيقة بين الزوجة والمملوك (2) .
وإذا شرط البائع نفع المبيع لغيره مدة معلومة -فمقتضى كلام أصحابنا جوازه؛ فإنهم احتجوا بحديث أم سلمة: «أنها أعتقت سفينة
__________
(1) مختصر الفتاوى 323 ف 2/196.
(2) اختيارات 123 ف 2/196.
(4/11)

وشرطت عليه أن يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عاش» . واستثناء خدمة غيره في العتق كاستثنائها في البيع (1) .
وشرط البراءة من كل عيب، باطل، وعلله جماعة من أصحابنا بأنه خيار يثبت بعد البيع فلا يسقط قبله كالشفعة. ومقتضى هذا التعليل صحة البراءة من العيوب بعد عقد البيع. وقال المخالف: في صحة البراءة إسقاط حق. وصح في المجهول كالطلاق والعتاق. قيل له: والجواب: أنا نقول بوجوبه، وأنه يصح في المجهول لكن بعد وجوبه.
والصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كل عيب والذي تقضي به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري؛ لكن إذا ادعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلم، فإن نكل قضي عليه (2) .
لو قال: بعتك إن جئتني بكذا، أو إن رضي زيد صح البيع والشرط، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (3) .
وإن علق عتق عبده ببيعه وكان قصده بالتعليق اليمين دون التبرر بعتقه أجزأه كفارة يمين. وإن قصد به التقرب كان عتقه مستحقًا كالنذر فلا يصح بيعه، ويكون العتق معلقًا على صورة البيع.
وطرد أبو العباس قوله هذا في تعليق الطلاق على الفسخ والخلع فجعله معلقًا على صورة الفسخ والخلع. قال: ولو قيل بانعقاد الفسخ والعقد المعلق عليه فلا يمتنع وقوع الطلاق معه على رأي ابن حامد حيث أوقعه مع البينونة بانقضاء العدة فكذلك بالفسخ (4) .
__________
(1) اختيارات ص 124 ف 2/196.
(2) اختيارات 124 ف 2/196.
(3) اختيارات 123 فروع 4/ 62 ف 2/196.
(4) اختيارات 125، 126 ف 2/196.
(4/12)

باب الخيار
ويثبت خيار المجلس في البيع، ويثبت خيار الشرط في كل العقود ولو طالت المدة، فإن أطلقا الخيار ولم يوقتاه بمدة توجه أن يثبت ثلاثًا، لخبر حبان بن منقذ. وللبائع الفسخ في مدة الخيار إذا رد الثمن وإلا فلا. ونقل أبو طالب عن أحمد وكذلك التملكات القهرية لإزالة الضرر كالأخذ بالشفعة وأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر والزرع من الغاصب (1) .
ويثبت خيار مسترسل إلى البائع لم يماسكه. اختاره شيخنا (2) .
والنماء المتصل في الأعيان المملوكة العائد إلى من انتقل الملك عنه، لا يتبع الأعيان، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب حيث قال: إذا اشترى غنمًا فنمت ثم استحقت فالنماء له وهو يعم المتصل والمنفصل (3) .
ويحرم كتم العيب: ذكره الترمذي عن العلماء. وذكر أبو الخطاب: يكره. وفي التبصرة: وهو نص أحمد ويصح. وعنه لا. نقل حنبل بيعه مردود، اختاره أبو بكر. وكذا لو أعلمه به ولم يعلما قدر عيبه ذكره شيخنا (4) .
وإن اشترى شيئًا وظهر به عيب فله أرشه إن تعذر رده، وإلا فلا. وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة والشافعي، وكذا في نظائره كالصفقة إذا تفرقت. والمذهب يخير المشتري بين الرد وأخذ الثمن
__________
(1) الاختيارات ص125 ف 2/196.
(2) الفروع 4/97، توضيح ف2/196، وعبارة الاختيارات ص125: ويثبت خيار الغبن لمسترسل، لا لبائع لم يماسكه وهو مذهب أحمد.
(3) اختيارات 126 وانظر الزركشي ج3/577 ف 2/196.
(4) الفروع ج4/94 ف2/198.
(4/13)

وإمساكه وأخذ الأرش. فعليه يجبر المشتري على الرد وأخذ الأرش لتضرر البائع بالتأخير (1) .
والجار السوء عيب (2) .
وإذا ظهر عسر المشتري أو مطله فللبائع الفسخ (3) .

فصل
في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه.
من اشترى شيئًا بكيل أو وزن نقله جماعة. وعنه: المطعوم منهما وظاهر المذهب، أو عدد، والمشهور أو ذرع (و) وذكره شيخنا (4) .
ولا يتصرف فيه ولا بإجارة قبل قبضه. وعنه يجوز من بائعه وفي رهنه وهبته بلا عوض بعد قبض ثمنه وجهان. ويصح عتقه قولاً واحدًا وذكره شيخنا. وجوز شيخنا التولية والشركة وجوز التصرف بغير بيع، وبيعه لبائعه (5) .
ويملك المشتري المبيع بالعقد، ويصح عتقه قبل القبض إجماعًا فيهما.
ومن اشترى شيئًا لم يبعه قبل قبضه سواء كان المكيل والموزون وغيرهما، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن عقيل ومذهب الشافعي، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسواء كان المبيع من ضمان
__________
(1) الاختيارات ص126 ف2/198.
(2) الاختيارات ص126 ف2/ 198.
(3) الاختيارات ص126 ف2/ 198.
(4) فروع 6/134 ف 2/199.
(5) فروع ج 6/135 ف 2/199.
(4/14)

المشتري أولى، وعلى ذلك تدل أصول أحمد، كتصرف المشتري في الثمرة قبل جدها في أصح الروايتين وهي مضمونة على البائع، وكصحة تصرف المستأجر في العين المؤجرة بالإجارة وهي مضمونة على المؤجر.
ويمنع التصرف في صبرة الطعام المشتراة جزافًا على إحدى الروايتين وهي اختيارات الخرقي مع أنها من ضمان المشتري، وهذه طريقة الأكثرين. وعلة النهي عن البيع قبل القبض ليست توالي الضمانين؛ بل عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فيسعى في رد المبيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ. وعلى هذه العلة تجوز التولية في المبيع قبل قبضه، وهو مخرج من جواز بيع الدين.
ويجوز التصرف فيه بغير البيع، ويجوز بيعه لبائعه، والشركة فيه.
وكل ما ملك بعقد سوى البيع فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره؛ لعدم قصد الربح.
وإذا تعين ملك إنسان في موروث أو وصية أو غنيمة لم يعتبر لصحة تصرفه قبضه بغير خلاف. وينقل الضمان إلى المشتري بتمكنه من القبض.
وظاهر مذهب أحمد الفرق بين تمكن قبضه وغيره، ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره (1) .
وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه كبيع. وجوز شيخنا البيع وغيره لعدم قصد الربح، وما لا ينفسخ بهلاكه - كنكاح وخلع وعتق وصلح عن دم عمد- قيل: كبيع لكن يجب بتلفه مثله أو قيمته ولا
__________
(1) اختيارات ص/ 127 هنا جزم باختياره وفيه زيادات ف2/199، 200.
(4/15)

فسخ. واختار شيخنا لهما فسخ نكاح لفوات بعض المقصود كعيب مبيع (1) .
باب الربا والصرف
إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلاً بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلاً آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النسيئة بينهما - فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان. أحدهما: المنع وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق. والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا (2) .
الثاني: هل تختص الرخصة بعرية النخل ... أو لا تختص فتجوز في سائر الثمار وهو قول القاضي إلحاقًا لذلك بعرية النخل بجامع الحاجة، أو يلحق العنب فقط وهو احتمال لأبي محمد لقوة شبهه بالرطب في الاقتيات والتفكه؟ على ثلاثة أقوال. وخرج أبو العباس على ذلك بيع الخبز باليابس في برية الحجاز ونحوها، وكذلك بيع الفضة الخالصة بالمغشوشة نظرًا للحاجة (3) . وجوزها [العرايا] شيخنا في الزرع (4) .
ويحرم بيع حب بدقيقه، أو أحدهما بسويقه. وعنه يجوز وزنًا. وعلل أحمد المنع بأن أصله كيل. فيتوجه من الجواز بيع مكيل وزنًا
__________
(1) الفروع ج4/139 ف 2/202.
(2) تهذيب السنن ج5/ 118 ف 2/202.
(3) الزركشي ج 3/ 485 ف 2/ 202.
(4) الفروع ج 4/158 ف 2/202.
(4/16)

وموزون كيلاً. اختاره شيخنا (1) . وما خرج عن القوت بالصنعة فليس بربوي ولا بجنس نفسه؛ فيباع خبز بهريسة وزيت بزيتون وسمسم بشيرج (2) .
ويجوز بيع الموزونات الربوية بالتحري، وقاله مالك (3) . وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه (4) .
وظاهر مذهب أحمد جواز بيع السيف المحلى بجنس حليته، لأن الحلية ليست بمقصودة (5) .
ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل. ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالاً أو مؤجلاً ما لم يقصد كونها ثمنًا (6) .
ويحرم بيع اللحم بحيوان من جنسه إذا كان المقصود اللحم (7) .
وما جاز فيه التفاضل كالثياب والحيوان يجوز النسأ فيه إن كان متساويًا وإلا فلا. وهو رواية عن أحمد (8) .
التحقيق في عقود الربا أنه إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد.
__________
(1) فروع ج4/157 ف 2/202.
(2) اختيارات ص127 ف 2/202.
(3) اختيارات ص 128 ف 2/ 202.
(4) اختيارات ص 128 ف 2/ 202.
(5) اختيارات ص 128 ف 2/ 202.
(6) اختيارات ص 127 وفروع 4/ 149 ف 2/ 203.
(7) اختيارات ص 128 ف 2/ 204.
(8) اختيارات ص 128 ف 2/ 204.
(4/17)

وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطل العقد فهو بطلان مالم يتم ببطلان ما تم (1) .

الصرف

.... وكذلك تبعه أبو العباس حتى إنه وهم جده في قوله: وعنه أنها تتعين فلا تبدل مع الغصب والعيب. (بكل حال) (2) .
ولا يشترط الحلول والتقابض في صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين، وهو رواية عن أحمد نقله ابن منصور، واختارها ابن عقيل (3) .
وإذا اصطرفا دينًا في ذمتهما جاز. وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة ومالك خلافًا لما نص عليه أحمد (4) .
وفي الموجز رواية: لا يحرم (الربا) في دار حرب. وأقرها شيخنا على ظاهرها (5) .

باب بيع الأصول والثمار

ولا يجوز بيع مزارع لغير رب المال، وكذا له من غير شرط القطع. وسأله ابن منصور: يبيع الزرع قال: لا يجوز حتى يبدو صلاحه، وكذا نقل: لا يبيع عمله قبل ظهور زرع لم يجب له شيء.
وقال القاضي: قياس المذهب جوازه ويكون شريكًا بعمارته.
قال شيخنا: لو تقايلا الإجارة أو فسخاها بحق فله قيمة حرثه،
__________
(1) اختيارات ص 128 ف 2/ 204.
(2) الزركشي ج 3/ 464 ف 2/204.
(3) اختيارات ص 128 ف 2/ 204.
(4) اختيارات ص 128 ف 2/ 204.
(5) الفروع ج 4/ 174 ف 2/ 204.
(4/18)

وإن أخر القطع مع شرطه حتى صلح الثمر وطالت الجزة واشتد الحب فسد العقد (1) .
واختار شيخنا ثبوتها في زرع مستأجر وحانوت نقص نفعه عن العادة، وأنه خلاف ما رواه عن أحمد، وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام.
وقال شيخنا أيضًا: قياس نصوصه وأصوله: إذا عطل نفع الأرض بآفة انفسخت فيما بقي كانهدام الدار ونحوه، وأنه لا جائحة فيما تلف من زرعه، لأن المؤجر لم يبعه إياه، ولا ينازع في هذا من فهمه (2) .

باب السلم

ولو أسلم مقدارًا معلومًا إلى أجل معلوم في شيء، بحكم أنه إذا حل يأخذه بأنقص مما يساوي بقدر معلوم صح، كالبيع بالسعر. ويصح حالاً إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه، وإلا فلا (3) . ويصح تعليق البراءة على شرط وهو رواية عن أحمد.
وما قبضه أحد الشريكين من دين مشترك بعقد أو إرث أو إتلاف أو ضريبة وسبب استحقاقها واحد فلشريكه الأخذ من الغريم، ويحاصه فيما قبضه، وهو مذهب الإمام أحمد، وكذا لو تلف.
ولو تبارئآ ولأحدهما على الآخر دين مكتوب فادعى استثناءه بقلبه وأنه لم يبرئه منه قبل، ولخصمه تحليفه (4) .
يصح بيع الدين المستقر من الغريم لا من غيره. وفي رهنه عند
__________
(1) الفروع ج 4/ 74 ف 2/ 205.
(2) الفروع ج 4/ 79 ف 2/ 206.
(3) اختيارات 131 فروع 4/ 179 ف 2/ 207.
(4) اختيارات 131 وانظر الفروع ج 4/ 195-197 ف 2/ 207.
(4/19)

مدين بحق له روايتان في الانتصار. وعنه: يصح منهما. قال شيخنا: نص عليه في مواضع. وعنه: لا. اختاره الخلال وذكره في عيون المسائل عن صاحبه، كدين السلم. وفي المبهج وغيره رواية: يصح فيه، اختاره شيخنا وأنه قول ابن عباس. لكن بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن. قال: وكذا ذكره أحمد في بدل القرض وغيره، ولأنه مبيع، وجواز التصرف ليس ملازمًا للضمان في ظاهر مذهب أحمد، وكالثمن؛ لكن منعه أحمد في مكيل أو موزون، ولم يفرق ابن عباس، وأحمد تبعه، فيحمل كلامه على التنزيه (1) .
باب القرض
ويجوز قرض المنافع مثل أن يحصد معه يومًا ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها؛ لكن الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات الأمثال حتى يجب على المشهور في الأخرى القيمة. ويتوجه في المتقوم أنه يجوز رد المثل بتراضيهما. وإن ظهر المقترض مفلسًا ووجد المقرض عين ماله فله الرجوع بعين ماله بلا ريب، والدين الحالي يتأجل بتأجيله، سواء كان الدين قرضًا أو غيره، وهو قول مالك ووجه في مذهب أحمد، ويتخرج رواية عن أحمد من إحدى الروايتين في تأجيل العارية، وفي إحدى الروايتين في صحة إلحاق الأجل والخيار بعد لزوم العقد. ولو أقرض أكاره بذرًا أو أمره ببذره وأنه في ذمته كما يفعله الناس فهو فاسد، وله نصف المثل، ولو تلف لم يضمنه لأنه أمانة. ولو اقترض من رجل قروضًا متفرقة ووكل المقرض في ضبطها أو ابتاع منه شيئًا ووكل البائع في ضبط المبيع حفظًا أو كتابة فينبغي أن يكون قول هذا المؤتمن ههنا مقبولاً (2) .
__________
(1) الفروع ج4/185 ف 2/ 207.
(2) اختيارات ص 132 ف 2/ 208.
(4/20)

باب الرهن

ويجوز رهن العبد المسلم من كافر بشرط كونه في يد مسلم، واختاره طائفة من أصحابنا. ويجوز للإنسان أن يرهن مال نفسه على دين غيره، كما يجوز أن يضمنه وأولى، وهو نظير ظاهر إعارته للرهن.
وإذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين فالقول قول المرتهن ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن، وهو مذهب مالك.
وإذا لم يكن للمديون وفاء غير الرهن وجب على رب المال إمهاله حتى يبيعه، فمتى لم يمكن بيعه إلا بخروجه من الحبس وكان في بيعه وهو في الحبس ضرر عليه وجب إخراجه. ويضمن عليه أو يمشي معه هو أو وكيله (1) .
لو أذن الراهن للمرتهن في البيع ثم رجع جاز؛ لكن لو ادعى أنه رجع قبل البيع ... لم يقبل؛ لأن الأصل عدمه، ولو تعلق به حق ثالث. ثم وجدت الشيخ تقي الدين اختار مثل ذلك ذكره المصنف عنه في الوكالة فقال: قال شيخنا: لو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل. انتهى (2) .
باب الضمان
وقياس المذهب أنه يصح بكل لفظ يفهم منه الضمان عرفًا: مثل زوجه وأنا أؤدي الصداق، أو بعه وأنا أعطيك الثمن، واتركه لا تطالبه وأنا أعطيك الثمن (3) .
ويصح ضمان حارس ونحوه، وتجار حرب بما يذهب من البلد أو
__________
(1) اختيارات ص133، 134 ف 2/ 209.
(2) تصحيح الفروع ج 4/ 218 ف 2/ 209.
(3) اختيارات ص 132 ف 2/ 210.
(4/21)

البحر، وغايته ضمان مجهول وما لم يجب، وهو جائز عند أكثر أهل العلم مالك وأبي حنيفة وأحمد (1) .
واختار شيخنا صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون وهو جائز عند أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد لقوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [72/12] ولأن الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضًا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم؛ فإذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئًا وما أخذوه كانوا ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك، كما يجوز نظائره؛ لهذا قال الأسير العقيلي للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد علام أخذتني وسابقة الحاج - يعني ناقته؟ - قال: «بجريرة حلفائك من ثقيف» فأسر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا العقيلي وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده. قال: ويجب على ولي الأمر إذا أخذوا مالاً لتجار المسلمين أن يطالبهم بما ضمنوه ويحبسهم على ذلك كالحقوق الواجبة (2) .

الكفالة
ومن كفل إنسانًا فسلمه إلى مكفوله -ولا ضرر في تسليمه- برئ. ولو في حبس الشرع. ولا يلزمه إحضاره منه إليه عند أحد من الأئمة (3) .
__________
(1) اختيارات 132، 133 ف 2/ 210.
(2) الفروع ج 4/243 فيه زيادة عما في الاختيارات. وتقدم في الجهاد في عقد الذمة وهنا له مناسبة فلذلك ذكرته. ف 2/ 210.
(3) اختيارات 133 فيه زيادة ف 2/ 211.
(4/22)

باب الحوالة

والحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط. وله اختيار الرجوع ومطالبته. وليس للابن أن يحيل على الأب. ولا يبيع دينه إذا جوزنا بيع ما على الغريم إلا برضاء الأب. وكره أحمد أن يتزوج الرجل أو يقترض أو يشتري إذا لم يعلم الآخر بعسرته. فلأن يكره أن يحيل على معسر ولم يعلم أولى؛ لأن ظاهر الحال أن الرجل إنما يعامل من كان قادرًا على الوفاء، فإذا كتم ذلك كان غارًا (1) .
باب الصلح
ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً، وهو رواية عن أحمد، وحكي قولاً للشافعي.
ويصح عن دية الخطأ وعن قيمة المتلف غير المثل بأكثر منها من جنسها، وهو قياس قول أحمد. والعين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة كالاستظلال بجدار الغير والنظر في سراجه لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقًا.
ولو اتفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر ضمن لشريكه نصيبه (2) .
وإذا احتاج الملك المشترك إلى عمارة لا بد منها فعلى أحد الشريكين أن يعمر مع شريكه إذا طلب ذلك منه في أصح قولي العلماء (3) .
ويلزم الأعلى التستر بما يمنع مشارفته على الأسفل. وإن استويا
__________
(1) اختيارات ص 133 ف 2/ 211.
(2) اختيارات ص 134 فروع ج 4/ 283 ف 2/ 212.
(3) اختيارات ص 134 ف 2/ 212.
(4/23)

وطلب أحدهما بناء السترة أجبر الآخر مع الحاجة إلى السترة وهو مذهب أحمد (1) .
وليس للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يؤذي جاره: من بناء حمام، وحانوت طباخ، ودقاق، وهو مذهب أحمد (2) .
ومن لم يسد بئره سدًا يمنع من التضرر بها ضمن ما تلف بها.
وله تعلية بنائه ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، وليس له منعه خوفًا من نقص أجرة ملكه بلا نزاع (3) .
قال شيخنا: الضرار محرم بالكتاب، والسنة، ومعلوم أن المشاقة والمضارة مبناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه. فمتى قصد الإضرار ولو بالمباح أو فعل الإضرار من غير استحقاق فهو مضار. وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار فليس بمضار ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث النخلة التي كانت تضر صاحب الحديقة لما طلب من صاحبها المعاوضة عنها بعدة طرق فلم يفعل فقال: «إنما أنت مضار ثم أمر بقلعها» فدل على أن الضرار محرم لا يجوز تمكين صاحبه منه.
ومن كانت له ساحة تلقى فيها الأتربة والزبالة وفضلات الحيوانات ويتضرر الجيران بذلك فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران: إما بعمارتها أو إعطائها لمن يعمرها، أو يمنع أن يلقى فيها ما يضر بالجيران (4) .
__________
(1) اختيارات ص133 فيه عموم ف 2/ 212.
(2) اختيارات ص133 فيه زيادة ف 2/ 212.
(3) اختيارات ص 135 ف 2/ 212.
(4) اختيارات ص135، والفروع في أول الكلام على المضارة ج4/ 286 ف 2/ 212.
(4/24)

وليس لأحد أن يبني فوق الوقف ما يضر به اتفاقًا. وكذا إن لم يضر به عند الجمهور (1) . ويجب على الجار تمكين جاره من إجراء مائه في أرضه إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن على صاحب الأرض ضرر في أصح القولين في مذهب أحمد. وحكم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه (2) .
فالساباط الذي يضر بالمارة: مثل أن يحتاج الراكب أن يحني رأسه إذا مر هناك وإن غفل عن رأسه رمى عمامته أو شج رأسه، ولا يمكن أن يمر هناك جمل عال إلا كسر قتبه، والجمل المحمل لا يمر هناك؛ فمثل هذا الساباط لا يجوز إحداثه على طريق المارة باتفاق المسلمين؛ بل يجب على صاحبه إزالته، فإن لم يفعل كان على ولاة الأمور إلزامه بإزالته حتى يزول الضرر، حتى لو كان الطريق منخفضًا ثم ارتفع على طول الزمان وجب إزالته إذا كان الأمر على ما ذكر (3) .
باب الحجر
ومن ضاق ماله عن ديونه صار محجورًا عليه بغير حكم حاكم بالحجر، وهو رواية عن أحمد (4) . وإذا لزم الإنسان الدين بغير معاوضة كالضمان ونحوه ولم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه في الإعسار. وهو مذهب أحمد وغيره (5) .
ومن طولب بأداء دين عليه فطلب إمهالاً أمهل بقدر ذلك اتفاقًا. لكن إن خاف غريمه منه احتاط عليه بملازمته، أو بكفيل، أو بترسيم عليه (6) .
__________
(1) اختيارات ص 135 فيه توضيح ف 2/ 212.
(2) اختيارات ص 135، 136، ف 2/ 212.
(3) اختيارات ص 137 ف 2/ 213 فيه زيادة أمثلة.
(4) اختيارات ص 137 ف 2/ 213 فيه زيادة أمثلة.
(5) اختيارات ص 136 فيه زيادة.
(6) اختيارات ص 136 فيه زيادة ف 2/ 213.
(4/25)

ومن كان قادرًا على وفاء دينه وامتنع أجبر على وفائه بالضرب والحبس نص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وقال أبو العباس: ولا أعلم فيه نزاعًا؛ لكن لا يزاد كل يوم على أكثر من التعزير إن قيل يتقدر، وللحاكم أن يبيع عليه ماله، ويقضي دينه، ولا يلزمه إحضاره (1) .
وقال شيخنا: وله منع عاجز حتى يقيم كفيلاً ببدنه (2) .
ومن عرف بالقدرة وادعى إعسارًا وأمكن عادة قبل. وليس له إثبات إعساره عند غير من حبسه بلا إذنه. ويقضي دينه من مال له فيه شبهة، لأنه لا تبقى شبهة بترك واجب (3) .
ولو كان قادرًا على وفاء الدين وامتنع ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله.
ومن عليه نفقة واجبة فلا يملك التبرع بما يخل بالنفقة الواجبة. وكلام أحمد يدل عليه (4) .
ولو ادعت امرأة على زوجها بحقها وحبسته لم يسقط من حقوقه عليها شيء قبل الحبس؛ بل يستحقها عليها بعد الحبس، كحبسه في دين غيرها؛ فله إلزامها بملازمة بيته، ولا يدخل عليها أحد إلا بإذنه. ولو خاف خروجها من منزله بلا إذنه أسكنها حيث شاء. ولا يجب حبسه بمكان معين، فيجوز حبسه في دار ولو في دار نفسه بحيث لا يمكن من
__________
(1) اختيارات ص 136 فيه زيادة ف 2/ 213.
(2) الفروع ج 4/ 288 ف 2/ 214.
(3) اختيارات ص 136 ف 2/ 74.
(4) اختيارات ص137 ف 2/ 214. وعبارة الفروع بعدما تقدم في الاختبارات وهذا أشبه إلخ.
(4/26)

الخروج، ويجوز أن يحبس ويرسم عليه إذا حصل المقصود بذلك بحيث يمنعه من الخروج (1) .
وهذا أشبه بالسنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الغريم بملازمة غريمه وقال له: «ما فعل أسيرك» ؟ وإنما المرسم وكيل الغريم في الملازمة. فإن لم يكن للزوج من يحفظ امرأته غير نفسه وأمكن أن يحبسهما في بيت واحد فتمنعه هي من الخروج ويمنعها هو من الخروج فعل ذلك؛ فإن له عليها حبسها في منزله، ولها عليه حبسه في دينها، وحقه عليها أوكد، فإن حق نفسه في المبيت ثابت ظاهرًا وباطنًا، بخلاف حبسها له فإنه بتقدير إعساره لا يكون حبسه مستحقًا في نفس الأمر، إذ حبس العاجز لا يجوز، لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [280/2] ولأن حبسها له عقوبة حتى يؤدي الواجب عليه وحبسه لها حق يثبت له بموجب العقد وليس بعقوبة، بل حقه عليها كحق المالك على المملوك؛ ولهذا كان النكاح بمنزلة الرق والأسر للمرأة، قال عمر رضي الله عنه: النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله وقرأ: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [25/12] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» والعاني الأسير.
وإذا كان كذلك ظهر أن ما يستحقه عليها من الحبس أعظم مما تستحقه عليه؛ إذ غاية الغريم أن يكون كالأسير، ولأنه يملك من حبسها في منزله الاستمتاع بها متى شاء فحبسه لها دائمًا يستوفي في حبسها ما يستحقه عليها، وحبسها له عارض إلى أن يوفيها حقها،
والحبس الذي يصلح لتوفية الحق مثل المالك لأمته، بخلاف الحبس إلى أن يستوفى الحق فإنه من جنس حبس الحر للحر، ولهذا لا يملك الغريم منع المحبوس من تصرف يوفي به الحق، ولا يمنعه من حوائجه إذا احتاج
__________
(1) اختيارات 137 ف 2/ 214.
(4/27)

الخروج من الحبس مع ملازمته له، وليس على المحبوس أن يقبل ما يبذله له الغريم مما عليه منة فيه. ويملك الرجل منع امرأته من الخروج مطلقًا إذا قام بما لها عليه، وليس لها أن تمتنع من قبول ذلك.
وبهذا وغيره يتبين أن له أن يلزمها ويمنعها من الخروج أكثر مما لها أن تلزمه وتمنعه من الخروج من حبسه، فإذا لم يكن له من يقوم مقامه في ذلك لم يجز أن يمنع من ملازمتها وهذا حرام بلا ريب. ولا ينازع أحد من أهل العلم أن حبس الرجل إذا توجه تتمكن معه امرأته من الخروج من منزله. وإسقاط حقه عليها حرام لا يحل لأحد من ولاة الأمور والحكام فعل ذلك حرة عفيفة كانت أو فاجرة، فإن ما يفضي إلى تمكينها من الخروج إسقاط لحقه، وذلك لا يجوز، لا سيما وذلك مظنة لمضارتها له أو فعلها للفواحش ... إلى أن قال: فرعاية مثل هذا من أعظم المصالح التي لا يجوز إهمالها. قال: وهي إنما تملك ملازمته، وملازمته تحصل بأن تكون هي وهو في مكان واحد، ولو طلب منها الاستمتاع في الحبس فعليها أن توفيه ذلك؛ لأنه حق عليها، وإنما المقصود بالحبس أو الملازمة أن الغريم يلازمه حتى يوفيه حقه، ولو لازمه في داره جاز.
فإن قيل: فهذا يفضي إلى أن يمطلها ولا يوفي.
فالجواب: أن تعويقه عن التصرف هو الحبس، وهو كاف في المقصود إذا لم يظهر امتناعه عن أداء الواجبات، فإن ظهر أنه قادر وامتنع ظلمًا عوقب بأعظم من الحبس بضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي، كما نص على ذلك أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مطل الغني ظلم» والظالم يستحق العقوبة، فإن العقوبة تستحق على ترك واجب أو فعل محرم، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» ومع هذا لا يسقط حقه على امرأته؛ بل يملك حبسها في منزله.
(4/28)

وأما تمكين مثل هذا يعني الممتنع عن الوفاء ظلمًا من فضل الأكل والنكاح فهذا محل اجتهاد؛ فإنه من نوع التعزير؛ فإذا رأى الحاكم أن يعزره به كان له ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد ولي الأمر في تنوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله ولكن المحبوسون على حقوق النساء ليسوا من هذا الضرب، فإن لم يحصل المقصود بحبسهما جميعًا إما لعجز أحدهما عن حفظ الآخر أو لشر يحدث بينهما ونحو ذلك وأمكن أن تسكن في موضع لا تخرج منه، وهو ينفق عليها، مثل أن يسكنها في رباط نساء أو بين نسوة مأمونات فعل ذلك.
ففي الجملة لا يجوز حبسها له وتذهب حيث شاءت باتفاق العلماء؛ بل لا بد من الجمع بين الحقين ورعاية المصلحتين؛ لا سيما إذا كان ذهابها مظنة للفاحشة؛ فإن ذلك يصير حقًا لله يجب على ولي الأمر رعايته وإن لم يطلبه الزوج (1) .
ولا يبطل إبراء الزوجة الزوج بدعواها السفه ولو مع بينة أنها سفيهة ليست تحت الحجر. ولو أبرأته وولدت عنده ومالها بيدها تتصرف فيه لم يصدق أبوها أنها كانت سفيهة يجب الحجر عليها بلا بينة. والله أعلم (2) .
فصل

وعنه يصح تصرف مميز ويقف على إجازة وليه، نقل حنبل: إن تزوج الصغير فبلغ أباه فأجازه جاز. قال جماعة: ولو أجازه هو بعد رشده. لم يجز. وقال شيخنا: رضاه بقسمه هو قسمة تراض وليس
__________
(1) الفروع ج 4/ 293-297. ويأتي بعضها في باب آداب القاضي أيضًا، وانظر الإنصاف ج 8/360. لكنها مختصرة ف 2/ 214.
(2) اختيارات 188 ف 2/ 214.
(4/29)

إجازة بعقد فضولي. وقال: إن نفذ عتقه المتقدم أو دل على رضاه به عتق، كمن يعلم أنه يتصرف كالأحرار (1) .
وإن نوزع المحجور عليه لحظه في الرشد فشهد شاهدان برشده قبل؛ لأنه قد يعلم بالاستفاضة. ومع عدم البينة له اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده.
والإسراف ما صرفه في الحرام، أو كان صرفه في المباح يضر بعياله، أو كان وحده ولم يثق بإيمانه، أو صرف في مباح قدرًا زائدًا على المصلحة (2) .
قال شيخنا: الإسراف في المباح هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك فضولها من الزهد المباح، والامتناع عنه مطلقًا كمن يمتنع من اللحم أو الخبز أو الماء أو لبس الكتان والقطن أو النساء فهذا جهل وضلال، والله أمر بأكل الطيب والشكر له، والطيب ما ينفع ويعين على الخير، وحرم الخبيث وهو ما يضر في دينه (3) .
ولو وصى من فسقه ظاهر إلى عدل وجب إنفاذه كحاكم فاسق حكم بالعدل.
والولاية على الصبي والمجنون والسفيه تكون لسائر الأقارب.
ومع الاستقامة لا يحتاج إلى الحاكم إلا إذا امتنع من طاعة الولي.
وتكون الولاية لغير الأب والجد والحاكم على اليتيم وغيره وهو مذهب أبي حنيفة ومنصوص أحمد في الأم. وأما تخصيص الولاية بالأب والجد والحاكم فضعيف جدًا. والحاكم العاجز كالعدم.
__________
(1) الفروع ج 4/ 6 ف2/ 215.
(2) اختيارات ص 138 ف 2/ 216.
(3) الفروع ج4/ 618 موجود مفرق ف 1/ 202 وله مناسبة هنا ف 2/216.
(4/30)

ولو مات من يتجر لنفسه وليتيمه بماله وقد اشترى شيئًا لم يعرف لمن هو لم يقسم، لم يوقف الأمر حتى يصطلحا كما يقوله الشافعي، بل مذهب أحمد أنه يقرع، فمن قرع حلف وأخذ. ولو مات الوصي وجهل بقاء مال وليه كان دينًا في تركته.
ولا يجوز أن يولى على مال اليتيم إلا من كان قويًا، خبيرًا بما ولي عليه، أمينًا عليه. والواجب إذا لم يكن بهذه الصفة أن يستبدل به غيره (1) .
ولا يقبل من السيد دعوى عدم الإذن لعبده مع علمه بتصرفه، ولو قدر صدقه فتسليطه عليه عدوان. وتردد أبو العباس فيما إذا لم يكن للولي خلاص حق موليه إلا برفع من هو عليه إلى وال يظلمه (2) .
باب الوكالة
يجوز أن يوكل من يقبض له شيئًا من الزكاة ما تيسر وإن كان مجهولاً ولا محذور فيه (3) .
قال شيخنا: لو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل. فلو أقام به بينة ببلد آخر وحكم به حاكم فإن لم ينعزل قبل العلم صح تصرفه وإلا كان حكمًا على الغائب. ولو حكم قبل هذا الحكم بالصحة حاكم لا يرى عزله قبل العلم فإن كان قد بلغه ذلك نفذ والحكم الناقض له مردود، وإلا وجوده كعدمه. والحاكم الثاني إذا لم يعلم بأن العزل قبل العلم أو علم ولم يره أو رآه ولم ير نقض الحكم المتقدم فحكمه كعدمه. وقبض الثمن من وكيله دليل بقاء وكالته، وأنه قول أكثر العلماء (4) .
__________
(1) اختيارات ص138 ف 2/ 216.
(2) اختيارات 137، 138 ف 2/ 217، 218.
(3) مختصر الفتاوى 275 ف 2/ 217.
(4) فروع 6/ 34 ف 2/ 216.
(4/31)

قال القاضي في مسألة عزل الوكيل بموت الموكل: فأما إن أخرج الموكل عن ملكه مثل إعتاقه العبد وبيعه فإنه تنفسخ الوكالة بذلك. ففرق بين الموت وبين العتق والمبيع بأنه حكم الملك هنا قد زال وهناك السلعة بعد الموت باقية على حكم مالكها.
وما قاله القاضي فيه نظر؛ فإن الانتقال بالموت أقوى منه بالبيع والعتق، فإن هذا يمكن الاحتراز عنه فيكون بمنزلة عزله بالقول وذلك قد زال الملك فيه بفعل الله تعالى.
وإذا تصرف بلا إذن ولا ملك ثم تبين أنه كان وكيلاً أو مالكًا ففي صحة تصرفه وجهان، كما لو تصرف بعد العزل ولم يعلم، فلو تصرف بإذن ثم تبين أن الإذن كان من غير المالك أو المالك أذن له ولم يعلم أو أذن بناءً على جهة، ثم تبين أنه لم يكن يملك الإذن بها بل بغيرها أو بناءً على أنه ملك بشراء ثم تبين له أنه كان وارثًا.
فإن قلنا يصح التصرف في الأول فههنا أولى. وإن قلنا لا يصح هناك فقد يقال يصح هنا. لأنه كان مباحًا له في الظاهر والباطن؛ لكن الذي اعتقده ظاهرًا ليس هو الباطن. فنظيره إذا اعتقد أنه محدث فتطهر ثم تبين فساد طهارته وأنه كان متطهرًا قبل هذا (1) .
ولو وكل شخص شخصًا أن يوكل له فلانًا في بيع ونحوه - فقال الوكيل الأول للوكيل الثاني: بع هذا ولم يشعره أنه وكيل الموكل.
قال أبو العباس: سئلت عن هذه المسألة فقلت: نسبة أنواع التوكيل والموكلين إلى الوكيل كنسبة أنواع التمليك والمملكين إلى الملك. ثم لو ملكه شيئًا لم يحتج أن يبين هل هو من جهته أو من جهة غيره؟ ولا هل هو هبة أو زكاة؟ كما نص عليه أحمد. فذلك لا يحتاج
__________
(1) اختيارات 138، 139 ف 2/ 217.
(4/32)

أن يبين هل هو وكيله أو وكيل فلان؟ وإن كان الحكم فيهما مختلفًا بالنسبة إلى الموكل والمملك (1) .
نقل مهنا في رجل دفع إلى رجل ثوبًا يبيعه فباعه وأخذ الثمن فوهبه المشتري ثوبًا أو منديلاً فنص أنه يكون لصاحب الثوب، ولو نقص المشتري من الثمن درهمًا فإن الضمان على الذي باع الثوب. فقد نص أحمد على أن ما حصل للوكيل من زيادة فهي للبائع وما نقص فهو عليه ولم يفرق بين أن يكون النقص قبل لزوم العقد أو بعده. وينبغي أن يفصل إذالم يلزمه (2) .
والوكيل في الضبط والمعرفة مثل من وكل رجلاً في كتابة ما له وما عليه كأهل الديوان فقوله أولى بالقبول من وكيل التصرف، لأنه مؤتمن على نفس الإخبار بما له وما عليه. وهذه مسألة نافعة.
ونظيرها إقرار كتاب الأمراء وأهل ديوانهم بما عليهم من الحقوق بعد موتهم، وإقرار كتاب السلطان وبيت المال وسائر أهل الديوان بما على جهاتهم من الحقوق، ومن ناظر الوقف وعامل الصدقة بما على الخراج ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يخرجون عن ولاية أو وكالة.
وإن استعمل الأمير كاتبًا خائنًا أو عاجزًا أثم بما أذهب من حقوق الناس لتفريطه. ومن استأمنه أمير على ماله فخشي من حاشيته إن منعهم من عادتهم المتقدمة لزمه فعل ما يمكنه وهو أصلح للأمير من تولية غيره فيرتع معهم، لا سيما وللأخذ شبهة (3) .
__________
(1) اختيارات 139 ف 2/ 218.
(2) اختيارات 139 ف 2/ 218.
(3) اختيارات 140 فيه زيادات ف 2/ 218.
(4/33)

قال في المحرر: وإذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل أو باع بدونه صح ولزمه النقص والزيادة ونص عليه.
قال أبو العباس: وكذلك الشريك والوصي والناظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك.
وقال: هذا ظاهر فيما إذا فرط. وأما إذا احتاط في البيع والشراء ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه فهذا معذور يشبه خطأ الإمام أو الحاكم، ويشبه تصرفه قبل علمه بالعزل. وأبين من هذا الناظر والوصي والإمام والقاضي إذا باع أو أجر أو زارع أو ضارب ثم تبين أنه بدون القيمة بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفًا ثم تبين الخطأ فيه: مثل أن يأمره بعمارة أو غرس ونحو ذلك ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه. وهذا باب واسع. وكذلك المضارب والشريك؛ فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة أو حصول المفسدة فلا لوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر، وهو شبيه بما إذا قتل في دار الحرب من يظنه حربيًا فبان مسلمًا؛ فإن جماع هذا أنه مجتهد مأمور بعمل اجتهد فيه. وكيف يجتمع عليه الأمر والضمان؟ هذا الضرب هو خطأ في الاعتقاد والقصد لا في العمل، وأصول المذهب تشهد له بروايتين:
قال أبو حفص في المجموع: وإذا سمي له ثمن فنقص منه - نص الإمام أحمد في رواية ابن منصور: إذا أمر رجلاً أن يبيع له شيئًا فباعه بأقل فالبيع جائز وهو ضامن لما نقص.
قال أبو العباس: لعله لم يقبل قولهما على المشتري في تقدير الثمن؛ لأنهما يدعيان فساد العقد وهو يدعي صحته، فكان القول قوله، ويضمن الوكيل النقص (1) .
__________
(1) اختيارات 141 ف 2/ 218.
(4/34)

وإذا وكله أو أوصى إليه أن يتصدق بمال ذكره فإنه يصح، وتعيين المعطى إلى الوكيل أو الوصي. هذا هو الذي ذكره في الوصية، والوكالة مثلها. وكذلك لو وكله أو أوصى إليه بإخراج حجة عنه. وإن وكله أو أوصى إليه أن يقف عنه شيئًا ولم يعين مصرفًا فينبغي أن يكون كالصدقة؛ فإن المصرف للوقف كالمصرف للصدقة، ويبقى إلى الوكيل والوصي تعيين المصرف. وإن عين مصرفًا منقطعًا فينبغي أن يكون إلى الوصي تتميمه بذكر مصرف مؤبد. إلا أن يقال: الصدقة لها جهة معلومة بالشرع والعرف وهم الفقراء، وإنما النظر إلى الوصي في تعيين أفراد الجهة، بخلاف الوقف فإنه لا يتبين له جهة معينة شرعًا ولا عرفًا. فالكلام في هذا ينبغي أن يكون كما لو نذر أن يقف أو يتصدق به.
وحديث أبي طلحة يقتضي أن من نذر الصدقة بمال فإن الأفضل أن يصرفه في أقربيه وإن كان منهم غني، وهذا يقتضي أن الصدقة المطلقة في النذر ليست محمولة على الصدقة الواجبة في الشرع؛ لكن على جنس المستحبة شرعًا. ويتوجه في الوكالة والوصية مثل ذلك.
وشبيه هذا من أصلنا: لو نذر أن يصلي: هل يحمل على أدنى الواجب، أو أدنى التطوع؟ فإن الوكالة والأيمان متشابهات (1) .
والوكيل أمين لا ضمان عليه ولو عزل قبل علمه بالعزل وقلنا ينعزل لعدم تفريطه، وكذلك لا يضمن مشتر منه الأجرة إذا لم يعلم وهو أحد القولين (2) .
ومن وكل في بيع أو استئجار أو شراء فإن لم يسم الموكل في العقد فضامن، وإلا فروايتان. وظاهر المذهب تضمينه (3) .
__________
(1) اختيارات 141، 142 ف 2/ 217.
(2) اختيارات ص142 ف 2/ 217.
(3) اختيارات 142 ف 2/ 218.
(4/35)

قال: ومثله الوكيل في الإقراض (1) .
قال القاضي: في المجرد وابن عقيل في الفصول: ولو جاء رجل إلى امرأة فقال: وكلني فلان أن أزوجك له، فرغبت في ذلك وأذنت لوليها في تزويجها. ثم إن ذلك الموكل أنكر أن يكون وكله في التزويج له. فالقول قوله، ولا يلزمه النكاح. ولا تلزم الوكيل؛ بل يحكم ببطلانه. ويتفرع على هذا أن الرجل إذا وكل وكيلاً في أن يتزوج له امرأة فتزوجها فلا بد أن يذكر حال العقد أنه تزوجها لفلان، فإن أطلق ولم يسم الموكل لم يلزمه النكاح في حقه ولا في حق الموكل؛ لأن الظاهر أنه عقد العقد لنفسه ونيته أن يعقد لغيره. وإذا لم يذكر اسم ذلك الغير فقد أخل بالمقصود.
ولو وكله أن يشتري له سلعة فاشتراها لم يشترط في صحة العقد ذكر فلان؛ بل إذا أطلق ونوى الشراء له صح؛ لأن القصد منه حصول الثمن وقد وجد.
وإذا بطل عقد النكاح في حقهما فهل يلزم الوكيل نصف الصداق؟ على روايتين.
قال أبو العباس: فقد جعلا فيما إذا لم يسم الوكيل الموكل في العقد روايتين. وهذا فيه نظر؛ بل إذا قال: زوجتك فلانة. فقال: قبلت، فقد انعقد النكاح في الظاهر للوكيل. فإذا قال: نويت أن النكاح لموكلي. فهو يدعي فساد العقد وأن الزوج غيره فلا يقبل قوله على المرأة إلا أن تصدقه، ولو صدقته لم يلزمه شيء قولاً واحدًا. إلا أن هذا الإنكار من الزوج بخلاف مسألة إنكار الوكالة.
__________
(1) فروع 4/ 353 ف 2/ 218.
(4/36)

ولو قيل: إن النكاح هنا لا يحتمل إلا أن يكون له لكان له وجها (1) .
وقال الأصحاب: ومن ادعى الوكالة في استيفاء حق فصدقه الغريم لم يلزمه الدفع إليه إن صدقه، ولا اليمين إن كذبه.
والذي يجب أن يقال: إن الغريم متى غلب على ظنه أن الموكل لا ينكر وجب عليه التسليم فيما بينه وبين الله، كالذي بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وكيله وعلم له علامة فهل يقول أحد: إن ذلك الوكيل لم يكن يجب عليه الدفع؟ وأما في القضاء فإن كان الموكل عدلاً وجب الحكم، لأن العدل لا يجحد. والظاهر أنه لا يستثنى، فإن دفع من عنده الحق إلى الوكيل ذلك الحق ولم يصدقه بأنه وكيل وأنكر صاحب الحق الوكالة رجع عليه وفاقًا ومجرد التسليم ليس تصديقًا. وكذا إن صدقه في أحد قولي أصحابنا؛ بل نص إمامنا، وهو قول مالك؛ لأنه متى لم يتبين صدقه فقد غره.
وكل إقرار كذب فيه ليحصل بما يمكن انتفاؤه فهل يجعل إنشاء: مثل أن تقول: وكلت فلانًا ولم توكله؟ فهو نظير أن يجحد الوصية فهل يكون جحده رجوعًا؟ فيه وجهان (2) .
وإذا اشترى شيئًا من موكله أو موليه كان الملك للموكل والمولى عليه. ولو نوى شراءه لنفسه؛ لأن له ولاية الشراء وليس كالغصب؛ لكن لو نوى أن يقع الملك له وهذه نية محرمة فتقع باطلة، ويصير كأن العقد عري عنها إذا كان يريد النقد من مال المولى عليه والموكل.
قال أبو العباس في تعاليقه القديمة: حديث عروة بن الجعد في شراء الشاة يدل على أن الوكيل في شراء معلوم بثمن معلوم إذا اشترى به أكثر من المقدر جاز له بيع الفاضل. وكذا ينبغي أن يكون الحكم.
__________
(1) اختيارات ص143 ف 2/ 217.
(2) اختيارات ص143-144 ف 2/ 218.
(4/37)

ويغلب على ظني أنه منقول كذا حسبه في كفالة الكافي.
قلت: ما قاله أبو العباس من النقل فصحيح. قال صاحب الكافي: ظاهر كلام أحمد صحة ذلك الحديث عن عروة، ولكن ذكره في وكالة الكافي. فسبق القلم من أبي العباس فكتب كفالة الكافي. والله أعلم (1) .
ومن قصد تعليق الحكم بالوصف رتبه عليه ولم يتعرض لجميع شروطه ومواثقه؛ لأنه عسر؛ إذ القصد بيان اقتضاء السبب للحكم؛ فلو قال: أعط هذا للفقراء أو نحوهم استأذنه في عدوه وفاسق. ولو قال: إلا أن يكون أحدهم كذا وكذا عد لُكْنة وعِيًّا. ولو قال: من سرق منهم فاقطعه حسن أن يراجعه فيمن سعى له في مصلحة عظيمة وإن لم يحسن التقييد منه. وكذا قول الطبيب: اشربه للإسهال فعرض ضعف شديد أو إسهال. ذكر ذلك شيخنا (2) .

