Advertisement

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 001



الكتاب: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: مجموعة من المحققين
الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة: الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أعده للشاملة: محمد المنصور
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: مجموعة من المحققين
الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة: الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________

المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة

بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية

تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت 728هـ)

الجزء الأول
سبب تأليف الكتاب - العلو - الاستواء - الجهة -
الوجه - اليد - الدهر - الوجود

حققه
د. يحيى بن محمد الهنيدي
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما وصفه به خلقه، الذي لا يبلغ شكر نعمته إلا بنعمته، ولا تنال طاعته إلا بمعونته.
والحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) } [الأحزاب: 70-71] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا
(1/3)

تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) } [آل عمران: 102-107] .
أما بعد فإني كنت سئلت من مدة طويلة، بعيد سنة تسعين وستمائة عن الآيات والأحاديث الواردة في صفات الله، في فتيا قدمت من حماة، فأحلت السائل على غيري، فذكر أنهم يريدون الجواب مني لا بد، فكتبت الجواب في قعدة بين الظهر والعصر، وذكرت فيه مذهب السلف والأئمة والمبني على الكتاب والسنة، المطابق لفطرة الله التي فطر الناس عليها، ولما يعلم بالأدلة العقلية، التي لا تغليظ فيها، وبينت ما يجب من مخالفة الجهمية المعطلة؛ ومن قابلهم من المشبهة
(1/4)

الممثلة، إذ مذهب السلف والأئمة؛ أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال نعيم بن حماد
(1/5)

الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيهًا.
وكان السلف والأئمة، يعلمون أن مرض التعطيل، أعظم من مرض التشبيه، كما يقال: المعطل أعمى، والمشبه أعشى، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا.
فكان كلامهم وذمهم للجهمية المعطلة أعظم من كلامهم وذمهم للمشبهة الممثلة، مع ذمهم لكلا الطائفتين. وحصل بعد ذلك من الأهواء والظنون ما اقتضى أن اعترض قوم على خفي هذه الفتيا بشبهات مقرونة بشهوات.
وأوصل إليّ بعض الناس مصنفًا لأفضل القضاة المعارضين،
(1/6)

وفيه أنواع من الأسئلة والمعارضات، فكتبت جواب ذلك وبسطته في مجلدات.
ثم رأيت أن هؤلاء المعترضين ليسوا مستقلين بهذا الأمر، استقلال شيوخ الفلاسفة والمتكلمين، فالاكتفاء بجوابهم لا يحصل ما فيه المقصود للطالبين، وآثار الكلام فيها الشبه المعارضة لما أنزل الله من الكتاب، حتى صارت السنة تُضِلُّ ما شاء الله من الفضلاء، أولي الألباب في هذا الباب، وحصل من الاشتباه والالتباس، ما أوجب حيرة أكثر الناس، واستشعر المعارضون لنا، أنهم عاجزون عن المناظرة، التي تكون بين أهل العلم والإيمان، فعدلوا إلى طريق أهل الجهل والظلم والبهتان، وقابلوا أهل السنة بما قدروا عليه من البغي باليد عندهم واللسان، نظير ما فعلوه قديمًا من الامتحان.
(1/7)

وإنما يعتمدون على ما يجدونه في كتب المتجهمة المتكلمين. وأجل من يعتمدون كلامه هو أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي إمام هؤلاء المتأخرين، فاقتضى ذلك أن أتم الجواب عن «الاعتراضات المصرية، الواردة على الفتيا الحموية» بالكلام على ما ذكره أبو عبد الله الرازي في كتابه الملقب «بتأسيس التقديس» ليتبين الفرق بين البيان والتلبيس، ويحصل بذلك تخليص التلبيس، ويعرف فصل الخطاب فيما في هذا الباب، من أصول الكلام، التي كثر بسببها بين الأمة النزاع والخصام، حتى دخلوا فيما نهوا عنه من الاختلاف في الكتاب، والقول على الله بغير علم الخطأ من الصواب، بل في أنواع الشك، بغير بيان من الله ولا دليل، ودخلوا فيما [يخالف
(1/8)

النصوص] من البراهين العقلية المعارضة.
(وإذا حققت القضايا العقلية الصريحة، ظهر دلالتها على فساد ما عارضوا به النصوص الصحيحة، التي التبست على كثير، ووقع بها التلبيس، وأنا أذكر ما ذكره أبو عبد الله الرازي، من) مذاهب أهل النفي والتعطيل، وما السبب الذي ضلوا به عن السبيل، لتقام المناظرة، مقام عدل وإنصاف، وإن كان المخالف من أهل الجهل والانحراف.
قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46] وأكثر الطالبين للعلم والدين، ليس لهم قصد من غير الحق المبين، لكن كثرتْ في هذا الباب الشبه والمقالات، واستولت على القلوب أنواع الضلالات، حتى صار القول الذي لا يشك من أوتي العلم والإيمان، أنه مخالف للقرآن والبرهان، بل لا يشك في أنه كفر بما جاء به الرسول من رب العالمين، قد جهله كثير من أعيان الفضلاء، [فظنوا] أنه
(1/9)

من محض العلم والإيمان، بل لا يشكـ[ون] في أنه مقتضى صريح العقل والعيان، [ولا] يظنون أنه مخالف لقواطع البرهان، ولهذا كنت أقول لأكابرهم: لو وافقتكم على ما تقولونه لكنت كافرًا مريدًا -لعلمي بأن هذا كفر مبين- وأنتم لا تكفرون لأنكم من أهل الجهل بحقائق الدين، ولهذا كان السلف والأئمة يكفرون الجهمية في الإطلاق والتعميم، وأما المعين منهم فقد يدعون له ويستغفرون له لكونه غير عالم بالصراط المستقيم، وقد يكون العلم والإيمان ظاهرًا لقوم دون آخرين، وفي بعض الأمكنة والأزمنة دون بعض بحسب ظهور دين المرسلين، فلهذا ذكرت ما ذكره «أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي» المعروف بابن خطيب الري، الإمام المطلق في اصطلاح المقتدين به من أهل الفلسفة والكلام، المقدَّم عندهم على من تقدمه من صنفه في الأنام، القائم عندهم بتجديد الإسلام، حتى قد يجعلونه في زمنه ثانيَ الصديق في هذا المقام، لما ردّه في ظنهم من أقاويل
(1/10)

الفلاسفة بالحجج العظام، والمعتزلة ونحوهم، ويقولون: إن «أبا حامد» ونحوه، لم يصلوا إلى تحقيق ما بلغه هذا الإمام، فضلًا عن «أبي المعالي» ونحوه، ممن عندهم فيما يعظمونه من العلم والجدل بالوقوف على نهاية الإقدام، وإن «الرازي» أتى في ذلك من نهاية العقول والمطالب العالية، بما يعجز عنه غيره من ذوي الإقدام، حتى كان فهم ما يقوله عندهم هو غاية المرام، وإن كان فضلاؤهم مع ذلك معترفين بما في كلامه من كثرة التشكيك في الحقائق، وكثرة التناقض في الآراء والطرائق، وأنه موقع لأصحابه في الحيرة والاضطراب، غير موصل إلى تحقيق الحق، الذي تسكن إليه النفوس وتطمئن إليه الألباب، لكنهم لم
(1/11)

يروا أكمل منه في هذا الباب، فكان معهم كالملك مع الحجَّاب، وكان له من العظمة والمهابة في قلوب الموافقين له والمخالفين ما قد سارت به الركبان، لما له من القدرة على تركيب الاحتجاج والاعتراض في الخطاب، وها نحن نذكر ما ذكره «أبو عبد الله الرازي» في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» وضمنه الرد على مثبتي الصفات، القائلين بالعلو على العرش وبالصفات الخبرية الواردة في الأحاديث والآيات، فإنه استقصى في هذا الباب الحجج التي للجهمية من السمعيات والعقليات، وبالغ فيها بأعظم المبالغات، إذ صنف الكتاب مفردًا في ذلك، مجردًا في أمور الذات، وتأول فيه الآيات والأحاديث، الواردة في ذلك بما ذكره من أباطيل التأويلات، وذكر فيه ما ذكره من حجج
(1/12)

مخالفيه، وأجاب عنها بما أمكنه من الجوابات فكان [عمدتهم في هذا الباب] فإذا عرف نهاية ما عند القوم من الدلائل والمقالات، كانت معرفة ذلك من أعظم نعم الله على من هداه، من أهل العلم والإيمان، فإنه يزداد بذلك يقينًا واستبصارًا، فيما جاء به القرآن والبرهان، ويتمكن من ذلك من نصر الله ورسوله بالغيب، وبيان ما في هؤلاء المخالفين للكتاب والسنة من العيب، ونحن ننبه عندما يذكره من أصول الكلام، على توصله إلى معرفة حقيقة ذلك المقام. وهذا الكتاب الذي صنفه الرازي على عادته وعادة أمثاله من المتفلسفة والمتكلمين في تصنيف الكتب لعظماء الدنيا من الملوك والوزراء، والقضاة والأمراء، وذويهم ليُنَفِّقُوا بجاه هؤلاء كلامهم حقًّا كان أو باطلًا، وسواء قصدوا به وجه الله، أو قصدوا به العلو في الأرض أو الفساد، وكان ملك الشام ومصر في زمانه الملك العادل، أبو بكر بن أيوب. فصنفه
(1/13)

وأهداه له، ظنًا أنه بجاهه ينتشر، واعتقادًا فيه أنه يختار مذهب أهل النفي، ولم يكن الملك من هؤلاء النفاة، كما أخبر بذلك عنه ابنه الأشرف وغيره، بل ظهر من سيرته ما يدل على محبته، وتعظيمه لأهل الإثبات، والله أعلم بحقيقة ما له في الدقائق المشكلات، والمعروف عنه وعن أهل بيته من تعظيم الحديث وأهله، والقيام بإحياء ذلك ينافي الطريقة التي نصرها الرازي في «تأسيس تقديسه» وإن كان في أهل بيته من يميل إلى النفي، ومنهم من يميل إلى الإثبات، فلعله كان في بعض حاشيته من يميل إلى النفي، وكان للرازي من الشهرة ما أوجب استعانة النفاة به، والله أعلم [بـ] أمثال هذه الأحوال، وقد ذكر في خطبة كتابه، ما هو من جنس خطب الجهمية، التي كان يخطب بمثلها أحمد بن أبي دؤاد، على طريقة بشر
(1/14)

المَرِيسي وذويه، فقال في خطبته: «المتعالية عن شوائب التشبيه والتعطيل صفاته وأسماؤه» وهذا حق، ثم قال: «فاستواؤه: قهره واستيلاؤه، ونزوله: بره وعطاؤه، ومجيئه: حكمه وقضاؤه، ووجهه: وجوده أو جوده وحباؤه، وعينه: حفظه، وعونه: اجتباؤه، وضحكه: عفوه، أو إذنه وارتضاؤه، ويده: إنعامه وإكرامه واصطفاؤه» .
(1/15)

ثم قال: «وإني وإن كنت ساكنًا في أقصى بلاد المشرق، إلا أني سمعت أهل المشرق والمغرب، مطبقين متفقين، على أن السلطان المعظم، العالم العادل المجاهد، سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أفضل سلاطين الحق واليقين «أبا بكر بن أيوب» لا زالت آيات راياته في تقوية الدين الحق، والمذهب الصدق، متصاعدة إلى عَنَان السماء وآثار أنوار قدرته ومكنته باقية، بحسب تعاقب الصباح والمساء، أفضل الملوك وأكمل السلاطين، في آيات الفضل، وبينات الصدق، وتقوية الدين القويم، ونصرة الصراط المستقيم، فأردت أن أتحفه بتحفة سنية، وهدية مرضية، فأتحفته بهذا الكتاب، الذي سميته «بأساس التقديس» على بعد الدار وتباين الأقطار» .
قلت: وفي إظهاره من جهة المشرق، ما لم يرد به الكتاب والسنة، بل يخالف ذلك مطلقًا، من اجتناب ذلك
(1/16)

واتقائه، حيث قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم إخباره بأن الفتنة ورأس الكفر من المشرق، الذي هو مشرق مدينته كنجد وما يشرق عنها، كما في الصحيحين عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: «ألا إن الفتنة من ههنا -يشير إلى المشرق- من حيث يطلع قرن الشيطان» وفي رواية «قال -وهو مستقبل
(1/17)

المشرق-: إن الفتنة ههنا ثلاثًا» وذكر في رواية لمسلم: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة، قال: «رأس الكفر من ههنا ومن
(1/18)

حيث يطلع قرن الشيطان» وأخرجاه من حديث نافع عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» ورواه البخاري من
(1/19)

حديث عبد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا. قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا. فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرن الشيطان» . وفي الصحيحين من حديث الأعمش، عن أبي صالح، ذكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن،
(1/20)

هم ألين قلوبًا، وأرق أفئدة، والإيمان يماني، والحكمة يمانية، ورأس الكفر قبل المشرق» وفي رواية: «والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» .
ورواه البخاري من حديث أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان يماني، والفتنة ههنا، ههنا حيث يطلع قرن الشيطان» .
(1/21)

ورواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان يمان والكفر قبل المشرق، والسكينة في أهل الغنم، والفخر والرياء في الفدّادين؛ أهل الخيل والوبر» . ورواه
(1/22)

مسلم أيضًا من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاء أهل اليمن، أرق أفئدة، وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان، الحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدَّادين أهل الوبر، قبل مطلع الشمس» . ولا ريب أنه من هؤلاء ظهرت الردَّة وغيرها من الكفر، من جهة «مسيلمة الكذاب» وأتباعه، و «طليحة الأسدي»
(1/23)

وأتباعه، و «سجاح» وأتباعها، حتى قاتلهم «أبو بكر الصديق» ومن معه من المؤمنين، حتى قتل من قتل، وعاد إلى الإسلام من عاد مؤمنًا أو منافقًا.
(1/24)

قال «الرازي» : «ورتبت الكتاب على أربعة أقسام، القسم الأول: في الدلائل الدالة على أنه تعالى منزه عن الجسمية، والحيز. وفيه فصول.
الفصل الأول: في تقرير المقدمات التي يجب إيرادها، قبل الخوض في الدلائل، وهي ثلاثة:
المقدمة الأولى: اعلم أنا ندعي وجود موجود، لا يمكن أن يشار إليه بالحس، أنه ههنا أو هنالك، أو نقول: إنا ندعي وجود موجود غير مختص بشيء من الأحياز والجهات، أو نقول: إنا ندعي وجود موجود غير حال في العالم، ولا مباين عنه في شيء
(1/25)

من الجهات الست، التي للعالم، وهذه العبارات متفاوتة والمقصود من الكل شيء واحد» .
قلت: قوله: «من الجهات الست التي للعالم» قد يستدرك عليه، كما قرره في هذا الكتاب وغيره، فإن العالم ليس له ست جهات، بل ليس له إلا جهتا العلو والسفل فقط، وإنما الجهات الست للحيوان، كالإنسان وغيره من الدواب، الذي يؤم جهة فيكون أمامَها، ويُخَلِّفُها فتكون خلفه وتحاذي أعلاه وأسفله، ويمينه وشماله، فلو قال: من الجهات الست، وسكت لكان أجود، لأن الجهات الست حينئذٍ تكون [للإنسان] ونحوه، أو لو قال: من الجهات الست [التي للحيوان] ، ولكن المقصود بكلامه معروف؛ وهو دعواه ودعوى موافقيه النفاة؛ وهم الجهمية عند السلف وأهل الحديث وأتباعهم، فإن أول من أظهر هذه المقالة، المنافية للإسلام، ودعا إليها، واتبع عليها «الجهم» فمقصوده: ذكر دعواه، ودعوى هؤلاء النفاة معه؛
(1/26)

وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين له.
قال «الرازي» : «ومن المخالفين من يدعي: أن فساد هذه المقدمات معلوم بالضرورة، وقالوا: لأن العلم الضروري حاصل، بأن كل موجودَيْن، فإنه لا بد وأن يكون أحدهما حالًّا في الآخر، أو مباينًا عنه، مختصًّا بجهة من الجهات الست المحيطة به. قالوا: وإثبات موجودَيْن، على خلاف هذه الأقسام السبعة، باطل في بديهة العقل» .
قلت: الذي يدعيه هؤلاء: أن كل موجودَيْن، فإنه لا بد وأن يكون أحدهما حالًّا في الآخر، أو مباينًا له، ويلزم من ذلك أن يكون مختصًّا بعينِ غيره، ولا يجب أن يقولوا: إنه لا بد أن يختص بجهة من الجهات الست، المحيطة به، إلا أنه يجب أن يكون لكل موجود ست جهات، وهذا ليس مما يعلم ولا يقوم
(1/27)

عليه دليل شرعي ولا عقلي، وإن كان قد يَظُنُّ هذا بعض الناس ظنًّا لا دليل عليه، بل المعلوم لكثير من الناس بالأدلة الشرعية [و] العقلية أن العالَََمَ ليس له ست جهات، بل جهتان العلو والسفل، وفي الجملة فمن المعلوم بالضرورة لكل أحد، إمكان وجود جسم مستدير، وأنه ليس له ست جهات، بل جهة أعلاه ومحيطه، وجهة سفله ومركزه، ومعلوم أن الموجود مع هذا الجسم، لا يقول عاقل: إنه يجب أن يكون مختصًا بجهة من الجهات الست المحيطة به، إذ ليس له ست جهات، بل لا يحيط به إلا جهة واحدة، فالمباين له لا يكون مختصًا إلا بجهة واحدة، لا بست جهات، فهؤلاء يقولون: إثبات موجودين على خلاف هذين القسمين يكون باطلًا بالضرورة، وهو أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر محايثًا له أو مباينًا له منفصلًا عنه، سواء كان مباينته بجهة واحدة أو جهات متعددة، إذا عرف ذلك فالقول بأن هذا القول المتضمن إثبات موجودين لا متحايثين ولا متباينين باطل بالضرورة، معلوم الفساد بالفطرة، وهو قول عامة أئمة الإسلام وأهل العلم، كما صرحوا بذلك في مواضع
(1/28)

لا تحصى من كلامهم، وذكروا أن هذا النفي الذي ذكره جهم، مما يعلم بفطرة الله التي فطر الناس عليها، أنه باطل محال متناقض، لوصفه لواجب الوجود بماهو ممتنع الوجود، فهم مع إقرارهم بوجوده، وصفوه بما هو نفي وتعطيل، وسلب لوجوده، وهو قول عامة أهل الفطر السليمة من جميع أصناف بني آدم من المسلمين، واليهود والنصارى، والمشركين وغير [هم] وقد ذكرنا بعض ما في ذلك من كلام الأئمة في غير هذا
(1/29)

الموضع.
كما قال عبد العزيز بن يحيى الكناني المشهور، صاحب الشافعي، صاحب «الحيدة» في كتاب «الرد على الزنادقة والجهمية» : «باب قول الجهمي في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] . زعمت الجهمية أن قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] إنما المعنى: استولى، كقول العرب: استوى فلان على مصر، استوى فلان على الشام، يريد: استولى عليها. فإن البيان لذلك بأن يقال له: هل يكون
(1/30)

خلقٌ من خلقِ الله تعالى، أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه؟ فإذا قال: لا. قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، يقال له: يلزمك أن تقول: العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، ذلك أن الله تعالى أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السموات والأرض، قال الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] ، فأخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض، ثم خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرًا، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر: 7] وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } [البقرة: 29] ، وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] ، فأخبر أنه استوى على العرش، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش فيها قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه، إذ كان استوى على العرش معناه عندك: استولى، فإنما استوى بزعمه في ذلك الوقت لا قبله.
وقد روى عِمرَان بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقبلوا
(1/31)

البشرى يا بني تميم» قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، قال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن» قالوا: قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: «كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح ذكر كل شيء» . وروي عن أبي رُزَين العُقَيلي وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته أنه قال: يا رسول الله أين كان الله ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «كان في عماء، فوقه هواء وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء» . فقال، يعني الجهمي: أخبرني كيف استوى على
(1/32)

العرش؟ أهو كما يُقال: استوى فلان على السرير، فيكون السرير قد حوى فلانًا وحده، إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول: إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنَّا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.
باب البيان لذلك. يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحَرَّمَ عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف ذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحَرَّم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا
(1/33)

بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استواؤه إلى الله، ولكن لزمك أيها الجهمي أن تقول، إن الله عز وجل محدود، وقد حوته الأماكن إذا زعمت في دعواك أنه في الأماكن، لأنه لا يُعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان في البيت، والماء في الجُبِّ، والبيت قد حوى فلانًا والجُبُّ قد حوى الماء.
ويلزمك أشنع من ذلك، لأنك قلت أفظع مما قالت النصارى وذلك أنهم قالوا: إن الله عز وجل حلّ في عيسى، وعيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك وقيل لهم: ما أعظم الله تعالى إذ جعلتموه في بطن مريم! وأنتم تقولون: إنه في كل مكان، وفي بطون النساء كلها، وبدن عيسى، وأبدان الناس
(1/34)

كلهم، ويلزمك أيضًا أن تقول: إنه في أجواف الكلاب والخنازير، لأنها أماكن، وعندك أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! فلما شنعت مقالته قال: أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء، ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء.
باب البيان لذلك: يقال له: أصل قولك القياس والمعقول، فقد دلَّلت بالقياس والمعقول، على أنك لا تعبد شيئًا، لأنه لو كان شيئًا ما خلا في القياس والمعقول، أن يكون داخلًا [في الشيء] أو خارجًا منه، فلما لم يكن في قولك شيءٌ، استحال أن يكون كالشيء في الشيء، أو خارجًا من الشيء، فوصفت شيئًا لا وجود له؛ وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل» .
قلت: فقد بيَّن أن القياس والمعقول يوجب أن [ما] لا يكون في الشيء ولا خارجًا منه، فإنه لا يكون شيئًا، وأن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له، فالقياس: هو الأقيسة العقلية، والمعقول: هو العلوم الفطرية، وذكر بعد هذا كلامًا في تمام هذه المسألة لا يناسب هذا المكان.
وقال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فيما
(1/35)

خرجه في «الرد على الزنادقة والجهمية، فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولت غير تأويله» ، وقد ذكر هذا الكتاب أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» ونقله بألفاظه، وذكره القاضي أبو يعلى وغيرهما.
قال فيه: «بيان ما أنكرت الجهمية الضلال، أن يكون الله تعالى على العرش.
قلنا: لِم أنكرتم ذلك؟ إن الله سبحانه على العرش، وقد قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وقال:
(1/36)

{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) } [الفرقان: 59] قالوا: هو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، فهو على العرش، وفي السموات وفي الأرض، وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتلَوْا آيات من القرآن: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، وليس فيها من عظمة الله شيء. فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أحشاؤكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة، ليس فيها من عظمة الرب سبحانه شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال سبحانه: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الملك: 16-17] وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وقال: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ} [الأنبياء: 19] وقال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وقال: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ
(1/37)

الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) } [الأنعام: 18] فهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145] {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) } [فصلت: 29] وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانهم؟ فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس [في مكان واحد] ، ولكن إنما معنى قوله تبارك وتعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) } [الطلاق: 12] قال: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلًا كان في يده قدح من قوارير صاف وفيه شراب صاف، كان بصر بني آدم قد أحاط بالقدح، من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه -وله المثل الأعلى-، قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه، وخصلة أخرى؛ لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم
(1/38)

أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله سبحانه وله المثل الأعلى، قد أحاط بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق» .
قال أحمد رضي الله عنه: «ومما تأوّل الجهمية من قول الله سبحانه: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] قالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: لم قطعتم الخبر من أول؟ إن الله يقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [المجادلة: 7] ثم قال: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] يعني أن الله بعلمه رابعهم. {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [يعني] بعلمه فيهم {أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) } [المجادلة: 7] يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه.
(1/39)

ويقال للجهمي: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه. فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال: نعم. فقد زعم أن الله بائن من خلقه، وأن خلقه دونه. وإن قال: لا، كفر. وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه، أو خارج عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل [لا بد له من] واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الخلق والشياطين وإبليس في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش وقذر. وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة» . انتهى كلام أحمد.
(1/40)

فقد بين الإمام أحمد، ما هو معلوم بالعقل الصريح، والفطرة البديهية؛ من أنه لا بد أن يكون خلق الخلق داخلًا في نفسه، أو خارجًا من نفسه، فالحصر في هذين القسمين معلوم بالبديهة، مستقر في الفطرة، إذ كونه خلقه لا داخلًا ولا خارجًا معلوم نفيه، مستقر في الفطرة عدمه، لا يخطر بالبال، مع سلامة الفطرة وصحتها، وقد بين أيضًا الإمام أحمد امتناع ما قد يقوله بعض الجهمية: من أنه في خلقه لا مماس ولا مباين، كما يقول بعضهم: أنه لا داخل الخلق ولا خارجه. فقال: «بيان ما ذكر الله في القرآن من قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4] وهذا على وجوه: قول الله تعالى لموسى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا} [طه: 46] يقول: في الدفع منكما. وقال: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] يعني: في الدفع عنا. وقال: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة: 249] يقول: في النصر لهم على عدوهم. وقال: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] يعني: في النصر لكم على عدوكم. وقال: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ
(1/41)

اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108] يقول: بعلمه فيهم. وقال: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) } [الشعراء: 61-62] يقول: في العون على فرعون» . قال: «فلما ظهرت الحجة على الجهمي فيما ادعى على الله أنه مع خلقه [قال: هو] في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه، فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماس؟ قال: لا. قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس ولا مباين؟ فلم يحسن الجواب. فقال: بلا كيف. يخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم. فقلت له: إذا كان يوم القيامة، أليس إنما هو الجنة والنار والعرش والهواء؟ قال: بلى. قلنا: فأين يكون ربنا؟ قال: يكون في الآخرة في كل شيء، كما كان حيث كان في الدنيا في كل شيء. قلنا: فإن مذهبكم أن ما كان من
(1/42)

الله على العرش [فهو على العرش] ، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء.
فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله» . وسيأتي ما ذكره «أبو بكر بن فورك» عن «أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب» إمام المتكلمة الصفاتية من الأشعرية ونحوهم، مثل
(1/43)

قوله: «وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا هو في العالم ولا خارج منه، فنفاه نفيًا مستويًا، لأنه لو قيل له: صفه بالعدم، ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، وردَّ أخبار الله نصًّا، وقال في ذلك بما لا يجوز من خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم، هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسيون» .
قال: «فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلوّ الأماكن منه، وانفراد العرش به. قيل: إن كنتم تعنون بخلوّ الأماكن من تدبيره، وأنه عالم بها فلا، وإن كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها، كما استوى على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت» .
(1/44)

وقال أيضًا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، فيما حكاه عنه ابن فورك: «يقال لهم: أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم. قيل: ما تعنون بقولكم أنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة. قيل لهم: ليس عن هذا سألناكم. وإن قالوا: المسألة خطأ. قيل: فليس هو فوق. فإن قالوا: نعم ليس هو فوق. قيل لهم: وليس هو تحت. وإن قالوا: ولا تحت. أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو تحت وهو فوق. قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق» . وذكر عنه أنه قال في كتاب «التوحيد» في مسألة الجهمية: «يقال لهم: إذا قلنا: الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال. فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين. فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين، الذي لا يكون ولا يثبت [إلا] في الوهم. فإن قالوا: نعم. قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من كل جهة، كما كان بصفة المحال من هذه الجهة. وقيل لهم: أليس لا يقال [لما] ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين. فإذا قالوا: نعم. قيل: فأخبرونا عن معبودكم، مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما. قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون: عدم، كما
(1/45)

تقولون الإنسان عدم، إذا وصفتموه بصفة العدم. وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجودًا له، وكان العدم وجودًا. كان الجهل علمًا والعجز قوة» .
وبهذا احتج القاضي «أبو يعلى» في أحد قوليه، قال في كتاب «إبطال التأويل» : «فإذا ثبت أنه على العرش، والعرش في جهة، وهو على عرشه وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك، لأن «أحمد» قد أثبت هذه الصفة، التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة، وهم أصحاب «ابن كرَّام»
(1/46)

و «ابن منده الأصبهاني» المحدث، والدليل عليه أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه، فاقتضى أنه في جهة، لأن كل عاقل من مسلم أو كافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء، وفي هذا كفاية، ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية، يقول: ليس هو في جهة ولا خارجًا منها، وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره، ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده، ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضع ما، وبين قوله: طلبته فإذا هو معدوم.
(1/47)

وقد احتج ابن منده على إثبات الجهة، بأنه لما نطق القرآن بأن الله على العرش وأنه في السماء، وجاءت السنة بمثل ذلك، وبأن الجنة مسكنه، وأنه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في نفسها فدل على أنه في مكان» آخر كلام القاضي.
فصل
قال «الرازي» : «واعلم أنه لو ثبت كون هذه المقدمة بديهية، لم يكن الخوض في ذكر الدلائل جائزًا، لأن على تقدير أن يكون الأمر على ما قالوه، كان الشروع في الاستدلال على كون الله تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه بالجهة إبطالًا للضروريات، والقدح في الضروريات بالنظريات يقتضي القدح في الأصل بالفرع، وذلك يوجب تطرق الطعن إلى الأصل والفرع معًا، وهو باطل، بل يجب علينا بيان أن هذه المقدمة ليست من المقدمات البديهية، حتى يزول هذا الإشكال» .
قلت: ما ذكره على التقدير حق، كما ذكره، ولهذا يوجد عامة أهل الفطر الصحيحة، ممن عرف هذا وأمثاله، من العلوم البديهية والضرورية والفطرية، إذا سمع كلام المتكلمين، وجدال المجادلين، الداعين للنظر والاستدلال، في دفع هذه الضرورة،
(1/48)

لم يلتفتوا إلى كلامهم، بل هم أحد رجلين؛ إما رجل عارف بحل شبههم وبيان تناقضها، وإمّا رجل معرض عن ذلك إما لعجزه عن حَلِّه، وإمَّا لاشتغاله بما هو أهم عنده من ذلك، وإمَّا حسمًا لمادة الخوض في مثل كلامهم الباطل، وهذه طريقة أهل العلم والإيمان، فيمن يجادل بالباطل، المخالف للفطرة والشرعة، وهذا هو الصواب، دون ما عليه مخالفوهم، من أنهم يخالفون الفطرة والكتاب، بأنواع من الحجج المدَّعاة، ثم يزعمون أنها قواطع مخالفة للشرع، وأنها أصل الشرع، فالقدح فيها قدح في الشرع، فإن هؤلاء بدلوا الأمر وقلبوه، كما بيناه في موضعه بخلاف من قرر العلوم الفطرية البديهية، والعلوم السمعية الشرعية، وما وافق ذلك، دون ما خالف ذلك من الحجج القياسية، وإذا كان هؤلاء قد سلكوا السبيل الحق، كما ذكره على ذلك التقدير، لمن يكره ما ذكره، دافعًا لهم، لا دافعًا للناظر في نفسه، ولا للمناظر مع غيره، فقوله: «يجب علينا
(1/49)

أن نبين [أن] هذه المقدمة، ليست من المقدمات البديهيات حتى يزول الإشكال» ليس بقول سديد، ولا ينفعه ولاينفع غيره، سواء كان ناظرًا أو مناظرًا، لأن الناظر الذي بَدَه قلبه العلم بهذه المقدمة، واضطر إلى الإقرار بها، وقد فطر عليها، كيف يزول ذلك عنه بالنظر والجدل، وهو قد سلم أن القدح في الضروريات بالنظريات لا يجوز.
قال الحافظ أبو منصور بن الوليد البغدادي في رسالته التي كتبها إلى «الفقيه محمود الزنجاني» أن «أبا محمد الحافظ الحراني» يعني: «عبد القادر الرهاوي» أنا الحافظ
(1/50)

«أبو العلاء» يعني: الهَمْداني أنا «أبو جعفر» الحافظ سمعت «أبا المعالي الجويني» ، وقد سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] . وقال: كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: يا هذا قد علمنا
(1/51)

ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة، فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة، فقلت: ما قال عارف قط يا رباه، إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فبينه لنا لنتخلص من الفوق، وبكيت وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير، وصاح بالحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع وصارت قيامة في المسجد، وترك ولم يجبني إلا بيا حبيبي الحيرة، والدهشة الدهشة، وسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني «الهمداني» .
ولهذا روى عنه «أبو الفتح محمد بن علي الطبري» الفقيه قال: دخلت على الإمام «أبي المعالي الجويني» الفقيه، نعوده
(1/52)

في مرضه الذي مات فيه بنيسابور، فأقعد. فقال لنا: «اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وإني أَموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور» رواها عنه «الحسن بن العباس الرستمي الأصبهاني» مفتي أصبهان ومحدثهم، قال حدثنا «أبو الفتح» فذكرها كما ذكرها «ابن الوليد» فلما تكلم «أبو المعالي» على منبره، في نفي علو الله على
(1/53)

العرش، بأن الله كان قبل العرش، ولم يتجدد له بالعرش حال، قام إليه هذا الشيخ «أبوجعفر الهمداني» الحافظ، فقال: قد علمنا ما أشرت إليه، أي: دعنا من ذكر العرش، فإن العلم بذلك سمعي عقلي، ودعنا من معارضة ذلك بهذه الحجج القياسية، فهل عندك للضرورات من حيلة، أي: كيف تصنع بهذه الضرورة الموجودة في قلوبنا؟ ما قال عارف قط: يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فبينها نتخلص من الفوق والتحت، قال: فصاح «أبو المعالي» وضرب على السرير، وخرق ما كان عليه، ولم يجبه إلا بقوله: الحيرة الحيرة، الدهشة الدهشة، وكان يقول: حيرني الهمداني. وذلك لأن العلم باستواء الله على العرش بعد خلق السموات والأرض، إنما علم بالسمع، أمَّا العلم بعلو الله على العالم فهو معلوم بالفطر الضرورية وعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا ما يعلم كما يعلم، فقال لأبي المعالي: ما تذكره من الحجج النظرية، لا تندفع به هذه الضرورة، التي هي ضرورة في القصد، المستلزم للضرورة في العلم، فعلم أبو المعالي أن هذه معارضة صحيحة، فقال: حيرني الهمداني، لأنه عارض ما ذكره من النظر، بما بينه من الضرورة، فصرخ حائرًا، لتعارض العلم الضروري والنظري، ولأن هذه الضرورة الموجودة
(1/54)

الموجودة في القلوب علمًا وقصدًا، ولا يمكن أحدٌ نزعها إلا بإحالة الفطر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» وأما المناظر، فإذا قال لمنازعه هذا، إن ما علمه بالضرورة والبديهة، أو هذه المقدمة بديهية أو ضرورية عندي، لم يكن له أن يناظره ببيان ما ينافي الأمر الضروري، كما ذكره، فإن غايته في ذلك أن يستدل بمقدمات، يسندها إلى مقدمات ضرورية، فلو قدر أن البديهيات تتعارض، أو تعارضت عند شخص لم يكن دفعها هذا البديهي، لهذا البديهي، بأولى من العكس، فكيف إذا كان المعارض لها
(1/55)

أمورًا نظرية، مستندة إلى بديهية؟ فلا ينقطع المناظر بمثل هذا، فلا ينتفع به الراد عليه، ولاينتفع به الناظر كما تقدم، ولكن إذا ادعى شخص في مقدمة أنها فطرية، فإما أن يعتقد كذبه أو يعتقد صدقه، فإن اعتقد أنه كاذب، عومل بما يعامل به مثله من الكذابين الجاحدين، على ما وردت به الشريعة، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .
وعامة الكفار من هذا النوع، وإن اعتقد أنه صادق فيما يخبر به عن نفسه، ولكنه مخطئ، لاشتباه معنى عليه بمعنى آخر، [أ] واشتباه لفظ بلفظ، أو غير ذلك، أو لخلل وقع في إدراك حسِّه وعقله، أو لنوع هوى خالط اعتقاده، فهذا طريقه أن يبين له ما يزيل الاشتباه، حتى يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره أو يصلح إدراكه بإزالة الهوى، [أ] والاعتقاد الفاسد، الذي جعله يظن ما ليس بضروري ضروريًّا، كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) } [الأنعام: 110] وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] وقال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) } [النساء: 155] وقال تعالى:
(1/56)

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } [الأعراف: 179] وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } [محمد: 24] وقال تعالى: {إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) } [محمد: 16] وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] فالمقصود أن هذا النوع من السفسطة، فإن دعوى العلم الضروري فيما ليس كذلك، بمنزلة إنكار الضروري، فيما هو ضروري، فصاحب هذا إمَّا متعمد للكذب، وإمَّا مخطئ، والخطأ في أسباب العلم: إمَّا لفوات شرط العلم، من فساد قوى الإدراك وضعفها، أو عدم التصور التام لطرفي القضية، التي يحصل العلم بالتصديق عند
(1/57)

تصور طرفيْها، أو لوجود مانع من الأهواء الصاد [ة] عن سبيل الله، فإذا كان كذلك فلا تحصل معرفة الحق إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه، وإلا فمع عدم هذين قد تنكر العلوم الضرورية، أو يجعل ما ليس بضروري ضروريًّا، والمثبتون يقولون للنفاة: أنتم في نفي هذا العلم الضروري، لا تخرجون عن هذه الأقسام، التي لا يخرج عنها مسفسط. والنافون يقولون للمثبتة: بل أنتم المدعون للعلم الضروري مع انتفائه، والمؤسس في مقام بيان أنه ليس عند منازعيه علم ضروري بما ذكروه، وهو لا يمكنه نفي ذلك، وليس فيما ذكره ما ينفي ذلك، فظهر انقطاعه وانقطاع نظرائه معه في أوّل مقام.
(1/58)

فصل
قال «الرازي» : «فنقول الذي يدل على أن هذه المقدمات ليست بديهية، وجوه:
الأول: أن جمهور العقلاء المعتبرين، اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز، ولا مختص بشيء، من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم، ولا مباين عنه في شيء من الجهات، ولو كان فساد هذه المقدمات معلومًا بالبديهة لكان إطباق أكثر العقلاء على إنكارها ممتنعًا، لأن الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز إطباقهم على إنكارالضروريات، بل نقول: الفلاسفة اتفقوا على إثبات موجودات ليست بمتحيزة، ولا حالة في المتحيزة، مثل العقول والنفوس والهيولي، بل زعموا أن الشيء الذي يشير إليه كل إنسان بقوله: أنا موجود، ليس بجسم ولا جسماني، ولم يقل أحد بأنهم في هذه الدعوى منكرون
(1/59)

للبديهيات، بل جمع عظيم من المسلمين اختاروا مذهبهم مثل «معمر بن عباد السلمي» من المعتزلة، ومثل «محمد بن نعمان» من الرافضة، ومثل «أبي القاسم الراغب» و «أبي حامد الغزالي» من أصحابنا، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يقال بأن القول بأن الله تعالى ليس بمتحيز، ولا حال في المتحيز، قول مدفوع في بداية العقول» .
(1/60)

قلت: الكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن ما ذكره من المقالات بمبلغ علمه، وما عرفه من الرجال، وأقوالهم، وعامة ما عنده ما بلغه من أقوال طوائف من المتكلمين والمتفلسفة، مثل طوائف من المعتزلة والرافضة، وطوائف من متفلسفة الإسلام، وطوائف من متأخري أتباع الأشعري، ثم إنه جعل هؤلاء جمهور العقلاء المعتبرين.
وأما مقامات سائر أهل الملل من اليهود وأصنافهم والنصارى وأنواعهم فهو من أقل الناس معرفة بها، كما تدل عليه كتبه، مع أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المشركين
(1/61)

والصابئين، فله نوع خبرة بكثير من مقالات المشركين، الذين صنفوا على طريقتهم، في السحر وعبادة الكواكب والأصنام، وبكثير من مقالات الصابئين من المتفلسفة ونحوهم، ما ليس له من الخبرة بمقالات اليهود والنصارى، الذين هم أقرب إلى الهدى، وأبعد عن الضلال من المشركين والصابئين، ودينهم
(1/62)

خير من دين المشركين، والمجوس، والصابئين، باتفاق المسلمين، ومن المعلوم أن هذه المسألة هي من أعظم مسائل أصول الدين، التي يتكلم فيها عامة طوائف بني آدم، فمن لم يكن له خبرة بمقالات بني آدم، كيف يحكم على جمهور العقلاء المعتبرين؟ وهو لم يعرف من مقالات عقلاء بني آدم إلا مقالات طوائف قليلة بالنسبة إلى هؤلاء، فأمَّا أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلا خبرة له ولا أمثاله بمقالاتهم في هذا الباب، كما تشهد به مصنفاته، ومصنفات أمثاله، وكذلك لا خبرة له بمقالات أئمة الفقهاء، وأئمة أهل الحديث والتصوف، وكذلك لا خبرة له بمقالات طوائف من متقدمي أهل الكلام ومتأخريهم، من المرجئة
(1/63)

والشيعة وغيرهم، ممن قد حكى أقوالهم طوائف «كالأشعري» وغيره، فإن كتبه تدل على أنه لم يعرف مقالات
(1/64)

أولئك، بل لا خبرة له أيضًا بحقائق مقالات أئمة أصحابه «كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاّب» و «كأبي العباس القلانسي» وأمثالهم، بل لا خبرة له بحقائق مقالات «الأشعري» التي ذكرها في نفس كتبه، ولهذا لا ينقل شيئًا من كلام «الأشعري» نفسه من كتبه «كالموجز» و «المقالات» و «الإبانة» و «اللمع» وغير ذلك، بل كثير من مقالات أئمة الأشعرية في هذا الباب وغيره، من مسائل الصفات، وفي مسائل القدر وغير ذلك، لم يكن يخبرهـ[ـا] كما تدل عليه مصنفاته، وهو أيضًا إنما يخبر من مقالات غير الإسلاميين، ما يخبره من مقالات الفلاسفة
(1/65)

المشائين ونحوهم، ممن توجد مقالته في كتب ابن سينا، وأمثاله (من الدهرية، والثنوية، والمجوس وغيرهم، أو يخبر
(1/66)

ما يجده في كتب أبي الحسين وأبي المعالي، ونحوهما من الإسلاميين، وأما سائر مقالات الفلاسفة الأوائل والأواخر فلا يخبرهـ[ـا] وهذا تفريط) في العلم والصدق في القول، والاطلاع على أقوال أهل الأرض في مقالاتهم ودياناتهم.
فيقال له: قولك إن جمهور العقلاء اتفقوا على أنه ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات، وتصورك بذلك أنه ليس على العرش، ولا فوق العالم ليس بصحيح، إذا أراد بالعقلاء المعتبرين من يستحق هذا الاسم، وذلك أن هذا القول لا يعرف عن أحد من أنبياء الله ورسله، وهم أكمل الخلق وأفضلهم عقلًا وعلمًا، فلا يوجد في كتب الله المنزلة عليهم، ولا في شيء من الآثارة المأثورة عنهم، لا عن خاتمهم ولا عن أنبياء بني إسرائيل
(1/67)

ولا عن غيرهم، بل الموجود عن جميع الأنبياء ما يخالف هذا القول، وهو في ذلك إما نص وإما ظاهر، وأنت تسلم أن هذا القول لا يؤثر عن الأنبياء، وإنما يستنبط من أمور سنتكلم عليها إن شاء الله، وهذا القول أيضًا لا يؤثر عن أحد من أئمة الإسلام في القرون الفاضلة، التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ولا قاله أحد من أئمة المسلمين، الذي لهم لسان صدق في أصناف الأمة، الذين اتخذوهم أئمة في العلم والدين، لا من أئمة العلم والمقال، ولا من مشايخ العبادة والحال، ولا هو قول عوام المؤمنين الباقين على فطرتهم، ولا يعرف هذا القول إلا عمن هو مجروح بنقص العقل والدين، معروف بكثرة
(1/68)

التناقض والتهافت في مقاله، ولهذا يشهدون على أنفسهم بالحيرة، ويرجعون عما يعتقدونه إلى دين العجائز، ولا يعرف فيمن قال هذا القول، إلا من يشهد عليه بتوحّشه، بأنه يجحد بعض العلوم الضرورية العقلية، وهذا موجود في مناظرة بعضهم، دع كون القائلين بمثل هذا القول، ليس فيهم إلا من له في الإسلام مقالة، نسب لأجلها إلى ردة أو نفاق، أو جهل أو تقليد، وإن كانوا قد تابوا من ذلك، وهذا القدر معروف عند أهل النظر، واعتبر ذلك بما ذكره «أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاّب» الذي هو إمام المتكلمين الصفاتية، وهو الذي سلك سبيله وائتم به «أبو الحسن الأشعري» و «أبو العباس القلانسي» ونحوهم من المتكلمة أهل الإثبات الصفاتية، وقد ذكر ذلك الأستاذ «أبو بكر بن فورك» في كتابه الذي سماه «مقالات الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد» وقد قال في كتابه بعد الخطبة التي مضمونها حمد الله على أن قام من أهل ولايته، من يبين الحق بدلائله، ويدحض شبه الباطل، ثم قال: «ثم من أجل الله قدره» يعني: أبا عبد الله العصمي، وأثنى عليه ثناءً كثيرًا «أحبَ -لما هو عليه من إظهار كلمة المحقين، ونشر أصول دين المتدينين، بالتمسك بالسنة الظاهرة، والجماعة القاهرة، يدًا
(1/69)

ولسانًا، وحجة وبيانًا- أن أجمع [له] ، متفرق مقالات شيخ أهل الدين، وإمام المحقين، المستنصر للحق وأهله، والمبين لحجج الله الذاب عن دين الله، بما عرفه الله سبحانه من معالم طرق دينه الحق وصراطه المستقيم، السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع، الموفق لاتباع الحق، والمؤيد بنصرة الهدى والرشد، من فتح الله سبحانه وتعالى بفضله لأهل السنة والجماعة، بما وفقه له من البيان [لـ] طرق الإيضاح عن حجج المحقين في حقهم، واستنصروا به، وأباح لهم بما سدده فيه من مرسومه في كتبه، وجدده في تصانيفه، الكشف عن السبيل التي منها توصل إلى معرفة طرق التفصيل، ويهتدي بها إلى مقام الدلائل، بالحجج التي بها يدفع وساوس المبتدعين، وتهاويس الضالين، عن طريق الحق والدين المبين، فصار بيانه نورًا وسيفًا لأهل السنة، وخسارًا وغيظًا لأهل البدعة، عظمت منة الله على أهل السنة والحق بمكانه، وجلت نعمه لديهم بما سربلهم من تباينه، وهو «أبو محمد عبد الله بن سعيد القطان» رضي الله عنه وأثابه على عظيم ما أنعم عليه، وبه عليهم عود فضل منه، على بدء فضل، إنه القريب المجيب، وكذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا «أبي الحسن علي بن إسماعيل
(1/70)

الأشعري» رضي الله عنه للتقريب على من يريد الوقوف على جملة مذاهبه، وأصوله وقواعده ومبانيه، وما رتب عليه كلامه مع المخالفين، من صفوف المبتدعة وفرق الضلالة، وتسهيلًا على طالبه وتيسيرًا له، ليقع له الغنية عن طلبه في متفرقات كتبه، ما يعز وجوده منها وما يشتهر ويكثر، ولم أخلط بما جمعته في ذلك مقالات غيره، من أصحابنا المتقدمين، ومشايخنا المتأخرين، طلبًا لإيراد مقالاته فقط، فإنه رضي الله عنه لكثرة مصنفاته وتوسعه في كلامه، وانبساطه في كل باب من أبواب الخلاف مع المخالفين، ومصادفة أيامه كثرة أباطيل الضالين، وشبه المبتدعين، ونصرته في الرد على كل فريق بغاية البيان، وبلوغ الإمكان، كثرت مقالاته واتسعت» قال: «ولما كان الشيخ الأول، والإمام السابق «أبو محمد عبد الله بن سعيد» رضي الله عنه، الممهد لهذه القواعد، المؤسِّس لهذه الأصول والمقاصد، بحسن بيانه، بين حجج الحق وشبه الباطل، المنبه على طرق الكلام فيه، والدال على موضع الوصل والفصل، والجمع والفرق، الفاتق لرتق الأباطيل،
(1/71)

والكاشف عن لبس ما حرفوا وموّهوا، فهدى الله بذلك وأرشد، ورأى حذّاق المخالفين من المبتدعة بيانه لهم واضحًا، وكلامه ظاهرًا لافحًا، فجدوا في طلب كتبه، وتصانيفه فحرفوها، وغسلوها لئلا يبين عوار بدعهم، وينكشف قبيح بواطن شبههم، فتتبعوها وبذلوا فيها الأموال، حتى اجتهدوا في التقليل منها، فعزّت وقلت، ولكن ما حفظ الله من ذلك لأهل الحق، فيه البيان الكاشف، والنور الساطع، فاكتفوا بما وجدوا في التنبيه عما فقدوا، وتتبعت عند ذلك فيما وجدت من كتبه، وما وجدت المشايخ حكوا عنه، وما انتشر من مذاهبه، فجمعت جميع ذلك ورتبته على الأبواب، ونسبت كل ذلك إلى كتبه رحمه الله، وإلى كتب أصحابنا ومشايخنا رضي الله عنهم، وأجبت في بعض الفروع المتفرعة على أصول المذهب بعده، على مجرى أصوله وقواعده المشهورة، واستوفيت في بعض الفصول كلامه فيه، فأومأت إلى نكت في الباب، تنبيهًا على طرقه في الاستدلال، والاحتجاج للحق، ليجمع إلى تعريف مذاهبه، تعريف طرقه في بعض المسائل، في اللجاج للحق،
(1/72)

والرد على المبطلين، خاصة في مسألة القرآن، فإنه أورد فيها كلامًا ظاهرًا جليًا، وبدأت قبل كل شيء بما حكاه شيخنا «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» رضي الله عنه، من جمل مذاهبه في الكتاب الذي جمع فيه مقالات أهل القبلة، وكان غرضي في ذلك أن يعلم أن طريقة مشايخنا رضي الله عنهم مقنعة في إبانة حجج دين الله الحق، وإبانة أباطيل المبتدعين، والكشف عن شبه الزائغين عن الحق، وأن قواعد دينهم وطرائقهم متساعدة غير مختلفة، وأن ليس بينهم خلاف، يبرأ بعضهم من بعض لأجله، أو يكفر أو يفسق بعضهم بعضًا، وأكثر ذلك إنما يرجع إلى تقييد مطلق، لرفع إبهام ولبس، أو إطلاق مقيد كل شبهة، ورفع تهمة، وأكثرها يؤول إلى خلاف في عبارة، وما ضر نفسه في المعنى والتحقيق، يؤول فيه إلى طريق صاحبه في التفصيل، ولم أشتغل في هذا الكتاب بإظهار وجه الجمع بين المقالات في المعنى، وإبانة أنـ[ـها] ترجع إلى اختلاف عبارات، وإطلاق بعضهم لعبارة منعها الآخرون، من غير أن يكون فيها نقض أصل، أو حلّ عقد، يوجب التضليل والبراءة، وذلك أعظم شاهد، على أنهم هم المعصومون، وأنهم هم الطائفة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال ظاهرة بالحق،
(1/73)

لا يضرهم من ناوأهم فإن الكتاب يطول بذلك وسنفرد في آخر هذا الكتاب فصلًا نفصل فيه؛ وجوه الخلاف بينها، ونبين وجه الاتفاق في القواعد والأصول، وأن الخلاف فيما اختلفوا فيه يجري المجرى الذي ذكرناه، وفيما أحكيه الآن قبل كل شيء، من كلام شيخنا «أبي الحسن» رحمه الله في كتاب مقالات أهل القبلة ما يدل على ما أقول، وأن مذهب الشيخ الإمام الأوحد «أبي محمد عبد الله بن سعيد» رضي الله عنه، هي مذاهب مشايخ أهل الحديث، وأئمتهم في الأصول والفروع المتعلقة بها، وأنه كان مؤيدًا من بين الجماعة، بمعونة خاصة من الله تعالى، في إبانة آيات الله وحججه، وإظهار دليله وتباينه، فكان بين أيديهم مرتقًى لهم، ينفي عن أهل السنة والجماعة تحريف المبتدعة، ويكشف عن تبديل الفرق المبطلة، ويوضح عن حكم التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة، وأن شيخنا «علي بن إسماعيل الأشعري» إنما بنى على ما أسسه، ورتب الكلام على ما هذّبه، وفرع على ما أصّله، غير ناقض منه أصلًا،
(1/74)

ولا حال منه عقدًا، فوفقه الله بفضله لنشر ذلك وبسطه، وتكثيره وترتيبه، يقرب المستبعد، ويوضح المشكل، ويحصر المنتشر، حتى بلغه الله ما أراد، وتم توفيقه لما قصده، فرحمة الله عليهم أجمعين، وجعلنا بآثارهم مقتدين، ولما سنوا متبعين، وبما بنوا وقاسوا وأرشدوا إليه عاملين، وفيه مستبصرين، إنه ولي ذلك» .
ثم قال: «الفصل الأول في ذكر ما حكى شيخنا «أبو الحسن» رضي الله عنه في كتاب «المقالات» من جمل مذاهب أصحاب الحديث وقواعدهم وما أبان في آخره؛ أنه يقول بجميع ذلك، وأن الشيخ «أبا محمد عبد الله بن سعيد» وأصحابه بذلك يقولون، وبأكثر منه، حتى يعلم أن الأصل في العقود واحد، تصديقًا لما قلنا، وتأييدًا لما إليه أومأنا، وشاهدًا لما ذكرنا من نص قوله وصريح بيانه، قال شيخنا «أبو الحسن» في كتاب «المقالات» بعد ذكره مقالات الإمامية
(1/75)

والخوارج، والمعتزلة والنجارية، في جليل الكلام، قال: «هذا حكاية قول أصحاب الحديث وأهل السنة، قال اعلموا أن جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله عز وجل»
(1/76)

إلى قوله: «ويجتنبون قول الزور والمعصية والفخر والكبر، والإزراء على الناس والعُجْبِ، ويرون مجانبة من يدعو إلى بدعة، والتشاغل في قراءة القرآن، وكتابة الآثار والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن الخلق، وبذل المعروف وكف الأذى، ويرون اجتناب الغيبة والنميمة والسّعاية، ويتفقدون المآكل والمشارب، ويجتنبون المحرمات والشهوات» [ثم] قال شيخنا «أبو الحسن» رحمه الله عند انتهاء حكايته ذلك عنهم:
«وهذه جملة ما يؤمنون به ويستعملونه» قال بعد ذلك:
(1/77)

«وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نميل ونذهب وبالله توفيقنا» قال: «فحقق قواعد ذلك من ألفاظه رحمة الله عليه، أنه معتقد لهذه الأصول، التي هي أصول [أهل] الحديث وأساس توحيدهم، ومهاد دينهم، وأنه إنما سلك بما صنف إظهار حجج الله تعالى في دينه الذي وصفه وأبان خطأ المبتدعين، وإبطال أباطيلهم، ليعرف قوة الحق والسنة، وضعف الباطل والبدعة، لا أنه ابتدع من عند نفسه مقالة، لم يسبقه إليها أئمة الحديث من أهل السنة والإجماع، وإنما أطلق وقيد اللفظ في مواضع، لرفع إبهام، أو لإظهار قوَّة في حق، ولإبانة حجة، وكشف شبهة، وكذلك قصد الشيخ «أبي محمد» رضي الله عنه، وقد كان أوحد في معرفة الحديث، والعلم بالرجال، وطرق الحديث، وهو في شدة تمسكه بذلك، يرى أن متشابه الأحاديث لفظًا في التوحيد، كمتشابه آي القرآن في مثل ذلك، وأنه يحمل على الوجه الصحيح، الموافق لحكم الكتاب والسنة، ولم يكن غرضهم [إلا] الإبانة، عن حجج الله تعالى، وإظهار وجوه الدلالات منها على الحق، وكشف تأسيس
(1/78)

المبتدعين المبطلين، المدعين على أهل السنة الباطل والبهتان» .
ثم قال ابن فورك: «فصل ثم قال شيخنا «أبو الحسن» -رحمه الله- في «المقالات» بعد حكايته جملة ما عليه أصحاب الحديث، على الألفاظ التي ذكرناها، حاكيًا عن «عبد الله بن سعيد» -رحمه الله تعالى- بالألفاظ التي نذكرها الآن، فقال -رحمه الله-: «وأما عبد الله بن كلاب -رحمه الله- وأصحابه -رضي الله عنهم- فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرنا عن أهل السنة، ويثبتون أن الله عز وجل لم يزل متكلمًا جوادًا» وأعاد عند ذلك بعض ما جرت حكايته جملة، تحقيقًا وتأكيدًا، فقال: «وهم يقولون -يعني: عبد الله بن كلاب وأصحابه-: إن لله عَزَّ اسمه عِلمًا وقدرة، وحياة وسمعًا، وبصرًا وعظمة، وجلالًا وكبرياء، وكلامًا وإرادة، صفات لله تعالى لم يزل بها موصوفًا ولايزال بها موصوفًا، ويقولون: أسماء الله تعالى وصفاته لا يقال: هي هو كما قال بعض المعتزلة، ولا يقال: هي غيره كما قالت الجهمية، ولا يقولون: العلم هو القدرة، ولا يقولون: إنه غير القدرة،
(1/79)

ويزعمون أن الصفات قائمة بالله عز وجل، وأن الله تعالى لم يزل راضيًا عمن يعلم أنه يموت مؤمنًا، وساخطًا على من يعلم أنه يموت كافرًا، وكذلك قولهم في الولاية والعداوة والبغض والمحبة، وكان يقول في القدرة كما حكيناه عن أهل السنة والحديث، وكذلك قوله في أهل الكبائر، وكذلك قوله في رؤية الله تعالى بالأبصار، وكان يقول: إن الله لم يَزَلْ، ولا زمان ولا مكان قبل الخلق، وأنه على ما لم يزل عليه،
(1/80)

