Advertisement

النبوات لابن تيمية 002


المجلد الثاني
فصل أصول الدين
...
فصل أصول الدين
قد ذكرنا في غير موضع1 أن أصول الدين الذي بعث الله به رسوله محمّداً صلى الله عليه وسلم قد بيّنها في القرآن أحسن بيان، وبيّن دلائل الربوبية والوحدانية، ودلائل أسماء الرب وصفاته، وبيّن دلائل نبوة أنبيائه، وبيّن المعاد بين إمكانه وقدرته عليه في غير موضع، وبيَّن وقوعه بالأدلة السمعية والعقلية؛ فكان في بيان الله أصول الدين الحقّ؛ وهو دين الله؛ وهي أصول ثابتة، صحيحة، معلومة؛ فتضمّن بيان العلم النافع، والعمل الصالح؛ الهدى، ودين الحق.
وأهل البدع الذين ابتدعوا أصولَ دينٍ يخالف ذلك، ليس فيما ابتدعوه؛ لا هدى، ولا دين حقّ؛ فابتدعوا ما زعموا أنّه أدلّة وبراهين على إثبات الصانع، وصدق الرسول، وإمكان المعاد أو وقوعه.
وفيما ابتدعوه ما خالفوا به الشرع. وكلّ ما خالفوه من الشرع، فقد خالفوا فيه العقل أيضاً؛ فإنّ الذي بعث اللهُ به محمّداً، وغيرَه من الأنبياء: هو حقّ، وصدق، وتدلّ عليه الأدلة العقلية؛ فهو ثابت بالسمع، و [بالعقل] 2.
__________
1 انظر ص 286 من هذا الكتاب. وانظر: نقض تأسيس الجهميّة 1246. وشرح الأصفهانية 141. ودرء تعارض العقل والنقل 1188-199. وكتاب الصفدية 1295-296. ودقائق التفسير 5263.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : العقل.
(2/613)

الذين خالفوا الرسل ليس معهم سمع ولا عقل
والذين خالفوا الرسل ليس معهم [سمعٌ] 1، ولا عقل؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ في ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقَاً لأَصْحَابِ السَّعِير} 2.
وقال تعالى لمكذّبي الرسل: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ [قُلُوبٌ] 3 يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُور} 4، ذكر ذلك بعد قوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ [قَوْمُ] 5 نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ للكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [أَهْلَكْنَاهَا] 6 وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ [خَاوِيَةٌ عَلَى] 7 عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} 8، ثم قال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ} الآية9، ثم قال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِير} 10؛ فذكر إهلاك من أهلك، وأملاه لمن أملى؛ لئلاّ يغترَّ المغتر؛ [فيقول] 11: نحن لم يهلكنا.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : لا سمع.
2 سورة الملك، الآيات 8-11.
3 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
4 سورة الحج، الآية 46.
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
6 في ((خ)) : أهلكتها.
7 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
8 سورة الحج، الآيات 42-45.
9 سورة الحج، الآية 46.
10 سورة الحج، الآية 48.
11 في ((خ)) : فتقول. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/614)

وقد بسط هذا في غير هذا الموضع1.
ما جاء به الرسول يدل عليه السمع والعقل
والمقصود هنا: أنّ ما جاء به الرسول يدلّ عليه السمع والعقل، وهو حقّ في نفسه؛ كالحكم الذي يحكم به؛ فإنه يحكم بالعدل؛ وهو الشرع. فالعدل هو الشرع، والشرع هو العدل.
ولهذا يأمر نبيه أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل الله. والذي أنزل الله هو القسط، والقسط هو الذي [أنزله] 2 الله. وكذلك الحق، والصدق هو ما أخبرت به الرسل، وما أخبرت به فهو الحق، والصدق.
ذم السلف لأهل الكلام
[والسلف] 3 والأئمة ذموا أهل الكلام المبتدعين؛ الذين خالفوا الكتاب، والسنّة4. ومن خالف الكتاب والسنة لم يكن كلامه إلا باطلاً؛ فالكلام الذي ذمّه السلف يُذمّ لأنّه باطل، ولأنّه يُخالف الشرع5.
الشافعي وأحمد ذمّا كلام الجهمية
من الناس من ظن أن السلف أنكروا كلام القدرية فقط
ولكنّ لفظ الكلام لمّا كان مجملاً، لم يعرف كثيرٌ من الناس الفرق بين الكلام الذي ذموه، وغيره؛ فمن الناس من يظن أنّهم إنّما أنكروا كلام القدرية فقط؛ كما ذكره البيهقي6،
__________
1 انظر: درء تعارض العقل والنقل 7394.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : أنزل.
3 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
4 سبقت الإشارة إلى ذلك ص 320-324.
5 قال الإمام البربهاري رحمه الله: "اعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب". شرح السنة للبربهاري ص 48.
6 انظر تبيين كذب المفتري لابن عساكر 341، 344-352؛ حيث نقل كلام البيهقي في أنّ الشافعيّ إنّما قصد بذمّه لأهله الكلام القدرية، ومنهم حفص الفرد.
والبيهقي هو: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعيّ، شيخ خراسان، ومن أئمة المحدثين. ولد سنة 384 ?، وتوفي سنة 458 ?. قال عنه إمام الحرمين الجويني: "ما من شافعيّ إلا وللشافعي في عنقه منّة، إلا البيهقي؛ فإنّه له على الشافعي منّة؛ لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله".
انظر: طبقات الشافعية 48-16. وشذرات الذهب 3304-305.
(2/615)

وابن عساكر1 في تفسير كلام الشافعيّ، ونحوه؛ ليُخرجوا أصحابهم عن الذمّ، وليس كذلك؛ بل الشافعي أنكر كلام الجهمية؛ كلام حفص الفرد، وأمثاله2، وهؤلاء كانت منازعتهم في الصفات، والقرآن، والرؤية، لا في القدر. وكذلك أحمد بن حنبل خصومه من أهل الكلام هم الجهمية3
__________
1 انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص 336.
وانظر رد شيخ الإسلام على مقولته: درء تعارض العقل والنقل 7246-251.
وابن عساكر هو: علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكر. محدث، حافظ، فقيه، مؤرخ، رحل إلى ديار كثيرة، وسمع فيها، وحدّث. توفي سنة 571 ?.
انظر: طبقات الشافعية 7215-223. والبداية والنهاية 12294. ومعجم المؤلفين 769، 70.
2 سبق نقل كلام الشافعي في حفص الفرد. انظر ص 321 من هذا الكتاب، وانظر ترجمة حفص الفرد في الصفحة نفسها.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "وقد بيَّنّا أنّ ذمّ الشافعيّ لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل إنكار القدر؛ فإنّ حفصاً لا يُنكره، وإنّما كان لإنكار الصفات والأفعال المبني على دليل الأعراض". درء تعارض العقل والنقل 7275. وانظر: المصدر نفسه 7146، 245، 246، 250.
3 ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في غير ما موضع من كتبه أنّ المحنة التي وقعت للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، والمناظرة التي حدثت لم تكن مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهميّة.
ومن النصوص التي وقفت عليها في ذلك: قول شيخ الإسلام رحمه الله عن فتنة خلق القرآن التي وقعت زمن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهمية؛ من المعتزلة، والنجارية، والضرارية، وأنواع المرجئة؛ فكلّ معتزليّ جهميّ، وليس كلّ جهميّ معتزلياً ... الخ". منهاج السنة النبوية 2603-604.
وقال رحمه الله في موضع آخر يحكي عن الإمام أحمد وما جرى له مع ابن أبي دؤاد: " ... وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف؛ فجمع له مثل أبي عيسى محمد بن عيسى بن برغوث، ومن أكابر النجارية؛ أصحاب حسين النجّار.
وأئمة السنة؛ كابن المبارك، وأحمد بن إسحاق، والبخاريّ، وغيرهم يُسمّون جميع هؤلاء جهمية. وصار كثير من المتأخرين؛ من أصحاب أحمد، وغيرهم يظنّون أنّ خصومه كانوا المعتزلة، ويظنون أنّ بشر بن غياث المريسي وإن كان قد مات قبل محنة أحمد، وابن أبي دؤاد، ونحوهما كانوا معتزلة. وليس كذلك؛ بل المعتزلة كانوا نوعاً من جملة من يقول: القرآن مخلوق. وكانت الجهمية أتباع جهم، والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو، والمعتزلة، هؤلاء يقولون: القرآن مخلوق". مجموع فتاوى ابن تيمية 14352.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً: "وهذه المعاني مما ناظروا بها الإمام أحمد في المحنة، وكان ممن احتج على أنّ القرآن مخلوق بنفي التجسيم: أبو عيسى محمد بن عيسى؛ برغوث؛ تلميذ حسين النجار، وهو من أكابر المتكلمين؛ فإنّ ابن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد مَنْ أمكنه من متكلمي البصرة، وبغداد، وغيرهم؛ ممن يقول: إنّ القرآن مخلوق. وهذا القول لم يكن مختصاً بالمعتزلة كما يظنّه بعض الناس؛ فإنّ كثيراً من أولئك المتكلمين، أو أكثرهم لم يكونوا معتزلة. وبشر المريسي لم يكن من المعتزلة، بل فيهم نجاريّة، ومنهم برغوث، وفيهم ضراريّة، وحفص الفرد الذي ناظر الشافعيّ كان من الضرارية؛ أتباع ضرار بن عمرو، وفيهم مرجئة. ومنهم بشر المريسيّ، ومنهم جهمية محضة، ومنهم معتزلة. وابن أبي دؤاد لم يكن معتزلياً، بل كان جهمياً ينفي الصفات. والمعتزلة تنفي الصفات؛ فنفاة الصفات الجهميّة أعمّ من المعتزلة ... ". مجموع الفتاوى 17299-300.
(2/616)

الذين ناظروه في القرآن؛ مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث؛ صاحب حسين النّجّار، وأمثاله1. ولم يكونوا قدريّة، ولا كان النزاع في مسائل
__________
1 سبق كلام الإمام أحمد رحمه الله في برغوث ص 322 من هذا الكتاب، وقد ذكرت ترجمة برغوث، وترجمة صاحبه حسين النجار في الصفحة نفسها.
وانظر في ذم السلف لأهل الكلام: شرح الأصفهانية 2318-323. ولزيادة إيضاح هذا الموضوع، انظر: درء تعارض العقل والنقل 1230-231، 249، 7257، 275، 276، 278.
(2/617)

القدر. ولهذا يُصرّح أحمد، وأمثاله من السلف بذمّ الجهميّة، بل يكفرونهم أعظم من سائر الطوائف1.
أصول أهل الأهواء
وقال عبد الله بن المبارك2، ويوسف بن أسباط3، وغيرهما: أصول أهل الأهواء أربع: الشيعة4، والخوارج5، والمرجئة6،
__________
1 وللسلف كتب مستقلة في فضح وذمّ الجهميّة. انظر على سبيل المثال: الردّ على الجهمية للإمام أحمد، وللإمام الدارمي، وللجعفي شيخ البخاريّ، وبيان تلبيس الجهميّة لشيخ الإسلام ابن تيمية، واجتماع الجيوش الإسلامية، والصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة؛ كلاهما لابن قيم الجوزية رحمه الله.
وهناك كتب جمعها السلف فيها ذمّ للجهمية، وردّ عليهم. انظر: كتاب الردّ على الجهمية في صحيح البخاري، وخلق أفعال العباد "الجزء الثاني منه" للإمام البخاري. وكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي. وكتاب السنة لابن أبي عاصم. وسميّه لعبد الله بن الإمام أحمد، وكذلك للخلاّل، وغيرهم كثير.
2 سبقت ترجمته.
3 سبقت ترجمته.
4 سبق التعريف بهم.
5 سبق التعريف بهم.
6 قال الشهرستاني: "الإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير؛ كما في قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف، 111] ؛ أي أمهله وأخّره. والثاني: إعطاء الرجاء. وأما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد. وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة". الملل والنحل للشهرستاني 1139.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (المرجئة ثلاث أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة ... ومنهم من لا يدخلها في الإيمان؛ كجهم ومن اتبعه كالصالحي. وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول باللسان. وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان. وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم". مجموع الفتاوى 7195. وانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص 202-207. ومقالات الإسلاميين للأشعري 1213-234. والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 2111-112، 4204. والملل والنحل للشهرستاني 1139-146.
(2/618)

والقدرية1. فقيل لهم: الجهمية2؟ فقالوا: الجهمية ليسوا من أمّة محمد3. ولهذا ذكر أبو عبد الله بن حامد4 عن أصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة؟ وجهين5؛ أحدهما: أنّهم ليسوا منهم؛ لخروجهم عن الإسلام.
السلف لم يذموا جنس الكلام
وطائفة تظنّ أنّ الكلام الذي ذمّه السلف: هو مطلق النظر، والاحتجاج، والمناظرة6،
__________
1 والمقصود بهم القدرية النفاة. وهو من ألقاب المعتزلة الذين ينفون الإرادة والقدرة عن الله ويثبتون للعبد قدرة يفعل بها ما اختار فعله. فكل إنسان عندهم يخلق فعل نفسه.
انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص 114-116. والفصل لابن حزم 322. والملل والنحل للشهرستاني 143-45، ودرء تعارض العقل والنقل 8405.
2 سبق التعريف بهم.
3 سبق تخريج هذا الأثر.. انظر ص 498 من هذا الكتاب.
4 سبقت ترجمته.
5 انظر ص 694؛ فقد سبق تخريج هذا الأثر.
6 السلف رحمهم الله انصبّ ذمّهم على الكلام الباطل؛ بسبب مخالفته للنصوص الشرعيّة.
ويزيد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى إيضاحاً؛ فيقول: "السلف رحمهم الله لم يذمّوا جنس الكلام؛ فإنّ كلّ آدميّ يتكلّم، ولا ذمّوا الاستدلال، والنظر، والجدل الذي أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال بما بيَّنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل ولا ذمّوا كلاماً هو حقّ، بل ذمّوا الكلام الباطل، وهو المخالف للكتاب والسنّة، وهو المخالف للعقل أيضاً، وهو الباطل، فالكلام الذي ذمّه السلف هو الكلام الباطل، وهو المخالف للشرع والعقل، ولكن كثير من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام".
الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص 96.
وانظر: مجموع الفتاوى 3306-307، 13147-148، 16473. ودرء تعارض العقل والنقل 1178، 232-237، 7170، 181. والفتاوى المصرية 1136، 137، 6560. وجامع الرسائل 236 رسالة في الصفات الاختيارية.
(2/619)

ويزعم من يزعم [من] 1 هؤلاء أنّ قوله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هي أَحْسَن} 2، و {جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَن} 3: منسوخٌ بآية السيف4.
__________
1 في ((خ)) : أن. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة العنكبوت، الآية 46.
3 سورة النحل، الآية 125.
4 انظر: زاد المسير لابن الجوزي 4506، 9254.
وآيات السيف، مثل قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} سورة التوبة. ومثل قوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} سورة محمد.
ونقل الحافظ ابن كثير رحمه الله عن ابن أبي حاتم بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف؛ سيف في المشركين من العرب، قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . هكذا رواه مختصراً.
وعقّب الحافظ ابن كثير بقوله: وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب، لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، والسيف الثالث: قتال المنافقين، في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} الآية. والرابع: قتال الباغين في قوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} . تفسير ابن كثير 2336-337.
(2/620)

وهؤلاء أيضاً غالطون؛ فإنّ الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح، وإبراهيم بمجادلتهم للكفار؛ حتى: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} 1، وقال عن قوم إبراهيم: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} 2، إلى قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} 3، وذكر محاجّة إبراهيم للكافر.
[والقرآن] 4 فيه من مناظرة الكفار، والاحتجاج عليهم ما فيه؛ من [شفاء] 5، وكفاية.
وقوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هي أَحْسَن إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} 6، وقوله: {جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَن} 7: ليس في القرآن ما ينسخهما، ولكنّ بعض الناس يظنّ أنّ من المجادلة ترك الجهاد بالسيف. وكلّ ما كان متضمنا لترك الجهاد المأمور به فهو منسوخ بآيات السيف والجهاد.
متى تكون المجادلة؟
والمجادلة قد [تكون] 8 مع أهل الذمّة، والهدنة، والأمان، ومن لا يجوز قتاله بالسيف، وقد [تكون] 9 في ابتداء الدعوة؛ كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُجاهد الكفّار بالقرآن، وقد [تكون] 10 لبيان الحقّ، وشفاء القلوب من الشبه، [مع من] 11 يطلب الاستهداء والبيان.
__________
1 سورة هود، الآية 32.
2 سورة الأنعام، الآية 80.
3 سورة الأنعام، الآية 83.
4 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
6 سورة العنكبوت، الآية 46.
7 سورة النحل، الآية 125.
8 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
9 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
10 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
11 في ((خ)) رسمت: معمن.
(2/621)

وبسط هذا له موضع آخر1.
المبتدعة ابتدعوا أصولاً تخالف الكتاب
والمقصود هنا: أنّ المبتدعين الذين ابتدعوا كلاماً وأصولاً تُخالف الكتاب، وهي أيضاً مخالفة للميزان؛ وهو العدل؛ فهي مخالفة للسمع، والعقل؛ كما ابتدعوا في إثبات الصانع إثباته بحدوث الأجسام، وأثبتوا حدوث الأجسام بأنّها مستلزمة للأعراض لا تنفكّ عنها. قالوا: وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها.
فهؤلاء2 إذا حقق عليهم ما قالوه، لم يوجدوا قد [أثبتوا] 3 العلم بالصانع، ولا أثبتوا النبوة، ولا أثبتوا المعاد. وهذه هي أصول الدين والإيمان4. بل كلامهم في الخلق، والبعث؛ المبدأ والمعاد، وفي إثبات الصانع ليس فيه تحقيق العلم لا عقلاً، ولا نقلاً.
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله يؤصل المسائل المختلف فيها، يبين حال الخصوم بياناً شافياً، ثم يكر عليه بالرد، وذلك بهدم الباطل الذي عند الخصم وإحلال الحق مكانه، قال رحمه الله: "فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، فينبغي إذا كان المناظر مدعيا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه، وإلا فما دام معتقداً نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، أمحه أولاً، ثم أكتب فيه الحق"
بل يرى مناظرة أهل البدع، ودحض شبهاتهم؛ فيقول رحمه الله: "فكلّ من لم يُناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقّه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين". مجموع الفتاوى 7158-159. وانظر منهج شيخ الإسلام في الرد على خصومهم: موقفه من الأشاعرة 1284-318 درء تعارض العقل والنقل 1357. وانظر: المصدر نفسه 1232-237.
2 المبتدعة؛ أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام.
3 في ((خ)) : أثبتو.
4 انظر طريقة المتكلمين في إثبات أصول الدين، وذمّ السلف لهذه الطريقة في كتاب الصفدية 1274-275، 277-279.
(2/622)

ندم الرازي وحيرته
[وهم] 1 معترفون بذلك؛ كما قال الرازي: لقد تأملت الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق: طريقة القرآن؛ أقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 2، {وَلا يحِيطُون بِهِ عِلْمَاً} 3، وأقرأ في الإثبات: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 4، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ} 5، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ} 6.
ثم قال7: ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي8.
وكذلك الغزالي9، وابن عقيل10، وغيرهما11 يقولون ما يشبه هذا.
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة الشورى، الآية 11.
3 سورة طه، الآية 110.
4 سورة طه، الآية 5.
5 سورة فاطر، الآية 10.
6 سورة الملك، الآية 16.
7 يعني الرازي.
8 سبق كلام الرازي هذا مراراً. انظر ص 356-357، 478، 612.
9 انظر ذمّ الغزالي للكلام في إحياء علوم الدين 1113-117، وقواعد العقائد ص 82-105 وكلاهما للغزالي. وانظر: درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام 7157-186، 242-246. وشرح الأصفهانية له 2551.
10 قال ابن عقيل: "فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين..... وقد خبرت طريقة الفريقين؛ غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح". انظر: درء تعارض العقل والنقل 866. وشرح الأصفهانية 171.
وانظر ذم ابن عقيل للكلام في تلبيس إبليس ص 116-117. وتحريم النظر في كتب أهل الكلام لابن قدامة ص 5. ودرء تعارض العقل والنقل 748-50،، 861-68.
11 وانظر أيضاً ذم الجويني للكلام في تلبيس إبليس ص 115. ودرء تعارض العقل والنقل 747.
وانظر الجزء السابع من درء تعارض العقل والنقل؛ فقد ذكر فيه شيخ الإسلام رحمه الله أقوال العلماء في ذمّ الكلام، وعلق عليها.
وانظر أيضاً: درء تعارض العقل والنقل 1232،، 5218، 8277. وشرح الأصفهانية 2318. ومجموع الفتاوى 5261، 6243، 472-476.
(2/623)

وهو كما قالوا؛ فإنّ الرازي قد جمع ما جمعه من طرق المتكلمين والفلاسفة، ومع هذا فليس في كتبه إثبات الصانع؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع1، وبُيِّن جميع ما ذكره في إثبات الصانع، وأنه ليس فيه ذلك، وليس فيه أيضاً إثبات النبوة2؛ فإنّ النبوة مبناها على أنّ الله قادر، وأنّه يُحدث الآيات لتصدق بها الرسل، وليس في كتبه إثبات أن الله قادر،
__________
1 انظر كتاب نقض تأسيس الجهميّة لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهو مما أفرده رحمه الله في نقض كلام الرازي، وقد بيّن فيه مخالفة الرازي لطريقة السلف. والكتاب وزّع كرسائل علمية على الطلاب في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو الآن قيد الطبع كما نما إلى سمعي.
وتوجد قطعة منه مطبوعة، وقد اعتنى بها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم. انظر منها على سبيل المثال: 1459، 478. وانظر درء تعارض العقل والنقل 968.
2 قال شيخ الإسلام عن الرازي في موضع آخر: "أبو عبد الله الرازي فيه تجهم قوي، ولهذا يوجد ميله إلى الدهرية أكثر من ميله إلى السلفية الذين يقولون إنه فوق العرش، وربما كان يوالي أولئك أكثر من هؤلاء، ويعادي هؤلاء أكثر من أولئك، مع اتفاق المسلمين على أن الدهرية كفار، وأن المثبتة للعلوّ فيهم من خيار المسلمين من لا يحصيه إلا الله تعالى. وقد صنف على مذهب الدهرية المشركين والصابئين كتباً، حتى صنّف في السحر وعبادة الأصنام وهو الجبت والطاغوت، وإن كان قد أسلم من هذا الشرك، وتاب من هذه الأمور، فهذه الموالاة والمعاداة لعلها في تلك الأوقات، ومن كان بتلك الأحوال فهو قبل الإسلام والتوبة..". بيان تلبيس الجهمية 1122-123.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً عنه: "ليس في كتبه إثبات النبوة، بل كان يصنف في دين المشركين". مجموع الفتاوى 13116. وانظر: المصدر نفسه 1855، 77. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 612.
(2/624)

ولا مريد. بل كلامه فيه تقرير حجج من نفى قدرته وإرادته، دون الجانب الآخر؛ كما قد بيَّنَّا ذلك في الكلام على ما ذكره في مسألة القدرة والإرادة1، مع أنّه ولله الحمد الأدلة الدالة على إثبات الصانع، وإثبات قدرته ومشيئته، تفوق الاحصاء.
لكن من لم يجعل الله له نوراً، فما له من نور.
وسبب ذلك إعراضهم عن الفطرة العقلية، و [الشرعة] 2 [النبوية؛ بما ابتدعه المبتدعون مما أفسدوا به الفطرة، والشرعة] 3؛ فصاروا يُسفسطون4 في العقليّات ويقرمطون5 في السمعيات؛ كما قد بُيِّن هذا في
__________
1 هذا الكتاب لم أقف عليه، ويبدو أنّه غير مطبوع، والله أعلم.
وللشيخ رحمه الله كتاب باسم "الإرادة والقدر"، وهو لا يزال مخطوطاً، ويقع في (24) ورقة، كُتب في القرن العاشر. ويوجد في المكتبة السليمانية بتركيا، "خزانة أزميرلي"، رقم 365.
انظر قائمة ببعض مخطوطات شيخ الإسلام رحمه الله ضمن رسالة حققها علي بن عبد العزيز الشبل، بعنوان ((قاعدة في الرد على الغزالي في التوكل)) لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 15.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : الشرعية.
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 سبق تعريف هذه الكلمة ص 553. وانظر معنى السفسطة من كلام شيخ الإسلام في نقض تأسيس الجهمية 1150، 322، 324. وشرح العقيدة الأصفهانية 2451-457. وبغية المرتاد ص 184. ودرء تعارض العقل والنقل 215. والتدمرية ص 19. والرد على البكري ص 77-88. ومنهاج السنة النبوية 2524-225. وكتاب الصفدية 198.
5 القرمطة نسبة إلى مذهب القرامطة. ووجه قرمطتهم: أنّهم جعلوا للنص معنى باطناً يُخالف معناه الظاهر.
والقرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط، ولُقّب بذلك لقرمطة في خطه، أو في خطوه. كان أحد دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة، فسموا قرامطة، وقرمطية. وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد، فصادف أحد دعاة الباطنية، وأثّر عليه؛ فاعتنق مذهبهم. ثمّ لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه. وكان أشدّهم بأساً: رجل يُقال له أبو سعيد. ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، وقوي أمره، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحاج، وسنّ لأهله وأصحابه سنناً، وأخبرهم بمحالات. ثم مات، وخلف بعده ابنه أبا طاهر؛ ففعل مثل فعله، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، وحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله ـتعالى الله عن قوله علواً كبيراً.
انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص 289. وفضائح الباطنية للغزالي ص 12. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص 144-146.
وانظر تعريف شيخ الإسلام رحمه الله للقرمطة في السمعيات في كتابه: نقض تأسيس الجهمية 1150. والرسالة التدمرية ص 19. وشرح حديث النزول ص 428. وبغية المرتاد ص 183-184. وشرح الأصفهانية 2451-457. ودرء تعارض العقل والنقل 215. ومجموع الفتاوى 12213، 13168.
(2/625)

مواضع1.
__________
1 وهذه القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات؛ والتي هي صنيع المبتدعة الذين ابتدعوا أصولاً عارضوا بها أصول الدين: قد أشار إليها شيخ الإسلام في العديد من مصنّفاته.
راجع مصنّفات شيخ الإسلام رحمه الله المذكورة في الحاشيتين (4) ، (5) عند التعليق على السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات.
وقد بيّن شيخ الإسلام رحمه الله أنّ القرآن الكريم جاء بالأدلة العقلية لأصول الدين، وردّ على من يُهمل دلالة القرآن العقلية والسمعية على ذلك؛ فقال: "إنّ القرآن ضرب الله فيه الأمثال والمقاييس العقلية التي يُثبت بها ما يُخبر به من أصول الدين؛ كالتوحيد، وتصديق الرسل، وإمكان المعاد، وأنّ ذلك مذكور في القرآن على أكمل الوجوه، و.... عامة ما يُثبته النظار من المتكلمين والمتفلسفة في هذا الباب يأتي القرآن بخلاصته، وبما هو أحسن منه على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينهما لعظم التفاوت". التسعينيّة ص 273.
ويقول أيضاً: "والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه؛ حيث قررت الربوبية، ثم الرسالة، ويظنّ أنّ هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات أولاً؛ من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة؛ كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، ومن سلك هذا الطريق في إثبات الصانع أولاً بناء على حدوث العالم، ثمّ إثبات صفاته نفياً وإثباتاً بالقياس العقلي، على ما بينهم من اتفاق واختلاف؛ إما في المسائل، وإما في الدلائل. ثمّ بعد ذلك يتكلمون في السمعيات؛ في المعاد، والثواب والعقاب، والخلافة، والتفضيل، والإيمان بطريقة مجملة. وإنما عمدة الكلام عندهم ومعظمه هو تلك القضايا التي يُسمونها العقليات؛ وهي أصول دينهم، وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة؛ فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة". مجموع الفتاوى 27.
وانظر: شرح الأصفهانية 140-41، 397. وكتاب الصفدية1276-278.
(2/626)

طرق إثبات النبوة عند الرازي
وأيضاً فإذا عرف1 أنّ الله قادر، كما قد عرفه غيره، فليس عنده في النبوة إلا طريق أصحابه الأشعريّة2؛ الذين سلكوا مسلك الجهمية3 في
__________
1 المقصود به الرازي. وانظر كتابه الأربعين ص 122-125.
ويُوضّح شيخ الإسلام رحمه الله موقف الرازي من هذه المسألة، فيقول: "والرازي وأمثاله يترجمون هذه المسألة بأنّ الباري تعالى هو فاعل مختار، أو موجب بالذات، ويجعلون الأول قول أهل الملل، والثاني قول الفلاسفة، ثم يُقررون القادر المختار بأنّه الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل. وهذا تفسير القدرية، بل تفسير بعضهم. وأما بعضهم: فإنه يوافق أئمة أهل السنة على أنه مع القدرة التامة، والإرادة الجازمة يلزم وجود المراد". شرح الأصفهانية 2351. وانظر الصفدية 1146.
2 وينقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام الرازي: فإنّ الطريق إلى إثبات الصانع، ومعرفة النبوة، ليس إلا العقل. ثمّ ينقل قوله: الدليل السمعي لا يُفيد اليقين.
انظر درء تعارض العقل والنقل 5330-331،، 9333-334،، 7242.
3 انظر كلام شيخ الإسلام في النبوة عند الجهمية والأشاعرة في منهاج السنة 2414. وشرح الأصفهانية 2471-472، 502، 543، 609، 610، 616، 617، 621.
(2/627)

أفعال الله تعالى، أو طريق الفلاسفة1.
ولهذا يقول من يقول من علماء الزيدية2 وهم يميلون إلى الاعتزال، مع تشيع الزيديّة يقولون: نحن لا نتكلم في الشافعي؛ [فإنّه إمام] 3. لكن هؤلاء صاروا جهميّة4؛ يعني القدريّة فلاسفة، والشافعي لم يكن جهميّاً، ولا فيلسوفاً.
المتكلمون لم يعرفوا الفرق بين آيات الأنبياء ومخالفيهم
وهؤلاء5 لم يعرفوا آيات الأنبياء، والفرق بينها وبين غيرها6، لكن ادعوا أنّ ما يأتي به الكهان، والسحرة، وغيرهم قد يكون من آيات الأنبياء، لكن بشرط: أن لا يقدر أحدٌ من المرسل إليهم على معارضته؛ وهذه خاصّة المعجز عندهم7.
__________
1 انظر كلام شيخ الإسلام في النبوة عند المتفلسفة في منهاج السنة النبوية 2415. وشرح الأصفهانية 2543، 502-507، 633.
2 الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين. ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها، وجوزوا إمامة المفضول مع قيام الأفضل. وكان زيد يتولى أبا بكر وعمر، ويفضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة. والزيدية ست فرق، تجمعهم أصول المعتزلة الخمسة، ومنها القول بأن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. انظر: مقالات الإسلاميين 1136. والملل والنحل 1154. وانظر ما سبق ص 495. وأما القائل من علمائهم، فلم أعرفه.
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 قد تقدّم المراد من إطلاق كلمة جهميّة على طائفة ما، انظره ص 152.
5 المقصود بهم الأشاعرة.
6 انظر بعض الفروق كما أوضحها شيخ الإسلام رحمه الله في: شرح الأصفهانية 2472-477.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله جملة من الفروق بين النبيّ، والمتنبئ في هذا الكتاب، فراجع ص: 589-631، 671-674، 728-729.
7 انظر: البيان للباقلاني ص 48، 91، 94-96، 100. والإرشاد للجويني ص 319، 328.
(2/628)

وهذا فاسد من وجوه كثيرة؛ كما قد بسط في [غير] 1 هذا الموضع2.
المتكلمون ليس في كتبهم إثبات الربوبية ولا المعاد
وأما كلامه في المعاد: فأبعد من هذا، وهذا؛ كما قد بُيِّن أيضاً3؛ وكذلك كلام من [تقدمه] 4؛ من الجهمية، وأتباعهم من الأشعرية، وغيرهم، ومن المعتزلة؛ فإنّك لا تجد في كلامهم الذي ابتدعوه؛ لا إثبات الربوبية، ولا النبوّة، ولا المعاد.
[والأشعري نفسه، وأتباعه، ليس في كتبهم إثبات الربوبية، ولا المعاد] 5، وكذلك من سلك سبيلهم في أدلتهم6 من أتباع الفقهاء؛ كالقاضي أبي
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((ط)) .
2 انظر: الجواب الصحيح 6400-401. وانظر أيضاً هذا الكتاب ص 263-274، 585-642.
3 قال شيخ الإسلام رحمه الله عن أصل الرازي في إثبات المعاد وطريقته: (إنّ إثبات المعاد موقوف على ثبوت الجوهر الفرد. وهذا قول أبي عبد الله الرازي، وغيره، وهو ملخص من جعله الأصل في الإيمان بالله؛ فجعله هو الأصل في الإيمان بالمعاد، مع كونه يجعله أصلاً في نفي الصفات التي يُنكرها ... ) .
ثمّ نقل رحمه الله من كتاب الرازي نهاية العقول ما يُؤيّد ما ذكره عنه، ثم أبطل رحمه الله هذا الأصل الذي يعتمد عليه..) . انظر نقض تأسيس الجهمية 1281-286.
4 في ((خ)) : يقدمه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
6 يقول شيخ الإسلام رحمه الله عن أصل هؤلاء المتكلمين الذي بنوا عليه إثبات الخالق، والمعاد: "وأصل هؤلاء المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم بنوا عليه هذا: هو مسألة الجوهر الفرد؛ فإنهم ظنوا أنّ القول بإثبات الصانع، وبأنه خلق السموات والأرض، وبأنه يقيم القيامة، ويبعث الناس من القبور: لا يتمّ إلا بإثبات الجوهر الفرد؛ فجعلوه أصلاً للإيمان بالله واليوم الآخر. أما جمهور المعتزلة، ومن وافقهم؛ كأبي المعالي، وذويه: فيجعلون الإيمان بالله تعالى لا يحصل إلا بذلك، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر؛ إذ كانوا يقولون: لا يعرف ذلك إلا بمعرفة حدوث العالم، ولا يعرف حدوثه إلا بطريقة الأعراض، وطريقة الأعراض مبنية على أنّ الأجسام لا تخلو منها. وهذا لم يمكنهم أن يُثبتوه إلا بالأكوان التي هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون. فعلى هذه الطريقة اعتمد أولهم وآخرهم ... فإنّ هذا أبلغ الأقوال؛ وهو قول الأشعريّ، ومن وافقه؛ كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، وأبي الحسين، وابن الزاغوني، وغيرهم".
نقض تأسيس الجهمية 1280.
(2/629)

يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني1، وغيرهم.
والمعتزلة كذلك أيضاً، وكذلك الكرّاميّة.
وقد تأملت كلام أئمة هؤلاء الطوائف؛ كأبي [الحسين] 2 [البصري] 3، ونحوه من المعتزلة، وكابن [الهيصم] 4 من الكرامية، وكأبي الحسن
__________
1 هو علي بن عبيد الله بن نصر بن السري، أبو الحسن بن الزاغوني، الفقيه، الحنبلي، شيخ الحنابلة، وواعظهم، وأحد أعيانهم. كان متقناً لعلوم شتى. توفي سنة 527 ?. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1180-184. وسير أعلام النبلاء 19605-607. وشذرات الذهب 480، 81.
2 في ((ط)) : الحسن.
3 في ((م)) : الصبري.
وهو: أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري، من متأخري المعتزلة، ومن أئمتهم. قال عنه الخطيب البغدادي: "المتكلم، صاحب التصانيف على مذهب الاعتزال. بصري، سكن بغداد، ودرس بها الكلام إلى حين وفاته". وقال ابن حجر: "شيخ المعتزلة، ليس بأهل للرواية". توفي سنة 436 ?.
انظر: لسان الميزان 5298. وتاريخ بغداد 3100. وشذرات الذهب 3259.
4 في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : الهيضم بالضاد. وهو خلاف الموجود في كتب التراجم.
وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مراراً في كتبه؛ سيما في المنهاج (2285، 4120) ، وفي كتاب الصفدية (136) ، وفي بيان تلبيس الجهمية (1201) باسم ابن الهيصم بالصاد، فلعلّ ما في النبوات خطأ من الناسخ.
وهو أبو عبد الله محمد بن الهيصم. من أئمة الكرامية. عاش في القرن الخامس الهجري. قال عنه الشهرستاني: "وقد اجتهد ابن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله في كلّ مسألة، حتى ردّها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم فيما بين العقلاء"، وذكر طوائف الكرامية إلى ثنتي عشرة فرقة، وقال: وأقربهم الهيصمية. ونفى عنه ابن أبي الحديد (في شرح نهج البلاغة 3229-230) ما يُنسب إليه من تجسيم، وفوقية.
وقد تناظر ابن الهيصم، وابن فورك بحضور السلطان محمود بن سكتكين في مسألة العرش، فمال السلطان إلى قول ابن الهيصم. البداية والنهاية 1230.
وانظر: الملل والنحل للشهرستاني 1108-112. وشرح نهج البلاغة 3229. وانظر بعض آرائه في منهاج السنة النبوية 2285، 4120. وكتاب الصفدية 136.
(2/630)

نفسه1، والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي الجويني، وأبي إسحاق الاسفرايني، وأبي بكر ابن فورك، وأبي القاسم القشيري، وأبي الحسن التميمي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني غفر الله لهم ورحمهم أجمعين2. وتأمّلت ما وجدته في الصفات من المقالات؛ مثل كتاب الملل والنحل للشهرستاني، وكتاب مقالات الإسلاميين للأشعري؛ وهو أجمع كتابٍ رأيته في هذا الفن، وقد ذكر فيه ما ذكر أنّه مقالة أهل السنة والحديث، وأنّه يختارها، وهي أقرب ما ذكره من المقالات إلى السنّة والحديث، لكنْ فيه أمور لم يقلها أحدٌ من أهل السنة والحديث. ونفس مقالة أهل السنة والحديث لم يكن يعرفها، ولا هو خبيرٌ بها؛ فالكتب المصنّفة في مقالات الطوائف التي صنفها هؤلاء، ليس فيها ما جاء به الرسول، وما دلّ عليه القرآن؛ لا في
__________
1 لعله يعني أبا الحسن الأشعري؛ لأنه ذكره بعد ذكر أئمة كل فرقة، فكان من المناسب أن يُتبعهم بذكر الأشعري وأتباعه.
2 انظر أصل هؤلاء المتكلمين الذي بنوا عليه إثبات الخالق، والمعاد؛ وهو إثبات الجوهر الفرد، في: نقض تأسيس الجهمية 1280-281.
(2/631)

المقالات المجرّدة، ولا في المقالات التي يذكر فيها الأدلة؛ فإنّ جميع هؤلاء دخلوا في الكلام المذموم الذي عابه السلف وذموه1.
الأشعري أعلم من الشهرستاني بالمقالات والشهرستاني أعلم من الغزالي بها
ولكنّ بعضهم أقرب إلى السنة من بعض، وقد يكون هذا أقرب في بعض، وهذا أقرب في مواضع؛ وهذا لكون أصل اعتمادهم لم يكن على القرآن والحديث؛ بخلاف الفقهاء؛ فإنّهم في كثيرٍ ممّا يقولونه إنّما يعتمدون على القرآن والحديث، فلهذا كانوا أكثر متابعة، لكن ما تكلّم فيه أولئك أجلّ، ولهذا يُعظَّمون من وجه، ويذمّون من وجه؛ فإنّ لهم حسنات، وفضائل، وسعياً مشكوراً، وخطأهم بعد الاجتهاد مغفورٌ.
والأشعريّ أعلم بمقالات المختلفين من الشهرستاني؛ ولهذا ذكر عشر طوائف، وذكر مقالات لم يذكرها الشهرستاني2، وهو أعلم بمقالات أهل السنة، وأقرب إليها، وأوسع علماً من الشهرستاني.
والشهرستاني أعلم باختلاف المختلفين، ومقالاتهم من الغزالي؛ ولهذا ذكر لهم في القرآن أربع مقالات، وعدّد طوائف من أهل القبلة3.
الغزالي حصر أهل العلم الإلهي في أربعة أصناف
والغزالي حصر أهل العلم الإلهي في أربعة أصناف؛ في الفلاسفة، والباطنية، والمتكلمين، والصوفية؛ فلم يعرف مقالات أهل الحديث والسنة، ولا مقالات الفقهاء، ولا مقالات أئمة الصوفية، ولكن ذكر عنهم العمل، وذكر عن بعضهم اعتقاداً يُخالفهم فيه أئمتهم4.
__________
1 انظر نقد شيخ الإسلام رحمه الله لكتب المقالات في درء تعارض العقل والنقل 2307-311، 368، 735-36، 967-68.
2 ذكر ذلك في كتابه مقالات الإسلاميين.
3 ذكر ذلك في كتابه الملل والنحل.
4 انظر كتاب الغزالي ((المنقذ من الضلال)) ص 25.
(2/632)

والقشيري أعلم بأقوال الصوفيّة، ومع هذا لم يذكر أقوال أئمتهم1.
وأبو طالب2 أعلم منهما3 بأقوال الصوفية، ومع هذا فلم يعرف مقالة الأكابر؛ كالفضيل بن عياض، ونحوه4.
ابن رشد حصر أهل العلم الإلهي في ثلاثة أصناف
وأبو الوليد بن رشد الحفيد حصر أهل العلم الإلهي في ثلاثة: في الحشوية، والباطنية، والأشعرية. والباطنية عنده يدخل فيهم باطنية الصوفية، وباطنية الفلاسفة5.
ملاحدة الصوفية
ومن هنا دخل ابن سبعين، وابن عربي؛ فأخذوا مذاهب الفلاسفة، وأدخلوها في التصوف6.
__________
1 انظر: الرسالة القشيرية له.
2 هو أبو طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي المنشأ، العجمي الأصل. صاحب قوت القلوب. قال عنه الذهبي: إنه وعظ، فخلط في كلامه، فقال: "ليس على المخلوقين أضرّ من الخالق"، فبدّعوه، وهجروه. وهو من أشهر رجال السالمية؛ أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم، وابنه أحمد بن محمد بن سالم. ويجمع السالمية في مذهبهم بين كلام أهل السنة، وكلام المعتزلة، مع ميل إلى التشبيه، ونزعة صوفية اتحادية. وقد توفي أبو طالب المكي ببغداد سنة 386 ?.
انظر: تاريخ بغداد 389. وسير أعلام النبلاء 16536. والبداية والنهاية 11341. وشذرات الذهب 3120-121. والأعلام 6274.
3 أي من الغزالي، والقشيري.
4 انظر كتاب ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي.
5 انظر كتاب ((الكشف عن مناهج الأدلة)) لابن رشد الحفيد. وانظر درء تعارض العقل والنقل 968-69.
6 انظر: كتاب الصفدية لشيخ الإسلام 1265-270، 273، 284. وشرح الأصفهانية 2547-549. وبغية المرتاد ص 445-450.
(2/633)

وأبو حامد يدخل في [بعض] 1 هذا؛ فإنّ ابن سينا تكلّم في مقالات العارفين بتصوّف فاسد.
قولهم في الصحابة لأجل أنهم لم يتكلموا بنحو كلامهم
ثمّ إنّ هؤلاء2 مع هذا [لمّا لم] 3 يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم، بل ولا نقل ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب، وأنّهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة4. ويقولون أيضاً: إنّ الرسول لم يعلمهم هذا، لئلا يشتغلوا به عن الجهاد؛ فإنّه كان محتاجا إليهم في الجهاد5.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 المتصوفة.
3 في ((ط)) : لم لم.
4 وقال شيخ الإسلام رحمه الله عن طريقة هؤلاء المبتدعة أنهم "أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ حتى يقولون: إنهم لم يُحقّقوا أصول الدين كما حققناها. وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد. ولهم من جنس هذا الكلام الذي يُوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع، ويُخالفون به الكتاب والسنة والإجماع". درء تعارض العقل والنقل 214-15.
وانظر: قواعد العقائد للغزالي ص 97. وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا 3186-187. ومن كتب شيخ الإسلام: درء تعارض العقل والنقل 851-54، والتسعينية ص 256؛ حيث نسب بعض هذه الأقوال للجويني.
5 وقال شيخ الإسلام عنهم: "صار كثير منهم يقول: إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين، أو لم يبين أصول الدين. ومنهم من هاب النبي، ولكن يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك. ومن عظّم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائراً: كيف لم يتكلم أولئك الأفضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم. ومن هو مؤمن بالرسول معظم له: يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج منهم إلى غيرها". درء تعارض العقل والنقل124. وانظر: مجموع الفتاوى 13249-252.
(2/634)

وهكذا يقول من يقول من مبتدعة أهل الزهد، والتصوف1؛ إذا دخلوا في عبادات منهي عنها، ومذمومة في الشرع، قالوا: كان الصحابة مشغولين عنها بالجهاد، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخاف أن يشتغلوا بها عن الجهاد.
وأهل السيف قد يظنّ من يظنّ منهم أنّ لهم من الجهاد، وقتال الأعداء ما لم يكن مثله للصحابة، وأنّ الصحابة كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن مثل جهادهم.
ومن أهل الكلام من يقول: بل الصحابة كانوا على عقائدهم، وأصولهم، لكن لم يتكلموا بذلك؛ لعدم حاجتهم إليه2.
فهؤلاء جمعوا بين أمرين؛ بين أن ابتدعوا أقوالاً باطلةً ظنّوا أنّها هي أصول الدين، لا يكون عالما بالدين إلا من وافقهم عليها، وأنّهم علموا، وبيّنوا من الحق ما لم يُبيّنه الرسول والصحابة.
وإذا تدبر الخبير حقيقة ما هم عليه، تبيّن له أنّه ليس عند القوم فيما ابتدعوه؛ لا علم، ولا دين، ولا شرع، ولا عقل.
__________
1 انظر: التسعينية لشيخ الإسلام ص 257.
2 انظر: قواعد العقائد للغزالي ص 97. وإحياء علوم الدين 1113-114.
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في الردّ عليهم، وبيان أنّ السلف أعلم في المنقول والمعقول: "ومن تدبّر كلام أئمة أهل السنة المشاهير في هذا الباب، علم أنهم كانوا أدقّ الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنّ أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف، ولا تختلف، وتتوافق، ولا تتناقض. والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول؛ فتشعّبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب ... ". درء تعارض العقل والنقل 2301-302. وانظر: مجموع الفتاوى 1329
(2/635)

وآخرون1 لما رأوا ابتداع هؤلاء، وأنّ الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون مثل قولهم، ظنّوا أنّهم كانوا كالعامة الذين لا يعرفون الأدلة والحجج، وأنهم كانوا لا يفهمون ما في القرآن مما تشابه على من تشابه عليه، وتوهّموا أنه إذا كان الوقف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله} 2؛ كان المراد أنّه لا يفهم معناه إلا الله؛ لا الرسول، ولا الصحابة؛ فصاروا ينسبون الصحابة، بل والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل، وجعلوهم مثل أنفسهم لا يسمعون ولا يعقلون، وظنّوا أنّ هذه طريقة السلف؛ وهي الجهل البسيط3 التي لا يعقل صاحبها ولا يسمع، وهذا وصف أهل النار، لا وصف أفضل الخلق بعد الأنبياء.
__________
1 انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء؛ فقد توسع في ذكر أقوالهم، وما يلزم عليها، في: درء تعارض العقل والنقل 116-20، 5380-381، 851-53. وكتاب الصفدية 1260، 276، 287-288.
2 سورة آل عمران، الآية 7.
وانظر أقوال العلماء في الوقف في هذه الآية في: تفسير الطبري 5182-186. وتفسير ابن كثير 1346-347. وأضواء البيان 1331-336. وانظر لشيخ الإسلام: درء تعارض العقل والنقل 5380-381، 7327. والعقيدة التدمرية ص 90.
3 هو عدم العلم عمّا من شأنه أن يكون علماً. انظر: التعريفات للجرجاني ص 108.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله عن أهل الجهل البسيط والجهل المركب: "فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب، المعرضين عنه، وأهل الجهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها عقليات. وآخرون ممن يعارضهم يقول: المناقض لتلك الأقوال هو العقليات". درء تعارض العقل والنقل 1170. وانظر: المصدر نفسه 117.
(2/636)

ابن مسعود يحث على التمسك بهدي الصحابة..
قال ابن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنّاً، فليستنّ بمن قد مات؛ فإنّ الحيّ لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلّها تكلفاً؛ قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقّهم، وتمسّكوا بهديهم؛ فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم1.
__________
1 انظر: مشكاة المصابيح 168، وقد علّق عليه الشيخ الألباني بقوله: (أخرجه ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله 297، والهروي (ق 86أ) من طريق قتادة، عنه. فهو منقطع. وانظر أيضاً شرح السنة للبغوي 124 مع اختلاف يسير في الألفاظ. وانظر منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام 276-77، مع اختلاف يسير.
ويُعلّق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على هذا الأثر؛ فيقول: "وقول عبد الله بن مسعود: كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً: كلامٌ جامع، بيّن فيه حسن قصدهم، ونياتهم ببر القلوب، وبيّن فيه كمال المعرفة، ودقتها بعمق العلم، وبيّن فيه تيسير ذلك عليهم، وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف ... وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس، الذين هداهم الله لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا من الضالين الجاهلين ... بل لهم كمال العلم، وكمال القصد؛ إذ لو لم يكن كذلك، للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم، وأن لا يكونوا خير الأمة، وكلاهما خلاف الكتاب والسنة.
وأيضاً فالاعتبار العقليّ يدلّ على ذلك؛ فإنّ من تأمّل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتأمل أحوال اليهود، والنصارى، والصابئين، والمجوس، والمشركين، تبيّن له من فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع، والعمل الصالح ما يضيق هذا الموضع عن بسطه.
والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، ولهذا لا تجد أحداً من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه وعلى أمثاله، وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس. ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يُرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث، ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في الجيوش المؤيدة المنصورة جيش رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام، وأقاموه، وجاهدوا عدوه من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي ... ". منهاج السنة النبوية 279-81.
وانظر مدح شيخ الإسلام رحمه الله للسلف، وذكر مميزاتهم، وقيامهم بحفظ هذا الدين في: مجموع الفتاوى 17-8.
(2/637)

وقال أيضاً: إنّ الله نظر في قلوب العباد؛ فوجد قلب محمد خير قلوب العباد؛ فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد؛ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد بعد قلبه؛ فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه. فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً، فهو عند الله قبيح1.
فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم
وقد ثبت في الصحيحين، من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "خير القرون: القرن الذي بُعثت فيهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم"2.
وقد قال تعالى: {وَالسَّابِقونَ الأوَّلونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعوهُمْ بِإِحْسَانٍ} 3؛ فرضي عن السابقين مطلقاً، ورضي عمّن اتبعهم
__________
1 رواه الإمام أحمد في المسند ط أحمد شاكر 5311، وقال عنه: إسناده صحيح، مع اختلاف يسير في الألفاظ. وانظر منهاج السنة 277-78.
2 أخرجه البخاري 2938، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد. و31335، كتاب فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، باب فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم. و52362، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها. و62452، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال أشهد بالله. و62463، كتاب الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي مع اختلاف يسير في جميع هذه الأبواب. وأخرجه مسلم في صحيحه 41962-1965، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، مع اختلاف يسير.
3 سورة التوبة، الآية 100.
(2/638)

بإحسان؛ وذلك متناول لكلّ من اتّبعهم إلى يوم القيامة؛ كما ذكر ذلك أهل العلم1.
قال ابن أبي حاتم: قُرىء على يونس بن عبد الأعلى: [أنا] 2 ابن وهب، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعوهُمْ بِإِحْسَانٍ} 3: قال من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة4.
وبسط هذا له موضع آخر5.
الهدى والبيان والبراهين في القرآن
والمقصود هنا: أنّ الهدى، والبيان، والأدلة، والبراهين في القرآن؛ فإنّ الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله بالآيات البيّنات؛ وهي الأدلة البينة الدالة على الحق، وكذلك سائر الرسل. ومن الممتنع أن يرسل الله رسولاً يأمر الناس بتصديقه، ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه. وكذلك من قال إني رسول [الله] 6، فمن الممتنع أن يجعل مجرد الخبر المحتمل للصدق والكذب دليلاً له، وحجة على الناس. هذا لا يُظنّ بأجهل الخلق، فكيف بأفضل الناس؟.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء، إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر. وإنّما كان الذي أوتيته وحياً
__________
1 انظر: تفسير الطبري 116-9. وتفسير البغوي 2322. وبدائع التفسير لابن القيم جمع يسري السيد محمد 2372.
2 في ((ط)) : أن. "وأنا: مختصر "أخبرنا".
3 سورة التوبة، الآية 100.
4 الدر المنثور للسيوطي 3271.
5 انظر: العقيدة التدمرية ص 236. ومنهاج السنة النبوية 7155،، 8219.
6 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
(2/639)

أوحاه الله إليّ، [فأرجو] 1 أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" 2.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ [مَا] 3 [أَنْزَلْنَا] 4 مِنَ البَيّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ للنَّاسِ في الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} 5؛ فالبيّنات: جمع بيّنة؛ وهي الأدلة والبراهين التي هي بينة في نفسها، وبها يتبيّن غيرُها؛ يُقال: بيّن الأمر: أي تبين في نفسه، ويقال: بيّن غيره؛ فالبين: اسمٌ لما ظهر في نفسه، ولما أظهر غيره. وكذلك المبين؛ كقوله فاحشة مبيّنة؛ أي متبينة6.
فهذا شأن الأدلة؛ فإنّ مقدماتها تكون معلومة بنفسها؛ كالمقدمات الحسية، والبديهية. وبها يتبيّن غيرها؛ فيستدل على الخفي بالجلي.
والهدى: مصدر هداه هُدَى، والهدى: هو بيان ما ينتفع به الناس، ويحتاجون إليه، وهو ضدّ الضلالة؛ فالضالّ يضلّ عن مقصوده وطريق مقصوده.
__________
1 في ((خ)) : فأرجوا.
2 رواه البخاري في صحيحه 41905، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما أنزل. و62654، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت بجوامع الكلم". ورواه مسلم في صحيحه 1134، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته.
3 في ((م)) : اما.
4 في ((ط)) : أنزل.
5 سورة البقرة، الآية 159.
6 انظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 156. ولسان العرب لابن منظور 367-68.
(2/640)

وهو سبحانه بيّن في كتبه ما يهدي الناس؛ فعرفهم ما يقصدون، وما يسلكون من الطرق؛ عرَّفهم أنّ الله هو المقصود المعبود وحده، وأنّه لا يجوز عبادة غيره، وعرَّفهم الطريق؛ وهو ما يعبدونه به.
ففي الهدى: بيان المعبود، وما يعبد به. والبينات فيها بيان الأدلة والبراهين على ذلك. فليس ما يخبر به، ويأمر به من الهدى قولاً مجرّداً عن دليله ليؤخذ تقليداً واتباعاً للظنّ، بل هو مبيّن بالآيات البيّنات؛ وهي الأدلة اليقينية، والبراهين القطعية.
وكان عند أهل الكتاب من البيّنات الدالّة على نبوّة محمد، وصحّة ما جاء به أمور متعددة؛ [لبشارات كتبهم] 1، وغير ذلك؛ فكانوا يكتمونه؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله} 2؛ فإنّه كان عندهم شهادة من الله، [تشهد] 3 بما جاء به محمد، وبمثله، [فكتموها] 4.
وقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً للنّاس وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَان} 5؛ فأنزله هادياً للنّاس، وبيِّنات من الهدى والفرقان؛ فهو يهدي النّاس إلى صراط مستقيم؛ يهديهم إلى صراط العزيز الحميد الذي له ما في السموات وما في الأرض، بما فيه من الخبر والأمر، وهو بيّنات دلالات، وبراهين من الهدى؛ من الأدلة الهادية المبيّنة
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة البقرة، الآية 140.
3 في ((خ)) : يشهد. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((ط)) : فتكتموها.
5 سورة البقرة، الآية 185.
(2/641)

للحق، ومن الفرقان المفرّق بين الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، والمأمور والمحظور، والحلال والحرام؛ وذلك أنّ الدليل لا يتمّ إلاّ بالجواب عن المعارض؛ فالأدلة تشتبه كثيراً بما يعارضها، فلا بُدّ من الفرق بين الدليل الدالّ على الحقّ، وبين ما عارضه؛ [ليتبين أنّ الذي عارضه باطلٌ.
فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق، لكن لا بد مع ذلك من الفرقان؛ وهو الفرق بين ذلك الدليل، وبين ما عارضه] 1، والفرق بين خبر الرب، والخبر الذي يخالفه.
فالفرقان يحصل به التمييز بين المشتبهات. ومن لم يحصل له الفرقان كان في اشتباه، وحيرة.
الهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان
والهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان. فلهذا قال أولاً: {هُدىً لِلنَّاسِ} ، ثم قال: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ؛ فالبينات: الأدلة على ما تقدم من الهدى؛ وهي بينات من الهدى، الذي هو دليل على أنّ الأول هدى، ومن الفرقان الذي يُفرّق بين البيّنات والشبهات، والحجج الصحيحة والفاسدة. فالهدى: مثل أن يُؤمر بسلوك الطريق إلى الله؛ كما يُؤمر قاصد الحج [بسلوك] 2 طريق مكّة مع دليل يوصله. والبيّنات: ما يدلّ، ويُبيّن أنّ ذلك هو الطريق، وأنّ سالكه سالك للطريق لا ضالّ. والفرقان: أن يُفرّق بين ذاك الطريق وغيره، وبين الدليل الذي يسلكه ويدلّ الناس عليه، وبين غيرهم ممّن يدّعي الدلالة، وهو جاهل مضلّ.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((ط)) : بساوك.
(2/642)

وهذا، وأمثاله مما يبين أنّ في القرآن الأدلة الدالّة للنّاس على تحقيق ما فيه من الأخبار، والأوامر كثير. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع1.
والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فإنّ المتكلمين المبتدعين تكلموا في النبوات بكلامٍ كثيرٍ لبّسوا فيه الحق بالباطل؛ كما فعلوا مثل ذلك في غير النبوات؛ كالإلهيات، وكالمعاد. وعند التحقيق: لم يعرفوا النبوّة، ولم يثبتوا ما يدلّ عليها؛ فليس عندهم لا هدى، ولا بينات.
النبوة عند المتكلمين
والله سبحانه أنزل في كتبه البيّنات، والهدى؛ فمن تصوّر الشيء على وجهه، فقد اهتدى إليه؛ ومن عرف دليل ثبوته، فقد عرف البينات. فالتصوّر الصحيح: اهتداء. والدليل الذي يُبيّن التصديق بذلك التصور: بيّنات.
والله تعالى أنزل الكتاب هدى للناس، وبيّنات من الهدى والفرقان. والقرآن أثبت الصفات على وجه التفصيل، ونفى عنها التمثيل؛ وهي طريقة الرسل؛ جاءوا بإثبات مفصل، ونفي مجمل. وأعداؤهم جاءوا بنفي مفصل، وإثبات مجمل2. فلو لم يكن الحق فيما بينه الرسول للناس،
__________
1 انظر: درء تعارض العقل والنقل 1188-199، 233-237،، 736-74، 352. وشرح الأصفهانية 141. ونقض تأسيس الجهمية 1246. والتسعينية ص 273. وكتاب الصفدية 1293-296.
وانظر أول هذا الفصل؛ ففيه ذكر إحالات على ذلك الكتاب 736.
2 الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بإثبات مفصّل (أي تفصيل في الصفات الثبوتية) ، ونفي مجمل (أي إجمال في الصفات السلبية) ؛ فطريقة الرسل التي هي طريقة القرآن: التفصيل في صفات المدح والثناء، والإجمال في صفات النفي التي فيها النقائص والعيوب والتمثيل.
والأمثلة من القرآن كثيرة:
فمنها: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . [سورة الشورى، الآية 11] .
وقوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} . [سورة مريم، الآية 65] .
وقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ... الآية} . [سورة الحديد، الآيتان 3-4] .
وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إلى قوله سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . [سورة الحشر، الآيات 22-24] .
وأما طريقة مخالفي الرسل من أهل الإلحاد والزندقة وغيرهم: فإنهم يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يُثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل؛ فيقولون: لا يوصف بالحياة، ولا العلم، ولا القدرة، ولا يقرب من شيء، ولا يقرب منه شيء، ولا يرى في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا داخل العالم ولا خارجه ... إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم.
ثمّ قالوا في الإثبات: هو وجود مطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية.
انظر: العقيدة التدمريّة ص 8-15. وكتاب الصفدية 1116-117. وشرح الأصفهانية 1379-380.
(2/643)

وأظهر لهم، بل كان الحق في نقيضه، للزم أن يكون عدم الرسول خيراً من وجوده، إذا كان وجوده لم يفدهم عند هؤلاء علماً ولا هدى، بل ذكر1
__________
1 والمقصود به هنا الرسول صلى الله عليه وسلم. وشيخ الإسلام يذكر هذا على سبيل الإلزام، ومناظرتهم بمفهوم كلامهم.
وقد أوضح رحمه الله موقف المتكلمين من أصول الدين التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقال: "وهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأنّ الرسول لم يُبيّن المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة، أو متشابهة....، ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضاً، ومنهم من يقول: بل علمها، ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص؛ فهم مشتركون في أنّ الرسول لم يَعْلم، أو لم يُعلّم، بل جهل معناها، أو جهلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل المركب. وأما أولئك فيقولون: بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب، والاعتقادات الفاسدة. وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة، بخلاف أولئك؛ فإنهم يقولون: الرسول لم يقصد أن يجعل أحداً جاهلاً معتقداً للباطل، ولكن أقوالهم تتضمن أن الرسول لم يبيّن الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات، والأحاديث، إما مع كونه لم يعلمه، أو مع كونه علمه، ولم يبيّنه".
درء تعارض العقل والنقل 116-17.
(2/644)

أقوالاً تدلّ على الباطل، وطلب منهم أن يتعلموا الهدى بعقولهم ونظرهم، ثم ينظروا فيما جاء به؛ فإمّا أن يتأولوه ويحرفوا الكلم عن مواضعه، وإما أن [يفوّضوه] 1.
ردود شيخ الإسلام على المتكلمين ومنها: نقض التأسيس
فذكرنا هذا ونحوه مما يبين أنّ الهدى مأخوذ عن الرسول، وأنه قد بين للأمة ما يجب اعتقاده من أصول الدين في الصفات، وغيرها. فكان الجواب خطاباً مع من يقرّ بنبوّته، ويشهد له بأنّه رسول الله. فلم يُذكَر فيه دلائل النبوة، وذُكِرَ أن الشبهات العقلية التي تعارض خبر الرسول باطلة، وذُكِرَ في ذلك ما هو موجود في هذا الجواب.
سبب تأليف درء تعارض العقل والنقل
ثم بعد ذلك حدثت أمور أوجبت أن يُبسط الكلام في هذا الباب، و [يُتكلّم] 2 على حجج النفاة، ويُبيَّن بطلانها، و [يُتكلم] 3 على ما أثبتوه؛ من أنه يجب تقديم ما يزعمون أنّه معقول على ما عُلِم بخبر الرسول.
وبُسِطَ في ذلك من الكلام والقواعد ما ليس [هذا] 4 موضعه5،
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : يعوّضوه.
وهذا المعنى هو قانون الرازي الذي ردّ عليه شيخ الإسلام رحمه الله.
2 في ((خ)) : نتكلم.
3 في ((خ)) : نتكلم.
4 في ((ط)) : هذه.
5 شيخ الإسلام رحمه الله يقصد كتابه الكبير: ((درء تعارض العقل والنقل)) ، وهو كتابٌ يردّ فيه شيخ الإسلام رحمه الله على القانون الكلّي الذي سنّه الرازي لأتباعه؛ زاعماً فيه أنه إذا تعارض العقل والنقل، قُدِّم العقل. وأما النقل فإما أن يُتأول، وإما أن يُفوّض.
انظر: درء تعارض العقل والنقل 14 في المقدمة) . وانظر قانون الرازي في كتبه الآتية: أساس التقديس في علم الكلام ص 172-173. والمطالب العالية 1337. ولباب الأربعين ص 36. ونهاية العقول في دراية الأصول ق 13.
والشرع عند الرازي وأتباعه كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: "لا يعتمد عليه فيما وصف الله به نفسه وما لا يوصف، وإنما يُعتمد في ذلك على عقلهم، ثم ما لم يُثبته إما أن ينفوه، وإما أن يقفوا فيه". درء تعارض العقل والنقل 213.
وشيخ الإسلام رحمه الله ردّ على هؤلاء من أربعة وأربعين وجهاً في كتابه درء تعارض العقل والنقل، وهو الذي أُفرد لهدم هذا القانون الباطل من أساسه.
وقد قال أحد الباحثين وهو الدكتور عبد الرحمن المحمود عن هذا الكتاب، وسبب تأليفه: "وهذا الكتاب من أعظم كتب ابن تيمية، وقد ألفه في الرد على الأشاعرة الذين يقولون بوجوب تقديم العقل على النقل إذا تعارضا، وجعلوا ذلك قانوناً كليّاً لهم. ومن الذين قالوا بهذا القانون: الرازي وأتباعه، والجويني، والقاضي أبو بكر بن العربي، وغيرهم.
وقد ألف ابن تيمية هذا الكتاب بعد تأليفه لنقض أساس التقديس، وقد رجح المحقق رحمه الله أنه ألفه بعد وصوله إلى الشام من مصر؛ أي بين عامي 712- 718 ?. ويقول ابن تيمية مشيراً إلى ذلك: (وهذه الطريقة هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإنّا قد بيّنا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس، وغيره". فهذا النص أخّر تأليف هذا الكتاب عن كتابه الآخر الذي ألفه في مصر ((نقض أساس التقديس)) ، ونلمح هنا التدرج التأليفي في نقض أصول الأشاعرة؛ فهو في البداية ردّ على أدلتهم مباشرة، وأجاب عن الاعتراضات الواردة عليها، ثم رأى أنّ هؤلاء إنما يعتمدون في شبههم واعتراضاتهم على ما كتبه شيخهم ومقدمهم الرازي، فرأى أن من تمام الكلام في نقض كلامهم نقض كلام شيوخهم كالرازي؛ فألف نقض أساس التقديس، ثم بعد ذلك رأى أن الرازي وأمثاله ليسوا مستقلين بذلك استقلالاً كاملاً، وإنما مادة كلامهم من كلام الفلاسفة، فأراد أن يُكمّل الردّ بنقض أصولهم الفلسفية؛ فجاء هذا الكتاب ((درء تعارض العقل والنقل)) الذي لم يكن مقتصراً على جواب هذه المسألة فقط: تقديم العقل على النقل. وإنما حوى مباحث طويلة مع الفلاسفة شيوخ الرازي، وغيرهم، ونقل أقوالهم، وبيّن من وجوه عديدة أنواعاً من تناقضهم، وردّ بعضهم على بعض.
والكتاب والحمد لله وصل إلينا كاملاً، ونشر نشراً علمياً ممتازاً، فجزى الله محققه خيراً، وغفر له ورحمه) . موقف ابن تيمية من الأشاعرة 1206-207.
وشيخ الإسلام رحمه الله قد أشار إلى كتابه العظيم، وسماه: درء تعارض العقل والنقل في: الرد على المنطقيين ص 253-254.
(2/645)

وتُكُلِّمَ مع الفلاسفة والملاحدة الذين يقولون إنّ الرسل خاطبوا خطاباً قصدوا به التخييل إلى العامة1 ما ينفعهم، لا أنّهم قصدوا [الإخبار] 2 بالحقائق.
وهؤلاء لم يكن وقت الجواب قصد مخاطبتهم إذ كان هؤلاء في الحقيقة مكذبين للرسل، يقولون إنّهم كذبوا لما رأوه مصلحة بل كان الخطاب مع من يقرّ بأنّ الرسول لا يقول إلا الحق باطناً وظاهراً، ثم بعد هذا طلب الكلام على تقرير أصول الدين بأدلتها العقلية، وإن كانت مستفادة من تعليم الرسول، وذكر فيها ما ذكر من دلائل النبوة3 في مصنف يتضمن شرح عقيدة صنفها
شيخ النظّار بمصر: شمس الدين الأصبهاني4. فطُلِبَ مني شرحها،
__________
1 انظر: درء تعارض العقل والنقل 18-11، 17، 19. وكتاب الصفدية 1276، 287.
2 في ((ط)) : الأخبار.
3 شيخ الإسلام يقصد بكلامه هذا الذي ذكره: سببَ شرحه للعقيدة الأصفهانية، وأنه ضمنها دلائل النبوة.
لذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله عن عقيدة الأصبهاني: "إنه اختصر هذه العقيدة من كتب أبي عبد الله ابن الخطيب الرازي ... ". انظر شرح الأصفهانية 140.
4 وقد قام شيخ الإسلام رحمه الله بشرح هذه العقيدة في مصنّف موسوم بشرح الأصفهانية. وكان شيخ الإسلام رحمه الله قد سُئل وهو مقيم في الديار المصرية عام 712? أن يشرحها، فاعتذر بأنه لا بد عند شرح ذلك الكلام من مخالفة بعض مقاصده لما توجبه قواعد الإسلام؛ فإن الحق أحق أن يُتبع، والله ورسوله أحق أن يُرضوه إن كانوا مؤمنين ... انظر شرح الأصفهانية 11-2.
ثم شرحها رحمه الله مبيناً انحرافها عن منهج السلف.
وقد طبع الشرح بدون تحقيق، وقدم له: حسنين محمد مخلوف، ثم قام بتحقيقها د محمد بن عودة السعوي لنيل درجة الدكتوراة من جامعة الإمام، ولم تطبع بعد.
والأصبهاني هو: القاضي أبو عبد الله محمد بن محمود بن عباد العجلي الأصبهاني، شمس الدين. تولى القضاء في القاهرة، ثم استقر فيها. ولد سنة 616 ?، وتوفي سنة 688 ?.
انظر: طبقات السبكي 8100. وشذرات الذهب 5406.
(2/647)

فشرحتها، وذكرت فيها من الدلائل العقلية ما يعلم به أصول الدين.
سبب تأليف الجواب الصحيح
وبعدها جاء كتاب من النصارى1 يتضمّن الاحتجاج لدينهم بالعقل
__________
1 أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذا الكتاب في كتابه النفيس: "الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح"، وذكر فيه أنّ وروده إليه من أسباب تأليفه لهذا الكتاب. وهذا يدلّ على أن الجواب الصحيح أُلّف بعد شرح الأصفهانية، ودرء التعارض، ونقض التأسيس.
يقول رحمه الله: "وكان من أسباب نصر الدين وظهوره: أن كتاباً ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتج به علماء دينهم، وفضلاء ملتهم قديماً وحديثاً من الحجج السمعية، والعقلية؛ فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب؛ لينتفع بذلك أولوا الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان. وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلاً فصلاً، وأُتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعاً وأصلاً، وعقداً وحلاً. وما ذكروه في هذا الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان، وقبل هذا الزمان، وإن كان يزيد بعضهم على بعض، بحسب الأحوال؛ فإن هذه الرسالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك، ويتناقلها علماؤهم بينهم، والنسخ بها موجودة قديمة، وهي مضافة إلى بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، كتبها إلى بعض أصدقائه، وله مصنفات في نصر النصرانية..... وقد عظّم هذه الرسالة، وسماها: "الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم" ... ". الجواب الصحيح 198-101.
(2/648)

والسمع، واحتجوا بما ذكروه من القرآن؛ فأوجب ذلك أن يُرَدَّ عليهم، ويُبَيَّن فساد ما احتجوا به من الأدلة السمعية؛ من القرآن، ومن كلام الأنبياء المتقدمين، وما احتجوا به من العقل، وأنهم مخالفون للأنبياء وللعقل؛ خالفوا المسيح، ومَنْ قبله، وحرّفوا كلامهم؛ كما خالفوا العقل، وبُيِّن ما يحتجون به من نصوص الأنبياء، وأنها هي وغيرها من نصوص الأنبياء التي عندهم حجة عليهم لا لهم، وبُيِّن الجواب الصحيح لمن حرّف دين المسيح. وهم لم يطالبوا ببيان دلائل نبوّة نبيّنا، لكن اقتضت المصلحة أن يذكر من هذا ما يناسبه، ويُبْسَط الكلام في ذلك بسطاً أكثر من غيره1.
وقلوب كثير من الناس يجول فيها أمر النبوات وما جاءت به الرسل. وهم2 وإن أظهروا تصديقهم3 والشهادة لهم، ففي قلوبهم مرض ونفاق؛ إذ كان ما جعلوه أصولاً لدينهم، معارض لما جاءت به الأنبياء4.
__________
1 وقد بسط ذلك في كتابه الكبير: الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح.
والكتاب حقق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على شكل رسائل جامعية لنيل درجة الدكتوراة، وقد طبع في ستة أجزاء كبار.
2 أصحاب القانون الكلي؛ الرازي وأتباعه الذين يقدّمون عقلياتهم على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.
3 تصديق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
4 ويقول شيخ الإسلام رحمه الله عن أصولهم: "ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول؛ جعلوها أصولاً للعلم بالخالق، وهي أصول تناقض العلم به؛ فلا يتم العلم بالخالق إلا مع اعتقاد نقيضها". مجموع الفتاوى 16442-443. وانظر درء تعارض العقل والنقل 213-14.
(2/649)

وهم لم يتعلموا ما جاءت به الأنبياء، ولم يأخذوا عنهم الدلائل، والأصول، والبينات، والبراهين.
وإذا وجب أن يؤخذ عن الأنبياء ما أخبروا به من أصول الدين، ومن تصديق خبرهم، مع وجود ما يعارضه، فلأن يؤخذ عنهم ما بيّنوا به تلك العقائد؛ من الآيات، والبراهين أولى وأحرى؛ فإنه بهذا يتبين ذاك، وإلا فتصديق الخبر متوقف على دليل صحته، أو على صدق المخبر به. وتصديقه بدون أن يعلم أنّه في نفسه حق، أو أنّ المخبر به صادق: قول بلا علم.
الرسول أرسل بالبينات والهدى
والرسول صلوات الله عليه وسلامه قد أُرسل بالبينات والهدى؛ بيَّن الأحكام الخبرية والطلبية، وأدلتها الدالة عليها؛ بيَّن المسائل والوسائل؛ بيَّن الدين؛ ما يقال، وما يعمل؛ وبيَّن أصوله التي بها يعلم أنه دين حق. وهذا المعنى قد ذكره الله تعالى في غير موضع، وبيَّن أنّه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين [كله] 1؛ ذكر هذا في سورة التوبة2، والفتح3، والصف4.
والهدى: هو هدي الخلق إلى الحق، وتعريفهم ذلك، وإرشادهم إليه. وهذا لا يكون إلا بذكر الأدلة، والآيات الدالة على أنّ هذا هدى، وإلا فمجرّد خبر: لم يعلم أنه حق، ولم يقم دليل على أنّه حقّ: ليس بهدى.
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة، 33] .
3 قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} . [الفتح، 28] .
4 قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} . [الصف، 9] .
(2/650)

وهو سبحانه إذا ذكر الأنبياء؛ نبينا وغيره، ذكر أنّه أرسلهم بالآيات البينات1؛ وهي الأدلّة، والبراهين البيّنة، المعلومة علماً يقينياً؛ إذ كان كل دليل لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بيّنة بنفسها، قد تسمى بديهيّات2، وقد تسمّى ضروريات3، وقد تسمى أوليات4، وقد يقال: هي معلومة
__________
1 قال تعالى عن رسله عليهم السلام: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ... } الآية. [سورة الحديد، الآية 25] ، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..} الآية. [سورة البقرة، الآية 87] ، وقال تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} . [سورة البقرة، الآية 99] ، وقال تعالى عن يوسف عليه السلام: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ..} الآية. [سورة غافر، الآية 34] .
2 البديهيّ: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، سواء احتاج إلى شيء آخر؛ من حدس، أو تجربة، أو غير ذلك، أو لم يحتج؛ فيرادف الضروري. وقد يُراد به ما لا يحتاج بعد توجه العقل إلى شيء أصلاً؛ فيكون أخص من الضروريّ؛ كتصور الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان.
التعريفات للجرجاني ص 63.
3 ذكر الجرجاني في تعريفاته أنّ الضرورية المطلقة: هي التي يحكم فيها بضرورة ثبوت المحمول للموضوع، أو بضرورة سلبه عنه، ما دام ذات الموضوع موجودة. أما التي حكم فيها بضرورة الثبوت، فضرورية موجبة؛ كقولنا: كلّ إنسان حيوان بالضرورة؛ فإن الحكم فيها بضرورة ثبوت الحيوان للإنسان في جميع أوقات وجوده. وأما التي حكم فيها بضرورة السلب، فضرورية سالبة؛ كقولنا: لا شيء من الإنسان بحجر بالضرورة؛ فالحكم فيها بضرورة سلب الحجر عن الإنسان في جميع أوقات وجوده. انظر التعريفات للجرجاني ص 180.
4 الأوّليّ: هو الذي بعد توجه العقل إليه لم يفتقر إلى شيء أصلاً من حدس، أو تجربة، أو نحو ذلك؛ كقولنا: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من جزئه؛ فإن هذين الحكمين لا يتوقفان إلا على تصور الطرفين. وهو أخص من الضروريّ مطلقاً. التعريفات للجرجاني ص 58.
(2/651)

بأنفسها؛ فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بالآيات البينات.
إذا خاطب جنس الإنس ذكر جنس الأنبياء
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، [فأرجو] 1 أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" 2.
وهو سبحانه إذا خاطب جنس الإنس، ذكر جنس الأنبياء3، و [أثبت] 4 جنس ما جاءوا به. وإذا خاطب أهل الكتاب المقرين بنبوة موسى، خاطبهم بإثبات نبيّ بعده؛ كما قال في سورة البقرة في خطابه لبني إسرائيل لما ذكر ما ذكره من أحوالهم مع موسى، وذكّرهم بأنعامه عليهم، وبما فعلوه من السيئات، ومغفرته لها؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَم البَيّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقَاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقَاً تَقْتُلُونَ} 5، ثمّ ذكر محمداً؛ فقال: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ [كِتَابٌ] 6 مِنْ عِنْدِ اللهِ
__________
1 في ((خ)) : وأرجوا.
2 سبق تخريجه في ص 767.
3 والآيات في ذلك كثيرة؛ منها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.} إلى قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا..} . [البقرة، 21-23] ؛ فذكر الناس، ثم ذكر بعدهم عبده ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم.
ومنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ.} الآية. [النساء، 170] .
ومنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} . [النساء، 174] .
4 في ((خ)) : ثبت. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 سورة البقرة، الآية 87.
6 في ((خ)) ، و ((م)) : رسولٌ.
(2/652)

مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيَاً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} 1.
فذكر سبحانه أنّه أرسل المسيح إليهم بالبيّنات، بعدما أرسل قبله الرسل، وأنّهم تارة يُكذّبون الرسل، وتارة يقتلونهم، وذكر أنّه أرسل عيسى بالبينات لأنّه جاء بنسخ بعض شرع التوراة، بخلاف من قبله2، ولهذا لم يذكر ذلك عنهم.
وقال في موسى إنّه آتاه الكتاب؛ لأنهم كانوا مقرين بنبوته، ولكن حرّفوا كتابه في المعنى باتفاق الناس، وحرّفوا اللفظ أحياناً، وفي بعض المواضع.
وهو تعالى قد ذكر في غير موضع أنّه أرسل موسى بالآيات البيّنات؛ فقال لما ناجاه: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرَاً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَاً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَاً فَاسِقِينَ} 3، وقال في سورة القصص: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ
__________
1 سورة البقرة، الآيتان 89-90.
2 ذكر هذا في قوله جلّ وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَم البَيّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقَاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقَاً تَقْتُلُونَ} . [سورة البقرة، الآية 87] .
3 سورة النمل، الآيات 10-12.
(2/653)

مِنَ الرَّهْبِ [فَذَانِكَ] 1 بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَاً فَاسِقِينَ} 2، وقال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمَاً مُجْرِمِينَ} 3.
وقد قال تعالى لمّا قصّ قصص الرسل؛ نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب4، ونصره لهم، وإهلاك أعدائهم. ثمّ ذكر الأنبياء عموماً؛ فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا في قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} 5، إلى قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ [عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا] 6 وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين} 7.
فقد أخبر أنّ أهل القرى كلهم؛ الذين أهلكهم، جاءتهم رسلهم بالبينات، ولكن شابه متأخروهم متقدّميهم، فما كان هؤلاء ليؤمنوا بما كذّب به أشباههم، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وهذا كقوله تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون} 8.
__________
1 في ((ط)) : فذلك.
2 سورة القصص، الآيتان 31-32.
3 سورة الأعراف، الآية 133.
4 في ((ط)) : عليهم السلام.
5 سورة الأعراف، الآية 94.
6 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، و ((م)) .
7 سورة الأعراف، الآيات 100-102.
8 سورة الذاريات، الآية 52.
(2/654)

قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِين} 1؛ فبيَّن سبحانه أنّه بعث موسى بآياته.
وقال2 في أثناء القصة: {إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيل} 3؛ فأخبر أنه جاء ببينة من [الله] 4؛ أي بآية بينة من الله؛ بدليل من الله وبرهان،؛ فهي آية منه، وعلامة منه على صدقي، وأنّي رسولٌ منه؛ فإن قوله: {مِنْ رَبِّكُمْ} : متعلق بالرسول، وبالآية؛ يُقال: فلانٌ قد جاء بعلامة من فلان؛ فالعلامة منه، والرسول منه، والآية منه؛ كما قال: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} 5؛ فدلّ على أنّ كلّ واحدٍ؛ من الرسول، ومن آيات الرسول، هو من الله تعالى.
قال له فرعون: {إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} 6. وذكر القصة، ومعارضة السحرة له، إلى أن قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ و [أُلْقِيَ] 7 السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ
__________
1 سورة الأعراف، الآية 103.
2 القائل هو موسى عليه السلام؛ كما حكى الله تعالى عنه.
3 سورة الأعراف، الآيتان 104-105.
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
5 سورة القصص، الآية 32.
6 سورة الأعراف، الآية 106.
7 في ((ط)) : وألقَى.
(2/655)

العَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ [آمَنْتُمْ] 1 بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خلافٍ ثُمّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} 2.
فذكر السحرة أنهم آمنوا بآيات ربهم لمّا جاءتهم، وهم من أعلم الناس بالسحر؛ لما علموا أنّ هذه الآيات آيات من الله؛ كما قال موسى: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} ، إلى قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمَاً مُجْرِمِينَ} 3، إلى قوله: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ في اليَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين} 4.
التوراة أنزلت بعد غرق فرعون
وليس المراد بالآيات هنا: كتاباً منزلاً؛ فإنّ موسى لمّا ذهب إلى فرعون لم تكن التوراة قد نزلت، وإنّما أنزلت التوراة بعد أن غرق فرعون، وخلص [ببني] 5 إسرائيل6، فاحتاجوا إلى شريعة يعملون بها؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُوْلَى بَصَائِرَ للنَّاسِ وَهُدَى} 7. ولكنّ تكذيبهم بآياته: إنكارهم أن [تكون] 8 آية من
__________
1 في ((ط)) : آمنت.
2 سورة الأعراف، الآيات 117-126.
3 سورة الأعراف، الآية 133.
4 سورة الأعراف، الآية 136.
5 في ((ط)) : بني.
6 انظر: الجامع في أحكام القرآن للقرطبي 13192. وتفسير ابن كثير 3390.
7 سورة القصص، الآية 43.
8 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/656)

الله، وقولهم: (إنّها سحرٌ) ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} 1، {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} 2؛ لم يذكروها، ويتأملوا ما دلّت عليه من صدق موسى، وأنّه مرسل من الله.
فالتكذيب: ضدّ التصديق، والغفلة عنها: ضدّ النظر فيها. ولهذا قيل: النظر تجريد العقل عن الغفلات، وقيل: هو تحديق العقل نحو المرئي. والأول هو النظر الطلبي؛ وهو طلب ما يدلّه على الحق، والثاني هو النظر الاستدلالي؛ وهو النظر في الدليل الذي يوصله إلى الحق. وهذا الثاني هو الذي يوجب العلم3.
__________
1 سورة الأعراف، الآية 132.
2 سورة الأعراف، الآية 136.
3 الأصوليون قسّموا النظر، ووضعوا حدّاً لكلّ قسم، فأتوا بتعريفات متقاربة في المعنى.
من ذلك قول أبي الخطاب (في التمهيد 158) : (النظر على ضربين؛ نظر العين، ونظر القلب. فحدّ نظر القلب: هو التفكّر في حال المنظور فيه، وحدّ المنظور فيه: هو الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب) .
وكصنيع أبي الخطاب صنع أبو يعلى (في العدة 1183-184) ؛ حين قسّم النظر إلى نظر بالعين، ونظر بالقلب؛ فقال: "لنظر ضربان؛ ضرب هو النظر بالعين، فهذا حدّه الإدراك بالبصر. والثاني: النظر بالقلب، وهذا حدّه الفكر في حال المنظور فيه.
أما الآمديّ (في الإحكام في أصول الأحكام 111) ، فقد ذكر عدة معان للنظر، واختار المعنى الذي يُوافق المتكلمين؛ فقال: "أما النظر: فإنه قد يُطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار. وهذا الاعتبار الأخير هو المسمّى بالنظر في عرف المتكلمين. وقد قال القاضي أبو بكر في حدّه: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علماً، أو ظنّاً"
(2/657)

فذمُّهُم على الغفلة عن آياته، يتضمن النوعين؛ النظر فيها والتأمّل لها. والتذكّر لها: ضد الغفلة عنها.
وهي آيات معينة، فإذا جُرّد العقل عن الغفلة عنها، وحدقه للنظر فيها، حصل له العلم بها.
وقد يحصل العلم بها، ولكن يمتنع عن اتباعها لهواه؛ كما قال الله عن قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً وَعُلُوَّاً} 1؛ فإنّ الحقّ إذا ظهر، صار معلوماً بالضرورة.
والآيات، والدلائل الظاهرة تدلّ على لوازمها بالضرورة. لكنّ اتباع الهوى يصدّ عن التصديق بها، واتباع ما أوجبه العلم بها. وهذه حال عامة المكذبين؛ مثل مكذبي محمّد وموسى [عليهما السلام] 2، وغيرهما؛ فإنّهم علموا صدقهما علماً يقينياً؛ لِمَا ظهر من آيات الصدق، ودلائله الكثيرة. لكنّ اتباع الهوى صدّ؛ قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} 3، وقال تعالى عن قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً وَعُلُوَّاً} 4، وقال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤلاءِ إِلاَّ رَبّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض بَصَائِر} 5، ولهذا قال: {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِين} 6؛ فعلموا أنّها حقّ، وغفلوا عنها؛ كما يغفل الانسان عما يعلمه.
__________
1 سورة النمل، الآية 14.
2 زيادة من ((ط)) .
3 سورة الأنعام، الآية 33.
4 سورة النمل، الآية 14.
5 سورة الإسراء، الآية 102.
6 سورة الأعراف، الآية 136.
(2/658)

ومنه الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ قال تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً} 1.
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعَاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ} 2.
وقال تعالى: {إِنَّ الذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 3.
فذكر الذين هم عن آياته غافلون هنا؛ كما ذكرهم هناك. وهناك وصفهم بالتكذيب بها، مع الغفلة عنها، وضدّ الغفلة التذكر. والتذكر لآياته سبحانه وتعالى: يُوجب العلم بها، وحضورها في القلب، وهو موجب لاتباعها، إلا أن يمنعه هوى؛ قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكْمُ الذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مِعْرِضُونَ} 4؛ فهو سبحانه لو علم فيهم خيراً؛ وهو قصد الحق، لأفهمهم. لكنهم لا خير فيهم، فلو أفهمهم لتولّوا وهم معرضون.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العَالَمِين فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنهَا يَضْحَكُونَ وَمَا نُريهمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِي أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 5.
وقد ذكر أنّ الآيات التي هي دلائل النبوّة منه، في غير موضع غير ما
__________
1 سورة الكهف، الآية 28.
2 سورة الأعراف، الآية 205.
3 سورة يونس، الآيتان 7-8.
4 سورة الأنفال، الآيتان 22-23.
5 سورة الزخرف، الآيات 46-48.
(2/659)

