Advertisement

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 008

المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة

بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية

تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت 728هـ)

الجزء الثامن
اللقاء - النور - الحجاب - القرب - المجيء
التأويل - المحكم والمتشابه

حققه
د. راشد بن حمد الطيار
(8/1)

فصل قال الرازي الفصل الخامس في لفظ اللقاء قال الله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة 46] وقال فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف 110] وقال بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ [السجدة 10] وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قالوا واللقاء من
(8/3)

صفات الأجسام يقال التقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان قال واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم وجب حمل هذا اللفظ على أحد الوجهين أحدهما أن من لقي إنساناً أدركه وأبصره فكان المراد
(8/4)

من اللقاء هو الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب والثاني أن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه دخل هناك تحت حكمه وقهره دخولاً لا حيلة له في دفعه فكان ذلك اللقاء سبباً لظهور قدرة الملك عليه على هذا الوجه قلما ظهرت قدرته وقوته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم عبَّر عن تلك الحالة باللقاء والذي يدل على صحة قولنا إن أحداً لا يقول بأن الخلائق تلاقي ذواتهم ذات الخالق على سبيل المجاورة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة لم يبق إلا ما ذكرناه والله أعلم والكلام على هذا أن يقال لفظ اللقاء من أسماء الأفعال المقتضية للحركة والقرب إلى الله تعالى وفي الكتاب والسنة من هذا أنواع عديدة كلفظ المجيء في قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام 94] وقوله لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف 48] وقوله حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف 38]
(8/5)

وفيها قراءتان مشهورتان وقوله إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) [الصافات 84] ولفظ الذهاب وهو قول إبراهيم إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) [الصافات 99] ولفظ الإتيان كما في قوله تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) [النمل 87] وقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) [مريم 93] ولفظ الرجوع كقوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة 281] وقال قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) [البقرة 156] لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) [المائدة 105] وقال كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) [الأنعام 108] وقال فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [المائدة 48] وقوله إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)
(8/6)

[العلق 8] وقوله يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) [الفجر 27-30] ولفظ الحشر كقوله تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام 38] وقوله وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام 51] ونحو ذلك مما في كتاب الله يكاد يبلغ مئين وقوله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) [الجاثية 15] وقوله فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) [يس 83] وقوله وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان 23] ولفظ الإياب
(8/7)

كقوله إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) [الغاشية 25-26] ولفظ المصير كقوله وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) [التغابن 3] وقوله رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) [الممتحنة 4] وقوله اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) [الشورى 15] وهذا أيضاً كثير ولفظ الكدح وهو قوله يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) [الانشقاق 6] ولفظ الانقلاب لقوله عن السحرة لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) [الشعراء 50] وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) [العنكبوت 21] ولفظ الاستقرار وهو قوله يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ
(8/8)

الْمُسْتَقَرُّ (12) [القيامة 10-12] ولفظ السوق كقوله تعالى وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) [القيامة 29-30] ونحوه وقوله وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) [ق 21] لكن هنا لم يذكر اللفظ الذي يبين إلى من يساق ونحن لم نذكر من ألفاظ القرآن إلا ما صرح فيه بما هو ذهاب إلى الله ولفظ التبتل وهو قوله وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) [المزمل 8] ولفظ العروج لقوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] ولفظ الرد كقوله تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الجمعة 8] وقوله عن المؤمن وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ [غافر 43] وقوله وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا
(8/9)

مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) [الكهف 36] وقوله ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) [الأنعام 60-62] ولفظ الانتهاء كقوله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) [النجم 42] ولفظ الفرار كقوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات 50] ولفظ الإنابة كقوله تعالى وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ [الزمر 54] وقال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) [الشورى 10] وقوله وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ [لقمان 15] ولفظ التوبة كقوله تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) [النور 31] وقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف 15] وقوله فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) [الفرقان 71] وقوله قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) [الرعد 30] ولفظ الأوب كقوله إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) [الرعد 36]
(8/10)

ولفظ الاستقامة كقوله تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت 6] ولفظ الهجرة قال وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) [العنكبوت 26] ولفظ الصعود كقوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] ولفظ الملجأ كقوله تعالى وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة 118] إلى أمثال ذلك كما هو في كتاب الله كافٍ مبلّغ مبين وأما ذكر لقاء الله فقد ذكره الله في القرآن في مواضع كثيرة كقوله نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) [البقرة 223] وقوله فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) [البقرة 249] وقوله قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) الآية [الأنعام 31] وقوله وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
(8/11)

بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) [يونس 45] وقوله ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) [الأنعام 154] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) [التوبة 75-77] وقوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) [يونس 7] وقوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس 15] وقوله فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) [الكهف 110] وقوله قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
(8/12)

[الكهف 103-105] وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت 23] وقوله وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) [الأعراف 147] وقوله مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت 5] وقوله وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) [الروم 8] وقوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب 44] وقوله أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) [فصلت 54] إذا عرف أن الإخبار بلقاء العباد لربهم مذكور في كتاب الله في قريب من عشرين موضعاً وأن ما يشبه هذا مذكور في مواضع يدخل في الناس فقد ذكر الله هذا اللفظ في حق غير الله في مواضع كقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) [الأنفال 15]
(8/13)

وقوله إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الأنفال 45] وقوله قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران 13] وقوله إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال 41] وقوله لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ [غافر 15-16] من هذا الباب على أكثر الأقوال وقد أخبر الله بلقاء يوم القيامة في قوله فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) [الطور 45] وقوله فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) [الزخرف 83] [المعارج 42] وإذا كان كذلك فالكلام على ما ذكره من وجوه أحدها أن الذي ذكره المؤسس عن منازعيه أنهم قالوا اللقاء من صفات الأجسام يقال التقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان لم يذكر عنه جواباً فإن قوله اعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم وجب حمل اللفظ على أحد وجهين تسليم لهم أن
(8/14)

اللفظ يدل على التجسيم وأن هذه النصوص المذكورة في القرآن تدل على أن الله جسم وإذا سلّم لهم هذه الدلالة فلم يذكر ما يعارضها لأن ما ذكره هو وغيره من الأدلة قد تقدم بيان حالها بحيث يظهر كل من فهمها أنها ليست بأدلة ألبتة وأن الحجج العقلية التي حكوها عن منازعيهم في الإثبات أقوى من حججهم المذكورة على النفي وحينئذ فيكون ما سلّمه من دلالة القرآن على قول منازعيه سليماً عن المعارض الوجه الثاني أن يقال تأويل هذه النصوص لكون ظاهرها التجسيم لا يجوز فإن قول القائل هذا من صفات الأجسام وارد في كل اسم وصفة لله تعالى مثل كونه موجوداً وقائماً بنفسه وموصوفاً ومبايناً لغيره ومثل كونه حيًّا عالماً قديراً سميعاً وبصيراً ورؤوفاً ورحيماً فإن هذا جميعه لا يعترف الناس انه يسمى ويوصف به إلا الجسم فإن كان مثل هذا موجباً لصرف الأسماء والصفات عن ظاهرها وجب أن يُصرف الجميع ومن المعلوم أنه إذا صرف شيء منها فلابد أن يصرف إلى معنى آخر يعبر عنه بلفظ آخر وذلك اللفظ الثاني يردُ عليه مثل ما ورد على الأول فإنه لا يعرف إطلاقه إلا على
(8/15)

الجسم وإذا كان كذلك علم أن جميع هذه التأويلات باطلة لأنه يلزم من رفعها إثباتها وما استلزم عدمه وجوده كان عدمه ممتنعاً وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وكل دين أن هذا باطل وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة العقلية أن هذا باطل فإن كل من أقر بموجود لابد أن يعلم منه معنىً يعبر عنه بلفظ وقد قدمنا أن الغالية من الملاحدة الذين لا يسمونه باسم لابد
(8/16)

أن يعثروا بما يلزمهم فيه أعظم مما فروا منه فإن نفس الإقرار بالوجود الواجب يستلزم وهذا لازم في نفس الوجود وبهذا يظهر أن الحق هو ترك هذه التأويلات مطلقاً وأن الإقرار ببعضها دون بعض تحكم وتناقض الوجه الثالث أن يقال إذا كانت هذه الأمور جميعها لا يعرف أنه يسمى ويوصف بها إلا الجسم فأحد الأمرين لازم وإما أن يكون ثبوت ما يسمونه جسماً هو الحق في نفس الأمر وإن كان السلف والأئمة لم ينطقوا بلفظ الجسم لكن نطقوا بالألفاظ التي هي صريحة في المعنى الذي يسميه هؤلاء جسماً وإما أن يكون جميع هذه الأسماء والصفات وإن كانت لا تقال إلا على جسم فإنها تقال لله عز وجل وليس بجسم وبهذا نجيب كل من أثبت شيئاً من هذه الصفات لمن نفاها فنقول إذا اتفقنا على أنه حي عليم قدير وليس
(8/17)

بجسم فكذلك يكون عالماً بعلم وقادراً بقدرة ولا يكون جسماً وقد قدمنا أن لفظ الجسم لفظ مجمل وان كل واحد من إطلاق القول بإثباته أو نفيه عنه بدعة لا يؤثر عن أحد من السلف والأئمة ولا لذلك أصل في الكتاب وأن الواجب أحد أمرين إما ترك إطلاق هذا الاسم نفياً وإثباتاً وإما التفصيل وهو أن يقال إن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى حق وإن كنا لا نسميه بهذا الاسم لما فيه من الإجمال والاشتراك والإبهام والإيهام والبدعة وإن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى باطل ولا يحتاج أن ينفى مثل هذا اللفظ المجمل بل ينفى بالألفاظ الناصة كما دل على ذلك الكتاب والسنة الوجه الرابع أنه مازال الصفاتية نفاة الجسم ومثبتوه
(8/18)

يستدلون بهذه الآيات ونحوها على أن الله تعالى فوق العرش ليس هو في الخلق بحيث يصح أن يؤتى إليه ويوقف عنده كما استدل بذلك أبو الحسن الأشعري في مسألة
(8/19)

العرش فقال وقال الله تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال سبحانه وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام 94] كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً جل عما يقوله الذين لم يثبتوا له في وصفه حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم
(8/20)

على النفي في التأويل ويريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل فاحتجاجه بهذه الآيات على أن الله عز وجل فوق العرش صريح في أن الله نفسه هو الذي رُدُّوا إليه وهو الذي جاءوا إليه فرادى ووقفوا عليه ونكسوا رءوسهم عنده كما دل القرآن على ذلك فلو كان الله بنفسه لا يجوز أن يلقى ولا يؤتى ولا يوقف عليه لم تصح هذه الدلالة بالنصوص المشتملة على ذكر إتيان الله عز وجل ومجيئه ونزوله وكذلك استدلال الأشعري على أنه على العرش قال ومما يذكر لكم أن الله عز وجل مستو على عرشه دون
(8/21)

الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله
(8/22)

ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له حتى يطلع الفجر رواه نافع عن جبير ابن مطعم عن أبيه
(8/23)

وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقي ثلث الليل نزل الله إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه من ذا الذي يسترزقني أرزقه حتى ينفجر الصبح
(8/24)

قال وروى رفاعة الجهني قال قفلنا مع رسول الله
(8/25)

صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد أو قال بقديد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إذا مضى ثلث الليل أو ثلثا الليل نزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من ذا الذي يسألني فأعطيه حتى ينفجر الفجر
(8/26)

قال وقد قال عز وجل يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل 50] وقال سبحانه تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة 29] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [الفرقان 59] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة 4] وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه وهذا
(8/27)

الاستدلال قال الأشعري قال الله سبحانه تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وقال عز وجل هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [القرة 210] وقال سبحانه وتعالى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 8-10] واستدلاله بهذه الآيات على أن الله فوق العرش يقتضي أن الله عنده هو الذي يأتي ويجيء إذ لولا ذلك لم يصح الدليل كما تقدم قال وقال سبحانه وتعالى يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وتعالى وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] قال وأجمعت الأمة على أن الله تعالى رفع عيسى إلى السماء فهذه دلالة الأشعري وهو من أكبر أئمة المتكلمين الصفاتية تصرح بأنه كان يثبت أن الله نفسه تأتيه عباده ويأتي عباده مع قوله بأنه ليس بجسم وكذلك أبو محمد عبد الله
(8/28)

لبن سعيد بن كلاب قبله وغيرهما فإذا كان هؤلاء يقررون هذا التقرير فكيف بمن لا ينفي الجسم ولا يثبته أو بمن يثبته وهذا الاستدلال منه ومن غيره من علماء الأمة وسلفها بهذه الأحاديث على أن الله فوق يبين أن نزول الرب عندهم ليس مجرد نزول شيء من مخلوقاته مثل ملائكته أو نعمته أو رحمته ونحو ذلك إذ لو كان المراد بهذا الحديث عندهم هو نزول بعض المخلوقات لم يصح الاحتجاج به على أنه فوق العرش فإن ذلك يكون كإنزال المطر وخلق الحيوان وذلك منا لا يستدل به على مسألة العرش كما يستدل بقوله ينزل ربنا فلما استدلوا بقوله ينزل ربنا علم أنهم كانوا
(8/29)

يقولون إن الله هو الذي ينزل لتستقيم الدلالة ولهذا كل من أنكر أن الله فوق العرش لا يمنع أن الله ينزل ذلك الوقت بعض المخلوقات الوجه الخامس أن يقال إن هذه الآيات المذكورة في اللقاء من قرأها علم بالاضطرار أن مضمونها إخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن العبد يلقى الله اللقاء الذي هو اللقاء كما أن سائر النصوص تخبر بما هو من جنس ذلك وإذا كان هذا معلوماً بالاضطرار من إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فيقال إن كان ذلك مستلزماً لأن الملقي جسم كان ذلك حجة قاطعة في إثبات جسم وليس في نفي ذلك حجة تعارض هذا لا سمعية ولا عقلية أما الحجج الشرعية فظاهرة لم يدّع أحد من العقلاء أن الكتاب والسنة دلالتهما على نفي الجسم أظهر من دلالتهما على ثبوته بل عامة الفضلاء المنصفين يعلمون أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الله تعالى ليس بجسم وجميع الطوائف من نفاة الجسم ومثبتته متفقون على أن ظواهر الكتاب والسنة تدل على إثبات الجسم وإنما ينازعون
(8/30)

في كون الدلالة محتملة التأويل أم لا فعلم اتفاق الطوائف على أن الأدلة الشرعية الثبوتية لا تدل على قول نفاة الجسم بل إنما تدل على قول المثبتين سواء قيل إن تلك الدلالة مقررة أو مصروفة وإنما يدعي النفاة دلالة الأدلة العقلية على النفي وقد تقدم ما ذكره النفاة من حجتهم وحجة منازعيهم أظهر لكل ذي فهم أنهم اقرب إلى المعقول وأن حجتهم أثبت في النظر والقياس العقلي وإذا كان كذلك فإذا قيل إن مدلول هذه النصوص مستلزمة للجسم فلازم الحق حق وكان الواجب حينئذ إثبات الملزوم ولازمه لا نفي اللازم ثم نفي
(8/31)

ملزومه كما يفعله من يجعل أقيسته النافية هي الأصل مع ما يبين منازعوه من فسادها واضطرابها وردها بـ ما علم بالاضطرار وبالأقيسة العقلية ويجعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف الأمة وأئمتها تبعاً لها فلا يقبل حكمه ولا شهادته فيما يخالفها وهؤلاء أسوأ حالا من هذا الوجه ممن ادعى أن مسيلمة مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من جنسه فإن أولئك لا يظهرون أنهم يتركون أوامر محمد صلى الله عليه وسلم لأمر مسيلمة وإن كان كذلك لازمًا لهم وهؤلاء يصرحون بهذا وقد بينا أنهم أن أقيستهم من باب الإشراك وجعل الأنداد لله عز وجل والعدل به
(8/32)

فصار أصل قولهم شركاً وردة ظاهرة ونفاقا أعني من الجهة التي يخالفون فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كانوا من جهة أخرى مؤمنين به مقرين بما جاء به ولكنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ومنهم من يعلم ذلك فيكون منافقاً محضاً ومنهم جهال اشتبه الأمر عليهم وإن كانوا فضلاء فهؤلاء فيهم إيمان وقد يغفر للمخطئ سيئة المجتهد وفي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قال عبد الله بن المبارك ولا أقول بقول الجهم إن له قولاً يضارع قول الشرك أحياناً وقال إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن
(8/33)

نحكي كلام الجهمية الوجه السادس قوله والذي يدل على صحة قولنا إن أحداً لا يقول إن الخلائق تلاقي ذواتهم ذات الله على سبيل المجاورة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة ولم يبق إلا ما ذكرناه
(8/34)

يقال له إما أن تعني بذلك المماسة والاتصال أو تعني به المواجهة أو المقاربة فإن عنيت الثاني فلا نزاع بين القائلين إن الله تعالى على العرش وأن ذوات العباد تقرب من ذات الله عز وجل تارة وتبعد أخرى ومن المعلوم أن إحدى الذاتين إذا قربت من الأخرى صارت الأخرى منها قريبة وإنما نازع بعضهم في أن ذات الله عز وجل نفسها هل تدنو من العباد مع أن جمهورهم يثبتون ذلك وهذه الأقوال المحفوظة عن سلف الأمة وأئمتها وهي مذهب جماهير أهل الحديث وأئمة الفقهاء والصوفية وطائفة من أهل الكلام وإن عنيت بالملاقاة على سبيل المجاورة ومماسة إحدى الذاتين للأخرى ففيه جوابان أحدهما أن هذا لا يشترط في معنى لفظ اللقاء قال تعالى إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) [الأنفال 15] ومعلوم أن هذا يكون بدون تباين الذوات وقال تعالى إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال 45] وقال تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [آل عمران 13]
(8/35)

ومن المعلوم أن أكثر الفئتين لم تمس أحدهما أحداً من الأخرى وإن كان قد تقع المماسة بين بعضهم ومثله قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال 41] وقوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال 44] وقد سماهما ملتقيين حين الترائي قبل التواصل ومن هذا قول متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتسطتارا
(8/36)

فإنه لا يعني به إلا المواجهة والمقاربة وقد قال تعالى وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان 75] وليس التحية والسلام مما تمس الإنسان وإن كان كذلك وهؤلاء متفقون على صحة هذا المعنى بين العبد وربه بطل ما ذكره من اتفاق الخلائق الجواب الثاني أنه لو قدر أن المراد بالملاقاة في اللغة المماسة فليس هذا المعنى مما اتفق على نفيه بل أكثر الصفاتية يجوزون أن الله يمس المخلوقات وتمسه كما يجوزون أن يراها وتراه بل هذا مذهب أئمة الأشعرية أيضاً وقد ذكره هو عنهم في مسألة الإدراكات الخمسة وقد تقدم ذكر ذلك
(8/37)

قال في مسألة الرؤية قوله يعني المعترضين هذا الدليل يقتضي صحة تعلق إدراك اللمس بالله قلنا إن إخواننا التزموا ذلك ولا طريق إلا ذلك وقال أيضًا في حجة المخالف الرابعة شبهة الأجناس وهي أن المرئيات في الشاهد أجناس مخصوصة وهي الجواهر والألوان والحركات والسكنات والافتراق والاجتماع ولا يخرج من هذه الأجناس ما هو منها ولا يدخل فيها ما ليس منها فلا يصح أن ترى إلا ما كان من جنسها كما أن المسموعات لما كانت في الشاهد جنساً واحداً مخصوصاً وهو الصوت وكما لا يجوز أن يسمع ما ليس
(8/38)

بصوت فكذا لا يجوز أن يرى ما ليس من هذه الأجناس قال وربما قالوا ابتداء لو جاز تعلق الرؤية بالباري تعالى فَلِمَ لا يجوز أن تتعلق به سائر الإدراكات حتى يكون مسموعاً مشموماً مذوقاً ملموساً ولما بطل ذلك بضرورة العقل فكذلك ها هنا ثم قال في الجواب وأما التزام اللمس والشم والذوق والسمع فقد التزمه أصحابنا وفي نسخة بعض أصحابنا وذلك بالحقيقة لازم على م اعتمد في هذه المسألة على الوجوه العقلية فأما من اعتمد على الوجوه السمعية فله أن يقول لما دلت الدلالة السمعية على كونه مرئيًّا قلت به ولم تقم الدلالة علو كونه مذوقاً
(8/39)

ملموساً مشموماً فلا يلزمني أن أقول به وقال أيضا في مسألة إثبات أن الله عز وجل سميع بصير بعد أن ذكر الطريقة العقلية وذكر الأسئلة عليها قال فيها ثم لئن سلمنا أن هذا الكلام يدل على كون الباري سميعاً بصيراً لكنه يقتضي اتصافه بإدراك الشم والذوق واللمس قال وللأصحاب اضطراب فيه وقياس قولهم يوجب القول بإثباته على ما هو مذهب القاضي وإمام الحرمين وغيرهما
(8/40)

ثم قال الفصل الخامس عشر في أنه تعالى هل هو موصوف بإدراك الشم واللمس والذوق أثبت القاضي والإمام هذه الإدراكات الثلاثة لله تعالى وزعموا أن لله عز وجل خمس إدراكات وزعمت المعتزلة البصرية أن كون الله تعالى حيّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها فأما أبو القاسم بن سهلوية فإنه نفى كونه تعالى مدركا للألم واللذة وأما الأستاذ أبو إسحاق
(8/41)

منا فإنه نفى عن الله تعالى هذه الإدراكات والأول مذهب القاضي والإمام والدليل على ذلك ما ذكرناه في باب السمع والبصر فإذا كان هو وأئمة مشايخه يقولون إن الله تعالى يدرك الأجسام باللمس لم يصح أن ينفي مماسته للأجسام وهذا هو المفهوم من اللقاء على سبيل المجاورة ولكن دعواه اتفاق الخلائق على عدم قول ذلك مثل قول المعتزلة الذين ناظرهم في ذلك معلوم بالضرورة ثم إنه لم يقبل ذلك منهم وأثبته والحكم بينهم له موضع غير هذا وإنما الغرض نفي ما ادعاه حتى لمذهبه بل إذا كان قد ذكر عن المعتزلة البصريين أن كون الله عز وجل حيًّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها يعنون إدراك اللمس وما معه فكيف بغيرهم والمعتزلة
(8/42)

البصرية أقرب إلى الإثبات من البغداديين والأشعري كان في أول أمره منهم من أصحاب أبي علي الجبائي شيخهم في وقته ولعل هذا البحث القياسي إنما أخذه الأشعري عنهم فإذا كان هؤلاء يثبتون بالقياس إدراك اللمس والشم والذوق فكيف بأصحاب الحديث والآثار فإنهم أكثر إثباتاً وإن كان النزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في ثبوت ذلك كما تنازعوا في كونه على العرش هل هو بمماسة أو بغير مماسة وملاصقة أو لا يثبت ذلك ولا ينتفي على ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم من الطوائف
(8/43)

وكذلك خلق آدم بيديه وإمساكه السموات والأرض ونحو ذلك هل يتضمن المماسة والملاصقة على هذه الأقوال الثلاثة وأما السلف وأئمة السنة المشاهير فلم أعلمهم تنازعوا في ذلك بل يقرون ذلك كما جاءت به النصوص ولكن يذكر هذا في موضعه وهذا كقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي قال ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها
(8/44)

وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفاً بعد حرف وشيئاً بعد شيء بحكم بشر بن غياث المريسي لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه ولا أرشد منه عنده فاغتنمنا ذلك منه إذ صرح باسمه وسلّم فيها لحكمه لما أن الكلمة قد اجتمعت من عمة الفقهاء في كفره وهتك ستره وافتضاحه في مصره وفي سائر الأمصار الذين سمعوا بذكره فروى المعارض عن بشر المريسي قراءة منه بزعمه وبزعم أن بشراً قال له اِرْوِهِ عني أنه قال في قوله الله تعالى لإبليس مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] فادعى أن بشراً قال يعني
(8/45)

الله عز وجل بذلك أني وليت خلقه وقوله بيديّ تأكيد للخلق لا أنه خلقه بيده قال فيقال لهذا المريسي الجاهل بالله بآياته فهل علمت شيئاً مما خلق الله ولي خلق ذلك غره حتى خص آدم من بينهم أنه ولي خلقه من غير مسيس
(8/46)

بيده فَسَمِّهِ وإلا فمن ادعى أن الله تعالى لم يل خلق آدم بيده مسيساً لم يخلق ذا روح بيديه فلذلك خصَّه به وفضَّله وشرَّف بذلك ذكره لولا ذلك ما كانت له فضيلة في ذلك على شيء من خلقه إذ كلهم بغير مسيس في دعواك وأما قولك تأكيد للخلق فلعمري إنه لتأكيد جهلت معناه فقلبته إنما هو تأكيد اليدين وتحقيقهما وتفسيرهما حتى يعلم العباد أنها تأكيد مسيس بيد لما أن الله عز وجل قد خلق كثيراً في السموات والأرض أكبر من آدم وأصغر وخلق الأنبياء والسل فكيف لم يؤكد في خلق شيء منها ما أكد في آدم إذ كان أمر المخلوقين في معنى يد الله تعالى كمعنى آدم عند المريسي فإن يك صادقاً في دعواه
(8/47)

فَلْيُسَم شيئاً نعرفه وإلا فإنه الجاحد لآيات الله المعطل ليدي الله قال وادعى الجاهل المريسي أيضا في تفسير التأكيد من المحال ما لا نعلم أحداً ادعاه من أهل الضلالة فقال هذا تأكيد للخلق لا لليد لقول الله تعالى فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة 196] فيقال لهذا التائه الذي سلب الله عقله وأكثر جهله نعم هو تأكيد لليدين كما قلنا لا تأكيد للخلق كما أن قوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ تأكيد العدد لا تأكيد الصيام لأن العدد غير الصيام ويد الله غير آدم فأكد الله تعالى لآدم الفضيلة التي كرَّمه وشرَّفه بها وآثره على جميع عباده إذ كل عباده خلقهم بغير مسيس بيد وخلق آدم بمسيس فهذه عليك لا
(8/48)

لك وبسط الكلام في ذلك بسطاً ليس هذا موضعه وذكر فيما ذكره حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن
(8/49)

ميسرة قال إن الله لم يمس من خلقه غير ثلاث خلق آدم
(8/50)

بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع فإن ذلك متعلق بعدة نصوص وإنما الغرض هنا بيان ما ذكره من الاتفاق الوجه السابع قوله أنه لما ثبت بالدليل أنه ليس بجسم وجب حمل هذا اللفظ على أحد وجهين أحدهما أن من لقي إنساناً أدركه وأبصره فكان المراد من اللقاء هو الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب
(8/51)

قلت لا ريب أن من السلف والأئمة من جعل اللقاء يتضمن الرؤية واستدلوا بآيات لقاء الله عز وجل على رؤيته ومن الناس من نازع في دلالة اللقاء على الرؤية وقد تكلمنا على ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا دلالة الأحاديث النبوية على ذلك أيضاً لكن الذين جعلوا اللقاء يدل على الرؤية لم ينفوا معنى اللقاء ويثبتون الرؤية كما يفعله طائفة من متأخري أصحاب الأشعري مثل المؤسس وغيره فإن هذا عندهم ممتنع معلوم الامتناع بضرورة العقل كما يوافقهم على ذلك سائر العقلاء وهو أيضاً خلاف ما تواتر من السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو إثبات الرؤية بغير معاينة ومواجهة وأيضاً فلفظ اللقاء نص في المواجهة والمقاربة وإنما يقال إنه يتضمن الرؤية أو يستلزمها فهي جزء المسمى أو لازمه فكيف يصح إثبات ذلك مع نفي ما اللفظ عليه أدل وهو الأظهر من معناه
(8/52)

فهذا القول لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا من أهل اللغة والتفسير الوجه الثامن أن القرآن والأحاديث تصرح بأن الكفار يلاقون الله عز وجل وبأن من أنكر ذلك فهو كافر كقوله تعالى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [الأنعام 31] وقوله وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) [يونس 45] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ [التوبة 75-77] وقوله أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف 105] وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت 23] وقوله وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) [الروم 8] وقوله أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) [فصلت 54] وغير ذلك كما تقدم وإذا كان كذلك فمذهبه ومذهب
(8/53)

أصحابه وغيرهم أن الكفار لا يرون الله عز وجل فكيف يفسر لقاؤهم لله عز وجل بأنهم يرونه وأيضاً من أنكر أنهم يرون الله عز وجل لا يكفره بل من أنكر رؤية الله تعالى لا يكفره والقرآن قد كفر من أنكر لقاء الله عز وجل فإذا فسر اللقاء بمجرد الرؤية وجب أن يجعل القرآن مخبراً بكفر من أنكر الرؤية في هذه الآيات وهو لا يقول بذلك الوجه التاسع أن تفسير اللقاء بأنه رؤية ليس فيها مواجهة ولا مقاربة تفسير للفظ ما لا يعرف في شيء من لغات العرب أصلاً ومن المعلوم أن التأويل لا يمكن إلا إذا كان اللفظ دالاً على المعنى في اللغة وهذا اللفظ لا يدل على هذا المعنى في اللغة أصلاً بل هذا المعنى إما أن يكون ممتنعاً في نفسه أو يكون بصورة كذا لا يفهمه إلا قليل من الناس ومن الأصول التي يقررها هو أن اللفظ الذي يتناوله الخاص والعام لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى لا يفهمه إلا آحاد الناس وإذا لم يكن
(8/54)

هذا اللفظ دالاً على هذا المعنى في لغتهم التي بها يتخاطبون لا حقيقة ولا مجازاً امتنع حمل اللفظ عليه الوجه العاشر أن تفسيره لذلك في الوجه الثاني بأن اللقاء هو ظهور قدرته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم يقال له تفسير اللقاء بظهور قدرة الملاقي على الملاقى هو تفسير للفظ بما لا أصل له في لغة العرب أصلاً بل يعلم بالاضطرار من لغتهم أن هذا ليس معنى اللقاء في لغتهم وإن كان هذا قد يقع في بعض صور اللقاء كما قد يقع الإكرام تارة والعقوبة أخرى لكن ليس لفظ اللقاء دالاً على مجرد هذه المعاني التي يقترن وجودها بوجود المعنى المعروف من لفظ اللقاء وقد لا يقترن كما أن الرؤية قد يقترن بها المجالسة والمواكلة والإكرام أو العقوبة أو غير ذلك ثم إن لفظ الرؤية ليس معناه هذه الأمور التي قد يحصل مع مسمى الرؤية في بعض الصور الوجه الحادي عشر أنه قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)
(8/55)

[الأحزاب 41-44] فهنا لقاء المؤمنين ربهم اقترن به الإكرام والتحية بالسلام فامتنع أن يكون معنى الفظ ظهور القدرة والقهر والبأس لأن المؤمنين لم يظهر في لقائهم إياه إلا الرحمة والخير دون البأس والشدة ومثل هذا قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ [البقرة 223] فإن المؤمنين لا يجب عليهم أن يعلموا أن الله يظهر لهم رحمته وكرامته الوجه الثاني عشر قوله تعالى فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) [الكهف 110] فإن الرجاء لا يتعلق بالمكروه المحض فلو كان المراد باللقاء ظهور القهر والبأس لم يكن ذلك مما يرجى بل مما يخاف فكان ينبغي أن يقال فمن كان يخاف لقاء ربه ونحوه قوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا [يونس 7] وقوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس 15] وقوله تعالى مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت 5]
(8/56)

وأما ما قاله من أن الرجاء يكون بمعنى الخوف كما في قول الشاعر إذا لسعه النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل
(8/57)

أي لم يخف ولم يبال فأكثر اللغويين والمفسرين على خلاف هذا قالوا ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف وكان الرجاء كذلك كقوله عز وجل لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية 14] هذه للذين لا يخافون أيام الله
(8/58)

وكذلك قوله تعالى لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) [نوح 13] قالوا ولا تقول رجوتك في معنى خفتك إذ لا جحد فلا يمكن حمل الرجاء فيما ذكر فهذا لا يصح في هذا الموضع الوجه الثالث عشر إن ظهور قدرة الله وقهره وبأسه كثيراً ما يظهر في الدنيا بحيث يتيقن العبد أن لا ملجأ إلا إليه ولا يكشف شدته إلا هو ولا يغني عنه دون الله شيء كما في حال ركوب البحر وهيجانه وغير ذلك من الشدائد العظيمة ومع ذلك فلا يسمى هذا قط لقاء الله تعالى فلو كان اللقاء يراد به قدرته وقهره وبأسه لكان سمى هذا لقاء الله حقيقة أو مجازاً وليس الأمر كذلك قال تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) [الشورى 32-35] الوجه الرابع عشر قوله إن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه دخل هناك تحت قهره وحكمه دخولاً لا حيلة له في
(8/59)

دفعه فكان اللقاء سبباً لظهور قدرة الملك عليه على هذا الوجه يقال له من المعلوم أن من عادة الملوك إذا أرادوا تعذيب إنسان وشدة عقوبته فإنهم يبعدونه عن حضوره عندهم أكثر مما يحضرون من يكون كذلك وأن الذين يريدون الإحسان إليهم يقربونهم إلى حضرتهم أكثر مما يبعدونهم هذا أمر معلوم باستقراء العادات وأن اقتران الكرامة بالتقريب إلى الحضرة أكثر من اقتراب الناس فكيف يجعل لفظ اللقاء دالاً على قهر الملوك دون إحسانهم الذي يقترن بلقائهم الوجه الخامس عشر إن الناس لا يسمون بأس الملوك وعذابهم لقاء لهم لا حقيقة ولا مجازاً ولكن لفظ اللقاء يدل على اللقاء المعروف وإذا كان معه عذاب سموه باسم آخر لم يجعلوه مسمىً باللقاء فما ذكره من المقال ليس شاهداً له بل عليه الوجه السادس عشر أن الملوك إذا أظهروا قدرتهم وقهرهم وبأسهم لمن لم يكن بحضرتهم لم يسم ذلك لقاءً لا حقيقة ولا مجازاً ولا يقول الملك لمن أمر بعقابه وهو
(8/60)

غائب عنه قد لقيني فلان ولا لقيته فعلم أن الذي ذكره افتراء على اللغة كما هو افتراء على الرحمن والقرآن الوجه السابع عشر أن المشركين ما كانوا يكذبون بأن الله يقدر عليهم قدرة ولا يمكنهم دفع ذلك عن أنفسهم والله عز وجل قد أخبر أنهم يكذّبون بلقاء الله عز وجل وجعل ذلك بعد الموت فلو كان المراد به ظهور مقدوره وبأسه لم يكونوا مكذبين بلقاء الله عز وجل
(8/61)

فصل قال الرازي الفصل السادس في لفظ النور قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] وروى ابن خزيمة في كتابه عن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن قال واعلم أنه لا يصح
(8/62)

القول بأنه هو هذا النور المحسوس بالبصر ويدل على ذلك وجوه الأول أنه تعالى لم يقل إنه نور بل قال إنه نور السموات والأرض بمعنى الضوء المحسوس ولو كان نوراً في ذاته لم يكن لهذه الإضافة فائدة الثاني أنه لو كان كونه تعالى نور السموات والأرض بمعنى الضوء المحسوس لوجب أن لا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة ألبتة لأنه تعالى دائم لا يزال ولا يزول الثالث لو كان تعالى نوراً بمعنى الضوء وجب أن يكون ذلك الضوء مغنياً عن ضوء الشمس والقمر والنار والحِسُّ دال على خلاف ذلك
(8/64)

الرابع أنه تعالى أزال هذه الشبهة بقوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور 35] أضاف النور إلى نفسه ولو كان تعالى نفس النور وذاته نور لامتنعت هذه الإضافة لأن إضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة وكذلك قوله تعالى يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور 35] الخامس أنه تعالى قال وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام 1] فتبين بهذا أنه تعالى خالق الأنوار السادس أن النور يزول بالظلمة ولو كان تعالى عين هذا النور المحسوس لكان قابلاً للعدم وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجود السابع أن الأجسام كلها متماثلة على ما سبق تقريره ثم إنها بعد تساويها في الماهية تراها مختلفة في الضوء والظلمة فوجب أن يكون الضوء عرضاً قائما بالأجسام والعرض يمتنع أن يكون إلهاً فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل النور على ما ذكروه بل معناه أنه هادي السموات والأرض أو معناه منور
(8/65)

السموات والأرض على الوجه الأكمل كما يقال فلان نور هذه البلدة إذا كان سبباً لصلاحها وقد قرأ بعضهم الله نَوَّر السموات والأرض فيقال قد تقدم الكلام على هذه الآية في أول كلامه وذكر أن الذي عليه جماهير الخلائق أن الله عز وجل نفسه نور حتى نفاة الصفات الجهمية كانوا يقولون إنه نور وأما
(8/66)

القول بأن الله عز وجل نفسه هو نور الشمس والقمر والنار فهذا لا يقوله مسلم ولكن قد ورد عن ابن مسعود أنه قال نور السموات من نور وجهه وهذا يتكلم عليه في موضعه ويتوهم بعض الناس أن هذه الأنوار قديمة لزعمهم أنها من نور الله عز وجل بل يقولون أن هذه النوار هي الله وهو نصب الخلاف مع من يقول ذلك ولكن يبقى كونه نوراً مطلقاً فلم يذكر إلا قولين إما أن يكون هو هذا النور المحسوس وإما ألا يكون نوراً بحال وكلا القولين باطل
(8/67)

بل هو نور وله نور وحجابه نور وإن لم يكن ذلك محسوساً لنا ولا حاجة في نفي كونه هذا النور المحسوس إلى ما ذكره من الأدلة ولكن ضمَّنها نفي كونه نوراً مطلقاً وذلك باطل فنتكلم على ما ذكره من الوجوه قوله في الوجه الأول لو كان نوراً في ذاته لم يكن لهذه الإضافة فائدة يقال له هذا باطل من وجوه أحدها أنه قيوم في نفسه ومع هذا ففي الحديث أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن الثاني أنه قد سمى القمر نوراً بقوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس 5] ومع هذا يقال للقمر نور الأرض الثالث أن كل ما كان موصوفاً بصفة في نفسه ولها تعلق بالغير أنه يذكر اسمه بإضافة وبغير إضافة كما يقال عالمٌ ويقال عالمُ الدنيا قوله في الوجه الثاني لو كان كونه نور السموات والأرض يعني هذا الضوء المحسوس لوجب ألا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة ألبتة لأنه تعالى دائم لا يزول
(8/68)

يقال على هذا وجوه أحدها أن هذا بعينه يرد في تفسيرك حيث قلت منور السموات والأرض بمعنى المصلح وهادي السموات والأرض فإن ذلك يستلزم على قياس قولك ألا يكون فيهما شيء من الضلالة أو الظلم والفساد فما قلته في هذا يقال في ذلك الثاني أن كونه نوراً أو له نور لا يوجب ظهور ذلك لكل أحد فإنه يحتجب عن العباد كما سنذكره في لفظ الحجاب الثالث أن في تمام الحديث ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن كونه ملكاً لا ينافي أن يكون من عباده من جعلهم ملوكاً ويكون ملكهم من ملكه لا بمعنى انه بعضه لكن بمعنى أنه بقدرته وملكه حصل ملك العبد وكذلك الرب والقيوم وكذلك إذا كان هو نور السموات والأرض لم يمنع أن يكون غيره من المخلوقات نوراً وله نور إذا كان ذلك من نوره بمعنى أنه بنوره حصل ذلك وحينئذ فهو نور السموات والأرض ولا يجب أن يزول
(8/69)

كل ظلمة لأنه نفسه لم يحل في المخلوقات وإنما يلزم هذا الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان كما ذكر ذلك عنهم الأئمة كالإمام أحمد وغيره فأما أهل السنة الذين يقولون إنه فوق العرش فلا يلزمهم ذلك قوله في الوجه الثالث لو كان نوراً بمعنى الضوء لوجب أن يكون ذلك الضوء مغنيا عن ضوء الشمس والقمر يقال هذا إنما يلزم أن لو كان هو أو نوره الذي هو نوره ظاهر المخلوقات فكان يغني عن هذه الأنوار أما إذا كانت هذه الأنوار حادثة عن نوره المحتجب عن العباد لم يلزم ذلك قوله الرابع أنه تعالى أزال هذه الشبهة بقوله مَثَلُ نُورِهِ [النور 35] أضاف النور إلى نفسه وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة يقال هو نور وله نور فإن اسم النور يقال للشيء القائم بنفسه كما سمى القمر نوراً ويقال للصفة القائمة بغيرها كما يقال نور الشمس والقمر وقد دل الكتاب والسنة على أنه نور وله نور وحجابه
(8/70)

النور فالمضاف ليس هو المضاف إليه وأيضا فإن هذا يلزمهم مثله فإنه إذا فسر نور السموات والأرض بأنه هادي أو مصلح أو منور لزم أن يقال مثل هاديه أو مصلحه أو منوره ومعلوم أن هذا باطل بل يقال مثل هدايته أو إصلاحه أو تنويره فيكون مسمى النور المضاف ليس هو مسمى النور المضاف إليه على كل تقدير فعلم أن هذا لا يصلح أن يكون دليلا على صرف الآية عن ظاهرها ولا على صحة التأويل
(8/71)

وأيضاً فهذا مثل اسمه السلام فقد ثبت في صحيح مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ثم قال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام فأخبر أنه هو في نفسه السلام وأن منه السلام وقوله الخامس أنه تعالى قال وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ
(8/72)

[الأنعام 1] فبين أنه خالق الأنوار يقال له وجوه أحدها أنه إذا أخبر أنه جاعل الظلمات والنور علم أن النور المجعول هو الذي تعاقبه الظلمات فيكون هذا موضع هذا وهذا موضع هذا كما في نور النهار وظلمة الليل أما هو نفسه ونوره فذاك لا يعاقبه ظلمة تكون في محله فلا يدخل في هذا العموم الثاني أن هذا يرد عليه أيضاً فإنه فسر النور بالهادي والمصلح والمنور فإن كان قوله وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام 1] يعم هذا النور المذكور في قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] لزم أن يكون قد جعل نفسه وإن لم يعم نفسه لم يلزم أن يكون خالق النور المذكور في هذه الآية الثالث أنه من المعلوم أن الله عز وجل لما قال إنه خالق كل شيء وقال وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء 30] وقال كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] لم يدخل هو فيما خلق من الأشياء ولا فيما جعل من الماء من الأحياء ولا من الأنفس الذائقة للموت مع أنه قد سمي
(8/73)

حيا ونفساً فكذلك لا يدخل في النور المجعول وإن كان هو سبحانه وتعالى نوراً قوله السادس إن النور يزول بالظلمة ولو كان تعالى هو عين هذا النور المحسوس لكان قابلاً للعدم يقال له لا يقول مسلم إنه عين هذا النور المحسوس وليس هذا ظاهر الآية كما قد بينا وقوله في الوجه السابع إن الأجسام متماثلة وهي مختلفة في الضوء والظلمة فيكون الضوء عرضاً قائماً بالأجسام يقال له لا نزاع في أن الضوء الذي هو عرض قائم بالأجسام يسمى نوراً مثل شعاع الشمس المنبسط على الأرض وكذلك ضوء القمر المنبسط على الأرض وكذلك نور النار كالسراج القائم بالجدران لكن النور يقال للعرض ويقال للجسم أيضاً فإن نفس النار تسمى نوراً فإنه إذا سُمِّي ضوء النار الذي يكون على الأرض والحيطان نوراً فالنار الخارجة من الفتيلة وهو جسم قائم بنفسه أولى أن يكون نوراً قال الله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس 5] فَسُمِّي هذا ضياء
(8/74)

وهذا نوراً مع العلم بأنه يقال ضياء الشمس ويقال نور القمر فعلم أن الاسم يتناول الجسم ويتناول العرض فعلم أن اسم النور في حق الخالق وحق المخلوق يقال للموصوف القائم بنفسه ويقال للصفة القائمة به ويقال لما يحصل لغيره من نوره كالأشعة المنعكسة وقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور 35] يتناول الأقسام الثلاثة فإنه أخبر أنه نور وأخبر أن له نورا وأخبر أنه كمشكاة فيها مصباح ومعلوم أن المصباح الذي في المشكاة له نور يقوم به ونور
(8/75)

