Advertisement

درء تعارض العقل والنقل 001



الكتاب: درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الثانية، 1411 هـ - 1991 م
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ـ[درء تعارض العقل والنقل]ـ
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الثانية، 1411 هـ - 1991 م
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)

القانون الكلي للتوفيق عند المبتدعة
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلي الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
(1/3)

قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات، فإما أن يجمع بينهما، وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعاً، وإما أن يقدم السمع، وهو محال، لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض.
وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما.
وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانوناً كلياً فيما يستدل به من كتب
(1/4)

الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام، وما لا يستدل به، ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى، وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها، وظن هؤلاء أن العقل يعارضها، وقد يضم بعضهم إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، وقد بسطنا الكلام على قولهم هذا في الأدلة السمعية في غير هذا الموضع.
وأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة، منهم أبو حامد، وجعله قانوناً في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل، كالمسائل التي سأله عنها القاضي أبو بكر بن العربي، وخالفه القاضي أبو بكر العربي في كثير من تلك الأجوبة، وكان يقول: شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر.
وحكي هو عن أبي حامد نفيه أنه كان يقول: أنا مزجي البضاعة في الحديث.
(1/5)

ووضع أبو بكر بن العربي هذا قانون آخر، مبنياً على طريقة أبي المعالي ومن قبله، كالقاضي أبي بكر الباقلاني.
ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانوناً فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعاً له، فما وافق قانونهم قبلوه، وما خالفه لم يتبعوه.
وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم، وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم، وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل،
(1/6)

كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات، فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن، وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم، وقد غلطوا في الرأي والعقل.
فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء، ولكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول، كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم، بخلاف بدعة
(1/7)

الجهمية والفلاسفة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء، وأنه صحيح عندهم.

طريقتا المبتدعة في نصوص الأنبياء. أولاً ـ طريقة التبديل: أهل التبديل نوعان. أهل الوهم والتخييل
طريقتا المبتدعة في نصوص الأنبياء.
أولاً ـ طريقة التبديل: أهل التبديل نوعان.
أهل الوهم والتخييل
ولهؤلاء في نصوص الأنبياء طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل.
فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، ولكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإن كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به
(1/8)

ويتخيلون أن الأمر هكذا، وإن كان هذا كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور، إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق.
وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم علي هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية.
وهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر، وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذباً وباطلاً ومخالفة للحق، فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة.
ثم من هؤلاء من يقول: النبي كان يعلم الحق، ولكن أظهر خلافه للمصلحة.
ومنهم من يقول: ما كان يعلم الحق، كما يعلمه نظار الفلاسفة وأمثالهم.
وهؤلاء يفضلون الفيلسوف الكامل علي النبي، ويفضلون الولي الكامل الذي له هذا المشهد علي النبي، كما يفضل ابن عربي الطائي خاتم الأولياء ـ في زعمه ـ علي الأنبياء،
(1/9)

وكما يفضل الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما الفيلسوف علي النبي.
وأما الذين يقولون: إن النبي كان يعلم ذلك، فقد يقولون: إن النبي أفضل من الفيلسوف، لأنه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة، وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة يعجز عن مثلها الفيلسوف، وابن سينا وأمثاله من هؤلاء.
وهذا في الجملة قول المتفلسفة والباطنية، كالملاحدة الإسماعيلية، وأصحاب
(1/10)

رسائل إخوان الصفاء والفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقة المشايخ المتقدمين من أهل الكتاب والسنة، ابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وخلق كثير غير هؤلاء.
ومن الناس من يوافق هؤلاء فيما أخبرت به الأنبياء عن الله: أنهم قصدوا به التخييل دون التحقيق، وبيان الأمر على ما هو عليه دون اليوم الآخر.
ومنهم من يقول: بل قصدوا هذا في بعض ما أخبروا به عن الله، كالصفات الخبرية من الاستواء والنزول وغير ذلك، ومثل هذه الأقوال يوجد في كلام كثير من النظار ممن ينفي هذه الصفات في نفس الأمر، كما يوجد في كلام طائفة.
(1/11)

أهل التحريف والتأويل
وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلي ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلي إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلي الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات.
وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علماً يقيناً أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه، وهؤلاء كثيراً ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض، فيقصدون حمل اللفظ علي ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، لا يقصدون طلب مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده، وعلي الوجه الذي به يعرف مراده، فصاحبه كاذب علي من تأول كلامه، ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ.
وأما كون النبي المعين يجوز أن يريد ذلك المعني بذلك اللفظ فغالبه يكون الأمر فيه بالعكس، ويعلم من سياق الكلام وحال المتكلم امتناع إرادته لذلك المعني بذلك الخطاب المعين.
(1/12)

وفي الجملة، فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين وغيرهم، وعليها بني سائر المتكلمين المخالفين لبعض النصوص مذاهبهم من المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة وغيرها.
(1/13)

لفظ التأويل
وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقاً لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقاً له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلي المرجوح لدليل يقترن بذلك.
وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.
ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} آل عمران: 7، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمداً صلي الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء،
(1/14)

ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمداً كان يقرأ قوله تعالي {الرحمن على العرش استوى} طه: 5 قوله {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر: 10 وقوله {بل يداه مبسوطتان} المائدة: 64 وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.

ثانياً ـ طريقة التجهيل
وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله نما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء.
(1/15)

ثم هؤلاء منهم من يقول: المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم، ولا يعرف أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
ومنهم من يقول: بل تجري علي ظاهرها، وتحمل علي ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله، فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وقالوا ـ مع هذا ـ إنها تحمل علي ظاهرها، وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخة القاضي أبي يعلى في كتاب ذم التأويل.
وهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلاً، فمنكر الصفات الخبرية الذي يقول: إنها لا تعلم بالعقل يقول: نصوصها مشكلة متشابهة، بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده بعقله فإنها ـ عنده ـ محكمة بينة، وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة.
(1/16)

ومنكر الصفات مطلقاً يجعل ما يثبتها مشكلاً دون ما يثبت أسماءه الحسنى، ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها
مشكلة، ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلا أيضاً، ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء نوما يجعل نصوص الوعيد، بل ونصوص الأمر والنهي مشكلة، فقد يستشكل كل فريق ما لا يستشكله غيره، ثم يقول فيما يستشكله إن معاني نصوصه لم يبينها الرسول.
ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضاً، ومنهم من يقول: بل علمها ولم يبنيها، بل أحال في بيانها علي الأدلة
العقلية، وعلي من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص، فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم، بل
جهل معناها , أو جهلها الأمة، من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل الركب.
وأما أولئك فيقولون: بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب، والاعتقادات الفاسد، وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة، بخلاف أولئك فإنهم يقولون: الرسول لم يقصد أن يجعل أحداً جاهلاً معتقداً للباطل، ولكن أقوالهم تتضمن أن الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث إما مع كونه لم يعلمه، أو مع كونه علمه ولم يبينه.
(1/17)

ولهذا قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من الرد علي الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته علي غير تأويله، قال: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقابا من أهل العلم، يدعون من ضل إلي الهدى، ويصبرون منهم علي الأذي يحيون بكتاب الله الموتي، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم علي الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي مفارقة الكتاب يقولون علي الله، وفي الله، وقي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين ,
(1/18)

ويروي نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه، كما ذكر ذلك محمد بن وضاح في كتاب الحوادث والبدع.
فقد وصفوا في هذا الكلام بأنهم ـمع اختلافهم في الكتاب ـ فهم كلهم مخالفون له، وهم مشتركون في مفارقته، يتكلمون بالكلام المتشابه، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، حيث لبسوا الحق بالباطل.

