Advertisement

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 007

المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة

بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية

تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت 728هـ)

الجزء السابع
الصورة - الرؤية - الساق - رؤية النبي صلى الله عليه وسلم - النفس
اليد - الشخص - الغيرة - الصمد

حققه
د. محمد البريدي
(7/1)

فصل قال الرازي الخبر الثالث ما روى صاحب شرح السنة في كتابه في باب آخر من يخرج من النار عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
(7/3)

قال فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإن بيننا وبينه علامة فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ثم قال واعلم أن الكلام على هذا الحديث من وجهين الأول أن تكون في بمعنى الباء والتقدير فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوه بها في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكًا من الملائكة ونظيره قول ابن عباس رضي الله عنهما
(7/4)

في قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] أي بظلل من الغمام ثم إن تلك الصورة تقول أنا ربكم وكانَّ ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة وتكون الفائدة فيه تثبيت المؤمن على القول الصالح وإنما يقال الدنيا دار محنة والآخرة دار الجزاء على الأعم والأغلب وإن كان يقع في كل واحدة منهما ما يقع في الأخرى نادرًا أما قوله صلى الله عليه وسلم إنهم يقولون إذا جاء ربنا عرفناه فيُحمَل على أن يكون المراد إذا جاء إحسان ربنا عرفناه وقوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فمعناه يأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها أمارات الإحسان وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيقولون بيننا وبينه علامة فيحتمل أن تكون تلك العلامة كونه تعالى في حقيقته مخالفًا للجواهر
(7/5)

والأعراض فإذا رأوا تلك الحقيقة عرفوا أنه هو الله تعالى التأويل الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة والمعنى أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه مالم يألفوه ولم يعتادوه من معاملة الله تعالى معهم ثم يأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة على الوجه الذي اعتادوه وألفوه والكلام على ذلك أن يُقال أما هذا الخبر في الجملة فهو متواتر عند أهل اعلم بالحديث ورواته من التابعين وأتباعهم من أجلِّ الأمة قدرًا في العلم والدين وهو معروف عن عدد من الصحابة فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مجتمعين ومن حديث أبي سعيد مفردًا وهو أيضًا في صحيح مسلم من حديث جابر وهو في المسانيد من حديث ابن
(7/6)

مسعود وأبي موسى وفد جمع الحافظ أبو الحسن الدارقطني
(7/7)

كثيرًا من طرقه في كتاب الرؤية له وهو حديث طويل في وصف ما يكون في القيامة من تجلِّي الله لعباده وخطابه لهم ومرورهم على الصراط وخروج أهل التوحيد من النار وهو مشتمل على جمل من أصول أهل السنة التي يُكذِّبُ بها طوائف من أهل الأهواء والخوارج والمعتزلة
(7/8)

والجهمية والقرامطة
(7/9)

والباطنية مثل الإتيان والرؤية والصراط وخروج أهل الكبائر من النار وغير ذلك مما يدخل في باب الإيمان بالله واليوم الآخر مما يكذب به الجهمية والخوارج ومن اتبع الطائفتين من المعتزلة ونحوهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ به مرارًا وكذلك أصحابه من بعده كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث ابن مسعود على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وبذلك تتبين فوائد جليلة وجواب على إشكالات كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى روى البخارىُّ
(7/10)

ومسلم في الصحيحين من حديث أبي اليمان عن شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن
(7/11)

يزيد الليثي أن أبي هريرة أخبرهما ومن حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن النَّاس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تُضَارُّونَ في القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال
(7/12)

هل تُضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله عز وجل في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويُضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من
(7/13)

يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهمَّ سَلِّم سَلِّم وفي جهنم كلاليبُ مثل شوك السَّعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السَّعدان غير أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموثوق بعمله
(7/14)

ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه لم يتحد لفظ البخاري في رواية إبراهيم بن سعد ولفظ مسلم مطلقًا ومنهم المجازى حتى يُنَجَّى حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكةَ أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود وفي لفظ تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد
(7/15)

امتحشوا فيُصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَميل السَّيل ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبلٌ بوجهه على النار وهو آخر أهل النار دخولاً الجنَّةَ فيقول أي ربِّ اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيدعو الله ما شاء
(7/16)

أن يدعوه ثم يقول الله تعالى هل عَسَيْتَ إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزَّتك لا أسألك غيره ويعُطي ربَّه من عهود ومواثيق ما شاء الله فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل على الجنَّة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي ربِّ قَدِّمْني إلى باب الجنَّة فيقول الله له ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألاَّ تسألني غير الذي أعطيت أبدًا ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول ربِّ ويدعو الله حتى يقول هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويُعطي ربَّه ما شاء من عهود ومواثيق فيقدِّمه إلى باب الجنة فإذا قام على باب الجنَّة انْفَهقَتْ له الجنة فرأى ما فيها
(7/17)

من الحَبَرة والسرور فيسكت ما شاء أن يسكت ثم يقول أي رَبِّ أدخلني الجنة فيقول الله ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألاَّ تسأل غير ما أعطيت ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رَبِّ لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله تعالى منه فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنَّة فإذا دخلها قال الله له تَمَنَّه فيسأل ربِّهُ ويتمنى حتى إنَّ الله ليُذكِّره من كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأمانيُّ قال الله ذلك لك ومثله معه قال عطاء بن يزيد الليثي وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يَرد عليه من حديثه شيئاً حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله تبارك وتعالى قال ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدريُّ وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله
(7/18)

ذلك لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة فذلك الرجل آخر أهل الجنَّة دخولاً الجنَّة وهذا الحديث من أجلّ حديث كان عند ابن شهاب الزهري أعلم الأمة بالسنة في زمانه وأحفظهم للعلم وأتقنهم له وكان قد سمعه من سعيد بن المسيب أعلم الأمة وأجلها في زمان كبار التابعين وسمعه أيضًا من عطاء بن يزيد الليثي أحد أجلاء
(7/19)

التابعين عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضًا فكان يحدث به ابن شهاب الزهري عن أحدهما تارة وتارة عنهما جميعًا كما جرت عادة الزهري فإنه لسعة علمه يكون الحديث عنده عن عدد من كبار التابعين فيحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا وهذا معروف للزهري في مواضع كثيرة من الصحيح والبخاري رواه في الصحيح مرات لكنه رواه تارة في صفة القيامة من حديث شعيب ومن حديث معمر تامًّا لأنه موضع سياقه تامًّا ولفظ الصورة كما تقدم وكما رواه مسلم من حديث شعيب وإبراهيم بن سعد ورواه البخاري في فضل السجود من حديث شعيب أيضاً فلم يذكر ذلك لأن مقصوده في ذلك الموضع يحصل
(7/20)

بدون ذلك فلم يحتج إلى ذكر الألفاظ التي تروى تارة وتكتم تارة عن بعض الناس وذكره في رواية إبراهيم بن سعد قال فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربُّنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون وأخرجاه أيضًا من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فهل تُضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس فيها سحاب قالوا لا قال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب قالوا لا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تُضارُّون في رؤية الله تبارك وتعالى
(7/21)

يوم القيامة إلاّ كما تُضارُّون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذِّنُ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرات أهل الكتاب فُيدعى اليهودُ فيُقال ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيراً ابن الله فيقال كذبتم
(7/22)

ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيُشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ما تخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كلن يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم الله تعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فما تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا
(7/23)

يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يـ سجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في صورته التي رأوه فيها أول مرة
(7/24)

فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يُضرب الجِسْرُ على جهنم وفي رواية أخرى وهي في البخاريّ ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بَر وفاجر وغبَّرات من أهل الكتاب ثم يُؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب فيُقال لليهود ما كنتم تعبدون قالوا كنَّا نعبد عزيراً ابن الله فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون قالوا نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم ثم يُقال للنصارى ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله
(7/25)

فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون فيقولون نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم حتى يبقى من كان يعبد الله من بَر أو فاجر فيقال ما يحبسكم قد ذهب النَّاس فـ ـيقولون فارقناهم ونحن أحوج منَّا إليه اليوم وإنَّما سمعنا مناديًا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنَّما ننتظر ربَّنا فيأتيهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه فيقولون السًَّاق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً فيذهب كما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ثم يُؤتى بالجسر فيُجعل بين ظهري ْ جهنّم قلنا يا رسول الله وما الجسر قال مَدْحضةٌ مَزلّةٌ عليه
(7/26)

خطاطيف وكلاليب وحَسَكَة مُفَلْطَحَة لها شويكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السَّعدان المؤمن عليها كالطرْف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مُسَلَّم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يُسْحَب سحبًا فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبيَّن لكم من المؤمنين يومئذٍ للجبَّار وإذا رأوا أنهم قد نَجَوا في إخوانهم يقولون ربَّنا إخواننا الذين كانوا يُصلّون معنا
(7/27)

ويصومون معنا ويعملون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا همن وَجَدتُم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويُحرِّم اللهُ صورهم على النّار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرِجُون من عرفوا ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من إيمان فأخرجوه فيُخْرِجُونَ من عرفوا ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرَّة من إيمان فأخرجوه فيُخْرِجُونَ من عرفوا قال أبو سعيد فإن لم تُصَدِّقُوني فاقرأوا إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) [النساء 40] وفي الرواية الأولى ثُمَّ يُضربُ الجِسرُ على جهنّم وتحلُّ الشَّفاعة ويقولون اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ قيل يا رسول الله وما الجِسْرُ قال دَحْضٌ مَزِلَّة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يُقال لها السَّعدان فيَمُرُّ
(7/28)

المؤمنون كطرْف العين وكالبرق وكالرّيح وكالطير وكأجاويد الخيل والرّكاب فناجٍ مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنَّم حتى إذا خَلَص المؤمنون من النَّار فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدَّ مناشدة لله في استِقْصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويُصلُّون ويَحُجُّون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتُحرَّم صورهم على النَّار فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربَّنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير أخرجوه فيُخرجُون خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربَّنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا ثُمَّ يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال بصف دينار من خير فأخرجوه
(7/29)

فيُخرجُونَ خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن لقيتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرًا وكان أبو سعيد الخدري يقول إنْ لم تصدّقُوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئْتُم إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) [النساء 40] فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيُخرجُ منها أقوامًا من النار لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حُممًا فيلقيهم في نهر في أفواه الجنَّة يقُال له نهر
(7/30)

الحياة فيخرجون كما تخرجُ الحِبَّةُ في حَميل السَّيل ألا ترونها تكون في الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشَّمس أصَيْفِر وأخَيْضِر وما يكون منها إلى الظِّل يكون أبيض فقالوا يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنَّة يقولون هؤلاء عتقاءُ الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدَّمُوه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا
(7/31)

ولفظ الرواية الأخرى قال أبو سعيد فإن لم تُصدِّقُوني فاقرأوا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) [النساء 40] فيشفع النَّبِيُّون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبَّار بَقِيَتْ شفاعتي فيقبضُ قبضة من النَّار فـ يخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنَّة يُقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَميل السَّيل قد رأيتموها إلى جانب الصَّخْرة وإلى جانب الشَّجَرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيُجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنَّة فيقول أهل الجنَّة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهُم الجنَّة بغير عمل عملوه ولا خير قدَّموُه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه قال أبو سعيد الخدري بلغني أن الجسر أدقُّ من الشَّعرة وأحدُّ من السَّيف فقد ذكر في حديث أبي سعيد أربعة أصناف
(7/32)

الصنف الأول المشركون فهم يتَّبِعُون ما كانوا يعبدون من آلهة الصنف الثاني غُبَّرات أهل الكتاب الذين أصل دينهم عبادة الله وحده لكنهم ابتدعوا الشرك فعبدوا العُزَيْر والمسيح ولهذا يجعل الله هؤلاء في كتابه صنفًا غير المشركين كقوله تعالى لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) [البينة 1] وهو مع ذلك يصفهم بما ابتدعوه من الشرك كما في قوله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) [التوبة الآيتان 30-31] والصنف الثالث المنافقون الذين كانوا يعبدون الله رياءً وسمعةً الصنف الرابع المؤمنون الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له وذكر أنه بعد أن يذهب المشركون مع آلهتهم وكفار أهل الكتاب إلى النار ولم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بر وفاجر
(7/33)

أتاهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة وفي رواية أخرى في الصحيح أتاهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرَّة وفي لفظ في الصحيح أتاهم رب العالمين في أدني صورة من التي رأوه فيها أول مرة وفي رواية أخرى في الصحيح أتاهم الجَبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وأنه يمتحنهم فيقول أنا ربكُم وانه لا يكلمه إلا الأنبياء وأنَّه حينئذ يَكشِف عن ساق فيسجد له المؤمنون دون المنافقين ثُمَّ يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة والثانية التي امتحنهم فيها فأنكروه وهي أدنى من التي رأوه فيها أول مرة والمرة التي كشف لهم عن ساقٍ حتى سجدوا له والرابعة حين يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرَّة وهذا تفسير ما في حديث أبي هريرة المتقدم مع أبي سعيد حيث قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي
(7/34)

يعرفون وأنَّ التي يعرفون هي التي يُكشف فيها عن ساقٍ فيسجدون له ثُمَّ يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة فيتَّبِعُونَه حِينَئِذٍ وفي صحيح مسلم عن ابن جريج عن أبي الزبير أنَّه سَمِعَ جابرًا يُسأل عن الوُرود فقال نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي واحد ذلك فوق الناس قال
(7/35)

فتُدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأوَّل فالأوّل ثُمَّ يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول من تنظرون فيقولون ننظر ربَّنَا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلَّى لهم يضحك قال فينطلق بهم ويتَّبِعُونَه ويُعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا ثم يتَّبِعُونَه وعلى جسر جهنَّم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ثُمَّ يُطْفَأ نور المنافقين ثُمَّ ينجو المؤمنون فتنجو أوَّلُ زمرةٍ وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يُحاسبون ثُمَّ الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء ثُمَّ كذلك ثُمَّ تَحُلُّ الشَّفّاعة ويشفعون حتى يخرج من النَّار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بِفنَاء الجنَّة ويجعل أهل الجنَّة يَرُشُّون عليهم الماء
(7/36)

حتى يَنْبُتُوا نبات الشَّيء في السَّيل ويذهب حُرَاقُهُ ثُمَّ يسأل حتى تُجعلَ له الدنيا وعشرة أمثالها معها ورَوَى مسلم في صحيحه عن سفيان بن عيينة ثنا سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله هل نرى ربَّنَا يوم القيامة قال ها تُضارُّونَ في رؤية الشَّمسِ في الظَّهيرة ليست في سحابة قالوا لا قال فهل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فو الذي نفسي بيده لا تُضارُّون في رؤية ربِّكم إلاَّ كما تُضارُّون في رؤية أحدهما
(7/37)

قال فيَلْقَى العبدَ فيقول أي فُلْ ألمْ أكْرِمْك وأُسَوِّدْكَ وأُزَوِّجْك وأُسَخِّر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب قال فيقول أفظننت أنك مُلاقِيَّ قال فيقول فإنِّي أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثَّاني فيقول أي قُلْ ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول له أفظننت انَّك مُلاقِيَّ فيقول لا
(7/38)

فيقول فإنِّي أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثَّالث فيقول له مثل ذلك فيقول أي رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلَّيتُ وصُمتُ وتصَدَّقت ويُثني بخير ما استطاع فيقول ههنا إذًا قال ثم يقال له الآن نبعثُ شاهدنا عليك ويتفكَّرُ في نفسه من ذا الذي يشهدُ عليَّ فيختم على فيه ويُقال لِفَخذِه ولحمه وعظامه انْطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك لِيُعْذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يَسْخَط اللهُ عليه وروى أبوداود في سننه بعض هذا الحديث وهو
(7/39)

الإخبار بالرؤية في الرد على الجهمية وهذا الحديث محفوظ من حديث سفيان بن عيينة عن سهيل وليس في الصحيح لابن عيينة عن سهيل غير هذا الحديث ولكنَّ مسلمًا روى منه الطرف الذي احتاج إليه وهو أوَّله وترك رواية باقيه لأنَّها في الطرق المقدمة التي هي أشرف من هذه الطَّريق من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد ومن حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد ولأن رواية أولئك لتلك الطرق أتم وتمام الحديث قد رواه النسائي كما رواه أحمد وابن
(7/40)

خزيمة قال ثُمَّ يُنادي منادٍ ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع الشيطان والصليب وأولياؤهم على جهنَّم وبقينا أيها المؤمنون فيأتينا ربنا فيقول على ما هؤلاء فنقول نحن عباد الله المؤمنون آمنَّا بربنا ولم نشرك به شيئًا وهو ربنا تبارك وتعالى وهو يأتينا وهو يثبتنا وهذا مقامنا حتى يأتينا ربنا فيقول أنا ربكم فانطلقوا فننطلق حتى نأتي الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف عند ذلك تحلُّ الشَّفاعة أي اللهم سَلِّم اللهم سَلِّم فإذا جاوزوا الجسر فكل من انفق زوجًا من المال في سبيل الله مما يملك فتكلمه خزنة الجنَّة تقول يا عبد الله يا مسلم هذا خير فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله إنَّ هذا عبد
(7/41)

لاتوى عليه يدع بابًا ويلج آخر فضرب كتفه وقال إنِّي لأرجو أن تكون منهم قال ابن خزيمة حدثنا محمّد بن منصور الجوَّاز قال ثنا سفيان قال ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه وحفظته أنا وروح بن القاسم وردده علينا مرتين أو ثلاثة وذكر الحديث قال ابن خزيمة حدثنا محمّد بن ميمون المكّي قال ثنا
(7/42)

سفيان فذكر الحديث بطوله وقال سمعت محمّد بن ميمون يقول سُئِل سفيان عن تفسير حديث سهيل بن أبي صالح ترأس وتربع فقال كان الرَّجل إذا كلن رأس القوم كان له المرباع وهو الرّبع وقال قال النبي لعديّ بن حاتم حين قال يا رسول الله إني على دين قال أنا أعلم بدينك منك إنَّك تَسْتَحِل المرباع ولا يَحِلُّ لك وهذا الحديث صريح في لقاء الكفَّار والمنافقين لله وخطابه لهم كما ذكر القرآن في غير موضع وكما جاء هذا
(7/43)

في عِدَّة أحاديث صحيحة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد وعديّ ين حاتم رضي الله عنهم وغيرهم وفيه أن هذا يكون قبل أن يُنادي ذلك المنادي لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فإن هذا هو محاسبة العباد فإذا حُوسِبوا أمروا بأن يتبعوا آلهتهم ويتجلّى الرَّب لعباده المؤمنين ويتبعونه ويُنصَبُ الجسر على ظهر جهنّم فيعبر عليه المتقون ويذر الظالمين فيها جثيًّا ومعلوم أن المؤمنين لَقوهُ في تلك الحال قبل مناداة المنادي باتّباع كل أمّة ما كانت تعبُد وهذا هو والله أعلم الرُّؤية المذكورة في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما حيث قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرَّة وفي صورته التي يعرفون وهي تلك الصورة التي رأوه فيها لمَّا لَقوه وخاطبهم قبل المناداة
(7/44)

وذلك كان عامًّا للعباد كما يدلُّ عليه سائر الأحاديث وبعد هذا حُجِب الكفَّار كما دلَّ عليه القرآن وقد جاء ذلك مبيَّنًا في حديث أبي رزين وابن مسعود كالحديث المحفوظ عن ابن مسعود رضي الله عنه رواه ابن خزيمة وغيره عن عبد الله بن عُكَيْم قال سمعت عبد الله بن مسعود بدأ باليمين قبل الحديث فقال والله إنْ منكم من أحدٍ إلاّ سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلته يقول يا ابن آدم ما غرّك ابن آدم ما غرّك ابن آدم ما عَمِلت فيما عَلِمْت ابن آدم ماذا أجبت المرسلين وأمَّا حديث أبي رزين فهو مشهور في السنن والمسانيد لكنَّ أهل السنن يختّصِرُون من الحديث ما يناسب السُّنن على
(7/45)

عادتهم فروى أبوداود وابن ماجه عن أبي رزين العقيليّ قال قلت يا رسول الله أكلُّنا يرى ربَّه مخليًّا به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به قلت بلى قال فإنَّما هو خلق من خلق الله تعالى فالله أعظم وقد رُوِي مبسوطًا من وجه آخر كما رواه أبوبكر بن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنَّه لا يحتج إلاّ بما ثبت من الأحاديث ورواه
(7/46)

من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن قال ثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري ثُمَّ السَّمعيّ عن دلهم بن الأسود بن عبد الله عن أبيه عن عمّه لَقِيط بن
(7/47)

عامر وهو أبورزين العقيلي أنَّه خرج وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق قال فقدمنا المدينة لانسلاخ رجب فصلّينا معه صلاة الغداة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبًا فقال أيها الناس إنِّي قد خبّأت لكم صوتي مذ أربعة أيام إلاّ لأسمعكم هل من امرئ بعثه قومه فقالوا اعْلمْ لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلّه أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو تلهيه الضلالة ألا إني مسئول هل بلّغت ألا اسمعوا تعيشوا ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا فجلس النّاس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصرُه قلت يا رسول الله إنّي سائلك عن حاجتي فلا تعجلنّ عليّ فقال سل عمّا شئت قلت يا رسول الله
(7/48)

هل عندك من علم الغيب فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أنّي ابتغي سقطه فقال ضنَّ ربُّك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمُهنُّ إلاّ الله وأشار بيده ما هن يا رسول الله قال علم المَنيَّة قد علم متى منيَّةُ أحدكم ولا تعلمونه وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزْلين مشفقين فيظلُّ يضحك قد علم أنَّ غوثكم قريب قال لقيط فقلت يا رسول الله لن نعدم من رب يضحك خيرًا وعلم ما في غدٍ قد علم ما أنت طاعم غدًا ولا تعلمه وعلم يوم السَّاعة قال وأحسبه ذكر ما في الأرحام قال قلت يا رسول الله علِّمنا مما تُعلِّم الناس وما تَعلم فإنَّا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مَذْجح التي تدنو غلينا وخثعم التي توالينا
(7/49)

وعشيرتنا التي نحن منها قال تلبثون ما لبثتم ثُمَّ يتوفى نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم تلبثون ما لبثتم ثُمَّ تبعث الصيحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها شيئًا إلا مات والملائكة الذين مع ربك فخلت الأرض فأرسل السَّماء تَهْضبُ من تحت العرش فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلاّ شقَّت القبر عنه حتى يخلفه من قِبَل رأسه فيستوي جالسًا يقول ربك مَهْيَم يقول يا ريِّ أمْسِ اليوم لعهده بالحياة يحسبه حديثًا بأهله قلت يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تُمَزِّقُنا الرّياح والبلى
(7/50)

والسِّباع قال أنَبّئُكَ بمثل ذلك في آلاء الله الأرض أشرفت عليها مَدَرَة بالية فقلت لاتحيا أبدًا فأرسل ربك عليها السَّماء فلم تلبث إلاّ أيَّمًا حتى أشرفت عليها فإذا هي شربة واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم قال قلت يا رسول الله كيف وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض ننظر إليه وينظر إلينا قال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله والشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما في ساعة واحدة ويريانكم ولا تُضامون في رؤيتهما ولعمر
(7/51)

إلهك لهو على أن يراكم وترونه أقدر منهما على أن يريانكم وترونهما قلت يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه قال تُعرضون عليه بادية له صفحاتكم ولا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفةً من الماء فينضح بها قبلكم فلعمر إلهك ما تُخطئ وجه واحد منكم منها قطرة فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الرَّيْطَة البيضاء وأمَّا الكافر فَتَخْطِمُه بمثل الحمم الأسود ألا ثُمَّ ينصرف نبيُّكم صلى الله عليه وسلم فيمُرُّ على أثره الصالحون أو قال ينصرف على
(7/52)

أثره الصالحون قال فيسلكون جِسْرًا من النَّار يطأ أحدكم الجمرة فيقول حس فيقول ربك أو أنه قال فتطلعون على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أظمأ ناهلة والله رأيتها قط فلعمر إلهك ما يبسط يده أو قال يسقط واحد منكم إلاّ وقع عليها قدح يطهّره من الطوف والبول والأذى وتخلص الشمس والقمر أو قال تحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدًا فقلت يا رسول الله فبم نبصر يومئذٍ قال مثل بصرك ساعتك هذه وذلك في يوم أشرقت الأرض وواجهت الجبال قال قلت يا رسول الله فبم نجازى من سيئاتنا وحسناتنا قال صلى الله عليه وسلم الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها
(7/53)

أو يغفر قلت يا رسول الله فما الجنَّة وما النَّار قال لعمر إلهك إنَّ للجنة لثمانية أبواب ما منهنَّ بابان إلاَّ وبينهما مسيرة الراكب سبعين عامًا وإنَّ للنَّار سبعة أبواب ما منهنَّ بابان إلاَّ بينهما مسيرة الراكب سبعين عامًا فلت يا رسول الله ما يطلع من الجنَّة قال أنهار من عسلٍ مصفَّى أنهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار كأس مالها صداع ولا ندامة وماء غير آسن وبفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهَّرة قلت يا رسول الله أوَ لَنَا فيهنَّ أزواج مُصْلَحَات قال صالحات للصالحين تلذُّون بهنَّ مثل لذّاتكم في الدنيا ويلذذن بكم غير أن لا توالد
(7/54)

قلت يا رسول الله هذا أقصى ما نحن بالغون ومنهون إليه فلم يجبهُ النبي صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله علام أبايعك قال فبسط النبيُّ صلى الله عليه وسلم يده فقال على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال المشركين وأنَّ الله لا تُشرك به إلهًا غيره فقلت وإنَّ لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وبسط أصابعه وظنَّ أنِّي مشترط شيئًا لا يعطينيه فقلت نحل منها حيث شئنا ولا يَجْنِ امرؤ إلاّ على نفسه قال ذلك لك حل منها حيث شئت ولا تجن إلاّ على نفسك فبايعناه ثم انصرفنا فقال ها إنَّ ذَين ها إنَّ ذَيْن
(7/55)

ثلاثًا لمن يقرئني حديثًا لأنهم من أتقى النَّاس لله في الأولى والآخرة فقال كعب بن الخُداريّة أحد بني أبي بكر بن كلاب من هم يا رسول الله قال بنو المنتفق أهل ذلك منهم قال فأقبلت عليه فقلت يا رسول الله هل لأحد ممن مضى منَّا في جاهليته من خير فقال رجلٌ من عرض قريش والله إن أباك المنتفق في النَّار فكأنه وقع حرٌّ بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثُمَّ نظرت فإذا الأخرى أجمل فقلت وأهلك يا رسول الله قال وأهلي لعمر الله حيث ما أتيت عليه من قبر قرشيّ أو عامريّ مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشر بما يسوؤك تُجرُّ على وجهك وبطنك في النار قلت فما فعل
(7/56)

ذلك بهم يا رسول الله وكانوا على عمل لا يحسنون إلاّ إياه وكانوا يحسبونهم مُصلحين قال ذلك بأنَّ الله بعث في آخر كل سبع أمم نبيًّا فمن أطاع بنيه كان من المهتدين ومن عصى نبيه كان من الضالين
(7/57)

فهذا الحديث ونحوه يدلُّ على أنَّ جميع القيام من قبورهم يرون ربهم في أوّل الأمر كلهم يراه مخليًّا به فيسأله ويخاطبه كما تقدَّم ثُمَّ بعد ذلك ينادي المنادي فيراه المسلمون بمن معهم من المنافقين ثم بعد ذلك يتميَّزُ المؤمنون وهم الذين يرونه رؤية تنعُّم ويحجب عنه الكافرون بعد ذلك إذ الرؤية في عرصات القيامة ليست من النَّعيم والثَّواب وذهب ابن خزيمة وطائفة إلى أنَّه لا يراه إلاَّ المؤمنون والمنافقون وذهبت طائفة أخرى إلى أنَّ الكفَّار لا يرونه بحال وقد تكلمنا على هذه المسألة في غير هذا الموضع والمقصود هنا بيان ما في الأحاديث المشهورة من قوله صلى الله عليه وسلم فيرونه في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول وأن تلك هي هذه المرَّة التي تجلَّى فيها لفصل القضاء بين عباده فخاطبهم وحاسبهم ثم بعد ذلك جزاهم فأمر أن يتبع كل قوم معبودهم وروى ابن خزيمة أيضًا في التوحيد من حديث الداروردي
(7/58)

حدثني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله النَّاس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع إليهم ربٌّ العالمين فيقول ألا لينبع كل أناس ما كانوا يعبدون فيمثَّل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصوير تصويره ولصاحب النَّار ناره فيتَّبعون ما كانوا ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطَّلع عليهم ربُّ العالمين فيقول ألا تتبعون النَّاس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربُّنَا وهذا مكاننا حتى نرى ربَّنَا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع فيقول ألا تتبعون الناس ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله قال وهل تتمارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تتمارون في رؤيته تلك الساعة ثمَّ يتوارى ثم يطّلع عليهم فيعرفهم بنفسه
(7/59)

ثم يقول أنا ربّكُم فاتَّبعون فيقوم المسلمون ويضع الصراط فهم على مثل جياد الخيل والرّكاب وقولهم عليه سلّم سلّم وذكر باقي الحديث وأمَّا حديث ابن مسعود فذكر الخلال في كتاب السُّنة قال أنا أبوبكر المروذي قال ذكرت لأبي عبد الله حديث
(7/60)

محمد بن سلمة الحرّانيّ عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد قال حدثني زيد بن أبي أنيسة عن المنهال عن أبي عبيدة عن مسروق قال حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله
(7/61)

عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ينزل الله في ظُلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ فقال أبو عبد الله هذا حديث غريب لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة قال المروذي واستحسنه قال الخلال وأخبرنا أبوبكر المروذي حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد حدثني ابن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع قال حدثنا عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجمع الله عز وجل الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وينزل الله تبارك وتعالى في ظُلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد ياأيها الناس ألن ترضوا من ربِّكم
(7/62)

الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولاتشركوا به شيئًا أن يولّى كل إنسان منكم ما كان يتولاّه ويعبده في الدنيا أليس ذلك عدلاً من ربكم قالوا بلى قال فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ذلك مما كانوا يعبدون قال ويُمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويُمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير ويبقى مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وأمَّته قال فيتمثل الرَّبُّ جل وعز فيأتيهم فيقول لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون إنَّ لنا إلهًا ما رأيناه بعد فيقول وهل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون نعم بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناه قال فيقول ما هي قال فيقولون يكشف عن ساقه قال فعند
(7/63)

ذلك يكشف عن ساقه قال فيخرُّ من كان بظهره طبق ويبقى قوم ظهورهم كأنَّها صياصي البقر يريدون السُّجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ثم يقول ارفعوا رؤوسكم قال فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يُعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ومنهم من يُعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يُعطى نوره مثل النخلة بيمينه ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلاً يُعطى نوره على إبهام قدمه فيُضيء مرة ويطفئ أخرى فإذا أضاء قدر قدمه مشى وإذا أطفئ قام قال والرَّبُّ تبارك وتعالى أمامهم حتى يمر في النَّار يبقى أثره كحدِّ السيف دحض مزلة ويقول مُرُّوا فيمرُّون على قدر نورهم منهم من يمرُّ كطرف العين
(7/64)

ومنهم من يمرُّ كالبرق ومنهم من يمرُّ كالسَّحاب ومنهم من يمرُّ كانقضاض الكوكب ومنهم من يمرُّ كشدِّ الفرس ومنهم من يمرُّ كشدِّ الرجل حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام قدمه يحبو على يديه ووجهه ورجليه تخرُّ يدٌ وتعلق يدٌ وتخرُّ رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النَّار قال فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها ثم قال الحمد لله لقد أعطاني الله عز وجل ما لم يعط أحدًا إذ نجَّانِي منها بعد إذ رأيتها قال فينطلق به إلى غدير عند باب الجنَّة فيغتسل قال فيعود إليه ريح أهل الجنَّة وألوانهم قال ورأى ما في الجنَّة من خلال الباب قال فيقول رب أدخلني الجنة قال فيقول الله عز وجل أتسأل الجنَّة وقد نجيتك من النار قال فيقول ربِّ اجعل بيني وبينها حجابًا لا أسمع حسيسها قال فيدخل الجنَّة قال
(7/65)

فيرى أو يرفع له منزلاً أما ذلك كأنَّ ما هو فيه إليه حلم قال فيقول رب أعطني ذلك المنزل قال فيقول اللهُ عز وجل لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزَّتك لا أسألك غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطيه قال فينزله قال ورأى أمام ذلك منزلاً آخر كأنَّ ما هو فيه إليه حلم قال فيقول ربِّ أعطني ذلك المنزل فيقول اللهُ عز وجل فلعلَّك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره وأيّ منزل أحسن من هذا قال فيعطاه فينزله قال فيرى أو يرفع له أمام ذلك المنزل منزلاً آخر كأنَّ ما هو فيه إليه حلم قال فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله عز وجل فاعلَّك إن أعطيته لا تسأل غيره فيقول لا وعزَّتك وأيّ منزل أحسن منه قال فيعطاه فينزله قال ثم
(7/66)

يسكت قال فيقول الله عز وجل مالك لا تسأل قال فيقول رب لقد سألت حتى استحييت وأقسمت لك حتى استحييت فيقول اللهُ عز وجل له ألن ترضى إن أعطيتك مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى أن أفنيتها وعشرة أضعافها قال فيقول أتستهزئ بي وأنت رب العالمين قال فيضحك الرَّبُّ تبارك وتعالى من قوله قال فرأيت عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه9 حين بلغ هذا المكان من الحديث ضحك قال فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارًا كلما بلغت هذا المكان من الحديث ضحكت فقال إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى يبدو آخر أضراسه قال فيقول الرب تبارك وتعالى لا ولكني على ذلك قادر سل فيقول ربِّ
(7/67)

ألحقني بالنَّاس فيقول الحق بالنَّاس فينطلقُ يرفل في الجنَّة حتى إذا دانا من النَّاس رفع له قصر من درة فيخرُّ ساجدًا فيقال له ارفع رأسك قال فيقول رأيت ربِّي أو تراءى لي ربِّي عز وجل قال فيقال إنما هو منزل من منازلك قال فيلقى رجلاً فيتهيأ للسجود فيقال له مه مالك فيقول أنت ملك من الملائكة فيقول إنما أنا خازن من خزَّانك عبد من عبيدك تحت يديَّ ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه قال فينطلق أماه حتى يفتح له القصر قال وهو درَّةٌ مجوَّفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها فتستقبله جوهرة خضراء مبطَّنة بحمراء فيها سبعون بابًا كل باب يفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى
(7/68)

في كل جوهرة سُرر وأزواج ووصائف وأدناهنَّ حوراء عيناء عليها سبعون حلَّة يُرى مخ ساقها من وراء جلدها كبدها مرآته وإذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عمَّا كانت عليه من قبل وإذا أعرضت عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمَّا كان عليه من قبل فيقول لها والله لقد ازددتِ في عيني سبعين ضعفًا وتقول له وأنت والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا قال فيقال له أشرف فيشرف قال فيقال له ولك ملك مسير مائة عام ينفذه بصرك فقال عمر رضي الله عنه ألا تسمع إلى ما يحدثنا به ابن
(7/69)

أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنَّة منزلاً فكيف أعلاهم قال كعب يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إن الله تعالى كان خلق لنفسه دارًا وجعل ما شاء فيها من الأزواج والثمرات والأشربة ثم أطبقها فلم يرها أحد من لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) [السجدة 17] قال وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه ثم قال من كان كتابه في عليين نزل تلك الدار التي لم يرها أحد حتى إن الرجل من أهل عليين ليَخْرج يسير في ملكه فما تبقى خيمة من خيام الجنَّة إلاَّ دخلها ضوء من ضوء وجهه ويستبشرون بريحه ويقولون واها لهذه الرِّيح الطَّيبة هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويحك
(7/70)

يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها فقال كعب والذي نفسي بيده إن لجهنَّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى عن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام يقول رب نفسي نفسي حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لظننت أنك لن تنجو
(7/71)

وقد روى ابن خزيمة هذا الحديث في كتاب ذكر نعيم الآخرة وأحال عليه في كتاب التوحيد وهذا الحديث المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه قد روى أهل الصحاح كثيرًا منه عن ابن مسعود من وجوه أخرى ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آخر من يدخل الجنَّة رجل يمشي مرَّة ويكبو مرَّة وتسفعه النار مرة فإذا ما جاوزها
(7/72)

التفت إليها فقال تبارك الذي نجَّاني منك لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين فترفع له شجرة فيقول يا رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها فيقول الله عز وجل يا ابن آدم لعلِّي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول لا يا رب ويعاهده ألاَّ يسأله غيرها قال وربه عز وجل يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظلُّ ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة هي لأحسن من الأولى فيقول أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها فيقول ياابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها فيقول لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها فيعاهده أن لا يسأل غيرها وربه عز وجل يعذره لأنه يرى ما لاصبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة أخرى عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها فيقول ياابن آدم ألم تعاهدني ألاَّ تسألني غيرها قال بلى ياربّ هذه لا أسألك
(7/73)

غيرها وربُّه عز وجل يعذره لأنه يرى ما لاصبر له عليه فيدنيه منها فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنَّة فيقول أي رب أدخلنيها فيقول ياابن آدم ما يصريني منك أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها قال يارب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين فضحك ابن مسعود فقال ألا تسألوني مما أضحك قالوا مما تضحك قال هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا مما تضحك يا رسول الله قال من ضحك رب العالمين حين قال أتستهزئ مني وأنت رب العالمين فيقول إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر وفي الصحيحين من حديث إبراهيم النَّخعي عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني
(7/74)

لأعلم آخر أهل النَّار دخولاً الجنَّة رجل يخرج من النار حبوًا فيقول الله له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يارب وجدتها ملأى فيقول الله عز وجل اذهب فادخل الجنَّة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه وكان يقول ذلك أدنى أهل الجنة منزلة والكلام على ماذكره من وجوه أحدها أن من تأمل سياق هذه الأحاديث وما اتفقت عليه من المعاني وسياقها وما فيها من الإخبار بأن الله يأمر كل من عبد غيره أن يتبع معبوده فيمثله له أنه إذا تميَّز الموحدون من غيرهم امتحنهم هل يعبدون غير الإله الذي رأوه أولاً فلما
(7/75)

تثبَّتهم بالقول الثابت تجلَّى لهم في الصورة التي يعرفون فيسجدون له ولما رفعوا رؤوسهم من السجود وجدوه قد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة ثم إنهم يتبعونه بعد ذلك حتى يمروا على الصراط علم بالاضطرار أن الذي يأتيهم في هذه الصورة هو رب العالمين نفسه لا ملك من الملائكة ولا مجرد بعض آياته ومن صرف مثل هذه الأحاديث وهذه الألفاظ الصريحة المنصوصة إلى مَلك من الملائكة أو مجيء شيء من عذاب الله أو إحسان الله فإنه مع جحده لما يعلم بالاضطرار من هذه الألفاظ قد فتح من باب القرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه ما لا يمكن سدُّه إذ لايمكن بيان المخبر عنه بأعظم من هذا البيان التَّام فمن جعل هذا محتملاً لم يمكن قط أن يخبر أحدٌ أحدًا بشيء من الألفاظ المبينة لمراده قطعًا وهذا كله من أعظم السفسطة وجحد
(7/76)

الحسيَّات والضروريات التي لا يستحقُّ جاحدها مناظرة ولهذا كان السلف ينهون عن مجادلة أمثال هؤلاء
(7/77)

السوفسطائية القرامطة الوجه الثاني أن قوله تكون في بمعنى الباء والتقدير فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوها في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكًا من الملائكة ونظيره قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] يُقال أولاً هذا تبديل للُّغة وقلب لها فإن الباء في مثل قولك جئت بهذا تكون لتعدية الفعل ولهذا يقول النُّحاة إن أسباب التعدية ثلاثة الهمزة والتضعيف والباء تقول أتاه مال ثم تعديه فتقول آتاه مالاً وتقول أتاه به وتقول جاء به وتقول أجاءه إلى كذا وتقول علم هذا وعلمته هذا ومن المعلوم أن فعل أتى وجاء تستعمل تارة لازمًا وتارة متعدِّيًا فالأول كقوله تعالى وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ [يوسف 58] ونحوه والثاني كقوله تعالى وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [يونس 22] وقوله أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ [الشعراء 165] وقوله
(7/78)

لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد 23] على قراءة القصر وعلى قراءة المدِّ فيكون متعدِّيًا إلى مفعولين والعائد محذوف على هذه القراءة وقوله وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم 34] وقوله وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود 3] ونحوه وقوله آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف 96] وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة 43] فهذا الفعل المتعدي إذا عدي بالهمزة كان المعنى بمنزلة أعطى والتقدير أن الأول جعل الثاني آتيًا فإذا قيل ويؤت كل ذي فضل فضله آتوني زبر الحديد كان التقدير أن يجعل الفضل آتيا وزبر الحديد آتية كما في قوله أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء 80] فإذا دخل وخرج يتعدى إلى الظرف والمصدر فإذا دخلته الهمزة صار الفاعل مفعولاً به والمعنى داخلاً مدخل صدق واجعلني خارجًا مخرج صدق وإذا عدي هذا المتعدي بالباء اقتضى أن الإتيان ألصق بذلك المجرور فإذا قيل أتاهم بهذا أي جعل إتيانهم لاصقًا بذلك المأتي
(7/79)

به فيكون قد أتاهم ضرورة وأما كون نفس الفاعل هنا جاء بنفسه أو لا يجب أنه جاء كما في قوله فَأَتَاهُمُ اللَّهُ [الحشر 2] فهذا فيه تفصيل فإن من الناس من يسوي بين أخرجه وأخرج به والصواب الفرق والمقصود هنا أن المجرور بالباء في مثل هذا يدل اللفظ دلالة صريحة على انه ألصق به الإتيان والمجيء كالذي جعله غيره آتيًا وجائيًا كما في قوله تعالى عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا [يوسف 83] إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ [هود 33] فأتاهم الله بعذاب وقوله فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا [النمل 37] وليس في مثل هذا النَّظم إشعار بأنَّ المأتي به ظرف للفعل إلى الفاعل ولا أن الفاعل فوقه أو في جوفه أو غير ذلك من المعاني التي يدل عليها لفظ الباء فأما لفظ فيه فله خاصة يدلُّ عليها لا تحصل بحرف الباء فَجَعْلُهُ بمعنى الباء تحريف لكلم عن مواضعه وتبديل للغة إذا جاء في صورة حسنة أو حال حسن أو ثياب حسنة أو طائفة
(7/80)

من الناس أو مركب من المراكب ونحو ذلك فلابد وأن يكون المأتي فيه مما يصلح أن يُسمى في اصطلاح النُّحاة ظرفًا لا يكتفي في ذلك بمجرد أن يكون مأتيًّا به والذي يبين هذا أن المواضع التي جاءت بحرف الإلصاق في القرآن والحديث لا يصلح أن تستعمل بحرف الظرف إلا حيث يكون الظرف مقصودًا فلا يصلح أن يُقال عسى الله أن يأتيني فيهم جميعًا إنما يأتيكم فيه الله أن يصيبكم الله في عذاب من عنده أما قوله فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ [النمل 37] وإذا قيل لنأتينَّهم في جنود فإنه يصلح إن كان هو الذاهب في الجنود فإن الجنود تكون محدقة به ومثل هذا المعنى يعبر عنه بـ في أما إذا أرسل الجنود ولم يذهب بنفسه فلا يصلح أن يُقال فلنأتينهم في جنود وإنما يُقال لنأتينَّهم بجنود وهذا من مشهور اللغة التي يعرفها عامة العلماء بها وإذا كان كذلك فهذا التأويل فيه مع تحريف الحديث تحريف القرآن فإن قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] لا يصلح أن يراد أنَّه هو يرسل ذلك ولا يأتي كما تقدم
(7/81)

وأما نقلهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أتى بظلل من الغمام بمعنى أنه يرسلها ولا يجيء هو فهذا كذب على ابن عباس ولم يذكروا له إسنادًا وقد روي عن ابن عباس من وجوه أنَّ الله نفسه يجيء كما رواه عثمان بن سعيد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن
(7/82)

مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) [الفرقان 25] قال ينزل أهل السماء الدُّنيا وهم أكثر من أهل الأرض ومن الجن والإنس فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم تشقق السماء الثانية وساقه إلى السماء السابعة قال فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم يأتي الرب تبارك وتعالى في الكروبيين وهم أكثر من أهل السموات والأرض
(7/83)

قال وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن عوف عن أبي المنهال عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم فإذا كان ذلك قبضت هذه السماء الدنيا على أهلها فنشروا على وجه الأرض فإذا أهل السماء الدنيا أكثر من جميع أهل الأرض فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا وقالوا أفيكم
(7/84)

ربنا فيقولون ليس فينا وهو آت قال ثم يقبض أهل السماء الثانية وساق إلى السماء السابعة قال فلأهل السماء السابعة وحدهم أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بالضِّعف قال ويجيء الله تعالى فيهم والأمم جثيًّا صفوف قال فينادي منادٍ ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم وسيأتي إن شاء الله تعالى تقرير ذلك في تفسير إتيان الله تعالى إذ ليس هذا موضعه الوجه الثالث أن قوله فيأتي الله في صورته التي يعرفون وقوله فيأتيهم الله في صورة غير صورته وقوله أتاهم ربُّ العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة وفي صورة غير صورته التي رأوه فيها أول
(7/85)

مرة ونحو ذلك لو احتمل أن يكون بمعنى فيأتيهم بصورة فقد تقدم أن لفظ الصورة المضاف إلى شيء هو من باب الإضافة النفسية لا الخلقية كما تقدم بيانه لأن الإضافة الخلقية تكون قيما هو قائم بنفسه كما في قوله ناقة الله بيت الله أرض الله ونحو ذلك مما فيه دلالة على أنه منفصل عن المضاف إليه ولكن هو يحسن به وأما الصفات مثل العلم والقدرة ونحو ذلك فإذا أضيف كانت إضافته إضافة نفسية إذا لم يتبين خلاف ذلك إذ لم يُعلم أن هذه الأمور تقوم بنفسها والصورة هي قائمة بذي الصورة فليست من الأعيان المنفصلة عن المضاف إليه حتى تجعل بمعنى الملك فلا يمكن أن تكون صورة الله التي يأتي فيها مخلوقًا منفصلاً عنه يبعثه وهو لا يأتي الوجه الرابع أنه قد قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا وفي لفظ أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم ومعلوم أن أحدًا من الملائكة لا يقول للخلق أنا ربكم بل لا يدَّعي هذه الدعوى إلا كافر بالله
(7/86)

تعالى كفرعون والدجال والشيطان بل الملائكة عباد مطيعون للَّه تعالى لا يدعون الربوبية ولا الألوهية كما قال تعالى وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) [الأنبياء 29] ولا يأمر الله أحدًا من الخلق أن يقول لجميع العباد أنا ربكم فإنه تعالى لا يأمر بالشرك ومن زعم أن الله يأمر بهذا فهو مفتر على الله وإن كان الملك يقوله امتحانًا فهذا لا يصلح كما لا يصلح أن يقول أحد من الأنبياء والمرسلين للناس أنا ربكم على سبيل الامتحان وأمَّا ما ذكره من امتحان النَّاس في عرصات القيامة فلا ننكره فإنَّ المحنة إنَّما تنقطع بدخول دار الجزاء الجنة أو النار فأمَّا عَرَصَات القيامة فإنَّ المحنة في هذا وفي أمره لهم بالسجود وفيما ورد من تكليف من لم يكلَّف في الدنيا من الأطفال والمجانين كما أنَّهم يُمتَحَنُونَ في قبورهم بمسألة منكر
(7/87)

ونكير لكن المحنة من الملَك أن يقول للعبد من ربُّكَ ومن نبيُّكَ الوجه الخامس أنَّه لو كان الممتحن لهم في الآخرة ملكاً من الملائكة لقال لهم من ربُّكم وما تعبدون ولقال لهم هلا تذهبون مع ربِّكم إذ من الممكن أن يُظهر لهم صورة ويقول لهم ملَكٌ هلاَّ تذهبون مع هذه الصُّورة كما أنَّه في أوَّل الحديث قال فأذَّن مؤذّنٌ ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلو كان
(7/88)

المخاطب لهم عن الله لقال لهم ما يصلح له كما في نظائر ذلك ولكن من شأن الجهميَّة أنَّهم يجعلون المخاطب للعباد بدعوى الربوبيَّة غير الله كما قالوا إنَّ الخطاب الذي سمعه موسى بقوله إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه 12] كان قائما بمخلوق كالشجرة وكما قال في قوله من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له إنه يقول هذا ملك من الملائكة وكما زعم هذا المؤَسسُ في قوله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] إن ربه ملك من الملائكة وهذا كُلُّه من الكفر والإلحاد الوجه السادس أنه قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وهذا نص في أنهم رأوا الله قبل هذا الخطاب في صورة غير هذه الصورة فلو كان المخاطب لهم ملكا لكان المرئي قبل ذلك هو الملك لا الله والحديث نص في أنهم رأوا الله قبل هذه المرة
(7/89)

