Advertisement

المستدرك على مجموع الفتاوى 005

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
قدَّسَ الله رُوحَه

المجلد الخامس
الطلاق- علوم

جمعه ورتبه
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
(5/4)

كتاب الطلاق

ويصح الطلاق من الزوج، وعن الإمام أحمد رواية: ومن والد الصبي والمجنون وسيدهما، والذي يجب أن يسوى في هذا الباب بين العقد والفسخ.. فكل من ملك العقد عليه ملك الفسخ عليه؛ فإن هذا قياس هذه الرواية، وهو موجب شهادة الأصول، ويندرج في هذا الوصي المزوج والأولياء إذا زوجوا المجنون، فإذا جوزنا للولي في إحدى الروايتين استيفاء القصاص وجوزنا له الكتابة والعتق لمصلحة وجوزنا له المقايلة في البيع وفسخه لمصلحة فقد أقمناه مقام نفسه، وكذلك الحاكم الذي له التزويج.. وهذا فيمن يملك جنس النكاح (1) .
ويجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة، فإن لم تصل وجب عليه فراقها في الصحيح.
وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا دعيت إلى الصلاة وامتنعت انفسخ نكاحها في أحد قولي العلماء، ولا ينفسخ في الآخر، إذ ليس كل من وجب عليه فراقها ينفسخ نكاحها بلا فعله، فإن كان عاجزا عن طلاقها لثقل مهرها كان مسيئا بتزوجه بمن لا تصلي، وعلى هذا الوجه فيتوب إلى الله تعالى من ذلك، وينوي أنه إذا قدر على أكثر من ذلك فعله (2) .
__________
(1) اختيارات (254) فيها زيادات ف (2/ 603) .
(2) اختيارات (254، 255) فيها زيادة، ف (2/ 306) .
(5/5)

وقال له رجل: لي جارية وأمي تسألني أن أبيعها قال: تتخوف أن تتبعها نفسك قال: نعم، قال لا تبعها، قال: إنها تقول: لا أرضى عنك أو تبيعها قال: إن خفت على نفسك فليس لها ذلك، قال الشيخ تقي الدين: لأنه إذا خاف على نفسه يبقى إمساكها واجبًا، أو لأن عليه في ذلك ضررًا، وقال أيضًا: قيده أمره ببيع السرية إذا خاف على نفسه، لأن بيع السرية ليس بمكروه ولا ضرر عليه فيه فإنه يأخذ الثمن، بخلاف الطلاق فإنه مضر في الدين والدنيا، وأيضا فإنها متهمة في الطلاق ما لا تتهم في بيع السرية (1) .
«لا طلاق ولا عتاق ولا إغلاق» ، قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.
قال: والغضب على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثاني: ما يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر (2) .
وفي إعلام الموقعين: وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله؛ بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد (3) .
__________
(1) الآداب (1/ 504) ، ف (2/ 306) .
(2) زاد المعاد (4/ 42) ، ف (2/ 306) .
(3) إعلام الموقعين (4/ 50) نقلا عن شيخه، ف (2/ 306) .
(5/6)

ويدخل في كلامهم من غضب حتى أغمي عليه أو غشي عليه، قال شيخنا، بلا ريب ذكر أنه طلق أولا (1) .
وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: إن غيره الغضب ولم يزل عقله لم يقع الطلاق، لأنه ألجأه وحمله عليه فأوقعه وهو يكرهه ليستريح منه فلم يبق له قصد صحيح فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله ولا يلزمه نذر الطاعة فيه (2) .
ولا يقع طلاق السكران ولو بسكر محرم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر.
ونقل الميموني عن أحمد: الرجوع عما سواها، فقال: كنت أقول يقع طلاق السكران حتى تبينت فغلب عليَّ أنه لا يقع (3) .
وقصد إزالة العقل بلا سبب شرعي محرم (4) .
ولو ادعى الزوج أنه كان حين الطلاق زائل العقل لمرض أو غشي، قال أبو العباس: أفتيت أنه إذا كان هناك سبب يمكن معه صدقه فالقول قوله مع يمينه (5) .
ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة ففي صحة طلاقه روايتان واختار الشيخ تقي الدين أنه كالسكران (6) .
وقال الشيخ تقي الدين: وزعم طائفة من أصحاب مالك والشافعي
__________
(1) الفروع (5/ 364) ، ف (2/ 306) .
(2) إنصاف (8/ 482) ، ف (2/ 307) .
(3) اختيارات فيه زيادة ف (2/ 306) .
(4) اختيارات (254) ، ف (2/ 307) .
(5) اختيارات (254) ، ف (2/ 307) .
(6) إنصاف (8/ 337) ، ف (2/ 307) .
(5/7)

وأحمد أن النزاع في وقوع طلاقه إنما هو في النشوان، فأما الذي تم سكره بحيث لا يفهم ما يقول فإنه لا يقع به قولا واحدا، قال: والأئمة الكبار جعلوا النزاع في الجميع (1) .
ومما يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة، وأبو العباس يرى أن حكمها حكم الشراب المسكر حتى في إيجاب الحد، وفرق أبو العباس بينها وبين البنج بأنها تشتهى فهي كالخمر بخلاف البنج (2) .
وقال الشيخ تقي الدين: إن طلاق الفضولي كبيعه (3) .
ولا يقع طلاق المكره، والإكراه يحصل: إما بالتهديد، وإما أن يغلب ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد.
وقال أبو العباس في موضع آخر: كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده ليس بجيد؛ بل الصواب أنه لو استوى الطرفان لكان إكراها، وأما إن خاف وقوع التهديد وغلب على ظنه عدمه فهو محتمل في كلام أحمد وغيره.
ولو أراد المكره إيقاع الطلاق وتكلم به وقع، وهو رواية حكاها أبو الخطاب في الانتصار، وإن سحره ليطلق فإكراه.
قال أبو العباس: تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها.
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع، بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء
__________
(1) إنصاف (8/ 433) ، ف (2/ 307) .
(2) إنصاف (8/ 433) ، ف (2/ 307) .
(3) إنصاف (8/ 444) ، ف (2/ 307) .
(5/8)

عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة، ولفظه في موضع آخر، لأنه أكرهها ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر.
ومثل هذا لو كان له عند رجل حق من دين أو وديعة فقال: لا أعطيك حتى تبيعني أو تهبني، فقال مالك: هو إكراه، وهو قياس قول أحمد ومنصوصه في مسألة ما إذا منعها حقها لتختلع منه، وقال القاضي تبعا للحنفية والشافعية ليس إكراها (1) .
قال شيخنا: أو ظن أنه يضره بلا تهديد في نفسه أو أهله أو ماله لم يقع (2) .
ومن سحر فبلغ به السحر ألا يعلم ما يقول فلا طلاق له (3) .
وإذا أكره على اليمين بغير حق مثل أن يكون باعه إلى أجل ثم بعد لزوم العقد قال له: إن لم تحلف لي أنك تعطيني حقي يوم كذا وإلا لزمك الطلاق، فإن لم تحلف أخذت السلعة منك، وذلك بعد أن أدى المشتري الكلفة السلطانية، فإن هذه اليمين لا تنعقد، ولا طلاق عليه إذا لم يعط، ولو قال: كنت استثنيت فقلت: إن شاء الله تعالى، فقال: لم تقل شيئا، فالقول قول الحالف في هذه الحال أنه استثنى لأنه مظلوم، والمظلوم له الاستثناء، وله التعريض والقول قوله في ذلك (4) .
وعلى المذهب ليس له أن يطلق ثانية وثالثة قبل الرجعة على الصحيح من المذهب.
__________
(1) اختيارات (255، 256) ، ف (2/ 307) .
(2) فروع (5/ 368) ، ف (2/ 307) .
(3) مختصر الفتاوى (544) ، ف (2/ 307) .
(4) مختصر الفتاوى (543) ، ف (2/ 307) .
(5/9)

قال الشيخ تقي الدين: اختارها أكثر الأصحاب كأبي بكر والقاضي وأصحابه قال: وهو أصح (1) .
وإن أطلق ثلاثا مجموعة قبل رجعة واحدة طلقت ثلاثا وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب، نص عليه مرارا، وعليه الأصحاب، بل الأئمة الأربعة رحمهم الله وأصحابهم في الجملة، وأوقع الشيخ تقي الدين من ثلاث مجموعة أو متفرقة قبل رجعة طلقة واحدة، وقال: لا نعلم أحدا فرق بين الصورتين (2) .
وإن طلقها ثلاثا متفرقة بعد أن راجعها طلقت ثلاثا بلا نزاع في المذهب وعليه الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين (3) .

صريح الطلاق وكنايته

وعنه: أنت مطلقة، ليست صريحة، وطلقتك قال الشيخ تقي الدين، هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها تم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (4) .
أنت طالق لا رجعة لي عليك، قال الشيخ تقي الدين، هذه صريحة في الإيقاع كناية في العدد، فهي مركبة من صريح وكناية (5) .
ولو قال رجل: امرأة فلان طالق، فقال: ثلاثا، فهذه تشبه
ما لو قال: لي عليك ألف، فقال: صحاح فيه وجهان: وهذا أصله في
__________
(1) إنصاف (8/ 452) ، ف (2/ 308) .
(2) إنصاف (8/ 453) ، ف (2/ 309) .
(3) إنصاف (8/ 453) ، ف (2/ 309) .
(4) إنصاف (8/ 263) ، ف (2/ 312) .
(5) إنصاف (8/ 477) ، ف (2/ 313) .
(5/10)

الكلام من اثنين، فإذا أتى الثاني بالصفة ونحوها هل يكون متمما للأول؟ (1) .
وعقد النية في الطلاق على مذهب الإمام أحمد: أنها إن أسقطت شيئا من الطلاق لم تقبل، مثل قوله: أنت طالق ثلاثا، وقال: نويت إلا واحدة، فإنه لا يقبل رواية واحدة، وإن لم تسقط من الطلاق وإنما عدل به من حال إلى حال مثل أن ينوي من وثاق وعقال ودخول الدار إلى سنة ونحو ذلك، فهذا على الروايتين.
إحداهما: يقبل، كما لو قال: أنت طالق، أنت طالق، وقال: نويت بالثانية التأكيد، فإنه يقبل منه رواية واحدة.
وأنت طالق ومطلقة وما شاكل ذلك من الصيغ هي إنشاء من حيث إنها هي إثبات للحكم وشهادتهم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (2) .
ومن أشهد عليه بطلاق ثلاث، ثم أفتي بأنه لا شيء عليه لمن يؤاخذ بإقراره ويقبل يمينه لمعرفة أن مستنده في إقراره ذلك مما يجهله (3) .
وإذا صرف الزوج لفظه إلى ممكن يتخرج أن يقبل قوله إذا كان عدلا، كما قاله أحمد فيمن أخبرت أنها نكحت من أصابها، وفي المخبر بالثمن إذا ادعى الغلط على رواية، ولو قيل بمثل هذه في المخبرة بحيضها إذا علق الطلاق به يتوجه، وذلك لأن المخبر إذا خالف خبره الأصل اعتبر فيه العدالة (4) .
__________
(1) اختيارات (256) ، ف (2/ 311) .
(2) اختيارات (256، 257) ، ف (2/ 312) .
(3) اختيارات (257) وعبارة الإنصاف: ممن يجهله مثله، ف (2/ 312) .
(4) اختيارات (257) ، ف (312) .
(5/11)

ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية وإلا مع قرينة إرادة الطلاق.
فإذا قرنت الكنايات بلفظ يدل على أحكام الطلاق، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي.
وقال الغزالي في المستصفى في ضمن مسألة القياس: لا يقع الطلاق بالكناية حتى ينويه.
قال أبو العباس: هذا عندي ضعيف على المذاهب كلها، فإنهم مهدوا في كتاب الوقف أنه إذا قرن بالكناية بعض أحكامه صار كالصريح.
ويجب أن يفرق بين قول الزوج: لست لي بامرأة وما أنت لي بامرأة وبين قوله: ليس لي امرأة وبين قوله إذا قيل له: لك امرأة فقال: لا، فإن الفرق ثابت بينهما وصفا وعددا، إذ الأول نفي لنكاحها، ونفي نكاحها كإثبات طلاقها يكون إنشاء ويكون إخبارا، بخلاف نفي المنكوحات عموما فإنه لا يستعمل إلا إخبارا.
وقطع في المغني والكافي وغيرهما: أنه لو باع زوجته، لا يقع به طلاق، وقال ابن عقيل: وعندي أنه كناية: قال أبو العباس: وهذا متوجه إذا قصد الخلع، لا بيع الرقبة (1) .
قال القاضي: إن قال لها: اختاري نفسك، فذكرت أنها اختارت نفسها فأنكر الزوج فالقول قوله: لأن الاختيار مما يمكنها إقامة البينة عليه فلا يقبل قولها في اختيارها، قال أبو العباس: يتوجه أن يقبل قولها، كالوكيل على ما ذكره، أصحابنا في أن الوكيل يقبل قوله في كل تصرف وكل فيه.
__________
(1) اختيارات (257، 258) ، ف (2/313) .
(5/12)

ولو ادعى الزوج أنه رجع قبل إيقاع الوكيل الطلاق لم يقبل قوله إلا ببينة، نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، ذكره القاضي في المجرد (1) .

فصل
ومن حلف بالحرام ألا يخرج فلانة من بيته فخرجت فمذهب أحمد أنه لا طلاق عليه وإن نوى الطلاق؛ بل تجزئه كفارة يمين في قوله، وكفارة ظهار في آخر، وكفارة اليمين أظهر (2) .

باب ما يختلف به عدد الطلاق

وإذا قال الزوج: يلزمني الطلاق وله أكثر من زوجة، فإن كان هناك نية أو سبب يقتضي التعميم أو التخصيص عمل به، ومع فقد النية والسبب فالتحقيق أن هذه المسألة مبنية على الروايتين في وقوع الثلاث بلفظ واحد على الزوجة الواحدة، لأن الاستغراق في الطلاق يكون تارة في نفسه، وتارة في محله، وقد فرق بينهما بأن عموم المصدر لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته، لأنه يدل على أفراد مسماه عقلا ولفظا، وإنما يدل على مفعولاته بواسطة فلفظ الأكل والشرب مثلا يعم الأنواع منه، والأعداد أبلغ من عموم المأكول والمشروب إذا كان عاما فلا يلزم من عمومه لأفراده وأنواعه عمومه لمفعولاته.
وقوى أبو العباس في موضع آخر وقوع الطلاق لجميع الزوجات دون وقوع الثلاث بالزوجة الواحدة، وفرق بأن وقوع الثلاث بالواحدة محرم؛ بخلاف وقوع الطلاق بالزوجات المتعددات، وإذا قلنا بالعموم
__________
(1) اختيارات (258) وفي الإنصاف قال: وكذا دعوى عتقه ورهنه ف (2/ 313) .
(2) مختصر الفتاوى ص (546) ، ف (2/ 313) .
(5/13)

فلا كلام، وإن لم نقل به فهل تتعين واحدة بالقرعة، أو تخرج بتعيينه؟ على روايتني (1) .

الاستثناء في الطلاق
والفصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام الغير والسكوت لا يكون فصلاً مانعًا من صحة الاستثناء، والاستثناء والشرط إذا كان سؤال ساير أثر (2) وكل هذا يؤيد الرواية الأخرى: وهو أنهما ما دام في ذلك الكلام فله أن يلحق به ما يغيره، فيكون اتصال الكلام الواحد كاتصال القبول والإيجاب، ولا يشترط في الاستثناء والشرط والعطف المغير والاستثناء بالمشيئة حيث يؤثر في ذلك، فلا بد أن يسمع نفسه إذا لفظ به (3) .

باب الطلاق في الماضي والمستقبل
ولو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد وأنا من أهل الطلاق، قال أبو العباس: فإنه يقع الطلاق على ما رأيته، لأنه ما جعل هذا شرطًا يعلق وقوع الطلاق به، فهو كما لو قال: أنت طالق قبل موتي بشهر، فإنه لم يجعل موته شرطا يقع به الطلاق عليها قبل شهر، وإنما رتبه فوقع على ما رتب (4) .
قال أبو العباس: سئلت عمن قال: الطلاق يلزمني مادام فلان في هذا البلد.
فأجبت أنه إذا قصد به الطلاق إلى حين خروجه فقد وقع ولغى
__________
(1) اختيارات (258، 259) ، ف (2/ 314)
(2) كذا بالأصل ولعله سؤال سائل أثر، ويدل عليه آخر الكلام.
(3) اختيارات (259) ، ف (2/ 314) .
(4) اختيارات (263) ، ف (314) .
(5/14)

التوقيت، وهذا هو الوضع اللغوي، وإن قصد: أنت طالق إن دام فلان، فإن خرج قبل اليمين لم يحنث وإلا حنث، وهذا نظير أنت طالق إلى شهر (1) .
قال أبو العباس: سئلت عمن قال لامرأته، أنت طالق ثلاثًا غير اليوم.
قال: فقلت: ظاهره وقوع الطلاق في الغد؛ لكن كثيرا ما يعني به سوى هذا الزمان، وهو الذي عناه الحالف فإنه كما لو قال: أنت طالق في وقت آخر، وعلى غير هذه الحال، أو في سوى هذه المدة ونوى التأخير، فإن عين وقتًا بعينه، مثل وقت مرض أو فقر أو غلاء أو رخص أو نحو ذلك تقيد به، وإن لم ينو شيئًا فهو كما لو قال: أنت طالق في زمان متراخ عن هذا الوقت فيشبه الحين، إلا أن المغايرة قد يراد بها المغايرة الزمانية، وقد يراد بها المغايرة الحالية، والذي عناه الحالف فهو كما لو قال: أنت طالق، ليس معينا فهو مطلق، فمتى تغيرت الحال تغيرًا يناسب الطلاق وقع.
وإن قال: أنت طالق في أول شهر كذا طلقت بدخوله، وقاله أصحابنا وكذا في غرته ورأسه واستقباله.
وإذا قال: أنت طالق مع موتي أو مع موتك، فليس هذا بشيء، نقله مهنا عن الإمام أحمد، وجزم به الأصحاب.
ولكن يتوجه على قول ابن حامد؛ أن تطلق لأن صفة الطلاق والبينونة إذا وجدت في زمن واحد وقع الطلاق.
ولعل ابن حامد يفرق بأن وقوع الطلاق مع البينونة له فائدة وهو التحريم أو نقص العدد؛ بخلاف البينونة بالموت (2) .
__________
(1) اختيارات (264 ف (2/ 314) .
(2) اختيارات (265) ، ف (2/ 314) .
(5/15)

باب تعليق الطلاق بالشروط

قال أبو الحسن التميمي: سئلت عن رجل له أربع نسوة قال لواحدة منهن وهو مواجه لها: متى بدأت بطلاق منكن فعبدي حر، وقال للثانية: إن طلقتك فعبداي حران، وقال للثالثة: إن طلقتك فثلاث من عبيدي أحرار، وقال: إن طلقت الرابعة فأربعة من عبيدي أحرار، ثم طلقهن كم يعتق عليه؟ قال: فأجبت على ما حضر من الحساب أنه يعتق بطلاقهن عشرة أعبد.
قال أبو العباس: هذه المسألة لم تجتمع الصفات في عين واحدة، ولكن طلاق كل واحدة صفة على انفرادها، وهذا اللفظ إن كان طلقهن متفرقات فالمتوجه أن يعتق عشرة أعبد، كما قال الحسن، وإن طلقهن بكلمة واحدة توجه أن يعتق ثلاثة عشر عبدا.
وأصح الطرق في الاكتفاء ببعض الصفة إن كانت حضا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا فهي كاليمين، وإلا فهي علة محضة فلا بد من وجودها بكمالها (1) .
ولو علق الطلاق على صفات ثلاث فاجتمعن في عين واحدة، لا تطلق إلا طلقة واحدة، لأنه الأظهر في مراد الحالف، والعرف يقتضيه، إلا أن ينوي خلافه (2) .
يصح تعليق الطلاق مع تقدم الشرط، وكذا إن تأخر، وعنه يتنجز إن تأخر الشرط.
قال الشيخ تقي الدين: وتأخر القسم كأنت طالق لأفعلن كالشرط وأولى بأن لا يلحق.
__________
(1) اختيارات (264، 265) ، ف (2/ 315) .
(2) اختيارات (365) ، ف (2/ 314) .
(5/16)

وعنه: يتنجز إن تأخر الشرط. وعنه صحة قوله لزوجته، من تزوجت عليك فهي طالق.
وعنه: تطلق مع تيقن وجود الشرط قبل وجوده، وخص الشيخ تقي الدين هذه الرواية بالثلاث، لأنه الذي يضره كمتعة (1) .
وإن قال: عجلت ما علقته لم يتعجل، هذا المذهب لأنه علقه فلم يملك تغييره، وعليه الأصحاب، وجزم به في الوجيز وغيره، وقيل: يتعجل إذا عجله وهو ظاهر بحث الشيخ تقي الدين فإنه قال: فيما قاله الجمهور نظر (2) .
ومن قال: فلانة كلما تزوجتها على مذهب مالك فهي طالق، فهذا التزام مذهب بعينه فلا يلزمه، بل له أن يقلد مذهبًا غيره (3) .
وبالواو: كأن قمت وقعدت، أو لا قمت وقعدت تطلق بوجودهما.
وعنه: أو أحدهما: كأن قمت، وإن قعدت، وكالأصح في لا قمت ولا قعدت، وذكره شيخنا في هذه اتفاقًا (4) .
ولو قال: كلما أكلت رمانة فأنت طالق، أو كلما أكلت نصف رمانة فأنت طالق، فأكلت رمانة طلقت ثلاثا بلا نزاع، ولو جعل مكان كلما إن أكلت لم تطلق إلا اثنتين وهو المذهب وعليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: لا تطلق إلا واحدة (5) .
__________
(1) إنصاف (9/ 59) وانظر الفروع (5/ 424) ، ف (2/ 314) .
(2) إنصاف (9/ 60) ، ف (2/ 314) .
(3) فروع (5/ 432) ، ف (2/ 314) .
(4) مختصر الفتاوى (436) ، ف (2/، 315) .
(5) الإنصاف (9/ 64) ، ف (2/ 314) .
(5/17)

إذا علق الطلاق على شرط لزم وليس له إبطاله، وفي الانتصار والواضح، رواية بجواز فسخ العتق المعلق على شرط، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله، لو قال إن أعطيتني أو إذا أعطيتني أو متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أن الشرط ليس بلازم من جهته كالكتابة عنده، قال في الفروع ووافق الشيخ تقي الدين على شرط محض كإن قدم زيد فأنت طالق، قال الشيخ تقي الدين: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة فلازم، وإلا فلا يلزم الخلع قبل القبول ولا الكتابة، وقال: قول من قال: التعليق لازم دعوى مجردة (1) .

الحلف بالطلاق

قال ابن القيم رحمه الله:
قال شيخ الإسلام: والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق بل بطريق الأولى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: إن لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق أولى.
قال: وقد علق القول به أبو ثور، فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر.
وقد بين أن الأمة لم تجمع على لزومه، وحكاه شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له
__________
(1) الإنصاف (9/ 60، 61) ، ف (2/ 315) .
(5/18)

برد هذه الحجة قبل، وأما ما سواها فقد بين فساد جميع حججهم ونقضها أبلغ نقض، وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة، وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلا، وصار إلى ربه وهو مقيم عليها، داع إليها، مباهل لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه وأوقاته لمستفتيه فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا، فتعطلت لفتاواه مصانع التحليل، وهدمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشعت سحائب اللعنة عن المحللين والمحلل لهم من المطلقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كُرمت عليه نفسه من المستبصرين، فقامت قيامة أعدائه وحساده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره أو محلته، وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين، فمن استخفوه من الطعام وأشباه الأنعام قالوا: هذا رفع الطلاق بين المسلمين، وكثر أولاد الزنا في العالمين، ومن صادفوا عنده مسكة عقل ولب قالوا: هذا قد أبطل الطلاق المعلق بالشرط.
وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حل بيعة السلطان من أعناق الحالفين، ونسوا أنهم هم الذين حلوها بخلع اليمين؛ وأما هو فصرح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين، فلا يحل لمسلم حل بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين، ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين، ولعمر الله لقد مني من هذا بما مني به سلف من الأئمة المرضيين، فما أشبه الليلة بالبارحة للناظرين.
ولا يختلف عالمان متحليان بالإنصاف أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب، بل وشيخهما أبي
(5/19)

يعلي -فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يفتي بها في الإسلام، ويحكم بها الحكام، فالاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها، إن لم ترجح، عليها والله المستعان وعليه التكلان (1) .
وقوله: وهو يهودي إن فعلت كذا، والطلاق يلزمني ونحوه، يمين باتفاق العقلاء والفقهاء والأمم (2) (3) .
وقال الشيخ تقي الدين فيمن قال: الطلاق يلزمه لأفعل كذا وكرره لم يقع أكثر من طلقة إذ لم ينو (4) .

تعليقه بالولادة

إذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق اثنتين، فولدت ذكرًا ثم أنثى طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به.
ونقل ابن منصور، هذا على نية الرجل إذا أراد بذلك تطليقه وإنما أراد ولادة واحدة، وأنكر قول سفيان أنه يقع عليها بالأول ما علق به وتبين بالثاني ولا تطلق به كما قاله الأصحاب، قال ابن رجب في القواعد: ورواية ابن منصور أصح، وهو المنصوص، واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله، لأن الحالف إنما حلف على حمل واحد وولادة
واحدة، والغالب أن لا يكن إلا ولدًا واحدًا، لكنه لما كان ذكرًا مرة وأخرى أنثى نوع التعليق عليه، فإذا ولدت هذا الحمل ذكرًا وأنثى لم
__________
(1) إعلام الموقعين (114-117) ، ف (2/ 315) .
(2) إنصاف (9/ 22، 27) ، ف (2/ 315) ,.
(3) اختيارات (264) ، ف (2/ 317) .
(4) قلت: أما تعليقه بالحمل، فيأتي في جملة مسائل برقم الفهرس العام (2/ 320، 321) .
(5/20)

يقع به المعلق بالذكر والأنثى جميعًا، بل المعلق بأحدهما فقط؛ لأنه لم يقصد إلا إيقاع أحد الطلاقين، وإنما ردده لتردد المولود ذكرًا أو أنثى، وينبغي أن يقع أكثر الطلاقين إذا كان القصد تطليقها بهذا الوضع سواء كان ذكرًا أو أنثى لكنه أوقع بولادة أحدهما أكثر من الآخر فيقع به أكثر المعلقين اهـ (1) .
فولدت ذكرًا ثم أنثى، احترازًا مما إذا ولدتهما معا فإنها تطلق ثلاثًا والحالة هذه بلا نزاع أعلمه، غير الشيخ تقي الدين رحمه الله ومن تبعه (2) .

تعليقه بالطلاق

قال في المحرر: إذا قال: إذا طلقتك فأنت طالق أو فعبدي حر لم يحنث في يمينه إلا بتطليق ينجزه أو يعلقه بعدهما بشرط فيؤاخذ.
وقال أبو العباس: يتوجه إذا كان الطلاق المعلق قبل عقد هذه الصفة أو معها معلقًا بفعله ففعله باختياره أن يكون فعله له تعليقًا، وأن التطليق يفتقر إلى أن تكون الصفة من فعله أيضًا، فإذا علقه بفعل غيره ولم يأمره بالفعل لم يكن تطليقًا.
وإن حلف لا يطلق فجعل أمرها بيدها أو خيرها فطلقت نفسها، فالمتوجه أن تخرج على الروايتين في تنصيف الصداق.
وإن قلنا يتنصف جعلناه تطليقًا، وإن قلنا: يسقط لم نجعله تطليقا، وإنما هو تمكين من التطليق (3) .
__________
(1) إنصاف (9/ 78، 79) ، ف (2/ 318)
(2) إنصاف (9/ 80) ، ف (2/ 318) .
(3) اختيارات (268) ، ف (2/319) .
(5/21)

تعليقه بالحلف

قال جماعة: اليمين المطلقة إنما تنصرف إلى الحلف بالله، قال أبو يعلى الصغير: ولهذا لو حلف فعلق طلاقًا بشرط أو صفة لم يحنث، وقال شيخنا: إن قصد اليمين حنث بلا نزاع أعلمه، قال: وكذا ما علق لقصد اليمين (1) .
إذا حلف بطلاقها ثم أعاده أو علقه بشرط وفي ذلك الشرط حث أو منع والأصح أو تصديق خبر أو تكذيبه سوى تعليقه بمشيئتها أو حيض أو طهر تطلق في الحال طلقة في مرة، ومن الأصحاب من لم يستثن غير هذه الثلاثة ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله، واختار العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين، وأنه موجب نصوص الإمام أحمد رحمه الله وأصوله (2) .
تعليقه بالكلام
وإن حلف على غيره ليكلمن فلانًا، ينبغي أن لا يبر إلا بالكلام الطيب، كالكلام بالمعروف ونحوه، دون السب ونحوه، فإن اليمين في جانب النفي أعم من اللفظ اللغوي، وفي جانب الإثبات أخص، كما قلنا فيمن حلف ليتزوجن ونظائره فإنه لا يبر إلا بكمال المسمى.
ولو علق الطلاق على كلام زيد فهل كتابته أو رسالته الحاضرة كالإشارة فيجيء فيها الوجهان، أو يحنث بكل حال؟
تردد فيه أبو العباس، قال: وأصل ذلك الوجهان في انعقاد النكاح بكتابة القادر على النطق.
__________
(1) فروع (5/ 452) ، ف (2/ 319) وانظر في الحلف برقم الفهرس العام (2/ 406، 404، 315، 321) .
(2) إنصاف (9/ 80) ، ف (2/ 319) .
(5/22)

وإذا قال: إن عصيت أمري فأنت طالق ثم أمرها بشيء أمرًا مطلقًا فخالفت حنث، وإن تركته ناسية أو جاهلة أو عاجزة ينبغي ألا يحنث، لأن الترك ليس عصيانا.
وإذا أمرها أمرا بين أنه ندب بأن يقول: آمرك بالخروج وأبيح لك القعود، فلا حنث عليه، لحمل اليمين في الأمر المطلق على مطلق الأمر والمندوب ليس مأمورًا به أمرًا مطلقًا، وإنما هو مأمور به أمرًا مفيدًا (1) .

تعليقه بالإذن

ولو قال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فهو على كل مرة، لأن خرجت فعل والفعل نكرة وهي في سياق الشرط تعم نحو قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [8/99] وكذا إذا قال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، يقتضي تعليق المسمى على تحقق الشرط فهو على كل مرة تعطيه ألفًا وهذا المسمى موجود في جميع أفراده فيقع الطلاق به إذا وجد فلو أعطته ما ينقص عن ألف ثم أعطته الألف وقع الطلاق، لكن العموم تارة يكون على سبيل البدل، وهو العموم المطلق وهو الذي يقال فيه تعليق الطلاق، لا يقتضي التكرار، وتارة يكون على سبيل الجمع، وهو العموم على سبيل الاستغراق، وهو يقتضي التكرار في تعليق الطلاق، هذا الجواب هو الصواب.
وقيل: إنه إذا أذن لها في الخروج انحلت يمينه بناء على القول بأن النكرة في سياق النفي لا تعم إلا إذا أكدت بـ من تحقيقًا أو تقديرًا نحو قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ} [62/3] محتجًا بقول سيبويه
أنه يجوز أن يقول: ما رأيت رجلاً بل رجلين، وهذا إنما هو فرق بين
__________
(1) اختيارات (268) ، ف (2/ 319) .
(5/23)

الصيغتين في الجواز فقط، فإن قوله: ما رأيت من رجل، إنما هو نص في الجنس، لأن حرف من للجنس وأما نحو: ما رأيت رجلا فهو ظاهر في الجنس يقتضي العموم، ويجوز أن يراد به مع القرينة نفي الجنس الواحد، فيجوز للمتكلم أن يريد بكلامه ذلك، كما يريد به سائر الاحتمالات المرجوحة.
فإذا قال: إن خرجت إلا بإذني، ونوي خروجا واحدا نفعه ذلك، وحملت يمينه عليه، ولو كان السبب يتقضي ذلك مثل أن تطلب منه الخروج إلى لقاء الحجاج فيقول: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فهو كما لو حلف لا يتغدى إذا دعي إلى غداء، ففيه قولان: هما وجهان في مذهب أحمد، الصواب أنه يقتصر على ذلك الغداء؛ لأن المفهوم من كلام الناس عرفًا، والفرق بينه وبين ألفاظ الشارع أن العبرة في كلام الشارع بعموم لفظه لا بخصوص سببه، ذلك لأن هناك تعارض قصد التخصيص وقصد التأسيس بالحكم فيرجح التأسيس، لأن كلام الشارع منصوب له وهو موجب اللفظ، وهنا لم يعرف أن غرض الحالف تأسيس المنع من الفعل، فسلمت دلالة التخصيص من معارض، فظهر أن قوله: إن خرجت بغير إذني، مثل قوله: إن خرجت إلا أن آذن لك، هذا خروج مقيد، وهذا خروج مطلق، كقوله: لا أتغدى أو لا أخرج، ومع ذلك فإن تطلق نكرة، وهذه الأفعال كلها للعموم عند الإطلاق، لأنها نكرة في سياق غير موجب فيحمل عليه إذا نواه، وكان مع السبب للخصوص على أصح القولين، وهذا ظاهر في قلوب الناس (1) .
وإن علق الطلاق على خروجها بغير إذن ثم أذن لها مرة فخرجت مرة أخرى بغير إذن طلقت، وهو مذهب أحمد؛ لأن خرجت فعل، والفعل نكرة، وهي في سياق الشرط تقتضي العموم.
__________
(1) مختصر الفتاوى (543) ، ف (2/ 319) .
(5/24)

وإن أذن لها فقالت: لا أخرج، ثم خرجت الخروج المأذون لها فيه، قال أبو العباس: سئلت عن هذه المسألة؟ ويتوجه فيه ألا يحنث، لأن امتناعها من الخروج لا يخرج الإذن عن أن يكون إذنًا؛ لكن هو إذا قالت: لا أخرج فلما اطمأن إلى أنها لا تخرج ولم تشعره بالخروج فقد خرجت بلا علم، والإذن علم وإباحة.
ويقال أيضًا: إنها إذا ردت الإذن عليه فهو بمنزلة قوله: أمرك بيدك إذا أردت ذلك، وأصل هذا أن هذا الباب نوعان: توكيل وإباحة، فإذا قال له: بع هذا، فقال: لا أبيع، أن النفي يرد القبول في الوصية، والموصي إليه لم يملكه بعد، وإذا أباحه شيئا فقال: لا أقبل، فهل له أخذه بعد ذلك؟ فيه نظر.
ويتوجه أن الإنشاء كالخبر في التكرار.
وظاهر كلام أبي العباس: إذا حلف ليقضينه حقه في وقت عينه فأبرأه قبله لا يحنث، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقول في مذهب أحمد وغيره (1) .

تعليقه بالمشيئة

قال أصحابنا: إذا قال: أنت طالق وعبدي حر إن شاء زيد لم يقع إلا بمشيئة زيد لهما إذا لم ينو غيره.
ويتوجه أن تعود المشيئة إليهما إما جميعًا وإما مطلقًا بحيث لو شاء أحدهما وقع ما شاء، وكذلك نظيرها في الخلع أنهما طلقتان.
ونظيره أن يقول: والله لا تؤمن (2) ولا آكل إن شاء الله تعالى فتبقى
__________
(1) اختيارات (269، 270) ، ف (2/ 319) .
(2) كذا في الأصل ولعله: لا أقومن.
(5/25)

على قياس قولهم أن يحنث بفعل الواحد، لأن التقدير إن شاء الله في الجميع المحلوف عليه فيحنث.
قال القاضي في الجامع: فإن قال: أنت طالق إن لم يشأ زيد، فقد علق الطلاق بصفة هي عدم المشيئة فمتى لم يشأ وقع الطلاق لوجود شرطه وهو عدم المشيئة من جهته.
قال أبو العباس: والقياس أنها لا تطلق حتى تفوت المشيئة، إلا أن تكون نية أو قرينة تقتضي الفورية.
وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله أنه لا يقع به الطلاق عند أكثر العلماء، وإن قصد أنه يقع به الطلاق وقال: إن شاء الله تثبيتا لذلك وتأكيدا لإيقاعه وقع عند أكثر العلماء، ومن العلماء من قال: لا يقع مطلقا، ومنهم من قال: يقع مطلقا، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو الصواب.
وتعليق الطلاق إن كان تعليقا محضا ليس فيه تحقيق خبر، ولا حض على فعل كقوله: إن طلعت الشمس، فهذا يفيد فيه الاستثناء. ويتوجه أن تخرج على قول أصحابنا، هل هذا يمين أم لا؟
ومن هذا الباب توقيته بحادث يتعلق بالطلاق معه غرض كقوله: إن مات أبوك فأنت طالق، أو: إن مات أبي هذا فأنت طالق ونحو هذا.
وقياس المذهب أن الاستثناء لا يؤثر في مثل هذا؛ فإنه لا يحلف عليه بالله، والطلاق فرع اليمين بالله.
وإن كان المحلوف عليه أو الشرط خبرا عن مستقبل لا طلبا كقوله ليقدمن الحاج أو السلطان فهو كاليمين ينفع فيه الاستثناء.
وإن كان الشرط أمرا عدميا كقوله: إن لم أفعل كذا فأنت طالق إن شاء الله تعالى فينبغي أن يكون كالثبوت كما في اليمين بالله.
(5/26)

ويفيد الاستثناء في النذر كما في قوله: لا تصدقن إن شاء الله، لأنه يمين.
ويفيد الاستثناء في الحرام والظهار، وهو المنصوص عن أحمد فيهما.
وللعلماء في الاستثناء النافع قولان:
أحدهما: لا ينفعه حتى ينوية قبل فراغه من المستثنى منه، وهو قول الشافعي والقاضي أبي يعلى ومن تبعه.
والثاني: ينفعه وإن لم يرده إلا بعد الفراغ حتى لو قال له بعض الحاضرين، قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، نفعه، وهذا هو مذهب أحمد الذي يدل عليه كلامه، وعليه متقدمو أصحابه، واختيار أبي محمد وغيره، وهو مذهب مالك، وهو الصواب.
ولا يعتبر مقارنة قصد الاستثناء، فلو سبق على لسانه عادة أو أتى به تبركا رفع حكم اليمين.
وكذلك قوله: إذا أراد الله، وقصد بالإرادة مشيئة الله، لا محبته وأمره.
ومن شك في الاستثناء وكان من عادته الاستثناء فهو كما لو علم أنه استثنى كالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز ولا تجلس أقل الحيض، والأصل وجوب العبادة في ذمتها (1) .
ومن حلف بالطلاق فقيل له: استثن فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه، بخلاف الذي أوقع الطلاق، وقال: إن شاء الله، فإن ذلك لا
يرفعه سواء كان نوى الاستثناء قبل فراغه من اليمين أو بعده، هذا هو
__________
(1) اختيارات (266-268) فيه زيادات كثيرة ف (2/319) .
(5/27)

الصحيح الذي دل عليه كلام الإمام أحمد وكثير من السلف وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلفه - صلى الله عليه وسلم - وقوله: (لأغرون قريشا) ولم يغزها، وحلف سليمان عليه السلام أن يطوف على نسائه، وقوله للعباس: (إلا الإذخر) واستثناء سهيل بن بيضاء وغيره تدل على أن اليمين تنحل بالاستثناء المقارن لليمين (1) .
حكي عن أبي بكر رحمه الله أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق، وقال الشيخ تقي الدين: قول أبي بكر رواية منصوصة عن الإمام أحمد رحمه الله ولكن أكثر أجوبته كقول الجمهور (2) .
قال ابن القيم رحمه الله: إذا استحلف على شيء فأحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء الله، وهل يشترط أن يسمعها نفسه؟ فقيل: لا بد أن يسمع نفسه.
وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه، بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلما وإن لم يسمع نفسه وهكذا حكم الأقوال الواجبة (3) .
وإذا حلف على يمين وكان من عادته أن لا يحلف إلا ويستثنى فحلف يمينا وشك بعد مدة هل جري على عادته في الاستثناء أم لا؟ فالأظهر من قول العلماء إجراؤه على عادته وإلحاق الفرد بالأعم الأغلب (4) .
وإذا حلف فقال له رجل قال: إن شاء الله، فقال: حلفت ومضى، فقال مرة ثانية: قل إن شاء الله، فقالها، ففيه نزاع مشهور في مذهب أحمد وغيره، في الصحيح، مثل هذا الاستثناء كما ثبت في حديث
__________
(1) مختصر الفتاوى (547) ف (2/320) .
(2) إنصاف (9/ 28) ، ف (2/ 320) .
(3) إعلام الموقعين (3/ 382) ، ف (2/ 320) .
(4) مختصر الفتاوى (542) ، ف (2/ 320) .
(5/28)

سليمان عليه السلام أنه قال: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلو قالها لقاتلوا جميعًا في سبيل الله فرسانا أجمعين، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة: "لا يختلي خلاها" فقال له العباس: إلا الإذخر، فقال: "إلا الإذخر" وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينقلبن أحد إلا بضرب عنق" فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى خفت أن الحجارة تنزل علي من السماء ثم قال: "إلا سهيل بن بيضاء" وقال - صلى الله عليه وسلم - "
والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا" ثم سكت ثم قال: "إن شاء الله ثم لم يغزهم".
وفي القرآن جمل قد بين فصل أبعاضها بكلام آخر كقوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [72-73/3] ففصل بين الكلام المحكي عن أهل الكتاب، وله نظائر، والله أعلم (1) .
يعتبر للاستثناء والشرط ونحوهما اتصال معتاد لفظا وحكما كانقطاعه بتنفس ونحوه، ويعتبر أيضًا نيته قبل تكميل ما ألحقه به، وقيل: يصح بعد تكميل ما ألحقه به واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: دل عليه كلام الإمام أحمد، وعليه متقدمو أصحابه، وقال: لا يضر فصل يسير بالنية وبالاستثناء اهـ (2) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (542) ، ف (2/ 320) .
(2) إنصاف (9/ 34، 35) زيادة إيضاح ف (2/ 320) .
(5/29)

وإذا حلف بالطلاق الثلاث لا يكسن هذه الدار، وقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه إذا سكن فيها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبه، وقول في مذهب مالك إذا قال: إن شاء الله على الوجه المعتبر (1) .

فصل

قال أبو العباس: تأملت نصوص كلام الإمام أحمد فوجدته يأمر باعتزال الرجل زوجته في كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدري أبار فيها أم حانث حتى يستيقن أنه بار، فإن لم يعلم أنه بار في وقت وشك في وقت اعتزالها وقت الشك، نص على فروع هذا الأصل في مواضع.
إذا قال لامرأته، إن كنت حاملا فأنت طالق، فإنه نص على أنه يعتزلها حتى يتبين أنها ليست بحامل، ولم يذكر القاضي خلافا في أنه يمنع من وطئها قبل الاستبراء إن كان قد وطئها قبل اليمين.
وتلخص من كلام القاضي: أنها إذا لم تحض ولم يظهر بها حمل فهل يحكم ببراءة الرحم بحيث يجوز وطئها، ويتبين أن الطلاق لم يقع بمضي تسعة أشهر أو ثلاثة أشهر؟ على وجهين، وهذا إنما هو في حق من تحيض أو تحمل، وأما الآيسة والصغيرة فإن الواجب أن تستبرأ بمثل الحيضة، وهو ثلاثة أشهر، أو شهر واحد على ما فيه من الخلاف.
أو يقال يجوز وطء هذه قبل الاستبراء إلا أن تكون حاملا، هذا هو الصواب.
وكل موضع يكون الشرط فيه أمرا عدميا يتبين فيما بعد مثل أن
__________
(1) مختصر الفتاوى (542) ، ف (2/ 320) .
(5/30)

يقول: إن لم يقدم زيد أو إن لم يقدم في هذا الشهر ونحو ذلك فلا يجوز الوطء حتى يتبين.
ومنها: إذا وكل وكيلا في طلاق زوجته فإنه يعتزلها حتى يدري ما فعل، وحمله القاضي على الاستحباب، والوجوب متوجه.
ومنها: إذا قال: أنت طالق ليلة القدر، فإنه يعتزلها إذا دخل العشر الأواخر، لإمكان أن تكون ليلة القدر أول ليلة، وحمله القاضي على المنع.
ومنها: إذا قال: أنت طالق قبل موتي بشهر، فإنه يعتزلها أبدا، وحمله القاضي على الاستحباب.
ومنها: مسألة إن كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق ثلاثا، وقال آخر: إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق ثلاثا، وطار ولم يعلم ما هو، فإنهما يعتزلان نساءهما حتى يتيقنا، وحمله القاضي على الاستحباب.
وما كان من هذه الشروط مما يئسا من استبانته ففيه مع العلم بوقوعه.
ذكر القاضي في مسألة الطائر أن ظاهر كلام أحمد الحنث، وتعليل القاضي في مسألة إن شاء الله صريح في ذلك، فإنه جعل الشرط الذي لا يعلم بمنزلة عدم الاشتراط، وهذا ظاهر في قول أحمد: أنت طالق إن شاء فلان فلو لم يشأ تطلق، لأن مشيئة العباد ومشيئة الله لا تدرك، هي مغيبة عنه، فإن هذا يقتضي أن كل شرط مغيب لا يدرك يقع الطلاق المعلق به.
وعلى هذا من حلف ليدخلن الجنة يحنث، لأنه مغيب لا يدرك.
لكن كلام الإمام أحمد في أكثر المواضع إنما فيه الأمر بالاعتزال فقط، وهذا فقه حسن، فإن الحلف بالطلاق محمول على الحلف بالله.
(5/31)

ولو حلف بالله على أمر وهو لا يعلم أنه صادق في يمينه كان آثما بذلك وإن لم يتيقن أنه كاذب فكذلك يمين الطلاق وأشد.
وقد نص على أنه إذا شك هل تطلق، أم لا؟ أنه لا يقع به الطلاق، ولم يتعرض للاعتزال، فينظر هل يؤمر بالاعتزال هنا، أم يفرق بأن هذا لم يحلف يمينا فهو بمنزلة من شك هل حلف أم لا؟.
قال في المحرر: وتمام التورع في الشك قطعه برجعة، أو عقد إن أمكن وإلا ففرقة متيقنة بأن يقول: إن لم تكن طلقت فهي طالق.
وقال القاضي: أما في الورع فإن كان يعلم من نفسه أنه متى طلق فإنما يطلق واحدة لاعتقاده أن الزيادة عليها بدعة: ألزم نفسه طلقة ثم راجعها فإن كان الطلاق قد وجد فقد راجع، وإن لم يكن قد وجد فما ضره، وإن كان يعلم من نفسه أنه متى طلق فإنما يطلق ثلاثا: ألزم نفسه ثلاثا، ومعناه أن يوقع عدد الطلقات الثلاث فتحل لغيره من الأزواج ظاهرًا وباطنًا.
قال أبو العباس: ومما يدل على أنه متى وقع الشك في وقوع الطلاق فالأولى استبقاء النكاح؛ بل يكره أو يحرم إيقاعه لأجل الشك، أن الطلاق بغيض إلى الرحمن، حبيب إلى الشيطان ويدل عليه قصة هاروت وماروت.
وأيضا: فإن النكاح دوامه آكد من ابتدائه كالصلاة، وإذا شك في الصلاة أحدث، أم لا؟ لم يستحب له أن ينصرف منها بالشك بنص الحديث، لما فيه من إبطال الصلاة بالشك، فكذلك إبطال النكاح بالشك؛ بل الصلاة إذا أبطلها أمكن ابتداؤها بخلاف النكاح (1) .
واختار شيخنا العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين وأنه
__________
(1) اختيارات (259-261) ، ف (2/ 321) إلى (323) .
(5/32)

موجب أصول أحمد ونصوصه، وأن مثله والله لا أحلف يمينا، طلقت في الحال طلقة في مرة، وإن قصد بإعادته إفهامها لم يقع، ذكره أصحابنا (1) .