خلاصة ما سبق
وجماع الأمر أن الأدلة نوعان: شرعية، وعقليه.
فالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم، من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات، يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم: إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه، أو يقولون: عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم.
والمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون: إن الأنبياء ـ والسلف الذين اتبعوا الأنبياء ـ لم يعرفوا معنى هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله، أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس، فهؤلاء الطوائف قد يقولون: نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء علي ما يوافق مدلول العقل، وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد
(1/19)

الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذي لم يبينوا به مرادهم، أو أنا عرفنا الحق بعقولنا، وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها، كما لم يعرفوا وقت الساعة، ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها.
أو يقولون: بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل، بل نحن منهيون عن معرفة العقليات، وعن فهم السمعيات، وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السمعيات.

فصل هدف الكتاب بيان فساد قانونهم الفاسد
ولما كان بيان مراد الرسول صلي الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك علي نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله، وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أي دليل أقيم علي بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه، بل يصير ذلك قدحاً في الرسول، وقدحاً فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع علي نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء، أو نفي أمره ونهيه، أو امتناع المعاد،
(1/20)

أو غير ذلك، لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض.
وفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلاً.
أما الجملة، فإنه من آمن بالله ورسوله إيماناً تاماً، وعلم مراد الرسول قطعاً تيقن ثبوت ما أخبر به، وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية، كما قال تعالي {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} الشورى: 16.
وأما التفصيل، فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة، وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ذكره طائفة من الملحدين، كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر أن الاستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الاستدلال بها موقوف علي مقدمات ظنية، وعلي دفع المعارض العقلي، وإن العلم بانتقاء المعارض لا يمكن، إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقلي يناقض ما دل عليه القرآن، ولم يخطر ببال المستمع.
(1/21)

وقد بسطنا الكلام علي مازعمه هؤلاء من أن الاستدلال بالأدلة السمعية موقوف علي مقدمات ظنية، مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار والتخصيص قديماً من نحو ثلاثين سنة، وذكرنا طرفاً من بيان فساده في الكلام على المحصل وفي فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية، وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع، وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتقاء المعارض العقلي، وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً.
وقد بينا في موضع آخر أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلي التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صوف اللفظ عن ظاهره، فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن
(1/22)

يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه، لإمكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلي النور، وفرق الله به بين الحق والباطل، وبين الهدي والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك، حتى أوضح الله به السبيل، وأنار به الدليل، وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم.
فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا علي الباطل لا علي الحق، ولم يبين مراده، وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل، وأحال الناس في معرفة المراد علي ما يعلم من غير جهته بآبائهم، فقد قدح في الرسول، كما نبهنا علي ذلك في مواضع.
كيف والرسول أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس علي بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق؟ وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد.
فإن ما يقوله القائل ويفعله الفاعل لا بد فيه من قدرة وعلم وإرادة، فالعاجز عن القول أو الفعل يمتنع صدور ذلك عنه، والجاهل بما يقوله ويفعله لا يأتي بالقول المحكم والفعل المحكم، وصاحب الإرادة الفاسدة لا يقصد الهدي والنصح والصلاح، فإذا كان المتكلم عالما بالحق قاصداً لهدى الخلق قصداً تاماً، قادراً علي ذلك وجب وجود مقدوره، ومحمد صلي الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق، وهو أفصح الخلق لساناً، وأصحهم بياناً، وهو أحرص الخلق علي هدي العباد، كما قال
(1/23)

تعالي {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} التوبة 128، وقال {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} النحل: 37، وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم، فلا بد أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره، فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق، بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة علي جهله ونقص علمه وعقله؟ ! وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
ولما كان ما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين والكلام والعلوم العقلية والحكمة يعلم كل من تدبره أنه مخالف لما جاء به الرسول، أو أن الرسول لم يقل مثل هذا، واعتقد من اعتقد أن ذلك من أصول الدين، وأنه يشتمل علي العلوم الكلية والمعارف الإلهية , والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية ـ صار كثير منهم يقول: إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين، أو لم يبين أصول الدين، ومنهم من هاب النبي، ولكن يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقي حائراً كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم؟ ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج منهم إلي غيرها؟ .
(1/24)

ولما كنت بالديار المصرية سألني من سألني من فضلائها عن هذه المسألة، فقالوا في سؤالهم:

استطراد في الرد على سؤال وجه إلى ابن تيمية وهو في مصر. نص السؤال
استطراد في الرد على سؤال وجه إلى ابن تيمية وهو في مصر.
نص السؤال
إن قال قائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين، وإن لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟.
فإن قيل بالجواز، فما وجهه؟ وقد فهمنا منه عليه الصلاة والسلام النهي عن الكلام في بعض المسائل؟ وإذا قيل بالجواز فيل يجب ذلك؟ .
وهل نقل عنه عليه الصلاة والسلام ما يقتضي وجوبه؟ .
وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلى القطع؟.
وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع، فهل يعذر في ذلك، أو يكون مكلفاً به؟ .
وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا؟.
(1/25)

وإذا قيل بالوجوب، فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك، وقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على هدي أمته؟
[الجواب]
فأجبت: الحمد لله رب العالمين
أما المسألة الأولى:

الرد على المسألة الأولى
فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين، وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟ .
سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هن من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين ـ أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه ـ لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه، إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، وأنها مما يحتاج إليه الدين، ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة
(1/26)

وكلا هذين باطل قطعاً، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بهما جميعاً، فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه، وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات، وإنما هي جهليات، وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وإن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس، حذاقهم فضلاً عن عامتهم.

أصول الدين: مسائل ودلائل هذه المسائل، المسائل
وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولاً، أو تعمل عملاً، كمسائل التوحيد والصفات، والقدر، والنبوة، والمعاد، أو دلائل هذه أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلي معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة علي عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم التي نقلوها أيضاً عن الرسول، مشتملة من ذلك علي غاية المراد، وتمام
(1/27)

الواجب والمستحب.
والحمد لله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا، يتلو علينا آياته ويزكينا، ويعلمنا الكتاب تفصيلاً لكل شيء، وهدي ورحمة وبشري للمسلمين: {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} يوسف: 111.
وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة علي بيان من كان ناقصاً في عقله وسمعه، ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} الملك: 10، وإن كان ذلك كثيراً في كثير من المتفلسفة والمتكلمة، وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية.