وهو مستو على عرشه كما قال عز وجل، وأنه فوق كل شيء، لا بحد ولا مماسة، أو مفارقة بعزلة وتحيز» .
ثم قال «أبو بكر بن فورك» : «فصل، وهذا آخر ما حكاه شيخنا «أبو الحسن» -رحمه الله- من مقالات أصحاب الحديث، ومقالة الشيخ «أبي محمد عبد الله بن سعيد» ومقالات أصحابه، وقال: إنه بجميع ذلك يقول وإليه يذهب، وقال في الجملة: إن أصحاب عبد الله بن كلاب بأكثر من ذلك يقولون، فكشف جملة ما حكيناه، أن الأمر على ما رتبناه عند مشايخنا، وأن بعضهم يتولى بعضًا، وأن ليس بينهم خلاف، يقتضي عند واحد منهم التكفير والتضليل، وأنهم يعتقدون بأصل واحد، مهتدون بطريقة واحدة، هي ماصححه كتاب الله، وشهدت له سنة رسول الله، وعمل به السلف الصالح رضي الله عنهم، وأنهم لم يبتدعوا مقالة، ولا أحدثوا مذهبًا، لا يترتب على أصل من هذه الأصول، وهذه الجملة مفيدة في هذا الباب، التي يذكر [فيها] على التفصيل مسائل الخلاف، ويبين مراتبها، ويذكر ترتيب الكلام فيها، وأنها في الحقيقة، كما أومأنا إليه، في أنه
(1/81)

ليس بشيء من ذلك خلاف ينقض أصلًا ثابتًا، ويرفع عقدًا واجبًا، يوجب التبري والتضليل، وكيف يقع بينهم خلاف في ذلك، مع اتفاقهم على أنهم ينصرون العلم الظاهر، وما عليه الألسنة مطبقة، والكلمة عليه مجمعة وإنما تفرَّدت شرذمة من كل فرقة بمقالة، ابتدعوها نصرة لباطلهم، وتمسكًا بما أداهم إليه هواهم، واقتضى لهم طلب الدنيا، وإيثارًا لعقد رياسة على طغام مثلهم، ليظهر لخلافهم مباينة، فيذكر بخذلان من الله وحرمان» .
قلت: هذا الذي ذكرناه هو ألفاظ «أبي بكر بن فورك» التي نقل بها ما ذكره، وهو في الغالب نقل ألفاظ «أبي الحسن الأشعري» من كتاب «المقالات» وفي مواضع غير كلامه بزيادة ونقصان، تارة غلطًا، وتارة عمدًا باجتهاده، لاعتقاده أن الصواب هو الذي ذكره، دون ما وجده فيما ذكره «أبو الحسن» وسنذكر إن شاء الله تعالى ألفاظ «أبي الحسن» بعينها في كتاب «المقالات» وألفاظه أيضًا فيما صنفه أيضًا بعد المقالات، حتى يتبين الأمر على حقيقته، فإن المقصود هنا إنما هو ذكر ما يحكيه «أبو بكر بن فورك» عن «أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب» وذكرنا هذه
(1/82)

الجملة؛ لأنه أصل لما يحكيه عنه من التفصيل، فغلطه في هذا النقل قوله عن «أبي الحسن» : «أنه ذكر عن أصحاب «ابن كلاب» أنهم يقولون بذلك وبأكثر» وإنما لفظ «أبي الحسن» أنه قال: «وأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة، ويثبتون أن الباري لم يزل حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا عزيزًا عظيمًا، جليلًا كبيرًا، كليمًا مريدًا، متكلمًا جوادًا، ويثبتون العلم والقدرة» إلى آخر ما ذكر، فذكر «أبو الحسن» أنهم يقولون: بأكثر ما يقوله أهل الحديث لا بكله، وأنهم يريدون هذه الأمور، فذكر عنهم زيادة في شيء وتركًا لشيء، لم يقل: إنهم يقولون ما يقوله أهل الحديث وبأكثر منه، ولكن قد يتصحف في الخط بأكثر مما حكاه، لسقوط الميم في الخط أو لاندغامها في الخط، وكيف يقول «أبو الحسن» ذلك؟ وقد حكى عن أهل الحديث أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، و «ابن فورك» قد حكى عن «ابن كلاب» إنكار أن يكون العمل إيمانًا، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأشياء أُخَر، إذ كان من المرجئة، وأيضًا «فابن فورك» قال: «قال شيخنا في كتاب «المقالات» بعد ذكره مقالات الإمامية والخوارج، والمعتزلة والنجارية، في جليل الكلام قال: «هذه
(1/83)

حكاية قول أصحاب الحديث وأهل السنة» فاقتضى ما ذكره «ابن فورك» أن «أبا الحسن» لم يذكر مخالفًا لهم ذكره بكلام إلا هذه الأصناف الأربعة، وليس كذلك بل قد ذكر «أبو الحسن» عشرة أصناف؛ وقال في أول كتابه: «هذا ذكر الاختلاف اختلف المسلمون عشرة أصناف؛ الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية، والضرارية والحسينية،
(1/84)

والبكرية، والعامة وأصحاب الحديث، والكلابية أصحاب «عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان» ثم ذكر أصناف الشيعة ثم أصناف الخوارج، فلما فرغ قال: «آخر مقالات الخوارج، أول مقالات المرجئة» فذكرهم اثنتي عشرة فرقة، ثم بعد أن فرغ منهم قال: «هذا شرح قول المعتزلة في التوحيد وغيره» وذكر أقاويل المعتزلة، وفي ضمنها قال: «هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم» ثم قال: «ذكر قول الجهمية»
(1/85)

ثم قال: «ذكر الضرارية أصحاب «ضرار بن عمرو» ثم قال: «ذكر قول «الحسين بن محمد النجار» وهؤلاء الثلاثة يوافقون المعتزلة في الصفات في الجملة دون القدر، ومسائل «أبي عبيد» والإيمان، ثم قال: «ذكر قول البكرية أصحاب بكر ابن أخت
(1/86)

عبد الواحد» ثم قال: «هذه حكاية قول قوم من النساك» ثم قال: «هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة» ثم قال: «فأما أصحاب عبد الله بن سعيد» إلى آخره، ثم قال: «ذكر قول زهير الآثري» وذكر قول «معاذ التومني» ، ثم قال: «هذا آخر الكلام في الجليل، ذكر اختلاف الناس في
(1/87)

الدقيق» ولكن «ابن فورك» لميله وميل «ابن كلاب» إلى قول المرجئة، يذكر ذلك لئلا يظهر ما خالفوا فيه أهل الحديث، وأيضًا فقد ذكر «أبو الحسن» عن أهل الحديث في القرآن والنزول، والمجيء والقرب، والرضى والسخط والجدل، وغير ذلك ألفاظًا هي معروفة عندهم، صنفها «ابن فورك» فيما نقله من نقل «الأشعري» عنهم، هذا مع أن الذي ذكره «الأشعري» عنهم، فيه مواضع ذكرها بتصرف واجتهاد، فإن كلام أئمة الحديث في هذه الأبواب في كتب السنة، والآثار متواترة عند من يعرف ذلك، وأيضًا فلفظ «الأشعري» في كتاب «المقالات» عن «ابن كلاب» : «أن الباري لم يزل، ولا مكان ولا زمان قبل الخلق، وأنه على ما لم يزل عليه، وأنه مستو على عرشه كما قال، وأنه فوق كل شيء تعالى» فزاد «ابن فورك» : «لا بحد ولا مماس، أو مفارقة بعزلة أو تحيز» وهذه الألفاظ موجودة، هي أو ما يوجب الإثبات في كلام «ابن كلاب» كما سيأتي، لكن اللفظ الذي نقله «الأشعري» عنه هو ما تقدم فقط، و «ابن فورك» هو المصنف لكتاب «تأويل ما ذكره من الآيات والأحاديث في الصفات» وعلى كتابه يعتمد هذا المؤسس
(1/88)

أبو عبد الله الرازي وغيره، إذ هو أجمع كتاب صنفه المنتسبون إلى الأشعري في ذلك، ولهذا ذكرنا ما نقله هو عن أئمته في هذا الباب، ليكون في ذلك هدى ورحمة لمن يريد الله [له] ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد ذكر «أبو بكر بن فورك» فصولًا من كلام «ابن كلاب» في مصنفاته مثل كتاب «التوحيد» وكتاب «الصفات» وكتاب «الرد على المريسي» ونحن نعود إلى ما أشرنا إليه، وهو أن القول: بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، إنما ذهب إليه شرذمة من الناس أهل البدع، خلاف ما يزعم «الرازي» وأمثاله أن ذلك قول جمهور العقلاء المعتبرين.
قال «ابن فورك» : «وقال -يعني: ابن كلاب- في كتاب «الصفات» في بيان القول في الاستواء: «ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا به، يجيز قول الأين ويقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه، لا يجيزون الذي زعموا، ويحيلون القول به» قال: «ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها:
(1/89)

لا تقولي ذلك، فتوهمين أنه عز وجل محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان، لأنه هو الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجلب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قال، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك؟ والكتاب ناطق به وشاهد له، ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرت من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بَنية الفطرة، وتَعَارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، بل لاتسأل أَحدًا من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء، إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه، إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يدّعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى «جهم» وحده وخمسون رجلًا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن» .
قال «ابن فورك» : «فقد حقق رحمه الله في هذا الفصل شيئًا
(1/90)

من مذاهبه:
أحدها: إجازة القول بأين الله في السؤال عنه.
والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال في السماء.
والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة» .
قلت: فقد ذكر «أبو محمد بن كلاب» أنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل، يَدعون أنهم أفضل الناس «جهم» وعدد قليل معه، وذكر أن العلم بأن الله فوق فطري، مغروز في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم.
قال «أبو بكر بن فورك» عقب هذا: «واعلم أن هذا ليس بمخالف لما قال في كتاب التوحيد، لأنه ليس يقول: إنه في السماء إلا اتباعًا للفظ الكتاب، في قوله عز وجل: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] على معنى أنه فوقها، وردَّ ذلك إلى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] فمن توهم عليه أنه يقول: إن الله في مكان دون مكان، أو في كل مكان فقد أخطأ في توهمه» .
فقلت: أما قول «ابن فورك» إنه إنما قال ذلك، اتباعًا للسمع الوارد من لفظ الكتاب، فليس كذلك، لأنه قرر أولًا ذلك
(1/91)

بالسنة، ثم قال: «والكتاب ناطق به، وشاهد له» ثم قال: «ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة، وتعارف الآدميين من ذلك، ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، لأنك لا تسأل أحدًا من الناس، عربيًّا ولا عجميًّا، ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن لم يفصح، لا يشير إلى غير ذلك، من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا، داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء» فقد ذكر أنه مغروز في فطر الناس كلهم ومعارفهم في هذا الباب ما لا أبين [منه] ولا أوكد، وهو اتفاق الخلائق كلهم، إذا سئلوا أين الله؟ قالوا: في السماء، بالعبارة عنه، أو الإشارة إليه، وكذلك هم متفقون على الإشارة باليدين، في دعائه إلى السماء، وهذا الإخبار منه بأن القول بأنه في السماء والإشارة إليه، سبحانه في الدعاء وغير الدعاء، أمر متفق فيه بين الناس، وأن ذلك عندهم من المعارف الفطرية الغريزية، فكيف يقال: قولهم إنه في السماء ليس إلا لمجرد اتباع لفظ القرآن؟ وقد ذكر «ابن فورك» أن مقام هذا دلَّ على ثلاثة أمور:
أحدها: إجازة القول بأين الله في السؤال عنه.
والثاني: أنه دلَّ على صحته الجواب عنه، بأن يقال: إنه في
(1/92)

السماء.
والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة. فكيف يقول بعد هذا منصف يظن أنه يقول إنه في السماء إلا اتباعًا للفظ الكتاب؟ وقد ذكر أن هذا إجماع من المؤمنين والكفار والعرب والعجم، فهل ما يكون بهذه المنزلة لا يقال إلا لمجرد التوفيق على لفظه؟ وقد ذكر «ابن فورك» من كلامه في غير هذا الموضع، ما يبين أنه كونه فوق العالم صفة معلومة بالعقل، لا تتوقف على السمع، وإنما المعلوم بالسمع استواؤه على العرش.
قال «ابن فورك» : «فصل آخر في بيان تحقيق قوله: إن إطلاق وصفه سبحانه وتعالى بأنه فوق واجب، من كلام ذكره في كتاب «الصفات» في باب الاستواء على العرش: «قال: قد قلنا ونقول إنه عز وجل فوق كل شيء لم يكن بين طبقين» قال «ابن فورك» : «وقال في هذا الباب، من هذا الكتاب، عند تفسير الاستواء: «إن الاستواء هو العلو، وإنما سمي العلو استواء، لعلة المستوى عليه، إذ لم يكن فوقه شيء، فقوله: استوى على العرش؛ هو أن الله -سبحانه وتعالى- قد كان ولا شيء غيره، ثم خلق العرش فجعله أعلى خلقه، فقيل: هو مستو عليه، لما كان عاليًا عليه، لم يكن بين طبقتين، فيكون فوقه شيء، وليس هو مماس للعرش» قال «ابن فورك» : «فبين هذا من قوله، إنه
(1/93)

يطلق الاستواء للخبر الوارد، والقول: بأنه فوق لنفي كونه بين طبقتين، لا معنى القهر والاقتدار، خلافًا لقول من يزعم من المخالفين؛ إنه فوق بمعنى: القهر والغلبة والقدرة والعزة والعظمة فحسب» .
قلت أمَّا الاستواء، فقد ذكر أنه صفة خبرية سمعية، وأمَّا القول بأنه فوق، فإنه لم يجعل معناه سلبيًّا، بل جعل السلب دليلًا على الفوقية، فقال: «ولكنَّا نقول: إنه عز وجل فوق كل شيء، لكيلا يكون بين طبقتين، فأخبر أنه أثبت الفوقية، لئلا يلزم أن يكون داخل العالم أو خارجه فأثبت أنه خارجه، لئلا يلزم أن يكون داخله، أو لو أمكن أن لا يكون بين طبقتين، ولا يكون فوق العالم، لم يكن نفي أحدهما دليلًا على ثبوت الآخر، كما يقوله النفاة، وهو قد صرح بهذا في غير موضع.
قال «ابن فورك» : «فصل من كلامه في زيادة تحقيق في هذا القول، قال في باب مسألة الجهمية في المكان، في كتاب التوحيد: «يقال لهم: إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال، فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين للمكان، فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين، الذي لا يكون ولا يثبت [إلا] في الوهم، فإذا قالوا: نعم. قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من
(1/94)

كل جهة، كما كان بصفة المحال من هذه الجهة.
وقيل لهم: أليس لا يقال لما ليس ثابتًا في الإنسان مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم. قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما. قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم، كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم. وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجودًا له، كان جهل المخلوق علمًا له، لأنكم وصفتم العدم الذي هو للمخلوق وجودًا له، فإذا كان العدم وجودًا، كان الجهل علمًا والعجز قوة» .
فقد بين في هذا الكلام امتناع أن يقال في الباري: ليس بمماس ولا مباين، فينفي عنه الوصفان المتناقضان، اللذان لا يخلو الموجود منهما جميعًا، كما هو معلوم بصريح العقل، فهذان ونحوهما متضادان في الإثبات، وفي النفي جميعًا.
وذكر على ذلك ثلاث حجج.
أحدها: أن انتفاء هذين جميعًا ممتنع في حق الإنسان محال، فإن جاز وصفه بهذا المحال، جاز وصفه بغيره من المحالات.
قلت: وهذا الإلزام، مثل أن يقال: لا عالم ولا جاهل،
(1/95)

ولا قادر ولا عاجز، ولا حي ولا ميت، ونحو ذلك، كما يقول الملاحدة، فينفون المتقابلات.
الحجة الثانية: أن سلب هذين جميعًا يوصف به المعدوم، الذي ليس بثابت في الإنسان، فإذا وصفوا بهما المعبود فقد جعلوا ما وصفوا به الثابت في حق الخالق، كما وصفوا أنه العدم في حق المخلوق، فإذا جاز أن يوصف بما هو صفة المعدوم في حق المخلوق، لزم أن يوصف بنفس العدم، كما يوصف المخلوق بأنه عدم، إذا وصف بصفات العدم.
الحجة الثالثة: أنه [إذا] جاز أن يقال: إذا كان ما هو صفة عدم في حق المخلوق، وجودًا في حقه، جاز أن يكون ما هو جهل، في حق المخلوق علمًا في حقه، وما هو عجز في حق المخلوق، قدرة في حقه، وجماع هذه الحجج وصفه بالمحال، ووصفه بالمعدوم، ووصفه بضد صفات الكمال، وهو الجهل والعجز لربهم، حين جوزوا وأخلوه عن المماسة والمباينة، مع قولهم بأن هذا ممتنع في الوجود غيره، ففرقوا بين الواجب والممكن، في الخلو عن النقيضين من جهة المعنى، حيث جعلوه ثابتًا لهذا منتفيًا عن هذا، فلزمهم مثل ذلك في نظائره، وهذه حجج قولية، من أجود المقاييس العقلية، لمن
(1/96)

فهمها، وهذا لأن كون الشيء القائم بنفسه، غير مماس لغيره، ولا مباين له، لما كان ممتنعًا في بديهية العقل -وادعى الجهمي إمكان ذلك في حق الله تعالى- لزمه أن يجوز كل الممتنعات التي تناظره.
وكذا ذكر الإمام أحمد في أثناء ردّه على الجهمية لما تكلم على معنى «مع» في القرآن، قال: «فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله عز وجل، أنه مع خلقه في كل شيء، قال: هو غير مماس للشيء ولا مباين منه. فقلنا للجهمي: إذا كان غير مباين أليس هو مماس؟ قال: لا. فقلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس للشيء؟ فلم يحسن الجواب. فقال: بلا كيف، فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، فقلنا له: إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة والنار، والعرش والكرسي والهواء؟ قال: بلى. قلنا: وأين يكون ربنا؟ قال: يكون في كل شيء، كما كان، حيث كان في الدنيا في كل شيء. فقلنا: فإن في مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله
(1/97)

جل وعلا» .
وقال أيضًا الإمام أحمد: «إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله، حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء، خلقه في نفسه، أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل:
[لا بد له من] واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الخلق والشياطين وإبليس في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر [رديء] وإن قال خلقهم خارجًا من نفسه ثم لم يدخل
(1/98)

فيهم، رجع من قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة» .
[فبين] أن كون المخلوق إما داخلًا في الخالق، أو خارجًا منه، تقسيم ضروري، لا بد من القول بأحدهما، وكذلك كون الخالق، إمَّا داخلًا في الخلق أو خارجًا منهم، وأنه إذا كان كذلك، فالقول بدخوله في الخلق أو دخول الخلق فيه ممتنع، فتعين أنه خارج من الخلق والخلق خارجون منه، فقول الإمام أحمد: «إذا كان غير مباين أليس هو مماس؟» استفهام إنكار، يتضمن أن العلم بمباينته إذا لم يكن مماسًا علم ضروري، لا يحتاج إلى دليل، بل ينكر على من نفاه، ولهذا لما نفى الجهمي قال: قلنا فكيف؟ فقال: بلا كيف. قال: فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، وذلك لأن الصفات السمعية المعلومة بإخبار الرسل عليهم السلام، يقال فيها: بلا كيف، لأنا نحن لم نعلم بعقولنا كيفيتها، لعدم علمنا بذلك.
وكذلك ما علمنا بعقولنا أصله دون كيفيته، حسن أن نقول فيه، بلا كيف «أي: نعلم ثبوت هذا الأمر، ولا نعلم كيفيته، فأراد الجهمي أن يستعمل ذلك فيما علمنا انتفاءه بفطرة عقولنا،
(1/99)

وادعى خلو الموصوف عن النقيضين في المعنى جميعًا، اللذيْن هما ضدان في النفي، كما هما ضدان في الإثبات، فلما قيل له: كيف ذلك؛ أي: كيف يعقل؟ قال: بلا كيف. وهذا إنما ينخدع به الجهال، اللذين لا يفرقون بين الشيء الذي علمنا انتفاءه، أو لم نعلم ثبوته، إذ ادعى المدعي ثبوته، وقال: بلا كيف. لم يقبل، وبين الشيء الذي علمنا ثبوته، ولم نعلم كيفيته، إذا قيل له: بلا كيف حقًّا.
ومما يبين ذلك أن خلوه عن هاتين الصفتين، لو كان كما ادعاه الجهمي لكان معلومًا عنده بالعقل، إذ العقل هو الذي دلَّ عنده على هذا السلب، لا يقول إن السمع جاء بذلك، فما كان إنما علم بالعقل فقط، والعقل يحيله، لم يقل فيه بلا كيف كسائر الممتنعات، وهذه السبيل التي حكاها الإمام أحمد عن الجهمية، هي التي سلكها هذا المؤسس وأمثاله، فإنه ادعى فيما ذكره من هذه الحجج العشر، جواز وصف الرب بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وما في ضمن ذلك من أنه لا مماس ولا مباين، ونحو ذلك، مدعيًا أن العلم الإلهي [لا ينفي ذلك و] لم يحسن الجواب أي: لم يكن له جواب يحتج به على
(1/100)

إمكان قوله، وإمكان أن يكون معقولًا، ولهذا لم يكن فيما ذكره «الرازي» حجة على إمكان ما ذكروه في نفسه، ولا إمكان أن يكون معلومًا.
فصل
قيل للإمام الرباني «عبد الله بن المبارك» : بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته، على عرشه بائن من خلقه.
وهذا مستفيض عنه تلقاه عن أئمة الهدى بالقبول، كالإمام «أحمد» و «إسحاق بن راهويه» و «البخاري» صاحب
(1/101)

الصحيح، ومن شاء الله من أئمة الإسلام، حتى قال «محمد بن إسحاق بن خزيمة» : من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ثم ألقي في مزبلة، لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الملّة، ولا أهل الذمة. وقد ذكر ذلك عنه «الحاكم أبو عبد الله النيسابوري»
(1/102)

وشيخ الإسلام «أبو عثمان الصابوني» وغيرهما.
فصل
قال «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» في كتابه المشهور «الإبانة» بعد الخطبة: «فصل في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة أما بعد: فإن كثيرًا من الزائغين عن الحق، من المعتزلة وأهل القدر، مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم، تأويلًا لم ينزل الله به سلطانًا ولا أقام به برهانًا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين، وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، تواترت بها الآثار،
(1/103)

وتتابعت بها الأخبار، وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين، وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، ودانوا بخلق القرآن، نظيرًا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) } [المدثر: 25] [فزعموا أن القرآن كقول البشر] وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرًا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقيْن: أحدهما يخلق الخير [والآخر يخلق الشر، وزعمت القدرية أن الله عز وجل يخلق الخير] والشيطان يخلق الشر، وزعموا أن الله يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافًا لما أجمع عليه المسلمون، من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردًا لقوله عز وجل {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [التكوير: 29] فأخبر أنا لا نشاء شيئًا [إلا] وقد شاء الله أن نشاءه، ولقوله {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [البقرة: 253] ولقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] ولقوله تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) } [البروج: 16] ولقوله تعالى مخبرًا عن نبيه «شعيب» أنه قال:
(1/104)

{وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89] ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم، وزعموا أن للخير والشر خالقيْن، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله، كما قالت المجوس، و [زعموا] أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم دون الله، ردًا لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188] وإعراضًا عن القرآن، وعما أجمع عليه [أهل] الإسلام، وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله تعالى. فكانوا مجوس هذه الأمة، إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقاويلهم، ومالوا إلى أضاليلهم، وقنطوا الناس من رحمة الله تعالى، وأيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافًا لقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116] وزعموا أن من دخل النار
(1/105)

لا يخرج منها، خلافًا لما جاءت به الرواية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليخرج قومًا بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حممًا» . ودفعوا أن يكون لله وجه، مع قوله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن: 27] وأنكروا أن يكون لله يدان، مع قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ] [ص: 75] وأنكروا أن يكون له عينان، مع قوله {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] [ولقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) } ] [طه: 39] وأنكروا أن يكون لله علم، مع قوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] وأنكروا أن يكون لله قوة، مع قوله: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [الذريات: 58]
(1/106)

ونفوا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا» ، وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك جميع أهل البدع؛ من الجهمية والمرجئة والحرورية، وأهل الزيغ فيما ابتدعوا خالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأجمعت عليه الأمة، كفعل المعتزلة والقدرية وأنا أذكر ذلك بابًا بابًا [و] شيئًا شيئًا إن شاء الله وبه المعونة» ثم قال «الأشعري» : «فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية والجهمية، والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي [به] تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له:
(1/107)

قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم، [وعلى جميع أئمة المسلمين] وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاؤوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب
فيها، وأن الله يبعث من في القبور،
(1/108)

وأن الله مستوٍ على عرشه، كما قال عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وأن له وجهًا، كما قال {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن: 27] وأن له يديْن، بلا كيف، كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] وأن له عينيْن بلا كيف، كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] وأن من زعم أن أسماء الله غيرُه كان ضالًا، وأن لله علمًا، كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] وكما قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فصلت: 47] ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج، ونثبت لله قوة، كما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له: كن [فيكون] كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (40) } [النحل: 40] وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل، وأن أحدًا لا يستطيع شيئًا قبل أن
(1/109)

يفعله ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله، وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله، ومقدرة، كما قال: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } [الصافات: 96] وأن العباد لا يقدرون يخلقون شيئًا، وهم يخلقون، كما قال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3] وكما قال: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) } [النحل: 20] و] كما قال: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل: 17] وكما قال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } [الطور: 35] وهذا في كتاب الله كثير، وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، [كما قال تبارك وتعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ
(1/110)

هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) } ] [الأعراف: 178] وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم، حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا [كافرين] كما علم، وخذلهم وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره [وأن نؤمن بقضاء الله وقدره] خيره وشره، وحلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بالله كما قال عز وجل، ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، كما جاءت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه، إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
(1/111)

لَّمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين: 15] وأن موسى [عليه السلام سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا، وأن الله سبحانه وتعالى تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه] لا يراه في الدنيا، وندين بأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كالزنا والسرقة وشرب الخمور، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر، مثل الزنا والسرقة، وما أشبههما، مستحلًا لها غير معتقد لتحريمها، كان كافرًا، ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلَّ إسلام إيمانٌ، وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب، [وأن القلوب] بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، وأنه عز وجل يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندين بأن لا ننزل أحدًا من أهل التوحيد، والمتمسكين بالإيمان، جنة ولا نارًا، إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنَّار معذبين، ونقول: إن الله عز وجل يخرج قومًا من النار بعد أن امتحشوا، بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصديقًا لما
(1/112)

جاءت به الروايات، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وبأن الميزان حق والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله عز وجل يوقف العباد، في الموقف، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم للروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي رواها الثقات، عدلًا عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندين بحب السلف، الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونثني عليهم، بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين، ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، وأن الله أعزَّ به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأن الذين قاتلوه، قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافتهم خلافة النبوة، ونشهد بالجنة للعشرة، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1/113)

ونتولى سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونكف عما شجر بينهم، وندين الله بأن الأئمة [الأربعة] خلفاء راشدون مهديون، فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي [يـ] ثبتها أهل النقل، من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل. ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة، كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) } [الفجر: 22] وأن الله عز وجل يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق: 16] وكما قال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) } [النجم: 8-9] ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات، خلف كل بر وغيره، وكما رُوي أن «عبد الله بن عمر» كان يصلي
(1/114)

خلف الحجاج» وأن المسح على الخفين سنة، في الحضر والسفر، خلافًا لقول من أنكر ذلك، ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، ومساءلتهما المدفونين في قبورهم، ونصدق بحديث المعراج، ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك تفسيرًا، ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرًا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا، وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وموارثتهم، ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات
(1/115)

وقتل فبأجله مات وقتل؛ وأن الأرزاق من قبل الله عز وجل، يرزقها عباده حلالًا وحرامًا، وأن الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه ويتخبطه، خلافًا لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله عز وجل: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] وكما قال: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) [مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ] } [الناس: 4-6] ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصّهم الله عز وجل بآيات يظهرها عليهم: وقولنا في أطفال المشركين: «إن الله يؤجج لهم في الآخرة نارًا، ثم يقول لهم: اقتحموها» كما جاءت بذلك الرواية، وندين الله بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم
(1/116)

صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين، ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرنا من قولنا، وما بقي منه، مما لم نذكره بابًا بابًا، وشيئًا شيئًا» .
قلت: وهذه الجمل التي ذكرها في الإبانة، هي الجمل التي ذكرها في كتاب «المقالات» عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يقول بذلك، كما تقدم نقل «ابن فورك» لذلك، لكنه في «الإبانة» بسطها بعض البسط، بالتنبيه على مأخذها لأنه كتاب احتجاج لذلك، ليس هو كتاب حجة لنقل مذاهب الناس فقط، وقد تكلم في مسألة الرؤية لله، ومسألة القرآن بما احتج به في ذلك، ثم قال: «باب ذكر الاستواء على العرش، إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟
قيل له: نقول: إن الله عز وجل مستو على عرشه، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وقد قال الله عز وجل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] وقال: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] وقال عز وجل: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] وقال حكاية عن فرعون: {يَا هَامَانُ
(1/117)

ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36-37] كذّب موسى عليه السلام في قوله إن الله عز وجل فوق السموات، وقال عز وجل: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات، قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش، الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات، فقال: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] ولم يرد أن القمر يملأهن جميعًا، وأنه فيهن جميعًا، ورأينا المسلمين جميعًا، يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله عز وجل مستو على العرش، الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض» ثم قال: «فصل وقد قال قائلون من
(1/118)

المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى: قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] إنه: استوى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه، كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة *لأن الله قادر على كل شيء، والأرض* فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى: الاستيلاء -وهو عز وجل مستوْلٍ على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش، وعلى الأرض وعلى السماء، وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله عز وجل مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها، وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان،
(1/119)

فلزمهم أنه في بطن مريم، والحشوش والأخلية، وهذا خلاف لدين الله تعالى عن قولهم» ثم قال: «مسألة: ويقال لهم: إذا لم يكن مستويًا على العرش، بمعنى يختص العرش دون غيره، [كما] قال ذلك أهل العلم، ونقلة الآثار وحملة الأخبار، وكان الله بكل مكان، فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض، فالأرض فوقـ[ـه] والسماء فوق الأرض، وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا: أن الله تحت التحت والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما [هو] فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا المحال المتناقض تعالى الله عن افترائكم علوًا كبيرًا.
(1/120)

دليل آخر: ومما يدل أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه دون الأشياء كلها: ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» .
(1/121)

وروى عبد الله بن بكر حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن [أبي] جعفر أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بقي ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجب له؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟
(1/122)

حتى ينفجر الفجر» .
وروى عبد الله بن بكر السهمي حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: قفلنا مع
(1/123)

رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد، أو قال بقديد، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إذا مضى ثلث الليل، أو قال ثلثا الليل نزل الله إلى السماء، فيقول الله: من ذا الذي يدعوني أستجب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يسألني أعطه حتى ينفجر الفجر» .
دليل آخر: وقال الله: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) } [الفرقان: 59] وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء
(1/124)

بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه» .
قلت: قوله منفرد بوحدانيته هو نظير قول «ابن كلاب» المتقدم. ثم قال: «دليل آخر، وقال عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) } [الفجر: 22] وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] وقال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) } [النجم: 8-18] وقال عز وجل، لعيسى ابن مريم عليه السلام {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وقال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157-158] وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السموات، ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعًا، لا والذي احتجب بسبع سموات.
دليل آخر: وقال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ
(1/125)

اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم، ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله [إلا] وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا، فيرتفع الشك والحيرة، من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيًا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولًا، ويترك أجناسًا لم يعمهم بالآية، فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم.
ودليل آخر: وقال الله عز وجل: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام: 62] وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30] وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [السجدة: 12] وقال عز وجل: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} [الكهف: 48] كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو على عرشه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
[فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانيته، إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل] » .
(1/126)

[قلت: فقوله] «الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة» بيان أن كلامهم يقتضي عدمه.
وقوله: «ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانيته» موافقة «لابن كلاب» فيما ذكره؛ من أن الواحد هو المنفرد عن الخلق، فمن لم يقر بذلك لم يقر بوحدانيته.
وقوله: «كل ذلك يدل على انه ليس في خلقه ولا خلقه فيه، لأنه مستوٍ على عرشه» يبين معنى ما ذكره في «الموجز» كما نقله «ابن فورك» لما قال في جواب المسائل: «أتقولون: إنه خارج من العالم، إن أردت أنه ليست الأشياء فيه، ولا هو في الأشياء، فالمعنى صحيح، وأنه لم يرد بذلك مجرد النفي المقرون بإثبات كونه فوق العرش، كما صرح به هنا، ويؤكد ذلك أنه بين أن الذين يصفونه بالنفي يؤول كلامهم كله إلى التعطيل وأنهم لا يثبتون له حقيقة، ولايوجبون له وحدانية.
«دليل آخر: قال الله عز وجل: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] فسمى نفسه نورًا، والنور عند الأمة لا يخلو أن يكون أحد معنيين:
(1/127)

إما أن يكون نورًا يسمع، أو نورًا يُرى، فمن زعم أن الله يُسمع ولا يُرى، فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم.
وروت العلماء عن عبد الله بن عباس أنه قال: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ذلك» .
(1/128)

قلت: وهذا الحديث رواه عن الإمام «أحمد» و «الحاكم» الحافظ المعروف «بالعسال» في كتابه «المعرفة» . قال: حدثنا محمد بن العباس حدثني عبد الوهاب الوراق حدثنا علي بن
(1/129)

عاصم، عن ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله، فإن ما بين كرسيه إلى السماء السابعة سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك» .
قال عبد الوهاب الورّاق: «من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة» .
(1/130)

وقال: حدثنا محمد بن علي بن الجارود حدثنا أحمد بن مهدي حدثنا عاصم بن علي بن عاصم حدثنا أبي عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله فإن ما بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك» .
قلت: وهذا لفظ الحديث، وأما قوله: «ما بين عرشه إلى
(1/131)

السماء ألف عام» فإن حقه أن يقول: ما بين كرسيه والعرش كما في الحديث المشهور عن ابن مسعود، وممن رواه أيضًا الحاكم أبو أحمد حدثنا محمد بن العباس حدثني عبد الوهاب بن عبد الحكيم الوراق حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر عن المسعودي عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش
(1/132)

عن عبد الله بن مسعود قال: «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام، وبُصر كل سماء خمسمائة عام» قال أبو النضر: يعني غلظة، «وما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق ذلك، والله عز وجل على العرش لا يخفى عليه من أعمالكم شيء» ، وقال عبد الوهاب: هكذا يعرف الإسلام.
ثم قال الأشعري: «دليل آخر: روت العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1/133)

أنه قال: «إنّ العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأل عن عمله» ؛ وروت العلماء أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الله؟» فقالت: في السماء. قال: «فمن أنا؟» قالت: رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتقها فإنها مؤمنة» .
قال: «وهذا يدل على أن الله على عرشه فوق
(1/134)

السماء» .
قلت: وهذا كله موافقة لما ذكره «ابن كلاب» فإنه استدل بهذا الخبر الذي فيه السؤال بأين والجواب بأنه في السماء، على أن الله فوق عرشه فوق السماء، فعلم أنه لا يمنع السؤال بأين، بل يثبته «ابن كلاب» فقد تبين بما ذكرناه من كلام «الأشعري» بلفظه، أنه موافق «لابن كلاب» في أن الله فوق خلقه، وأن ذلك واجب من طريق العقل، بحيث يكون من نفى ذلك معطلًا للصانع منكرًا لوحدانيته، كما صرح به «الأشعري» موافقة «لابن كلاب» وأنه موافق له في السؤال عنه بأين والجواب بأنه في السماء، كما ذكره «الأشعري» وأنه منكر لتأويل من تأول الاستواء على العرش بالاستيلاء والقهر والقدرة وغير ذلك، مما يشترك فيه العرش وغيره، وأن الاستواء يختص بالعرش، وأنه فوق العرش لا إنه مجرد شيء أحدث في العرش من غير أن يكون الله فوقه، كما قد بين هذا المعنى في غير [هـ] من كلامه، وهذه المواضع الثلاثة التي زعم «ابن فورك» أنهم اختلفوا فيها، ولم يأت من كلام «الأشعري» بما يشهد له، وهذا الكتاب هو من
(1/135)

أشهر تآليف «الأشعري» وآخرها، ولهذا اعتمد [هـ] الحافظ «أبو بكر السمعاني» في كتاب «الاعتقاد» له وحكى عنه في مواضع منه، ولم يذكر من تآليفه سواه، وكذلك «الحافظ أبو القاسم بن عساكر» في كتابه الذي صنفه وسماه «تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري» قال بعد أن ذكر فصلًا من محاسنه: «فإذا كان «أبو الحسن» كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستصوب المذهب، عند أهل المعرفة بالعلم
(1/136)

والانتقاد يوافقه فيما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والفساد، فلا بد أن نحكي عنه معتقده، على وجهه بالأمانة، ونجتنب أن نزيد فيه أو ننقص منه، تركًا للخيانة، ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه، الذي سماه «بالإبانة» » وذكر ابن عساكر الخُطبة، وما ذكرناه حرفًا بحرف، إلى باب الكلام في إثبات الرؤية، ثم قال عقب ذلك: «فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم، الذي شرحه وبينه، انظروا سهولة لفظه، فما أفصحه وأحسنه، وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه «لأحمد» بالفضل واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين» .
قال: «ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر، على ممر
(1/137)

الأوقات والأيام، تعتضد بالأشعرية حتى حدث الاختلاف في زمن «أبي نصر القشيري» ووزارة «النظام» ووقع بينهم
(1/138)

الانحراف من بعضهم عن بعض، لانحلال «النظام» ولذلك كان يظهر هذا الكتاب، كل من يريد إظهار محاسن «الأشعري» من أهل الإثبات، كما ذكر ذلك: «الحافظ أبو القاسم بن عساكر» قال: «سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل البوشنجي الفقيه الزاهد يحكي عن بعض شيوخه؛ أن الإمام «أبا عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري» قال: ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده
(1/139)

كتاب «الإبانة» «لأبي الحسن الأشعري» ويظهر الإعجاب به، ويقول: ما الذي ينكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه» قال الحافظ أبو القاسم: [فهذا] قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان» .
وقال أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي، الحافظ، صاحب كتاب «اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع» في بيان مسألة الاستواء من تأليفه: «ورأيت هؤلاء الجهمية، ينتمون
(1/140)

في نفي العرش، وتعطيل الاستواء إلى «أبي الحسن الأشعري» وما هذا بأول باطل ادَّعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم «بالإبانة عن أصول الديانة» أدلة من جملة ما ذكر [ته] على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: «ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا، إذا هم رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا: يا ساكن العرش» ثم قال: «ومن حَلِفهم جميعًا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سموات» .
وكذلك الشيخ «نصر المقدسي» له تأليف في الأصول،
(1/141)

نقل فيه فصولًا من كتاب «الإبانة» هذا، وكان في وقفه به نسخة، وكذلك الفقيه «أبو المعالي مُجَلِّي» صاحب كتاب «الذخائر في الفقه» قال الحافظ أبو محمد بن المبارك بن علي البغدادي المعروف بابن الطباخ في آخر كتاب الإبانة: «نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه مجلي الشافعي، أخرجها إليَّ في مجلد فنقلتها وعارضتها بها، وكان رحمه الله يعتمد عليها وعلى ما ذكره فيها ويقول: لله من صنفه، ويناظر
(1/142)

على ذلك لمن ينكره» قال: «وذكر لي ذلك وشافهني به، وقال: هذا مذهبي وإليه أذهب» .
فإن قيل: «فابن فورك» وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل له سببان:
أحدهما: أن هذا الكتاب ونحوه، صنفه ببغداد في آخر عمره، لما زاد استبصاره في السنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة، بما أفصح به فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول وبين القول وبين القول بالعدم، و «ابن فورك» قد ذكر فيما صنفه من أخبار «الأشعري» تصانيفه قبل ذلك، فقال: «انتقل الشيخ «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» من مذاهب المعتزلة، إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة، بالحجج العقلية، وصنف في ذلك الكتب، وهو بصري من أولاد «أبي موسى الأشعري» فلما وفقه الله لترك ما كان عليه من بدع
(1/143)

المعتزلة، وهداه إلى ما نشره من نصرة أهل السنة والجماعة، ظهر أمره وانتشرت كتبه بعد الثلاثمائة، وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة» قال: «فأمَّا أسامي كتبه مما صنفه إلى سنة عشرين وثلاثمائة فإنه ذكر في كتابه الذي سماه «الصمد» في الرؤية أسامي أكثر كتبه» فذكر الفصول والموجز وغيرهما.
ثم قال: «وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين [وثلاثمائة] وصنف فيها كتبًا» ذكر منها أشياء.
قال «ابن عساكر» بعد أن ذكر كلام «ابن فورك» : «هذا آخر ما ذكره «ابن فورك» من تصانيفه، وقد وقع إليَّ أشياء
(1/144)

لم يذكرها في تسمية تواليفه، فمنها رسالة «الحث في البحث» ورسالة «الإيمان» وهل يطلق عليه اسم الخلق؟، وجواب «مسائل كتب بها إلى أهل الثغر» في تبيين ما سألوه عنه، من مذاهب أهل الحق» .
وذكر عن «عزيز بن عبد الملك» القاضي، قال: «سمعت من أثق به. قال: رأيت تراجم كتب الإمام «أبي الحسن» فعددتها أكثر من ثمانين وثلاثمائة مصنف» .
السبب الثاني: أن «ابن فورك» وذويه كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد ذكرنا فيما نقله هو من ألفاظ «ابن كلَّاب» وهو من المثبتين كذلك كيف تصرف في كلامه، تصرفًا يشبه تصرفه في ألفاظ النصوص الواردة في إثبات ذلك،
(1/145)

كما فعله في كتابه «تأويل مشكل النصوص» فكان هواه في النفي يمنعه من تتبع ما جاء في الإثبات، من كلام أئمته وغيرهم، وكذلك فيما نقله من كلام «الأشعري» كيف زاد فيه ونقص، مع أن المنقول نحو ورقتين، فلعله أيضًا قد عمل ذلك فيما نقله من كلام «ابن كلاب» إذ لم نجد نحن نسخة الأصول التي نقل منها، حتى نعلم كيف فعله فيها، وفيما نقله تحريف بيِّن، لكن مأخذه في ذلك، مأخذ من ينسب فتاويه وعقائده إلى السنة والشريعة النبوية، لظنه أن هذا هو الحق الذي لا تأتي بخلافه، فكذلك هو يظن أن ما زاده ونقصه يوجبه بعض أصول «ابن كلاب» و «الأشعري» وإلا كان فيما ظهر من كلامهما خلافه، وهذا أصل معروف لكثير من أهل الكلام والفقه، يسوغون أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسبة قولية، توافق ما اعتقدوه من شريعته، حتى يضعوا أحاديث توافق ذلك المذهب، وينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن «ابن فورك» لم يكن من هؤلاء، وإنما هو من الطبقة الثانية، الذين ينسبون إلى الأئمة ما يعتقدون هم أنه الحق، فهذا واقع في كثير من طائفته، حتى أنه في زماننا في بعض المجالس المعقودة، قال كبير القضاة: إن مذهب
(1/146)

الشافعي المنصوص عنه كيت وكيت، وذكر القول الذي يعلم هو وكل عالم أن الشافعي لم يقله، ونقل القاضيان الآخران عن «أبي حنيفة» و «مالك» مثل ذلك، فلما روجع ذلك القاضي قيل له: هذا الذي نقلته عن الشافعي من أين هو؟ أي: أن الشافعي لم يقل هذا. فقال: هذا قول العقلاء، والشافعي عاقل لا يخالف العُقَلاء، وقد رأيت في مصنفات طوائف من هؤلاء، ينقلون عن أئمة الإسلام المذاهب، التي لم ينقلها أحد عنهم،
(1/147)

لاعتقادهم أنها حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف، ومن أسباب ذلك أيضًا أن «الأشعري» ليس له كلام كثير منتشر في تقرير مسألة «العرش» ، والمباينة للمخلوقات، كما كان «لابن كلَّاب» إمامه، وذلك لأنه تصدى للمسائل التي كان المعتزلة تظهر الخلاف فيها، كمسألة الكلام والرؤية، وإنكار القدر والشفاعة في أهل الكبائر ونحو ذلك، وأما العلو فلم يكونوا يظهرون الخلاف فيه إلا لخاصتهم، لإنكار عموم المسلمين لذلك، وإنما كان سلف الأمة وأئمتها يعلمون ما يضمرون من ذلك بالاستدلال، «فالشعري» تصدَّى لردِّ ما اشتهر من بدعهم، فكان إظهار خلافهم في القرآن والرؤية من شعار مذهبه، التي لم يتنازع فيها أصحابه، وإن كانوا قد يفسرون ذلك بما يقارب قول المعتزلة، بخلاف ما لم يكونوا يظهرون مخالفته، فإنه كان أدخل في السنة وأعظم في الأُمَّة وأثبت في الشرع والعقل، مما أظهروا مخالفته، حتى أنَّ فضلاء الفلاسفة «كأبي الوليد بن رشد» يحكون
(1/148)

مذهب الحكماء إثبات العلو فوق المخلوقات، مع أنَّ مذهبهم تفسير الرؤية بزيادة العلم، وأن القرآن خلقت حروفه في النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، فلم يتصدَّ «الأشعري» لردِّهم [ردا] ، يشتهر عن المعتزلة إظهار الخلاف فيه، وبيان تناقضهم فيه، فلذلك لم يكن خلافهم فيه من شعائر مذهبه، بل يوافقهم في أصول، قال بعض متبعيه: فبما أنها مستلزمة نفي العلوِّ على العرش، وإن كان «الأشعري» وأئمة أصحابه لم يقولوا ذلك، وقد علم أهل العلم المعرفة والعقل والبصيرة؛ أن تلك الأصول، التي وافقهم عليها، أقوى استلزامًا لقولهم فيما أظهر فيه منها، لما لم يشتهر عنه خلافهم فيه، ولهذا صار جمهور الناس من المثبتة والنافية، يعدون ما عليه هؤلاء المثبتين للرؤية والكلام وغير ذلك، مع نفي العلو على العرش من أعظم الناس تناقضًا في الشريعة والسنة وفي العقول والقياس، ولهذا [من] حقق منهم «كالرازي» وأمثاله، يميلون في الباطن إلى النفي في مسألة الرؤية أيضًا وغيرها.
(1/149)

فصل
وهذا المعنى الذي نبَّه عليه «ابن كلَّاب» من مضاهاة الجهمية للدهرية، والثنويَّة كلام جيد، ونحن كنا قد كتبنا ما يتعلق بذلك في أثناء الكلام، كما سيجيء قبل أن نقف على كلامه، وبينا أن قول الفلاسفة الذين يقولون: بأن العالم متولد عنه لازم له، هو نحو قول من ينكر الصانع بالكلية، وهذا الذي سماه هؤلاء الدهر، هو الذي يسميه أولئك واجب الوجود، وقول الجهمية مضاهٍ لقولهم في لزوم تعطيل الصانع أيضًا، ولهذا ذكرنا في غير هذا الموضع أن أسانيد «جهم» ترجع إلى المشركين والصابئين والمبدلين واليهود المُبَدِّلين، وذكر [نا أن] شر هؤلاء هم القرامطة والباطنية نُفَاة الأسماء
(1/150)

والصفات مطلقًا، وأن قولهم مأخوذ من قول ملاحدة المجوس، وقول ملاحدة الفلاسفة الصابئين الدهريين.
وهذا يبين صحة ما ذكره «ابن كُلَّاب» من مضاهاة الجهمية لهاتين الأمتين؛ الدهرية الصابئين المشركين والمجوس الثنوية. ولهذا كان قول الاتحادية من الجهمية، هو في الحقيقة قول هؤلاء، ومضمونه تعطيل الصانع، وهو قريب من قول من يقول من الجهمية: إنه في كُلِّ مكان، فإنهم يجعلونه وجود الموجودات، كما قد شرحنا في موضعه، وكل من لم يقل أنَّ الرب سبحانه واحد منفرد مباين لمخلوقاته كان من هذه الطوائف، وفي إنكار «ابن كلاب» على الجهمية لما شبههم بالمجوس -وقال: «كذلك زعمتم أنَّ الواحد ليس كمثله شيء، تعالى عما قلتم، كان لا نهاية له، ثم خلق الأشياء غير منفكة منه ولا هو منفك منها، ولا يفارقها ولا تفارقه، فأعطيتم
(1/151)

معناهم ومنعتم القول والعبارة» -.
دليل على انه منع من القول بأن الله لا نهاية له، وأنه لا ينفي النهاية والحد، كما زعم ابن فورك، وقد فسر الرجل معناه فيما نفاه من الحد، فإنه جعل هذا من منكر قول الجهمية، ولا ريب أنَّ ما أثبته، من أنه واحد منفرد بنفسه، مباين لمخلوقاته، فوق العالم، يُنافي دعوى أنه لا نهاية له، ثم قال «ابن فورك» :
«فصل آخر وذكر بعد ذلك كلامًا يدل على أنَّ» أصله -وهو الحق- أنَّ اجتماع الشيئين من طريق الإثبات، في وصف لا يجب به التشبيه، كما لا يجب باجتماعهما في وصف من طريق النفي، وهو قوله في إلزام المعتزلة إذ قالوا له: إنك أوجبت التشبيه، إذ قلت: أن الله تعالى مباين منفرد من خلقه، لأجل أن ذلك إذا وصف به، ووصف به الخلق، واشتركا فيه، تشابها.
فقال: «إذا كان يلزم بزعمكم، إذا قلنا: إنَّ الله تعالى واحد، منفرد، التشبيه. فكذلك إذا قلتم: إنه واحد لا منفرد، وواحد لا منفرد، لأن الوصفين جميعًا في الخلق، منفرد ومنفرد ولا منفرد و [لا] منفرد، فلم لا يكون إذا كان حكم
(1/152)

ما كان منفردًا، حكم ما كان مفردًا، أن يكون حكم ما لا ينفرد [حكم ما لا ينفرد] إذا كان جميعًا في الخلق ثابتين، فإن مَرَّا بأبصار قلوبكم، حيث أريد لكم، فإنكم ستجدون ذلك كما وصفنا لكم» .
قلت: هذا يدل على أنه لا يعني بتفسيره للواحد، بأنه المنفرد المباين ما لا ينقسم، كما ذكره «ابن فورك» لأن عدم الانقسام مخصوص عنده بالله تعالى، وكل ما سواه مما يدرك وجوده فإنه ينقسم، و «ابن كلاب» قد جعل هذا الوصف يمكن ثبوته للمخلوق، وأنه يكون واحدًا منفردًا، وأنه كان جسمًا، كما تقدم بيان ذلك من كلامه، وتفرقته بين الجسم المصمت، والجسم المتخلل، وهم إنما أوردوا عليه، لما فسروا الواحد بأنه الذي لا نظير له، ولم يثبتوا له حقيقة يكون بها واحدًا، وهو أثبت حقيقة بها كان واحدًا، وهو انفراده بنفسه.
(1/153)

فصل
وأما نفيه للمماسة فقال «ابن فورك» : «فصل آخر في ذكر إبطال المماسة، قال في كتاب «الصفات الكبير» : «ولو كان مماسًا لعرشه، لكان العرش مماسًا له، ولو كان العرش مماسًا له، لحدث فيه عن مماسته إياه معنى، كما يحدث بين كل متماسين، وتعالى الله عن الحوادث، فلما فسدت مماسة العرش إياه فسدت مماسته العرش» .
قال «ابن فورك» : «وهذا يبين من كلامه إحالة المماسة على الله، ويبين أيضًا من مذهبه بأن الحوادث لا تحل في ذاته، وأن ما حلته الحوادث محدث، على خلاف ما ذهبت إليه الكرامية، المجسمة الجهلة، وأن المتماسين متماسان، بحدوث متماسين فيهما» .
قلت: هذا الذي ذكره «ابن فورك» من قوله: وهو كما ذكره، وكذلك ما ذكر من مخالفته للكرامية، في مسألة الحوادث، لكن الكرامية أقرب إلى «ابن كلاب» في مسألة العرش، وعلو الله عليه، فإن قولهم وقول «ابن كلاب» في ذلك متقاربان، و «ابن فورك»
(1/154)

وأصحابه أقرب إلى «ابن كلاب» في مسألة الحوادث، فإن قولهم فيها كقول «ابن كلاب» لا كقول الكرامية، ولهذا كان المنتسبون إلى «ابن كلاب» من أهل الكلام، والفقه والحديث، لا يعرف عنهم خلاف أهل الحديث، في مسألة العرش، وإنما وقع النزاع بينهم وبين غيرهم في مسألة القرآن، والله أعلم.
وقد تبين بما ذكرناه، أن المخالفين لأهل الإسلام، في مسألة العرش، وأن الله فوقه، كانوا في صدر الإسلام من أقل الناس، كما ذكره «ابن كلاب» إمام «الأشعري» وأصحابه، وإن كان أكثر الأشعرية المتأخرين، قد صاروا في ذلك مع المعتزلة؛ بل يقال أشهر الطوائف بهذا النفي، الذي ذكره عنده، وعند أمثاله؛ الفلاسفة المشائين أتباع «أرسطو» من المتقدمين، و «كالفارابي» و «ابن سينا» ونحوهما من المتأخرين، ومن
(1/155)

أخبر الناس بمقالات «أرسطو» وأصحابه، ومن أكثر الناس عناية بها، وقولًا بها وشرحًا لها، وبيانًا لما خالفه فيه، «ابن سينا» وأمثاله منهم القاضي «أبو الوليد بن رشد» الحفيد الفيلسوف، حتى أنه يردّ على من خالفهم، كما صنف كتابه «تهافت التهافت» الذي ردَّ فيه على «أبي حامد الغزالي» ما ردّه على الفلاسفة، وإن لم يكن مصيبًا، فيما خالف فيه مقتضى الكتاب والسنة، بل هو مخطئ خطأً عظيمًا، بل ما هو أعظم من ذلك، وإن زعم أنه أوجبه البرهان، وأنه من علم الخاصة دون الجمهور، ولكن الغرض أنه مع مبالغته في اتباع آراء الفلاسفة المشائين، هو مع هذا نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة، وقد قرر ذلك بطرقهم العقلية، التي يسمونها البراهين، مع أنه لايرتضي طرق أهل الكلام، بل يُسَمِّيها هو وأمثاله الطريق الجدلية، ويسمونهم أهل الجدل، كما يسميهم بذلك
(1/156)

«ابن سينا» وأمثاله، فإنهم لما قسموا أنواع القياس العقلي، الذي ذكروه في القياس إلى برهاني، وجدلي، وخطابي، وشعري، وسفسطائي زعموا أن مقاييسهم في العلم الإلهي، من النوع البرهاني، وأن غالب مقاييس المتكلمين إمَّا من الجدلي، وإما من الخطابي، كما يوجد هذا في كلام علماء الفلاسفة، «كالفارابي» و «ابن سينا» و «محمد بن يوسف العامري»
(1/157)

و «ابن رشد» وغيرهم، وإن كانوا في هذه الدعاوي ليسوا صادقين على الإطلاق، بل الأقيسة البرهانية في العلم الإلهي، هي في كلام المتكلمين أكثر منها وأشرف منها في كلامهم، وإن كان في كلام المتكلمين أيضًا، أقيسة جدلية وخطابية وشعرية، بل وسوفسطائية كثيرة، فهذه الأنواع هي في كلامهم أكثر منها في كلام المتكلمين، وأضعف إذا أخذ ما تكلموا فيه من العلم الإلهي، بالنسبة إلى ما تكلم به المتكلمون.
والمقصود هنا ذكر ما ذكره عن مذهب الفلاسفة في مسألة الجهة، وهذا لفظه في كتاب «مناهج الأدلة في الرد على الأصولية» : «القول في الجهة، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة، من أول الأمر، يثبتونها لله سبحانه وتعالى، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، «كأبي المعالي» ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] ومثل قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ومثل قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) } [الحاقة: 17] ومثل قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي
(1/158)

يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) } [السجدة: 5] ومثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) } [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا، لأن الشرائع كلها مبنية على أنَّ الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأنَّ من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قرب من سدرة المنتهى» قال: «وجميع الحكماء: قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت [جميع] الشرائع على ذلك، والشبهة التي قادت نفاة الجهمية إلى نفيها؛ هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إمَّا سطوح الجسم نفسه المحيطة به، وهي ستة، وبهذا نقول: إنَّ للحيوان فوقًا وأسفلًا ويمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، وإما سطوح جسم آخر
(1/159)

تحيط بالجسم من الجهات الست، فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه، فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا، وأما سطوح الجسم المحيطة به، فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء، وهذه الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له، وأما سطح الفلك الخارج، فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك، لوجب أن يكون خارج [هذا الجسم جسم آخر، ويمر الأمر إلى غير نهاية، فإذا سطح آخر أجسام] العالم ليس مكانًا أصلًا، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم، لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم، فإذًا
(1/160)

إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة، فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو عكس ما ظنَّه القوم فهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم، وليس لهم أن يقولوا: إنَّ خارج العالم خلاء، وذلك أنَّ الخلاء يبين في العلوم النظرية امتناعه، لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئًا، أكثر من أبعاد ليس فيها جسم، أعني طولًا وعرضًا وعمقًا، لأنه إنْ رفعت الأبعاد عنه عاد عدمًا، وإن أنزل الخلاء موجودًا، لزم أن يكون أعراضًا موجودة في غير جسم، وذلك أنَّ الأبعاد، هي أعراض من باب الكمية ولا بد، ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة؛ أنَّ ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين، يريدون الله والملائكة، وذلك أنَّ الموضع هو ليس بمكان فلا يحويه زمان، فكذلك إنْ كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدًا، فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن، وقد تبين هذا المعنى مما أقوله؛ وذلك أنه
(1/161)