منبسط على ما يصل إليه من الأرض والجدران فصل قال الرازي الفصل السابع في الحجاب قال الله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) [المطففين 15] قالوا والحجاب لا يعقل إلا في الأجسام وتمسكوا أيضا بأخبار كثيرة الخبر الأول ما روى صاحب شرح السنة في باب الرد على الجهمية عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ولكنه يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل
(8/76)

النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قال المصنف هذا حديث أخرجه الشيخان وقوله
(8/77)

يخفض القسط ويرفعه أراد به أنه يراعي العدل في أعمال العباد كما قال تعالى وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) [الحجر 21] الخبر الثاني ما يروى في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره
(8/78)

الخبر الثالث روي في تفسير قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] أنه تعالى يرفع الحجاب فينظرون إلى وجهه تعالى واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا قالوا إنه لا يجوز أن يقال إنه تعالى محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال إنه محجوب عنهم لأن لفظ الاحتجاب مشعر بالقوة والقدرة والحجب
(8/79)

يشعر بالعجز والذلة يقال احتجب السلطان عن عبيده ويقال فلان حجب عن الدخول على السلطان وحقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محالٌ لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين بل هذا محمول عندنا على أن الله تعالى لا يمنع وصول آثار إحسانه وفضله إلى الإنسان وأما الخبر الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم حجابه النور فاعلم أن كل شيء يفرض مؤثراً في شيء آخر فكل كمال يحصل للأثر فهو مستفاد من المؤثر لا شك أن ثبوت ذلك الكمال لذلك المؤثر أولى من ثبوته في ذلك الأثر وأقوى وأكمل ولا شك بأن معطي الكمالات بأسرها هو الحق تعالى فكان كل كمال الممكنات بالنسبة إلى كمال الله تعالى كالعدم ولا شك أن جملة الممكنات ليست إلا عالم الأجسام وعالم الأرواح ولا شك أن جملة كمالات عالم
(8/80)

العناصر بالنسبة إلى كمال عالم الأفلاك كالعدم ثم كمال عالم الروح بالنسبة إلى كمال كل العناصر كالعدم ثم كمال الشخص المعين بالنسبة إلى كمال هذا الروح كالعدم فيظهر هذا أن كمال الإنسان المعين
(8/81)

بالنسبة إلى كمال الله تعالى أولى من أن يقال إنه كالعدم ولا شك أن روح الإنسان وحده لا تطيق قبول ذلك الكمال ولا يمكنه مطالعته بل الأرواح البشرية تضمحل في أدنى مرتبة من مراتب تلك الكمالات فهذا هو المراد بقوله لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره من خلقه والكلام على هذا أن يقال أما ذكر الحجاب في الكتاب والسنة فأضعاف ما ذكره فإنه لام يذكر من القرآن إلا قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) [المطففين 15] وقد قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] وأيضاً فذكره لتجليه للجبل يدل على أنه كان محتجباً فتجلى وأما الأحاديث فمنها حديث أبي موسى الذي ذكره
(8/82)

وليس هو مما أخرجه الشيخان كما ادعاه وإنما هو من أفراد مسلم خرَّجه عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات قال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه نور في رواية النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وذكر ابن خزيمة رواية أبي معاوية عن
(8/83)

الأعمش عن عمرو بهذا اللفظ قال حجابه نور ورواه من طريق الثوري عن عمرو قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات وقال حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره
(8/84)

وكذلك رواه المسعودي عن عمرو بمثله وزاد فيه ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) [النمل 8] ورواه من طريق جرير عن الأعمش وذكر أنه مثل رواية الثوري ورواه عثمان بن سعيد من طريق جرير عن الأعمش ولفظه قام فينا رسول
(8/85)

الله صلى الله عليه وسلم بأربع وقال حجابه النور ولو كشفها ورواه أيضا من طريق الثوري عن حكيم بن الديلم عن أبي بردة عن أبي موسى مثل لفظ الثوري عن عمرو بن مرة
(8/86)

وفي الصحيحين عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه وفي رواية ما بين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه رواه
(8/87)

ابن خزيمة وفي صحيح مسلم هن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال
(8/88)

رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً لم ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيّض وجوهنا ويثّقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب عن وجهه فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة وقد رواه حماد بن زيد وسليمان بن
(8/89)

المغيرة ومعمر عن ثابت لكن رواية حماد بن سلمة أتم إسناداً ومتناً وذلك معروف في أحاديثه عن ثابت البناني لأنه كان بينهما من الصلة ما لم يكن بينه وبين غيره وكان ثابت يقول ولا أن يصنعوا بي كما صنعوا بأبي سعيد يعني الحسن البصري لحدثتهم أحاديث موثقة فلهذا كان يختصر لبعض
(8/90)

الناس ويختصر عنه حماد بن سلمة أشياء لاختصاصه به ورواه ابن خزيمة وغيره عن حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] أعطوا فيها ما شاءوا وما سألوا قال يقال إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى قال وتلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] الجنة وزيادة النظر إلى ربهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم
(8/91)

ولفظ سليمان عن ثابت عن ابن أبي ليلى أنه سئل عن قول الله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قال إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة أعطوا فيها من النعيم والكرامة ينادون يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة قال فيكشف الحجاب فيتجلى لهم تبارك وتعالى فما ظنك بهم حيث ثقلت موازينهم وحين طارت صحفهم في أيمانهم وحين جازوا جسرهم فقطعوه وحين دخلوا الجنة فأعطوا فيها من النعيم والكرامة قال فكأن هذا لم يكن شيئاً فيما أعطوه ورواية معمر عن ثابت عن ابن أبي ليلى قال الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم
(8/92)

وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمرو بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى عليه السلام قال يارب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم فقال أنت أبونا فقال له آدم نعم قال الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك قال نعم قال فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة قال له آدم من أنت قال أنا موسى قال أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه قال نعم قال أفما وجدت أن ذلك في كتاب الله قبل أن أخلق قال نعم قال فيما تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم
(8/93)

موسى رواه أبو داود في سننه وابن خزيمة في توحيده الذي اشترط فيه الصحة وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي
(8/94)

في صحيحه وغيرهم وهو على شرط الصحيح من هذا الوجه وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكن من احد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أمامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم
(8/95)

أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة وفي رواية أبي أسامة ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان
(8/96)

وكذلك رواه ابن خزيمة بإسناد مشهور من رجال الصحيحين عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان قال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا يحيى الحماني حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي عن يزيد بن الهاد عن
(8/97)

عبد الله بن يونس سمع المقبري يحدث قال حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول أيما والد جحد ولده احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين
(8/98)

قال أبو سعيد ففي هذا الحديث دليل أنه إذا احتجب من بعضهم لم يحتجب من بعض وأما الخبر الثاني الذي ذكر أنه مروي في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره فهذا الحديث لا يوجد في شيء من دواوين الإسلام فضلاً عن أن يكون في الكتب المشهورة وقد روي في الحُجب أحاديث وآثار وإن لم تكن في
(8/99)

الكتب المشهورة لكنها مما رواه العلماء أهل الحديث فأما هذا الحديث فلا أصل له والأحاديث المأثورة في هذا فمثل ما رواه الخلال في كتاب السنة حدثنا يزيد بن جمهور حدثنا الحسن بن يحيى
(8/100)

ابن كثير العنبري حدثنا أبي عن إبراهيم بن المبارك عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام وإذا في كفه كأصفأ المرايا
(8/101)

وأحسنها وإذا في وسطها نكتة سوداء قال فقلت يا جبريل ما هذه قال هذه الدنيا صفاؤها وحسنها قال قلت وما هذه اللمعة في وسطها قال هذه الجمعة قال قلت وما الجمعة قال يوم من أيام ربك عظيم وسأخبرك بشرفه وفضله واسمه في الآخرة أما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله تعالى جمع فيه أمر الخلق وأما ما يرجى فيه فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاهما إياه وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة فإن الله تعالى إذا صيَّر أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليل ولا نهار إلا قد علم الله مقدار ذلك وساعته فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرز أو يخرج فيه أهل الجنة إلى جمعتهم نادى مناد يا أهل الجنة اخرجوا إلى يوم المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله في كثبان المسك قال فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسٍ من ياقوت قال فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحاً تدعى المثيرة تثير عليهم أثابير المسك الأبيض تدخل من تحت ثيابهم وتخرج من وجوههم وأشعارهم فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها
(8/102)

كل طيب على وجه الأرض لكانت تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها ذك الطيب بإذن الله قال ثم يوحي الله تعالى إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وما فيها أسفل منه بينهم وبينه الحُجب فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري فسلوني فهذا يوم المزيد قال فيجتمعون على كلمة واحدة رب رضينا عنك فارض عنا قال فيرجع الله تعالى في قوله يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي فهذا يوم المزيد فسلوني قال فيجتمعون على كلمة واحدة رب وجهك وجهك أرنا ننظر إليك قال فيكشف الله عز وجل تلك الحجب قال ويتجلى لهم قال فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره قال ثم يقال ارجعوا إلى منازلكم قال فيرجعون إلى منازلهم وقد خفوا على أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره فإذا صاروا إلى منازلهم يزداد النور وأمكن حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها قال فيقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا في صورة ورجعتم على
(8/103)

غيرها قال فيقولن ذلك بأن الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم قال فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه وذلك قول الله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) [السجدة 17]
(8/104)

وأصل هذا الحديث في تقدير يوم الجمعة في الآخرة مشهور من طرق من حديث أبي هريرة وحديث سوق الجنة
(8/105)

وحديث أنس وحديث ابن مسعود موقوفاً وقال الخلال حدثنا عبد الواحد بن شعيب حدثنا عبد العزيز بن موسى البهراني حدثنا مسند بن محمد عن عبد الله التميمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجب الله عن خلقه بسبعين ألف حجاب هواء وريح وماء وظلمة ونور ثم قرأ قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري
(8/106)

حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله تبارك وتعالى عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة
(8/107)

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا زيد بن الحباب العكلي عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قوله تعالى فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال طوله خمسمائة سنة فإذا أراد الله أمراً في الأرض من وحي أو شيء دُلي بين عنق إسرافيل فنظر فيه فيوحي إلى جبريل عليه السلام وبينه وبينه حجب وبين الله وبين خلقه سبعون حجاباً نور وظلمة وماء
(8/108)

ونار وبرق يلمع وإسرافيل لا يرفع طرفه حدثنا الحسن بن حميد البلخي حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني أبي حدثني ابن أبي
(8/109)

ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذا انشق فأقبل جبريل يدنو من الأرض ويدنو بعضه من بعض ويتماثل فإذا ملك فقلت أردت عن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن
(8/110)

المسألة فمن هذا يا جبريل قال هذا إسرافيل خلقه الله عز وجل يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب تبارك وتعالى سبعون نوراً ما منها نور كاد يدنو منه إلا احترق وبين يديه لوح فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح حتى يضرب جبينه فينظر فيه فإذا كان من عملي أخبرني به وإن كان من عمل ميكائيل أخبره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قال قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال أنا على الريح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر قلت وعلى أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما هبط إلى الأرض منذ خلقه الله عز وجل إلى يومه هذا وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة
(8/111)

فمثل هذه الأحاديث وإن كان لا يحتج بآحادها أئمة الحديث فهي ونحوها المأثور دون ما ذكره وروى الخلال وغيره وهو مشهور عن سفيان الثوري عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله تبارك وتعالى عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة ورواه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على
(8/112)

الجهمية حدثنا محبوب بن الحسن الأنطاكي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن عبيد المكتب عن
(8/113)

مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله من خلقه بأربعة بنار وظلمة ونور وماء وروى أبو بكر النجاد في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال والذي نفسي بيده إن دون الله يوم القيامة سبعون ألف حجاب إن منها حجاباً من ظلمة ما ينفذها شيء وإن منها حجاباً من نور ما يستطيعه شيء وإن منها حجاباً لا يسمعه شيء لا يربط الله
(8/114)

على قلبه إلا انخلع فؤاده
(8/115)

وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة حدثنا حماد وهو ابن سلمة أنا أبو عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل هل رأيت ربك فانتفض جبريل وقال يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور لو دنوت من أدناها حجاباً لاحترقت
(8/116)

إذا عرفت النصوص فالكلام على ما ذكره من وجوه الأول قوله واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا قالوا يجوز أن يقال إنه محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال إنه محجوب عنهم الوجه الأول يقال له الآية التي ذكرتها ليس فيها ذكر أن الله محتجب ولا محجوب وإنما فيها أن الكفار محجوبون عن الله وإن أردت الآية التي في الشورى وَرَاءِ حِجَابٍ فتلك لم تذكرها ولم تذكر أن كونهم محجوبين يقتضي أنه تعالى محتجب حتى يتم الكلام وإن كان فيه ما فيه الوجه الثاني أن هذا قول طائفة من أصحابه وإلا فآخرون منهم كأبي بكر بن فورك وغيره يقولون لا يجوز أن يكون الله محتجباً ولا محجوباً بحجاب وقالوا الحجاب
(8/117)

راجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدم الإدراك في أبصارهم قالوا لأن ما ستر بالحجاب فالحجاب أكبر منه ويكون متناهياً محاذياً جائزاً عليه المماسة ومنه قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) [المطففين 15] فجعل الكفار محجوبين عن رؤيته لما خلق فيهم من الحجاب والحجاب الذي خلقه فيهم هم عدم الإدراك في أبصارهم قالوا ومن هذا أنه لم يضف الحجاب إلى الله بل أطلق ذكر الحجاب ويبين صحة هذا ما روي عن علي أنه أمر بقصاب وهو يقول لا والذي احتجب
(8/118)

بسبعة أطباق فقال علي ويحك يا قصاب إن الله لا يحتجب عن خلقه وفي لفظ إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حجب خلقه عنه ومن حجة هؤلاء أنه إذا جاز أن يقال هو محتجب جاز أن يقال هو محجوب أي هو حجب نفسه لم يحجبه غيره وقوله الحجب يشعر بالعجز والذل إنما ذاك إذا حجبه غيره كما في المثال الذي ذكره من قولهم فلان حجب عن الدخول على السلطان أما لو قيل إن السلطان قد حجب نفسه
(8/119)

أو وكّل من يحجبه أو جعل حاجباً يحجبه لم يكن ذلك مشعراً بالذلة والعجز بل بالقوة ولهذا يسمون الذي يحجبهم من الناس حاجباً ويقولون إنه يحجب الأمير وسُمي حاجب العين حاجباً لأنه يحجب العين وأما الشعري نفسه فذكر ما يوافق أهل الإثبات أنه سبحانه وتعالى محتجب بالعرش والسموات فقال في مسألة العرش ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سماوات الوجه الثالث قوله الحجاب محمول عندنا على أن
(8/120)

يخلق الله تعالى في العين رؤية متعلقة به وهذا تفسير أصحابه الذين يقولون بإثبات الرؤية وينفون الحجاب والمقابلة ونحو ذلك وهذا باطل بالضرورة فإن كون الله تعالى لا يخلق في العين رؤية أمرُ عدمي لا يحتاج إلى إحداث فعل بل هو مثل أن الله تعالى لا يخلق للجسم طعماً أو لوناً أو ريحاً أو حركة أو حياة أو غير ذلك من الأمور العدمية فقول القائل فهم محجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدمُ الإدراك في أبصارهم كلام باطل لأن العدم لا يخلق الوجه الرابع أنه قال في الحديث الصحيح حجابه النور وفي الرواية الأخرى النار ومعلوم أن عدم الرؤية لا يسمى نوراً ولا ناراً لا حقيقة ولا مجازاً بل إذا سُمّي ظلمة كان فيه مناسبة الوجه الخامس أنه قال في الحديث فيكشف الحجاب فينظرون إليه وكشف الشيء إزالته أو رفعه وهذا لا يوصف به المعدوم فإن المعدوم لا يُزال ولا يرفع وإنما يزال ويرفع الموجود ومنه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام 17] وقوله وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل 62] وقوله فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ [الأنعام 41]
(8/121)

الوجه السادس أنه قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فجعل النظر متعقباً لكشف الحجاب وعندهم أن الحجاب هو عدم خلق الرؤية أو ضده خلق الرؤية فيكون زوال ذلك العدم هو عين الرؤية لا يكون شيئاً يتعقب الحجاب الوجه السابع أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ولو كان الحجاب عدم خلق الرؤية لم يكن كَشفُ ذلك وهو خلق الرؤية في العبد يحرق شيئاً من الأشياء فإن المؤمنين إذا رأوا ربّهم في عرصات القيامة ثم رأوه في الجنة مرة بعد مرة لا يُحْرَقُ شيء الوجه الثامن أن في الصحيحين وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأثبت رداء الكبرياء على وجهه وعلى قول هؤلاء ما بينهم وبين أن
(8/122)

ينظروا إليه إلا زوال ذلك العدم بخلق الرؤية في أعينهم ومعلوم أن عدم خلق الرؤية فيهم ليس هو رداء الكبرياء ولا هو على وجه الله عز وجل ولا هو في جنة عدن ولا هو شيء أصلا حتى يوصف بشيء من صفات الموجود الوجه التاسع أن تسمية مجرد عدم الرؤية مع صحة الحاسة وزوال المانع حجاباً أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولهذا لا يقال إن الإنسان محجوب عن رؤية ما يعجز عنه مع صحة حاسته وزوال المانع وكالأشياء البعيدة ولكن يقال في الأعمى هو محجوبُ البصر لأن في عينه ما يحجب النور أن يظهر في العين ولكن هؤلاء قوم وافقوا المؤمنين على أن رؤية الله عز وجل جائزة ووافقوا الكفار أعداء الرسل من المشركين والصابئين على ما يوجب أن الله عز وجل لا يرى كما وافقهم الجهمية كالمعتزلة ونحوهم ثم أثبتوا رؤيةً يُعلم بضرورة العقل بطلانها وجحدوا حقيقة ما جاء به السمع فصاروا منافقين مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل صاروا جاحدين لصريح المعقول باتفاق الطوائف جاحدين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم والإيمان
(8/123)

الوجه العاشر قوله حقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محال لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين يقال له هذا بعينه وارد في كل ما يضاف إلى الله عز وجل من أسمائه وصفاته فإن تلك الأسماء والصفات لا تعرف إلا للأجسام وصفات الأجسام كما تقدم التنبيه على ذلك الوجه الحادى عشر أن الرؤية أيضا لا تعقل إلا لجسم ولا يعقل إثبات الرؤية إلا لجسم فإثبات كون الرب مرئيّا ورائياً مع نفي الجسم ليس بأولى من إثبات كونه محجوباً ومحتجباً مع نفي الجسم فإن كان الجمع بين هذا الإثبات والنفي حقّا هو حق في الموضعين وإن كان باطلاً في الموضعين ومن قال إني أعقل الرؤية بغير جسم ولا أعقل
(8/124)

الحجاب إلا لجسم فهو جاحد لما يعلمه العقلاء بالاضطرار الوجه الثاني عشر أن الحجاب مانع من الرؤية بلا نزاع ومعلوم أن المانع من الشيء لا يكون عين عدمه فإن مجرد عدم الشيء ليس مانعاً من وجوده إذ المانع لا يعقل مانعاً إلا عند وجود المقتضي لوجود الشيء والعدم ليس بشيء أصلاً حتى يكون مانعاً ولو كان عدم الشيء مانعاً من وجوده لما وجد شيء من المحدثات لأن عدمها سابق على وجودها فعلم أنه لابد أن يكون الحجاب المانع من الرؤية شيئاً غير عدم خلق الرؤية فإن كان ذلك محالاً لم يكن للرؤية مانع أصلاً فكان يجب رؤية الله عز وجل عند صحة البصر وسلامته لأن المقتضي موجود والمانع مفقود كما في رؤية سائر الأشياء الوجه الثالث عشر أنّا إذا عرضنا على العقل أن الإنسان يرى شيئاً لا يقابله بوجه من الوجوه وأنه لا مانع من رؤيته قط إلا مجرد عدم القوة في العين وعرضنا على العقل أن ذلك لا يبعد أن يكون محجوباً لم يحكم العقل بذلك لأن ما أثبت رؤيته أبعد من المعقول من نفي الحجاب عنه والعقل لا يثبت الأخفى
(8/125)

البعيد دون القريب من ذلك أن الناس تنازعوا في عدم الإدراك الذي هو الرؤية والسمع هل هو مستلزم لوجود ضدّ له أم يكفي عدم وجوده فهل يجب أن يقال إن الأعمى والأصم قام بهما ضد وجودِ السمع والبصر أو لم يقم بهما السمع والبصر أم معناهما عدم السمع والبصر فإن لم يكن الواجب إلا مجرد عدم الإدراك فالعدم لا يكون حجاباً وإن قيل بل هما أمران وجوديان معتادان للإدراك كما يقوله من أهل الإثبات فمعلوم أن الضدين لا يجتمعان لكن ليس تسمية البصر والرؤية حجاباً لامتناع مجامعته الصمم والعمى بأولى من تسمية الصمم والعمى حجاباً لامتناع مجامعته للرؤية والسمع وكذلك لا يقال إن أحدهما هو المانع من الآخر بل يمتنع اجتماعهما نعم إذا كان أحدهما قائماً بالمحل فهل يقال إنه يمتنع الضد الطارئ أن يزيله أو يزول بنفسه حتى يحدث الطارئ هذا فيه نزاع أيضاً من القائلين ببقاء الأعراض ونفاة ذلك والمقصود أنه مع التقدير لا يسمى ذلك حجاباً
(8/126)

الوجه الرابع عشر أنه لو كان الحجاب لغير جسم بطل ما ذكروه وإن كان لا يكون لجسم فقد تقدم أنه ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي الجسم وأن إطلاق القول بأن الله عز وجل ليس بجسم ولا جوهر بدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها بل ذلك أعظم ابتداعاً من القول بأنه جسم وجوهر وإذا كان هذا النفي بدعةً باطلةً لم يكن ذلك معارضاً لما ثبت بالكتاب والسنة وهذه الكلمة هي قول الجهمية المُعَطلِة لما جاء به الكتاب والسنة ولما عُلم بضرورة العقل والنظر المُعَطلِة في الحقيقة للرب المعبود ومعرفته وعبادته هي أساس الشر والردة والنفاق وإن كانت قد نفقت على طوائف من أهل الإيمان لم يعلموا ما قصدوا بها الذين
(8/127)

ابتدعوها أفسدوا بها فطرة الله عز وجل التي فطر العباد عليها وكتابه الذي أنزل على رسوله وصدوا بها عن سبيل الله عز وجل وهي لهؤلاء كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لأولئك وهي من السماء التي سموها هم وآباؤهم وما أنزل الله بها من سلطان فإن الله تعالى لم ينزل في شيء من كتبه ولا قال أحد من رسله ولا من ورثتهم أن الله عز وجل ليس بجسم ولا جوهر وإنما الكلام مأخوذ عن المشركين ومن وافقهم من مبدّلة الصابئة وأهل الكتاب ثم إنه اشتبه على من ضل به من أهل الملل الوجه الخامس عشر أن من تأمل نصوص الكتاب وما ورد في ذلك من الآثار عن الصحابة والتابعين علم بالضرورة علماً يقيناً لا يستريبُ فيه أن لله عز وجل حجاباً وحجبا منفصلة عن العبد يكشفها إذا شاء فيتجلى وإذا شاء لم يكشفها وإذا كان الحجاب هو الجسم المتوسط بين جسمين فلازم الحق حق لا يمكن أن يُدفع ما علم بالاضطرار من دين المرسلين بمثل نفي هذا الكلام الذي قد تبين أن نفيه من فاسد الكلام وأن الحجة لمثبتيه أقوى منها لنافيه في الفطرة والشرعة والنظر والخِصَام
(8/128)

الوجه السادس عشر أن الله تعالى قد قال وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] ومعلوم أن هذا التكليم هو مثل تكليمه لموسى كما جاء في الحديث المتقدم أنت موسى الذي كلمك الله من وراء حجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه وهذا التكليم أرفع درجة من تكليمه بالوحي أو إرسال رسول باتفاق المسلمين كما دل عليه الكتاب والسنة فإن كان الحجاب هو عدم خلق الرؤية كان المعنى أن الله عز وجل كلمه مع عدم رؤيته ومعلوم أن عدم الرؤية قدر مشترك في جميع هذه الأنواع وأن ذلك ليس مما يفضل به موسى وإذا لم
(8/129)

يكن التكليم من وراء حجاب لا يفيد إلا هذا المعنى كان ما ثبت لموسى دون ما ثبت لغيره من الرسل وهذا معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام لاسيما إذا قرن بذلك في أن تكليمه هو خلق إدراك المعنى القائم فيه فيكون لموسى من التكليم ما لا يحصيه إلا رب السماء ولهذا يدّعي طوائف من الجهمية أنه يحصل لهم من التكليم مثل ما حصل لموسى ومنهم من يدّعي أنه يحصل لهم أرفع من ذلك الوجه السابع عشر أنه قال أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] أي من خلف حجاب والعدم المحض ليس له خلف لا أمام فعلم أنه حجاب موجود يكون له وراء الوجه الثامن عشر أنه لو صرح بالمعنى الذي ذكروه فقال أو من وراء عدم خلق الرؤية لكان هذا من الكلام الذي يُعلم جنون صاحبه أو هو كلام لا حقيقة له ولا يَحمل كلام الله عز وجل على ذلك إلا زنديق منافق متلاعب بالقرآن والإسلام أو جاهل فيحكم عليه بالجهل بما يخرج منه من الكلام
(8/130)

الوجه التاسع عشر أنه عز وجل قال في حق الكفار كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) [المطففين 15] فخص الحجاب بأنه يومئذٍ فلو كان هو عدم خلق الرؤية لكانوا ما داموا محجوبين الوجه العشرون أنه تعالى خصّهم بذلك دون المؤمنين وجعل ذلك مما يعذبهم به فلو كان هو عدم خلق الرؤية لكان المؤمنون في الدنيا محجوبين معذبين بهذا الحجاب الذي حجب به الكفار في الآخرة فعلم أن ذلك حجاب خاص يحجب الله عز وجل به الكفار حين يتجلى للأبرار الوجه الحادي والعشرون أن الله عز وجل قال في قصة موسى وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف 143] فأخبر سبحانه أنه تجلى للجبل وأنه لما تجلى له جعله دكًّا فتجليه له إما أن يكون مجرد خلق الرؤية فيه كما يقولون إن ذلك هو تجليه لسائر من يراه أو يكون تجليه هو رفع الحجاب حتى ظهر للجبل فإن كان التجلي هو خلق الرؤية كان قد أخبر أن الجبل أطاق رؤيته وأن الجبل رأى الله وإذا كان كذلك لم
(8/131)

يجب أن يصير دكًّا إذا ورد عليه ما يعجز عن مقاومته فإذا كان التجلي ليس هو إلا أن جعل رائياً فمعلوم أنه يكون قادراً على ما جُعل فاعلاً له فلا يكون دكًّا ولو كان كذلك لكان العبارة المناسبة أن يقال فلما رأى الجبلُ ربَّه جعله دكًّا فلما دلّ القرآن مع ما ورد به الحديث في تفسير هذه الآية أن التجلي هو ظهوره وأنه مع ذلك قد لا يطيق المتجلي له رؤيته لعجزه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عُلم أنه قد يتجلى لمن يراه ولمن لا يراه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عند الاحتجاب فعلم أن هناك حجاباً خارجاً عن الإنسان وأن التجلي يكون برفع كل الحجاب الوجه الثاني والعشرون قوله والحجاب عند من ينكر الرؤية محمول على أنه منع وصول آثار إحسانه إليهم فيقال لو كان الحجاب منع الإحسان لكان من كلمه الله من وراء حجاب كما كلم موسى وهو التكليم الذي فضله الله به على سائر العباد منعاً من الإحسان فيكون الذي ناداه الله وقربه نجيا أو اصطفاه على الناس برسالاته وكلامه ممنوعاً من الإحسان إليه وهذا من أفسد ما يكون في بداهة
(8/132)

العقول وهو من أبلغ التحريف وقلب الحقائق والإلحاد في آيات الخالق ومعلوم أن هذا ما قالوه إلا في قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) [المطففين 15] لم يقولوا في هذه الآية لكن الحجاب مذكور في الآيتين
(8/133)

الوجه الثالث والعشرون أن هذا حمل للفظ على ما لا تحتمله اللغة بوجه من الوجوه وهو تبديل اللغة كما أنه تبديل للقرآن وتحريف له الوجه الرابع والعشرون أن ألفاظ الحديث صريحة في الحجاب المانع من الرؤية كقوله صلى الله عليه وسلم فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة وفي رواية فيتجلى لهم ولا يجوز تفسير النظر هنا بالإحسان لقوله فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولأن اقتران كشف الحجاب بالنظر صريح في الرؤية وكذلك قول وما بين قوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا صريح في أنه حجاب مانع من النظر لا من الإحسان الوجه الخامس والعشرون قوله حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه والنور والنار لا تختص بمنع الإحسان وذلك الحجاب
(8/134)

لو كشف لم يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه بل عندهم إذا كشفه حصلت الرحمة والإحسان إلى المحجوبين الذين كانوا محجوبين أي ممنوعين من الإحسان الوجه السادس والعشرون أن إحسان الله عز وجل إلى عباده لا يمنعه شيء أصلاً كما قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر 2] وقال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس 107] وذلك أنه إن أحسن إلى العبد امتنع أن يكون الإحسان ممنوعاً وإن لم يحسن فليس هناك شيء يكون ممنوعاً فأحد الأمرين لازم إما وجود إحسانه ونعمته فلا مانع له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت وإما عدم وجوده فذلك يكون لأنه لم يشأه لا يكون لوجود مانع الوجه السابع والعشرون أنه عز وجل قال كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ
(8/135)

رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) [المطففين 15-16] فجعل الحجب قبل دخول النار وذلك لا يكون إلا في عرصة القيامة أو ما قبل ذلك ومعلوم أن الله عز وجل لم يخلق في عَرصة القيامة إحساناً موجوداً حجب الكفار عنه فإن العرصة ليست محل ثواب ولا عقاب وإذا لم يكن هناك نعيم موجود يصح منعهم عنه عُلم أن الحجب عن نفسه الوجه الثامن والعشرون أن ما ذكره من الخبر الثاني الذي قال إنه مروي في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره ثم إنه فسره بذلك التفسير العجيب الذي لم يدل عليه اللفظ لا حقيقة ولا مجازاً هو من جنس ما فعله في كتابه الكبير الذي سماه المطالب العالية وجمع فيه من مباحث الفلاسفة والمتكلمين وذكر فيه كتاباً مفرداً في تفسير المعراج فرواه بسياق لا يعرف في شيء من كتب الحديث وفسره بتفسير الصابئين
(8/136)

والمنجمين وهذه الأمور تلقاها من زنادقة الفلاسفة الجهال بالمعقول والمنقول وهي عندهم من أسرار الحقائق كما يدعي ذلك القرامطة ونحوهم من الداخلين في هؤلاء وذلك أن
(8/137)

هذا الحديث في أن لله عز وجل سبعين حجاباً من نور
(8/138)

وكون الفاعل أكمل من المفعول والأعلى أكمل من الأدنى ليس في ذلك ما يدل عليه لفظ سبعين حجاباً من نور الوجه التاسع والعشرون أن هذه المخلوقات لا تسمى عنده حجاباً فإن الأجسام لا تحجب الله بل هي آيات ودلالات على الرب الوجه الثلاثون أم كشف الحجاب زواله ورفعه فيكون المعنى لو كُشفت هذه المخلوقات أي رفعت وزالت ومعلوم أن رفعه لا يحصل به فائدة عنده فإن الله عز وجل لا يُرى إذا رفعت ولا يزداد العلم به بل تنقص آياته فيكون العلم به بوجودها أكمل وأتم الوجه الحادي والثلاثون قوله كمال الأدنى بالنسبة إلى الأعلى كالعدم أمر لا حقيقة له إذ كون الشيء دون غيره ولو كان بأي مرتبة كان لا يوجب أن يكون مثل المعدوم بل له حظه من الوجود ومعلوم أن الله عز وجا قد كرّم بني آدم بأنواع الكرامات التي تمنعهم عن مشابهة المعدومات الوجه الثاني والثلاثون أن الذي يقال إن الإنسان عاجز عن إدراك ربه والإحاطة به غاية العجز وهذا حق لكن قوله لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره لا يدل
(8/139)

على هذا المعنى أصلاً فتفسير هذا بهذا من باب التحكم بل تفسير جهال الرافضة للإمام المبين بأنه علي بن أبي طالب
(8/140)

أشبه من هذا لأن عليًّا يسمى إماماً وكذلك تفسيرهم لللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين فيه من المناسبة أكثر من هذا حيث قتل هذا وسم
(8/141)

هذا الوجه الثالث والثلاثون أن كشف هذه الحجب إما أن يعني به وجودها فهي موجودة ولم يحصل هذا أو يراد به عدمها فإذا عدمت لم تكن معرفة الله بذاتها إلا دون معرفة الله عز وجَل مع وجودها وكذلك رؤيته على أصله إذ ليس للرؤية تعلق بوجود هذه ولا عدمها عنده وإذا كان كذلك علم أن تفسير قوله لو كشف هذه الحجب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه لا يصح على التقديرين الوجه الرابع والثلاثون أنه قال لأحرقت كل شيء أدركه بصره لم يخص بذلك الإنسان العاجز عن مطالعة تلك الكمالات الوجه الخامس والثلاثون أن قوله في الحديث الصحيح حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه قد بينوا السبحات في لغة العرب قال
(8/142)

الخلال في كتاب السنة سألت ثعلباً عنها وقد رواه ابن بطة في كتاب
(8/143)

الإبانة عن أبي بكر عنه قال سألت ثعلباً عن قول
(8/144)

النبي صلى الله عليه وسلم لأحرقت سبحات وجهه فقال السُبحات يعني من ابن آدم الموضع الذي يسجد عليه وهذا الذي قال ثعلب معروف يقول أحدهم أما ترى إلى سبحات وجهه يعني إلى نور هذا الموضع وكأنه والله أعلم سمى ذلك سبحات لأن الصلاة تسمى تسبيحاً ويسمون صلاة التطوع سُبْحة لغة مشهورة لأن العبد يجمع فيه بين كمال القول والفعل وهو حال السجود الذي يكون العبد فيه أقرب ما يكون من ربه إذ أفضل أقوال الصلاة القراءة لكن نهي عنها في الركوع والسجود وأفضل أفعالها السجود وذكره التسبيح والسُّبْحة ما يسبح به كما يسمى النظام الذي فيه خرز يسبح به سبحة وسبحات وجهه ما يُسبح به وقال القاضي أبو يعلى فأما قوله كل شيء أدركه بصره من
(8/145)

خلقه معناه أن نور وجهه يحرق ما يدركه من خلقه وذكر قول ثعلب وهذا يطابق معنى الحديث حيث أخبر أن حجابه النار أو النور وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه الذي حجابها النور أو النار ما أدركه بصره من خلقه قال نور سبحاته تحرق ما أدركه بصره من خلقه وقد تقدم أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود كان إذا روى هذا الحديث عن أبي موسى يقرأ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) [النمل 8] الوجه السادس والثلاثون أنه قد تقدم من حديث عدي بن حاتم قوله مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له وهذا يقتضي أنه يمكن أن يكون له حجاب يحجبه كما يمكن أن يكون له ترجمان يترجم له وقد صرح القرآن بأن التكليم يكون من وراء حجاب وعلى رأي المؤسس وذويه لا يمكن أن يكون بينه وبين عباده حاجب ولا ترجمان إذ
(8/146)

تكليمه هو خلقٌ لإدراك المعنى القائم بنفسه وهذا لا يتصور أن يكون فيه ترجمان ورؤيته هي خلق الرؤية في العين وذلك لا يتصور أن يكون له حجاب وأيضا فنفيه للحاجب والترجمان في تكليمه ذلك اليوم دليل على أن المر في الدنيا ليس كذلك وعند المؤسس لا فرق بين الدنيا والآخرة بل إذا فهم أحدهما المعنى القائم بذاته يُعَدُّ كلمه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان الوجه السابع والثلاثون أن قول القائل إن الله لا يُحجب أو لا يحتجب لفظ مجمل كقوله إن الله لا يغيب فإن هذا يراد به أن لا يحتجب أن يشهد خلقه ويراهم كما أنه لا يغيب عن أن يشهدهم ويراهم وهذا حق فإن الله لا يحجبه شيء عن علمه وبصره ولا يتوراى منه شيء الوجه الثامن والثلاثون ما احتج به الأشعري في مسألة العرش حيث قال ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم يقولون
(8/147)

يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سموات قال قال عز وجل وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم ممن ليس من جنس البشر لكان أبعد من الشبهة وأدخل في الشك على من سمع الآية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً وترك
(8/148)

أجناساً لم يعمهم بالآية فيدل ما ذكرناه على أنه خصَّ البشر دون غيرهم فهذا الأشعري أثبت بذلك أن الحجاب قد يكون خاصًّا لبعض المخلوقات دون بعض وذلك يدل على ثبوت الحجاب المنفصل عن المخلوقات إذ الحجاب الذي هو عدم خلق الرؤية لا يختص بنوع دون نوع واستدل بذلك على أن الله بائن من خلقه فوق العرش إذ لا يمكن أن يكون بعض المخلوقين محجوبين عنه إلا على هذا القول دون من ينكر ذلك ويقول إنه بذاته في كل مكان أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه فإن نسبة جميع الخلق إليه واحدة في ثبوت هذا الحجاب ونفيه وقوله لو كشفها عن وجهه معناه لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سُبحات وجهه أي أحرقت محاسنَ
(8/149)

وجه المحجوب عنه بالنار فالهاء عائدة على المحجوب لا إلى الله عز وجل ومثل هذا يقال في الخبر الذي رواه أُبيّ لأحرقت سبحات وجه العبد كل ما أدركه بصره فتكون السبحات محرقة لما أدركه العبد فيقال هذا من أبطل الباطل من وجوه أحدها أن هذا تحريف للفظ الحديث وهو أبلغ من تحريف معناه فإن لفظ الحديث حجابه النار أو النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره وهذا التحريف نظير قراءة من قرأ من الجهمية وكلم الله موسى تكليما وجعل موسى هو المُكلّم الذي كلم الله عز وجل الوجه الثاني أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفها لم يقل لو كشف عنها وكشف الشيء إزالته ورفعه والكشف عنه إظهاره كما قال في الحديث الآخر فيكشف الحجاب فينظرون إليه ولو أراد ذلك المعنى بها لقال لكشف عنها الوجه الثالث أنه قال حجابه نور والضمير عائد إلى الله
(8/150)

لا إلى العبد لأن العبد لم يجر له ذكر فإنه قال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعملُ النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وعلى ما ذكره لا يكون الضمير إلا إلى العبد كما صرحوا بذلك الوجه الرابع أنه لا يصح عود الضمير إلى العبد عندهم لأنه لا يحجبه لا نور ولا نار أصلاً وإنما الحجاب عدم خلق الرؤية أو ما يمنع الإحسان الوجه الخامس أنه لو فرض أن هناك نور أو نار أو ما مثل بذلك وأنه يحرق العبد لأحرقه كله لم يكن الإحراق مختصًّا بسبحات وجهه الوجه السادس انه قال لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره من خلقه فلو كانت السبحات مُحَرقة وكانت منصوبة وكانت النار هي المُحرِقةُ لكان قوله بعد ذلك كل ما أدركه كلامٌ باطلٌ ولو كان المُحرِق كل ما أدركه بصره لم تكن النار محرقة فيمتنع أن يكون الفاعل النار وكل ما أدركه بصره وجعل المُحْرقِ أحدَهما يمنع أن يكون الآخر فاعلاً لفظاً ومعنى
(8/151)

وعلى قول الرازي جعل المُحرِق هو كل ما أدركه بصره من خلقه وعلى قول ابن فورك جعل المُحرِق هو النار والحديث نصٌّ في إبطال الاثنين جميعاً الوجه السابع أن كل ما أدركه بصر العبد يمتنع أن يحرق سبحات وجهه فإنه لا يزال يدرك أشياء وهي لا تحرقه ولو أريد احتراق قلبه وفناؤه عن المشاهدة لم يكن المذكور هو الوجه بل قال لأحرق قلبه ونحو ذلك قالوا لا يجوز أن يكون الله محتجباً ولا محجوباً بالحجاب لأن ما ستر بالحجاب فالحجاب أكبر منه ويكون متناهياً محاذياً جائزاً عليه المماسة فقال القاضي اعلم أنه ممتنع إطلاق حجاب هو نور من دون الله على وجه الإحاطة والحد والمحاذاة كما أجزنا رؤيته لا على وجه الإحاطة والجهة
(8/152)

والمقابلة وإن كنا لا نجد في الشاهد ذلك وكما قال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] فأثبت الوقوف عليه قال وما ذكروه غلطٌ لأنا لما بينا أنا نثبت حجاباً لا يفضي إلى التناهي والمحاذاة والمماسة كما أثبتنا رؤيته لا على وجه التناهي والمحاذاة وهذا الذي قاله القاضي من نفي التناهي والمماسة والمحاذاة فيه نزاع مشهور وقد رجع هو إلى إثبات الحد كما تقدم حكاية قوله والتحقيق أن قولهم ما ستره الحجاب فالحجاب أكبرُ منه ليس بسديد سواء كان الحجاب يحجب الشيء عن أن يراه غيره أو يحجب أن يرى غيره والحجاب في حق الله
(8/153)

لا يصح إلا بالمعنى الثاني فإن الله عز وجل لا يحجبه شيء عن أن يرى عباده ويشهدهم وإنما يحجب العباد عن أن يروه وأن يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه والعبد يصح في حقه الحجاب بالمعنيين ومع هذا فلا يشترط أن يكون الحجاب أكبر فإن الشيء الصغير إذا وضع قريباً من عينه حجبه أن يرى شيئاً من الأشياء والشيء الكبير إذا كان بعيداً من الرائي حجبه ما هو أصغر منه بكثير كما يحجب الشمس سحابةٌ وإن كانت الشمس بقدرها مرات لا يعلمها إلا الله تعالى والإنسان يكون محجوباً عن رؤية السماء بسقف بيته بحيث إذا زال عاين السماء وهي بقدر السقف أضعافاً مضاعفة وذلك أن الحجاب كلما قرب إلى الرائي كان أصغر من البعيد عنه لأنه على قدره يكون لا على قدر ما يحجب العبد عن رؤيته فحجب الرب الذي يحجب العباد عن مشاهدته أو أن يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه من أين يجب أن يكون أكبر منه قالوا لا يصح أن يكون المحدث ولا القديم محجوباً بشيء من سواتر الأجسام المغطية الكثيفة المحيطة وإنما
(8/154)

يقال لهذه الأجسام الساترة أنها حجاب عن رؤية المحدث لما رآه من أجل أن المنع من الرؤية يحدث عنده وعلى هذا ما يقوله من أن الباري لا نراه في الدنيا لأنَّا في حجاب على طريق المجاز وإنما المانع من رؤيته ما يحدثه من المنع وإنما كان كذلك لأن المانع من معرفة الشيء أو رؤيته ومعاينة ما يمنع من وجود معرفته ومعاينته وما يمنع من ذلك فهو الذي يضاد وجوده وذلك لا يصح إلا في العرضين المتضادين المتعاقبين ولا يصح أن يكون الجسم منعاً ولا مانعاً من عرض أصلا لأنه لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تنافٍ وقد أجاب القاضي عن هذا بأن هذا لا يمنع من إطلاق اسم الحجاب على القديم سبحانه كما لا يمنع من إطلاقه على غيره وإن كان هذا المعنى الذي ذكره موجوداً فيه والتحقيق أن هذا الكلام من أغاليط هؤلاء المتكلمين
(8/155)