دلائل المسائل
وأم القسم الثاني ـ وهو دلائل هذه المسائل الأصولية ـ فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أن المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق، فدلالته موقوفة علي العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبني عليه صدق المخبر معقولات محضة ـ فقد غلطوا في ذلك غلطاً عظيماً، بل ضلوا ضلالاً مبيناً، في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، بل الأمر ما عليه سلف الأمة، أهل العلم والإيمان، من أن الله سبحانه وتعالي بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته علي أحسن وجه.
(1/28)

وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} الزمر: 27، فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية، سواء كانت قياس شمول، أو قياس تمثيل، ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين، وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية، وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمي الله آيتي موسى برهانين: {فذانك برهانان من ربك} [القصص: 32] ، ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل تحت قضية كلية تستوي أفرادها.
ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلي اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم ـ بعد التناهي ـ الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها، ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولي، سواء كان تمثيلاً أو شمولاً، كما قال تعالي: {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] ، مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه ـ وهو ما كان كمالاً للموجود غير مستلزم للعدم ـ فالواجب القديم أولى به، وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت
(1/29)

نوعه للمخلوق المر بوب المعلول المدبر فإنما استفادة من خالقه وربه ومدبره، فهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه ـ وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن الرب تبارك وتعالي بطريق الأولي، وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود، وأما العدمية بالممكن المحدث بها أحق، ونحو ذلك.
ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد، ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام، وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد، ونحو ذلك.
ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد ـ والعلم به تابع للعلم بإمكانه، فإن الممتنع لا يجوز أن يكون ـ بين سبحانه إمكانه أتم بيان، ولم يسلك في ذلك ما يسلكه طوائف من أهل الكلام، حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني، فيقولون: هذا ممكن، لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال، فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال؟ فإن هذه قضية كلية سالبة، فلا بد من العلم بعموم هذا النفي.
(1/30)

وما يحتج به بعضهم علي أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه، كما نعلم امتناع الأمور الظاهر امتناعها، مثل كون الجسم متحركاً ساكناً، فهذا كاحتجاج بعضهم علي أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها، وهذه حجة ضعيفة، لأن البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به، والمتصوران قد يكونان خفيين، فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان، وذلك لا يقدح في كونها ضرورية، ولا يوجب أن ما لم يظهر امتناعه يكون ممكناً، بل قول هؤلاء أضعف، لأن الشيء قد يكون ممتنعاً لأمور خفية لازمة له، فما لم يعلم انتفاء تلك اللوازم، أو عدم لزومها، لا يمكن الجزم بإمكانه، والمحال هنا أعلم من المحال لذاته أو لغيره، والإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي، بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجي، وهذا هو الإمكان الذهني، فإن الله سبحانه وتعالي لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا، إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعاً ولو لغيره ن وإن لم يعلم الذهن امتناعه، بخلاف الإمكان الخارجي فإنه إذاً علم بطل أن يكون ممتنعاً.
والإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة
(1/31)

بعلمه بوجود نظيره، وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولي بالوجود منه، فإن وجود الشيء دليل علي أن ما هو دونه أولي بالإمكان منه، ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكناً فلا بد من بيان قدرة الرب عليه , وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه، إن لم يعلم قدرة الرب علي ذلك

الأدلة علي المعاد في كتاب لله
فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا} الإسراء: [99] ، وقوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} يس: [81] ، قوله {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} الأحقاف: [33] ، وقوله: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} غافر: [57] فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك.
وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولي في مثل قوله {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} الروم: [27] ، ولهذا قال بعد ذلك
(1/32)

{وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} الروم: [27] ، وقال {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم} الحج: [5] .
وكذلك ما ذكر في قوله {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} الآيات يس: [78ـ82] فإن قول الله تعالي {من يحيي العظام وهي رميم} قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها، والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها، وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي، إي لا أحد يحيي العظام وهي رميم، فإن كونها رميماً يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلي حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها علي الحرارة والرطوبة، ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها، ولنحو ذلك من الشبهات.
والتقدير: هذه العظام رميم، ولا أحد يحيي العظام وهي رميم، فلا أحد يحييها.
ولكن هذه السالبة كاذبة، ومضمونها امتناع الإحياء، فبين سبحانه إمكانه من وجوه بيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال {يحييها الذي أنشأها أول مرة} وقد أنشأها من التراب، ثم قال {وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال، ثم قال {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} [يس: 80] فبين أنه أخرج النار الحارة
(1/33)

اليابسة من البارد الرطب، وذلك أبلغ في المنافاة، لأن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة، إذ الرطوبة تقبل من ما لا تقبله اليبوسة، ولهذا كان تسخين الهواء والماء أيسر من تسخين التراب، وإن كانت النار نفسها حارة يابسة، فإنها جسم بسيط، واليبس ضد الرطوبة يعني بها البلة كرطوبة الماء، ويعني بها سرعة الانفعال، فيدخل في ذلك الهواء ن فكذلك يعني باليبس عدم البلة، فتكون النار يابسة، ويراد باليبس بطء الشكل والانفعال، فيكون التراب يابساً دون النار، فالتراب فيه اليبس بالمعنيين، بخلاف النار، لكن الحيوان الذي فيه حرارة ورطوبة يكون من العناصر الثلاثة: التراب، والماء، والهواء.
وأما الجزء الناري فللناس فيه قولان، قيل: فيه حرارة نارية وإن يكن فيه جزء من النار، وقيل: بل فيه جزء من النار.
وعلي كل تقدير فتكون الحيوان من العناصر أولي بالإمكان من تكون النار من الشجر الأخضر، فالقادر علي أن يخلق من الشجر الأخضر ناراً أولي بالقدرة أن يخلق من التراب حيواناً، فإن هذا معتاد، وإن كان ذلك بما يضم إليه من الأجزاء الهوائية والمائية، والمقصود الجمع في المولدات.
ثم قال {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} يس: [81] وهذه مقدمة معلومة بالبداهة ولهذا جاء فيها باستفهام التقرير الدال علي أن ذلك
(1/34)

مستقر معلوم عن المخاطب، كما قال سبحانه {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33] ، ثم بين قدرته العامة بقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] .
وفي هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية علي المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه.