الوجه السابع أنه قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه وفي الحديث الآخر حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي رواية إنا سمعنا مناديًا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وفي رواية أتلهم الله رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقال ماذا تنتظرون فيقولون فارقنا الناس أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد فيقول أنا ربكم فيقولون لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه
(7/90)

إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كُلَّما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وهذا صريح بأن الذي أتاهم وقال أنا ربكم هو الذي أراهم العلامة حتى عرفوه فسجدوا له بعد ذلك وعرفوا أنه رب العالمين ولو كان القائل أنا ربكم ملكًا لكان الملك هو الذي اعترفوا آخرًا أنه رب العالمين وهو الذي سجدوا له وهذا من أعظم الكفر والضلال الوجه الثامن أن قوله فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وأنه يبدي العلامة التي ذكرها فيسجدون له صريح بأن الذي يسجدون له قد جاء في الصورة التي يعرفون ويتجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة وذلك صريح بأن الله هو الآتي في الصورة التي عرفوه فيها وسجدوا له لما عرفوه الوجه التاسع قوله يحتمل أن يكون المراد إذا جاء إحسان ربنا عرفناه وقوله فيأتيهم الله في الصورة التي
(7/91)

يعرفون معناه فيأتيهم الله بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان فيقال له هذا أولاً باطل فإن المراد إذا كان المعرفة بآياته فهو يظهر آيات العقاب تارة وآيات الإحسان تارة وهو الخالق لكل شيء وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكره في صورة النجم فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) [النجم 55] وكذلك لما ذكر آياته في سورة الرحمن وقال تعالى إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا [النمل الآيات 91-93] وقال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت 53] وإذا كانت معرفة الله بالآيات ليست موقوفة على الإحسان بطل هذا الوجه العاشر أن يُقال فلم لم يظهر لهم بعد ذلك شيئًا من الإحسان غير تجلِّيه هو فلو كان المراد إحسانه لوجب أن لا يعرفوه حتى يخلق شيئًا من نعمه في العرصَة قبل معرفتهم له وسجودهم له ولما عرفوه وسجدوا له قبل أن يخلق شيئًا من ذلك عُلِمَ أنَّه ليس المراد فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه
(7/92)

الوجه الحادي عشر أن يُقال حَملُ قوله فيأتيهم في صورته التي يعرفون على إحداثه بعض المخلوقات باطل من الوجوه المتقدمة في قوله فيأتيهم الله في صورة أي بصورة هي ملك من الملائكة الوجه الثاني عشر أنَّه قد تقدم انه إذا قال أولا أنا ربكم فيقولون لا نشرك بالله شيئا أو نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربُّنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود إلى آخره فقد صرح بأن الآية التي عرفوه بها وهم قد ذكروا في تأويل ذلك أن المراد به إظهار الشدَّة يوم القيامة فيكون تأويلهم لذلك بأن الآية التي يعرفونه بها حتى يسجدوا له هي الإحسان كلامًا متناقضًا متهافتًا حيث جعلوا ما يتوقف معرفته به هو الإحسان وجعلوه هناك الشدَّة والعذاب الوجه الثالث عشر أنه قد أخبر أن هذه العلامة هي الكشف عن ساقه وسيأتي الكلام على هذا في موضعه وذلك يبطل أن يكون المراد فإذا جاء إحسان ربنا أو فيأتيهم بما يعرفون أنه إحسان
(7/93)

الوجه الرابع عشر أن في حديث جابر الذي في الصحيح ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك فيقولون من تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقلون حتَّى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال فينطلق بهم ويتبعونه وهذا صريح في أن الذي أتاهم والذي تجلى لهم هو ربهم وأنهم عرفوه لما تجلى لهم يضحك وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على تمام ذلك الوجه الخامس عشر أن جميع ألفاظ الحديث صريحة في أن الذي جاء وأتى وقال أنا ربكم هو الذي رأوه فسجدوا له فاقتضى ذلك أن يكون المتجلي المسجود له هو الآتي الجائي فلو كان الذي أتى إنما هو ملك أو بعض النعم المخلوقة لم يصح ذلك ولهذا كان الإمام أحمد يحتج بإثبات المجيء والإتيان في مسألة الرؤية فذكر الخلال في كتابه السنة عن أبي طالب قال وقول الله عز وجل هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة 210] وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] فمن قال إن الله لا يرى فقد كفر فبين أن هذه
(7/94)

الآيات تدل على أنه يأتي ويجيء وذلك يقتضي الرؤية كما صرحت به الأحاديث المفسرة لكتاب الله عز وجل الوجه السادس عشر أنه في حديث ابن مسعود فرَّق بين إتيان الرب نفسه وإتيان سائر المعبودات وذلك يفسِّر ما ورد في بقية الأحاديث حيث قال ثم ينادي مناد يا أيها النَّاس ألن ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولاه ويعبده في الدنيا أليس ذلك عدلاً من ربكم قالوا بلى قال فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويتمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير قال فيتمثل لهم الرَّبُّ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون إن لنا إلهًا ما رأيناه بعد فيقول وهل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون نعم بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن ساقه قال فعند ذلك يكشف عن ساقه قال فيخر من كان
(7/95)

بظهره طبق ويبقى قوم ظهروهم كأنهم صياصي البقر قلما ذكر أولئك المعبودات ذكر أنه يمثل أشباهها وأن المعبود من الأنبياء تأتي شياطينهم مع أنهم قد اتبعوها وذكر أن الرب لما امتحن العباد هو الذي يمثل لهم وهو الذي أظهر لهم العلامة التي عرفوه بها حتى سجدوا فلو كان الآتي هو ملك من ملائكة الله أو شيء من مخلوقاته لكان بيان هذا أولى من بيان أولئك إنما جاءت أشباههم إذ في هذا من المحذور ما ليس في ذلك بل هذا التفريق بين هذا وهذا دليل واضح أن الذي أتاهم هو رب العالمين الذي تمثل لهم في الصورة والذي اتبعه أولئك هو أشباه المعبودات وشياطين الأنبياء وذلك لأن الأنبياء لم يأمر بعبادتهم إلا الشياطين والجمادات لم تقصد أن تعبد فلا فرق عند عابديها بينها وبين أشباهها والله سبحانه هو الذي أمر الخلق بعبادته وهو نفسه هو الذي عَبَدهُ المؤمنون فلا يصلح أن يأتيهم غير من يتبعونه غيره الوجه السابع عشر أنه قد أخبر أنه بعد إتيانه إياهم في الصورة التي يعرفون وإظهار الآية التي عرفوه بها وسجود
(7/96)

المؤمنين له دون المنافقين اتبعوه حتى مروا على الصراط كما بين ذلك في حديث أبي هريرة وجابر وابن مسعود فلو كان الذي جاء في هذه المرة الثانية هو بعض النعم لكانوا قد اتبعوا تلك النعمة المخلوقة فلا يكونون اتبعوا الرب الذي عبدوه وهو خلاف نصوص الأحاديث وخلاف العدل الذي أخبر به في الحديث وذلك لأن العبادة مستلزمة كمال المحبة للمعبود وكمال التعظيم له فإن المعبود هو الذي يقصد وَيُحَبُّ لذاته والمرء مع من أحب وهذه حقيقة العدل أن يكون الإنسان مع المحبوب الذي يحبه محبة كاملة بحيث يحبه لذاته وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون المؤمنون متبعون لغير الله والذي جاءهم هو الذي اتبعوه فهو الله وهو الذي جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها ولا ريب أن عند الجهمية يمتنع أن يكونوا متبعين لله كما يمتنع أن يكون هو الآتي وكما يمتنع أن يكون قد أتاهم في صورة وكما يمتنع أن يتجلى لهم ضاحكًا وكما يمتنع أن يكشف عن ساقه فأحد الأمرين لازم إما أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق أو ما يقوله هؤلاء الجهمية إذ هما متناقضان غاية التناقض ومن عرف ماجاء به
(7/97)

الرسول صلى الله عليه وسلم ثم وافقهم فلا ريب أنه منافق الوجه الثامن عشر قوله في العلامة يحتمل أن تكون العلامة كونه تعالى في حقيقته مخالفًا للجواهر والأعراض يُقال له قد صرح في حديث جابر فيتجلى لهم ضاحكًا ومع تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للعلامة التي أخبر بها بذلك يمتنع أن يكون هو ماذكره هؤلاء الوجه التاسع عشر أن كونه مخالفًا للجواهر الأعراض ما ينافي إتيانه في الصورة أولاً وآخرًا فلو كان ذلك هو العلامة لامتنع أن ينكروه ثم يعرفوه لاسيما وهو قد قال إن الصورة التي أتاهم فيها ثانية وهو ما يحدثه من إحسانه وذلك أمر لا يتعرض بحقيقة بل تلم المخلوقات مع قوله أنا ربكم مثل الملك مع قوله أنا ربكم لكن الملك حيٌّ وتلك النِّعم ليست حية ولكن يجوز إنطاق الجامدات الوجه العشرون أن عرصة القيامة لاسيما قبل جواز الصراط ليس هو محل الجزاء بالإنعام والإحسان وإنما هو مقام الامتحان فتفسير إتيان الله في الصورة التي يعرفون بالإحسان
(7/98)

مناقض لذلك الوجه الحادي والعشرون أنه قال فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيسجدون له فإن كانت تلك العلامة كونه مخالفًا للجواهر والأجسام لزم أن يكون في نفسه على صورة يخالف الجواهر والأجسام ويدل على ذلك دليلاً مستقلاً أنَّه قال في حديث أبي هريرة فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وقال في حديث أبي سعيد فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه إلى آخره فجعل الصُّورة التي يعرفون هي الصورة التي ظهرت بالعلامة وهي التي يسجدون لها الوجه الثاني والعشرون أن هذه المعرفة حصلت برؤيتهم ومعلوم أنَّ كون الشيء مخالفًا لغيره إذا عرف بالرؤية إنما يفيد أنَّه مخالف لما رؤي فأما مالم ير فقد تشترك أشياء في كونها مخالفة لما رؤي فيجوز أن يكون المتجلِّي لهم أشياء ليست مثل ما رأوه من الجواهر والأجسام وإن كانت مخلوقات أيضًا فإن قيل المراد أنَّه ليس بجوهر ولا جسم قيل هذا أمر
(7/99)

عدمي والأمور العدمية لا في العقل ولا في الحس فظهر أنَّ هذا فاسد وأما التأويل الثاني وهو أن يكون المراد من الصورة الصفة والمعنى أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه ما لم يألفوه ولم يعتادوه من معاملة الله تعالى ثم يأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة على الوجه الذي اعتادوه وألفوه فهذا أفسد من الذي قبله وأكثر الوجوه التي أبطل بها ذلك يبطل بها هذا ولهذا خصائص ويظهر ذلك بوجوه أحدها أن تفسير الصُّورة بمجرد الصفة فاسد كما قدمناه وبينا أنَّه حيث دل لفظ الصُّورة على صفة قائمة بالموصوف أو على صفة قائمة بالذهن واللسان فلابد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية وإن دلَّ على الصورة الذهنيَّة
(7/100)

الوجه الثاني أن إظهار الشدة في تسمية ذلك صفة كإظهار النعمة وكإظهار الملك إذ جميع ذلك عبارة عن خلق شيء من الأجسام وإظهاره فتسمية هذا صفة هون ما تقدم من الملك والإحسان تحكُّم باطل الوجه الثالث أن الناس ما زالوا يألفون أنَّ الله تعالى يبتليهم بالسراء والضراء فدعوى أن أحدهما مألوف دون الآخر باطل الوجه الرابع أن الله إذا أظهر عذابه وشدته لم يجز الامتناع من السجود له في هذه الحال ولا يجوز إنكار ربوبيته حتى يقول الأنبياء والمؤمنون نعوذ بالله منك وينكرون أن يكون هو ربهم الوجه الخامس أن السجود في حال إظهار الشدة أولى من السجود في حال إظهار النعمة ولهذا كانت الصلاة عند إظهار الآيات مثل الكسوف والخسوف مشروعـ ـة باتفاق المسلمين وهي أطول الصلوات وأكثرها قدرًا وصفة
(7/101)

وأما النعمة ففي سجود الشكر نزاع وأيضًا فإن الجنة لا سجود فيها وهي دار النعيم فكيف يُقال إنهم امتنعوا عن السجود له عند الشدة ولم يسجدوا له إلا عند النعمة الوجه السادس أن هذه الحال قبل مرورهم على الصراط وقبل ظهور المؤمن من المنافق وإنما يكون النَّعيم والعذاب والشدة والكرامة بعد ذلك إذا مروا على الصراط وتميز السعداء من الأشقياء الوجه السابع أنَّه قد أخبر في الحديث أنَّ المشركين الذين عبدوا مع الله إلهًا آخر ومن أشرك بالله من أهل الكتاب قد صاروا إلى العذاب وبعد ذلك يأتي المسلمين ربُّهم في غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها فلم يظهر الشدة والبطش والعذاب
(7/102)

إلاَّ للكفار من المشركين وأهل الكتاب دون المسلمين الوجه الثامن أن في نفس الأحاديث أنه إذا سجد له المسلمون لم يتمكن من السجود إلا المؤمنون الذين كانوا يسجدون في الدنيا من تلقاء أنفسهم وأما المنافقون فلا يستطيعون السجود وفي أحاديث أخر أنهم بعد هذا يعطون الأنوار على قدر أعمالهم المنافقون والمؤمنون وإن كانت أنوار المنافقين تطفأ بعد ذلك ثم يمرون على الصراط فناج مسلَّم وهو الذي ينجو بلا أذى وناج مخدوش وهو الذي يصيبه من لفحها ومكدوش في نار جهنم وهم المعذبون فلم يكن العذاب والشدة إلا بعد هذا كله حين المرور على الصراط فكيف يقال إنّ إتيانه أولاً في غير صورته التي يعرفون هو إتيان عذابه وبأسه ولم يأت منه شيء الوجه التاسع أن هؤلاء يتأولون كشفه عن ساقه بأنه إظهار الشدة وفي نفس هذه الأحاديث أنه إذا أتاهم في الصورة التي يعرفون يكشف لهم عن ساقه فيسجدون له فإذا تأولوا مجيئه في الصورة التي يعرفون على إظهار رحمته وكرامته كان هذا من
(7/103)

التحريف والتناقض في تفسير الكتاب والسنة الوجه العاشر أنه ليس فيما ذكروه إلا أنه يجيء بعض مخلوقاته إما التي تسر وإما التي تضر ومن المعلوم أن الله لا يوصف بنفس المخلوقات بل بكونها ليست صفات له أظهر من كونها ليسـ ـت صورة له فقول القائل يأتيهم الله في صورته التي يعرفون أو التي لا يعرفون أي صفته التي يعرفون أو التي لا يعرفون ثم تأويل ذلك بمجيء بعض ما يخلقه من الضراء والسراء من أفسد الكلام فإن النعم والنقم ليست من صفات الله التي يوصف بها وإنما يوصف بأنه يخلقها ويحدثها ويفعلها فلا يصح أن يكون مجيئها مجيء الله في صفته الوجه الحادي عشر أن الناس تنازعوا في نفس الخلق والإحداث والتكوين هل هو من صفات الله تعالى أم لا وهذا المؤسس وأصحابه مع المعتزلة يقولون إن الخلق هو المخلوق ليس ذلك صفة لله بحال فإذا كان نفس التكوين ليس من صفاته عندهم فكيف يكون المخلوق المكون من
(7/104)

صفاته وأما جمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام فيقولون إن الفعل نفسه والخلق من صفاته ولكن المخلوق ليس من صفاته فإذا قيل إن الله تعالى يأتي في صفته امتنع على قول أولئك أن يراد الأفعال وأما على قول هؤلاء فيكون الله في نفس ما يقوم به من الفعل لا إتيان المفعول المجرد وذلك لأن الصفة إما أن يراد بها القول لفظه ومعناه وإما أن يراد بها المعاني القائمة بالموصوف وعلى التقديرين فالمخلوقات ليست داخلة في صفات الله تعالى الوجه الثاني عشر أنه لو كان اللفظ فيأتيهم الله في صورة عظيمة أو في صفة عظيمة كما يقال جاء الملك في صورة عظيمة ودخل المدينة على صفة عظيمة ونحو ذلك وادعوا مع ذلك أن الصورة والصفة هي المخلوق لم يكن في الإحالة كما ادعوه في ألفاظ النصوص لأن قوله في صورة وفي صفة نكرة مثبتة لم يعين صاحبها فأما إذا قيل في صورته التي يعرفون وصورته لا يعرفون وفي صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وقيل عن الصورة بمعنى
(7/105)

الصفة كان ذلك صفة له فيمتنع أن يكون عائدًا إلى غيره كما أنهم لما تأولوا في قوله خلق آدم على صورته أي على صفته كانت الصفة لله ما يوصف به من كونه عليمًا قديرًا أو مدبِّرًا أو مَلِكًا أو نحو ذلك لم يكن مجرد صفة المخلوق بهذا الحديث قيل خلق الله آدم على صورته الوجه الثالث عشر أنه لو قيل ذلك منكَّرًا لقيل فيأتيهم في صورةٍ أو صفة لوجب أن يكون هو الآتي وأن يكون موصوفًا بما يعود إليه من حكم ذلك كما في قولهم جاء المَلِكُ في صورة عظيمة أو صفة عظيمة فإن هذا اللفظ لا يقتضي أن الجائي مجرد مفعوله بل لابد أن يكون هو الجائي في صورة أو صفة عظيمة فكيف إذا كان النص فيأتيهم الله في صورته التي رأوه فيها أول مرة مع ما تقدم من الألفاظ الوجه الرابع عشر أن هذه الألفاظ كلها مصرِّحةٌ بأن الله تعالى هو الآتي وهي في ذلك موافقة لدلالة القُرآن مفسرة له حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأحاديث بأنهم يرون ربَّهم كما
(7/106)

يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر صحوًا ليس دونه سحاب جوابًا لهم لمَّا سألوه هل نرى ريَّنا يوم القيامة وخبر مبتدأ فإنه كان يُحدّثُهم بهذا الحديث مرَّات متعددة ثم وصف هذه الرؤية فأخبر أنه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد وأخبر باتباع المشركين لما كانوا يعبدونه ثم قال وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربُّنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعم أنت ربُّنا فيتبعونه وفي الحديث الآخر يقال لهم هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة وفي الحديث الآخر ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك فيقول من تنتظرون فيقولون ننتظر ربَّنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلَّى لهم يضحك قال فينطلق بهم و
(7/107)

يتَّبعونه وفي الآخر قال يجمع الله الأوَّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وينزل اللهُ في ظُلَلٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي منادٍ وإذا كانت الأحاديث مصرِّحةً بمجيء الربِّ نفسه تصريحًا يعلمه الخاص والعام ويزيل كل شبهة علم أن هذه التحريفات تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم لا تصدرُ إلاّ من جاهل بما أخبر ب هاو منافق ليس بمؤمن فاما من آمن به وعلم ما جاء به فلا يكون إلاّ مصدِّقًا بمضمونها الوجه الخامس عشر أنَّ مضمون أقاويل الجهمية أنه يُعبد غير الله في الدنيا والآخرة وهذا من جملة شركهم فإنهم دخلوا في الشرك من وجوه منها إثباتهم خصائص الربوبية لغير الله حتى جعلوه يدعي الربوبية ويحاسب العباد ويسجدون له ومن الناس من يذكر لهذا الخبر تأويلاً فمن أعظمها كفرًا وضلالاً تأويل الاتحادية والحلولية الذين يقولون إنَّ الله تعالى هو الوجود أو يقولون إنَّه حال في الوجود أو ظاهر فيه ويزعمون أن المخلوقات كلها مظاهر الرب ومتجلياته بمعنى
(7/108)

أن ذاته هي الظاهرة في المخلوقات ويحتجُّون على ذلك بهذا الحديث فهم مع تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته يجعلون الخاص عامًّا في مثل هذا الحديث وفي مثل قوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ومثل قوله لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله
(7/109)

وذلك كقول صاحب الفصوص في تمام الكلام الذي
(7/110)

ذكرناه عنه في الفصّ الهودي بعد قوله فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهو روح العالم المدبِّر له فهو الإنسان الكبير فهو الكون كله وهو الواحد الذي قام كوني بكونه ولذا قلت يتغذي فوجودي غذاؤه وبه نحن نحتذي فبه منه عن نظرت بوجه تعوّذي ثم قال ولهذا الكرب تنفس فنسب النفس إلى الرحمن لأنه رحم به ما طلبته النسب الإلهية من إيجاد صورة العالم التي قلنا هي ظاهر الحقّ إذ هو الظاهر وهو باطنها إذ هو الباطن وهو الأول إذ كان ولا هي وهو الآخر إذ كان عينها عند ظهروها فالآخر عين الظاهر والباطن عين الأول وهو بكل شيء عليم لأنه بنفسه عليم فلمَّا أوجد الصُّور في النفس وظهر سلطان النَّسب المعبَّر عنها بالأسماء صحّ
(7/111)

النّسب الإلهي للعالم فانتسبوا إليه تعالى فقال اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي أي آخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم وأردُّكم إلى انتسابكم إليَّ أين المتقون أين الذين اتخذوا اللهَ وقاية فكان الحقُّ ظاهرهم أي عين صورهم الظاهرة وهو أعظم الناس وأحقه وأقواه عند الجميع وقد يكون المتَّقي من جعل نفسه وقاية للحق بصورته إذ هويَّة الحقّ قوى العبد فجعل مسمَّى العبد وقاية لمسمَّى الحق على الشهود حتى يتميَّز العالِمُ من غير العالِم هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر أية 9] وهم النّاظرون في لبّ الشّيء الذي هو المطلوب من الشيء فما سبق مقصِّرٌ مجدًّا كذلك لا يماثل له أجير عبدًا وإذا كان الحق وقاية للعبد بوجه والعبد وقاية للحق بوجه فقل في الكون ما شئت إن شئت قلت هو الخلق وإن شئت قلت هو الحق وإن شئت قلت هو الحق الخلق وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك فقد بانت المطالب بتعيينك
(7/112)

المراتب ولولا التحديد ما أخبرت به الرسل بتحوُّل الحق في الصُّور ولا وصفـ ـته بخلع الصُّور عن نفسه فلا تنظر العين إلاَّ إليه ولا يقع الحكم إلاَّ عليه فنحن له وبه في يديه وفي كل حال فإنَّا لديه لهذا ينكَّر ويعرَّف وينزَّه ويوصف فمن رأى الحق منه فيه بعينه فذلك العارف ومن رأى الحق منه فيه بعين نفسه فذلك غير العارف ومن لم ير الحقَّ منه ولا فيه وانتظر أن يراه بعين نفسه فذلك الجاهل وبالجملة فلابد لكل شخص من عقيدة في ربِّه يرجع بها إليه ويطلبه فيها فإذا تجلَّى له الحق فيها عرفه وأقرَّ به وإن تجلَّى له في غيرها أنكره وتعوَّذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر وهو عند نفسه أنَّه قد تأدَّب معه فلا يعتقد معتقد إلهًا إلاَّ بما جعل من نفسه فالإله في الاعتقادات بالجعل فما رأوا إلاَّ نفوسهم وما جعلوا فيها فانظر مراتب الناس في العلم بالله تعالى هو عين
(7/113)

مراتبهم في الرؤية يوم القيامة وقد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك فإيَّاك أن تتقيَّد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه فكن في نفسك هيولياً لصور المعتقدات كلها فإنَّ الله تعالى أوسع وأعظم أن يحصره عقد دون عقد فإنه يقول فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وماذكر أينًا من أين وذكر أنَّ ثَمَّ وجه الله ووجه الشيء حقيقته فنبَّه بهذا قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا فإنه لايدري العبد في أيّ نفس يقبض فقد يقبض في وقت غفلة فلا يستوي مع من قبض على حضور ثم إنَّ العبد مع علمه بهذا يلزم في الصُّور الظاهرة والحال المقيدة التوجّه بالصلاة إلى شطر المسجد الحرام ويعتقد أن الله تعالى فيقبلته حال صلاته وهو بعض مراتب وجه الحق من فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فشطر المسجد الحرام منها ففيه وجه الله ولكن لاتقل هو هنا فقط
(7/114)

بل قف عندما أدركت والزم الأدب في استقبال شطر المسجد الحرام وألزم الأدب عدم حصر الوجه في تلك الأينيَّة الخاصة بل هي من جملة أينيَّات ما تولى متول إليها فقد بان لك عن الله أنه في أينيَّة كل وجهة وما ثم إلا الاعتقادات فالكل مصيب وكل مصيب مأجور وكل مأجور سعيد وكل سعيد مرضيٌّ عنه وإن شقي زمانًا ما في الدَّار الآخرة فقد مرض وتألَّم أهل العناية مع علمنا بأنَّهم سعداء أهل حق في الحياة الدنيا فمن عباد الله من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمَّى جهنَّم ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم إما بفقد ألم كانوا يجدونه فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عند وجدان ذلك الألم أو يكون نعيم مستقل زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان
(7/115)

فهذا بعض كلامهم في باب الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر وهو اقرب شيء إلى كلام القرامطة الباطنية لكنَّ هؤلاء دخلوا من باب التصوُّف والتحقيق والكشوف وأولئك دخلوا من التشيُّع وموالاة أهل البيت ومالهم من علوم الأسرار وكلاهما من اكفر خلق الله وأعظمهم نفاقًا وزندقة
(7/116)

وتبديلاً لدين الإسلام وتحريفًا للكلم عن مواضعه وليس المقصود هنا وصف أنواع كفرهم ولكن المقصود الإخبار بأنهم جعلوا ما أخبرت به الرُّسل من أنَّ الله يجيء يوم القيامة في صورة أصلاً في أنَّ كل صورة في العالم فاللهُ هو الآتي فيها وانَّه الظَّاهر في صورة الموجودات بل هو عينها وقال ابن عربي أيضًا في حكمة إيناسية في كلمة إلياسية بعد أن ادَّعى أن المؤثِّر وإن كان الحق والمؤثر فيه هو العالم فالمؤثر فيه واحد من جهة الحقيقة ثم قال ومن ذلك قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال الله تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ الآية [البقرة 186] إذ لا يكون مجيبًا إلاّ إذا كان من يدعوه وإن كان عين الداعي عين المجيب فلا خلاف في اختلاف الصُّور فهما صورتان بلا شك وتلك الصُّور كلها كالأعضاء لزيد فمعلوم أنَّ ويدًا حقيقة واحدة شخصيَّة وأنَّ يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه فهو الكثير
(7/117)

الواحد الكثير بالصُّور الواحد بالعين وكالإنسان واحد بالعين بلا شكّ ولا شك أنَّ عَمْرًا ماهو زيد ولا خالد ولا جعفر وأنَّ أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودًا فهو وإن كان واحدًا بالعين فهو كثير بالصُّور والأشخاص وقد علمت قطعًا إن كنت مؤمنًا أنَّ الحقَّ عينه يتجلَّى يوم القيامة في صورة فيعرف ثم يتحوَّل في صورة فينكر ثم يتحوَّل عنها في صورة فيعرف وهو هو المتجلّي ليس غيره في كل صورة ومعلوم أنَّ هذه الصُّورة ما هي تلك الصورة الأخرى فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في الله عَرَفَه فأقرَّ به وإذا اتفق أن يرى فيها نعتقد غيره أنكره كما يرى في المرآة صورته وصورة غيره فالمرآة عين واحدة والصُّور
(7/118)

كثيرة في عين الرائي وليس في المرآة صورة منها جملة واحدة مع كون المرآة لها أثر في الصُّورة بوجه وما لها أثر بوجه وكلامهم وإن اشتمل على أنواع عظيمة من الشرك الأكبر والكفر الأعظم فهم في هذا الحديث ضلوا من وجوه أحدها أنهم جعلوا إتيان الله يوم القيامة عباده في الصُّور غير الصُّور التي يعرفونها ثم في الصُّور التي يعرفونها هو من جنس جميع الصور الموجودة في الدنيا والآخرة حيث اعتقدوا أنه الظَّاهر في كل صورة حتَّى صور الكلاب والخنازير كما حدَّثني من كلن مع رجلين من طواغيتهم مرَّا بكلب ميت أجرب فقال أحدهما للآخر وهذا أيضًا ذاتي فقال وهل ثم شيء يخرج منها
(7/119)

وكمل سمعت وأنا صغير رجلاً كان من شياطينهم ولم يكن إذ ذلك أنه منهم ولا يعرف مذهبهم بل كان يتكلَّم في أمور وكان له ذكاء وكان من كلامه أنَّه حكى عن شيخ عظَّمَهُ أنه قال لرجل يقول يا حي يا قيُّوم ويكرر ذلك ويلهج به كما يحصل لمن غلبه الذكر والدعاء لمن غلب عليه ذلك فقال له لافرق بين قولك يا حي أو يا حجر فإن الحاء في الاسمين وكلاهما يوجب حركة النفس وقوَّتها وكلامًا من هذا النوع بَعُدَ عهدي عنه لكن علمت فيما بعد أنَّ مقصوده أنه ما ثَمَّ سوى الوجود فالحجر وغير الحجر سواء والمقصود بهذا الذكر أنَّ النفس يحصل لها بذلك حركة وتقوى بذلك كما يقوى البدن بمعالجة الأعمال لا أنَّ هناك ما يدعوه هو الحي القيُّوم غير هذا العالم الثاني أنَّه في حديث القيامة قد أخبر أنَّه يأتي المسلمين بعد ذهاب الكفّار من المشركين وأهل الكتاب مع آلهتهم وعلى قول هؤلاء يأتي في تلك الآلهة التي عبدها المشركون وهم الكفار من المشركين وأهل الكتاب العابدون لها وهو عندهم
(7/120)

العجل الذي عبد أصحاب العجل كما قال إمامهم إمام الضلالة صاحب الفصوص في الفص النُّوحي ومكروا مكرًا كبَّارًا لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية أدعو إلى الله فهذا عين المكر على بصيرة فنبّه أنَّ الأمر له كلُّه فأجابوه مكرًا كما دعاهم فجاء المحمَّدي وعلم أن الدعوة إلى الله ماهي من حيث هويَّته وإنَّما هي حيث أسماؤه فقال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) [مريم 85] فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم فعرفنا أنَّ العالم كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا في مكرهم وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) [نوح 23] فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ماتركوا من هؤلاء فإنَّ للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله من المحمَّديين وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] أي حكم العالم فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأنَّ
(7/121)

التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقُوى المعنوية في الصُّورة الروحانيَّة فما عُبد غير الله في كل معبود فالأدنى من تخيَّل فيه الألوهيَّة فلولا هذا التخيُّل ما عبد الحجر ولا غيره ولهذا قال قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد 33] فلو سمّوهم لسموهم حجارة وشجرًا وكوكبًا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهًا ما كانوا يقولون الله ولا الإله الأعلى ما تخيل بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يُقتصر فالأدنى صاحب التخيل يقول مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] والأعلى العالم يقول فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج 34] حيث ظهر وبشَّر المخبتين الذين خبت نارُ طبيعتهم فقالوا إلهًا ولم يقولوا طبيعة وقال في الفص الهاروني وقد ذكر قِصَّة العجل قال فكان موسى عليه السَّلام أعلم بالأمر من هارون لأنَّه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه أنَّ الله قد قضى
(7/122)

ألاَّ يُعْبَدَ إلاّ إيَّاه وما حكم الله بشيء إلاّ وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لمَّا وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فكان موسى يربِّي هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن ولذا لما قال له هارون ما قال رجع إلى السَّامري فقال له قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) [طه 95] يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص إلى أن قال فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سُلِّط موسى عليه السلام حكمةً من الله ظاهرة في الوجود ليُعْبَدَ في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلاَّ بعد ما تلبَّست عند
(7/123)

عابدها بالألوهية ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد إمَّا عبادة تألُّه وإمَّا عبادة تسخير فلابد من ذلك لمن عقل وما عبد شيء من العالم إلاَّ بعد التلبُّس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه ولذلك تَسَمَّى الحقّ لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثَّر الدرجات في عين واحد فإنه قضى ألاَّ يعبد إلاَّ إيَّاه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيًّا عُبِدَ فيها وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية 23] وهو أعظم معبود فإنَّه لا يعبد شيء إلاَّ به ولا يعبد هو إلا بذاته وفيه أقول وحقّ الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله كيف تمم في حق من عبد هواه واتخذه إلهاً فقال وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية 23]
(7/124)

والضلالة الحيرة وذلك أنه لما رأى هذا العابد ما عبد إلاَّ هواه بانقياده لطاعته فيما يأمـ ـره به من عبادة من عبده الأشخاص حتَّى إن عبادته لله كانت عن هوى أيضًا لأنه لو لم يقع له في ذلك الجانب المقدس هوى وهو الإرادة بمحبة ما عبد الله ولا آثره على غيره وكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتخذها إلها ما اتخذها إلاَّ بالهوى والعابد لا يزال تحت سلطان هواه ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين وكل عابد من امرئ ما يكفّر من يعبد سواه والذي عنده أدنى تنبه يحار لاتحاد الهوى بل لأحدية الهوى فإنه عين واحدة في كل عابد فأضله الله أي حيَّره على علم بأن كل عابد ماعبد إلا هواه
(7/125)

ولا استعبده إلا هواه سواء صادف الأمر المشروع أو لم يصادف قال والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يُعبد فيه ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك الوجه الثالث أنه قد أخبر أنه إذا تجلَّى لهم يوم القيامة في الصُّورة التي يعرفون سجد له المؤمنون كلهم وتبقى ظهور المنافقين الذين كانوا يسجدون له في الدنيا رياء وسمعة كالطبق وعلى زعم هؤلاء المشركين الملحدين المنافقين الذين كانوا يسجدون له في الدنيا المسجود له والمؤمنون والمنافقون وجميع تلك الصُّور صورة له لا فرق أصلاً الوجه الرابع أنه قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنَّه قال لن تروا ربكم حتى تموتوا وفي الأحاديث المتقدمة أن
(7/126)

المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا كما روى الخلال عن حنبل قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول إن الله لا يرى في الدنيا والآخرة مُثْبَتٌ في القرآن وفي السنة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وعلى زعم هؤلاء فهو دائما يُرى في الدنيا ولا يمكن أن
(7/127)

يُرى في الآخرة إلاَّ كما رئي في الدنيا لا يُرى إلاَّ في صورة الموجودات كما قال صاحب الفصوص في الفص الشّيِثي فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدًا إلا عن تجلٍّ إلهي والتجلي من الذات لا يكون أبدًا إلا بصورة استعداد المتجلَّى له غير ذلك لا يكون فإذًا المُتَجلَّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وما رأى الحقَّ ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك انك ما رأيت الصُّور أي صورتك إلا فيها فأبرز الله ذلك مثالاً نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلّى له أنه مارآه وماثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلّي من هذا واجهد في نفسك عندما ترى الصُّورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدًا البتة حتى عن بعض من أدرك مثل هذا في صورة المرآة ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة وهذا أعظم ما قَدَر عليه من العلم والأمر كما قلناه وذهبنا إليه وقد بينا هذا في
(7/128)

الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تُتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلاً وما بعده إلاَّ العدم المحض ومثل هذا كثير في كلامه يصرح بأنه لا يمكن أن يُرى ألاَّ كما يُرى في الدنيا وقد صرَّح بأنه ما بعد وجود المخلوقات إلا العدم المحض فصرح بعدم الخالق الذي خلق المخلوقات وإذا كان هذا قولهم فمن المعلوم أن الأحاديث المتقدمة في تجليه في الصورة وغيرها من أحاديث الرؤية كلها تبين أنهم يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر وتلك الرؤية تكون خاصة في أمكنة وأوقات خاصة إذا تجلى لهم وقد صرحت النصوص النبوية أنهم لا يرونه في الدنيا وهذا
(7/129)

كله من أبين الأشياء في أن احتجاجهم بحديث الصورة ونحوه من أعظم الاستهزاء بآيات الله لما بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم من المناقضة والمعاداة كيف وهو عندهم هو كل راء وكل مرئي فكيف يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم موافقًا لهم الوجه الخامس أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف وعند هؤلاء هو كل آت في الدنيا والآخرة وأما أهل الاتحاد والحلول الخاص كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو عليّ أو بعض المشائخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع فقد يتأولون أيضًا هذا الحديث كما تأوَّله
(7/130)

أهل الاتحاد والحلول المطلق لكونه قال فيأتيهم الله في صورة لكن يُقال لهم لفظ الصورة في هذا الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يُسمَّى المخلوق بها على وجه التقييد وإذا أطلقت على الله مختصة به مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك فهل يجوز لأحد أن يزعم أن الله يحل أو يتحد ببعض الأشخاص كما يزعمه من يتأول هذه الأسماء والصفات له أم يُعلم أنَّ ذلك من أفسد الأمور المعلومة بالضرورة وموضع الكلام على هذا هو الكلام على حديث الدجال فإن الدجال أعظم فتنة تكون وهو يدعي الإلهية ويظهر على يديه الخوارق وقد قال صلى الله عليه وسلم فيه إنه
(7/131)

أعور إن ربكم ليس بأعور وقال واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت وهذا المؤسس طعن في هذا الحديث قال لأنه لا يحتاج إلى نفي الإلهية عن الدجال إلى هذا الدليل ولو علم هذا ما في الأرض من الضلال عند أهل الاتحاد المطلق والمعين لم يقل مثل هذا فليت يرى المؤمن العالم كيف صار الحق الذي جاءت به الرسل تارة تقابله طائفة بالتكذيب وتارة يقابلونه بتمثيل غيره به والتسوية بينهما كما أن المشركين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الرسل والمرتدون صدَّقُوا برسالة مسيلمة ونحوه من
(7/132)

الكذابين وجعلوهم مثل رسل الله كذلك الكفار تارة يجحدون الصانع وما يستحقه من أسمائه وصفاته وتارة يجعلونه له أندادًا وأمثالاً وأكفاءً ويعدلون بربهم فهؤلاء في جحود المستكبرين وهؤلاء في لبس المشركين وكل من الاستكبار والشرك ضد الإسلام وإن كانا متلازمين كما قد بينا هذا كله في غير هذا الموضع
(7/133)

فصل وأقرب ما يكون عليه إتيان الله في صورة بعد صورة وإن كان تأويلاً باطلاً أيضًا ما ذكره بعض أهل الحديث مثل أبي عاصم النبيل وعثمان بن سعيد الدارمي فإنه يروى عن أبي عاصم النبيل أنه كان يقول ذلك تغير يقع في عيون الرائين كنحو ما يُخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به فيتوهم الشيء على الحقيقة وقال عثمان بن سعيد في نقضه على المريسي
(7/134)

وأما إنكارك أيها المريسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله يتراءى لعباده المؤمنين يوم القيامة في غير صورته فيقولون نعوذ بالله منك ثم يتراءى في صورته التي يعرفونها فيعرفونه فيتبعونه فزعمت أيها المريسي أن من أقر بهذا فهو مشرك يقال لهم أليس قد عرفتم ربكم في الدنيا فكيف جهلتموه عند العيان وشككتم فيه قال عثمان بن سعيد فيقال لك أيها المريسي قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية الزهري حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن
(7/135)

النبي صلى الله عليه وسلم كأنك تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولـ ـهمن جودة إسناده فاحذر ألا يكون قذفك بالشرك أن يقع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذنبنا إن كان الله سلب عقلك حتى جهلت معناه ويحك إن هذا ليس بشك ولا ارتياب منهم ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا لاعترفوا بما عرفوا ولم ينفروا ولكنه يُرِي نفسه في أعينهم لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك فإذا مثل في أعينهم غيرُ ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا إيمانًا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في
(7/136)

الدنيا فآمنوا به وصدقوا وماتوا ونشروا عليه من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته ليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لهم يوم القيامة أتعرفون ربكم فيقولون نعم إنه إذا تعرف إلينا عرفناه يقولون لانُقر بالربوبية إلى لمن استشعرته قلوبنا بصفاته التي أنبأنا بها في الدنيا فحينئذ يتجلى لهم في صورته المعروفة عندهم فيزدادون به عند رؤيته إيمانًا ويقينًا بربوبيته اغتباطًا وطمأنينة وليس هذا من باب الشك على ما ذهبت إليه بل هو يقين بعد يقين وإيمان بعد إيمان ولكن الشك والريبة كلها ما ادعيت أيها المريسي في تفسير الرؤية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ترون ربكم يوم القيامة لا تُضامُّون في رؤيته فادعيت
(7/137)

أن رؤيتهم تلك أنَّهم يعلمون يومئذ أن لهم ربا لايعتريهم في ذلك شك كأنهم في دعواك أيها المريسي لم يعلموا في الدنيا أنَّه ربهم حتى يستيقنوا به في الآخرة فهذا التفسير إلى الشك أقرب مما ادعيت في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشك والشرك لا بل هو الكفر لأن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يعلمون يومئذ أن الله ربهم ألا ترى أنه يقول أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) [السجدة 12] فالشك في الله هذا الذي تأولته أنت في الرؤية لا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل ولكن يمثل في أعينهم يومئذ أولم تقرأ كتاب الله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال 44] وهو الفعال لما يشاء كما مثل جبريل عليه السلام مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وكما مثله لمريم بشرًا
(7/138)

سويًّا وهو ملك كريم في صورة الملائكة وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ [النساء 157] فقال وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء 157] وما عملك أيها المريسي بهذا وما أشبهه غير أنه وردت عليك آثار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بحلقك ونقضت عليك مذهبك فالتمست الراحة منها بهذه المغاليط والأضاليل التي لا يعرفها أحد من أهل العلم والبصر بالعربية وأنت منها في شغل كلما غالطت بشيء أخذ بحلقك شيء آخر يخنقك حتى تلتمس له أغلوطة أخرى ولئن جزعت من هذه الآثار فدفعتها بالمغاليط مالك راحة فيما يصدقها من كتاب الله عز وجل الذي لاتقدر على دفعه وكيف تقدر على دفع هذه الآثار وقد صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظها بلسان عربي مبين ناقضة لمذهبك وتفاسيرك وقد تداولتها أيدي
(7/139)

المؤمنين وتناسخوها يؤديها الأول إلى الآخر والشاهد إلى الغائب إلى أن تقوم الساعة ليقرعوا بها رؤوس الجهمية ويهشموا بها أنوفهم وينبذ تأويلك في حش أبيك ويكسر في حلقك كما كسر في حلوق من كان فوقك من الولاة والقضاة الذين كانوا من فوقك مثل ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن وشعيب
(7/140)

بعده وغسان وابن أبي رباح المفتري على القرآن فإن كنت تدفع هذه الآثار بجهلك فما تصنع في القُرآن وكيف تحتال له وهو من أوله إلى آخره ناقض لمذهبك ومكذب لدعواك حتى بلغني عنك من غير رواية لمعارض أنك قلت ماشيء أنقض لدعوانا من القُرآن غير أنه لا سبيل لدفعه إلاَّ مكابرة بالتأويل وهذا أيضًا باطل من وجوه أحدها أن في حديث أبي سعيد المتفق عليه فيأتيهم في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وفي لفظ في أدنى صورة من التي رأوه فيها وهذا يفسر قوله في حديث
(7/141)

أبي هريرة فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم متقدمة في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها وفي هذا التفسير قد جعل صورته التي يعرفون هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا وليس الأمر كذلك لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا ولفظ الرؤية صريح في ذلك وقد بينا أنه في غير حديث مما يبين أنهم رأوه قبل هذه المرة الوجه الثاني أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة ولم يروه في الدنيا في صورة فإن ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يوجب لهم صورة يعرفونها ولهذا جاء في حديث آخر أنه ليس كمثله شيء فلو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة وقد قال النبي في سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله ما غشيها حتى لا يستطيع أحد أن
(7/142)

ينعتها من حسنها فالله أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات أيسر ومع هذا فقد قال أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها الوجه الثالث أن في حديث أبي سعيد فيرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقوله لا يتحول من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم
(7/143)

مخالفة لهذا النص الوجه الرابع أن في حديث ابن مسعود وأبي هريرة من طريق العلاء أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون وفي لفظ أشباه ما كانوا يعبدون ثم قال يبقى محمد وأمته فيتمثل لهم الرَّب تبارك وتعالى فيأتيهم فيقول مالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون إن لنا إلهًا ما رأيناه بعد فقد أخبر أن الله تعالى هو الذي تمثل لهم ولم يقل مُثِّل لهم كما قال في معبودات المشركين وأهل الكتاب الوجه الخامس أن في عدة أحاديث كحديث أبي سعيد وابن مسعود قال هل بينكم وبينه علامة فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فيسجدون له وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا بل بآية وعلامة عرفوها في الموقف وكذلك في حديث
(7/144)

جابر قال فيتجلى لنا يضحك ومعلوم أنه وإن وصف في الدنيا بالضحك فذاك لا يعرف صورته بغير المعاينة الوجه السادس أن تمثيله ذلك بقوله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال 44] وبقوله شُبِّهَ لَهُمْ [النساء 157] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه فلم يكن هو المسيح ولكن ألقى شبهه عليه والذي رأته مريم ومحمد صلى الله عليه وسلم هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي فكيف يقاس ما رئي هو نفسه في صورة على ما لم يره هو وإنما ألقي شبهه على غيره وأما التقليل والتكثير في أعينهم بالمقدار ليس هو في نفس المرئي ولكن هو صفة المرئي
(7/145)

الوجه السابع أن هذا المعنى إذا قصد كان مقيدًا بالرائي لا بالمرئي مثل قوله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال 44] فقيد ذلك بأعين الرائين يقال كان هذا في عين فلان رجلاً فظهر امرأة وكان كبيرًا فظهر صغيرًا ونحو ذلك لا يقال جاء فلان في صورة كذا ثم تحول في صورة كذا ويكون التصوير في عين الرائي فقط هذا لا يُقال في مثل هذا أصلا فإن قيل فما الفرق بين ماجاء في الحديث وبين القول الذي نقله الأشعري وغيره في مقالات أهل الكلام عن البكرية وأتباع بكر لن أخت عبد الواحد لما ذكر اختلافهم في الرؤية
(7/146)

فقال وقالت البكرية إن الله يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويكلم خلقه منها قيل هؤلاء عندهم أن الله نفسه لايُرى ولا يكلم عباده ولكن يخلق صورة فيُرى فيها ويكلم خلقه فيها ومعلوم أن هذا ليس هو معنى الحديث وذلك أن هؤلاء لما رأوا بقياس عقولهم أنه لا يرى ورأوا النصوص قد جاءت برؤيته اختلفوا في ذلك على أقوال قال الأشعري وقال قائلون منهم ضرار بن عمرو وحفص الفرد إن الله لا يرى بالأبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة غير حواسنا هذا فندركه بها وندرك ما هو بتلك الحاسة
(7/147)

قلت وهذا في رؤيته نظير ما يقوله طائفة من الكلابية والأشعرية أن كلامه لا يسمع بهذه الحاسة ولكن يخلق في العبد لطيفة أو يقولون حاسة أخرى يسمع بها كلامه وهذا قول من يجوز منهم سماع كلامه وآخرون منهم لا يُجوِّزون سماع كلامه كما أن في أولئك من لا يُجوِّز رؤيته بحال
(7/148)

قال الأشعري وقالت البكرية إن الله يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويُكلِّم خلقه فيها وقال الحسين النجار إنه يجوز أن الله تعالى يحول العين إلى القلب ويجعل لنا قوة العلم فيعلم بها ويكون العلم رؤية له أي علمًا له وقد ذهب إلى نحو هذه التأويلات طائفة من الصِّفاتيَّة من الأشعرية المتأخرين ونحوهم كما يُذكر في موضعه
(7/149)

فصل قال الرازي في تأسيسه الخبر الرابع ماروي عنه عليه السلام أنه قال رأيت ربي في أحسن صورة قال واعلم أن قوله عليه السلام في أحسن صورة يحتمل أن يكون من صفات الرائي كما يقال دخلت على الأمير على أحسن هيئة أي وأنا كنت على أحسن هيئة ويحتمل أن يكون ذلك من صفات المرئي فإن كان ذلك من صفات الرائي كان قوله على أحسن صورة عائدًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان الأول أن يكون المراد من الصورة نفس الصورة فيكون المعنى أن الله تعالى زين خلقه وجمل صورته عندما رأى ربه وذلك يكون سببًا لمزيد من الإكرام في حق الرسول صلى الله عليه وسلم الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة ويكون المعنى الإخبار عن حسن حاله عند الله وأنه أنعم عليه بوجوه عظيمة من الإنعام كما كان وذلك لأن الرائي قد يكون بحيث يتلقاه المرئي بالإكرام والتعظيم وقد يكون بخلافه فعرَّفنا
(7/150)