لمَّا لم يكن هاهنا [شيء] إلا هذا الوجود المحسوس والعدم، وكان من المعروف أنَّ الموجود إنما يُنسب إلى الوجود؛ أعني أنَّه يقال: إنَّه موجود؛ أي: في الوجود، إذ لا يمكن أن يقال: إنه موجود في العدم، فإن كان هاهنا موجود، هو أشرف الموجودات، فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف، وهي السموات، ولشرف هذا الجزء قال الله تبارك وتعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) } [غافر: 57] وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم، فقد ظهر لك من هذا أنَّ إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وابْتنى عليه، فإنَّ إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى، مع نفي الجسمية؛ هو أنه ليس في الشاهد تمثال له، وهو بعينه السبب في أنْ لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه؛ لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك
(1/162)

معلوم الوجود في الشاهد، مثل العلم *يعني في الغائب، لأنه ضد الفاعل* فإنه لما كان في الشاهد شرطًا في وجوده كان شرطًا في وجود الصانع الغائب، وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد، عند الأكثر، ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون، فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته، إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثال من الشاهد، إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم، وإنْ لم يكن ذلك المثال هو نفس الأمر المقصود تفهيمه، مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد، والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها، ليس يتفطن الجمهور لها، لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم، فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع، وأن لا يتأول، ما لم يصرح الشرع بتأويله، والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث رتب: صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى، وخاصةً متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور، وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس، وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك،ولم يقدروا على حلها،
(1/163)

وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء، وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم المتشابه في الشرع، وهم الذين ذمهم الله، وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم المتشابه. ومثال ما عرض لهذا الصنف من الشرع مثل ما يعرض لخبز البُرّ مثلًا، الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان، أن يكون لأقل الأبدان ضارًا، وهو نافع للأكثر، وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما ضر الأقل ولهذا أشار بقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة: 26] لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز، في الأقل منها، والأقل من الناس، وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب، ليس لها مثال في الشاهد، فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها، وأكثرها شبهًا بها، فيعرض لبعض الناس أن يرى به هو الممثل نفسه، فتلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يسمى متشابهًا في الشرع، وهذا ليس يعرض للعلماء و [لا] الجمهور، وهم صنفا الناس بالحقيقة، لأن هؤلاء هم الأصحاء،
(1/164)

والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء، وأما أولئك فمرضى، والمرضى منه هو الأقل، ولذلك قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ *وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ*} [آل عمران: 7] وهؤلاء [هم] أهل الجدل والكلام، وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف، إنهم تأولوا كثيرًا مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أتى [الله] به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده، واختبارًا لهم، ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كان كتاب الله العزيز، إنما جاء معجزًا من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما أبعد عن مقصود الشرع، من قال فيما ليس [بـ] متشابه إنه متشابه، ثم أوله بزعمه، وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش، وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه، وبالجملة فأكثر
(1/165)

التأويلات التي يزعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع، إذا تؤملت وجدت ليس يقوم عليها برهان، ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها، وعملهم عنها، فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور، إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل فهو أجدر، فأما المقصود بالعلم في حق العلماء، فهو الأمران جميعًا؛ أعني العلم والعمل» .
وذكر كلامًا آخر نذكره إن شاء الله فيما بعد، عندما يذكره المؤسس، من موافقة بعض المسلمين الفلاسفة في [الجسم و] النفس، وفي غير ذلك مما يناسبه. وأما نقل سائر أهل العلم لمذاهب أهل الأرض من المسلمين وغيرهم في هذا الأصل، فهو أعظم من أن يذكر هنا إلا بعضه، وإنما نبهنا على أن أئمة الأشعرية الكبار، كانوا ينقلون ذلك أيضًا، وأنه لم يخالف في أن الله فوق العالم على العرش إلا الجهمية
(1/166)

وموافقوهم، وسنذكر إن شاء الله عندما نذكره من احتجاج المثبتة بالدعاء ونحو ذلك، ما فيه عبرة، وكل من صنَّف في بيان مذاهب سلف الأمَّة وأئمتها من أهل العلم بذلك، فإنه ذكر أن ذلك قولهم جميعًا بلا نزاع، كما قال الشيخ الحافظ «أبو نصر السجزي» في كتاب «الإبانة» له: «وأئمتنا «كسفيان الثوري» و «مالك بن أنس» و «سفيان بن عيينة» و «حماد بن سلمة» و «حماد بن زيد» و «عبد الله بن المبارك» و «فضيل بن
(1/167)

عياض» و «أحمد بن حنبل» و «إسحاق بن إبراهيم الحنظلي» متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأنَّ علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما يشاء، فمن خالف شيئًا من ذلك فهو منهم بريء وهم منهم برءاء» .
وذكر الإمام «أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني» الذي له الرسالة التي سماها «برسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء» لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء، قال:
(1/168)

قول «الطبري» يعني: أبا جعفر «صاحب التفسير الكبير» و «أبي محمد بن أبي زيد» والقاضي «عبد الوهاب» وجماعة
(1/169)

من شيوخ الحديث والفقه، وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي «بكر» و «أبي الحسن» يعني: «الأشعري» وحكاه عنه أعني: القاضي «عبد الوهاب» نصًا،: «وهو أنه سبحانه مستو على العرش بذاته» وأطلقوا في بعض الأماكن «فوق عرشه» قال «أبو عبد الله القرطبي» في كتاب «شرح الأسماء الحسنى» :
(1/170)

«هذا قول القاضي «أبي بكر» في كتاب «تمهيد الأوائل» له، وقول الأستاذ «ابن فورك» في شرح «أوائل الأدلة» وهو قول «أبي عمر بن عبد البر» و «الطلمنكي» وغيرهما من الأندلسيين، وقول «الخطابي» في
(1/171)

«شعار الدين» » . ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولًا: «وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه، كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه، بلا كيف، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح، في ما نقل عنهم الثقات» .
وقال أيضًا «أبو عبد الله» هذا في «تفسيره» الكبير، في قوله تعالى: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] قال: «هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وأجزاء، وقد بينا أقوال العلماء فيها في كتاب «الأسني في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى» ، وذكرنا فيها هنالك أربعة عشر قولًا، والأكثر من المتقدمين والمتأخرين» يعني من متكلمي أصحابه «أنه إذا وجب تنزيه الباري عن الجهة والحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين» يعني: العلماء المتكلمين أصحابه، «تنزيه الباري عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز، الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث، هذا قول
(1/172)

المتكلمين، وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا يعلم حقيقته، كما قال مالك رحمه الله: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة» . وكذا قالت
(1/173)

«أم سلمة» رضي الله عنها، وهذا القدر كاف» قال: «والاستواء في كلام العرب العلو والاستواء» وذكر كلام «الجوهري» في صحاحه وغير ذلك، هذا آخر كلام
(1/174)

«القرطبي» .
وقال «أبو بكر محمد بن موهب المالكي» في شرح رسالة «أبي محمد بن أبي زيد» : «وأما قوله: «إنه فوق عرشه المجيد بذاته» فإن معنى: فوق وعلى عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك، قول الله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وقال في وصف الملائكة: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) } [النحل: 50] وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] ونحو ذلك كثير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعجمية التي أراد سيدها أن يعتقها: «أين ربك؟ فأشارت إلى السماء» ووصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه عرج به من الأرض إلى السماء، من سماء إلى سماء، إلى سدرة
(1/175)

المنتهى، وإلى ما فوقها، حتى قال: لقد سمعت صريف القلم، وأنه وصف من فرض الصلوات أنـ[ـه] كل ما هبط من مكانه، فلقي موسى في بعض السموات، فأمره بالتخفيف عن أمته، عاد يصعد ثم سأل إلى أن انتهى إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.
(1/176)

وقد تأتي [لفظة «في» ] في لغة العرب بمعنى: فوق، وعلى ذلك قول الله عز وجل: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك: 15] يريد: عليها وفوقها. وكذلك قوله فيما وصف عن فرعون أنه قال في قصة السحرة: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] يريد عليها، قال الله عز وجل: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] الآيات كلها، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة من أدرك من التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله في السماء، يعني: فوقها وعليها. ولذلك قال الشيخ أبو محمد: «إنه فوق عرشه المجيد» ، ثم بين أن علوه على عرشه وفوقه، إنما هو بذاته، لأنه بائن عن جميع خلقه
(1/177)

بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان، إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه، هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش لأنه قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] و «ثم» أبدًا لا تكون أبدًا إلا لاستئناف فعل يصير بينه وبين ما قبله فسحة، فهو سبحانه وإن كان لا يزول ولا يحول فقد يزيل المخلوقات دونه، ويحيلها كيف يشاء، فصار بكونه على عرشه في وصفنا بخلاف ما كان قبل ذلك، هذا حكم وصفنا لاستوائه على عرشه سبحانه، ففرق بين ذاته وعلمه من جملة الحكم والمعنى، إذ لا تخلو الأماكن من علمه، وهو بائن عن جميعها بذاته، وإن كان محيطًا بها جميعًا عظمة وجلالًا» .
إلى أن قال: «وقوله: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنت المعتزلة، ومن قال بقولهم: إنه معنى الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة، ويبين
(1/178)

سوء تأويلهم في استوائه على عرشه، على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهل المعقول، بأنه لم يزل مستويًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء، الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة» .
قال: «ويبين أيضًا أنه على الحقيقة بقوله عز وجل: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) } [النساء: 122] فلما أبصر المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه، بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هاهنا على غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز [لأنه الصادق] في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله، إذ لي كمثله شيء من الأشياء» .
وقال الشيخ الإمام «أبو أحمد الكرجي القصاب» إمام تلك
(1/179)

النواحي علمًا ودينًا، في عقيدته التي ذكر أنها عقيدة أهل السنة، والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة «القادر» وقرأها على الناس، وجمعهم عليها، واقر بها طوائف السنة، واستتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتبعه في نحو ذلك ذو السلطان «محمود بن سبكتكين» بأرض المشرق، وكان ذلك [عند
(1/180)

ظهور] القرامطة الباطنية بمصر، في إمارة الحاكم، وما قبله وبعده من الأمور التي جرت في خلافة «القادر» التي أظهر فيها السنة، وأبطل البدعة، حتى أن الشيخ «أبا حامد الإسفراييني»
(1/181)

و «أبا عبد الله بن حامد» وغيرهما أظهروا الإنكار على «أبي بكر بن الطيب» في أشياء خالف بها السنة حتى سرى من بعض ذلك [فتن] وصنف القاضي «أبو بكر» كتابه المشهور «في كشف أسرار الباطنية وهتك أستارهم» وكانت وفاة هؤلاء متقاربة بعيد المائة الرابعة، ثم كان ما فعله «القادر» من قراءة عقيدته بمحضر من أئمة المذاهب، قال فيها: «كان ربنا وحده، ولا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى عليه استواء استقرار، كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة، كما يستريح الخلق، وهو مدبر السموات والأرضين، ومدبر ما فيهما، ومن في البر والبحر، لا مدبر غيره، ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم، ويعافيهم ويميتهم، والخلق كلهم عاجزون، والملائكة والنبيون والمرسلون، وسائر الخلق أجمعون، وهو
(1/182)

القادر بقدرته والعالم بعِلم، أزلي غير مستفاد، هو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه، لا بآلة مخلوقة، كآلة المخلوقين، لا يُوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه بها نبيهُ صلى الله عليه وسلم، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز» .
وقال الفقيه الحافظ «أبو عمر بن عبد البر» في كتاب «التمهيد شرح الموطأ» لما تكلم على حديث النزول، قال: «هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث في صحته ... وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش، فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله بكل مكان» قال:
(1/183)

«والدليل على صحة قول أهل الحق ... » وذكر بعض الآيات، إلى أن قال: «وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة، من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره مسلم» .
وقال «أبو عمر بن عبد البر» أيضًا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله» .
وقال «أبو عمر» أيضًا: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه [صفة] محصورة، وأما أهل البدع الجهمية، والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولايحمل منها شيئًا
(1/184)

على الحقيقة، ويزعم أن من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون؛ بما نطق به كتاب الله وسنة ورسوله، وهم أئمة الجماعة» .
قال «أبو عمر» : «الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة، وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» .
قال أبو عمر: «روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة والأوزاعي، ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمروها كما جاءت» .
(1/185)

قال «أبو عمر» : «ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل الثقات أو جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، فهو علم يدان به، وما أحدث بعدهم، ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة» .
وقال مثله الإمام «أبو عمر الطلمنكي» في كتابه الذي سماه «الوصول إلى معرفة الأصول» وكان في حدود المائة الرابعة وله التصانيف الكثيرة، والمناقب المأثورة، قال: «وأجمع المسلمون من أهل السنة، على أن معنى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ونحو ذلك من القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستويًا على عرشه كيف شاء» .
وقال أيضًا: «قال أهل السنة في قول الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] أن الاستواء من الله على عرشه المجيد، على الحقيقة لا على المجاز» .
وقال «أبو بكر الخلال» في «كتاب السنة» أخبرنا أبو بكر
(1/186)

المروزي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا سليمان بن داود، أبوداود الخفاف، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله تبارك وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار، ورؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السموات السبع، وما دون العرش، أحاط بكل شيء علمًا، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر، إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره» .
(1/187)

وروى الإمام «عبد الرحمن بن أبي حاتم» في كتاب «الرد على الجهمية» عن «سعيد بن عامر الضبعي» إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق، أنه ذكر عنده الجهمية، فقال هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى، وأهل الأديان مع المسلمين، على أنَّ الله فوق العرش، وقالوا هم: «ليس عليه شيء» .
(1/188)

وروى أيضًا عن «عبد الرحمن بن مهدي» الإمام المشهور، وهو من هذه الطبقة، قال: «أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إنَّ الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وأن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا» .
وعن «عاصم بن علي بن عاصم» شيخ البخاري وغيره، قال: «ناظرت جهميًا فَتَبين من كلامه أنه لايؤمن أنَّ في السماء ربًا» .
(1/189)

وروى الحافظ «أبو بكر البيهقي» بإسناد صحيح عن «ابن وهب» ، قال: كنا عند «مالك» فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [سورة طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه
(1/190)

فقال: الرحمن على العرش استوى، كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع وأنت صاحب بدعة، أخرجوه.
ورواه عنه يحيى بن يحيى النيسابوري الإمام، ولفظه: «فقال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» .
وروى البيهقي أنا أبو بكر بن الحارث، أنا ابن حيان،
(1/191)

أنا أحمد بن جعفر بن نصر، أنا يحيى بن يعلى، سمعت نعيم بن حماد، يقول: سمعت نوح بن أبي مريم، يقول: «كنا عند أبي حنيفة -رحمه الله- أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ،
(1/192)

كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدع إلى بابها، فقيل لها: إنّ هاهنا رجلًا قد نظر في المعقول، يقال له أبو حنيفة، فأتته، وقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتابًا أنَّ الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4] قال: هو كما يكتب الرجل إلى الرجل أني معك، وهو غائب عنه» .
وروى «أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي» في «الفقه
(1/193)

الأكبر» قال: «سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر، لأن الله تعالى يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وعرشه فوق سبع سموات، فقلت: إنه يقول على العرش استوى، ولكن لا ندري العرش في السماء أم في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» .
وروى ابن أبي حاتم، حدثنا علي بن الحسن بن مهران، حدثنا بشار بن موسى الخفاف، قال: جاء بشر بن
(1/194)

الوليد إلى أبي يوسف رحمه الله، فقال: تنهاني عن الكلام، وبشر المريسي، وعلي الأحول، وفلان يتكلمون.
فقال وما يقولون؟ فقال: يقولون: الله في كل مكان. فبعث أبو يوسف، وقال: عليَّ بهم. فانتهوا إليه، وقد قام بشر، فجيء بعلي الأحول، والشيخ، يعني: الآخر. فنظر أبو يوسف إلى الشيخ، فقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك، فأمر به إلى
(1/195)

الحبس، وضرب عليًا الأحول، وطوف به» .
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: «حبس رجل في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام بن عبيد الله ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه. قال: لا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردُّوه فإنه لم يتب بعد» . وهشام بن عبيد الله، هو أحد أعيان أصحاب «محمد بن الحسن» صاحب أبي حنيفة الفقيه، وفي منزله مات محمد
(1/196)

وقال ابن أبي حاتم: «حدثنا محمد بن يحيى، عن صالح بن الضريس، قال: جعل عبد الله بن أبي جعفر
(1/197)

الرازي، يضرب قرابةً [له] بالنعل على رأسه، يرى رأي جهم، ويقول: لا. حتى تقول: الرحمن على العرش استوى، بائن من خلقه» .
وقال الإمام «أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، الطحاوي» في العقيدة المشهورة له، التي قال في أولها: «ذكر بيان [عقيدة أهل] السنة والجماعة، على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة ... وأبي يوسف ... ومحمد بن الحسن رضي الله عنهم ... نقول: في توحيد الله معتقدين ... أن الله
(1/198)

تعالى واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ... ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه ... وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيه وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله على الحقيقة، ليس بمخلوق ... فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر ... والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة، ولا كيفية ... وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ... ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه، عن خالص التوحيد ... وصحيح الإيمان، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه» إلى أن قال: «والعرش والكرسي حق، كما بين في كتابه، وهو [جل جلاله] مستغن عن العرش وما دونه، محيط [بكل] شيء وفوقه» .
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبي هارون،
(1/199)

محمد بن خالد، عن يحيى بن المغيرة، قال: سمعت جرير بن عبد الحميد، يقول: «كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله» .
وروى «عبد الله بن أحمد بن حنبل» في كتاب «السنة» وروى غيره بأسانيد صحيحة، عن عبد الله بن المبارك، الذي
(1/200)

يقال له: أمير المؤمنين في كل شيء، لجلالته في أنواع الفضائل، أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض. وهكذا قال الإمام أحمد أيضًا.
وروى عبد الله بن أحمد أيضًا، عن عبد الله بن المبارك، أن رجلًا قال له: «يا أبا عبد الرحمن، قد خفت الله من كثرة ما أدعوه على الجهمية. قال: لا تخف. فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء» .
وروى أيضًا عن سليمان بن حرب الإمام، قال: سمعت حماد بن زيد، وذكر هؤلاء الجهمية، فقال: «إنما يحاولون أن
(1/201)

يقولوا ليس في السماء شيء» .
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن سليمان، ولفظه: «إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله» .
ورواه «الطبراني» في «كتاب السنة» عن العباس بن الفضل
(1/202)

الأسفاطي عن سليمان بن حرب، سمعت حماد بن زيد، سمعت أيوب السختياني، وذكر المعتزلة، فقال: إنما مدار المعتزلة أن يقولوا ليس في السماء شيء» .
وحماد بن زيد وهو الإمام المطلق في زمن مالك والثوري والليث وكان يقول: إنه أعلم الناس بما يدخل في السنة من الحديث، وهو صاحب «أيوب السختياني» الذي قال فيه
(1/203)

مالك، لما قيل له: حدثت عنه وهو عراقي، فقال ما حدثكم عن أيّوب أحد إلا وأيوب أفضل منه.
وأهل العلم والسنة بالبصرة متبعون لأيوب، وابن عون ويونس بن عبيد، ثم لحماد بن زيد وحماد بن سلمة ونحوهم.
ومذهب السنة الذي يحكيه الأشعري في «مقالاته» عن أهل السنة والحديث، أخذ جملته عن «زكريا بن يحيى الساجي» الإمام الفقيه عالم البصرة، في وقته، وهو أخذه عن أصحاب حماد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ «حماد بن زيد»
(1/204)

كقوله «يدنو من خلقه كيف يشاء» ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن الإمام أحمد لما قدم بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضًا من أصحاب أحمد في ذلك.
وقد ذكر «أبو عبد الله بن بطة» في «إبانته الكبرى» عن «زكريا بن يحيى الساجي» جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في «مقالاته» وكان الساجي شيخ الأشعري، الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة، وكذلك ذكر أصحابه.
وروى «عبد الله» ، عن «عباد بن العوام الواسطي» ، قال:
(1/205)

«كلمت «بشر المريسي» ، وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» .
وقال الإمام «أحمد» : حدثنا «شريح بن النعمان» قال: سمعت «عبد الله بن نافع الصائغ» سمعت «مالك بن أنس» يقول: «الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان» .
(1/206)

وروى «أبو بكر البيهقي» في كتاب «الأسماء والصفات» بإسناد صحيح عن «الأوزاعي» قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» .
وقال الخلال في كتاب «السنة» : «أخبرني «الميموني» أنه
(1/207)

قال: سألت أبا عبد الله، يعني «أحمد بن حنبل» ما تقول فيمن قال: إن الله [ليس] فوق العرش؟ قال: كلامهم كله يدل على الكفر.
وقال: أنا «يوسف بن موسى) أن أبا عبد الله «أحمد بن حنبل» قيل له: « ... والله تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو الشيء من علمه» .
(1/208)

وقال الشيخ «أبو بكر النقاش» صاحب «التفسير» و «الرسالة» : حدثنا «أبو العباس السّراج» سمعت «قتيبة بن سعيد» يقول: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى
(1/209)

الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [سورة طه: 5] .
وقال «عبد الرحمن بن أبي حاتم» في «الاعتقاد» المشهور عنه في السنة: «سألت أبي و «أبا زرعة» عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار *وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار* حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذاهبهم: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته» . إلى أن قال: «وأن الله على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا» .
(1/210)

وذكر هذا الشيخ «نصر المقدسي» في كتاب «الحجة على تارك المحجة» له وقال أيضًا في هذا الكتاب: «إن قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام؛ من اتباع كتاب الله تعالى وسنة ورسوله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فاذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم، فالجواب: أن الذي أدركتُ عليه أهل العلم، ومن لقيتهم وأخذتُ عنهم، ومن بلغني قولهم من غيرهم..» فذكر جمل اعتقاد أهل السنة، وفيه: «وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، كما قال في كتابه: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) } [الطلاق: 12] ، {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) } [الجن: 28]
(1/211)

وقال الحافظ «أبو نعيم الأصبهاني» في عقيدة جمعها في أولها: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة» قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله [عليه] يقولون بها ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يختلط بهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه وخلقه» .
وقال الإمام العارف «معمر بن أحمد الأصبهاني» مفتي
(1/212)

الصوفية العارفين، في أواخر المائة الرابعة في بلاده، قال: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين» قال فيها: «وأن الله على استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأن الله عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله عز وجل سميع بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى ويسخط، ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» . قال: «ونزوله إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال» .
(1/213)

وقال الشيخ الإمام العارف، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، في كتاب «الغنية» له: «أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد» إلى أن قال: «وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) } [السجدة: 5] . « ... ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير
(1/214)

تأويل أنه استواء الذات على العرش» قال: «وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على نبي أرسل» وذكر كلامًا طويلًا لا يحتملـ[ـه] هذا الموضع.
وقال الإمام الزاهد العلامة [الشيخ أبو محمد المقدسي] : «فإن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله
(1/215)

مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء [أيديهم] ، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون ذلك بألسنتهم، لاينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتِّباعه على ضلالته» قال: «وأنا ذاكر في هذا الجزء بعض ما بلغني من الأخبار في ذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، والأئمة المقتدين بسنته، على وجه يحصل [به] القطع واليقين بصحة ذلك عنهم، ويعلم تواتر الرواية بوجوه منهم، ليزداد من وقف عليه من المؤمنين إيمانًا، وينتبه من خفي عليه ذلك، حتى يصير كالمشاهد له عيانًا، ويصير للمتمسك بالسنة حجة وبرهانًا، واعلم رحمك الله أنه ليس من شرط صحة التواتر، الذي يحصل به اليقين، أن يوجد عدد التواتر في خبر واحد، بل متى نقلت أخبار كثيرة، في معنى واحد، من طرق يصدق بعضها بعضًا، ولم يأت ما يكذبها، [أ] ويقدح فيها، حتى استقرّ ذلك في القلوب واستيقنته، فقد حصل التواتر فيها،
(1/216)

وثبت القطع واليقين، فإنا نتيقن جُودَ حاتم، وإن كان لم يرد بذلك خبر واحد مرضِ الإسناد، لوجود ما ذكرنا، وكذلك عدل عمر وشجاعة علي، وعلم عائشة، وأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وابنة أبي بكر، وأشباه هذا، لا يشك في شيء من ذلك، ولا يكاد يوجد تواتر إلا على هذا الوجه، فحصول التواتر واليقين في مسألتنا مع صحة الأسانيد، ونقل العدول المرضيين، وكثرة الأخبار وتخريجها فيما لا يُحصى عددُه، ولا يمكن حصره في دواوين الأئمة والحفاظ، وتلقي الأمة لها بالقبول [وروايتهم لها] ، من غير معارض يعارضها ولا منكر، لمن يسمع منه شيء منها، أولى، لا سيما وقد جاءت على وفق ماجاء في القرآن العزيز، الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) } [فصلت: 42] قال الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] في مواضع من كتابه، وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي
(1/217)

السَّمَاءِ} [الملك: 16] في موضعين وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] وقال سبحانه: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] وقال تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] وقال لعيسى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وقال تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] وقال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] وأخبر عن فرعون أنه قال: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36-37] يعني: أظن موسى كاذبًا في أن له إلهًا في السماء. والمخالف في هذه المسألة [قد أنكر هذا] يزعم أن موسى كاذب في هذا بطريق [القطع و] اليقين، مع مخالفته لرب العالمين، وتخطئته لنبيه الصَّادق الأمين، وتركه مذهب الصحابة والتابعين، والأئمة السابقين، وسائر الخلق أجمعين» .
(1/218)

فصل
أما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والعرض والمركب ونحوها من الألفاظ الاصطلاحية التي تكلم بها أهل الخصومات من أهل الكم في الاستدلال بمعانيها على حدوث العالم، وإثبات الصانع، والإخبار بها عن الله نفيًا وإثباتًا، فهذا لا يعرف عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، الذين جعلهم الله أئمة لأهل السنة والجماعة، في العلم والدين، بل المحفوظ عنهم
(1/219)

المتواتر إنكار ذلك وذم أهله، وصرحوا في ذمه بذم هذا الكلام -الجسم والعرض- لا سيما وذمهم للجهمية الذين يتكلمون بهذا الأسلوب ونحو [هـ] في حق الله تعالى، أضعاف كلامهم وذمهم للمشبهة، لأن ضررهم أقل، فإن الله بعث الرسل بالإثبات المفصل والنفي المجمل، فأخبروا أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، وأنه يحب ويبغض، ويتكلم ويرضى ويغضب، وأنه استوى على العرش، وغير ذلك مما أخبرت به الرسل، وقالوا في النفي ما قاله الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } [الإخلاص: 4] {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } [مريم: 65] {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة: 22] وأما أعداؤهم في هذا الباب من المشركين، ومن وافقهم من الصابئين المتفلسفة ونحوهم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، ويطلقون عبارات مجملة، تحتمل نفي الباطل [و] الحق؛ فيقولون: ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا منقسم، ولا مؤلف ولا مركب، ولا محدود، ولا له غاية ولا انتهاء، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا، حتى ينفوا كل ما يمكن للقلب أن يعلمه، فإذا طلب إثباته، قالوا: وجود مطلق. ونحو ذلك، فأثبتوا ما لا يكون موجودًا إلا في الأذهان لا في الأعيان،
(1/220)

والجهمية توافق هؤلاء في النفي، وأما المبتدعة من المشبهة والمجسمة، فإن دعتهم الزيادة في الإثبات، والكفر والإلحاد، والفساد في ذلك النفي أعظم مما في الزيادة في الإثبات، كما قد بينا هذا في غير هذا الموضع.
ولم يكن ذمهم لذلك لمجرد اصطلاح ولا لترجمة معنى بلفظ لم يحتج إلى ترجمة به، بل لاشتمال ذلك على معانٍ باطلة، كما سنذكر ما نذكره عنهم من ذلك، في أثناء هذا الكتاب، حيث تذكر الطريق التي يعتمدها المعتزلة، ومن سلك سبيلهم، في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأجسام، واستدلوا على ذلك بحدوث الأعراض في بعضها، وبامتناع خلو الأجسام عنها، فإن هذه الطريقة هي أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وتوسعوا في الكلام في ذلك من وجهين:
أحدهما: أنهم جعلوا ذلك أصل الدين، حتى قالوا إنه لا يمكن معرفة الله وتصديق رسوله إلا بهذه الطريق، فصارت هذه الطريق أصل الدين وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان عندهم، لا يحصل إيمان ولا دين؛ ولا علم بالصانع إلا بها، وصار المحافظة على لوازمها، والذي فيها أهم الأمور عندهم، لكن ليس الغرض هنا ذكر ذلك بل المقصود هو.
(1/221)

الوجه الثاني: وهو الكلام بذلك في حق الله سبحانه وتعالى، فإن كان من لوازم هذه الطريقة نفي ما جعلوه من سمات الحدوث عن الرب تعالى، فإن تنزيهه عن سمات الحدوث ودلائله أمر معلوم بالضرورة، متفق عليه بين جميع الخلق، لامتناع أن يكون صانع العالم محدثًا، لكن الشأن فيما هو من سمات الحدوث، فإنه في كثير من ذلك نزاعًا بين الناس، وأهل هذه الطريقة إنما استدلوا على حدوث العالم، بما جعلوه دليلًا على حدوث الأجسام، وإنما استدلوا على ذلك بحدوث صفاتها، التي يسمونها الأعراض، والمشهور إنما هو حدوث الحركات وتوابعها، أما سائر الأعراض، ففي حدوثها نزاع بينهم مشهور، لكن قد يقولون: إنها لا تقوم إلا بجسم، وكل جسم محدث، فيلزم حدوث كل صفة وموصوف، فيلزم من ذلك أن ينفى عنه أن يوصف بذلك، لئلا يلزم حدوثه، فتكلموا في أن الله هل هو جسم أو ليس جسمًا؟، وأنه هل له صفات أم لا؟، وهل يقال: له أعراض أم لا؟ وما يتبع ذلك.
فذهبت المعتزلة ومن وافقها من سائر الجهمية إلى أنه يمتنع أن يكون الرب جسمًا، ويمتنع أن تكون له صفة، فإن ذلك أعراض، وبالغوا في النفي ظانين أن ذلك كله تنزيه، وقالوا: الباري لا يكون محلًّا للأعراض ولا للحوادث، ولا يكون في
(1/222)

[أ] بعاض ولا تقدير، ومقصودهم بنفي الأعراض نفي الصفات، فلا تقوم به عندهم حياة، ولا علم ولا قدرة، ولا كلام، ولا سمع ولا بصر، ولا رضى ولا غضب، ولا حب ولا بغض، ولا غير ذلك، وكل ما يضاف إلى الرب من ذلك، فإن كان موجودًا فهو مخلوق، وكلامه عندهم أنه خلق في بعض الأجسام كلامًا، ورضاه وغضبه نفس ما يخلقه من النعيم والعذاب، وأمثال ذلك، وقالوا: لا ينزل ولا يجيء ولا يأتي، ولا كذا، فإن هذه الأمور هي الحوادث، وهو ليس محلًا للحوادث، وصار هؤلاء يقولون متى قيل: إنه جسم أو موصوف لزم أن يكون محدثًا، وقابل هؤلاء طوائف من متكلمة الشيعة والمرجئة وغيرهم، فقالوا: بل هو جسم ومتحيز، وله صفات تقوم به، وأفعال تقوم به، كالحركة والسكون، وحكى عنهم من الزيادة في الإثبات أمورًا، كما بالغ أولئك، وصار هؤلاء يقولون: متى قيل: ليس بجسم أو ليس بموصوف، لزم أن يكون معدومًا، ولا معنى للجسم إلا الموجود والقائم بنفسه، وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب «المقالات» مقالة الطائفتين، مع أنه يحكي ذلك كما وجده في كتب المعتزلة، فإنه كان أعلم بمقالتهم، وما نَقَلُوهُ عن مخالفيهم من قول غيرهم، لأنه كان منهم وبقي على مذهبهم أربعين سنة، ثم انتقل إلى نحو من
(1/223)

مذهب ابن كلاب وما يقاربه من مذهب أهل السنة والحديث، ولهذا يوجد علمه بمقالات المعتزلة علمًا مفصلًا محكمًا، وأما علمه بمقالات أهل السنة والحديث، فهوة علم بمجمل ذلك، التي بلغته عنهم، لا علم بمفصل، كعلمه بمقالات المعتزلة، مع أن الأشعري لم يذكر مجسمًا لطائفةٍ من الطوائف في كتابه، خارجة عما ذكره، بل قال: «هذا ذكر الاختلاف، واختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيعة والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، والضرارية، والحسينية -يعني أتباع حسين النجار- والبكرية، والعامة وأصحاب الحديث، والكلابية - أصحاب عبد الله بن كلاب القطان» ثم ذكر الشيعة وذكر أن أكثر الإمامية كانوا يقولون: بالتجسيم، وأنه إنما صار إلى نفيه وموافقة المعتزلة قوم من متأخريهم، وذكر أن الزيدية نوعان: نوع
(1/224)

يثبت الصفات ونوع ينفيها، وذكر الخوارج، وأن قولهم في أكثر التوحيد قول المعتزلة، قال: «واختلف المرجئة في التوحيد فقال قائلون منهم في التوحيد بقول المعتزلة وسنشرحه، وقال قائلون بالتشبيه» .
الوجه العاشر: قوله: «وإذا كان كذلك فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق المحسوسات منزهًا عن لواحق الحس وعلائق الخيال» .
يقال له: أنت الذي جعلته متخيلًا، لا حقيقة له في الخارج، حيث جعلت وجوده من جنس وجود الأمور الذهنية، التي لا توجد إلا في الذهن والخيال، وهذا قول متخيل لا حقيقة له، بمنزلة الإفك المفترى والكذب المختلق، فإن هذه الأمور كلها، لها وجود في الذهن والخيال، وليس لها حقيقة في
(1/225)

الخارج، وهذا هو التخيل المذموم، وهو أن يتخيل العبد ما ليس له حقيقة موجودة، أما تخيل الأمور الموجودة، مثل ما يراه النائم في منامه من الرؤيا المطابقة للخارج، فهذا ليس بمذموم ولا معيب، بل هو حق في بابه، وأما تخيل الأمور الموجودة المحسوسة، على ما هي عليه موجودة في الخارج، فهذا حق باطنًا وظاهرًا، وإنكار هذا سفسطة كإنكار المحسوسات الموجودات.
الوجه الحادي عشر: قوله: «لواحق الحس» إن عنى به أن الحس لا يلحقه، أي لا يدركه ولا يحيط به، فلا الحس يحيط به ولا العقل، فلا اختصاص للحس بذلك، وإن عنى أنه لا يحس أي لايرى. فهذا ممنوع باطل، وهم لا يتظاهرون بإنكار ذلك، وإن كانوا في الحقيقة موافقين لمن أنكره. ولولا أن هذا ليس موضعه لذكرناه.
الوجه الثاني عشر: أن قوله: «لواحق الحس وعلائق الخيال» ظاهر لفظه هو ما يلحق الحس. ولا يخلو أن يريد به نفي ما يلحق الحس أو المحسوس، وما يتعلق بالخيال أو التخيل، أو يريد به أنه لا يحلقه الحس، ولا يتعلق به الخيال، فإن أراد الأول: وهو مقتضى اللفظ، لزم في ذلك أن كل ما
(1/226)

يوصف به الحس أو المحسوس، أو الخيال أو التخيل لا يوصف به، ومعلوم أن ذلك يوصف بأنه موجود وثابت، وحق ومعلوم، ومذكور وموصوف، ونحو ذلك، مما لا نزاع في أن الله يوصف به. وإن أراد الثاني: وهو الذي أراده والله أعلم، وإن كان قد قصر في دلالة اللفظ عليه، كان مضمونه أنه لا يحس بحال، فإن أراد به ما يستلزم، أنه لا يرى ولا يسمع كلامه، فهذا ممنوع وهو باطل، وإن أراد به لا يكون كالمحسوسات، في إدراك الحس له، فيقال ولا هو كالمعلومات والمعقولات، في تعلق العلم به؛ فإن الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، كما قد بيناه في غير هذا الموضع.
الوجه الثالث عشر: أن طوائف يفرقون بين كونه معقولًا، وكونه محسوسًا، حتى يقول النفاة منهم: لا يعلم إلا بإشارة العقل، وقد يقولون: إنه من قسم الحقائق المعقولة دون المحسوسة ونحو ذلك، فيقال: هذا اللفظ فيه إجمال وإيهام. فإن أرادوا أنه في الدنيا لا يعرف إلا بالقلب، لا يشهد بالبصر الظاهر وغيره من الحواس فهذا حق، لكن ما يعرفه القلب، ويشهده القلب، ويحسه القلب، ونحو ذلك أعم من أن يكون معقولًا محضًا، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» وقد اتفق
(1/227)

على ذلك سلف الأمة وأئمتها، ولم يتنازعوا إلا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وإن نازع في غيره بعض من لم يعرف السنة، ومذهب الجماعة من بعض المتكلمة وجهال المتصوفة ونحوهم.
وإن أراد أنه لا يرى في الدنيا والآخرة، أو لا يمكن رؤيته فهذا مذهب الجهمية والمعتزلة في ذلك معروف، وقد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل وبصرائح العقل بطلان هذا المذهب.
وإن أراد أنه من باب ما يعقله القلب من الأمور المعقولة، التي لا يصح أن تكون محسوسة، فيقال له: المعقولات المحضة هي الأمور الكلية، فإن الإنسان إذا أحس بباطنه أو بظاهره بعض الأمور، كإحساسه بجوعه وعطشه، ورضاه، وغضبه، وفرحه، وحزنه، ولذته وألمه وبما يراه بعينه ويسمعه
(1/228)

بأذنه، فتلك الأمور معينة موجودة، فالعقل يأخذ منها أمرًا مطلقًا كليًا فيعلم جوعًا مطلقًا، وفرحًا مطلقًا، وشمًا مطلقًا، وألمًا مطلقًا ونحو ذلك، فهذه الكليات معقولات محضة، لأنه ليس في الخارج كليات مطلقة حتى يمكن إحساسها، والإحساس إنما يكون بالأمور الموجودة، ولهذا قالوا: إنه يعلم المعدومات قبل كونها [علمًا] عامًا، أما السمع والبصر فإنما يكون للموجود. ومن قال إنه يرى ... وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع.
وإذا كان كذلك فمن أراد هذا المعنى جعله من باب الموجودات في الأذهان لا في الأعيان، وهذا حقيقة قول الجهمية الذين يقولون: إنه لا يمكن رؤيته وإحساسه؛ فإن كل موجود قائم بنفسه يمكن رؤيته؛ بل كل موجود يمكن إحساسه إما بالرؤية وإما بغيرها، فما لا يعرف بشيء من الحواس لم يكن إلا معدومًا، حتى أن الصور الذهنية يمكن إحساسها من حيث وجود ذواتها، ولكن هي من جهة مطابقتها
(1/229)

للمعدومات كلية، والمطابقة صفة لها إضافية. فهذه معانٍ ينبغي أن يفطن لها.
فصل
ثم قال أبو عبد الله الرازي «الثامن: أن خصومنا لا بد لهم من الاعتراف بوجود شيء على خلاف حكم الحس والخيال؛ لأن خصومنا في هذا الباب: إما الكرامية وإما الحنابلة [أما الكرامية] فإنا إذا قلنا لهم: لو كان الله مشارًا إليه بالحس لكان ذلك [الشيء] إما أن يكون منقسمًا، فيكون مركبًا، وأنتم لا تقولون بذلك، وإما أن يكون غير منقسم، فيكون في الصغر والحقارة، مثل النقطة التي لا تنقسم، ومثل الجزء الذي لا يتجزأ،
(1/230)

وأنتم لا تقولون بذلك، فعند هذا الكلام قالوا: إنه واحد منزه عن التركيب والتأليف، ومع هذا فإنه ليس بصغير ولا حقير» .
فقوله: «خصومنا في هذا الباب إما الكرامية، وإما الحنابلة» ليس بسديد، لا سيما وهؤلاء الحنابلة الذين وصفهم -إن كان لهم وجود- فهم صنف من الحنابلة الموجودين في وقته أو قبله بأرض خراسان وغيرها، ليسوا من أئمة علماء الحنابلة ولا أفاضلهم، فإن هذه الألفاظ التي حكاها عن الحنابلة لا نعرفها عن أحد منهم كما سنذكره.
وكذلك هؤلاء الكرامية الذين حكى قولهم هم بعض الكرامية، وإلا فكثير من الكرامية قد يخالفونه فيما حكاه عنهم، بل خصومه في هذا الباب جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الصحابة والتابعين، وجميع أئمة الدين من الأولين والآخرين، وجميع المؤمنين الباقين على الفطرة الصحيحة -دع ما قد تنازع فيه من ذلك- فإنهم لا يطلقون على الله هذا الإطلاق الذي ذكره، وإن كان فيهم وفي سائر الطوائف من نص بالصفات التي يطلق عليها هو وأمثاله أنها أجزاء وأبعاض، لكنهم لايطلقون الألفاظ الموهمة المجمَلة إلا إذا نص الشرع، فأما ما لم يرد به الشرع فلا يطلقونه إلا إذا تبين معناه الصحيح الموافق للشرع، ونفي
(1/231)

المعنى [الباطل] وفي لفظ الأجزاء، والأبعاض إجمال وإيهام كما سنذكره إن شاء الله، وما علمت أحدًا من الحنابلة من يطلقه من غير بيان، بل كتبهم مصرحة [بنفي] ذلك المعنى الباطل، ومنهم من لا يتكلم في ذلك بنفي ولا إثبات.
فلا ريب أن الكتب الموجودة بأيدي الناس، تشهد بأن جميع السلف من القرون الثلاثة كانوا على خلاف ما ذكره، وأن الأئمة المتبوعين عند الناس والمشايخ المقتدى بهم، كانوا على خلاف ما ذكره، وهذه أئمة المالكية، والشافعية، والحنفية، وأهل الحديث، والصوفية على ذلك، بل أئمة الصفاتية من الكلابية
(1/232)

والكرامية والأشعرية على خلاف ما قاله، فهذه كتب ابن كلاب إمام طائفته، ثم الحارث المحاسبي ونحوه، ثم أبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه مثل أبي عبد الله بن مجاهد
(1/233)

وأبي الحسن الطبري، وأبي العباس القلانسي، وغيره -كما سيأتي إن شاء الله حكاية قوله وقول غيره- والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي علي بن شاذان وغيرهم، كلهم يقولون: بإثبات العلو لله على العرش واستوائه عليه دون ما سواه، ويضللون من يفسر ذلك بالاستيلاء والقهر ونحوه - كما قد حكينا بعض أقوالهم في جواب الاستفتاء، وفي جواب هذه المسائل الموردة عليه وذكرنا أنَّ أبا الحسن الأشعري ذكر أن هذا قول جميع أهل السنة والحديث، وبه يقول الرازي وهو قد حكى أيضًا في كتبه ذلك عن بعض أئمة أصحابه، وذكر للأشعري نفسه قولين، وقد تكلمنا على ذلك. فكيف يزعم أن خصومه إنما هم
(1/234)

الكرامية والحنابلة! بل لم يوافقه إلا فريق قليل من أهل القبلة.
حتى حذاق الفلاسفة فإنهم من خصومه في هذا الباب، كما ذكر القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف، مع فرط اعتنائه بالفلسفة، وتعظيمه لها، ومعرفته بها، حتى يأخذها من أصولها فيقرأ كتب أرسطو وذويه، ويشرحها ويتكلم عليها ويبين خطأ من خالفهم مثل ابن سينا وذويه، وصنف كتبًا متعددة مثل كتاب «تهافت التهافت» في الرد على أبي حامد فيما رده على الفلاسفة في كتاب «تهافت الفلاسفة» وكتاب «تقرير المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» وغير ذلك، قال في كتابه الذي سماه «مناهج الأدلة في الرد على الأصولية» وقد ضمن هذا الكتاب بيان الاعتقاد الذي جاءت به الشريعة ووجوب إلقائه إلى الجمهور. كما جاءت به الشريعة، وبيان ما يقوم عليه من ذلك البرهان، للعلماء، كما يقوم به ما يوجب التصديق للجمهور. وذكر فيه ما يوجب على طريقته أن لا يصرح به للجمهور، وذكر فيه ما يوجب من الأمور، التي قام عليها البرهان على طريقة ذويه، كما ذكر أنه لا يصلح في الشريعة، أن يقال: إن الله جسم أو ليس بجسم، مع أنه يقول في الباطن، إن الله ليس بجسم. ومع هذا فأثبت الجهة باطنًا وظاهرًا، وذكر أنه
(1/235)

قول الفلاسفة فقال:
«فإن قيل: فما تقولون في صفة الجسمية هل هي من الصفات التي صرح الشرع [بنفيها عن الخالق؟ أو هي من المسكوت عنها؟ فنقول: إنه من البين من أمر الشرع] أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من الكتاب العزيز، وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق [إلا] أنها في الخالق أتم وجودًا؛ ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم لا يشبه سائر الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم. والواجب عندي في هذه الصفة أن يجري فيها على منهاج الشرع، فلا يصرح فيها بنفي ولا إثبات، ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ
(1/236)

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11) } [الشورى: 11] وينهي عن هذا السؤال، وذلك لثلاثة معان:
أحدها: أن إدراك هذا المعنى، ليس هو قريبًا من المعروف بنفسه، برتبة واحدة ولا رتبتين ولا ثلاث، وأنت تتبين ذلك من الطريق التي سلكها المتكلمون في ذلك فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم؛ أنه قد تبين أن كل جسم محدث. وإذا سئلوا عن الطريق التي فيها يوقف على أن كل جسم محدث، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرناها من حدوث الأعراض، وأن ما لا يتعرى من الحوادث حادث. وقد تبين لك من قولنا إن هذه الطريقة ليست برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها.
وأيضًا فإن ما يصفه هؤلاء القوم من أنه سبحانه [له] ذات وصفات زائدة على الذات. يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية، بدليل انتفاء الحدوث عنه، فهذا هو
(1/237)

السبب الأول في أنه لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم.
أما السبب الثاني: فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم. فإذا قيل لهم: إن هاهنا موجودًا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم، ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا أسفل، ولهذا اعتقدت الطائفة الذين أثبتوا الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنها معطلة واعتقدت الذين نفوها في المثبتة أنها مكثرة.
وأما السبب الثالث: فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية، عرضت في الشرع شكوك كثيرة؛ مما يقال في المعاد وفي غير ذلك، منها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة، وذلك أن الذين صرحوا بنفيها فرقتان: المعتزلة والأشعرية. فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى أن نفوا الرؤية. وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك
(1/238)

ذلك عليهم، ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية نومي إلى الوهم الذي فيها عند الكلام في الرؤية.
ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة من بادئ الرأي عن الخالق سبحانه كونه ليس بجسم، فترجع الشريعة متشابهة، وذلك أن بعث الأنبياء ابتنى على أن الوحي نازل عليهم من السماء، وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه. أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3] وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء، وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] .
وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة.
ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية، وجب التصريح بنفي
(1/239)

الحركة، فإذا صرح بنفي هذا عسر ما جاء في صفة الحشر، من [أن] الباري يطلع [على] أهل المحشر، وأنه الذي يلي حسابهم، كما قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) } [الفجر: 22] وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور، وإن كان التأويل إليه أقرب منه إلى أمر الحشر، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع. فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها، وأما إذا أولت فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه من الشريعة، فتتمزق الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها. وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة، ومحو لها من
(1/240)

النفوس، من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة: مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء تجدها كلها غير برهانية؛ بل الظواهر الشرعية أقنع منها -أعني أن التصديق بها أكثر- وأن تتبين ذلك من قولنا في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجسمية، وكذلك يتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة على ما سنقوله بعد، وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور [عن النفس -أعني الجسمية- لم يصرح الشرع للجمهور] بما هي النفس. فقال في الكتاب العزيز: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم، ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور، لاكتفى بذلك الخليل
(1/241)

في محاجة الكافر حين قال: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] الآية: لأنه كان يكتفي بأن يقول له: أنت جسم والله ليس بجسم، لأن كل جسم محدث، كما يقول الأشعرية وكذلك كان يكتفي بذلك موسى عليه السلام، عند محاجته لفرعون في دعواه الإلهية، وكذلك كان يكتفي صلى الله عليه وسلم في أمر الدجال، في إرشاد المؤمنين إلى كل ما يدعيه من الربوبية، في أنه جسم والله ليس بجسم، بل قال عليه السلام: «إن بكم ليس بأعور» فاكتفى
(1/242)

في الدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة، التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه. فهذه كلها كما ترى بدع حادثة في الإسلام، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق، التي أنبأنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أنها ستفترق أمته إليها.
فإن قال قائل: فإذا لم يصرح الشرع للجمهور، لا بأنه جسم ولا بأنه غير جسم، فما عسى أن يجابوا به في جواب «ما هو» ؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس يقدر أن ينفك عنه، ولذلك ليس يقنع الجمهور، أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به أنه لا ماهية له، لأنه ما لا ماهية له لا ذات له؟
قلنا: الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع، فيقال لهم: إنه نور، فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه
(1/243)

العزيز على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته، فقال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] وبهذا الوصف وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت فإنه جاء أنه قيل له عليه السلام: «هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه» [و] في حديث الإسراء أنه لما قرب صلى الله عليه وسلم من سدرة المنتهى، غشى السدرة من النور، ما حجب بصره عن النظر إليها، أو إليه سبحانه، ففي مسلم «إن لله حجابًا من نور لو كشف لأحرقت سُبُحات وجهه
(1/244)

ما انتهى إليه بصره» وفي بعض روايات هذا الحديث «سبعين حجابًا من نور» .
وينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه، لأنه يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه، وكذلك الأوهام، مع أنه ليس بجسم والموجود عند الجمهور، إنما هو المحسوس، والمعدوم عندهم هو غير
(1/245)

المحسوس. والنور لما كان أشرف المحسوسات وجب أن يُمثل به أشرف الموجودات. وهنا أيضًا سبب آخر موجب أن يسمى به نورًا. وذلك أن حال وجوده في عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل، هي حال الأبصار عند النظر إلى الشمس بل حال عيون الخفافيش، وكان هذا الوصف لائقًا عند الصنفين من الناس.
وأيضًا فإن الله تبارك وتعالى لما كان سبب الموجودات، وسبب إدراكنا لها، وكان النور مع الألوان هذه صفته -أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل، وسبب رؤيتنا له- فالحق ما سمى الله تبارك وتعالى نفسه نورًا. وإذا قيل: إنه نور لم يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد. فقد تبين لك في هذا القول الاعتقاد الأول الذي في هذه الشريعة في هذه الصفة، وما حدث في ذلك من البدعة، وإنما سكت الشرع عن هذه
(1/246)

الصفة، لأنه لا يعترف بموجود في الغائب ليس بجسم، إلا من أدرك ببرهان أن في المشاهد بهذه الصفة -وهي النفس- ولما كان الوقوف على معرفة هذا المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور، لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم، فلما حجبوا عن معرفة النفس، علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري سبحانه وتعالى» .
قلت: وقد تبين في هذا الكلام أنه في الباطن يرى رأي الفلاسفة في النفس أنها ليست بجسم، وكذلك في الباري؛ غير أنه يمنع أن يخاطب الجمهور بهذه؛ لأنه ممتنع في عقولهم، فضرب لهم أحسن الأمثال وأقربها، كما ذكره في اسم النور، وهذا قول أئمة الفلاسفة في أمثال هذا، من الإيمان بالله واليوم الآخر، وقد بين بالحجج الواضحة أن ما يذكره المتكلمون في النفي مخالف للشريعة، وهو مصيب في هذا باطنًا وظاهرًا، وقد بين أن ما يذكره المتكلمون في نفي الجسم على الله بحجج ضعيفة، وبين فسادها، وذكر أن ذلك إنما يعلم إذا علم أن النفس ليست جسمًا. ومعلوم أن هذا الذي يشير إليه، هو وأمثاله من المتفلسفة، أضعف مما عابه على المتكلمين: فإن المتكلمين أفسدوا حججهم هذه أعظم مما أفسدوا به حجج المتكلمين.
(1/247)

فيؤخذ من تحقيق الطائفتين بطلان حجج الفريقين على نفي الجسم، مع أن دعوى الفلاسفة أن النفس ليست بجسم، ولا توصف بحركة ولاسكون ولا دخول ولا خروج، وأنه لا يحس إلا بالتصور لا غير، يظهر بطلانه، وكذلك قولهم في الملائكة. وظهور بطلان قول هؤلاء أعظم من ظهور بطلان قول المتكلمين بنحو ذلك في الرب.
ثم قال القول في «الجهة» : «وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعها على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] ومثل قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ومثل قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) } [الحاقة: 17] ومثل قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) } [السجدة: 5] ومثل قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] الآية، ومثل قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ
(1/248)

تَمُورُ (16) } [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا. وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء. وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قرب من سدرة المنتهى، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها، هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم؛ فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة، وبهذا نقول» .
(1/249)

فصل
قال الرازي: «وأما «الحنابلة» الذين التزموا الأجزاء والأبعاض» .
فيقال: إن أردت بهذا الكلام أنهم وصفوه بلفظ الأجزاء والأبعاض، وأطلقوا ذلك عليه من غير نفي للمعنى الباطل، وقالوا إنه يتجزأ أو يتبعض، وينفصل بعضه عن بعض، فهذا ما يعلم أحد من الحنابلة يقوله، هم مصرحون [بنفي ذلك] وإن أردت إطلاق لفظ البعض على صفاته في الجملة -فهذا ليس مشهورًا عنهم، لا سيما الحنابلة أكثر اتباعًا لألفاظ القرآن والحديث من الكرامية ومن الأشعرية (بإثبات لفظ الجسم من الحنابلة) - فهذا مأثور عن الصحابة والتابعين، والحنبلية وغيرهم متنازعون في إطلاق هذا اللفظ كما سنذكره إن شاء الله، وليس للحنبلية في هذا اختصاص، ليس لهم قول في النفي والإثبات إلا وهو وما أبلغ منه موجود في عامة الطوائف وغيرهم، إذ هم لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث والائتمام بمن كان بالسنة أعلم، أبعد عن الأقوال
(1/250)

المتطرفة في النفي والإثبات، وإن كان في أقوال بعضهم غلط في النفي والإثبات فهو أقرب من الغلط الموجود من الطرفين في سائر الطوائف الذين هم دونهم في العلم بالسنة والاتباع.
وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية، مثل: الوجه واليد، وذلك يقتضي تجزئة التبعيض، أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسمًا، والجسم متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا هو جسم. فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها.
وفي الجملة فإثبات هذه الصفات هو مذهب الصفاتية من جميع طوائف الأمة مثل الكلابية وأئمة الأشعرية، وهو مذهب الكرامية. ومن المعلوم أن بين إثبات الأشعرية ونحوهم له، وبين إثبات بعض الكرامية ونحوهم له فرقًا. وكثير منهم ينفي ذلك، ومنهم من لا ينفيه ولا يثبته، ومنهم من أثبت ما جاء. وهذا إمام طائفته أبي الحسن الأشعري، وهو من أعلم الناس بمقالات أهل الكلام، قد ذكر في غير موضع من كتبه، أن هذا
(1/251)

مذهب أهل السنة والحديث، وقال: «إنه به يقول» . كما قد ذكرنا لفظه في غير هذا الموضع، وهذه الكتب التي صنفها مصنفوهم كأبي الحسن التميمي وأهل بيته، والقاضي أبي يعلى، وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني
(1/252)

وذكروا فيها ما جرت عادة المتكلمة الصفاتية بذكره، كأبي سعيد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأمثالهما من إثبات الصفات، ونفي التجسيم، قد بينوا فيها ذلك، كما بينه هؤلاء، ونحوهم في هذه الصفات العينية الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما.
ومن أشهر مصنفيهم في ذلك أبو الحسن بن الزاغوني قال في كتابه «الإيضاح في أصول الدين» : «فصل وقد وصف الباري نفسه في القرآن بقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن: 27] وأمثال ذلك في الكتاب والسنة، ويراد بذلك إثبات صفة تختص باسم يزيد على قولنا: ذات. وذهبت المعتزلة إلى أن المراد بالوجه الذات، فأما صفة زائدة على ذلك فلا» ولم يذكر خلافًا مع الأشعرية، لأن المشهور عنهم إثبات هذه الصفة. قال: «والدلالة على ذلك أنه قد ثبت في عرف الناس، وعاداتهم في الخطاب العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة، أن تسمية الوجه في أي محل وقع، في الحقيقة والمجاز، يزيد على قولنا: ذات، وأما في الحيوان، فذلك مشهور حقيقة لا يمكن
(1/253)

دفعه، ولا يسوغ فيه غير ذلك، وأما في مقامات المجاز فكذلك أيضًا؛ لأنه يقال: فلان وجه القوم. لا يراد به ذات القوم، إذ ذوات القوم غيره قطعًا ويقينًا، ويقال: هذا وجه الثوب. لما هو أجوده، ويقال: هذا وجه الرأي. أي أصحه وأقومه، وأتيت بالخبر على وجهه أي على حقيقته. إلى أمثال ذلك مما يقال فيه الوجه، فإذا كان هذا هو المستقر في اللغة، وجب حمل هذه الصفة في حق الباري تعالى على ظاهر ما وضعت له، وهو الصفة الزائدة على تسمية قولنا: ذات، وهذا جلي واضح» .
قال: «وتمهيد هذا الكلام وتقريره، أنه لا يجوز أن يقال بوجه الله على ما قيل في وجه القوم أنه سيدهم، والمعرب عنهم، والمشار إليه دونهم، لأن ذلك يقتضي بمثله في حق الله أن يقال: سيد الله، والمشار إليه، وهذا في حقه محال، ولا يجوز أن يراد به ما أريد من قولهم هذا وجه الثوب أي: أحسنه وأجوده لما ذكرنا أيضًا، ولأنه لا يجوز أن يضاف إلى ذاته ولا إلى غيره، لأنه تعالى ليس موصوفًا بالحسن والجودة. ولا يجوز أن يراد به ما أريد بأنه وجه الرأي أنه صوابه، لأنه لا يعبر بذات الله عن الصدق في الخبر والصحة في الرأي. فإذا بطلت هذه الأقسام وجب أن تحمل على إثبات صفة هي الوجه التي يستحقها الحي.
(1/254)