باب التأويل في الحلف

وإن حلف بالطلاق كاذبا يعلم كذب نفسه لا تطلق زوجته، ولا يلزمه كفارة يمين (2) .
ولو قيل: زنت امرأتك، أو خرجت من الدار فغضب، وقال: فهي طالق، لم تطلق وأتفى به ابن عقيل، وهو قول عطاء بن أبي
رباح.
وقريب منه ما ذكره ابن أبي موسى وخالف فيه القاضي: إذا قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار -بفتح الهمزة- أنها لا تطلق إذا لم تكن دخلت؛ لأنه إنما طلقها لعله فلا يثبت الطلاق بدونها.
ومن هذا الباب ما يسأل عنه كثير مثل أن يعتقد أن غيره أخذ ماله فيحلف ليردنه أو يقول: إن لم ترده فامرأتي طالق، ثم تبين أنه لم يأخذه أو يقول: ليحضرن زيد، ثم يتبين موته، أو لتعطيني من الدراهم الذي معك ولا دراهم معه.
ثم هذا قسمان: الأول: منه ما يتبين حصول غرضه بدون الفعل المحلوف عليه مثل ما إذا ظن أنها سرقت له مالا فيحلف ليردنه فوجدها لم تسرقه.
والثاني: فإنه وإن لم يحصل فيه غرضه لكن لا غرض له مع
__________
(1) فروع (5/ 442) ، ف (2/ 321) .
(2) اختيارات (256) ، ف (2/ 321) .
(5/33)

وجود المحلوف عليه فيصير كأنه لم يحلف عليه، وفي الأول يحصل غرضه منه فيصير كأنه بر بالفعل (1) .
واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله: فيمن حلف على غيره ليفعلنه فخالفه، لم يحنث إن قصد إكرامه لا إلزامه، لأنه كالأمر، ولا يجب؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر بوقوفه في الصف ولم يقف، ولأن أبا بكر أقسم ليخبرنه بالصواب والخطأ لما فسر الرؤيا فقال: لا تقسم، لأنه علم أنه لم يقصد الإقسام عليه مع المصلحة المقتضية للكتم.
وقال أيضا: إن لم يعلم المحلوف عليه بيمينه فكالناسي (2) .
وإذا حلف بالطلاق ليعطينه كذا فعجز عنه فلا حنث عليه إذا كانت نيته أن يعطيه مع القدرة (3) .
ومن كانت عنده وديعة فتصرفت فيها زوجته، فطلب صاحب الوديعة وديعته، فقال لزوجته: أعطيه الوديعة، فقالت: تصرفت فيها، فحلف أنه لا بد أن يعطيه الوديعة وإلا كانت طالقا، ولا يروح إلا بوديعته وكان قد رأى الوديعة في البيت، فعجزت الزوجة عن إحضارها، وراح الرجل ولم يأخذ الوديعة، فإذا كانت الوديعة معدومة فلا حنث عليه، لأن المحلوف عليه ممتنع ولا يحنث في أصح القولين، ولأنه اعتقد وجودها فتبين ضده فلا يحنث في مثل ذلك على الصحيح.
ومن رأى معجنة طين فقال: علي الطلاق ما تكفي، فكفت، فلا يعود إلى مثل هذا اليمين فإن فيها خلافا؛ لكن الأظهر أنه لا يحنث.
__________
(1) اختيارات (263) فيه زيادات وجزم بالحكم ف (2/ 321) .
(2) إنصاف (6/ 116) ، ف (2/ 321) .
(3) مختصر الفتاوى (548) ، ف (2/ 320) .
(5/34)

وإن حلف على زوجته لا تفعل شيئا ولم تعلم أنه حلف أو علمت فنسيت ففعلته، فلا حنث عليه، وله أن يصدقها إن كانت صادقة عنده (1) .

فصل

ومن حلف على زوجته بالطلاق الثلاث لا تفعل كذا ففعلت وزعمت أنها حين فعلته اعتقدت أنه غير المحلوف عليه فالصحيح في مثل ذلك أنه لا يقع طلاقه، بناء على أنه إذا فعل المحلوف عليه ناسيا ليمينه أو جاهلا لم يقع به طلاق في أحد قولي الشافعي وأحمد.
وعنه في جنس ذلك ثلاث روايات، لأن البر والإيمان بمنزلة الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، لأن الحالف يقصد بيمينه الحض لنفسه أو لغيره ممن يحلف عليه أو المنع لنفسه أو لغيره ممن يحلف عليه، فهو في الحقيقة طلب مؤكد بالقسم، فكما أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء.
والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة، والقسم أيضا، نوعان: خبر مؤكد، وإنشاء مؤكد بالقسم؛ ولهذا كان القسم جملتان: جملة يقسم عليها، وجملة يقسم بها، فإذا قال: والله لقد كان كذا، أو ما كان كذا، أو لأفعلن كذا، أو لا تفعل كذا، كان هذا قسما على الخبر، وإذا قال: والله لا أفعل كذا، أو لا تفعل كذا، كان هذا إنشاء مؤكدا بالقسم، لكنه طلب يتضمن الأمر والنهي، ثم لما صاروا يحلفون بالطلاق كان له صيغتان: صيغة القسم، وصيغة الشرط، فصيغة القسم قول الحالف: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا أفعله، أو لتفعلن كذا، وصيغة القسم موجب في صيغة الجزاء، والمثبت في هذه منفي في هذه.
__________
(1) مختصر الفتاوى (545) ، ف (2/ 320) .
(5/35)

وصيغة الشرط إذا تضمنت معنى الحض والمنع كانت حلفا بالطلاق، وأما إن كان تعليقا محضا كقوله: إذا ظهرت أو طلعت الشمس ونحو ذلك، ففيه نزاع بين العلماء، والصحيح أنه ليس بحلف، بل هو إيقاع موجب بوقت معلوم أو مجهول أو معلق بشرط، وينبني على ذلك مسائل.
منها: لو حلف لا يحلف بالطلاق، أو قال: إذا حلفت به فعبدي حر، أو لم يعرف لغته، فأما إن عرفت لغته فإن يمينه تنزل عليها.
ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك".
وقد تنازع العلماء في الاستثناء على ثلاث درجات.
أحدها: الإيقاع المجرد، فعند أحمد ومالك أنه تقع الثانية.
وإذا علق الطلاق بشرط يقصد به الحض أو المنع، ففيه قولان: وهما روايتان عن أحمد.
إحداهما: الإيقاع، فإنه كالإيقاع، والثاني: وهو الصحيح أنه كالحض.
والدرجة الثالثة: إذا حلف بصيغة القسم، كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، فهذا ظاهر المذهب عن أحمد أنه لا يحنث، ثم من أصحابه من يجعله قولاً واحدًا ومنهم من يجعل فيه روايتين، فالصواب وقوع الاستثناء في هاتين الصورتين، وإن قيل: لا يقع في الإيقاع.
والمقصود هنا: أن الحالف على نفسه أو غيره ليفعلن أو لا يفعل، وهو طالب طلبا مؤكدا بالقسم بمنزلة الأمر والنهي، وإذا كان كذلك فقد علم أن المنهي إذا فعل ما نهى عنه ناسيًا أو مخطئًا، وقد فعل شيئا يعتقد أنه غير المنهي عنه كان المنهي عنه كأنه لم يكن، ولم يكن
(5/36)

المنهي مخالفا للناهي عاصيا له، فكذلك من فعل المحلوف عليه ناسيا أو مخطئا في اعتقاده لم يكن مخالفا للحالف، فلم يحنث الحالف، وهذا بين لمن تأمله، والله تعالى لم يؤاخذ بالنسيان والخطأ.
وأما إذا فعلت الزوجة المحلوف عليها، عالمة بالمخالفة، فهذا فيه نزاع آخر غير النزاع المعروف.
فأصل الحلف بالطلاق هل يقع به الطلاق، أو لا يقع؟ فإن النزاع في ذلك بين السلف والخلف.
والمقصود: أن الزوج إذا حلف على زوجته فخالفته عمدا، فمذهب أشهب صاحب مالك أنه لا يقع به طلاق في هذه الصورة، وخالفه غيره من المالكية، ولعل مأخذه إما وجوب طاعته عليها وجعلها عاصية بذلك، أو لئلا يكون الطلاق بيدها من غير رضاه، فإنه لم يقصد جعله بيدها إنما قصد منعها، وظن أنها لا تعصيه، كمن حلف على معنى يظنه، كصفة، فتبين بخلافها.
ثم إذا وقع به الطلاق بفعلها، أو حصلت فرقة بفعلها بعد الدخول فهل يرجع عليها بالمهر؟ فهو مبني على أن إخراج البضع من ملك الزوج هل هو متقوم؟ فلو شهد شهود بالطلاق ثم رجعوا، هل يضمنون الصداق؟ فيه قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد، والصحيح أنه متقوم ومنهم من فرق بين المرأة والأجنبي فيقول: متقوم على الأجنبي دون المرأة فيقولون: إن أفسدت النكاح هي لم تضمنه، بخلاف الأجنبي.
ثم مالك يقول: هو مضمون بالمسمى وهو منصوص عن أحمد، والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل وهو وجه لأحمد، وكذلك لو أفسد رجل نكاح امرأة قبل الدخول بها وبعده فللمرأة قبل الدخول نصف الصداق، ولها جميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسد في الصورتين.
(5/37)

عند من يقول خروج البضع متقوم، وهو المنصوص عن أحمد، وهو مقدار ما يرجع به على القولين، ومن يقول: لا يتقوم يقول: لا يرجع، وهذا القول الآخر في مذهب أحمد.
والدليل على أنه متقوم جواز الخلع عليه، وأيضا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في الممتحنة حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} إلى قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [10/60] نزلت باتفاق المسلمين في قضية الصلح الذي كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أهل مكة صلح الحديبية لما شرط عليهم أن يرد المسلمون من جاءهم مسلما، وأن لا يرد أهل مكة من ذهب إليهم مرتدا، فهاجر نسوة كأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فنسخ الله تعالى الرد في النساء، وأمر برد المهر عوضا عن رد المرأة، فذلك قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} فأمر أن يؤتي الأزواج الكفار ما أنفقوا على المرأة الممتحنة التي لا ترد، والذي أنفقوا هو المسمى {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ} فشرع للمؤمنين أن يسألوا الكفار ما أنفقوا على النسوة اللاتي ارتددن إليهم، وأن يسأل الكفار ما أنفقوا على النساء المهاجرات، فلما حكم الله سبحانه وتعالى بذلك دل على أن خروج البضع متقوم، وأنه بالمهر المسمى، ودلت الآية على أن المرأة إذا أفسدت نكاحها رجع عليها زوجها بالمهر.
فإذا حلف عليها فخالفته وفعلت المحلوف عليه كانت عاصية ظالمة متلفة للبضع عليه، فيجب عليها ضمانه: إما بالمسمى على أصح قولي العلماء، وإما بمهر المثل.
يوضع ذلك ما كان من امرأة قيس بن شماس حين أبغضته.
(5/38)

وقالت: إني أكره الكفر بعد الإيمان فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ترد عليه حديقته لأن الفرقة جاءت من جهتها فتبين أنه يجوز أن يأخذ صداقها إذا كان سبب الفرقة من جهتها، إلا إذا كانت من جهته، وهذا كله يقرر أنه يجوز أن يرجع إليه الصداق، إذا فعل ما يوجب الضمان مثل: ما إذا أفسدته عليه بالهجرة، أو الردة (1) .
ومن حلف على رجل، لا بد أن يعطي فلانا كذا يعتقد أن ذلك الشيء عنده موجود بحيث لو علم أنه قد عدم لما حلف، ثم تبين أن ذلك الشيء قد عدم فلا حنث عليه لأنه حلف على مستحيل نحو: لأطيرن، أوة لأشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه، وهذا لا يحنث عند جماهير العلماء.
وله مأخذ آخر وهو: أنه حلف يعتقد شيئًا فتبين بخلافه (2) .
وإذا حلف بالطلاق الثلاث: أن أحدا من أرحام المرأة لا يطلع إلى بيته، فطلع في غيبته، فإن كان يعتقد أنه إذا حلف عليهم امتنعوا من الصعود فحلف ظنا أنهم ممن يطيعونه فتبين الأمر بخلاف ذلك، ففي حنثه نزاع بين العلماء، الأظهر أنه لا يحنث، كمن رأى امرأة يظنها أجنبية فقال: أنت طالق ثم تبين أنها امرأته ونحو ذلك من المسائل التي يتعارض فيها تعيين الظاهر والقصد؛ فإن الصحيح اعتبار القصد (3) .
وإذا حلف على زوجته بالطلاق أنها لا تخرج إلا إلى الحمام فخرجت إلى بيت أهل الزوج وقالت لم أظن أنك أردت منعي من أهلك، فعرف صدقها في ذلك لم يقع به طلاق، وإن عرف كذبها لم
__________
(1) مختصر الفتاوى (538-541) ، ف (2/ 321) .
(2) مختصر الفتاوى (549) ، ف (2/ 321) .
(3) مختصر الفتاوى (541) ، ف (2/ 321) .
(5/39)

يقبل قولها، وإن شك في صدقها وكذبها لم يحكم بوقوع الطلاق فإن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بالشك (1) .
وإذا حلف على أخت زوجته لا تدخل بيته إلا بإذنه فدخلت بغير إذنه ولم تكن علمت باليمين ثم علمت فاعتقدت أن اليمين انحلت بالحنث وأنه لم يبق عليها يمين فاستمرت على الدخول فلا حنث على الحالف لأن الدخول الأول لم تكن عالمة باليمين، وبعد ذلك اعتقدت أنها انحلت وأنه لم يبق عليه يمين (2) .
إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها، فمذهب أحمد أنه لا يقع بها الطلاق، وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق، وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره (3) .
وإذا حلف: لا يسكن بيت أبيه فزارهم وجلس عندهم أياما لم يحنث، لأن الزيارة ليست سكنا باتفاق الأئمة (4) .
ومن حلف على ابن أخت زوجته أن لا يعمل عند إنسان لكونه يظلمه، ثم بلغ وخرج عن أمره واستقل بنفسه وأجر نفسه لذلك الرجل لم يحنث ذلك الحالف (5) .
وإذا حلف لا يفعل شيئًا لسبب فزال السبب أو أكره على فعل المحلوف عليه لم يحنث، وإن كان السبب باقيًا وأراد فعل المحلوف.
__________
(1) مختصر الفتاوى (537) ، ف (2/ 321) .
(2) مختصر الفتاوى (537) ، ف (2/ 321) .
(3) إعلام الموقعين (4/ 90، 91) ، ف (2/ 321) .
(4) مختصر الفتاوى (547) ، ف (2/ 321) .
(5) مختصر الفتاوى (537) ، ف (2/ 323) .
(5/40)

فخالع زوجته خلعا صحيحا ثم فعله بعد أن بانت بالخلع لم يحنث، وإن كان الخلع لأجل اليمين ففيه نزاع مشهور.
والصحيح أن خلع اليمين لا يصح، كالمحلل، لأنه ليس المقصود به الفرقة، وهل يقع بخلع اليمين طلقة رجعية أم لا يقع به شيء؟ فيه نزاع مشهور، والصحيح أنه لا يقع به شيء بحال، لكن إذا أفتاه مفت به وفعله معتقدا أن النكاح قد زال وأنه لا حنث عليه لأنه لم يقصد مخالفة يمينه فلا حنث عليه، وأكثر العلماء يقولون إن يمينه باقية منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور والشافعي في أحد قوليه.
وفي القول الآخر: أن اليمين تنحل إذا حصل بينه وبين زوجته بينونة، ويجوز للمستفتي أن يستفتي في مثل هذه المسائل من يفتيه بأن لا حنث عليه، ولا يجب على أحد أن يطيع أحدا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا أفتاه من يجوز استفتاؤه جاز أن يعمل بفتواه ولو كان ذلك القول لا يوافق المذهب الذي ينتسب هو إليه، وليس بالازم أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع أيمانه (1) .
قال شيخنا: والاحتياط أحسن ما لم يفض بصاحبه إلا مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط (2) .
ومن اتهمته زوجته بوطء جاريته فعرض وحلف أنه ما وطئها فله ذلك كما جرى لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه إذ حلف لزوجته وأقام لها الدليل على ذلك أنه ليس جنبا فأنشد لها شعرا يوهمها أنه قرآن وهو:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين
__________
(1) مختصر الفتاوى (549) ، ف (2/ 323) .
(2) مختصر الفتاوى (545) ، ف (2/ 323) .
(5/41)

وذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك وقال: "إن امرأتك لفقيهة" فهذا قد أظهر لها أنه يقرأ القرآن، ومثل هذا لو فعله الرجل لغير عذر كان حراما بالاتفاق (1) .

باب الشك في الطلاق

لو قال: إن كان غرابا فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق، ولم يعلماه لم تطلقا، ويحرم عليهما الوطء إلا مع اعتقاد أحدهما خطأ الآخر.
واختار أبو الفرج في الإيضاح والشيخ تقي الدين وقوع الطلاق، وقال: هو ظاهر كلام أحمد رحمه الله (2) .
باب الرجعة
قال شيخنا: لا يمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاحا وأمسك بمعروف فلو طلق إذا ففي تحريمه الروايات: وقال: القرآن يدل على أنه لا يملكه وأنه لو أوقعه لم يقع كما لو طلق البائن، ومن قال: إن الشارع ملك الإنسان ما حرمه عليه فقد تناقض (3) .
وألزم شيخنا بإعلان الرجعة والتسريح أو الإشهاد كالنكاح والخلع عنده، لا على ابتداء الفرقة لقوله: {وَأَشْهِدُوا} ولئلا يكتم طلاقها (4) .
__________
(1) إغاثة اللهفان (1/ 163) ، ف (2/ 323) . قلت: وتقدم.
(2) إنصاف (9/ 145) ، ف (2/ 323) . قلت: وتقدم في الفصل السابق قول أبي العباس تأملت نصوص أحمد فوجدته يأمر باعتزال الرجل زوجته في كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدري أبار فيها أم حانث إلخ، وهي في الاختيارات (259-261) .
(3) فروع (5/ 464) وإنصاف (9/ 150) ، ف (2/ 323) .
(4) فروع (5/ 416) ، ف (2/ 324) .
(5/42)

قال أبو العباس: أبو حنيفة يجعل الوطء رجعة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، والشافعي لا يجعله رجعة، وهو رواية عن أحمد، ومالك يجعله رجعة مع النية، وهو رواية أيضا عن أحمد، فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول، وكلام ابن أبي موسى في الإرشاد يقتضيه.
ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في الشافعي، وروي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال: يفرق بينهما ولا رجعة له عليها (1) .

فصل

قال أصحابنا: ومن غابت مطلقته المحرمة ثم ذكرت أنها تزوجت من أصابها وانقضت عدتها منه وأمكن ذلك فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها وإلا فلا.
وقد تضمنت هذه المسألة، أن المرأة إذا ذكرت أنه كان لها زوج فطلقها وانقضت عدتها فإنه يجوز تزوجها وتزويجها، وإن لم يثبت أنه طلقها.
ولا يقال: إن ثبوت إقرارها بالنكاح يوجب تعلق حق الزوج بها فلا يجوز نكاحها حتى يثبت زواله.
ونص الإمام أحمد في الطلاق، إذا كتب إليها أنه طلقها لم تتزوج حتى يثبت الطلاق، وكذلك لو كان للمرأة زوج فادعت أنه طلقها لم تتزوج بمجرد ذلك باتفاق المسلمين؛ لأنا نقول، المسألة هنا فيما إذا
__________
(1) اختيارات (273، 274) فيه زيادات والمبدع (7/ 393) ، ف (2/ 334) .
(5/43)

ادعت أنه تزوجها من أصابها وطلقها ولم تعينه، فإن النكاح لم يثبت لمعين بل لمجهول، فهو كما لو قال: عندي مال لشخص وسلمته إليه فإنه لا يكون إقرارا بالاتفاق، فكذلك قولها، كان لي زوج وطلقني أو سيدي اعتقني ولو قالت: تزوجني فلان وطلقني فهو كالإقرار بالمال، وادعاء الوفاء، والمذهب لا يكون إقراره (1) .

فصل

قال أحمد في رواية ابن منصور: فإن طلقها ثلاث ثم جحد تفتدي نفسها منه بما تقدر عليه، فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه وتهرب إن قدرت.
وقال في رواية أبي طالب: تهرب ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها ويعلم ذلك.
فإن لم يقر بطلاقها ومات لا ترث، لأنها تأخذ ما ليس لها، وتفر منه، ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها
قيل له: قال بعض الناس، تقتله بمنزلة من يدفع عن نفسه، فلم يعجبه ذلك.
فإن قال: استحللت، وتزوجتها، قال: يقبل منه.
قال القاضي: ألا تقتله، معناه: لا تقصد قتله، وإن قصدت دفعه فأدى ذلك إلى قتله فلا ضمان.
قال أبو العباس: كلام أحمد يدل على أنه لا يجوز لها دفعه
__________
(1) اختيارات (275) ، ف (2/ 334) .
(5/44)

بالقتل وهو الذي لم يعجبه لأن هذا ليس معتديا في الظاهر، والدفع بالقتل إنما يجوز لمن ظهر اعتداؤه (1) .
وقطع جمهور أصحابنا بحل المطلقة ثلاثا بوطء المراهق، والذمي إن كانت ذمية.
قال أبو العباس: النكاح الذي يبيحها له هو النكاح الذي ينبغي أن يقران عليه بعد الإسلام، والمجيء به إلينا للحكم صحيح.
فعلى هذا يحلها النكاح بلا ولي ولا شهود، وكذلك لو تزوجها على أخت ثم ماتت الأخت قبل مفارقتها.
فأما لو تزوجها في عدة أو على أخت ثم طلقها مع قيام المفسد فهنا موضع نظر، فإن هذا النكاح لا يثبت به التوارث ولا نحكم نحن فيه بشيء من أحكام النكاح، فينبغي أن لا تحل له (2) .
يلزمها (3) ترك حناء وزينة نهاها عنه الزوج، ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله (4) .
__________
(1) اختيارات (274) ، ف (2/ 324) .
(2) اختيارات (274) ، ف (2/ 334) .
(3) الرجعية.
(4) إنصاف (9/ 357) ، ف (2/ 334) .
(5/45)

كتاب الإيلاء

وإذا حلف الرجل على ترك الوطء وغي بغاية لا يغلب على الظن خلو المدة منها فخلت منها فعلى روايتين:
إحداهما: هل يشترط العلم بالغاية وقت اليمين، أو يكفي ثبوتها في نفس الأمر؟
وإذا لم يفئ وطلق بعد المدة أو طلق الحاكم عليه لم يقع إلا طلقة رجعية وهو الذي يدل عليه القرآن، ورواية عن أحمد، فإذا راجع فعليه أن يطأ عقب هذه الرجعة إذا طلبت ذلك منه، ولا يمكن من الرجعة إلا بهذا الشرط، ولأن الله إنما جعل الرجعة إذا أراد إصلاحا بقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [228/2] (1) .
وقال ابن رجب في كتاب تزويج أمهات الأولاد: يؤخذ من كلامه أن حصول الضرر بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، وسواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، وسواء كان مع عجزه أو قدرته، وكذا ذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله في العاجز، وألحقه بمن طرأ عليه جب أو عنة (2) .
__________
(1) اختيارات (276) ، ف (2/ 324) .
(2) إنصاف (9/ 154) ، ف (2/ 325) وتقدم.
(5/46)

كتاب الظهار

ولا ظهار من أمته، ولا أم ولده، وعليه كفارة، نقله الجماعة، ونقل أبو طالب، عليه كفارة ظهار.
ويتوجه على هذا أنها تحرم عليه حتى يكفر، كأحد الوجهين فيما لو قال: أنت علي حرام وأولى (1) .
وإن قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمي لم يطأها حتى يكفر..
وقيل: لا يصح كالطلاق، وذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله رواية (2) .
ولو عزم على الوطء فأصح القولين لا تستقر الكفارة إلا بالوطء (3) .
قال في المحرر: ولو وطء في حال جنونه لزمته الكفارة، نص عليه مع أنه ذكر في الطلاق ما يقتضي أنه لا حنث عليه في ظاهر المذهب، فإن توجه فرق وإلا كان المنصوص الحنث في الجنون مطلقا، وفيه نظر (4) .
عتق ولد الزنا في الكفارة: قوله: وولد الزنا: يعني أنه يجزئ
__________
(1) اختيارات (276) ، ف (2/ 325) .
(2) إنصاف (9/ 202) ، ف (2/ 326) .
(3) اختيارات (276) ، ف (2/ 326) .
(4) اختيارات (276) ، ف (2/ 326) .
(5/47)

وهو المذهب، ولا أعلم فيه خلافا، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: ويحصل له أجره كاملا، خلافا لمالك رحمه الله؛ فإنه يشفع مع صغره لأمه لا لأبيه (1) .
وما يخرج في الكفارة المطلقة غير مقيد بالشرع، بل بالعرف قدرًا أو نوعا من غير تقدير ولا تمليك، وهو قياس المذهب في الزوجة والأقارب والمملوك والضيف، والأجير المستأجربطعامه، والإدام يجب إن كان يطعم أهله بإدام، وإلا فلا.
وعادة الناس تختلف في ذلك في الرخص والغلاء، واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف.
والواجبات المقدرات في الشرع على ثلاثة أنواع:
تارة: تقدر الصدقة الواجبة ولا يقدر من يعطاها كالزكاة.
وتارة يقدر المعطى، ولا يقدر المال كالكفارات، وتارة: يقدر هذا وهذا كفدية الأذى، وذلك لأن سبب وجوب الزكاة هو المال فقدر فيها المال الواجب.
وأما الكفارات فسببها فعل بدنه كالجماع واليمين والظهار فقدر فيها المعطى كما قدر العتق والصيام، وما يتعلق بالحج ففيه بدن، ومال، فعبادته بدنية ومالية فلهذا قدر فيه هذا وهذا (2) .
وإن أخرج القيمة أو غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه، وعنه: يجزئه إذا كان قدر الواجب.
واختار الشيخ تقي الدين الأجزاء ولم يعتبر القدر الواجب، وهو
__________
(1) إنصاف (9/ 220) ، ف (2/ 326) .
(2) اختيارات (276، 277) ، ف (2/ 326) .
(5/48)

ظاهر نقل أبي داود وغيره، فإنه قال: أشبعهم قال: ما أطعمهم؟ قال: خبزا ولحما إن قدرت، أو من أوسط طعامكم (1) .

اللعان

ولو لم يقل الزوج في أيمانه: فيما رميتها به، فقياس المذهب صحته، كما إذا اقتصر الزوج في النكاح على قوله: قبلت.
وإذا جوزنا إبدال لفظ الشهادة، والسخط، و"اللعن" فلأن نجوزه بغير العربية أولى (2) .

فصل
فيما يلحق من النسب
وإذا اعترف السيد بوطء الأمة وقبل خروجها من ملكة جاءت بولد لمدة الإمكان لحقه نسبه، وثبت في صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في امرأة مجح على باب فسطاط والمجح هي الحامل المقرب، فقال: لعل صاحبها ألم بها؟ قالوا: نعم، قال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستعبده وهو لا يحل له، فنصب على أنه لا يجوز استعباده، ولا أن يجعله ميراثا عنه إذا كان قد سقاه ماءه وزاده في سمعه وبصره فصار فيه ما هو بعض له، فهي أم ولده من هذا الوجه، وقد نص على ذلك غير واحد من العلماء منهم أحمد وغيره، حتى قال تصير أم ولده، والإسلام يسري كالعتق فإذا وطئها وهي حامل عتق الولد وحكم بإسلامه، وليس له بيعة، ولا يثبت نسبه بمجرد ذلك.
__________
(1) اختيارات (277) ، ف (2/ 326) .
(2) الإنصاف (9/ 233) ، ف (2/ 326) .
(5/49)

ومن زنت أمته وأتت بولد فأعتقه فله أجر عتق عبد كامل عند جمهور العلماء، وذهب طائفة كأبي حنيفة ومالك إلى أن عتقه ناقص (1) .
وإذا ادعت جارية أن فلانا زوج سيدتها وطئها فالقول قوله: وهل يحلف؟ فيه نزاع، ولا يحل أن يجحد أنه وطئها إن كانت صادقة، والولد رقيق تبعا لأمه إن لم يقر بوطئها (2) .
ولا تصير الزوجة فراشا إلا بالدخول، وهو مأخوذ من كلام الإمام أحمد في رواية حرب (3) .
ونقل حرب فيمن طلق قبل الدخول وأتت بولد فأنكره ينتفي بلا لعان، فأخذ الشيخ تقي الدين رحمه الله من هذه الرواية أن الزوجة لا تكون فراشًا إلا بالدخول، واختاره هو وغيره من المتأخرين منهم والد الشيخ تقي الدين، قاله ابن نصر الله في حواشيه (4) .
وتتبعض الأحكام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "احتجبي يا سودة" وعليه نصوص أحمد (5) .
ومنها: أنه لا أثر لشبه مع فراش، ذكره جماعة من الأصحاب، وقدمه في الفروع، واختار الشيخ تقي الدين تبعض الأحكام بقوله - صلى الله عليه وسلم - "احتجبي يا سودة" (6) .
ومن أقر بوطء أمته في الفرج فولدت لمدة إمكانه لزمه ولحقه، فلا ينتفي بلعان ولا غيره إلا أن يدعي الاستبراء، وفي يمينه وجهان ...
__________
(1) مختصر الفتاوى (610) ، ف (2/ 327) .
(2) مختصر الفتاوى (606) ، ف (2/ 327) .
(3) اختيارات (278) ، ف (2/ 327) .
(4) الإنصاف (9/ 258) ، ف (2/ 327) .
(5) اختيارات (278) ، ف (2/ 327) .
(6) إنصاف (9/ 268، 269) .
(5/50)

أحدهما: يحلف، وهو الصحيح.. والوجه الثاني: لا يحلف، قال: الشيخ تقي الدين، المشهور أنه يحلف (1) .
وقال شيخنا: فيما إذا ادعى البائع أنه ما باع حتى استبرأ وحلف المشتري أنه ما وطئها، فقال: إن أتت به بعد الاستبراء لأكثر من ستة أشهر فقيل: لا يقبل قوله ويلحقه النسب قاله القاضي في تعليقه، وهو ظاهر كلام أحمد، وقيل: ينتفي النسب، اختاره القاضي في المجرد وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم وهو مذهب (م ش) فعلى هذا هل يحتاج إلى اليمين على الاستبراء؟ فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد، والاستحلاف قول (ش) والمشهور لا يحلف (2) .
ولو أقر بنسب أو شهدت به بينة فشهدت بينة أخرى أن هذا ليس من نوع هذا؛ بل هذا رومي وهذا فارسي فهذا من وجه يشبه تعارض القافة أو البينة، ومن وجه كبر السن، فهذا المعارض المنافي للنسب هل يقدح في المقتضي له؟ قال أبو العباس: هذه المسألة حدثت وسئلت عنها وكان الجواب: أن التغاير بينهما إن أوجب القطع بعدم النسب فهو كالسن مثل، أن يكون أحدهما حبشيا والآخر روميا ونحو ذلك، فهنا ينتفي النسب، وإن كان أمرا محتملا لم ينفه لكن إن كان المقتضي للنسب الفراش لم يلتفت إلى المعارضة، إن كان المثبت له مجرد الإقرار أو البينة فاختلاف الجنس معارض ظاهر، فإن كان النسب بنوة فثبوتها أرجح من غيرها، إذ لا بد للابن من أب غالبا وظاهرا.
قال في الكافي: ولو أنكر المجنون بعد البلوغ لم يلتفت إلى
إنكاره، قال أبو العباس: ويتوجه أن يقبل؛ لأنه إيجاب حق عليه بمجرد
__________
(1) تصحيح الفروع (5/ 521) ، ف (2/ 327) .
(2) فروع (5/ 524) وإنصاف (9/ 267) ، ف (2/ 327) .
(5/51)

قول غيره مع منازعته، كما حكمنا للقيط بالحرية، فإذا بلغ فأقر بالرق قبلنا إقراره (1) .
ولو أدخلت المرأة لزوجها أمتها؟ إن ظن جوازه لحقه الولد، وإلا فروايتان ويكون حراما على الصحيح إن ظن حلها بذلك (2) .
ومن وطئ أمة امرأته وقد أحلتها له عزر بمائة جلدة، وعنه: إلا سوطا، وعنه: بعشرة ولا يلحقه الولد في رواية نقله الجماعة، قال أبو بكر: عليه العمل، قال أحمد: لما لزمه من الجلد أو الرجم، وعنه: بلى، وقال شيخنا: إن ظن جوازه لحقه وإلا فروايتان فيه وفي حده (3) .
وإن وطئ المرتهن الأمة المرهونة بإذن الراهن وظن جواز ذلك لحقه الولد وانعقد حرا (4) .
يلحقه الولد بوطء الشبهة كعقد نص عليه، وذكره الشيخ تقي الدين إجماعا (5) .
واختار شيخنا: أنه إن استلحق ولده من زنا ولا فراش لحقه (6) .
وإن تداعيا بهيمة أو فصيلا فشهد القائف أن دابة هذا تنتجها؟ ينبغي أن يقضي بهذه الشهادة، وتقدم على اليد الحسية.
ويتوجه أن يحكم بالقافة في الأموال كلها كما حكمنا بذلك في الرف المقلوع إذا كان له موضع في الجدار، وكما حكمنا في الاشتراك
__________
(1) اختيارات (278، 279) ، ف (2/ 327) .
(2) اختيارات (279) ، ف (2/ 328) .
(3) فروع (6/ 75) ، ف (2/ 328) .
(4) اختيارات (279) ، ف (2/ 328) .
(5) إنصاف (9/ 269) ، ف (2/ 328) هذا أصرح مما في المجموع.
(6) فروع (5/ 526) وإنصاف (9/ 269) هنا جزم وتوضيح، ف (2/ 328) .
(5/52)

في اليد الحسية بما يظهر من اليد العرفية فأعطينا كل واحد من الزوجين ما يناسبه في العادة، وكل واحد من الصانعين ما يناسبه، وكما حكمنا بالوصف في اللقطة إذا تداعاها اثنان، وهذا نوع قافة أو شبيه به، وكذلك لو تنازعا غراسًا أو ثمرًا في أيديهما فشهد أهل الخبرة أنه من هذا البستان، ويرجع إلى أهل الخبرة حيث يستوي المتداعيان، كما رجع إلى أهل الخبرة بالنسب، وكذلك لو تنازع اثنان لباسا أو نعلا من لباس أحدهما دون الآخر، أو تنازعا دابة تذهب من بعيد إلى اصطبل، أحدهما دون الآخر، أو تنازعًا زوج خف أو مصراع باب مع الآخر شكله، أو كان عليه علامة لأحدهما كالزبول الذي للجند، وسواء كان المدعي في أيديهما أو في يد ثالث.
وأما إن كانت اليد لأحدهما دون الآخر فالقافة المعارضة لهذا كالقافة المعارضة للفراش، فإن قلنا بتقديم القافة في صرة الرجحان فقد نقول ههنا كذلك، ومثل أن يدعي أنه ذهب من ماله شيء ويثبت ذلك فيقص القائف أثر الوطء من مكان آخر، فشهادة القائف أن المال دخل إلى هذا الموضع توجب أحد الأمرين: إما الحكم به، وإما أن يكون لوثا فيحكم به مع اليمين للمدعي وهو الأقرب، فإن هذه الأمارة ترجح جانب المدعي، واليمين مشروعة في أقوى الجانبين.
ولو مات الطفل قبل أن تراه القافة قال المزي: يوقف ماله، وما قاله ضعيف، وإنما قياس المذهب القرعة، ويحتمل الشركة، ويحتمل أن يرث واحد منهما (1) .
__________
(1) اختيارات (279) ، ف (2/ 328) .
(5/53)

كتاب العدد

قال شيخنا: والصواب أن يقال: إن عدة الوفاة هي حرم لانقضاء النكاح، ورعاية لحق الزوج، ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج فجعلت العدة حريما لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني ولا يتصل النكاحان.
ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عظم حقه حرم نساؤه بعده، وبهذا اختص الرسول لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيرا لها من الأول، ولكن لو تأيمت على أولاد الأول لكانت محمودة على ذلك مستحبا لها في الحديث "أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة، وأومأ بالوسطى والسبابة امرأة أيمت من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا" وإذا كان المقتضى لتحريمها قائمًا فلا أقل من مدة تتربصها، وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر، وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح فيحصل في هذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه، وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك (1) .
__________
(1) زاد المعاد (4/ 209) ، ف (2/ 329) لم يبين ابن القيم رحمه الله متى انتهى كلام شيخه. ويحتمل أنه انتهى قبل قوله: ولهذا إلخ.
(5/54)

لو قتل المرتد في عدة امرأته فإنها تستأنف عدة الوفاة، نص عليه في رواية ابن منصور.
لو أسلمت امرأة كافر ثم مات قبل انقضاء العدة فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة في قياس التي قبلها ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله (1) .
وذكر الشيخ تقي الدين: أنها إن شربت ما تحيض به فلها ذلك كمن لها غرض في قصر عدتها لارتفاع الحيض بعارض (2) .
ويتوجه في المعتق بعضها إذا كان الحر ثلثها فما دون أن لا تجب الثلاثة الأقراء فإن تكميل القرءين من الأمة إنما كان لضرورة، فيؤخذ للمعتق بعضها بحاسب الأصل ويكمل (3) .
والمطلقة البائن وإن لم تلزمه نفقتها إن شاء أسكنها في مسكنه أو غيره إن صلح لها ولا محذور تحصينا لمائه وأنفق عليها فله ذلك، وكذلك الحامل من وطء الشبهة أو النكاح الفاسد لا يجب على الواطئ نفقتها إن قلنا بالنفقة لها، إلا أن يسكنها في منزل يليق بها تحصينا لمائه فيلزمها ذلك، وتجب لها النفقة والله أعلم (4) .
ومن طلق ثلاثا وألزمها بوفاء العدة في مكانها فخرجت منه قبل أن توفي عدتها فلا نفقة لها وليس لها أن تطالب بنفقة الماضي في مثل هذه العدة في مذهب الأربعة (5) .
وعنه: عدة مختلعة حيضة، واختاره شيخنا في بقية الفسوخ (6) .
__________
(1) الإنصاف: (9/ 276) ، ف (2/ 329) .
(2) الآداب (3/ 75) ، ف (2/ 330) .
(3) اختيارات (280) ، ف (2/ 330) .
(4) اختيارات (283) والإنصاف (9/ 354) .
(5) مختصر الفتاوى (449) ، ف (2/ 330) .
(6) الفروع (5/ 242) ، ف (2/ 330) .
(5/55)

ومن ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه إن علمت عدم عوده فتعتد بالأشهر وإلا اعتدت بسنة (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: والصواب الذي دل عليه القرآن وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في السبايا، والقياس: أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقا، فإنها قد صارت ملكا للسابي، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها، كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها، وهذا اختيار أبي الخطاب وشيخنا وهو مذهب الشافعي (2) .
وقال في ميت عن امرأة شهد قوما بطلاقها ثلاثا مع علمهم عادة بخلوته بها، لا يقبل؛ لأن إقرارهم يقدح فيهم (3) .
والصواب في امرأة المفقود: مذهب عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة وهو أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة، ويجوز لها أن تتزوج بعد ذلك، وهي زوجة الثاني ظاهرًا وباطنًا (4) ، ثم إذا قدم زوجها الأول بعد تزوجها خير بين امرأته وبين مهرها، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهو ظاهر مذهب أحمد.
وعلى الأصح لا يعتبر الحاكم فلو مضت المدة والعدة تزوجت بلا حكم، قال أبو العباس، وكنت أقول: إن هذه شبه اللقطة من بعض الوجوه ثم رأيت ابن عقيل قد ذكر ذلك ومثل بذلك، وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم، وإذا علم بعد ذلك كان التصرف في أهله وماله موقوفا على إذنه.
__________
(1) إنصاف (9/ 287) واختيارات (283) ، ف (2/ 331)
(2) أحكام أهل الذمة (370) ، ف (2/ 331) .
(3) إنصاف (9/ 314) ، ف (2/ 332) وتقدم.
(4) قال في الإنصاف قال الشيخ تقي الدين: وترث الثاني ذكره أصحابنا (9/ 292) .
(5/56)

ووقف التصرف في حق الغير على إذنه يجوز عند الحاجة عندنا بلا نزاع، وأما مع عدم الحاجة ففيه روايتان، كما يجوز التصرف في اللقطة بعدم العلم لصاحبها فإذا جاء المالك كان تصرف الملتقط موقوفا على إجازته، وكان تربصها أربع سنين كالحول في اللقطة.
وبالجملة: فكل صورة فرق فيها بين الرجل وامرأته بسبب يوجب الفرقة ثم تبين انتفاء ذلك السبب فهو شبيه بالمفقود، والتخيير فيه بين المرأة والمهر هو أعدل الأقوال.
ولو ظنت المرأة أن زوجها طلقها فتزوجت فهو كما لو ظنت موته، ولو قدر أنها كتمت الزوج فتزوجت غيره ولم يعلم الأول حتى دخل بها الثاني فهنا الزوجان مشهوران بخلاف المرأة، لكن إن اعتقدت جواز ذلك بأن تعتقد أنه عاجز عن حقها أو مفرط فيه وأنه يجوز لها الفسخ والتزوج بغيره فتشبه امرأة المفقود.
وأما إذا علمت التحريم فهي زانية، لكن المتزوج بها كالمتزوج بامرأة المفقود وكأنها طلقت نفسها فأجازه (1) .
والواجب أن الشبهة إن كانت شبهة نكاح فتعتد الموطوءة عدة المزوجة حرة كانت أو أمة، وإن كانت شبهة ملك فعدة الأمة المشتراه، وأما الزنا فالعبرة بالمحل.
وقال أبو العباس في موضع آخر: الموطوءة بشبهة ملك تستبرأ بحيضة، وهو وجه في المذهب، وتعتد المزني بها بحيضة، وهو رواية عن أحمد، والمختلفة يكفيها الاعتداد بحيضة واحدة، وهو رواية عن أحمد ومذهب عثمان بن عفان وغيره، والمفسوخ نكاحها كذلك، وأومأ
__________
(1) اختيارات (281، 282) فيه زيادات ف (2/ 332) .
(5/57)

إليه أحمد في رواية صالح، والمطلقة ثلاث تطليقات عدتها حيضة واحدة (1) .
قال الشيخ تقي الدين: ويحرم سفره بأخت زوجته ولو معها (2) .