الرسول صلى الله عليه وسلم أن حالته كانت من القسم الأول وإما إن كان عائدًا إلى المرئي ففيه وجوه الأول أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في صورة مخصوصة وذلك جائز لأن الرؤيا من تصرفات الخيال فلا ينفك ذلك عن صورة متخيلة الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة وذلك أنه تعالى لما خصه بمزيد الإكرام والإنعام في الوقت الذي رآه صح أن يُقال في العرف المعتاد إني رأيته على أحسن صورة كما يقال وقعت هذه الواقعة على أحسن صورة وأجمل هيئة الثالث لعله عليه السلام لما رآه اطلع على نوع من صفات الجلال والعزة والعظمة ماكان مطلعًا عليه من قبل الخبر الخامس ماروي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي في أحسن صورة قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين السماء والأرض ثم قال يامحمد قلت لبيك وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت يارب
(7/151)

لا أدرى فقال في أداء الكفارات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء على الكراهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال واعلم أن قوله رأيت ربي في أحسن صورة قد تقدم تأويله وأما قوله وضع يده بين كتفي ففيه وجهان الأول المراد به المبالغة في الاهتمام بحاله والاعتناء بشأنه يقال لفلان يد في هذه الصنعة أي هو كامل فيها الثاني أن يكون المراد من اليد النعمة يقال لفلان يد بيضاء ويقال إن أيادي فلان كثيرة وأما قوله بين كتفي فإن صح فالمراد منه أنه أوصل إلى قلبه من أنواع اللطف والرحمة وقد روى بين كنفي والمراد ما يقال أنا في كنف فلان وفي ظل إنعامه وأما قوله فوجدت بردها فيحتمل أن المعنى برد النعمة
(7/152)

وروحها وراحتها من قولهم عيش بارد إذا كان رغدًا والذي يدل على أنَّ المراد كمال المعارف قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فعلمت ما بين المشرق والمغرب وما ذلك إلا لأن الله تعالى أنار قلبه وشرح صدره بالمعارف وفي بعض الروايات فوجدت برد أنامله وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والكلام على ذلك أن يقال هذان الحديثان لم يذكر لهما إسنادًا أعني الإسناد الذي يليق بكتابه وهو أن يعزو الحديث إلى كتاب من كتب الحديث ليعرف أصله وكأنه نقلها من كتاب تأويل الأخبار لأبي بكر بن فورك فإنه هو الذي يعتمده في كثير مما يذكره من أخبار الصفات وتأويلها وأبوبكر بن فورك جمع في كتابه من تأويلات
(7/153)

بشر المريسي ومن بعده ما يناسب كتابه لكنه لم يكن من الجهمية المماثلين لبشر بل هو يثبت من الصفات ما لا يثبته بشر وكان قد سبقه أبوالحسن بن مهدي الطبري إلى كتاب لطيف في التأويل وطريقته أجود من طريقة أبي بكر بن فورك وأول مكن بلغنا أنه توسع في هذه التأويلات هو بشر المريسي وإن كان قبله وفي ومنه له شركاء في بعضها وتلقى
(7/154)

ذلك عنهم طائفة من الجهمية المعتزلة وغيرهم وأما كثير من أئمة الجهمية المعتزلة وغيرهم فيكذب بهذه الأحاديث كأحاديث الرؤية المتقدمة ونحوها ويرون أن التصديق بها مع التأويل لها من باب التلاعب وجحد الضرورة ولا ريب أن هؤلاء في إبطالهم لتأويلها مع ما هي عليه من الألفاظ الصريحة أقرب من المتأولين لها ولكن هؤلاء في التصديق بها وترك التكذيب بها أقرب من أولئك وهم دائمًا يتقاسمون البدعة فيكون هؤلاء من وجه دون هؤلاء وهؤلاء من وجه دون هؤلاء ولذلك نظائر في مسألة القرآن والرؤية والصفات وغير ذلك كما نبهنا على بعضه في هذا الكتاب وسنتكلم إن شاء الله تعالى على تثبيتهما حيث تكلم الرازي على الأخبار فإن الرازي هو في الحقيقة يجمع البدعتين فلا يتبع الحق لا في إسنادها ولا في دلائلها بل
(7/155)

لا يفعل ذلك في دلالة القرآن ولهذا كانت طريقته صدًّا عن سبيل الله ومنعًا للناس من اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يثبت إلا بالنقل وبدلالة الألفاظ وهو دائمًا يطعن في الطريقتين وقد تكلمنا على كلامه في دلالة الألفاظ في غير هذا الموضع أيضًا ونحن نذكر إن شاء الله هذين الحديثين وإسنادهما ولفظهما لكن هذان الخبران متعلقان برؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه لتضمنهما ذلك وهذا قد جاءت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحاديث يستدل بها على الإثبات والنفي ولهذا تنازع السلف في هذه المسألة ولم يتنازعوا في رؤية الله تعالى في الآخرة كما سيأتي ذلك في كلام الإمام أحمد رحمه الله قال الإمام أبوبكر بن خزيمة باب ذكر أخبار رويت عن عائشة في إنكارها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول المنية بالنبي صلى الله عليه وسلم
(7/156)

إذ أهل قبلتنا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى من شاهدنا من العلماء من أهل عصرنا لم يختلفوا ولم يرتابوا ولم يشكوا أن جميع المؤمنين يرون خالفهم يوم القيامة عيانًا وإنما اختلف العلماء هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم خالقه عز وجل قبل نزول المنية بالنبي صلى الله عليه وسلم لا أنهم قد اختلفوا في رؤية المؤمنين خالقهم يوم القيامة فتفهموا المسألتين لا تغالطوا فاصدوا عن سواء السبيل ونحن نذكر من ذلك ما يسره الله تعالى والذي عليه أكثر أهل السنة والحديث إثبات رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه لكن اختلفوا هل يقال رآه بعين رأسه أو يقال رآه بقلبه أو يقال رآه ولا يقال بعينه ولا بقلبه على ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن أحمد على ما ذكر ذلك القاضي أبويعلى وغيره ولهذا جمع طائفة بين أقوال السلف في ذلك
(7/157)

فالرواية الواحدة عن أحمد وهي قول طائفة أنه يقال رآه ولايقال بعينه ولابقلبه كما في مسائل الأثرم قال سمعت أبا عبد الله قال له رجل عن حسن الأشيب قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى قال فأنكره إنسان عليه فقال لم لا تقول رآه ولا تقول بعينه ولا بقلبه كما جاء في الحديث أنه رآه قال رجل فاستحسن ذلك الأشيب قال أبو عبد الله هذا حسن قال وسمعت أبا عبد الله قال فأما من قال إنه لا يرى في الآخرة فهو جهمي
(7/158)

وأما من تكلم في رؤية الدنيا فقال عكرمة رآه وقال الحسن رآه وقال سعيد بن جبير لا أقول رآه ولا لم يره وقالت عائشة من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد كذب قال الأثرم قلت لأبي عبد الله إلى أي شيء تذهب من هذا فقال قال العمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه
(7/159)

مرتين وحديث الأثرم حدثنا محمد بن الصباح حدثنا هشيم ثنا منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن
(7/160)

أبي ذر قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه وروى الخلال حدثنا محمد بن الهيثم حدثنا عمرو بن عون أنا هشيم عن منصور عن الحكم عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] قال رآه بقلبه
(7/161)

ولم يره بعينه وقال ابن خزيمة حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا هشيم أنا منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال رآه بقلبه ولم يره بعينه فجواب الإمام أحمد يقتضي أنه استحسن كلام من أطلق القول بأنه رآه ولم يقيده بعينه ولابقلبه ولكن لايقتضي أنه منع من التقييد بأحدهما بدليل أن الأثرم لما سأله إلى أي شيء تذهب في هذا ذكر الرواية المقيدة بالقلب ولكن من أصحاب أحمد من جعل هذا رواية عنه أنه يطلق الرؤية ولا يقيد بأحدهما لكن فرق بين السكوت والتقييد وبين المنع من التقييد فإن كان أحد يظن أن أحمد منع من التقييد فليس كذلك وإن قال إنه استحسن الإطلاق فهذا حسن وحينئذ فلا يكون روايتين بل رواية واحدة تضمنت جواز الإطلاق والتقييد
(7/162)

بالقلب لكن لم ير إطلاق نفي الرؤية لأن نفيها يشعر بنفي الأمرين جميعًا وإن كان من النفاة من لا ينفي إلا رؤية العين وهذا الذي أجاب به أحمد من حديث ابن عباس الذي رواه مسلم في صحيحه عن زياد بن الحصين عن أبي العالية البرَّاء عن ابن عباس مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 11 , 13] قال رآه بفؤاده مرتين وروى مسلم في صحيحه أيضًا عن عبد الملك عن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال رآه
(7/163)

بقلبه يعني قوله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] وأما حديث أبي ذر فقد رواه مسلم في صحيحه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن أبي ذر قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال نور أنَّى أراه وأما ما يرويه بعض العامة انابا بكر سأله فقال رأيته وأن عائشة سألته فقال لم أره فهو كذب باتفاق أهل العلم ولم يكن عند عائشة في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما
(7/164)

تكلمت في ذلك بالرأي والتأويل لا بحديث كان عندها وسيأتي أن أبا عبد الله رد قول عائشة بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي وسنبين إن شاء الله اتفاق المرفوع في ذلك فإن كان أبو ذر عنى هذا ومع هذا فقد رووا عنه بذلك الإسناد الآخر الجيد عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال رأى محمد ربه بقلبه دل ذلك على أن ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف رؤية القلب التي أثبتها بل إما أن يكون دل عليها أو لم يدل على عدمها وأبو ذر أحق من رجع إليه في هذه المسألة لأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها وهو من أجلّ الصحابة رضي الله عنهم فلهذا اعتمد الإمام أحمد على ما رواه عنه وعن ابن عباس والأثرم من أعلم أصحاب أبي عبد الله وأذكاهم وأعرفهم بالحديث والفقه وحديث أبي ذر المرفوع قد تنازعوا فيه هل مقتضاه إثبات الرؤية أو نفيها فلذلك لم يحتج به أحمد قال أبو بكر بن خزيمة وقد روي عن أبي ذر خبر قد اختلف علماؤنا في تأويله لأنه روي بلفظ يحتمل النفي
(7/165)

والإثبات جميعًا وذكر الحديث ثم قال وقوله نور أنَّى أراه يحتمل معنيين أحدهما أي كيف أراه وهو نور والمعنى الثاني رأيته وإني رأيته وهو نور فهو نور لا تدركه الأبصار إدراك ماتدرك الأبصار من المخلوقين كما قال عكرمة يعني عن ابن عباس إن الله إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء قال والدليل على صحة هذا التأويل الثاني أن إمام أهل زمانه في العلم والأخبار محمد بن بشار بندار حدثنا بهذا الخبر قال حدثنا معاذ بن هشام حدثني
(7/166)

أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته فقال عن أي شيء كنت تسأله فقال كنت أسأله هل رأيت ربك فقال أبو ذر قد سألته فقال رأيت نورًا وهذه الطريق التي ذكرناها هي من رواية هشام الدستوائي عن قتادة واللفظ الأول هو من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة وبعضهم يقول نور بالرفع
(7/167)

ورواه ابن خزيمة من غير وجه بالنصب قال ابن خزيمة ويجوز أن يكون معنى خبر أبي ذر رأيت نورًا فلو كان معنى قول أبي ذر من رواية يزيد بن إبراهيم التستري أنّي أراه على نفي معنى الرؤية فمعنى الخبر أنه نفى رؤية الرب لأن أبا ذر قد ثبت عنه أنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه بقلبه حدثنا أحمد بن منيع غير مرة قال ثنا هشيم أنا منصور وهو ابن زاذان عن الحكم ين يزيد الرشك عن أبي ذر في قوله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] قال رآه بقلبه يعني النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو هاشم
(7/168)

زيادة بن أيوب قال حدثنا هشيم فذكر بإسناده عن أبي ذر قال رآه بقلبه ولم يره بعينه وكذلك نقل حنبل عن الإمام أحمد كما رواه عنه الخلال قال قلت لأبي عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه قال رؤيا حلم رآه بقلبه وكان أبو عبد الله تارة يحكي تنازع السلف في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا كما روى الخلال عن جعفر بن محمد حدثني أبو عبد الله قال قرأت على أبي قرة الزبيدي عن أبي جريج
(7/169)

أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه مرتين قلت يا أبا عبد الله عائشة تقول لم يره وأظن أني قلت له وأبو ذر قال قد اختلفوا في رؤية الدنيا ولم يختلف في رؤية الآخرة إلا هؤلاء الجهمية قلت تعيب على من يكفرهم قال لا قلت فيكفرون قال نعم وذكر الخلال هذه المسألة والجواب عنها في موضع آخر من السنة وقال فذكر مثل مسألة حبيش سواء وقد ذكر قبل ذلك مسألة حبيش
(7/170)

وهذه الرواية يحتمل أنه إنما حكى الاختلاف في رؤية العين لأنها هي التي تتظاهر الجهمية بإنكارها وهو ظاهر حديث عائشة وأبي ذر المرفوع ويحتمل أنه حكى الخلاف في رؤية القلب أيضًا لأن حديث ابن عباس الذي عارضه السائل بقول عائشة إنما فيه رؤية القلب ويحتمل أنه حكى الخلاف مطلقًا لتقابل الروايات بالإثبات والنفي يؤيد ذلك أن الخلال جعل الجواب هنا كالجواب في مسألة حبيش بن سندي فروى الخلال عن حبيش بن سندي أن أبا عبد الله سئل عن حديث ابن عباس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقال بعضهم يقول بقلبه فقيل له أيما أثبت عندك فقال في رؤية الدنيا قد اختلفوا فيها وأما في رؤية الآخرة فلم يختلف فيها إلا هؤلاء الجهمية قيل له تعيب على من يكفرهم قال لا قيل فيكفرون قال نعم ففي هذا الجواب أنهم سألوه عما يروى عن ابن عباس من إطلاق الرؤية فقال بعض الرواة يقيدها بالقلب ولما سئل أيما أثبت عندك لم يجزم بأحد الطرفين لكن ذكر أن السلف تنازعوا في ذلك ولم يتنازعوا في رؤية الآخرة فيحتمل
(7/171)

أنهم تنازعوا هل رآه بقلبه أم لا ويحتمل أنهم تنازعوا في إثبات الرؤية مطلقًا ومقيدًا وفي إطلاق نفيها ولكن استقر أمره على إثبات ماورد في ذلك من الأحاديث الثابتة والرد على من نفى موجبها قال الخلال أنا أبو بكر المروذي قال قرأت على أبي عبد الله وأبنا عبد الله بن أحمد قال قرأت على أبي قرة الزبيدي عن ابن جريح قال أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه مرتين زاد عبد الله بن أحمد ثنا نصر بن علي قال حدثنا أشعث بن عبد الله حدثنا إسماعيل ابن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الله بن
(7/172)

الحارث عن كعب قال إن الله تعالى قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهنا وسلم فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين أخبرنا المروذي عن أبي عبد الله عن وكي عثنا عباد الناجي سمعت عكرمة يقول نعم رأى محمد صلى الله عليه وسلم
(7/173)

ربه حتى انقطع نفسه وأخبرنا المروذي عن أبي عبد الله عن يزيد بن عباد قال سألت الحسن وعكرمة عن قول الله تعالى وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) [النجم 1] قالا إذا غاب فذكر الحديث ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) [النجم 8] قال الحسن هو ربي فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) [النجم 9] فقلت ياأبا سعيد هل شاهده قال نعم فقرأها حتى بلغ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 18] فتلكأ الحسن وقال رأى عظمة ربه ورأى أشياء فقال عكرمة ما تريد قال أريد أن تبين لي فقال قد رآه ثم رآه
(7/174)

قال القاضي أبو يعلى وقد اختلفت الروايات عن أحمد في إثبات رؤيته في ليلة المعراج قروى أبوبكر المروذي وذكر ما تقدم من قوله فبأي شيء يدفع قول عائشة إلى قوله ما اعتراضه في هذا الموضع يُسلَّم الخبر ثم قال وظاهر هذا من كلامه إثبات الرؤية في ليلة المعراج قال وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد وذكر أنه حكى القاضي أبو علي عن أبي بكر بن سليمان النجاد أنه قال رأى محمد ربه إحدى عشرة مرة منها بالسنَّة تسع مرات ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين ربه عز وجل يسأل أن يخفف عن
(7/175)

أمته الصلاة فنقض خمسًا وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب قال القاضي ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله رأى ربه قال رؤيا حلم رآه بقلبه قال القاضي وهذا يقتضي نفي الرؤية في تلك الليلة قال ونقل الأثرم عن أحمد أنه حكى له قول رجل يقول رآه ولا أقول بعينه ولا بقلبه فقال أبو عبد الله هذا حسن قال وظاهر هذا إطلاق الرؤية من غير تفسير بعين أو قلب قال القاضي والرواية الأولى أصح قلت ليس كلام أحمد مختلفاً فإن رواية الأثرم قد ذكرنا لفظها وأنه استحسن الإطلاق فإنه قد
(7/176)

ذهب إلى أنه رآه بقلبه وهذا موافق لنقل حنبل والمروذي نقل الرواية مطلقًا وفي الأحاديث التي رواها التقييد برؤية القلب ورؤية المنام ولم أجد في كلام أحمد تصريحًا برؤية عين ولا نفي الرؤية مطلقًا وأيضًا فاعتقاد أن نفي رؤية العين يقتضي إطلاق نفي الرؤية كما ذكر القاضي ليس هو مقتضى ما ذكره أحمد وغيره من العلماء وهذا الذي قالـ ـه الإمام أحمد من إثبات رؤية القلب هو الذي ثبت عن الصحابة كأبي ذر وابن عباس وقد روي ذلك بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً كما رواه أبوالقاسم الطبراني في كتاب السنة حدثنا الحسين بن إسحاق
(7/177)

التستري حدثنا الحماني حدثنا وكيع عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك عز وجل قال رأيته بفؤادي ولم أره بعيني وهذا وإن كان مرسلاً فهو معضود لما ثبت عن الصحابة من الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤيته ربه كأبي ذر ومن الذين نقلوا عنه أنه قال رأيت ربي كابن عباس
(7/178)

وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا التفصيل وقد صرح أبوذر بمثل هذا فقال رآه بقلبه ولم يره بعينه بهذا يمكن الجمع بين قول ابن عباس وعائشة كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقد قال أبوذر رآه بقلبه ولم يره بعينه قال الخلال أخبرنا أبوبكر المروذي قال قلت لأبي عبد الله إنهم يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة قال بقول النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي وقول النبي صلى الله عليه وسلم
(7/179)

أكبر من قولها وقال قلت لأبي عبد الله إن رجلاً قال أنا أقول إن الله يُرى في الآخرة ولا أقول إن محمدًا رأى ربه في الدنيا وقد أنكر عليه قوم واعتزلوا أن يصلوا خلفه وهو غمام فغضب وقال أهل أن يجفى ما اعتراضه في هذا الموضع يسلم الخبر كما جاء قال الخلال أخبرنا أبوبكر المروذي قال قرأت على أبي عبد الله إبراهيم بن الحكم حدثني أبي عن عكرمة قال سألت ابن عباس عل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال نعم رآه دون ستر من لؤلؤ قال المروذي قرأته عليه بطوله فصححه وقد روى أبوبكر بن أبي داود في كتاب السنة من
(7/180)

جملة كتاب السنن هذا الخبر عن عكرمة قال سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه قال نعم قال كيف رآه قال في صورة فقلت أنا لابن عباس أليس هو يقول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] قال لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء وقد روى أبوبكر بن خزيمة الرؤية عن ابن عباس من هذا الوجه فقال حدثنا محمد بن يحيى حدثنا يزيد بن أبي حكيم العدني حدثنا الحكم بن أبان سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس وسئل هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال نعم قال فقلت لابن عباس أليس الله يقول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال لا أم لك ذاك نوره
(7/181)

إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء قال محمد بن يحيى امتنع عليّ إبراهيم بن الحكم في هذا الحديث فخار الله لي أحلى منه يعني أن يزيد بن أبي حكيم أحلى من إبراهيم بن الحكم أي أنه أوثق منه قال محمد بن يحيى قال لي ابنه يعني ابن إبراهيم بن الحكم تعال حتى نحدثك قلم أذهب فحدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال ثنا موسى بن عبد العزيز القنباري حدثني الحكم يعني ابن أبان قال حدثني عكرمة قال سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه قال نعم قلت أنا لابن عباس أليس يقول الرب عز وجل لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
(7/182)

الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فقال لا أم لك وكانت كلمته لي ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء فهذا التفسير من ابن عباس يقتضي أنه رآه بالبصيرة فإنما يرى إذا ما لم يَتَجَلَّ بنوره الذي هو نوره هذا مشروح في غير هذا الموضع ولـ ـهذا فقد قال إنه تفسير لحديث أبي ذر وأن المنفي فيه قولان كالمنفي في قول ابن عباس هذا وأنه كما قيل في قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أنك ترى السماء ولا تدركها فلذلك قيل وإذا حدقت فيها عشي بصرك وإنما أنكر أحمد على من نفى أحاديث رؤيته في الدنيا مطلقًا لأن من الجهمية طوائف يقولون إن الله لايجوز أن يرى بالأبصار ولا بالقلوب أصلاً وطوائف يقولون إنه لايجوز أن يرى في المنام أيضًا وهؤلاء يجحدون كل ما فيه إثبات أن
(7/183)

محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ره عز وجل سواء كان بفؤاده أو في منامه أو غير ذلك وهؤلاء الجهمية ضلال باتفاق أهل السنة ولهذا كان أحمد ينكر على هؤلاء ردهم ما في ذلك من الأخبار التي تلقاها العلماء بالقبول كما سنذكره إن شاء الله تعالى وإذا كانوا يمنعون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده أو في منامه قهم لرؤية غيره أجحد وأجحد وقد ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم ذلك عن طوائف من الجهمية حتى إن من المعتزلة من يقول يجوز أن يرى بالقلوب بمعنى العلم ومنهم من ينكر ذلك كما نقل ذلك الأشعري في المقالات فقال أجمعت المعتزلة على أن الله لايرى بالأبصار واختلفت هل يرى بالقلوب فقال أبوالهذيل وأكثر المعتزلة نرى الله بقلوبنا بمعنى أنَّا نعلمه بقلوبنا وأنكر هشام الفوطي وعماد بن سليمان
(7/184)

ذلك وهؤلاء النفاة يسمون مثبتة الرؤية مجسمة ويجمعون في نقل مقالات المثبتة بين الحق والباطل كما نقل الأشعري عنهم ما نقله من كتب المعتزلة فقال واختلفوا في رؤية الله بالأبصار فقال قائلون يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات وأجاز عليه بعضهم الحلول في الأجسام وأصحاب الحلول وإذا رأوا إنسانًا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه وأجاز كثير ممن أجاز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم وقالوا إن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك حكي ذلك عن بعض أصحاب معتمر وكهمس
(7/185)

وحكى عن أصحاب عبد الواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون إن الله سبحانه يرى على قدر الأعمال فمن كان عمله أفضل رآه أحسن وقال قائلون إنا نرى الله في الدنيا في النوم فأما في اليقظة فلا وروي عن رَقَية بن مصقلة أنه قال رأيت رب العزة في النوم فقال لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي صلى الفجر بطهر العشاء الآخرة أربعين سنة وامتنع كثير من القول أنه يرى في الدنيا ومن سائر ما أطلقوه وقالوا إنه يرى في الآخرة فقد حكي هذا القول بإطلاق النفي في الدنيا معارضًا لتلك
(7/186)

الأقوال المشتملة على الباطل مثل كونه يرى بالأبصار في الطرقات وعلى الحق مثل كونه يرى في المنام ولهذا جمع طائفة بين قول عائشة وابن عباس كما ذكره رزين بن معاوية في تفسيره فقال وأما ما روي عن عائشة وابن عباس من الاختلاف في أمر الرؤية فإنما دخل الأمر في ذلك على بعض الروايتين من حيث إطلاقهما اللفظ فظنوا بهما الاختلاف ولم يكونا ليختلفا في مثل هذا الأصل الجليل من أصول الدين وقد روى غير أولئك الرواة عنهما لفظهما مقيدًا فزال الإشكال والمقيد يبين المجمل فروي عن ابن عباس في بعض الروايات رأى ربه بفؤاده وهو تفسير قوله رآه مطلقًا قال وقد روي عن عائشة أنها قالت يا أهل العراق إنكم تقولون أقوالاً يخالفها كتاب الله عز وجل وتزعمون أن محمدًا
(7/187)

رأى ربه ببصره وقد قال لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وإنما رآه بفؤاده وذلك قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] وإنما رأى ببصره الحجاب واستدلت على ذلك بقوله تعالى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 17-18] قال فاتفق عنهما الروايتان قول ابن عباس وقول عائشة وثبت من قوليهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى ربه بفؤاده وقال وهذا مما لانكير فيه ولا شبهة قلت وأما الأخبار المطلقة عن ابن عباس وأنس وغيرهما من الصحابة والتابعين فكثيرة أيضًا كما رواه ابن خزيمة حدثنا عبد الوهاب بن الحكم الوراق الشيخ الصالح حدثنا هاشم بن القاسم عن قيس بن
(7/188)

الربيع عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام ومحمدًا بالرؤية حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا عن عاصم عن الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز المقوم
(7/189)

قال حدثنا أبوبحر البكراوي عن شعبة عن قتادة عن أنس ابن مالك قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه حدثني عمي إسماعيل بن خزيمة حدثنا عبد الرزاق أنبأنا المعتمر بن سليمان عن
(7/190)

المبارك بن فضالة قال كان الحسن يحلف بالله لقد رأى محمد ربه وقال أبوبكر الخلال أنا محمد بن علي الوراق قال ثنا إبراهيم بن هانئ ثنا احمد بن عيسى وقال له أحمد بن حنبل حدثهم به في منزل عمه ثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي
(7/191)

هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفَّر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب قال
(7/192)

الخلال أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا عبد الله بن وهب فذكره بإسناده عن أم الطفيل أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في أحسن صورة شابًّا موفرًا رجلاه من خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب ورواه أبوبكر عبد العزيز حدثنا محمد بن سليمان قال حدثنا
(7/193)

أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب فذكره بإسناده عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه في رجليه نعلان من ذهب وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرح فيه بأنه رأى ذلك في المنام وهذه الألفاظ نظير الألفاظ التي في حديث ابن عباس قال الخلال أبوبكر المروذي قال قرئ على أبي عبد الله شاذان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدًا رأى ربه فذكر الحديث قلت
(7/194)

إنهم يطعنون في شاذان يقولون ما رواه غير شاذان قال بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد عن سلمة عن قتادة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي وقال المروذي في موضع آخر قلت لأبي عبد الله فشاذان كيف هو قال ثقة وجعل يثبته وقال في هذا يشنع به علينا قلت أفليس العلماء تلقته بالقبول قال بلى قلت إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال هذا لايدري الذي قال وغضب وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث بما سمع قتادة من عكرمة فإذا ستة أحاديث سمعت عكرمة حدثنا بهذا المروذي عن أبي عبد الله قال أبو عبد الله قد ذهب من يحسن هذا وعجب من قول من قال لم يسمع وقال سبحان الله هو قدم البصرة فاجتمع عليه الخلق وقال يزيد بن حازم رواه حماد بن
(7/195)

زيد أن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة أبنا المروذي حدثني عبد الصمد بن يحيى الدهقان سمعت شاذان يقول أرسلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت ربي قال حدث به فقد حدث به العلماء قال الخلال أبنا الحسن بن ناصح قال حدثنا الأسود بن عامر شاذان ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه جعدًا قططا أمرد في حلة حمراء والصواب حلة خضراء
(7/196)

ورواه أبو الحافظ أبوالحسن الدارقطني فقال حدثنا عبد الله بن جعفر بن خشيش حدثنا محمد بن منصور الطوسي ثنا أسود ابن عامر قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه عز وجل شابًّا أمرد جعدًا قططا في حلة خضراء ورواه القطيعي والطبراني قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله
(7/197)

صلى اله عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء وأما الحديث الذي فيه اختصام الملأ الأعلى فيما رواه الخلال وابن خزيمة وغيرهما من وجوه مشهورة عن الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت أنت أعلم يارب قال ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت
(7/198)

لا أدري يارب قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماء والأرض قال وقرأ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) [الأنعام 75] قال ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت في الكفارات يارب قال قلت وما هن قلت المشي إلى الجماعات وإسباغ الوضوء على المكاره قال فقال لي من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات طيب الكلام وأن تقوم بالليل والناس نيام وقال قل اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب عليَّ وتغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني إليك غير مفتون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن فوالذي نفسي بيده إنهن لحق
(7/199)

وقال أبوبكر بن خزيمة روى الوليد حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا خالد بن اللجلاج حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت أي ربي مرتين فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات والأرض ثم تلا وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) [الأنعام 75] قال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت في الكفارات يارب قال وما هن قلت المشي إلى
(7/201)

الجماعات والجلوس في المساجد وانتظار الصلوات وإسباغ الوضوء على المكاره فقال من فعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات إطعام الطعام وطيب الكلام وأن تقوم بالليل والناس نيام وقال اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن فوالذي نفسي بيده إنهن لحق قال ابن خزيمة حدثنا أبو قدامة وعبد الله ابن محمد الزهري ومحمد بن ميمون المكي قالوا حدثنا الوليد بن مسلم قال الإمام أبو بكر بن خزيمة قوله في هذا الخبر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمٌ لأن عبد الرحمن بن
(7/202)

عائش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة وإنما رواه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحسبه أيضًا سمعه من الصحابي لأن يحيى بن أبي كثير رواه عن زيد بن سلام عن عبد الرحمن الحضرمي عن مالك بن يخامر عن معاذ وقال قال يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
(7/203)

كذلك ثنا أبو موسى محمد بن المثني حدثني أبو عامر عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير وهو ابن محمد عن يزيد قال أبو موسى وهو يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله قال ابن خزيمة وجاء قتادة بلون آخر فروى معاذ بن هاشم حدثني أبي عن
(7/204)

قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حدثناه بندار وأبو موسى قالا حدثنا معاذ حدثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي في أحسن صورة فقال يامحمد قلت لبيك وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت يا رب لا أدري قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردهما بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب فقال يا محمد قلت لبيك رب وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت يارب في الكفارات المشي على الأقدام إلى الجمعات وإسباغ الوضوء في المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فمن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه هذا حديث أبي موسى وقال بندار قال أتاني ربي في أحسن صورة وقال قلت في الدرجات والكفارات وقال انتظار الصلاة بعد
(7/205)

الصلاة لم يقل الصلوات قال ورواه معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس رضي الله عنهما ورواه من طريق معمر ثم قال أبو بكر رواية يزيد وعبد الرحمن ابن يزيد بن جابر أسبه بالصواب حين قالا عن عبد الرحمن بن عائش من رواية من قال عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فإنه قد روى عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي وهو ابن عائش إن شاء الله تعالى حدثنا مالك بن يخامر السكسكي أن معاذ بن جبل قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته فلما صلى دعا بصوته على مصافكم
(7/206)

كما أنتم ثم انفتل إلينا فقال إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في مصلاي حتى استثقلت فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال يامحمد فقلت لبيك يارب قال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت لا أدري قالها ثلاثًا قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفته فقال يامحمد فقلت لبيك قال يامحمد قلت لبيك قال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت في الكفارات قال وما هن قلت مشي على الأقدام إلى الجماعات وجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء حين الكريهات قال ثم فيم قال قلت إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام قال سل فقلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وان تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب مَن
(7/207)

أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها حق فتعلموها وادرسوها حدثنا أبوموسى قال حدثنا معاذ بن هانئ حدثنا جهضم بن عبد الله القيسى قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاّم أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي قال أبوموسى وهو ابن عائش الحديث على ما أمليته قلت هذه الطريق أتم الطرق إسنادًا ومتنًا وفيها بيان أصل الحديث فإن غيره رواه عن ابن عائش عن
(7/208)

رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حق فإن الرجل معاذ لكن لم يذكروا الواسطة بينهما وهو مالك بن يخامر وهو من أكابر أصحاب معاذ والأخصاء به ورواه الآخر عن ابن عائش مرسلاً لكن غلطه في ذكر لفظ السماع وهذه رواية أهل الشام بهذا الحديث وهم به أعرف لأن نخرجه من عندهم وأخذه أبوقلابة وكان قد قدم الشام من هذا الشيخ خالد بن اللجلاج لكن وقع تصحيف في اسم ابن عائش بابن عباس فحدَّث به البصريين أسنده عنه تارة وأرساه أخرى ولم يتجاوز به ذلك لأن خالد بن اللجلاج لم يكن يستوفي إسناده بل تارة يذكره عن ابن عياش عن النبي صلى الله عليه وسلم وتارة عنه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن زيد بن سلاّم لما رواه عن ابن عائش أسنده واستوفاه لأنه كان مكتوبًا عنده فهذه الروايات يصدق بعضه بعضًا إذ قد رواه عن كل
(7/209)

شخص أكثر من واحد لكن بمجموع الطرق انكشف ما وقع في بعضها من غلط في بعض طريقه قال أبوبكر بن خزيمة وروى معاوية بن صالح عن أبي يحيى وهو عندي سليم بن عامر عن أبي يزيد عن أبي سلام الحبشي أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
(7/210)

النبي صلى الله عليه وسلم أخّر صلاة الصبح حتى أسفر فقال إنما تأخرت عنكم أن ربي قال يامحمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري يارب فرددها مرتين أو ثلاثًا ثم حسست بالكف بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي ثم تجلى لي كل شيء وعرفت قال قلت نعم يارب يختصمون في الكفارات والدرجات والكفارات المشي على الأقدام إلى الجمعات وإسباغ الوضوء في الكريهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة والدرجات إطعام الطعام وبذل السلام والقيام بالليل والناس نيام ثم قال يا محمد اشفع تشفع وسل تعط قال فقلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني وأنا غير مفتون اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحبًّا يبلغني حبك حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا
(7/211)

عمي قال حدثنا معاوية قال أبوبكر لست أعرف أبا يزيد هذا بعدالة ولا جرح قال وروى شيخ من الكوفيين يقال له سعيد بن سويد القرشي عن عبد الرحمن بن إسحاق عن عدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل هذه القصة بطولها فيشبَّه بخبر يحيى بن أبي كثير ثنا محمد بن أبي سعيد بن سويد القرشي كوفي
(7/212)

قال حدثني أبي قال أبوبكر بن خزيمة وهذا الشيخ سعيد بن سويد لست أعرفه بعدالة ولا جرح وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو أبوشيبة الكوفي ضعيف الحديث الذي روى عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه سلم أخبارًا منكرة وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل مات معاذ في أول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشام قال ابن خزيمة فليس يثبت من هذه الأخبار شيء م عند ذكر عبد الرحمن بن عائش بالعلل التي ذكرناها لهذه الأسانيد ولعل من لم يتبحر العلم يحسب أن خبر بن يحيى بن
(7/213)

أبي كثير عن زيد بن سلام ثابت لأنه قيل في الخبر عن زيد أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي ويحيى بن أبي كثير أحد المدلسين لم يخبر أنه سمع هذا من زيد بن سلام قد سمعت الدارمي أحمد بن سعيد يقول حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي عن حسين المعلم قال لما قدم علينا عبد الله بن بريدة بعث إليَّ مطر
(7/214)

الوراق احمل الصحيفة والدواة وتعال فحملت الصحيفة والدواة فأتيناه فأخرج إلينا كتاب أبي سلام فقلنا سمعتَ هذا من أبي سلام قال لا قلنا فمن رجل سمعه من أبي سلام قال لا فقلنا له تُحدث بأحاديث مثل هذه لم تسمعها من الرجل ولا من رجل سمعها منه فقال أترى رجلاً جاء بصحيفة ودواة كتب أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه كذبًا هذا معنى الحكاية قال أبوبكر كتب عني مسلم بن الحجاج هذه الحكاية قلت هذا الاختلاف قد ذكره قبل ذلك الإمام أحمد أيضًا فذكر أبوبكر الأثرم في كتاب العلل قال سألت
(7/215)

أحمد عن حديث فيه عبد الرحمن بن عائش الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في أحسن صورة فقال يضطرب في إسناده لأن معمرًا رواه عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه معاذ بن هاشم عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عائش عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم
(7/216)

ورواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ورواه يزيد بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصل الحديث واحد وقد اضطربوا فيه فمن الناس من جعل عن أحمد في تثبيت هذه الأحاديث روايتين كما يذكر التنازع في ثبوتها عن غيره من العلماء قال القاضي أبويعلى في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات وظاهر هذا الكلام من أحمد التوقف في طريقه لأجل الاختلاف فيه ولكن ليس هذا مما يوجب تضعيف الحديث على طريقة الفقهاء قال ورأيت في مسائل مُهنَّا بن يحيى
(7/217)

الشامي قال سألته يعني أحمد عن حديث رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربَّه في المنام في صورة شاب موفَّر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب فحول وجهه عني وقال هذا حديث منكر وقال ولايعرف هذا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان قال القاضي أبويعلى فظاهر هذا التضعيف من أحمد لحديث أم الطفيل قال رأيت بخط أبي بكر الكبشي قال
(7/218)

عبد العزيز سمعت الخلال يقول إنما يروى هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء تصحيحًا لغيره ولأن الجهمية تنكره قال ورأيت بخط ابن حبيب جوابات مسائل لأبي بكر عبد العزيز قال حديث أم الطفيل فيه وهاءٌ ونحن قائلون به قال القاضي وظاهر رواية إبراهيم بن هانئ يدل على صحته لأن أحمد قال لأحمد بن عيسى في منزل عمه حدِّثهم به ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه لاسيما فيما يتعلق بالصفات قال وقد صححه أبوزرعة الدمشقي فيما
(7/219)

سمعه من أبي محمد الخلال وأبي طالب العشاري وأبي بكر بن بشر عن علي بن عمر الحافظ وهو الدارقطني فيما خرجه في آخر كتاب الرؤية قال حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي حدثنا أبوزرعة الدمشقي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث بن سعيد ابن أبي هلال أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر
(7/220)

عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب قال أبوزرعة كل هؤلاء الرجال معروفون لهم أنساب قوية بالمدينة فأما مروان فهو مروان بن عثمان ابن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري وأما عمارة فهو ابن عامر بن عمرو بن حزم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بن الحارث وسعيد ابن أبي هلال فلا يُشك فيهما وحسبك بعبد الله بن وهب محدثًّا في دينه وفضله قال القاضي فظاهر الكلام من أبي زرعة إثباتًا لرجال حديث أم الطفيل وتعريفًا لهم وبيانًا عن عدالتهم قال وهو ظاهر ما عليه أصحابنا لأن أبا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل في سننه ولم يتعرض للطعن عليه وأخرج إليَّ أبوإسحاق البرمكي جزءًا فيه حكايات عن
(7/221)

أبي الحسن بن بشار رواية ابنه أبي حفص عن أبيه أحمد بن إبراهيم قال سألت الشيخ يعني أبا الحسن بن بشار عن حديث أم الطفيل وحديث لبن عباس في الرؤية فقال صحيح فعارض رجل وقال هذه الأحاديث لاتذكر في مثل هذا الوقت فقال له الشيخ فَيَدْرُسُ الإسلام فسكت فقد حكم بصحة الحديث قال وقد يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنَّا ثم وقع
(7/222)

له معرفة نسبه فيما بعد قال وكتب إليَّ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني بجزء فيه حديث لبن عباس في الرؤية من طرق وكلام أصحاب الحديث عليه فقال أخبرنا الحسين بن على بن سلمة الهمداني ومحمد بن على بن معدي وغيرهم قالوا حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك وحدثنا احمد بن محمد بن عبد الله ابن إسحاق واللفظ له قال حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن الإمام أحمد حدثني أبي
(7/223)

قال حدثنا الأسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء قال وأبلغت أن الطبراني قال حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية صحيح وقال من زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعدما حدثت به فقد كذب وقال هذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من التابعين عن ابن عباس وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة وجماعة من الثقات عن حماد بن سلمة قال وقال أبي رحمه الله روى هذا الحديث جماعة من الأئمة الثقات عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس
(7/224)

عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أسماءهم بطولها وأخبرنا محمد بن عبيد الله الأنصاري سمعت أبا الحسن عبيد الله بن محمد بن معدان يقول سمعت سليمان بن أحمد يقول سمعت ابن صدقة الحافظ يقول من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق وأخبرنا محمد بن سليمان قال سمعت بندار بن أبي إسحاق يقول سمعت علي بن محمد بن أبان يقول سمعت البراذعي يقول سمعت أبا زرعة الرازي يقول
(7/225)

من أنكر حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عيه وسلم رأيت ربي عز وجل فهو معتزلي وسمعت علي بن أحمد بن مهران المديني قال حضرت أبا عبد الله بن مهدي وحضر عندنا جماعة فتذاكروا حديث عكرمة وأنكره بعضهم وكنت قد حفظته فحدثت به بطوله فقام إلى أبو عبد الله وقبل رأسي ودعا لي قال وحدثنا محمد بن محمد بن الحسن قال حدثنا أحمد بن محمد اللخمي سمت محمد بن علي ابن جعفر البغدادي قال سمعت أحمد بن محمد بن
(7/226)

هانئ الأثرم يقول سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي الحديث فقال أحمد بن حنبل هذا الحديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن شك في شيء أو في شيء منه فهو جهمي لاتقبل شهادته ولا يسلم عليه ولا يعاد في مرضه قلت في هذه الرواية عن أحمد نظر وأنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسحاق حدثنا محمد ابن يعقوب حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ويذهب إليها وجمعها وحدثناها وروى بإسناده عن
(7/227)

عبد الوهاب الوراق قال سمعت أسود بن سالم يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية قال نحلف عليها بالطلاق والعتاق أنها حق قلت قد جعل أحمد حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس الذي فيه في صورة شاب أمرد له وفرة هو الحديث المشهور عن ابن عائش الذي أرسله وأسنده الذي فيه وضع الكف بين كتفيه عن معاذ وفيه التصريح بأنه كان في المنام بالمدينة فإن معاذًا لم يصل خلف النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالمدينة وحديث أم الطفيل المتقدم أيضًا يصرح بأنه كان في المنام وحديث ثوبان مثل حديث معاذ فيه أنه تأخر عن صلاة الصبح وثوبان لم يصل خلفه إلا بالمدينة مع أن السياقين سواء وهذه الأحاديث كلها ترجع إلى هذه الأحاديث الأربعة حديث أم الطفيل وحديث ابن عائش عن معاذ وحديث
(7/228)

ثوبان وحديث ابن عباس وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله أن أصلها حديث واحد وإن كان لم يذكر حديث ثوبان إما أنه لم يبلغه أو بلغه وذلك حديث قائم بنفسه وكلها فيها ما يُبَيِّن أن ذلك كان في المنام وأنه كان بالمدينة إلا حديث عكرمة عن ابن عباس وقد جعل أحمد أصلهما واحدًا وكذلك قال العلماء قال القاضي أبو يعلى بعد أن ذكر حديث ابن عباس بطرقه وألفاظه مفتتحًا له بحديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة وذكر حديث الحكم بن أبان عن عكرمة وذكر حديث أم الطفيل ثم قال واعلم أنها رؤيا منام لأن أم الطفيل قد صرحت بذلك في خبرها وحديث ابن عباس أكثر ألفاظه مطلقة قال وقد نقل في بعضها صريح بذكر المنام فيما حدثنا أبو القاسم عبد العزيز قال أخبرني أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك في الإجازة
(7/229)

قال وقرأته على أبي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني ربي الليلة في أحسن صورة يعني في المنام فقال لي يامحمد أتدري فيم يختصم الملأ العلى قال قلت لا قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي وقد قال القاضي في آخر كتابه في فصل جمل الصفات التي ذكرها وما روي في حديث أم الطفيل وابن عباس من الصفات التي رآه عليها في ليلة الإسراء فقوله هنا ليلة الإسراء تناقض منه فإنه قد نص أن الإسراء كان يقظة وأن الرؤية التي كانت في ليلة الإسراء غير هذه الرؤية التي في المنام وأيضًا فهذا الحديث الذي احتج به هو في الحقيقة
(7/230)

حديث معاذ كما تقدم من كلام ابن خزيمة وإنما وهم فيه أبو قلابة فقال ابن عباس وإنما هو ابن عائش وليس هذا هو حديث قتادة عن عكرمة فإن ذلك ليس فيه هذا لكن أحمد قد جعل الجميع حديثًا واحدًا في الأصل ولا ريب أن قتادة كان عنده هذا عن عكرمة يطابق لفظهما لفظ حديث أم الطفيل وإن كان فيه زيادات وهو حديث الحكم بن أبان عن عكرمة رواه ابن خزيمة محتجًّا به فقال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا سلمة بن الفضل حدثني محمد بن إسحاق
(7/231)

ورواه أبو بكر الخلال في السنة حدثنا يزيد بن جمهور حدثنا الحسن ابن يحيى بن كثير العنبري حدثني أبي حدثنا هارون بن محمد عن محمد بن إسحاق ورواه ابن بطة في الإبانة
(7/232)

قال حدثنا أحمد بن محمد الباغندي حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد الله بن أبي
(7/233)

سلمة أن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بعث إلى عبد الله بن العباس رضي الله عنهما فسأله هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فأرسل إليه عبد الله بن عباس أن نعم فرد عليه عبد الله بن عمر رسوله أن كيف رآه فأرسل إليه أنه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة ملك في صورة رجل وملك في صورة ثور وملك في صورة نسر وملك في صورة أسد زاد ابن بطة بالإسناد عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة
(7/234)

عن عكرمة عن ابن عباس قال أُنشِد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أمية ابن أبي الصلت رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق وهذا أيضًا رواه ابن
(7/235)

خزيمة محتجا به من غير وجه في مسألة العرش وحملته وروى الدارقطني هذه الألفاظ من طرق فقوله في روضة خضراء دونه فراش من ذهب مثل قوله في حديث أم إلى الطفيل قدماه في الخضر على وجهه فراش من ذهب وقوله في لفظ حديث أم الطفيل في صورة شاب ذي وفرة وهذا يناسب قوله في حديث ابن عباس شابا جعدا قططا لكن في هذا زيادة الأمرد والحلة الخضراء وفي حديث أم الطفيل زيادة في رجليه نعلان من ذهب وفي حديث ابن عباس الآخر على كرسي من ذهب وأما ذكر الحملة الأربعة فهؤلاء في أحاديث أخر في اليقظة فهذا مما يحتج به لما ذكره أحمد من أن حديث عكرمة عن ابن عباس أصله أصل حديث أم الطفيل والله أعلم بحقيقة ذلك فإن أحاديث ابن عباس المشهورة عنه في أنه رآه بفؤاده مرتين إنما كان ذلك بمكة فإنه ذكره في تفسير صورة النجم وهي مكية باتفاق العلماء وما روته أم الطفيل ومعاذ إنما هو
(7/236)

بالمدينة فحديث عكرمة عن ابن عباس يشبه ألفاظ حديث أم الطفيل يؤيد ذلك أن الأسانيد المتواترة عن ابن عباس إنما فيها إخبار أنه رآه بفؤاده وأنه قال ذلك في تفسير القرآن فلو كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بلفظه عن رؤية ليلة المعراج لم نحتج إلى ذلك ولكان هذا هو الذي يعتمد عليه دون ما تأوله من القرآن ولهذا لم يثبت الإمام أحمد رحمه الله إلا ما ثبت عن ابن عباس مهن رؤيته بفؤاده ومن رواية هذه الأحاديث التي جاءت على الوجه التي جاءت عليها وذلك يدفع قول من أطلق نفي الرؤية ولا يدفع قول من نفى رؤية البصر كما جمع بينهما وقد يقال إن حديث عكرمة عن ابن عباس هو تفسيره للرؤية التي بفؤاده التي كانت بمكة لكن هذه الزيادات التي في حديث عكرمة لا تؤخذ بمجرد تأويل القرآن بل يحتاج إلى توقيف وكذلك الزيادة التي في حديث مسألة ابن عمر لابن عباس
(7/237)