تنزيه القرآن لله تعالي عن الشركاء
وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة، سواء سموها حسية أو عقلية، كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التي جعلوها جوهر الابن منه، كما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة التي هم مضطربون فيها: هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور، والنفوس بمنزلة الإناث، ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة، وعملهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة الدورية الدالة علي الحركة الإرادية الدالة علي النفس المحركة، لكم أكثرهم يجعلون النفوس الفلكية عرضاً لا جوهراً قائماً بنفسه، وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات، قال تعالي {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} [الأنعام: 100] ، وقال تعالى {ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون} [الصافات: 151 ـ 152] .
(1/35)

وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله، كما يزعم هؤلاء أن العقول، أو العقول والنفوس هي الملائكة، وهي متولدة عن الله.
قال تعالي {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون * وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون * للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} إلي قوله {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 57ـ 62] .
وقال تعالي: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين * وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف: 16 ـ 19] ، وقال تعالى {أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 19ـ 22] أي جائرة، وغير ذلك في القرآن.
فبين سبحانه: أن الرب الخالق أولي بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم، فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم، وتستحيون من إضافته إليكم، مع
(1/36)

أن ذلك واقع لا محالة، ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم؟
وكذلك قوله في التوحيد {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} [الروم: 28] أي كخيفة بعضكم بعضاً، كما في قوله {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85] وفي قوله {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور: 12] وفي قوله {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] وفي قوله {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] وفي قوله: {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} إلى قوله {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 84 ـ 85] فإن المراد في هذا كله من نوع واحد.
فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره، بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيراً فكيف ترضون أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكاً لي، يدعي كما أدعى وأعبد؟ كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
(1/37)

وهذا باب واسع عظيم جداً ليس هذا موضعه.
وإنما الغرض التنبيه علي أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين.

أصول المتكلمين ليس هي أصول الدين
وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمي من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه، مثل المسائل والدلائل الفاسدة، مثل: نفي الصفات، والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال علي حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها: إما الأكوان، وإما غيرها.
وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل: من إثبات الأعراض ـ التي هي الصفات ـ أولاً، أو إثبات بعضها كالأكوان ـ التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ـ وإثبات حدوثها ثانياً بإبطال ظهورها بعد الكمون، وإبطال انتقالها من محل إلي محل، ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثاً: إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وإما عن الأكوان، وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعاً.
(1/38)

وهو مبني علي مقدمتين: إحداهما: أن الحسم لا يخلو عن الأعراض التي هي الصفات.
والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث، لأن الصفات ـ التي هي الأعراض ـ لا تكون إلا محدثه، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض، كالأكوان، ومالا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا تتناهى.
فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمداً صلي الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلي الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه.
ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام ـ كـ الأشعري وغيره ـ بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون علي أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقاً، ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له: إما أن يطلع علي ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم، وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار، والتزم لأجلها
(1/39)

أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة، والتزم قوم لأجلها كـ الأشعري وغيره أن الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك، والتزم قوم لأجلها ولأجل غيرها أن جميع الأعراض ـ كالطعم واللون وغيرها ـ لا يجوز بقاؤها بحال، لأنهم احتاجوا إلي جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله، مع الاستدلال علي حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقي بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية.
وأما ما اعتمد عليه طائفة منهم من أن العرض لو بقي لم يمكن عدمه، لأن عدمه إما أن يكون بإحداث ضد، أو بفوات شرط، أو اختيار الفاعل، وكل ذلك ممتنع، فهذه العمدة لا يختارها آخرون منهم، منهم، بل يجوزون أن الفاعل المختار يعدم الموجود كما يحدث المعدوم، ولا يقولون: إن عدم الأجسام لا يكون إلا بقطع الأعراض عنها كما قاله أولئك، ولا بخلق ضد هو الفناء لا في محل، كما قاله من قاله من المعتزلة.
(1/40)

وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة للمعلوم بالحس.
والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الرب مطلقاً، أو نفي بعضها، لأن الدال عندهم علي حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده، فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضاً في غاية الفساد والضلال، ولهذه التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه علي عرشه، إلي أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم.
فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين، ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده.
وأما الدين الذي قال الله فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} الشوري: 21 فذاك له أصول وفروع بحسبه.
وإذا عرف أن مسمي أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه أجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات، تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول.
وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصول المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلي الله عليه وسلم، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل،
(1/41)

كما أن لازم الحق حق، والدليل ملزوم لمدلوله، والباطل شيء، وإذا انتفي لازم الشيء علم أنه منتف، فيستدل علي بطلان الشيء ببطلان لازمه، ويستدل علي ثبوته بثبوت ملزومه، فإذا كان الازم باطلاً فالملزوم مثله باطل، فإن ملزوم الباطل هو اللازم، وإذا كان اللازم باطلاً كان الملزوم باطلاً، لأنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء، ولم يقل إن الباطل لازمه باطل.
وهذا كالمخلوقات، فإنها مستلزمة لثبوت الخالق، ولا يلزم من عدمها عدم الخالق، والدليل أبداً يستلزم المدلول عليه: يجب طرده، ولا يجب عكسه، بخلاف الحد، فإنه يجب طرده وعكسه.
وأما العلة: فالعلة التامة يجب طردها، بخلاف المقتضية، وفي العكس تفصيل مبسوط في موضعه.
وهذا التقسيم ينبه أيضاً علي مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله، وإذ ذاك متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة، أو استدل علي المقالات الباطلة.
(1/42)

فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكماً ودليلاً فهو من أهل العلم والإيمان: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} الأحزاب: 4.

جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم
وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلي ذلك وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه.
ولهذا «قال النبي صلي الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ـ وكانت صغيرة فولدت بأرض الحبشة، لأن أباها كان من المهاجرين إليها ـ فقال لها يا أم خالد، هذا سنا» والسنا بلسان الحبشة الحسن، لأنها كانت من أهل هذه اللغة.
ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلي تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجمها بالعربية،
(1/43)

كما «أمر النبي صلي الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود، ليقرأ له، ويكتب له ذلك» حيث لم يأتمن اليهود عليه.
فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر، والعرض، والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من باطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ علي معان مجملة في النفي والإثبات، كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع، فقال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي مفارقة الكتاب ...
يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم..
فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة ـ بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة ـ كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء
(1/44)

من المتكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً في الوسائل والمسائل: من غير بيان التفصيل والتقسيم، الذي هو من الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبه.
فإنه لا يوجد في كلام النبي صلي الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين: أنه علق بما سمي لفظ الجوهر والجسم والتحيز والعرض ونحو ذلك شيئاً من أصول الدين، لا الدلائل ولا المسائل.
والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها، تارة لاختلاف الوضع، وتارة لاختلافهم في المعني الذي هو مدلول اللفظ، كمن يقول: الجسم هو المؤلف.
ثم يتنازعون: هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه، أو الجوهر فصاعداً، أو الستة، أو الثمانية، أو غير ذلك؟ ومن يقول: هو الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه، وإنه مركب من المادة والصورة.
ومن يقول: هو الموجود أو يقول: هو الموجود القائم بنفسه، أ, يقول: هو الذي يمكن الإشارة إليه، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا كذلك.
والسلف والأئمة الذي ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائلة وفي مسائله، نفياً وإثباتاً، فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لم يفهم بهذه الألفاظ ليتبين
(1/45)

الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} البقرة: 213، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلي معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم.
ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.
وأما قول السائل: فإن قيل بالجواز فما وجهه، وقد فهمنا منه عليه الصلة والسلام النهي عن الكلام في بعض المسائل؟