باب الاستبراء

وعنه: لا يلزم في مسبيه ذكره الحلواني، وفي الترغيب وجه: لا يلزم في إرث، وفي صغيرة لا يوطأ مثلها روايتان: وخالف شيخنا في بكر كبيرة وآيسة وخبر صادق لم يطأ أواستبرأ (3) .
واختار الشيخ تقي الدين جواز وطء البكر ولو كانت كبيرة والآيسة وإذا أخبره صادق أنه لم يطأها أو أنه استبرأ.
وعنه: لا يلزمه الاستبراء إن ملكها من طفل أو امرأة، قلت: وهو مقتضى قواعد الشيخ تقي الدين (4) .
__________
(1) اختيارات (282) فيه زيادة ف (2/ 332) .
(2) إنصاف (9/ 314) ، ف (2/ 334) وتقدم.
(3) فروع (5/ 561) ، ف (2/ 334) .
(4) الإنصاف (9/ 316) ، ف (2/ 334) .
(5/58)

الرضاع

والرضاع المحرم في الحولين فقط مطلقا، وقال شيخنا: قبل الفطام، وقال: أو كبير لحاجة نحو جعله محرما خمس رضعات (1) .
وإن اشترك اثنان في وطء امرأة فحكم المرتضع من لبنها حكم ولدها، من هذين الرجلين وأولادهما فإن لم يلحق بأحدهما فالواجب أنه يحرم على أولادهما لأنه أخ لأحد الصنفين وقد اشتبه، أو يقال كما قيل في الطلاق، يحل لكل منهما، فإن الاشتباه في حق اثنين لا واحد (2) .
__________
(1) فروع (5/ 570) ، ف (2/ 335) .
(2) اختيارات (283) ، ف (2/ 337) .
(5/59)

كتاب النفقات

نفقة الزوجة

قال في المحرر: ولو أنفقت من ماله وهو غائب فتبين موته فهل يرجع ورثته عليها بما أنفقت بعد موته؟ على روايتين. قال أبو العباس: وعلى قياسه كل من أبيح له شيء وزالت الإباحة بفعل الله أو بفعل المبيح: كالمعير إذا مات أو رجع، والمانح، وأصل الموقوف عليه، لكن لم يذكر الجد ههنا إذا طلق، فلعله يفرق بين الموت والطلاق، فإن التفريط في الطلاق منه (1) .
ولو أنفق الزوج على الزوجة وكساها مدة ثم ادعى الولي عدم إذنه وأنها تحت حجره لم يسمع قوله إذا كان الزوج قد تسلمها التسليم الشرعي، وقد نص على ذلك أئمة العلماء، وخالف فيه شذاذ من الناس.
وإقرار الولي لها عنده مع حاجتها إلى النفقة والكسوة إذن عرفي (2) .
ذكر أصحابنا من الصور المسقطة لنفقة الزوجة صور النذر الذي في
__________
(1) اختيارات (285) ، ف (2/ 339) .
(2) اختيارات (285) ، ف (2/ 339) .
(5/60)

الذمة والصوم للكفارة، وقضاء رمضان قبل ضيق وقته إذا لم يكن ذلك في إذنه.
قال أبو العباس: قضاء الله والكفارة عندنا على الفور، فهو كالمتعين، وصوم القضاء يشبه الصلاة في أول الوقت.
ثم ينبغي في جميع صور الصوم أن تسقط نفقة النهار فقط، فإن هذا مثل أن تنشز يوما وتجيء يومًا، فإنه لا يمكن أن يقال في هذا كما قيل في الإجارة أن منع تسليم بعض المنفعة يسقط الجميع، إذ ما مضى من النفقة لا يسقط، ولو أطاعت في المستقبل استحقت (1) .
والزوجة المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى، إلا إذا كانت حاملا فروايتان، وإذا لم تجب النفقة في التركة فإنه ينبغي أن تجب لها النفقة في مال الحمل أو في مال من تجب عليه النفقة إذا قلنا تجب للحمل كما تجب أجرة الرضاع.
وقال أبو العباس في موضع آخر: النفقة والسكن تجب للمتوفى عنها في عدتها ويشترط فيها مقامها في بيت الزوج، فإن خرجت فلا جناح إذا كان أصلح لها.
والمطلقة البائن الحامل تجب لها النفقة من أجل الحمل وللحمل، وهو مذهب مالك وأحد القولين في مذهب أحمد والشافعي.
وإذا تزوجت المرأة ولها ولد فغضب الولد فذهبت به إلى بلد آخر فليس لها أن تطالب الأب بنفقة الولد (2) .
وإن انقضت السنة والكسوة صحيحة قال أصحابنا عليه كسوة السنة الأخرى، وذكروا احتمالا أنه لا يلزمه شيء، وهذا الاحتمال قياس
__________
(1) اختيارات (285) ، ف (2/ 339) .
(2) اختيارات (286) فيه زيادة ف (2/ 339) .
(5/61)

المذهب لأن النفقة والكسوة غير مقدرة عندنا، فإذا كفتها الكسوة عدة سنين لم يجب غير ذلك، وإنما يتوجه ذلك على قول من يجعلها مقدرة.
وكذلك على قياس هذا لو استبقت من نفقة أمس لليوم، وذلك أنها وإن وجبت معاوضة فالعوض الآخر لا يشترط الاستبقاء فيه ولا التمليك بل التمكين من الانتفاع، فكذلك عوضه، ونظير هذا الأجير بطعامه وكسوته.
ويتوجه على ما قلنا أن قياس المذهب أن الزوجة، إذا اقتضت النفقة ثم تلفت أو سرقت أنه يلزم الزوج عوضها، وهو قياس قولنا في الحج عن الغير، إذا تلف ما أخذه نفقة فإنه يتلف من ضمان مالكه (1) .
وإن اختلفا في نشوزها أو تسليم النفقة لها فالقول قولها مع يمينها، واختار الشيخ تقي الدين في النفقة أن القول قول من يشهد له العرف (2) .

نفقة الأقارب

ويجب على القريب افتكاك قريبه من الأسر، وإن لم يجب عليه استنفاذه من الرق وهو أولى من حمل العقل.
وتجب النفقة لكل وارث ولو كان مقاطعا من ذوي الأرحام وغيرهم؛ ولأنه من صلة الرحم، وهو عام كعموم الميراث في ذوي الأرحام، وهو رواية عن أحمد، والأوجه وجوبها مرتبا (3) .
__________
(1) اختيارات (284) ، ف (2/ 340) .
(2) إنصاف (9/ 383) ، ف (2/ 340) .
(3) إنصاف (9/ 395) واختيارات (287) ، ف (2/ 341) .
(5/62)

وإن كان الموسر القريب ممتنعا فينبغي أن يكون كالمعسر، كما لو كان للرجل مال وحيل بينه وبينه لغصب أو بعد، لكن ينبغي أن يكون الواجب هنا القرض رجاء الاسترجاع.
وعلى هذا فمتى وجبت عليه النفقة وجب عليه القرض إذا كان له وفاء.
وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في أب وابن القياس أن على الأب السدس، إلا أن الأصحاب تركوا القياس لظاهر الآية، والآية إنما هي للرضيع وليس له ابن فينبغي أن يفرق بين الصغير وغيره، فإن من له ابن يبعد أن لا تكون عليه نفقته، بل تكون على الأب فليس في القرآن ما يخالف ذلك، وهذا جيد على قول ابن عقيل حيث ذكر في التذكرة أن الولد ينفرد بنفقة والديه (1) .
وإرضاع الطفل واجب على الأم بشرط أن تكون مع الزوج، وهو قول ابن أبي ليلى وغيره من السلف ولا تستحق أجرة المثل زيادة على نفقتها وكسوتها وهو اختيار القاضي في المجرد وقول الحنفية لأن الله تعالى يقول: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [233/2] فلم يوجب لهن إلا الكسوة والنفقة بالمعروف
وهو الواجب بالزوجية وما عساه يتجرد من زيادة خاصة للمرتضع كما قال في الحامل {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [6/65] فدخلت نفقة الولد في نفقة أمه؛ لأنه يتغذى بها، وكذلك المرتضع وتكون النفقة هنا واجبة بشيئين حتى لو
سقط الوجوب بأحدهما ثبت الآخر، كما لو نشزت وأرضعت ولدها فلها النفقة للإرضاع لا للزوجية، فأما إذا كانت بائنا وأرضعت له
__________
(1) اختيارات (278) ، ف (2/ 341) .
(5/63)

ولده فإنها تستحق أجرها بلا ريبت، كما قال الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [6/65] ، وهذا الأجر هو النفقة والكسوة، وقاله طائفة منهم الضحاك وغيره.
وإذا كانت المرأة قليلة اللبن وطلقها زوجها فله أن يكتري مرضعة لولده، وإذا فعل ذلك فلا فرض للمرأة بسبب الولد، ولها حضانته (1) .

المماليك

وقال الشيخ تقي الدين: ولو لم تلائم أخلاق العبد أخلاق سيده لزمه إخراجه عن ملكه (2) .

باب الحضانة

لا حضانة إلا لرجل من العصبة أو لامرأة وارثة أو مدلية بعصبة أو بوارث، فإن عدموا فالحاكم.
وقيل: إن عدموا تثبت لمن سواهم من الأقارب ثم للحاكم.
ويتوجه عند العدم أن تكون لمن سبقت إله اليد كاللقيط، فإن كفال اليتامى لم يكونوا يستأذونون الحاكم.
والوجه أن يتردد بين الميراث والمال (3) .
والعمة أحق من الخالة، وكذا نساء الأب أحق يقدمن على نساء الأم؛ لأن الولاية للأب وكذا أقاربه، وإنما قدمت الأم على الأب لأنه لا يقوم مقامها هنا في مصلحة الطفل.
__________
(1) اختيارات (286) ، ف (2/ 342) .
(2) إنصاف (9/ 412) وتقدم ف (2/ 343) .
(3) فروع (5/ 614) واختيارات (288) فيه زيادة ف (2/ 343)
(5/64)

وإنما قدم الشارع عليه الصلاة والسلام خالة بنت حمزة على عمتها صفية لأن صفية لم تطلب وجعفر طلب نائبا عن خالتها فقضى لها بها في غيبتها (1) .
وضعف البصر يمنع من كمال ما يحتاج إليه المحضون من المصالح (2) .

قاعدة في حضانة الولد (3)
بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني رضي الله عنه.
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، من يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

فصل

في مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء في حضانة الصغير المميز هل هو للأب؟ أو للأم؟ أو يخير بينهما؟
__________
(1) المصدر السابق.
(2) اختيارات (288) ، ف (344) .
(3) هذه القاعدة فيها زيادة عما في المجموع (ست صفحات وخمسًا صحيفة) وفيها تصحيحات للموجود منها في المجموع فلذلك نقلتها في هذا المستدرك كاملة.
(5/65)

فإن عامة كتب أصحاب أحمد إنما فيها أن الغلام إذا بلغ سبع سنين خير بين أبويه، وأما الجارية فالأب أحق بها، وأكثرهم لم يذكروا في ذلك نزاعا.
وهؤلاء الذين ذكروا هذا بلغهم بعض نصوص أحمد في هذه المسألة ولم يبلغهم سائر نصوصه، فإن كلام أحمد كثير منتشر جدًّا، وقل من يضبط جميع نصوصه في كثير المسائل، لكثرة كلامه وانتشاره وكثرة من كان يأخذ عنه العلم، فأبو بكر الخلال قد طاف البلاد وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو أربعين مجلدا وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه.
وأما ما جمعه من نصوصه في أصول الدين، ومثل كتاب السنة، نحو ثلاث مجلدات، ومثل أصول الفقه والحديث، ومثل كتاب العلم، الذي جمعه، ومن الكلام على علل الأحاديث، مثل كتاب العلل، الذي جمعه ومن كلامه في أعمال القلوب والأخلاق والآداب، ومن كلامه في الرجال والتأريخ، فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس عنه.
والمقصود هنا: أن النزاع عنه موجود في المسألتين كلتاهما، في مسألة البنت، وفي مسألة الابن، وفي مذهبه في المسألتين ثلاثة أقوال:
هل تكون مع الأم، أو مع الأب، أو تخير؟ لكن في الابن ثلاث روايات
وأما البنت فالمنقول عنه روايتان: هل هي للأم، أو للأب؟ وأما التخيير فهو وجه مخرج في مذهبه، فعنه في الابن ثلاث روايات معروفة وممن ذكرهن أبو البركات في محرره.
وعنه في الجارية روايتان: وممن ذكرهما أبو عبد الله بن تيمية في كتاب التلخيص، وترغيب القاصد.
(5/66)

والروايات موجودة بألفاظها ونقلتها وأسانيدها في عدة كتب.
وممن ذكر هذه الروايات القاضي أبو يعلى في تعليقه، نقل عن أحمد في الغلام، أمه أحق به حتى يستغنى عنها، ثم الأب أحق به، قال في رواية الفضل بن زياد: إذا عقل الغلام واستغنى عن الأم فالأب أحق به، وقال في رواية أبي طالب: والأب أحق بالغلام إذا عقل واستغنى عن الأم، وهذا يشبه الذي نقله القاضي أبو يعلى والشاشي وغيرهما عن أبي حنيفة، قال: إذا أكل وحده، ولبس وحده، وتوضأ وحده، فالأب أحق به، ونقل ابن المنذر، أنه يخير حينئذ بين أبويه عن أبي حنيفة وأبي ثور، والأول هو مذهب أبي حنيفة الموجد في كتب أصحابه، وهو إحدى الروايتين عن مالك، فإنه نقل عنه ابن وهب: الأم أحق به حتى يثغر ولكن المشهور عنه أن الأم أحق به ما لم يبلغ.
وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد:
والرواية الثالثة عن أحمد: أن الأم أحق بالغلام مطلقا كمذهب مالك قال في رواية حنبل: في الرجل يطلق امرأته وله منها أولاد صغار فالأم أعطف عليهم، مقدار ما يعقل الأدب، فيكون الأب أحق بهم ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فالأب أحق بولده غلاما كان أو جارية.
قال الشيخ أبو البركات: فهذه الرواية تدل على أنه إذا كبر وصار يعقل الأدب فإنه يكون مقره أيضا عند الأم، لكن في وقت الأدب، وهو النهار يكون عند الأب.
وهذا مذهب مالك بعينه الذي حكيناه.
فصار في المسألة ثلاث روايات.
ومذهب مالك في المدونة: أن الأم أحق به ما لم يبلغ، وللأب تعاهده عندها، وأدبه، وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأم.
(5/67)

قلت: وحنبل وأحمد بن الفرج كانا يسألان الإمام أحمد عن مسائل مالك وأهل المدينة، كما كان يسأله إسحاق بن منصور وغيره عن مسائل سفيان الثوري وغيره، وكما كان يسأله الميموني عن مسائل الأوزاعي، وكما كان يسأله إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه، فإنه كان قد تفقه على مذهب أبي حنيفة، ثم اجتهد في مسائل كثيرة، ورجح فيها مذهب أهل الحديث، وسأل عن تلك المسائل أحمد وغيره، وشرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني إمام دمشق، وأما الذين كانوا يسألونه مطلقا مثل: الأثرم وعبد الله وصالح وغيرهم فكثيرون.
وأما حضانة البنت -إذا صارت مميزة- فوجدنا عنه روايتين منصوصتين وقد نقلهما غيرواحد من أصحابه، كأبي عبد الله بن تيمية وغيره.
إحداهما: أن الأب أحق بها، كما هو موجود في الكتب المعروفة في مذهبه.
والثانية: أن الأم أحق بها.
قال في رواية إسحاق بن منصور، يقضي بالجارية للأم والخالة حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها، وقال في رواية مهنى بن يحيى: الأم والجدة أحق بالجارية حتى يتزوج الأب.
قال أبو عبد الله في "ترغيب القاصد" وإن كانت جارية فالأب أحق بها بغير تخيير، وعنه الأم أحق بها حتى تحيض.
وهذه الرواية الثانية هي نحو مذهب مالك وأبي حنيفة في ذلك.
ففي المدونة: مذهب مالك أن الأم أحق بالولد ما لم يبلغ، سواء كان ذكرا أو أنثى، فإذا بلغ -وهو أنثى- نظرت فإن كانت الأم في حرز
(5/68)

ومنعة وتحصين فهي أحق بها أبدا ما لم تنكح، وإن بلغت أربعين سنة، وإن لم تكن في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية في نفسها فللأب أخذها منها، وكذلك الأولياء، والوصي كالأب في ذلك إذا أخذ إلى أمانة وتحصين.
ومذهب الليث بن سعد نحو ذلك، قال: الأم أحق بالجارية حتى تبلغ، فإذا كانت الأم غير مرضية في نفسها، وأدبها لولدها أخذت منها إذا بلغت إلا أن تكون صغيرة لا يخاف عليها.
وأما أبو حنيفة فقال: الأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض. ومن سوى الأم والجدة أحق بها حتى تبلغ حدا تشتهى، هذا هو المشهور.
ولفظ الطحاوي: حتى تستغني، كما في الغلام مطلقا، ولهذا قيل فيها كما قيل في الغلام، حتى تأكل وحدها، وتلبس وحدها، وتتوضأ وحدها، ثم تكون مع الأب.
وأبو حنيفة أيضًا يجعل الأب أحق بها بعد التمييز، كما يقول مثل ذلك في الابن، لكن يستثنى الأم والجدة خاصة.
وأما المشهور عن أحمد وهو تخيير الغلام بين أبويه فهو مذهب الشافعي وإسحاق بن راهوية، وموافقته للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما ويعظهما ويرجح أصول مذاهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما.
وعندهم أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق هما عنده من أجل فقهاء الحديث، وجمع بينهما في مسجد الخيف فتناظرا في مسألة رباع مكة، والقصة مشهورة، وذكر أحمد أن الشافعي علا إسحاق بالحجة في موضع، وأن إسحاق علاه بالحجة في
(5/69)

موضع؛ فإن الشافعي كان يبيح البيع والإجارة، وإسحاق يمنع منهما، وكانت الحجة مع الشافعي في جواز بيعها، ومع إسحاق في المنع من إجارتها.
وأما التخيير في الجارية فهو قول الشافعي، ولم أجده منقولا، لا عن أحمد ولا عن إسحاق، كما نقل عنهما التخيير في الغلام.
ولكن نقل عن الحسن بن حيَّ: أنها تخير إذا كانت كاعبا.
والتخيير في الغلام هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإسحاق للحديث الوارد في ذلك حيث خير النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما بين أبويه، وهي قضية معينة، ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا، والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف مخالف لإجماعهم، والفرق بين تخيير الغلام والجارية أن هذا التخيير تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة كتخيير من يتصرف لغيره كالإمام والولي، فإن الإمام إذا خير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين ثم قد يصيب ذلك الأصلح للمسلمين فيكون مصيبا في اجتهاده، حاكما بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة كالذي ينزل أهل حصن على حكمه، كما نزل بنو قريظة على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما سأله فيهم بنو عبد الأشهل قال: "ألا ترضون أن أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ" فرضوا بذلك وطمع من كان يحب استبقاءهم أن سعد يحابيهم، لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من الموالاة، فلما أتى سعد حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" وهذا يقتضي أنه لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكما لله في نفس الأمر، وإن كان لا بد من إنفاذه.
(5/70)

ومثل هذا ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث بريدة المشهور قال فيه: "وإذا حاصرت أهل حصن، فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك".
ولهذا قال الفقهاء: إنه إذا حاصر الإمام حصنا فنزلوا على حكم حاكم جاز إن كان رجلا مسلما حرا عدلا من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد، ولا يحكم إلا بما فيه حظ للإسلام من قتل أو رق أو فداء، وتنازعوا فيما إذا حكم بالمن فأباه الإمام هل يلزم حكمه، أو لا يلزم، أو يفرق بين المقاتلة والذرية؟ على ثلاثة أقوال، وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لا حظ فيه للمسلمين.
والمقصود أن تخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه هو تخيير رأي ومصلحة بطلب أي الأمرين كان أرضى لله ورسوله فعله، كما ينظر المجتهد في أدلة المسائل، فأي الدليلين كان أرجح اتبعه.
ولكن معنى قولنا: يخير أنه لا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت، بل قد يتعين فعل هذا تارة، وفعل هذا تارة، وقول الله تعالى في القرآن {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [4/47] يقتضي فعل أحد الأمرين، وذلك لا يمنع تعين هذا في حال وهذا في حال، كما في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [52/9] فتربص أحد الأمرين لا يمنع بعينه إذا كان الجهاد فرض عين علينا بعض الأوقات، فحينئذ يصيبهم الله بعذاب بأيدينا، كما في قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [14-15/9] .
(5/71)

ولهذا كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [33/5] لا يقتضي أن الإمام يخير تخيير مشيئة فيفعل أي هذه الأربعة شاء؛ بل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في حال وهذا في حال.
ثم أكثرهم يقولون: تلك الأحوال مضبوطة بالنص، فإن قتلوا تعين قتلهم، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، روي في ذلك حديث مرفوع، ومنهم من يقول: بل التعيين باجتهاد الإمام كقول مالك فإن رأى أن القتل هو المصلحة قتل وإن لم يكن قد قتل.
ومن هذا الباب تخيير الإمام في الأرض المفتوحة عنوة بين جعلها فيئا وجعلها غنيمة، كما هو قول الأكثرين، كأبي حنيفة والثوري وأبي عبيد وأحمد في المشهور عنه.
فإنهم قالوا: إن رأى المصلحة في جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين، كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر، وإن رأى أن لا يقسمها جاز كما [لم] يقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة مع أنه فتحها عنوة كما شهدت بذلك الأحاديث الصحيحة والسيرة المستفيضة وكما قاله جمهور العلماء، ولأن خلافاءه بعده أبا بكر وعمر وعثمان فتحوا ما فتحوا من أرض المغرب والروم وفارس كالعراق والشام ومصر وخراسان ولم يقسم أحد من الخلفاء شيئا من العقار المغنوم بين الغانمين لا السواد ولا غير السواد،
بل جعلوا العقار فيئا للمسلمين داخلا في قوله {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلهِ وَلِلرَّسُولِ} [7/59] ، ولم يستأذنوا في ذلك
الغانمين، بل طلب أكابر الغانمين قسمة العقار فلم يجيبوهم إلى ذلك، كما طلب بلال من عمر أن يقسم أرض الشام، وطلب منه الزبير
(5/72)

أن يقسم أرض مصر فلم يجيبوهم إلى ذلك ولم يستطب أحد من الخلفاء أحدا من الغانمين في ذلك، فضلا عن أن يستطيب أنفس جميع الغانمين.
وهذا مما احتج به من جعل الأرض فيئا بنفس الفتح ومن نصر مذهبه كإسماعيل بن إسحاق وغيره، وقالوا: الأرض ليست داخلة في الغنمية، فإن الله حرم على بني إسرائيل المغانم، وملكهم العقار، فعلم أنه ليس من المغانم، وهذا القول يذكر رواية عن أحمد، كما ذكر عنه رواية ثالثة كقول الشافعي، أنه يجب قسمة العقار والمنقول لأن الجميع مغنوم
وقال الشافعي: إن مكة لم تفتح عنوة بل صلحا فلا يكون فيها حجة، ومن حكى عنه أنه قال: إنها فتحت عنوة -كصاحب الوسيط وفروعه- فقد غلط عليه، وقال في السواد، لا أدري ما أقول فيه إلا أني أظن فيه ظنا مقرونا بعلم وظن: أن عمر استطاب أنفس الغانمين، لما روي من قصة المثني بن حارثة، وبسط هذا له موضع آخر.
وقول الجمهور أعدل الأقاويل وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول، وهم الذين قالوا: يخير الإمام بين الأمرين تخيير رأي ومصلحة لا تخيير شهوة ومشيئة، وهكذا سائر ما يخير فيه ولاة الأمر ومن تصرف لغيره بولاية كناظر الوقف ووصي اليتيم والوكيل المطلق لا يخيرون تخيير مشيئة وشهوة، بل تخيير اجتهاد ونظر وطلب وتحري للأصلح كالرجل المبتلى بعدوين وهو مضطر إلى الابتداء بأحدهما فيبتدأ بما له نفع، وكالإمام في تولية من ولاه الحرب والحكم والمال يختار الأصلح فالأصلح، فمن ولى رجلا على عصابة وهو يجد فيهم من هو أرضى الله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين.
وهذا بخلاف من خير بين شيئين وله أن يفعل أيهما شاء: كالمكفر
(5/73)

إذا خير بين الإطعام والكسوة والعتق، فإنه وإن كان أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل المفضول، وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح وبين الغسل وإن كان أحدهما أفضل، وكذلك المصلي إذا خير بين الصلاة في أول الوقت وآخره وإن كان أحدهما أفضل، وكذلك تخيير الأكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة وإن كان نفس الأكل والشرب واجبا عند الضرورة حتى إذا تعين المأكول وجب أكله وإن كان ميتة، فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه أكلها في المشهور عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، وكذلك تخيير الحاج بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين يخيرون الثلاثة، ويخير المسافر بين الفطر والصوم عند الجمهور.
وأما من يقول لا يجوز أن يحج إلا متمتعا وأنه يتعين الفطر في السفر، كما يقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة فلا يجيء هذا على أصلهم، وكذلك القصر عند الجمهور الذين يقولون: ليس للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ليس له أن يصلي أربعا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في السفر قط إلا ركعتين ولا أحد من أصحابه في حياته، وحديث عائشة التي تذكر فيه: «أنه -أو: أنها- صلت في حياته في السفر أربعًا» ، كذب عند حذاق أهل العلم بالحديث كما قد بسط في موضعه.
إذ المقصود هنا: أن التخيير في الشرع نوعان
فمن خير فيما يفعله لغيره بولايته عليه أو بوكالة مطلقة لم يبح له فيها فعل ما شاء، فعليه أن يختار الأصلح.
وأما من تصرف لنفسه فتارة يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب اجتهاده، كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الآراء، بل وأصلح الأحكام في نفس الأمر، وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع التي خير بينهما كما تقدم، هذا إذا كان مكلفًا.
(5/74)

وأما الصبي المميز: فيخير تخيير شهوة حيث كان كل من الأبوين نظير الآخر، ولم ينضبط في حقه حكم عام للأب أو الأم، فلا يمكن أن يقال: كل أب فهو أصلح للمميز من الأم، ولا كل أم فهي أصلح له من الأب، بل قد يكون بعض الآباء أصلح، وبعض الأمهات أصلح، وقد يكون الأب أصلح في حال، والأم أصلح في حال، فلم يمكن أن يعتبر (1) أحدهما في هذا، بخلاف الصغير فإن الأم أصلح له من الأب، لأن النساء أرفق بالصغير، وأخبر بتغذيته وحمله وتنويمه وتنويله، وأصبر على ذلك، وأرحم به، فهي أقدر، وأخبر، وأرحم، وأصبر في هذا الموضع فتعينت الأم في حق الطفل غير المميز بالشرع.
ولكن بقي تنقيح المناط: هل عينهن الشارع لكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في الحضانة، أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال؟
وهذا فيه قولان للعلماء يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم مثل: أم الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ومثل العمة والخالة ونحو ذلك، هذا فيه قولان، هما روايتان عن أحمد، وأرجح القولين في الحجة، وتقديم نساء العصبة فتقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، وخالة الأب على خالة الأم، وهو الذي ذكره الخرقي في مختصره، وأبو الحسن الآمدي وغيرهما من
الأصحاب.
وعلل ذلك من علله -كأبي الحسن الآمدي- في مثل تقديم خالة الأب على خالة الأم؛ فإن قرابتها فيها رحم وتعصيب، بخلاف قرابة الأم فإن فيها رحما بلا تعصيب، فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من
__________
(1) لعله يتعين.
(5/75)

الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة، كما تقدم أقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، فالأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، بل قد قيل: إنه لا حضانة للرجال من أقارب الأم بحال، وأن الحضانة لا تثبت إلا لرجل من العصبة، أو لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة أو وارث، فإن عدموا فالحاكم.
وعلى الوجه الثاني: فلا حضانة للرجال في أقارب الأم.
وهذان الوجهان في مذهب الشافعي وأحمد.
فلو كانت جهة الأمومة راجحة لترجح رجالها ونساؤها، فلما لم يترجح لرجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها.
وأيضا فمجموع أصول الشرع إنما تقدم أقارب الأب في الميراث والعقل والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك، لم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة.
ولكن قدموا الأم لكونها امرأة وجنس النساء مقدمات في الحضانة على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدمت الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح.
وأما تقديم جنس نساء الأم على جنس نساء الأب فمخالف للأصول والمعقول.
ولهذا كان من قال هذا في موضع يتناقض ولا يطرد أصله، ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة، حتى يوجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من
هذا الجنس -فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب- كأحد القولين في
(5/76)

مذهب أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، ثم من هؤلاء من يقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، ثم يقدم الخالة على العمة كقول الشافعي في الجديد وطائفة من أصحاب أحمد، وبنوا قولهم على أن الخالات مقدمات على العمات لكونهن من جهة الأم، ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات من كانت لأبوين أولى، ثم من كانت لأب، ثم من كانت لأم.
وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع، لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرائب الأم ظهر التناقض، وهم أيضا قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم، وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه يناقض هذا الأصل، ولهذا قالوا في القول الآخر، إن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب كقول الشافعي القديم، وهذا أطرد لأصلهم لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع.
وطائفة أخرى طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب، كقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج وبالغ بعض هؤلاء في طرد قياسه حتى قدم الخالة على الأخت من الأب كقول زفر ورواية عن أبي حنيفة، وافقهم ابن سريج، ولكن أبو يوسف استتبع ذلك (1) فقدم الأخت للأب، ورواه عن أبي حنيفة.
وروي عن زفر أنه أمعن في طرد قياسه حتى قال: إن الخالة أولى من الجدة أم الأب، وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إذا أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال، وحللتم الحرام، وكان يقول في القياس: قياس زفر أقبح من البول في المسجد، وزفر كان معروفًا بالإمعان في طرد قياسه، لكن الشأن في الأصل الذي
__________
(1) كذا في الأصل، ولعله استبشع ذلك.
(5/77)

قاس عليه وفي علة الحكم في الأصل -وهو جواب- سؤال المطالبة -فمن أحكم هذا الأصل استقام قياسه، وهذا كما أن زفر اعتقد أن النكاح إلى أجل يبطل التوقيت ويصح النكاح لازمًا، وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب أحمد، فكان مضمون هذا القول، إن نكاح المتعة يصح لازما غير مؤقت، وهو خلاف النصوص، وخلاف إجماع السلف والأمة إذا اختلفت في مسألة على قول (1) لم يكن لمن بعدهم أحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن الصواب، وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنه باطل، أو يصح مؤجلا، فالقول بلزومه مطلقا خلاف الإجماع.
وسبب هذا القول: اعتقادهم أن كل شرط فاسد في النكاح فإنه يبطل وينعقد النكاح لازما بدون حصول غرض المشترط، فألزموه مالم يلتزمه ولا ألزمه به الشارع، ولهذا صحح من قال ذلك نكاح الشغار، ونحوه مما شرط فيه نفي المهر، وصححوا نكاح التحليل لازما مع إبطال شرط التحليل، وأمثال ذلك.
وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" فدل النص على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع، فإذا كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها، بل إما أن يبطل العقد وإما أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط فكيف بالشروط في النكاح؟
وأصل عمدتهم: كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.
فقاسوا النكاح الذي شرط فيه نفي المهر على النكاح الذي ترك تقدير الصداق فيه، كما فعل أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأكثر متأخري
__________
(1) كذا في الأصل ولعله: على قولين.
(5/78)

أصحاب أحمد، ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح نكاح الشغار بناء على أن لا موجب لفساده إلا إشغاره عن المهر، وهذا ليس مفسدًا.
وأما الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بن الشغار وغيره بأن فيه تشريكا في البضع أو تعليقًا للعقد أو غير ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن كل هذه فروق غير مؤثرة، وأن الصواب مذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته وعليه أكثر قدماء أصحابه: أن العلة في إفساده هي شرط إشغار النكاح عن المهر، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أو مهر فاسد، فإن الله فرض فيه المهر، فلم يحل لغير الرسول النكاح بلا مهر، فمن تزوج بشرط أن لا يجب مهر فلم يعقد النكاح الذي أذن الله فيه فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بما له محصنا غير مسافح كما قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [24/4] فمن طلب النكاح بلا مهر فلم يفعل ما أحل الله، وهذا بخلاف من اعتقد أنه لا بد من مهر لكن لم يقدره، كما قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} الآية [236-237/2] فهذا نكاح المهر المعروف وهو مهر المثل.
قالوا: فهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع، فإن البيع بثمن المثل وهو السعر أو الإجارة بثمن المثل لا يصح بخلاف النكاح.
وقد سلم لهم هذا الأصل الذي قاسوا عليه الشافعي وكثير من أصحاب أحمد في البيع، وأما في الإجارة فأصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: إنه يجب أجرة المثل فيما جرت العادة فيه، في مثل ذلك، كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكراء، أو سكن في
(5/79)

خان أو حجرة جرت عادتهم بذلك، أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة، أو ثيابه إلى من يغسل بالأجرة أو ركب دابة مكاري يكاري بالأجرة، أو سفينة ملاح يركب الناس بالأجرة، فإن هذه إجارة عرفية عند جمهور العلماء، وتجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك، فهذه إجارة بأجرة المثل.
وكذلك لو ابتاع طعاما بمثل ما ينقطع به السعر أو بسعر ما يبيع الناس أو بما اشتراه به من بلده أو برقمه، فهذا يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير موضع، وإن كان كثير من متأخري أصحابه لا يوجد في كتبهم إلا القول الآخر، ففساد هذا العقود كقول الشافعي وغيره، وبسط هذه المسائل في مواضع آخر.
والمقصود هنا: كان مسائل الحضانة وأن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم، بل الصواب بلا ريب أنها قدمت لكونها أنثى، فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل، فتقدم الأم على الأب والجدة على الجد، والأخت على الأخ، والخالة على الخال، والعمة على العم، وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا لبسطه موضع آخر.
إذ المقصود هنا مسألة الصغير المميز، والفرق بين الصيبة والصبي فتخيير الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحد الأبوين له، ولهذا كان تعيين الأب كما قال: مالك وأحمد في رواية والتخيير تخيير شهوة.
ولهذا قالوا: إذا اختار الأب مدة، ثم اختار الأم فله ذلك حتى.
(5/80)

قالوا: متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه، وكذلك إذا اختار ابتداء.
وهذا قول القائلين بالتخيير: الحسن بن صالح والشافعي وأحمد بن حنبل.
وقالوا: إذا اختار الأم كان عندها ليلا، وأما بالنهار فيكون عند الأب ليعلمه ويؤدبه.
هذا مذهب الشافعي وأحمد، وكذلك قال مالك، وهو يقول: يكون عندها بلا تخيير، للأب تعاهده عندها وأدبه وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأم.
قال أصحاب الشافعي وأحمد: وإن اختار الأب كان عنده ليلا ونهارًا ولم يمنع من زيارة أمه، ولا تمنع الأم من تمريضه إذا اعتل.
فأما البنت إذا خيرت -فكانت عند الأم تارة وعند الأب تارة- أفضى ذلك إلى كثرة بروزها وتبرجها وانتقالها من مكان إلى مكان، ولا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم موكلة بحفظها، وقد عرف بالعادة أن ما تناوب الناس على حفظه ضاع، ومن الأمثال السائرة، لا تصلح القدر بين طباختين.
وأيضا فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الإحسان والصيانة فلا يبقى الأب تام الرغبة في حفظها ولا الأم تامة الرغبة في حفظها وليس الذكر كالأنثى، كما قالت امرأة عمران {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} إلى قوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} إلى قوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا
(5/81)

مَرْيَمُ} [35-44/3] فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى اقترعوا على كفالتها فكيف بمن سواها من النساء؟
وهذا أمر يعرف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة إلى ما لا يحتاج إليه الصبي، وكلما كان أستر لها وأصون كان أصلح لها؛ ولهذا كان لباسها المشروع لباسا لها يسترها، ولعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من يلبس منهن لباس الرجال» ، وقال لأم سلمة في عصابتها: "لَيَّة لا لَيَّتَيْن" رواه أبو داود وغيره، وقال في الحديث الصحيح "صنفان من أمتي لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله".
وأيضا فأمرت المرأة في الصلاة أن تتجمع ولا تجافي بين أعضائها وفي الإحرام أن لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وأن لا ترقى فوق الصفا والمروة، كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت صغيرة مميزة وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها، وهي قابلة للانخداع؟ وفي الحديث: "النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه".
فهذا مما يبين أن مثل هذه الصبية المميزة من أحوج النساء إلى حفظها وصونها، وترددها بين الأبوين، مما يخل بذلك من جهة: أنها هي التي لا يجتمع قلبها على مكان معين، ولا يجتمع قلب أحد الأبوين على حفظها، ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة يخل بكمال حفظها وهو ذريعة إلى ظهورها وبروزها، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين مطلقًا، ولا تمكن من تخيير، كما قال ذلك جمهور
(5/82)

المسلمين: مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم، وليس في تخييرها نص صريح ولا قياس صحيح.
والفرق ظاهر بين تخييرها وتخيير الابن، لا سيما والذكر محبوب مرغوب فيه، فلو اختار أحدهما كانت محبة الآخر له تدعوه إلى مراعاته والبنت مزهود فيها فأحد الوالدين قد يزهد فيها مع رغبتها فيه فكيف مع زهدها فيه؟ فالأصلح لها لزوم أحدهما لا التردد بينهما.
ثم هنا يحصل الاجتهاد في تعيين أحدهما فمن عين الأم مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، لا بد أن يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها، ولهذا قالوا ما ذكره مالك والليث وغيرهما، إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية، فللأب أخذها منها، وهذا هو الذي راعاه أحمد في الرواية التي اشتهرت عند أصحابه، حتى لم يذكر أكثرهم في ذلك نزاعا، وقد عللوا ذلك بحاجتها إلى الحفظ والتزويج والأب أقوم لذلك من الأم، فإنه إذا كان لا بد من رعاية حفظها وصيانتها، وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة لها بلا ريب، فالأب أقدر على حفظها وصيانتها من الأم، وهي مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد، والأب له من الهيبة والحرمة ما ليس للأم.
وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك ضرر، فلو قدر أن الأب عاجز عن حفظها وصيانتها أو يهمل حفظها لاشتغاله عنها أو لقلة دينه والأم قائمة بحفظها وصيانتها، فإنه تقدم الأم في هذه الحال.
فكل من قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها واندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى به بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته، فلو قدرنا أن الأب أقرب لكن
(5/83)

لا يصونه والأم تصونه لم يلتفت إلى اختيار الصبي، فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، والآخر يذوده ويصلحه، ومتى كان كذلك فلا ريب أنه لا يمكن ممن يفسد معه حاله، ولهذا قال أصحاب الشافعي وأحمد: إنه لا حضانة لفاسق، وكذلك قال الحسن بن حيي، وقال مالك: كل من له الحضانة من أب أو ذات رحم أو عصبة ليس له كفاية ولا موضعه بحرز، ولا يؤمن في نفسه فلا حضانة له، والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد، وينظر للولد في ذلك بالذي هو أكفأ وأحرز، فرب والد يضيع ولده، وكذلك قالوا، وهذا لفظ القاضي أبو يعلي في خلافه، إنما يكون التخيير بين أبوين مأمونين عليه يعلم أنه لا ضرر عليه من كونه عند واحد منهما، فأما من لا يقوم بأمره ويخليه للعب فلا يثبت التخيير في حقه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع" فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص لله ورسوله فلا يقدم من يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب أو يفعل معه الحرام قدم من يفعل الواجب ولو اختار الصبي غيره، بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال. بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين يحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر لا يحصل له، قدم الأول قطعًا، وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم.
(5/84)

والنكاح والولاء، وإن كان الوارث حاضرا وعاجزا، بل هو من جنس الولاية ولاية النكاح والمال التي لا بد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان، وإذا قدر أن الأب تزوج بضرة وهو يتركها عند ضرة أمها لا تعلم مصلحتها بل تؤذيها أو تقصر في مصلحتها وأمها تعلم مصلحتها ولا تؤذيها فالحضانة هنا للأم قطعا ولو قدر أن التخيير مشروع وأنها اختارت الأم فكيف إذا لم يكن كذلك؟
ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام على تقديم أحد الأبوين مطلقا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا، بل مع العدوان والتفريط والفساد والضرر، لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن القائم بالواجب (1) .
وقد عللوا أيضا تقديم الأب بعلة ثانية، بأنها إذا صارت مميزة صارت ممن تخطب وتزوج واحتاجت إلى تجهيزها، فإذا كانت عند الأب كان أنظر لها وأحرص على تجهيزها وتزويجها مما إذا كانت عند الأم.
وأبو حنيفة يوافق أحمد على أن الأب أحق بها من الخالة والأخت والعمة وسائر النساء؛ بخلاف ما قاله في الصبي، فإنه جعل الأب أحق به مطلقا، لكن قال: الأم والجدة أحق من الأب فكلاهما قدم الأب وغيره من العصبة على النساء، لكن أحمد طرد القياس فقدمه على جميع النساء، وأبو حنيفة فرق بين عمود النسب وغيره، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخالة أم" فإذا قدم الأب على النساء اللائي يقدمن عليه في حال صغرها دل ذلك على أن الأب أقوم بمصلحة ابنته من النساء وتبين أن أصل هذا القول ليس من مفردات أحمد، بل هو طرد فيه قياسه.
__________
(1) من هنا إلى آخر القاعدة غير موجود في المجموع ست صفحات وخمسا صفحة.
(5/85)

وبكل حال فهو قول قوي متوجه ليس بأضعف من غيره من الأقوال المقولة في الحضانة، وليس قول من رجح الأم مطلقًا بأقوى
منه.
ومما يقوي هذا القول: إن الولد مطلقًا إذا تعين أن يكون في مدينة أحد الأبوين دون الآخر، وكان الأب ساكنا في مصر والأم ساكنة في مصر آخر فالأب أحق به مطلقًا سواءً كان ذكرًا أو أنثى عند عامة العلماء كشريح القاضي وكمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، حتى قالوا: إن الأب إذا أراد سفر نقلة لغير الضرار إلى مكان بعيد فهو أحق به؛ لأن كونه مع الأب أصلح له؛ لحفظ نسبه، وكمال تربيته، وتعليمه وتأديبه، وأنه مع الأم تضيع مصلحته، ولا يخير الغلام هنا عند أحدهما لا يخرج إلى الأحق، فالأب أيضا أحق لأن كونه عند الأب أصلح له، وهذا المعنى منتف في الابن لأنه يخير، ولأن تردد الابن بينهما لا مضرة عليه فيه بخلاف البنت.
واتفقوا كلهم على أن الأم لو أرادت أن تسافر بالذكر أو الأنثى من المصر الذي فيه عقد النكاح فالأب أحق به، فلم يرجح أحد منهم الأم مطلقا فدل على أن ترجيحها في حضانة الولد مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى مخالف لهذا الأصل الذي اتفقوا عليه، وعلم أنهم متفقون على ترجيح جانب الأب عند تعذر الجمع بينهما، وهذا ثابت في الولد، وإن كان طفلاً يكون في بلد أبيه بخلاف ما إذا كان الأبوان في مصر واحد فههنا هو مع الصغر للأم، لأن في ذلك جمعا بين المصلحتين.
ومما يقويه أيضا: أن الغلام إذا بلغ معتوها كانت حضانته للأم كالصغير، وإن كان عاقلا كان أمره إلى نفسه يسكن حيث شاء إذا كان مأمونا على نفسه عند الأئمة الأربعة وغيرهم، فإن كان غير مأمون
على نفسه فلم يجعل أحد الولاية عليه للأم، بل قالوا: للأب ضمة إليه
(5/86)

وتأديبه، والأب يمنعه من السفلة (1) .
وأما الجارية إذا بلغت فنقل عن مالك: الوالد أحق بضمها إليه حتى تزوج ويدخل بها الزوج، ثم هي أحق بنفسها وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف منها هوى أو ضيعة أو سوء موضع فيمنعها الأب بضمها إليه.
وقد تقدم في المدونة: أن الأم أحق بها ما لم تنكح وإن بلغت أربعين سنة، وكذلك قال أبو حنيفة في البكر قال: الأب أحق بها مأمونة كانت أو غير مأمونة، والبنت هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة، وقال الشافعي: هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة: بكرًا كانت أو ثيبًا.
وفي مذهب أحمد ثلاثة أقوال ذكرها في المحرر روايتين ووجهًا.
أحدها: أنها تكون عند الأب حتى تتزوج ويدخل بها الزوج، وهذا هو الذي نصره القاضي وغيره في كتبهم، وقالوا: إن الجارية إذا بلغت وكانت بكرًا فعليها أن تكون مع أبيها حتى تتزوج ويدخل بها الزوج، ولم يذكروا فيه نزاعًا.
والرواية الثانية: عن أحمد: تكون عند الأم، وهذه الرواية إنما أخذها الشيخ أبو البركات من الرواية المتقدمة أن حضانتها تكون للأم ما لم تتزوج، فإنه على هذه الرواية نقل عن أحمد فيها روايتين، فإن أحمد قال في تلك الرواية، الأم والجدة أحق بالجارية ما لم تتزوج، فجعلهما أحق بها ما لم تتزوج في رواية مهنا، وقال في رواية ابن منصور، يقضي بالجارية للأم والخالة، حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها، فهنا قال عند الحاجة إلى التزويج للأب، وإن كانت لم تتزوج بعد، وهذا يكون بالبلوغ.
__________
(1) في الأصل: السلفة.
(5/87)

وأما القول الثالث في مذهبه: وهو أنها إذا بلغت تكون حيث شاءت كالغلام فهذا يجيء على قول من يخيرها كما يخير الغلام، فمن خير الغلام قبل بلوغه كان بعد البلوغ أمره إلى نفسه كما قال الشافعي وأحمد وغيرهما، لكن أبو البركات حكى هذه الأقوال الثلاثة في محرره في البالغة، وهي مطابقة للأقوال الثلاثة التي ذكرناها في غير البالغة، فإنه على المشهور عند أصحاب أحمد أنها إذا كانت قبل البلوغ عند الأب فهي بعد البلوغ أولى أن تكون عند الأب منها عند الأم، فإن أبا حنيفة وأحمد في رواية ومالكا يجعلونها قبل البلوغ للأم، وبعد البلوغ جعلوها عند الأب، وهذا يدل على أن الأب أحفظ لها وأصون وأنظر في مصلحتها، فإذا كان كذلك فلا فرق بين ما قبل البلوغ وما بعده في ذلك.
فتبين أن هذا القول، وهو جعل البنت المميزة عند الأب، أرجح من غيره والله أعلم.