وذلك أن تسمية الأجسام الساترة حجباً أمرٌ معلومٌ بالاضطرار من اللغة مُتفق عليه بين أهلها ومنه تسمية حاجب الأمير حاجباً وحاجب العين حاجباً فمنع كون الجسم حاجباً ومحجوباً جحد لما يُعلم بالضرورة من اللغة وأيضا فلفظ الحَجْب والسِّتْر متقاربان فقوله إنما يقال لهذه الأجسام الساترة إنها حجاب لِكَذا إثبات لكونها ساترة فكيف يثبت أنها ساترة ويمنع أنها حاجبة وأيضا فالعلم أن الأجسام تحجب الإنسان أن يرى ما وراءها هو من العلوم الحسية فإن الحجاب الحائل بين العبد وبين المرئي يمنع رؤيته وأما قوله المانع من رؤية الشيء ما يحدث من المنع خلاف ما تقدم من أن الحجاب عنده عَدمُ خَلْق الرؤية وهذا أمر عدمي لا يحتاج فيه إلى وجود ضد وجودي منع الرؤية وهذا ظاهر فإن السمع والبصر أمران وجوديان عنده ثم يقال وإذا قام بالعين مانع من الرؤية فذلك لا يمنع أن يكون الجسم مانعاً وأن يكون ذلك الجسم المانع الحاجب سبباً لهذا العرض المانع بل ذلك لا يمنع أن يكون باسم
(8/156)

الحجب والمنع أحق لأنه حدث عنه والحجب المانع ليس هذا المنع والحجب وقوله إنما المانع من رؤيته ما يحدثه من المنع ليس هذا الحصر صحيحاً بل الأجسام الساترة مانعة وإن قدّر أن تكون العين قد حصل فيها مانع كالعمى ألا ترى أن الجفن نفسه جسمٌ فإذا أطبقه العبد منع العين أن ترى وإن قام بالعين مانع فالمانع ليس سبباً للمنع وقوله المانع من الرؤية ما يمنع وجودها وما يمنع ذلك فهو الذي يضاد وجودها فيقال له لفظ التضاد في اللغة أعم من لفظ التضاد في اصطلاح المتكلمين وبهذه اللغة جاء القرآن قال الله تعالى وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) [مريم 81-82] وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضادَّ الله في أمره
(8/157)

وأما تخصيص الضدين بأنهما العرضان اللذان لا يجتمعان في محل واحد فهذا عرف اصطلاحي للمتكلمين وإذا كان التضاد في اللغة أعم من ذلك بحيث قد يكون الجسم يضاد الجسم ويضاد العرض لم يجز حمل كلام الله ورسوله
(8/158)

على اصطلاحهم الحادث هذا لو كان الشارع نطق بلفظ الضد وإنما جاء بلفظ الحجاب والحجاب يتضمن المعنى لكان هذا الذي فعلوه مغلطة نشأت من جهة اشتراك اللفظ وذلك أنهم قالوا الحجاب مانع والمانع من الشيء ما يضاده وهذا كله صحيح باللغة العربية وهو مسلَّم على هذه اللغة ثم قالوا والتضاد لا يصح إلا في العرضين المتعاقبين ولا يصح أن يكون الجسم منعاً ولا مانعاً من عرضٍ أصلاً لأنه لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تناف وتضاد وهذه مغلطة فإنه يقال التضاد والمنع والتنافي الذي
(8/159)

لا يصح إلا بين عرضين لا يكون بين جسم وعرض وهو المنع من اجتماعهما في محل واحد أو هو المنع من اجتماعهما في الوجود وإن كان في محلين فإن قال الأول فذاك التضاد والمنع والتنافي الخاص الاصطلاحي ولم يدع أحد أن لفظ الحجاب في اللغة موضوع بإزاء هذا المعنى الخاص فإنه من المعلوم أن الجسم يقبل الأعراض لا يمتنع لعموم كونه جسماً أن تقوم به الأعراض وإن كان قد يمتنع لخصوص ذاته من قيام بعض الأعراض به وإن قال بل مطلق المنع والتضاد ولو في محلين لا يصح أن يكون بين جسم وعرض قيل هذا غير مسلَّم ولا هو صحيح فإن منع كثير من الأجسام لكثير من الأعراض كالشمّ والذوق واللمس أمرٌ محسوس غاية ما يقال إن مطلق الجسم لا ينافي مطلق العرض فإنه يمكن قيامه به لكن فَرْق بين عموم النفي ونفي العموم ففرق بين نفي الإمكان والصحة من جهة خاصة وبين نفي ذلك مطلقاً
(8/160)

فقول القائل لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تنافٍ وتضاد إن أراد به أن لا يصح فهذا خلاف للمحسوس بل أظهر ما للإنسان لباسه الذي يقيه الحر والبرد وهما عرضان قال تعالى وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل 81] وقاية الحر منعه ودفعه وإن أراد أن الجسم من جهة كونه جسماً لا يمنع وجود العرض فهذا حق لكن نفي المنع من جهة كونه جسماً لا يقتضي انتفاء المنع من جهة كونه جسماً لاسيما وقد بينَّا أن الأجسام ليست متماثلة
(8/161)

وأن مسمى الجسم إنما هو القائم بنفسه أو المقدر أو صفة المقدر فيكون المعنى أن الأمور القائمة بأنفسها لا تمنع من جهة المقدار قيام الصفات بها إذ لا منافاة بين المقدار والصفة وهذا حق لكن قد تكون المنافاة من جهة خصوص ذات القدر كما أن العرض من حيث هو عرض لا يمنع مجامعة العرض كاجتماع اللون والطعم والرائحة في محل واحد وإنما تقع المنافاة في بعض الأعراض كاللونين والطعمين فلا فرق في الحقيقة بين تنافي الأجسام وتنافي الجسم والعرض إذ المنافاة والمضادة تختص ببعض هذه الأقسام الثلاثة دون بعض بحسب خصوص ذات المتضادين وفي الجملة فلفظ المانع والتنافي والتضاد ونحو ذلك لها في اللغة التي يتخاطب بها الناس معنى أعم مما لها في اصطلاح هؤلاء وأيضا فإنهم كثيراً ما يَغْلَطون في أحكام الأجسام
(8/162)

والأعراض كاعتقاد بعضهم تماثلها أو امتناع بقاء الأعراض وغير ذلك مما ليس هذا مَوضعَه فإذا سمع هذه الكلمات من لا يكون عارفاً حقيقة معانيها يحسب أنها من القضايا المقبولات بمنزلة الأخبار الصحيحة والأحكام المجمع عليها بين المسلمين ولا يعلم أن النزاع بين الناس فيها عظيم وغلط هؤلاء فيها جسيم وأنه عند الاستفصال ينكشف الحال
(8/163)

فصل قال الرازي الفصل الثامن في القرب قال سبحانه وتعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وروى الأستاذ ابن فورك رحمه الله في كتابه
(8/164)

المتشابهات عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع الجبار كنفه عليه فيقر بذنوبه فيقول أعرف ثلاث مرات فيقول تعالى إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود 18] قال واعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته
(8/165)

ودنوها من العبد وأما قوله فيضع الجبار كنفه عليه فهو أيضا مستفاد من قرب الرحمة يقال أنا في كنف فلان أي في إنعامه وأما ما رواه بعضهم فيضع الجبار كتفه فاتفقوا على أنه تصحيف والرواة ضبطوها بالنون ثم إن صحت الرواية فهي محمولة على التقريب بالرحمة والغفران والله أعلم والكلام على هذا أن يقال أما الخبر الأول فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الثاني فهو أيضاً من أشهر الأحاديث الصحاح أخرجه في الصحيحين عن صفوان بن محرز المازني قال بينما ابن عمر يطوف إذ عرض له رجل فقال يا أبا
(8/166)

عبد الرحمن أو يا ابن عمر كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا فيقول أعرف ربي أعرف ربي مرتين فيقول سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم يعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود 18] وفي لفظ إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا وتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره ورأى في نفسه أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافق فيقول الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) [هود 18] ولفظ الحديث بالنون وأما ما ذكره في رواية بعضهم كتفه فهذا تصحيف باتفاق أهل العلم كما ذكره ومثل هذا لا يحتاج إلى تفسير فأما إذا علم أن اللفظ كذب
(8/167)

على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم من حدّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين
(8/168)

ولا يجوز تفسير ما علم أنه كذب بتقدير ثبوته ولاسيما في مثل هذا الباب فإنه جعل للكذب معنىً صحيحاً وهذا التقدير منتف فيكون المعلق عليه منتفياً وهو إثبات معنى صحيح له وقد بينا فيما تقدم أن التأويل بيان مراد المتكلم ليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يقال أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ كذا مع العلم بأنه لم يقل ذلك اللفظ فإن إثبات إرادته مع العلم بانتفائها جمع بين النقيضين وسواء احتمل ذلك في اللغة أو لم يحتمله فإن هذا لا يوجب إرادة النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى بلفظ قد علمنا أنه لم يقله ولكن العلم بالموضوع المختلق وبالصحيح الثابت هو من بيان أهل العلم بالحديث والسنة وأما هذا المؤسس وأمثاله فلا يميزون بين هذين حتى قد يكذّبوا بالأحاديث التي يعلم أهلُ العلم أنها صدق ويصدّقوا أو يجوزوا صدق الأحاديث التي يُعلم أنها كذب إذا عرف هذا فهذان الحديثان مع الآية تضمنا شيئين
(8/169)

أحدهما تقرب العبد إلى ربه ودنوه إليه والثاني تقرب الرب إلى عبده وتقرب الرب إلى عبده نوعان أحدهما هو من لوازم تقرب العبد إليه فإنه من المعلوم أن الشيئين إذا تقرب أحدهما إلى الآخر كان من لوازم هذا قرب الآخر إليه إذ القرب من الأمور الإضافية من الجانبين فيمتنع أن يقرب أحدهما من الآخر إلا والآخر قد قرب إليه لكن لا يستلزم هذا أن يكون المُتقَرب إليه قد وجد منه فعل بنفسه يقرب منه بل يكون قربه هو القرب الذي حصل بفعل المقترب كالشيء المتحرك المتقرب إلى الشيء الساكن فإنه كلما تقرب إليه قرب الساكن إليه من غير حركة منه فهذا النوع من قرب الرب إلى عبده هو تبع لقرب العبد إلى الله فمن أثبت قرب ذات الله إلى العبد بهذا الاعتبار وإلا فلا وأما النوع الثاني من تقرب الرب إلى العبد فهو تقربه بفعلٍ يقوم بنفسه كما ورد لفظ المجيء والإتيان والنزول وغير ذلك فالكلام على هذا التقرب يؤخر إلى حيث يذكر ذلك وتكلم هنا في القرب الأول فكل من قال إن الله فوق العرش قال إنه يمكن التقرب إليه وأما من قال إنه ليس فوق
(8/170)

العرش قال إنه في كل مكان بذاته أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه فعلى قولهم يمتنع التقرب إليه وهؤلاء منهم من يقول إنه جسم ومنهم من يقول ليس بجسم كما تقدم ذكر ذلك عنهم وقد اعترف بالتقرب إليه نفسه من أقرّ بأنه فوق السموات ممن قال إنه ليس بجسم وممن قال إنه جسم وممن لم يقل واحداً من القولين لا أثبَتَ الجسم ولا نفاه فتبين أن إثبات التقرب إليه ونفيه ليس من لوازم القول بالجسم بل المثبت له والنافي منهم من يقول يتقرب إليه نفسه ومنهم من يقول لا يُتقرب إليه نفسه ومن يقول لا يتقرب إليه نفسه والتقرب إليه اسم جنس وتحته أنواع من أثبت نوعاً من تلك الأنواع فقد أثبت التقرب إليه بشيء وكذلك من أثبت أنه يصعد إليه نفسه بشيء أو يرتفع إليه بشيء وكذلك من ذهب إلى أنه تذهب إليه نفسه بشيء أو تأتيه نفسه بشيء أو تقف عليه نفسه ونحو ذلك فقد أثبت أنه يتقرب إليه بشيء وأما من
(8/171)

أثبت أنه هو يجيء ويأتي ويتقرب فإنه يثبت التقرب إليه بطريق الأولى وكل من استدل على أنه فوق العرش بالنصوص المتضمنة لذكر العلو إليه مثل قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر 10] وقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقوله تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وغير ذلك فإنه يقول إنه يتقرب إليه وكذلك من أثبت أنه يقف عليه شيء أو يجيئه شيء أو أن عبده يلقاه أو يكون بينه وبين خلقه حجاب ونحو ذلك فإنه يقول إنه يتقرب إليه وفي القرآن مما فيه وصف ذهاب بعض الأشياء إليه نفسه أو صعودها إليه أو نزولها من عنده وما يشبه ذلك نحو خمسمائة آية أو أكثر وكل ذلك يدل على جواز التقرب إليه قال تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة 281] وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ
(8/172)

[البقرة 223] وقد تقدم كثير من الآيات التي فيها ذكر لقاء العبد ربه وكل ذلك يستلزم التقرب إليه ومن نفى أحدهما نفى الآخر ومن أثبت أحدهما أثبت الآخر وهذا يتأولهما النافي على لقاء مخلوق التقرب من مخلوق وقد قال تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) [البقرة 156] وقال تعالى فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة 54] وقال تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ [الأنعام 164] وقال تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) [آل عمران 28] وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) [المائدة 96] وقال تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) [الأنعام 164] وقال تعالى إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزمر 7] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) [الأنعام 60] وقال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام 94] وقال
(8/173)

كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) [الأنعام 108] وقال تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 61-62] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام 30] وقال تعالى وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 51] وقال تعالى عن السحرة قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) [الأعراف 125] وقال تعالى وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة 118] وقال شعيب عليه السلام وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) [هود 88] وقال تعالى وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود 123] وقال تعالى وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) [يونس 46] وقال تعالى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) [يونس 23] وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) [يوسف 108] وقال تعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف 6] وقال تعالى وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ
(8/174)

مُسْتَقِيمٍ (87) [الأنعام 87] وقال تعالى وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) [الرعد 30] وقال تعالى وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) [الكهف 48] وقال تعالى وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت 50] وقال تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) [مريم 93 إلى 95] وقال تعالى وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) [مريم 58] وقال تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) [مريم 85] وقال وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) [المؤمنون 79] وقال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) [المؤمنون 60] وقال تعالى وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور 39] وقال تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) [النور 31] وقال تعالى فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) [الفرقان 71] وقال تعالى قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) [الفرقان 57]
(8/175)

وقال تعالى عن السحرة قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) [الشعراء 50] وقال تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) [النمل 87] وقال تعالى وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) [القصص 38-39] وقال تعالى وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) إلى قوله كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) [القصص 87-88] وقال تعالى فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان 15] وقال تعالى فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) [العنكبوت 17] وقال تعالى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) [الروم 31] وقال تعالى دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم 33] وقال تعالى وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان 15] وقال تعالى وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ
(8/176)

الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان 22-23] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ 31] وقال المؤمن وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) [يس 22] وقال تعالى وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) [يس 32] وقال تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) [يس 51] وقال تعالى عن إبراهيم إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) [الصافات 84] وقال
(8/177)

تعالى وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) [الصافات 99] وقال تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت 33] وقال تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) [فصلت 6] وقال تعالى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) [الزخرف 36] إلى قوله حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) [الزخرف 38] وقال تعالى مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) [الجاثية 15] وقال تعالى وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) [الأحقاف 15] وقال تعالى لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق 28] وقال تعالى مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق 33] وقال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات 50] وقال تعالى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) [النجم 42] وقال تعالى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [النازعات 40] وقال تعالى رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) [الممتحنة 4] وقال المسيح عليه السلام مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [الصف 14] وقال تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ
(8/178)

بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) [الجمعة 8] وقال تعالى تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) [المزمل 8] وقال تعالى فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) [المزمل 19] وقال تعالى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) [النازعات 18-19] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) [الانشقاق 6] وقال تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) [الغاشية 25-26] وقال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) [الفجر 27-30] ومثل هذا في كتاب الله كثير لا يستقصى إلا بكلفة شديدة وأما لفظ القرب إلى الله تعالى فقد قال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) [النساء 172] وقال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) [الواقعة 88-89] وقال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) [المطففين 18-21] وقال تعالى
(8/179)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) [المائدة 35] وقال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء 57] وقال تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] وقال تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] وقال تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) [ص 25] في قصة داود وسليمان عليهما السلام وقال هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران163] وأما في الأحاديث النبوية فكثير وكلام السلف والأئمة وجميع المسلمين من ذكر القرب إلى الله تعالى وما يقرّب إلى الله ونحو ذلك هذا لا يحصيه إلا الله تعالى إذا عرف هذا فقوله في هذا الحديث يدنو المؤمن من ربه أو أن الله يدني المؤمن أو يؤتي بالمؤمن يوم القيامة فيدنيه الله منه ليس فيه إلا تقريبه وإدناؤه إلى الله تعالى وهذا له نظائر لا يحصيها إلا الله وقد تقدم ذكر بعضها وبعضها يحُصّل العلم الضروري بدلالة النصوص على الدنو إلى الله –تعالى والقرب إليه والنصوص الدالة على ذلك أضعاف
(8/180)

النصوص الدالة على الصعود إلى الله تعالى فإن الصعود إلى الله تعالى نوع من القرب وكما أن دلالات النصوص على ذلك من أعظم المتواترات فالعلم بها أيضاً مستقرٌ في فطرِ المسلمين عامتهم وخاصتهم كما استقر في فطرهم أن الله فوق كلهم مقرون بأن العبد قد يتقرب إلى الله وأن العباد منهم المقرب وهو الذي يقربه الله عز وجل إليه ومنهم الملعون الذي يبعده الله عز وجل عنه وكلهم يسمون الطاعات قربات ويقولون إنا نتقرب بها إلى الله وليس فيهم من ينكر بفطرته التقرب إلى الله إلا من غُيرت فطرته بنوع من التجهم والتعطيل كما أنه ليس منهم من ينكر رفع يديه إلى الله تعالى إلا من غيرت فطرته بنوع من التجهم والتعطيل وكل واحد من هذين الأصلين يستلزم الآخر فإنه إذا كان فوق العرش أمكن القرب وكان علوه دليلاً على إمكان القرب منه وإذا ثبت أنه يمكن القرب منه ثبت أنه حيث يمكن القرب منه
(8/181)

ولهذا يحتجون بكل من الأصلين فإن أبا محمد عبد الله بن كلاب وأصحابه وأبا الحسن الأشعري وأئمة أصحابه لا ينازعون في أن الله تعالى فوق العرش وفي أنه يمكن التقرب إليه نفسه وهم يستدلون بأحدهما على الآخر وإن قالوا مع ذلك إنه ليس بجسم وإن كان بينهم وبين غيرهم نزاع في أن قولهم متناقض أو غير متناقض ولهذا كان كثير من متأخري أصحابه ينكرون أنه فوق العرش ويوافقون المعتزلة في نفي ذلك أن ثبوته يستلزم التجسيم قال أبو الحسن الأشعري في مسألة العرش ومما يؤكد لكم أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية من قوله ينزل ربنا كل ليلة وقد تقدم ذكر
(8/182)

لفظه إلى أن قال وقد قال سبحانه وتعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال سبحانه يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل 50] وقال سبحانه وتعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت 11] وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) [الفرقان 59] وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة 4] قال وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه جل وعلا منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه وقال سبحانه وتعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] وقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] وقال سبحانه ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ
(8/183)

الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) إلى قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 8-18] إلى أن قال وقال سبحانه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء 157] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] قال وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء وهذا كله تصريح بأن الرفع والصعود إلى الله نفسه وقال أيضاً وقال الله تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ
(8/184)

الْحَقِّ [الأنعام 162] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال تعالى وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] قال وكل هذا يدل على أنه ليس في خلقِِهِ ولا خَلْقُهُ فيه وأنه سبحانه مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً جلَّ عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي في التأويل ويريدون بذلك
(8/185)

زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل قال وروت العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي رب العالمين حتى يسأله عن ثلاث وروت العلماء أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء وأومأت بيدها إلى فوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أعتقها فإنها مؤمنة قال وهذا يدل على أن
(8/186)

الله على عرشه فوق السماء وقد أثبت أبو الحسن الأشعري ما هو أبلغ من ذلك من قرب الله تعالى إلى خلقه وحكاه عن أهل السنة والجماعة فقال في كتاب المقالات في حكاية قول جملة أصحاب
(8/187)

الحديث وأهل السنة قال جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة وذكر ما نقلناه عنه قبل هذا وفيه ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال
(8/188)

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] ثم قال وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول قال في الإبانة وجملة قولنا أنَّا نقر بالله تبارك وتعالى وذكر نحواً مما ذكره في المقالات إلى أن قال ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] وأن الله تعالى يقرب من عباده كيف يشاء كما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وكما قال ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) [النجم 8-9] وله كلام غير هذا وهو صريح في أن قربه إلى خلقه عنده من الصفات الفعلية حيث قال كيف يشاء والقرب بالعلم والقدرة لا يجوز تعليقه بالمشيئة لأن علمه وقدرته من لوازم ذاته فهذا من اتفاق عامة الصفاتية
(8/189)

على إثبات قرب الخلق إلى الله عز وجل وقربهم إليهم وهذا الذي قاله الأشعري وحكاه عن أهل السنة تلقاه عن زكريا بن يحيى الساجي وغيره من أئمة البصريين وهذا اللفظ الذي ذكره في القرب محفوظ عن حماد بن زيد إمام أهل السنة في عصر مالك
(8/190)

والثوري والأوزاعي قال الخلال في كتاب السنة أنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا أحمد بن محمد المقري حدثنا سليمان بن
(8/191)

حرب قال سأل بشر بن السرى حماد بن زيد فقال يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء ينزل الله إلى السماء يتجول من مكان إلى مكان فسكت حماد ثم قال هو في مكان يقرب من خلقه كيف يشاء وهذا يذكر في موضعه وأما حديث إدنائه إليه ووضع كنفه عليه فهو أظهر من هذا ولم ينازع أحد من الصفاتية المتقدمين أصلاً كما لم ينازعوا
(8/192)

في أن الله تعالى فوق العرش وقد نص الأئمة على إقراره قال الخلال في كتاب السنة باب يضع كنفه على عبده تبارك وتعالى أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال قلت لأبي عبد الله ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الله يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه قال هكذا يقول يدنيه ويضع كنفه عليه كما قال ويقول له أتعرف ذنب كذا قال الخلال أنبأنا إبراهيم الحربي قال قوله فيضع عليه
(8/193)

كنفه يقول ناحيته قال إبراهيم أخبرني أبو نصر عن الأصمعي يقال أنا في كنف بني فلان أي في ناحيتهم وأنا في ظلك أي قربك قال إبراهيم وأنبأنا عمرو عن أبيه قال كنف جانب وأنشدنا وأرحب له كنفا قال
(8/194)

وأنشدني أبو عبد الله النحوي بأكناف الحجاز هوى دفين يؤرقني إذا هدت العيون والكلام على ما ذكره من التأويل فمن وجوه أحدها أنه قال واعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته ودنوها من العبد فيقال له هذا التأويل لا يصح في قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] ومعلوم أن هذا يتناول المؤمن والكافر لا يقرب من رحمته وإنما قد يتأول هذا على العلم كما قد يذكر في موضعه الثاني أن هذا التأويل إنما يجيء في قرب الرب من العبد كقوله تعالى من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً فأما تقرب العبد فيقال فيه قرب العبد من الرحمة لا يقال قرب رحمته ودنوها من العبد ولكن خلط أحدهما بالآخر وهذا لا يستقيم
(8/195)

الثالث يقال قوله من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً إما أن يراد بكل واحد من القربين قرب رحمته ودنوها من العبد أو يراد بأحدهما غير ذلك والأول ممتنع لأن أحد التقربين لو كان هو الآخر لكان جزاء العمل هو العمل وهذا باطل فلابد أن يكون أحدهما غير المعنى الذي ذكره ولأنه قال من تقرب إليَّ شبرا تقربت منه ذراعاً فجعل الثاني ضعف الأول فيمتنع أن يكون إياه الرابع أن قرب الرحمة ودنوها من العبد ليس من فعله ومقدوره وإنما هو من فعل الله فلا يصح أن يفسر به تقرب العبد بل الذي يفسر به القرب إنما يفسر به قرب الله تعالى الخامس أنه قال في أول هذا القسم في أدلة المتأولين الخامس قوله وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فقد فسر قرب العبد بطاعته وعبوديته فعلم أن تفسيره بخلاف ذلك متناقض
(8/196)

السادس أنه قال يدنو المؤمن من ربه تعالى يوم القيامة فيضع عليه كنفه وهو لم يذكر إلا قوله اعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته ودنوها وهذا ليس بتفسير لهذا الحديث لأنه جعل القربين شيئاً واحداً وهذا تخليط كما تقدم لكن هو لم يستوف التأويل المعروف عن الجهمية قالوا نحمل على أنه يقربه من رحمته وإثابته وتعطفه ولطفه وهذا سائغ في اللغة والمراد به المنزلة وعلو الدرجة فهذا التأويل الذي ذكروه وإن كان باطلاً لكنه هو الذي يمكن المتأول أن يقوله في هذا الحديث بخلاف ما ذكره ونحن نبين بطلانه فنقول الوجه السابع أن ما يدني إليه العبد من الرحمة والإيمان وغير ذلك إما أن تكون أعيانا قائمة بأنفسها أو صفات قائمة بغيرها فإن كانت صفات فمعلوم أن القرب إلى الصفة لا يكون إلا بالقرب إلى الموصوف نفسه فلا يمكن أن يقرب العبد إلى ما يقوم بالله من رحمة وإيمان إلا إذا قرب من نفسه فأما قربه من صفته القائمة به دون قربه من نفسه فظاهر البطلان والفساد ولهذا لم يقله أحد من العباد بل الذي يحيل القرب إلى نفسه
(8/197)

هو القرب إلى صفاته ابتداء حاله إن كان يثبت له صفة وإن أراد بما يتقرب العبد إليه عيناً قائمة بنفسها غير الله عز وجل فذلك خلق من خلق الله تعالى ومن المعلوم أن قوله يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا يقول أعرف رب وقوله إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه كل ذلك ألفاظ صريحة يعلم من سمعها بالاضطرار أن الذي يدنيه منه ويضع عليه ويقرره بذنوبه ويغفرها له الله عز وجل لا أحد من خلقه فكيف يجوز أن يقال لا يدنو العبد من ربه وإنما يدنو من بعض مخلوقاته وهل ذلك إلا بمثابة أن يقال إن الذي يقرره بذنوبه هو بعض مخلوقاته كما تقول الجهمية القائلون بأن الله عز وجل لا يقوم به كلام وإنما الكلام يقوم ببعض مخلوقاته فهذا مثل هذا وكلاهما بمنزلة أن يقال إن الله عز وجل لا يغفر له وإنما يغفر له بعض مخلوقاته وهذا يؤول إلى ما يقوله من يقوله من الصابئة المتفلسفة وغيرهم إن العباد لا يرجعون إلى الله عز وجل وإنما منتهاهم هو العقل الفعال ونحو ذلك مما يدعون لها الملائكة فيجعلون ذلك هو رب العباد الذي إليه يرجعون كما يزعمون أنه هو ربهم المدبر لهذا العالم
(8/198)

وهذا كله مما يعلم بالاضطرار أنه خلاف ما أخبرت به الرسل وأنه شرك صريح في اتخاذ غير الله إلهاً وربًّا وأقوال الجهمية تستلزم هذا ولهذا قال من قال من أئمة السلف من قال إن قوله لموسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه 12] مخلوق كافر لأنه جعل هذا الكلام قائما بمخلوق يلزم أن يكون هو الرب وكذلك سائر تأويلاتهم من هذا الجنس
(8/199)

الوجه الثامن أن يقال هذا الدنو ووضع الكنف والمخاطبة يكون وقت السؤال والعبد خائف غير آمن ولا ظهر له أنه يغفر له ويرحمه كما في لفظ الحديث الصحيح إن الله يدني المؤمن فيضع كنفه عليه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فإذا كان العبد حين هذا الدنو من الله والمخاطبة والتقرير بذنوبه يرى أنه قد هلك قبل أن يذكر له الرب أنه غفر له امتنع أن يكون ما ذكره من دنوه من الله هو الدنو من رحمته وأمانه وتعطفه الوجه التاسع أن الرحمة والعطف والأمان إن كانت صفات لله تعالى كان القرب إليها قرباً إلى الموصوف كما تقدم وإن كانت أعياناً قائمة بنفسها مخلوقة لله تعالى فمن المعلوم أنه حين الحساب في عرصات القيامة لا يكون هناك أجسام مخلوقة يرحم بها العباد فإن ذلك إنما يكون في الجنة وإذا لم يكن في عرصة الحساب أجسام مخلوقة من الرحمة أعدها الله
(8/200)

عز وجل لعباده ولكن هو يحكم بالعفو والمغفرة ثم ينقلبون إلى دار الرحمة امتنع أن يكون أحد حال المحاسبة مقرباً إلى أجسام هي رحمة قبل أن يؤذن لهم في دخول الجنة الوجه العاشر أن يقال من المعلوم أن الله عز وجل أخبر في كتابه بأصناف ما ينعم به على عباده من المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمساكن وقد أجمل ما لم يفصله في قوله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
(8/201)

[السجدة 17] وهذه الأمور يباشرها المؤمن مباشرة لا يكون جزاؤه مجرد قربه منها دون مباشرتها بل ذلك يكون حسرة وعذابا فدعوى الإكرام بمجرد التقريب من هذه الأمور دون مباشرتها كلام باطل لا حقيقة له الوجه الحادي عسر أن المؤمن مازال في رحمة الله في الدنيا والآخرة فكيف يجوز تخصيص حال السؤال بقربه من رحمته دون ما قبل ذلك وما بعده الوجه الثاني عشر أن يقال هو مازال مباشراً لما يرحمه الله به قبل وبعد فأي فائدة في أن يوصف بالقرب من شيء مازال مباشراً له لا ينفصل عنه الوجه الثالث عشر أنه في العرصة يظهر له من الأهوال والشدة ما يكون أعظم عليه وأشد لرعبه وألمه من كل ما كان قبل ذلك وبعده فكيف يجوز تخصيص أشد الأحوال عليه بأنه تقرب فيه مما يرحم به مع أن ما قبلها وما بعدها كان ما يرحمه به إليه أقرب وهو له أعظم مباشرة ونيلا الوجه الرابع عشر أن هذا الذي ذكره لا ريب أنه من
(8/202)

باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه حيث قال قوله فيدنيه منه أي من رحمته وأمانه وتعطفه ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أن هذا لا يجوز عندهم إلا إذا كان قد اقترن بالكلام ما يبين المضاف والمحذوف إذ لا يقولون جاء زيد يعنون ابنه أو غلامه أو رسوله إلا بقرينة ومن المعلوم أن الحديث نص في أن الله تعالى هو الذي يدنيه من نفسه فضلاً عن أن يقال إن هناك قرينة تبين أنه إنما أدناه ن بعض الأمور المضافة إلى الله تعالى ولهذا لا يسمع أحد هذا الكلام فيفهم أن الله تعالى يدنيه من شيء آخر ولا يخطر هذا ببال المستمع فكيف يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد هذا الوجه الخامس عشر أن قوله فيدنيه منه فيضع عليه كنفه ثم يقرره بذنوبه جمع بين الإدناء ووضع الكنف عليه قرينة في أنه هو الذي يدنيه إليه ويضع كنفه عليه ويستره من الناس كما جاء ذلك في ألفاظ الحديث الوجه السادس عشر أنه من المعلوم أن هذا الحديث هو من جنس مادل عليه القرآن من وقوف العباد على ربهم وخطابه لهم ومن المعلوم بالاضطرار من رسالات الرسل ودين الإسلام أن هذا إنما يكون يوم القيامة وأن أحوال العباد مع الله عز وجل يوم القيامة بخلاف أحوالهم في الدنيا
(8/203)

وعلى رأي المنازعين الجهمية وفروعهم لا فرق بين الدنيا والآخرة فإن اله نفسه لا يقربون إليه لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يقفون عليه ولا يرجعون إليه وإنما ذلك كلهم مصيرهم إلى بعض مخلوقاته ومقدوراته وهذا ثابت في الدنيا والآخرة وكذلك خطابهم لهم معناه عند الجهمية المحضة أنه يخلق كلاماً في بعض مخلوقاته يكلمهم وعند فروعهم يخلق في العباد إدراكاً يفهمون به المعنى القائم بالذات لا أنه يخاطبهم بكلام يسمعونه إذ ذاك ومعلوم أن خلق الفهم والإدراك لا فرق فيه بين الدنيا والآخرة وحينئذ فهذا الذي أخبر به في هذا الحديث وغيره يكون عندهم في الدنيا كما يكون في الآخرة فيدنو العبد المؤمن من الله تعالى في الدنيا ويضع عليه كنفه ويقرره بذنوبه ويقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وذاك عندهم إما سماع صوت في بعض المخلوقات أو إلهام يقع في النفس وكل من تدبر القرآن والحديث علم بالاضطرار أن هذا الذي يقولونه ليس هو الذي
(8/204)

أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن قولهم فيه هو من التكذيب ببعض الإيمان بالله واليوم الآخر وهذا أمر عظيم ضاهوا به ما يقولونه الصابئة الفلاسفة والقرامطة الباطنية ونحوهم من لا يشك مؤمن في أنهم يكذبون بآيات الله ولقائه وأنهم ممن قيل فيه فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) [الأنعام 150] وهذا قد صرح به من أئمة الجهمية طوائف كالاتحادية وغيرهم ولهذا ينكرون المسير إلى الله عز وجل
(8/205)

والدعوة إليه أو يتأولونه بالطريق المستقيم إليه وذلك يظهر بالوجه السابع عشر وهو أن ابن عربي صاحب
(8/206)

الفصوص قال في الكلمة النوحية وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) [نوح 22] لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية ادعو الله فهذا عين المكر على بصيرة فنبه أن الأمر كله له فأجابوه مكراً كما دعاهم مكراً فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته وإنما هي من حيث أسماؤه فقال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) [مريم 85] فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا في مكرهم لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) [نوح 23] فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله من المحمديين وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] أي حكم فالعالم يعلم من عبد وفي أي
(8/207)

صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل معبود فالأدنى من تخيل فيه الألوهية فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره ولهذا قال قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد 33] فلو سموهم لسموهم حجراً وشجراً وكوكباً ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون الله ولا الإله والأعلى ما تخيل بل قالوا هذا مجلى إلا هي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر والأدنى صاحب التخيل يقول مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] والأعلى العالم يقول فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج 34] الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح 24] أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
(8/208)

[نوح 24] لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهم أول الثلاثة فقدم على المقتصد والسابق إِلَّا ضَلَالًا (24) [نوح 24] إلا حيرة المحمديين زدني فيك تحيرا كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة 20] فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه وصاحب الحركة الدورية لابد له فيلزمه من ولا غاية فيحكم عليه إلى قلة الوجود الأتم وهو المؤتى وجوامع الكلم والحكم مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة فَأُدْخِلُوا نَارًا في عين الماء في المحمديين وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) [التكوير 6] سجرت التنور إذا أوقدته فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) [نوح 25] فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد فلو أخرجهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة وإن كان الكل لله
(8/209)

وبالله بل هو الله فيقال لهم هذه الأمور التي تضمنها هذا الكلام وهو لازم الجهمية الذين يقولون إن الله عز وجل ليس فوق العرش بل هو في كل مكان من أن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه في النهاية كما هو في البداية من أن صاحب السلوك إلى الله بالطريق المستقيم مائل خارج عن المقصود صاحب خيال إليه غايته فله من وإلى يسير من شيء إلى شيء والحائر الذي يدور ولا يبرح ولا يذهب إلى شيء غير ما هو فيه فله الوجود الأتم وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم وأن الدعوة إلى الله ليست إلى هويته بل إلى نسب وإضافات إليه هي التي جعلها هذا أسماء فإن هؤلاء الاتحادية وإن كانوا جهمية فلهم فروع أقوال انفردوا بها عن غيرهم من الجهمية ولكن نذكر ما يلزم غيرهم
(8/210)

من الجهمية فهذه المقالات ونحوها لا تخلو إما أن يقال هي حق وهي معنى القرآن كما ذكره هذا أو لا أما الأول فإنه من أظهر الأمور كفراً وضلالاً وتحريفاً واتحاداً وتعطيلاً فكل من فيه أدنى إيمان وعَلِمَ وفَهِمَ مقصودهم يعلم علماً ضروريًّا أن الذي قالوه هو من أعظم الأقوال منافاة لما جاءت به الرسل وان الله أمر أن يسأل أن يهدينا الصراط المستقيم ومدح الصراط المستقيم في غير موضع وذم الحائر كما في قوله تعالى قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ [الأنعام 71] وأن الله بعث الرسل بالدعوة إليه نفسه وأن ذلك ليس بمكر بالعباد بل هدى لهم وأنه ليس المدعو في ابتداء إجابة الرسل كما يكون إذا انتهى إلى ربه أو لاقاه وأن من عبد الأصنام أو شيئا م المخلوقات فهو كافر مشرك باتفاق الرسل كما قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) [الزخرف 45] وقال وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) [الأنبياء 25] وقال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 36]
(8/211)

وعلى قول الاتحادية ما ثم طاغوت إذ كل معبود فعابده إنما عبد الله عندهم ومن المعلوم بأعظم الضرورات أن عُبّاد يغوث ويعوق ونسرا وسائر الأوثان لم يكونوا عابدين لله وكانوا مشركين أعداءً لله لم يكونوا من أولياء الله وهذا وأمثاله كثير وليس هذا موضع بسطه فهؤلاء الجهمية النفاة إما أن يوافقوا هؤلاء أو ى فإن وافقوهم كان كفرهم أظهر من كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب وكان جحدهم للمعارف الكثيرة الضرورية أعظم من جحد السوفسطائية
(8/212)

وإن خالفوهم وهو قولهم قيل لهم إذا قلتم إن الله لا يتقرب إليه نفسه أحد ولا يدعى إليه نفسه أحد وليس بين العبد وبينه نفسه طريق مستقيم ولا مستدير وأنه لا يذهب إليه نفسه أحد وإنما ذلك كله عندكم يعود إلى بعض مقدوراته ومخلوقاته مثل ما يخلقه مما يرحم به العباد فإليها يذهب وإليها يسير فإذا قلتم هذا لم يكن لكم طريق إلى إفساد قول أولئك الاتحادية إذ قولكم من جنس قولهم إلا أنهم توسعوا في ذلك فجعلوا كل من دعا إلى شيء أو وصل إليه أو سلك إليه فإنما دعا إلى الله ووصل إليه وسلك إليه وأنتم تخصون ذلك ببعض المخلوقات دون بعض فالفرق بينكم وبينهم فرق ما بين العموم إلى الخصوص ومشابهتكم لهم أقرب من مشابهة النصارى لهم ولهذا كان يقول صاحب الفصوص إن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا إذ عنده أن جميع
(8/213)

الموجودات هي بمنزلة ما يقوله النصارى في المسيح عليه السلام
(8/214)

فصل قالوا أبو عبد الله الرازي القسم الثالث في تقرير مذهب السلف وفيه فصول الفصل الأول في أنه هل يجوز أن يحصل في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به اعلم أن كثيراً من الفقهاء والمحدثين والصوفية يجوّزون ذلك والمتكلمون ينكرونه قلت قول القائل ما لا سبيل لنا إلى العلم به كلامٌ مجملٌ قد يراد به ما لا سبيل لبعض الناس إلى معرفته أو يراد به ما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ثم قد يراد به أنه لا سبيل لأحد إلى فهم معناه ومعرفة شيء من المراد به بل قد يكون مثل الأعجمي الذي حفظ حروف القرآن ولا يدري
(8/215)

ما هو وإذا خاطبته بعربية القرآن لم يفهم عنك ولم يخاطبك إلا بلسانه وقد يراد به أنه لا سبيل لأحد إلى معرفة الخبر الواقع في الخارج كيف هو ومتى يقع أو كم مقداره فإن لفظ التأويل له عدة معان كما سنذكره إن شاء الله تعالى والذين جوّزوا ذلك عمدتهم قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] وسنبين أنه ليس المراد بهذا أنه لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله بل هذا القول خطأ وما ذكره من حجج المتكلمين يبطل هذا القول لكن لا يدل على أن التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح والتأويلات التي لا يعلم بها مرادُ المتكلم هو التأويل المذكور في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران 7] على القراءة الأخرى بل إن هؤلاء المتكلمين لا يعلمون تأويله الذي هو تفسيره ومعرفة المراد به فإن الراسخين في العلم الذين
(8/216)

يعلمون هذا التأويل قد عرفوه بعينه لم يترددوا ويقولوا يجوز كذا ويجوز كذا فمن قال إن القرآن يجوز أن يشتمل على ما لا سبيل لبعض الناس إلى العلم به فقد أصاب وذلك لعجزه لا عن نقص في دلالة القرآن فكثير من الناس لا سبيل له إلى أن يعلم كثيراً من العلوم كالطب والنجوم والتفسير والحديث وإن كان غيره يعلم ذلك وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى معرفة تفسيره فقد غلط وإن قال لا سبيل لأحد إلى معرفة حقيقته وكيفيته وهيئته ونحو ذلك فقد أصاب وما ذكر من حجج المتكلمين يدل على أنه ليس فيه ما يمتنع معرفة تفسيره ومعناه والمراد به الذي هو الصواب وعلى هذا عامة السلف فإنهم لا يقولون إن في القرآن ما لا يعلم الرسول معناه وتفسيره وما عنى الله تعالى به ولا جبريل الذي جاء به ولا أحد من المؤمنين بل فيه ما لا يعلم عاقبته وما يؤول إليه إلا الله تعالى وبسط هذا له موضع
(8/217)

آخر فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول أما الآيات فكثيرة وقد ذكر منها أربع عشرة آية أحدها قوله تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) [محمد 24] أمر الناس بالتدبر في القرآن ولو كان القرآن غير مفهوم فكيف يأمرنا بالتدبر فيه الثاني قوله تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) [النساء 82] فكيف يأمرنا بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع
(8/218)

أنه غير مفهوم للخلق الثالث قوله تعالى وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) [الشعراء 192-195] ولو لم يكن مفهوماً فكيف يمكن أن يكون الرسول منذراً به وأيضاً قوله بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) [الشعراء 195] يدل على أنه نازل بلغة العرب وإذا كان كذلك وجب أن يكون معلوماً الرابع قوله تعالى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء 83] والاستنباط منه لا يكون إلا بعد الإحاطة بمعناه قلت هذا الـ مذكور في قوله تعالى وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء 83] ليس المراد به القرآن
(8/219)

الخامس قوله تعالى تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل 89] ونظيرهما وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ [يوسف 111] وأما قوله تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام 38] فهو بعد قوله تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) [الأنعام 38] ولهذا قال أكثر العلماء إن الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ وهذا الكلام يقتضي أنه بين لا يقتضي أن كل ما فيه مفهوم فقد يقال إن فيه هذا وفيه هذا لكل يقال لما قصد به بيان كل شيء فبيانه نفسه وفهم معناه مقدم على غيره
(8/221)

قال السادس قوله تعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) [البقرة 2] وما لا يكون معلوماً لا يكون هديّ السابع قوله تعالى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ [القمر 5] وقوله تعالى وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) [يونس 57] وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم الثامن قوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) [المائدة 15] ولا يكون مبينا إلا أن يكون معلوماً التاسع قوله تعالى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) [العنكبوت 51] فكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم العاشر قوله تعالى هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ [إبراهيم 52] فكيف يكون بلاغاً وكيف يقع الإنذار به وهو غير معلوم وقوله في آخر الآية وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
(8/222)

[إبراهيم 52] وإنما يكون كذلك أن لو كان معلوماً الحادي عشر قوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) [النساء 174] فكيف يكون برهاناً ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم الثاني عشر قوله تعالى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) [طه 123-124] فكيف يمكن اتباعه تارة والإعراض عنه أخرى مع أنه غير معلوم الثالث عشر قوله تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) [الإسراء 9] فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم للبشر الرابع عشر قوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة 285] والطاعة لا تكون إلا بعد العلم فوجب كون القرآن مفهوماً قلت وفي القرآن مواضع أخرى تدل على هذا المعنى
(8/223)