باب الشركة

الاشتراك في مجرد الملك بالعقد: مثل أن يكون بينهما عقار فيشيعانه، أو يتعاقدان على أن المال الذي لهما المعروف بهما يكون بينهما نصفين، ونحو ذلك، مع تساوي ملكهما فيه، فجوازه متوجه؛ لكن هل يكون بيعًا؟ قياس ما ذكروه في الشركة أنه ليس بيعًا. كما أن القسمة ليست بيعًا (3) .
قال أحمد: ما أنفق على المال فعلى المال. وقاله شيخنا في البذل لمحارب ونحوه (4) .
__________
(1) اختيارات 144، 145، ف 2/ 218.
(2) الفروع ج 4/ 376 ف 2/218.
(3) اختيارات ص145 ف 2/218.
(4) فروع ج4 / 384 ف 2/ 220.
(4/38)

ولا نفقة لمضارب إلا بشرط أو عادة؛ فإن شرطت مطلقًا فله نفقة مثله طعامًا وكسوة. وقد يخرج لنا أن للمضارب في السفر الزيادة على نفقة الحضر، كما قلنا في الولي إذا جحد الصبي؛ لأن الزيادة إنما احتاج إليها لأجل المال.
وقال أبو العباس أيضًا: يتوجه فيها ما قلناه في نفقة الصبي إذا جحد الولي هل يكون الزائد فيها من مال الصبي أو مال الولي؟ على القولين، كذلك هنا.
وقد ثبت من أصلنا صحة الاشتراك في العقود وأن تختلط الأعيان، كما تصح القسمة بالمحاسبة وإن لم تتميز الأعيان.
ولو دفع دابته أو نخله إلى من يقوم به وله جزء من ثمانية صح. وهو رواية عن أحمد (1) .
ويجوز قسمة الدين في ذمة أو ذمم، وهو رواية عن أحمد، فإن تكافأت الذمم فقياس المذهب في الحوالة على ولي اليتيم ونحوه وجوبها.
ولو كتب رب المال للجابي والسمسار ورقة ليسلمها إلى الصبي في المتسلم ماله، وأمره أن لا يسلمه حتى يقتص منه فخالف ضمن لتفريطه. ويصدق الصبي مع يمينه، والورقة شاهدة له؛ لأن العادة جارية بذلك (2) .
وتصح شركة الشهود، وللشاهد أن يقيم مقامه غيره إن كان الجعل
__________
(1) اختيارات 145، 146 ف 2/ 220.
(2) اختيارات ص 146، 147. فيها زيادات ف 2/ 222.
(4/39)

على عمل في الذمة، وإن كان على شهادته بعينه فالأصح جوازه، وللحاكم أن يكرههم؛ لأن له النظر في العدالة وغيرها.
وإن اشتركوا على أن كل ما حصله كل واحد منهم بينهم بحيث إذا كتب أحدهم وشهد شاركه الآخر وإن لم يعمل. فهي شركة الأبدان. تجوز فيما تجوز فيه الوكالة. وأما حيث لا تجوز ففيه وجهان كشركة الدلالين، وقد نص أحمد على جوازها فقال في رواية أبي داود وقد سئل عن الرجل يأخذ الثوب ليبيعه فيدفعه إلى الآخر: يبيعه ويناصفه فيما يأخذ من الكراء. قال: الكراء للذي باعه؛ إلا أن يكونا شريكين فيما أصابا.
ووجه صحتها أن بيع الدلال وشراءه بمنزلة خياطة الخياط ونجارة النجار وسائر الأجراء المشتركين. ولكل منهم أن يستنيب وإن لم يكن للوكيل أن يوكل.
ومأخذ من منع من ذلك: أن الدلالة في باب الوكالة سائر الصناعات من باب الإجارة، وليس الأمر كذلك.
ومحل الخلاف هو في شركة الدلالين التي فيها عقد. فأما مجرد النداء والعرض وإحضار الديون فلا خلاف في جوازه.
وتسليم الأموال إلى الدلالين مع العلم باشتراكهم إذن لهم ببيعها.
ولو باع كل واحد ما أخذه ولم يعط غيره واشتركا في الكسب جاز في أظهر الوجهين. وموجب العقد المطلق التساوي في العمل والأجر. وإن عمل واحد أكثر ولم يشترط طالبهم إما بما زاده من العمل وإما بإعطائه زيادة في الأجرة بقدر عمله.
(4/40)

وإن اتفقوا على أن يشترطوا له زيادة جاز. وليس لولي الأمر المنع بمقتضى مذهبه في شركة الأبدان والوجوه والمساقاة والمزارعة ونحوها مما يسوغ فيه الاجتهاد (1) .
والربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه؟ فقيل: هو للمالك فقط، كنماء الأعيان. وقيل: للعامل فقط؛ لأن عليه الضمان. وقيل: يتصدقان به، لأنه ربح خبيث. وقيل: يكون بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة، وهو أصحهما، وبه حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إلا أن يتجر به في غير وجه العدوان مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيتبين أنه مال غيره فهنا يقتسمان الربح بلا ريب.
وذكر أبو العباس في موضع آخر: أنه إذا كان عالمًا بأنه مال الغير فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئًا؛ لأنه حصل بفعل محرم فلا يكون سببًا للإباحة. فإذا تاب سقط حق الله بالتوبة وأبيح له حينئذ بالقسمة. فأما إذا لم يتب ففي حله نظر.
وكذلك المتوجه فيما إذا غصب شيئًا كفرس وكسب به مالاً كالصيد أن يجعل المكسوب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما؛ بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما.
وأما إذا كسب العبد فالواجب أن يعطى المالك أكثر الأمرين من كسبه أو قيمة نفعه.
ومن كانت بينهما أعيان مشتركة فيما يكال أو يوزن فأخذ أحدهما قدر حقه بإذن حاكم جاز قولاً واحدًا، وكذلك بدون إذنه على الصحيح (2) .
__________
(1) اختيارات ص146/ 147. فيها زيادات ف 2/222.
(2) اختيارات 147، 148 ف 2/222، 239.
(4/41)

باب المساقاة والمزارعة

ولو دفع أرضه إلى آخر يغرسها بجزء من الغراس صح كالمزارعة، واختاره أبو حفص العكبري، والقاضي في تعليقه وهو ظاهر مذهب أحمد.
ولو كانت الأرض مغروسة فعامله بجزء من غراسها صح، وهو مقتضى ما ذكره أبو حفص. ولا فرق بين أن يكون الغارس ناظر وقف أو غيره. ولا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بدون حاجة. وللحاكم الحكم بلزومها في محل النزاع فقط، والحكم له من جهة عوض المثل ولو لم تقم به بينة؛ لأنه الأصل. ويجوز للإنسان أن يتصرف فيما في يده بوقف وغيره حتى تقوم حجة شرعية بأنه ليس ملكًا له؛ لكن لا يحكم بالوقف حتى يثبت الملك.
ومقتضى قول أبي حفص أنه يجوز أن يغارسه بجزء من الأرض، كما جاز النسج بجزء من غزل نفسه. فإن اشترطا في المغارسة أن يكون على الغارس الماء أو بعضه فالمتوجه أن الماء كالغرس والبذر، كما سيجيء مثله في المزارعات؛ لأن الماء أصل يفنى. ومتى كان من العامل أصل فإن فيه روايتين.
وإن غارسه على أن رب الأرض تكون له دراهم مسماة إلى حين إثمار الشجر فإذا أثمر كانا شريكين في الثمر -قال أبو العباس: فهذه لا أعرفها منقولة. وقد يقال: هذا لا يجوز، كما لو اشترط في المزارعة والمساقاة شيئًا مقدرًا؛ فإنه قد لا يحصل إلا ذلك المشروط فيبقى الآخر لا شيء له؛ لكن الأظهر أن هذا ليس بمحرم.
والمناصب على أن عليه سقي الشجر والقيام عليها إذا باع نصيبه من ذلك لمن يقوم مقامه في العمل جاز وصح شرطه، كالمكاتب إذا بيع
(4/42)

على كتابته. هذا قياس المذهب (1) .
وإذا ترك العامل العمل حتى فسد الثمر فينبغي أن يجب عليه نصيب المالك، وينظر كم يجيء لو عمل بطريق الاجتهاد، كما يضمن لو يبس الشجر. وهذا لأن تركه العمل من غير فسخ العقد حرام وغرر، وهو سبب في عدم هذا الثمر، فيكون كما لو تلفت الثمرة تحت اليد العادية، كالضمان بالتسبب في الإتلاف، لا سيما إذا انضم إليه اليد العادية.
واستيلاؤه على الشجر مع عدم الوفاء بما شرطه: هل هو يد عادية؟ فيه نظر؛ لكنه سبب في الإتلاف. وهذا في الفوائد نظير المنافع، فإن المنافع لم توجد، وإنما الغاصب منع من استيفائها.
وحاصله: أن الإتلاف نوعان: إعدام موجود، وتفويت لمعدوم انعقد سبب وجوده، وهذا تفويت.
وعلى هذا فالعامل في المزارعة إذا ترك العمل فقد استولى على الأرض وفوت نفعها فينبغي ألا يضمن ضمان إتلاف أو ضمان إتلاف ويد. لكن هل يضمن أجرة المثل أو يضمن ما جرت به العادة مثل تلك الأرض؟ مثل أن يكون الزرع في مثلها معروفًا فيقاس بمثلها.
وأما على ما ذكره أصحابنا فينبغي أن يضمن بأجرة المثل.
والأصوب والأقيس بالمذهب أن يضمن بمثل ما يثبت. وعلى هذا فلا يكون ضمان يد، وإنما هو ضمان تغرير (2) .
ولو كان من إنسان الأرض، ومن ثان العمل، ومن ثالث البذر، ومن رابع البقر. صح وهو رواية عن أحمد (3) .
__________
(1) اختيارات 148، 149 ف 2/222.
(2) اختيارات ص149، 150 فيه زيادة ف 2/ 223.
(3) اختيارات 150 ف 2/223.
(4/43)

وإذا شرط صاحب البذر أن يأخذ مثل بذره ويقتسمان الباقي جاز، كالمضاربة وكاقتسامهما ما يبقى بعد الكلف (1) .
وجوز شيخنا أخذه أو بعضه بطريق القرض. قال: يلزم من اعتبر البذر من رب الأرض وإلا فقوله فاسد (2) .
وجوز شيخنا إجارة الشجر مطلقًا ويقوم عليها المستأجر كأرض الزرع [وأن ما استوفاه الموقوف عليه والمستعير بلا عوض يستوفيه المستأجر بالعوض] بخلاف بيع السنين؛ فإن تلفت الثمرة فلا أجرة، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش لعدم المنفعة المقصودة بالعقد، وهو كجائحة (واشتراط عمل الآخر حتى يثمر بعضه) قال شيخنا: والسياج على المالك، ويتبع في الكلف السلطانية العرف ما لم يكن شرط، قال: وما طلب من قرية من وظائف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال، وإن وضعت على الزرع فعلى ربه ما لم يشرطه على مستأجر، وإن وضع مطلقًا فالعادة. ومتى فسد العقد فالثمرة والبذر لربه وعليه الأجرة، وكذا العشر. وإن صحت لزم المقطع عشر نصيبه. ومن قال: العشر كله على الفلاح فخلاف الإجماع. قاله شيخنا. وإن ألزموا الفلاح به فمسألة الظفر. وقال شيخنا: الحق ظاهر فيأخذه (3) .
وإذا صحت المزارعة فيلزم المقطع عشر نصيبه. ومن قال: العشر كله على الفلاح فقد خالف الإجماع.
وإذا ألزموا الفلاح به فمسألة الظفر، والحق ظاهر، فيجوز له قدر ما ظلم به. والسياج على المالك (4) .
__________
(1) اختيارات 150 هنا جزم بالحكم ف 2/223.
(2) الفروع ج 4/ 415 ف 2/ 223.
(3) الفروع ج 4/ 417 ف 2/ 224 وما بين المعقوفين ساقط من نسخة.
(4) عبارة الاختيارات ص150 ف 2/224.
(4/44)

باب الإجارة
ويجوز البيع والإجارة في عقد واحد في أظهر قوليهم (1) .
قال أصحابنا: يستحب أن يعطي الظئر عند الفطام عبدًا أو أمة إذا أمكن؛ للخبر. ولعل هذا للمتبرعة بالرضاع. وأما في الإجارة فلا يفتقر إلى تقدير عوض ولا إلى صيغة؛ بل ما جرت العادة بأنه إجارة تستحق فيه أجرة المثل في أظهر قولي العلماء (2) .
قال ابن منصور: قلت لأحمد: الرجل يستأجر البيت إذا شاء أخرج المستأجر وإذا شاء خرج هو؟ قال: قد وجب فيهما إلى أجله؛ إلا أن يهدم البيت، أو يغرق الدار، أو يموت البعير فلا ينتفع المستأجر بما استأجر فيكون عليه من الأجرة بقدر ما سكن أو ركب، قال القاضي ظاهر هذا أن الشرط الفاسد لا يبطل الإجارة. وقال أبو العباس: هذا اشتراط للخيار، لكنه في جميع المدة مع الإذن في الانتفاع. فإذا ترك الأجير ما يلزمه عمله بلا عذر فتلف ما استؤجر عليه ضمنه (3) .
وتصح إجارة الأرض للزرع ببعض الخارج منها. وهو ظاهر المذهب وقول الجمهور (4) .
ونصوص الإمام أحمد كثيرة في المنع من إجارة المسلم داره من أهل الذمة وبيعها لهم،. واختلف الأصحاب في هذا المنع: هل هو كراهة تنزيه أو تحريم؟ فأطلق أبو علي بن أبي موسى والآمدي الكراهة. وأما الخلال وصاحبه فمقتضى كلامهما وكلام القاضي تحريم ذلك. وكلام أحمد يحتمل الأمرين. وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة إنما محله
__________
(1) اختيارات ص155 ف 2/228.
(2) اختيارات ص156 ف 2/228.
(3) اختيارات ص157 ف 2/228.
(4) اختيارات ص157 ف 2/228.
(4/45)

إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة، فأما إذا أجره إياها لأجل بيع الخمر أو اتخاذها كنيسة أو بيعة لم يجز قولاً واحدًا (1) .

فصل

قال ابن القيم رحمه الله:
فإن قيل: فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه، أم يطيب لها أم تتصدق به؟ إلى أن قال:
وقال توقف شيخنا في وجوب رد هذه المنفعة المحرمة على باذله والصدقة به في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» وقال: الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم فاستوفوا العوض المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين رد الآخر. فإن تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال، وهذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وأخذ عوضها جميعًا منه؛ بخلاف ما إذا كان العوض خمرًا أو ميتة فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي عمل بها.
ثم أورد على نفسه سؤالاً فقال: فيقال على هذا فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها.
وأجاب عنه بأن قال: نحن لا نأمر بدفعها ولا ردها كعقود الكفار
__________
(1) اختيارات ص156 ف 2/229.
(4/46)

المحرمة؛ فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم يحكم بالرد، ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة لأنه كان معتقدًا لتحريمها بخلاف الكافر؛ وذلك لأنه إذا طلب الأجرة فقلنا له: أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل يحرم فلا يقضى لك بالأجرة. فإذا قبضها وقال الدافع هنا المال اقضوا له برده فإني أقبضته إياه عوضًا عن منفعة محرمة. قلنا له: دفعته معاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة. فهذا محتمل.
قال: وإن كان ظاهر القياس ردها لأنها مقبوضة بعقد فاسد. انتهى.
إلى أن قال ابن القيم رحمه الله: فأما إذا استأجره لحمل الخمر ليريقها أو لينقل الميتة إلى الصحراء لئلا يتأذى بها فإن الإجارة تجوز حينئذ؛ لأنه عمل مباح؛ لكن إذا كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه. هذا قول شيخنا.
قال ابن القيم: وقد نص أحمد رحمه الله نفي رواية أبي النضر فيمن حمل خمرًا أو خنزيرًا لنصراني أكره أكل كرائه ولكن نقضي للحمال بالكراء، وإذا كان لمسلم فهو أشد كراهة، فاختلف أصحابه في هذا النص على ثلاث طرق.
أحدها: إجراؤه على ظاهره وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني، فإن فعل قضي له بالكراء. وهل يطيب له أم لا؟ على وجهين:
إلى أن قال: قال شيخنا رضي الله عنه: والأشبه طريقة ابن أبي
(4/47)

موسى - يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرمة، ولكن لا يطيب له أكلها. قال: فإنها أقرب إلى مقصود أحمد رحمه الله وأقرب إلى القياس، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه» فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضًا، وهي ليست محرمة في نفسها وإنما حرمت بقصد المعتصر والمحتمل، فهو كما لو باع عنبًا وعصيرًا لمن يتخذه خمرًا، وفات العصير والخمر في يد المشتري فإن مال البائع لا يذهب مجانًا؛ بل يقضي له بعوضه، كذلك هنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانًا بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهة المؤجر؛ فإنه لو حملها للإراقة أو لإخراجها إلى الصحراء، خشية التأذي بها جاز. ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري، بخلاف من استؤجر للزنا أو للتلوط أو القتل أو السرقة؛ فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر، فهو كما لو باع ميتة أو خمرًا فإنه لا يقضى له بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمة، وكذلك يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة.
قال شيخنا: ومثل هذه الإجارة الجعالة - يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة - لا توصف بالصحة مطلقًا؛ بل يقال: هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه العوض. وفاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة، ولهذا في الشريعة نظائر. قال: ولا ينافي هذا نص أحمد رحمه الله على كراهة نظارة كرم النصراني فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه ثم نقضي له بكرائه. قال: ولو لم يفعل هذا لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه فإذا لم يعطوه شيئًا ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم كان ذلك أعظم العون لهم، وليسوا أهلاً بأن يعانوا على ذلك، بخلاف من أسلم لهم عملاً لا قيمة
(4/48)

له بحال - يعني كالزانية والمغني والنائحة- فإن هؤلاء لا يقضى لهم بأجرة. ولو قبضوا منهم المال فهل يلزمهم رده عليهم أم يتصدقون به؟ فقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك، وبينا أن الصواب أنه لا يلزمهم رده، ولا يطيب لهم أكله، والله الموفق للصواب (1) .

شروط الإجارة

ويجوز إجارة ماء قناة مدة وماء فائض بركة رأياه (2) ولو استأجر تفاحة للشم يحتمل الجواز (3) .
وشمع ليشعله، وجعله شيخنا مثل كل شهر بدرهم، فمثله في الأعيان نظير هذه المسألة في المنافع، ومثله كلما أعتقت عبدًا من عبيدك فعلي ثمنه فإنه يصح وإن لم يبين العدد والثمن، وهو إذن في الانتفاع بعوض، واختار جوازه، وأنه ليس بلازم بل جائز كالجعالة وكقوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، فإنه جائز، أو: من لقي كذا فله كذا (4) . ويجوز للمؤجر إجارة العين المؤجرة من غير المستأجر في مدة الإجارة، ويقوم المستأجر الثاني مقام المالك في استيفاء الأجرة من المستأجر الأول. وغلط بعض الفقهاء فأفتى في نحو ذلك بفساد الإجارة الثانية ظنًا منه أن هذا كبيع المبيع وأنه تصرف فيما لا يملك، وليس كذلك، وهو تصرف فيما استحقه على المستأجر (5) .
ويجوز للمستأجر إجارة العين المؤجرة لمن يقوم مقامه بمثل الأجرة وزيادة، وهو ظاهر مذهب أحمد والشافعي. فإن شرط المؤجر
__________
(1) زاد المعاد ج4/252-254 ف 2/ 229.
(2) اختيارات ص151 والإنصاف ج6/ 30 فيه زيادة ف 2/ 229.
(3) اختيارات ص155 ف 2/ 230.
(4) فروع ج 4/ 228، 229 فيه زيادة ف 2/ 230.
(5) اختيارات 151، 152 ف 2/ 230.
(4/49)

على المستأجر ألا يستوفي المنفعة إلا بنفسه أو ألا يؤجرها إلا لعدل أو لا يؤجرها من زيد قال أبو العباس: فقياس المذهب فيما أراه أنها شروط صحيحة؛ لكن لو تعذر على المستأجر الاستيفاء بنفسه لمرض أو تلف مال أو إرادة سفر ونحو ذلك فينبغي أن يثبت له الفسخ، كما لو تعذر تسليم المنفعة (1) .
وليس للوكيل أن يطلق في الإجارة مدة طويلة بل العرف كسنتين ونحوهما. وإذا شرط الواقف أن النظر للموقوف عليه أو أتى بلفظ يدل على ذلك فأفتى بعض أصحابنا أن إجارته كإجارة الظئر. وعلى ما ذكره ابن حمدان ليس كذلك وهو الأشبه (2) .
وقال: ابن رجب: أما إذا شرطه للموقوف عليه أو أتى بلفظ يدل على ذلك فأفتى بعض المتأخرين بإلحاقه بالحاكم ونحوه وأنه لا ينفسخ قولاً واحدًا، وأدخله ابن حمدان في الخلاف. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: وهو الأشبه (3) .
وقال وتنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين (4) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: إن كان قبضها المؤجر رجع بذلك في تركته، فإن لم تكن تركة فأفتى بعض أصحابنا بأنه إذا كان الموقوف عليه هو الناظر فمات فللبطن الثاني فسخ الإجارة والرجوع بالأجرة على من هو في يده، اهـ
__________
(1) اختيارات ص 152 فيه زيادة ف 2/230.
(2) اختيارات ص 154 ف 2/230.
(3) الإنصاف ج 6/ 37 ف 2/ 231.
(4) اختيارات ص154 والإنصاف 6/ 36 ف 2/ 231.
(4/50)

وقال أيضًا: والذي يتوجه أولاً أنه لا يجوز سلف الأجرة للموقوف عليه، لأنه لا يستحق المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها فالتسليف لهم قبض ما لا يستحقونه، بخلاف المالك. وعلى هذا فللبطن الثاني أن يطالبوا بالأجرة المستأجر، لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر (1) .
والاستئجار على نفس تلاوة القرآن غير جائز، وإنما النزاع في التعليم ونحوه مما فيه مصلحة تصل إلى الغير. والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله وما وقع بالأجر من النقود ونحوها فلا ثواب فيه وإن قيل: يصح الاستئجار عليه.
فإذا أوصى الميت أن يعمل له ختمة فينبغي أن يتصدق بذلك على المحاويج من أهل القرآن أو غيره فذلك أفضل وأحسن (2) .
وإذا كان المعلم يقرئ فأعطي شيئًا جاز له أخذه عند أكثر العلماء (3) .
ولا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن في ذلك. وقد قال العلماء: إن القارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يهدى للميت؟ وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح.
والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة؛ وإنما تنازعوا في الاستئجار على التعليم.
ولا بأس بجواز أخذ الأجرة على الرقية نص عليه أحمد.
__________
(1) الإنصاف ج 6/ 37، 38 ف 2/ 231.
(2) مختصر الفتاوى 170 ف 2/ 231، 232.
(3) مختصر الفتاوى 64 ف 2/ 231، 96.
(4/51)

والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج؛ لا أن يحج ليأخذ. فمن أحب إبراء ذمة الميت أو رؤية المشاعر يأخذ ليحج. ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح. ففرق بين من يقصد الدين والدنيا وسيلة، وعكسه. فالأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق. والأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة هل يجوز إيقاعها على غير وجه القربة؟ فمن قال: لا يجوز ذلك لم يجز الإجارة عليها؛ لأنها بالعوض تقع غير قربة «إنما الأعمال بالنيات» والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. ومن جوز الإجارة جوز إيقاعها على غير وجه القربة، وقال: تجوز الإجارة عليها لما فيها من نفع المستأجر.
وأما ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة؛ بل رزق للإعانة على الطاعة. فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه فهو رزق للمعونة على الطاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به كذلك، والمنذور كذلك، ليس كالأجرة والجعل في الإجارة والجعالة الخاصة (1) .
قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغسل الميت بكراء؟ قال: بكراء؟! واستعظم ذلك. قلت: يقول: أنا فقير. قال: هذا كسب سوء. ووجه هذا أن تغسيل الموتى من أعمال البر، والتكسب بذلك يورث تمني موت المسلمين فيشبه الاحتكار (2) .
واتخاذ الحجامة صناعة يتكسب بها هو مما نهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه؛ فإنه يفضي إلى كثرة مباشرة النجاسات والاعتناء بها؛ لكن إذا عمل ذلك العمل بالعوض استحقه، وإلا فلا يجمع عليه استعماله في مباشرة النجاسة وحرمانه أجرته. ونهي عن أكله مع الاستغناء عنه مع أنه
__________
(1) اختيارات ص152، 153 ولها نظائر لا من كل وجه ف 2/30، 231.
(2) اختيارات ص 156 ف 2/ 232.
(4/52)

ملكه. وإذا كانت عليه نفقة رقيق أو بهائم يحتاج إلى نفقتها أنفق عليها من ذلك لئلا يفسد ماله. وإذا كان الرجل محتاجًا على هذا الكسب ليس له ما يغنيه عنه إلا مسألة الناس فهو خير له من مسألة الناس، كما قال بعض السلف: كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس (1) .
وإذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله، وقد استأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً مشركًا لما هاجر وكان هاديًا خريتًا ماهرًا بالهداية إلى الطريق من مكة إلى المدينة وائتمنه على نفسه وماله، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمهم وكافرهم. وقد روي أن الحارث بن كلدة - وكان كافرًا- أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستطبوه.
وإذا وجد طبيبًا مسلمًا فهو أولى، وأما إذا لم يجد إلا كافرًا فله ذلك. وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنًا (2) .
وإن أكراه كل شهر بدرهم، وكلما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة ... ظاهر قوله: ولكل واحد منهما الفسخ عند تقضي كل شهر، أن الفسخ يكون قبل دخول الشهر الثاني، وهو اختيار أبي الخطاب والشارح والشيخ تفي الدين رحمه الله (3) .
وإن أجره في أثناء شهر سنة استوفى شهرًا بالعدد، وسائرها بالأهلة. وعنه يستوفي الجميع بالعدد. وعند الشيخ تقي الدين رحمه الله إلى مثل تلك الساعة (4) .
قوله: استوفى شهرًا بالعدد يعني ثلاثين يومًا. وقال الشيخ تقي
__________
(1) إنصاف 6/ 21 ف 2/232.
(2) اختيارات ص158 ف 2/ 232.
(3) إنصاف 6/ 21 ف 2/232.
(4) إنصاف 6/ 44 ف 2/232.
(4/53)

الدين رحمه الله: إنما يعتبر الشهر الأول بحسب تمامه ونقصانه، فإن كان تامًا كمل تامًا وإن كان ناقصًا كمل ناقصًا (1) .
قال القاضي في التعليق: إذا دفع إلى دلال ثوبًا أو دارًا وقال له: بع هذا فمضى وعرض ذلك على جماعة مشترين وعرف ذلك صاحب المبيع فامتنع من البيع وأخذ السلعة ثم باعها هو من ذلك المشتري أو من غيره لم تلزمه أجرة الدلال للمبيع؛ لأن الأجرة إنما جعلها في مقابلة العقد ولم يحصل ذلك. قال أبو العباس: الواجب أن يستحق من الأجرة بقدر ما عمل، وهذه من مسائل الجعالات (2) .
ولو اضطر ناس إلى السكن في بيت إنسان لا يجدون سواه أو النزول في خان مملوك أو رحى للطحن أو لغير ذلك من المنافع وجب بذله بأجرة المثل بلا نزاع، والأظهر أنه يجب بذله مجانًا، وهو ظاهر المذهب (3) .
وترك القابلة ونحوها الأجرة لحاجة المقبولة أفضل من أخذها منها والصدقة بها (4) .
وقال الشيخ تقي الدين فيمن احتكر أرضًا بنى فيها مسجدًا أو بناء وقفه عليه: متى فرغت المدة وانهدم البناء زال حكم الوقف وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها، وما دام البناء قائمًا فيها فعليه أجرة المثل كوقف علو دار أو دار مسجدًا؛ فإن وقف علو ذلك لا يسقط حق ملاك السفل، كذلك وقف البناء لا يسقط حق ملاك الأرض (5) .
__________
(1) إنصاف 6/ 44 ف 2/ 232.
(2) اختيارات ص 157 ف 2/ 232.
(3) اختيارات ص 152 فيه زيادة ف 2/ 233.
(4) اختيارات ص 156 ف 2/ 233.
(5) إنصاف 6/ 84 ف 2/ 233.
(4/54)

وإن ركن المؤجر إلى شخص ليؤجره لم يجز لغيره الزيادة عليه. فكيف إذا كان المستأجر ساكنًا في الدار؟ فإنه لا يجوز الزيادة على ساكن الدار.
وإذا وقعت الإجارة صحيحة فهي لازمة من الطرفين ليس للمؤجر الفسخ لأجل زيادة حصلت باتفاق الأئمة. وما ذكره بعض متأخري الفقهاء من التفريق بين أن تكون الزيادة بقدر الثلث فتقبل الزيادة أو أقل فلا تقبل فهو قول مبتدع لا أصل له عن أحد من الأئمة لا في الوقف ولا في غيره. وإذا التزم المستأجر بهذه الزيادة على الوجه المذكور لم تلزمه اتفاقًا.
ولو التزمها بطيب نفس منه ففي لزومها قولان. فعند الشافعي وأحمد لا تلزمه أيضًا؛ بناء على أن إلحاق الزيادة والشروط بالعقود اللازمة لا تلحق. وتلزمه إذا فعلها بطيب نفس منه متبرعًا بذلك في القول الآخر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في القول الآخر، بناءً على أنه تلحقه الزيادة بالعقود اللازمة. لكن إذا كان قد علم أن العادة لم تجر بأن أحد هؤلاء يقبلها بطيب نفسه ولكن خوفًا من الإخراج فحينئذ لا تلزمهم بالاتفاق؛ بل لهم استرجاعها ممن قبضها منهم (1) .
وإن استأجر أرضًا فعند انعقاد الحب أمطرت السماء حجارة أهلكت زرعه قبل حصاده سقط العشر. وفي وجوب الأجرة نزاع.
والأظهر أنه إن لم يكن تمكن من استيفاء المنفعة المقصودة بالعقد فلا أجرة (2) .
وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ. قال الشيخ
__________
(1) اختيارات ص 154، 155 ف 2/ 233.
(2) مختصر الفتاوى ص 275 ف 2/ 233.
(4/55)

تقي الدين رحمه الله: إن لم نقل بالأرش فورود ضعفه على أصل الإمام أحمد رحمه الله بين (1) .
وإن تعذر زرعها فله الخيار، وكذا لقلة ماء قبل زرعها أو بعده، أو عابت بغرق تعيب به بعض الزرع. واختار شيخنا أو برد أو فأر أو عذر، قال: فإن أمضى فله الأرض كعيب الأعيان، وإن فسخ فعليه القسط قبل القبض، ثم أجرة المثل إلى كماله، قال: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا (2) .
وأجرة المثل ليست شيئًا محدودًا، وإنما هو ما يساوي الشيء في نفوس أهل الرغبة. ولا عبرة بما يحدث في أثناء المدة من ارتفاع الكراء أو انخفاضه (3) .
قال شيخنا: ولو أنزاه على فرسه فنقص ضمن نقصه (4) .
وإذا بيعت العين المؤجرة أو المرهونة ونحوهما مما تعلق به حق لغير البائع وهو عالم بالعيب فلم يتكلم فينبغي أن يقال: لا يملك المطالبة بفساد البيع بعد هذا؛ لأن إخباره بالعيب واجب عليه بالسنة بقوله: «ولا يحل لمن علم ذلك إلا أن يبينه» فكتمانه تغرير، والغار ضامن. وكذا ينبغي أن يقال فيما إذا رأى عبده يبيع فلم ينهه.
وفي جميع المواضع فإن المذهب أن السكوت لا يكون إذنًا. فلا يصح التصرف؛ لكن إذا لم يصح يكون تغريرًا فيكون ضامنًا بحيث أنه ليس له أن يطالب المشتري بالضمان؛ فإن ترك الواجب عندنا كفعل المحرم، كما يقال فيمن قدر على إنجاء إنسان من هلاكه؛ بل الضمان هنا أقوى.
__________
(1) إنصاف ج 6/ 66، 67 ف 2/ 234.
(2) فروع ج 4/ 448، فيه زيادة ف 2/ 235.
(3) اختيارات ص155 ف 2/ 235.
(4) فروع 4/ 428، ف 2/ 234.
(4/56)

وظاهر كلام الإمام أحمد في رواية الميموني: أن من باع العين المؤجرة ولم يتبين للمشتري أنها مستأجرة أنه لا يصح البيع. ووجهه أنه باع ملكه وملك غيره؛ فهي مسألة تفريق الصفقة (1) .
وإجارة المضاف يفسر بشيئين. أحدهما: أن يؤجره سنة أو سنتين. والثاني: أن يؤجره مدة لا يمكن الانتفاع بالمأجور لما استؤجر له في ثاني المدة. فمن الحكام من يرى أن الإجارة لا تجوز إلا إذا أمكن الانتفاع بالعين عقب العقد.
فإذا أراد أن يستأجر الأرض للإزدراع ونحوه كتب فيها: أنه استأجرها مقيلاً ومراحًا ومزدرعًا ونحو ذلك لتكون المنفعة ممكنة حال العقد (2) .
باب السبق
وظاهر كلام أبي العباس: لا يجوز اللعب المعروف بـ «الطاب والمنقلة» (3) وكل ما أفضى كثيره إلى حرمة إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للشر والفساد. وما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه كالبيع والتجارة وسائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به على حق شرعي فكله حرام.
وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم: «أن عائشة رضي الله عنها وجوارٍ كن يلعبن معها يلعبن بالبنات -وهن اللعب- والنبي - صلى الله عليه وسلم - يراهن» فيرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار.
__________
(1) اختيارات ص158 ف 2/ 235.
(2) اختيارات ص156 ف 2/ 235.
(3) وفي الإنصاف: والنقيلة انظر ج 6/90.
(4/57)

والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة إذا قصد به (1) نصر الإسلام وأخذ السبق عليه أخذ بالحق. فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينتفع به في الدين، كما في مراهنة أبي بكر رضي الله عنه، وهو أحد الوجهين في المذهب.
ويجوز المسابقة بلا محلل، ولو أخرجه المتسابقان. ويصح شرط السبق للإنشاد وشراء قوس وكراء حانوت وإطعام الجماعة لأنه مما يعين على الرمي (2) .
ويصح تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميًا على الصحيح من المذهب. زاد في الترغيب من غير تقدير. وقيل: يصح اختاره الشيخ تقي الدين. قاله في الفائق (3) .
ولعب «الكرة» (4) إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال بحيث يستعان بها على الكر والفر والدخول والخروج ونحوه في الجهاد، وغرضه الاستعانة على الجهاد الذي أمر الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو حسن. وإن كان في ذلك مضرة بالخيل والرجال فإنه ينهى عنه (5) .
ومسابقة الرمي بالحجارة إن كان فيها منفعة للجهاد وإلا فهي باطل (6) .
وأما الرهان على ما فيه ظهور الإسلام وأدلته وبراهينه كما راهن عليه الصديق فهو أحق الحق وأولى بالجواز من الرهان على النضال،
__________
(1) وفي الإنصاف إذا قصد بهما نصر الإسلام وأخذ العوض.
(2) اختيارات ص160 ف 2/ 236.
(3) الإنصاف: 6/ 93 ف 2/ 236.
(4) الكرة بالتشديد يوضحها السياق وهي «الكورة» المسماة بالطاب والمنقلة كما تقدم.
(5) مختصر الفتاوى ص521 ف 2/ 236.
(6) مختصر الفتاوى ص 600 ف 2/ 236.
(4/58)

وسباق الخيل والإبل أولى من هذا في الدين وأقوى؛ لأن الدين قام بالحجة والبرهان، وبالسيف. والقصد الأول إقامة الحجة، والسيف منفذ.
قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة الذي به تفتح القلوب ويظهر الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى. وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية.
قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم هو أكل المال بالباطل فكيف يلحق به أكله بالحق. قالوا: والصديق لم يقامر قط في جاهلية ولا إسلام، ولا أقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قمار، فضلاً عن أن يأذن فيه (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: «المسألة الحادية عشرة» : المسابقة على حفظ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة والإصابة في المسائل: هل تجوز بعوض؟ منعه أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وجوزه أصحاب أبي حنيفة وشيخنا. إلى أن قال:
وفرقة جوزته بغير محلل، قال شيخ الإسلام: وهو مقتضى المنقول عن أبي عبيدة بن الجراح. قال: وما علمت في الصحابة من اشترط المحلل، وإنما هو معروف عن سعيد بن المسيب وعنه تلقاه عنه الناس؛ ولهذا قال مالك بن أنس: لا تأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل، ولا يجب المحلل (2) .
__________
(1) الفروسية ص5، 6 ف 2/ 238.
(2) الفروسية ص64 ف 2/ 238.
(4/59)

«ومن أدخل فرسًا بين فرسين» الحديث. وسمعت شيخ الإسلام يقول: رفع هذا الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خطأ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب نفسه. وهكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري عنه، عن سعيد بن المسيب مثل الليث بن سعد وعقيل ويونس ومالك بن أنس، وذكره في الموطأ عن سعيد بن المسيب نفسه. ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف لا يحتج بمجرد روايته عن الزهري لغلطه في ذلك (1) .

فصل

الأعمال التي تكون بين اثنين فصاعدًا يطلب كل منهما أن يغلب الآخر - ثلاثة أصناف:
«صنف» أمر الله به ورسوله كالسباق بالخيل والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب، لأنه مما يعين على الجهاد في سبيل الله.
«والصنف الثاني» ما نهى الله ورسوله عنه بقوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} إلى آخر الآية [90/5] .
مسألة: فالميسر محرم بالنص والإجماع، ومنه اللعب بالنرد والشطرنج وما أشبهه مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء، فإن كان بعوض حرم إجماعًا.
وإن لم يكن بعوض ففيه نزاع عند الصحابة وجمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد. ونص الشافعي على تحريم النرد وإن كان بلا عوض، وتوقف في الشطرنج. ومنهم من أباح النرد الخالي عن
__________
(1) الفروسية ص41 بعضه غير موجود في ج 18 وفي ج 28 والأصل هناك فيه بياض، ف 2/ 238.
(4/60)

العوض، لما ظنوا أن الله حرم الميسر لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة أكل المال بالباطل. فقالوا: إذا لم يكن فيه أكل مال بالباطل زال سبب التحريم.
وأما الجمهور فقالوا: إن تحريم الميسر مثل تحريم الخمر؛ لاشتماله على الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولإلقائه العداوة والبغضاء، ومنعه عن صلاح [ذات] البين الذي يحبه الله ورسوله، وإيقاعه اللاعبين في الفساد الذي يبغضه الله ورسوله، واللعب بذلك يلهي القلب ويشغله ويغيب اللاعب به عن مصالحه أكثر مما يفعله الخمر؛ ففيها ما في الخمر وزيادة، ويبقى صاحبها عاكفًا عكوف شارب الخمر عن خمره وأشد، وكلاهما مشبه بالعكوف على الأصنام، كما في المسند أنه قال: «شارب الخمر كعابد الوثن» وثبت عن أمير المؤمنين رضي الله عنه: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وقلب الرقعة.
وإذا كان ثم مال تضمن أيضًا أكل المال بالباطل، فيكون حرامًا من وجهين. والله حرم الربا لما فيه من أكل المال باطلاً.
وما نهي عنه من بيع الغرر كبيع حبل الحبلة وبيع الثمار قبل بدو الصلاح والملامسة والمنابذة إنما حرمه لما فيه من أكل المال بالباطل.
«النوع الثالث» من المغالبات: ما هو مباح لعدم المضرة الراجحة، وليس مأمورًا به على الإطلاق لعدم احتياج الدين إليه، ولكن قد يقع أحيانًا كالمصارعة والمسابقة على الأقدام ونحوه. فهذا مباح باتفاق المسلمين إذا خلا عن مفسدة راجحة. وقد صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركانة بن يزيد، وسابق عائشة، وكان أصحابه رضي الله عنهم يتسابقون على أقدامهم بحضرته. لكن أكثر العلماء لا يجوزون في هذا سبقًا وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا سبق إلا في
خف أو حافر أو نصل» ولأن السبق إنما أبيح إعانة على ما أوجبه الله
(4/61)

ورسوله من الجهاد. وأبو حنيفة أباح السبق بالمحلل، كما يبيحه في سباق الخيل بناء على أن العمل بنفسه مباح، والسبق عنده من الجعالة، والجعالة تجوز على العمل المباح. والذي قاله هو القياس، ولو كان السبق من جنس الجعالة فإن الناس قد تنازعوا في جواز الجعالة، وأبطلها طائفة من الظاهرية. والصواب الذي عليه الجمهور جوازها، وليست عقدًا لازمًا؛ لأن العمل فيها معلوم. ولهذا يجوز أن يجعل للطبيب جعلاً على الشفاء، كما جعل سيد الحي اللديغ لأصحاب - النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رقاه أبو سعيد الخدري.
ولا يجوز أن يستأجر الطبيب على الشفاء، لأنه غير مقدور عليه.
ومن هنا يظهر فقه «باب السبق» فإن كثيرًا من العلماء اعتقدوا أن السبق إذا كان من الجانبين وليس بينهما محلل كان هذا من الميسر المحرم، وأنه قمار؛ لأن كلاً منهما متردد بين أن يغرم أو يغنم، وما كان كذلك فهو قمار. واعتقدوا أن القمار المحرم إنما حرم لما فيه من المخاطرة والتغرير، وظنوا أن الله حرم الميسر لذلك، وهذا موجود في المتسابقين إذا أخرج كل منهما السبق، فحرموا ذلك. وروي في ذلك حديث ظنه بعضهم صحيحًا؛ وهو قوله: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار» ومعلوم أن هذا الحديث ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو من كلام سعيد بن المسيب، هكذا رواه الثقاة، ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف.
ثم الذين اعتقدوا أن هذه المسابقة بلا محلل قمار تنازعوا بعد ذلك فمنهم من لم يجوز العوض بحال. ومنهم من جوزه من أحدهما بشرط ألا يرجع إليه بل يعطيه الجماعة إن غلب. وروي ذلك عن مالك وغيره، وهو أصح.
(4/62)

والقياس: لو كانت المسابقة من الطرفين قمارًا محرمًا فإنهم رأوا أن هذه ليست جعالة يقصد الجاعل فيها بدل الجعل في عمل ينتفع به؛ إنما قصد أن يغلب صاحبه فحرموها، وقالوا: دخول المحلل فيها يزيدها شرًا، وأن المقامرة حرمت لما فيها من أكل المال بالباطل، والمحلل يزيدها شرًا؛ فإن المتسابقين إذا غلب أحدهما صاحبه فأخذ ماله كان هذا في مقابلة أن الآخر إذا غلبه أخذ ماله. فكان مبناها على العدل؛ بخلاف المحلل فإنه ظلم محض؛ فإنه بعرضة أن يغنم أو يسلم، والآخران قد يغرمان فلا يستوون في المغنم والمغرم والسلامة؛ بخلاف إذا لم يكن بينهما محلل فكلاهما قد يغنم وقد يغرم وقد يسلم فيما إذا تساويا وجاءا معًا. فهذا أقرب إلى العدل؛ فإذا حرم الأقرب إلى العدل فلأن يحرم الأبعد عنه بطريق الأولى.
وأيضًا فإذا قيل: هذا محرم لما فيه من المخاطرة وأكل المال بالباطل كان بالمحلل أشد تحريمًا؛ لأنها أشد مخاطرة وأشد أكلاً للمال بالباطل؛ لأنها عند عدمه إنما أن يغنم أو يغرم أحدهما، وهنا المخاطرة باقية كل منهما قد يغنم أو قد يغرم، وانضم إلى ذلك مخاطرة ثالثة وهي أنه هناك يغرم إذا غلبه صاحبه، وهنا يغرم إذا غلبه، وإذا غلبه المحلل فكان المحلل زيادة في المخاطرة.
وأيضًا: فإن كلا يحتمل أن يغلب ويغنم أو يغرم. وأما المحلل فلا يحتمل أن يغلب أو يغرم؛ بل هو يغنم لا محالة أو يسلم.
فمن تدبر هذه الأمور علم أن الشريعة منزهة عن مثل هذا أن تحرم الشر لمجرد مفسدة قليلة وتبيحها بالمفسدة عينها إذا كثرت، ولكن أصحاب الحيل كثيرًا ما يقعون في هذا فيحرمون على الرجل بعض أنواع الزيادة دفعًا لأكل المال بالباطل لئلا يتضرر، ويفتحون له حيلة يؤكل فيها ماله بالباطل أكثر، ويكون فيها ظلمه وضرره أعظم.
(4/63)

ومن العلماء من أباح السبق بالمحلل، كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك. وهذا مبني على أصلين.
أحدهما: أن هذه جعالة.
والثاني: أن القمار هو المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم، وهذا المعنى ينتفي بالمحلل، فإنه حينئذ يدور على أمرين: أن يغنم، أو يغرم، أو يسلم. وقد تقدم التنبيه على بعض ما في كل من الأصلين.
والمقصود الأعظم بيان فساد ظن الظان أنه بدون المحلل قمار وبالمحلل يزول القمار.
فيقال: أولاً: إن الدليل الشرعي قد دل على أن القمار هو هذا دون هذا.
ويقال ثانيًا: المتسابقان كل منهما متردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم؛ فإنهما لو جاءا معًا لم يأخذ أحدهما سبق الآخر. فقولهم: إن القمار هو المتردد بين أن يغنم أو يغرم فقط ليس بمستقيم؛ بل عندهم وإن تردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم فهو أيضًا قمار وهذا موجود مع المحلل؛ فإن كلاً منهما يتردد بين أن يغنم إن غلب وبين أن يغرم إن غلب، وبين أن يسلم إن جاءا معًا، أو جاء هو ورفيقه معًا، فالمخاطرة فيها موجودة مع المحلل؛ وبدون المحلل، بل زادت بدخوله فتبين أن المعنى لم يزل بدخول المحلل. بل ازداد مفسدة؛ فإنه على بر السلامة ولا عدل فيه؛ بخلاف ما لو كانوا بلا محلل. فكان كل منهما مساويًا للآخر في الاحتمال، وهذا عدل، وهو على الميزان بينهما؛ بل الذي بذلك الجعل ليجعل الرغبة فيما يحبه لا ينظر في مصلحته، بل معرضًا للخسارة،
ويجعل الدخيل الذي جاء تابعًا للغرض لا يخسر شيئًا من ماله، والذي يتقرب إلى الله بما يحبه يخسر، والذي لم يقصد لم يعط
(4/64)

شيئًا ولا يخسر؛ بل إما سالمًا وإما غانمًا، فهل يحسن هذا في شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! وإن كان القائلون علماء فضلاء أئمة. فإنما وقعت الشبهة من حيث ظنوا أن الميسر المحرم الذي هو القمار حرم لما فيه من المخاطرة، ثم منهم من رأى المخاطرة كلها محرمة من المحلل وعدمه، وهذا أقرب إلى الأصل الذي ظنوا لو كان صحيحًا. ومنهم من رأى الحاجة إلى السبق، وقد جاء الشرع بها، فجمع بين ما أمر الله به وبين ما أبطله من القمار، فأباحه مع المحلل فقط. والمقصود هنا بالجعل أن يظهر أنه قوي؛ لأن صاحبه يغلبه ويأخذ ماله، بخلاف الجعالة فإن الغرض بها العمل من العامل الذي يأخذ الجعل، فليست هذه جعالة، والجاعل قصده وجود الشرط، والمسابق الذي أظهر المال قصده ألا يوجد الشرط الذي هو سبق صاحبه له؛ بل قصده عدمه. فأين هذا من هذا؟! هذا يكره أن يغلب، وذاك يجب أن يحصل قصده الذي هو رد آبقه أو بناء حائطه، كما يقول الحالف: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو علي الحج. ومقصده أنه لا يفعله؛ بخلاف الناذر الذي يقول: أن شفى الله مريضي فعلي أن أصوم شهرًا، وكالمخالع الذي يقول: إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق.
ومن تبين حقيقة هذه المسألة تبين له أن من رأى أنه حرام ولو مع المحلل فقوله أصح على ما ظنوه.
وأما إذا تقرر أن تحريم الميسر لما نص الله تعالى على أنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله عز وجل وعن الصلاة، وقد يشتد تحريمه لما فيه من أكل المال بالباطل. والمسابقة التي أمر الله بها ورسوله لا تشتمل لا على هذا الفساد ولا على هذا فليست من الميسر، وليس إخراج السبق فيها مما حرمه الله ورسوله، ولا من القمار الداخل في الميسر؛ فإن لفظ القمار المحرم ليس في القرآن، إنما فيه لفظ الميسر، والقمار داخل في هذا الاسم، والأحكام الشرعية يجب أن تتعلق
(4/65)