قالوا: إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر، وبطل أن يراد بها إلا الوجه، الذي هو صفة يستحقها الحي، فالوجه الذي يستحقه الحي، وجه هو عضو وجارحة، يشتمل على كمية تدل على الجزئية، وصورة تثبت الكيفية، فإن كل ظاهر الأوصاف عندكم إثبات صفة تفارق في الماهية، وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه. وقد ثبت بالدليل الجلي، إبطال قول المجسمة والمشبهة، وما يؤدي إلى مثل قولهم فهو باطل.
قلنا: الظاهر ما كان متلقى في اللفظ على طريق المقتضي، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم. حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك، عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية، وهذا كما نقول في ألفاظ الجموع
(1/255)

وأمثالها: إن ظاهر اللفظ يقتضي العموم والاستغراق، وكما نقوله في الأمر: إن ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضي الوجوب، إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه إلى الظاهر في المتعارف. فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مِرْية على ما بينا أن الظاهر في إثبات صفة هو إذا أضيف إلى مكان أريد بها الحقيقة، أو أريد بها المجاز، فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع، أن المراد بها جميع الذات، التي هي مقولة عليها، وهذا مما لا نزاع فيه.
والمقصود بهذا إبطال التأويل، الذي يدعيه الخصم، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون صفة خاصة، بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات، ولا وضعت لها لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز.
فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي، ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية وكيفية. فهذا لا يلزم: من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث، لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات، فيما ثبت للذات من الماهية المركبة، بكمياتها وكيفياتها وصورها،
(1/256)

وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات، فكانت الصفة مساوية للذات في موضوعها، بطريق أنها منها، ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى البارئ تعالى، فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه، أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية، ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا، والله يتنزه عن ذلك. ولو جاز لقائل أن يقول: ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك من صفات الذات، لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها، بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات، لكان
(1/257)

من الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك، فإن العلم في الشاهد عرض، قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق البارئ، لأنه مخالف للشاهد في الذاتية وغير مشارك في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا الكلام واضح جلي.
وأما قولهم: إن أردتم إثبات صفة تقارب الشاهد، فيما يستحق مثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه.
فنقول لهم: المقاربة تقع على وجهين: أحدهما: مقاربة في الاستحقاق لسبب موجبه التمام والكمال، وتنفي النقص. الثاني: مقاربة في الاستحقاق لسبب تقتضيه الحاجة ويوجبه الحس، ومحال أن يراد به الثاني؛ لأن الله تعالى قد ثبت أنه غني غير محتاج، ولا يوصف بأنه يحتاج إلى الإحساس؛ لما في ذلك من النقص. فيبقى الأول، وصار هذا كإثبات الصفات الموجبة للكمال ودفع النقص.
وأما قولهم: إن ذلك يوجب إثبات الجوارح والأعضاء. فليس بصحيح من جهة أنه يكتسب بها، ما لولا ثبوتها له لعدم الاكتساب له مع كونه محتاجًا إليه؛ ولهذا سميت الحيوانات المصيودة، كسباع الطير والبهائم جوارح، لأنها تكتسب
(1/258)

الصيود، والبارئ مستغن عن الاكتساب، فلا يتصور استحقاقه لتسميته جارحة، مع عدم السبب الموجب للتسمية. فأما تسمية الأعضاء، فإنها تثبت في حق الحيوان المحدث، لما تعينت له من الصفات الزائدة على تسمية الذات، لأن العضو عبارة عن الجزء؛ ولهذا نقول: عضيته. أي جزيته وقسمته، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) } [الحجر: 91] أي: قسموه فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فإذا كان العضو إنما هو مأخوذ من هذا، فالبارئ تعالى ليس بذي أجزاء يدخلها الجمع، وتقبل التفرقة والتجزئة، فامتنع أن يستحق ما يسمى عضوًا، فإذا ارتفع هذا بقي أنه تعالى ذاته لا تشبه الذوات، مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما تستحقه، فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف، تُلقيَ في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له مثل ما يستحقه، ولا يعدل به عن حقيقة الوصف، إذ ذاته تعالى قابلة للصفات، وهذا واضح بَيِّن لمن تأمله» .
فهذا لفظه ولفظ أمثاله من المصنفين على هذا الوجه.
وقال أيضًا. بعد ذلك:
(1/259)

«فصل وقد وصف البارئ نفسه في القرآن باليدين، بقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] قال: «وهذه الآية تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين» . قال: «وذهبت المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعمتين، وذهبت طائفة منهم إلى أن المراد باليدين هاهنا القدرة» . قال: «والدلالة على كونهما صفتين ذاتيتين، تزيدان على النعمة وعلى القدرة، أنا نقول: القرآن نزل بلغة العرب، واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم، المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف، لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها، مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا، ولهذا يقولون: لفلان عندي يد. فيراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة اليد، وإنما فهم ذلك بإضافة اليد إلى قوله «عندي» ويقول ذلك وبينهما من
(1/260)

البعد والحوائل، ما لو أراد اليد الحقيقية لكان كاذبًا: ولهذا لو كان بحيث أن يكون عنده يده الحقيقية، وهو أن يكونا متماسكين في الاجتماع ويحيط بهما ثوب، أو على صفة يمكن إدخال يده إلى باطن ثوبه، فقال حينئذ: لفلان عندي يد. لا يصرف القول فيه [غير] ، إلى اليد الحقيقية: لأن شاهد الحال قد قطع عمل القرينة. والإطلاق في التعارف، أكثر من شاهد الحال في القرب، من جهة أنه يجوز أن يتجوز به للقرينة، لكن على من شاهد الحال [لاغية] عليه، بما لإطلاقه ذلك أحق وأولى. وكذلك القول في التعبير باليد عن القدرة، إنما يثبت ذلك بقرينة، وهو أن يقول: لفلان علي يد. فقوله: «علي» قرينة تدل على أن المراد باليد القدرة، وهي أيضًا مع شاهد الحال لاغية على ما قدمنا في النعمة، وهذا جلي واضح.
ودليل آخر، وهو أنا إذا تأملنا المراد بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] امتنع فيه أن يكون المراد به النعمة والقدرة، وذلك أن الله تعالى أراد تفضيل آدم على إبليس، حيث افتخر عليه إبليس بجنسه، الذي هو النار، وأنه بذلك أعلى من التراب والطين، فرد الله عليه افتخاره، وأثبت لآدم من المزية
(1/261)

والاختصاص ما لم يثبت مثله لإبليس، بقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وفي ذلك ما يدل على أن المراد فيها الصفة التي ذكرنا من وجهين:
أحدهما: أن إبليس عند الخصم، خلق بما خلق به آدم، من القدرة والنعمة، فلولا أن آدم خالف إبليس في ذلك، لما كان فيه إثبات فضيلة، وهذا كلام صدر على سبيل الحاجة في إثبات الفضل، فلو تساويا في السبب لما ثبت الحجة لله تعالى على إبليس في ذلك، وذلك مما لا يخفى عليه، فكان يسعه أن يقول: وأنا فقد خلقتني بما خلقت به آدم، فأي فضيلة له عليّ بما ذكرته، وما يؤدي إلى تعجيز الله عن حجته، وإزالة المميز بين الشيئين، فيما قصد التمييز به، بالمخالفة بينهما قول باطل ومحال.
والثاني: أنه أضاف الخلق وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد، فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل، وليس إلا اليد التي ذكرنا، وهذا جلي واضح.
ودليل آخر نقول: لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعترض على الحقيقة مانع، يمنع من إجرائها
(1/262)

على ظاهر الخطاب.
الثاني: أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها.
والثالث: أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة، أو المعنى الذي أضيفت إليه الحقيقة لا يصلح لها، فينتقل عنها إلى مجازها.
فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقية، التي هي صفة لله تعالى، ممتنع لعارض يمنع. فليس بصحيح؛ من جهة أن الباري تعالى، ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات؛ فإن الباري تعالى في نفسه ذات، ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض، ولا ماهية له تعرف، وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية. وإذا كان الكل مرتفعًا، والمثل بذلك ممتنعًا: فالنفار من قولنا: «يد» مع هذه الحال، كالنفار من قولنا: ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات مع ما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع، الملزم للإقرار بالذات، على ما هي عليه مما ذكرنا، فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم، عن نفي يد هي صفة تناسب الذات، فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه.
(1/263)

وإن قالوا: من جهة أنه اقترن بها قرينة، تدل على صلاحية نقلها، عن حقيقتها إلى مجازها. فذلك محال من جهات:
أحدها: أنا قد بينا أن إضافة الفعل إلى اليد، على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة.
والثانية: أن القرائن قد ذكرناها، وهو أنه إذا أريد باليد النعمة قال: لفلان عندي يد. فعند [ي] قرينة تدل على النعمة. وإذا أريد بها القدرة، قال: لفلان علي يد «فعلي» هي القرينة الدالة على القدرة وكلاهما معدومان هاهنا.
والثالث: أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد، من إثبات العضو والجارحة والجسمية، والبعضية والكمية والكيفية، الداخل على جميع ذلك، فحصل مثل وشبيه. وقد بَيَّنَّا أن ذلك محال في حقه: لأن نسبة اليد إليه تعالى كنسبة الذات إليه، على ما تقرر. فإذا ارتفع هذا بطل السبب المعارض للحقيقة، النافي لإثباتها والموجب لإبدالها بالمجاز. وإن قالوا: إن المحل الذي أضيفت إليه اليد -وهو ذات الباري- لا يصلح لإثبات اليد الحقيقية. فهذا محال، من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة الصفات الذاتية على
(1/264)

سبيل الحقيقة، كالوجود والذات، والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من صفات الإثبات، على ما قدمناه.
وإن قالوا: إن المعنى الذي أضيف إلى الصفة، لا يصلح إضافة اليد الحقيقية إليه من جهة أن آدم كان جسمًا، وإضافة الفعل باليد إليه، يقتضي إثبات المماسة باليد الفاعلة، وذلك محال؛ من جهة أن يد الباري وذاته لا تقبل المماسة للأجسام. وهذا قول باطل؛ من جهة أنا إذا أثبتنا اليد، التي هي صفة لله تعالى، على مثل ما وصفنا انتفت المماسة، والفعل المضاف إليها نطقًا ونصًا ثابتًا بطريق مقطوع عليه، فنفينا ما نفاه الإجماع، وأثبتنا ما أثبته النص والنطق، وجرى ذلك مجرى الذات قولًا واحدًا في الحكم.
والثاني: أن هذا إنما يلزم، إذا كان الفعل وكل الأحوال، لا بد له من المماسة وقد وجدنا فعلًا يؤثر وجوده في محل من محل آخر، ولا مماسة بينهما مع تساويهما في الجسمية؛ وذلك كما تراه من حجر المغناطيس؛ فإنه يؤثر في حركة الحديد، وانتقاله عن محله من غير مماسة، تقع بين الفاعل والمفعول، والعلة في ذلك قد تكون بين الفاعل والمفعول، وتستغني بذلك عن المماسة، ومثل هذا ظاهر لا خفاء به. فلما ثبت أنه لا سبيل
(1/265)

إلى إثبات المماسة، أثبتنا الفعل للنص عليه، واستغنينا عن المماسة بواسطة.
قالوا: الأصل في اليد الفاعلة، أن تكون جارحة، عند التعارف والإطلاق، فانتقلنا عن ذلك إلى تأويلها في حق آدمي بما يصلح وهو النعمة. واليد في اللغة تقال: ويراد بها النعمة والمنة: ولهذا يقال: له عندي يد. وله عندي أيادٍ. والله تعالى له في خلق آدم عليه السلام نعمتان: نعمة دين، ودنيا، فاقتضى ذلك تأويلها على ماذكرناه.
قلنا: قد أبطلنا وجه الحاجة إلى التأويل، أو الوجه الموجب اعتراض سبب مانع من إثبات الكلام على أصله وحقيقته، وما يبدر إليه الفهم والتعارف، في عادات أهل الخطاب، ولم يوجد ذلك هاهنا؛ ولأنه لو أراد باليد النعمة لقال: لما خلقت يدي لما خلقت نعمتي فإن نعمة الدين والدنيا خلق لها.
ومما يحقق هذا أن الخلق بنعم الدين لا يصلح؛ لأن نعم الدين: الإيمان، والتعبد، والطاعة. وكل ذلك عندهم مخلوق، والمخلوق لا يخلق به. وكذلك نعم الدنيا هي اللذات من الشهوات، وهذه كلها مخلوقة، وبعضها أعراض، وهذا بطريق القطع لا يجوز أن يخلق به، فكان هذا التأويل من هذا الوجه باطل.
(1/266)

قالوا: إنما أضاف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفًا وتعظيمًا على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف؛ ولهذا قال في ناقة صالح [ناقة الله] ويقال في مكة: بيت الله، فجعل هذا التخصيص تشريفًا، وإن كان ذلك لا يمنع من تساوي أنها كلها لله، وكذلك البيوت، ومثله هاهنا.
قلنا: التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة، اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة، التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته. لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله، اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة، ولا يكون مجرد النسبة واجب منها الصفة، فكذلك هاهنا لما كان ذكر التخصيص، مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة. وهذا لا شك فيه ولا مرية، وبهذا يبعد عما ذكروه» .
قال: «وأما قوله (بيدي) قدرتي؛ لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة، ولهذا أنشد في ذلك:
فسلمت وما لي بالأمور يدان
(1/267)

ويحقق هذا ويوضحه أن الخلق من جهة الله، إنما هو مضاف إلى قدرته، لا إلى يده، ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته، ويستغني عن يد وآلة، يفعل بها مع قدرته.
قلنا: قد بينا هذا فيما مضى، وأبطلنا وجه الحاجة إلى التأويل به، إذ الحاجة مرتفعة، ولأن قدرة الله واحدة، لا تدخلها التثنية والجمع، وإذا امتنعت التثنية منها وضعًا امتنع عنها ذلك لفظًا.
قالوا: قد يرد لفظة التثنية والجمع والمراد به الواحد؛ ولهذا «العالم» اسم توحيد والمراد به الجمع، وقال تعالى {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) } [ق: 24] والمراد به ألق، ومثله هاهنا.
قلنا: إثبات القدرة واحد لله تعالى، أصل ثبت بالأخبار والنقل، وهو مما يعتري القصر والتخصيص فيه، وحمل اليد عليه يقتضي إدخال الشك في أصل عظيم، يكفر مخالف الحق فيه، فكان مراعاة هذا الأصل، بحراسته عن مقام شك أولى من إدخال التأويل هاهنا، وهذا يكفي في الإعراض عن مثل هذا التأويل.
(1/268)

وأما قولهم: «العالم» اسم جمع توحيد. فليس كذلك؛ بل العالم اسم [جمع] لا واحد له من لفظه ولا يقع على الواحد.
قال: وأما قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] فإن ما احتجنا فيه إلى الانتقال عن لفظه لما ثبت أن المأمور واحد، فصار قوله (ألقيا) بمعنى ألق. وقد بينا هاهنا امتناع التأويل وإبطال سببه، وأن القائلين بهذه التأويلات، يجوزون أن يكون المراد بالانتقال غيرها، وإنما دخلوا فيها على سبيل الظن، ومحال نفي صفة لله تعالى بطريق هو على هذه الصفة» .
ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف: صنف يثبتونها، وينفون التجسيم والتركيب، والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم
(1/269)

وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي
(1/270)

الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة- يصرحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزئ والانقسام، ونحو ذلك. وأول من عرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم، والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه (أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد) ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض. وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته. بمعنى انفصال شيء منه عن شيء. وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة، وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية،
(1/271)

على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ماجاء به الأثر، وما كان في معناه.
وصنف ثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم. وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
وصنف رابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم.
فلفظ «الجسم» لم يتكلم به أحد من الأئمة والسلف في حق الله لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا ذموا أحدًا ولا مدحوه بهذا الاسم، ولا ذموا مذهبًا ولا مدحوه بهذا الاسم، وإنما المتواتر عنهم ذم الجهمية الذين ينفون هذه الصفات، وذم طوائف منهم كالمشبهة، وبينوا مرادهم بالمشبهة.
وأما لفظ «الجزء» فما علمت أنه روي عن أحد من السلف نفيًا ولا إثباتًا، ولا أنه أطلقه على الله أحد، من الحنبلية ونحوهم في الإثبات، كما لا أعلم أن أحدًا منهم، أطلق عليه لفظ الجسم في الإثبات، وإن كان أهل الإثبات لهذه الصفات، منهم ومن غيرهم، يثبت المعاني التي يسميها منازعوهم تجسيمًا، وتجزئة
(1/272)

وتبعيضًا، وتركيبًا وتأليفًا، ويذكرون عنهم أنهم مجسمة بهذا الاعتبار، لإثباتهم الصفات التي هي أجسام في اصطلاح المنازع.
وأما لفظ «البعض» فقد روي فيه أثر يطلقه بعض الحنبلية، وينكره بعضهم. ومع هذا ففي الحنبلية طوائف، تنكر ثبوت هذه الصفات الخبرية في الباطن، كما ينكرها غيرهم. ثم منهم من يتأولها إما إيجابًا لتأويلها، وإما تجويزًا لتأويلها، كما يفعل ذلك متأولو النفاة من مستأخري الأشعرية ونحوهم. ومن ينفي مدلولها ويفوض معناه، كما يفعل ذلك طوائف من هؤلاء وغيرهم، ويسمون ذلك طريقة السلف، كما فعل ذلك المؤسس وغيره. وفيهم وفي غيرهم طوائف لا تحكم فيها بنفي ولا إثبات؛ بل تطلق ألفاظ النصوص الواردة بها، وتقف عن إثبات هذه المعاني ونفيها: إما شكًّا وإما إعراضًا عن الفكر في ذلك. وقد بينا مقالات الناس منهم ومن غيرهم في [غير] هذا الموضع.
والمقصود بهذا الكتاب الكلام على ما ذكره من حجج
(1/273)

فريقي النفاة والمثبتة. وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد: الذي لا جوف له ولفظ بعضهم: لا يخرج منه شيء كما روى ابن أبي عاصم، والطبراني عن عكرمة من وجوه أنه قال: الصمد الذي لا جوف له ومن رواية ابن أبي شيبة عن
(1/274)

غندر عن شعبة [عن] عطاء عن ميسرة قال: المصمت، وقال مجاهد: هو المصمت الذي لا جوف
(1/275)

له، وعكرمة قال: الذي لا يخرج منه شيء، ورواه الطبراني أيضًا من حديث عبد الله بن إدريس عن شعبة، وروى الطبراني قال حدثنا زكريا، حدثنا القاضي، حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي،
(1/276)

حدثنا أحمد الدينوري، حدثنا الحكم بن ظهير، عن معمر، عن أبي بن كعب قال: الصمد الذي لم يخرج منه شيء، ولم يخرج من شيء، الذي لم يلد ولم يولد، وذكر عن عطاء. وعن الحسن وقتادة قالا: الباقي بعد فناء
(1/277)

خلقه، وفي رواية أنه قال الحسن: الدائم. مع أن الحسن قال أيضًا، كما قال عكرمة ومجاهد، وسعيد بن جبير وعطية، والضحاك والسدي، وغير هؤلاء. ورووه ليس
(1/278)

بأجوف، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، وقال أبو صالح: الذي ليس له أمعاء، وروى
(1/279)

الطبراني عن ابن مسعود قال: الصمد الذي ليس له أحشاء، وعنه أيضًا: أنه السيد الذي انتهى سؤدده، وهذا قول أبي وائل، وهو من تفسير الوالبي عن ابن عباس. وقد بسطنا هذا
(1/280)

في غير هذا الموضع.
وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه، وأن يخرج منه شيء؛ إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو مما احتج به في أنه جسم مصمت، وقد ذكره المؤسس في حجج منازعيه وأجاب عنه، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله. وقد قال أبو القاسم لما روى عبارات الصمد قال: «وهذه الصفات كلها، صفات ربنا جل جلاله، ليس يخالف شيء منها -يعني في- هو المصمت، الذي لا جوف له، وهو الذي لا يأكل الطعام، وهو الباقي بعد فناء خلقه» .
الوجه الرابع عشر: أن قولك عن الحنابلة وغيرهم أنهم التزموا الأجزاء والأبعاض؟ أو ما هو في معناه في اصطلاح المتكلمين أو بعضهم؟
أما الأول: فإن لفظ الأجزاء والأبعاض، إذا أريد به أنه يتجزأ أو يتبعض التبعيض والتجزئ المعروف بمعنى وقوع ذلك،
(1/281)

كما تتجزأ وتتبعض الثياب واللحم، وغيرها، كأبدان الحيوان، وكما يتجزأ ويتبعض الحيوان والثمار والخشب والورق ونحو ذلك، وكما يتجزأ ويتبعض الحيوان بخروج المني وغيره من الفضلات منه، ومن ذلك يولد شَبَهُه منه بانفصال جزء منه، كمني الرجل ومني المرأة ودمها، فهذا يمتنع باتفاق المسلمين؛ ولم يقل أحد من الحنابلة، بل ولا أحد من المسلمين، فيما علمناه، أنه يتجزأ ويتبعض بهذا المعنى. وكذلك لم يقولوا: أنه يمكن تجزئته وتبعيضه، كما يمكن تبعيض الجبال ونسفها، وكما يمكن انشقاق السماء وانفطارها عند المسلمين وغيرهم، ممن يؤمن بالقيامة الكبرى -وإن كان ذلك غير ممكن عند من أنكر ذلك من المشركين والصابئين من الفلاسفة وغيرهم- فالأجسام المخلوقة يَقْدِرُ الله على أن يجزئها ويبعضها فيفرقها ويمزقها، وهي في العادة ثلاثة أقسام:
أحدها: الأجسام اللينة الرطبة، التي تقبل التجزئة بسهولة.
والثاني: الأجسام اليابسة الصلبة، التي تقبل التجزؤ بقوة.
(1/282)

والثالث: ما لم تجري العادة بتجزئته، ولكن يعلم قبوله للتجزئ. ولم يقل أحد من المسلمين أن الخالق سبحانه يمكن أن يتفرق وينفصل بعضه من بعض، بل هو أحد صمد.
والذين قالوا إنه جسم نوعان:
أحدهما: -وهو قول علمائهم- إنه جسم لا كالأجسام، كما يقال ذات لا كالذوات، وموصوف لا كالموصوفات، وقائم بنفسه لا كالقائمات، وشيء لا كالأشياء، فهؤلاء يقولون هو في حقيقته ليس مماثلًا لغيره بوجه من الوجوه، لكن هذا إثبات أن له قدرًا يتميز به، كما إذا قلنا موصوف، فهو إثبات حقيقة يتميز بها، وهذا من لوازم كل موجود، ولهذا يقولون: نعني بأنه جسم، أنه قائم بنفسه، ونحو ذلك مع قولهم: إنه ذو الأبعاد الثلاثة، لأنهم يقولون: لا يعقل موجود قائم بنفسه إلا هكذا، ويقولون: إن المشركين وأهل الكتاب لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ربك الذي تعبد هو من ذهب؟ هو من فضة؟ هو من كذا؟ فأنزل الله هذه السورة تنزيهًا أنه ليس من جنس شيء من
(1/283)

الأجسام، ولا من جنس شيء من الذوات، ولا من جنس شيء من الموصوفات، والأجسام هي الذوات، وهي الموصوفات، وهؤلاء يقولون: إن حقيقته مخالفة سائر الحقائق، فيمتنع عليه أن يجوز عليه ما يجوز عليها، من عدم أو فناء أو تفرق، أو تبعيض ونحو ذلك.
أما النوع الثاني: وهم الغالبية الذين يحكى عنهم أنهم قالوا: هو لحم وعظم ونحو ذلك. فهؤلاء وإن كان قولهم فاسدًا ظاهر الفساد: إذ لو كان لحمًا وعظمًا، كمل يعقل لجاز عليه ما يجوز على اللحوم والعظام، وهذا من تحصيل التمثيل الذي نفاه الله عن نفسه؛ فإنه سبحانه وتعالى إذ قال: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } [الإخلاص: 4] وقال: إنه (أحد) وقال إنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فإنه قد دخل في ذلك ما هو أيضًا معلوم بالعقل، وهو أنه لا يكون من جنس شيء، أو بما يقتضي أنه يجوز [عليه] الإشارة إلى شيء دون شيء من الأشياء، وإن كان هو أكبر مقدارًا من ذلك الشيء، فإن القدر
(1/284)

الصغير من ذهب أو فضة أو نحاس، هو من جنس المقدار الكبير، وهذا بعينه هو الذي نزه الله نفسه عنه في هذه السورة، وهو الذي سأل عنه من سأل من المشركين لما قالوا: هو من ذهب؟ هو من فضة؟ ونحو ذلك.
فمن قال بالتشبيه المتضمن هذا التجسيم فإنه يجعله من جنس غيره من الأجسام، لكنه أكبر مقدارًا، وهذا باطل ظاهر البطلان شرعًا وعقلًا. وهؤلاء هم «المشبهة» الذين ذمهم السلف، وقالوا: المشبه الذي يقول: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فإن هذا التشبيه هو في الجنس، وإن كان المشبه أكبر مقدارًا من المشبه به، إذ لا يقول أحد إلا أنه أكبر. ومع ظهور بطلان قول هؤلاء، لم ينقل عنهم أنهم جوزوا عليه التبعيض والتفرق، لكن هذا لازم قولهم: فإنهم متى جعلوه من جنس غيره، جاز عليه ما يجوز على ذلك الغير، إذ هذا حكم المتجانسين المتماسكين. فهم إن أجازوا عليه من التبعيض والتفرق ما يجوز على مثله، لزمهم القول بجواز تبعيضه وتفرقه، بل بجواز فنائه وعدمه. وإن لم يجوزوا ذلك كانوا متناقضين، وقائلين ما لا حقيقة له، فإنهم يقولون: هو من جنسه وما هو من جنسه.
(1/285)

وأما إن أراد بلفظ «الأجزاء والأبعاض» ما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب -وهو الذي أراده- فإن الجسم كل جسم عندهم له أبعاض وأجزاء: إما بالفعل على قول من يثبت الجوهر الفرد، وإما بالإمكان على قول من ينفيه - فيقال له: هذا المعنى هو كما يريد الفلاسفة، والمعتزلة، بلفظ الأجزاء الصفات القائمة به، ويقولون: ليس فيه أجزاء حد، ولا أجزاء كم. وعندهم أن الأنواع مركبة من الجنس -وهو جزؤها العام- والفصل -وهو جزؤها الخاص- فإن أردت هذا المعنى فلا ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات، وهم متفقون على أن له علمًا وقدرة وحياة، فهذا النزاع الموجود فيهم هو الموجود في سائر الصفاتية.
(1/286)

وأما وصفه بالحد والنهاية، الذي تقول أنت أنه معنى الجسم، فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال: منهم من يثبت ذلك، كما هو المنقول عن السلف والأئمة. ومنهم من نفى ذلك. ومنهم من لا يتعرض له بنفي ولا إثبات. ونفاة ذلك منهم يثبتون له مع ذلك الصفات الخبرية: لكن لا اختصاص للحنابلة بذلك كما تقدم بعضه، وكما سيأتي حكاية مذاهب الأئمة والأمة في ذلك. ومنهم طائفة لا تثبت الصفات الخبرية.
الوجه الخامس عشر: أن هذا القول الذي حكيته عن الحنابلة -مع أنك لم تؤد الأمانة في نقله، بل نقلته بلفظ لا يطلقونه، بحيث يفهم المستمع معان لم يقصدوها، ويوجب أن يعتقد في مذهب القوم ما لا يعتقدونه- لم تذكر عنهم تناقضًا فيه، كما ذكرته عن الكرامية، ولا ذكرت أنهم خالفوا لا المحسوس ولا المعقول، كما ذكرته عن الكرامية، ولا ذكرت أنهم أثبتوا شيئًا يعلم بالحس أو بالعقل بطلانه، كما ذكرته عن الكرامية، ولا وصفت به قولهم من مخالفة البديهة العقلية. وهذا الذي
(1/287)

ذكرته هو الواقع، فإن أحدًا من العقلاء لم نعلمه ادعى أن فساد هذا القول معلوم بالضرورة العقلية -كما يقولونه في قولك، والقول الذي ذكرته عن الكرامية- بل غايتهم أن يدعوا أنه معلوم الفساد بدقيق النظر. ثم كل طائفة يثبتون فساد الطريق التي نفت بها الأخرى ذلك، وهذا يبين أنه ليس عند العقلاء في ذلك دليل يبقى عليه، بل ذكرت أنهم مع هذا الإثبات يقولون: «بأن ذات البارئ لا تماثل الذوات» وهذا حق لا ريب فيه. فما ذكرته هو تقرير لهذا القول ومدح له، وليس فيه ما يكون إلزامًا لك عليهم، ولا ما يقتضي تناقضًا فيه، فإن إثبات موجود ليس مماثلًا لغيره من الموجودات، لا يخالف حسًا ولا عقلًا، وهذا هو الذي تقدم ذكرنا له أن قوله: «لا بد من الاعتراف بوجود موجود على خلاف الحس والخيال» أنه إذا أراد بذلك أنه لا يماثل المحسوسات، فلا فرق في ذلك بين المحسوسات والمعقولات وغيرها؛ فإنه لا يماثل شيئًا من الأشياء المخلوقة بوجه من الوجوه، سواء سميت حسيات أو متخيلات أو عقليات، أو سميت جسمانيات أو روحانيات. فإذن ما تثبته من نفي المماثلة، لا يدل على ما قصدته من إثبات شيء على خلاف حكم الحس والخيال، دون حكم العقل، أو نفي التماثل، لا فرق بين جميع المدركات بجميع أنواع الإدراكات.
(1/288)

وقد ذكرنا فيما تقدم، أن نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق، مما علم بالشرع والعقل، وذلك لا يقتضي إثبات ما يعلم بالبديهة انتفاؤه، أو إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه، فهو أيضًا يقتضي انتفاء مماثلة الخالق للمخلوق، كما بيناه فيما تقدم؛ إذ التماثل يقتضي أن يجوز ويجب ويمتنع لكل منهما، ما يجوز ويجب ويمتنع للآخر، فيلزم أن يكون الشيء الواحد خالقًا مخلوقًا، قديمًا محدثًا، موجودًا معدومًا، واجبًا ممكنًا، قادرًا عاجزًا، عالمًا جاهلًا، غنيًّا فقيرًا، حيًّا ميتًا؛ ولهذا كان هذا مذهب السلف قاطبة، يثبتون هذه الصفات الخبرية، وينفون التمثيل، وكانوا ينكرون على المشبهة، الذين يمثلون الله بخلقه، وهم على الجهمية، الذين ينكرونـ[ـه] أعظم نكيرًا، وأشد تضليلًا وتكفيرًا، وكلامهم في ذلك أكثر وأكبر.
وأما لفظ «الجسم» و «الجوهر» و «المتحيز» و «المركب» و «المنقسم» فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف، كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات، إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك من النفاة، الذين نفوا ما جاءت به
(1/289)

النصوص، والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص.
كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفيًا وإثباتًا هم طوائف من الشيعة والمعتزلة، وهم من أهل الكلام، الذي كان السلف يطعنون عليهم، وهم في مثل هذا على المعتزلة أعظم إنكارًا، إذ المتشيعة لم يشتهر عن السلف الإنكار عليهم، إلا فيما هو من توابع التشيع، مثل مسائل الإمامة، التي انفردوا بها عن الأمة وتوابعها، بخلاف مسائل الصفات والقدر، فإن طعنهم فيه على المعتزلة، معروف مشهور ظاهر عند الخاص والعام، وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة في ذلك، فأما متأخروهم من عهد بني بويه، ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو
(1/290)

ذلك، فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، والمعتزلة شيوخ هؤلاء، فما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبيه -أبي جعفر الطوسي، والملقب بالمرتضى- ونحوهم من كلام المعتزلة، وصار حينئذ في
(1/291)

المعتزلة من يميل إلى نوع من التشيع، إما تسوية علي بالخليفتين، وإما تفضيله عليهما، وإما الطعن في عثمان، وإن كانت المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر. وقدماء المعتزلة، كعمرو بن عبيد وذويه، كانوا منحرفين عن علي، حتى كانوا يقولون: لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم نقبلها: لأنه قد فسق أحدهما لا بعينه. فهذا الذي عليه متأخرو الشيعة، والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين وقدماؤهم.
الوجه السادس عشر: أنك ذكرت عن الحنابلة «أنهم معترفون بأن ذاته تعالى مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وهذا حق. لكن تخصيصك هذه المحسوسات يشعر أن في
(1/292)

الوجود أو في العلم، ما لا تكون ذات الله مخالفة له، وليس كذلك، [بل] هو سبحانه ليس كمثله شيء. فإن كان لفظ المحسوسات يعم سائر الموجودات، فلا فرق بين قولك: «مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وقولك: «مخالفة لذوات هذه الموجودات، والمعلومات» وإن لم يكن عامًّا كانت هذه عبارة رديَّة، وكان الواجب أن يقال: مخالفة لذوات المحسوسات، وإن قيل: إنه ليس من المحسوسات، كما يقول الفلاسفة في العقول والنفوس الناطقة. وكذلك لو قيل: المخالف للجسمانيات والروحانيات. على لغة العامة الذين يفرقون بين مسمى الجسم والروح؛ إذ الجسم عندهم أخص مما هو عند المتكلمين؛ ولهذا يفرقون بين الأجسام والأرواح. وأما اصطلاح المتكلمين فلفظ الجسم عندهم يعم هذا كله.
وكذلك قولك: «لا يساوي هذه الذوات في قبول الاجتماع والافتراق والتغير والفناء والصحة والمرض والحياة والموت» كلام صحيح؛ بل لا يساويها في شيء من الأشياء في صفات كمالها. وأما صفات النقص، فلا يوصف بها بحال، فهو سبحانه حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، حي لا يموت، لا يجوز عليه ضد العلم والقدرة والغنى وغير ذلك من صفات كماله، بل هو
(1/293)

القدوس السلام، وصفات الكمال، [كـ] العلم والقدرة والرحمة، لا يساوي منها شيء من صفاته، شيئًا من صفات مخلوقاته، وهذا لفظ القاضي أبي يعلى - في كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» مع جمعه فيه للأخبار الواردة في الصفات، وإبطاله التأويلات التي ذكرها ابن فورك وغيره، مثل ما ذكره الرازي في «تأسيس تقديسه» .
قال القاضي أبو يعلى: «لا يجوز ردُّ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة» وذكر كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري،
(1/294)

ووكيع، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن عيينة، والفضيل بن عياض، وعبد الرحمن بن مهدي، وأسود بن سالم، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وقال في كلامه: «يدل على إبطال التأويل، أن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، ولو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه ورفع
(1/295)

الشبهة» .
الوجه السابع عشر: أن يقال: ما ذكره من «أنه لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات، في هذه الصفات، لزم افتقاره إلى خالق آخر، ولزم التسلسل، أو لزم القول بأن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق، وذلك يلزم منه نفي الصانع» فهذه الحجة وإن كانت في نفسها صحيحة، تدل على نفي هذه النقائص، فليست حجة على نفي التمثيل والتشبيه، فإن هذه النقائص يجب نفيها مطلقًا، وأما صفات الكمال، فيجب نفي التشبيه والتمثيل فيها، فإن قوله: «لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات» . فرض في الدليل من غير حاجة إليه، وتخصيص موهم، في هذه الصفات لا يستلزم ذلك، وليس ناف فرض المساواة، في غير هذه
(1/296)

الصفات، ولا يستلزم ذلك، وليس الأمر كذلك، بل المساواة في أي صفة فرضت، تستلزم المحال، والجمع بين النقيضين. وأما هذه الصفات المذكورة، فلا يحتاج تنزيهه عنها، إلى أن ينفي عنه مساواته لسائر الذوات في ذلك، بل هذه منتفية عنه، مع قطع النظر عن التشبيه والتمثيل؛ فإن انتفاء الموت والمرض، وغير ذلك عنه، لم ينف لمجرد لزومه التشبيه والتمثيل.
ولهذا لو قيل: لو جازت عليه هذه الصفات، للزم افتقاره إلى خالق آخر، لأن هذه مستلزمة للعدم، وجواز العدم، كان دليلًا صحيحًا، من غير أن يقال: لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات. وهذه الحجة مثل أن يقال: لو كانت ذاته مساوية للذات، الجاهلة والعاجزة في العجز والجهل، امتنع خلق العالم منه ونحو ذلك. فذكر المساواة والمماثلة، في مثل هذا الدليل غلط فاحش، لأن هذه النقائص، إذا ضم إليها المقدمة، التي يقف الدليل عليها، يجب تنزهه عن قليلها وكثيرها، لوجوب اتصافه بأضدادها، لما في ذلك من المماثلة لتلك الذوات، بل تنزيهه عن مساواة تلك الذوات، يوهم أنه
(1/297)

لا ينزه إلا عن المساواة فيها فقط، وليس الأمر كذلك.
الوجه الثامن عشر: أن يقال: قولك «فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات، في قبول الاجتماع، والافتراق، والتغير، والفناء، والصحة، والمرض، والحياة، والموت» يقال لك: هو لا يجوز عليه من هذه النقائص، ولا ما يساوي فيه هذه الذوات، ولا ما يخالفها؛ بل هو منزه عن قليل ذلك وكثيره، وعن كل ما يمكن العقل أن يقدره من هذه الأجناس، وإن لم يكن مساويًا للذوات في ذلك؛ إذ مساواة الذوات لا يكون إلا فيما يوجد فيها، ولفظ مساواة الشيء للشيء، يشعر بمماثلته فيه؛ بحيث يكونان سواء في ذلك، فكل من هذين المعنيين، لا يجوز تخصيص النفي به من غير موجب. وهو قد يريد بلفظ المساواة في ذلك، مطلق الاشتراك في ذلك؛ لكن العبارة ملبسة؛ وهو باستعمال مثل هذه العبارة في ذلك وقع [في] خطأ كثير في المعاني، كما سنذكره في باقي مسألة تماثل الأجسام أو غيرها. وأيضًا فهذه الأمور ممتنعة عليه بدون وجود هذه
(1/298)

المحسوسات، ومع قطع النظر عن وجودها؛ وإنما نفي ذلك معلوم، من العلم بكونه قديمًا واجب الوجود، بنفسه، حيًّا قيومًا؛ فإن ما كان قيومًا، واجب الوجود بنفسه، لم تكن ذاته قابلة للعدم: إذ الذات القابلة للعدم، تقبل العدم والوجود، فإن كانت [غير] ممكنة لا تقبل الوجود كانت ممتنعة، والممكن لذاته والممتنع لذاته، لا يكون واجبًا لذاته. وكذلك أيضًا لو قبل التفرق والمرض، ونحو ذلك من التغيرات والاستحالات، التي هي مقدمات العدم والفناء وأسبابه، لم يكن حيًّا قيومًا صمدًا، واجب الوجود بنفسه؛ لأن هذه الأمور، توجب زوال ما هو داخل في مسمى ذاته، وعدم ذلك مما هو صفة له أو جزء، ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود، بل كان من ذاته ما ليس بواجب الوجود، ثم ذلك يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود، إذ لا فرق بين شيء وشيء، ولهذا كان تجويز هذا عليه، يستلزم تجويز العدم عليه، لأن ما جاز عليه
(1/299)

الاستحالات، جاز عليه عدم صورته وفسادها. كما هو المعروف في الأجسام، التي يجوز عليها التفرق والاستحالة. فهذا وأمثاله مما يعلم به تقديسه وتنزهه عن هذه الأمور، التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته؛ ولهذا كان تنزهه عن ذلك بينًا في الفطرة، معروفًا في العقول، للعلم بأنه حق واجب الوجود بنفسه، يستحيل عليه ما يناقض ذلك، فتبين أن ما ذكره من المساواة وإن كان حقًّا، فلم يذكره على الوجه المحقق، ولا ذكر دليله المقرر له، بل ذكر شيئًا يحتاج إليه مع ما فيه من الإيهام.
الوجه التاسع عشر: أنه لو قال: لو جازت عليه هذه الصفات، لزم افتقاره إلى خالق آخر، أو لزم أن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق. لكان قد نبه على دليل نفي هذه الأمور، وإن كان لم يبينه ويقرره؛ إذ تجويز هذه الأمور، إنما يستلزم الافتقار إلى خالق. وكون الإمكان أو الحدوث، ليس
(1/300)

محوجًا إلى الخالق، إذا تبين أن بهذه الأمور يجب أن يكون محدثًا وممكنًا، وهو لم يبين ذلك، فكيف وهو لم يقل ذلك؛ بل علق هذا الانتفاء بمماثلة للممكنات فيه.
الوجه العشرون: أنه لو بين أن هذه الأمور، تستلزم الحدوث والإمكان، كان هذا وحده كافيًا في تنزيه الرب عنها، للعلم بأنه قديم واجب الوجود؛ وأما كون الممكن المحدث لا بد له من خالق، وأن الحدوث والإمكان محوج إلى الخالق. فذاك يذكر لبيان ثبوت الخالق القديم واجب الوجود، ولا يذكر لبيان تنزيهه عما يستلزم عدمه؛ فإن الكلام في تنزيهه عن ذلك، إنما هو بعد أن يقرر العلم بوجود الخالق القديم الواجب الوجود، فإذا تقرر ذلك، بين أنه لا يجوز عليه ما ينافي ذلك، لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين؛ لا لأن تجويز ذلك، يقتضي ابتداءً أنه يفتقر إلى خالق؛ إذ الكلام إنما هو في الخالق. فيقال: لو جاز هذا عليه، امتنع أن يكون هو الخالق القديم، وكان هذا أبين في الدلالة على المقصود، مما ذكره في أصل إثبات واجب الوجود.
الوجه الحادي والعشرون: أن نفي المماثلة واجب في
(1/301)

صفات الكمال، كالعلم والقدرة والحياة، بل والوجود. فيقال: لو كان مماثلًا لغيره في هذه الصفات، فيوصف غيره بمثل ما يوصف به من الوجود، وصفات كمال الوجود لزم تماثلهما، وإذا تماثلا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر، فيلزم أن يكون القديم محدثًا، والمحدث قديمًا، والواجب ممكنًا والممكن واجبًا، وأمثال ذلك. فهذا ونحوه يدل على أنه ليس مثله شيء في وجوده ونفيه، وصفات الكمال الثابتة لوجوده ونفسه، وإذا انتفى عنه مماثلة شيء له في الوجود وصفات كمال الوجود، كان هذا إثباتًا، لأنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفوًا أحد، وأنه لا سمي له. أما أن يترك هذا كله ولا يذكر إلا تنزيهه عن صفات النقص، ولا ينزه عنها إلا عن مماثلة للمخلوقات فيها، ولا يذكر دليل لزوم حدوثه وإمكانه، أو لزوم اجتماع النقيضين، مما هو بَيِّنٌ معروف *يبين استحالة ذلك، بل لا يذكر إلا ما يدل على أنه لا بد من واجب الوجود* فهذا كما ترى. فلو قيل له، لكان هذا كلامًا متوجهًا.
الوجه الثاني والعشرون: لا نسلم أنه لو ساوى غيره في هذه الأمور، لزم افتقاره إلى خالق آخر، ولزم أن يكون الإمكان
(1/302)

والحدوث غير محوج إلى الخالق. فإنك لم تبين هذه الملازمة، والقول الذي تنفيه لم يحتج إلى هذا الدليل، وإن لم يكن بينًا بنفسه، لم يكن في إثبات واجب الوجود نفيه؛ إذ الكلام في أن واجب الوجود، هل هو متصف به أم لا؟ لا في إثبات واجب الوجود. ثم قد تبين بهذه الوجوه أن هذا المقام، لما قال فيه ما هو حق، لم يحققه لا تصويرًا ولا تصديقًا، والكلام إذا تبين ما هو باطل، وبين ما فيه حق، ثم تبين ولم يقرر، كان فيه ما فيه.
الوجه الثالث والعشرون: قوله: «فيثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف، بأن خصوصية ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك
(1/303)

اعتراف بثبوت أمر على خلاف مايحكم به الوهم، ويقضي به الخيال» .
يقال: لا يخلو إما أن تكون ناقلًا عنهم ما تقوله؟ أو ملزمًا لهم أن يقولوا ما لم يقولوه؟ فإن كنت ناقلًا عنهم لم يحسن قولك: أنه لا بد لهم من الاعتراف بذلك؛ فإن هذه إقامة للحجة بأن عليهم الاعتراف؛ لا نقل عنهم للاعتراف، مع أن القوم في نفي هذه الآفات والنقائص، ونفي التمثيل والتشبيه، من أعظم الأمة قولًا بذلك -كما دل عليه الكتاب والسنة، والحجج العقلية- لا يحتجون في نفي التمثيل بهذه الحجة الفاسدة التي لا تدل على نفي التمثيل مطلقًا، وإنما تدل إذا كملت على تنزهه، عن بعض الآفات والنقائص، المستلزمة عدمه أو لجواز عدمه. فلا نقلت عنهم ما يقولونه من التنزيه. ولا احتججت على التنزيه، بحجة موجبة مطلقًا؛ بل ولا تدل بنفسها على شيء منه. وإن كنت ملزمًا لهم بمقتضى هذه الحجة، فالإلزام إنما يكون لمن لا يقر بمضمون الحجة، والقوم من أعظم الناس قولًا بموجب هذه الحجة، ووجوب تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن هذه الأمور وغيرها، كما علم ذلك بالشرع والعقل. ومعلوم أن المطلوب إذا كان اعتراف المنازع به من أظهر الأمور، كان إثبات اعترافه
(1/304)

بإثبات وجوب اعترافه به، وإثبات الوجوب بمثل هذه الحجة فيه ما فيه، مع [أن] نفي دخول اعتراف الناس لا يقتضي وجوب اعترافهم، لكونهم قد ينازعون في ثبوت الوجوب.
الوجه الرابع والعشرون: أن هذه الحجة، إنما توجب أنه لا تجوز عليه هذه الصفات المقتضية للعدم، وهذا ولله الحمد متفق عليه بين المسلمين؛ بل بين المقرين بالصانع، حتى أن عليه المشبهة والمجسمة، الذين يقولون: إنه لحم ودم، وإنه ندم حتى عض يده، وجرى الدم ونحو ذلك؛ لكن يذكر عن بعض اليهود، أنه مرض حتى عادته الملائكة، وهذه الحجة لا تنفي شيئًا من التشبيه والتمثيل، فذكرها ضائع. فما توجبه هذه الحجة يكتفى به في هذا المقام، وما يثبته القوم، وسائر المؤمنين من التنزيه والتقديس لا يعتمد فيه على مثل هذه الحجة. فلم يذكر ما يصلح لهذا المقام لا من المذهب ولا من الدليل.
الوجه الخامس والعشرون: أن الذي هو أبلغ من مقتضى هذه الحجة من نفي التمثيل والتشبيه يقولون به، كما يقول به سلف الأمة وسائر الأئمة، وليس فيه حجة لما ادعيته، فكيف في
(1/305)

مضمون هذه الحجة، وذلك أن نفي التمثيل والتشبيه، لا يقتضي تجويز كونه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إثبات ما يعلم ببديهة العقل امتناعه، كما تقدم بيانه.
الوجه السادس والعشرون: أنك قلت: «هم معترفون بأن ذاته مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وهذا نقل صحيح؛ ثم قررت هذا النقل بأن بحثت بالحجة التي ذكرتها، أن خصوص ذاته لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وهذا ليس هو ذلك المنقول، ولا أقمت عليه دليلًا، فكان هذا من الأغاليط، وبه يحصل المقصود من اعترافهم بأنه لا مثل له.
الوجه السابع والعشرون: قولك: «فثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف، بأن خصوص ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به
(1/306)

الخيال» أمر لم تنقله عنهم، ولا دلت الحجة عليه، حتى يقال يجب اعترافهم به، كما أنها إنما دلت على امتناع العدم والآفات، التي هي ملازمة العدم عليه، كالمرض ونحوه، وهذا حق؛ لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن خصوص الذات، مما لا يصل إليه الوهم والخيال. وإن كان هذا حقًّا، إذا فسر بمعنى صحيح؛ فإن العلم بكونه موجودًا واجب الوجود، يمتنع عليه العدم وما يستلزم العدم، لا يتعرض لكونه يعقل بالعقل والخيال، أو الوهم والحس أو غير ذلك، لا بنفي ولا إثبات أصلًا، فضلًا عن أن يكون كنهها معلومًا أو غير معلوم، فأي ملازمة بين الحجة والدعوى؟! بل لو أقمت الحجج الصحيحة الدالة على نفي التمثيل -كما قررنا نحن- لم يكن في ذلك تعرض لنفي معرفة كنهه، ولا نفي لمعرفته بحس أو خيال أو غير ذلك؛ فضلًا عن كونك لم تذكر إلا ما يقتضي وجوب وجوده!
الوجه الثامن والعشرون: أن القوم مع سائر أهل السنة، يقولون: إن حقيقة البارئ غير معلومة للبشر؛ ولهذا اتفقوا على ما اتفق عليه السلف، من نفي المعرفة بماهيته وكيفية
(1/307)

صفاته؛ ثم جمهورهم يقول ما يقوله السلف، من نفي المعرفة بالكيفية، ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته بمثال. ومنهم من يقول: كما يقوله طوائف، من النفاة المعتزلة وغيرهم: إنه لا ماهية له فتجري في مقال، ولا كيفية له فتخطر ببال، فلا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته، ولا يبلغ قدره غيره، كما في الدعاء المأثور: «يا من لا يعلم ما هو إلا هو» بل قد قال في الجنة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعكم عليه» وتصديق ذلك في كتابه، حيث قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
(1/308)

أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] فهم لا يحيطون علمًا بكنه عامة المخلوقات، فكيف يحيطون علمًا بكنه الخالق تعالى، وقد قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] وفي الصحيح عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الخضر الذي قال الله عنه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) } [الكهف: 65] قال لموسى الذي كلمه الله تكليمًا: «ما نقص علمي وعلمك، من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر» لما ركب في السفينة، وقد وقف عليها عصفور فنقر في البحر نقرة، وفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن
(1/309)

النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول في سجوده، وروي أنه كان يقوله في قنوته، أيضًا: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فإذا كان أعلم الخلق بربه، لا يحصي ثناءً عليه، فكيف بمن هو دونه بدرجات لا يحصيها إلا الله.
وإن كان هذا الذي يقولونه، ويثبتونه بالأدلة الشرعية والعقلية، لم تذكر أنت عليها حجة، ولا نقلت فيها مذهبًا: فقولك: «لا بد من الاعتراف بأن خصوصية ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها» تقصير وتفريط، فإنه لا يصل إلى كنهها لا علم ولا عقل، ولا معرفة
(1/310)

ولا حس، ولا وهم ولا خيال، ولا نوع من أنواع الإدراكات، فتخصيص الوهم والخيال بذلك، يشعر بأن الوهم والخيال يصل إلى كنهها، وأنهم يفرقون بين هذا وهذا، وأنه يجب التفريق بين وصول الوهم والخيال إلى كنهها، وبين وصول العلم والعقل، وكل هذا غلط.
الوجه التاسع والعشرون: أنه إذا لم يكن فرق في نفس إدراك كنهه، بين الوهم والخيال، وبين الحس، وبين العلم والعقل، لم يحصل شيء من مطلوبك؛ فإن المطلوب أنه لا بد من الاعتراف بثبوت أمر على خلاف حكم الحس والخيال، والذي ذكر لا فرق فيه بين الحس والخيال وبين العقل؛ فإن هذه الأمور لا تكيف ذاته، ولا يلزم من نفي اكتناه ذاته نفي معرفته بها، كما لم يلزم نفي معرفته بالعلم والعقل. فإن قوله: «لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوص ذاته، التي امتازت به عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به «الخيال» -مع أنه لم يذكر حجة عليه- لا فرق فيه بين الوهم والخيال، وبين الحس والعقل والعلم، فإن شيئًا من ذلك لا يصل إلى كنهه. وإذا
(1/311)

كان مقصوده الفرق بين الوهم والخيال، وبين العقل والعلم بهذا -مع أنه لا فرق بينها من هذا الوجه، ومع أن ذلك لا ينفي معرفته بذلك، وإن لم يوصل ذلك إلى كنهه- ظهر أن ما قاله ليس فيه تحصيل لغرضه، مع ما فيه من التفريق بين الأشياء فيما اتفقت فيه.
فتدبر هذا كله، فإنه كلام حق [به] ، يعرف كيف أضل هؤلاء لعباد الله، بمتشابه الكلام، كما قال الإمام أحمد في وصفهم: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس، بما يتكلمون به من المتشابه» .
الوجه الثلاثون: أنه لو عارضه معارض، وقال: قد ثبت أنه لا فرق فيما ذكرته من نفي الوصول إلى كنهه بالعقل والوهم والخيال، ثم ثبت بذلك أنه لا يجب أن لا يكون معلومًا بالعقل، فقد ثبت أيضًا، أنه لا يجب أن لا يكون معلومًا بالوهم والخيال، لكان هذا متوجهًا أكثر من كلامه.
الوجه الحادي والثلاثون: أن يقال: الذين اتفقوا من أهل
(1/312)

السنة وغيرهم، على أن العباد لم يعرفوا كنهه في الدنيا، تنازعوا في إمكان ذلك، وفي حصول ذلك، عند رؤيته في الأخرى، وهذا يبين أن معرفة حقيقته وكنهه بالحس، أولى منها بالعقل، ثم الخيال والوهم يتبع الحس، فهذا قد يستدل به، على إمكان معرفة كنهه وحقيقته، بالحس والخيال والوهم.
الوجه الثاني والثلاثون: قوله: «وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال» كما أنه لا يلزم من عدم وصول العلم والعقل إلى كنه الذات، أن يكون على خلاف، ما يقضي به العلم والعقل، ويحكم به الحس كما تقدم، مع أن هذه العبارة هنا ليست ظاهرة المعنى.
الوجه الثالث والثلاثون: أن لفظ «الوهم» ، و «الخيال» في هذه المواضع التي ذكرتها تحتمل شيئين؛ فإن هذه الألفاظ كثيرًا ما تستعمل، فيما يتوهمه الإنسان ويتخيله، مما لا يكون له حقيقة في الخارج، مثل ما يتخيل جبل ياقوت، وبحر زئبق، ونحو ذلك، ومثل ما يتوهم شخصًا أنه عدوه ويكون وليه، أو أنه وليه ويكون عدوه، وأمثال هذه الاعتقادات، التي لا تكون مطابقة، ترتسم في نفس الإنسان فيتخيلها ويتوهمها، وتكون باطلة من
(1/313)

جنس الكذب: ولهذا إذا دفع نوع من هذه الأقوال يقال: هذا خيال، وهذا وهم، وقد أوهم فلان كذا، ومنه سميت الخيلاء. والمختال مختالًا، لأن المختال يتخيل في نفسه من عظمته وقدره ما لا حقيقة له {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد: 23] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الاستعاذة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه» فهمزه الوسوسة، ونفخه
(1/314)

الكبر، ونفثه الشعر، فإن الكبر ينفخه حتى يصير مغطى في الخيال، مع أنه حقيقة كالظرف المنفوخ، من غير أن يكون فيه شيء.
ولكن استعمال لفظ «التخيل» و «التوهم» في هذا من جنس استعمال لفظ الاعتقاد الفاسد، والظن والجهل، فيما لا يكون مطابقًا، وإن كان جنس الاعتقاد قد يكون حقًّا وعلمًا، وكثيرًا ما يستعمل فيما يتخيله ويتوهمه، مما يكون له حقيقة في الخارج، فيكون التخيل والتوهم، ولفظ التخيل والتوهم صادقًا مطابقًا، مثل ما يتخيل الإنسان في نفسه، ما أدركه بصره وغيره من الحواس، ويتوهم في نفسه ما علمه من الصفات، إذ قد يصطلح بعض أهل الطب والفلسفة، على أن التخيل للصور، والتوهم للمعاني التي فيها. ولفظ التخيل والتوهم، يعم القسمين المطابقين وغير المطابق، كما يعم لفظ الخبر للخبر الصادق والكاذب، ولفظ الكلام للحق والباطل، ولفظ الإرادة
(1/315)

للمحمود والمذموم، ولفظ الظن والحسبان للمصيب والمخطئ، ولفظ الاعتقاد للحق والباطل. فما يتخيله الإنسان ويتوهمه، قد يكون حقًّا أو باطلًا، مثل ما يعتقده، ويظنه، ومنه سمي السحاب مخيلة، لأنه يخال فيه المطر، وفي حديث عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا رأى المطر جلس» ومنه قول الشاعر:
أنَّى رأيت مخيلة لمعت ... وتلألأت كمواقع القطر
فهذا في التخيل.
وأما في «التوهم» بلفظ التهمة؛ وأصله وهمة. يقال إذا توهم في الإنسان شيء من الريب، ثم قد يكون ما اتهم به حقًّا،
(1/316)

وقد يكون باطلًا، ولها في الشريعة حكم معروف، حيث يحبس فيها المجهول الحال، كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في التهمة» ولهذا صنف الحارث المحاسبي كتابًا سماه «كتاب التوهم» مضمونه أن يتصور الإنسان في نفسه، ما أخبر الله به من أمور الآخرة وغيرها، ليتذكر ذلك ويحققه في نفسه. واسم الجنس إذا كان يعم نوعين، أحدهما أشرف من الآخر، فقد يخصون
(1/317)