الأول مثل قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) [النحل 44] فإنه يدل على أنه يبين للناس جميع ما نُزّل إليهم فيكون جميع المنزل مبيناً عنه يمكن معرفته وفهمه وقوله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) [النحل 44] يدل على ذلك فإن التفكر طريق إلى العلم ما لا يمكن العلم به لايؤمر بالتفكير فيه الثاني قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الطلاق 10-11] وما لا يفهم ولا يعلم معناه لا يخرج أحداً من ظلمة إلى نور ومثله قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) [الحديد 9] الثالث قوله تعالى الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) [إبراهيم 1] فأخبر أنه أنزل إليه الكتاب لهذا الإخراج
(8/224)

والإخراج من الظلمات إلى النور لا يكون إلا بما يفهم ويعلم معناه وما لا يفهم لا يحصل به خروج من الظلمة إلى النور الرابع قوله تعالى يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون 68] وإنما يمكن تدبر القول إذا أمكن معرفته وفهمه الخامس قوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) [يوسف 1-2] وإنما يكون مبيناً سواء أريد مبيناً في نفسه أو أنه مبين لغيره إذا كان مما يمكن معرفته وفهمه ومعرفة معناه السادس قوله تعالى وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) [الأعراف 203] السابع قوله تعالى هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) [الأعراف 203] وقوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا [الأنعام 104] والبصائر جمع بصيرة بمعنى الحجج
(8/225)

والبرهان والبيان واحدتها بصيرة وقال الزجاج معنى البصائر ظهور الشيء وبيانه وقال الجوهري البصيرة الحجة والاستبصار في الشيء قوله تعالى بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) [القيامة 14] ولا حجة ولا برهان ولا بيان ولا ظاهر إلا إذا أمكن فهم معرفته وما لا يمكن أحداً من الخلق فهمه يمتنع أن يكون كذلك الثامن قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) [يونس 42] وقوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [البقرة 171] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) [محمد 16] وقوله تعالى وَلَا تَكُونُوا
(8/226)

كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) [الأنفال 21] وهذا كله ذم لمن سمع الكلام ولم يفهم معناه ولم يفهمه وإنما يستحق الذم إذا كان الكلام مما يمكن فهمه وفقهه وما لا يكون كذلك لم يستحق به الذم التاسع قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر 23] وقوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف 3] وإنما يكون أحسن الحديث وأحسن القصص إذا كان مما يفقه ويعقل وما كان يمتنع فهم معناه كان ما يفهم ويعلم أحسن وأنفع منه العاشر قوله تعالى وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) [القمر 17] في غير موضع قال بعض السلف هل من طالب علم فيعان عليه
(8/227)

وإنما يكون متيسراً للذكر إذا أمكن فهمه ليذكر معناه ويذكّر الناس بما ذُكّر به وما لا يفقه من الكلام ولا يمكن فقهه لا يمكن أن يتذكر به أحد وليس مذكراً فضلاً عن أن يكون متيسراً للذكر الحادي عشر قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم 4] فجعل الرسول بلسان قومه ليبين لهم ما أرسل به ومعلوم أنه لو خاطبهم بلسان آخر وترجمه لهم لحصل المقصود فـ ـكان ذلك أتم في النعمة فكيف يخاطبهم بكلام لا هو يفهم معناه ولا هم يفهمونه ولا يمكن أحداً فهمه وهل الإرسال بمثل هذا إلا من أعظم المعائب التي يجب تنزيه الرب سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً عنها فإنها لا تليق بآحاد الناس سبحانه وتعالى الثاني عشر قوله تعالى فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) [النحل 35] وقوله تعالى وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا
(8/228)

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) [النور 54] ومعلوم أن البلاغ المبين لا يحصل بكلام لا يمكن أحداً فهمه بل لا يمكن فهمه للرسول ولا للمرسل إليه تعالى الله عن مثل ذلك الثالث عشر قوله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [البقرة 213] ومعلوم أن حكم الله بالكتاب أو حكم الكتاب بين المختلفين لا يمكن إلا إذا عرفوا ما حكم به من الكتاب وما تضمنه الكتاب من الحكم وذلك إنما يمكن إذا كان مما يمكن فهم معناه وتصور المراد به دون ما يمتنع ذلك منه الرابع عشر قوله تعالى تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ [النحل 63-64] وبيان ذلك بالكتاب إنما يكون إذا كان فهم الكتاب ممكناً فأما إذا تعذر فهمه فيمتنع أن يحصل به بيان ما اختلف فيه الناس الخامس عشر قوله تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) [آل عمران 101] ومعلوم أن تلاوة آيات الله إنما
(8/229)

تكون مانعة من الكفر إذا تبين بها الإيمان من الكفر والحق من الباطل وهذا إنما يكون بالكلام إذا كان مما يمكن فهمه ومعرفته دون ما يتعذر ذلك فيه السادس عشر قوله تعالى المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف 1-3] وقوله تعالى اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام 106] ومعلوم أن اتباع ما أمرهم الله تعالى من الكتاب والحكمة إنما يمكن بعد فهمه وتصور معناه وما كان من الكلام لا يمكن أحداً فهمه لم يمكن اتباعه بل كان الذي يسمعه كالذي لا يسمع إلا دعاء ونداء وإنما الاتباع لمعاني الكلام السابع عشر قوله تعالى وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت 44] قال المفسرون لو جعله قرآنا أعجميًّا لأنكروا ذلك وقالوا هلا بينت آياته بلغة العرب لنفهمه أقرآن عجمي ورسول عربي فقد بيّن سبحانه وتعالى أنه لو جعله أعجميًّا لأنكروه فجعله عربيًّا ليفهم معناه وليندفع مثل هذا القول ومعلوم أنه لو كان أعجميًّا لأمكنهم التوصل إلى فهمه بأن يترجم لهم مترجم إما أن يسمعه من الرسول ويترجمه أو يحفظوه هم أعجميًّا ثم يترجمه لهم كما أن من العجم من يحفظ القرآن عربيًّا ولا يفهم ويترجم له وأما إذا كان عربيًّا لا يمكن أحداً أن يفهمهم إلا الرسول
(8/230)

ولا المرسل إليهم فإنكار هذا أعظم من إنكار كونه أعجميًّا وإذا كان الله تعالى قد بين أنه لا يفعل الأول فهم أن لا يفعل هذا أولى وأحرى الثامن عشر قوله تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) [ص 29] ومعلوم أن تدبر آياته وتذكر أولي الألباب إنما يكون مع إمكان فهمه ومعرفة معناه وأما بدون ذلك فهو متعذر التاسع عشر أن القرآن آيات والآية هي العلامة والدلالة وإنما تكون علامة ودلالة إذا دلت على شيء وأعلمت به وما كان دليلاً ومعلماً وعلامة فإنه يمكن أن يستدل به ويستعلم به ما دل عليه وما لم يمكن ذلك فليس بدلالة ولا كلام فما لا يمكن أن يفهم منه معنى ولا يستدل به عليه فليس في آيات الله ولا يكون في كلامه الذي أنزله العشرون قوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي
(8/231)

بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة 15-16] وإنما يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام إذا فهموه وما لم يفهم من الكلام لا يهدى به إلى شيء لاسيما إذا كان لا يفهمه أحد الحادي والعشرون قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى 52-53] ومعلوم أن الروح الذي أوحاه من الكتاب والإيمان ما يهتدي به من يهتدي من عباده إلا إذا علموا ذلك فإذا كان الكتاب لا يفهم لم يهتد أحد بكلام ولا يفهمه أحد وكذلك قوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) [الشورى 52] فإن هدايته إلى ذلك بالكلام الذي سمع منه فإذا كان ما يبلغه هو من الكتاب والسنة لا يفهمه لا هو ولا غيره ولا سبيل لأحد إلى فهمه لم يمكن أن يهدي به أحداً إلى صراط مستقيم الثاني والعشرون قوله تعالى أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ
(8/232)

لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) [هود 1] وما لا يمكن فهمه لم يحكم ولم يفصل الثالث والعشرون قوله تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) [يونس 1] وقال تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) [النمل 1] وقال تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) [الحجر 1] وقال تعالى الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) [لقمان 1-2] وقال تعالى ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) [آل عمران 58] والحكيم فعيل سواء كان بمعنى الفاعل وهو الحاكم أو بمعنى المفعول وهو المحكم فلا يكون حاكما ولا محكماً إلا إذا كان له معنى يمكن فهمه ومعرفته وإلا فاللفظ الذي لا يمكن أحداً فهم معناه ليس بمحكم ولا حاكم ولا محكّم الرابع والعشرون قوله تعالى فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران 61] والذي جاءه هو القرآن وإنما يكون علماً إذا كان متضمناً للعلم فيعلم به ما بين فيه واللفظ الذي لا يمكن أحداً فهم معناه ليس بعلم ولا يدل على علم
(8/233)

وليس من العلم بسبيل وإذا كان لا يعلم معناه إلا أنه كامن من علمه الذي استأثر به لم يكن علماً لغيره ولم يكن قد جاء غيره علماً ولا علم أحد به علما الخامس والعشرون قوله تعالى لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء 166] بين أنه أنزل القرآن بعلمه أي متضمناً لعلم فيه يراد فيه علم ليس المراد بذلك وهو يعلم فإن كل الموجودات يعلمها والمقصود مدح القرآن وبيان اشتماله على علم الله تعالى وإذا كان كذلك دل على أن ما فيه من العلم لم يستأثر الله تعالى به بل أنزله إلى عباده وعلمهم إياه وهو من علمه الذي قال فيه وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة 255] وهذا لا يكون إلا إذا أمكن فهم معناه وإلا فاللفظ الذي لا يمكن فهم معناه لا علم فيه لأحد ومثل هذا قوله تعالى فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [هود 14] السادس والعشرون قوله تعالى وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) [طه 133] أي بيان ما في الصحف الأولى وإنما يكون بياناً لما في الصحف إذ بين ذلك ودلّ عليه وعرّف به وهذا إنما يكون بالكلام الذي
(8/234)

يمكن فهمه ومعرفته ومعرفة معناه وما كان ذلك ممتنعاً فيه لم تكن فيه بينة ولا بيان ولا للصحف ولا لغيرها ومثل هذه الأدلة في القرآن كثيرة يطول تتبعها وهذه أربعون وجهاً منها وعند التأمل هي أكثر من ذلك والوجه الواحد يتضمن وجهاً أو وجوهاً والآيات المتماثلة جعلت وجها وكل منها دليل مستقل فتكون الدلائل المذكورة أكثر من مائة دليل وما لم يذكر كثيراً أيضاً
(8/235)

فصل قال الرازي أما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي وكيف يمكن
(8/236)

التمسك به وهو غير معلوم
(8/237)

قلت لفظ الحديث في صحيح مسلم عن جابر أنه قال في خطبة يوم عرفة وإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله لم يذكر فيه لا عترتي ولا سنتي وكذلك في صحيح البخاري عن ابن أبي أوفى قيل له هل وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا فقيل له كيف لم يوص وقد كتب على الناس الوصية قال وصى بكتاب الله وكذلك في صحيح البخاري أن عمر خطب الناس من الغد من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به وبه هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم فاعتصموا به تهتدوا بما
(8/238)

هدى الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأما السنة فالقرآن قد أوصى باتباعها في غير موضع يذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في نحو من أربعين موضعاً وذكر إنزال الحكمة في القرآن في خمسة مواضع والذي نزل مع القرآن
(8/239)

هو السنة وأما لفظ العترة ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدي يدعى خمًّا بين مكة والمدينة وقال إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وحض عليه وقال عترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ففيه أنه أمر باتباع القرآن وأنه وصى الأمة بأهل بيته وأما قوله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وعترتي فقد رواه الترمذي وضعفه أحمد
(8/240)

وغيره وقوله كتاب الله وروي في حديث ضعيف قال وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله تعالى ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به فلج ومن دعا إليه بعدي دعا إلى هدى وإلى صراط مستقيم
(8/241)

قلت وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره ورواه أبو نعيم من طرق وفيه ولا تلتبس به الألسن وليس في رواية الترمذي ومن خاصم به فلج
(8/242)

فصل قال وأما المعقول فمن وجوه الأول أنه لو ورد في القرآن ما لا سبيل لنا إلى العلم به لكانت المخاطبة تجري مجرى مخاطبة العربي بالزنجية وهو غير جائز قلت بل هو أقبح من ذلك لأن العربي أو غيره إذا خوطب بغير لسانه أمكن أن يترجم له ذلك الخطاب بلسانه فيتوصل إلى فهم معناه وأما إذا خوطب بلسانه بكلام لا سبيل لأحد إلى فهم معناه فهذا أقبح من مخاطبة العربي بالعجمية قال الوجه الثاني أن المقصود من الكلام للإفهام ولو لم يكن مفهوماً لكان عبثاً قلت بل هذا أقبح من العبث فإن الإنسان قد يعبث بأفعال يستريح بها ويلهو بها وأما خطاب الناس بكلام لا سبيل لأحد إلى معرفة معناه فهذا لا يفعله أحد من العقلاء ألبتة بل هو مثل
(8/243)

مستقبح باتفاق العقلاء والله تعالى وراء تنزيهه عن مثل ذلك ولكن هذا الوجه والذي قبله لا يصح من مثل هذا الرازي الاحتجاج بمثلها فإنه وأصحابه ينصرون قول الجهمية المجبرة الذين لا ينزهون الرب عن فعل ممكن بل يجوزون عليه فعل كل مقدور ومن المقدور أن يخلق أصواتا مؤلفة من جنس الكلام ولا يكون لها معنى أو يكون لها معنى لا يعلمه غيره والرازي ذكر في محصوله مسألة الأحكام أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا خلافاً للحشوية ثم احتج بأن ذلك عبث والله تعالى منزه عن ذلك وهذا النقل والاستدلال ضعيفان فإنا لا نعلم أحداً من الطوائف قال إن الله تعالى يجوز أن يتكلم بكلام لا يعني به شيئاً وإنما قال من قال إنه
(8/244)

لا يفهم الناس معناه وإن كان قد عنى به هو معنى فهذا القول الذي حكاه عن الحشوية لا يعرف به قائل معين يحكى عنه وسواء عرف أو لم يعرف فالحجة التي ذكرها ضعيفة على أصله فإن النزاع إنما هو في الكلام المؤلف من الحروف وهذا عنده مخلوق وهو يجوز أن يخلق كل شيء لا لحكمة وإن كان هذا مما يعده العقلاء عبثاً فعنده لا ينزه مثل ذلك فكانت الحجة ضعيفة على أصله ولكن العبث على الله ممتنع وأصله المنفي لذلك باطل كما قد بسط في موضعه
(8/245)

فصل قال الرازي الوجه الثالث أن التحدي وقع بالقرآن وما لم يكن معلوماً لا يجوز التحدي به قال فهذا مجموع كلام المتكلمين وبالله التوفيق فيقال هذه الحجج كما أنها دالة على فساد قول من قال إن في القرآن ما لا سبيل لأحد إلى فهمه بل معرفة معناه ممتنع فهي أيضاً دالة على فساد قول هؤلاء المتكلمين نفاة الصفات أو بعضها فهي حجة على فساد قول الطائفتين وذلك أن هؤلاء النفاة يقولون إن التوحيد الحق الذي يستحقه الله تعالى ويجب أن يعرف به ويمتنع وصفه بنقيضه ليس هو في القرآن ولم يدل عليه القرآن ودلالة الخطاب المعروفة لا تفيد اليقين وهو كون الرب ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يحجب
(8/246)

العباد عنه شيء ولا عنده شيء دون شيء بل جميع الأشياء سواء ولا يحتجب عنهم بشيء وأنواع ذلك فمن المعلوم أن القرآن لم يدل على شيء من ذلك ولا بينه بل إنما دل على نقيضه وهو إثبات الصفات وأنها تدل على أنه يقرب من غيره ويدنو إليهم ويقرب العبد منه ويدنو إليه وعلى أنه عال على جميع الأشياء فوقها وأنه ينزل منه كلامه وتنزل الملائكة من عنده وتعرج إليه وأمثال ذلك وهم متفقون على أن ظاهر القرآن إنما يدل على الإثبات الذي هو عندهم تجسيم باطل بل كفر وغيرهم يقول بل دلالة القرآن على ذلك نصوص صريحة بل ذلك معلوم بالاضطرار من القرآن والرسول وسيأتي كلامهم في حكمة إنزال هذه الآيات وقد ذكر فيها خمسة وجوه الأول تضعيف الوصول إلى الحق ليعظم الأجر ومعلوم
(8/247)

أن هذا يناقض كونه بياناً وشفاءً وهدى وكونه قد جعله عربيًّا ليعقل ويسره للذكر وغير ذلك مما وصف به في كونه سهلاً لمعرفة الحق وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونحو ذلك والثالث أنه إذا لم يمكن بيان المقصود افتقر الناس إلى
(8/248)

الأدلة العقلية فيعرف الحق بالعقل ومعلوم أن هذا يناقض ما وصف به ثم إنه على هذا التقدير الذي يدعيه هؤلاء كان أن لا ينزل القرآن ولا يرسل الرسول أصلح للخلق فإن الهدى إنما حصل لهم بعقل لم يحتاجوا فيه إلى الكتاب والرسول لكن الكتاب والرسول عندهم عارض هذا العقل ولهذا قالوا يقدم العقل وما جاء به الرسول إما أن يعرض عنه وإما أن يوضع له محامل يحمل عليها وعلى التقدير فالكتاب والرسول ما حصل بهما بيان وهدى وعلم بل كان عندهم سبباً لضد ذلك وإنما حصل العلم بأصول الدين والتوحيد عندهم معقول يخالف ما جاء به الرسول لم يدل الرسول عليه ولا أرشد إليه وهذا في غاية المناقضة لما احتجوا به من هذه الآيات وكذلك الوجه الرابع وهو أن التأويل يفتقر إلى تحصيل علوم كثيرة والهدى ما حصل بالقرآن لكن بهذه العلوم وضعت له محامل لئلا يضل به الناس وهؤلاء لا يقصدون بتأويل الكلام المتكلم معرفة مراده بل يقصدون بيان ما يحمله اللفظ كيف أمكن ليحمل عليه وإن
(8/249)

لم يعلم ولا يظن أنه أراده بل قد يعلم قطعاً أنه لم يرده ولهذا قالوا إذا اختلف الصحابة على قولين جاز لمن بعدهم إحداث تأويل ثالث بخلاف الأحكام فإنهم لا يجوزون إذا اختلفوا على قولين إحداث ثالث لأن اتفاق الأمة على قولين إجماع على فساد ما عداهما وهذا بعينه وارد في التأويل فإنه إذا قالت طائفة معنى الآية المراد كذا وقالت طائفة معناها كذا فمن قال معناها ليس واحدا منهما بل أمر ثالث فقد خالف إجماعهم وقال إن الطائفتين مخطئون فإن قيل هؤلاء لا يقولون أريد بل يقولون يجوز أن يكون المراد قيل كلام الصحابة لم يكن بالاحتمال والتجويز وبتقدير أن يكون كذلك فالاحتمالات إن كان أحدهما مراداً فلم يجمع على ضلال وإن كان المراد هو الاحتمال الثالث المحدث بعدهم فلم يكن فيهما من عرف مراد الله تعالى بل الطائفتان جوزت أن تريد غير ما أراد الله تعالى وما أراده لم يجوزه وهذا من أعظم الضلال وأما الخامس الذي جعل السبب الأقوى وهو
(8/250)

مخاطبتهم بالتخيل فهو قول الملاحدة كما قد بسط في مواضع إذ المقصود هنا أن ما احتج به المتكلمون النفاة على أن القرآن قد بين الحق وهدى الخلق وأنه ليس فيه ما لا يفهم وهو حجة عليهم فإنه على قولهم لا بين الحق ولا هدى الخلق ولا سيما تأويلاتهم لم تدل عليه ألبتة بل دل على نقيضها كما قد بين وبتقدير أن يقال دل عليها بطريق التأويل فالحق إنما عرف بالمعقول الذي ذكره لا معقول دل عليه القرآن وهذا هو الذي أوجب صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى خلافه عندهم فلم يكن في القرآن دلالة على هذا المعنى بل دل على نقيض الحق عندهم لكن قدمت دلالة العقل على دلالته وأولئك الذين قالوا إن فيه ما لا سبيل لأحد إلى فهمه بل هم أيضا منعوا دلالته على الحق وهدايته للخلق وزعموا أن الرسول لم يكن يعرف ما يقرؤه ويبلغه وعلى قولهم فأحاديث الصفات التي قالها كان يقولها وهو لا يدري
(8/251)

معنى ما يقول فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وعلى الوجه الخامس الأقوى كان يقول ذلك ليفهم منه معنى وهو يعلم أن ذلك المعنى باطل فقصد بالخلق أن يفهموا الباطل الذي هو نقيض الحق وأخبر بالحقائق على خلاف ما هي عليه وحقيقة ذلك أنه كذب كذباً يعلم أنه كذب ليعتقد الناس ذلك الكذب والاعتقاد الباطل فينتفعوا به وعلى قول المجهلة الذين يقولون لم يكن يعرف معنى ما يقول ويذكره من آيات الصفات وأحاديثها فكلامه عندهم يجب أن لا خير من خطابهم بذلك لأنه على التقديرين لم يفهمهم حقًّا ولا خاطبهم بما يعلم به حق ولكن إذا كان الكلام أعجميًّا لا يترجم لهم لم يضلوا به كما لم يهتدوا به وأما إذا كان عربيًّا وظاهره الباطل على زعم هؤلاء فإن الناس يفهمون ظاهره فيضلون به فلم يكتفوا به فهو على زعمهم من كونه هو لم يكن يفهم معناه فبخطاب الناس به فهموا منه ما هو كفر وضلال لاسيما ولم ينقل أحد عنه أنه نهى الناس عن اعتقاد
(8/252)

ظاهره وما دل عليه ولا نبههم على دليل عقلي يعرفون به الحق فعلى زعمهم لم يبين الحق لا بديل سمعي ولا بدليل عقلي ولوازم أقوال هؤلاء التي تبين بطلان قولهم كثيرة وكما أن قولهم يستلزم الكفر بالكتاب والرسول وما دل عليه من الأدلة العقلية وما أخبر به من الأدلة السمعية فهو أيضاً في غاية الفساد والبطلان من جهة العقل وهم أنفسهم معترفون في غير موضع بفساد أقوالهم النافية وتناقضها وقد ذكرنا من أقوال الرازي وغيره من ذلك ما تبين به ذلك فهم يشهدون أن عقلياتهم التي عارضوا بها الرسول باطلة والسلف والخلف يشهدون بأن الكلام الذي عارضوا به الكتاب والسنة باطل وأن هؤلاء لم يعرفوا الله وهي عند التأمل والنظر التام فيها تبيين بطلانها وأن القوم ليس عندهم على ما قالوه من النفي لا دليل عقلي ولا سمعي بل هم من جنس أعداء الرسل الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) [الملك 10] ومن جنس الذين قال فيهم أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحج 46]
(8/253)

ومن جنس من قيل فيه أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) [الفرقان 44] وبسط هذا له موضع آخر ولكن المقصود هنا التنبيه على أن هذه الأدلة التي احتج بها المتكلمون أدلة صحيحة ولا ريب في صحتها وهي تدل على فساد قولهم وقل الآخرين من وجوه كثيرة
(8/254)

فصل قال الرازي واحتج مخالفوهم بالآية والخبر والمعقول أما الآية فمن وجهين الأول قوله تعالى في صفة المتشابهات وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] والوقف ههنا لازم وسيأتي دليله إن شاء الله تعالى والثاني الحروف المقطعة المذكورة في أوائل السور وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله
(8/255)

وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان منها ما نعرف وجه الحكمة فيه على الجملة بعقولنا كالصلاة والزكاة والصيام فإن الصلاة تواضع وتضرع للخالق والزكاة إحسان إلى المحتاجين والصوم قهر النفس ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج فإنا لا نعرف وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الحكيم تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن بالنوع الثاني
(8/256)

لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرفه بعقله من وجه المصلحة فيه وأما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم فإنه لما لم يعرف فيه وجه المصلحة ألبتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم فإذا كان الأمر كذلك كان في الأفعال فلم لا يجوز أن الأمر كذلك في الأقوال وهو أن القرآن الذي أنزله الله تعالى علينا وأمرنا به وبتعظيمه وقراءته ينقسم إلى قسمين منه ما يعرف معناه
(8/257)

ونحيط بفحواه ومنه ما لا نعرف معناه ألبتة ويكون المقصود من إنزاله والتكليف بقراءته وتعظيمه ظهور كمال العبودية والانقياد لأوامر الله تعالى بل هاهنا فائدة أخرى وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط له سقط وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود مع جزمه بأن المتكلم بذلك الكلام أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتاً إليه أبداً ومتفكراً فيه أبداً ولباب التكليف اشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه فلا يبعد أن يقال إن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له فيتعبد الله تعالى بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة قال فهذا ما عندي من كلام الفريقين في هذا الباب
(8/258)

وبالله التوفيق قلت ذكر القولين ولم يرجح أحدهما ولم يذكر جواب أحدهما عن حجة الآخرين فبقيت المسألة على الوقف والحيرة والشك وكذلك لما ذكر بعد هذا تقرير قول من جزم بالتأويل فإنه هنا ذكر الخلاف في جواز ورود ما أمكن فهم معناه وهناك ذكر قول من أوجب وقوع ذلك وجزم بالتأويل وقد ذكر حجة كل قوم ولم يذكر لهم جواباً عن حجة الآخرين فبقيت المسألة مما تكافأت فيها الأدلة عنده وأما في تفسيره فرجح المعنى في التأويل كما رجح أبو المعالي في آخر قوليه وكما رجحه أبو حامد في آخر أقواله قال في تفسيره فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح هو المراد أبداً لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون ترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل
(8/259)

على تأويل وذلك الترجيح لا يكون إلا بالدلالة اللفظية وأنها ظنية كما بينا لاسيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر ومثل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال قال فلهذا التحقيق ذهبنا إلى أن بعد إقامة الدلالة العقلية على أن حمل اللفظ على ظاهره محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل قال فهذا منتهى ما جعلنا في هذا الباب قلت وسبب هذه الحيرة والتوقف أن كلا القولين اللذين حكاهما عن المتكلمين والذي حكاه عن السلف
(8/260)

قول باطل والقول الذي حكاه عن السلف ليس قولهم ولا قول أحد منهم ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين كما سيأتي الكلام عليه وأما هنا فإنما ذكر النزاع في جواز اشتمال القرآن على ما لا يمكن علمه وقد بينا أن هذا يراد به اشتماله على لفظ لا يمكن أحداً معرفة معناه بل يكون كاللفظ العجمي عند العرب والصواب أن هذا لا يجوز ولا يعرف عن أحد من السلف تجويز هذا وإنما قال كثير منهم إن الوقف على قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] ولكن لم يريدوا هذا المعنى كما سنذكره إن شاء الله تعالى ويراد به أنه لا يمكن بعض الناس فهمه وهذا موجود فما كل أحد يمكنه العلم بكل ما يمكن غيره العلم به لا من معاني القرآن ولا من الحديث ولا من الفقه ولا من العربية ولا الطب ولا الحساب ولا سائر علوم بني آدم ويراد به أن لبعضه تأويلاً يؤول إليه لا يعرف الحقيقة ذلك التأويل إلا الله عز وجل والصواب أنه كذلك ولم ينازع أحد من السلف في مثل ذلك أيضاً كما سنبينه في لفظ التأويل
(8/261)

وإذا كان كذلك فما ذكره من الوجوه تدل على المعنى الأول وأنه لابد لكل ما أنزل الله تعالى من معنى يمكن فهمه ولكن أصحاب التأويلات الفاسدة والتفسيرات المحرفة يدّعون أن ذلك المعنى هو معنى الآية وهم في ذلك مخطئون وإذا كان كذلك فالجواب عما ذكره من حجتين من حجج من جوز ذلاك أن يقال أما قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] فهذه الآية فيها قراءتان وقولان مشهوران ونحن نسلم قراءة من قرأ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] لكن من أين لهم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو المعنى الذي عنى به المتكلم وهو مدلول اللفظ الذي قصد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه وهو سبحانه وتعالى لم يقل وما يعلم معناه إلا الله ولا قال وما يعلم تفسيره إلا الله ولا قال وما يعلم مدلوله ومفهومه إلا الله ولا ما دل عليه إلا الله بل قال وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] ولفظ التأويل له في القرآن معنى وفي عرف كثير من السلف وأهل
(8/262)

التفسير معنى وفي اصطلاح كثير من المتأخرين له معنى وبسبب تعدد الاصطلاحات والأوضاع فيه حصل اشتراكٌ غلط بسببه كثير من الناس في فهم القرآن وغيره وهذه المعاني الثلاثة الموجودة في كلام الناس وقد يذكر بعضهم فيها معنيين ومنهم من يذكر الثلاثة مفرقة بل كثير من أهل التفسير يذكرون في أول تفسيرهم المعنيين ثم يذكرون المعنى الثالث في موضع آخر كما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره
(8/263)

فقال فصل اختلف العلماء هل التفسير والتأويل بمعنى أم يختلفان فذهب قوم يميلون إلى العربية أنهما بمعنى قال
(8/264)

وهذا قول جمهور المفسرين من المتقدمين وذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى اختلافهما فقالوا التفسير إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التجلي والتأويل نقل الكلام عن وضعه إلى ما لا يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ فهو مأخوذ من قولك آل الشيء إلى كذا أي صار إليه ثم قال في آية آل عمران قال وفي التأويل وجهان أحدهما أنه التفسير والثاني أنه العاقبة المنتظرة والراسخ الثابت فهل يعلم الراسخون تأويله أم لا فيه قولان أحدهما أنهم لا يعلمونه وأنهم آمنوا به وقد روى طاوس عن ابن عباس أنه قرأ ويقول الراسخون في العلم آمنا به وإلى
(8/265)

هذا المعنى ذهب ابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس وعروة بن الزبير وقتادة وعمر بن عبد العزيز
(8/266)

والفراء وأبو عبيد وثعلب وابن الأنباري والجمهور قال ابن الأنباري في قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله وفي قراءة أبيّ وابن عباس ويقول الراسخون قال وقد أنزل الله في كتابه أشياء استأثر بعلمها كقوله تعالى قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف 187] وقوله تعالى
(8/267)

وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) [الفرقان 38] فنزل الله المجمل ليؤمن به المؤمن فيسعد به ويكفر به الكافر ليشقى قال الثاني أنهم يعلمون فهم داخلون في الاستثناء وقد روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أنا ممن يعلم تأويله وهذا قول مجاهد والربيع واختاره ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقي
(8/268)

قلت هذان القولان مرتبان على القولين في معنى التفسير فمن قال تأويله هو تفسيره فالراسخون يعلمون تفسيره ومن قال تأويله عاقبته المنتظرة فهذا لا يعلمه إلا الله ولم يذكر أبو الفرج في الآية القول الذي ذكره في أول كتابه وهو أن التأويل نقل الكلام عن موضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ قد أحسن حيث لم يذكر هذا المعنى في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فإن أحداً من السلف لم يذكر هذا المعنى في هذه الآية وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين ولكن السلف لهم قراءتان وقولان منهم من قال التأويل لا يعلمه إلا الله وهؤلاء لم يريدوا بذلك تفسيره بل فسروا القرآن كله كابن الأنباري والفراء وغيرهما وتكلموا على مشكله بل أرادوا ما استأثر الله بعلمه بما يؤول إليه والعلماء يعلمون تأويله وهو التفسير ولا منافاة بين القراءتين والقولين ولم يقل أحد من السلف إن المتشابه كله مصروف عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره وان ذلك المصروف إليه لا يعلمه إلا الله بل هذا باطل من وجوه كثيرة كما بسط في موضعه
(8/269)

وكذلك كثير من المفسرين غير ابن الجوزي يذكرون في أول كتبهم الفرق بين التأويل والتفسير ثم يذكرون في الآية التأويل بمعنى لا يعلمه إلا الله كما ذكر ذلك الثعلبي والبغوي وغيرهما قالوا واللفظ للبغوي قال قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك في حق من قال من قبل نفسه شيئاً من غير علم فأما التأويل وهو صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لأهل العلم وأما التفسير وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها
(8/270)

فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل واصل التفسير من التفسرة وهي الدليل من الماء الذي ينظر فيه الطبيب فيكشف عن علة المريض كذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها واشتقاق التأويل من الأول وهو الرجوع يقال أولته أي صرفته فانصرف وذكر من طريق إسحاق بن راهوية حدثنا جرير بن عبد الحميد
(8/271)

عن المغيرة عن واصل بن حبان عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع
(8/272)

وروي لكل حرف حد ولكل حد مطلع قال واختلفوا في تأويله قيل الظهر لفظ القرآن والبطن تأويله وقيل الظهر ما حدث عن أقوام أنهم
(8/274)

عصوا فعوقبوا فهو في الظاهر خبر وفي الباطن عظة وتحذير أن يفعل أحد مثل ما فعلوا فيحل به ما حل بهم وقيل معنى الظهر والبطن التلاوة والفهم يقول لكل آية ظاهر وهو أن يقرأها كما أنزلت قال الله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) [المزمل 4] وباطن وهو التدبر والتفكر قال الله تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص 29] ثم التلاوة تكون بالعلم والحفظ والدرس والفهم يكون بصدق النية وتعظيم الحرمة وطيب الطعمة وقوله صلى الله عليه وسلم لكل حرف حد أراد حدت في التلاوة والتفسير لا يجاوز ففي التلاوة لا يجاوز المصحف
(8/275)

وفي التفسير لا يجاوز المسموع وقوله صلى الله عليه وسلم لكل حد مطلع أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ويقال المطلع الفهم وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر في التأويل والمعاني ما لا يفتحه على غيره وفوق كل ذي علم عليم فقد جعل هؤلاء الفرق بين التفسير والتأويل أن التفسير يُعْلَمُ بالنقل والسماع والتأويل ما يفهم من الآية بالاستنباط منها بحيث يكون ذلك المعنى موافقاً لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة وما كان كذلك يجب أن يكون كظاهرها وهذا قول رابع في معنى التأويل وفي قول الله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] قالوا واللفظ للبغوي وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ تفسيره وعلمه دليله سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) [الكهف 78] وقيل ابتغاء عاقبته وطلب أخذ اجل هذه
(8/276)

الأمة من حساب الجمل دليل قوله تعالى ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي عاقبته قلت هذان القولان هما القولان اللذان ذكرهما ابن الجوزي فالتأويل بمعنى صرف الآية إلى خلاف ظاهرها لم يذكر أحد من هؤلاء المفسرين أنه مراد من قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وهو كما قالوا لم ينقل عن أحد من السلف وإنما فهمه بعض المتأخرين لأنه كان في اصطلاحهم لفظ التأويل يراد به هذا فظنوا أن هذا هو التأويل في لغة القرآن وهؤلاء يلزمهم أن لا يكون شيء من المتشابه أريد به ما هو
(8/277)

نص أو ظاهر فيه بل كله أريد به خلاف مادل عليه لفظه وهذا القول كما لم يذكره هؤلاء المفسرون ولا جمهور المفسرين فما رأيته منقولاً عن أحد من السلف الذين فسروا الآية بما نقل عن السلف لم يذكر هذا القول لأنه غير مأثور عنهم ولا هو موافق للغة القرآن ولا للغة العرب مطلقا ولا هو صحيح من جهة المعنى كما قد بسط في موضعه وأما ما ذكروه من أن التفسير مأخوذ من التفسرة وهو الماء الذي ينظر فيه الطبيب ليستدل به فمثل هذا قد يقوله بعض الناس يجعلون اللفظ المشهور من لفظ أخفى منه وهذا إذا أريد به التناسب فهو قريب وأما إذا أريد به أن ذلك هو الأصل لهذا فهو غلط بل الأمر بالعكس فإن لفظ الفسر والتفسير مشهور من كلامهم وهو البيان والإيضاح قال أهل اللغة واللفظ للجوهري الفسر البيان وقد فسرت الشيء أفسره بالكسر فسرا والتفسير مثله واستفسرته كذا أي سألته أن يفسره لي قال والفسر نظر الطبيب إلى الماء وكذلك التفسرة قال وأظنه
(8/278)

مولداً قلت وهذا اللفظ الذي جاء في القرآن في قوله تعالى وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) [الفرقان 33] قالوا أحسن بيانا وتفصيلا والتفسير البيان والكشف وهو تفعيل من الفسر وهو كشف ما غطي قوله تعالى وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) [الفرقان 33] فإن المطلوب من الكلام شيئان أن يكون حقًّا لا باطلاً فإن الباطل يمقت وإن زخرف وأن يكون الكلام مبرهناً مبيناً قد قام دليله وهو التفسير الذي يوضحه تصوراً وتصديقاً فبيّن المراد بالكلام وبين الدليل على صحته حتى تبين أنه حق ولا يحسن أن يقال هنا وأحسن تأويلا لأن هذا دل عليه قوله تعالى بالحق والتأويل يتعلق بالمعنى المدلول عليه وأما التفسير فإنه يتعلق بما يدل على المراد والذين نظروا في الاشتقاق الأوسط قالوا ومنه السفْر والأسفار وأسْفَرتِ المرأةُ عن وجهها وأسفروا بالفجر والسفر أيضا بياض النهار والسفرة الكتبة والسافر الكاتب والسِّفْر الكتاب لأنه يبين ويوضح ما فيه من الكلام ويدل عليه ومنه قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) [عبس 38-39] قالوا نيرة بادٍ ضوؤها وسرورها يعلو وَوُجُوهٌ
(8/279)

يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) [عبس 40] قيل غبار وقيل سواد قيل هو من العبوس والهم كما ترى على وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار والقترة قيل هو السواد قال الزجاج يعلوها سواد كالدخان وقيل القترة هي غبارٌ والغبرة الأولى هي العبوس وهذا قول أبي عبيدة قال القترة هي الغبار ومنه قوله تعالى تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) [عبس 41] ومنه قترة الجيش وعلى قول الزجاج وغيره أنه مأخوذ من الغبار وهو الدخان والقتار ريح الشواء وقد قتر اللحم إذا ارتفع قَتاره والقتار أيضا دخان العود وقترة الجيش شبيهة بهذا وهذا أصحُّ فإن القترة أبلغ من الغبرة قال تعالى وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ [يونس 26] قال الزجاج القترة الغبرة التي معها سواد وقال أبو عبيدة هو الغبار
(8/280)

والأول قول المفسرين فعن ابن عباس سواد الوجوه من الكآبة وعن عطاء دخان جهنم وعن مجاهد والمعنى الثاني للتأويل هو الذي جاء به القرآن في غير موضع كقوله تعالى وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف 52-53] فهذا تأويل منتظر يجيء وله وقت مستقبل لم يجئ بعد ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه قوله تعالى أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام 65] فقال إنها كائنة ولم يأت
(8/281)

تأويلها بعد ورواه غير واحد وهو في جزء ابن عرفة المشهور رواه عنه ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا
(8/282)

إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ
(8/283)

أَرْجُلِكُمْ [الأنعام 65] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنها كائنة ولم تأت بعد وعن العوفي عن ابن عباس تأويله تصديق ما وعدوا به في القرآن وعن السدي تأويله عواقبه مثل وقعة بدر وما وعد فيه من موعد وقال الربيع بن أنس لا يزال يجيء يوم الحساب
(8/284)

وقال قتادة هل ينظرون إلا تأويله أي عاقبته وعنه أيضاً تأويله ثوابه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه عن أصبغ ابن الفرج يوم يأتي تأويله قال تحقيقه وقرأ قوله تعالى هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف 100] قال هذا تحقيقها وقرأ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7]
(8/285)

وقال معاوية بن قرة تأويله الجزاء في الآخرة رواه ابن أبي حاتم وغيره ومنه قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس 38-39] فلا عرفوا الخبر ولا المخبر به وإحاطتهم بعلمه هو معرفة معناه وتأويله هو ما أخبر بوقوعه من الوعد والوعيد في الدنيا والآخرة هذا أصح القولين وقيل لمَّا يأتهم علم تأويله قال أبو الفرج بن الجوزي في قوله تعالى وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس 39] قولان أحدهما تصديق ما وعدوا به من الوعيد والثاني لم يكن معهم علم بتأويله قاله
(8/286)

الزجاج قلت وكذلك قال طائفة منهم البغوي وهذا لفظه قال تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس 39] يعني القرآن كذبوا به ولم يحيطوا بعلمه وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي عاقبة ما وعدهم الله تعالى أنه يؤول إليه أمرهم من العقوبة يريد أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم قلت الصواب هو القول الأول وهو أنه لم يأتهم نفس تأويله أي لم يأت بعد تأويله الذي أخبر به فيه لم يُرِد أنهم لم يعلموا تأويله فإن هذا المعنى هو الذي نفاه بما لم يحيطوا بعلمه ويدل على أنه قال وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ وقال هناك لم يحيطوا ولمَّا يُنْفَى بها ما ينتظر وقوعه ويقرب وقوعه فدل على أن تأويله سيأتيهم كقوله تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل 1] ولهذا قال فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) [يونس 39] لأن عاقبة هؤلاء إذا أتاهم تأويله مثل عاقبة أولئك ومنه قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
(8/287)

[فصلت 53] وقوله تعالى بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس 39] أي لم يحيطوا بعلم القرآن أي بما فيه من العلم ولا بالعالم وقيل ولم يحيطوا بعلم التكذيب به لأنهم كانوا في شك وهو ضعيف وقال تعالى في موضع أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا [النمل 84] أي لم يحط علمكم بها فإنما يجعل العلم محيطاً بالمعلوم وتارة يجعل العالم محيطاً بالعلم كقوله تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة 255] والعلم يضاف إلى العالم تارة وإلى المعلوم أخرى وهذا يؤيد أن قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس 39] أي لم يحيطوا بمعرفته فعلمهم لم يحط به والعلم الذي فيه هو من ذلك فلم يحيطوا بشيء من هذا العلم وهذه الآية توجب أن الإنسان لا يكذب إلا بخبر يعلم ويعرف أنه كذب والخبر المجهول يسكت عنه كقولهِ تعالى إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) [الحجرات 6] فلا يكذب به ولا يقفوه ويتبعه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيما حدثنا أهل الكتاب
(8/288)

وقد قال تعالى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) [النساء 59] وقال يعقوب ليوسف وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف 6] وقال الفَتَيَان ليوسف نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) [يوسف 36] قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف 37] وقال الملأ للملك أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) [يوسف 44] وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) [يوسف 45] وقال يوسف يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف 100] إلى قوله رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف 101]
(8/290)

فلفظ التأويل في جميع موارده ما يؤول إليه الشيء وهو عاقبته وتأويل الكلام ما يؤول إليه والكلام إما أمر وإما نهي وإما خبر فتأويل الخبر هو نفيس الشيء المخبر به وتأويل الأمر هو نفس الفعل المأمور به والإنسان قد يعلم تفسير الكلام ومعناه ولا يعلم تأويله فإن التأويل يفتقر إلى معرفة ماهيته الموجودة في الخارج والتمييز بينها وبين غيرها وليس كمن فَهِمَ الكلامَ وتفسيرَه عَلِمَ ذلك كالذي يعرف أسماء أمكنة الحج وأفعاله وقد قرأ القرآن والحديث وكلام العلماء في ذلك لكنه لم يعرف عين البيت وعين الصفا والمروة وعين عرفة والمشعر الحرام ونحو ذلك مما لا يعرفه الإنسان إلا بالمشاهدة ولكن قد يعرف بالعلم ولهذا قال أبو عبيدة لما ذكر تنازع الفقهاء وبعض أهل اللغة في اشتمال الصماء قال والفقهاء أعلم بالتأويل
(8/291)