وقد تبين بما ذكرناه أن الحديث الذي فيه أتاني ربي في أحسن صورة ووضع يده بين كتفي إنما كان في المنام بالمدينة ولم يكن ذلك ليلة المعراج كما يظنه كثير من الناس وكنت مرة بمجلس فيه طوائف من أصناف العلماء في مجلس ابتداء تدريس لشيخ الحنفية وجرى ذلك هذا الحديث فظنوا أنه كان ليلة المعراج فقلت هذا لم يكن ليلة المعراج فإن هذا كان بالمدينة كما جاء مصرحًا به والمعراج إنما كان بمكة كما قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء 1] وهذا مما تواترت به الأحاديث واتفق عليه أهل العلم أن المعراج الذي ذكره الله تعالى في القرآن والذي فيه فرض الصلوات الخمس إنما كان بمكة ولم يكن بعد الهجرة ونفس ما في الحديث بين ذلك فإنه ذكر فيه اختصام الملأ الأعلى في المشي على الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وهذا إنما شرع في المدينة إذ لم تشرع الجمعة بمكة وهذا مما لم يَرْتَبْ فيه العلماء وإنما وقع ذلك في أحاديث ابن عباس الثابتة عنه كحديث عكرمة ونحوه لأن ابن عباس قد ثبت عنه أنه كان يثبت في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربع بفؤاده في مكة كما ذكر ذلك
(7/238)

في تفسير صورة النجم وهي مكية باتفاق العلماء قال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب النقض على المريسي ومتبعيه قال وروى المعارض عن شاذان عن حماد بن سلمة بن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دخلت على ربي في جنة عدن شابًّا جعداً في ثوبين أخضرين قال وليس هذا من الحديث الذي يجب على العلماء نشره وإذاعته في أيدي الصبيان فإن كان منكرًا عند المعارض فكيف يستنكره مرة ثم يثبته أخرى فيفسره تفسيرًا أنكر من الحديث والله أعلم بهذا الحديث وبعلّته غير أني أستنكره جدًّا لأنه يعارضه حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أني أراه ويعارضه قول عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وتلت لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
(7/239)

الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فهذا هو الوجه عندنا فيه والتأويل والله أعلم لا ما ادعيت أيها المعارض أن تفسيره إني دخلت على ربي في جنة عدن كقول الناس أتيناك ربنا شعثًا غبرًا من كل فج عميق لتغفر لنا ذنوبنا هذا تفسير محال لا يشبه ما شبهت لأن في روايتك أنه قال رأيته شابًّا جعدًا في ثوبين أخضرين ويقول أولئك أتيناك ربنا شعثًا غبرًا أي قصدنا إليك نرجو عفوك ومغفرتك ولم يقولوا أتيناك فرأيناك شابًّا جعدًا في ثوبين أخضرين لتغفر لنا هؤلاء قصدوا الثواب والمغفرة ولم يصفوا الذي قصدوا إليه بما في حديثك من الحلية والكسوة والمعاينة فلفظ هذا الحديث بخلاف ما فسرت وتفسيرك أنكر من نفس الحديث فافهم واقصر عن شبه هذا الحديث فإن الخطأ كفر وأرى الصواب فيه مصروفًا عنك ومن الأحاديث أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم قالها العلماء ورووها ولم يفسروها ومن فسرها برأيه اتهموه فقد كتب إلى
(7/240)

علي بن خشرم أن وكيعًا سئل عن حديث عبد الله بن عمرو الجنة مطوية معلقة بقرون الشمس فقال وكيع
(7/241)

هذا حديث مشهور وقد روى فيه يروي فإن سألوا عن تفسيره لم يفسر لهم ويتهم من ينكره وينازعه فيه والجهمية تنكره فلو اقتديت أيها المعارض في مثل هذه الأحاديث الصعبة المشكلة المعاني بوكيع كان أسلم لك من أن تنكره مرة ثم تثبته أخرى ثم تفسره تفسيرًا لاينقاس في أثر ولا قياس عن حزب المريسي والثلجي ونظرائهم ثم لا حاجة لمن بين ظهريك من الناس إلى مثل هذه الأحاديث ثم فسرته تفسيرًا أوحش من الأول فقلت يحتمل أن يكون هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال دخلت على ربي في جنة عدن شابًّا جعدًا وأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شابًّا في الجنة من أولياء الله وافاه رسوله في جنة عدن فقال دخلت على ربي فقد ادعى المعارض على رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرًا عظيمًا أنه دخل الجنة فرأى شابًّا من أولياء الله
(7/242)

فقال رأيت ربي ثم قال بعدما فسر هذه التفاسير المقلوبة قال ويحتمل أن يكون هذا من الأحاديث التي وضعتها الزنادقة فدسوها في كتب المحدثين فيقال لهذا المعارض الأحمق الذي تتلعب به الشياطين وأي زنديق استمكن من كتب المحدثين مثل حماد بن سلمة وحماد بن زيد وسفيان وشعبة ومالك ووكيع ونظرائهم فيدسوا مناكير الحديث في كتبهم وقد كان أكثر هؤلاء أصحاب حفظ ومن كان منهم من أصحاب الكتب كانوا لا يكادون يُطلعون على كتبهم أهل الثقة عندهم فكيف
(7/243)

الزنادقة وأي زنديق كان يجترئ أن يتراءى لأمثالهم ويزاحمهم في مجالسهم فكيف يفتعلون عليهم الأحاديث ويدسونها في كتبهم أرأيتك أيها الجاهل إن كان الحديث من وضع الزنادقة فلم تلتمس له الوجوه والمخارج من التأويل والتفسير كأنك تصوبه وتثبته أفلا قلت أولاً إن هذا من وضع الزنادقة فتستريح وتريح من العناء والاشتغال بتفسيره ولاتدعي في تفسيره على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل الجنة فرأى شابًّا من أولياء الله تعالى فقال هذا ربي غير أنك خلطت على نفسك فوقعت في تشويش وتخليط لاتجد لنفسك مفزعا إلا بهذه التخاليط ولن تجدي عنك شيئًا عند أهل العلم والمعرفة وكلمات لأكثرت من هذا وشبهه وازددت به فضيحة لأن أحسن حجج الباطل تركه والرجوع عنه قال وروى المعارض أيضًا عن عبد الله بن صالح عن
(7/244)

معاوية بن صالح عن أبي يحيى عن أبي يزيد عن أبي سلام عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني ربي في أحسن صورة فقال يامحمد فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت لا علم لي يارب فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري فتجلى لي ما بين السماء والأرض فادعى المعارض أن هذا يحتمل أن يأتي ربي من خلقه بأحسن صورة فأتتني تلك الصورة وهي غير الله والله فيها مدبر فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري يعني تلك الصورة التي هي من خلقه والأنامل لتلك الصورة منسوبة إلى الله على معنى أن الخلق كله لله
(7/245)

فيقال لهذا المعارض كم تدحض في بولك وترتطم فيما ليس لك به علم أرأيتك إذا ادعيت أن هذه كانت صورة من خلق الله سوى الله أتته فقال هل تدري يامحمد فيما يختصم الملأ الأعلى أفتتاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أجاب صورة غير الله فقال لها يارب لا أدري فدعاها ربًّا دون الله أم أتته صورة مخلوقة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أتأني ربي إن هذا لكفر عظيم ادعيته على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت صورة تضع أناملها وكفها في كتف النبي صلى الله عليه وسلم فيتجلى له بذلك ما بين السماء والأرض غير الله ففي دعواك ادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقر بالربوبية لصورة مخلوقة غير الله لأن في روايتك أن الصورة قالت له هل تدري يامحمد فقال لها لا يارب وهل يمكن أن تكون صورة مخلوقة قالت له هل تدري يامحمد فقال لها لا يارب وهل ممكن أن تكون صورة مخلوقة تضع أناملها في كتف
(7/246)

نبي مثل محمد صلى الله عليه وسلم فيتجلى له بذلك ما بين السماء والأرض أمور لم يكن يعرفها قبل أن تضع تلك الصورة كفها بين كتفيه ويحك لا يمكن هذا جبريل ولا ميكائيل ولا إسرافيل ولا يمكن هذا غير الله فكم تجلب على نفسك من الجهل والخطأ وتتقلد من تفاسير الأحاديث الصعبة ما لم يرزقك الله معرفتها ولا تأمن من أن يجرك ذلك إلى الكفر كالذي تأولت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صورة مخلوقة كلمته فأجابها محمد صلى الله عليه وسلم يارب أم لله صورة لم يعرفها فقال أتاني ربي لما أن الله في تلك الصورة مدبر ففي دعواك يجوز لك كلما رأيت كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا قلت هذا ربي لما أن الله مدبر في صورهم في دعواك وجاز لفرعون أن يقول فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) [النازعات 24] لما أن الله مدبر في صورته بزعمك وهذا أبطل باطل لا ينجع إلا في أجهل جاهل
(7/247)

ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي ذر إنه لم ير ربه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تروا ربكم حتى تموتوا وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] ويعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤيا كانت في المنام وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال وفي كل صورة وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صليت ماشاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة فحين وجد هذا لمعاذ كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى معاذ فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم لا ما ذهبت إليه
(7/248)

من الجنون والخرافات فزعمت أن الله بعث إلى النبي صورة في اليقظة كلمته فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يارب غير أني أظنك لو دريت أنه يخرجك تأويلك إلى مثل هذه الضلالات لأمسكت عن كثير منها غير أنك تكلمت على حد الحوار أمناً من الجواب غارًا أن ينتقد عليك فعثمان بن سعيد قد ذكر ما ذكر عن العلماء أن هذا كان في المنام بالمدينة لم يكن يقظة مع تثبيته لهذه الأحاديث ولم يجعل ذلك الحديث في مكة لأنه كان بالمدينة في المنام إذ قد ثبت عن ابن عباس أنه كان يقول رآه بفؤاده مرتين ويذكر ذلك في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] وهذا إنما كان بمكة فحديث عكرمة ومسألة ابن عمر إما أن يكون من جنس حديث معاذ أم الطفيل كما تدل
(7/249)

عليه رواية الأثرم عن أحمد وإما أن يكون من غير هذا الجنس مثل الرؤية التي أخبر ابن عباس أنها كانت بمكة وهذا قول طوائف من العلماء أيضًا وهذا لا يقوله من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه وإنما يقوله من يقول إنه إنما رآه بفؤاده والروايات الثابتة عن ابن عباس في رؤية محمد ربه إما مقيدة بالفؤاد وبالقلب كما روى ذلك مسلم في صحيحه وذهب إليه أحمد في رواية الأثرم وإما مطلقة ولم أجد في أحاديث عن ابن عباس أنه كان يقول رآه بعينه إلا من طريق شاذة من رواية ضعيف لا يحتج بها منفردًا يناقضها من ذلك الوجه ما هو أثبت منها فكيف إذا خالف الروايات المشهورة كما رواه الخلال أنبأنا محمد بن عبد الله بن سليمان
(7/250)

الحضرمي حدثنا جمهور بن منصور حدثنا إسماعيل بن مجالد حدثنا مجالد عن الشعبي أن عبد الله بن عباس كان يقول إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده قوله مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) [النجم 17] مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] فسمع كعب الحبر قول ابن عباس فقال أشهد أن في التوراة إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فرآه محمد مرتين ولم يكلمه وكلمه موسى مرتين ولم يره وكان ابن عباس يقول التي في إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) [التكوير 1] إنما عنى بها جبريل إن محمدًا رآه كما رآه في صورته عند الله قد سد الأفق وبه عن
(7/251)

مجالد عن الشعبي عن علي أنه كان يقول كما قال ابن عباس فهذه الروايات لو كانت محفوظة عن مجالد لم تكن وحدها حجة فكيف وليست محفوظة عنه وقد خولف قال ابن خزيمة حدثني عمي قال حدثنا عبد الرزاق أبنا ابن عيينة عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن عبد الله بن الحارث قال اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس إنا بنوهاشم نزعم أو نقول إن محمدًا رأى ربه مرتين قال فكبر كعب حتى جاوبته الجبال فقال إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهما وسلم فرآه محمد صلى الله عليه وسلم بقلبه وكلمه موسى قال مجالد قال الشعبي فأخبرني مسروق أنه قال لعائشة أي أمتاه هل رأى محمد ربه قط قالت إنك لتقول قولاً إنه ليقف منه
(7/252)

شعري قال قلت رويدًا قال فقرأت عليها وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) إلى قوله فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) [النجم 1-9] فقالت أين يذهب بك إنما رأى جبريل في صورته من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب ومن حدثك أنه يعلم الخمس من الغيب فقد كذب إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى آخر السورة [لقمان 34] قال عبد الرزاق فذكرت هذا الحديث لمعمر فقال ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس قال أبو بكر بن خزيمة لو كنت ممن استحل الاحتجاج بخلاف أصلي واحتججت بمثل مجالد لاحتججت أن بني هاشم قاطبة قد خالفوا عائشة رضي الله عنها في هذه المسألة وأنهم جميعًا كانوا يثبتون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه مرتين فاتفاق بني هاشم عند من يجيز الاحتجاج بمثل مجالد أولى من انفراد عائشة بقول لم يتابعها عليه أحد من أصحاب
(7/253)

محمد يُعلم ولا امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا المبايعات قلت هذه الرواية الثابتة عن مجالد من رواية ابن عيينة عنه ليس فيها إلا أنه رآه مرتين كرواية غير مجالد وقول كعب في هذه الرواية إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فرآه محمد صلى الله عليه وسلم بقلبه وكلمه موسى وذكر ذلك تصديقًا لقول ابن عباس دليل على أن هذه هي رؤية الفؤاد كما جاء مصرحًا به يبين ذلك أن الذي حضر كلام ابن عباس وكلام كعب ورواه لمجالد وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل أحد رجال بني هاشم وأعيانهم كان يقول ذلك كما رواه الخلال حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري حدثنا مؤمل
(7/254)

قال حدثنا حماد عن سالم أبي عبد الله عن عبد الله بن الحارث بن نوفل في قوله تعالى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم تره عيناه وهذه الرواية من رواية ابن عيينة الإمام عن مجالد وقد بين فيها أيضًا أن الشعبي سمع ذلك من عبد الله بن الحارث فتبين أن الرواية الأولى مع ضعف رواتها مرسلة وأن هذه الرواية عن كعب كما رواه ابن خزيمة حدثنا هارون ين إسحاق حدثنا
(7/255)

عبده عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن كعب قال إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين وكذلك ما رواه أبو حفص بن شاهين وذكره القاضي أبو يعلى عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بعينيه مرتين فهذا لم يذكر إسناده ولم يذكره
(7/256)

المعتمدون كابن خزيمة والخلال ونحوهما ممن جمع الآثار في هذا الباب بل قد روى الخلال حديثين من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال رآه بفؤاده دون عينيه وذلك يعارض هذا يبين ذلك أن الروايات المحفوظة عن عكرمة والشعبي إما مقيدة بالفؤاد وإما مطلقة كما روى ابن خزيمة قال حدثنا الحسن ابن محمد الزعفراني قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عاصم عن الشعبي عن
(7/257)

عكرمة جميعًا عن ابن عباس قال رأى محمد ربه ورواه بعضهم عن الشعبي وعكرمة جميعًا عن ابن عباس قال ابن خزيمة حدثنا عمي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] قال رآه بقلبه وقال الخلال حدثنا إبراهيم
(7/258)

التيمي حدثنا آدم قال حدثنا المبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس في قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) رأى محمد ربه بفؤاده وبه حدثنا المبارك عن الحسن مثله فإن قيل فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا
(7/259)

الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] قال هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس والشجرة الملعونة في القرآن شجرة الزقوم وفي رواية عنه ليس برؤيا منام قيل ليس في هذا الخبر أنه رأى بعينه إلا ما أراه الله إياه والقرآن قد صرح بأنه أراه من آياته ما أراه لقوله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء 1] وقال في النجم لَقَدْ
(7/260)

رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 18] يدل على ذلك أن الله أخبر أنه ما جعل هذه الرؤيا إلا فتنة للناس وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بها كان ذلك محنة لهم منهم من صدقه ومنهم من كذبه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه تلك الليلة وقد قال الإمام أبو بكر بن خزيمة بعد أن أثبت رؤية محمد ربع بقول ابن عباس وأبي ذر وأنس قال وقد اختلف عن ابن عباس في تأويل قوله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] فروى بعضهم عنه أنه كان يقول رآه بفؤاده وذكر إسناده ثم قال احتج بعض أصحابنا بهذا الخبر أن ابن عباس وأبا ذر كانا يتأولان هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده لقوله تعالى بعد ذكر ما بينا فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 10-11] وتأول
(7/261)

قوله تعالى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) إلى قوله فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 8-10] أن النبي صلى الله عليه وسلم دنا من خالقه قاب قوسين أو أدنى وأن الله أوحى إلى النبي ما أوحى وأن فؤاد النبي لم يكذب ما رآى يَعنون رؤيته خالقه جل وهلا قال أبوبكر وليس هذا التأويل الذي تأولوه لهذه الآية بالبين وفيه نظر لأن الله تعالى إنما أخبر في هذه الآية أنه رأى من آيات ربه الكبرى ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربه عز وجل وآيات ربنا ليس هو ربنا قال واحتج آخرون من أصحابنا في الرؤية بحديث ابن عباس في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] قال هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به
(7/262)

قال وليس الخبر أيضًا بالبين إن ابن عباس أراد بقوله رؤيا عين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه فأما خبر قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس وخبر عبد الله بن أبي سلمة عن ابن عباس فبين واضح أن ابن عباس كان يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه يعني حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والتكليم لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم
(7/263)

وقد احتج أبو إسماعيل الأنصاري الهروي شيخ الإسلام في كتاب الأربعين فقال باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج بعينيه رؤية يقظة واحتج بحديث ابن عباس هذا مع أنه رواه بأسانيد أكثرها من كتاب ابن خزيمة ولا حجة فيه على ذلك كما تقدم والقاضي أبو يعلى ذكر ما تقدم نقله عنه أنه قال اختلفت الرواية عن أحمد في رؤية محمد ربه هل رآه بعينه أو بفؤاده أو يقال رآه ولا يُقيد على ثلاث روايات قلت وقد ذكرنا ألفاظ أحمد التي ذكرها وسقناها بتمامها وتبين بذلك أن كلام أحمد ليس بمختلف بل كلام
(7/264)

أحمد نظير كلام ابن عباس رضي الله عنهما تارة يُقيد الرؤية بالقلب وتارة يطلقها ثم قال القاضي والرواية الأولى أصح وأنه رآه في تلك الليلة بعينيه وهذه مسألة وقعت في عصر الصحابة فكان ابن عباس وأنس وغيرهما يثبتون رؤيته في ليلة المعراج وكانت عائشة تنكر رؤيته بعينه في تلك الليلة قال والدلالة على إثبات رؤيته تعالى قوله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] فوجه الدلالة أنه تعالى قسَّم تكليمه لخلقه على ثلاثة أوجه أحدها بإنفاذ الرسل وهو كلامع لسائر الأنبياء والمكلفين والثاني من وراء حجاب وهو تكليمه لموسى وهذا الكلام بلا واسطة لأنه لو كان بواسطة دخل تحت القسم الأول الذي ذكرنا وهو إنفاذ الرسل والثالث من غير رسول ولا حجاب وهو كلامه لنبينا في ليلة الإسراء إذ لو كان من وراء حجاب أو كان رسولاً دخل تحت القسمين ولم يكن للتقسيم فائدة فثبت أنه كان كلامه له عن رؤية
(7/265)

قلت هذه الحجة أخذها القاضي أبو يعلى من أبي الحسن الأشعري ونحوه فإنهم احتجوا بها على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه وهذه حجة داحضة فإن هذا خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون في تفسير الآية الكريمة وأيضًا فإن الله أخبر بأنه ما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ على هذه الوجوه الثلاثة فلو كان المراد بذلك أنه يكلم تارة مع المعاينة وتارة مع الاحتجاب وتارة بالمراسلة لم يكن لهذا الحصر معنى ولم يكن فرق بين الله تعالى وبين غيره في ذلك ولم يكن نفى بهذا الحصر شيئًا فإن المكلم من البشر إمَّا أن يعاينه المخاطب أو لا يعاينه وإذا لم يعاينه فإما أن يخاطبه بنفسه أو رسوله فلو كان المراد ما ذكر لزم هذه المحاذير وأيضًا فإن وقوله إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى 51] دليل على أن القسم الأول هو الوحي الذي يحيه إلى قلوب الأنبياء بخلاف التكليم من وراء حجاب فإنه يكون بصوت مسموع كما خاطب موسى عليه السلام فمن سوّى بين تكليم الوحي وتكليمه من وراء حجاب فجعل الجميع
(7/266)

بصوت حتى جعل الأول تقترن به الرؤية فهو بمنزلة من سوّى بينهما حتى جعل الجميع بلا صوت وأيضًا فإن تكليمه وحيًا دون تكليمه لموسى عليه السلام من وراء حجاب كما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فلو كان ذلك معاينة لكان أرفع منه وهذا لم يقله أحد من السلف ومن زعم ذلك من أهل الإثبات فهو نظير من زعم ذلك من الجهمية الاتحادية وغيرهم ممن يزعم أن الله تعالى يخاطبهم وحيًا في قلوبهم أعظم مما خاطب موسى بن عمران من وراء حجاب الحروف والأصوات والشجرة ونحو ذلك وكل هذا باطل وتحريف وعائشة احتجت بهذه الآية على منع رؤية محمد ربه ولم يقل
(7/267)

لها أحد إن الآية تثبت رؤية محمد بل احتاجوا إلى الجواب ثم قال القاضي ويدل عليه قوله تعالى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 10] أي كلمه بما كلمه بلا واسطة ولا ترجمان مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] فالظاهر يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الله تعالى بعيني رأسه ليلة المعراج عند سدرة المنتهى لم يكذب فؤاده ما رآه بعيني رأسه وهذا قد احتج به غير القاضي لكن يقال قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] لم يذكر المرئي وقد قال بعده لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 18] وحديث ابن مسعود وعائشة في الصحيحين يخبرُ فيه برؤية جبريل قال القاضي ويدل عليه ما حدثناه أبو القاسم عبد العزيز
(7/268)

حدثنا على بن عمر بن على أبو الحسن التمار حدثنا أبو بكر عمر بن أحمد بن أبي نعمر الصفّار حدثنا يوسف بن أحمد ابن حرب بن الحكم الأشعري البصري حدثنا روح بن عبادة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) قال رأيت ربي عز وجل مشافهة لاشك فيه وفي قوله عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) قال رأيته عند سدرة المنتهى حتى تبين له نور وجهه قلت هذا الحديث كذب موضع على رسول الله
(7/269)

صلى الله عليه وسلم بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث والقاضي لم يعلم أنه موضوع ورواه له أبو القاسم الأزجي فيما خرجه في الصفات وأبو القاسم ثقة لكن الكذب فيه ممن فوقه ولم يحدث بهذا روح بن عبادة ولا أبو الزبير أصلاً وأهل الحديث يعلمون ذلك ولا يصلح أن يكون هذا اللفظ من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المشافهة إنما تُقال في المخاطبة لا في الرؤية فيقال يخاطبه مشافهة كما قال من قال من السلف كلم موسى تكليمًا أي مشافهة لايقال في الرؤية مشافهة فإن المشافهة في الأصل مفاعلة من الشفة التي هي فينا محل الكلام وأما الرؤية فيقال فيها مواجهة ومعاينة فيشتق لها من الوجه والعين الذي تكون به الرؤية وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وابن مسعود في تفسير هذه الآية غير هذا ففي صحيح مسلم عن مسروق قال كنت متكئًا عند عائشة
(7/270)

رضي الله عنها فقالت ياأبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ماهن قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئًا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما هو جبريل لم يره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رآه منهبطًا من السماء عظم خلقه ما بين السماء والأرض الحديث وفي الصحيحين عن عبد الله ابن مسعود في قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 18] قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح
(7/271)

ثم قال القاضي وروى أبو بكر الخلال عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] قال وهي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وهذا الحديث صحيح رواه البخاري وغيره كما تقدم لكنه لا يدل على رؤية الرّب تعالى ولهذا لم يذكره الخلال في أحاديث رؤية محمد ربَّه إنما ذكره قبل ذلك في أحاديث الإسراء فإنَّه قال تفريع ما ردّت الجهمية الضُّلال من فضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من فضائل ذكر الإسراء والرؤية وغير ذلك ثم قال ذكر الإسراء أخبرنا المرّوذي قال قلت لأبي عبد الله فحكى عن موسى عن عقبة أنه قال إنَّ أحاديث الإسراء منام فقال أبوعبد الله هذا كلام الجهمية وجمع أحاديث
(7/272)

الإسراء وأعطانيها وقال منام الأنبياء وحي وقرأ عليه سفيان قال عمرو سمعت عبيد بن عمير يقول رؤيا الأنبياء وحي قال وأخبرني حمدويه الهمداني حدثنا محمد بن أبي عبد الله الهمداني حدثنا أبوبكر بن موسى عن يعقوب بن يختان قال سألت يعني أبا عبد الله عن
(7/273)

المعراج فقال رؤيا الأنبياء وحي قال وأخبرني عليّ بن عيسى أنَّ حنبلاً حدثهم قال سمعت أبا عبد الله وسألته فقال الجنَّة والنَّار قد خلقتا وفي هذا حجة أن رؤيا الأنبياء في الأحلام رأي العين وليس حلمهم كسائر الأحلام قال الخلال أخبرنا الحسن بن أحمد الكرماني حدثنا أبوبكر قال حدثنا أبوأسامة عن
(7/274)

سفيان عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا [يوسف 4] قال كانت الرؤيا فيهم وحيًا حدثنا الحسن بن سلام حدثنا قبيصة قال حدثنا سفيان عن سماك عن سعيد عن ابن عباس في قوله إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا قال كانت رؤيا وحياً أخبرنا علي بن حرب حدثنا سفيان بن
(7/275)

عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وذِكرُ الخلاّل لهذا مع هذه الأحاديث قد يقال إنما ذكره لقول أحمد رؤيا الأنبياء في الأحلام رأي عين وليس حلمهم كسائر الأحلام وإن قوله رأي عين لاينفي أن يكون في المنام لأنَّ في الصحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه ولهذا كان لا يتوضأ إذا نام
(7/276)

وكذلك فعل أبوبكر بن أبي عاصم في كتاب السنة له فإنه قال باب ما ذكر في رؤية نبينا ربه تبارك وتعالى في منامه ثم ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يقتضي أنها عنده رؤية عين وأنها في المنام ثمَّ روى حديث سفيان عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت رؤيا الأنبياء وحيًا وروى عن مصعب بن سعد عن
(7/277)

معاذ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق قال الخلال حدثنا المرّوذي قال قُرئ على أبي عبد الله عبد الله بن الوليد حدثنا سفيان في قوله سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء 1] قال أسري به من شِعب أبي طالب ثم روى الخلال من
(7/278)

غير وجه عن سعيد عن قتادة عن أنس قال لمّا أُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق استصعب عليه فقال له جبريل ما ركبك آدميّ أكرم على الله تعالى منه فارفضّ عرقًا وأقرّ ثم روى الخلال حديث أبي عمرو وعن أبي سعيد قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة فقلنا حدثنا بليلة أسري بك فقال أُتِيتُ بدابَّةٍ هي أشبه الدوابّ بالبغل غير
(7/279)

أنها مضطربة الأذنين يقال لها البراق وهو الذي يُحمَلُ عليه الأنبياء وهو يضع حافره حيث يبلغ طرفه وحُملتُ عليه من مسجد الحرام متوجهًا إلى المسجد الأقصى قال الخلال وذكر الحديث فهذا جملة ما ذكره الخلال ومقصوده به تثبيت الإسراء وأنَّه حق وأنَّه من صغّر أمره بقوله هو منام وجعله بذلك من جنس منامات الناس فهو جهميٌّ ضالٌّ ثم قال الخلال بعد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم رأيتُ ربي فذكر أحاديث الرؤية ولم يذكر فيها حديث ابن عباس المتقدم في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ فدل الخلال بذلك على أنَّ حديث ابن عباس هذا لم يقصد به نفس رؤية محمد ربه وإنما هو ما رآه ليلة المعراج مطلقًا فالمطلق يحتمل رؤية محمدٍ ربه لكن فرق بين ما يحتمله اللفظ وبين ما يدلّ عليه
(7/280)

وقول الإمام أحمد هذا قول الجهمية لأنّ أحاديث المعراج تدلُّ على أنَّ الله فوق وغير ذلك مما تنكره الجهمية ويدفعون ذلك بأنَّ أحاديث المعراج منام فقال أحمد منام الأنبياء وحي وذلك يفيد أن ماذكر فيه منها أنه في المنام كحديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس وكذلك لو قدر أن جميعها منام فإن ذلك لا يوجب أن يُشبه برؤيا غير النبي صلى الله عليه وسلم لأن رؤياه وحي وهو تنام عينه ولاينام قلبه كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث شريك فإن لفظه الذي في الصحيح عن أنس قال ليلة أسري برسول الله
(7/281)

صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم أيهم هو فقال أوسطهم هو خيرهم فقال أحدهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولاينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولاتنام قلوبهم وإذا كان كذلك كان هذا بمنزلة المغمض العين إذا تجلى لقلبه حقائق الأسباب وعرج بروحه إلى السماء وعاينت الأمور فهذا ليس من جنس منامات الناس وهو يقظة لا منام قال القاضي وروى أبوالقاسم عبيد الله بن أحمد بن
(7/282)

عثمان فيما خرجه من أحاديث الصفات بإسناده عن ابن عباس قال كانت الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين قلت وهذا صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم قال وروى أبو حفص بن شاهين في سننه بإسناده عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بفؤاده مرتين وهو الذي اتبعه أحمد واحتج به عن ابن عباس كما تقدم
(7/283)

وأما هذا التقييد فمن وضع بعض المتأخرين قال القاضي وروى أبو حفص بإسناده عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بفؤاده مرتين وروى أيضًا بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه قال القاضي وهذا الاختلاف عنه ليس براجع إلى ليلة المعراج وإنما هو راجع إلى رؤيته في المنام في غير تلك الليلة رآه بقلبه على ما نبينه فيما بعد قلت هذه الألفاظ المتأخرة ثابتة في الصحيح عن ابن عباس وهو ذكرها في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] ولم يقل ابن عباس إن الرؤية بفؤاده كانت في المنام بل تكون في اليقظة
(7/284)

ثم قال القاضي وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت رؤيته تلك الليلة ولأنه مثبت والمثبت أولى من النافي ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلاّ عن توقيف إذ لا مجال للقياس في ذلك قلت أما ترجيحه قول ابن عباس بأنه مثبت وبأن ذلك لا يقال إلاّ عن توقيف فهو من الترجيح القديم الذي يحتج به مثبت رؤية محمد صلى الله عليه وسلم من الأئمة وسائر أهل الحديث ولا ريب أن المثبت أولى من النافي فـ يـ ما كان من باب الرواية كما قدم الناس رواية بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت على قول أسامة
(7/285)

إنه لم يصل وقد قالوا هذا لا يقال بالقياس وإنما يقال بالتوقيف فيكون من باب الرواية لكن قد يقال ونفي ذلك أيضًا لايؤخذ بالقياس وإنما يقال بالتوقيف فإن كون رؤية محمد ربه وقعت أو لم تقع هو من الأخبار التي لا تُعلم بمجرد القياس وعائشة رضي الله عنها لما نفت ذلك لم تستند مع استعظام ذلك أن تكون في الدنيا إلاّ إلى ما تأولت من الآيتين وابن عباس ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] فكلامه أيضًا كان في تأويل القرآن وأما الأحاديث التي رواها ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي فقد ذكر القاضي ذلك لما ذكر تلك الأحاديث وأما ما احتج به من أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت رؤيته تلك الليلة فإنه لم يعتمد في ذلك إلاّ على الحديث الذي ذكر هذا كله في الكلام عليه وهو
(7/286)

الحديث الذي سنذكره إن شاء الله مما رواه الخلال عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري قال فوضه يده حتى وجدت فذكر كلمة ذهبت عني قال ثم قال فيم يختصم الملأ العلى وذكر الخبر قال القاضي أعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصول أحدها في إثبات ليلة الإسراء وصحتها والثاني في إثبات رؤيته لله تعالى تلك الليلة والثالث في وضع الكف بين كتفيه الرابع في إطلاق تسمية الصورة عليه والخامس قوله لا أدري لما سأله فيم يختصم الملأ الأعلى ثم تكلم على ذلك قلت الإسراء وإن كان حقًّا ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم قد جاءت بها آثار ثابتة وهذا الحديث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه بالمدينة
(7/287)

في المنام لكن هذا الحديث بهذا اللفظ المذكور في ليلة الإسراء من الموضوعات المكذوبات كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وإنما ذكر أن ربه أتاه في المنام وقال له هذا ووضع يده بين كتفيه بالمدينة في منامه ولهذا لم يحتج أحد من علماء الحديث بهذا بل رووه للاحتجاج ولم يثبتـ ـه أحد في الأحاديث المعروفة عند أهل العلم بالحديث كما بيناه فتبين أن القاضي ليس معه ما اعتمد عليه في رواية اليقظة إلاّ قول ابن عباس وآية النجم وقول ابن عباس قد جمعنا ألفاظه فأبلغ مايقال لمن يثبت رؤية العين أن ابن عباس أراد بالمطلق رؤية العين لوجوه أحدها أن يقال هذا المفهوم من مطلق الرؤية والثاني لأن عائشة قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه
(7/288)

فد أعظم على الله الفرية وتأولت قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وقوله وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى 51] وذلك إنما ينفي رؤية العين فعلم أنها فهمت من قول من قال إن محمدًا رأى ربه رؤية العين الثالث أن في حديث عكرمة أليس يقول الرب تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فقال لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لايدركه شيء ومعلوم أن هذه الآية إنما يعارض بها من يثبت رؤية العين ولأن الجواب بقول ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء يقتضي أن الإدراك يحصل في غير هذه الحال وان ما أخبر به من رؤيته هو من هذا الإدراك الذي هو رؤية البصر وأن البصر أدركه لكن لم يدركه في نوره الذي هو نوره الذي إذا تجلى فيه لم يدركه شيء وفي هذا الخبر من رواية ابن أبي داود أنه سُئل ابن
(7/289)

عباس هل رأى محمد ربه قال نعم قال وكيف رآه قال في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ كأن قدميه في خضرة فقلت أنا لابن عباس أليس في قوله لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] قال لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء وهذا يدل على أنه رآه وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر وقدميه في خضرة وأن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية والمجاب عنها بما تقدم فيقتضي أنها رؤية عين كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء الوجه الرابع أن في حديث عبد الله بن أبي سلمة أن عبد الله بن عمر أرسل إلى عبد الله بن عباس يسأله هل رأى محمد ربه فأرسل إليه عبد الله بن عباس أي نعم فرد عليه
(7/290)

عبد الله بن عمر رسوله أن كيف رآه فأرسل إليه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة كما تقدم وكون حملة العرش على هذه الصورة أربعة هو كذلك الوجه الخامس أنه ذكر أن الله اصطفى محمدًا بالرؤية كما اصطفى موسى بالتكليم ومن المعلوم أن رؤية القلب مشتركة لا تختص بـ محمد كما أن الإيحاء لا يختص بـ موسى ولا بد أن يثبت لمحمد من الرؤية على حديث ابن عباس مالم يثبت لغيره كما ثبت لموسى من التكليم كذلك وعلى الروايات الثلاث اعتمد ابن خزيمة في تثبيت الرؤية حيث قال
(7/291)

باب ذكر الأخبار المأثورة في إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم خالقه العزيز العليم المحتجب عن أبصار بريته قبل اليوم الذي يجزي الله كل نفس ما كسبت وذكر اختصاص الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرؤية كما خص إبراهيم عليه السلام بالخُلَّة من بين جميع الرسل والأنبياء جميعًا وكما خص نبيه موسى بالكلام خصوصية خصه الله بها من بين جميع الرسل وخص الله كل واحد منهم بفضيلة وبدرجة سنية كرمًا منه وجودًا كما أخبرنا عز وجل في محكم تنزيله في قوله تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة 253] ثم اشتمل حديث هشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم
(7/292)

والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين وذكر حديث الحكم عن عكرمة الذي فيه صورة شاب وذكر احتجاج بعض أصحابه بما روي عن أبي ذر وابن عباس في تفسير قوله في سورة النجم واحتجاج بعضهم بقول ابن عباس في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] أنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال وليس الخبر بالبين أيضًا إن ابن عباس أراد بقوله رؤيا عين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربع بعينه لست أستحل أن أحتج
(7/293)

بالتمويه ولا أستجيز أن أموه على مقتبسي العلم فأما خبر قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس وخبر عبد الله بن أبي سلمة عن ابن عباس فبين واضح أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه وهذا من كلامه يقتضي أنه اعتمد هذه الطرق وأنها تفيد رؤية العين لله التي ينزل عليها قوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] ويدل على ذلك حديث حماد ابن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي وحديث الحكم عن عكرمة في حكم المرفوع أيضًا لأنه ذكر خبر الرؤية على وجه لا يعلم بالرأي ولا بتأويل القرآن وكذلك حديث ابن أبي سلمة عن ابن عباس أخبر فيه بأمور لاتُعلم من تفسير القرآن وعلى هذا فيكون خبر عكرمة عن ابن عباس ونحوه روية عين كما يذهب إلى ذلك طوائف من أهل الحديث ومع هذا فقد روي بهذا الإسناد بعينه عن عكرمة ما يبين أن
(7/294)

رؤية الآخرة على وجه آخر وقال في هذه الرواية ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء وروى عبد الرحمن حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة في قوله عزوجل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) [القيامة 22-23] قال مسرورة فرحة إلى ربها ناظرة قال عكرمة انظر ماذا أعطى الله عبده من النور
(7/295)

في عينيه أن لو جعل الله جميع من خلق الله من الإنس والجن والدواب والطير وكل شيء من خلق الله فجعل نور أعينهم في عين عبد من عباده ثم كشف عن الشمس سترًا واحدًا ودونها سبعون سترًا ما قدر أن ينظر إلى الشمس والشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي والكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش والعرش جزءًا من سبعين جزءًا من نور الستر فانظر ماذا أعطى الله تعالى عبده من النور في عينيه أن النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا لكن قال الحافظ أبو عبد الله بن منده الوجه الرابع ما رواه الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة حدثنا فضل بن
(7/296)

سهل حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) قال إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل فقال له رجل أليس قد قال لاتدكه الأبصار وهو يدرك الأبصار فقال له عكرمة أليس ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى وهذا مروي من وجوه أخرى فلهذا ترجم أبو بكر بن أبي عاصم باب ما ذكر في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه
(7/297)

فروى حديث شعبة عن قتادة عن عكرمة عن أنس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه تبارك وتعالى وروى حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس هذا وروي حديث عاصم عن الشعبي وعكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد ربه وروى حديث عكرمة عن ابن عباس أن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى
(7/298)

موسى بالكلام واصطفى محمدًا بالرؤية وروى حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس الذي فيه ذلك إذا تجلى بنوره واختصره وقال فيه كلام يعني كلامًا لم يذكره وروى من حديث عن جابر بن زيد عن عطاء بن أبي رباح عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
(7/299)

قال هو محمد دنا فتدلى إلى ربه عز وجل وروى حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة وروى حديث هشام الدستوائي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن شيء قال عن أي شيء كنت تسأله قال كنت أسأله هل رأيت ربك فقال سألته فقال نور أني أراه وحديث هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية
(7/300)

لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم إنه ذكر رؤية الله في الآخرة ثم ذكر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في المنام فعلم أن أحاديث ابن عباس عنده في اليقظة لكن لم يقل بعينيه فاحتجاج المحتج بهذه الآية وجوابه بقوله ألست ترى السماء قال بلى قال فكلها ترى دليل على أنه أثبت رؤية العين وقد يقال بل أثبت رؤية القلب ورؤية النبي بقلبه كرؤية العين كما تقدم ذكر هذا من كلام الإمام أحمد وغيره فلم يكن كلام ابن عباس مختلفًا وتكون هي رؤية يقظة بقلبه والذي يدل على الجزم بهذا الوجه أن هذه من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس وقد روى ابن خزيمة والطبراني وغيرهما م حديث إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11]
(7/301)

قال رآه بقلبه قال ابن خزيمة حدثنا عمي حدثنا عبد الرزاق حدثنا إسرائيل وقال الطبراني حدثنا يوسف القاضي حدثنا محمد بن كثير حدثنا إسرائيل فذكره يبين ذلك ما رواه الترمذي في جامعه في تفسير سورة والنجم فروى حديث ابن عيينة عن مجالد عن الشعبي قال لقي ابن عباس كعبًا فعرفه فسأله عن شيء فكبر حتى جاوبته الجبال فقال ابن عباس إنا بني هاشم
(7/302)

نزعم أنَّ محمدًا رأى ربه فقال كعب إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين قال مسروق فدخلت على عائشة فقلت هل رأى محمد ربه فقالت لقد قفَّ شعري مما قلت قلت رويدًا ثم قرأت لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) قالت أين يُذهب بك إنما هو جبريل من أخبرك أنَّ محمدًا رأى ربه تعالى أو كتم شيئًا مما أمر به أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ الآية [لقمان 34] فقد أعظم على الله الفرية ولكنه رأى جبريل لم يره على صورته إلاّ مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سدّ الأفق
(7/303)

قال أبو عيسى وقد روى داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا الحديث وحديث داود أنص من حديث مجالد وروى الترمذي مثل ذلك عن الشيباني قال وسألت زرّ بن حبيش عن قوله فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فـ ـقال أخبرني ابن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب
(7/304)

صحيح ثُمَّ روى الترمذي فقال حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان البصري حدثنا يحي بن كثير العنبري حدثنا سلم بن جعفر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد ربه قلت أليس الله يقول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال ويحك ذاك نوره إذا تجلى بنوره الذي هو نوره وقد رأى محمد ربه مرتين قال أبوعيسى هذا حديث حسن
(7/305)

غريب من هذا الوجه قلت وقد روى أبوبكر بن أبي عاصم هذا الحديث في كتاب السنة عن هذا الشيخ كما رواه الترمذي عنه إلى آخره قال وقد رأى محمد ربه مرتين وفيه كلام أراد ابن أبي عاصم أنَّ الحديث فيه كلام آخر وهذا هو الكلام الذي تقدمت الإشارة إليه أنه قال رآه دونه ستر من لؤلؤ كما ذكرنا فإن هذه الزيادة كانوا يروونها وتارة يتركونها كما تركها ابن خزيمة والترمذي وابن أبي عاصم وهكذا قال ابن أبي عاصم لما روى حديث شاذان فقال حدثنا
(7/306)

أحمد بن محمد المروذي حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي عز وجل قال ثمَّ ذكر كلامًا وقد تقدم ذكر هذا الكلام من رواية غيره وروى هذا الحديث من الوجه الآخر الذي ذكره أحمد فقال حدثنا فضل بن سهل حدثنا عفان قال حدثنا عبد الصمد بن كيسان عن
(7/307)

حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي عز وجل لم يزد ابن أبي عاصم على هذا والحديث معروف بطوله والمقصود هنا أن قول ابن عباس رآه مرتين أجاب فيه بقوله ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء لما سئل عن قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وهذا يقتضي أنَّ المرتين رؤية عين مع أنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه رآه بفؤاده مرتين ذكره أيضًا في تفسير الآية وهذا يقوي أن تكون رؤية الفؤاد عنده رؤية العين للأنبياء خصوصًا لا لغيرهم وحين عورض بهذه الآية أجاب عنها وعلى هذا فتتفق أقوال ابن عباس وهو أشبه ثم روى الترمذي حديث محمد بن عمرو عن أبي
(7/308)

سلمة عن ابن عباس في قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) [النجم 13-15] فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 9-10] قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال أبوعيسى هذا حديث حسن ثم روى حديث يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذرّ لو أدركت النبي صلى الله عليه وسلم سألته فقال عما كنت تسأله قال كنت أسأله هل رأى محمد ربه فقال قد سألته فقال نُورٌ أنَّى أرَاهُ قال أبو عيسى هذا حديث حسن ثُمَّ روى من حديث
(7/309)

إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض قال أبوعيسى هذا حديث حسن صحيح قلت فأمَّا إثباته الرؤية بسورة والنجم فقد نوزع فيه
(7/310)

أيضًا وأما أبوذر فقد تقدم قوله رآه بفؤاده ولم يره بعينه وأمَّا أنس بن مالك فقد روى من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال رأى محمد ربه ورواه ابن خزيمة فقال حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز المقوم حدثنا أبو بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان عن شعبة وكذلك رواه ابن أبي عاصم حدثنا عمرو بن عيسى الضبعي حدثنا أبوبحر البكراوي حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن محمدًا قد رأى ربه تبارك وتعالى وكذلك رواه الطبراني فقال حدثنا زكريا السَّاجي حدثنا عمرو بن عيسى
(7/311)

الضبعي حدثنا أبوبحر البكراوي حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال رأى محمد ربه فمداره على أبي بحر عن شعبة وفي مفرده نظر يحتمل أن يكون اشتبه عليه ذلك ببعض أحاديث قتادة في هذا الباب فإنه روى عن عكرمة وغيره ذكر الرؤية وإلاَّ فانفراده من بين أصحاب شعبة ريبة تُوجبُ نظرًا وقد روى الطبراني في السنة في باب رؤية محمد ربه في قوله تعالى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 10] حدثنا محمد بن علي الصائغ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا
(7/312)

الحارث بن عبيد أبوقدامة الإيادي عن أبي عمران الجَوني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب رفرفة الدُّر والياقوت فأوحى الله إليَّ ما شاء أن يوحي قال حدثنا يوسف القاضي حدثنا المقدمي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس وأبي ذر في
(7/313)

قوله فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 10] قالا عبده محمد صلى الله عليه وسلم فإن قيل فقد روى الخلال حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا أبو داود المباركي حدثنا حماد بن دليل عن سفيان بن سعيد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب
(7/314)

أو عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما كنت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت لا أدري قال فوضع يده حتى وجدت فذكر كلمة ذهبت عني قال ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت إسباغ الوضوء في المسرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال وما الدرجات قلت إطعام الطعام وإفشاء السلام وصلاة بالليل والناس نيام قال
(7/315)

قل قلت وما أقول قال قل اللهم إني أسألك عملاً بالحسنات وترك المنكرات وإذا أردت في قوم فتنة وأنا فيهم فاقبضني إليك غير مفتون وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذا الحديث في كتاب إبطال التأويل أو ل ما ذكر من أحاديث هذا الجنس الذي فيه رؤيته في أحسن صورة وأثبت ذلك يقظة وتكلم عليه كما تكلم على غيره من الأخبار فأبطل التأويل إذ المتأولون كالمريسي وذويه وابن فورك ونحوه يجعلون هذا في اليقظة ويتأولونه كما
(7/316)

فعله المؤسس قيل هذا الحديث كذب موضوع على هذا الوجه بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث ولهذا لم يذكره الإمام أحمد فيما ذكره من أخبار هذا الباب ولا أحد من أصحابه الذين أخذوا عنه لا فيما يصححون ولا فيما عللوه وكذلك ابن خزيمة لم يذكره لا فيما صححه ولا فيما علله ولا رووه الأئمة الذين جمعوا في كتب السنة أحاديث الباب كابن أبي عاصم والطبراني وابن منده وغيرهم لأنه من الموضوعات التي لا يجوز ذكرها لمن علم بها إلاّ أن يبين أنها موضوعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وهذا الحديث من أبطل الباطل عن سفيان الثوري
(7/317)

والحسن بن صالح بن حي لم يأت به عنهما أحد من أصحابهما مع كثرتهم واشتهارهم وأيضًا فأحاديث المعراج قد رواها أهل الصحيح من حديث مالك بن صعصعة وأبي ذر وأنس وابن عباس وأبي حبة الأنصاري ورواه أهل السنن والمسانيد من وجوه
(7/318)

أخرى وليس في شيء منها هذا مع توفر الهمم والدواعي على ضبط ذلك لو كان له أصل وهذا التأويل يوجب العلم ببطلان هذا وأيضًا فقوله فيه نقل الأقدام إلى الجمعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة والمعراج كان بمكة وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس ولم تكن جمعة فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن أول جمعة كانت في الإسلام بعد جمعة بالمدينة جمعت بالبحرين بجواثاء قرية من قرى البحرين وهذا من العلم المتواتر الذي لا يتنازع فيه أهل العلم وأما ما يوجد في كتب
(7/319)

أخرى ويوجد عند كثير من الشيوخ والعامة من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في بعض سكك المدينة أو خارج مكة أو أنه ينزل عشية عرفة فيعانق المشاة ويصافح الركبان ونحو هذه الأحاديث التي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربع في اليقظة في الأرض فكلها من أكذب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم فليعلم ذلك والخلال روى هذا الحديث من هذا الوجه ورواه من وجه آخر هو الصواب لأنه جمع الطرق فقال حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري حدثنا مؤمل قال حدثنا عبيد الله
(7/320)

ابن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في منامي في أحسن صورة فقال يامحمد قلت لبيك ربي وسعديك فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وذكر الحديث قال الخلال حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري حدثنا مؤمل قال حدثنا حماد بن دليل حدثنا سفيان الثوري عن قيس عن طارق عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ففي هذه الرواية من رواية مؤمل عن حماد بن دليل عن الثوري عن قيس عن طارق عن النبي صلى الله عليه وسلم جعله مرسلاً وجعله مثل
(7/321)