في العرف النوع الأشرف باسمه الخاص، ويبقون الاسم العام مختصًّا بالنوع المفضول، كما في لفظ الحيوان، والدابة وذوي الأرحام والجائز، والممكن، والمباح، وغير ذلك فلهذا كثيرًا ما يخص بلفظ الوهم، والخيال النوع الناقص، وهو الباطل الذي لا حقيقة له، وأما ما كان حقًّا مما يتخيل ويتوهم، فيسمونه باسمه الخاص، من أنه حق وصدق ونحو ذلك، ومن أنه معلوم ومعقول، فإنه إذا كان حقًّا عقله القلب، فصار معقولًا، كما يعقل أمثاله، ويقال: إنه متصور، ومتذكر ونحو ذلك. وهذا بخلاف لفظ العلم والعقل والإحساس، فإن هذا إنما يقال على نفس الإدراك، الذي هو الإدراك الصحيح. ولفظ التخيل والتوهم، لا يدل على نفس الإدراك؛ وإنما يدل على نحو الاعتقاد، الذي يكون مطابقًا للإدراك تارة، ويكون فيما تصور في النفس وتألف فيها وتنشأ فيها، كما تنشأ فيها العلوم بالنظر والاستدلال. وهذا الثاني يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، كما أن ما يثبته الإنسان في نفسه، من الاعتقادات بالنظر والاستدلال، قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا. ومن هذا التخيل والتوهم، ما يراه الإنسان في منامه، فإنه ينشأ في نفسه في النوم، وإن لم يكن رآه بعينه في النظر.
وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجمع بين لفظ الحس، وبين لفظ الوهم والخيال، ويجعلهما في قرن واحد، حتى يقول: «لا بد من الاعتراف بوجود شيء، على خلاف حكم الحس
(1/318)

والخيال» فإن الإحساس هو موجب العلم الصحيح، وأصله الإبصار، كما قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) } [مريم: 98] وقال يعقوب: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87] وقال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» وأما الخيال والوهم، فهو من نحو الاعتقاد، الذي يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، وقد يخص باسم الباطل. فأين هذا من هذا؟
وإن أراد أنه لا يحس، أي: لا يرى. فهذا باطل، كما تقدم التنبيه عليه.
الوجه الرابع والثلاثون: أن يقال له: ما تريد بلفظ الوهم
(1/319)

والخيال؟ أتريد به ما قد يخص هذا اللفظ به في العرف، من تخيل الباطل وتوهمه؟ فلا ريب أن كل حق في الوجود، ينزه عن هذا التوهم والتخيل، وكل حق، فإنه على خلاف، ما يقضي به هذا الوهم والخيال، وكل حق، فهو على خلاف، هذا الوهم والخيال، وما أكثر ما يسمع وصف شيء، بألفاظ فيتخيلونه على صورة، فإذا رأوه وجدوه بخلاف ما تخيلوه، وما أكثر ما يتوهم الإنسان في إنسان شيئًا، فإذا رآه وجده بخلاف ما توهمه. ولا ريب أن الله على خلاف ما يتخيله، ويتوهمه المبطلون من الجهمية وغيرهم، كما قال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) } [الصافات: 180-182] وقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) } [الإسراء: 43] وقال: {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23) } [فصلت: 22-23] وقال: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) } [الأحزاب: 10-11] وقال: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} إلى قوله {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) } [الفتح: 6-12] وقال: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي
(1/320)

كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) } [الأنبياء: 87] وقال: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) } [الانشقاق: 13-14] وقال {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) } [النجم: 28] {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) } [النجم: 23] وقال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) } [الزخرف: 80] .
ولا ريب أن الاعتقادات الفاسدة، مثل اعتقاد الكفار في ربهم، وما يتبعها من الإرادات هي خيالات وأوهام باطلة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) } [النور: 39-40] هذا بعد قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} إلى قوله: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) } [النور: 35] وقال تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122] .
ولا ريب أن كثيرًا من الناس، يتخيل ويتوهم في نفسه صورًا باطلة، ويعتقد أن ربه كذلك، كما يعتقد في ربه اعتقادات
(1/321)

باطلة، ويعتقد أن ربه كذلك. فالاعتقاد والتوهم، والتخيل الباطل، موجود في جانبي النفي والإثبات، والباطل في جانب النفي أكثر منه في جانب الإثبات؛ ولهذا يوجد من الجهمية النفاة، من يعتقد أن الله هو الوجود المطلق، وأنه وجود الموجودات أنفسها، وأنه بنفسه في كل مكان، وأن وجود الموجودات كلها وجود واحد. ويقولون بوحدة الوجود [في] الخارج وأنه عين ذلك الوجود، ونحو ذلك من الاعتقادات، التي يقولون: إنها حصلت لهم بالكشف والمشاهدة، وهي خيالات وأوهام باطلة: إما أن لا يكون لها حقيقة في الخارج، أو يكون لها حقيقة، لكن تكون هي أمر مخلوق، لا تكون هي الخالق سبحانه. وكما يتخيلون ويتوهمون، أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا كذا ولا كذا، مما هو عند أهل العقول السليمة خيالات باطلة، وأوهام فاسدة، لا تنطبق إلا على المعدوم، بل على الممتنع؛ ولهذا يوجد في هؤلاء من يعبد المخلوقات، ومن يعتقد في كثير من المخلوقات، أنه الله،
(1/322)

أضعاف أضعاف ما يوجد في أهل الإثبات، كما قد رأينا وسمعنا من ذلك ما لا يسع هذا المكان ذكر عُشره، فلهذا هم أعظم الناس اختيالًا وتكبرًا، حيث قد يختال أحدهم في نفسه أنه الله ويعظمون فرعون في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [النازعات: 24] {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] ونحو ذلك من الاختيال الباطل، الذي هو أفسد اختيال وأعظم فرية على الله. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وأما إن أراد أنه على خلاف ما يصدق به، ويعتقده ويظنه، ويتوهمه ويتخيله، ويقوله ويصفه، وينعته الأنبياء والمؤمنون به، فهذا باطل، فإن اعتقاد هؤلاء فيه اعتقاد مطابق حق، وإن سمي ظنًّا ونحوه، كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ} [البقرة: 45-46] وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) [الحاقة: 19-20] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: أنا عند ظن
(1/323)

عبدي بي، فليظن بي خيرًا» وفي صحيح مسلم، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» فمن ظن وتوهم في ربه، أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، كان هذا الظن والتوهم حقًّا، وإن كان الواجب تيقن ذلك، بخلاف من ظن وحسب، أنه لا يسمع سره ونجواه، كما قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) } [الزخرف: 80] وقال: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
(1/324)

يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) } [الكهف: 104] .
بل لفظ الرؤية، وإن كان في الأصل يكون مطابقًا، فقد لا يكون مطابقًا كما في قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] وقال: {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13] .
وقد يكون التوهم والتخيل مطابقًا، من وجه دون وجه، فهو حق في مرتبته، وإن لم يكن مماثلًا للحقيقة الخارجة، مثل ما يراه الناس في منامهم. وقد يرى في اليقظة من جنس ما يراه في منامه، فإنه يرى صورًا وأفعالًا، ويسمع أقولًا، وتلك أمثال مضروبة لحقائق خارجة، كما رأى يوسف سجود الكواكب والشمس والقمر له، فلا ريب أن هذا تمثله وتصوره في نفسه، وكانت حقيقته سجود أبويه وإخوته، كما قال: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] وكذلك رؤيا الملك، التي عبرها يوسف، حيث رأى السنبل بل والبقر، فتلك رآها متخيلة متمثلة في نفسه، وكانت حقيقتها وتأويلها من الخصب والجدب. فهذا التمثل والتخيل حق وصدق في مرتبته، بمعنى أن له تأويلًا صحيحًا، يكون مناسبًا له، ومشابهًا له من بعض الوجوه؛ فإن تأويل الرؤيا مبناها على القياس والاعتبار والمشابهة والمناسبة. ولكن من اعتقد أن ما تمثل في نفسه، وتخيل من الرؤيا، هو مماثل لنفس الموجود في الخارج،
(1/325)

وأن تلك الأمور هي بعينها رآها، فهو مبطل، مثل من يعتقد أن نفس الشمس، التي في السماء والقمر والكواكب انفصلت عن أماكنها وسجدت ليوسف، وأن بقرًا موجودة في الخارج، سبعًا سمانًا أكلت سبعًا عِجَافًا: فهذا باطل.
وإذا كان كذلك، فالإنسان قد يرى ربه في المنام، ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه، مثل ما رأى في المنام؛ فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا، ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده حقًّا، أُتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس. قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة، كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم، يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلًا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه؛ إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من
(1/326)

المعتزلة وغيرهم، إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام؛ ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم، نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة، كسائر ما يرى في المنام. فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها؛ بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه. وقول من يقول: ما خطر بالبال، أو دار في الخيال فالله بخلافه، ونحو ذلك إذا حمل على مثل هذا كان محملًا صحيحًا، فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور، أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة، لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه ويقظته. وإن كان ما رآه مناسبًا مشابهًا لها؛ فالله تعالى أجل
(1/327)

وأعظم.
وهؤلاء النفاة من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ونحوهم، يزعمون أن الرسل فيما أخبروا به من صفات الرب، خيلوا ومثلوا، حتى أخرجوا المعقول في مثال المحسوس، وكذلك يقول هؤلاء المتفلسفة أن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، أمثال مضروبة لتفهيم المعاد العقلي، واللذة والألم العقليين، ويقول الفارابي وأمثاله: «إن خاصة الأنبياء جودة التخيل والتخييل» . والكلام على هؤلاء وبيان خطئهم، وضلالهم في هذا التخيل والتوهم، الذي هو غير مطابق له، موضع غير هذا، ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم، على أن المعقول المجرد، يكون له وجود في الخارج، وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات، التي هي أمور كلية، إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان، وأن الخارج لا يكون فيه شيء، مما هو معقول مجرد، وهي الأمور الكلية، إلا أن يراد بالمعقول في قولهم: مثلوا المعقول في صورة المحسوس؛ ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده، فهذا في الحقيقة محسوس موجود، لكن بالحس الباطن، والوجد الباطن، ليس معقولًا محضًا، ولا في تمثل أن الإنسان يحس جوعه، وشبعه ولذته، وألمه، أنه ينتقل حكمه من
(1/328)

الباطن إلى الظاهر، كما ينتقل حكم الحس بالظاهر إلى الباطن، وإذا قدر وجود النفس بغير بدن، فهو يحس بما يجده من لذة وألم، وذلك أمر محسوس لها، وبجنس أسباب ذلك، لا يكون لها معقولًا مجردًا كليًّا، فإن ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد، ولا بد له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقًّا. ومن المعلوم أن هذا الظن، أن النفس تلذذ بهذه الأمور، دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن، وهو كقول من يقول: إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس، والمشتهى دون المباشرة لحقيقته الخارجة، فقولهم: يمثل المعقول في صورة المحسوس، كلام لا حقيقة له، لكن لو قال: يمثل الغائب، في صورة الشاهد، ويمثل الغيب في صورة الشهادة، كان هذا حقًّا؛ فإن الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به، بالقياس، والتمثيل لما شاهده، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة، ليس في أنفسها مما يحس، بل يعقل عقلًا مجردًا، فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله.
الوجه الخامس والثلاثون: أن يقال: إن الصحابة والتابعين وسائر سلف الأمة وأئمتها، وأئمة أهل الحديث والفقهاء، والصوفية والمتكلمة الصفاتية من الكلابية والكرامية والأشعرية،
(1/329)

وغيرهم من طوائف المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم على إثبات هذه الصفات الخبرية، وبقية الصفاتية النفاة لها، في الصفات التي يسمونها الصفات العقلية، كالحياة والعلم والقدرة، لكن من هؤلاء الصفاتية من يجعل تلك الصفات الخبرية، صفات معنوية أيضًا، قائمة بالموصوف مثل هذه، وإنما يفرق بينهما، لافتراق الطريق التي بها عُلِمَتْ، فتلك عُلِمَتْ مع الخبر الصادق بالعقل، وهذه لم تُعْرَف إلا بالخبر. وأما السلف والأئمة وأهل الحديث، وأئمة الفقهاء والصوفية، وطوائف من أهل الكلام، فلا يقولون: إن هذه من جنس تلك، لا يسمونها أيضًا صفات خبرية؛ لأن من الصفات المعنوية ما لا يُعْلَم إلا بالخبر أيضًا، فليس هذا مميزًا لها عندهم، ومنهم من يقول: هذه معلومة بالعقل أيضًا.
وعلى القولين سواء كانت صفات عينية [أ] ومعنوية: فيقال من المعلوم أن الموجودات في حقنا، إما أجسام كالوجه
(1/330)

واليد، وإما أعراض كالعلم والقدرة، فإذا كان أهل الإثبات متفقين على أن العلم والقدرة كلاهما ثابت لله، على خلاف ما هو ثابت للمخلوق، وإن لم يكن في ذلك نفيًا لحقيقته، ولا تمثيلًا له بالمخلوق، فكذلك إذا قالوا في هذه الصفات: إنا نثبتها على خلاف ما هو ثابت للخلق، أو لا فرق بين ثبوت ما هو عرض فينا، مع كونه غير مماثل للأعراض وبين ما هو جسم فينا مع كونه غير مماثل للأجسام؛ بل يقال: من المعلوم المتفق عليه بين المسلمين، أن الله حي عالم قادر مع كونه ليس من الأحياء العالمين القادرين، بل لا خلاف بين أهل الإثبات أنه موجود، مع كونه ليس مثل سائر الموجودات؛ بل العقل الصريح يقتضي وجود موجود واجب قديم. ويقتضي بأنه ليس مماثلًا للموجود المحدث الممكن، وإلا للزم أن يجوز على الواجب، ما يجوز على المحدث، فبأوائل العقل يعلم أن من الموجود وجودًا واجبًا، وأنه ليس مثل الموجود الممكن، فالذي يثبتونه في جميع الصفات المعلومة، هو من جنس ما يثبتونه في الذات، وذلك أمر بَيِّن بأدنى تأمل، معلوم بالعقل الصريح؛ فليس المحكي عنهم في ذلك إلا ما اتفق العقلاء على نظيره، وما هو ثابت معلوم بصريح العقل. وإن قال: بقية الطوائف بينهم نزاع في ذلك، قيل له: والحنابلة أيضًا بينهم نزاع: فمنهم من ينفي هذه الصفات، ويوجب تأويل النصوص، ومنهم من يجوز التأويل،
(1/331)

ولا يوجبه، ومنهم من يفوض معنى النصوص مع نفي، ومنهم من لا يحكم فيها بنفي ولا إثبات. وهذه المقالات هي الممكنة الموجودة في غيرهم.
وأما قوله: «إنهم يصرحون بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق» فلا ريب أنهم يثبتونه [كذلك] وإلا لزم التمثيل والتشبيه، المنفي بالعقل والشرع، لكنهم لا يقولون نثبت معنى الجوارح والأعضاء، ولكن نثبت المعاني التي دل عليها الكتاب والسنة والإجماع.
قوله: «فأثبتوا لله وجهًا بخلاف وجوه الخلق، ويدًا بخلاف أيدي الخلق، ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال، فإذا عقل إثبات ذلك على خلاف الوهم والخيال، فأي استبعاد في القول بأنه تعالى
(1/332)

موجود، وليس بداخل العالم ولا خارج العالم، وإن كان الوهم والخيال قاصرين عن إدراك هذا الموجود» .
يقال له: أكثر ما في هذا أنهم أثبتوا ما لا يعلمون حقيقته، لقيام الأدلة الشرعية عليه، وهذا لا محذور فيه، كما أثبتوا ما أخبر به من الجنة والنار، وما فيهما والملائكة وصفاتها، وهم لم يعلموا حقيقة ذلك، فهم عن معرفة حقيقة الخالق أبعد، وأما إثبات ما ليس بداخل العالم ولا خارجه، فإنه ممتنع في الفطرة البديهية، والفرق واضح بين عدم العلم وبين العلم بالعدم، فأين إثبات شيء يعلم على سبيل الجملة ولا تعلم حقيقته على التفصيل، من إثبات شيء يعلم بالبديهة انتفاؤه؟! بل لو علم انتفاؤه بالنظر لم يجز إثباته، فكيف إذا علم بالبديهة ولم يرد بثبوته خبر، ولا نقل ثبوته عن أحد من السلف والأئمة، وأما ما أثبتوه فلم يعلم انتفاؤه، لا ببديهة ولا بنظر، باتفاق عقلاء الطوائف.
والرازي من أقول الناس بذلك، صرح في غير موضع من كتبه، كالمحصل والتفسير وغيرهما، بأنه لا يجوز نفي ما لا يعلم ثبوته من الصفات، وأن الظاهريين من أصحابه ينفون ما لم يقم
(1/333)

دليل على ثبوته وردَّ ذلك، فإن ما لم يقم دليل بثبوته وعدمه لا يجوز نفيه ولا إثباته، وصرح بأن هذه الصفات الخبرية، كالوجه واليد، التي أثبتها الأشعري، وغيره من أصحابه، إنما لم يثبتها لعدم دليل ثبوتها، لا لدليل عدمها، وزعم أن أدلة الشرع لا تثبتها فلا يجوز إثباتها. وأما ثبوت صفات في نفس الأمر، لم نعلمها فإنه لا ينفي ذلك، ويخطئ من ينفيه. وهؤلاء يدعون ثبوت صفاته في نفس الأمر، ثم إذا قال أحدهم: إنا لا نعلم كيفيتها أو لا نعلم كنهها وحقيقتها، كان هذا كقوله في الذات، ولو قال أقلهم علمًا إنا لا نعلم معناها، لم يكن عدم علمه بالمعنى، مانعًا من ثبوته في نفس الأمر، فأين عدم العلم بالشيء إلى العلم بعدمه. وهذا الذي ذكره عن ظاهريي أصحابه -هو وإن كان قول أبي المعالي الجويني وغيره، وقد نقل الإجماع فيه، وهو مما يقوله أبو الوفاء بن عقيل ونحوه- فالصواب هو الذي ذكره أبو عبد الله الرازي، وهو الذي عليه المحققون، وهو أحد قولي ابن عقيل؛ بل هو آخر قوليه كما هو في الكفاية
(1/334)

[حيث قال] :
«فصل عجيب يخفى على كثير من الأصوليين، وذلك أنه كما لا يجوز الإغراق في الإثبات مجاوزة لما أثبته الشرع ودل عليه، كذلك لا يجوز الإغراق في النفي، ولا الإقدام على نفي شيء عن الله إلا بدليل؛ لأن النفي أيضًا، لا يؤمن معه إزالة ما وجب له سبحانه. فالنفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فكما أن إثبات ما لا يجب له كفر، فنفي ما يجوز عليه خطأ وفسق، ومثال ذلك أن يغرق هؤلاء الخطباء والقصاص، في نفي النقائص عنه، ثم يدرجون فيها نفي ما وردت به السنن، ويقولون ليس بفوق، ولا تحت، ولا يدرك، ولا يعلم، ولا يعرف، ولا، ولا. فربما ساقوا في نفيهم نفي صفة وردت بها السنة» .
قلت: وهذا هو الصواب عند السلف والأئمة وجماهير المسلمين، أنه لا يجوز النفي إلا بدليل كالإثبات، فكيف ينفي بلا دليل، ما دل عليه دليل؛ إما قَطعي، وإما ظاهري؟! بل كيف يقال: ما لم يقم دليل قطعي على ثبوته من الصفات، يجب نفيه، أو يجب القطع بنفيه، ثم يقال في القطعي: إنه ليس بقطعي؟
(1/335)

فهذه المقدمات الفاسدة، هي وسائل الجهل والتعطيل وتكذيب المرسلين؛ وإنما اعتمد على ذلك أبو المعالي لما خالف أئمته في إثبات صفة اليد وغيرها، فقا [ل] في «الإرشاد» :
«فصل ذهب أئمتنا إلى أن اليدين، والعينين والوجه، صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع، دون قضية العقل» قال: «والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود» قال صاحبه أبو القاسم، النيسابوري، الأنصاري، شارح «الإرشاد» شيخ أبي الفتح الشهرستاني، صاحب «الملل والنحل»
(1/336)

و «نهاية الإقدام» وغيرهما: «هذا ما قاله الإمام. واعلم أن مذهب شيخنا أبي الحسن أن اليدين صفتان، ثابتتان، زائدتان، على وجود الإله سبحانه ونحوه، قالـ[ـه] عبد الله بن سعيد، ومال القاضي أبو بكر في «الهداية» إلى هذا المذهب» .
قلت: هو قول القاضي في جميع كتبه «كالتمهيد» و «الإبانة» وغيرهما.
قال أبو القاسم النيسابوري: «وفي كلام الأستاذ أبي إسحاق، ما يدل على أن التثنية في اليدين، ترجع إلى اللفظ لا إلى الصفة، وهو مذهب أبي العباس القلانسي، قال الأستاذ: أما العينان فعبارة عن البصر، وكان في العقل ما يدل عليه، وأما اليد والوجه، فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليهما، قال قائلون: قد كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين، يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق، وبالأخرى الاختيار بالتقريب في التكليم والإفهام، لكنه لم يكن في العقل دليل على تسميته، فورد الشرع ببيانها، يسمي الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق
(1/337)

يدًا، والصفة التي يقع التقريب في التكليم وجهًا، وقالوا: لما صح في العقل، التفضيل في الخلق والفعل بالمباشرة، والإكرام، والتقريب بالإقبال، وجب إثبات صفة له سبحانه، يصح بها ما قلناه من غير مباشرة ولا محاذاة، فورد الشرع بتسمية إحداهما يدًا، والأخرى وجهًا، ومن سلك هذه الطريق، قال: لم يكن في العقل جواز، ورود السمع بأكثر منه، وما زاد عليه من جهة الأخبار، فطريقة الآحاد التي لا توجب العلم، ولا يجوز بمثلها إثبات صفة القدم، وإن ثبت منها شيء بطريق يوجب العلم، كان متأولًا على الفعل» .
قال: «وقال آخرون طريق إثباتها السمع المحض، ولم يكن للعقول فيه تأثير فإذا قيل لهم: لو جاز ورود السمع، بإثبات صفات لا يدل العقل عليها، لم يأمن أن يكون لله صفات، لم يرد الشرع بها، ولا صارت معلومة، ووجب على القائل بذلك جواز ورود السمع بصفات الإنسان أجمع لله تعالى؛ إذ لم تكن واحدة منها شبيهة بصفته. كان جوابهم أن يقولوا: لما أخبر الله المؤمنين بصفاته الكاملة له، حكم لهم بالإيمان بكماله عند المعرفة بها، لم يجز أن يكون له صفة أخرى لا طريق إلى معرفتها، لاستحالة أن يكون المؤمن مؤمنًا يستحق المدح، إذا
(1/338)

لم يكن عارفًا بالله معنى وبصفاته أجمع، فلما وصفهم بالإيمان، عند معرفتهم لما ورد من الشرع، ثبت أنه لا صفة أكثر مما بين الطريق إليه بالعقل والشرع. قال الأستاذ أبو إسحاق: والتعويل على الجواب الأول، فإن فيه الكشف عن المعنى.
قال أبو المعالي: «فمن أثبت هذه الصفات السمعية، وصار إلى أنها زائدة على ما دلت عليه دلالات العقول، استدل بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] » وذكر أنهم قرروا ذلك بتخصيص آدم بالخلق، وبأنه ثنى اللفظ، وكلاهما يمنع من حمله على القدرة، وتكلم على ذلك إلى أن قال: «والذي يحقق ما قلناه، أن الذي ذكره شيخنا أبو الحسن والقاضي، ليس يوصل إلى القطع بإثبات صفتين زائدتين، على ما عداهما من الصفات، ونحن وإن لم ننكر في قضية العقل صفة سمعية، لا يدل مقتضى العقل عليها، وإنما يتوصل إليها سمعًا، فبشرط أن يكون السمع مقطوعًا به، وليس فيما استدل به الأصحاب قطع، والظواهر المحتملة لا توجب العلم، وأجمع المسلمون، على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل أو سمع، وليس في اليدين، على ما قاله شيخنا، نص لا يحتمل التأويل، ولا إجماع، [وإنما في
(1/339)

ذلك أدلة] عقلية، فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه يعني القدرة، والظاهر من لفظ يدين، حملهما على جارحتين، فإن استحال حملهما على ذلك، ومنع من حملهما على القدرة، أو النعمة، أو الملك، فالقول بأنها محمولة على صفتين، قديمتين لله، زائدتين على ما عداهما من الصفات، تحكم محض» .
قال أبو المعالي: «وأما العينان، والوجه، فقد اختلف جواب شيخنا أبي الحسن في ذلك، فقال مرة: هما صفتان على نحو ما قال في اليدين، وقال مرة: العينان محمولتان على البصر، وهذا أظهر قوليه. وعليه حمل الأعين، في قوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] أي تجري السفينة؛ بمرآى منا، وقيل: بحفظنا، وحمل الوجه على وجود الباري، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] والباقي بعد فناء الخلق هو الله. قال أبو المعالي: وهذا هو الصحيح من جوابيه عندنا، وإنما اختلف جوابه، من حيث كان التعليق بالظاهر في اليدين أظهر» .
قال أبو القاسم النيسابوري: «وقول أبي الحسن: في أن الوجه صفة زائدة، على الوجود أظهر، وقوله في العينين: أن المراد بذلك البصر أظهر.
قال أبو المعالي: «ومن سوغ من أصحابنا إثبات الصفات
(1/340)

بظواهر هذه الآيات، ألزمه بثبوت كلامه أن يجعل الاستواء، والنزول والجنب من الصفات، تمسكًا بالظاهر، وإن لم يبعد تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضًا طريق التأويل، فيما ذكرناه» قال أبو القاسم: «هذا ما قاله الإمام» .
وقد رأيت في بعض كتب الأستاذ أبي إسحاق قال: ومما ثبت من الصفات بالشرع، الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة، بقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) } [الفجر: 22] ومما ثبت بالأخبار الصحيحة «النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة» وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» «ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا» الحديث قال: وأجمع أهل النقل، على قبول هذين الخبرين، وما هذا وصفه، كان موجبًا للعمل وقبولًا في مسائل القطع. هذا ما ذكره الأستاذ في هذا الكتاب» .
قال أبو القاسم: «ولا نظن بالأستاذ أبي إسحاق، أنه اعتقد أن النزول والمجيء والإتيان من صفات ذات الإله
(1/341)

سبحانه؛ فإنه سبحانه لا يوصف بهذه الأوصاف في أزله، ويستحيل قيام حادث بذاته. فما حكيناه عنه أنه قال: ومما يثبت في الصفات بالسمع كذا، وكذا. فيحتمل أنه أراد بذلك صفات الأفعال، ويحتمل أنه أراد به الصفات الخبرية، التي لا بيان لها أكثر مما ورد به الخبر» .
قال: «وقال الأستاذ أبو بكر -يعني ابن فورك-: من أصحابنا من قال: الاستواء وصف خبري، لا مجال للعقل فيه، وكذلك الفوقية، والواجب أن يتوقف في ذلك [إلى] أن يرد بمعناه خبر، قال: وهذا مذهب أئمة السلف، وقد روي عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء ثابت بلا كيف، وهذا قول مالك بن أنس، والأوزاعي، وغيرهما من الأئمة، وحكى شيخنا
(1/342)

أبو الحسن قولين لأصحابنا في الاستواء أحدهما: [أنه] من صفات الذات. والثاني: أنه من صفات الأفعال. فمن صار إلى أنه من صفات الذات اختلفوا فيه، فصار الأكثرون منهم، إلى أن الاستواء على العرش، هو العلو عليه من جهة القهر، والغلبة، والانفراد بنعوت الجلال، وهذا المعنى وإن كان مدركًا بالعقل ولكن تسميته بالاستواء مستقاة من الخبر. قال أبو الحسن: من قال الاستواء صفة الذات فإنه سَمَّى الله به، حين خلق العرش، لأجل أن الاستواء يقتضي [تقريبه] إليه [ليـ]ـستوي عليه، ولم يكن في الأزل غير الله، فلم تكن تسميته به. قال: وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: ويمكن أن يقال: لم يزل كانت له صفة الاستواء مطلقًا، بمعنى أنه على صفة يصح بها الاستواء على العرش إذا خلقه، كما يقول لم يزل الله قادرًا، وإن كان تعلق القدرة بالأحداث، يختص بحال الحدوث، وصار آخرون إلى أن الاستواء صفة خبرية يتوقف معناها إلى أن يرد خبر ببيانها» .
(1/343)

قلت: ما نقله من لفظ الأشعري فمعروف، وما فسره.
قال: «وقال الإمام -يعني أبا المعالي- وكنا على الإضراب عن الكلام على الظواهر، فإذا عرض فنشير إلى جمل منها في الكتاب والسنة، وقد صرح بالاسترواح إليها المجسمة وأصحاب الظواهر» قال: «وأجمع المسلمون، على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل، لا يتوصل فيها إلى قطع بعقل أو سمع. قال وأجمع المحققون، على أن الظواهر يصح تخصيصها، أو تركها بما لا يقطع به، من أخبار الآحاد والأقيسة، وما يترك مما لا يقطع به، كيف يقطع به؟» .
قلت: هذا الإجماع الذي ذكره أبو المعالي مرتين، هو الذي ذكره أبو عبد الله الرازي وغيره عن الظاهري من أصحابه وبين أنه فاسد، والذي قاله الرازي هو الذي عليه جماهير الناس، من المتقدمين والمتأخرين، قد صرح أئمة السلف بذلك وإن ما لم يعلم ثبوته، ولا انتفاؤه من الصفات، لا ننفيه ولا نثبته.
(1/344)

والإجماع الذي ذكره أبو المعالي لا أصل له؛ بل لم يقل ما ادعى فيه الإجماع أحد من أئمة المسلمين، لا من الفقهاء ولا أهل الحديث ولا السلف، وإنما قال هذا ابتداء من قاله من المعتزلة، واتبعهم على ذلك طائفة، ممن احتذى حذوهم في الكلام، من الأشعرية وغيرهم؛ وذلك لأن من أصلهم أنهم يقولون: إنهم عرفوا الله حق معرفته، وعرفوا حقيقة ذاته، فعلموا ما يوصف به نفيًا وإثباتًا. فلو جوزوا أن يكون له صفة لا يعلمون نفيها، ولا إثباتها بطل هذا الأصل. وهذا الأصل قد خالفهم فيه أبو المعالي، كما خالفهم فيه أئمته، وضرار بن عمر، وهم المخالفون فيه لسلف الأمة وأئمتها، وسائر أئمة العلم والدين، وقد حكينا ذلك في غير هذا الموضع، وأن أبا المعالي قال: «لا شك في ثبوت وجوده سبحانه، فأما الموجود [المرسل] من غير اختصاص بصفة تميزه عن غيره فمحال» قال: «ولكن ليس تتطرق إليها العقول، ولا هي علم هجمي، ولا علم مبحوث عنه، غير أنا لا نقول: إن حقيقة الإله لا يصح العلم بها؛ فإنه سبحانه يعلم حقيقة نفسه. وليس للمقدور
(1/345)

الممكن، من مزايا العقول عندنا، موقف ينتهي إليه، ولا يمتنع في قضية العقل مزية، لو وجدت لا قتضت العلم بحقيقة الإله» .
وقد تقدم أن هذا قول أئمة أصحابه، كالقاضي وغيره، وهذا تصريح منه بأن لله صفة تميزه عن غيره لا تعلم بالعقول لا بضرورة ولا نظر، وصرح بإمكان علمنا بها إذا أعطينا مزية نعلمها بها، وقد حكى هو عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال: «حقيقة الإله صفة تامة، اقتضت له التنزه عن مناسبة الحدثان» وذكر عن القاضي أبي بكر، أنه ذكر مذهب ضرار، أن لله مائية لا يعلمها في وقتنا إلا هو وأن القاضي قال: «لا بعد عندي فيما قاله ضرار؛ فإن الرب يخالف خلقه بأخص صفاته، فيعلم على الجملة اختصاص الرب سبحانه بصفة يخالف بها خلقه، ولا سبيل إلى صرف الأخص إلى الوجود والقدم، ولا شك في امتناع صرفها إلى الصفات الحقيقية» وأن القاضي تردد في أن الذين يرون الله سبحانه في الدار الآخرة، هل يعلمون تلك الصفة، التي يسميها أخص وصفه وسماها ضرار مائية؟
(1/346)

وذكر عن طائفة من الكرامية، أنهم أثبتوا لله مائية وكيفية.
فقد يقال: إذا كان أبو المعالي، قد أوجب ثبوت صفة لله، يمتنع علمنا بها الآن، كيف يصح أن يقال علمنا جميع ما يثبت له وينفى عنه من الصفات، وإذا كان قول طوائف بثبوت صفات له لا تعلم، وتجويز ذلك، كيف يحكي إجماع المسلمين على خلاف ذلك. هذا تناقض منه في كتبه. وقد يُقال: لم يتناقض، لأن الذي نفاه بالإجماع، تقدير صفة مجتهد فيها، لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل أو سمع، وهو هنا قاطع بما أثبته، لا مجوز له فلا تناقض.
وقد يقال: بل إذا وجب إثبات حقيقة لا تعرف، لم يمتنع أن يكون لتلك الحقيقة صفة لا تعرف، فالجزم بنفي ذلك مع الجزم بثبوت تلك الحقيقة تناقض، وسواء كان تناقضًا، أو لم يكن تناقضًا فبطلان هذا الإجماع الذي ادعاه ظاهر، لكل من له من العلم أدنى نظر، وإنما هو كثير الاستغراق، في كلام المعتزلة وأتباعهم، قليل المعرفة والعناية بكلام السلف، والأئمة، وسائر طوائف الإسلام، من أهل الفقه والحديث والتصوف، وفرق المتكلمين أيضًا فحكى الإجماع، كما يحكي أمثال هذه الإجماعات الباطلة، أمثال هؤلاء المتكلمين، ولو كان الأمر كما ادعاه، فدعواه أن دلالة القرآن، والأخبار على ذلك،
(1/347)

ليست قطعية، يخالفه في هذه الدعوى أئمة السلف، وأهل الحديث والفقه والتصوف، وطوائف من أهل الكلام من أصحابه وغيرهم؛ فإن عندهم دلالة النصوص على ذلك قطعية. وأما الأخبار، فمذهب أكثر أصحابه، أنها إذا تلقيت بالقبول أفادت العلم، كما تقدم ذكرهم لذلك عن الأستاذ أبي إسحاق، وهو الذي ذكره أبو بكر ابن فورك، وهو معنى ما ذكره الأشعري في كتبه، عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه قوله، وأن الإيمان بموجب هذه الأخبار واجب. وإذا كان يمكن أن يكون له صفات لا تعلم بمجرد العقل، وكان كثير من المثبتين لهذه الصفات الخبرية، من أئمته، ومن الحنبلية، وغيرهم يثبتون ما لا يعلمون معناه، أو ما لا يعلمون حقيقته، ولم يثبتوا ما يعلمون انتفاءه، ظهر ما تقدم من الجواب، من الفرق بين ما يعلم امتناعه، وهو وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وبينه ما لا تعلم حقيقته، كهذه الصفات عند هؤلاء.
الوجه السادس والثلاثون: أن ما أثبتوه من الصفات، جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد تقول طوائف: إن العقل أيضًا يوجب ثبوت أصل هذه الصفات وإن لم يثبتها مفصلة، كما أنه في العلو يعلم علوه، لكن لا يعلم
(1/348)

[كيفيته] وما نفوه من كون الخالق ليس داخل العالم، ولا خارجه، جاء فيه الإثبات [في] الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، مع حكم العقل الصريح به، فهم في كلا الموضعين آمنوا بالله وكتبه ورسله، وأقروا ما شهدت به الفطرة، وما علمه العقل الصريح، وأقروا بموجب السمع والعقل، ولم يكونوا من أصحاب النار الذين يقولون: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) } [الملك: 10] فأين هذا ممن خالف صريح العقل، بإثبات موجود لا داخل العالم، ولا خارجه، وخالف مع ذلك الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ونفي مع ذلك الصفات التي أثبتتها النصوص المتواترة، والإجماع السلفي، وعلم فساد نقيضها بالعقل الصريح أيضًا، بأن الله لا مثل له، وأن حقيقته مخالفة لحقيقة العالم؟! كما أنه قد يحصل العلم بأنه ليس مماثلًا للخلق، بل مخالف له، قبل العلم بأنه مباين للعالم، ممتاز عنه منفرد؛ فإن «باب الكيف» غير «باب الكم» و «باب الصفة» غير «باب القدر» . وإذا كانت
(1/349)

المباينة بالقدر، والجهة تعلم بدون هذه، علم أنها أيضًا ثابتة، وإن كانت تلك أيضًا ثابتة، وأنه مباين للخلق بالوجهين جميعًا؛ بل المباينة بالجهة والقدر أكمل، فإنها تكون لما يقوم بنفسه، كما تكون لما يقوم بغيره؛ لأن عدم قيامه بنفسه، يمنع أن يكون له قدر، وحيز وجهة، على سبيل الاستقلال ومن هنا تبينا:
الوجه السابع والثلاثون: وهو أن من المعلوم، أن مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا، سواء في ذلك مباينة الأجسام بعضها لبعض، والأعراض بعضها لبعض، ومباينة الأجسام والأعراض، ثم الأجسام والأعراض تتباين، مع تماثلها بأحيازها وجهاتها، المستلزمة لتباين أعيانها، وتباين مع اختلافها أيضًا بتباين أحيازها وجهاتها مع اختلافها، كالجسمين المختلفين، والعرضين المختلفين في محلين، وأدنى ما تتباين به الاختلاف في الحقيقة والصفة دون الحيز، كالعرضين المختلفين في محل واحد، فلو لم يباين الباري لخلقه، إلا بمجرد
(1/350)

الاختلاف في الحقيقة والصفة، دون الجهة والحيز والقدر، لكانت مباينته لخلقه، من جنس مباينة العرض لعرض آخر حال في محله، أو مباينة الجسم للعرض الحال في محله، وهذا يقتضي أن مباينته للعالم، من جنس تباين الشيئين، اللذين هما في حيز واحد ومحل واحد، فلا تكون هذه المباينة تنفي أن يكون هو والعالم في محل واحد؛ بل إذا كان العالم قائمًا بنفسه، وكانت مباينته له من هذا الجنس، كانت مباينته للعالم مباينة للجسم الذي قام به، ويكون العالم كالجسم، وهو معه كالعرض، وذلك يستلزم أن تكون مباينته للعالم مباينة المفتقر إلى العالم وإلى محل يحله، لا سيما والقائم بنفسه مستغن عن الحال فيه. وهذا من أبطل الباطل، وأعظم الكفر؛ فإن الله تعالى غني عن العالمين كما تقدم.
ومن هنا جعله كثير من الجهمية حالًّا في كل مكان، وربما جعلوه نفس الوجود القائم بالذوات، أو جعلوه الموجود المطلق، أو نفس الموجودات، وهذا كله مع أنه من أبطل الباطل، وهو تعطيل للصانع، ففيه من إثبات فقره وحاجته إلى العالم ما يجب تنزيه الله عنه، وهؤلاء زعموا أنهم نزهوه عن الحيز والجهة لئلا يكون مفتقرًا إلى غيره، فأحوجوه بهذا التنزيه إلى كل شيء، وصرحوا بهذه الحاجة، كما ذكنا في غير هذا الموضع. فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
(1/351)

وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) } [مريم: 88-95] ومع هذا فهؤلاء أقرب إلى الإثبات، وإلى العلم من إثبات مباينة لا تعقل بحال، وهو مباينة من قال لا داخل العالم ولا خارجه، فإن هذه ليست كشيء من المباينات المعروفة، التي أدناها مباينة العرض للجسم، أو للعرض بحقيقته؛ فإن ذاك يقتضي أن يكون أحدهما في الآخر، أو يكون كلاهما في محل واحد، وإذا كان هؤلاء النفاة، لم يثبتوا له مباينة تعقل وتعرف، بين موجودين علم أنه في موجب قولهم معدومًا، كما اتفق سلف الأمة وأئمتها، على أن ذلك حقيقة قول هؤلاء الجهمية، الذين يقولون: إنه ليس فوق العرش، أنهم جعلوه معدومًا، ووصفوه بصفة المعدوم.
يدل على ذلك أن هذا الرازي، جعل مباينته لخلقه، من جنس مباينته للحيز، ولا يجب أن يكون موجودًا كما تقدم، فعلم أنهم أثبتوا مباينته للعالم من جنس مباينة الموجود للمعدوم، أو من جنس مباينة المعدوم للمعدوم، والعالم موجود لا ريب فيه؛ فيكونون قد جعلوه بمنزلة المعدوم. وهذا هي حقيقة قولهم. وإن كانوا قد لا يعلمون ذلك؛ فإن هذا حال الضالين.
(1/352)

الوجه الثامن والثلاثون: أن يقال: هب أنهم أثبتوا له مباينة تعقل، لبعض الموجودات، فالواجب أن تكون مباينته للخلق، أعظم من مباينة كل لكل، فيجب أن يثبت له من المباينة، أعظم من مباينة العرض للعرض ولمحله، ومباينة الجوهر للجوهر، وكذلك يقتضي أن يثبت له المباينة بالصفة، التي تسمى المباينة بالحقيقة أو بالكيفية، والمباينة بالقدر، التي تسمى المباينة بالجهة أو الكمية، فتكون مباينته بهذين أعظم مما يعلم من مباينة المخلوق المخلوق؛ إذ ليس كمثله شيء في شيء مما يوصف به. وأما إثبات بعض المباينات دون بعضها، فهذا يقتضي مماثلة المخلوق، وأن يكون شبهه ببعض المخلوقات، أعظم من شبه بعضها ببعض، وذلك ممتنع. يوضح ذلك:
الوجه التاسع والثلاثون: وهو أن المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة، وهو ضد المماثلة، وحيث كانت المباينة فإنها
(1/353)

تستلزم [ذلك] .
فصل
قول المؤسس وأمثاله: «معلوم أن الوجه واليد بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال» .
إن عنى بذلك ما يعرفه من مسمى ذلك لم ينازع فيما يدعيه، وإن ادعى [غير] ذلك [فـ]ـيبين هذا:
الوجه الأربعون: وهو أن يقال له: لا نسلم أن ذلك مما لا يقبله الوهم والخيال، والدليل على ذلك أن القرآن والحديث سمعه الصحابة والتابعون وتابعوهم من القرون الثلاثة وفي غيرها من الأعصار في جميع أمصار المسلمين، وهو يتلى ليلًا ونهارًا، والمؤمن يسلم أن ظاهر ذلك هي هذه الصفات، ومن المعلوم أن
(1/354)

أحدًا من السلف والأئمة لم يتقدموا إلى من يسمع القرآن والحديث بأن يصرف قلبه وفكره عن تدبر ذلك وفهمه وتصوره، ولا أمره أن يعتقد أن هذا المعنى منه ليس بمراد، وإنما المراد بعض المعاني التي يعنيها المتأولون، أو المراد معنى آخر لا يعرف جملة ولا تفصيلًا، ولا يميز بينه وبين غيره، ولا يقال اكتفوا في ذلك بسماع قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } [مريم: 65] وقوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } [الإخلاص: 4] لأنه يقال: الذي دلت عليه هذه النصوص، هوالذي حكى عن أهل الإثبات التصريح بأن الثابت لله هو على خلاف ما يثبت للمخلوق؛ فإن هذه المخالفة هي عدم المماثلة، والنصوص تدل على ذلك، فإذا كان ما دل عليه النصوص هو الذي حكاه عن أهل الإثبات، فلو كان ذلك مردودًا أو غير ممكن القبول في التوهم والتخيل، مع أن ذلك غالب أو لازم لبني آدم لوجب أن يظهر إنكار ذلك ودفعه من عموم الخلق.
الوجه الحادي والأربعون: وهو قوله: «معلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال» إما
(1/355)

أن يريد به المعنى الذي يذكره المتكلمة الصفاتية الذين يقولون: هذه صفات معنوية، كما هو قول الأشعري والقلانسي وطوائف من الكرامية وغيرهم، وهو قول طوائف من الحنبلية وغيرهم. وإما أن يريد بمعنى: أنها أعيان قائمة بأنفسها.
فإن أراد به المعنى الأول فليس هو الذي حكاه عن الحنبلية؛ فإنه قال: «وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض فهم أيضًا معترفون بأن ذاته مخالفة لسائر الذوات» إلى أن قال: «وأيضًا فعمدة مذهب الحنابلة أنهم متى تمسكوا بآية أو خبر يوهم ظاهره شيئًا من الأعضاء والجوارح صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق، فأثبتوا لله وجهًا بخلاف وجوه الخلق، ويدًا بخلاف أيدي الخلق، ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال» ، فإذا كان هذا قوله فمعلوم أن هذا القول الذي حكاه هو قول من يثبت هذه بالمعنى الذي سماه هو «أجزاءً، وأبعاضًا» فتكون هذه صفات قائمة بنفسها، كما هي قائمة بنفسها في الشاهد، كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب والشاهد، لكن لا تقبل التفريق والانفصال، كما أن علمه وقدرته لا تقبل الزوال عن ذاته، وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو
(1/356)

قائم به، وما هو منه يمكن مفارقة بعض ذلك بعضًا، فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق، وقد علم أن الخالق ليس مماثلًا للمخلوق، وأن هذه الصفات وإن كانت أعيانًا فليست لحمًا ولا عصبًا ولا دمًا ولا نحو ذلك، ولا هي من جنس شيء من المخلوقات.
فإذا كان هذا هو القول الذي ذكر [أنه] تنفيـ[ـه] الحنابلة، وأن هذا هو الظاهر، فلو كان هذا مما لا يقبله الوهم والخيال لوجب نفرة من سمع القرآن والحديث عن ذلك من الكفار والمؤمنين، ولوجب أن يكون المشركون يقدحون فيه بأنه جاء بما تنكره الفطرة، ولوجب أن المؤمنين عوامهم وخواصهم يكون عندهم في ذلك شبهة وإشكال حتى يسألوا عن ذلك، كما وقعت الشبهة عند من سمع ذلك واعتقد نفي هذا المعنى، إذ يرى ذلك متناقضًا ولوجب أن علماء السلف وأئمة الأمة يتكلمون بما ينفي هذا المرض ويزيل هذه الشبهة، ويكون ذلك من أعظم الطاعات بل من أكبر الواجبات، فلما لم يكن شيء من ذلك، علم أن هذا الذي ذكرته عنهم ليس هو مما ينكره الوهم والخيال.
(1/357)

ألا ترى أن ما تقوله: من أنه ليس بداخل العالم ولا خارجه متى صرحت به لجمهور الناس تلقوه بالرد والإنكار؛ ولهذا كان الحذاق من أهل هذا القول يتواصون بكتمانه وإخفائه، وكان السلف والأئمة في ذلك يفصحون به في المجالس العامة والخاصة، وهكذا الأمر فيما قبل شريعتنا، فإن التوراة فيها من هذا الباب نحو ما في القرآن، وكان موسى عليه السلام يبلغ ذلك لبني إسرائيل تبليغًا عامًّا والأنبياء بعده، ولم يكن بنو إسرائيل ينكرون ذلك، ولا كان الأنبياء يأمرونهم بترك ما فهموه من ذلك، فلو كان الوهم والخيال يرد ذلك للعامة، لكان يجب أن يكثر في العامة من يَرد ذلك وهمه وخياله، وإن كان في الخاصة فكذلك، فلما لم يوجد في العامة ولا الخاصة من رد ذلك، لكونه لا يمكنه أن يتصور خياله ووهمه، علم بطلان ما ذكره؛ إذ الذين ينفون ذلك يزعمون أن القياس دل على نفيه.
الوجه الثاني والأربعون: أن جميع الناس من المثبتة والنفاة متفقون على أن هذه المعاني التي حكيتها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه النصوص،
(1/358)

من غير إنكار منهم لها ولا قصور في خيالهم ووهمهم عنها، والنفاة المعتقدون انتفاء هذه الصفات العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودة في التخيل والتوهم، ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم، واعتقدوا أن البارئ ليس بجسم، فنفوا ذلك.
ومعلوم أن كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة والبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة؛ بل بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة، ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء؛ بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد، وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله، ويقولون: بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لايكون إلا معدومًا. ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول.
وإن قال النفاة: إن هذا حكم الخيال والوهم، فقد اتفقوا على أن الوهم والخيال يثبت الصانع على قول مثبتة الجسم لا على قول نفاته. فإذا كان الوهم والخيال يثبته كذلك، بإقرار النفاة فكيف تكون هذه الصفات منفية عنه في حكم الوهم
(1/359)

والخيال؟! هذا خلاف ما اتفق عليه النفاة والمثبتة؛ بل على هذا التقدير يكون الوهم والخيال مقرًّا بما قاله أهل الإثبات في الذات والصفات دون ما قاله النفاة. وهذا أمر بين لا يتنازع فيه عاقلان.
الوجه الثالث والأربعون: أن هذا الذي حكيته عن هؤلاء الذين قلت: «أنهم التزموا الأجزاء والأبعاض» : غايته أنهم يثبتون ما هو الموصوف الذي تسميه جسمًا، وأنهم لا يجوزون عليه ما يجوز على الأجسام من الفناء والآفات، ومضمون ذلك أنه جسم يمتنع عليه أن يوصف بما توصف به سائر الأجسام، بل هو مختلف عنها في الحقيقة. وكذلك ما ذكرته من «أنهم يصرحون متى تمسكوا بآية أو خبر يوهم ظاهره شيئًا من الأعضاء والجوارح، بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق، فأثبتوا لله وجهًا بخلاف وجوه الخلق، ويدًا بخلاف أيدي الخلق» فهذا الذي ذكرته غايته أنهم يثبتون وجهًا ويدين مخالفًا لوجوه الخلق وأيديهم: كما يقال جسم لا كالأجسام. ومن أوضح المعلومات أن إثبات هذا ليس مما لا يقبله الوهم والخيال؛ بل الوهم والخيال من أعظم الأشياء قبولًا لمثل هذا، كما تقدم تقريره غير مرة؛ فإن الوهم والخيال يتصور أنواعًا من
(1/360)

الأجسام، كل جسم موصوف بضد صفات الآخر، وكل جسم يجوز عليه أو يمتنع ما لا يجوز على الآخر أو لا يمتنع. فيتصور الأجسام الموجودة. ويقدر ما ليس موجودًا. وما يستحيل وجوده. فكيف يقال: إنه لا يقبل هذا؟!
يوضح هذا:
الوجه الرابع والأربعون: وهو أنه إذا وصف له الملائكة وغيرهم بالوجه واليد ونحو ذلك -مع أنه قد ثبت في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه على صورته التي خلق عليها مرتين، رآه مرة وله ستمائة جناح، منها جناحان قد سد بهما الأفق» وروي
(1/361)

«أنه حمل قرى قوم لوط على ريشة من جناحه» ونحو ذلك من الصفات العظيمة التي توصف بها الملائكة- فإن الوهم والخيال يقبل ذلك، مع علمه بأن حقيقتهم ليست مثل حقيقة بني آدم، وأنهم ليسوا لحمًا ودمًا وعصبًا ونحو ذلك من الأجسام الكائنة الفاسدة. نعم قد يكون الضعيف الخيال منهم يكل خياله عن مثل ذلك، كما يكل حسه عن رؤية الشعاع وعن سماع الصوت القوي ونحو ذلك، ولهذا قال علي (رضي الله عنه) : حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله؟! وقال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قومًا حديثًا
(1/362)

لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. ولهذا سأل بعضهم زر بن حبيش عن حديث ابن مسعود في صفة جبريل، وأن له ستمائة جناح فلم يحدثه به خوفًا أن لا يحتمله عقله فيكذب به. فهذا وأمثاله كثير موجود في بني آدم تضعف قوى إدراكهم عن إدراك الشيء العظيم الجليل؛ لا كون الوهم والخيال لا يقبل جنس ذلك، ولكن لأجل ما فيه من العظمة التي لم يعتد تصور مثلها.
ومن هذا الباب عجز الخلق عن رؤية الرب في الدنيا لا لامتناع رؤيته، [بل] لعجزهم في هذه الحياة. فأما أن يكون بنو آدم ينكرون بوهمهم وخيالهم في جسم مخلوق أن يكون مخالفًا لغيره، وأنه يمتنع تماثلهما فليس الأمر كذلك. فكيف ينكرون بوهمهم وخيالهم أن يكون الخالق غير مماثل للمخلوق؟ مع كون الوهم والخيال لا يتصور موجودًا إلا جسمًا أو قائمًا بجسم.
الوجه الخامس والأربعون: أن الأجسام بينها قدر مشترك
(1/363)

- وهو جنس المقدار، كما يقولون ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وبينها قدر مميز - وهو حقيقة كل واحد وخصوص ذاته التي امتاز بها عن غيره - كما يعلم أن الجبل والبحر مشتركان في أصل القدر، مع العلم بأن حقيقة الحجر ليست حقيقة الماء، وإذا كان كذلك فالحس لم يدرك مقدارًا مجردًا ولا صورة مجردة، ولم يحس قط، إلا جسمًا مهيئًا له قدر يخصه، وصفة تخصه، والخيال إذًا تخيل المحسوسات، وهو مع هذا يمكنه تجريد المقدار عن الصفة، فيشكل في نفسه قدرًا معينًا، أو مطلقًا غير مختص بصفة من الصفات، وهو تقدير الأبعاد في النفس، وإذا وصف له الملك فإنه يتخيل صورة مطلقة، وأن لها وجهًا ويدًا تناسبها، من غير أن يتخيل حقيقتها؛ فإن تخيل نسبة الصفة المخصوصة إلى الموصوف المخصوص، أقرب إلى ما أحسه من تخيل قدر مطلق، والتخيل يتبع الحس، فكلما كان أقرب إلى الحس كان تخيله أيسر عليه.
وهذا ونحوه [مـ]ـما يبين أن تصوير الخيال لما حكاه عن منازعيه من أيسر الأمور؛ بل لو قال: إن التخيل لا يتصور إلا ما يكون هكذا لا يتصور وصفه بنقيض ذلك، لكان هذا القول أقرب، بل هذا القول الذي اتفق عليه العقلاء، من أهل الإثبات والنفي: اتفقوا على أن الوهم والخيال لا يتصور موجودًا إلا متحيزًا أو قائمًا بمتحيز وهو الجسم وصفاته. ثم المثبتة قالوا:
(1/364)

وهذا حق معلوم أيضًا، بالأدلة العقلية والشرعية، بل بالضرورة، وقالت النفاة: إنه قد يعلم بنوع من دقيق النظر أن هذا باطل، فالفريقان اتفقوا على أن الوهم والخيال يقبل قول المثبتة، الذي ذكرت أنهم يصفونه بالأجزاء والأبعاض، وتسميهم المجسمة، فهو يقبل مذهبهم لا نقيضه في الذات.
فصل
التخيل والوهم الصحيح، لا يتصور الموجود معدومًا. فعلم أن إنكار الفطرة لذلك ورد التخيل والوهم له، لما فيه من الأمور العدمية، كالتناقض الذي فيه؛ لا لعظمته في الوجود. والذي يوضح هذا أن كثيرًا من الخطباء والقصاص إذا أخذوا يصفون الرب ويعظمونه بهذه الصفات السلبية أخذت العامة -الذين لا يفهمون حقيقة ما يقولون وإنما يستشعرون من حيث الجملة أن هذا تعظيم للرب- يسبحونه ويمجدونه، فلو [لا] أنهم تخيلوا وتوهموا أن هذا السلب متضمن لوجود عظيم كبير، وإلا لم يكونوا كذلك، فعلم أنهم لم ينكروه لما فيه من الأمور الوجودية؛ بل هم يتخيلون الموجود العظيم في الجملة؛ ولكن إذا فهموا حقيقة هذه الألفاظ، وما تشتمل عليه من الأمور العدمية، أنكروه حينئذ وردته فطرتهم؛ وذلك لأن السلب والعدم ليس فيه مدح أصلًا ولا تعظيم، فعلم أنه لا تعظيم فيها عند من توهمها.
(1/365)

ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، والتابعون يعظمون الرب بشيء من ذلك، ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في آثار الأنبياء وسلف الأمة، وأئمتها شيء من ذلك، بل أعظم ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم الرب وتمجيده يوم قرأ على المنبر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] كما روى ذلك أبوهريرة، وعبد الله بن عمر، والحديث في الصحيحين، والآية
(1/366)

دلت على عظم قدر الرب، الذي يقبض الأرض ويطوي السموات، وهذا وصف لأمور وجودية تقتضي عظمة القدر؛ بخلاف السلوب المحضة، ففي حديث ابن عمر، الذي في الصحيح قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيديه، وقبض كفيه أو قال يديه، فجعل يقبضهما ويبسطهما، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وشماله حتى نظرت إلى المنبر من أسفل شيء حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم» ومن حديث عمر بن حمزة قال: قال سالم: أخبرني عبد الله بن
(1/367)

عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن» وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وروى
(1/368)

أبوالشيخ وغيره، عن ابن عباس قال: «ما السموات السبع والأرضون السبع، وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» . وفي لفظ «إنها لتغيب في يده حتى لا يرى طرفاها» .
الوجه السادس والأربعون: قوله: «فأثبتوا لله وجهًا بخلاف
(1/369)

وجوه الخلق، ويدًا بخلاف أيد الخلق، ومعلوم أن الوجه واليد بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال» .
يقال له: لا نسلم أن هذا غير مقبول، كما يقبل أشباهه وتوابعه، بل قبول وجوه وأيد لا تكون من جنس وجوه المخلوقين وأيديهم، من جنس قبول ذات لا تكون من جنس ذوات المخلوقين، وسمع وبصر وعلم وإرادة، لا تكون من جنس سمعهم وأبصارهم وعلمهم وإراداتهم شيئًا؛ فإن الذات عين قائمة بنفسها، وهذه صفات لها ومنها، وكل في ذلك ليس من جنس الأعيان المخلوقة وصفاتها التي لها ومنها، وإن كان اللفظ متواطئًا فيها. وقول القائل: إن الوهم والخيال لا يقبل ذلك في الوجه. كقول غيره إن الوهم لا يقبل ذلك في العلم. وهو قول نفاة الصفات. وهو كقول القائل: إن الوهم والخيال لا يقبل
(1/370)