بكلام الله ورسوله ومعناه -فلينظر في دلالة ألفاظ القرآن والحديث، وفي المعاني والعلل، والحكم والأسباب التي علق الشارع بها الأحكام، فيكون الاستدلال بما أنزل الله من الكتاب والميزان. والقياس الصحيح الذي يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين هو العدل وهو الميزان.
وذلك أن المسابقة والمناضلة عمل صالح يحبه الله ورسوله، وقد سابق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الخيل، وكان أصحابه يتناضلون، ويقول لهم: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا» وكان قد صار مع أحد الحزبين ثم قال: «ارموا وأنا معكم كلكم» تعديلاً بين الطائفتين.
والرمي والركوب قد يكون واجبًا، وقد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًا، وقد نص أحمد وغيره على أن العمل بالرمح أفضل من صلاة الجنازة في الأمكنة التي يحتاج فيها إلى الجهاد كالثغور، فكيف برمي النشاب؟ وروي «أن الملائكة لم تحضر شيئًا من لهوكم إلا الرمي» وروي أن قومًا كانوا يتناضلون فحضرت الصلاة، فقالوا: يا رسول الله قد حضرت الصلاة، فقال: «هم في صلاة» وما كان كذلك فليس من الميسر الذي حرمه الله؛ بل هو من الحق، كما قال: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته لامرأته فإنهن من الحق» .
وحينئذ فأكل المال بهذه الأعمال أكل بالحق لا بالباطل، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث الرقية: «لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلتم برقية حق» فجعل كون العمل نافعًا لا ينهى عنه، بل إذا أكل به المال فقد أكل بحق، وهنا هذا العمل نافع للمسلمين مأمور به لم ينه عنه، فالمعنى الذي لأجله حرم الله الميسر أكل المال بالقمار، وهو أن يأكل بالباطل، وهذا أكل بالحق.
وأما المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل
(4/66)

مخاطرة؛ بل قد علم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة، ولا كل ما كان مترددًا بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم، وليس في أدلة الشرع ما يوجب تحريم جميع هذه الأنواع لا نصًا ولا قياسًا؛ ولكن يحرم من هذه الأنواع ما يشتمل على أكل المال بالباطل، والموجب للتحريم عند الشارع أنه أكل مال بالباطل، كما يحرم أكل المال بالباطل وإن لم يكن مخاطرة؛ لا أن مجرد المخاطرة محرم، مثل المخاطرة على اللعب بالنرد والشطرنج لما فيه من أكل المال بالباطل، وهو ما لا نفع فيه له ولا للمسلمين؛ فلو جعل السلطان أو أجنبي مالاً لمن يغلب بذلك جاز وإن لم يكن هناك مخاطرة، وكذلك لو جعل أحدهما جعلاً، وكذلك لو أدخلا محللاً، فعلم أن ذلك لم يحرم لأجل المخاطرة؛ لا سيما وجمهور العلماء يحرمون هذا العمل، وإن خلا عن عوض.
وأما أخذ العوض في المسابقة والمصارعة فهذه الأعمال لم تجعل في الأصل لعبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله، فلهذا لم يحض الشارع عليها ولا رغب فيها, وإنما يقصد بها في الغالب راحة النفوس، أو الاستعانة على المباحات، فأباحها الشارع لعدم الضرر الراجح، ولم يأمر بها ولا رغب فيها لأنها ليست مما يحتاجه المسلمون، ولا يتوقف قيام الدين عليها، كالرمي والركوب، ولو خلي المسلمون عن مصارع ومسابق على الأقدام لم يضرهم لا في دينهم ولا في دنياهم، بخلاف ما لو خلوا عن الرمي والركوب لغلب الكفار على المسلمين؛ ولهذا لم يدخل فيها السبق.
ألا ترى أن للإمام أن يخرج جعلاً لمن يرمي، ولا يحل له أن يخرجه لمن يصارع؟
وإذا عرف هذا عرف أن مجرد المخاطرة ليس مقتضيًا لتحريم المسألة، وانكشفت، وظهرت، وعرف أن الصواب: أن يعرف مراد
(4/67)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقواله وحكمه وعلله التي علق بها الأحكام؛ فإن الغلط إنما ينشأ عن عدم المعرفة بمراده - صلى الله عليه وسلم -.
والمخاطرة مشتركة بين كل من المتسابقين؛ فإن كلا يرجو أن يغلب الآخر ويخاف أن يغلبه، فكان ذلك عدلاً وإنصافًا بينهما كما تقدم.
وكذلك كل من المتبايعين لسلعة، فإن كلا يرجو أن يربح فيها ويخاف أن يخسر. فمثل هذه المخاطرة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. والتاجر مخاطر وكذلك الأجير المجعول له جعل على رد آبق، وعلى بناء حائط؛ فإنه قد يحتاج إلى بذل مال فيكون مترددًا بين أن يغرم أو يغنم، ومع هذا فهو جائز.
والمخاطرة إذا كانت من الجانبين كانت أقرب إلى العدل والإنصاف، مثل المضاربة، والمساقاة، والمزارعة؛ فإن أحدهما مخاطر قد يحصل له ربح وقد لا يحصل.
وما علمت أحدًا من الصحابة شرط في السباق محللاً ولا حرمه إذا كان كل منهما يخرج، وإنما علمت المنع في ذلك عن بعض التابعين، وقد روينا عن أبي عبيدة بن الجراح: أنه راهن رجلان في سباق الخيل ولم يكن بينهما محلل.
وثبت في المسند والترمذي وغيرهما: «أنه لما اقتتلت فارس والروم فغلبت فارس الروم وبلغ ذلك أهل مكة وكان ذلك في أول الإسلام ففرح بذلك المشركون؛ لأن المجوس أقرب إليهم من أهل الكتاب، وساء ذلك المسلمين لأن أهل الكتاب أقرب إليهم من المجوس، فأخبر أبو بكر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} فخرج أبو بكر رضي الله عنه فراهن المشركين على أنه إن غلبت الروم في بضع سنين أخذ
(4/68)

الرهان، وإن لم تغلب الروم أخذوا الرهان» وهذه المراهنة هي مثل المراهنة في سباق الخيل والرمي بالنشاب، وكانت جائزة لأنها مصلحة للإسلام؛ لأن فيها مصلحة بيان صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به من أن الروم سيغلبون بعد ذلك، وفيها ظهور أقرب الطائفتين إلى المسلمين على أبعدهما. وهذا فعله الصديق رضي الله عنه وأقره عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكره عليه، ولا قال: هذا ميسر وقمار. والصديق أجل قدرًا من أن يقامر؛ فإنه لم يشرب الخمر في جاهلية ولا إسلام وهي أشهى إلى النفوس من القمار.
وقد ظن بعضهم أن هذا قمار لكن فعله هذا كان قبل تحريم القمار، وهذا إنما يقبل إذا ثبت أن مثل هذا ثابت فيما حرمه الله من الميسر، وليس عليه دليل شرعي أصلاً. بل هي مجرد أقوال لا دليل عليها وأقيسة فاسدة يظهر تناقضها لمن كان خبيرًا بالشرع، وحل ذلك ثابت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أقر صديقه على ذلك؛ فهذا العمل معدود من فضائل الصديق رضي الله عنه وكمال يقينه حيث أيقن بما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحب ظهور أقرب الطائفتين إلى الحق، وراهن على ذلك رغبة في إعلاء كلمة الله ودينه بحسب الإمكان.
وبالجملة إذا ثبتت الإباحة فمدعي النسخ يحتاج إلى دليل.
والكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع، وإنما كتبت ذلك في جلسة واحدة.
و «السبق» بالفتح هو العوض. وبالسكون هو الفعل.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» مطلقًا لم يشترط محللاً لا هو ولا أصحابه، بل ثبت عنهم مثل ذلك بلا محلل.
(4/69)

ومما يوضح الأمر في ذلك أن السبق في غير هذه الثلاثة لم يحرم لأنه قمار. فلو بذل أحدهما عوضًا في النرد والشطرنج حرم اتفاقًا مع أن العوض ليس من الجانبين. ولو كان بينهما محلل في النرد حرم اتفاقًا أيضًا. فالعوض في النرد والشطرنج حرام سواء كان منهما أو من أحدهما أو من غيرهما بمحلل أو غير محلل. فلم يحرم لأجل المخاطرة. فلو كان الميسر المجمع على تحريمه والنرد والشطرنج لأجل المخاطرة لأبيح مع عدمها. فلما ثبت أنه محرم على كل تقدير علم بطلان تعليل تحريمه بذلك. وأكثر العلماء يحرمون العوض من الجانبين في المصارعة وإن كان بينهما محلل يرفع المخاطرة عند من يقول بذلك، فعلم أن المؤثر هو أكل المال بالباطل، أو كون العمل يصد عن الصلاة وعن ذكر الله عز وجل ويوقع العداوة والبغضاء كما دل عليه القرآن، كما أن بذل المال لما فيه من إعلاء كلمة الله ودين الله هو من الجهاد الذي أمر الله سبحانه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - به، سواء كان فيه مخاطرة أو لم يكن؛ فإن المجاهدة في سبيل الله عز وجل فيها مخاطرة قد يغلب وقد يغلب، وكذلك سائر الأمور من الجعالة والمزارعة والمساقاة والتجارة والسفر وغيرهما كما تقدم بيانه. وفي هذا كفاية والله أعلم (1) .
وإذا كان السبق من أحد الحزبين أو من غيرهما لم يحتج إلى محلل. ويمكنهم مع هذا أن يكون الحزب الأول يخرج السبق أول مرة والآخر يخرجه في المرة الثانية والأول في المرة الثانية، ولم يحتج إلى محلل. وعليهم مع هذا أن يكرروا الرمي (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص525-535 هذه فتوى مطولة وفيها زيادات عما في المجموع وتسديد للبياض هناك، وتصحيح للموجود ف 2/ 238.
(2) مختصر الفتاوى ص520 ف 2/ 238.
(4/70)

باب العارية
والعارية تجب مع غناء المالك، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهي مضمونة وإن لم يشترط ضمانها، وهي رواية عن أحمد (1) .
وعنه يضمن إن شرطه وإلا فلا. اختاره الشيخ تقي الدين (2) .
ولو سلم شريك شريكه دابة فتلفت بلا تعد ولا تفريط (3) لم يضمن. وقياس المذهب إذا قال: أعرتك دابتي لتعلفها أن هذا يصح؛ لأن أكثر ما فيه أنه بمنزلة استئجار العبد بطعامه وكسوته، لكن دخول العوض فيه يلحقه بالإجابة إلا أن يكون ذلك يسيرًا لا يبلغ أجرة المثل بلا تعد فيكون حكم العارية باقيًا. وهذا في المنافع نظير الهبة المشروط فيها فيكون حكم العارية باقيًا. وهذا في المنافع نظير الهبة المشروط فيها الثواب في الأعيان. قال أبو العباس في قديم خطه: نفقة العين المعارة هل تجب على المالك، أو على المستعير؟ لا أعرف فيها نقلاً؛ إلا أن قياس المذهب على ما يظهر لي أنها تجب على المستعير؛ لأنهم قالوا: إنه يجب عليه مؤنة ردها وضمانها إذا تلفت وهذا دليل على أنه يجب عليه ردها إلى صاحبها كما أخذها منه سوى نقص المنافع المأذون له فيها. ثم إنه خطر لي أنها تخرج على الأوجه في نفقة الجارية الموصى بعتقها فقط.
أحدها: أنه يجب على المالك؛ لكن فيه نظر. وثانيها: على المالك للنفع. وثالثها: نفقتها في كسبها.
فإن قيل: هناك المنفعة مستحقة وليس ذلك هنا؛ فإن مالك الرقبة هو مالك المنفعة، غير أن المستعير ينتفع بها بطريق الإباحة وهذا يقوي وجوبها على المعير. والأصل الأول يقوي وجوبها على المستعير.
__________
(1) الاختيارات ص 158 ف 2/ 239.
(2) إنصاف 6/ 13 ف 2/ 239.
(3) في الإنصاف بأن ساقها فوق العادة ونحوه ج6/117 والفروع ج 4/ 239.
(4/71)

ثم أقول: هذا لا تأثير له في مسألتنا؛ فإن المنفعة حاصلة في الأصل والفرع. ثم كونه يملك انتزاع المنفعة من يده غير مؤثر، بدليل ما لو كان واهب المنفعة أبا وكان المثيب ابنه وهذا في غير صورة الوصية (1) .
العارية المقبوضة مضمونة، نص عليه؛ لأن النفع غير مستحق؛ بخلاف عبد موصى بنفعه. وقاسها جماعة على المقبوض على وجه السوم، فدل على رواية مخرجة، وهو متجه. وذكر الحارثي خلافًا لا يضمن، وذكره شيخنا عن بعض أصحابنا، واختاره صاحب الهدي فيه. وعنه بلى إن شرطه اختاره أبو حفص وشيخنا (2) (3) .

باب الغصب

قال في المحرر: وهو الاستيلاء على مال الغير ظلمًا.
قوله: «على مال الغير» يدخل فيه مال المسلم والمعاهد، وهو المال المعصوم.
ويخرج منه استيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب فإنه ليس بظلم. ويدخل فيه استيلاء (4) المحاربين على مال المسلمين. وليس بجيد؛ فإنه ليس من الغصب المذكور حكمه هنا (5) بإجماع المسلمين، إذ لا خلاف أنه لا يضمن بالإتلاف ولا بالتلف؛ وإنما الخلاف في وجوب
__________
(1) اختيارات ص158، 159 ف 2/ 239.
(2) فروع ج 4/ 474 فيه ذكر اختياره ف 2/ 239.
(3) وانظر حكم إعارة السلاح والخيل لمن يقرض فيها ... وإذا كان الغازي معذورًا أو معدمًا أو مظلومًا -في كتاب الجهاد- وتقدم.
(4) في الإنصاف أهل الحرب.
(5) في الإنصاف (هذا) .
(4/72)

رد عينه (1) . وأما أموال أهل البغي وأهل العدل فقد لا يرد؛ لأن هناك لا يجوز الاستيلاء على عينها. ومتى أتلفت بعد الاستيلاء على عينها ضمنت. وإنما الخلاف في ضمانها بالإتلاف وقت الحرب.
ويدخل فيه ما أخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها.
فأما استيلاء أهل الحرب بعضهم على بعض فيدخل فيه. وليس بجيد؛ لأنه ظلم، فيحرم عليهم قتل النفوس وأخذ الأموال إلا بأمر الله؛ لكن يقال: لما كان المأخوذ مباحًا بالنسبة إلينا لم يصر ظلمًا في حقنا، ولا في حق من أسلم منهم.
فأما ما أخذ من الأموال والنفوس أو أتلف منها في حال الجاهلية (2) أقر قراره؛ لأنه كان مباحًا؛ لكن لما كان الإسلام عفا عنه فهو عفو بشرط الإسلام، وكذلك شرط الأمان. فلو تحاكم إلينا مستأمنان حكمنا بالاستقرار (3) .
قال الشيخ تقي الدين: ويتوجه فيما إذا غصب فرسًا وكسب عليه مالاً إن جعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما (4) .
ويضمن المغصوب بما نقص رقيقًا كان أو غيره، وهو رواية عن أحمد واختارها طائفة من أصحابه (5) .
إذا خلف مُوَرِّثٌ مالاً من إبل أو غنم أو غيرها فيه شيء حرام من
__________
(1) في الإنصاف زيادة (إذا قدرنا على أخذه) .
(2) في الإنصاف زيادة (فقد) .
(3) الاختيارات ص161 والإنصاف 6/ 122، ف 2/ 239.
(4) الإنصاف ج6/ 144 ف 2/ 240.
(5) اختيارات ص 163 ف 2/240.
(4/73)

غصب أو غيره لا يعرفه الوارث عينًا، يعرف مالكه أو لا يعرفه، وقدر نصيب الحرام غير معروف فإنه ينصفه نصفين: نصف لهذه الجهة، ونصف لهذه الجهة، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مشاطرة العمال أموالهم لما تبين له أن في مالهم شيئًا من بيت المال وما هو خالص لهم ولم يتبين القدر فجعل عمر أموالهم نصفين؛ ولأنه مال مشترك والشركة المطلقة تقتضي التسوية. ولا تجوز القرعة، ووقف الأمر إضاعة للحقوق. والقول في هذه المسألة بالقسمة تارة والقرعة تارة خير من حبسها بلا فائدة (1) .
ومن زرع بغير إذن شريكه والعادة بأن من زرع فيها له نصيب معلوم ولربها نصيب قسم ما زرعه في نصيب شريكه كذلك. ولو طلب أحدهما من الآخر أن يزرع معه أو يهايئه فأبى فللأول الزرع في قدر حقه بلا أجرة (2) وقد اعتبر أبو العباس في موضع آخر إذن ولي الأمر (3) .
قال في المحرر: ومن قبض مغصوبًا من غاصبه ولم يعلم فهو بمنزلة في جواز تضمينه العين والمنفعة، لكنه يرجع إذا غرم على غاصبه بما لم يلزمه ضمانه خاصة.
قال أبو العباس: يتخرج ألا يضمن الغاصب ما لم يلتزمه على قولنا إنه لا يقلع غرسه وبناءه حتى يضمن بعضه ويرجع به على البائع.
وعلى ظاهر كلامه في المنع من تضمين مودع المودع إذا لم يعلم. وعلى إحدى الروايتين فإن المغرور لا يضمن الأولاد؛ بل يضمنهم الغار ابتداء.
__________
(1) مختصر الفتاوى ص271 ف 2/ 240.
(2) وفي الإنصاف زيادة (كدار بينهما فيها بيتان سكن أحدهما عند امتناعه عما يلزمه اهـ) .
(3) اختيارات ص 163 ف 2/ 241.
(4/74)

وإذا مات الحيوان المغصوب فضمنه الغاصب فجلده -إذا قلنا يطهر بالدباغ- للمالك، وقياس المذهب ويتخرج أنه للغاصب (1) .
ولو حبس الغاصب المغصوب وقت حاجة مالكه إليه كمدة شبابه ثم رده في مشيبه فتفويت تلك المدة ظلم يفتقر إلى جزاء (2) .
وإن وقف الرجل وقفًا على أولاده -مثلاً- ثم باعه وهم يعلمون أنه قد وقفه فهل يكون سكوتهم عن الإعلام تغريرًا مع أنهم هم المستحقون؟ فهذا يستمد من السكوت: هل هو إذن؟ وهو ما إذا رأى عبده أو ولده يتصرف. فقال أصحابنا: لا يكون إذنًا؛ لكن هل يكون تغريرًا؟ فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في السلعة المبيعة: «لا يحل لمن يعلم ذلك إلا أن يبينه» يقتضي وجوب الضمان وتحريم السكوت، فيكون قد فعل محرمًا تلف به مال معصوم فهذا قوي جدًا.
لكن قد يقال: فطرده أن من علم بالعيب -غير البائع- فلم يبينه فقد غر المشتري فيضمن. فيقال: هذا يبنى على أن الغرور من الأجنبي (3) ولو لم يكن الأولاد أو غيرهم قد عرف فإذا وجب الرجوع على الواقف بما قبضه من الثمن وبما ضمنه المشتري من الأجرة ونقص قيمة البناء والغرس ونحو ذلك، ولو كان قد مات معسرًا أو هو كان معسرًا في حياته فهل يؤخذ من ريع الوقف الثمن الذي غرمه المشتري؟ لا شك أن هذا بعيد في الظاهر؛ لأن ريع الوقف للموقوف عليه، ولم يقر. فلا يؤخذ من ماله ما يقضي به دين غيره. لكن باعتبار هذا الدين على الواقف بسبب تغريره بالوقف فكأن الواقف هو الآكل لريع وقفه. وقد يتوجه ذلك إذا كان الواقف قد احتال بأن وقف ثم باع؛ فإن قصد
__________
(1) اختيارات ص163 ف 2/ 241.
(2) اختيارات ص 166 ف 2/ 241.
(3) بياض بالأصل مقدار سطر.
(4/75)

الحيلة إذا كان متقدمًا على الوقف لم يكن الوقف لازمًا في المحتال عليه الذي هو أكل مال المشتري المظلوم.
ولو واطأ المالك رجلاً على أن يبيع داره ويظهر أنها للبائع لا أنه يبيعها بطريق الوكالة فهل تجعل هذه المواطأة وكالة وإن لم يأذن في بيعها لنفسه، أم يجعل غررًا؟ فإنه ما أذن في بيع فاسد؛ لكن قصد التغرير. فهل يعاقب بجعل البيع صحيحًا، أم بضمان التغرير؟ (1)
قال الشيخ في فتاويه: وإن أنفق على أطفال غاصب وصيه مع علمه لم يرجع، وإلا رجع؛ لأن الموصي غره (2) .
وإن غصب ثوبًا فقصره أو غزلاً فنسجه أو فضة ... رد ذلك بزيادته وأرش نقصه ولا شيء له. وعنه: يكون شريكًا بالزيادة، اختاره الشيخ تقي الدين، قاله في الفائق (3) .
وإن نقصت لتغير الأسعار لم يضمن. وعنه يضمن، اختاره ابن أبي موسى والشيخ تقي الدين، قاله في الفائق (4) .
وإن وطئ الجارية فعليه الحد والمهر وإن كانت مطاوعة وأرش البكارة. وعنه: لا يلزمه مهر للثيب، اختاره الشيخ تقي الدين، ولم يوجب عليه سوى أرش البكارة نقله عنه في الفائق (5) .
وإن تلفت فعليه قيمتها ولا يرجع بها إن كان مشتريًا، ويرجع بها المتهب ... وعلى المذهب يأخذ من الغاصب ثمنها ويأخذ أيضًا نفقته
__________
(1) بياض بالأصل اختيارات ص163 ف 2/241.
(2) فروع 4/ 511 ف 2/ 239.
(3) الإنصاف ج6/ 145، 146.
(4) الإنصاف 6/ 155 ف 2.
(5) الإنصاف ج 6/ 168 ف 2/ 241.
(4/76)

وعمله من البائع الغار. قاله الشيخ تقي الدين (1) .
قال الشيخ تقي الدين: لا يسقط حق المظلوم الذي أخذ ماله وأعيد إلى ورثته؛ بل له أن يطالب الظالم بما حرمه من الانتفاع به في حياته (2) .
ولو بايع الرجل مبايعات يعتقد حلها ثم صار المال إلى وارث أو منتهب أو مشتر يعتقد تلك العقود محرمة. فالمثال الأصلي لهذا اقتداء المأموم بصلاة إمام أخل بما هو فرض عند المأموم دونه، والصحيح الصحة.
وما قبضه الإنسان بعقد مختلف فيه يعتقد صحته لم يجب عليه رده في أصح القولين.
ومن كسب مالاً حرامًا برضاء الدافع ثم تاب: كثمن خمر ومهر البغي وحلوان الكاهن فالذي يتلخص من كلام أبي العباس أن القابض إذا لم يعلم التحريم ثم علم جاز له أكله. وإن علم التحريم أولاً ثم تاب فإنه يتصدق به. كما نص عليه أحمد في حامل الخمر. وللفقير أكله، ولولي الأمر أن يعطيه أعوانه. وإن كان فقيرًا أخذ هو كفايته له.
وفيما عرف ربه: هل يلزمه رده إليه، أم لا؟ قولان.
وظاهر كلام أبي العباس أن نفس المصيبة لا يؤجر عليها.
وقال أبو عبيدة: بلى، إن صبر أثيب على صبره. قال: وكثيرًا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب فيكون فيها أجر بهذا الاعتبار (3) .
وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان
__________
(1) الإنصاف 6/ 173 ف 2/ 241.
(2) الآداب ج1/ 96 ف 2/ 242.
(3) اختيارات ص 167 ف 2/ 241.
(4/77)

التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.
قال شيخنا: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال: قد اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا فعلوا ذلك. نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذي أبيهم وللميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} وقد أحيط بهم. ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا، وإن كان من ضمن ما فعل من تأذى أبيه أعظم من أذى إخوته فإنما ذلك أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء وعلو المنزلة، وتبلغ حكمة الله تعالى -التي قدرها وقضاها- نهايتها.
ولو فرض أن يوسف عليه السلام قصد الاقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف هل له أن يخونه كما خانه أو يسرقه كما سرقه؟ ولم تكن قضية يوسف عليه السلام من هذا النوع. نعم لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أيضًا على هذا التقدير فإن هذا لا يجوز في مثل شرعنا بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب عليه السلام في احتباس يوسف عليه السلام عنه (1) .
__________
(1) إغاثة ج2/ 113 وتقدم في التفسير ف 2/ 242.
(4/78)

وأما إذا كان الرجل غصب مال الرجل مجاهرة فغصب من ماله مجاهرة بقدر ماله فليس هذا من هذا الباب؛ فإن الأول يؤدي إلى التأويلات الفاسدة، وأن يحلل لنفسه ما لا يحل له أخذه. وهذا يعرف ما أخذه فلا يأخذ إلا قدر حقه أو أكثر، ويكون معلومًا لا يمكن إنكاره (1) .
ويضمن المغصوب بمثله مكيلاً أو موزونًا أو غيرهما حيث أمكن، وإلا فالقيمة. وهو المذهب عند ابن أبي موسى، وقاله طائفة من العلماء. وإذا تغير السعر وفقد المثل فينتقل إلى القيمة وقت الغصب وهو أرجح الأقوال (2) .
ومن كانت عنده غصوب وودائع وغيرها لا يعرف أربابها صرفت في المصالح. وقال العلماء ولو تصدق بها جاز. وله الأكل منها ولو كان عاصيًا إذا تاب وكان فقيرًا (3) .
ولا يجوز لوكيل بيت المال ولا غيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ. وليس للحاكم أن يحكم بصحته.
وما لبيت المال من المقاسمة أو الأرض الخراجية لا يباع لما فيه من إضاعة حقوق المسلمين (4) . ومن غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر فله تضمين الكذاب عليه بما غرمه (5) . وقدر المتلف إذا لم
يمكن تحديده عمل فيه بالاجتهاد، كما يفعل في قدر قيمته بالاجتهاد، إذ الخرص والتقويم واحد؛ فإن الخرص هو الاجتهاد في معرفة مقدار
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 609 ف 2/ 242.
(2) اختيارات ص 165 فيه زيادة ف 2/ 243.
(3) اختيارات ص 165 والإنصاف 6/ 213 فيه زيادة ف 2/ 243.
(4) اختيارات ص 165 ف 2/ 243.
(5) اختيارات ص 165 ف 2/ 243.
(4/79)

الشيء، والتقويم هو الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه؛ بل قد يكون الخرص أسهل. وكلاهما يجوز مع الحاجة (1) .
وعمل شيخنا بالاجتهاد في قيمة المتلف فخرص الصبرة واعتبر في مزارع أتلف مغل سنتين بالسنين المعتدلة، وفي ربح مضارب بشراء رفقته من نوع متاعه وبيعهم في مثل سفره (2) . ولو اشترى مغصوبًا من غاصبه ولا يعلم به رجع بنفقته وعمله على بائع غار له (3) .
وقال تقي الدين فيمن اشترى مال مسلم من التتار لما دخلوا الشام: إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به؛ لأنه لم يصر لها إلا بنفقته وإن لم يقصد ذلك، كما رجحه فيمن اتجر بمال غيره وربح (4) .
ومن تصرف بولاية شرعية ولم يضمن، كمن مات ولا ولي له ولا حاكم، وليس لصاحبه إذا علم رد المعاوضة لثبوت الولاية عليها شرعًا (5) .
وإذا كان المتلف مما لا يباع مثل الثمر والزرع قبل بدو صلاحه فههنا لا يجوز تقويمه بشرط القطع؛ لأنه مستحق للبقاء وإن لم يجز بيعه كذلك. وإما أن يقوم مع الأصل ثم يقوم الأصل بدونه، وأما أن ينظر إلى حالة كماله فيقوم بدون نفقة الإبقاء ففيه نظر لإمكان تلفه قبل ذلك.
وأما إذا جاز بيعه مستحق الإبقاء فيقوم مستحق الإبقاء، كما تقوم المنقولات مع جواز الآفات عليها جميعًا (6) .
__________
(1) اختيارات 166، 167 ف 2/ 243.
(2) الفروع ج 4/ 126 زيادة إيضاح ف 2/ 243.
(3) اختيارات ص 164 ف 2/ 243.
(4) إنصاف 6/ 215 ف 2/ 243.
(5) اختيارات ص 165 ف 2/ 242.
(6) اختيارات ص 161 ف 2/ 244.
(4/80)

وإذا كان للناس على إنسان ديون أو مظالم بقدر ما له على الناس من الديون والمظالم كان يسوغ أن يقال: يحاسب بذلك فيه بقدر حقه من هذا أو يصرف إلى غريمه، كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه يستوفي ما له ويوفي ما عليه (1) .
وأما إذا مات الميت وله غرماء مديونون لم يستوف مما عليهم شيئًا فهل مطالبتهم للميت أو للورثة؟ اضطرب فيه الناس.
والصواب: إن كان الحق مظالم لم يتمكن هو ولا ورثته من استيفائها: من قود، أو قذف، أو غصب - فهو المطالب.
وإن كان دينًا ثبت باختياره وتمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى مات فورثته تطالب به إلى يوم القيامة.
وإن كان دينًا عجز عن استيفائه هو وورثته، فالأشبه أنه هو الذي يطالب به. فإن العجز إذا كان ثابتًا فيه وفي الوارث ولم يتمكن أحدهما من الانتفاع بذلك في الدنيا لم يدخل في الميراث، فيكون المستحق أحق بحقه في الآخرة، كما في المظالم. والإرث مشروط بالتمكن من الاستيفاء، كما أنه مشروط بالعلم بالوارث.
فلو مات وله عصبة بعيدة لا يعرف نسبهم لم يرثوه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا عام في جميع الحقوق التي لله ولعباده هي مشروطة بالتمكن من العلم والقدرة. والمجهول والمعجوز عنه كالمعدوم.
ولهذا قال العلماء: إن ما يجهل مالكه من الأموال التي قبضت بغير حق كالمكوس أو قبضت بحق كالوديعة والعارية وجهل صاحبها بحيث تعذر ردها إليه فإنها تصرف في مصالح المسلمين، وتكون حلالاً
__________
(1) اختيارات ص 161، 162 ف 2/ 244.
(4/81)

لمن أخذها بحق كأهل الحاجة والاستعانة بها على مصالح المسلمين دون من أخذها بباطل، كمن يأخذ فوق حقه.
ثم المظلوم إذا طالب بها يوم القيامة وعليه زكاة فلا تقوم هذه بالزكاة؛ بل عقوبة الزكاة أعظم من حسنة المظالم، والوعيد بترك الزكاة عظيم.
ولكن الذي ورد: أن الفرائض تجبر بالنوافل. فهذا إذا تصدق باختياره صدقة تطوع لا يكون شيئًا خرج بغير اختياره فإنه يرجى له أن يحاسب بما تركه من الزكاة إذا كان من أهلها العازمين على فعلها. «وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل انظروا إن كان لعبدي تطوع فيكمل بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك» روى ذلك أحمد في المسند. وهذا لأن التطوع من جنس الفريضة فأمكن الجبران به عند التعذر، كما قال الصديق رضي الله عنه: إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة. فيكون من رحمة الله به أن يجعل النفل مثل الفرض، بمنزلة من أحرم بالحج تطوعًا وعليه فرضه فإنه يقع عن فرضه عند طائفة كالشافعي وأحمد في المشهور.
وكذلك في رمضان عند أبي حنيفة وقول في مذهب أحمد.
وكذلك من شك هل وجب عليه غسل أو وضوء بحدث، أم لا؟ فإنه لا يجب عليه غسل. وكذلك الوضوء عند جمهور العلماء؛ لكن يستحب له التطهر احتياطًا، وإذا فعل ذلك وكان واجبًا عليه في نفس الأمر أجزأ عنه {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [286/2] .
وكذلك الشارع جعل عمل الغير عنه يقوم مقام فعله فيما عجز عنه: مثل من وجب عليه الحج وهو معضوب، أو مات ولم يحج، أو نذر صومًا أو غيره ومات قبل فعله، فعله عنه وليه. فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «دين
(4/82)

الله أحق بالقضاء» أي أحق أن يستوفى من وارث الغريم؛ لأنه أرحم من العباد، فهذا تشهد له الأصول.
أما أن يعتد له بالدين على الناس مع كونه لم يخرج الزكاة. فلا يصح.
نعم لو كان للناس عليه مظالم أو ديون بقدر ما له عند الناس كان يسوغ أن يقال: يحاسب بذلك فيؤخذ حقه من هذا ويصرف إلى هذا كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه. وكل هذا من حكم العدل بين العباد ولا يظلم ربك أحدًا (1) .
ومن ندم ورد الغصوب بعد موت المغصوب منه كان للمغصوب منه مطالبته في الآخرة لتفويته عليه الانتفاع به في حياته، كما لو مات الغاصب فرده وارثه (2) .
ومن مات معدمًا يرجى أن الله يقضي عنه ما عليه (3) .
وللمظلوم الاستعانة بمخلوق. فإذا خافه فالأولى له الدعاء على من ظلمه.
ويجوز الدعاء بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، لا على من شتمه أو أخذ ماله: بالكفر.
ولو كذب عليه لم يفتر عليه، بل يدعو إليه بمن يفتري عليه نظيره. وكذا إن أفسد عليه دينه (4) .
ومن ترك دينه باختياره وقد تمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى
__________
(1) مختصر الفتاوى 278-280 فيه زيادات كثيرة ف 2/ 244.
(2) اختيارات ص166 ف 2/ 244.
(3) اختيارات ص166 ف 2/ 244.
(4) اختيارات ص166 ف 2/ 244.
(4/83)

مات. طلب به ورثته. وإن عجز هو وورثته فالمطالبة في الأشبه كما في المظالم للخبر (1) .
ومن أمر رجلاً بإمساك دابة ضارية فجنت عليه ضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموسًا وإلا فلا (2) .
والدابة إذا أرسلها صاحبها بالليل كان مفرطًا، فهو كما إذا أرسلها قرب زرع. ولو كان معها راكب أو قائد أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه؛ لأنه تفريط، وهو مذهب أحمد (3) . لو ادعى صاحب الزرع أن غنم فلان نفشت ليلاً ووجد أثر في الزرع أثر غنم قضي بالضمان على صاحب الغنم. وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال، وجعلها معتبرة كالقيافة في الأنساب (4) .
وقال الشيخ تقي الدين: ومن لم يسد بئره سدًا يمنع من الضرر ضمن ما تلف بها (5) .
ومن العقوبة الثانية: إتلاف الثوبين المعصفرين، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو، وإراقة عمر اللبن الذي شيب بالماء للبيع.
والصدقة بالمغشوش أولى من إتلافه (6) .
__________
(1) اختيارات ص 166 ف 2/ 244.
(2) اختيارات ص 165 وإنصاف 6/ 238 ف 2/ 244.
(3) اختيارات ص 166 ف 2/ 244.
(4) إنصاف ج 6/ 241 ف 2/ 244.
(5) إنصاف ج 6/ 236 ف 2/ 244.
(6) اختيارات ص 166 ف 2/ 245.
(4/84)

باب الشفعة
وإنما تجب في عقار تجب قسمته. وعنه: أولاً- اختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي وشيخنا (1) . وتثبت شفعة الجوار مع الشركة في حق من حقوق الملك: من طريق أو ماء أو نحو ذلك نص عليه أحمد في رواية أبي طالب في الطريق (2) .
وإذا حابى البائع المشتري بالثمن محاباة خارجة عن العادة يتوجه ألا يكون للمشتري أخذه إلا بالقيمة، أو أن لا شفعة له. فإن المحاباة بمنزلة الهبة من بعض الوجوه (3) ولا شفعة في بيع الخيار ما لم ينقض. نص عليه أحمد في رواية حنبل. قال القاضي: لأن أخذ الشفيع بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار فلم يجز له المطالبة بالشفعة. وهذا التعليل من القاضي يقتضي أن الخيار إذا كان للمشتري وحده فللشفيع الأخذ، كما يجوز للمشتري أن يتصرف فيه في هذا الموضع (4) .
وأولى الروايات في مذهب الإمام أحمد أنه لا شفعة لكافر على مسلم. وقد يفرق بين أن يكون الشقص لمسلم فلا تجب الشفعة، أو لذمي فتجب.
وحينئذ فهل العبرة بالبائع أو المشتري أو كليهما أو أحدهما؟ أربع احتمالات (5) . وذكر شيخنا وجهًا فيمن اكترى نصف حانوت جاره للمكتري الأول الشفعة من الثاني (6) .
ولو ترك الولي شفعة موليه فنصه لا يسقط، وقيل: بلى. وقيل مع عدم الحظ. قلت: قال في تصحيح الفروع بعد أن ذكر وجهين ...
__________
(1) فروع 4/ 529 ف 2/ 244.
(2) اختيارات ص 167 فيه زيادة ف 2/ 245.
(3) اختيارات ص168 ف 2/ 245.
(4) اختيارات ص168 ف 2/ 245.
(5) اختيارات ص168 ف 2/ 245.
(6) فروع 4/ 529 ف 2/ 245.
(4/85)

والوجه الثالث: إن كان فيها حظ لم تسقط، وإلا سقطت، وعليه أكثر الأصحاب قال الزركشي: اختاره ابن حامد وتبعه القاضي وعامة أصحابه. قال الحارثي: هذا ما قاله الأصحاب انتهى. واختاره الشيخ تقي الدين (1) .
وإن أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط. ويحتمل أن تسقط وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها أبو بكر في الشافي، واختاره الشيخ تقي الدين (2) .

باب الوديعة

ولو أودع المودع بلا عذر ضمن. والمودع الثاني لا يضمن إن جهل، وهو رواية عن أحمد. وكذا المرتهن منه. وهو وجه في المذهب.
ولو قال المودع أودعتها الميت، وقال: هي لفلان وقال ورثته بل هي له وليست لفلان ولم يقم بينة أنها كانت للميت ولا على الإيداع؟
قال أبو العباس: أفتيت أن القول قول المودع مع يمينه لأنه قد ثبتت له اليد. وإذا تلفت الوديعة فللمودع قبض البدل؛ لأن من يملك قبض العين يملك قبض البدل، كالوكيل وأولى (3) . وإذا استعمل كاتبًا خائنًا أو عاجزًا أثم بما أذهب من حقوق الناس لتفريطه. ذكره شيخنا (4) .
ومن استأمنه أمين على ماله فخشي من حاشيته إن منعهم من
__________
(1) تصحيح الفروع ج 4/ 544 ف 2/ 245.
(2) إنصاف 6/ 271، 272 ف 2/ 245.
(3) اختيارات 168 ف 2/ 246.
(4) فروع 4/ 487 ف 2/ 246 وتقدم.
(4/86)

عادتهم المتقدمة لزمه فعل ما يمكنه، وهو أصلح للأمير من تولية غيره فيرتع معهم، لا سيما وللأخذ شبهة ذكره شيخنا (1) .
وإن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن، وليس للمالك مطالبة الأجنبي. وقال القاضي: له ذلك. وقال في المذهب ومسبوك الذهب: ليس للمالك مطالبة الأجنبي على المنصوص ... واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله (2) .
وإن أودعها بلا عذر ضمنا وقراره عليه. فإن علم الثاني فعليه. وعنه: لا يضمن الثاني إن جهل اختاره شيخنا، كمرتهن في وجه واختاره شيخنا (3) .

باب إحياء الموات

وحريم البئر العادية -وهي التي أعيدت- خمسون ذراعًا (4) .
ولو ترك جمدًا في حر شديد حتى ذاب وتقاطر ماؤه فقصد إنسان إلى ذلك القطر وتلقاه في إناء وجمعه وشربه كان مضمونًا عليه، وإن كان لو تركه لضاع ذكره أبو طالب في الانتصار. وفيه نظر (5) .

باب الجعالة
ومن استنقذ مال غيره من الهلكة ورده استحق أجرة المثل ولو بغير شرط في أصح القولين، وهو منصوص أحمد وغيره (6) .
__________
(1) فروع 4/ 491 ف 2/ 246.
(2) فروع 4/ 487 وتقدم ف 2/ 246.
(3) الإنصاف 6/ 325، 326 ف 2/ 246.
(4) الإنصاف 6/ 326 ف 2/ 246.
(5) اختيارات ص 169 والفروع ج 4/ 555 ف 2/ 247.
(6) اختيارات ص 169 ف 2/ 247.
(4/87)

باب اللقطة

ولا تملك لقطة الحرم بحال ويجب تعريفها أبدًا، وهو رواية عن أحمد، واختارها طائفة من العلماء. وتضمن اللقطة بالمثل، كبدل القرض. وإذا قلنا بالقيمة فالقيمة يوم ملكها الملتقط قطع به ابن أبي موسى وغيره. خلافًا للقاضي وأبي البركات (1) .
باع الملتقط اللقطة بعد الحول ثم جاء ربها فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعها من المشتري (2) .
ولو وجد لقطة في غير طريق مأتي فهي لقطة على الصحيح من المذهب قدمه في الفائق. واختار الشيخ تقي الدين أنها كالركاز (3) .
ومن استنقذ فرسًا من أيدي العرب ثم مرض الفرس ولم يقدر على المشي جاز له بيعه، بل يجب في هذه الحال أن يبيعه لذمة صاحبه وإن لم يكن وكيله نص عليه الأئمة ويحفظ الثمن (4) .

باب اللقيط

وذكر ابن أبي موسى في «الإرشاد» أن بعض شيوخه حكى رواية عن الإمام أحمد أن الملتقط يرثه (يرث اللقيط) واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله ونصره (5) .
__________
(1) اختيارات ص 169 ف 2/ 247.
(2) اختيارات ص 169 ف 2/ 248.
(3) اختيارات ص 169 مختصر الفتاوى 416 ف 2/ 248.
(4) إنصاف 6/ 429 ف 2/ 248.
(5) إنصاف 6/ 446 ف 2/ 248.
(4/88)

كتاب الوقف

تعريفه:

قال شيخنا: وأقرب الحدود في الوقف أنه كل عين تجوز عاريتها (1) .
ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه عرفًا، كجعل أرضه مسجدًا، أو الإذن للناس بالصلاة فيه، أو أذن فيه وأقام (2) ونقله أبو طالب وجعفر وجماعة عن أحمد. أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، ونص عليه أحمد أيضًا. ومن قال: قريتي التي بالثغر لموالي الذين بها أولادهم صح وقفًا. ونقله يعقوب بن إسحاق بن بختان عن أحمد.
وإذا قال واحد أو جماعة: جعلنا هذا المكان مسجدًا أو وقفًا صار مسجدًا ووقفًا بذلك وإن لم يكملوا عمارته. وإذا قال كل منهم: جعلت ملكي للمسجد أو في المسجد ونحو ذلك صار بذلك حقًا للمسجد. ولو قال الإنسان تصدقت بهذا الدهن على هذا المسجد ليوقد فيه جاز. وهو من باب الوقف وتسميته وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها لا تأباه اللغة، وهو جائز في الشرع (3) .
__________
(1) إنصاف 7/ 3 وفي الاختيارات الموقوف كما يأتي ف 2/ 249.
(2) هذه الجملة أو أذن فيه وأقام في الفروع وحدها.
(3) هذا في الإنصاف ج 7/ 12.
(4/89)

ووقف الهازل ووقف التلجئة إن غلب على الوقف شبه التحرير من جهة أنه لا يقبل الفسخ فينبغي أن يصح كالعتق والإتلاف. وإن غلب عليه شبه التمليك فيشبه الهبة والتمليك. وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح (1) .
ونقل جماعة عن الإمام أحمد فيمن وقف دارًا وإن لم يحدها. قال: يصح وإن لم يحدها إذا كانت معروفة اختاره الشيخ تقي الدين. وعند الشيخ تقي الدين: لا يصح وقف منافع أم الولد في حياته (2) .
قال في المحرر: ولا يصح وقف المجهول. قال أبو العباس: المجهول نوعان: مبهم، ومعين. مثل دار لم يرها. فمنع هذا بعيد. وكذلك هبته.
فأما الوقف على المبهم فهو شبيه بالوصية له. وفي الوصية روايتان منصوصتان مثل أن يوصي لأحد هذين أو لجاره محمد وله جاران بهذا الاسم.
وقف المبهم مفرع على هبته وبيعه وليس عن أحمد في هذا منع (3) .
وينبغي أن يشترط في الواقف أن يكون ممن يمكن من تلك القربة. فلو أراد الكافر أن يقف مسجدًا منع منه (4) .
__________
(1) اختيارات ص 171 ف 2/ 249.
(2) إنصاف 7/ 9 ف 2/ 249.
(3) اختيارات ص 172 ف 2/ 249.
(4) اختيارات ص 172 ف 2/ 249.
(4/90)

شروطه:
1- المنفعة:
ولو قال الواقف: وقفت هذه الدراهم على قرض المحتاجين لم يكن جواز هذا بعيدًا. وإذا أطلق وقفًا لنقدين ونحوهما مما يمكن الانتفاع ببذله فإن منع صحة هذا الوقف فيه نظر، خصوصًا على أصلنا فإنه يجوز عندنا بيع الوقف إذا تعطلت منفعته.
وقد نص أحمد في الذي حبس فرسًا عليها حلية محرمة أن الحلية تباع وينفق منها عليها وهذا تصريح بجواز مثل هذا.
ولو وقف منفعة يملكها كالعبد الموصى بخدمته أو منفعة أمه في حياته أو منفعة العين المستأجرة فعلى ما ذكره أصحابنا لا يصح.
قال أبو العباس: وعندي ليس في هذا فقه؛ فإنه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه أو فرس يركبونه أو ريحان يشمه أهل المسجد (1) .
وطيب الكعبة حكمه حكم كسوتها، فعلم أن التطيب منفعة مقصودة؛ لكن قد يطول بقاء مدة الطيب وقد يقصر ولا أثر لذلك.
ويصح وقف الكلب المعلم والجوارح المعلمة وما لا يقدر على تسليمه.
وأقرب الحدود في الموقوف أنه كل عين تجوز إعارتها.
قال في الرعاية: وإن وقف نصف عبد صح وإن لم يسر إلى بقيته وإن كان لغيره.
__________
(1) الريحان وطيب الكعبة موجود في الإنصاف ج 7/ 12.
(4/91)

وإن أعتق ما وقفه منه أو أعتقه الموقوف عليه لم يصح عتقه ولم يسر.
وإن أعتق الواقف باقيه أو أعتقه شريكه فقد صح عتق نفسه ولم يسر إلى الموقوف.
قال أبو العباس: هذا ضعيف (1) .
وما يأخذه الفقهاء من الوقف: هل هو إجارة، أو جعالة، أو كرزق من بيت المال؟ فيه أقوال: ثالثها المختار (2) .
وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا أو أجرة؛ بل رزق للإعانة على الطاعة، وذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به والمنذور ليس كالإجارة والجعل. اهـ (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفًا على أهل الذمة: هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقييده الاستحقاق بذلك الوصف. وقال: هكذا قال أصحابنا: ويصح الوقف على أهل الذمة.
فأنكر ذلك شيخنا غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين؛ وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف، حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون
__________
(1) الاختيارات ص 170-172 ف 2/ 249.
(2) اختيارات ص 177 وفيه زيادة ف 2 /249.
(3) إنصاف 7/ 68 فيه زيادة ف 2/ 249.
(4/92)

حله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الإسلام (1) .
وأما الوقف على قبور الأنبياء. فإن كان وقفًا على بناء المساجد عليها وإيقاد المصابيح فقد تقدم حكمه وأنه معصية لا يحل الوفاء به، وأنه من عمل المشركين. والذين يقولون: إن من العلماء من وقف على مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -. يريدون بذلك أنه وقف على قبر. فهو خطأ منهم في فهم العبارة؛ فإن هذا إنما هو وقف على من بالمدينة النبوية، وليس لذلك اختصاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ جميع ما يصرفه المسلمون من الأموال في أنواع الوقف وغيره إنما هو بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (2) [7/59] .
وقال الشيخ تقي الدين: لو وقف قنديل نقد للنبي - صلى الله عليه وسلم - صرف لجيرانه قيمته. وقال في موضع آخر: النذر للقبور هو للمصالح ما لم يعلم ربه (3) .
وأما هذه الأوقاف على الترب ففيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته وكون هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه؛ إذ قد لا يدرس حفظ القرآن في بعض البلاد بسبب عدم الأسباب الحاضة عليه.
وفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله، ومن التأكل بالقرآن، وقرائته على غير الوجه المشروع، وإشغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة. فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون ذلك الفساد جاز.
فالواجب النهي عن ذلك والمنع منه وإبطاله.
__________
(1) إعلام ج4/ 184 موجود بعض معناه ف 2/ 249.
(2) مختصر الفتاوى ص 551 ف 2/ 249.
(3) إنصاف 6/ 11 ف 2/ 249.
(4/93)

وإن ظن حصول مفسدة أكثر من ذلك لم يدفع أدنى المفسدتين باحتمال أعلاهما (1) .
ويصح الوقف على النفس، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها جماعة من أصحابه (2) .
قال شيخنا: ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها: أن يريد الرجل أن يقف على نفسه بعد موته على جهات متصلة، فيقول له أرباب الحيل: أقر أن هذا المكان الذي بيدك وقف عليك من غيرك، ويعلمونه الشروط التي يريد إنشاءها فيجعلها إقرارًا، فيعلمونه الكذب في الإقرار، ويشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويحكمون بصحته. ولا يستريب مسلم أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه، فكيف يلقن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها؟! ثم إذا كان وقف الإنسان على نفسه باطلاً في دين الله فقد علمتموه حقيقة الباطل؛ فإن الله تعالى قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا بالإقرار الكاذب، فيصير المال حرامًا على من يتناوله إلى يوم القيامة. وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحًا فقد أغنى الله تعالى عن تكلف الكذب (3) .
ويصح الوقف على أم ولده بعد موته، وإن وقف على غيرها على أن ينفق عليها مدة حياته أو يكون الريع لها مدة حياته صح؛ فإن استثناء الغلة لأم ولده كاستثنائها لنفسه.
وإن وقف عليها مطلقًا فينبغي في الحال أنا إذا صححنا وقف
__________
(1) اختيارات ص 92 ف 2/ 249.
(2) اختيارات 170/249.
(3) إعلام 3/ 302 ف 2/ 249.
(4/94)