وهذا هو التفسير الذي يعلمه العلماء وهو أخص من التفسير الذي تعرفه العرب من كلامها وذلك أن أهل العلم بتأويل الأمر والنهي والحلال والحرام مثل الذي يعرف عين المأمور به والمنهي عنه والمحرم ولهذا يفتون ويحكمون في الأمور المعينة مثل الذي يعرف أن هذه الجهة جهة الكعبة وأن هذا اللباس مما يجوز أو لا يجوز لبسه وأن هذا المكان هو الميقات الذي يحرم منه كما يعرف الطبيب أعيان الأمراض والأدوية وبمنزلة الأرض المحدودة والشخص المسمى ونحوهما فالشهود قد يشهدون على قول المقر وعلى شاهد آخر وهم إنما يشهدون بما يعلمون ولكن لا يعرفون عين المسمى الموصوف والذين يعرفون مسميات تلك الحدود يعرفون نفس الأرض المحدودة ونفس الشخص الذي اسمه فلان بن فلان والشاهد إذا عاين المشهود عليه وشخصه فهذا بمنزلة التأويل بخلاف ما إذا شهد على مسمى موصوف ولم يعينه فإنه وإن كان كلامه مفهوماً لكن لم يدل على العين ويجوز أن يسمي غير المشهود عليه بذلك الاسم ولهذا أكثر الناس يعرف من تفسير القرآن ما يعرف ويعرف معنى الإيلاء والظهار والمتعة والخلع ونحو ذلك بل ويعرف أقوال العلماء فيها ولا يقدم على التعيين خوف الغلط
(8/292)

بالمعرفة بمطابقة ما في الخارج كذلك الكلام هو معرفة بالتأويل وهو أخص من التفسير وكثير من الفقهاء يعرف تأويل الآية والحديث غير المراد وإن لم يمكنه بيان دلالة اللفظ ولا يعرف عين المراد ومثل هذا موجود في الطب وغيره من العلوم وإذا تبين هذا فالقرآن وكل كلام إما خبر وإما إنشاء كالطلب فما أخبر به فتأويله نفس المخبر به والله تعالى قد أخبر عن نفسه بما ذكر من أسمائه وصفاته فتأويل ذلك هو الرب نفسه تعالى وتقدس بصفاته وهو سبحانه لا يعلم ما هو إلا هو لهذا كان السلف كربيعة ومالك وابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهم يذكرون أنه مصروف
(8/293)

معاني الأسماء والصفات وإن لم يعلم كيفيته كقول ربيعة ومالك الاستواء معلوم والكيف مجهول وفي كلام بعضهم يا من لا يعلم كيف هو إلا هو ونحو ذلك وهذا مذهب السلف والجمهور أن للرب سبحانه وتعالى حقيقة لا يعلمها البشر وفد يسمونها ماهية ومائية
(8/294)

وكيفية ولهذا قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ولا يتفكرون في ماهية ذاته وقال الشيخ أبو علي بن أبي موسى والشيخ أبو الفرج الشيرازي المقدسي وغيرهما لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال وطائفة من المتكلمين يدعون أنهم عرفوه حق المعرفة وليس له حقيقة وراء ما عرفوه كما يقول ذلك كثير من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم وهؤلاء يقولون ليس له حقيقة ولا ماهية ولا كيفية وراء ما عرفوه وهذا قد بسط الكلام عليه في مواضع وذكر النزاع بين ضرار بن عمرو وغيره وما قال
(8/295)

في ذلك القاضي أبو بكر وغيره والمقصود هنا معرفة مسمى التأويل في القرآن واللغة التي نزل بها القرآن وإذا عرف ذلك فإذا قيل التأويل لا يعلمه إلا الله بمعنى أن ما وعد به من الثواب والعقاب لا يعلم قدره ولا صفته إلا هو ولا يعلم وقته إلا هو فهذا حق قال تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة 17] وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
(8/296)

وإذا قال عن صفات الرب كالاستواء وغيره كما قال ربيعة ومالك وغيرهما إن الاستواء معلوم والكيف مجهول لنا غير مجهول له وهو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله بخلاف معنى الاستواء فإن هذا معلوم وهو من تفسير اللفظ والسلف تكلموا في معنى الاستواء الذي قال ربيعة ومالك وغيرهما أنه معلوم وقد ذكرت ألفاظهم في غير هذا الموضع وقد قال بعضهم مذهب السلف أو إجماعهم منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية كما ذكر أبو الفرج الجوزي في تفسيره فقال قال الخليل بن
(8/297)

أحمد العرش السرير وكل سرير للملك يسمى عرشاً قال واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال أمية بن أبي الصلت مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النا س وسوَّى فوق السماء سريرا شرجعاً ما يناله بصر العيـ ـن يرى دونه الملائك صورا
(8/298)

وقال كعب إن السموات في العرش كقنديل معلق بين السماء والأرض قال وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية وقد شذّ قوم فقالوا العرش بمعنى المُلْك وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود 7] أتراه كان الملك على الماء وقال بعضهم استوى بمعنى استولى واستدل بقول الشاعر قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
(8/299)

قال وهذا منكر عند أهل اللغة قال ابن الأعرابي لا نعلم استوى بمعنى استولى ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية قال وإنما يقول استولى فلان على كذا إذا كان بعيداً منه غير متمكن منه ثم تمكن والله عز وجل لم يزل مستوليا على الأشياء وهذا البيت لا يعرف قائله كذا قال
(8/300)

ابن فارس اللغوي ولو صح فلا حجة فيه لما بينا مِن استيلاء من لم يكن مستوليا فنعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة وقائل هذا القول إن إجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية إن أراد به أنهم لا ينفون ما دلت عليه وما ذكر فيها بتأويلات النفاة مثل قولهم العرش والملك أو استوى بمعنى استولى ونحو ذلك فهم ينكرونه فهذا صحيح وإن أراد أن السلف لم يكونوا يعلمون معنى الاستواء ولا فسروه فهذا باطل خلاف المنقول المتواتر عنهم مثل قول ربيعة ومالك لما قيل لهم الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)
(8/301)

[طه 5] كيف استوى فقال مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيف بدعة وذكر البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد لما ذكر الاستواء قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع فسوى خلقهن وقال مجاهد استوى على العرش علا على العرش وهذا مما رواه أهل التفسير فروى ابن أبي حاتم وغيره بالإسناد المعروف عن أبي العالية في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة 29] قال ارتفع قال
(8/302)

وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله وفي قوله تعالى فَسَوَّاهُنَّ [البقرة 29] قال سوى خلقهن وأعاد ذلك في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف 54] وروي عن قتادة أنه قال استوى على العرش في اليوم السابع قال وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك قلت وكذلك رواه الشافعي في مسنده في فضل يوم
(8/303)

الجمعة أنه اليوم الذي استوى الله فيه على العرش وقال البغوي في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة 29] قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف ثم ارتفع إلى السماء وقال البغوي أيضاً في قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف 54] قال الكلبي ومقاتل استقر وقال أبو عبيدة صعد
(8/304)

وذكر غيره عن الخليل بن أحمد مثل قول أبي عبيدة أنه بمعنى صعد وارتفع وذكر شاهده من كلام العرب وذكروا عن ابن عباس أنه قال استوى استقر وكذلك قال ابن قتيبة وغيره وقد زعم بعضهم أن معنى قولهم الاستواء معلوم أن مجيء لفظ الاستواء في القرآن معلوم وهذا باطل فإن كونه في القرآن أمر ظاهر يعرفه جميع الناس لا يسأل عنه ولكن السائل لما قال كيف استوى سأل عن الكيفية فبينوا له أن الكيفية لا نعلمها نحن ولكن نعلم معنى الاستواء فدل على ثبوت كيفية في نفس الأمر غير معلومة لنا وكذلك قال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما ولو قدّر أن الكيفية منتفية فلا تنُفى الكيفية عن معدوم فلو لم يكن أن ثمّ استواء ثابت في نفس الأمر لم يجز نفي الكيفية عنه ولو كان المراد الاستيلاء ونحوه لم يحتج أن يقال في ذلك والكيف مجهول أو معلوم وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا بيان لفظ التأويل وأن معناه في القرآن وكلام من يتكلم بلغة القرآن غير معناه عند الذين اصطلحوا على
(8/305)

أن جعلوه اسما للمعنى المرجوح في اللفظ ولم يجعلوا معناه المنصوص الظاهر داخلاً في مسمى التأويل فقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ هو تأويل ما أخبر به هذا التأويل لا يخالف ظاهر اللفظ ولا نصه بل تأويل مطابق لظاهر اللفظ الذي أخبر الله تعالى به فخبر الله عز وجل عما وعد به وأوعد به دل ظاهره على معنى وتأويل الكلام ذلك المعنى الموجود في الخارج وإذا قيل الراسخون في العلم يعلمون تأويله فمعناه أنهم يفهمون ما أخبر به عن التأويل ويتصورون معنى الكلام وهو معرفة تفسيره فهم يفهمون الخبر عن التأويل ويعلمون حقيقة التأويل وإن لم يعلموا كيفيته وكميته ووقته وقد يعلمون بعض ذلك دون بعض كما تعلم الملائكة من حيث الجملة ثم نقول وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر 31] فهو معلوم من وجه دون وجه فإذا قيل يعلمون التأويل فهم يعلمون ما دلهم عليه الخطاب وما أفهمهم إياه كما قال مالك الاستواء معلوم وأما ما وراء ذلك فهو من التأويل الذي لا يعلمونه كمثل كيفية الاستواء التي قال فيها والكيف مجهول ومما يبين معنى التأويل في كلام الصحابة الذين يتكلمون
(8/306)

بلغة القرآن حديث ابن مسعود رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة 105] قال كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس حتى ثار كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد الله ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر فقال آخر إلى جنبه عليك نفسك فإن الله تعالى
(8/307)

يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة 105] قال فسمعها ابن مسعود فقال مه لم يحن تأويل هذه الآية بعد إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من أمر الساعة ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب على ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار فما رأيت قلوبكم واحدة وأهواءكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية وروي من حديث عبد الله بن مغفل عن
(8/308)

مكحول أن رجلاً سأله عن قول الله تعالى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال إن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن كعب قال إذا هديت فأدى ذلك للغضب فحينئذ تأويل هذه الآية وهذه الآية من آيات الأمر والنهي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم
(8/309)

يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فقوله تعالى لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة 105] فمن الاهتداء القيام بما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قال الصدّيق أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها وإنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده
(8/310)

فالصديق أنكر على من ظن أنها تسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن ذلك واجب بحسب الاستطاعة قال أبو عبيد خاف الصديق رضي الله عنه أن يتأول الناس الآية على غير تأويلها فتدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأعلمهم أنها ليست كذلك وابن مسعود وأولئك بينوا أن في زمانهم يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان لاجتماع القلوب ووجود الأعوان على ذلك وأنه عند التفرق والاختلاف وعجز الإنسان عن الإنكار باليد واللسان والمقصود أنهم سموا نفس المراد بالآية تأويلاً لها بل الإمساك عما يعجز عنه من الإنكار فإنه من تأويل قوله صلى الله عليه وسلم عليك نفسك ولا يضرك من ضل إذا اهتديت وأما تفسيرها وفهم معناها فقد كان موجوداً في زمانهم وهذا التأويل لا يعجز
(8/311)

عنه أحد ولا يسقط عن أحد ويتبعه الإنكار بالقلب وهو أضعف الإيمان بخلاف ذلك وما قاله ابن مسعود قد جاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشني قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمراً لابد منه فعليك نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أيام الصبر فمن صبر فيهن فهو كقبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله وروي خمسين منكم أي مثل ذلك العمل إذا عمل به في زمان
(8/312)

الصحابة لأن العمال كثيرة وكان متيسراً فإذا عمل به في ذلك الزمان ضوعف أجر عمله
(8/313)

وأما مجموع عمل السابقين فلا يقدر أحد على فعله كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو أنفق لأحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه وإذا عرف معنى لفظ التأويل ظهر فساد احتجاج هؤلاء بقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] فإن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ليس هو أن لا يفهم أحد شيئاً من اللفظ بل يفهمونه وإن كان تأويله لا يعلمه إلا الله وعامة السلف الذين كانوا يَفْصِلون الآية ويقفون عند قوله تعالى إِلَّا اللَّهُ فسروا التأويل بغير ما يفهم من لفظ
(8/314)

الآية ومنهم غير واحد يقول إنهم يعلمون تأويله بمعنى آخر كما تقدم عن مجاهد والضحاك وقال السدي وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عواقبه يجيء الناسخ منه فينسخ المنسوخ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ قال تحقيقه وعن عباد بن منصور سألت الحسن عن قوله
(8/315)

تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] فقال تأويله القضاء به يوم القيامة وقد تقدمت رواية الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ قال تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله
(8/316)

وعن محمد بن إسحاق مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ فيهن حجة الرب تعالى وعصمة العباد ودفع الخصومة والباطل ليس بهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ قال لم يفصّل فيهن القول كما فصله في المحكمات يتشابه في عقول الرجال ويتخالها التأويل فابتلاء الله تعالى فيها العباد كابتلائهم في الحلال والحرام وفي رواية عنه قال متشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران 7] أي ما تحرف منه ومتصرف ابتغاء الفتنة إلى اللبس وابتغاء تأويله وما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة ليكون لهم به حجة على من
(8/317)

خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به بمثل الأهواء وزيغ القلوب والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي ما يعلم ما صرفوا وتأولوا إلا الله الذي يعلم سرائر العباد وأعمالهم وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قال لم يكن معرفتهم إياه أن يفقهوه على الشك ولكنهم خلصت الأعمال منهم ونفذ علمهم أن عرفوا الله بعدله لم يكن ليختلف شيء مما جاء به فردوا المتشابه على المحكم وقالوا كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فكيف يكون فيه اختلاف وإنما جاء يصدق بعضه بعضا وفي الرواية الأخرى قال ثم ردوا تأويل المتشابه
(8/318)

على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويلا واحدا فاتسق بقولهم الكتاب وصدّق بعضه بعضاً فنفذت به الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر يقول الله تعالى وَمَا يَذَّكَّرُ أي في مثل هذا إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ فهو في رواية ابن إدريس عنه لما قال وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
(8/319)

إِلَّا اللَّهُ فسر التأويل مما تأولوه من الباطل فيه وفي رواية سلمة عنه جعل الراسخين في العلم يعلمون من تأويل المتشابه وأنهم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكم الذي لا تأويل لأحد فيه إلا تأويلاً واحدا فابن إسحاق ذكر مثل قول ابن عباس والضحاك وغيرهم الذين يقولون بالقراءتين يقولون له تأويل لا يعلمه إلا الله وتأويل يعلمه الراسخون وكذلك عامة أهل العربية الذين قالوا وما يعلم تأويله إلا الله كالفراء وأبي عبيد وثعلب وابن
(8/320)

الأنباري هم يتكلمون في متشابه القرآن كله وفي تفسير معناه ليس في القرآن آية قالوا لا يعلم أحد تفسيرها ومعناها فيجب أن يكون التأويل الذي اختص الله به عندهم غير ما تكلموا فيه من تفسير الآيات المتشابهة وقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] قد يقال فيه إن المنفي هو عموم السلب لا سلب العموم أي ما يعلم جميع التأويل إلا الله وأما بعضه فيعلمه الراسخون كما قال ابن عباس وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب فقول الجمهور هو القراءة الصحيحة وهو أنه لا يعلم غير الله جميع التأويل كقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر 31] أي مجموعهم وإلا فكثير من الناس يعلم بعض جمود ربنا
(8/321)

وبكل حال تفسير معناه ليس داخلاً في التأويل الذي اختص الله به سواء سُمّي تأويلاً أو لم يسم وأما احتجاجهم بالحروف المقطعة فعنه أجوبة أحدها أن هذه ليست كلاماً منظوماً فلا يدخل في مسمى الآيات وعامة الناس أهل مكة والمدينة والبصرة لا يعدون ذلك آية ولكنِ الكوفيون يعدونها آية وبكل حال فهي أسماء حروف يُنْطقُ بها غير معربة مثل ما ينطق بألف با تا وبأسماء العدد واحد اثنان ثلاثة والذي يتبين به المعنى بعد العقد والتركيب بتقدير أن لا يكون لهذه معنى يفهم ولا يلزم أن لا يكون للكلام المؤلف المنظوم الذي هو جملة اسمية أو فعلية معنى يفهم ولكن على هذا التقدير يكون قد أنزلت هذه الحروف بحكم آخر غير الخطاب الجواب الثاني أن السلف قد تكلموا في معانيها وكلامهم في ذلك كثير مشهور عن ابن عباس وغيره وبسطه هنا فتارة يقولون كل حرف يدل على اسم من أسماء الله تعالى
(8/322)

وتارة يجعلون كل حرف من لفظ والمجموع جملة كما روى أبو الضحى عن ابن عباس الم إني أنا الله أعلم وتارة يجعلون اسم الله من عدة حروف كقول من قال الر وحم ون هو اسم الرحمن ومنهم من قال تدل على أسمائه وصفاته مثل آلائه ونعمائه ومنهم من قال هي أسماء القرآن
(8/323)

ومنهم من قال فواتح يُفْتَتحُ بها القرآن ومنهم من يجعلها تدل على ذلك كله كما رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الحروف الثلاثة من التسعة والعشرين أحرف دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم وقال عيسى ابن مريم وعجب فقال وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح اسم الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله فالألف ستة واللام ثلاثون والميم أربعون
(8/324)

وعن مقاتل بن حيان في قوله تعالى وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ قال يعني فيما بلغنا الم والمص والمر والر فهؤلاء الأربع المتشابهات فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود يتبعون ما تشابه منه ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ قال ابتغاء ما يكون وكم يكون قال وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كم يكون إِلَّا اللَّهُ الجواب الثالث أن يقال نحن نسلم أن كثيراً من الناس
(8/325)

أو أكثرهم لا يعرفون معنى كثير من القرآن فإذا قيل إن أكثر الناس لا يعرفون معنى حروف الهجاء التي في أوائل السور فهذا صحيح لا نزاع فيه وإن قيل إن أحداً من الناس لا يعرف ذلك وأن الرسول نفسه لم يكن يعرف ذلك فمن أين لهم هذا فهذا النفي لابد به من دليل
(8/326)

فصل وأما الحديث الذي احتجوا به وهو قوله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل العلم بالله فإذا أمكروا لم ينكره إلا أهل الغرة بالله فهذا حجة عليهم إن كان صحيحاً فإن هذا ليس له إسناد تقوم به الحجة بل قد رواه أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتابه الفاروق بإسناد فيه من
(8/327)

لا يعرف وأبو إسماعيل هو وشيخه يحيى بن عمار وغيرهم يحملون ذلك على أحاديث الصفات الدالة على إثبات الصفات
(8/328)

لله تعالى وأبو حامد يحمل ذلك على ما يذكره في الكتب المضنون بها ونحو ذلك من أقوال الباطنية الملاحدة لكنه رجع عن ذلك في آخر عمره فهذا الحديث إن لم يكن صحيحاً فلا حجة فيه وإن كان صحيحا بتقدير صحته ففيه أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله فهذا يدل على أن من الناس من يعلم هذا العلم ليس مما استأثر الله به ولكن بعض الناس ينكره فإن كان تأويل المتشابه من هذا كما ادعوه فقد ثبت أن العلماء بالله يعلمون تأويل المتشابه وبطل قولهم وإن لم يكن منه بطلت حجتهم فعللا التقديرين بطل استدلالهم بهذا الحديث ولا ريب أن من العلم ما لا تقبله عقول كثيرة كما قال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله
(8/329)

وقد ذكره البخاري في صحيحه وترجمه باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا وذكر حديث معاذ بن جبل لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار قال يا رسول الله ألا أخبر الناس قال إذاً يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً وأما ما ذكره من قياس الأقوال على الأفعال وأن فيها ما هو بعيد
(8/330)

لا يعقل معناه فجوابه من وجوه أحدها أن الأعمال المأمور بها ينتفع بها العامل ويحصل بها المقصود وإن لم يعرف حكمها وأما الأقوال التي يخاطب بها الناس فإن لم يكن معرفة معناها لم ينتفع بها الناس الثاني أنه يجوز أمر الناس بأعمال ينتفعون بها وإن لم يعرفوا حكمتها كما يأمر المؤدب والوالد والطبيب وأما مخاطبة الناس بكلام لا سبيل لهم إلى فهمه فهذا لا يفعله أحد من العقلاء وقوله إن الطاعة فيما لم تعرف حكمته أتم ممنوع بل ما عرفت حكمته التي يحبها الله تعالى لأجل تلك الحكمة التي يحبها الله تعالى فهذا أتم لأن الذي ذكروه متوجه فيما إذا كانت الحكمة غرضا دنيويًّا مثل حفظ الأموال
(8/331)

والأنفس وقهر العدو ونحو ذلك فهنا قد لا يفعله إلا لذلك الغرض الدنيوي وهذا مذموم ولكن الحكمة المتعلقة بالخالق وأنه يحب الفعل ويرضاه يعرفها أهل العلم والإيمان وأما القدرية المجبرة والنافية فلا يعرفونها كما قد بسط في موضعه ومعلوم أنه إذا صلى وسجد لما في السجود من الخضوع لله والتقرب إليه لم يكن رمي الجمار أفضل من هذا وكذلك إذا تصدق ليحسن إلى الخلق ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يريد منهم جزاء ولا شكورا وأما قوله إن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب فهذا ممنوع ولكن هذا يختلف باختلاف المعاني فإن كان ذلك المعنى مما لا يعظمه القلب سقط وقعه عن القلب وإن كان المعنى مما يعظمه القلب كان تعظيمه للكلام إذا فهم معناه بحسب عظم ذلك المعنى ولهذا كل من كان للقرآن أفهم
(8/332)

ولمعانيه أعرف كان أشد تعظيماً له من الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل كتاب سيبويه في النحو إذا فهمه الإنسان كان لسيبويه في قلبه من الحرمة ما لم يكن قبل ذلك والله تعالى قد أمر العباد بتدبر القرآن والتفكير فيه وتفهمه فكيف يقال إنهم إذا فعلوا ذلك سقط وقعه عن قلوبهم مع أن الأمر بخلاف ذلك وكلما تصور العبد ما في القرآن من الخبر عن الله تعالى وملائكته وأنبيائه وأعدائه وثوابه وعقابه حصل لهم من التعظيم والمحبة والخشية ما لا يعلمه إلا الله قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال 2] أفترى الإيمان يزداد بمجرد لفظ لا يفقه معناه وإذا فقه معناه لا يزداد الإيمان بذلك وقال تعالى وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت 44] فلو كان الهدى والشفاء يحصل بمجرد اللفظ الذي لا يفقه معناه لحصل به إذا كان أعجميا بطريق الأولى بل الهدى
(8/333)

والشفاء إذا فهم معناه أتم وأكمل بلا ريب وقد قال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) [محمد 16] فذم الذين لا يعلمون ما قال ووصف الآخرين بأنهم أوتوا العلم وقد قال تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر 9] وأما قوله إنه إذا لم يقف على المقصود مع معرفته بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتاً إليه أبدا ومتفكرا فيه أبدا يقال هذا صحيح إذا كان يرجو فهمه وكان فهمه ممكنا عنده أما إذا جزم بأن أحداً من الخلق لا يفهمه صار ذلك مأيوسا منه فر يلتفت قلبه إلى ما يطمع فيه ولا يتفكر فيه بل تبقى همته مصروفة إلى لفظ دون معناه واللفظ تابع
(8/334)

للمعنى فإذا لم يكن ثم معنى يطلب يبقى مجرد لفظ فأفضى به إلى ما يفسد القلب من التشدق والتفيهق وقسوة القلب وغفلته عن الله قوله ولباب التكليف اشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه فلا يبعد أن يقال إن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة كبيرة عظيمة له فيقال هذا إنما يكون فيما إذا كان فهمه ممكناً أما إذا جزم العبد بأنه لا سبيل لأحد إلى فهمه فلا يلتفت ذهنه إلى المعنى ولا يشتغل به خاطره ولا يشتغل سره بذكر الله تعالى والتفكير في كلامه من هذه الجهة وإنما يتفكر في كلامه إذا رجا فَهْمه أو فَهِمه وطلب زيادة الفَهْم فأما الكلام الذي يجزم بأنه لا يفهمه أحد فلا يتفكر فيه واشتغال السر بذكر الله تعالى هو بحسب معرفة العبد فإذا كان باب المعرفة مسدودا لم يشتغل السر إلا باللفظ المجرد والقلب لا يزكو بذلك ولا يصلح به ولا يعبد الله ويحبه بمجرد لفظ لا يعرف أحد معناه ولهذا يوجد الذين قد يئسوا من معرفة المعنى قد أعرضوا بقلوبهم عن ذلك لا يذكرونه ولا يتفكرون فيه كإعراض
(8/335)

الإنسان عما يجده مكتوباً بغير الخط الذي يعرفه فإنه لما لم يعرف المكتوب فإنه يجعل الورق غلافاً لغيره ووقاية له كما يفعل الناس في الرقوق التي لا يدرون ما كتب فيها وقد يكون فيها من الكلام ما لو عرفوه لم يفعلوا به ذلك كالكتب المعربة وعدم فهم اللفظ كعدم فهم الخط كلاهما يسقط حرمة الكلام من القلب بخلاف ما إذا كان فهمه ممكنا فإنه إذا اعتقد عظمته تعلقت همته بطلب فهمه واشتغل بذكر ربه والتفكر في كلامه فانتفع بذلك ولهذا يفكر الإنسان فيما أشكل عليه فتكون فكرته فيه سبباً لجمع همته وإقباله على الله تعالى وعلى عبادته واشتغاله بذلك عما تهواه الأنفس ومن الأهواء الرديئة ثم إذا فهم بعض الحق وجد فيه حلاوة وذلك يدعوه إلى طلب الباقي قال تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) [محمد 24] وقال كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) [ص 29] وقال تعالى أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) [الرعد 19] فإن كون الكلام حقًّا أو باطلاً هو
(8/336)

متعلق بمعانيه لا بألفاظه الدالة على معانيه فأما اللفظ الذي لا يعرف له معنى فلا يقال فيه حق ولا باطل فصل قال الرازي الفصل الثاني في وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه اعلم أن كتاب الله دل على أنه بكليته محكم ودل على أنه بكليته متشابه ودل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه أما الذي يدل على أنه بكليته محكم فقوله تعالى الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) [هود 1] وقوله الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) [يونس 1] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه حقًّا في ألفاظه وكونه حقا في معانيه فكل كلام سوى القرآن فالقرآن أفضل منه في لفظه ومعناه وأن أحداً من
(8/337)

الخلق لا يقدر أن يأتي بكلام يساوي القرآن في لفظه ومعناه والعرب تقول في البناء الوثيق والعهد الوثيق الذي لا يمكن حله إنه محكم فهذا معنى وصف كل القرآن بأنه محكم وأما الذي يدل على أنه كله متشابه فهو قوله تعالى كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر 23] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والفصاحة ويصدق بعضه بعضاً وإليه الإشارة بقوله تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) [النساء 82] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر ولتفاوت نسق الكلام في الجزالة والفصاحة وأما الذي يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه فهو قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران 7]
(8/338)

قلت هذا الذي ذكر من أن القرآن كله محكم وأنه كله متشابه قد ذكره عامة العلماء والقرآن دل على ذلك كما ذكره وقالوا في قوله تعالى مُتَشَابِهًا ما ذكره أنه متشابه في المعاني والألفاظ قال كثير من المفسرين كالثعلبي والبغوي مثل ما قال متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً وقال أبو الفرج بن الجوزي في المتشابه قولان أحدهما أشبه بعضه بعضاً في الآي والحروف فالآية تشبه الآية والكلمة تشبه الكلمة والحرف يشبه الحرف والثاني أن بعضه يصدق بعضا فليس فيه اختلاف ولا تناقض وتفسير المتشابه بأنه يصدق بعضه بعضاً
(8/339)

معروف عن عامة العلماء وأما القول الأول فهو مأثور عن قتادة قال الآية تشبه الآية والحروف تشبه الحروف ولفظ الحرف في اللغة يراد به الاسم لقوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف فلعل قتادة أراد الآية المنظومة والاسم المفرد يشبه بعضه بعضا في اللفظ والمعنى كما قال غيره فالتشابه في المعنى ينفي التضاد والتناقض المعبر عنه
(8/340)

بالاختلاف في قوله تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) [النساء 82] وذلك في الأوامر والنواهي والأخبار فيأمر بالشيء الحسن وما يماثله وينهي عن الشيء السيئ وعما يماثله لا يتناقض فيحكم بين المثلين بحكمين مختلفين وكذلك المدح والذم يمدح الشيء وما يماثله ويذم الشيء ويذم ما يماثله وكذلك في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد وكلام المخلوقين لا يخلو عن نوع من التناقض والاختلاف والتشابه في الألفاظ تناسبها وائتلافها واعتدالها وأنه كله كذلك بخلاف كلام المخلوقين فإنه يكون بعضه على طريقة في الحسن وباقيه يخالف ذلك فلا يكون آخره كأوله وهذا كالبناء والخياطة إذا كان متناسبا يشبه بعضه بعضاً فهو بخلاف ما يكون بعضه لا يشاكل بعضا وأما المثاني فهو جمع مثنى والتثنية يراد بها التقسيم
(8/341)

فقد فسر المثاني بأنه الذي يستوفى فيه الأقسام فيذكر فيه الوعد والوعيد والأمر والنهي والأخبار والأحكام والحلال والحرام لا يذكر أحد القسمين دون الآخر فهو يستوفى الأقسام كما أن المتشابه هو الأمثال وفسر بأنه هو الذي يكون فيه القصص والحجج والأمر والنهي لما في ذلك من الحكمة والبيان ولأن في كل موضع من المعاني النافعة مثلا ليس في الموضع الآخر بمنزلة الشيء الواحد الذي له أسماء متعددة وكل اسم يدل على صفة ومن ذلك أسماء الله تعالى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء كتابه فتثنية الخبر والأمر بألفاظ يختص كل لفظ بمعنى بمنزلة تثنية الأسماء للمسمى الواحد الذي يختص كل اسم بمعنى وهذا يتضمن الإخبار بصفات الأشياء وإن كان الموصوف واحداً فهو تثنية وتكرير باعتبار الذات لا اعتبار الصفات وروى ابن أبي حاتم بإسناد معروف عن سعيد بن جبير
(8/342)

عن ابن عباس في قوله تعالى مَثَانِيَ يفسر بعضه بعضاً ويرد بعضه على بعض وعن الحسن قال ثنى الله فيه القضاء تكون السورة فيها آية وفي الأخرى آية تشبهها وكذلك قال عكرمة ثنى الله فيها القضاء وعن الضحاك قال ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى فابن عباس جعل المثاني من جنس المتشابه وهي النظائر
(8/343)

التي يفسر بعضها بعضاً وعلى القول الآخر تكون المثاني هي الوجوه وهي الأنواع كالوعد والوعيد والأمر والنهي فصل قال الرازي ولابد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ثم من تفسيرها في عرف الشريعة أما المحكم في اللغة فالعرب تقول حكمت وأحكمت وحكّمت بمعنى رددت ومنعت والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحَكْمَة اللجام تمنع الفرس عن الاضطراب وفي حديث النخعي أحكم اليتيم كما تحكم
(8/344)

ولدك أي امنعه من الفساد وقوله أحكموا سفهاءكم أي امنعوهم وبناء محكم أي وثيق يمنع من يعترض له وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع الموصوف بها عما
(8/345)

لا ينبغي قلت هذا الذي قاله قد قاله جماعة كما قيل مثل ذلك في الحد أن معناه المنع وقد يقال الحكم هو الفصل بين الشيئين بالحق وكذلك الحد هو الفصل بين الشيئين والمنع جزء مسماه فالمنع بعض معنى الفصل فإن الفصل بين الشيئين يتضمن منع كل منها من الآخر وإلا فليس كل من منع غيره من شيء قيل إنه أحكمه حتى يكون منعاً بحق وحتى يكون ممنوعاً من شيء دون شيء والحكم هو الفاصل ويقال يوم الفصل وحكم فيصل واحكم بيننا ولا يقال امنع بيننا والحكمة هي الفصل بين الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب علماً وعملاً ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء 39] وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي السنة لأنها بينت ما يؤمر به وما ينهى عنه
(8/346)

قال وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز قال تعالى إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة 70] وقال تعالى تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة 118] ومنه اشتبه الأمران إذا لم يفرق بينهما ويقال لأصحاب المخاريق أصحاب الشبهات وقال صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات وفي رواية مشتبهات قال فهذا
(8/347)

تحقيق الكلام في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة يقال هما مشتبهان وإن كان كثير من الناس يميز بينهما لكن قد يكون بعض الناس غير مميز بخلاف لفظ التماثل فإنه أخص من لفظ التشابه قال تعالى وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ [الأنعام 141] وفي الآية الأخرى مثلها مشتبهاً وغير متشابه قيل بعضه متشابه وبعضه غير متشابه وقيل بل هو مشتبه في المنظر واللون وهو غير متشابه في الطعم ومعلوم أن كما تشابه ورقه ومنظره كما يشبه ورق الزيتون ورق الرمان فالناس يميزون بينهما وكذلك إذا قيل بعضه متشابه كما تشبه الشجرة الشجرة أو ورقها ورقها أو ثمرها ثمرها
(8/348)

وقد تكون مع التمييز بينهما إلا إذا صارا متماثلين مثل حبتي الحنطة فهذا لا تمييز بينهما وهو سبحانه وتعالى قال في القرآن إنه متشابه أي يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصدق فالتمييز حاصل مع ذلك وكذلك قوله تعالى وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة 25] والعرب تقول من أشبه أباه ما ظلم والتمييز حاصل بينه
(8/349)

وبين أبيه وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالولد للفراش وصاحب الفراش زمعة أبو سودة بنت زمعة أم المؤمنين قال
(8/350)

النبي صلى الله عليه وسلم واحتجبي منه يا سودة لما رأى من شبهه البين بعتبة وعتبة هذا هو ابن أبي وقاص أخو سعد رضي الله عنه فهذا شبه بيّن مع أنهم كانوا يفرقون بين هذا وبين عتبة ابن أبي وقاص وهو الذي ادعاه من فجور قال لأخيه سعد بن أبي وقاص انظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني فاختصم فيه سعد وعبد بن
(8/351)

زمعة صحاب الفراش سيد الأمة الذي كان يطؤها وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى رضي الله عنهما في القضاء اعرف الأشباه والنظائر وفسر الأمور برأيك فهو يعلم أن هذا يشبه هذا مع تمييزه
(8/353)

بينها ويقال هذا أشبه بهذا من هذا فكل منهما يشبهه وأحدهما أشبه مع التمييز بين الثلاثة وقوله تعالى كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة 118] مع حصول التمييز بينها وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال فهذا تشبيه مع
(8/354)

وجود الفرق والتميز ومثل هذا كثير لكن قد يحصل الاشتباه على بعض الناس بحيث لا يميز بينهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فهذا دليل على أن بعض الناس يعلمها ويميز منها الحلال من الحرام وإن كان غيره لا يمكنه ذلك فالمشتبهات قد يعلم الفروق بينها بعض الناس دون بعض وهذا الموضع ينبغي تحقيقه فإنه سبحانه وتعالى قد وصف القرآن كله بأنه محكم في عدة آيات كقوله تعالى أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود 1] وقوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) [يونس 1] وقوله تعالى الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) [لقمان 1-2] وقوله تعالى ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) [آل عمران 58] كما وصفه بأنه بيان وبأنه مبين في مثل قوله تعالى رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الطلاق 11] ووصفه بأنه مبين في قوله تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) [النمل 1] وقوله تعالى تِلْكَ
(8/355)

آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) [الحجر 1] ووصفه بأنه جعله عربيًّا ليعقلوه ووصفه بأنه بصائر وبيان وهدى للناس ونحو ذلك مما تقدم ذكره وهذا يعم جميع القرآن فعلم أن الآيات التي قيل فيها وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران 7] هي أيضاً محكمات مبينات وهي بيان وهدى وبصائر لكن اختصت بتشابه لم يكن في المحكمات وكذلك اختصت المحكمات بأحكام أخر غير الأحكام المشتركة وأما المتشابه فإما أن يراد به أنها في نفسها متصفة بالتشابه بحيث هي متشابهة في نفس الأمر وعلى كل أحد إما أن يقال تشابهت على بعض الناس فالتشابه أمر إضافي وإذا أريد هذا المعنى الثاني فكل كلام في الوجود قد يشتبه على بعض الناس لنقص علمهم ومعرفتهم لا لنقص في نفس الكلام الذي هو في نفسه متشابه ومما يوضح هذا أن كل من لم يكن له خبرة بكلام شخص أو طائفة بما يريدونه من تلك الألفاظ إذا سمعها تشتبه عليه ولا يميز بين المراد منها وغيره بل قد يظن المراد غير
(8/356)

المراد مثل من يسمع كلام أهل المقالات والصناعات قبل أن يخبر مرادهم ومن هذا الباب أن كثيراً من الجهال وأهل الإلحاد يشتبه عليهم ما هو من الآيات المحكمات وإن كان بعض الملحدين يعرف أنه يكذب وكثير منهم التبس عليه الأمر وظن صدق ما قالوه مثل قول من يفسر مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) [الرحمن 19] بعلي وفاطمة واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين لأن اسم البحر يراد به العالم وهذا
(8/357)

اسم الحسن فكأن دمعه كاللؤلؤ والحسين
(8/358)

قيل كأن دمعه كالمرجان وفسر قوله تعالى وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) [يس 12] بأنه علي لأنه إمام معصوم مبين للعلوم واعرف بعض طلبة العلم قرأ قوله تعالى وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) [الزخرف 31] وظن أنهما المكان الذي يسمى بالقريتين من أرض الشام وبعض الناس فسر ذات العماد بدمشق لما فيها من العمد ومعلوم أن هذا باطل فإن هادًا لم يكونوا بالشام بل باليمن وهودًا إنما أرسل إليهم فقد قال تعالى بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) [الفجر 6-7] قد نقلوا هذا في كتب التفسير عن عكرمة وابن المسيب وعن
(8/359)

القرطبي أنها الإسكندرية فإنها كثيرة العمد أيضا فهذا قد اشتبه على طائفة من العلماء مع أنه من الآيات المحكمات فإنه تعالى قال أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) [الفجر 6-7] وقد ذكر الله تعالى عاداً في موضع آخر وأنه أرسل إليهم هوداً وانه أنذر قومه بالأحقاف أحقاف الرمل وهذا كله مما علم بالتواتر أنه كان باليمن وقد صار مثل هذا يجعل أحد الأقوال في تفسير الآية مع أن الذين قالوه من علماء السلف قد يكونون أرادوا التمثيل وان دمشق والإسكندرية ذات عماد ليعرف معنى ذات العماد وإلا فلا يخفى على أدنى طلبة العلم أن عاداً كانوا باليمن وهذا كما روي عن حفصة في قوله تعالى وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [النحل 112] أنها
(8/360)

المدينة وهي جعلت المعنى موجوداً فيها وكذلك قالت طائفة من العلماء في قوله تعالى كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد 43] وقوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف 10] ونحو ذلك أنه عبد الله بن سلام أو هو ونحوه ممن أسلم بالمدينة وهذا مما أحكمه الله فإن هذه الآية نزلت بمكة قبل أن يعرف ابن سلام فضلاً عن أن يسلم ولأنه قال على مثله وأراد شهادة أهل الكتاب على مثل
(8/361)

القرآن وهو شهادتهم بما تواتر عنهم من أن الرسل كانوا رجالاً وأنهم دعوا إلى التوحيد وأخبروا بالمعاد فإن المشركين كانوا ينازعون في هذا وهذا وأهل الكتاب ينقلون بالتواتر عن الرسل المتقدمين ما يصدق محمداً صلى الله عليه وسلم ويكذب المشركين وهذا غير الشهادة المختصة بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد ظن طائفة أن العرش هو الملك مع أن الله تعالى قد أحكم ذلك وبين العرش وأنه مغاير للسموات والأرض في غير موضع كقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود 7] وقوله قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) [المؤمنون 86] بعد قوله تعالى قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا [المؤمنون 84] وقوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر 7] وقوله تعالى وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر 75] ووصف العرش بأنه عظيم وأنه كريم وأنه مجيد إلى أمثال ذلك من الدلائل المبينة للمراد وأنه ليس هو الملك
(8/362)

وطائفة اشتبه عليها ففسروا الكرسي بالعلم مع أن هذا لا يعرف في اللغة البتة والله سبحانه وتعالى أحاط بكل شيء علما فلا يختص علمه بالسموات والأرض والمقصود بيان عظمة الرب سبحانه وهو بكل شيء عليم ويعلم ما كان وما يكون فليس في تخصيص علمه بالسموات والأرض مدح ولا لهذا نظير في القرآن فالرب لا يذكر اختصاص علمه بذلك قط وهذا وإن كان من رواية جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فالثابت عن ابن عباس من رواية الثوري عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير خلاف هذا
(8/363)

وقال الكرسي موضع القدمين وتنازع الناس في الكرسي هل هو العرش أو دون العرش
(8/364)

أقرب من هذا فإن هذا له اتساع في اللغة وأما تسمية العلم كرسيّا فهذا لا يعرف في اللغة ولكن بعضهم تكلف له من قولهم كراس والكرَّاس غير الكرسي فإن قُدِّر أن يسمى الكرسي كرّاساً فهو الكتاب فيكون التقدير وسع كتابه السموات والأرض وهذا أبعد من لفظ العلم فإن كتابه ما فرط فيه من شيء وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) [يس 12] والاشتباه الإضافي ليس له ضابط أصلاً فهو من جنس الاعتقادات الفاسدة والخواطر البالية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله وقال الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق كذا فيقول الله حتى يقول من خلق
(8/365)

الله فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله وحده أو قال فليستعذ بالله وينته في حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يسألونكم حتى يقولوا الله خلق كل شيء فمن خلق الله قال أبو هريرة قد سألني اثنان وهذا الثالث وكذلك اشتباه معنى الكلام فقد ذهبت الملاحدة الإسماعيلية ونحوهم إلى تأويل الصلاة والصيام والحج
(8/366)

بأن الصلاة معرفة أسرارهم والصيام كتمان أسرارهم والحج هو السفر إلى شيوخهم المقدسين وهذا وإن كان بعضهم يعلم أنه متعمد للكذب في ذلك فكثير من عوامهم راج ذبك عليهم وظنوه حقًّا وانه من العلوم الباطنة المكتومة التي لا يعرفها إلا الخواص وان هذا من المحكم ومعلوم أن قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 97] وقوله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [البقرة 158] هو البيت الذي بمكة وان الحج هو الحج المعروف وكذلك الصيام قد بين أنه صوم شهر رمضان وشهر رمضان هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وصيامه الصيام المعروف وعند طائفة كبيرة من النصيرية أن رمضان اسم لعدد من شيوخهم وهم يعتقدون ذلك وطائفة ظنت قوله تعالى وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) [الطور 44] هو شخص من الغلاة زعم أنه
(8/367)

ينزل من السماء وآخرون ظنوا أن قوله تعالى وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل 82] أن الدابة اسم لعالم ينطق بالحكمة وادعى ذلك غير واحد وطائفة ظنوا أن موسى والسحرة صدّقوا فرعون في قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) [النازعات 24] وأن موسى رضي بعبادة العجل وأقرهم على ذلك وأنكر على هارون كونه أنكر عليهم وقالوا إن قوله تعالى مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا
(8/368)

نَارًا [نوح 25] أن خطاياهم خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وأن أهل النار لا يتألمون في النار بل العذاب مشتق من العذوبة فيجدونه عذباً وإن عاداً لما جاءتهم الريح التي فيها العذاب أحسنوا ظنهم فكان فيها روحهم وفيها ما يستعذبونه وأن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) [البقرة 6] المراد به خواص أولياء الله الذين أسروا علم الحقيقة فسواء عليهم أأنذرتهم بالشريعة أم لم تنذرهم لا يؤمنون بها لأنهم قد عرفوا الحقيقة فلم يقبلوا ما يخالفها وهذه التفاسير وأعظم منها موجودة في كتبٍ يُعظَّمُ مصنفوها ويُجعلون أفضل من الأنبياء ويجعلون معرفة هذه التأويلات للقرآن هي من خواص علم أولياء الله تعالى ومعلوم أن الآيات التي اشتبهت عليهم قد أحكمها الله غاية الإحكام وبين مراده الذي عرفه الخاص والعام قال تعالى فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحج 46] وقال أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
(8/369)

وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) [الجاثية 23] وقال وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام 111] وكذلك طائفة تأولت الشمس والقمر والكواكب بأن المراد بها ما بيّنه بعض الفلاسفة من العقل والنفس وطائفة تأولت جبريل بأنه خيال يكون في نفس النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الله تعالى يقول إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) ثم قال وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) [التكوير 19-23] فأخبر أنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وقال إن الرسول رآه بالأفق المبين وقال في الآية الأخرى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)
(8/370)

[النجم 5-9] إلى قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 13-18] فهذا الخبر فيه من الإحكام والإتقان والبيان الذي يمنع أن يكون جبريل في باطن النبي ما يطول وصفه وهذا ظن كثير من الفلاسفة ومن دخل معهم ممن يدعي التحقيق والمكاشفة من الصوفية ويدعي أنه أعلم من الأنبياء ومن هؤلاء من يظن أن فرعون مات على الإيمان وأنه لا يعذب في الآخرة ومنهم من يقول إن غرقه كان ليغتسل غسل الإسلام ويحتجون بقوله تعالى فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 98] قالوا فأوردهم وما دخل وهذه الآية اشتبهت على هؤلاء وعلى غيرهم حتى إنه لما ذهبنا إلى مصر وكان في شيوخهم من يقول هذا وصار لهم جاه سأل بعض ولاة الأمر لمن هو قاضي القضاة عن ذلك فقال ما في القرآن ما يدل على أنه كافراً
(8/371)

ومعلوم أن دخول فرعون النار معلوم بالاضطرار من دين المسلمين واليهود والنصارى والقرآن مملوء من الدلالات على ذلك نحوٍ من أربعين موضعا يبين عذابه في الدنيا والآخرة وأيضاً قوله فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 98] يدل على ذلك وأيضا فإنه قال يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ [هود 98] وإذا كان هو قادمهم فما دخلوا حتى دخل قبلهم ولو قُدّر أن هذه الآية لم تدل فقد دل غيرها ومما اشتبه عليهم أنه قال أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر 46] قالوا وفرعون ليس هو من آل فرعون وهذا الاشتباه من جهلهم بلسان العرب لا من عدم إحكام آيات الله تعالى بل قد أحكمها وقول القائل آل فلان يتناول نفسه ومن يؤول إليه كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) [آل عمران 33] وقوله تعالى فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) [الحجر 61-62] وقوله تعالى إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) [القمر 34-35] وقوله
(8/372)

تعالى إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ [الحجر 58-60] فلوط نفسه داخل في آل لوط وكذلك قول المصلي اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وهذا اللفظ في الصحيحين وهو أصح من غيره
(8/373)

وقوله صلى الله عليه وسلم للحسن إن الصدقة لا تحل لآل محمد وقول عبد الله بن أبي أوفى كان القوم إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بصدقتهم دعا لهم وإن أبي أتله بصدقته فقال اللهم صلِّ على
(8/374)

آل أبي أوفى وذلك أن الآل ما يؤول إلى الشخص ولا يضاف هذا الاسم إلا إلى معظم يكون آيلاً وسائسا لغيره
(8/375)

وأول من يؤول إلى الشخص هو نفسه وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال 41] ومعلوم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بالقتال ومكاسب المسلمين بالتجارة والصناعة لا تسمى غنيمة ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه يأخذون خمس مكاسب المسلمين وقد ظن بعضهم أنها غنيمة وخمسها وخص بالخمس طائفة معينة وهذا باب واسع وإذا عرف أن الاشتباه الإضافي قد يحصل لبعض الناس فالكلام وإن كان في غاية البيان والإحكام كان كل آية وإن كانت محكمة مبينة قد تشتبه على بعض الناس وعلى هذا فيكون قوله تعالى مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران 7] أن الآيات المحكمات لا تشتبه على أولئك بل هي أصل الكتاب الذي عرفوه بل اشتباه وأخر متشابهات عليهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند وغيره إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتهم به فكلوه إلى عالمه
(8/376)

فما علم الإنسان كان عليه أن يتبعه ويأتم به فهو في حقه إمام يأتم به وما جهل منه كالذي يشتبه عليه ولا يعرف معناه فإنه يكله إلى عالمه كما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال أيها الناس من علم علماً فليقل به ومن لم يعلمه فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم وإن الله تعالى قال لنبيه قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) [ص 86] وهذا
(8/377)

التشابه لا ينفي تشابه بعض الآيات في أنفسها فلفظ إنّا ونحن فيه اشتباه لكن ذاك التشابه مقرون بالإحكام فإن الله تعالى قد أحكم ذلك وبينه قلم يكن كرر لفظاً مما يشبه لفظاً مع اختلاف تعيينهما إلا وقد بين مراده وأحكمه بحيث صار بيناً محكماً مع ما فيه من الاشتباه وذلك الاشتباه لا يمنع كونه مبيناً محكماً وإن كان الراسخون في العلم يعلمون معناه وتفسيره دون غيرهم وهذا هو التشابه المعين وأما التشابه المطلق فهذا عارض لبعض الناس لنقص
(8/378)

فهمهم وعلمهم والذين في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولو كانوا أصحاء لابتغوا ما تبين لهم ولم يكن فيه اشتباه فعلموا به وما اشتبه عليهم إن أمكنهم أن يردوه إلى المبين لهم وإلا قالوا الله تعالى أعلم وهذا معنى قولهم يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه فإن الآيات الخبرية تتضمن عملاً محبة لله وخوفاً منه وتوكلا عليه ورجاء رحمته وخوفاً من عذابه واعتباراً بما مضى وغير ذلك من أنواع العمل وكلا النوعين التشابه العارض لبعض الناس والمعين لا يتصور أن يخلو منهما خطاب ولو كان في غاية البيان والفصاحة فلا خطاب أبين وأفصح من القرآن ولكن هذا من ضرورة نقص بني آدم فإنه ليس كل أحد يمكنه فهم كل كلام بل سبحان من يسر القرآن للذكر كما يسره للحفظ فيسر حفظه وفهمه أعظم مما يقع في نظائره وإلا فالكتابان المتقدمان التوراة والإنجيل لا يحفظان ولا يفهمان عشر عشر حفظ القرآن وفهمه وما صنفته الناس من العلوم أقل حفظاً وفهما من الكتب المنزلة فإن العناية بها أعظم وحرمتها في القلوب أعظم
(8/379)

وبهذا يحصل الجواب عن قول من قال لِمَ نُزِّلَ المتشابه وهذا التشابه الناشئ من نقص المستمع ونقص فهمه وعلمه وبه يحصل الجواب على ما ذكره الرازي من تقسيم المحكم والمتشابه فإنه ذكر أن كل طائفة تجعل ما تذهب إليه محكماً وما يذهب إليه مخالفوها متشابهاً ثم جعل هو المتشابه ما خالف الدليل العقلي والمحكم ما لم يخالف الدليل العقلي فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي لا صفة في الخطاب وكونه في نفسه قد أحكم وبُيِّن وفُصِّل مع أن المعارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جُوّز وقوعه في الجملة لا يخرجه عن كونه متشابهاً ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العلميات فلم يبق على قوله لهذه الآية مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران 7] معنى بحيث يرد التشابه إليها ولكن المردود إليه هو العقلي فما وافقه أو لم يخالفه فهو
(8/380)

المحكم وما خالفه فهو المتشابه وهذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب على رأي الملاحدة الذين يقولون إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق فخاطبهم بالتجسيم مع علمه أنه باطل وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد وقالوا خاطبهم أيضا بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم وهؤلاء جعلوا الفرق أن المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر
(8/381)

فصل قال الرازي وأما في عرف العلماء فاعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير المحكم والمتشابه وكتب من تقدمنا مشتملة عليهما والذي عندي فيه أن اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى إما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى أو لا يكون فإن كان موضوعاً لمعنى ولم يكن محتملاً لغيره فهو النص وإن كان محتملاً لغيره ذلك المعنى فإما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما أن لا يكون بل يكون احتماله لهما على السوية فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على احتماله للآخر كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً
(8/382)

فخرج من هذا التقسيم أن اللفظ إما أن يكون نصًّا أو ظاهراً أو مجملاً أو مؤولاً فالنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من النقيض والظاهر راجح غير مانع من النقيض فهذا القدر هو المسمى بالمحكم وأما المجمل والمؤول فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ غير راجحة إلا أن المجمل لا رجحان فيه بالنسبة إلى الطرف الآخر والقدر المشترك وهو عدم الرجحان بالنسبة إليه هو المسمى بالمتشابه لأن عدم الفهم حاصل فيه هذا الكلام عليه استدراكات كثيرة أحدها أنه مناقض لما فسّر به المحكم والمتشابه عقيب هذا الفصل فإنه ذكر في الفصل الذي بعده أن المتشابه
(8/383)

ما عارضه الدليل العقلي القاطع وما لم يعارضه دليل قاطع عقلي فهو المحكم وقال لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح إلا عند قيام الدليل القاطع أن ظاهره محال ممتنع وإذا كان كذلك فما عارضه الدليل العقلي وجب تأويله وإن قيل هو نص أو ظاهر لاسيما وهو يقول الأدلة اللفظية ليس فيها قاطع فلا نص عنده ويكون عنده متشابهاً من القسم المؤول وما لم يعارضه عقلي فهو محكم يكون إما نصًّا وإما ظاهراً وحينئذ فالمجمل الذي يحتمل المعنيين على السواء هو لا يدل على أحدهما بعينه فلا يتصور أن يعارضه العقل فيكون محكماً وقد جعله هنا من المتشابه والاحتمال المرجوح إن لم يوافقه العقلي القاطع لم يجز حمل اللفظ عليه وإن خالف أدلة سمعية أقوى منه مع كونه مرجوحاً والظاهر بضد ما ذكره هناك لا نص ولا مجمل بل إما ظاهراً وإما مؤولاً وهذا يناقض تقسيمه إلى
(8/384)

الأربعة الثاني أن تفسيره المحكم بالنص والظاهر والمتشابه بالمجمل والمؤول معروف م قول طائفة من أهل العلم وقد ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأنه قال المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان فليس تفسيره بذلك مما اختص به لكن هو يتناقض بخلاف أولئك الثالث أنه جعل مورد التقسيم اللفظ الموضوع لمعنى إما أن يحتمل غيره أو لا يحتمل ومعلوم أن اللفظ قد يكون محتملاً في الوضع مثل أن لفظاً مشتركاً مختصًّا كلفظ سهيل والثريا إذا أريد بهما الكوكبان والزوجان من قول الشاعر
(8/385)

أيها المنكح الثريا سهيلاً فإن سهيلاً كثيراً ما يسمى به الرجل والثريا تسمى به المرأة وكذلك من أسماء الأعلام كلاب ومرة وكعب ولؤي وأمثال ذلك من الأعلام المنقولة وهذه مشتركة بين ما سميت به وبين ما نقلت منه وهو اشتراك لاختلاف الوضع ومثل هذا الاشتراك لا ينكره عاقل مع احتماله في الوضع
(8/386)

فالمستعمل له إما مستعملاً بقرينة لفظية تبين المراد مثل قولنا سهيل بن عمرو وكلاب بن مرة فإن هذا الرجل لا يحتمل الكوكب ولا الكلاب جمع كلب وقوله الثريا كواكب صغار وسهيل هو الكوكب الذي يطلع في الشمال قريباً من القطب الجنوبي نص في الكوكب لا يحتمل إلا معنى واحداً وكذلك سائر الألفاظ فيجب الفرق بين الاحتمال في نفس الوضع وبين الاحتمال في نفس استعمال المتكلم ودلالة المخاطب على المعنى المراد وفهم المخاطب واستدلاله على المراد وحكمه إياه على المراد والمقصود من
(8/387)

الكلام هو الدلالة في الاستعمال وإذا قدر وضع متقدم فهو وسيلة إلى ذلك وتقدمة له وحينئذ فاللفظ لا يكون غير نص ولا ظاهر لكونه في الوضع محتملاً لمعنيين وهو في الاستعمال نص في أحدهما فتبين أن ما ذكره من الأسماء والأحكام مما ذكره في الأقسام ليس كما ذكره فإنه جعل كل ما كان موضوعاً لمعنى محتمل بغيره ليس بنص والموضوع لمعنيين على سبيل البدل وهو المشترك بنص مع أنه في عامة الكلام يكون نصًّا في المراد لا يحتمل غيره كقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران 110] وقوله تعالى إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام 38] وقوله تعالى كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد 30] وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [البقرة 134] وقول النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم وأمثال هذه الكلمات فيها لفظ الأمة نص في
(8/388)

الصنف من الناس أو من الدواب وإن كان لفظ الأمة يراد به الملة والقدوة الذي يؤتم به ويعلم الخير
(8/389)

في مثل قوله تعالى وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون 52] وقوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل 120] فاللفظ في الوضع يحتمل أكثر من
(8/390)

معنى واحد ولكن لما ذكر في الكلام المؤلف كان اقترانه بما ذكر معه يوجب أن يكون نصًّا لا يحتمل إلا معنى واحداً وكذلك لفظ الإمام في مثل قوله تعالى وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) [الحجر 74-79] وهذا نص في أن الإمام المبين هو الطريق الواضح كما قال جمهور أهل العلم قال ابن قتيبة قيل للطريق إمام لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقد قال ابن الأنباري وإنما أي لوطاً وشعيباً لبطريق من الحق يؤتم به وقيل وإنهما لفي كتاب مبين وهذان القولان وإن كان كل شيء على طريق مستقيم وكل شيء أحصاه الله عز وجل في الإمام المبين وهو اللوح
(8/391)

المحفوظ لكن هذان القولان في تفسير هذه الآية إما مرجوحان وإما باطلان وبكل حال فاللفظ لا يحتمل الإمام من الناس بخلاف قوله تعالى لإبراهيم إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة 124] وقوله تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء 73] ونحو ذلك فإنه نص في ذلك لا يحتمل غيره ومثل هذا كثير يكون اللفظ إذ جرد محتملاً لمعان فإذا أكد ونطق به مع غيره يعين بعض تلك المعاني فلم يحتمل غيره فهذا نص وإن كان موضوعاً لمعنى الوجه الرابع أن يقال الكلام إما أن يدل بمجرده وهو الذي تسميه حقيقة وإما أن لا يدل إلا مع القرينة وهو المسمى المجاز وهذا لا يكون المتكلم به مريداً لمعناه إلا مع القرينة وحينئذ فاللفظ في الحال الأول لا يحتمل إلا الحقيقة وفي الثانية لا يحتمل إلا المجاز فما بقي لفظ مستعمل يحتمل معنيين في نفس الأمر الوجه الخامس قوله إن اللفظ إذا احتمل معنيين كان بالنسبة إلى كل منهما مجملاً وبالنسبة إليهما مشتركاً وحصر
(8/392)

الألفاظ في النص والظاهر والمجمل والمؤول فيقال له المجمل قد لا يكون مشتركاً بين معنيين بل يكون عديم الدلالة على أحدهما لقوله تعالى وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام 141] وقوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة 103] وقوله تعالى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج 77] وقوله تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) [الحج 29] وقوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة 196] فإن لفظ السجود ليس مشتركاً بين واحدة وبين ثنتين وثلاث وأربع ولا لفظ الطواف مشتركاً بين أعداد معينة ولا لفظ الفدية مشتركاً في الصيام بين أيام معينة بل هذه الألفاظ لا تدل بمجردها على شيء معين من المقادير فهي مجملة فلما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن السجود سجدتان والطواف سبع والفدية من الصيام صيام ثلاثة أيام ونحو ذلك كان هذا تفسيراً لمجمل القرآن باتفاق العقلاء مع أن المجمل ليس بمشترك الوجه السادس قوله إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما أن لا يكون بل هو يحتملهما على السوية
(8/393)

فيقال له هذا التساوي والترجيح متى يكون إما أن يكون في الوضع وإما أن يكون في الاستعمال فأما كونه في الوضع فلو كان حقًّا لم يقترن به شيء إذ المقصود دلالة اللفظ على المعنى وهذا إنما يكون باستعماله فيه لا بمجرد وضع متقدم فكيف وتقدير وضع غير الاستعمال مما لم يقم عليه دليل وأيضاً فالوضع لكل منهما إما أن يكون مع التجريد وإما أن يكون مع التقييد والأول ممتنع إلا من واضعين وحينئذ فالمخاطب إن كان قد عرف منه أنه لا يتكلم إلا بوضعه الذي هو لغته وعادته فإنه لا يحتمل إلا ذلك المعنى وإن كان يتكلم بهذا تارة وبهذا تارة صار من القسم الثاني وهو أنه لا يكون موضعاً لأحدهم إلا مع التقييد المعين له ومع التقييد لا يدل على غيره فلم يبق للفظ المستعمل حال
(8/394)

يحتمل فيها معنيين على السواء الوجه السابع أن احتمال المعنيين إما أن يكون بالنسبة إلى عناية المتكلم وإرادته وإما أن يكون بالنسبة إلى فهم المستمع وتصوره والأول باطل فإن المتكلم الذي عنى باللفظ معنى لا يكون ذلك المعنى وغيره بالنسبة إليه سواء بل ولا يحتمل اللفظ بالنسبة إليه إلا ما عناه وأراده به لا يحتمل غير ذلك وإن كان بالنسبة إلى المستمع فهذا قد يكون لقصوره وعجزه ونقصه عن فهم اللفظ وأما إن اقترن به ما يدل على مراد المتكلم فلا يكون كلام المتكلم يحتمل معنيين لا على التساوي ولا على الترجيح وإذا كان كذلك فهذا ممكن بل واقع في جميع الألفاظ وكل خطاب قد يكون المستمع لنقصه لم يفهم المراد بل هو وغيره محتمل على السواء أو أحدهما راجحاً وعلى هذا فبقي كونه نصًّا
(8/395)

وظاهراً ومجملاً ومؤولاً بالنسبة إلى شخص دون شخص فمن عرف المراد جازماً به لا يحتمل غيره عنده فهو عنده نص ومن ظهر له معنى وجوَّز غيره فهو عنده ظاهر ومن كان هو وغيره عنده سواء في الاحتمال فهو مجمل عنده ومن كان المراد عنده هو الاحتمال المرجوح فهو عنده مؤول فهذه تقسيمات بالنسبة إلى فهم المستمعين ليس تقسيمات للفظ بالنسبة إلى عناية المتكلم ولا دلالة المستمع وعلى هذا فكل كلام عنى به صاحبه معنى صحيحاً ودل عليه فهو محكم وإن كان متشابهاً عند من لم يعرف دلالته ولا يكون هذا التقسيم صفة لازمة للكلام بل يجب أن يكون بعضه لا يكون إلا محكماً وبعضه لا يكون إلا متشابهاً الوجه الثامن أنه إذا كان المتشابه هو المجمل والمشترك وكلاهما لا يفهم منه المراد ولا يدل عليه لم يكن واحد منهما بياناً ولا هدى ولا مبيناً ولا يعلم أنه المراد وقد
(8/396)

تقدم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى وبيان ومبين ونحو ذلك من الأسماء فدل على أنه ليس فيه هذا الذي جعله متشابهاً وهو المجمل والمشترك والمؤول بخلاف المجمل الذي يدل على جنس الحكم دون قدره أو وصفه فإن ذلك دل على ما أريد به فهو هدى وبيان له ولكن ثم أمور أخرى لم يدل عليها وليس كل لفظ يدل على كل شيء بخلاف المشترك الذي لا يدل على المراد فإنه لا يحصل به هدى وبيان وما ذكر يدل على أنه ليس في القرآن لفظ يحتمل معنيين على السواء لم يبين المراد به ولا لفظ يحتمل المراد به احتمالا مرجوحاً ولم يبين المراد به بل لابد أن يقترن به ما يبين المراد فيصير المراد هو الذي يدل عليه اللفظ مع تلك القرينة ولا يكون حينئذ مرجوحاً بل ظاهراً أو مقطوعاً به
(8/397)

فإن قيل القرينة هي الدليل العقلي الدال على امتناع إرادة المعنى الباطل قيل أولاً هذا لا يدل على معنى اللفظ المراد به وإنما دل إن دل على امتناع إرادة معنى آخر والدلالة على نفي غير المراد ليست هي الدلالة على المراد فقد يعلم بأدلة عقلية وسمعية انه لم يرد معنيين وإن لم يعلم مراده واللفظ الذي تكلم به لابد أن يدل على المراد إما بمجرده وإما مع القرينة فإن لم يدل لم يكن من الكلام المستعمل إذ لابد من مغنى أريد به وحينئذ فإذا كان المجمل والمتشابه كلاهما لا يدل على المراد ولا يفهم منه لم يكونا من أقسام الكلام ولاسيما ولهم قولان أحدهما أن معنى المتشابه غير معلوم فلا يكون اللفظ قد دل على المراد والثاني أنه يحتمل أموراً متعددة ولا يجزم بواحد منها والمراد على هذا التقدير غير معلوم فدل على أنه لم يدل القرآن على مراد الرب سبحانه وتعالى لا بنفسه ولا مع قرينة وهذا القول من جنس قول من يقول لا معنى له أو له معنى لا يمكن العلم به وقد عرف فساد هذا وهو من جنس أقوال الملحدين
(8/398)

لا المؤمنين الموحدين وهؤلاء وإن قالوا إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فهم عند أنفسهم ليسوا من الراسخين في العلم لا يعلمون المراد ولا يجزمون به بل إما أن لا يعلموه ولا يظنوه وإما أن يظنوه أحد معانٍ متعددة وليس ذلك علماً به ولا ظنًّا بعينه وغايتهم أن يعينوا معنى يظنونه ويرجحونه أو لا يعرفون غيره وهذا ظن ليس بعلم فعلى كل تقدير لم يعلموا تأويله فلم يكونوا من الراسخين وكيف يكونون من الراسخين والراسخ الثابت يقال رسخ رسوخاً إذا ثبت وهذه صفة من يثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهؤلاء أهل شك وريب واضطراب
(8/399)

لا أصحاب رسوخ وثبات ويقين بل قد يدعون اليقين بنقيض وليس عندهم فيه إلا الشك والحيرة أعظم من حيرتهم في معاني القرآن كما صرحوا بذلك وكما هو مبسوط في موضعه الوجه التاسع أنه إذا كان المجمل والمؤول كل منهما لم يدل على المراد ولم يفهم منه المراد بل هما مشتركان في عدم الفهم للقدر المشترك وهو هذا العدم تشابها فيقال له لا تشابه هنا إلا التشابه الإضافي وهو كون المستمع اشتبه الأمر عليه فلم يعرف المراد لا أن هنا لفظين تشابها وإنما يكون اللفظان المتشابهان إذا كان اللفظ يستعمل تارة في معنى وتارة في معنى آخر وإن كان مع القرينة فهذا تشابه فيكون القدر المشترك هو أن اللفظ يستعمل في المراد وفي غير المراد الذي لم يظهر منه المراد ليس القدر المشترك عدم الرجحان وهو المسمى بالمتشابه بل التشابه أمر ثبوتي وهو كون كل منهما يستعمل في المراد وفي غير المراد فقد اشتبه
(8/400)

دلالته على المراد بدلالته على غير المراد لا أن هذا العدم هو الاشتباه وقد قيل أو قاله في موضع آخر إن ذلك يسمى متشابهاً إما بأن الذي لا يعلم يكون النفي عنده مشابهاً للإثبات في الذهن وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم فأطلق لفظ التشابه على ما لم يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب فيقال النفي لا يشتبه بالإثبات إلا لاشتباه دليل هذا بدليل هذا وإذا عدم دليل كل منهما حصل في النفس شك والاشتباه أخص من الشك فليس كل من شك يكون هناك ما اشتبه عليه وإنما يكون الاشتباه إذا وجد ما بينهما تشابه وكذلك عدم العلم لا يسمى عدم كل علم تشابهاً ومن لم يتصور المسألة ولم يعرفها هو جاهل بها ولا يقال اشتبه عليه ومن لم يسمع الكلام لم يعرف مراد المتكلم ودلالة الكلام ولا يقال اشتبه عليه فإن الاشتباه أخص وإنما يكون الاشتباه عند وجود قدر مشترك حصل بسببه الاشتباه كمن رأى شيئاً من بعيد واشتبه عليه هل هو حيوان أو غيره ومن رأي شيئاً في السماء واشتبه عليه هل هو الهلال أو غيره وأمثال ذلك والله تعالى أعلم
(8/401)

فصب قال الرازي واعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فهو هنا يتوقف الذهن مثل القرء بالنسبة إلى الحيض والطهر وإنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن الراجح يكون باطلاً والمرجوح حقًّا مثاله في القرآن قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء 16] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ومحكمه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف 28] ردًّا على الكفار فيما حكى عنهم وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا
(8/402)

[الأعراف 28] وكذلك قوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة 67] قال وظاهر النسيان ما كان ضد العلم ومرجوحه الترك في قوله تعالى فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر 19] ومحكمه قوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) [مريم 64] وقوله تعالى لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) [طه 52] قال فهذا تلخيص الكلام في تفسير المحكم والمتشابه وبالله التوفيق وعلى هذا استدراكات أحدها قوله إن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية فهنا يتوقف الذهن فيقال استواء المفهومين إن كان مع إرادتهما فاللفظ علم شامل وإن كان مع إرادة أحدهما فالاستواء إما أن يكون لاستواء دليلهما بحيث لا يختص المراد بما يدل عليه بل يكون الدليل على المراد وغير المراد سواء وإما أن يكون الاستواء في ذهن المستمع لكونه لم يعرف رجحان دليل المراد وهكذا توقف
(8/403)

الإنسان في سائر العلوم ومعرفة الأحكام الشرعية إنما يكون لانتفاء الدليل المرجح للحق في نفس الأمر فتكون الأدلة متكافئة في نفس الأمر ويكون على كل واحد منهما دليل وإما أن يكون التكافؤ في ذهن الناظر لكونه لم يعرف الدليل الراجح لعجزه عن معرفته أو تفريطه وتركه النظر والبحث التام فإن كان التساوي لهذا المعنى وهو قصور الناظر أو تقصيره فهذا موجود في كل كلام وفي كل دليل ولا يلزم من ذلك أن يكون الأمر بالنسبة إلى المفهومين على السواء بل اللفظ دل على أحدهما دون الآخر لكن المستمع الناظر لم يعرف دلالته وحينئذ فعلى هذا التقدير القرآن كله محكم قد بين المراد به وإنما الاشتباه في بعض الآيات لنقص فهم الناظر وقد أخبر الله تعالى أنه أحكم آياته وأنها مبينة وأنها هدى وأنها نور وهذا إنما يكون إذا كانت مبينة لما أراده وعناه وأما إذا كان لا فرق فيها بين المراد وغيره لا يدل على واحد
(8/404)

منهما لم تكن مبينة ولا هادية ولا محكمة ولا نوراً وهذا كلفظ القرء الذي مَثّل به إن قيل إنه يستعمل في الحيض وفي الطهر ففي الآية ما يبين المراد من وجوه متعددة والأمة متفقة على هذا لم يقل أحد منهم بتكافؤ دليل هذا وهذا بل منهم من رجح دليل هذا ومنهم من رجح دليل هذا فاتفقوا على أن الشارع نصب الدليل المبين للمراد لكن إحدى الطائفتين عرفته والأخرى لم تعرفه وظنت الآخر هو المراد وهذا لا يكون إلا لدليل صحيح فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على الحق المراد لكن يكون الدليل الصحيح خفي عنها إما عجزاً وإما تفريطاً فظنت ما ليس بدليل دليلاً وإن قال بل التوقف والاستواء في نفس الأمر لانتفاء الدلالة على أحدهما في نفس الأمر أو لتكافؤ الدليلين يقال هذا ممنوع فَلِمَ قلت إن الأمر كذلك ومعلوم أن توقف الذهن قد يكون لقصوره أو لتقصيره وقد يكون لعدم
(8/405)

بيان الدليل وعدم بيان المتكلم لمراده فلِمَ أحلت عدم العلم لنقص بيان القرآن دون أن تحيله على نقص فهم الأذهان مع أن الله تعالى وصفه بأنه مبين ومحكم وهدىً ونور وغير ذلك من الأسماء التي تدل على أنه تعالى قد بين به المراد ودل به العباد وهدى به إلى الرشاد وأيضا فنحن قد رأينا أكثر الناس يتوقفون في فهم آية أو يفهمون منها خف ما دلت عليه لقصورهم أو تقصيرهم كما يصيبهم ذلك في الأدلة العقلية وفي كلام العلماء فهذا ضرب من الاشتباه واقع كثيراً وأما وجود آية اشتبه فيها المراد بغيره ولم يبينوا فيها ذلك البتة فهذا مما يمتنع وجوده ولم يقدر أحد أن يقيم دليلا على وجوده بل كل ما ادعاه إن ذكرنا أنه قد بين المراد به اندفع السؤال وإن عجزنا عن ذلك أمكن أن يكون من القسم المشتبه وعدم معرفة المراد لقصورنا لا لقصور في بيان الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم كما قيل وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
(8/406)

وكما قيل عليَّ نحت القوافي من أماكنها وما عليَّ بأن لا تفهم البقر
(8/407)

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه وروى الزهري عن أنس أنه سمع
(8/408)

عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية قوله تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) [عبس 24] ثم قال كل هذا قد عرفناه فما الأبّ ثم رقص عصا كانت بيده فقال هذا من باب التكلف وما عليك أن لا تدري ما الأبّ ثم قال اتبعوا ما بُيّن لكم في هذا الكتاب وما لا فدعوه فقوله اتبعوا ما بُيّن لكم أي ما تبين لكم وإلا فالله تعالى قد بينه كله لكن قد يخفي لعض ما فيه على بعض الناس وعمر خفي عليه الأبّ كما خفي عليه الكلالة
(8/409)

وقد عرفه غيره من الصحابة ومن بعدهم كما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال الأبّ ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وفي رواية عكرمة عنه قال الأبّ الحشيش
(8/411)

للبهائم وكذلك عن سعيد بن جبير وأبي مالك ومجاهد قالوا الأبّ الكلأ قال مجاهد الفاكهة ما يأكل الناس وعن عطاء قال كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أبّ وعن الضحاك كل شيء أنبتت الأرض سوى الفاكهة وذكره غيره عن عكرمة قال الفاكهة ما يأكل الناس والأبّ ما يأكل البهائم ومثله عن قتادة قال الفاكهة لكم
(8/412)

والأبّ لأنعامكم وهذا قول اللغويين قاطبة قالوا الأبّ المرعى قال الجوهري وغيره الأبّ المرعى وقال الزجاج هو جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية وعلى قول الضحاك قد يقال إنه يدخل فيه سائر النبات غير الفاكهة وبعضهم يقول ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس والأنعام والأول هو المعروف عند جمهور السلف وأهل اللغة فإن قيل ذكر أبو الفرج فيه قولين أحدهما ما ترعاه البهائم قاله ابن عباس وعكرمة واللغويون والثاني أنه الثمار الرطبة رواه الوالبي عن ابن عباس
(8/413)

قيل هذا عند غيره غلط فإن ابن أبي حاتم ذكر هذا في تفسير الفاكهة فذكر عن الوالبي عن ابن عباس وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) [عبس 31] يقول الثمار الرطبة فجعل هذا تفسير الفاكهة وهذا هو الصواب فإنه الثمار الرطبة وأما كون الأبّ هو الثمار الرطبة فهذا غلط لم يقله أحدٌ ولأجل هذا قال مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) [عبس 32] وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا التمثيل بأن خفاء بعض معاني القرآن على بعض أكابر العلماء لا يمنع أن يكون غيره قد عرفه كما يقع مثل ذلك في الحديث والفقه وقد يخفى على بعض الأكابر من الصحابة ومن بعدهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الأحكام ما يعلمه من دونهم ولهذا رجع أبو بكر وعمر وغيرهما إلى من دونهم من الصحابة في معرفة أحاديث سمعوها من الرسول وهم لم يسمعوها منه
(8/414)

وإذا كان كذلك لم يكن لأحد الجزم بأن ما توقف فيه ذهنه وأذهان من هم أعلم منه فلم يفهموه أن ذلك لنقص في البيان أو لكونه لم يذكر ما يدل على المراد بل كل ذلك قد يكون لنقص علم المستمع الوجه الثاني قوله إنما الصعب المشكل أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المفهومين ومرجوحا في الآخر ثم إن المرجوح يكون حقّا والراجح باطلاً يقال رجحان أحدهما في أصل الوضع إنما يكون إذا كان مجرداً عن القرينة كما يترجح عند الإطلاق لفظ الأسد والحمار والبحر والسيف أن المراد هو السبع والبهيمة والماء والحديد وأما إذا قيل عن خالد إنه سيف سلّه الله عز وجل على المشركين كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك
(8/415)

وكما قال كعب بن زهير في قصيدته المشهورة بانت سعاد التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال فيها إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
(8/416)

وقيل في أبي قتادة إنه أَسَدٌ من أُسْدِ الله كما قال فيه أبو بكر لا تعمد إلى أَسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه
(8/417)

وقال في الفرس إنه بحر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس أبي طلحة إن وجدناه لبحراً فهنا لم يفهم أحد أن المراد الماء ولا الحديد ولا السبع وإذا كان كذلك فكلام
(8/418)

الحكيم من الناس الذي أراد به الإفهام لابد إذا أراد غير معناه عند الإطلاق من أن يأتي بقرينة تبين بعض المراد أو قرينة تبين المراد ويصير اللفظ بها ظاهراً بل نصًّا لا يحتمل المعنى الآخر فلا يكون المعنى الآخر الذي لم يرده المتكلم راجحاً بل ولا يحتمله اللفظ وهذا هو الموجود في عامة كلام العلماء فكيف بكلام رب العالمين فالمعنى الذي أراده هو الذي جعل اللفظ دالا عليه والمعنى الذي لم يرده لا يدل عليه كلامه بل قد يكون فيه ما ينفيه وهذا كلفظ البشارة فإنه عند الإطلاق يراد به الإخبار بما يسر كقوله تعالى مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة 213] ونحو ذلك ومع التقييد يراد به الإخبار بما يسوء فيقال فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) [آل عمران 21] وكذلك الإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالله وإذا قيد بـ غير ذلك كقوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ
(8/419)

الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء 51] لم يحتمل هذا اللفظ الإيمان بالله ومثل هذا كثير الوجه الثالث أن ما ذكره مبني على أن ثم وضعا للألفاظ غير الاستعمال الموجود في الكلام وهذا قد يمكن ادعاؤه في بعض الأسماء كأسماء الأعلام وأما الألفاظ الموجودة في كلام العرب التي نزل بها القرآن من ادعى أن جماعة من العرب وضعوها لأصناف قبل أن يستعملوها فيها احتاج إلى نقل ذلك ولا سبيل إليه ولو كان هذا موجودا لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولم يدّع أن اللغات كلها اصطلاحية بهذا الاعتبار إلا أبو هاشم الجبائي وما علمت أحداً قال هذا القول قبله وبسط هذا له موضع آخر الوجه الرابع الكلام على ما ميّل بع فإنه قال مثاله في القرآن قوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء 16] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن
(8/420)

يفسقوا ومحكمه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف 28] فيقال هب أن ظاهره أنهم أمروا بالفسق لكن قد عرف أن الأمر في القرآن نوعان أمر تكليف كالأمر بالشرائع التي بعث بها الأنبياء وأمر تكوين كقوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) [يس 82] وقوله تعالى وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) [الأحزاب 38] أي مأموره وقوله تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل 1] أي مأموره أمر التكوين الذي قدره وقضاه من إظهار الإيمان والثواب والعقاب ونصر المؤمنين وعقوبة الكافرين ومنه قوله تعالى وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) [القمر 50] ونحو هذا وإذا كان الأمر نوعان فهنا إنما أراد أمر التكوين والآي نفسها وما اتصل بها قبلها وبعدها تدل على الواقع كدلالة غيرها من القرآن فإنه قال قيل هذه الآية وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
(8/421)

رَسُولًا (15) [الإسراء 13-15] فدل بهذه الآيات على أن من عمل صالحاً فلنفسه عمل ومن عمل شيئاً فعليه وانه لا يعاقب إلا بذنبه لا يحمل عليه ذنب غيره ولا يعذب حتى يبعث إليه الرسول وهذا المعنى مذكور في القرآن في غير موضع أنه لا يعذب أحداً ولا يهلكه إلا بذنبه وبعد إرسال الرسول إليه كقوله تعالى وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) [الشعراء 208-209] وقوله تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) [الشورى 30] وقوله تعالى وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء 79] وقوله تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم 41] وقوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) [القصص 59] ومثل هذا كثير وقد قال تعالى في هذه السورة وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) [الإسراء 58] فلما ذكر ما تقدم من الآيات أن كل عامل يلزمه عمله خيراً كان أو شرًّا وان هداه لنفسه وضلاله عليها وأنه لا يحمل
(8/422)

عليه ذنب غيره ولا يعذب حتى يبعث إليه الرسول ذكر بعد هذا انه إنما اقتضت حكمته ومشيئته إهلاك قرية كيف يفعل أنه لا يعذبهم بغير ذنوبهم كما أخبر بذلك فقال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء 16] فقد أخبر أن هذا الأمر إنما يكون إذا أراد هلاكهم وما شاء الله عز وجل كان فلابد من وقوع هلاكهم والهلاك إنما يكون بالذنوب وأمر التكليف الذي هو الأمر بالحسنات والنهي عن السيئات لا يستلزم وقوع المعصية بل قد يأمرهم فيطيعون فلا يستحقون العذاب بخلاف أمر التكوين كما قال تعالى فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) [الشمس 8] وكما قال تعالى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) [مريم 83] وقال تعالى فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف 5] وقال تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام 110] وقال تعالى وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) [الأنعام 125] وفي الحديث إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن
(8/423)

الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً فالمترفون من أهل القرى الذين قال فيهم الله عز وجل وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) [هود 116] وقال في أصحاب المشأمة إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) [الواقعة 45-46]
(8/424)

يعاقبون على ذلك بأن يجعل في قلوبهم دواعي إلى الفسق الذي يستحقون به العذاب فهذا أمر المترفين بأن يفسقوا فيها وحينئذ يحق عليهم القول فيدمرها تدميراً فقوله تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء 16] دل على أن هذا الأمر أريد به إهلاكهم وأمر التكليف ليس كذلك وقوله تعالى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا دل على أنه ليس أمراً عاماً وأمر التكليف ليس كذلك فالأمر بالإيمان والعمل الصالح عام لا يختص بالمترفين على أن مقصود الآية إنا لا نهلكهم إلا بذنوبهم كما قال تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) [الإسراء 15] فإذا أردنا إهلاكهم لم نهلكهم إلا بذنب بل يلهمهم فجورهم فيستحقون بذلك العذاب فقد تبين في نفس الآية أنه لم يرد أمر التكليف والتشريع الذي أرسل به الرسل فإنه لا يأمر أحداً بفسق ولا معصية وقد دل القرآن في غير موضع على أنه إنما يأمر بالأعمال الحسنة لا يأمر بالشر بل ينهى عن أنواع الشر وما يسمى فسقاً ويذم ذلك ويتوعد عليه كما قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل 90]
(8/425)

وقال تعالى وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ [الحجرات 11] وقال تعالى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) إلى قوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة 18-20] وقال تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) [الكهف 50] وقال تعالى وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام 120] وقال تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة 2] وقال تعالى إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) [المجادلة 9] ومثل هذا كثير وقد بسط الكلام على هذه الآية ونحوها في غير هذا الموضع وبين أن لفظ الأمر والإرادة والإذن والحكم والقضاء والكتاب والكلمات والتحريم والبعث والإرسال وغير ذلك ينقسم إلى ديني وكوني شرعي وقدري فالرب تعالى له الخلق والأمر وعلينا أن نؤمن بدينه وبشرعه ونؤمن بقضائه وقدره فلفظ الإرادة يكون بمعنى المحبة والرضى لما شرعه وبمعنى المشيئة لما يخلقه
(8/426)

والأول هو كقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 185] وقوله مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة 6] وقوله يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء 26] وقوله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب 33] والثاني كقول نوح عليه السلام وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود 34] وقوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام 125] وأمثال ذلك ولفظ الإذن الشرعي كقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) [الأحزاب 45-46] وقال تعالى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) [الحشر 5] وأما الإذن الكوني المحض فقوله تعالى وَمَا هُمْ
(8/427)

بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة 102] والحكم الديني كقوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) [المائدة 1] والحكم الكوني كقوله يعقوب عليه السلام وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) [يوسف 67] والقضاء بمعنى الشرع كقوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] وبمعنى الخلق كقوله تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت 12] والبعث الديني كـ قوله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة 2] والكوني كـ قوله تعالى بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء 5] والإرسال الديني كقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) [الفتح 8] وقوله إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ
(8/428)

رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ [المزمل 15] والكوني وقوله أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) [مريم 83] وبسط هذا له موضع آخر وأما الآية الأخرى فقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة 67] وقوله تعالى قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) [طه 126] وقوله تعالى وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية 34] لا يقتضي أنه لا يعلم أحوالهم بل الأمر كما قال السلف أنهم نسوا في الخير دون الشر كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس نَسُوا اللَّهَ تركوا أنفسهم فَنَسِيَهُمْ يقول تركهم من كرامته وثوابه وفي تفسير
(8/429)

سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر وهو كما قالوا فإنه من المعلوم أنهم إذا عذبوا فهو الخالق لعذابهم وبمشيئته يكون والمشيئة مستلزمة للعلم فلا يشاء إلا ما علمه بل قدر ذلك وكتبه قبل أن يكون وهو عالم به وبكل شيء بعدما يكون كما أخبر في غير موضع أنه يعلم أحوال العبد واستعمال النسيان في مثل ذلك لا يستلزم عدم العلم
(8/430)

يقول القائل لمن أعطى الناس أو مدحهم أو أكرمهم أو ولاهم نسيتني فلم تفعل ما فعلت بفلان ولا يكون غافلاً بل يكون ذاكراً له لكن تركه على عمد لأنه لا يستحق ذلك ويقال لمن عاقب غيره فجعله في السجن ونحوه نسيت فلانا وهو يخطر بقلبه ويشعر به لكنه لا يذكره بخير كما يذكره غيره فإن النسيان ضد الذكر كما قال تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف 24] ويقال إذا نسي ذكره أتذكر كذا أم نسيته والذكر المطلوب من الغير لا يراد به مطلق الذكر بل يراد به تذكره بخير ثناءً عليه وإما إحسانا إليه وقد يراد بلفظ الذكر الذكر بالشر والذم كقوله تعالى وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) [الأنبياء 36] أي يذكر آلهتكم بالذم والعيب وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الذي يستحقه وهو الذكر بالمدح والثناء هُمْ كَافِرُونَ
(8/431)

وهذا يعرف بما يقرن باللفظ فإذا ذكر من يبغض الشخص ويعاديه وقيل هو يذكره علم أنه يذكره بالشر وإذا ذكر من يحبه ويواليه وقيل إنه يذكره علم أنه يذكره بالخير وقد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبغض آلهتهم قلما قالوا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء 36] عرف أن المراد ذكرها بالشر ولما ذمهم على أنهم كافرون بذكر الرحمن علم أن المراد ما يستحقه من الذكر كما قال عز وجل وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر 45] وقال وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) [الإسراء 46] والذين نسوا الله قد كان يخطر بقلوبهم ويشعرون به ويدعونه عند الضرورة وإذا سئلوا من خلقهم قالوا الله عز وجل لكنهم لم يذكروه الذكر الذي يستحقه فلم يذكروا كتابه المنزل وأمره ونهيه وخبره كما قال تعالى في الآية الأخرى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) [طه 124-126] فالآيات كما أتته ولم يذكرها بل أعرض عنها وإن كان شاعراً بها فكان الجزاء من جنس العمل لا يذكر بما
(8/432)

يذكر به المؤمنون من الجزاء بالحسنى بل ينسى فلا يذكر هذا الذكر وإن كان معلوماً لله لا يجوز أن يكون مجهولاً له وهو كما قال قتادة نُسوا من الخير لم ينسوا من الشر ومما يبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا الذكر هو جزاء ذكره وهو عالم به سواء ذكره أو لم يذكره ومن لم يذكر الله بل أعرض عن ذكره فإن الله
(8/433)