حديث أبي هريرة وحديث أبي هريرة يوافق سائر الأحاديث أن ذلك كان في المنام كما ذكره في هذه الراوية ولكن إنما اعتقد صحة هذا من لم يكن له بالحديث وألفاظه وروايته خيرة تامة من جنس الفقهاء وأهل الكلام والصوفية ونحوهم فلهذا ذكروه من بين متأول ومن بين راد للتأويل ثم المثبتة تزيد في الأحاديث لفظًا ومعنى فيثبتون بعض الأحاديث الموضوعة صفات ويجعلون بعض الظواهر صفات ولا يكون كذلك والنافية تنقض الأحاديث لفظًا ومعنًى فيكذبون بالحق ويحرفون الكلم عن مواضعه ومن هذا ما رواه الخلال حدثنا عمرو بن إسحق حدثنا أبو مسلم الحضرمي حدثنا أبو معاوية وهب بن عمرو الأحموسي عن أبي عبد الرحمن عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس أنه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أسري بي إلى السماء فرأيت الرحمن
(7/322)

الأعلى بقلبي في خلق شاب أمرد نور يتلألأ وقد نهيت عن صفته لكم فسألت إلهي أن يكرمني برؤيته فإذا هو كأنه عروس حين كُشفت عن حجلته مستويًا على عرشه في وقاره وعزه ومجده وعُلوِّه ولم يؤذن لي في غير ذلك من صفته لكم سبحانه في جلاله وكريم فعاله في مكانه العلي نوره المتعالي وهذه الألفاظ ينكر أهل المعرفة بالحديث أن تكون من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هذا الحديث يبين أن حديث عكرمة المشهور كان بفؤاده كما في هذا ويشبه هذا ما رواه الخلال أيضًا قال حدثنا يزيد بن جمهور حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العبدي حدثنا أبي حدثنا سفيان عن جويبر عن
(7/323)

الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به قال انتهيت على نهر من نور لهب النار قال فجعلت أهال قال وجعل جبريل يقول يامحمد ادع الله بالتثبيت والتأييد قال فجعلت أدعو بالتثبيت والتأييد فذكر أنها دون العرش حتى انتهيت إلى العرش وأمسك جبريل عني قال فلما انتهينا إلى الله ألقيت على الوسنة قال وعاينت بقلبي جلاله قال فكان ابن عباس يقول رآه بفؤاده ولم تر هـ عيناه ولكن قد يكون أصل الحديث أنهما حدثا عن ابن عباس محفوظًا وزيد فيه زيادات كما جرت به عادة كثير من هؤلاء
(7/324)

المصنفين فيكون هذا موافقا لأن حديث قتادة والحكم عن عكرمة وحديث سلمة بن عمرو أنه كان ليلة المعراج وأما رواية الترمذي للأحاديث المتقدمة فالصواب أنها ثابتة كما عليه أئمة الحديث ولذلك احتج بها أحمد وقال يقول النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي فأنكر على من رد موجبها وقد ثبت حديث عكرمة عن ابن عباس وهو أسدُّها وذكر أن العلماء تلقته بالقبول وقال حدث به فقد حَدَّثَ به العلماء فأما قوله في رواية الأثرم يُضطربُ في إسناده وأصل الحديث واحد وقد اضطربوا فيه فهذا كلام صحيح فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب لكن بم يقل إن هذا يوجب ضعف متنه ولا قال إن متنه غير ثابت بل مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته يدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ
(7/325)

صحيح الأصل لاريب في ذلك بل قد يوجب له القطع بذلك كما نبهنا عليه أولاً فإنه قد ثبت أنه حدث به عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأخبره يزيد بن يزيد وأبو قلابة والأوزاعي عن خالد بن اللجلاج وكل هؤلاء ممن الثقات المشاهير وهذا يثبت رواية خالد له لكن أحدهم قال عن ابن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن ابن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يقتضي ثبوت إحدى الروايتين دون الأخرى إذ لم يختلفا في متنه وإنما اختلفا في صفة الإسناد فقد يقال الثانية أصح لأن ابن عائش ليس ممن اتفق على سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم ولأن إحدى الروايتين فيها زيادة والزيادة من الثقة مقبولة وقد يقال الأولى أصح لأن رواتها عن خالد أكثر وقد
(7/326)

رواه كذلك الأوزاعي وغيره كما سيأتي إن شاء الله والأشبه أن الاضطراب في هذه الرواية وقع من خالد نفسه وأنه كان لا يذكر في أكثر الروايات إلاّ ابن عائش ولهذا لم يذكر أبو قلابة عنه إلاَّ ما يشتبه بابن عائش وبالجملة فأيّ الروايتين كانت هي المحفوظة صحَّ الحديث إذ تعارضهما إمَّا أن يوجب صحَّة إحداهما أو يوجب الجمع بينهما وعلى كل تقدير فالحديث محفوظ فأمَّا طرحهما جميعًا فإنَّما يكون إذا تعارض متنان متناقضان وكذلك قول أبي قلابة عن ابن عباس إمّا أن يكون محفوظًا أو مُصَحَّفًا وعلى التقديرين لا يقدح في متن الحديث بل يؤيده ويثبته سواء كان محفوظًا أو مُصحَّفًا ورواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاّم عن ابن عائش لاتخالف رواية خالد بن اللجلاج عنه بل توافقه وتعضده لأنّ رواية خالد تدلُّ على أنه كان لا يستوفي إسناده بل تارة يرسله وتارة يذكر الصاحب فهذه الرواية ذكرت ما ذكروه واستوفت الإسناد والمتن وأمّا ما ذكره ابن خزيمة
(7/327)

من كون يحيى مُدلِّسًا لم يذكر السَّماع فهذا لا يضرُّ هنا لأنّ غاية ما فيه أن يكون أخذه من كتاب زيد بن سلاَّم كما حُكي عنه أنَّه كان يُحدّث من كتاب أبي سلاّم إما لمعرفته بخطّه وإمَّا لأن الذي أعطاه قال له هذا خطه وهذا ممّا يزيد الحديث قوة حيث كان مكتوبًا ولهذا كان إسناده ومتنه تامًّا في هذه الطريق بحمله دون الأخرى والاحتجاج بالكتاب في مثل هذا جائز كالاحتجاج بصحيفة عمرو بن حزم وصحيفة عبد الله بن عمرو التي رواها عمرو بن شعيب كما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم
(7/328)

يكتب كتبه إلى النواحي فتقوم الحجة بذلك وإن لم يكن هذا حجة فمن المعلوم أن هذا الطريق يبيِّن أن الحديث عن ابن عائش إذ مثل هذه الطريق إذا ضُمت إلى طريق خالد بن اللجلاج كان أقل أحوال الحديث أن يكون حسنًا إذ رُوي من طريقين مختلفين ليس فيهما متهم بالكذب بل هذا يُوجب العلم عند كثير من الناس ولهذا كان الأئمة يكتبون الشواهد والاعتبارات ما لايُحتج به منفردًا والذي ذكر ابن خزيمة من أنه لم يثبت طريق معين من هذه الطرق هذا فيه نزاع بين أهل الحديث لكن إذا ضُمت بعضها إلى بعض صدَّق بعضها بعضًا فهذا مـ ـما لا يتنازعون فيه لكن ابن خزيمة جرى على عادته أنه لا يحتج إلا ب إسنادٍ يكون وحده ثابتًا فإنَّه كثيرًا ما يُدخل في الباب الذي يحتجُّ له من الشواهد والاعتبارات أشياء فلا يحتج بها فما قاله لا ينافي ما اتفق عليه أهل العلم فثبت
(7/329)

صحَّة الاحتجاج به من طريقين أحدهما من جمع الطرق لكن ابن خزيمة لم يسلك هذا والثاني من جهة ثبوت الاحتجاج بالكتاب لكن ابن خزيمة لم يذهب إلى هذا ومما يؤيد هذا أنَّ المتن نفسه قد رُوي من وجوه أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ثوبان الذي تقدم ذكره وقد رواه الخلال أيضًا وروي من حديث ابن عمر قال الخلال حدثنا محمَّد بن عوف حدثنا أبواليمان حدثنا أبومهدي عن أبي الزهراية عن
(7/330)

أبي شجرة عن ابن عمر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم تلبَّث عن أصحابه في صلاة الصبح حتى تراءى له قرن الشمس أن يطلع ثم خرج عليهم فصلى صلاة الصبح فلمَّا فرغ قال اثبتوا على مقاعدكم ثم أقبل عليهم يقول لهم هل تدرون ما حبسني عنكم قالوا الله ورسوله أعلم قال إني صليت في مصلاي ما كتب الله لي فضُرب على أذني وأتاني ربي في أحسن صورة وقال الخلال أخبرنا محمَّد بن إسماعيل حدثنا
(7/331)

وكيع عن عبيد الله بن أبي حُميد عن أبي المُليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني آتٍ في أحسن صورة فقال يا محمَّد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى يوم القيامة قلت لا فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بَردها بين ثدييّ قال فعرفت كل شيء سألني عنه قال نعم يختصمون في الدرجات والكفارات قال وما الدرجات قلت إسباغ الوضوء في السبرات والمشي على الأقدام إلى الجمعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط والكفارات إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام
(7/332)

وقد انقلب في هذا المتن الكفارات بالدرجات فإن الصواب أنَّ تلك الأعمال هي الكفارات وهذه الثانية هي الدرجات كما سبق في الروايات وقوله أتاني آت في أحسن صورة يفسره ما رواه الخلال أيضًا حدثنا أحمد بن محمَّد الأنصاري حدثنا مؤمل قال حدثنا عبيد الله بن أبي حُميد عن أبي المليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في منام في أحسن صورة فقال يا محمَّد قلت لبيك وسعديك فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وقال مؤمل حدثنا حمَّاد بن دليل حدثنا سفيان الثوري عن قيس عن طارق عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقال قُرئ على محمَّد بن إبراهيم الصدري وأنا
(7/333)

أسمع حديثكم مؤمل حدثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في منامي في أحسن صورة فالأشبه أن لفظ أتاني آتٍ هو من رواية بعض الرواة بالمعنى كأنّه عَدَلَ عن لفظ ربي إمَّا خوفًا على نفسه أو على المستمع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لاريب أنَّه قال ذلك اللفظ كما تواترت به الطرق وقد روى الحافظ أبوعبد الله بن منده هذا الحديث فيما أخرجه وانتقاه من أحاديث الصفات التي لم يُضمنها الضّعاف وذكر استفاضة طرقه واتفاق علماء الشرق والغرب على تبليغه رواه من حديث أبي هريرة وثوبان وأحاديث ابن عائش فقال أخبرنا أبو خيثمة حدثنا محمَّد بن إبراهيم بن
(7/334)

كثير حدثنا مؤمل قال حدثنا عبيد الله لن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي عز وجل في منامي في أحسن صورة فقال لي يا محمَّد قلت لبيك وسعديك قال هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا يارب فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدتُّ بردها بين ثدييّ وذكره أخبرنا عبيد الله بن جعفر البغدادي بمصر حدثنا هارون بن كامل حدّثنا أبوصالح قال حدّثنا معاوية بن صالح عن أبي يحيى وهو سليم عن أبي يزيد عن أبي سلاّم الحبشي أنه سمع ثوبان قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح فقال إن ربي عز وجل
(7/335)

أتاني الليلة في أحسن صورة فقال يا محمَّد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا علم لي يارب فوضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله في صدري فتخيّل لي ما بين السماء والأرض وذكر الحديث أخبرنا الحسن بن يوسف الطرائفي بمصر حدثنا إبراهيم ابن مرزوق حدثنا أبوعامر العقدي حدثنا زهير بن محمَّد عن يزيد بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب
(7/336)

النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة وهو طيب النفس مشرق اللّون فقلنا له فقال مالي وأتاني ربّي الليلة في أحسن صورة الحديث قال الحافظ أبوعبد الله بن منده هكذا رواه زهير عن يزيد بن يزيد وزاد في الإسناد رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الأوزاعي وعبد الرحمن بن جابر وغيرهما وعن خالد بن اللجلاج ولم يذكروا الرجل في الإسناد ثنا محمّد بن جعفر بن يوسف وخيثمة بن سليمان قلا حدثنا العبّاس بن الوليد بن مزيد
(7/337)

أخبرني أبي حدثنا ابن جابر والأوزاعي قالا حدثنا خالد بن اللجلاج سمعت عبد الرحمن بن عائش قال صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث بمثله وقال فيه فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثدييّ فعلمت ما بين السماء والأرض ثم قرأ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام 75] قال الحافظ أبو عبد الله بن منده ورواه أبوسلاّم عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال ورُوي هذا الحديث عن عشرة من الصحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونقلها عنهم
(7/338)

أئمة البلدان من أهل الشرق والغرب وكنت حين كتبت ما كتبته بمكان لا يصل إليّ فيه الكتب وكنت أعلم أن هذا الحديث في جامع الترمذيّ لكن لم يكن حاضرًا عندي فلمَّا حضر إليّ بعد ذلك وجدته قد تكلم عليه نحوًا ممَّا تكلمت وبيَّن أنه حديث صحيح وذكر عن البخاري أنه حديث صحيح وأنَّ الصواب هو حديث معاذ فروى الترمذي في التفسير في سورة ص أولاً حديث معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني الليلة ربّي في أحسن صورة قال أحسبه في المنام قال كذا في الحديث فقال يا محمَّد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت لا قال فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ أو قال في نحري فعلمت ما في السموات وما في الأرض قال يامحمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت نعم في الكفارات والكفارات المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي
(7/339)

على الأقدام إلى الجمعات والجماعات وإسباغ الوضوء في المكاره ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمّه قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال وفي الباب عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عائش عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي هذا الحديث عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم بطوله وقال إني نعست فاستثقلت نومًا فرأبت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى ثم قال حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هانئ اليشكري حدثنا جهضم بن عبد الله
(7/340)

عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعًا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجوَّز في صلاته فلما سلم دعا بصوته قال لنا على مصافكم كم أنتم ثم لنفتل إلينا ثم قال أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة أني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قُدِّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن
(7/341)

صورة فقال يا محمد قلت لبيك رب قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري قالها ثلاثًا قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال يا محمد قلت لبيك ري قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات قال ما هن قلت مشي الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء حين الكريهات قال ثم فيم قلت إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام قال سَلْ قلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرِّب إلى حبك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(7/342)

إنها حق فادرسوها ثم تعلموها قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقال هذا أصح من حديث الوليد بن الحضرمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وهذا غير محفوظ هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن ابن عائش قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى بشر ابن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا
(7/343)

الإسناد عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصح وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيت أبا بكر بن أبي عاصم روى هذا الحديث في كتاب السنة من طرق أخرى بعد أن قال باب ما ذكر من رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم ربه في منامه وأسند قول ابن عباس وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] قال هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم وأسند قول ابن عباس وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ عن عبد الملك بن ميسرة عن مصعب بن سعد عن معاذ
(7/344)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق ثم قال باب فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثنا سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تجلى لي في أحسن صورة فسألني فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت رب لا علم لي قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو وضعها بين
(7/345)

ثديي حتى وجدت بردها بين كتفي فما سألني عن شيء إلا علمته قال وحدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن ليث عن أبي سابط عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تراءى لي ربي في أحسن صورة ثم ذكر
(7/346)

الحديث حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم وصدقة بن خالد فالا حدثنا ابن جابر قال مر بنا خالد بن اللجلاج فدعاه مكحول فقال له يا أبا إبراهيم حَدِّثنا حديث عبد الرحمن بن عائش قال سمعت عبد الرحمن بن عائش يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في أحسن صورة حدثنا يحيى بن عثمان بن كثير حدثنا
(7/347)

زيد بن يحيى حدثنا ابن ثوبان حدثنا أبي عن مكحول وابن أبي زائدة عن ابن عائش الحضرمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في أحسن صورة وذكر حديث أبي قلابة عن خالد عن ابن عباس وحديث
(7/348)

ثوبان قال وفي هذه الأخبار وضع يده بين كتفي والحافظ أبو القاسم الطبراني ذكر في كتاب السنة في باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه أحاديث ابن عباس ونحوها ثم ذكر الحديث وقدم فيه طريق معاذ الذي هو أصحها وأكملها ورواه من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير فقال حدثنا محمد بن محمد التمار البصري قال حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي
(7/349)

حدثنا موسى بن خلف العمي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاَّم عن جده ممطور عن عبد الرحمن السكسكي عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع فلما صلى بنا الغداة قال إني صليت الليلة ما قُضي لي ووضعت جنبي في المسجد فأتاني ربي عز وجل في أحسن صورة فقال يامحمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا يارب قالها ثلاثًا قلت لا يارب قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها في صدري فتجلى لي كل شيء وعرفته فقلت في الكفارات قال فما الدرجات قلت إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام فقال صدقت فما الكفارات قلت إسباغ الوضوء في
(7/350)

السبرات وانتظار الصلاة بعد الصلاة ونقل الأقدام إلى الجمعات قال صدقت سل يا محمد قلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بين عبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق ثم ذكر حديث معاوية ابن أبي صالح عن أبي يحيى عن أبي يزيد عن أبي سلام الأسود عن ثوبان قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عد صلاة الصبح فقال إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة وذكر الحديث قال أبو القاسم أظنه الذي
(7/351)

روى عنه معاوية بن صالح هذا الحديث هو سليم بن عامر وأبو زيد هو زيد بن سلاَّم ثم ذكر حديث جابر بن سمرة كما ذكره ابن أبي عاصم فقال حدثنا عبيد الله بن همام قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وساقها باللفظ المتقدم إلاَّ أنه قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها على ثديي فما سألني عن شيء إلاَّ علمته ولم يشك ثم ذكر حديث قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس وحديث معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس ثم ذكر طريقًا ثالثًا لحديث أبي قلابة وسماه عبد الله بن عائش فقال حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا معاوية بن عمران الجرمي
(7/352)

حدثنا أنيس بن سوار الجرمي عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج أن عبد الله بن عائش حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا مستبشرًا على أصحابه يعرفون السرور في وجهه فقال لهم أتاني ربي عز وجل الليلة في أحسن صورة فقال يامحمد قلت لبيك رب وسعديك قال هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت نعم يارب في الكفارات والكفارات المشي على الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإبلاغ الوضوء أماكنه على المكروهات قال صدقت يامحمد فمن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته مثل يوم ولدته أمه وإذا صليت يامحمد فقل اللهم إني أسألك فعل الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب على وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني وأنا غير مفتون والدرجات الصوم وطيب الكلام والصلاة بالليل والناس نيام فتسميته في هذه الرواية عبد الله بن عائش دليل على
(7/353)

الاضطراب ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن خالد من رواية الأوزاعي والوليد بن مسلم كلاهما عنه ثم ذكر حديث أبي أمامة فقال حدثنا محمد بن إسحاق بن راهوية حدثنا أبي حدثنا جرير عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ثم ذكر حديث يوسف بن عطية الصفار عن قتادة عن
(7/354)

أنس وهو وهم فإن يوسف ضعيف والثقات عن قتادة ذكروه عن أبي قلابة ثم ذكر حديث أبي هريرة الذي رواه الخلال فقال حدثنا محمد بن غيلان حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال حدثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في منامي في أحسن
(7/355)

صورة ثم ذكر مثله وأما حديث أم الطفيل فإنكار أحمد له لكونه لم يعرف بعض رواته لا يمنع أن يكون عرفه بعد ذلك ومع هذا فأمره بتحديثه به لكون معناه موافقًا لسائر الأحاديث كحديث معاذ وابن عباس وغيرهما وهذا معنى قول الخلال إنما يروى هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء تصحيحًا لغيره ولأن الجهمية تنكر ألفاظه التي قد رويت في غيره ثابتة فروي ليبين أن الذي أنكروه تظاهرت به الأخبار واستفاضت وكذلك قول أبي بكر عبد العزيز فيه وهاء ونحن قائلون به أي لأجل ما ثبت من موافقته لغيره الذي هو ثابت لا أنه يقال بالواهي من غير حجة فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقًّا ولا يمنع أيضًا أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبين صحته ومعنى الضعيف عندهم أنا لم نعلم أن رواية عدل أو لم نعلم أنه ضابط فعدم علمنا بأحد
(7/356)

هذين يمنع الحكم بصحته لا يعنون بضعفه أنا نعلم أنه باطل فإن هذا هو الموضوع وهو الذي يعلمون أنه كذب مختلق فإذا كان الضعيف في اصطلاحهم عائدًا إلى عدم العلم فإنه يطلب له اليقين والتثبيت فإذا جاء من الشواهد بالأخبار الأخر ى وغيرها ما يوافقه صار ذلك موجبًا للعلم بأن روايه صدق فيه وحفظه والله تعالى أعلم فصل إذا عرف أن الحديث الذي فيه رأيت ربي وأتاني ربي في أحسن صورة وقال فيم يختصم الملأ الأعلى وفيه فوضع يده بين كتفي إنما كان في المدينة وكان في المنام وهو حديث ثابت ظهر خطأ طائفتين طائفة تعتقد أنه كان في اليقظة ليلة المعراج وتجعله من الصفات التي تقررها أو تحرفها فنتكلم على ما ذكره المؤسس
(7/357)

قوله يحتمل أن يكون ذلك من صفات الرائي كما يقال دخلت على الأمير في أحسن هيئة أي وأنا كنت على أحسن هيئة فهذا باطل لوجوه احدها أن لفظه في أتم طرقه إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في مصلاي حتى استثقلت فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك رب قال فيم يختصم الملأ الأعلى فقوله فإذا أنا بربي في أحسن صورة صريح في أن الذي كان في أحسن صورة هو ربه الوجه الثاني أن في اللفظ الآخر أتاني ربي الليلة في أحسن صورة الوجه الثالث أن النائم إذا أخبر بأنه رأى غيره في أحسن صورة لم يكن مقصوده الإخبار بصورة نفسه الرابع أن قول القائل رأيت فلانًا في أحسن صورة إنما يتعلق الطرف فيه بالمرئي لا بالرائي كما لو قال رأيت فلانًا
(7/358)

راكبًا أو قاعدًا أو في حال حسنة ونحو ذلك أو في أحسن صورة لأن من لغتهم أن ما يصلح للفاعل والمفعول لا يجوز فيه ترك الترتيب إلاَّ إذا أمن اللبس فلا يقولون ضرب موسى عيسى إلاَّ إذا كان الأول هو الضارب ويقول أكل الكمثرى موسى يقدمون المفعول لظهور المعنى بالرتبة فقول القائل في أحسن صورة وفي حال حسنة ونحو ذلك لا يجوز تعليقه إلا بما هو الأقرب إليه فإذا كان المفعول هو المتأخر وهو الأقرب إليه تعلق به وإذا أريد تعليقه بالفاعل أخر أو أعيد ذكره مثل أن يقال جئته وأنا في أحسن صورة أو لم يأت الأمير إلاَّ وأنا في أحسن صورة ونحو ذلك وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين قول القائل دخلت على الأمير في أحسن هيئة فإن دخوله على الأمير يُشعر بأنه كان هو المتحول المتنقل والأمير يتجمل للقائه ألا ترى أنه لو قال رأيت الأمير في أحسن هيئة أو في أحسن صورة لم يكن المفهوم منه إلاَّ أن الأمير هم الذي في أحسن هيئة وأحسن صورة فيُعطى كل لفظ تركيبه وحقه لا يقاس هذا بهذا مع اختلاف تعيينها الخامس أن قوله في الوجه الأول يكون المعنى أن الله زين خلقه وجمل صورته عندما رأى ربه
(7/359)

يقال له مما عده العلماء من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه عُرج به إلى السماء ثم رجع وأصبح كبائت لم يتغير كما حصل لموسى عليه والسلام حين كلَّمه الله فإنه كان يتبرقع وكذلك لما خرج عليهم إلى صلاة الفجر بالمدينة وأخبرهم بما رأى لم ينقل أحد أنه تغيرت صورته حتى صارت أحسن الصور أكثر ما في بعض الطرق أنه خرج وهو طيب النفس مشرق اللون ومعلوم أن هذا ليس بأحسن الصور السادس أن تلك الزيادة في صورته إن قيل بقيت عليه فهذا كذب ظاهر فإن صورته لم تخالف اختلافًا خارجًا عن العادة وإن قيل كانت حين الرؤية وزالت بزوالها فمن المعلوم أن الذي يزاد إكرامه بتزيين صورته إن لم يره العباد في الصورة الحسنة المجمَّلة وإلا فهو في نفسه لا يحصل له
(7/360)

انتفاع بمجرد جمال صورته الذي لا يراه أحد فأي إكرام في هذا الوجه السابع أن قوله رأيت ربي في أحسن صورة لو عاد إلى الرائي لوجب أن يكون حين الرؤية كان في أحسن صورة والحديث يدل على أنه لفرحه وسروره بالرؤية أشرق لونه وطابت نفسه فيكون ذلك بعد الرؤية فامتنع أن يكون قوله هذا حجة فبطل قولهم الوجه الثامن أن لفظه خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وهو طيب النفس مشرق اللون فقلنا ماله فقال مالي وأتاني ربي الليلة في أحسن صورة فهذا صريح بأن إتيان ربه له في أحسن صورة ليس هو طيب نفسه وإشراق لونه الوجه التاسع قوله في الوجه الثاني أن المراد من الصورة الصفة ويكون المراد الإخبار عن حسن حاله عند الله وأنه أنعم عليه بوجوه كثيرة عظيمة من الإنعام باطل من وجوه
(7/361)

أحدها أن النعم المخلوقة للعبد المنفصلة عنه لا تكون صفة له بحال فإن الموصوف لا يوصف إلاَّ بما قام به من الصفات لا بشيء لا يقوم به بحال وقد تقدم تقرير هذا ولو جاز هذا لجاز وصف الله بجميع الموجودات وأن يكون جميعها صفات لله ولجاز وصف العبد بكل ما يملكه الله تعالى إياه الثاني أن لفظ الصورة لا يقال إلاَّ على ما هو قائم بذي الصورة فأما الأمور المنفصلة عنه التي لا تقوم به فلا تكون صورة له كما تقدم الثالث أنه لو أريد بالصورة الصفة لكان جمال صورته وحسنها أولى بأن يكون معنى هذا الوجه دون أن يكون هذا المعنى هو معنى لفظ الصورة وتكون النعم المنفصلة معنى لفظ الصورة الرابع قوله وذلك لأن الرائي قد يكون بحيث
(7/362)

يتلقاه المرئي بالإكرام والتعظيم وقد يكون بخلافه فعرفنا الرسول أن حاله كان من القسم الأول يقال له الإكرام والتعظيم هو من فعل الله تعالى فهو بأن يكون صفة له أولى من أن يكون صفة للكريم المعظم فإما أن يكون صفة لهما أو للمُكْرَم أما جعله صفة للمُكْرَم فقط فباطل وذلك لأن الإكرام إن كان أمرًا قائمًا بذات المكرم فهو الوجه الأول وإن كان منفصلاً عنه فمن المعلوم أن كونه صفة لله أولى لأن الله فعله والله يوصف بنفس الفعل الذي هو الخلق والتكوين عند عامة أهل الإثبات وإن خالف في ذلك الجهمية من المعتزلة ومن تبعهم من متكلمة الصفاتية ونحوهم وكذلك التلقي بالإكرام هو فعل المرئي فهو أحق بالوصف به من الرائي فتبين بطلان أن يكون قوله في أحسن صورة
(7/363)

إلى المرئي فقط فإن قيل يجوز أن يكون قوله في أحسن صورة عائدًا إلى الرؤية نفسها فيكون متعلقًا بالمصدر لا بالفاعل ولا بالمفعول والتقدير رأيته رؤية هي في أحسن صورة أي صفة قيل هذا لو صح لكان هو معنى الوجه الأول لأن الرؤية صفة للرائي فصفتها صفته فيكون المعنى رأيت ربي وأنا في أحسن صورة وأيضًا فالصورة إنما يوصف بها ما قام بنفسه فأمَّا الرؤية ونحوها فيحتاج وصفها بالصورة إلى نقل ذلك من لغة العرب بل لا يوصف بها في لغتهم إلاَّ بعض الأمور القائمة بنفسها كما تقدم م قول ابن عباس وعكرمة وغيرهما أن الصورة لا تكون إلاَّ إذا كان له وجه فـ قوله صلى الله عليه وسلم من صور صورة كُلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ
(7/364)

لا يتناول إلاَّ ذلك الخامس أن حديث أم الطفيل نص في أن الصورة كانت للمرئي حيث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب السادس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل رأيت ربي في أحسن صورة وسكت بل لم يقل ذلك إلاَّ موصولاً بما يبين صفة الرؤية كما تقدمت ألفاظ الحديث بذلك فهذا الذي ذكره المؤسس ومن نقل كتبه كابن فورك مـ ـمن جعله حديثًا مفردًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي في أحسن
(7/365)

صورة ثم يتأولون ذلك أمر لا أصل له أما قول الرازي إن كان عائدًا إلى المرئي ففيه وجوه الأول أن يكون رأى ربه في المنام في صورة مخصوصة وذلك جائز لأن الرؤيا من تصرفات الخيال فلا ينفك ذلك عن صورة متخيلة فيقال له قد بينا أن ألفاظ الحديث صريحة في أن هذه الرؤية كانت في المنام فيكون هذا الوجه هو المقطوع به وما سواه باطل ولكن لا يكون ذلك من باب التأويل بل الحديث على ظاهره فيكون ظاهر أنه رآه في المنام وهذا حق لا يحتاج إلى تأويل وهذا مقصودنا فإنهم يدعون احتياج هذه الأحاديث إلى تأويل يخالف ظاهرها لأن ظاهرها عندهم ضلال وكفر وهو غالطون تارة فيما يدعون أنه ظاهرها وليس كذلك كما يدعون أن ظاهر هذا الحديث أنه رآه في اليقظة كذلك دعواهم أن ظاهرها الذي هو ظاهرها الحق يحتاج إلى تأويل وهذا الذي أثبته الرازي من جواز رؤية الله في المنام
(7/366)

هو الحق الذي عليه عامة أهل الإثبات وإن نازع فيه من نازع من الجهمية لكن في هذا الباب للنفاة وأهل الإثبات غلط كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى مثل جعل بعض النفاة للرؤية عقائد غير مطابقة وتخيلات باطلة فهي كالرؤية بالعين المحققة الموجودة في الخارج قوله في الوجه الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة وذلك لأنه تعالى لما خصه بمزيد الإكرام والإنعام في الوقت الذي رآه صح أن يقال في العرف المعتاد إني رأيته في أحسن صورة كما يقال وقعت هذه الواقعة على أحسن صورة وأجمل هيئة فيقال له هذا باطل من وجوه أحدها أنه تقدم في ألفاظ الحديث أنه رأى ربه في المنام في أحسن صورة شابًّا موفرًا
(7/367)

الثاني أن ما يخلقه الله من الإكرام والإنعام ليس صفة له فأن لا يكون صورة له أولى ومن المعلوم أن نعمة الله على عباده لا تحصى ولا يوصف بها وإن وصف بأنه خلقها وأنعم بها وأحسن بها الثالث أنه لو أريد بذلك النعم كان من المعلوم أن ما ينعمه الله به عليه بعد ذلك أحسن صورة وقد قال رأيته في أحسن صورة الرابع قوله كما يقال وقعت هذه الواقعة على أحسن صورة وأجمل هيئة يقال له هذا إن كان كلامًا عربيًّا فالصورة قائمة بالمتصور ليست قائمة بغيره فليس ذلك نظير قوله رأيته في أحسن صورة إذا جعلت الصورة للمرئي وجعلتها نعمًا مخلوقة منفصلة عنه الخامس أنه إذا جعل قوله أحسن صورة للمرئي
(7/368)

وجعله من مفعولاته كان المعنى أن ما أنعم الله به على محمد تلك الساعة هو أحسن صورة لله وهذا باطل قطعًا السادس أن هذا التأويل من جنس التأويل الذي رده الدارمي على متبع المريسي حيث قال يحتمل أن تكون هذه صورة مخلوقة أتى الله فيها لا مدبر لها فكلاهما مشتركان في الفساد من جهة جعل الصورة مخلوقة مملوكة ولكل من التأويل وجوه تختص به تدل على فساده وقول الرازي الوجه الثالث لعله صلى الله عليه وسلم اطلع على نوع من صفات الجلال والعزة والعظمة ما كلن مطلعًا عليه قبل ذلك يقال له هذا عليه وجوه أحدها أن هذه ليست أمورًا ثبوتية عندك قائمة بالله فإن الجلال والعزة تعيده إلى الصفات السلبية وهي أمور
(7/369)

عدمية لا ترى والعظمة تعيده إلى ما يخلقه من المخلوقات العظيمة ورؤية المخلوقات ليست رؤيته الثاني أنه قال رأيته في أحسن صورة وجعلت ذلك من صفات الله أي على أحسن صفة لزم أن يُرى على غير أحسن صفة ولزم أن تكون له في ذاته حالات حال يكون فيها على أحسن صفة وحال لا يكون فيها كذلك وهذا كله عندك ممتنع لأن ذلك يستلزم قيام الحوادث بذاته وتحوله الثالث أنه لو كان المراد به صفته لزم أن يكون قد رأى أحسن صفاته ومن المعلوم أن رؤيته له في الدار الآخرة أكمل لو كان قد رآها في الدنيا أحسن صفاته الرابع أن هذا يستلزم أنه عَلِمَ حقيقة الرب المختصة بل يكون قد رآها ورؤيتها أبلغ من علمها والمؤسس دائما يقرر خلاف ذلك هو وغيره لقوله صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك وغير ذلك
(7/370)

وأما قول الرازي في الخبر الذي رواه عن ابن عباس قوله رأيت ربي في أحسن صورة إلى آخره وقد تقدم أن رواية هذا عن ابن عباس غلط وإنما هو حديث ابن عائش وغيره وأحاديث ابن عباس المحفوظة عنه لها ألفاظ أخر وهذا هو حديث أبي قلابة رواه عنه معمر عن أيوب وقتادة فقوله واعلم أن قوله رأيت ربي في أحسن صورة قد تقدم تأويله يقال له ليس فيما تقدم ما يقرب من الحق إلا قوله يحتمل أن يكون عائدًا إلى المرئي وتكون رؤيا منام فهذا الاحتمال قريب إلى الحق لأن الحق أنه كان رؤيا منام لكن هو جوز ذلك ولم يجزم به وتسميته هذا تأويلاً غلط لأنه تفسير مبين في الحديث وإن كان قد لا يُروى في لفظ حديث ابن عباس الذي ذكره فهو مفسر في ألفاظ جمهور الرواة للحديث ومن المعلوم أن الحديث الواحد إذا رواه أحد بلفظ مختصر ورواه جماعات فزادوا فيه ألفاظًا تفسِّر ذلك الغلط وتبينه كان ما رووه مفسرًا ومبينًا لما رواه هذا لو كانت رواية ابن عباس
(7/371)

محفوظة فكيف وقد وقع فيها ما وقع قال الرازي وأما قوله وضع يده بين كتفي ففيه وجهان أحدهما المراد منه المبالغة في الاهتمام بحاله والاعتناء بشأنه يقال لفلان يد في هذه الصنعة أي هو كامل فيها يقال له هذا معلوم الفساد بالضرورة الواضحة من وجوه أحدها أنه إذا قال فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري فعلمت ما في السموات والأرض كان هذا اللفظ نصًّا صريحًا في معناه فكيف يمكن إحالته الثاني أن التعبير عن الاهتمام والاعتناء بمثل هذا اللفظ معلوم البطلان في اللغة حقيقة أو مجازًا وأين قولهم لفلان يد بهذه الصنعة من قول القائل وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي أو على صدري الثالث أن من قال إنه يقال لفلان يد في هذه الصنعة أي هو كامل فيها نعم يعبر باليد عن القدرة فيقال
(7/372)

لفلان في هذا يد وأنا صاحب يد في هذا أي قادر عليه أما أنه كامل القدرة فلابد له من لفظ يدل عليه ويقولون ما لفلا نبها يد أي ماله به طاقة لا قبل كما قيل جعلت لعراف اليمامة حُكْمَهُ وَعراف حجر إن هما شفياني فما تركا من رقية يعلمانها ولا سلوة إلاَّ وقد سقياني وقالا شفاك الله والله مالنا بما شملت منك الضلوع يدان
(7/373)

الرابع هب أنـ[ـه] له يد بهذا أو فيه بمعنى أنه كامل فيه أو يراد هو قادر عليه فأي دلالة في هذا على أن قوله فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري إنما يدل على الاعتناء والاهتمام بحاله؟
الخامس أنه لو كان المقول فوضع يده فقط وقال إن هذا من جنس قولهم يدي معكم أو يدي في هذا الأمر ونحو ذلك مما يدل على أنه قائم فيه فاعل له لم يظهر فساده كما يظهر الفساد في تأويل قوله فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي.
الوجه السادس أن هؤلاء يعمدون إلى ألفاظ الحديث يقطعونها ويفرقون بينها ثم يتأولون كل قطعة بما يمكن وما لا يكمن.
ومن المعلوم أن الكلام المتصل بعضه ببعض يفسر بعضه بعضًا ويدل آخره على معنى أوله وأوله لا يتم معناه إلا بآخره كما يقال الكلام بآخره وهذا كثيرًا ما يفعله هذا المؤسس وأمثاله وهم في مثل ذلك كما يحكى عن بعض متأخرة الزنادقة
(7/374)

المنافقين أنه قيل له ألا تصلي فقال إن الله يقول {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} فقيل له ألا تتمها {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) } [الماعون 5] فقال العاقل يكتفي بكلمة.
وأنشد بعض هؤلاء:
ما قال ربك ويل للألى شربوا ... بل قال ربك ويل للمصلينا
قوله الوجه الثاني أن يكون المراد من اليد النعمة يقال لفلان يد بيضاء ويقال إن أيادي فلان لكثيرة.
الوجه الأول فيقال له هذا من نمط الذي قبله فإن قوله القائل وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري أو بين ثديي صريح في وضع اليد التي هي اليد لا تحتمل النعمة بوجه من الوجوه.
الثاني أن التعبير عن النعمة بمثل هذا اللفظ معلوم الفساد
(7/375)

بالضرورة من اللغة حقيقة ومجازًا.
الثالث أن اليد إذا عُبِّر بها عن النعمة كان معها من القرائن ما يبين ذلك كسائر ألفاظ المجاز كما أنه إذا قال أياديك علينا كثيرة مع كون هذا في سياق المدح وأن ليس في كون ذات يده فوقه شيء من المدح وأنه ليس له أياد كثيرة وغير ذلك مما يبين أن المخاطبين قصدوا أن نعمتك وإحسانك قد استولى علينا واستعلى علينا ولهذا كان هذا المعنى ظاهرًا في مثل هذا الخطاب وإن سمِّي مجازًا فأين هذا من قوله فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي؟!
الرابع أنه لو قيل فأسبغ على أياديه ونحو ذلك لكان لقوله وجه أما حتى وجدت برد أنامله بين كتفي فهل هذا يحتمل أن يكون المراد مجرد إنعامه؟
الخامس أن النعمة التي أنعم بها عليه إما أن تكون جوهرًا
(7/376)

قائمًا بنفسه أو عرضًا أما الجوهر فوضعه على كتفيه تثقيل له والله قد أنعم عليه بوضع الوزر عنه فكيف يضع عليه ما يثقله؟
وإن كان عرضًا فلا بد أن يكسب ذلك المحل صفة لأن العرض إذا قام بمحل عاد حكمه إليه فيقتضي اتصاف كتفيه [بوصف] لا يوجد لبقية الأعضاء.
هذا إن قيل إن الموضوع على جسمه الذي بين كتفيه فإن قيل إنه بينهما فوق فيقال أي شيء من النعم قام بالهواء الذي فوق ظهره [فـ]ـكان بعده عنه أعظم من بعد المتصل به وحمل اللفظ على مثل هذا المعنى من التلاعب بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السادس أي شيء هذا الذي هو [من] الجواهر
(7/377)

والأعراض المخلوقة إذا وضع بين كتفيه ملاصقًا أو غير ملاصق كان من نعم الله العظيمة السابع أن لفظ وضع يده لا يعرف استعمالها في مجرد النعمة مفردًا فكيف مع هذا التركيب قال الرازي وأما قوله بين كتفي فإن صح فالمراد ما أوصل إلى قلبه من أنواع اللطف والرحمة فالكلام عليه من وجوه أحدها أن هذا كسائر ألفاظ الحديث فلا معنى لتخصيصه بالتعليق دون سائر ألفاظ الحديث وإن قال لفظ اليد ثابت في القرآن والأحاديث المتواترة يقال له لكن ليس في ذلك لفظ وضع يده بهذا اللفظ في هذا الحديث الوجه الثاني أنه قد تقدم أن هذا اللفظ ثابت في هذا الحديث وأن ذلك كان في المنام الثالث قوله فالمراد ما أوصل إلى قلبه من أنواع اللطف والرحمة يقال له لا ريب أن في ذلك الحديث
(7/378)

فتجلى لي ما بين السماء والأرض ولا ريب أن هذا من آثار هذا الوضع فإنه من الموجود في الشاهد أن الإنسان يضع صدره أو يده على صدر الإنسان أو على ظهره فيجد في قلبه من الآثار بحسب ما يناسب حاله وحال الواضع كما في صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ فحسن قراءتهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا فكأني أنظر إلى الله فرقًا
(7/379)

فقال إني أرسل إلي لأن لأقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هوِّن على أمتي فرد إليَّ أقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رَدَدتُّكَهَا مسألة تسألنيها فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي فهنا كان الضرب بيده على صدره لزجره وإخراج ما في قلبه من الشك وقد كانت يده المباركة يضعها في الماء فيفور الماء من بين أصابعه
(7/380)

وفي الصحيحين في حديث بدء الوحي لما جاءه جبريل فقال اقرأ قال قلت ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني والغط شبيه الخنق وهو مماسة له فرؤيته صلى الله عليه وسلم ربه في المنام وأنه قال له فيم يختصم الملأ الأعلى أي
(7/381)

يختصمون فقال لا أدري ثم وضع يده بين كتفيه حتى وجد برد أنامله على صدره ليُعلمه هو ما لم يعلم ولهذا قال تجلى لي عقيبها ما بين السماء والأرض فالتجلي والعلم أثر وضع يده بين كتفيه لا أنه هو نفس ما بين الكتفين ولا أنه نفس وضع اليد الرابع أن تسمية ما بين الكتفين باللطف والرحمة لا يدل عليه اللفظ لا حقيقة ولا مجازًا الخامس أنه إما أن يقول إن وصول اللطف والرحمة إلى قلبه هو معنى قوله بين كتفي أو معنى قوله فوضع يده بين كتفي فإن كان الأول فاللفظ المفرد المجرد كيف يدلّ على معنى الجملة وما وجه ذلك وإن كان الثاني فيكون هذا تأويل قوله فوضع يده بين كتفي ويكون ما تقدم من الوجهين في تأويل فوضع يده باطلين لأن هذا يكون هو معنى الجملة وأما قوله وقد روي بين كنفي فعليه وجوه أحدها أن هذا تصحيف وهو كذب محض إما عمدًا
(7/382)

وإما خطأ فإن أهل العلم بالحديث متفقون على رواية بين كتفي بالتاء وللجهمية من هذا الجنس أمثال يحرفون فيها ألفاظ النصوص تارة ومعانيها أخرى كقول بعضهم وكلَّمَ اللهَ موسى وكرواية بعضهم يُنزَّل ربنا وأمثال ذلك الثاني قوله والمراد ما يقال وأنا في كنف فلان وفي ظل إنعامه فيقال له فالرسول هو في إنعام الله أم الله في إنعامه وليس الحديث أنه قال فجعلني في كنفه بل قال هو وضع يده بين كتفي فيكون المعنى على تفسيرك وضع يده من نعمي أو في ظل إنعامي ومعلوم أن هذا قلب لـ ـلحقيقة فإن العبد في نعمة ربه ليس الرب في نعمة عبده الثالث أنه قد فسر اليد بالنعمة فإذا جعل
(7/383)

كنفي العبد إنعامه فإن المعنى أنه وضع نعمة الله في إنعام العبد وهذا من أظهر الباطل الرابع إن الكنف يقال مفردًا وهذا ليس بمفرد وإذا روي بالتثنية كنفي كان خلاف اللغة فإن الكنف يُفرد ولا يُثنى في مثل ذلك وإن روي كنفي مفردًا يقال به فلفظ بين لا يضاف إلا إلى ما فيه معنى العدد وهو لم يقل بين كنفي بل قال بين كتفي الخامس أنه قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري أو بين ثديي وهذا صريح في المقصود فقول القائل في كنفي حتى وجدت برد أنامله في صدري من أظهر التناقض السادس أنه يقال فلان في كنف فلان لكن لا يقال هو بين كنفه أو كنفيه وأما قوله فوجدت بردها فيحتمل أن المعنى برد النعمة
(7/384)

وروحها وراحتها من قولهم عيش بارد إذا كان رغدًا يقال له هذا باطل من وجوه أحدها أنه إذا قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي وفي لفظ في صدري ومعلوم أن الضمير إنما يعود إلى مذكور ولم يتقدم إلاَّ اليد فعلم أن الضمير عائد إليها الثاني أن تأويل اليد بالنعمة قد تقدم إبطاله فلا يصح عود الضمير إليها الثالث أنه لو كان المراد النعمة فالنعمة شاملة لظاهره وباطنه كما قال تعالى وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان 20] فتكون موضوعة في ظهره وصدره ويكون أثرها كذلك أما تخصيص النعمة بظهره وتخصيص بردها بصدره أو بين ثدييه فظاهر البطلان
(7/385)

الرابع أن في أخبار أخر حتى وجدت برد أنامله على صدري وهذا تصريح في أن الذي وجد برده هو اليد الموضوعة على ظهره وأما قوله في بعض الروايات فوجدت برد أنامله وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فإنه قال فيما بعد الفصل الثالث والعشرون في الأنملة هذه اللفظة غير واردة في القرآن ولكنّها واردة في الخبر وهو ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وضع يده على كتفيّ فوجدت برد أنامله فعلمت ما كان وما يكون وقال التأويل أن يقال للملك الكبير ضع يدك على رأس فلان والمراد اصرف عنايتك إليه فقوله وضع يده على كتفيّ معناه صرف العناية إليّ وقوله فوجدت برد أنامله معناه وجدت أثر تلك العناية فإنّ العرب تعبِّر عن وجدان الراحة واللّذة بوجدان البرد وإذا أرادوا الدعاء قالوا برّد الله
(7/386)

تلك الديار فيقال أمّا ما ذكره من تأويل وضع اليد بصرف العناية فقد تقدّم بيان فساده وما استشهد به من أنه يقال للملك الكبير ضع يدك على رأس فلان أي اصرف عنايتك إليه فهذا كلام باطل لم يقل بمثل هذا المعنى أحدٌ يُحتج به في اللغة بل هذا من باب الافتراء المحض على اللغة العربية ويمكن أن يتكلّم بمثل ذلك بعض المولدين والأعاجم لكن مثل كلام هؤلاء لا يجوز أن يُحمل عليه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يُحمل كلامه على اللغة التي كانت يُخاطب بها وليس في تلك اللغة أن يقال ضع يدك على رأسه بمعنى اصرف عنايتك إليه وأيضًا فالعناية هي مشيئة الله وتلك صفة قائمة به فإذا كانت تلك الصفة قديمة لازمة للموصوف كيف تصرف إلى شيء بل إذا كانت تصرف على هذا التقدير فالمراد بها بعض المخلوقات وقد تقدم الكلام على هذا
(7/387)

وأيضًا فقوله وجدت برد أنامله معناه وجدت أثر تلك العناية يقال له أثر تلك العناية كان حاصلاً على ظهره وفي فؤاده وصدره فتخصيص أثر العناية بالصدر لا يجوز إذ عنده لم يوضع بين الكتفين شيء قط وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه فكان يجب أن يبين أن أثر تلك العناية متعلق بما يعمُّ أو بأشرف الأعضاء وما بين الثديين كذلك بخلاف ما إذا أقر الحديث على وجهه فإنه إذا وضعت الكف على ظهره نَفَذَ بردها إلى الناحية الأخرى وهو الصدر ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس وأيضًا فقول القائل وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي نص لا يحتمل التأويل والتعبير بمثل هذا اللفظ عن مجرد الاعتناء أمر يُعلم بطلانه بالضرورة من اللغة وهو من غث كلام القرامطة والسوفسطائية
(7/388)