الإنسان على نفسه صح؛ لأن ملك أم ولده أكثر ما يكون بمنزلة ملكه. وإن لم نصححه فيتوجه أن يقال: هو كالوقف على العبد القن، ويتوجه الفرق بأن أم الولد لا تملك بحال. وفيها نظر.
وقد تخرج على ملك العبد بالتمليك، فإن هذا نوع تمليك لأم ولده؛ بخلاف العبد القن. فإنه قد يخرج عن ملكه فيكون ملكًا لعبد الغير.
وإذا مات السيد فقد تخرج هذه المسألة عن مسألة تفريق الصفقة؛ لأن الوقف على أم الولد يعم حال رقها وعتقها، فإذا لم يصح في أحد الحالين خرج في الحال الأخرى وجهان. وإذا قلنا: إن الوقف المنقطع الابتداء يصح فيجب أن يقال ذلك هنا. وإن قلنا لا يصح فهذا كذلك (1) .
وإذا اشترط القبول في الوقف على المعين فلا ينبغي أن يشترط المجلس؛ بل يلحق بالوصية والوكالة. فيصح معجلاً أو مؤجلاً بالقول والفعل (2) فأخذ ريعه قبول، وينبغي أنه لورده بعد قبوله كان له ذلك.
أن يقف ناجزًا، فإن علقه على شرط لم يصح. وقيل: يصح واختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق والحارثي وقال: الصحة أظهر وأحرى (3) .
والصواب الذي عليه محققو الفقهاء في مسألة الوقف على المعين إذا لم يقبل أورده أن ذلك ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولاً واحدًا. ثم إن قبل الموقوف عليه وإلا انتقل إلى من بعده،
__________
(1) اختيارات ص 172 ف 2/ 250.
(2) نسخة بدون (أو) .
(3) الإنصاف 7/ 23 ف 2/ 251.
(4/95)

كما لو مات أو تعذر استحقاقه لفوات وصف فيه؛ إذ الطبقة الثانية تتلقى من الواقف لا من الموقوف عليه (1) .
شروط الواقف:
ولا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًا خاصة، وهو ظاهر المذهب، أخذًا من قول أحمد في اعتبار القربة في أصل الجهة الموقوف عليها (2) .
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف للجند (3) .
قال شيخنا: كل متصرف بولاية إذا قيل: يفعل ما يشاء فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه وما يراه مطلقًا فشرط باطل بمخالفته الشرع، وغايته أن يكون شرطًا مباحًا وهو باطل على الصحيح المشهور، حتى لو تساوى فعلان عمل بالقرعة، وإذا قيل هنا بالتخيير فله وجه (4) .
إذا شرط الواقف لناظره أجرة فكلفته عليه حتى تبقى أجرة مثله. وقال المصنف ومن تبعه: كلفته من غلة الوقف. قيل للشيخ تقي الدين: فله العادة بلا شرط، فقال: ليس له إلا ما يقابل عمله (5) .
__________
(1) اختيارات ص 173 فروع 4/ 589 وانظر الإنصاف 7/ 26-28 هذا جزم فيه بالحكم ف 2/ 251.
(2) اختيارات 175، 176 ف 2/ 251.
(3) إنصاف 7/ 57 ف 2/ 251.
(4) فروع ج 4/ 602 ف 2/ 251.
(5) إنصاف 7/ 58 ف 2/ 251.
(4/96)

ولو وقف على آل جعفر وآل علي فهل يسوى بين أفرادهم، أو يقسم بينهم نصفين؟
قال أبو العباس: أفتيت أنا وطائفة من الفقهاء أنه يقسم بين أعيان الطائفتين. وأفتى طائفة أنه يقسم نصفين فيأخذ آل جعفر النصف وإن كانوا واحدًا وهو مقتضى أحد قولي العلماء (1) .
لو وقف على ابني أخيه يوسف وأيوب. ثم ظهر أن أيوب اسمه صالح، فشك فيه. فإن لم يكن لأخيه ابنان سواهما فحق أيوب ثابت ولا يضر الغلط في اسمه. وإن كانوا ثلاثة بنين ووقع الشك في عين الثالث أخرج بالقرعة في رواية عن أحمد (2) .
وما حصل للأسير من ريع الوقف فإنه يتسلمه ويحفظه وكيله ومن يتنقل بعده جميعًا (3) .
وأفتى تقي الدين باستحقاق الحمل من الوقف أيضًا (4) .
الثمرة للموجود عند التأبير أو بدو الصلاح.
قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول:.... ليس كذلك، لأن واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السنة كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عامًا فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة من ريع الوقف لئلا يفضي إلى أن يحضر الإنسان شهرًا مثلاً فيأخذ مغل جميع الوقف ويحضر غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة (5) فلا يستحق شيئًا
وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها. قال الشيخ تقي الدين: يستحق
__________
(1) اختيارات ص 181 ف 2/ 251.
(2) اختيارات ص 181 ف 2/ 252.
(3) اختيارات ص 182 وإنصاف 7/ 340.
(4) الإنصاف 7/ 22 ف 2/ 252.
(5) في الإنصاف العشر.
(4/97)

بحصته من مغله. وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ (1) .
ولو أقر الموقوف عليه أنه لا يستحق في هذا الوقف إلا مقدارًا معلومًا ثم ظهر شرط الواقف أنه يستحق أكثر حكم له بمقتضى شرط الواقف، ولا يمنع من ذلك إقراره المتقدم (2) .
ومن زور ولاية لنفسه بإمامة وباشر فيتوجه إن كانت ولايته شرطًا لاستحقاقه لم يستحق، وإلا خرج على صحة إمامته. وقال شيخنا: له أجر مثله، وأطلق، كمن ولايته فاسدة بغير كذبه لا ما يستحقه عدل بولاية شرعية (3) .
ومن أكل المال بالباطل قوم لهم رواتب أضعاف حاجاتهم، وقوم لهم جهات معلومها كثير يأخذونه ويستنيبون بيسير (4) .
وإذا مات شخص من مستحقي الوقف وجهل شرط الواقف صرف إلى جميع المستحقين بالسوية (5) .
وقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي وهي وقف على الحنابلة والمجتهد ليس منهم. فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له (6) .
واختار الشيخ تقي الدين فيما إذا وقف على أقرب قرابته استواء الأخ من الأب والأخ من الأبوين (7) .
__________
(1) إنصاف 7/ 84 ف 2/ 252.
(2) اختيارات ص 181 ف 2/ 252.
(3) الفروع ج 2/ 17 ف 2/ 252.
(4) اختيارات 178 ف 2/ 252.
(5) اختيارات ص 181 ف 2/ 252.
(6) إعلام ج 2/ 222، 223 ف 2/ 253.
(7) إنصاف 6/ 99 ف 2/ 253.
(4/98)

قال: ومن شرط في القربات أن يقدم فيها الصنف المفضول فقد شرط خلاف شرط الله كشرطه في الإمامة تقديم غير الأعلم. والناظر منفذ لما شرطه الواقف (1) .
وإذا شرط في استحقاق ريع الوقف العزوبة فالمتأهل أحق من العزب إذا استويا في سائر الصفات (2) .
قال شيخنا: ليس له أن يستأجر الوقف زيادة على شرط الواقف ولا يغيره لمصلحة نفسه؛ بل إذا غيره لمصلحة نفسه ألزم بإعادته إلى مثل ما كان وبضمان ما فوته من غير منفعة، وعلى ولاة الأمور إلزامه بما يجب عليه، فإن أبي عوقب بحبس وضرب ونحوه؛ فإن المدين يعاقب بذلك فكيف بمن امتنع من فعل واجب مع تقدم ظلم؟ (3) .
ومن عمر وقفًا بالمعروف ليأخذ عوضه فله أخذه من غلته (4) .
وقال شيخنا فيمن نزل عن وظيفة الإمام: لا يتعين المنزول له، ويولي من له الولاية من يستحق التولية شرعًا (5) .
ومن وقف مدرسة على مدرس وفقهاء فلناظر ثم الحاكم تقدير أعطيتهم. فلو زاد النماء فهو لهم. والحكم بتقديم مدرس أو غيره باطل ولو نفذه حكام.
وإن قيل: إن المدرس لا يزيد ولا ينقص بزيادة النماء ونقصه كان باطلاً؛ لأنه لهم والقياس أن يسوى بينهم ولو تفاوتوا في المنفعة كالإمام
__________
(1) إنصاف 7/ 56 ف 253.
(2) اختيارات ص 176 فيه التصريح بأنه أحق زائد عما في المجموع.
(3) فروع 4/ 581، 583 ف 2/ 154.
(4) اختيارات 181 ف 2/ 254.
(5) فروع 4/ 588، ف 2/ 254. وإنصاف 6/ 376 ف 2/ 254.
(4/99)

والجيش في المغنم؛ لكن دل العرف على التفضيل، وإنما قدم القيم لأن ما يأخذه أجرة؛ ولهذا يحرم أخذه فوق أجرة مثله بلا شرط (1) .
وفي الإنصاف بعد قوله باطل ولو نفذه حكام:
إذ لم نعلم أحدًا ممن يعتد به قال به ولا بما يشابهه.
وفيه أيضًا: وبطلانه لمخالفته مقتضى الشرط والعرف أيضًا. وليس تقدير الناظر أمرًا كتقدير الحاكم بحيث لا يجوز له ولا لغيره زيادته ونقصه للمصلحة (2) .
والإمام والمؤذن كالقيم؛ بخلاف المدرس والمتعبد والفقهاء فإنهم من جنس واحد (3) .
إذا جهل شرط الواقف وتعذر العثور عليه قسم على أربابه بالسوية. واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله أنه يرجع في ذلك إلى العرف والعادة وهو الصواب (4) .
ومن شرط لغيره النظر إن مات فعزل نفسه أو فسق فكموته؛ لأنه تخصيصه للغالب ذكره شيخنا (5) . ثم إن صار هو أو الوصي أهلاً عاد كما لو صرح به وكالموصوف ذكره شيخنا (6) .
ومن قدر له الواقف شيئًا أكثر منه أخذه إن استحقه بموجب الشرع. ولو عطل مغل وقف مسجد سنة تقسط الأجرة المستقبلة عليها
__________
(1) اختيارات ص 174 والإنصاف 7/ 65، 2/ 255.
(2) الإنصاف 7/ 65 ف 2/ 255.
(3) اختيارات ص 174 ف 2/ 255.
(4) إنصاف 7/ 87 ف 2/ 255.
(5) فروع 4/ 593 ف 2/ 255.
(6) فروع 4/ 595 ف 2/ 255.
(4/100)

وعلى السنة الأخرى، لأنه خير من التعطيل ولا ينقص الإمام بسبب تعطيل الزرع العام (1) .
والناظر إن لم يشترط له شيء ليس له إلا ما يقابل عمله، لا العادة.
واعتبر أبو العباس في موضع جواز أخذ الناظر أجرة عمله مع فقره، كوصي اليتيم. ولا يقدم الناظر بمعلومه بلا شرط (2) . قال: ومتى فرط سقط مما له بقدر ما فوته من الواجب (الفروع ج 4/ 595 إنصاف ج 7/ 63) .
ولا يجوز أن يولي فاسقًا في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته فكيف يولى (3) .
وإن نزل مستحق تنزيلا شرعيًا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي (4) .
وقال أيضًا: لا يجوز أن ينزل فاسق في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته فكيف ينزل (5) .
وقال شيخنا: قد تجوز الصلاة خلف من لا يجوز توليته. وليس للناس أن يولوا عليهم الفساق، وإن نفذ حكمه أو صحت الصلاة خلفه.
وقال أيضًا: اتفقت الأئمة على كراهة الصلاة خلفه، واختلفوا في صحتها، ولم يتنازعوا في أنه لا ينبغي توليته.
__________
(1) اختيارات ص 177 فيه زيادة.
(2) اختيارات ص 175 وفي الإنصاف ج 7/ 61 بعد قوله السنة الأخرى (لتقدم الوظيفة فيهما. وفيه أيضًا بسبب تعطل الزرع بعض العام ج7/ 65.
(3) اختيارات ص 175 ف 2/ 255.
(4) اختيارات ص 175 ف 2/ 255.
(5) فروع ج 4/ 601 ف 2/ 255.
(4/101)

وما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد فالإمامة لمن رضوه لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم صرفه ما لم يتغير حاله، وليس له أن يستنيب إن غاب، ولهم انتساخ كتاب الوقف والسؤال عن حاله. واحتج شيخنا بمحاسبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عامله على الصدقة مع أن له ولاية صرفها والمستحق غير معين فهنا أولى. ونصه: إذا كان متهمًا ولم يرضوا به. ونصب المستوفي الجامع للعمال المتفرقين هو بحسب الحاجة والمصلحة؛ فإن لم تتم مصلحة قبض المال وصرفه إلا به وجب. وقد يستغنى عنه لقلة العمال ومباشرة الإمام والمحاسبة بنفسه، كنصب الإمام للحاكم؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام في المدينة يباشر الحكم واستيفاء الحساب بنفسه، ويولي مع البعد. ذكره شيخنا.
وسجل كتاب الوقف من الوقف كالعادة. ذكره شيخنا (1) .
وقال أيضًا: من ثبت فسقه أو أقر متصرفًا بخلاف الشرط الصحيح عالمًا بتحريمه قدح فيه، فإما أن ينعزل أو يضم إليه أمين على الخلاف المشهور. ثم إن صار هو أو الوصي أهلاً عاد، كما لو صرح به وكالموصوف (2) .
وله الأجرة من وقت النظر فيه (3) .
ومن لم يقم بوظيفته عزله من له الولاية بمن يقوم بها إذا لم يتب الأول ويلتزم بالواجب (4) .
وإذا رحل وخلى وظيفته شاغرة فتولاها أحد ولاية شرعية ثم عاد الأول بعد مدة فليس له أن ينازعه. وإذا ذكر أن ولي الأمر أذن له أن
__________
(1) الفروع 4/ 599 فيه زيادات ف 2/ 255.
(2) إنصاف 7/ 63 وتقدم بعض هذه العبارة ف 2/ 255.
(3) إنصاف 7/ 64 ف 2/ 255.
(4) إنصاف 7/ 66 ف 2/ 255.
(4/102)

يستنيب فإنه إن كان جائزًا فهو لم يفعله، وإن لم يكن جائزًا لم ينفعه. وإذا أصر على منازعته مع علمه بالتحريم قدح في عدالته (1) .
والذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يتسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها. وعلى هذا فلهم أن يطلبوا الأجرة من المستأجر لأنه فرط. ولهم أن يطالبوا الناظر (2) .
ومأخذ الوقف المنقطع: أن الوقف هل يصح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة؟
فعلى قول من قال: لا يزال وقفًا لا يصح توقيته. وعلى قول من قال: يعود ملكًا يصح توقيته، فإن غلب جانب التحريم فالتحريم لا يتوقت؛ لأنه ليس له شريك. وإن غلب جانب التمليك فتوقيت جميعه قريب من توقيته على بعض البطون، كما لو قال: هذا وقف على زيد سنة ثم على عمرو سنة ثم على بكر سنة.
وضابط الأقوال في الوقف المنقطع: إما على جميع الورثة، وإما على العصبة، وإما على المصالح، وإما على الفقراء والمساكين منهم.
وعلى الأقوال الأربعة؛ فإما وقف، وإما ملك. فهذه ثمانية. ومنها أربعة في الأقارب. وهل يختص به فقراؤهم؟ فيصير فيهم ثمانية. والثالث عشر تفصيل ابن موسى أنه إذا رجع إلى جميع الورثة يكون ملكًا بينهم على فرائض الله؛ بخلاف رجوعه إلى العصاة قال أبو العباس: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد (3) .
وتجب عمارته بحسب البطون ذكره شيخنا. وذكر غيره: لا تجب
__________
(1) مختصر الفتاوى 606 ف 2/ 256.
(2) اختيارات 178 ف 2/ 256 وتقدم.
(3) اختيارات ص 273 ف 2/ 256.
(4/103)

كالطلق. وتقدم عمارته على أرباب الوظائف. وقال شيخنا الجمع بينهما بحسب الإمكان أولى؛ بل قد يجب (1) .
وذكر في القاعدة الثالثة والخمسين بعد المائة: أن الشيخ تقي الدين اختار فيما إذا وقف على ولده دخول ولد الولد في الوقف دون الوصية، وفرق بينهما (2) .
وإن وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته دخل فيه ولد البنين. ونقل عنه لا يدخل فيه ولد البنات، قال في الفائق: اختاره الخرقي والقاضي وابن عقيل والشيخان يعني بهما المصنف والشيخ تقي الدين (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: ذوو طبقته إخوته وبنو عمه ونحوهم، ومن هو أعلى منه عمومته ونحوهم، ومن هو أسفل منهم ولده وولد إخوته وطبقتهم (4) .
ولو قال: وقفت على أولادي ثم أولادهم الذكور والإناث ثم أولادهم الذكور وإن سفلوا فإن أحد الطبقة الأولى لو كانت بنتًا فماتت ولها أولاد فما استحقته قبل موتها فلهم.
ولو قال: ومن مات عن غير ولد فنصيبه لأخويه ثم نسلهم وعقبهم ممن لم يعقب ومن أعقب ثم انقطع عقبه.
وقول الواقف: «ومن مات من غير نسل» يعود ما كان جاريًا عليه على من هو في درجته وذي طبقته -يقدم الأقرب إلى المتوفى فالأقرب- وهو حرمان الطبقة السفلى فقط لا حرمان العليا (5) .
__________
(1) فروع 4/ 499 فيه زيادة ف 2/ 256.
(2) إنصاف 7/ 100/ 256.
(3) إنصاف 7/ 79 زيادة إيضاح.
(4) إنصاف 7/ 50 ف 2/ 256.
(5) اختيارات 180 ف 2/ 257.
(4/104)

وعنه: أزواجه من أهله ومن أهل بيته، ذكرها شيخنا. وقال: في دخولهن في آله وأهل بيته روايتان، واختار الدخول، وأنه قول الشريف (1) .
وقال الشيخ تقي الدين: فيما إذا قال: بطنًا بعد بطن ولم يزد شيئًا. هذه المسألة فيها نزاع والأظهر أن نصيب كل واحد ينتقل إلى ولده ثم إلى ولد ولده ولا مشاركة اهـ (2) .
لو وجد في كتاب الوقف أن رجلاً وقف على فلان وعلى بني بنيه واشتبه: هل المراد بني بنيه جمع أو بني بنته واحدة البنات، فقال ابن عقيل في الفنون: يكون بينهما عندنا لتساويهما كما في تعارض البينات. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: ليس هذا من تعارض البينتين؛ بل هو بمنزلة تردد البينة الواحدة. ولو كان من تعارض البينتين فالقسمة عند التعارض رواية مرجوحة وإلا فالصحيح إما التساقط، وإما القرعة. فيحتمل أن يقرع هنا. ويحتمل أن يرجح بنو البنين لأن العادة أن الإنسان إذا وقف على ولد بنته لا يخص منهما الذكور بل يعم أولادهما؛ بخلاف الوقف على ولد الذكور فإنه يخص ذكورهم كثيرًا كآبائهم، ولأنه لو أراد ولد البنت سماها باسمها أو أشرك بين ولدها وولد سائر بناته. قال: وهذا أقرب إلى الصواب (3) .
وأفتى أيضًا رحمه الله فيمن وقف على أحد أولاده وله عدة أولاد وجهل اسمه أنه يميز بالقرعة (4) .
__________
(1) فروع ج 4/ 615 ف 2/ 257.
(2) إنصاف 7/ 47 ف 2/ 257.
(3) إنصاف 7/ 52 ف 2/ 258.
(4) إنصاف 7/ 53 ف 2/ 258.
(4/105)

وقال الشيخ تقي الدين: يعطي من ليس له أب يعرف ببلاد الإسلام.
قال: ولا يعطي كافرًا (1) .
وإذا زرع البطن الأول من أهل الوقف في الأرض الموقوفة ثم ماتوا وانتقل إلى البطن الثاني كان مبقي إلى أوان جذاذه بأجرة. وقال أبو العباس في موضع آخر: تجعل مزارعة بين الزارع ورب الأرض لنموه من بذر أحدهما وبذر الآخر. وكذا الحكم في أرض الإقطاع المزروعة إذا انتقل إلى مقطع آخر والزرع قائم فيها.
وشجر الجوز الموقوف إن أدرك وإن قطعه في حياة البطن الأول فهو له. فإن مات وبقي في الأرض مدة حتى زاد كانت الزيادة حادثة من منفعة الأرض التي للبطن الثاني والأصل الذي ورث الأول، فإما أن يقسم الزيادة على قدر القسمين، وإما أن يعطي الورثة أجرة الأرض للبطن الثاني.
وإن غرسه البطن الأول من مال الوقف ولم يدرك إلا بعد انتقاله إلى البطن الثاني فهو لهم. وليس لورثة الأول فيه شيء (2) .
ومن وقف وقفًا مستقلاً ثم ظهر عليه دين ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف وهو في مرض الموت بيع باتفاق العلماء. وإن كان الوقف في الصحة فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره، ومنعه قوي.
قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع المدبر في الدين. والله أعلم.
__________
(1) إنصاف 7/ 94 ف 2/ 258.
(2) اختيارات 178 ف 2/ 258.
(4/106)

وإذا وقف الواقف وعليه دين مستغرق وأثبت عند الحاكم ولم يتعرض لصحة الوقف ولم يعلم الموقوف عليهم ثم مات الواقف فرد الموقوف إلى الموقوف عليهم وطلب أرباب الديون ديونهم ورفعت القضية إلى حاكم يرى بطلان هذا الوقف من جهة شرط النظر لنفسه وكونه يستغرق الذمة بالدين وكونه لم يخرجه من يده فهل يجوز نقضه؟ فيقال حكم الحاكم بما قامت به البينة والقضاء بموجبه والإلزام بمقتضاه لا يمنع الحاكم الثاني الذي عنده أن الواقف كانت ذمته مشغولة بالديون حين الوقف أن يحكم بمذهبه في بطلان هذا الوقف، ويصرف المال إلى الغرماء المستحقين للوفاء. فإن الحاكم الأول في وجوه هؤلاء الخصوم ونوابهم لا يتضمن حكمه عمله بهذا الفصل المختلف فيه. وإذا صادف حكمه مختلفًا فيه لم يعلمه ولم يحكم فيه جاز نقضه (1) .
لو شرط في الوقف أن يبيعه بطلا. وقيل: يبطل الشرط. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: يصح في الكل نقله عنه في الفائق (2) .
قال الشيخ تقي الدين: يجب بيعه بمثله مع الحاجة، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة. ولا يجوز بمثله لفوات التعيين بلا حاجة (3) .
وجوز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة كجعل الدور حوانيت والحكورة المشهورة.
ولا فرق بين بناء وبناء وعرصة بعرصة (4) .
__________
(1) اختيارات ص 179 فيه زيادة ف 2/ 258، 259.
(2) الإنصاف 7/ 25 واختيارات ص 182 ف 2/ 259.
(3) إنصاف 7/ 104 فيه زيادة ف 2/ 259، 260.
(4) اختيارات ص 181، 182 ف 2/ 262.
(4/107)

وإن علم أن وقفه لا يبقى دائمًا وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد (1) .
ولو جمع كفن ميت فكفن وفضل من ثمنه شيء صرف في تكفين الموتى أو رد إلى المعطي، وكلام أحمد يقتضيه (2) . وما فضل عن حاجة المسجد صرف إلى مسجد آخر؛ لأن الواقف له غرض في الجنس، والجنس واحد. وقد روى الإمام أحمد عن علي أنه حض الناس على إعطاء مكاتب في كتابته ففضل شيء عن حاجته فصرفه في المكاتبين.
وقال أبو العباس في موضع آخر: ويجوز صرفه في سائر المصالح وبناء مساكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه (3) .
ولو وقف مسجدًا وشرط إمامًا وستة قراء وقيمًا ومؤذنًا وعجز الوقف عن تكميل حق الجميع ولم يرض الإمام والمؤذن والقيم إلا بأخذ جامكية مثلهم صرف إلى الإمام والمؤذن والقيم جامكية مثلهم مقدمة على القراء؛ فإن هذا هو المقصود الأصلي (4) .
ولورثة إمام مسجد أجرة عمله في أرض المسجد كما لو كان الفلاح غيره، ولهم من مغله بقدر ما باشر مورثهم (5) .

باب الهبة والعطية

وإعطاء المرء المال ليمدح به ويثني عليه مذموم. وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه ولئلا ينسب إلى البخل مشروع؛ بل هو محمود مع النية الصالحة.
__________
(1) اختيارات ص 181 ف 2/ 262.
(2) اختيارات ص 191 ف 2/ 262.
(3) اختيارات ص 182 ف 2/ 262.
(4) اختيارات ص 181 ف 2/ 263.
(5) اختيارات ص 191 ف 2/ 263.
(4/108)

والإخلاص في الصدقة ألا يسأل عوضها دعاء من المعطي، ولا يرجو بركته وخاطره ولا غير ذلك من الأقوال، قال الله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (1) .
وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافأة من التطفيف، وقاله مقاتل، وكذا اختار شيخنا في رده على الرافضي أن من العدل الواجب مكافأة من له يد أو نعمة ليجزيه بها (2) .
وجوز الحارثي تجويزها على شرط واختاره الشيخ تقي الدين. ذكره عنه في الفائق (3) .
ولا توقيتها. وذكر الحارثي الجواز، واختاره الشيخ تقي الدين (4) .
وأن شرط رجوعها إلى المعمر بكسر الميم عند موته، أو قال هي لآخرنا موتًا صح الشرط. هذه إحدى الروايتين اختاره الشيخ تقي الدين (5) .
وإن شرط ثوابًا مجهولاً لم تصح. وعنه أنه إذا قال: يرضيه بشيء فيصح، وذكره الشيخ تقي الدين ظاهر المذهب (6) .
لا يصح الإبراء من الدين قبل وجوبه. وجزم جماعة بأنه تمليك، ومنع بعضهم أنه إسقاط وأنه لا يصح بلفظ الإسقاط، ومنع أيضًا أنه لا يعتبر قبوله، وقال: العفو عن دم العمد تمليك أيضًا. إن وجدت قضاء
__________
(1) اختيارات ص 183 فيه زيادة ف 2/ 264.
(2) فروع 4/ 638 ف 2/ 264.
(3) إنصاف 7/ 133 ف 2/ 264.
(4) الإنصاف 7/ 134 ف 2/ 264.
(5) إنصاف 7/ 133، 134، ف 2/ 264.
(6) إنصاف 7/ 117 ف 2/ 264.
(4/109)

فاقض وإلا فأنت في حل. قال في الفروع: وهذا متجه واختاره شيخنا (1) .
واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر. بخلاف البيع.
وتصح هبة المجهول كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو من وجد شيئًا من مالي فهو له. وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه.
وللمبيح أن يرجع فيما قال قبل التمليك. وهذا نوع من الهبة يتأخر القبول فيه عن الإيجاب كثيرًا وليس بإباحة (2) .
قال أبو العباس: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولاً واحدًا. وقاسه أبو الخطاب على البيع (3) .
وإن حملوا الجهاز مع البنت إلى بيتها على الوجه المعروف فهو تمليك لها. فلا تقبل دعوى أمها أن الجهاز ملكها. وليس للأم الرجوع به، ولا للأب أيضًا بعد أن تعلقت رغبة الزوج وزوجت على ذلك (4) .
ومن وهب لابنه هبة ثم تصرف فيها فادعى أنه ملكه تضمن ذلك الرجوع؛ لأنه أقر إقرارًا لا يملك إنشاءه (5) .
ومن اشترى عبدًا فوهبه شيئًا حتى أثرى، ثم ظهر أنه كان حرًا فله أن يأخذ منه ما وهبه لما كان ظانًا أنه عبده (6) .
__________
(1) إنصاف 7/130 ف 2/264.
(2) اختيارات 183 ف 2/ 264.
(3) اختيارات ص 183 وإنصاف 7/131 ف 2/265.
(4) مختصر الفتاوى ص 609 فيه زيادة ف 2/265.
(5) مختصر الفتاوى 462 ف 2/265.
(6) مختصر الفتاوى 440 ف 2/265.
(4/110)

لو تباريا وكان لأحدهما دين مكتوب فادعى استثناءه بقلبه ولم يبرئه منه قبل قوله. ولخصمه تحليفه. ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله (1) .

فصل

ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم، وهو مذهب أحمد، مسلمًا كان الولد أو ذميًا.
ولا يجب على المسلم التسوية بين أولاده من أهل الذمة، ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام والإخوة مع وجود الأب. ويتوجه في ولد البنين التسوية كآبائهم. فإن فَضَّل - حيث منعناه- فعليه التسوية أو الرد، وينبغي أن يكون على الفور. وإذا سوى بين أولاده في العطاء فليس له أن يرجع في عطية بعضهم.
والأحاديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضًا، وهو في ماله، ومنفعته التي ملكهم، والذي أباحهم كالمسكن، والطعام.
ثم هنا نوعان: نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك. فتعديله بينهم فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه. ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
ونوع يشتركون في حاجتهم إليه: من عطية أو نفقة أو تزويج فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه. وينشأ بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة: مثل أن يقضي عن أحدهم دينًا وجب عليه
__________
(1) إنصاف 7/ 130 ف 2/ 265، 264 وتقدم.
(4/111)

من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة ونحو ذلك ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر.
وتجهيز البنات بالنحل أشبه، وقد يلحق بهذا. والأشبه أن يقال في هذا: أنه يكون بالمعروف فإن زاد على المعروف فهو من باب النحل. ولو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر أنفق عليه قدر كفايته. وأما الزيادة فمن النحل. فلو كان أحد الأولاد فاسقًا فقال والده لا أعطيك نظير إخوتك حتى تتوب فهذا حسن يتعين استتابته. وإذا امتنع من التوبة فهو الظالم لنفسه، فإن تاب وجب عليه أن يعطيه. وأما إن امتنع من زيادة الدين لم يجز منعه. فلو مات الوالد قبل التسوية الواجبة فللباقين الرجوع، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن بطة وأبي حفص.
وأما الولد المفضل فينبغي له الرد بعد الموت قولاً واحدًا. وهل يطيب له الإمساك؟ إذا قلنا لا يجبر على الرد فكلام أحمد يقتضي روايتين، فقال في رواية ابن الحكم: وإذا مات الذي فُضِّل لم أطيبه له، ولم أجبره على رده. وظاهره التحريم، ونقل عنه أيضًا.
قلت: فترى على الذي فضل أن يرده؟ قال: إن فعل فهو أجود وإن لم يفعل ذلك لم أجيره. وظاهره الاستحباب.
وإذا قلنا برده بعد الموت فالوصي يفعل ذلك. فلو مات الثاني قبل الرد والمال بحاله رد أيضًا.
لكن لو قسمت تركة الثاني قبل الرد أو بيعت أو وهبت فههنا فيه نظر؛ لأن القسمة والقبض تقرر العقود الجاهلية، وهذا فيه تأويل، وكذلك لو تصرف المفضل في حياة أبيه ببيع أو هبة واتصل بهما القبض ففي الرد نظر، إلا أن هذا متصل بالقبض في العقود الفاسدة (1) .
__________
(1) اختيارات ص 184-186 فيها زيادات كثيرة. 2/ 266.
(4/112)

وللأب الرجوع فيما وهبه لولده ما لم يتعلق به حق أو رغبة، فلا يرجع بقدر الدين وقدر الرغبة، ويرجع فيما زاد.
وعن الإمام أحمد فيما إذا تصدق على ولده: هل له أن يرجع؟ فيه روايتان؛ بناء على أن الصدقة نوع من الهبة، أو نوع مستقل.
وعلى ذلك ينبني ما لو حلف لا يهب فتصدق: هل يحنث؟ على وجهين (1) .
ويرجع الأب فيما أبرأ منه ابنه من الديون على قياس المذهب، كما للمرأة على إحدى الروايتين الرجوع على زوجها فيما أبرأته به من الصداق.
ويملك الأب إسقاط دين الابن عن نفسه (2) .
ولو قتل ابنه عمدًا لزمته الدية في ماله، نص عليه الإمام أحمد وكذا لو جنى على طرفه لزمته ديته (3) .
وإذا أخذ من مال ولده شيئًا ثم انفسخ سبب استحقاقه بحيث وجب رده إلى الذي كان مالكه مثل أن يأخذ صداقها فتطلق أو يأخذ الثمن ثم ترد السلعة بعيب أو يأخذ المبيع ثم يفلس الولد بالثمن ونحو ذلك فالأقوى في جميع الصور أن للمالك الأول الرجوع على الأب.
وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء ما لم يتعلق به حق كالرهن والفلس. وإن تعلق به رغبة كالمداينة والمناكحة وقلنا يجوز الرجوع في الهبة ففي التمليك نظر.
وليس للأب الكافر تملك مال ولده المسلم، لا سيما إذا كان الولد
__________
(1) اختيارات 186 فيه زيادة ف 2/ 266.
(2) اختيارات ص 187 ف 2/ 266.
(3) اختيارات ص 187 ف 2/ 266.
(4/113)

كافرًا فأسلم، وليس له أن يرجع في عطيته إذا كان وهبه إياها في حال الكفر فأسلم الولد. فأما إذا وهبه في حال إسلام الولد ففيه نظر.
وقال أبو العباس في موضع آخر: فأما الأب والأم الكافران فهل لهما أن يتملكا من مال الولد المسلم أو يرجعا في الهبة؟ يتوجه أن يخرج فيه وجهان على الروايتين في وجوب النفقة مع اختلاف الدين؛ بل يقال: إن قلنا لا تجب النفقة مع اختلاف الدين فالتملك أبعد. وإن قلنا تجب النفقة فالأشبه ليس لهما التملك. والأشبه أنه ليس للأب المسلم أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا؛ فإن أحمد علل الفرق بين الأب وغيره بأن الأب يجوز أخذه من مال ابنه، ومع اختلاف الدين لا يجوز (1) .
والأشبه في زكاة دين الابن على الأب أن يكون بمنزلة المال التاوي كالضال فيخرج فيه ما خرج في ذلك. وهل يمنع دين الأب وجوب الزكاة والحج وصدقة الفطر والكفارة المالية وشراؤه العبد ليعتقه؟ يتوجه ألا يمنع ذلك لقدرته على إسقاطه. ويتوجه أن يمنع لأن وفاءه قد يكون خيرًا له ولولده.
وعقوبة الأم والجد على مال الولد قياس قولهم أنه لا يعاقب على الدم والعرض ألا يكون عليهما حبس ولا ضرب للامتناع من الأداء. وقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك» يقتضي إباحة نفسه كإباحة ماله، وهو نظير قول موسى عليه السلام {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} [25/5] وهو يقتضي جواز استخدامه، وأنه يجب
على الولد خدمة أبيه. ويقويه منعه من الجهاد والسفر ونحو ذلك فيما
__________
(1) اختيارات ص 187، 188، والإنصاف ص 7/ 156 وفيه زيادة توضيح لما في الاختيارات ف 2/ 267.
(4/114)

يفوت انتفاعه به؛ لكن هذا يشترك فيه الأبوان. فيحتمل أن يقال: خص الأب بالمال. وأما منفعة البدن فيشتركان فيها.
وقياس المذهب جواز أن يؤجر ولده لنفسه مع فائدة فيشتركان فيها.
وقياس المذهب جواز أن يؤجره لنفسه مع فائدة الولد مثل أن يتعلم صنعة أو حاجة للأب، وإلا فلا.
ويستثنى ما للأب أن يأخذه من سرية الابن إن لم تكن أم ولد (1) فإنها تلحق بالزوجة ونص عليه الإمام أحمد في أكثر الروايات. وعنه ألحقنا سرية العبد بزوجته في إحدى الروايتين في أن السيد لا ينتزعها (2) .
وسأله ابن منصور وغيره: يأكل من مال ابنه؟ قال: نعم، إلا أن يفسده فله القوت، ولا يصح تصرفه فيه قبل تملكه على الأصح. وقال شيخنا: ويقدح في أهليته لأجل الأذى سيما بالحبس (3) .

فصل
في تبرعات المريض

ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المخوفة. وليس الهلاك فيه غالبًا ولا مساويًا للسلامة. وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت فيضاف إليه ويجوز حدوثه عنده. وأقرب ما يقال: ما يكثر الموت منه، فلا عبرة بما يندر
__________
(1) وفي الإنصاف أن يأخذه من مال ولده سرية للابن وإن لم تكن أم ولد.
(2) اختيارات 188، 189 ف 2/ 267.
(3) فروع 4/ 652 وإنصاف 7/ 176 ف 2/ 267.
(4/115)

الموت منه. ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة؛ لكن يبقى ما ليس مخوفًا عند أكثر الناس والمريض قد يخاف منه، أو هو مخوف والرجل لم يلتفت إلى ذلك فيخلط (1) ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفًا عند جمهور الناس (2) .
ذكر القاضي: أن الموهوب له لا يقبض الهبة ويتصرف فيها مع كونها موقوفة على الإجازة. وهذا ضعيف. والذي ينبغي: أن تسليم الموهوب إلى الموهوب له لم يذهب لعلة حيث شاء.
وإرسال العبد المعتق أو إرسال المحابي لا يجوز؛ بل لا بد أن يوقف أمر التبرعات.
ويملك الورثة أن يحجروا على المريض إذا اتهموه بأنه تبرع بما زاد على الثلث: مثل أن يهب ويتصدق ويهب ويحابي ولا يحسب ذلك، أو يخافون أن يعطي بعض المال لإنسان تمتنع عطيته، ونحو ذلك. كذلك لو كان المال بيد وكيل أو شريك أو مضارب وأرادوا الاحتياط على ما بيده بأن يجعلوا معه يدًا أخرى لهم فالأظهر أنهم يملكون ذلك أيضًا.
وهكذا يقال في كل عين تعلق بها حق الغير كالعبد الجاني والتركة.
فأما المكاتب فللسيد أن يثبت يده على ماله. فيمكن الفرق بينه وبين هذا بأن العبد قد ائتمنه بدخوله معه في الكتابة؛ بخلاف المريض. وأما وكيله فإن الورثة لم يأتمنوه. ودعوى المريض فيما خرج عن العادة ينبغي أن تعتبر من الثلث. ومنافعه لا تحسب من الثلث.
__________
(1) في نسخة: فيخلص له.
(2) اختيارات 192 ف 2/ 267.
(4/116)

وإسراف المريض في الملاذ والشهوات: ذكره القاضي وجوازه محل وفاق.
وقال أبو العباس: يحتمل وجهين، ولو قال لعبده يا سالم: إذا أعتقت غانمًا فأنت حر، وقال أنت حر في حال إعتاقي إياه، ثم أعتق غانمًا في مرضه ولم يحتملهما الثلث -قياس المذهب- وهو الأوجه أن يقرع بينهما فإذا خرجت القرعة لسالم عتق دون غانم. نعم لو قال: إذا أعتقت سالمًا فغانم حر، أو قال: إذا أعتقت سالمًا فغانم حر بعد حريته. فبهذا يعتق سالم وحده؛ لأن عتق غانم معلق بوجود عتقه لا بوجود إعتاقه (1) .
ولو أوصى لوارث أو لأجنبي بزائد على الثلث فأجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي صحت الإجازة بلا نزاع. وكذلك قبله في مرض الموت. وخرجه طائفة من الأصحاب رواية من سقوط الشفعة بإسقاطها قبل البيع. وإن أجاز الوارث الوصية وقال: ظننت قيمته ألفًا فبانت أكثر قبل وكذا لو أجاز، وقال: أردت أصل الوصية (2) .
ولا تصح إجازتهم ولا ردهم إلا بعد موت الموصي. وعنه تصح إجازتهم قبل الموت في مرضه. قال في القاعدة الرابعة: الإمام أحمد شبهه بالعفو عن الشفعة فخرجه المجد في شرحه على روايتين، واختارها صاحب الرعاية والشيخ تقي الدين (3) .
قال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب: أنه ليس للإنسان يتملك من مال ابنه في مرض موت الأب ما يخلف تركة؛ لأنه بمرضه قد
__________
(1) اختيارات 191، 192 ف 2/ 267.
(2) اختيارات 193 فيه زيادة ف 2/ 267.
(3) الإنصاف 7/ 201 فيه زيادة إيضاح ف 2/ 267.
(4/117)

انقطع السبب القاطع لتملكه، فهو كما لو تملك في مرض موت الابن (1) .
ويصح معاوضة مريض بثمن مثله. وعنه مع وارث بإجازة اختاره في الانتصار؛ لفوات حقه من المعين. وقال الشيخ تقي الدين: فيمن أجر الموقوف لأجنبي كفضولي (2) .
__________
(1) إنصاف 7/ 156 ف 2/ 267.
(2) فروع 4/ 668 ف 2/ 268.
(4/118)

كتاب الوصايا

فإن جرح جرحًا موصيًا صحت توبته، والمراد مع ثبات عقله لصحة وصية عمر وعلي ... وذكر الشيخ وغيره: أن حكم من ذبح أو أبينت حشوته وهي أمعاؤه لا خرقها وقطعها فقط فهو كميت (1) .
ولا يجوز لوارثه بثلثه ولا بأكثر منه لغيره نص عليه. وفي التبصرة: يكره. وعنه: في صحته من كل ماله. نقله حنبل. ويصح على الأصح بإجازة الورثة لهما بعد موت الموصي كالرد. وعنه وقبله في مرضه خرجها القاضي أبو حازم من إذن الشفيع في الشراء، ذكره في النوادر واختاره صاحب الرعاية وشيخنا (2) .
ومن أجازها بجزء مشاع وقال: ظننت قلة المال قبل ... قال شيخنا: وإن قال: ظننت قيمته ألفًا فبان أكثر قبل، وليس نقضًا للحكم ببينة أو إقرار. قال: وإن أجاز وقال: أردت أصل الوصية قبل (3) .
ونقل حرب فيمن وصى لأجنبي وله قرابة لا يرثه محتاج يرد إلى قرابته. وذكر شيخنا رواية: له ثلثاها وللموصى له ثلثها (4) .
__________
(1) الآداب 1/ 128 ف 2/ 268، 272.
(2) فروع 4/ 661 فيه زيادة ف 2/ 269.
(3) فروع 4/ 662 ف 2/ 269. وتقدم في وصية المريض بما زاد.
(4) فروع 4/ 621 ف 2/ 269.
(4/119)

باب الموصى له

وتصح الوصية للحمل. وقياس المنصوص في الطلاق: أنها إذا وضعته لتسعة أشهر استحق الوصية إذا كانت ذات زوج أو سيد يطأ. ولأكثر من أربع سنين إن اعتزلها وهو الصواب (1) .
وإن وصف الموصى له أو الموقوف عليه بخلاف صفته مثل أن يقول: على أولادي السود وهم بيض أو العشرة وهم اثنا عشر. فههنا: الأوجه إذا علم ذلك أن يعتبر الموصوف دون الصفة. وقد يقال ببطلان الوقف والوصية كمسألة الإبهام، وقد يقال: يصح في مسألة القدر ويعطى العشرة إما بتعيين في الوصية بالقرعة في الوقف. والذي يقتضيه المذهب أن الغلط في الصفة لا يمنع الورثة صحة العقد (2) .
إذا أوصى لولده في دخول ولد بنيه حكم الوقف قاله في الفروع وغيره. وأشار الشيخ تقي الدين إلى دخولهم في الوقف دون الوصية؛ لأن الوقف يتأبد والوصية تمليك للموجودين فيختص بالطبقة العليا الموجودة (3) .
إذا أوصى أن يحج عنه بألف فقال رجل: أنا أحج بأربعمائة وجب إخراج جميع ما أوصى به إن خرج من ثلثه، وإن لم يخرج لم يجب على الورثة إخراج الزائد على الثلث؛ إلا أن يكون واجبًا بحيث لا يحصل حجة الإسلام إلا به (4) .
وإذا أوصى لأخته كل يوم بدرهم واتسع ماله كل يوم لدرهم أعطيت إن كان ثلث ماله يتسع أو أجازه الورثة. ولو لم يخلف إلا عقارًا
__________
(1) اختيارات ص 193 ف 2/ 269.
(2) اختيارات ص 193 ف 2/ 269.
(3) الإنصاف 7/ 176 ف 2/ 269 وتقدم.
(4) مختصر الفتاوى ص 417 ف 2/ 270.
(4/120)

أعطيت من مغله أقل الأمرين من ثلث المغل أو من الدراهم الموصى بها (1) .
ولو وصى بفكاك الأسرى أو وقف مالاً على فكاكهم صرف من يد الموصي ووكيله، ولوليه أن يقترض عليه ثم يوفيه منه. وكذلك في سائر الجهات.
ومن افتك أسيرًا غير متبرع جاز صرف المال إليه. وكذا لو اقترض غير الوصي ما لا فك به أسيرًا جازت توفيته منه. وما احتاج إليه الوصي في افتكاكهم من أجرة صرف من المال.
ولو تبرع بعض أهل الثغور بفدائه واحتاج الأسير إلى نفقة الإياب صرف من مال الأسرى. وكذلك لو اشترى من المال الموقوف على افتكاكهم أنفق منه عليه إلى بلوغ محله (2) .
قال أبو بكر الخلال: لو قال الموصي: أعتق عبدًا نصرانيًا فأعتق مسلمًا أو ادفع ثلثي إلى نصراني فدفعه إلى مسلم ضمن. قال أبو العباس: وفيه نظر (3) .
والأخ من الأب والأخ من الأم سواء. والأخ من الأبوين أحق منهما. وقال في الفروع: ويتوجه رواية أنه كأخيه لأبيه لسقوط الأمومة كالنكاح. قلت: واختاره الشيخ تقي الدين (4) .
قال الشيخ تقي الدين: لو جعل الكفر أو الجهل شرطًا في الاستحقاق لم يصح؛ فلو وصى لأجهل الناس لم يصح (5) .
__________
(1) مختصر الفتاوى ص 418 ف 2/ 270.
(2) اختيارات ص 193 ف 2/ 270.
(3) اختيارات ص 194 ف 2/ 270.
(4) إنصاف 7/ 244، 245 ف 2/ 270.
(5) إنصاف 7/ 237 ف 2/ 270.
(4/121)

باب الموصى به
قال أبو العباس في تعاليقه القديمة: ويظهر لي أنه لا تصح الوصية بالحمل، نظرًا إلى علة التفريق؛ إذ ليس النهي عن التفريق يختص بالبيع؛ بل هو عام في كل تفريق؛ إلا العتق وافتداء الأسرى (1) .
وتصح الوصية بالمنفعة أبدًا. ويكون تمليكًا للرقبة، ولا يستحق الورثة منه شيئًا. وإن قصد مع ذلك إبقاء الرقبة للورثة والإيصاء بها لآخر بطلت؛ لامتناع أن تكون المنافع كلها لشخص والرقبة لآخر ولا سبيل لترجيح أحد الأمرين فيبطلان.
أما إن وصى في وقت بالرقبة لشخص وفي وقت بالمنافع لغيره فهو كما لو وصى بعين لاثنين في وقتين (2) .
إذا نمى الموصى به بوقفه بعد الموت وقبل إيقافه فأفتى الشيخ تقي الدين بأن يصرف مصرف الوقف؛ لأن نماءه قبل الوقف كنمائه بعده (3) .
إذا نقص الموصى به في سعر أو صفات فقال في «المحرر» : إن قلنا بملكه بعد الموت اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدنى صفاته من يوم الموت إلى القبول. وإن قلنا بملكه من حين القبول اعتبرت قيمته يوم القبول سعرًا وصفة. اهـ قال في القواعد: والمنصوص عن الإمام أحمد في رواية ابن منصور وذكره الخرقي أنه تعتبر قيمته يوم الوصية ولم يحك في المغني فيه خلافًا، فظاهره أنه تعتبر قيمته بيوم الموت على الوجوه كلها. قال الشيخ تقي الدين: هذا قول الخرقي وقدماء الأصحاب. قال: وهذا أوجه من كلام المجد (4) .
__________
(1) اختيارات ص 194 ف 2/ 270.
(2) اختيارات ص 194 ف 2/ 270.
(3) إنصاف 7/ 208 ف 2/ 270.
(4) إنصاف 7/ 209 ف 2/ 270.
(4/122)

وفي دخول المتجدد بعد الوصية وقبل موت الموصي روايتان. وذكر القاضي فيمن وصى لمواليه وله مدبرون وأمهات أولاد أنهم يدخلون، وعلل بأنهم أموال حال الموت، والوصية تعتبر بحال الموت وخرج الشيخ تقي الدين على الخلاف في المتجدد بين الوصية والموت قال: بل هنا متجدد بعد الموت فمنعه أولى (1) .