تعالى يعرض عن ذكره بالخير وهذا نسيان له من الخير فتبين أن لفظ النسيان المضاف إلى الله لا يدل على عدم العلم ألبتة وهذا كلفظ الرؤية والسمع فإن السمع متعلق بالأقوال والقول خبر وطلب والمطلوب من سمع الخبر صدقه ومن سمع الطلب إيجابة الطالب فلهذا يعبر بالسمع عن التصديق والإجابة كقول المصلي سمع الله لمن حمده أي أجاب دعاه ولو أريد السمع المجرد أو السمع مع نقص المسموع فهو يسمع لمن حمده ولمن لم يحمده كما قال تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران 181] وقال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] وقال الملك للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك
(8/434)

وقد قال الخليل إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) [إبراهيم 39] فهذا كقوله سمع الله لمن حمد أي أجاب دعاه فإنه يجيب الداعي كما قال تعالى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) [سبأ 50] وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً وقال تعالى في ذم قوم
(8/435)

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة 42] وقال سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [المائدة 41] أي مطيعين لهم يستجيبون لهم كما قال تعالى وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة 47] أي مطيعون لهم ويقال فلان ما سمع كلام فلان إذا كان لا يصدقه فيما يخبر به ولا يطيعه فيما يأمر ويشير وهو يسمع كلام فلان إذا كان يصدقه ويقبل منه ما يشير به وكذلك الرؤية فالنظر يراد به نظر المحبة أو الرحمة والعطف ومنه قوله تعالى وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران 77] إذ كان المحبوب والمرحوم ينظر إليه والبغيض يعرض عنه وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان
(8/436)

وملك كذاب وعائل مستكبر وقد قال الله تعالى للمنافقين وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة 105] وقال تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) [يونس 14] وهو يعم عمل الخير والشر وكل موضع من هذه المواضع فمع اللفظ ما يدل على المراد به ولا يستوي هذا وهذا وكذلك لفظ النسيان وغيره والنسيان المناقض للعلم قد أخبر في غير موضع بما يوجب تنزيهه عنه مثل قوله عز وجل وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) [مريم 64] وفي قوله تعالى فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) [طه 52] بل في نفس الصورة التي قال فيها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) [طه 126] قال تعالى لَا يَضِلُّ رَبِّي
(8/437)

وَلَا يَنْسَى (52) [طه 52] فإنه أخبر أنه يوم القيامة يحاسب العباد بأعمالهم ويثيبهم بها على وجه التفصيل وهو قد أحصاها وهم نسوها قال تعالى يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) [المجادلة 6] وهو مع ذلك قد أمر الملائكة بكتب أعمالهم وهو سبحانه وتعالى الذي أنطق الأعضاء وجعلها تخبر بما كان فمن جعل الأعضاء عالمة شاهدة بما مضى كيف لا يكون هو عالم بما مضى شاهد به وهو سبحانه وتعالى لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء
(8/438)

فصل قال الرازي الفصل الثالث في الطريق الذي يعرف به كون الآية محكمة أو متشابهة اعلم أن هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات الموافقة لمذهب خصمه متشابهة فالمعتزلة تقول إن قول الله تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف 29] محكمة وقوله تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان 30] متشابهة والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلابد هاهنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب
(8/439)

فنقول إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيداً وخرج القرآن عن أن يكون حجة ثم ذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيًّا أو عقليّا وأما القسم الأول فنقول هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما لإبقاء الآخر بأولى من العكس اللهم إلا أن يقال أحد الدليلين قاطع والآخر ظاهر فالقاطع راجح على الظاهر أو يقال كل واحد منهما وإن كان ظاهراً إلا أن أحدهما أقوى إلا أنا نقول أما الأول فباطل لأن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها
(8/440)

موقوفة على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والتصريف وعلى عدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والإضمار وعلى عدم المعارض العقلي والنقلي وكل واحدة من هذه المقدمات مظنونة والموقوف على المظنون أولى أن يكون ظنيّا فثبت أن شيئاً م الدلائل اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًُّا وأما الآخر وهو أن يقال أحد الدليلين الظاهرين أقوى من الآخر إلا أنه على هذا التقدير يصير ترك أحد الظاهرين لتقرير الظاهر الآخر مقدمة ظنية والظنون لا يجوز التعويل عليها في المسائل العقلية القطعية فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره
(8/441)

محال ممتنع فإذا حصل هذا المعنى فعند ذلك يجب على المكلف أن يقطع بأن مراد الله تعالى من هذا اللفظ ليس ما أشعر به ظاهره ثم عند هذا المقام من جوز التأويل عدل إليه ومن لم يجوزه فوّض علمه إلى الله تعالى وبالله التوفيق وقال في تفسيره في تتمة هذا الفصل فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وبترجيح تأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلالة اللفظية وأنها ظنية كما بينا لاسيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في
(8/442)

غاية الضعف ومثل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال قال فلهذا التحقيق المتين ذهبنا إلى أن بعد إقامة الدلائل العقلية على أن حمل اللفظ على ظاهره محال ولا يجوز الخوض في تعيين التأويل فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب فيقال في هذا الفصل من التناقض والفساد والإلحاد ما الله تعالى أعلم به ولكن ننبه على بعضه فإن ما ذكره في هذا الفصل هو عمدة لأهل الإلحاد وذلك بوجوه الأول أن ما ذكره من أن كل أهل مذهب يجعلون
(8/443)

ما وافق قولهم محكماً وما وافق قول خصمهم متشابهاً إنما هو لاعتقادهم أن الدليل العقلي يدل على قولهم دون قول خصمهم لا لاعتقادهم أن في نفس الآيات ما يبين الاشتباه عما احتجوا به دون ما احتج به منازعوهم فإن الاشتباه العارض حاصل من الجميع إذ قد اشتبهت هذه الآيات على قوم وهذه على قوم وأما الاشتباه العام اللازم الذي يرجع إلى دلالة اللفظ فهذا يشترك الناس في العلم به لا يكون هذا متشابهاً عند طائفة محكماً عند طائفة وبالعكس وإذا كانت كل طائفة تجعل قولها محكماً لأنه هو الموافق للدليل العقلي عندهم فهذا هو القول الذي فرّق به بين المحكم والمتشابه لأن كل طائفة تدعي أن العقل معها ويكون الذي أنكره هو الذي قرره
(8/444)

يبين ذلك الوجه الثاني وهو أن يقال معلوم أن كل طائفة من الطوائف المنازعين في مسائل الأصول مثل الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية والمتفلسفة وغيرهم تدعي كل طائفة أن العقل يدل على صحة قولها وأن ذلك أدلة قطعية
(8/445)

وهذا موجود في كتبهم وكلامهم ويعرفه من له أدنى معرفة في هذا الشأن وإذا كان كذلك فما ذكره من الفرقان لا يزيل ما ذكره من النزاع بل ما ذكره من المقرر بما أنكره من أن كل طائفة تجعل المحكم ما وافقها والمتشابه ما وافق خصمها وقد رأينا الكتب المصنفة في ذلك ففي كتب القدرية النافية من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة دعوى أن الأدلة العقلية توجب أن العبد هو المحدث لفعله وقد يدعون على ذلك العلم الضروري كما ادعاه أبو الحسين ثم إثبات الصانع عندهم مبني على هذا فإنه به يعلم افتقار الفعل إلى الفاعل ومن لم يعلم هذا لم يعلم افتقار الفعل إلى الفاعل وكذلك ما يثبتونه من التعديل والتجوير وهو مبني عندهم على ما يقولون إنه معلوم بالاضطرار من مسائل التحسين والتقبيح فما وافق هذا عندهم فهو محكم وما خالفه فهو متشابه
(8/446)

والقدرية المجبرة أتباع الجهم بن صفوان يقولون بل المعلوم بصريح العقل أن الله خلق كل شيء وأنه لا يجوز أن يكون غير الله محدثاً لشيء وأن الحسن والقبح إنما يعقل في حق من ينتفع بشيء ويتضرر بشيء والرب تعالى منزه عن ذلك فيجوز عليه فعل كل شيء وهذا عندهم هو الأصل المعلوم بصريح العقل وما وافقه محكم وما خالفه متشابه والرازي يعتمد في تفسيره على هذا في الجواب عما يحتج به المنازعون من الآيات الكثيرة التي يحتج بها القاضي عبد الجبار وغيره فيجيب بمسألة الداعي والعلم وهو أن الله
(8/447)

خلق داعي العبد فيكون خالقاً لفعله وأنه يعلم ما سيكون فيمتنع خلاف المعلوم وعلى هذا تبطل حجة المعتزلة لأن عندهم يمتنع التكليف بالممتنع وما هو من فعل الغير وحقيقة الأمر أن هذا الجواب جدلي التزامي ليس بجواب علمي فإن عامة أهل السنة يقرون بهذا وهو أن الله خالق أفعال العباد ويقولون مع هذا إن الله يخلق بحكمة ولسبب وأنه منزه عن أن يعاقب أحداً بلا ذنب وغير ذلك من الظلم ويقولون إن الأفعال مشتملة على صفات كانت لأجلها حسنة وسيئة كما هو مبسوط في موضعه والمقصود هنا أن ما ذكره من القانون يدعيه كل طائفة فهو حجة لما أنكره عليهم لا رافع لما أنكره الوجه الثالث قوله إذا كان لفظ الآية أو الخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل
(8/448)

وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيداً ولخرج القرآن عن أن يكون حجة فيقال له إن هذا اللازم هو لازم لك بل هو حقيقة قولك فإن الحجة عندك إنما هو الدليل العقلي والقرآن إنْ وافقه فالاعتماد عليه لا على القرآن وإن خالفه أخذت به لا بالقرآن والقرآن لا يستفاد به ما دل عليه ولا يحتج به بل إما أن يعرض عنه فلا ينظر بحال وإما أن يجتهد في رفع دلالته بالاحتمالات لا في تقرير دلالته فالقرآن على قولك ليس بحجة ولا يفيد في هذا الباب وإنما يحتج به عندك في المسائل الظنية الفروعية وتلك يجوز فيها العدول عن ظاهر إلى ظاهر أرجح منه بالإجماع وأنت قد قررت هنا أنه لا يجوز العدول عن ظاهر مرجوح إلى ما هو أرجح منه فلم يبق عندك في هذا للقرآن في هذا الباب
(8/449)

حرمة أصلا ولا فيه فائدة ولا هو حجة فبطل احتجاجك الوجه الرابع أنك قد صرحت في كتابك في نهاية العقول وغيره أن الاستدلال بالقرآن والأدلة السمعية في مسائل الأصول لا يجوز بحال لأن الاحتجاج بها موقوف على نفي المعارض العقلي وهذا النفي لا يمكن العلم به فلا يعلم شرط الاستدلال بها فكل ظاهر يحتج به يقال فيه هذا المعنى غير معلوم لتوقفه على انتفاء المعارض العقلي الوجه الخامس أنك قد صرحت هنا وفي غير هذا الموضع أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يفيد العلم وحينئذ فالظاهر سواء عارضه دليل عقلي أو لم يعارضه لا يحصل به علم عندك وإذا أقر الظاهر فإنما يفيد عندك الظن والظن لا يجوز الاحتجاج به في الأصول فكل آية دلت على مسألة أصولية لا يجوز الاحتجاج بها عندك بل يجب أن يكون من المتشابه وعلى هذا فليس القرآن في هذا الباب منقسماً عندك إلى محكم ومتشابه ومع هذا
(8/450)

فإنه مناقض لما تقرره فهو مخالف لصريح القرآن والسنة والإجماع وهو باطل عقلاً وشرعاً الوجه السادس أنك قد قدمت أن المحكم نوعان نص وظاهر وأن النص ما يكون موضوعاً لمعنى لا يحتمل غيره وهنا قد جعلت الألفاظ ليس فيها شيء من ذلك بل ما من لفظ إلا ويحتمل معنى آخر وأن نفي المعنى الآخر لا يكون إلا ظنا فغايتها أن تكون ظاهرة فإن قلت النص ما ظن أنه لا يحتمل إلا معنى والظاهر ما يحتمل معنيين وظن رجحان أحدهما فيقال لك وهذا كله لا يجوز عندك التمسك به في هذه المسائل فلا يكون محكماً بل متشابهاً وهذا مناقض بقولك ولإجماع الأمة الوجه السابع أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن من الكتاب آيات محكمات هن الأصل الذي يُبْنَى عليه ويستدل به ويتبع والمتشابه يرد إليه وعلى هذا علماء المسلمين يقولون المحكم هو الأصل والمتشابه يرد إليه وأنت جعلت الأصل هو
(8/451)

ما زعمته من العقل وجعلت القرآن كله محكمه ومتشابهه يرد إليه فما خالفه كان متشابهاً فلم يبق في القرآن محكم يرد إليه المتشابه ولا هو أم الكتاب وأصله الوجه الثامن أنه على قولك لا سبيل لأحد إلى أن يعرف شيئا من القرآن محكما فإن ذلك يمكن إذا علم انتفاء المعارض العقلي وهذا النفي غير معلوم فلا يجزم بأن شيئاً منه محكم فإن قلت أنا أقول إن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال ممتنع قيل وأنت تقول إن حمله على ظاهره لا يجب إلا إذا قام الدليل العقلي على أن ظاهره حق وما لم يعضده دليل عقلي لم يجزم بثبوته كما لا يجزم بنفيه إلا إذا نفاه الدليل العقلي فالمعتمد عندك في الجزم بالنفي والإثبات على الدليل العقلي والقرآن عديم التأثير لا يجزم بنفي ما نفاه ولا بإثبات ما أثبته وهذه حال من لا يؤمن بالله وبكتابه وحال من لا يؤمن بما أنزل
(8/452)

الله تعالى من الكتاب ولا بما أرسل من الرسل الوجه التاسع قولك إنه لا يترك الدليل السمعي لدليل أرجح منه لأن الترجيح لا يكون إلا ظنا والظن لا يجوز التعويل عليه في المسائل العقلية القطعية فيقال لك فرق بين رجحان الاعتقاد واعتقاد الرجحان فأنت قد ذكرت هذا الفرق كما ذكره أبو الحسين البصري وغيره واعتقاد الرجحان قد يكون علماً فإذا اعتقد أن هذا الظاهر أرجح من هذا الظاهر فهذا يكون معلوماً مستيقناً وكذلك يجب العمل بهذا الراجح ويكن العامل عاملاً بعلم لا بظن وحينئذ فإذا تعارض ظاهران وقد علم رجحان أحدهما جزمنا بأن إرادة الله لذلك الشيء أرجح وكان هذا الجزم علماً فلمَ لا يجوز ذلك وإن لم يجزم بوجود المراد وهذا الجزم ينتفع به نفعاً عظيماً
(8/453)

الوجه العاشر هب أنا لا نجزم بشيء بل نرجح إرادة أحدهما على الآخر فإذا قلنا إرادة هذا أرجح وغلب على الظن أن هذا هو المراد كما في كثير من الآيات والأحاديث التي تنازع الناس في تفسيرها فغلب على الظن رجحان أحد الأقوال فِلمَ لا يجوز هذا وما المانع منه وليس هذا تعويلا على الظن في مسألة عقلية قطعية بل في مسألة سمعية غير قطعية فإن التقدير أن هذا لم يخالف دليلاً قطعيا بل العقل يجوز إرادة هذا وإرادة هذا والسمع قد رجّح أحدهما ترجيحا ظنيا فِلمَ لا يجوز مثل هذا الترجيح وهذا هو الظاهر الذي هو أحد مسمى المحكم عندك الوجه الحادي عشر أن من الناس من يقول مسائل الأصول لا يجوز التمسك فيها إلا بأدلة يقينية لا ظنية هذا على وجهين فإن كان مما أمرنا فيها باليقين كاليقين بالوحدانية والإيمان بالرسول والإيمان باليوم الآخر مما أمرنا فيه باليقين لم يمكن إثباتها إلا بأدلة يقينية وأما ما لا يجب علينا فيه
(8/454)

اليقين كتفاصيل الثواب والعقاب ومعاني بعض الأسماء والصفات فهذه إذا لم يكن فيها دليل قطعي يدل على أحد الطرفين كان القول مما يترجح من الأدلة أن هذا هو الظاهر الراجح قولاً عدلاً مستقيماً بل كان خيراً من الجهل المحض وأيضا فمن الناس من لا يقدر على العلم في جميع ما يتنازع فيه الناس وفي دقيق المسائل فإذا تكلم بحسب طاقته واجتهاده فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها الوجه الثاني عشر أنه إذا لم يجز القول بالظن الراجح فالقول بالجهل والكذب والقول الباطل أولى أنه لا يجوز فإن هذا لا يجوز بالإجماع وما يذكرونه مما يسمونه أدلة عقلية على نفي ما دل عليه القرآن والسنة من الصفات إنما هي أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علماً ولا ظنًّا بل جهلاً مركباً كما بينا هذا في غير موضع كما وصف الله تعالى حال الكفار بقوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] الوجه الثالث عشر قوله إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل ولا يكون لفظيًّا فيقال هذا قرع وقوع هذا فِلمَ قلت إن الأخبار يعارضها
(8/455)

دليل عقلي قطعي وقد بسطنا هذا في مواضع وبينا أن هذا غير واقع بل لابد أن يبين الله مراده حتى يحصل بكلامه الهدى والبيان وتقوم به الحجة فما كان ظاهراً غير مراد بينه بآية أخرى كما في الخاص والعام فأما أن يكون دالاً على غير الحق وهو لم يبين الحق الذي أراده فهذا غير واقع بل غير الله إذا تكلم بكلام ولم يبين مراده بكلامه كان معيباً مذموماً فرب العالمين أولى بتنزيهه عن كل عيب وذم وعن أن يتكلم بكلام ولم يبين به مراده بل يظهر منه غير ما أراده والذي أراده لا يدل عليه ألبتة كما يزعمه هؤلاء المعطلة الملحدون الوجه الرابع عشر قوله ليس ترك ظاهر أحدهما لإبقاء الآخر بأولى من العكس فيقال له أحدهما مفسر للآخر مبين للمراد به ليس معارضاً له إلا عند من لا يفهم كقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
(8/456)

تُقَاتِهِ [آل عمران 102] وقوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن 16] فإن قوله مَا اسْتَطَعْتُمْ مفسر لقوله حَقَّ تُقَاتِهِ ورافع لظن من يظن أن الله أمر الناس بحق تقاته الذي لا يستطيعونه وهذا هو الذي أراده من قال من المتقدمين أن هذه ناسخة لتلك أرادوا أنها ناسخة للظن الفاسد من معناها ولم يريدوا أن الله أمر الناس بما لا يستطيعونه من تقواه ثم نسخ ذلك ولكن رقع ما يظن أن الآية دالة عليه يسمونه نسخاً فإنه من إلقاء الشيطان وقد قال تعالى فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) [الحج 52] ولكن من الناس من لم يعرف مرادهم بلفظ النسخ وعادتهم واصطلاحهم فيه فيظن أنهم أرادوا به معناه الخاص فيكون قد أمروا بما لا يستطيعه العباد وهذا لم يقع في الشريعة قط ولا عرف أن السلف رحمهم الله تعالى فهموا هذا من الآية وهكذا إذا كانت إحدى الآيتين دلت على المعنى دلالة راجحة فإنها تقضي على
(8/457)

الدلالة المرجوحة وتفسرها الوجه الخامس عشر قوله إن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية قد أبطلناه عي مواضع ونحن ننبه هنا على بطلانه فنقول هذا القول من أعظم السفسطة وهو من أعظم أنواع السفسطة التي في الوجود ولهذا لم يعرف هذا القول عن طائفة معروفة من طوائف بني آدم لا المسلمين ولا غيرهم لظهور فساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق وأن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضاً ويفهم بعضهم مراد بعض علماً ضروريًّا أعظم من علمهم بالعلوم النظرية والنطق للإنسان أظهر صفات الإنسان التي تميز بينه وبين البهائم ولظهور ذلك قوله تعالى فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) [الذاريات 23] ولهذا يقول من يقول في الإنسان إنه الحيوان الناطق ثم البهائم يفهم بعضها
(8/458)

مراد بعض بأصوات تصوتها وقد تسمى منطقاً لها كما قال سليمان عليه السلام يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل 16] وقد ذكر سبحانه وتعالى قول النملة أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) [النمل 18] فالنملة قالت للنمل قولاً يتضمن أمراً وتحذيراً وسليمان عليه السلام فهم ما قالته فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) [النمل 19] وهو أيضاً خاطب الهدهد وخاطبه بما حكاه الله حيث قال الهدهد له أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) [النمل 22-28] بل هو سبحانه وتعالى ينطق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين كما قال تعالى عن داود عليه السلام يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ 10] وقال تعالى إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) [ص 18]
(8/459)

والحصى قد سبح في كف النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن مسعود كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل وكان
(8/460)

أبو الدرداء وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القدر وقال
(8/461)

النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن وهذا باب واسع فهو سبحانه لعموم هدايته هدى مخلوقاته وجعل بعضها يفهم عن بعض مراده بما ألهمه الله من نطق أو غيره وهذا لبسطه موضع آخر ولكن المقصود هنا أن دلالة الأدلة القطعية القولية على مراد المتكلم ومعرفة المستمع بمراده وفهمه لكلامه هو ما يعرفه جميع بني آدم علماً ضروريًّا قبل علمهم بالأدلة العقلية المجردة فالطفل إذا صار فيه تمييز
(8/462)

علم مراد أبيه وأمه بما يخاطبانه به وفهمه لمراد الأم أسبق إليه من العلم بالأدلة العقلية النظرية فإن هذا مما يعلم به مراد المتكلم اضطرارا ولا يتوقف قهم الصغير لكلام مربيه أبيه وأمه وغيرهما لا على نقل اللغة والنحو والتصريف ولا على نفي المجاز والإضمار والتخصيص والاشتراك والنقل والمعارض العقلي والسمعي بل يعلم مرادهم بكلامهم اضطراراً لا يشك فيه ثم سائر بني آدم يخاطب بعضهم بعضاً ويفهم مرادهم من غير احتياج إلى شيء من تلك المقدمات ويكتبون الكتب إلى الغائب الذي لا يراهم ولا يرى حركاتهم فيعلمون مراد الكاتب اضطراراً في أكثر ما يكتبه وإن كان بعض ذلك قد يظن أو لا يفهم لكن الأغلب أنهم يعلمون مراده اضطراراً وهذا موجود
(8/463)

في مكاتبة العامة والخاصة ومن يخاطبهم فإذا كان الخط الدال على اللفظ يعلم به المراد اضطراراً في أكثر ما يكتب فاللفظ الذي هو أقرب إلى المعنى المراد أولى أن يعلم به المراد اضطرارا ثم إذا كان هذا البيان والدلالة موجوداً في كلام العامة الذين لا يعدون من أهل العلم فأهل العلم أولى بأن يبينوا مرادهم وأن يفهم مرادهم من خطابهم وإذا كان هذا في العلماء الذين ليسوا بأنبياء فالأنبياء أولى إذا كلموا الخلق وخاطبوهم أن يبينوا مرادهم وبأن يفهم الناس ما بينوه بكلامهم ثم رب العالمين أولى أن يكون كلامه أحسن الكلام وأتمه بياناً وقد قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم 4] فهو إنما أرسل الرسل بلسان قومهم الذين خاطبوهم أولا ليبن الرسول ما أراده وما أوحاه الله إليه من الرسالة فكيف يجوز أن يقال إنهم لم يبينوا المراد وأن أقوالهم لم تدل على مرادهم فلم يبينوا ما أوحي إليهم بياناً قاطعاً لأنهم بينوه بلفظهم وهذا يقول إن شيئا من الأدلة
(8/464)

اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًّا مع أن هذا القول كما تقدم لا يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم لا من المسلمين ولا من غيرهم ولا عن عالم معروف إذ كان هذا القول في غاية السفسطة وجحد الحقائق وإنما الذي يقوله بعض الناس هو القدح في بعض الأدلة اللفظية والسمعية كما قد يقدحون في بعض ... الأدلة العقلية أما القدح في الجنس فهذا لا يعرف في جنس المتكلمين عن طائفة من الآدميين ولكن هذا الرجل كثير السفسطة والتشكيك فهو من أعظم المتكلمين سفسطة وتشكيكاً وهذا من جملة سفسطته لا يعرف من جنس المتكلمين من هو أعظم تقريراً للشكوك والشبهات الباطلة وأضعف جواباً عنها منه وتقريره لما يقدح في جنس الأدلة القولية النطقية الدالة على مراد المتكلم هو من هذا الباب بل هذه الأدلة الدالة
(8/465)

على مراد المتكلم هي أبين وأظهر عند جميع بني آدم من جنس الأدلة العقلية المجردة ولهذا تجد كل أمة يرجعون إلى قول قائل مقبول القول عندهم هم أقل اختلافا في معرفة مراده من الذين يرجعون إلى مجرد الأدلة العقلية المجردة ولهذا كان غير أهل الكتاب من أصناف المشركين من فلاسفة الهند واليونان والعرب وغيرهم أعظم اختلافا فيما يدعونه من الأدلة العقلية من اختلاف أهل الكتاب في مراد الأنبياء ثم أهل الحديث والسنة الذين يرجعون إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع رجوعهم إلى القرآن أقل اختلافا من غير أهل العلم بذلك ومن يرد أخباراً صحيحة لزعمه أنها أخبار آحاد لا تفيد العلم أو يقبل أخباراً ضعيفة أو موضوعة يظنها صحيحة فهؤلاء أكثر اختلافا من أهل المعرفة بالحديث لأنهم إذا كانوا أعرف بالحديث فالحديث يدلهم على مراد الرسول فيكون الاختلاف بينهم أقل من أولئك وأمة محمد وإن
(8/466)

كانوا قد اختلفوا في أشياء فهذا من لوازم النشأة الإنسانية فالشهوات والشبهات لازمة للنوع الإنساني كما قال تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) [الأحزاب 72] لم يخلص أحد من البشر عن ذلك لكن من كان أفضل وأكمل كانت معرفته بالحق أكمل وعمله به أكمل وأمة محمد أكمل في معرفته والعمل به فهم أفضل الأمم ثم أهل السنة وأهل المعرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمعانيه والمتبعون لذلك هم أكمل علماً وعملاً من غيرهم فهم أعلم الناس يقيناً ومعرفة لاتباعهم الرسول ومعرفتهم بكلامه وعلمهم بذلك ونطقهم به بخلاف ما زعمه هؤلاء من أن الأدلة النطقية لا يمكن أن يقطع فيها بمراد المتكلم وأيضا فقد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالحق وأنصح الخلق للخلق وأكمل الناس بياناً وعبادة ودلالة على الحق وإذا اجتمع العلم والقدرة والإرادة وجب وجود المطلوب فكيف يكون أعظم الناس معرفة وبياناً ودلالة لم يعرف مراده مع أن
(8/467)

الناس قد عرفوا مراد جميع من تكلم في العلوم وقطعوا بمرادهم في أكثر ما قالوه والمظنون والمشكوك فيه قليل مغمور بالنسبة إلى المعلوم المقطوع به فالفقهاء يعرفون مراد أئمتهم المصنفين للكتب وكذلك النحاة والأطباء وكذلك المصنفون في علوم الحديث والتفسير وغير ذلك فإذا كان هؤلاء قد بينوا مرادهم مع أن البيان غير واجب عليهم فكيف لا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم مراده مع أن الله تعالى قد أوجب عليه البلاغ المبين وقد بسط الكلام على فساد هذا الأصل الذي هو من أعظم السفسطة عقلاً ومن أعظم الإلحاد في كلام الله تعالى شرعاً وصاحبه جحد نعمة الله عز وجل في تعليمه البيان والقرآن وقال تعالى الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) [الرحمن 1-4] في
(8/468)

ما زعمه من أن بيان الإنسان وكلامه ونطقه لا يعلم به مراده والقرآن الذي علمه الله تعالى لعباده وتكلم به لا يُعلم به مراده وهذا جحد لنعمة القرآن والبيان وقد تقدم ما ذكرناه من الآيات على أن القرآن لا يجوز أن يشتمل على ما لا يعلم منه المراد وأن الله تعالى سماه بياناً وهدى ونورا وأمر بتدبره والتفكر فيه وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه بينه وعرف بمعناه وإذا كان هذا يدل على فساد قول من يقول إن بعضه لا يعلم منه المراد فمن قال إن شيئا من الدلائل السمعية لا يعلم بها المراد ولا يحتج بها في المسائل العلمية هو أولى بالفساد من قول أولئك من وجوه كثيرة وقد ذم الله تعالى في غير موضع من لم يفهم كلامه وجعلهم من الكفار والمنافقين كقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ
(8/469)

عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) [محمد 16] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام 25] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) [يونس 42] وما ذكره الرازي من أنه موقوف على عشر مقدمات ظنية والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنيًّا وهو نقل اللغة والنحو والتصريف وعلى عدم المجاز والنقل والاشتراك والإضمار والتخصيص وعدم المعارض العقلي والسمعي دعوى باطلة من وجوه أحدها أن العلم بمراد المتكلم من عادته وحاله وداعيته وقصده أمر معلوم عنده بالاضطرار كما قصده بالأفعال الاختيارية مثل أكله وشربه ولباسه وركوبه وغير ذلك من أفعاله فكما أنه إذا أكل وشرب وإن كان الأكل والشرب يحصل باختياره فإنه يعلم أنه أكل وشرب ليشبع وأنه يشبع بالأكل والشرب وإن كان قد يقع أحيانا خلاف ذلك وكذلك يعلم دلالة أصواته الدالة بالطبع وإن كانت باختياره وبغير اختياره مثل النفخ والنحنحة والعطاس
(8/470)

والقهقهة وغير ذلك فكيف بأحواله الدالة بقصده واختياره التي قد علم من حاله أنه يقصد به الإفهام والبيان فالعلم بمراده بهذه أظهر وأقوى وإذا جُوّز أن يكون أراد غير ما دل على إرادته فإن تلك الأفعال والأحوال قد يقصد بها غير ما يدل عليه في العادة فقد يبكي الرجل محالا حتى يظهر حزنه وهو كاذب كما جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف 18] الوجه الثاني أن الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم إما شاهد له قد سمع كلامه وإما غائب بلغه كلامه فالمشاهدون له قد بين لهم مراده مع القول بتعيين ما أراده فلما أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج بين لهم مسمى هذه الألفاظ ولم يحوجهم في ذلك إلى أن يعرفوا مسمى هذه الألفاظ من كلام غيره فلم يحتاجوا إلى نقل لغة غيره ولا نفي احتمالات ولا نفي معارض بل علموا مراده بهذه الألفاظ لما بينه لهم مع القول معرفة ضرورية ونقلوا ذلك إلى من بعدهم نقلا يفيد اليقين
(8/471)

والعلم أعظم من اليقين والعلم بنفس ألفاظه فحصل العلم لمن شاهده ولمن غاب عنه أعظم من ألفاظه وقد يكون في الذين شاهدوه من لم يسمع كلامه لكنه علم مراده وما أمر به وما نهى عنه ولم يسمع نفس اللفظ إما لبعده وإما لغيبته وهو إنما يسأل عما أراده ليس له غرض في نفس اللفظ فعلم المراد بالاضطرار واللفظ لا يعرفه الوجه الثالث أن علم المخاطبين بالمعنى الذي أراده المتكلم أهم عندهم من العلم بلفظه ولهذا إنما يبحثون عن ذلك وهو الذي ينقلونه عنه ويبلغونه عنه فإن الله تعالى قد حكى عن الأمم المتقدمين من الأنبياء وأتباعهم وتكذيبهم أقوالاً كثيرة ولم ينقل لفظ أحد منهم وإنما نقل معنى كلامه باللغة العربية وبنظم القرآن المخالف لسائر نظم الكلام مع أن أولئك تكلموا بغير العربية وبغير نظم القرآن
(8/472)

وهو الصادق فيما حكاه عنهم إذ كان المقصود هو معاني ألفاظهم لا نفس الألفاظ وكذلك الناس ينقلون مذاهب العلماء وأقوالهم بغير ألفاظهم وهم متفقون على هذا وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فهم معناه جازت روايته بالمعنى عند الجمهور ومن منعه فإنما منعه خوفاً من تقصير المبلغ في أداء المعنى الذي أراده وأما مع العلم بالمعنى فلا ريب فيه
(8/473)

وقد اتفق المسلمون على أن القرآن والحديث يترجم بغير لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم وغير لغته لمن احتاج إلى ترجمته ممن لا يعرف بالعربية بل وللعربي الذي لا يعرف لغة الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين معانيه لمن يعرف لغته ولكن ليس هو من أهل العلم بخصائص كلامه كما قال ابن عباس رضي الله عنهما التفسير أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعرفه العلماء وتفسير لا يعلمه
(8/474)

إلا الله تعالى فعامة الأمة يعلمون معاني القرآن الظاهرة المنقولة بالتواتر من غير حاجة إلى شيء من تلك المقدمات وهو يسألون عن معاني القرآن والحديث ليفهموها ويعرفوها وإن كانوا لا يحفظون لفظ الحديث ولكن قد عرفوا معناه فيفتون به ولهذا قال أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلينا من حفظه فاهتمامهم بفهم المعنى أعظم من اهتمامهم باللفظ وإذا كان كذلك كانت معرفته ونقله أبلغ من معرفة اللفظ وإذا كان لفظ
(8/475)

القرآن وكثير من الحديث منقولاً بالتواتر فنقل المعنى أولى ولهذا الوجه والذي قبله إذا سمعت الأمة عوامها وخواصها قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 97] علموا أن المراد البيت الذي بمكة وأن الحج هو الأعمال المشروعة وأكثرهم لا يحفظ هذه الآية الوجه الرابع أن أهل العلم بالكتاب والحديث قد نفلوا لغة الرسول صلى الله عليه وسلم التي خاطبنا بها ولم يحتج مع ذلك إلى نقل لغة أحد غير الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا لا يحتاج علماء الدين إلى أهل اللغة في فهم القرآن والحديث إلا في مواضع يسيرة يحتاج بعضهم إليها كألفاظ غريب القرآن والحديث والفقه ومعانيها فلا يحتاجون في ذلك إلى نقل أهل اللغة وإن احتاج إلى ذلك بعضهم أو ذكر ذلك على سبيل الاستشهاد والاعتبار كما يقوى الدليل بالدليل فكل ما احتاج المسلمون إلى نقله من لغة القرآن فهم يتبعون عندهم نقلاً معلوماً مقطوعاً به إلا مواضع قليلة خفيت على بعضهم فصارت عنده
(8/476)

مظنونة أو مجهولة الوجه الخامس أن قوله إنه موقوف على نفي المجاز والاشتراك والإضمار والتخصيص وقد يقول والنقل فيقال هذا تكثير للمقدمات من غير حاجة فهو كما لو قيل موقوف على نفي مجاز الزيادة والنقص والاستعارة فهذا تكثير بلا فائدة بل يكفي أن يقال على نفي احتمال آخر للفظ سواء احتمل ذلك بطريق المجاز أو الاشتراك أو الإضمار والتخصيص نوع من المجاز فإن اللفظ إما أن تكون دلالته على المعنيين سواء فهو المشترك وإما أن يكون هو بمجرده يدل على معنى وبالقرينة يدل على معنى آخر وهو المجاز وهذا على رأي من يقول إن في اللغة مجازاً وأما من نفى ذلك وقالا ما ثم إلا دلالة مطلقة أو مقيدة به فالمطلق مقيد بالإطلاق والمقيد مقيد بالقيد اللفظي كما يقول إن صيغة الأمر والنهي والعموم تدل عند تجردها على معنى الأمر والنهي والاستغراق ومع القرينة على التخصيص أو التهديد وبتجردها عن القرينة المخصصة إلى قرينة تبين المراد فإذا قيل اللفظ المجازي ما دل مع القرينة
(8/477)

والحقيقة ما دل بمجرده قيل إن يُعن التجريد والإطلاق من كل وجه فما في ألفاظ الكلام ما هو كذلك بل كلها مقترنة بغيرها فإن الكلام إما جملة اسمية وإما جملة فعلية وكل منهما أقل ما يأتلف من لفظين مفردين وكل منهما مقترن بالآخر ليس واحد منهما مجرداً مطلقاً عن جميع القرائن وإن عنى بالتجريد والإطلاق أن يكون مجرداً عن بعض القرائن فهذا حق وجميع الكلام يدل مع قرينة على معنى ومع عدمها وقرينة أخرى على معنى آخر حتى لفظ الإنسان فإنه يقال إنسان العين والألفاظ التي هي صريحة في الأحكام مثل لفظ الطلاق والنكاح وغيرهما قد يقترن بها ألفاظ تزيل دلالتها باتفاق المسلمين كما إذا قيل أنت طالق من وثاق فهذا لا يقع به الطلاق بالاتفاق أو قال يا دنيا غري غيري قد طلقتك ثلاثاً أو قال ودي من ودك طالق فهذا لا تطلق به الزوجة باتفاق المسلمين والكلام على مسمى الحقيقة مبسوط في مواضع أخر
(8/478)

والذي لابد منه أن اللفظ إذا ما دل على معنى دلالة فلابد أن ينفي احتماله لغير ذلك المعنى وإذا جاز أن يراد به ذلك المعنى الآخر النافي لهذا المعنى لم تكن دلالته قطعية لكن إذا علم المراد قطعاً علم دلالة الفظ عليه ثم ذلك المعنى الآخر إن لم يكن منافياً لهذا المعنى لم تضر دلالة اللفظ عليه إذ دل عليهما جميعاً وأما إن نافى هذه الدلالة كان ضدًّا للمعنى المراد ومعلوم أن العلم بثبوت أحد الضدين ينفي العلم بثبوت الآخر فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال يناقض كل ذلك وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي فإنه إذا علم المراد علم قطعاً أنه لا ينفيه دليل آخر لا سمعي ولا عقلي لأن ذلك نقيض له وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه قطعاً فحاصل كلامه ثلاث مقدمات أنه موقوف على ما يدل على المراد وعلى ما ينفي ضده ونقيضه فيقال الدال على المراد يستلزم الدلالة على ضده ونقيضه فلا يحتاج إلا إلى العلم بالمراد فقط والعلم بالمراد كثيراً ما يكون علماً اضطراريًّا كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة فإن الإنسان إذا سمع
(8/479)

مخبرًا يخبر بأمر قد يحصل عنده ظن ثم يقوى بالخبر الآخر حتى يكون علمًا ضروريًّا وكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداء وقد يظنه ثم يتكرر كلام المتكلم أو يتكرر سماعه له ولما يدل على مراده فيصير علمه بمراده ضروريّا وقد يكون العلم بالمراد استدلاليّا نظريّا وحينئذ فذلك يتوقف على مقدمة واحدة وقد يتوقف على مقدمتين وعلى أكثر أما دعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي على مراد المتكلم يتوقف على عشر مقدمات فهذا باطل قطعاً وأبطل منه أن كل مقدمة فهي ظنية بل عامة المقدمات التي يتوقف عليها فهم ومراد المتكلم وقد تكون قطعية في غالب الأمر لمن تدبر ذلك فإن قيل إذا كان المراد قد بينه المتكلم بغير ذلك اللفظ ونقل عنه متواتراً لم يكن مستفاداً من اللفظ بل يكون مستفاداً من ذلك النقل قيل لهم نقلوا المراد ونقلوا أنه هو المراد باللفظ وأن اللفظ دال عليه كما نقلوا وجوب الحج وأن وجوبه مراد بقوله
(8/480)

تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 97] وأنه أريد بهذا اللفظ وجوب حج البيت الذي بمكة وكذلك قوله تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ [البقرة 185] وقوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة 43] ونحو ذلك فإذا سمع هذا اللفظ علم قطعاً أنه أريد به هذا المعنى كما علم أن هذا المعنى قصده الرسول صلى الله عليه وسلم وأراده فكلاهما معلوم قطعاً فلو قال قائل أنا أوجب الحج وصيام شهر رمضان فإن ذلك منقول بالتواتر لكن أقول صيام رمضان المراد به موالاة ثلاثين رجلاً وحج البيت المراد به حج بيوت العلم والحكمة والمراد به صلاة الجمعة كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار وأيضاً فإذا عُرّف ما أريد باللفظ ابتداء من لم يعرف معناه فيطلب معرفة معناه فيفسر له بالمعنى المعلوم المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا سمع اللفظ ذكره ما أمر الله تعالى به وما اخبر به فيذكر ما أوجب الله تعالى عليه وما أخبر الله تعالى به ليفعل هذا ويصدق هذا ونحن لا ننكر أن بعض الناس قد يتوقف فهمه لبعض الألفاظ على ما ذكره من المقدمات الظنية لكن المنكر دعواه العموم والغلبة فإن
(8/481)

غالب آيات القرآن في حق غالب الناس لا يتوقف على عشر مقدمات ظنية كما ذكره بل هذا من أظهر البهتان وإن قدر إن بعض الآيات يتوقف على هذا في حق بعض الناس فذلك لقوة جهله وبعده عن معرفة الرسول وما جاء به كمن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية بعيدة عن دار العلم والإيمان فإنه قد لا يعرف أن الله تعالى أوجب الحج والصيام بل ولا الصلاة ولا حرم الخمر فلا يجعل هذا حكماً في حق غالب المسلمين كذلك إذا قُدر أن بعض الناس لم يحصل له علم بمعنى بعض الآيات إلا لتوقف ذلك على أدلة ظنية في حقه لم يلزم أن لا يحصل العلم بها وبغالب القرآن لغيره وإن قُدر أنه لم يحصل لم يجز أن يقال إن العلم بالمراد غير ممكن كما قال هذا القائل إن شيئاً من الأدلة اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيّا فنفي إمكان القطع عن شيء من الألفاظ وهذا أشد فساداً من أن يقال إن شيئاً من الأدلة العقلية لا يمكن أن يكون قطعيّا لأن العلم بمراد المتكلم أظهر
(8/482)

وأنشر وليس المراد بكون الدليل العقلي والسمعي قطعيّا إلا كونه يدل على مراد المتكلم ثم المتكلم إن كان ممن يعلم أن مراده حق وأنهم معصومون من الكذب عمداً وخطأً فيما يبلغونه ويخبرون به عن الله تعالى وهم قد أخبروا عن الله تعالى بهذا المعنى الذي أراده فحينئذ نقطع بأن هذا حق في نفس الأمر وأما إن لم يكن المتكلم كذلك بل يجوز عليه الخطأ فإنا نقطع بمراده لا لكونه صواباً وحقًّا وأيضاً فالأدلة السمعية تدل بطريقتين تارة تدل بمجرد الخبر فإن ما أخبر به الصادق المصدوق لا يكون إلا حقًّا وتارة يكون قد بين الأدلة العقلية التي تدل على ما أخبر به أو على إمكانه والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله تعالى الدالة عليه وعلى وحدانيته وعلى علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته والدالة على أمره ونهيه وإباحته ووعده ووعيده وكذلك ما يخلقه من
(8/483)

الآيات العيانية فإنها تدل على نفسه وخلقه وقدرته ومشيئته وتدل أيضاً على أمره ونهيه وحبه وبغضه وسخطه ورضاه كما تدل عقوباته للمكذبين للأنبياء على أمره لهم بالإيمان بالأنبياء ومحبة ذلك وعلى نهيه عن تكذيبهم وبغضه لذلك فالآيات المخلوقة العيانية تدل على قدرته وعلى شرعه لهم وعلى خلقه وعلى أمره وكذلك الآيات المنزلة المسموعة القرآنية تدل على هذا وعلى هذا وقد دل بهذه الآيات القولية على الاستدلال بتلك الآيات العيانية العقلية فإنه يدل على الدلائل العقلية والسمعية كلاهما وإذا فهمما دل عليه من الدلائل العقلية وعرفت دلالتها على المطلوب بمجرد العقل وإن لم يخبر بها النص كان هذا دليلاً عقليًّا قطعيّا وكان مستفاداً من الأدلة السمعية واللفظية لكونها هي التي دلت عليه وأرشدت إليه ونبهت عليه وإذا كان هذا موجوداً مما يستفاد من كلام المخلوقين فما يستفاد من كلام الخالق أعظم وأعلى والله تعالى أعلم
(8/484)