فصل

والتخيير جاء فيه حديثان، وأما تقديم الأم على الأب في حق الصغير فمتفق عليه، وقد جاءت فيه حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعم مني، فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحني" رواه أحمد وأبو داود، لكن في لفظه، وأن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم، على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وممن حفظنا عنه ذلك: يحيى الأنصاري، والزهري، ومالك والثوري.
(5/88)

والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وبه نقول، وقد روينا عن أبي بكر الصديق: أنه حكم على عمر به، وبصبي لعاصم لأمه أم عاصم. وقال: حجرها وريحها ومسها خير له منك حتى يشب ويختار.
وأما التخيير فعن أبي هريرة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلامًا بين أبيه وأمه» ، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، ورواه أبو داود وقال فيه: «إن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عتبة، وقد نفعني. فقال رسول الله: استهما عليه. قال زوجها: من يحاققني في ولدي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به» ، ورواه النسائي كذلك، ولم يذكر: «استهما عليه» ، ورواه أحمد أيضًا لكنه قال فيه: «جاءت امرأة قد طلقها زوجها» ، ولم يذكر فيه قولها: «قد سقاني ونفعني» .
وقد روى تخيير الغلام بين أبويه عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة. فروى سعيد بن منصور، وغيره: «أن عمر بن الخطاب خير غلامًا بين أبيه وأمه» ، وعن عمارة الحريثي (1) أنه قال: خيرني عليٌّ بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع أو ثمان، وروى نحو ذلك عن أبي هريرة، ولم يعرف لهم مخالف مع أنها في مظنة الاشتهار.
وأما الحديث الثاني فرواه عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده: «أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ. قال: فأجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره، وقال: اللهم اهده. فذهب إلى أبيه» ، وهكذا رواه أحمد والنسائي، ورواه أبو داود عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان: «أنه
أسلم وأبتت امرأته أن تسلمَ فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ابنتي وهي فطيم
__________
(1) في الأصل: مهملة لا نقط فيها، فتحرر.
(5/89)

أو شيبة، وقال رافع: ابنتي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اقعد ناحية" وقال لها "اقعدي ناحية" واقعد الصبي بينهما ثم قال: "ادعواها" فمالت إلى أمها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها.
وعبد الحميد هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري وهذا الحديث قد ضعفه بعضهم فقال ابن المنذر في إسناده مقال، وقال غيره هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وقد روي على غير هذا الوجه، وقد اضطرب فيه هل كان المخبر ذكرا أم أنثى ومن روى أنه أنثى قال فيه "إنها فطيم" أي مقطوعة وفعيل بمعنى مفعول إذا كان صفة يستوي فيه الذكر والمؤنث يقال: عين كحيل، وكف خضيب، فيقال للصغير، فطيم وللصغير، فطيم.
ولفظ "الفطيم" إنما يطلق على قريب العهد بالفطم فيكون له نحو ثلاث سنين، ومثل هذا لا يخير باتفاق العلماء.
وأيضا: فإنه خير بين مسلم وكافر وهذا لا يجوز بين مسلم وكافر كالشافعي وأحمد.
وأما القائلون بأن الكافرة لها حضانة كأبي حنيفة وابن القاسم فلا يخيرون لكن أبو ثور يقول بالتخيير فيما حكاه عنه ابن المنذر، والجمهور على أنه لا حضانة لكافر، وهو مذهب مالك والشافعي والبصريين كسوار وعبد الله بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن القاسم صاحب مالك: الذمية في ذلك كالمسلمة وهي أحق بولدها من أبيه المسلم، وهو قول الاصطخري من أصحاب الشافعي، وقد قيد ذلك أبو حنيفة فقال: هي أحق بولدها ما لم يعقل الأديان ويخاف أن يألف الكفر، والأب إذا كان مسلما كان الولد مسلما باتفاقهم.
(5/90)

وكذلك إذا كانت الأم مسلمة عند الجمهور كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة فإنه يتبع عند الجمهور في الدين خيرهما دينا، وأما في النسب والولاء فهو يتبع الأب بالاتفاق، وفي الحرية أو الرق يتبع الأم بالاتفاق،.
وحمل بعضهم هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنها تختار الأب بدعائه، فكان ذلك خاصا في حقه.
وأيضًا فهذه القصة قضية في عين، والأشبه أنها كانت في أول زمن الهجرة، فإن الأب كان من الأنصار فأسلم والأم لم تسلم، وفي آخر الأمر أسلم جميع نساء الأنصار فلم يكن فيهن إلا مسلمة حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولنساء الأنصار".
ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكره أحدا على الإسلام ولا ضرب الجزية على أحد، ولكن هادن اليهود مهادنة وأما الأنصار ففشى فيهم الإسلام وكان فيهم من لم يسلم، بل كان مظهرا لكفره فلم يكونوا ملتزمين لحكم الإٍسلام، وكذلك كان عبد الله بن أبي بن سلول وغيره قبل أن يظهروا الإسلام.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب يعود سعد بن عبادة فمر بمجلس من الأنصار الحديث، ففي هذا الحديث وغيره من الأحاديث ما يبين أنهم كانوا قبل غزوة بدر متظاهرين بالكفر من غير الإسلام ولا ذمة، فلم يكن الكفار ملتزمين لحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا التزام حكمه إنما يكون بالإسلام أو بالعهد الذي التزموا فيه ذلك، ولم يكن المشركون كذلك، فلهذا لم يلزم المرأة بحكم الإسلام، بل دعا الله أن يهدي الصغير فاستجاب الله، ودعاؤه له أن يهديه: دليل على أنه كان طالبا مريدا لهداه، وهداه أن يكون عند المسلم، لا عند الكافر، لكن لم يمكنه ذلك بالحكم الظاهر، لعدم دخول الكافرة تحت حكمه، فطلبه بدعائه القبول، وهذا يدل على أنه متى أمكن أن يجعل مع المسلم لا يجعل مع الكافر.
(5/91)

وكان هذا حكم الله ورسوله بأهل الذمة الملتزمون جريان حكم الله ورسوله عليهم يحكم بينهم بذلك، نعم لو كان النزاع بين من هو مسلم ومن هو من أهل الحرب والهدنة الذين لم يلتزموا جريان حكم الله ورسوله عليهم، فهنا لا يمكن الحكم فيهم بحكم الإسلام بدون رضاهم، فيسعى حينئذ في تغليب الإسلام بالدعاء، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ كان الاجتهاد في ظهور الإسلام دعاؤه واجبًا بحسب الإمكان.
وعلى هذا: فالحديث إن كان ثابتا دليل على التخيير في الجملة، لكن قد اختلف في المخير: هل كان صبيا أو صبية؟ فلم يتبين أحدهما، فلا يبقى فيه حجة على تخيير الأنثى، لا سيما والمخيرة كانت فطيمًا، وهذه لا تخير باتفاقهم، وإنما كان تخيير هذه إن صح الحديث من جنس آخر.
آخر ما وجد والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم وكتب في شهر ربيع الأول من شهور سنة أربع وستين وسبعمائة أحسن الله عاقبتها بمنة وكرمه، آمين يا رب العالمين.
وكتبها أضعف العباد عبد المنعم البغدادي الحنبلي عفا الله عنه بمنه وكرمه.
بلغ مقابلة بحوله ومنه، فصحح حسب الطاقة في ليلة صباحها خامس عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة الأربع والستين وسبع مائة أحسن الله عاقبتها بمنه وكرمه (1) .
__________
(1) آخر قاعدة الحضانة الملحقة بمختصر الفتاوى المصرية (613-638) أصلها بدار الكتب الأزهرية رقم (182) خصوصي وهي بخط عبد المنعم البغدادي الحنبلي في (26/ 3/ 76) وفيها زيادة على ما في الجموع وتصحيح لبعض أخطاء فيه كما تقدم.
(5/92)

كتاب الجنايات

العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله بالخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض (1) .
وليست التوبة بعد الجرح أو بعد الرمي قبل الإصابة مانعة من وجوب القصاص (2) وإمساك الحيات جناية محرمة (3) .
إسقاؤه سما لا يعلم به.. فإن علم آكله به وهو بالغ عاقل أو خلطه بطعام نفسه فأكله إنسان بغير إذنه فلا ضمان عليه، وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان مميزا ففي ضمانه نظر (4) .
وقال الشيخ تقي الدين: من صور القتل عمدا، الموجب للقصاص من شهدت بينة بالردة فقتل بذلك ثم رجعوا وقالوا: عمدنا قتله، قال وفي هذا نظر؛ لأن المرتد إنما يقتل إذا لم يتب فيمكن المشهود عليه التوبة، كما يمكنه التخلص من النار إذا ألقي فيها اهـ (5) .
__________
(1) اختيارات (288) ، ف (2/ 345) .
(2) اختيارات (289) ، ف (2/346) .
(3) اختيارات (289) ، ف (2/346) .
(4) إنصاف (9/ 440) ، ف (2/346) .
(5) اختيارات (289) ، ف (2/347) .
(5/93)

لو رجع الوالي والبينة ضمنه الوالي وحده على الصحيح من المذهب، وقال القاضي وأصحابه: يضمنه الوالي والبينة معا كمشترك واختار الشيخ تقي الدين: أن الوالي يلزمه القود إن تعمد وإلا الدية، وأن الآمر لا يرث (1) .
شبه العمد: الثاني أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربيا ... قال الشيخ تقي الدين: محل هذا في المسلم الذي هو بين الكفار، معذور كالأسير، والمسلم الذي لا يمكنه الهجرة والخروج من صفهم فأما الذي يقف في صف قتالهم باختياره فلا يضمن بحال (2) .

فصل

قال في المحرر: لو أمر به يعني القتل سلطان عادل أو جائر ظلما من لم يعرف ظلمه فيه فقتله فالقود والدية على الآمر، قال أبو العباس: هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول: وفيه نظر بل لا يطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية لا سيما إذا كان معروفا بالظلم فهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة.
وقياس المذهب: أنه إذا كان المأمور ممن يطيعه غالبا في ذلك أنه يجب القتل عليهما، وهو أولى من الحاكم والشهود، فإنه سبب يقتضي غالبا بل هو أقوى من المكره (3) .
وإذا قال: أنا قاتل غلام زيد، فقياس المذهب إن كان نحويا لم يكن مقرا، وإن كان غير نحوي كان مقرا، كما لو قاله بالإضافة (4) .
__________
(1) إنصاف (9/ 444) ، ف (2/ 347) .
(2) إنصاف (9/ 447) ، ف (2/ 347) .
(3) اختيارات (289) ، ف (2/ 347) .
(4) اختيارات (291) ، ف (2/ 247) وللإقرار.
(5/94)

باب شروط وجوب القصاص
والذي ينبغي ألا يعاقب المجنون بقتل ولا قطع، لكن يضرب على فعله لينزجر، وكذا الصبي المميز يعاقب على الفاحشة، ويعزر تعزيرا بليغا (1) .
ولا يقتل مسلم بذمي، إلا أن يقتله غيلة لأخذ ماله، وهو مذهب مالك (2) .
والسنة إنما جاءت «لا يقتل والد بولده» ، فإلحاق الجد بذلك وأبي الأم بعيد.
ويتوجه ألا يرث القاتل دما من وارث، كما لا يرث هو المقتول وهو يشبه حد القذف المطالب به إذا كان القاذف هو الوارث أو وارث الوارث، فعلى هذا لو قتل أحد الابنين أباه، والآخر أمه وهي في زوجية الأب فكل واحد منهما يستحق قتل الآخر، فيتقاصان، لا سيما إذا قيل إنه يستحق القود بملك نقله إلى غيره، إما بطريق التوكيل بلا ريب، وإما بالتمليك وليس ببعيد (3) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: ليس في العبد نصوص صريحة صحيحة تمنع قتل الحربه، وقوي أنه يقتل به، وقال: هذا أرجح وأقوى على قول الإمام أحمد رحمه الله (4) .

باب استيفاء القصاص
والجماعة المشتركون في استحقاق دم المقتول الواحد، إما أن
__________
(1) إنصاف (10/ 241) واختيارات (292) فيه زيادة ف (2/ 349) .
(2) اختيارات (289) ، ف (2/ 349) .
(3) اختيارات (291) ، ف (2/ 350) .
(4) إنصاف (9/ 469) ، ف (2/ 349) .
(5/95)

يثبت لكل واحد منهم بعض الاستيفاء فيكونون كالمشتركين في عقد أو خصومة، وتعيين الإمام قوي، كما يؤجر عليهم لنيابته عن الممتنع، والقرعة إنما شرعت في الأصل إذا كان كل واحد مستحقا أو كالمستحق.
ويتوجه أن يقدم الأكثر حقا أو الأفضل، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن سهل في قصة قتل أخيه عبد الله بن سهل الأنصاري (كبر) وكالأولياء في النكاح بإذن الباقين؛ لأن القرعة لم تسقط حقوقهم (1) .
وإذا كان المقتول رضي بالاستيفاء أو بالدية فينبغي أن يتعين، كما لو عفا، وعليه تخرج قصة علي مع قاتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، إذا لم تخرج على كونه مرتدا أو مفسدا، في الأرض أو قاتل الأئمة (2) .
قال الشيخ تقي الدين: مطالبة المقتول بالقصاص توجب تحتمه فلا يمكن الورثة بعد ذلك من العفو (3) .

فصل

وسألت شيخنا أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن القتل بالحال، هل يوجب القصاص؟ فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به (4) .
ويحتمل أن يجوز الاستيفاء بغير حضور السلطان إذا كان القصاص، في النفس، واختاره الشيخ تقي الدين (5) .
__________
(1) اختيارات (292) ، ف (2/ 350) .
(2) اختيارات (291) وإنصاف (10/ 3) ، ف (2/، 350) .
(3) اختيارات (291) وإنصاف (10/ 3) ، ف (2/، 350) .
(4) مدارج (1/ 402) ، ف (2/ 350) .
(5) إنصاف (9/ 487) ، ف (2/ 350) .
(5/96)

ويفعل بالجاني على النفس مثل ما فعل بالمجني عليه ما لم يكن محرما في نفسه، أو يقتله بالسيف إن شاء وهو رواية عن أحمد، ولو كوى شخصا بمسمار كان للمجني عليه أن يكويه مثل ما كواه إن أمكن (1) وقال: هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل (2) .
وولاية القصاص والعفو عنه ليست عامة لجميع الورثة، بل تختص بالعصبة وهو مذهب مالك، وتخرج رواية عن أحمد (3) .
وكل من ورث المال ورث القصاص على قدر ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام.
وعنه: يختص العصبة ذكرها ابن البناء وخرجها الشيخ تقي الدين رحمه الله واختارها (4) .

باب العفو عن القصاص

واختار الشيخ تقي الدين، أن العفو لا يصح في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة (5) .
وقال الشيخ تقي الدين: استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل به ضرر كان ظلما من العافي إما لنفسه وإما لغيره فلا يشرع (6) .
__________
(1) اختيارات (293) وفروع (5/ 263) ، ف (2/351) وإنصاف (9/ 487) .
(2) اختيارات (293) وفروع (5/ 263) ، ف (2/351) وإنصاف (9/ 487) .
(3) اختيارات (293) ، ف (2/ 351) .
(4) إنصاف (9/ 482) ، ف (2/350) فيه زيادة.
(5) إنصاف (10/ 6) ، ف (2/ 351) .
(6) إنصاف (10/ 3) ، ف (2/ 351) .
(5/97)

وإن مات القاتل وجبت الدية في تركته، واختار الشيخ تقي الدين: أنها تسقط بموته وقتله وخرجه وجها، وسواء كان معسرا أو موسرا وسواء قلنا الواجب القصاص عينا أو أحد شيئين (1) .
ويتوجه إذا قلنا: ليس للولي أخذ الدية إلا برضا الجاني أن يسقط حقه بموته كما لو مات العبد الجاني أو المكفول به، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي ثواب وابن القاسم وأبي طالب، ويتوجه ذلك وإن قلنا الواجب القود عينا أو أحد شيئين، لأن الدية عديل العفو فأما الدية مع الهلاك فلا (2) .
باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس
ولا يستوفى القود في الطرف إلا بحضرة السلطان (3) .
وفي جراحه.. (العبد) إن لم يكن مقدرا، وعنه: أنه يضمن بما نقص مطلقا اختاره الشيخ تقي الدين (4) .
ولا يجوز أن يكذب على من كذب عليه، ولا يشهد بزور على من شهد عليه بزور، ولا يكفره بباطل كما كفره بالباطل، ولا يقذفه كذبا كما قذفه كذبا، ولا يفجر إذا خاصمه كما فجر هو.
وكذلك لا يجوز أن يغرر في عقد عقده بينهما لأجل كونه غرر به، فلا يخونه كما خانه، والشارع نهى عن الخيانة لمن خانه ولم يجعل ذلك قصاصا فلا يأخذ من ماله بغير علمه بقدر ما أخذه هو، وهذا أصح قولي العلماء (5) .
__________
(1) إنصاف (10/ 6، 7) ، ف (2/ 352) .
(2) اختيارات (292) ، ف (2/ 352) .
(3) اختيارات (293) ، ف (2/ 352) .
(4) إنصاف (10/ 66) ، ف (2/ 352) .
(5) مختصر الفتاوى (609) ، ف (2/ 353) .
(5/98)

وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: وقوله: الله أكبر عليك، كالدعاء عليه، شتمه بغير فرية نحو: يا كلب، فله قوله له أو تعزيره، ولو لعنه فهل له أن يلعنه؟ ينبني على جواز لعن المعين.
ومن لعن نصرانيا أدب أدبا خفيفا، إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: الدعاء قصاص، ومن دعا على ظالمه فما صبر اهـ (1) .
__________
(1) إنصاف (10/ 150) ، ف (2/ 353) (2/ 371) .
(5/99)

كتاب الديات

وقال الشيخ تقي الدين مثل الحية والصاعقة كل سبب يختص البقعة كالوباء وانهدم سقف عليه ونحوها (1) .
المعروف أن الحر يضمن بالإتلاف، لا باليد، إلا الصغير ففيه روايتان كالروايتين في سرقته.
فإذا كان الحر قد تعلق برقبته حق لغيره مثل أن يكون عليه حق قود أو في ذمته مال أو منفعة أو عنده أمانات أو غصوب تلفت بتلفه مثل أن يكون حافظا عليها وإذا تلف زال الحفظ فينبغي أنه إن أتلف فما ذهب بإتلافه من عين أو منفعة مضمونة ضمنت كالقود، فإنه مضمون، لكن هل ينتقل الحق إلى القاتل فيخير الأولياء، بين قتله والعفو عنه، أو إلى ترك الأول؟ فيه روايتان.
وأما إذا تلف تحت اليد العادية فالمتوجه أن يضمن ما تلف بذلك من مال أو بدل قود، بحيث يقال: إذا كان عليه قود فحال بين أهل الحق وبين القود حتى مات ضمن لهم الدية (2) .

باب ديات الأعضاء ومنافعها

ومن جنى على سنه اثنان، واختلفوا، فالقول قول المجني عليه في قدر ما أتلفه كل واحد منهما قاله أصحابنا.
__________
(1) إنصاف (10/ 34) ، ف (2/ 352) .
(2) اختيارات (294) ، ف (2/353) .
(5/100)

ويتوجه أن يقترعا على القدر المتنازع فيه، لأنه ثبت على أحدهما لا بعينه كما لو ثبت الحق لأحدهما لا بعينه (1) .
وإذا بقي من لحيته ما لا جمال فيه فهل يجب القسط، أو كمال الدية، أو حكومة؟ على ثلاثة أوجه، ويتوجه أن يكون أكثر الأمرين: القسط، أو الحكومة (2) .

باب العاقلة وما تحمله

ويتوجه أن يعقل ذوو الأرحام عند عدم العصبة إذا قلنا تجب النفقة عليهم.
والمرتد يجب أن يعقل عنه من يرثه من المسلمين، أو أهل الدين الذي انتقل إليه (3) .
وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء (4) .
ومن أبرأ جانيا حرا جنايته على عاقلته إن قلنا تجب الدية على العاقلة تحملا وعليه ابتداء، أو عبدا إن قلنا جنايته في ذمته صح، مع أنه يتوجه الصحة مطلقا، وهو وجه بناء على أن مفهوم هذا اللفظ في عرف الناس العفو مطلقا، وألفاظ التصرفات تحمل موجباتها على عرف الناس، فتختلف باختلاف الاصطلاحات (5) .
__________
(1) اختيارات (294) ، ف (2/354) .
(2) اختيارات (294) ، ف (2/ 354) .
(3) اختيارات (295) ، ف (2/ 354) .
(4) اختيارات (294) ، ف (2/ 354) .
(5) الاختيارات (293) ، ف (2/ 355) .
(5/101)

باب القسامة

ومن اتهم بقتيل وهناك لوث ويغلب على الظن أنه قتله لعداوة أو توعد بقتل ونحوه جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دمه.
وأما ضربه ليقر فلا يجوز إلا مع القرائن التي تدل على أنه قتله، فإن بعضهم جوز تقريره بالضرب في هذه الحال، ومنعه بعضهم مطلقا.
وليس على أهل البقعة في العادة السلطانية، ولا في حكم الشرع شيء (1) .
نقل الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل هذا، فذكر الإمام أحمد أربعة أمور، اللطخ وهو التكلم في عرضه كالشهادة المردودة، والسبب البين: كالتفرق عن قتيل والعداوة: كون المطلوب من المعروفين بالقتل، وهذا هو الصواب، واختاره ابن الجوزي، فإذا كان ثم لوث يغلب على الظن أنه قتل من اتهم بقتله جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دمه (2) .
وعنه: أنه ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى به، كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان، وعدل واحد وفسقة ونحو ذلك، واختار هذه الرواية أبو محمد الجوزي وابن رزين والشيخ تقي الدين وغيرهم (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (467) فيه زيادة ف (2/ 356) .
(2) اختيارات (295) وفروع (6/ 46) ، ف (2/ 356) .
(3) إنصاف (10/ 140) هذا جامع، ف (2/ 356) وفروع (6/ 46) .
(5/102)

وقال في "الترغيب" في القسامة: من قضي عليه بنكوله بالدية ففي ماله كإقرار، وبه قال أبو بكر في الجامع، اختار الشيخ تقي الدين: أن المدعي يحلف ابتداء مع اللوث (1) .
__________
(1) إنصاف (11/ 260) ، ف (2/ 356) .
(5/103)

كتاب الحدود

وقال شيخنا في تتمة كلامه السابق في آخر الصلح، فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق والإحسان إليهم، وهذا هو الرحمة التي بعث الله بها محمدا - صلى الله عليه وسلم - في قوله عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} لكن للاحتياط إلى دفع الظلم شرعت العقوبات، وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان، كما يقصد الولد بعقوبة الولد والطيب بدواء المريض، فلم يأمر الشرع إلا بما هو نفع للعباد، وعلى المؤمن أن يقصد ذلك (1) .
تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه، واختار شيخنا، إلا لقرينة كتطلب الإمام له ليقتله (2) .
ولا يقيم الإمام الحد بعلمه، ووجه في الفروع تخريجا من كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله جواز إقامته بعلمه (3) .
ويقام الحد ولو كان من يقيمه شريكا لمن يقيمه عليه في المعصية أو عونا له، ولهذا ذكر العلماء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط بذلك، بل عليه أن يأمر وينهى ولا يجمع بين معصيتين (4) .
__________
(1) فروع (6/ 356) ، ف (2/358) .
(2) فروع (6/ 53) هذا عام ف (2/ 357) .
(3) إنصاف (10/ 154) ، ف (2/ 358) .
(4) اختيارات (306) ، ف (2/ 358) .
(5/104)

وإذا اجتمعت حدود لله عز وجل، فإن كان فيها قتل استوفي وحده، قال في المغني: لا يشرع غيره، وإلا تداخل الجنس، فظاهره لا يجوز إلا حد واحد، قال أحمد: يقام عليه الحد مرة لا الأجناس.
وذكر ابن عقيل رواية: لا تداخل في السرقة، وفي "البلغة" فقطع واحد على الأصح، وفي المستوعب رواية: إن طالبوا متفرقين قطع لكل واحد، قال أبو بكر، هذه رواية صالح، والعمل على خلافها، ثم قال شيخنا: قول الفقهاء تتداخل دليل على أن الثابت أحكام وإلا فالشيء الواحد لا يعقل فيه تداخل فالصواب أنها أحكام، وعلى ذلك نص الأئمة كما قال أحمد بعض ما ذكره: هذا مثل لحم خنزير ميت، فأثبت فيه تحريمين (1) .
لا تعتبر الموالاة في الحدود، قال الشيخ تقي الدين: وفيه نظر (2) .
الأشهر الحرم لا تعصم من شيء من الحدود والجنايات على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب وتردد الشيخ تقي الدين رحمه الله في ذلك (3) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: إن تعدى أهل مكة أو غيرهم على الركب دفع الركب كما يدفع الصائل، وللإنسان أن يدفع مع الركب بل قد يجب إن احتيج إليه (4) .
قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا *} [15/4] قد يستدل على أن المذنب إذا
__________
(1) فروع (6/ 61) ، ف (2/ 358) .
(2) إنصاف (10/ 154) ، ف (2/ 359) .
(3) إنصاف (10/ 168) ، ف (2/ 359) .
(4) إنصاف (10/ 169) ، ف (2/ 359) وتقدم هذا النقل.
(5/105)

لم يعرف فيه حكم للشرع فإنه يمسك ويحبس حتى يعرف فيه الحكم الشرعي فينفذ فيه (1) .

باب حد الزنا واللواط

وذكر في الإرشاد أن المراهق يحصن غيره، وذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله رواية (2) .
ونقل ابن منصور: لا نفي إلا للزاني والمخنث، قال القاضي: نفيه دون سنة، واحتج به الشيخ تقي الدين، وبنفي عمر لنصر بن حجاج (3) .
ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، وهل يلحقه نسبه؟ على روايتين، قال الشيخ تقي الدين: إن ظن جوازه لحقه، وإلا فروايتان فيه وفي حده (4) .
أو وطئ في نكاح مجمع على بطلانه بلا نزاع إن كان عالما، وأما إذا كان جاهلا تحريم ذلك فقال جماعة من الأصحاب، إن كان يجهله مثله فلا حد عليه، وقال الشيخ تقي الدين (5) .
لو أكرهت المرأة أو الغلام على الزنا بإلجاء أو تهديد أو منع طعام مع الاضطرار إليه ونحوه فلا حد عليهما، وعنه تحد المرأة، وعنه فيها لا حد بتهديد ونحوه ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله، وقال بناء على أنه لا يباح الفعل بالإكراه بل القول (6) .
__________
(1) اختيارات (295) ، ف (2/ 359) .
(2) الإنصاف (10/ 171) ، ف (2/ 360) .
(3) إنصاف (10/ 150) ، ف (2/ 361) .
(4) إنصاف (10/ 243) ، ف (2/ 361) .
(5) إنصاف (10/ 243) ، ف (2/ 362) .
(6) إنصاف (10/183) ، ف (2/362) .
(5/106)

وسحاق النساء: قياس المذهب المنصوص أنه يخرج على الخلاف في مباشرة الرجل الرجل بشهوة (1) .
والرقيق إذا زنا علانية وجب على السيد إقامة الحد عليه، وإن عصى سرا فينبغي ألا يجب عليه إقامته، بل يخير بين ستره أو استتابته بحسب المصلحة في ذلك، كما يخبر الشهود على من وجب عليه الحد بين إقامتها عند الإمام وبين الستر عليه، واستتابته بحسب المصلحة في ذلك؛ فإنه يرجح أن يتوب إن ستروه، وإن كان في ترك إقامة الحد ضرر على الناس كان الراجح فعله (2) .
ولهذا لم يقل أصحابنا: إلا أن له إقامة الحد بعلمه، ولم يقولوا: إن ذلك عليه، وذلك لأنه لو وجب على من علم من رقيقه حدا أن يقيمه عليه مع إمكان استتابته لأفضى ذلك إلى وجوب هتك كل رقيق، وأنه لا يستر على أحد منهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من ستر مسلما ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" (3) .
ويجب على السيد بيع الأمة إن زنت في المرة الرابعة (4) .
وإذا زنى الذمي بالمسلمة قتل، ولا يصرف عنه القتل بإسلامه، ولا يعتبر فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضته واشتهاره (5) .
__________
(1) اختيارات (211) ، ف (2/ 362) .
(2) اختيارات (306) ، ف (2/ 359، 360) .
(3) الفروع (6/ 54، 55) ، ف (2/ 359، 360) .
(4) اختيارات (306) ، ف (2/ 359، 360)
(5) اختيارات (295) ، ف (2/ 360) .
(5/107)

قال ابن القيم رحمه الله: ويشبه هذا الاستدلال (1) استدلال بعض الزنادقة المنتسبين إلى الفقه على حل الفاحشة بمملوك الرجل بقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *} [6/23] ، ومعتقد ذلك كافر حلال الدم بعد قيام الحجة عليه، وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها وشهواتها وأوهمت أنها تنظر عبرة واستدلالا، حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن نظرهم عبادة لأنهم ينظرون إلى مظاهر الجمال الإلهي ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى عن قول إخوان النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة، ويجعلون هذا طريقا إلى الله، كما وقع فيه طوائف كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: وكفر هؤلاء شر من كفر قوم لوط، وشر من كفر عباد الأصنام فإن أولئك لم يقولوا: إن الله سبحانه يتجلى في تلك الصورة وعباد الأصنام غاية ما قالوه: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [3/29] وهؤلاء يقولون: نعبدهم لأن الله ظهر في صورهم.
وحكى لي شيخنا: أن رجلا من هؤلاء مر به شاب جميل فجعل يتبعه ببصره، فأنكر عليه جليس له، قال: لا يصلح هذا لمثلك، فقال: إني أرى فيه صفات معبودي وهو مظهر من مظاهر جماله، فقال: لقد فعلت به وصنعت؟ قال: وإن قال شيخنا فلعن الله أمة معبودها موطوؤها.
قال: وسئل أفضل متأخريهم العفيف التلمساني فقيل له: إذا كان
__________
(1) الاستدلال على إباحة النظر إلى المردان الحسان بآية {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ} ، واستدلالهم على إباحة السماع الشيطاني بقوله: {فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} .
(5/108)

الوجود واحدًا فما الفرق بين الأخت والبنت والأجنبية حتى تحل هذه؟ فقال: الجميع عندنا سواء، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم (1) .
قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [221/2] على ذلك: قال: وقد سألني بعض الناس عن هذه الآية وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن معناها في إباحة ذكران العبيد المؤمنين.
قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع يبيحه بعض العلماء ويحرمه بعضهم ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل؛ فإنه ليس في فرق الأمة من يبيح ذلك، بل ولا في دين من أديان الرسل، وإنما يبيحه زنادقة العالم الذين لا يؤمنون بالله ورسوله.
قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة، مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا يجامع إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء.
قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد فيه فظن أن ذلك خلاف في التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير وليس فيه حد مقدر.
قال شيخنا: وحكى لي من أثق به، أن بعض هؤلاء أخذ على هذه الفاحشة فحكم عليه بالحد، فقال: هو ارتضى بذلك وما أكرهته، ولا غصبته فكيف أعاقب؟ فقال: نصير المشركين، وكان حاضرا هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ذنب (2) .
__________
(1) روضة المحبين (122، 123) ، ف (2/ 362) .
(2) إغاثة اللهفان (2/ 145، 146) ، ف (2/ 362) .
(5/109)

باب حد القذف

وهل حد القذف حق لله، أو للآدمي؟ على روايتين:
إحداهما: هو حق للآدمي..
الثانية: هو حق لله. . وعلى الثانية: لا يسقط.
وعليهما: لا يحد، ولا يجوز أن يعرض له إلا بطلب، وذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله إجماعًا (1) .
الفائدة الثانية: يحد بقذف على وجه الغيرة بفتح الغين المعجمة على الصحيح من المذهب، قال في الفروع: ويتوجه احتمال لا يحد، وفاقا لمالك رحمه الله، وأنها عذر في غيبة ونحوها وتقدم كلام ابن عقيل والشيخ تقي الدين رحمه الله (2) .

باب حد المسكر
والصحيح في حد الخمر: إحدى الروايتين الموافقة لمذهب الشافعي وغيره: أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، ولامحرمة على الإطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه بالجريد والنعال وأطراف الثياب بخلاف بقية الحدود، ويقتل شارب الخمر في الرابعة عند الحاجة إلى قتله إذا لم ينته الناس بدونه (3) .
وإذا شككت في المطعوم والمشروب هل يسكر أو لا؟ لم يحرم عليك بمجرد الشك، ولم يقم الحد على شاربه، ولا ينبغي إباحته للناس.
__________
(1) إنصاف (10/ 200، 201) ، ف (2/ 363) .
(2) إنصاف (10/ 202، 203) ، ف (2/ 364) .
(3) الاختيارات (299) والإنصاف (10/ 230) هنا زيادة إيضاح وجزم بالحكم ف
(2/ 368) .
(5/110)

إذا كان يجوز أن يكون مسكرا؛ لأن إباحة الحرام مثل تحريم الحلال، فيكشف عن هذا بشهادة من تقبل شهادته مثل: أن يكون طعمه ثم تاب منه، أو طعمه غير معتقد تحريمه، أو معتقد حله لتداو ونحوه، أو على مذهب الكوفيين في تناول يسير النبيذ، فإن شهد به جماعة ممن تناوله معتقدا تحريمه فينبغي إذا أخبر عدد كثير لا يمكن تواطؤهم على الكذب أن يحكم بذلك، فإن مثل هذا التواتر والاستفاضة كما استفاض بين الفساق والكفار الموت والنسب والنكاح والطلاق، فيكون أحد الأمرين:
إما الحكم بذلك، لأن التواتر لا يشترط فيه الإسلام، والعدالة، وإما الشهادة بذلك بناء على أن الاستفاضة يحصل بها ما يحصل بالتواتر، وإما أن يمتحن بعض العدول بتناوله لوجهين.
أحدهما: أنه لا يعلم تحريم ذلك قبل التأويل فيجوز الإقدام على تناوله، وكراهة الإقدام على الشبهة تعارضها مصلحة بيان الحال.
الوجه الثاني: أن المحرمات قد تباح عند الضرورة، والحاجة إلى البيان موضع ضرورة فيجوز تناولها لأجل ذلك (1) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله، رخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات لحق الله كأكل الميتة وشرب الخمر وهو ظاهر مذهب أحمد رحمه الله (2) .

باب التعزير
وإذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه وجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله بل وأبلغ من ذلك أنه ثبت في الصحيح "أن من الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ " قال: "يسب
__________
(1) اختيارات (299) ، ف (2/ 367) .
(2) إنصاف (10/ 231) ، ف (2/ 367) .
(5/111)

أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" وقال تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [23/17] فكيف يشتمهما؟ (1) .
ومن قال: الله أكبر عليك، فهو من نحو الدعاء عليه، فإن لم يكن بحق وإلا كان ظالما له، يستحق الانتصار منه لذلك، إما بمثل قوله، أو تعزيره (2) .
ومن قذف رجلا بأنه ينظر إلى حريم الناس وهو كذاب عزر على افترائه بما يزجره وأمثاله إذا طالبه المقذوف بذلك، وكذلك إذا شتمه بأنه فاسق أو أنه يشرب الخمر، وهو كاذب عليه يعزر (3) .
ومن اعتاد الكذب فصار إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، فهو منافق والمنافق شر من الكافر، فإذا قال رجل للذي يكذب النصراني خير منك، وقصد أن النصراني لا يكذب خير من هذا الكذاب مع أن دين الإسلام هو الحق فلا شيء عليه، فإن الكذب أساس النفاق، ومن لا يكذب خير ممن يكذب (4) .
ومن التعزير الذي جاءت به السنة ونص عليه أحمد والشافعي: نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر بن حجاج ونفاه لما افتتن به النساء فكذلك من افتتن به الرجال من المردان بل هو أولى (5) .
ولا يقدر التعزير بل بما يردع المعزر، وقد يكون بالعزل والنيل من عرضه مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس.
__________
(1) مختصر الفتاوى (493) ، ف (2/ 371) .
(2) مختصر الفتاوى (371) ، ف (2/ 371) .
(3) مختصر الفتاوى (493) ، ف (2/ 371) .
(4) مختصر الفتاوى (548) ، ف (2/ 371) .
(5) اختيارات (299) ، ف (2/ 371) .
(5/112)

والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرا لأجل ترك ما هو فاعل له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتال الباغي والعادي، وهذا تعزير غير مقدر، بل قد ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد هو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، ويمكن أن يخرج قتل الشارب في الرابعة على هذا.
ويقتل الجاسوس الذي تكرر منه التجسس على المسلمين لعدوهم، وقد ذكر الحنفية والمالكية شيئا من هذا، وإليه يرجع قول ابن عقيل، وهو أصل عظيم في إصلاح الناس.
وكذلك تارك الواجب، فلا يزال يعاقب حتى يفعله.
ومن فر إلى بلاد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله قتل.
والتعزير بالمال سائغ، إتلافا وأخذا وهو جار على مذهب أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها.
وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: لا يجوز أخذ ماله، يعني المعزر، فإشارة منه إلى ما يأخذه الولاة الظلمة.
ومن وطئ امرأة مشركة قدح ذلك في عدالته وأدب.
والتعزير يكون على فعل المحرمات وترك الواجبات.
فمن ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس والناكح وغيرهم من العالمين، وكذا الشاهد والمخبر والمفتي والحاكم ونحوهم، فإن كتمان الحق مشبه بالكذب.
وينبغي أن يكون سببا للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان.
(5/113)

فإن ترك الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات، حتى قلنا: من قدر على إنجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه.
فعلى هذا فلو كتم شهادة كتمانا أبطل بها حق مسلم ضمنه، مثل أن يكون عليه حق ببينة وقد أداه حقه، وله بينة بالأداء، فكتم الشهادة حتى ضمن ذلك الحق، وكما لو كانت وثائق لرجل فكتمها أو جحدها حتى فات الحق، ولو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فوجوب الضمان ظاهر.
وظاهر نقل حنبل وابن منصور: سماع الدعوى والإعداء التحليف في الشهادة.
ومن هذا الباب لو كان في القرية أو المحلة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي أو الغريم عن مكانه ليأخذ منه الحق فإنه يجب على الناس دلالته عليه بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق، فعلى هذا: إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق ضمنوه.
ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقرارًا مجهولاً، حتى يفسر؟ ومن كتم الإقرار.
وقد يكون التعزير على ترك المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته.
وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه.
ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري.
وقتل هؤلاء له مأخذان.
(5/114)

أحدهما: كون ذلك كفرا، كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد.
والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، أنهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، وهجره، ولهذا ترك أصحاب الكتب الستة وأحمد في مسنده الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يتركوا الرواية عن القدرية الذين ليسوا بدعاة.
وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد.
ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كذب عليه في حياته، وهو حديث جيد، لما فيه من تغيير سنته.
وقرر أبو العباس هذا مع نظائر له في «الصارم المسلول، على شاتم الرسول» كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك، وكما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل المفرق بين جماعة المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة.
ومن هذا الباب قتل الجاسوس المسلم الذي يخبر العدو بعورات المسلمين.
ومنه الذي يكذب بلسانه أو خطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة: علماؤها وأمراؤها، فيحصل بكذبه أنواع كثيرة من الفساد، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا.
(5/115)

وعلى هذا جاء قوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} [32/5] ، وقوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [33/5] .
وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله، لكن بقي فساد دون ذلك، فهو محل نظر.
قال أبو العباس: وأفتيت أميرا مقدما على عسكر كبير في الحربية، إذا نهبوا أموال المسلمين ولم ينزجروا إلا بالقتل أن يقتل من يكفون بقتله ولو أنهم عشرة إذ هو من باب دفع الصائل، قال: وأمرت أميرا خرج لتسكين الفتنة الثائرة بين قيس ويمن قد قتل منهم ألفان أن يقتل من يحصل بقتله كف الفتنة، ولو أنهم مائة.
قال: وأفتيت ولاة الأمور في شهر رمضان، سنة أربع وسبع مائة بقتل من أمسك في سوق المسلمين وهو سكران وقد شرب الخمر مع أهل الذمة وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفيتهم قبل هذا: بأنه يعاقب عقوبتين عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر في نهار رمضان، فقالوا: ما مقدار التعزير؟ فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب، وحال المذنب، وحال الناس، وتوقفت عن القتل، فكبر هذا على الأمراء والناس حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحل نظام الإسلام لجرأة الناس على انتهاك المحارم في نهار رمضان فأفتيت بقتله فقتل، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديا وأنه أظهر الإسلام.
والمطلوب له ثلاث أحوال:
أحدها: براءته في الظاهر، فهل يحضره الحاكم؟ على روايتين.
وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المدعي حيث ظهر كذبه في دعواه بما يؤذي به المدعى عليه عزر لكذبه ولأذاه وأن طريقة القاضي
(5/116)

رد هذه الدعوى على الروايتين، بخلاف ما إذا كانت ممكنة، ونص أحمد في رواية عبد الله فيما إذا علم بالعرف المطرد أنه لا حقيقة للدعوى لا يعذبه، وفيما لم يعرف واحد من الأمرين يعذبه، كما في رواية الأثرم، وهذا التفريق حسن.
والحال الثاني: احتمال الأمرين، وأنه يحضره بلا خلاف.
والحال الثالث: تهمته وهو قيام سبب يوهم أن الحق عنده، فإن الاتهام افتعال من الوهم، وحبسه هنا بمنزلة حبسه بعد إقامة البينة وقبل التعزير، أو بمنزلة حبسه بعد شهادة أحد الشاهدين، فأما امتحانه بالضرب كما يجوز ضربه لامتناعه من أداء الحق الواجب دينا أو عينا، ففي المسألة حديث النعمان بن بشير في سنن أبي داود لما قال: "إن شئتم ضربته فإن ظهر الحق عنده وإلا ضربتكم وقال: هذا قضاء الله ورسوله".
وهذا يشبه تحليف المدعي إذا كان معه لوث، فإن اقتران اللوث بالدعوى جعل جانبه مرجحا فلا يستبعد أن يكون اقترانه بالتهمة يبيح مثل ذلك.
والمقصود أنه إذا استحق التعزير وكان متهما بما يوجب حقا واحدا مثل أن يثبت عليه هتك الحرز ودخوله ولم يقر بأخذ المال وإخراجه ويثبت عليه المحاربة لخروجه بالسلاح وشهره له، ولم يثبت عليه القتل والأخذ، فهذا يعزر لما فعله من المعاصي، وهل يجوز أن يفعل ذلك، أيضا امتحانا لا غير، فيجمع بين المصلحتين؟ هذا قوي في حقوق الآدميين.
فأما حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل، ويقوى ذلك إذا أنكر الجميع ثم قامت البينة ببعض ما أنكر فإنه يصير لوثًا.
(5/117)

ونظير ذلك أن يعاقب الإمام من استحق العقوبة بقتل وتوهم العامة بأنه عاقبه على بعض الذنوب التي يريد الحذر عنها، وهذا شبيه بما كان يفعله - صلى الله عليه وسلم - من أنه "إذا أراد غزوة ورى بغيرها".
والذي لا ريب فيه: أن الحاكم إذا علم كتمانه الحق عاقبه حتى يقربه، كما يعاقب كاتم المال الواجب أداؤه، فأما إذا احتمل أن لا يكون كاتما فهذا كالمتهم سواء.
وخبر من قال له جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة.
وإذا طلب المتهم بحق فمن عرف مكانه دل عليه.
والقوادة التي تفسد النساء والرجال أقل ما يجب على الحاكم فيها الضرب البليغ وينبغي تشهيرها بذلك بحيث يستفيض هذا في النساء، والرجال وإذا أركبت دابة وضمت عليها ثيابها ونودي عليها هذا جزاء من يفعل كذا وكذا كان من أعظم ما يؤجر عليه، إذ هي بمنزلة عجوز السواء امرأة لوط وقد أهلكها الله تعالى مع قومها.
ومن قال لمن لامه الناس: تقرءون تواريخ آدم؟ وظهر منه قصد معرفتهم بخطيئته عزر ولو كان صادقا، وكذا من يمسك الحية ويدخل النار ونحوه.
وكذا من تنقص مسلمًا بأنه مسلماني مع حسن إسلامه.
ومن غضب فقال: ما نحن مسلمون، إن أراد ذم نفسه لنقص دينه فلاحرج فيه ولا عقوبة.
ومن قال لذمي: يا حاج، عزر لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله، وفيه تعظيم ذلك فهو بمنزلة من يشبه أعياد الكفار.
(5/118)

بأعياد المسلمين وكذا يعزر من يسمي من زار القبور والمشاهد حاجا، إلا أن يسميه حاجا بقيد، كحجاج الكفار والضالين، ومن سمي زيارة ذلك حجا أو جعل له مناسك فإنه ضال مضل، ليس لأحد أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص حج البيت العتيق.
وإذا اشترى اليهودي نصرانيا فجعله يهوديًّا عزر على جعله يهوديا ولا يكون مسلما.
ولا يجوز للجذمى مخالطة الناس عموما، ولا مخالطة أحد معين إلا بإذنه، وعلى ولاة الأمور منعهم من مخالطة الناس لهم، بل يكونون في مكان منفرد لهم، ونحو ذلك كما جاءت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، وكما ذكره العلماء، وإذا امتنع ولي الأمر من ذلك أو امتنع المجذوم أثم بذلك.
وإذا أصر على ترك الواجب مع علمه به فسق.
ومن دعي عليه ظلما له أن يدعو على ظالمه بمثل ما دعا به عليه نحو: أخزاك الله، أو لعنك، أو شتمه بغير فرية نحو: يا كلب، يا خنزير فله أن يقول له مثل ذلك لقوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ *} [41/42] فعلم أنه لا سبيل إلا على الظالم للناس الباغي.
وإذا كان له أن يستعين بالمخلوق من وكيل ووال وغيرهما فاستعانته بخالقه أولى بالجواز.
ومن وجب عليه الحد بقتل أو غيره سقط عنه بالتوبة، وظاهر كلام أصحابنا لا يجب عليه التعزير، كقولهم: هو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
(5/119)

وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المرتد إذا قبلت توبته ساغ تعزيره بعد التوبة (1) .
إذا كانت المعصية لا حد فيها ولا كفارة كما مثل المصنف (2) .
وفعلها فإنه يعزر، وقد يفعل معصية لا كفارة فيها ولا حد ولا تعزير أيضا كما لو شتم نفسه أو سبها قاله القاضي، ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوب التعزير، قال الزركشي، ولا يشرع التعزير فيما فيه حد إلا على ما قاله أبو العباس ابن تيمية في شارب الخمر، يعني في جواز قتله، وفيما إذا أتى حدا في الحرم فإن بعض الأصحاب قال: يغلظ، وهو نظير تغليظ الدية بالقتل في ذلك (3) .
وقال المصنف والشارح وصاحب الفروع: ويحتمل كلام الإمام أحمد والخرقي ألا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا من جنسها، ويجوز أن يزيد على حد من غير جنسها، فعلى هذا ما كان سببه الوطء يجوز أن يجلد مائة إلا سوطا لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود وإليه ميل الشيخ تقي الدين.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله يعزر بما يردعه كعزل متول، وقال: لا يتقدر لكن ما فيه مقدر لا يبلغه فلا يقطع بسرقة دون نصاب ولا يحد حد الشرب بمضمضة خمر ونحوه، وقال: هو رواية عن الإمام أحمد، واختيار طائفة من أصحابه، وقد يقال بقتله للحاجة،
وقال: يقتل مبتدع داعية، وذكره وجها لمالك رحمه الله ونقله إبراهيم
__________
(1) اختيارات (300-306) فيها زيادات كثيرة وجامعة لما تفرق أو أكثره، وانظر الفروع (6/ 118-120) ، ف (2/ 371) ,.
(2) كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد، وإتيان المرأة المرأة وسرقة ما لا يوجب القطع والجناية على الناس بما لا قصاص فيه والقذف بغير الزنا ونحوه.
(3) إنصاف (10/ 239) ، ف (2/ 371) .
(5/120)

ابن سعيد الأطرش عن الإمام أحمد رحمه الله في الدعاة من الجهمية (1) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: في الخلوة بالأجنبية واتخاذ الطواف بالصخرة دينا، وفي قول الشيخ انذروا لي واستعينوا بي إن أصر ولم يتب قتل، وكذلك من تكرار منه شربه للخمر ما لم ينته بدونه للأخبار فيه (2) .