الرد علي المسألة الثانية
فيقال: قد تقدم الاستفسار والتفصيل في جواب السؤال، وأن ما هو في الحقيقة أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، فلا يجوز أن ينهي عنه بحال بخلاف ما سمي أصول الدين وليس هو أصولاً في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل، أو هو أصول لدين لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وأما ما ذكره السائل من نهيه، فالذي جاء به الكتاب والسنة النهي عن أمور:

المسائل التي نهي عنها الكتاب والسنة
منها: القول علي الله بلا علم، كقوله تعالي {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ، وقوله {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] .
(1/46)

ومنها: أن يقال علي الله غير الحق، كقول {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} [الأعراف: 169] .
وقوله {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] .
ومنها: الجدل بغير علم كقوله تعالي {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} [آل عمران: 66] .
ومنها: الجدل في الحق بعد ظهوره، كقوله تعالي {يجادلونك في الحق بعد ما تبين} [الأنفال: 6] .
ومنها: الجدل بالباطل، كقوله: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} [غافر: 5] ومنها: الجدل في آياته، كقوله تعالي {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} [غافر: 4] ، وقوله {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} [غافر: 35] ، وقال تعالى {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56] ، وقوله {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} [الشورى: 35] ، ونحو ذلك قوله {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم} [الشورى: 16] ،
(1/47)

وقوله {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} [الرعد: 13] ، وقوله {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} [الحج: 8] .
ومن الأمور التي نهي الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف، كقوله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ـ إلي قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 103ـ 106] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
وقال تعالي: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} ـ إلي قوله {ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [الروم: 30-32] .
وقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله تعالي {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [آل عمران: 19] ، وفي مثل
(1/48)

قوله تعالي: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 119] ، وفي مثل قوله {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [البقرة: 176] .
وكذلك سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم توافق كتاب الله، كالحديث المشهور عنه الذي وري مسلم بعضه عن عبد الله بن عمرو، وسائره معروف في مسند أحمد وغيره، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله صلي الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، لا ليكذب بعضه بعضاً، انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه» .
هذا
(1/49)

الحديث أو نحوه، وكذلك قوله: «المراء في القرآن كفر» .
وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين «عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قرأ قوله {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فقال النبي صلي الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم» .
وأما أن يكون الكتاب والسنة نهياً عن معرفة المسائل التي تدخل فيما يستحق أن يكون من أصول الدين فهذا لا يجوز، اللهم إلا أن ينهيا عن بعض ذلك في بعض الأحوال، مثل مخاطبة شخص بما يعجز عن فهمه فيضل، كقول عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان
(1/50)

فتنة لبعضهم.
وكقول علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ، أو مثل قول حق يستلزم فساداً أعظم من تركه، فيدخل في قوله صلي الله عليه وسلم «من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.
وأما قول السائل: إذا قيل بالجواز، فهل يجب؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه؟ .

الرد علي المسألة الثالثة
فيقال: لا ريب أنه يجب علي كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول علي التفصيل فرض علي الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبير القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر والدعاء إلي الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلي سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله عليه المؤمنين، فهذا واجب علي الكفاية منهم.
(1/51)

وأما ما وجب علي أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، فلا يجب علي العاجز عن سماع بعض النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب علي من لم يسمعها، ويجب علي المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب علي من ليس كذلك.
وأما قوله: هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلي القطع؟ .

الرد على المسألة الرابعة
فيقال: الصواب في ذلك التفصيل، فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية -التي قد يسمونها مسائل الأصول - يجب القطع فيها جميعها، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، وقد يوجبون القطع فيها كلها علي كل أحد، فهذا الذي قالوه علي إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه، فإنهم كثيراً ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات، وتكون في الحقيقة مت الأغلوطات، فضلاً عن أن تكون من الظنيات، حتى إن الشخص الواحد منهم كثيراً ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع
(1/52)

آخر، بل منهم من عامة كلامه كذلك، وحتى قد يدعي كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر.
وأما التفصيل: فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك، كقوله: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] ، وقوله {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} [محمد: 19] ، وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به، وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد، كقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} بالتغابن: 16] ، وقوله عليه السلام «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في الصحيحين.
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبهاً، لا يقدر فيه علي دليل يفيد اليقين لا شرعي ولا غيره: لم يجب علي مثل هذا في ذلك مالا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب علي ظنه لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقاً للحق، فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه، ويثاب عليه، ويسقط به الفرض، إذا لم يقدر علي أكثر منه.
(1/53)

لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصول إلي معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالي {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [الأعراف: 35] وقوله {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: 123-124] قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقي في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية.
وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره «عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: إنها ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله،
(1/54)

فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء» وفي رواية «ولا تختلف به الآراء، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا {إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد} من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .
وقال تعالي {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] ، وقال تعالي {المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن
(1/55)

في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 1-3] وقال {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} [الأنعام: 155-157] ، فذكر سبحانه انه يجزي الصادف عن آياته مطلقاً ـ سواء كان مكذباً أو لم يكن ـ سوء العذاب بما كانوا يصدفون، يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سوء العذاب بما كانوا يصدفون، يبين ذلك أن لك من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الأيمان به، أو أعرض عن اتباعاً لما يهواه، أو ارتاب فيما جاء به، فكل مكذب بما جاء به فهو كافر، وقد يكون كافراً من لا يكذبه إذا لم يؤمن به.
ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك، وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين.
وقال تعالي {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدةً فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 26] ، وقال تعالي {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما
(1/56)

عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 83-85] وقال {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} [غافر: 35] ، وفي الآية الأخرى {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} [غافر: 56] .
والسلطان: هو الحجة المنزلة من عند الله، كما قال تعالى {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} [الروم: 35] ، وقال تعالى {أم لكم سلطان مبين * فاتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} [الصافات: 165-157] ، وقال {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} [النجم: 23] .
وقد طالب الله تعالي من اتخذ ديناً بقوله {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الأحقاف: 4] ، فالكتاب هو الكتاب، والإثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد،
(1/57)

وقالوا: هي الخط أيضاً، إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الإثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد، ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره.
وقد قال تعالى في نعت المنافقين {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 60-63] .
وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة علي ضلال من تحاكم إلي غير الكتاب والسنة، وعلي نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب، وغير ذلك من أنواع الاعتبار،
(1/58)

فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهي عنها، أو لاتباع هواه بغير هدي من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً ن الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه، كما قال تعالي {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا} إلي قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 285-286] .
وقد ثبت في صحيح مسلم «عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت» .
وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس «أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك» .
فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا.
وأما قول السائل: هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحال هذه؟ .
(1/59)

الرد علي المسألة الخامسة
فيقال: هذه العبارة، وإن كثر تنازع الناس فيها نفياً وإثباتاً، فينبغي أن يعرف أن الخلاف المحقق فيها نوعان: أحدهما: ما اتفق الناس علي جوازه ووقوعه، وإنما تنازعوا في إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق.
والثاني: ما اتفقوا علي أنه لا يطاق، لكن تنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه.
فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والأيمان علي أنه لا يطاق، وتنازعوا في وقوع الأمر به، فليس كذلك.