وقد تبين في غير موضع أن هؤلاء المتكلمين الجهمية والمتفلسفة الدهرية ليس معهم أدلة عقلية تعارض القرآن وتقوم مقام القرآن فما سلكوه في إثبات الصانع وصفاته طرق فاسدة لا تغني عن أدلة القرآن العقلية الدالة على ذلك فضلاً عن أن تعارضها وهذا أحد ما يبين به فساد ما يذكرونه من تقديم مثل هذه الأدلة على دلالة القرآن عقليها وخبريها ولا ريب أن طريقهم فيه من النفاق والإلحاد والجهل ما يطول وصفه ولذلك قال الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره علماء الكلام زنادقة وكان الذين يشيرون إليهم خيراً من هذا وأمثاله وكذلك قال الشافعي لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا
(8/485)

الإشراك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام في الأحداث وقال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة والشافعي أشار إلى كلام حفص الفرد وأمثاله وكان على طريقة ضرار بن عمرو وأحمد أشار إلى كلام هذا وأمثاله فإنه كان أفضل من ناظر وأبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وهو من أتباع
(8/486)

حسين النجار وكلام أولئك خير من كلام هؤلاء الذين جمعوا إلى تعطيل أولئك إلحاد الفلاسفة مع أن أولئك لم يظهروا كل ما في قلوبهم للأئمة فالجهمية لم تكن تظهر لهم لا داخل العالم ولا خارجه وإنما أظهروا أنه في كل مكان فالأئمة استعظموا ما أظهروه فكيف ما أبطنوه والذي أبطنه أولئك هو خير من قول الملاحدة الذين جمعوا بين أقوال الجهمية والفلاسفة الدهرية وقد كان الثقة يحدث عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه لما رأى
(8/487)

قوله إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين لعنه على ذلك وقال هذا تعطيل الإسلام وقد بسط هذا في مواضع والمقصود هنا أن يتبين أن دعواه أن كل دليل سمعي موقوف على مقدمات ظنية دعوى باطلة معلوم فسادها بالاضطرار ولو صح هذا لكان لا يجزم أحد بمراد أحد ولكان العلم بمراد كل متكلم لا يكون إلا ظنًّا وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار وإذا كان آحاد العامة قد بين مراده بكلامه حتى يقطع بمراده فالعلماء أولى بذلك وإذا كان العلماء المصنفون في العلوم يقطع بمرادهم في أكثر ما يقولونه كما يقطع بمراد الفقهاء والأطباء والحُسّاب وغيرهم فالرسول الذي هو أكمل الخلق علماً وبياناً ونصحاً أولى أن يبين مراده ويقطع به وكلام الله تعالى أكمل من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وأكمل بياناً فهو أولى
(8/488)

بالقطع بمراد الرب فيه من كلام كل أحد ومعاني الكلام منقولة بالتواتر معلومة بالاضطرار أعظم من ألفاظه والمسلمون كلهم يعلمون بالاضطرار أن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس في الوضوء وبالاغتسال من الجنابة وبالتيمم وأن الله تعالى أمر بالصلاة إلى الكعبة وأمر بالحج إلى البيت الذي بمكة والطواف به والتعريف بعرفات وصوم شهر رمضان وامتناع الصائم من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك من معاني القرآن وأكثرهم لا يحفظون حروف القرآن فمعانيه التي دلت عليها هي معلومة عندهم بالاضطرار منقولة بالتواتر أعظم من العلم بألفاظه الدالة على تلك المعاني ولا يحتاجون في ذلك إلى نقل اللغة ولا نفي المعارض بل الأمر موقوف على مقدمة واحدة وهو العلم بمراد المتكلم وهذا قد يعلم اضطراراً وقد يعلم بأدلة قطعية وقد يكون ظنًّا كذلك العلم بما أخبر له الرسول صلى الله عليه وسلم من أسماء الرب وصفاته ومن اليوم الآخر كثير منه أو أكثره معلوم عند الأمة اضطراراً نقلاً متواتراً
(8/489)

وإن كان أكثرهم لا يحفظون حروفه وإذا سمعوا حروفه علموا قطعاً أنها دالة على تلك المعاني المعلومة عندهم كما إذا سمعوا قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 97] علموا أن المراد بلفظ البيت البيت الذي بمكة وإذا سمعوا شهر رمضان علموا أن المراد بهذا اللفظ بالشهر التاسع الذي بين شعبان وشوال وإذا سمعوا خلق السموات والأرض علموا أن المراد بذلك أنه هو الذي أحدثهما وابتدأهما وأنشأهما لا أنهما قديمتان ملازمتان له وإذا سمعوا قوله تعالى كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة 73] وقوله كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) [فاطر 9] علموا أن المراد بذلك إحياء الموتى للقيامة وإذا سمعوا قوله تعالى وتقدس إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] علموا أن ذلك معنى أنه سميع بصير وأمثال ذلك كثير الوجه السادس عشر أن هذا القول مضمونه جحد
(8/490)

الرسالة في الحقيقة وإن أقر بها بلسانه بل مضمونه أن ترك الناس بلا رسول يرسل إليهم خير من أن يرسل إليهم الرسول وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهتد به أحد في أصول الدين بل ضل به الناس وإنما اهتدوا بعقلهم الذي لم يحتاجوا فيه إلى الرسول وذلك أن القرآن على ما زعمه هؤلاء لا يستفاد منه علم ولا حجة بل إذا علم بالعقل شيء اعتقد ثم القرآن إن كان موافقاً لذلك أقر لكونه معلوماً بذلك الدليل الذي استنبطناه لا لكون الرسول أخبر به ولا لكونه أرشد إلى دليل عقلي يدل عليه وإن كان الظاهر مخالفاً للعقل اتبعنا العقل وكان ذلك الظاهر وجوده كعدمه إما نصًّا وإما ظاهراً فاحتاجوا إما إلى التأويل وإما إلى التفويض لئلا يضلوا وغيرهم ضل باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم مقتضياً لضلال قوم فكانت الطائفتان
(8/491)

بسببه في ضلال وسعر وإنما اهتدوا بعقلهم الذي لم يحتاجوا فيه إلى الرسول فهذا حقيقة قول هؤلاء الملحدين وسيأتي اعترافه بهذا وجوابه عنه بجواب الملحدين الوجه السابع عشر أن هذا وأمثاله يتناقضون فتارة يقول نحن نعلم انتفاء الظاهر لكن لا نعلم المراد وتارة يقول بل الرسول صلى الله عليه وسلم خاطب العامة بما يوافق ما عندهم فلو خاطبهم ابتداء بإثبات ما ليس بجسم ولا متحيز ولا يشار إليه قالوا هذا عدم محض فوقعوا في التعطيل فكان الصلح أن يأتي بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما لزمهم وهذا كلام من يريد من العامة فهم تلك المعاني وهي باطلة في نفس الأمر عند هؤلاء وعلى هذا فقد أراد
(8/492)

منهم فهم الباطل الذي دل عليه بلفظه وهذه طريقة أهل التخييل الذين يقولون أرادوا أن يتخيلوا ما ينفعهم وإن لم يكن حقًّا وطريقة أهل التأويل نفي إرادة هذا المعنى والجهل بما أراد وهذا يناقض هذا وهذا وأمثاله يتناقضون فتارة يجعلونه هكذا وتارة هكذا في كلا الأمرين على الباطل وقد نزه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يريد المعاني الباطلة أو أن يقصر في بيان ما أراده فالأول كذب وإضلال وتلبيس وإظهار ما هو كذب وإن قيل إنه لم يقصد الكذب بل الرسول كما أنه أعلم اخلق بالحق فهو أنصحهم لهم وأعظمهم رغبة في تعريفهم وتعليمهم وهداهم وهو أحسنهم بياناً وأتمهم برهانا قال تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى
(8/493)

اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى 52-53] وقال تعالى فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) [النمل 79] وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) [يوسف 108] فإن قيل فإذا كان ما ذكره فاسداً لا يحصل به الفرق بل هو عزل القرآن بالكلية فما الفرق بين المحكم والمتشابه قيل المتشابه نوعان أحدهما ما يكون بسبب المستمع لقصور منه أو تقصير فهذا لا يختص بنوع من الكلام بل قد يعرض في جميع أنواعه لكن ما يكون فيه من التشابه يكون هذا فيه أقوى فإنه يبقى التشابه من الطرفين وصاحب هذا المقام هو مأمور أن يعمل بما تبين له معناه ويؤمن بما اشتبه عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وابن ماجه رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن
(8/494)

أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت أما وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجْرة إذا ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول بهذا أمرتم بهذا هلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً فما
(8/495)

عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه اتبعوا ما تبين لكم من الكتاب وما لا فدعوه وإذا كان القرآن نزل يصدق بعضه بعضاً فمن الممتنع أن يكون فيه تناقض واختلاف تضاد فمن فهم آية فآمن بها وظن أن الأخرى تناقضها فليعلم أنه مبطل في ذلك وأن معنى الأخرى يوافقها لا يخالفها وإن لم يفهم معنى الآيتين آمن بهما ووكل علمهما إلى الله تعالى وأما التشابه الذي يكون في نفس الآية فهذا لا يكون إلا مقرونا بالإحكام والبيان والهدى فإن الله تعالى قد أحكم كتابه كله وبينه وجعله هدى وأمر بتدبره لكن من الآيات ما لا اشتباه
(8/496)

فيه بوجه ومنها ما فيه اشتباه من بعض الوجوه وإن كان ذلك مع الإحكام والبيان مثل لفظ إنا ونحن ونحو ذلك وكل آية فقد أراد الله تعالى وتقدس بها معنى وعلى ذلك المعنى دل فلا يجوز أن تكون دلالة القرآن على ما أراده الرب تعالى وعناه وعلى غيره سواء بل هذا لا يجوز في كلام آحاد العلماء فكيف في كلام رب العالمين وإذا كان القرآن لا تناقض في دلالته فالمذهبان إن كان القرآن دل عليهما فكلاهما حق كقول من يقول إن العبد فاعل لفعله وقول من يقول إن الله تعالى هو الذي جعله فاعلاً فكلاهما حق والقرآن قد دل على هذا ولى هذا فأخبر أن العباد فاعلون وأنهم هم الذين يكفرون ويؤمنون ويعملون وقال الخليل وابنه عليهما الصلاة والسلام رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ [البقرة 128] ونحو ذلك وقال رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ
(8/497)

ذُرِّيَّتِي [إبراهيم 40] وأمر عباده أن يقولوا اهدنا الصراط المستقيم ونحو ذلك وإن كان كلاهما باطلاً فالقرآن ينفيهما جميعا كقول من يقول إن العبد لا قدرة له ولا مشيئة ولا فعل وقول من يقول بل هو الذي يخلق فعله دون الله فالقرآن ينفي هذا وهذا بل نفس الآيات إذا كانت دالة على ما يقول فهي تدل كما يدل أمثال ذلك من الكلام والأدلة وإلا لم تدل ودلالة الكلام على المراد تعرف تارة بالضرورة وتارة بالاستدلال ويستدل على ذلك بما نقله الأئمة وبما كان يقوله السلف يفسرون به القرآن بدلالة السنة وبدلالة سائر الآيات وغير ذلك كما أن النصارى لما ادعوا أن قوله إنا ونحن تدل على قولهم إن الآلهة ثلاثة وقالوا في قوله تعالى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة 133] أن الآلهة ثلاثة كان في هذا تشابه فإن لفظ نحن يستعمل في الواحد الذي له شركاء وفي الواحد المعظم المطاع الذي له مماليك تطيعه والعطف يكون لتغاير الصفات ويكون لتغاير الذوات فهو أمر متشابه والمحكم في القرآن كقوله تعالى وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة 163] وقوله تعالى وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل 51] وقوله تعالى أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ
(8/498)

مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنعام 19] وقوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء 110] وقوله تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة 73] وأمثال ذلك فيرد إليه المتشابه ويعلم أن قوله إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ [البقرة 133] عطف لتغاير الصفات كقوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد 3] وكقوله تعالى رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) [الدخان 7-8] وقوله تعالى إنا ونحن لعظمة الرب تعالى وان ما سواه مخلوق مملوك له من الملائكة وغيرهم فهو أحق بنون العظمة ممن استعمل هذا اللفظ فيه من الملوك وإن كان اللفظ نفسه لا اشتباه فيه وإذا اشتبه على هذا لقصور فهمه بُيّن له ذلك بنظائره ولهذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم يسمون ما أشكل على بعض الناس حتى فهم منه غير المراد متشابهاً
(8/499)

كما صنف الإمام أحمد رحمه الله تعالى كتاباً في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله فهو لم ينكر عليهم مسمى التأويل بل إنه أنكر أن يتأولوه على غير متأوله وهو التأويل الباطل والمراد بالتأويل التفسير وليس المراد صرفه إلى الاحتمال المرجوح وقوله فيما شكّت فيه من متشابه القرآن هو ما تشابه عليها وإن كان الله تعالى قد أحكم ذلك وبينه لكن
(8/500)

لقصورهم وتقصيرهم تشابه عليهم حتى شكوا فيه فهذا هذا والله تعالى أعلم الوجه الثامن عشر أن هذا القول في تأويل القرآن ومعناه يضاهي قول المشركين في تنزيل القرآن ولفظه ومعناه ولا ريب أن المقصود من الألفاظ هو المعنى فمن وافق المشركين في معاني القرآن على ما قالوه فإنما آمن بلفظ فقط فهو منافق يظهر الإسلام بلفظه به دون قلبه من جنس الذين قال الله تعالى فيهم إنهم يقولون للرسل نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون 1] قال الله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) [المنافقون 1] ومن جنس الذين قالوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ
(8/501)

قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) [البقرة 8-13] وإذا لقوا الآيات ونظائرها وذلك أن المشركين وكل من كذب لما كذّبوا بأن القرآن منزل من الله وكذّبوا الرسول بما جاء به حادوا واختلفوا ماذا يقولون في الكتاب والرسول وقالوا أقوالا متناقضة يظهر فسادها لكل من تأملها وآخرون منهم لما رأوا هذه الأقوال متناقضة أمسكوا عنها فلم يقولوا شيئا منها لكنهم اقتصروا على تكذيب القرآن والرسول لما زعموا أنه قام عندهم أدلة تدل على أنه ليس برسول الله ولا القرآن منزل من الله تعالى فعلموا بموجب تلك الأدلة ثم بعد ذلك قالوا فليكن أي شيء كان وليس علينا تعيين ما هو فهكذا الذين جوزوا معاني القرآن التي أرادها الله تعالى ورسوله بالكتاب والسنة صاروا في القرآن والحديث حزبين حزباً يحملون كلام الله ورسوله على معان أخر يظهر للمتأمل أن الله لم يردها ولا هي معنى كلامه وقال آخرون يكفينا أن تنفى تلك المعاني وبعد
(8/502)

هذا فليدل القرآن والحديث على أي شيء دل ليس علينا أن نعرف ما دل عليه فهم مشتركون في جحد المعاني التي أرادها الله تعالى ورسوله ثم ادعى بعضهم معاني أنها هي المرادة والاعتبار بين أنها ليست مرادة فالذي أراده الله تعالى ورسوله جحدوه وقالوا إن الدليل عندنا بنفيه والذي حملوا عليه كلام الله ورسوله لم يرده الله تعالى ولا رسوله فقال آخرون نحن نوافقكم على جحد ما جحدتموه من تلك المعاني وأما ما فسرتم به القرآن والحديث فقد ظهر بطلانه أيضا فنحن نعرض عن تدبر القرآن والحديث وفهم معناه ولا يضرنا بعد ذلك دلالته على أي شيء دل فهؤلاء يأمرون بالجحد لمعاني التنزيل وبالجهل البسيط في تفسير القرآن وتأويله وأولئك يأتون بالجهل المركب في التفسير والتأويل فهؤلاء كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] وأولئك كظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) [النور 40]
(8/503)

وأهل العلم والإيمان الذين أوتوا القرآن والإيمان هم كما قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) [النور 35] فإن هذا النور هو نور الإيمان والقرآن جميعا كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى 52-53] وبذلك فسره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم كما روى عبد بن حميد حدثنا عبد الله بن يوسف عن أبي
(8/504)

جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] قال بدأ بنور نفسه فذكره ثم ذكر نور المؤمنين فقال مثل نوره أي مثل نور المؤمن قال ولذلك كان أبي يقرؤها مثل نور المؤمن قال هو عند جعل الإيمان والقرآن في صدره قال المشكاة قال صدره فيها مصباح فالمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره قال الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ قال فالزجاجة قلبه قال الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قال فقلبه بما استنار بالقرآن والإيمان كأنه كوكب دري يقول يضيء يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ
(8/505)

مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ قال الشجرة الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له قلت هذا نظير الحديث المأثور من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وهو معروف من مراسيل مكحول وقد ذكره أحمد بن حنبل وغيره وقد روي
(8/506)

متصلاً بإسناد فيه مقال قال لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ قال فمثله كمثل الشجرة التفت بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فكذلك هو المؤمن قد أخبر أنه يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها فيثبته الله تعالى فيها وهو بين أربع خلال عن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات قال نُورٌ عَلَى نُورٍ فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة ثم ضرب مثل الكافر فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] قال فكذلك الكافر يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيراً فلا يجده فيدخله الله النار قال وضرب الله تعالى مثلا آخر للكافر
(8/507)

فقال أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ [النور 40] قال هو يتقلب في خمس من الظلمة فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات إلى النار وهذا قد رواه عامة من صنف في التفسير كما رواه ابن أبي حاتم وروي أيضا عن السدي فيها مصباح قال المصباح النور والإيمان والقرآن قال والزجاجة هي القلب والمشكاة هي الصدر فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء فكذلك أضاء القلب فأضاء البيت فكذلك نزل النور في الصدر فأضاء به الجوف كله فلم يدخله حرام نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ قال السدي نور النار ونور الزيت حيث اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحب فكذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه وفي كلام طائفة من السلف أن النور نور القرآن وفي كلام
(8/508)

طائفة أخرى أنه نور الإيمان والنور يعمهما جميعاً كما قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى 52] كما أن في كلام طائفة من السلف أنهم جعلوا هذا مثلا للنبي صلى الله عليه وسلم وفي كلام الأكثرين أنه مثل لكل مؤمن والجميع صحيح فمحمد صلى الله عليه وسلم سيدهم وإمامهم وما فيه من وصف الشجرة بأنها بين الشجر هي قول طائفة وطائفة أخرى قالوا بل هي في الصحراء لا تزال الشمس عليها وهو أصفى الزيت وقيل بل هي متوسطة تطلع عليها وقت الطلوع والغروب وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن من كان يجحد معاني القرآن التي أرادها الله تعالى به فإنه لا يحصل له هذا النور لا نور القرآن ولا نور الإيمان فتلك الأنوار المعاني الشريفة ثم إذا جحدها كان في ظلمة الجحود والتعطيل ومن فسرها بغير المراد كان مثله كظلمات في بحر لجي ومن لم يعرفها ولا قال شيئا فهو كسراب بقيعة وهذا وإن كان عمومه يتناول من كذب بمعاني
(8/509)

القرآن التي جاءت بها الرسل كالملاحدة فمن كذب ببعضها وجحده فله نصيب من ذلك بحسب ما كذب به وجحده وإن كان له نصيب من الإيمان ببعضها من وجه آخر فقد يجتمع في الرجل شعبة إيمان وشعبة نفاق كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة
(8/510)

الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وكذلك أهل التكذيب بالقرآن والرسول اختلفوا فيه فقيل ساحر وقيل مجنون وقيل شاعر وقيل كاهن كما قيل في القرآن إنه سحر وإنه شعر وإنه أساطير الأولين اكتتبها وإنه إفك افتراه فجعلوا القرآن عضين قال تبارك وتعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
(8/511)

وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) [الفرقان 1-9] وكذلك قال تعالى وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) [الإسراء 45-48] فهم لما جحدوا الحق أرادوا أن يشبهوه ويجعلوه من جنس السحر أو الشعر أو الكذب أو غير ذلك فكانوا ضالين لا يستطيعون مع هذا الضلال سبيلاً من السبل الهادية كالتائه عن الطريق الذي
(8/512)

لا يستطيع معرفة وهكذا أهل الجحد لمعانيه منا قال فيهم الإمام أحمد رحمه الله فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب وقد قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) [البقرة 176] فإن قيل فقد اختلف السلف في بعض معانيه قيل السلف لم يكن فيهم من جعل عمدته في الباطن على شيء يخالف القرآن ثم القرآن إما أن يتأوله على هواه وإما أن يعرض عن معناه ويهجره كما قال تعالى عن الرسل وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)
(8/513)

[الفرقان 30] وهجر معانيه أعظم من هجر ألفاظه بل السلف كلهم كانوا مقرين بما تبين لهم منه وهو المحكم الذي هو أم الكتاب كذلك يشتبه على بعضهم بعضه فإما أن يعلم تفسيره ويعلم معناه الموافق لمعنى المحكم وإما أن لا يعلم لكنه يعلم أن معناه لا يناقض معنى نص المحكم فبكل حال لم يكونوا يجعلون غير الرسول صلى الله عليه وسلم معارضا له مقدما عليه آراؤهم وأهواؤهم وعقولهم ومقاييسهم وأذواقهم ولا كتابا آخر مخالفا له وأما أهل الإلحاد فيجعلون عقولهم ومقاييسهم وأذواقهم هي الأم والأصل الذي يعتمدون ثم القرآن إن وافق ذلك وإلا سلكوا فيه أحد المسلكين إما ضرب الأمثال الباطلة وإما هجره والإعراض عنه وقد اجتمعت للمكذبين للرسل من مشركي العرب وغيرهم كما أن من عارضه بكتاب آخر
(8/514)

وقدم ذلك عليه فهم من جنس اليهود والنصارى ومكذبو الرسل الذين يقدمون آراءهم على ما أنزل الله أسوأ حالاً وأضعف عقلاً وإيماناً وأشد كفراً من أهل الكتاب الذين يوجبون كتاباً آخر غير القرآن عليهم فإن هؤلاء من جنس من يحتج بنص منسوخ أو ضعيف الدلالة ولكن يظن أنه من قول الرسول عليه الصلاة والسلام أو يعارض قوله بما يظن أنه معارض له من قوله وهذا مازال في الناس بخلاف من يعارض قوله بما يعلم أنه ليس من قوله وإنما هو قول غيره فهذا لم يؤمن بالرسول ولا بما جاء به ولهذا لم يُعرف عن أحد من السلف أنه عارض آية أو حديثاً إلا بما يظن أنه معنى آية أو حديث آخر سواء كان مصيباً في المعارضة أو مخطئاً فالمصيب الذي يعارض المنسوخ بالناسخ كما كان الصحابة ومن بعدهم من العلماء يقولون في قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة 184] دل على أن المقيم المطيق يخيّر بين الصيام والافتداء وهو منسوخ بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
(8/515)

فَلْيَصُمْهُ [البقرة 185] وهذا معلوم بالتواتر وإجماع الأمة أن الصيام واجب على المقيم القادر لا يخيّر بينه وبين الافتداء كما كان في أول الأمر وقد قال كثير من السلف هذه الآية ليست منسوخة وأرادوا أن فيها أحكاماً غير منسوخة كما قد يستدل بها على افتداء العاجز والمرضع والحامل لكن الحكم الأول قد اتفقوا على نسخه وقد يعارضون ما يفهم من آية بما يدل على نقيض ذلك المعنى ليبين أنه لم يفرد وقد يسمون هذا نسخاً كما عارض ابن مسعود وغيره عموم قوله تعالى في المتوفى عنها زوجها يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة 234] بأن سورة الطلاق وقد سماها سورة النساء القصرى نزلت بعد ذلك وفيها وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق 4] وكان علي وابن عباس ومن اتبعهم رضي الله تعالى عنهم يقولون تعتد أبعد
(8/516)

الأجلين وكان عمر وابن مسعود وغيرهما يقولون إذا وضعت حلت وجاءت السنة الصحيحة بذلك في قصة سُبيعة الأسلمية لما توفي عنها زوجها سعد بن خولة عام حجة الوداع ووضعت بعده بليال وقال لها أبو السنابل بن بعكك ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشراً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال كذب أبو السنابل حللت فانكحي فاتفق
(8/517)

عامة العلماء على اتباع السنة وإن كان القرآن يدل على مثل ذلك لكن القرآن قد يخفى على الأكابر وأما السنة فصريحة لا تخفى على أحد بلغته وعائشة لما عارضت قوله إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه عارضت ذلك بقوله تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر 18] لم تعارضه بالمعقول وأن هذا ظلم ووافقها على
(8/518)

هذا كثير من العلماء وبعضهم رد الحديث كما اختاره الشافعي رحمه الله تعلى في مختلف الحديث وقال إن عائشة روت لفظين أحدهما يوافق هذا الحديث وهو قوله إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله
(8/519)

والثاني قوله إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها وبعضهم تأوله على ما هو ذنب للموصي والقول
(8/520)

الآخر وهو الصحيح وهو أنه لا منافاة بينهما وإن هذا التعذيب ليس هو حملاً لذنب لنائحة على غيرها بل ذنبها بالنياحة باق عليها ولا هو عقوبة للميت على نياحتها لكونه لم ينه عنها ونحو ذلك بل هذا من نوع الألم والأذى الذي يحصل بذلك كما يتأذى الميت بغير ذلك كما قد بسط في مواضع ولهذا قيل يعذب ولم يقل يعاقب والعذاب يقال في
(8/521)

مطلق الأذى كما روي إن السفر قطعة من العذاب وعارضه بعضهم بقوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) [النجم 43] كما نقل عن ابن عباس وهؤلاء يجعلون الإضحاك والإبكاء مما يفعله الرب تعالى كالإماتة والإحياء فلا ينهى عنه وهو ضعيف أيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد استفاضت عنه الأحاديث بالنهي عن النياحة ونحوها من البكاء وقوله إن الله تعالى لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه
(8/522)

وقال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودها بدعوى الجاهلية وقال أنا بريء من الحالقة والصالقة والشاقة
(8/523)

وقال إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب وسربالاً من قطران وبايع النساء على أن لا ينحن وهو من تأويل قوله وَلَا يَعْصِينَكَ فِي
(8/524)

مَعْرُوفٍ [الممتحنة 12] وقد ذم سبحانه وتعالى الضحك ودعا إلى البكاء في هذه السورة التي قال تعالى فيها وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) [النجم 43] بقوله تعالى أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) [النجم 59-60] وكذلك لما عارضت قوله عليه السلام ما أنتم بأسمع لما أقول منهم
(8/525)

تلت قوله تعالى فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [الروم 52] ولما أنكرت رؤيته لربه تعالى تلت قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وقوله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] ولما ظنت أن القرآن يخالف ذلك نسبت الراوي إلى الغلط وإن كان أئمة الصحابة وجمهور علماء المسلمين على التصديق بالحديث وأنه لا منافاة بينه وبين القرآن فالمقصود أنه ليس من الصحابة من قال إن القرآن أو الخبر يخالف العقل والأدلة العقلية فالواجب أن يقول بموجب العقل والأدلة العقلية والقرآن إما أن يعرض عنه فيصير مهجوراً أو يتصور له التأويلات التي تتضمن تحريف الكلم عن مواضعه بل كلهم متفقون على تعظيم القرآن وأنه ما أول
(8/526)

إلا على حق وأنه هدى وبيان وشفاء وإن قصر فهم بعضهم عن بعض عرف أن ذلك من نقص فهمه وعلمه لا من نقص ما دل عليه القرآن ولا يجعلون إيمانهم بما دل عليه القرآن موقوفا على نفي المعارض بل قد تيقنوا على أنه لا يعارضه حق بل كل ما عارضه فهو باطل كشبه السوفسطائية والقرامطة التي يعارضون بها الأدلة العقلية والسمعية والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن ضرب القرآن بعضه ببعض فلا يجوز معارضة آية بآية للتصديق بمعنى إحداهما دون الأخرى بل يجب الإيمان به كله فكيف بمن عارضه بكتاب آخر فكيف بمن عارض جنس الأنبياء والكتب المنزلة من السماء بنا لم يأت به كتاب ألبتة بل كان مضاهياً الذين يجادلون في آيات الله لغير سلطان والذين جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فهؤلاء من جنس المكذبين للرسل المشركين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى من هذا الوجه
(8/527)

وأين هذا من قوله تعالى المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) [الأعراف 1-3] وإذا قال القائل الرسول صلى الله عليه وسلم إنما عرف صدقه بأدلة عقلية وأنه لابد له من الأدلة العقلية فهذا صحيح لكن تلك الأدلة العقلية التي بها يعرف صدق الرسل هي مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأرشد إليها القرآن على أحسن الوجوه وأكملها فالأدلة العقلية التي تستحق أن تسمى أدلة عقلية على المطالب العالية الإلهية وهي الإيمان بالرب تعالى والإيمان بكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح الذي به يسعد الناس وينجون من العذاب في الدنيا والآخرة قد دل عليه القرآن أحسن دلالة وبينه أحسن بيان بل ضرب الله في القرآن من كل مثل وجميع ما يذكره الناس في هذا الباب متكلمهم ومتفلسفهم ما كان فيه حقّا فقد جاء القرآن به وبأحسن منه على أكمل الوجوه بل ما جاءت به النبوات في التوراة والإنجيل من المطالب الإلهية جاء القرآن بها وما حرفها فكيف بالأمور التي تعرف بمجرد العقل من غير وحي من السماء في هذا الباب فإن معرفة هذه أيسر
(8/528)

فإذا كان القرآن قد اشتمل على معاني الكتب فكيف لا يشتمل على هذه وهذه الجملة لها تفصيل مبسوط في مواضع بل بين في مواضع أن ما سلكه أهل البدع من أهل الفلسفة والكلام لا يصلون إلى علم ويقين بل إنما غاية صاحبه الشك والضلال وهذا مما اعترفت به حذاقهم وممن اعترف به أبو عبد الله الرازي رحمه الله في غير موضع من كتبه ولفظه في بعضها لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) [طه 5] وإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) [طه 110] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وهذا قاله في آخر عمره في آخر ما صنفه وهو كثير التناقض يقول القول ثم يرجع عنه ويقول في الآخر
(8/529)

ما يناقضه كما يوجد هذا في عامة كتبه تغمده الله برحمته وعفا عنه وسائر المؤمنين رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) [الحشر 10] وتوبته معروفة مشهورة وقد بسط هذا في مواضع وبيّن أنه يمتنع تعارض الأدلة اليقينية سواء كانت كلها عقلية أو كلها سمعية أو بعضها سمعي وبعضها عقلي فلا يجوز أن يكون أحد من الأنبياء أخبر بخلاف ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم فإن أخبار الأنبياء كلها صدق يجب الإيمان بها فكما لا يجوز أن تتناقض أخباره فلا يتناقض خبر نبي وخبر آخر وأما الأعمال والأصول الكلية فلا يختلفون بشيء منها كالأمر بتوحيد الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له والأمر بإخلاص الدين له والأمر بالعدل وغير ذلك وكذلك النهي عن الفواحش وعن الظلم وعن الشرك
(8/530)

والقول على الله عز وجل بلا علم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) [الأعراف 33] كما ذكر المأمور به في قوله تعالى قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف 29] وكما قد ذكر أصول الشرائع في آخر الأنعام وفي بني إسرائيل وغير ذلك وهذه الأمور مما اتفقت
(8/531)

عليها شرائع الأنبياء وأكثر المسلمين على أنها لا تقبل النسخ ولا يجوز أن يبعث نبي بخلافها ولا ينسخ منها شيء وأما الذين يجوزون على الله تعالى أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء فيجوزون النسخ في هذه وغيرها وبكل حال فلم يقع في شيء منها نسخ وإنما جاء النسخ في أمر يسير من فروع الشرائع كما قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة 48] كما شرع السبت لأهل التوراة وشرع لأهل القرآن
(8/532)

الجمعة وكما حرم عليهم كل ذي ظفر وشحم الثرب والكليتين وأحل لأهل القرآن جمع الطيبات وإنما حرم عليهم الخبائث ورفع الله تعالى عمن اتبعه من أهل الكتاب آصارهم والأغلال التي كانت عليهم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) [الأعراف 157] وكذلك الأدلة العقلية الخبرية والأدلة العقلية على حسن بعض الأشياء وقبح بعضها عند من يقول بذلك إذا كانت حقّا فإنها لا تناقض شيئاً مما جاءت به الرسل لا محمداً صلى الله عليه وسلم ولا غيره ولا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس
(8/533)

عن فهمه وتصوره فإن العقول متفاوتة وفي عظمة الرب تعالى وملكوته وآياته ومخلوقاته ما لا يستطيع الناس أو كثير منهم أن يروه في الدنيا أو يسمعوا صوته أو يتصوروه ويكفيك أن موسى عليه السلام مع عظم قدره لما تجلى ربه للجبل جعله دكّا وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) [الأعراف 143] ولكن كثير من الناس يظن بعقله أشياء ممتنعة ولا تكون ممتنعة كما يظن أشياء جائزة أو واجبة ولا تكون كذلك ولهذا عامة الطوائف بالعقليات توجب هذا أو تجوز ما يقول الآخر إنه ممتنع وكلاهما يزعم أن العقل دل على ذلك فلهذا كان من الناس من يظن أن المعقولات الصريحة تخالف ما جاء به القرآن والحديث الصحيح من إثبات معاني أسماء الله وصفاته كما يقول ذلك المعطلة الجهمية ومن يشاركهم في بعض ذلك فالذين نفوا علو الله على خلقه ونحو ذلك هم من هؤلاء والرازي في هذا الكتاب قد
(8/534)

يستوعب ما يحتج به طوائف النفاة من الحجج العقلية وقد تقدم بيان فساد ذلك جميعه من وجوه متعددة تبين أن جميع ما يعتمدون عليه من الحجج التي يسمونها براهين عقلية التي عارضوا بها ما جاء به القرآن والحديث باطلة وأن العقل الصريح موافق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يناقضه فالعقل الصريح لا يخالف النقل بل هو يوافقه ويعاضده ويؤيده ويكفينا أن نبين فساد ما يعارضه أما ذكر ما يوافقه من العقليات النظرية فهذا أبلغ وأحسن وقد تبين أن الفطرة العقلية الضرورية متوافقة والعقليات النظرية موافقة فالذين عارضوه هم خالفوا السمع والعقل فكانوا من جنس الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) [الملك 10]
(8/535)

فصل قال الرازي الفصل الرابع في تقرير مذهب السلف حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها وقال المتكلمون بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات والكلام على هذا من وجوه أحدها أنه لم يحك إلا قولين تحريم التأويل أو وجوبه وبقي القول بجوازه دون وجوبه وهو قول كثير من الناس ومنهم من يوجبه في حال دون حال ومنهم من يجوزه في حال دون حال ولبعض الناس دون بعض وأكثر القائلين بالتأويل هذا
(8/536)

مذهبهم لم يقولوا إنه واجب على الأعيان لكن قد يقولون إنه واجب على الكفاية الوجه الثاني أن مذهب السلف يعرف بنقل أقوالهم أو نقل من هو خبير بأقوالهم وما ذكره من العبارة لم ينقل عن أحد من السلف ولا نقله من يحكي إجماع السلف ونحن ذكرنا قطعة من أقوال السلف في هذا الباب وأقوال من يحكي مذاهبهم من جميع الطوائف في جواب الفتيا الحموية في الرد على الجهمية وغير ذلك ولكن ما ذكره هذا من مذهب السلف والتفويض إنما يعرض في كلام أبي حامد ونحوه ممن ليس لهم خبرة بكلام السلف رحمهم الله بل ولا بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يميزون بين صحيح هذا وبين
(8/537)

ضعيفه ولكن ينقلون مذهب السلف بحسب اعتقادهم لا بأقوال السلف وما بينوه وقالوه في هذا الباب وأقوال السلف كثيرة مشهورة في كتب أهل الحديث والآثار الذين يرونها عنهم بالأسانيد المعروفة وكذلك في كتب التفسير وقد صنفوا في هذا الباب مصنفات كثيرة منها من يسمي مصنفه كتاب السنة ومنهم من يسميه الرد على الجهمية ومنهم من يسميه الشريعة ومنهم من يسميه الإبانة عن شريعة
(8/538)

الفرقة الناجية وفيها من الآثار الثابتة عن السلف التي بها تعرف مذاهبهم ما لا يحصى فمن لم تكن له معرفة بذلك مثل كثير من أهل الكلام هذا وأمثاله إذا نقلوا مذهب السلف مذهباً لا يعرفونه وعن قوم لا يعرفون ما قالوا ويضيفون إلى السلف ما هم بريئون منه ويكذب عليهم فيما ينقل عنهم كما يكذب على الرسول بتقويله ما لم يقله أو القول بلا علم وعلى القرآن بتحريف الكلم عن مواضعه وهذه حقيقة قول الملحدة وهو الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين وقد قال تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) [الأعراف 33] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) [الأعراف 152]
(8/539)

الوجه الثالث قوله عن مذهبهم إنه يجب القطع أن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها ويجب تفويض معناها إلى الله تعالى فيقال هذا الذي لا يعرف عن أحد من السلف رحمهم الله تعالى لا يعرف عن أحد منهم أنه قال يجب القطع بأن مراد الله منها غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى بل المعروف عن السلف نفي تشبيهها ومماثلتها بصفات المخلوقين وإنكارهم على الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي ونزول كنزولي واستواء كاستوائي ونحو ذلك فهذا ثابت صريح عن غير واحد من السلف وأئمة السنة ولا يعرف عن أحد من السلف وأئمة الإسلام المعروفين أنه قال إن الله تعالى جسم أو جوهر أو متحيز ولا قال إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا قال هو في جهة ولا ليس في جهة فهذه الألفاظ نفياً وإثباتا لا توجد في القرآن والحديث ولا يوجد نفيها
(8/540)

ولا إثباتها في كلام أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة المسلمين المعروفين بالإمامة في الدين كالأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وكسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم
(8/541)

ولا يعرف أيضاً عن أحد من السلف أنه قال إن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها فضلا عن أن يقول يجب القطع بشيء بل لفظ الظاهر مجمل فقد يراد بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين فهذا هو الذي نفاه السلف كما ذل الكتاب على معنى ذلك وكذلك العقل قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وقال تعالى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 4] وقال تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) [مريم 65] فمن قال إذا استوى على العرش ك استواء الملك بحيث يكون محتاجاً إلى العرش فهذا تمثيل منكر فإن الله تعالى غني عن كل ما سواه والعرش وكل مخلوق مفتقر إلى الله تعالى من كل وجه وهو بقدرته يحمل العرش وحملته وكذلك من قال ينزل كنزول المخلوق بحيث يبقى تحت
(8/542)

العرش ويخلو منه العرش فهذا يقوله طائفة والسلف أنكروا ذلك كما أنكره حماد بن زيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما وقالوا إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وهو فوق العرش وهو يقرب من خلقه كيف يشاء وكذلك من قال إنه في السماء بمعنى أن الأفلاك تحويه فمن قال إنها تحمل على الظاهر بهذا المعنى فهذا قوله قول باطل منكر عند السلف كما دل الكتاب والسنة على بطلانه وأما إذا قيل تحمل على الظاهر اللائق بجلال الله تعالى كما تحمل سائر الصفات مثل لفظ المشيئة والسمع والبصر والقدرة والعلم فإن مثبتة الصفات يحملون هذه على ظاهرها عند عامة المسلمين إلا الغلاة المنكرون للأسماء ومع هذا فليس مفهومها في حق الله تعالى مثل مفهومها في حق المخلوق بل هنا ثلاث اعتبارات أن تذكر مطلقة وأن تذكر مضافة إلى الرب وأن تذكر مضافة إلى العبد فإذا ذكرت مضافة إلى الرب مثل قوله تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة 255]
(8/543)

وقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) [الذاريات 58] وقوله رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر 7] وقوله وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف 156] ونحو ذلك فهنا يمتنع أن يدل على شيء من خصائص صفات المخلوقين وإذا ذكرت مضافة للعبد كقوله تعالى عن يعقوب وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف 68] وقوله ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم 54] وقوله وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت 15] فهنا يمتنع أن يدخل فيها شيء من خصائص الرب تعالى وإذا ذكرت عامة مطلقة فقيل العلم ينقسم إلى علم الرب وعلم العبد والموجود ينقسم إلى القديم والحديث فاللفظ العام المطلق الذي هو مورد المعتبر به يدل على شيء من خصائص الرب تعالى ولا على خصائص العبد الوجه الرابع أن مذهب ـهم صريح في نقيض
(8/544)

ما ذكره وأنهم كانوا يقولون إن الله تعالى مستوٍ على العرش ويثبتون له الصفات الخبرية كما تواترت النقول عنهم بذلك بضد ما حكاه هذا وأمثاله عنهم والوجه الخامس فوله ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى لا يجوز تأويلها فيقال السلف فوضوا إلى الرب علم كيفيتها كما قال مالك وربيعة الاستواء معلوم والكيف مجهول وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم وأما فهم معناها وتفسيرها فلم يكن السلف ينكرونه ولا كانوا ينكرون التأويل بهذا المعنى وإنما أنكروا تأويلات أهل التعطيل التي هي تحريف الكلم عن مواضعه فكانوا ينكرون على من يتأول القرآن على غير تأويله كما صنف الإمام أحمد كتابه في الرد على من تأول القرآن كقوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] بمعنى أنه لا يرى
(8/545)

في الدنيا ولا في الآخرة وأنكروا على من تأول قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] بمعنى أنه كان فيهما وأنكروا على من تأول قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] على نفي الصفات فأنكروا التأويلات الباطلة مثل التأويلات التي ذكرها هذا وغيره فلم يكن التأويل في عرفهم هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بل كانوا يسمون التفسير تأويلاً وما يؤول إليه اللفظ تأويلاً وإن وافق ظاهره وينكرون تفسير القرآن والأحاديث بالتفسيرات الباطلة وهو التأويلات الباطلة
(8/546)

فصل قال الرازي واحتج السلف على صحة مذهبهم بوجوه الأول بقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] والذي يدل على أن الوقف واجب وجوه فيقال لا ريب أن كثيراً من السلف كانوا يرون الوقف عند قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] ويقول بعضهم انتهى علم الراسخين إلى أن يقولوا آمنا به همن هؤلاء
(8/547)

من يقول هذا ومنهم من يقول أيضاً إن الراسخين يعلمون التأويل والتأويل الذي نفي عن الراسخين غير الذي أثبت لكن ما عرف عن أحد من السلف أنه جعل هذا التأويل الذي لا يعلمه إلا الله أن تنفي دلالة الآيات والأحاديث عما دلت عليه من الصفات وإثبات تأويلات تخالف ما دلت عليه والقول بأن تلك التأويلات لا يعلمها إلا الله بل لم يعرف عن أحد من السلف أنه كان لفظ التأويل عنده صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح وإذا لم يكن هذا المعنى هو معنى لفظ التأويل عندهم فإذا قالوا لا يعلم تأويله إلا الله لم يكن هذا مرادهم كما حكاه هذا عنهم بل قد تقدم بعض أقوال السلف الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله أن التأويل عندهم هو التأويل في قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف 53] وقوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس 39] ومنه كيفية صفات الرب تعالى وكما قالوا الاستواء معلوم والكيف مجهول أو غير ذلك مما قالوه
(8/548)

وما علم أن أحداً منهم قال إن فسرت النصوص عما تدل عليه إلى معنى مرجوح من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله بل هذه التأويلات عندهم باطلة مردودة يعلم الله بطلانها لا يقال إنها حق لا يعلمه إلا الله بل نقول فيها ما قاله الله تعالى في الآلهة والأوثان وشفاعتها قال عز وجل وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) [يونس 18] وهذه التأويلات من جنس تأويلات القرامطة والملاحدة لا يقال فيها لا يعلمها إلا الله بل هي تأويلات باطلة يعلم الله أنها باطلة وقد بَيّن لعباده أنها باطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود أن قول من قال إنه لا يعلم تأويله إلا الله يريد له السلف أن نصوص الصفات لا يفهم منها شيء بل يقطع أن مدلولها غير مراد والمراد لا يعلمه إلا الله فهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف بل أقوالهم صريحة بخلافه والله تعالى أعلم
(8/549)