باب القطع في السرقة

ونصابها ثلاثة دراهم خالصة ومغشوشة. قاله شيخنا (3) .
واللص الذي غرضه سرقة أموال الناس، ولا غرض له في شخص معين فإن قطع يده واجب، وله عفا عنه رب المال (4) .
ولا يشترط في القطع في السرقة مطالبة المسروق منه بماله، وهي رواية عن أحمد اختارها أبو بكر ومذهب مالك، كإقرار بالزنا بأمة غيره (5) .
ومن سرق ثمرًا أو كثرًا أو ماشية من غير حرز أضعفت عليه القيمة وهو مذهب أحمد، وكذا غيرها وهو رواية عنه (6) .
وأما غير الشجر والنخل والماشية إذا سرقه من غير حرز فلا يضمن عوضها إلا مرة واحدة.
__________
(1) إنصاف (10/ 249) فيه زيادة ف (2/ 371) .
(2) إنصاف (10/ 248) ، ف (2/ 372) .
(3) فروع (6/ 126) ، ف (2/ 372) وانظر (19/ 249) قوله من الكبار أو الصغار أو المختلطة.
(4) اختيارات (296) ، ف (2/ 373) .
(5) اختيارات (296) ، ف (2/ 373) .
(6) فروع (6/ 123) واختيارات (296) ، ف (2/ 373) .
(5/121)

وعنه: أن ذلك كالثمر والماشية، اختاره أبو بكر، والشيخ تقي الدين (1) .
وقال في الفروع: وقياس قول شيخنا، يعني به الشيخ تقي الدين: أن السارق كالشارب في الرابعة يقتل عنده إذا لم يتب بدونه (2) .
واختار تعزير مدع سرقة ونحوها على من تعلم براءته.
واختار أن خبر من له رائي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة كما تقدم (3) .

باب حد قطاع الطريق

وأجمع المسلمون على مقاتلة قطاع الطريق (4) .
والمحاربون في المصر والصحراء حكمهم واحد، وهو قول مالك في المشهور عنه والشافعي وأكثر أصحابنا.
قال القاضي: المذهب على ما قال أبو بكر في عدم التفرقة ولا نص في الخلاف، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء والخلاء، فالمباشرة في الخراب، وهو مذهب أحمد، وكذا في السرقة والمرأة التي تحضر النساء للقتل تقتل (5) .
ويلزم الدفع عن مال الغير، وسواء كان المدفوع من أهل مكة أو غيرهم (6) .
__________
(1) إنصاف (10/ 277) ، ف (2/ 374) .
(2) إنصاف (10/ 386) ، ف (2/ 374) .
(3) فروع (6/ 480) ، ف (2/ 374، 422) .
(4) مختصر الفتاوى (470) ، ف (2/ 376) .
(5) اختيارات (296) فيه زيادة ف (2/ 376) .
(6) وانظر الإنصاف (10/ 306) .
(5/122)

وقال أبو العباس في جند قاتلوا عربا نهبوا أموال التجار ليردوها إليهم فهم يجاهدون في سبيل الله، ولا ضمان عليهم بقود ولا دية ولا كفارة (1) .

باب الخلافة والملك
نصب السلطان

قد أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر فهو تنبيه على أنواع الاجتماع (2) .
ومن أمر للرئاسة والمال لم يثب، ويأثم على فساد نيته كالمصلي رياء وسمعة (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: العدل تحصيل منفعته، ودفع مضرته، وعند الاجتماع يقدم أرجحهما لتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
وقال في موضع آخر بعد أن ذكر ما رواه أحمد عن ميمون بن مهران، قال: ثلاثة لا تبلون نفسك بهم: لا تدخلن على ذي سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تخلون بامرأة وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه.
قال الشيخ تقي الدين: فالاجتماع بالسلطان من جنس الإمارة والولاية، وفعل ذلك لأمره ونهيه بمنزلة الولاية بنية العدل وإقامة الحق.
__________
(1) اختيارات ص (297) ، ف (2/ 376) وانظر ما إذا تعدى أهل مكة أو غيرهم على الركب الحجاج دفع الركب كما يدفع الصائل، أول كتاب الحج من هذا.
(2) فروع (6/ 417) اختيارات (331) ، ف (2/ 376) .
(3) فروع (6/ 417) واختيارات (297) ولفظها، ومن آمن إلخ، ف (2/ 376) .
(5/123)

واستماع كلام المبتدع للرد عليه من جنس الجهاد، وأما الخلوة بالمرأة الأجنبية فمحرم فهذا كله من جنس واحد، وهو دخول الإنسان بنفسه من غير حاجة فيما يوجب عليه أمورا أو يحرم عليه أمورا، لا سيما إن كانت تلك الأمور مما جرت العادة بترك واجبها وفعل محظورها، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدجال: "فلا يزال ما يراه من الشبهات حتى يفتنه ذلك".
من هذا الباب ما يذكر عن طوائف من السلف من امتناعهم ومنعهم من استماع كلام المبتدعة خشية الفتنة عليهم، وعلى غيرهم وأما من نهى عن ذلك للهجر أو للعقوبة على فعله فذلك نوع آخر إلى أن قال: فهذه الأمور العدل فيه ألا يطلب العبد أن يبتلى بها، وإذا ابتلي بها فليتق الله وليصبر، والاستعداد لها أن تصيبه من غير طلب الابتلاء بها، فهذه المحن والفتن إذا لم يطلبها المرء ولم يتعرض لها بل ابتلي بها ابتداء أعانه الله تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده؛ لأنه لم يكن منه في طلبها فعل ولا قصد حتى يكون ذلك ذبنا يعاقب عليه، ولا كان منه كبر واختيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه، فإن العبد يؤتى من ترك ما أمر به.
وسواء كان مراده بها محرما، أو مباحا، أو مستحبا.
وإرادته بها المحرم زيادة ذنب.
وإن أراد بها المستحب فقد فعل ما لم يؤمر به، وهذا مما يذم عليه، كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، "ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأنصار يستنون بسنته ويهتدون بهديه، ثم إنه يخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون".
والتعرض للفتنة هو من باب الذنوب فالمؤمن الصادق لا يفعل.
(5/124)

إلا ما أمر به فإن ذلك هو عبادة، ولا يستعين إلا بالله، فإذا أوجب هو بنفسه أو حرم هو بنفسه خرج عن الأول، فإن وثق بنفسه خرج عن الثاني، فإذا أذنب بعد ذلك فقد يتوب بعد الذنب فيعينه حينئذ وقد يكون له حسنات راجحة يستحق بها الإعانة، وقد يتداركه الله برحمته فيسلم أو يخفف عليه، والتوبة بفعل المأمور وترك المحظور في كل حال بحسبه، ليست ترك ما دخل فيه، فإن ذلك قد لا يمكنه إلا بذنوب هي أعظم من ذنوبه مع مقامه، فتدبر هذا.
والمبتلى من غير تعرض قد يفرط بترك المأمور وفعل المحظور حتى يخذل ولا يعان فيؤتى من ذنوبه، لا من نفس ما ابتلي به، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [155/3] ، وهذا كثير أكثر من الذي قبله، فأما المؤمنون الذين لم يكن منهم تفريط ولا عدوان فإذا ابتلوا أعينوا.
قال: وقد تبين أن التعرض للفتن بالإيجاب والتحريم بالعهود والنذور وطلب الولاية وتمني لقاء العدو ونحو ذلك هو من الذنوب انتهى كلامه (1) .
لا يعلم العدل والظلم إلا بالعلم، فصار الدين كله، العلم والعدل، وضد ذلك الظلم والجهل، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ
إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [72/33] وذلك يقع من الرعاة تارة، ومن الرعية تارة، ومن غيرهم تارة، فإن من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، وكما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث المشهورة عنه، كما قال: "إنكم
__________
(1) الآداب (3/ 479، 480) ، ف (2/ 376) .
(5/125)

ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" وقال: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه" إلى أمثال ذلك، وقال: "أدوا لهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم" و"نهى عن قتالهم ما صلوا" وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك لسيئات كثيرة.
وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ فلا يجوز أن يزال بما فيه ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس يزيل الشر بما هـ شر منه، ويزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصير عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور المنهي في مواضع كثيرة كقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [17/31] ، وقوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [35/46] وقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [48/52] ، وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم، فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى، وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد يندرج في ذلك ولاة الأمور فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك، فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك أو كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه.
(5/126)

وكذلك يجب على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدة راجحة.
فعلى كل من الراعي والرعية حقوقا للآخر، حقوقا عليه أداؤها كما ذكرت بعضه في كتاب الجهاد والقضاء، وعليه أن يصبر على الآخر ويحلم عنه في أمور، فلا بد من السماح والصبر في كل منهما، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [17/90] وفي الحديث "أفضل الإيمان السماحة والصبر" وفي أسماء الله "الغفور، الرحيم" فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يوصل إليهم المنافع، فيجمع بين جلب المنفعة ودفع المضرة، فأما الإمساك عن ظلمهم والعدل عليهم فوجوب ذاك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه (1) .

باب قتل أهل البغي

وهم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ (2) .
قال شيخنا: عامة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلة الصبر؛ إذ الفتنة لها سببان: إما ضعف العلم، وإما ضعف الصبر، فإن الجهل والظلم أصل الشر، وفاعل الشر إنما يفعله لجهله بأنه شر، وتكون نفسه تريده فبالعلم يزول الجهل، وبالصبر يحبس الهوى والشهوة فتزول تلك الفتنة (3) .
__________
(1) من مجموع (96) ص (114) وهي آخر فصل جامع قد كتبت فيما تقدم في مواضع مثل بعض القواعد وآخر مسودة الفقه إن جماع الحسنات العدل وجماع السئات الظلم إلخ، وقد طبعنا أولها إلى قوله وأصل ذلك العلم في المجلد الأول من المجموع ص (87) وتركنا آخرها لوجود أسطر غير مقروءة إذ ذاك، وقد يسير الله قراءتها وتتميما للفائدة نقلت بقية هذه القاعدة هنا لمناسبة آخرها لهذا الباب ف (2/ 381) .
(2) فروع (6/ 152) ، ف (2/ 384) .
(3) فروع (6/ 160) ، ف (2/ 385) .
(5/127)

والأفضل ترك قتال أهل البغي حتى يبدؤه (وم) .
وله قتل أهل الخوارج ابتداء أو متممة تخريجهم.
ومن استحل أذى من أمره ونهاه بتأويل فكالمبتدع ونحوه يسقط بتوبته حق الله تعالى وحق العبد، واحتج أبو العباس لذلك بما أتلفه البغاة، لأنه من الجهاد الذي يجب الأجر فيه على الله تعالى (1) .
وذكر الشيخ تقي الدين: أن ابن عقيل وغيره فسقوا البغاة (2) .
... وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس" قال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك فاجعلني في حل، قال: لا أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك، وقال شيخنا إن في الآية المذكورة {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [39/24] فائدة عظيمة وهو أن حمدهم على أنهم ينتصرون عند البغي عليهم، كما أنهم هم يعفون عند الغضب، ليسوا مثل الذي ليس له قوة الانتصار وفعله لعجزهم أو كسلهم أو وهنهم أو ذلهم أو حزنهم فإن أكثر من يترك الانتصار بالحق إنما يتركه لهذه الأمور وأشباهها، وليسوا مثل الذي إذا غضب لا يغفر ولا يعفو بل يتعدى أو ينتقم حتى يكف من خارج كما عليه أكثر الناس إذا غضبوا أو قدروا لا يقفون عند العدل، فضلا عن الإحسان.
فحمدهم على أنهم هم ينتصرون وهم يعفون ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، إلى أن ذكر الروايتين في دفع الإنسان عن نفسه، ثم قال: ويشبه ألا يجب مفسدة تقاوم مفسدة الترك أو تفضي إلى فساد أكثر، وعلى هذا تخرج قصة ابن آدم وعثمان رضي الله عنه؛ بخلاف من لم يكن في دفعه إلا إتلاف مال الغير الظالم أو حبسه أو
__________
(1) فروع (6/ 156) واختيارات (297) ، ف (2/ 385) .
(2) إنصاف (10/ 319) ، ف (2/ 385) .
(5/128)

ضربه، فهنا الوجوب أوجه وهذا معنى قوله: {هُمْ يَنْتَصِرُونَ} فالانتصار قد يكون مستحبا تارة، وقد يكون واجبا أخرى، كالمغفرة سواء (1) .
وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفته على الأخرى.
ولكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما نهبته كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمن جهل قدر المحرم من ماله أخرج نصفه والباقي له.
وقال أيضا: أوجب الأصحاب على مجموع الطائفة وإن لم يعلم عين المتلف.
وقال أيضا: وإن تقاتلا تقاصا، لأن المباشر والمعين سواء عند الجمهور (2) .

باب حكم المرتد
والمرتد: من أشرك بالله تعالى، أو كان مبغضا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولما جاء به اتفاقا، أو ترك إنكار منكر بقلبه، أو توهم أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار، أو أجاز ذلك، أو أنكر مجموعا عليه إجماعا قطعيا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد، ولهذا لم يكفر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل الشاك في قدرة الله على إعادته، لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة (3) .
__________
(1) فروع (6/ 149، 150) ، ف (2/ 386) وف (1/ 327) .
(2) إنصاف (10/ 325) مختصر وفيه زيادة ف (2/ 386) .
(3) اختيارات (307) وفروع (6/ 165) وإنصاف (10/ 326) فيه زيادة ف (2/ 387) .
(5/129)

وساب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقتل ولو أسلم (1) .
قال الشيخ تقي الدين، التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر.
قال: ويحرم إجماعا وأقر أولهم وآخرهم يعني المنجمين أن الله يدفع عن أهل العبادة، والدعاء ببركة ذلك (2) ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك على أن تجلبه (3) .
وليس كل من خالف ما علم بطريق العقل كان كافرًا، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقل لم يحكم بكفره حتى يكون كفرا في الشريعة، بخلاف من خالف ما علم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء به فإنه كافر بلا نزاع، وذلك أنه ليس في الكتاب والسنة، ولا في قول أحد من الأئمة، الإخبار عن الله بأنه متحيز، أو ليس بمتحيز، ولا في الكتاب والسنة أن من قال هذا أو هذا يكفر، وهذا اللفظ مبتدع، والكفر لا يتعلق بمجرد أسماء مبتدعة لا أصل لها، بل يستفسر هذا القائل، فإن قال: أعني أنه منحاز عن المخلوقات مباين لها، فهذا حق، وكذلك قوله: ليس بمتحيز، إن أراد أن المخلوق لا يحوز الخالق فقد أصاب، وإن قال: الخالق لا يباين المخلوق، فقد أخطأ (4) .
وقال الشيخ تقي الدين: نصوصه صريحة في عدم تكفير الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقًا حتى المرجئة والشيعة
__________
(1) اختيارات (320) ، ف (2/ 388) .
(2) نسخ ببركته.
(3) فروع (6/ 178) واختيارات (308) وإنصاف (10/ 351) ، ف (2/ 396) .
(4) مختصر الفتاوى (320) ، ف (2/ 388) .
(5/130)

المفضلة لعلي، قال: ومذاهب الأئمة الإمام أحمد وغيره رحمهم الله مبنية على التفصيل بين النوع والعين (1) .
قال شيخنا: قد بين الله تعالى: أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع (2) .
ولا يضمن المرتد ما أتلفه بدار الحرب، أو في جماعة مرتدة ممتنعة وهو رواية عن أحمد اختارها الخلال وصاحبه (3) .
لو مات أبو الطفل أو الحمل أو المميز، أو مات أحدهما في دارنا فهو مسلم، وعنه لا يحكم بإسلامه، قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة، وهو قول الجمهور وربما أدعي فيه إجماع معلوم متيقن واختاره شيخنا (4) .
__________
(1) إنصاف (10/ 345) ، ف (2/ 390، 183) .
(2) فروع (6/ 170) إنصاف (10/ 327) ، ف (2/ 392) .
(3) اختيارات (317) ، ف (2/ 394) .
(4) إنصاف (10/ 345) ، ف (2/ 390، 183) .
(5/131)

كتاب الأطعمة

والأصل فيها الحل لمسلم يعمل صالحًا، لأن الله تعالى إنما يبيح الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا على معصيته، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [93/5] الآية ولهذا لا يجوز أن يعان بالمباح على معصية، كمن يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش، ومن أكل من الطيبات، ولم يشكر فهو مذموم، قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ *} [8/102] أي عن الشكر عليه (1) .
وأما الضبع فإنها مباحة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، وحرام في مذهب أبي حنيفة، لأنها من ذوات الأنياب، والأولون استدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - "إنها صيد وأمر بأكلها" رواه أهل السنن وصححه الترمذي. قالوا: ليس لها ناب، لأن أضراسها صفيحة لا ناب فيها (2) .
وفي كلب الماء نزاع، الأولى تركه (3) .
وسنور أهلي. قال أحمد: أليس مما يشبه السباع؟ قال شيخنا:
__________
(1) اختيارات (321) ، ف (2/ 398) فيه زيادة.
(2) مختصر الفتاوى (520) ، ف (2/ 399) .
(3) مختصر الفتاوى (520) ، ف (2/ 399) .
(5/132)

ليس في كلامه هذا إلا الكراهة، وجعله أحمد قياسا، وأنه قد يقال: يعمها اللفظ (1) .
وما يأكل الجيف يعني يحرم ونقل عبد الله وغيره: يكره وجعل فيه الشيخ تقي الدين روايتي الجلالة.
وقال: عامة أجوبة الإمام أحمد رحمه الله ليس فيها تحريم، قال: وإذا كان ما يأكلها من الدواب السباع، ففيه نزاع أو لم يحرموه والخبر في الصحيحين (2) فمن الطير أولى (3) .
وما يستخبث أي تستخبثه العرب، وقال الشيخ تقي الدين: وعند الإمام أحمد وقدماء أصحابه لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يحرمه الشرع حل (4) .
وكره أحمد الخفاش، لأنه مسخ، قال شيخنا: هل هي للتحريم؟ فيه وجهان (5) .
وأكل الشيطان لو تصور لكان أعظم المحرمات لما فيه من الخبث والبغي والعدوان، فمن قال: إن آدم سلقه وأكله فمن أقبح البهتان (6) .
ومن اضطر إلى محرم حل منه ما يسد رمقه، يعني: ويجب عليه أكل ذلك على الصحيح من المذهب نص عليه، وذكره الشيخ تقي الدين وفاقا (7) .
__________
(1) فروع (6/ 295) ، ف (2/ 399) وإنصاف (10/ 355) .
(2) يعني حديث كل ذي ناب من السباع.
(3) إنصاف (10/ 355) ، ف (2/ 399) .
(4) إنصاف (10/ 357) ، ف (2/ 399) .
(5) فروع (6/ 296) ، ف (2/ 399) .
(6) مختصر الفتاوى (177) ، ف (2/ 399) .
(7) إنصاف (10/ 370) ، ف (2/ 399) .
(5/133)

يجب تقديم السؤال على أكل المحرم على الصحيح من المذهب، وقال الشيخ تقي الدين: إنه يجب ولا يأثم، وأنه ظاهر المذهب (1) .
والمضطر إلى طعام الغير إن كان فقيرا فلا يلزمه عوض، إذ إطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، ويصيران فرض عين على المعين إذا لم يقم به غيره.
وإن لم يكن بيده إلا مال لغيره، كوقف ومال يتيم ووصية ونحو ذلك، فهل يجب أو يجوز صرفه في ذلك؟ أو يفرق بين ما يكون من جنس الجهة فيصرف وبين ما يكون من غير جنسها فلا يصرف؟ تردد نظر أبي العباس في ذلك كله.
وإن كان غنيا لزمه العوض، إذ الواجب معاوضته.
وإذا وجد المضطر طعاما لا يعرف مالكه وميتة فإنه يأكل الميتة إذا لم يعرف مالك الطعام وأمكن رده إليه بعينه، أما إذا تعذر رده إلى مالكه، بحيث يجب أن يصرف إلى الفقراء كالمغصوب والأمانات التي لا يعرف مالكها فإنه يقدم ذلك على الميتة.
وإذا كانت الحاجة إلى عين قد بيعت ولم يتمكن المشتري من قبضها، فينبغي أن يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما لو غصبها غاصب، لأنها في كلا الموضعين أخذت بغير اختياره على وجه يتمكن من أخذ عوضها، إلا أن الأخذ كان في أحد الموضعين بحق، وفي الآخر بباطل، وهذا إنما تأثيره في الأخذ لا في المأخوذ منه؛ لكن يحتاج إلى الفرق بين ذلك وبين استحقاق أخذ الشقص بالشفعة.
فيقال: الفرق بينهما أن المشتري هناك يعلم أن الشريك يستحق الانتزاع، فقد رضي بهذا الاستحقاق، بخلاف المشتري لقفيز من صبرة.
__________
(1) إنصاف (10/ 371) ، ف (2/ 399) .
(5/134)

لغير اضطرار ثم يحدث اضطراره إليها، ولو كانت الضرورة إلى منافع مؤجرة مثل ظهر دابة وسكن دار أو نحو ذلك مما يحتاج إليه المؤجر أو المستأجر، فإن قلنا بوجوب القيمة فهي كالأعيان، وإن قلنا تؤخذ مجانا فإنها تكون من ضمان المؤجر لا المستأجر، لأنه لما استحق أخذها بغير عوض كان ذلك بمنزلة تلفها بأمر سماوي، ولو تلفت بأمر سماوي كانت من ضمان المؤجر، وحيث أوجبنا الضمان فالواجب المعروف عادة كالزوجية والقريب الرقيق (1) .
والضيافة كفايته، وأدم، وفي الواضح، ولفرسه لا شعير، ويتوجه فيه وجه: كأدمه، وأوجب شيخنا المعروف عادة قال: كزوجة وقريب ورقيق (2) .
قال الشيخ عبد القادر والشيخ تقي الدين أيضا: يأكل الضيف على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة وليس ذلك
بتمليك اهـ (3) .
وما نقل عن الإمام أحمد: أنه امتنع من البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - كذب ذكره شيخنا (4) .
ويكره ذبح الفرس الذي ينتفع به في الجهاد بلا نزاع (5) .

باب الذكاة

وأما من أحد أبويه غير كتابي فظاهر كلام المصنف أنه قدم إباحة ذبحه، وهو إحدى الروايتين.
__________
(1) اختيارات (323) ، ف (2/ 400) .
(2) فروع (6/ 308) ، ف (2/ 400) .
(3) إنصاف (8/ 340) وتقدم في باب آداب الأكل ف (2/ 400)
(4) فروع (6/ 308) وإنصاف (10/ 383) وتقدم، ف (2/ 400) .
(5) اختيارات (323) ، ف (2/ 400) .
(5/135)

قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب وقدمه الناظم، كالمصنف، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم رحمهما الله تعالى (1) .
ويكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود الحرائر المسلمات، قاله القاضي وأكثر العلماء.
كما يكره أن يجعل أهل الكتاب ذباحين، مع كثرة ذباحين مسلمين، ولكن لا يحرم (2) .
ويحرم ما ذبحه الكتابي لعيده أو ليتقرب به إلى شيء يعظمه، وهو رواية عن أحمد (3) .
وإذا لم يقصد المذكي الأكل بل قصد مجرد حل يمينه لم تبح الذبيحة (4) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" ففي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال حتى حال إزهاق النفس: ناطقها وبهيمها فعلى الإنسان أن يحسن القتلة للآدميين، والذبحة للبهائم (5) .
فيما يشترط قطعه من الحيوان عند الذبح أقوال:
أحدها: أن الواجب قطع الحلقوم والمريء خاصة، كقول الشافعي، ورواية عن أحمد.
وعلى هذا لو قطع الودجين والمريء لكان أولى بالإباحة من قطع الودجين، بل قطع أحد الودجين والحلقوم أولى بالإباحة من قطع الحلقوم والمريء.
__________
(1) إنصاف (10/ 387) ، ف (2/ 400، 401) .
(2) فروع (5/ 207) واختيارات (217) ، ف (2/ 400،/ 401) .
(3) اختيارات (324) فروع (6/ 319) ، ف (2/ 401) .
(4) إنصاف (10/ 386) ، ف (2/ 402) .
(5) فروع (6/ 318) اختيارات (324) ، ف (2/ 402) .
(5/136)

والقول الثاني: أن الواجب قطع الأربعة، كالرواية الأخرى عن أحمد، ويروى عن مالك.
والثالث: أن الواجب قطع ثلاثة، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومالك فيما نقله أصحابه، وهو قول في مذهب أحمد؛ لكن مالك يعتبر قطع الحلقوم والودجين دون المريء.
وأبو حنيفة مع صاحبه مع قولين:
أحدهما: يعتبر قطع ثلاثة من الأربعة سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن، وهو القول المشهور في مذهب أحمد، فإذا قطع ودجيه وبلعومه جرح أو لم يقطع الحلقوم، يجيء فيه نزاع على ما تقدم، والأظهر حله (1) .
ويقطع الحلقوم والمريء والودجان والأقوى إن قطع ثلاثة من الأربع يبيح سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ في إنهار الدم (2) .

باب الصيد

والصيد للحاجة فإنه جائز.
وأما الصيد الذي هو للهو واللعب فمكروه، فإن كان فيه تعد على زرع الناس، وأموالهم فهو حرام (3) .
وقد روي عن عثمان رضي الله عنه: أنه نهى عن الرمي بالجلاهق، وهي البندق.
__________
(1) مختصر الفتاوى (519) ، ف (2/ 402) .
(2) إنصاف (10/ 386) واختيارات (323) وفروع (6/ 310، 313) وفيه توضيح أكثر واختصار عما في المختصر ف (2/402) .
(3) مختصر الفتاوى (520) واختيارات (323) ، ف (2/، 402) .
(5/137)

والمقتول بالبندق حرام باتفاق المسلمين، وأن أدرك حيا وذكى فحلال (1) .
وإذا جرح الصيد فغاب وليس فيه إلا سهمه فإنه يحل له على الصحيح من أقوالهم وبه أفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عدي بن حاتم: "إن نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة، ثم نجده ميتا وفيه سهمه؟ فقال: إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل" وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: "إذا رميت بسهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكل ما لم ينتن" فهذان الحديثان الصحيحان، الأول في البخاري والثاني في مسلم عليهما اعتمد العلماء، فإن كلاهما أفتى به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن أفتى بغير ذلك فلم يبلغه الحديث، وأما إذا أنتن فيكره أكله (2) .
والتحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه من جنس تعليم الصقر بالأكل ألحق به، وإن قالوا: إنه تعلم بترك الأكل كالكلب ألحق به.
وإذا أكل الكلب بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده، ولم يبح ما أكل منه (3) .
وما أكل منه الكلب لا يؤكل في أصح قولي العلماء، ولا يحرم على ما تقدم في أصح قولي العلماء أيضًا (4) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (520) ، ف (2/ 402) أما بندق الرصاص هذه فليس هي المقصودة بالجلاهق.
(2) مختصر الفتاوى (519، 520) ، ف (2/ 402) .
(3) اختيارات (323) ، ف (2/ 402) .
(4) مختصر الفتاوى (520) ، ف (2/ 402) .
(5/138)

كتاب الأيمان

قال شيخنا: الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة، كقوله: حلفت بالله رفعا ونصبا، والله باصوم، أو باصلي ونحوه، وكقول الكافر: أشهد أن محمدا رسول الله برفع الأول ونصب الثاني، وأوصيت لزيدٍ بمائة وأعتقت سالم، ونحو ذلك، وأن من رام جعل الناس كلهم في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم فقد رام ما لا يمكن عقلا ولا يصلح شرعا (1) .
الحالف لا بد له من شيئين: من كراهة الشرط وكراهة الجزاء عند الشرط، ومن لم يكن كذلك لم يكن حالفا، سواء كان قصده الحظ والمنع، أو لم يكن (2) .
قال أصحابنا: فإن حلف باسم من أسماء الله تعالى التي قد يسمى بها غيره وإطلاقه ينصرف إلى الله تعالى فهو يمين إن نوى به الله أو أطلق، وإن نوى غيره فليس بيمين.
قال أبو العباس: هذا من التأويل: لأنه نوى خلاف الظاهر، فإذا كان ظالما لم تنفعه وتنفع المظلوم.
وفي غيرهما وجهان: إذ الكلام المحلوف به كالمحلوف عليه.
__________
(1) فروع (6/ 338) والإنصاف (11/ 12) ، ف (2/ 403) .
(2) اختيارات (325) ، ف (2/ 403) .
(5/139)

وأظن أن كلام أحمد في المحلوف به أيضا (1) .
قال في المحرر: فإن قال: اسم الله مرفوعا، مع الواو أو عدمه أو منصوبا مع الواو، ويعني في القسم باسم، فهو يمين، إلا أن يكون من أهل العربية ولا يريد اليمين.
قال أبو العباس: يتوجه فيمن يعرف العربية إذا أطلق وجهان، كما جاء في الحاسب والنحوي في الطلاق، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة في اثنين.
ويتوجه أن هذا يمين بكل حال، لأن ربطه جملة القسم بالقسم يوجب في اللغة أن يكون يمينا، لأنه لحن لحنا لا يحيل المعنى: بخلاف مسألة الطلاق (2) .
ويحرم الحلف بغير الله تعالى، وهو ظاهر المذهب، وعن ابن مسعود وغيره، لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا، قال أبو العباس: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك (3) .
ولو حلف لا يغدر فغدر، كفر للقسم لا لغدره مع أن الكفارة لا ترفع إثمه (4) .
واختلف كلام أبي العباس في الحلف بالطلاق، فاختار في موضع التحريم وتعزيره وهو قول مالك ووجه لنا، واختار في موضع آخر، أنه لا يكره وأنه قول غير واحد من أصحابنا، لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله.
__________
(1) اختيارات (325) ، ف (2/ 404) .
(2) اختيارات (326) ، ف (2/ 404) .
(3) فروع (6/ 430) واختيارات (327) ، ف (2/ 404) .
(4) اختيارات (328) ، ف (2/ 404) .
(5/140)

أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له، واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك كما أنكروا على من حلف بالكعبة (1) .
ولو قال: علي لأفعلن، فيمين، لأن هذه لام القسم، فلا تذكر إلا معه مظهرا أو مقدرا (2) .
قال في المحرر: وإن عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافة فهو كمن حلف على عدم فعل شيء في المستقبل ففعله ناسيا، قال أبو العباس: وهذا ذهول، لأن أبا حنيفة ومالكا يحنثان الناسي ولا يحنثان هذا، لأن تلك اليمين انعقدت بلا شك، وهذه لم تنعقد، ولم يقل أحد: إن اليمين على شيء تغيره عن صفته بحيث توجب إيجابا أو تحرم حريما لا ترفعه الكفارة (3) .
ولو حلف ليتزوجن على امرأته، المنصوص عن أحمد: لا يبر حتى يتزوج ويدخل بها ولا يشترط مما ثلتها (4) .
واختار شيخنا فيمن حلف بعتق أو طلاق وحنث يخير بين أن يوقعه أو يكفر كحلفه بالله ليوقعنه، وذكر أن الطلاق يلزمني ونحوه، حلف باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء، وخرجه على نصوص لأحمد (5) .
قال في المحرر: وإن قال: أيمان البيعة لازمة لي، أو لم تلزم لي إن فعلت كذا، فهذه يمين رتبها الحجاج الثقفي تتضمن اليمين بالله تعالى وبالطلاق وبالعتاق وصدقة المال، فإن عرفها الحالف ونواها انعقدت يمينه بما فيها وإلا فلا.
__________
(1) فروع (6/ 340) وإنصاف (11/ 15) واختيارات (327) ، ف (2/ 405) .
(2) فروع (6/ 339) واختيارات (327) ، ف (2/ 404) .
(3) اختيارات (327) ، ف (2/ 404) .
(4) اختيارات (328) ، ف (2/ 405) .
(5) فروع (6/ 340، 341) ، ف (2/ 404) .
(5/141)

وقيل: تنعقد إذا نواها ولم يعرفها.
وقيل: لا تنعقد الأيمان بالله إلا بشرط النية.
قال أبو العباس: قياس أيمان المسلمين تلزمني: أنه إذا عرف أيمان البيعة انعقدت بلا نية، ويتوجه أيضا أنها تلزمه بكل حال وإن لم يعرفها وهو مقتضى قول الخرقي وابن بطة.
ثم قال صاحب المحرر: ولو قال: أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا لزمه يمين الظهار والطلاق والعتاق، والنذر واليمين بالله، نوى ذلك أو لم ينو ذكره القاضي.
وقيل: لا يتناول اليمين بالله تعالى، قال أبو العباس: قياس أيمان البيعة تلزمني ألا تنعقد أيمان المسلمين تلزمني إلا بالنية، وجمع المسلمين كما ذكر صاحب المحرر كأنه من طريقين (1) .
وأيمان المسلمين: يلزمه عتق وطلاق وظهار ويمين بالله بنية ذلك، ففي اليمين بالله وجهان، ويتوجه في جاهل ما تقدم، وألزم القاضي الحالف بالكل ولو لم ينو، ومن حلف بأحدها فقال آخر يميني في يمينك أو عليها أو مثلها ينوي التزام مثلها لزمه، نص عليه في طلاق، وفي المكفرة الوجهان، قال شيخنا: وكذا أنا معك ينوي في يمينه (2) .
ولو قال: أنا بريء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كلمته، فحنث، فعليه كفارة يمين (3) .
ولا يلزمه إبرار قسم في الأصح، كإجابة سؤال بالله، وقال شيخنا: إنما يجب على معين، فلا تجب إجابة سائل يقسم على الناس (4) .
__________
(1) اختيارات (326) فيه زيادات ف (2/ 406) .
(2) مختصر الفتاوى (377) ، ف (2/ 406) .
(3) فروع (6/ 341) ، ف (2/ 406) .
(4) فروع (6/ 342) ، ف (2/ 406) .
(5/142)

ولا يجوز التعريض لغير ظالم، وهو قول بعض العلماء، كما لظالم بلا حاجة، ولأنه تدليس كالتدليس في المبيع، وقد كره أحمد التدليس، وقال: لا يعجبني ونصه: لا يجوز التعريض مع اليمين (1) .
شمل قوله: (وإن لم يكن ظالما فله تأويله) أنه لو لم يكن ظالما ولا مظلوما ينفعه تأويله.
وقيل: لا ينفعه تأويله والحالة هذه حكاه الشيخ تقي الدين وقال: ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله المنع من اليمين به (2) .
ومن كرر أيمانا قبل التكفير فروايات ثالثها وهو الصحيح إن كانت على فعل فكفارة وإلا فكفارتان، ومثل ذلك الحلف بنذور مكفرة وطلاق مكفر (3) .
... وجه تكفير العبد بالمال مع القول بانتفاء ملكه له مأخذان
أحدهما: أن تكفيره بالمال إنما هو تبرع له من السيد وإباحة..
والثاني: أن العبد ثبت له ملك قاصر بحسب حاجته إليه، وإن لم يثبت له الملك المطلق التام، فيجوز أن يثبت له في المال المكفر به ملك يبيح له التكفير بالمال دون بيعه وهبته، كما أثبتنا له في الأمة ملكا قاصرا أبيح له به التسري بها دون بيعها وهبتها، وهذا اختيارا الشيخ تقي الدين (4) .

باب النذور

النذر مكروه، وقال الناظم: ليس بسنة ولا محرم، وتوقف الشيخ
__________
(1) اختيارات (328) ، ف (2/ 406) .
(2) إنصاف (9/ 120) ، ف (2/ 406) .
(3) اختيارات (328) ، ف (2/ 407) .
(4) إنصاف (11/ 47) ، ف (2/ 407) .
(5/143)

تقي الدين في تحريمه (1) .
توقف أبو العباس في تحريمه: وحرمه طائفة من أهل الحديث (2) .
والعهود والعقود متقاربة المعنى أو متفقة، فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام، فهو نذر وعهد ويمين. وإن قال: لا أكلم زيدا فيمين وعهد، لا نذر، فالأيمان إن تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء بها، فهي عقد وعهد ومعاهدة لله، لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه، وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس وهو أن يلتزم كل من المتعاقدين للآخر ما اتفقا عليه فمعاقدة ومعاهدة يلزم الوفاء بها إن كان العقد لازما، وإن لم يكن لازما خير، وهذه أيمان بنص القرآن ولم يعرض لها ما يحل عقدتها إجماعا (3) .
ومن نذر صوم الدهر أو صوم يوم الخميس والاثنين فله صوم يوم وإفطار يوم كالمكان (4) .
وأما صوم رجب وشعبان: ففيه نزاع في مذهب أحمد وغيره، قيل: هو مشروع فيجب الوفاء به، وقيل: بل يكره فيفطر بعض رجب (5) .
قال: ونذره لغير الله تعالى كنذره لشخص معين حي للاستعانة وقضاء الحاجة منه كحلفه بغيره، وقال غيره: هو نذر معصية وقاله شيخنا أيضا (6) .
__________
(1) إنصاف (11/ 117) ، ف (2/ 407) .
(2) اختيارات (328) ، ف (2/ 407) .
(3) اختيارات (327، 328) ، ف (2/ 408) .
(4) فروع (6/ 408) واختيارات (329) ، ف (2/ 409) .
(5) مختصر الفتاوى (552) ، ف (2/ 408) .
(6) فروع (6/ 404) ، ف (2/ 409) .
(5/144)

ومن أسرج بئرا أو مقبرة أو جبلا أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو العاكفين عند ذلك المكان لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعا، ويصرف في المصالح ما لم يعلم ربه، ومن الجائز صرفه في نظيره من المشروع، وفي لزوم الكفارة خلاف.
ومن نذر قنديلا يوقد للنبي - صلى الله عليه وسلم - صرفت قيمته لجيرانه الساكنين بمدينته عليه الصلاة والسلام وهو أفضل من الختمة (1) .
ولو قال: إن فعلت كذا فعلي ذبح ولدي أو معصية غير ذلك أو نحوه وقصد اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مسألة الذبح كبشا، ولو فعل المعصية لم تسقط عنه الكفارة ولو في اليمين (2) .
قوله: إلا إذا نذر ذبح ولده، ففيه روايتان، وعنه إن قال: إن فعلته فعلي كذا أو نحوه قصد اليمين فيمين وإلا فنذر معصية فيذبح في مسألة الذبح كبشا اختاره الشيخ تقي الدين، قال: وعليه أكثر نصوصه قال: وهو مبني على الفرق بين النذر واليمين، قال: ولو نذر طاعة حالفا بها أجزأ كفارة يمين بلا خلاف عن الإمام أحمد، فكيف لا يجزئه إذا نذر معصية حالفا بها (3) .
قال أصحابنا: إذا نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلة لم يلزمه شيء، قال أبو العباس: ولو قيل: يلزمه كفارة يمين كما لو نذر صوم الليل وأيام الحيض أو القضاء مع ذلك أو بدونه لتوجه (4) .
ولو نذر الصلاة في وقت النهي أو صوم أيام التشريق لم يجز، وإن كان يفعل فيها الوجه الشرعي، بل الواجب عليه فعل الصلاة في
__________
(1) فروع (6/ 401) واختيارات (329) وتقدم بعضه ف (2/ 409) .
(2) اختيارات (331) ، ف (2/ 409) .
(3) إنصاف (11/ 121) وفروع (6/ 403) ، ف (2/ 409) .
(4) اختيارات (330) ، ف (2/ 409) .
(5/145)

وقتها وفعل الصوم في أيام العشر، فإن لم يفعل قضاه على سبيل البدل للضرورة، وما وجب للضرورة لا يجوز أن يجب مثله بالنذر (1) .
ولو نذر الصلاة في وقت النهي ففي صحتها لكونه يفعل فيهما الوجهان، في مذهب الشافعي وأحمد، والصواب أنه لا يصح (2) .
وأما إن نذر للمسلمين ولم يعرف صاحبه فإنه يصرف في مصالح المسلمين (3) .
ومن نذر أن يهب فلانا شيئا لم يحصل الوفاء إلا بقبض الهبة، فإن قبلها فلا كلام، وإن لم يقبلها فلا شيء على الواهب، كما لو حلف ليهبن فلانا فلم يقبل، فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: إذا حلف لا يهب ولا يتصدق ففعل ولم يقبل الموهوب له لم يحنث، فهذا في النفي، وأما في الإثبات فإذا حلف لا يهب، فإما أن يجري مجرى الإثبات، أو يقال: يحمل على الإجمال، كما يفرق في لفظ النكاح وغيره بين النفي والإثبات، وقد قالوا في الطلاق، إذا وهب امرأته أهلها فلم يقبلوها لم يقع شيء، وفيه نظر، وكما لو نذر عتق عبد معين فمات؛ لأن مستحق النذر إذا كان ميتا لم يستحقه غيره (4) .
ومن نذر صوما معينا فله الانتقال إلى زمن أفضل منه (5) .
واستحب أحمد لمن نذر الحج مفردا أو قارنا أن يتمتع لأنه أفضل، لأمر النبي أصحابه بذلك في حجة الوداع (6) .
__________
(1) اختيارات (230) ، ف (2/ 409) .
(2) مختصر الفتاوى (288) ، ف (2/ 409) .
(3) مختصر الفتاوى (552) ، ف (2/ 409) .
(4) مختصر الفتاوى (552) ، ف (2/ 409) .
(5) اختيارات (329) ، ف (2/ 410) .
(6) اختيارات (330) ، ف (2/ 410) .
(5/146)

ومن نذر صوما مشروعا وعجز لكبر أو مرض لا يرجى برؤه كان له أن يفطر ويكفر كفارة يمين، أو يطعم عن كل يوم مسكينا، أو يجمع بين الأمرين على ثلاثة أقوال لأحمد وغيره، أحوطها الثالث.
وإن كان عجزه لمرض يجرى برؤه فإنه يفطر ويقضي بدل ما أفطر، وهل عليه كفارة يمين؟ فيه نزاع لأحمد وغيره، وإن كان يمكنه الصوم لكن يضعفه عن واجب مثل الكسب الواجب فله أن يفطر، ثم إذا أمكنه القضاء قضى وإلا فهو كالشيخ الكبير (1) .
ومن نذر صوم يوم معين أبدا ثم جهله، أفتى بعض العلماء بصيام الأسبوع.
قال أبو العباس: بل يصوم يوما من الأيام مطلقا أي يوم كان، وهل عليه كفارة يمين لفوات التعيين؟ يخرج على روايتين بخلاف الصلوات الخمس فإنها لا تجزئ إلا بتعيين النية على المشهور، والتعيين يسقط بالعذر إلى كفارة أو على غير كفارة، كالتعيين في رمضان، والواجبات غير الصلوات أيضا (2) .
قال في المحرر: ومن نذر صوم سنة بعينها لم يتناول شهر رمضان ولا أيام النهي عن صوم الفرض فيها، وعنه: يتناولها فيقضيها وفي الكفارة وجهان، وعنه: يتناول أيام النهي دون أيام رمضان، قال أبو العباس: الصواب أنه يتناول رمضان ولا قضاء عليه إذا صامها لأنه نذر صوما واجبا وغير واجب، بخلاف أيام النهي، وهذا القول غير الثلاثة المذكورة، وإنما تجيء الرواية الثالثة على قول من لا يصحح نذر الواجب استغناء بإيجاب الشارع، وأما قضاؤها مع صومها فبعيد، لأن النذر لم يقتض صوما آخر كمسألة قدوم زيد (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (288) ، ف (2/ 410) .
(2) اختيارات (310) ، ف (2/ 410) .
(3) اختيارات (310) ، ف (2/ 410) .
(5/147)

وقول القائل: لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوا لأجاهدن، ولو علمت أعمل أحب إلى الله لعملته، فهو نذر معلق بشرط كقول الله تعالى: {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [75/9] الآية (1) .
ولو نذر الطواف على أربع: طاف طوافين وهو المنصوص عن أحمد، ونقل عن ابن عباس (2) قال شيخنا: هذا بدل واجب (3) .
قال أصحابنا: ومن نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو موضع من الحرم لزمه أن يمشي في حج وعمرة، فإن ترك المشي وركب لعذر أو غيره يلزمه كفارة يمين، وعنه: دم قال أبو العباس: أما لغير عذر فالمتوجه لزوم الإعادة كما لو قطع التتابع في الصوم المشروط فيه التتابع أو يتخرج لزوم الكفارة، والأقوى في جميع ما تقدم أنه لا يلزمه مع البدل عن عين الفعل كفارة، لأن البدل قائم مقام المبدل (4) .
ومن نذر من يستحب له الصدقة بماله بقصد القربة نص عليه أجزأه ثلثه، وعنه كله.
قال في الروضة: ليس لنا في نذر الطاعة ما يفي ببعضه إلا هذا الموضع، وعلله غير واحد بأنه تكره الصدقة بكله، واحتجوا للثانية بالخبر: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" وعنه يشمل النقد فقط، ويتوجه على اختيار شيخنا كل بحسب عزمه، ونص عليه أحمد (5) .
فنقل الأثرم فيمن نذر ماله في المساكين أيكون الثلث من
__________
(1) اختيارات (329) ، ف (2/ 410) .
(2) اختيارات (331) ، ف (2/ 410) .
(3) الفروع (6/ 414) ، ف (2/ 410) .
(4) اختيارات (331) ، ف (2/ 410) .
(5) فروع (6/ 398) ، ف (2/ 410) .
(5/148)

الصامت أو من جميع ما يملك؟ قال: إنما يكون هذا على قدر ما نوى، أو على قدر مخرج يمينه، والأمور تختلف عندي (1) .
والصواب على أصلنا أن يقال مثل هذا في جميع العبادات والكفارات بل وسائر الواجبات التي هي من جنس الجائز: أنه يجوز تقديمها إذا وجد سبب الوجوب ولا يتقدم على سببه.
فعلى هذا إذا قال: إن شفى الله مريضي فله علي صوم شهر، فله تعجيل الصوم قبل الشفاء لوجود النذر (2) .
ويلزم الوفاء بالوعد، وهو وجه في مذهب أحمد، ويخرج رواية عنه من تعجيل العارية والصلح على عوض المتلف بمؤجل (3) .
وإن نذر أن يهب بر بالإيجاب ليمينه، وقد يحمل على الكمال (4) .
__________
(1) إنصاف (11/ 127، 128) ، ف (2/ 410) .
(2) اختيارات (329) ، ف (2/ 410) .
(3) فروع (6/ 415) ، ف (2/ 410) .
(4) اختيارات (331) ، ف (2/ 410) .
(5/149)