تنازع النظار في الاستطاعة
فالنوع الأول: كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد، وهي قدرته وطاقته: هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله، أو يجب أن تكون متقدمة علي الفعل: أو يجب أن تكون معه، وإن كانت متقدمة عليه؟ .
فمن قال بالأول، لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف مالا يطيقه إذا لم تكن عنه قدرة إلا مع الفعل، ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم مادل عليه القرآن، وهو أن الاستطاعة -التي هي مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل - لا يجب أن تقارن الفعل، وأما الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له.
(1/60)

فالأولي: كقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] .
وقول النبي صلي الله عليه وسلم لعمران بن حصين «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» .
ومعلوم أن الحج والصلاة يجبان علي المستطيع، سواء فعل أو لم يفعل، فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن تكون مع الفعل.
والثانية: كقوله تعالى {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20] وقوله {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101-102] علي قول من يفسر الاستطاعة بهذه.
وأما علي تفسير السلف والجمهور، فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم، وصعوبته علي نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين علي فعله لو أرادوه، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها، وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك.
وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل الموجبة له، وأما الأولي فلولا وجودها لم يثبت التكليف، كقوله
(1/61)

{فاتقوا الله ما استطعتم} [سورة التغابن: 16] ، وقوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأعراف: 42] ، وأمثال ذلك، فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنز إلي الرسول فهم من هذا القسم.

تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون
وكذلك أيضاً تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون، أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون، فمن الناس من يقول: إن هذا غير مقدور عليه، كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون، وذلك لاتفاق الفريقين علي أن خلاف المعلوم لا يكون ممكناً ولا مقدوراً عليه.
وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس، وقالوا: هذا منقوص عليهم بقدرة الله تعالي، فإنه أخبر بقدرته علي أشياء، مع أنه لا يفعلها، كقوله {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} [القيامة: 4] ، وقوله {وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18] ، وقوله {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65] ، وقد قال {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} [هود: 18] ، ونحو ذلك مما يخبر أنه لو شاء لفعله، وإذا فعله فإنما يفعله إذا كان قادراً عليه، فقد دل القرآن علي أنه قادر عليه يفعله إذا شاءه، مع أنه لا يشاؤه.
وقالوا أيضاً: إن الله يعلمه علي ما هو عليه، فيعلمه ممكناً مقدوراً للعبد، غير واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له، أو لبغضه إياه، ونحو ذلك، لا لعجزه عنه.
(1/62)

وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم، فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل، وإن كان مقدوراً القدرة المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي.
وأما النوع الثاني: فكاتفاقهم علي أن العاجز عن الفعل لا يطيقه، كما لا يطيق الأعمي والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران، فمثل هذا النوع قد اتفقوا علي أنه غير واقع في الشريعة، وإنما نازع في ذلك طائفة من الغلاة المائلين إلي الجبر من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلاً، حتى نازع بعضهم في الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين والنقيضين: هل يجوز الأمر به من جهة العقل، مع أن ذلك لم يرد في الشريعة؟ ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة ـ كمن يزعم أن أبا لهب كلف بان يؤمن بأنه لا يؤمن ـ فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف، فإنه لم يقل أحد: إن أبا لهب أسمع هذا الخطاب المتضمن أنه لا يؤمن، وإنه أمر مع ذلك بالإيمان كما أن قوم نوح لما أخبر نوح عليه السلام: أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، لم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب، بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار
(1/63)

المستلزم لموته علي الكفر وأنه سمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معينة العذاب، قال تعالى {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 85] ، وقال تعالى {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] .
والمقصود هنا التنبيه علي أن النزاع في هذا الأصل يتنوع: تارة إلي الفعل المأمور به، وتارة إلي جواز الأمر.
ومن هنا شبهة من شبه من المتكلمين علي الناس حيث جعل القسمين قسماً واحداً، وادعي تكليف ما لا يطاق مطلقاً، لوقوع بعض الأقسام التي لا يجعلها عامة الناس من باب ما لا يطاق، والنزاع فيها لا يتعلق بمسائل الأمر والنهي، وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر، ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزماً لجواز القسم الذي اتفق المسلمون علي أنه غير مقدور عليه، وقال أحد النوعين بالآخر، وذلك من الأقيسة التي اتفق المسلمون بل وسائر أهل الملل، بل وسائر العقلاء علي بطلانها، فإن من قاس الصحيح المأمور بالأفعال كقوله: إن القدرة مع الفعل، أو أن الله علم أنه
(1/64)

لا يفعل علي العاجز الذي لو أراد الفعل لم بقدر عليه ـ فقد جمع بين ما يعلم الفرق بينهما بالاضطرار عقلاً وديناً، وذلك من مثارات الأهواء بين القدرية وإخوانهم الجبرية.
وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام، كإطلاق القول بأن العباد مجبورون علي أفعالهم، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها علي إنكار ذلك ولا بأنه شاء الكائنات، وقالوا رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد، بالفاسد، واباطل بالبطال ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما ببن ردهم لذلك.
وأما إذا فصل مقصود القائل، وبين بالعبارة التي لا يشبه الحق فيها بالباطل ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل ـ كان هذا من الفرقان، وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون علي ترك الكتاب، وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام،
(1/65)

ويحرفون الكلم عن مواضعة، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، ولهذا كان يدخل المجبرة في مسمي القدرية المذمومين، لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعني الذي ذمت به القدرية.
ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: الرد علي القدرية، وقولهم: إن الله أجبر العباد علي المعاصي، ثم روي عن عمر بن عثمان عن بقية بن الوليد قال: سالت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده علي ما أحب.
وقال الأوزعي: ما أعرف للجبر أصلاً في القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخالفة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق.
(1/66)

فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.
أما الزبيدي ـ محمد بن الوليد صاحب الزهري ـ فأنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، فنفي الجبر.
وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة: هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه، كما يقول الفقهاء في باب النكاح: هل تجبر المرأة علي النكاح أو لا تجبر؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره، فقال: الله أعظم من أن يجبر أو يعضل، لأن الله سبحانه قادر علي أن يجعل العبد مختاراً راضياً لما يفعله، ومبغضاً وكارهاً لما يتركه، كما هو الواقع، فلا يكون العبد مجبوراً علي ما يحبه ويرضاه ويريده، وهي أفعاله ولاختيارية، ولا يكون معضولاً عما يتركه، فيبغضه ويكرهه، أو لا يريده، وهي تروكه الاختيار.
وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ، وإن عني به هذا المعني، حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة، فيفضي إلي إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ، وإن قيل: إنه يراد به معني صحيح.
(1/67)

قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري جبر وقال: الله جبل العباد.
قال المروزي: أظنه أراد قول النبي صلي الله عليه وسلم لأشج عبد القيس، يعني قوله الذي في صحيح مسلم: «إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة.
فقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما.
فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» .
ولهذا احتج البخاري وغيره علي خلق أفعال العباد بقوله تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا} [المعراج: 19-21] فأخبر تعالي أنه خلق الإنسان علي هذه الصفة.
(1/68)