الموصى إليه
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله فيمن أوصى إليه بإخراج حجة أو ولاية إخراجها والتعيين للناظر الخاص إجماعًا. وأن للولي العام الاعتراض لعدم أهليته أو فعله محرمًا (2) .
ويجب على الوصي تقديم الواجب على المتبرع به، فلو وصى بتبرعات لمعين أو غير معين فمنع الورثة أو جحدوا الدين. قال أبو العباس: أفتيت بأن الوصي يخرج الدين مما قدر عليه مقدمًا على الوصية. وإن اعتقد الورثة أنه نصيب الوصية. وليس هذا مثل غصب المشاع.
وإذا قال: اصنع في مالي ما شئت أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت ونحو ذلك من ألفاظ الإباحة لا الأمر. قال أبو العباس: له أن يخرج ثلثه وله ألا يخرجه فلا يكون الإخراج واجبًا ولا محرمًا، بل هو موقوف على اختيار الوصي.
ولو قال: يدفع هذا إلى يتامى فلان فإقرار بقرينة، وإلا فوصية.
ويجوز للوصي صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عينها الموصي (3) .
__________
(1) إنصاف 7/ 231 ف 2/ 270.
(2) إنصاف 7/ 387 ف 2/ 271.
(3) اختيارات ص 193 ف 2/ 271.
(4/123)

كتاب الفرائض

أركان الإرث، وأسبابه، وموانعه

وذكر الشيخ في فتاويه: إن خرجت حشوته ولم تبن ثم مات ولده ورثه.
وإن أبينت فالظاهر يرثه؛ لأن الموت زهوق النفس وخروج الروح ولم يوجد. ولأن الطفل يرث ويورث بمجرد استهلاله وإن كان لا يدل على حياة أثبت من حياة هذا.
وقد ذكر الشيخ في ميراث الحمل أن الحيوان يتحرك بعد ذبحه شديدًا وهو كميت (1) .
أسباب التوارث: رحم، ونكاح، وولاء عتق إجماعًا.
وقد ذكر عند عدم ذلك كله موالاته، ومعاقدته، وإسلامه على يديه، والتقاطه، وكونهما من أهل الديوان. وهو رواية عن أحمد (2) .
وقيل يرث عبد سيده عند عدم الورثة واختاره الشيخ تقي الدين (3) .
ولو قال السيد لعبده: أنت حر مع موت أبيك ورثه لسبق الحرية الإرث.
__________
(1) الآداب ج 1/ 128 ف 2/ 272.
(2) اختيارات 195 فروع ج 5/ 3 وقال: اختاره شيخنا ف 2/ 272.
(3) إنصاف 7/ 303 ف 2/ 272.
(4/125)

وإن قال: أنت حر عقب موته أو إذا مات أبوك فأنت حر فهذا يتخرج على وجهين؛ بناء على أن الأهلية إذا حدثت مع الحكم هل يكفي ذلك، أم لا بد من تقدمها (1) ؟
وعنه: أنها عصبة ولد الزنا والمنفي بلعان: اختاره أبو بكر والشيخ تقي الدين وصاحب الفائق (2) .
والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى الضمان (3) .
وفي رد شيخنا على الرافضي: أن آية المواريث لم تشمله - صلى الله عليه وسلم -، واحتج بالسياق قبلها وبعدها. فقيل له: فلو مات أحد من أولاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ورثه كما ماتت بناته الثلاث في حياته ومات ابنه إبراهيم؟ فقال: الخطاب في الآية للموروث دون الوارث فلا يلزم إذا دخل أولاده في كاف الخطاب لكونهم مورثين أن يدخلوا إذا كانوا وارثين.
فقيل له: ففي آية الزوجين قال: {وَلَكُمْ} {وَلَهُنَّ} فقال: لم تمت إلا خديجة بمكة قبل نزولها وزينب الهلالية بالمدينة، ومن أين يعلم أنها كانت نزلت وأنها خلفت مالاً. ثم لا يلزم من شمول أحد الكافين له شمول الأخرى (4) .
__________
(1) عبارة الإنصاف: ولو وجدت الحرية عقب موت الموروث أو معه كتعليق العتق على ذلك أو دين ابن عمه ثم مات لم يرث ذكره القاضي وصاحب المغني. وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يخرج على الوجهين فيما إذا حدثت الأهلية مع الحكم هل يكتفى بها أو يشترط تقدمها. (إنصاف 7/ 345 ف 272) .
(2) إنصاف 7/ 309 ف 2/ 272.
(3) اختيارات 196 فيه زيادة ف 2/ 272، 276.
(4) فروع 5/ 163، 164 ف 2/272.
(4/126)

الجد والإخوة
والجد يسقط الإخوة من الأم إجماعًا، وكذا من الأبوين أو الأب، وهي رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو مذهب الصديق وغيره من الصحابة رضي الله عنهم (1) .

أحوال الأم
والإخوة لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس إلا إذا كانوا وارثين غير محجوبين بالأب، فللأم في مثل أبوين وأخوين الثلث (2) .

الجدات
ولا يرث غير ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وإن علون أمومة وأبوة. إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم (3) .

التعصيب
ويرث مولى من أسفل عند عدم الورثة، وقاله بعض العلماء: فيتوجه من ذلك أنه ينفق على المنعم ومنقطع السبب عصبة عصبة أمه، وإن عدمته فعصبتها، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار أبي بكر، وقول ابن مسعود وغيره (4) .
باب الرد
ولو خلفت المرأة زوجًا وبنتًا وأمًا. فهذه الفريضة تقسم على أحد
__________
(1) الاختيارات 197 والإنصاف 7/ 305، 306 ف 2/ 272.
(2) الاختيارات ص 197 ف 2/ 273.
(3) الاختيارات ص 195 فيه زيادة إيضاح ومثال ف 2/ 273.
(4) الاختيارات ص 195 والإنصاف 7/ 303 ف 2/ 274.
(4/127)

عشر للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان. وهذا على قول من يقول بالرد كأبي حنيفة وأحمد.
وعلى قول من لا يقول بالرد كمالك والشافعي فيقسم عندهم على اثني عشر سهمًا: للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة، وللأم سهمان والباقي لبيت المال (1) .

ميراث ذوي الأرحام
يورث ذوي الأرحام جمهور السلف وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وطوائف من أصحاب الشافعي. وقول مالك إذا فسد بيت المال.
والقول الثاني: يرث بيت المال، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية (2) .

الغرقى ومن عمي موتهم
وخرج أبو بكر ومن بعده منع توارث بعضهم من بعض. وهذا التخريج من المصنف عن الإمام أحمد رحمه الله فيما إذا اختلف ورثة كل ميت في السابق منهما ولا بينة، واختاره المصنف والمجد وحفيده الشيخ تقي الدين (3) .

ميراث أهل الملل
قال ابن القيم رحمه الله: (فصل) وأما توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثير منهم إلى أنه لا يرث، كما لا يرث الكافر المسلم، وهذا هو المعروف عن الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت
__________
(1) اختيارات 197 ف 275 وهي موجودة في ج 31 ص 338 لكن لم تفهرس هناك.
(2) مختصر الفتاوى 421 وهذا اللفظ غير موجود فيه.
(3) الإنصاف 7/ 345 ف 2/ 275 فيه زيادة.
(4/128)

طائفة منهم: بل يرث المسلم الكافر دون العكس. وهذا قول معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا، كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نسائنا.
قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورثون (1) .
وأما أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث المسلم الكافر» المراد به الحربي؛ لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي، إلى أن قال:
قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأن المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي أن الاعتبار في الإرث بالمناصرة، والمانع هو المحاربة.
إلى أن قال: فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك عقيل لنا من دار» .
قال الشيخ: وهذا الحديث قد استدل به طوائف على مسائل فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في الحديث أنه باعها.
إلى أن قال ابن القيم: وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة: وهي توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، وتوريث المعتق عبده بالولاء، وتوريث المسلم قريبه الذمي، وهي مسألة نزاع بين الصحابة
__________
(1) ويأتي في الاختيارات زيادة.
(4/129)

والتابعين. وأما المسألتان الأخيرتان فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع؛ بل المنقول عنهم التوريث.
قال شيخنا: والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع؛ فإن المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة: بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم، وأموالهم، وفداء أسراهم (1) .
وقال الشيخ تقي الدين: يرث المسلم من قريبه الكافر الذمي؛ لئلا يمتنع قريبه من الإسلام، ولوجوب نصرتهم ولا ينصروننا (2) .
وعند شيخنا يرث (المنافق) ويورث؛ لأنه عليه السلام لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ولا جعله فيئًا، فعلم أن الميراث مداره على النظرة الظاهرة. قال: واسم الإسلام يجري عليهم في الظاهر (ع) وعند شيخنا وغيره قد يسمى من فعل بعض المعاصي منافقًا (3) .
والمرتد إذ قتل في ردته أو مات عليها فماله لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو المعروف عن الصحابة، ولأن ردته كمرض موته.
والزنديق منافق يرث ويورث، لأنه عليه السلام لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ... (4) .

ميراث المطلقة

ومن طلق امرأته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث ورثته إذا كان الطلاق رجعيًا إجماعًا. وكذا إن كان بائنًا عند جمهور أئمة
__________
(1) أحكام أهل الذمة ص462، 463، 465، 467، 474 ف 2/ 275.
(2) الإنصاف 7/345، والاختيارات 196 ف 2/ 275.
(3) فروع 5/ 53 ف 2/ 275.
(4) الاختيارات 196 ف 2/ 275 والإنصاف 7 / 527.
(4/130)

الإسلام، وقضى به عمر رضي الله عنه ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا، وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير. وعلى قول الجمهور فهل تعتد عدة طلاق أو وفاة أو أطولهما؟ فيها أقوال: أظهرها الثالث. وهل يكمل لها المهر، فيه قولان أظهرهما أنه يكمل (1) .
ولو تزوج في مرض موته مضارة لتنقيص إرث غيرها وأقر به ورثته، لأن له أن يوصي بالثلث (2) .
ولو وصى بوصايا أخر أو تزوجت المرأة بزوج ليأخذ النصف فهذا الموضع فيه نظر؛ فإن المفسدة هي في هذا (3) .
الإقرار بمشارك في الميراث
ولو أخبر واحد من الورثة بالفراش أو النسب والباقون لم يصدقوه ولم يكذبوه ثبت النسب، وهذا ظاهر قول الإمام أحمد، وظاهر الحديث؛ فإن الإمام أحمد قال: إذا أقر وحده ولم يكن أحد يدفع قوله.
وعلى هذا، فلو رد هذا النسب من له فيه حق قبل منه وارثًا كان أو غير وارث على ظاهر كلامه (4) .

ميراث القاتل والمبعض
والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى عنه الضمان (5) .
__________
(1) اختيارات 197 فيه زيادة ف 2/ 275.
(2) فروع 5/ 48، اختيارات 196 ف 2/ 275.
(3) اختيارات 196 والفروع 5/ 48 وعبارته: فإن المفسدة إنما هي في هذا ف 2/ 275.
(4) اختيارات ص 198 ف 2/ 276.
(5) اختيارات ص 196 فيه زيادة ف 2/ 276 وتقدم في الموانع.
(4/131)

ظاهر كلام المصنف أن إرث المعتق له خاصة وهو صحيح، وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب قاله الشيخ تقي الدين (1) .

باب العتق

لو قال: أنت حر بمائة أو بعتك نفسك بمائة. فقبل: عتق ولزمته المائة وإلا فلا.
وإن لم يقبل لم يعتق عند الأصحاب وقطعوا به. وخرج الشيخ تقي الدين وجهًا أنه يعتق بغير شيء، كما لو قال لها: أنت طالق بألف (2) .
ولو وصى بعبده ثم دبره، ففيه وجهان: أشهرهما أنه رجوع عن الوصية. والثاني: ليس برجوع. فعلى هذا فائدة الوصية به أنه لو أبطل تدبيره بالقول لا يستحقه الموصى له. ذكره في «المغني» . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: ينبني على أن التدبير هل هو عتق بصفة أو وصية. فإن قلنا هو عتق بصفة قدم على الموصى به وإن قلنا: هو وصية فقد ازدحمت وصيتان في هذا العبد فينبني على الوصايا المزدحمة إذا كان بعضها عتق هل تقدم أم يتحاص العتق وغيره على روايتين: فإن قلنا بالمحاصة فهو كما لو دبر نصفه ووصى بنصفه، ويصح ذلك على المنصوص. اهـ (3)
« ... فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة» ، قال شيخنا: وتزويجه بها، وعتقه من انعقد سبب حريتها أفضل، ويتوجه في الثانية عكسه (4) .
__________
(1) الإنصاف 7/ 437 ف 2/ 276.
(2) الإنصاف 7/ 437 ف 2/ 276.
(3) الإنصاف 7/ 437 ف 2/ 276.
(4) فروع ج 5/ 77 ف 2/ 276.
(4/132)

وإذا أعتقت جاريتها ونيتها أن تعتقها إذا كانت مستقيمة فبانت زانية جاز لها بيعها، وإن أعتقتها مطلقًا لزمها (1) .
قال شيخنا فيمن عتق برحم: لا يملك بائعه استرجاعه لفلس مشتر (2) .
وإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو موسر عتق نصيبه، ويعتق نصيب شريكه بدفع القيمة، وهو قول طائفة من العلماء. وإن كان معسرًا عتق كله واستسعى العبد في باقي قيمته، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه.
والمالك إذا استكره عبده على الفاحشة عتق عليه، وهو أحد القولين في المذهب.
وقال بعض السلف: يبنى على القول بالعتق بالمثلة (3) .
وإذا استكره أمة امرأته على الفاحشة عتقت وغرم مثلها لسيدتها، وقاله الإمام أحمد في رواية إسحاق؛ بخبر سلمة بن المحبق. وكذا أمة غير امرأته، وإلا أن يفرق بين أمة امرأته وغيرها بفرق شرعي، وإلا فموجب القياس التسوية. وإن لم يكرهها لم تعتق وضمنها لسيدتها.
ومن مثل بعبد غيره يتوجه أن يعتق عليه، ويضمن قيمته لسيده، كما دل عليه حديث المستكره لأمة امرأته؛ فإنه يدل على أن الاستكراه تمثيل، وأن التمثيل يوجب العتق ولو بعبد الغير. ويدل أيضًا على أن من تصرف بملك الغير على وجه يمنعه من الانتفاع به فإن له المطالبة بقيمته. قال أبو العباس: ما أعرف للحديث وجهًا إلا هذا (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى 552 ف 2/ 276.
(2) فروع 5/ 81 ف 2/ 277.
(3) قوله: والمالك إلى قوله بالمثلة. هذان السطران من الإنصاف ج7/ 407.
(4) اختيارات ص198، 199 فيه زيادة واختصار ف 2/ 276.
(4/133)

قال شيخنا في مسلم بجيش ببلاد التتار أبى بيع عبده وعتقه ويأمره بترك المأمور وفعل المنهي فهروبه منه إلى بلاد الإسلام واجب؛ فإنه لا حرمة لهذا ولو كان في طاعة المسلمين، والعبد إذا هاجر من أرض الحرب فهو حر.
وقال: ولو لم تلائم أخلاق العبد أخلاق سيده لزمه إخراجه من ملكه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فما لا يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله» (1) .
وأطلق الخرقي وكثير من الأصحاب أن الولاء للمعتق. قال أبو العباس: بناء على أنه يشترط دخول الكفارة ونحوها في ملك من ذلك عليه (2) .
والعبد الذي يعتق من مال الفيء والمصالح يحتمل أن يقال: لا ولاء عليه لأحد، بمنزلة عبد الكافر إذا أسلم وهاجر. ويحتمل أن يقال: الولاء عليه للمسلمين.
وعلى هذا فإذا اشترى السلطان رقيقًا ونقد ثمنه من بيت المال ثم أعتقه كان الملك فيه ثابتًا للمسلمين، ولا يكون لأحد عليه ولاية، مع عدم نسب لهم في بيت المال؛ لأن ولاءه إما لبيت المال استحقاقًا أو لكونه لا وارث له فيوضع ماله في بيت المال، وليس ميراثه لورثة السلطان؛ لأنه اشتراه بحكم الوكالة، لا بحكم المالك. ولو احتمل أن يكون اشتراه لنفسه وأن يكون اشتراه للمسلمين حمل تصرفه على الجائز وهو شراؤه للمسلمين دون الحرام وهو شراؤه لنفسه من بيت المال وهو ممتنع. ولو عرف أنه اشتراه لنفسه من بيت مال المسلمين حكم بأن
الملك للمسلمين، لا له؛ لأن له ولاية الشراء للمسلمين من بيت مالهم
__________
(1) فروع 5/ 704 ف 2/ 276.
(2) الزركشي ج 4/ 552 ف 2/ 276.
(4/134)

فإذا اشترى بمالهم شيئًا كان لهم دونه، ونية الشراء لنفسه بمالهم محرمة فتلغى ويصير كأن العقد عري عنها (1) .

المكاتب
والأشبه بالمذهب صحة الخيار والكتابة. ولو قيل بصحة شرط الخيار في الكتابة لم يبعد. وأما شرط الخيار في التعليقات فلا.
ويجوز شرط وطء المكاتبة، ونص عليه الإمام أحمد.
ويتوجه على هذا جواز وطئها بلا شرط بإذنها. وعلى قياس هذا يجوز أن يشترط الراهن وطء المرتهنة (2) .
وذكر القاضي أن العبد المكاتب له الخيار على التأبيد، بخلاف سيده. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: وفي هذا نظر (3) .
وقال في الفائق: ولو أدى ثلاثة أرباعه وعجز عن ربعه لم يعتق في أحد الوجهين، واختاره الشيخ تقي الدين (4) .

أم الولد
ولا تعتق أم الولد إلا بموت سيدها. ويجوز لسيدها بيعها، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهل للخلاف في جواز بيعها شبهة؟ فيه نزاع، والأقوى أن له شبهة. وينبني عليه ما لو وطئ الجارية معتقدًا تحريمه: هل يلحقه النسب، أو يرجم رجم المحصن؟ أما التعزير فواجب (5) .
__________
(1) اختيارات 199، 200 ف 2/ 276 وتقدم الحكم فيها إذا وصى بعبده ثم دبره.
(2) اختيارات ص 199 ف 2/ 277.
(3) الإنصاف 7/ 475 ف 2/ 277.
(4) الإنصاف 7/ 479 ف 2/ 277.
(5) اختيارات ص 200 والإنصاف ف 7/ 495 ف 2/ 277.
(4/135)

نص الإمام أحمد فيمن اشترى جارية حاملاً من غيره فوطئها أن الولد لا يلحق بالواطئ ولكن يعتق عليه؛ لأن الماء يزيد في الولد، ونقل صالح وغيره يلزمه عتقه، قال الشيخ تقي الدين: يستحب ذلك، وفي وجوبه خلاف في مذهب أحمد وغيره.
وقال أيضًا: يعتق ويحكم بإسلامه، وأنه يسري كالعتق، ولا يثبت نسبه.
قلت: قال في «الفنون» : يجوز بيعها؛ لأنه قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة وإجماع التابعين لا يرفعه، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله. قال في الفائق: وهو الأظهر (1) .
وإذا اشترى أم ولد ثم وطئها فهل هذا البيع شبهة في الوطء؟ فيه نزاع والأقوى أنه شبهة فيلحقه الولد، وترد إلى سيدها، لأن عند الأئمة الأربعة لا يجوز بيعها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا، ورجل استعبد محررًا» فالرجل الأول يؤم القوم وهم يكرهونه لفسقه أو بدعته فليس له أن يؤمهم، ولو كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم يسغ له أن يؤمهم، لأن في ذلك منافاة لمقصود الصلاة جماعة. وأما الرجل الذي يأتي الصلاة دبارًا: فهو الذي يفوته الوقت. والذي استعبد محررًا: هو الذي يستعبد الحر مثل أن يعتق عبدًا ويجحده، أو يقهره على العبودية فلا تقبل صلاة هؤلاء؛ لأنهم أتوا بذنب يقاوم فعل الصلاة فصار عقاب هذا يقاوم ثواب هذا؛ لأن الأول أدخل عليهم في الصلاة ما يقاوم صلاته. والثاني أخرج الصلاة عن وقتها فعليه إثم التأخير فدخل في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [5/107] .
__________
(1) الإنصاف 7/ 494، والفروع فيه زيادة ف 2/ 277.
(4/136)

والثالث: يمنع عبد لله أن يجعل نفسه عبد الله، وجعله عبدًا لنفسه، فأي ذنب مثل هذا؟ فلا يقبل لهم صلاة؛ إذ الصلاة المقبولة هي التي يقبلها الله من عبده ويثيب عليها.
ومن وطئ جارية امرأته وتعلق بالحديث الذي فيه عن الحسن، عن عوف، عن أبي الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: في رجل وقع على جارية امرأته؟ فقال: «إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي جاريته وعليه مثلها» فهذا الحديث في «السنن» ، وليس من الأحاديث الواهية. وبعض الناس ضعفه لأن رواته غير مشهورين بالحديث، ولأنه يخالف الأصول من جهة عتق الموطوءة وجعلها للواطئ. وبعضهم رآه حديثًا حسنًا وحكي ذلك عن أحمد وإسحاق، وقالوا: إنه موافق للأصول؛ لأنه يجري مجرى إفسادها على سيدها؛ فإنها إذا طاوعته فقد عطل عليها بذلك نفعها واستخدامها، وإذا أتلف مال غيره ومنع مالكه من التصرف فيه عادة مثل أن يجوع مركوب الحاكم ونحوه مما لا يكون مركوبه عادة، فإنه في مذهب مالك ومن تبعه يصير له وعليه القيمة لمالكه، فوطء الأمة من هذا الباب.
وإذا استكرهها فهو مثل التمثيل بها، ومن مثل بعبده عتق عليه عند مالك وأحمد.
وكذا من جعل استكراه المملوك على التلوط به من هذا الباب؛ فإذا وطئها فقد أتلفها ولزمته القيمة وتصير له، ولأجل أن في استكراهها شبهة تمثيله بها عتقت عليه.
وقوله: «وعليه مثلها» في الموضعين فهو مبني على أن الحيوان هل يضمن بالمثل، أو بالقيمة؟ على قولين للفقهاء الشافعية والحنبلية. فهذا الحديث جار على هذه الأصول.
ولا يملك السيد نقل الملك في أم الولد لا في حياته ولا بعد
(4/137)

موته، ولا يجوز وقفها ولا هبتها ولا غيره. ولا نزاع أنه يجوز له استخدامها ووطئها. وفي جواز إجارتها وتزويجها نزاع: يجوز عند أحمد وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. والآخر لا يجوز التزويج.
وله قول ثالث: يجوز برضاها، ومالك لا يجوز إجارتها ولا تزويجها.
وإذا سأل فقال: إذا وقفها فهل تكون الدية إذا قتلت وقفًا؟ فيه مغالطة للمفتي لأنه كان ينبغي أن يقال: فهل يصح وقفها، أم لا؟ وعلى التقديرين: ما يكون حكمها؟ فينبغي أن يعزر هذا المستفتي تعزيرًا يردعه فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أغلوطات المسائل. والله أعلم (1) .
__________
(1) مختصر الفتاوى 611، 612 فيها زيادات 611، 612، وآخرها في الفروع أيضًا ج6/ 429 ف 2/ 277.
(4/138)

كتاب النكاح

قال الشيخ تقي الدين: معناه في اللغة الجمع والضم على أكمل الوجوه، فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين. وإن كان اجتماعًا بالعقود فهو الجمع بينهما على الدوام واللزوم؛ ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه. اهـ (1) .
هل المعقود عليه الملك، أو الاستباحة، وهل هو ملك منفعة البضع، أو ملك الانتفاع بها؟ وقيل: بل هو الحل لا الملك؛ ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزوجة مع أنه لا ملك لها. وقيل: المعقود عليه الازدواج كالمشاركة؛ ولهذا فرق سبحانه بين الازدواج وملك اليمين، وإليه ميل الشيخ تقي الدين؛ فيكون من باب المشاركات لا المعاوضات (2) .
والنكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء، وفي النهي لكل منهما (3) .
وقال شيخنا: في الإثبات لهما، وفي النهي لكل منهما، بناء على أنه إذا نهي عن شيء نهي عن بعضه، والأمر به أمر بكله في الكتاب والسنة والكلام (4) .
__________
(1) الإنصاف 8/ 3، 4 ف 2/ 227.
(2) الإنصاف 8/ 4 ف 2/ 277.
(3) اختيارات 200 ف 2/ 277.
(4) فروع 5/ 145 ف 2/ 277.
(4/139)

فإذا قيل مثلاً: انكح ابنة عمك كان المراد العقد والوطء، وإذا قيل: لا تنكحها تناول كل واحد منهما (1) .
والإعراض عن الأهل والأولاد ليس مما يحبه الله ورسوله، ولا هو دين الأنبياء قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [38/13] (2) .
قال أحمد في رواية أبي داود: إذا خاف العنت أمرته أن يتزوج، وإذا أمره والده أمرته أن يتزوج. وقال في رواية جعفر: والذي يحلف بالطلاق أنه لا يتزوج أبدًا؟ قال: إن أمره أبوه تزوج. قال الشيخ تقي الدين: كأنه أراد الطلاق المضاف إلى النكاح. أو أنه كان مزوجًا فحلف ألا يتزوج أبدًا سوى امرأته. وقال في رواية المروذي: إن كان الرجل يخاف على نفسه ووالداه يمنعانه من التزوج فليس لهم ذلك (3) .
وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخشي العنت بتركه قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف قدم الحج، ونص الإمام أحمد عليه في رواية صالح وغيره، واختاره أبو بكر. وإن كانت العبادات فرض كفاية كالعلم والجهاد قدمت على النكاح إن لم يخش العنت (4) .
وإذا طلب العبد النكاح أجبر السيد في مذهب أحمد والشافعي في أحد قوليه على تزويجه؛ لأنه كالإنفاق عليه. وتزويج الأمة إذا طلبت النكاح من كفء واجب باتفاق العلماء، وصح قوله عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» واستطاعة النكاح هي القدرة على المؤونة ليس القدرة على الوطء؛ فإن الحديث
__________
(1) الإنصاف 8/ 655 ف 2/ 277.
(2) اختيارات 200 ف 2/ 277.
(3) الآداب ج504 ف 2/ 277.
(4) اختيارات 201 ف 2/ 277.
(4/140)

إنما هو خطاب للقادر على فعل الوطء، ولهذا أمر من لم يستطع الباءة بالصوم فإنه له وجاء (1) .
القسم الثاني من لا شهوة له ... وحكي عنه: يجب. قال الشيخ تقي الدين: كلام صاحب المحرر يدل على أن رواية وجوب النكاح منفية في حق من لا شهوة له (2) .
قال الشيخ تقي الدين: وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز (3) .
ولا يجوز للمرأة أن تظهر على أجنبي ولا رقيق غير ملكها، ولو كان خصيًا -وهو الخادم- فليس له النظر إليها؛ لأنه يفعل مقدمات الجماع، ويذكر بالرجال وله شهوة وإن كان لا يحبل. وأما مملوكها ففيه قولان: أحدهما: أنها معه كالأجنبي وهو قول أبي حنيفة والمشهور عن أحمد. والثاني: أنه محرم وهو قول الشافعي وقول لأحمد (4) .
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: ظاهر كلام الإمام أحمد والقاضي كراهة نظرها إلى وجهه ويديه وقدميه، واختار الكراهة (5) .
ويحرم النظر بشهوة إلى النساء والمردان، ومن استحله كفر إجماعًا.
ويحرم النظر مع خوف ثوران الشهوة وهو منصوص عن الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله.
ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وقال: لا أنظر بشهوة كذب في دعواه، وقاله ابن عقيل.
__________
(1) مختصر الفتاوى ص432 ف 2/ 277.
(2) الإنصاف 8/ 8 ف 2/ 277.
(3) الآداب ج 1/ 316 ف 2/ 278.
(4) مختصر الفتاوى 32 ف 2/ 278.
(5) الإنصاف 8/ 26 ف 2/ 278.
(4/141)

وكل قسم متى كان معه شهوة كان حرامًا بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع بنظر أو نظر لشهوة الوطء. واللمس كالنظر وأولى (1) .
فتصافح المرأة المرأة، والرجل الرجل، والعجوز والبرزة، غير الشابة فإنه تحرم مصافحتها للرجل ذكره في الفصول والرعاية. وقال ابن منصور لأبي عبد الله: تكره مصافحة النساء؟ قال: أكرهه. قال إسحاق بن راهويه كما قال. وقال محمد بن عبد الله بن مهران: إن أبا عبد الله سئل عن الرجل يصافح المرأة؟ قال: لا، وشدد فيه جدًا قلت: فيصافحها بثوبه؟ قال: لا.
قال رجل: فإذا كان ذا محرم؟ قال: لا. قلت: ابنته؟ قال: إذا كانت ابنته فلا بأس.
فهاتان روايتان في تحريم المصافحة، وكراهتها للنساء، والتحريم اختيار الشيخ تقي الدين وعلل بأن الملامسة أبلغ من النظر (2) .
وتحرم الخلوة بغير محرم ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد وذكره ابن عقيل وابن الجوزي (3) .
وتحرم الخلوة بأمرد حسن، ومضاجعته كالمرأة الأجنبية، ولو لمصلحة التعليم والتأديب، والمقر ليتيمه أو وليه عند من يعاشره لذلك فهو ملعون ديوث. ومن عرف بمحبتهم أو معاشرتهم منع من تعليمهم (4) .
ولا تترك المرأة تذهب حيث شاءت (5) .
__________
(1) اختيارات 200، 201 ف 2/ 278.
(2) الإنصاف 8/ 8 ف 278.
(3) الآداب ج 2/ 257، والفروع 5/ 157، ف 2/ 278.
(4) اختيارات 201 والإنصاف 8/ 31 ف 2/ 278.
(5) اختيارات 201 والإنصاف 8/ 31 ف 2/ 278.
(4/142)

وقال الشيخ تقي الدين: وينبغي أن يكون النظر بعد العزم على نكاحها وقبل الخطبة (1) .
نقل يعقوب بن بختان عن أحمد أنه قال: لا ينبغي للخاطب إذا خطب لقوم أن يقبل لهم هدية.
قال أبو العباس: هذا خاطب الرجل؛ لأن المرأة لا تبذل وإنما الزوج هو الذي يبذل (2) .
واختار شيخنا التحريم، قال: وهو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر. قال: ورخص فيه بعض المتأخرين (3) .
ويباح التصريح والتعريض من صاحب العدة فيها إن كانت المعتدة ممن يحل له التزوج بها في العدة كالمختلعة، فأما إن كانت ممن لا يحل له إلا بعد انقضاء العدة كالمزني بها والموطوءة بشبهة فينبغي أن يكون كالأجنبي.
والمعتدة باستبراء كأم الولد أو التي مات سيدها أو أعتقها فينبغي أن تكون في حق الأجنبي كالمتوفى عنها زوجها. والمطلقة ثلاثًا والمنفسخ نكاحها برضاع أو لعان فيجوز التعريض بخطبتها دون التصريح.
والتعريض أنواع تارة: يذكر صفات نفسه، مثل ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم سلمة رضي الله عنها. وتارة: يذكر لها صفات نفسها. وتارة: يذكر لها طلبًا بعينه كقوله: رب راغب فيك وطالب لك. وتارة: يذكر أنه
__________
(1) انظر مختصر الفتاوى 607، 808 وتأتي في باب الدعاوى والبينات وتقدمت في باب الحجر.
(2) الاختيارات 194 ف 2/ 279، 267.
(3) الفروع 4/ 655 ف 2/ 279.
(4/143)

طالب للنكاح ولا يعينها. وتارة: يطلب منها ما يحتمل النكاح وغيره كقوله: إذا قضى الله شيئًا كان (1) .
ولو خطبت المرأة أو خطب وليها لها الرجل ابتداء فأجابهما فينبغي ألا يحل لرجل آخر خطبتها، إلا أنه أضعف من أن يكون الرجل هو الخاطب. وكذا لو خطبته أو وليها بعد أن خطب هو امرأة. فالأول إيذاء للخاطب. والثاني: إيذاء للمخطوب، وهذا بمنزلة البيع على بيع أخيه قبل انعقاد البيع (2) .
ومن خطب تعريضًا في العدة أو بعدها فلا ينهى غيره عن الخطبة.
ولو أذنت المرأة لوليها أن يزوجها من رجل بعينه احتمل أن يحرم على غيره خطبتها، كما لو خطبت فأجابت. واحتمل ألا يحرم؛ لأنها لم يخطبها أحد،. كذا قال القاضي أبو يعلى، وهذا دليل منه على أن سكوت المرأة عند الخطبة ليس بإجابة إليها (3) بحال (4) .
ويحرم، وقيل: يكره خطبته على خطبة مسلم لا كافر، كما لا ينصحه نص عليهما إن أجيب صريحًا ... فإن رد أو أذن جاز. وأشد تحريمًا من فرض له ولي الأمر على الصدقات أو غيرها ما يستحقه فنحى من يزاحمه أو ينزعه منه. قاله شيخنا (5) .

فصل
أركانه

وينعقد النكاح بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفعل كان.
__________
(1) اختيارات 202 ف 2/ 279.
(2) وفي الإنصاف زيادة: وذلك كله ينبغي أن يكون حرامًا.
(3) إليها زيادة في الإنصاف.
(4) اختيارات ص 279 والإنصاف 8/ 37 ف 2/ 279.
(5) فروع 5/ 195، 196 ف 2/ 279.
(4/144)

ومثله كل عقد (1) .
وقال في «الفائق» : وقال شيخنا: قياس المذهب صحته بما تعارفاه نكاحًا من هبة وتمليك ونحوهما أخذًا من قول الإمام أحمد: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك (2) .
فالأسماء تعرف حدودها: تارة بالشرع، وتارة باللغة، وتارة بالعرف، وكذلك العقود (3) .
نص الإمام أحمد في رواية أبي طالب في رجل مشى إليه قومه، فقالوا: زوج فلانًا. فقال: زوجته على ألف. فرجعوا إلى الزوج فأخبروه. فقال: قد قبلت: هل يكون هذا نكاحًا؟ قال: نعم. فأشكل هذا على الأصحاب. فقال القاضي: هذا حكم بصحته بعد التفرق عن مجلس العقد. قال: وهو محمول على أنه قد كان وكل من قبل العقد عنه ثم أخبر بذلك فأمضاه. ورده ابن عقيل، وقال: رواية أبي طالب تعطي أن النكاح صحيح.
قال الشيخ تقي الدين: وقد أحسن ابن عقيل فيما قاله، وهي طريقة أبي بكر؛ فإن هذا ليس تراخيًا للقبول كما قاله القاضي، وإنما هو تراخ للإجازة.
ومسألة أبي طالب وكلام أبي بكر فيما إذا لم يكن الزوج حاضرًا في مجلس الإيجاب. وهذا أحسن. وأما إذا تفرقا من مجلس الإيجاب فليس في كلام أحمد وأبي بكر ما يدل على ذلك.
ويجوز أن يقال: إن العاقد الآخر إن كان حاضرًا اعتبر قبوله، وإن كان غائبًا جاز تراخي القبول عن الإيجاب كما قلنا في ولاية القضاء، مع
__________
(1) اختيارات 203، زيادة إيضاح ف 2/ 279.
(2) الإنصاف 8/ 46 ف 2/ 280.
(3) الإنصاف 8/ 45 ف 2/ 280.
(4/145)

أن أصحابنا قالوا في الوكالة: إنه يجوز قبولها على الفور والتراخي، وإنما الولاية نوع من الوكالة.
وذكر القاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول في تتمة رواية أبي طالب: لو قال الزوج: قبلت. صح إذا حضر شاهدان.
قال أبو العباس: وهو يقتضي بأن إجازة العقد الموقوف إذا قلنا بانعقاده تفتقر إلى شاهدين، وهو مستقيم حسن (1) .
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: قوله في «المحرر» : «ولا يصح تعليقه بشرط مستقبل» أظن قصد بذلك الاحتراز عن تعليقه بمشيئة الله تعالى. ودخل في ذلك قوله: إذا قال زوجتك هذا المولود إن كان أنثى، أو زوجتك بنتي إذا انقضت عدتها، أو إن لم تكن تزوجت، ونحو ذلك من الشروط الحاضرة والماضية. وكذا ذكر الجد الأعلى: أنه لا يجوز تعليقه على شرط مستقبل ولم أرها لغيره. اهـ (2) .
وسئل الشيخ تقي الدين عن رجل لم يقدر أن يقول إلا قبلت (تجويزها) بتقديم الجيم فأجاب بالصحة بدليل قوله: جوزتي طالق. فإنها تطلق. اهـ (3)
وصرح الأصحاب بصحة نكاح الأخرس إذا فهمت إشارته. قال في «المجرد والفصول» : يجوز تزويج الأخرس لنفسه إذا كانت له إشارة تفهم.
ومفهوم هذا الكلام ألا يكون الأخرس وليًا ولا وكيلاً لغيره في النكاح، وهو مقتضى تعليل القاضي في الجامع؛ لأنه يستفاد من غيره. ويحتمل أن يكون وليًا لا وكيلاً وهو أقيس (4) .
__________
(1) اختيارات 203، 204 والإنصاف في البعض منهما زيادة إيضاح.
(2) الإنصاف 8/ 164 ف 2/ 280.
(3) إنصاف 8/ 46 ف 2/ 280.
(4) اختيارات 204 ف 2/ 280.
(4/146)

شروطه
رضاهما
والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا (1) .
واختار أبو بكر والشيخ تقي الدين عدم إجبار بنت تسع سنين بكرًا كانت أو ثيبًا.
قال في رواية عبد الله: إذا بلغت تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلا بإذنهاٍ.
قال بعض المتأخرين من الأصحاب: وهو الأقوى.
وذكر أبو الخطاب وغيره رواية: لا إذن لها وصححه الناظم، وقال الشيخ تقي الدين: لا أعلم أحدًا ذكرها قبله، مع أنه لم يذكرها في رءوس المسائل (2) .
فإن كانت صغيرة أو مجنونة فلها الخيار إذا بلغت. وقيل: لها الخيار إذا بلغت تسعًا.
وقال ابن عقيل: إذا بلغت سبعًا. وقال الشيخ تقي الدين: اعتبار إذنها بالتسع أو السبع ضعيف؛ لأن هذا ولاية استقلال وولاية الاستقلال لا تثبت إلا بالبلوغ كالعفو عن القصاص والشفعة، وكالبيع؛ بخلاف ابتداء العقد فإنه يتولاه الوالي بإذنها فتجتمع الروايتان وبينهما فرق. اهـ (3)
وإذن الثيب الكلام. وإذن البكر الصمات. قال أبو العباس بعد
__________
(1) اختيارات ص 203 ف 2/ 280.
(2) الإنصاف 8/ 55، 57 ف 2/ 280.
(3) إنصاف 8/ 181 ف 2/ 281.
(4/147)

ذكره لقول أبي حنيفة ومالك: تزوج المثابة بالزنا بالجبر كما تزوج البكر: هذا قول قوي (1) .
روي عن الإمام أحمد ما يدل على أنه لا تجبر الأمة الكبيرة، قال الشيخ تقي الدين: ظاهر هذا أنه لا يجبر الأمة الكبيرة بناء على أن منفعة البضع ليس بمال (2) .
حيث قلنا بإجبار المرأة ولها إذن أخذ بتعيينها كفوءًا على الصحيح من المذهب، قال الشيخ تقي الدين: هذا ظاهر المذهب (3) .
قال الشيخ تقي الدين: يعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به، ولا يشترط تسمية المهر على الصحيح. نقله الزركشي (4) .
قال الشيخ تقي الدين: وفي المذهب خلاف شاذ يشترط الإشهاد على إذنها. اهـ (5) .
والجد كالأب في الإجبار، وهو رواية عن الإمام أحمد (6) .

الولي

ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة: أن الولي كل وارث بفرض أو تعصيب. ولغير العصبة من الأقارب التزويج عند عدم العصبة.
ويتخرج على ذلك ما إذا قدمنا التوريث لذوي الأرحام على التوريث بالولاء.
__________
(1) اختيارات 205 ف 2/ 280.
(2) إنصاف 8/ 59 ف 2/ 280.
(3) إنصاف 8/ 59 ف 2/ 280.
(4) إنصاف 8/ 64 ف 2/ 280.
(5) إنصاف 8/ 64 ف 2/ 280.
(6) اختيارات 204 ف 2/ 280.
(4/148)

وإذا كانت المرأة يهودية ووليها نصرانيًا أو بالعكس فينبغي أن يخرج على الروايتين في توارثهما وقبول شهادته عليها إذا قلنا تقبل من أهل الذمة بعضهم على بعض، وكذلك في ولاية المال والعقل.
ويضم إلى الولي الفاسق أمين كالوصي في رواية.
ولو قيل: إن الابن والأب سواء في ولاية النكاح، كما إذا أوصى لأقرب قرابته لكان متوجهًا.
ويتخرج لنا أن الابن أولى من الأب إذا قلنا الأخ أولى من الجد. وقد حكى ذلك ابن المنيَّ في تعاليقه، فقال: يقدم الابن على الأب على قول عندنا (1) .
وعنه: لها تزويج أمتها ومعتقتها واختاره الشيخ تقي الدين (2) .
قال أبو العباس: وفرق القاضي وعامة الأصحاب على هذه الرواية بين تزويج أمتها وتزويج نفسها وغيرها بأن التزويج على الملك لا يحتاج إلى أهلية الولاية بدليل تزويج الفاسق مملوكته، وتبعهم هو أيضًا وجعل التخريج غلطًا (3) .
وقيل يختص الجواز بما إذا زوج عبده أمته؛ لأنه يتصرف بحكم الملك، وجود أبو العباس هذا (4) .
قال الإمام أحمد في رواية محمد بن الحسن في الأخوين الصغير والكبير ينبغي أن ينظر إلى العقل والرأي وكذلك قال في رواية الأثرم في
__________
(1) اختيارات 205 ف 2/ 281.
(2) إنصاف 8/ 68 وفروع 5/ 176 ف 2/ 281.
(3) الزركشي 3/ 42 هذا أحسن مما في المجموع ف 2/ 281.
(4) الزركشي 3/ 44 ف 2/ 281.
(4/149)

الأخوين الصغير والكبير كلاهما سواء، إلا أنه ينبغي أن ينظر في ذلك إلى العقل والرأي.
وظاهر كلام أحمد هذا يقتضي أنه لا أثر للسن هنا، وأصحابنا اعتبروه (1) .
قال الإمام أحمد في رواية حنبل: لا يعقد نصراني ولا يهودي عقدة نكاح لمسلم ولا مسلمة، ولا يكونان وليين لمسلم ولا مسلمة؛ بل لا يكون الولي إلا مسلمًا.
وهذا يقتضي أن الكافر لا يزوج مسلمة بولاية ولا وكالة. وظاهره يقتضي أن لا ولاية للكافر على بنته الكافرة في تزويجها لمسلم.
قال أبو العباس في موضع آخر: لا ينبغي أن يكون متوليًا لنكاح مسلم؛ ولكن لا يظهر بطلان العقد؛ فإنه ليس على بطلانه دليل شرعي (2) .
وإن تعذر من له ولاية النكاح انتقلت الولاية إلى أصلح من يوجد ممن له نوع ولاية في غير النكاح كرئيس القرية، وهو المراد بالدهقان، وأمير القافلة، ونحوه.
قال الإمام أحمد، في رواية المروذي: البلد يكون فيه الوالي وليس فيه قاض يزوج إذا احتاط للمرأة في المهر والكفء أرجو ألا يكون به بأس. وهذا من الإمام أحمد يقتضي أن الولي ينظر في المهر وأن أمره ليس مفوضًا إليها وحدها، كما أن أمر الكفؤ ليس مفوضًا لها وحدها.
وقال في رواية الأثرم وصالح وأبي الحارث عن المهر: لا نجد فيه
__________
(1) الإنصاف 8/ 87 والاختيارات 206 وعبارة الإنصاف أوضح ف 2/ 282.
(2) اختيارات ص 206 ف 2/ 282.
(4/150)

حدًا هو ما تراضى عليه الأهلون. وهو في رواية المروذي: ما تراضى عليه الأهلون في النكاح جائز. وهو يقتضي أن للأهلين نظرًا في الصداق. ولو كان أمره إليها فقط لما كان لذكر الأهلين معنى.
وتزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا. فإن أباه حاكم إلا بظلم كطلبه جعلاً لا يستحقه صار وجوده كعدمه (1) .
قال الشيخ تقي الدين: ومن صور العضل إذا امتنع الخطاب من خطبتها لشدة الولي (2) .
ويزوج ولي المال الصغير (3) .
واشترط الجد في المحرر في الولي كونه رشيدًا. والرشد في الولي هنا هو المعرفة بالكفء ومصالح النكاح، ليس حفظ المال (4) .
وإن لم يعلم وجود الأقرب في الكل حتى زوج الأبعد فقد يقال بطرد القاعدة والقياس أنه لا يصح النكاح، كالجهل الشرعي، مثل أن يعتقد صحة النكاح بلا ولي، أو بالولي الأبعد، أو بلا شهود. وقد يقال: يصح النكاح، كما أن المعتبر في الشهود والولي هو العدالة الظاهرة على الصحيح. فلو ظهر فيما بعد أنهم كانوا فاسقين وقت العقد ففيه وجهان ثابتان. ويؤيد هذا أن الولي الأقرب إنما يشترط إذا أمكن. فأما مع تعذره فيسقط، كما لو عضل أو غاب. وبهذا قيد ابن أبي موسى
__________
(1) اختيارات 204، 205 فيه زيادات ف 2/ 282.
(2) إنصاف 8/ 75 ف 2/ 283.
(3) وفي الإنصاف ج 8/ 86 نقلاً عن صاحب الفروع: وظاهر كلام الكافي وصاحب المحرر: للوصي مطلقًا تزويجه يعني سواء كان وصيًا في التزويج أو في غيره وجزم به الشيخ تقي الدين رحمه الله وأنه قولهما أن وصي المال يزوج الصغير.
(4) اختيارات 205 والإنصاف 8/ 74 ف 2/ 283.
(4/151)

وغيره. وهذا معنى قول الجماعة: إذا زوج الأبعد مع القدرة على الأقرب لم يصح.
ومن لم يعلم أنه نسيب فهو غير مقدور على استئذانه فيسقط بعدم العلم، كما يسقط بالبعد. وهذا إذا لم ينتسب في عدم العلم إلى تفريط.
ومن هذا لو زوجت بنت الملاعن ثم استلحقها الأب فلو قلنا بالأول لكان يتعين ألا يصح النكاح وهو بعيد؛ بل الصواب أنه يصح (1) .
وكذلك إذا علم أنه قريب ولكن لا يعلم مكانه، وهو حسن، مع أن كلام الخرقي لا يأباه.
قال الشيخ تقي الدين: وكذلك لو كان الولي مجهولاً لا يعلم أنه عصبة ثم عرف بعد (2) .
ولو زوج المراة وليان وجهل أسبق العقدين ففيه روايتان؛ إحداهما: يتميز الأسبق بالقرعة. والذي يجب أن يقال على هذه الرواية أن من خرجت له القرعة فهي زوجته بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها. ولو مات ورثته؛ لكن لا يطؤها حتى يجدد العقد لحل الوطء فقط. هذا قياس المذهب. أو يقال: إنه لا يحكم بالزوجية إلا بالتجديد، ويكون التجديد واجبًا عليه وعليها. كما كان الطلاق واجبًا على الآخر.
والرواية الثانية: يفسخ النكاحان. ومن أصحابنا من ذكر أنهما يطلقانها. فعلى هذا هل يكون الطلاق واقعًا بحيث تنقضي العدة. ولو تزوجها ينبغي ألا يكون كذلك؛ لأنه لا ينبغي وقوع الطلاق به.
فإن ماتت المرأة قبل الفسخ والطلاق فذكر أبو محمد المقدسي
__________
(1) اختيارات 205، 206 ف 2/ 283.
(2) الإنصاف 8/ 77 ف 2/ 283.
(4/152)

احتمالين أحدهما: لأحدهما نصف الميراث وربع النفقة حتى يصطلحا عليه. والثاني: يقرع بينهما، فمن قرع حلف أنه استحق وورث.
وقال أبو العباس: وكلا الوجهين لا يخرج على المذهب. أما الأول فلأنه لا تتفق (1) الخصومات: وأما الثاني: فكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال؟ وإنما المذهب (2) أيهما قرع فله الميراث بلا يمين.
وأما على قولنا: لا يقرع فإذا قلنا أنها تأخذ من أحدهما نصف المهر بالقرعة فكذلك يرثها أحدهما بالقرعة. بطريق الأولى.
وإن قلنا: لا مهر. فهذا قد يقال بالقرعة أيضًا (3) .
وإن زوج اثنان ولم يعلم السابق قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور: ما أرى لواحد منهما نكاحًا. والرواية الثانية من أصل المسألة يقرع بينهما. وعنه هي للقارع من غير تجديد عقد واختاره الشيخ تقي الدين.
فعلى القول بأنه يجدد نكاحه قال المصنف ينبغي ألا تجبر المرأة على نكاح من خرجت له القرعة، بل لها أن تتزوج من شاءت منهما ومن غيرهما. قال الشيخ تقي الدين: وليس هذا بالجيد؛ فإن على هذا القول إذا أمرنا المقروع بالقرعة وقلنا لها ألا تتزوج القارع خلت منهما فلا يبقى بين الروايتين فرق، ولا يبقى للقرعة أثر أصلاً؛ بل تكون لغوًا، وهذا تخليط. وإنما على هذا القول يجب أن يقال هي زوجة القارع بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها ولو مات ورثته؛ لكن لا يطؤها حتى يجدد العقد فيكون تجديد العقد لحل الوطء فقط. هذا قياس المذهب: أو يقال إنه لا يحكم بالزوجية إلا بالتجديد ويكون التجديد واجبًا عليه
__________
(1) عبارة الإنصاف لا نقف الخصومات فقط.
(2) في الإنصاف زيادة على رواية القرع.
(3) اختيارات ص 206، 207 وعبارة الإنصاف كما يأتي:
(4/153)

وعليها كما كان الطلاق واجبًا على الآخر. وليس في كلام الإمام أحمد رحمه الله تعرض للطلاق ولا لتجديد الآخر النكاح. ثم القرعة جعلها الشارع حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا كالشهادة والنكول ونحوهما. اهـ (1) .
ولو قال السيد لأمته أعتقتك وجعلت عتقك صداقك صح. وعنه: لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها، فإن أبت ذلك فعليه قيمتها. وقال ابن أبي موسى: إحدى الروايتين أنه يستأنف العقد عليها بإذنه دون إذنها ورضاها؛ لأن العقد وقع على هذا الشرط فيوكل من يعقد له النكاح بأمره. قال الشيخ تقي الدين: وهذا حسن (2) .
وإن قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها، أو قال: أعتقتها وجعلت عتقها صداقها صح بذلك العتق والنكاح، وهو مذهب الإمام أحمد.
ويتوجه ألا يصح العتق إذا قال قد جعلت عتقك صداقك فلم تقبل؛ لأن العتق لم يصر صداقًا وهو لم يوقع غير ذلك. ويتوجه ألا يصح وإن قبلت؛ لأن هذا القبول لا يصير به العتق صداقًا فلم يتحقق ما قال.
ويتوجه في الصورة الثانية (3) أنها إن قبلت صارت زوجة، وإلا عتقت مجانًا، أو لم تعتق بحال.
وإذا قلنا: إلحاق الشرط لا يغير الطلاق فإلحاق العتق في النكاح بطريق الأولى.
__________
(1) الإنصاف 8/ 90 ف 2/ 283.
(2) إنصاف 8/ 97، 98 ف 2/ 283.
(3) في الإنصاف: ويتوجه في قوله: قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها وعبارة الإنصاف ج8/ 76، 77: «وإن عتقت الأمة وزوجها حر فلا خيار لها ... وعنه لها الخيار، واختار الشيخ تقي الدين وغيره أن لها الخيار في الفسخ تحت حر إن كان زوج بريرة عبدًا، لأنها ملكت رقبتها فلا يملك عليها إلا باختيارها» .
(4/154)

فعلى هذا إذا قال أعتقتك وجعلت عتقك صداقك فإنه يقع العتق ولا يلزمها النكاح ولا قيمة نفسها.
ويتخرج ثبوت الخيار أو اعتبار إذنها من عتقها بجنب حر، فإن الخيار يثبت لها في رواية. وكذلك إذا عتقا معًا. فإذا كان حدوث الحرية بعد العتق يثبت الفسخ فالمقارنة أولى أن تثبت الفسخ.
ولو أعتقها وزوجها من غيره وجعل عتقها صداقها فقياس المذهب صحته؛ لأنهم قالوا: الوقت الذي جعل فيه العتق صداقًا كان يملك إجبارها في حق الأجنبي فلم يبق إلا أنه جعل ملك بضعها وقت حريتها صداقًا، وهذا لا يؤثر، كما لو كان هو المتزوج.
ويدل على ذلك أن أصحابنا قالوا: إذا قال: زوجتك هذه على أنها حرة صح وإن لم يعلمه أنه أعتقها قبل ذلك، ويكون هو المصدق لها عن الزوج.
ويحتمل أن يقال: هو السيد خاصة؛ لأنه لا يمكنه أن يتزوجها وهي رقيقة. وعلى هذا فسواء قال: أعتقتها وزوجتها منك أو زوجتها منك وأعتقتها.
ولو قال: أعتقت أمتي وزوجتكها على ألف درهم. فقياس المذهب جوازه. فهو مثل أن يقول: أعتقتها وأكريتها منك سنة بألف درهم. وهذا بمنزلة استثناء الخدمة، مثل أن يقول أعتقتك على خدمة سنة.
ولو قال أعتقتك وتزوجتك على ألف درهم صح هذا النكاح بطريق الأولى؛ لأنه لم يجعل العتق صداقًا.
ولو قال: وهبتك هذه الجارية وزوجتها من فلان أو هبتكها وأكريتها من فلان، أو بعتكها وزوجتها أو أكريتها من فلان فقياس المذهب صحته؛ لأنه في معنى استثناء المنفعة.
(4/155)

وحاصله: أنا نجوز (1) العتق والوقف والهبة والبيع مع استثناء منفعة الخدمة فقد جوزنا (2) أن الإعتاق والإنكاح في زمن واحد وجعلنا ذلك بمنزلة الإنكاح قبل الإعتاق؛ لأنها حين الإعتاق لم تخرج من ملكه (3) .
وإن قال: أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي أو أمتي ففعل عتق ولزمته قيمته؛ لأن الأموال لا يستحق العقد عليها بالشرط. قال القاضي أبو الخطاب: لأنه سلف في النكاح. وقال الشيخ تقي الدين: يتوجه صحة السلف في العقود كما يصح في غيره ويصير العقد مستحقًا على المستسلف إن فعل وإلا قام الحاكم مقامه، ولأن هذا بمنزلة الهبة المشروط فيها الثواب (4) .
وكذلك العبد إذا تزوج بغير إذن مواليه ثم أذنوا له بعد العتق فهو على النزاع، ويسمى نكاح الفضولي (5) .