ذلك في الذوات مطلقًا عند كل من أثبت الذوات.
وليس له أن يقول: فمقصودي أننا متفقون على الإقرار بما لا يقبله الوهم والخيال: فإن هذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه لا فرق بين العقل والاعتقاد والعلم: والوهم والخيال والظن من هذا الباب.
الثاني: أن مورد النزاع قد قيل: إنه معلوم بالفطرة انتفاؤه عقلًا، وموقع الإجماع ليس كذلك.
الثالث: أن موقع النزاع معلوم الانتفاء بالوهم والخيال، وموقع الإجماع إنما يقال: فيه أن الوهم عاجز عنه، كما بين ذلك.
الرابع: أن إثبات صفات لا تُعْلَم كيفيتها لذات لا تعلم كيفيتها، ليس ممتنعًا في العقل ولا في الوهم والخيال، إنما الممتنع ثبوت ذات قائمة بنفسها لا داخل العالم ولا خارجه.
الخامس: أنه إذا عرض على الفطرة وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه نفت ذلك، وأنكرته وقضت بعدمه، وإذا عرض عليها يد ليست جسمًا، كأيد المخلوقين وعلم ليس عرضًا، كعلم المخلوقين، لم يقض بعدم فهمه ومعرفته، أو بعلمه من وجه دون وجه.
ولهذا تنفر الفطرة عن الأول ما لا تنفر عن الثاني.
وتحرير الأمر أن يقال:
(1/371)

الوجه السابع والأربعون: أن لفظ «الجسم» و «العرض» و «المتحيز» ونحو ذلك: ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك، في حق الله لا بنفي ولا إثبات؛ بل بدعوا أهل الكلام بذلك، وذموهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر، ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضًا المشبهة الذين يقولون صفاته كصفات المخلوقين. ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك [ما] في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق، كما قال الإمام أحمد: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم» .
وإنما النزاع المحقق أن السلف والأئمة آمنوا بأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، من أن له علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، ويدين ووجهًا وغير ذلك، والجهمية أنكرت ذلك، من المعتزلة وغيرهم.
ثم المتكلمون من أهل الإثبات لما ناظروا المعتزلة، تنازعوا
(1/372)

في الألفاظ الاصطلاحية: فقال قوم: العلم والقدرة ونحوهما لاتكون إلا عرضًا، وصفة حيث كان، فعلم الله وقدرته عرض. وقالوا أيضًا: إن اليد والوجه لا تكون إلا جسمًا، فيد الله ووجهه كذلك؛ والموصوف بهذه الصفات لا يكون إلا جسمًا، فالله تعالى جسم لا كالأجسام. قالوا: وهذا مما لا يمكن النزاع فيه، إذا فهم المعنى المراد بذلك، لكن أي محذور في ذلك، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا؟ فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل؛ بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال.
قالوا: وكذلك فالعقل ينفي ذلك بما دل على حدوث الجسم والعرض القائم به، قالوا: لأنه لم يدل العقل على حدوث كل موصوف قائم بنفسه وهو الجسم، وكل صفة قائمة به وهو العرض. والدليل المذكور على ذلك دليل فاسد، وهو أصل «علم الكلام» الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وبطلانه -وسيأتي الكلام على هذا الدليل في موضعه- قالوا: فلا معنى لإنكار ما هو الحق الثابت بالشرع والعقل، لاستلزام ذلك بطلان حجة مبتدعة أنكرها السلف والأئمة، لأجل دعوى من ادعى من أهلها أنها أصل الدين، الذي لا يعلم الدين إلا به، فإنما هو أصل الدين الذي ابتدعوه، كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ
(1/373)

شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ليست أصلًا لدين الله ورسوله؛ بل أصل هذا الدين هو ما بينه الله ورسوله من الأدلة، كما هو مبين في موضعه؛ إذ من الممتنع أن يبعث الله رسولًا يدعو الخلق إليه، ولا يبين لهم الرسول أصل الدين الذي أمرهم به، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. وعلى هذا التقدير فلا يكون فيما أثبته هؤلاء ما يخالف الوهم والخيال، فتنقطع مادة التزامه بالكلية.
وقال قوم: بل نقول ما وصف الله به من العلم والقدرة، تسمى صفة ومعنى، ولا نسميه عرضًا، لأن العرض هو ما يعرض ويزول، وصفات الله لازمة، بخلاف صفة المخلوق فإنها عارضة، والتزموا لذلك وغيره أن صفة المخلوقات -وهي الأعراض- لا يبقى منها شيء زمانين.
ثم أئمة هؤلاء قالوا: وكذلك ما وصف الله به نفسه من الوجه واليد، نقول: إنه من جنس العلم والقدرة والإكرام؛ بل ما وصف الله به نفسه من الوجه واليد، هو مما يوصف من الله ويوصف الله به ولا نسميه جسمًا، لأنها تسمية مبتدعة وموهمة معنى باطلًا، ولا نقول ذلك من جنس العلم والقدرة ونحوهما، بل نقول كما يعلم الفرق في صفاتنا بين العلم والقدرة، وبين الوجه واليد ونحوهما، فإن الحقائق لا تختلف شاهدًا ولا غائبًا، كما يفرق في حقنا بين العلم والقدرة والسمع والبصر، فلكل
(1/374)

صفة من هذه خاصة ليست للأخرى، كذلك هذه العقيدة في حق الله؛ وإن قيل: إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد. وكذلك نفرق بين الوجه واليد والعين وبين العلم والقدرة ونحو ذلك. وإن قيل: هذا يقتضي التجسيم والتركيب والتأليف ونحو ذلك. فسيأتي الكلام المفصل على هذا في موضعه إن شاء الله، لكن علمنا أن ذاته ليست مثل ذوات المخلوقين، وعلمنا أن هذه الصفات جميعها: ما يفهم أنه عين يقوم بغيره، وما يفهم منه أنه معنى قائم بغيره، نعلم أن جميع صفات الرب ليست كصفات المخلوقين، فإن الشرع والعقل قد نفى المماثلة، والشرع والعقل يثبتان أصل الصفات، كما يثبتان الذات؛ فإن إثبات ذات لا تقوم بنفسها ممتنع في العقل، وإثبات قائم بنفسه يمتنع وصفه بهذه الصفات ممتنع في العقل؛ بل العقل يوجب أن الذات القائمة بنفسها لا تكون إلا بمثل هذه الصفات. وعلى قول هؤلاء فلم يثبت شيء على خلاف حكم الوهم والخيال.
(1/375)

فصل
قال أبو عبد الله الرازي:
«التاسع: أن أهل التشبيه قالوا: إن العالم والبارئ موجودان، وكل موجودين، فإما أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر أو مباينًا عنه. قالوا: والقول بوجوب هذا الحصر معلوم بالضرورة. قالوا: والقول بالحلول محال، فتعين كونه مباينًا للعالم بالجهة. فبهذا الطريق احتجوا بكونه تعالى مختصًّا بالحيز والجهة» .
وأهل الدهر قالوا: «العالم والبارئ» موجودان، وكل موجودين فإما أن يكون وجودهما معًا، أو يكون أحدهما قبل الآخر، ومحال أن يكون العالم والبارئ معًا، وإلا لزم إما قدم العالم أو حدوث البارئ، وهما محالان، فثبت أن البارئ قبل العالم. ثم قالوا والعلم الضروري حاصل بأن هذه القبلية لا تكون إلا بالزمان والمدة، وإذا ثبت هذا فتقدم البارئ
(1/376)

على العالم، إن كان بمدة متناهية لزم حدوث البارئ، وإن كان بمدة لا أول لها، لزم كون المدة قديمة، فأنتجوا بهذا الطريق قدم المدة والزمان» .
فنقول: حاصل هذا الكلام، أن المشبهة زعمت أن مباينة البارئ تعالى عن العالم لا يعقل حصولها إلا بالجهة، وأنتجوا منه كون الإله في جهة.
وزعمت الدهرية: أن تقدم البارئ على العالم، لا يعقل حصوله إلا بالزمان، وأنتجوا منه قدم المدة. وإذا ثبت هذا فنقول: حكم الخيال إما أن يكون مقبولًا في حق الله تعالى أو غير مقبول، فإن كان مقبولًا فالمشبهة يلزم عليهم مذهب الدهرية، وهو أن يكون البارئ متقدمًا على العالم بمدة غير متناهية، ويلزمهم القول بكون الزمان أزليًّا، والمشبهة لا يقولون بذلك. والدهرية يلزم عليهم مذهب المشبهة، وهو مباينة البارئ تعالى مكانيًّا -وهم لا يقولون به- فصار هذا التناقض واردًا على الفريقين.
(1/377)

وأما إن قلنا: إن حكم الوهم والخيال، غير مقبول البتة في ذات الله تعالى، وفي صفاته، فحينئذ نقول: قول المشبهة: إن كل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما حالًّا في الآخر، أو مباينًا عنه بالجهة، قول خيالي باطل، وقول الدهري: إن تقدم البارئ على العالم، لا بد وأن يكون بالمدة والزمان، قول خيالي باطل. وذلك هو قول أصحابنا أهل التوحيد والتنزيه، الذين عزلوا حكم الوهم والخيال في ذات الله تعالى وصفاته، [وذلك] هو المنهج القويم، والصراط المستقيم» .
قلت: والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن تسمية هؤلاء «أهل التشبيه» مما ينازعونه فيه؛ وذلك أن القوم متفقون على إنكار التشبيه، وذم المشبهة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه، ويجعلون الخالق من جنس شيء من المخلوقات، وهذا منتف عندهم، كما أقر به هذا الرجل.
ومعلوم أن كل من نفى شيئًا من الصفات، سمى المثبت لها مشبهًا. فمن نفى الأسماء من الملاحدة الفلاسفة والقرامطة وغيرهم، يجعل من سمى الله تعالى عليمًا وقديرًا وحيًّا ونحو
(1/378)

ذلك مشبهًا؛ وكذلك من نفى الأحكام يسمي من يقول: إن الله يعلم ويقدر ويسمع ويبصر مشبهًا. ومن نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة وغيرهم يسمون من يقول: إن لله علمًا وقدرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله تعالى يرى في الآخرة مشبهًا، وهم من أكثر الطوائف لهجًا بهذا الاسم وذم أصحابه؛ ولهذا كان السلف إذا رأوا رجل يكثر من ذم المشبهة، عرفوا أنه جهمي معطل؛ لعلمهم بأن هذا الاسم قد أدخلت الجهمية فيه، كل من آمن بأسماء الله تعالى وصفاته، ومن نفى علو الله على عرشه، يسمي المثبت لذلك مشبهًا، ومن نفى الصفات الخبرية والعينية يجعل من أثبتها مشبهًا. وإذا كان هذا اللفظ فيه عموم وخصوص بحسب اعتقاد المتكلمين به واصطلاحهم، وقد علم أن الرازي وأشباهه تسميهم المعتزلة وغيرهم مشبهة، فإن كان ينفي عن نفسه هذا الاسم بما يقوله من التنزيه، فكذلك حال غيره سواء؛ مع أن هذا الاسم ليس له ذم بلفظه في الكتاب والسنة.
وقد صنف أبوإسحاق إبراهيم [بن عثمان] بن عيسى
(1/379)

الماراني مصنفًا سماه: «تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة» ذكر فيه من كلام السلف والأئمة في هذا الباب، كلامًا كثيرًا لا يحضرني الساعة، قال أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «السنة» : «حكى إسماعيل بن زرارة قال: سمعت أبا زرعة
(1/380)

الرازي يقول: «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله، التي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكذبون بالأخبار الصحيحة، التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة، على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى، بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تمثيل ولا تشبيه [إلى التشبيه] فهو معطل ناف، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون، منهم عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح» وذكر أيضًا أبو القاسم التيمي في
(1/381)

كتابه «الحجة في بيان المحجة» .
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، في اعتقاده المشهور: «وعلامة أهل البدع شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشوية، وجهلة، وظاهرية، ومشبهة، اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها بمعزل من العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } [محمد: 23] {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } [الحج: 18] » .
فلو قال الرازي بدل المشبهة: «مثبتة الصفات الخبرية والعينية الذاتية» أو «مثبتة العلو» أو «جهة العلو» لكان في ذلك
(1/382)

من العدل ما ليس في هذا الاسم.
وأيضًا فإنه قد صرح في أجل كتبه وهو «نهاية العقول» أن المجسمة القائلين بالجهة وغيرها ليسوا مشبهة، وكذلك رد على من كفرهم لكونهم مشبهة. فتبين أن التشبيه إن كان المراد به إثبات مثل لله عز وجل، فهم لا يقولون بذلك. وإن كان المراد إثبات وصف مشترك فهذا لازم لجميع الناس. وهذا قول أئمته في المجسمة، *بل هو أصح قوليهم في غلاة المجسمة*.
(1/383)

قال أبو المعالي: «باب نفي المثل والتشبيه عن الله من صفات نفس القديم -تعالى- مخالفته للحوادث، فالرب سبحانه وتعالى لا يشبه شيئًا من الحوادث ولا يشبهه شيء منها، والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلت طائفة في النفي فعطلت، وغلت طائفة بالإثبات فشبهت وألحدت. فأما الغلاة في النفي فقالوا: الإشراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه، وقالوا على هذا: القديم -سبحانه- لا يوصف بالوجود: بل يقال ليس بمعدوم، فكذلك لا يوصف بأنه حي عالم، بل يقال: ليس بعاجز ولا جاهل، ولا ميت، وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية، وأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول، بمماثلة القديم سبحانه الحوادث، فإنهم أثبتوا له الصورة والجوارح والاختصاص بالجهات والتركيب، والأقدار، والنهايات، ومن غلاتهم من يثبت للقديم -تعالى عن قولهم-، اللحم والدم والهيئة، ويقولون بقدم الأرواح، وصاروا إلى أنها من ذات القديم -سبحانه-، وأنها تحل الأشخاص.
فإن قال قائل: ما معنى التشبيه؟ قلنا: قد يطلق التشبيه، والمراد منه اعتقاد المشابهة، ويطلق والمراد منه الإخبار عن تشابه المتشابهين، ويطلق والمراد به إثبات فعل على مثال فعل.
(1/384)

فإن قيل: هل تسمون غلاة المجسمة مشبهة؟ قلنا قال أبو الحسن في بعض كتبه: نسميهم مشبهة وإن لم يصرحوا بلفظ التشبيه بل أبوه وامتنعوا منه، فإن الأمة مجمعة على أن من أثبت لله الجوارح والأعضاء، والصورة واللحم والدم والتأليف، فقد شبه ربه بخلقه، فلا ينفعه بعد ذلك نفي سمة التشبيه عن نفسه، بالقول بأنه جسم وشخص بلا كيف، أو أنه على صورة الإنسان بلا كيف.
وقال في بعض كتبه: المشبهة من يعترف بالتشبيه ويلتزمه، وأما من ينكره فلا نسميه مشبهًا، إذ حقيقة المثلين: المشتبهان في جميع صفات النفس، وليس كلما يلزم صاحب مذهب نظرًا، يجوز وصفه به ابتداء.
فإن قيل: هل تكفرون الغلاة منهم؟ قلنا القول في التكفير سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وبالجملة كل من شبهه فيما يطلقه من القول أو يعتقده بظاهر من الكتاب والسنة، ولم يرد على ما ورد التعبد به، ولا يفسره بما يوهم السامع تشبيهًا مع اعتقاد التقديس والتنزيه عن سمات الحدث فالأمر قريب» .
هذا كله كلام أبي المعالي وأصحابه. فقد ذكر في تسمية غلاة المجسمة مشبهة قولين لأبي الحسن، والمنصور عندهم هو
(1/385)

القول الثاني، وأن لازم المذهب ليس بمذهب. فأما المجسمة غير الغلاة فلا يسمون مشبهة على القولين.
ومعلوم أن القائلين بالعلو على العرش بل بالجهة ليسوا بذلك من الغلاة بلا نزاع، سواء صرحوا بأنه جسم غير مركب، أو قالوا بالتركيب، أو نفوهما جميعًا، إذ القول بأن الله تعالى نفسه فوق العالم، هو قول الصفاتية من الكلابية، والكرامية، وأئمة الأشعرية، مع جماهير طوائف المسلمين، فيمتنع إطلاق اسم المشبهة على هؤلاء، وإنما يطلق عليهم الجهمية من المعتزلة ونحوهم. وغلاة المجسمة عنده الذين ذَكَرَ فيهم قولين، هم الذين يثبتون مع التجسيم صورة الإنسان، أو يثبتون له اللحم والدم، كما ذكره.
ومع هذا كله فالأسماء التي تعلق بها الشريعة المدح والذم والحب والبغض، والموالاة والمعاداة والطاعة والمعصية والبر والفجور، والعدالة والفسق، والإيمان والكفر، هي الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فأما
(1/386)

[ما] سوى ذلك من الأسماء فإنما تذكر للتعريف -كأسماء الشعوب والقبائل- فلا يجوز تعليق الحكام الشرعية [بها] ، بل ذلك كله من فعل أهل الأهواء والتفرق والاختلاف، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، كحال من يعلق الموالاة والمعاداة بأسماء القبائل أو البلدان، أو المذاهب المتبوعة في الإسلام كالحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والمشايخ ونحوهم.
وإذا كان كذلك فاسم «المشبهة» ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين؛ ولكن تكلم طائفة من السلف مثل عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ونعيم بن حماد، وغيرهم بذم المشبهة، وبينوا المشبهة الذين ذموهم؛ أنهم الذين يمثلون صفات الله بصفات خلقه، فكان ذمهم لما في قولهم من مخالفة الكتاب والسنة، إذ دخلوا في التمثيل، إذ لفظ التشبيه فيه إجمال واشتراك وإيهام، بخلاف لفظ التمثيل الذي دل عليه القرآن؛ ونفى مُوجَبَه عن الله عز وجل.
(1/387)

الوجه الثاني: أن هذه الحجة تحتج بها طوائف من متكلميهم: من الكرامية وغيرهم، وإلا فجمهورهم لا يحتاجون إلى قياس شمولي في هذا الباب؛ بل عندهم أن علو الله على العرش معلوم بالفطرة الضرورية، وقد تواطأت عليه الآثار النبوية، واتفق عليه خير البرية، ويقولون نفي ذلك تعطيل للصانع، معلوم بالضرورة العقلية، فلو فرض أن هذا القياس عارضه ما أبطله، لم يبطل ما علموه بالفطرة الضرورية من أن الله فوق خلقه، وأنه يمتنع كونه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يلزم من كون العبد مضطرًّا إلى العلم بحكم الشيء المعين، أن يجعل نقيض ذلك قضية عامة كلية؛ فإن العلم بالمعين الموجود يلزمه نفي النقيض، وذلك شيء غير العلم بنفي المطلق الكلي. وطوائف من أهل الفطرة الصحيحة والإثبات للشريعة، يعلمون
(1/388)

أن الله تعالى فوق العالم، ولا يخطر بقلوبهم، تقدير وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه حتى ينفوه، إذ الأقوال المنافية للإيمان لا يجب أن تخطر لكل مؤمن؛ لكن لما حدث من ابتدع هذا النفي، تكلم المسلمون في رده: تارة ببيان أن الله تعالى فوق خلقه من غير تعرض لغيره، وتارة ببيان استحالة نقيض ذلك، وتارة ببيان استحالة موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ومن علم أن الله عز وجل فوق العالم، نفى أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه، وأما هل يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه؟ فقد يخطر بقلبه، وقد لا يخطر.
الوجه الثالث: أن هذه الحجة المذكورة، ليست نظير ما ذكره من حجة الدهرية، وذلك أن هؤلاء قالوا: الخالق والمخلوق موجودان، فكل موجودين فإما أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر أو بائنًا عنه. وكذلك إذا قيل: إما أن يكون أحدهما داخلًا في الآخر أو خارجًا منه. وكذلك إذا قيل: إما أن يكون أحدهما متصلًا بالآخر مقارنًا له أو منفصلًا عنه بائنًا منه، ثم قالوا: وليس هو فيه، فوجب أن يكون خارجًا منه. وهذا مقصودهم، فنظيره أن يقال: البارئ والعالم موجودان، وكل موجودين فإما أن يكون وجودهما معًا وهما متقارنان، وإما أن يكون أحدهما قبل الآخر، وليس مع العالم مقارنًا له، فوجب أن يكون متقدمًا عليه. وهذا حق. فهذا تمام الموازنة والمعادلة بين الحجتين.
(1/389)

فالأولى دلت أن البارئ تعالى خارج عن العالم ليس فيه، وهذه دلت على أن البارئ سابق للعالم لم يقارنه العالم، وكذلك قال سبحانه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة، كما أن التقدم على الشيء قد يقال: إنه بمجرد الرتبة، كما يكون بالمكان؛ مثل تقدم العالم على الجاهل، وتقدم الإمام على المأموم، فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك؛ بل هو قبله حقيقة، فكذلك العلو على العالم، قد يقال: إنه يكون بمجرد الرتبة، كما يقال العالم فوق الجاهل، وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك، بل هو عال عليه علوًّا حقيقيًّا، وهو العلو المعروف والتقدم المعروف، فهذا هو الذي يدل عليه ما ذكره من الموازنة والمقابلة، وكلاهما حق يقولون به، فعلم أن الحجة عليه لا له.
(1/390)

الوجه الرابع: أن هذه المعارضة قد أخذها الرازي ممن احتج بها قبله كأبي المعالي وذويه، فإنهم ذكروها في «مسألة حدوث العالم» وذكروها في «مسألة الجهة» لما أورد عليهم كل واحدة من الطائفتين، ما عارضهم به من القضيتين الفطريتين، فظنوا أنهم بهذا الإلزام أنهم يخلصون من معارضة الطائفتين، ويجعلون ذلك دليلًا على أنها من حكم الوهم، ومع هذا لم يخلصوا بذلك من معارضة الطائفتين، بل ادعوا ما يخالف العقل الصريح، وكان ذلك مما سلط عليهم الفلاسفة الدهرية: رأوا احتجاجهم بهذه الحجة الضعيفة، وكان ذلك مما سلط عليه المسلمون المثبتون، وهذا كما ذكره الإمام أحمد في مناظرة جهم للسمنية.
(1/391)

فهكذا أجاب أهل الكلام، الذين تكلموا في مناظرة الكفار، وأهل الأهواء من المذاهب والحجج بما ليس موافقًا للشريعة، وما ينكره العقل الصريح، فصاروا كما جاهد من جاهد الكفار جهادًا ظلمهم به، وخرج فيه عن الشريعة، وظلم فيه المؤمنين جميعًا، حتى كان مضرة ذلك الجهاد على المسلمين، وعلى أنفسهم وعلى عدوهم أكثر من منفعته. وقد بسطنا الكلام في أمثال هذا في غير هذا الموضع.
ثم غاية ذلك أنه جواب إلزامي لا علمي، وهو لا ينفع لا للناظر ولا للمناظر؛ وذلك أن المثبت إذا قال لهم: كل
(1/392)

موجودين فإما أن يكون أحدهما حالًا في الآخر، أو بائنًا عنه. كان من المعروف بنفسه أن هذا حكم الفطرة الإنسانية الموجودة لبني آدم، وهذه الفطرة الضرورية لا تندفع بمعارضة ولا جدل. فإذا قالوا: هذا من حكم الوهم الباطل، وبمنزلة قول الدهرية من الفلاسفة وغيرهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما متقدمًا على الآخر أو مقارنًا له. قيل له: هب أن الأمر كذلك، فهذا الذي مثلت به هو حق أيضًا تقبله الفطرة وتحكم به. فإذا قال: هذا من حجة الدهرية القائلين بقدم العالم، فإذا صححناه لزمنا القول بقدم العالم وهو باطل، وما استلزم الباطل فهو باطل. قيل له: هذه القضية معلومة بينة بنفسها فطرية ضرورية، وأما كونها مستلزمة للقول بقدم العالم، فهذا ليس بين ولا معلوم؛ بل أنت تقوله، وقد يكون هذا من ضعف جوابك عن دعوى التلازم، فلما عجزت عن الجواب سلمت التلازم.
الوجه الخامس: أن يقول: هب أنا نفرض تلازمهما، فالعلم بهذه القضية التي ألزمتموني نفيها، لأنفي معها الأولى، التي إثباتها أبين في العقول؛ من كون العالم، الذي هو عندكم جميع الأجسام وصفاتها، محدث وليس شيء منها بقديم، فالاحتجاج على بطلان هذه المقدمة، ببطلان هذا اللازم الذي
(1/393)

هو أخفى منها، عكس الواجب؛ بل إن صح هذا التلازم، كان بعض قول الفلاسفة أصح من قولكم، يا معشر المناظرين لهم، والله تعالى لم يأمرنا أن ندفع الأقوال الباطلة، من أقوال الكفار وغيرها، بالأقوال الباطلة؛ بل أمرنا أن نكون قوامين بالقسط، شهداء لله، وأن لا نقول على الله إلا الحق، ولا نقفوا ما ليس لنا به علم، قال الله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 8] وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) } [الأعراف: 33] وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وقال تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يِقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف: 169] وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171] وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} [محمد: 3] وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فاطر: 24] وقال تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي
(1/394)

هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وليس من الأحسن أن يدفع الباطل بالباطل، أو أن نرد ما علمناه بالفطرة والضرورة لظننا أن المبطل يدفع به الحق. *وقال تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6] * وقال تعالى: {هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66] فذم الله من جادل في الحق بعد ما تبين، ومن حاج فيما ليس له به علم، ومن أبين الحق ما كان معلومًا بالفطرة، فكيف يجوز أن يجادل أحد فيه فيدفعه، وإن كان هذا مشتبهًا على أحد، كان ما ليس له به علم، وليس لأحد أن يحاج فيما ليس له به علم. وهذا أصل عظيم، ومن أعظم ما ذم به السلف، والأئمة، أهل الكلام والجدل -وإن جادلوا الكفار وأهل البدع- أنهم يجادلون بالباطل في الحجج وفي الأحكام فتدبر هذا، واحترس منه؛ فإنه من توقاه تخلصت له السنة من البدعة، والحق من الباطل، والحجج الصحيحة من الفاسدة، ونجا من ضلال المتفلسفين، وحيرة المتكلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الوجه السادس: أن كل واحدة من الطائفتين تقول لهم إذا عارضهم بمذهب الآخرين ما يبطل هذه المعارضة: فيقول المثبت للعلو، من المسلمين وسائر أهل الملل والفلاسفة الصابئين والمشركين وغيرهم: أنا أعلم بفطرتي أن الموجود إما أن يكون
(1/395)

محايثًا لغيره أو مباينًا له. وقولك إن هذا مثل قول الفيلسوف الدهري: الموجودان إما أن يكون أحدهما مع الآخر أو قبله، هو أيضًا معلوم لي، وقولك إن هذا يستلزم تقدم العالم. أنا لا أجزم بهذه الملازمة نفيًا ولا إثباتًا.
وقد يقول أيضًا: أنا لا أنظر في هذه المعارضة، وسواء جزمتُ بثبوت الملازمة، أوانتفائها أو لم أجزم بشيء، فأقول: لا يخلو إما أن يكون ما ذكرته مستلزمًا للقول، بقدم جسم من الأجسام أو لا يكون، فإن لم يكن مستلزمًا بطلت المعارضة، وإن كان مستلزمًا لقدم جسم من الأجسام، فليس علمي بحدوث الأجسام الذي تسميه حدوث العالم، أبين عندي من العلم بهذه القضية؛ إذ هذه المقدمة ضرورية فطرية، وتلك تحتاج إلى مقدمات طويلة خفية، وفيها نزاع كثير.
ولا أيضًا دلالة الكتاب والسنة على حدوث جميع الأجسام، بأظهر من دلالة الكتاب والسنة على أن الله تعالى فوق العالم؛ بل القرآن مملوء بما يدل على أن الله تعالى فوق العالم، وهو دال على أن الله خلق السموات والأرض، وما بينهما في ستة أيام، ولكن هو يذكر مع ذلك أنه استوى على العرش، والذي نطق به القرآن في جميع الآيات لا يمكن أن يستدل به على أن جميع الأجسام محدثة، إلا بتوسط مقدمات مستنبطة: بأن يبين أن هذا المذكور في القرآن هو الأجسام، وأن لا جسم إلا ما أخبر بخلقه. وأما دلالة القرآن على العلو، فلا تحتاج إلى مقدمات
(1/396)

مستنبطة. فإذا كان العلم بأن الله تعالى فوق العالم، أبين في الفطرة والشرعة من كون الأجسام كلها محدثة، لم يجب علي أن أترك ذلك المعلوم البين في الفطرة، خوفًا أن يلزمني إنكار هذا ليس هو مثله في ذلك. وهذا الجواب بين ظاهر.
وملخصه أن هذه الملازمة التي ذكرها -وهو أن هذا يستلزم أن يقال: مثل حجة الفلاسفة المستلزمة قدم الزمان- إما أن تكون هذه الملازمة حقًّا في نفس الأمر أو باطلًا، فإن كانت باطلًا بطلت المعارضة، وإن كانت حقًّا لزم إما ثبوت اللازم وإما انتفاء الملزوم، لا يلزم انتفاء الملزوم عينًا، وإذا كان كذلك فليس العلم بانتفاء اللازم، بأظهر من العلم بثبوت الملزوم، بل ثبوت الملزوم أبين في الشرع والعقل، فلا يجوز على هذا التقدير انتفاء اللازم، فلا تصح المعارضة، وهكذا يقول الفيلسوف، وذلك يظهر:
بالوجه السابع: وهو أن الفيلسوف يقول: وعلمي بأن المجودين إما أن يكون أحدهما مع الآخر أو قبله، علم بديهي فطري. وأما قولك: إن هذا مثل قول المجسم: الموجودان إما أن يكون أحدهما محايثًا للآخر أو بائنًا عنه. أقول: لا يخلو إما أن تكون هذه المماثلة حقًّا أو باطلًا، فإن كانت باطلًا لم يرد عليّ، وإن كانت حقًّا وجب عليَّ التزام المماثلة، وذلك يقتضي
(1/397)

أن أقول بثبوت النقيضين جميعًا، أو انتفائهما جميعًا؛ لا يقتضي أن أثبت الزمانية وأنفي المكانية، فإذا كنت قد فرقت بينهما بإثبات هذه ونفي الأخرى، أكون مخطئًا في هذا التفريق، لم يتعين خطئي في المكانية حتى أنفيها وأسوِّي الأخرى بها في النفي، بل إذا سويت بينهما في الإثبات، يلزمني أن أقول: إن واجب الوجود مباين للعالم، وإذا سويت بينهما في النفي، وسُلِمَ أن ذلك يبطل دلالة هذه الحجة على قدم العالم، كان غاية ما يلزمني إما بطلان القول بقدم العالم، وإما بطلان دليل معين يدل على قدمه، ولا ريب أن قدم العالم أو صحة هذه الحجة، أخفى وأبعد عن المعلوم بالفطرة، من كون واجب الوجود تعالى فوق العالم، فإن الإقرار بهذا ثابت في الفطرة، وقد تواتر عن الأنبياء والرسل القول به، فإذا كان على أحد التقديرين، أخالف المعلوم بفطرتي من العلوم الضرورية، فأنفي كل واحد من القضيتين، وأخالف الأنبياء والمرسلين، وعلى الآخر إنما أخالف الحجج الدالة على قدم العالم، وأبطل هذه الحجة المعينة، كانت مخالفة هذه أولى في عقل كل عاقل. وهذا الكلام في غاية الإنصاف والبيان.
فعلم أن ما ذكروه من المعارضة لم يندفع به واحد من الطائفتين، لا في المناظرة ولا في نظر الإنسان بينه وبين ربه تعالى، ولكن أوهموا هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، والتزموا
(1/398)

مخالفة الفطرة الضرورية العقلية، التي اتفق عليها العقلاء في كل من الإيهامين، مع ما في ذلك من مخالفة الكتب والرسل، ببعض ما قالوه في كل واحدة من المسألتين: «مسألة حدوث الأجسام» و «مسألة علو الله تعالى على خلقه» .
هذا كله إذا لم يكن في الفلاسفة من يقول بالجهة، ولا في المسلمين من يقول بقدم بعض الأجسام، فكيف والمثبت للجهة يقول ما يقال في:
الوجه الثامن: وهو أن يقول: غاية ما ألزمتني به من حجة الدهرية، أن يقال بقدم بعض الأجسام؛ إذ القول بقدم الأجسام جميعها لم يقل به عاقل، والقول بخلق السموات والأرض لم تدل هذه الحجة على نفيه، وإنما دلت -إن دلت- على قدم ما هو جسم أو مستلزم لجسم، وهذا مما يمكنني التزامه؛ فإنه من المعلوم أن طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل، لا يقولون بحدوث كل جسم، إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه، أو الموجود، أو الموصوف. فالقول بحدوث ذلك يستلزم القول بحدوث كل موجود وموصوف وقائم بنفسه، وذلك يستلزم بأن الله تعالى محدث.
وهؤلاء يقولون لمناظريهم: نحن نبين أن القول بحدوث كل ما يدخل في المعنى الذي تسمونه جسمًا، يستلزم حدوث البارئ تعالى، ونبين أن قولكم: إن الله تعالى ليس بجسم، يستلزم حدوث البارئ، أكثر مما تبينون أن القول بثبوته يستلزم
(1/399)

حدوث البارئ، كما سنبين أن نفي الجهة يستلزم القول بعدم البارئ، وهذا أمر قد بين في غير هذا الموضع، وبُيّن أنما ذكره النفاة، من حدوث كل جسم حجة باطلة مبتدعة، حتى ذكر أبو الحسن الأشعري أن هذه الحجة مخالفة لحجج الأنبياء والرسل وأتباعهم، وأنها محرمة عندهم.
وإذا كان كذلك، فتقول لهم مثبتة الجهة: إذا كان تصحيح هاتين المقدمتين الفطريتين، يستلزم مع كون البارئ تعالى فوق العالم مباينًا له؛ أن يكون من الأجسام ما هو قديم، أمكنني التزام ذلك، على قول طوائف من أهل الكلام، بل على قول كثير منهم، ولم أكن في ذلك موافقًا للدهرية، الذين يقولون: إن الأفلاك قديمة أزلية، حتى يقال: هذا مخالف للكتاب والسنة، أو هذا كفر؛ بل الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه المسلمون من خلق المخلوقات، وحدوث المحدثات أقول به، وأما كون البارئ جسمًا أو ليس بجسم، حتى يقال الأجسام كلها
(1/400)

محدثة، فمن المعلوم أن الكتاب والسنة والإجماع، لم تنطق بان الأجسام كلها محدثة، وأن الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول، خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة، بخلاف قولي: أن الله تعالى ليس فوق العالم، وأنه موجود لا داخل العالم ولا خارجه، فإن فيه من مخالفة الفطرة والشرعة، ما هو بين لكل أحد، وهو قول لم يقله إمام من أئمة المسلمين، بل قالوا نقيضه، فكيف ألتزم خلاف المعقول الفطري، وخلاف الكتاب والسنة والإجماع القديم، خوفًا أن أقول قولًا لم أخالف فيه، كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا معقولًا فطريًّا.
بل يقول في الوجه التاسع: هذه المعارضة تؤكد مذهبي وتقويه، وتكون حجة ثانية لي على صحة قولي. فإن احتججت عليّ -بأن الله تعالى مباين للعالم- بأن الموجودين إما أن يكون أحدهما مباينًا للآخر أو محايثًا له، فقلتم: هذا معارض بقول الفيلسوف: إن الموجودين إما أن يكون أحدهما متقدمًا على العالم أومقارنًا له، وذلك يستلزم القول بقدم الزمان، المستلزم للقول بقدم بعض الأجسام، فأقول: إذا كانت هذه الحجة التي عارضتموني بها مستلزمة، لكون بعض الأجسام قديمة، من غير أن تعين جسمًا، أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه، بأنه الجسم القديم هو الله سبحانه، كما يقوله المثبتون، وأن ذلك هو ملازم لقولنا، إنه موصوف وقائم بنفسه ونحو ذلك، فتكون هذه الحجة التي عارضتم بها، دليلًا على أن الله تعالى جسم بالمعنى الذي
(1/401)

ذكرتموه -الذي نقول: إنه ملازم لكونه موصوفًا، وقائمًا بنفسه وإن نازعتم في الملازمة- وذلك يدل على صحة الحجة الأولى بالاتفاق؛ فإن الجسم وما يقوم به إما أن يكون مباينًا لغيره، وإما أن يكون محايثًا له، أو حال فيه. وهذا متفق عليه، فإنكم لا تنازون في أن الجسم، أو ما يقوم به إما مباينًا لغيره أو محايثًا له، وإذا كان مُوجَبُ الحجة التي أَلزمتموني إياها يلزمني؛ أن أقول هو جسم، وذلك يستلزم أن يكون مباينًا للعالم، كان هذا الذي ألزمتموني به حجة ثانية، على أنه مباين للعالم، فأردتم معارضة كل حجة بالأخرى، ليكون ما قلتموه من تناقض الحجتين نافيًا لكونه مباينًا للعالم، ولكون كل جسم محدثًا، فتبين أن الحجتين متعاونتان متصادقتان، وأن كل واحدة منهما تدل على أنه تعالى مباين للعالم.
ويقول في: الوجه العاشر: إذا كانت إحدى هاتين المقدمتين الضروريتين تستلزم أنه مباين للعالم والأخرى تستلزم أنه جسم، فقد ثبت بموجب هاتين المقدمتين صحة قول القائلين بالجهة وقول القائلين بأنه جسم، وكونه جسمًا يستلزم القول بالجهة، كما توافقون عليه، وقول القائلين بالجهة يستلزم أيضًا القول بالجسم، كما تقولون أنتم. وأكثر العقلاء خلاف ما يقوله قدماء أصحابكم: إن نفي الجسم، مستلزم لنفي الجهة والعلو على
(1/402)

العرش، وأن ثبوت العلو على العرش، يستلزم ثبوت الجسم. فإذًا تكون كل واحدة من هاتين المقدمتين الفطريتين دليلًا على كل واحد من هذين المطلوبين وكل من المطلوبين دليلًا على الآخر، فصار على كل واحد من هذين المطلوبين أربع حجج، وهي مبنية على مقدمات فطرية، فقد بين هذا أن ما ذكرتموه معارضة للنفاة لتبطلوا به حجتهم، وهو من أعظم الحجج على صحة قولهم.
وكذلك أيضًا يقول الفيلسوف في:
الوجه الحادي عشر: وهو أن يقول: هذا الذي عارضتموني به في مسألة الزمان، أكثر ما يوجب عَليَّ أن أقول بالجهة، والقول بالجهة هو قول أئمة الفلاسفة، كما ذكرناه فيما مضى، عن القاضي أبي الوليد بن رشد الفيلسوف، الذي هو من أتبع الناس لأقوال أرسطو وذويه، وأنه قال: «القول في الجهة، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله» قال: «وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] ومثل قوله: {وَسِعَ
(1/403)

كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ومثل قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) } [الحاقة: 17] ومثل قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة: 5] ومثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) } [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا *وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله* متشابهًا، لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله تعالى في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قرب من سدرة المنتهى» قال: «وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك، والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها، هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة
(1/404)

يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية» .
وقد تقدم ذكرنا لبقية كلامه بألفاظه وأنه قرر أن ما فوق العالم -وهو الجهة- ليس مكانًا على اصطلاح الفلاسفة، إذ المكان عند «أرسطو» هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي، إلى أن قال: «وقد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين، يريدون الله والملائكة» إلى أن قال: «فقد ظهر من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع، وابتنى عليه، فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع» فقد حكى اتفاق الحكماء على إثبات الجهة. قال: «وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى في السماء ... وأن ما قيل في الآراء السالفة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع -يعني ما فوق العالم- هو مسكن
(1/405)

الروحانيين، يريدون الله تعالى والملائكة» وتصريحهم في هذا بلفظ المسكن يشبه ما ذكره الأشعري «أن المسلمين جميعًا إذا نابتهم نائبة يقولون: «يا ساكن العرش» .
فقد ظهر بهذا أنما ذكره من التناقض على المجسمة والفلاسفة، لا يرد على واحدة منهما، بل يمكنهم نفي هذا التناقض.
فصل
لفظ «الظرف» فيه اشتراك، غلط بسببه أقوام: فإن الظرف في اللغة قد يعنى به؛ الجسم الذي يوعى فيه غيره، فَيُظَنُّ إذا استعملت هذه الأدوات في حق الله تعالى، أنه محل المخلوقات تكون في جوفه، وأنها محل له يكون في جوفها، وهذا مما يعلم قطعًا أن هذه الأدوات لم تدل على ذلك في حق الله تعالى ألبتة، بل النحاة سموا الألفاظ التي يعبر بها العرب عن المعاني، التي هي أعم من ذلك بالظروف، حتى يدخل في ذلك ما لا يحيط بالمظروف وأنواع متعددة، وقد قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30] وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [السجدة: 12] وقال تعالى: {إِنَّ
(1/406)

الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) } [الأعراف: 206] وقال تعالى: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) } [فصلت: 38] وقال تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) } [القمر: 55] وقال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) } [الزخرف: 4] وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) } [النمل: 6] وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) } [هود: 1] وقال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] .
ولفظ «مع» من الظروف، وقد أضيف اسم الله إليه، فيما شاء الله من المواضع. وإضافته إلى الظرف أبلغ من إضافة الظرف إليه، قال تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] .
وحق لمن يكون هذا وأمثاله كلامه، إذا أراد الله رحمته أن يتوب منه، كما قال أبو المعالي عند الموت: لقد خضت البحر الخِضَمَّ، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة أمي. وروي: على
(1/407)

عقيدة عجائز نيسابور. ولهذا يقول مثل هؤلاء: عليكم بدين العجائز. فإن تلك العقيدة الفطرية التي للعجائز، خير من هذه الأباطيل، التي من شعب الكفر والنفاق، وهم يجعلونها من باب التحقيق والتدقيق.
فصل
أبو عبد الله الرازي: فيه تجهم قوي؛ ولهذا يوجد ميله إلى الدهرية، أكثر من ميله إلى السلفية، الذي يقولون: إنه فوق العرش، وربما كان يوالي أولئك أكثر من هؤلاء، ويعادي هؤلاء أكثر من أولئك؛ مع اتفاق المسلمين على أن الدهرية كفار، وأن المثبتة للعلو فيهم من خيار المسلمين من لا يحصيه إلا الله تعالى، وقد صنف على مذهب الدهرية المشركين والصابئين كتبًا حتى قد صنف في السحر، وعبادة الأصنام
(1/408)

-وهو الجبت والطاغوت- وإن كان قد أسلم من هذا الشرك وتاب من هذه الأمور، فهذه الموالاة والمعاداة لعلها في تلك الأوقات، ومن كان بتلك الأحوال، فهو قبل الإسلام والتوبة؛ ومن فعل هذا كان له نصيب من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) } [النساء: 51-52] إلى قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) } [النساء: 60-61] إلى آخر الآيات.
(1/409)

يقرر ذلك أنه احتج في مقدمة هذا العلم الشريف بكلام أرسطو معلم المشائين من الدهرية ولم يكن عنده من آثار الأنبياء والمرسلين ما يقدمه على كلام الدهرية، واحتج أيضًا بما نقله عن أبي معشر البلخي المنجم -وهو من أتباع الصابئين، بل كان تارة من المشركين عباد الشمس والقمر، وعبد القمر مدة، كما أخبر بذلك عن نفسه، وصنف ما صنف في ذلك- وجواب الدهرية: أنه قبل العالم وما فيه من الزمان، وقولهم: «والعلم الضروري حاصل بأن هذه القبلية لا تكون إلا بالزمان والمدة» .
(1/410)

فصل
تنازع المسلمون في تسمية الله بالدهر، ففي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر، ولا يقولن أحدكم للعنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم» وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار» وفي رواية أخرى: «يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما» هذه ألفاظ مسلم.
(1/411)

قال القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» : اعلم أن أبا بكر الخلال قال: أخبرني بشر بن موسى الأسدي قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الدهر، فلم يجبني فيه بشيء. قال القاضي: وظاهر هذا أن أحمد توقف عن الأخذ بظاهر الحديث، وقال حنبل: سمعت هارون الحمال يقول
(1/412)

لأبي عبد الله: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة، فحدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الدهر» فقام فتح بن سهل فقال: يا أبا محمد نقول: يا دهر ارزقنا: فسمعت سفيان يقول: خذوه فإنه جهمي. وهرب، فقال أبو عبد الله: القوم يردون الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نؤمن بها، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله» قال القاضي: «وظاهر هذا أنه أخذ بظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون قوله: ونحن نؤمن بها راجع إلى أخبار الصفات في الجملة، ولم يرجع إلى هذا الحديث خاصة» .
قال: «وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله رحمه الله -يعني ابن حامد- هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أن يسمى الله دهرًا. والأمر على ما قاله، لأنه قد روي في بعض ألفاظ الحديث، ما يمنع من حمله على ظاهره هذا، ولم يرد في غيره من أخبار الصفات ما دل على صرفه عن ظاهره، فلهذا أوجب حملها على ظاهرها، وذلك أنه روي فيه: أنه «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار»
(1/413)

وفي لفظ آخر: «لي الليل والنهار أجدده وأبليه، وأذهب بملوك وآتي بملوك» فبين أن الدهر، الذي هو الليل والنهار، خلق له وبيده، وأنه يجدده ويبليه، فامتنع أن يكون اسمًا له. وأصل هذا الخبر أنه ورد على سبب، وهو أن الجاهلية كانت تقول: أصابني الدهر في مالي بكذا، ونالتني قوارع الدهر ومصائبه. فيضيفون كل حادث يحدث بما هو جار بقضاء الله وقدره وخلقه وتقديره، من مرض أو صحة أو غِنًى أو فقر أو حياة أو موت إلى الدهر، ويقولون: لعن الله هذا الدهر والزمان؛ ولذلك قال قائلهم:
أمن المنون وريبه نتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
(1/414)

وقال تعالى: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30] أي ريب الدهر وحوادثه، وقال سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر» أي إذا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بها لا الدهر، وإنكم إذا سببتم الدهر، وفاعل ذلك ليس هو الدهر.
وقال أبو بكر الخلال: سألت إبراهيم الحربي، عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقول أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو
(1/415)

الدهر» وعن: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» قال: «كانت الجاهلية تقول الدهر هو الليل والنهار، يقولون: الليل والنهار فعل بنا كذا، فقال الله تعالى: أنا أفعل ليس الدهر» . قال القاضي: «فقد بين «إبراهيم الحربي» أن الخبر ليس على ظاهره، وأنه ورد على سبب. وذكر «أبو عبيد» نحو ما ذكرنا، فقال: لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين، واحتج به بعضهم فقال: ألا تراه يقول: «فإن الله هو الدهر» قال: وتأويله أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر، وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر. فيجعلونه الذي يفعل ذلك فيذمونه عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، أو يصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى، إذ هو الفاعل لها لا الدهر» .
(1/416)

فصل
القول: بأن الله تعالى ليس فوق العرش. أول من ابتدعه في الإسلام الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وشيعتهما، وهم عند الأمة من شرار أهل الأهواء، وقد أطلق السلف من القول بتكفيرهم ما لم يطلقوه بتكفير أحد، وقالوا: نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نحكي كلام الجهمية، وقالوا: اتفق المسلمون واليهود والنصارى على أن الله تعالى فوق العرش، وقالت الجهمية ليس فوق العرش. وليس هذا
(1/417)

قول أئمة متكلمة الصفاتية؛ لا أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ولا أبي العباس القلانسي ونحوهما، ولا قول أبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري، والقاضي أبي بكر الباقلاني وغيرهم من أئمة الأشعرية، الذين تزعم أنهم أصحابك. وإن قيل: إن هؤلاء متناقضون في أقوالهم، لم يكن نفي قول الأثبات، الذين صرحوا به عنهم لقولهم بما يناقضه بأولى من نفي القول النافي عنهم لقولهم ما يناقضه، لا سيما إذا كان المعروف عنهم أن الإثبات آخر القولين. وإذا كان أبو المعالي والشهرستاني وطوائف غيرهما، قد خالفوا من خالفوه، من أئمة أصحابهم وقدمائهم في الإثبات، لم يجز أن يجعل قولهم هو قول أولئك؛ بل نقل لمذهب إمامه، مع أنا قد ذكرنا بنقل العدول الأئمة أن أبا المعالي تحير في هذه المسألة في حياته، ورجع إلى دين أهل الفطرة، كالعجائز عند مماته، وكذلك الرازي أيضًا حيرته وتوبته معروفة، وكذلك أئمة هؤلاء.
(1/418)

ثم يقال: هب أنه قَوْلُ هؤلاء، أفهؤلاء ومن وافقوه من المعتزلة، هم أهل التوحيد والتنزيه دون سائر النبيين والمرسلين والصحابة، والتابعين وسائر أئمة *المسلمين وسائر الطوائف من أئمة* الفقهاء، والصوفية والمحدثين وأصناف المتكلمين، الذين لم يوافقوا هؤلاء في هذا السلب، بل يصرحون بنقيضه، أو بما يستلزم نقيضه؟!! وكلامهم في ذلك ملء العالم، مع موافقتهم للكتب المنزلة من السماء، وللفطرة الضرورية التي عليها عموم الدهماء، والمقاييس العقلية السليمة عن المراء. وقد ذكر هذا الإمام لتباعه أبو عبد الله الرازي - في كتابه «أقسام اللذات» لما ذكر اللذة العقلية، وأنها العلم، وأن أشرف العلوم العلم بالله، لكنه العلم بالذات، والصفات، والأفعال، وعلى كل واحدة من ذلك عنده: هل الوجود هو الماهية أم قدر زائد؟ وهل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وهل الفعل مقارن أو محدث؟ ثم قال: «ومن الذي وصل إلى هذا الباب،
(1/419)

أو ذاق من هذا الشراب؟!.
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) } [طه: 110] ثم قال: «ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» ومثل
(1/420)

هذا كثير عن هؤلاء، أئمة هذه المقالة النافية، يعترفون بعدم العلم بها، ويرجعون إلى ما عليه أهل الفطرة، وما عليه أهل الظاهر -الحشوية عندهم- فكيف يكونون هم أهل التوحيد والتنزيه، مع هذا الريب والشك والحيرة والتمويه؟!!.
الوجه الثاني عشر: أن يقال له: دعواكم الرد على الدهرية بمثل جحد هذه المقدمة وأمثالها، مما تبين فيها أنكم جحدتم العلوم الفطرية، أوقعكم في أمور أربعة:
أحدها: اتفاق سلف الأمة وأئمتها على ذمكم، وذم كلامكم.
الثاني: نفور أهل الإيمان عن طريقكم، وما قذف الله في قلوبهم من البغض لذلك، وهم شهداء الله تعالى على الأرض.
الثالث: طمع الفلاسفة الدهرية فيكم، وقولهم فيكم: أهل جدل وكلام، لا أهل علم وبرهان، حتى ارتد خلق كثير منكم، إليهم، بل ابن الراوندي الذي يقال: إنه من شيوخ الأشعري،
(1/421)

صنف كتابه المسمى بـ «كتاب التاج في قدم العالم» موافقة للدهرية. وهؤلاء المدعون للتحقيق منكم، كصاحب الفصوص، وابن سبعين، وأمثالهما، يؤول بهم الأمر إلى
(1/422)

أن يقتصروا على قول الدهرية، الذين يثبتون واجب الوجود، و [لا] يفرقون بين الواجب والممكن، بل يجعلون وجوده وجود الممكنات، ولا يجعلون له وجودًا خارجًا عن وجود الأرض والسموات، ويصرح من يصرح من فضلائهم، بأن قولهم هو قول فرعون، وأنهم على قول فرعون، فيأتون بقول الدهرية المتضمن لإنكار الصانع -وهو شر المقالات- ويدّعون أن هذا هو التحقيق والعرفان، وسببه أنكم سلكتم بهم في طريقة النفي والتعطيل، التي لا تثبت للصانع وجودًا مباينًا للمخلوق، وهذه يضطر سالكها إلى أن لا يقول بموجود وراء العالم، وهو محض قول الدهرية، فكيف تتبرؤون منهم، وقولكم يؤول إليهم تصريحًا أو لزومًا؟!!.
الرابع: أن يقال له: أنت معترف بعجزك عن مقاومة الدهرية، وأنت في أكبر كتبك «المطالب العالية» ذكرت أدلة
(1/423)

الفريقين: القائليْن بحدوث العالم، وقدمه، وضربت هذه بهذه، ولم ترجح شيئًا، بل ذكرت أن الكتب الإلهية والأدلة السمعية لم تبين هذه المسألة، وفي أجل كتبك الكلامية لم تحتج على حدوثه بحجة ظنية فضلًا عن علمية، وادعيت أن ذلك لا يتم إلا بمقدمة تذكر في سائر كتبك، أنها معلومة الفساد بالضرورة، وهو ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، فمن تكون هذه حاله؟ كيف يدعي أنه وأصحابه أهل التوحيد والتنزيه دون المثبتين والفلاسفة؟!.
وسبب ذلك أنهم أدخلوا في مسالة حدوث العالم حقًّا وباطلًا، وطلبوا إثباتهما معًا، فلم ينهض دليل صحيح بإثبات باطل مع حق، وطمع فيهم خصمهم لما رآه من ذلك، وإن كان كلام خصومهم فيها أيضًا فاسدًا متناقضًا، فالطائفتان فيها ضالتان، وذلك أن هذا وأصحابه سلكوا طريق المعتزلة، التي التزموا حدوث الموصوفات بحدوث صفاتها، والتزموا على ذلك امتناع اتصاف الرب بصفة، ولزمهم على ذلك وإن لم يلتزموه
(1/424)

حدوث كل قائم بنفسه، بل حدوث كل موجود، فكان ما ذكروه من الحجة متضمنًا حدوث الموجودات كلها، *حتى الرب تعالى* ومعلوم أن الدليل على ذلك لا يكون حقًّا، وقابلوا بها من زعم أن من المخلوقات ما هو قديم كالعناصر والسموات، وقابلوا باطلًا بباطل، ثم إنهم اضطربوا في العلم بحدوث الصفات وحدوث موصوفاتها، اضطرابًا ذكرناه في غير هذا الموضع، ثم جاء هؤلاء فوافقوهم في المعنى دون العبارة، وزعموا أن الموصوف الذي سموا صفته عرضًا يستدل على حدوثه بحدوث صفته، وزعموا أن شيئًا من صفات المخلوقات لا يبقى زمانين، وأن القابل لصفة لا يخلو منها ومن ضدها، وقود مقالتهم يوجب مثل تلك المقالة، مع ما التزموه في مواضع من المكابرات، وإن كانوا في مواضع اعترفوا بالحق
(1/425)

الذي أنكره أولئك.
ومن تدبر عامة بدع الجهمية ونحوهم، وجدها ناشئة عن مباحث هذه الدعوى والحجة.
ولهذا كان السلف والأئمة يذمون كلامهم في الجواهر والأعراض، وبناءهم علم الدين على ما ذكروه من هذه المقدمات، وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع. قال الإمام أبو المظفر السمعاني: «والأصل الذي يؤسسه المتكلمون والأصل الذي يجعلونه قاعدة علومهم: «مسألة العرض والجوهر وإثباتهما» وأنهم قالوا: إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون جسمًا، أو عرضًا، أو جوهرًا، فالجسم ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما احتمل الأعراض، والعرض ما لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم التي لا توافق نظرهم وعقولهم، ولهذا قال بعض السلف: إن أهل الكلام أعداء الدين، لأن
(1/426)

اعتمادهم على حدسهم وظنونهم، وما يؤدي إليه نظرهم وفكرهم، ثم يعرضون عليه الأحاديث فما وافقه قبلوه، وما خالفه ردوه. وأما أهل السنة سلمهم الله تعالى، فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة، على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع» وذكر تمام الكلام.
والمقصود أن هذا وأمثاله وإن كان في هذا المقام يتجوه بمخالفة الدهرية، وليس الرد على الدهرية معلومًا من طريقهم، بل طريقهم هم والدهرية فيها متقابلون يقولون هؤلاء الحق تارة والباطل أخرى، وكذلك أولئك، وليس أذكياؤهم على بصيرة فيها، وسبب ذلك ما يجحدونه من الحق المعلوم، وما يدعونه من الدعاوى الباطلة والمشتملة على حق وباطل، وإلا فلو كانت الحجج حقًّا محضًا لم ينكرها أحد من السلف والأئمة، ولا كان للمخالفين طريق صحيح إلى هدمها.
الوجه الثالث عشر: أن تسميتك أصحابك أهل التوحيد
(1/427)

والتنزيه، هو مما اتبعتم فيه المعتزلة نفاة الصفات، فإنهم فسروا التوحيد بتفسير لم يدل عليه الكتاب والسنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى؛ وادعوا أن من أثبت الصفات لم يكن موحدًا، لأن الواحد عندهم -الذي لا يعقل فيه- ما تميز منه شيء عن شيء أصلًا، وثبوت الصفات يقتضي الكثرة، والذي جعلوه واحدًا لا ينطبق إلا على معدوم ممتنع، كما سيأتي بيانه.
ومن المعلوم أن التوحيد الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه *والتنزيه الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه*، هو ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع؛ مثل عبادة الله وحده لا شريك له، فمن عبد غيره كان مشركًا ولم يكن موحدًا، وإن أقر أنه خالق كل شيء، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) } [يوسف: 106] وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] وقال تعالى: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) } [المؤمنون: 84-85] وقال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] وقال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51] وأمثال هذه الآيات.
وأما تفسير التوحيد بما يستلزم نفي الصفات، أو نفي علوه على العرش؛ بل بما يستلزم نفي ما هو أعم من ذلك، فهو شيء
(1/428)