تقدم؛ كقوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّك فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى [إِنَّا قَدْ أُوْحِيَ إِلَيْنَا] 1 أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الأوْلَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي في كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ [مَهْدَاً] 2 وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجَاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ} ، إلى قوله عن السحرة: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ} 3، وقال تعالى: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} 4، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا في الصُّحُفِ الأُوْلَى} 5.
فالآيات التي هي دلائل النبوة، وبراهينها، هي آيات من الله، وعلامات منه أنّه أرسل الرسول.
وكما أنّ الآيات التي هي كلامه تتضمّن إخباره لعباده، وأمره لهم؛ ففيها الإعلام والإلزام؛ فكذلك دلائل النبوة هي آيات منه تتضمّن إخباره لعباده بأنّ هذا رسوله، وأمره لهم بطاعته؛ ففيها الاعلام والإلزام.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((خ)) : مهاداً.
3 سورة طه، الآيات 47-72.
4 سورة آل عمران، الآية 49.
5 سورة طه، الآية 133.
(2/660)

الآيات القولية والفعلية
وكما أنّ آياته القوليّة: زعم المكذبون أنّها ليست كلامه، ولا منه، بل هي من قول البشر، وزعموا أنّ الرسول افتراها، أو مَنْ معه، أو تعلّمها من غيره1؛
__________
1 هذا ما ادّعاه كفّار قريش معارضة لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤسائهم، قال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل "قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فإذا هو ليس بشعر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه، وما أشكّ أنّه سحر. فأنزل الله: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} . (انظر: تفسير ابن كثير 4443. والجواب الصحيح 5373-377) .
وانظر الجواب الصحيح 5331-332؛ فقد ذكر فيه شيخ الإسلام رحمه الله أنّه كان بمكة مولى أعجمي، فقالت قريش إنه يُعلّم محمّداً القرآن.
ومن الآيات التي أنزلها الله فيما ادّعاه هؤلاء الكفّار:
1- قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} . [المدثر، الآيات 18-25] .
2- قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} . [سورة النحل، الآية 103] .
3- قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} . [سورة يونس، الآية 38] .
4- قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ} . [سورة الطور، الآية 33] .
وهذه الآيات جاءت ردّاً على مزاعم الكفار الأوائل. وملّة الكفر واحدة؛ فهؤلاء أذنابهم من الملاحدة، والزنادقة، والفلاسفة يُردّدون تلك الأقوال تلميحاً أو تصريحاً، يُريدون ليُطفئوا نور الله، والله متم نوره.
وينقل لنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أقوالهم في آيات الله الكونيّة، وأنّها نوع من السحر والطلسمات؛ فيقول عنهم: "في الجملة فهؤلاء يدّعون ما ذكره ابن سينا في إشاراته؛ من أنّ خوارق العادات في العالم ثلاثة أنواع، لأنها إما أن تكون بأسباب فلكية؛ كتمزيج القوى الفعّالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضيّة؛ وهذا هو الطِّلسمات. وإما أن تكون بأسباب طبيعية سفلية؛ كخواص الأجسام، وهي النيرنجيات. وإما أن تكون بأسباب نفسانية، ويزعمون أنّ المعجزات التي للأنبياء، والكرامات التي للأولياء، وأنواعاً من السحر والكهانة هو من هذا الباب، ويقولون: الفرق بين النبيّ والساحر: أنّ النبيّ نفسه زكية، تأمر بالخير، والساحر نفسه خبيثة تأمر بالشرّ. فهما يفترقان عندهم فيما يأمر به كلّ منهما، لا في نفس الأسباب الخارقة" كتاب الصفدية 1142-143. وانظر: شرح الأصفهانية 2504. والجواب الصحيح 2328، 6400.
(2/661)

فكذلك الآيات الفعلية1: زعم المكذبون أنّها ليست آية منه، وعلامة ودلالة منه على أنّ الرسول رسوله، بل [ممّا] 2 يفعله الرسول فيكذب، وهذه من فعل المخلوقين، لكنها عجيبة فهي سحرٌ سَحَرَ بها الناس3، فلم يكن من المكذبين من قال: إنّها من الله، ولكن لم يخلقها لنصدّقك بها، بل خلقها لا لشيء، أو خلقها، وإن كنت كاذباً فإنّه قد يخلق مثل هذه على أيدي الكذّابين، ليضلّ بها النّاس. فإنّ هذا وإن كان يقال إنه قبيح، فإنّه لا يقبح منه شيء، كما أنّه لم يكن في المكذبين من قال: إنّ الكلام كلام الله، لكنه كذب؛ إذ الكذب وإن كان قبيحاً من المخلوق، فالخالق لا يقبح منه شيء، وهذا لأنّه من المعلوم بالفطرة الضرورية لجميع بني آدم أنّ الله لا يكذب، ولا يفعل القبائح؛ فلا يؤيد الكذّاب بآيته ليضل بها الناس، لكن قالوا4:
__________
1 وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله الكلام على آياته الفعلية التي منها المعجزات، وآيات الله القولية مثل القرآن الكريم، في: مجموع الفتاوى 11322-323. وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 285-286.
2 في ((خ)) : من ما.
3 كما قال تعالى عنهم: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} . [سورة الذاريات، الآيتان 52-53] .
4 يعني المشركين والصادين عن آيات الله؛ فإنّ كفار مكة لما رأوا انشقاق القمر قالوا: هذا سحر؛ كما قال الله عنهم: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . [سورة القمر، الآيتان 1-2] ، وقالوا عن القرآن الكريم؛ كما حكى الله عنهم: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} . [سورة المدثر، الآيتان 24-25] .
(2/662)

ليست آية من الله، بل هي سحر من عندك. وهم [و] 1 إن كانوا قد يعلمون أنّ الله خالق كل شيء2، ففرقٌ بين ما يفعله البشر، ويتوصلون إليه بالاكتساب، وبين ما لا قدرة لهم على التوصل إليه بسبب من الأسباب، وفرقٌ بين ما قد علموا أنه يخلقه لغير تصديق الرسل؛ كالسحر؛ فإنّه لم يزل معروفا في بني آدم، فقد علموا أنّه لا يخلقه آية وعلامة لنبيّ؛ إذ كان موجودا لغير الأنبياء، معتاداً منهم، وإن كان عجيباً، خارجاً عن العادة عند من لم يعرفه، بل كان المكذبون يُطالبون الرسل بالآيات؛ كقول فرعون: فأت بآية إن كنت من الصادقين3، وقول قوم صالح له: {إِنَّما أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَر مِثْلنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقين} 4.
وكانت الأنبياء تأتي بالآيات، وهي آيات بينات؛ فيكذبون بها؛ كما يكذّب المعاند بالحق الظاهر المعلوم؛ كما قال فرعون: إنّه ساحر5. ولمّا
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((ط)) .
2 والآيات الدالّة على أنّ المشركين مقرون بربوبية الله عزّ وجلّ كثيرة، ولكن لم ينفعهم إقرارهم لإشراكهم مع الله غيره.
فمن ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} . [سورة العنكبوت، الآية 61] . وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [سورة الزخرف، الآية 87] . وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} . [سورة الزخرف، الآية 9] . وغير هذه من الآيات.
3 قال فرعون لموسى عليه السلام كما حكى الله عنه: {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} . [سورة الأعراف، الآية 106] .
4 سورة الشعراء، الآيتان 153-154.
5 كما حكى الله تعالى عنه قوله للملأ من قومه: {قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} . [سورة الشعراء، الآيتان 34-35] .
(2/663)

غُلِب السحرة، وآمنوا، واعترفوا بأنّ هذه آية من الله، قال لهم فرعون: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} 1، {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا} 2.
وهذا كذبٌ ظاهرٌ؛ فإن موسى جاء من الشام3، ولم يجتمع بالسحرة، إنما فرعون جمعهم، ولم يكن دين موسى دين السحرة، ولا مقصوده مقصودهم، بل هم وهو في غاية التعادي والتباين.
وكذلك سائر السحرة، والكهنة مع الأنبياء من أعظم الناس ذماً لهم، وأمراً بقتلهم، مع تصديق الأنبياء بعضهم ببعض، وإيجاب بعضهم الإيمان ببعض. وهم يأمرون بقتل من يكذّب نبياً، ويأمرون بقتل السحرة، ومن آمن بهم4.
من الفروق بين الأنبياء والسحرة
والسحرة [يذم] 5 بعضهم بعضاً، والأنبياء يصدّق بعضهم بعضاً،
__________
1 سورة طه، الآية 71،، وسورة الشعراء، الآية 49.
2 سورة الأعراف، الآية 123.
3 انظر: تفسير ابن كثير 2238.
4 ومن الأحاديث التي وردت في ذلك: ما رواه جندب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حدّ الساحر ضربة بالسيف". رواه الترمذي في جامعه 460، وقال: الصحيح عن جندب موقوف. ورواه الدارقطني في سننه 3114.
ومن الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم في قتل السحرة: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل موته بسنة: "اقتلوا كلّ ساحر"؛ قال الراوي: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر. أخرجه أبو داود في سننه 3431-432، وقال عنه الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: إسناده حسن. انظر: تيسير العزيز الحميد ص 391-392.
5 في ((ط)) : بذم.
(2/664)

وهؤلاء1 يأمرون بعبادة الله وحده، والصدق، والعدل، ويتبرّأون من الشرك وأهله. وهؤلاء2 يُحبّون أهل الشرك، ويوالونهم، ويبغضون أهل التوحيد والعدل. فهذان جنسان، متعاديان؛ كتعادي الملائكة والشياطين؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوَّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورَاً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا [يُؤْمِنُونَ] 3 بِالآخِرَةِ وَلْيَرْضَوْهُ وَلْيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} 4.
فمن جعل النبيّ ساحراً، أو مجنوناً، هو بمنزلة من جعل الساحر، أو المجنون نبياً، وهذا من أعظم الفرية، والتسوية بين الأضداد المختلفة، وهو شرّ من قول من يجعل العاقل مجنوناً، والمجنون عاقلاً، أو يجعل الجاهل عالماً، والعالم جاهلاً.
فإنّ الفرق بين النبيّ، وبين الساحر والمجنون، أعظم من الفرق بين العاقل والمجنون، والعالم والجاهل5.
__________
1 يعني الأنبياء عليهم السلام.
2 يعني السحرة.
3 في ((ط)) : يمنون.
4 سورة الأنعام، الآيتان 112-113.
5 وقد مرّ معنا فروق كثيرة بين النبيّ والساحر. (انظر ص 671) . وسيأتي مزيد بيان لهذه الفروق.
وانظر بعض هذه الفروق في: شرح الأصفهانية 2474-479. والجواب الصحيح 186، 127-129، 140-144، 2332، 5357، 6297-300. والرد على المنطقيين ص 441. ومجموع الفتاوى 1289-292، 4168-169، 6489-491. وكتاب الصفدية 1176. ومنهاج السنة النبوية2419-420.
(2/665)

وأمّا السحرة فإنّه أمر بقتلهم.
وفي التوراة: "سأُقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيّاً مثلك، أجعل كلامي على فمه، كلكم يسمعون"1.
__________
1 وفي الطبعة الموجودة للكتاب المقدس عندهم: "يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون ... قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به أخي أنا أطالبه ... ". الكتاب المقدس عندهم، سفر التثنية، الإصحاح الثامن عشر، رقم 16، 18-20، ص 308-309، طبعة دار الكتاب المقدس، جمعية الكتاب المقدس سابقاً، القاهرة، مصر.
وقد ذكره الماوردي رحمه الله ضمن بشارات الأنبياء بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلق عليه قائلاً: "ومعلوم أن أخا بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، وليس منهم من ظهر كلام الله تعالى على فمه، غير محمد صلى الله عليه وسلم". أعلام النبوة للماوردي ص 198.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا النص في كتابه الجواب الصحيح 5157، 188.
وللشيخ العلامة رحمت الله الكيرانوي الهندي رحمه الله تعالى في كتابه القيم (إظهار الحق) كلام جميل يعلق فيه على هذه البشارة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويُفنّد أقوال اليهود والنصارى فيما يدّعونه من وجوه كثيرة؛ فيقول: "وهذه البشارة ليست بشارة يوشع عليه السلام كما يزعم الآن أحبار اليهود، ولا بشارة عيسى عليه السلام كما زعم علماء بروتستنت، بل هي بشارة محمد صلى الله عليه وسلم لعشرة أوجه " ... ثم ذكر هذه الأوجه بالتفصيل، وأختصرها لتعميم الفائدة:
1- إن اليهود المعاصرين لعيسى عليه السلام كانوا ينتظرون نبياً آخر مبشراً به، وكان هذا المبشّر به عندهم غير المسيح، فلا يكون يوشع، ولا عيسى عليهما السلام.
2- جاء في هذه البشارة لفظ (مثلك) ، ويوشع وعيسى عليهما السلام لا يصح أن يكونا مثل موسى عليه السلام؛ لأمور، منها: أولاً: لكونهما من بني إسرائيل، فلا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى؛ لما جاء في سفر التثنية: (ولم يقم بعد ذلك من بني إسرائيل مثل موسى يعرفه الرب وجهاً لوجه) . ثانياً: لا مماثلة بين يوشع وبين موسى عليهما السلام؛ لأنّ موسى صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ومناهي، ويوشع ليس كذلك، بل هو متبع لشريعة موسى. وكذلك لا توجد المماثلة التامة بين موسى وعيسى عليهما السلام.
3- جاء في هذه البشارة لفظ (من بين إخوتهم) ، والأسباط الإثني عشر كانوا موجودين مع موسى عليه السلام، حاضرين عنده، فلا يعمهم هذا الخطاب، فلو كان النبيّ المبشّر به منهم لقال: منهم، ولم يقل: من بين إخوتهم.
4- جاء في هذه البشارة لفظ (سوف أقيم) ، ويوشع عليه السلام كان حاضراً عند موسى عليه السلام، داخلاً في بني إسرائيل، فلا يدخل في هذا اللفظ.
5- قوله: (أجعل كلامي في فمه) : هو إشارة إلى أنّ ذلك النبيّ ينزل عليه الوحي والكتاب، وهو أُميّ يحفظ كلام الله.
6- قوله: "ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به فأنا أكون المنتقم من ذلك": لا يصدق على عيسى عليه السلام؛ لأنّ شريعته خالية عن أحكام الحدود، والقصاص، والتعزير، والجهاد.
7- جاء في كتاب الأعمال أعمال الرسل: "فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم، حتى إذا تأتي أزمنة الراحة من قدام وجه الرب، ويرسل المنادي به لكم، وهو يسوع المسيح الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر أن موسى قال: إن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً من إخوتكم مثلي له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون كل نفس لا تسمع ذلك النبيّ تهلك من الشعب". فهذه العبارة تدلّ صراحة على أنّ هذا النبيّ غير المسيح عليه السلام، وأن المسيح لا بد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبيّ.
وهذه الوجوه التي ذكرتها تصدق في حق النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكمل صدق؛ لأنه غير المسيح عليه السلام، ويماثل موسى عليه السلام في أمور كثيرة، منها: (1) كونه عبد الله ورسوله. (2) كونه ذا الوالدين. (3) كونه ذا نكاح وأولاد. (4) شريعته مشتملة على السياسات المدنية. (5) أنه مأمور بالجهاد. (6) اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته. (7) وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته. (8) اشتراط طهارة الثوب من البول والبراز. (9) حرمة غير المذبوح وقرابين الأوثان. (10) شريعته مشتملة على العبادات البدنية والرياضة الجسمانية. (11) أمره بحد الزنا. (12) تعيين الحدود والتعزيرات والقصاص. (13) كونه قادراً على إجرائها. (14) تحريم الربا. (15) أمره بالإنكار على من يدعو إلى غير الله. (16) أمره بالتوحيد الخالص. (17) أمره الأمة بأن يقولوا له: عبد الله ورسوله. (18) موته على الفراش. (19) كونه مدفوناً كموسى. (20) عدم كونه ملعوناً لأجل أمته.
8- في هذه البشارة أنّ النبيّ الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره به يقتل. فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً، لكان يقتل. وعيسى عليه السلام بزعم أهل الكتاب قتل وصلب، فلو كانت هذه البشارة في حقه للزم أن يكون نبياً كاذباً، كما يزعمه اليهود.
9- إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن الأمور الغيبية الكثيرة في المستقبل، وظهر صدقه فيها.
10- إنّ علماء اليهود سلّموا كونه مبشراً به في التوراة، لكن بعضهم أسلم، وبعضهم بقي على الكفر.
انظر إظهار الحق 2362-370.
(2/666)

وموسى صلوات الله عليه أمر بتصديق من يأتي بعده من الأنبياء الصادقين؛ كما أمر بتكذيب الكذابين.
وهذا يقتضي طاعة من يقوم بعده من الأنبياء.
ثم من الناس من يُعيِّن هذا؛ فاليهود يقولون هو يوشع؛ والنصارى يقولون هو المسيح؛ وبعض المسلمين يقولون: هو محمد صلى الله عليه وسلم يحتجون على ذلك بحجج كثيرة، قد ذكرت في غير [هذا] 1 الموضع2. ومنهم من يقول: بل هذا اسم جنس، وهو عام في كل نبي يأتي بعده لئلا يكذبوه؛ كما
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 انظر الجواب الصحيح 5157، 188. وأعلام النبوة للماوردي ص 198.
وقد أورده ابن القيم رحمه الله، وقال: فهذا النصّ مما لا يمكن أحداً منهم جحده وإنكاره، ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق.. ثم ذكرها وأبطلها كلها. انظر: هداية الحيارى ص 107-109.
(2/668)

فعلت اليهود وأنكروا النسخ1. وهذا القول أقرب؛ فيدخل في هذا المسيح، ومحمد2، ومن قبلهما من أنبياء بني إسرائيل؛ فإنّ المقصود أمرهم بتصديق الأنبياء، وطاعتهم، وأنّ الله سبحانه ينزل على الأنبياء كلامه، فالذي يقولونه هو كلام الله ما سمعوا منه.
وبسط هذا له موضع آخر3.
وقد بسط القول4 في أنّ الناس يعلمون بالضرورة أنّ الآيات التي يأتي بها الأنبياء آيات من الله، وعلامة أعلم بها عباده؛ أنّه أرسلهم، وأمرهم بطاعتهم، والذين كذّبوا بها كانوا يقولون ليست من الله، بل هي سحر، أو كهانة، أو نحو ذلك، لا يقرون بأنّها آية من الله، ويقولون مع ذلك: قد يخلقها الله لغير التصديق، أو يخلقها ليضلّ بها الخلق، أو نحو ذلك؛ فإنّ بسط هذه الأمور له موضع آخر5.
الرسول بيَّن للناس الأدلة والبراهين الدالة على أصول الدين
والمقصود هنا: أنّ الرسول بيّن للناس الأدلّة والبراهين الدالّة على أصول الدين كلّها؛ كما قد ذكر سبحانه هذا في مواضع؛ كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
__________
1 أي نسخ شريعة موسى عليه السلام؛ إما بعضها على يد عيسى عليه السلام، أو كلها على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم.
وانظر: الجواب الصحيح 5152.
2 في ((ط)) : عليهما السلام.
3 انظر: الجواب الصحيح 5146، 152، 159، 187، 188، 197.
4 انظر: شرح الأصفهانية 2622. والجواب الصحيح 6397.
5 انظر الجواب الصحيح، ففيه فصل في طرق العلم ببشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم 5160-196، وفيه كذلك فصل ذكر فيه ست طرق كبرى للقطع بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم 6324-379.
(2/669)

اللهُ} 1، وقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً للنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقَان} 2.
ومن ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [يَتْلُو] 3 عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ [لَفِي] 4 ضَلالٍ مُبِين} 5.
قد وصف الرسول بذلك في مواضع؛ فذكر هذا في البقرة، في دعوة إبراهيم، وفي قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً [مِنْكُمْ] 6 [يَتْلُو] 7 عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ} 8، وفي قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} 9، وهنا لم يذكر [يتلو] 10 عليهم آياته ويزكيهم؛ لحكمة تختص بذلك، وذكر هذا في آل عمران في قوله: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين} 1 1.
وقد قال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ} 12،
__________
1 سورة البقرة، الآية 159.
2 سورة البقرة، الآية 185.
3 في ((خ)) : يتلوا.؟
4 في ((ط)) : في.
5 سورة آل عمران، الآية 164.
6 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
7 في ((خ)) : يتلوا.
8 سورة البقرة، الآية 151.
9 سورة البقرة، الآية 231.
10 في ((خ)) : يتلوا.
11 سورة آل عمران، الآية 164.
12 سورة الأحزاب، الآية 34.
(2/670)

وهذا [يُشبه] 1 الموضع الثالث في البقرة2.
فأخبر في غير موضع عن الرسول: أنّه [يتلو] 3 عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة4.
فالتلاوة، والتزكية عامّة لجميع المؤمنين؛ فتلاوة الآيات [يحصل بها العلم؛ فإنّ الآيات هي العلامات، والدلالات، فإذا سمعوها دلّتهم على المطلوب] 5؛ من تصديق الرسول فيما أخبر، والإقرار بوجوب طاعته؛ وأمّا التزكية: فهي تحصل بطاعته فيما يأمرهم به من عبادة الله وحده وطاعته. فالتزكية تكون بطاعة أمره؛ كما أنّ تلاوة آياته يحصل بها العلم، وسميت آيات القرآن آيات، وقيل: إنّها آيات الله؛ كقوله: {تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ} 6؛ لأنها علامات، ودلالات على الله، وعلى ما أراد؛ فهي تدلّ على ما أخبر به، وعلى ما أمر به ونهى عنه؛ وتدلّ أيضاً على أنّ الرسول صادق؛ إذ كانت مما لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثلها، وقد تحدّاهم بذلك؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع7.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : شبه.
2 وهو قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . [سورة البقرة، الآية 129] .
3 في ((خ)) : يتلوا.
4 ومن ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} . [سورة الجمعة، الآية 2] .
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
6 سورة البقرة، الآية 252.
7 انظر الجواب الصحيح 6422-436؛ فقد عقد فيه شيخ الإسلام رحمه الله فصلاً في الإعجاز القرآني.
(2/671)

وأيضاً: فهي نفسها فيها من بينات الأدلة والبراهين ما يُبيّن الحق؛ فهي آيات من وجوه متعددة.
ثم قال: {وَيُعَلّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ} 1، وهذا لمن يعلم ذلك منهم، وقد يتعلم الشخص منهم بعض الكتاب والحكمة. فالكتاب: هو الكلام المنزل الذي يكتب، والحكمة: هي السنة؛ وهي معرفة الدين والعمل به2. وقد قال تعالى: {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} 3، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوَاً} 4؛ ففرّق بين الآيات الدالة على العلم؛ التي يعلم بالعقل أنها دلائل للرب، وبين النذر؛ وهو الإخبار عن المخوف؛ كإخبار الأنبياء بما يستحقه العصاة من العذاب؛ فهذا يعلم بالخبر والنذر؛ ولهذا قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 5.
__________
1 جزء من آيات متعددة في عدّة سور، منها: الآية 129 في سورة البقرة.
2 سئل الإمام مالك رحمه الله عن الحكمة، فقال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له. انظر: تفسير الطبري 1557. وانظر: تفسير ابن كثير 1184.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قال غير واحد من السلف في مسمى الحكمة كما قال مالك بن أنس: "الحكمة معرفة الدين والعمل به"، وكذلك قال الفضيل بن عياض، وابن قتيبة، وغير واحد من السلف.
قال الشاعر:
وكيف يصحّ أن تُدعى حكيماً ... وأنت لكلّ ما تهوى ركوب
وقال آخر:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه، فأنت حكيم
درء تعارض العقل والنقل 922-23. وانظر كتاب الصفدية 2325. والرد على المنطقيين ص 447.
3 سورة يونس، الآية 101.
4 سورة الكهف، الآية 56.
5 سورة الإسراء، الآية 15.
(2/672)

وأما الآيات: فتعلم دلالتها بالعقل.
والأنبياء جاؤوا بالآيات والنذر، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً [نوحِي] 1 إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُر} 2، وقال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالكِتَابِ المُنِير} 3. ومثل هذا كثير يذكر أن جميع الأنبياء جاءوا بالآيات التي تعلم دلالتها بالعقل4.
الناس في معرفة الله وتوحيده على ثلاثة أقوال
ولمّا كان كثيرٌ من الناس مقصّرين فيما جاء به الرسول، قد أخرجوا ما تعلم دلالته بالعقل عن مسمى الشرع5، تنازع الناس في معرفة الله وتوحيده، وأصول الدين: هل يجب ويحصل بالشرع؟ أو يجب بالشرع، ويحصل بالعقل؟ أو يجب، ويحصل بالعقل؟؛ على ثلاثة أقوال مشهورة6 لأصحاب الإمام أحمد، وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة.
القول الأول
فطائفة يقولون: يجب بالشرع، ويحصل به؛ وهو قول السالمية، وغيرهم؛
مثل الشيخ أبي الفرج المقدسي7. وهذا هو الذي
__________
1 في ((خ)) : يوحى.
2 سورة النحل، الآيتان 43-44.
3 سورة آل عمران، الآية 184.
4 انظر تفسير ابن كثير 1434.
5 انظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن هذا المبحث في كتابه: درء تعارض العقل والنقل 1198-200.
6 تطرق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لهذه المسألة في كتبه الأخرى بالتفصيل والبيان. انظر على سبيل المثال: الجواب الصحيح 2307-314. ودرء تعارض العقل والنقل 7352-362،، 91-66. وشرح الأصفهانية 2342.
7 هو أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي الأنصاري الخزرجي، شيخ الشام في وقته. حنبليّ، أصله من شيراز، تفقه ببغداد على القاضي أبي يعلى، وسكن المقدس، واستقر في دمشق، فنشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل. توفي في دمشق سنة 486. ومن مؤلفاته: التبصرة في أصول الدين.
انظر: طبقات الحنابلة 2248-249. والذيل لابن رجب 168-73. والأعلام 4177.
(2/673)

حكاه1 عن أهل السنة من أصحاب أحمد، وغيرهم، وكذلك من شابههم؛ مثل ابن درباس2، وابن شكر3، وغيرهما من أصحاب الشافعي4. وهو المشهور عن أهل الحديث، والفقه الذين يذمون الكلام. وهذا مما وقع فيه النزاع بين صدقة بن الحسين الحنبليّ المتكلّم5، وبين طائفة من أصحاب
__________
1 وقد نقل شيخ الإسلام رحمه الله كلامه من كتاب التبصرة. انظر درء تعارض العقل والنقل 84-6.
2 هو أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني الكردي الشافعي، قاضي الديار المصرية في زمن صلاح الدين الأيوبي. ولد سنة 516?، وتوفي سنة 605?. انظر: سير أعلام النبلاء 21474. والعبر 3139. والبداية والنهاية 1357. وحسن المحاضرة 1408.
3 هو أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن علي بن شكر الأندلسي. مقرئ وصل إلى المشرق، وأخذ القراءات. من مصنفاته: ((مختصر التيسير شرح الشاطبية)) . توفي سنة 640 هـ بالفيوم من مصر.
انظر: معجم المؤلفين 220.
4 انظر: درء تعارض العقل والنقل 916-17.
5 هو أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد البغدادي الحنبلي، الناسخ الفرضي، المتكلم، المتهم في دينه. أخذ عن ابن عقيل، وابن الزاغوني، وسمع من ابن مَلَّة، واشتغل مدة، وأمّ بمسجد كان يسكنه، وناظر، وأفتى، وتكلم فيه ابن الجوزي. قل الحافظ ابن رجب: كان بينه وبين ابن الجوزي مباينة شديدة، وكل واحد يقول في صاحبه مقالة الله أعلم بها. مات في ربيع الآخر سنة 573?، وهو في عمر الثمانين.
انظر: سير أعلام النبلاء 2166. والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 1331-340. والبداية والنهاية لابن كثير 12319.
(2/674)

أحمد، وكذلك بين أبي الفرج بن الجوزي، وطائفة منهم؛ أولئك يقولون الوجوب والحصول بالشرع، وهؤلاء يقولون الحصول بالعقل، والوجوب بالشرع.
وقد ذكر الأمدي1 ثلاثة أقوال في طرق العلم؛ قيل: بالعقل فقط، والسمع لا يحصل به؛ كقول الرازي؛ وقيل: بالسمع فقط؛ وهو الكتاب والسنة؛ وقيل: بكلّ منهما، ورجّح هذا وهو الصحيح.
القول الثاني
والقول الثاني: أنّها لا تجب إلا بالشرع، لكن يحصل بالعقل؛ وهو قول الأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وابن عقيل، وغيرهم.
القول الثالث
والقول الثالث: أنّها تحصل بالعقل، وتجب به؛ وهو قول من يوجب بالعقل؛ كالمعتزلة، والكرامية، وغيرهم من أتباع الأئمة؛ كأبي الحسن الآمدي، وأبي الخطاب، وغيرهم. وهو قول طائفة من المالكية، والشافعية، وعليه أكثر الحنفية، ونقلوه عن أبي حنيفة نفسه. وقد صرح هؤلاء قبل المعتزلة، وقبل أبي بكر الرازي، وأبي الخطاب، وغيرهم: أنّ من لم يأته رسول، يستحق العقوبة في الآخرة؛ لمخالفته موجب العقل2.
__________
1 هو أبو الحسين علي بن أبي محمد بن سالم؛ سيف الدين الآمدي. ولد سنة 551 ? في آمد من ديار بكر، وانتقل إلى بغداد، فدرّس بها، ثم انتقل إلى مصر، وأخيراً إلى حماة ثم دمشق؛ حيث درس في العزيزية، ثم عزل عنها، ومات سنة 631 ?. من مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السؤل مطبوعان، وله أيضاً: أبكار الأفكار.
انظر: سير أعلام النبلاء 22364. وطبقات الشافعية للسبكي 8306.
2 انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب 4294-306.
(2/675)

أعدل الأقوال في المسألة
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع1: أنّ أعدل الأقوال: أنّ الأفعال مشتملة على أوصاف تقتضي [حسنها] 2 ووجوبها، و [تقتضي] 3 قبحها وتحريمها، وأنّ ذلك قد يعلم بالعقل، لكن الله لا يعذّب أحداً إلا بعد بلوغ الرسالة؛ كما قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 4، ولم يفرّق سبحانه بين نوعٍ، ونوعٍ، وذكرنا أنّ هذه الآية يحتجّ بها الأشعريّ، وأصحابه، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى5، وأتباعه، وهم يجوزون أنّ الله يُعذّب في الآخرة بلا ذنب؛ حتى قالوا يعذب أطفال الآخرة؛ فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجّة على الطائفتين؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع6.
__________
1 انظر من هذا الكتاب: ص 547-555. وقد تقدّم ذكر كثير من الإحالات، مما يُغني عن تكرارها ها هنا. وانظر: مجموع الفتاوى 890-91، 309-310، 428-436. وشرح الأصفهانية 2617-619.
2 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
3 في ((خ)) : يقتضي. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 سورة الإسراء، الآية 15.
5 انظر العدة في أصول الفقه لأبي يعلى 2422، 41218-1224.
6 انظر: الجواب الصحيح 2296-300. ومنهاج السنة النبوية 2306-309. ودرء تعارض العقل والنقل 8397-402. ومجموع الفتاوى 4277-281، 303.
وقد سبق أن تطرّق شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذا الموضوع. وانظر ص 566 من هذا الكتاب.
(2/676)

فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الحجة على من أنكر قدرته، وعلى من أنكر حكمته؛ فأول ما أنزل الله تعالى: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقْ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} 1؛ فذكر أنّه الأكرم، وهو أبلغ من الكريم2، وهو المحسن غاية الإحسان3.
ومن كرمه: أنّه علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم؛ فعلّمه العلوم بقلبه، والتعبير عنها بلسانه، وأن يكتب ذلك بالقلم.
__________
1 سورة العلق، الآيات 1-5.
2 انظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن اسم (الأكرم) لصاحب العزة والجلال، في مجموع الفتاوى 16295، 297، 317-322. وانظر: شأن الدعاء للخطابي ص 103-104. والأسماء والصفات للبيهقي 1148. ومدارج السالكين لابن القيم 1453. وعدة الصابرين له ص 267-271. وشفاء العليل له 158، 2243.
3 انظر أيضاً كلام شيخ الإسلام رحمه الله في إثبات اسم (المحسن) لله سبحانه وتعالى في: مجموع الفتاوى1379، 5238، 16317. وبيان تلبيس الجهمية 1189. وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم 2249. وطريق الهجرتين له ص 120. ومدارج السالكين له 1416. وللشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد بحث في إثبات اسم (المحسن) لله سبحانه وتعالى، ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد36.
(2/677)

فذِكْرُ التعليم بالقلم يتناول علم العبارة والنطق، وعبارة المعاني والعلوم؛ فإذا كان قد علّمه هذه العلوم1، فكيف يمتنع عليه أن يعلمه ما يأمره به، وما يخبره به.
وبيان ذلك: أنّه قال في أول السورة: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقْ} ، ومعلوم أنّ من رأى العلقة2 قطعة من دم، فقيل له: هذه العلقة يصير منها إنسان يعلم كذا وكذا، لكان يتعجب من هذا غاية التعجب، وينكره أعظم الإنكار. ومعلومٌ أنّ نقل الإنسان من كونه علقة إلى أن يصير إنساناً عالماً قادراً كاتباً، أعظم من جعل مثل هذا الإنسان يعلم ما أمر الله به، وما أخبر به؛ فمن قدر على أن ينقله من الصغر إلى أن يجعله عالماً قارئاً كاتباً، كان أن يقدر على جعله عالماً بما أُمر به، وبما أُخبر به أولى وأحرى.
وهذا كما استُدِلّ على قدرته على إعادة الخلق، بقدرته على الابتداء3. وقد أخبر الله تعالى عن الكفّار أنهم تعجّبوا من التوحيد، ومن
__________
1 في ((خ)) كتبت في الأصل، ثمّ عُلّق عليها في الحاشية: الأمور. وعليها حرف (ص) ، فلعلّ المقصود: فإذا كان قد علّمه هذه الأمور.
2 العلق هو الدم الجامد، ومنه العلقة التي يكون منها الولد.
انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص 579. ولسان العرب لابن منظور 10267.
3 وهذا من براهين البعث؛ لأنّ من خلق الناس من العدم، قادرٌ على إعادتهم بعد فنائهم؛ قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [سورة الروم، الآية 27] ، وقال
تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [سورة الأنبياء، الآية 104] ، وقال تعالى: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة الإسراء، الآية 51] ، وقال تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة يس، الآية 79] ، وقال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ..} [سورة ق، الآية 15] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ..} [سورة الحج، الآية 5] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} [سورة الواقعة، الآية 62] .
وانظر الرد على المنطقيين ص 320-321؛ فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله براهين البعث العقلية.
وانظر: أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي 1115-116. وجهود الشيخ محمد الأمين في تقرير عقيدة السلف 2576.
(2/678)

النبوّة، ومن المعاد1؛ فقال تعالى: {ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وَشِقَاق كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوا وَلاتَ حِينَ مَنَاص وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهَاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجاب} 2؛ فذكر تعجبهم من التوحيد، والنبوة، وقال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبَاً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} 3، وهذا أيضاً تعجبٌ من أنْ أُرْسِل إليهم رجلٌ منهم، وقوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبَاً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} : دلّ على أنّه منذرٌ لجنس الناس، وأنه من جنس الناس لا يختص به العرب دون غيرهم، وإن كان أول ما أرسل إليهم، وبلسانهم، وقال تعالى: {ق وَالقُرْآنِ المَجِيد بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مِنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد} 4، وقال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيد أوْلَئِكَ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ في أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} 5، وقال تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُون وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُون} 6؛ فالرسول كان يعجب من تكذيبهم
__________
1 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه الأصول في تفسيره لسورة العلق، وذكر كلاماً مشابهاً لما ذكره هاهنا في مجموع الفتاوى 16260-265.
2 سورة ص، الآيات 1-5.
3 سورة يونس، الآية 2.
4 سورة ق، الآيات 1-3.
5 سورة الرعد، الآية 5.
6 سورة الصافات، الآيات 12-14.
(2/679)

لما جاءهم به من آيات الأنبياء، وهم يعجبون مما جاء به لكونه خارجاً عما اعتادوه من النظائر، فإنهم لم يعرفوا قبل مجيئه؛ لا توحيداً، ولا نبوةً، ولا معاداً؛ قال تعالى: {قُلْ هَلُمّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} 1.
الحكمة من جعل الرسول من البشر
وأما حكمته في إرسال بشر: فقد ذكر أنّه من جنسهم، وأنّه بلسانهم؛ فهو أتمّ في الحكمة والرحمة2، وذكر أنّهم لا يمكنهم الأخذ عن المَلَك3، وأنّه لو نزّل ملكاً، لكان يجعله في صورة بشر، ليأخذوا عنه4.
__________
1 سورة الأنعام، الآية 150.
2 من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الرسل بشراً، كي يسهل على أممهم الأخذ عنهم؛ بالتأسّي بهم، والاقتداء بأفعالهم؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [سورة الأحزاب، الآية 21] ، وقال تعالى يحكي عن مقولة الرسل لأممهم: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [سورة إبراهيم، الآية 17] ، وقال تعالى مانّاً على المؤمنين: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [سورة آل عمران، الآية 164] .
وهذا أتمّ في إقامة الحجة عليهم، إضافة إلى كونه أتمّ في رحمتهم؛ إذ لا يمكنهم الأخذ إلا عمّن هو من جنسهم، ويتكلّم بلسانهم.
3 رؤية الملائكة أمر صعب وخطير، فالكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت، أو حين نزول العذاب، فلو قدّر أنهم رأوهم وقت نزول العذاب لكانت رؤيتهم لهم في يوم هلاكهم. انظر الرسل والرسالات لعمر الأشقر ص 72.
قال تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [سورة الفرقان، الآية 22] .
وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ} [سورة الأنعام، الآية 8] .
4 قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [سورة الأنعام، الآية 9] .
(2/680)

ولهذا لم يكن البشر يرون الملائكة إلا في صورة الآدميين1؛ كما كان جبريل يأتي في صورة دحية الكلبي2، وكما أتى مرّة في صورة
__________
1 ومن الآيات القرآنية الدالة على تشكّل الملائكة بصورة الآدميين: الآيات التي تحدّثت عن مجيء جبريل عليه السلام إلى مريم، وهي قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً} [سورة مريم، الآيات 16-19] .
ومن الآيات: تلك التي تحدثت عن مجيء الملائكة إلى لوط عليه السلام في صورة شباب حسان، وهي قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ. وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [سورة هود، الآيتان 77-78] .
ومن ذلك: دخول الملكين بصورة رجلين، وتسورهما المحراب على داود عليه السلام؛ قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [سورة ص، الآيتان 21-22] .
2 روى البخاري رحمه الله في صحيحه 31330، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام عن أبي عثمان قال: "أُنبئت أن جبريل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنده أمّ سلمة، فجعل يُحدّث، ثم قام، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: مَنْ هذا؟ أو كما قال. قال: قالت: هذا دحية. قالت أم سلمة: أيم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بخبر جبريل، أو كما قال. قال: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد".
وانظر صحيح مسلم 41906، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وكان جبريل عليه السلام يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة دحية. أخرجه الإمام أحمد في مسنده 8167 ط المعارف، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح. وانظر: منهاج السنة النبوية 2534. ودرء تعارض العقل والنقل 6109-110. وكتاب الصفدية 1196-198، 201.
ودحية الكلبي: هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسوله بكتابه إلى عظيم بُصرى ليُوصله إلى هرقل. أسلم دحية قبل بدر، ولم يشهدها، وكان يتشبّه به جبريل عليه السلام، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورته، وكان من أجمل الناس وجهاً. شهد اليرموك، وسكن المزة من قرى دمشق، وبقي إلى زمن معاوية.
انظر سير أعلام النبلاء 2550. والإصابة لابن حجر 1463.
(2/681)

أعرابيّ1.
ولما جاءوا إبراهيم، وامرأته حاضرة، كانوا في صورة بشر، وبشّروها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب2؛ قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرَاً رَسُولاً قُلْ لَوْ كَانَ في الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكَاً رَسُولاً} .
وأما قدرته على تعريف الخلق بأنّه نبيّه، فكما تقدم3؛ فإنّه إذا كان
__________
1 روى الإمام مسلم في صحيحه 136-38، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان بسنده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد.... ثم ساق الحديث، وفي آخره: قال: ثم انطلق، فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
وانظر عن تمثّل الملك في صورة دحية، وفي صورة الأعرابي: فتح الباري لابن حجر 127.
2 قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [سورة هود، الآيات 69-71] .
3 انظر أوّل هذا الفصل، ص 813.
(2/682)

قادراً على أن يهدي الإنسان الذي كان علقةً، ومضغةً إلى أنواع العلوم بأنواعٍ من الطرق إنعاماً عليه، وفي ذلك من بيان قدرته، وحكمته، ورحمته، ما فيه، [فكيف] 1 لا يقدر أن يعرفه صدق من أرسله إليه. وهذا أعظم النعم عليه، والإحسان إليه، والتعريف بهذا دون تعريف الإنسان ما عرفه به من أنواع العلوم؛ فإنّه إذا كان هداهم إلى أن يعلم بعضهم صدق رسول من أرسله إليه بشر مثله، بعلامات يأتي بها الرسول، وإن كان لم تتقدم مواطأة وموافقة بين المرسَل والمرسَل إليهم.
طرق الناس في دلالة المعجزة على صدق الرسول
فمن هدى عباده إلى أن يرسلوا رسولاً بعلامة، ويعلم المرسل إليها أنّها علامة تدلّ على صدقه قطعاً، فكيف لا يقدر هو أن يرسل رسولاً، ويجعل معه علامات يعرّف بها عباده أنّه قد أرسله. وهذا كمن جعل غيره قديراً، عليماً، حكيماً، فهو أولى أن يكون قديراً، عليماً، حكيماً، فمن جعل الناس يعلمون صدق رسول [يُرسله بعض خلقه بعلامات يعلم بها المرسل صدق رسوله] 2، فمن هدى العباد إلى هذا، فهو أقدر على أن يعلمهم صدق رسوله بعلامات يعرفون بها صدقه، وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم بينهم وبينه مواطأة3.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 وهذا من قياس الأولى؛ وهو أنّ كلّ كمال اتصف به المخلوق، وأمكن أن يتصف به الخالق، فهو أولى وأحق أن يتصف به.
انظر: شرح الأصفهانية 1159. والعقيدة التدمرية 50. ودرء تعارض العقل والنقل 129. ونقض تأسيس الجهمية 2397
(2/683)

وللناس طرق في دلالة المعجزة على صدق الرسول1: طريق الحكمة، وطريق القدرة، وطريق العلم والضرورة، وطريق سنته وعادته التي بها يعرف أيضاً ما [يفعله] 2؛ وهو من جنس المواطأة، وطريق العدل، وطريق الرحمة، وكلّها طرق صحيحة.
وكلما كان الناس إلى الشيء أحوج، كان [الربّ] 3 به أجود، [وكذلك كلما كانوا إلى بعض العلم أحوج، كان به أجود] 4؛ فإنه سبحانه الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، وهو الذي خلق
__________
1 فالمعتزلة وابن حزم لا يُثبتون النبوة إلا بطريق القدرة؛ الذي هو المعجزة.
انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي ص 585-586. والمحلى لابن حزم 136. والدرة فيما يجب اعتقاده له أيضاً ص 194.
أما الأشاعرة: فيُثبتون النبوة بطريق القدرة؛ الذي هو المعجزة، أو بطريق الضرورة، إلا أنّ طريق المعجزة عندهم هي أشهر الطرق.
انظر: المواقف للإيجي ص 349، 356، 357. والإرشاد للجويني ص 331. والإنصاف للباقلاني ص 93. والبيان له ص 37-38.
وانظر من كتب شيخ الإسلام رحمه الله: درء تعارض العقل والنقل 189-90،، 940-53. والجواب الصحيح 6393-401،، 5196. وانظر: شرح الأصفهانية 1140-141، 2471-485، 492-497، 500-502، 557-558، 591-597، 609-617، 621-624 فقد ذكر فيه شيخ الإسلام رحمه الله طرقاً كثيرة لمعرفة النبيّ. وانظر هذا الكتاب ص 274-275، 563-567، 509، 645. وقد تقدم مزيد توضيح لهذه الطرق في ص 640-647، 653-654، 666-680.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : يفعل.
3 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
4 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
(2/684)

فسوّى، [والذي] 1 قدَّر فهدى، وهو الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى2.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 وقد وضّح شيخ الإسلام رحمه الله هذا الأمر في مواضع كثيرة، وبيَّن أنّ الله الأكرم جلّ وعلا يسّر لعباده معرفة رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنّ طرق معرفتهم كثيرة جداً ومتنوعة؛ فقال رحمه الله تعالى: "قد ذكرنا ما تيسّر من طرق الناس في المعرفة بالله ليُعرف أنّ الأمر في ذلك واسع، وأنّ ما يحتاج الناس إلى معرفته؛ مثل الإيمان بالله ورسوله، فإنّ الله يوسع طرقه وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلاً عظيماً. وليس الأمر كما يظنّه كثير من أهل الكلام؛ من أنّ الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعيّنونها، وقد يكون الخطأ الحاصل بها يُناقض حقيقة الإيمان، كما أنّ كثيراً منهم يذكر أقوالاً متعدّدة، والقول الذي جاءت به الرسل، وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه. وهذا موجود في عامة الكتب المصنّفة في المقالات والملل والنحل ... فيبقى الناظر في كتبهم حائرً، ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من ردّ بعضهم على بعض علمه ببطلان تلك المقالات كلها". درء تعارض العقل والنقل 966-67.
وقال رحمه الله تعالى أيضاً: "كلما كان الناس أحوج إلى معرفة الشيء، فإنّ الله يوسّع عليهم دلائل معرفته كدلائل معرفة نفسه، ودلائل نبوة رسوله، ودلائل ثبوت قدرته وعلمه وغير ذلك؛ فإنّها دلائل كثيرة قطعية، وإن كان من الناس من قد يضيق عليه ما وسّعه الله على من هداه؛ كما أنّ من الناس من يعرض له شكّ وسفسطة في بعض الحسيّات والعقليات التي لا يشك فيها جماهير الناس. والمقصود هنا أنّا نحن أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، فنفتقر في حصول العلم إلى أسباب غير أنفسنا. ومن الأشياء ما نعلمها بمشاعرنا بلا دليل، ومنها ما نفتقر في العلم به إلى دليل، فلا نكون عالمين به حتى نعلم الدليل الذي يستلزم في علمنا به علمنا بالمدلول عليه. والرب تعالى علمه من لوازم نفسه المقدسة، وكذلك قدرته، لم يستفد شيئاً من صفاته المقدسة من غيره، ولم يحتج إلى سواه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن كلّ ما سواه". درء تعارض العقل والنقل 10129-130. وانظر: الرد على المنطقيين ص 254-255. والجواب الصحيح 5141.
ويذكر رحمه الله تعالى كثيراً من الدلائل والعلامات التي تدلّ على صدق الرسول؛ فيقول: "وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من آياته وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته ودينهم من آياته، وكرامات صالح أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبّر سيرته؛ من حين ولد إلى أن بُعث، ومن حيث بعث إلى أن مات، وتدبّر نسبه، وبلده، وأصله، وفصله؛ فإنّه كان من أشرف أهل الأرض نسباً؛ من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريّته النبوّة والكتاب....... لم يزل معروفاً بالصدق، والبرّ والعدل، ومكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم ... لا يُعرف بشيء يعابه؛ لا في أقواله، ولا أفعاله، ولا في أخلاقه ... ". دقائق التفسير 1159.
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى تنوع طرق الهداية والدلالة على صدق المرسلين؛ فقال رحمه الله: "فطرق الهداية متنوعة رحمة من الله بعباده، ولطفاً بهم؛ لتفاوت عقولهم، وأذهانهم، وبصائرهم؛ فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به، وما دعا إليه، من غير أن يُطلب منه برهان خارجاً عن ذلك؛ كحال الكمل من الصحابة، كالصديق رضي الله عنه. ومنهم من يهتدي بمعرفة حاله صلى الله عليه وسلم، وما فُطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال.... كخديجة رضي الله عنها ... وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق، فاحتاجوا إلى الآيات والخوارق ... " مفتاح دار السعادة 213.
(2/685)


فكيف لا يقدر أن يهدي عباده إلى أن يعلموا أنّ هذا رسوله، وأنّ ما جاء به من الآيات [أنّه] 1 من الله، وهي شهادة من الله له بصدقه، وكيف [تقتضي] 2 حكمته أن يسوي بين الصادق والكاذب؛ فيؤيد الكاذب من آيات الصدق، بمثل ما يؤيّد به الصادق؛ [حتى] 3 لا يعرف هذا من هذا، وأن يرسل رسولاً يأمر الخلق بالإيمان به وطاعته، ولا يجعل لهم طريقاً إلى معرفة صدقه.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : آية.
2 في ((خ)) : يقتضي. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : وحتى. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/686)

وهذا كتكليفهم بما لا يقدرون عليه، وما لا يقدرون على أن يعلموه. وهذا ممتنع في صفة الرب، وهو منزّه عنه سبحانه؛ فإنه لا يكلّف نفساً إلا وسعها.
وقد علم من سنته وعادته: أنّه لا يؤيد الكذاب، بمثل ما أيّد به الصادق [قط] 1، بل لا بد أن يفضحه ولا ينصره، بل لا بد أن يهلكه. وإذا نصر ملكاً ظالماً مسلطاً، فهو لم يدع النبوة، ولا كذب عليه، بل هو ظالم سلّطه على ظالم؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً} 2، بخلاف من قال: إنّه أرسله؛ فهذا لا يؤيده تأييداً مستمراً إلا مع الصدق، لكن قد يمهله مدّة، ثم يهلكه؛ كما فعل بمن كذّب الرسل: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدَاً وأَكِيدُ كَيْدَاً فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدَاً} 3.
معنى النبي في اللغة
ولفظ النبي كلفظ الرسول4، هو في الأصل إنما قيل مضافاً إلى الله؛ فيُقال: رسول الله، ثم عُرّف باللام؛ فكانت اللام تعاقب الإضافة؛ كقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا [أَرْسَلْنَا] 5 إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُول} 6، وقوله: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ [كَدُعَاءِ] 7 بَعْضِكُمْ بَعْضَاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ [مِنْكُمْ] 8 لِوَاذَاً} 9.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 سورة الأنعام، الآية 129.
3 سورة الطارق، الآيات 15-17.
4 انظر: مجموع الفتاوى 10290.
5 في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : فأرسلنا. وهو خلاف الآية: {كَمَا أَرْسَلْنَا..} .
وكلمة: (فأرسلنا) : ملحقة في ((خ)) بين السطرين.
6 سورة المزمل، الآيتان 15-16.
7 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
8 في ((ط)) : منهم.
9 سورة النور، الآية 63.
(2/687)

وكذلك اسم النبي؛ يقال نبي الله؛ كما قال: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 1، وقيل لهم: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَاً} 2؛ فتقولون: يا محمد. بل قولوا: يا نبيّ الله، يا رسول الله.
معنى الرسول في اللغة
ورسول: فعول؛ بمعنى مفعول؛ [أي مُرْسَل؛ فرسول الله: الذي أرسله الله؛ فكذلك نبي الله هو بمعنى مفعول] 3: أي منبّأ الله؛ الذي نبأه الله. وهذا أجود من أن يقال: إنه بمعنى فاعل؛ أي منبِّىء؛ فإنّه إذا نبّأه الله، فهو نبيّ [الله] 4؛ سواء أنبأ بذلك غيره، أو لم ينبئه؛ فالذي صار به النبيّ نبيّاً: أن ينبئه الله.
وهذا مما يبيّن ما امتاز به عن غيره؛ فإنه إذا كان الذي ينبئه الله؛ كما أنّ الرسول هو الذي يُرسله الله؛ فما نبأ الله حقّ، وصدق، ليس فيه كذب؛ لا خطأً، ولا عمداً5؛ وما يوحيه الشيطان: هو من إيحائه، ليس من إنباء
__________
1 سورة البقرة، الآية 91.
2 سورة النور، الآية 63.
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
5 وهذه مسألة لغوية يتطرّق إليها شيخ الإسلام رحمه الله في تعريف اسم النبيّ: هل النبيّ فعيل بمعنى فاعل، أم فعيل بمعنى مفعول. وهي مسألة خلافية، ذهب فيها بعض العلماء إلى القول الأول؛ أي أنّه فعيل بمعنى فاعل.
انظر: لسان العرب لابن منظور 1162. وروح المعاني للآلوسي 978-79.
ورجّح شيخ الإسلام رحمه الله أنّه فعيل بمعنى مفعول، وعلّل ذلك بأنّ النبيّ صار نبيّاً؛ لأنّه منبَّأ من الله، وهذا الذي امتاز به النبيّ عن غيره؛ فهو بمعنى مفعول: أي نبّأه الله؛ سواء نبّأ غيره، أم لا.
ومن العلماء من جمع بين القولين؛ كالراغب الأصفهاني الذي قال: (والنبيّ لكونه منبئاً بما تسكن إليه العقول الذكية، وهو يصحّ أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل؛ لقوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي} [الحجر 49] ، {قل أو أُنبّئكم} [آل عمران 15] ، وأن يكون بمعنى المفعول؛ لقوله: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم 3] ) . انظر مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 789.
وسيأتي التعريف اللغوي للنبوة، وزيادة إيضاح لما ذكر هاهنا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في ص 863 من هذا الكتاب.
(2/688)

الله؛ فالذي اصطفاه الله [لإنبائه] 1، وجعله نبيّاً له؛ كالذي اصطفاه لرسالته، وجعله رسولاً له؛ فكما أنّ رسول الله لا يكون [رسولاً] 2 لغيره، فلا يقبل أمر غير الله؛ فكذلك نبيّ الله لا يكون نبيّاً لغير الله، فلا يقبل أنباء أحد إلا أنباء الله.
وإذا أخبر بما أنبأ الله، وجب الإيمان به؛ فإنّه صادق مصدوق، ليس في شيء مما أنبأه الله به شيء من وحي الشيطان. وهذا بخلاف غير النبيّ؛ فإنّه وإن كان قد يُلهم، ويحدث، ويوحى إليه أشياء من الله، ويكون حقّاً، فقد يلقي إليه الشيطان أشياء. ويشتبه هذا بهذا؛ فإنه ليس نبيّاً لله؛ كما أنّ الذي يأمر بطاعة الله غير الرسول، وإن كان أكثر ما يأمر به هو طاعة الله، فقد يغلط ويأمر بغير طاعة الله، بخلاف الرسول المبلّغ عن الله؛ فإنه لا يأمر إلا بطاعة الله؛ قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} 3، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ} 4.
__________
1 في ((ط)) : لأنبيائه.
2 في ((خ)) : رسلاً. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 سورة النساء، الآية 80.
4 سورة النساء، الآية 64.
(2/689)

فنبيّ الله هو [الذي] 1 ينبّئه الله، لا غيره. ولهذا أوجب الله الإيمان بما أوتيه النبيون؛ فقال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوْتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوْتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} 2، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} 3، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ والملائكة وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} 4.
وليس كل من أوحي إليه الوحي العام5 يكون نبيّاً؛ فإنه قد يوحى إلى
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 سورة البقرة، الآية 136.
3 سورة البقرة، الآية 285.
4 سورة البقرة، الآية 177.
5 الوحي: لغة يأتي بمعان كثيرة، وهو ما يطلق عليه الشيخ رحمه الله هنا: (الوحي العامّ) ؛ فهو يأتي بمعنى الإلهام للإنسان وللحيوان، وبمعنى الأمر، وبمعنى أن تكلّمه بكلام تخفيه من غيره، ويأتي بمعنى الإشارة السريعة، وبمعنى الكتابة والكتاب والمكتوب، وبمعنى الرسالة والبعث، وبمعنى العجلة والسرعة، وبمعنى الإيماء بالجوارح، وبمعنى التصويت شيئاً بعد شيء. انظر لسان العرب لابن منظور 15380-382.
وأما في الاصطلاح: فنقل شيخ الإسلام رحمه الله كلام الزهري رحمه الله في معنى الوحي؛ فقال: "الوحي ما يوحي الله إلى النبيّ من أنبيائه عليهم السلام، ليثبت الله عزّ وجلّ ما أراد من وحيه في قلب النبيّ، ويكتبه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله وبين رسله، ومنه ما يتكلّم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنّهم يُحدّثون به الناس حديثاً، ويُبيّنونه لهم؛ لأنّ الله أمرهم أن يُبيّنوه للناس ويبلغوهم إياه، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء ممن اصطفاه من ملائكته؛ فيُكلّمون به أنبياءه من الناس، ومن الوحي ما يُرسل الله به من يشاء من الملائكة؛ فيوحيه وحياً في قلب من يشاء من رسله.
قلت: فالأول: الوحي؛ وهو الإعلام السريع الخفي إما في اليقظة وإما في المنام؛ فإنّ رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؛ كما ثبت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصحاح..". انظر في تخريج حديث الرؤيا: صحيح البخاري 62562، كتاب التعبير، باب رؤيا الصالحين. وصحيح مسلم 41773، كتاب الرؤيا. ومسند أحمد 218، 50، 229.
ثمّ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله الوحي بمعناه العام؛ فقال: "فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومناماً، وقد يكون بصوت هاتف، يكون الصوت في نفس الإنسان، ليس خارجاً عن نفسه يقظة ومناماً؛ كما يكون النور الذي يراه أيضاً في نفسه ... ) . مجموع الفتاوى 12397-398، 402. وانظر بغية المرتاد ص 316.
(2/690)

غير الناس؛ قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتَاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} 1، وقال تعالى: {وَأَوْحَى في كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} 2. وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيَابَةِ الجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُون} 3 وقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} 4، وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} 5.
وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيَاً} 6؛ يتناول وحي الأنبياء، وغيرهم؛ كالمحدّثين الملهمين؛ كما في الصحيحين عن النبي
__________
1 سورة النحل، الآية 68.
2 سورة فصلت، الآية 12.
3 سورة يوسف، الآية 15.
4 سورة القصص، الآية 7.
5 سورة المائدة، الآية 111.
6 سورة الشورى، الآية 51.
(2/691)

صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر منهم" 1.
وقال عبادة بن الصامت2: رؤيا المؤمن كلامٌ يكلّم به الربّ عبده في منامه3.
معنى المحدث والملهم
فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون4 يوحى إليهم هذا الحديث
__________
1 صحيح البخاري 31349، كتاب فضائل الصحابة، باب في مناقب عمر بن الخطاب. وصحيح مسلم 41864، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضائل عمر ابن الخطاب. ومسند الإمام أحمد 655.
وقال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون.
وفي بعض روايات البخاري: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ، فعمر".
انظر صحيح البخاري، نفس الكتاب ونفس الباب.
2 هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري. أحد النقباء ليلة العقبة، ومن أعيان البدريين. سكن بيت المقدس، وشهد المشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن جمع القرآن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. مات سنة أربع وثلاثين.
انظر: سير أعلام النبلاء 25. وشذرات الذهب 140، 62.
3 قال ابن حجر رحمه الله عن هذا الأثر: "وذكر ابن القيم حديثاً مرفوعاً غير معزوّ: "إنّ رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام"، ووجد الحديث المذكور في نوادر الأصول للترمذي، من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه في الأصل الثامن والسبعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه، وفي سنده جنيد". فتح الباري لابن حجر 12370. وانظر: مجموع الفتاوى 12398.
4 تكلّم شيخ الإسلام رحمه الله عن حديث: "قد كان في الأمم قبلكم محدّثون ... "، وذكر معنى المحدث، وذكر الفرق بينه وبين الصدّيق، وبيّن أنّ الصدّيق أفضل من المحدث.
انظر من كتب شيخ الإسلام: كتاب الصفدية1252-259. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 148-157. وشرح الأصفهانية 2535-538، 540. ودرء تعارض العقل والنقل 528، 747. والردّ على المنطقيين ص 514. ومنهاج السنة النبوية 620، 9114-115. وبغية المرتاد ص 385-386. ومجموع الفتاوى 298.
(2/692)

الذي هو لهم [خطابٌ] 1، وإلهام، وليسوا بأنبياء معصومين [مصدّقين] 2 في كلّ ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب، بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يُفرّقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان؛ فإن [الشياطين] 3 [أعداؤهم] 4، وهم يوحون بخلاف وحي الأنبياء5؛ قال تعالى: {وَكَذَلِكَ
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((خ)) : مصدوقين. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((ط)) : الشيطان.
4 في ((خ)) : أعطاهم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما من ابتدع ديناً لم يشرعوه (أي الأنبياء) ، فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له، واتباع نبيه فيما شرعه لأمته، وابتدع الغلوّ في الأنبياء والصالحين والشرك بهم، فإنّ هذا تتلاعب به الشياطين ... ".
ثمّ ذكر رحمه الله قصصاً حدثت تدلّ على تلاعب الشيطان بأولئك العبّاد؛ فقال رحمه الله تعالى: "وهذا كما أنّ كثيراً من العبّاد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشاً عظيماً وعليه صورة عظيمة، ويرى أشخاصاً تصعد وتنزل، فيظنّها الملائكة، ويظنّ أنّ تلك الصورة هي الله تعالى وتقدّس.... ويكون ذلك شيطاناً. وقد جرت هذه القصة لغير واحدٍ من النّاس، فمنهم من عصمه الله وعرف أنّه الشيطان؛ كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة؛ حيث قال: كنت مرة في العبادة، فرأيت عرشاً عظيماً، وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك وقد حلّلتُ لك ما حرّمت على غيرك. قال: فقلت له: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟ اخسأ يا عدوّ الله. قال: فتمزّق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر نجوتَ مني بفقهك في دينك وعلمك، وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنتُ بهذه القصة سبعين رجلاً. فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي: حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أنّ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال أنا ربك، ولم يقدر أن يقول أنا الله الذي لا إله إلا أنا". مجموع الفتاوى 1171-172.
وانظر إلى ص 179 من نفس المصدر. وانظر: شرح الأصفهانية 2472-476. وانظر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لشيخ الإسلام رحمه الله؛ فقد بيّن فيه كثيراً من هذه الأحوال الشيطانية، والخوارق الإبليسيّة.
(2/693)

جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوَّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورَاً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} 1، وقال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ ليُوْحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ [لَمُشْرِكُونَ] 2} 3.
الذين غلطوا في النبوة
الفلاسفة والباطنية والملاحدة من أبعد الطوائف عن النبوة
وقد غلط في النبوة طوائف غير الذين كذّبوا بها؛ إما ظاهراً وباطناً، وإما باطناً؛ كالمنافق المحض، بل الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول، وإلى من قبله، وهم خلقٌ كثيرٌ فيهم شُعبة نفاق، وإن لم يكونوا مكذّبين للرسول من كلّ وجه، بل قد يعظّمونه بقلوبهم، ويعتقدون وجوب طاعته في أمور دون أمور.
وأبعد هؤلاء عن النبوة: المتفلسفة، والباطنية، والملاحدة4؛ فإن هؤلاء لم يعرفوا النبوة إلا [من] 5 جهة القدر المشترك بين بني آدم؛ وهو
__________
1 سورة الأنعام، الآية 112.
2 في ((خ)) : لمشتركون.
3 سورة الأنعام، الآية 121.
4 سبق في هذا الكتاب الكلام عن النبوة عند الفلاسفة. انظر ص 156، 609-612، 635-636 من هذا الكتاب.
وانظر من كتبه الأخرى رحمه الله: مجموع الفتاوى 985. ومنهاج السنة النبوية 16، 357،، 2415-416،، 823-25. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 204. وكتاب الصفدية 1202-203. وبغية المرتاد ص 384. ودرء تعارض العقل والنقل 1179. والرد على المنطقيين ص 394، 443-444، 471، 486-487. وانظر أعلام النبوة للماوردي ص 20.
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
(2/694)

المنام، وليس [في] 1 كلام أرسطو وأتباعه كلام في النبوة2، والفارابي جعلها من جنس المنامات فقطّ، ولهذا يُفضل هو وأمثاله الفيلسوف على النبيّ3.
ابن سينا جعل للنبي ثلاث خصائص
وابن سينا عظّمها أكثر من ذلك4؛ فجعل للنبي [ثلاث] 5 خصائص6:
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 انظر نحواً من هذا الكلام في: منهاج السنة النبوية 1358. وشرح الأصفهانية 2633. وكتاب الصفدية 1134.
3 انظر: كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص 68، 76، 84، 86، 89، 114. وانظر من كتب شيخ الإسلام رحمه الله: درء تعارض العقل والنقل 110. وشرح الأصفهانية 2362، 505. والرد على المنطقيين ص 281، 483، 486. ومجموع الفتاوى 986. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 635-636.
4 والفارابي، وابن سينا إنّما ذهبوا في ذلك إلى فلسفة أتباع أرسطو؛ كما وضّح ذلك شيخ الإسلام رحمه الله بقوله: (وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافاً من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى. والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنّما هي فلسفة المشّائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم) . درء تعارض العقل والنقل 1157.
5 في ((خ)) : ثلاثة. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 انظر من كتب ابن سينا: كتاب النجاة ص 166-167.
وقد تكلّم شيخ الإسلام رحمه الله مراراً عن خصائص النبوة عند ابن سينا.
انظر: كتاب الصفدية 15-7، 128، 132، 142، 165، 176، 230. وشرح الأصفهانية 2502-503. ومجموع الفتاوى 11229. والرد على المنطقيين ص 486-487. ودرء تعارض العقل والنقل 5355-356. وقد سبق ذكر تلك الخصائص عند الفلاسفة في هذا الكتاب ص 425.
(2/695)

أحدها: أن ينال العلم بلا تعلّم، ويسميها القوة القدسية؛ وهي القوة الحدسية عنده.
والثاني: أن يتخيّل في نفسه ما يعلمه؛ فيرى في نفسه صوراً نورانية، ويسمع في نفسه أصواتاً؛ كما يرى النائم في نومه صوراً تكلّمه، ويسمع كلامهم، وذلك موجود في نفسه لا في الخارج. فهكذا عند هؤلاء جميع ما يختص به النبي مما يراه ويسمعه دون الحاضرين، إنّما يراه في نفسه ويسمعه في نفسه، وكذلك الممرور1 عندهم2.
والثالث: أن يكون له قوّة يتصرّف بها في هيولي العالم، بإحداث أمور غريبة؛ وهي عندهم آيات الأنبياء، وعندهم ليس في العالم حادثٌ إلا عن قوّة نفسانية، أو ملكية، أو طبعية؛ كالنفس الفلكية3،
__________
1 المرّة: إحدى الطبائع الأربع، وهي مزاج من أمزجة البدن. والمَرارة التي فيها المِرّة. والممرور الذي غلبت عليه المرة. انظر لسان العرب لابن منظور 5168.
2 انظر ذلك عند المتفلسفة؛ فقد ذكر مثل هذا الكلام: كلّ من: الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة ص 116. وابن سينا في الإشارات والتنبيهات 4871-872. وذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله عنهم، وبسطه في كتبه؛ مثل: منهاج السنة النبوية 821. وكتاب الصفدية 16.
3 هي أفلاك تتحرّك، ولا تتمّ حركة كلّ واحدٍ منها إلا بمعاضدة غيره من الأفلاك له.
انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص 95. وشرح المواقف للجرجاني ص 554.
وانظر: الرد على المنطقيين ص 474-475، 480. وكتاب الصفدية 134. وبغية المرتاد ص 326.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله عن الفلاسفة: "وقد تنازعوا في النفس الفلكية: هل هي جوهر، أو عرض؟ وأكثرهم يقولون هي عرض، ولكنّ ابن سينا وطائفة رجّحوا أنّها جوهر". كتاب الصفدية 134.
وقال رحمه الله أيضاً عن معتقد هؤلاء الفلاسفة من القرامطة في اللوح المحفوظ، وأنّه النفس الكلية، فحكى عنهم قولهم: "أنّ اللوح المحفوظ؛ وهو العقل الفعّال، أو النفس الكلية، وذلك ملَك من الملائكة، وأنّ حوادث الوجود منتقشة فيه، فإذا اتصلت به النفس الناطقة فاضت عليها..". بغية المرتاد ص 326.
وقال رحمه الله عن تأويلاتهم للّوح المحفوظ بالنفس الكلية، والقلم بالعقل الفعّال، وغير ذلك: "وأما العلميات: فتأولوا بعضها؛ كاللوح، قالوا: هو النفس الفلكية، والقلم قالوا هو العقل الفعال، وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر التي رآها إبراهيم إنها النفس والعقل الفعال والعقل الأول، وتأوّلوا الملائكة، ونحو ذلك..". الرد على المنطقيين ص 281.
(2/696)

والإنسانية1، والأشكال الفلكية2، والطبائع3 التي للعناصر الأربعة، والمولّدات4، لا يُقرّون بأنّ فوق الفلك
__________
1 هو كمال أوّل لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الأمور الكليات ويفعل الأفعال الفكرية.
انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص 94-95. والتعريفات للجرجاني ص 244.
2 هي الهيئة الحاصلة للأفلاك بسبب إحاطة حدّ واحد بالمقدار.
انظر المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص 65.
3 الطبائع: هي عبارة عن ما يُوجد في الأجسام من القوّة؛ كالحرارة بالنسبة إلى النّار ... إلخ.
انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص 83-84. وكتاب التعريفات للجرجاني ص 140.
4 المولّدة: هي قوّة من شأنها فصل جزءٍ من الجسم الذي هي فيه، حتى يمكن أن يكون منه شخصٌ آخر من نوع ما هي قوّة له.
انظر المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص 97.
وانظر معنى المولّدات من كلام شيخ الإسلام في: الصفدية1150، 216، 218. والرد على المنطقيين ص 27، 219، 474-478. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 304.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله عن معنى التولّد عند الفلاسفة، أنّهم يقولون: "فالعقول والنفوس متولدة عن الله تولداً قديماً أزلياً لازماً لذاته، والعالم متولد عن ذلك. فالعالم كله متولّد عندهم عن الله تولّداً قديماً أزلياً لازماً لذاته، وإن كانوا قد لا يُعبّرون بلفظ الولد، فهم يعبّرون بلفظ المعلول، والعلة، وهو أخصّ أنواع التولّد، ويعبّرون بلفظ الموجِب والموجَب. وما ذكره الله في كتابه من إبطال التولّد يُبطل قولهم عقلاً وسمعاً، وذلك أنه قال تعالى: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام، 100] .. ". كتاب الصفدية 1216.
(2/697)

[نفسِهِ] 1 شيءٌ يفعل، ولا يحدث شيئاً، فلا يتكلم، ولا يتحرك بوجهٍ من الوجوه؛ لا ملَك ولا غير ملَك، فضلاً عن رب العالم.
والعقول التي يثبتونها2 عندهم ليس فيها تحوّل من حال إلى حال البتة؛ لا بإرادة، ولا قول، ولا عمل، ولا غير ذلك. وكذلك المبدأ الأول3.
النبوة عند الفلاسفة
وهؤلاء عندهم جميع ما يحصل في نفوس [الأنبياء] 4، إنّما هو من فيض العقل الفعّال5.
__________
1 في ((ط)) : نفس.
2 المقصود بها العقول العشرة عند الفلاسفة.
انظر: بغية المرتاد ص 241-255. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 205.
3 انظر كتاب الصفدية 185.
4 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
5 انظر: آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص 55، 61، 63. وكتاب النجاة لابن سينا ص 310-314. والرسالة العرشية له ص 30. والإشارات والتنبيهات له تحقيق سليمان دنيا ص 216-243. والشفاء في الإلهيات له تحقيق إبراهيم مذكور ص 402.
وانظر من كتب شيخ الإسلام: شرح الأصفهانية 2545. وكتاب الصفدية 17، 9، 134، 201. والرد على المنطقيين ص 476.
(2/698)

ثمّ إنّهم لمّا سمعوا كلام الأنبياء، أرادوا الجمع بينه، وبين أقوالهم؛ فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء، فيضعونها على معانيهم، ويسمّون تلك المعاني بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء، ثم يتكلّمون ويصفون الكتب بتلك الألفاظ المأخوذة عن الأنبياء؛ فيظنّ من لم يعرف مراد الأنبياء ومرادهم أنّهم عنوا بها ما عنته الأنبياء. وضل بذلك طوائف. وهذا موجود في كلام ابن سينا1، ومن أخذ عنه.
الغزالي ربما حذّر عن مذهب الفلاسفة وأخذ بأقوالهم
وقد ذكر الغزالي ذلك عنهم تعريفاً بمذهبهم، وربّما حذّر عنه2، ووقع في كلامه طائفة من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها3، وفي غير ذلك4؛ حتى في كتابه الإحياء5؛ يقول: الملك، والملكوت،
__________
1 انظر: الرسالة العرشية لابن سينا ص 120. وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص 112. وانظر أيضاً بغية المرتاد لابن تيمية ص 332، 342.
وقد جعل ابن سينا العقل الفعّال هو جبريل عند المسلمين، وكذا الفارابي يرى أنّ جبريل عقل محض، وجوهر، وليس بمادة. راجع آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص 61. فجبريل عند ابن سينا، وعند الفارابي، وغيرهما من الفلاسفة هو عقل، يتلقى العلوم من عقل آخر؛ وهي نفس العلوم التي عند الله؛ فالعقل الفعّال يفيض العلوم دون أمر من أحد، وإنّما هذا الفيض هو لجوده وكرمه الذي هو في الأصل صفة لله انتقلت إليه عن طريق العقول.
انظر: آراء أهل المدينة الفاضلة ص 59-60، 68-73. والهداية لابن سينا ص 474.
2 انظر مثلاً تكفيره للفلاسفة في كتابه: تهافت الفلاسفة ص 254.
3 انظر كتابه: المضنون به على غير أهله ص 305-309.
4 انظر من كتب الغزالي: مشكاة الأنوار ص 66-74. وتهافت الفلاسفة ص 192-194. ومعارج القدس ص 151-164؛ فإنّه يرى أنّ النبوة لها ثلاث خواصّ، مثل الفلاسفة تماماً.
5 انظر: إحياء علوم الدين 187.
(2/699)

والجبروت؛ ومقصوده: الجسم، والنفس، والعقل الذي [أثبتته] 1 الفلاسفة2، ويذكر اللوح المحفوظ؛ ومراده به: النفس الفلكية، إلى غير ذلك مما قد بُسط في غير هذا الموضع3.
وهو في التهافت4 وغيره: يكفّرهم، وفي المضنون به5: يذكر ما هو حقيقة مذهبهم؛ حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه6، وكذلك في الإلهيات.
وهذه الصفات الثلاث التي جعلوها خاصة الأنبياء، توجد لعموم الناس، بل توجد لكثير من الكفار؛ من المشركين، وأهل الكتاب؛ فإنّه قد
__________
1 في ((خ)) : ثبتته. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عنه أنه يقول: "إنّ الكواكب، والشمس، والقمر هي النفس، والعقل الفعّال، والعقل الأول، ونحو ذلك". درء تعارض العقل والنقل 1315.
3 انظر من كتب ابن تيمية رحمه الله: الرد على المنطقيين ص 196-197، 282، 472-480. وبغية المرتاد ص 184، 196، 326. وكتاب الصفدية 1209-212، 249، 250. ودرء تعارض العقل والنقل 1315-318، 5241، 6241. ومنهاج السنة النبوية 820-21. وشرح الأصفهانية 2507، 538، 541-547. وسبق نحو هذا الكلام عن الغزالي في هذا الكتاب ص 448-453، 466.
4 وقد تقدّم أنّه كفّر الفلاسفة لمّا صرّحوا أنّ الأنبياء خاطبوا الجماهير بالخيالات والتمثيل. انظر: تهافت الفلاسفة للغزالي ص 254.
5 انظر: المضنون به على غير أهله ص 305-309.
6 وسبق أن أوضح شيخ الإسلام رحمه الله أنّ الغزالي قد استدلّ على صدق النبيّ بطريقة الفلاسفة؛ وهي طريقة الضرورة، وهي صحيحة، إلا أنّ الغزالي أثبت بها نبوة مثل نبوة الفلاسفة. انظر ص 733 من هذا الكتاب، وانظر المنقذ من الضلال للغزالي ص 73-74.
(2/700)

يكون لأحدهم من العلم والعبادة، ما يتميز به على غيره من الكفار، ويحصل له بذلك حدس وفراسة يكون أفضل من غيره.
وأما التخييل في نفسه: فهذا حاصل لجميع الناس الذين يرون في مناماتهم ما يرون، لكن هو يقول: إن خاصة النبي أن يحصل له في اليقظة ما حصل لغيره في المنام.
وهذا موجودٌ لكثيرٍ من الناس؛ قد يحصل له في اليقظة ما يحصل لغيره في المنام.
ويكفيك أنّهم جعلوا مثل هذا يحصل للممرور، وللساحر، ولكن: قالوا: الساحر قصده فاسد، والممرور ناقص العقل، فجعلوا ما يحصل للأنبياء، من جنس ما يحصل للمجانين والسحرة. وهذا قول الكفّار في الأنبياء؛ كما قال تعالى: {كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون} 1.
الفرق بين الرسول والساحر عند الفلاسفة
وهؤلاء عندهم ما يحصل للنبي من المكاشفة2 والخطاب، هو من جنس ما يحصل للساحر والمجنون، لكن الفرق بينه وبين الساحر: أنّه يأمر بالخير، وذاك يأمر بالشرّ3، والمجنون ما له عقل.
وهذا القدر الذي فرّقوا به موجودٌ في عامّة النّاس، فلم يكن عندهم للأنبياء مزية على السحرة والمجانين، إلاَّ ما يشاركهم فيه عموم المؤمنين.
__________
1 سورة الذاريات، الآية 52.
2 سبق بيان معنى المكاشفة في ص 246 من هذا الكتاب.
3 انظر نحواً من هذا الكلام في كتب ابن تيمية: كتاب الصفدية 1143-178. وشرح الأصفهانية 2504، 632. والرد على المنطقيين ص 322. وقد تقدم ذلك قريب من هذا المعنى في ص 156، 733 من هذا الكتاب.
(2/701)

القوة الفعالة عند الفلاسفة تحصل للساحر
وكذلك ما أثبتوه من القوّة الفعّالة المتصرّفة: هي عندهم تحصل للساحر، وغيره؛ وذلك أنّهم لا يعرفون الجن والشياطين، وقد أخبروا بأمور عجيبة في العالم، فأحالوا ذلك على قوة نفس الإنسان، فما يأتي به الأنبياء من الآيات والسحرة والكهان، وما يخبر به المصروع والممرور: هو عندهم كله من قوة نفس الإنسان؛ فالخبر بالغيب: هو لاتصالها بالنفس الفلكية؛ ويسمونها اللوح المحفوظ1. والتصرّف: هو بالقوة النفسانية. وهذا حذق ابن سينا وتصرفه، لمّا أخبر بأمور في العالم غريبة، لم يمكنه التكذيب بها؛ فأراد إخراجها على أصولهم، وصرّح بذلك في إشاراته، وقال: هذه الأمور لم نثبتها ابتداءً، بل لمّا تحققنا أن في العالم أموراً من هذا الجنس، أردنا أن نبيّن أسبابها.
أرسطو وأتباعه لم يعرفوا الأنبياء وآياتهم ولكن السحر موجود فيهم
وأما [أرسطو] 2 وأتباعه: فلم يعرفوا هذه الأمور الغريبة، ولم يتكلموا عليها ولا على آيات الأنبياء، ولكن كان السحر موجوداً فيهم. وهؤلاء من أبعد الأمم عن العلوم الكلية، والإلهية؛ فإنّ حدوث هذه الغرائب من الجن، واقترانهم بالسحرة والكهان، مما قد عرفه عامة الأمم، وذكروه في كتبهم، غير العرب؛ مثل الهند، والترك، وغيرهم؛ من المشركين، وعباد الأصنام، وأصحاب الطلاسم والعزائم، وعرفوا أنّ كثيراً من هذه الخوارق هو من الجن والشياطين. وهؤلاء الجهال لم يعرفوا ذلك، ولهذا كان من
__________
1 انظر من كتب ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص 474-480، 512-513. وكتاب الصفدية 134. وبغية المرتاد ص 326. وقد سبق ذكر نحو من هذا الكلام في ص 466 من هذا الكتاب.
2 في ((خ)) : أرسطوا.
(2/702)

أصلهم أن النبوة مكتسبة، وكان السهروردي المقتول يطلب أن يكون نبياً، وكذلك ابن سبعين، وغيره1.
النبوة الحق
والنبوة الحق: هي [إنباء] 2 الله لعبده، ونبي الله: مَنْ كان الله هو الذي ينبئه، ووحيه من الله، وهؤلاء3 وحيهم من الشياطين؛ فهم من جنس المتنبئين الكذابين؛ كمسيلمة الكذاب، وأمثاله. بل أولئك4 أحذق منهم؛ فإنّهم كانت تأتيهم أرواح، فتكلمهم وتخبرهم بأمور غائبة، وهي موجودة في الخارج لا في أنفسهم، وهؤلاء لا يعرفون مثل هذا.
__________
1 وقد نقل عنهم شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه قولهم بأنّ النبوة مكتسبة، وطلب كبرائهم لها، ومما حكاه من قولهم: "إنّ النبوة مكتسبة. ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون في النبوة، فكان السهروردي المقتول يقول: لا أموت حتى يُقال لي: قُم فأنذر، وكان ابن سبعين يقول: لقد زَرَب ابن آمنة حيث قال: ((لانبي بعدي)) . ولما جعل خلع النعلين إشارة إلى ذلك، أخذ ذلك ابن قس ونحوه، ووضع كتابه في خلع النعلين واقتباس النور من موضع القدمين من مثل هذا الكلام. ومن هنا دخل أهل الإلحاد؛ من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق سبحانه وتعالى، كما فعل صاحب الفصوص ابن عربي، وابن سبعين، وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق، وهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع، لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ الصوفية وأهل المعرفة..". درء تعارض العقل والنقل 1318. وانظر من كتب ابن تيمية: المصدر نفسه 522-23، 10204. ومنهاج السنة النبوية 823-25. والرد على المنطقيين ص 483. وبغية المرتاد ص 194. وكتاب الصفدية 1165، 249، 262. وشرح الأصفهانية 2547، 634. ومجموع الفتاوى 12393. وانظر هذا الكتاب ص 463-472، 542، 557-562.
2 في ((ط)) : أنباء.
3 كابن عربي، وابن سبعين، والسهروردي، وأمثالهم من الملاحدة.
4 كمسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين.
(2/703)

وقائع دخول الجن في الإنس أكثر من أن تحصى
ووجود الجن والشياطين في الخارج وسماع كلامهم أكثر من أن يمكن سطر عُشْرِهِ هنا، وكذلك صرعهم للإنس، وتكلمهم على ألسنتهم.
والفرق بين النبيّ [و] 1 الساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار. والنبي يأتيه ملَك كريم من عند الله ينبئه الله، والساحر والكاهن إنّما معه شيطان يأمره ويخبره؛ قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون} 2؛ فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخْبِر هذا كمخبر هذا، ولا آمر هذا كآمر هذا؛ كما أنّه ليس هذا مثل هذا؛ ولهذا قال تعالى لما ذكر الذي جاء بالقرآن إلى محمّد وأنه ملَك منفصل، ليس خيالاً في نفسه، كما يقوله هؤلاء؛ قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} 3؛ فالقرآن قول رسولٍ أرسله الله، لم يرسله الشيطان؛ وهو ملَك كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين؛ فهو مطاع عند ذي العرش في [الملأ] 4 الأعلى.
أصح الأقوال في جنة آدم صلى الله عليه وسلم
والشياطين لا يطاعون في السموات، بل ولا يصعدون إليها، وإبليس من حين أهبط منها لم يصعد إليها.
__________
1 ما بين المعقوفتين لا يوجد في ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة الشعراء، الآيات 221-223.
3 سورة التكوير، الآيات 19-29.
4 في ((ط)) : الأم.
(2/704)

ولهذا كان أصحّ القولين1: أن جنة آدم جنّة التكليف، لم تكن في
__________
1 هذه المسألة خلافية بين العلماء: فمنهم من قال: هي جنة الخلد التي في السماء، وأُهبط منها آدم عليه السلام. ومنهم من قال: هي جنة في الأرض. ومنهم من توقف في هذه المسألة، فلم يرجح أحد القولين على الآخر.
وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأطال النفس في ذلك؛ ذاكراً أقوال العلماء، ومما قاله رحمه الله: "الجمهور على أنها هي التي في السماء، وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث. وقال آخرون: بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد؛ لأنه كلّف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها. وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة، واختاره ابن قتيبة في المعارف، والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره، وأفرد له مصنّفاً على حدة، وحكاه عن أبي حنيفة الإمام وأصحابه رحمهم الله، ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الريّ في تفسيره عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني، ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية. وهذا القول هو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وممن حكى الخلاف في هذه المسألة: أبو محمد بن حزم في الملل والنحل، وأبو محمد بن عطية في تفسيره، وأبو عيسى الرماني في تفسيره وحكى عن الجمهور الأول، وأبو القاسم الراغب، والقاضي الماوردي في تفسيره؛ فقال: واختلف في الجنة التي أُسكنها يعني آدم وحواء على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد، والثاني: جنة أعدها الله لهما، وجعلها دار ابتلاء، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء. ومَنْ قال بهذا اختلفوا على قولين؛ أحدهما: أنها في السماء؛ لأنّه أهبطهما منها. وهذا قول الحسن. والثاني: أنها في الأرض؛ لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهكذا قول ابن يحيى، وكان ذلك بعد أن أمر إبليس. هذا كلامه.
فقد تضمّن كلامه حكاية أقوال ثلاثة، وأشهر كلامه أنه متوقف في المسألة. ولقد حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسالة أربعة أقوال؛ هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي، ورابعها التوقف. وحكى القول بأنها في السماء، وليست جنة المأوى عن أبي علي الجبائي.....
قالوا: وليس هذا القول مفرعاً على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم، ولا تلازم بينهما. فكلّ من حكي عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ممن يُثبت وجود الجنة والنار اليوم كما دلّت عليه الآيات والأحاديث الصحاح". البداية والنهاية 169-71. وانظر تفسير ابن كثير 181.
ومن أكثر من بحث هذه المسألة وأطال فيها: الحافظ ابن القيم رحمه الله؛ فقد قام رحمه الله باستقصاء أدلة كل قوم بالتفصيل، ولم يرجح رحمه الله قولاً على قول، بل توقّف في المسألة لتعارض الأدلة، ولقوة ووجاهة كلّ قول.
انظر: مفتاح دار السعادة 116-44. وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص 52-75.
وانظر القرطبي في تفسيره؛ فقد رجح أنها جنة الخلد 1207-208.
وممن ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة بالتفصيل: الآلوسي في روح المعاني 1233. والقاسمي في تفسيره 2111-112. ومحمد رشيد رضا في تفسيره تفسير القرآن الحكيم 1276-277؛ وذكر في هذه المسألة ثلاثة أقوال، ورجّح أنها في الأرض. والماوردي في أعلام النبوة ص 78-79.
(2/705)

السماء؛ فإنّ إبليس دخل إلى جنة التكليف؛ جنة آدم بعد [إهباطه] 1 من السماء، وقول الله له: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيم وَ [إِنَّ] 2 علَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين} 3، وقوله تعالى: { [اخْرُجْ] 4 مِنْهَا [مَذْءُومَاً] 5 مَدْحُورَاً} 6، لكن كانت في مكان عال في الأرض من ناحية [المشرق7] 8، ثمّ لما أكل
__________
1 في ((ط)) : إهباط ٍ.
2 في ((ط)) : أنّ.
3 سورة ص، الآية 78.
4 في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : فاخرج.
5 في ((م)) ، و ((ط)) : مذموماً.
6 سورة الأعراف، الآية 18.
7 انظر: تفسير القاسمي 2111.
8 في ((ط)) : الشرق.
(2/706)