وقوله والذي يدل على أن المراد منه كمال المعارف قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فَعَلِمت ما بين المشرق والمغرب وما ذلك إلاَّ لأ ن الله تعالى أنار قلبه وشرح صدره بالمعارف يقال له الحديث يدل على أن هذه المعرفة كانت من آثار الوضع المذكور وهذا حق لكن لا يدل على أن الوضع ليس له معنى إلاَّ مجرد هذا التعريف وهذا ظاهر معروف بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أشياء حيث قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها وفي رواية برد أنامله على صدري فعلمت ما بين المشرق والمغرب فذكر وضع يده بين كتفيه وذكر غاية ذلك أنه وجد برد أنامله بين ثدييه وهذا معنى ثان وهو وجود هذا البرد عن شيء مخصوص في محل مخصوص وعقب ذلك
(7/389)

بأثر الوضع الموجود وكل هذا يبين أن أحد هذه المعاني ليس هو الآخر فصل إذا تبين أن هذا كان في المنام فرؤية الله تعالى في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات وإنما أنكرها طائفة من الجهمية وكأنهم جعلوا ذلك باطلاً وإلاَّ فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك
(7/390)

فصل قال الرازي الفصل الثاني في لفظ الشخص هذا اللفظ ما ورد في القرآن لكنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا شخص أحب إليه الغيرة من الله وفي هذا الخبر لفظان يجب تأويلهما الأول الشخص والمراد منه الذات المعينة والحقيقة والمخصوصة لأن الجسم الذي له شخص وحجمية يلزم أن يكون واحدًا فإطلاق اسم الشخصية على الوحدة إطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر والثاني لفظ الغيرة ومعناه الزجر لأن الغيرة حالة نفسانية مقتضية للزجر والمنع فكنى بالسبب عن المسبب ها هنا
(7/391)

أما هذا اللفظ فقد جاء في الصحيح في بعض طرق حديث المغيرة بن شعبة وترجم البخاري عليه في كتاب التوحيد وترجم بعده على قوله تعالى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام 19] فسمى الله تعالى نفسه شيئًا فقال باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا شخص أغير من الله حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك بن
(7/392)

عمير عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف وهو غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني
(7/393)

ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الله الجنة قال البخاري وقال عبيد بن عمرو عن عبد الملك
(7/394)

لا شخص أغير من الله وقد جاء لفظ الشخص في حديث آخر أصح من هذا وهو حديث أبي رزين العقيلي الذي قدمناه في أحاديث إتيانه يوم القيامة سبحانه وتعالى قال فيه لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء من مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم قال قلت يا رسول الله كيف وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض ننظر إليه وينظر إلينا قال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونها في ساعة واحدة ويريانكم ولا تضامون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه منهما على أن يريانكم وترونهما قال قلت يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم وذكر الحديث وقد تنازع أهل الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم في إطلاق اسم الشخص عليه قال القاضي أبو يعلى فغير ممتنع إطلاقها عليه لأنه ليس في ذلك ما يمثل صفاته
(7/395)

ولا يخرجها عما يستحقه لأن الغيرة هي الكراهة للشيء وذلك جائز في صفاته قال تعالى وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة 46] قال وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجهه أن قوله لا شخص نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقوله لا رجل أكرم من زيد يقتضي أن زيدًا يقع اسم رجل كذلك قوله لا شخص أغير من الله يقتضي أنه يقع عليه هذا الاسم قال وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني في كتاب الرؤية ما يشهد لهذا القول وذكر حديث لقيط بن عامر المتقدم وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على قوله قال وقد ذكر أحمد هذا الحديث في الجزء الأول من مسند الكوفيين فقال عبد الله
(7/396)

يعني ابن أحمد رحمه الله قال عبيد الله القواريري ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث قوله لا شخص أحب إليه المدحة من الله قال القاضي ويحتمل أن يمنع من إطلاق ذلك عليه لأن لفظ الخبر ليس بصريح فيه لأن معناه لا أحد أغير من الله لأنه قد روي ذلك في لفظ آخر فاستعمل لفظ الشخص في موضع أحد ويكون هذا استثناء من غير جنسه ونوعه كقوله تعالى مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [النساء 157] وليس الظن من نوع العلم وأما تأويل الشخص إذا ثبت إطلاقه بالذات المعينة
(7/397)

والحقيقة المخصوصة فهذا باطل في لغة العرب التي خاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته إنما يوجد مثل هذا في عرف المنطقيين ونحوهم إذا قالوا هذا ينحصر نوعه في شخصه أو لا ينحصر نوعه في شخصه وقالوا الجنس ينقسم إلى أنواعه والنوع ينقسم إلى أشخاصه ونحو ذلك مما هو لفظ الشخص فيه بإزاء لفظ الواحد بالعين وأصل ذلك والله أعلم أن التقسيم لما كان واردًا على ما ظهر وهو الإنسان وكل واحد من الأناسي يسمى شخصًا نقلوا هذا بالعرف الخاص إلى ما هو
(7/398)

من مسماه اللغوي فقالوا لكل واحد من أفراد أي نوع كان شخصًا حتى يسمون السواد المعين والبياض المعين شخصًا من أشخاص نوعه ويقولون واجب الوجود انحصر نوعه في شخصه كما يقولون مثل ذلك في الشمس وكل ما ليس له مثل وهذا مثل نقلهم ونقل المتكلمين للفظ الجوهر إلى أعم من مسماه اللغوي وكذلك لفظ الجسم وغيره لكن معرفة اللغات والعرف الذي يخاطب بها كل مخاطب من أهم ما ينبغي
(7/399)

الاعتناء به في فهم كلام المتكلمين وتفسيره وتأويله ومعرفة المراد به فإن اللغة الواحدة تشتمل على لغة أصلية وعلى أنواع من الاصطلاحات الطارئة الخاصة والعامة فمن اعتاد المخاطبة ببعض تلك الاصطلاحات يعتقد أن ذلك الاصطلاح هو اصطلاح أهل اللغة نفسها فيحمل عليه كلام أهلها فيقع في هذا غلط عظيم وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء فعلينا أن نعرف لغة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخاطب بها خصوصًا فإنها هي الطريق إلى معرفة كلامه ومعناه حتى أن بين لغة قريش وغيرهم فروقًا من لم يعرفها فقد يغلط في ذلك وإذا كان كذلك فلا يعرف في لغة النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا غيرها من لغات العرب أنهم يسمون كل ذات حقيقة معينة شخصًا كما هو العرف الخاص لبعض الناس كما تقدم بل هذا معلوم الفساد بالضرورة من لغتهم إذ هذا يقتضي أن يسموا كل معين بحكم شخصًا حتى يسموا كل عرض معين من الطعوم والألوان والأراييح خصًا وهذا باطل قطعًا
(7/400)

وأما توجيه ذلك بأن الجسم الذي له شخص وحجمية يلزم أن يكون واحدًا فإطلاق اسم الشخص على الوحدة إطلاق أحد المتلازمين على الآخر فهذا باطل من وجوه أحدها أن الشخص الذي له حجمية ليس واحدًا عندهم بل مركب إذ كل جسم مركب وقد قال هذا المؤسس في أول هذا الكتاب قوله أحد يدل على نفي الجسمية لأن الجسم أقله أن يكون مركبًا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة وقوله أحدٌ مبالغة في الواحدية فكان قوله أحدٌ منافيًا للجسمانية وهذا المعنى تقدم غير مرة فإذا كان الشخص والحجمية يستلزم نفي الوحدة عندهم كيف يصح
(7/401)

أن يقال هو يلزم أن يكون واحدًا الوجه الثاني هب أنه لا يستلزم الوحدة بناء على أن لغة العرب تسمي الواحد من الأجسام واحدًا وهذا هو الصواب لكن من أين يلزم أن يكون قولهم شخص وحجم يلزم لأن يكون واحدًا فأحسن أحواله أنه لا يستلزم ثبوت الوحدة ولا نفيها بل قد يقال هذا الشخص للشخص المرئي مع ما عليه من الثياب وما له من الأعضاء الوجه الثالث أن لفظ شخص مفرد جمعه أشخاص وشخوص وهذا يراد به الواحد بالعين ويراد به الجنس كسائر نظائره ومثل لفظ إنسان وفرس ونحو ذلك وإرادة الجنس بهذا أظهر من إرادة الواحد بالعين بدليل أنه إذا دخل عليه حرف النفي مثل ما في قولك ما عندي شخص وما عندي إنسان كان الظاهر من معناه أنه نافٍ للجنس ويجوز أن يراد به نفي الواحد فيقول ما عندي شخص بل شخصان إلاَّ أن يدخل عليه ما يختص بالجنس مثل لا النافية للجنس ومثل من في قولك لا شخص عندي أو ما عندي من شخص فهنا يجب إرادة الجنس وإذا كان كذلك فقول القائل
(7/402)

إن الجسم الذي له شخص يلزم أن يكون واحدًا كلام باطل الوجه الرابع أن يقال كونه واحدًا بالعين ليس داخلاً في مسماه في أصل اللغة فاللفظ لا يوجب العدد ولا ينفيه لكن ما زاد على الواحد منفي بالأصل وقد ينفي بالقرينة اللفظية والحالية كقولهم شخص واحد وقولهم جاءني شخص فقال لي كذا وكذا كما تقول ركبت فرسًا والفرس يتناول عنانه فيكون التركيب دليلاً على الوحدة العينية لا مسمى اللفظ وعلى هذا قولهم ما جاءني رجل بل رجلان فإن قوله بل رجلان قرينة لفظية دليل على دخول الوحدة العينية في مسمى رجل الوجه الخامس أن دلالة هذا اللفظ على الوحدة سواء دل بالوضع أو بالقرينة كدلالة سائر الألفاظ التي تشبهه مثل لفظ إنسان وحيوان وفرس وثور وحمار وقائم وقاعد ونحو ذلك فإن كان دلالة هذه الألفاظ على الوحدة تسوغ إطلاق الاسم على الوحدة لزم جواز إطلاق جميع هذه الأسماء
(7/403)

وما أشبهها على كل حقيقة وذات معيَّنة فيسمى كل شيء وكل جوهر أو عرض بكل واحد من هذه الأسماء كما يسميه المنطقيون شخصًا وعلى هذا فيجوز تسمية الله بكل واحد من هذه الأسماء ولا يكون المراد إلا الذات المعينة والحقيقة المخصوصة حتى يقال لا إنسان أو لا فرس أو لا ثور أو لا كذا أغير من كذا يعني الله هذا لازم قولهم وفساد هذا يُغني عن الإطناب وأيضًا فكان هذا التأويل لو كان صحيحًا كان استعماله في لفظ الصورة حتى يقال كل حقيقة عينة تسمى صورة من هذا الجنس وحينئذ فيلزمهم تسمية كل شيء باسم كل شيء إذ كل شيء له وحدة ويلزم ذاته فإذا جاز لجل ذلك أن يجعل اسمه اسمًا لمطلق الواحد حتى يقال لكل ذات معينة وحقيقة مخصوصة ولا يكفي في اللزوم أنهم هم يستعملون ذلك بل يلزم أنه يجوز لكل من سمع كلام غيره أن يحمل ما فيه من الأسماء على هذا كل شيء إذا قام عنده دليل على نفي إرادة المسمى وهذا كله أقبح السفسطة والقرمطة وهو يجمع من الإشراك بالله في جواز تسميته بكل اسم للخلق وجعل
(7/404)

كل شيء له شبيهًا ونظيرًا من الإلحاد في أسمائه وآياته ما لا يحصيه إلاَّ الله إذ هذا من أفسد قياس يكون في اللغة فإنهم كما أفسدوا القياس في المعاني المعقولة حتى قاسوا الله بكل موجود وبكل معدوم كما تقدم بيانه كذلك أفسدوا القياس في الألفاظ المسموعة حتى لزمهم أن يجعلوا كل اسم لمسمى يصلح أن يكون لغيره وأن يسمى الله تعالى بكل اسم من أسماء المخلوقات الوجه السادس أن يقال هب أن لفظ الشخص يلزمه أن يكون واحدًا فهل إطلاق الملزوم على لازمه أمر مطرد أم هو سائغ في بعض الأشياء فإن جعل ذلك مطردًا لزمه من المحال ما يضيق عنه هذا المجال حتى يلزمه أن يسمي كل صفة لازمة للإنسان والفرس والشجرة والسماء والأرض باسم الموصوف بل ويلزمه ذلك من صفات الله تعالى وأسمائه الوجه السابع هب أنه يطلق الملزوم على لازمه فاللازم هو الوحدة كما قلت فإطلاق اسم الشخصية على
(7/405)

الوحدة إطلاق أحد المتلازمين على الآخر وأنت تجعل المسمى هنا الذات المخصوصة والحقيقة المعينة وتلك ليست هي الوحدة بل هي شيء قائم بنفسه متميز عن غيره فإن قيل فقد ذكرتم أن من اصطلاح بعض الناس تسمية كل فرد من أفراد النوع شخصًا قيل نحن ذكرنا وجه ذلك بالاستعمال لما كان لفظ الشخص مقولاً على الإنسان وما يشبهه وقالوا الإنسان نوع تحته أشخاص أي أعيان هي أشخاص ولم يكن مقصودهم نفس الشخصية بل مطلق كونه واحدًا نقلوا ذلك إلى أعم منه كما في نظائره لم يجعل وجهه التلازم المذكور الوجه الثامن أنه يقال هب أن لفظ الشخص في لغة العرب يطلق على كل ذات معينة وحقيقة مخصوصة وهو كل ما كان واحدًا لكن لم قلت إن الحديث محمول عليه مع أنه خلاف الظاهر فإن قلت لأن لفظ الحقيقة أن يكون جسمًا وذلك منتف فعنه جوابان أحدهما أن هذا وارد عليك في كل ما يسمى به الله من السماء والصفات فإن مسماه في اللغة لا يكون إلا جسمًا
(7/406)

أو عرضًا فعليك إذًا أن تتأول جميع الأسماء والصفات وأنت لا تقول بذلك ولا يمكن القول به كما تقدم فإن المتأول لابد أن يفر من شيء إلى شيء فإذا كان المحذور في الثاني كالمحذور في الأول امتنع ذلك فتبين أن التأويل باطل قطعًا الثاني أنا قد قدمنا أن جميع ما يذكر من هذه الأدلة التي تنفي الجسم على اصطلاحهم فإنها أدلة باطلة لا تصلح لمعارضة دليل ظني ولا قطعي الوجه التاسع أن إراد ة المعنى المجازي باللفظ لا يسوغ إلاَّ مع القرينة الصارفة عن معنى اللفظ الحقيقي إلى المجازي ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بهذا وخاطب أبو رزين بهذا ولم يُظهر أحدهما قرينة تنفي ذلك بل سياق الأحاديث يؤيد المعنى الحقيقي الوجه العاشر أن في حديث أبي رزين كيف يا رسول الله
(7/407)

وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض فوصفه بأنه واحد بعد قوله وهو شخص فلو كان لفظ الشخص لم يرد به إلاَّ مجرد كونه واحدًا كما زعم المتأول لكان هذا تكريرًا فصل وأما تأويله للفظ الغيرة فنقول هذا مما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصف ربه به ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحد أغير من الله تعالى من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك
(7/408)

مدح نفسه وفي رواية لمسلم وليس أحد أحب إليه المعذرة من الله ولذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك وعدنا بالجنة
(7/409)

وفي الصحيح عن أسماء أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا شيء أغير من الله عز وجل وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته فلم يصفه صلى الله عليه وسلم بمطلق الغيرة بل بين أنه لا أحد أغير منه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغير من المؤمنين وقد قدمنا غير مرة أن الله لا يُساوى في شيء من صفاته وأسمائه بل ما كان من صفات الكمال فهو أكمل فيه وما كان من سلب النقائص فهو أنزه منه إذ لهُ المثل الأعلى سبحانه وتعالى فوصفه بأنه أغير من العباد وأنه لا أغير منه
(7/410)

كوصفه بأنه أرحم الراحمين وأنه أرحم بعبده من الوالدة بولدها وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود والله لله عليك أقدر منك على هذا وكذلك العلم كقوله تعالى هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم 32] وكذلك الكلام كقوله تعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
(7/411)

حَدِيثًا (87) [المساء 87] اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر 23] وقول النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الكلام كلام الله ووصفه في حديث ابن مسعود والمغيرة بأنه لا أحد أحب إليه المدح من الله وكذلك قوله لا أحد أحب إليه العذر من الله فإن الغيرة هي من باب البغض والغضب وبإزاء ذلك المحبة والرضا فأخبر بغاية كماله في الطرفين حيث وصفه بأنه لا يبغض أحدٌ المحارم كبغضه ولا يحب أحدٌ الممادح كحبه والممادح لا تكون إلا على ما هو حسن يستحق صاحبه الحمد وهو ضد القبيح الذي يغار منه
(7/412)

وكذلك جاء حمده والثناء عليه الذي لا يحبه أحد كحبه إياه في الصلوات التي هي أفضل الأعمال وكان ما يغار منه هو ما حرمه كالفواحش فهذا محبته للمأمورات وهذا بغضه للمحذورات وأحدهما ينافي الآخر كما قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت 45] وقال في ذم من بدل هذا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم 59] والعذر أن يُعذر المعذور فلا يذم ولا يلام على ما فعل قال من أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين فأحب أن يكون معذورًا على عقوبة من عصاه لأنه أقام حجته عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل كما أحب أن يكون محمودًا ممدوحًا على ما أحسن به وأولاه من وعدهم إياهم بالجنة وكما حمد نفسه فالأول عدله وهذا فضله فهذان متعلقان بأفعاله كلها ذكرا في مقابلة ما يبغضه ويغار منه فانتظم الحديث في الطرفين كليهما وأما قوله في تأويل الغيرة معناه الزجر لأن الغيرة
(7/413)

حالة نفسانية مقتضية للزجر والمنع فكني بالسبب عن المسبب ههنا فالكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال لا ريب أن الغيرة تستلزم المنع والزجر مما يغار منه وكذلك الغضب والبغض ونحو ذلك من الصفات كما أن الحب والرضا يتضمن اقتضاء المحبوب المرضي وطلبه والأمر به لكن كون الصفة تستلزم فعلاً من الأفعال أو كون اللفظ يتضمن ذلك لا يقتضي أن يكون الثابت مجرد اللازم دون الملزوم الوجه الثاني أن هذه الصفات كلها والأحوال كالغيرة والغضب والبغض والمقت والسخط والحب والرضا والإرادة وغير ذلك هي مستلزمة لأمور أخرى من أقوال وأفعال فهل تحتمل على تلك اللوازم ويبقى الملازم أم يثبتان جميعًا أم يفرق بين البعض والبعض فإن قيل بالأول لزم ثبوت المراد بالإرادة وأن تكون إرادة الله هي المخلوقات ولزم أيضًا
(7/414)

وجود محبوب مرضي بلا محبة ولا رضا بل يلزم وجود مخلوق بلا خلق وهذا كله مما يقوله الجهمية من المعتزلة ونحوهم فإنهم لا يثبتون خلقًا ولا حبًّا ولا رضًا ولا سخطًا ولا غير ذلك سوى المفعولات التي هي من لوازم هذه الأمور في الشاهد ولهم في الإرادة نزاع كله باطل فإن منهم من نفاها كما نفى سائر هذه الأمور ومنهم من جعلها صفة حادثة بلا إرادة قائمة في غير محل وكلا هذين القولين معلوم الفساد بالضرورة ثم الكلابية والأشعرية ونحوهم من الصفاتية قد يوافقون هؤلاء في بعض الأمور كقولهم الخلق هو المخلوقات وكرد من رد منهم هذه الصفات إلى الإرادة فإن هؤلاء يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما لزمهم فيما ردوه وطرد هذه المقالات التي يثبتون فيها الأثر بدون مؤثره هو ثبوت الوجود بدون الخالق له وذلك
(7/415)

تعطيل الصانع وهذا هو في الحقيقة قول جهم وإن كان متناقضًا في ذلك يجمع في مقالاته بين ما يقتضي ثبوته وما يقتضي عدمه فالمقصود هنا مقالته السالبة التي خالف فيها أهل الإسلام فإن مضمونها تعطيل الصانع تعالى ولهذا تجد كل شيء من فروع هذه المقالة متى قسته وطردته استلزم عدم الصانع أو التناقض بالجمع بين الإثبات والنفي في الشيء الواحد أو نفي الإيجاب والامتناع في المتماثلين وإلاَّ فما من شيء يقرون به إلاَّ لزمهم فيه نظير ما أنكروه فيما نفوه الوجه الثالث قوله الغيرة حالة نفسانية قيل له وجميع الصفات هي لنا أحوال نفسانية كالحب والبغض والرضا والغضب وكالإرادة فإنها أيضًا حالة نفسانية وهي مقتضية للزجر تارة وللطلب أخرى لا فرق أصلاً بين بينهما في الشاهد الوجه الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتعجبون من غيرة سعد
(7/416)

والله لأنا أغير منه والله أغير مني وهذا ترتيب للغيرة ثلاث مراتب وجعل كل غيرة أقوى من الأخرى فلو كان قوله والله أغير منى ليس المراد منه الغيرة بل مجرد المنع وقوله أنا أغير منه يراد به العزة لكان هذا شاذًّا في الكلام وهو أيضًا تلبيس على المخاطب بلا قرينة تبين المراد الوجه الخامس أن تأويله ذلك بالزجر والمنع يقال له الزجر والمنع إما أن تفسره بالكلام أو بغير ذلك من نحوه وعلى كل حال فيقال لك زجر الله ومنعه الذي هو كلامه مثلاً هو من جنس زجرنا ومنعنا وكلامنا أم ليس كذلك فبأي شيء قال في ذلك لزمه مثله في الغيرة فإنه إذا ثبت له زجرًا ومنعًا ولنا زجر ومنع ولم يكن ذلك ممتنعًا فهلا أثبت له غيرة ولنا غيرة ولا يكون ذلك ممتنعًا مع أنه مقتضى النص وكل ما ذكره من ذلك من مشابهة ومخالفة يقال في الآخر مثله لا فرق بينهما أصلاً الوجه السادس أن الزجر والمنع الذي هو الكلام إما أن تفسره بمجرد اللفظ أو بمجرد المعنى أو بمجموعهما
(7/417)

وإذا فسرته بمجرد اللفظ فلابد من إثبات معنى يكون معنى الفظ وإلاَّ فاللفظ بلا معنى هذيان وإن كان هناك معنى هو مدلول لفظ الزجر والمنع فذاك المعنى لابد أن يكون من جنس البغض والكراهة ونحو ذلك فإن لفظ الزجر إن لم يتضمن ذلك لم يعقل منه النهي بحال وإذا كان كذلك فهذا الذي هو مدلول لفظ الزجر مستلزم لمعنى الغيرة الذي هو البغض والمقت والكراهة لما يغار منه فيكون المسبب الذي أوَّل به لفظ الغيرة مستلزمًا للسبب بحيث يمتنع وجوده بدونه وإذا لزم من نفي الغيرة إثباتها علم أن نفيها محال الوجه السابع أنه قال لا أحد أغير من الله وقال الله أغير مني وصيغة أفعل التفضيل توجب الاشتراك في معنى اللفظ مع رجحان المفضل أو اختصاص المفضل بمعنى اللفظ ولا يجوز اختصاص المفضول بمعنى اللفظ وهذا يوجب أن يكون الله موصوفًا بالغيرة على كل تقدير ثم يقال التفضيل بصيغة أفعل ليس في مجرد اللفظ ولا يجوز أن يكون للفظ معنيان واللفظ يقال عليهما بالاشتراك اللفظي
(7/418)

أو بالحقيقة والمجاز بل يجب أن يكون اللفظ دالاًّ عليهما بالتواطؤ أو التشكيك الذي هو نوع من المتواطئ فلا يقال هذا أجسم من هذا ويكون المراد بهما كثافة أحدهما وكبر قدر الآخر بل يكون اللفظ دالاًّ على المعنيين بالتواطؤ الوجه الثامن أنه قال لا أحد أغير من الله كما قال لا أحد أحب إليه المدح من الله ولا أحد أحب إليه العذر من
(7/419)

الله فلفظ أغير كلفظ أحب كلاهما في هذه الأحاديث وما يقال في الغيرة يقال في المحبة ما هو مثله أو أعظم منه فإن المحبة المشهودة في الآدميين كالعشق ونحوه أعظم من كثير من الغيرة فلا يجوز والحال هذه تأويل الغيرة دون المحبة والمحبة ثابتة بالقرآن في غير موضع وبالأحاديث المتواترة وسنتكلم إن شاء الله على تأويلها الوجه التاسع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة الصحيح إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه فأخبر بذلك خبرًا مبتدأ مجردًا ولم يقيد ذلك بما يخالف إطلاقه فلو كان المراد بذلك خلاف مدلوله لم يجز وكذلك قوله لا أحد أغير من الله الوجه العاشر أنه لو كان المراد بقوله إن الله يغار أن الله يزجر ويمنع لم يكن في التعبير عن هذا المعنى بهذا اللفظ والإخبار به فائدة ل كان إلى التلبيس أقرب منه إلى البيان لأن كل مسلم يعلم أن الله ينهى ويزجر ويحرم فلو لم يكن لقوله إن الله يغار معنى إلا أنه ينهى ويزجر كان قد عرفهم
(7/420)

بالأمر الواضح الجلي الذي يعلمونه بلفظ مشكل فيه تلبيس عليهم وهذا لا يفعله إلاَّ من يكون من اجهل الناس وأظلمهم ولا ينسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ منافق زنديق أو من يكون عظيم الجهل لا يدري لوازم قوله الوجه الحادي عشر أنه قال ما أحد أغير من الله من أجل ذلك حرن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وفي اللفظ الآخر من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهذا نص صريح في إثبات السبب الذي هو الغيرة والمسبب الذي هو المنع والزجر وأنه من أجل غيرته التي هي السبب كان هذا المسبب الذي هو التحريم فجعل معنى الغيرة هو معنى التحريم الذي هو المنع والزجر تكذيب صريح للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الحقيقة قول الجهمية لكن منهم من يعلم بذلك فيكون منافقًا ومنهم جُهال لا يعلمون أنهم مكذبون له الوجه الثاني عشر أنه قال لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ومن اجل ذلك وعد الله بالجنة ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين
(7/421)

والمبشرين كما قال ولا أحد أغير من الله ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فجعل محبته للعذر سببًا لإرسال النذر ومحبته للمدح سببًا لمدح نفسه ولوعده عباده بالجنة وهذا يقرر أن المحبة والغيرة هي السبب في الأقوال المذكورة ليست هي نفس الأقوال التي هي الوعد والإرسال والمدح والنهي
(7/422)

فصل قال الرازي الفصل الثالث في لفظة النفس احتجوا على إطلاق هذا اللفظ بالقرآن والأخبار أما القرآن فقوله تعالى في حق موسى عليه السلام وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] وقال حاكيًا عن عيسى عليه السلام تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وقال تعالى في صفة أهل الثواب كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقال تعالى في تخويف العصاة وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28-30] وأما الأخبار فكثيرة الخبر الأول ما روى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى أنا مع عبدي حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه
(7/423)

والخبر الثاني قوله صلى الله عليه وسلم سبحان الله بحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه الخبر الثالث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو عنده إن رحمتي سبقت غضبي قال واعلم أن النفس جاء في اللغة على وجوه أحدها البدن قال الله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] ويقول القائل كيف أنت في نفسك أي كيف أنت في بدنك وثانيها الدم يقال هذا حيوان له نفس سائلة أي دم سائل ويقال للمرأة عند الولادة إنها نفست بخروج الدم منها عقيب الولادة وثالثها الروح قال الله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ
(7/424)

مَوْتِهَا [الزمر 42] ورابعها العقل قال الله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام 60] وذلك لأن الأحوال بأسرها باقية حالة النوم إلا العقل فإنه هو الذي يختلف الحال فيه عند النوم واليقظة وخامسها ذات الشيء وعينه وقد قال تعالى يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) [البقرة 9] فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود 101] إذا عرفت هذا فنقول لفظ النفس في حق الله تعالى ليس إلاَّ الذات والحقيقة فقوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي كالتأكيد الدال على مزيد المبالغة فإن الإنسان إذا قال جعلت هذه الدار لنفسي وعمرتها لنفسي فهم منه المبالغة وقوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة 116]
(7/425)

المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك وكذلك القول في بقية الآيات وأما قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فالمراد أنه إن ذكرني بحيث لا يطلع عليه أحد غيره ذكرته بإنعامي وإحساني من غير أن يطلع عليه أحد من عبيدي لأن الذكر في النفس عبارة عن الكلام الخفي والذكر الكامن في النفس وذلك على الله تعالى محال وأما قوله سبحان الله زنة عرشه ورضاء نفسه فالمراد ما يرتضيه الله لنفسه ولذاته أي تسبيحًا يليق به وأما قوله صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا على نفسه فالمراد به كتب كتابًا وأوجب العمل به والمراد من قوله على نفسه التأكيد والمبالغة في الوجوب واللزوم فثبت أن المراد بالنفس في هذه المواضع هو الذات وأن الغرض من ذكر هذا اللفظ المبالغة والتأكيد
(7/426)

فيقال اعلم أن كلامه في هذا الفصل وإن كان فيه من لبس الحق بالباطل ما فيه فهو أقرب ما ذكره وذلك أنه جعل المراد بالنفس هو الذات وهذا هو الصواب فإن طائفة من متأخري أهل الإثبات جعلوا النفس في هذه النصوص صفة لله زائدة على ذاته لما سمعوا إدخال المتقدمين لها في ذكر الصفات ولم يكن مقصود المتقدمين ذلك وإنما قصدهم الرد على من ينكر ذلك من الجهمية وزعموا أن ذلك هو ظاهر النصوص وليس الأمر كذلك وقد صرح أئمة السنة بأن المراد بالنفس هو الذات وكلامهم كله على ذلك كما في كلام الإمام احمد فيما خرجه من الرد على الجهمية قال ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر فقال أخبرونا عن القرآن هو شيء قلنا نعم هو شيء قال إن الله خالق كل شيء فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة وقد أقررتم انه شيء فلعمري لقد ادعى أمرًا أمكنه فيه الدعوى ولبس على
(7/427)

الناس بما ادعى فقلنا إن الله تبارك وتعالى لم يُسم كلامه في القرآن شيئا إنما سمى شيئا الذي كان بقوله ألم تسمع إلى قوله إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) [النحل 40] فالشيء ليس هو قوله إنما الشيء الذي كان بقوله وقال في آية أخرى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) [يس 82] فالشيء هو أمره إنما الشيء الذي كان بأمره قال ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعني بكلامه مع الأشياء المخلوقة قول الله جل ثناؤه للريح التي أرسلها على عاد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف 25] وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها منازلهم ومساكنهم
(7/428)

والجبال التي كانت بحضرتهم قد أتت عليها تلك الريح ولم تدمرها وقد قال تعالى إنها تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [سورة الأحقاف الآية 25] فكذلك إذا قال اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة وقال تعالى لملكة سبأ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل 23] وقد ملك سليمان شيء لم تؤته فكذلك إذا قال خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يعني به كلامه مع الأشياء المخلوقة
(7/429)

وقال الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] وقال وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28-30] وقال تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقال عيسى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وقال كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] فقد عرف من عقل عن الله تعالى أنه لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت وقد ذكر الله كل نفس فكذلك إذا قال خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله عز وجل وهذا من كلامه يبين أن مسمى لفظ النفس عنده هي ذات الله تعالى أخبر أنها لا تدخل في عموم قوله تعالى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كما لم يدخل في عموم قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ
(7/430)

ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [سورة آل عمران 185] مع إخبار أن له نفسًا كما تلاه من الآيات ومعلوم أن قوله كُلُّ نَفْسٍ ليس المراد به صفة من صفات الإنسان بل المراد به هو نفسه فعلم أن قوله تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ونظائر ذلك ليس هو صفة للرب بل هو الرب نفسه وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل في أثناء كلامه بل نقول إن الله جل ثناؤه لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول إنه قد كان ولا يتكلم حتى خلق كلامًا ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله من هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين
(7/431)

زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته فقلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره ولكن نقول لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر وهذه ألفاظ صريحة في أن مسمى النفس هو ما يقوم به الصفات وهو مسمى الله وليس مسمى النفس صفة من الصفات وكذلك قال ويقال للجهمي إذا قال إن الله معنا بعظمة نفسه إلى أن قال وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل لابد له من واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه
(7/432)

فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء وإن قال خالقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وكذلك قال زعمت الجهمية أن الله في القرآن إنما هو اسم مخلوق فقلنا قبل أن يخلق هذا الاسم ما كان اسمه قالوا لم يكن له اسم فقلنا وكذلك قبل أن يخلق العلم كان جاهلاً لا يعلم حتى خلق لنفسه علمًا وكان لا نور له حتى خلق لنفسه نورًا وكان لا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة فعلم الخبيث أن الله قد فضحه وأبدى عورته حين زعم أن الله جل
(7/433)

ثناؤه في القرآن إنما هو اسم مخلوق وقال عثمان بن سعيد الدارمي ثم عاد المعارض إلى أسماء الله تعالى ثانية فادعى أنها محدثة كلها لأن السماء هي الألفاظ ولا يكون لفظ إلا من لافظ إلاَّ أن في معانيها ما هي قديمة ومنها حديثة وقد فسرنا للمعارض تفسير أسماء الله تعالى في صدر كتابنا هذا واحتججنا عليه بما تقوم به الحُجة من الكتاب والسنة فلم نُحب إعادتها ها هنا ليطول به الكتاب غير أن قوله هي لفظ اللافظ يعني أنه من ابتداع المخلوقين وألفاظهم ل أن الله تعالى لا يلفظ بشيء في دعواهم ولكن وصفه بها المخلوقون وكلما حدث لله تعالى فعل في دعواه أعاره العباد اسم ذلك الفعل يعني أنه لما خلق سمَّوه خالقًا وحين رزق سمَّوه رازقًا وحين خلق الخلق
(7/434)

فملكهم سمَّوه مالكًا وحين فعل الشيء سمَّوه فاعلاً وكذلك قال منها حديثة ومنها قديمة فأما قبل الخلق فبزعمهم لم يكن لله اسم وكان كالشيء المجهول الذي لا يُعرف ولا يُدرى ما هو حتى خلق فأحدثوا أسماءه ولم يعرفُ الله في دعواهم لنفسه أسماء حتى خلق الخلق فأعاروه هذه الأسماء من غير أن يتكلم الله بشيء منها فيقول أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص 30] وأنا الرحمن الرحيم وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) [البقرة 160] فنفوا كل ذلك عن الله تعالى مع نفي الكلام عنه حتى ادعى جهم أن راس محنته نفي الكلام عن الله فقال متى نفينا عنه الكلام فقد نفينا عنه جميع الصفات من النفس واليدين والوجه والسمع والبصر لأن الكلام لا يكون إلاَّ لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر ولا يثبت كلام لمتكلم إلاَّ من قد اجتمعت فيه هذه الصفات وكذب جهم وأتباعه فيما نفوا عنه من الكلام وصدقوا فيما ادعوا أنه لا يثبت الكلام
(7/435)

إلاَّ لمن اجتمعت فيه هذه الصفات فقد اجتمعت في الله على رغم أعداء الله وإن جزعوا منه بلا تكييف ولا تمثيل وهو الذي أخبر عنه بأسمائه في محكم كتابه المنزل على رسوله ووصف بها نفسه وقوله ووصفه غير مخلوق على رغم الجهمية غير أن الوصف من الله على لونين أما ما وصف به نفسه فالوصف والموصوف غير مخلوق وأما ما وصف به خلقه من السموات والأرض والجبال والشجر والجن والإنس والأنعام وسائر الخلائق فالوصف منه غير مخلوق والموصوفات مخلوقات
(7/436)

كلها قال وادعى المعارض أيضًا أن الله تعالى لا يوصف بالضمير والضمير منفي عن الله وليس هذا من كلام المعارض وهي كلمة خبيثة قديمة من كلام جهم عارض جهم بها قول الله تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] يدفع بذلك أن يكون الله سبق له علم في نفسه بشيء من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم فتلطف بذكر الضمير ليكون أستر له عند الجهال فرد على جهم بعض العلماء قوله هذا وقال له كفرت بها يا عدو الله من ثلاثة أوجه أنك نفيت عن الله العلم السابق في نفسه قبل حدوث الخلق وأعمالهم والوجه الثاني أنك استجهلت المسيح صلى الله عليه وسلم أنه وصف ربه بما لا يوصف به بأن له خفايا علم في نفسه إذ يقول له وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116]
(7/437)

والوجه الثالث أنك طعنت به على محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاء به مصدقًا بعيسى فأفحم جهمًا قال وقول جهم لا يوصف الله بالضمير يقول لم يعلم الله في نفسه شيئًا من الخلق قبل حدوثهم وحدوث أعمالهم وهذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق والناقض عليه بذلك قول الله تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] فذكر المسيح أن لله علمًا سابقًا في نفسه يعلمه الله ولا يعلمه هو وقال الله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28-30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق كتب في كتابه بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي
(7/438)

وأسند حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه
(7/439)

قال فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يخفي ذكر العبد في نفسه إذا أخفى ذكره ويعلنه إذا أعلن هو ذكره ففرق بين علم الظاهر والباطن والجهر والخفي فإذا اجتمع قول الله وقول الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فمن يكترث لقول جهم والمريسي وأصحابهما فنفس الله هو الله والنفس تجمع الصفات كلها فإذا نُفيت النفس نُفيت الصفات وإذا نُفيت الصفات كان لا شيء قال وحدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن زيد بن جبير سمعت أبا البختري قال لا يقولن
(7/440)

أحدكم اللهم أدخلني مستقر رحمتك فإن مستقر رحمته نفسه قال فقد أخبر أبو البختري أن رحمة الله في نفسه وكذلك قال الله تعالى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه 15] فحدثنا ابن نمير حدثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح الحنفي أكاد أخفيها
(7/441)

قال من نفسي فأي مسلم سمع بما أخبر الله به عن نفسه في كتابه وما أخبر عنه الرسول ثم يلتفت إلى أقاويلهم إلاَّ كل شقيٍّ غويٍّ إلى أن قال ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات غير أنا نقول لا نحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب لكن تُصرف معانيها إلى الأغلب من كلام العرب حتى يأتوا ببرهان أنّه عُني بها الأغرب وهذا هو
(7/442)

المذهب الذي هو الإنصاف والعدل أقرب لا أن تُعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر ويرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان يبين أنها أريد بها الخصوص لأن الله تعالى قال وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) [النحل 103] فأثبته عند العلماء أعمه وأشد استفاضة عند العرب فمن ادخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين فمراد جهم من قوله لا يوصف الله تعالى بالضمير يقول لا يوصف بسابق علم في نفسه والله تعالى يكذبه بذلك ثم رسوله إذ يقول سبق علم الله في خلقه فهم صائرون على ذلك ثم أسند حديثًا عن العلاء بن
(7/443)

عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وعن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جف القلم على علم الله
(7/444)

وأسند عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء يكون قل فهل جرى القلم إلاَّ بسابق علم الله في نفسه قبل حدوث
(7/445)

الخلق وأعمالهم والله ما درى القلم بماذا يجري حتى أجراه الله بعلمه وعلمه ما يكتب مما يكون قبل أن يكون وقال النبي صلى الله عليه وسلم كتب الله مقادير أهل السموات والأرض قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة فهل كتب ذلك إلاَّ بما علم فما موضع كتابه هذا عن لم يكن علمه في دعواهم وأسند الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي عبد الرحمن الحُبليّ عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال والأحاديث عن
(7/446)

النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان بسابق علم الله كثيرة تطول عن ذكرناها وفيما ذكرنا من ذلك ما يبطل دعوى جهم في أغلوطته التي توهم على الله تعالى في الضمير قلت فهذا الكلام عن عثمان بن سعيد يبين أن مُسمى النفس عند السلف وهو الذات كما قال فنفس الله هو الله والنفس تجمع الصفات كلها فإذا نفيت النفس نفيت الصفات وكذلك قوله فأخبر أبو البختري أن رحمة الله في نفسه لأن الصفة قائمة بالموصوف فهذا ونحوه يبين مرادهم وأنهم قصدوا رد ما أنكرته الجهمية من ذكر إثبات مسمى النفس لله وقيام العلم بها كما يذكر عن ثمامة بن أشرس أنه قال ثلاثة من
(7/447)

الأنبياء مشبهة موسى حيث قال إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الأعراف 155] وعيسى حيث قال تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] ومحمد حيث قال ينزل ربنا كل ليلة وبذلك يتبين ما ذكره عثمان بن سعيد حيث قال حتى ادعى جهم أن رأس محنته نفي الكلام فقال متى نفينا عنه الكلام فقد نفينا عنه جميع الصفات من النفس واليدين والوجه والسمع والبصر لأن الكلام لا يثبت إلاَّ لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر وقال عثمان كذبوا فيما نفوا عن الله من الكلام وصدقوا فيما ادعوا أنه لا يثبت الكلام إلاَّ لمن اجتمعت فيه هذه الصفات وقد اجتمعت في الله عز وجل على رغم أنفسهم فإدخاله النفس هنا في الصفات وقوله إن الكلام
(7/448)

لا يثبت إلاَّ لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر قد يشعر ظاهره أن مسمى النفس صفة لصاحبها لأنه أضافها إليه وقرنها بالوجه واليد وليس كذلك فإن إضافتها إليه كإضافتها في قوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وفي قوله رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقد قال بعد هذا فنفس الله هي نفس الله والنفس تجمع جميع الصفات كلها فإذا نفيت النفس نفيت الصفات فهذا يبين أنه أراد الذات التي تقوم بها الصفات كالعلم القديم كما ذكره فينبغي أن يكون لله نفس ويكون فيها علم كما قال تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [المائدة 116] فقوله إن الكلام لا يثبت إلا لذي نفس يشبه قوله إلاَّ لذي حقيقة وماهية ونحو ذلك لكن لفظ النفس والله أعلم يقتضي
(7/449)

حياة المسمى بها وقيامه بنفسه بخلاف لفظ حقيقته وماهيته وذاته فمسمى لفظ النفس أخص وهي التي جاء بها الكتاب والسنة ولم يجئ فيهما ذكر لفظ حقيقته ونحو ذلك في أسماء الله ولا لفظ ذات في الأحاديث الثابتة وكذلك قال أبو بكر بن خزيمة باب ذكر البيان من خبر النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات النفس لله عز وجل على مثل موافقة التنزيل وذكر قوله فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وقوله سبحان الله رضا نفسه وقوله كتب في كتابه
(7/450)

على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي وفي رواية أخرى لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي قال أبو بكر فالله أثبت في كتابه أن له نفسًا وكذلك قد بين على لسان نبيه أن له نفسًا كما أثبت في كتابه قال وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنن وزعم بعض جهلتهم أن الله إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه وزعم أن نفسه غيره كما خلقه غيره قال وهذا لا يتوهمه ذو لُبٍّ وعلم فضلاً عن أن يتكلم به قد أحكم الله في مجمل تنزيله أنه كتب على نفسه الرحمة أفيتوهم مسلم أن الله كتب على غيره الرحمة وحذر الله العباد
(7/451)

نفسه أفيحل لمسلم أن يقول إن الله حذر العباد غيره أو يتأول قوله لكليمه وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] فيقول معناه واصطنعتك لغيري من المخلوقين أو يقول أراد روح الله بقوله وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] أراد ولا أعلم ما في غيرك هذا لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلاَّ معطل كافر فهذا أيضًا يبيّن أنهم قصدوا الرد على الجهميَّة حيث منعوا ثبوت النفس لله حتى جعلوا مسامها غيره حتى ذكر القاضي أبويعلى في بعض تأويلاتهم قول بعضهم في قوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك أنَّ نفسك ترجع إلى نفس عيسى وأضاف نفسه إلى الله من طريق الملك والخلق فيكون معناه لا أعلم ما في ملكك مما خلقته إلاَّ ما أعلمتني وهذا لأنَّ مسمّى النفس أخصّ من مسمّى الذات والعين والحقيقة والماهيَّة ونحو ذلك فإنَّها لا تقال إلاَّ لما هو
(7/452)

حيّ كما في مثل قوله كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] لو كان معنى كل ذات وكل حقيقة لدخل في ذلك الجمادات وكذلك يستلزم أن يكون لها قول وعمل وأن تكون قائمة بذاتها قائمة بها الصّفات فلمّا كان اسم النفس مستلزمًا لإثبات ما تنكره الجهميّة من الصفات أنكروه فردّ عليهم السلف والأئمة ذلك ولم يقصدوا بالرد أنَّ نفس الله صفة ليست هي ذاته كما ذهب إليه طائفة من المتأخرين فهذا القول ضعيف وإن كان قول الجهمية أضعف منه قال القاضي أبويعلى في كتاب إبطال التأويل في هذا الخبر من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي اعلم بأنَّ الله يوصف بأنَّ له نفسًا وقد أومأ إليه أحمد فيما خرّجه من الرد على الجهمية فقال إذا أردت أن تعلم أن الجهميّ كاذب على الله تعالى حين زعم أنَّه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس كان الله ولا شيء فيقول
(7/453)

نعم فقل له حين خلق الشيء أخلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنّه يصير إلى ثلاثة أقاويل لابد له من واحد منها إن زعم أنَّ الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنَّه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنَّه دخل في كل مكانٍ وحشٍ قذر رديء وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السُّنَّة قال وهذا من كلام أحمد يدلُّ على إثبات النفس لأنَّه جعل ذلك حجة عليهم ولو لم يعتقد ذلك لم يحتج به وقد أخبر الله تعالى بذلك في آي من كتابه مثل قوله تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وقوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] ولأنَّه ليس في
(7/454)

إثبات النفس ما يحيل صفاته ولا يخرجها عمّا تستحقه لأنّا لا نثبت نفسًا منفوسة مجسَّمة مركّبة ذات روح ولا نثبت نفسًا بمعنى الدّم على ما تقوله العرب له نفس سائلة وليست له نفس سائلة ويريدون بذلك الدم لأنَّه سبحانه وتعالى يتعالى عن ذلك بل نثبت نفسًا هي صفة زائدة على الذات كما أثبتنا له حياة وبقاءً فقلنا هو حيّ بحياة وباق ببقاء وإن لم تكن حياته وبقاؤه عرضين كحياتنا وبقائنا كذلك في النفس قال فإن قيل فأثبتوا له روحًا لأنَّه قد وصف روحه بذلك فقال تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر 29] قيل لا نثبت له ذلك لأنَّ السمع لم يرد بذلك على وجه الصفة للذات وقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ص 72] المراد به أمره لقيام الدليل على أنَّ صفات ذاته لا تحلُّ المحدثات ويفارق هذا إثبات الـ ـنفس لأنَّه ليس في إثباتها ما يحيل صفاتها ولا يخرجهـ ـا عما يستحقه وقال بعد ذلك
(7/455)

ولا يجوز إثبات روح وقد قال أحمد فيما خرّجه في الردّ على الزنادقة في قوله تعالى وَرُوحٌ مِنْهُ فقال تفسير روح الله إنّما معناها أنَّه روح بكلمة الله تعالى خلقها الله كما يقال عبد الله وسماء الله وأرض الله قلت أمَّا ما ذكره من كلام أحمد فإنَّه موافق لألفاظ النصوص وقد قدمنا هذا وغيره من كلام أحمد وكله يدلُّ على أنَّ نفس الله هو الله وذاته لا صفة قائمة به وهكذا اللفظ الذي استشهد به على ذلك فإنَّ أحمد قال فقل له خلق الخلق في نفسه أو خارجًا من نفسه ثم بيَّن أنَّه إن قال خلقهم في نفسه كفر لأنّه جعل الأشياء الخبيثة كالشياطين في نفس الله وإن قال خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كفر حيث جعله قد دخل في الأمكنة الخبيثة التي يعلم بالفطرة الضرورية تنزيه الله تعالى عنها وإن قال خلقهم خارجًا من
(7/456)

نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهذا صريح في أنَّ نفسه هي هو وهي ذاته لا صفة لذاته لأنّه لو كان المراد خلقهم في صفته أو خارجًا عن صفته لم تكن القسمة حاصرة إذ قد يخلقهم في المحل الذي هو فيه وأيضًا إن قال خلقهم في نفسه كفر وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء فهذا يبين أنَّ الخالق هو نفسه الذي قدر أنه خلقهم خارجًا عنه ثم دخل هو فيهم ولو أريد خلقهم خارجًا عن صفة من صفاته لكان المقدّر دخول تلك الصفة فيهم بعد ذلك لا دخوله هو وكذلك قوله وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة أي أن العالم مباين لذات الله تعالى وقد مر تقرير كلام أحمد في موضعه وأن حجته هذه النظرية من أحسن الحجج المعلومة ببديهة العقل
(7/457)

ولا يستقيم هذا الكلام إلا إذا كان معنى نفسه هو ذاته وهو ظاهر الكلام بل نصه لا يفهم منه غير ذلك وحينئذ فنتكلم مع الطائفتين أمَّا قوله من جعلها صفة فالنزاع معه لفظي فإنا لا ننازعه أنَّ هذا الاسم يستلزم ثبوت صفة زائدة على مسمّى الذات كالحياة والفعل ولكن المسمّى هو الذات الموصوفة بذلك لا نفس الصّفة فأمَّا جعل لفظ النفس اسمًا لنفس الصّفة فيقال هذا قول بلا دليل أصلاً لأنّه ليس ظاهر الخطاب فضلاً عن أن يكون نصه مقتضيًا أنها صفة ليست هي الله ومن زعم أنَّ هذا ظاهر النصوص فهو مبطل في ذلك كما أنَّ من زعم أنَّ ظاهرها يجب تأويله فهو مبطل في ذلك وقد قدمنا أنَّ كثيرًا من الناس يغلطون في دعواهم على النصوص أنَّ ظاهرها
(7/458)