ابتدعته الجهمية لم ينطق به كتاب ولا سنة ولا إمام، وكذلك جعل التشبيه ضد التوحيد، وتفسير التشبيه بما فيه إثبات الصفات. هو أيضًا باطل، فإن التوحيد نقيضه الإشراك بالله تعالى والتمثيل له بخلقه، وإن كان ينافي التوحيد فليس المراد بذلك ما يسمونه هم تشبهًا، فإنهم يسمون المعاني بأسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، مرتبين على ذلك الحمد والذم، ومن علق الحمد والذم بأسماء ليست مما أنزل الله بها سلطانًا بين فيه ما يحمده وما يذمه، فقد ابتدع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وليس هذا موضع بسط هذا وتبيينه [فـ]ـإن كل من كان إلى التعطيل أقرب وعن القرآن والإسلام أبعد كان أحق بهذا المعنى الذي تسميه التوحيد والتنزيه.
فإن المعتزلة أحق منهم بهذا؛ لأنهم أحق بنفي الصفات والكثرة، وأحق بنفي الأمور التي يجعلون إثباتها تشبيهًا، والفلاسفة أحق من المعتزلة بهذا، وأهل وحدة الوجود أحق بهذا من الفلاسفة، ولهذا يدَّعون من التوحيد والتحقيق والعرفان بحسب هذا الوضع والإصلاح الذي ابتدعوه ما لا يمكن هؤلاء رده إلا بنقض الأصول المبتدعة، التي وافقوهم عليها، ومن
(1/429)

المعلوم أن الوجود المطلق ليس شيئًا له وجود في الخارج مطلقًا، حتى يوصف بوحدة ولا كثرة، وإنما حقيقة قولهم قول أهل التعطيل الذي هم شرار الدهرية، فظهر أن توحيدهم هذا وتنزيههم هذا دهليز التعطيل والزندقة، وأن من كان أعظم تعطيلًا وإلحادًا، كان أحق بتوحيدهم وتنزيههم هذا، وهذا بخلاف ما كان من أهل الإثبات المقرين بالتوحيد والتنزيه، الذي جاءت به الرسل عليهم السلام، ونزلت به الكتب، التوحيد العلمي القولي، كالتوحيد الذي دلت عليه السورة، التي هي صفة الرحمن، وهي تعل ثلث القرآن. والتوحيد العملي
(1/430)

الإرادي الذي دلت عليه السورة التي هي براءة من الشرك، وهما سورتا الإخلاص، فإن هؤلاء الموحدين، كما حققوا هذا التوحيد بعدوا عن أهل الشرك والتعطيل وتبرؤا منهم، كما قال إمامهم إبراهيم لقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) } [الزخرف: 26-27] وقال: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) } [الشعراء: 75-77] وقال: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } [الأنعام: 78-79] وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] .
الوجه الرابع عشر: قوله: «أهل التوحيد والتنزيه الذين عزلوا حكم الوهم والخيال في ذات الله تعالى وصفاته» يقال له: قد تقدم الكلام على هذا اللفظ المجمل غير مرة.
ثم يقال له: لا ريب أن الله تعالى أنزل كتابه بيانًا للناس وهدى وشفاءً، وقال تعالى فيه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقال: {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
(1/431)

وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ} [يوسف: 111] وقال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وقال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) } [طه: 123] وقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] وقال: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } [الأعراف: 157] وقال: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 15-16] وقالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1-2] وقص الله تعالى ذلك عنهم على سبيل التصديق لهم في ذلك، والثناء عليهم بهذا القول، وكذلك قولهم: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30] وأمثال هذا كثير.
وقد بين الله تعالى ما يتقى من القول فيه والظن، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) } [الأعراف: 33] وقال عن الشيطان: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) } [البقرة: 169] وقال تعالى: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171]
(1/432)

وقال: {هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66] وقال: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6] فذم من يقول ما لا يعلم، ومن يقول غير الحق، ومن يجادل فيما لا يعلم، ومن يجادل في غير الحق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار» وقال تعالى في موضع آخر: {مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} [النجم: 23] وقال: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) } [النجم: 28] وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8) } [الحج: 8] .
(1/433)

ومن المعلوم أن العلم له طرق ومدارك وقوى باطنة وظاهرة في الإنسان، فإنه يحس الأشياء ويشهدها، ثم يتخيلها ويتوهمها ويضبطها بعقله، ويقيس ما غاب على ما شهد، والذي يناله الإنسان بهذه الأسباب قد يكون علمًا، وقد يكون ظنًا لا يعلمه، وما يقوله ويعتقده ويحسه ويتخيله، قد يكون حقًّا وقد يكون باطلًا. فالله سبحانه وتعالى لم يفرق بين إدراك وإدراك، ولا بين سبب وسبب، ولا بين القوى الباطنة والظاهرة فجعل بعض ذلك مقبولًا وبعضه مردودًا، بل جعل المردود هو قول غير الحق والقول بلا علم مطلقًا.
فلو كان بعض أجناس الإدراك وطرقه باطلًا مطلقًا في حق الله تعالى، أو كان حكمه غير مقبول، كان رد ذلك مطلقًا واجبًا، والمنع من قبوله مطلقًا متعينًا إن لم يعلم بجهة أخرى، كما قال في الخبر: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] وقال في الاعتبار والقياس الصحيح {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 90] {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 8] {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] فلما كان من المخبرين من لا يقبل خبره إذا انفرد أمر بالتثبت في خبره، ولما كان القياس والاعتبار يحصل فيه الظلم والبغي، بتسوية الشيء بما ليس مثله في الشرع والعقل، أمر بالعدل
(1/434)

والقسط، وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19] فبين تعالى أن سبب الاختلاف هو البغي الذي هو خلاف العدل، فالشبهة الفاسدة من هذا النمط، وهي من أسباب الاختلاف بعد بيان الكتاب والسنة للحق المعلوم، كما قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6] .
فلو كان في الإحساس الباطن والظاهر ما يرد حكمه مطلقًا، حتى يوافقه إحساس آخر، لكان ذلك أيضًا مردودًا، وليبين ذلك كما بين نظيره، فإن الحاجة إلى ذلك في أصل الإيمان أعظم من الحاجة إلى ما هو دون ذلك بدرجات كثيرة، فلما كان المحرم هو اتباع الظن وما تهوى الأنفس، والقول في الدين بلا علم، أو قول غير الحق، نهى عن ذلك ولم يفرق بين إحساس ظاهر أو باطن، ولا بين حس وعقل، فلم يكن أحد ليفرق بين ما جمع الله تعالى بينه، ويجمع بين ما فرق الله تعالى بينه، بل يتبع كتاب الله تعالى على وجهه، والله أعلم.
والذي دل عليه الكتاب أن طرق الحس والخيال والعقل وغير ذلك متى لم يكن عالمًا بموجبها لم يكن له أن يقول على الله، وليس له أن يقول عليه إلا الحق، وليس له أن يقفوَ ما ليس له به علم لا في حق الله ولا في حق غيره، فأما تخصيص الإحساس الباطن بمنعه عن تصور الأمور الإلهية بحسه، فهو
(1/435)

خلاف ما دل عليه القرآن من تسوية هذا بسائر أنواع الإحساس في المنع، وأن القول بموجبها جميعها إذا كان باطلًا حرم في حق الله تعالى وحق عباده، وإن كان حقًّا لم ينه عنه في شيء من ذلك.
يؤكد ذلك أن حكم الوهم والخيال غالب على الآدميين في الأمور الإلهية. بل وغيرها، فلو كان ذلك كله باطلًا لكان نفي ذلك من أعظم الواجبات في الشريعة، ولكان أدنى الأحوال أن يقول الشارع من جنس ما يقوله بعض النفاة: ما تخيلته فالله بخلافه، لا سيما مع كثرة ما ذكره لهم من الصفات.
الوجه الخامس عشر: قولك: «الذين عزلوا حكم الوهم والخيال في ذات الله تعالى وصفاته» يقال له: ليس الأمر كذلك؛ بل هم يستدلون على منازعيهم في إثبات الصفات لله وما يتبع ذلك، بما هو جنس هذه الحجج وأضعف منها، سواء سميت ذلك من حكم العقل، أو من حكم الوهم والخيال، فإن الاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ لا سيما وقد جرت عادة هؤلاء المتكلمين، أنهم يسمون -بدعواهم- منازعيهم بالأسماء المذمومة ويسمون أنفسهم بالأسماء المحمودة، وإن كانوا
(1/436)

مشتركين في جهة الحمد والذم، ويقول أحدهم: قال أهل الحق، وقال أهل التوحيد ونحو ذلك، حتى قد يدعون الإيمان أو ولاية الله تعالى لأنفسهم خاصة، كما يفعل ذلك الرافضة والمعتزلة وطوائف من غلاة الصوفية، وهؤلاء فيهم شبه من أهل الكتاب الذين قالوا: {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] وقالوا: إن الدار الآخرة خالصة لهم عند الله يوم القيامة، والذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ويسمي أحدهم من أثبت لله صفة مشبهًا ومجسمًا، مع كونه قد أثبت نظيرها أو أبلغ منها، ويسمي النافي معطلًا، ويكون قد نفى نظير ما نفاه ذلك.
الوجه السادس عشر: أن يقال: أصل الجهل والضلال والزندقة والنفاق والإلحاد والكفر والتعطيل في هذا الباب، هو ما اشتركت فيه الدهرية والجهمية من التكذيب والنفي والجحود لصفات الله تعالى بلا برهان أصلًا، بل البراهين إذا أعطوها حقها أوجبت ثبوت الصفات، وهم مع اشتراكهم في هذا الأصل الفاسد، افترقوا حينئذ في المناظرة والمخاصمة، كل قوم معهم من الباطل نصيب.
وذلك أن مبدأ حدوث هذا في الإسلام هو مناظرة الجهمية للدهرية، كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مناظرة جهم للسمنية -وهم من الدهرية- حيث أنكروا الصانع، وإن كان
(1/437)

غيرهم من فلاسفة الهند كالبراهمة لا ينكره، بل يقول العالم محدث فعله فاعل مختار، كما يحكي عنهم المتكلمون. وكذلك مناظرة المعتزلة وغيرهم لغير هؤلاء من فلاسفة الروم والفرس وغيرهم من أنواع الدهرية، وكذلك مناظرة بعضهم بعضًا في تقرير الإسلام عليهم، وإحداثهم في الحجج التي سموها أصول الدين ما ظنوا أن دين الإسلام ينبني عليها. وذلك هو أصل علم الكلام الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وذم أصحابه وتجهيلهم، فإن كان كلام السلف والأئمة في ذم الجهمية والمتكلمين لا يحصيه إلا الله تعالى، وأصل ذلك أنهم طلبوا أن يقرروا ما لا ريب فيه عند المسلمين، من أن الله تعالى خلق السموات والأرض، وأن العالم له صانع خالق خلقه، ويردوا على من يزعم أن ذلك قديم: إما واجب بنفسه، وإما معلول علة واجبة بنفسها.
فإن «الدهرية» لهم قولان في ذلك، ولعل أكثر المتكلمين إذا ذكروا قول الدهرية لا يذكرون من الدهرية إلا من ينكر الصانع فيقول: «الدهرية» وهم الذين يقولون بقدم العالم وإنكار الصانع، وعندهم كل من آمن بالصانع فإنه يقول بحدوث العالم، وهذا كما قال طوائف من المتكلمين، كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني: قال في «مسائل التكفير» :
«وجملة الخلاف على ضربين: خلاف مع الخارجين عن الملة المنكرين لكلمة التوحيد وإثبات النبوة -أعني نبوة محمد
(1/438)

صلى الله عليه وسلم- وخلاف مع أهل القبلة المنتسبين إلى الملة. فأما الخلاف مع الخارجين عن الملة فعلى ثلاثة أضرب: خلاف مع المنكرين للصانع والقائلين بقدم العالم، وخلاف مع القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع المنكرين للنبوات أصلًا كالبراهمة، وخلاف مع القائلين ببعض النبوات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم» . فجعل ثبوت الصانع وحدوث العالم قولًا، وإنكار الصانع وقدم العالم قولًا، ولم يذكر قولًا ثالثًا بإثبات الصانع وقدم العالم، لأن ذلك كالمتنافي عند جمهور المتكلمين فلا يجعل قولًا قائمًا بنفسه.
وأما الرازي وأمثاله فيذكرون الدهرية أعم من هذا بحيث أدخلوا فيهم هذا القسم الذي هو قول المشائين -أرسطو وذويه- وقول غيرهم فقال في كتاب «نهاية العقول» : «المسألة الرابعة في تفصيل الكفار، قال: الكفار إما أن يكونوا معترفين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا يكونوا، فإن لم يكن فإما أن يكونوا معترفين بشيء من النبوات وهم اليهود والنصارى وغيرهم، وإما أن لا يعترفوا بذلك، وهم إما أن يكونوا مثبتين للفاعل المختار وهم البراهمة، وإما أن لا يثبتوه وهم الدهرية على اختلاف أصنافهم» وكذلك قول غير هذا مثل ابن الهيصم وأمثاله قالوا: قالت الدهرية من منكري الصانع ومثبتيه: إن العالم على هيئة
(1/439)

ما تراه عليه قد كان لم يزل، إلا أن من أثبت الصانع منهم زعم أنه مصنوع لم يتأخر في الوجود عن صانعه، وإليه ذهب أرسطوطاليس ومن قال بقوله، وقال أهل التوحيد: بل هو مصنوع محدث لم يكن ثم كان.
ولا ريب أن إنكار الصانع بالكلية قول «السمنية» الذين ناظرهم الجهم بن صفوان وغيرهم من الدهرية، وكطوائف غير هؤلاء من الأمم المتقدمة. وأما الدهرية اليونان أتباع أرسطو وذويه ونحوهم فهم مع كونهم دهرية يقرون بأن العالم معلول علة واجبة بنفسها، ولهذا نفق قول هؤلاء على طوائف كثيرة، وصاروا في هذه زنادقة منافقين، وادعوا علم الباطن الذي اختصوا بمعرفته، وزعموا أن ما أظهرته الشرائع لمنفعة الجمهور ونحو ذلك مما ليس هذا موضعه.
والمقصود هنا أن أولئك المتكلمين لما راموا إثبات وجود الصانع وخلق العالم، سلكوا الطريقة التي ابتدعوها من الاستدلال على حدوث الموصوفات، بحدوث صفاتها أو بحدوث صفاتها وأفعالها، وسموا ذلك أجسامًا أو جواهر، وسموا صفاتها وأفعالها أعراضًا، وبنوا الحجة على مقدمتين:
إحداهما: أن الموصوفات لا تخلو عن أعراض حادثة، من صفات وأفعال تعتقب عليها.
(1/440)

والثانية: أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
فاحتجوا في تقرير «المقدمة الأولى» إلى ثبوت الأعراض أو بعضها، وحدوثها أو حدوث بعضها، وأن الأجسام لا تخلو منها أو من بعضها. فتارة يستدلون بما شهدوه من الاجتماع والافتراق، وتارة يقولون: إنه لازم لها من الحركة والسكون -وهذه الأقسام الأربعة هي الأكوان عندهم- وهذه حجة الصفاتية يحتجون بالأكوان، ويقولون: إن الله تعالى لا يوصف بها، وآخرون فيهم لا يحتجون إلا بجواز الاجتماع والافتراق دون الحركة والسكون حتى يستقيم له أن يصف الرب بذلك، ويقول عن هذا الذي لا تخلو الجواهر منه، وهو مبني
(1/441)

على الجوهر الفرد. وتارة يدعي بعضهم حدوث جميع الأعراض زعمًا منه أن العرض لا يبقى زمانين؛ ويدعون مع ذلك بأن كل جسم فلن يخلو عما يمكن قبوله من الأعراض، أو عن ضد. ونشأ بينهم في هذا من المقالات والنزاع ما يطول ذكره.
وأما المقدمة الثانية: فكانت في بادئ الرأي أظهر؛ ولهذا كثير منهم يأخذها مسلمة، فإن ما لا يخلو عن الحادث فهو مقارنه ومجامعه لا يتقدم عليه، وإذا قدر شيئان متقارنان لا يتقدم أحدهما الآخر، وأحدهما حادث كان الآخر حادثًا.
لكن في اللفظ إجمال، فإن هذا القائل: ما لا يخلو عن الحوادث، أو ما لا يسبق الحوادث: فهو حادث، أو ما تعتقب عليه الحوادث فهو حادث ونحو ذلك. له معنيان:
أحدهما: ما لا يخلو عن حوادث معينة لها ابتداء. فلا ريب أن ما تقدم على ما له ابتداء فله ابتداء.
والثاني: أن ما لا يخلو عن جنس الحوادث -بحيث لم يزل قائمًا به ما يكون فعلًا له، كالحركة التي تحدث شيئًا بعد شيء- فهذا لا يعلم أنه حادث، إن لم يعلم أن ذلك الجنس لا يكون
(1/442)

قديمًا، بل يمنع حوادث لا أول لها، وهذه مقدمة مشكلة، بل كلام المتكلمين والفلاسفة فيما يتناهى وفيما لا يتناهى فيه من الاضطراب ما ليس هذا موضعه، فاحتاجوا أن يستدلوا على هذه بأدلة التزموا طردها، فنشأ عن ذلك مذاهب أُخر؛ كنفي التناهي في المستقبل، حتى قال طوائف -منهم الجهم- بوجوب فناء العالم لوجوب تناهيه أولًا وآخرًا، فقال: بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل، بوجوب فناء الحركات، إلى مقالات.
(1/443)

وإن كان طوائف من المصنفين في الكلام لا يتعرضون لهذه المقدمة، بل يرون أن قولهم: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، يكفي في العلم بحدوث ما التزمته الحوادث. وهؤلاء يقولون إن قولنا: حوادث، وقولنا: لا أول لها. مناقضة ظاهرة في اللفظ والمعنى، وأن لفظ كونها حوادث يوجب أن يكون لها أول. وهذه طريقة القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما. وقولهم هذا يشبه قولهم: إن نفي حدوث العالم هو قول نفاة الصانع، ولأجل ما في هذه القضية من الاشتباه خفي عليهم هذا الموضع الذي لا بد من معرفته، وبهذه الطريقة نفوا [أن] يقوم به فعل من الأفعال، فنفوا أن الرب استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويًا، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
(1/444)

الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] فخص الاستواء بكونه بعد خلق السموات والأرض، كما خصه بأنه على العرش، وهذا التخصيص المكاني والزماني، كتخصيص النزول وغيره، إذ أبطلوا بهذه الطريقة أن يكون على العرش مطلقًا، وإن كان كثير ممن يسلك هذه الطريقة يجوز عليه الأفعال الحادثة، فلا يمنع حدوث الاستواء، كما كان كثير ممن ينفي ذلك، يقول باستوائه على العرش مع نفي قيام الفعل به، كما سيأتي مأخذ الناس في هذا.
وإنما الغرض هنا التنبيه على هذه الطريقة: فقال نفاة الصفات -من المعتزلة ونحوهم، والصفاتية المنكرون للأفعال؛ كالكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، وغيرهم، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الأسفراييني، وأبي بكر بن فورك، وغيرهم قالوا-: الجسم محدث، والدلالة على حدوثه أنا وجدنا هذه الأجسام تتغير عليها الأحوال والصفات: فتكون تارة متحركة، وتارة ساكنة، وتارة حية، وتارة ميتة، وكذلك سائر الصفات التي تتجدد عليها، فلا يخلو الجسم من أن يكون انتقل من حال قدم إلى حال قدم، أو من حال حدث إلى حال حدث، أو من حال قدم إلى حال حدث، أو من حال حدث إلى حال قدم، فيستحيل أن يكون متنقلًا من حال قدم إلى حال قدم، لأنه لو كان كذلك استحال خروجه عن تلك الحال، لأن كل حكم
(1/445)

حصل عليه الجسم فيما لم يزل وجب وجوده دائمًا، كوجوب وجوده، فلما لم يصح خروج القديم عن وجوده الأزلي، لأن وجوده ثابت فيما لم يزل، كذلك لا يصح خروجه عن كل حكم كان عليه فيما لم يزل، وفي العلم بأنه ينتقل من المكان الذي فيه ويخرجه عنه، دليل على أنه لم يكن في ذلك المكان فيما لم يزل، لأن كل مكان يشار إليه وكل حال يشار إليه يصح خروجه عنهما، وإذا جاز خروجه عنهما، ثبت أنه لم يكن حاصلًا في ذلك المكان، ولا على تلك الصفة فيما لم يزل، وإن كانت الحالة الأولى لم تكن حالة قدم، فالحالة التي تجددت بعد أن لم تكن، أولى وأحرى أن لا تكون حالة قدم، فثبت بذلك أن الجسم لم يكن موجودًا فيما لم يزل؛ إذ لو كان موجودًا فيما لم يزل، لكان لا بد أن يكون في مكان أو ما يقدر تقدير المكان، ولو كان كذلك لاستحال خروجه عن تلك المحاذاة لما ذكرناه، وإلا نودي إلى حدثه وصح بذلك ما قلناه.
فهذا نظم حجة القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما، وهي حجة مبنية على وجوب الكون للجسم، ووجوب حدوثه، وامتناع حوادث لا أول لها، وهذه حجة أكثرهم.
ومضمونها أن الجسم القديم لا بد له من مكان، فإن كان قديمًا امتنع خروجه عنه، وإن كان حادثًا لزم قيام الحادث به وتعاقب الحوادث عليه، وهي حجة الرازي وغيره في حدوث العالم.
(1/446)

فصل
النصوص قد أخبرت والعقول قد دلت، على ثبوت صفات لله متنوعات له، من العلم والقدرة، والحب والبغض، والسمع والبصر، فإذا كان مع ذلك قد لزم القول بأفعال تقوم بذاته، كما تقوله طوائف من أهل الفلسفة والكلام، مع جماهير أهل الحديث والفقه والتصوف وسلف الأمة، وأن الأفعال متعلقة بمشيئته وقدرته، وقد علم ما دلت عليه النصوص مع أن [في] العقول تنبيهًا عليه، من قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] فإنه إذا كان جملة السموات مقبوضة بيمينه، وقد قال ابن العباس: «ما السموات والسبع والأرضون السبع وما فيهما وما بينهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» وقد علم بالعقل أنه يجب أن يكون أعظم بكل وجه من مخلوقاته ومبتدعاته، إذ كل ما فيها من وجود وكمال، فهو من أثر قدرته ومشيئته فهو أعظم وأكبر، وإذا كان كذلك كانت أفعاله التي
(1/447)

يفعلها بذاته تناسب ذاته، وكانت أعظم وأجل من أن يدرك عقول البشر قدرها، وإذا كان من المعلوم أن حدوث هذه المتكونات من استحالة العناصر والمولدات أعظم نسبة إلى الفلك من الخردلة إلى الإنسان العظيم -إذ في الإنسان من قدر الخردل أكثر مما في الفلك من قدر العناصر والمولدات- فنسبة الأفلاك وما فيها إلى الرب تعالى دون نسبة حوادثها المتكونة إلى الفلك، فإذا جاز أن تكون هذه محدثة بحركة مشهودة حادثة في الفلك، فحدوث الفلك وما فيه لفعل يفعله الرب أولى بالجواز؛ وأبعد عن الامتناع -وله المثل الأعلى- هذا مع أن هذه المحدثات إنما هي منسوبة عندهم إلى فيض العقل الفعال، مع إعداد حركات جميع الأفلاك للقوابل، وحينئذ فتكون نسبة المحدثات إلى ذلك نسبة كَثْرة، أعظم من نسبة الخردلة إلى الإنسان بكثير. ولهذا يظهر ذلك للعباد في المعاد، إذا قبض الجبار الأرض بيده وطوى السموات بيمينه ثم هزهن وقال: «أنا الملك أين ملوك الأرض؟» «أين الجبارون؟، أين المتكبرون؟» .
(1/448)

وإنما يعظم على الجهال من المتفلسفة، وأمثالهم وأشباههم، تقدير حدوث العالم وتغيره، لأنهم لم يقدروا الله حق قدره، وكان ينبغي كلما شهدوه من عظم العالم وقدره يدلهم على قدر مبدعه؛ لكن لما ضل من ضل منهم لم يثبت لخالقه ومبدعه وجودًا مطلقًا لا ينطبق إلا على العدم، وإن أثبت له نوعًا من الخصائص الكلية، فهي أيضًا لا تمنع أنه إنما يطابق العدم، ولهذا كان هؤلاء من الدهرية المعطلة نظيرًا للصفاتية الذين لا يثبتون حقيقة الذات المباينة للعالم، فإن حقيقة قولهم يعود إلى قول معطلة الصفات أيضًا.
وإذا كان الأمر كذلك فيقال لمن يلتزم منهم نفي الصانع ويقول: أنا أقول إنه قديم واجب بنفسه، لئلا يلزمني هذا المحذور الذي ذكرتموه في صدوره عن فاعل قديم -كما قد يقوله بعض الصفاتية إذا ضاقت عليهم الحجج في مسألة العرش والقرآن، والرؤية وغيرها نحن نلتزم قول المعتزلة بنفي الصفات مطلقًا- فإنه يقال لهذا الدهري إذا كنت تجوز في عقلك وجود هذه الأفلاك قديمة أزلية واجبة الوجود أو حادثة بذاتها، فإنها إذا لم تكن مفعولة لغيرها، فإما أن تكون قديمة بنفسها أو حادثة بنفسها، فإذا جوزت ذلك بلا زمان ولا مكان، ولا من مادة
(1/449)

ولا عن خالق، لأن في إثبات الخالق، إثبات صدور عن فاعل قديم أو حدوثها عنه بلا زمان ولا مكان ولا من مادة، وهذا خلاف ما يشهد من صدور الأجسام عن غيرها أو حدوثها، فإن تجويز وجوبها بنفسها وقدمها، أو حدوثها بنفسها بلا فاعل، أبعد عن المشهود والمحسوس والمعقول، من صدورها عن فاعل بلا مادة ولا مكان ولا من زمان؛ فإن المشهودات صادرة في مكان وزمان، ومن مادة، وعن فاعل في الجملة، وإن سميتموه طبيعة أو قوى فلكية أو غير ذلك، فإنكم لا يمكنكم إنكار الأسباب الحادثة المحسوسة، فإذا جوزتم وجود ذلك في غير زمان ولا مكان ولا من مادة ولا بفاعل، كان ذلك أبعد عن المحسوس والمعقول مما فررتم منه، وإذا قلتم ذلك قديم واجب الوجود بنفسه، كان ما يلزمكم في هذا من المحذورات أعظم بكثير، مما يلزمكم من الاعتراف بصانع لها قديم واجب الوجود، فإنكم مهما أوردتموه في ثبوته حينئذ من كونه يستلزم أن يكون محلًّا للصفات والأفعال ونحو ذلك، فإن ذلك يلزمكم أعظم منه إذا قلتم: بأن الأفلاك قديمة واجبة الوجود بنفسها، وإن قدر أن قائلًا يقول: إنها حدثت بأنفسها. فهذا أعظم إحالة. وهذا مما ينبغي التفطن له، فكل ما يقوله الدهرية من نفاة
(1/450)

الصانع ومن مثبتيه من الشبهة النافية لوجوده أو لفعله، فإنه يلزمهم أعظم منه على قولهم: بأن العالم قديم واجب الوجود بنفسه، مستغن عن صانع، وقولهم: بأنه معلول عن علة موجبة. فتدبر هذا.
وأصل ذلك أن الله ليس كمثله شيء، لا في نفسه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا مفعولاته؛ فإذا رام الإنسان أن ينفي شيئًا ما يستحقه، لعدم نظيره في الشاهد، كان ما يثبته بدون الذي نفاه أبعد عن المشهود: مثل أن يثبت الصفات بلا حقيقة الذات، أو الذات بلا صفات، أو يثبتهما بدون فعل يقوم بنفسه؛ أو يثبت ذلك لازمًا لذاته، أو يقول: إن هذا المحسوس هو القديم الواجب الوجود بنفسه، أو يقول حدث بنفسه. فكل هذه المقالات النافية يلزم كل قول منها من المعارضات أعظم مما أورده هو على أقوال المثبتين، فلا خلاص عنها بحال، إذ الوجود مشهود محسوس، ولا يخلو إما أن يكون قديمًا واجبًا بنفسه، أو محدثًَا بإحداث غيره، وممكنًا ومفتقرًا إلى واجب بنفسه، وإذا كان لا بد من الاعتراف بالوجود القديم الواجب، وكان من نفي الرب الصانع الخالق السموات والأرض لشبهة يذكرها، يلزمه مع هذا هي، وما هو أعظم منها، علم أن كل ما يذكره النفاة من الشبهة النافية للرب أو صفاته أو أفعاله حجج باطلة متناقضة؛ إذ كان يلزم من صحتها نفي الوجود بالكلية، وما استلزم نفي
(1/451)

الوجود بالكلية علم أنه باطل.
وهذا المقصود هنا، وهو أن كل ما يحتج به في إثبات قدم العالم، بل وفي نفي الصفات، يلزم صاحبه أعظم مما فر منه، حتى يؤول به الأمر إلى أن ينكر الوجود بالكلية، أو يعترف ببطلان قوله، وببطلان كل ما يدل على قوله، وهذا موجود في عامة الدين، مما أمر الله به من اعتقاد أو قول أو قصد وعمل، ومن ترك شيئًا من ذلك إلى غيره خوفًا مما ترك، كان في الذي فر إليه أعظم من ذلك المخوف، وإن كان رغبة فيما فر إليه، كان ما فاته أعظم مما حصل له، بل يعاقبون بأعظم من ذلك، وقد قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) } [الفرقان: 33] فأخبر أن المشركين لا يأتون بقياس -وأقيستهم من الباطل- إلا أتى الله بما هو الحق، بكلام وقياس أحسن تفسيرًا، بحيث يكون بيانه ودلالته للمطلوب أبين وأوضح وأجلى، وأقرب إلى الأمور البديهية الجلية، فهذا في جانب الحق.
وأما في عقوبة المبطل، فإن المبطلين رئيسهم من الجن إبليس، وأعظم رؤسائهم في الإنس فرعون، وإبليس ترك طاعة الله تعالى وعبادته، في السجود لآدم حذرًا من نقص مرتبته بفضل آدم عليه السلام، فأداه ذلك إلى أن رضي بأن صار بأخس المراتب، وباع آخرته بدنيا غيره، كأخس القوادين، فإنه يهلك
(1/452)

نفسه في إغواء بني آدم بتحسين شهوات الغي لهم، يتلذذون بالشهوات التي لا يلتذ هو بها، ثم إنهم قد يتوبون فيغفر لهم، وهو قد خسر وهلك من غير فائدة، مع أنه ليس بين كونه تابعًا لهؤلاء في إرادتهم الخسيسة، وكونه تابعًا لربه فيما أراد به، من السجود لآدم نسبة في الشرف والرفعة، كما في الحديث الذي رواه الترمذي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الشيطان: وعزتك لأغوين بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم، فقال: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأغفرن لهم ما استغفروني» .
وهكذا فرعون استكبر أن يعبد رب السموات والأرض، خوفًا من سقوط رياسته، ثم رضي لنفسه أن يعبد آلهة له قد صنعها هو، وهكذا تجد كل أهل المقالات الباطلة وأهل الأعمال الفاسدة، وإبليس إمام هؤلاء كلهم، فإنه اتبع قياسه الفاسد
(1/453)

المخالف للنص، واتبع هواه في استكباره عن طاعة ربه تعالى.
فكل من اتبع الظن وما تهوى الأنفس، وترك اتباع الهدى ودين الحق، الذي بينه الله تعالى، وأمر به في كتبه، وعلى ألسن رسله، وفطر عليه عباده، وضرب له الأمثال المشهودة والمسموعة، فهو متبع لإبليس في هذا، له نصيب من قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) } [ص: 85] كما قال محمد بن سيرين: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نعت القرآن: «من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله
(1/454)

الله» وقد قال تعالى لما أهبط آدم: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه: 123-124] فأخبر أن من اتبع هداه الذي جاء من عنده، فإنه لا يضل ولايشقى، كما قال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [البقرة: 1-5] فإن الهدى ضد الضلالة، والفلاح ضد الشقاء، وقد قال من قال من السلف: (المفلحون) الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من ما منه هربوا.
ولهذا أمرنا أن نقول في كل صلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ
(1/455)

الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 6-7] فإن المغضوب عليهم هم أهل الشقاء. والضالون أهل الضلال. وهم الذين اتبعوا هداه فلم يضلوا ولم يشقوا، بل أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون، وقال أيضًا: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) } [القمر: 47] و «السعر» من أعظم الشقاء. وهذا باب واسع.
وإنما المقصود هنا التنبيه على هذا الأصل، وهو أن من أعرض عن هدى الله علمًا وعملًا، فإنه لا يحصل له مطلوب ولا ينجو من مرهوب، بل يلحقه من المرهوب أعظم مما فر منه، ويفوته من المطلوب أعظم مما رغب فيه. وأما المتبعون لهداه فإنهم على هدى من ربهم، وهم المفلحون الذين أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب.
وهذا الذي شهد الله تعالى به في كتابه -وكفى به شهيدًا- قد يرى العباد آيته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، فتتفق عليه الأدلة المسموعة والمشهودة -[التي] هي أصل العلوم الضرورية والنظرية القياسية التي ينتحلها أهل النظر وأهل الذوق- فتكون الأدلة الحسية والضرورية والقياسية موافقة للأدلة السمعية، من الكتاب والسنة وإجماع المؤمنين، والمخالفون لهذا مخالفون لهذا، وإن ادعوا في الأول من
(1/456)

الأقيسة العقلية، وفي الثاني من التأويلات السمعية، ما إذا تأمله اللبيب، وجد مآلهم في تلك الأقيسة العقلية، إلى السفسطة، التي هي: جحود الحقائق الموجودة بالتمويه والتلبيس، ومآلهم في تلك التأويلات إلى القرمطة؛ التي هي: تحريف الكلم عن مواضعه، وإفساد الشرع واللغة والعقل، بالتمويه والتلبيس وهذا أيضًا سفسطة في الشرعيات، وسمي قرمطة؛ لأن القرامطة هم أشهر الناس بادعاء علم الباطن المخالف للظاهر، ودعوى التأويلات الباطنة، المخالفة للظاهر المعلوم المعقول من الكتاب والسنة، والله يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين، لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ولما كان مآل هؤلاء إلى السفسطة؛ التي هي جحود الحقائق وجحود الخالق، وكان لا بد لهم من النفاق، كان تنبيه من نبَّه من الأئمة، كمالك وأحمد وأبي يوسف وغيرهم، على أن كلام هؤلاء جهل، وأن مآله إلى الزندقة: كقول أحمد: علماء الكلام زنادقة، وقول أبي يوسف ويروى عن مالك: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس،
(1/457)

ومن طلب غريب الحديث كذب، وقول الشافعي: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.
ولما كان الرد إلى ما جاءت به الرسل، يؤول بأصحابه إلى الهدى والصلاح، قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .
ثم قال هذا الفيلسوف: «وهذا كله مع أن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر الشرع؛ فإن ظاهر الشرع إذا تصفح ظهر من الآيات الواردة في الإنباء عن إيجاد العالم أن صورته محدثة بالحقيقة، وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين -أعني غير منقطع- وذلك أن قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: 7] يقتضي بظاهره أن وجودًا قبل هذا الوجود وهو العرش والماء، وزمانًا قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود، الذي هو عدد حركة الفلك، وقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} [إبراهيم: 48] يقتضي أيضًا بظاهره أن وجودًا ثانيًا
(1/458)

بعد هذا الوجود، وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] يقتضي بظاهره أن السماء خلقت من شيء، والمتكلمون ليسوا في قولهم أيضًا في العالم على ظاهر الشرع، بل يتأولون، فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجودًا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه أيضًا أبدًا؛ فكيف يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد عليه، والظاهر الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به فرقة من الحكماء» .
قلت: لم يقل أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، إن هذه السموات والأرض خلقتا وحدثتا من غير أن يتقدمها مخلوق، وهذا وإن كان يظنه طائفة من أهل الكلام، أو يستدلون عليه فهذا قول باطل؛ فإن الله أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن أهل اليمن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أول هذا الأمر فقال:
(1/459)

«كان الله ولم يكن شيء غيره» وفي رواية في البخاري «ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض» وفي رواية: «ثم كتب في الذكر كل شيء؛ ثم خلق السموات والأرض» وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وكان عرشه على الماء» وقد بسطنا هذا فيما سيأتي لما احتج المؤسس بحديث عمران هذا؛ وذكر المخلوقات التي أخبر بابتدائها القرآن وإعادتها وما يتعلق بذلك.
(1/460)

وكذلك لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها، أن السموات والأرض لم تخلقا من مادة، بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة وفي مدة، كما دل عليه القرآن، قال الله تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9-12] وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } [البقرة: 29] .
وهذا الذي يذكره كثير من أهل الكلام، الجهمية، ونحوهم في الابتداء، نظير ما يذكرونه في الانتهاء، من أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار، أو الحركات، أو ينكرون وجود النفس وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون: إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن الروح عرض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض، وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها.
(1/461)

لكن يقال لهؤلاء الفلاسفة: لا ريب أنكم أنتم وهؤلاء، كلاكما مخالفون لما نطقت به الكتب الإلهية، كما أنكم مخالفون لصرائح المعقولات، ومن وافق ظالمًا في ظلمه، كان جزاؤه أن يقال له: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 39] وأنت قد اعترفت أن الأخبار الإلهية ناطقة بأن صورة العالم -أي صورة السموات والأرض- محدثة.
وأما قولك: «إن ظاهر الشرع أن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين» فليس في القرآن ما يدل ظاهره على أن وجودًا غير وجود الله، أو زمانًا موجودًا خارجًا عنه، هو مقارن لوجوده، وما ذكرته إنما يدل على أن العرش، كان قبل السموات وهذا حق، لكن ليس فيه أن وجود العرش أزلي، وقد جاء ذكر خلقه في الأحاديث كحديث أبي رزين الآتي ذكره، مع ما في القرآن من أنه رب العرش، وأمثال ذلك، وكذلك ما فيه من ذكر زمان قبل هذا الزمن، المتعلق بحركة الفلك، لا يدل على أن ذلك قديم أزلي مقارن لوجود الله تعالى، وكذلك ما فيه من ذكر مادة لخلق السموات والأرض لا يقتضي أن تلك المادة قديمة أزلية، هذا مع ما في القرآن من أنه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] في غير موضع، و {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]
(1/462)

ولفظ «الخلق» ينافي ما يذكرونه من لزوم العالم له، كلزوم الصفة للموصوف.
وحديث أبي رزين، رواه أحمد والترمذي وغيره، قال الترمذي في كتاب التفسير، في تفسير «سورة هود» لأجل تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] ثنا أحمد بن منيع، قال ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رزين، قال، قلت يارسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: «كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء» قال أحمد بن منيع، قال يزيد بن هارون: «العماء» أي ليس معه شيء.
(1/463)

فهذا الحديث فيه بيان أنه خلق العرش المخلوق قبل السموات والأرض، وأما قوله: «في عماء» فعلى ما ذكره يزيد بن هارون، ورواه عنه أحمد بن منيع، وقرره الترمذي، في أن معناه: ليس معه شيء، فيكون فيه دلالة على أن الله تعالى كان وليس معه شيء، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم لو دل على وجود موجود على قول من يفسر (العماء) بالسحاب الرقيق لم يكن في ذلك دليل على قول الدهرية، بقدم ما ادعوا قدمه، ولا بأن مادة السموات والأرض ليستا مبتدعتين، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه بابتداء الخلق الذي يعيده، كما قال: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27] وأخبر بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير موضع، وجاءت بذلك الأحاديث الكثيرة، وأخبر أيضًا أنه يغير هذه المخلوقات في مثل قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] وقوله تعالى: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) } [الأنبياء: 103-104] ومن المعلوم أنه لم يتعقب الإعادة عدمه، كما لم يتقدم ابتداء خلق السموات والأرض العدم المطلق، وفي قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) }
(1/464)

[الانشقاق: 1-2] وقوله: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) } [الانفطار: 1] وقوله {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِن دَافِعٍ (8) } [الطور: 7-8] وقوله: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) } [الطور: 9-10] وقال: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) } [الرحمن: 37] وقال تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) } [المعارج: 8-9] وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) } [الفرقان: 25-26] وقال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18) } [الحاقة: 13-18] فأخبر في هذه الآيات، أن الخلق الذي ابتدأه وخلقه في ستة أيام يعيده ويقيم القيامة، وقد أخبر أنه خلقه من مادة وفي مدة، وأنه إذا أعاده لم يعدمه، بل يحيله إلى مادة أخرى، وفي مدة.
وأما «العرش» فلم يكن داخلًا فيما خلقه في الأيام الستة، ولا فيما يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على ما دل عليه القرآن من بقاء العرش، وقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن، سقفها عرش الرحمن، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن» . وقال تعالى لما أخبر بالقيامة: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ
(1/465)

قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر، واللفظ لمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟» وفي الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: «جاء حبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد -أو يا أبا القاسم- إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن، ويقول: أنا الملك أنا
(1/466)

الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبًا مما قال، وتصديقًا له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } [الزمر: 67] وفي الصحيحين أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلًا لأهل الجنة، قال: فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة. قال: بلى، قال تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه فقال: ألا أخبرك بإدامهم. قال: بلى، قال: إدامهم بالام ونون، قالوا ما هذا: قال: ثور، ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا» وفي
(1/467)

الصحيحين عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة، على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس بها علم لأحد» ، وفي الصحيحين عن عائشة قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: على الصراط» .
(1/468)

ثم إنه سبحانه وتعالى لما أخبر بقبضه الأرض، وطيه للسموات بيمينه، ذكر نفخ الصور، وصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله، ثم ذكر النفخة الثانية، التي يقومون بها، وذكر أنه تشرق الأرض بنور ربها، وأنه يوضع الكتاب، ويجاء بالنبيين والشهداء، وأنه توفى كل نفس ما عملت، وذكر سوق الكفار إلى النار، وذكر سوق المؤمنين إلى الجنة، إلى قوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) } [الزمر: 74-75] ولم يكن العرش داخلًا فيما يقبض ويطوي ويبدل ويغير، كما قال في الآية: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) } [الحاقة: 14-17] .
ثم أخبر ببقاء الجنة والنار بقاءً مطلقًا، ولم يخبرنا بتفصيل ما سيكون بعد ذلك، بل إنما وقع التفصيل إلى قيام
(1/469)

القيامة، واستقرار الفريقين في الجنة والنار، وذكر ما فيهما من الثواب والعقاب، وقد أجمل من ذلك ما لا نعلمه على التفصيل كقوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) } [السجدة: 17] وقوله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» فكان الذي أخبرنا به مفصلًا، ما لنا حاجة ومنفعة بمعرفته مفصلًا، وما سوى ذلك فوقع الخبر به مجملًا، إذ يمتنع أن نعلم كل ما كان وسيكون مفصلًا، وهذا كما أنه أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء والكتب عمومًا، وقد فصل لنا من أخبار الأنبياء، وأمر كتبهم وقصصهم، وأمر الملائكة ما فصله، والثاني أجمله كما قال: {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) } [الفرقان: 35-39] وأمثال هذا.
فلما وقع التفصيل في خلق السموات والأرض وما بينهما، وفي القيامة التي تستحيل فيها السموات والأرض وما بينهما، لم يكن العرش داخلًا في ذلك، بل أخبر ببقائه بعد تغير السموات
(1/470)

والأرض، كما أخبر بكونه قبل السموات والأرض خبرًا مطلقًا، وأخبر في غير موضع أنه ربه وصاحبه، تمييزًا له من السموات والأرض، كقوله: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) } [المؤمنون: 86-87] وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» وقال عن أهل سبأ: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) }
(1/471)

[النمل: 25-26] وذكر نفسه بأنه ذو العرش في غير موضع، كقوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) } [البروج: 14-15] وقوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) } [الإسراء: 42] وقوله: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] فهذا كله يبين أن العرش له شأن آخر.
كما أن الروح خصه من بين الملائكة في مثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) } [المعارج: 4] وفي قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) } [النبأ: 38] وفي قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ} [القدر: 4-5] مع العلم أن ذلك جميعه مخلوق لله مملوك له، وأنه رب ذلك كله، وهم عباده.
وليس فيما سكت عن الإخبار بتفصيله، ما ينافي ما علم مجملًا، وما أخبر به مفصلًا، كما ذكر البخاري، عن سليمان التيمي، أنه قال: «لو قيل لي: أين الله؟ لقلت: في السماء، فلو قيل لي: أين كان قبل أن يخلق السماء؟ لقلت: على عرشه على الماء، فلو قيل لي: أين كان قبل ذلك؟ لقلت: لا أدري.
(1/472)

قال البخاري: وذلك لقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] يعني بما بين» .
فأما قول الدهرية: بأن السموات لم تزل على ما هي عليه، ولا تزال، فهذا تكذيب صريح وكفر بين بما في القرآن، وما اتفق عليه أهل الإيمان، وعلموه بالاضطرار أن الرسل أخبروا به. وكذلك قول الجهمية أو من يقول منهم: إن السموات والأرض خلقتا من غير مادة ولا في مدة وأنهما يفنيان أو يعدمان، أو أن الجنة تفنى أيضًا، كل ذلك مخالف لنصوص القرآن، ولهذا كفَّر السلف هؤلاء، وإن كان كُفْرُ الأولين أظهر وأبين، لكن لم تكن الدهرية تتظاهر بقوله في زمن السلف، كما تظاهرت الجهمية بذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك عند احتجاج المؤسس على نفي العلو بقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3] كما احتج بها الجهمية قبله.
والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات.
(1/473)

ولفظ «العالم» ليس في القرآن، ولا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين، وإنما الموجود لفظ (العالمين) وفيه العموم، كقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } [الفاتحة: 2] وقد يقال: فيه خصوص، كقوله: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) } [الجاثية: 16] وقوله: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) } [آل عمران: 42] وقوله تعالى: {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) } [الأعراف: 80] عند من يجعل ذلك المراد به الآدميون أو أهل عصرهم.
وكذلك لفظ «الخلق» هو معرف باللام، ففيه عموم، وقد ينصرف إلى المعهود، الذي هو أخص من جملة المخلوقات كقوله في حديث خلق آدم: «فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» وفي الحديث المتقدم ذلك، وكذلك قوله في حديث الخلق: «وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل» .
(1/474)

والله سبحانه وتعالى أعلم.
والمقصود هنا التنبيه على فساد حجج الدهرية، المعطلة للصانع تعالى، وتناقضها، ومشاركة الجهمية لهم في بعض أصولهم الفاسدة، مع حجج الدهرية المثبتة له أيضًا.
وقد تقدم ما ذكره أبو المعالي من أن شبه الدهرية لحصرها أربعة أقسام:
أحدها: تعرضهم للقدح في الدليل الذي ذكره أبو المعالي، دليل المعتزلة ومن اتبعهم من المتكلمين الذي استدلوا به على حدوث الأجسام -دليل الأعراض- ونحن قد ذكرنا في غير هذا الموضع كلام أئمة المسلمين في هذه الطريقة: تحريمًا، وكراهة وإبطالًا.
قال: «والقسم الثاني يتعلق بالتعرض لنفي الصانع، ولهم في ذلك طريقان:
أحدهما: أن إثبات قائم بنفسه يتقدس عن الجهات المحاذيات غير معقول.
والثاني: يتعلق بالتعديل والتجويز، والحكم بأن الحكيم
(1/475)

لا يفعل الفعل إلا لغرض، والغرض ما له الضر والنفع، وذلك يستحيل على القديم» .
قلت: هاتان أيضًا كلامهم فيهما مع المعتزلة في الأصل، فإنهم جهمية أثبتوه بالصفات السلبية، وهم أيضًا قدرية، ثم انتقلت هذه الحجة إلى المرجئة، فجاوبوهم في المقدمة الثانية ببعض جواب المعتزلة، وأجابوهم في الصفات بجواب يقال: إنه متناقض.
قال أبو المعالي: «والقسم الثالث يشتمل على الاستشهادات بالشاهد على الغائب من غير رعاية وجه في الجمع بينهما» .
قال: «والقسم الرابع من كلامهم يشتمل على ضروب من التمويهات» .
قلت: قد نبهنا على القسم الثالث، والمقصود هنا القسم الثاني، فإنه الذي ذكروا فيه نفي الصانع، وهو أعظم كلامهم؛ والحجة العظمى التي عول عليها ابن الراوندي المصنف «كتاب التاج في قدم العالم» ومحمد بن زكريا المتطبب، فيما صنفه
(1/476)

في ذلك حيث قال بالقدماء الخمسة، والاحتجاج بها على قدم العالم: تارة مع الإقرار بالعلة الموجبة، وتارة مع عدم ذلك.
فأما الأول فقالوا: لو كان العالم محدثًا لكان محدثه فاعلًا مختارًا، وهو محال لوجهين:
أحدهما: أن ذلك الاختيار إما أن يكون لغرض أو لا يكون، فإن كان لغرض فهو باطل لأمرين:
أحدهما: أنه يجب أن يكون وجود ذلك الغرض أولى به من عدمه، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان وجوده أولى به، كان مستكملًا بخلق العالم وهو محال.
فإن قيل: هو فعله لا لغرض يعود إليه، بل لغرض يعود إلى غيره، وهو الإحسان إلى الغير، وهذا يدفع المحذور.
قيل: الإحسان إلى الغير، إما أن يكون بالنسبة إلى ذاته أولى من تركه، وإما أن لا يكون، فإن كان مساويًا لم يكن غرضًا، وإن لم يكن مساويًا عاد المحذور.
الثاني: أن من فعل لغرض غيره، كان الفاعل دون
(1/477)

المفعول، كالخادم والمخدوم، ومن الممتنع أن يكون غير الله أشرف منه، فيمتنع أن يفعل لغرض غيره.
وإن قيل: إنه فعل العالم لا لغرض، كان عابثًا، والعبث على الحكيم محال؛ ولأنه يكون ترجيحًا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح، وهو محال.
الوجه الثاني: أنه لو فعل بالاختيار فإما أن يجوز منه فعل القبيح أو لا يجوز. وإن شئت قلت: فإما أن يجوز عليه فعل كل شيء، وإما أن يكون متنزهًا عن بعض الأفعال. فإن قيل: إنه يجوز أن يصدر منه فعل القبيح، لم يؤمن من تصديق المتنبئين الكذابين بالمعجزات، ولم يؤمن أيضًا الخبر المخالف لمخبره، فإن الكذب وتصديق الكاذب قبيح، وتجويز ذلك يبطل النبوات وأخبار المعاد، وهذا تبطل بهما الملل.
وإن قيل: أنه لا يفعل القبيح، وهذا قبيح.
الثاني: أن العالم مملوء طافح بالشرور والآفات، وأنواع الألم والعقوبات، والقول بالغرض باطل، وإذا بطل القسمان بطل القول بالفاعل المختار.
وأما الاحتجاج بها على نفي الصانع مطلقًا فأن يقال: إن
(1/478)

كان موجبًا بذاته لزم قدم المفعولات، وهو خلاف المحسوس؛ لأن الموجب لفعل المحدث الذي هو علة تامة، إن كان موجودًا في الأزل لزم قدم المحدثات، وإن لم يكن موجودًا فصدوره بعد أن لم يكن يحتاج إلى سبب حادث، والقول فيه كالقول في غيره من الحوادث، فيمتنع حدوث محدث عن موجب بذاته، وإن كان فاعلًا باختياره عادت الحجة المتقدمة.
وهذه الحجة لما كان أصلها هو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؟ وهي «مسألة القدر» ظهر بها ما كان السلف يقولونه: إن الكلام في القدر هو «أبو جاد الزندقة» ، وعلم بذلك حكمة نهيه صلى الله عليه وسلم لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم قال لهم: «بهذا هلكت الأمم قبلكم، أن تضربوا
(1/479)

كتاب الله بعضه ببعض» ، وعن هذا نشأ مذهب المجوس والقدرية، -مجوس هذه الأمة- حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهم فروع تلك الحجة.
ثم إن الدهرية ظنوا أنهم بالقول بقدم العالم، ينجون من هذه الشبهات، وكان الذي وقعوا فيه شرًّا مما وقعت فيه المجوس والقدرية، ولهذا كان المشركون والصابئون القائلون بقدم العالم، ومن معهم من الفلاسفة شرًّا من المجوس، ومن معهم من القدرية والمعتزلة وغيرهم.
(1/480)

والمقصود بيان هذا، يقال لهم: لا ريب في هذا الوجود المشهود، المستلزم لوجود الموجود القديم الواجب، فإن نفس الوجود يستلزم موجودًا قديمًا، واجبًا بنفسه إذ كل موجود فإما أن يكون واجبًا قديمًا أو يكون محدثًا أو ممكنًا. والمحدث لا بد له من محدث، والممكن لا بد له من واجب. وهذا مما لا ينازع فيه أحد من بني آدم؛ وإنما الدهرية تقول: هذا العالم قديم واجب بنفسه، أو يقولون: هو معلول علة قديمة واجبة بنفسها. فيقال لهؤلاء: إن قلتم إن هذا العالم واجب الوجود بنفسه قديم، لزمكم هذه المحالات وأضعافها، فإنه يقال لكم: لأي سبب تحرك الفلك الأعلى وغيره من الأفلاك، ولم حصلت هذه الاستحالات؟ فإن هذه أمور حادثة بعد أن لم تكن، وهي ممكنة قطعًا، فالمحدث لها سواء كان الفلك أو غيره، الذي قد قدر أنه قديم واجب الوجود بنفسه، إن أحدثها لغرض، لزم أن يكون مستكملًا بها، والتقدير أنه قديم واجب الوجود بنفسه، فقد لزمكم أن يكون القديم الواجب الوجود بنفسه مستكملًا بغيره، وهذا هو المحال الذي فررتم منه، فقد وقعتم فيه، مع ما في ذلك من المحالات اللازمة على هذا التقدير، مثل امتناع كون الفلك الأعلى، هو المحدث لجميع الحركات وغير ذلك، حتى لو قدر في كل فلك متحرك، أنه قديم واجب الوجود
(1/481)

بنفسه، كان هذا السؤال قائمًا فيه، وفي حركاته الحادثة بعد أن لم تكن. وكذلك إن قالوا: تحرك لأجل العناية بالسافلات، لزم أن يكون الأعلى خادمًا للأدنى، وأن تكون هذه الغاية أعلى من الفاعل، الذي هو أشرف منها، وهو متناقض.
وإن فرض أن قائلًا يقول، أو يخطر له: إن الفلك ليس بقديم واجب بنفسه، ولا معلول علة قديمة، بل يقول: حدث بنفسه، بعد أن لم يكن، وهذا لا نعلم به قائلًا، وقد ذكر أرباب المقالات، أنهم لم يعلموا به قائلًا، لكن هو مما يخطر بالقلب ويوسوس به الشيطان.
فيقال: هذا الوجود المشهود، إما أن يكون موجودًا بنفسه، وإما أن لا يكون. وإذا كان موجودًا بنفسه، فإما أن يكون قديمًا
(1/482)

-وهو القسم الذي تقدم بيان تناقض أصحابه- وإما أن يكون محدثًا بنفسه، فيقال: هذا القول أظهر فسادًا وتناقضًا؛ فإنه من المعلوم بالفطرة البديهية، أن المحدث قبل أن لم يكن، لا يتصور أن يحدث عن غير محدث، ولا أن يحدث نفسه. فلا يكون الشيء صانعًا لنفسه، لا مصنوعًا لنفسه، ولا يكون أيضًا علة غائية لنفسه، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } [الطور: 35] قالوا: من غير خالق لهم، قال جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية في صلاة المغرب أحسست بفؤادي قد انصدع. وقد تكلمنا عن هذه الآية في غير هذا الموضع، بين سبحانه باستفهام الإنكار الذي يتضمن أن الأمر المنكر من العلوم المستقرة، الملازمة للمخاطب، التي ينكر على من جحدها؛ لأنه سفسط بجحد العلوم البديهية الفطرية
(1/483)

الضرورية؛ فإنه من المعلوم أن ما حدث لا يكون من غير محدث أحدثه، ولا يكون هو حدث بنفسه، فقال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } [الطور: 35] وهذا يستلزم الجمع بين النقيضين وغيره من المحالات.
وإن كانت إحالته في العقل، من أظهر العلوم الضروريات؛ فإن كونه فاعلًا لنفسه، يقتضي أن يكون وجوده قبلها، وكونها مفعولة، يقتضي أن يكون وجوده بعد نفسه، فيجب أن تكون نفسه موجودة معدومة في آن واحد.
والمقصود هنا تباين تناقض حججهم، وأن الذي يقولونه فيه من المحذور أعظم مما فروا منه.
فيقال: إذا قدر أنه حدث بنفسه، بلا محدث، بل عن العدم المحض، فمعلوم أن هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة، من أبعد الأشياء، عن الأمور الموجودة المحسوسة وعن القياس العقلي، فمن جوز أن يكون هذا الوجود صدر عن عدم محض، فصدوره عن علة موجبة لا تستلزم وجود المعلول، أقرب إلى العقل وأبعد عن المحذور، وهو الذي فروا منه، لأن أكثر ما في هذا، أنه تكون العلة التامة قد تخلف عنها معلولها، أو وجد المعلول عن علة ليست تامة، ومن المعلوم أن صدوره لا عن شيء، أعظم امتناعًا وفسادًا من صدوره عن علة ليست تامة، ومن المعلوم أن العلة التامة بلا معلول، أقل فسادًا وامتناعًا، من وجود المحدث لا من علة أصلًا؛ فإن المعلول إما
(1/484)

محدث، وإما قديم، ومعلوم بالعقل أن حاجة المعلول المحدث إلى العلة، أظهر من حاجة المعلول القديم، ووجود المعلول بلا علة، أبعد في العقل من وجود العلة بلا معلول، فإذا جوزتم صدور المحدث بلا علة ولا محدث، كان تجويز وجود العلة التامة، مع تأخير معلولها أقرب في العقل وأبعد عن المحال.
وكذلك أيضًا إذا جوزتم صدوره عن العدم، فصدوره عن فاعل مستكمل بفعله، أو فاعل بفعل لا لغرض، أقرب في العقل وأبعد عن المحال مما جوزتموه؛ فإن هذا غايته أن يكون أحدثه فاعل ناقص أو عابث، وبكل حال فهذا أقل امتناعًا من أن يكون حدث لا عن شيء.
وبالجملة فافتقار المحدَث إلى المحدِث، من أبدَه العلوم وأوضح المعارف، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء، وأي قول قيل، كان أقرب إلى العقل وأبعد عن المحال من هذا، فإذا قرر هذا القول، ظهر أن المحال الذي فيه، أعظم من المحال الذي يلزم غيره، ولهذا لم نكثر تقرير هذا القول، وإنما تكلمنا على ما قال به قائلون -وهم الدهرية القائلون بقدم العالم، إما واجبًا بنفسه، وإما واجبًا بعلته- فهؤلاء إذا ظهر تناقض قولهم، كان تناقض ذلك القول أظهر. وقد ذكرنا بعض تناقضهم.
ويقال لهم أيضًا: هذه الكمالات الحاصلة للفلك، بإحداث ما يحدثه من الحركات، إن كانت مقدورة له في الأزل فلم أخرها؟ وإن كانت غير مقدورة له، فقد أثبتموه عاجزًا عن غير
(1/485)