من الشجرة، أُهبط منها إلى الأرض؛ كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع1.
لفظ الجنة في القرآن
ولفظ الجنّة في غير موضع من القرآن: يُراد به بستان في الأرض؛ كقوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ} 2، وقوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ
__________
1 وقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله: هل كانت الجنة التي سكنها آدم جنة الخلد الموجودة، أم جنة من الأرض خلقها الله له؟.
فأجاب رحمه الله بقوله: "الجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة والجماعة: هي جنة الخلد. ومن قال إنها جنة في الأرض بأرض الهند، أو بأرض جدة، أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين؛ فإنّ هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة. والكتاب والسنة يردّ هذا القول، وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول) .
ثمّ ذكر رحمه الله الأدلة التي يعتضد بها هذا القول. انظر مجموع الفتاوى 4347-349.
ولعلّ قائلاً يقول: هذا تناقض من الشيخ رحمه الله؛ حيث يرجح في موضع أنها جنة الخلد، وفي موضع آخر أنها جنة التكليف.
والذي يظهر لي والله أعلم أنّ الشيخ رحمه الله كان يرى أنّ المسألة لا تقتضي إلا قولاً واحداً، وهو أنّ الجنة جنة الخلد؛ كما نقلنا عنه آنفاً، وجعله قول أهل السنة قاطبة، ولم يقل بغير ذلك إلا المعتزلة والفلاسفة والملاحدة.
والملاحظ على شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب النبوات أنّه يجعل للمسألة قولين معتبرين عند أهل السنة، إلا أنّ أصحهما أنها جنة التكليف.
وهذا يدلّ على أنّ المسألة مختلف فيها عند شيخ الإسلام، وأنّ له فيها قولين.
وعلى كلّ حال: فهذا تلميذه العلامة ابن القيم، وهو ممن حفظ لنا علم شيخه ابن تيمية رحمه الله يذكر أدلة كلّ فريق، ولا يرجح قولاً على قول، بل يتوقف في المسألة لقوة أدلة كلا الفريقين.
وعموماً: فالمسألة ليست من المسائل التي يتوقف عليها أمر تعبّديّ، بل هي من الأمور الخبرية.
2 سورة القلم، الآية 17.
(2/707)

جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} ، إلى قوله: {كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئَاً} ، إلى قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} 1، وقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتَاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} الآية، إلى قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} الآية2، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَة جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} ، إلى قوله: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيل} 3، وقوله: { [كَمْ] 4 تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} الآية5، وقوله: {أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَهُنَا آمِنِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُون} 6.
وجنّة الجزاء والثواب التي في السماء لم يدخلها الشيطان بعد أن أهبط من السماء، وهو أهبط من السماء لما امتنع من السجود لآدم، قبل أن يدخل آدم إلى جنّة التكليف التي وسوس له، وأخرجه منها7.
__________
1 سورة الكهف، الآيات 32-35.
2 سورة البقرة، الآيتان 265-266.
3 سورة سبأ، الآيتان 15-16.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : وكم.
5 سورة الدخان، الآية 25.
6 سورة الشعراء، الآيتان 146-147.
7 قال تعالى لإبليس لما امتنع من السجود لآدم: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف، 13] ، وقال في موضع آخر: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص، 78] ، وقال تعالى: {قال قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف، 18] .
(2/708)

جنة الجزاء مخلوقة والرد على من أنكر ذلك وجنة الجزاء مخلوقة أيضاً.
وقد أنكر بعض أهل البدع1 أن تكون مخلوقة، وقال: إنّ آدم لم يدخلها؛ لكونها لم تخلق بعد. فأنكر ذلك عليه من أنكره من علماء السنة.
وقد ذكر أبو العالية، وغيره من السلف: أنّ الشجرة التي نُهي عنها آدم كان لها غائط، فلما أكل احتاج إلى الغائط2، وجنة الجزاء ليس فيها هذا. لكن الله أعلم بصحة هذا النقل.
وإنما المقصود: أنّ بعض السلف كان يقول إنّها في السماء، وبعضهم يقول إنها في مكان عال من الأرض.
ولفظ الجنة في القرآن: قد ذُكر فيما شاء الله من المواضع، وأريد به جنة في الأرض.
وجنّة الجزاء مخصوصة بمماتهم؛ كقوله: {قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين} 3؛ فإنّ أرواح
__________
1 قال شارح الطحاوية: "اتفق أهل السنة على أنّ الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل يُنشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعاله، فهم مشبهة الأفعال". ثمّ ذكر النصوص التي تردّ عليهم. انظر شرح الطحاوية ص 615-620.
ولقد أطال النفس في توضيح هذه المسألة العلامة ابن القيم رحمه الله؛ فذكر أنّ الجنة مخلوقة، وموجودة الآن، وأنّ هذا قول أهل السنة قاطبة، والرسل من أولهم إلى آخرهم، إلى أن نبغت نابغة القدرية والمعتزلة، فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن. ثمّ أورد شبههم التي يحتجون بها، وأجاب عنها مفنّداً كلّ قول بالدليل.
انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص 38-51، 76-81.
2 انظر: تفسير الطبري 1236.
3 سورة يس، الآيتان 26-27.
(2/709)

المؤمنين تدخل الجنة من حين الموت؛ كما في هذه الآية: {قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِين} 1، قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} 2، وقال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتَاً بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} 3، وقال تعالى لما ذكر أحوال الموتى عند الموت: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِين وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّين فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم وَتَصْلِيَة جَحِيم} 4. وهذا غير ما ذكره في أول السورة من انقسامهم يوم القيامة الكبرى إلى سابقين، وأصحاب يمين، ومكذبين؛ فإنّه سبحانه ذكر في أول السورة انقسامهم في القيامة الكبرى5، وذكر في آخرها انقسامهم عند الموت؛ وهو القيامة الصغرى6؛ كما قال المغيرة بن شعبة: "من مات فقد قامت قيامته"7،
__________
1 سورة يس، الآيتان 26-27.
2 سورة يس، الآيتان 28-29.
3 سورة آل عمران، الآية 169.
4 سورة الواقعة، الآيات 88-94.
5 قال تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} . [سورة الواقعة، 7-12] .
6 قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِين وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّين فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم وَتَصْلِيَة جَحِيم} . [سورة الواقعة، الآيات 88-94] .
7 ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين 4527 مرفوعاً، بلفظ: (وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الموت القيامة، فمن مات، فقد قامت قيامته". وقال محقق إحياء علوم الدين: أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت بإسناد ضعيف.
(2/710)

وكذلك قال علقمة1، وسعيد بن جبير عن ميت: أمّا هذا فقد قامت قيامته2؛ أي صار إلى الجنة أو النار. وإن كان بعد هذا تعاد الروح إلى البدن، و [تقعد] 3 بقبره.
الإيمان بنعيم القبر وعذابه
ومقصودهم: أنّ الشخص لا يستبطىء الثواب والعقاب؛ فهو إذا مات يكون في الجنة أو في النار4؛ قال تعالى عن قوم نوح: {مِمَّا
__________
1 هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي. ثقة ثبت فقيه عابد. مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين. وقد أخرج حديثه الجماعة.
انظر تقريب التهذيب لابن حجر ص 397.
2 ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين 4527، عن علقمة.
3 في ((م)) ، و ((ط)) : يقعد.
4 من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنّه إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة.
وقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تدلّ على إثبات نعيم القبر للمؤمنين، وعذابه للعاصين والكافرين، أعاذنا الله من عذابه، وجعل قبورنا وقبور إخواننا المسلمين روضة من رياض الجنة، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
أما أدلة الكتاب: فمنها: قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . [النحل، 32] ، وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} . [الفجر، 27-29] ، وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . [إبراهيم، 27] ، وقال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} . [السجدة، 21] ، وقال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} . [البقرة، 154] .
أما الأدلة من السنة، فكثيرة جداً؛
منها: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". أخرجه البخاري في صحيحه 1464، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده. ومسلم في صحيحه 42199، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت.
ومنها: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فذكر الحديث بطوله، وفيه: "فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها"، فذكر الحديث. أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4287.
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة". أخرجه الإمام مالك في الموطأ 1240، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز.
ومنها: مخاطبته صلى الله عليه وسلم لأهل القليب يوم بدر، وسماعهم له، وقوله لهم: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً". رواه البخاري في صحيحه 1463، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر. ومسلم في صحيحه 2643، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. و 42202، كتاب الجنة ونعميها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه.
ومنها: حديث القراء؛ أصحاب بئر معونة، وفيه: "بلغوا قومنا عنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه". أخرجه مسلم في صحيحه 1468، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة.
والأدلة في ذلك كثيرة جداً، يضيق المكان دون ذكرها.
(2/711)

[خَطَايَاهُمْ] 1 أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارَاً} 2، وقال عن آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَاً وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَاب} 3. وبسط هذا له موضع آخر4.
__________
1 كذا في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) .
وهي قراءة أبي عمرو. وقرأ الباقون: خطيئاتهم.
انظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري ص 280. وزاد المسير لابن الجوزي 8374.
2 سورة نوح، الآية 25.
3 سورة غافر، الآية 46.
4 انظر الكلام على القيامة الكبرى والصغرى في مجموع الفتاوى 4262، 270.
(2/712)

ملاحدة الصوفية وكلامهم في النبوة
والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فهؤلاء المتفلسفة ما قدروا النبوة حقّ قدرها، وقد ضلّ بهم طوائف من المتصوفة المدّعين للتحقيق وغيرهم، وابن عربي، وابن سبعين ضلوا بهم؛ فإنّهم اعتقدوا مذهبهم، وتصوّفوا عليه، ولهذا يقول ابن عربي: إنّ الأولياء أفضل من الأنبياء1، وإنّ الأنبياء وسائر الأولياء يأخذون عن خاتم الأنبياء علم التوحيد، وأنه هو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول؛ فإنّ الملَك عنده هو الخيال الذي في [النفس] 2، وهو جبريل عندهم، وذلك الخيال تابعٌ للعقل؛ فالنبيّ عندهم يأخذ عن هذا الخيال ما يسمعه من الصوت في نفسه.
ولهذا يقولون: إنّ موسى كُلّم من سماء عقله، والصوت الذي سمعه كان في نفسه لا في الخارج، ويدّعي أحدهم أنّه أفضل من موسى، وكما ادّعى ابن عربيّ أنّه أفضل من محمّد؛ فإنّه يأخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال، والخيال عنده هو الملك الذي يأخذ منه النبي، فلهذا قال: فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملَك الذي يوحى به إلى النبيّ، قال: فإن عرفت هذا فقد حصل لك العلم النافع. وبسط الكلام على هؤلاء له مواضع أُخر3.
__________
1 انظر الفتوحات المكية لابن عربي 2252-253. ومما قاله:
مقام النبوّة في برزخ
فويق الرسول ودون الوليّ
وانظر من كتب شيخ الإسلام: درء تعارض العقل والنقل19. وكتاب الصفدية 1251. ومنهاج السنة النبوية 5335-336،، 822. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 191، 196، 198. وشرح الأصفهانية 2505.
2 في ((ط)) : لنفس.
3 انظر: فصوص الحكم لابن عربي 161-64، 134-137. وانظر أيضاً من كتب ابن تيمية: كتاب الصفدية 1229-234، 247-252، 262-265. وبغية المرتاد ص 183، 386-387. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 198-199. ومجموع الفتاوى 11226-229،، 12399. وشرح الأصفهانية 2503-507، 634. ودرء تعارض العقل والنقل 5356،، 10204-205. ومنهاج السنة النبوية 822-23.
(2/713)

الفرق بين الرسول والنبي
والمقصود هنا: الكلام على النبوة؛ فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبىء بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه؛ فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحد [يبلغه] 1 عن الله رسالة؛ فهو نبي، وليس برسول؛ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّته} 2، وقوله: {مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ} ؛ فذكر إرسالاً يعمّ النوعين، وقد خص أحدهما بأنّه رسول؛ فإنّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله؛ كنوح.
وقد ثبت في الصحيح أنّه3 أول رسول بُعث إلى أهل الأرض4،
__________
1 في ((خ)) : بلغه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة الحج، الآية 52.
3 يعني نوحاً عليه السلام.
4 كما في حديث الشفاعة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض.." الحديث أخرجه البخاري 4392-393، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . ومسلم في صحيحه 1184-185، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها. وانظر كلام شيخ الإسلام في: الرد على المنطقيين ص 370. ودقائق التفسير 1431. وقال في تفسير آيات أشكلت 1232: " إن نوحاً أول رسول بعث إلى المشركين "..
وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله: "إنّ نوحاً أول الرسل والنبيين بعد الاختلاف؛ قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء، 163] ؛ لأنّ أمته أول من اختلف، وغيّر، وبدّل، وكذّب؛ كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ} [غافر، 5] ، وإلا فآدم قبله كان نبياً رسولاً، وكان الناس أمة واحدة على دينه ودين وصيه شيث عليه السلام؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم رضي الله عنهم في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة، 213] ؛ قالوا: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيّين مبشرين ومنذرين) . معارج القبول 2678. وانظر: أضواء البيان 1286.
(2/714)

وقد كان قبله أنبياء؛ كشيث1، وإدريس2 عليهما السلام، وقبلهما آدم كان نبيّاً مكلّماً3. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح، عشرة قرون كلهم على الإسلام4.
__________
1 قال ابن كثير رحمه الله: "ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه بذلك لأنّهما رزقاه بعد أن قتل هابيل. قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف؛ على شيث خمسين صحيفة. قال محمد بن إسحاق: ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث، وعلّمه ساعات الليل والنهار، وعلّمه عبادات تلك الساعات، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك. قال: ويقال: إنّ أنساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث، وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا، والله أعلم) . البداية والنهاية 191. وانظر: أعلام النبوة للماوردي ص 81. وتاريخ الطبري 1164.
2 قال الله تعالى عنه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [سورة مريم، الآية 56-57] .
قال ابن كثير رحمه الله عن نبيّ الله إدريس: "كان أول بني آدم أُعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام". البداية والنهاية 192-93.
وقال ابن قتيبة: "وسمي إدريس؛ لكثرة ما كان يدرس من كتب الله تعالى وسنن الإسلام". أعلام النبوة للماوردي ص 81-82.
3 أخرجه الإمام أحمد في المسند 5266 من حديث أبي ذر قال: قلت: يا نبيّ الله! أو نبيّ كان آدم؟ قال: " نعم نبيّ مُكلّم". وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه 854، وقال: على شرط مسلم ولم يخرجه. وصححه الألباني. انظر مشكاة المصابيح 31599.
4 أخرجه البزار (كشف الأستار 341) ، والطبري في تفسيره 2334، والحاكم في المستدرك 2442، وقال: هذ حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرّجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (الدر المنثور 1582) . وانظر: تفسير القرطبي 1838. وفتح القدير للشوكاني 1214.
(2/715)

أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة
فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلّغه العلماء عن الرسول.
وكذلك أنبياء [بني] 1 إسرائيل2 يأمرون بشريعة التوراة، وقد يُوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصّة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالِم الذي يُفهِّمه الله في قضية معنى يطابق القرآن؛ كما فهَّم الله سليمان [حكم] 3 القضية التي حكم فيها هو وداود4.
__________
1 في ((ط)) : ببني.
2 وقد ذكر العلماء أسماء أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى عليهما السلام.
انظر: أعلام النبوة للماوردي ص 88-91. والبداية والنهاية 23-50.
3 في ((ط)) : حكيم.
4 يُشير إلى قوله تعالى حكاية عن داود وسليمان عليهما السلام: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} . [سورة الأنبياء، الآيتان 78-79] .
وروى ابن جرير الطبري رحمه الله بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال في تفسير هذه الآية: "وذلك أنّ رجلين دخلا على داود؛ أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إنّ هذا أرسل غنمه في حرثي، فلم يبق من حرثي شيئاً، فقال له داود: اذهب، فإنّ الغنم كلها لك. فقضى بذلك داود. ومرّ صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود. فدخل سليمان على داود، فقال: يا نبي الله إنّ القضاء سوى الذي قضيت. فقال: كيف؟ فقال سليمان: إنّ الحرث لا يخفى على صاحبه، ما يخرج منه في كلّ عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث؛ فإنّ الغنم لها نسل في كلّ عام. فقال داود: قد أصبت القضاء كما قضيت. ففهّمها الله سليمان". تفسير الطبري 1751-52.
(2/716)

الفرق بين الرسول والنبي
فالأنبياء ينبئهم الله؛ فيُخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره. وهم يُنبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي. فإن أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، ولا بُدّ أن يكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون} 1، وقال: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} 2؛ فإنّ الرسل تُرسَل إلى مخالفين؛ فيكذّبهم بعضهم.
وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى3 إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا [تَعْقِلُونَ] 4 حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي5 مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين} 6.
__________
1 سورة الذاريات، الآية 52.
2 سورة فصلت، الآية 43.
3 كذا في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : يُوحَى، وهي قراءة الأصل. وقرأ حفص عن عاصم: نُوحِي بالنون وكسر الحاء.
انظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري ص 181. وزاد المسير لابن الجوزي 4295. والوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع لعبد الفتاح القاضي ص 297.
4 في ((خ)) : يعقلون.
5 كذا في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : فنُنْجِي بنونين؛ الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، والياء ساكنة، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي. وقرأ حفص، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: فنُجِّيَ بنون واحدة مضمومة، وتشديد الجيم، وياء مفتوحة. انظر: الغاية في القراءات العشر للنيسابوري ص 181. وزاد المسير لابن الجوزي 4296. والوافي في شرح الشاطبية في القراءات العشر لعبد الفتاح القاضي ص 297.
6 سورة يوسف، الآيتان 109-110.
(2/717)

وقال: {إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} 1.
فقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} 2: دليلٌ على أن النبيّ مرسل، ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنّه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنّه حقّ؛ كالعالِم، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء" 3.
ليس من شروط الرسول أن يأتي بشرع جديد
وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف كان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة4؛
__________
1 سورة غافر، الآية 51.
2 سورة الحج، الآية 52.
3 أخرجه أبو داود في سننه 457، 58، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم 3641. والترمذي في جامعه 548-49، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة. وابن ماجه في سننه 181، في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم 223.
وقد صحّحه الألباني في (صحيح سنن الترمذي 2342) ، و (صحيح سنن ابن ماجه 143) ، وحسّن سنده في (صحيح الترغيب والترهيب 133، ح 68) ، وفي (مشكاة المصابيح 174، رقم 212) .
4 تعددت الأقوال في الفرق بين النبيّ والرسول، وكلّها لا تخلو من مناقشة، ولا تسلم من اعتراضات ترد عليها.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فروقاً كثيرة بين النبيّ والرسول، وهذه الفروق مبنيّة على الكتاب والسنة؛ فخرج تفريقه بين النبيّ والرسول من أرجح التفريقات، ومن أسلمها من الانتقادات.
ويمكن تلخيص هذه الفروق فيما يلي:
(1) النبيّ: هو من يُنبئ بما أنبأ الله به، ولا يُسمّى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنه لم يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حقّ؛ كالعالم. ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم عن العلماء: "العلماء ورثة الأنبياء"؛ إذ النبيّ يعمل بشريعة من قبله.
فالأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم، لكونهم مؤمنين بهم؛ كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول. وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قضية معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية ما معنى يُطابق القرآن.
فالأنبياء يُنبئهم الله؛ فيخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره، وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله من الخبر، والأمر، والنهي.
(2) الرسول: هو من أنبأه الله وأرسله إلى من خالف أمره، ليبلغه رسالة ً من الله إليه؛ فهو رسول. فالرسل: من أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. ولا بُدّ أن يُكذّب الرسلَ قومٌ؛ قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} ، وقال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} ؛ فإنّ الرسل ترسل إلى مخالفين، فيكذبهم بعضهم. والرسول يُسمّى رسولاً على الإطلاق؛ لأنّه يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه. وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنّ يوسف عليه السلام كان رسولاً، وكان على ملة إبراهيم عليه السلام، وداود وسليمان عليهما السلام كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة.
وانظر أقوال العلماء مفصّلة في هذه المسألة، في: تفسير الطبري 17189. وأعلام النبوة للماوردي ص 37-38. والفرق بين الفرق للبغدادي ص 342. والشفا للقاضي عياض 1251. وشرح المقاصد للتفتازاني 2173. وتفسير القرطبي 1254. وزاد المعاد لابن القيم 143. وطريق الهجرتين له ص 349. وشرح الطحاوية ص 167. وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 457. ولوامع الأنوار البهية 149. وأضواء البيان للشنقيطي 5735. ورحلة الحج له ص 136-137.
(2/718)

قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً} 1، وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا
__________
1 سورة غافر، الآية 34.
(2/719)

إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورَاً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً} 1.
الإرسال اسم عام
والإرسال: اسمٌ عامٌ يتناول إرسال الملائكة، وإرسال الرياح، وإرسال الشياطين، وإرسال النار؛ قال تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} 2، وقال تعالى: {جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ} 3؛ فهنا جعل الملائكة كلهم رسلاً. والملك في اللغة: هو حامل الألوكة؛ وهي الرسالة4. وقد قال في موضع آخر: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس} 5.
فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي؛ كما قال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيَاً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء} 6، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ [بُشْرَاً] 7 بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} 8، وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} 9.
__________
1 سورة النساء، الآيتان 163-164.
2 سورة الرحمن، الآية 35.
3 سورة فاطر، الآية 1.
4 انظر: لسان العرب 10496. ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص 776.
5 سورة الحج، الآية 75.
6 سورة الشورى، الآية 51.
7 في ((خ)) : نشراً.
8 سورة الأعراف، الآية 57.
9 سورة مريم، الآية 83.
(2/720)

لكن الرسول المضاف إلى الله: إذا قيل: رسول الله، فُهِم مَنْ يأتي برسالة من الله؛ من الملائكة، والبشر؛ كما قال: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس} 1، وقالت الملآئكة: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} 2.
وأما عموم الملائكة، والرياح، والجنّ: فإنّ إرسالها [لتفعل] 3 [فعلاً] 4، لا [لتبلغ] 5 رسالةً، قال تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمُ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً وَجُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرَاً} 6.
فرسل الله الذين يبلّغون عن الله أمره ونهيه: هي رسل الله عند الإطلاق. وأما من أرسله الله ليفعل فعلاً بمشيئة الله وقدرته: فهذا عامٌ يتناول كلّ الخلق؛ كما أنهم كلّهم [يفعلون] 7 بمشيئته، وإذنه المتضمّن لمشيئته، لكنّ أهل الإيمان يفعلون بأمره، ما يحبه ويرضاه، ويعبدونه وحده، ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم، وهم عاصون لأمره، متبعون لما يسخطه، وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته.
وهذا كلفظ [البعث] 8: يتناول البعث الخاص؛ البعث الشرعي؛
__________
1 سورة الحج، الآية 75.
2 سورة هود، الآية 81.
3 في ((خ)) : ليفعل. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : فلا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((خ)) : ليبلغ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 سورة الأحزاب، الآية 9.
7 في ((ط)) : يعفلون.
8 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
(2/721)

فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته
...
كما قال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} 1، ويتناول البعث العام الكوني؛ كقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوْلاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادَاً لَنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالِ الدِّيَارِ} 2، وقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ} 3.
فالعامّ بحكم مشيئته وقدرته، والخاصّ هو أيضاً [بحكم مشيئته وقدرته] 4، وهو مع ذلك بحكم أمره، ورضاه، ومحبته.
وصاحب الخاصّ من أولياء الله يكرمه ويثبّته، وأمّا من خالف أمره، فإنّه يستحقّ العقوبة، ولو كان فاعلاً بحكم المشيئة؛ فإنّ ذلك لا يُغني عنه من الله شيئاً.
ولا يَحتَجّ بالمشيئة على المعاصي، إلاَّ من تكون حجته داحضة، ويكون متناقضاً، متّبعاً لهواه، ليس عنده علمٌ بما هو عليه؛ كالمشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} 5؛ كما قد بُسِط [هذا] 6 في غير هذا الموضع7. والله أعلم.
__________
1 سورة الجمعة، الآية 2.
2 سورة الإسراء، الآية 5.
3 سورة الأعراف، الآية 167.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
5 سورة الأنعام، الآية 148.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((م)) ، و ((ط)) .
7 انظر: منهاج السنة النبوية 314-18، 78-85. ومجموع الفتاوى 8181-197، 262-272. والمجلد الثاني عشر من مجموع الفتاوى كلّه في بيان مسائل القدر.
(2/622)

فصل الدليل هو الآية والبرهان
الدليل الذي هو الآية والبرهان يجب طرده كما تقدم1؛ فإنه لو كان تارةً يتحقق مع وجود المدلول عليه، وتارةً يتحقق مع عدمه. فإذا تحقّق لم يعلم: هل وجد المدلول، أم لا؟ فإنّه كما يوجد مع وجوده، [يوجد مع عدمه] 2.
ولهذا كان الدليل3 إمّا مساوياً للمدلول عليه، وإمّا أخصّ منه، لا يكون أعمّ من المدلول.
ولهذا لم يكن للأمور المعتادة دلالة على ما هو أخصّ؛ كطلوع الشمس، والقمر، والكواكب، لا [تدلّ] 4 على صدق أحد، ولا كذبه؛ لا مدّعي النبوة، ولا غيره؛ فإنّها توجد مع كذب الكاذب، كما توجد مع صدق الصادق.
المخلوقات آيات للرب
لكن [تدلّ] 5 على ما هو أعم منها؛ وهو وجود الرب، وقدرته، ومشيئته، وحكمته؛ فإن وجود ذاته وصفاته ثابت؛ سواءٌ كانت هذه المخلوقات موجودة، أو لم تكن؛ فيلزم من وجود المخلوق وجود خالقه، ولا يلزم من
__________
1 انظر ص 301 من هذا الكتاب.
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 الدليل في اللغة: هو المرشد، وما به الإرشاد. وفي الاصطلاح: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
انظر: التعريفات ص 140.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : يدلّ.
5 في ((م)) ، و ((ط)) : يدلّ.
(2/723)

عدمه عدم خالقه؛ فلهذا كانت المخلوقات كلّها آيات للربّ؛ فما من مخلوق إلا وهو آية له1؛ هو دليل، وبرهان، وعلامة على ذاته وصفاته ووحدانيته. وإذا عُدم كان غيره من المخلوقات [تدلّ] 2 على ما دل عليه، ويجتمع على المعلوم الواحد من الأدلّة ما لا يحصيه إلا الله.
كل مخلوق هو علامة على ذاته سبحانه وصفاته ووحدانيته
وقد يكون الشيء مستلزماً لدليلٍ معيّن. فإذا عُدم عرف انتفاؤه. وهذا مِمّا يكون لازماً ملزوماً؛ فتكون [الملازمة] 3 من الطرفين؛ فيكون كلّ منهما دليلاً.
__________
1 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 148، 29-12، 17-24، 74-78، 9142.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : يدلّ.
3 في ((ط)) : الزلامة.
والملازمة لغة: امتناع انفكاك الشيء عن الشيء. واللزوم، والتلازم بمعناه.
والملازمة اصطلاحاً: كون الحكم مقتضياً للآخر، على معنى أنّ الحكم بحيث لو وقع يقتضي وقوع حكم آخر اقتضاءً ضرورياً؛ كالدخان للنار في النهار، والنار للدخان في الليل.
انظر: التعريفات للجرجاني ص 294.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: " ... معلومٌ أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين، لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم. فكيف إذا كان التلازم من الجانبين؟ فإنّ هذا التلازم يستلزم أربع نتائج؛ فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا، ومن نفيه نفيه، ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك، ومن نفيه نفيه. وهذا هو الذي يُسمّيه المنطقيون: الشرطي المتصل، ويقولون: استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدّم. فإذا كان التلازم من الجانبين، كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر، واستثناء نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر ... ".
درء تعارض العقل والنقل 5268-269.
(2/724)

وإذا قُدّر [انتفاؤه كان دليلاً على] 1 انتفاء الآخر؛ كالأدلّة على الأحكام الشرعيّة؛ فما من حكمٍ إلاَّ جعل الله عليه دليلاً.
وإذا قُدِّر انتفاء جميع الأدلة الشرعيّة على حكمٍ، عُلِم أنّه ليس حكماً شرعيّاً2، وكذلك ما تتوفّر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنّه إذا نُقل دلّ التواتر على وجوده، وإذا لم يُنقل مع توفّر الهمم والدواعي على نقله لو كان موجوداً، عُلِم أنّه لم يوجد؛ كالأمور الظاهرة التي يشترك فيها الناس؛ مثل موت ملك، وتبدّل ملك، وتبدّل ملك بملك، وبناء مدينة ظاهرة، وحدوث حادث عظيم في المسجد أو البلد؛ فمثل هذه الأمور لا بدّ أن ينقلها الناس إذا وقعت. فإذا لم تنقل نقلاً عامّاً، بل نقلها واحد، عُلِمَ أنّه قد كذب. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع3.
وقد بسط في غير هذا الموضع: الفرق بين الآية التي هي علامة تدل على نفس المعلوم، وبين القياس الشمولي الذي لا يدلّ [إلاَّ] 4 على قدرٍ كليّ مشترك، لا يدلّ على شيء معين؛ إذ كان لا بدّ فيه من قضية كليّة، وأنّ ذلك القياس لا يفيد العلم بأعيان الأمور الموجودة، ولا يفيد معرفة شيء؛ لا الخالق، ولا نبي من أنبيائه، ولا نحو ذلك. بل إذا قيل: كلّ محدَث فلا بدّ له من [محدِث] 5، دلّ على محدِثٍ مطلق، لا يدلّ على عينه، بخلاف آيات الله؛ فإنّها تدل على عينه.
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 انظر: درء تعارض العقل والنقل 5268-271.
3 انظر: درء تعارض العقل والنقل 612-13، 271.
4 في ((ط)) : إلى.
5 رسمت في ((خ)) : محدل. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/725)

وبيَّنَّا أنّ القرآن ذكر الاستدلال بآيات الله. وقد يستدل بالقياس الشمولي، والتمثيلي، لكن دلالة الآيات أكمل وأتمّ1.
وتبيَّن غلط من عظَّم دلالة القياس الشمولي المنطقي، وأنّهم من أبعد الناس عن العلم والبيان.
وذكرنا أيضاً2 غلط من فضَّل الشمولي [على] 3 التمثيلي، وأنّها من جنس واحد، والتمثيليّ أنفع، وإنَّما الآيات تكون أحسن.
ثلاثة أقوال في معنى الآية
وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي ما ذكره [أبو بكر] 4 ابن الأنباري5، وغيره في الآيات آيات القرآن؛ مثل قوله: {قَدْ [كَانَتْ] 6 آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكُصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ} 7: ثلاثة أقوال؛ قال: "في معنى الآية ثلاثة [أقوال] 8:
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موضع آخر: "والفرق بين الآية وبين القياس: أنّ الآية تدلّ على عين المطلوب الذي هي آية وعلامة عليه؛ فكلّ مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه". مجموع الفتاوى 148. وانظر المصدر نفسه 147-50، 9142-159. ودرء تعارض العقل والنقل 5268-286. وشرح الأصفهانية 1261.
2 انظر: مجموع الفتاوى 9196-206.
3 في ((ط)) : عن.
4 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
5 سبقت ترجمته.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
7 سورة المؤمنون، الآيتان 66-67.
8 في ((خ)) : أقول.
(2/726)

القول الأول
أحدها: أنّها العلامة؛ فمعنى آية: علامة؛ لانقطاع الكلام الذي قبلها وبعدها1.
قال الشاعر2:
ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يُحبّون الطعاما3
__________
1 في زاد المسير لابن الجوزي: والذي بعدها.
2 وهو يزيد بن عمرو بن الصعق، أحد بني عمرو بن كلاب.
لاحظ مصادر الحاشية التالية.
3 وله بقيّة، هي:
أجارتها أُسَيِّدُ ثم غارت ... بذات الضَّرع منه والسَّنَامِ
انظر: خزانة الأدب 6520، 523. وانظر أيضاً: الكتاب لسيبويه 1460. والكامل للمبرد ص 98) .
وفي خزانة الأدب 6518:
ألا من مبلغ عني تميماً ... بآية ما يحبون الطعاما
"على أن آية تُضاف في الأغلب إلى الفعلية، مصدّرة بحرف المصدر، كما في البيت؛ فإن (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر مجرور بإضافة آية إليه.
وهذا خلاف مذهب سيبويه، فإنّ (ما) زائدة، وآية مضافة إلى الفعل، ولا تؤول بمصدر.. وقال النحاس: ما عند سيبويه لغو، وقال المبرد: (ما) والفعل مصدر. وأنكر ما قال سيبويه".
وقال أيضاً في خزانة الأدب 6519-520: "قال ابن السيد فيما كتبه على الكامل: هذا من الغلط، إنما الرواية: بآية ما بهم حُبُّ الطعامِ. وبعده:
أجارَتْها أُسَيِّدُ ثم أودت ... بذات الضرع منها والسنامِ
وليس أبو العباس المبرد بأول من غلط فيه من النحويين. انتهى.
وعليه: لا شاهد فيه، وهذا يُؤيّد قول سيبويه؛ فإنّ (ما) موصولة، وحب الطعام: مبتدأ، والظرف قبله خبر، والجملة صلة الموصول".
(2/727)

وقال النابغة1:
توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع2
قال: وهذا اختيار أبي عبيد3"4.
قلت5: أما أن الآية هي العلامة في اللغة. فهذا صحيح، وما استشهد به من الشعر يشهد لذلك.
وأما تسمية الآية من القرآن آية؛ لأنّها علامة: صحيح، لكن قول القائل: إنها علامة؛ لانقطاع الكلام الذي قبلها وبعدها: ليس بطائل؛ فإنّ هذا المعنى الحدّ والفصل؛ فالآية مفصولة عمّا قبلها، وعمّا بعدها.
__________
1 هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو أمامة. شاعر جاهليّ من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز. كانت تُضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فتقصده الشعراء، فتعرض عليه أشعارها. وكان الأعشى وحسّان بن ثابت، والخنساء ممّن يعرض شعره على النابغة. وهو أحد الأشراف في الجاهلية.
انظر: الأعلام للزركلي 354-55.
2 انظر: ديوان النابغة الذبياني ص 82.
3 لعلّه: القاسم بن سلام الهروي الخراساني، أبو عبيد. من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه، من أهل هراة. ولد وتعلّم بها، وكان مؤدباً، ورحل إلى بغداد، فولي القضاء بطرسوس، ورحل إلى مصر، وكان منقطعاً للأمير عبد الله بن طاهر، كلّما ألّف كتاباً أهداه إليه، وأجرى له عشرة آلاف درهم كلّ شهر. من كتبه: الغريب، المصنّف، وفي غريب الحديث ألّفه في نحو أربعين سنة، وهو أول من صنّف في هذا الفنّ، والإيمان ومعالمه، وغيرها من المؤلفات. ولد في سنة 157 ?، وتوفي سنة 224 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 10490. وطبقات الحنابلة 1259. والأعلام 5176.
4 زاد المسير 171.
5 القائل هو شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
(2/728)

وليس معنى كونها آية هو هذا، وكيف؟ وآخر الآيات آية؛ مثل آخر سورة الناس، وكذلك آخر آية من السورة، وليس بعدها شيء، وأول الآيات آية، وليس قبلها شيء؛ مثل أول آية من القرآن، ومن السورة، وإذا قُرئت الآية وحدها، كانت [آية] 1، وليس معها غيرها.
وقد قام النبيّ صلى الله عليه وسلم بآية يُردّدها حتى أصبح2: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرَ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} 3؛ فهي آية في نفسها، لا لكونها منقطعة مما قبلها وما بعدها.
وأيضاً: فكونه علامة على هذا الانقطاع: قدر مشترك بين جميع الأشياء التي يتميّز بعضها عن بعض، ولا تسمى آيات. والسورة متميزة عمّا قبلها وما بعدها، وهي آيات كثيرة. وأيضاً فالكلام الذي قبلها منقطع، وما قبلها آية. فليست دلالة الثانية على الانقطاع بأولى من دلالة الأولى عليه.
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 روى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ بآية، حتى أصبح، يركع بها، ويسجد بها: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، فلما أصبح، قلت: يا رسول الله! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحتَ، تركع بها؟ قال: "إني سألت ربي عز وجلّ الشفاعة، فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئاً".
(مسند الإمام أحمد بن حنبل - ط الحلبي - 5149. وانظر المصدر نفسه 5170. والحديث أخرجه النسائيّ في سننه 21440، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه، بلفظ: "لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، فتعجَّل كلّ نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة من مات لا يُشرك بالله شيئاً".
قد صحّحه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2430.
3 سورة المائدة، الآية 118.
(2/729)

وأيضاً: فكيف يكون كونها آية علامةً للتمييز بينها وبين غيرها، والله سمَّاها آياته؛ فقال: {تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ} 1.
والصواب: أنَّها آية من آيات الله؛ أي علامة من علاماته، ودلالة من أدلة الله، وبيان من بيانه؛ فإنّ كلّ آية قد بيَّن فيها من أمره وخبره، ما هي دليل عليه، وعلامة عليه؛ فهي آية من آياته؛ وهي أيضاً دالّة على كلام الله المباين لكلام المخلوقين؛ فهي دلالة على الله سبحانه، وعلى ما أرسل بها رسوله.
ولمَّا كانت كل آية مفصولة بمقاطع الآي التي يختم بها كلّ آية، صارت كلّ جملة مفصولة بمقاطع الآي: آيةً.
صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم..
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على رؤوس الآي؛ كما نعتت قراءته: الحمد لله رب العالمين، وتقف. الرحمن الرحيم، وتقف. مالك يوم الدين، وتقف2. ويسمّي أصحاب الوقف: وقف السنة؛ لأنّ كل آية لها فصل ومقطع تتميز عن الأخرى3.
القول الثاني
قال4: "والوجه الثاني5: أنّها سمّيت آية؛ لأنها جماعة حروف من
__________
1 سورة البقرة، الآية 252.
2 رواه الترمذي في جامعه الصحيح 5185، كتاب القراءات، باب فاتحة الكتاب، وقال: هذا حديث غريب.
والحديث صححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي 313) ، وفي (إرواء الغليل، رقم 343) ، وفي (مشكاة المصابيح، رقم 2205) ، وفي بعض كتبه الأخرى.
3 انظر المكتفى في الوقف والابتداء لأبي عمرو الداني ص 146-147، 157؛ فقد ذكر أنّ هذا الوقف هو وقف السنة.
4 القائل هو أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله.
5 في زاد المسير لابن الجوزي بدون كلمة: (الوجه) ، وإنّما الموجود: والثاني.
(2/730)

القرآن، وطائفة منه. قال [أبو عمرو] 1 الشيباني2: يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي بجماعتهم، وأنشدوا3:
خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآياتنا ترجى اللقاح المطافلا) 4.
قلت5: هذا فيه نظرٌ؛ فإن قولهم: خرج القوم بآيتهم: قد يراد به بالعلامة التي تجمعهم؛ مثل الراية، واللواء؛ فإنّ العادة أنّ كل قوم لهم أمير، [يكون] 6 له آية يُعرفون [بها] 7، فإذا [أخرج] 8 الأمير آيتهم،
__________
1 في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : أبو عمر. والتصويب من زاد المسير، ومن مصادر ترجمة أبي عمرو.
2 هو إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء، أبو عمرو. لغوي أديب من رمادة الكوفة. سكن بغداد، ومات بها. أخذ عنه جماعة كبار، منهم أحمد بن حنبل رحمه الله الذي كان يلزم مجالسه ويكتب أماليه. من تصانيفه: كتاب اللغات، وكتاب الخيل، والنوادر، وغريب الحديث. ولد سنة 94 ?، وتوفي سنة 206 ?.
انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان 165. والأعلام للزركلي 1296.
3 القائل هو: بُرج بن مُسهِر بن الجلاس. أحد بني جذيلة من طي.
انظر: لسان العرب 1462. ومعجم الشعراء 61. وخزانة الأدب 6515.
وفي خزانة الأدب:
خرجنا من النعتين لا حي مثلنا ... بآياتنا نزجى اللقاح المطافلا
وذكر محقق خزانة الأدب أنّ الشعر في كتاب التنبيهات ص 308، وأنّ الأشبه من النقبين، وليس من النعتين.
4 زاد المسير لابن الجوزي 171.
5 القائل هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : تكون.
7 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
8 في ((خ)) : خرج. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/731)

اجتمعوا إليه. ولهذا سمي ذلك عَلَمَاً. والعلم هي العلامة والآية، ويسمّى راية؛ لأنّه يُرى. فخروجهم بآيتهم: أي بالعلم والآية التي تجمعهم؛ فيستدل [بها] 1 على خروجهم جميعهم؛ فإنّ الأمير المطاع إذا خرج، لم يتخلّف أحدٌ، بخلاف ما إذا خرج بعض امرائه. وإلاَّ، فلفظ الآية: هي العلامة. وهذا معلومٌ بالإضطرار، والإشتراك في اللفظ، لا يَثْبُتُ بأمرٍ محتمل.
القول الثالث
قال2: "والثالث: أنّها سُمِّيت آية؛ لأنها عَجَبٌ؛ وذلك: أنّ قارئها يستدلّ إذا قرأها على مباينتها لكلام المخلوقين. وهذا كما [تقول] 3: فلانٌ آية من الآيات: أي عجبٌ من العجائب. ذكره ابن الأنباري"4.
قلت5: هذا القول هو داخل في معنى كونها آية من آيات الله؛ فإنّ آيات الله كلّها عجيبة؛ فإنها خارجة عن قدرة البشر، و [عمّا] 6 قد يُشَبَّه بها من مقدور البشر.
والقرآن كلّه عَجَبٌ؛ تعجّبت به الجنّ؛ كما حكى عنهم تعالى أنّهم
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : به.
2 أي ابن الجوزي رحمه الله.
3 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين. وهي في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : يقول. وما أُثبت من زاد المسير لابن الجوزي، وهو الأشبه.
4 زاد المسير 172.
وبعد ذلك قال ابن الجوزي رحمه الله: "وفي المراد بهذه الآيات أربعة أقوال: إحداها: آيات الكتب التي تتلى. والثاني: معجزات الأنبياء. والثالث: القرآن. والرابع: دلائل الله في مصنوعاته". زاد المسير 172.
5 القائل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
6 في ((خ)) : عن ما.
(2/732)

قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدَاً} 1؛ فإنَّه كلام خارج عن المعهود من الكلام، وهو كما في الحديث: لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلق عن [كثرة] 2 الردّ3.
__________
1 سورة الجنّ، الآيتان 1-2.
2 في ((خ)) : كثيرة. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 الحديث مرويّ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد قال فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتن". قلت: وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه مِنْ جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: {إنّا سمعنا قرآناً عجباً} . هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُديَ إلى صراط مستقيم. خذها إليك يا أعور".
خرجه الدارمي في سننه 2526-527، من كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن. وانظر المسند 191.
وأخرجه الترمذي في سننه 5172-173، في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن. وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.
وقال ابن كثير رحمه الله في فضائل القرآن ص 11-12: "الحديث مشهور من رواية الحارث الأعور. وقد تكلموا فيه، بل قد كذّبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث، فلا" والله أعلم.
وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه. وهو كلام حسن صحيح، على أنّه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(2/733)

وكلّ آية لله خرجت عن المعتاد، فهي عجب؛ كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَاً} 1.
فالآيات: العلامات والدلالة. ومنها: مألوف معتاد، ومنها: خارج عن المألوف المعتاد.
آيات القرآن..
وآيات القرآن من هذا الباب؛ فالقرآن عجب، لا لأنّ مسمّى الآية هو مسمّى العجب، بل مسمّى الآية أعمّ، [ولهذا] 2 قال: {كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَاً} .
معنى الآية في العرف
ولكنّ لفظ الآية قد يُخصّ في العرف بما يحدثه الله، و [أنّها] 3 غير المعتاد دائماً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، و [إنهما] 4 لا تُخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته، ولكنّهما آيتان من آيات الله يُخوِّف بهما عباده"5.
وقد قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفَاً} 6.
وفي الحديث الصحيح: لمّا دخلت أسماء على عائشة وهي في
__________
1 سورة الكهف، الآية 9.
2 في ((خ)) رسمت: والهذا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : أنهما. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : إنها. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 رواه البخاري في صحيحه 1353، كتاب صلاة الكسوف، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، و 1356، كتاب صلاة الكسوف، باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: يُخوّف الله عباده بالكسوف. ومسلم في صحيحه 2618، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف؛ أخرجاه مع اختلاف في الألفاظ يسير.
6 سورة الإسراء، الآية 59.
(2/734)

الصلاة، فسألتها فقالت: سبحان الله، فقالت آية؟ فأشارت أي نعم1.
صلاة الكسوف
وتُسمّى صلاة الكسوف صلاة الآيات2، وهي مشروعة في أحد القولين في مذهب أحمد، في جميع الآيات3 التي يحصل بها
__________
1 رواه البخاري في صحيحه 1358، كتاب صلاة الكسوف، باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف. ومسلم في صحيحه 2624، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.
2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "هذه الآيات التي يُرسل الله لا تكون لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن يُخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره". أخرجه البخاري في صحيحه 1360، كتاب الكسوف، باب الذكر في الكسوف.
3 قال ابن قدامة رحمه الله: "قال أصحابنا: يُصلّى للزلزلة كصلاة الكسوف، نصّ عليه، وهو مذهب إسحاق، وأبي ثور. قال القاضي: ولا يصلى للرجفة، والريح الشديدة، والظلمة، ونحوها. وقال الآمدي: يصلّى لذلك، ولرمي الكواكب والصواعق، وكثرة المطر، وحكاه عن ابن أبي موسى. وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حسنة؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم علّل الكسوف بأنّه آية من آيات الله تعالى يُخوّف بها عباده. وصلّى ابن عباس للزلزلة بالبصرة؛ رواه سعيد. وقال مالك والشافعي: لا يُصلّى لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ لغيره. وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه. ووجه الصلاة للزلزلة: فعل ابن عباس. وغيرها لا يصلّى له؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُصلّ لها، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم". المغني 3332-333. وانظر فتح الباري 1606.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في موضع آخر - فيما نقله عنه ابن قاسم: "يُصلّى لكلّ آية؛ كما دلّ على ذلك السنن والآثار، وقاله المحققون من أصحاب أحمد وغيرهم. ولولا أنّ ذلك يكون لشرّ وعذاب لم يصحّ التخويف بذلك. وهذه صلاة رهبة وخوف؛ كما أنّ صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء. وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفاً وطمعاً، وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئاً فافزعوا إلى الصلاة". حاشية على الروض المربع لابن قاسم 2533-534. وانظر مجموع الفتاوى 24264.
(2/735)

التخويف1؛ كانتثار الكواكب، والظلمة الشديدة، وتُصلّى للزلزلة، نصّ عليه2، كما جاء الأثر بذلك3.
فهذه الآيات أخصّ من مطلق الآيات، وقد قال تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمِ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} 4، وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث آيات يتعلمهنّ [من القرآن] 5 خيرٌ له من ثلاث خلفات سِمانٍ"6.
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الشمس والقمر: وقوله: "يُخوّف الله بهما عباده" كقوله: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً} [سورة الإسراء، الآية 59] . ولهذا كانت الصلوات مشروعة عند الآيات عموماً، مثل تناثر الكواكب، والزلزلة، وغير ذلك. والتخويف إنما يكون بما هو سبب للشر المخوف؛ كالزلزلة والريح العاصف، وإلا فما وجوده كعدمه لا يحصل به تخويف. فعلم أن الكسوف سبب للشر، ثم قد يكون عنه شر. ثم القول فيه كالقول في سائر الأسباب: هل هو سبب؟ كما عليه جمهور الأمة، أو هو مجرد اقتران عادة كما يقوله الجهمية. وهو صلى الله عليه وسلم أخبر عند أسباب الشر بما يدفعها من العبادات التي تقوي ما انعقد سببه من الخير، وتدفع أو تضعف ما انعقد سببه من الشر كما قال: "إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض". والفلاسفة تعترف بهذا، لكن هل ذلك بناء على أن الله يدفع ذلك بقدرته وحكمته، أو بناء على أن القوى النفسانية تؤثر؟ هذا مبني على أصولهم في هذا الباب". منهاج السنة النبوية 5445- 446.
2 نقل عبد الله بن أحمد بن حنبل أنّ أباه إذا كانت ريح، أو ظلمة، أو أمر يفزع الناس منه، فزع إلى الصلاة.
انظر مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله 2447، تحقيق د علي بن سليمان المهنا، ط الأولى، مكتبة الدار. وانظر فتح الباري لابن حجر 1606.
3 لعله يُشير إلى الحديث الذي تقدّم ذكره قريباً في ح (5) من الصفحة السابقة.
4 سورة الأنعام، الآية 4.
5 ما بين المعقوفتين ساقط من ((م)) ، و ((ط)) .
6 الحديث مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُحبّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟ " قلنا: نعم. قال: "فثلاث آيات يقرأ بهنّ أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان".
الحديث رواه مسلم في صحيحه 1552، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه. والدارمي في سننه 2523، كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن. وابن ماجه في سننه 21243، كتاب الأدب، باب ثواب القرآن. وأحمد في مسنده 2397، 466، 497.
(2/736)

فصل الدليل ينقسم إلى قسمين:
1- ما يدل بنفسه
2- ما يدل بدلالة الدال به
والدليل الذي هو الآية والعلامة ينقسم إلى ما يدلّ بنفسه، وإلى ما يدلّ بدلالة الدالّ به؛ فيكون الدليل في الحقيقة هو الدالّ به الذي قصد أن يدلّ به. وقد جعل ذلك علامةً وآيةً ودليلاً.
والذي يدلّ بنفسه1 يُعلَم أنّه يدلّ بنفسه، وإن لم يُعلم أنّ أحداً جعله دليلاً، وإن كان في نفس الأمر كلّ مخلوقٍ قد جعله الله آية ودلالة.
وهو سبحانه عليمٌ مريدٌ، فلا يمكن أن يُقال: لم يرد بالمخلوقات أن تكون أدلة له، ولا أنّها ليست دليلاً يجعلها أدلة، كما قد يطلقه طائفة من النّظّار. ولكن يستدلّ بها مع عدم النظر في كونها جعلت أدلة؛ كما قد يطلقه؛ إذ كان فيها مقاصد كثيرة غير الدلالة.
الأدلة العقلية والأدلة الوضعية
والذي جعلها دليلاً؛ وهو الله، جعل ذاتها يستدلّ بها، مع قطع النظر عن [كونها] 2 هي دليلاً؛ فما من مخلوقٍ، إلا ويمكن الاستدلال به على
__________
1 هذا القسم الأول، ويذكره هنا بالتفصيل. وسيأتي ذكره للقسم الثاني لاحقاً في بداية الفصل، ص 916.
2 في ((خ)) : كونه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/737)

الخالق، والمحدَث نفسه يُعلم بصريح العقل أنّ له محدِثاً.
وهذه الأدلة التي [تدلّ] 1 بنفسها قد تُسمّى الأدلة العقلية، ويسمّى النوع الآخر2 الأدلة الوضعية؛ لكونها إنّما دلّت بوضع واضع.
والتحقيق: أنّ كلاهما عقلي، إذا نظر فيه العقل علم مدلوله3.
لكنّ هذه تدلّ بنفسها، وتلك تدلّ بقصد الدالّ بها؛ فيعلم بها قصده. وقصده هو الدالّ بها؛ كالكلام؛ فإنّه يدلّ بقصد المتكلم به، وإرادته، وهو يدلّ على مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدلّ بإرادته على لوازمها؛ فإن اللازم أبداً مدلولٌ عليه بملزومه.
والآيات التي [تدلّ] 4 بنفسها مجرّدة نوعان؛
منها: ما هو ملزومٌ مدلولٌ عليه بذاته، لا يمكن وجود ذاته دون وجود لازمه المدلول عليه؛ مثل دلالة المخلوقات على الخالق.
__________
1 في ((خ)) : يدلّ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 الذي يدلّ بدلالة الدالّ به. وقد سبق تقسيم شيخ الإسلام رحمه الله هذا للأدلة إلى عقلية، ووضعية.
راجع ص 267، 393-397 من هذا الكتاب.
3 وقد شرح شيخ الإسلام رحمه الله هذه العبارة في موضع آخر، فقال: "تدبّرت عامّة ما يذكره المتفلسفة والمتكلمة، والدلائل العقلية، فوجدت دلائل الكتاب والسنة تأتي بخلاصته الصافية عن الكدر، وتأتي بأشياء لم يهتدوا لها، وتحذف ما وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع كثرتها واضطرابها.... - إلى أن قال رحمه الله -: كلّ علم عقليّ أمر الشرع به، أو دلّ عليه، فهو شرعيّ أيضاً؛ إمّا باعتبار الأمر، أو الدلالة، أو باعتبارهما جميعاً".
مجموع الفتاوى 19232-233. وانظر: المصدر نفسه 246، 61،، 16251-253، 260-264،، 19228-234. ودرء تعارض العقل والنقل 5270-271.
4 في ((خ)) : يدلّ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/738)

ومنها: ما هو مستلزم له مدّة طويلة، أو قصيرة؛ [فتدلّ] 1 عليه تلك المدة؛ مثل نجوم [السموات] 2؛ فإنّه يستدلّ بها على الجهات، والأمكنة، وعلى غيرها من النجوم، وعلى الزمان ماضيه وغابره، ما دام العالم على هذه الصورة؛ قال تعالى: {وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} 3، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} 4.
ثم قال: {وَهُوَ الَّذِي [أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] 5 فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} 6، ثم قال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرَاً} ، إلى قوله: {إِنَّ في ذَلِكُمْ [لآيَاتٍ] 7 لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 8، وقوله: {وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ} 9؛ هي علامات ألقاها في الأرض، وهذا قول الأكثرين10؛ قالت طائفة: هي معالم الطرق يُستدلّ بها بالنهار،
__________
1 في ((خ)) : فيدلّ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : السّمات. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 سورة النحل، الآيتان 15 16.
4 سورة الأنعام، الآية 97.
5 في ((خ)) : أنزل من السماء ماءً. وهو خطأ، والصواب ما أُثبت في ((م)) ، و ((ط)) .
6 سورة الأنعام، الآية 98.
7 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
8 سورة الأنعام، الآية 99.
9 سورة النحل، الآيتان 15 16.
10 انظر: تفسير الطبري 891.
(2/739)

ويستدلّ بالنجم بالليل؛ وقالت طائفة: هي الجبال، وهي أيضاً مما يُستدلّ به1، ولهذا سمّاها الله أعلاماً في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ في البَحْرِ كَالأَعْلام} 2، {فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} 3؛ أي كالجبال. والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يعلم به كالعلامة. [ومنه] 4: أعلام الطرق المنصوبة5، ومنه: يُقال لدلائل النبوة: أعلام النبوة، ويقال للراية المرفوعة: إنّها علم6، وأنّها
__________
1 قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله عند تفسيره لهذه الآيات:
قوله تعالى: {وَعَلامَاتٍ} : فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها معالم الطريق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل؛ رواه العوفي عن ابن عباس.
والثاني: أنها النجوم أيضاً؛ منها ما يكون علامة لا يُهتدى به، ومنها ما يُهتدى به؛ قاله مجاهد، وقتادة، والنخعي.
والثالث: الجبال؛ قاله ابن السائب، ومقاتل.
زاد المسير لابن الجوزي 4436. وانظر: تفسير الطبري 891-92. وتفسير القرطبي 1061.
2 سورة الشورى، الآية 32.
3 لعلّ الشيخ رحمه الله أراد ذكر الآية التي في سورة الرحمن؛ وهي قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [سورة الرحمن، الآيتان 24-25] .
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
5 قال الأزهري رحمه الله: "ويقال لما يُبنى في جواد الطريق؛ من المنار التي يستدل بها على الطريق أعلام، واحدها علمٌ. والعَلَم: الراية التي إليها يجتمع الجند. والعلم: علم الثوب ورقمه في أطرافه. والمعلم: ما جعل علامة وعلماً للطرق والحدود؛ مثل أعلام الحرم، ومعالمه المضروبة عليه". تهذيب اللغة للأزهري 2418-419.
وانظر: لسان العرب لابن منظور 12419.
6 الراية: العلم، لا تهمزه العرب، والجمع رايات. ويقال رييت الراية: أي ركزتها. لسان العرب 14351-352.
وقال أيضاً: والعلم: الراية التي تجتمع إليها الجند. وقيل: هو الذي يقعد على الرمح. لسان العرب 12420.
(2/740)

جُعلت علامة لصاحبها وأتباعه. والعالَم [بالفتح] 1 مثل الخاتَم2: ما يعلم به؛ كما أن الخاتم ما يختم به، وهو بمعنى العالَم3. ويسمّى كل صنفٍ من المخلوقات عالَمَاً4؛ لأنّه عَلَمٌ وبرهان على الخالق تعالى، بخلاف العالِم بالكسر؛ فإنه الذي يَعْلَم5؛ كالخاتِم بالكسر فإنّه الذي يختم6؛ قال تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتِمَ7 النَّبِيِّين} 8؛ لأنّه ختمهم؛ كما يُسمّى الماحي، والحاشر، والعاقب9. وقد قُرِىء: {وَخَاتمَ} 10؛ أي خُتِمُوا به.
__________
1 في ((ط)) : بالفت.
2 أي على وزنه.
3 انظر: تهذيب اللغة 7313. ولسان العرب 12163. والمفردات للراغب ص 581.
4 انظر: تهذيب اللغة 2416. ولسان العرب 12420-421. والمفردات للراغب ص 582. والقاموس المحيط ص 1472.
5 العالِم: هو الذي يعمل بما يعلم. انظر: تهذيب اللغة 7416.
6 انظر: تهذيب اللغة 7315-316. ولسان العرب 12163.
7 وهي قراءة الجميع ما عدا عاصم. انظر: الغاية في القراءات العشر للحافظ النيسابوري ص 239. وزاد المسير 6393) . ومعنى (خاتِم) بالكسر: أنّه ختم النّبيِّين.
8 سورة الأحزاب، الآية 40.
9 عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قَدَمَيَّ، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً.
رواه الإمام مسلم في صحيحه واللفظ له 41828، كتاب الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم. وهو عند الإمام البخاري في صحيحه 6404.
10 وهي قراءة عاصم وحده. انظر: الغاية في القراءات العشر للحافظ النيسابوري ص 239. وزاد المسير لابن الجوزي 6393. ومعنى (خاتَم) بالفتح: آخر النبيِّين.
(2/741)

فالجبال: أعلامٌ1، وهي علاماتٌ لمن في البّر والبحر، يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجوداً، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان؛ فيكون علماً عليهم، ثم قد [تخرب] 2 القرية، ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم.
وهذا كلّه ممَّا يُبيِّن أنّ الدليل قد يكون معيناً، بل الآيات كلّها معيّنة، و [أنّه] 3 يكون مطابقاً ملازماً لمدلوله، ليس أحدهما أعمّ من الآخر؛ كالثريا4 مع الدبران، وكالجدي مع بنات نعش5، ونحو ذلك.
__________
1 انظر: تهذيب اللغة للأزهري 2418.
2 في ((خ)) : يخرب. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((م)) ، و ((ط)) : أن.
4 الثريا: هي المنزلة الأولى من منازل القمر الثماني والعشرين التي يتخذها القمر محطات له أثناء دورانه حول الأرض. وتتألف مجموعة الثريا من مئات النجوم، غير أن العدد الذي من الممكن مشاهدته بالعين المجردة قد لا يتعدى تسع نجوم، منها ست واضحات، وثلاث لا تُرى إلا بصعوبة. وإذا شوهدت الثريا من خلال المرقب ظهرت نجومها متفرقة غير متراصة". جريدة الجزيرة، العدد 8395، شهر يونيو عام 1996 م.
5 وتسمّى هذه بكواكب البابانيت، وهي التي لا ينزل بها شمس ولا قمر، إنّما يُهتدى بها في البرّ والبحر، وهي شامية، ومهبّ الشمال منها، أوّلها القطب، وهو كوكب لا يزول، والجدي والفرقدان، وهو بين القطب، وفيه بنات نعش الصغرى". لسان العرب 1346.
وقد ذكر الشيخ رحمه الله الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة، وغيرها. انظر: الرد على المنطقيين ص 163.
والجدي: كوكب إلى جنب القطب، تعرف به القبلة، ويقال له جدي الفرقد.
وبنات نعش الكبرى: هي مجموع سبعة كواكب شديدة اللمعان، على صورة علامة ضخمة للاستفهام؟ نُشاهدها جهة القطب الشمالي، ويقربها سبعة أخرى، تُسمّى بنات نعش الصغرى التي منها النجمة القطبية.
والثريا: هي أول نجوم شدة الصيف، وبعدها بثلاثة عشر يوماً يظهر الدبران، وهو نجم أحمر مضيء.
(2/742)

فتبيَّن غلط من ذكر أنّه يحصر الأدلّة1.
فيقال: إما أن يُستدلّ بالعام على الخاص، أو بالخاصّ على العام، أو
__________
1 وقد ردّ شيخ الإسلام رحمه الله على المنطقيين، وبيَّن أن حصرهم العلم على القياس قولٌ بغير علم؛ فقال رحمه الله: "قولهم: إنّه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس الذي ذكروا صورته ومادّته: قضية سلبية نافية، ليست معلومة بالبديهة، ولم يذكروا على هذا السلب دليلاً أصلاً؛ فصاروا مدّعين ما لم يُبيِّنوه، بل قائلين بغير علم؛ إذ العلم بهذا السلب متعذّر على أصلهم. فمن أين لهم أنه لا يمكن أحداً من بني آدم أن يعلم شيئاً من التصديقات - التي ليست عندهم بديهية - إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وضعوا مادّته وصورته". الرد على المنطقيين ص 88.
ومما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في ردّه على حصرهم العلم في الدليل والقياس: "فنقول هذا الذي قالوه إما أن يكون باطلاً، وإما أن يكون تطويلاً يُبعد عن الطريق على الطالب المستدلّ، فلا يخلو عن خطأ يصدّ عن الحقّ، أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق، مع إمكان وصوله بطريق قريب، كما كان يمثله بعض سلفنا، بمنزلة من قيل له: أين أذنك؟ فرفع يده فوق رأسه رفعاً شديداً، ثم أدارها إلى أذنه اليسرى، وقد كان يمكنه إلى اليمنى، أو اليسرى من طريق مستقيم. وما أشبه هؤلاء بقول القائل:
أقام يعمل أياماً رَوِيَّتَه ... وشَبَّه الماء بعد الجهد بالماء
وقول الآخر:
وإني وإني ثمّ إني وإنّني ... إذا انقطعت نعلي جعلتُ لها شِسعاً
وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء 9] . فأقوم الطرق إلى أشرف المطالب: ما بعث الله به رسوله. وأما طريق هؤلاء: فهي مع ضلالهم في البعض، واعوجاج طريقهم، وطولها في البعض الأخرى إنّما يوصلهم إلى أمر لا يُنجي من عذاب الله، فضلاً عن أن يوجب لهم السعادة، فضلاً عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم) . الرد على المنطقيين ص162. وانظر المصدر نفسه ص 316.
(2/743)

بأحد الخاصين على الآخر. والأول هو القياس الشمولي1، والثاني هو الاستقراء2، والثالث هو التمثيل3.
__________
1 وقد وضّح شيخ الإسلام رحمه الله المراد بالقياس الشمولي؛ فقال أولاً موضّحاً معنى القياس: "والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير الشيء المعين بنظيره المعين، وتقديره بالأمر الكلي المتناول له ولأمثاله؛ فإنّ الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته. ولهذا كان مطابقاً موافقاً له".
ثمّ ذكر رحمه الله حقيقة القياس الشمولي؛ فقال: إنّه "انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول؛ وهو المعين؛ فهو انتقال من خاصّ إلى عامّ، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص؛ من جزئي إلى كلي، ومن ذلك الكلي إلى الجزئي الأول، فيحكم عليه بذلك الكلي. ولهذا كان الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم..) . الرد على المنطقيين ص 119.
2 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعريف أهل المنطق للاستقراء؛ فقال: "قالوا: والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء. فإن كان تاماً، فهو الاستقراء التام؛ وهو يُفيد اليقين. وإن كان ناقصاً لم يفد اليقين. فالأول: هو استقراء جميع الجزئيات، والحكم عليه بما وجد في جزئياته. والثاني: استقراء أكثرها، وقد يكذب؛ كقول القائل: الحيوان إذا أكل حرّك فكّه الأسفل؛ لأنه استقريناها فوجدناها هكذا، فيقال له: التمساح يحرّك الأعلى". الرد على المنطقيين ص 159-160. وانظر أيضاً المصدر نفسه ص 6، 201، 208.
3 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله حقيقة قياس التمثيل؛ فقال: "وأما قياس التمثيل: فهو انتقال الذهن من حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي؛ لأن ذلك الحكم يلزم ذلك المشترك الكلي، ثم العلم بذلك الملزوم لا بُدّ له من سبب إذا لم يكن بيّنا،.... فهنا يتصور المعينين أولاً، وهما الأصل والفرع، ثم ينتقل إلى لازمهما؛ وهو المشترك، ثم إلى لازم اللازم، وهو الحكم. ولا بُدّ أن يعرف أن الحكم لازم المشترك، وهو الذي يُسمّى هناك قضية كبرى، ثم ينتقل إلى إثبات هذا للملزوم الأول المعين". الرد على المنطقيين ص 121.
(2/744)

وقد بيَّنا ما في هذا الكلام من الغلط؛ في حصره، وفي حكم أقسامه؛ فإنّ هؤلاء المقسمين للأمور العامة كثيراً ما يغلطون في هذا وهذا؛ إذ كان المقسم يجب أن يستوفي جميع الأقسام، ولا يُدخل فيها ما ليس منها؛ كالحادّ1. وهم يغلطون فيها كثيراً؛ لعدم إحاطتهم بأقسام المقسوم؛ كما يقسّمون أقسام الموجودات، أو أقسام مدارك العلم، أو أقسام العلوم، أو غير ذلك، وليس معهم دليل على الحصر، إلاَّ عدم العلم. وحصر الأقسام في المقسوم هو من الاستقراء.
ثمّ إذا حكموا على تلك الأقسام بأحكام فقد يغلطون أيضاً؛ كما قد ذُكِر هذا في غير هذا الموضع2؛ مثل غلط من حصر الأدلة في هذه الأنواع؛ من أهل المنطق، ومن تبعهم.
__________
1 الحادّ: هو الذي يقول بالحدّ، ويدّعيه.
وقد ردّ شيخ الإسلام رحمه الله على قول أهل المنطق: "أنّ التصوّرات غير البديهية لا تنال إلا بالحدّ"، وناقشهم مناقشة طويلة استغرقت من كتابه الردّ على المنطقيين صفحات طويلة (من ص 7-52) ، ومما قاله رحمه الله عن صناعة الحدّ: "هذه صناعة وضعية اصطلاحية، ليست من الأمور الحقيقية العلمية، وهي مع ذلك مخالفة لصريح العقل، ولما عليه الوجود في مواضع، فتكون باطلة، ليست من الأوضاع المجردة؛ كوضع أسماء الأعلام، فإنّ تلك فيها منفعة، وهي لا تخالف عقلاً ولا وجوداً. وأما وضعهم فمخالف لصريح العقل والوجود، ولو كان وضعاً مجرداً لم يكن ميزاناً للعلوم والحقائق؛ فإنّ الأمور الحقيقية العلمية لا تختلف باختلاف الأوضاع والاصطلاحات؛ كالمعرفة بصفات الأشياء، وحقائقها؛ فالعلم بأنّ الشيء حيّ، أو عالم، أو قادر، أو مريد، أو متحرك، أو ساكن، أو حسّاس، أو غير حسّاس ليس هو من الصناعات الوضعية، بل هو من الأمور الحقيقية الفطرية التي فطر الله تعالى عباده عليها؛ كما فطرهم على أنواع الإرادات الصحيحة، والحركات المستقيمة ... ". الرد على المنطقيين ص 26.
2 لاحظ مصادر الحاشية التالية.
(2/745)

وقد بسط هذا في مواضع1.
وذلك: مثل قولهم: الدليل إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد الخاصين على الآخر؛ فإنّ الدليل أولاً لا يكون قطّ أعمّ من المدلول عليه؛ إمّا مساوياً له، وإمّا أخصّ منه؛ فإنّ الدليل ملزومٌ للمدلول عليه، والملزوم حيث تحقّق، [تحقّق] 2 اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم؛ فحيث تحقّق الدليل، تحقّق المدلول عليه3. فإذا
__________
1 ذكر شيخ الإسلام رحمه الله بطلان حصر الأدلة في القياس، والاستقراء، والتمثيل، في مواضع عديدة من كتبه، وفصّل ذلك في كتابه القيم: ((الرد على المنطقيين)) ، وانظر فيه على سبيل المثال المواضع التالية: ص 6، 88، 116-120، 159-165، 200-214، 233-235، 245، 246، 296-298، 316-317، 348-364.
ومما قاله رحمه الله تعالى: "إنّ ما ذكروه من حصر الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل: حصرٌ لا دليل عليه، بل هو باطل. وقولهم أيضاً إنّ العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص: قولٌ لا دليل عليه، بل هو باطل. واستدلالهم على الحصر بقولهم: إما أن يستدلّ بالكلي على الجزئي، أو الجزئي على الكلي، أو بأحد الجزئين على الآخر، والأول هو القياس، والثاني هو الاستقراء، والثالث هو التمثيل. يُقال: لم تقيموا دليلاً على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة، فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئيّ على جزئي قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصراً، وقد بقي الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ومن عدمه عدمه، فإنّ هذا ليس ممّا سمّيتموه قياساً، ولا استقراء، ولا تمثيلاً، وهذه هي الآيات..". الرد على المنطقيين ص162-163.
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
3 وقال شيخ الإسلام رحمه الله في موضع آخر في توضيح الدليل: "فليس من ضرورة الدليل أن يكون أعمّ أو أخصّ، بل لا بُدّ في الدليل من أن يكون ملزوماً للحكم، والملزوم قد يكون أخصّ من اللازم، وقد يكون مساوياً له، ولا يجوز أن يكون أعمّ منه، لكن قد يكون أعمّ من المحكوم عليه الموصوف الذي هو موضوع النتيجة المخبر عنه". الرد على المنطقيين ص 348.
(2/746)

كان مساوياً له، أو أخصّ، كان حيث تحقّق المدلول؛ كما أنّه حيث تحقق ما هو ناطق النطق الذي يختص الإنسان، تحقّق الإنسان، وتحقّق أيضاً ما هو أعمّ من الإنسان؛ وهو ثبوت حيوان، وجسم حسّاس [نام] 1 متحرّك بالإرادة؛ بمعنى أنّه تحقّق مطلق هذا الجنس، وإلاَّ فلم يوجد شيء أعمّ من الإنسان بمجرّد وجوده، لكن وجد من صفاته ما يشبّه به غيره، ويصحّ إطلاقه عليه، وعلى غيره؛ وهو مسمّى الجسم، والحيوان، ونحو ذلك.
وكذلك إذا وجد آية، [أو خبر] 2 يدلّ على الإيجاب، أو التحريم، لزم ثبوت الإيجاب أو التحريم. وقد ثبت الإيجاب والتحريم بآية أخرى، أو خبر آخر، فلهذا قيل: الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه3.
و [إذا] 4 كان الدليل لا يكون أعمّ من المدلول عليه، فقولهم: إمّا أن يستدل بالعام على الخاص: إنّما أرادوا به القياس الشمولي5 الذي هو مقدمتان: صغرى، وكبرى6؛ كقولنا: النبيذ المتنازع فيه مسكر، وكل
__________
1 في ((خ)) : يأتى. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : احبر. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 سبق توضيح هذه القاعدة ص 301 من هذا الكتاب. وانظر إضافة لما سبق: الرد على المنطقيين ص 11، 17، 209.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : إذ.
5 سبقت الإشارة إلى ذلك قريباً. انظر ص 873 من هذا الكتاب. وانظر أيضاً: الرد على المنطقيين ص 6، 159.
6 وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قولهم هذا بأنّ الاستدلال لا بُدّ فيه من مقدّمتين، وقرّر رحمه الله أنّ الاستدلال بمقدمتين لا يلتزمه إلا أهل المنطق.
انظر: الرد على المنطقيين ص 167-175، 187-194.
(2/747)

مسكر حرام، أو كل مسكر خمر؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"1؛ بيَّن أنّ المسكر موصوف بأنّه خمر، وبأنّه حرام، ولم يقصد القياس الشمولي؛ وهو أن يستدلّ على أن المسكر حرام؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم أجلّ من هذا شرعاً وعقلاً؛ فإنّه بكلامه يثبت الأحكام، وغيره إذا قال: كل مسكر خمر أو حرام، احتاج أن يستدلّ عليه، وأما هو فيستدلّ بنفس كلامه.
الدليل قد يكون أكثر من مقدمة
والنظم الشمولي المنطقي لا يوجد في كلام فصيح، بل هو طويل لا يحتاج إليه؛ كما قد بسط في مواضع2، وبُيِّن أن الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات، وأربع، وأكثر؛ بحسب ما يحتاج إليه المستدلّ الطالب لدلالة نفسه، أو الطالب ليدلّ غيره3؛ فإنّه قد لا يحتاج إلاَّ إلى مقدمة واحدة؛ مثل من عرف أنّ الخمر حرام، لكن لم يعرف أنّ كل مسكر هو خمر. فإذا عرف بالنصّ أنّ كلّ مسكر
__________
1 رواه الإمام مسلم في صحيحه 31587، كتاب الأشربة، باب بيان أنّ كلّ مسكر خمر، وأنّ كلّ خمر حرام.
2 انظر ردّ شيخ الإسلام رحمه الله على قولهم: "بأنّه لا بُدّ في كلّ علم نظري من مقدّمتين"، وكذلك ردّه على تمثيلهم: "كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام، فكل مسكر حرام" في: الردّ على المنطقيين ص 110-116، 161-162، 190، 191، 245-246. وكذلك في نقض المنطق ص 200-209.
وانظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن القياس، وقوله عنه أنّه إما كلام باطل، أو طريق طويل لا يخلو من الخطأ، في: الردّ على المنطقيين ص 162، 316، ومجموع الفتاوى 924، 28-34.
3 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله اختلاف حال الناس في عدد المقدمات المحتاج إليها، وضرب أمثلة للاستدلال بمقدمة، أو بمقدمتين، أو بمقدمات، في: الرد على المنطقيين ص 168-169.
(2/748)

خمر، عرف أنّ كل مسكر حرام، وكان علمه موقوفاً على مقدّمة واحدة، بخلاف من لم يكن عرف بعد أنّ الخمر حرام؛ فيحتاج إلى مقدمة ثانية. ثم إن كان عرف أنّ محمداً رسولُ الله بنصوصه المتواترة، [كفاه ذلك] 1. وإن كان لم يقرّ بنبوته، احتاج إلى مقدمة ثالثة؛ وهو الإيمان بأنّه رسول الله، لا يقول على الله إلا الحق، ويذكر له من دلائل النبوة وأعلامها ما يعرف به ذلك؛ فيهتدي إن كان طالب علم، و [تقوم] 2 عليه الحجة إن لم يكن.
كذلك: فقول هؤلاء3 في مثل هذا4: أنَّا استدللنا بالعام على الخاص:
[لبسٌ] 5 عظيم؛ فإن المدلول عليه؛ وهو [تحريم] 6 النبيذ المتنازع فيه مثلاً، وإن كان أخصّ من تحريم المسكر والخمر.
فالدليل ليس هو القضية العامة، بل [هي] 7 الدليل: أنّ النبيذ المتنازع فيه مسكرٌ؛ وهو إحدى المقدمتين، وهذه قضية خاصة أخصّ من مسمى المسكر؛ فإنّ المسكر يتناول المتفق على تحريمه، والمتنازع فيه؛ وهذا هو الحد الأوسط8، وهو المتكرر في المقدمتين الذي هو محمول
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) . وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : يقوم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 أي أهل المنطق.
4 في قياسهم النبيذ على الخمر بجامع الإسكار بين الاثنين.
5 في ((ط)) : ليس.
6 في ((ط)) : يحريم.
7 ما بين المعقوفتين ليس في ((م)) ، و ((ط)) .
8 قال شيخ الإسلام رحمه الله يوضّح هذا: "وذلك أنّ قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة؛ الأصغر، والأوسط، والأكبر. والحدّ الأوسط فيه هو الذي يُسمّى في قياس التمثيل علة ومناطاً وجامعاً ومشتركاً ووضعاً ومقتضياً، ونحو ذلك من العبارات. فإذا قال في مسألة النبيذ: كلّ نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فلا بُدّ له من إثبات المقدمة الكبرى، وحينئذ يتمّ البرهان. وحينئذ فيمكنه أن يقول: النبيذ مسكر، فيكون حراماً قياساً على خمر العنب بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار؛ فإنّ الإسكار هو مناط التحريم في الأصل، وهو موجود في الفرع...." إلى آخر ما قال رحمه الله في هذه المسألة.
انظر الرد على المنطقيين ص 116-117.
(2/749)

في الصغرى، موضوع في الكبرى؛ فالاستدلال وقع [بإسكاره] 1 على أنّه خمرٌ، ومحرم. ومسكر النبيذ المتنازع فيه أخصّ من مسمّى المسكر، والخمر.
والمقدّمة الثانية: الكبرى؛ وهي قولنا: وكلّ مسكر خمر: ليست هي الدليل، بل لا بدّ من الصغرى معها، وهي خاصة.
فالمدلول عليه إن كان تحريم النبيذ المتنازع فيه، فهذا إنما يدل على تحريمه: أنّه مسكر، وليس [إسكاره] 2 أعمّ منه، بل يلزم من ثبوت [إسكاره] 3، ثبوته؛ فإنّ ثبوت الموصوف بدون الصفة ممتنع؛ [فإسكاره] 4 دلّ على تحريمه، وليس تحريمه أعمّ من [إسكاره] 5، بل جنس [الإسكار] 6 والحرام أعمّ من هذا المسكر، [وهذا] 7 المحرم.
لكن هذا العام ليس هو الدليل بدون الخاص، بل قوله: كل مسكر حرام: يدلّ على تحريم كلّ مسكرٍ مطلقاً، من غير تعيين؛ فيكون [الإسكار] 8 مستلزماً للتحريم، والمسكر أخص من الحرام.
__________
1 في ((خ)) : بسكره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : سكره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : سكره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : فسكره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((خ)) : سكره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 في ((خ)) : السكر. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 في ((م)) ، و ((ط)) : فهذا.
8 في ((خ)) : السكر. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/750)

aوهذا استدلال بالخاصّ على العام؛ فوجود المسكر أخصّ من وجود الحرام، حيث كان [سكر] 1 كان الحرام موجوداً، وليس إذا كان الحرام موجوداً يجب وجود المسكر؛ لأنّ المحرّمات كثيرة؛ كالدم، والميتة، ولحم الخنزير2.
فالحد الأوسط؛ وهو المسكر دلّ على ثبوت الأعم؛ وهو التحريم، من الأخص في الأخص؛ وهو النبيذ المتنازع فيه. فالمدلول عليه التحريم، وهو أعمّ من المسكر؛ فهو استدلال بالخاصّ على العام، لكن المعنى العامّ الكلّي لا يوجد في الخارج عامّاً كليّاً، بل معيّناً؛ فهو استدلال على نوع من أنواعه؛ وهو التحريم الثابت في النبيذ المتنازع فيه، وهذا أخص من مطلق التحريم؛ كما أنّ مسكره أخص من مطلق المسكر.
ومن هنا ظنّوا أنّهم استدلوا بالعامّ على الخاص؛ حيث استدلّوا بتحريم كلّ مسكر على تحريم هذا المسكر. وليس الأمر كذلك، بل الذي دلّ على تحريم هذا المسكر ليس هو مجرد القضية العامة الكلية، بل لا بُدّ معها من قضية أخص منها جزئية؛ مثل قولنا: هذا النبيذ مسكر. وبهذا الخاص يعلم ثبوت ذلك لا بمجرد [العامّ] 3.
والدليل هنا ليس هو أعم من المدلول عليه، ولا يمكن ذلك قط.
وأما قولهم: إن الاستدلال بالخاص على العام، هو الاستقراء4. فمجرد الخاصّ إن لم يستلزم العامّ، لا يدل عليه. والمستقرئ إن لم يحصر
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : مسكر.
2 قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} . [البقرة، 173] .
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 تقدمت الإشارة إلى ذلك قريباً. انظر ص 894 من هذا الكتاب.
(2/751)

الإفراد، لا يعلم أنّ ذلك المعنى شامل لها. فما استدل بخاص على عام، [بل بعام] 1 مثله مطابق له.
وقولهم في قياس التمثيل: إنّه استدلال بخاصّ على خاصّ2، ليس كذلك؛ فإنّ مجرّد ثبوت الحكم في صورة، لا يستلزم ثبوته في أخرى، إن لم يكن بينهما قدر مشترك، ولا يثبت بذلك حتى يقوم دليل على أنّ ذلك المشترك مستلزم للحكم.
والمشترك3: هو الذي يُسمّى في قياس التمثيل: الجامع4، والوصف5، والعلة6، والمناط7، ونحو ذلك. فإن لم يقم دليل على أن الحكم متعلق به، لازم له، لم يصح الاستدلال.
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 تقدمت الإشارة إلى ذلك قريباً. انظر ص 894-895 من هذا الكتاب.
3 المشترك: عبارة عن لفظ واحد، يدلّ على أشياء فوق واحد، باعتبار جهة واحدة؛ كلفظ العين، ونحوه.
انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص 51.
4 الجامع: اسم من أسماء المشترك، وهو معنى واحد، يدلّ على اتّحاد العلة في أشياء مشتركة.
انظر: تسهيل المنطق للشيخ عبد الكريم مراد ص 55.
5 الوصف: عبارة عما دلّ على الذات باعتبار معنى هو المقصود من جوهر حروفه؛ أي يدلّ على الذات بصفة؛ كأحمر؛ فإنّه بجوهر حروفه يدلّ على معنى مقصود؛ وهو الحمرة. فالوصف والصفة مصدران؛ كالوعد والعدة. والمتكلمون فرقوا بينهما؛ فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف، وقيل: الوصف هو القائم بالفاعل. التعريفات للجرجاني ص 252.
6 العلة قد تُطلق، ويُراد بها العلة الفاعلية، والعلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الغائية.
وقد تقدّمت التعاريف لهذه في ص 434 من هذا الكتاب. وانظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين لللآمدي ص 122-123.
7 هو الوصف المعلّل للحكم. مثال ذلك: تحريم شرب الخمر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"؛ فنستنبط المناط بالرأي والنظر؛ فنقول: حرمت الخمر لكونها مسكراً، والإسكار هو العلّة، فيُقاس على هذه العلة، ويُطلق الوصف المعلّل للحرمة، وهو ما يُعرف بالمناط.
انظر: المستصفى في علم الأصول للغزالي 2233.
(2/752)

وهذا1 المشترك في قياس التمثيل هو الحدّ الأوسط في قياس الشمول بعينه.
فالمعنى في القياسين: واحدٌ2، ولكنّ التأليف والنظم متنوّع إذا أراد أن يثبت تحريم النبيذ بقياس الشمول، [قال] 3: هذا هو حرام؛ لأنّه شراب مسكر؛ فيكون حراماً، قياساً على المسكر من العنب. فالدليل هو المسكر، وهو المشترك، وهو الحد الأوسط.
ثم لا يكفي ذلك حتى يُبيّن أنّ العلة في الأصل، هي المشترك؛ فيقول: وعصير العنب حَرُمَ؛ لكونه مسكراً. وهذا الوصف موجود في الفرع الذي هو صورة النزاع، فيجب اشتراكهما في التحريم.
وقوله: إنّه [حَرُمَ] 4؛ لكونه مسكراً: هي المقدمة الكبرى في قياس الشمول؛ وهي قولنا: كلّ مسكر حرام؛ فثبت أنّ علة التحريم هي [السكر] 5؛ إما بالنص؛ وهو قوله: "كلّ مسكر حرام"؛ وإما بدلالة القرآن؛ وهو أنّه يُوقع العداوة والبغضاء، ويصدّ عن ذكر الله، وعن
__________
1 في ((ط)) : وهذا ومنه. و (ومنه) زائدة.
2 انظر كلام المؤلف رحمه الله تعالى في حقيقة قياس التمثيل، والموازنة بينه وبين قياس الشمول، وبيان أنّهما متلازمان، وأنّه يمكن جعل قياس الشمول قياس تمثيل، وأنّ قياس الشمول مبناه على قياس التمثيل. انظر: الرد على المنطقيين ص 116-117، 120-121، 220، 245-246، 317، 353، 364.
3 في ((ط)) : قاف.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : حرام.
5 في ((خ)) : المسكر. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/753)

الصلاة؛ وإما بالمناسبة؛ وإما بالدوران1؛ وإما [بالسبر] 2 والتقسيم3؛ كما قد عُرِف في موضعه4، وهو نظير ما يُستدلّ به على ثبوت القضيّة الكبرى.
ثمّ الدليل قد يكون قطعياً، وقد يكون ظنيّاً؛ لخصوص المادّة، لا تعلّق لذلك بصورة القياس. فمن جعل قياس الشمول هو القطعي، دون قياس التمثيل [فقد] 5 غلط؛ كما أنّ من جعل مسمّى القياس هو التمثيل، دون الشمول، فلم يفهم معناه.
__________
1 وهو قياس الدور، وهو عبارة عن أخذ النتيجة، مع عكس إحدى مقدّمتي قياسها، لاستنتاج عين المقدمة الأخرى؛ كما لو قيل: كلّ إنسان ناطق، وكلّ ناطق ضاحك، فكلّ إنسان ضاحك. ثمّ عكس الأمر، وأخذت النتيجة، وهي: كل إنسان ضاحك، وجعلت مقدّمة أولى، وعكست المقدمة الصغرى، فصارت كلّ ضاحك ناطق، فيلزم عنه: كل إنسان ناطق؛ وهو عين المقدمة الكبرى.... إلخ.
انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص 68-71؛ فقد أطال النفس في بيان ذلك جداً.
وانظر الرد على المنطقيين لابن تيمية ص 235.
2 في ((خ)) : بالسير. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف في الأصل، وإلغاء البعض، ليتعيَّن الباقي للعِلِيَّة؛ كما يُقال: علة حرمة الخمر: إما الإسكار، أو كونه ماء العنب، أو المجموع. وغير الماء، وغير الإسكار لا يكون علة بالطريق الذي يُفيد إبطال علة الوصف؛ فتعيَّن الإسكار للعلّة.
انظر: التعريفات للجرجاني ص 116-117. والرد على المنطقيين لابن تيمية ص 210.
4 انظر: الردّ على المنطقيين ص 117.
5 في ((ط)) : فقط.
(2/754)

والذي عليه جمهور العلماء أنّ كلاً منهما قياس، قد يكون قطعيّاً، وقد يكون ظنيّاً1.
وطائفة يقولون: اسم القياس لا يستعمل إلا في الشمول؛ كما يقوله ابن حزم، ومن يقوله من المنطقيين.
وطائفة2 يقولون: لا يستعمل حقيقة إلا في التمثيل، ومن هؤلاء من يقول: ليس في العقليات قياس.
وهذا مبسوطٌ في مواضع3،
__________
1 ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تنازع الناس في مسمى القياس؛ فقال: "وقد تنازع الناس في مسمّى القياس؛ فقالت طائفة من أهل الأصول: هو حقيقة في قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول؛ كأبي حامد الغزالي، وأبي محمد المقدسي، وغيرهما. وقالت طائفة: بل هو بالعكس: حقيقة في الشمول، مجاز في التمثيل؛ كابن حزم، وغيره. وقال جمهور العلماء: بل هو حققيقة فيهما، والقياس العقلي يتناولهما جميعاً. وهذا قول أكثر من تكلّم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية. وهو الصواب، وهو قول الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة". الرد على المنطقيين ص 118-119. وانظر: المصدر نفسه ص 6، 364. ومجموع الفتاوى 9259.
2 وهو قول طائفة من أهل الأصول؛ كأبي حامد الغزالي، وأبي محمد المقدسي، وغيرهما؛ كما نصّ على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الرد على المنطقيين ص 118. وانظر: المستصفى في علم الأصول للغزالي 2324-325.
3 وقد ردّ شيخ الإسلام رحمه الله على من قال لا قياس في العقليات، وإنما هو في الشرعيات؛ فقال رحمه الله: "ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي؛ كأبي المعالي، وأبي حامد، والرازي، وأبي محمد المقدسي، وغيرهم: إنّ العقليات ليس فيها قياس، وإنما القياس في الشرعيات، ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل، والدالّ على ذلك مطلقاً. فقولهم مخالف لقول جمهور نظّار المسلمين، وبل وسائر العقلاء؛ فإنّ القياس يستدلّ به في العقليات، كما يستدلّ به في الشرعيات؛ فإنه إذا ثبت أنّ الوصف المشترك مستلزم للحكم، كان هذا دليلاً في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنّه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر، كان هذا دليلاً في جميع العلوم، وحيث لا يستدلّ بالقياس التمثيلي، لا يستدلّ بالقياس الشمولي. وأبو المعالي ومن قبله من نظار المتكلمين لا يسلكون طريقة المنطقيين، ولا يرضونها، بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك".... وقد أطال شيخ الإسلام رحمه الله النفس في تقرير ذلك، انظر: الرد على المنطقيين ص 118، 113.
(2/755)