الشهادة

وعنه: ينعقد بحضور فاسقين، ورجل وامرأتين، ومراهقين عاقلين. قال في الفروع: وأسقط رواية الفسق أكثرهم. وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: هي ظاهر كلام الخرقي (6) .

الكفاءة
ولا يصح لأحد أن ينكح موليته رافضيًا ولا من يترك الصلاة.
__________
(1) نسخة كما جوزنا.
(2) بياض في الاختيارات.
(3) الاختيارات 207- 209 ف 2/ 213.
(4) إنصاف 8/ 100 ف 2/ 283.
(5) مختصر الفتاوى 425 ف 2/ 284.
(6) الإنصاف 8 ص 102 ف 2/ 283.
(4/156)

ومتى زوجوه على أنه سني يصلي فبان أنه رافضي أو لا يصلي أو كان قد تاب ثم عاد إلى الرفض وترك الصلاة فإنهم يفسخون نكاحه إذا قيل إنه صحيح (1) .
والذي يقتضيه كلام أحمد أن الرجل إذا تبين له أنه ليس بكفء فرق بينهما، وأنه ليس للولي أن يزوج المرأة من غير كفء، ولا للزوج أن يتزوج ولا للمرأة أن تفعل ذلك. وأن الكفاءة ليست بمنزلة الأمور المالية مثل مهر المرأة إن أحبت المرأة والأولياء طلبوه وإلا تركوه، ولكنه أمر ينبغي لهم اعتباره وإن كانت منفعته تتعلق بغيرهما.
وفقد النسب والدين لا يقر معهما النكاح بغير خلاف عن أحمد.
وفقد الحرية غير مبطل بغير خلاف عنه؛ بل يثبت به الخيار لمن يختار الفسخ.
وفقد اليسار: هل يثبت به الخيار؟ روايتان:
وحيث ثبت الخيار بفقد الكفاءة فللمرأة أو لوليها الفسخ. وهذا على التراخي في ظاهر الرواية (2) . فعلى هذا يسقط خيارها بما يحصل منهما مما يدل على الرضا من قول أو فعل.
وأما خيار الأولياء فلا يسقط إلا بالقول. ويفتقر الفسخ به إلى حاكم في قياس المذهب كالفسخ بالعيوب للاختلاف فيه.
ولو كان الزوج ناقصًا من وجه آخر مثل أن كان دونها في النسب فرضوا به، ثم بان فاسقًا وهي عدل. فههنا ينبغي ثبوت الخيار، كما لو رضيت به لعلة مثل الجذام فظهر به عيب آخر كالجنون والعنة. فأما إن رضوا بفسقه من وجه فبان فاسقًا من آخر مثل أن ظنوه يشرب الخمر
__________
(1) مختصر الفتاوى 433. الموجودة هناك فيها نقص ف 2/ 284.
(2) وفي الإنصاف: وعلى التراضي في ظاهر المذهب؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه.
(4/157)

فظهر أنه يشرب الخمر ويلوط أو يشهد بالزور أو يقطع الطريق. وبيض لذلك أبو العباس.
وإن حدثت له الكفاءة مقارنة بأن يقول سيد العبد بعد إيجاب النكاح له قبلت له النكاح وأعتقته فقياس المذهب صحة ذلك. وتخرج رواية أخرى على مسألة ما إذا أعتقهما معًا، وعلى مسألة ما إذا قال: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك (1) (2) .
قال الشيخ تقي الدين: طريقة المجد في المحرر أن الصفات الخمس معتبرة في الكفاءة قولاً واحدًا. ثم هل يبطل النكاح فقدها، أو لا يبطله لكن يثبت الفسخ، أو يبطله فقد الدين والمنصب ويثبت الفسخ فقد الثلاثة على ثلاث روايات، وهي طريقته اهـ (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: لم أجد نصًا عن الإمام أحمد رحمه الله ببطلان النكاح لفقر أو رق ولم أجد عنه أيضًا نصًا بإقرار النكاح مع عدم الدين والمنصب خلافًا. واختار أن النسب لا اعتبار به في الكفاءة، واستدل الشيخ تقي الدين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [13/49] . وعنه: لا تزوج قرشية بغير قرشي ولا هاشمية بغير هاشمي، ورد الشيخ تقي الدين رحمه الله هذه الرواية، وقال: ليس في كلام الإمام أحمد رضي الله عنه ما يدل عليها، وإنما المنصوص عنه في رواية الجماعة: أن قريشًا بعضهم لبعض أكفاء.
__________
(1) اختيارات 208-210 زيادة أحكام وإيضاح ف 2/ 284.
(2) وفي الإنصاف ج 8/ 110 بعد قوله فلو وجدت الكفاءة في النكاح حال العقد بأن يقول الخ. «فقال الشيخ تقي الدين قياس المذهب صحته قال: ويتخرج فيه وجه آخر بمنعها» .
(3) الإنصاف 8/ 107 ف 2/ 284.
(4/158)

قال: وذكر ذلك ابن أبي موسى والقاضي في خلافه وروايتيه، وصححها فيه. قال الشيخ تقي الدين أيضًا: ومن قال إن الهاشمية لا تزوج بغير هاشمي بمعنى أنه لا يجوز ذلك فهذا مارق من دين الإسلام؛ إذ قصة تزويج الهاشميات من بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهن بغير الهاشميين ثابت في السنة ثبوتًا لا يخفى، فلا يجوز أن يحكى هذا خلافًا في مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه، وليس في لفظه ما يدل عليه (1) .
باب المحرمات في النكاح
وتحرم بنته من الزنا قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: في الرجل يزني بامرأة فتلد منه ابنة فيتزوجها فاستعظم ذلك، وقال: يتزوج ابنته عليه القتل بمنزلة المرتد. وحمل القاضي قوله: «يقتل» على أنه لم يقع له الخلاف، فاعتقد أن المسألة إجماع، أو على أن هذا فيمن عقد عليها غير متأول ولا مقلد فيجب عليه الحد.
وقال أبو العباس: كلام أحمد يقتضي أنه أوجب عليه حد المرتد لاستحلال ذلك، لا حد الزاني، وذلك أنه استدل بحديث البراء، وهذا يدل على أن استحلال هذا كفر عنده، وقال القاضي في التعليق والشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: يكفي في التحريم أنه يعلم أنها بنته. ظاهرًا وإن كان النسب لغيره.
وقال أبو العباس: وظاهر كلام الإمام أحمد أن الشبهة تكفي في ذلك؛ لأنه قال: أليس أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - سودة أن تحتجب من ابن زمعة وقال: «الولد للفراش» وقال: إنما حجبها للشبه الذي رأى بينه وبين عتبة (2) .
__________
(1) إنصاف 8/ 109، 110 ف 2/ 284.
(2) اختيارات 210 فيه زيادات ف 2/ 285.
(4/159)

وحرم [الشيخ] بنته من الزنا، وقال: إن وطء بنته غلطًا لا ينشر، لكونه لم يتخذها زوجة، ولم يعلن نكاحها (1) .
والمنصوص عن الإمام أحمد في مسألة التلوط إنما هو أن الفاعل لا يتزوج بنت المفعول به، وكذلك أمه، وهو قياس جيد. فأما تزوج المفعول به بأم الفاعل أو ابنته ففيه نظر، ولم ينص عليه، وذلك أن واحد منهما لم يتمتع بأصل الآخر وفرعه. والمنصوص والأصل أن يتمتع بالرجل أصل أو فرع أو يتمتع بالمرأة أصل أو فرع، وهذا المفعول به يتمتع في أحد الطرفين وهو يتمتع في الطرف الآخر، والوطء الحرام لا يؤثر تحريم المصاهرة.
واعتبر أبو العباس في موضع آخر التوبة، حتى في اللواط (2) .
وسحاق النساء قياس المذهب المنصوص أنه يخرج على الروايتين في مباشرة الرجل الرجل بشهوة (3) .
وتحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وأمه من الرضاع (4) .
ومن وطئت بشبهة حرم نكاحها على غير الواطئ في عدتها منه، لا عليه فيها إن لم تكن لزمته عدة من غيره، وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها المقدسي (5) .
__________
(1) الإنصاف 8/ 117 ف 2/ 285.
(2) اختيارات 211 وفي الإنصاف ص8 بدل المفعول به المفعول فيه. لا يؤثر تحريم المصاهرة في الإنصاف لا ينشر ف 2/ 285.
(3) الاختيارات 213 ف 2/ 285.
(4) اختيارات 213 والفروع ج 5/ 193 ف 2/ 285.
(5) الفروع 5/ 206، والاختيارات ج 213 والإنصاف 8/ 134 ف 2/ 286.
(4/160)

وتحرم بنت الربيبة، لأنها ربيبة، وبنت الربيب أيضًا، نص عليهما الإمام أحمد في رواية صالح. قال أبو العباس: ولا أعلم في ذلك نزاعًا. ولا تحرم زوجة الربيب نص عليه أحمد في رواية ابن مشيش، وكذا في الربيب يتزوج امرأة رابه؛ لأنه ليس من الأبناء (1) .
وللأب تزويج ابنته في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه (2) .
ولو قتل رجلٌ رجلاً ليتزوج امرأته حرمت على القاتل مع حلها لغيره (3) .
ذكر الشيخ تقي الدين في كتابه التحليل أن الرجل إذا قتل رجلاً ليتزوج امرأته أنها لا تحل له أبدًا (4) .

المحرمات إلى أمد

وخالف الشيخ تقي الدين في الرضاع فلم يحرم الجمع مع الرضاع (5) .
ويحرم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، كقول جمهور العلماء. قيل لأحمد في رواية ابن منصور: الجمع بين المملوكتين أتقول إنه حرام؟ قال: لا أقول إنه حرام، ولكن ينهى عنه. قال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يحرم الجمع وإنما يكره. قال أبو العباس: الإمام أحمد لم يقل ليس حرامًا، وإنما قال: لا أقول هو حرام. وكانوا يكرهون فيما لم
__________
(1) اختيارات ص 211 فيه زيادة، وعبارة الإنصاف: يحرم عليه بنت ابن زوجته نقله صالح وغيره وذكر الشيخ تقي الدين إلخ.
(2) اختيارات 213 ف 2/ 286.
(3) اختيارات 215 ف 2/ 285.
(4) الإنصاف 8/ 122 ف 2/ 285.
(5) الإنصاف 8/ 122 ف 2/ 286.
(4/161)

يرد فيه نص تحريم أن يقال: هو حرام، ويقولون: ينهى عنه ويكرهون أن يقولوا: هو فرض، ويقولون: يؤمر به. وهذا الأدب في الفتوى مأثور عن جماعة من السلف، وذلك إما لتوقف في التحريم، أو تهيب لهذه الكلمة، كما يهابون لفظ الفرض إلا فيما علم وجوبه.
فإذا كان المفتي يمتنع أن يقول هو فرض إما لتوقفه أو لكون الفرض ما ثبت وجوبه بالقاطع، أو لأنه لم يبين وجوبه في الكتاب فكذلك الحرام.
وأما أن يجعل عن أحمد أنه لا يحرم بل يكره فهذا غلط عليه، ومرجعه إلى الغفلة عن دلالة الألفاظ ومراتب الكلام (1) .
وقد ذكر هذا القاضي في العدة بعينه في مسألة الفرض: هل هو أعلى من الواجب؟ وذكر لفظ الإمام أحمد في هذه الرواية، ولفظه في المتعة، فعلم أنه لم يجعل في المسألة خلافًا. فلو وطئ إحدى الأختين المملوكتين لم تحل له الأخرى حتى يحرم على نفسه الأولى بإخراج عن ملكه أو تزويج.
قال ابن عقيل: ولا يكفي في إباحتها مجرد إزالة الملك حتى تمضي حيضة الاستبراءات وتنقضي فتكون الحيضة كالعدة.
وقال أبو العباس: وليس هذا القيد في كلام أحمد وجماعة الأصحاب، وليس هو في كلام علي وابن عمر، مع أن عليًا لا يجوز وطء الأخت في عدة أختها، ولو زال ملكه عن بعضها كفى، وهو قياس قول أصحابنا.
فإن حرم إحداهما بنقل الملك فيها على وجه لا يمكن استرجاعه
__________
(1) وعبارة الإنصاف 8/ 125، وعنه ليس بحرام ولكن ينهى عنه، أثبتها القاضي وجماعة ومنع الشيخ تقي الدين رحمه الله أن يكون في المسألة رواية بالكراهة إلخ.
(4/162)

مثل أن يهبها لولده أو يبيعها بشرط فقد ذكر الجد الأعلى في البيع والرهن بشرط الخيار وجهين. فإن أخرج الملك لازمًا ثم عرض له المبيح للفسخ مثل أن يبيعها سلعة فتبين أنها كانت معيبة أو يفلس المشتري بالثمن أو يظهر في العوض تدليس أو يكون مغبونًا فالذي يجب أن يقال في هذه المواضع: إنه يباح وطء الأخت بكل حال على عموم كلام الصحابة والفقهاء أحمد وغيره.
والبيع والهبة يوجبان التفريق بين ذي الرحم المحرم وهو لا يجوز بين الصغار، وفي جوازه بين الكبار روايتان. وقد أطلق علي وابن عمر والفقهاء أحمد وغيره أن يبيعها أو يهبها، مع أن عليًا هو الذي روى النهي عن التفريق بين الأختين ولم يتعرضوا لهذا الأصل. فإن بني عليه لم يجز البيع والهبة رواية واحدة قبل البلوغ وإنما يجوز العتق أو التزويج، وفي جوازهما بعد البلوغ روايتان. أو يقال: يجوز له التفريق هنا لأجل الحاجة لأنه يحرم الجمع في نكاح ويحرم التفريق فلا بد من تقديم أحدهما وكلام الصحابة والفقهاء بعمومه يقتضي هذا.
ولو أزال ملكه عنها بغير العتق مثل أن يبيعها أو يهبها فينبغي له ألا يتزوج أختها في مدة الاستبراء، كما لا يحل له وطؤها على ما تقدم، إلا أن هذا لا ينبغي أن يزيد على تزوجه بأختها مع بقاء الملك، لإمكان أن يدعي المشتري والمتهب ولدها، بخلاف المعتقة. وشبهة الملك حقيقة لا كالنكاح فعلى هذا إذا وطئ أمة بشبهة ملك ففي تزوج أختها في مدة استبرائها ما في تزوج أختها المستبرأة بعد زوال ملكه عنها (1) .
قال أبو محمد المقدسي في «المغني» : إذا تزوج كافر أختين ودخل بهما ثم أسلم وأسلمتا معه فاختار إحداهما لم يطأها حتى تنقضي عدة
__________
(1) اختيارات 211-213 فيها زيادات كثيرة ف 2/ 286.
(4/163)

أختها، لئلا يكون واطئًا لإحدى الأختين في عدة الأخرى، وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع قد دخل بهن فأسلمن معه وكن ثمانيًا فاختار أربعًا منهم وفارق أربعًا لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات لئلا يكون واطئًا لأكثر من أربع، فإن كن خمسًا فارق إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات. قال: وهذا قياس المذهب.
قال أبو العباس: وفي هذا نظر؛ فإن ظاهر السنة يخالف ذلك حيث لم يذكر فيها هذا الشرط، ويمكن الفرق بين هذه وغيرها. وتأملت كلام أحمد وعامة أصحابنا فوجدتهم قد ذكروا أنه يمسك منهن، أربعًا ولم يشترطوا في جواز وطئه انقضاء العدة لا في جمع العدد ولا في جمع الرحم ولو كان لهذا أصل عندهم لم يغفلوه؛ فإنهم دائمًا في مثل هذا ينبهون على اعتزال الزوجة كما ذكره الإمام أحمد فيما إذا وطئ أخت امرأته بنكاح فاسد أو زنى بها وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى؛ فإن العدة تابعة لنكاحها وقد عفا الله عن جميع نكاحها، فكذلك يعفو عن توابع ذلك النكاح.
لكن قياس هذا القول أنه لو أسلم وتحته سريتان أختان فحرم واحدة على نفسه بعد الإسلام جاز وطء الأخرى قبل استبراء تلك. فأما لو طلق زوجته في الشرك ثم أراد أن يتزوج أختها في الإسلام قبل انقضاء عدة المطلقة فهذا يريد أن يبتدأ.
وتحرير هذه المسائل: أن العدة إنما أن تكون من نكاح صحيح فلا يجوز تزوج أختها ولا وطؤها بملك اليمين. وإن كانت من ملك يمين لم يصح النكاح على المشهور، ولا توطأ بنكاح ولا بملك يمين حتى تنقضي العدة. ولا يجوز في عدة النكاح تزوج أربع سواها قولاً واحدًا، ولا يجوز ذلك في عدة ملك يمين. وإن كانت العدة من نكاح فاسد أو شبهة نكاح فهي كحقيقة النكاح في المشهور من المذهب. وإن كانت
(4/164)

العدة من نكاح فاسد أو شبهة ملك فإنما الواجب الاستبراء وذلك لا يزيد على حقيقة الملك (1) .
ولو تزوج الأمة في عدة الحرة جاز عند أصحابنا إذا كانت العدة من طلاق بائن. وإن كان خائفًا للعنت عاد ما لطول حرة بناء على أن علة المنع ليست هي الجمع بينها وبين الحرة. ويخرج المنع إذا منعنا من الجمع بينهما، وكذلك خرج الجد في الشرح (2) .
ومن حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين، وجوزه شيخنا كأمة كتابية (3) .
قال أبو العباس بعد أن حكى عن علي رضي الله عنه أنه فرق بين رجل وامرأته وقد زنى بها قبل أن يدخل بها: وعن جابر بن عبد الله والحسن والنخعي أنه يفرق بينهما. ويؤيد هذا من أصلنا أن له أن يعضل الزانية حتى تختلع منه، وأن الكفاءة إذا زالت في أثناء العقد فإن لها الفسخ في أحد الوجهين (4) .
ويمنع الزاني من تزوج العفيفة حتى يتوب (5) .
ذكر أصحابنا: أن الزوج إذا اشترى زوجته انفسخ النكاح، وقال الحسن: إذا اشترى زوجته للعتق فأعتقها حين ملكها فهما على نكاحهما. وهذا قوي فيما إذا قال: إذا ملكتك فأنت حرة، وصححنا الصفة؛ لأنه إذا ملكها فالملك الذي يوجب بطلان النكاح يوجب الحرية. وإذا اجتمعا معًا لم يبطل النكاح؛ لأن الحرية لا تنافيه، وإنما
__________
(1) اختيارات 214، 215 ف 2/ 286.
(2) اختيارات 216 ف 2/ 286.
(3) فروع 5/ 210 ف 2/ 286.
(4) اختيارات 215 ف 2/ 287.
(5) اختيارات 215 ف 2/ 288.
(4/165)

المنافي أن تكون مملوكته زوجته، فإذا زال الملك عقب ثبوته لم يجامع النكاح فلا يبطله؛ لأنه حين زوال الملك كان ينبغي زوال النكاح، والملك في حال زواله لا ثبوت له، وهذا الذي لحظه الحسن؛ فإنه إذا اشتراها ليعتقها فأعتقها لم يكن للملك قوة تفسخ النكاح.
ويؤيد هذا القول: أن حدوث الملك بمنزلة اختلاف الدين، وإذا لم يدم اختلاف الدين فهما على نكاحهما، فكذلك هنا؛ إذ النكاح يقع سابقًا، وهذا إنما يكون إذا كان العتق حصل بعد الملك، فههنا لم يتقدم الانفساخ على العتق (1) .
ولو خبب امرأة على زوجها حتى طلقها ثم تزوجها وجب أن يعاقب هذا عقوبة بليغة، وهذا النكاح باطل في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويجب التفريق بين هذا الظالم المعتدي وبين هذه المراة الظالمة (2) .
ويكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود الحرائر المسلمات قاله القاضي وأكثر العلماء، كما يكره أن يجعل أهل الكتاب ذباحين مع كثرة ذباحين مسلمين؛ ولكن لا يحرم (3) .
فإن كان أحد أبويها غير كتابي فهل تحل على روايتين. وحكى ابن رزين رواية ثالثة: إن كان أبوها كتابيًا أبيحت، وإلا فلا. قال الشيخ تقي الدين: وهو خطأ (4) .
ولو كان أبويها غير كتابيين واختارت هي دين أهل الكتاب فظاهر كلام المصنف التحريم رواية واحدة، وهي المذهب قدمه في الفروع.
__________
(1) اختيارات 217 ف 2/ 288.
(2) اختيارات 217 ف 2/ 288.
(3) اختيارات 217 والفروع 5/ 207 ف 2/ 288.
(4) إنصاف 8/ 136، 137 ف 2/ 289.
(4/166)

وقيل عنه: لا تحرم وجزم به في «المغني» والشرح على الرواية الثانية، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله اعتبارًا بنفسه، وقال: هو المنصوص عن الإمام أحمد في عامة أجوبته (1) .
وقال القاضي في «الجامع» : فإن كان الحر كتابيًا لم يجز له أن يتزوج الأمة الكتابية. وقال أبو العباس: مفهوم كلام الجد أنه يباح للكافر نكاح الأمة الكافرة.
ولو خشي القادر على الطول على نفسه الزنا بأمة غيره لمحبته لها ولم يبذلها سيدها له بملك أبيح له نكاحها، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره من السلف.
وبكل حال تباح الأمة لواجد الطول غير خائف العنت إذا شرط على السيد عتق كل من يولد منها، وهو مذهب الليث؛ لامتناع مفسدة إرقاق ولده.
وكذا لو تزوج أمة كتابية شرط على سيدها عتق ولدها منه. والآية إنما دلت على تحريم غير المؤمنات بالمفهوم، ولا عموم له؛ بل يصدق بصورة (2) .
وكلام الإمام أحمد عام يقتضي تحريم التزويج بالحربيات. وله فيما إذا خاف على نفسه العنت روايتان.
والمنع من النكاح في أرض الحرب عام في المسلمة والكافرة (3) .
وقيل: يحرم نكاح الحربية [من أهل الكتاب] مطلقًا. وقيل: يكره
__________
(1) إنصاف 8/ 137 فيه زيادة توضيح وذكر الأبوين ف 289.
(2) اختيارات 216 ف 2/ 289.
(3) اختيارات 215 ف 2/ 288.
(4/167)

واختاره القاضي والشيخ تقي الدين، وقال هو قول أكثر العلماء كذبائحهم بلا حاجة (1) .
واختار الشيخ تقي الدين جواز وطء إماء غير أهل الكتاب، وذكره ابن أبي شيبة في كتابه عن سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار. فلا يصح ادعاء الإجماع مع مخالفة هؤلاء (2) .
وإذا أحب امرأة في الدنيا ولم يتزوجها وتصدق بمهرها وطلب من الله تعالى أن تكون له زوجة في الآخرة رجي له ذلك من الله تعالى.
ولا يحرم في الآخرة ما يحرم في الدنيا من التزوج بأكثر من أربع، والجمع بين الأختين، ولا يمنع من أن يجمع المرأة وبينها هناك (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: تحرر لأصحابنا في تزويج الأمة على الحرة ثلاثة طرق. أحدها: المنع رواية واحدة، ذكرها ابن أبي موسى والقاضي وابن عقيل وغيرهم. قال القاضي: هذا إذا كان يمكنه وطء الحرة، فإن لم يمكنه جاز. قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: هذه الطريقة هي عندي مذهب الإمام أحمد رحمه الله وعليها يدل كلامه. الطريق الثاني: إذا لم تعفه فيه روايتان، وهي طريقة أبي الخطاب ومن حذا حذوه. الطريق الثالث: في الجمع روايتان كما ذكره الجد. اهـ (4) .
قال الشيخ تقي الدين: تلخص لأصحابنا في تزوج الإماء ثلاثة طرق. أحدها طريق القاضي في الجامع والخلاف وهو أنه لا يتزوج أكثر من واحدة إلا إذا خشي العنت بأن لا يمكنه وطء التي تحته، ومتى أمكنه وطؤها لم يجز. الطريق الثاني إذا كان فيه الشرطان فله أن يتزوج
__________
(1) إنصاف 8/ 135 ف 2/ 288.
(2) الإنصاف 8/ 252 ف 2/ 289.
(3) اختيارات 217 ف 2/ 289.
(4) إنصاف 8/ 144 ف 2/ 289.
(4/168)

أربعًا وإن كان متمكنًا من وطء الأولى، وهذا معنى خوف العنت وهي طريقة أبي محمد ولم يذكر الخرقي إلا ذلك. وكلام الإمام أحمد يقتضي الحل وإن كان قادرًا على الوطء. الطريق الثالث المسألة في مثل هذا على روايتين، وهي طريقة ابن أبي موسى (1) .
ومن وطئ أمة بينه وبين آخر أدب. قال شيخنا: ويقدح في عدالته، ويلزمه نصف مهرها لشريكه (2) .
باب الشروط والعيوب في النكاح
ولو شرطت أنه يطؤها في وقت دون وقت -ذكر القاضي ذلك في الجامع- أنه من الشروط الفاسدة. ونص الإمام أحمد في الأمة: يجوز أن يشترط أهلها أن تخدمهم نهارًا ويرسلوها ليلاً يتوجه منه صحة هذا الشرط إن كان فيه غرض صحيح مثل أن يكون لها بالنهار عمل فتشترط ألا يستمتع بها إلا ليلاً ونحو ذلك.
وشرط عدم النفقة فاسد. ويتوجه صحته، لا سيما إذا قلنا إنه إذا أعسر الزوج ورضيت الزوجة به لم تملك المطالبة بالنفقة بعد.
وإذا اشترطت ألا تسلم نفسها إلا في وقت بعينه فهو نظير تأخير التسليم في البيع والإجارة، وقياس المذهب صحته. وذكر أصحابنا أنه لا يصح.
ولو شرطت زيادة في النفقة فقياس المذهب وجوب الزيادة، وكذلك إذا اشترطت زيادة في المنفعة التي يستحقها بمطلق العقد مثل أن تشترط ألا يترك الوطء إلا شهرًا، أو ألا يسافر عنها أكثر من شهر. فإن أصحابنا القاضي وغيره قالوا في تعليل المسألة: لأنها شرطت عليه
__________
(1) إنصاف 8/ 144 ف 2/ 289.
(2) الفروع 5/ 123 ف 2/ 289.
(4/169)

شرطًا لا يمنع المقصود بعقد النكاح ولها فيه منفعة فيلزم الزوج الوفاء به، كما لو شرطت من غير نقد البلد. وهذا التعليل يقتضي صحة كل شرط لها فيه منفعة ولا يمنع مقصود النكاح (1) .
وفي مفردات ابن عقيل: ذكر أبو بكر فيما إذا شرط ألا يطأ ولا ينفق أو إن فارق رجع بما أنفق روايتين. يعني في صحة العقد، قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل صحة شرط عدم النفقة ... واختار فيما إذا شرط أن لا مهر - فساد العقد، وأنه قول أكثر السلف. واختار أيضًا الصحة فيما إذا شرط عدم الوطء كشرط ترك ما تستحقه. ونقل الأثرم توقفه في الشرط.
قال شيخنا: فيخرج على وجهين، واختار صحته، كشرطه ترك ما يستحقه. وفرق القاضي بأن له مخلصًا لملكه طلاقها. وأجاب شيخنا: بأن عليه المهر، وأن ابن عقيل سوى بينهما، فإن صح وطلبته فارقها وأخذ المهر وهو في معنى الخلع، فإن وجبت الفرقة ثم وجب هنا، وأن على الأول للفائت غرضه الجاهل بفساده الفسخ بلا أرش كالبيع وأولى (2) .
وولد المغرور بأمه حر يفديه والده. وإن كان عبدًا تعلق برقبته وجهًا واحدًا؛ لأنه ضمان جناية محضة، ولو لم يكن ضمان جناية لم يلزمه الضمان بحال؛ لانتفاء كونه ضمان عقد أو ضمان يد. فيعتبر أن يكون ضمان إتلاف أو منع لما كان ينعقد ملكًا للسيد كضمان الجنين. وفارق ما لو استدان العبد فإنه حينئذٍ قبض المال بإذن صاحبه، وهنا قبض إليه الأولاد بدون إذن السيد فهي جناية محضة. ولو أذن له السيد
__________
(1) اختيارات 219، 220 ف 2/ 289.
(2) فروع 5/ 217 والإنصاف 8/ 165 ف 2/ 289.
(4/170)

في نكاح حرة فالضمان عليه؛ لأنه إذن له في الإتلاف أو الاستدانة على رواية (1) .
إذا شرط الزوج للزوجة في العقد أو اتفقا قبله ألا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يتزوج أو لا يتسرى عليها أو إن تزوج عليها فلها تطليقها (2) صح الشرط، وهو مذهب الإمام أحمد.
ولو خدعها فسافر بها ثم كرهته (3) لم يكرهها. وإذا أراد أن يتزوج عليها أو يتسرى وقد شرط لها عدم ذلك فقد يفهم من إطلاق أصحابنا جوازه بدون إذنها، لكونهم إنما ذكروا أن لها الفسخ ولم يتعرضوا للمنع.
قال أبو العباس: وما أظنهم قصدوا ذلك. وظاهر الأثر والقياس يقتضي منعه كسائر الشروط الصحيحة.
وإذا فعل ذلك ثم قبل أن تفسخ طلق أو باع فقياس المذهب أنها لا تملك الفسخ. وأما إذا شرط إن كان له زوجة أو سرية فصداقها ألفان ثم طلق الزوجة أو أعتق السرية بعد العقد قبل أن تطالبه ففي إعطائها ذلك نظر (4) .
وقال أيضًا: لو شرط ألا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب فالظاهر أن الشرط باطل. ويحتمل ألا يخرجها من منزل أمها إلا أن تتزوج الأم، ولو تعذر سكن المنزل لخراب أو غيره فهل يسقط حقها من الفسخ بنقلها عنه؟ أفتيت بأنه إن نقلها إلى منزل ترتضيه هي فلا فسخ.
__________
(1) اختيارات 220، 221 ف 2/ 289.
(2) وفي الإنصاف: فلها أن تطلق نفسها.
(3) وفي الإنصاف ثم كرهته لم يكن له أن يكرهها بعد ذلك.
(4) الفروع ج 5/ 211 واختيارات 218 ف 2/ 289.
(4/171)

وإن نقلها إلى منزل لا ترتضيه فلها الفسخ، ولم أقف فيه على نقل (1) .
وقال الشيخ تقي الدين: فيمن شرط لها أن يسكنها في منزل أبيه فسكنت ثم طلبت سكنى منفردة وهو عاجز لا يلزمه ما عجز عنه؛ بل لو كان قادرًا ليس لها على قول في مذهب الإمام أحمد غير ما شرط لها (2) .
حيث قلنا بصحة شرط سكنى الدار والبلد ونحو ذلك لم يجب الوفاء به على الزوج صرح به الأصحاب؛ لكن يستحب الوفاء به، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. ومال الشيخ تقي الدين رحمه الله إلى وجوب الوفاء بهذه الشروط، ويجبره الحاكم على ذلك (3) قال: والظاهر أن مرادهم صحة الشرط في الجملة بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه؛ لا أنه يلزمها؛ لأنه شرط لحقها لمصلحتها لا لحقه لمصلحته حتى يلزم في حقها. ولهذا لو سلمت نفسها من شرطت دارها فيها أو في داره لزم. اهـ (4)
فأما إن أراد نقلها وطلب منها ذلك فقال القاضي في «الجامع» : لها الفسخ بالعزم على الإخراج. وضعفه الشيخ تقي الدين، وقال: العزم المجرد لا يوجب الفسخ، إذ لا ضرر فيه (5) .
وعليه بطلان نكاح الشغار من اشتراط عدم المهر. فإن سموا مهرًا صح. وقياس المذهب أنه شرط لازم؛ لأنه شرط استحل به الفرج، ولولا لزومه لم يكن قول المجيب والقابل مصححًا لنكاح الأول (6) .
__________
(1) إنصاف 8/ 156 ف 2/ 290 هذا الجواب يتفق مع السؤال بخلاف ما في المجموع ج 31/ 168 ف 2/ 290.
(2) إنصاف 8/ 156 ف 2/ 290 هذا الجواب يتفق مع السؤال بخلاف ما في المجموع ج 31/ 168 ف 2/ 290.
(3) إنصاف 8/ 157، 158 ف 2/ 190.
(4) إنصاف 8/ 156 ف 2/ 290.
(5) الإنصاف 8/ 157، 158 ف 2/ 290.
(6) اختيارات 218 زيادة إيضاح ف 2/ 290.
(4/172)

نكاح المحلل حرام بإجماع الصحابة عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، حتى قال عمر رضي الله عنه: والله لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وقال عثمان: لا نكاح إلا نكاح رغبة؛ لا نكاح دلسة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما لما قال له رجل: أرأيت إن تزوجتها ومطلقها لا يعلم أحلها له ثم أطلقها؟ فقال: من يخادع الله يخدعه لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله من قلبه أنه يريد أن يحلها.
وقد «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له» قال الترمذي: حديث صحيح.
وقد اتفق أئمة الفتوى على أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلاً، وبعضهم لم يجعل للشرط المتقدم ولا للعرف المطرد تأثيرًا.
وأما الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون وأئمة الفتوى فلا فرق عندهم بين الشرط المتقدم والعرف، وهذا قول أهل المدينة وأهل الحديث.
والنصارى تعيب المسلمين بنكاح المحلل، يقولون: المسلمون قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم زوجته لم تحل له حتى تزني. ونبينا - صلى الله عليه وسلم - بريء من ذلك هو وأصحابه والتابعون لهم وجمهور أئمة المسلمين رضي الله عنهم (1) .
ولا يصح نكاح المحلل، ونية ذلك كشرطه (2) .
وإذا ادعى الزوج الثاني أنه نوى التحليل أو الاستمتاع فينبغي ألا يقبل منه في بطلان نكاح المرأة إلا أن تصدقه أو تقوم بينة إقرار على
__________
(1) مختصر الفتاوى 425 وهو موجز في حكم نكاح المحلل ولأني لم أجد أثر عثمان وابن عباس وغيرهما فلذلك استحسنت استدراكها. ف 2/ 290.
(2) اختيارات ص 219 والإنصاف 8/ 161 ف 2/ 290.
(4/173)

التواطؤ قبل العقد. ولا ينبغي أن يقبل على الزوج الأول، فتحل في الظاهر بهذا النكاح إلا أن يصدق على إفساده. فأما إن كان الزوج الثاني ممن يعرف بالتحليل فينبغي أن يكون ذلك تقدم اشتراطه إلا أن يصرح قبل العقد بأنه نكاح رغبة. وأما الزوج الأول فإن غلب على ظنه صدق الزوج الثاني حرمت عليه فيما بينه وبين الله تعالى.
ولو تقدم شرط عرفي أو لفظي بنكاح التحليل وادعى أنه قصد نكاح الرغبة قبل في حق المرأة إن صححنا هذا العقد، وإلا فلا. وإن ادعاه بعد المفارقة ففيه نظر. وينبغي ألا يقبل قوله؛ لأن الظاهر خلافه. ولو صدقت الزوجة أن النكاح الثاني كان فاسدًا فلا تحل للأول، لاعترافها بالتحريم عليه (1) .
التحليل محرم لا يحلها، لكن من قلد فيه المجوز له أو فعله باجتهاد ثم يتبين له تحريم ذلك فتاب إلى الله فالأقوى أنه لا يجب فراقها؛ بل يمتنع عن ذلك في المستقبل، وقد عفا الله عما مضى (2) .
وأما «نية الاستمتاع» وهو أن يتزوجها ومن نيته أن يطلقها في وقت أو عند سفره فلم يذكرها القاضي في المجرد ولا الجامع ولا ذكرها أبو الخطاب. وذكرها أبو محمد المقدسي، وقال: النكاح صحيح لا بأس به في قول عامة العلماء إلا الأوزاعي.
قال أبو العباس: ولم أر أحدًا من أصحابنا ذكر أنه لا بأس به تصريحًا إلا أبا محمد. وأما القاضي في التعليق فسوى بين نيته على طلاقها في وقت بعينه وبين نية التحليل، وكذلك الجد وأصحاب الخلاف (3) .
__________
(1) اختيارات 220 ف 2/ 290.
(2) مختصر الفتاوى 433 هذا أوضح مما في المجموع ج 32/ 152 ف 2/ 292.
(3) اختيارات 220 فيه زيادات ف 2/ 291 وانظر الإنصاف ج 8/ 163.
(4/174)

وإن شرط الزوجان أو أحدهما فيه خيارًا صح العقد والشرط (1) .
ولو شرط عليها أن تحافظ على الصلوات الخمس وتلزم الصدق والأمانة فيما بعد العقد فتركته فيما بعد ملك الفسخ، كما لو شرطت عليه ترك التسري فتسرى، فيكون فوات الصفة إما مقارنًا وإما حادثًا، كما أن عيب العنة إما مقارن أو حادث.
وقد يتخرج في فوات الصفة في المستقبل قولان، كما في فوات الكفاءة في المستقبل وحدوث العنة؛ لكن المشروط هنا فعل يحدثه أو تركه فعلاً ليس هو صفة ثابتة لها (2) .
وإن شرطها بكرًا أو جميلة فهل له الخيار؟ على وجهين: أحدهما: له الخيار واختاره الشيخ تقي الدين (3) .
وفي الفنون في شرط بكر يحتمل فساد العقد؛ لأن لنا قولاً إذا تزوجها على صفة فبانت بخلافها بطل العقد. قال شيخنا: ويرجع على الغار، وإن غرته وقبضته وإلا سقط في ظاهر المذهب، ولا يلزمه أقل مهر (م) (4) .
وإذا أعتقت الأمة تحت عبد ثبت الخيار لها اتفاقًا، وكذلك تحت حر، وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة. وإن كان زوج بريرة عبدًا لملكها رقبتها وبضعها. ولو شرط عليها سيدها دوام النكاح تحت حر أو عبد فرضيت لزمها ذلك، ومذهب الإمام أحمد يقتضيه؛ فإنه يجوز العتق بشرط (5) .
__________
(1) الإنصاف 8/ 166 اختيارات 218 زيادة إيضاح ف 2/ 291.
(2) اختيارات 219 ف 2/ 292.
(3) الإنصاف 8/ 168 ف 2/ 292.
(4) فروع 5/ 220 ف 2/ 292.
(5) وانظر الإنصاف 8/ 180.
(4/175)

ذكر أبو محمد المقدسي: إذا أسلمت الأمة أو ارتدت أو أرضعت من يفسخ نكاحها إرضاعه قبل الدخول سقط المهر. وجعله أصلاً وقاس عليه ما إذا أعتقت قبل الدخول واختارت الفراق معه أن المهر يسقط على رواية لنا. قال أبو العباس: والتنصيف في مسألة الإسلام ونظائرها أولى؛ فإنها إنما فسخت لإعتاقه لها، فالإعتاق سبب الفسخ. ومن أتلف حقه متسببًا سقط وإن كان المباشر غيره، بخلاف ما إذا كان السبب والمباشرة من الغير.
فإن قيل: مسألة العتق بالتنصيف ففي الردة والإسلام والرضاع أولى بلا شك (1) .
وإن تزوجت رجلاً على أنه حر أو تظنه حرًا فبان عبدًا، فلها الخيار. وفي «الجامع الكبير» وغيره: شرط حرية ونسب، واختاره الشيخ تقي الدين، كشروطه وأولى لملكه طلاقها (2) .