ما فعل من الإحداث! فإذا أقررتم بخلق الفلك، لم يلزمكم في إثباته أكثر من هذا -وهو أن يكون مستكملًا بما يحدثه من الأفعال، وأن يكون وجود تلك الأفعال في الأزل ممكنًا- وغاية ما يلتزمونه من قيام أفعال حادثة بذاته، أو من كونه جسمًا، أو غير ذلك: فإن هذا كله لازم لكم، إذا قلتم بأن الفلك قديم واجب الوجود. فإذا كان كل محذور يلزمكم على تقدير إثبات الصانع، يلزمكم أيضًا على تقدير نفي الصانع، كان القول بنفيه باطلًا قطعًا، وكانت هذه الحجة فاسدة؛ وهذا هو المقصود هنا.
وأما بيان أن هذه الحوادث الموجودة في العالم، يمتنع أن يكون الفلك مستقلًّا بها، فذاك له مقام آخر، إذ الغرض هنا بيان تناقضهم، مع أن ذلك ظاهر بين، والعقلاء المعروفون، متفقون على أن الحوادث التي تحدث، لا يستقل بها الفلك، ويمتنع أن يكون في المخلوقات ما يستقل بإحداث محدث منفصل عنه، فهذا له مقام آخر، وهو دليل مستقل عظيم القدر على ثبوت الصانع تعالى.
وهكذا الإلزام على «التقدير الثاني» وهو أن يقال: هذه الحركات لغير غرض. فيقال: يلزمكم بموجب كلامكم؛ أن يكون الموجود القديم الواجب الوجود، يفعل أفعالًا دائمة مستمرة لغير غرض، وقد قلتم: إنه عبث والعبث على الحكيم
(1/486)

محال، فمهما كان جوابكم عن ذلك، في هذا أمكن أن تجيبوا أنفسكم به، إذا كان القديم الواجب الوجود هو صانع الفلك، مع كون المحذور حينئذ أقل عندكم، فلو عدلتم عن القول الأخف إلى القول الأقبح -ولله المثل الأعلى- فنزهتموه إذا كان موجودًا قديمًا صانعًا، عن أن يستكمل بفعله، أو يكون عابثًا فيه، فجعلتموه معدومًا؟! وأي موجود فرض، كان خيرًا من المعدوم، فعدلتم عن أن تصفوه بنوع نقص، فوصفتموه بما يجمع كل نقص، ثم وصفتم غيره بصفات الكمال، التي هي وجوب الوجود والقدم، مع وصفكم له بتلك النقائص فاجتماع هذه النقائص مع هذه الكمالات لازم لكم، ولم تستفيدوا إلا كمال التعطيل والجحود بلا حجة أصلًا.
وقد ظهر فساد حجتهم وتناقضهم فيها من وجوه:
أحدها: أن الذي نفوه به، يلزمهم مثله، فيما أثبتوه من موجود قديم واجب، وهو الفلك المشهود.
الثاني: أنهم قصدوا تنزيهه عن تجدد كمال له بفعله، أو عن عبث، فجعلوه أعظم نقصًا من المستكمل العابث، ومن المعلوم أنه إذا قدر فاعل يستكمل بفعله، كان خيرًا من المعدوم، فإن الفلك أو غير الفلك إذا قدر ذلك فيه لم يشك عاقل أنه خير من المعدوم، فكان نفيهم له، الذي فروا إليه شرًّا من نفي بعض الأمور، التي ظنوها كمالًا. فتدبر هذا أيضًا. وكذلك إذا قدر موجود كامل، يفعل فعلًا لغير غرض له، وقيل: إنه عابث، فهو أكمل من العدم، الذي ليس بشيء أصلًا، فإن الفاعل لغير
(1/487)

غرض، بمنزلة الساكن الذي لا يفعل، وهذا يقال فيه: إنه جامد، ويقال: في ذلك إنه عابث، والجامد والعابث خير من العدم المحض، لا سيما إذا كان متصفًا بسائر صفات الكمال.
الثالث: ما تركب من هذين الوجهين، وهو أنهم مع التزام المحالات التي زعموا أنهم فروا منها، ومع التزام ما هو شر مما فروا منه، لم يستفيدوا بذلك إلا جحود الصانع -تعالى وتقدس رب العالمين- الذي هو أصل كل باطل، وكفر وكذب وتناقض وشر في الوجود، كما أن الإيمان به أصل كل حق وهدى، وصدق واستقامة وخير في الوجود.
وهكذا يقال لهم في فعل القبائح، وعدم فعلها من وجوه:
أحدها: أن هذا لازم لكم، فيما تصفونه بأنه واجب لذاته قديم، وهذا لا بد منه على كل تقدير، ولا مندوحة عنه.
الثاني: أن يقال تجويز تصديق الكاذب أو الكذب، أكثر ما يقال فيه إنه يستلزم بطلان الرسالة، والخبر عن الثواب والعقاب، وهذا المحذور أخف بكثير من محذور نفي الصانع. فهل يسوغ في العقل، أن نجحد الصانع وخلقه للعالم، لأن ثبوت ذلك يستلزم بطلان النبوة والوعد والوعيد؟! فإنه يقال لذلك: وأنت إذا نفيته بطلت النبوة والوعد والوعيد أيضًا، وبطل أضعاف هذا من أمور الديانات فبتقدير أن يكون هذا لازمًا على التقديرين، لا يجوز أن يحتج به على نفي أحدهما، مع كثرة المحاذير على هذا التقدير؛ بل غاية ما يقال: إذا قدر أنه لازم فليس بمحذور، ومعلوم أن الإقرار بالصانع تعالى، مع الكفر بالرسل والمعاد،
(1/488)

أقل كفرًا من جحود الصانع، كما أن الإقرار بالصانع مستكملًا أو عابثًا، أقل كفرًا من جحوده، فالتزام زيادة الحجة والتعطيل بلا حجة، من أبطل الباطل.
وهكذا ما احتجوا به على جحود فعل القبيح -كتكليف المحال، ووجود الشرور- فإنه يقال فيه هذان الوجهان:
أحدهما: لزوم ذلك أيضًا، مع ما يصفونه بالقدم، ووجوب الوجود.
الثاني: أن ذلك إنما يستلزم نقصًا، وذلك أهون من العدم. فإذا كانت الحجة إنما تستلزم في الوجود، لم يجز أن يلتزم عدمه بلا حجة؛ بل كان إثبات الوجود الناقص لا بد منه على كل تقدير.
ومَثَلُ من احتج على بطلان الخالق، بأن ذلك يستلزم بطلان النبوة والمعاد، مثل من بلغه أن الله تعالى بعث رسولًا، وأن قومًا كذبوه فتأذى بذلك، فجاء إليه فقتله، وقال إنما قتلته لئلا يتأذى بالتكذيب، وهؤلاء أعدموا الخالق، لئلا تكذبه رسله على زعمهم.
وكذلك مثل من أراد أن ينصر ملكًا له مملكة عظيمة، ولكن
(1/489)

بعض رعيته عصوه، فعمد إلى ذلك الملك فقتله، أو عزله عن الملك بالكلية، وقال إنما فعلت ذلك إجلالًا لقدره، لئلا يعصيه بعض رعيته.
ويحكى عن بعض الحمقى؛ أنه رأى ذبابًا وقع على وجه مخدومه؛ فأخذ المداس فضرب به وجه مخدومه، ليطير عنه الذباب.
ومثل من كان له ميراث من أبيه، غصب بعض الناس شيئًا منه، فقصد بعض الحكام أو بعض الشهود [دفع] الشر عن ذلك الوارث، ودفع تضرره بالغصب، فأثبت أنه ليس ابنه، وأنه لا يستحق شيئًا من الميراث، وقال: إنه بهذا الطريق امتنع أن يكون مغصوبًا، وزال تضرره بالغصب.
أو رجل كان له عقار عظيم، من مساكن وبساتين وغيرها، وله منافع عظيمة وحقوق كثيرة، قد غصبه بعض الناس بعضها، وهو متألم لذلك، فقام قوم من الحكام والشهود والأعوان، ليزيلوا عنه، فسعوا في أخذ ذلك العقار منه بالكلية، وإخراجه من ملكه ويده بلا فائدة حصلت له أصلًا، وقالوا هذا العقار إذا كان له، فلا بد أن يؤخذ منه هذا الجزء اليسير فيتألم،
(1/490)

فأعدموه إياه كله بلا فائدة حصلت له.
ومثل من قال: أنا لا أصلي لأني إذا صليت أقصر في ذكر الله، وعبادته وطاعته، التي ينبغي أن أفعلها في الصلاة، فأنا أترك الصلاة بالكلية، خوفًا من ترك بعض واجباتها.
وكذلك من قال: لا أزكي أصلًا، لأني إذا زكيت، فقد يأخذ زكاة بعض مالي من لا يستحقها، فيحرم المستحقين لها، فأنا أحرم المستحقين جميع الزكاة، لئلا يحرموا بعضها بالمزاحمة.
ومثل من ارتكب الفواحش المحرمة، وترك النكاح الحلال، قال: لأني إذا نكحت المرأة فقد أطؤها وهي حائض أو في الدبر، فاستحل الفواحش من التلوط وغيره حذرًا من هذا الذنب.
أو من أخذ يسرق أموال الناس، خوفًا من تجارة أو صناعة، يكون ظلمه فيه أقل من ظلم السرقة.
أو من أقام ببلاد الحرب معاونًا لهم على قتال المسلمين، خوفًا من أن يهاجر إلى بلاد المسلمين، فيقصر بجهاد أهل الحرب. والأمثال في هذا كثيرة جدًا.
ومن العجب أن المتكلمين المناظرين لهؤلاء، وأمثالهم من أهل الكفر، إذا أوردوا سؤلًا من جنس هذا السؤال، أن
(1/491)

يدخلوا معهم في جوابه وحَلِّهِ، وقد لا يكون المجيب متمكنًا من ذلك علمًا وبيانًا، ولا ينقطع بذلك الخصم، ولا يهتدي لنقص قوى إدراكه أو سوء قصده، أو لاحتياج تحقيق ذلك إلى مقدمات متعددة وزمان طويل، وتقرير لتلك المقدمات بجواب ما ترد بها من ممانعة ومعارضة. فيتركوا أن يبدؤوهم من أول الأمر ببيان فساد هذه الحجة، وبيان تناقضهم، وأن قائلها يلزمه إذا قال بها أعظم مما أنكره، فإذا تبين له فسادها وللمتكلمين معه: حصل دفع هذا الشر وبطلان هذا القول وهذه الحجة، وهو المقصود في هذا المقام، ثم بيان الحق وتكميله مقام آخر.
ومثالُ ذلك مثالُ من قدم العدو بلاده، فأخذ يبني ويغرس، ويعمر ما ينتفع به لنفسه، ويدفع به عدوه، قبل دفع العدو عن بلاده، فجعل كلما عمر شيئًا خربه العدو، وهو غير متمكن من العمارة الثانية، فإذا كان قادرًا من أول الأمر على دفع العدو كان ذلك أولى، وإن حصل له في ذلك نوع مشقة، فهي أخف من كل مشقة يلتزمها مع بقاء العدو ببلاده. والحجج الباطلة هي عَدُوُّ الحق، فهي عدو في قلب الناظر بنفسه لطلب الحق، وقلبه كبلاده، وهي أيضًا عدو له مع المناظر الذي يناظره، وسواء كان معاونًا أو مغالبًا؛ ولهذا ناظر إبراهيم الخليل بمثل هذه المناظرة المتضمنة قياس الأولى، وإلزام الخصم على قوله، أعظم مما ألزمه هو على قول خصمه، كما قال: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ
(1/492)

سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82] قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} [الأنعام: 83] قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم. فالعلم بحسن المحاجة مما يرفع الله تعالى به الدرجات، وكذلك قال تعالى فيما أمر أن يخاطب به أهل الكتاب {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) } [المائدة 59-60] .
(1/493)

فصل
«يجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة، أن يفحص عن منافع جميع الموجودات. وأما دلالة الاختراع، فيدخل فيها وجود الحيوان كله، ووجود النبات ووجود السموات، وهذه الطريقة تنبني على أصلين، موجودين بالقوة في جميع فطر الناس:
أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة. وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] الآية؛ فإنا نرى أجسامًا جمادية، ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا، أن هاهنا موجدًا للحياة ومنعمًا بها، وهو الله تبارك وتعالى، وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر، أنها مأمورة بالعناية بما هاهنا، ومسخرة لنا، والمسخر المأمور، مخترع من قبل غيره ضرورة.
وأما الأصل الثاني: فهو أن كل مخترَع فله مخترِع، فيصح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلًا مخترعًا له، وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات.
(1/494)

ولذلك كان واجبًا على من أراد أن يعرف الله حق معرفته، أن يعرف جواهر الأشياء، ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، ولهذا أشار تعالى وتقدس بقوله: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185] وكذلك أيضًا من تتبع معنى الحكمة في موجود موجود؛ أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق، والغاية المقصودة به، كان وقوفه على دليل العناية أتم. فهذان الدليلان هما دليلا الشرع.
وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز، هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فهذا بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى [وذلك أن الآيات في الكتاب العزيز في هذا المعنى] إذا تصفحت وجدت على
(1/495)

ثلاثة أنواع:
إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية.
وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع.
وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعًا.
فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط، فمثل قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) } [النبأ: 6-7]-إلى قوله- {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) } [النبأ: 16] ومثل قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61) } [الفرقان 61] *إلى قوله تعالى: {أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) } [الفرقان 62] * ومثل قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) } [عبس: 24] الآية. ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط، فمثل قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) } [الطارق: 5-6] ومثل قوله تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) } [الغاشية: 17] الآية، ومثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] ومن هذا قوله تعالى حكاية
(1/496)

عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } [الأنعام: 79] إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
فأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضًا، بل هي الأكثر مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) } [البقرة: 21] إلى قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } [البقرة: 22] فإن قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) } [البقرة: 21] تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22] تنبيه على دلالة العناية، ومثل قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} [يس: 33] وقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران: 191] وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى، يوجد فيها النوعان من الدلالة.
فهذه الطريق هي الصراط المستقيم، التي دعا الله
(1/497)

تعالى الناس منها إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى، وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر، الإشارة بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ} [الأعراف: 172] إلى قوله تعالى: {بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] ولهذا قد يجب على من كان وكده، طاعة الله في الإيمان به، وامتثال ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة، حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية، مع شهادته لنفسه، وشهادة ملائكته له، كما قال تبارك وتعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } [آل عمران: 18] ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه، هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
فقد بان من هذا أن الأدلة على وجود الصانع تعالى منحصرة في هذين الجنسين: دلالة العناية، ودلالة الاختراع. وأن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص -وأعني
(1/498)

بالخواص العلماء-[وطريقة الجمهور] وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل: أعني أن الجمهور يقتصرون في معرفة العناية والاختراع، على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء، فيزيدون إلى ما يذكرون من هذه الأشياء بالحس ما يدركون بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب ألف منفعة. وإذا كان هذا هكذا، فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية، وهي التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب. والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط؛ بل ومن قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه؛ فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات، مثالهم في النظر إلى المصنوعات، التي ليس عندهم علم بصنعتها؛ فإنهم إنما يعرفون من أمرها، أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعًا موجودًا، ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى
(1/499)

المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة، فيها ولا شك أن من حاله من العلماء بالمصنوعات هذه الحال، فهو أعلم بالصانع، من جهة ما هو صانع، من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط. وأما مثال الدهرية في هذا، الذين جحدوا الصانع سبحانه وتعالى، فمثال من أحس مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات، بل نسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته» .
قلت: ذكره لهذين النوعين كلام صحيح حسن في الجملة، وإن كان في ضمنه مواضع قصر فيها، مثل ما ذكره في دلالة حركة الفلك، وتفسير الآية، وتسبيح المخلوقات، واستدلال إبراهيم. ودليل الإحداث والاختراع يدل على ربوبية الله تعالى، ودليل الحكمة والعناية والرحمة يدل على رحمته، وقد افتتح الله كتابه العزيز بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } [الفاتحة: 2-3] وهذا أجود من طريق المتكلمين، طريقة الأعراض، وإن كان لم يستقص الكلام في دلالة ثبوت الصانع تعالى، ولم يفصل إحداث الجواهر وغير ذلك.
(1/500)

مع أن طرق معرفة الصانع بالفطرة والضرورة وبالنظر والاستدلال، بنفس الذوات وبصفاتها، باب واسع ليس هذا موضعه وثير [مـ]ـمن يرغب عن طريقة الأعراض، يذكر ما في خلق الإنسان، أو في خلق ما يشهد حدوثه من هذين النوعين، من الحدوث الدال على المحدث، والحكمة الدالة على قصد الصانع، ورحمته ونعمته بما يدل عليه.
وقد ذكرنا ما ذكره الخطابي من كراهة طريقة الأعراض، وأنها بدعة محظورة، وقد قال في أوائل كتابه «شعار الدين» : «القول فيما يجب من معرفة الله سبحانه وتعالى: أول ما يجب على من يلزمه الخطاب، أن يعلم أن للعالم بأسره صانعًا، وأنه هو الله الواحد لا شريك له، وقد جرى كثير من عوام المسلمين في هذا على عادة النشوء وحكم الولادة، فكان إيمانهم إيمان تلقين وتربية، وذلك أنهم يولدون في دار الإسلام، ويتربون في حجور المسلمين، وينشأون في بلادهم، فيتلقنون كلمة التوحيد من الآباء والأمهات، ويسمعون الأذان من المؤذنين، ويتلقون
(1/501)

القرآن من الأئمة في الصلوات، ومن المعلمين في المكاتب، فيستحكم حكم الدين في قلوبهم، ويعتقدون حسنه وصحته تقليدًا، فينتفعون به ويقتصرون عليه. ودين الإسلام إذ كان موثوقًا بصحته، مشهودًا له بالفضل على كل دين سواه، فقد يجب على كل متدين به، أن يكون مصدر اعتقاده إياه عن نظر واستدلال، ليكون العلم به أصح، والوثيقة به أشد، وقد نصب الله تعالى الأدلة وأزاح بها العلة، ووسع من وجوهها، وكثر من عددها، فهي عل اختلاف مراتبها في الوضوح والغموض، معروضة للاستدلال بها، والاستشهاد بمواضعها، فلا أحد يعقل من آحاد الناس، إلا وله في جليها مستدل، وفي واضحها مستشهد، وإن كان نزل فهمه عن دقيقها ولطيفها، فالواجب على كل من الناس أن يبذل وسعه فيه، ويبلغ جهده في دركه، فإن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [العنكبوت: 69] .
فمن أوضح الدلالة على معرفة الله سبحانه وتعالى، على أن للخلق صانعًا ومدبرًا، أن الإنسان إذا فكر في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة ثم علقة، ثم مضغة؛ ثم عظامًا، ولحمًا، فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث في الحال الأفضل، التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده عضوًا من الأعضاء، ولا يمكنه أن
(1/502)

يزيد من جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في وقت نقصه، وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز؛ وقد يرى نفسه شابًّا، ثم كهلًا ثم شيخًا، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه؛ وأن له صانعًا صنعه، وناقلًا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر.
فإن قيل: إن النطفة قديمة، وفيها قوة قابلة للاغتذاء، فإذا وقعت في الرحم، والطبائع معتدلة، قبلت بالقوة التي فيها الاغتذاء والتربية، حتى تستوي جارحة، ويتم بها خلقه.
قيل: لو كانت النطفة قديمة، كما زعمتم لم يجز عليها الانقلاب والتغير؛ لأن التغير والانقلاب من سمات الحدث، فبطل أن يكون المنقلب المتصرف قديمًا.
فأما ما ادعوه من قبول النطفة، بما فيها من القوة والاغتذاء والتربية، فإن ذلك لا ينكر، إذا صح العلم به من طريق العادات، ولكن الذي ننكره من ذلك، أن يكون هذا الفعل
(1/503)

للنطفة بذاتها، من غير مدبر دبرها لذلك، ولو كان هذا جائزًا من غير مدبر حكيم، عالم قدير، يعلم كيف يدبر النطفة، ويقلبها أطوارًا ويسوي منها السمع لما يصلح له، ويضعه في موضعه، والبصر في مكانه، الذي يليق به في البدن، وكذلك تعليق اليدين العاملتين في موضعهما، والرجلين الحاملتين في أخص المواضع بهما، ووضع كل شيء من القلب والكبد والطحال، وسائر الأجسام في الموضع الذي هو أملك به، وأشكل لما أعد له من الفعل، واليدين. لجاز أن يرتفع الماء من [البئر] إليه، ويختلط بالطين، ويقع الطين في قالب اللبن، وينطبع به، ثم يرصف إلى موضع البناء، فيرتفع بعضه على بعض فينتضد حتى يكون بناءً رفيعًا محكمًا مشيدًا، من غير بان ولا رافع ساقًا على ساق؛ بل ينطبع الماء والتراب بنفسهما لا بشيء سواهما، فإن لم يكن هذا جائزًا، لأنه ليس من طبع الماء والتراب أن يكون منهما ما وصفت، فكذلك غير جائز تركيب الإنسان، وتصويره وتخطيطه على ما عليه الإنسان، من حسن الصورة، وعجيب التركيب، بنفس النطفة وطبعها. ويجاز على هذا بطبع الخشب، وجود سفينة اجتمعت أجزاؤها واعتدلت،
(1/504)

وتماسكت وداخل بعضها بعضًا، وقربت من الساحل معها دقلها وآلاتها، يعبر من يريد العبور من السواحل، ثم تعود بنفسها إلى مركزها ومرساها كذلك. ويجاز بطبع الماء والنار والتربة، أن يوجد حمام في أسفله نار وفي بيوته ماء على غاية الاعتدال في الحرارة والرطوبة، من غير بان بناه ومسخن سخنه، ومدبر دبره. فإن لم يجز شيء مما ذكرناه، فليكن مثل ذلك ما ادعوه من النطفة واجتماع خلق الإنسان منها، من غير مدبر حكيم دبره وأحكمه.
فهذا الدليل يتضمن أن المحدثَ لا بد له من محدث، وأن ما فيه من الحكمة لا بد له من قاصد حكيم» .
ثم ذكر دليلين في العالم:
أحدهما: حدوث ما يحدث لاختلاف الحركات الطبيعية الدالة على أنه بإرادة، -كما قد نبهنا أن الإرادة هي أصل جميع الحركات-.
الثاني: ما في العالم من الحكمة فقال: «دليل ثان: أنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التباين والتنافر والتفاسد، مجموعة
(1/505)

في بدن الإنسان، وأبدان سائر الحيوان، وهي الحرارة والبرودة، فعلمنا أن جامعًا جمعها وقهرها على اجتماع وأقامها بلطفه، ولولا ذلك لتنافرت وتفاسدت، ولو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات، وتتقاوم من غير جامع يجمعها، لجاز أن يجتمع الماء والنار، ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعهما ومقيم يقيمهما، وهذا محال لا يتوهم، فتعين أنما كان اجتماعهما بجامع قهرهما على الاجتماع والالتئام.
دليل ثالث: أنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك واعتبرتها بفكرك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدوة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وضروب النبات مهيئة للمطاعم والملابس والمشارب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالمُمَلّك البيت المخول ما فيه، وفي هذا كله دلالة واضحة على أن العالم مخلوق، بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعًا حكيمًا، تام القدرة بالغ الحكمة، وقد نبه كتاب الله عز وجل على هذا النوع من الاستدلال، فقال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات: 21] إشارة إلى أثارة الصنعة الموجودة في الإنسان، من يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي بهما، وعين مبصرة، وأذن يسمع، ولسان يتكلم به، وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء، ومعدة
(1/506)

أعدت لطبخ الغذاء، وكبد يسلك إليها صفوه، وعروق ومعابر ينفذ منها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثقل الغذاء، ويبرز عن أسفل البدن.
وقال عز وجل: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) } [الغاشية: 17] الآية، هذا من قريب ما يستدركه العاقل من وجوه الأدلة، من غير كثير استقصاء في فعل ومعاناة بدقيق فكر؛ وذلك أنه خطاب للعرب؛ ومن سنة العربي أن يركب راحلته فيسير عليها فيما قرب من الأرض باغيًا حاجته، وفيما بعد عنها ظاعنًا في السفر في الحال يكثر في بلادهم، فإذا خلا بالمكان لم ير إلا سماءً فوقه وأرضًا تحته، وجبلًا عن يمينه وجبلًا عن شماله، ومطية هو راكبها. فإذا تأمل هذه الأشياء استبان فيها أثر الصنعة ولطف الحكمة -مما جمع الله له من المرافق فيها- أن صانعها لطيف خبير، عالم قدير، حكيم عليم. وقد قيل: إن الإبل خصت بالذكر من بين سائر الحيوان، وذلك أن الأنعام ضروبها أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة. والإبل تجمع هذه الخلال كلها.
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ
(1/507)

السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة: 164] فذكر خلق السموات بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وسيرها في أفلاكها الذي يختلف الليل والنهار به، ويتبين زيادتهما ونقصانهما ودخول أحدهما على الآخر، وأخذ بعضها من بعض، فيكون بها انقسام فصول السنة، وتعاقب الحر والبرد، الذين بأحدهما: لقاح الشجر، وبالآخر: نضج الثمار، وذكر الله (الأرض) التي هي مسكن الحيوان والدواب، وفيها قرار البحار، التي تجمع المياه التي تحمل السفن والفلك، وذكر (الريح) التي تنشئ السحاب، وتجريها إلى حيث أذن لها أن تمطر، فيحيي بها البلاد والزرع والأنعام، وبها يجري الفلك والسفن في البحار، فتصلح بهذه الأمور معايش الناس وتكثر بها منافعهم، وباجتماع هذه الأمور ومعاونة بعضها بعضًا يتم صلاح أمر العالم وينتظم، وفي ذلك دليل على أن صانع العالم قادر حكيم عالم خبير. ووقع ذكر هذه الأمور عقب قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) } [البقرة: 163] ليدل بها على صدق الخبر، عما قد يدلنا به من وحدانيته سبحانه. وذكر رحمته ورأفته بخلقه، وطرق الاستدلال كثيرة، لكنا أخبرنا منها في الكتاب ما هو أقرب إلى الأفهام» وذكر تمام الكلام الذي كتبناه في موضعه.
(1/508)

واستدلال الناس من جميع الطوائف، بما يشهدونه في العالم من الحكمة والنعمة، والبرهنة على حكمة الرب ورحمته، وإرادته النعمة والإحسان، إلى عباده وعنايته كثيرة جدًا.
وإنما المقصود هنا: أن الفلاسفة يصرحون بذلك، وهم من أكثر الناس نظرًا في حكم الموجودات، وقد اعترفوا بما تقدم من أن هذه الموافقة تعلم ضرورة أنها من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فعلم أن نفيهم بعد ذلك كونه فاعلًا مختارًا تناقض منهم.
وأيضًا فلو لم يتناقضوا لكانت هذه الدلالة مع دلالة الاختصاص، كلاهما يدل على الإرادة، والاختصاص يدل على إرادة في نفس المفعول، وهذا يدل على الإرادة للمفعول ولحكمته. فهذه ثلاث طرق.
وقد اعتذر ابن سينا ونحوه من المتفلسفة عن هذا فقال في «الإشارات» بعد أن ذكر حججه على نفي الفعل بالقصد والاختيار: ( «إشارة» لا تجد إن طلبت مخلصًا إلا أن تقول: إن تمثل النظام الكلي في العلم السابق، مع وقته الواجب اللائق، يفيض منه ذلك النظام على ترتيبه وتفاصيله معقولًا فيضانه، وهذا
(1/509)

هو العناية، وهذه جملة تهتدي سبيل تفاصيلها) .
وهذا الكلام أبعد ممن يقول بتخصيص العالم بوقت دون وقت، وصفة دون صفة، إنما كان لأن العلم القديم تعلق به على ذلك الوجه، كما قال ذلك طوائف من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم، كما سيأتي بيانه. مثل أن هؤلاء جعلوا العلم مخصصًا لما أريد، وهؤلاء المتفلسفة جعلوا العلم مخصصًا لما لم يرد عندهم. والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: لا نسلم أن هذا مخلصًا، ولا أنه واقع ولا ممكن، كيف نعلم أنه لا مخلص غيره، وهم لم يذكروا حجة على ذلك، ولا يمكنهم أن يقيموا عليه حجة أصلًا.
الوجه الثاني: أن يقال: العلم أبدًا تابع للمعلوم مطابق له، ثم قد يكون سببًا في وجود المعلوم، كالعلم بما يفعله العالم، مثلما ذكره من علم الرب تعالى بالنظام الكلي، وقد لا يكون سببًا، كالعلم بالأمور التي لا تكون بفعل الإنسان ولا بقصده، ثم من الناس -من المتفلسفة ونحوهم- من يجعل العلم مطلقًا صفة فعلية، أو يجعله هو وحده الموجب للمعلوم، وهو غلط كما سنبينه. ومنهم -من المتكلمين وغيرهم- من يجعله أبدًا صفة
(1/510)

انفعالية مطابقة للمعلوم، لا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة، ويقول فيه وفي القول: ليس لمتعلقهما منها صفة ثبوتية، وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب من القول الأول ففيه تقصير؛ بل الصواب أنه يجتمع في جنسه الأمران، إذ الأولون يسلمون أنه عالم بنفسه، وهذا ليس مؤثرًا في المعلوم، والآخرون يقولون: الإرادة مشروطة بالعلم، وهذا اعتراف بتوقف المفعول عليه؛ لكن المقصود الكلام في العلم الذي له تأثير في المعلوم وهو العلم العملي، فنقول:
من الأمور المعلومة بالفطرة البديهية الضرورية، أن الإنسان إذا عمل عملًا بإرادته، يجد من نفسه أنه يكون شاعرًا بما يريد أن يفعله، وأنه مع الشعور لا بد أن يكون مريدًا، ولا بد مع هذين أن يكون قادرًا عليه، ويجد من نفسه أن إحساسه وشعوره يقتضي إرادة الفعل ومحبته، وأن له شعورًا بما يفعله لأجله، وشعورًا بالحب والإرادة التي في نفسه لذلك المطلوب، وشعورًا بالفعل الذي يتوصل به إليه. فهذه أربع حقائق: مراد مطلوب بالفعل؛ وإرادة في النفس له، وفعل موصل إليه، وإرادة لذلك الفعل، كالطعام مثلًا، والشعور يتعلق بهذه الأربعة، فإنه إذا أخبر بالطعام وهو جائع أحس من نفسه بشهوته ومحبته، فأراد أكله، ومقصوده بذلك وجود لذة الأكل ودفع ألم الجوع؛ وهو يفرق بين نفس الأعيان واللذة بها وبين إرادة ذلك، ثم يريد الأكل الموصل إلى المطلوب، ويفعل هذا الفعل. وهكذا في شهوة النكاح، وهكذا في جميع الأفعال من العبادات وغيرها، والعلم سابق للإرادة
(1/511)

والعمل في ذلك كله. فإنه مثلًا يعرف الله تعالى وثوابه وعقابه، فيصير في قلبه محبة له أو لثوابه الملائم له. فالله تعالى هو مقصوده ومعبوده، وهو يريد التنعم بما يحصل له من النعيم، المتعلق بذاته تعالى، كالنظر إليه أو من مخلوقاته، مثل موجودات الجنة، فكلاهما مقصود له، وقصد هذا مستلزم هذا، كتلازم قصد الأعيان المطعومة، وقصد لذة الأكل، ثم يريد الأعمال الموصلة إلى ذلك ويعملها. ومن المعلوم أن نفس العلم بالمعقولات لا يغني عن إرادة ذلك والقدرة عليه، فمن ادعى أن مجرد العلم هو كاف في حصول المعلومات، كان مكابرًا مباهتًا؛ فإنه في المشاهد منتف قطعًا، وأما في الغائب فغايته أن يعلمه بنوع شيء: قياس الشمول، أو التمثيل.
(1/512)

فصل
ذكر ابن سينا فقال: ( «تنبيه» أتعلم ما الملك؟ الملك الحق، هو الغني الحق مطلقًا، ولا يستغني عنه شيء في شيء، وله ذات كل شيء؛ لأنه منه أو ما منه ذاته، فكل شيء غيره فهو مملوك، وليس له إلى شيء فقر) .
قال الرازي: «الغرض منه ذكر ماهية الملك، ويعتبر فيها أمران: أحدهما: سلبي: وهو أن يكون غنيًّا مطلقًا عن كل ما عداه. وثانيهما إضافي: وهو أن يفتقر إليه كل ما عداه بواسطة أو بغير واسطة» .
قلت: هذه الجملة متفق عليها في الجملة بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل، بل المشركون من العرب وغيرهم يقرون بها، كما قال تعالى وتقدس: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ
(1/513)

السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) } [المؤمنون: 84-89] والأكثرون يقرؤون الأخرتين {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} كما اتفقوا على أن جواب الأول: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} وهو جواب مطابق لمعنى اللفظ، لأن معنى قوله: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ} و {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي لمن ذلك؟ فكان الجواب بقوله: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} هذا بيان لأن المشركين يقرون بأن ملكوت كل شيء لله، وذلك مبالغة في الملك؛ فإن الملكوت أبلغ من لفظ الملك، وما ذكروه من ذلك يتضمن غناه عن كل شيء، وفقر كل شيء إليه، فهو حق؛ لكنه يتضمن أكمل من ذلك، من العلم والقدرة والتدبير على وفق المشيئة والإرادة وغير ذلك، من المعاني التي تبين أن هؤلاء الفلاسفة لا يجعلونه ملكًا حقًّا، وكيف يكون ملكًا عندهم من لا يقدر على إحداث شيء، ولا دفع شيء، ولا له تصرف بنفسه، ولا في غيره بوجه من الوجوه؛ بل هو بمنزلة المقيد بحبل معلق به من لا يقدر على دفعه عن نفسه. وما يثبتونه من غناه وافتقار ما سواه إليه يتناقضون فيها؛ فإنهم يصفونه بما يمتنع معه أن يكون غنيًّا، وأن يكون إليه شيء ما فقير؛ لكن ليس المقصود هنا كشف أسرار أقاويلهم كلهم،
(1/514)

وإنما المقصود التنبيه على فساد حججهم، التي خالفوا بها أهل الملل في هذا ونحوه، وأنهم يتكلمون بجهل بسيط أو مركب.
فيقال: إن كان المقصود أن الله يستحق أن يسمى ملكًا حقًّا، لثبوت هذا المعنى فلا ريب أنه قد سمى نفسه ملكًا حقًّا، ولا ريب أن هذه المعاني داخلة في ضمن هذا الاسم، وأكثر منها في صفات الكمال الثبوتية، وتنزيهه عن النقائص، لكن في هذا ما يدل على أنه ليس له إرادة وقصد؛ إلا أن يحتج على ذلك بأن لفظ الغني ينفي ذلك، أو أن ذلك يقتضي فقرًا إلى الغير، وقد تقدم الكلام على ذلك، وتبين أن ذلك مع أنه لا فقر فيه إلى غيره، فالذي يذكرونه يستلزم من المحاذير أعظم مما فروا منه من وجوه؛ بل سلب ذلك هو الذي يقتضي أن يكون فقيرًا؛ بل معدومًا؛ بل ممتنعًا لذاته، كما هو مقرر في موضعه.
(1/515)

فصل
ثم قال ابن سينا في تقرير نفي الإرادة والحكمة المقصودة: «تنبيه: أتعرف ما الجود؟ الجود هو إفادة ما ينبغي لا لغرض، فلعل من يهب السكين لمن لا ينبغي له ليس بجواد، ولعل من يهب ليستعيض معامل، وليس بجواد، وليس العوض كله عينًا، بل وغيره، حتى الثناء والمدح والتخلص من المذمة، والتوصل إلى أن يكون على الأحسن، أو على ما ينبغي، فمن جاد ليشرُفَ أو ليُحْمَد أو ليحسن به ما يفعل، فهو مستعيض غير جواد. فالجواد الحق هو الذي تفيض منه الفوائد لا لشوق منه، وطلب قصدي لشيء يعود إليه. واعلم أن الذي يفعل شيئًا، لو لم يفعله لقبح به أو لم يحسن منه، فهو بما يفيده من فعله متخلص» .
وقال أبو عبد الله الرازي في تفسير ذلك: «الغرض منه بيان
(1/516)

ماهية الجود، وحده: أنه إفادة ما ينبغي لا لغرض. وهذا فيه قيود ثلاثة:
أحدها: الإفادة؛ فإن من لا يفيد شيئًا لا يكون جوادًا.
وثانيها: أن يكون المفاد مما ينبغي إفادته، فإن من يهب السكين لمن لا ينبغي له ليس بجواد» .
قال «واعلم أن لفظة «ينبغي» لفظة مجملة؛ فإنه يراد بها تارة الحسن العقلي كما يقال: العلم مما ينبغي والجهل مما لا ينبغي؛ لكن الحكماء لا يقولون بالحسن والقبح العقليين. وقد يراد بها الإذن الشرعي، كما يقال: النكاح مما ينبغي والسفاح مما لا ينبغي. أي النكاح مأذون فيه شرعًا، والسفاح ممنوع منه شرعًا. وهذا التفسير أيضًا لا يليق بالحكماء، وليس لهذه اللفظة معنى مخلص سوى هذين
(1/517)

المعنيين. فظهر الإجمال من هذه اللفظة.
وثالثها: أن لا تكون الإفادة لعوض؛ فإن من يهب ليستعيض معامل، سواء كان العوض عينًا أو ثناءً أو مدحًا أو تخلصًا عن الذم، أو أن يكون فاعلًا للأليق والأحسن، ثم إنه لما مهد هذه القاعدة قال: فالجواد الحق» إلى آخره. ومعناه ظاهر.
قال: «ولقائل أن يقول: القصد إلى إيصال الفائدة إلى الغير لو لم يكن معتبرًا في الجود لوجب أن يقال: الحجارة إذا سقطت من السقف ووقعت على رأس عدو إنسان، ومات ذلك العدو، أن تكون تلك الحجارة جوادًا مطلقًا، لأنه حصل منها ما ينفي الغرض، فإن التزم كزن الحجر جوادًا
(1/518)

مطلقًا، وقال هذا هو الحق وإن كان شنيعًا في المشهور. فنقول له: الذي عولت عليه أيضًا ليس حجة برهانية؛ بل كلامًا إقناعيًا خطابيًا؛ فإن غاية كلامك أن كل ما غرضه في الإفادة أن يكون فاعلًا للأولى، كان غرضه من الإفادة تخليص نفسه من الذم فهذا ضعيف، لأنه يقال إن عنيت بقولك: إنه يخلص نفسه من الذم؛ لأن غرضه من فعله أن لا يصير مستحقًّا للذم، مع علمه أنه لو لم يفعله لا يستحق الذم، فلم قلت: إن ذلك محال؟! وهل هذا إلا إلزام للشيء على نفسه؟! وإن عنيت به معنى آخر فبينه لنتكلم عليه. فصح أن الحجة التي ذكروها *لا تصير على السبك* والنظر الحق لكنها
(1/519)

حجة إقناعية، وإذا كان كذلك كانت الحجة التي ذكرناها تصلح معارضة لها» .
قلت: هذه الحجة من جنس التي قبلها في اسم الغني وأفسد منها، وذلك يظهر بوجوه:
أحدها: أن يقال هذه الحجة مبنية على مقدمتين:
إحداهما: أن الحق مسمى بأنه جواد.
والثانية: أن تفسير الجواد هو ما ذكرته، ولم تذكر على واحدة من المقدمتين حجة أصلًا لا بينة ولا شبهة، فكان ما ذكرته مجرد دعوى، لبست بها على الناس كما لبست بقولك: إنه غني، وأن الغني هو من يكون كذا. ولم تذكر على واحدة من المقدمتين حجة؛ لكن هناك ادعيت أن ثبوت الإرادة مستلزم للفقر إلى غيره، قد ثبت أنه واجب الوجود، فلا يكون مفتقرًا إلى غيره، وهذه الحجة وإن كان قد تبين فسادها، فلم تذكر في اسم الجواد حجة نظيرها، بل كان هذا دعوى مجردة؛ إذ لا يمكنه أن يقول: واجب الوجود يجب أن يكون جوادًا كما قال: يجب أن يكون غنيًّا.
(1/520)

الثاني: أن يقال: لا ريب أن الله عند أهل الملل، كريم، جواد، ماجد محسن، عظيم المن، قديم المعروف، وأن له الأسماء الحسنى، التي يثنى عليه فيها بإحسانه إلى خلقه، لكن وإن كانت هذه الحجة مبنية على تسليمهم ذلك، فليست حجة عقلية، بل جدلية، وهذا ليس بفلسفة.
الثالث: أن يقال: هم سموه بهذه الأسماء الحسنى، سموه بها بالمعنى الذي يفسرونه به، بالذي لا ينافي إرادته ورحمته؛ بل عندهم نفس الرحمة، التي نفيتها أنت لنفيك الإرادة، أو إرادة الإحسان إلى عباده، هي عندهم تدل على الإحسان والجود بلا نزاع بينهم؛ لكن طائفة من نفاة الصفات يجعلون الرحمة هي نفس الإحسان، وإن وافقهم على ذلك بعض الصفاتية، حتى بعض أصحاب أحمد رحمه الله. وطائفة كبيرة من الصفاتية يقولون: الرحمة تعود إلى إرادة الإحسان، وهذا قد يقوله بعض أصحاب أحمد، والذي عليه أئمة الصفاتية وجمهورهم، أن الرحمة صفة لله ليست هي الإرادة، كما أن السمع والبصر ليس نفس العلم.
(1/521)

والمقصود أنك إذا احتججت بموافقتهم لك على إطلاق الاسم، فإن كنت تحتج بالموافقة على معناه، لم يكن لك حجة، لأنهم متفقون على أن معنى هذا الاسم عندهم لا ينفي ما تنفيه أنت من إرادته وغير ذلك، وإن كنت تحتج بمجرد الموافقة على اللفظ مع التنازع في معناه، فهذه حجة فاسدة جدًّا، لأنهم أطلقوا الاسم بمعان، فادعيت أنت أنهم كان ينبغي أن يريدوا بهذا الاسم معان أُخَر، وهذا من جنس أن يقال: كان ينبغي أن يعنوا بلفظ الإحسان كذا، وبلفظ الحركة وبلفظ الفعل كذا، أو نحو ذلك من المعاني التي لم يريدوها بذلك اللفظ. وحاصله أنه اعتراض على اللغة، بأنه كان يجب أن يعني بألفاظها من المعاني أمورًا أُخَر، ولا ريب أن هذا اعتراض فاسد على اللغة؛ فضلًا أن يكونه حجة في المعاني العقلية الإلهية.
الرابع: هب أنه سلم لك؛ أن اللفظ كان ينبغي أن يستعمل في المعاني التي ذكرتها، لكن هم إذا لم يستعملوها إلا في المعاني التي قصدوها، لم يكونوا موافقين لك على ما ادعيته من المعنى، وإن قصروا في العبارة؛ فيكون ما أثبته من المعنى أثبته بلا حجة لا علمية ولا جدلية، بل بمجرد الدعوى. وهذا بين
(1/522)

واضح ولله تعالى الحمد.
الخامس: أنه لو احتج على هذا بدليل سمعي، مثل أن يثبت بالنص أنه جواد، لم يصح أن يفسره بهذا المعنى، لهذين الوجهين:
أحدهما: أن الأدلة التي يذكرها، ليست سمعية شرعية، وهو يعترف بذلك، فلا يقبل منه أن يذكر دليلًا سمعيًا، ويدعي أنه عقلي، مع أنه هذا الاسم ليس في القرآن، وإن جاء في بعض الأحاديث.
الثاني: أن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع وفي بيان معناها، إلى من نقل عنه القرآن والحديث، لفظه ومعناه، وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض، حتى يصل إليه، أو أخذ ذلك هو بلغته التي كان يخاطب بها ولا ريب أن الفلاسفة من أبعد الناس عن ذلك، ولو ادعوا نقلًا عن المرسلين للفظ ولمعناه، من غير رجوع في ذلك إلى أهل العلم بأثارة المرسلين، لم يكن ذلك مقبولًا باتفاق العقلاء، ثم كيف يصح أن يحتج محتج بمثل هذه الدلالة الضعيفة، على نفي إرادة الله تعالى، والقرآن مملوء من إثبات إرادته ومشيئته، ورحمته
(1/523)

وحكمته، ولو قدر أنه يتناول ذلك، كان من المعلوم بالاضطرار لكل أحد، أن ما ذكره ليس فيه ظهور يحتاج إلى تأويل؛ بل هو أبعد من ذلك، فكيف يتأول النصوص والظواهر لأجل ذلك؟! وإنما غاية المتأول أن يدعي معارضة المعقولات للسمعيات، ونحن قد بينا أن هذه الحجة ليست من المعقول بسبيل؛ بل هي مع كونها سمعية لفظية، فهي دعوى مجردة؛ بل كاذبة، كما سنبينه.
الوجه السادس: أن يقال له: هذا الحد الذي ذكرته في «الجود» حين قلت: «إن من جاد ليشرف وليحمد، وليحسن به ما يفعل، فهو مستعيض غير جواد» . فهذا التفسير عمن نقلته؟! ومن ذكره من أهل التفسير للنصوص، أو من أهل اللغة العربية، بل من سائر لغات الأمم، وإن كان ذلك لا ينفعه، إن لم يبين معنى هذا اللفظ العربي في لغة العرب؛ ومن المعلوم أن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالنصوص الشرعية، واللغة العربية، فصار ذلك افتراء على النصوص واللغة.
(1/524)

الوجه السابع: أن يقال: اسم الجواد يقال: على كثير من المخلوقين، مع انتفاء هذه المعاني عنهم، فلو كان هذا المعنى داخلًا في هذا الاسم، لم يصح إطلاقه على مخلوق إلا مجازًا أو بطريق الاشتراك، وكلاهما مع كونه خلاف الأصل، إنما يكون إذا ثبت استعمال اللفظ في المعنى مجردًا. فكيف وأصل الاستعمال منتف؟.
الوجه الثامن: أن يقال: معروف في الشرع واللغة والعقل، أن الذي يفعل أو يفيد ما ينبغي لا لمقصود أصلًا عابث، وإن كان لا لمقصود يعود إلى نفسه فهو سفيه أو جاهل، وكلاهما مذموم في الشرع والعقل؛ بل يستحق في الشرع أن يحجر عليه، وهو من أسوأ المبذرين حالًا؛ فإن من المبذرين من يبذل المال لأغراض محرمة، وإن كان فيها ما هو مقصود له، فأما من يبذل ما ينبغي لا لمقصود أصلًا، فهذا إن كان موجودًا فهو مذموم. واسم «الجود» في الشرع واللغة والعقل اسم مدح، فيستحيل أن يفسرها بما لا يكون عند الناس إلا مذمومًا.
بل يقال في الوجه التاسع: هذا المسمى لا يعرف وجوده أصلًا، فليس في الموجودات ما يفيد وينفع لا لمقصود أصلًا، حتى الحركات الطبيعية، لحركتها منتهى ومستقر، هو منتهى ميلها، ويسمى ميلها إرادة، وقد جعلوه هم عشقًا لذلك الكمال. وإذا كان هذا المسمى معدومًا، والاسم معروفًا في الشرع واللغة لأعيان موجودة. امتنع أن يكون مسماه ما ذكره.
(1/525)

بل يقال في الوجه العاشر: إن ما ذكره ممتنع لذاته، *فإنـ[ـه] بتقديرنا يفعل لعلة غائية لا لمقصود غائي، كتقدير ما يحدث لا عن علة فاعلة وكل منهما ممتنع لذاته* ولهذا هم يسلمون أن ليس في الموجودات ما هو كذلك، إلا ما يذكرونه في واجب الوجود، وهم متناقضون في ذلك: فيصرحون تارة بأنه يفعل لقصد منه للغاية ورحمة منه، وتارة يقولون: ليس له إرادة ولا قصد. وإذا كانوا متناقضين في ذلك، تبين أن أحدًا من العقلاء لم يستقر قوله على إثبات موجود بهذه الصفة التي سموها «جوادًا» .
الوجه الحادي عشر: أن يقال: الجود إفادة ما ينبغي لا لغرض. هو كلام مجمل يحتمل الحق والباطل؛ بل الظاهر منه
(1/526)

للناس هو الحق الذي لم يرده؛ فإنه يقال لك: العوض المعروف في الشرع، واللغة والعرف والعقل، هو ما يبذله أحد المتعاوضين للآخر، في مقابلة ما بذله الآخر له، كثمن المبيع، وأجرة الأجير، وثواب الهدية، ومكافأة النعمة ونحو ذلك، فلا ريب أن من أعطى غيره عطية، ليعطيه ذلك الغير عوضها، فهذا مستعيض وليس بجواد؛ ولهذا يفرق الفقهاء بين عقود المعاوضات، والتبرعات بنحو هذا الفرق؛ ولهذا قال المخلصون: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) } [الإنسان: 9] فأخبروا أنهم لا يريدون من المنعم عليهم لا جزاءًا ولا شكورًا، ولم يقولوا: لا نريد ذلك من أحد، لا من الله ولا من غيره؛ فإن هذا إما ممتنع وإما سفاهة، ولهذا كان المحققون للإخلاص لا يطلبون من المُحْسَنِ إليه لا دعاءً ولا ثناءً ولا غير ذلك، فإنه إرادة جزاء منه؛ فإن الدعاء نوع من الجزاء على الإحسان والإساءة؛ كما جاء في الحديث: «من أسدى إليكم
(1/527)

معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه» وقال الشاعر:
ارفع صغيرك لا يحربك ضعفه ... يومًا فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلته فقد جزى
وأيضًا كانوا إذا كافأهم المُعْطَى بدعاء وغيره. قابلوه بمثل
(1/528)

ذلك، ليبقى أجرهم على الله تعالى، ولا يكونوا قد اعتاضوا منه، كما كانت عائشة رضي الله عنها إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للمرسل: اسمع ما يدعون به لنا، حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا، ويبقى أجرنا على الله تعالى.
فهذا ونحوه غاية ما يقدر من الجود المعروف، فأما جود أهل الجاهلية ونحوهم، ممن يقصد به الثناء عليه، ولو بعد موته فذاك دون هذا.
وأيضًا فإن الإنسان قد يحب بنفسه فعل الخير والإحسان، ويتلذذ بذلك لا لغرض آخر، بل يتلذذ بالإحسان إلى الغير، كما يتلذذ الإنسان بلذاته المعروفة وأشد، وإن لم يصل إليه نفع غير لذته بالإحسان، كما أن النفوس الخبيثة قد تلتذ بالإساءة والعدوان، وإن لم يحصل لها بذلك جلب منفعة ولا دفع مضرة. فهذا أيضًا موجود وصاحبه من أهل الإحسان والجود، فإما أن يكون في الوجود من يفعل لا لمعنى فيه ولا لمعنى في غيره، فهذا لا حقيقة له أصلًا، وقد علم [أن] أهل الشرع واللغة وسائر العقلاء الذين يقولون: الجود إفادة ما ينبغي
(1/529)

لا لعوض أصلًا. إنما يريدون به عوضًا يكون في مقابلة العطية، إما من المعطي أو ممن يقوم مقامه، كمن يبذل لغيره مالًا ليعتق عبده، أو يخلع امرأته أو يفك أسيره.
وبالجملة فالعوض الذي ينافي الجود، يشترط فيه أمران:
أحدهما: أن يقصده المعطي، والثاني: أن يقصده من المعطى أو ممن يقوم مقامه. فأما من طلب العوض من الله تعالى، أو أحسن للتذاذه هو بالإحسان، فهذا لا ينافي الجود باتفاق العقلاء؛ بل لو طلب الثناء من العباد ونحوهم، لم يمتنع أن يسميه الناس جوادًا، كما سموا حاتمًا وغيره من أهل الجاهلية بالجود، وإن كانوا قد يقصدون السمعة والثناء في الخلق.
الوجه الثاني عشر: قوله: «ولعل من يهب ليستعيض معامل، وليس بجواد» . وهذا فيه من الإجمال ما تقدم؛ فإن معنى العوض، الذي يمنع الجود في الشرع واللغة والعرف وعقول جميع الآدميين، أخص من العوض الذي ادعاه، فقوله: «وليس العوض كله عينًا، بل وغيره حتى الثناء
(1/530)

والمدح والتخلص من المذمة والتوصل إلى أن يكون على الأحسن أو على ما ينبغي» فيقال له: لا نسلم أن من أعطى لينال حمد الله وثناؤه عليه، والتخلص من ذم الله تعالى له لا يكون جوادًا؛ بل هذا جواد باتفاق الأنبياء والمرسلين، وجميع عباد الله المؤمنين، وسائر أهل السموات وأهل الأرضين. وكذلك من وهب ليكون ذلك أقرب إلى الله تعالى، وأحسن له عنده، وأعلى لدرجته، أو ليكون عند الله على ما ينبغي، فلا نسلم أن هذا ليس بجواد. وكذلك أهل كل لغة، سواء كانوا مسلمين أو كفارًا؛ من وهب لينال ما هو عندهم أحسن وأعلى، ولينال الحمد والثناء من الجناب الأعلى، لشيء يليق به عندهم أن يطلب منه الحمد والثناء، فهو جواد عندهم. فقوله: «من جاد ليشرف أو ليحمد أو ليحسن به ما يفعل، فهو مستعيض غير جواد» ليس بمسلم، ولا دليل عليه.
بل يقال في الوجه الثالث عشر: هذا جواد باتفاق العقلاء من جميع الأمم، وهذا هو المجود، قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ
(1/531)

أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] *وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] وقال {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 110] * وقال: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ} [آل عمران: 115] وقال: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة: 7-8] وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا *وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا* (40) } [النساء: 40] وقال: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265] وقال: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة: 261] وقال: {وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) } [الروم: 39] ويروى عن علي أو غيره أنه قال: ما أحسنت إلى أحد، وما أسأت إلى أحد؛ إنما أحسنت إلى نفسي، وأسأت إلى نفسي. وعمل ذلك إلى لأجل الله تعالى نهاية المطلوب كما قال كل من
(1/532)

الرسل: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) } [الشعراء: 109] وقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) } [الليل: 17-21] .
الوجه الرابع عشر: أن هذا الاسم بعينه لم يجئ في أسماء الله تعالى، التي في القرآن ولا في الأحاديث المشهورة في الصحيحين، وإن كان قد جاء بمعناه أسماء أخرى، كالكريم، والأكرم، والوهاب، وما يستلزم هذا المعنى [كـ] الرحمن والرحيم، والرب وغير ذلك، لكن هذا الاسم جاء ذكره في الحديث الإلهي، حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله، وقد رواه مسلم لكن هذا الاسم جاء في رواية الترمذي
(1/533)

وابن ماجه فيه: «يقول الله تعالى: يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط، إذا غمس في البحر غمسة واحدة، وذلك أني جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام؛ إنما أمري إذا أردت شيئًا، أن أقول له كن فيكون» وروى هناد بن
(1/534)

السري، عن أبي معاوية، عن حجاج، عن سليمان بن سحيم، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: قال
(1/535)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جواد يُحبُّ الجود» وقال أهل العلم: الجواد في كلام العرب معناه الكثير العطاء، يقال منه: جاد الرجل يجود جودًا فهو جواد. قال أبو عمرو بن العلاء:
(1/536)

الجواد الكريم، تقول العرب فرس جواد. إذا كان غزير الجري، ومَطر جواد، إذا كان غزيرًا، قال عنترة:
جادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم
وجاء في الحديث في وصفه المطر الذي استسقاه الرسول صلى الله عليه وسلم: «فما جاء أحد من جميع النواحي إلا أخبر بجود» وفي حديث أبي هريرة، الذي في صحيح مسلم، في الثلاثة الذين
(1/537)

يقضي الله عليهم يوم القيامة أولًا «ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن أنفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت؛ ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه في النار» فهذا الحديث الصحيح يدل على أن قولهم جواد، مثل قولهم كريم، كما قال أبو عمرو فقد ثبت بالنص، وقول أهل اللغة، أن المخلوق يسمى جوادًا، وإن كان إنما يفعل لمصلحة له، وإنما يفعل بإرادته.
الوجه الخامس عشر: أن تسمية الرب سبحانه وتعالى جوادًا، وإن كان قد قيل، هو بمعنى كونه كريمًا، فالاسم «الكريم» يتناول معاني منها الجود؛ فإن فيه معنى الشرف والسؤدد، ومعنى الحلم، وفيه معنى الإحسان.
ومن تأمل مقالات أهل الفلسفة والكلام، ومن يضاهيهم في هذا الأصل، وجدهم عامتهم مضطربين فيه، كل منهم وإن
(1/538)

أثبت نوعًا من الحق واعتصم به، فقد كذب بنوع آخر من الحق فتناقض، وأكثر عقول الناس تبخس دون تأمل هذا؛ إذ أحدهم يرى نفسه، إما أن يقول حقًّا، ويقول ما ينقضه، أو يقول حقًّا ويكذب بحق آخر، وتناقض القولين باطل، والتكذيب بالحق باطل، والحق الصريح لا يرى قلبه يستطيع معرفته، كما لا يستطيع أن يحدق بصر عينيه في نور الشمس؛ بل كما لا يستطيع الخفاش أن يرى ضوء الشمس. وقد قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج: 46] .
والمقصود هنا بيان تناقض الدهرية، وفساد حجتهم.
فصل
المشهور بين أهل السنة والجماعة أن لا يقال في صفاته «كيف» ولا في أفعاله «لِمَ» ... إلخ.
(1/539)