والمقصود [هنا] 1: التنبيهٌ على جنس الأدلة.
وأيضاً: فالدليل قد يكون مطابقاً للمدلول عليه، ملازماً له، ليس أعمّ منه، ولا أخصّ منه؛ كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدلّ بكلّ منها على الآخر؛ وكالناطقيّة، والإنسانية التي يُستدلّ بثبوت كلّ منهما على ثبوت الآخر.
وهذا خارج عن تقسيمهم؛ فإنّ هذا ليس استدلالاً بعامّ على خاصّ، ولا بخاصّ على عامّ، ولا بخاصّ على نظيره بطريق التمثيل، بل هو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، قد [يكونان] 2 عامَّين وخاصَّين؛ فالكواكب خاصة، [والعام] 3 [كالاستدلال] 4 بالحيوانية على الحس والحركة، إلا أنّه استدلال بعام على عامّ ملازم له. وكذلك الاستدلال بكونه جسماً على وجود جنس العرض، والاستدلال بوجود جنس العرض على وجود جنس الجسم: هو استدلال بأحد العامين المتلازمين على الآخر.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((خ)) : يكونا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : والاستدلال. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/756)

والمقصود هنا1: أنّ هذه المعيّنات؛ كالنجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلّها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لا زم لها في العادة.
وكذلك قد يستدلّ على منزل الشخص بما هو ملازم؛ من دور الجيران، والباب، وغير ذلك، وشجرة هناك، وغير ذلك من العلامات التي يذكرها الناس يستدلّون بها، ويدلّون غيرهم بها.
وسُمِّيَت الجبال أعلاماً؛ لأنّها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويُعلم، ويُعرف قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: { [فَمَا اسْتَطَاعُوا] 2 أَنْ يَظْهَرُوهُ} 3، ويقال ظهر الخطيب على المنبر. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" 4؛
__________
1 وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى مثل هذا الموضوع - وهو الاستدلال بالكلي على الكلي، وبالجزئي على الجزئي الملازم له - ومثّل لذلك بأمثلة، منها: الاستدلال بطلوع الشمس، على النهار، ومنها الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة وغيرها، وكذلك الاستدلال بالأمكنة على المواقيت والأمكنة، وأيضاً الاستدلال بالجبال والأنهار، والاستدلال بالكعبة على جهات الأرض، والاستدلال بالأبنية والأشجار ... ثمّ قال رحمه الله تعالى: "فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، وكلاهما معين جزئي، وليس هو من قياس التمثيل". انظر: الرد على المنطقيين ص 163-165.
2 وهي قراءة الجمهور.
انظر: الغاية في القرءات العشر للحافظ النيسابوري ص 200.
3 سورة الكهف، الآية 97.
قال ابن الجوزي رحمه الله في تفسير قوله: {أَنْ يَظْهَرُوهُ} : أي يعلوه؛ يقال: ظهر فلان فوق البيت؛ إذا علاه. والمعنى: ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه وإملاسه.
زاد المسير لابن الجوزي 5194.
4 جزء من حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه 42084، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. وأحمد في مسنده 2381. وأبو داود في سننه 4426، كتاب الأدب، باب ما يقول عند النوم. والترمذي في جامعه 5472، كتاب الدعاء، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه. وابن ماجه في سننه 21259-1260، 1274-1275، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2/757)

فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأنّ الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يُعرف قبل غيره، ومنه قيل: عُرف الديك: أصله فُعل؛ بمعنى مفعول؛ أي معروف؛ كما يقال: كُره؛ بمعنى مكروه، ومنه الأعراف؛ وهي: أمكنة عالية بين الجنّة والنار1. وقد قيل في قوله: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ} 2: إن العلامات هي النجوم؛ منها: ما يكون علامة لا يهتدي به، ومنها: ما يهتدى به3. وقول الأكثرين أصحّ4؛ فإنّ العلامات كلّها
__________
1 قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ..} [الأعراف، 46] .
والأعراف في اللغة: المكان المشرف.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الأعراف سورٌ له عرفٌ كعرف الديك. تفسير القرطبي 7135.
وقد ذكر القرطبي رحمه الله عشرة أقوال للعلماء في المراد بأصحاب الأعراف. انظر: تفسير القرطبي 7135-136.
2 سورة النحل، الآية 16.
3 وذكر ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [سورة النحل 16] أنّ المراد بالنجم أربعة أقوال:
أحدها: أنّه الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي؛ قاله السدي.
والثاني: أنّه الجدي، والفرقدان؛ قاله ابن السائب.
والثالث: أنّه الجدي وحده، لأنّه أثبت النجوم كلها في مركزه؛ ذكره الماوردي.
والرابع: أنّه اسم جنس، والمراد جميع النجوم.
زاد المسير 4436. وانظر تفسير القرطبي 1061.
4 قال أبو جعفر النحاس رحمه الله: والذي عليه أهل التفسير، وأهل اللغة سواء أنّ النجم هاهنا بمعنى النجوم.
معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس 461.
وعليه تحمل القراءات: (وبالنُّجْم) ، و (وبالنُّجُم) ، و (بالنُّجوم) ؛ فيكون (النجم) اسم جنس، ويُراد به جميع النجوم.
انظر زاد المسير لابن الجوزي 4436.
(2/758)

يهتدى بها1، ولأنّه قد قال: {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] 2 وَعَلامَاتٍ} 3. [فهذا] 4 كلّه ممَّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب ب (ألقى) ، أو بفعل من جنسه؛ كما قال بعضهم؛ أي وجعل في الأرض أنهاراً؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل5.
وبسط ما في هذا من إعراب و [معان] 6 له مقام آخر.
لفظ العلامات
والمقصود هنا: ذكرُ العلامات. والعلامات يدخل فيها ما تقدم من الرواسي والسبل؛ فإنّ كونها رواسي وسبلاً يسلكها الناس، غير كونها علامات. والعطف قد يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات؛ كقوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} 7، وأمثاله. فكيف إذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره؟؛ فإنّ الجبال أعلام، وهي علامات؛ وكذلك الطرق يستدلّ بها السالك فيها. ولهذا يسمّى الطريق إماماً؛ لأنّ السالك يأتمّ به. وكذلك يسمّون ما يستدلّ به المستدل طريقاً ومسلكاً. ويقال: لأصحاب هذا القول
__________
1 انظر جامع البيان للطبري 1491.
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) .
3 سورة النحل، الآيتان 15-16.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : وهذا.
5 انظر: معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس 461.
6 في ((خ)) : معاني. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 سورة الأعلى، الآيتان 2-3.
(2/759)

عدّة طرق، ومسالك؛ حتى [أطلقوا] 1 [على] 2 ما يُصنّف من الاحتجاج على مسائل النزاع: طريقة؛ لأنّه فيه أدلة المصنّف على موارد النزاع. ومن هذا الباب الاستدلال على المرض بعلامات له، والاستدلال بالأصوات؛ فإن كانت كلاماً، كانت الدلالة قصديّة إراديّة، قصد المتكلم أن يدلّ بها، وهي دلالة وضعية عقلية؛ وإن كانت غير كلام، كانت الدلالة عقليّة طبعيّة؛ كما يستدل بالأصوات التي هي بكاء، وانتحاب، وضحك، وقهقهة، ونحنحة، وتنخّم، ونحو ذلك، على أحوال المصوت3.
ومن الدلائل: الشعائر؛ مثل شعائر الإسلام الظاهرة، التي [تدلّ] 4 على أن الدار دار الإسلام؛ كالأذان، والجُمَع، والأعياد.
وفي الصحيحين: عن أنس - رضي الله عنه قال -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح". هذا لفظ البخاري5، ولفظ مسلم6: "كان يغير
__________
1 في ((خ)) كتب: صنّفوا. وجُعل عليها علامة. وفي الهامش كتب: لعله سمّوا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 سبق نحو هذا الكلام في ص 649 من هذا الكتاب.
4 في ((خ)) : يدلّ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 انظر صحيح البخاري 1221، كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء. وانظر أيضاً سنن أبي داود 398، كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين.
6 انظر صحيح مسلم 1288، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان. وفي آخره: فنظروا فإذا هو راعي معزى. وانظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل 3263.
(2/760)

إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: "خرجت من النار".
وعن عصام المزني1، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث السرية يقول: "إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم منادياً، فلا تقتلوا أحداً". رواه أبو داود2، والترمذي3، وابن ماجه4.
ومن هذا النوع: دلائل الجهات. ومنه: دلائل القبلة؛ يستدل عليها بالنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والطرق، وغير ذلك من الدلائل؛ كما قد ذكر الناس ما ذكروه من دلائل القبلة.
__________
1 ذكر البخاري أنّ له صحبة، وأورده ابن حجر في الإصابة - في القسم الأول - وذكر حديثه الذي رواه الترمذي، والنسائي - في الكبرى - وغيرهما. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 2480-481.
2 سنن أبي داود 398-99، كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين، وفيه: (مؤذناً) بدل: (منادياً) .
3 سنن الترمذي 4120، كتاب السير، باب ما جاء في الدعوة قبل القتال، وقال: هذا حديث غريب، وفيه: (مؤذناً) بدل: (منادياً) . وفي نسخة أخرى للترمذي قال: (حسن غريب) . انظر: هامش سنن أبي داود 399.
4 لم أجده عند ابن ماجه - بعد البحث - وإنما وجدته عند الدارمي في سننه 2287، كتاب السير، باب الإغارة على العدو.
وقد أورد مجد الدين ابن تيمية - جدّ المؤلف رحمهما الله - في المنتقى 2770-771 هذه الأحاديث الثلاثة بنصها في كتاب الجهاد والسير، باب الكف وقت الإغارة عمّن عنده شعار الإسلام، وقال عن الأخير: رواه الخمسة إلا النسائي.
ويعني بقوله (إلا النسائي) ؛ أي في سننه، وإلا فقد رواه في السنن الكبرى؛ كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (2481) ، والحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، وقال: حسن غريب.
(2/761)

فصل القسم الثاني الدلالة القصدية
والنوع الثاني1: ما يدلّ بقصد الدالّ به؛ كالكلام، وكالعقد باليد، والإشارة بها، أو بالعين، أو الحاجب، أو غير ذلك من الأعضاء - وقد يُسمّى ذلك رمزاً، ووحياً، وكذلك الخطّ خط الكتابة، بخلاف الاستدلال بآثار خطى الإنسان؛ فإن هذا من النوع الأول، وكذلك القيافة2؛ [و] 3 هي من النوع الأول؛ وهو الاستدلال بالشبه على النسب، وكذلك القايف: قد يعرف بالأثر: من هو الواطىء، وأين ذهب؟ ومن هذا النوع: [الأميال] 4
__________
1 تقدّم النوع الأول في أول الفصل السابق، ص 886.
2 القيافة: علم معرفة الآثار، والقائف: من يعرف الآثار ويتتبعها، ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، وجمعه قافة؛ يقال: قاف الرجل أثرَ الرجلِ: إذا تتبعه عن طريق آثاره. وفلان يقوف الأثر ويقتافه، مثل قفا الأثر واقتفاه. انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص 1095. ولسان العرب 9293.
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : الأمثال. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
والأميال: جمع ميل. والميل - بالكسر - عند العرب: مقدار مدّ البصر من الأرض. ويُقال للأعلام المبنية في طريق مكة أميال؛ لأنها بُنِيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل. المصباح المنير 2588.
والأميال التي يعنيها شيخ الإسلام رحمه الله هي أنصاب الحرم؛ وهي العلامات التي تُفرّق بين الحلّ والحرم. وذكر الأزرقي أنّ إبراهيم عليه السلام أول من نصب أنصاب الحرم، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح تميمَ بن أسد الخزاعي، فجدّدها، ثم ما زال الخلفاء والولاة يُجدّدونها كلما تهدّمت.
انظر: تاريخ مكة للأزرقي 2128-129.
(2/762)

التي جعلت علامات على حدود الحرم، و [الأميال] 1 التي تجعل في الطرقات؛ فإنّه قصد بها الدلالة على الطريق؛ أي قصد الناس بها ذلك.
الدلالة القصدية نوعان:
النوع الأول:
وهذا النوع قسمان: منه ما يكون بالاتفاق والمواطأة بين اثنين فصاعداً؛ كما يتفق الرجل مع وكيله على علامة لمن يرسله إليه؛ مثل وضع خنصره في خنصره2؛ ومثل وضع يده على ترقوته؛ كما روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل ذلك علامة مع بعض الناس3؛ وكما يجعل الملوك وغيرهم لهم علامات عند بعض الناس: من جاء بها، عرفوا أنّه مرسل من جهته.
__________
1 في ((خ)) : الأمثال. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 الخنصر: صغرى الأصابع. انظر: تهذيب اللغة 7660.
وقد سبق بحث مثل هذا الموضوع في ص 463 من كتاب النبوات.
3 لم أقف أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على ترقوته علامة مع بعض الناس فيما اطلعت عليه من كتب الحديث، ولكن ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عمامته إلى سعد بن عبادة كدليل على صدق مخبره بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا أرسل نعليه مع أبي هريرة ليبشر الناس، فكانت علامة على أنه مرسل من النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: ص 769-770.
وقد رُوي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أمر بقتل عبد الله بن سعد بن أبي السرح، لمّا ارتدّ مشركاً، فلما فتح النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة فرّ عبد الله إلى عثمان بن عفان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيّبه عثمان، حتى أتى به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأنّ الناس وأهل مكة، فاستأمن له، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم. فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ النبيَّ لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين".
انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 2379. والسيرة النبوية لابن هشام 3409. والإصابة في تمييز الصحابة 2317.
ومما يُفهم من هذا الحديث أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يستخدم الإشارة مع غيره إذا كان حاضراً.
(2/763)

ومن هذا الباب: شعائر الناس في الحرب؛ كلّ طائفة يُعرف أصحابها بشعارها. ولهذا قال الفقهاء: ويُجعل لكلّ طائفة شعار يتداعون به؛ كما كان للمهاجرين شعار1، وللأنصار شعار.
ومن هذا الباب: الأعلام والرايات للمقدّمين؛ فإنّ الراية تُرى، فيُعلم صاحبها، [وكذلك العلم يُعلم، فيُعلم صاحبه. وقد تميّز راية عن راية لما يختص به صاحبها] 2، ويُسمّى ذلك رنكاً3، [وقد يكون ذلك اسم الشخص] 4، وقد يكون غير ذلك، لكن قد اتفق مع غيره على أنّ هذا علامة وآية له، فمتى [رُؤي] 5 استدلّ به على أنّه هو المضاف إليه ذلك العلم، ويجعل هذا على الدور، والثياب، والدوابّ.
ومنه: الوسم6 الذي يعلم به إبل الصدقة، وإبل الجزية؛ فإنّ الوسم علامة مقصودة للواسم.
__________
1 الشعار: علامة القوم في الحرب، وهو ما يُنادَوْن به ليعرف بعضهم بعضاً. المصباح المنير ص 312.
وقد روى أبو داود في سننه 373، كتاب الجهاد، باب في الرجل يُنادي بالشعار: أنّ شعار المهاجرين كان: عبد الله، وشعار الأنصار كان: عبد الرحمن.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكان من شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، كما قالوا ذلك يوم بدر وحنين والفتح والطائف، فكان شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله". مجموع الفتاوى 1379-380.
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 هكذا في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) . ولم يتبيّن لي المراد.
4 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
5 في ((خ)) : رأى. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 الوسم: أثر الكيّ، والجمع وسوم؛ تقول: بعير موسوم: أي قد وُسِم بسمةٍ يُعرف بها؛ إما كيّة، أو قطع في أذنه، أو قرحة تكون علامة له. والميسم: المكواة، أو الشيء الذي يُوسم به الدوابّ، والجمع: المواسم.
انظر: تهذيب اللغة للأزهري 13114. ولسان العرب لابن منظور 12636.
(2/764)

لفظ السيما
وأما السيما: فهي علامة بنفسها، لم يقصدها؛ مثل سيما المؤمنين، وسيما المنافقين؛ قال تعالى في المؤمنين: {سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} 1، وقال في المنافقين: { [فَلَعَرَفْتَهُمْ] 2 بِسِيمَاهُمْ} 3،
وقال: {عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم} 4؛ قيل: له زنمة من الشر يعرف بها5.
ومنه: سيما المؤمنين يوم القيامة؛ التي بها يعرفهم نبيهم؛ وهو أنَّهم [غُرّ] 6 مُحَجَّلون من آثار الوضوء7؛ فهذه علامة وآية، لكنّها من النوع الأول، لم يقصد المسلمون أن يتوضؤوا ليُعرفوا بالوضوء، لكن من اللوازم لهم الوضوء للصلاة، وقد جعل الله أثرَ ذلك نوراً في وجوههم وأيديهم، [وليس هذا لغيرهم؛ فإنّ هذا الوضوء] 8 لم يكن لغيرهم. والحديث الذي
__________
1 سورة الفتح، الآية 29.
2 في ((خ)) : فلتعرفهم.
3 سورة محمد، الآية 30.
4 سورة القلم، الآية 13.
5 وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما؛ رواه عنه سعيد بن جبير. انظر: زاد المسير لابن الجوزي 8333.
6 في ((خ)) : غير. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أمتي يُدعون يوم القيامة غُرّاً محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غرّته، فليفعل". رواه الإمام البخاري في صحيحه 163، كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء.
8 في ((خ)) : وليس هذا لغيرهم، فإنّ هذا لغيرهم، فإنّ هذا الوضوء. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/765)

يُروى: "هذا وضوئي ووضوء النبيّين من قبلي" 1: ضعيفٌ2، بخلاف الصلاة في المواقيت الخمس؛ فإنّ الأنبياء كانوا يصلون في هذه المواقيت؛ كما قال: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك"3.
والوسم والسيما: من الوسم؛ متفقان في الاشتقاق الأوسط؛ فإنّ أصل سيما: سُوما. فلما سكنت الواو، انكسر ما قبلها، قُلبت ياءً؛ مثل: ميقات، وميعاد، ونحو ذلك.
__________
1 والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه 1146، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثاً. والإمام أحمد في مسنده 298 ط الحلبي. وفيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن توضّأ ثلاثاً ثلاثاً: "هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي".
2 وهو كما قال؛ لأنّ في إسناده زيد بن الحَوَاري، أبو الحواري العَمِّي البصري، قاضي هراة. ضعّفه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وابن عدي. وتؤول أقوال النقاد إلى تضعيفه.
انظر: ميزان الاعتدال للذهبي 2102. تهذيب التهذيب لابن حجر 3407-409. وتقريب التهذيب له ص 223.
3 هذا جزء من حديث أخرجه أبو داود في سننه 1274-278، كتاب الصلاة، باب ما جاء في المواقيت. والترمذي في سننه 1278-281، في أول كتاب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عيسى الترمذي: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح. وصحّحه أيضاً أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي 1280، بيد أنّه شرح الحديث بشرح مغاير لما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ إذ قال: "وقت الأنبياء قبلك: أي كانت صلاتهم واسعة الوقت، وذات طرفين؛ مثل هذا، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها".
والمعنى الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله أقرب؛ لأنّه الظاهر المتبادر إلى الذهن، أما المعنى الذي ذكره أحمد شاكر رحمه الله فهو بعيد، ولا يُؤيّده لفظ الحديث.
(2/766)

والاسم أيضاً من هذا الباب، وهو علم على المسمّى، ودليلٌ عليه، وآية عليه. وهذا المعنى ظاهرٌ فيه؛ فلذلك قال الكوفيون: [إنّه] 1 مشتق من الوسم، والسمة؛ وهي: العلامة. وقال البصريون: بل هو مشتق من السموّ؛ فإنه يقال في تصغيره: [سمي] 2، لا وُسَيْم، وفي جمعه: أسماء، لا أوسام، وفي تصريفه: سميت، لا [وسمت] 3.
وكلا القولين حقّ، لكنّ قول البصريين أتمّ؛ فإنّه مشتق منه على قولهم في الاشتقاق الأصغر؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف وتأليفها، وعلى قول الكوفيين: هو مشتق منه من الاشتقاق الأوسط؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف، لا في ترتيبها؛ كما قلنا في الوسم، والسيما.
والسموّ: هو العلوّ، والسامي: هو العالي، والعلوّ مستلزم للظهور كما تقدم4؛ فالعالي ظاهرٌ، والظاهر عالٍ؛ فكان الاسم بعلوّه يظهر، فيدلّ على المسمّى؛ لأنّه يظهر باللسان والخطّ، ويظهر للسمع المسمّى، فيُعرف بالقلب.
وقد تقدم5 أنّهم يُسمّون الجبال أعلاماً، لما فيها من الظهور.
ودلالة الاسم على مُسمّاه دلالة قصدية؛ فإنّ المسمّى يُسمّى بالاسم، ليُعرف به المسمّى، وليدلّ عليه؛ تارة يقصد به الدلالة على مجرد نفسه؛ كالأسماء الأعلام للأشخاص، وتارة يقصد به الدلالة على ما في اللفظ من المعنى؛ كالأسماء المشتقة؛ مثل: العالم، والحيّ، والقادر.
__________
1 في ((خ)) : له. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : شيء. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : اسمت. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 انظر ص 910 من هذا الكتاب.
5 انظر ص 910 من هذا الكتاب.
(2/767)

ومن هذا الباب: تسمية المعبودين آلهة؛ سمّوها بما لا [تستحقّه] 1؛ كما يُسمّى الجاهل عالماً، والعاجز قادراً، والكذَّاب نبيّاً؛ فلهذا قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهًا مِنْ سُلْطَان} 2
النوع الثاني من الدلالة القصدية
والنوع الثاني من هذه الدلالة القصدية3: أن يقصد الدالّ الدلالة من غير مواطأة مع المستدلين على أنّه دليل، لكن هم يعلمون أَنْ قَصَدَ الدلالة؛ لعلمهم بأحواله؛ مثل: ما يرسل الرجل شيئاً من ملابسه المختصّ به مع شخص، فيعلمون أنّه أرسلها علامة على أنه أرسله.
قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: {إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} 4: قال: العلامة تكون بين الرجل وأهله. راوه ابن المنذر5: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم6: ثنا أبو سعيد؛ ابن يحيى بن سعيد القطان، ثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، عن سماك، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: {إِنَّ في ذَلِكَ لآيَة} : قال: علامة، ألم تر إلى الرجل إذا أراد أن يرسل إلى أهله في حاجة، أرسل بخاتمه، أو بثوبه، فعرفوا أنّه حق7؛
__________
1 في ((خ)) : يستحقّه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة النجم، الآية 23.
3 تقدّم ذكر النوع الأول من هذه الدلالة في ص 916 من هذا الكتاب.
4 سورة الحجر، الآية 77.
5 انظر الدر المنثور للسيوطي 4103. وكذا انظر تفسير الطبري 1447.
6 لم أقف عليه في الموجود بين أيدينا من تفسير ابن أبي حاتم. وانظر: تفسير الطبري 1447. والدر المنثور للسيوطي 4103.
7 انظر: تفسير الطبري 1447.
(2/768)

فتارة يرسل خاتمه معه، فيعلمون أنه أرسله، ليعلموا أنه أرسله؛ إذ كانوا قد علموا [أنّ] 1 الخاتم معه، وأنّه ليس في إرساله مع ذلك الشخص الذي لا يعرفونه مقصود له، إلا أن يكون علامة على أنّه أرسله إليهم، فيصدقونه فيما أخبر عنه؛ وتارة يرسل معه عمامته، أو نعليه، وقد علموا أنه لا يخلع عمامته ويبعثها مع ذلك الشخص، إلا لتكون علامة على صدقه؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاة الفتح: لمّا كانت راية الخزرج مع [سعد] 2 بن عبادة3، وكان فيه حِدّة، وقال: لا قريش بعد اليوم، اليوم يوم الملحمة، اليوم يستحل الحرمة. قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنّه يُخاف منه أن يضع السيف في أهل مكة، فقال: "قولوا له يُعطي الراية لابنه قيس". فقال: إنّه لا يقبل منه. فقال: "هذه عمامتي، قولوا له: قد أَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك"4. فلمّا رأى عمامته مع من جاء بها، [علم أنه] 5 ليس له في إعطائه عمامته مقصود إلا أن تكون علامة، ولم يكن قبل ذلك قد واطأه على ذلك.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((ط)) : سعيد.
3 هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج، سيّد الخزرج. يكنى أبا ثابت. من كبار الصحابة. مات في الشام سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة.
انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 235-41. والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 230.
4 ذكر الخبر بطوله ابن عبد البر في كتابه: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 238-40، وعزاه إلى ابن إسحاق في مغازيه.
وانظر: السيرة النبوية لابن هشام 3406-407.
5 في ((خ)) : علم شخص أنه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/769)

وكذلك لما أعطى أبا هريرة نعليه ليخرج فيبشر الناس بما ذكره له1، فإنّهم إذا رأوا معه نعليه، علموا أنّه لم يعطه [النعلين] 2 إلا علامة.
وكذلك قد يكون بين الشخص وبين غيره سر لم يطلع عليه المرسَل، فيقول له: أعطني علامة. فيقول: قل له: بعلامة ما تكلمتَ أنت وهو في كذا وكذا، أو ما فعلت أنت وهو كذا وكذا؛ فيعلم المرسَل إليه أنَ المرسِل هو أعلم هذا الرسول بهذا الأمر؛ إذ كان غيره لم يعلمه، ويعلم أنه ليس له في إعلامه به مقصود إلا أن يكون علامة له على تصديقه.
ثم أكثر هذه الآيات التي هي علامات للناس يرسلونها مع من يرسلونه ليعرف صدقه: هي قطيعة عند المستدلّ بها المرسَل إليه؛ من الأهل، والأصدقاء، والوكلاء، والنواب، وغيرهم: يأتيهم الرجل بعلامة وهي مستدلة [بصاحبهم] 3؛ فيعلمون قطعاً أنّ هذا جاء من عنده، ويعلمون قطعاً أنّه لم يرسله بتلك العلامة إلا ليعلموا صدقه.
لا يخطر لسعد بن عبادة حين رأى عمامة النبيّ صلى الله عليه وسلم معهم أنهم أخذوها بغير قصده؛ بأن [تكون] 4 [وقعت] 5 منه، ونحو ذلك. بل قد عُلِم أنّها كانت على رأسه، وهو راكب في الجيش، وقد أرسلها مع هذا.
__________
1 وقد أعطاه عليه الصلاة والسلام نعليه، وقال له: "اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه، فبشّره بالجنّة".. الحديث، وهو طويل، أخرجه الإمام مسلم بطوله في صحيحه 159-61، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً.
2 في ((خ)) النعلان. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((م)) ، و ((ط)) : على حبهم.
4 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((م)) ، و ((ط)) : سقطت.
(2/770)

وكذلك خاتم الشخص الذي يعلمون أنه لا ينزع خاتمه من يده، ويعطيها لغيره، ليعبث بها عنه، وهو لا يختم بها شيئاً إلا لذلك.
وقد يقع في مثل ذلك احتمالات، فيستعمل المستدلّون التقسيم؛ فإنّ الاستدلال مداره على أنّه أرسله بالعلامة، وأنّه إنّما أرسله بها ليبيّن صدقه؛ فقد يعرض في المقدمة الأولى أنّه أخذها بغير اختياره، أو أنّ الخاتم سقط منه، أو إن كان مسافراً أنّه قُتِل، أو مات؛ فقد يقع مثل ذلك، وقد يؤخذ خاتم الرجل بغير أمره، ويُختَم به كتابُه؛ كما حُكِي أنّ مروان1 فعل مثل ذلك بعثمان2. والمقدّمة الثانية: أنه قد يرسله بالخاتم ليختم به شيئا، أو ليصلحه، ونحو ذلك. [فإذا عرض مثل هذا الاحتمال وقوي توقفوا] 3، وإن عرفوا انتفاء ذلك؛ مثل: أن يكون قد ذهب من عندهم قريباً، وليس له ما يختم به، ونحو ذلك، قطعوا بأنّه أرسله علامة، ثمّ بعد هذا قد يعلمون أنّه أرسله، لكن قد [يَكْذِبُ] 4 عليه، ولكن العهدة في هذا على المرسِل؛ فإنّ إرسال العلامة هو إعلام منه لهم بأني أرسلته إليكم. فهذا الفعل هو مثل هذا القول، يجري مجرى إعلامهم وإخبارهم بأنّه أرسله، وتصديقه في قوله: هو أرسلني.
والإخبار تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالعمل؛ كما يُعلم الرجلُ غيرَه بالإشارة بيده، ورأسه، وعينه، وغير ذلك، وإن لم يتقدّم بينهما
__________
1 ابن الحكم.
2 انظر: البداية والنهاية لابن كثير 7182، 188. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية 6244-245، 248-249.
3 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
4 في ((خ)) : يكذبون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/771)

مواضعة، لكن يعلم قصده ضرورة؛ مثل أن يسأله عن شيء: هل كان؟ فيرفع رأسه، أو يخفضه، أو يشير بيده، أو يكون قائماً؛ فيشير إليه: اجلس، أو قاعداً مطلوباً؛ فيشير إليه: أن اهرب، فقد جاء عدوك، أو نحو ذلك من الإشارات التي هي أعمال بالأعضاء؛ وهي تدلّ دلالة ضرورية، تُعلم من قصد الدالّ، كما يدلّ القول، وقد [تكون] 1 أقوى من دلالة القول، لكن دلالة القول أعمّ وأوسع؛ فإنّه يدلّ على الأمور الغائبة، وعلى الأمور المعضلة.
وهذه الأدلة العيانية هي أقوى من وجه، ولكن ليس فيها من السعة للمعاني الكثيرة ما في الأقوال.
__________
1 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/772)

فصل الدليل مستلزم للمدلول
[وخاصة] 1 الدليل أن يكون مستلزماً للمدلول2. فكلّ ما استلزم شيئاً كان دليلاً عليه، ولا يكون دليلاً إلا إذا كان مستلزماً [له] 3. ثمّ دلالة الدليل [تعلم] 4، كما يُعلم لزوم اللازم للملزوم. وهذا لا بُدّ أن يُعلم بالضرورة، أو بدليل ينتهي إلى الضرورة.
وعلى هذا: فآيات الأنبياء هي أدلة صدقهم، وبراهين صدقهم، وهي ما يستلزم صدقهم، ويمتنع وجوده بدون صدقهم؛ فلا يمكن أن يكون ما يدل على النبوّة موجوداً بدون النبوة. ثمّ كونه مستلزماً للنبوة، ودليلاً عليها، يُعلم بالضرورة، أو بما ينتهي إلى الضرورة.
فآيات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا تُحَدّ بحدود يدخل فيها غير آياتهم؛ كحدّ بعضهم كالمعتزلة وغيرهم بأنّها5 خرق العادة، ولم يعرف مسمّى هذه العبارة، بل ظنّ أن خوارق السحرة، والكهان، والصالحين:
__________
1 في ((ط)) : خاصة.
2 انظر الكلام على هذه المسألة في: الردّ على المنطقيين ص 296، 348-350.
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
4 في ((خ)) : يعلم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 أي آيات الأنبياء ومعجزاتهم صلوات الله وسلامه عليهم.
(2/773)

خرقٌ للعادة؛ فكذّبها1؛ وحدّ بعضهم2 بأنّها3 الخارق للعادة، إذا لم يُعارضه أحد.
وجعل4 هذا فصلاً احترز به عن تلك الأمور؛ فقال5: المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل، مع عدم المعارضة. وجوَّزَ أن يأتي غير الأنبياء بمثل ما أتوا به6 سواء مع المعارضة. [وجعل] 7 ما يأتي به الساحر والكاهن معجزات، مع عدم المعارضة. وحقيقة المعجز هذا ما لم يعارض، ولا حاجة إلى كونه خارقاً للعادة، بل الأمور المعتادة إذا لم تُعارض كانت آية. وهذا باطلٌ قطعاً. ثمّ مسيلمة، والأسود العنسي، وغيرهما، لم يُعارَضوا8.
__________
1 انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد لعبد الجبار المعتزلي 15189.
وقد سبق الكلام عن المعتزلة، وموقفهم من معجزات الأنبياء في أول الكتاب ص 147-149.
2 وهم الأشاعرة، وسيأتي استشهاد شيخ الإسلام بكلام رأسٍ كبير من رؤوسهم؛ وهو الباقلاني.
3 أي آيات الأنبياء ومعجزاتهم عليهم الصلاة والسلام.
4 الجاعل هو الباقلاني، وقد ذكره هاهنا لأنّه - أي شيخ الإسلام - أفرد كتابه النبوات للردّ عليه كما مرّ معنا.
5 انظر أقوال أبي بكر الباقلاني في كتابه البيان ص 47-48، 91-96.
وقد تقدّم نقل بعض أقواله التي تشبه هذه الأقوال في ص 152-153، 580 من هذا الكتاب.
وتقدّمت مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لهم من أقوالهم، وردّ عليهم. انظر النبوات ص 586-590.
6 يعني الأنبياء.
7 في ((ط)) : وجلع.
8 انظر ما سبق من كتاب النبوات ص 192-193، 272-273، 598-599.
(2/774)

[ثمّ يُقال: ما يعني بعدم المعارضة] 1 في ذلك المكان والزمان؛ فالسحرة والكهان لا يُعارَضون، والعنسي، ومسيلمة لم يعارَضا في مكانهم، ووقت [إغوائهم] 2.
وإن قال: لا يُعارَض البتة. فمن أين يعلم هذا العدم؟ فإن قيل: فما آيات الأنبياء؟ قيل: هي آيات الأنبياء التي [يُعلم] 3 أنّها مختصة بالأنبياء، وأنّها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بُدّ أن تكون خارقةً للعادة، خارجةً عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحداً أن يعارضها. لكن كونها خارقة للعادة، ولا تمكن معارضتها: هو من لوازمها ليس هو حداً مطابقاً لها. والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضرورياً؛ كانشقاق القمر، وجعل العصا حية، وخروج الناقة.
فمجرد العلم بهذه الآيات يُوجب علماً ضرورياً بأنّ الله جعلها آيةً لصدق هذا الذي استدلّ بها، وذلك يستلزم أنّها خارقة للعادة، وأنّه لا يمكن معارضتها.
فهذا4 من جملة صفاتها، لا أنّ هذا وحده كافٍ فيها.
وهذا إذا قال مَنْ قال: إنّ فلاناً أرسلني إليكم؛ فإنّه يأتي بما يعلم أنّه علامة.
والعلامة، والدليل، والآية، حدّها: أنّها تدلّ على المطلوب.
وآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم. وهذا لا يكون إلا مع كونها مستلزمةً
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((خ)) : اغواهم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((م)) ، و ((ط)) : تعلم.
4 أي خرق العادة وعدم المعارضة.
(2/775)

لصدقهم؛ فيمتنع أن تكون معتادة لغيرهم، ويمتنع أن يأتي من يعارضهم بمثلها، ولا يمتنع أن يأتي نبي آخر بمثلها، ولا أن يأتي من يصدّقهم بمثلها؛ فإنّ تصديقه لهم يتضمن صدقهم، فلم يأت إلا مع صدقهم.
وقد تكون الآيات تدلّ على جنس الصدق؛ وهو صدق صاحبها؛ فيلزم صدقه إذا قال: أنا نبي، ولكن يمتنع أن يكون لكاذب.
فهذا ونحوه مما ينكشف به حقيقة هذا الباب1، وهو من أهم الأمور.
وإذا فُسِّر خرق العادة: بأنها خرق لعادات غير الأنبياء؛ أي لا يكون لغير جنسهم، وجنس من صدَّقهم، وفسَّر عدم المعارضة: بأنّه لا يقدر أن يأتي بها من ليس بنبيّ، أو متبع لنبي، كان المعنى واحداً، واتَّحدت التفاسير الثلاثة2.
__________
1 وهو الفرق بين النبيّ والمتنبي، والصادق من الكاذب، وآيات الأنبياء من خوارق السحرة والكهان.
وقد صرّح المؤلف بوجوب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وخوارق غيرهم؛ فقال رحمه الله تعالى: "فينبغي أن يُتدبّر هذا الموضوع، وتُعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء وبين ما يشتبه بها؛ كما يُعرف الفرق بين النبيّ والمتنبئ، وبين ما يجيء به النبيّ، وما يجيء به المتنبئ". انظر ص 173 من هذا الكتاب.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى: "فإنّ الكلام في المعجزات وخصائصها، والفرق بينها وبين غيرها من أشرف العلوم. وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطاً". قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق ص 164.
2 شيخ الإسلام رحمه الله يوجه تعريف كل من المعتزلة والأشاعرة، وحدّهم لآيات الأنبياء، وما يحمله على القول الصحيح، ويُبيّن أنه لو كان مرادهم بالحدود التي حدّوها هو هذا المعنى، لاتحد تعريف المعتزلة والأشاعرة مع تعريف أهل السنة والجماعة، وكانت التفاسير الثلاثة صحيحة.
وتفسير ذلك: أنّ المعتزلة حدوا معجزات الأنبياء بأنها خارقة للعادة، وكذبوا بخوارق الأولياء والسحرة والكهان، ونفوا وجودها، وقالوا: إن خرق العادة لا يكون إلا للأنبياء.
والأشاعرة: جعلوا المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل، مع عدم المعارضة، وجوزوا أن يأتي غير الأنبياء بمثل ما أتوا به ولو لم يدعوا النبوة، فسووا بين خوارق الأنبياء والأولياء والسحرة والكهان.
والشيخ رحمه الله يوضح أن خرق العادة وعدم المعارضة هذا من صفات المعجزة، ليس من حدودها.
ولو أنّ المعتزلة فسروا خرق العادة بأنها خرق لعادات غير الأنبياء؛ أي لا يكون لغير جنسهم وجنس من صدّقهم. ولو أنّ الأشاعرة فسروا عدم المعارض بأنه لا يقدر أن يأتي بها من ليس بنبيّ، أو متبع لنبيّ، كان المعنى واحداً، واتفق كل من المعتزلة والأشاعرة مع تعريف أهل السنة والجماعة.
(2/776)

فصل الله سبحانه دل عباده بالدلالة العيانية والدلالات المسموعة
والله سبحانه دلّ عباده بالدلالات العيانية المشهودة، والدلالات المسموعة1؛ وهي كلامه. لكنّ عامّتهم تعذَّر عليهم أن يسمعوا كلامه منه، فأرسل إليهم بكلامه رسلاً، وأنزل إليهم كتباً.
والمخلوق إذا قصد إعلام من يتعذَّر أن يسمع منه، أرسل إليه رسلاً، وكتب إليه كتباً؛ كما يفعل الناس؛ ولاة الأمور، وغيرهم: يُرسلون إلى من بَعُد عنهم رسولاً، ويكتبون إليه كتباً.
__________
1 سبق أن بيّن شيخ الإسلام رحمه الله قبل ذلك أنّ آيات الله الكونية الفعليّة؛ مثل: المعجزات، والقولية؛ مثل القرآن الكريم. انظر ص 792 من هذا الكتاب.
(2/777)

ثم إنّه سبحانه جعل مع الرسل آيات؛ [هنّ] 1 علامات وبراهين؛ هي أفعال يفعلها مع الرسل، يخصُّهم بها، لا [توجد] 2 لغيرهم؛ فيعلم العباد - لاختصاصهم بها - أنّ ذلك إعلام منه للعباد، وإخبار لهم أنّ هؤلاء رسلي؛ كما يُعلّمهم بكلامه المسموع منه، ومن رسوله.
ولهذا قد يعلم برسالة رسول بإخبار رسولٍ أخبر عنه3. وقد يُخبر عن إرساله بكلامه، لمن سمع كلامه منه؛ كما أخبر موسى، وغيره بالوحي الذي يوحيه إليهم.
تعريف المعجزة عند شيخ الإسلام
فآيات الأنبياء هي علامات وبراهين من الله، [تتضمّن] 4 إعلام الله لعباده وإخباره. [فالدليل] 5؛ وهو الآية، والعلامة: لا تدل إلا إذا كان مختصّاً بالمدلول عليه، مستلزماً له؛ إمّا مساوٍ له، وإما أخصّ منه، لا يكون أعمّ منه غير مستلزم له، فلا يتصوّر أن يوجد الدليل بدون المدلول عليه.
فالآيات التي أعلم الله بها رسالة رسله، وصدّقهم، لا بُدّ أن تكون مختصةً بهم، مستلزمةً لصدقهم؛ فإنّ الإعلام والإخبار بأنّ هذا رسول، وتصديقه في قوله: إنّ الله أرسلني، لا يُتصوّر أن يوجد لغير رسول.
__________
1 في ((ط)) : هي.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : يوجد.
3 ومن ذلك إخبار عيسى عليه الصلاة والسلام بنبوة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} . [سورة الصف، الآية 6] .
4 في ((خ)) : يتضمّن. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((خ)) : الدليل. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/778)

والآيات التي جعلها الله علامات: هي إعلامٌ بالفعل الذي قد يكون أقوى من القول، فلا يُتصوّر أن تكون آيات الرسل إلا دالّة على صدقهم، ومدلولها أنّهم صادقون، لا يجوز أن توجد بدون صدق الرسل البتة.
وكون الرب أراد بها إعلام عباده بصدقهم، وصدَّقهم بها في إخبارهم أنه [أرسلهم] 1، وكونها آية وعلامة على صدقهم: أمرٌ يُعلم؛ كما [تعلم] 2 دلالة سائر الأدلة؛ كما يَعْلَمُ [مِنَ] 3 [الرَّجُلِ أصدقاؤُهُ] 4، ووكلاؤه أنّه [أرسل] 5 هذا بهذه العلامات؛ فتارة يعلم ذلك بالضرورة بعد تصور الأمر، وتارة يحتاج إلى نظر: هل هذه العلامة منه، أو من غيره؟ وهل هو أرسله بها، أو غيره؟ وهل قصد بها الإعلام، [والتصديق، أم لا] 6؟ وهل يعلم من حال الذاكر أنّه أرسله أنّه صادق؟ فقد يُرسل من يعلمون هم صدقه، وأنّه لا يكذب؛ فيعلمون صدقه بمجرّد قوله: هو أرسلني، من غير آية، ولا علامة.
ولهذا إذا قال مَنْ صَدَّقه: إنّه رأى رؤيا: صدّقه، وجزم بصدقه من قد خَبَرَ7 صدقه. والرؤ يا جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوّة8.
__________
1 في ((ط)) : أرسلها.
2 في ((خ)) : يعلم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : الرجل وأصدقاؤه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((خ)) : أرسله. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 في ((خ)) : والتصديق أو لا؟ وتارة يحتاج إلى نظر: هل هذه العلامة منه، أو من غيره؟ وفيها تكرار لجملة سابقة، وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 عَرَفَ.
8 يُشير إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة".. الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 62562، كتاب التعبير، باب رؤيا الصالحين. ومسلم في صحيحه 41773، كتاب الرؤيا. وأحمد في المسند 218، 50، 229. وانظر كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري (12390) على هذا الحديث.
(2/779)

وكذلك لو أخبر بغير ذلك؛ كما أخبر عمران بن حصين1 أنّ الملائكة تسلم عليه2، فلم يشكّ الذين أخبرهم في صدقه، من غير آية.
فمن كان يعلم صدق موسى، والمسيح، ومحمد، وغيرهم، وأنّهم لا يكذبون في أخفّ الأمور، فكيف بالكذب على الله؟ إذا أخبرهم أحدهم بما جاءه من الوحي والرسالة، وما غاب من الملائكة؛ فإنّه قد يجزم بصدقه، من غير آية، لا سيما إن كان ما يقوله لهم مما يؤيّد صدقه.
ولهذا لم يكن من شرط الإيمان بالأنبياء وجود الآيات، بل قد يعلم صدقهم بدون ذلك؛ كما قد بُيِّن في موضعٍ آخر3.
وتارة يحتاجون إلى العلامة، وتارة يعلمون كذبه بأن يذكر عن صاحبهم ما يعلمون هم خلافه، ويصفه بما علموا نقيضه. وقد يظهر لهم من قصده أنّه كذّاب، ملبِّس، طالب أغراض له؛ إمّا مال يعطونه، أو ولاية يولّونه، أو
__________
1 هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد. أسلم عام خيبر، وروى أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من فضلاء الصحابة. تحوّل إلى البصرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي قضاءها، وكان يُفقّه أهلها. وكان مجاب الدعوة. ولما حصلت الفتنة اعتزلها. توفي في البصرة سنة 52 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 2508. والأعلام للزركلي 570.
2 ابن الجوزي صفة الصفوة 1681، وابن الأثير في أسد الغابة رقم (796) ص 548. انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص 301.
3 سبق ذلك مراراً في كتب شيخ الإسلام رحمه الله؛ سيما كتابه النبوات؛ فقد ذكر فيه رحمه الله طرقاً كثيرة في الدلالة على صدق الأنبياء، غير طريق المعجزة. وانظر: الجواب الصحيح 56.
(2/780)

امرأة يزوجونه بها، أو غير ذلك من أغراض النفوس؛ فيسألونه عن مقصوده، فإذا عرفوا مقصوده، فقد يعلمون كذبه أو صدقه.
ومثل هذا كثيرٌ في عادات الناس؛ فكثيراً ما يجيء الرجل بما يزعم أنّه علامة، وتكون مشتركة1. فيقال له: ما تريد؟ فيذكر مراده، فيعلمون كذبه.
فدلائل الصدق والكذب لا تنحصر كدلائل الحب والبغض، هي كثيرة جداً، وهذا يعرفه من جرَّب عادات الناس.
__________
1 يأتي بها النبيّ، وغير النبيّ.
(2/781)

فصل آيات الأنبياء دليل وبرهان
فالآيات التي تكون آيات للأنبياء: هي دليلٌ وبُرهان.
والله تعالى سمّاها برهاناً في قوله لموسى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} 1؛ وهي العصا واليد2.
وسماها برهاناً [و] 3آيات في مواضع كثيرة من القرآن4.
فحدّها حدّ الدليل والبرهان؛ وهي أن تكون مستلزمة لصدق النبيّ، فلا يتصور أن [توجد] 5 مع انتفاء [صدق] 6 من أخبر أنّ الله أرسله.
فليس له إلاَّ حالان: إمّا أن يكون الله أرسله، فيكون صادقاً، أو لا يكون أرسله، فلا يكون صادقاً.
فآيات الصدق لا توجد إلا مع أحد النقيضين؛ وهو الصدق، لا [توجد] 7
__________
1 سورة القصص، الآية 32.
2 وهو قول المفسرين جميعاً. انظر: زاد المسير لابن الجوزي 6220-221.
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 من ذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [سورة النساء، الآية 174] . وقول صالح عليه السلام لقومه كما حكى الله تعالى عنه: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ} [سورة الأعراف، الآية 73] . والأدلة على ذلك كثيرة جداً، أكثر من أن يجمعها محلّ واحد.
وقد سبق ذكر كثير منها في هذا الكتاب؛ انظر ص 251.
5 في ((خ)) : يوجد. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 في ((خ)) : صدقه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 في ((خ)) : يوجد. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/782)

قطّ مع الآخر؛ وهو انتفاء الصدق؛ كسائر الأدلة؛ التي هي: البراهين، والآيات، والعلامة؛ فإنّها لا توجد إلا مع تحقّق المدلول عليه، لا توجد مع عدمه قط؛ إذ كانت مستلزمة له؛ يلزم من وجود الدليل، وجود المدلول عليه؛ فلا يوجد الدليل مع عدم المدلول عليه؛ فلا توجد آياتهم مع عدم صدقهم.
فيجب أن يُتصوَّر هذا الموضع؛ فإنّه حقٌ، معلومٌ بعد تصوّره لكل العقلاء بالضرورة، فلا يمكن أحداً كذَّب النبي أن يأتي بمثلها؛ فإنّه لو أتى بمثلها، مع تكذيب النبيّ، لكانت قد وجدت مع قوله: إنّي صادق، ومع قول هذا المكذِّب: إنّه كاذب؛ فلم [تختصّ] 1 بصدقه، ولم تستلزمه؛ فلا يلزم إذا قال: إني صادق، أن يكون صادقاً، وهذا قد أتى بمثل ما أتى به، وقال: إنّه كاذب.
ولا يكون إعلاماً من الله لعباده، وإخباراً لهم: بأنّي أرسلته، ولا تصديقاً له؛ كما لو قال رجلٌ: إنّ فلاناً أرسلني، وجاء بعلامةٍ ذكر أنّه خصّه بها؛ مثل أن يقول: العلامة أنه أعطاني خاتمه، فيقول المكذِّب: وأنا أيضاً أعطاني خاتمه الأخرى لأصلحها له، أو لأختم بها كذا، وأنت إنّما أعطاك خاتمه لتصلحها، أو [تختم] 2 بها.
فإذا أتى المكذِّب له بمثل ما أتى به، امتنع كونها آية.
ولكن لو كان قد [جاءهم] 3 بالخاتم غيره لأمرٍ آخرَ أرسله [له] 4، لم
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : يختصّ.
2 في ((خ)) : يختم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((م)) ، و ((ط)) : جاء.
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
(2/783)

يمتنع ذلك، بل قد جرت عادته معهم: بأنّه من أرسله، يُرسل معه خاتمه؛ فقد صار إرسال الخاتم عادة له، يدلّ على صدق من أرسله؛ فهو يُميِّز رسله بالخاتم، لا يخصّ بها واحداً منهم، وهي عادة منه لرسله، ليست لغيرهم؛ لا عادة، ولا غير عادة.
فهذا شأن الآيات والعلامات التي يقصد الدالّ بها أن يدلّ بها.
(2/784)

فصل الله تعالى سماها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات
...
فصل الله تعالى سمها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات
والله تعالى سمّاها آيات وبراهين1، وهو اسمٌ مطابق لمسمّاه، مطّرد لا ينتقض، فلا [تكون] 2 قطّ إلاّ آيات لهم وبراهين.
أقوال الناس في تسمية آيات الأنبياء خوارق
وأما تسميتها بخرق العادة: فللنّاس في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ ذلك حدّ لها مطّرد منعكس؛ فكلّ خرق [هو] 3 معجزة للنبي، فهو خرق عادة4.
والثاني5: أنّ خرق العادة شرطٌ فيها، وليس بحدّ لها، فيجب أن [تكون] 6 خارقة لعادة، ولكن ليس كلّ خارق للعادة يكون آيةً لنبيّ؛
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "لم يكن لفظ المعجزات موجوداً في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان ... ". ثم ذكر رحمه الله الأدلة من القرآن الكريم على ذلك. انظر: الجواب الصحيح 5412-419. وسبق أن تكلم شيخ الإسلام رحمه الله عن هذا الموضوع في هذا الكتاب. انظر ص 251، 939.
2 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : فهو. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 وهذا قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء، وخوارق السحرة.
انظر هذا الكتاب - النبوات - ص (147-151، 929-932) .
5 وهذا القول هو الذي يؤيّده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وسبق أن استوفى - رحمه الله - هذا المعنى في هذا الكتاب ص 187.
انظر ص 188-199، 249-250، 929-932.
6 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/785)

كأشراط الساعة، بل أن يقع على وجه مخصوص؛ مثل دعوى النبوة، والاستدلال بها، والتحدي بمثلها، مع عجز الناس عن معارضته.
والقول الثالث: أنّ كونها خارقة للعادة ليس بحدّ، ولا شرط1.
قال القاضي أبو بكر في مناظرته في الكرامات2: ويقال لهم أيضاً: إنّ من الناس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقة للعادة، ويقول: إنّما [تكون] 3 آية إذا كانت من فعل الله، مع التحدي بمثلها، ودعوى النبوة. فدلالتها على وجه لا يمكن أن يشترك في ادّعائه الصادق والكاذب، فإذا ظهرت على هذا الوجه، كانت آية لمن فُعِلت على يده. قال المجيبون بهذا4، ولهذا لم تكن أشراط الساعة آيةً لأحد، وإن خرقت العادة؛ إذ لم يكن معها دعوى نبوة، ولأنّ موتَ زيد عند قول الرسول: آيتي أن يميت الله زيداً عند دعائي: موتُه. فإذا مات عند دعوته، صار ذلك آية له، وإن كان فعل الموت في الإنسان وغيره من الحيوان معتاداً.
قال5: [أو إن] 6 قالوا: لو كان كذلك، لكان من قال: آيتي أن
__________
1 وهذا قول الأشاعرة.
انظر: الجواب الصحيح 6400. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 405، 407.
2 هذا من القسم المفقود من كتاب الباقلاني: البيان. وسبق أن نقل شيخ الإسلام رحمه الله هذا الكلام عن الباقلاني في ص 486.
وقد أشار الباقلاني في كتابه البيان إلى أنّه سيفرد باباً في الكرامات. انظر: البيان ص 7، 48.
3 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 وهم الأشاعرة.
انظر: أصول الدين للبغدادي ص 170. وانظر ما سبق في كتاب ((النبوات)) ص 593-594، 644.
5 أي الباقلاني.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : إن.
(2/786)

[تطلع] 1 الشمس وتغرب، ويأتي الليل والنهار والضياء والظلام، وفَعَلَ ذلك مع دعواه الرسالة، كان آية له، وإن لم يكن المفعول من ذلك خارقاً للعادة. فلمّا لم يكن كذلك، وإن كان [واقعاً] 2 من فعل الله مع دعوى النبوة؛ لكونه غير خارق للعادة، بطل ما قلتموه؟ يقال لهم: قد أجبنا عن هذا حين قلنا: ويكون الواقع من فعل الله مع دعوى النبوة، مما لا يشترك فيه الصادق والكاذب، ويستوي مع ظهوره دعوى المحق والمبطل، وطلوع الشمس وغروبها.
ولو قال النبي: آيتي أن يظلّنا السحاب الساعة، و [تزلزل] 3 الأرض، وتحدث الأمطار، بدعوى، فحدث ذلك، لكان آيةً له. وإن كان مثل ذلك قد يحدث في العصر ويُشاهد، فإذا قال المتنبي: [إنّني] 4 مُعَارِضُه، وآيتي في كوني نبيّاً ظهور مثل ذلك، مُنع منه ولم يحدث5.
__________
1 في ((خ)) : يطلع. وما اثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : "فاقعا". وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : تزلزله. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : آيتي. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 يُوجد هذا الكلام بمعناه ومفهومه، لا بنصه ومنطوقه في كتاب البيان للباقلاني ص 47-48.
ولفظه هناك؛ قال الباقلاني: "فصل: وأما ما يدل على أنه لا يكون معجزاً إلا إذا فُعل عند احتجاج الرسول به لصدقه وتحديه بمثله، فهو أنه قد ثبت أنه ليس بمعجز لجنسه، وأن الله عز وجل لو ابتدأ بفعله؛ نحو أن يُحيي ميتاً، ويطلع الشمس من مغربها، ويزلزل الأرض، ويظلنا بالسحاب، لا عند دعوى أحد للرسالة. وكون ذلك آية له لم يكن ما يفعله الله سبحانه من ذلك معجزاً، وإن كان من جنس المعجز، فلذلك لا يكون إحياء الأموات يوم القيامة، وإطلاع الشمس من مغربها، وطيّ السموات، وأمثال ذلك من آيات الساعة آية لأحد، وإن كان مثله، وما هو من جنسه لو فعل في وقتنا هذا عند تحدي الرسول، لكان آية له، وحجة لنبوته، فهذا أقوى الأدلة، وأصحها على أن المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا بحدوثها، وإنما يصير معجزاً للوجوه التي ذكرناها، ومنها التحدي والاحتجاج". البيان ص 47-48.
وانظر: الإرشاد للجويني ص 319، 328، 331. وانظر ما سبق من كتاب ((النبوات)) ص 644.
(2/787)

مناقشة شيخ الإسلام للباقلاني
قلت1: هذا الذي ذكروه، هو أيضاً خرق للعادة؛ فإنّ ظهور مثل ذلك على هذا الوجه مّما لم تَجْرِ بِهِ العادة، وهو نفسه القاضي أبو بكر في هذا الكتاب؛ ((كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل و [الكهانة] 2 والسحر والنيرنجيّات)) ، قد قال: قيل: هذا باب القول في معنى العادة وانخراقها، والعادة التي إذا انخرقت دلّت على صدق الرسل، والاعتياد للأمر، وتفصيل ذلك وتنزيله3:
اعلموا رحمكم الله4 أنّ الكل من سائر الأمم قد شرطوا في صفة [المعجز: أن] 5 يكون خارقا للعادة. وإذا6 كان ذلك واجباً، وجب معرفة هذه العادة، ومعرفة انخراقها7.
__________
1 القائل هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
2 في ((خ)) : الكهان. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 الذي في البيان للباقلاني: عنوان: "القول في معنى العادة، وانخراقها، والعادة التي إذا انخرقت دلّت على صدق الرسل والاعتياد للأمر والأمر المعتاد وتفصيل ذلك وتنزيله". ثم عنوان: فصل. انظر: البيان للباقلاني ص 50.
4 في البيان للباقلاني: وفقكم الله.
5 في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : المعجزات. وما أثبت من البيان للباقلاني.
6 في البيان: فإذا.
7 البيان للباقلاني ص 50. وسبق أن نقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا النص في هذا الكتاب، انظر ص 660.
(2/788)

فقد [حكى] 1 هنا الإجماع، وهناك صرّح بالاختلاف2، وقوَّى ذلك القول.
وسبب ذلك: اضطرابهم في معنى العادة وانخراقها؛ فإنّ كلّ قوم يفهمون غير ما يفهمه الآخرون، والله تعالى إنما سماها آيات3.
وهذا القول الذي ذكره وقوّاه، وهو: لا يشترط فيها أن تكون خارقة للعادة: هو حقيقة قول القاضي4، وأمثاله؛ من المتكلمين الأشعرية، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله؛ فإن المعجزات عندهم لا تختص بجنس من الأجناس المقدورات، بل خاصّتها أنّ النبي يحتجّ بها، ويتحدّى بمثلها، فلا يمكن معارضته؛ فاشترطوا لها5 [وصفين] 6: أن تكون مقترنة بدعوى النبوة، وجعلوا المدلول جزءاً من الدليل، وأنّها لا تعارض.
وبالأول: فرّقوا بينها وبين الكرامات.
وبه7 وبالثاني: فرّقوا بينها وبين السحر والكهانة.
__________
1 في ((ط)) : حكي.
2 أي في النقل السابق عن الباقلاني، وهو من القسم المفقود من كتابه البيان. انظر ص 49.
3 انظر: الجواب الصحيح 5412. وانظر النبوات ص 251.
4 قال الباقلاني في صفات المعجزات: "والوجه الثاني: أن يكون ذلك الشيء الذي يظهر على أيديهم مما يخرق العادة وينقضها، ومتى لم يكن كذلك لم يكن معجزاً". البيان للباقلاني ص 45.
5 انظر: البيان للباقلاني ص 47-48. والإرشاد للجويني ص 312-313، 319. وأصول الدين للبغدادي ص 170. والمواقف للإيجي ص 339. وشرح المقاصد للتفتازاني 511.
6 في ((خ)) : تصفين. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 أي بالشرط الأول.
(2/789)

وصرّحوا بأنّ جميع خوارق السحرة والكهان يجوز أن تكون معجزة لنبيّ، لكن إذا كانت معجزة لم تمكن معارضتها. فلو ادّعى ساحر أو كاهن النبوة، لكان الله يعجزه عن تلك الخوارق1، قد عُلم أنّ غيره من السحرة والكهّان يفعل مثلها، وليس بنبيّ.
وما يأتي به الأنبياء من المعجزات جوّزوا أن [يأتي] 2 بمثله الساحر والكاهن، إلا ما منع منه السمع؛ للإجماع3 على أنّ الساحر لا يقلب العصا حية4.
وهذا الفرق ليس لما يختص به أحد النوعين، ولا ضابط له.
وصرّحوا بأنه لا يستثنى من الخوارق، إلا ما انعقد عليه الإجماع5.
وصرّحوا بأن العجائب [الطبيعية] 6؛ مثل جذب حجر المغناطيس الحديدَ: يجوز أن يكون معجزة، لكن بشرط أن لا يعارض7.
وكذلك الطلاسم، وكذلك الأمور المعتادة: يجوز أن تكون معجزة بشرط أن يمنع غيره منها، فتكون المعجزة منع المعتاد8.
فالخاصة عندهم فيها9: أنّها لا تعارض، وأنها تقترن بدعوى النبوة.
__________
(1 انظر: البيان للباقلاني ص 94-96.
2 في ((خ)) : يأتوا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 انظر: البيان للباقلاني ص 91. والإرشاد للجويني ص 322-323.
4 انظر: البيان للباقلاني ص 91.
5 انظر: البيان للباقلاني ص 91.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : الطبعية.
7 انظر: البيان للباقلاني ص 98.
8 انظر: البيان للباقلاني ص 99، 100-101.
9 أي خاصة المعجزة وحقيقتها.
(2/790)

وقد يشترطون أن تكون خارقة للعادة، لكن يكتفون بمنع المعارض1؛ فهو وحده خرق للعادة؛ فلا يشترطون هذا وهذا.
وقد اشترط القاضي أبو بكر أن يكون مما يختص الربّ بالقدرة عليه2.
ولا حقيقة له؛ فإن جميع الحوادث كذلك عندهم3، وكل ما [خرج] 4 عن محل قدرة العبد، فالرب عندهم مختصّ بفعله؛ كخوارق السحرة والكهان5.
وحقيقة الأمر: أنّه لا فرق عندهم بين المعجزات والكرامات، والسحر والكهانة، لكنّ هذه إذا لم تقترن بدعوى النبوة لم [تكن] 6 آية، وإذا اقترنت بها كانت آية، بشرط أن لا تعارض7.
حقيقة قول الأشاعرة في النبوة
ثمّ إنّه8 لمّا أثبت النبوة، قال: إنّه يجوز على النبي فعل كل شيء من
__________
1 انظر: البيان للباقلاني ص 47-48.
2 انظر: البيان للباقلاني ص 8، 45، 54. وأصول الدين للبغدادي ص 176.
3 انظر: الإرشاد للجويني ص 319، 322. وأصول الدين للبغدادي ص 134، 176.
وسبق أن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معلقاً على ذلك: "إنّ المتأخرين من الأشعرية؛ كأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم حذفوا شرط كون المعجزة مما ينفرد الرب بالقدرة عليها، وقالوا: كلّ حادثٍ فهو مقدور للرب". النبوات ص 250-251، 718-732.
4 في ((ط)) : خرجخ.
5 انظر: الإرشاد للجويني ص 319، 322. والبيان للباقلاني ص 88-90.
6 في ((خ)) : يكن. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 انظر الإرشاد للجويني ص 322. والبيان للباقلاني ص 91.
8 يعني القاضي أبا بكر الباقلاني.
(2/791)

الكبائر، إلا أن يمنع من ذلك سمع1. كما قال: كلّ ما كان معجزة للأنبياء، يجوز أن يأتي به الساحر، إلا أن يمنع منه سمع2؛ إذ كان في نفس الأمر لا فرق بين فعل وفعل، بل يجوز من الربّ كلّ شيء؛ فيجوز أن يبعث كلّ أحد، ولا يقيم على نبوته دليلاً3.
هذا حقيقة قولهم: إنّه يجوز أن يبعث كلّ أحد، وأنّه إذا بعثه لا يُقيم دليلاً على نبوته، بل يُلزِم العباد بتصديقه، بلا دليلٍ يدلهم على صدقه.
تعريف الأشاعرة للمعجزة، ورد شيخ الإسلام عليهم بجوابين
فإن غاية هذا: تكليف ما لا يطاق، وهم يجوّزونه4.
وهذا الذي قالوه: باطلٌ من وجوه متعددة، قد بُسطت في غير هذا الموضع5.
__________
1 سبق هذا الكلام.
انظر: النبوات ص 573-574، 732. والمواقف للإيجي ص 358-359.
2 انظر: البيان للباقلاني ص 91. والإرشاد للجويني ص 322، 323، 328.
3 سبق الكلام في ذلك.
انظر ما سبق في هذا الكتاب ص 573-575.
4 أي الأشاعرة.
وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 573-574.
وانظر أيضاً: الإنصاف للباقلاني ص 74-77. والإرشاد للجويني ص 226- 228، 280، 326-327. والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص 112-114. وقواعد العقائد له ص 203-204. ومعالم أصول الدين للرازي ص 85-86.
وقال الإيجي: (تكليف ما لا يُطاق جائز عندنا لما قدمنا ... من أنه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء، إذ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه) . المواقف للإيجي ص 330-331.
5 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 8295-302، 348، 472-474. ودرء تعارض العقل والنقل 163-65. وجامع الرسائل 1123-124.
(2/792)

منها: أنّهم جعلوا المدلول عليه؛ وهو إخبار النبي بنبوته، وشهودها، وثبوتها: جزءاً من الدليل؛ قالوا: لأنّها لو كانت معجزة لجنسها، لم تقع إلا معجزة، والخوارق التي تكون أمام الساعة، ليست معجزة لأحد. فعُلِم أن الدليل هو مجموع دعوى النبوة، والخارق1.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنّ تلك من آيات الله تعالى؛ فالخوارق التي لا يقدر عليها العباد: كلّها آيات [لله] 2 تعالى، وهي دالة على ما يظهر دلالتها عليه؛ تارة [تكون] 3 تخويفاً؛ [كما] 4 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنّهما لا [ينكسفان] 5 لموت أحدٍ، ولا لحياته، ولكنّهما آيتان من آيات الله يُخوّف الله بهما عباده" 6.
والتخويف يتضمن: الأمر [بطاعته، والنهي] 7 عن معصيته.
وأشراط الساعة آيات على قربها، وعلى جزاء الأعمال، وهو يتضمن الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية8.
__________
1 انظر: البيان للباقلاني ص 47-48. وأصول الدين للبغدادي ص 170، 178. والإرشاد للجويني ص 319. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 586، 593، 653. والجواب الصحيح 6400.
2 في ((ط)) : الله.
3 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : وكما - بزيادة الواو -، وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((م)) ، و ((ط)) : تنكسفان.
6 سبق تخريجه ص 882.
7 في ((خ)) : بالطاعة والأمر والنهي. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
8 سبق نحو هذا الكلام في ص 597، 942.
(2/793)

والثاني: أن يقال: هي آيات على صدق الأنبياء؛ فإنهم أخبروا بها، وهي آية على ما أخبروا به، وعلى صدقهم.
عامة معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدى بها
وأيضا: فإنّ عامّة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها، ويقول ائتوا بمثلها. والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه [افتراه] 1، ولم يتحدّاهم به ابتداءً، وسائر المعجزات لم يتحدّ بها، وليس فيما نقل تحدّ إلا بالقرآن2، لكن قد عُلم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء. فهذا لازمٌ لها، لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره.
آيات الأنبياء منها ما يكون قبل ولادتهم ومنها ما يكون بعد موتهم
وأيضا: فمن آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل أنبيائهم، وما يكون بعد موتهم3؛ فإن الآية [هي] 4 دليل على صدق الخبر بأنّه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص؛ لا بمكان، ولا زمان، ولا يكون هذا الدليل إلا من جنسٍ لا يقدر عليه الإنس كلهم، ولا الجنّ، فلا بُدّ أن يكون جنسه معجزاً أعجز الإنس والجنّ.
وأما قولهم: خاصّة المعجز عدم المعارضة5: فهذا باطلٌ، وإن كان عدم المعارضة لازماً له، فإنّ هذا العدم لا يعلم، إذ يمكن أن يعارضه من ليس هناك إذا كان مما يعلم أنّه معتاد؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ فإنّه
__________
1 في ((خ)) : افترا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سبق مثل ذلك في هذا الكتاب. انظر ص 652، 725.
3 ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلام حول هذا الموضوع. انظر الجواب الصحيح 6380.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((م)) ، و ((ط)) .
5 انظر: البيان للباقلاني ص 19-20. والإرشاد للجويني ص 312-313، 319. وأصول الدين للبغدادي ص170. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 588، 591.
(2/794)

وإن لم [يمكن] 1 أن يُعارض في هذا الموضع، ففي السحرة والكهان من يفعل مثلها، مع أنه ليس بنبي.
تعريف الأشاعرة لدليل النبوة
ودليل النبوة يمتنع ثبوته بدون النبوة، وإذا قالوا: الدليل هو: مجموع الدعوى، والدليل2: تَبين [خطؤهم] 3، وأنّ القوم لم يعرفوا دلائل النبوة، ولا أقاموا دليلاً على نبوّة الأنبياء، كما لم يقيموا دليلاً على وجود الرب؛ فليس في كتبهم ما يدل على الربّ تعالى، ولا على رسوله، مع أنّ هذا هو المقصود من أصول الدين4.
الأشاعرة لم يقيموا دليلاً على ثبوت الأنبياء ووجود الرب تعالى
وأيضاً: فمسيلمة، والعنسي: لم يكن عندهما من يعارضهما.
وأيضاً: فالمعارض إن اعتبروه في المدعوين، وهذا مقتضى في خرق
العادة، وأن العادات تختلف، فلكل قوم عادة. قالوا5: فالمعتبر خرق عادة من أُرسِل إليهم.
وعلى هذا: فإذا أرسل إلى بني إسرائيل، ففعل ما لم يقدروا عليه، كان آية، وإن كان ذلك مما يقدر عليه العرب، ويقدر عليه السحرة والكهان.
وصرحوا بأنّ السحر الذي قال الله فيه: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} 6: يجوز أن يكون من معجزات الأنبياء إذا لم
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : يكن.
2 انظر ما سبق في هذا الكتاب ص 593، 653، 949-950. وانظر الجواب الصحيح 6500.
3 في ((م)) ، و ((ط)) : خطأهم.
4 يقصد شيخ الإسلام رحمه الله بهذا الكلام الأشاعرة.
وقد سبق نحو هذا الكلام في ص 611، 754-756 من هذا الكتاب.
5 انظر: البيان للباقلاني ص 52-55.
6 سورة البقرة، الآية 102.
(2/795)

يعارض1، وقد قال الرازي: إنّ السمعيات لا يُحتجّ بها؛ لأنّ دلالتها مشروطة بعدم المعارض العقلي، وذلك غير معلوم2.
وكذلك يقال في معجزات هؤلاء أنّ خاصتها عدم المعارضة. فإن اعتبروا أنّ أحداً من الخلق لا يُعارض، فهذا لا يُعلم. وإن اكتفوا بأن لا يعارض في ذلك المكان والزمان، فكثير من الصناعات، والعجائب، والعلوم من هذا الباب. وهم لا ينكرون هذا، بل يقولون: المعجز هو هذا، مع دعوى النبوة.
وقد تبيَّن أنَّ الشيء في نفسه إذا لم يكن دليلاً، لم يصر دليلاً باستدلال المستدلّ به، بل هو في نفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ [إذ] 3 كان الدليل هو المستلزم للمدلول؛ فدليل صدق النبيّ هو يدلّ على أنّه نبيّ، وأنّ الخبر بنبوته صدق، وإن كان هو لا يستدلّ بذلك، ولا يتحدى بمثلها، وقد لا يخبره بنبوة نفسه، ويكون له دلائل تدلّ على نبوته؛ كما كانت قبل أن يولد، وفي الأمكنة البعيدة.
فتبين أنّ قول هؤلاء [هو] 4: أنّه لا يُعلم ما يُستدلّ به على نبوة الأنبياء5.
__________
1 سبق هذا الكلام في هذا الكتاب ص 156، 586-588. وانظر: البيان للباقلاني ص 94-96. والإرشاد للجويني ص 327-328.
2 سبق نقل ذلك عن الرازي في هذا الكتاب ص 652.
3 في ((ط)) : إذا.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
5 من أصول الأشاعرة في النبوات.
(2/796)

وهذا إذا انضمّ إلى أصلهم؛ وهو: أنّ الرب يجوز عليه فعل كلّ شيء1، صارا شاهدين: بانّه على أصلهم لا دليل على النبوة؛ [إذ] 2 كان عندهم لا فرق بين فعل من الرب وفعل. وعندهم: لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، فليس في أجناس المعقولات ما يكون آيةً تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم. بل ما كان لهم قد يكون [عند غيرهم] 3، حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم. فَرّقوا بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم، وهو مجرد دعوى.
الفرق بين النبي والساحر عند الأشاعرة
قالوا: لو ادّعى الساحر والكاهن النبوّة، لكان الله يُنسيه الكهانة والسحر، ولكان له من يعارضه4؛ لأنّ السحر والكهانه هي معجزة عندهم.
وفي هذه الأقوال من الفساد عقلاً وشرعاً، ومن المناقضة لدين الإسلام، وللحق ما يطول وصفه.
ولا ريب أنّ قول من أنكر وجود هذه الخوارق5 أقلّ فساداً من هذا.
ولهذا يشنع عليهم ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة6.
__________
1 سبق توضيح هذا الأصل عند الأشاعرة، وأنّهم به قد نفوا الحكمة عن الله تعالى، وجوّزوا عليه فعل كلّ قبيح.
انظر ص 152، 268، 335، 566 من هذا الكتاب.
2 في ((خ)) : ان. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : عندهم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 سبق ذكر ذلك مراراً. وانظر: البيان للباقلاني ص 94-95.
5 وهم المعتزلة، وابن حزم؛ فقد أنكروا الخوارق للأولياء وللسحرة على السواء.
6 سبقت الإشارة إلى ذلك في ص 266.
وقد ردّ ابن حزم رحمه الله على الأشاعرة في تفريقهم بين المعجزات والسحر، وأطال في ذلك. انظر: الفصل له 52-9.
(2/797)

الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة
ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقاً؛ إذ لا فرق عندهم في نفس الأمر1.
__________
1 الفروق التي ذكرها الأشاعرة بين المعجزات وخوارق السحرة فروق ضعيفة، لا تميّز بين المعجزة والسحر. ويمكن أن نذكر ها هنا بعض أقوال أئمة الأشاعرة التي توضّح بعضاً من هذه الفروق التي ذكروها.
وقد أورد الباقلاني سؤالاً، وهو: "ما الفصل بين السحر والمعجز؟ ". ثمّ أجاب بقوله: "إنّ من حق المعجز أن لا يكون معجزاً حتى يكون واقعاً من فعل الله سبحانه وتعالى على حد خرق عادة البشر، مع تحدي الرسول عليه السلام بالإتيان بمثله، وتقريع مخالفه بتعذر مثله عليه. فمتى وجد الشيء الذي ينفرد الله سبحانه بالقدرة عليه على حد العادة، على غير تحدي نبيّ به، واحتجاج لنبوته بظهوره، لم يكن معجزاً ... فإذا كان ذلك ... كذلك، خرج السحر عن أن يكون معجزاً مشبهاً لآيات الرسل، وإن كان ما يظهر عند فعل الساحر من جنس بعض معجزات الرسل، وما يفعله الله تعالى عند تحديهم به. غير أنّ الساحر إذا احتج بالسحر، وادّعى به النبوة، أبطله الله عليه بوجهين" ...
ثمّ ذكر هذين الوجهين، وهما: أن يُنسيه الله عمل السحر. والوجه الثاني: أن يوجد من السحرة من يعارضون هذا الساحر المدعي للنبوة. انظر البيان للباقلاني ص 94-95.
إذاً: الفرق بين المعجز والسحر عنده: هو التحدي فقط، وإلا فالجنس واحد.
وقال أيضاً: "ويجب في الجملة أن لا نستثني في السحر شيئاً لا يفعل عنده، إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من السحر". البيان ص 91.
أما الجويني: فيرى أنّ كلّ ما خرق للنبي من الآيات الكبرى، يقع للولي، ولا فرق بين المعجزة والكرامة إلا دعوى النبوة. انظر: الإرشاد للجويني ص 317.
ثم يقول عن السحر: "ولا يمتنع عقلاً أن يفعل الرب تعالى عند ارتياد الساحر ما يستأثر بالاقتدار عليه، فإنّ كلّ ما هو مقدور للعبد، فهو واقع بقدرة الله تعالى عندنا. والدليل على جواز ذلك [يعني السحر] كالدليل على جواز الكرامة، ووجه الميز هاهنا بين السحر والمعجزة؛ كوجه الميز في الكرامة، فلا وجه إلى إعادته". الإرشاد للجويني ص 322.
وقال أيضاً: "وجنس المعجزة يقع من غير دعوى، وإنما الممتنع وقوعه على حسب دعوى الكاذب". الإرشاد للجويني ص 328.
وقال أيضاً: "إنّ المعجز لا تدلّ لعينها، وإنما لتعلقها بدعوى النبي والرسالة، ونزولها منزلة التصديق بالقول". الإرشاد للجويني ص 319.
فالجويني: يجعل الفرق بين المعجزة والكرامة هو التحدي فقط، وإلا فبإمكان الولي أن يكون له مثل معراج الرسول، وعصا موسى، وناقة صالح، ونار إبراهيم عليه السلام. ثمّ يجعل الفرق بين المعجز والسحر مثل الفرق بين المعجزة والكرامة، ويزعم أنّ بإمكان الساحر أن يأتي بجنس المعجز إذا لم يدّع النبوة.
ويذكر الشهرستاني الفرق بين المعجزة والسحر؛ فيقول: "إذا لم يدّع الكاذب النبوة، فلا محذور ولا مانع من ظهور الخوارق". نهاية الإقدام للشهرستاني ص 434.
ويقول الإيجي: "إنّا بيّنّا أن لا مؤثر في الوجود إلا الله. والسحر ونحوه - إلا إن لم يبلغ حد الإعجاز؛ كفلق البحر، وإحياء الموتى، كما هو مذهب جميع العقلاء - فظاهرٌ، وإن بلغ. فأما دون دعوى النبوة والتحدي فظاهرٌ أيضاً، أو معه، فلا بُدّ من ألا يخلقه الله على يده، أو أن يقدر غيره على معارضته، وإلا كان تصديقاً للكاذب، وأنه محال". المواقف في علم الكلام للإيجي ص 346.
وقال المازري عن مذهب الأشعري، وأن الخوارق تقع على أيدي السحرة، مما ليس بمقدور الخلق: "ومذهب الأشعري: أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: وهذا هو الصحيح عقلاً؛ لأنه لا فاعل إلا الله تعالى. وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى، ولا تفترق الأفعال في ذلك، وليس بعضها بأولى من بعض..... فإن قيل: إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر، فبماذا يتميّز عن النبيّ؟ فالجواب: أن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر، لكن النبيّ يتحدّى بها الخلق". شرح النووي على صحيح مسلم 14175.
وقال القرطبي: "قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات، مما ليس في مقدور البشر،.... وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء". الجامع في أحكام القرآن للقرطبي 233.
وقال ملا علي القاري: "كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، لا فارق بينهما إلا التحدي". شرح الفقه الأكبر ص 79.
وكلامهم في ذلك كثير، وكلّها فروق هزيلة كما تبيّن.
وانظر حول هذا الموضوع أيضاً: شرح المقاصد للتفتازاني 511، 72-74. وجوهرة التوحيد للصاوي ص 98. وحاشية الأمير على شرح عبد السلام على الجوهرة ص 154.
وهكذا نرى الأشاعرة يجعلون جنس الخارق واحد للمعجزة والكرامة والسحر، إلا أنّ الفرق بين المعجزة والكرامة هو دعوى النبوة والتحدي، والفرق بين الكرامة والسحر هو أنّ الكرامة تظهر على الرجل الصالح، والسحر يظهر على الرجل الفاسق، والفرق بين المعجزة والسحر هو كالفرق بين المعجزة والكرامة.
وهذه الفروق ضعيفة، وغير مقبولة؛ لأنّها لا تميّز بين النبيّ والولي والساحر.
وقد سبقت ردود شيخ الإسلام رحمه الله (في هذا الكتاب ص 727-728) على من فرّق هذه الفروق. وسيأتي مزيد توضيح، ونقد لطريقة الأشعرية في فروقهم هذه، وبيان عدم جدواها في التمييز بين النبيّ والمتنبي، مما فيه غنية عن ذكره هنا.
(2/798)

قول شيخ الإسلام في آيات الأنبياء
والتحقيق: أنّ آيات الأنبياء مستلزمة للنبوّة، ولصدق الخبر بالنبوّة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنّه رسول، لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه؛ لا الإنس، ولا الجنّ؛ فإنّ ما يقدر عليه الإنس والجنّ يفعلونه، فلا يكون مختصاً بالأنبياء.
ومعنى كونها خارقةً للعادة: أنّها لا توجد إلاّ للنبوّة؛ لا مرّة، ولا أقلّ، ولا أكثر. فالعادة هنا تثبتُ بمرّة. والقاضي أبو بكر يقول: إنّ ما فعل مرّات يسيرة لا يكون معتاداً1.
__________
1 انظر: البيان للباقلاني ص 50-51. والإرشاد للجويني ص 310-311.
وقد ذكر الباقلاني معنى الاعتياد، حين عرّف العادة بقوله: "العادة على الحقيقة: إنّما هي تكرّر علم العالم ووجوه الشيء المعتاد على طريقة واحدة؛ إما بتجدد صفته وتكررها، أو ببقائه على حالة واحدة". البيان للباقلاني ص 50.
وسيأتي تعريف العادة عند شيخ الإسلام رحمه الله. انظر ص 1061، 1173 من هذا الكتاب.
(2/800)

وفي كلامه في هذا الباب1 من الاضطراب ما يطول وصفه. وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم.
وما يأتي به السحرة والكهان، يمتنع أن يكون آيةً لنبيّ، بل هو آية على الكفر، فكيف يكون آيةً للنبوّة، وهو مقدور للشياطين؟.
وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جنّ ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها، فحيث كانت آيةً لله، تدلّ على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئتَ قلت2: هي أيات لله، يُدلّ بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة.
وما يكون للسحرة والكهان، لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء مختصة بهم.
الفرق بين المعجزات والكرامات
وأما كرامات الأولياء3: فهي أيضاً من آيات الأنبياء؛ فإنّها إنّما تكون
__________
1 يقصد: باب إثبات صدق النبيّ، والفرق بين خوارقه وخوارق السحرة والكهّان.
2 الشيخ رحمه الله يُعرّف هنا المعجزة، أو آية النبيّ اصطلاحاً.
3 يُريد شيخ الإسلام رحمه الله أن يذكر الفرق بين المعجزات والكرامات. وقد سبق صنيعه هذا مراراً فيما مضى. انظر ص 604، 724 من هذا الكتاب.
والأشاعرة لا يُفرّقون بين المعجزة والكرامة إلا بالتحدّي، ويجعلون كلّ ما خُرق للنبيّ لا يمتنع أن يكون للولي.
يقول الجويني: "صار بعض أصحابنا إلى أنّ ما وقع معجزة لنبيّ لا يجوز وقوعه كرامة لوليّ؛ فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر، وتنقلب العصا ثعباناً، ويحيي الموتى كرامة لولي، إلى غير ذلك من آيات الأنبياء. وهذه الطريقة غير سديدة أيضاً. والمرضي عندنا: تجويز جملة خوارق العوائد في معارض الكرامات". الإرشاد للجويني ص 317.
وقال أيضاً: "فإن قيل: ما دليلكم على تجويزها؟ قلنا: ما من أمر يخرق العوائد، إلا وهو مقدور للربّ تعالى ابتداءً، ولا يمتنع وقوع شيء لتقبيح عقل، لما مهّدناه فيما سبق، وليس في وقوع الكرامة ما يقدح في المعجزة؛ فإنّ المعجزة لا تدلّ لعينها، وإنّما تدلّ لتعلّقها بدعوى النبيّ الرسالة، ونزولها منزلة التصديق بالقول.....".
ثمّ قال: "فإن قيل: فما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟ قلنا: لا يفترقان في جواز العقل، إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة". الإرشاد للجويني ص 317-318.
وقال الباقلاني: "ولذلك أيضاً أجزنا فعل أمثالها [أي المعجزات] ، وما هو من جنس كثير منها، على أيدي الأولياء والصالحين، على وجه الكرامة لهم". البيان للباقلاني ص 48.
والفرق عنده: أنّ المعجزة لا تكون، حتى يُتحدّى بها.
وهذه أيضاً فروق ضعيفة بين المعجزة والكرامة. وقد انتقدها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وأوضح القول الحقّ في هذا الموضوع من هذا الكتاب.
(2/801)

لمن [يشهد] 1 لهم بالرسالة، فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوّة.
وأيضاً: فإنّ كرامات الأولياء معتادةٌ من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك؛ فانشقاق القمر، والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حيّة، وخروج الدابة من صخرة2، لم يكن مثله للأولياء؛ وكذلك خلق الطير من
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : تشهد.
2 قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة الأعراف، الآية 73] . وقال تعالى يحكي عن قوم صالح وقولهم لنبيّهم: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ. مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عظيم. فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} [سورة الشعراء، الآيات 153-157] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقد احتجّ ملأهم، وطلبوا منه أن يُخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء، وأشاروا إلى صخرة عندهم من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبيّ الله صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبيّ الله صالح عليه السلام فصلّى ثمّ دعا الله عز وجل أن يُجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم، وكفر أكثرهم". تفسير ابن كثير 3344.
(2/802)

الطين، ولكنّ آياتِهم صغارٌ، وكبارٌ؛ كما قال الله تعالى: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الكُبْرَى} 1؛ فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيّه محمّد: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى} 2، فالآيات الكبرى مختصة بهم.
الآيات قسمان: كبرى وصغرى
الآيات الكبرى مختصة بالأنبياء
الآيات الصغرى قد تكون للصالحين
وأما الآيات الصغرى: فقد [تكون] 3 للصالحين؛ مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحدٍ من الصالحين4، لكن لم يوجد كما وجد للنبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه أطعم الجيش من شيء يسير5. فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا يماثلون في قدره؛ فهم مختصون إمّا بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم؛ كالاتيان بالقرآن، وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين كهيئة الطير؛ وإمّا بقدرها، وكيفيتها؛ كنار الخليل6؛ فإنّ أبا مسلم [الخولاني] 7، وغيره صارت النار عليهم برداً وسلاماً8، لكن
__________
1 سورة النازعات، الآية 20.
2 سورة النجم، الآية 18.
3 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 تقدم بيان ذلك في ص 162.
5 سبق نحو هذا الكلام في ص 162، 498.
6 قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [سورة الأنبياء، الآية 69] .
7 في ((ط)) : الحولاني.
8 تقدم تفصيل ذلك في ص 161-162.
(2/803)

لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها1، فهو مشاركٌ للخليل في جنس الآية؛ كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده. ومعلومٌ أنّ الذي امتاز به الخليل من هذا، لا يماثله فيه أبو مسلم، وأمثاله.
وكذلك الطيران في الهواء؛ فإنّ الجن لا تزال تحمل ناساً، وتطير بهم من مكان إلى مكان؛ كالعفريت الذي قال لسليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} 2، لكن قول الذي عنده علم من الكتاب: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} 3: لا يقدر عليه العفريت.
ومسرى النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليريه الله من آياته الكبرى4: أمرٌ اختص به، بخلاف من يُحمل من مكان إلى مكان، لا ليريه الله من آياته الكبرى5، أمرٌ اختصّ به، ولا يعرج إلى السماء.
فهؤلاء كثيرون، وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع6.
__________
1 يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "لما دحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحقّ، واندفع الباطل عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. فجمعوا حطباً كثيراً جداً. قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في هوة من الأرض وأضرموها ناراً، فكان لها شرر عظيم، ولهب مرتفع، لم توقد نار قط مثلها. وجعلوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد....". تفسير ابن كثير 3183.
2 سورة النمل، الآية 39.
3 سورة النمل، الآية 40.
4 قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} . [الإسراء 1] .
5 انظر: صحيح البخاري 41748.
6 انظر ما سبق في هذا الكتاب من ص 164-169.
(2/804)