العيوب في النكاح

قال المجد: لا يثبت خيار العنة إلا بالقول فلا يسقط بالتمكين من الاستمتاع ونحوه.
وقال الشيخ تقي الدين: لم نجد هذه التفرقة لغير المجد (3) .
واستثنى من ذلك أبو البركات خيار العنة لا يسقط إلا بالقول لا يسقط بالتمكين. وقال أبو العباس أنه لم يجد هذه التفرقة لغيره، وجعل أنها متى أمكنته في حال لها الفسخ سقط خيارها، وحيث لم يثبت لها
__________
(1) الفروع ج 5/ 225 والاختيارات 223 ف 2/ 292.
(2) الإنصاف 8/ 281 ف 2/ 292.
(3) الإنصاف 8/ 200 ف 2/ 292.
(4/176)

الفسخ. وإن ثبت العيب لا عبرة بتمكينها، ولا فرق في ذلك بين العنة وغيرها (1) .
وخرج الشيخ تقي الدين جواز الفسخ بلا حكم في الرضا بعاجز عن الوطء كعاجز عن النفقة، قال في القاعدة الثالثة والستين: ورجح الشيخ تقي الدين أن جميع الفسوخ لا تتوقف على حكم حاكم (2) .
فإذا كان الزوج صغيرًا أو به جنون أو جذام أو برص فالمسألة التي في الرضاع تقتضي أن لها الفسخ في الحال، ولا ينتظر وقت إمكان الوطء.
وعلى قياسه الزوجة إذا كانت صغيرة أو مجنونة أو عفلاء أو قرناء.
ويتوجه أن لا فسخ إلا عند عدم إمكان الوطء في الحال (3) .
وإن لم يقر بالعنة ولم ينكر، أو قال: لست أدري أعنين أنا، أم لا؟ فينبغي أن يكون كما لو أنكر العنة ونكل عن اليمين؛ فإن النكول عن الجواب كالنكول عن اليمين. فإن قلنا يحبس الناكل عن الجواب فالتأجيل أيسر من الحبس. ولو نكل عن اليمين فيما إذا ادعى الوطء وقبل التأجيل فينبغي أن يؤجل هنا، كما لو نكل عن اليمين في العنة.
والسنة المعتبرة في التأجيل هي الهلالية، وهذا هو المفهوم من كلام العلماء؛ لكن تعليلهم بالفصول يوهم خلاف ذلك؛ لكن ما بينهما متقارب.
__________
(1) هذه عبارة الزركشي في نقله عن الشيخ تقي الدين ج 5/ 266 ف 2/ 292.
(2) الإنصاف 211 فيه زيادة ف 2/ 292.
(3) اختيارات 221 ف 2/ 292.
(4/177)

ويتخرج إذا علمت بعنته أو اختارت المقام معه على عسرته هل لها الفسخ؟ على روايتين.
ولو خرج هذا في جميع العيوب لتوجه.
وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع.
ولو بان الزوج عقيمًا فقياس قولنا بثبوت الخيار للمرأة أن لها حقًا في الولد؛ ولهذا قلنا: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، وعن الإمام أحمد ما يقتضيه، وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا.
وتعليل أصحابنا توقف الفسخ على الحاكم باختلاف العلماء صحيح، فإنه إن أريد كل خيار مختلف في وقوعه، وهما لا يتوقفان على الحاكم. ثم خيار امرأة المجبوب متفق عليه. وهو من جملة العيوب التي قالوا لا تتوقف على الحاكم، ولا يعني الاعتذار. فإن أصل خيار العنة والشرط مختلف فيه، بخلاف أصل خيار العنة؛ لأن أصل خيار العيب متفق عليه وهو المجبوب. وأي فرق بين الاختلاف في جنس الخيار والاختلاف في الصورة المعيبة.
ثم خيارات البيع لا تتوقف على الحاكم مع الاختلاف. والواجب أولاً التفريق بين النكاح والبيع، ثم لو علل بخفاء الفسخ وظهوره فإن العيوب وفوات الشرط قد تخفى، وقد يتنازع فيها؛ بخلاف إعتاق السيد لكان أولى من تعليله بالاختلاف.
ولو قيل: إن الفسخ يثبت بتراضيهما تارة، وبحكم الحاكم أخرى، أو بمجرد فسخ المستحق، ثم الآخر إن أمضاه وإلا أمضاه الحاكم لتوجه، وهو الأقوى.
ومتى أذن الحاكم أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ مأذون له لم يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته بلا نزاع؛ لكن لو عقد الحاكم أو فسخ فهو فعله والأصح أنه حكم.
(4/178)

وإذا اعتبر تفريق الحاكم ولم يكن في الموضع حاكم يفرق فالأشبه أن لها الامتناع، وكذلك تملك الانتقال من منزله فإن من ملك الفسخ للعقد ملك الامتناع من التسليم، وينبغي أن تملك النفقة في هذه المدة لأن المانع منه (1) .
وإذا دخل النقص على الزوج لعيب المرأة وفوات صفة أو شرط صحيح أو باطل فإنه ينقص من المسمى بنسبة ما نقص. وهذا النقص من مهر المثل.
وإذا كان الذي نقص هو المرأة بأن يكون الزوج هو المعيب لا تكون قد اشترطت فيه صفة أو شرطًا صحيحًا أو فاسدًا فالواجب هنا أن ينسب ما نقص هذا الفائت من مهر المثل لا لوجوده فيزاد على المسمى بنسبته. فيقال: كم مهر المثل لو لم يسلم لها ما شرطته أو كان الزوج معيبًا؟ فيقال ألف درهم وإذا سلم لها ذلك أو كان الزوج سليمًا فيقال ثمانمائة درهم، فيكون فوات الصفة والعيب قد نقصها من مهر المثل الخمس، فينقصها من المسمى بحسب ذلك. فيكون بقيمته مال ذهب منه خمسه، فيزاد عليه مثل ربعه، فإذا كان ألفين استحق ألفين وخمسمائة، وهذا هو المهر الذي رضيت به لو كان الزوج معيبًا أو لم يشترط صفة، وهذا هو العدل، ويرجع الزوج المغرور بالصداق على من غره من المرأة أو الولي في أصح قولي العلماء (2) .
وقيل في فسخ الزوج بعيب قديم وشرط: ينسب قدر نقص مهر المثل لأجل ذلك إلى مهر المثل كاملاً، فيسقط من المسمى بنسبته فسخ أو أمضى، وقاسه القاضي في الخلاف على المبيع المعيب، وحكاه ابن شاقلا في بعض تعاليقه عن أبي بكر، واختاره ابن عقيل، ويحتمله كلام الشيرازي، ورجحه الشيخ تقي الدين. وقال الشيخ تقي الدين أيضًا:
__________
(1) اختيارات 221-223 ف 2/ 292 وانظر الفروع ج 5/ 238.
(2) اختيارات 223، 224 ف 2/ 292 وعبارة الإنصاف ج 1/ 201 كما يلي.
(4/179)

وكذلك إذا ظهر الزوج معيبًا فللزوجة الرجوع عليه بنقص مهر المثل، وكذا في فوات شرطها (1) .
قال شيخنا: وإن جهل فساد النكاح لتغرير غار كأخته من رضاع فالمهر على الغار (2) .

باب نكاح الكفار

والصواب أن أنكتحهم المحرمة في دين الإسلام حرام مطلقًا، إذا لم يسلموا عوقبوا عليها.
وإن أسلموا عفي لهم عن ذلك لعدم اعتقادهم تحريمه (3) .
واختلف في الصحة والفساد. والصواب أنها صحيحة من وجهين:
فإن أريد بالصحة إباحة التصرف فإنما يباح لهم بشرط الإسلام.
وإن أريد نفوذه وترتيب أحكام الزوجية عليه: من حصول الحل به للمطلق ثلاثًا، ووقع الطلاق فيه، وثبوت الإحصان به فصحيح.
وهذا مما يقوي طريقة من فرق بين أن يكون التحريم لغير المرأة أو لوصف؛ لأن ترتيب هذه الأحكام على نكاح المحارم بعيد جدًا.
وقد أطلق أبو بكر وابن أبي موسى وغيرهما صحة أنكحتهم مع تصريحهم بأنه لا يحصل الإحصان بنكاح ذوات المحارم.
ولو قيل: إن من لم يعلم التحريم فهو في ملك المحرمات بمنزلة
أهل الجاهلية، كما قلنا في إحدى الروايتين إن من لم يعلم الواجبات
__________
(1) الإنصاف 8/ 201 ف 2/ 292.
(2) فروع 5/ 224 ف 2/ 292.
(3) اختيارات 224 والإنصاف 8/ 207 ف 2/ 293.
(4/180)

فهو فيها كأهل الجاهلية فلا يجب عليهم القضاء، كذلك أولئك تكون عقودهم وأفعالهم بمنزلة عقود أهل الجاهلية، فإذا اعتقدوا أن النكاح بلا ولي ولا شهود وفي العدة صحيح كان بمنزلة نكاح أهل الجاهلية.
ويحتمل ما نقل عن الصحابة على أن المعاقد لم يعذر لترك تعلمه العلم مع تقصيره، بخلاف أهل البوادي والحديثي العهد بالإسلام ومن قلد فقيهًا فيتوارثون بهذه الأنكحة.
ولو تقاسموا ميراثًا جهلاً فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حيًا لا يضمنون ما أتلفوا، لأنهم معذورون. وأما الباقي فيفرق بين المسلم والكافر، كما فرقنا في أموال القتال بينهما، فإن الكافر لا يرد باقيًا، ولا يضمن تالفًا والمسلم يرد الباقي، ويضمن التالف. وعلى قياسه كل متلف معذور في إتلافه بتأويل أو جهل (1) .
وإذا أسلم الكافر وتحته معتدة فإن كان لم يدخل بها منع من وطئها حتى تنقضي العدة.
وإن كان دخل بها لم يمنع من الوطء إلا أن تكون قبل وطئه (2) وعلى التقديرين فلا ينفسخ النكاح.
ويحتمل أن يقال في أنكحة الكفار التي نقضي بفسادها: إن كان حصل بها دخول استقرت، وإن لم يكن حصل دخول فرق بينهما.
وإن أسلم الكافر أو ترافعوا إلينا والمهر فاسد وقبضته الزوجة ودخل بها الزوج استقر.
وإن لم يكن دخل وقبضته فرض لها مهر المثل، ونص عليه الإمام
__________
(1) اختيارات 224، 225 زيادات وإيضاح ف 2/ 293.
(2) كذا بالأصل المطبوع.
(4/181)

أحمد في رواية ابن منصور؛ لأنا إنما نقر تقابض الكفار في المشهور إذا كان من الطرفين. فإذا قبضت الخمر أو الخنزير قبل الدخول لم يحصل التقابض من الطرفين، فأشبه ما لو باع خمرًا بثمن وقبضها ثم أسلم فإنا لم نحكم له بالثمن. فكذا هنا، وإن لم تقبضه فرض لها مهر المثل؛ فإن كان من مثلها محرمًا مثل أن كان عادتهم التزويج على خمر أو خنزير يحتمل وجهين. أحدهما: أن يجعل وجود ذلك كعدمه، ويكون كمن لا أقارب لها فينظر في عادة أهل البلد، وإلا فأقرب البلاد. الثاني: أن تعتبر قيمة ذلك عندهم. وفرق أصحابنا في غير هذا الموضع بين الخمر والخنزير، فكذا ههنا، فيخرج أن لها في الخنزير مهر المثل، وفي الخمر القيمة.
وحيث وجبت القيمة فإن اتفقا عليها فلا كلام. وإن اختلفا فإن قامت بنية للمسلمين بالقيمة عندهم بأن يكون ذلك المسلم يعرف سعر ذلك عندهم قضي به، وإلا فالقول قول الزوج مع يمينه. وإن لم يكن سمى لها صداقًا فرض لها مهر المثل. ويتوجه أن الإسلام والترافع إن كانا قبل الدخول فلها ذلك، كما لو كان على محرم وأولى. وإن كان بعد الدخول فإيجاب مهرها فيه نظر؛ فإن الذين أسلموا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض أنكحتهم شغار ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدًا منهم بإعطاء زوجه مهرًا.
وإن أسلمت الزوجة والزوج كافر ثم أسلم قبل الدخول أو بعد الدخول فالنكاح باق ما لم تنكح غيره. والأمر إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه؛ لأن الشارع لم يفصل، وهو مصلحة محضة، وكذا إن أسلم قبلها، وليس له حبسها، فمتى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده فهي امرأته إن اختار (1) .
__________
(1) والفروع 5/ 247، والإنصاف 8/ 213.
(4/182)

ونقل عنه ابن منصور في نصراني تزوج نصرانية على قلة تمر ثم أسلما: فإن دخل بها فهو جائز، وإن لم يدخل بها فلها صداق مثلها. وظاهر هذا أنه قبل الدخول يجب مهر المثل بكل حال وإن قبضت المحرم. قال أبو العباس: وهو قوي؛ إذ تقابض الكفار إنما يمضي على المشهور إذا وجد عن الطرفين، وهنا البضع لم يقبض (1) .
وكذا إن ارتد الزوجان أو أحدهما ثم أسلما أو أحدهما.
وإن ادعا الزوجان سبق أحدهما بالإسلام ولم يعلم عينه فللزوجة نصف المهر، قاله أبو الخطاب تفريعًا على رواية أن لها نصف المهر إن كان هو المسلم.
وقال القاضي: إن لم تكن قبضته لم يجز أن تطالبه بشيء. وإن كانت قبضته لم يرجع عليها فيما فوق النصف. وقياس المذهب هنا القرعة.
قال أبو العباس: وقياس المذهب فيما أراه أن الزوجة إذا أسلمت قبل الزوج فلا نفقة لها؛ لأن الإسلام سبب يوجب البينونة. والأصل عدم إسلامه في العدة فإذا لم يسلم حتى انقضت العدة تبينا وقوع البينونة بالإسلام، ولا نفقة عندنا للبائن، وإن أسلم قبل انقضائها فههنا يخرج وجهًا له.
وإن أسلم الكافر وله ولد صغير تبعه في الإسلام.
فإن كان تحت الصغير أكثر من أربع نسوة، فقال القاضي: ليس لوليه الاختيار منهن؛ لأنه راجع إلى الشهوة والإرادة. ثم قال في «الجامع» : يوقف الأمر حتى يبلغ فيختار. وقال في المجرد: حتى يبلغ عشر سنين. وقال ابن عقيل: حتى يراهق ويبلغ أربع عشرة سنة.
__________
(1) الزركشي 5/ 227 ف 2/ 293.
(4/183)

وقال أبو العباس: الوقف هنا ضعيف؛ لأن الفسخ واجب فيقوم الولي مقامه في التعيين كما يقوم مقامه في تعيين الواجب عليه من المال في الزكاة وغيرها (1) .
ولو أسلم وتحته أربع نسوة فأسلمن معه اختار منهن أربعًا وفارق سائرهن، وليس طلاق إحداهن اختيارًا لها في الأصح (2) .
لو أسلم على أكثر من أربع أو على أختين فاختار أربعًا أو إحدى الأختين فقال المصنف والشارح: يعتزل المختارات ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة المفارقة فلو كن خمسًا ففارق إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة المفارقة وعلى ذلك فقس، وكذلك الأخت. قال الشيخ تقي الدين في شرح المحرر: وفي هذا نظر؛ فإن ظاهر السنة يخالف ذلك. قال: وقد تأملت كلام عامة أصحابنا فوجدتهم قد ذكروا أنه يمسك أربعًا ولم يشترطوا في وطئه انقضاء العدة، لا في جمع العدد، ولا في جمع الرحم، ولو كان هذا أصل عندهم لم يغفلوه؛ فإنهم دائمًا ينبهون في مثل هذا على اعتزال الزوجة؛ كما ذكره الإمام أحمد فيما إذا وطئ أخت امرأته بنكاح فاسد أو زنا بها. وقال هذا هو الصواب فإن هذه العدة تابعة لنكاحها وقد عفا الله عن جميع نكاحها، فكذلك يعفو عن توابع ذلك النكاح. وهذا بعد الإسلام لم يجمع عقدًا ولا وطئًا. انتهى (3) .
وإن طلق الجميع ثلاثًا أقرع بينهن فأخرج بالقرعة أربعًا منهن وله نكاح البواقي ... واختار الشيخ تقي الدين أن الطلاق هنا فسخ ولا يحتسب به من الطلاق الثلاث وليس باختيار (4) .
__________
(1) وإنصاف 8/ 217.
(2) اختيارات 225-227 من قوله ويحتمل أن يقال ف 2/ 293.
(3) إنصاف 8/ 218 ف 2/ 293.
(4) إنصاف 8/ 221 ف 2/ 293.
(4/184)

وإن ظاهر أو آلى من إحداهن فهل يكون اختيارًا لها؟ على وجهين. أحدهما: لا يكون اختيارًا وهو المذهب. قال الشيخ تقي الدين: وهو الذي ذكره القاضي في «الجامع» و «المجرد» وابن عقيل (1) .
ولو تزوج المرتد كافرة مرتدة كانت أو غيرها، أو تزوج المرتدة كافر ثم أسلما فالذي ينبغي أن يقال هنا: إنا نقرهم على نكاحهم أو مناكحهم، كالحربي إذا نكح نكاحًا فاسدًا ثم أسلما فإن المعنى واحد. وهذا جيد في القياس إذا قلنا: إن المرتد لا يؤمر بقضاء ما تركه في الردة من العبادات؛ لكن طرده: أنه لا يحد على ما ارتكبه في الردة من المحرمات، وفيه خلاف في المذهب. وإن كان المنصوص أنه يحد.
فأما إذا قلنا أنه يؤمر بقضاء ما تركه من الواجبات ويضمن ما أتلفه ويعاقب على ما فعله من المحرمات ففيه نظر.
ومما يدخل في هذا كل عقود المرتدين إذا أسلموا قبل التقابض أو بعده. وهذا باب واسع يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه والأموال وتوابعها لو استولوا على مال مسلم أو تقاسموا ميراثًا ثم أسلموا بعد ذلك والدماء وتوابعها (2) .
قوله: وإن أسلم الزوجان معًا فهما على نكاحهما. قال الشيخ تقي الدين: يدخل في المعية لو شرع الثاني قبل أن يفرغ الأول (3) .
وإن كانت الردة بعد الدخول فهل تتعجل الفرقة أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين. واختار الشيخ تقي الدين هنا مثل اختياره فيما إذا أسلم أحدهما بعد الدخول كما تقدم (4) .
__________
(1) إنصاف 8/ 222 ف 2/ 293.
(2) اختيارات 215، 216 ف 2/ 293.
(3) إنصاف 8/ 110 ف 2/ 293.
(4) إنصاف 8/ 216 ف 2/ 293.
(4/185)

باب الصداق

ولا يجوز كتابة الصداق على الحرير وقاله ابن عقيل (1) .
ولا يبطل المهر بذلك، واختاره الشيخ تقي الدين وابن عقيل (2) .
وكلام الإمام أحمد في رواية حنبل يقتضي أنه يستحب أن يكون الصداق أربعمائة درهم، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار. فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه. وكلام القاضي وغيره يقتضي أنه لا يستحب؛ بل يكون بلوغًا مباحًا (3) .
ولو قيل: إنه يكره جعل الصداق دينًا سواء كان مؤخر الوفاء وهو حال أو كان مؤجلاً لكان متوجهًا، لحديث الواهبة نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
والصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك لم يكره، إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك. فأما إن كان عاجزًا عن ذلك فيكره؛ بل يحرم إذا لم يتوصل إليه إلا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة. فأما إن كثر وهو مؤخر في ذمته فينبغي أن يكره هذا كله؛ لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة (4) .
ولو تزوجها على مائة مقدمة ومائة مؤجلة صح. ولا تستحق المطالبة بالمؤجلة إلا بموت أو فرقة (5) نص عليه الإمام أحمد في رواية جماعة، واختاره شيوخ المذهب كالقاضي وغيره. جاء عن ابن سيرين عن شريح «أن رجلاً تزوج امرأة على عاجل وآجل إلى الميسرة فقدمته إلى شريح فقال لنا على ميسرة فآخذه لك» .
__________
(1) اختيارات 227 ف 2/ 293 وتقدم.
(2) إنصاف 1/ 480 ف 2/ 293.
(3) والإنصاف 8/ 229.
(4) اختيارات 227 ف 2/ 293 فيه زيادة.
(5) وفي الإنصاف 8/ 244 وقال الشيخ تقي الدين: الأظهر أنهم أرادوا بالفرقة البينونة.
(4/186)

وقياس المذهب أن هذا الشرط صحيح؛ لأن الجهالة فيه أقل من جهالة الفرقة، وكان هذا الشرط في الحقيقة مقتضى العقد. ولو قيل بصحته في جميع الآجال لكان متوجهًا. صرح الإمام أحمد والقاضي وأبو محمد وغيرهم بأنه إذا أطلق الصداق كان حالاً.
قال أبو العباس: إن كان العرف جاريًا بين أهل تلك الأرض أن المعلق يكون مؤجلاً فينبغي أن يحمل كلامهم على ما يعرفونه. ولو كانوا يفرقون بين لفظ المهر والصداق فالمهر عندهم ما يعجل والصداق ما يؤجل كان حكمهم على مقتضى عرفهم، أو تزوج امرأة اتفق معها على صداق عشرة دنانير وأنه يظهر عشرين دينارًا وأشهد عليها بقبض عشرة فلا يحل لها أن تغدر به؛ بل يجب عليها الوفاء بالشرط، ولا يجوز تحليف الرجل على وجود القبض في مثل هذه الصورة؛ لأن الإشهاد في مثل هذا يتضمن الإبراء (1) .
ولو تزوجها على أن يعطيها في كل سنة تبقى معه مائة درهم. فقد يؤخذ من كلام كثير من أصحابنا أن هذه تسمية فاسدة لجهالة المسمى، وتتوجه صحته، بل هو الأشبه بأصولنا، كما لو باعه الصبرة كل قفيز بدرهم، أو أكراه الدار كل شهر بدرهم، ولأن تقدير المهر بمدة النكاح بمنزلة تأجيله بمدة النكاح، إذ لا فرق بين جهالة القدر وجهالة الأجل. وعلى هذا لو تزوجها على أن يخيط لها كل شهر ثوبًا صح أيضًا؛ إذ لا فرق بين الأعيان والمنافع (2) .
وإن تزوجها على منفعة داره أو عبده ما دامت زوجته. فهنا قد تبطل المنفعة قبل زوال النكاح، فإن شرط لها مثل ذلك إذا تلفت فهنا ينبغي أن يصح. وإن لم يشترط ففيه نظر (3) .
__________
(1) اختيارات 230، 231 هذه فتوى مطولة الموجود هناك ثلاثة أسطر.
(2) اختيارات 231 ف 2/ 294.
(3) اختيارات 231 ف 2/ 294.
(4/187)

وإن تزوجها على أن يعلمها أو يعلم غلامها صنعة صح ذكره القاضي، والأشبه جوازه أيضًا.
ولو كان المعلم أخاها أو ابنها أو أجنبيًا (1) .
ولو علم السورة أو القصيدة غير الزوج ينوي بالتعليم أنه عن الزوج من غير أن يعلم الزوجة فهل يقع عن الزوج؟
فيتوجه أن يقال: إذا قلنا لا يجبر الغريم على استيفاء الدين من غير المدين لم يلتفت إلى نيته إذ لم يظهرها؛ لأن هذا الاستيفاء شرط بالرضا، والغريم المستحق لم يرض أن يستوفي دينه من غير المدين. وإن قلنا يجبر المستحق على الاستيفاء من غير الغريم فيتوجه أن يؤثر مجرد دينه الموفى. ويقبل قوله فيما بعد (2) .
قال في «المحرر» : كل ما صح عوضًا في بيع أو إجارة صح مهرًا إلا منافع الزوج الحر المقدرة بالزمان فإنها على روايتين. وأما القاضي في التعليق فأطلق الخلاف في منافع الحر من غير تقييد بزوج، وكذلك ابن عقيل. وأما أبو الخطاب والشيخ أبو محمد في «المقنع» فلفظهما: إذا تزوجها على منافعه مدة معلومة فعلى روايتين. فاعتبر صاحب «المحرر» القيدين الزوجية والحرية. ولعل مأخذ المنع أنها ليست بمال كقول أبي حنيفة. وسلمه القاضي ولم يمنعه في غير موضع. وقال أبو محمد: هذا ممنوع؛ بل هي مال وتجوز المعاوضة عليها. قال أبو العباس: والذي يظهر في تعليل رواية المنع أنه لما فيه من كون كل من الزوجين يصير ملكًا للآخر؛ فكأنه يفضي إلى تنافي الأحكام، كما لو تزوجت عبدها.
وعلى هذا التعليل إذا كانت المنفعة لغيرها أن تصح. وعلى
__________
(1) اختيارات 228 ف 2/ 294.
(2) اختيارات 230 ف 2/ 294.
(4/188)

هذا تخرج قصة موسى مع شعيب. موجب هذا التعليل: أن المرأة لا تستأجر إجارة معينة مقدرة بالزمان، وإن كل واحد من الزوجين لا يستأجر الآخر. ويجوز أن يكون المنع مختصًا بمنفعة الخدمة خاصة لما فيه من المهنة والمنافاة وإذا لم تصح المنافع (1) صداقًا فقياس المذهب أنه تجب قيمة المنفعة المشروطة إلا إذا علما أن هذه المنفعة لا تكون صداقًا فيشبه ما لو أصدقها مالاً مغصوبًا في أن الواجب مهر المثل في أحد الوجهين (2) .
ولو تزوجها على عبد فبان نصفه مستحقًا خيرت بين أخذه وقيمة التالف وبين قيمة الكل. وتقدم اختيار الشيخ تقي الدين أنه لا يلزمه شيء (3) .
ذكر الزركشي عن الشيخ تقي الدين في بعض قواعده جواز فسخ المرأة النكاح إذا ظهر المعقود عليه حرًا أو مغصوبًا أو معيبًا (4) .
والأوجه أنه إذا تزوج بنية أن يعطيها صداقًا محرمًا، أو لا يوفيها الصداق أن الفرج لا يحل له، فإن هذا لم يستحل الفرج بماله. فلو تاب من هذه النية ينبغي أن يقال: حكمه حكم ما لو تزوجها بعين محرمة والمرأة لا تعلم تحريمها (5) .
لو شرط [الأب] جميع المهر له صح كشعيب عليه السلام، وشرط عدم الإجحاف القاضي في المجرد ... قال الشيخ تقي الدين: وهذا ضعيف ولا يتصور الإجحاف لعدم ملكها له (6) .
__________
(1) وفي الإنصاف الخدمة.
(2) الإنصاف 8/ 229، 230 والاختيارات 228 ف 2/ 294.
(3) إنصاف 8/ 247 ف 2/ 294.
(4) إنصاف 8/ 248 ف 2/ 294.
(5) اختيارات 227 ف 2/ 294.
(6) إنصاف 8/ 249 ف 2/ 294.
(4/189)

وإن لم يحصل للمرأة ما أصدقها لم يكن النكاح لازمًا ولو أعطيت بدله كالبيع، وإنما يلزم ما ألزم به الشارع أو التزمه المكلف، وما خالف هذا القول فضعيف مخالف للأصول. فإذا لم نقل بامتناع العقد بتعذر تسليم المعقود عليه فلا أقل من أن يملك المرأة الفسخ.
فإن أصدقها شيئًا معينًا وتلف قبل قبضه ثبت للزوجة فسخ النكاح، وإن كان الشرط باطلاً ولم يعلم المشترط ببطلانه لم يكن العقد لازمًا؛ بل إن رضي بدون الشرط وإلا فله الفسخ.
وإن تزوجها على أن يشتري عبد زيد فامتنع زيد من بيعه فأعطاها قيمته ثم باعه زيد العبد فهل تملك رد البدل وأخذ العبد؟ تردد فيه أبو العباس.
ولو أصدقها عبدًا بشرط أن تعتقه فقياس المشهور من المذهب أنه يصح كالبيع (1) . والذي ينبغي في سائر أصناف المال كالعبد والشاة والبقرة والثياب ونحوها أنه إذا أصدقها شيئًا من ذلك أن يرجع فيه إلى مسمى ذلك اللفظ في عرفها، كما نقول في الدراهم والدنانير المطلقة في العقد. وإن كان بعض ذلك غالبًا أخذته كالبيع، أو كانت عادتها اقتناؤه أو لبسه (2) فهو كالملفوظ به.
ونص الإمام أحمد في رواية جعفر النسائي: أنه إذا أصدقها عبدًا غير معين من عبيده أنه يصح، ولها الوسط على قدر ما يخدم مثلها (3) . ونقلها دليل على أنه لم يعتبر الخادم مطلقًا وإنما اعتبر ما يناسبها.
قال أبو العباس في الخلع: ولو خالعها على عبد مطلق لو قيل
__________
(1) اختيارات 228، 229 ف 2/ 294.
(2) الإنصاف «أو كان من عادتها» .
(3) عبارة الإنصاف: «وهذا تقييد للوسط مما يخدم مثلها» .
(4/190)

يجب ما يجزئ عتقه في الكفارة وما يجب في النذر المطلق لكان أقرب إلى القياس، إلا أنه لا يعتبر فيه الإيمان.
أطلق القاضي أنه إذا تزوجها على بيت أنه لا يصح، واستدل بمسألة مثنى في الحضرية ومفهومها أن البدوية ليست كذلك، وهذا أشبه؛ لأن بيوت البادية من جنس واحد كالخادم؛ بخلاف الحضر فإن بيوتهم تختلف جنسًا وقدرًا وصفة اختلافًا متفاوتًا (1) .
ولو أراد أن يغير المهر مثل تبديل نقد بنقد أو تأجيل الحال أو إحلال المؤجل ونحو ذلك فموجب تعليل أصحابنا في الفرق بين النكاح والبيع والإجارة أن هذا لا يصح؛ لأن هذا ليس تبديل فرض بفرض وإنما هو تغيير لذلك الفرض (2) .
وإذا أعتق أمته على أن تزوجه نفسها ويكون عتقها صداقها؟ قال القاضي: هي بالخيار إن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تتزوجه، وتابعه أبو محمد وأبو الخطاب وغيرهما؛ لأنه سلف في النكاح فلا يلزم الوفاء به. ويتوجه صحة السلف في العقود كلها كما يصح في العتق، ويصير العتق مستحقًا على المسلف إن فعله وإلا قام الحاكم مقامه في توفية العقد المستحق، كما يقوم مقامه في توفية الأعيان والمنافع؛ لأن العقد منفعة من المنافع فجاز السلم فيه كالصناعات، وهذا بمنزلة الهبة المشروط فيها الثواب.
والمنصوص عن الإمام أحمد في اشتراط التزويج على الأمة إذا أعتقها لزم هذا الشرط قبلت أم لم تقبل، كاشتراط الخدمة. قال أحمد بن القاسم: سئل أحمد عن الرجل يعتق الجارية على أن يتزوجها
يقول: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، أو يقول أعتقتك على أن
__________
(1) اختيارات 229، 230 ف 2/ 294.
(2) اختيارات 232 ف 2/ 294.
(4/191)

أتزوجك؟ قال: هو جائز، وهو سواء: أعتقتك وتزوجتك وعلى أن أتزوجك إذا كان كلامًا واحدًا إذا تكلم به فهو جائز.
وهذا نص من الإمام أحمد على أن قوله «على أن أتزوجك» بمنزلة قوله: «وتزوجتك» وكلامه يقتضي أنها تصير زوجة بنفس هذا الكلام. وعلى قول الأولين إذا لم يتزوجها ذكروا أنه يلزمها قيمة نفسها، سواء كان الامتناع منه أو منها. وهذا فيه نظر إذا كان الامتناع منه.
ويتخرج على قولهم أنها تعتق مجانًا. ويتخرج إلى أنه يرجع إلى بدل العوض لا إلى بدل العتق، وهو قياس المذهب وأقرب إلى العدل؛ إذ الرجل طابت نفسه بالعتق إذا أخذ هو العوض، وأخذ بدله قائم مقامه (1) .
ومن أعتقت عبدها على أن يتزوج بها أو بسواها أو بدونه عتق ولم يلزمه شيء ذكره أصحابنا. وعلله ابن عقيل بأنها اشترطت عليه تمليك البضع وهو لا قيمة له، وعلله القاضي بأنه سلف في النكاح، والحظ في النكاح للزوج. وهذا الكلام فيه نظر؛ فإن الحظ في النكاح للمرأة؛ ولهذا ملك الأولياء أن يجبروها عليه دون الرجل.
وملك الولي في الجملة أن يطلق على الصغير والمجنون ولم يملك ذلك من الصغيرة ولو أراد أن يفسخ نكاحها. ومعلوم أنها اشترطت نفقة ومهرًا أو استمتاعًا وهذا مقصود، كما أنه إذا أعتقها على أن يتزوجها شرط عليه استمتاعًا تجب عليه بإزائه النفقة.
وأما إذا خير بين الزواج وعدمه فيتوجه أن عليه قيمة نفسه.
وإذا قبل التزويج فليس عليه إلا مهر المثل، فإنه مقتضى النكاح المطلق. وإنما أوجبنا عليه بالمفارقة قيمة نفسه لأن العوض المشروط في
__________
(1) اختيارات 233، 234 ف 2/ 294.
(4/192)

العقد هو تزوجه بها ولا قيمة له في الشرع فيكون كما لو أعتقته على عوض لم يسلم لها.
ويتوجه أنه إذا لم يتزوجها يعطيها مهر المثل أو نصفه؛ لأنه هو الذي تستحقه عليه إذا تزوجها؛ فإنه يملك الطلاق بعد ذلك، وإنما يجب لها بالعقد مهر المثل.
وهذا البحث يجري فيما إذا أعتق عبده على أن يزوجه أخته أو يعتقها. وإذا لم نصحح الطلاق مهرًا فذكر القاضي في الجامع وأبو الخطاب وغيرهما أنها تستحق مهر المثل لفساده.
والمحكي في المجرد عن أبي بكر أنها تستحق مهرًا بضده. وقاله ابن عقيل وهو أجود. فإن الصداق وإن كان له بدل عند تعذره فله بدل عند فساد تسميته. هذا قياس المذهب.
ولو قيل ببطلان النكاح هنا لم يبعد؛ لأن المسمى فاسد لا بدل له، فهو كالخمر، وكنكاح السفاح (1) وإذا صححنا إصداق الطلاق فماتت الضرة قبل الطلاق فقد يقال: حصل مقصودها من الفرقة فأبلغ الطرق فيكون كما لو أوفى عنه المهر أجنبي. وفيه نظر.
والذي ينبغي في الطلاق أنه إذا كان السائل له ليخلص المرأة جاز له بذل عوضه سواء كان نكاحًا أو مالاً كإن كانت له امرأة يضربها ويؤذيها فقال: طلق امرأتك على أن أزوجك بنتي فهذا سلف في النكاح. أو قال: زوجتك بنتي على طلاق امرأتك. فهذه مسألة إصداق الطلاق.
والأشبه أن يقال في مثل هذا: إن الطلاق يصير مستحقًا عليه، كما لو قال خذ هذا الألف على أن تطلق امرأتك، وهذا سلف في الطلاق وليس يمتنع كما تقدم.
__________
(1) في الإنصاف كنكاح الشغار.
(4/193)

وأما إن كان باذل العوض لغرض ضرر المرأة فههنا لا يجوز، للحديث فعلى هذا لو خالعت الضرة عن ضرتها بمال أو خالع أبوها فهنا ينبغي ألا يجوز هذا، كما لا يجوز أن يخالع الرجل لو كان مقصوده التزوج بالمرأة. فلو كان مقصوده تزويج المرأة بالأجنبي ينظر في مسألة الطلاق إن كانت محرمة فله حكم، وإن كانت مباحة أو مستحقة فله حكم. وإذا كان الأجنبي قد حرم عليه أن يسأل الطلاق فهل يحل للزوج أن يجيبه ويأخذ العوض وهذا نظير بيعه إياه على بيع أخيه (1) .
ولو ادعى الزوج أن الصداق تكرر في عقد واحد، وقالت: بل هما عقدان بينهما فرقة. فالقول قولهما، ولهما المهران. هذا قول أبي الخطاب والجد. وينبغي أن يكون القول قوله؛ لأن الأصل عدم الفرقة بينهما. والأصل براءة ذمته مما زاد على المهر الثاني، ولا تستحق إلا نصفه؛ لأن الأصل عدم الدخول، ولم يثبت ببينة ولا إقرار قاله القاضي. وقال أبو محمد: إن أنكر الدخول فالقول قوله، وإن لم ينكره ولم يعترف به فالقول قولها في وجود الدخول. قال أبو العباس: وهكذا يجيء في كل صورة ادعت عليه صداقًا في نكاح فأنكر الزوج وقامت البينة ووقع منه الطلاق هل يحكم عليه بجميع المسمى، أو بنصفه، أو يفرق بين ادعائه المسقط وعدمه؟ على الأوجه.
ومأخذ المسألة أن الصداق إذا ثبت بالعقد وحصلت الفرقة فهل يحكم عليه ما لم يدع عدم الدخول (2) .
والزيادة في المهر هل يفتقر لزومها إلى قبول الزوجة؟ ينبغي أن يكون كابتداء الفرض بعد الفرض. فلو فرض لها أكثر من مهر المثل
__________
(1) اختيارات 233-235 ف 2/ 294.
(2) اختيارات 232، 233 ف 2/ 294.
(4/194)

فهل يلزم بمجرد فرضه؟ كلام أحمد «زادها في فرضها» مطلق لم يفصل بين أن تكون قبلتها أم لا (1) .
ولو زوج موليته بدون مهر مثلها ولم يكن أبا لزم الزوج المسمى والتمام على الولي، وهو رواية عن الإمام أحمد كالوكيل في البيع.
ويتحرر لأصحابنا فيما إذا زوج ابنه الصغير بمهر المثل أو أزيد روايات:
إحداهن: أنه على الابن مطلقًا، إلا أن يضمنه الأب فيكون عليهما.
الثانية: انه يضمنه فيكون عليه وحده.
الثالثة: أنه على الأب ضمانًا.
الرابعة: أنه عليه أصالة.
الخامسة: أنه إذا كان الابن مقرًا فهو على الأب أصالة.
السادسة: الفرق بين رضا الابن وعدم رضاه. وضمان الأب المهر والنفقة على الابن قد يكون بلفظ الضمان، وقد يكون بلفظ آخر: مثل أن يقول: الذي لي لابني، أو أنا وابني شيء واحد، وهل يترك والد ولده؟ ونحو ذلك من الألفاظ التي تغريهم حتى يزوجوا ابنه.
وقد يكون بدلالة الكلام، وقد يذكر الأب ما يقتضي أنه قد ملك ابنه مالاً، أو يخبرهم بذلك فيزوجوه على ذلك، مثل أن يقول: أنا أعطيته عشرة آلاف درهم، أو له عشرة آلاف درهم، ونحو ذلك؛ فهنا ينبغي أن يتعلق حقهم بهذا القدر من مال الأب.
__________
(1) اختيارات 232 ف 2/ 294.
(4/195)

ونفقة الزوجة قبل بلوغ الزوج أو قبل رضاه ينبغي أن تكون كالمهر.
قال القاضي في «الجامع» : إذا مات الأب الذي عليه مهر ابنه فأخذ من تركته فإنه يرجع به على الابن نص عليه في رواية ابن منصور والبرزالي.
قال القاضي: يحتمل أن يكون أثبت له ذلك بناء على الرواية التي تقول: إن من ضمن عن غيره بغير إذنه يرجع. ويحتمل أن يحمل على الرواية الأخرى، وأنه تطوع بذلك؛ لكن على أن يحصل القبض منه. وعلى هذا حمله أبو حفص.
قال أبو العباس: ولا يتم الجواب إلا بالمأخذين جميعًا. وذلك أن الأب قائم مقام ابنه، فلو ضمنه أجنبي بإذنه صح، فإذا ضمنه هو فأولى أن يكون ضمانًا لازمًا للابن. وإذا كان له أن يثبت المال في ذمته بدون ضمانه فضمانه وقضاؤه أولى.
قال القاضي في «الجامع» : إذا ضمنه الأب لزمه كما لو ضمنه أجنبي.
وإذا أقبضه إياه فهل يملك الرجوع به على الأب؟ على روايتين. أصلهما ضمان الأجنبي عن غيره بغير إذنه.
قال أبو العباس: بل يرجع قولاً واحدًا؛ لأنه قائم مقام ابنه في الإذن لنفسه، كما لو ضمن أجنبي بإذن نفسه.
ولو وفى الإنسان عن غيره دينًا من صداق أو غيره كان للمستوفي أخذه له وفاء عن دينه وبدلاً عنه. وأما الموفى عنه إذا لم يرجع به عليه فهو متبرع عليه.
ثم هل ملكه الموفى عنه ثم انتقل إلى الموفي بحيث يقال: لو انفسخ يثبت الاستحقاق أو بعضه كالطلاق قبل الدخول وفسخ البيع كان
(4/196)

للموفى عنه، أو لم يملك فيعود إلى الموفي؟ الراجح أنه لا يجب انتقاله (1) .
ولو قيل في كل موضع تبرعت المرأة بالصداق ثم وقع الطلاق وهو باق بعينه أنه يرجع بالنصف على من هو في يده، وكذلك في جميع الفسوخ لم يبعد، بخلاف ما لو خرج بمعاوضة (2) .
وللمرأة منع نفسها حتى تقبض مهرها. قال الشيخ تقي الدين: الأشبه عندي أن الصغيرة تستحق المطالبة لها بنصف الصداق؛ لأن النصف يستحق بإزاء الحبس وهو حاصل بالعقد، والنصف الآخر بإزاء الدخول فلا يستحق إلا بالتمكين (3) .
والنقد المتقدم محسوب من الصداق وإن لم يكتب في الصداق إذا تواطئوا عليه، ويطالب بنصفه عند الفرقة قبل الدخول لأن الشرط المتقدم كالمقارن إلا أن يفتوا بخلاف ذلك (4) .
مسألة:
وإذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها ثم طلقها فهل لها الرجوع إذا كان يمكنها، لكون مثل هذا الإبراء لا يصدر في العادة إلا على أن يمسكها أو خوفًا من أن يطلقها أو يتزوج عليها أو نحو ذلك؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد.
وأما إذا كانت نفسها قد طابت بالإبراء مطلقًا وهو أن يكون ابتداء منها لا بسبب منه ولا عوض فهنا لا ترجع بلا ريب. والله أعلم (5) .
__________
(1) اختيارات ص 236، 237 ف 2/ 294.
(2) اختيارات 231 ف 2/ 295.
(3) إنصاف 8/ 301 ف 2/ 294.
(4) اختيارات 233 ف 2/ 294.
(5) مختصر الفتاوى 462 ف 2/ 294.
(4/197)

وإذا ادعى الابن على أبيه بصداق أمه وكسوتها الماضية قبل موتها فعلى الأب أن يوفيه ما يستحقه من ذلك (1) .
ومن أعطى قومًا شيئًا واتفقوا على أن يزوجوه بنتهم فماتت البنت لم يكن له أن يرجع عليهم بشيء مما أعطاهم، وإن كانوا لم يفوا له بما طلبه منهم فله الرجوع (2) .
وقال ابن العباس: وقد كتبت عن الإمام أحمد فيما إذا أهدى لها هدية بعد العقد فإنها ترد ذلك إليه إذا زال العقد الفاسد. فهذا يقتضي أن ما وهبه لها بسبب النكاح فإنه يبطل إذا زال النكاح، وهو خلاف ما ذكره أبو محمد وغيره. وهذا المنصوص جار على أصول المذهب الموافق لأصول الشريعة، وهو أن كل من أهدي له شيء أو وهب له شيء بسبب يثبت بثبوته ويزول بزواله، ويحرم بحرمته ويحل بحله حيث جاز في تولي الهدية مثل من أهدي له للقرض فإنه يثبت له فيه حكم بدل القرض، وكذلك من أهدي له لولاية مشتركة بينه وبين غيره كالإمام وأمير الجيش وساعي الصدقات فإنه يثبت في الهدية حكم ذلك الاشتراك. ولو كانت الهدية قبل العقد وقد وعدوه بالنكاح فزوجوا غيره رجع بها (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: ما قبض بسبب النكاح فكمهر.
وقال أيضًا: ما كتب فيه المهر لا يخرج بطلاقها (4) .
وإذا اختلف الزوجان في قدر الصداق فالقول قول الزوج مع يمينه. وقال الشيخ تقي الدين: يتخرج لنا قول كقول مالك إن كان
__________
(1) مختصر الفتاوى 455 ف 2/ 294.
(2) مختصر الفتاوى 433 ف 2/ 294.
(3) اختيارات 232 ف 2/ 294.
(4) إنصاف 8/ 289 ف 2/ 294.
(4/198)

الاختلاف قبل الدخول تحالفًا. وإن كان بعده فالقول قول الزوج (1) .
تنبيه: إذا قلنا يتعلق المهر بذمة السيد ضمانًا فقضاه عن عبده فهل يرجع إليه إذا عتق؟ قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: ينبغي أن يخرج هنا على الخلاف في مهر زوجته إذا كانت أمة للسيد فحيث رجع هناك رجع هنا (2) .
... ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله إنما صار إلى الواجب خمسا المسمى توقيفًا؛ لأنه نقل عن عثمان. ووجهها الشيخ تقي الدين فقال: المهر في نكاح العبد ويجب بخمسة أشياء: النكاح، وعقد الصداق، وإذن السيد في النكاح، وإذنه في الصداق، والدخول. فإذا نكح بلا إذنه فالنكاح باطل ولم يوجد إلا التسمية من العبد والدخول فيجب الخمسان (3) .
ولو صالحت عن صداقها المسمى بأقل جاز؛ لأنه إسقاط لبعض حقها. ولو صالحته على أكثر من ذلك بطل الفضل؛ لأن في ذلك ربا؛ لأنه زيادة على حقها. وقياس المذهب جوازه لأنه زيادة على المهر بعد العقد وذلك جائز، وصححنا أنه يصح أن يصطلحا على مهر المثل بأقل منه وأكثر مع أنه واجب بالعقد (4) .
ويتقرر المهر بالخلوة وإن منعته الوطء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب. وقيل له: فإن أخذها وعندها نسوة وقبض عليها ونحو ذلك من غير أن يخلو بها؟ قال: إذا نال منها شيئًا لا يحل لغيره فعليه المهر.
وإن قلنا لا مهر بالخلوة في النكاح الفاسد على قولنا بوجوب
__________
(1) إنصاف 8/ 289 ف 2/ 294.
(2) إنصاف 8/ 255 ف 2/ 294.
(3) إنصاف 8/ 258 ف 2/ 294.
(4) اختيارات 232 ف 2/ 296.
(4/199)

العدة فيه والفسخ لاعتبار الزوج بالمهر أو النفقة نظير الفسخ لعنة بالزوج، فيتخرج منه التنصيف على الرواية المنصوصة عنه فيه، فإن لها نصف المهر، لكونها معذورة في الفسخ. ويتخرج ويلزم على قول من قال: إن خروج البضع من ملك الزوج يتقوم (1) .
ولا تقبل دعوى عدم علمه بها، والمنصوص ولو أنه أعمى؛ لأن العادة أنه لا يخفى عليه ذلك، فقد قدم أصحابنا هنا العادة على الأصل، فكذا دعوى إنفاقه؛ فإن العادة هناك أقوى قاله شيخنا (2) .
ولا بد من اعتبار العصر في مهر المثل؛ فإن الزمان إن كان زمان رخص رخص وإن زادت المهور. وإن كان زمن غلاء وخوف نقص. وقد تعتبر عادة البلد والقبيلة في زيادة المهر ونقصه.
وينبغي أيضًا اعتبار الصفات المعتبرة في الكفاءة. فإن كان أبوها موسرًا ثم افتقر أو ذا صنعة جيدة ثم تحول إلى دونها، أو كانت له رئاسة وملك ثم زالت عنه تلك الرئاسة والملك فيجب اعتبار مثل هذا. وكذلك لو كان أهلها لهم عز في أوطانهم ورئاسة فانقلبوا إلى بلد ليس لهم فيه عز ولا رئاسة، فإن المهر يختلف بذلك في العادة.
وإن كانت عادتهم يسمون مهرًا ولكن لا يستوفونه قط مثل عادة أهل الجفاء مثل الأكراد وغيرهم فوجوده كعدمه.
والشرط المتقدم كالمقارن. والإطراد العرفي كالمقتضي.
قال أبو العباس: وقد سئلت عن مسألة من هذا وقيل لي: ما مهر مثل هذه؟ فقلت: ما جرت العادة بأنه يؤخذ من الزوج. فقالوا: إنما يؤخذ المعجل قبل الدخول. فقلت: هو مهر مثلها (3) .
__________
(1) اختيارات 237 ف 2/ 295.
(2) فروع 5/ 272 وإنصاف 8/ 284 ف 2/ 295.
(3) اختيارات 238 ف 2/ 295.
(4/200)

وإن اختلفا في قبض المهر فالمتوجه إن كانت العادة الغالبة جارية بحصول القبض في هذه الديون أو الأعيان فالقول قول من يوافق العادة، وهو جار على أصولنا وأصول مالك في تعارض الأصل والعادة، والظاهر أنه يرجح.
وفرق بين دلالة الحال المطلقة العامة وبين دلالة الحال المقيدة المخصوصة.
فأما إن كانت الزوجة وقت العقد فقيرة ثم وجد معها ألف درهم فقال هذا هو الصداق، وقالت أخذته من غيره ولم تعين ولم يحدث لها قبض مثله فهو نظير تعليم السورة المشروطة وفيها وجهان.
ونظيره الإنفاق عليها والكسوة.
وفي هذه المواضع كلها إذا أظهرت جهة القبض الممكن منها كالممكن من الزوج فينبغي أن يكون القول قولها. وإلا فلا (1) .
ومن عرفت أنها زوجة فلان وأنه تزوجها ولم يسم لها صداقًا. فمات. فلها المطالبة بمهر المثل ولو لم يكن لها بينة بمقدار الصداق. وعليها اليمين أنها لم تبرؤه ولم تقبض صداقها (2) .
والأب هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقاله طائفة من العلماء. وليس في كلام الإمام أحمد أن عفوه صحيح لأن بيده عقدة النكاح، بل لأن له أن يأخذ من مالها ما شاء. وتعليل الإمام أحمد بالأخذ من مالها ما شاء يقتضي جواز العفو بعد الدخول على الصداق كله. وكذلك سائر الديون.
والأشبه في مسألة الزوجة الصغيرة أنه يستحق وليها المطالبة لها
__________
(1) اختيارات 239، 240 ف 2/ 295.
(2) مختصر الفتاوى 606 ف 2/ 295.
(4/201)

بنصف الصداق والنصف الآخر لا يطالب به إلا إذا مكنت من نفسها؛ لأن النصف مستحق بإزاء الحبس وهو حاصل بالعقد، والنصف الآخر بإزاء الدخول فلا تستحقه إلا ببذل نفسها (1) .
إذا دخل بها وكان قد سمى لها صداقًا ثم طلقها فلا متعة لها. وعنه لها المتعة، وعنه تجب لكل مطلقة. وعنه تجب للكل إلا لمن دخل بها وسمى لها مهرًا. قال الشيخ تقي الدين عن هذه الرواية الثالثة صوابه إلا من سمي مهرها ولم يدخل بها. قال: وإنما هذا زيغ حصل من قلم صاحب «المحرر» (2) .
وتجب المتعة لكل مطلقة وهو رواية عن الإمام أحمد نقلها حنبل، وهو ظاهر دلالة القرآن. واختار أبو العباس في الاعتصام بالكتاب والسنة أن لكل مطلقة متعة إلا التي لم يدخل بها وقد فرض لها وهو رواية عن الإمام أحمد وقاله عمر.
وإذا أوجبنا المتعة للمدخول بها وكان الطلاق بائنًا أو رجعيًا فينبغي أن تجب لها أيضًا مع نفقة العدة حيث أوجبناها، وتكون نفقته الرجعية مغنية عن متاع آخر بحيث لا يجب لها كسوتان (3) .
وإن مات أحدهما ورثه صاحبه، ولها مهر نسائها. وقيل عنه: لا مهر لها. قال الشيخ تقي الدين: في القلب حزازة من هذه الرواية، والمنصوص عنه في رواية الجماعة أن لها مهر المثل على حديث بروع بنت واشق نص عليه في رواية علي بن سعيد وصالح ومحمد بن الحكم والميموني وابن منصور وحمدان بن علي وحنبل. قال: ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله رواية تخالف السنة وإجماع الصحابة بل الأمة؛ فإن
__________
(1) اختيارات 238 فيه زيادة ف 2/ 295.
(2) إنصاف 8/ 302، 303 ف 2/ 295.
(3) اختيارات 237، 238 ف 2/ 295.
(4/202)

القائل قائلان: قائل بوجوب مهر المثل وقائل بسقوطه، فعلمنا أن ناقل ذلك غالط عليه.
والغلط إما في النقل (1) وإما ممن دونه: في السمع، أو في الحفظ، أو في الكتاب؛ إذ من أصل الإمام أحمد الذي لا خلاف عنه فيه أنه لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة ولا يجوز ترك الحديث الصحيح من غير معارض له من جنسه، وكان رحمه الله شديد الإنكار على من يخالف ذلك فكيف يفعله هو -مع أمانته- من غير موافقة لأحد؟ ومع أن هذا القول لا حظ له في الآية، ولا له نظير. هذا مما يعلم قطعًا أنه باطل (2) .
قال أصحابنا وغيرهم: يجب مهر المثل للموطوءة بشبهة.
وينبغي أنه إذا أمكن أن يكون في وطء الشبهة مسمى فيكون هو الواجب؛ فإن الشبهة ثلاثة أقسام: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد، وشبهة ملك.
فأما عقد النكاح فلا ريب فيه.
وأما عقد البيع فإنه إذا وطئ الجارية المشتراة شراء فاسدًا فالأشبه ألا مهر ولا أجرة لمنافعها.
وأما شبهة الاعتقاد فإن كان الاشتباه عليه فقط فينبغي ألا يجب لها مهر. وإن كان عليها فقط فإن اعتقدت أنه زوجها فلا يبعد أن يجب لها المهر المسمى.
وأما شبهة الملك: مثل مكاتبته وأمة مكاتبته والأمة المشتركة فإن كان قد اتفق مع مستحق المهر على شيء فينبغي أن لا يجب سواه.
__________
(1) لعله الناقل.
(2) إنصاف 8/ 298 ف 2/ 295.
(4/203)

وهذا قياس ضمان الأعيان والمنافع فإنها تضمن بالقيمة، إلا أن يكون المالك قد اتفق مع المتلف على غير ذلك، سواء كان الإتلاف حلالاً أو حرامًا.
وإذا تكرر الوطء في نكاح الشبهة فلا ريب أن الواجب مهر واحد، كما تجب عدة واحدة (1) .
وقوله: ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة. وظاهر كلام الشيخ تقي الدين. أنه لا يجب لها مهر، لأنه قال: البضع إنما يتقوم على زوج أو شبهه فيملكه (2) .
«والمكرهة على الزنا» وعنه: يجب للبكر خاصة، وعنه لا يجب مطلقًا، ذكرها واختارها الشيخ تقي الدين، وقال: هو خبيث (3) .
ولا يجب المهر للمكرهة على الزنا. وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة واختيار أبي البركات.
وذكر أبو العباس في موضع آخر عن أبي بكر التفرقة فأوجبه للبكر دون الثيب، ورواه ابن منصور عن الإمام أحمد. لكن الأمة البكر إذا وطئت مكرهة أو بشبهة أو مطاوعة فلا ينبغي أن يختلف في وجوب أرش البكارة، وهو ما نقص من قيمتها بالثيوبة. وقد يكون بعض القيمة أضعاف مهر مثل الأمة.
ومتى خرجت منه زوجته بغير اختياره بإفسادها أو بإفساد غيرها أو بيمينه لا تفعلي شيئًا ففعلته: فله مهرها. وهو رواية عن الإمام أحمد كالمفقود؛ بناء على الصحيح أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
__________
(1) اختيارات 239، 240 ف 2/ 296.
(2) إنصاف 8/ 306 ف 2/ 296.
(3) إنصاف 8/ 304 ف 2/ 296.
(4/204)

والفرقة إن كانت من جهتها فهي كإتلاف البائع. فيخير على المشهور بين مطالبتها بمهر المثل وضمان المسمى لها وبين إسقاط المسمى (1) .