واحتج غيره بقول الخليل عليه السلام {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: 40] ، وبقوله {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] .
وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، لأن الزبيدي نفي الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ قد يحتمل معني صحيحاً، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل.
كما ذكر الخلال ما ذكره عبد الله بن أحمد في كتابه السنة فقال: حدثنا محمد ابن بكار، حدثنا أبو معشر، حدثنا يعلى عن محمد بن كعب قال: إنما سمي الجبار لأنه يجبر الخلق علي ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه، وإن كان ظاهراً في المحتمل المعني الفاسد خشيه أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعاً.
وهكذا يقال في نفي الطاقة عن المأمور، فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور: وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.
(1/69)

قال الخلال: أنبأنا المروزي: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله يجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] .
وقال: أنبأنا المروزي قال: كتب إلي عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري، وقال: إنه يتنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد علي المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء، فقال: إن الله جبر العباد علي ما أراد أراد بذلك إثبات القدر.
فوضع أحمد بن علي كتاباً يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتاباً وأنكر عليهما جميعاً: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلي القدري حين قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب،
(1/70)

وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد.
فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] .
قال المروزي في هذه المسألة: إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر علي الذي قال: لم يجبر وعلي من رد عليه: جبر، فقال، أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها.
وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر علي من رد بشيء من جنس الكلام، وإذا لم يكن له فيه أمام تقدم.
قال المروزي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هو ذا الكتاب ادفعه إلي أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم علي منبر عكبرا وأستغفر الله عز وجل، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن يقبلوا منه، فرجعوا له.
وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع، وتكلمنا علي الأصل الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعني الحق الذي يسمونه جبراً ينافي
(1/71)

الأمر والنهي، حتى جعله القدرية منافياً للأمر والنهي مطلقاً، وجعله طائفة من الجبرية منافياً لحسن الفعل وقبحه، وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به، المعلوم بالعقل.
ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعني كون الفعل ملائماً للفاعل ونافعاً له، وكونه منافياً للفاعل وضاراً له.
ومن المعلوم أن هذا المعني ـ الذي سموه جبراً ـ لا ينافي أن يكون الفعل نافعاً وضاراً، ومصلحة ومفسدة، وجالباً للذة وجالباً للألم.
فعلم أنه لا ينافي حسن الفعل وقبحه، كما لا ينافي ذلك، سواء كان ذلك الحسن معلوماً بالعقل، أو معلوماً بالشرع، أو كان الشرع مثبتاً له لا كاشفاً عنه.
وأما قول السائل:

الرد علي المسألة السادسة
ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك، وقد كان حريصاً علي هدي أمته؟ .
فنقول: هذا السؤال مبني علي الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن الكتاب والسنة، وطلب الهدي في مقالات المختلفين المتقابلين في النفي والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات، الذين قال الله فيهم {وإن الذين اختلفوا في الكتاب
(1/72)

لفي شقاق بعيد} [البقرة: 19] ، وقال تعالى {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [آل عمران: 19] ، وقال تعالى {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] .
وقد تقدم التنبيه علي منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله، وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات، سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعني، كلفظ أصول الدين حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما ذكرنا، وأنه إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل.
وبذلك يتبين أن الشارع عليه الصلاة والسلام نص علي كل ما يعصم من المهالك نصاً قاطعاً للعذر، وقال تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] ، وقال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقال تعالى {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] ، وقال تعالى {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: 54] ، وقال
(1/73)

{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] ، وقال تعالى {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 66-68] ، وقال تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 15-16] .
و «قال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً» .
وفي صحيح مسلم: «أن بعض المشركين قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل» .
و «قال صلى الله عليه وسلم تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» وقال
(1/74)

«ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم عنه» وقال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيراً لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه شراً لهم» .
وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدي والبيان والشفاء.
وذلك يكون بشيئين: أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.
والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين، فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] ، وقال تعالي {وما اختلفتم
(1/75)

فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، وقال {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا * ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 59-61] .
ولهذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة علي حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعاً من إطلاقها: نفياً إثباتاً، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعني أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه.
(1/76)

وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون علي مفارقته، فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات، التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها علي ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، أو الإعراض عنها وترك التدبر لها.
وهذان الصفتان يشبهان ما ذكره الله في قوله {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون * فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 75-79] .
فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة علي ما أصله هو من البدع الباطلة، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن، ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتاباً بيده مخالفاً لكتاب الله لينال به دينا، وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معني الكتاب والسنة، وهذا
(1/77)

قول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده علي الأعيان أو الكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله، وهذه الأمور كثيرة جداً في أهل الأهواء جملة، كالرافضة والجهمية ونحوهم من أهل الأهواء والكلام، وفي أهل الأهواء تفصيلاً، مثل كثير من المنتسبين إلي الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء.
وهذه الأمور المذكورة في الجواب مبسوطة في موضع آخر.
نهاية الإجابة علي السؤال والله أعلم.

عودة إلي مناقشة قانون التأويل
والمقصود هنا الكلام علي قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية....الخ كم تقدم.

جواب إجمالي
والكلام علي هذه الجملة بني علي بيان ما في مقدمتها من التلبيس، فإنها مبنية علي مقدمات.
أولها: ثبوت تعارضها.
والثانية: انحصار التقسيم فيما ذكره م الأقسام الأربعة.
والثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة.
والمقدمات الثلاثة باطلة.
(1/78)

وبيان ذلك بتقديم أصل، وهو أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان، سواء كانا سمعيين أو عقليين، أو أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فالواجب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين، أو يكونا ظنيين، وإما أن يكونا أحدهما قطعياً ولآخر ظنياً.
فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما عقلياً والآخر سمعياً، وهذا متفق عليه بين العقلاء، لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله: ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة.
وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان، وأحدهما يناقض مدلول الآخر، للزم الجمع بين النقيضين، وهو محال، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي، أو أن يكون مدلولاهما متناقضين، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين.
وإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعياً دون الآخر فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي، فإن الظن لا يرفع اليقين.
وأما إن كانا جميعاً ظنيين: فإنه يصار إلي طلي ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم، سواء كان سميعاً أو عقلياً.
(1/79)