نقد شيخ الإسلام للأشاعرة في النبوات
والمقصود هنا: أنّ هؤلاء حقيقة قولهم: أنّه ليس للنبوة آية تختص بها؛ كما أنّ حقيقة قولهم: أنّ الله لا يقدر أن يأتي بآية تختص بها، وإنه لو كان قادراً على ذلك، لم يلزم أن يفعله، بل ولم يفعله. فهذان أمران متعلقان بالرب؛ إذ هو عندهم لا يقدر أن يفعل شيئاً لشيء1.
والآية إنما تكون آية: إذا فعلها [ليدلّ] 2. ولو قُدِّر أنه قادر، فهم يجوّزون عليه فعل كل شيء؛ فيمكن أنه لم يجعل على صدق النبي دليلاً.
وأمّا الذي ذكرناه عنهم هنا، فإنّه يقتضي أنّه لا دليل عندهم على نبوّة النبيّ، بل كلّ ما قُدّر دليلاً، فإنّه يمكن وقوعه مع عدم النبوة، فلا يكون دليلاً.
فهم هناك3 حقيقة قولهم: إنّا لا نعلم على النبوّة دليلاً. وهنا حقيقة قولهم4: أنّه لا دليل على النبوة.
__________
1 انظر: الإرشاد للجويني ص 319، 326. والمواقف للإيجي ص 330-332.
وقد سبق أن أشار المؤلف رحمه الله إلى معتقد الأشعرية هذا أكثر من مرة، في هذا الكتاب. انظر ص 485-505، 533-539، 564-573، 588-589.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : لتدلّ.
3 سبق أن أوضح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تناقض الأشعرية في قولهم إنّ الله لا يُنزّه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل، ونفيهم للحكمة، وقولهم إنّ الله لا يُظهر الخوارق على يد الكاذب؛ لأنّ ذلك يُفضي إلى القول بعجز الربّ.
وسبق كذلك أن قال الشيخ رحمه الله عن الأشاعرة - في هذا الكتاب ص 573-574: "ومن جوّز منهم تكليف ما لا يُطاق مطلقاً، يلزمه أن يأمر الله بتبليغ رسالة لا يعلم ما هي".
وانظر ما تقدّم في هذا الكتاب في ص 268-281، 580-583، 587-588.
4 أي في معرض الكلام على النبوة.
(2/805)

ولهذا كان كلامهم في هذا الباب1 منتهاه التعطيل.
الغزالي عدل عن طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات
ولهذا عدل الغزالي وغيره عن طريقهم في الاستدلال بالمعجزات2؛ لكون المعجزات على أصلهم3 لا تدلّ على نبوة نبيّ. وليس عندهم في نفس الأمر معجزات، وإنما يقولون: المعجزات عِلمُ الصدق؛ لأنّها في نفس الأمر كذلك4.
وهم صادقون في هذا، لكن على أصلهم ليست دليلاً على الصدق، ولا دليلَ على الصدق.
فآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم دلالة معلومة بالضرورة تارةً، وبالنظر أخرى.
وهم قد يقولون: إنّه يحصل العلم الضروري بأنّ الله صدّقه بها؛ وهي الطريقة التي سلكها أبو المعالي، والرازي، وغيرهما5؛ وهي طريقة صحيحة في نفسها، لكن [تناقض] 6 بعض أصولهم.
__________
1 أي في باب إثبات النبوة. وانظر ما سبق في هذا الكتاب في ص 732-733.
2 سبق مثل ذلك في ص 732 من هذا الكتاب.
3 وهو قولهم بنفي الحكمة، وأنّ الله لا يفعل شيئاً لأجل شيء.
4 الأشاعرة ينفون التعليل في أفعال الله تعالى، ويُجوّزون على الله كلّ فعل؛ إذ الله تعالى على أصلهم: لا يفعل شيئاً لأجل شيء، وحينئذٍ فلم يأت بالآيات الخارقة للعادة لأجل تصديق الرسول، ولا عاقب هؤلاء لتكذيبهم له، ولا أنجى هؤلاء ونصرهم لإيمانهم به؛ إذ كان لا يفعل شيئاً لشيء عندهم.. وهم إذا جوّزوا على الربّ تعالى كلّ فعل، جاز أن يُظهر الخوارق على يد الكاذب. انظر: الجواب الصحيح 6394.
5 سبق مثل ذلك في ص 275، 276، 580-581 من هذا الكتاب. وانظر: الجواب الصحيح 6398-399. وشرح الأصفهانية 2622.
6 في ((خ)) : يناقض. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/806)

فالقدح ليس في آيات الأنبياء، لكن في الأقوال الفاسدة التي تناقض ما هو معلوم بالضرورة عقلاً، وما هو أصل الإيمان شرعاً. ومن عرف تناقضهم في الاستدلال يعرف أن الآفة في فساد قولهم، لا في جهة صحة الدلالة؛ فقد يظهر بلسانه ما ليس في قلبه؛ كالمنافقين الذين يقولون: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 1.
قول الإمام أحمد في علماء الكلام
ولقد صدق الإمام أحمد في قوله: علماء الكلام زنادقة2.
وطريقة القرآن فيها الهدى، والنور، والشفاء؛ سماها آيات، وبراهين.
فآيات الأنبياء مستلزمة لصدقهم، وصدق من صدّقهم، وشهد لهم بالنبوة.
الأنبياء قد يتماثلون في الآيات
والآيات التي يبعث الله بها أنبياء، قد يكون مثلها لأنبياء أُخَر؛ مثل إحياء الموتى؛ فقد كان لغير واحد من الأنبياء3.
وقد يكون إحياء الموتى على يد اتباع الأنبياء؛ كما قد وقع لطائفة من
__________
1 سورة المنافقون، الآية 1.
2 انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص 83. وصون المنطق والكلام للسيوطي ص 128.
وقال الإمام أحمد رحمه الله في أهل الكلام أيضاً: "لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبّوا عن السنّة". رواه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص 205.
وقال أيضاً - رحمه الله -: "لا يُفلح صاحب كلامٍ أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل". جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 295.
3 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولا يمتنع أن يأتي نبيّ بنظير آية نبيّ، كما أتى المسيح بإحياء الموتى، وقد وقع إحياء الموتى على يد غيره..". الجواب الصحيح 5434.
(2/807)

هذه الأمة1، ومن اتباع عيسى2؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنّما أحيى الله الموتى على أيدينا؛ [لاتّباع محمد، أو المسيح، فبإيماننا بهم، وتصديقنا لهم أحيى الله الموتى على أيدينا] 3، فكان إحياء الموتى مستلزماً [لصدق] 4 عيسى، و [محمّدٍ] 5، لم يكن قطّ مع تكذيبهما، فصار آية لنبوّتهم، وهو أيضاً آية لنبوّة موسى، وغيره من أنبياء بني [إسرائيل] 6 الذين أحيي الله الموتى على أيديهم.
__________
1 ذكر العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى كثيراً من القصص عن إحياء الموتى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
انظر: البداية والنهاية 6161-166. وانظر ما تقدم في هذا الكتاب ص 162، 593، 594.
2 أما إحياء الموتى للحواريين أتباع عيسى عليه السلام: فهي مسألة لم أجد فيها نصاً واضحاً، وإن كان يُوجد في الإنجيل المحرّف كلام ينسبونه لعيسى عليه السلام موجّهٌ للحواريين، يقول فيه: "وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين: إنّه قد اقترب ملكوت السموات، اشفوا مرضى، طهروا بُرصاً، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين". إنجيل متى، الإصحاح العاشر، الفقرة 7 إلى 10.
ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام، كأنّه يُضعّف فيه الخبر الذي ذُكر آنفاً، ويُقلّل من مقدرة الحواريين على ما نسبه إليهم النصارى، يقول فيه رحمه الله تعالى: "فيزعمون أنّ الحواريين، أو هؤلاء [أي أهل المجامع] جرت على أيديهم خوارق، وقد يذكرون أنّ منهم من جرى إحياء الموتى على يديه. وهذا إذا كان صحيحاً، مع أنّ صاحبه لم يذكر أنّه نبيّ، لا يدلّ على عصمته؛ فإنّ أولياء الله؛ من الصحابة، والتابعين بعدهم بإحسان، وسائر أولياء الله من هذه الأمة وغيرها لهم من خوارق العادات ما يطول وصفه، وليس فيهم معصوم يجب قبول كلّ ما يقول، بل يجوز الغلط على كلّ واحد منهم، وكلّ أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا الأنبياء عليهم السلام". الجواب الصحيح 6399-400. وانظر المصدر نفسه 417-18.
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 في ((م)) ، و ((ط)) : لتصديقه.
5 في ((م)) ، و ((ط)) : محمداً.
6 في ((ط)) : إسلأائيل.
(2/808)

وليس مدلول الآيات هو مجرّد دعواه أنّ الله أرسلني، وإخباره عن نفسه بذلك؛ لأن ذلك معلوم بالحسّ لمن سمعه، وبالتواتر لمن لم يسمعه، بل صدّقه في هذا الخبر؛ وهو ثبوت نبوته.
الآية مستلزمة لصدق النبي وثبوت نبوته
فالآية مستلزمة لصدقه، وثبوت نبوته. ومن أخبر غيره عن إرسال الله له، وأتى هذا المخبر بآية، كانت أيضاً آية على صدق هذا المخبر، وثبوت نبوّة النبيّ؛ فإنّ من أخبر عن نبوّة نبيّ من الأنبياء، وأتى بآيةٍ على صدقه في خبره، كانت تلك آية ودليلاً على نبوّة النبيّ، وأنّ إخبار المخبر بنبوته صدق. بل [كون] 1 غيره هو المخبر، الآتي بالعلامة أبلغ. ولهذا كانت من أعظم آيات النبي: إخبار غيره من الأنبياء بنبوّته.
فإن قال آخر: إنّه كذب، وأتى بمثل تلك الآية، بطلت الدلالة المعينة، ولا يلزم من بطلان دليل معين، بطلان سائر الأدلة؛ فإنّ الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه2.
ولو جاء من قال: إنّ فلانا أرسلني، ومعه شخص، فصدّقه، وقال: إنّه أمرني أن أخبركم بأنّه رسوله بعلامة كيت وكيت، لكان ذلك أبلغ.
وكلّ من عَلِمَ صِدْقَ النبيّ، فقد صدقه أنّه [..................] 3 أن يعلم الناس أنّ الله يشهد له بالنبوة، ويحكم بينه وبين منازعيه بتصديقه وتكذيبهم، وذلك بآياته وعلاماته يُبيّن بها أنّه مصدّق للرسول.
وقد يُصدقه بكلامه الذي قد بَيَّن أنّه كلامه؛ فكونه في نفسه آية وعلامة؛
__________
1 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
2 تقدّم التنويه بذلك في ص 307 من هذا الكتاب.
3 في ((خ)) بياض بقدر سطرين. وكذا في ((م)) ، و ((ط)) كما أُشير إلى ذلك في الهامش.
(2/809)

إذ كان لا يُمكن الجن [والإنس] 1 أن ياتوا
بمثله، فهو من أعظم الآيات.
وبغير ذلك؛ فالآيات كلّها شهادة بالنبوة، وإخبارٌ بها، وتصديق للمخبر؛ فهي تستلزم ثبوت النبوّة في نفسها، وأنّ صاحب الآيات قد نبأه الله، وأوحى إليه؛ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وتستلزم أيضاً: صدق الإخبار بأنّه نبيّ؛ فهو إذا قال: إنّي نبيّ، كان صادقاً، وكذلك كل من أخبر بنبوته، فإنّه يكون صادقاً.
وثبوت الشيء، وصدق من أخبر به: متلازمان؛ فكلّ حقّ ثابت، إذا أخبر به مخبرٌ، فهو صادق، وكلّ خبرٍ صادق، فقد تحقق مخبره.
[فالخبر] 2 الصادق هو ومخبره متلازمان؛ يلزم من صدق الخبر، تحقق مخبره.
ومن تحقق الشيء، صدّق المخبر به؛ بخلاف الكذّاب، فإنّه ومخبره ليسا متلازمين، بل الخبر الكذب يوجد مع انتفاء مخبره، والمخبر به يتحقق على صفة خلاف ما في الخبر الكاذب3.
فلهذا كانت الآيات، والعلامات، والدلائل، ونحو هذا كما تدلّ على المدلول، وأنّه حقّ ثابت، فهي أيضاً تدلّ على صدق من أخبر به كائناً من كان.
فمن قال: إنّي ابن فلان، وقامت بيّنة بنسبه، فهي تثبت صدقه،
وصدق كلّ من قال: هو ابن فلان.
__________
1 في ((ط)) : والان.
2 في ((ط)) : كالخبر.
3 انظر كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - حول هذا الموضوع في شرح الأصفهانية 2592-597.
(2/810)

وكذلك البينة التي تشهد برؤية الهلال، وهي تشهد بصدق كلّ من أخبر بطلوعه.
وكذلك كلّ دليلٍ دلّ على مدلول، فهو دليل على صدق كلّ من أخبر بذلك المدلول عليه.
وكذلك إذا قال الصادق: إنّ الله أرسلني، فهذا خبرٌ منه عن إرسال الله؛ فالآية الدالة على صدقه، تدلّ على صدق كلّ من قال: إنّ الله أرسله.
فالآيات الدالة على صدق محمّد، إذا قال ما أمره الله به في قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعَاً} 1، هي دالة على صدق كلّ من قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله.
فجميع آياته، وآيات الأنبياء الذين أخبروا بنبوّته؛ كموسى، والمسيح [عليهما السلام] ، وأنبياء بني إسرائيل، وغيرهم: كلّها آيات، ومعجزات [تُبيِّن] 2 صدق كل واحد من المؤمنين به، الذين يقول أحدهم: أشهد أن محمدا رسول الله؛ سواء قالها مجرّدة، أو قالها في صلاته، أو عقب طهارته، أو متى ما قالها.
ليست آيات النبوّة دالّة على أنّه وحده هو الصادق في قوله: إنّي
رسول الله إليكم جميعاً، بل الآيات تصدّقه، وتصدّق كلّ من شهد له بالرسالة.
وهكذا سائر الأدلة الدالّة على مدلول؛ فإنّها تدلّ على صدق من أخبر بذلك المدلول عليه من جميع الخلق.
__________
1 سورة الأعراف، الآية 158.
2 في ((خ)) : يبين. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/811)

وقد عرف أن الدليل لا بدّ أن [يكون] 1 مختصّاً بالمدلول عليه، مستلزماً له.
فآيات الأنبياء، وسائر أنواع الآيات والأدلة، لا تكون مع نقيض المدلول عليه؛ أي مع عدمه؛ فإنّها إذا كانت مع وجوده وعدمه، لم تكن دالَّةً [لا] 2 على وجوده، ولا على عدمه، [ولم يكن الاستدلال به على وجوده، ولا على عدمه] 3، ولم يكن الاستدلال به على وجوده أولى به من الاستدلال على عدمه؛ كالأمور المعتادة التي توجد مع الصادق والكاذب؛ كطلوع الشمس، وغروبها؛ فإنّ هذه لا تدلّ على صدق أحد، ولا كذبه.
وكذلك خوارق السحرة والكهان، هي معتادة، مع صدق أحدهم، ومع كذبه؛ فلا تدلّ على الصدق، [ولا على الكذب، والاستدلال بها على صدقه؛ كالاستدلال بها على كذبه، وهي على الكذب أدلّ] 4؛ [إذ] 5 كان كذبهم أكثر من صدقهم؛ كالذين يُخبرون بكلمة صدق، وعشرة كذب؛ قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ [أَكْثَرُهُمْ] 6 كَاذِبُونَ} 7، فكيف إذا كان مع الصدق مائة كذبة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمّا سُئِل عن الكُهَّان؛ كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سأل ناسٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الكُهَّان،
__________
1 في ((خ)) : تكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((م)) ، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 ما بين المعقوفتين مؤخّر في ((ط)) إلى ما بعد الآية الكريمة.
5 في ((خ)) : إذا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 في ((خ)) : كثرهم.
7 سورة الشعراء، الآيات 221-223.
(2/812)

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله فإنّهم يحدّثون أحياناً بشيء يكون حقّاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحقّ يحفظها الجنيّ، فيقرها في أذن وليّه قرّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"1.
فيلزم من هذا: أنّ آيات الأنبياء لا يكون مثلها لمن يكذّبهم، وهو الذي يخبر بكذبهم.
والناس فيهم رجلان: إمّا مصدّق، وإمّا مكذّب. فالمكذّب لهم يمتنع أن يأتي بمثل آياتهم. ومتى كذب مكذب لمدعي النبوة، وأتى بمثل آيته سواء، دلّ على أنّ تلك ليست من آيات الأنبياء، ولا تدلّ على صدق النبيّ، لكن لا يلزم أن يدلّ على كذبه؛ فإنَّ الدليل المعيَّن إذا بطل، لا يستلزم انتفاء المدلول عليه؛ فقد تكون له آيات أخر تدل على نبوّته.
وصدق الصادق، وكذب الكاذب يُعرف بوجوهٍ كثيرةٍ جداً2.
وكذلك النبوّة: لها آثار مستلزمة لها، بدون إخبار النبيّ بأنّه نبيّ.
وكذب المتنبي الذي يُزيّن له الشيطان أن يقول: إنّه نبيّ، له آثار [تستلزم] 3 انتفاء النبوة، وأنّه كاذبٌ؛ إمّا عمداً، وإمّا أنّ الشيطان قد لبّس عليه.
__________
1 أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 52294، كتاب الأدب، باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحقّ، بنفس اللفظ. وهو بلفظ مقارب في صحيح البخاري أيضاً 52173، كتاب الطب، باب الكهانة. ومسلم في صحيحه 41750، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان.
2 سبق ذكر كثيرٍ من هذه الوجوه في ص 224-225، 588-631، 649 من هذا الكتاب. وسيأتي في آخر الكتاب وجوه أخرى.
3 في ((خ)) : يستلزم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/813)

فإنّ الخبر عند كثيرٍ من النّاس ينقسم إلى صدقٍ وكذبٍ؛ فالمطابق هو الصدق، والمخالف هو الكذب1.
أثبت بعضهم واسطة بين الصدق والكذب
وأثبت بعضهم واسطةً بين الصدق والكذب؛ وهو ما لم يتعمّده الإنسان 2؛ قال 3: فهذا ليس بصدق؛ [لأنّه] 4 غير مطابق، وليس بكذب؛ لأنّ صاحبه لم يتعمّد الكذب، بل أخطأ. وليس كلّ من أخطأ يُقال: إنّه كاذب؛ كالناسي في الصلاة، إذا قال: صلّيتُ أربعاً، ولم يُصلّ إلاَّ ثلاثاً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو اليدين: أقُصِرَت الصلاة، أم نسيتَ؟ [فقال: "لم أنس، ولم تقتصر". فقال: بلى قد نسيت] 5. فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم6.
كل من تكلم بلا علم فهو كاذب
والذي يدل عليه القرآن: أنّ كل من تكلّم بلا علم، فأخطا، فهو كاذب؛ كالذين حرّموا، وحلّلوا، وأوجبوا، وإن كان الشيطان قد زيَّن لهم ذلك، وأوهمهم أنّه حقّ، ولهذا [قال] 7: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والخبر تارة يكون مطابقاً لمخبره؛ كالصدق المعلوم أنه صدق، وتارة لا يكون مطابقاً لمخبره؛ كالكذب المعلوم أنه كذب، وغير المطابق مع التعمد كذب ومع اعتقاد أنه صدق إن لم يكن معذوراً كالمفتي بلا اجتهاد يسوغ". الجواب الصحيح 6452.
2 ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلام عن هذا المعنى في الجواب الصحيح 6453-454.
3 يعني شيخ الإسلام رحمه الله به من يُقسّم ذاك التقسيم، فإنّه يُعلّل بهذا التعليل.
وقد ذكر شيخ الإسلام نحو هذا الكلام في الجواب الصحيح 6453-454.
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
5 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
6 أخرجه مسلم في صحيحه 1403، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له.
7 في ((م)) ، و ((ط)) : قال: قل.
(2/814)

الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} 1، وهي تنزل على من يُظَنّ أنّه يصدّقها؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانَاً فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} 2، وقال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطانُ لَما قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَق وَوَعَدْتُكُم فَأَخْلَفْتُكُمْ} 3.
كل من أخبر بخبر غير مطابق فهو كاذب
وكذلك الذي يدلّ عليه الشرع: أنّ كلّ من أخبر بخبر ليس له أن يُخبر به، وهو غير مطابق، فإنّه يُسمّى كاذباً، وإن كان لم يتعمّد الكذب4؛ كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إنّ أبا السنابل5 قال: ما أنت بناكحة، حتى [تمرّ] 6 عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ. فقال: "كذب أبو السنابل"7.
__________
1 سورة الشعراء، الآيتان 221-222.
2 سورة الزخرف، الآيتان 36-37.
3 سورة إبراهيم، الآية 22.
4 الكذب قد تستعمله العرب في موضع الخطأ. انظر: لسان العرب 1709.
فيُقال كَذَبَ بمعنى أخطأ. وانظر: الجواب الصحيح 6452-456.
قال ابن الأثير: (وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ، قال الأخطل:
كذبتك عينُك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا
وقال ذو الرمة: ما في سمعه كذب".
النهاية في غريب الحديث 4159.
5 أبو السنابل: هو ابن بَعْكَك بن الحجاج بن الحارث بن بساق بن عبد الدار القرشيّ، واسمه عمرو، وقيل: حبه. أسلم يوم الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم، وسكن الكوفة. قيل إنّه أقام بمكة حتى مات، وكان شاعراً.
انظر: أسد الغابة 5156-157. وتهذيب التهذيب 12121.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : يمرّ.
7 وأصل هذا الحديث، هو: أن سُبيعة بنت الحارث الأسلمية - صحابية - كانت امرأة سعد بن خولة، فتوفي بمكة في حجة الوداع، وهي حامل. فوضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فدخل عليها أبو السنابل، فقال: كأنّك تحدّثين نفسك بالباءة؟ ما لك ذلك حتى ينقضي أبعد الأجلين. فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما قال أبو السنابل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل. إذا أتاك أحدٌ ترضينه فأتيني به".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بلفظه في مسنده 1447، 4304-305، 6310. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 52: (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح) . إلاّ أنّ محقق مسند الإمام أحمد - طبعة مؤسسة الرسالة - ضعّف إسناد الحديث من هذا الطريق؛ فقال: إسناده ضعيف. المسند 7305-306. وانظر: الفتح الرباني 1743.
والحديث مخرّج في الصحيحين، بلفظ ليس فيه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل". انظر: صحيح البخاري 41466-1467، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً. وصحيح مسلم 21122، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل.
وفي ترجمة أبي السنابل بن بعكك في الإصابة 496، ذكر الحافظ ابن حجر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لسُبيعة حين أتته: "بلى، ورغم أنف أبي السنابل".
(2/815)

ولما قيل له: إنّ عامر بن الأكوع حبِط عمله؛ لأنّه قتل نفسه، فقال: ((كذب من قالها، إنّ له لأجرين، إنّه جاهد مجاهد"1.
ولما قال [سعد] 2 بن عبادة في يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. وحكاه أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة"3.
__________
1 الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 41537-1538، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. ومسلم في صحيحه 31427-1430، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر، و 31440-1441، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها.
2 في ((خ)) : سعيد. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 أخرجه البخاري 41559-1560، كتاب المغازي، باب: أين ركز النبيّ صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح.
(2/816)

وكذلك قال عبادة بن الصامت، لما قيل له: إنّ أبا محمد1 يقول: الوتر واجب. فقال: كذب أبو محمد2.
وكذلك ابن عباس لما قيل له: إن نوفاً3 يقول: إنّ موسى [عليه السلام] نبيّ إسرائيل، ليس هو موسى الخضر. فقال: كذب نوف4.
__________
1 قال ابن حجر - رحمه الله - عنه: "أبو محمد الأنصاري، صحابي، قيل: اسمه مسعود بن زيد، أو ابن أوس، وقيل: اسمه قيس بن عَبَاية. فأمّا مسعود: فشهد بدراً، وفتح مصر. قيل: مات في خلافة عمر، وقيل: بعد ذلك. وهو صاحب حديث الوتر، وردّ ذلك عبادة بن الصامت". تقريب التهذيب 1463.
2 أخرجه أبو داود في سننه 2130-131، كتاب الصلاة، باب فيمن لم يوتر. والدارمي في سننه 1446-447، باب في الوتر. ومالك في الموطأ 1123، كتاب صلاة الليل، باب الأمر بالوتر.
وقد صحّحه الألباني انظر: صحيح الجامع الصغير 1617. ومشكاة المصابيح 1180.
وقال ابن الأثير رحمه الله: "كذب أبو محمد: أي أخطأ، سماه كذباً لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وإن افترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم. وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ". النهاية في غريب الحديث 4159.
3 نوف بن فضالة الحميري البِكَالي، ابن امرأة كعب الأحبار. شامي مستور. قال ابن حجر رحمه الله: وإنّما كذّب ابن عباس ما رواه عن أهل الكتاب. من الثانية. مات بعد التسعين". تقريب التهذيب لابن حجر 1255. وانظر: البداية والنهاية 1276.
4 أخرجه البخاري في صحيحه 41752، كتاب التفسير، باب {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} . ومسلم في صحيحه 41847- 1850، كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر عليه السلام. وأحمد في المسند 3244،، 5117-119.
(2/817)

وأيضاً: من أخبر الناس خبراً، طلب أن يصدّقوه فيه، وقد نُهوا عن تصديقه إلا ببينة، فإنّه أيضاً كاذب؛ كما قال تعالى في القرآن: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بَأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [فَإِذْ] 1 لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهدَاءِ فَأوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُون} 2.
وقال في القاذفين: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذين تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 3.
وكذلك: إنَّ القاذف، وإن كان قد رأى الفاحشة بعينه، لكنه إذا أخبر بها الناس، فهو يطلب منهم أن يصدّقوه بمجرد خبره، وليس لهم ذلك، بل ليس لهم أن يصدّقوه حتى يأتي بأربعة شهداء، وهو لا يخبر الناس ليكذّبوه، بل يخبرهم ليعتقدوا ثبوت ما أخبرهم به، ويعتقدوا أن المقذوف قد فعل الفاحشة، وهم ليس لهم أن يقولوا ذلك إلا بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء، فهو عند الله كاذبٌ؛ لأنّه أخبر الناس بأنّ هذا فعل الفاحشة، وقال خبراً طلب به تصديقهم، وإن يظهر أنّ هذا فعلها.
فحقيقة خبره أنّ هذا فعل فاحشةً ظاهرةً يرتب عليها هذا. بل إن كان فعل شيئاً، فقد فعله سراً، لم يُعلم به الناس.
الذنب إذا كتم لم يضر إلا صاحبه
وقد علم أن الذنب إذا كُتِمَ لم يضرّ إلا صاحبه، ولكن إذا أُعلن، فلم يُنكر، ضرّ الناس4. وهذا لم يُعلنه.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : فإذا.
2 سورة النور، الآية 13.
3 سورة النور، الآيتان 4-5.
4 هذه المسألة تبحث في إظهار المنكر، أو إخفائه. وقد بحثها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 14465،، 15302-304،، 34180. وانظر جامع العلوم ولحكم 2292-293.
(2/818)

وأكثر المسلمين إذا فعل أحدهم فاحشةً باطنةً، تاب منها ومن إعلانها. [يتشبه] 1 النّاس بعضهم ببعض في ذلك.
فلهذا نهى الله عن فعلها، وعن التكلّم بها؛ صدقاً، وغير صدق؛ فإنّها إذا فُعِلَتْ، وكُتِمَتْ، خَفَّ أَمْرُهَا، وإذا أُظْهِرَتْ، كان فيها مفاسد كثيرة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء، فليستتر بستر الله؛ فإنَّ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عليه كتاب الله" 2، وقال: "كلّ أمتي معافى، إلا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله، فيُصبح يقول: يا فلان فعلتُ البارحة كذا، وكذا"3.
فقد نهى الله تعالى صاحبها أن يظهرها ويعلنها، فكيف القاذف؟.
بخلاف ما إذا أقرّ بها عند ولي أمر، ليقيم عليه الحد، أو يشهد بها نصاب تامّ لإقامة الحدّ4، فذاك فيه منفعة وصلاح.
وقد يُخبر بها بعض الناس سراً؛ لمن يعلمه كيف يتوب؟ ويستفتيه، ويستشيره فيما يفعل؟ فعلى ذلك المفتي والمشير أن يكتم عليه ذلك، ولا
يشيع الفاحشة. وبسط هذا له موضع آخر5.
__________
1 في ((خ)) : يشبه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 أخرجه الإمام مالك في الموطأ 1-2825، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، مع اختلافٍ يسير.
3 أخرجه البخاري في صحيحه 52254، كتاب الآداب، باب ستر المؤمن على نفسه. ومسلم في صحيحه 42291، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه.
4 انظر بعض من اعترف على نفسه وأقرّ بما فعل، في صحيح مسلم 31318-1325، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى.
5 انظر: مجموع الفتاوى 34180.
(2/819)

الناس فيمن قال إني رسول قسمان: إما مصدق وإما غير مصدق
والمقصود هنا: أنّ الناس [في من] 1 قال: [إني] 2 رسول: قسمان: إمّا مصدّق، وإمّا غير مصدّق.
فمن ليس بمصدق: لا يمكنه أن يأتي بمثل آيات الأنبياء؛ سواء قال: إنّه كاذب، أو توقّف في التصديق والتكذيب.
وكذلك المؤمنون؛ أتباع الأنبياء: إذا أتوا بآية، كانت دليلاً على نبوّة النبيّ الذي اتبعوه، فلا يمكن من لا يصدّق النبي أن يعارضهم. ومتى عارضهم، لم يكن من آيات الأنبياء.
ولهذا كان أبو مسلم، لمّا قال له الأسود العنسي: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمّداً رسول؟ قال: نعم. فألقاه في النار، فصارت عليه برداً وسلاماً3.
فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم: إنّ محمّداً رسولٌ، ولثبوت نبوته. فهي من جملة آيات الأنبياء.
وآياتهم4، وما خصهم الله به، لا يكون لغير الأنبياء5.
وإذا قال القائل: معجزات الأنبياء، وآياتهم، وما خصّهم الله به: فهذا كلامٌ مجملٌ؛ فإنّه لا ريب أنّ الله خصّ الأنبياء بخصائص، لا توجد لغيرهم.
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((ط)) : إن.
3 القصة أخرجها أبو نعيم في الحلية2128، وابن الجوزي في صفة الصفوة 4208. وانظر البداية والنهاية لابن كثير 6272-273.
4 يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
5 انظر ما تقدم في هذا الكتاب: ص 162. وما سيأتي في نهاية هذا الفصل، ص 987. وانظر كذلك البداية والنهاية 6161.
(2/820)

بعض الآيات التي يختص بها كل نبي عن غيره من الأنبياء
ولا ريب أنّ من آياتهم، ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء.
بل النبيّ الواحد له آيات، لم يأت بها غيره من الأنبياء؛ كالعصا، واليد لموسى [عليه السلام] ، وفرق البحر؛ فإنّ هذا لم يكن لغير موسى1؛ وكانشقاق القمر، والقرآن، وتفجير الماء من بين الأصابع، وغير ذلك2 من الآيات التي لم تكن لغير محمّد [عليه الصلاة والسلام] من الأنبياء؛ وكالناقة التي لصالح [عليه السلام] ؛ فإنّ تلك الآية لم تكن مثلها لغيره؛ وهو خروج ناقة من الأرض3.
بعض الآيات التي اشترك فيها كثير من الأنبياء
بخلاف إحياء الموتى: فإنّه اشترك فيه [كثيرٌ] 4 من الأنبياء، بل ومن الصالحين5.
__________
1 انظر ما تقدّم ص 195، 636 من هذا الكتاب.
2 انظر ص 632 من هذا الكتاب.
3 سبق الكلام عن ذلك في ص 636 من هذا الكتاب.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : كثيراً.
5 انظر بعض القصص في إحياء الله الموتى على يد بعض الصالحين، في البداية والنهاية 6161-166، 295-297. وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب الصحيح 417: "فإنّ أعظم آيات المسيح عليه السلام: إحياء الموتى، وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء؛ كإلياس، وغيره".
وقال أيضاً في الجواب الصحيح: "فمن ذلك: أن كتاب سفر الملوك يخبر أن إلياس
أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية، وأن حزقيال أحيا بشراً كثيراً، ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلهاً". الجواب الصحيح 4120-121.
وعن إحياء اليسع لابن الإسرائيلية، انظر: العهد القديم، سفر الملوك الثاني، الإصحاح الرابع، فقرة 21-37، ص 588-589.
وانظر كذلك إحياء الموتى لموسى عليه السلام. في الجواب الصحيح 418.
(2/821)

وملك سليمان [عليه السلام] ، لم يكن لغيره؛ كما قال: {رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} 1؛ فطاعة الجن والطير، وتسخير الريح تحمله من مكان إلى مكان؛ له، ولمن معه. [لم] 2 يكن مثل هذه الآية لغير سليمان.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء، إلا وقد أُوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"3.
وهو من حين أتى بالقرآن، وهو بمكة يقرأ على الناس: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً} 4.
__________
1 سورة ص، الآية 35.
2 في ((ط)) : ولم.
3 الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 41905، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما أُنزل. ومسلم في صحيحه 1134، 152، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله عند هذا الحديث: "والمعنى أنّ كلّ نبيّ أوتي من خوارق المعجزات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولي البصائر والنهى، لا من أهل العناد والشقاء، وإنّما كان الذي أوتيته؛ أي جلّه وأعظمه وأبهره القرآن الذي أوحاه الله إليّ، فإنّه لا يبيد ولا يذهب، كما ذهبت معجزات الأنبياء، وانقضت أيامهم، فلا تُشاهد، بل يُخبر عنها بالتواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه؛ فإنّه معجزة متواترة عنه، مستمرة، دائمة البقاء بعده، مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد". البداية والنهاية 6262-263.
4 سورة الإسراء، الآية 88.
(2/822)

فقد ظهر أنّ من آيات الأنبياء ما يختصّ به النبيّ، ومنها [ما] 1 يأتي به عددٌ من الأنبياء، ومنها ما يشترك فيه الأنبياء كلّهم ويختصّون به؛ وهو الإخبار عن الله بغيبه الذي لا يعلمه إلا الله؛ قال: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِم وَأَحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدَاً} 2.
لكن ما يظهر على المؤمنين بهم من الآيات؛ بسبب الإيمان بهم: فيه قولان:
كرامات الأولياء: هل هي من آيات الأنبياء أم لا فيه قولان:
قال طائفة3: ليس ذلك من آياتهم. وهذا قول من يقول: من شرط المعجزة أن [يقارن] 4 دعوى النبوة، لا يتقدّم عليها، ولا يتأخّر عنها؛ كما قاله هؤلاء5 الذين يجعلون خاصّة المعجزة: التحدّي بالمثل، وعدم المعارضة، ولا يكون إلا مع الدعوى، كما تقدم. وهو قولٌ قد عرف فساده من وجوه.
والقول الثاني: وهو القول الصحيح: أنّ آيات الأولياء هي من جملة آيات الأنبياء6؛ فإنّها مستلزمة لنبوّتهم، ولصدق الخبر بنبوّتهم؛ فإنه لولا
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة الجن، الآيات 26-28.
3 وهم المعتزلة الذين نفوا كرامات الأولياء.
وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 569-570.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : تقارن.
5 وهم الأشاعرة. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 152-153، 586.
6 قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "ذكر غير واحد من العلماء أنّ كرامات الأولياء معجزات للأنبياء؛ لأنّ الوليّ إنّما نال ذلك ببركة متابعته لنبيّه وثواب إيمانه". البداية والنهاية 6163.
(2/823)

ذلك، لما كان هؤلاء أولياء، ولم [يكن] 1 لهم كرامات.
لكن يحتاج أن يفرق بين كرامات الأولياء، وبين خوارق السحرة والكهّان، وما يكون للكفّار، والفسّاق، وأهل الضلال والغي بإعانة الشياطين لهم؛ كما يُفرّق بين ذلك، وبين آيات الأنبياء.
والفروق بين ذلك كثيرة، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع2.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : تكن.
2 تقدّمت فروق كثيرة في ثنايا هذا الكتاب، انظر في ذلك على سبيل المثال: ص 118-120، 558-559.
وانظر كذلك من كتب شيخ الإسلام: الجواب الصحيح 186، 5196، 6297-301. وشرح الأصفهانية 2472-477. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 49.
(2/824)

فصل
فقد تبيّن أن من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم، ويكون ما يظهر على أتباعهم: من آياتهم؛ فإنّ ذلك مختصّ بمن يشهد بنبوتهم؛ فهو مستلزم له: لا [تكون] 1 تلك الآيات إلاّ لمن أخبر بنبوتهم، [وإذا لم يخبر بنبوتهم] 2، لم تكن له تلك الآيات.
وهذا حد الدليل؛ وهو: أن يكون مستلزماً للمدلول عليه؛ فإذا وُجد الدليل، وجد المدلول عليه، وإذا عُدم المدلول عليه، عُدِم الدليل.
ولهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام، وصدق الرسول3؛ كما ذُكِر أنّ خالد بن الوليد شرب السم لما طُلب منه آية، ولم يضرّه4.
__________
1 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين مكرّرٌ في ((خ)) .
3 أي يتحدّى بالكرامة، أو يُظهرها.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كثيراً من الأمثلة على الكرامات التي وقعت لذلك. انظر ما سبق في هذا الكتاب ص 160-162.
4 تقدّمت كرامة خالد بن الوليد رضي الله عنه في شربه السمّ، ولم يضره، في ص161 من هذا الكتاب.
(2/825)

فصل خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة
...
فصل
في معنى خرق العادة، وأن الإعتبار أن تكون خارقة لعادة غير الأنبياء مطلقا؛ بحيث [تختص] 1 بالأنبياء، فلا [توجد] 2 إلا مع الإخبار بنبوتهم.
خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة
وأما إخبار الكهان ببعض الأمور الغائبة؛ لإخبار الشياطين لهم بذلك، وسحر السحرة؛ بحيث يموت الإنسان من السحر، أو [يمرض] 3، [ويُمنع] 4 من النكاح، ونحو ذلك مما هو بإعانة الشياطين: فهذا أمرٌ موجودٌ في العالم، كثيرٌ، معتادٌ، يعرفه الناس، ليس هذا من خرق العادة، بل هو من العجائب الغريبة التي يختص بها بعض الناس؛ كما يختصّ قوم بخفة اليد، [والشعبذة] 5؛ وقومٌ بالسباحة الغريبة، حتى يضطجع أحدهم على الماء6؛ وكما يختص قومٌ بالقيافة7، حتى يُباينوا بها غيرهم؛ وكما
__________
1 في ((خ)) : يختص. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : يوجد. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : بمرض. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : يمتنع. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((ط)) : والشعوذة.
والشعوذة، والشعبدة: اسمان مترادفان للعبٍ يُري الإنسان منه ما ليس له حقيقة؛ كالسحر. المصباح المنير ص 314.
6 انظر: البيان للباقلاني ص 22.
7 القيافة: هي معرفة الآثار. تقدم التعريف بها.
(2/826)

يختص قومٌ بالعيافة1، ونحو ذلك مما هو موجود.
مكذبوا الرسل يجعلون آيات الرسل من جنس السحر
ولهذا كان [مكذّبوا] 2 الرسل يجعلون آياتهم من جنس السحر، وهذا مستقرٌ في نفوسهم: أنّ الساحر ليس برسولٍ، ولا نبيّ؛ كما في قصة موسى لما قالوا: {إِنَّ [هَذَا] 3 لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُون} 4، قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون} 5؛ وهذا لحيرتهم، وضلالتهم؛ تارةً يُنسبون إلى الجنون، وعدم العقل؛ وتارة إلى الحذق، والخبرة التي [يُنال] 6 بها السحر؛ فإنّ السحر لا يقدر عليه، ولا يُحسنه كلّ أحد، لكن العجائب، والخوارق المقدورة للناس7؛ منها ما سببه من الناس بحذقهم في ذلك الفنّ؛ كما يحذق الرجل
__________
1 العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها، وأصواتها، وممرّها، وهو من عادة العرب كثيراً. لسان العرب 9261.
وجاء في الحديث: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت".
قال عوف: العيافة: زجر الطير. والطرق: الخط في الأرض. والجبت قال الحسن: إنّه الشيطان.
مسند الإمام أحمد 560. وانظر تيسير العزيز الحميد 398-400.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : مكذبو.
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 سورة الأعراف، الآيتان 109-110.
5 سورة الذاريات، الآية 52.
6 في ((خ)) : نال. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 انظر الكلام على الشعوذة والعجائب التي يتقنها بعض الناس، ويبرزوا فيها في:
البيان للباقلاني ص 22-27. والأصول الخمسة لعبد الجبار ص 572-573. والفصل لابن حزم 54-5. والمواقف للإيجي ص 345. وشرح المقاصد 3347-348. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 368. وتفسير ابن كثير 1146
(2/827)

في صناعة من الصناعات؛ وكما يحذق الشاعر، والخطيب [في] 1 شعره، وخطابته، وعلمه؛ وكما يحذق بعض الناس في رمي النشاب2، وعمل الرمح، وركوب الخيل.
فهذه كلّها قد يأتي الشخص منها بما لا يقدر عليه أهل البلد، بل أهل الإقليم، لكنها مع ذلك مقدورة، مكتسبة، معتادة بدون النبوة، قد فعل مثلها ناس آخرون قبلهم، أو في مكان أخر؛ فليست هي خارقة لعادة غير الأنبياء مطلقاً، بل [توجد] 3 معتادة لطائفة من الناس، وهم لا يقولون إنّهم أنبياء، ولا يخبر أحد عنهم بأنهم أنبياء.
سبب الغلط في آيات الأنبياء
ومن هنا دخل الغلط على كثير من الناس؛ فإنّهم لما رأوا آيات الأنبياء خارقة للعادة، لم يعتد الناس مثلها، أخذوا مسمّى خرق العادة4، ولم يميّزوا بين ما يختص به الأنبياء، ومن أخبر بنبوتهم، وبين ما يوجد معتاداً لغيرهم.
لم يسم الله آيات الأنبياء معجزات وإنما آيات وبراهين
واضطربوا في مسمّى هذا الاسم؛ كما اضطربوا في مسمّى المعجزات، ولهذا لم يُسمّها الله في كتابه، إلا آيات، وبراهين؛ فإنّ ذلك اسمٌ يدلّ على مقصودها، ويختصّ بها، لا يقع على غيرها؛ لم يُسمّها معجزة، ولا خرق عادة، وإن كان ذلك من بعض صفاتها؛ فهي لا تكون آيةً وبرهاناً حتى تكون قد خرقت العادة، وعجز الناس عن الإتيان بمثلها. لكن هذا بعض صفاتها، وشرط فيها، وهو من لوازمها.
__________
1 في ((خ)) : وفي - بزيادة الواو، وليست في ((م)) ، و ((ط)) .
2 سبق التعريف به في ص 714.
3 في ((خ)) : يوجد. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 المقصود بخرق العادة: أن يكون خارقاً لعادة الجنّ والإنس، فلا يأتي بمثله إلا الأنبياء.
(2/828)

لكن شرط الشيء، ولازمه قد يكون أعمّ منه1.
وهؤلاء جعلوا مسمّى المعجزة وخرق العادة، هو: الحدّ المطابق لها طرداً وعكساً2.كما أن بعض النّاس يجعل اسمها أنّها عجائب.
وآيات الأنبياء إذا وصفت بذلك، فينبغي أن يُقيّد بما يختصّ بها؛ فيقال: العجائب التي أتت بها الأنبياء، وخوارق العادات، والمعجزات التي ظهرت على أيديهم، أو التي لا يقدر عليها البشر، أو لا يقدر عليها أحد بحيلة واكتساب؛ كما يقدرون على السحر والكهانة، فبذلك تتميّز آياتهم عما ليس من آياتهم.
وإلاّ فلفظ العجائب قد يدخل فيه بعض الناس الشعبذة3 ونحوها.
__________
1 سبق مثل هذا الكلام في ص 932 من هذا الكتاب.
وقد أورد شيخ الإسلام رحمه الله فصلاً عن هذا الموضوع قبل هذا الفصل، فليُراجع.
2 الطرد: ما يُوجب الحكم لوجود العلة، وهو التلازم في الثبوت.
والعكس في اصطلاح الفقهاء: عبارة عن تعليق نقيض الحكم المذكور بنقيض علته المذكورة، رداً إلى أصل آخر؛ كقولنا: ما يلزم بالنذر يلزم بالشروع؛ كالحج. وعكسه: ما لم يلزم بالنذر لم يلزم بالشروع. فيكون العكس على هذا ضدّ الطرد، وهو التلازم في الانتفاء؛ بمعنى: كل ما لم يصدق الحد، لم يصدق المحدود. انظر: التعريفات للجرجاني ص 183، 198. وانظر ما سبق في ص 307 من هذا الكتاب.
والمعتزلة هم الذين جعلوا خرق العادة حدّاً للمعجزة مطّرد منعكس؛ فكلّ خرق فهو معجزة للنبي. ولهذا أنكروا الخوارق التي تقع لغير الأنبياء؛ كخوارق السحرة، والكهان، وكرامات الأولياء. انظر: المغني للقاضي عبد الجبار 15218. وانظر كلام المؤلف رحمه الله فيما مضى ص 147-152 من هذا الكتاب.
3 سبق التعريف بها قريباً.
(2/829)

معنى التعجب
والتعجب في اللغة يكون من أمرٍ خرج عن نظائره1. وما خرج عن نظائره فقد خرق تلك العادة المعيّنة في نظائره، فهو أيضاً خارق للعادة.
آيات الأنبياء لا نظير لها لغيرهم
وهذا شرطٌ في آيات الأنبياء؛ أن لا يكون لها نظير لغير الأنبياء، ومَنْ يُصدقهم. فاذا وجد نظيرها من كل وجه لغير الأنبياء، ومن شهد لهم بالنبوة، لم تكن تلك من آياتهم، بل كانت مشتركة بين من يخبر بنبوتهم، ومن لا يخبر بنبوتهم، كما يشترك هؤلاء وهؤلاء في الطبّ والصناعات.
السحر والكهانة من إعانة الشياطين لبني آدم
وأمّا السحر والكهانة: فهو من إعانة الشياطين لبني آدم، فإنّ الكاهن [تُخْبِره] 2 الجن، وكذلك الساحر إنما يُقتل، ويُمرِض، ويَصْعَدُ في الهواء، ونحو ذلك، بإعانة الشياطين له؛ فأمورهم خارجة عما اعتاده الإنس بإعانة الشياطين لهم، قال تعالى: {وَيَوْمَ [يَحْشُرُهُمْ] 3 جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَال أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا [الَّذِي] 4 أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النارُ مَثْوَاكُمْ خالِدِينَ [فِيهَا] 5 إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} 6؛ فالجن والإنس قد استمتع بعضهم ببعض, فاستخدم هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء في أمور كثيرة، كُلّ منهم فعل للآخر ما هو غرضه، ليعينه على
__________
1 قال الزجاج: أصل العجب في اللغة: أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقلّ مثله، قال: عجبت من كذا. وقال ابن الأعرابي: العجب: النظر إلى شيء غير مألوف، ولا معتاد. انظر تهذيب اللغة 1386.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : يخبره.
3 في ((م)) : نحشرهم - بالنون، وهي قراءة الجميع، عدا حفص. انظر: سراج القارئ المبتدي ص 216.
4 في ((ط)) : ادلذي.
5 في ((ط)) : طفيها.
6 سورة الأنعام، الآية 128.
(2/830)

غرضِهِ. والسحر والكهانة من هذا الباب1.
وكذلك ما يُوجد لعباد الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ولعباد المنافقين والملحدين من المظهرين للإسلام والمبتدعين منهم، كلّها بإعانة الجنّ والشياطين.
الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه
لكن الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه؛ فإذا كان القوم كفاراً لا ينكرون السحر والكهانة؛ كما كانت العرب؛ وكالهند، والترك، والمشركين، ظهروا بهذا الوصف؛ لأن هذا معظّمٌ عند تلك الأمة، وإن كان هذا مذموماً عند أولئك، كما قد ظهر ذم هؤلاء عند أهل الملل؛ من المسلمين، واليهود، والنصارى، أظهرته الشياطين فيمن يُظهر العبادة، ولا يكون مخلصاً لله في عبادته متبعاً للأنبياء، بل يكون فيه شركٌ، ونفاقٌ، وبدعةٌ، فتظهر له هذه الأمور التي ظهرت للكهان والسحرة، حتى يظنّ أولئك أنّ هذه من كرامات الصالحين، وأنّ ما هو عليه هذا الشخص من العادة هو طريق أولياء الله، وإن كان مخالفاً لطريق الأنبياء، حتى يعتقد من يعتقد أنّ لله طريقاً يسلكها إليه أولياؤه، غير الإيمان بالأنبياء وتصديقهم، وقد يعتقد بعض هؤلاء أنّ في هؤلاء من هو أفضل من الأنبياء.
أصحاب الأحوال الشيطانية عارضوا الأنبياء
وحقيقة الأمر: أن هؤلاء عارضوا الأنبياء، كما كانت تعارضهم السحرة والكهان؛ كما عارضت السحرة لموسى، وكما كان كثيرٌ من المنافقين يتحاكمون إلى بعض الكهان، دون النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعلونه نظير النبيّ2.
__________
1 أي من مقدورات الجن والإنس.
2 انظر: تفسير الطبري 5152-155. وتفسير ابن كثير 1519.
(2/831)

الكهانة عند العرب
وكان في العرب عدّة من هؤلاء1، وكان بالمدينة منهم أبو برزة الأسلمي2 قبل أن يُسلم كان كاهناً،
__________
1 قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله: "اعلم أن الكهان الذين يأخذون عن مسترقي السمع موجودون إلى اليوم، لكنهم قليل بالنسبة لما كانوا عليه في الجاهلية؛ لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب، ولم يبق من استراقهم إلا ما يخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب. وأما ما يُخبر به الجني مواليه من الإنس بما غاب عن غيره، مما لا يطّلع عليه الإنسان غالباً، فكثير جداً في أناس ينتسبون إلى الولاية والكشف، وهم من الكهان إخوان الشياطين، لا من الأولياء". تيسير العزيز الحميد ص 405.
وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله أنّ الكهانة كانت في العرب على ثلاثة أضرب:
"أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن، يخبره بما يسترقه من السماء. وهذا القسم بطل من حين بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أن يُخبره بما يطرأ، أو يكون في أقطار الأرض، وما خفي مما قرب أو بعد. وهذا لا يبعد وجوده.
ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين، وأحالوهما. ولا استحالة في ذلك، ولا بُعد في وجوده، لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام.
والثالث: المنجمون. وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب. ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف؛ وهو: الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها. وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك، بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة.
وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة. وقد أكذبهم كلهم الشرع، ونهى عن تصديقهم وإتيانهم. والله أعلم". شرح النووي على مسلم (14223) .
2 هو نضلة بن عبيد، أبو برزة الأسلمي. صحابي مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين على الصحيح.
انظر: حلية الأولياء 232-33. وتقريب التهذيب 2247. وانظر: سير أعلام النبلاء 340. والأعلام 833.
(2/832)

وقد قيل: [إنّه] 1 الذي أنزل الله تعالى فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيْدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكُفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدَاً} 2. وقد ذكر قصته غير واحد من المفسرين3.
ولما كان الذين يعارضون آيات الأنبياء من السحرة والكهان لا يأتون بمثل آياتهم، بل يكون بينهما شَبهٌ كشَبه الشعر بالقرآن؛ ولهذا قالوا في النبيّ: إنّه ساحرٌ، وكاهنٌ، وشاعرٌ مجنون، قال تعالى: {انْظُر كَيف ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} 4؛ فجعلوا له مثلاً لا يُماثله، بل بينهما شَبَهٌ، مع وجود الفارق المبين.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : إن.
2 سورة النساء، الآية 60.
3 ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله أن الطبراني روى بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} - إلى قوله: - {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} ... ". تفسير ابن كثير 1519. وقال الهيثمي عن رجال هذا الخبر: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد 76.
وقد ذكر خبر هذه المنافرة: الطبري - مطوّلاً - انظر تفسيره 5154. وانظر: زاد المسير لابن الجوزي 2119-120. وأسباب النزول للواحدي ص 119-121. والدر المنثور للسيوطي 2178.
وفي أسباب النزول للواحدي، وزاد المسير لابن الجوزي: "أبو برده بدل أبي برزة"، وفي تفسير الطبري، وابن كثير، والدر المنثور: (أبو برزة) .
4 سورة الفرقان، الآية 9.
(2/833)

وهذا هو القياس الفاسد؛ فلمّا كان الشعر كلاماً له فواصل ومقاطع، والقرآن آيات له فواصل ومقاطع، قالوا: شاعر. ولكن شتّان1.
وكذلك الكاهن؛ يخبر ببعض المغيّبات، ولكن يكذب كثيراً، وهو يخبر بذلك عن الشياطين، وعليه من آثارهم ما يدلّ على أنّه أفّاكٌ أثيم؛ كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون} ، [ثم] 2 قال: {وَالشُّعَرَاءُ [يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ] 3 أَلَمْ تَرَ أَنَهُم في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} 4.
فذكر سبحانه الفرق بين النبيّ، وبين الكاهن والشاعر.
وكذلك الساحر؛ لما كان يتصرّف في العقول النفوس بما يُغيّرها، وكان من سمع القرآن وكلام الرسول خضع له عقله ولبه، وانقادت له نفسه وقلبه، صاروا يقولون: ساحرٌ، وشتّان.
وكذلك مجنون؛ لما كان المجنون يُخالف عادات الكفار وغيرهم، لكن بما فيه [فسادٌ لا صلاح - والأنبياء جاؤوا بما يُخالف عادات الكفّار، لكن بما فيه] 5 صلاحٌ لا فساد، قالوا: مجنون، قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون} 6.
فتارةً يصفونه بغاية الحذق، والخبرة، والمعرفة؛ فيقولون: ساحر، وتارةً بغاية الجهل، والغباوة، والحمق؛ فيقولون: مجنون.
__________
1 سبق مثل ذلك. انظر ص 220-221 من هذا الكتاب.
2 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
3 في ((ط)) : يتبعه غاوون.
4 سورة الشعراء، الآيات 221-226.
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
6 سورة الذاريات، الآيتان 52-53.
(2/834)

وقد ضلوا في هذا، وهذا؛ كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} 1؛ فهم بمنزلة السائر في الطريق، وقد ضلّ عنها، يأخذ يميناً وشمالاً، ولا يهتدي إلى السبيل التي تُسلك.
والسبيل التي يجب سلوكها: قولُ الصدق، والعملُ بالعدل.
الأنبياء تعينهم الملائكة والسحرة تعينهم الشياطين
والكهانة والسحر يناقض النبوة؛ فإن هؤلاء2 تُعينهم الشياطين؛ تُخبرهم، وتعاونهم بتصرفات خارقة، ومقصودهم: الكفر، والفسوق، والعصيان.
والأنبياءُ تُعينهم الملائكة؛ هم الذين يأتونهم، فيخبرونهم بالغيب، ويعاونونهم بتصرّفات خارقة؛ كما كانت الملائكة تُعين النبيّ صلى الله عليه وسلم في مغازيه مثل يوم بدر أمدّه الله بألف من الملائكة3،
ويوم حنين4 قال: {وَيَومَ
__________
1 سورة الفرقان، الآية 9.
2 الكهّان، والسحرة.
3 قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة النساء، الآية 123] . وفي صحيح مسلم: من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً. فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فما زال يهتف بربه، مادّاً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجلّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [سورة الأنفال 9] ، فأمده الله بالملائكة". صحيح مسلم 31383-1384، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم.
4 قال شيخ الإسلام رحمه الله عن هاتين الغزاتين: "إنهما غزاتان بينهما نحو ست سنين؛ كانت بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكانت حنين في السنة الثامنة بعد فتح مكة. وإن بدراً مكان بين مكة والمدينة شامي مكة، ويماني المدينة. وحنين: واد قريب من الطائف شرقي مكة. وإنما قرن بينهما في الاسم؛ لأنّ الله أنزل فيهما الملائكة، وأيّد بهما نبيه والمؤمنين، حتى غلبوا عدوهم، مع قوة العدو في بدر، ومع هزيمة أكثر المسلمين أولاً بحنين. وامتن الله بذلك في كتابه".. ثم ذكر الآيات في ذلك؛ التي في النساء، الآية 123، والتي في التوبة 25-26.. الجواب الصحيح 6335-336.
(2/835)

حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئَاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1، وقال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا] 2 فَانْزَلَ اللهُ سَكينَته عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنودٍ لَمْ تَرَوْهَا} 3، وقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} 4.
وقد بيَّن سبحانه أنّ الذي جاء بالقرآن مَلَكٌ كَرِيمٌ، ليس بشيطان، فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِين مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ [بِضَنِين] 5 وَمَا
__________
1 سورة التوبة، الآيات 25-27.
2 ما بين المعقوفتين ساقطٌ من ((خ)) .
3 سورة التوبة، الآية 40.
4 سورة الأنفال، الآية 12.
5 في ((م)) ، و ((ط)) : بظنين - بالظاء - والمصاحف العثمانية مجمعة على رسمه بالضاد. ولم ترسم بالظاء إلا في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر: سراج القارئ المبتدي ص 381.
(2/836)

هُو بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيم فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} 1.
ولمّا كانت الأنبياء مؤيدة بالملائكة، والسحرة والكهان تقترن بهم الشياطين، كان من الفروق التي بينهم: الفروق التي بين الملائكة والشياطين.
النبوة عند المتفلسفة
والمتفلسفة الذين لم يعرفوا الملائكة والجن؛ كابن سينا وأمثاله، ظنّوا أنّ هذه الخوارق من قوى النفس، قالوا: والفرق بين النبيّ والساحر: أنّ النبيّ يأمر بالخير، والساحر يأمر بالشر2. وجعلوا ما يحصل [للممرور] 3 من هذا الجنس؛ إذ لم يعرفوا صرع الجنّ للإنسان، وأنّ الجني يتكلم على لسان الإنسان، كما قد عرف ذلك الخاصة [والعامة] 4، وعرفه علماء الأمة وأئمتها؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع5.
__________
1 سورة التكوير، الآيات 19-26.
2 انظر: كتاب الصفدية 1143. وشرح الأصفهانية 2504. والرد على المنطقيين ص 322.
وقد سبق أن تكلم شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الكتاب عن موقف الفلاسفة من النبوة. انظر ص 609-612، 730-735، 834-844، 856.
3 في ((ط)) : للمرورن.
وقد تقدم التعريف به ص 836.
4 في ((ط)) : (والعام ة) .
5 بل إنّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يُقرّر هذه القضية، ويردّ على من يُنكر دخول الجنّ في الإنسان في مواضع عديدة من كتبه، فمن ذلك قوله: "وجود الجنّ ثابت، بكتاب الله وسنة رسوله، واتفاق سلف الأمة وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابتٌ باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة؛ قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ... } . وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إنّ أقواماً يقولون: إنّ الجني لا يدخل في بدن المصروع. فقال: يا بنيّ يكذبون، هذا يتكلّم على لسانه.
وهذا الذي قاله أمرٌ مشهور؛ فإنّه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً، لو ضُرب به جمل لأثّر به أثراً عظيماً. والمصروع مع هذا لا يحسّ بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله. وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه ويُحول الآلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علماً ضرورياً بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرّك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان. وليس في أئمة المسلمين من يُنكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادّعى أنّ الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما يُنافي ذلك". مجموع الفتاوى 24276-277.
ويقول رحمه الله عن صرع الجنّ للإنس: (وهذا أمر قد باشرناه نحن وغيرنا غير مرة، ولنا في ذلك من العلوم الحسيات رؤية وسماعاً ما لا يمكن معه الشك) . كتاب الصفدية 1181.
أمّا من يُنكر ذلك، فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنّهم طائفة من المعتزلة، فقال رحمه الله: " ... ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي، وأبي بكر الرازي، وغيرهما دخول الجنّ في بدن المصروع، ولم ينكروا وجود الجنّ؛ إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا، وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون إن الجني يدخل في بدن المصروع؛ كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ... " مجموع الفتاوى 1912.
وممن أنكر صرع الجنّ للإنس: ابن حزم. انظر كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل 59. والأصول والفروع له ص 135-137) .
وانظر عن أسباب صرع الجن في مجموع الفتاوى 1382.
ولشيخ الإسلام رحمه الله رسالة اسمها: (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة) يتكلّم فيها عن الجنّ وإبطال أحوالهم، وكيفية دفعهم. ويتحدث فيها الشيخ رحمه الله عن تجاربه في إخراج الجن من بدن الإنسان مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين. انظر: مجموع الفتاوى 199-56. وانظر 11293، و24276-282 وكتاب الصفدية 16-7.
ويُحدّثنا الإمام ابن القيم عن مشاهداته لشيخه - رحمهما الله، فيقول: "شاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يُخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع ولا يحس بألم. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مراراً. وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون، الآية 115] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم. ومدّ بها صوته. قال: فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه، حتى كلّت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب، ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يُحبّك. قالت: أنا أُريد أن أحُجّ به، فقلت لها: هو لا يُريد أن يحجّ معك. فقالت: أنا أدعه كرامة لك. قال: قلت: لا، ولكن طاعة لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يميناً وشمالاً، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله؟ فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أُذنب. ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة. وكان يُعالج بآية الكرسيّ، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين. وبالجملة: فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا يُنكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة ... ". زاد المعاد 468-69.
ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله رسالة مطبوعة، اسمها: (إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي، والرد على من أنكر ذلك) .
(2/837)

أصول الجهمية
والجهمية المجبرة الذين قالوا: إنّ الله قد يفعل كل ممكن مقدور1،
__________
1 سبقت إشارة الشيخ رحمه الله إلى ذلك مراراً عديدة انظر ما سبق ص 153، 268، 335، 566، 956، 1065، وما سيأتي ص 1125-1164. وانظر: المواقف للإيجي ص 323-324، 328، 330-332.
(2/839)

لا يُنزّهونه عن فعل شيء، ويقولون: إنه يفعل بلا سبب، ولا حكمة، وهو الخالق لجميع الحوادث؛ لم يُفرّقوا بين ما تأتي به الملائكة، ولا ما تأتي به [الشياطين، بل] 1 الجميع يُضيفونه إلى الله على حدٍّ واحد، ليس في ذلك حسن ولا قبيح عندهم2، حتى يأتي الرسول. فقبل ثبوت الرسالة لا يميزون بين شيء من الخير والشر، والحسن والقبيح.
فلهذا لم يُفرّقوا بين آيات الأنبياء، وخوارق السحرة والكهان، بل قالوا: ما [تأتي] 3 به السحرة والكهان يجوز أن يكون من آيات الأنبياء، وما يأتي به الأنبياء يجوز أن يظهر على أيدي السحرة والكهان4.
لكن إن دلّ على انتفاء ذلك نصّ أو إجماع، نفوه، مع أنّه جائز عندهم أن يفعله الله، لكن بالخبر علموا أنه لم يفعله.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 قال الجويني: "ما من أمر يخرق العوائد إلا وهو مقدور للرب تعالى ابتداء، ولا يمنع وقوع شيء لتقبيح عقل ... فإنّ المعجزة لا تدلّ لعينها، وإنما تدلّ لتعلقها بدعوى النبي الرسالة". الإرشاد ص 319.
وقال أيضاً: "ولا يمتنع عقلاً أن يفعل الرب تعالى عند ارتياد الساحر ما يستأثر بالاقتدار عليه، فإن كل ما هو مقدور للعبد، فهو واقع بقدرة الله تعالى عندنا". الإرشاد ص 322.
3 في ((م)) ، و ((ط)) : (يأتي) .
4 قال الباقلاني: "إنّ المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا لحدوثها، وإنما يصير معجزاً للوجوه ... ومنها التحدي والاحتجاج". البيان للباقلاني ص 48. وانظر المصدر نفسه ص 91، 94-96.
وقال الجويني: "وجنس المعجز يقع من غير دعوى، وإنما الممتنع وقوعه على حسب دعوى الكاذب، فاعلموا ذلك". الإرشاد للجويني ص 328. وانظر المصدر نفسه 324، 326.
(2/840)

فهؤلاء1 لما رأوا ما جاءت به الأنبياء، وعلموا أنّ آياتهم تدلّ على صدقهم، وعلموا ذلك؛ إمّا بضرورة، وإمّا بنظر، واحتاجوا إلى بيان دلائل النبوة على أصلهم، كان غاية ما [قالوه] 2: إنّه كلّ شيء يُمكن أن يكون آية للنبي، بشرط أن يقترن بدعواه، وبشرط أن يتحدى بالإتيان بالمثل فلا يعارض3.
معنى التحدي
ومعنى التحدي بالمثل: أن يقول لمن دعاهم: ائتوا بمثله4.
وزعموا أنّه إذا كان هناك سحرة وكهان، وكانت معجزته من جنس ما يظهر على أيديهم من السحر والكهانة، فإن الله لا بُد أن يمنعهم عن مثل ما كانوا يفعلونه، وأنّ من ادّعى منهم النبوة، فإنّه يمنعه من تلك الخوارق، أو يُقيض له من يعارضه بمثلها5.
فهذا غاية تحقيقهم، وفيه من الفساد ما يطول وصفه.
طاعة الجن لسليمان طاعة ملكية
وطاعة الجنّ والشياطين لسليمان صلوات الله عليه، لم [تكن] 6 من جنس معاونتهم للسحرة، والكهّان، والكفار، وأهل الضلال والغي، ولم تكن الآية، والمعجزة، والكرامة التي أكرمه الله بها، هي ما كانوا يعتادونه مع الإنس؛ فإن ذلك إنّما كان يكون في أمور معتادة؛ مثل إخبارهم أحياناً ببعض [الغائبات] 7؛ ومثل إمراضهم، وقتلهم لبعض الإنس؛ كما أنّ
__________
1 أي الأشعرية المجبرة.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : (قالوا) .
3 انظر: البيان للباقلاني 96، 98-101. والإرشاد للجويني ص 319، 328.
4 انظر: الإرشاد للجويني ص 313.
5 انظر: البيان للباقلاني ص 94-95. والإرشاد للجويني ص 312، 327.
6 في ((خ)) : (يكن) . وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 في ((ط)) : (احغائبات) .
(2/841)

[الإنسيّ] 1 قد يمرض ويقتل غيره. ثم هم إنّما يعاونون الإنس على الإثم والعدوان، [إذا كانت الإنس2 من أهل الإثم والعدوان] 3، يفعلون ما [يهواه] 4 الشياطين، فتفعل الشياطين بعض ما يهوونه، قال تعالى: {وَيَوْمَ [نَحْشُرُهُمْ] 5 جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَال أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} 6
وأما التسخير الذي سخّروه لسليمان، فلم يكن لغيره من الأنبياء، فضلاً عن من ليس بنبيّ، وقد سأل ربّه مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فقال: {رَبِّ اغْفِر لي وَهَبْ لي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب} 7.
قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءَ حَيثُ أَصَاب وَالشَّيَاطِين كُلّ بَنَّاء وَغَوَّاص وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأَصْفَاد هَذَا عَطَاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِك بِغَيرِ حِسَاب} 8.
وقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَان الرِّيح عَاصِفَة تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الأَرْض التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين وَمِنَ الشَّيَاطِين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دونَ ذلك وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين} 9.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : (الإنس) .
2 في ((م)) : (الإنسي) .
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 في ((م)) ، و ((ط)) : (تهواه) .
5 كذا في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : نحشرهم - بالنون، وهي قراءة الجميع، عدا حفص. انظر سراج القارئ المبتدي ص 216) .
6 سورة الأنعام، الآية 128.
7 سورة ص، الآية 35.
8 سورة ص، الآيات 36-39.
9 سورة الأنبياء، الآيتان 81-82.
(2/842)

وقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيح غُدُوها شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَين القِطْر وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْن يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزغ مِنْهُم عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَاب وَقُدُورٍ رَاسِيَات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرَاً وقَلِيل مِن عِبَادِيَ الشَّكُور فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّة الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَنْ لَو كَانُوا يَعْلَمُون الغَيْبَ مَا لَبِثُوا في العَذَابِ المُهِين} 1.
وكذلك ما ذكره من قول العفريت له: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} 2.
فهذه الطاعة من التسخير: بغير اختيارهم في مثل هذه الأعمال الظاهرة العظيمة، ليس مما فعلته بأحد من الإنس، وكان ذلك بغير أن يفعل شيئاً، مما يهوونه؛ من العزائم، والأقسام، والطلاسم الشركية3؛ كما يزعم الكفار أنّ سليمان سخّرهم بهذا، فنزّهه الله من ذلك4، بقوله: {وَاتَّبَعُوا مَا
__________
1 سورة سبأ، الآيات 12-14.
2 سورة النمل، الآية 39.
3 تقدّم التعريف بها، انظر ص 270 من هذا الكتاب.
4 روى الطبري رحمه الله بسنده إلى ابن إسحاق قال: "عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليهما السلام، فكتبوا أصناف السحر....، ثم دفنوه تحت كرسيه، فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، وتعلّموه، وعلّموه، فليس في أحد أكثر منه في اليهود. فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمانَ بن داود، وعدّه فيمن عدّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد - صلى الله عليه وسلم - يزعم أن سليمان بن داود كان نبياً، والله ما كان إلا ساحراً. فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ... } الآية.
تفسير الطبري 1446. وانظر: أسباب النزول للواحدي ص 21-22. وتفسير ابن كثير 1132-136.
وقد فصّل شيخ الإسلام رحمه الله القول في هذه المسألة في موضع آخر، بعد أن ذكر الطلاسم الشركية، والعزائم، والأقسام التي يستخدمها الجنّ، فقال: "والذين يستخدمون الجن بهذه الأمور يزعم كثير منهم أن سليمان كان يستخدم الجنّ بها، فإنّه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت الشياطين كتبَ سحر وكفر وجعلتها تحت كرسيه، وقالوا: كان سليمان يستخدم الجنّ بهذه، فطعن طائفة من أهل الكتاب في سليمان بهذا، وآخرون قالوا: لولا أن هذا حق جائز لما فعله سليمان. فضلّ الفريقان؛ هؤلاء بقدحهم في سليمان، وهؤلاء باتباعهم
السحر، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ..} إلى قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . بيَّن سبحانه أن هذا لا يضرّ ولا ينفع، إذ كان النفع هو الخير الخالص أو الراجح، والضرر هو الشر الخالص أو الراجح، وشر هذا إما خالص، وإما راجح) . مجموع الفتاوى 1942.
(2/843)

تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} 1.
طاعة الجن لنبينا طاعة نبوية
وأما طاعة الجنّ لنبيِّنا وغيره من الرسل؛ [كموسى] 2: فهذا نوعٌ
__________
1 سورة البقرة، الآية 102.
2 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى إذ يقرن هنا بين موسى عليه السلام، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم بطاعة الجنّ لهم، لكأنه يُشير إلى قوله تعالى حكاية عن الجنّ: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة الأحقاف، الآية 30] . وإلى قوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً} [سورة الجن، الآيتان 1-2، وإلى لآخر السورة] .
أما عن سبب عدم ذكر المسيح عليه السلام، مع أنه من أنبياء بني إسرائيل، فقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} : "ولم يذكروا عيسى لأنّ عيسى عليه السلام أُنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحريم والتحليل، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة. فالعمدة هو التوراة. فلهذا قالوا: أُنزل من بعد موسى". تفسير ابن كثير 4170.
(2/844)

آخر؛ فإنّ هذا طاعتهم فيما أمرهم الله به من عبادته وطاعته؛ كطاعة الإنس لنبيِّنا، حيث أرسل إلى الطائفتين، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وطاعته، ونهاهم عن معصيته التي بها يستحقون العذاب في الآخرة، وكذلك الرسل دعوهم إلى ذلك، وسليمان منهم، لكن هذا إنما ينتفع به منهم من آمن طوعاً، ومن لم يؤمن، فإنّه يكون بحسب شريعة ذلك الرسول: هَلْ يُترك حتى يكون الله هو الذي ينتقم منه، أَوْ يُجَاهَد؟.
وسليمان كان على شريعة التوراة1، واستخدامه لمن لم يؤمن منهم، هو مثل استخدام الأسير الكافر.
حال نبينا مع الجن والإنس أكمل من حال سليمان وغيره
فحال نبيِّنا مع الجنّ والإنس: أكمل من حال سليمان وغيره؛ فإنّ طاعتهم لسليمان كانت طاعة ملكية فيما يشاء، وأما طاعتهم لمحمّد فطاعة نبوة ورسالة فيما يأمرهم به؛ من عبادة الله، وطاعة الله، واجتناب معصية الله؛ فإنّ سليمان صلى الله عليه وسلم كان نبياً مَلِكاً، ومحمد كان عبداً رسولاً، مثل إبراهيم2
__________
1 تقدّمت إشارة شيخ الإسلام رحمه الله إلى ذلك في ص 919 من هذا الكتاب.
2 سبق بيان ذلك فيما مضى، انظر ص 132، 636 من هذا الكتاب.
وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى هذه الحقيقة في موضع آخر من كتبه، فقال: "فإنّ نبينا صلى الله عليه وسلم كان يتصرّف في الجنّ كتصرفه في الإنس تصرّف عبد رسول يأمرهم بعبادة الله وطاعته، لا يتصرف لأمر يرجع إليه، وهو التصرف الملكي؛ فإنه كان عبداً رسولاً، وسليمان نبي ملك، والعبد الرسول أفضل من النبيّ الملك؛ كما أنّ السابقين المقربين أفضل من عموم الأبرار أصحاب اليمين". مجموع الفتاوى 1951. وانظر المصدر نفسه 1389.
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: "فإن قيل: فإن سليمان كانت تأتيه الجنّ، وإنها كانت تعتاص عليه حتى يصفدها ويقيدها. قيل: فإن: محمداً صلى الله عليه وسلم كانت تأتيه الجن راغبة إليه، طائعة له، معظمة لشأنه، ومصدقة له، مؤمنة به، متبعة لأمره، متضرعة له، مستمدين منه، ومستمنحين له زادهم ومأكلهم. فجعل كل روثة يصيبونها تعود علفاً لدوابهم، وكل عظم يعود طعاماً لهم، وصرفت لنبوته أشراف الجن وعظماؤهم التسعة الذين وصفهم الله تعالى، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف 29] ، وقوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} إلى قوله: {لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً} [الجن 1-7] . وأقبلت إليه صلى الله عليه وسلم الألوف منهم مبايعين له على الصوم والصلاة والنصح للمسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا على الله شططاً. فسبحان من سخّرها لنبوته صلى الله عليه وسلم بعد أن كانت شراراً تزعم أن لله ولداً، فلقد شمل مبعثه من الجن والإنس ما لا يحصى. هذا أفضل مما أُعطي سليمان عليه السلام". دلائل النبوة لأبي نعيم 2762.
(2/845)

[عليهم السلام] 1.
وموسى وسليمان، مثل داود ويوسف عليهم السلام، وغيرهما، مع أنّ داود وسليمان ويوسف [عليهم السلام] 2 هم رسلٌ أيضاً دعوا إلى توحيد الله وعبادته3؛ كما أخبر الله أنّ يوسف دعا أهل مصر4، لكن بغير معاداة
__________
1 ما بين المعقوفتين من ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين من ((ط)) .
3 قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسُ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورَاً. وَرُسُلاً قَد قَصَصْنَاهُم عَلَيْكَ مِن قَبْل وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً} . [سورة النساء 163-164] ، وانظر ص 686 من هذا الكتاب.
4 قال تعالى يحكي قول مؤمن آل فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً} ، [سورة غافر، الآية 34] .
وقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} . [سورة يوسف، الآيات 54-56]
(2/846)

لمن لم يؤمن، ولا إظهار مناوأة بالذم والعيب والطعن لما هم عليه؛ كما كان نبيُّنا أول ما أُنزل عليه الوحي، وكانت قريش إذ ذاك تُقرّه، ولا يُنْكَرُ عليه1، إلى أن أظهر عيبَ آلهتهم ودينهم، وعيبَ ما [كان] 2 عليه آباؤهم، وسَفَّهَ أحلامهم، فهنالك عادوه وآذوه، وكان ذلك جهاداً باللسان قبل أن يؤمر بجهاد اليد3، قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادَاً كَبِيراً} 4.
وكذلك موسى مع فرعون: أمره أن يؤمن بالله، وأن يُرسِل معه [بني] 5 إسرائيل، وإن كره ذلك6، وجاهد فرعون بإلزامه بذلك بالآيات التي كان الله يعاقبهم بها، إلى أن أهلكه الله وقومه على يديه.
__________
1 قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "ودخل الناس في الدين واحداً بعد واحد، وقريش لا تنكر ذلك، حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتهم، وأنها لا تضر ولا تنفع، فحينئذ شمّروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب ... ". زاد المعاد 321-22. وانظر: تهذيب سيرة ابن هشام ص 65.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : كانت.
3 قال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ} [سورة الحجر، 94-95] .
4 سورة الفرقان، الآيتان 51-52.
5 في ((ط)) : (نبي) .
6 قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ} [سورة الأعراف، الآيتان 104 - 105] .
(2/847)

فصل الذين سموا آيات الأنبياء خوارق لا بدّ أن يخصوا ذلك بالأنبياء دون غيرهم..
فالذين سمّوا هذه الآيات: خوارق للعادات، وعجائب، ومعجزات، إذا جعلوا ذلك شرطاً فيها، وصفة لازمة لها، بحيث لا تكون الآيات إلا كذلك، فهذا صحيح1، وإن كانت هذه الأمور قد تجعل أمراً عاماً؛ [فتكون] 2 متناولة لآيات الأنبياء، وغيرها؛ كالحيوان3 الذي ينقسم إلى إنسان، وغير إنسان.
وأما إذا جعلوا ذلك حدّاً لها، وضابطاً، فلا بُدّ أن يُقيّدوا كلامهم؛ مثل أن يقولوا: خوارق [العادات] 4 التي تختص الأنبياء، أو يقولوا: خوارق عادات الناس كلّهم غير الأنبياء؛ فإن آياتهم لا بد أن تخرق عادة كلّ أمة من الأمم، وكل طائفة من الطوائف، لا تختص آياتهم يخرق عادة بلد معين، ولا من أرسلوا إليه، بل تخرق عادة جميع الخلق إلا الأنبياء؛ فإنها إذا كانت
__________
1 سبق أن أوضح شيخ الإسلام رحمه الله أقوال الناس في مسمّى خرق العادة، ومن يشترطه، ممن لا يشترطه. انظر ص 990 من هذا الكتاب.
2 في ((خ)) : فيكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 الحيوان: كلّ ذي روح، ناطقاً كان أو غير ناطق، مأخوذ من الحياة، يستوي فيه الواحد والجمع، لأنه مصدر في الأصل. المصباح المنير ص 160.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : للعادات.
(2/848)

معتادة للأنبياء؛ مثل الخبر الصادق بغيب الله تعالى الذي لا يُعرف إلا من جهتهم.
فما كان معتاداً للأنبياء دون غيرهم فهو من أعظم آياتهم وبراهينهم، وإن كان معتاداً لهم، فإن الدليل هو: ما يستلزم المدلول عليه.
فإذا لم يكن ذلك معتاداً إلا لنبيّ، كان مستلزماً للنبوة، وكان من أتى به لا يكون إلاّ نبياً، وهو المطلوب.
بل لو كان مستلزماً للصدق، ولا يأتي به إلا صادق، لكان المخبر عن نبوة نبيّ؛ إمّا نبوةُ نفسه، أو نبوةٌ غيرها.
وإذا كان كاذباً، لم يحصل له مثل ذلك الدليل الذي [هو] 1 مستلزم للصدق.
ولا يحصل أيضاً لمن كذّب بنبوة نبيّ صادق؛ إذ هو أيضاً كاذب، وإنما يحصل لمن أخبر بنبوّة نبيّ صادق.
وحينئذٍ فيكون ذلك الدليل مستلزماً للخبر الصادق بنبوّة النبي، وهذا هو المطلوب؛ فإن مدلول الآيات سواء سميت معجزات، أو غيرها، والخبر الصادق بنبوة النبي، ومدلولها: إخبار الله، وشهادته بأنه نبي، وأنّ الله أرسله؛ فقول الله: {محمّد رسول الله} 2، وقوله: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} 3، وقول كل مؤمن: إنه رسول الله4؛ كلّ ذلك خبرٌ عن
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 سورة محمد، الآية 29.
3 في سورة الأعراف، الآية 158: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} .
4 نطق المؤمن بأنّ محمّداً رسول الله في مواطن كثيرة، منها على سبيل المثال: في الأذان، وبعد الانتهاء منه، وبعد الوضوء، وعند الدخول إلى المسجد، وفي التشهد الأول والثاني من الصلاة، وبعد الخروج من المسجد. وفي أماكن كثيرة، ليس هذا مكان حصرها.
وقد جمع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى المواضع التي يُصلّى فيها على رسول الله، ويُذكر في كتاب مستقلّ، اسمه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (مطبوع) .
وقال الشاعر:
لو لم يقل إني رسول لكا
ن شاهد في هديه ينطق.
زاد المعاد 4245.
(2/849)

رسالته، وهذا هو مدلول الآيات.
وقد يكون مدلول الآيات نفس النبوة، التي هي مخبر هذا الخبر، ويكون الدليل مثل خبر من الأخبار، وهذا من جنس الأول1.
فما دلّ على نفس النبوة، دلّ على صدق المخبر بها، وما دلّ على صدق المخبر بها، دلّ عليها2.
وأمّا نفس إخبار الربّ بالنبوة، وإعلامه بها، وشهادته بها؛ قولاً، وعملاً، فهو إخبارٌ منه بها، وهو الصادق في خبره؛ فإخباره هو دليلٌ عليها؛ فإنّه لا يقول إلا الحق، ولا يُخبر إلا بالصدق.
وأيضاً: فهو الذي أنشأ الرسالة، وإرساله بكلامه قد يكون إنشاءً للرسالة، وقد يكون إخباراً عن إرساله؛ كالذي يرسل رسولاً من البشر، قد يرسله والناس يسمعون، فيقول له: اذهب إلى فلان فقل له كذا وكذا. وقد يرسله بينه وبينه، ثم يقول للناس: إني قد أرسلته، ويرسله بعلامات وآيات، يعرف بها المرسَل إليه صدقَه.
__________
1 أي الخبر الصادق بنبوة النبيّ، الذي هو المدلول للآيات.
2 أي نفس النبوة. والمقصود التلازم بين النبوة، وصدق النبيّ.
(2/850)

وكذلك: إذا وُصفت1 بأنّها معجزات، فلا بد أن يعجز كلّ من ليس بنبيّ، ولم يشهد للنبيّ بالنبوة؛ فيعجز جميع المكذبين للرسول، والشاكّين في نبوته من الجنّ والإنس.
وكذلك: إذا قيل: هي عجائب، والعجب2: ما خرج عن نظيره، فلم يكن له نظير، فلا بُد أن يكون من العجائب التي لا نظير لها أصلاً عند غير الأنبياء؛ لا من الجن، ولا من الإنس.
[أما إذا] 3 كان [ليست] 4 لها نظير في شيء آخر، فهذا يؤيّد أنها من خصائص الأنبياء، ومن آياتهم.
الفرق بين النبي والمتنبئ
فهذا الموضع من فهمه فهماً جيّداً، تبيَّن له الفرقان في هذا النوع5؛ فإنّ كثيراً من الناس6 يصفها بأنها خوارق، ومعجزات، وعجائب، ونحو
__________
1 أي الآية والعلامة والبينة والبرهان. وقد سبق أن ذكر المؤلف رحمه الله أن التسمية بالمعجزات حادثة، ولم تعرف في الكتاب والسنة بهذا الاسم. انظر ص 942 من هذا الكتاب.
2 سبق توضيح العجب. انظر ص 994 من هذا الكتاب.
3 في ((م)) ، و ((ط)) : فإذا.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : ليس.
5 أي من الفرق بين النبي والمتنبئ، وبين الصادق والكاذب. فالشيخ رحمه الله يؤكّد أنّ ما يخصّ الأنبياء من خوارق ومعجزات وعجائب، لا بُدّ أن يكون خارقاً ومعجزاً لغيرهم، فلا يستطيع الجنّ والإنس أن يأتوا بمثله. هذا هو الفرق الذي يُعرف به الأنبياء، وتُعلم به معجزاتهم.
6 وهم الأشاعرة، حيث جعلوا جنس ما يأتي به النبيّ والوليّ والساحر واحداً، إلاّ أنّ النبيّ يدّعي به النبوة ولا يعارض، والولي والساحر لا يدّعيان النبوة بذلك الخارق. والفرق بين الولي والساحر أنّ السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق.
وقد سبق بيان ذلك مراراً. انظر ص 956-958 من هذا الكتاب. وانظر: البيان للباقلاني ص 47-49. والإرشاد للجويني ص 319، 322-323، 328.
(2/851)

ذلك، ولا يحقق الفرق بين من يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا [يجب] 1 أن [تكون] 2 في حقه كذلك.
فالواجب أن يخرق عادة كل من لم يُقرّ بنبوة الأنبياء؛ فلا يكون لمكذّب بنبوته و [ليست] 3 لشاك.
وقولنا: يخرق عادتهم، هو من باب العادة التي تثبت بمرّة، ليس من شرط فسادها أن تقع غير مرّة، مع انتفاء الشهادة بالنبوة. بل متى وقعت مرّة واحدة مع انتفاء الشهادة بالنبوة، لم [تكن] 4 مختصة بشهادة النبوة، ولا بالنبوة، فلا يجب أن تكون آية.
وقولنا: ولا يجب أن تخرق عادات الأنبياء، ولم [نقل] 5: ولا يجوز أن تخرق عادات الأنبياء. بل قد تكون خارقة أيضاً لعادات الأنبياء.
أنواع آيات الأنبياء
وقد خُصّ بها نبي واحد؛ مثل أكثر آيات الأنبياء6؛ فإنّ كلّ نبيّ خُصّ بايات، لكن لا يجب في آيات الأنبياء أن تكون مختصة بنبيّ7، بل ولا يجب أن يختص ظهورها على يد النبي، بل متى اختصت به، وهي من
__________
1 في ((ط)) : يحب - بالحاء المهملة.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : يكون.
3 في ((م)) ، و ((ط)) : لا.
4 في ((خ)) : (يكن) . وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((خ)) : (يقل) . وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 فإبراهيم عليه السلام خُصّ بالنار، وصالح خصّ بالناقة، وموسى بالعصا واليد، ونبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم خُصّ بالقرآن الكريم ... والأمثلة على ذلك كثيرة.
7 فمثلاً إحياء الموتى: اشترك فيه أكثر من نبيّ. كما سبق بيانه في ص 594-611، 733 من هذا الكتاب. وانظر: الجواب الصحيح 3351، 417، 5434.
(2/852)