باب وليمة العرس

الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي. وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث، وقاله القاضي في «الجامع» .
وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر (2) .
تستحب الوليمة بالعقد ... وقال الشيخ تقي الدين: تستحب بالدخول (3) .
ووقت الوليمة في حديث زينب وصفته تدل على أنه عقب الدخول (4) .
والإجابة إليها واجبة. وقيل: مستحبة، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله (5) .
قال في الترغيب والبلغة: إن علم حضور الأرذال ومَنْ مجالستهم تزري بمثله لم تجب إجابته. قال الشيخ تقي الدين على هذا القول: لم أره لغيره من أصحابنا. قال: وقد أطلق الإمام أحمد رحمه الله الوجوب واشتراط الحل وعدم المنكر. فأما هذا الشرط فلا أصل له، كما أن
__________
(1) اختيارات 240 ف 2/ 296.
(2) اختيارات 240، 241 ف 2/ 296.
(3) إنصاف 8/ 317 ف 2/ 296.
(4) اختيارات 240 ف 2/ 296.
(5) إنصاف 8/ 318 ف 2/ 296.
(4/205)

مخالطة هؤلاء في صفوف الصلاة لا تسقط الجماعة، وفي الجنازة لا تسقط حق الحضور، فكذلك ههنا. وهذه شبهة الحجاج بن أرطاة، وهو نوع من التكبر فلا يلتفت إليه. نعم إن كانوا يتكلمون بكلام محرم فقد اشتملت الدعوة على محرم، وإن كان مكروهًا فقد اشتملت على مكروه، وأما إن كانوا فساقًا لكن لا يأتون بمحرم ولا مكروه لهيبته في المجلس فيتوجه أن يحضر إذا لم يكونوا ممن يهجرون مثل المستترين. أما إن كان في المجلس من يهجر ففيه نظر. والأشبه جواز الإجابة لا وجوبها. اهـ (1) .
وقال أبو داود: قيل لأحمد تجيب دعوة الذمي؟ قال: نعم. قال الشيخ تقي الدين: قد يحمل كلامه على الوجوب (2) .
والدعاء إلى الوليمة إذن في الأكل والدخول، قاله في المغني. وقال في المحرر: لا يباح الأكل إلا بصريح إذن أو عرف، وكلام الشيخ عبد القادر يوافقه، وما قالاه مخالف لما عليه عامة الأصحاب (3) .
وأعدل الأقوال إنه إذا حضر الوليمة، وهو صائم إن كان ينكسر قلب الداعي بترك الأكل فالأكل أفضل. وإن لم ينكسر قلبه فإتمام الصوم أفضل.
ولا ينبغي لصاحب الدعوة الإلحاح في تناول الطعام للمدعو إذا امتنع، فإن كلا الأمرين جائز. ولا ينبغي للمدعو إذا رأى أنه يترتب على امتناعه مفاسد أن يمتنع، فإن فطره جائز. فإن كان ترك الجائز مستلزما لأمور محذورة ينبغي أن يفعل ذلك الجائز، وربما يصير واجبا (4)
__________
(1) الإنصاف 8/319 ف 2/296.
(2) إنصاف 8/320 ف 2/296.
(3) اختيارات 242 ف 2/296.
(4) اختيارات 240 ف 2/296.
(4/206)

والأشبه جواز الأجابة لا وجوبها إذا كان في مجلس الوليمة من يهجره (1) .
والحضور مع الإنكار المزيل على قول عبد القادر هو حرام، وعلى قول القاضي والشيخ أبي محمد هو واجب. والأقيس بكلام الإمام أحمد في التخيير عند المنكر المعلوم غير المحسوس أن يخير بينهما أيضا، وإن كان الترك أشبه بكلامه لزوال المفسدة بالحضور والإنكار؛ لكن لا يجب لما فيه من تكليف الإنكار. ولأن الداعي أسقط حرمته باتخاذه المنكر.
ونظر هذا إذا مر بمتلبس بمعصية هل يسلم عليه، أو يترك التسليم؟
وإن خافا أن يأتوا بالمحرم ولم يغلب على ظنهم أحد الطرفين فقد تعارض الواجب وهو الدعوة والمبيح وهو خوف شهود الخطيئة فينبغي ألا يجب؛ لأن الموجب لم يسلم من المعارض المساوي، ولا يحرم؛ لأن المحرم كذلك؛ فينتفي الوجوب والتحريم وينبغي الجواز.
ونصوص الإمام أحمد كلها تدل على المنع من اللبث في المكان المضر. وقاله القاضي، وهو لازم للشيخ أبي محمد حيث جزم بمنع اللبث في مكان فيه الخمر وآنية الذهب والفضة، ولذلك مأخذان.
أحدهما: أن إقرار ذلك في المنزل منكر فلا يدخل إلى مكان فيه ذلك. وعلى هذا فيجوز الدخول إلى دور أهل الذمة وكنائسهم وإن كانت فيها صور؛ لأنهم يقرون على ذلك فإنهم لا ينهون عن ذلك كما ينهون عن إظهار الخمر. وبهذا يخرج الجواب عما احتج به أبو محمد. ويكون منع الملائكة سببًا لمنع كونها في المنزل.
__________
(1) اختيارات 241 ف 2/297.
(4/207)

وعلى هذا فلو كان في الدعوة كلب لا يجوز اقتناؤه لم تدخل الملائكة أيضا بخلاف الجنب، فإن الجنب لا يطول بقاؤه جنبا فإنما تمتنع الملائكة من الدخول إذا كان الجنب هناك زمنا يسيرا.
والثاني أن يكون نفس اللبث محرما أو مكروها. ويستثنى من ذلك أوقات الحاجة، كما في حديث عمر وغيره، تكون العلة ما يكتسبه المنزل من الصورة المحرمة حتى إنه لا يدخل منازل أهل الذمة.
ورجح أبو العباس في موضع آخر عدم الدخول في بيعة فيها صور، وأنها كالمسجد على القبر (1) .
وله دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما. وعنه يكره. وعنه مع صورة. وظاهر كلام جماعة تحريم دخوله معهما، وقاله شيخنا، وأنه كالمسجد على القبر. وقال: وليست ملكًا لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله، لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبين الغافلين أعظم أجرًا.
ويحرم شهود عيد ليهود أو نصارى لقوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} نقله مهنا، وقاله الآمدي، وترجمه الخلال بالكراهة، وفيه تنيبه على المنع أن يفعل كفعلهم قاله شيخنا؛ لا البيع لهم فيها نقله مهنا، وحرمه شيخنا، وخرجه على ما ذكره من روايتين منصوصتين في حمل التجارة إلى دار حرب، وأن مثلها مهاداتهم لعيدهم، وجزم غيره بكراهة التجارة والسفر إلى أرض كفر ونحوه. وقال شيخنا أيضا: لا يمنع منه إذا لم يلزموه بفعل محرم أو ترك واجب وينكر ما يشاهده من المنكر بحسبه قال: ويحرم بيع ما يعملونه كنيسة أو تمثالاً ونحوه. قال: ولك ما فهي تخصيص لعيدهم وتمييز له فلا أعلم خلافا أنه من التشبه والتشبه بالكفار منهي عنه. (ع) قال: ولا ينبغي إجابة هذه
الوليمة. قال: ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء من شعارهم لم يجز
__________
(1) اختيارات 242 ف 2/297.
(4/208)

لبسها فكيف بمن يشاركهم في عباداتهم وشرائع دينهم؟ بل ليس لمسلم أن يحضر مواسمهم بشيء مما يخصونها به، وليس لمسلم أن يجيب دعوة مسلم في ذلك، ويحرم الأكل والذبح ولو أنه فعله ولأنه اعتاده وليفرح أهله، ويعزر إن عاد (1) .
وقد نص الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرًا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته أنه يرجع.
فسألت شيخنا عن الفرق، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر. والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة (2) .
قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الجوز ينثر؟ فكرهه. وقال: يعطون أو يقسم عليهم. وقال في رواية إسحاق بن هانئ: لا يعجبني انتهاب الجوز وأن يؤكل منه والسكر كذلك.
قال القاضي: يكره الأكل مما التقطه من النِّثار سواء أخذه هو أو أخذه ممن أخذه. وقول الإمام أحمد: هذه نهبة، يقتضي التحريم، وهو قوي. وأما الرخصة المحضة فتبعد جدًا (3) .
وكسب المغني خبيث باتفاق الأئمة. والمغني خارج عن العدالة (4) .
وذكر الشيخ تقي الدين في الكلام على حديث ابن عمر: «أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع زمارة راع وسد أذنيه» قال: لم يعلم أن الرقيق كان
__________
(1) فروع 5/ 308 فيه زيادات حتى عما في الاختيارات ف 2/ 297.
(2) أعلام الموقعين 4/ 209 ف 2/ 297.
(3) اختيارات 244 ف 2/ 297.
(4) مختصر الفتاوى 606 ف2/ 297.
(4/209)

بالغًا فلعله كان صغيرًا دون البلوغ، والصبيان رخص لهم في اللعب ما لم يرخص فيه للبالغ. انتهى كلامه.
وذكر الأصحاب وغيرهم أن سماع المحرم بدون استماعه -وهو قصد السماع- لا يحرم وذكر الشيخ تقي الدين أيضًا وزاد باتفاق المسلمين. قال: وإنما سد النبي - صلى الله عليه وسلم - أذنيه مبالغة في التحفظ، فبين بذلك الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع (1) .

آداب الأكل والشرب

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ. فَقَالُوا: أَلاَ نَأْتِيْكَ بوضُوْء؟ قالَ: إنَّما أمُرْتُ بِالوُضُوْءِ إِذَا قُمْتُ إلى الصَّلاةِ» رواه جماعة منهم الترمذي وحسنه والبيهقي وصححه. وذكر الشيخ تقي الدين أن هذا ينفي وجوب الوضوء عند كل حدث، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَا دَخَلْتُ الجنَّةَ إلاَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَتَهُ أَمَامِيْ» الحديث يقتضي استحباب الوضوء عند كل حدث. وقال البيهقي: الحديث في غسل اليدين بعد الطعام حسن، ولم يثبت في غسل اليدين قبل الطعام حديث. قال جماعة من العلماء: المراد بالوضوء في هذه الأحاديث غسل اليدين لا الوضوء الشرعي. وقال الشيخ تقي الدين: ولم نعلم أحدًا استحب الوضوء للأكل إلا إذا كان الرجل جنبًا. انتهى كلامه (2) .
وأكل النساء الأجانب مع الرجل لا يفعل إلا لحاجة: من ضيق المكان، أو قلة الطعام، ومع ذلك فلا تكشف وجهها للأجانب،
ولا يلقمها الأجنبي، ولا تلقمه. ولما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحمو؟ قال:
__________
(1) الآداب 1/ 206 فيه زيادة ف 2/ 298.
(2) الآداب 3/ 222 ف 2/ 298.
(4/210)

«الْحَمُو المَوْتُ» والحمو أخو الزوج ونحوه، دون أبيه فإنه محرم. وفي الحديث: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ دَيُّوْثٌ» ، وهو الذي لا غيرة له، بل إذا رأى في أهله شيئًا لم ينكره (1) .
ويقول عند الأكل: باسم الله. فإن زاد «الرحمن الرحيم» كان حسنًا؛ فإنه أكمل؛ بخلاف الذبح فإنه قد قيل إن ذلك لا يناسب (2) .
وقال ابن أبي موسى: وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول: باسم الله، وتتناول بيمينك.
قال الشيخ تقي الدين: كلام ابن أبي موسى فيه وجوب التسمية، والتناول باليمين. فينبغي أن يقول: يجب الاستنجاء باليسرى ومس الفرج بها دون اليمنى. ربما لين النهي في كليهما (3) .
قال الشيخ عبد القادر وغيره: يكره الأكل على الطريق. قال: ويستحب أن يبدأ بالملح، ويختم به. قال الشيخ تقي الدين فقد زاد الملح (4) .
هل يستحب تقبيل الخبز كما يفعله بعض الناس؟
كلام الإمام أحمد رحمه الله في مسألة تقبيل المصحف يدل على عدم التقبيل، وهو ظاهر كلام الشيخ تقي الدين؛ فإنه ذكر أنه لا يشرع تقبيل الجمادات إلا ما استثناه الشرع (5) .
ويكره القران في التمر. وقيل: مع الشركاء فيه لا وحده ولا مع أهله ولا مع من أطعمهم ذلك.
__________
(1) مختصر الفتاوى 32 ف 2/ 298.
(2) فروع 5/ 300 واختيارات 245 ف 2/ 298.
(3) الآداب 3/ 168 وتقدم بعضه في الاستنجاء ف 2/ 298.
(4) الآداب 3/ 210 والإنصاف 8/ 332 ف 2/ 299.
(5) الآداب 3/ 231 ف 2/ 299.
(4/211)

قال الشيخ تقي الدين: وعلى قياسه قران كل ما العادة جارية بتناوله أفرادًا (1) .
قال ابن الجوزي: ولا يكثر النظر إلى المكان الذي يخرج منه الطعام؛ فإنه دليل منه على الشره. وهذا منه يدل على أنه لا ينبغي فعل ما يدل على الشره، ومنه الأكل الكثير الذي يخرج به عن العادة في ذلك الوقت. ولهذا كان الشيخ تقي الدين رحمه الله إذا دعي أكل ما يكسر نهمته قبل ذهابه (2) .
ويسن أن يصغر اللقم، ويجيد المضغ. قال الشيخ تقي الدين: إلا أن يكون هناك ما هو أهم من إطالة الأكل. وقال أيضًا: هو نظير ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة (3) .
وكره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرمه أيضًا، وحرم أيضًا الإسراف، وهو مجاوزة الحد (4) .
واختلف كلام أبي العباس في أكل الإنسان حتى يتخم: هل يكره، أو يحرم؟ وجزم أبو العباس في موضع آخر بتحريم الإسراف وفسره بمجاوزة الحد (5) .
وعن سمرة بن جندب أنه قيل له: إن ابنك بات البارحة بشمًا. قال: أما لو مات لم أصل عليه. قال الشيخ تقي الدين: يعني أنه أعان على قتل نفسه، فيكون كقاتل نفسه. وقال في موضع آخر: يكره أن يأكل حتى يتخم ثم ذكره ما سبق عن سمرة (6) .
__________
(1) الآداب 3/ 172 واختيارات 245 والإنصاف 8/ 326 ف 2/ 298.
(2) الآداب 3/ 208 والإنصاف 8/ 333 ف 2/ 298.
(3) الآداب 3/ 176 ف 2/ 298.
(4) فروع 5/ 302 والإنصاف 8/ 330 ف 2/ 298.
(5) اختيارات 243 ف 2/ 298.
(6) إنصاف 8/ 340 ف 2/ 298.
(4/212)

ويأكل الإنسان من بيت صديقه وقريبه بغير إذنه إذا لم يحرزه عنه (1) .
قال الشيخ عبد القادر: والشيخ تقي الدين أيضًا: يأكل الضيف على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة، وليس ذلك بتمليك (2) .
وقال غير واحد: يكره غسل اليد بشيء من المطعوم، ولا بأس بالنخالة. قال في المغني: واستدل الخطابي على ذلك بحديث «الملح والملح طعام» ففي معناه ما أشبهه. قال الشيخ تقي الدين: وهذا من أبي محمد يقتضي جواز غسلهما بالمطعوم. وهذا خلاف المشهور (3) .
قال الشيخ تقي الدين: يستدل على كراهة الاغتسال بالأقوات بأن ذلك يفضي إلى خلطها بالأدناس والأنجاس فنهي عنه كما ينهى عن إزالة النجاسة بها، والملح ليست قوتًا وإنما يصلح به القوت. نعم ينهى في الاستنجاء عن قوت الآدميين والبهائم للإنس والجن. هذا لا يستنجي بالنخالة وإن غسل يده بها، فأما إن دعت الحاجة إلى استعمال القوت مثل الدبغ بدقيق الشعير أو التطبب للجرب باللبن والدقيق ونحو ذلك فينبغي أن يرخص فيه، كما رخص في قتل دود القز بالتشميس لأجل الحاجة؛ إذ لا يكون حرمة القوت أعظم من حرمة الحيوان، وبهذا قد يجاب عن الملح أنها استعملت لأجل الحاجة. وعلى هذا فيستدل بهذا الأصل الشرعي على المنع من إهانتها بوضع الإدام فوقها كما ذكره الشيخ عبد القادر. ودليل آخر وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلعق الأصابع والصحفة وأخذ اللقمة الساقطة وإماطة الأذى عنها كل ذلك يضيع شيء من القوت. والتدلك به إضاعة له لقيام غيره مقامه، وهو من أنواع التبذير الذي هو من فعل الشيطان.
__________
(1) إنصاف 8/ 388 واختيارات 245 ف 2/ 298.
(2) إنصاف 8/ 340 ف 2/ 298.
(3) الآداب 3/ 196 ف 2/ 298.
(4/213)

وسئلت عن مثل هذه: وهو غسل الأيدي بالمسك؟ فقلت: إنه إسراف؛ بخلاف تتبع الدم بالقرصة الممسكة فإنه يسير لحاجة، وهذا كثير لغير حاجة. فاستعمال الطيب في غير التطيب وغير حاجة كاستعمال القوت في غير التقوت وغير حاجة. وحديث البقرة أنها لم تخلق لهذا يستأنس به في مثل هذا.
ويستدل على ما فعله أحمد من مسح اليد عند كل لقمة بأن وضع اليد في الطعام يخلط أجزاء من الريق في الطعام فهو في معنى ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التنفس في الإناء؛ لكن يسوغ فيه لمشقة المسح عند كل لقمة، فمن يحشم المسح فذلك حسن منه. انتهى كلامه (1) .
قال في «اقتضاء الصراط المستقيم» قال أصحاب أحمد وغيرهم منهم أبو الحسن الآمدي وأظنه نقله أيضًا عن عبد الله بن حامد: ولا يكره غسل اليدين في الإناء الذي أكل فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله. وقد نص احمد على ذلك قال: ولم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله وإنما ينكره العامة. وغسل اليدين بعد الطعام مسنون رواية واحدة. وإذا قدم ما يغسل فيه اليد فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديهم، لأن الرفع من زي الأعاجم (2) .
وعن أنس رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلاَئِكَةُ» . وكلامه في الترغيب يقتضي أنه جعل هذا الكلام دعاء واستحب الدعاء به لكل من أكل طعامه. وعلى قول الشيخ عبد القادر إنما يقال هذا إذا أفطر عنده فيكون خبرًا. قال الشيخ تقي الدين: وهو الأظهر. انتهى كلامه (3) .
__________
(1) الآداب 3/ 211، ف 2/ 299.
(2) الآداب 3/ 223، ف 2/ 299.
(3) الآداب 3/ 223، ف 2/ 299.
(4/214)

باب العشرة
وكلام القاضي في التعليق يقتضي أن التمكين من القبلة ليس بواجب على الزوجة.
قال أبو العباس: وما أراه صحيحًا؛ بل تجبر على تمكينه من جميع أنواع الاستمتاع المباحة (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف الفقهاء: هل يجب على الزوج مجامعة امرأته؟
فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك. إلى أن قال:
وقال طائفة: يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة ليستقر لها بذلك الصداق.
وقال طائفة ثالثة: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف، كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف؛ بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يعاشرها بالمعروف، فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد.
قالوا: وعليه أن يشبعها وطأ إذا أمكنه ذلك، كما عليه أن يشبعها قوتًا.
وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره (2) .
ويجب على الزوج وطء امرأته بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه أو يشغله عن معيشته من غير مقدر (3) بأربعة أشهر كالأمة. فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة، وكوطئه إذا زاد (4) .
__________
(1) إنصاف 8/ 362 ف 2/ 299.
(2) روضة المحبين ص 215 هذا أبسط مما في المجموع ف 2/ 299.
(3) وفي الإنصاف من غير تقدير بمدة.
(4) اختيارات 246 فيه زيادة ف 2/ 299، 300.
(4/215)

وإذا احتاجت أمته إلى النكاح فإما أن يطأها أو يزوجها (1) .
ويتخرج من نص الإمام احمد أنه يجوز أن يتزوج الأمة لحاجته إلى الخدمة؛ لا إلى الاستمتاع (2) .
ولو شرط الزوج أن يتسلم الزوجة وهي صغيرة ليحصنها فقياس المذهب على إحدى الروايتين اللتين خرجهما أبو بكر أنها إذا استثنت بعض منفعتها المستحقة عليها بمطلق العقد أو اشترطت عليه زيادة على ما تستحقه بمطلق العقد أنه يصح هذا الشرط، كما لو اشترط في الأمة أن تكون نهارًا عند السيد وقلنا إن ذلك موجب العقد المطلق أو لم نقل فأحد الوجهين أن هذا الشرط للسيد لا عليه، كاشتراط دارها، وهو شرط له وعليه، ولو خرج هذا على اشتراط دارها وهو انه إذا اشترطت دارها لم يكن عليه أجرة تلك الدار لكان متوجهًا.
وإذا كان موجب العقد من التقابض مرده إلى العرف فليس العرف أن المرأة تسلم إليه صغيرة، ولا يستحق ذلك لعدم التمكن من الانتفاع، ولا تجب عليه النفقة، فإنه إذا لم يكن عليه حق في بدنها لعدم تمكنه فلا نفقة لها، إذ النفقة تتبع الحق البدني (3) .
ويحرم وطء الحائض. وإذا تكرر من الزوج الوطء في الفرج لم ينزجر فرق بينهما كما قلنا إذا وطئها في الدبر ولم ينزجر (4) .
ولو تطاوع الزوجان على الوطء في الدبر فرق بينهما. وقاله أصحابنا. وعلى قياسه المطاوعة على الوطء في الحيض (5) .
__________
(1) مختصر الفتاوى 427 ف 2/ 299.
(2) اختيارات ص 246 ف 299.
(3) اختيارات 245 ف 2/ 299.
(4) اختيارات ص27 ف 2/ 299.
(5) اختيارات 246 فيه زيادة ف 2/ 300.
(4/216)

فصل
المبيت، والقسم
قال أصحابنا: لا يجوز أن تأخذ الزوجة عوضًا عن حقها من المبيت. وكذا الوطء. ووقع في كلام القاضي ما يقتضي جوازه.
قال أبو العباس: وقياس المذهب عندي جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره؛ لأنه إذا جاز للزوج أن يأخذ العوض عن حقه منها جاز لها أن تأخذ العوض عن حقها منه؛ لأن كلاً منهما منفعة بدنية. وقد نص الإمام أحمد في غير موضع أنه يجوز أن تبذل المرأة العوض ليصير أمرها بيدها. ولأنها تستحق حبس الزوج كما يستحق الزوج حبسها، وهو نوع من الرق فيجوز أخذ العوض عنه.
وقد تشبه هذه المسألة الصلح عن الشفعة وحد القذف (1) .
ويتوجه أن لا يتقدر قسم الابتداء الواجب، كما لا يتقدر الوطء؛ بل يكون بحسب الحاجة. فإنه قد يقال: جواز التزوج بأربع لا يقتضي أنه إذا تزوج بواحدة يكون لها حال الانفراد ما لها حال الاجتماع. وعلى هذا فتحمل قصة كعب بن سوار على أنه تقدير شخص لا يراعي، كما لو فرض النفقة.
وقول أصحابنا: يجب على الرجل المبيت عند امرأته ليلة من أربع. فهذا المبيت يتضمن شيئين. أحدهما: المجامعة في المنزل. والثانية في المضجع وقوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} [34/4] مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تهجر إلا في المضجع» دليل على وجوب المبيت
في المضجع، ودليل على أنه لا يهجر المنزل. ونص أحمد في الذي يصوم النهار ويقوم الليل يدل على وجوب المبيت في المضجع، وكذا ما
__________
(1) اختيارات 246 ف 2/ 300.
(4/217)

ذكروه في النشوز إذا نشزت هجرها في المضجع. دليل على أنه لا يفعله بدون ذلك.
وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتضي للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة وأولى. للفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعًا.
وعلى هذا فالقول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فرقته كالقول في امرأة المفقود بالإجماع كما قاله أبو محمد المقدسي.
قال أصحابنا: ويجب على الزوج أن يبيت عند زوجته الحرة ليلة من أربع وعند الأمة ليلة من سبع أو ثمان على اختلاف الوجهين.
ويتوجه على قولهم: إنه يجب للأمة ليلة من أربع؛ لأن التنصيف إنما هو في قسم الابتداء، فلا يملك الزوج بأكثر من أربع. وذلك أنه إذا تزوج بأربع إماء فهن في غاية عدده. فتكون الأمة كالحرة في قسم الابتداء. وأما في قسم التسوية فيختلفان إذا جوزنا للحر أن يجمع بين ثلاث حرائر وأمة في رواية.
وأما على الرواية الأخرى فلا يتصور ذلك.
وأما العبد فقياس قولهم أنه يقسم للحرة ليلة من ليلتين، وللأمة ليلة من ثلاث أو أربع، ولا يتصور أن يجمع عنده أربعًا على قولنا وقول الجمهور. وعلى قول مالك يتصور.
قال أصحابنا: ويجب وطء المعيبة كالبرصاء والجذماء إذا لم يجز الفسخ، وكذلك يجب عليها تمكين الأبرس والأجذم. والقياس وجوب ذلك. وفيه نظر؛ إذ من الممكن أن يقال عليها وعليه في ذلك ضرر؛ لكن إذا لم تمكنه فلا نفقة لها. وإذا لم يستمتع بها فلها الفسخ، ويكون المثبت للفسخ هنا عدم وطئه، فهذا يعود إلى وجوبه.
(4/218)

وينفق على المجنون المأمون وليه. والأشبه أنه من يملك الولاية على بدنه؛ لأنه يملك الحضانة. فالذي يملك تعليمه وتأديبه الأب ثم الوصي.
قال أصحابنا: ويأثم إن طلق إحدى زوجتيه وقت قسمها. وتعليلهم يقتضي أنه إذا طلقها قبل مجيء نوبتها كان له ذلك. ويتوجه أن له الطلاق مطلقًا؛ لأن القسم إنما يجب ما دامت زوجة كالنفقة. وليس هو شيء مستقر في الذمة قبل مضي وقته حتى يقال هو دين. نعم: لو لم يقسم لها حتى خرجت الليلة التي لها وجب عليها القضاء، فلو طلقها قبله كان عاصيًا. ولو أراد أن يقضيها عن ليلة من ليالي الشتاء ليلة من ليالي الصيف كان لها الامتناع لأجل تفاوت ما بين الزمانين (1) .
وقال شيخنا: خرج ابن عقيل قولاً: لها الفسخ بالغيبة المضرة بها ولو لم يكن مفقودًا، كما لو كوتب فلم يحضر بلا عذر. وفي المغني: في امرأة من علم خبره كأسير ومحبوس لها الفسخ بتعذر النفقة من ماله وإلا فلا إجماعًا. قال شيخنا: لا إجماع. وإن تعذر الوطء لعجز كالنفقة وأولى. للفسخ بتعذره (ع) في الإيلاء، وقاله أبو يعلى الصغير. وقال أيضًا: حكمه كعنين (2) .
وللزوج منع الزوجة من الخروج من منزله. فإذا نهاها لم تخرج لعيادة مريض محرم لها أو شهود جنازته. فأما عند الإطلاق فهل لها أن تخرج لذلك إذا لم يأذن ولم يمنع كعمل الصناعة. أو لا تفعل إلا بإذن كالصيام؟ تردد فيه أبو العباس (3) .
__________
(1) اختيارات 247، 248 ف 2/ 300، 301.
(2) فروع 5/ 322 فيه زيادة عما في الاختيارات ف 2/ 300، 301.
(3) اختيارات 246 ف 2/ 300.
(4/219)

وكلام الإمام أحمد يدل على أنه ينهى عن الإذن للذمية بالخروج إلى الكنيسة والبيعة؛ بخلاف الإذن للمسلمة إلى المسجد، فإنه مأمور بذلك. وكذا قال في المغني: إن كانت زوجته ذمية فله منعها من الخروج إلى الكنيسة وإن كانت مسلمة فقال القاضي: له منعها من الخروج إلى المسجد، وظاهر الحديث يمنعه من منعها (1) .
قال شيخنا فيمن حبسته بحقها: إن خاف خروجها بلا إذنه أسكنها حيث لا يمكنها، فإن لم يكن له ما يحفظها غير نفسه حبست معه. فإن عجز عن حفظها أو خيف حدوث شر أسكنت في رباط ونحوه. ومتى كان خروجها مظنة للفاحشة صار حقًا لله تعالى يجب على ولي الأمر رعايته (2) .
ولو سافر بإحداهن بغير قرعة. قال أصحابنا: يأثم ويقضي. والأقوى: أنه لا يقضي، وهو قول الحنفية والمالكية (3) .
وعليه أن يسوي بين نسائه في القسم. وقال الشيخ تقي الدين: يجب عليه التسوية فيهما أيضًا (النفقة والكسوة) وقال: كما علل القاضي عدم الوجوب بقوله: لأن حقهن في النفقة والكسوة والقسم وقد سوى بينهما وما زاد على ذلك فهو تطوع فله أن يفعله إلى من شاء. قال: موجب هذه العلة أن له أن يقسم للواحدة ليلة من أربع لأنه الواجب ويبيت الباقي عند الأخرى. اهـ (4) .
وذكر القاضي أنه إذا وفى الثانية من حقها ونصفها من حق الأخرى فيثبت للجديدة في مقابلة ذلك نصف ليلة بإزاء ما حصل لكل واحدة من
__________
(1) اختيارات 246 ف 2/ 300.
(2) فروع 5/ 328 وتقدم ف 2/ 300.
(3) اختيارات 249 وبعضه في الإنصاف 8/ 371 ف 2/ 301.
(4) الإنصاف 8/ 364 ف 2/ 301.
(4/220)

ضرتيها ... قال في الفروع بعد أن قدم قول القاضي: واختار الشيخ تقي الدين لا يبيت نصفها بل ليلة كاملة لأنه حرج (1) .
وقال الشيخ تقي الدين: يجب عليها المعروف من مثلها لمثله، وخرج الشيخ تقي الدين الوجوب من نصه على نكاح الأمة للخدمة (2) .
فصل: النشوز
وقال ثعلب: العرب تقول: صبرك على أذى من تعرفه خير لك من استحداث من لا تعرفه. وكان شيخنا يقول هذا المعنى (3) .
وتهجر المرأة زوجها في المضجع لحق الله، بدليل قصة الذين خلفوا في غزوة تبوك. وينبغي أن تملك النفقة في هذه الحال؛ لأن المنع منه، كما لو امتنع من أداء الصداق (4) .
وإذا ادعت الزوجة أو وليها أن الزوج يظلمها، وكان الحاكم وليها، وخاف ذلك نصب الحاكم مشرفًا. وقال القاضي: متى ظهر للحاكم أنه يظلمها نصب مشرفًا. وفيه نظر.
ومسألة نصب المشرف لم يذكرها الخرقي والقدماء. ومقتضى كلامه إذا وقعت العداوة وخيف الشقاق بعث الحكمان من غير احتياج إلى مشرف.
قال أصحابنا: ويجوز أن يكون الحكمان أجنبيين، ويستحب أن يكونا من أهلهما. ووجوب كونهما من أهلهما هو مقتضى قول الخرقي،
__________
(1) إنصاف 8/ 364 ف 2/ 300.
(2) الإنصاف 8/ 362 ف 2/ 301.
(3) فروع 5/ 329 ف 2/ 301.
(4) اختيارات 246 ف 2/ 302.
(4/221)

فإنه اشترطه كما اشترط الأمانة. وهذا أصح؛ فإنه نص القرآن، ولأن الأقارب أخبر بالعلل الباطنة وأقرب إلى الأمانة والنظر في المصلحة.
وأيضًا فإنه نظر في الجمع والتفريق، وهو أولى من ولاية عقد النكاح، لا سيما إن جعلناهما حاكمين كما هو الصواب، ونص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما، وهو مذهب مالك.
وهل للحكمين -إذا قلنا هما حكمان لا وكيلان- أن يطلقا ثلاثًا، أو يفسخا كما في المولي؟ أقوال هناك. لما قام الوكيل مقام الزوج في الطلاق ملك ما يملكه من واحدة وثلاث فيتوجه هنا كذلك إذا قلنا هما حاكمان. وإن قلنا وكيلان لم يملكا إلا ما وكلا فيه. وأما الفسخ هنا فلا يتوجه؛ لأن الحكم ليس حاكمًا أصليًا (1) .
باب الخلع
والتحقيق أنه يصح ممن يصح طلاقه بالملك أو الوكالة أو الولاية كالحاكم في الشقاق. وكذا لو فعله الحاكم في الإيلاء أو العنة أو الإعسار أو غيرها من المواضع التي يملك الحاكم فيها الفرقة. ولأن العبد والسفيه يصح طلاقهما بلا عوض فبالعوض أولى.
لكن قد يقال في قبولهما للوصية والهبة بلا إذن الولي وجهان. فإن لم يكن بينهما فرق صحيح فلا يخرج الخلاف (2) .
والذي يقتضيه القياس أنهما إذا أطلقا الخلع صح بالصداق، كما لو أطلقا النكاح ثبت صداق المثل، فكذا الخلع وأولى.
وقال أبو العباس في موضع آخر: هل للزوج إبانة امرأته بلا
__________
(1) اختيارات 249، 250 ف 2/ 302.
(2) اختيارات 302 ف 2/ 302.
(4/222)

عوض؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ليس له أن يبينها إلا بعوض، وإن كان طلاق وقع بعد الدخول بلا عوض فرجعي. وهذا مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
والقول الثاني: له إبانتها بغير عوض مطلقًا باختيارها وغير اختيارها. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد.
والقول الثالث: له إبانتها بغير عوض في بعض المواضع دون بعض؛ فإذا اختارت الإبانة بغير عوض فله أن يبينها.
ويصح الخلع بغير عوض، وتقع به البينونة إما طلاقًا وإما فسخًا على إحدى القولين.
وهذا مذهب مالك المشهور عنه في رواية ابن القاسم، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي.
وهذا القول له مأخذان. أحدهما: أن الرجعة حق للزوجين، فإذا تراضيا على إسقاطها سقطت. والثاني: أن ذلك فرقة بعوض؛ لأنها رضيت بترك النفقة والسكن ورضي هو بترك استرجاعها. وكما أن له أن يجعل العوض إسقاط ما كان ثابتًا لها من الحقوق كالدين فله أن يجعله إسقاط ما ثبت لها بالطلاق، كما لو خالفها على نفقة الولد. وهذا قول قوي وهو داخل في النفقة من غيره (1) .
ولا يصح الخلع إلا بعوض في إحدى الروايتين، والأخرى يصح بغير عوض، وجعله الشيخ تقي الدين كعقد البيع حتى في الإقالة، وأنه لا يجوز إن كان فسخًا بلا عوض إجماعًا (2) .
وإن خالعها بمحرم كالخمر.. فهو كالخلع بغير عوض. وعند
__________
(1) اختيارات 252، 253 ف 2/ 302.
(2) إنصاف 8/ 395 ف 2/ 302.
(4/223)

الشيخ تقي الدين يرجع إلى المهر كالنكاح (1) .
واختلف كلام الشيخ تقي الدين في وجوب الإجابة إليه. وألزم به بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء (2) .
اختلف كلام أبي العباس في وجوب الخلع لسوء العشرة بين الزوجين. وإن كانت مبغضة له لخلقه أو لغير ذلك من صفاته وهو يحبها فكراهة الخلع في حقه تتوجه (3) .
قال الشيخ تقي الدين: عبارة الخرقي ومن تابعه أجود من عبارة صاحب المحرر ومن تابعه فإن صاحب المحرر وغيره قال: الخلع لسوء العشرة بين الزوجين جائز. فإن قولهم: لسوء العشرة بين الزوجين فيه نظر؛ فإن النشوز قد يكون من الرجل فتحتاج هي أن تقابله. اهـ (4) .
ولو عضلها لتفتدي نفسها منه ولم تكن تزني حرمت عليه. قال ابن عقيل: العوض مردود والمرأة بائن.
قال أبو العباس: وله وجه حسن، ووجه قوي إذا قلنا الخلع يصح بلا عوض؛ فإنه بمنزلة من خالع على مال مغصوب أو خنزير ونحوه. وتخريج الروايتين هنا قوي جدًا (5) .
واعتبر الشيخ تقي الدين خوف قادر على القيام بالواجب أن لا يقيما حدود الله فلا يجوز انفرادها به.
للمختلعة مع زوجها أحد عشر حالاً.
__________
(1) إنصاف 8/ 398 ف 2/ 302.
(2) إنصاف 8/ 381 ف 2/ 302.
(3) اختيارات 250 ف 2/ 302.
(4) إنصاف 8/ 382 ف 2/ 302.
(5) اختيارات 250 فيه زيادة.
(4/224)

الأول: أن تكون كارهة له مبغضة لخلقه وخلقه أو لغير ذلك من صفاته وتخشى ألا تقوم حدود الله في حقوقه الواجبة عليها، فالخلع في هذه الحال مباح أو مستحب.
الثالثة: كالأولى ولكن للرجل ميل إليها ومحبة، فهذه أدخلها القاضي في المباح كما تقدم، وقال الشيخ تقي الدين: وكراهة الخلع في حق هذه متوجهة.
السادس: أن يظلمها أو يعضلها لتفتدي فتفدي فأكثر الأصحاب على صحة الخلع. وقال الشيخ تقي الدين: لا يحل له ولا يجوز. التاسع: أن يضربها ويؤذيها لتركها فرضًا أو لنشوز فتخالعه كذلك. فقال في الكافي: يجوز. قال الشيخ تقي الدين: تعليل القاضي وأبي محمد -يعني المصنف- يقتضي أنها لو نشزت عليه جاز له أن يضربها لتفتدي نفسها منه. وهذا صحيح (1) .

فصل

وخلع الحبلى لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة وإنما يقصد به بقاء المرأة تبع زوجها، كما يقصد بنكاح المحلل أن يطلقها لتعود إلى الأول، والعقد لا يقصد به نقض مقصوده، وإذا لم تبن به الزوجة (2) .
قال القاضي في الخلع: ولو طلقها فشرعت في العدة ثم بذلت له مالاً ليزيل عنها الرجعة لم تزل. ذكره القاضي بما يقتضي أنه محل وفاق. وفيه نظر.
__________
(1) الإنصاف 8/ 383 ف 2/ 302.
(2) اختيارات 251 ف 2/ 302.
(4/225)

وإذا خالعته على ما يعتقدان وجوبه باجتهاد أو تقليد مثل أن يخالعها على قيمة كلب أتلفته معتقدين وجوب القيمة فينبغي أن يصح.
ولو تزوجها على قيمة كلب له في ذمتها فينبغي أن تصح التسمية؛ لأن وجوب هذا نوع غرر، والخلع يصح على الغرر، بخلاف الصداق.
نقل مهنا عن الإمام أحمد في رجل خلع امرأته على ألف درهم لها على أبيه أنه جائز، فإن لم يعطه أبوه شيئًا رجع على المرأة، وترجع المراة على الأب. وكلام الإمام أحمد صحيح على ظاهره، وهو خلع على الدين، والدين من الغرر، فهو بمنزلة الخلع على البيع قبل القبض، فلما لم يحصل العوض بعينه رجع في بدله، كما قلنا فيمن اشترى مغصوبًا يقدر على تخليصه فلم يقدر.
ولو خالعته على مال في ذمتها ثم أحالته به على أبيه لكان تأويل القاضي متوجهًا. وهو أن القاضي تأول المسألة على أنها حوالة، وأن الزوج لما قبل الحوالة لم يحصل من الأب اعتراف بالدين فلهذا ملك الرجوع عليها بمال الخلع، وكان لها مخاصمة الأب فيما تدعيه. فأما إن كان قد حصل من جهته اعتراف بالدين ثم جحد بعد ذلك لم يكن للزوج الرجوع عليها؛ لأن الحق قد انتقل، وجحوده لا يثبت له الرجوع (1) .
نقل الجراحي في حاشيته على الفروع أن ابن أبي المجد يوسف نقل عن الشيخ تقي الدين أنه قال: تصح الإقالة في الخلع، وفي عوضه كالبيع وثمنه؛ لانهماكهما في غالب أحكامهما من عدم تعليقهما واشتراط العوض والمجلس ونحو ذلك (2) .
__________
(1) اختيارات 253، 254 ف 2/ 302.
(2) إنصاف 8/ 395 ف 2، وانظر حاشية الفروع جـ 4/ 124.
(4/226)

فصل
ومن قال: إن أبرأتيني طلقتك. فقالت: أبرأتك، فلم يطلقها لم يصح الإبراء؛ فإن هذا إيجاب وقبول لما تقدم من الشروط، ودلالة الحال تدل على أن التقدير أبرأتك إن طلقتني، فالشرط المتقدم على العقد كالمقارن (1) .
وإذا قال لزوجته: إن أبرأتيني من نفقة الأولاد وأخذت الأولاد بالكفالة ونحو ذلك من العبارات فأنت طالق، فالتزمت بما قال من الإنفاق فإنه يقع به الطلاق. فإن امتنعت ألزمت بذلك، كما تلزم بغيره من الحقوق (2) .
إذا قال: إن أعطيتيني أو إذا ... كان على التراضي أي وقت أعطته طلقت. وقال الشيخ تقي الدين: ليس لازمًا من جهته كالكتابة عنده. ووافق على شرط محض كقوله: إن قدم زيد فأنت طالق. وقال في التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة فلازم وإلا فلا. فلا يلزم الخلع قبل القبول ولا الكتابة. وقال: قول من قال: التعليق لازم دعوى مجردة. اهـ (3) .
وفي الترغيب وجهان في: إن أقبضتيني فأحضرته ولم يقبضه. فلو قبضه فهل يملكه فيقع الطلاق بائنًا أم لا يملكه فيقع رجعيًا؟ فيه احتمالات. وقيل: يكفي عدد متفق برأسه بلا وزن فلا يكون وازنة ناقصة عددًا ... واختيار الشيخ تقي الدين في الزكاة يقويه (4) .
قال الشيخ تقي الدين: وقولها إن طلقتني فلك كذا وأنت برئ
__________
(1) مختصر الفتاوى 442 ف 2/ 394.
(2) مختصر الفتاوى 549، فيه زيادة ف 2/ 304.
(3) إنصاف 8/ 410 ف 2/ 305.
(4) إنصاف 8/ 410 ف 2/ 305.
(4/227)

منه كإن طلقتني فلك علي ألف وأولى. وليس فيه النزاع في تعليق البراءة بشرط. أما لو التزمت دينًا لا على وجه المعاوضة كإن تزوجت فلك في ذمتي ألف أو جعلت لك في ذمتي ألفًا لم يلزمه عند الجمهور (1) .
وقول المصنف وابن منجا عن القاضي: أنه قال: لا تطلق في قوله عليَّ ألف حتى تختار. قال الشيخ تقي الدين مع أن «عليّ» للشرط اتفاقًا (2) .
وهل للأب خلع زوجة ابنه الصغيرة؟ على روايتين: إحداهما: ليس له ذلك.. والثانية: له ذلك وذكر الشيخ تقي الدين أنها ظاهر المذهب (3) .
وإن علق طلاقها بصفة ثم خالعها أو أبانها بالثلاث فوجدت الصفة ثم عاد فتزوجها فوجدت الصفة طلقت. ويتخرج ألا تطلق على الرواية في العتق.. وجزم في الروضة بالتسوية بين العتق والطلاق. وقال أبو الخطاب وتبعه في الترغيب: الطلاق أولى من العتق، وحكاه ابن الجوزي رواية والشيخ تقي الدين، وحكاه أيضًا قولاً.
وإن لم توجد الصفة حال البينونة عادت رواية. هكذا قال الجمهور. وذكر الشيخ تقي الدين رواية أن الصفة لا تعود مطلقًا، يعني سواء وجدت حال البينونة أو لا (4) .
__________
(1) إنصاف 8/ 412 ف 2/ 305.
(2) إنصاف 8/ 419 ف 2/ 305.
(3) إنصاف 8/ 387 فيه زيادة ف 2/ 305.
(4) إنصاف 8/ 423، 424 ف 2/ 305.
(4/228)