كذا سواء أقرّوه أو صرفوه فإنّه لا يكون ذلك ظاهر النص وكل من سمع هذا الخطاب ابتداء فإنَّه يفهم منه ابتداءً أنَّه هو نفسه لا أنَّها صفة له الوجه الثاني أنه قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] فكما أنَّه لا يكتبها على غيره فلا يكتبها على صفة من صفاته إنما يكتبها على نفسه الوجع الثالث أنَّه قال سبحان الله رضاء نفسه وصفات الله لا يكون لها رضا إنَّما الرضا له نفسه هو الذي يرضى ويسخط الوجه الرابع قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28] فكما أنَّه لا يحذر بعض مخلوقاته لا يحذر صفاته كالحياة ونحوها بل هو نفسه هو الذي يخاف ويرجى ويُتَّقى ويُعبَد وهم لا يمكنهم أن يقولوا نفسه هي صفة الغضب ونحو ذلك دو ن غيرها بل يجهلونـ ـها نظير الحياة والبقاء
(7/459)

كما ذكروه وهذه الصفة تتعلّق بالرضا والغضب ومعلوم أنَّ الله لا يحذّر عباده حياته وبقاءه ونحو ذلك ولا بنفي ذلك الوجه الخامس قوله لموسى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] إنَّما اصطنعه لذاته لا لصفة له كالحياة والبقاء كما لم يصطنعه لشيء من خلقه الوجه السادس قول المسيح عليه السلام تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] فقد وصف النفس بأنَّ فيها علمًا والعلم وسائر الصفات إنَّما تقوم بالله نفسه لا تقوم بصفة كالحياة ونحوها الوجه السابع قوله ما في نفسي فإنَّ المراد به هو نفسه ليس المراد به صفة من صفاته إذ علمه لا يقوم إلاّ به نفسه وذاته وعينه لا تقوم بصفة من صفاته ولا أعلم ما في نفسك فإنَّ لفظهما سواء وقد خرج على وجه المقابلة
(7/460)

الوجه الثامن قوله إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فإنَّ الذكر قول وكلام وسواء أريد الذكر الكامن أو اللفظ فإنَّه على التقديرين لا يقوم إلاَّ بالذاكر نفسه وعينه لا يقوم بصفة من صفاته فعلم أنَّ ذكر الله في الله نفسه وذكر العبد لله في نفسه الوجه التاسع قوله إن ذكرني في نفسه إذا كان المراد به هو نفسه وذاته فكذلك الآخر الوجه العاشر قوله في الحديث الصحيح لمَّا قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه إنَّ رحمتي تغلب غضبي فهو لا يكتب على صفة له كالحياة والبقاء وإنَّما يكتب على نفسه فإن قالوا إن جاز حمل النفس على الذات جاز حمل الحياة والبقاء على الذات فيقال ذات حيَّة ذات باقية وقد أجمعنا ومُثبتو الصفات على انَّه حيّ بحياة باقٍ ببقاء كذلك جاز أن يكون ذات بنفس والجواب أنَّ مسمّى الحياة والبقاء وهو الصِّفة وأمَّا
(7/461)

مسمّى النفس هو الموصوف نفسه وليس في كتاب الله ولا سنّة رسوله لفظ النفس يراد به صفة موصوف لا في ذكر الخالق ولا في ذكر المخلوق كما قال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر 42] وقال كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] وقال إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف 53] وقال وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) [القيامة 2] وقال يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) [الفجر 27] وقال فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وقال لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور 12] وأضعاف ذلك في الحديث ليس المراد به أنَّ نفس الشيء صفة له فمن حمل قوله على نفسه أنَّه صفة من صفاته فقد حمل على غير لغة العرب التي أنزل الله بها كتابه وهذا خلاف نص القرآن وظاهره فضلاً عن أن يقال هو ظاهره وأيضاً فإنَّهم يؤكِّدون بها فيقولون رأيت زيدًا عينه نعم يوجد في كلام بعض المولَّدين
(7/462)

ما يشبه أن يكون لفظ النفس صفة كما يقولون فلان له نفس وفلانٌ ليس له نفس واترك نفسك وتعال ونفسك وحجابك ونحو ذلك فإنَّ مقصودهم الصفات المذمومة كالأهواء المتّبعة من الشهوة والغضب ونحو ذلك وهذا ليس من اللّغة التي يجوز حَمل كلام الله ورسوله عليها إذ مثل هذا لا يوجد إلا في كلام المتأخرين وذلك والله أعلم أنَّ هذا مثل قولهم فلان له يد وله لسان أي يد باطشة ولسان ناطق فيطلقون اسم الذات ويريدون به الصّفة المشهورة فيها فقول القائل اترك نفسك أو له نفس ونحو ذلك يريد به الذات على الصّفة المخصوصة وهي الصفة المذمومة كما يقال أمسك لسانك واكفف يدك أو له لسان وله يد وهذا يستعملونه في النفي كما يستعملونه في الإثبات فينفون الشيء لانتفاء الصفة المشهورة فيه كما يقال فلان ليس له
(7/463)

لسان أي لا يحسن أن يتكلم ولا يد له في هذا أو هو عاجز عن عمل هذا كما يقولون فلان ليس بإنسان لانتفاء الصّفات المعروفة في الإنسان عنه وهكذا لفظ النفس قد يقولون لا نفس له لانتفاء الهوى والغضب وقد يجعلون ذلك حمدًا إذا انتفى المذموم منه وقد يذمونه بذلك إذا انتفى فيه الجهة المحمودة فيقال ليس له نفس بهذا الاعتبار وإذا كان كذلك فمعلوم أنَّ مثل هذا في الإثبات إنَّما يراد به إثبات الذات الموصوفة بصفات النّفس لا يراد به مجرّد صفة فعلم أنَّ اسم النَّفس إنَّما هو اسم لذات الشيء الموصوفة قالوا قوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] المراد به الله الذي له النَّفس فكذلك قولكم وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28, 30] المراد به الله الذي له النَّفس فيقال لهم هذا لو كان صحيحًا لكان تأويلاً وهو من أضعف التأويلات فكيف تبطلون التأويل بمثل هذا التأويل وأيضًا فإنَّ اللفظ لا يحتمل ذلك في لغة العرب بوجه من الوجوه وأيضًا فإنَّ ذلك عدول عن مدلول اللفظ ومقتضاه بغير موجب
(7/464)

أصلاً وذلك من تحريف الكلم عن مواضعه وأمَّا لفظ الحياة والبقاء فلا يجوز أن يراد بها الذات الحيَّة لأنَّ ذلك صفة والذات هي الموصوف فمن اعتقد أنَّ مسمّى النَّفس في الخالق والمخلوق صفة وعرض لا موصوف وجوهر وجعل مسمّى لفظها من جنس مسمّى لفظ الحياة والبقاء فقد غلط على اللغة وغلط على القرآن والحديث قالوا وهذا يؤدّي إلى جواز القول بأنَّ الله نفس وأنَّه يجوز أن يدعى فيقال يا نفس اغفر لنا وقد أجمعت الأمّة على منع ذلك والجواب من وجوه أحدها أنَّ هذا منقوض عليهم بلفظ ذات وموصوف وقائم بنفسه وحقيقة وبائن من خلقه ونحو ذلك فإنَّه إن جاز أن يقال يا ذات يا موصوف يا قائمًا بنفسه يا حقيقة يا بائنًا من خلقه اغفر لنا جاز أن يقال يا نفس وإلاَّ فلا الثاني أنَّ الله إنَّما يُدعى بأسمائه الحسنى وهي الأسماء التي تدل عليه نفسه وتبين من أوصافه ما فيه حمد وثناء عليه فأمَّا الألفاظ التي لا تدل إلاَّ على مطلق الوجود ونحوه فلا يُدعى بها كما انَّه سبحانه لا يُدعى بالأسماء الدالة على خلقه للضرر
(7/465)

إلاَّ مقرونًا بالأسماء التي تدلُّ على خلقه للنفع فلا يقال يا ضارُّ ولا يا مانع إلاّ مقرونًا بيا نافع ويا هادي ويا معطي فإنَّ الاقتران يقتضي عموم القدرة والخلق والحكمة وهذا من أسمائه الحسني بخلاف إفراد أحدهما الثالث أنَّ هذا يرد عليهم فيما ادّعوه فإنّهم جعلوا له نفسًا هي صفة فينبغي أن يقال ياذا نفس اغفر لنا فإن قيل الإضافة تقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه فلا يكون هو نفسه المضافة إليه قيل لا نزاع بين أهل اللغة أنه يقال رأيت زيدًا نفسه وعينه وهذا هو زيد نفسه وعينه ونحو ذلك والمغايرة في مثل هذا هو أنَّ مسمى لفظ النفس والعين اعمّ من المضاف إليه فإنَّ النَّفس والعين لغيره أيضًا فإذا أُضيف ذلك إليه خصصه بالإضافة والمغايرة تارة تكون في الذات وتارة في الصِّفات في باب العطف كقوله تعالى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) [الأعلى 2-4] فكذا في باب الإضافة ومن هذا الباب قولهم ثوب خز وخاتم فضة
(7/466)

ونحو ذلك وإن كان المضاف هو خز أو هو فضَّة لكان مسمّى كل منهما أعمّ من مسمّى الآخر وإنّما اختصا بالإضافة فكذلك قول القائل نفسي فيه اسمان مظهر وهو هذه النفس ومضمر وهو الياء ومن المعلوم أنّ الأسماء المضمرة لا تدلُّ على شيء من صفات المسمّى إلاّ كونه متكلمًا أو مخاطبًا أو غائبًا ونحو ذلك فالياء تدلُّ على أنه هو المتكلم كما أنَّ الهاء في قوله بعته تدل على أنَّه الغائب وهذا المعنى مغاير لمسمى النّفس وأمَّا لفظ النفس فهو يقتضي من الصِّفات كالحياة والفعل ونحو ذلك ما ليس في الأسماء المضمرة لكن لا يختص بذلك مضاف إليه دون آخر وإذا أُضيف ذلك إلى مضمر كان في لفظه من عموم المعاني ما ليس في المظهر والمضمر إذ المُضمر يدل على ذلك باللزوم وفي المضمر من خصوص كونه متكلمًا وغائبًا ما ليس في المظهر وبالإضافة اختص المضاف بالمضاف إليه فامتنع أن يكون المسمّى نفسًا غير نفسه وأيضًا فذكر لفظ النَّفس يدلُّ على ثبوت الحكم للمسمى نفسه لا لأحد منسوب إليه فإذا قيل كلمه الآمر نفسه منع أن يكون الكلام بواسطة ترجمان أو رسول وإذا قيل أنا
(7/467)

بنفسي جئت إليك منع أن يكون أرسل إليه رسولاً فقوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] فيه ما ليس في قوله اصطنعتك إليّ إذ الأشياء تضاف إلى الله تعالى على وجوه متنوعة فقوله لنفسي يوجب أنَّه جعله خاصًّا له ومن المواضع ما لا يصلح فيها إلاّ هذا اللفظ كما في قوله ذكرته في نفسي فإنَّه لو قال ذكرته فيّ لم يكن من الكلام المعروف بخلاف ذكرته في نفسي وأيضًا ففي هذا من الدلالة على عدم الجهر ما ليس في غيره وأمّا من نفى خاصيّتها ولم يثبت إلاّ عموم مسمّى الذات فقد تقدّم أنَّ لفظ النَّفس لا يقال إلاَّ لحيّ ذي مقال وفعال لا يقال لمن ليس كذلك فكان في هذا اللفظ من المعاني ما ليس في غيره فلا يجوز نفي ذلك وهذه المادة ن ف س في لغة العرب تعطي الفعل والحياة وَسَمَّوا الدم نفسًا لأنّه مادة حياة الأجسام الحيوانيَّة وهو حامل البخار الذي هو الروح الحيواني ففيه الحياة والحركة ولهذا أمر بسفحه من الحيوان وحرم
(7/468)

أكله لأنّه يولّد على آكله البغي والاعتداء في القوة النفسانية وكذلك الهواء الداخل والخارج سمّوه نفسًا لما فيه من الحياة والحركة وكذلك المتفلسفة يفرّقون بين العقل والنفس بأنَّ العقل مجرّد عن المادة وعلائقها والنَّفس تتعلّق بالجسم تَعَلُّق التدبير والتصريف وأما قول المؤسس إن النَّفس في اللغة يراد بها مجرّد البدن فهذا لا أصل له وقوله كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] لم يُرد به كل بدن فإن البدن الخالي عن الروح لا يذوق الموت بل النفس هنا يراد بها الروح كقوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر 42] وأما قوله يراد بها العقل كقوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام 60] وأحوال النائم باقية إلا العقل فهذا سهو منه فإنَّ قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام 60] ليس فيه
(7/469)

لفظ النّفس وإنَّما لفظ النفس في الآية الأولى وهي قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر 42] فالآية التي احتج بها على أنَّ مسمّى النّفس هي مُسمّى الروح هي الآية التي ذكر فيها توفّي الأنفس وذلك يقتضي أنَّ المتوفّى بالموت والنوم هو النّفس التي هي الروح وأنَّ النّائم تُتوفى روحه لكن توفِّيًا دون الموت بحيث تمسك وترسل وأمَّا التعبير بلفظ النّفس عن العقل فهذا ليس من لغة العرب أصلاّ وأما قوله يراد بها ذات الشيء وعينه كقوله تعالى وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة 9] وقوله فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود 101] فلا يراد بها ذات كل شيء وعين كل شيء اللَّهم إلاّ أن يكون في التوكيد فإذا قالوا الأنفس والنفوس لم يفهم منه ما لا حياة له ولا فعل كالجمادات ولهذا قال النّبي صلى الله عليه وسلم ما من نفس منفوسة إلاّ وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنّار
(7/470)

وأما قوله تعالى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فهو نظير قوله لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور 12] وقوله ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة 85] وقوله وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات 11] أي يقتل بعضكم يعضًا وسمّى الجميع نفسًا أي لا يقتل إلاّ من هو منكم لا يكون من غيركم لأن المتفقين في مقصود الحياة والفعل يكونـ ـون كالشيء الواحد قوله لفظ النّفس في حق الله تعالى ليس إلاّ الذات والحقيقة
(7/471)

يقال له أتريد أنّ معنى اللفظ مطلق ذات ما وحقيقة ما أم ذات وحقيقة قائمة بنفسها مستلزمة للحياة والفعل ونحو ذلك أمَّا الأول فممنوع والثاني فمسلَّم وبهذا يتبيّن أنَّ أهل الوسط يثبتون ما أثبته الطائفتان من الحق ويجمعون بين قوليهما فإنَّ هؤلاء أثبتوا من مُسمّى اللفظ مطلق الذات وأولئك أثبتوا الصّفة الخاصة وأهل الوسط أثبتوا الأمرين فإنَّ اللفظ دالّ على الذات وعلى خصوص الصفة قوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] كالتأكيد الدال على مزيد المبالغة فإن الإنسان إذا قال جعلت هذه الدار لنفسي فُهم منه المبالغة يقال له التأكيد يقتضي ثبوت المعنى المؤكّد فما المعنى المؤكّد الذي أكّد بهذا الكلام هذا لم يثبته ولم يبين هل التوكيد بذكر لفظ النّفس أم بالإضافة إلى الله تعالى وقد قال غيره
(7/472)

كابن فورك اصطنعتك لنفسي لذاتي أو لرسالتي والآية تقتضي أنّه اصطنع موسى لنفسه واصطنع افتعل من صنع أي صنعه لنفسه فيكون خالصًا له مخلصًا له الدين كما قال تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) [مريم 51] ويشبهه قول أم مريم إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران 35] لكن هناك الله هو الذي اصطنعه لنفسه فإنَّ من كان في عمله وسعيه شيء لغير الله يكون كالذي فيه شركاء متشاكسون بخلاف الذي يكون كله لله وقد تضمّن ذلك أنَّه يحبّه كما قال قبل هذه الكلمة وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه 39-40] إلى قوله ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 40-41] وجاء في حديث أبي هريرة الذي فيه تحاج آدم وموسى قال آدم لموسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه وأنزل عليك التّوراة قال نعم ومعلوم أنَّ الأنبياء وسائر عباد الله هم درجات
(7/473)

عند الله في عبوديتهم لله وإخلاصهم له ومحلته لهم وقربهم منه فاصطناع الله موسى لنفسه له من الخصوص ما لا يشركه فيه من موسى أفضل منه وإن كان الجميع عباد الله المخلصين له الدين وقد قال القاضي تأويل قوله تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] معناه لذاتي ورسالتي لا يصحّ لأنّه لا فائدة للتخصيص بموسى لأن غيره من الأنبياء اصطنعه لذاته ورسالته فوجب أن يكون لتخصيص النفس هنا فائدة فيقول له منازعوه وكذلك لو كانت النفس صفة لم يكن
(7/475)

موسى مخصوصًا بالاصطناع لها فإن الاصطناع لله أعظم من الاصطناع لصفة من صفاته وأيضًا فالعباد لا يصطنعهم الله لصفة من الصفات وإنَّما يصطنعهم الله له نفسه وأما قول المؤسس تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك فلا ريب أنَّ هذا المعنى داخل في الآية لكن تفسيرها بمجرد هذه العبارة ليس بسديد فإنَّ معلوم الله ومعلوم عيسى ليس واحدًا منهما في النفس وإنَّما الذي في النفس العلم المطابق للمعلوم وأيضًا فسواء كان الذي في النّفس العلم أو المعلوم فـ ـكون المراد تعلم ما أعلم أو علمي ولا أعلم ما تعلم أو علمك لا ينافي أن يكون لله نفسًا كما نطقت به الآية كما أنَّ لعيسى عليه السلام نفسًا فإنَّ الآية صريحة في ذلك وهي دالة على ذلك المعنى ودلالة اللفظ على بعض المعاني لا يمنع دلالته على غيره
(7/476)

وكذلك ما ذكره آخرون كابن فورك أنَّ المعنى تعلم ما في نفسي أي في غيبي ولا أعلم ما في نفسك أي في غيبك يقال لهم إن جُعل لفظ النفس بمعنى الغيب فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وأسمائه وأن أُريد أنّك تعلم ما أغيبه في نفسي ولا اعلم ما تُغيبه
(7/477)

في نفسك فهذا صحيح لكنّه تطويل بلا فائدة والآية أوضح من هذا وأيضًا فـ ـقول القائل تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك لفظ مجمل فإنَّ غيب الشخص ما غاب عن غيره وإن كان بعض الناس قد شهده فإنّا نؤمن بالغيب الذي هو غيب عنَّا وإن كان من ذلك ما هو مشهود لغيرنا وأمَّا ما في نفسي فلا يعلمه غيره وأيضًا لفظ الغيب هو في الأصل مصدر ولكن يُراد به الغائب فالغيب الغائب فإذا قيل غيبي وغيبك أي غائبي وغائبك فينبغي أن يقال تعلم غائبي ولا أعلم غائبك أي حاجة إلى أن يقال تعلم ما في غائبي ولا اعلم ما في غائبك كيف يصح أن يقول عيسى لربّه تعلم ما في غيبي أو غائبي وأيُّ شيء يغيّبه عيسى عن الله وهو على كل شيء شهيد ولفظ الغيب إذا خوطب به مخاطب لابد أن يكون غائبًا عنه وأيضًا فغيب الله الذي غيّبه عن عباده الذي لا يعلمه العباد
(7/478)

هو المعلوم نفسه فأيّ شيء هو الذي في الغائب غيره وهذا من قديم تأويل الجهمية ذكره عبد العزيز الكناني في الرد على الزنادقة والجهمية قال في باب ما يسأل عنه الجهمية يقال له تقول إنَّ لله وجهًا وله نفس وله يد فيقول نعم ولكن معنى قولي وجه الله أي هو الله ومعنى قولي نفس الله أريد به غيب الله ومعنى يد الله
(7/479)

نعمة الله وتكلّم على ما ذكروه في الوجه قال وأمّا قوله في نفس الله هي غيبه فكأنّه لم يقرأ القرآن ولم يسمع الله عز وجل يقول وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 30] وقوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] يليق أن يكون هذا ويحذّركم الله غيبه أو كتب ربّكم على غيبه الرحمة وقوله لموسى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] أي لغيبي وأما قول المؤسس وكذلك القول في بقيَّة الآيات فلم يفصله لكن قال من تأوّل ذلك كابن فورك في قوله تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 30]
(7/480)

وقالوا تأويل عقوبته فيقال لهم تحذير العباد نفسه كأمره لهم بخوفه فإن قال القائل إنّ تحذير الله نفسه يتضمّن تحذير عقوبته فهذا حقٌّ وإن قال لا معنى لذلك إلاّ تحذير عقوبته من غير أن يحذر نفسه فهذا تحريف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك
(7/481)

فلمّا استعاذ بصفاته ذكر الرضا والسخط والمعافاة والعقوبة ثم ذكر النفس فقال وأعوذ بك منك فالاستعاذة من عقوبته هي معنى من ثلاث معان فكيف يقال لا محذور ولا مستعاذ منه إلاّ العقوبة وقد قال تعالى لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) [آل عمران 28] وفي الجملة فتحذير الله نفسه بمنزلة الأمر بالخوف منه والأمر بتقواه ومن المعلوم أنَّ الله تعالى نفسه هو الذي يُخاف وعقوبته مما يخاف منه وهو الذي يُتقى وعقابه يُتّقى بتقواه وهو الذي يحذر عقابه فنفي تعلق التحذير
(7/482)

بها باطل يُذكر إن شاء الله تعالى بطرق في موضعه وأما قول المؤسس وحكايته عن ربّ العزّة قوله فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فالمراد به إن ذكرني بحيث لا يطّلع عليه غيره ذكرته بإنعامي وإحساني من غير أن يطّلع عليه أحدٌ من عبيدي لأنّ الذّكر في النفس عبارة عن الكلام الخفيّ والذكر الكامن وذلك على الله تعالى محال يقال له لا نُسلّم أنّ هذا على الله تعالى محال ولم تذكر على ذلك حجة وهذا والله أعلم هو معنى ما ذكره الأئمة عن الجهم أنه قال لا يوصف الله بالضمير والضمير عن الله منفيّ فإنَّ الضمير ما يُضمر فيه الشيء أي يخفى أي لا يُوصف بما فيه شيء خفيّ لكن الجهم أوسع إنكارًا من هذا المؤسس وذويه وإنّما أنكر الجهمية هذا لأن الله عندهم لا يتكلم ولا يَذكر ولا يقوم به ذكر وإنما الكلام المضاف إليه عندهم ما يخلقه في الهواء وهذا إنّما يصلح إذا خلقه
(7/483)

لمن سمعه من الملائكة والبشر فإذا كان الذكر في نفسه لم يسمعه وهذا الحديث نصٌ صريح في إبطال مذهبهم وأمَّا الكلابية والأشعرية فإنّهم لا ينكرون أن يقوم بذاته ذكر هو الكلام النفساني لكن لا يجوز عندهم التفريق بين الإعلان والإسرار فإنَّ المعنى القائم بالذات لا ينقسم إلى سر وعلانية ولا يكون منه شيء في نفس الربّ وشيء من الملائكة عندهم أكثر ما يقوله بعضهم أنَّه قد يسمع الملائكة ما يسمعهم إيّاه فيكون التخصيص في خلق الإدراك للملائكة والحديث نصٌ في الفرق بين ذكره في نفسه وبين ذكره في الملأ بفرق يرجع إلى نفسه لا إلى خلق إدراك الملائكة فالحديث نص في إبطال قول هؤلاء أيضًا والحديث مستفيض في الصحيح وله طرق منها في الصحيح حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول
(7/484)

الله صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منهم وإن تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً وذكر العبد ربه في نفسه نوعان أحدهما في نفسه من غير حروف يسمعها هو الثاني ذكر بلفظ خفي يسمعه هو دون غيره قال تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف 205] وذكر العبد في نفسه يتناول القسمين جميعًا ولهذا قال المؤسس إن الذكر في نفسه عبارة عن الكلام الخفيّ والذكر الكامن في النفس وذلك على الله محال
(7/485)

فصل قال المؤسس الفصل الرابع في لفظ الصمد قال الله تعالى اللَّهُ الصَّمَدُ [سورة الإخلاص آية 2] وذكر بعضهم في تفسير الصمد أنه الجسم الذي لا جوف له ومنه قول من يقول لسدادة القارورة الصِّماد وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة قال ابن قتيبة وعلى هذا التفسير الدال مبدلة من التاء وقال بعضهم الصمد هو الأملس من الحجر الذي
(7/486)

لا يقبل الغبار ولا يدخل فيه شيء ور يخرج منه شيء قال واحتج قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في إثبات أنه تعالى جسم وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحدًا ينافي كونه جسمًا فمقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام الغليظة وتعالى الله عن ذلك قال والجواب عنه من وجهين الأول أن الصمد فعل بمعنى مفعول من صمد إليه أي قصد والمعنى أنه المصمود إليه في الحوائج قال الشاعر ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
(7/487)

والذي يدل على صحة هذا الوجه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية قالوا ما الصمد فـ ـفال النبي صلى الله عليه وسلم السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج قال أبو الليث يقال صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده الوجه الثاني من الجواب أنا سلمنا أن الصمد في
(7/488)

أصل اللغة المصمت الذي لا يدخل فيه شيء ولا ينفصل عنه شيء إلاّ أنا نقول قد دللنا على أنه لا يمكن ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى فوجب حمل هذا اللفظ على مجازه وذلك لأن الجسم الذي يكون هذا شانه مبرأ عن الانفصال والتباين والتأثر عن الغير وهو سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته وذلك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان فكان المراد من الصمد في حقه تعالى هو هذا المعنى وبالله التوفيق والكلام على هذا من وجوه الأول أنه قد ذكر في القسم الأول من هذا الكتاب وهو الأدلة الدالة على نفي الجسم والحيز لما ادعى أن هذه السورة حجة له على نفي الجسمية والجهة أن هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى
(7/489)

جعلها جوابًا عن سؤال السائل وأنزلها عند الحاجة يعني لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماهية ربه ونعته وصفته فانتظر الجواب من الله تعالى فانزل الله تعالى هذه السورة قال وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة كان باطلاً ثم إنه في القسم الثاني الذي جعله في تأويل المتشابهات من الآي والأخبار ذكرها من المتشابه الذي قد تأوله وذلك يقتضي أنه لا يجوز الاستدلال بها في باب صفات الله تعالى لن الاستدلال لا يجوز بالمتشابه بل يجب عنده إما تأويله وإما
(7/490)

تفويضه وهذا تناقض بين فيقال له لا يخلو إما أن تكون السورة محكمة أو متشابهة فإن كان الأول بطل ما ذكرته من التأويل هنا وبطل دعواك أنها من المتشابه وإن كان الثاني بطل ما ذكرته هناك من الاستدلال بها على مذهبك والتحقيق أن ما ذكره لنفسه في الموضعين باطل وما ذكره عليه حق فإن السورة محكمة لا ريب فيها كما ذكره أولاً وهي دالة على نقيض مذهبه ولا ريب في ذلك كما ذكروه ولكن يعلم أن هؤلاء القوم كما قال الله تعالى لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) [الذاريات 8-9] مختلفون في الكتاب ويحتجون به إذا ظنوا أنه لهم ويردونه إذا كان عليهم قد جعلوا
(7/491)

القرآن عضين يقول بعضهم لبعض اذهبوا إلى القرآن والحديث إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا , يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) [النساء 60-61] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) [النور 47] وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) [النور 48] وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) [النور 49] يستمسكون بالمتشابه من القول ويدعون المحكم يتركون النصوص المحكمة من الكتاب والسنة التي لا ريب في معناها ويدعون اتباع القرآن والحديث بما يدعونه من الافتراء على معانيه وهذا من أعظم اتباع المتشابه فإن قيل إنما ذكرها في المتشابه لأجل أحد القولين وهو تفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له وهو لا يختار إلاَّ التفسير الأخير وهو أنه السيد المصمود إليه في الحوائج فيقال إن كان القولان متعارضين وأحدهما هو الصحيح
(7/492)

فكان الواجب ذكر القول الآخر من باب المعارضة ثم الجواب عنه لا تكون السورة بذلك محكمة ومتشابهة جميعًا حتى تذكر في القسمين الوجه الثاني أن هذا التفسير ثابت عن الصحابة والتابعين وروي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أثبت مما ذكره قال الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة باب نسبة الرب تبارك اسمه حدثنا أبو كامل الفضيل بن حسين حدثنا أبو سعد الخراساني حدثنا أبو جعفر الرازي عن
(7/493)

الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن أبي كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 1-4] قال فالصمد الذي لم يلد ولم يولد ولا يولد له لأنه ليس شيء يلد إلاَّ يولد ولا يولد إلاَّ سيموت وليس شيء يموت إلاَّ يورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوًا أحد قال ليس له شبيه ولا مثل ولا عديل
(7/494)

حدثنا محمد بن مُصفى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه أن عبد الله بن سلام قال لأحبار يهود إني أريد أن
(7/495)

أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عهدًا قال فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنت عبد الله بن سلام قال قلت نعم قال قلت فانعت لنا ربك قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 1-4] قال وقرأ بها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ابن سلام لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يره إلاَّ بالمدينة وقال لما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب
(7/496)

قال ابن أبي عاصم حدثنا أبو الربيع حدثنا هشيم حدثنا أبو إسحاق الكوفي عن مجاهد عن ابن عباس قال الصمد الذي لا جوف له
(7/497)

حدثنا ابن حساب حدثنا ابن ثور عن معمر عن عكرمة قال الذي لا جوف له حدثنا نصر بن علي حدثنا أبي عن شعبة عن أبي رجاء عن عكرمة مثله
(7/498)

حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع عن أبي رجاء عن عكرمة مثله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غُندر عن شعبة عن أبي رجاء عن عكرمة قال الذي لا يخرج منه شيء حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن عُلية عن أبي رجاء عن عكرمة قال الذي لا يخرج منه شيء
(7/499)

حدثنا أبو بكر حدثنا وكيع عن سفيان وحدثنا أبو موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال الصمد الذي لا جوف له وبالإسناد عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد
(7/500)

قال الصمد الذي لا جوف له وحدثنا أبو بكر حدثنا ابن أخي إدريس عن أبيه عن عطية وعن ليث عن مجاهد قالا الصمد الذي ليس له جوف وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أحمد وحدثنا المقدمي حدثنا ابن أبي الوزير عن محمد بن
(7/501)

مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن سعيد بن جبير قال الصمد الذي لا جوف له وحدثنا نصر بن علي حدثنا أبي حدثنا محمد بن مسلم عن سعيد بن جبير مثله حدثنا ابن أبي عمر حدثنا مروان هو ابن معاوية
(7/502)

عن صالح بن مسعود عن الضحاك بن مزاحم في قوله الصمد الذي لا جوف له حدثنا أبو موسى حدثنا عبد الله بن داود عن مستقيم بن عبد الملك عن سعيد بن المسيب قال الصمد الذي ليس له حشو ة حدثنا أبو موسى حدثنا إسحاق بن منصور عن
(7/503)

عبد السلام عن عطاء عن ميسرة قال الصمد المصمت حدثنا أبو موسى حدثنا يحيى بن سعيد وابن مهدي حدثنا المقدمي حدثنا بشر بن المفضل وابن مهدي عن الربيع بن مسلم عن الحسن قال الصمد الذي ليس له
(7/504)

بأجوف وحدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال الصمد الباقي بعد فناء خلقه وهو قول قتادة وحدثنا ابن حساب حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن قال الصمد الدائم وقال عبد الرزاق في تفسيره أخبرنا معمر عن قتادة
(7/505)

أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك فلم يدر ما يرد عليهم فنزلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) أخبرنا معمر عن الحسن في قوله الصمد قال الدائم قال معمر وقال عكرمة هو الذي لا جوف له قال عبد الرزاق أخبرنا قيس بن ربيع عن مجاهد عن عاصم
(7/506)

عن شقيق بن سلمة وقال ابن أبي عاصم حدثنا أبو بكر أخبرنا يحيى بن سعيد وعيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال الصمد الذي لا يأكل الطعام حدثنا أبو موسى حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن الشعبي مثله أخبرنا أبو الربيع حدثنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال أخبرت أن الصمد الذي لا يأكل الطعام
(7/507)

ولا يشرب الشراب حدثنا المقدمي حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح قال الذي ليس له أمعاء حدثنا أبو بكر ثنا وكيع عن أبي معشر عن
(7/508)

محمد بن كعب القرظي قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وقال حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق حدثنا أبي حدثنا الحسين بن واقد حدثنا عاصم بن بهدلة عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده إلا أن هذا محفوظ عن شقيق
(7/509)

وهو أبو وائل من قوله هكذا رواه عامة الناس ويمكن أنه قد سمعه من ابن مسعود عن كان الحسين سمع هذا من عاصم قبل اختلاطه فإن هذا فيه نظر حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال الصمد الذي قد انتهى
(7/510)

سؤدده حدثنا محمد بن ثعلبة ثنا ابن سواء عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم قال الصمد الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم وروى الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني صاحب المعاجم في كتاب السنة له وقد رواه بعد أن ذكر الآثار في الرؤية
(7/511)

وفي الاستواء على العرش ثم أخذ في الصفات فافتتح بتفسير هذه السورة فقال باب من صفات الله التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا محمد بن ميسر أبو سعيد الصاغاني حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال جاء المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد لأنه ليس شيء يولد إلاَّ سيموت وليس أحد يموت إلاَّ يورث والله تعالى لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوًا أحد لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء قلت هذا الحديث قد تقدم أيضًا في كتاب السنة لابن أبي عاصم وهو مشهور عن أبي سعد هذا ورواه عنه الناس
(7/512)

وقد رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه الترمذي في جامعه قال حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو سعد هو الصاغاني عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلاَّ وسيموت ولا شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوًا أحد قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء قال الترمذي حدثنا عبد الرحمن بن حُميد حدثنا
(7/513)

عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا انسب لنا ربك قال فأتاه جبريل عليه السلام بهذه السورة قل هو الله أحد فذكر نحوه ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب وهذا أصح من حديث أبي سعد وأبو سعد اسمه محمد بن ميسر وأبو جعفر الرازي اسمه عيسى وأبو العالية اسمه رفيع وكان مولى أعتقته امرأة سائبة ثم قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي
(7/514)

حدثنا سُريج بن يونس حدثنا إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال قالوا يا رسول الله انسب لنا ربك فنزلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) وقال الطبراني حدثنا عبد الله بن أبي مريم حدثنا الفريابي
(7/515)

حدثنا قيس بن الربيع عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق بن سلمة قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ إلى آخرها قال الطبراني لم يجاوز به الفريابي وغيره شقيق بن سلمة ووصله عبيد بن إسحاق العطار عن قيس عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله حدثنا الهيثم بن خلف الدوري حدثنا أبو أسامة عبيد الله
(7/516)

ابن أسامة حدثنا عبيد بن إسحاق العطار حدثنا قيس بن الربيع عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله حدثنا الحزامي حدثنا عبد الرحمن بن عثمان الطرائفي حدثنا الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل شيء نسبة ونسبة الله قل هو الله أحد الله الصمد والصمد ليس بأجوف وهذا في إسناده الوازع بن نافع قال الطبراني حدثنا حفص عن عمر الرقي حدثنا
(7/517)

محمد بن عمر الرومي حدثنا عبيد الله بن سعيد أبو مسلم قائد الأعمش عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه رفعه قال الصمد الذي لا جوف له حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا
(7/518)

أبو نعيم حدثنا سلمة بن سابور عن عطية عن ابن عباس قال الصمد الذي لا جوف له حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبو الربيع الزهراني حدثنا هشيم حدثنا أبو إسحاق الكوفي عن مجاهد عن ابن عباس مثله وأبو إسحاق الكوفي قد وثقه الطبراني كما سيجيء حدثنا عبد الله بن أبي مريم حدثنا الفريابي حدثنا
(7/519)

سفيان عن منصور عن مجاهد قال الصمد المصمت الذي لا جوف له حدثنا علي بن المبارك الصنعاني حدثنا زيد بن المبارك حدثنا محمد بن ثور عن ابن جريج عن مجاهد الله الصمد قال مُصمت لا جوف له حدثنا الحسين بن إسحاق حدثنا الحماني قال حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد الصمد
(7/520)

المصمت الذي لا جوف له حدثنا عبد الرحمن بن مسلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن إدريس عن ليث عن مجاهد في قوله الصمد قال الذي ليس له جوف حدثنا أبو خليفة حدثنا ابن حساب وحدثنا
(7/521)

عبد الرحمن بن مسلم حدثنا سهل قال حدثنا محبوب قال الصمد الذي لا جوف له حدثنا عبد الرحمن بن مسلم حدثنا سهل حدثنا محبوب عن طلحة بن عمرو قال سمعت عطاء بن أبي رباح قال الصمد المُصمت الذي لا جوف له حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم عن سلمة بن نبيط حدثنا الضحاك بن مزاحم قال الصمد
(7/522)

الذي ليس بأجوف حدثنا عبد الرحمن حدثنا سهل حدثنا أبو مالك الجنبي وعلي بن غراب قالا حدثنا جويبر عن الضحاك الله الصمد قال الذي لا جوف له حدثنا الحسين بن إسحاق حدثنا الحماني حدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك قال قالت اليهود
(7/523)

يا محمد صف لنا ربك فأنزل الله تعالى قل هو الله أحد قالوا أما الأحد فقد عرفناه فما الصمد قال الذي لا جوف له حدثنا الحسين بن إسحاق حدثنا الحماني حدثنا محمد ابن ربيعة الكلابي حدثنا مستقيم بن عبد الملك عن سعيد ابن المسيب قال الصمد الذي لا حشوة له حدثنا عبد الرحمن حدثنا سهل حدثنا الحكم بن ظهير عن يحيى بن المختار عن الحسن الصمد قال الذي ليس له جوف
(7/524)

حدثنا الحضرمي حدثنا عثمان ابن أبي شيبة حدثنا يحيى ابن آدم عن مندل بن علي عن أبي روق عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عبد الله الصمد الذي ليس له أحشاء حدثنا الحضرمي حدثنا طاهر بن أبي أحمد الزبيري
(7/525)

حدثنا أبي حدثنا بن مسلم الطائفي عن إبراهيم ابن ميسرة قال أرسلت إلى سعيد بن جبير أسأله عن الصمد قال الذي لا جوف له حدثنا الحضرمي حدثنا ابن نُمير حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن السدي الصمد الذي لا جوف له
(7/526)

حدثنا الحسين بن واقد عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود قال الصمد الذي قد انتهى سؤدده حدثنا الحسين حدثنا الحماني حدثنا هشيم عن أبي إسحاق الكوفي عن عكرمة قال الصمد الذي ليس فوقه أحد وأنشدني في ذلك شعرًا قال أبو القاسم الطبراني أبو إسحاق الكوفي هذا ليس بالسبيعي واسمه هارون وهو ثقة روى عنه حماد بن زيد وهشيم حدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفريابي قال
(7/527)

حدثنا سفيان حدثنا الحضرمي حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس ووكيع وأبو أسامة حدثنا الحسين حدثنا الحماني حدثنا حفص بن غياث وأبو معاوية وحدثنا عبد الرحمن بن سلمة حدثنا سهل حدثنا علي بن مسهر ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة كلهم عن
(7/528)

الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة في قوله الصمد قال السيد الذي قد انتهى سؤدده حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني إبراهيم بن الحجاج حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل السيد الذي لا شيء أسود منه حدثنا محمد بن عثمان حدثنا عمي أبو بكر وحدثنا الحضرمي حدثنا عثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا عبد الله ابن إدريس عن شعبة عن أبي رجاء عن عكرمة الصمد
(7/529)

الذي لا يخرج منه شيء حدثنا الحضرمي حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة وحدثنا عبد الرحمن حدثنا سهل حدثنا ابن أبي زائدة كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي الصمد الذي لا يأكل الطعام حدثنا داود بن محمد بن صالح المروزي حدثنا العباس بن الوليد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن
(7/530)

أبي عروبة قال كان الحسن وقتادة يقولان الصمد الباقي بعد فناء خلقه حدثنا الحضرمي حدثنا الحسين بن يزيد الطحان حدثنا إسحاق بن منصور السلولي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال الصمد الباقي بعد خلقه حدثنا أبو خليفة حدثنا ابن حساب أخبرنا محمد بن ثور عن معمر عن الحسن قال الصمد الدائم
(7/531)

حدثنا عبد الرحمن حدثنا سهل حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد حدثنا الحضرمي حدثنا محمد بن بكار بن الريان حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب في قوله الصمد قال لو سكت عنها لتمحض فيها رجال قالوا ما صمد فأخبرهم أن الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد حدثنا زكريا الساجي حدثنا أحمد بن إسحاق
(7/532)

الأهوازي حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا الحكم بن ظهير عن معمر عن الحسن عن أبي بن كعب قال الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولم يخرج من شيء الذي لم يلد ولم يولد وحدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الغني بن موسى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وعن
(7/533)

مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال الصمد الذي يُصمد إليه في الحوائج قلت هذا تفسير عن ابن عباس بهذا الإسناد يرويه الطبراني بهذا الإسناد وهو عن هذا الشيخ وهو ضيف ولكن يستأنس به قال الطبراني وهذه الصفات كلها صفات ربنا جل جلاله ليس يُخالف شيء منها هو المصمت الذي لا جوف له وهو الذي يصمد إليه في الحوائج وهو السيد الذي قد انتهى سؤدده وهو الذي لا يأكل الطعام وهو الباقي بعد خلقه وقال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا
(7/534)

منجاب حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن عطية ابن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال لو أن الخلائق منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا بالله عز وجل أبدًا قلت ويدل على ما ذكره الطبراني من جمع الصمد لهذه المعاني أن من سلف الأمة من قال هذا وهذا ومثل هذا كثيرًا ما يجيء في تفسير معاني أسمائه كالرحمن والجبار والإله وغير ذلك وقد قررنا في غير هذا الموضع أن عامة تفاسير السلف ليست متباينة بل تارة يصفون الشيء الواحد بصفات متنوعة وتارة يذكر كل منهم من المفسر نوعًا أو شخصًا
(7/535)

على سبيل المثال لتعريف السائل بمنزلة الترجمان الذي يقال له ما الخبز فيشير إلى شيء معين على سبيل التمثيل وقال أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات في تفسير اسمه الصمد قال الحليمي ومعناه المصمود إليه بالحوائج أي المقصود بها وقد يقال ذلك على
(7/536)

معنى أنَّه المستحق لأن يقصد بها ثم لا يبطل هذا الاستحقاق ولا تزول هذه الصفة بذهاب من يذهب عن الحق ويُصد عن السبيل لأنه إذا كان هو الخالق والمدبر لما خلق لا خالق غيره ولا مدبر سواه فالذهاب عن قصده بالحاجة وهي في الحقيقة واقعة إليه ولا قاضي لها غيره جهل وحمق والجهل بالله تعالى جَده كفر ثم روى البيهقي من التفسير المسند عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس
(7/537)

وقد ذكر هذا عنه كثير من المفسرين وغيرهم كمحمد بن جرير الطبري في قوله الصمد قال السيد الذي كَمُل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته والعالم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل هذه صفته لا تنبغي إلاَّ له ليس له كفو وليس كمثله شيء فسبحان الله الواحد القهار
(7/538)

ثم روى البيهقي حديث الأعمش عن شقيق في قوله عز وجل الصمد قال هو السيد الذي انتهى سؤدده وروى عن الحاكم عن الأصم عن الصغاني حدثنا أبو نعيم حدثنا سلمة بن سابور عن عطية عن ابن عباس قال الصمد الذي لا جوف له قال وروينا هذا القول عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي والضحاك وغيرهم وروي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه يشك راويه في رفعه
(7/539)

قلت قد تقدم رواية الطبراني له مرفوعًا من غير شك من طريق آخر وروي أيضًا بالإسناد قال محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا محمد بن بكار حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب في قول الله عز وجل الله الصمد قال لو سكت لتبخص لها رجال فقالوا ما صمد فأخبرهم أن الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد قال وروينا عن عكرمة في تفسير الصمد قريبًا من هذا ثم روى من حديث شعبة عن أبي رجاء أن
(7/540)

الحسن قال الصمد الذي لا يخرج منه شيء ومن حديث هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال أخبرت انه الذي لا يأكل ولا يشرب ومن حديث سعيد عن قتادة عن الحسن قال الصمد الباقي بعد خلقه قال وقال أبو سليمان يعني الخطابي فيما أخبرت عنه الصمد السيد الذي يُصمد إليه في الأمور
(7/541)

ويقصد في الحوائج والنوازل وأصل الصَّمْد القصد يقال للرجل اصمد صمد فلان أي اقصد قصده قلت المقصود الآن ذكر أقوال السّلف في معنى الصّمد وأمّا ما يدَّعيه طائفة من المتأخرين من أنّ الاشتقاق إنّما يشهد لقول من قال إنّه السّيد فسنبين أنّ هذا من أفسد الأقوال بل شهادة اللّغة والاشتقاق لذلك القول الذي قاله جمهور الصحابة والتابعين أقوى وإن كان ذلك كله حقًّا والاسم يتناول ذلك كله واللّغة والاشتقاق يشهد له الوجه الثالث أنّ هذا التفسير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يتبين بوجهين أحدهما من نقل الخاصة عنه كما تقدّم الثاني أنّه من المعلوم أنّ هذه السورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرُ للمسلمين فضلها وأنَّها تعدل ثلث القرآن حتّى أمرهم أن
(7/542)

يجتمعوا وقال اجتمعوا لأقرأ عليكم ثلث القرآن قلمّا اجتمعوا قرأها عليهم وهي سورة يتعلمها الصغير والكبير والحرّ والعبد والرجل والمرأة وقد سنّ لهم أن تقرأ في ركعتي الفجر والطواف وكان بعض أصحابه يقرأ بها دائمًا في الصّلاة مع السورة فقال سَلوه لِمَ يفعل ذلك فقال إنّي أحبّها لأنّها صفة الرحمن فقال أخبروه أنَّ الله يحبّه
(7/543)

وهذا كله ممّا يوجب توفّر الهمم والدواعي على معرفة معنى الصّمد وهذا أمر يجده النّاس من نفوسهم فإنَّه إذا قرأها الإنسان مرّة بعد مرة اشتاق إلى معرفة معنى ما يقول والنفس تتألم بأن تتكلم بشيء لا تفهمه فالمقتضى لمعرفة هذا الاسم كان فيهم موجودًا قويًّا عامًّا متكررًا والمانع من ذلك منتفٍ وأنَّه لا مانع لهم من المسألة عن هذا الاسم ويتوكّد هذا بشيئين أحدهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا علّم أصحابه القرآن علمهم ما فيه من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السُّلمي حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنَّهم كانوا إذا تعلّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتّى يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل قالوا
(7/544)

فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا الثاني أنّه قد روي من غير وجه أن المشركين وأهل الكتاب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن نعت ربه فأنزل الله هذه السورة وقال إنّها نسب الرحمن وصفته فلابد أن يكون في الجواب بيان معنى هذا الاسم للكفّار من المشركين وأهل الكتاب فإنّه لا يحصل الجواب لهم بذلك إلا بلفظ يعرف معناه فكيف يكون علم المؤمنين بذلك وهذا كله يدل دلالة قطعيَّة يقينيَّة أنَّ معنى هذا الاسم كان معروفًا عند الصحابة وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بيّن لهم من ذلك ما يشكل عليهم وأفادهم ما يحتاجون إليه من معرفة معنى هذا الاسم كيف وهذا كله من بيان القرآن الذي
(7/545)

يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم فإنّه يجب عليه بيان لفظه ومعناه وإذا كان كذلك وقد حصل عندهم معرفة معناه من جهة النبيّ صلى الله عليه وسلم فحكم التابعين مع الصحابة كذلك فإنّ الهمم والدواعي من علماء التابعين متوفرة على مسألة الصحابة عن معنى هذا الاسم هذا معلوم بالعادة المطّردة فإذا كان قد تواتر عن أئمة التابعين مع ما نقل عن الصحابة وعن النّبي صلى الله عليه وسلم وإنّما اشتهر عندنا نقل ذلك بالإسناد عمّن نقله العلماء عنه لأنّ العلم كان يقلُّ في المتأخرين وكان أحدهم يسأل من يتّفق له من التابعين فصاروا ينقلون ذلك نقلاً خاصًّا كما ورد مثل ذلك فيما كان معلومًا عند الصحابة كلهم كمغازي النَّبي صلى الله عليه وسلم وصفة صلاته الظاهرة وحجه ونحو ذلك حتّى تنازع بعض الناس في مثل جهره بالبسملة وقنوته ومن المعلوم أنَّ هذا كان يمتنع فيه النّزاع على عهد أبي بكر وعمر لأنَّ الصحابة الذين عاينوا ذلك كانوا موجودين ولهذا يستدل بفعل أبي بكر وعمر على أنَّ ذلك هو كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم للعلم بأنَّ الصحابة لم يتّفقوا على تغيير سنَّته الوجه الرابع أنّ تفسير الصمد بأنّه الذي لا جوف له مع كونه هو أشهر التفاسير في هذا الاسم الحسن العظيم عن
(7/546)