خصائصه، كانت آية له سواء وجدت قبل ولادته، أو بعد موته، أو على يد أحد من الشاهدين له بالنبوة1، فكل هذه من آيات الأنبياء.
الرد على من قال من شرط آيات الأنبياء أن تقارن دعوى النبوة
والذين قالوا: من شرط الآيات أن تقارن دعوى النبوة2: غلطوا غلطاً عظيماً، وسبب غلطهم: أنّهم لم يعرفوا ما يخص بالآيات، ولم يضبطوا خارق العادة بضابط يميّز بينها وبين غيرها، بل جعلوا ما للسحرة والكهّان، هو أيضاً من آيات الأنبياء، إذا اقترن بدعوى النبوة، ولم يُعارضه معارض.
وجعلوا عدم المعارض هو الفارق بين النبيّ وغيره، وجعلوا دعواه النبوة جزءاً من الآية3، فقالوا: هذا [الخارق] 4 إن وجد مع دعوى
__________
1 هذه تُعدّ من الكرامات التي للأولياء. وقد سبق أن أوضح المؤلف رحمه الله أنّ كلّ كرامة حصلت لوليّ تابع لنبيّ، فهي معجزة لذلك النبيّ، لأنّ ذلك ما حصل له إلا باتباعه لذلك النبيّ.
ويجب أن نوضّح هنا: أنّ الأولياء لا يحصل على يديهم إلا آيات الأنبياء الصغرى. أما الكبرى فلا؛ مثل معراج الرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم. ولكن الصغرى؛ مثل جنس تكثير الطعام والشراب فتحصل، لكن ليس بالمقدار والكيفية التي حصلت للنبيّ.
وانظر ما سبق من كلام المؤلف رحمه الله ص 987 من هذا الكتاب.
2 يقصد هنا الأشاعرة، كما هو واضح من تعليل المؤلف - رحمه الله - فيما بعد، وإلا فالمعتزلة يشترطون أنّ الخارق يقارن دعوى النبوة.
وقد تقدم ذلك. انظر ص 987 من هذا الكتاب.
وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 569. والإرشاد للجويني ص 314، 320. والبيان للباقلاني ص 46-47. وأصول الدين للبغدادي ص 171.
3 يقول الجويني: "المعجزة لا تدلّ لعينها، وإنما تدلّ لتعلقها بدعوى النبي والرسالة". الإرشاد ص 319. وانظر البيان للباقلاني ص 47-49.
4 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
(2/853)

النبوة، كان معجزة، وإن وجد بدون دعوى النبوة، لم يكن معجزة1، فاحتاجوا لذلك أن يجعلوه مقارناً للدعوى.
قالوا: والدليل على [ذلك: أنّ مثل] 2 آيات الأنبياء يأتي في آخر الزمان، إذا [جاءت] 3 أشراط الساعة، ومع ذلك ليس هو من آياتهم4.
وكذلك قالوا في كرامات الأولياء5.
أشراط الساعة من آيات الأنبياء
وليس الأمر كذلك، بل أشراط الساعة هي من آيات الأنبياء6، من وجوه؛
منها: أنهم أخبروا بها قبل وقوعها، فإذا جاءت كما أخبروا، كان ذلك من آياتهم.
ومنها: أنهم أخبروا بالساعة، فهذه الأشراط مصدّقة لخبرهم بالساعة، وكلّ من آمن بالساعة آمن بالأنبياء، وكلّ من كذب الأنبياء كذّب الساعة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوَّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ
__________
1 انظر: البيان للباقلاني ص 47-49. والإرشاد للجويني ص 324، 331.
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 في ((ط)) : جاتئت.
4 وعلل التفتازاني ذلك بقوله: "لأنّ ما يقع في الآخرة من الخوارق ليست بمعجزة، ولأنّ ما يظهر عند ظهور أشراط الساعة وانتهاء التكاليف لا يشهد بصدق الدعوى، لكونه زمان نقض العادات وتغير الرسوم". شرح المقاصد للتفتازاني 513. وانظر: البيان للباقلاني ص 47-48. وأصول الدين للبغدادي ص 170.
5 انظر: الإرشاد للجويني ص 319. وأصول الدين للبغدادي ص 174-175.
6 سبق أن أوضح شيخ الإسلام ذلك في ص 597 من هذا الكتاب.
وانظر عن إخباره صلى الله عليه وسلم بالكثير من الغيوب الماضية والحاضرة والمستقبلة، ودلالة ذلك على نبوته، في الجواب الصحيح 680-158.
(2/854)

إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَولِ غُرُورَاً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلتَصْغَى إِليهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَليَرْضَوْهُ وَليَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} 1.
وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤمِنُونَ بِهِ} 2.
فكلّ من آمن بالآخرة فقد آمن بالقرآن، فإذا جاءت أشراط الساعة، كانت دليلاً على صدق [خبرهم أنّ الساعة حقّ، وأنّ القرآن حقّ، وكان هذا من الآيات الدالة على صدق ما جاء به الرسول] 3؛ من القرآن، وهو المطلوب.
كل ما يكون خرق عادة لجميع الناس فهو من آيات الأنبياء
فلا يوجد خرق عادة لجميع الناس، إلا وهو من آيات الأنبياء4.
وكذلك الذي يقتله الدجال، ثم يحييه، [فيقوم] 5، فيقول: أنت الأعور الكذّاب الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة. فيريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر على ذلك.
الرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم
فهذا الرجل بعد أن قتل وقام، يقول للدجال: أنت الأعور الكذّاب، الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما ازددت فيك بهذا القتل إلا بصيرة. ثم يريد الدجال أن يقتله، فلا يقدر عليه6.
__________
1 سورة الأنعام، الآية 111-113.
2 سورة الأنعام، الآية 92.
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 هذه قاعدة وضابط في معرفة خصائص معجزات الأنبياء.
5 في ((ط)) : فيقول.
6 رواه الإمام البخاري في صحيحه 62608-2609، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة. والإمام مسلم في صحيحه 42256، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه، وقتله المؤمن وإحيائه.
(2/855)

فعجزه عن قتله ثانياً، مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله، وشهادته للرسول محمّد بالرسالة، هو من خوارق العادات، التي لا توجد إلاّ لمن شهد للأنبياء بالرسالة. وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين.
فهذا الخارق الذي جرى فيه، هو من خصائص من شهد لمحمّد بالنبوة؛ فهو من اعلام النبوة، ودلائلها.
وكونه قُتِل أوّلاً أبلغ في الدلالة؛ فإنّ ذلك لم يزغه، ولم يُؤثّر فيه، وعلم أنّه لا يُسلّط عليه مرة ثانية، فكان هذا اليقين والإيمان، مع عجزه عنه، هو من خوارق الآيات.
ومعلومٌ أنّ قتله ممكنٌ في العادة، فعجزه عن قتله ثانياً، هو الخارق للعادة.
ودلّ ذلك على أن إحياء الله له، لم يكن معجزة للدجال، ولا ليبين بها صدقه، لكن أحياه ليكذّب الدجال، وليبين أنّ محمّداً رسول الله، وأنّ الدجّال كذّاب، وأنّه هو الأعور الكذاب، الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "ما من نبي إلاَّ وقد أنذر أمته الأعور الدجال، وسأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لأمته: إنّه أعور، وإنّ الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر [ك ف ر] 1، يقرأه كلّ مؤمن؛ قارىء، وغير قارىء"2.
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((م)) ، ولا ((ط)) .
2 رواه البخاري في صحيحه 62607-2608، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، مع اختلاف يسير. ومسلم في صحيحه 42245، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد، و 42247-2248، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه.
(2/856)

وفي بعض الأحاديث الصحيحة: "واعلموا أنّ أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت"1.
فذكر لهم آيات ظاهرة يشترك فيها الناس، تبيّن لهم كذبه، فيما يدعيه من الربوبية؛ إذ كان كثير من الناس يجوّزون ظهور الإله في البشر؛ النصارى2 وغير النصارى3.
وما يأتي به الدجال، إنّما يحار فيه، ويراه معارضاً لآيات الأنبياء: من لم يحكّم الفرقان.
من أنكر خوارق الدجال وقال إنما هي خيال
فقومٌ يكذّبون أن يأتي بعجيب، ويقولون: ما معه إلا التمويه4؛ كما
__________
1 رواه الإمام مسلم في صحيحه 42245، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد. والترمذي في جامعه 4508، كتاب الفتن، باب ما جاء في الدجال.
2 كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [سورة التوبة، الآية 30] .
3 مثل ملاحدة الصوفية الذين يقولون بالحلول والاتحاد؛ كقول ابن الفارض في ديوانه:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلّت
كلانا مصلّ واحد ساجد ... إلى حقيقته بالجمع في كلّ سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدى كلّ ركعة
ديوان ابن الفارض ص 34.
وهم أخبث من النصارى واليهود كما صرّح بذلك شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأنّ اليهود قالوا بالحلول الخاص، وهؤلاء قالوا بالحلول المطلق. انظر: جامع الرسائل والمسائل 193، 94. والجواب الصحيح 4315، 497-500.
4 التمويه: هو التلبيس. ومنه قيل للمخادع: مموه. وقد موّه فلان باطله: إذا زيّنه وأراه في صورة الحقّ. والمموهة هي التي يكون ظاهرها مخالفاً لباطنها.
تهذيب اللغة 6474. ولسان العرب 13544. والتعريفات ص 297.
(2/857)

قالوا في السحر والكهانة؛ مثل كثيرٍ من المعتزلة، والظاهرية؛ كابن حزم1.
وقومٌ2 يقولون: لما ادعى الإلهية، كانت الدعوى معلومة البطلان، فلم يظهر الخارق؛ كما يقول ذلك القاضي أبو بكر3، وطائفة. ويدّعون أن
__________
1 ونقل ابن كثير رحمه الله عن ابن حزم والطحاوي وغيرهما: (أن الدجال ممخرق مموه لا حقيقة لما يُبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه، بل كلها خيالات عند هؤلاء. وقال الشيخ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة لئلا يشتبه خارق الساحر بخارق النبيّ) . النهاية في الفتن والملاحم 1164.
وممن أنكر حقيقة خوارق الدجال: الماوردي انظر كتابه أعلام النبوة ص 62.
ومن المتأخرين الذين أنكروا حقيقة خوارق الدجال: الشيخ محمد رشيد رضا. انظر تفسيره تفسير المنار 9490.
وقد ردّ على من أنكر حقيقة هذه الخوارق كثيرٌ من العلماء: منهم القاضي عياض، والنووي، وابن كثير، وابن حجر رحمهم الله تعالى.
انظر: النهاية في الفتن والملاحم 1164-165. وفتح الباري 13103-105. وشرح النووي على مسلم 1858-59.
2 وهم الأشعرية. انظر: أصول الدين للبغدادي ص 170، 174.
3 انظر: البيان للباقلاني ص 104 - 105.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "والدجال لما ادعى الإلهية لم يكن ما يظهر على يديه من الخوارق دليلاً عليها؛ لأن دعوى الإلهية ممتنعة، فلا يكون في ظهور العجائب ما يدلّ على الأمر الممتنع". الجواب الصحيح 3351.
وقال أيضاً: "ولهذا أعظم الفتن فتنة الدجال الكذاب، لما اقترن بدعواه الإلهية بعض الخوارق، كان منها ما يدلّ على كذبه من وجوه، منها: دعواه الإلهية وهو أعور، والله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كلّ مؤمن قارئ وغير قارئ، والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة، فأما تأييد الكذاب ونصره وإظهار دعوته دائماً، فهذا لم يقع قط. فمن يستدلّ على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة فهذا هو الواقع، ومن يستدلّ على ذلك بالحكمة، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك؛ إذ الحكيم لا يفعل هذا، وقد قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [سورة الفتح، الآيتان 22-23] . فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها: نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمّن طاعة الله ورسوله، فإذا نقض الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه كما جرى يوم أحد ... ) . الجواب الصحيح 6419-420. وانظر: المصدر نفسه 5187، ومجموع الفتاوى 2045، وشرح الأصفهانية 2477، 608.
(2/858)

النصارى اعتقدت في المسيح الإلهية؛ لكونه أتى بالخوارق، مع إقراره بالعبودية. فكيف بمن يدّعي الإلهية؟
ولكن هذا الخارق الذي يُظهره الله في هذا الرجل الصالح الذي طلب منه الدجّال أن يؤمن به، فلم يفعل، بل كذّبه، وقال: أنت الأعور الدجال الذي أخبرنا به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقتله، ثمّ أحياه الله، فقال له: أنت الأعور الدجّال، فكذّبه قبل أن قُتِل، وبعد ما أحياه الله، وأراد الدجال قتله ثانية، فلم يُمكّن.
فعجزه عن قتله ثانياً: من أعظم الخوارق، مع تكذيبه. وأما إحياؤه، مع تكذيبه له أولاً، وعجزه ثانياً عن قتله، فليس بخارق.
فهذا إحياء معين، معه دلائل معدودة، تُبيّن أنّه من الآيات الدالة على صدق الرسول، لا على صدق الدجال، وتُبيّن بذلك أنّ الآيات جميعها تدلّ على صدق الأنبياء؛ فإنّ آيات الله مرة أو مرتين أو ثلاثاً، لا يشترط في ذلك تكرار، بل شرطها: أن لا يكون لها نظير في العالم لغير الأنبياء، ومن يشهد بالنبوة، ولم يوجد لغيرهم، كان [هذا] 1 دليلاً على أنّها مختصة بالأنبياء.
__________
1 في ((ط)) : ذها.
(2/859)

ومن أطلق خرق العادة1، ولم يفسّره ويبينه، فلم يعرف خاصتها، بل ظن أن ما وجد من السحر والكهانة خرق عادة، أو ظن أنّ خرق [العادة] 2 أن لا يعارضها معارض من المرسل إليهم.
خوارق المتنبئين من جنس خوارق السحرة
وكثير من المتنبئين الكذّابين أتوا بخوارق من جنس خوارق السحرة والكهّان، ولم يكن من أولئك القوم من أتى بمثلها، لكن قد عُلم أن في العالم مثلها، في غير ذلك المكان، أو في غير ذلك الزمان، وإنّما الخارق كما قال في القرآن: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً} 3.
التحدي بالقرآن الكريم
ولهذا قال في آيات التحدي: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفتريَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 4، وقال في تلك الآية: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} 5.
فلم يكتف بعجز المدعوين، بل أمرهم أن يدعوا إلى معاونتهم كلّ من استطاعوا أن يدعوه من دون الله. وهذا تعجيز لجميع الخلق؛ الإنس، والجنّ، والملائكة.
وقال في البقرة: {وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 6؛ أي: ادعوا كلّ
__________
1 وهم الأشاعرة الذين يجعلون جنس الخارق ليس هو المعجزة، وإنما
المعجز هو دعوى النبوة، وعدم المعارضة، كما سبق بيانه ص 152-153، 586-587 من هذا الكتاب.
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 سورة الإسراء، الآية 88.
4 سورة هود، الآية 13.
5 سورة هود، الآية 14.
6 سورة البقرة، الآية 23.
(2/860)

من يشهد لكم، فيوافقكم على أنّ هذا ليس من عند الله؛ ادعوا كل من لم يُقرّ بأنّ هذا منزّل من الله، فهذا تعجيزٌ لكل من لم يؤمن به. ومن آمن به، وبقي في ريب، [بل] 1 قد عُلم أنّه من عند الله.
وهذا التحدي في البقرة، وهي مدنية بعد يونس وهود. ولهذا قال: {وَإِنْ كُنْتُم في رَيْب} ، وهناك2 قال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} ؛ فهذا3 تحدّي لكل مرتاب، وذاك4 تحدي لكلّ مثل مكذب. ولهذا قيل في ذاك5: {مَن اسْتَطَعْتُمْ} فإنه أبلغ، وقيل في هذا6: {شُهَدَاءَكُم} .
وقد قال بعض المفسرين7: {شُهَدَاءَكُم} : آلهتكم، وقال بعضهم8: من يشهد أنّ الذي جئتم به مثل القرآن.
والصواب: أن شهداءهم الذين يشهدون لهم؛ كما ذكره ابن اسحق9
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : قل.
2 أي في سورة يونس، الآية 38، وسورة هود، الآية 13.
3 الذي في سورة البقرة الآية 23.
4 الذي في سورة يونس 38، وهود 13.
5 في سورة يونس، وسورة هود.
6 في سورة البقرة.
7 انظر: زاد المسير لابن الجوزي 151. وتفسير ابن كثير 159.
8 انظر: تفسير الطبري 1167. وزاد المسير لابن الجوزي 151. وتفسير ابن كثير 159.
9 هو محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي بالولاء، المدني. من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة. له السيرة النبوية، هذبها ابن هشام، زار الاسكندرية، وسكن بغداد، ومات بها. قال ابن حبان: "لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، أو يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقاً للأخبار". وكان جده يسار من سبي عين التمر. وقال عنه ابن حجر: "نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومائة، ويقال بعدها". انظر: تقريب التهذيب لابن حجر 254. والأعلام للزركلي 628.
(2/861)

بإسناده المعروف عن ابن عباس، قال: {شُهَدَاءَكُم} : من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه1.
وقال السدي2، عن أبي مالك: {شُهَدَاءَكُم من دون الله} : أي شركاءكم3؛ فإنّ هؤلاء هم الذي يُتصوّر منهم المعارضة إذا كانوا في ريب منه.
أمّا من أيقن أنه من عند الله، فإنه يمتنع أن يقصد معارضته؛ لعلمه بأنّ الخلق عاجزون عن ذلك. والله تعالى شهد لمحمد بما أظهره من الآيات، فادعوا من يشهد لكم. وهؤلاء يشهدون من دون الله، لا يشهدون بما شهد الله به، فتكون شهادتهم [مضادة] 4 لشهادة الله؛ كما قال: {لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} 5.
__________
1 انظر: تفسير الطبري 1166. وزاد المسير 151. وتفسير ابن كثير 159.
2 هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير، أبو محمد القرشي الكوفي. له أقوال في تفسير القرآن، اختلف في توثيقه، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم، ورمي بالتشيع من الرابعة، تابعي حجازي الأصل، سكن الكوفة، مات سنة 128 ?.
انظر: تقريب التهذيب 196، وتهذيب التهذيب 1213، وسير أعلام النبلاء 5264-265، والأعلام 1317، والتفسير والمفسرون 179.
3 انظر: تفسير ابن كثير 159.
4 في ((خ)) : بأربعة. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 سورة النساء، الآية 166.
(2/862)

وقال: {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدَاً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَاب} 1.
كما قال: {شَهِدَ اللهُ أنَّه لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ} 2.
وقد قلنا: يجوز أن تكون آياتهم خارقة لعادة جميع الخلق، إلاَّ للنبيّ، لكن لا يجب هذا فيها3.
اعتراض وجواب المؤلف عليه
فإن قيل: قد ذكرتم أن آيات الأنبياء هي الخوارق التي تخرق عادة جميع الثقلين، فلا تكون لغير الأنبياء، ولغير من شهد لهم بالنبوة. وهذا كلامٌ صحيحٌ فصلتم به بين آيات الأنبياء، وغيرهم بفصلٍ مطّرد منعكس4، بخلاف من قال: هي خرق العادة5، ولم يُميّز بينها وبين غيرها، وتكلّم في خرق العادة بكلامٍ متناقضٍ؛ تارة يمنع وجود السحر والكهانة، وتارة يجعل هذا الجنس من الآيات، ولكن الفرق عدم المعارضة. لكن لم يذكروا الفرق في نفس الأمر، ونفس كونها معجزة، وخارقاً، وآية: لماذا كان؟ وما هو الوصف الذي امتازت به، حتى صارت آية ودليلا دون غيرها؟ فذكرتم الدليل، لكن لم تذكروا الحقيقة التي بها صار الدليل دليلاً.
قيل: لا بُد أن تكون مما يعجز عنها الإنس والجن؛ فإنّ هذين الثقلين بُعث إليهم الرسل؛ كما قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا
__________
1 سورة الرعد، الآية 43.
2 سورة آل عمران، الآية 18.
3 تقدم ذلك مراراً، في أول هذا الكتاب، وانظر ص 992 منه.
4 سبق ذلك. انظر ص 301 من هذا الكتاب.
5 وهم الأشاعرة، كما سبق بيانه في ص 151-153.
(2/863)

وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} 1.
وقال تعالى: { [وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا] 2 أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ} 3.
والإنس والجنّ منهم من آمن بالرسل، ومنهم من كذّبهم، فلا بُد أن يكون مما لا يقدر عليها جنس الإنس والجنّ.
ثمّ الكرامات [يخص] 4 بها المؤمنين من الطائفتين5، وأمّا آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم، وبها وجب على الناس الإيمان بهم، فهي أمرٌ [يخص] 6 الأنبياء، لا يكون للأولياء، ولا لغيرهم، بل يكون من المعجزات الخارقة للعادات الناقضة لعادات جميع الإنس والجن غير الأنبياء.
فما كان الإنس أو الجن يقدرون عليه، فلا يكون وحده آية للنبي. أمّا ما تقدر عليه الملائكة: فذاك قد يكون من آياتهم؛ لأنهم لم يرسلوا إلى الملائكة7، والملائكة لا تفعل شيئا إلا بإذن الله؛ فما تفعله الملائكة معهم، فهو بإذن الله، وهو ما خص به الأنبياء بخلاف الإنس والجن.
__________
1 سورة الأنعام، الآية 130.
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 سورة الزمر، الآية 71.
4 في ((خ)) : يختص. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 أي من الإنس والجنّ.
6 في ((خ)) : يختص. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 انظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله المتقدم في هذا الكتاب، ص 171. وانظر: البيان للباقلاني ص 102، 105.
(2/864)

كل ما استلزم نبوة الأنبياء فهو آية لهم
وخاصتها التي تمتاز بها عن غيرها: أن يكون آيةً، ودليلاً على نبوتهم؛ فكلّ ما استلزم نبوّتهم، فهو آية لهم، وما لا يستلزم نبوتهم، فليس بآية1، وليست مختصة بجنس من الموجودات، بل تكون في جنس العلم، والإخبار بغيب الرب الذي اختص به، و [تكون] 2 في جنس القدرة، والتصرف، والتأثير في العالم3، وهي مقدورة للرب، فله سبحانه أن يجعلها في أي جنس كان من المقدورات.
تنوع آيات الأنبياء
ولهذا تنوعت آيات الأنبياء، بل النبيّ الواحد تتنوع آياته، فليس القرآن الذي هو قول الله وكلامه من جنس انشقاق القمر، ولا هذا وهذا من جنس تكثير الطعام، والشراب؛ كنبع الماء من بين الأصابع.
وهذا كما أنّ آيات الرب الدالّة على قدرته، ومشيئته، وحكمته، وأمره، ونهيه، لا تختص بنوعٍ، فكذلك آيات أنبيائه. فهذا مما ينبغي أن يعرف. ولكن خاصتها أنها لا تكون إلا مستلزمة لصدق النبي، وصدق الخبر بأنه نبي4، فلا تكون لمن يكذّبه قط.
كرامات الأولياء من آيات الأنبياء الصغرى
ولا يقدر أحدٌ من مكذبي الرسل أن يأتي بمثل آيات الأنبياء، وأمّا
__________
1 هذا ضابط به تميّز الآية من غيرها.
2 في ((خ)) : (يكون) . وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 أشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى أنواع المعجزات. انظر ما سبق ص 171. وانظر: مجموع الفتاوى 11298-299، 323-324.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله آيات الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير، وذكر لها أنواعاً كثيرة، مؤيداً ذلك بكثرة الأمثلة. وقد أطال النفس في سرد ذلك وتوضيحه. انظر الجواب الصحيح 6159-323. وانظر أيضاً قاعدة في المعجزات والكرامات ص 9-21.
4 من خاصة المعجزة.
(2/865)

مصدّقوهم1 فهم معترفون بأن ما يأتون به هو من آيات الأنبياء، مع أنه لا تصل آيات الأتباع إلى مثل آيات المتبوع مطلقاً2، وإن كانوا قد يشاركونه في بعضها؛ كإحياء الموتى، وتكثير الطعام، والشراب3؛ فلا يشركونه في القرآن، وفلق البحر، وانشقاق القمر4؛ لأن الله فضل الأنبياء على غيرهم، وفضل بعض النبيين على بعض. فلا بُد أن يمتاز الفاضل بما لا يقدر المفضول على مثله؛ إذ لو أتى بمثل ما أتى، لكان مثله، لا دونه.
__________
1 أي مصدّقوا أتباع الأنبياء، وهم الأولياء.
2 كما مرّ معنا أنّ كرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء الصغرى، لا يصلون إلى الكبرى، وحتى الصغرى تكون من جنس آيات الأنبياء، لكن ليس بالقدر والكيفية. انظر ص 151، 857-860 من هذا الكتاب. وانظر ما سيأتي ص 1219.
3 مرّ معنا فيما سبق. انظر ص 150-151.
4 لأنها من آيات الله الكبرى التي يختص بها الأنبياء.
(2/866)

فصل مسمى العادة
وكثيرٌ من هؤلاء1 مضطربون في مسمّى العادة التي [تخرق] 2.
والتحقيق: أنّ العادة أمرٌ إضافي؛ فقد يعتاد قومٌ ما لم يعتده غيرهم. [فهذه إذا خرقت] 3، فليست لصدق النبي لا توجد بدون صدقه.
والرب تعالى في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته، التي قال فيها: {سُنَّةَ اللهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً} 4، وقال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً} 5؛ وهي التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ فهو سبحانه إذا ميَّز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره، ويختصه بها، قرن بذلك من الأمور ما يمتاز به عن غيره، ويختص به.
ولا ريب أنّ النبوّة يمتاز بها الأنبياء، ويختصون بها، والله تعالى يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس6، وهو أعلم حيث يجعل
__________
1 أي الأشاعرة. انظر: الجواب الصحيح 6503-504.
2 في ((خ)) : (يخرق) . وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 سورة الفتح، الآية 23.
5 سورة فاطر، الآية 43.
6 قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [سورة الحج، الآية 75] .
(2/867)

رسالته1.
فمن خصه بذلك، كان له من الخصائص التي لا تكون لغيره، ما يناسب ذلك؛ فيُستَدل بتلك الخصائص على أنّه من أهل الاختصاص بالنبوة.
وتلك سنته وعادته في أمثاله؛ يُميّزهم بخصائص يمتازون بها عن غيرهم، ويعلم أن أصحابها من ذلك الصنف المخصوص الذين هم الأنبياء مثلاً.
سنة الله وعادته
ولم [تكن] 2 له سبحانه عادة؛ بأن يجعل مثل آيات الأنبياء لغيرهم، حتى يقال: إنه خرق عادته ونقضها، بل عادته وسنته المطردة3 أنّ تلك
__________
1 قال تعالى: {.. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ..} [سورة الأنعام، الآية 124] .
فالنبوة هبةٌ من الله، يهبها الله من يشاء من عباده. فهو تعالى كما أخبر عن نفسه: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة البقرة، الآية 105] . وهو جلّ وعلا يخلق ما يشاء ويختار، ويصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس؛ كما أخبر عن نفسه.
وللشيخ رحمه الله كلام جيد في هذا الموضوع، وفي الردّ على المعتزلة الذين أوجبوا على الله الرسالة بزعمهم أنّ البعثة متى حسنت وجبت. انظر: مجموع الفتاوى872-73. ومنهاج السنة النبوية 1452.
2 في ((خ)) : (يكن) . وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 ولشيخ الإسلام رحمه الله في موضع آخر كلام جيد يُوضّح معنى السنة هاهنا، يقول
فيه: "والسنة هي العادة، فهذه عادة الله المعلومة، فإذا نصر من ادّعى النبوّة وأتباعه على من خالفه إما ظاهراً وباطناً، وإما باطناً نصراً مستقراً، كان ذلك دليلاً على أنه نبي صادق؛ إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على الكافرين والمنافقين، كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات، وهذه منها. ومن ادّعى النبوة وهو كاذب، فهو من أكفر الكفّار، وأظلم الظالمين..". الجواب الصحيح 6421. وانظر عن معنى السنة في القرآن: مجموع الفتاوى 1319-23.
(2/868)

الآيات لا تكون إلا مع النبوة، والإخبار بها، لا مع التكذيب بها، أو الشك فيها.
كما أنّ سنته وعادته: [أنّ محبته، ورضاه، وثوابه لا يكون إلا لمن عبده وأطاعه، وأنّ سنته وعادته] 1 أن يجعل العاقبة للمتقين2، وسنّته وعادته أن ينصر رسله، والذين آمنوا3؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيَّاً وَلا نَصِيرَاً سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً} 4.
وكلّ ما يُظنّ أنّه خرقه من العادات، فله أسباب انخرقت فيها تلك العادات.
فعادته وسنته لا تتبدل؛ إذ أفعاله جارية على وجه الحكمة والعدل. هذا قول الجمهور5.
__________
1 ما بين المعقوفتين مكرر في ((خ)) .
2 قال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الأعراف، الآية 128] .
وقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة هود، الآية 49] .
وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [سورة طه، الآية 123] .
وقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة القصص، الآية 83] .
3 قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سورة غافر، الآية 51] .
وقال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة يونس، الآية 103] .
وقال تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [سورة الإسراء، الآية 77] .
4 سورة الفتح، الآيتان 22-23.
5 انظر الجواب الصحيح 6400-404، 418-425. وانظر ص 548، 1030-1031 من هذا الكتاب.
(2/869)

الذين ينفون الحكمة يجوزون عليه فعل كل ممكن
وأما من لا يثبت سبباً، ولا حكمة، ولا عدلاً1: فإنَّهم يقولون: إنه يخرق عادات، لا لسبب، ولا لحكمة. ويجوّزون أن يقلب الجبل ياقوتاً، والبحر لبناً، والحجارة آدميين2، ونحو ذلك، مع بقاء العالم على حاله. ثمّ يقولون مع هذا: ولكن نعلم بالضرورة أنه لم يفعل ذلك3. و [يقولون] 4: العقل هو علوم ضرورية؛كالعلوم بجارى العادات5.
وهذا تناقضٌ بيِّنٌ؛ فإنّهم إذا جوّزوا هذا، ولم يعلموا فرقاً بين ما يقع منه، وما لا يقع، كان الجزم بوقوع هذا دون هذا جهلاً.
وغاية ما عندهم أن قالوا: يُخلق في قلوبنا علمٌ ضروري بأنّ هذا لم يقع، ويُخلق في قلوبنا علمٌ ضروري بأنّ الله خرق العادة لتصديق هذا النبيّ6.
__________
1 وهم الأشاعرة، والجهمية، والفلاسفة، كما سبق بيانه. انظر ص 503-504، 533-535 من هذا الكتاب.
2 انظر: الإرشاد للجويني ص 306، 319، 326. والمواقف للإيجي ص 345-346.
3 انظر: شرح المقاصد 515-19. وانظر ما تقدم ص 113-120، وانظر: الجواب الصحيح 6393-400، 500-505.
4 في ((ط)) : (يقولن) .
5 انظر: التعريفات للجرجاني ص 197. وانظر: الجواب الصحيح 6400.
6 انظر: الإرشاد للجويني ص 324-326. وانظر: الجواب الصحيح 6399-400.
وقد قال القاضي عبد الجبار المعتزلي عن هؤلاء الأشاعرة: "فلو جوّزنا أن يكون هذا المعجز من جهة من يصدّق الكاذب، لا يمكننا أن نعلم صدق من ظهر عليه. ولهذا قلنا: إنّ هؤلاء المجبرة لا يمكنهم أن يعرفوا النبوات لتجويرزهم القبائح على الله تعالى". شرح الأصول الخمسة ص 571.
(2/870)

تعليق المؤلف على كلامهم
فيُقال: إذا كان قد جعل الله في قلوبكم علماً ضرورياً كما جعله في قلوب أمثالكم، فأنتم صادقون فيما تخبرون به عن أنفسكم من العلم الضروريّ، لكن خطأكم: اعتقادكم أن العادات قد [ينقضها] 1 الله بلا سبب، ولا لحكمة. فهذا ليس معلوماً لكم بالضرورة.
وخطأكم من حيث جوّزتم أن يكون شيئان متساويين من كل وجه، ثم يعلم بضرورةٍ، أو نظرٍ ثبوت أحدهما، وانتفاء الآخر.
فإن هذا تفريقٌ بين المتماثلين، وهذا قدحٌ في البديهيّات2؛ فإنّ أصل العلوم العقلية النظرية: اعتبار الشيء بمثله، وإن حكمه حكم مثله3.
فإذا جوّزتم أن يكون الشيئان متماثلين من كل وجه، وأنّ العقل يجزم بثبوت أحدهما وانتفاء الآخر، كان هذا قدحاً في أصل كلّ علم وعقل.
وإذا قلتم: إنّ العادات جميعها سواء، وإنّ الله يفعل ما يفعل بلا سبب، ولا حكمة، بل محض المشيئة مع القدرة رجَّحت هذا على هذا، وقلتم: لا فرق بين قلب الجبال يواقيت، والبحار لبناً، وبين غير ذلك من العادات، وجوّزتم أن يجعل الله الحجارة آدميين علماء، من غير سبب تُغيَّر به المخلوقات، كان هذا قدحاً في العقل؛ فلا أنتم عرفتم سنة الله المعتادة في خلقه، ولا عرفتم خاصّة العقل4؛ وهو التسوية بين المتماثلين؛ فإنّه سبحانه قطّ لم يخرق عادة، إلا لسبب يناسب ذلك؛ مثل:
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : ينقضه.
2 انظر الكلام على دعوى الضرورة عند الأشاعرة، ورد شيخ الإسلام رحمه الله عليهم في: الجواب الصحيح 6398، 500.
3 انظر: مجموع الفتاوى 1969-71. وانظر ما سبق ص 592 من هذا الكتاب.
4 انظر ما تقدّم ص 279-282، 662-669 من هذا الكتاب.
(2/871)

[فلق] 1 البحر لموسى، وغير ذلك من الآيات التي بعث بها2؛ فإنّ ذلك خلقه ليكون آيةً وعلامةً؛ وكان ذلك بسبب نبوّة موسى، وانجائه قومه، وبسبب تكذيب فرعون. [ومن جوّز] 3 أنّ ذلك البحر، أو غيره ينفلق لموسى، من غير أن يكون هناك سبب إلهي يناسب ذلك، فهو مصابٌ في عقله.
اضطراب الأشاعرة في التفريق بين آيات الأنبياء وخوارق غيرهم
ولهذا اضطرب أصحاب هذا القول4، ولم يكن عندهم ما يفرّقون بين دلائل النبوة وغيرها، وكانت آيات الأنبياء والعلم بأنها آيات [إنْ حقَّقوها على وجهها] 5، فسدت أصولهم6، وإن طردوا أصولهم، كذّبوا العقل والسمع، ولم يمكنهم؛ لا تصديق الأنبياء، ولا العلم بغير ذلك من أفعال الله تعالى التي يفعلها بأسباب وحكم، كما قد بُسِط هذا في موضع آخر7.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 انظر هذا المعنى من كلام شيخ الإسلام رحمه الله، وقوله أنّ المعجزات إنما تقع لسبب وحكمة، لا تحصل بغير سبب، في: الجواب الصحيح 6401-404.
3 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 وهم الأشاعرة.
5 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
6 من هذه الأصول: نفي الحكمة والتعليل عن أفعال الله، والقول بتكليف ما لا يُطاق، ونفي التحسين والتقبيح العقليين، وغير ذلك، مما سبق نقضه، من خلال كلام المؤلف رحمه الله تعالى في معرض رده على المخالفين.
7 انظر: الجواب الصحيح 6393-404. وشرح الأصفهانية 2471-491، 608-624. ومجموع الفتاوى 881-158. ودرء تعارض العقل والنقل 940-44، 52. وانظر ما سبق من كتاب النبوات، حيث تكلم الشيخ رحمه الله عن هذا الموضوع بالتفصيل في الصفحات: 151-156، 267، 272-282، 501-505، 564-574، 580-590، 549-554، 929-933.
(2/872)

فصل اشتقاق كلمة النبي
...
فصل
ودليل الشيء مشروط بتصور المدلول عليه، فلا يعرف آيات الأنبياء إلا من عرف ما اختُصّ به الأنبياء، وامتازوا به عما [سواهم] 1.
اشتقاق كلمة النبي
والنبوة مشتقّة من الإنباء.
والنبيّ فعيلٌ، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل؛ أي منبي، وبمعنى مفعول؛ أي منبأ2.
وهما هنا متلازمان؛ فالنبي الذي [ينبىء] 3 بما أنبأه الله به، والنبي الذي نبّأه الله، وهو [منبأ] 4 بما أنبأه الله به.
عصمة الأنبياء
وما أنبأه الله به لا يكون كذباً، وما أنبأ به النبي عن الله [لا يكون] 5 يطابق كذباً؛ لا خطأً، ولا عمداً، فلا بُدّ أن يكون صادقاً فيما يخبر به عن الله؛ يُطابق خَبَرَهُ مَخْبَرَهُ، لا تكون فيه مخالفة؛ لا عمداً، ولا خطأً.
__________
1 في ((خ)) : سماهم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سبق أن ذكر شيخ الإسلام رحمه الله مسألة اشتقاق كلمة (النبيّ) ، ورجّح فيها - رحمه الله - أنّها فعيل بمعنى مفعول. انظر: ص 825-827 من هذا الكتاب. وانظر: مجموع الفتاوى 10190.
3 في ((خ)) : ينبأ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : نبياً. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((خ)) شُطب على (لا يكون) للدلالة على حذفها، كما عرف من منهج الناسخ ولا يستقيم ذلك.
(2/873)

وهذا معنى قول من قال: هم معصومون فيما يبلغونه عن الله1.
__________
1 من خصائص الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين: أنّهم معصومون فيما يُخبرون به عن الله تعالى. وأما العصمة في غير ما يتعلّق بتبليغ الرسالة، فللناس نزاع في ذلك. والذي عليه جمهور أهل العلم: عصمة الأنبياء عن الكبائر دون الصغائر، وأنّهم معصومون من الإقرار على الذنوب مطلقاً، وأنّهم إن وقع منهم زلاّت من جنس ذلك، فإنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة، ثم يرتقون إلى منزلة أعلى من المنزلة التي كانوا عليها قبل الذنب.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله موضحاً مسألة عصمة الأنبياء: "فإنّ القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر: هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام؛ كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنّ هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يُوافق هذا القول". مجموع الفتاوى 4319.
وقال أيضاً عن أهل السنة: هم متفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلاً، ولا على فسوق، ولا كذب. ففي الجملة: كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله، فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يُجوّزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرّهم. كما جاء في الأثر: كان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، والله {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة، الآية 222] ، وإنّ العبد ليفعل السيئة، فيدخل بها الجنة) . منهاج السنة 1472.
وقال أيضاً رحمه الله: " ... أن يقال: إنّ الله سبحانه وتعالى لم يذكر من نبي من لأنبياء ذنباً، إلا ذكر توبته منه. ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها، وإما أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليه، لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، فإنّ الأمة متفقة على أنّ ذلك معصوم أن يقرّ فيه على خطأ، فإنّ ذلك يناقض مقصود الرسالة ومدلول المعجزة ... ".
إلى أن قال رحمه الله: "واعلم أنّ المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض، كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه؛ قومٌ أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب حتى حرّفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب، ومغفرة الله لهم، ورفع درجاتهم بذلك. وقومٌ أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دلّ القرآن على براءتهم منه، وأضافوا إليهم ذنوباً وعيوباً نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن، وهؤلاء مخالفون للقرآن. ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط، مهتدياً إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين..". مجموع الفتاوى 15147-150. وانظر المصدر نفسه 4319-321،، 10289 _ 295. ومنهاج السنة النبوية 1470-474. والجواب الصحيح 6298-299. وأضواء البيان 4522، 538.
(2/874)

لكن لفظ الصادق، وأنّ النبيّ صادق مصدوق: نطق به القرآن1، وهو مدلول الآيات والبراهين.
ولفظ العصمة في القرآن، جاء في قوله: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} 2؛ أي من أذاهم3.
فمعنى هذا اللفظ في القرآن: هو الذي يحفظه الله عن الكذب خطأً وعمداً.
__________
1 ومن الآيات التي ورد بها صفة الصدق للأنبياء: قوله تعالى: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [سورة يس، الآية 52] ، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً} [سورة مريم، الآية 41] ، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً} [سورة مريم، الآية 54] ، وقوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ..} [سورة يوسف، الآية 46، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً} [سورة مريم، الآية 56] ، وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [سورة البقرة، الآية 101] .
وقد تكلم الشيخ رحمه الله عن عاقبة النبي ومتبعيه، وحال مكذبيه، وأن النصر والسعادة وحسن العاقبة للرسول ولمن آمن به، والبلاء والعذاب، وسوء العاقبة لمن كذبهم وخالفهم.
انظر: شرح الأصفهانية 2496-500. والجواب الصحيح 6387-393.
2 سورة المائدة، الآية 67.
3 انظر: تفسير الطبري 4309. وتفسير البغوي 252.
(2/875)

التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من غيرها
والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن، أولى من التعبير عنها بغيرها؛ فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد.
والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه.
والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع.
ثمّ قد يُجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق، وقد يُضطرب في معناه. وهذا أمرٌ يعرفه من جرّبه من كلام الناس.
فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام1،
__________
1 شيخ الإسلام رحمه الله هنا يقعّد قاعدة مهمة في اتخاذ القرآن الكريم إماماً، وقائداً؛ فهو كلام الله تعالى، المتعبّد بتلاوته، وكل حرف يقرأ فيه بعشر حسنات، فهو كلام العليم الخبير، الذي يعلم ما في الصدور.
وله - رحمه الله - كلام طيب حول هذا المعنى في مناظرته حول العقيدة الواسطية 4165.
وله رحمه الله أيضاً كلام نفيس في موضع آخر، يحضّ فيه على التمسك بالقرآن الكريم، والاعتصام به، ويُبيّن أن السلف رحمهم الله لما اعتصموا به لم يضلّوا.. يقول رحمه الله: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده؛ فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدي ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم، فيه نبأ من قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحكم ما بينهم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، فلا يستطيع أن يزيغه إلى هواه، ولا يُحرّف به لسانه، ولا يخلق عن كثرة الترداد، فإذا ردّد مرة بعد مرة، لم يخلق، ولم يمل كغيره من الكلام، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. فكان القرآن هو الإمام الذي يُقتدى به، ولهذا لا يُوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ... ". مجموع الفتاوى1328-29.
(2/876)

كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعَاً} 1.
ومتى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث، وبُيِّن معناها بياناً شافياً، [فإنّها] 2 لا [تنتظم] 3 جميع ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل؛ كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 4، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} 5، وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} 6، وقال: {تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيم} 7. وفيه من دلائل الربوبية، والنبوة، والمعاد ما لا يوجد في كلام أحدٍ من العباد؛ ففيه أصول الدين المفيدة لليقين8؛
__________
1 سورة آل عمران، الآية 103.
2 في ((خ)) : إنها. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((م)) ، و ((ط)) : تنظم.
4 سورة الحجر، الآية 9.
5 سورة فصلت، الآيتان 41-42.
6 سورة هود، الآية 1.
7 سورة لقمان، الآية 2.
8 كثيراً ما يذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه الأصول في مواضع عديدة من كتبه، من ذلك قوله موضّحاً هذه الأصول: "الأصل الأول: يتضمن إثبات الصفات، والتوحيد، والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده، والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع، والأمر والنهي، والإباحة، وبيان ما يجبه الله وما يكرهه. والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب والعقاب. وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق، والأمر، والسعادة، والفلاح، موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان يُدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة..". مجموع الفتاوى 1996.
وقال في موضع آخر: "أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولاً، أو تعمل عملاً؛ كمسائل التوحيد، والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، أو دلائل هذه المسائل..". درء تعارض العقل والنقل 121. وانظر: مجموع الفتاوى 3294-296،، 1996-97. وشرح الأصفهانية 2629.
(2/877)

وهو أصول دين الله ورسوله، لا أصول دين محدث، ورأي مبتدع.
وقد يكون معصوماً على لغة القرآن: بمعنى أن الله عصمه من الشياطين؛ شياطين الإنس والجن، وأن يُغيّروا ما بُعث به، أو يمنعوه عن تبليغه؛
فلا يكتم، ولا يكذب؛ كما قال تعالى: {عَالِمِ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً} 1؛ فهو يسلك الوحي من بين يدي الرسول ومن خلفه. وهذا في معنى عصمته من الناس؛ فهو المؤيّد، المعصوم بما يحفظه الله من الإنس والجن، حتى [يبلغ] 2 رسالات ربّه كما أمر، فلا يكون فيها كذب ولا كتمان.
لفظ النبي يتضمن معنى الإعلام والإخبار
ولفظ الإنباء: يتضمَّن معنى الإعلام والإخبار3، لكنّه في عامّة موارد استعماله أخصّ من مطلق الإخبار؛ فهو يستعمل في الإخبار بالأمور الغائبة المختصة، دون المشاهدة المشتركة:
__________
1 سورة الجنّ، الآيات 26-28.
2 في ((خ)) : تبلغ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 سيأتي توضيح ذلك.
(2/878)

كما قال: {وَأُنَبِّئُكُمْ [بِمَا] 1 تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ} 2.
وقال: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ} 3.
وقال: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} 4.
وقال: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هُمْ فيه مُخْتَلِفُونَ} 5.
وقال: {وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ [قَلِيلاً] 6} 7.
وقال: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} 8.
وقال: {لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرّ} 9.
وقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 10، إلى قوله: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} 11.
وقوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا [لَنْ نُؤْمِنَ
__________
1 في ((خ)) : مما.
2 سورة آل عمران، الآية 49.
3 سورة التحريم، الآية 3.
4 سورة ص، الآيتان 67-68.
5 سورة النبأ، الآيات 1-3.
6 في ((خ)) : قيليلا.
7 سورة الأحزاب، الآية 20.
8 سورة ص، الآية 88.
9 سورة الأنعام، الآية 67.
10 سورة البقرة، الآية 31.
11 سورة البقرة، الآية 33.
(2/879)

لَكُمْ] 1 قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 2؛ فهذا في خطاب المنافقين، ولم يقل: والمؤمنون؛ لأنهم لم يكونوا يُطلِعون المؤمنين على ما في بطونهم. [وهذا] 3 بخلاف قوله: {يَؤْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} 4؛ فإنها أمور مشهودة، يعرفها الناس، لكن العجب كون الأرض [تُخبر] 5 بذلك، فالعجب في المخبر، لا في الخبر؛ كشهادة الأعضاء6.
وقال: {قُلْ آلذَّكَرَينِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَم مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 78.
وجمع النبي: أنبياء؛ مثل وليّ وأولياء، ووصيّ وأوصياء، وقويّ
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة التوبة، الآية 94.
3 في ((خ)) : (قال وهذا) . وكتب الناسخ على (قال) علامة، ولعلها للدلالة على الحذف.
4 سورة الزلزلة، الآيتان 4-5.
5 في ((خ)) : يخبر. وما أثبت من ((م)) ، و "ط.
6 قال تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة فصلت، الآيتان 20-21] .
7 سورة الأنعام، الآية 143.
8 وقع في ((خ)) تكرار لبعض ما سبق؛ فقد كُتب بعد قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : وقال: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} ، وقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إلى قوله: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} . ثم قال بعد هذا الكلام: (وجمع النبي أنبياء..) .
(2/880)

وأقوياء. ويُشبهه حبيب وأحبّاء1؛ كما قال تعالى: {وَقَالَت اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} 2.
ف (فعيل) : إذا كان معتلاً، أو مضاعفاً، جمع على أفعلاء، بخلاف حكيم وحكماء، وعليم وعلماء.
معنى النبي في اللغة
وهو من النَّبَأ. وأصله الهمزة3، وقد قُرىء به، وهي قراءة نافع، يقرأ النبيء4، لكن لما كثر استعماله ليّنت همزته، كما فعل مثل ذلك في: الذريّة، وفي البرية5.
وقد قيل: هو من النَّبْوَةِ؛ وهو العلوّ؛ فمعنى النبي: المُعَلّى، الرفيع المنزلة6.
__________
1 انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص 67.
2 سورة المائدة، الآية 18.
3 انظر: لسان العرب 1162. ومفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 790.
4 وهذا مما انفرد به نافع، وباقي القراء بخلافه. انظر: سراج القارئ المبتدي للقاصح العذري ص 151. وانظر أيضاً لسان العرب 1163.
5 قال ابن بري: "ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، يُقال: نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأنبَأَ. قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبَّأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي، كما تركوه في الذرية والبرية والخابية، إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها، ويُخالفون العرب في ذلك، قال: والهمز في النبيء لغة رديئة، يعني لقلة استعمالها، لا لأن القياس يمنع من ذلك. وقال الزجاج: القراءة المجمع عليها في النبيين والأنبياء: طرح الهمز. وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا، واشتقاقه من نَبَأَ وأَنبَأَ؛ أي أخبر، والأجود ترك الهمز". لسان العرب 1162-163. وانظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 790.
6 انظر: لسان العرب 1163. ومفردات القرآن للراغب ص 790. والقاموس المحيط ص 67.
(2/881)

والتحقيق: أنّ هذا المعنى داخلٌ في الأول، فمن أنبأه الله، وجعله مُنْبِئَاً عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليّاً.
وأما لفظ العلو والرفعة: فلا يدل على خصوص النبوة؛ إذ كان هذا يوصف به من ليس بنبي، بل يوصف بأنه الأعلى؛ كما قال: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} 1.
هل لفظ النبي مهموز أم لا؟
وقراءة الهمز2 قاطعةٌ بأنّه مهموز.
وما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "أنا نبي الله ولست بنبيء الله": فما رأيت له إسناداً؛ لا مسنداً، ولا مرسلاً3، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث، ولا [السير] 4 المعروفة، ومثل هذا لا يعتمد عليه.
واللفظان5 مشتركان في الاشتقاق الأكبر؛ فكلاهما فيه النون والباء، وفي هذا الهمزة، وفي هذا [الحرف] 6 المعتل.
لكنّ الهمزة أشرف، فإنّها أقوى، قال سيبويه: هي نبوّة من الحلق، تشبه التهوّع، فالمعنى الذي يدلّ عليه، ويُمكن أن تلين، [فتصير] 7 حرفاً معتلاً، فيُعبّر عنه باللفظين، بخلاف المعتل؛ فإنّه لا يُجعل همزة.
__________
1 سورة آل عمران، الآية 139.
2 وهي قراءة نافع التي سبقت الإشارة إليها قريباً.
3 ذكره ابن منظور نقلاً عن سيبويه. انظر: لسان العرب 1162. ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص 790. والنهاية في غريب الحديث 53. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص 567.
4 في ((خ)) : اليسير. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 النبيّ، والنبيء.
6 في ((خ)) : الخرق. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 في ((خ)) : فيصير. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/882)

فلو كان أصله نبيّ؛ مثل: عليّ [و] 1 ولي، لم يجز أن يقال بالهمز؛ كما لا يُقال: عليء، ووصيء، ووليء - بالهمز -.
وإذا كان أصله الهمز، جاز تليين الهمزة، وإن لم يكثر استعماله؛ كما في لفظ: خبيء وخبيئة.
وأيضاً: فإنّ تصريفه: أنبأ ونبَّأ، يُنبىء وينبِّىء بالهمزة، ولم يُستعمل فيه نَبَا يَنْبُو، وإنّما يُقال: النبوة، [و] 2 في فلان نبوة عنَّا: أي مجانبة.
فيجب القطع بأنّ النبيّ مأخوذٌ من الإنباء، لا من النَّبْوَة3. والله أعلم.
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يُوضّح هنا الأصل اللغوي لمعنى النبوة.
والنبي في اللغة: مشتق من واحد من ثلاثة أمور:
أولاً- مشتق من النبأ، وهو الخبر، والجمع أنباء، قال تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} ، وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .
ثانياً- من النَّبْوة، أو النباوة، وهي الارتفاع عن الأرض؛ أي أنّه أشرف على سائر الخلق، فاصله غير مهموز.
ثالثاً- مأخوذ من النبيء، وهو الطريق الواضح.
انظر: لسان العرب 1162-164. والقاموس المحيط ص 67. ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص 788-790.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشار هنا إلى المعنى الأول، والثاني، ورجّح أن النبيّ مشتق من النبأ؛ الذي هو الخبر، وليس من النبوة الذي هو الارتفاع. وعلل ذلك بأنّ من أنبأه الله، وجعله منبأ عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليّاً، بخلاف لفظ العلوّ والرفعة، فلا يدلّ على خصوص النبوة، إذ كان هذا يُوصف به من ليس بنبي.
(2/883)

فصل دلالة المعجزة على نبوة النبي
قد تقدّم1 أنّ للناس في وجه دلالة المعجزات؛ وهي آيات الأنبياء، على نبوتهم طرقاً متعددة:
منهم من قال: دلالتها على التصديق تعلم بالضرورة2.
ومنهم من قال: تعلم بالنظر والاستدلال3.
وكلا القولين صحيح؛ فإنّ كثيراً من العلوم في هذا الباب؛ كدلالة الأخبار المتواترة، فإنّه قد يحصل بالخبر علم ضروري، وقد يحصل العلم بالاستدلال.
وطائفة منهم الكعبي4، وأبو الحسين البصري5، وأبو الخطاب6: أنَّه نظريّ.
__________
1 انظر: ما تقدّم ص 580-583، 821-822 من هذا الكتاب.
2 انظر: ص 580-583 من هذا الكتاب.
3 انظر: الجواب الصحيح 6397-400، 505.
4 هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة. كان رأس طائفة منهم تسمى الكعبية - إليه تنتسب، له آراء ومقالات في الكلام انفرد بها، وله مؤلفات؛ منها التفسير، وتأييد مقالة أبي الهذيل. ولد في سنة 273، وتوفي سنة 319 ?.
انظر: الفرق بين الفرق ص 181-182. والملل والنحل 176-78. وسير أعلام النبلاء. والأعلام 465-66.
5 سبقت ترجمته.
6 سبقت ترجمته.
(2/884)

والتحقيق: أن كلا القولين حق؛ فإنّه يحصل بها علم ضروري، والأدلة النظرية توافق ذلك.
وكذلك كثيرٌ من الأدلة - والعلامات، والآيات:
من الناس من يعرف استلزامها للوازمها بالضرورة، ويكون اللزوم عنده بيِّناً، لا يحتاج فيه إلى وسط ودليل.
ومنهم من يفتقر إلى دليل، ووسط يبيِّن له أنّ هذا الدليل مستلزمٌ لهذا الحكم، وهذا الحكم لازم له.
ومن تأمل معارف الناس وجد أكثرها من هذا الضرب؛ فقد يجيء المخبر إليهم بخبر، فيعرف كثير منهم صدقه أو كذبه بالضرورة، لأمور تقترن بخبره. وآخرون يشكّون في هذا. ثمّ قد [يتبين] 1 لبعضهم بأدلة، وقد لا يتبيَّن.
كثير من الناس يعلم صدق النبي بلا آية
وكثيرٌ من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة2، بل إذا أخبره، وهو
__________
1 في ((خ)) : تبين. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 مثل خديجة رضي الله عنها، وأبي بكر رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قلت: وإيمان خديجة وأبي بكر وغيرهما من السابقين الأولين، كان قبل انشقاق القمر، وقبل إخباره بالغيوب، وقبل تحدّيه بالقرآن، لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية مستلزمة لصدقه. ونفس كلامه وإخباره بأني رسول الله، مع ما يعرف من أحواله، مستلزم لصدقه، إلى غير ذلك من آيات الصدق وبراهينه. بل خديجة قالت له: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فكانت عارفة بأحواله التي تستلزم نفي كذبه وفجوره وتلاعب الشيطان به. وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخيرهم، وكان معظماً في قريش لعلمه وإحسانه وعقله، فلما تبين له حاله، علم علماً ضرورياً أنه نبي صادق، وكان أكمل أهل الأرض يقيناً علماً وحالاً.." الجواب الصحيح 6511-512. وانظر: شرح الأصفهانية 2479-486. وكتاب الصفدية 1225. والحديث سبق تخريجه ص 234.
(2/885)

خبير بحاله، أو بحال ذلك [المخبَر به] 1، أو بهما، علم بالضرورة: إمّا صدقه، وإمّا كذبه.
وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر فقال لهارون وغيره: إنّ الله أرسلني، علموا صدقه، قبل أن يُظهر لهم الآيات. ولما قال لهارون: إن الله قد أمرك أن تؤازرني، صدَّقه هارون في هذا، لما يعلم من حاله قديماً، ولما رأى من تغير حاله الدليل على صدقه.
المسلك النوعي
وكذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم لمَّا ذكر حاله لخديجة، وغيرها، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وكان عالماً بالكتاب الأول، فذكر له النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يأتيه، علم أنّه صادق، وقال: هذا هو النَّاموس2 الذي كان يأتي موسى، يا ليتني فيها جذعاً، يا ليتني أكون حيّاً حين يُخرجك قومك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجيّ هم؟ ". قال: نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلاَّ عودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً3.
وكذلك النجاشي: لمّا سمع القرآن، قال: إنّ هذا، والذي جاء به موسى، ليخرج من مشكاة واحدة4.
المسلك الشخصي
وكذلك أبو بكر، وزيد بن حارثة، وغيرهما: علموا صدقه علماً ضرورياً
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) . وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 سبق معنى الناموس في ص 233 من هذا الكتاب.
3 الحديث رواه البخاري. وقد سبق تخريجه ص 233.
4 الحديث أخرجه الإمام أحمد. وقد سبق تخريجه ص 234.
(2/886)

لمّا أخبرهم بما جاء به، وقرأ عليهم ما أُنزل عليه1. وبقي القرآن الذي قرأه آية، وما يعرفون من صدقه وأمانته، مع غير ذلك من القرائن، يوجب علماً ضروريّاً بأنّه صادق.
وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس، قد تقترن به قرائن، يُعرف بها صدقه بالضرورة2.
__________
1 يدلّ عليه حديث عمار رضي الله عنه، قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر". أخرجه البخاري 31338، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذاً خليلاً".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي - مرتين – "، فما أوذي بعدها. أخرجه البخاري 31339، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذاً خليلاً ".
2 قال الشيخ رحمه الله تعالى: "إن كثيراً من الناس إذا رأوا الكاذب، وسمعوا كلامه، تبين لهم كذبه تارة بعلم ضروري، وتارة بعلم استدلالي، وتارة بظن قوي. وكذلك النبي الصادق إذا رأوه وسمعوا كلامه، فقد يتبين لهم صدقه بعلم ضروري، أو نظري. وقد يكون أولاً بظن قوي، ثم يقوى الظنّ حتى يصير يقيناً، كما في المعلوم بالأخبار المتواترة والتجارب؛ فإن خبر الأول يفيد نوعاً من الظنّ، ثم يقوى بخبر الثاني، والثالث، حتى يصير يقيناً". الجواب الصحيح 6505. وانظر المصدر نفسه 6471-473.
وقال أيضاً: "إن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري بخبر المخبر، بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضا الرجل وغضبه، وحبه وبغضه، وفرحه وحزنه، وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها.... ولا يقول عاقل من العقلاء أن مجرد خبر الواحد، أو خبر كل واحد يفيد العلم، بل ولا خبر كل خمسة، أو عشرة، بل قد يُخبر ألف، أو أكثر من ألف ويكونون كاذبين إذا كانوا متواطئين. وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن، بل في لحن قوله وصفحات وجهه، ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن المرء أن يدفعه عن نفسه، فكيف بدعوى المدّعي أنه رسول الله..". شرح الأصفهانية 2478.
وقال رحمه الله أيضاً: "جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أنّ خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له، أو عملاً به، أنه يوجب العلم. وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه.... والمقصود هنا: أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين، وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول، وسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره..". مجموع الفتاوى 3352، وانظر: المصدر نفسه 2046.
(2/887)

فكيف بمن عرف صدقه وأمانته، وأخبر بمثل هذا الأمر، الذي لا يقوله إلاَّ من هو من أصدق الناس، أو من أكذبهم، وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون الثاني؟.
فإذا كان العلم بصدقه بلا آية، قد يكون علماً ضرورياً. فكيف بالعلم بكون الآية علامة على صدقه.
وجميع الأدلة لا بُدّ أن تُعرف دلالتها بالضرورة؛ فإنّ الأدلة النظرية لا بُدّ أن [تنتهي] 1 إلى مقدمات [ضرورية] 2. وأكثر الخلق إذا علموا ما جاء به موسى، والمسيح، ومحمد، علموا صدقهم بالضرورة.
ولهذا لا يوجد أحدٌ قدح في نبوتهم، إلاَّ أحد رجلين؛ إمّا رجل جاهل، لم يعرف أحوالهم؛ وإما رجل معاند، متبع لهواه.
__________
1 في ((خ)) : ينتهي. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
(2/888)

وعامّة من كذّبهم في حياتهم، كان معانداً؛ فالرؤساء كذّبوهم لئلا تزول رئاستهم، أو مأكلتهم. والأتباع طاعة لكبرائهم؛ كما أخبر الله بمثل ذلك في غير موضع من القرآن1، لم يكن التكذيب لقيام حجة تدلّ على الكذب؛ فإنه يمتنع قيام دليلٍ يدلّ على الكذب؛ فالمكذّب مفتر، متكلّم بلا علم، ولا دليلٍ قطعاً.
وكذلك كلّ من كذّب بشيءٍ من الحقّ، أو صدّق بشيءٍ من الباطل، يمتنع أن يكون عليه دليلٌ صحيح؛ فإن الدليل الصحيح يستلزم مدلوله. فإذا كان المدلول منتفياً، امتنع أن يكون عليه دليل صحيح.
[و] 2 كثيرٌ من الناس قد يكون شاكّاً، لعدم طلبه العلم، وإعراضه عنه؛ فالمكذّب متكلّم بلا علمٍ قطعاً، والشاكّ معرضٌ عن طلب العلم، مقصّر، مفرّط. ولو طلب [العلم] 3 تبين له الحقّ إذا كان متمكناً من معرفة أدلة الحق. وأمّا من لم يصل إليه الدليل، ولا يتمكن من الوصول إليه، فهذا عاجز.
طريق الحكمة في معرفة صدق لأنبياء
وأمّا الذين سلكوا طريق الحكمة4، فلهم أيضاً مسالك؛ مثل أن يقال: إنّ الله سبحانه وتعالى إذا بعث رسولاً أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بُدّ أن ينصب لهم دليلاً يدلّهم على صدقه؛ فإنّ إرسال رسولٍ بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم أنَّه رسولٌ: قُبْحٌ، وسَفَهٌ في صرائح العقول، وهو نقصٌ في جميع الفطر.
__________
1 قال تعالى عنهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} . [سورة الأحزاب، الآية 67] .
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
4 وهم أهل السنة والجماعة. انظر ما سبق ص 501-504، 760-761 من هذا الكتاب.
(2/889)

وهو سبحانه منزّهٌ عن النقائص والعيوب، ولهذا يُنكر على المشركين أنهم يصفونه بما هو عندهم عيبٌ ونقصٌ، لا يرضونه لأنفسهم؛ مثل كون مملوك أحدهم شريكه يساويه؛ فإنّ هذا من النقائص والعيوب التي يُنزّهون أنفسهم عنها، ويعيبون ذلك على من فعله من الناس.
فإذا كان هذا عيباً ونقصاً، لا يرضاه الخلق لأنفسهم؛ لمنافاته الحكمة، والعدل؛ فإنّ الحكمة والعدل تقتضي وضع كلّ شيء موضعه الذي يليق به، ويصلح به، فلا تكون العين كالرجل، ولا الإمام الذي يُؤتمّ به في الدين والدنيا في آخر المراتب، والسفلة من أتباعه في أعلى المراتب.
فكذلك المالك لا يكون مملوكاً مساوياً له، فإنّ ذلك يُناقض كون أحدهما مالكاً، والآخر مملوكاً، ولهذا جاءت الشريعة بأن المرأة لا تتزوّج عبدها1 لتناقض الأحكام؛ فإنّ الزوج سيّد [المرأة] 2، وحاكمٌ عليها، والمالك سيّد [المملوك] 3 وحاكمٌ عليه، فإذا جُعل مملوكُها زوجَها الذي هو سيِّدها، تناقضت الأحكام.
فهذا وأمثاله ممَّا يُبَيِّن أنّ هذه القضية مستقرّة في [فطر] 4 العقلاء.
ولهذا قال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} 5؛
__________
1 قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل.
انظر المغني لابن قدامة 9574.
2 في ((ط)) : المرة.
3 في ((ط)) : الملوك.
4 في ((ط)) : نظر.
5 سورة الروم، الآية 28.
(2/890)

أي كما يخاف بعضكم بعضاً، {كَذَلِكَ1 نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} 2.
وكذلك كلّ أحدٍ يعلم بفطرته أنّ الذكر أفضل من الأنثى3.
وكانت العرب أشدّ كراهية للبنات من غيرهم، حتى كان منهم من يئد البنات، ويدفن البنت وهي حيّة4، حتى قال تعالى: {وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} 5، وقال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه في الترابِ} 6. وكانوا لا يُورِّثون الإناث.
__________
1 في ((ط)) : وقوله: وكذلك. وهو مخالف لما في ((خ)) ، و ((م)) ، ومخالف لسياق الكلام أيضاً.
2 سورة الروم، الآيتان 28-29.
3 ومن الآيات الدالة على تفضيل الرجال على النساء: قوله تعالى يحكي عن امرأة عمران: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [سورة آل عمران، الآية 36] . وقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..} [سورة النساء، الآية 34] .
4 قال ابن الجوزي رحمه الله: "قال اللغويون: الموءودة: البنت تدفن وهي حية، وكان هذا من فعل الجاهلية. يقال: وأد ولده، أي دفنه حياً.
قال الفرزدق:
ومنّا الذي منع الوائدا ... ت فأحيا الوئيد ولم يُوأد
زاد المسير لابن الجوزي 940.
وانظر بعض القصص عمن دفن بناته وهن أحياء. انظر: تفسير ابن كثير 4477-478.
5 سورة التكوير، الآيتان 8، 9.
6 سورة النحل، الآيتان 58-59.
(2/891)

وقد قالت أم مريم: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} 1.
وكان من الكفّار من جعل له الأناث أولاداً وشركاءَ، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالعُزَّى وَمَنَاةَ الثَالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ [ضِيزَى] 2إِنْ هي إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} 3، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [لَيُسَمُّونَ] 4 المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ [بِهِ] 5 مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَنَّ وَإِنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئَاً} 6، وقال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه في الترابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 7؛ يعني ساء الحكم حكمهم؛ أي بئس الحكم حكمهم8، كما يقال: بئس ما فعل، وبئس ما حكم، حيث حكموا بأنّ لله البنات، ولهم ما يشتهون.
فهذا حكمٌ جائرٌ، [كما أنّ تلك القسمة جائرة عوجاء. فهذا حكمهم بينهم وبين ربهم، وهذا] 9 قسمهم؛ يجعلون لأنفسهم أفضل النوعين، ولربهم أدنى النوعين، وهو10 مثل السوء، ولله المثل الأعلى.
__________
1 سورة آل عمران، الآية 36.
2 رسمت في ((خ)) : طيزى.
3 سورة النجم، الآيات 19-23.
4 في ((خ)) : لا يسمون.
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
6 سورة النجم، الآيتان 27-28.
7 سورة النحل، الآيات 57-59.
8 انظر: تفسير الطبري 14124.
9 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
10 في ((خ)) : وهو سبحانه. وأرى أنّها زائدة.
(2/892)

فالواجب أن يكون أفضل الأنواع وأكملها لله، [وما فيها نقص] 1 وعيب، فالمخلوق أحقّ بها من الخالق؛ إذ كان كلّ كمال في المخلوق فهو من خالقه، فيمتنع أن يكون الأنقص خلق الأكمل2.
والفلاسفة يقولون بعبارتهم: كلّ كمالٍ في المعلول، فهو من [العلة] 3.
قياس الأولى
وأيضاً: فالموجود الواجب، أكمل من الممكن، والقديم أكمل من الحديث، والغني أكمل من الفقير؛ فيمتنع اتّصاف الأكمل بالنقائص، واتّصاف الأنقص بالكمالات.
إثبات صفة الأكرم والأكبر والأعلى
ولهذا يُوصف سبحانه بأنّه: الأكرم4، والأكبر5، والأعلى6، وأنه
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو من ((م)) ، و ((ط)) .
2 انظر من كتب شيخ الإسلام: العقيدة التدمرية ص 50، 138-139، 142-144، 151. ودرء تعارض العقل والنقل 129-30،، 6181،، 7154، 322-327، 362-364. ومجموع الفتاوى 3297، 302، 321،، 5201، 250، 919-20، 12344، 347 - 350، 356، 16357، 358، 360، 446. ومنهاج السنة النبوية 1371، 417. وكتاب الصفدية 225، 27. وشرح العقيدة الأصفهانية ص 49. ونقض تأسيس الجهمية - مخطوط - ق 225، - مطبوع - 1321، 328. والفتاوى المصرية 1129. والرد على المنطقيين ص 115-116، 119، 120-123. وجامع الرسائل 1141.
3 في ((خ)) رسمت: المعلولعلة. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} . [سورة العلق، الآية 3] .
5 كما يُقال في الأذان، والصلاة: الله أكبر. وقال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} . [سورة الحج، الآية 62] .
6 قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . [سورة الأعلى، الآية 1] .
(2/893)

أرحم الراحمين1، وخير الحاكمين2، وخير الغافرين3، وأحسن الخالقين4، فلا يُوصف قطّ، إِلاّ بما يُوجب اختصاصه بالكمالات، والممادح، والمحاسن التي لا يساويه فيها غيره، فضلاً عن أن يكون لغيره النوع الفاضل، وله النوع المفضول.
ولهذا عاب الله المشركين؛ بأن {جَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبَاً فَقَالُوا هَذَا للهِ [بِزَعْمِهِمْ] 5 وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَان لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 6، فبئس الحكم حكمهم في هذا؛ كما أنه بئس الحكم حكمهم في جعل الذكور لهم، والإناث له.
[وساء: بمعنى بئس؛ كقوله: {سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} 7] 8؛ أي بئس مثلاً مثلهم.
ولهذا قالوا في قوله: {سَاء ما يحكمون} : بئسما يقضون9.
وقال تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إِنَاثَاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ
__________
1 قال تعالى: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} . [سورة الأعراف، الآية 151] .
2 قال تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} . [سورة الأعراف، الآية 87] .
3 قال تعالى: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} . [سورة الأعراف، الآية 155] .
4 قال تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . [سورة المؤمنون، الآية 14] .
5 في ((ط)) : برغمهم.
6 سورة الأنعام، الآية 136.
7 سورة الأعراف، الآية 177.
8 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
9 قال البغوي في تفسير هذه الآية: بئس ما يقضون لله البنات، ولأنفسهم البنين. تفسير البغوي 373.
(2/894)

قَوْلاً عَظِيمَاً} 1، وقال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءَاً إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِين أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيم أَوَ مَنْ يُنَشَّأَ في الحِلْيَةِ وَهُوَ في الخِصَامِ غَير مُبِين وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثَاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} 2.
قياس الأولى
فهذه الطريقة - وهو أنّ ما يستحقه المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه، فالخالق أولى به، وما يُنزَّه عنه المخلوق من العيوب المذمومة، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عن كلّ [عيبٍ] 3 وذمّ4، وهو سبحانه القدّوس، السلام، الحميد، المجيد - من أبلغ الطرق البرهانية، وهي مستعملة في القرآن في غير موضع5.
فلذلك يقال: الواحد من الناس قادرٌ على إرسال رسول، وعلى أن يرسل نشابة6، وعلامة يعرفه المرسل إليهم بها صدقه.
فكيف لا يقدر الرب على ذلك؟.
ثمّ إذا أرسله إليهم، وأمرهم بتصديقه وطاعته، ولم يعرّفهم أنّه رسوله، كان هذا من أقبح الأمور.
__________
1 سورة الإسراء، الآية 40.
2 سورة الزخرف، الآيات 15-19.
3 رسمت في ((خ)) : عين. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 وهو قياس الأولى. وقد تقدم توضيحه في ص 779، وتقدمت الإشارة إليه في ص 1092 من هذا الكتاب.
5 انظر ما سبق ص 821-822.
6 سبق التعريف بها في ص 714 من هذا الكتاب.
(2/895)

فكيف يجوز مثل هذا على الله؟.
ولو بعثه بعلامة لا تدلّهم على صدقه، كان ذلك عيباً مذموماً؛ فكلّ ما تُرك من لوازم الرسالة؛ إمّا أن يكون لعدم القدرة؛ وإمّا أن يكون للجهل، والسفه، وعدم الحكمة.
والربّ أحق بالتنزيه عن هذا، وهذا من المخلوق؛ فإذا أرسل رسولا فلا بُدّ أن يعرّفهم أنّه رسوله، ويبيّن ذلك.
وما جعله آيةً، وعلامةً، ودليلاً على صدقه، امتنع أن يوجد بدون الصدق؛ فامتنع أن يكون للكاذب المتنبي؛ فإنّ ذلك يقدح في الدلالة.
دلالة الآيات من جهة حكمة الله سبحانه وتعالى
فهذا ونحوه ممّا يُعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرب. فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنّ هذه سنّته وعادته؟ وأنّ هذا مقتضى عدله؟.
وكلّ ذلك عند التصوّر التام، يُوجب علماً ضرورياً يصدّق الرسول الصادق، وأنه لا يجوز أن يُسوّى بين الصادق والكاذب؛ فيكون ما يظهره النبيّ من الآيات يظهر مثله على يد الكاذب، إذ لو فعل هذا، لتعذّر على الخلق التمييز بين الصادق والكاذب1.
وحينئذٍ: فلا يجوز أن يؤمروا بتصديق الصادق، ولا يُذمّوا على ترك تصديقه وطاعته؛ إذ الأمر بذلك بدون دليله تكليف ما لا يُطاق2. وهذا لا يجوز في عدله وحكمته. ولو قُدِّر أنّه جائزٌ عقلاً، فإنّه غير واقع.
__________
1 انظر: الجواب الصحيح.
2 سبق فيما مضى. انظر ص 573 من هذا الكتاب.
(2/896)

فصل سنة الله وعادته في الكذاب أن ينتقم منه ويظهر كذبه
وقد دلّ القرآن على أنّه سبحانه لا يؤيّد الكذّاب عليه، بل لا بُدّ أن يظهر كذبه، وأن ينتقم منه، فقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} 1، ذكر هذا [بعد] 2 قوله: {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم وَمَا هُو بِقَولِ شَاعِرٍ قليلاً ما تُؤْمِنُون وَلا بِقَولِ كَاهِنٍ قَليلاً مَا تَذَكَّرُون تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ} 3، ثمّ قال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ [بِاليَمِين] 4 ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} 5، هذا بتقدير أن يتقوّل بعض الأقاويل، فكيف بمن يتقوَّل الرِّسَالَة كلها.
وقوله: {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِين} : الوتين6: عرقٌ
__________
1 سورة الحاقة، الآيات 44-47.
2 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
3 سورة الحاقة، الآيات 38-43.
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
5 سورة الحاقة، الآيات 44-47.
6 قال في اللسان: الوتين: عرق في القلب، إذا انقطع مات صاحبه. وقال ابن سيده: الوتين عرق لاصقٌ بالصلب من باطنه أجمع يسقي العروق كلها بالدم، ويسقي اللحم، وهو نهر الجسد، وقيل: هو عرق أبيض مستبطن الفقار. وقيل: الوتين يستقي من الفؤاد وفيه الدم. وقيل: هو عرق أبيض كأنّه قصبة. انظر: لسان العرب 13441.
وقال ابن الجوزي رحمه الله عن الوتين: "وهو عرق يجري في الظهر، حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. قال أبو عبيدة: الوتين نياط القلب. وأنشد الشماخ:
إذا بلغتني وحملت رحلي
عرابة فاشرقي بدم الوتين
وقال الزجاج: الوتين عرق أبيض غليظ كأنه قصبة". زاد المسير لابن الجوزي 8355. وانظر: تفسير الطبري 2967. ولسان العرب 13441.
(2/897)

في الباطن، يُقال: هو [نياط] 1 القلب، وإذا قُطِع مات الإنسان عاجلاً، وذلك يتضمّن هلاكه لو تقوّل على الله.
وقوله: {لأخذنا منه باليمين} :
قيل: لأخذنا بيمينه، كما يُفعل بمن يهان عند القتل، فيُقال: خُذْ بيده، فيُجَرّ بيده2، ثم يُقتل، فهذا هلاك بعزّة وقدرة من الفاعل، وإهانة وتعجيل [هلاك] 3 للمقتول.
وقيل: لأخذنا منه باليمين؛ أي: بالقوّة، والقدرة؛ فإن الميامِن أقوى ممَّن يأخذ بشماله4، كما قال: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِر} 5، وكما قال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد} 6.
لكنّه قال: {أخذنا منه} ، ولم يقل: لأخذناه. فهذا يُقوّي القول الأول.
وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً فَإِنْ يَشَأ اللهُ يَخْتِم عَلَى قَلْبِكَ} 7.
__________
1 في ((خ)) : يناط. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 انظر: تفسير الطبري 2966.
3 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
4 انظر زاد المسير 8355.
5 سورة القمر، الآية 42.
6 سورة البروج، الآية 12.
7 سورة الشورى، الآية 24.
(2/898)

[ثمّ قال] 1: {وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} 2.
فقوله: {وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ} : عطف جملة على جملة. قالوا: وليس من جواب الشرط؛ لأنّه قال: {وَيُحِقُّ الحَقّ} ب الضمّ، وهو معطوف على قوله: {وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ} . فمحوه للباطل، وإحقاقه الحق: خبرٌ منه، لا بُدّ أن يفعله؛ فقد بيَّن أنّه لا بُدّ أن يمحو الباطل، ويحقّ الحقّ بكلماته؛ فإنّه إذا أنزل كلماته، دلّ بها على أنّه نبيّ صادق؛ إذ كانت آية له، وبيّن بها الحق من الباطل. وهو أيضاً يُحِقّ الحقّ، ويُبطل الباطل بكلماته، [فإنّه إذا أنزل كلماته، دلّ بها على أنّه نبيّ صادق؛ إذ كانت آية له، وبَيَّن بها الحق من الباطل.
وهو أيضاً يُحِقّ الحقّ، ويُبطل الباطل بكلماته] 3 التي تكون بها الأشياء؛ فيُحِقّ الحقّ بما يظهره من الآيات، وما ينصر به أهل الحقّ، كما تقدّمت كلمته بذلك، كما قال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} 4، وقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً} 5، وقال: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ} 6.
وقال تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه} 7، وأمره يتضمّن ما يأمر به،
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 سورة الشورى، الآية 24.
3 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) .
4 سورة الصافات، الآيتان 171-173.
5 سورة الأنعام، الآية 115.
6 سورة التحريم، الآية 12.
7 سورة النحل، الآية 1.
(2/899)

وهو الكائن بكلماته، وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئَاً أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون} 1.
وكلماته صدقٌ وعدلٌ، والعدل: وضع الأشياء [مواضعها] 2.
من عدل الله
فمن عدله: أن يجعل الصادق عليه، المبلغ لرسالته، حيث يصلح من كرامته ونصره، وإن يجعل الكاذب عليه، حيث يليق به من إهانته وذلّه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ} 3؛ قال أبو قلابة4: هي لكلّ مفترٍ إلى يوم القيامة5.
أصناف الكاذبين الذين يعارضون رسل الله
أعظم الافتراء على الله
ومن أعظم الافتراء عليه: دعوى النبوة والرسالة كذباً، كما قال تعالى:
__________
1 سورة يس، الآية 82.
2 في ((ط)) : مواضها.
وسبق أن ذكرت كلاماً طيّباً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذا المعنى في هامش ص 571.
3 سورة الأعراف، الآية 152.
4 هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، عالم بالقضاء والأحكام، ناسك من أهل البصرة، أرادوه على القضاء، فهرب إلى الشام، فمات فيها، وكان من رجال الحديث الثقات.
وقال علي بن المديني: أبو قلابة عربي من جرم، مات بالشام، وأدرك خلافة عمر ابن عبد العزيز، ثم توفي سنة أربع ومئة.
انظر: حلية الأولياء 2282. وسير أعلام النبلاء 4468. وتهذيب التهذيب 5224. وشذرات الذهب 1126. والأعلام 488.
5 تلا أبو قلابة هذه الآية، ثم قال: فهو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله عز وجلّ.
انظر: تفسير الطبري 971. ومنهاج السنة 6179.
(2/900)

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله} 1، وذكر في هذا الكلام جميع أصناف الكاذبين الذين يعارضون رسله الصادقين، كما ذكر فيما قبله حال الكاذبين في قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيء قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورَاً وَهُدَى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} 2
ثم قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء} 3 الآية؛
فإنّ الكاذب إمّا أن يقول: إنّ غيري أنزل عليَّ، وإمَّا أن يقول: أنا أصنِّف مثل هذا القرآن.
وإذا قال: غيري أنزل علي؛ فأمّا أن يُعيِّنه، فيقول: إنّ الله أنزله عليَّ؛ وأمّا أن يقول: أُوحي، ولا يُعيِّن من أوحاه.
فذكر الأصناف الثلاثة، فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء} 4: فهذان نوعان من جنس، ثمّ قال: {ومن} ، [و] 5لم يقل: أو قال؛ إذ كان هذا معارضاً لا يدّعي أنّه رسول، فقال: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} .
__________
1 سورة الأنعام، الآية 93.
2 سورة الأنعام، الآيتان 91-92.
3 سورة الأنعام، الآية 93.
4 سورة الأنعام، الآية 93.
5 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
(2/901)

وهؤلاء المعارضون قد تحدّاهم في غير موضع1، وقال: {قُلْ لَئِن اجْتَمَعَت الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً} 2.
والرسول أخبر بهذا خبراً تامّاً في أوّل الأمر، وهذا لا يمكن إلاَّ مع قطعه أنّه على الحق. وإلى الآن لم يوجد أحدٌ أنزلَ مثل ما أنزل الله.
وقوله: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ} ، ولم يقل: أقدر أن أنزل؛ فإن قوله: {سَأُنْزِلُ} : هو وعدٌ بالفعل، وبه يحصل المقصود؛ بخلاف قوله: أقدر؛ فإنّه لا يحصل به غرض المعارض، وإنّما يحصل إذا فعل. فمن وعد بإنزال مثل ما أنزل، كان من أظلم الناس وأكذبهم؛ إذ كان قد تبيَّن عجز جميع الثقلين؛ الإنس، والجن، عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
وقوله: {مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّه} : يقتضي أنّ كلّ ما أنزله الله على أوليائه، فهو معجزٌ، لا يقدر عليه إلا الله؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور.
وهذا حقٌ3؛ فإنّ في ذلك من أنباء الغيب، ما لا يعلمه إلا الله، وفيه
__________
1 القرآن الكريم هو كلام الله، وهو من أعظم معجزات رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المعجزة الباقية الخالدة من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قرب قيام الساعة. وقد تحدّى الله سبحانه وتعالى به الخلق جميعاً من الجنّ والإنس، والعرب والعجم على أن يأتوا بمثله، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [سورة الإسراء، الآية 88] . فلما عجزوا تحداهم بعشر سور، فقال سبحانه: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} ، فلما عجزوا تحداهم بسورة واحدة، قال تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} .
وقد تحدث الشيخ رحمه الله عن تحدي الله سبحانه وتعالى للخلق بالقرآن في هذا الكتاب. انظر ص 621-624.
2 سورة الإسراء، الآية 88.
3 سبق توضيح ذلك. انظر ص 624-628 من هذا الكتاب.
(2/902)

أيضاً من تأييد الرسل بذلك، ما لا يقدر على أن يرسل بتلك الرسالة إلا الله؛ فلا يقدر أحدٌ أن ينزل مثل ما أنزل الله على [نبيّه] 1؛ فيكون به مثل الرسول، ولا أن يرسل به غيره2.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 من المناسب أن نختم هذا الفصل الذي أفرده شيخ الإسلام رحمه الله لبيان أنّ الله تعالى لا يؤيد الكاذب بما ذكره رحمه الله معلقاً على قول هرقل: "وسألهم عن زيادة أتباعه ودوامهم على اتّباعه، فأخبروه أنهم يزيدون ويدومون، وهذا من علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه. ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبئ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة. وهذا من بعض حجج ملوك النصارى الذين يقال إنهم من ولد قيصر هذا أو غيرهم، حيث رأى رجلاً يسب النبي صلى الله عليه وسلم من رؤوس النصارى ويرميه بالكذب، فجمع علماء النصارى فسألهم عن المتنبئ الكذاب: كم تبقى نبوته؟ فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء: أن الكذاب المفتري لا يبقى إلا كذا أو كذا سنة - مدة قريبة، أو ثلاثين سنة، أو نحوها، وقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة، وهو ظاهر مقبول متبوع، فكيف يكون هذا كذاباً. ثم ضرب عنق ذلك الرجل". شرح الأصفهانية 2485.
والغريب أن أحد العلماء استدل على صحة معتقد شيخ الإسلام وسلامة منهجه بهذا المسلك الشخصي الذي ذكره الشيخ رحمه الله عن هدي الأنبياء. انظر كلام هذا العالم في شيخ الإسلام ص 78 من هذا الكتاب.
(2/903)

فصل الاستدلال بالحكمة
والاستدلال بالحكمة1: أن يعرف أولاً حكمته2، ثمّ يعرف أنّ من
__________
1 مسألة الحكمة: من أعظم المسائل التي خاض فيها المبتدعة في تعليل أفعال الله وأحكامه وصفاته. وقد ذكر الشيخ رحمه الله أبياته المعروفة لمن سأله عن القدر، يُشير فيها إلى أنّها أصل حجة أهل الضلال في الخوض في هذه المسائل. يقول:
وأصلُ ضلالِ الخلقِ في كلِّ فرقة ... هُو الخوضُ في فعل الإله بعلّةِ
فإنّهمو لم يفهموا حكمة له ... فصاروا على نوع من الجاهلية
فإنّ جميع الكون أوجب فعله ... مشيئة رب الخلق باري الخليقة
مجموع الفتاوى 8246.
2 الحكمة من صفات الله الذاتية؛ مثلها مثل الإرادة والمشيئة والكلام، فيُقال في الإرادة: إنّ الله سبحانه وتعالى لم يزل مريداً بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يُريده في وقته. وهو سبحانه يقدّر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدّرها علم ما سيفعله، وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله. فالأول عزم، والثاني قصد.
وكذلك الحكمة: صفة ذاتية، لم يزل الله حكيماً، فإن كان الفعل المفضي للحكمة حادث النوع، كانت الحكمة كذلك، وإن قدّر أنه قام به كلام، أو فعل متعلق بمشيئته، وأنه لم يزل كذلك، كانت الحكمة كذلك، فيكون النوع قديماً، وإن كانت آحاده حادثة.
وقد أجمع المسلمون على أن الله موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك:
فقال الأشاعرة والجهمية: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده. ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. وهم قد أطلقوا ألفاظها، ولكنهم لا يعنون بها معناها، بل يُطلقونها لأجل مجيئها في القرآن.
وهم يثبتون أنه مريد، وينكرون أن تكون له حكمة يريدها، وأنه لم يخلق شيئاً لشيء، وأنكروا الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره والحكم المقصودة بذلك.
وقال أهل السنة: بل هو حكيم في خلقه وأمره. والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك، لكان كلّ مريد حكيماً. ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة، بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة، والغايات المحبوبة.
والله سبحانه حكيم رحيم، وقد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا بحكمة، كما قال في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} . والله سبحانه له في كلّ ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها، وهو سبحانه أحسن كلّ شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، فما وقع من الشر الموجود في المخلوقات، فقد وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية، فهو من الله حسن جميل، وهو سبحانه محمود عليه، وله الحمد عل كل حال، وإن كان شراً بالنسبة إلى بعض الأشخاص. فهو تعالى لم يزل عليماً، فعالاً لما يريد، وأفعاله تعالى وإبداعه لمبتدعاته تابعة لحكمته، التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، فلم يخلق شيئاً عبثاً. فالحكمة فعله بعض الأشياء دون بعض، لاشتمال المفعول على ما يصلح أن يكون مراداً للحكيم.
فالله سبحانه وتعالى يفعل لحكمة يحبها ويحصل بها محبوبه، فإنه لا يزال مراده الذي يحبه يحصل بفعله، وهو غني عن كل ما سواه، ورحمته لعبده، وإحسانه إليهم هو مما يُحبّه، وهو سبحانه إذا أمر العباد ونهاهم: أمرهم بما يحبه ويرضاه لهم، وهو يحبهم ويرضى عنهم إذا فعلوه؛ قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [سورة الزمر 7] .
لكن فرق بين ما يريد هو أن يخلقه لما يحصل من الحكمة التي يحبها، فهذا يفعله سبحانه، ولا بُدّ من وجوده، فإنّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وبين ما يُريد من العباد أن يفعلوه، ويحبه إذا فعلوه، ويأمرهم به من غير مشيئة منه أن يخلقه؛ فإنّ المشيئة متعلقة بفعله، والأمر متعلق بفعل عبده المأمور، فالإرادة منه تارة تكون بمعنى المشيئة، وتارة تكون بمعنى المحبة. فهو سبحانه محمود على كل حال، له الملك وله الحمد في الدنيا والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
انظر المصادر الآتية: مجموع الفتاوى 16130، 297، 303،، 1795، 99. ومجموعة الرسائل والمسائل 5242. ومنهاج السنة النبوية 144،، 3168-177، 207-209، 45. وبيان تلبيس الجهمية 1215. وكتاب الصفدية 1147. وشرح الأصفهانية 1365-368. ودرء تعارض العقل والنقل 7476-477.
(2/904)