الإفتاء (1)

قال ابن القيم رحمه الله: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: "يا معلم إبراهيم علمني" ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما.
اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم (2) .
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخنا رحمه الله يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنيفة فقال: أستشيرك في أمرك، قلت: ما هو؟ قال:
__________
(1) وتقدم في المجلد الثاني من أصول الفقهاء كثير مما يتعلق بالإفتاء والمستفتين فلينظر هذا ويرجع إلى هذا فهو مستوفى هناك.
(2) إعلام الموقعين (4/257) ، ف (2/ 410) .
(5/150)

أريد أن انتقل عن مذهبي، قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرا تخالفه، واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: لو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، ورجوعك غير مفيد، وأشار علي بعض أصحاب التصوف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه، وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه فماذا تشير به أنت علي؟ قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام: قسم الحق فيه ظاهر بين موافق للكتاب والسنة فاقض به، وافت به طيب النفس، منشرح الصدر وقسم مرجوح ومخالفه مع الدليل، فلا تفت به، ولا تحكم به، وادفعه عنك، وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك، فقال: جزاك الله خيرا، أو كما قال (1) .
قال ابن القيم رحمه الله في دلالة العالم للمستفتي على غيره: وهو موضع خطر جدا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بغير علم فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى، فلينظر الإنسان إلى من يدل عليه وليتق الله ربه.
فكان شيخنا قدس الله روحه شديد التجنب لذلك، ودللت مرة بحضرته على مفت أو مذهب فانتهزني وقال: ما لك وله؟ دعه، ففهمت من كلامه أنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه (2) .
وسمعت شيخنا رحمه الله تعالى يقول: حضرت عقد مجلس عند نائب السلطان في وقف أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين فقرأ
__________
(1) إعلام الموقعين (4/ 236) ، ف (2/ 410) .
(2) إعلام الموقعين (4/ 207) ، ف (2/ 410) .
(5/151)

جوابه الموافق للحق، فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك بضد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه أفتى أولاً بشيء ثم تبين له الصواب فرجع إليه، كما يفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسر القاضي بذلك وسري عنه (1) .
وقال شيخنا مرة: أنا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إلي، بخلاف من سأل عن دينه، وقد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} [42/5] فهؤلاء لما لم يلتزموا لدينه لم يلزمه الحكم بينهم والله تعالى أعلم (2) .
وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر. فقلت له: ما هذه الحكومة؟ قال: هذا حكم الله فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم الله، أو نحو هذا من الكلام (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: من أفتى الناس وليس بأهل الفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا، وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي
__________
(1) زاد المعاد (4/ 232، 233) ، ف (2/ 410) .
(2) إعلام الموقعين (4/ 259) ، ف (2/ 410) .
(3) إعلام الموقعين (4/ 176) ، ف (2/ 410) .
(5/152)

بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى، وهو مقدم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى، فيكتب، يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه فإما أن تبين شرطه وإما ألا تكتب ذلك.
وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط؛ فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها، يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه، ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم ولا يفيد فائدة أصلا سوى حيرة السائل وتنكدة (2) (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان: قول بالجواز، وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع.
وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه: يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل (4) .
وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله شيخنا على الحاجة (5) .
__________
(1) إعلام الموقعين (4/ 217) ، ف (2/ 410) .
(2) وفي نسخة وتبلده.
(3) إعلام الموقعين (4/ 178) ، ف (2/ 410) .
(4) إعلام الموقعين (4/ 211) ، ف (2/ 410) .
(5) فروع (6/ 422) ، ف (2/ 411) .
(5/153)

ويقلد العامي من ظنه عالما، فإن جهل عدالته فوجهان، وميتا في الأصح، والعامي يخبر فقط، فيقول: مذهب فلان كذا، ذكره ابن عقيل وغيره، وكذا قال شيخنا: الناظر المجرد يكون حاكيا لما رآه، لا مفتيا (1) .
وله رد الفتيا إذا كان بالبلد قائم مقامه، وإلا لم يجز، وإن كان معروفا عند العامة بالفتيا وهو جاهل تعين الجواب على العالم، وقال شيخنا: الأظهر لا يجب في التي قبلها (2) .
فائدة: يحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعًا، وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعًا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له أو عليه إجماعًا، قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله (3) .
__________
(1) فروع (6/ 428) ، ف (2/ 411) .
(2) فروع (6/ 433) وإنصاف (11/ 190) ، ف (2/ 411) وعبارة الإنصاف: الأظهر لا يجوز في التي قبلها.
(3) إنصاف (11/ 179) ، ف (2/ 411) ويأتي هذا في القضاء أيضا.
(5/154)

كتاب القضاء

والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا وقربة، فإنها من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه (1) .
والولاية لها ركنان، القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى (2) .
وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا (3) .
وأما سؤال الولاية فقد ذمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما سؤال يوسف قوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [55/12] فلأنه كان طريقا إلى أن يدعوهم إلى الله، ويعدل بين الناس، ويرفع عنهم الظلم، ويفعل من الخير ما لم يكونوا يفعلوه، مع أنهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتأويل الرؤيا ما يئول إليه حال الناس، ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه.
وأيضا: فليست هذه إمارة محضة إنما هي أمانة، وقد يقال: هذا شرع من قبلنا.
__________
(1) اختيارات (332) ، ف (2/ 414) .
(2) اختيارات (332) ، ف (2/ 414) .
(3) فروع (6/ 423) واختيارات (332) ، ف (2/ 414) .
(5/155)

وقد تنازع العلماء في سؤال الإنسان القضاء ونحوه، فقال أكثرهم: يكره وإن كان صالحا له، وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما، وقال بعضهم، ينبغي أن يسأل إذا كان متعينا له، وربما قيل: إذا كانت ولايته أفضل له، وأما الإمام فينبغي ألا يولي من سأل الولاية إذا أمكن أن يولي المستحق بغير سؤال.
ونهيه لأبي ذر عن تولي الحكم وترك الولاية على مال اليتيم لما رآه ضعيفا لا أنه نهاه مطلقا (1) .
ومن باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية وأصر على ذلك عاملا بالجهل والظلم فهو فاسق، ولا يجوز أن يولى خطبة ولا تنفذ أحكامه ولا عقوده كما تنفذ أحكام العالم العادل؛ بل من العلماء من يردها كلها، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي وأحمد، ومن العلماء من ينفذ ما وافق الحق لمسيس الحاجة، ولما يلحق الناس من الضرر، والحق يجب اتباعه سواء قام به البر والفاجر، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك وطائفة من أصحاب أحمد وهو الراجح (2) .
ويشترط في القاضي أن يكون ورعا.
والحاكم فيه ثلاث صفات، فمن جهة الإثبات هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي هو مفتي، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان.
وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد، لأنه لا بد أن يحكم بعدل، ولا يجوز الاستفتاء إلا ممن يفتي بعلم وعدل.
وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان.
__________
(1) مختصر الفتاوى (564) ، ف (2/ 416) .
(2) مختصر الفتاوى (353) ، ف (2/ 416) .
(5/156)

ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدم أنفع الفاسقين وأقلهما شرا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، وإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيها قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم.
ومن أكثر من سبر أهل العلم من المتوسطين (1) إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام: ترجح عنده أحدهما: لكن قد لا يثق بنظره يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه فالواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده، والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام على أن أحدهما أعلم وأدين، وعلم الناس (2) بترجيح قول على قول أيسر من علم أحدهم بأن أحدهما أعلم وأدين، لأن الحق واحد ولا بد.
ويجب أن ينصب الله على الحق دليلا.
وأدلة الأحكام من الكتب والسنة والإجماع وما تكلم الصحابة والعلماء به إلى اليوم بقصد حسن؛ بخلاف الإمامية.
وقال أبو العباس: النبيه إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة عنده ما يعرف به رجحان القول.
وليس لحاكم وغيره أن يبتدأ الناس بقهرهم على ترك ما يسوغ وإلزامهم برأيه واعتقاده اتفاقا، ولو جاز هذا لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرق والاختلاف (3) .
__________
(1) وعبارة الفروع: وأكثر من تميز في العلم من المتوسطين.
(2) عبارة الفروع وعلم أكثر الناس.
(3) اختيارات (332، 333) فروع (6/ 425) ، ف (2/ 416) .
(5/157)

قال شيخنا: قال بعض العلماء: إذا لم يوجد إلا فاسق عالم أو جاهل دين قدم ما الحاجة إليه أكثر إذن (1) .
قال في المحرر وغيره: ويشترط في القاضي عشر صفات.
قال أبو العباس: إنما اشترطت هذه الصفات فيمن يولى، لا فيمن يحكمه الخصمان.
وذكر القاضي: أن الأعمى لا يجوز قضاؤه، وذكر محل وفاق، قال: وعلى أنه لا يمتنع أن يقول إذا تحاكما إليه ورضيا به جاز حكمه.
قال أبو العباس: هذا الوجه قياس المذهب، كما يجوز شهادة الأعمى؛ إذ لا يعوزه إلا معرفة عين الخصم، ويتوجه أن يصح مطلقا ويعرف بأعيان الشهود والخصوم، كما يعرف بمعاني كلامهم في الترجمة؛ إذ معرفة كلامه وعينه سواء، وكما يجوز أن يقضي على غائب باسمه ونسبه.
وأصحابنا قاسوا شهادة الأعمى على الشهادة على الغائب والميت، وأكثر ما في الموضعين عند الرؤية والحكم لا يفتقر إلى الرؤية، بل هذا في الحاكم أوسع منه في الشاهد، بدليل الترجمة، والتعريف بالحكم دون الشهادة، وما به يحكم أوسع مما به يشهد.
ولا تشترط الحرية في الحاكم، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل.
قال القاضي في التعليق: وعلى أن الحدود تدخل في ولاية القضاء فمن لا يصلح لبعض ما تضمنته الولاية لا يصلح لشيء منها، ولا تنعقد الولاية له.
قال أبو العباس: وكلام أحمد في تزويج الدهقان وتزويج الوالي صاحب الحسير يخالف هذا (2) .
__________
(1) فروع (6/ 424) ، ف (2/ 416) .
(2) اختيارات (335، 336) ، ف (2/ 416) .
(5/158)

وولاية القضاء يجوز تبعيضها ولا يجب أن يكون عالما بما في ولايته، فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه في المواريث لم يجب أن يعرف إلا الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك.
وإن ولاه عقد الأنكحة وفسخها لم يجب أن يعرف إلا ذلك.
وعلى هذا فقضاة الأطراف يجوز أن لا يقضوا في الأمور الكبار والدماء والقضايا المشكلة.
وعلى هذا فلو قال: اقض فيما تعلم، كما يقول له، أفت فيما تعلم جاز، ويبقى ما لا يعلم خارجا عن ولايته، كما يقول في الحاكم الذي ينزل على حكمه الكفار، وفي الحكمين في جزاء الصيد (1) .
وقال شيخنا: ما يستفيده بالولاية لا حد له شرعا، بل يتلقى من اللفظ والأحوال والعرف (2) .
قال في المحرر: ويجوز أن يولي قاضيين في بلد واحد، وقيل: إن ولاهما فيه عملا واحدا لم يجز.
قال أبو العباس: تولية قاضيين في بلد واحد: إما أن يكون على سبيل الاجتماع بحيث ليس لأحدهما الانفراد كالوصيين والوكيلين وإما على طريق الانفراد، أما الأول فليس هو مسألة الكتاب ولا مانع منه إذا كان فوقهما من يرد مواضع تنازعهما، وأما الثاني فهو مسألة الكتاب.
وتثبت ولاية القضاء بالأخبار، وقصة ولاية عمر بن عبد العزيز هكذا كانت (3) .
__________
(1) اختيارات (336) ، ف (2/ 416) .
(2) فروع (6/ 420) ، ف (2/ 416) .
(3) اختيارات (334، 335) ، ف (2/ 416) .
(5/159)

والوكالة يصح قبولها على الفور والتراخي بالقول والفعل، والولاية نوع منها.
قال القاضي في التعليق: إذا استأذن امرأة في تزويجها وهي في غير عمله فزوجها في عمله لم يصح العقد، لأن إذنها يتعلق بالحكم، وحكمه في غير محله لا ينفذ.
فإن قلت: إذا حصلت في عمله فقد أذنت له، فزوجها في عمله: صح؛ بناء على جواز تعليق الوكالة بالشرط.
ومن شرط جواز العقد عليها، أن تكون في عمله حين العقد عليها، فإن كانت في غير عمله لم يصح عقده؛ لأنه حكم على من ليس في عمله.
قال أبو العباس: لا فرق بين أن تقول: زوجني إذا صرت في عملك أو إذا صرت في عملك فزوجني، لأن تقييد الوكالة أحسن حالا من تعليقها، نعم لو قالت: زوجني الآن أو فهم ذلك من إذنها فهنا أذنت لغير قاض، وهذا هو مقصود القاضي (1) .
ولا يجوز التقليد في معرفة الحكم اتفاقا، وقبله لا يجوز على المشهور إلا أن يضيق الوقت ففيه وجهان، فإن عجز عن معرفة الحق بتعارض الأدلة ففيه وجهان، فهذه أربع مسائل.
والعجز قد يعني به العجز الحقيقي، وقد يعني به المشقة العظيمة، والصحيح الجواز في هذين الموضعين (2) .
وإذا استناب الحاكم في الحكم من غير مذهبه، إن كان لكونه أرجح فقد أحسن وإلا لم تجز الاستنابة (3) .
__________
(1) اختيارات (334) ، ف (2/ 416) .
(2) اختيارات (334) ، ف (2/ 417) .
(3) اختيارات (335) ، ف (2/ 417) .
(5/160)

والقضاة ثلاثة: من يصلح، ومن لا يصلح، والمجهول.
فلا يرد من أحكام من يصلح إلا ما علم أنه باطل، ولا ينفذ من أحكام من لا يصلح إلا ما علم أنه حق.
واختار صاحب المغني وغيره: إن كانت توليته ابتداء.
وأما المجهول فينظر فيمن ولاه، فإن كان لا يولي إلا الصالح جعل صالحا، وإن كان يولي هذا تارة وهذا تارة نفذ ما كان حقا، ورد الباطل، والباقي موقوف.
وبين من يصلح ومن لا يصلح إذا للضرورة ففيه مسألتان:
إحداهما: على القول بأن من لا يصلح تنقض جميع أحكامه هل ترد أحكام هذا كلها، أم يرد ما لم يكن صوابا؟ والثاني المختار، لأنها ولاية شرعية.
والثانية: هل تنفذ المجتهدات من أحكامه، أم يتعقبها العالم العادل؟ هذا فيه نظر (1) .
وحديث معاذ لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن الذي قال فيه: "فإذا لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: حكمت برأيي" طعن فيه جماعة، وروي في مسانيد ورواه أبو داود، واستدل به طوائف من الفقهاء، وأهل الأصول في كتبهم، وروي من طرق.
وبكل حال يجوز اجتهاد الرأي للقاضي والمفتي إذا لم يجد في الحادثة نصا من الكتاب أو السنة كقول جماهير السلف وأئمة الفقهاء كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم، واستدلوا على ذلك بدلائل مثل كتاب عمر لأبي موسى
__________
(1) اختيارات (337) وانظر الإنصاف (11/ 225) ، ف (2/ 417) .
(5/161)

الأشعري، وفيه اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك.
وقد تكون تلك الحكومة في الكتاب والسنة على وجه خفي لم يدركه، أو تكون مركبة من مقدمتين من الكتاب والسنة لكنه لم يتفطن لذلك فيجوز له أن يجتهد برأيه حينئذ لكونه لم يجد تلك الحكومة في الكتاب ولا في السنة وإن كانت فيهما ثم قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [43/4] فقد يكون الماء تحت الأرض وهو لا يعرف، وكذلك قوله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} [92/4] وقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [286/2] .
والقياس الذي يسوغ مثل: أن يرد القضية إلى نظيرها الثابت بالكتاب والسنة.
أو لم يفهم علة الحكم التي حكم الشارع لأجلها ويجدها في الصورة التي في النص، وهذا من قياس التعليل، والأول قياس التمثيل.
وليس له أن يحكم بما شاء ومن جوز ذلك فهو كافر باتفاق المسلمين، وليس هذا مختصا بمعاذ (1) .
ونص الإمام أحمد على أن للقاضي أن يستخلف من غير إذن الإمام فرقا بينه وبين الوكيل، وجعلا له كالوصي (2) .
قال في المحرر: وفي العزل حيث قلنا به قبل العلم، وجهان كالوكيل؛ لأن الحق في الولاية لله، وإن قلنا: هو وكيل والنسخ في حقوق الله لا يثبت قبل العلم، كما قلنا في المشهور، إن نسخ الحكم لا يثبت في حق من لم يبلغه، وفرقوا بينه وبين الوكيل بأن أكثر ما في الوكيل ثبوت الضمان، وذلك لا ينافي الجهل بخلاف الحكم فإن فيه
__________
(1) مختصر الفتاوى (554) ، ف (2/ 417) .
(2) اختيارات (337) ، ف (2/ 317) .
(5/162)

الإثم، وذلك ينافي الجهل، كذلك الأمر والنهي، وهذا هو المنصوص عن أحمد (1) .

باب آداب القاضي

وأجمع المسلمون على أن الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، سواء حكم بحق أو بباطل، ولا يحكم لنفسه، وليس للحاكم أن يكون له وكيل يعرف أنه وكيله يتجر له في بلاد عمله، وإذا عرف أن الحاكم بهذه المثابة فإنه ينهى عن ذلك، فإن انتهى وإلا استبدل به من هو أصلح منه إن أمكن، وإذا فصل الحكومة بينه وبين غريمه حاكم نافذ الحكم في الشرع لعلمه ودينه لم يكن لغريمه أن يحاكم عند حاكم آخر (2) .
ومن ادعى أن بعض الحكام أخذ منه شيئا وكان الرجل معروفا بالصدق فله على الحاكم اليمين، وإن كان غيره من الصادقين، وقد قال مثل قوله، لم ترد أخبار الصادقين بل ينبغي عزل الحاكم.
وإن كان الحاكم معروفا بالأمانة والرجل فاجرا لم يلتفت إلى قوله وعزر وإن كان كل منهما متهما فله تحليفه ولا يعزر (3) .
والأشبه ألا يكون للحاكم شراء ما يحتاجه في مظنة المحاباة والاستغلال والتبدل.
قال القاضي في التعليق: قاس المخالف القاضي على المفتي في مباشرة البيع، قال القاضي: أما المفتي فإنه لا يحابى في العادة، والقاضي بخلافه، ولا يكره له البيع في مجلس فتياه، ولا يكره له قبول الهدية بخلاف القاضي.
__________
(1) اختيارات (337) وانظر الإنصاف (11/ 171، 174، 175) ، ف (2/ 417) .
(2) مختصر الفتاوى (553) ، ف (2/ 417) .
(3) مختصر الفتاوى (606) ، ف (2/ 417) .
(5/163)

قال أبو العباس: هذا فيه نظر وتفصيل؛ فإن العالم شبيه في هديته ومعاملته بالقاضي. وفيه حكايات عن أحمد. والعالم لا يعتاض على تعليمه (1) .
ولا يمضي حكم العدو على عدوه، كما لا تقبل شهادته عليه، بل يترافعان إلى حاكم آخر (2) .
وليس للحاكم منع الناس مما أباحه الله ورسوله مثل: أن يمنع أن يزوج المرأة وليها، أو يمنع الشهود أو غيرهم من كتابة مهرها، أو كتابة عقد بيع أو إجارة، أو إقرار، أو غير ذلك، وإن كان الكاتب مرتزقا بذلك، وإذا منع القاضي ذلك ليصل إليه منافع هذه الأمور كان هذا من المكس، نظير من يستأجر حانوتا في القرية على ألا يبيع غيره، وإن كان إنما يمنع الجاهل لئلا يعقد عقدا فاسدا فالطريق أن يفعل كما فعل الخلفاء الراشدون من تعزير من يعقد نكاحا فاسدا، كما فعله عمر وعثمان رضي الله عنهما فيمن تزوج بغير ولي وفيمن تزوج في العدة (3) .
ومن ادعى بحق وخرج يقيم البينة لم يجز حبس الغريم لكن هل له طلب كفيل منه إلى ثلاثة أيام أو نحوها إذا قال المدعي لي بينة حاضرة؟ فيه نزاع، هذا إذا لم تكن دعوى تهمة، فإن كانت دعوة تهمة مثل: أن ادعى أنه سرق فهنا إن كان مجهول الحال حبس حتى يكشف عنه، وأما دعوى الحقوق مثل: البيع والقرض والدين فلا يحبس بدون حجة، وإن ذكر نزاع في المدة القريبة كاليوم، فلا نزاع فيما أعلمه (4) .
وإذا حبست زوجها على الحق، فله عليها، ما كان يجب قبل الحبس
__________
(1) اختيارات (337) ، ف (2/ 417) .
(2) مختصر الفتاوى (567) ، ف (2/، 417) .
(3) مختصر الفتاوى (554، 555) ، ف (2/ 417) .
(4) مختصر الفتاوى (609) ، ف (2/ 418) .
(5/164)

من إسكانها حيث شاء ومنعها الخروج، فإذا أمكن حبسه في مكان تكون هي عنده تمنعه من الخروج فعل ذلك، فإنه ليس للغريم منع المحبوس من حوائجه إذا احتاج؛ بل يخرجه ويلازمه مثل: غسل الجنابة، نحوه، والزوج له منعها مطلقا.
وأيضا فإنها قد تحبسه وتبقى هي مفلوتة تفعل الفواحش، وتقهره، وتعاشر من تختار، وتبقى هي القوامة عليه، لا سيما حيث يكثر ذلك في الأزمنة والأمكنة، وغاية ذلك (1) من أعظم المصالح التي لا يجوز إهمالها فكيف يستحل مسلم أن يحبس الرجل ويمنع زوجته من حبسها معه؟ بل يتركها تذهب حيث شاءت وهي إنما تملك بما لها عليه ملازمته، والملازمة تحصل بأن تكون هي وهو في موضع واحد؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الغريم بملازمة غريمه، وإذا طلب منها الجماع في الحبس لم يكن له منعه.
وإذا ظهر أنه قادر على الوفاء وامتنع ظلما عوقب بغير الحبس مثل ضربه مرة بعد مرة حتى يوفي؛ لأن مطل الغني ظلم، والظالم يستحق العقوبة.
وتمكين هذا من فضول الأكل والنكاح محل اجتهاد، فإذا رأى الحاكم تعزيره بالمنع منه كان له ذلك.
وإن لم يكن حبسها معه، إما لعداوة تحصل بينهما فأمكن أن يسكنها في موضع لا تخرج منه مثل رباط عند أناس مأمونين فلا بأس.
وبالجملة: فلا تترك المرأة تذهب حيث شاءت باتفاق (2) .
والقضاء نوعان: إخبار: هو إظهار وإبداء، وأمر: هو إنشاء وابتداء
__________
(1) لعله: ورعاية ذلك.
(2) مختصر الفتاوى (608) ، ف (2/ 418) .
(5/165)

فالخبر: ثبت عندي، ويدخل فيه خبره عن حكمه، وعن عدالة الشهود وعن الإقرار والشهادة.
والآخر: هو حقيقة الحكم: أمر ونهي وإباحة، ويحصل بقوله: أعطه، ولا تكلمه أو ألزمه، وبقوله: حكمت، وألزمت.
وإذا قال الحاكم: ثبت عندي بشهادتهما فهذا فيه وجهان.
أحدهما: أن ذلك حكم، كما قاله ابن عقيل وغيره.
وفعل الحاكم حكم في أصح الوجهين في مذهب أحمد وغيره (1) .
وأخبار الحاكم «أنه ثبت عندي» بمنزلة إخباره أنه حكم به، أما إذا قال: شهد عندي فلان، أو أقر عندي، فهو بمنزلة الشاهد سواء، فإنه في الأول تضمن قوله: ثبت عندي، الدعوى والشهادة والعدالة أو الإقرار، وهذا من خصائص الحكم؛ بخلاف قوله: شهد عندي، أو أقر عندي، فإنما يقتضي الدعوى.
وخبره في غير محل ولايته كخبره في غيره زمن ولايته.
ونظير إخبار القاضي بعد عزله إخبار أمير الغزو أو الجهاد بعد عزله بما فعله (2) .
يجوز للحنفي الحاكم أن يستنيب شافعيا يحكم باجتهاده، وإن خالف اجتهاد مستنيبه، ولو شرط عليه أن يحكم بقول مستنيبه لم يجز هذا الشرط.
وأيضا: إذا رأى المستنيب قول بعض الأئمة أرجح من بعض لم يجز له أن يحكم بالمرجوح، بل عليه أن يحكم بالراجح، فكيف لا يكون له أن يستنيب من يحكم بالراجح، وإن خالف قول إمامه؟ وليس
__________
(1) اختيارات (334) ، ف (2/ 418) .
(2) فروع (6/ 489) وإنصاف (11/ 305) واختيارات (347، 348) ، ف (2/ 418) .
(5/166)

على الخلق لا القضاة ولا غيرهم أن يطيعوا أحدا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن سواه من الأئمة فإنه يؤخذ من قوله ويترك فيجوز لكل من الحكام أن يستنيب من يخالفه في مذهبه ليحكم بما أنزل الله (1) .
وقال شيخنا: لا ينعزل بانعزال المستنيب وموته حتى يقوم غيره مقامه، كعقد وصي وناظر عقدا جائزا، كوكالة وشركة ومضاربة ومثله كل عقد لمصلحة المسلمين كوال ومن ينصبه لجباية مال وصرفه وأمير الجهاد ووكيل بيت المال والمحتسب ذكر شيخناه وهو ظاهر كلام غيره (2) .
قال أصحابنا: ولا ينقض الحاكم حكم نفسه ولا غيره إلا أن يخالف نصًّا أو إجماعًا.
قال أبو العباس: ويفرق في هذا بين ما إذا استوفى المحكوم له الحق الذي ثبت له من المال، أو لم يستوف، فإن استوفى فلا كلام، وإن لم يستوف فالذي ينبغي نقض حكمه نفسه والإشارة على غيره بالنقض.
وليس للإنسان أن يعتقد أحد القولين في مسائل النزاع فيما له، والقول الآخر فيما عليه باتفاق المسلمين كما يعتقد أنه إذا كان جارا استحق شفعة الجوار، وإذا كان مشتريا لم يجب عليه شفعة الجوار.
والقضية الواحدة المشتملة على أشخاص أو أعيان فهل للحاكم أن يحكم على شخص أوله بخلاف ما حكم هو أو غيره لشخص آخر أو عليه أو في عين؟ مثل أن يدعي في مسألة الحمارية بعض ولد الأبوين فيقضي له بالتشريك ثم يدعي عنده آخر فيقضي عليه بنفي التشريك أو
__________
(1) مختصر الفتاوى (553) ، ف (2/ 418) .
(2) فروع (6/ 436، 437) ، ف (2/، 418) .
(5/167)

يكون حاكم غيره قد حكم بنفي التشريك لشخص أو عليه فيحكم هو بخلافه.
فهذا ينبني على أن الحكم لأحد الشريكين أو الحكم عليه حكم عليه وله، وقد ذكر ذلك الفقهاء من أصحابنا وغيرهم.
لكن هناك يتوجه أن يبقى حق الغائب فيما طريقه الثبوت لتمكنه من القدح في الشهود ومعارضته.
أما إذا كان طريقه الفقه المحض فهنا لا فرق بين الخصم الحاضر والغائب.
ثم لو تداعيا في عين من الميراث، فهل يقول أحد: إن الحكم باستحقاق عين معينة لا يمنع الحكم بعدم استحقاق العين الأخرى مع اتحاد حكمهما من كل وجه؟ هذا لا يقوله أحد.
يوضح ذلك أن الأمة اختلفت في هذه المسألة على قولين. قائل يقول: يستحق جميع ولد الأبوين جميع التركة، وقائل يقول: لا حق لواحد منهم في شيء منها.
فلو حكم حاكم في وقتين أو حاكمان باستحقاق البعض أو استحقاقهم للبعض لكان قد حكم في هذه القضية بخلاف الإجماع، وهذا قد يفعله بعض قضاة زماننا؛ لكن هو ظنين في علمه ودينه؛ بل ممن لا يجوز توليته القضاء.
ويشبه هذه طبقات الواقف أو أزمنة الطبقة فإذا حكم حاكم بأن هذا الشخص مستحق لهذا المكان من الوقف ومستحق الساعة بمقتضى شرط شامل لجميع الأزمنة والأمكنة فهو كالميراث.
وأما إن حكم باستحقاق تلك الطبقة فهل يكون للطبقة الثانية إذا اقتضى الشرط لها؟ وأخذ هذا فيه نظر، من حيث إن تلقي كل طبقة من الواقف في زمن حدوثها شبيه بما لو مات عتيق شخص فحكم حاكم.
(5/168)

بميراثه المال، وذلك أن كل طبقة من أهل الوقف تستحق ما حدث لها من الوقف عند وجودها، مع أن كل عصبة تستحق ميراث المعتقين عند موتهم.
والأشبه بمسألتنا ما لو حكم حاكم في عتيق بأن ميراثه للأكبر، ثم توفي ابن ذلك العتيق الذي كان محجوبا عن ميراث أبيه، فهل لحاكم آخر أن يحكم بميراثه لغير الأكبر؟
هذا يتوجه هنا وفي الوقف مما يترتب الاستحقاق فيه بخلاف الميراث ونحوه مما يقع مشتركا في الزمان (1) .
وإذا رفع إليه الخصمان عقدا فاسدا عنده فقط وأقر بأن نافذ الحكم حكم بصحته فله إلزامهما بذلك ورده والحكم بمذهبه، وقال شيخنا: قد يقال: قياس المذهب أنه كالبينة ثم ذكر أنه كبينة إن عينا الحاكم (2) .
وإذا حكم أحد الخصمين على خصمه جاز لقصة ابن مسعود؛ وكذا إذا حكم مفت في مسألة اجتهادية، وهل يفتقر ذلك إلى تعيين الخصمين أو حضورهما أو يكفي وصف القصة له؟ الأشبه أنه لا يفتقر بل إذا تراضيا بقوله في قضية موصوفة مطابقة لقضيتهم فقد لزمه، فإن أراد أحدهما الامتناع فإن كان قبل الشروع فينبغي جوازه، وإن كان بعد الشروع لم يملك الامتناع لأنه إذا استشعر بالغلبة امتنع فلا يحصل المقصود (3) .
وإن حكما بينهما من يصلح للقضاء نفذ حكمه وهو كحاكم الإمام، وعنه ينفذ في قود وحد قذف ولعان ونكاح، وظاهر كلامه ينفذ في غير فرج، واختار شيخنا نفوذ حكمه بعد حكم حاكم لا إمام، وأنه إن حكم أحدهما خصمه أو حكما مفتيا في مسألة اجتهادية جاز.
__________
(1) اختيارات (344-346) ، ف (2/ 418) .
(2) فروع (6/ 494) ، ف (2/ 417) .
(3) اختيارات (335) ، ف (2/ 417) .
(5/169)

وأنه يكفي وصف القصة له يؤيده قول أبي طالب: نازعني ابن عمي، الأذان فتحاكمنا إلى أبي عبد الله، قال: اقترعا (1) .
قال شيخنا: خصوا اللعان؛ لأن فيه دعوى وإنكار، وبقية الفسوخ كإعسار قد يتصادقان فيكون الحكم إنشاء لا ابتداء، ونظيره لو حكماه في التداعي بدين وأقربه الورثة (2) .

باب طريق الحكم وصفته

وإذا طلبا حكمين أجيب من طلب الذي له الولاية على محل النزاع إذا كان الحاكمان عدلين فإن كان لهما الولاية معا أجيب من طلب الحاكم الأقرب، فإما أن يقرع بينهما، أو يجاب المدعي، فهذا القول الثالث أفتى به طائفة في زماننا، والأولان مقدمان، فهذه مسألة نزاع (3) .
قال في الإنصاف: واعلم أنه إذا ادعي على القاضي المعزول فالصحيح من المذهب أنه يعتبر تحرير الدعوى في حقه، قال الشيخ تقي الدين: تخصيص الحاكم المعزول بتحرير الدعوى في حقه لا معنى له، فإن الخليفة ونحوه في معناه، وكذلك العالم الكبير والشيخ المتبوع (4) .
لو قال لمدعي دينار: لا تستحق علي حبة، فعند ابن عقيل أن هذا ليس بجواب، وعند الشيخ تقي الدين رحمه الله: يعم الحبات، وما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى (5) .
ظاهر قوله: فإذا أحضرها سمعها الحاكم وحكم، أن الشهادة لا
__________
(1) فروع (6/ 436، 437) والإنصاف (11/ 198) ، ف (2/ 417) .
(2) فروع (6/ 440) ، ف (2/ 417) وهذا النقل فيه زيادة عما قبله.
(3) مختصر الفتاوى (567) ، ف (2/ 418) .
(4) إنصاف (11/ 231) ، ف (2/ 418) .
(5) إنصاف (11/ 242) ، ف (2/ 419) .
(5/170)

تسمع قبل الدعوى، فإن كان الحق لآدمي معين فالصحيح من المذهب أنها لا تسمع قبل الدعوى.. وسمعها القاضي في التعليق وأبو الخطاب في الانتصار والمصنف في المغني، إن لم يعلم به، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: هو غريب، وذكر الأصحاب أنها تسمع بالوكالة من غير خصم، ونقله مهنا، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: تسمع ولو كان في البلد، وبناه القاضي وغيره على جواز القضاء على الغائب. اهـ.
«والوصية مثل الوكالة» ، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: الوكالة إنما تثبت استيفاء حق أو إبقاءه (1) .
وتسمع البينة قبل الدعوى في كل حق لآدمي غير معين: كالوقف على الفقراء، أو على مسجد، أو رباط، أو وصية لأحدهما، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: وكذا عقوبة كذاب مفتر على الناس، والمتكلم فيهم (2) .
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله في حفظ وقف وغيره بالثبات عن خصم مقدر: تسمع الدعوى والشهادة فيه بلا خصم، قال: وقد ذكره قوم من الفقهاء، وفعله طائفة من الفقهاء، وفعله طائفة من القضاة، ولم يسمعها طوائف من الحنفية والشافعية والحنبلية.
وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله ما ذكره القاضي من احتيال الحنفية على سماع البينة من غير وجود مدعي عليه فإن المشتري المقر بالبيع قد قبض المبيع وسلم الثمن فهو لا يدعي شيئا ولا يدعى عليه شيء، وإنما غرضه تثبيت الإقرار والعقد، والمقصود سماع القاضي البينة وحكمه بموجبها من غير وجود مدعى عليه ومن غير مدع على أحد؛ لكن خوفا من حدوث خصم مستقبل، فيكون هذا الثبوت حجة
__________
(1) إنصاف (11/ 246) ، ف (2/ 419) .
(2) إنصاف (11/ 248) وفروع (6/ 524) .
(5/171)

بمنزلة الشهادة، فإن لم يكن القاضي يسمع البينة بلا هذه الدعوى وإلا امتنع من سماعها مطلقًا، وعطل هذا المقصود الذي احتالوا عليه.
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله، وكلامه يقتضي أنه هو لا يحتاج إلى هذا الاختيال مع أن جماعات من القضاة المتأخرين من الشافعية والحنابلة دخلوا مع الحنفية في ذلك وسموه الخصم المسخر، قال: وأما على أصلنا الصحيح وأصل مالك رحمه الله فإما أن نمنع الدعوى من غير خصم منازع فتثبت الحقوق بالشهادات على الشهادات كما ذكره من ذكره من أصحابنا، وأما أن نسمع الدعوى والبينة بلا خصم، كما ذكره طائفة من المالكية والشافعية وهو مقتضى كلام الإمام أحمد رحمه الله وأصحابنا في مواضع؛ لأنا نسمع الدعوى والبينة على الغائب والممتنع، وكذا على الحاضر في البلد في المنصوص، فمع عدم خصم أولى.
قال: وقال أصحابنا: كتاب الحاكم كشهود الفرع، قالوا: لأن المكتوب إليه يحكم بما قام مقامه غيره، لأن إعلام القاضي للقاضي قائم مقام الشاهدين، فجعلوا كل واحد من كتاب الحاكم وشهود الفرع قائما مقام غيره وهو بدل عن شهود الأصل، وجعلوا كتاب القاضي كخطابه، وإنما خصوه بالكتاب لأن العادة تباعد الحكمين، وإلا فلو كان في محل واحد كان مخاطبة أحدهما للآخر أبلغ من الكتاب، وبنوا ذلك على أن الحاكم يثبت عنده بالشهادة ما لم يحكم به وإنما يعلم به حاكما آخر ليحكم به، كما يعلم الفروع بشهادة الأصول.
قال: وهذا كله إنما يصح إذا سمعت الدعوى والبينة في غير وجه خصم، وهو يفيد أن كلما ثبت بالشهادة على الشهادة يثبته القاضي بكتابه.
قال: ولأن الناس بهم حاجة إلى إثبات حقوقهم بإثبات القضاة، كإثباتها بشهادة الفروع، وإثبات القضاة أنفع لكونه كفى مؤنة النظر في
(5/172)

الشهود، وبهم حاجة إلى الحكم فيما فيه شبهة أو خلاف لرفع، وإنما يخافون من خصم حادث (1) .
وقال في الفروع: وإن قال المدعي «ما لي بينة» ، أعلمه الحاكم بأن له اليمين على خصمه، قال: وله تحليفه مع علمه قدرته على حقه، نص عليه نقل ابن هانئ: إن علم عنده مالا لا يؤدي إليه حقه أرجو ألا يأثم، وظاهر رواية أبي طالب يكره، وقاله شيخنا: ونقله من حواشي تعليق القاضي، وهذا يدل على تحريم تحليف البريء، دون الظالم اهـ (2) .
قال ابن القيم رحمه الله: ولما كانت أفهام الصحابة رضي الله عنهم فوق أفهام جميع الأمة وعلمهم بمقاصد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم عدلوا عن ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة (3) ، وحكموا بالرد مع النكول في موضع، وبالنكول وحده في موضع، وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات، ولم يرتضوا لأنفسهم عبارات المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علما، وأقلهم تكلفا والمتأخرون عكسهم في الأمرين.
فعثمان بن عفان قال لابن عمر: احلف بالله لقد بعت العبد وما به داء علمته، فأبى فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي ويقول له: احلف أنت أنه كان عالما بالعيب، لأن هذا مما لا يمكن أن يعلمه المدعي ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين، فإن ابن عمر قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب فقال له:
__________
(1) إنصاف (11/ 248-250) ، ف (2/419) .
(2) إنصاف (11/ 251) .
(3) الطرق الحكمية (122، 223، 116) ، ف (2/ 419) .
(5/173)

احلف أنك بعته وما به عيب تعلمه، وهذا مما يمكن أن يحلف عليه دون المدعي، فإنه قد تعذر عليه اليمين أنه كان عالما بالعيب وأنه كتمه مع علمه به.
وأما أثر عمر بن الخطاب وقوله للمقداد: احلف أنها سبعة آلاف، فأبي أن يحلف فلم يحكم عليه بنكول عثمان فوجهه: أن المقرض إن كان عالما بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه إذا خصمه قد لا يكون عالما بصحة دعواه فإذا قال للمدعي: إن كنت عالما بصحة دعواك فاحلف وخذ، فنقد أنصفه جد الإنصاف.
فلا أحسن مما قضى به الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا قدس الله روحه (1) .
والخط كاللفظ إذا ثبت أنه كان عنده على سبيل الوديعة، أو أنه قبضه أخذ بالخط، كما لو تلفظ بذلك، ولو أن يأخذ منه ما أخذه إذا كانت الوديعة قد تلفت بغير تفريط (2) .
مسألة: وإذا كانت عادة العمال يستأجرون بالوصولات فمات العمال فادعى بعض المستأجرين أنه قبض منه فلا يقبل إلا ببينة أو وصول فإذا قبض من له ولاية القبض لم يعد على المحتكرين بل يجب على أهل الوقف (3) .
ونص فيمن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيها: أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقرها بها.
__________
(1) المصدر السابق.
(2) مختصر الفتاوى (608) ، ف (2/ 419) .
(3) مختصر الفتاوى (618) ، ف (2/ 419) .
(5/174)

فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج في كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج.
ومنهم من منع التخريج وأقر النصين وفرق بينهما.
واختار شيخنا التفريق، قال: والفرق أنه إذا كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيه فإنهم لا يشهدون بجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير.
وأما إذا كتب وصيته ثم مات وعرف أنه خطه فإنه يشهد به لزوال المحذور (1) .
ومسألة تحرير الدعوى وفروعها ضعيفة؛ لحديث الحضرمي في دعواه على الآخر أرضا غير موصوفة.
وإذا قيل: لا تسمع الدعوى إلا محررة، فالواجب أن من ادعى مجملا استفصله الحاكم.
وظاهر كلام أبي العباس صحة الدعوى على المبهم، كدعوى الأنصار على اليهود قتل صاحبهم ودعوى المسروق منه على بني أبيرق وغيرهم.
ثم المبهم قد يكون مطلقًا، وقد ينحصر في قوم، كقولها: انكحني أحدهما، وزوجني أحدهما.
والثبوت المحض يصح بلا مدعى عليه، وقد ذكره قوم من الفقهاء وفعله طائفة من القضاة.
وتسمع الدعوى في الوكالة من غير حضور الخصم المدعى عليه، ونقله مهنا عن أحمد، ولو كان الخصم في البلد (2) .
__________
(1) الطرق الحكمية (206) ، ف (2/ 419) .
(2) وانظر الفروع (6/ 528) لزيادة الإيضاح.
(5/175)

وتسمع دعوى الاستيلاد، وقاله أصحابنا، وفسره القاضي بأن يدعي استيلاد أمة فتنكره.
وقال أبو العباس: بل هي المدعية.
ومن ادعى على خصمه أن بيده عقار استغله مدة معينة وعينه وأنه استحقه فأنكر المدعى عليه وأقام المدعي بينة باستيلائه لا باستحقاقه لزم الحاكم إثباته والشهادة به، كما يلزم البينة أن تشهد به، لأنه كفرع مع أصل، وما لزم أصل الشهادة به لزم فرعه حيث يقبل، ولو لم تلزم إعانة مدع بإثبات وشهادة ونحو ذلك إلا بعد ثبوت استحقاقه لزم الدور، بخلاف الحكم، وهو الأمر بإعطائه ما ادعاه إن أقام بينة بأنه هو المستحق أمر بإعطائه ما ادعاه، وإلا فهو كمال مجهول يصرف في المصالح.
ومن بيده عقار فادعى رجل بثبوته عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته ثم إلى ورثته ولم يثبت أنه مخلف عن مورثه ولا ينزع منه بذلك؛ لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة، ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق.
ولو شهدت له بينة بملكه إلى حين وقفه وأقام وارث بينة أن مورثه اشتراه من الواقف قبل وقفه قدمت بينة الوارث أن مورثه اشتراه من الواقف قبل وقفه، لأن معها زيادة علم كتقديم من شهد له بأنه اشتراه من أبيه على من شهد له بأنه ورثه من أبيه.
قال القاضي: إذا ادعى على رجل ألفا من ثمن مبيع أو قرض أو غصب فقال: لا يستحق علي شيئًا كان جوابًا صحيحًا ويستحلف على ذلك.
وإن قال: لم أبايع وطنه منه ولم أغصبه، فهل يكون جوابا يحلف معه عليه؟ على وجهين.
(5/176)

أحدهما: هو جواب صحيح يحلف عليه، والثاني: ليس بجواب صحيح يحلف عليه، لأنه يحتمل أنه غصبه ثم رده عليه، أو أقرضه ثم رده عليه أو باعه ثم رده إليه.
قال أبو العباس: إنما يتوجه الوجهان في أن الحاكم هل يلزمه بهذا الجواب أم لا؟ وأما صحته فلا ريب فيها.
وقياس المذهب: أن الإجمال ليس بجواب صحيح، لأن المطلوب قد يعتقد أنه ليس عليه لجهل أو تأويل ويكون واجبًا عليه في نفس الأمر، أو في مذهب الحاكم، ويمين المدعي بمنزلة الشاهد، كما لا يشهد بتأويل أو جهل.
ومن أصلنا إذا قال: كان له علي ثم أوفيته، لم يكن مقرًّا، فلا ضرر عليه في ذلك، إلا إذا قلنا بالرواية الضعيفة فقد أطلق أحمد التعديل في موضع فقال عبد الله: سألت أبي عن أبي يعفور العبدي، فقال: ثقة، قال أبو داود لأحمد الأسود بن قيس؟ فقال: ثقة.
قال أبو العباس: وعلى هذه الطريقة فكل لفظ يحصل به تعديل المخبر يحصل به تعديل الشهود مثل أن يقول: لا بأس به، لا أعلم إلا خيرا، كما نقل عن شريح وسوار وغيرهما.
ثم وجدت القاضي قد احتج في المسألة بأن عمر سأل رجلاً عن رجل؟ فقال: لا أعلم إلا خيرًا، فقال: حسبك إن ابن عمر كان إذا أنعم أن يمدح الرجل قال: لا نعلم إلا خيرًا، وعلى هذا فلا يعتبر لفظ الشهادة، وإن أوجبنا اثنين، لأن هذا من باب الاجتهاد، بمنزلة تقويم المقوم والقائف، لأنه من باب المسموع، ومثله المزكي والتفليس والرشد ونحوها فإن هذا كله إثبات صفة اجتهادية.
ويقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة قول عدل واحد، وهو رواية عن أحمد، ويقبل الجرح والتعديل باستفاضة.
(5/177)

ومقتضى تعليل القاضي أنه لو قال المزكي: هو عدل لكن ليس على أنه يقبل مطلقًا، مثل أن يكون عدو المعدل، وشهادة العدو لعدوه مقبولة فوجود العداوة لا يمنع التزكية وإن لم تقبل شهادته على المزكي (1) .
وللمحكوم عليه أن يطالب الحاكم عليه بتسمية البينة ليتمكن من القدح فيها بالاتفاق (2) .
ويلزم الحاكم أن يكتب للمدعي عليه إذا ثبتت براءته محضرا بذلك إن تضرر بتركه (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: التعريف يتضمن تعريف عين المشهود له والمشهود به إذا وقعت على الأسماء، وتعريف المحكوم عليه والمحكوم به، وتعريف المثبت عليه والمثبت له ونفس المثبت في كتاب القاضي إلى القاضي، والتعريف مثل الترجمة سواء، فإنه بيان مسمى هذا الاسم، كما أن الترجمة كذلك لأن التعريف قد يكون في أسماء الأعلام، والترجمة في أسماء الأجناس، وهذا التفسير لا يختص بشخص دون شخص اهـ (4) .
اختلفت الرواية عن أحمد فيما لو حكم الحاكم بما يرى المحكوم له تحريمه فهل يباح له بالحكم؟ على روايتين والتحقيق في هذا أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام، ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه، وهذا لا يجوز لكن لو كان الطالب غيره، أو ابتدأ الإمام بحكمه أو قسمه فهنا يتوجه القول بالحل (5) .
__________
(1) اختيارات (339-343) ، ف (2/ 419) .
(2) فروع (6/ 470) والإنصاف (11/ 286) والاختيارات (349) ، ف (2/ 419) .
(3) اختيارات (349) ، ف (2/419) .
(4) إنصاف (11/ 297) ، ف (2/ 419) .
(5) اختيارات (344) ، ف (2/ 419) .
(5/178)

واختار الشيخ تقي الدين جواز الأخذ (1) ولو قدر على أخذه بالحاكم في الحق الثابت بإقرار أو بينة إن كان سبب الحق ظاهرا، فأما إن كان قد غصب ماله فيجوز له الأخذ بقدر حقه ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله وغيره (2) .
وإذا مات الشاهد فهل يحكم بخطه؟ فيه نزاع، فمذهب مالك يحكم به، وهو قول في مذهب أحمد.
وإذا شهد شاهد أن فلانة أبرأت زوجها حلف الزوج وحكم له إن كان الشاهد ممن يرضى من الشهداء.
وإن كان الشاهد في الرضاع عدلاً قبل قوله، وفي تحليفه نزاع.
ويجوز للشافعي أن يشهد عند حاكم مالكي، أن هذا خط فلان إذا جزم به من غير شك، متبعًا لمن يجيز ذلك من الأئمة في مسألة يتوجه فيها قول الذي قلده ولم يكن متبعًا للرخصة فهذه سائغ في المشهور من مذاهب الأربعة، إذ لا يجب على أحد أن يلتزم مذهب شخص بعينه في جميع الشريعة في ظاهر مذهب الشافعي وغيره، ولكن متى ألزم نفسه التزامه فلا بد له أن يلتزمه فيما له وعليه، مثل أن يترجح عنده إثبات الشفعة للجار فيتبع ذلك له وعليه.
فأما أن يقلده من يرى إثباتها إذا كان هو الطالب وإذا كان هو المطلوب يقلد من ينفيها فهذا لا يجوز بلا نزاع فيما أعلمه، وكذلك لا يجوز أن يتبع الرخص مطلقًا.
والعمل بالخط مذهب قوي، بل هو قول جمهور السلف، وإذا رأى الرجل بخط أبيه حقًّا له وهو يعلم صدقه جاز له أن يدعيه ويحلف عليه.
__________
(1) وعنه في الضيف يأخذ وإن قدر على أخذه بالحاكم.
(2) إنصاف (11/ 311) قلت: وتقدم في باب الغصب ف (2/ 419) .
(5/179)

وإذا اتفقوا على أنه يجوز أن يشهد على الرجل إذا عرف صورته مع إمكان الاشتباه وتنازعوا في الشهادة على الصوت من غير رؤية المشهود عليه فجوزه الجمهور كمالك وأحمد، وجوزه الشافعي في صورة المضبطة فالشهادة على الخط دون ذلك لأنه أقوى (1) .
وإذا أمكن القاضي أن يرسل إلى الغائب رسولاً، ويكتب إليه الكتاب والدعوى، ويجاب عن الدعوى بالكتاب والرسول فهذا هو الذي ينبغي كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، بمكاتبة اليهود لما ادعى الأنصار عليهم قتل صاحبهم وكاتبهم ولم يحضرهم وهكذا ينبغي أن يكون في كل غائب طلب إقراره أو إنكاره إذا لم يقم الطالب بينة، وإن أقام بينة فمن الممكن أيضًا أن يقال: إذا كان الخصم في البلد لم يجب عليه حضور مجلس الحاكم، بل يقول: أرسلوا إلي من يعلمني بما يدعي به علي.
وإذا كان لا بد للقاضي من رسول إلى الخصم يبلغه الدعوى ويحضره فيجوز أن يقام مقامه رسول، فإن المقصود من حضور الخصم سماع الدعوى ورد الجواب بإقرار أو إنكار.
وهذا نظير مانص عليه الإمام أحمد من أن النكاح يصح بالمراسلة مع أنه في الحضور لا يجوز تراخي القبول عن الإيجاب تراخيًا كثيرًا، فالدعوى التي يصح تراخي جوابها أولى وأحرى.
وعلى هذا فالرسول في الدعوى يجوز أن يكون واحدًا، لأنه نائب الحاكم كما كان أنيس نائب النبي - صلى الله عليه وسلم - في إقامة الحد بعد سماع الاعتراف وثبوت الحد، أو يخرج على المراسلة من الحاكم إلى الحاكم، وفيه روايتان، فينظر في قضيته خبيرًا.
قال أبو العباس: فما وجدت فيها إلا واحدًا، ثم وجدت هذا منصوصا عن الإمام أحمد في رواية أبي طالب فإنه نص فيها على أنه إذا
__________
(1) مختصر الفتاوى (601) ، ف (2/ 424) .
(5/180)

أقام بينة بالعين المودعة عند رجل سلمت إليه وقضى على الغائب، قال: ومن قال بغير هذا يقول: له أن ينظر بقدر ما يذهب الكتاب ويجيء، فإن جاء وإلا أخذ إعلام المودع وكلامه محتمل تخيير الحاكم بين أن يقضي على الغائب وبين أن يكاتبه في الجواب (1) .