الصحابة والتابعين وقد روي تفسيره مرفوعًا وإن كان لا منافاة بين هذا المعنى وبين سائر المعاني التي ذكرها الصحابة والتابعون في معنى هذا الاسم فإنّ الاسم ينتظم ذلك كله فاللفظ يدل عليه دلالة ظاهرة باللّغة العربيّة الفصيحة التي نزل بها القرآن ومن المشهور من كلامهم المقابلة بين الأجوف والصّمد كما يقابلون بين الأجوف والمصمت مثل قول يحيى بن أبي كثير الآدميّون جُوف والملائكة صُمد ولا يحتاج إلى تقرير هذا في اللغة أنْ تجعل الدال مُنقلبة عن التّاء وإن كان المعنى على القلب مناسبًا بل الدّال والتاء حرفان متقاربان في المخرج فيتقارب معناهما كذلك وهذا من باب الاشتقاق الكبير وهو اشتراك الكلمتين في أكثر الحروف وتقاربهما في باقيه
(7/547)

كما يقال في مثل خرر وغرر وأزر حيث اشتركت في حروف الحلق وكذلك الدال والتاء من حروف اللسان متقاربان في المخرج ولهذا يُدغم أحدهما في الآخر بعد قلبه إليه إذا سكن أحدهما كما في مثل قوله ولا أنا عابد ما عبدتم فإنّ لفظهما عبتم وكذلك لفظ عبدتّه ووجدتّه ومجدتّه ونظائره كثيرة وهذا اللفظ في جميع تصاريفه يقتضي معنى الجمع والضّم المنافي للتفرّق كما يقال صِمْدة المال وصِماد القارورة ودلالة اللّغة العربيّة على هذا المعنى المشهور عن أكثر الصحابة والتابعين أظهر من دلالتها على غيره بخلاف ما إذا ادعى غير ذلك طائفة من المتأخرين حتى الذين فسّروه بأنه السّيد ذكروا هذا المعنى قال القرطبي شارح أسماء الله
(7/548)

الحسنى صاحب التفسير معناه المصمود إليه بالحوائج أي المقصود بها يقال صَمَدَه يصمده صمدًا أي قَصَدَه والصّمد السيد لأنّه يصمد إليه في الحوائج وأصله الاجتماع من قولهم تصمد الشيءُ إذا اجتمع قال طرفة وإن يلتق الحيّ الجميع تلاقني إلى ذروة البيت الرفيع المصمَّد
(7/549)

وبيت مصمّد بالتشديد أي مقصود والصمد بإسكان الميم المكان المرتفع الغليظ قال أبو النّجم يغادر الصّمد كظهر الأجزل وبناء مصمد أي معلَّى والمصمد لغة في المصمت الذي لا جوف له قاله الجوهريّ ومنه قول الشاعر شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا
(7/550)

ومن هذا تسمية الرجل صمدًا كما قال أوس بن حجر ألا بَكَّر الناعي بخيريْ بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
(7/551)

وقال آخر سيروا جميعًا بنصف اللّيل واعتمدوا ولا رهينة إلاّ سيدٌ صمد وقال آخر علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت الواحد الصمد
(7/552)

الوجه الخامس قوله إنّ الصمد فعل بمعنى مفعول من صمد إليه أي قصده يقال له صيغه فعل في الصّفات قد لا تكون بمعنى المفعول بل تكوون بمعنى الفاعل كقولهم أحدٌ وبطل فَلِم قلت إنّ فعل هنا بمعنى مفعول وهلاّ تكون بمعنى الفاعل وهو الصامد المتصمّد في نفسه وإن كان ذلك يستلزم أن يكون مقصودًا لغيره وهذا أرجح لوجوه أحدها أنّه قرين لاسم الواحد فإنّه قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) [الإخلاص 1-2] ومن المعلوم أنَّ الأحد بمعنى الواحد المتوحّد فكون الصّمد بمعنى الصّامد المتصّمد أظهر في المناسبة والعدل والقياس والاعتبار الثاني أنَّ الفاعل هو الأصل فإنّه لابد لكل فعل وصفة من فاعل فكل صفة تستلزم فاعلاً في الجملة وأمَّا المفعول فقد يكون وقد لا يكون وإذا كان كذلك علم أنَّ هذه الصّفة لها فاعل ولم يعلم أن لها مفعولاً فيجب إثبات المتيقّن وحذف المشكوك
(7/553)

فيه حتّى يدلّ عليه دليل الثالث أن المشركين وأهل الكتاب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن نسب ربّه وماهيَّته وجنسه فقالوا ممّ هو ومن أيّ جنس هو أمن ذهب أم من نحاس هو أممن صفر أم من حديد أم من فضة وهل يأكل ويشرب وممن ورث الدنيا ولمن يورثها فأنزل الله هذه السورة وهي نسبة الله خاصّة ومعلوم أنّ كونه بمعنى أنَّه مقصود إنما يدل على كونه بحيث يسأل ويُدعى وذلك يقتضي ثبوت ربوبيّته وإلهيته وليس فيه جواب عن مسألتهم التي هي سؤال عن صفته في نفسه فأما إذا قيل إنّه الصّمد الذي لا جوف له كان فيذلك جواب عن أنَّه في نفسه صمد لا يخرج من شيء ولا يخرج منه
(7/554)

شيء ولا يتفرّق وهو مع ذلك أحد لا نظير له فكان في ذلك دلالة على صفـ ـتـ ـه الثبوتيّة وهي الصّمدية وعلى عدم النظير المانع أن يكون له والد أو ولد كما أنَّ الأحد يمنع أن يكون هـ ما يماثله من اصل أو فرع أو نظير فكان هذا المعنى جوابًا لمسألتهم أنَّه ليس هو من شيء ولا يخرج منه شيء ولا هو من جنس شيء الوجه السادس أنّ كون الصّمد يصمد إليه في الحوائج هو حق أيضًا وهو مقرر للتفسير الأوّل ودالٌّ عليه فلا ينافي أن يكون هو في نفسه مجتمعًا لا جوف له بل كونه في نفسه كذلك هو الموجب لاحتياج الناس إليه فإنّ الحاجة إلي الشيء فرع اتصافه في نفسه بما يوجب قضاءه للحوائج فلا يكون الأثر منافيًا للمؤثّر ولا يكون الملزوم منافيًا للاَّزم بل الأثر اللازم
(7/555)

دليل على المؤثّر الملزوم للأثر والصّمد أكمل من أن يطلق على السيد ولهذا قال ابن عباس هو السّيد الكامل في سؤدده ألا ترى أنَّ الشاعر قال فأنت السّيد الصمد وقال بالسّيد الصّمد فلو كان مرادفًا له لكان تكريرًا وأمَّا الحديث الذي رواه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قلم يذكر إسناده وهو باطل لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن رُوي عن ابن عباس ولفظ السّيد أيضًا يدلّ على الجمع كما يدلّ عليه لفظ الصّمد يقال السّواد اللّون الجامع للبصر والبياض اللّون المفرِّق له والحليم سُمّي سيدًا لأنَّه مجتمع
(7/556)

النّفس لا يجزع فيتفرق عند الغضب وذلك ضعف وخور ولهذا يروى فلما رآه أجوف علم أنّه خَلق لا يتمالك ويقال لم أتمالك أن فعلت كذا أي ما ملكت نفسي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة إنَّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب والجوف متفرّق لا يتمالك فلا يثبت ولا يستقرّ في نفسه فضلاً عن أن يكون مقصودًا لغيره يصمدون صمده كما قيل في اسم القيّوم إنّه القائم بنفسه المقيم لغيره فكون المسمّى بالصمد صمدًا لغيره فرع كونه صمدًا في نفسه ويدلّ على ذلك أنّهم يُسمّون بالصّمد الحليم المجتمع
(7/557)

وإن لم يجتمع إليه النّاس كما قال طرفة يزعون الجهل في مجلسهم وهمو أيضًا ذوو الحلم الصّمد الوجه السابع أن يقال سلمنا أنّ الصّمد هو ما يصمد إليه العباد في أنفسهم أي يقصدون إليه كما يقال اصمد صمد هذا الأمر أي اقصد قصده فالقصد هو الدعاء والمسألة والطّلب وذلك إنّما يكون بقلوب النّاس وبواطنهم وبأيديهم ووجوههم وغير ذلك من أعضائهم الظاهرة وذلك يمتنع إلاَّ فيمن يكون بجهة منهم فمن لا يعرفون أين هو ولا يعرفونه في جهة يمتنع على قلوبهم وجوارحهم المختلفة قصده فيمتنع كونه صمدًا ولهذا كان الدّاعون والقاصدون لله من الأمم المختلفة يجدون في قلوبهم علمًا ضروريًّا بتوجههم إلى العلو كما تقدّم تقرير هذا وإذا كان
(7/558)

كذلك فهو قدّر أنّه لا يمكن أن يكون في العلو إلاّ ما هو جسم وذكر أنّ ذلك معلوم بالضرورة فيكون هذا التفسير يدلّ على أنّ الله تعالى هو الذي يسمّونه جسمًا بهذين العلمين الضروريين أحدهما العلم الضروري بأنّ العباد إذا قصدوا الله ودَعوه وتوجّهوا بقلوبهم وظاهرهم إلى العلوّ ويمتنع أن يقصدوا ما لا يكون في العلو ولا في غيره ولا يكون داخل العالم ولا خارجه الثاني العلم الضروري بأنّ ما كان فوق العالم فإنّه يكون ذاهبًا في الجهة ويكون بائنًا عن العالم ويكون قائمًا بنفسه وهذا هو المعنى الذي يسمّونه جسمًا وهذا تقرير ليس للمنازع فيه حيلة وهو مبنيّ على مقدمتين ضروريتين أحدهما لا ينازع هو فيها وإن نازع فيها كثير من
(7/559)

الصفاتيّة والثانية وهو ينازع فيها لكن لا ينازع فيها جماهير البريّة والنزاع في الضروريات غير مقبول الوجه الثامن أنّه أجاب بوجهين أحدهما منع تفسير الصّمد بأنّه الذي لا جوف له بل هو السّيد المصمود إليه ودعوى وجوب حمل الآية على المجاز وقد بينا أنَّ ذلك التفسير لا يمكن النّزاع فيه وأنّ التفسير الآخر يدلّ على صحة التفسير الأول ويدل على مذهب المنازع أيضًا وأمّا حمل الآية على المجاز فيقال له هذا لا يجوز لأنّ الآية نزلت جوابًا عن مسألة المشركين وأهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم عن صفة ربه فيجب ألا يجعلها من صنف المتشابه
(7/560)

الوجه التاسع أن يقال له ليس للمتكلم أن يريد باللفظ ما ليس هو حقيقة اللفظ ومسمّاه بل هو مجاز إلاّ بقرينة تبيّن المراد وإلاَّ فالتكلم بالمجاز بدون القرينة ممتنع باتّفاق النّاس وهو بمنزلة أن يراد باللفظ ما لم يوضع له في اللّغة كما لو أراد بلفظ السّماء الأرض وبلفظ الشمس البحر ونحو ذلك ومن المعلوم أنّ الله ورسوله لم يقرن بهذا الخطاب قط قرينة لا متّصلة ولا منفصلة تصرف النّاس عن اعتقاد مدلول هذه السورة ولا قال أحدٌ من سلف الأمّة وأئمتها أنَّ اسم الصّمد في حق الله ليس على ظاهره ولا أنكم لا تعتقدون من اسم الصمد وظاهره بل تعظيم النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه السورة وقوله إنها تعدل ثلث القرآن وغير ذلك يقرر مضمونها ويثبت معناها ومدلولها الوجه العاشر أنّ ما ذكره من الأدلة العقلية الّتي تجعلها قرينة صارفة لظاهر اسم الصّمد إمّا أن تكون حقًّا أو باطلاً
(7/561)

فإن كانت باطلاً لم يصحّ أن يصرف اسم الله عز وجل عن مقتضاه ومعناه وإن كانت حقًّا فلا ريب أنها خفيّة وأنّها مشتبهة وأنّ فيها نزاعًا بين الآدمييّن وأنّها لا تُعلم إلاَّ بنظر طويل وبحث كثير ومن المعلوم أنَّ المتكلم بالكلام الذي له معنى ظاهر لا يجوز أن يُريد خلاف ظاهره لمثل هذه الدلالة لاسيّما في حق الرسول الذي بلّغ البلاغ المبين الوجه الحادي عشر أنّه لا ريب أنّ الله قد أمر بتلاوة هذه السورة لجميع العباد ورغَّبهم في تكـ ـر ير تلاوتها في الصّلاة وخارج الصلاة حتّى إن تلاوتها وقراءتها من أعظم شعائر الإسلام وأظهرها عند الخاص والعام فإن كان معناها الظاهر باطلاً وضلالاً كيف يجوز الإمساك عن بيان مثل ذلك وترك العباد في هذه المهالك وقد قال الله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة 115]
(7/562)

الوجه الثاني عشر أنّه مع الأمر بقراءتها وتكرير ذلك في الصلاة وخارج الصلاة ومع تعظيم فضيلتها واشتهار ذلك في العامة والخاصّة هل يجوز أن يكون ظاهرها ضلالاً ومحالاً وكفرًا ولا يتكلم بذلك أحدٌ من سلف الأمّة في التوحيد وصفات الربّ المعبود سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا الوجه الثالث عشر أن ما ذكره من الدلالة العقلية لم تظهر في الأمة إلاَّ بعد انقراض عصر الصّحابة وأكاب التابعين بل وأئمتهم أي من زمن بشر المريسي ولمّا أظهر مقالته كفّره أئمة الإسلام كفّره سفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وعباد بن العوّام وعليّ بن عاصم ويحيى بن
(7/563)

سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وأبو النّضر هاشم بن القاسم وشبابة بن سوار والأسود بن عامر ويزيد بن هارون وبشر بن الوليد ومحمد بن
(7/564)

يوسف بن الطّباع وسليمان بن حسّان الشّامي ومحمّد ويعلى ابنا عبيد الطنافسيان وعبد الرزاق بن همّام وأبو قتادة الحرّاني وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون
(7/565)

ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو نعيم الفضل بن دُكين وعبد الله بن مسلمة القعنبيّ وبشر بن الحارث ومحمّد بن مصعب وأبو البختري وهب بن وهب قاضي بغداد ويحيى بن يحيى النيسابوري وعبد الله بن الزبير
(7/566)

الحميديّ وعليّ بن المديني وعبد السّلام بن صالح الهرويّ والحسن بن عليّ الحلواني وغير هؤلاء فكيف يجوز أن يكون الصارف لكلام الله عن ظاهره ما لم يظهر في الإسلام إلاّ من جهة من أحدث ذلك فكفّره أئمة الإسلام
(7/567)

الوجه الرابع عشر قوله سلّمنا أنَّ الصّمد في أصل اللغة المصمت الذي لا يدخل فيه شيء غيره ولا ينفصل عنه شيء إلاّ أنّا نقول قد دللنا على أنَّه لا يمكن ثبوت هذا المعنى في حق الله يقال له قد تقدّم الكلام على جميع ما ذكرته وتبيّن لكل عاقل فهم ما ذكرناه أنّ الذي ذكرته من الباطل الذي يُعلم بطلانه بالعقل الصريح وبيّنا أنَّ العقل يدلُّ على خلاف قوله وقد أحال على ما تقدّم فأحلنا على ما ذكرنا هناك الوجه الخامس عشر أن يقال كل ما هو قائم بنفسه مباين لغيره فإما أن يكون أجوف أو يكون صمدًا مصمتًا كما أنه إما أن يكون عالمًا وإما أن يكون جاهلاً وإمّا أن يكون سميعًا بصيرًا وإمّا أن يكون أصمّ أعمى وهذا قد تقدم تقريره والعقل الصريح يعلم أنّه لا يمكن خلو الموجود القائم بنفسه عن هذين الوصفين الوجه السادس عشر أنّ الشيء القائم بنفسه إمّا أن يكون بحيث يقبل التفريق والتفكيك أو يكون بحيث لا يقبل ذلك فإن كان الثَّاني فهو الصّمد الحقيقي وإن كان الأول فليس هو صمدًا حقيقيًّا وإن قيل له صمد باعتبار أنَّه غير متفرق ولا يمكن
(7/568)

تفريقه إلاَّ بكلفة ولهذا قال سبحانه الله الصمد بصيغة الحصر أي هو الصّمد في الحقيقة وغيره وإن سمّي صمدًا فليس ذلك الوصف كاملاً فيه وقال الله أحد ولم يقل الأحد ومعلوم أنّ وصفه بالاسم المعرفة أبلغ من الاسم النكرة فكيف يجوز أن يقال الصمديّة له مجازًا والأحدية له حقيقة الوجه السابع عشر أنّ الله تعالى ذكر في هذه السورة التي تعدل ثلث القرآن فنفى بهما عنه التركيب الذي هو التجسيم المنتفي عنه ونفى عنه التمثيل الذي هو التشبيه المنفي عنه فكانت هذه السّورة أحسن البيان فيما يجب نفيه عن الله تعالى من التشبيه والتجسيم وقد قدّمنا غير مرة أنّ لفظ التشبيه فيه إجمال كثير وأنّه ما من طائفة إلاّ وتجعل من أثبت شيئًا مُشَبِّهًا وذلك أنّ كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة ولو من بعض الوجوه البعيدة ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود ولهذا ذكر هذا المؤسس إجماع المسلمين إجماع المسلمين على ثبوت مثل
(7/569)

هذا التشبيه وبينَّا الفرق بين لفظ الكفؤ والمثل ولفظ الشَّبه فهو سبحانه أخبر أنَّه أحد وأنَّه لم يكن له كفوًا أحد فكان هذا أيضًا محكمًا في تنزيهه عن المثيل بعبارة تامّة حيث لم يكن شيء من الموجودات مكافئًا له بوجه من الوجوه كما بيناه فيما مضى وأنَّه يجب نفي المثل والكفؤ عنه من كل وجه وأنَّ هذا هو معنى الأحد إذ لو أريد بالأحد ما لا يماثله من جميع الوجوه لكان عامّة المخلوقات تسمّى أحدًا ولم يكن في هذا فائدة لأنّ أحدًا لا يعتقد أنّ لله مثلاً من جميع الوجوه بل الأحد الذي لا كفؤ له من جميع الوجوه ولا يلزم نفي المشابهة من بعض الوجوه كالوجود والعلم والقدرة والحياة وغير ذلك وكذلك التركيب والتجسيم يجب تنزيهه
(7/570)

عن أن يكون مركبًا مجسمًا ركَّبه مركِّب أو أن يكون بحيث يقبل التفريق والتفصيل واسمه الصّمد ينفي هذا عنه وأمَّا ما يسميه بعضهم تركيبًا وهو ثبوت المعاني المتميّزة في أنفسها فهذا أمرٌ لابد منه لكل موجود فنفيه نفي للوجود ولواجب الوجود فكان اسمه الصّمد مستلزمًا ثبوت هذا المعنى الذي هو الاجتماع نافيًا ذلك المعنى الذي هو التركيب والتجسيم المنفيّ عنه فكان صحّة معنى هذه السورة معلومًا بالعقل الصريح ولولا أنا قدّمنا أصل هذا الكلام في الحجج العقليّة لبسطناه هنا وقد بسطناه أيضًا في جواب المعارضات المصرية الوجه الثامن عشر قوله فوجب حمل هذا اللفظ على مجازه وذلك لأنّ الجسم الذي يكون هذا شأنه مبرأ عن الانفصال والتباين عن الغير وهو سبحانه وتعالى واجب
(7/571)

الوجود لذاته وذلك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان فكان المراد من الصّمد في حقه تعالى هو هذا المعنى يقال له مجاز الذي حملته عليه إمَّا أن يكون هو معنى واجب الوجود أو يكون مقتضاه الذي ذكرته من أنَّه غير قابل للزيادة والنقصان فإن كان معنى الصّمد هو معنى واجب الوجود كان هذا التفسير مخالفًا لإجماع المسلمين وإجماع أهل اللّغة وأهل التفسير فإنّ اسم الصّمد وإن استلزم وجوب وجوده بنفسه لكن ليس معناه مجرّد وجوده بنفسه ولا هذا معنى مما كان يجهله السائلون من المشركين وأهل الكتاب ولا هو ممّا فيه نزاع بين أهل الأرض ف‘نَّ الخلائق متفقون على ثبوت وجود وإن الوجود لا يمكن أن يكون كله مفتقرًا إلى غيره بل لابد من وجود غير مفتقر إلى غيره ولكن قد يقول المبطلون هو أصول للعالم ونحو ذلك كما يقوله الجاحدون المعطّلون الذين يُظهرون جحود
(7/572)

رب العالمين كفرعون وذويه وغالية القرامطة الباطنية وبالجملة فمعنى ربّ العالمين أبلغ من معنى واجب الوجود فإنّ كونه رب العالمين يقتضي ربوبيته للعالمين ويستلزم قيامه بنفسه وإن قال بل معنى الصمد هو الذي لا يقبل الزيادة والنقصان وهذا هو الذي يدل عليه كلامه وهو الذي أراده والله أعلم قيل له الزيادة والنقصان من عوارض الكم فقولك هو غير قابل للزيادة والنقصان يحتمل شيئين أحدهما أن تكون ذاته بحيث لا يعقل زيادتها ونقصانها الثاني أن تكون زيادتها ونقصانها ممتنعًا عليها وأي المعنيين قُصد به أمكن أن يقال في كونه لا جوف له أو لا يقبل التفرق والانفصال مثل ذلك إذا هذا يحتمل معنيين
(7/573)

أحدهما أن تكون ذاته لا يعقل أن يكون لها جوف ولا يعقل وصفها بالتفرق والاجتماع والاتصال والانفصال والثاني أن يقال التفرق والانفصال ممتنع عليها فإذا كان الذي جعلته مجازًا في هذا الاسم الشريف يلزمك فيه ما لزمك في مسماه الحقيقي الذي فسره به الصحابة والتابعون وهو حقيقة في اللغة كان عُدولك عن هذا إلى هذا الذي ركبت فيه أنواعًا من المحاذير لغير فائدة قط بمنزلة الذي يركب البحار والمفاوز والقفار لقصد التجارة ثم ذهب فباع ذهبه بمثله في الزنة والوصف أو بما هو دونه أو بمنزلة المستجير من الرمضاء بالنار ومعلوم أن هذا ليس من فعل أهل العقل والدين مع ما فيه من الكذب والافتراء على رب العالمين يوضح هذا الوجه التاسع عشر وهو أنه لا فرق بين قول القائل الصمد الذي لا يدخل فيه غيره ولا يخرج منه غيره وبين قوله
(7/574)

الذي لا يزيد ولا ينقص فإنه إن اعتبر بمجرد السلب أمكنه ذلك في الموضعين وإن اعتبر بامتناع المسلوب بأن يقول هو الذي لا يمكن أن يدخل فيه غيره أو يخرج منه غيره كان بمنزلة أن يقول لا يقبل الزيادة والنقصان سواء فسر عدم الإمكان بعدم إمكان تصور ذلك في الموصوف أو بامتناع ذلك في الموصوف كقول منازعيهم الوجه العشرون أنه قد يقال دخول الشيء في غيره زيادة فيه وخروج بعضه منه نقص منه فهذا نوع من الزيادة والنقصان فإذا وصفه بأنه غير قابل للزيادة والنقصان كان قد دخل في ذلك غير قابل لهذه الزيادة ولهذا النقصان فإذا قيل المصمت الذي لا يدخل أو لا يمكن أن يدخل فيه شيء غيره ولا ينفصل عنه شيء وقيل إنه لا يمكن ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى كان هذا تناقضًا ظاهرًا لأن امتناع الجنس عليه يستلزم سلب أنواعه فكيف يقال إنه موصوف بعدم قبول الزيادة والنقصان أو بعدم الزيادة والنقصان ولا يكون موصوفًا بعدم قبول هذه الزيادة وهذا النقص أو بعدم ذلك
(7/575)

الوجه الحادي والعشرون أنه قد يقال دخول شيء فيه وخروج شيء منه هو نفس الزيادة والنقصان إذ الدخول أعم من أن يكون دخولاً في جوفه أو جوانبه فالزائد دخل فيه شيء من غيره والناقص خرج منه بعضه فإذا كان أحدهما هو الآخر فوصفه بالسلب أو الامتناع لأحدهما دون الآخر تناقض ظاهر فإن كان هذا حقيقة للصمد كان الآخر حقيقته وإن كان هذا مجازه كان الآخر مجازه يقال دخل في أرض هؤلاء من أرض هؤلاء وقد دخلوا في حد جيرانهم وقد أدخلوا في حد أرضهم بعض أرض جيرانهم ونحو ذلك مما فيه وصف الزيادة من الجوانب بلفظ الدخول الوجه الثاني والعشرون إن الذي قاله السلف إن الصمد هو الذي لا جوف له هذا أخص من كونه لا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء فإن الشيء قد يكون مصمتًا ومع هذا يمكن أن يدخل فيه شيء غيره ويخرج منه شيء من جوانبه
(7/576)

أو من الصفات القائمة به فإن الأجسام الصُّمد المصمتة كالحجارة يمكن أن تزاد بصفات تقوم بها ويمكن أن تنقص صفاتها وإن لم يكن لها جوف الوجه الثالث والعشرون قوله وذلك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان إما أن يعني به أن ذاته لا تقبل أن يزاد فيها وينقص منها أو يعني به أنها لا توصف بنفي الزيادة والنقصان عنها كما لا يوصف بثبوتها وهذان المعنيان هما اللذان ذكرهما في الوصف بعدم النهاية لما قال له المنازع ألستم تقولون إنه غير متناهٍ في ذاته فيلزمكم جميع ما ألزمتمونا أو رده عليه في حجته في أنه لو كان فوق العرش لكان متناهيًا من جميع
(7/577)

الجوانب أو بعضها أو غير متناهٍ وكل ذلك محال فقال قلنا الشيء الذي يقال إنه غير متناهٍ على وجهين أحدهما أنه غير مختص بحيز وجهة ومتى كان كذلك امتنع أن يكون لها طرف أو نهاية وحدٌّ والثاني أنه مختص بجهة وحيز إلا أنه مع ذلك ليس لذاته مقطع وحد وقال فنحن إذا قلنا إنه لا نهاية لذات الله تعالى عنينا به التفسير الأول وقد تقدم الكلام على ما ذكره وبينا أن ما قاله لا يوصف به إلاَّ المعدوم والمقصود هنا أن قوله يقتضي كونه غير قابل للزيادة والنقصان يفسر بهذين الوجهين فإما أن يعني أن ذاته لا تقبل أن
(7/578)

يُزاد فيها ويُنقص منها وأما أن يعني به أن ذاته لا توصف بنفي الزيادة والنقص ولا بثبوت ذلك وتوجيه ذلك أن يقال إما أن تكون ذاته لها قدر وحد وإذا امتنع ذلك امتنع أن يوصف بنفي الزيادة والنقص كما يمتنع أن يوصف ثبوت ذلك إذ الوصف بثبوت ذلك ونفيه إنما يكون عما له قدر فإن أراد به لا تزيد ولا تنقص وهذا هو قول منازعيه الذين يسميهم المجسمة بعينه وإن أراد أن ذاته لا توصف بنفي ذلك كما لا توصف بثبوته فيقال له قولك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان إنما يدل على المعنى الأول فإنك لم تقل هو موصوف بالمقدار والحد الذي يلزمه أحد النقيضين بثبوت الزيادة والنقص وبعدم ذلك أو بإمكان ذلك واستحالته بل قلت يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان فنفيت عنه قبول ثبوت هذين الأمرين ولم تنف عنه إمكان النقيضين من ثبوت ذلك ونفيه بخلاف ما ذكرته في
(7/579)

نفي النهاية فإنك نفيت ما يستلزم الوصف بالنهاية وعدمها وإذا كان كذلك كان ظاهر القول أن معنى هذا اللفظ أن له قدرًا خاصًّا لكنه لا يقبل الزيادة والنقصان وهذا تصريح قول منازعيه الذين سماهم مجسمة وذلك مع دلالته على التناقض فإنه يقتضي أن يكون هذا المعنى لازمًا لهذا الاسم بطريق المجاز كما هو لازم له بطريق الحقيقة وأنه لا يمكن رفع دلالة هذا الاسم على هذا المعنى الوجه الرابع والعشرون أن كونه غير قابل للزيادة والنقصان إن لم يكن ظاهره إثبات القدر مع نفي الزيادة والنقصان فأحسن أحواله أن يكون مجملا محتملا لهذا ولنفي القدر المستلزم عدم اتصافه بالنقيضين وإذا كان ما فسر به الاسم مجملا يحتمل قوله وقول منازعيه وقد ذكر أنه المجاز الذي يمكن حمل هذا الاسم عليه عُلم أن الاسم لا ينفي قول منازعيه على تقدير حمله على المجاز بل يحتمله مع أن حقيقته ظاهرة فيه وإذا كان قول منازعيه هو حقيقة اللفظ ومجاز اللفظ يحتملـ ـه كما يحتمل قول المدعي كان دلالة الاسم على قول منازعيه هو الذي يجب حمله عليه
(7/580)

الوجه الخامس والعشرون أن يقال هب أنك صرحت بأن مجاز الاسم هو كونه لا قدر له وإذا لم يكن له قدر فلا يجوز وصفه بالزيادة والنقص ولا يجوز وصفه بعدم الزيادة والنقص فإن كون الشيء يزيد وينقص أو لا يزيد ولا ينقص فرع كونه ذا قدر فما لا قدر له لا يقبل الوصف بالزيادة والنقصان ولا الوصف بأنه لا يزيد ولا ينقص كالمعدوم لا يقال فيه إنه يزيد وينقص ولا يقال فيه إنه لا يزيد ولا ينقص وقد بسطنا هذا في الوصف بالنهاية وعدمها وإذا كان كذلك فعدم قبول الوصف بثبوت ذلك ونفيه لا يكون صفة إلاَّ للمعدوم لا يكون صفة للموجود كما بينا هذا فيما تقدم فإن المعدوم لا يقبل الاتصاف بالصفات المتقابلة فلا يقال فيه عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا يزيد ولا ينقص ولا لا يزيد ولا لا ينقص
(7/581)

فأما كون الشيء غير موصوف بالزيادة والنقصان ولا بعدم ذلك وهو موجود وليس بذي قدر فهذا لا يعقل ومما يوضح هذا أنه ينبغي الفرق بين قولنا هذا لا يوصف بأنه يزيد وينقص ولا بأنه لا يزيد ولا ينقص فأمَّا الأول فلا يقال إلاَّ فيما له قدر يُعقل أن يزيد وأن ينقص فأما ما لا قدر له فلا تعقل فيه الزيادة والنقص حتى يُنفى ذلك عنه يبين هذا أن الحكم على الشيء فرع تصوره فكما لا يمكن نفيه حتى يُتصور فإذا قيل هذا يقبل الزيادة والنقص أو لا يقبل ذلك أو هذا يزيد وينقص أو لا يزيد ولا ينقص كان الحكم بالثبوت أو النفي فرع تصور الزيادة والنقص فيه فيمتنع نفي ذلك عنه أو نفي قبول ذلك له إلاَّ بمعنى أن حقيقته يعقل بثبوت هذا الوصف لها نفيًا أو إثباتًا وكون حقيقته بحيث لا يعقل ثبوت الوصف لها إثباتا
(7/582)

أو نفيًا إنما ينطبق على المعدوم الوجه السادس والعشرون أن ما ذكره مضمونه أن معنى الصمد هو الذي لا يقبل الزيادة والنقصان وهذا تفسير ما علمنا أن أحدًا فسر به الصمد الوجه السابع والعشرون قوله وذلك لأن الجسم الذي يكون هذا شأنه مبرأ عن الانفصال والتباين عن الغير وهو سبحانه واجب الوجود لذاته وذلك يقتضي أن يكون غير قابل للزيادة والنقصان يقال له نفي الزيادة والنقص عنه ليس بأعظم من نفي الانفصال والتباين عن الغير إذ كل ما يُقال في هذا يقال في هذا الوجه الثامن والعشرون قوله وهو سبحانه واجب الوجود لذاته وذلك يقتضي أن يكون غير قابل للزيادة والنقصان يقال له اقتضاؤه لهذا كاقتضائه لعدم الانفصال ولعدم الدخول والخروج ولا فرق
(7/583)

الوجه التاسع والعشرون انه لم يذكر دليلاً على أن وجوب الوجود ينافي قبول الزيادة والنقصان بل أبدله شاهدًا من حججه العقلية الوجه الثلاثون قوله واحتج قوم من المشبهة بهذه الآية في إثبات أنه تعالى جسم وهذا باطل لأنا قد بينا أن كون أحدًا ينافي كونه جسمًا فمقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ولأن الصمد بهذا التفسير صفة للأجسام الغليظة وتعالى الله عن ذلك يقال له هذا من باب المعارضة لم تنف دلالتهم ولكن ادعيت أن ذلك معارض بما في السورة من نفي ذلك ولم تبين أن هذه الصمدية منتفية عنه والشيء لا يجوز نفي دلالته لمجرد دعوى المعارضة إلاَّ إذا تبين أن دلالة المعارضة أقوى وأنت لم تبين هذا
(7/584)

الوجه الحادي والثلاثون أن يقال قد تقدم أن الاسم الأحد أو الصمد لا يدل على ما ادعاه بوجه من الوجوه حتى ظهر بطلان ما قاله بطريق الضرورة المعلومة من لغة العرب وتفسير القرآن فبطلت المعارضة الوجه الثاني والثلاثون هب أن ما ذكرته دال على ما ذكروه دال فينبغي النظر في الدلالتين إذ هو يقولون السورة دلت على ثبوت قولنا فينتفي قولك وأنت تعكس ذلك فإذا صحت الدلالتان فإنه ينبغي الترجيح ومن المعلوم أن تفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له هو مما تواتر نقله عن الصحابة والتابعين وشهدت له اللغة وروي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما كون الجسم لا يوصف بأنه أحد أو واحد فأمر لم يقله أحد يُعتمد عليه بل نص القرآن ينفيه كما ذكرناه فيما تقدم مثل قوله تعالى وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء 11] وقوله أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [البقرة 266]
(7/585)

وقوله وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [النحل 76] وإذا كان كذلك كان دلالة المنازع ثابتة بتفسير السلف ودلالة اللغة وبهذين الطريقين يثبت التفسير وتفسيره لم يقله أحد من المفسرين ولا من أهل اللغة بل لغة القرآن وغيره صريحة في نفي تلك الدلالة الوجع الثالث والثلاثون قوله لأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام الغليظة يقال له الوصف بكون الشيء صمدًا ومصمتًا لا يوجب غلظه ولا رقته فإن من الأشياء الرقيقة ما يكون مصمتًا مثل بعض الزجاج والبلور وغير ذلك الوجه الرابع والثلاثون أن كون اللفظ يدل على الغلظ في اللغة لا يمنع دخوله في أسماء الله تعالى فإنه قال تعالى إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) [الذاريات 58] فسمى نفسه المتين والمتين في دلالته على الغلظ أقوى من الصمد الوجه الخامس والثلاثون قوله وتعالى الله عن
(7/586)

ذلك فلا ريب أنه يتعالى عن أن يكون مثلاً للأجسام الغليظة كما أنه يتعالى عن مماثلة الأجسام الرقيقة فتخصيص أحدهما بتعالي الله عنه يقتضي أنه غير متعالٍ عن الآخر وأن له في ذلك اختصاصًا وهذا باطل الوجه السادس والثلاثون إن الأجسام الغليظة أقوى وأصلب من الأجسام الرقيقة وهي أقرب إلى صفة الكمال فتنزيه الرب عن الأكمل دون الأنقص قلب للحق الوجه السابع والثلاثون أن وصفه بأنه متين وأنه صمد وإن تضمن معنى الغلظ والقوة فإنه يثبت لله تعالى على الوجه الذي يليق به لا يثبت له ما يختص بالمخلوق في سائر أسمائه وصفاته مثل الرحيم والصبور والقدير وسائر أسمائه وصفاته إذ هو في جميع أسمائه لا يتصف بما يختص بالمخلوق بل كل كمال في المخلوق فإنه يثبت له ما هو أكمل منه وكل نقص فإنه أحق بالتنزيه منه من كل مخلوق
(7/587)

وهذا الذي ذكره المؤسس في احتجاج المشبهة باسمه الصمد بأنه الذي لا جوف له على قولهم بأنه جسم هو من الحجج المشهورة في كلام المتقدمين والمتأخرين ونفاة الجسم ومثبتته كانوا يجعلون ذلك من حجج المثبتة كما ذكره المؤسس ثم منهم من ينفي هذا التفسير ولا يذكر في تفسير الصمد إلاَّ أنه السيد فقط كما فعل أبو حامد في شرحه
(7/588)

للأسماء الحسنى ومنهم من يذكر القولين ويرجح تفسيره بأنه السيد إما لاعتقاده أن ذلك هو الموافق للغة أو لنفي ذلك المعنى كما رجح الخطابي أن الصمد الذي يُصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج والنوازل وأصل الصمد القصد يقال للرجل اصمد صمد فلان أي اقصد قصده قال الخطابي وأصح ما قيل فيه ما يشهد له الاشتقاق وذكر أبو بكر ابن الأنباريّ في كتاب الزاهر أنّ هذا قول أهل اللّغة أجمعين وقال القشيريّ في شرح الأسماء هو
(7/589)

الصحيح قلت دعوى المدّعي أنّ هذا التفسير هو الموافق للّغة والاشتقاق دون الأوّل قالوه بمبلغ علمهم لمّا سمعوا الأبيات المنشدة والذي قالوه باطل قطعًا بل تفسير الصّمد يقتضي الاجتماع وعدم التَّفرُّق في ذاته وكونه لا جوف له أو لى باللغة والاشتقاق من كونه صمدًا في صفاته أي حليمًا أو معطيًا بحيث يُعطي النّاس حتّى يصمدوا إليه لأنّ أصل الصّمد الاجتماع كما تقدم فثبوت هذا المعنى في ذات المسمّى أولى من ثبوته في صفاته وأيضًا فإنّ كل ما يذكر من ثبوت معنى الصّمد في صفاته أو أفعاله وأفعال الخلق معه فهو مستلزم ثبوت المعنى في ذاته أيضًا وإن كان ثبوت المعنى في ذاته يستلزم ثبوت صفاته فالتلازم ثابت من الطرفين لكن جهة الذّات مُقدَّمة على غيرها ثم كيف يقال عكس غيره وهذا هو التفسير الثابت عن أئمة الصحابة والتابعين بالنقل المتواتر الذي نقله أئمة الأمّة
(7/590)

وهذا وإن كان قد قالوه فقد قالوه على قلة ليس قولهم في الكثرة قوّة مثل هذا فكيف يكون ما تواتر عن العالِمين بتفسير القرآن وأسماء الله تعالى العالِمين بلغة العرب أبعد في لغة العرب من ذاك هذا لا يقوله من يُقدِّر قدر السَّلف ثم كيف إذا كان هذا التفسير هو المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّا احتجاج المشبهة للجسم به فمن المشهور عند المتكلمين حتّى ذكره أبو الحسن الأشعري في مقالات مثبتة الجسم وهذا ما نقله الأشعري في كتاب المقالات فقال وقال داود الجواربيّ ومقاتل بن سليمان إنَّ الله جسم وإنّه جثَّة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع
(7/591)

ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره قال وحكي عن داود الجواربي أنّه كان يقول عن الباري إنّه أجوف من فيه إلى صدره ومُصمت ما سوى ذلك قال الشعري وكثير من النّاس يقولون هو مصمت ويتأولون قول الله الصمد المصمت الّذي ليس بأجوف وأمَّا الأئمة كالفُضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما كانوا إذا ذُكر لفظ الجسم وما يشبه ذلك قرأوا هذه الآية كما قال الإمام أحمد لمّا ذكر له أبو عيسى برغوث أمر الجسم فلم يجبهم أحمد على إثباته ولا إلى نفيه ثم قال اعلم أنّه أحد صمد لم يلد ولم يولد
(7/592)

ولم يكن له كفوًا أحد وما علمت من متقدمي أهل الكلام ولا من غيرهم من جعل تفسير الصّمد بذلك يستدل به على نفي الجسم لكن من المتأخّرين طائفة ذكرت ذلك حتّى صار تفسيره بذلك مشترك الدلالة قال الزجاجي لمّا ذكر التفسير بأنّه الذي لا جوف له قال فكأنّه ذهب إلى نفي التجسيم والتحديد عنه جل وعزّ فتكون الدال على هذا التقدير مبدلة من تاء في تقدير العربيَّة وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ الصّمد
(7/593)

المصمد الذي هو شيء واحد لقرب صمد من صمت فإنّ الصّمد القصد ويقال نبّه على صمات ذلك أيْ على قصده لأنّ التاء والدّال حرفا بدل يبدل كل واحد منهما من الآخر وقال ابن الحصّار الصّمد الذي لا يتبعّض وكنّى عنه المفسّرون وأهل اللّغة الّذي لا جوف له وإنّما هو معنى نفي التركيب وعدم التبعيض مطلقًا وقد تقدم أنَّ التركيب يكون باجتماع الجواهر وقد يكون باعتبار اجتماع
(7/594)

الجوهر والعرض فإنّه مركّب يلحقه العدد ليتميّز كل واحد منهما عن الآخر بخاصّة أو زمان والتركيب أيضًا يعتبر في الأنواع والأجناس والصمدية مُشعرة بنفي ذلك كله قلت أمّا استدلال المجسِّمة الذين يقولون إنَّ الله لحم ودم وعظم ونحو ذلك أو الذين يجعلون البارئ من جنس شيء من الأجسام المخلوقة بهذا الاسم فباطل لوجوه أحدها أنّ اللفظ لا يدل على ذلك بشيء من تفاسيره فإن كونه لا جوف له أو كونه مصمتًا أو غير ذلك لا يقتضي أن يكون من جنس شيء من المخلوقات أصلاً فضلاً عن أن يقال إنه لحم ودم وعظم كالحيوان الثاني أن الملائكة موصوفة بأنها صمد والجسام المصمتة موصوفة بأنها صُمد وليست لحمًا ودمًا فكيف يقال إن البارئ إذا وصف بأنه صمد لا جوف له يقتضي ذلك
(7/595)

الثالث أن سبب نزول هذه الآية سؤال من سأل عن الرب تعالى أهو من ذهب أو فضة أو من كذا فأنزل الله تعالى هذه الآية بين فيها أنه ليس من جنس شيء من المخلوقات الرابع أنه أخبر في هذه السورة بأنه أحد وأنه ليس له كفوا أحد وهذا يمنع أن يكون من جنس شيء من المخلوقات الخامس أنه أخبر في السورة بأنه الصمد ولم يقل إنه صمد إذ كل ما سواه يجوز عليه التفرق والتبعيض وهو الصمد الذي لا يجوز عليه أن يتبعض ويتفرق بوجه من الوجوه وأما استدلال هؤلاء المتأخرين بذلك على نفي الجسم والحد فباطل أيضًا بل هو قلب لـ ـلدلالة فإن كون الموصوف مصمتًا لا يمنع أن يكون جسمًا أو محدودًا كسائر ما وصف بأنه صمد فإن الملائكة توصف بأنها صمد وكذلك الأجسام المصمتة فكيف يقال إن كونه صمدًا أو مصمتًا ولا جوف له ينافي أن يكون جسمًا محدودًا هذا قلب اللغة وتبديلها
(7/596)

وأما قول القائل إن الصمد المصمت الذي هو شيء واحد فهذا يقوله المثبت ويقوله النافي فإن كونه لا يتبعض مُجمل يراد به أنه لا ينفصل منه شيء وهو التفسير المأثور عن السلف ويراد به الذي لا يُعلم منه شيء دون شيء وهو مراد نفاة الجسم وكذلك نفي التركيب مجمل يقوله المثبت والنافي فإن التركيب يراد به التركيب المعروف في اللغة وهو أن يكون قد ركب الشيء والشيء كما قال الله تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) [الانفطار 8] والله عز وجل مقدس عن أن يكون ركَّبه مركِّب أو أن تكون ذاته كانت أجزاء متفرقة فاجتمعت وتركبت ويراد بالتركيب أنه لا يُعلم منه شيء دون شيء فنفاة الصفات من الفلاسفة والمعتزلة يقولون ثبوت الوجه واليدين تركيب وهؤلاء يقولون ثبوت الوجه واليدين تركيب وعدد ومعلوم أن هذا الاسم لا ينفي هذا المعنى وإنما ينفي
(7/597)

الأول لأن الصمد يتضمن معنى الاجتماع وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه هو الصمد بصيغة الحصر ليبين أنه الكامل في الصمدية المستحق لها على الحقيقة والكمال دون غيره إذ كل ما سواه يقبل التفريق والتبعيض وهو سبحانه الصمد الذي يجب له ذلك ويمتنع عليه ضد ذلك من الافتراق وأما كون الصمد يتضمن معنى الاجتماع وأنه مصمت ونحو ذلك يقتضي تعدد الصفات إذ الاجتماع لا يكون إلاَّ فيما له عدد فلو لم يكن منه وله صفات تقتضي التعدد لامتنع أن يقال له صمد أو مصمت أو يكون التصمد يقتضي معنى الاجتماع فاسم الصمد بأي شيء فُسر يوجب وجود صفات واجتماعها له والدليل على ذلك أن غاية ما يفسرونه به من نفي الصفات أنه هو المصمود إليه كما قال القرطبي الخلق كلهم متوجهون إلى الله ومجتمعون بجملتهم في قضاء حوائجهم وطلبها من الله فهو الصمد على الإطلاق والقائم بسد مفاقر الخلق
(7/598)

فيقال كون الخلق يقصدونه ويسألونه هذا أمر حسي إذ القصد والسؤال قائم بهم فهو لا يستحق الاسم بمجرد فعل غيره بحيث لو قدر أنهم لم يسألوه لم يكن صمدًا بل لابد أن يقال هو المستحق لذلك في نفسه كما تقدم عن الحليمي وغيره وأيضًا فإن كونهم يقصدونه ويحتاجون إليه يقتضي أمرًا ثبوتيًّا في ذاته لأن الأمور العدمية تمتنع أن تكون مقصودة أو قاضية للحوائج فعلم أن كونه صمدًا بمعنى مقصود مصمود إليه يقتضي ثبوت أمور وجودية بها يستحق أن يكون صمدًا وبها أمكن أن يكون مقصودًا معطيًا وليس ذلك لـ ـمجرد موجود وإلاَّ لوجب أن يكون كل موجود هو الصمد ولا لمجرد أمر يتصف به المخلوق لأنه لو كان هو الصمد لمعنى يقوم بالمخلوق لكان المخلوق هو الصمد أيضًا وقد بينا أن قوله هو الصمد يبين أنه المستحق لهذا الاسم على الكمال والحقيقة وأيضًا فلو فرض أنه صمد وغيره
(7/599)

صمد فغيره لم يكن صمدًا إلاَّ بأمور وجودية أيضًا فهو أحق بأن لا يكون صمدًا إلاَّ بأمور وجودية لا عدمية إذ هو أحق بالكمال من كل موجود فعلم أن الصمدية توجب أمورًا وجودية على غاية الكمال ولهذا فسر الصمد بأنه الكامل في كل شيء كما قيل العظيم الذي كمل في عظمته والحليم الذي كمل في حلمه والغني الذي كمل في غناه والجبار الذي كمل في جبروته والعالم الذي كمل في علمه والحكيم الذي كمل في حكمته وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله تعالى هذه صفته التي لا تنبغي إلاَّ له وقد تقدم ذكر ذلك في تفسير الوالبي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ومعلوم أن هذه صفات متعددة ونفاة الصفات يسمون ذلك تركيبًا وأجزاء ويقولون إن البارئ منزه عن التركيب والأجزاء ونحو ذلك فعلم أن الاسم يدل على ثبوت ما ينفونه وكذلك من قال إنه لا يُرى بعضه دون بعض أو لا يحجب العباد عنه حُجُب ونحو ذلك لأن ذلك عنده تجسيم وتركيب
(7/600)

وتبعيض فهذا الاسم لا يدل على قوله بل ينفي قوله لأن قوله الصمد المصمت يقتضي الاجتماع الذي ينفيه هذا السالب وينفي جواز التفرق عليه وهذا السالب يقول لا يوصف باجتماع ولا افتراق والغير إن نفى الافتراق لم ينف الاجتماع الواجب له قال الرازي الفصل الخامس في لفظ اللقاء قال الله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة 46]
(7/601)