حكمته أنّه لا يُسوّي بين الصادق بما يظهر به صدقه، وبأن ينصره، ويعزّه، [ويجعل] 1 [له] 2 العاقبة، ويجعل له لسان صدقٍ في العالمين. والكاذب عليه: يُبيّن كذبه، ويخذله، ويذله، ويجعل عاقبته عاقبة سوء، ويجعل له لسان الذمّ واللعنة في العالمين، كما قد وقع.
فهذا هو الواقع، لكن المقصود أن نبيّن أنّ ما وقع منه، فهو واجب الوقوع في حكمته، لا يجوز أن يقع منه ضدّ ذلك. فهذا استدلال ببيان أنه يجب أن يقع منه ما يقع، ويمتنع أن يقع منه ضده، وذلك ببيان أنّه حكيم، وأنّ حكمته توجب أن يُبيّن صدق الأنبياء وينصرهم، ويُبيّن كذب الكاذبين ويذلهم.
وكذلك يفعل باتباع النبيين، وبأعدائهم؛ كما أخبر بذلك في كتابه3، وبيّن أنّ هذا حقّ عليه، يجب أن يفعله، ويمتنع أن يفعل ضدّه؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالبَيِّنَات فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} 4، وكما قال: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
__________
1 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سورة غافر، الآية 51] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة الصافات، الآيات 171-173] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل، الآية 116] .
4 سورة الروم، الآية 47.
(2/906)

وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ [قَوِيّ] 1 عَزِيزٌ} 2. وقوله: {لأغلبنّ} : قَسَمٌ أقسم الله عليه، فهو جواب قسم، تقديره: والله لأغلبنّ أنا ورسلي.
وهذا يتضمن إخباره بوقوع ذلك، وأنّه كتب على نفسه ذلك، وأمر به نفسه، وأوجبه على نفسه؛ فإنّ صيغة القسم يتضمّن التزام ما [حلف] 3 عليه؛ إمّا [حضّاً] 4 عليه، وأمراً به؛ وإمّا منعاً منه، ونهياً عنه.
الوفاء باليمين وكفارته
ولهذا كان في شرع من قبلنا يجب الوفاء بذلك، ولا كفارة فيه5. وكذلك كان في أول الإسلام.
ولهذا كان أبو بكر لا يحنث في يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين، كما ذكرت ذلك عائشة6.
ولهذا أُمِر أيوب أن يأخذ بيده ضغثاً، فيضرب به، ولا يحنث7؛ فإنّ ذلك صار واجباً باليمين كوجوب المنذور الواجب بالنذر، يُحتذى به حذو الواجب بالشرع.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : لقويّ.
2 سورة المجادلة، الآية 21.
3 في ((خ)) : خلق. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : خصاً. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 قال ابن العربي: "قوله تعالى: {فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} يدلّ على أحد وجهين؛ إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البر والحنث. والثاني: أن يكون صدر منه نذر لا يمين". الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15140.
6 إذ قالت رضي الله عنها: إنّ أبا بكر رضي الله عنه لم يكن يحنث في يمين قطّ، حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: "لا أحلف على يمين فرأيتُ غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني".
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... } .
7 قال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [سورة ص، الآية 44] .
(2/907)

والضرب بالضغث يجوز في [الحدود] 1 إذا كان المضروب لا يحتمل التفريق؛ كما جاء في الحديث2.
ولو كان في شرعهم3 كفارة، لأغنت عن الضرب مطلقاً.
لكن الإنسان قد يلتزم ما لا يعلم عاقبته، ثم يندم عليه، والرب تعالى عالمٌ بعواقب الأمور، فلا يحلف على أمرٍ ليفعلنّه، إلا وهو يعلم عاقبته.
واليمين موجبة4، ولهذا قال تعالى: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ} 5. وكَتَبَ: مثل كَتَبَ، في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} 6؛ فهي كتابة تتضمن خبراً وإيجاباً.
__________
1 في ((ط)) : الحدوث.
2 وهو ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنّه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم. فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهشّ لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني وقعت على جارية دخلت عليّ. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضرّ مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة". أخرجه أبو داود في سننه 4615-616، كتاب الحدود، باب إقامة الحدّ على المريض. وأحمد في المسند 5222. وابن ماجه في سننه 2859، كتاب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحدّ. وقال محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على ابن ماجه: "في الزوائد: مدار الإسناد على محمد بن إسحاق وهو مدلّس. وقد رواه بالعنعنة". وقال ابن حجر رحمه الله: "إسناد هذا الحديث حسن، ولكنه اختلف في وصله وإرساله". سبل السلام 424.
3 أي في شرع بني إسرائيل.
4 أي واقعة ومتحققة.
5 سورة المجادلة، الآية 21.
6 سورة الأنعام، الآية 54.
(2/908)

ومنه قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} 1.
وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم مُحَرَّمَاً فلا تَظَالَمُوا"2.
وقد بسط هذا الأصل في مواضع؛ مثل الكلام في مسألة القادر المختار3، ومسألة العدل والظلم4، وغير ذلك5.
فإنّ كثيراً من المتكلمين يقول: إن القادر المختار لا يفعل إلا بوصف [الجواز6] 7، فيفعل الفعل في حال تردّده بين أن يفعل، وأن لا يفعل.
استطالة الفلاسفة على المتكلمين
ومنهم من يقول: يفعله مع رجحان أن يفعل رجحاناً لا ينتهي إلى حدّ الوجوب8.
__________
1 سورة هود، الآية 6.
2 سبق تخريج جزء منه في ص 537.
3 أما هذه المسألة: فقد تطرق لها الشيخ رحمه الله في بيان تلبيس الجهمية 1203-206، وفي رسالة أقوم ما قيل، ضمن مجموعة الرسائل 4-5329، وفي شرح الأصفهانية 2351-355، وفي درء التعارض 1326،، 9166.
4 للشيخ رحمه الله رسالة في معنى كون الربّ عادلاً وفي تنزهه عن الظلم، ضمن جامع الرسائل، المجموعة الأولى ص 119-142. وانظر ص 566 من هذا الكتاب.
5 سبق أن ذكرنا كثيراً من الإحالات على كتب شيخ الإسلام في هذه المسألة، انظر ص 504 من هذا الكتاب.
6 انظر: درء تعارض العقل والنقل 1326،، 4290 إلى آخر الجزء،، 9166، 192-193. وشرح الأصفهانية 1351.
7 في ((م)) ، و ((ط)) : الجوار.
8 انظر: درء تعارض العقل والنقل 363،، 9170-171، 193. وشرح الأصفهانية 1352.
(2/909)

وهو قول محمد بن [الهيصم] 1 الكرامي2، ومحمود الخوارزمي المعتزلي3.
وبهذا استطال عليهم الفلاسفة4، فقالوا: الربّ موجب؛ لأنّ الممكن لا يقع حتى يحصل المؤثر التامّ الموجب له5.
__________
1 في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) : الهيضم. وهو خلاف الصواب.
2 سبقت ترجمته.
3 هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو. من أئمة المعتزلة، ومن الدعاة إلى مذهبهم. ومن علماء اللغة والتفسير. وكان مجاهراً شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. ولد سنة 467 ?، وتوفي سنة 538 ? في الجرجانية من قرى خوارزم.
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 20151-156. وشذرات الذهب لابن العماد 4118-121. والأعلام للزركلي 7178.
4 انظر درء تعارض العقل والنقل 9150.
5 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية، وهم يلزمهم من التناقض ما هو أعظم من ذلك؛ فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين، فإنهم يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإنّ من فعل المفعول لغاية يُريدها، كان مريداً للمفعول بطريق الأولى والأحرى. فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه علة موجبة للمعلول بلا إرادة، كان هذا في غاية التناقض............ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض، دالّ على مشيئة فاعله، وعلى حكمته أيضاً، ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه..". درء تعارض العقل والنقل 9111. وانظر: المصدر نفسه 362، 416-418. وبيان تلبيس الجهمية 1171، 214-215.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً: "وينبغي أن يعلم أنّ الذي سلّط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان؛ أحدهما: ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تُخالف الكتاب والسنة، ويُخالفون بها المعقولات الصحيحة التي ينسرّ بها خصومهم أو غيرهم. والثاني: مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه؛ فإنهم لما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه السلف وأئمتهم، كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد وغيرها". بيان تلبيس الجهمية 1223.
(2/910)

والتحقيق: أنّ الرب يخلق بمشيئته وقدرته، وهو موجب لكلّ ما يخلقه بمشيئته وقدرته، ليس موجباً بمجرّد الذات، ولا موجباً بمعنى أنّ موجبه يقارنه؛ فإنّ هذا ممتنع. فهذان معنيان باطلان. وهو قادرٌ يفعل بمشيئته؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاءه وجب كونه، وما لم يشأ امتنع كونه1.
ولهذا قال كثيرٌ من النظار: إنّ الإرادة موجبة للمراد2. وعلى هذا، فقولنا: يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون: إنما هو جواز الشيء، بمعنى الشك في أيهما هو الواقع، وإلا ففي نفس الأمر أحدهما هو الواقع، ليس في نفس الأمر [ظنياً] 3 متردّداً بين الوقوع وعدم الوقوع.
الإمكان الذهني
والإمكان الذهني: قد يُراد به عدم العلم بالامتناع، وقد يُراد به الشك في الواقع. وكلا النوعين عدم علم.
الإمكان الخارجي
والإمكان الخارجي: يُراد به أن وجوده في الخارج ممكن، لا ممتنع4؛
__________
1 انظر شرح الأصفهانية 1128، 351-353.
2 انظر: درء تعارض العقل والنقل 9193.
3 في ((خ)) كلمة غير واضحة، وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 وقال الشيخ رحمه الله في الفرق بين الإمكان الذهني والإمكان الخارجي أيضاً: "والفرق بينهما أنّ الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع، فليس في ذهنه ما يمنع ذلك. والإمكان الخارجي معناه: العلم بالإمكان في الخارج. والإنسان يُقدّر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها، ولا يعلم أنها ممتنعة، ومع هذا فهي ممتنعة في الخارج لأمور أُخر". درء تعارض العقل والنقل 3358-359. وانظر: التدمرية ص 263. وانظر كلاماً مفصّلاً للمؤلف أيضاً عن الفرق بينهما في الجواب الصحيح 6404-405. وقد سبق أيضاً التفريق بينهما من كلام المؤلف في هذا الكتاب، في ص 227.
(2/911)

كولادة النساء، ونبات الأرض.
وأما الجزم بالوقوع وعدمه، فيحتاج إلى دليل.
وفي نفس الأمر ما ثَمّ إلا ما يقع، أو لا يقع.
والواقع لا بدّ من وقوعه، ووقوعه واجب لازم.
وما لا يقع فوقوعه ممتنع، لكن واجب بغيره، وممتنع لغيره:
وقوع ما قدره الله واجب من جهات
وهو واجب من جهات: من جهة علم الرب من وجهين، ومن جهة إرادته من وجهين، ومن جهة كلامه من وجهين، [ومن جهة كتابته من وجهين] 1، ومن جهة رحمته، ومن جهة عدله.
أمّا علمه: فما علم أنه سيكون، فلا بد أن يكون، وما علم أنه لا يكون، فلا يكون. وهذا مما يعترف به جميع الطوائف، إلا من ينكر العلم السابق؛ كغلاة القدرية2 الذين تبرأ منهم الصحابة.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عنهم: "وغلاة القدرية يُنكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهي، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنف: أي مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة. وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوا منهم، وأنكروا مقالتهم، كما قال عبد الله بن عمر لما أُخبر عنهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برءاء مني. وكذلك كلام ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال فيهم الأئمة؛ كمالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم: إن المنكرين لعمل الله المتقدم يكفرون.
ثم كثر خوض الناس في القدر، فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم، والكتاب السابق، لكن ينكرون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه وقدرته، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره؛ فما شاءه فقد أمر به، وما لم يشأه لم يأمر به. فلزمهم أن يقولوا: إنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. وأنكروا أن يكون الله تعالى خالقاً لأفعال العباد، أو قادراً عليها، أو أن يختصّ بعض عباده من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له..". مجموع الفتاوى 8450-451. وانظر المصدر نفسه 7384-385، 8228. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 665.
(2/912)

ومن جهة أنه يعلم ما في ذلك الفعل من الحكمة: فيدعوه علمه إلى فعله، أو ما فيه من الفساد، فيدعوه إلى تركه. وهذا يعرفه من يقرّ بأنّ العلم داع، ومن يقرّ بالحكمة.
ومن جهة إرادته: فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ومن جهة حكمته، وهي الغاية المرادة لنفسها، التي يفعل لأجلها. فإذا كان مريدا للغاية المطلوبة، لزم أن يُريد ما يُوجب حصولها.
ومن جهة كلامه: من وجهين؛ من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه؛ ومن جهة أنه أوجبه على نفسه، وأقسم ليفعلنّه. وهذا من جهة إيجابه على نفسه، والتزامه أن يفعله.
ومن جهة كتابته إياه في اللوح: وهو يكتب ما علم أن سيكون. وقد يكتب إيجابه والتزامه؛ كما قال: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} 1، وقال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} 2.
__________
1 سورة المجادلة، الآية 21.
2 سورة الأنعام، الآية 54.
(2/913)

فهذه عشرة أوجه1 تقتضي الجزم بوقوع ما سيكون، وأنّ ذلك واجبٌ [حتمٌ] 2 لا بُدّ منه، فما في نفس الأمر جوازٌ يستوي فيه الطرفان؛ الوجود، والعدم، وإنّما هذا في ذهن الانسان، لعدم علمه بما هو الواقع. ثمّ من علم بعض تلك الأسباب، علم الواقع؛ فتارة يعلم لأنّه أخبر بعلمه؛ وهو ما أخبرت به الأنبياء بوقوعه؛ كالقيامة [والجزاء] 3؛ وتارة يعلم من جهة المشيئة؛ لأنّه جرت به سنته الشاملة التي لا تتبدّل؛ وتارة يعلم من جهة حكمته، كما قد بسط في غير هذا الموضع4.
__________
1 والخلاصة: أنّ الجزم بوقوع ما قدّره الله سبحانه وتعالى واجب من جهات عشر:
من جهة علم الله سبحانه وتعالى من وجهين؛ الأول: ما علمه الله أنه سيكون، فلابُدّ أن يكون. والثاني: ما علم الله سبحانه وتعالى أنه لا يكون، فلا يكون.
وكذلك من جهة إرادته سبحانه من وجهين؛ الأول: أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والثاني: من جهة حكمته سبحانه، وهي الغاية المرادة لنفسها التي يفعل لأجلها.
وكذلك من جهة كلامه، من وجهين؛ الأول: من جهة أنه أخبر به، وخبره مطابق لعلمه. والثاني: من جهة أنه أوجبه على نفسه وأقسم ليفعلنّه.
وكذلك من جهة كتابته إياه في اللوح المحفوظ من وجهين؛ الأول: كتابته ما علم أنه سيكون. والثاني: كتابته ما أوجبه على نفسه.
وكذلك من جهة رحمته.
وكذلك من جهة عدله.
فهذه عشرة أوجه.
2 في ((ط)) : حتى.
3 في ((ط)) : الجزاء.
4 انظر: درء تعارض العقل والنقل 362-69،، 9192-196. وبيان تلبيس الجهمية 1197-213.
(2/914)

الحكمة والعدل والرحمة تعلم بالعقل
والحكمة، والعدل، والرحمة، والعادة تُعلم بالعقل، كما قد عرف من حكمة الرب، وعدله، وسّنته.
ويُستدلّ بذلك على العلم، والخبر، والكتاب؛ كما أن العلم، والخبر، والكتاب [يُعلم] 1 بأخبار الأنبياء، ويُستدلّ بذلك على العدل، والحكمة، والرحمة.
الجهمية ينكرون الحكمة والعدل والرحمة
والجهمية المجبرة لا تجزم بثبوتٍ، ولا انتفاءٍ، إلا من جهة الخبر، أو العادة؛ إذ كانوا لا يثبتون الحكمة، والعدل، والرحمة في الحقيقة، كما قد بسط في غير موضع2.
وحُكِيَ عن الجهم أنّه كان يخرج، فينظر الجَذْمَى3، ثُمّ يقول: أرحم الراحمين يفعل هذا4؟. يقول إنّه يفعل لمحض المشيئة، ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا.
وهذا من جهله لم يعرف ما في الابتلاء من الحكمة، والرحمة، والمصلحة.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : تعلم.
2 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "والجهم بن صفوان ومن اتبعه ينكرون حكمته ورحمته، ويقولون: ليس في أفعاله وأوامره لام كي، لا يفعل شيئاً لشيء، ولا يأمر بشيء لشيء. وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب، وإن خالفوه في بعض ذلك". مجموع الفتاوى 8466-467. وانظر: المصدر نفسه 16130-133، 297-300. ومنهاج السنة 1142-145. وبيان تلبيس الجهمية 1214-217. وشرح الأصفهانية 2356-357.
3 الجُذام من الداء: مرض معروف سُمي بذلك لتجذُّم الأصابع وتقطُّعها. لسان العرب 1287.
4 انظر شفاء العليل لابن القيم رحمه الله ص 202.
(2/915)

والمجبرة المثبتة للقدر متّبعون لجهم1، والقدرية النفاة مناقضون لهم2، كما قد بُسط الكلام على ذلك في غير موضع3.
العقلاء يستدلون بصفات الرب على ما يفعله
وما زال العقلاء يستدلّون بما علموه من صفات الرب على ما يفعله؛ [كقول] 4 خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لها: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت: "كلاّ، والله لا يخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُقري الضيف، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"5.
فاستدلّت بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال على أنّ الله لا يخزيه.
ومنه: قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} 6؛ فإنّ الشيطان إنما ينزل على ما يناسبه، ويطلبه، وهو يريد
__________
1 وهم الأشاعرة.
2 وهم المعتزلة.
3 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والجهمي الجبري لا يثبت عدلاً ولا حكمة، ولا توحيد إلهيته، بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي لا يثبت توحيد إلهيته، ولا عدلاً، ولا عزة، ولا حكمة، وإن قال إنه يثبت حكمة ما معناها يعود إلى غيره. فتلك لا تكون حكمة. فمن فعل لا لأمر يرجع إليه، بل لغيره، فهذا عند العقلاء قاطبة ليس بحكيم..". مجموع الفتاوى 8211. وانظر: المصدر نفسه 835-57، 89-93، 377-378، 1799-100.
4 في ((ط)) : كقوله.
5 سبق تخريجه ص 233.
وانظر تعليق المؤلف رحمه الله على هذا الحديث في: شرح الأصفهانية 2479-486. والجواب الصحيح 6511-512. وكتاب الصفدية 1225.
6 سورة الشعراء، الآيتان 221-222.
(2/916)

الكذب والإثم، فينزل على من يكون كذلك. وبسط هذا له موضع آخر1.
الكلام في النبوة فرع على إثبات الحكمة
والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما [تنفيه2] 3، [فتقول] 4: هو سبحانه وتعالى حكيمٌ، يضع كلّ شيءٍ في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يُسوّي بين جنس [الصادق] 5 والكاذب، والعادل والظالم، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد، بل يُفرّق بين هذه الأنواع بما يناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان؛ كما قال تعالى: {أَمْ نَجْعَل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ في الأَرْضِ أَمْ نَجْعَل المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ} 6، وقال: {أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ} 7، وهذا استفهام انكار على من ظن ذلك، وهو يتضمّن تقرير المخاطبين، واعترافهم بأنّ هذا لا يجوز عليه، وأن ذلك بيِّنٌ معروف، يجب اعترافهم به، وإقرارهم به، كما يقال لمن ادّعى أمراً ممتنعاً؛ مثل نعم كثيرة
__________
1 انظر: الجواب الصحيح 6297-302. وشرح الأصفهانية 2474-477. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 190-192.
2 قال شيخ الإسلام رحمه الله وهو يناقش من ينفي حكمة الله، ويُجوّز عليه فعل كلّ شيء: "فإما أن يجوز عليه فعل كل شيء، وإما أن يكون متنزهاً عن بعض الأفعال. فإن قيل: إنه يجوز أن يصدر منه فعل القبيح، لم يؤمن منه تصديق المتنبئين الكذابين بالمعجزات، ولم يؤمن أيضاً الخبر المخالف لمخبره، فإن الكذب وتصديق الكاذب قبيح، وتجويز ذلك يُبطل النبوات وأخبار المعاد، وهذان تبطل بهما الملل". بيان تلبيس الجهمية 1162.
3 في ((خ)) : ينفيه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : يقول. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 في ((ط)) : الصدق.
6 سورة ص، الآية 28.
7 سورة القلم، الآية 35.
(2/917)

في موضع صغير، فيُقال له: أههنا كانت هذه النعم؛ أي هذا ممتنع [فاعترف] 1 بالحق. وإذا ادّعى على من هو معروف بالصدق والأمانة أنّه نقب داره، وأخذ ماله، قيل له: أهذا فعل هذا؟! .
ومنه: قوله: {يَا عِيْسَى بنَ مريم أَأَنْتَ قُلتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ} 2، وقوله تعالى: {وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً ثُمَّ يَقُولُ للمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} 3. ونظائره كثيرة.
ظن السوء بالله تعالى
وكذلك قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا [الصالحاتِ] 4 سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 5؛ فإنّ هذا استفهام إنكار على من حسب أنه يسوي بين هؤلاء وهؤلاء؛ فبَيَّن أنّ هذا الحساب باطل، وأنَّ التسوية ممتنعة في حقّه، لا يجوز أن يظنّ به، بل من ظنّ ذلك، فقد ظنّ بربّه ظنّ السوء، وذلك ظنّ أهل الجاهلية الذين يظنون بالله ظنّ السوء، فمن جوّز ذلك على الله، فقد ظنّ بربه ظنّ السوء.
وقوله تعالى فيما جرى يوم أحد: {وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونُ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّة} 6؛ فسَّره ابن عباس وغيره: بأنّهم ظنّوا أن الله لم يقدر ما جرى، وأنّه لا ينصر رسوله7.
__________
1 في ((ط)) " فاعتبرف.
2 سورة المائدة، الآية 119.
3 سورة سبأ، الآية 40.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : السيئات.
5 سورة الجاثية، الآية 20.
6 سورة آل عمران، الآية 154.
7 انظر: تفسير الطبري 4141-143. وتفسير ابن كثير 1418. وفتح القدير للشوكاني 1391-392. وتفسير السعدي 1439-440.
(2/918)

فكما أنّ القدر يجب الإيمان به، ويُعلم أن كلّ ما كان، قد سبق به علم الرب، فكذلك يُعلم أنّه لا بُدّ أن ينصر رسله والذين آمنوا. وكما أنه لا يجوز أن يقع خلاف المقدّر، فلا يجوز أن لا ينصر رسله والذين آمنوا.
ومثله: قوله [تعالى] 1 فيما أنزله عام الحديبية، لمّا ظنّ ظانون أن الرسول وأتباعه لا يُنصرون، فقال تعالى: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكينَ وَالمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَت مَصِيراً} 2. وهذا يدلّ على أن هذا ظن سوء بالله، لا يجوز أن يظن به أنّه يفعل ذلك.
ومن ينفي الحكمة3 يقول: يجوز عليه فعل كل شيء، وليس عنده ظنّ سوء بالله.
جوابان لمن يظن بالله ظن السوء
وإن قيل: لمّا أخبر أنه ينصره، كان ضدّ ذلك ظن سوء؛ لأنّ خبره لا يقع بخلاف مخبره؟ قيل: عن هذا جوابان:
[أحدهما] 4: أنّ هؤلاء5 يلزمهم تجويز إخلاف الوعد عليه؛ لأنّ هذا من باب الأفعال المقدورة، وهم يجوّزون كلّ مقدور، وإذا قيل: إخلاف الوعد قبيح، فهم ليس عندهم شيء قبيحٌ يُنزّهون الرب عنه.
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 سورة الفتح، الآية 6.
3 المقصود بهم الأشاعرة.
وانظر: بيان تلبيس الجهمية 1162. وشرح الأصفهانية 2616-624. وانظر أيضاً: الإرشاد للجويني ص 319، 322. والمواقف للإيجي ص 323، 328، 330، 331.
4 في ((خ)) : إحداهما. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 وهم من ينفي الحكمة؛ من الأشاعرة، والجبرية، والفلاسفة.
(2/919)

الثاني: أنه إذا علم أنّه يفعله ولو بالعلم الضروري، فإنّما ذلك لأنه واقع. ولو قُدِّر أنّ رجلاً ظنّ أنّ الله لا يفعل ما سيفعله ممّا ليس فيه ذم؛ مثل أن يظنّ أنّه يموت بعد شهر، لم يقل إنّ هذا ظنّ سوء، وإنّما يكون ظنّ سوء، إذا كان المظنون عيباً قبيحاً، لا يجوز أن يضاف إلى المظنون به، ومنه قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَت الأَبْصَارُ وَبَلَغَت القُلُوبُ الحَنَاجِر وَ [تَظُنُّونَ] 1 بِاللهِ [الظُّنُونَا] 2} 3؛ فهذا ذمّ لمن ظنّ بالله [الظنونا] 4
ومن ذلك: قوله تعالى: {أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} 5 , وهذا يقتضي أن هذا ممتنع عليه. ومن حكم بجوازه، فقد حكم حكماً باطلاً جائراً ممتنعاً، كالَّذين جوّزوا أن تكون له بنات، وهم يكرهون أن تكون لهم بنات، فيجوز على الله ما هو قبيح عندهم؛ قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ [للهِ] 6 البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 7.
وممّا يُبيِّن حكمته، أن تقول: أفعاله المحكمة المتقنة دلّت على علمه.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : يظنون.
2 في ((م)) ، و ((ط)) رسمت: الظنون.
3 سورة الأحزاب، الآية 10.
4 في ((ط)) : الظنون.
5 سورة القلم، الآية 35-36.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
7 سورة النحل، الآيات 57-59.
(2/920)

وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء؛ فإنّهم يُسلّمون أنّ الإحكام والإتقان يدلّ على علم الفاعل.
وهذا أمرٌ ضروريٌ عندهم، وعند غيرهم، وهو من أعظم الأدلة العقلية التي يجب ثبوت مدلولها.
معنى الإحكام والإتقان
والإحكام والإتقان إنّما هو أن يضع كلّ شيء في محلّه المناسب، لتحصل به الحكمة المقصودة منه؛ مثل الذي يُخيط قميصاً، فيجعل الطوق على قدر العنق، والكُمَّين على قدر اليدين؛ وكذلك الذي يبني الدار، يجعل الحيطان متماثلة ليعتدل السقف؛ والذي يصنع الابريق يُوسِّع ما يدخل منه الماء، ويُضيِّق ما يخرج منه.
وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة، قد بهرت العقلاء، واعترف بها جميع الطوائف.
الفلاسفة يثبتون العناية والحكمة الغائية
والفلاسفة من أعظم الناس إثباتاً لها، وهم يُثبتون العناية، والحكمة الغائيّة، وإن كان فيهم من قَصَّر في أمر الإرادة والعلم1.
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله عن الفلاسفة: "إنهم معترفون بما هو مشهود معلوم من ظهور الحكمة التي في العالم التي يسمونها (العناية) . والفلاسفة من أعلم الناس بهذا، وأكثر الناس كلاماً فيما يوجد في المخلوقات من المنافع والمقاصد والحكم الموافقة للإنسان وغيره، وما يوجد من هذه الحكمة في بدن الإنسان وغيره، سواء كانوا ناظرين في العلم الطبيعي وفروعه، أو علم الهيئة ونحوه من الرياضي، أو العلم الإلهي، وأجل القوم الإلهيون. وقد تقدم ما ذكر في اعترافهم بأن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد. ولا ريب أن الاعتراف بهذا ضروري؛ كالاعتراف بأن المحدَث لا بُدّ له من محدِث، والممكن لا بُدّ له من مرجّح. فكما أن هناك مقدمتين؛ إحداهما: أن هنا حوادث مشهودة، والحادث لا بد له من محدث. والأولى حسية، والثانية عقلية بديهية ضرورية. وكذلك أن هاهنا ممكنات، والممكن لا بُدّ له من مرجّح واجب، فكذلك هاهنا مقدّمتان؛ إحداهما: أن هنا حكماً أو منافع مطلوبة. والثانية: أنه لا بد لذلك من فاعل قاصد مريد. وهما مقدّمتان ضروريتان؛ الأولى حسية، والثانية عقلية؛ فإنّ الإحساس بالانتفاع كالإحساس بالحدوث، وإن كان في تفاصيل ذلك ما يعلم بالقياس أو الخبر. ثم هذه الحكم قد يعلم حدوثها، وقد يعلم إمكانها، كالأسباب". بيان تلبيس الجهمية 1203-204.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً عن الفلاسفة أنهم: "من أكثر الناس نظراً في حكم الموجودات، وقد اعترفوا بما تقدّم من أن هذه الموافقة تعلم ضرورة أنها من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس المراد أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق، فعلم أن نفيهم بعد ذلك كونه فاعلاً مختاراً، تناقضٌ منهم". بيان تلبيس الجهمية 1182 وانظر: درء تعارض العقل والنقل 9111.
(2/921)

المتكلمون يثبتون الحكمة في مخلوقات الله
وكذلك المتكلمون1: كُلُّهم متّفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته، وإن كانوا في الإرادة، وفعله لغاية، متنازعين؛ وذلك مثلما في خلق الإنسان. وأدنى ذلك أنّ العين، والفم، والأذن فيها مياه ورطوبة؛ فماء العين مالح، وماء الفم عذب، وماء الأذن مُرّ.
فإنّ العين شحمة، والملوحة تحفظها أن تذوب. وهذه أيضاً حكمة تمليح ماء البحر؛ فإن له سبباً وحكمةً؛ فسببه سبوخة أرضه وملوحتها؛ فهي توجب ملوحة مائه؛ وحكمتها أنّها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة؛ فإنّه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس بفساده، وإذا وقع أحياناً، قتل خلق كثير فإنّه يُفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير.
وماء الأذن مُرّ؛ ليمنع دخول الهوام إلى الأذن.
وماء الفم عذب؛ ليطيب به ما يأكله.
__________
1 أهل الجدل والمناظرة، والمقصود بهم: الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية.
(2/922)

فلو جعل الله ماء الفم مراً، لفسد الطعام على أكلته، ولو جعل ماء الأذن عذباً، لدخل الذباب في الدماغ.
ونظائر هذا كثيرة، فلا يجوز أن يفعل بخلاف [ذلك] 1؛ مثل أن يجعل العينين في القدمين، ويجعل الوجه خشناً غليظاً، كالقدمين؛ فإنّه كان يُفسد مصلحة النظر والمشي.
بل من الحكمة أنه جعل العينين في أعلى البدن، في [مقدّمه] 2 ليرى بها ما أمامه، فيدري أين يمشي.
وجعل الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه من التراب وغيره.
والعين لطيفة يفسدها أدنى شيء، فجعل لها أجفاناً تغطيها، و [أهداباً] 3.
إثبات صفة العلم والإرادة والحكمة بالعقل
[فتقول] 4: هذا ومثله من مخلوقات الربّ، دلّ على أنه قد أحكم ما خلقه، وأتقنه، ووضع كل شيء بالموضع المناسب له5، وهذا يوجب العلم الضروري أنه عالم؛ فيميز بين هذا وبين هذا، حتى خص هذا بهذا، وهذا بهذا. وهو أيضاً يُوجب [العلم] 6 الضروري بأنّه أراد تخصيص هذا بهذا، وهذا بهذا؛ فدلّ على علمه وإرادته. وهذا ممّا يُسلمونه، فتقول: [ودلّ] 7 أيضاً على أنّه جعل هذا لهذا؛ فجعل ماء العين والبحر ملحاً للحكمة المذكورة، وجعل العين في أعلى البدن، وجعل لها أجفاناً للحكمة المذكورة.
__________
1 مابين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((ط)) : مقدمة.
3 في ((خ)) رسمت: أهذاباً. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : فيقول. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 سبق أن ذكر الشيخ رحمه الله هذه الحكم. انظر ص 572-573 من هذا الكتاب.
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
7 في ((ط)) : ودم.
(2/923)

وكذلك إذا أنزل المطر، وقت الحاجة إليه، عُلِم أنه أنزله ليحيي به الأرض.
وكذلك إذا دعاه الناس مضطرين، فأنزل المطر، عُلِم أنه أنزل ليُحيي الأرض لإجابة دعائهم، فلا يتصوّر أن يعلم أنّه أراد هذا لهذا1، ولا يُتصوّر الإحكام والإتقان، إلا إذا فعل هذا للحكمة المطلوبة.
فكان ما عُلم من إحكامه وإتقانه، دليلاً على علمه، وعلى حكمته أيضاً، وأنه يفعل لحكمة.
تناقض الفلاسفة الذين يثبتون الأحكام
والذين استدلّوا بالإحكام على علمه، ولم يثبتوا الحكمة2، وأنه يفعل هذا لهذا، متناقضون عند عامّة العقلاء. وحذّاقُهم معترفون بتناقضهم؛ فإنّه لا معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت الحكمة، ولم يكن فعله لحكمة، انتفى الإحكام. وإذا انتفى الإحكام، انتفى دليل العلم.
وإذا كان الإحكام معلوماً بالضرورة، [ودلالته على العلم معلومة بالضرورة] 3، عُلم أن حكمته ثابتة بالضرورة، وهو المطلوب.
مقتضيات صفة العلم لله
وأيضاً فإذا ثبت أنه عالم، فنفس العلم يوجب أنه لا يفعل قبيحاً، ولا يجوز أن يفعل القبيح، إلاّ من هو جاهل، كما قد بسط في غير هذا
__________
1 قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [سورة الشورى، الآية 28] ، وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الروم، الآيات 48-50] .
2 المقصود بهم الفلاسفة الذين يُثبتون العناية والإحكام (الحكمة الغائية) . انظر: درء تعارض العقل والنقل 9111. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 1026.
3 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
(2/924)

الموضع1، [و] 2 بُيِّن أنّ العالم يعلم ما الذي يصلح أن يفعل، وأنّ فِعلَ هذا، أولى من فعل هذا. وإذا كان مريداً للفعل، وقد علم أن الفعل على هذا الوجه هو الأصلح، امتنع أن يريد الوجه الآخر.
والإنسان لا يريد القبيح إلا [لنقص] 3 علمه. أمّا أن يفعل بلا علم، بل لمجرد الشهوة، أو يظنّ خطأ؛ فيظن أن هذا الفعل يصلح، وهو لا يصلح، فإنّما يقع القبيح في فعله لفعله مع الجهل البسيط أو المركب4.
والربّ منزه عن هذا وهذا، فيمتنع أن يفعل القبيح.
إثبات الإرادة يستلزم إثبات الحكمة
وأيضاً فإنه قد ثبت أنه مريد، وأنّ الإرادة تخصص المراد عن غيره، وهذا إنّما يكون إذا كان التخصيص لرجحان المراد؛ إمّا لكونه أحب إلى المريد وأفضل عنده. فأما إذا ساوى غيره من كل وجه امتنع ترجيح الإرادة له، فكان إثبات الإرادة مستلزماً إثبات الحكمة5، [وإلا] 6 لم تكن الإرادة.
فقد تبين ثبوت حكمته من جهة علمه، ومن جهة نفس أفعاله المتقنة المحكمة، التي تدل على علمه بالاتفاق.
وهذه أصول عظيمة من تصوّرها تصوراً جيداً، انكشف له حقائق هذا الموضع الشريف7.
__________
1 انظر: مجموع الفتاوى 16130-133. وبيان تلبيس الجهمية 1178-184، 203-204. ودرء تعارض العقل والنقل 363،، 9111.
2 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
3 في ((خ)) : لفعل. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 سبق التعريف بهما. انظر ص 763 من هذا الكتاب.
5 انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 506-507.
6 في ((خ)) رسمت: والم.
7 وهو إثبات حكمة الله سبحانه وتعالى التي نفاها المتكلمون والفلاسفة، وخاضوا في أفعال الله وأحكامه وصفاته بالباطل.
(2/925)

حكمة الله من لوازم ذاته
وإذا ثبت أنه حكيم، وأن حكمته لازمة لعلمه، ولازمة لإرادته، وهما لازمان لذاته، كانت حكمته من لوازم ذاته؛ فيمتنع أن يفعل إلا لحكمة وبحكمة، ويمتنع أن يفعل على خلاف الحكمة.
ومعلومٌ بصريح العقل أن العلم خير من الجهل، والصدق خير من الكذب، والعدل خير من الظلم، والإصلاح خير من [الإفساد] 1. ولهذا وجب [اتصافه تعالى بالرحمة، والعلم، والصدق] 2، والعدل، والإصلاح، دون نقيض ذلك.
وهذا ثابت في خلقه وأمره؛ فكما أنه في خلقه عادلٌ حكيمٌ رحيمٌ، فكذلك هو في أمره وما شرعه من الدين، فإنه لا يكون إلا عدلاً، وحكمةً، ورحمةً، ليس هو كما تقول الجهمية المجبرة، ومن اتبعهم من أهل الكلام والرأي: إنّه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه، وإن ما أمر به لا يجب أن يفعل على حكمة، وينكرون تعليل الأحكام، أو يقولون إن علل الشرع أمارات محضة3. فهذا كله باطلٌ، كما قد بسط في مواضع4.
البراهين اليقينية على أن الله لا يفعل خلاف الحكمة والعدل ولا يسوي بين الصادق والكاذب
بل ما يأمر به مصلحة لا مفسدة، وحسن لا قبيح، وخير لا فساد، وحكمة وعدل ورحمة، والحمد لله رب العالمين؛ فإذا قُدّر رجلان ادعيا على الرب الرسالة، أو توليا على الناس، أو كانا من عرض الناس؛ أحدهما
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
2 في ((خ)) : وجب اتصاف الرحمة بالعلم والصدق. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 انظر: الإنصاف للباقلاني ص 74-75. والمواقف للإيجي ص 314-315، 323. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص 108.
4 انظر: شرح الأصفهانية 2618. ومجموع الفتاوى 8433-434، 466-468 ومنهاج السنة 388-90، 177. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 408-409.
(2/926)

عالم صادق عادل مصلح، والآخر جاهل ظالم كاذب مفسد، ثم قُدِّر أنّ ذلك العالم العادل عوقب في الدنيا والآخرة، فأُذلّ في الدنيا، وقُهر، وأُهلك، وجُعل في الآخرة في جهنم، وذلك الظالم الكاذب الجاهل، أُكرم في الدنيا والآخرة، [و] 1 جُعل في الدرجات العلى، كان معلوماً بالاضطرار أنّ هذا نقيض الحكمة والعدل، وهو أعظم سفهاً وظلماً من تعذيب ماء البحر وماء العين2؛ فإن هذا غايته موت شخص أو النوع، وهذا أقل فساداً من إهلاك خيار الخلق وتعذيبهم، وإكرام شرار الخلق وإهانتهم.
الأشاعرة يجوزون على الله عقلاً أن يسوي بين الصادق والكاذب.. وأن يعذب المؤمنين ولكن بالسمع لا بالعقل
وإذا كان هذا أعظم مناقضة للحكمة والعدل من غيره، وتبيَّن بالبراهين اليقينية أن الربّ لا يجوز عليه خلاف الحكمة والعدل، عُلم بالاضطرار أن الرب سبحانه لا يسوي بين هؤلاء وهؤلاء، فضلاً عن أن يفضّل الأشرار على الأخيار، وهو سبحانه أنكر التسوية؛ فقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلهم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ [مَا يَحْكُمُونَ] 3} 4، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ [تَحْكُمُونَ] 5} 6.
وقد جعل7 من جوّز أن الله لا ينصر رسوله والمؤمنين في الدنيا والآخرة،
ويعذبهم في الآخرة في جهنم، وأن الفراعنة8 يكرمهم في الدنيا
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 أي يصير ماء البحر وماء العين عذبا صالحا للشرب.
3 في ((خ)) : ما كانوا يعملون.
4 سورة الجاثية، الآية 21.
5 في ((ط)) : يحكمون.
6 سورة القلم، الآية 35-36.
7 أي الجبري.
8 فرعون: اسم أعجمي. وقد استخدم في اللغة العربية، فقيل: تفرعن فلان: إذا تعاطى فعل فِرعون؛ كما يُقال: أبلس إبليس. ومنه قيل للطغاة: الفراعنة والأبالسة.
انظر: المفردات للراغب الأصفهاني ص 362. والمصباح المنير ص 470.
(2/927)

والآخرة، والمنازع عنده لا فرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى الرب وإلى إرادته وحكمته وعلمه، بل إنما عُلم وقوع أحدهما بمجرد الخبر1، لا لامتناع أحدهما، ووجوب الآخر.
__________
1 بمعنى أن الأشعري يقول: علمت أن الله لا يُعذّب المؤمنين وينعم الكافرين بمجرد خبر النبي الصادق؛ وهي الدلالة السمعية المجردة. أما عقلاً: فيجوز أن يفعل الله كلّ مقدور، فيعذب هؤلاء وينعم هؤلاء، ويُسوي بين الصادق والكاذب، لكن بالدلالة الخبرية السمعية علمت أنه لا يفعل.
انظر: اللمع للأشعري ص 71. والتمهيد للباقلاني ص 385. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 566-568.
ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام حول هذا الموضوع، يقول فيه: "وأما مثبتة الصفات كابن كلاب والأشعري وغيرهما ممن يثبت الصفات ولا يثبت إلا واحداً معيّناً؛ فلا يُثبت إلا إرادة واحدة تتعلق بكل حادث، وسمعاً واحداً معيناً متعلقاً بكل مسموع، وبصراً واحداً معيناً متعلقاً بكلّ مرئي، وكلاماً واحداً بالعين يجمع جميع أنواع الكلام، كما قد عُرف من مذهب هؤلاء. فهؤلاء يقولون: جميع الحادثات صادرة عن تلك الإرادة الواحدة العين المفردة التي ترجح أحد المتماثلين لا بمرجح، وهي المحبة والرضا وغير ذلك.
وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث في الحسن والقبح إلا من حيث موافقتها للإنسان، ومخالفة بعضها له. فما وافق مراده ومحبوبه كان حسناً عنده، وما خالف ذلك كان قبيحاً عنده، فلا يكون في نفس الأمر حسنة يحبها الله، ولا سيئة يكرهها، إلا بمعنى أن الحسنة هي ما قرن بها لذة صاحبها، والسيئة ما قرن بها ألم صاحبها، من غير فرق يعود إليه، ولا إلى الأفعال أصلاً.
ولهذا كان هؤلاء لا يثبتون حسناً ولا قبيحاً، لا بمعنى الملائم للطبع والمنافي له. والحسن والقبح الشرعي هو ما دلّ صاحبه على أنه قد يحصل لمن فعله لذة، أو حصول ألم له. ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان، وينهى عن كلّ شيء، حتى الإيمان والتوحيد. ويجوز نسخ كل ما أمر به بكل ما نهى عنه. ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شر، ولا حسن ولا قبيح إلا بهذا الاعتبار، فما في الوجود ضر ولا نفع. والنفع والضر أمران إضافيان، فربما نفع هذا ما ضرّ هذا". مجموع الفتاوى 8342-344. وانظر: المصدر نفسه 8337-355.
(2/928)

والخبر إنما هو خبر الأنبياء، وذلك موقوف على العلم بصدقهم، وهو يستلزم صدقهم.
وعلى أصله1 يمتنع العلم بصدقهم؛ فإنه يجوّز أن يسوي الله بين الصادق والكاذب على أصله؛ إذ كان يجوز عليه عنده كل مقدور.
وعنده لا يجوز أن يفعل فعلاً لحكمة، فلا يجوز على أصله أن يخلق الله آية ليدل بها على صدقهم2.
وإذا قال3: تجويز ذلك يقتضي أنه لا يقدر على خلق ما به يبين صدق الصادق، فلذلك منعت من ذلك لأنه يفضي إلى تعجيزه.
قيل له: إنّما يفضي إلى عجزه إذا كان خلق دليل الصدق ممكناً. وعلى أصلك لا يمكن إقامة الدليل على [إمكانه] 4؛ فإنّ الدليل يستلزم المدلول، ويمتنع ثبوته مع عدمه، وأيّ شيء قدّرتَه، جاز أن يخلقه على أصلك على يد الكاذب، وأنت لا تنزهه عن فعل ممكن5.
__________
1 انظر: منهاج السنة النبوية 386-91.
2 الأشاعرة ينفون أن يفعل الله شيئاً لأجل شيء، لأنهم ينفون حكمة الله سبحانه وتعالى.
وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 653-654. وانظر: الإرشاد للجويني ص 326. والمواقف للإيجي ص 231.
3 انظر: الإرشاد للجويني ص 326-327. والمواقف للإيجي ص 242.
وانظر اعتراض المعتزلة على الأشاعرة في شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص 564-571.
وقد رد عليهم شيخ الإسلام رحمه الله فيما مضى.
وانظر له: الجواب الصحيح 6393 - 401. وشرح الأصفهانية 2616- 624.
4 في ((ط)) : إمكان.
5 انظر ما سبق ص 245-248 من هذا الكتاب.
(2/929)

وإذا قلتَ: أُنزّهه عن فعل ممكن يستلزم عجزه، كان هذا تناقضاً؛ فإن فعل الممكن لا يستلزم العجز، بل امتناع الممكن يستلزم العجز. وبيان ذلك أن يقال: ما خلقه على يد الصادق هو قادرٌ على أن يخلقه على يد الكاذب أم لا؟ .
فإن قلتَ: ليس بقادر، فقد أثبتَّ عجزه. وإن قلتَ: هو قادر على ذلك، فالمقدور عندك لا يُنزه عن شيء منه. وإن قلتَ: هذا المقدور أنزّهه عنه، لئلاّ يلزم عجزه، كان حقيقة قولك: أُثبت عجزه [لئلاّ أنفي] 1 عجزه؛ فجعلته عاجزاً لئلا [تجعله] 2 عاجزاً، فجمعتَ بين النقيضين؛ بين إثبات العجز ونفيه.
وإنما لزمه هذا؛ لأنه لا ينزه الرب عن فعل مقدور، فاستوت المقدورات كلها في الجواز عليه عنده، ولم يحكم بثبوت مقدور إلا بالعادة، أو الخبر3. والعادة يجوز انتقاضها عنده4، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر، ولا طريق له إلى ذلك.
فتبيَّن أنّ كلّ من لم يُنزّه الرب عن السوء والسفه، ويصفه بالحكمة والعدل، لم يمكنه أن يعلم نبوة نبيّ، ولا المعاد، ولا صدق الرب في شيء من الأخبار.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : لأنفي.
2 في ((خ)) : يجعله. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 قد تقدمت هذه المناظرة بين شيخ الإسلام رحمه الله والأشاعرة في ص 588 من هذا الكتاب.
4 الأشاعرة يُجوّزون أن يأتي الساحر والكاهن بمثل آيات الأنبياء، إلا أنه لا يدّعي النبوة، فيجوزون خرق العادات لغير الأنبياء. انظر: البيان للباقلاني ص 94-95. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 259-267، 581، 586، 990، 1030-1033، 1066.
(2/930)

الطريقة الأولى عند الأشاعرة في دلالة المعجزة
فهذه طريقة من يجعل وجه دلالة المعجز على صدق الأنبياء، لئلا يلزم العجز1.
الطريقة الثانية
وأما الطريق الثانية، وهي أجود، وهي التي اختارها [أبو] 2 المعالي3 وأمثاله. فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار. وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أنّه يفعل لحكمة.
وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة، انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي [جعل] 4 آية لرسوله أمراً خارجاً عن عادته، إنّما دلت للعلم بأنّ الملك يفعل شيئاً لشيءٍ، فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة5.
دليل القدرة في إثبات النبوة
وكذلك دليل القدرة6: هو دليل صحيح، لكن مع إثبات الحكمة؛ فإنّه سبحانه [وتعالى] 7 قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب؛ إذ كان
__________
1 وهي الطريقة الأولى عند الأشاعرة؛ طريقة أبي الحسن الأشعري في دلالة المعجزة. انظر ما سبق، ص 580-581.
2 في ((ط)) : أو.
3 انظر: الإرشاد للجويني ص 313، 325-330، 585، 642.
4 في ((خ)) : جعله. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 انظر نقد شيخ الإسلام رحمه الله لهذه الطريقة - الثانية - عند الأشاعرة، ومخالفتها لأصولهم، في: الجواب الصحيح 6397-399. وشرح الأصفهانية 2623-624. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 278-280، 581-583، 592، 821-822، 1064-1065.
6 انظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن دليل الضرورة والقدرة في إثبات النبوة، في درء تعارض العقل والنقل 94-045، 52-53.
7 في ((خ)) رسمت: جعل. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/931)

قادراً على أن يهدي عباده إلى ما هو أدقّ من هذا، فهداهم إلى أسهل1.
[لكن] 2 هذا3 يستلزم إثبات حكمته ورحمته، فمن لم يثبت له حكمة ورحمة، امتنع عليه العلم بشيء من أفعاله الغائبة.
صفة الكلام لله والكلام النفسي عند الأشاعرة
وأيضاً: فآيات الأنبياء تصديق بالفعل، فهي تدلّ إذا عُلم أنّ من صدّقه الرب فهو صادق، وذلك يتضمن تنزيهه عن الكذب. وعلى أصلهم لا يعلم ذلك، فإنّ ما يخلقه من الحروف والأصوات عندهم هو مخلوق من المخلوقات، فيجوز أن يتكلم كلاماً يدلّ على شيء، وقد أراد به شيئاً آخر؛ فإنّ هذا من باب المفعولات عندهم.
والكلام النفسي4 لا سبيل لأحدٍ إلى العلم به. فعلى أصلهم: يجوز
__________
1 أي: إلى أسهل الطرق وأوضحها في ثبوت النبوة؛ لأنه كلما كان الناس إلى الشيء أحوج، فإن الله ييسره لهم منة منه وفضلاً.
2 في ((ط)) : فكن.
3 إشارة إلى دليل القدرة.
4 الكلام من صفات الله الثابتة على ما يليق بجلاله سبحانه، وهو صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وصفة فعل لتعلقه بمشيئة الله باعتبار أفراد الكلام.
وقد ذهبت الكلابية والأشعرية إلى أنّ الله متكلم بكلام قائم بذاته أزلاً وأبداً، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عُبّر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عُبّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. ونفوا أن يكون الله متكلماً بحرف وصوت زاعمين أن كلامه سبحانه نفسي. أما القرآن الكريم: فقد صرّحوا بأنه مخلوق محدث ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله. وانظر مذهب الأشاعرة والكلابية في كلام لله والقرآن في: الإرشاد للجويني ص 99. وأصول الدين للبغدادي ص 106-108. والمواقف للإيجي ص 293، 294. والبرهان للسكسكي ص 37. وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للباجوري ص 94.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "والصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم: اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة؛ وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله". مجموع الفتاوى 12243-244. وانظر: المصدر نفسه 1269-70، 162-174، 17165-166. وشرح الأصفهانية2340-342. ودرء تعارض العقل والنقل 1268. ومختصر الصواعق 2512-513. وشرح الطحاوية ص 180.
(2/932)

الكذب في الكلام المخلوق العربي، وهو الذي يستدلّ به الناس، فلا يبقى طريق إلى العلم بأنّه صادق فيما يخلقه من الكلام.
أصول الأشاعرة السمعية
ولهذا تجد حذّاقهم في السمعيات1 إنّما يفرّون إلى ما عُلم بالاضطرار من قصد الرسول، لا إلى الاستدلال بالقرآن؛ فالقاضي أبو بكر عمدته أن يقول هذا ممّا وَقَفَنَا عليه الرسول، وعلمنا قصده بالاضطرار؛ كما يقول مثل ذلك في تخليد أهل النار2، وفيما علمه من الأحكام؛ إذ كانوا لا يعتمدون
__________
1 الأدلة السمعية المقصود بها: القرآن، والسنة، والإجماع. وما يثبتونه بهذه الأدلة هو من السمعيات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشاعرة: (وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنونه من الإجماع، وليس لهم معرفة بالكتاب والسنة، بل يعتمدون على القياس العقلي الذي هو أصل كلامهم وعلى الإجماع) . انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 709.
وقال أيضاً عنهم: ".. إن مسائل ما بعد الموت ونحو ذلك: الأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أهل المذاهب الأربعة.. يسمونها السمعيات، بخلاف باب الصفات والقدر، وذلك بناء على أصلين، أحدهما: أن هذه لا تعلم إلا بالسمع، والثاني: أن ما قبلها يعلم بالعقل". شرح الأصفهانية 2631 وانظر: درء تعارض العقل والنقل 895-97. وما سبق في هذا الكتاب ص 574-578.
2 أورد ذلك الباقلاني بأسلوب المحاورة، فقال: "فإن قال قائل: فهل يصحّ على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيين، وينعم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل قبل ورود السمع؟ قيل له: أجل، له ذلك، ولو فعله لكان جائزاً منه غير مستنكر من فعله. فإن قال: فما الذي يؤمنكم من تعذيبه المؤمنين وتنعيمه الكافرين؟ قيل له: يؤمننا من ذلك توقيف النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين على أنه لا يفعل ذلك، وعلى أنه قد أخبر أخباراً علموا قصده به ضرورة إلى أن ذلك لا يكون، ولولا هذا التوقيف والخبر لأجزنا ما سألت عنه". التمهيد للباقلاني ص 385 -386.
(2/933)

على القول المسموع؛ لا خبراً، ولا أمراً، فهم لا طريق [عندهم] 1 إلى التمييز بين ما يقع وما لا يقع؛ مثل التمييز بين كونه يثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو لا يفعله.
ففي الجملة: جميع أفعاله؛ من إرسال الأنبياء، ومجازاة العباد، [وقيام القيامة، لا طريق لهم إلى العلم بذلك إلا من جهة الخبر، وطريق الخبر] 2 على أصلهم مسدود3.
وهم يعلمون صدق الرسول، وصدق خبره معلومٌ في أنفسهم، لكن يناقض أصولهم.
لكن مع هذا هم واقفة فيما أخبرت به الرسل من الوعيد، فضعف علمهم بما أخبرت به الرسل، فصاروا في نقصٍ عظيم؛ في علمهم، وإيمانهم بما أخبرت به الرسل، وما أمرت به، وفي أصل ثبوت الرسالة. هذه السمعيات.
أصول الأشاعرة العقلية
وأما العقليّات: [فمدارها] 4 على حدوث الجسم. وقد عرف فساد
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 سبق مثل هذا في الكلام في ص 280-286، 731 من هذا الكتاب.
4 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
(2/934)

أصلهم فيها1. فهذه أصولهم العقلية والسمعية.
وهم لا يعلمون أيضاً ما يفعله الرب من غير الخبر، إلا من جهة العادة.
العادة
والعادة يجوز عندهم نقضها بلا سبب ولا لحكمة2، ويجوّزون أن تصبح الجبال يواقيت، والبحار زيبقاً.
فإذا احتجوا [بالعادات] 3، فقيل لهم: عندكم يجوز نقضها بلا سبب ولا حكمة، أجابوا: بأن الشيء قد يعلم جوازه، ويعلم بالضرورة أنه لا يقع. وهذا أيضاً جمعٌ بين النقيضين.
العقل عند الأشاعرة
وهم يقولون: العقل هو: العلم بجواز الجائزات، وامتناع الممتنعات4، ووجوب الواجبات؛ كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ياقوتاً. ثمّ يجعلون هذا من الجائز، على أصلهم: ليس في الأفعال، لا واجب، ولا ممتنع، بل كلّ مقدورٍ، فإنّه جائز الوجود، وجائز العدم، لا يُعلم أحدُ الطرفين، إلاّ بخبرٍ، أو عادةٍ، لا بسبب يقتضيه، ولا حكمة تستلزمه. كما أنّ المرجّح له عندهم مجرّد الإرادة، لا بسبب ولا حكمة. وإذا علم جواز الشيء وعدمه، ولم يعلم ما يوجب أحدهما، [امتنع] 5 أن يعلم بالضرورة ثبوت أحدهما.
__________
1 وقد أبطل شيخ الإسلام رحمه الله هذا الأصل في كثير من كتبه. وعلى سبيل المثال: في درء تعارض العقل والنقل (771-74) ، وفي بيان تلبيس الجهمية، وفي أول هذا الكتاب، انظر ص 289-306 منه.
2 انظر: الجواب الصحيح 6401.
3 في ((خ)) رسمت: بالعبادات. وما اثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 انظر: درء تعارض العقل والنقل 949. والجواب الصحيح 6399-401.
5 في ((ط)) : إتمنع.
(2/935)

والنّاس إنّما يعلمون أن الجبال لم تنقلب يواقيت، لعلمهم بأنّ هذا ممتنع، وأنّ الله إذا أراد قلبها يواقيت، أحدث أسبابا تقتضي ذلك1.
فأما انقلاب العادة بلا سبب: فهذا ممتنع عند العقلاء. وجميع ما خرق الله به العادة كان لأسباب تقتضيه، ولِحِكَمٍ فعل لأجلها2، لم [تكن] 3 ترجيحاً بلا مرجّح، كما يقوله هؤلاء، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ليس كلّ ما عُلم إمكانه جُوّز وقوعه، فإنا نعلم أن الله قادر على قلب الجبال ياقوتاً، والبحار دماً، ونعلم أنه لا يفعل ذلك". شرح الأصفهانية 2471.
2 وقد ردّ شيخ الإسلام رحمه الله على هؤلاء الذين يُجوّزون نقض العادات بدون سبب ولا حكمة، فقال: "وكل ما وجد في العالم من خوارق العادات؛ آيات الأنبياء وغيرها، لم يأت منها شيء إلا بأسباب تقدمته؛ كآيات موسى؛ من مثل مصير العصا حية، كانت بعد أن ألقاها؛ إما عند أمر الله له بذلك لما ناداه من الشجرة ورأى النار الخارقة للعادة؛ وإما عند مطالبة فرعون له بالآية؛ وإما عند معارضة السحرة لتبتلع حبالهم وعصيهم. وكذلك سائر آياته، حتى إغراق فرعون كان بعد مسير الجيش، وضربه البحر بالعصا، وكذلك تفجّر الماء من الحجر كان بعد أن ضرب الحجر بعصاه واستسقاء قومه إياه وهم في برية لا ماء عندهم.
وكذلك آيات نبينا صلى الله عليه وسلم؛ مثل تكثير الماء، كان بوضع يده فيه، حتى نبع الماء من بين الأصابع؛ أي تفجّر الماء من بين الأصابع، لم يخرج من نفس الأصابع. وكذلك البئر كان ماؤها يكثر إما بإلقائه سهماً من كنانته فيها، وإما بصبه الماء الذي بصق فيه.
وكذلك المسيح كان يأخذ من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً بإذن الله، إلى أمثال ذلك. فأما جبل ينقلب ياقوتاً بلا أسباب تقدمت ذلك، فهذا لا كان ولا يكون. وكذلك نهر يطرد يصير لبناً بلا أسباب تقتضي ذلك يخلقها الله، فهذا لا كان ولا يكون". الجواب الصحيح 6403-404. وانظر: شرح الأصفهانية 2479.
3 في ((م)) ، و ((ط)) : يكن.
(2/936)

الرد على الأشاعرة في النبوات
الأشاعرة يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها
ولو [لم] 1 يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا إلى أن نميز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على ما قاله هؤلاء من هذه السؤالات، لم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار. لكن: لمّا تكلموا في إثبات النبوة، صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا يجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة2، كما ذكرنا
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 انظر مثلاً ما قاله العلماء عن الرازي من أنه يورد الشبه، ولا يرد عليها، وأنه كان يقرر في مسائل كثيرة مذاهب الخصوم وشبههم بأتم عبارة، فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة. حتى قال فيه بعض علماء المغاربة: يورد الشبه نقداً، ويحلّها نسيئة.
انظر: ذيل الروضتين ص 68. ولسان الميزان 4427-428. ونقض التأسيس - مخطوط - 16-7.
وقد توعّد شيخ الإسلام رحمه الله الأشاعرةَ في مناظرته لهم، إن لم يكفوا عن مخالفته أن يكشف أستارهم، ويبين عوار مذهبهم ومعتقدهم، ومخالفته لمعتقد السلف، فقال رحمه الله: (فلما اجتمعنا وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم، حمدت الله بخطبة الحاجة ... - إلى أن قال: - وربنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار، وهتكت الأستار، وبيّنت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلاماً وللحرب كلاماً. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا أنا حنبلي، ويقول هذا أنا أشعري، ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها". مجموع الفتاوى 3181-182. وانظر المصدر نفسه 3188-189.
وقد تقدّم بيان شيخ الإسلام رحمه الله لسبب بسطه في الرد على هؤلاء في ص 773-776 من هذا الكتاب.
(2/937)

كلامهم1، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم، - لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام، [ونظّاره] 2، والقائمون ببراهينه وأدلته - إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدلّ على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيها أو الطعن، وأنها حجة تقدح في الأنبياء، و [تورث] 3 الشك فيها، أو الطعن فيها، وأنها حجّة لمكذب الأنبياء أعظم مما هي حجّة لمصدق الأنبياء، فانسدّ طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل4، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه.
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله يُخاطب المتكلمين، ويبين لهم ضعف أجوبتهم مع الفلاسفة، وينصحهم أن لا يدخلوا معهم في مناظرات لا ينتصرون فيها: "ومن العجيب أنّ المتكلمين المناظرين لهؤلاء وأمثالهم من أهل الكفر إذا أوردوا سؤالاً ... لا يكون المجيب متمكناً من ذلك علماً وبياناً، ولا ينقطع بذلك الخصم، ولا يهتدي لنقص قوى إدراكه، أو سوء قصده، أو لاحتياج تحقيق ذلك إلى مقدمات متعددة وزمان طويل، وتقرير لتلك المقدمات بجواب ما ترد بها من ممانعة ومعارضة. فيتركوا أن يبدؤوهم من أول الأمر ببيان فساد هذه الحجة، وبيان تناقضهم، وأن قائلها يلزمه إذا قال بها أعظم مما أنكره. فإذا تبين له فسادها وللمتكلمين معه، حصل دفع هذا الشر وبطلان هذا القول وهذه الحجة. وهو المقصود في هذا المقام، ثم بيان الحق وتكميله مقامه آخر". بيان تلبيس الجهمية 1171. وانظر: المصدر نفسه 18. والرد على المنطقيين ص 273-274.
2 في ((خ)) : نظائره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) : يورث. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 يقول شيخ الإسلام رحمه الله عن هؤلاء الذي يوردون الشبهات ولا يستطيعون الرد عليها: "ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة، نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذي يعتمد في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم، ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة، قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالاً، وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جواباً في المسائل الظنية، بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين. وهم كما مثلهم الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضرباً يزلزلها به، وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها. وكثير من أئمة هؤلاء مضطرب في الإيمان بالنبوة اضطراباً ليس هذا موضع بسطه. وهم مع ذلك يدّعون أنه قد ظهر عن أهل الكتاب ما لم يظهر عند شيوخ هؤلاء النظار، وينهون عن إظهار آيات الله وبراهينه التي هي غاية مطالب شيوخهم، وهم لم يعطوها حقها، إما عجزاً، وإما تفريطاً". الجواب الصحيح 1243-244.
(2/938)

والذي يفهم ما قالوه، لا يكون إلا فاضلاً، قد قطع درجة الفقهاء، ودرجة من قلّد المتكلمين، فيصير هؤلاء؛ إما منافقين؛ وإما في قلوبهم مرض، ويظنّ الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال وقدحهم في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشرّ، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلاً، فكان ما جهلوه من آيات الأنبياء؛ إذ كان العلم بآيات الله، وما قصّه لخلقه من الدلائل والبراهين، مستلزماً لثبوت علمه وحكمته ورحمته وعدله، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ كل شيء، ولم يخلق أفعال العباد1. وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن هذا لا يتم إلا بجحد حكمته، وعدله، ورحمته، فغلطوا في ذلك.
المعتزلة غلطوا من جهات كثيرة
كما أنّ المعتزلة أيضاً غلطوا من جهات كثيرة، وظنّوا أنه لا تثبت حكمته، وعدله، ورحمته، إن لم يجحد خلقه لكل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ويجحد اتصافه بالكلام، والإرادة، وغير ذلك من أقوال المعتزلة2، التي هي من أقوال هؤلاء؛ فإن هؤلاء3 في الصفات
__________
1 انظر: درء تعارض العقل والنقل 8469، 471، 476.
2 وقد أورد شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه منهاج السنة النبوية قول كل من الجهمية والمعتزلة في هذه المسائل. انظر: المنهاج 3194-197.
3 يعني الأشاعرة.
(2/939)

خيرٌ من المعتزلة، وفي الأفعال من بعض الوجوه1.
الغزالي ترك طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات على ثبوت النبوة
ولهذا لما ظهر للغزالي ونحوه [ضعّف] 2 طريق الاستدلال بالمعجزات الذي سلكه شيوخه، وهو لا يعرف غيره؛ أعرض [عنها] 3، وذكر أنه إنما علم ثبوت النبوة بقرائن تعجز عنها العبارة، وهي علوم ضرورية حصلت له على الطول. وجعل الدليل على النبوة هو العلم بأنّ ما جاء به حقّ من غير جهته.
وهذه طريق صحيحة قد سلك الجاحظ4 نحواً منها5.
__________
1 قال شيخ الإسلام رحمه الله في معرض كلامه عن الضرارية والنجارية: "والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات؛ فإنهم يثبتون منه الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة ... وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة..".
ثم قال رحمه الله عن المعتزلة: "وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويُقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي والوعد والوعيد وغلوا فيه، فهم يكذبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك في هذا الباب". التدمرية ص 191، 193.
وقال رحمه الله عن الأشاعرة: "فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم". بيان تلبيس الجهمية 287. وانظر درء تعارض العقل والنقل 6292.
2 في ((خ)) : ضعيف. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان الجاحظ البصري المعتزلي. متبحر ذو فنون، وصاحب تصانيف، وكان ماجناً قليل الدين، له نوادر، أخباري علامة، وهو صاحب الطريقة الجاحظية من المعتزلة.
توفي سنة 255 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 11526-530. وشذرات الذهب 2121. والأعلام 574.
5 وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله القول في هذا الموضوع. انظر: درء تعارض العقل والنقل 3353-354، 946-49، ونقل رحمه الله عن الجاحظ قوله: "معرفة الله تقع ضرورة في طباع نامية عقب النظر والاستدلال، وأن العبد غير مأمور بها) . درء تعارض العقل والنقل 7354.
وانظر: المصدر نفسه 948.
(2/940)

النبوة التي يثبتها الغزالي هي نبوة الفلاسفة.
ولكن النبوة التي علمها أبو حامد هي النبوة التي [يثبتها] 1 الفلاسفة، وهي من جنس المنامات، ولهذا استدلّ على جوازها بمبدأ الطب والهندسة، ونحو ذلك2.
وأمر النبوة أعظم من هذا بكثير، وتلك النبوة موجودة لخلق من الناس، فلهذا لا يوجد للنبوة عندهم ما تستحقه من التصديق والاحترام، ولا يعتمدون عليها في استفادة شيء من العلم الخبري، وهي الإنباء بالغيب وهي خاصة النبوة.
الرازي متردد بين نبوة الفلاسفة والأشاعرة
والرازي كلامه في النبوة متردد بين نبوة الفلاسفة، ونبوّة أصحابه هؤلاء3، كما ترى4، وليس في واحدٍ من الطريقين إثبات النبوة التي خصّ الله بها أنبياءه.
فلهذا ضعفت معرفة هؤلاء بالأنبياء، وضعف أخذ العلم من طريقهم، لا سيما وقد عارضوا كثيراً ممّا جاء عنهم بالعقليات5، ودخلوا فيما هو أبعد عن الهدى والعلم؛ من العقليات، والذوقيات التي من سلكها ضلّ ضلالاً بعيداً.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : تثبتها.
2 وقد مضى استدلال الغزالي على إثبات النبوة بهذه الطريق. انظر ص 228، 732-733، 966 من هذا الكتاب. وانظر شرح الأصفهانية 2558.
3 أي الأشاعرة.
4 انظر اضطرابه في النبوات، وميله إلى أقوال الفلاسفة في: المباحث المشرقية 2521-522. وانظر: بيان تلبيس الجهمية 1122. وانظر اضطراب الأشاعرة في النبوة فيما مضى من هذا الكتاب، ص 573-576، 612، 747-753، 954-965.
5 أي عارضوا ما جاء عن الأنبياء بعقلياتهم.
(2/941)

وإنما ينجو من سلك منها شيئاً إذا لطف الله، فعرّفه السلوك [خلف] 1 طريق الأنبياء.
فمن لم يهتد بما جاءت به الأنبياء، فهو أبعد الناس عن الهدى: {تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرَاً كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئَاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} 2، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيلٌ يَومَئِذٍ للمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} 3، {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 4.
اعتراف الرازي في آخر مصنفاته
ولهذا اعترف الرازي بهذا في آخر مصنفاته، حيث قال: (ولقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ} 5، {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} 6. واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 7، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمَاً} 8. ومن جرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي) 9.
__________
1 في ((ط)) : خلق.
2 سورة الجاثية، الآيات 6-9.
3 سورة المرسلات، الآيات 48-50.
4 سورة آل عمران، الآية 101.
5 سورة فاطر، الآية 10.
6 سورة طه، الآية 5.
7 سورة الشورى، الآية 11.
8 سورة طه، الآية 110.
9 سبق ذلك مراراً. انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 357، 478، 612، 747.
(2/942)

أقوال المخالفين يستفاد منها في بيان فساد قول كل طائفة
[و] 1 أكثر الانتفاع بكلام هؤلاء، هو فيما يثبتونه من فساد أقوال سائر الطوائف وتناقضها.
وكذلك كلام عامة طوائف المتكلمين؛ يُنتفع بكلام كل طائفة في بيان فساد قول الطائفة الأخرى، لا في معرفة ما جاء به الرسول2؛ فليس في طوائف أهل الأهواء والبدع من يعرف حقيقة ما جاء به الرسول، ولكن يعرف كل طائفة منه ما يعرفه، فليسوا كفاراً جاحدين [به] 3، وليسوا عارفين به.
فلقد عرفت وما عرفت حقيقة ولقد جهلت وما جهلت حمولاً
وبسط هذه الأمور له موضع آخر4، ولكن نبّهنا هنا على طريق الحكمة.
__________
1 ما بين المعقوفتين ساقط من ((ط)) .
2 يذكر الشيخ رحمه الله هذه القاعدة في الاستفادة من كلام الفرق والطوائف.
وقد قال رحمه الله أيضاً عن تناقض أقوال المعتزلة والأشاعرة، وأن كل فريق يرد على أدلة الفريق الآخر: "وهذا أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة، فإنه يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى، فيعرف الطالب فساد تلك الأقوال، ويكون ذلك داعياً له إلى طلب الحق، ولا تجد الحق إلا موافقاً لما جاء به الرسول، ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقاً لصريح المعقول، فيكون ممن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد". مجموع الفتاوى 12314.
وقال أيضاً: "عدم علمهم بما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم تحقيقهم لقواعد المعقول، فإن الأقوال المبتدعة لا بُدّ أن تكون مناقضة للعقل والشرع". شرح الأصفهانية 2331.
3 في ((ط)) : حه.
4 انظر: مجموع الفتاوى 222-24، 6288، 7435-436، 829. ودرء تعارض العقل والنقل 1326، 4206، 735-37، 967-68، 1097. وبيان تلبيس الجهمية 2110-111. والرد على المنطقيين ص 310-311.
(2/943)

فصل حكمة الله وعدله في إرسال الرسل
وإذا عرفت حكمة الرب وعدله، تبيَّن أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته، و [اختاره] 1 لها، كما قال: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} 2، وكما قال لموسى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} 3، وأنه إذا أبلغ الرسالة، وقام بالواجب، وصبر على تكذيب المكذبين وأذاهم، كما مضت به سنته في الرسل؛ قال: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون} 4، وقال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ للرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} 5، وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوم نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُود وَالَّذينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيدِيَهُم في أَفْوَاهِهِم وَقَالُوا إِنَّا كَفَرنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيب قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفي اللهِ شَكّ فَاطِر السَّمَواتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُم وَيُؤَخِّركم إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُريدُونَ أَنْ
__________
1 في ((خ)) رسمت: اخباره. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة الحج، الآية 75.
3 سورة طه، الآية 13.
4 سورة الذاريات، الآيتان 52-53.
5 سورة فصلت، الآية 43.
(2/944)

تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِين قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ [لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّل المُؤمِنُون وَمَا لَنَا] 1 [أَلاَّ] 2 نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّل [المُتَوَكِّلُون] 3 وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُم لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيد وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمَنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} 4، إلى سائر ما أخبر به من أحوال الرسل.
والرسل صادقون، مصدّقون على الله [يخبرون] 5 بالحق، ويأمرون بالعدل، ويدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وأهل الكذب المدّعون للنبوة ضدّ هؤلاء، كاذبون تأتيهم الشياطين. الكاذبون يأمرون بما نهى الله عنه، وينهون عما أمر الله به، فإنه لا بد أن يأمروا [بتصديقهم] 6، واعتقاد نبوتهم، وطاعتهم. وذلك ممّا نهى الله عنه. ولا بُدّ أن ينهوا عن متابعة من يكذّبهم ويعاديهم، وذلك ممّا أمر الله
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
2 في ((خ)) : أن.
3 في ((خ)) : المتومنين.
4 سورة إبراهيم، الآيات 9-17.
5 في ((خ)) : يخرون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 في ((خ)) : بتصديقه. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/945)

به؛ فإنه يمتنع في حكمة الرب وعدله أن يُسوّي بين هؤلاء خيار الخلق، وبين هؤلاء شرار الخلق؛ لا في سلطان العلم وبراهينه وأدلته، ولا في سلطان النصر والتأييد، بل يجب في حكمته أن يظهر الآيات والبراهين الدالة على صدق هؤلاء، وينصرهم، ويُؤيّدهم، ويُعزّهم، ويُبقي لهم [لسان] 1 الصدق، ويفعل ذلك بمن اتبعهم، وأن يظهر الآيات المبينة لكذب أولئك، ويذلهم، ويخزيهم، ويفعل ذلك بمن اتبعهم؛ كما قد وقع في هؤلاء وهؤلاء2.
وقد دلّ القرآن على الاستدلال بهذا في غير موضع3.
الأدلة والبراهين نوعان
والأدلة والبراهين كما تقدم4 نوعان؛ نوعٌ يدلّ بمجرده، بحيث يمتنع وجوده غير دال كدلالة حدوث الحادث على محدث، فهذا يدلّ بمجرده، وإن قدر أن أحداً لم يقصد الدلالة به. لكنّ الرب بكل شيء عليم، وهو مريد لخلق ما خلقه ولصفاته، لكن لا يشترط في الاستدلال بهذا أن يعلم أن دالاً قصد أن يدلّ به.
والنوع الثاني5: ما هو دليل بقصد الدالّ وجعله. [فهذا] 6 لولا القصد وجعله دليلا، لم يكن دليلاً، [فهو] 7 [إنّما] 8 قصد به الدلالة، فهذا مقصوده مجرد الدلالة، وذلك بمجرده هو الدليل.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : سلطان.
2 يذكر الشيخ رحمه الله هنا الفرق بين المعجزة والسحر.
3 انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 1098.
4 انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 886.
5 سبق ذلك في ص 916 من هذا الكتاب.
6 في ((خ)) : فلهذا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
7 في ((خ)) : فهذا. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
8 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
(2/946)

وهذا كالكلام الذي يدلّ بقصد المتكلم، وغير ذلك؛ مثل الإشارة بالرأس، والعين، والحاجب، واليد؛ ومثل الكتابة؛ ومثل العقد؛ ومثل الأعلام التي نصبت على الطرق، وجعلت علامة على حدود الأرض وغير ذلك1.
ومن ذلك العلامات التي يبعثها الشخص مع رسوله ووكيله إلى أهله؛ سواء كان قد تواطأ معهم عليها؛ مثل أن يقول: علامته أن يضع يده على ترقوته2، أو يضع خنصره في خنصره3، ونحو ذلك، أو كانت علامة قصد بها الإعلام من غير تقدّم مواطأة؛ مثل إعطائه عمامته ونعليه؛ كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمامته علامة على ولاية قيس بن سعد، وعزل أبيه سعد عن الإمارة يوم الفتح4، وكما أعطى أبا هريرة نعليه علامة على ما أرسله به5، وكما يعطي الرجل لرسوله خاتمه، ونحو ذلك.
فهذه الدلائل دلت بالقصد والجعل، وقد كان يمكن أن لا تجعل دليلاً.
فإذا كانت آيات الأنبياء من هذا الجنس، فهي إنما تدل مع قصد الرب إلى جعلها دليلاً.
وجعله لها دليلاً: بأن يجعل المدلول لازماً لها؛ فكلّ من ظهرت على يده، كان نبياً صادقاً؛ فإنّ الدليل لا يكون دليلاً إلا مع كونه مستلزماً للمدلول، فيمتنع أن يكون دليلاً إذا وجد [معه] 6 عدم المدلول، أو وجد ضدّ المدلول.
__________
1 انظر ما سبق في هذا الكتاب ص 916.
2 سبق التعريف بها في ص 645 من هذا الكتاب.
3 سبق التعريف بها في ص 645 من هذا الكتاب.
4 سبق تخريجه، انظر: ص 924-925 من هذا الكتاب.
5 سبق تخريجه، انظر: ص 925 من هذا الكتاب.
6 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
(2/947)

آيات الأنبياء يمتنع وجودها بدون صدق النبي
فآيات الأنبياء الدالّة على صدقهم يمتنع وجودها بدون صدق النبيّ، ووجودها مع مدّعي النبوّة كاذباً أعظم استحالة؛ فإنّها إذا كانت ممتنعة مع عدم نبوة صادقة، - وإن لم تكن هناك نبوّة كاذبة -، فمع الكاذبة أشدّ امتناعاً؛ فهي مستلزمة للنبوة لا [تكون] 1 مع عدم النبوة البتة.
والكاذب قد عُدمت في حقه النبوة، ووجد في حقّه ضدّها؛ وهو الكذب في دعواها، يمتنع كونه نبياً صادقاً، فيمتنع أن يخلق الرب ما يدلّ على صدق الأنبياء، بدون صدقهم؛ لامتناع وجود الملزوم دون لازمه، ومع كذبهم؛ لامتناع وجود الشيء مع ضده.
والكذب ضدّ الصدق، فيمتنع أن يكون قوله: أنا نبيّ صدقاً وكذباً. فإذا استلزمت الصدق، امتنع وجود الكذب.
يمتنع دليل الصدق مع عدم الصدق
وخلق دليل الصدق مع عدم الصدق، ممتنع غير مقدور، لكن الممكن المقدور: أنّ ما جعله دليلاً على الصدق يخلقه بدون الصدق، فيكون قد خلقه، وليس بدليل [حينئذٍ. ويمكن أن يخلق على يد الكاذب ما يدلّ أنه دليل على صدقه، وليس بدليل] 2؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ كما كان يجري لمسيلمة والعنسي وغيرهما3.
لكنّ هذه ليست دليلاً على النبوّة، لوجودها معتادة لغير الأنبياء، وليست خارقة لعادة غير الأنبياء، بل هي معتادة للسحرة والكهان. فالتفريط ممّن ظنها دليلاً، لا سيّما ولا بد أن يكون دليلاً على كذب صاحبها؛ فإن
__________
1 في ((خ)) : يكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 تقدّم بيان ذلك، انظر ص 192، 272، 598-600 من هذا الكتاب.
(2/948)

الشياطين لا تقترن إلا بكاذب؛ كما قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} 1.
وآيات الأنبياء مع عدم النبوة، كما أن كلام الله بدون إرادة تلك المعاني كل ذلك ممتنع من عدة وجوه
ولا يجوز أن يُظهر الربّ ما جعله دليلاً للنبوة مع عدم النبوة2؛ كما أنّه لا يجوز أن [يتكلم] 3 بالكلام الذي جعله لبيان معان، بدون إرادة تلك المعاني4، بل ذلك ممتنعٌ من وجوه؛ من وجه حكمته، ومن جهة عادته، ومن جهة عدله ورحمته، ومن جهة علمه وإعلامه، وغير ذلك، كما قد بسط في مواضع5.
__________
1 سورة الشعراء، الآيتان 221-222.
2 أي لا توجد المعجزة بدون وجود النبيّ؛ لأنّ الله يفعل لحكمة وسبب، وهو ممتنع من عدة وجوه؛ فإنّ الدليل لا يكون إلا مستلزماً للمدلول عليه مختصاً به.
3 في ((ط)) : يتلكم.
4 شيخ الإسلام رحمه الله يردّ ها هنا على الأشاعرة الذين ينفون قيام الصفات الاختيارية بالله تعالى، ويقولون بقدم الكلام، ويمنعون أن يكون الله متكلماً إذا شاء، متى شاء.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وأن كلام الله لآدم أو لموسى أو للملائكة كلّ في وقت تكليمه ومناداته؛ أي أنه تعالى لم يناد موسى قبل خلقه ومجيئه عند الشجرة. وإن كانت صفة الكلام أزلية النوع.
وقد بنى أهل السنة مذهبهم على مقدمتين: 1- على أن الأمور الاختيارية تقوم بالله، 2- وعلى أن كلام الله لا نهاية له، كما قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [سورة الكهف، الآية 109] ، وقوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [سورة لقمان، الآية 27] .
انظر: منهاج السنة النبوية 3358-360. وموقف ابن تيمية من الأشاعرة 31277.
5 انظر ما سبق، ص 1116-1119 من هذا الكتاب.
(2/949)

ومن جهة قدرته أيضاً؛ فإنه قادر على هدي عباده وتعريفهم، وذلك إنما يكون بتخصيص الصادق بما يستلزم صدقه، فإذا ما سوّى بين الصادق والكاذب، فإنه يمتنع التعريف، والممتنع ليس بمقدور، فقدرته تقتضي خلق الفرق.
وقد يقال: هو قادر، لكن لا يفعل مقدوره. فيقال: فِعلُه له ممكن، ولا يمكن إلا على هذا الوجه، فيكون قادراً على هذا الوجه.
فإن قيل: هو قادر، ولكن لا يفعله. قيل: إن أريد أنه يمتنع، فهذا باطل، وإن أريد أنه يمكن فعله، ولكن لا يفعله، لم يكن على هذا النفي دليل، بل وجوده يدل على أنه فَعَلَهُ1.
أفعال الرب إما واجبة وإما ممتنعة
وأيضاً: فأفعال الرب؛ إما واجبة، وإمّا ممتنعة. وإذا لم يكن ممتنعاً، تعيَّن أنه واجب، وأنه قد فعله2، وهذا قد فعله. وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع.
الله منزه أن يفعل ما يناقض حكمته
والمقصود هنا: أنّ هذا كلّه يستلزم أنّ الربّ منزّه عن أن يفعل بعض الأمور الممكنة المقدورة3، لكون ذلك يستلزم أمراً يُناقض حكمته، ولكون فعل الشيء لا يكون إلا مع لوازمه، وانتفاء أضداده. فيمتنع فعله
__________
1 مرت هذه المسألة فيما سبق، ص 278-281، 662 من هذا الكتاب.
وانظر: الفرق بين الفرق ص 133، 134. والانتصار للخياط ص 54.
2 أي أنّ الله سبحانه وتعالى قد هدى عباده المطيعين وعرفهم بتخصيص الصادق بما يستلزم صدقه، فلم يلتبس عليهم الصادق من الكاذب.
3 وهو جواز أن يظهر الله ما جعله دليلاً للنبوة مع عدم النبوة، فيستوي بذلك الصادق والكاذب؛ لأن من أصول الأشاعرة: أن الله يجوز منه فعل كلّ شيء، ولا يُنزّه عن شيء.
(2/950)

بدون لوازمه، أو مع ضده، كما يمتنع جعل الدليل دليلاً مع وجوده بلا مدلول، أو مع وجود ضدّ المدلول معه.
الأشاعرة يمتنع على أصولهم كلام الرب أن يدل على مراده أو أن آياته تدل على صدق الأنبياء
والذين قالوا: يجوز منه فعل كل شيء، ولا ينزّه عن شيء، يتعذّر على أصلهم وجود دليل جعلي قصدي؛ لا الكلام، ولا الفعال؛ فيمتنع على أصلهم كون كلام الرب يدلّ على مراده، أو كون آياته التي قصد بها الدلالة على صدق الأنبياء، أو غيرهم تدلّ؛ لأنّه يقدر أن يفعل ذلك [و] 1 غير ذلك، كما يقدر أن يظهر على يد الكاذب ما أظهره على يد الصادق.
تعريف المعجزة عند الأشاعرة
وهم يقولون: المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل وعدم المعارضة2. وهذا يقدر على إظهاره على يد الصادق.
صفة الإرادة
فمن سوّى بين جميع الأمور، وجعل إرادته لها سواء، لم يفرّق بين هذا وهذا3، فقالوا: نحن نستدل على أنه لم يظهرها على يد الكاذب، بأنه لو
__________
1 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
2 انظر: البيان للباقلاني ص 48. والإرشاد للجويني ص 312-313. وأصول الدين للبغدادي ص 175، 185. وشرح المقاصد للتفتازاني 511. والمواقف للإيجي ص 339.
3 قد أوضح شيخ الإسلام رحمه الله أنّ الأشاعرة جعلوا الإرادة قديمة أزلية واحدة، وإنما يتجدد تعلقها بالمراد. ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص. فهم جعلوها واحدة قديمة أزلية مثل ما جعلوا العلم والكلام. وهم يقولون: إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين، ويُريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين، وإن كلامه الذي تكلم به من الأمر بكل مأمور، والخبر عن كل مخبر عنه هو أيضاً واحد بالعين.
أما قول أهل السنة والجماعة في الإرادة، فإنهم يقولون: إنه لم يزل مريداً بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته. وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها. فهو إذا قدّرها علم ما سيفعله وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال. فإذا جاء وقته أراد فعله. فالأول عزم، والثاني قصد. فالإرادة منه تارة تكون بمعنى المشيئة، وتارة تكون بمعنى المحبة. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [سورة النساء، الآية 26] . والإرادة الكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، كقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} [سورة الأنعام، الآية 125] . وقول المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
انظر: مجموع الفتاوى 16301-303. ودرء تعارض العقل والنقل 2172، 8283. وشرح الأصفهانية 1175-176، 2366. وجامع الرسائل 218، 39. ومنهاج السنة النبوية 314-18، 164-168، 180-181) .
(2/951)

فعل ذلك، لبطلت قدرته على تصديق الصادقين بالآيات؛ فإنّه إنّما يستدل على صدقهم بالآيات، فلو أظهرها على يد الكاذب، لم يبق قادراً.
هذه عمدة أكثرهم، وعليها اعتمد القاضي أبو بكر في كتاب المعجزات1.
قدرة الله في عدم المساواة بين الصادق والكاذب
فيقال لهم: هذا لا يبطل قدرته على ذلك2، ولكن هذا يوجب أنه لم يفعل المقدور، فيلزم من ذلك أنه سوى بين الصادق والكاذب، ولم يبيّن صدقه. وهذا مقدور ممكن، وكلّ مقدور ممكن فهو عندكم جائز عليه، فلم يكن اللازم رفع قدرته3، بل اللازم أنه لم يفعل مقدوره. وهذا جائز عندكم.
__________
1 سبق أن نقل شيخ الإسلام رحمه الله كلام الباقلاني في ص 115 من هذا الكتاب، وهو من القسم المفقود من البيان له.
وانظر: الإرشاد للجويني ص 326-327. وأصول الدين للبغدادي ص 173-174. والمواقف للإيجي ص 341-342.
2 أي على هذا الدليل.
3 أي لم يكن اللازم من الدليل الذي أوردوه نفي قدرته، وإنما يلزم فقط أنه لم يفعل ذلك، لأن هذا هو الذي توجبه أصولهم.
(2/952)