باب كتاب القاضي إلى القاضي
ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص، وهو قول مالك وأبي ثور في الحدود، وقول مالك والشافعي وأبي ثور ورواية عن أحمد في القصاص.
والمحكوم به إن كان عينًا في بلد الحاكم فإنه يسلمه إلى المدعي، ولا حاجة إلى كتاب، وأما إن كان دينًا أو عينًا في بلد أخرى، فهنا يقف على الكتاب.
وههنا ثلاث مسائل متداخلات.
مسألة: إحضار الخصم إذا كان غائبًا.
ومسألة الحكم على الغائب.
ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي.
ولو قيل: إنما نحكم على الغائب إذا كان المحكوم به حاضرًا، لأن فيه فائدة وهي تسليمه، وأما إذا كان المحكوم به غائبًا فينبغي أن يكاتب الحاكم بما ثبت عنده من شهادة الشهود حتى يكون الحكم في بلد التسليم لكان متوجها.
وهل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي بالثبوت أو الحكم من حاكم غير معين، مثل: أن يشهد شاهدان أن حاكمًا نافذ الحكم حكم بكذا وكذا؟
__________
(1) اختيارات (338) ، ف (2/ 420) .
(5/181)

القياس: أنه لا يقبل بخلاف ما إذا كان المكاتب معروفا؛ لأن مسألة مراسلة الحاكم ومكاتبته بمنزلة شهادة الأصول للفرع، وهذا لا يقبل في الحكم والشهادات، وإن قبل في الفتاوى والإخبارات (1) .
وقد ذكر صاحب المحرر ما ذكره القاضي من أن الخصمين إذا أقرا بحكم الحاكم عليهما خير الثاني بين الإمضاء والاستئناف، لأن ذلك بمنزلة قول الخصم: شهد علي شاهدان ذوي عدل، فهنا قد يقال بالتخيير أيضًا.
ومن عرف خطه بإقرار أو إنشاء أو عقد أو شهادة عمل به كالميت، فإن حضر وأنكر مضمونه فكاعترافه بالصوت وإنكاره مضمونة (2) .
وذكر قولا في المذهب أنه يحكم بشاهد ميت، وقال الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه وأنه مذهب جمهور العلماء وهو يعرف أن هذا خطه كما يعرف أن هذا صوته.
واتفق العلماء على أنه يشهد على الشخص إذا عرف صوته مع إمكان الاشتباه، وجوز الجمهور كمالك وأحمد الشهادة على الصوت من غير رؤية المشهود عليه، والشهادة على الخط أضعف، لكن جوازه قوي أقوى من منعه، وكتابه في غير عمله أو بعد عزله كخبره (3) .
ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان ببلد واحد، وعند شيخنا وفي حق الله تعالى.
ويقبل فيما ثبت عنده ليحكم به في مسافة قصر وعنه فوق يوم، وعند شيخنا، وقال خرجته في المذهب وأقل كخبر (4) .
__________
(1) وانظر الإنصاف (11/ 324) .
(2) اختيارات (348، 349) ، ف (2/ 420) .
(3) فروع (6/ 500) ، ف (2/ 420) .
(4) فروع (6/ 500) ، ف (2/ 420) .
(5/182)

قال القاضي: ويقول في كتابه: شهدا عندي بكذا، ولا يكتب ثبت عندي، لأنه حكم بشهادتهما كبقية الأحكام، وقاله ابن عقيل، وغيره، قال الشيخ تقي الدين: والأول أشهر؛ لأنه خبر بالثبوت كشهود الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزامًا اهـ (1) .
قوله: ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى من يصل إليه كتابه هذا من قضاة المسلمين وحكامهم.
قال الشيخ تقي الدين: وتعيين القاضي الكاتب كشهود الأصل، وقد يخبر المكتوب إليه قال الأصحاب في شهود الأصل يعتبر تعيينهم (2) .
قال الشيخ تقي الدين في كتاب أصدره إلى السلطان في مسألة الزيارة، وقد تنازع الفقهاء في كتاب الحاكم هل يحتاج إلى شاهدين على لفظه، أم إلى واحد، أم يكتفي بالكتاب المختوم، أو يقبل الكتاب بلا ختم ولا شاهد، على أربعة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره.
نقله ابن خطيب السلامية في تعليقه (3) .

باب القسمة

وما لا يمكن قسمة عينه إذا طلب أحد الشركاء بيعه وقسم ثمنه بيع وقسم ثمنه، وهو المذهب المنصوص عن أحمد في رواية الميموني، وذكره الأكثرون من الأصحاب.
فيقال على هذا: إذا وقف قسطًا مشاعًا مما لا يمكن قسمة عينه فأنتم بين أمرين: إما بيع النصيب الموقوف وإما إبقاء شركة لازمة.
__________
(1) إنصاف (11/ 323) ، ف (2/420) .
(2) إنصاف (11/ 324) ، ف (2/ 420) .
(3) إنصاف (11/ 327) ، ف (2/ 420) .
(5/183)

وجوابه: إما الفرق، وإما الالتزام.
أما الفرق فيقال: الوقف منع من نقل الملك في العين، فلا ضرر في شركة عينه.
وأما الشركة في المنافع فيزول الضرر بالمهايات أو المؤاجرة عليها.
والالتزام: أن يجوز مثل هذا أو جعل الوقف مفرزا تقديما لحق الشريك، كما لو طلب قسمة العين وأمكن، فإنا نقدم حق الإفراز على حق الوقف، ومن قال هذا فينبغي له أن يقول بقسم الوقف، وإن قلنا: القسمة بيع ضرورة، فقد نص أحمد على بيع أشياء تابعة في الوقف والاعتياض عنها.
ومن تأمل الضرر الناشئ من الاشتراك في الأموال الموقوفة لم يخف عليه هذا.
ولو طلب أحد الشريكين الإجارة أجبر الآخر عليها، ذكره الأصحاب ولو في الوقف، ولو طلب ادهم العلو لم يجب؛ بل يكرى عليهما على مذهب جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد.
وإذا أوجبنا على الشريك أن يؤاجر مع صاحبه فأجر أحد الشريكين العين المؤجرة، بدون إذن شريكه مدة فينبغي أن يستحق أكثر الأمرين من أجرة المثل والأجرة المسماة؛ لأن الأجرة المسماة إذا كانت أكثر فالمستأجر رضى أن ينتفع بها.
وعلى قياس ذلك كل من اكترى مال غيره بغير إذنه.
ويلزم إجابة من طلب المهايأة بالزمان والمكان.
وليس لأحدهما أن يفسخ حتى ينقضي الدور ويستوفي كل منهما حقه منه.
ولو استوفى أحدهما نوبته ثم تلفت المنافع في مدة الإجارة فإنه
(5/184)

يرجع على الأول ببدل حصته من تلك المدة التي استوفاها ما لم يكن قد رضي بمنفعته في الزمن المتأخر على أي حال كان، جعلاً للتالف قبل القبض كالتالف في الإجارة (1) .
وإذا طلب أحد الشركاء القسمة فيما ينقسم لزم الحاكم إجابته، ولو لم يثبت عنده ملكه كبيع المرهون والجاني.
وكلام أحمد في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما يثبت عنده أنه ملكه وما لا يثبت، كجميع الأموال التي تباع، وأن مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت أنها خلية لا ولي لها، هل يزوجها بلا بينة؟
وقد نص أحمد في رواية حرب فيمن أقام بينة بسهم من ضيعة بيد قوم فهربوا منه تقسم عليهم ويدفع إليه حقه.
فقد أمر الإمام أحمد الحاكم أن يقسم على الغائب إذا طلب الحاضر، وإن لم يثبت ملك الغائب (2) .
وقال شيخنا في قرية مشاعة قسمها فلا حوها: هل يصح؟ قال: إذا تهايئوها وزرع كل واحد منهم حصته فالزرع له ولرب الأرض نصيبه، إلا أن من ترك نصيبه مالكه فله أخذ أجرة الفضلة أو مقاسمتها (3) .
ومن بنى أو غرس فخرج مستحقًا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة إجبار إن قلنا بيع كقسمة تراض، وإلا فلا، وأطلق في التبصرة رجوعه، وفيه احتمال، قال شيخنا: إذا لم يرجع حيث لا يكون بيعًا فلا يرجع بالأجرة ولا بنصف قيمة الولد في الغرور إذا اقتسما الجواري أعيانا (4) .
__________
(1) اختيارات (350) فيه زيادات ف (2/، 420) .
(2) فروع (6/ 510، 511) واختيارات (352) فيه زيادة ف (2/ 420) .
(3) فروع (6/ 511) والإنصاف (11/ 346) ، ف (2/ 420) .
(4) فروع (6/ 515) ، ف (2/ 420) .
(5/185)

ولا إجبار في قسمة المنافع، وعنه: بلى واختاره، في المحرر في القسمة بالمكان ولا ضرر، وإن اقتسماها بزمن أو مكان صح جائزًا، واختار في المحرر لازمًا إن تعاقدا مدة معلومة وقيل: لازمًا بالمكان مطلقًا فإن انتقلت كانتقال وقف فهل تنتقل مقسومة أو لا؟ فيه نظر، فإن كانت إلى مدة لزمت الورثة والمشتري قال ذلك شيخنا (1) .
والمكيلات والموزونات المتساوية من كل وجه إذا قسمت لا يحتاج فيها إلى قرعة، نعم الابتداء بالكيل أو الوزن لبعض الشركاء ينبغي أن يكون بالقرعة، ثم إذا خرجت القرعة لصاحب الأكثر فهل يوفى جميع حقه، أو بقدر نصيب الأقل؟ الأوجه: أن يوفى الجميع كما يوفى مثله في العقار بين أنصبائه، لأن عليه في التفريق ضررًا، وحقه من جنس واحد، بخلاف الحكومات فإن الخصم لا يقدر إلا بواحدة لعدم ارتباط بعضها ببعض، نعم إن تعدد سبب استحقاقه مثل أن يكون ورث ثلث صبرة وابتاع ثلثها فهنا يتوجه وجهان (2) .
وإن كان بينهما أشجار فيها الثمرة أو أغنام فيها اللبن أو الصوم فهو كاقتسام الماء الحادث والمنافع الحادثة.
وجماع ذلك انقسام المعدوم، لكن لو نقص الحادث المعتاد فللآخر الفسخ.
قال القاضي: رأيت في تعليق أبي حفص العكبري عن أبي عبد الله ابن بطة في قوم بينهم كروم فيها ثمرة لم تبلغ مثل الحصرم فأرادوا قسمتها، فقال: لا تجوز قسمتها وفيها غلة لم تبلغ؛ لأن القسمة لا تجوز إلا بالقيمة، والقسمة كالبيع، وكما لا يجوز بيعة كذلك لا تجوز قسمته، قال: وهذا يدل من كلام أحمد على أنها بيع.
__________
(1) فروع (6/ 508) والإنصاف (11/ 341) ، ف (2/420) .
(2) اختيارات (352) ، ف (2/ 420) .
(5/186)

قال أبو العباس: هذا من ابن بطة يقتضي أن بيع الشجرة الذي عليه ثمرة لم تبلغ لا يصح لتضمنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا خلاف المعروف من المذهب، وخلاف قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من باع ثمرة قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» .
ومفهوم كلامه أن الحصرم إذا بلغ جازت القسمة مع أنها إنما تقسم خرصًا كأنه بيع شاة لبن بشاة ذات لبن.
وعلى قياسه يجوز عنده بيع نخلة ذات رطب بنخلة ذات رطب؛ لأن الربوي تابع (1) وإذا اقتسما فحصل الطريق في حصة واحدة ولا منفذ للآخر بطلت لعدم التعديل والنفع.
قال شيخنا: كذا طريق ماء، ونصه: هو لهما ما لم يشترطا رده (2) .
قال شيخنا: ولا أعلم خلافًا أن من قسم شيئًا يلزمه أن يتحرى العدل، ويتبع ما هو أرضي لله ورسوله، استفاد القسمة بولاية كإمام وحاكم أو بعقد كالناظر والوصي (3) .
وأجرة وكيل الضيافة والأمين لحفظ الزرع على المالك والفلاح، كسائر الأملاك، فإذا أخذوا من الفلاح بقدر ما عليه أو ما يستحقه الضيف حل لهم، وإن لم يأخذ الوكيل لنفسه إلا قدر أجرة عمله بالمعروف والزيادة يأخذها المقطع فالمقطع هو الذي ظلم الفلاحين (4) .
__________
(1) اختيارات (351) ، ف (2/ 421) .
(2) فروع (6/ 516) ، ف (2/ 421) .
(3) فروع (6/ 602) واختيارات (177) ، ف (2/ 421) .
(4) اختيارات (352) وفروع (6/ 513) والإنصاف (11/ 355) وعبارة الإنصاف: فعلى المذهب المنصوص أجرة شاهد يخرج لقسم البلاد ووكيل وأمين للحفظ على مالك وفلاح كأملاك ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله قال: فإذا أمانهم الفلاح ما عليه أو يستحقه الضيف حل لهم إلخ.
(5/187)

باب الدعاوي والبينات
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال، وذلك فيما إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا ولكن علم أنهم أغاروا وانتهبوا فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه، وقد تقدم ذلك، وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام، وحكينا كلامه رحمه الله (1) .
ويجب أن يفرق بين فسق المدعى عليه وعدالته، فليس كل مدعى عليه يرضى منه باليمين، ولا كل مدع يطالب بالبينة، فإن المدعي به إذا كان كبيرة والمطلوب لا تعلم عدالته فمن استحل أن يقتل أو يسرق استحل أن يحلف، لا سيما عند خوف القتل أو القطع ويرجع (2) باليد العرفية إذا استويا في الخشية أو عدمها.
وإن كانت العين بيد أحدهما فمن شاهد الحال معه كان ذلك لوثًا فيحكم له بيمينه (3) .
وإن ادعى أن له الآن لم تسمع بينة أنه كان له أمس، أو في يده في أصح الوجهين.
وقال الشيخ تقي الدين: إن قال لا أعلم له مزيلاً، قبل كعلم الحاكم أنه يلبس عليه (4) .
ولو قال لمدعي دينارًا لا يستحق علي حبة فعند ابن عقيل ليس
__________
(1) الطريق الحكمية (191) ، ف (2/ 421) .
(2) لعله يرجع.
(3) اختيارات (352، 353) ، ف (2/ 421) .
(4) إنصاف (11/ 272) ، ف (2/ 421) .
(5/188)

بجواب لأنه لا يكتفي في دفع الدعوى إلا بنص لا بظاهر، ولهذا لو حلف والله إني لصادق فيما أدعيته عليه أو حلف المنكر إنه لكاذب فيما ادعاه علي لم يقبل، وعند شيخنا: يعم الحبات وما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى (1) .
وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين ردت على المدعي، وقيل: لا ترد؛ بل يحكم عليه بنكوله، وقيل:إن كان المدعى عليه هو العالم بالمدعي، دون المدعي مثل أن يدعي الورثة أو الوصي على غريم للميت دعوى فينكرها فهنا لا يحلف المدعي، بل إذا نكل المنكر قضي عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تضطروا لناس في أيمانهم إلى ما لا يعلمون"، وإذا كان المدعي هو العالم مثل: أن يدعي على ورثة الميت حقًّا عليه يتعلق بتركته فهنا لهم رد اليمين عليه، فإذا لم يحلف لم يأخذ، وأما إذا كان المدعي يدعي العلم والمنكر يدعي العلم فهنا يتوجه القولان (2) .
وكل ناكل لا يقضي عليه بالنكول كاللعان ونحوه فهل يخلى سبيله أو يحبس حتى يقر أو يحلف على وجهين: أحدهما: يخلى سبيله، والوجه الثاني: يحبس حتى يقر أو يحلف، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: إذا قلنا يحبس فينبغي جواز ضربه كما يضرب الممتنع من اختيار إحدى نسائه إذا أسلم والممتنع من قضاء الدين كما يضرب المقر بالمجهول حتى يفسر (3) .
والدعوى في التهمة كسرقة يعاقب المدعي عليه الفاجر، وأنه لا يجوز إطلاقه ويحبس المستور.. وقال في الأحكام السلطانية:
يحبسه وال. قال: وظاهر كلام الإمام أحمد: وقاض أيضًا، وأنه يشهد له قوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} إلى قوله: {الْكَاذِبِينَ} حملنا على
__________
(1) فروع (6/ 467) ، ف (2/421) وتقدمت.
(2) مختصر الفتاوى (607) ، ف (2/ 422) .
(3) إنصاف (12/ 113) ، ف (2/ 422) .
(5/189)

الحبس لقوة التهمة، وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله الأول قول أكثر العلماء، واختار تعزير مدع بسرقة ونحوها على من يعلم براءته واختار بأن خبر من له رائي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة كما تقدم (1) .
قال الإمام أحمد في رواية مهنا: في الرجل يقيم الشهود أيستقيم للحاكم أن يقول: احلف؟ فقال: قد فعل ذلك علي بن أبي طالب، قيل: ويقيم ذلك؟ قال: قد فعل ذلك علي بن أبي طالب.
وقال في رواية إبراهيم بن الحارث في رجل جاء بشهود على حق فقال المدعى عليه: استحلفه لم يلزم المدعي اليمين.
فحمل القاضي الرواية الأولى على ما إذا ادعى على صبي أو مجنون أو غائب، والثانية على ما إذا ما ادعى على غيره.
وحمل أبو العباس الرواية الأولى على أن للحاكم أن يفعل ذلك إذا أراد مصلحة لظهور ريبة في الشهود؛ لا أنه يجب مطلقا، والثانية على أنه لا يجب مطلقًا، فلا منافاة بين الروايتين كما قلنا في تفريق الشهود بين
"أين"، و"حتى" (2) و"كيف"؟ فإن الحاكم يفعل ذلك عند الريبة ولا يجب فعله في كل شهادة وكذلك تغليظ اليمين للحاكم أن يفعله عند الحاجة (3) .
قصة أبي قتادة وخزيمة تقتضي الحكم بالشاهد في الأموال.
وقال القاضي في التعليق: الحكم بالشاهد الواحد غير متبع، كما قاله المخالف في الهلال في الغيم وفي القابلة على أنا لا نعرف الرواية بمنع الجواز.
__________
(1) إنصاف (11/ 260) وفروع (6/480) ، ف (2/422) .
(2) كذا بالأصل ولعله ومتى.
(3) اختيارات (343، 344) ، ف (2/ 422) .
(5/190)

قال أبو العباس: وقد يقال: اليمين مع الشاهد الواحد حق للمستحلف، وللإمام فله أن يسقطها وهذا أحسن (1) .
ولو قيل: إنه يحكم بشهادة امرأة واحدة مع يمين الطالب في الأموال لكان متوجها؛ لأنهما أقيما مقام الرجل في التحمل.
وتثبت الوكالة ولو في غير المال بشاهد ويمين وهو رواية عن أحمد
والإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة بدليل الأمة السوداء في الرضاع، فإن عقبة بن الحارث أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - "أن المرأة أخبرته أنها أرضعتهما" فنهاه عنها من غير سماع من المرأة، وقد احتج به الأصحاب في قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فلولا أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة ما صحت الحجة، يؤيده: أن الإقرار بحكم الحاكم بالعقد الفاسد يسوغ للحاكم الثاني أن ينفذه مع مخالفته لمذهبه (2) .
وقال ابن القيم رحمه الله في شهادة الرهن بقدر الدين: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره فالقول قول المرتهن مع يمينه ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن عند مالك وأهل المدينة، وخالفه الأكثرون ومذهبه أرجح، واختاره شيخنا رحمه الله (3) .
قال الأصحاب: ومن ادعى أنه اشترى أو أتهب من زيد عبده، وادعى آخر كذلك، أو ادعى العبد العتق، وأقاما بينتين بذلك صححنا أسبق التصرفين وإن علم التأريخ، وإلا تعارضتا فيتساقطان أو يقتسماه، أو يقرع على الخلاف، وعن أحمد: تقدم بينة العتق.
__________
(1) اختيارات (363) ، ف (2/ 422) .
(2) اختيارات (363) ، ف (2/ 422) .
(3) الطرق الحكمية (213) ، ف (2/ 422) .
(5/191)

قال أبو العباس: الأصوب أن البينتين لم يتعارضا فإنه من الممكن أن يقع العقدان، لكن يكون بمنزلة ما لو زوج الوليان المرأة وجهل السابق، فإما أن يقرع بينهما أو يبطل العقدان بحكم أو بغير حكم.
ولو قامت بينة بأن الولي أجر حصة مولية بأجرة مثلها وبينة بنصفها أخذ بأعلى البينتين قاله طائفة من العلماء.
قال في المحرر: ولو شهد شاهدان أنه أخذ من صبي ألفا، وشاهدان على رجل آخر أنه أخذ من هذا الصبي ألفا لزم الولي أن يطالبهما بالألفين، إلا أن تشهد البينتان على ألف بعينها فيطلب الولي ألفا من أيهما شاء.
قال أبو العباس: الواجب أن يقرع هنا إذا لم يكن فعل كل منهما مضمنا، نقل مهنا عن أحمد في عبد شهد له رجلان بأن مولاه باعه نفسه بألف درهم وشهد لمولاه رجل آخر أنه باعه بألفين، يعتق العبد، ويحلف لمولاه أنه لم يبعه إلا بألف.
قال القاضي: فقد نص على الشاهد واليمين في قدر العوض الذي وقع العتق عليه.
قال أبو العباس: بل اختلف الشاهدان، وليس هذا مما يتكرر فلم يجعل للسيد أن يحلف مع شاهده الأكبر لاختلافهما كما لا يحلف مع شاهده بالقيمة الكثيرة (1) .
لو ادعى الزوجية اثنان وأقرت لهما وأقاما بينتين قدم أسبقهما فإن جهل عمل بقول الولي، وقال في الرعاية، يعمل بقول الولي المجبر، وقال في المغني: يسقطان ويحال بينهما ولم يذكر الولي.
__________
(1) اختيارات (353، 354) ، ف (2/ 422) .
(5/192)

وقال الشيخ تقي الدين: مقتضى كلام القاضي أنها إذا كانت بيد أحدهما: مسألة الداخل والخارج (1) .
وإن شهد أن هذا ابنه لا وارث له غيره وبينة أن هذا ابنه لا وارث له غيره قسم المال بينهما لأنه لا تنافي ذكره في عيون المسائل والمغني، قال الشيخ في فتاويه، إنما احتاج إلى إثبات لا وارث سواه، لأنه يعلم ظاهرا، فإن بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعرف باطن أمره؛ بخلاف دينه على الميت لا يحتاج إلى إثبات «لا دين عليه سواه» لخفاء الدين؛ ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع على يقين انتقالها (2) .
وإذا مات رجل وادعى آخر أنه وارثه قال في المحرر: حكم له بتركته وإن كان الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة وإلا ففي الاستكشاف معها وجهان: انتهى، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: لا بد أن تقيد المسألة بأن لا يكون الميت ابن سبيل ولا غريبا (3) .
وإن تنازع الزوجان أورثتهما أو أحدهما وورثة الآخر ولو أن أحدهم مملوك نقله مهنا في قماش البيت.. وكذا صانعان في آلة دكانهما فآلة كل صنعة لصانعها.
وقال القاضي في المسألتين: إذا كان بيدهما المشاهدة فبينهما وإن كان بيد أحدهما المشاهدة فله، ويتوجه طرده فيما تقدم.
قال شيخنا: وكلام القاضي في التعليق يقتضي أن المدعي متى كان بيديهما وإن لم يكونا بدكان كالزوجين.
__________
(1) الإنصاف (12/ 125) ، ف (2/ 422) .
(2) فروع (6/ 557) ، ف (2/ 423) .
(3) إنصاف (12/ 19، 20) ، ف (2/ 424) .
(5/193)

فصل

وإن كانت بيد ثالث فادعاها لنفسه حلف لكل واحد يمينًا، فإن نكل أخذها منه وبدلها واقترعا عليها، وقيل: يقتسمانها كَناكِلٍ مقر لهما. وقيل: من قرع منهما وحلف فله.
وقال شيخنا: قد يقال: تجزئ يمين واحد (1) .
__________
(1) فروع (4/ 519) ، ف (2/ 424) .
(5/194)

كتاب الشهادات

ويجب على من طلبت من الشهادة أداؤها، بل إذا امتنع الجماعة من الشهادة أثموا كلهم باتفاق العلماء، وقدح ذلك في دينهم وعدالتهم (1) .
والطلب العرفي أو مقتضى الحال في طلب الشهادة كاللفظي، علمها المشهود له أو لا؟ وهو ظاهر الخبر وخبر "يشهد ولا يستشهد" محمول على شهادة الزور.
وإذا أدى العبد شهادة قبل الطلب قام بالواجب، وكان أفضل، كمن عنده أمانة أداها عند الحاجة، والمسألة تشبه الخلاف في الحكم قبل الطلب.
وإذا غلب على ظن الشاهد أنه يمتحن فيدعى إلى القول المخالف للكتاب والسنة أو إلى محرم فلا يسوغ له أداء الشهادة وفاقا، اللهم إلا أن يظهر قولا يريد به مصلحة عظيمة (2) .
ويجوز أخذ الأجرة على أداء الشهادة وتحملها، ولو تعينت إذا كان محتاجًا، وهو قول في مذهب أحمد، ويحرم كتمها ويقدح في عدالته (3) .
__________
(1) مختصر الفتاوى (604) ، ف (2/ 424) .
(2) اختيارات (354) ، ف (2/ 424) .
(3) اختيارات (354) ، ف (2/ 424) .
(5/195)

الشهادة سبب موجب للحق، وحيث امتنع أداء الشهادة امتنعت كتابتها في ظاهر كلام أبي العباس والشيخ أبي محمد المقدسي (1) .
ويجب على الشاهد أداء الشهادة إذا طلبت منه ولو كان الشهود أكثر من نصاب الشهادة.
وأما إن كان المطلوب لا يتم النصاب إلا به فقد تعينت عليه إجماعا، إلا أن تكون الشهادة بجوز أو كذب ونحوه فلا يجوز أن يعان الظالم على ذلك لا بشهادة ولا غيرها (2) .
ولا تقبل الشهادة إلا بلفظ الشهادة فإن قال أعلم أو أُحق لم يحكم به.
وعنه: يصح، ويحكم بها، اختارها أبو الخطاب والشيخ تقي الدين (3) .
قال شيخنا: فاشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من الصحابة، ولا يتوقف لفظ الشهادة لغة على ذلك وبالله التوفيق (4) .
ولا يشترط في أداء الشهادة لفظة أشهد وهو مقتضى قول أحمد، قال علي بن المديني، أقول: إن العشرة في الجنة، ولا أشهد، فقال أحمد: متى قلت فقد شهدت، وقال ابن هانئ لأحمد: تفرق بين العلم والشهادة في أن العشرة في الجنة قال: لا، وقال الميموني: قال أبو عبد الله: وهل معنى القول أو الشهادة إلا واحدا؟ قال أبو طالب: قال أبو عبد الله: العلم شهادة، وزاد أبو بكر بن حماد قال أبو عبد الله:
__________
(1) اختيارات (354) ، ف (2/ 424)
(2) مختصر الفتاوى (604، 605) .
(3) إنصاف (12/ 108) ، ف (2/ 424) .
(4) الطرق الحكمية (204) ، ف (2/ 424) .
(5/196)

{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [86/58] ، وقال: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} [81/12] ، وقال المروذي: أظن أني سمعت أبا عبد الله يقول: هذا جهل أقول: فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أشهد أنها بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو العباس: ولا أعلم نصا يخالف هذا ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي اشتراط لفظ أشهد.
ويعرض في الشهادة إذا خاف الشاهد من إظهار الباطن ظلم المشهود عليه، وكذلك التعريض في الحكم إذا خاف الحاكم من إظهار الأمر وقوع الظلم عليه، وكذلك التعريض في الفتوى والرواية كاليمين وأولى، إذ اليمين خبر وزيادة (1) .
وإذا شهد أن العين كانت ملكه حين خرجت من يده بغير حق حكم له بها.
وإما إن شهد أنها كانت ملكه فقط فهل يحكم له بذلك؟ على وجهين في مذهب أحمد، وقولين للشافعي.
وإن شهد بسبب الملك وظهوره مثل: أن يشهد أنه ابتاعه، أو ورثه أو حكم له به الحاكم الفلاني، فإن الحاكم هنا يحكم باستصحاب الحال إذا لم يثبت معارض راجح، والشاهد لا يشهد بناء على استصحاب الحال، ولا أعلم في الأولى خلافا أن الحاكم يحكم باستصحاب الحال باتفاق العلماء.
وأما صورة الخلاف فإن البينة لما شهدت بالملك في الماضي وسكتت عنه في الحال كان هذا ريبة تجوز أن البينة علمت بالزوال وسكتت عن ذلك، وأما إذا شهدت بسبب الملك لم يكن فيه ريبة، والأصل بقاء الملك، وإذا شهدت أنه لم يزل ملكه إلى أن غصبت منه
__________
(1) اختيارات (362) فيها زيادة ف (2/424) .
(5/197)

أو استعيرت أو زالت يده عنه بغير حق، كما لو شهدت له أنه لم يزل ملكه عنه إلى أن مات فإنه يحكم به للورثة حتى تقوم حجة بما يخالف ذلك.
وكذلك هناك يحكم للذي كان حائزًا إلى حين زوال حوزه، كزوال الملك، ولا أعلم في هذا خلافًا، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، فإن الغاصب والمستعير وغيرهما إذا جحدوا ملك غيرهم فشهدت البينة أنه لم يزل ملكه إلى حين الغصب، مثلاً احتاجوا إلى إثبات الانتقال إليهم، وإلا فالأصل بقاء الملك، وقد علم أن زوال اليد بالعدوان فلا يقبل أن اليد يده إذا عرف من مستندها ما يصلح مستندًا له من زوال اليد المحققة والانتقال إلى يد عادية، أما هذه البينة أو غيرها فلا يكلف رب البينة بقاء الملك إلى حين الدعوى لتعذر ذلك أو لعسره وفيه معونة عظيمة لكل سارق وناهب.
يوضح ذلك أن الحاكم يحكم باستصحاب اليد وبغيرها من الطرق التي تفيد غالب الظن، والشاهد لا يشهد إلا بالعلم؛ لأن الحاكم لا بد له من فصل الحكومة فيفصلها لأقوى الجانبين حجة (1) .
قال أحمد في رواية حرب: من كان أخرس فهو أصم لا تجوز شهادته قيل له فإن كتبها؟ قال: لم يبلغني في هذا شيء، واختار الجد قبول الكتابة، ومنعها أبو بكر.
وقول أحمد: فهو أصم لا تجوز شهادته، يقتضي أنه منع شهادته لعدم سماعه فهذا منتف فيما رآه.
قال الأصحاب: تجوز شهادة الأعمى في المسموعات (2) وفيما رآه
__________
(1) مختصر الفتاوى (604) ، ف (2/ 424) .
(2) عبارة الفروع: فيما سمعه.
(5/198)

قبل عماه إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه (1) وإن لم يعرفه إلا بعينه (2) فوجهان وكذلك الوجهان إذا تعذر حضور المشهود عليه أو به لموت أو غيبة أو حبس، ويشهد البصير على حليته، إذ في الموضعين تعذرات الرؤية من الشاهد.
فأما الشاهد نفسه: هل له أن يعين ما رآه وكتب صفته أو ضبطها ثم رأى شخصًا بتلك الصفة؟ هذا أبعد. وهو شبيه بخطه إذا رآه ولم يذكر الشهادة.
قال القاضي: فإن قال الأعمى: أشهد أن لفلان هذا على فلان هذا ولم يذكر اسمه ونسبه أو شهد البصير على رجل من وراء حائط ولم يذكر اسمه ونسبه لم يصح ذكره محل وفاق.
قال أبو العباس: قياس المذهب أنه إذا سمع صوته صحت الشهادة عليه أداء، كما تصح تحملاً، فإنا لا نشترط رؤية المشهود عليه حين التحمل ولو كان شاهدًا بصيرًا فكذلك لا يشترط عند الأداء، وهذا نظير إشارة البصير الحاضر إذا سماه ونسبه، وهو لا يشترط في أصح الوجهين فكذلك إذا أشار إليه لا تشترط رؤيته.
وعلى هذا فتجوز شهادة الأعمى على من سمع صوته وعرفه وإن لم يعرف اسمه ونسبه ويؤديها عليه إذا سمع صوته (3) .
ويشهد بالاستفاضة ولو عن واحد تسكن نفسه إليه اختاره الجد (4) .
__________
(1) في الفروع زيادة «وما يتميز به» .
(2) وفي الفروع: «وإن عرفه يقينا بعينه أو صوته فوصفه للحاكم وشهد» فوجهان ونصه: يقبل، وقال شيخنا: وكذا إن تعذر رؤية العين المشهود لها أو عليها أو بها لموت أو غيبة إنصاف (12/ 62) .
(3) اختيارات (360، 361) ، ف (2/ 424) .
(4) اختيارات (355) ، ف (2/ 424) .
(5/199)

وفي التعليق وغيره: الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة وأنها تحصل بالنساء والعبيد، وقال شيخنا: هي نظير أصحاب المسائل عن الشهود على الخلاف (1) .
قال القاضي: لا تصح الشهادة بمجهول ولا لمجهول، قال أبو العباس: وفي هذا نظر؛ بل تصح الشهادة بالمجهول ويقضي له بالمتيقن، وللمجهول يصح في مواضع كثيرة، أما حيث يقع الحق مجهولاً فلا ريب فيها، كما لو شهد بالوصية بمجهول أو لمجهول، أو شهد باللقطة أو اللقيط، والمجهول نوعان: مبهم كأحد هذين، ومطلق كثوب وعبد، وكذلك في البيع والإجارة والصداق، كما قلنا في الواجب المخير والمطلق.
قال أبو العباس: وقد سئلت عن بينة شهدت بوقف سهم من دار معينة من دور، ثم تهدمت وصارت عرصة فلم تعرف عين تلك الدار التي فيها السهم ولا عدد الدور، فقلت: يحتمل أن يقرع قرعتين، قرعة لتعيين الدار، وقرعة لتعيين ذلك السهم وكذلك في كل حق اختلط بغيره وجهلنا القدر فيقرع للمقدر فيكتب رقاعًا بأسماء العدد ثم يخرج لعدد الحق الفلاني (2) .
وكذا تجوز الشهادة على المزارعة لمن لم ير جوازها لأن ذلك محل اجتهاد. وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام (3) .
وقال الشيخ تقي الدين: ولا يعتبر في أداء الشهادة قوله: وأن
__________
(1) فروع (6/ 563) والإنصاف (12/ 13) .
(2) اختيارات (355) ، ف (2/ 424) .
(3) اختيارات (132) ، ف (2/ 424) .
(5/200)

الدين باق في ذمة الغريم إلى الآن، بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبق الحق إجماعا (1) .