وممّا يُوضّح هذا، أن يقال: هو قادر على إظهار ذلك على يد الكاذب، أم لا؟ فإن قلتم: ليس بقادر، أبطلتم قدرته، وإن قلتم: هو قادر، فثبت أنه قادرٌ على إظهار ذلك على يد الصادق والكاذب، فبقي مشتركاً1 لا يخصّ أحدهما، فلا يكون حينئذٍ دليلاً، فمجرّد القدرة لم يوجب اختصاص الصادق به.
وإن قلتم: لا يقدر على إظهاره على يد الكاذب، فقد رفعتم القدرة2.
فأنتم بين أمرين؛ إن أثبتم القدرة العامة3، فلا اختصاص لها؛ وإن نفيتم القدرة على أحدهما، بطل [استدلالكم] 4 بشمول القدرة5.
وأيضاً: فالقدرة إنما تكون على ممكن. وعلى أصلكم: لا يمكن تصديق الصادق.
الأشاعرة استدلوا بمقدمتين
فهم استدلوا بمقدمتين، وكلاهما باطلة6.
الوا: لو لم يكن دليلاً رفع القدرة. وهذا باطل، بل يلزم أنه لم يفعل المقدور. وهذا جائز عندهم. فلا يجب عندهم شيء من الأفعال.
ثم قالوا: وهو قادرٌ على ذلك، وعلى أصلهم: ليس هو بقادر على ذلك، فإنهم قالوا: يمكنه تصديق الأنبياء بالفعل، كما يمكنه التصديق بالقول. فيقال لهم: كلاهما يدلّ بالقصد والجعل، وهذا إنما يكون ممّن
__________
1 أي: إن أثبتم القدرة لله تكون على أصولكم مشتركة بين الصادق والكاذب، فلا يميز بها بينهما.
2 أي بطل استدلالكم بدليل القدرة.
3 أي قدرة الله في الأزل.
4 في ((خ)) : استدلالهم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 أي في التمييز بين الصادق والكاذب، وجعلتموه عاجزاً.
6 هذه المسألة سبق ذكرها، انظر ص 278، 661، 1006-1007 من هذا الكتاب.
(2/953)

يقصد أن يفعل الشيء ليدلّ. وعندكم هو لا يفعل شيئاً لشيءٍ؛ فيلزم على أصلكم أن لا يفعل شيئاً لأجل أنه يدلّ به عباده؛ لا فعلاً ولا كلاماً؛ إذ كان هذا عندكم ممتنعا وهو فعل شيء لمقصود آخر غير فعله.
وإذا كان هذا ممتنعاً عندكم، لم يكن مقدوراً، فلا يقدر على أصلكم أن ينصب لعباده دليلاً ليدلّهم به على شيء، بل هذا عندهم فعلٌ لغرض، وهو ممتنع عليه.
وإن قلتم: هو وإن لم يقصد أن يفعل شيئاً لحكمة، لكن قد يفعل الشيئين المتلازمين، فيستدل بأحدهما على الآخر.
قيل: هذا إنما يكون بعد أن يثبت التلازم، وأن أحدهما مستلزم للآخر. وهذا معلومٌ فيما يدلّ بمجرده؛ فإنه يمتنع وجوده بدون لازمه. أمّا ما يدل بالجعل والقصد، فيمكن وجوده بدون ما جُعل مدلولاً له.
واللزوم إنما يكون بالقصد، وهو عندكم يمتنع أن يفعل شيئاً لأجل شيء، فبطلت الأدلة القصدية على أصلكم، وهي أخصّ بالدلالة من غيرها.
ولهذا لا يكادون يستدلّون بكلام الله، بل يعتمدون في السمعيات؛ إمّا على ما عُلم بالضرورة أو الإجماع1.
__________
1 يُخبر شيخ الإسلام رحمه الله عنهم قائلاً: "فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو ما يظنونه من الإجماع. وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف ألبتة، أو عرفوا بعضها، ولم يعرفوا سائرها، فتارة يحكون الإجماع، ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين؛ طائفة، أو طائفتين، أو ثلاث، وتارة عرفوا أقوال بعض السلف. والأول كثير في مسائل أصول الدين وفروعه، كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعاً ونزاعاً، ولا يعرفون ما قاله السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجاً عن أقوالهم". مجموع الفتاوى 1325،، 471-72. وانظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 573-580، 709-714.
(2/954)

خلاصة الكلام في الموضوع
وحقيقة الأمر أن الأدلة الجعلية القصدية لا بُدّ فيها من إرادة الرب ومشيئته، أن تكون أدلة، فلا بُدّ أن يريد أن يجعل هذا الفعل ليدلّ. وهم لا يجوزون أن يريد شيئاً لشيء، بل كل مخلوق هو عندهم مراد من نفسه، لم يُرَد لغيره. فامتنع أن يكون يريد الرب جعل شيء دليلاً على أصلهم1.
فتبين أنّه على أصلهم غير قادر على [نصب] 2 ما يقصد به دلالة العباد، وهدايتهم، وإعلامهم؛ لا قول، ولا فعل. فبطلت المقدمة الكبرى. وبتقدير أن يكون قادراً على ذلك، فهو إذا أظهر على يد الكاذب ما يظهر على يد الصادق، كان لم يفعل هذا المقدور، ولم يجعل ذلك دليلاً على الصدق، لا يلزم أن لا يكون قادراً.
فهم اعتمدوا على هذه الحجة، وقالوا: هذا هذا، وهذا هذا.
من لم يثبت الحكمة يلزمه نفي الإرادة والمشيئة والقدرة
فقد تبيَّن أنّ من لم يثبت حكمة الرب، يلزمه نفي إرادته ومشيئته كما تقدم3، ويلزمه أيضاً نفي قدرته على أن يفعل شيئاً لشيء، فلا يمكنه أن ينصب دليلاً ليدلّ به عباده على صدق صادق ولا كذب كاذب. وهم يقولون: من فعل شيئاً لحكمة، دليلٌ على حاجته ونقصه؛ لأنه فعل لغرض.
__________
1 وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام رحمه الله بقوله: "الغاية التي يُراد الفعل لها هي غاية مرادة للفاعل، ومراد الفاعل نوعان؛ فإنه تارة يفعل فعلاً ليحصل بفعله مراده، فهذا لا يفعله وهو يعلم أنه لا يكون، والله تعالى يفعل ما يريد، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولكن الله يفعل ما يريد. وتارة يريد من غيره أن يفعل فعلاً باختيار، لينتفع ذلك الفاعل بفعله، ويكون ذلك محبوباً للفاعل الأول، كمن يبني مسجداً ليصلي فيه الناس، ويعطيهم مالاً ليحجوا به، ويجاهدوا به". درء تعارض العقل والنقل 8471. وانظر: منهاج السنة النبوية 3168.
2 في ((خ)) : ما نصب. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 انظر ما سبق ص 501-507 من هذا الكتاب، وكذا ص 1107، 1156 منه.
(2/955)

والغرض هو الشهوة، وذلك يتضمن الحاجة1.
وهذا بعينه يُقال في الإرادة2: إن من أراد، فإنّما يريد لغرض وشهوة.
فقولهم بنفي الحكمة، يتضمن نفي الإرادة، ونفي القدرة.
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع3، وبُيِّن أنّ من نفى الحكمة، يلزمه [نفي] 4 الإرادة، ومن نفى الإرادة يلزمه نفي فعل الرب، ونفي
__________
1 سبق ذلك في هذا الكتاب. وانظر: منهاج السنة النبوية 391.
2 شيخ الإسلام رحمه الله هاهنا يُلزمهم بنفي الإرادة؛ لأن المحذور في إثبات الحكمة عندهم موجود أيضاً في الإرادة؛ فإما أن يُثبتوا الكلّ، أو ينفوا الكلّ.
وقد سبق أن أورد شيخ الإسلام رحمه الله هذا الإلزام بالتفصيل. انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 503-507.
3 انظر ما سبق في هذا الكتاب، ص 503-507. وانظر مجموع الفتاوى 16298-299.
والملاحظ أن شيخ الإسلام هاهنا يُقرّر قاعدة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. ويُلزم الأشاعرة بهذه القاعدة أن يثبتوا الحكمة كما أثبتوا الإرادة، أو ينفوا الجميع.
يقول رحمه الله تعالى: "أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيُقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته، وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة، تدلّ على حكمته البالغة، كما يدلّ التخصيص على المشيئة وأولى لقوة العلة الغائية. ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في المخلوقات من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة". التدمرية ص 34-35.
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
(2/956)

الإحداث. ومن نفى ذلك يلزمه امتناع حدوث حادث في الوجود. وأن إثبات الحكمة لازمٌ لكلّ طائفة على أي قولٍ قالوه، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع1.
إذ المقصود: التنبيه على أن إثبات آيات الأنبياء، والاستدلال بكلام الله وآياته التي أراد أن يدلّ بها عباده بدون إثبات حكمته: ممتنع.
اضطراب كلام من نفى حكمة الله في آيات الأنبياء وفي كلامه
ولهذا اضطرب كلام من نفى حكمته في آيات الأنبياء، وفي كلام الرب سبحانه؛ وهي الآيات التي بعثت بها الأنبياء القولية والفعلية، واضطربوا في الاستدلال على ما جاءت به الأنبياء، كما قد نُبّه عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم2.
__________
1 انظر: درء تعارض العقل والنقل 9111. ورسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والتعليل - ضمن مجموعة الرسائل والمسائل - 4-5283-346.
2 أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى أن الآيات الدالة على الحكمة والرحمة تقرر تنزيه الله عن تأييد الكذاب بالمعجزة، فقال: "وقد يقال: يمكن تقرير كونه سبحانه منزهاً عن تأييد الكذاب بالمعجزة من غير بناء على أصل المعتزلة، بما علم من حكمة الله في مخلوقاته، ورحمته ببريته، وسنته في عباده؛ فإن ذلك دليل على أنه لا يُؤيّد كذاباً بمعجزة لا معارض لها. ويمكن بسط هذه الطريقة وتقريرها بما ليس هذا موضعه، فإنه كما علم بما في مصنوعاته من الإحكام والإتقان أنه عالم، وبما فيها من التخصيص أنه مريد، فيعلم بما فيها من النفع للخلائق أنه رحيم، وبما فيها من الغايات المحمودة أنه حكيم". شرح الأصفهانية 2612.
(2/957)

فصل الاستدلال بسنة الله وعادته في معرفة النبي الصادق من المتنبئ الكاذب
وأمّا الاستدلال بسنته وعادته، فهو أيضاً طريق برهاني ظاهرٌ لجميع الخلق1.
__________
1 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "انخراق العادات أمر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة، وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثاً وباطلاً، بل لأجل الجزاء، فكان هذا من سنته الجميلة، وهو جزاؤه الناس بأعمالهم في الدار الآخرة؛ كما أخبر به؛ من نصر أوليائه، وعقوبة أعدائه. فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة. وهو لم يُخبر بأن كل عادة لا تُنتقض، بل أخبر عن السنة التي هي عواقب أفعال العباد بإثابة أوليائه، ونصرهم على الأعداء. فهذه هي التي أخبر أنه لن يوجد لها تبديل ولا تحويل، كما قال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} .
ثمّ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند هذه الآية، وهي قوله جل وعلا: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [سورة فاطر، الآية 43] : (وذلك لأنّ العادة تتبع إرادة الفاعل، وإرادة الفاعل الحكيم هي إرادة حكيمة، فتسوي بين المتماثلات، ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل، وهو إكرام أهل ولايته وطاعته، ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين. فهذه السنة تقتضيها حكمته سبحانه، فلا انتقاض لها، بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره، فذاك تغييره من الحكمة أيضاً، ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل، لكن في هذه الآيات ردّ على من يجعله يفعل بمجرد إرادة ترجح أحد المتماثلين بلا مرجّح؛ فإنّ هؤلاء ليس عندهم له سنة لا تتبدّل، ولا حكمة تقصد، وهذا خلاف النصوص والعقول؛ فإنّ السنة تقتضي تماثل الآحاد، وأنّ حكم الشيء حكم نظيره، فيقتضي التسوية بين المتماثلات، وهذا خلاف قولهم) . الرد على المنطقيين ص 391.
(2/958)

وهم متفقون عليه؛ من يقول بالحكمة1؛ ومن يقول بمجرد المشيئة2؛ فإنّه قد علم عادته سبحانه في طلوع الشمس، والقمر، والكواكب، والشهور، والأعوام، وعادته في خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وعادته فيما عرفه الناس؛ من المطاعم، والمشارب، والأغذية، والأدوية، ولغات الأمم؛ كالعلم بنحو كلام العرب وتصريفه، والعلم بالطب وغير ذلك.
سنة الله في نصر الأنبياء وأتباعهم وإهلاك من كذبهم أو كذب عليهم
كذلك سنته تعالى في الأنبياء الصادقين وأتباعهم، وفيمن كذّبهم، أو كذب عليهم؛ فأولئك ينصرهم ويعزّهم، ويجعل لهم العاقبة المحمودة، والآخرون يهلكهم ويذلهم، ويجعل لهم العاقبة المذمومة3؛ كما فعل [بقوم] 4 نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وفرعون
__________
1 وهم أهل السنة والجماعة الذين يثبتون الحكمة لله سبحانه وتعالى.
2 وهم من ينفي الحكمة من أمثال الأشاعرة.
3 وقال شيخ الإسلام رحمه الله موضّحاً هذا المعنى: "كذلك سنته في الأنبياء الصادقين، وأتباعهم من المؤمنين، وفي الكذابين والمكذبين بالحقّ: أنّ هؤلاء ينصرهم، ويُبقي لهم لسان صدق في الآخرين، وأولئك ينتقم منهم، ويجعل عليهم اللعنة. فبهذا وأمثاله يُعلم أنه لا يؤيد كذّاباً بمعجزة لا معارض لها؛ لأنّ في ذلك من الفساد والضرر بالعباد ما تمنعه رحمته، وفيه من سوء العاقبة ما تمنعه حكمته، وفيه من نقض سنته المعروفة وعادته المطردة ما تُعلم به مشيئته". شرح الأصفهانية 2615.
فالشيخ رحمه الله يُبيِّن أنّ الطرق كثيرة ومتنوعة في معرفة النبيّ من المتنبئ، والصادق من الكاذب. ومن هذه الطرق ودلائل النبوة على صدقهم: دلالة عاقبة الأنبياء ومتبعيهم، ونصرهم على أعدائهم، وإهلاك الله لمكذّبيهم. ولأهمية هذا الطريق، ودلالته على صدق الأنبياء، أكثر الشيخ رحمه الله من إيراده في كتبه.
انظر: الجواب الصحيح؛ فقد عقد فصلاً كاملاً في ذلك 6387-425. وشرح الأصفهانية 2492-496، 500. وانظر ما سبق في كتاب النبوات، ص: 239-248، 596، 612-617، 618-621، 783-786.
4 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
(2/959)

وقومه؛ وكما فعل بمن كذّب محمداً؛ من قومه قريش، ومن سائر العرب، وسائر الأمم غير العرب؛ وكما فعل [بمن] 1 نصر أنبياءه وأتباعهم؛
قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} 2.
وقال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهَاد} 3.
وقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيد وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتهُم الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب} 4
وقال تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قومُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ للكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير} 5.
وقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [كَانُوا أَشَدَّ] 6 مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا [السُّوْأَى] 7 أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} 8.
__________
1 في ((خ)) : من. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 سورة الصافات، الآيات 171-173.
3 سورة غافر، الآية 51.
4 سورة هود، الآيتان 100-101.
5 سورة الحج، الآية 44.
6 في ((خ)) : كانوا هم أشدّ.
7 رسمت في ((م)) ، و ((ط)) : السوء.
8 سورة الروم، الآيتان 9-10.
(2/960)

وقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ [كَانَ] 1 عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارَاً في الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق ذَلِكَ [بِأَنَّهُمْ] 2 كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيدُ العِقَابِ} 3.
وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب} 4.
وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارَاً في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ [بِالبَيِّنَاتِ] 5 فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا [بِهِ] 6 يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ [يَكُ] 7 يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] 8 سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون} 9.
وقال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيَّاً وَلا
__________
1 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
2 في ((خ)) : بأنه.
3 سورة غافر، الآيتان 21-22.
4 سورة غافر، الآية 5.
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
6 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) .
7 في ((خ)) رسمت: يكن.
8 ما بين المعقوفتين مكرّر في ((خ)) .
9 سورة غافر، الآيات 82-85.
(2/961)

نَصِيراً سُنَّة اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً} 1.
وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورَاً اسْتِكْبَارَاً في الأَرْضِ وَمَكْر السَّيِّءِ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً} 2.
وقال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَاً لا يَلْبَثُونَ [خِلافَكَ] 3 إِلاَّ قَلِيلاً} 4.
[وقال تعالى] 5: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَن الَّذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئَاً قَلِيلاً إِذَاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرَاً} 6.
وقد قيل: آية الحاقة7، وآية الشورى8 تُبيِّن أنه لو افترى عليه [لعاقبه9] 10، فهذه سنته في الكاذبين.
__________
1 سورة الفتح، الآيتان 22-23.
2 سورة فاطر، الآيات 42-43.
3 في ((خ)) : خلفك.
4 سورة الإسراء، الآية 76.
5 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
6 سورة الإسراء، الآيات 73-75.
7 قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيل لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [سورة الحاقة، الآيات 44-47] .
8 قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [سورة الشورى، الآية 24] .
9 انظر تفسير ابن كثير 4114-117.
10 في ((ط)) : لعاقبة.
(2/962)

وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته: هو اعتبار الشيء بنظيره؛ وهو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين؛ وهو الاعتبار المأمور به في القرآن؛ كقوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ في فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيل اللهِ وَأُخْرَى كَافِرةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَينِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاء إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لأُولِي الأَبْصار} 1، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولي الأَبْصَار} 2، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرة لأُولي الأَلْبَابِ} 3.
وإنما تكون العبرة [به] 4 بالقياس والتمثيل؛ كما قال ابن عباس في دية الأصابع: هنّ سواء5، واعتبروها بدية الأسنان.
__________
1 سورة آل عمران، الآية 13.
2 سورة الحشر، الآية 2.
3 سورة يوسف، الآية 111.
4 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
5 أخرجه عن ابن عباس: البيهقي في السنن الكبرى 893، كتاب الديات، باب الأصابع كلها سواء. وأخرجه أبو داود عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء". سنن أبي داود 2494، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء.
وأخرجه البخاري في صحيحه - مختصراً - 62526-2527، كتاب الديات، باب دية الأصابع. والترمذي في جامعه 413-14، كتاب الديات، باب ما جاء في دية الأصابع. وابن ماجه في سننه 2885، كتاب الديات، باب دية الأسنان ودية الأصابع. والدارمي في سننه 2194، كتاب الديات، باب في دية الأصابع. وانظر المغني لابن قدامة 12132، 148-151.
(2/963)

فإذا عرفت قصص الأنبياء، ومن اتبعهم، ومن كذَّبهم، وأنَّ متبعيهم كان لهم النجاة [والعاقبة] 1 والنصر والسعادة، [ولمكذّبهم] 2 الهلاك والبوار، جعل الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي؛ فعلم أنّ من صدّقهم كان سعيداً، ومن كذَّبهم كان شقياً. وهذه [سنة الله] 3 وعادته.
ولهذا يقول سبحانه في تحقيق عادته وسنته، وأنه لا ينقضها ولا يبدلها: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ في الزُّبُر} 4؛ يقول: فإذا لم يكونوا خيراً منهم، فكيف ينجون من العذاب، مع مماثلتهم لهم، هذا بطريق الاعتبار والقياس، ثم قال: {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} : أي معكم خبر من الله بأنه لا يعذبكم؟؛ فنفى الدليلين: العقلي، والسمعي، ثم ذكر قولهم: نحن جميعٌ منتصر، وإنَّا نغلب من يغالبنا، فقال تعالى: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} 5، وهذا ممّا [أنبأ به] 6 من الغيب في حال ضعف الإسلام، واستبعاد عامة الناس ذلك7، ثم كان كما أخبر.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : العافية.
2 في ((م)) ، و ((ط)) : ولمكذّبيهم.
3 في ((خ)) : الله سنة - تقديم وتأخير -. والمثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 سورة القمر، الآية 43.
5 سورة القمر، الآية 45.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : أنبأه.
7 نقل الطبري بسنده عن عكرمة أن عمر قال: لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} جعلتُ أقول: أيّ جمع سيهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} تفسير الطبري 27108.
وكذلك نقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة، وفيه أن عمر رضي الله عنه قال في آخره: فعرفت تأويلها يومئذ. تفسير ابن كثير 4266.
وروى البخاري في صحيحه عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ قالت: (لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} . صحيح البخاري 41846، كتاب التفسير، باب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} .
(2/964)

وقد قال للمؤمنين في تحقيق سنته وعادته: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب} 1، وقال لمحمد: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} 2، وقال: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} 3، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَة كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} 4.
وفي الصحيحين: عن [أبي هريرة] 5 [رضي الله عنه] 6، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتركبنّ سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: نعم"7.
__________
1 سورة البقرة، الآية 214.
2 سورة فصلت، الآية 43.
3 سورة الذاريات، الآيتان 52-53.
4 سورة البقرة، الآية 119.
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
6 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((ط)) . وفي ((م)) : صلى الله عليه وسلم.
7 الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما 31274، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. مع اختلاف في ألفاظه.
وكذلك أخرجه في 62669، كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم".
وأخرجه مسلم 42054، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى.
وابن ماجه في سننه 21422، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم. وأحمد في المسند 2327، 450، 511، 527، 384، 89، 94.
(2/965)

وفي الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبراً بشبر، وذراعاً بذراع. قالوا: يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: ومن النَّاس إلا هؤلاء"1.
وفي السنن: لما قال له بعض أصحابه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: الله أكبر قلتم كما قال [قوم] 2 موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ثم قال: إنه السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" 3.
وقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} 4.
ولهذا احتج من احتج بسنة الله وعادته في مكذبي الرسل5؛ كقول
__________
1 أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما، 62669، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، مع اختلاف في الألفاظ.
وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه 42054، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى.
2 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
3 أخرجه الترمذي في جامعه 4475، كتاب الفتن، باب ما جاء: "لتركبن سنن من كان قبلكم"، وقال: حسن صحيح. وأحمد في المسند5218. وابن حبان (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان 8248) . والحاكم في المستدرك 4455، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
4 سورة آل عمران، الآية 137.
5 كأنّ الشيخ رحمه الله يُشير إلى احتجاج عثمان بن عفان رضي الله عنه بهذه الآية؛ وهو ما أورده ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن أبي ليلى الكندي، قال: كنت مع مولاي أمسك دابته، وأحاط الناس بعثمان بن عفان إذ أشرف علينا من داره فقال: {وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} ، يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا. وشبّك بين أصابعه. تفسير ابن كثير 2457.
(2/966)

شعيب: {ويَا قَوم لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَومَ صَالِح وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيد} 1.
وقال مؤمن آل فرعون: {يَا قَومِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَاد} 2.
وقال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} 3.
معنى الدأب
والدأب: العادة في ثلاثة مواضع4، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئَاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب} 5.
قال ابن قتيبة6 وغيره7: الدأب: العادة، ومعناه: كعادة آل فرعون، يريد كفر اليهود8 كلّ فريق بنبيّهم.
__________
1 سورة هود، الآية 89.
2 سورة غافر، الآيتان 30-31.
3 سورة آل عمران، الآية 11. وكذلك سورة الأنفال في الآيتين 52، 54.
4 في سورة آل عمران، الآية 10، وفي سورة الأنفال، الآيتان 52، 54، وفي سورة غافر، الآية 31.
5 سورة آل عمران، الآيتان 10-11.
6 هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد. من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد، وسكن الكوفة، ثم ولي قضاء الدينور مدة، فنسب إليها، وتوفي ببغداد. وله كتب كثيرة مثل: تأويل مختلف الحديث، وعيون الأخبار، ومشكل القرآن، وتفسير غريب القرآن. ولد سنة 213، وتوفي سنة 276 ?. انظر: سير أعلام النبلاء 13296. والأعلام 4137.
7 قال ابن الأنباري: والكاف في {كدأب} : متعلقة بفعل مضمر، كأنه قال: كفرت اليهود ككفر آل فرعون. زاد المسير 1355.
8 زاد المسير 1355. وقال ابن قتيبة بعد هذه العبارة: ككفر من قبلهم. وهذا المعنى الأول.
(2/967)

وقال الزجاج1: هو الاجتهاد، معناه: أي دأب هؤلاء، وهو اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي، كتظاهر آل فرعون على موسى2.
وقال عطاء3، والكسائي4، وأبو عبيدة5: كسنّة آل فرعون6.
__________
1 هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السري الزجاج البغدادي الإمام، نحوي زمانه. له تآليف جمة، وكان من ندماء المعتضد، ومن أهل الفضل والدين المتين. توفي سنة 311 ?. انظر: الفهرست 90-91. وتاريخ العلماء النحويين ص 38-40. وسير أعلام النبلاء 14360.
2 انظر زاد المسير 1355، وهذا المعنى الثاني.
3 هو عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم. من كبار التابعين، كان ثقة فقيهاً عالماً كثير الحديث. نشأ بمكة، وفاق أهلها في الفتوى. توفي سنة 114 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 578-88. والبداية والنهاية 9306-309. وتهذيب التهذيب 7199-203. والأعلام 4235.
4 هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، مولاهم الكوفي، الملقب بالكسائي. شيخ القراءة والعربية. كان من أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وهو مؤدب الرشيد وابنه الأمين. توفي سنة 189 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 9131-134. وتهذيب التهذيب 7313-314. وشذرات الذهب 1321. والأعلام 4283.
5 هو معمر بن المثنى التميمي، مولاهم البصري. الإمام، العلامة، البحر، النحوي، صاحب التصانيف. ولم يكن صاحب حديث، وإنما له علم باللسان وأيام الناس. قال عنه الجاحظ: (لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، وكان أباضياً شعوبياً) توفي سنة 209، أو 210 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 9445-447. وتهذيب التهذيب 10246-248. وشذرات الذهب 224-25. والأعلام 7272.
6 انظر: تفسير البغوي 1281. وتفسير ابن عطية 890-91.
(2/968)

وقال النضر بن شميل1: "كعادة آل فرعون2؛ يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون".
وقال طائفة3: "نظم الآية: إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم".
وفي تفسير أبي روق4: عن الضحاك5، عن ابن عباس: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} : قال: كصنيع آل فرعون6.
__________
1 هو النضر بن شميل بن خَرَشَة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن. أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة. ولد بمرو، وانتقل إلى البصرة مع أبيه سنة 128 وأصله منها، فأقام زمناً، وعاد إلى مرو، فولي قضاءها، واتصل بالمأمون، فأكرمه وقربه، وتوفي بمرو. له كتب، منها: الصفات في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع. توفي سنة 203 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 9328. والأعلام 833.
2 انظر: تفسير البغوي 1281.
3 انظر: تفسير الطبري 3190. وتفسير ابن كثير 1349.
4 عطية بن الحارث، أبو روق الهمداني الكوفي، صاحب التفسير، صدوق، من الخامسة. تقريب التهذيب 1677.
5 هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد صاحب التفسير. كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه. وهو صدوق في نفسه. توفي سنة 102?، وقيل: بعدها.
انظر: سير أعلام النبلاء 4589-600. وتهذيب التهذيب 4453-454. والبداية والنهاية 9223. وشذرات الذهب 1124-125. والأعلام 3215.
6 انظر: تفسير الطبري3190. وتفسير البغوي 1281. وتفسير ابن كثير 1349 وفتح القدير 1322.
(2/969)

قال ابن أبي [حاتم] 1: وروي عن مجاهد، والضحاك، وأبي مالك، وعكرمة، نحو ذلك2.
قال: وروي عن الربيع بن أنس3 كشبه آل فرعون4.
وعن السدي قال: ذكر الذين كفروا كمثل الذين من قبلهم في [التكذيب] 5 والجحود6.
قلت: فهؤلاء جعلوا الشبيه في العمل؛ فإن لفظ الدأب يدلّ عليه:
قال الجوهري7: دأب فلان في عمله، أي: جدَّ، وتعب دَأْبَاً ودُؤوباً، فهو دَئِبٌ. وأدأبتُه أنا. والدائبان: الليل والنهار. قال: والدَّأْبُ يعني بالتسكين: العادة والشأن، وقد يُحَرَّكُ8.
__________
1 في ((ط)) : حاحم.
2 انظر: تفسير الطبري3190. وتفسير البغوي 1281. وتفسير ابن كثير 1349 وفتح القدير 1322.
3 هو الربيع بن أنس بن أبي زياد البكري الخراساني المروزي. كان عالم مرو في زمانه، وقد سجن ثلاثين سنة. توفي سنة 139 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 6169-170. وتهذيب التهذيب 3238-239.
4 انظر: تفسير الطبري 3190. وتفسير ابن كثير 1349. وفتح القدير 1322.
5 في ((ط)) : اتكذيب.
6 تفسير الطبري 3190-191.
7 هو إسماعيل بن حماد التركي الجوهري، أبو نصر. إمام اللغة. كان يحب الأسفار والتغريب. مات متردياً من سطح داره سنة 393 ? لأنه حاول الطيران، وصنع جناحين من خشب، وصعد داره، فخانه اختراعه، فسقط إلى الأرض قتيلاً.
انظر: سير أعلام النبلاء 1780-82. ولسان الميزان 1400-402. وشذرات الذهب 3142-143. والأعلام 1313.
8 انظر الصحاح للجوهري 1123-124.
(2/970)

قال الفراء1: أصله من دأبت، إلا أن العرب حوّلت معناه إلى الشأن2.
قلت: الزَّجَّاج جعل ما في القرآن من الدأب، الذي هو الاجتهاد3. والصواب: ما قاله الجمهور؛ أنَّ الدأب - بالتسكين -: هو العادة، وهو غير الدأب بالتحريك؛ إذا زاد اللفظ زاد المعنى، والذي في القرآن مُسَكَّنٌ، ما علمنا أحداً قرأه بالتحريك، وهذا معروف في اللغة؛ يقال: فلانٌ دَأْبُهُ كذا وكذا: أي هذا عادته وعمله اللازم له، وإن لم يكن في ذلك تعبٌ واجتهاد، ومنه قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ} 4، والدائب نظير الدائم، والباء والميم متقاربتان؛ ومنه: اللازب واللازم. قال ابن عطية5: "دائبين، أي: متماديين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: "إنَّ هذا الجمل شكى إلي أنك تُجيعه وتُدئبُه6"7؛ أي
__________
1 هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي، مولاهم الكوفي، النحوي العلامة، صاحب التصانيف، أبو زكريا. له مشاركات في علوم كثيرة. توفي سنة 207 ?. انظر: سير أعلام النبلاء 10118-121. والبداية والنهاية 10261. وتهذيب التهذيب 11212-213. والأعلام 8145-146.
2 انظر: الصحاح للجوهري1123-124. ولسان العرب1369. وانظر: تفسير الطبري 3191 - ونقله عن السدي -. والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير 295.
3 انظر: زاد المسير 1355. وانظر ما سبق، ص 1185 من هذا الكتاب.
4 سورة إبراهيم، الآية 33.
5 هو أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي. كان إماماً في الفقه وفي التفسير وفي العربية، قوي المشاركة، ذكياً فطناً مدركاً، من أوعية العلم. ولد سنة 480 هـ. وتوفي سنة 541 هـ، وقيل: 542 هـ. سير أعلام النبلاء 19587-588.
6 في تفسير ابن عطية: وتديبه.
وقال ابن الأثير عند شرح غريب هذا الحديث: "أي تكده وتتعبه، دأبَ يدأبُ دأباً ودُؤوباً وأدأبته أنا". النهاية في غريب الحديث 295.
7 أخرجه الإمام أحمد في المسند 1204، وكذلك في ص 205. وأبو داود في سننه 349-50، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.
(2/971)

تديمه في العمل [له] 1 والخدمة2". قال3: "وظاهر الآية أن معناه دائبين في الطلوع والغروب، وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثيرة4"5.
قال6: "وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال: معناه دائبين في طاعة الله" 7.
قال8: "وهذا قول إن كان يراد به أن الطاعة: [انقيادهما للتسخير] 9، فذلك موجود في [طاعة] 10 قوله: [و] 11 {سخَّر} . وإن كان يراد أنها طاعة [مقدورة] 12، كطاعة العبادة من البشر، فهذا [بعيد] 13" 14.
__________
1 في ((خ)) : والشرك. بدلاً من: له. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في تفسير ابن عطية: في الخدمة والعمل.
3 يعني ابن عطية في تفسيره.
4 في تفسير ابن عطية: كثرة.
5 تفسير ابن عطية 1086.
6 القائل هو ابن عطية.
7 تفسير ابن عطية 1086. وانظر تفسير الطبري 13225.
8 القائل هو ابن عطية.
9 في تفسير ابن عطية: انقيادٌ منهما في التسخير.
10 ما بين المعقوفتين لا يُوجد في تفسير ابن عطية. وحذفه أولى.
11 لا توجد الواو في تفسير ابن عطية.
12 في تفسير ابن عطية: مقصودة.
13 في تفسير ابن عطية: جيد. وقال محققه: "وفي نسخة: بدل جيد: بعيد. وهذا ما تقتضيه المقابلة، فلعل في هذه النسخة تصحيفاً".
14 تفسير ابن عطية 1086.
(2/972)

قلت1: ليس هذا ببعيد، بل عليه دلت الأدلة الكثيرة، كما هو مذكور في مواضع2.
وقالت طائفة، منهم البغوي: وهذا لفظه دائبين يجريان فيما يعود إلى مصالح [عباد] 3 الله لا يفتران.
قال ابن عباس: دؤوبهما في طاعة الله4.
ولفظ أبي الفرج: "دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران. قال: ومعنى الدؤوب: مرور [الشيء على] 5 عادة جارية فيه"6.
قلت: وإذا كان دأبهم هو عادتهم وعملهم الذي كانوا مصرين عليه، فالمقصود أن هؤلاء أشبهوهم في العمل، فيشبهونهم في الجزاء، فيحيق بهم ما حاق بأولئك. هذا هو المقصود ليس المقصود التشبيه في [الجزاء كقوله] 7: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئَاً
__________
1 القائل هو شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
2 قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [سورة الحج، الآية 18] .
وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدري أين تذهب هذه الشمس"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت". الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب في تفسير قوله تعالى {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} ، حديث رقم 4428. ومسلم في صحيحه 1138-139، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.
3 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
4 انظر تفسير البغوي 336.
5 في ((خ)) : الشيء في على. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
6 زاد المسير 4364.
7 في ((خ)) : الجزاء مقصود كقوله. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/973)

وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار [كَدَأْبِ] 1 آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب} 2؛ أي فهؤلاء لا [تدفع] 3 عنهم أموالهم وأولادهم عذاب الله إذ جاءهم، كدأب آل فرعون.
وكذلك قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيق ذَلكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد} 4، [إلى قوله:] 5 {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} 6. فهذا كله يقتضي التشبيه في العذاب.
وأما الطائفة الأخرى: فجعلوا الدأب نفس فعل الرب بهم، وعقوبته لهم:
قال مكي بن أبي طالب7: "الكاف [في] 8 (كدأب) في [مواضع] 9
__________
1 في ((خ)) رسمت: كذاب.
2 سورة آل عمران، الآيتان 10-11.
3 في ((خ)) : يدفع. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 سورة الأنفال، الآيتان 50-51.
5 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
6 سورة الأنفال، الآية 54.
7 مكي بن أبي طالب، حموش بن محمد بن مختار الأندلسي القيسي، أبو محمد. مقرئ، عالم بالتفسير والعربية، من أهل القيروان. ولد فيها، وطاف في بعض بلاد المشرق، ثم سكن قرطبة، وخطب وأقرأ بجامعها، وتوفي فيها. له كتب كثيرة، منها: مشكل إعراب القرآن، والكشف عن وجوه القراءات وعللها. ولد سنة 355، وتوفي سنة 437 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 17591. والأعلام 7286.
8 في زاد المسير: من.
9 في زاد المسير: موضع.
(2/974)

نصب نعت لمحذوف تقديره: [غيّرناهم] 1 [كما] 2 غيّروا تغييراً، مثل عادتنا في آل فرعون. ومثلها الآية الأولى، إِلاَّ أنّ الأولى للعادة في العذاب، تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلاً مثل عادتنا في آل فرعون"3.
وقد جمع بعضهم بين المعنيين، فقال أبو الفرج: " {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} : أي كعادتهم، والمعنى: [كذّب هؤلاء كما] 4 كذَّب أولئك، فنزل بهم العذاب، كما نزل بأولئك" 5.
قلت: الدأب: العادة، وهو مصدر يُضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، فإذا أضيف إلى الفاعل، كان المعنى: كفعل آل فرعون، وإذا أضيف إلى المفعول، كان المعنى: كعادتهم في العذاب والمصائب التي نزلت بهم؛ يقال: [هذه] 6 عادة هؤلاء لما فعلوه، ولما يصيبهم، وهي عادة الرب وسنته فيهم.
والتحقيق: أنّ اللفظ يتناول الأمرين [جميعاً] 7.
وقد تقدم عن الفراء والجوهري: أنَّ الدأب: العادة والشأن8، وهذا كقوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِين} 9:
__________
1 في زاد المسير: غيّرنا بهم.
2 في زاد المسير: لمّا.
3 زاد المسير 3371.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) . وهو من زاد المسير.
5 زاد المسير 3371.
6 في ((ط)) : هذا.
7 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
8 انظر: الصحاح للجوهري 1123.
9 سورة آل عمران، الآية 137.
(2/975)

روى ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن مجاهد: " {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} : [من] 1 الكفار، والمؤمنين [في] 2 الخير والشر"3.
وعن أبي إسحاق4: "أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك [بي] 5 عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، [فَرُؤُوا6 مثلات] 7 قد مضت [مني] 8 فيهم" 9؛ فقد فسّرت السنن: بأعمالهم وبجزائهم.
قال البغوي: "معنى الآية: قد مضت، وسلفت مني [سنن] 10 فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي [واستدراجي] 11 إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم وإدالة أنبيائي [عليهم] 12، {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} : أي
__________
1 في تفسير الطبري: في.
2 في تفسير الطبري: و.
3 تفسير الطبري 4100. وانظر: تفسير البغوي 1354.
4 هو عمرو بن عبد الله، من بني ذي يحمر بن السبيع، الهمداني الكوفي، أبو إسحاق السبيعي. من أعلام التابعين الثقات. كان شيخ الكوفة في عصره. أدرك علياً، ورآه يخطب، وقال: رأيته أبيض الرأس واللحية. وكان من الغزاة المشاركين في الفتوح. عمي في كبره. ولد سنة 33، وتوفي سنة 127 ?.
انظر: سير أعلام النبلاء 5392. والأعلام 581.
5 في تفسير الطبري: في.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : فروا.
7 في تفسير الطبري: (فسيروا في الأرض تروا مثلات) .
8 ما بين المعقوفتين ليس في تفسير الطبري.
9 تفسير الطبري 4100.
10 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) . وهو في تفسير البغوي.
11 في ((ط)) : واستندراجي.
12 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) . وهو في تفسير البغوي.
(2/976)

[آخر] 1 المكذبين [منهم] 2. قال: وهذا في [حزب واحد] 3، يقول [عزّ وجلّ] 4: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي [أجلت من] 5 نصرة النبي [صلى الله عليه وسلم] 6 وأوليائه، وهلاك أعدائه) 7.
قلت: ونظير هذا: قوله تعالى: { [أَفَلَمْ] 8 يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكون لَهُمْ قُلُوبٌ [يَعْقِلُونَ] 9 بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُور} 10، وقوله: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ [كَانُوا] 11 أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 12، وقوله في الآية الأخرى: {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارَاً في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا
__________
1 عند البغوي: اخرنا من.
2 ما بين المعقوفتين ليس في تفسير البغوي.
3 عند البغوي: حرب أحد.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، و ((م)) ، و ((ط)) . وهو في تفسير البغوي.
5 عند البغوي: أجلته في.
6 زيادة من تفسير البغوي.
7 تفسير البغوي 1354.
8 في ((خ)) : أو لم.
9 في ((خ)) : يعللون.
10 سورة الحج، الآية 46.
11 ما بين المعقوفتين ساقط من ((م)) ، و ((ط)) .
12 سورة الروم، الآية 9.
(2/977)

رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون} 1.
فهذا كلّه يُبيِّن أن سنة الله وعادته مطردة، لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل، وإهانة مكذّبيهم2.
__________
1 سورة غافر، الآيات 82-85.
2 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يردّ على الفلاسفة في علومهم الفلسفية، مبيّناً أن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة. أما سنة الله سبحانه وتعالى فلا تنتقض بحال من الأحوال، يقول رحمه الله: "ولكن العادة التي لا تنتقض بحال: ما أخبر الله أنها لا تنتقض، كقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب، 60-62] . وقال: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح، 22-23] . وقال: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر، 42-43] . فهذه سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين، وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط. ولما قال قبل هذا: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} [الأحزاب، 38] لم يقل هنا ولن تجد؛ لأن هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة، بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين، وعقوبته للمنذَرين، فإنه أمر مشاهد، فلن يوجد منتقضاً". الرد على المنطقيين ص 390.
(2/978)

فصل آيات الأنبياء يلزم من وجودها وجود الأنبياء
آيات الأنبياء كما قد عُرف1 هي مستلزمة لثبوت النبوة، وصدق المخبر بها، والشاهد بها؛ فيلزم من وجودها وجود النبوة، وصدق المخبر بها، ويمتنع أن تكون مع التكذيب بها، وكذب المخبر بها؛ فلا يجوز وجودها لمن كذّب الأنبياء، ولا لمن أقرّ بنبوة كذّاب؛ سواء كان هو نفسه المدعي للنبوة، أو ادعى نبوّة غيره.
وهذان الصنفان هما المذكوران في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله} 2.
وهؤلاء كلهم من أظلم الكاذبين، كما قال: {فَمَنْ أَظْلَم مِمَّن كَذبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيسَ في جَهَنَّمَ مَثوَى للكَافِرِين} 3، ثم قال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلئِكَ هُمُ المُتَّقُون} 4.
فالمخبر بالنبوّة مع ثبوتها هو الذي جاء بالصدق وصدّق به، والمخبر بها مع انتفائها هو الذي كذب على الله، والمكذّب بها مع ثبوتها هو الذي كذّب بالحق لما جاءه.
__________
1 انظر ما سبق في هذا الكتاب: ص 187، 249، 869، 886، 897، 898، 929، 942، 989، 1064، 1095.
2 سورة الأنعام، الآية 93.
3 سورة الزمر، الآية 32.
4 سورة الزمر، الآية 33.
(2/979)

الدليل مستلزم للمدلول
فدلائل النبوة هي مستلزمة لصدق من أثبت نبوة هي نبوّة حق، يمتنع أن تكون لمن نفى هذه، أو أثبت نبوّة ليست بنبوة.
وكذلك كل دليل على إثبات الصانع، دلّ على صدق المؤمنين به، المخبرين بما دل عليه الدليل، وعلى كذب من نفى ذلك.
ويمتنع أن تكون تلك الأدلة دالّة على نفي ذلك، أو على صدق الخبر بنفي ذلك، أو على صدق من جعل صفات الرب ثابتة لغيره.
وما دلّ على أن هذه الدار ملك لزيد، يدلّ على صدق المخبر بذلك، وكذب النافي له، ويمتنع أن يدل مع انتفاء الملك.
وما دلّ على علم شخص وعدله، فإنه مستلزم لذلك، ولصدق المخبر به. وكذلك النافي له يمتنع أن يدلّ على صدق النافي، أو يدل مع انتفاء العلم والعدل؛ فإنّ ما استلزم ثبوت شيء وصدقه، استلزم كذب نقيضه، وكان عدم اللازم مستلزماً لعدم الملزوم؛ فما كان مستلزماً لثبوت النبوة، وصدق المخبر بها، كان مستلزماً لكذب من نفاها. فامتنع أن يكون موجودا مع من نفاها، وامتنع أن يكون موجوداً مع انتفائها؛ فإنّ ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين.
فدليل كل مدلول عليه يمتنع ثبوته مع عدم المدلول عليه؛ فإنه مستلزم لثبوته. فلو وجد مع عدمه، للزم الجمع بين النقيضين.
التلازم بين نبوة العين وجنس النبوة
فما كان دليلاً على نبوة شخص، فهو دليل على جنس النبوة؛ فإن نبوة الشخص لا [تثبت] 1 إلا مع ثبوت جنس النبوة؛ فيمتنع وجود ذلك الدليل مع عدم النبوة.
__________
1 في ((خ)) : يثبت. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
(2/980)

وثبوت أحد النقيضين مستلزم لنفي الآخر؛ فثبوت صدق المخبر بثبوتها، مستلزم لكذب المخبر بانتفائها.
دليل عقلي
فهذا أمر عقلي مقطوع به، معلوم بالبديهة بعد تصوره في جميع الأدلة؛ أدلة النبوة وغيرها1، فلا يجوز أن يكون ما دلّ على النبوة، وعلى صدق
__________
1 هذا دليل عقلي، يستخدمه الشيخ رحمه الله، وهو دليل الملازمة، كما سبق تعريفه ص 617-618.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "إنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي، فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بالدليل العقلي الدالّ عليه، ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع. وهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بدليل. ويلزم أيضاً من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر، ثبوت الشرع، ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل ... والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه". درء تعارض العقل والنقل 5271.
ويقول أيضاً: "جميع الأدلة ترجع إلى أن الدليل مستلزم للمدلول". الرد على المنطقيين ص 296.
وقال رحمه الله أيضاً: "فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه؛ فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه. وهذا كالمخلوقات؛ فإنها آية للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها. وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي. وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالة على بعض الأحكام، يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم، ولا يلزم من عدمها عدمه؛ إذ قد يكون الحكم معلوماً بدليل آخر، اللهم إلا أن يكون الدليل لازماً للمدلول عليه، فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم. وإذا كان لازماً له أمكن أن يكون مدلولاً له؛ إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي، فإنه يلزم من عدم دليله عدمه". درء تعارض العقل والنقل 5269-270.
وانظر استخدام شيخ الإسلام رحمه الله لدليل الملازمة هذا في إثبات التلازم بين العقل والنقل في: درء تعارض العقل والنقل 5136، 137، 150، 151، 268-272، 275، 8530-531، 1073، 120، 122-124، 128، 130، 132، 137، 139، 144، 148، 150، 196. والرد على المنطقيين ص 296-298، 348-349. والجواب الصحيح 65.
(2/981)

المخبر بها، وكذب المكذب بها، دليلاً للمكذب بها، ولا دليلاً مع انتفائها؛ كالمتنبي الذي يدعي النبوة ولا نبوة معه، فلا يتصور أن يكون معه ولا مع المصدق بنبوته شيء من دلائل النبوة.
وأما كون دليل من دلائل النبوة مع المصدق بها كائناً من كان، فهذا حقّ، بل هذا هو الواجب. فمن صدّق بها بلا دليل، كان متكلماً بلا علم. فكلّ من صدّق بالنبوة بعلمٍ فمعه دليل من أدلتها.
العلم الضروري والنظري
وأخبار أهل التواتر بما جاءت به الأنبياء من الآيات: هو من أدلة ثبوتها؛ فكل من آمن بالرسول عن بصيرة، فلا بُدّ أن يكون في قلبه علمٌ بأنّه نبيّ حقّ؛ إمّا علمٌ ضروري1، أو علم نظريّ2 بدليل من الأدلة.
__________
1 العلم الضروري: هو ما علم الإنسان من غير نظر ولا استدلال. وقد قيل: ما لا يدخل عليه الشك والارتياب.
وهو يحصل من أربعة أشياء:
الأول: ما يعلمه الإنسان من حال نفسه؛ مثل الغم، والسرور، والصحة، والسقم، والقيام، والقعود، والهبوط، والصعود.
ومنه: ما يعلمه بطريق العقل، وهو مثل علمه باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين.
ومنه: ما علمه بالحواس الخمس؛ وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس.
ومنه: ما يعلمه بأخبار التواتر، فيقع له به العلم ضرورة؛ وهو مثل إخباره بالبلاد النائية، والقرون الخالية، والرسل الماضية.
وقولنا (ضرورة) : هو ما يلزمه العلم به ضرورة، لا يمكنه دفعه من نفسه بحال، ولا يمكنه إدخال الشك فيه) . التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب 142-43. وانظر: التمهيد للباقلاني ص 26. ومجموع الفتاوى 276.
2 العلم النظري: هو ما حصل من طريق النظر والاستدلال.... وهو على ضربين: علم من طريق العقل، وعلم من طريق الشرع.
فأما العلم الذي يحصل من طريق العقل، فهو مثل علمه بحدوث العالم، وإثبات محدثه، وتصديق الرسل عند ثبوت المعجزة.
فأما الذي يحصل من طريق الشرع، فهو ما علمناه بالكتاب والسنة والإجماع، وقول واحد من الصحابة في إحدى الروايتين) . التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب 142-43. وانظر: التمهيد للباقلاني ص 27. والتعريفات ص 310. ورسالة الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموعة الرسائل الكبرى 153.
(2/982)

والعلوم النظرية مع أدلّتها تبقى ضروريّة1، وقد تكون في نفس الأمر علوم ضرورية، ولا يمكنه التعبير عما يدلّ عليها؛ كالذي يجده الإنسان في نفسه ويعلمه من العلوم البديهية والضرورية وغير ذلك؛ فإنّ كثيراً من الناس لا يمكنهم بيان الأدلة لغيرهم على وجود ذلك عندهم.
وإذا عُرف هذا، فقولنا: دلائل النبوة مختصة بالأنبياء لا تكون لغيرهم: له معنيان:
أحدهما: أنّه لا يشاركهم فيها من يكذّب بنبوتهم، ولا من يدّعي نبوّة كاذبة. وهذا ظاهرٌ بَيِّنٌ؛ فإنّ الدليل على الشيء لا يكون دليلاً على وجوده وعلى عدمه، فلا يكون ما يدلّ على النبوة أو غيرها، وعلى صدق المخبر بذلك دليلاً على كذب المخبر بذلك، ولا دليلاً على النبوة مع انتفاء النبوة.
والمعنى الثاني: أنها لا توجد إلا مع النبيّ.
__________
1 يقول شيخ الإسلام رحمه الله في موضع آخر: "المعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية موافق للأدلة الشرعية مصدق لها، لا مناقض معارض لها". درء تعارض العقل والنقل 5312.
ويقول رحمه الله أيضاً: "النظريات لا تعارض الضروريات، بل ما عارضها كان من باب السفسطة". درء تعارض العقل والنقل 611.
(2/983)

فهذا إن أريد به أنها لا توجد إلا والنبوة ثابتة، فهو صحيح، وإن كانت مع ذلك دليلاً على نبيّ، فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد دليلاً على أمور كثيرة، لكن يمتنع أن يوجد مع انتفاء مدلوله.
فما دلّ على النبوة قد يدلّ على أمور أخرى من أمور الرب تبارك وتعالى، لكن لا يمكن أن يدل مع انتفاء النبوة؛ أي مع كون النبوة المدلول عليها باطلة لا حقيقة لها، ولكن قد يدلّ مع موت النبي ومع غيبته؛ فإن موته وغيبته لا ينفي نبوته.
وليس من شرط دليل النبي أن يكون [موجوداً] 1 في محل المدلول عليه، ولا في مكانه ولا زمانه.
وقول من اشترط في آيات الأنبياء أن تكون مقترنة بالدعوى: في غاية الفساد والتناقض، كما قد بُسط2، لا سيما والآيات قد تكون مخلوقة [نائية] 3 عن النبي، وعن مكانه، وكذلك سائر الأدلة، لا سيّما ما يجري مجرى الخبر.
فالأخبار الدالة على وجود المخبر به لا يجب أن تكون مقارنة للمخبر به؛ لا في محله، ولا زمانه، ولا مكانه.
آيات الأنبياء شهادة من الله بنبوتهم
وآيات الأنبياء: هي شهادة من الله، وإخبار منه بنبوتهم، فلا [يجب] 4 أن تكون في محلّ النبوة، ولا زمانها ولا مكانها، لكن يجوز ذلك؛ فلا يمتنع أن يكون الدليل في محل المدلول عليه، [ولا] 5 في زمانه، [ولا] 6 في
__________
1 في ((خ)) : وجود. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 وهم الأشاعرة.
3 في ((خ)) رسمت: ثابتة. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((م)) ، و ((ط)) : تجب.
5 في ((م)) ، و ((ط)) : أو.
6 في ((م)) ، و ((ط)) : أو.
(2/984)

مكانه، لكن [يجوز] 1 ذلك فيه؛ فالإنسان قد تقوم به أمور تدل على بعض الأمور التي فيه، وقد [تُعلم] 2 أموره بخبر غيره، وببعض آثاره المنفصلة عنه.
فإذا أريد بأن آيات الأنبياء مختصة بهم، وأنها لا تكون لغيرهم: أنّها لا تكون مع انتفاء النبوة المدلول عليها: فهذا صحيح؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين.
وأما إذا أريد أنها لا توجد إلا في ذات النبي، أو مقترنة بخبره عن نبوته، أو في المكان الذي كان فيه، أو في الزمان: فهذا كله غلطٌ وخطأ ممّن ظنّه، وجهلٌ بَيِّنٌ بحقائق الأدلة، إن كان من الأدلة وآيات النبوة ما [يكون] 3 في ذات النبي، ويكون مقترناً بقوله: إني رسول الله، ويكون في المكان الذي هو فيه، وفي زمانه، فهذا يمكن، وهو الواقع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، بل وغيره من الأنبياء كان في نفس أقوالهم وأفعالهم وصفاتهم وأخلاقهم [وسيرهم] 4 أمور كثيرة تدل على نبوتهم5.
__________
1 في ((خ)) : يجب. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : يعلم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 في ((خ)) تكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : وسترهم. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 انظر: الشفا للقاضي عياض 177-209. والجواب الصحيح لشيخ الإسلام 5437-482، 680، 365-380، 387. وشرح الأصفهانية 2472- 485، 492-499، 500-502. ودقائق التفسير 1159-164. وشرح الطحاوية 1141-154.
(2/985)

وكذلك لما قال: إنِّي رسول الله، [أتى] 1 مع ذلك بآيات دلّت على صدقه.
وكذلك في مكانه وزمانه، ظهر من انشقاق القمر وغيره ما دلّ على نبوته.
لكنّ آيات الأنبياء أعمّ من ذلك، كما أن دليل كلّ شيء أعمّ من أن يختص بمعنى المدلول وزمانه ومكانه.
وبهذا يظهر خطأ كثير من الناس في عدم معرفتهم بجنس آيات الأنبياء، لعدم تحقيقهم جنس الأدلة والبراهين2.
وإنّ خاصة الدليل: أنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول عليه فقط، سواء كان مقارناً للمدلول عليه، أو كان حالاً في محله، أو مجاوزاً لمحله، أو لم يكن كذلك.
هل النبوة صفة ثبوتية أم لا؟
والنبوّة قد قال طائفة من الناس: إنّها صفة في النبي3.
__________
1 في ((خ)) : أي. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 قال شيخ الإسلام رحمه الله: "إن ما يعلم بالدليل إنما يعلم إذا علم أن الدليل مستلزم له ليكون دليلاً عليه، وهذه هي الآية والعلامة. وكذلك الاسم إنما يدل على المسمى إذا عرف أنه اسم له، وذلك مشروط بتصور المدلول عليه اللازم، وبأن هذا ملزوم له. ولهذا قيل: إن المقصود بالكلام ليس هو تعريف المعاني المفردة، لأن المعنى المفرد لا يفهم من اللفظ حتى يعرف أن اللفظ دال عليه، فلا بدّ أن يعرف أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى حتى تعرف دلالتها عليه". درء تعارض العقل والنقل 8530.
3 والذين قالوا ذلك هم المعتزلة والفلاسفة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله عن المعتزلة: إنهم يقولون: "إن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل متقدم، فالنبي فعل من الأعمال الصالحة ما استحق به أن يجزيه الله بالنبوة. وهؤلاء القدرية في شق، وأولئك الجهمية الجبرية في شق". منهاج السنة النبوية 215.
(2/986)

وقال طائفة: ليست صفة ثبوتية في النبي، بل [هي] 1 مجرد تعلق الخطاب الإلهي به2؛ يقول الرب: إني أرسلتك، فهي عندهم صفة إضافية كما يقولونه في الأحكام الشرعية إنها صفات إضافية للأفعال لا صفات حقيقية3.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : هو.
2 الذين قالوا ذلك هم الجهمية والأشعرية، ومن وافقهم، كما سيأتي بيان ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وانظر من كتب الأشعرية: أصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص 156-157. ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص 462. وغاية المرام في علم الكلام للآمدي ص 317.
ومن كتب شيخ الإسلام: منهاج السنة النبوية 2413-416، 5436-439.
فالنبوة عندهم ليست صفة ثبوتية في النبي، بل هي صفة إضافية.
وثمّة طامّة أوقعوا أنفسهم بها، حتى لا يُزيلوا صفة النبوة عن النبيّ بعد وفاته، وهي قولهم بأنّه حيّ في قبره حياة دنيوية.
وقد أورد شيخنا د أحمد بن عطية الغامدي في مقدمته لكتاب (حياة الأنبياء) للبيهقي أن سبب قول الأشاعرة بحياة الأنبياء حقيقة بعد وفاتهم، هو ما يلزمهم على أصلهم الفاسد (العرض لا يبقى زمانين) ، فعلى هذا يلزم القول بفناء الروح. والقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس رسولاً الآن، ولكنه كان رسولاً، ففروا إلى القول بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم في قبره حياة دنيوية، حتى لا يلزمهم هذا الأصل.
وقد ردّ عليهم شيخنا فضيلة الدكتور أحمد عطية فأجاد وأفاد وفقه الله. انظر: ص 50-56 من الكتاب المذكور.
وانظر المراجع التالية: الفصل لابن حزم175. وطبقات الشافعية للسبكي3406، 4130-133. وسير أعلام النبلاء 1796. والقصيدة النونية شرح ابن عيسى 2150-155.
3 قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فمن نفى الحكم والأسباب في أفعاله، وجعلها معلقة بمحض المشيئة، وجوّز عليه فعل كل ممكن، ولم ينزهه عن فعل من الأفعال، كما هو قول الجهم بن صفوان، وكثير من الناس كالأشعري ومن وافقه من أهل الكلام من أتباع مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من مثبتة القدر، فهؤلاء يجوزون بعثة كل مكلف. والنبوة عندهم مجرد إعلامه بما أوحاه إليه، والرسالة مجرد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه. وليست النبوة عندهم صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختص بها، بل هي من الصفات الإضافية، كما يقولون مثل ذلك في الأحكام الشرعية". منهاج السنة النبوية 2414. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص 731.
قال الإيجي من الأشعرية في كتابه المواقف: "إذا ثبت أن الحاكم بالحسن والقبح هو الشرع، ثبت أن لاحكم للأفعال قبل الشرع". المواقف للإيجي ص 327. وانظر: البرهان في أصول الفقه للجويني
(2/987)

قول أهل السنة في النبوة
والصحيح: أن النبوة تجمع هذا وهذا1؛ فهي تتضمن صفة ثبوتية في
__________
1 وهذا هو قول الجمهور. ف"الذي عليه جمهور سلف الأمة وأئمتها وكثير من النظار: أن الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته؛ فالنبي يختص بصفات ميزه الله بها على غيره، وفي عقله ودينه، واستعد بها لأن يخصه الله بفضله ورحمته". منهاج السنة النبوية 2416.
وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى قد فصّل القول في هذه المسألة تفصيلاً رائعاً في العديد من مصنّفاته الرائعة، وذكر الأقوال الثلاثة فيها..
فمن ذلك قوله في كتاب الصفدية: "إن الناس تنازعوا في النبوة: هل هي مجرد صفة قائمة بنفس النبي، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام والفلسفة. أو مجرد تعلق خطاب الله بالنبي، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام الأشعرية ونحوهم. أو مجموع الأمرين، كما يقوله الجمهور. على ثلاثة أقوال. كما اختلفوا على هذه الأقوال الثلاثة في الأحكام الشرعية....." إلى آخر كلامه الطويل في هذه المسألة. انظر كتاب الصفدية 1225-229.
وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله القول في هذه المسألة في العديد من مصنفاته.
انظر: منهاج السنة النبوية 2413-416، 5436-439. ومجموع الفتاوى 8282-283، 18367، 369-370. والجواب الصحيح 3380-387، 5324.
(2/988)

النبي1، وصفة إضافية هي مجرد تعلق الخطاب الإلهي، به2.
لكن على الأقوال الثلاثة: ليس من شرط أدلتها أن تكون حالة في ذات النبي، ولكن يجوز أن تكون لها أدلة قائمة بذات النبي، كما كان في محمد صلى الله عليه وسلم عدة أدلة من دلائل النبوة، كما هو مبسوط في دلائل نبوته3؛ إذ المقصود هنا الكلام على جنس آيات الأنبياء، لا على شيء معين، [و] 4 لا دليل معين، ولا نبيّ معيّن.
فإذا عرف أن دلائل النبوة يمتنع ثبوتها لشخص لا نبوة فيه إذا ادّعاها، أو ادعيت له كذباً، ويمتنع ثبوتها مع المكذب بالنبوة الصادقة، وأنها لا توجد إلا والنبوة ثابتة، وأنها دليل على صدق المخبر بالنبوة من جميع الخلق.
__________
1 في ((خ)) زيادة: بل هي مجرّد تعلق الخطاب. (ولا محل لذكرها) .
2 في ((م)) ، ((ط)) زيادة، ولعلها مكرّرة، وهي قوله: " [يقول الرب إني أرسلتك فهي عندهم صفة إضافية كما يقولونه في الأحكام الشرعية أنها صفات إضافية للأفعال لا صفات حقيقية] ".
3 ومن كتب دلائل النبوة المطبوعة التي توضّح هذا:
(1) - دلائل النبوة لأبي القاسم قوام السنة الأصبهاني.
(2) - علامات النبوة للبوصيري.
(3) - دلائل النبوة للبيهقي.
(4) - دلائل النبوة لأبي بكر الفريابي.
(5) - تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار.
(6) - دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني مطبوع المنتقى منه.
(7) - أعلام النبوة للماوردي.
(8) - الصحيح المسند من دلائل النبوة للوادعي.
وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى تصانيف العلماء في آيات النبوة في كتابه الجواب الصحيح 6361-365.
4 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
(2/989)

فكلّ من آمن [بأنّ] 1 محمداً رسول الله، فقد أخبر عن نبوته؛ كما أخبر هو عن نبوّة نفسه بما أمره الله به؛ حيث قال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُمْ جَمِيعَاً} 2.
فهذا الخبر؛ وهو الشهادة بأنه رسول الله إلى الناس جميعاً، سواء وجد منه، أو من غيره، هو مدلول عليه لجميع دلائل النبوة.
فإذا وُجد هذا الخبر في غير النبيّ، ووجد ما يدلّ على صدق هذا الخبر، كان ذلك من دلائل النبوة، كما وجد هذا في خلق كثير من المؤمنين.
ومن دلائل النبوة: وجود العلم الضروري بخبر أهل التواتر، الذين أخبروا بالآيات. فهذا العلم الضروري هو بمنزلة المشاهدة [للآيات] 3.
وكذلك ما يوجد لأهل الإيمان مما يستلزم صدق خبرهم بأنّ محمّداً رسول، كما يوجد لأمته من الآيات الكثيرة عند تحقيق [أمره] 4 ونصره وطاعته، والجهاد عن دينه، والذبّ عنه، وبيان ما أرسل به، كما وجد أمثال ذلك للصحابة، والتابعين، وسائر المؤمنين إلى يوم القيامة5.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : أن.
2 سورة الأعراف، الآية 158.
3 في ((خ)) : الآيات. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
4 في ((خ)) : به. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
5 أي من الكرامات التي يكرم الله بها سبحانه وتعالى عباده المؤمنين.
انظر: كتاب الكرامات للالكائي تحقيق د أحمد سعد حمدان. والبداية والنهاية 5266-267، 285، 296-297. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 300-320. وقاعدة في المعجزات والكرامات ص 19-21.
(2/990)

فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس
فجميع ما يختص بالسحرة والكهان هو مناقض للنبوة1، فوجود ذلك يدلّ على أنّ صاحبه ليس بنبيّ. ويمتنع أن [يكون] 2 شيءٌ من ذلك دليلاً على النبوة؛ فإنّ ما استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده.
وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم3 وعبادة الكواكب4 ومخاطبتها،
__________
1 هذه من القواعد في التفريق بين النبيّ، والساحر، والكاهن.
2 في ((خ)) : تكون. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 سبق بيان معنى الطلاسم. انظر ص 269 من هذا الكتاب.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وذلك أن النجوم التي من السحر نوعان؛ أحدهما: علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث، من جنس الاستقسام بالأزلام. والثاني عملي، وهو الذي يقولون إنه القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية، كطلاسم ونحوها. وهذا من أرفع أنواع السحر. وكلّ ما حرمه الله ورسوله فضرره أعظم من نفعه". مجموع الفتاوى 35170.
وانظر: الصفدية 166. والجواب الصحيح 613. والفصل لابن حزم 53. وتفسير ابن كثير 1145. وأضواء البيان 4453.
4 قال شيخ الإسلام رحمه الله عنهم: "أهل دعوة الكواكب الذين يدعون الشمس والقمر والنجوم، ويعبد ونها، ويسجدون لها، كما كان النمرود بن كنعان وقومه يفعلون ذلك، وكما يفعل ذلك المشركون من الهند والترك والعرب والفرس وغيرهم. وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن الخطيب الرازي في كتابه الذي صنّفه في هذا الفن قطعة كبيرة من أحوال هؤلاء. وقد تواترت الأخبار بذلك عن هؤلاء، وأنه يحصل لأحدهم أشخاص منفصلة عنه تقضي كثيراً من حوائجه، ويسمونها روحانية الكواكب". الصفدية 1241.
وانظر: المصدر نفسه 1173، 192.
وقال أيضاً عن مجادلة إبراهيم عليه السلام لقومه بسبب عبادتهم للكواكب: "فذكر لهم ما كانوا يفعلونه من اتخاذ الكوكب، والشمس، والقمر رباً يعبد ونه، ويتقربون إليه، كما هو عادة عباد الكواكب ومن يطلب تسخير روحانية الكواكب. وهذا مذهب مشهور ما زال عليه طوائف من المشركين إلى اليوم، وهو الذي صنّف فيه الرازي السرّ المكتوم، وغيره من المصنّفات". درء تعارض العقل والنقل 1111. وانظر: دقائق التفسير 3123، 165. وفتح الباري 10232-233. والأصول والفروع لابن حزم ص 134، 135. وإغاثة اللهفان 2222-226. والدين الخالص 2443-444.
(2/991)

كلّ ذلك مناقضٌ للنبوة؛ فإنّ النبي لا يكون إلا مؤمناً، وهؤلاء كفار؛ فوجود ما يناقض الإيمان هو مناقض للنبوة بطريق الأولى، وهو آيةٌ، ودليلٌ، وبرهان على عدم النبوة، فيمتنع أن يكون دليلاً على وجودها.
وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممّن ليس بنبيّ، لا يخرج عن مقدور الإنس والجن1. وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق2؛ فإنّ من الناس من يقول: إنّ المقدور لا بُدّ أن يكون في محلّ القدرة3.
__________
1 هذا من الفروق التي يميز بها النبيّ من المتنبئ، والصادق من الكاذب.
2 التي أقدر الله عليها الجن والإنس. انظر ما سبق ص 164، 223، 606، 361، 672.
3 هذا من تعريفات الأشاعرة للكسب - عندهم. انظر: شرح جوهرة التوحيد للباجوري ص 219. وشرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص 149-150.
وانظر كذلك: مجموع الفتاوى 8404، 467. وشفاء العليل لابن القيم ص 121-122.
وهذه المسألة لها تعلّق بالاستطاعة والقدرة.
وقد وقع الخلاف فيها على أقوال، تبعاً للخلاف الواقع في القدر:
فالجهميّة، وهم الجبرية: قالوا بنفي القدرة لا مع الفعل ولا قبله؛ لأنّ العبد عندهم لا اختيار له.
والمعتزلة: أثبتوا القدرة قبل الفعل، ونفوا أن تكون معه.
أما الأشاعرة، فقالوا: إن القدرة مع الفعل، لا يجوز أن تتقدمه، ولا أن تتأخّر عنه، بل هي مقارنة له، وهي من الله تعالى، وما يفعله الإنسان بها فهو كسب له.
وأهل السنة قالوا: إن القدرة تقع على نوعين:
أ - قدرة أو استطاعة للعبد، بمعنى الصحة والتوسع والتمكن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل. فهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل تكون قبله متقدمة عليه.
ب- والاستطاعة أو القدرة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له.
انظر: الملل والنحل 185. والإرشاد ص 219-220. والإنصاف ص 46. والتمهيد ص 323-325. ومجموع الفتاوى 8129-130، 290-292، 371-376، 441، 1032، 18172-173. ودرء تعارض العقل والنقل 9241 وشرح الطحاوية ص 633-639. وموقف ابن تيمية من الأشاعرة 31331-1332. والماتريدية ص 424-425.
وقد ناقش شيخ الإسلام رحمه الله قضية الكسب عند الأشاعرة، وردّ عليها في مواضع عديدة من مصنّفاته القيّمة، فمن ذلك قوله عنهم: "وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه، وبين الخلق؛ فقالوا: الكسب: عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة. وقالوا أيضاً: الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه، والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه. فقال لهم الناس: هذا لا يُوجب فرقاً بين كون العبد كسب، وبين كونه فعل وأوجد وصنع وعمل ونحو ذلك؛ فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو أيضاً مقدور بالقدرة الحادثة، وهو قائم في محلّ القدرة الحادثة. وأيضاً فهذا فرق لا حقيقة له؛ فإنّ كون المقدور في محل القدرة أو خارجاً عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه، وهو مبني على أصلين: أن الله لا يقدر على فعل يقوم بنفسه، وأن خلقه للعالم هو نفس العالم. وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك. والثاني: أن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في محل وجودها، ولا يكون شيء من مقدورها خارجاً عن محلها. وفي ذلك نزاع طويل ليس هذا موضعه. وأيضاً: فإذا فسر التأثير بمجرد الاقتران، فلا فرق بين أن يكون الفارق في المحل أو خارجاً عن المحل". مجموع الفتاوى 8119.
وانظر عن الكسب عند الأشاعرة: مجموع الفتاوى 8118-120، 387، 403، 467-468. والصفدية 1149-153. وشرح الأصفهانية ص 149-150، 350. ودرء تعارض العقل والنقل 182-84، 465،، 649، 7247-248، 9167، 10114-115.
(2/992)

وليس هذا هو لغة العرب، ولا غيرهم من الأمم؛ لا لغة القرآن والحديث، ولا غيرهما، وإنّما يدّعون ذلك من جهة العقل. وقولهم في ذلك باطل من جهة العقل.
لكن المقصود هنا التكلم باللغة المعروفة؛ لغة العرب، وغيرهم التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره يخاطب بها الناس؛ كقوله في الحديث الصحيح لأبي مسعود1 لما ضرب غلامه: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا" 2؛ فجعل نفس المملوك مقدورا عليه [لسيده] 3،
__________
1 هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، أبو مسعود البدري. صحابي جليل. وهو معدود من علماء الصحابة. نزل الكوفة، ومات قبل الأربعين، وقيل بعدها.
انظر: سير أعلام النبلاء 2493-496. وتقريب التهذيب 1682.
2 أخرجه مسلم في صحيحه31280-1281، كتاب الإيمان، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبد هـ. وأبو داود في سننه 5360-361، كتاب الأدب، باب في حق المملوك. والترمذي في جامعه 4335، كتاب البر، باب النهي عن ضرب الخدم، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
3 في ((ط)) : لسيدة.
(2/994)

كما يقول الناس: القوّة على الضعيف ضعفٌ في القوة، [ويقولون] 1: فلانٌ قادر على فلان، وفلانٌ عاجز عن فلان، ويقولون: فلانٌ ناسج هذا الثوب، و [بَنَى] 2 هذه الدار. ومنه: قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الفُلْكَ} 3؛ فجعل الفلك مصنوعة لنوح. ومنه: قوله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 4؛ أي والأصنام التي تعملونها، وتنحتونها؛ فجعل ما في الأصنام من التأليف معمولاً لهم، كما جعل تأليف السفينة مصنوعاً لهم. وهذا كثير5.
والمقصود هنا: أنّ ما يأتي به السحرة والكهان ونحوهم، هو ممّا يصنعه الإنس والجنّ، لا يخرج ذلك عنهم. والإنس والجنّ قد أُرسلت إليهم الرسل6، فآيات الأنبياء خارجة عن قدرة الإنس والجن؛ لا يقدر عليها لا الإنس ولا الجن، ولله الحمد والمنة.
مقدورات الجن والإنس
ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الإنس، لكن يختلف في المواضع؛ فإنّ الإنسي يقدر على أن يضرب غيره حتّى يمرض أو يموت، بل يقدر أن يكلمه بكلام يمرض به أو يموت.
فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت، هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور الإنس.
__________
1 في ((ط)) : ويوقولن.
2 في ((ط)) : بني.
3 سورة هود، الآية 38.
4 سورة الصافات، الآية 96.
5 انظر مجموع الفتاوى 8120-123.
6 كما قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا..} سورة الأنعام، الآية 130.
(2/995)

ومنعه من الجماع هو من جنس المرض المانع له من ذلك.
والحب والبغض لبعض الناس، كما يفعله الساحر، هو من استعانته بالشياطين، وهو من جنس مقدور الإنس. بل شياطين الإنس قد يؤثرون من البغض والحب أعظم مما تؤثره شياطين الجن.
والجنّ [تقدر] 1 على الطيران في الهواء، وهو من الأعمال. والطيور تطير، فهو من جنس مقدور الإنس. لكن يختلف المحل [بأنّ] 2 هؤلاء سيرهم في الهواء، والإنس سيرهم على الأرض.
وكذلك المشي على الماء، وطيّ الأرض؛ وهو قطع المسافة البعيدة في زمان قريب: هو من هذا الجنس، هو مما تفعله الجن، وهو مما تفعله الجن ببعض الناس. وقد أخبر الله عن العفريت أنه قال لسليمان عن عرش بلقيس وهو باليمن وسليمان بالشام: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} 3. ولهذا يوجد كثيرٌ من الكفار والفساق والجهال تطير بهم الجن في الهواء، وتمشي بهم على الماء، وتقطع بهم المسافة البعيدة في المدة القريبة.
وليس شيءٌ من ذلك من آيات الأنبياء4، ولله الحمد والمنة؛ إذ كان مقدور الإنس والجنّ، والإخبار ببعض الأمور الغائبة التي يأتي بها الكهّان، هو أيضاً من مقدور الجنّ؛ فإنهم تارة يرون الغائب فيخبرون به، وتارة يسترقون السمع من السماء فيخبرون به، وتارة
__________
1 في ((خ)) : يقدر. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((خ)) : أنّ. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 سورة النمل، الآية 39.
4 وقد ذكر الشيخ رحمه الله قصصاً كثيرة من هذا النوع.
انظر: مجموع الفتاوى182-83، 168-178. ومنهاج السنة النبوية 8311.
(2/996)

يسترقون وهم يكذبون في ذلك؛ كما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عنهم1.
وما تخبر به الأنبياء من الغيب، لا يقدر عليه إنس، ولا جنّ، ولا كذب فيه.
وأخبار الكهان وغيرهم كذبها أكثر من صدقها، وكذلك كل من تعود الإخبار عن الغائب؛ فأخبار الجن لا بد أن [تكذب] 2، فإنه من طلب منهم الإخبار بالمغيّب كان من جنس الكهان، وكذبوه في بعض ما يخبرون به، وإن كانوا صادقين في البعض.
وقد ثبت في الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكهّان؟ فقيل له: إنّ منا قوماً يأتون الكهان؟ قال: "فلا يأتوهم" 3.
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من أتى عرافاً، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً"4.
__________
1 يُشير شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ عن الكهان، فقال: "ليسوا بشيء"، فقالوا: يارسول الله إنهم يحدثون أحياناً بالشيء فيكون حقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرقرها في أذن وليه، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة".
أخرجه البخاري52173، كتاب الطب، باب الكهانة. ومسلم41750، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان.
2 في ((خ)) : يكذب. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
3 أخرجه مسلم في صحيحه 41748-1749، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، مع اختلاف في اللفظ.
4 أخرجه مسلم في صحيحه 41751، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان. وأحمد في مسنده 468،، 5380.
(2/997)

وفي السنن عنه أنه قال: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"1.
والنبي صلى الله عليه وسلم لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد [الأقصى] 2، لم يكن المقصود مجرّد وصوله إلى الأقصى، بل المقصود ما ذكره الله [بقوله] 3: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} 4، كما قال في سورة النجم: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنَّة المَأوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى} 5.
وما رآه مختص بالأنبياء، لا يكون ذلك لمن خالفهم، ولا يريه الله تعالى ما أراه محمدا حين أسرى به. وكذلك صلاته بالأنبياء في المسجد الأقصى، وركوبه على البراق؛ هذا كله من خصائص الأنبياء.
بعض خوارق الشياطين لأوليائهم
والذين تحملهم الجن، وتطير بهم من مكان إلى مكان، أكثرهم لا يدري كيف حُمِل، بل يُحمَل الرجل إلى عرفات، ويرجع، وما يدري كيف حملته الشياطين، ولا يدعونه يفعل ما أمر الله به كما أمر الله به، بل قد يقف بعرفات
من غير إحرام ولا إتمام مناسك الحج، وقد يذهبون به إلى مكة،
__________
1 أخرجه أبو داود في سننه 415-16، كتاب الطب، باب في النجوم. وأحمد في مسنده 1227، 311. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: رواه أبو داود بإسناد صحيح. (تيسير العزيز الحميد ص 400) . وصححه الألباني (انظر: السلسلة الصحيحة 2435رقم 793. ومشكاة المصابيح 4604) . وقال محقق معارج القبول (2562) : وسنده صحيح.
2 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
3 في ((ط)) : بقول.
4 سورة الإسراء، الآية 1.
5 سورة النجم، الآيات 13-18.
(2/998)

ويطوف بالبيت من غير إحرام إذا حاذى الميقات1. [وذلك] 2 واجب في أحد قولي العلماء، ومستحب في الآخر3، فيفوته المشروع، أو يوقعونه في الذنب، ويُغرونه بأنّ هذا من كرامات الصالحين.
وليس هو مما يكرم الله به وليّه، بل هو ممّا أضلته به الشياطين، وأوهمته أن ما فعله قربة وطاعة4، أو يكون صاحبه له عند الله منزلة عظيمة.
__________
1 الميقات: واحد المواقيت، وهي التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أراد الحج، أو العمرة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة. فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها".
راجع صحيح البخاري 1555، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام، وصحيح مسلم 2838، 839، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة.
2 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
3 انظر المغني لابن قدامة 569.
4 وقد تحدّث شيخ الإسلام في موضع آخر عن هؤلاء، فقال: "ومنهم من يطير به الجني إلى مكة، أو بيت المقدس، أو غيرهما. ومنهم من تحمله عشية عرفة ثم تعيده من ليلته، فلا يحج حجاً شرعياً، بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يلبي، ولا يقف بمزدلفة، ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يرمي الجمار، بل يقف بعرفة بثيابه، ثم يرجع من ليلته. وهذا ليس بحج مشروع باتفاق المسلمين، بل هو كمن يأتي الجمعة ويصلي بغير وضوء إلى غير القبلة.
ومن هؤلاء المحمولين من حمل مرة إلى عرفات ورجع، فرأى في النوم ملائكة يكتبون الحجاج، فقال: ألا تكتبوني؟ فقالوا: لست من الحجاج؛ يعني لم تحج حجاً شرعياً". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 327. وانظر: مجموع الفتاوى 183، 174،، 17460،، 1948. والصفدية 1190. والجواب الصحيح 2331-332.
(2/999)

وليس هو قربةٌ وطاعةٌ، وصاحبه لا يزداد بذلك منزلة عند الله؛ فإنّ التقرّب إلى الله إنّما يكون بواجبٍ أو مستحب، وهذا ليس بواجب ولا مستحب، بل يُضلّون صاحبه، ويصدّونه عن تكميل ما يحبه الله منه؛ من عبادته، وطاعته، وطاعة رسوله، ويوهمونه أن هذا من أفضل الكرامات، حتى يبقى طالباً له، عاملاً عليه.
وهم بسبب إعانتهم له على ذلك، قد استعملوه في بعض ما يريدون، ممّا ينقص قدره عند الله، أو وقوعه في ذنوب، وإن لم يعرف أنها ذنوب؛ فيكون ضالاً ناقصاً، وإن غُفِر له ذلك لعدم علمه؛ فإنّه نقصُ درجته، وخفض [منزلته] 1 بذلك الذي أوهموه أنه رَفَعَ درجته وأعلا منزلته.
وهذا من جنس ما [يفعله] 2 السحرة؛ فإنّ الساحر قد يصعد في الهواء والناس ينظرونه، وقد يركب شيئا من الجمادات؛ إما قصبة، وإما خابية، وإما مكنسة3، وإما غير ذلك؛ فيصعد به في الهواء، وذلك أن الشياطين تحمله.
وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثيرٍ من العبّاد والضلال؛ من عبّاد المشركين، وأهل الكتاب، والضُلاّل من المسلمين؛ [فتحملهم] 4 من مكان إلى مكان.
__________
1 في ((خ)) : منزله. وما أثبت من ((م)) ، و ((ط)) .
2 في ((م)) ، و ((ط)) : تفعله.
3 المكنسة - بكسر الميم - ما يُكنس به.
وقد تقدم التعريف بها ص 164.
4 في ((م)) ، و ((ط)) : فيحملهم.
(2/1000)

وقد يرى أحدهم بما يركبه إما فرس، وإما غيره، وهو شيطانٌ تصوّر له في صورة مركوب.
وقد يرى أنه يمشي في الهواء من غير مركوب، والشيطان قد حمله.
والحكايات في هذا كثيرة معروفة عند من يعرف هذا الباب، ونحن نعرف من هذا أموراً يطول وصفها1.
__________
1 وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع أخرى قصصاً كثيرة، منها قوله: "وأعرف من هؤلاء عدداً، ومنهم من كان يُحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق، تسرقه الشياطين، وتأتيه به. ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس، أو لعطاء يعطونه إذا دلّهم على سرقاتهم ونحو ذلك". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 426.
وقال أيضاً رحمه الله: "ومثل عدد كبير حملوا إلى غير مكة، ولو ذكرتُ ما أعرفه من هذا لطال الخطاب. وأعرف شخصاً من أصحابنا حملته الجن في الهواء من أسفل دار إلى أعلاها، ووصوه بأمور الدين، وتاب، وحصل له خير. وآخر كان معه شيطان يحمله قدام الناس بمدينة الشوبك، فيصعد في الهواء إلى رؤوس الجبال. وآخر كان يحمله شيطانه من جبل الصالحية إلى قرية بلدى - نحو فرسخ -. وطائفة حملتهم الشياطين من مدينة تدمر إلى بيت المقدس، وأمرتهم أن يصلوا إلى الشمال، وصلّوا إليه أياماً، وأخبروهم أن هذه الشريعة تغيّر وتنسخ، حتى طلبهم المسلمون إلى جامع تدمر، وكانوا في مغارة، واستتابوهم، فلم يتوبوا، بل مكثوا يصلون إلى الشمال ثلاثة أيام، ثم تابوا بعد ذلك، وتبين لهم أن ذلك كان من الشيطان. وآخر أتى قوماً يرقصون في سماع، فبقي يرقص في الهواء على رؤوسهم، فرآه شخص، فصرخ به، فسقط. وكان هذا بحضرة الشيخ شبيب الشطي، فقال الشيخ: هذا سلبني حالي، فسأله، فقال: لم يكن له حال، وإنما شيطان حمله من الرحبة إلى هنا، فصرخت فيه، فألقاه، وهرب. وجرى نظير هذه القصة لغير واحد". الصفدية 1190-191.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله القصة نفسها في: جامع الرسائل 1192-193، ومجموع الفتاوى 1173-174.
وقد ذكر الشيخ رحمه الله كثيراً من هذه الحكايات عن أولياء الشيطان، ثم قال: "وهذا باب لو ذكرتُ ما أعرف منه لاحتاج إلى مجلد كبير". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 353.
(2/1001)

وكذلك المشي على الماء: قد [تجعل] 1 له الجن ما يمشي عليه، وهو يظن أنّه يمشي على الماء. وقد يُخيّلون إليه أنه التقى طرفا النهر ليعبر، والنهر لم يتغيّر في نفسه، ولكن خيّلوا إليه ذلك. وليس في هذا - ولله الحمد - شيءٌ من جنس معجزات الأنبياء.
كرامات الصالحين من جهة السبب والغاية
وقد يمشي على الماء قوم بتأييد الله لهم، وإعانته إياهم بالملائكة؛ كما يحكى عن المسيح2، وكما جرى للعلاء بن الحضرمي3، ولأبي مسلم الخولاني في عبور الجيش4، وذلك إعانة على الجهاد في سبيل [الله] 5، كما يؤيّد الله المؤمنين بالملائكة، ليس هو من فعل الشياطين. والفرق بينهما؛ من جهة السبب، ومن جهة الغاية.
أما السبب: فإنّ الصالحين يُسمّون الله، ويذكرونه، ويفعلون ما يحبه الله؛ من توحيده، وطاعته، فييسر لهم بذلك ما ييسره، ومقصودهم به: نصر الدين، والإحسان إلى المحتاجين6.
__________
1 في ((م)) ، و ((ط)) : يجعل.
2 انظر: العهد الجديد: إنجيل مرقس، الإصحاح 6، رقم الفقرة 48، 49-53، ص 67. وإنجيل يوحنا، الإصحاح 6، رقم الفقرة 19، ص 157. وانظر الجواب الصحيح 4120، 123.
3 سبقت ترجمته.
4 انظر ما سبق ص 159 من هذا الكتاب.
5 ما بين المعقوفتين ساقط من ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) .
6 قد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا السبب مفصلاً في موضع آخر، فقال: "فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطناً وظاهراً لحجة، أو حاجة. فالحجة: لإقامة دين الله. والحاجة: لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله". مجموع الفتاوى 11460. وانظر: المصدر نفسه 184، 176-177. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 169، 328، 354.
(2/1002)

وما تفعله الشياطين يحصل بسبب الشرك، والكذب، والفجور1، والمقصود به: الإعانة على مثل ذلك.
والجن فيهم مسلمٌ وكافر، فالمسلمون منهم يعاونون الإنس المسلمين، كما يعاون المسلمون بعضهم بعضاً، والكفّار مع الكفّار.
أصناف طاعة الجن للإنس
والجن الذين يطيعون الإنس، وتستخدمهم الإنس ثلاثة أصناف2:
أعلاها: أن [يأمروهم] 3 بما أمر الله به، ورسله؛ فيأمرونهم بعبادة الله وحده، وطاعة رسله؛ فإنّ الله أوجب على الجنّ طاعة الرسل، كما أوجب ذلك على الإنس، وقال تعالى: {وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ [فِيهَا] 4 إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً [بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] 5 يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيكُمْ [آيَاتِي] 6
__________
1 انظر: مجموع الفتاوى 184. والجواب الصحيح 2343. والفرقان ص 169، 328، 355.
2 انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص331، 364-365. والفرقان بين الحق والباطل - ضمن دقائق التفسير - 1429. ودقائق التفسير 3118، 137-138، 139-143. ومجموع الفتاوى 1935،، 1387-88؛ فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المواضع أحوال الجن مع الإنس.
3 في ((ط)) : يأمورهم.
4 ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) .
5 ما بين المعقوفتين ملحق بهامش ((خ)) .
6 ما بين المعقوفتين ملحق في ((خ)) بين السطرين.
(2/1003)

وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَومِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ال