فصل

ذكر القاضي أن الخلاف عند الأصحاب في الشهادة شهادة الصبيان على الجراح الموجبة للقصاص، فأما الشهادة بالمال فلا تقبل، قال الشيخ تقي الدين: وهذا عجيب من القاضي؛ فإن الصبيان لا قود عليهم، وإنما الشهادة بما يوجب المال، ذكره في القواعد الأصولية (الإنصاف 12/ 38) .
وقال شيخنا في الذمي إذا زنا بالمسلمة قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره هذا نص كلامه (2) .
وإذا حضر الموت وليس عنده مسلم فله أن يشهد من حضره من أهل الذمة في الوصية ويحلفوا إذا شهدوا وهذا قول جمهور السلف وهو قول إمام الأئمة أحمد وأبي عبيد، وعليه يدل القرآن والسنة.
وهذا مبني على أصل وهو أن الشهادة عند الحاجة يجوز فيها مثل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال (3) .
قال شيخنا رحمه الله: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع (4) وهو ضرورة يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا.
__________
(1) إنصاف (11/ 272) وتقدمت ف (2/ 424) .
(2) الطرق الحكمية (202) وتقدم ف (2/ 424) .
(3) مختصر الفتاوى (604) ، ف (2/ 425) .
(4) يعني في السفر إذا لم يوجد أحد من المسلمين انظر الطرق الحكمية (182) .
(5/201)

قال الشيخ: ويؤيد هذا ما ذكره القاضي وغيره، محتجًا به وهو في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد، أن رجلاً من المسلمين خرج فمر بقرية فمرض ومعه رجلان من المسلمين: فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه، فلم يجد أحدًا من المسلمين في تلك القرية فدعوا أناسًا من اليهود والنصارى فأشهدوهم على ما دفع إليهما وذكر القصة فانطلقوا إلى ابن مسعود فأمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق، فحلفوا فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودي والنصراني، وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه (1) .
قال شيخنا رحمه الله: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تعتبر، وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم (2) .
وشهادة الفاسق مردودة بنص القرآن واتفاق المسلمين، وقد يجيز بعضهم الأمثل فالأمثل، من الفساق عند الضرورة إذا لم يجد عدول ونحو ذلك، وأما قبول شهادة الفاسق فهذا لم يقله أحد من المسلمين (3) .
وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [282/2] يقتضي أنه يقبل في الشهادة على حقوق الآدميين من رضوه شهيدًا بينهم ولا ينظر إلى عدالته، كما يكون مقبولاً عليهم فيما ائتمنوه عليه.
وقوله تعالى: في آية الرجعة والوصية {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}
__________
(1) الطرق الحكمية (192) ، ف (2/ 425) .
(2) الطرق الحكمية (193) ، ف (2/ 425) .
(3) مختصر الفتاوى (604) ، ف (2/ 425) .
(5/202)

[106/5] {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [2/65] ولم يصف الرجلين نفسهما بأنهما عدل بل وصفهما بأنهما ذوا عدل أي صاحبا عدل.
والعدل في المقال هو الصدق والبيان الذي هو ضد الكذب والكتمان كما بينه تعالى في قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [102/6] والعدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر.
وبهذا يمكن الحكم بين الناس وإلا فلو اعتبر في شهود كل طائفة ألا يشهد عليهم إلا من يكون قائما بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كان الصحابة رضي الله عنهم لبطلت الشهادات كلها أو غالبها.
وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا فسر الفاسق في الشهادة بالفاجر وبالمتهم فينبغي أن يفرق بين حال الضرورة وعدمها كما قلنا في الكفار.
وقال أبو العباس في موضع آخر: ويتوجه أن تقبل شهادة المعروفين بالصدق وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضرورة مثل: الجند، وجفاة البدو، وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل.
وله أصول، منها قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وشهادة بعضهم على بعض في قول وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وشهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه الرجال.
ويظهر ذلك بالمحتضر في السفر إذا حضره اثنان كافران واثنان مسلمان يصدقان وليس بملتزمين للحدود، أو اثنان مبتدعان، فهاذان خير من الكافرين.
(5/203)

والشروط التي في القرآن إنما هي في تحمل الشهادة، لا في الأداء.
وينبغي أن نقول في الشهود ما نقول في المحدثين، وهو أنه من الشهود من تقبل شهادته في نوع دون نوع أو شخص دون شخص، كما أن في المحدثين كذلك.
ونبأ الفاسق ليس بمردود بل هو موجب للتبين والتثبت كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *} [6/49] وفي القراءة الأخرى: {فتثبتوا} فعلينا التبين والتثبت عند خبر الفاسق الواحد ولم نؤمر به عند خبر الفاسقين، وذلك أن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الواحد، أما إذا علم أنهما لم يتواطئا فهذا قد يحصل به العلم.
وترد الشهادة بالكذبة الواحدة، وإن لم نقل هي كبيرة وهي رواية عن الإمام أحمد.
ومن شهد على إقرار كذب مع علمه بالحال أو تكرر منه النظر إلى الأجنبيات والقعود في مجالس تنتهك فيها المحرمات الشرعية قدح ذلك في عدالته (1) ولا يستريب أحد فيمن صلى محدثًا أو إلى غير القبلة، أو بعد الوقت أو بلا قراءة أنها كبيرة.
ويحرم اللعب بالشطرنج، وهو قول أحمد وغيره من العلماء، كما لو كان بعوض أو تضمن ترك واجب أو فعل محرم إجماعًا وهو شر من النرد وقاله مالك.
ومن ترك الجماعة فليس عدلاً، ولو قلنا هي سنة.
__________
(1) وعبارة الفروع: النظر إلى الأجنبيات والقعود له بلا حاجة شرعية قدح في عدالته.
(5/204)

وتحرم محاكاة الناس على وجه السخرية المضحكة ويعزر فاعلها هو ومن يأمره بها، لأنه أذى.
ومن دخل قاعات البغايا، فتح على نفسه باب الشر وصار من أهل التهم عند الناس؛ لأنه اشتهر عمن اعتاد دخولها وقوعه في مقدمات الجماع المحرم أو فيه.
والعشرة المحرمة، والنفقة في غير الطاعة، وعلى كافل الأمرد منعه منها، ومن عشرة أهلها ولو لمجرد خوف وقوع الصغائر فقد بلغ عمر رضي الله عنه: أن رجلاً تجتمع إليه الأحداث فنهى عن الاجتماع به لمجرد الريبة.
وتقبل شهادة الكافر على المسلم في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيره، وهو مذهب أحمد، ولا تعتبر عدالتهم، وإن شاء لم يحلفهم بسبب حق الله.
ولو حكم حاكم بخلاف آية الوصية ينقض حكمه؛ فإنه إنما خالف نص الكتاب بتأويلات سمجة.
وقول أحمد: أقبل شهادة أهل الذمة إذا كانوا في سفر ليس فيه غيرهم هذه ضرورة.
يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة، حضرا، وسفرا، وصية، وغيرها وهو متجه.
كما تقبل شهادة النساء في الحدود إذا اجتمعن في العرس، أو الحمام ونص عليه أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه.
ونقل ابن صدقة في الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق بعض عبيده ولا يحضره إلا النساء، هل تجوز شهادتهن؟ قال: نعم، تجوز شهادتهن في الحقوق.
(5/205)

والصحيح قبول شهادة النساء في الرجعة فإن حضورهن عندها أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق في الديون.
وعن أحمد في شهادة الكفار في كل موضع ضرورة غير المنصوص عليه روايتان، لكن التحليف هنا لم يتعرضوا له فيمكن أن يقال: لا تحليف، لأنهم إنما يحلفون حيث تكون شهادتهم بدلا في التحمل، بخلاف ما إذا كانوا أصولاً قد علموا من غير تحمل.
وقال أبو العباس في موضع آخر: ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان وجها، وتكون شهادتهم بدلا مطلقا.
وإذا قبلنا شهادة الكفارة في الوصية في السفر فلا يعتبر كونهم من أهل الكتاب وهو ظاهر القرآن.
وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب في انتصاره ومذهب أبي حنيفة وجماعة من العلماء.
ولو قيل: إنهم يحلفون مع شهادة بعضهم على بعض كما يحلفون على شهادتهم على المسلمين، في وصية السفر لكان متوجهًا.
وشهادة الوصي على الميت مقبولة، قال في المغني: لا نعلم فيه خلافًا.
قال أبو العباس: إلا أن يقال: قد يستفيد بهذه الشهادة نوع ولاية في تسليم المال، ومثله شهادة المودع يقول: أودعنيها فلان، ومالكها فلان.
والواجب في العدو أو الصديق ونحوهما: أنه إن علم منهما العدالة الحقيقية قبلت شهادتهما وأما إن كانت عداوتهما ظاهرة مع إمكان أن يكون الباطن بخلافه لم تقبل، ويتوجه هذا في الأب ونحوه.
(5/206)

وتقبل شهادة البدوي على القروي في الوصية في السفر، وهو أخص من قول من قبلها مطلقا، أو منع منها مطلقًا، وعلل القاضي وغيره منع شهادة البدوي على القروي بأن العادة أن القروي إنما يشهد على أهل القرية دون أهل البادية.
قال أبو العباس: فإذا كان البدوي قاطنًا مع المدعيين في القرية قبلت شهادته لزوال هذا المعنى، فيكون قولا آخر في المسألة مفصلاً.
وقال أبو العباس في قوم أجروا شيئًا: لا تقبل شهادة أحد منهم على المستأجر لأنهم وكلاء أو أولياء (1) .
ولا تشترط الحرية (2) في الشهادة، وهو رواية في مذهب أحمد.
وظاهر كلام أبي العباس: ولو في الحدود والقصاص، وهو مذهب أحمد.
والشهادة في مصرف الوقف مقبولة، وإن كان مستندها الاستفاضة في أصح القولين (3) .
ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة.. قال الشيخ تقي الدين قال أصحابنا: والاثنتان أحوط من المرأة الواحدة (4) .
__________
(1) وعبارة الإنصاف قال الشيخ تقي الدين في قوم في ديوان أجروا شيئًا لا تقبل شهادة أحد منهم على مستأجره لأنهم وكلاء أو ولاة، قال: ولا شهادة ديوان الأموال السلطانية على الخصوم اهـ الإنصاف (12/ 73) .
(2) وفي الإنصاف (12/ 60) ولا تشترط لكن ليس عن تقي الدين، وآخر الكلام في الاختيارات يؤكد سقوط لام النفي.
(3) اختيارات (356-361) أكثرها ليس موجودا في المجموع وهي شاملة ف (2/ 425) .
(4) إنصاف (12/ 71) ، ف (2/ 425) .
(5/207)

ونقل جماعة: من ترك الوتر ليس عدلاً، وقاله شيخنا في الجماعة على أنها سنة، لأنه يسمى ناقص الإيمان (1) .
ويعتبر أيضًا اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرة.. وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد نص عليه، وعند شيخنا، أو غضب أو لعنة أو نفي الإيمان، قال: ولا يجوز أن يقع نفي الإيمان لأمر مستحب، بل لكمال واجب (2) .
ومن أتى فرعًا مختلفًا فيه يعتقد تحريمه ردت شهادته نص عليه وقيل: لا، كمتأول.
وفيه في الإرشاد: إلا أن يجيز ربا الفضل أو لا يرى الماء من الماء لتحريمهما الآن، وذكرهما شيخنا مما خالف النص من جنس ما ينقض فيه حكم الحاكم.
وقال الشيخ تقي الدين: اختلف الناس في دخول الفقهاء في أهل الأهواء فأدخلهم القاضي وغيره وأخرجهم ابن عقيل وغيره (3) .
وعنه: يفسق متأول لم يسكر من نبيذ، اختاره في الإرشاد والمبهج، قال الزركشي: وعلله ابن الزاغوني.. وفيه في الواضح روايتان واختلف فيه كلام الشيخ تقي الدين (4) .
ومن أخذ بالرخص فنصه: يفسق وذكره ابن عبد البر إجماعًا، وقال شيخنا كرهه العلماء (5) .
__________
(1) فروع (6/ 561) ، ف (2/ 425) .
(2) فروع (6/ 564) ، ف (2/ 425) .
(3) فروع (6/ 570) وإنصاف (12/ 50) ، ف (2/ 425) .
(4) إنصاف (12/ 49) ، ف (2/ 426) .
(5) فروع (6/ 571) والإنصاف (12/ 50) ، ف (2/ 426) .
(5/208)

ومن قصد خروج الريح منه ليضحك الجماعة، فإنه يعزر على ذلك، وترد شهادته فقد ذكر العلماء أن هذا عمل قوم لوط، ومن لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله، وقد قال طائفة في قول تعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [29/29] أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، وينصبون مزالق يزلق بها المارة ونحو ذلك (1) .
"إن الذي يحدث ليضحك الناس ويل له ثم ويل له" والمصر على ذلك فاسق، مسلوب الولاية، مردود الشهادة (2) .
إذا مات الرجل وقد قال لأولاده: إنه طلق امرأته من مدة، واتفقوا مع بعض الشهود من أصحاب الميت فشهدوا بذلك وهم من أصحابه المباطنين له، وكانت المرأة مقيمة معه إلى أن توفي يخلو بها وهم يعلمون ذلك في العادة؛ فإن شهادتهم مرودة، لأن إقرارهم له على خلوتها بعد الطلاق يجرح عدالهم (3) .
قال ابن القيم رحمه الله في الحكم بالتواتر: وإن لم يكن المخبرون عدولا ولا مسلمين.
قال شيخنا: وهذا يقتضي أن القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية (4) .

موانع الشهادة وعدد الشهود

ولو شهد أحد الغانمين بشيء من المغنم قبل القسمة فإن قلنا: ملكوه لم تقبل شهادته، كشهادة أحد الشريكين للآخر، وإن قلنا: لم
__________
(1) مختصر الفتاوى (605) ، ف (2/ 426) .
(2) مختصر الفتاوى (605) ، ف (2/ 426) .
(3) مختصر الفتاوى (607) ، ف (2/426) وتقدمت.
(4) الطرق الحكمية (200) ، ف (2/426) .
(5/209)

تملك قبلت ذكره القاضي في خلافه، وقال الشيخ تقي الدين: وفي قبولها نظر وإن قلنا لم تملك، لأنها شهادة تجر نفعًا (1) .

الشهادة على الشهادة

وقال الشيخ تقي الدين: الفرع يقول: أشهد على فلان أنه يشهد له، أو أشهد على شهادة فلان بكذا، فإن ذكر لفظ المسترعي فقال: أشهد على فلان أنه قال: إني أشهد فهو أوضح، فالحاصل أن الشاهد بما سمع: تارة يؤدي اللفظ، وتارة يؤدي المعنى.
وقال أيضا: والفرع يقول: أشهد أن فلانًا يشهد، أو بأن فلانًا يشهد فهو أولى رتبة، والثانية: أشهد أنه يشهد أو بأن يشهد، والثالث: أشهد على شهادته (2) .
وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى أو بدله بلا نزاع وعنه: يغرمون كل المهر، وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله: يغرمون مهر المثل (3) .
لو شهد بعد الحكم بمناف للشهادة الأولى فكرجوعه وأولى، قاله الشيخ تقي الدين (4) .
نقل الشيخ أبو محمد في الكافي عن أبي الخطاب أن الشهود إذا بانوا بعد الحكم كافرين أو فاسقين وكان المحكوم به إتلافا فإن الضمان عليهم دون المزكين والحاكم قال: لأنهم فوتوا الحق على مستحقه.
__________
(1) إنصاف (12/ 76) ، ف (2/ 426) قلت: وتقدم بعض ما يتعلق بعدد الشهود وأصنافهم، وكذلك أن من موانع الشهادة شهادة الدلالين على المستأجر، وشهادة الوصي على الميت إن كان قد يستفيد بها، وشهادة العدو على عدوه.
(2) إنصاف (12/ 92) ، ف (2/ 426) .
(3) إنصاف (12/ 98) ، ف (2/ 426) .
(4) إنصاف (12/ 104) ، ف (2/ 426) .
(5/210)

بشهادتهم الباطلة، قال أبو العباس: هذا ينبني على أن الشاهد الصادق إذا كان فاسقًا أو متهمًا بحيث لا يحل للحاكم الحكم بشهادته: هل يجوز له أداء الشهادة؟ إن جاز له أداء الشهادة بطل قول أبي الخطاب، وإن لم يجز كان متوجهًا لأن شهادتهم حينئذ فعل محرم، وإن كانوا صادقين كالقاذف الصادق.
وإذا جوزنا للفاسق أن يشهد جوزنا للمستحق أن يشهده عند الحاكم ويكتم فسقه، وإلا فلا.
وعلى هذا فلو امتنع الشاهد الصادق العدل أن يؤدي الشهادة إلا بجعل: هل يجوز إعطاؤه الجعل؟ إن لم نجعل ذلك فسقًا فعلى ما ذكرنا.
قال صاحب المحرر: وعنه لا ينتقض الحكم إذا كانا فاسقين، ويغرم الشاهدان المال، لأنهما سبب الحكم بشهادة ظاهرها الزور.
قال أبو العباس: وهذا يوافق قول أبي الخطاب، ولا فرق إلا في تسمية ضمانهما نقضًا وهذا لا أثر له، لكن أبو الخطاب يقوله في الفاسق وغير الفاسق على ما حكي عنه.
وهذه الرواية لا تتوجه على أصلنا إذا قلنا الجرح المطلق لا ينقض وكان جرح البينة مطلقًا، فإنه اجتهاد فلا ينقض به اجتهاد، ورواية عدم النقض أخذها القاضي من رواية الميموني عن أحمد في رجلين شهدا أنهما دفنا ههنا فلانا بالبصرة فقسم ميراثه، ثم إن الرجل جاء بعد وقد تلف ماله قد تبين للحاكم أنهما شهدا على زور أيضمنهما ماله؟ قال: وظاهر هذا أنه لم ينقض الحكم، لأنه لم يغرم الورثة قيمة ما أتلفوه من المال، بل أغرم الشاهدين ولو نقضه لأغرم الورثة.
قال: ويحتمل أنه أغرم الورثة ورجعوا بذلك على الشهود، لأنهم معذورون فيكون قوله: «يضمنهما» يعني: الورثة.
(5/211)

قال أبو العباس: النقض في هذه الصورة لا خلاف فيه فإن تبين كذب الشاهد غير تبين فسقه.
فقول أحمد: إما أن يكون ضمانًا في الجملة كسائر المتسببين، أو يكون ضمان استقرار كما دلت عليه أكثر النصوص من أن المعذور لا ضمان عليه.
ولو زكوا الشهود ثم ظهر فسقهم ضمن المزكون.
وكذلك يجب في الولاية لو أراد الإمام أن يولي قاضيًا أو واليًا لا يعرفه فيسأل عنه فزكاه أقوام ووصفوه بما يصلح معه للولاية ثم رجعوا أو ظهر بطلان تزكيتهم، فينبغي أن يضمنوا ما أفسده الوالي والقاضي، وذلك لو أشاروا عليه وأمروا بولايته.
لكن الذي لا ريب في ضمانه هو من تعهد المعصية منه مثل الخيانة مثل من يعلم منه الخيانة أو العجز ويخبر عنه بخلاف ذلك، أو يأمر بولايته، أو يكون لا يعلم حاله ويزكيه أو يشير به.
فأما إن اعتقد صلاحه وأخطأ فهذا معذور، والسبب ليس محرمًا.
وعلى هذا فالمزكي للعامل من المقترض والمشتري والوكيل كذلك (1) .
وشاهد الزور إذا تاب بعد الحكم فيما لا يبطل برجوعه فهنا قد يتعلق به حق آدمي، ثم تارة يجيء إلى الإمام تائبًا فهذا بمنزلة قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه، وتارة يتوب بعد ظهور تزويره فهنا لا ينبغي أن يسقط عنه التعزير.
__________
(1) اختيارات (346، 347) ، ف (2/ 446) .
(5/212)

ومن شهد بعد الحكم شهادة تنافي شهادته الأولى فكرجوعه عن الشهادة الأولى وأولى.
وأفتى أبو العباس في شاهد قاس بكذا، وكتب خطه بالصحة فاستخرج الوكيل على حكمه، ثم قاس وكتب خطه بزيادة فغرم الوكيل الزيادة.
قال أبو العباس: يغرم الشاهد ما غرمه الوكيل من الزيادة بسببه، تعمد الكذب أو أخطأ كالرجوع، والله سبحانه وتعالى أعلم (1) .

باب اليمين في الدعاوي

قال أصحابنا: ومن تغليظ اليمين بالمكان: اليمين عند صخرة بيت المقدس.
وليس له أصل في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، بل السنة أن تغليظ اليمين فيها كتغليظها في سائر المساجد عن المنبر.
والتغليظ بالمكان والزمان واللفظ لا يستحب على قول أبي البركات ويستحب على قول أبي الخطاب مطلقًا.
وكلام أحمد في رواية الميموني يقتضي التغليظ مطلقًا من غير تعليق باجتهاد الإمام.
ولنا قول ثالث: يستحب إذا رآه الإمام مصلحة فينبغي أنه إذا امتنع منه الخصم صار ناكلاً.
ولا يحلف المدعي عليه بالطلاق وفاقًا (2) .
__________
(1) فروع (6/601) واختيارات (364) ، ف (2/ 426) .
(2) اختيارات (354) ، ف (2/ 427) .
(5/213)

ومال الشيخ تقي الدين وصاحب النكت إلى وجوب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه على ما يأتي في كلامهما (1) .
ونقل المجد من تعليق القاضي: تغليظ اليمين على المجوس بالله الذي بعث إدريس رسولاً، لأنهم يعتقدون أنه الذي جاء بالنجوم التي يعتقدون تعظيمها.
ويغلظ على الصابئ «بالله الذي خلق النار» ؛ لأنهم يعتقدون تعظيم النار.
قال الشيخ تقي الدين: هذا بالعكس، لأن المجوس تعظم النار، والصابئة تعظم النجوم (2) .
لو أبى من وجبت عليه اليمين التغليظ لم يصر ناكلا، قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان مع زيد تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ فامتنع من الإجابة أدى ما أدعي به ولو لم يكن كذلك لم يكن في التغليظ زجر قط.
وقال الشيخ تقي الدين أيضا: متى قلنا هو مستحب، فينبغي إنه إذا امتنع منه الخصم يصير ناكلا (3) .
__________
(1) إنصاف (12/ 120) ، ف (2/ 427) .
(2) إنصاف (12/ 121) ، ف (2/ 427) .
(3) إنصاف (12/ 122) ، ف (2/ 427) .
(5/214)

كتاب الإقرار

والتحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدع، وإن أخبر بما على غيره لغيره، فإن كان مؤتمنًا عليه فهو مخبر، وإلا فهو شاهد
فالقاضي والوكيل والمكاتب والوصي والمأذون له كل هؤلاء ما أدوه فهم مؤتمنون فيه، فإخبارهم بعد العزل ليس إقرارًا، وإنما هو خبر محض (1) .
وإن قال: أنا مقر، أو خذها، أو اتزنها، أو اقبضها، أو أحرزها، أو هي صحاح -فعلى وجهين:
أحدهما: يكون مقرًا، واختاره الشيخ تقي الدين (2) .
ولا يجب عند أحد من العلماء أن يكتب في الوثائق أنه قادر مليء ولا يجوز أن يكتب ذلك إلا إذا علم أنه مقر به.
ولا يجوز تلقين الإقرار لمن لا يعلم أنه صادق فيه، ولا الشهادة عليه إلا إذا علم أنه كاذب في ذلك، كالعقود المحرمة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لعن آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه" ومن أقر بمثل هذا الكذب وشهد على الإقرار به أو لقنه أن يقول إنه مليء بالحق وهو غير مليء به بل لقنه ذلك مع علمه عاقبه ذلك من غضب الله فهو متبع هواه (3) .
__________
(1) اختيارات (364) ، ف (2/ 427) .
(2) إنصاف (12/ 16) ، ف (2/ 427) .
(3) مختصر الفتاوى (603) ، ف (2/427) .
(5/215)

وإذا خلف رجل مالاً بينه وبين آخر فأنكر الورثة حتى أبرأ وأخذوا منه بعض شيء لم يصح إبراؤهم، لأنهم مكرهون، وكذلك إذا قال: ما لكم عندي، غير كذا فأبرؤه، ثم ظهر أن لهم عنده غير ما أقر لهم به فلا يصح إبراؤهم من الزائد الذي كتمه (1) .
وإذا كان الإنسان ببلد سلطان ظالم أو قطاع طريق ونحوهم من الظلمة، فخاف أن يؤخذ ماله أو المال الذي يتركه لورثته أو المال الذي بيده للناس إما بحجة أنه ميت لا وارث له أو بحجة أنه مال غائب أو بلا حجة أصلاً، فيجوز له الإقرار بما يدفع عنه هذا الظلم ويحفظ هذا المال لصاحبه، مثل أن يقر لحاضر: أنه ابنه أو يقر أن له عليه كذا وكذا، أو يقر أن المال الذي بيده لفلان ويتأول في إقراره بأنه يعني بقوله: "ابني" كونه صغيرًا، أو بقوله: "أخي" أخوة الإسلام، وأن المال الذي بيده له، أي لأنه قبضه لكوني قد وكلته في إيصاله إلى مستحقه، لكن يشترط أن يكون المقر له أمينًا.
والاحتياط أن يشهد على المقر له أيضا: أن هذا الإقرار تلجئه، تفسيره كذا وكذا (2) .
وإن أقر لبهيمة لم يصح، وقيل: يصح كقولهم بسببها ويكون لمالكها فيعتبر تصديقه.
قال الشيخ تقي الدين عن هذا القول: هذا الذي ذكره القاضي في ضمن مسألة الحمل (3) .
وإن أقر من عليه ولاء بنسب وارث لم يقبل إقراره إلا أن يصدقه
__________
(1) مختصر الفتاوى (608) ، ف (2/ 427) .
(2) اختيارات (364،/ 365) ، ف (2/ 427) .
(3) إنصاف (12/ 145) ، ف (2/ 427) .
(5/216)

مولاه، وخرج في المحرر وغيره يقبل إقراره، واختاره الشيخ تقي الدين (1) .
وإن أقر من شك في بلوغه وذكر أنه لم يبلغ فالقول قوله بلا يمين، قطع به في المغني والمحرر لعدم تكليفه.
ويتوجه أن يجب عليه اليمين؛ لأنه إن كان لم يبلغ لم يضره، وإن كان قد بلغ حجر عليه فأقر بالحق، فقد نص أحمد في رواية ابن منصور إذا قال البائع: بعتك قبل أن تبلغ، وقال المشتري بعد بلوغك أن القول قول المشتري: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر التصرفات التي يشك فيها هل وقعت قبل البلوغ أو بعده؟ لأن الأصل في العقود الصحة، فإما إن يقال: هذا عام، وإما أن يفرق بين أن يتيقن أنه وقت التصرف كان مشكوكًا فيه غير محكومة يبلوغه أو لا يتيقن، فإنا مع تيقن الشك قد تيقنا صدور التصرف ممن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها، فقد شككنا في شرط الصحة، وذلك مانع من الصحة.
وأما في الحالة الأخرى، فإنه يجوز صدوره في حال الأهلية وحال عدمها والظاهر صدوره وقت الأهلية، والأصل عدمه قبل وقتها فالأهلية هنا متيقن وجودها.
ثم ذكر أبو العباس: أن من لم يقر بالبلوغ حتى تعلق به حق مثل إسلامه بإسلام أبيه أو ثبوت الذمة له تبعًا لأبيه أو بعد تصرف الولي له أو تزويج ولي أبعد منه لموليته- فهل يقبل منه دعوى البلوغ حينئذ، أم لا؟ لثبوت هذه الأحكام المتعلقة به في الظاهر قبل دعواه.
وأشار أبو العباس إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا راجع الرجعية زوجها، فقالت: قد انقضت عدتي.
وشبيه أيضا بما إذا ادعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهرًا كاللقيط
__________
(1) إنصاف (12/ 150، 151) ، ف (2/ 427) .
(5/217)

الكفر بعد البلوغ فإنه لا يسمع منه على الصحيح، وكذلك لو تصرف المحكوم بحريته ظاهرًا كاللقيط ثم ادعى الرق ففي قبول قوله خلاف معروف (1) .
وإذا أقر المريض مرض الموت المخوف لوارث فيحتمل أن يجعل إقراره لوارث كالشهادة فترد في حق من ترد شهادته له كالأب، بخلاف من لا ترد.
ثم هذا هل يحلف المقر له معه كالشاهد؟ وهل تعتبر عدالة المقر؟ ثلاث احتمالات.
ويحتمل أن يفرق مطلقًا بين العدل وغيره؛ فإن العدل معه من الدين ما يمنعه من الكذب ونحوه في براءة ذمته، بخلاف الفاجر.
ولو حلف المقر له مع هذا تأكد؛ فإن في قبول الإقرار مطلقا فساد عظيم، كذلك في رده أيضًا.
ويتوجه فيمن أقر في حق الغير وهو غير متهم كإقرار العبد بجناية الخطأ وإقرار القاتل بجناية الخطأ إذ يجعل المقر كشاهد، ويحلف معه المدعي فيما ثبت بشاهد آخر، كما قلنا في إقرار بعض الورثة بالنسب هذا القياس والاستحسان.
وإقرار العبد لسيده (2) ينبني على ثبوت مال السيد في ذمة العبد ابتداء ودوامًا، وفيه ثلاثة أوجه في الصداق.
وإقرار سيده له ينبني على أن العبد إذا قيل: يملك هل يثبت له دين على سيده؟ قال في الكافي: وإن أقر العبد بنكاح أو قصاص أو تعزير قذف صح (3) وإن كذبه الولي.
__________
(1) اختيارات (365) ، ف (2/ 427) .
(2) في الإنصاف زيادة: لم يصح على المذهب (12/ 114) .
(3) وفي الإنصاف (12/ 145) صح الإقرار وإن كذبه السيد.
(5/218)

قال أبو العباس: وهذا في النكاح فيه نظر؛ فإن العبد لا يصح نكاحه بدون إذن سيده لأن في ثبوت نكاح العبد ضررا عليه فلا يقبل إلا بتصديق السيد.
قال الأصحاب: وإن أقر لعبد غيره بمال صح وكان لسيده.
قال أبو العباس: وإذا قلنا يصح قبول الهبة والوصية بدون إذن السيد لم يفتقر الإقرار إلى تصديق السيد.
وقد يقال: بل (1) وإن لم نقل بذلك لجواز أن يكون قد يملك مباحا فأقر بعينه أو تلفه وتضمن قيمته (2) ، (3) .
وإذا حجر الولي على المأذون له فأقر بعد الحجر. قال القاضي وغيره: لا يقبل.
وقياس المذهب صحة إقراره مطلقا، كالحاكم والوكيل والوصي بعد العزل، لأن الحجر عندنا يتبعض (4) .

فصل

ولا تقبل الدعوى بما يناقض إقراره، إلا أن يذكر شبهة تجري بها العادة.
وإذا أنكر زوجية امرأته قدام الحاكم فلما أبرأته الزوجة بعد ذلك اعترف بالزوجية وطلق على مائتي درهم لم يبطل حقها بل هو باق في ذمته لها أخذه منه (5) .
__________
(1) في الإنصاف قال: وقد يقال: بلى.
(2) وفي الإنصاف وضمن قيمته.
(3) اختيارات (367) ، ف (2/ 427) .
(4) اختيارات (367) ، ف (2/ 427) .
(5) مختصر الفتاوى (608) ، ف (2/ 428) .
(5/219)

ومتى ثبت نسب المقر له من المقر ثم رجع المقر وصدقه المقر له فهل يقبل رجوعه؟ فيه وجهان حكاهما في الكافي.
وقال أبو العباس: إن جعل النسب فيه حقًّا لله تعالى فهو كالحرية وإن جعل حق آدمي فهو كالمال.
والأشبه أنه حق آدمي كالولاء.
ثم إذا قبل: الرجوع عنه لحق الأقارب الثابت من المحرمية ونحوها هل يزول؟ وكذلك لو تراضيا عن التصادق على النكاح فالمصاهرة الثابتة هل تزول أو تكون كالإقرار بالرق؟ تردد نظر أبي العباس في ذلك.
فأما إن ادعى نسبًا ولم يثبت لعدم تصديق المقر له، أو قال: أنا فلان ابن فلان، وانتسب إلى غير أب معروف، وقال: لا أب لي، أو لا نسب لي، ثم ادعى بعد هذا نسبًا آخر، أو ادعى أنه له أبا فقد ذكر الأصحاب في باب ما علق من النسب أن الأب إذا اعترف بالابن بعد نفيه قبل منه فكذلك غيره لأن هذا النفي والإقرار بمحل ومنكر لم يثبت به نسب، فيكون إقراره بعد ذلك مقبولاً، كما قلنا فيما إذا أقر بمال لمكذب إذا لم يجعله لبيت المال فإنه إذا ادعى المقر بعد هذا أنه ملكه قبل منه، وإن كان المقر به أرق نفسه فهو كغيره بناء على أن الإقرار المكذوب وجوده كعدمه.
وهناك على الوجه الآخر يجعله بمنزلة المال الضائع أو المجهول فيحكم بالحرية لحريته وبالمال ليثبت المال.
وهنا يكون بمنزلة مجهول النسب فيقبل به الإقرار ثابتا.
وسر المسألة: أن الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول.
والإقرار الذي لم يتعلق به حق لله ولا حق لآدمي هو من باب
(5/220)

الدعاوي فيصح الرجوع عنه، ومن أقر بطفل له أم فجاءت أمه بعد موت المقر تدعي زوجته فالأشبه بكلام أحمد ثبوت الزوجية، فهنا حمل على الصحة وخالف الأصحاب في ذلك.
ومن أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر وقال: ما قبضت، وسأل إحلاف خصمه فله ذلك في أصح قولي العلماء.
ولا يشترط في صحة الإقرار كون المقر به بيد المقر.
والإقرار قد يكون بمعنى الإنشاء كقوله تعالى: {قَالُوا أَقْرَرْنَا} [81/3] ولو أقر به وأراد إنشاء تمليكه صح.
ومن أنكر زوجية امرأة فأبرأته ثم أقر بها كان أو عليه ولاء بنسب له طلبه بحقها.
ومن أقر وهو مجهول النسب لوارث حي أخ أو عم فصدقه المقر له وأمكن قبل، صدقه الولي أو لا، وهو قول أبي حنيفة وذكره الجد تخريجا.
وكل صلة كلام معتبرة له للاستثناء، وغير المتقارب فيها متواصل، والإقرار مع استدراك متواصل وهو أحد القولين.
ولو قال في الطلاق أنه سبق لسانه لكان كذلك، ويحتمل أن يقبل الإضراب المتصل (1) .
وإن قال: غصبت هذا المال من زيد لا بل من عمرو لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو، وقيل: لا يغرم قيمته لعمرو، وقيل: لا بإقرار مع استدراك متصل واختاره الشيخ تقي الدين (2) .
__________
(1) اختيارات (367-369) ، ف (2/ 427) .
(2) إنصاف (12/ 197) ، ف (2/ 428) .
(5/221)

ومن أقر بملك ثم ادعى شراءه قبل إقراره لا يقبل ما يناقض إقراره إلا مع شبهة معتادة (1) .
وإن قال: قفيز حنطة بل قال قفيز شعير أو درهم بل دينار لزماه معًا، وقيل: يلزمه شعير والدينار فقط، قال في النكت: ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين قبول قوله في الإضراب مع الاتصال (2) .
ولو أبان زوجته في مرضه فأقر وارث شافعي أنه وارثه وأقبضها وأبرأها مع علمه بالخلاف لم يكن له دعوى ما يناقضه ولا يسوغ الحكم له.
وقياس المذهب فيما إذا قال: أنا مقر في جواب الدعوى أن يكون مقرا بالمدعي به لأن المفعول ما في الدعوى، كما قلنا في قوله: «قبلت» أن القبول ينصرف إلى الإيجاب لا إلى شيء آخر وهو وجه في المذهب.
وأما إذا قال: لا أنكر ما تدعيه فبين الإنكار والإقرار مرتبة، وهي السكوت.
ولو قال الرجل: أنا لا أكذب فلانا لم يكن مصدقًا له، فالمتوجه أنه مجرد نفي للإنكار إن لم ينضم إليه قرينة بأن يكون المدعي مما يعلمه المطلوب وقد ادعى عليه علمه وإلا لم يكن إقرارًا.
حكى صاحب الكافي عن القاضي أنه قال فيما إذا قال المدعي: لي عليك ألف، فقال المدعي عليه: قضيتك منها مائة، أنه ليس بإقرار، لأن المائة قد رفعها بقوله والباقي لم يقر به. وقوله: «منها» يحتمل ما يدعيه.
قال أبو العباس: هذا يخرج على أحد الوجهين في «أبرأتها» .
__________
(1) اختيارات (369) ، ف (2/ 428) .
(2) إنصاف (12/ 230) ، ف (2/ 428) .
(5/222)

و «أخذتها» و «قبضتها» أنه مقر بباقي الألف؛ لأن الهاء ترجع إلى المذكور، ويتخرج أن يكون مقرًا بالمائة على رواية في قوله: «كان له علي وقضيته» .
ثم هل يكون مقرا بها وحدها أو بالجميع؟ على ما تقدم.
والصواب في الإقرار المعلق بشرط: أن نفس الإقرار لا يتعلق، وإنما يتعلق المقر به، لأن المقر به قد يكون معلقا بسبب قد يوجبه، أو يوجب أداءه دليل يظهره.
فالأول كما لو قال مقر: إذا قدم زيد فعلي لفلان ألف، صح، وكذلك إن قال: إن رد عبده الآبق فله ألف ثم أقر بها فقال: إن رد عبده الآبق فله ألف صح.
وكذلك الإقرار بعوض الخلع لو قالت: إن طلقني أو عفا عني فله عندي ألف وأما التعليق بالشهادة فقد يشبه التحكيم.
ولو قال: إن حكمت علي بكذا التزمته. . لزمه عندنا فلذلك قد يرضى بشهادته وهو في الحقيقة التزام، وتزكية للشاهد، ورضى بشهادة واحد.
وإذا أقر العامي بمضمون محض وادعى عدم العلم بدلالة اللفظ ومثله يجهله قبل منه على المذهب.
وإذا أقر لغيره بعين له فيها حق لا يثبت إلا برضا المالك، كالرهن والإجارة ولا بينة، قال الأصحاب: لم يقبل ويتوجه أن يكون القول قوله؛ لأن الإقرار ما تضمن ما يوجب تسليم العين أو المنفعة فما أقر بما يوجب التسليم كما في قوله: «كان له علي ألف وقضيته» ، ولأنا نجوز مثل هذا الاستثناء في الإنشاءات في البيع ونحوه فكذلك في الإقرارات. والقرآن يدل على ذلك في آية الدين، وكذا لو أقر بفعل فعله وادعى إذن المالك.
(5/223)

والاستثناء يمنع دخول المستثني في اللفظ، لا أنه يخرجه بعدما دخل في الأصح.
قال القاضي: ظاهر كلام أحمد جواز استثناء النصف لأن أبا منصور روى عن أحمد أنه إذا قال: كان لك عندي مائة دينار فقضيتك منها خمسين وليس بينهما بينة فالقول قوله.
قال أبو العباس: ليس هذا من الاستثناء المختلف فيه، فإن قوله: قضيتك ستين مثل خمسين، قال أبو حنيفة إذا قال: له علي كذا وكذا درهما لزمه أحد عشر درهما وإن قال: كذا وكذا درهما لزمه إحدى وعشرون.
وإن قال: كذا درهم لزمه عشرون.
وما قاله أبو حنيفة أقرب مما قاله أصحابنا؛ فإن أصحابنا بنوه على أن كذا وكذا تأكيد وهو خلاف الظاهر المعروف، وأن الدرهم مثل الترجمة لهما، وهذا يقتضي الرفع إلى النصب، ثم هو خلاف لغة العرب.
وأيضا: لو أراد درهما لما كان في قوله "درهما" فائدة؛ بل يكفيه أن يقول كذا درهما لما كان (1) في أراد درهما.
وأيضا (2) لو لغة العرب هو خلاف لا النصب ثم يقتضي الرفع لهما وهذا مثل الترجمة وأن الدرهم المعروف الظاهر أن يقول: درهم (3) .
ويصح استثناء ما دون النصف ... وظاهر كلامه في المستوعب أنه كالاستثناء في اليمين على ما تقدم في كتاب الأيمان وذكر الشيخ تقي
__________
(1) هكذا في الأصل.
(2) هكذا في الأصل.
(3) اختيارات (369-371) ، ف (2/ 428) .
(5/224)

الدين قال مثله كل صلة كلام مغير له، واختار أن المتقارب متواصل (1) .
وإن قال: له علي اثنا عشر درهما ودينار، فإن رفع الدينار فواحد، واثني عشر إن رضيه نحوي فمعناه الاثنا عشر دراهم ودنانير، وذكره الشيخ في فتاويه (2) .
ومنها لو قال: غصبت منه ثوبا في منديل أو زيتا في زق ونحوه ففيه الوجهان المتقدمان.
قال في النكت: ومن العجب حكاية بعض المتأخرين أنهما يلزمانه وأنه محل وفاق، واختار الشيخ تقي الدين التفرقة بين المسألتين فإنه قال فرق بين أن يقول: غصبته أو أخذت منه ثوبا في منديل؛ وبين أن يقول له عندي ثوب في منديل، فإن الأول يقتضي أن يكون موصوفا بكونه في المنديل وقت الأخذ، وهذا لا يكون إلا وكلاهما مغصوب؛ بخلاف قوله: له عندي، فإنه يقتضي أن يكون فيه وقت الإقرار، وهذا لا يوجب كونه له اهـ (3) .
وإن أقر أنه وهب وأقبض أو رهن وأقبض أو أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر القبض فقط ولا بينة، فعنه له تحليفه، واختاره جماعة ... واختاره الشيخ تقي الدين والشيخ الموفق (4) .
وإذا قال له علي من درهم إلى عشرة أو ما بين الدرهم إلى العشرة فهذا له أوجه.
أحدها: يلزمه تسعة، وثانيها، عشرة، وثالثها ثمانية.
__________
(1) إنصاف (12/ 171) وفي الاختيارات وفي كل صلة كلام معتبرة له للاستثناء وغير المتقارب فيها متواصل قلت: وما في الإنصاف أصح، ف (2/ 428) .
(2) فروع (6/ 639) ، ف (2/ 428) .
(3) إنصاف (12/ 236) واختيارات (371) ، ف (2/ 428) .
(4) تصحيح الفروع (6/ 632) وإنصاف (12/ 195) ، ف (2/428) .
(5/225)

والذي ينبغي (1) أن يجمع بين الطرفين من الأعداد، فإذا قال: من واحد إلى عشرة لزمه خمسة وخمسون إن أدخلنا الطرفين وخمسة وأربعون إن أدخلنا المبتدأ فقط، وأربعة وأربعون إن أخرجناهما.
ويعتبر في الكلام عرف المتكلم، فيحمل مطلق كلامه على أقل محتملاته (2) والله سبحانه وتعلم أعلم (3) .
وإن قال: من درهم إلى عشرة، لزمه تسعة ويحتمل أن يلزمه عشرة، وذكر الشيخ تقي الدين أن قياس هذا القول يلزمه أحد عشر؛ لأنه واحد وعشرة والعطف يقتضي التغاير (4) .
لو قال: له عندي ما بين عشرة إلى عشرين لزمه تسعة عشر على القول الأول، وعشرون على القول الثاني، قال في المحرر ومن تبعه: وقياس الثالث يلزمه تسعة، وقال الشيخ تقي الدين: قياس الثاني أن يلزمه ثلاثون بناء على أنه يلزمه في المسألة الأولى أحد عشر (5) .
لو قال: له علي ما بين كر شعيرا، إلى كر حنطة، لزمه كر شعير وكر حنطة إلا قفيز شعير على قياس المسألة التي قبلها، قال في المستوعب قال القاضي في الجامع: هو مبني على ما تقدم إن قلنا لزمه هناك عشرة لزمه هنا كران، وإن قلنا: يلزمه تسعة، لزمه كر حنطة وكر شعير إلا قفيزا شعيرا، وقال في التلخيص قال أصحابنا: يتخرج على الروايتين إن قلنا يلزمه عشرة لزمه الكران، وإن قلنا: يلزمه تسعة لزمه كران إلا قفيز شعير اهـ.
__________
(1) وفي الإنصاف زيادة في هذه المسائل.
(2) وفي الإنصاف على أقل احتمالاته.
(3) اختيارات (371) وفروع (6/ 636) ، ف (2/ 428) .
(4) إنصاف (12/ 221) ، ف (2/ 428) .
(5) إنصاف (12/ 221) ، ف (2/ 428) .
(5/226)

وقال في الرعاية: لزمه كران، وقيل: إلا قفيز شعير، إن قلنا يلزمه تسعة.
وقال الشيخ تقي الدين: الذي قدمه في الرعاية هو قياس الثاني في الأولى، وكذلك هو عند القاضي، ثم قال: هذا اللفظ ليس بمعهود، فإنه إن قال: له علي ما بين كر حنطة وكر شعير فالواجب تفاوت ما بين قيمتهما وهو قياس الوجه الثالث، واختيار أبي محمد اهـ (1) .
والواجب أن يفرق بين الشيئين اللذين يتصل أحدهما بالآخر عادة كالقراب في السيف والخاتم في الفص، لأن ذلك إقرار بهما، وكذلك الزيت في الزق والتمر في الجراب.
ولو قال غصبته ثوبا في منديل أو أخذت منه ثوبا في منديل كان إقرار بهما لا، له عندي ثوب في منديل فإنه إقرار بالثوب خاصة وهو قول أبي حنيفة (2) .

علوم (3)

وينبغي أن يخفض صوته عند المعلم قال الشيخ تقي الدين: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له انتهى كلامه (4) .

الاشتقاق
وقلت يوما لشيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه: قال ابن جنين: مكثت برهة إذ ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه
__________
(1) إنصاف (12/ 224، 225) ، ف (2/ 428) .
(2) اختيارات (371) ، ف (2/ 428) .
(3) انظر الجزء الأول في العلم وأقسامه والواجب منه.
(4) الآداب (2/23) ، ف (2/ 453) .
(5/227)

وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه، فقال لي رحمه الله: وهذا كثير ما يقع لي (1) .
ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة خفيفة للمعنى الخفيف، والمتوسطة للمتوسط، فيقولون: عز يعز بفتح العين إذا صلب.
وأرض عزاز صلبة ويقولون: عز يعز بكسرها إذا امتنع، والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبا ولا يمتنع على كاسره، ثم يقولون: عزه يعزه، إذا غلبه، قال الله تعالى في قصة داود {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [23/38] والغلبة أقوى من الامتناع إذ قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه متحصنا عن عدوه ولا يغلب غيره، فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع فاعطوه أضعف الحركات والممتنع المتوسط بين المرتبين فأعطوه حركة الوسط (2) .

علم النفس
قال ابن القيم رحمه الله في أقسام النفوس وطبائعها وانقسام الناس بالنسبة إليها، وسألت يوما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة وقطع الآفات والأشغال بتنقية الطريق وبتنظيفها.
فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس وهو جب القذر كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئا ظهر غيره.
__________
(1) بدائع الفوائد (2/ 95) ، ف (2/ 453) .
(2) جلاء الأفهام (74، 75) ، ف (2/ 474) .
(5/228)

فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السير قط ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك.
فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا وأثنى على قائله (1) .
قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر الخلاف في السمع والبصر: أيهما أشرف؟
قال شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه ونور ضريحه: وفصل الخطاب إن إدراك السمع أعم وأشمل، وإدراك البصر أتم وأكمل، فهذا له التمام والكمال، وذاك له العموم والشمول، فقد ترجح كل منهما بما اختص به تم كلامه (2) .
وقال المعتصم يوما لبعض أصحابه، يا فلان، إذا نصر الهوى ذهب الرأي.
وسمعت رجلا يقول لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد، أو قال: نسيه فقال الشيخ: هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم (3) .

أعلام
أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي المتوفى 481 هـ.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: علمه خير من عمله (4) .
__________
(1) مدارج (2/ 313، 314) ، ف (2/ 479) .
(2) بدائع (1/ 72) ، ف (2/ 480) ج (1/ 29) .
(3) روضة المحبين (480) ، ف (2/ 482) ، ف (1/ 286) .
(4) مدارج (3/ 394) ، ف (2/ 494) .
(5/229)

مؤلفات:
الرد على الجهمية للإمام أحمد
قال الخلال كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله وكتبه عبد الله من خط أبيه، واحتج القاضي أبو يعلى في كتابه إبطال التأويل، بما نقله منه عن أحمد، وذكر ابن عقيل في كتابه بعض ما فيه عن أحمد، ونقله عن أصحابه قديما وحديثا، ونقل منهم البيهقي وعزاه إلى أحمد، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية عن أحمد.
كتاب الرد على الجهمية والنقض على بشر المريسي.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جداً.
وانتهيت من تبييضه في شهر ربيع الثاني من عام ألف وأربعمائة وسبعة عشرة هجرية وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
(5/230)

المراجع

1- مختصر الفتاوى المصرية مطبعة أنصار السنة المحمدية 1368هـ.
2- الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية بتحقيق محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية 1369 هـ.
3- الفروع لأبي عبد الله محمد بن مفلح ت 763 ومعه تصحيح الفروع للشيخ علاء الدين أبي الحسين علي بن سليمان المرداوي ت 885 ستة مجلدات عالم الكتب.
4- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف تأليف.. علي بن سليمان المرداوي بتصحيح وتحقيق محمد حامد الفقي عدد المجلدات اثنا عشر الطبعة الأولى عام 1376.
5- المسودة في أصول الفقه: تحقيق وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد (دار الكتب العربي، بيروت) .
6- الآداب الشرعية والمنح المرعية، تأليف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي مكتبة التقدم عام 1348 هـ.
(5/231)

مؤلفات ابن القيم:
1- إعلام الموقعين تأليف العالم العلامة المحقق المدقق أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت (751) بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ط 1407 هـ مكتبة الكليات الأزهرية) .
2- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: بتحقيق وتصحيح محمد حامد الفقي دار المعرفة بيروت جزآن.
3- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (دار الطباعة المحمدية بالأزهر 1392) هـ.
4- الكلام على مسألة السماع: تحقيق ودراسة الدكتور راشد بن عبد العزيز الحمد دار العاصمة بالرياض 1409 هـ.
5- زاد المعاد في هدي خير العباد: (ط دار الفكر بيروت 1392هـ) أربعة أجزاء.
6- الوابل الصيب تحقيق وتعليق الشيخ إسماعيل الإنصاري (مطابع النصر الحديثة بالرياض) .
7- مدارج السالكين (مطبعة السنة المحمدية 1375هـ ثلاث مجلدات) .
8- تهذيب سنن أبي داود بتحقيق محمد حامد الفقي وأحمد محمد شاكر مطبعة السنة المحمدية.
9- إعلام الموقعين: بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد شركة الطباعة الفنية المتحدة بيروت أربعة أجزاء.
10- الروح مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح دار الكتب العلمية بيروت.
11- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة جزآن المطبعة السلفية بمكة 1349 هـ.
(5/232)

12- مفتاح دار السعادة جزآن (مكتبة الرياض الحديثة) .
13- الجواب الكافي: (دار الكتب العلمية بيروت) .
14- التبيان في أقسام القرآن (دار الطباعة المحمدية بالأزهر (1368 هـ)) .
15- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
16- أحكام أهل الذمة بتحقيق وتعليق الدكتور صبحي الصالح دار العلم للملايين بيروت جزآن.
17- بدائع الفوائد (إدارة الطباعة المنيرية) أربعة أجزاء.
18- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (دار الكتب العلمية بيروت) .
19- إغاثة اللفهان في حكم طلاق الغضبان (المكتب الإسلامي بيروت) .
20- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية بتحقيق محمد حامد الفقي 1372 هـ.
21- الرسالة التبوكية (مطبعة المدني 1376) هـ.
22- الفوائد (دار مصر للطباعة) .
23- عدة الصابرين.
24- تحفة الودود بأحكام المولود (دار الكتاب العربي- بيروت) .
25- طريق الهجرتين (دار الكتاب العربي- بيروت) .
26- شفاء العليل (دار التراث بالقاهرة) .
27- الفروسية تحقيق محمد نظام الدين الفتيح (مكتبة التراث) .
وبقية المراجع وهي قليلة ذكرت في الأصل عند نهايتها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(5/233)