ولا جواب عن هذا، إلا أن يقال: الدليل السمعي لا يكون قطعاً وحينئذ فقال: هذا ـ مع كونه باطلاً ـ فإنه لا ينفع، فإنه علي هذا التقدير يجب تقديم القطعي لكونه قطعياً، لا لكونه أصلاً للسمع، وهؤلاء جعلوا عمدتهم في التقديم كون العقل هو الأصل للسمع، وهذا باطل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وإذا قدر أن يتعارض قطعي وظني، لم ينازع عاقل في تقديم القطعي، لكن كون السمعي لا يكون قطعياً دونه خرط القتاد.
وأيضاً، فإن الناس متفقون علي أن كثيراً مما جاء به الرسول معلوم بالاضطرار من دينه، كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم، وتوحيد الصانع وإثبات المعاد وغير ذلك.
وحينئذ فلو قال قائل: إذا قام الدليل العقلي القطعي علي مناقضة هذا فلا بد من تقديم أحدهما: فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله، وإن قدم العقلي لزم تكذيب الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به، وهذا هو الكفر الصريح، فلا بد لهم من جواب عن هذا والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا.
فتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي.
ومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس، يقدرون تقديراً يلزم منه لوازم،
(1/80)

فيثبتون تلك اللوازم، ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعاً، والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ممتنعة كما في قوله تعالي {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] .
ولهذا أمثلة:
منها: ما يذكره القدرية والجبرية في أن أفعال العباد: هل هي مقدورة للرب والعبد أم لا؟ فقال جمهور المعتزلة: إن الرب لا يقدر علي عين مقدور العبد.
واختلفوا هل يقدر علي مثل مقدوره؟
فأثبته البصريون، كأبي هاشم، ونفاه الكعبي وأتباعه البغداديون
(1/81)

وقال جهم وأتباعه الجبرية: إن ذلك الفعل مقدور للرب لا للعبد.
وكذلك قال الأشعري وأتباعه: إن المؤثر فيه قدرة الرب دون قدرة العبد.
واحتج المعتزلة بأنه لو كان مقدوراً لهما للزوم إذا أراده أحدهما وكرهه الآخر، مثل أن يريد الرب تحريكه ويكرهه العبد: أن يكون موجوداً معدوماً، لأن المقدور من شأنه أن يوجد عند توفر دواعي القادر، وأن يبقي علي العدم عند توفر صارفه، فلو كان مقدور العبد وقدوراً لله لكان إذا أراد الله وقوعه وكره العبد وقوعه لزم أن يوجد لتحقق الدواعي، ولا يوجد لتحقق الصارف، وهو محال.
وقد أجاب الجبرية عن هذا بما ذكره الرازي، وهو: أن البقاء علي العدم عند تحقق الصارف ممنوع مطلقاً، بل يجب إذا لم يقم مقامه سبب آخر مستقل،
(1/82)

وهذا أول المسألة، وهو جواب ضعيف، فإن الكلام في فعل العبد القائم به إذا قام بقلبه الصارف عنه دون الداعي إليه، وهذا يمتنع وجوده من العبد في هذه الحال، وما قدر وجوده بدون إرادته لا يكون فعلاً اختيارياً، بل يكون بمنزلة حركة المرتعش، والكلام إنما هو في الاختياري، ولكن الجواب منع هذا التقدير، فإن ما لم يرده العبد من أفعاله يمتنع أن يكون الله مريداً لوقوعه، إذ لو شاء وقوعه لجعل العبد مريداً له، فإذا لم يجعله مريداً له علم أنه لم يشأه، ولهذا اتفق علماء المسلمين علي أن الإنسان لو قال: والله لأفعلن كذا وكذا إن شاء الله ثم لم يفعله أنه لا يحنث، لأنه لم يفعله علم أن الله لم يشأه إذ لو شاءه لفعله العبد، فلما لم يفعله علم أن الله لم يشأه.
(1/83)

واحتج الجبرية بما ذكره الرازي وغيره بقولهم: إذا أراد الله تحريك جسم وأراد العبد تسكينه: فإما أن يمتنعا معاً، وهو محال، لأن المانع من وقوع مراد كل واحد منهما هو وجود مراد الآخر , فلو امتنعا معاً لوجدا معاً، وهو محال، أو لوقعا معاً، وهو محال، أو يقع أحدهما وهو باطل، لأن القدرتين متساويتان في الاستقلال بالتأثير في ذلك المقدور الواحد، والشيء الواحد حقيقة لا تقبل التفاوت فإذن القدرتان بالنسبة إلي اقتضاء وجود ذلك المقدور علي السوية، وإنما التفاوت في أمور خارجية عن هذا المعني، وإذا كان كذلك امتنع الترجيح.
فيقال: هذه الحجة باطلة علي المذهبين.
وأما أهل السنة فعندهم يمتنع أن يريد الله تحريك جسم، ويجعل العبد مريداً لأن يجعله ساكناً مع قدرته علي ذلك، فإن الإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المقدور، فلو جعله الرب مريداً مع قدرته لزم وجود مقدوره، فيكون العبد يشاء مالا يشاء الله وجوده، وهذا ممتنع، بل ما شاء الله وجوده يجعل القادر عليه مريداً لوجوده، لا يجعله مريداً لما يناقض مراد الرب.
أما أهل السنة فعندهم يمتنع أن يريد الله تحريك جسم، ويجعل العبد مريداً لأن يجعله ساكنا مع قدرته علي ذلك، فإن الإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم
(1/84)

وجود المقدور، فلو جعله الرب مريداً مع قدرته لزم وجود مقدوره، فيكون العبد يشاء مالا يشاء الله وجوده، وهذا ممتنع، بل ما شاء الله وجوده يجعل القادر عليه ميدا لوجوده، لا يجعله مريداً لما يناقض مراد الرب.
وأما علي قول المعتزلة عندهم تمتنع قدرة الرب علي عين مقدور العبد ن فيمتنع اختلاف الإرادتين في شيء واحد وكلتا الحجتين باطلة، فأنهما مبيتان علي تناقض الإرادتين، وهذا ممتنع، فإن العبد إذا شاء أن يكون شيء لم يشاء حتى يشاء الله مشيئته كما قال تعالي: {لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 28-29] ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاءه الله جعل العبد شائياً له، وإذا جعل العبد كارها له غير مريد له، لم يكن هو في هذه الحال شائياً له.
فهم بنوا الدليل علي تقدير مشيئة الله له، وكراهة العبد له، وهذا تقدير ممتنع، وهذا نقلوه من تقدير ربين وإلهين، وهو قياس باطل، لأن العبد مخلوق لله هو وجميع مفعولاته، ليس هو مثلاً لله ولا نداً، ولهذا إذا قيل ما قاله أبو إسحاق الإسفراييني: من أن فعل العبد مقدور بين قادرين، لم يرد به بين قادرين
(1/85)

مستقلين، بل قدرة العبد مخلوقة لله، وإرادته مخلوقه لله، فالله قادر مستقل، والعبد قادر بجعل الله له قادراً، وهو خالقه وخالق قدرته وإرادته وفعله، فلم يكن هذا نظير ذاك.
وكذلك ما يقدره الرازي وغيره في مسألة إمكان دوام الفاعلية، وأن إمكان الحوادث لا بداية له، من أنا إذا قدرنا إمكان حادث معين، وقدرنا أنه لم يزل ممكناً، كان هذا لم يزل ممكناً مع أنه لا بداية لإمكانه، فإن هذا تقدير ممتنع، وهو تقدير ما له بداية مع أنه لا بداية له، وهو جمع بين النقيضين، ولهذا منع الرازي في محصله إمكان هذا.
وهذا الذي ذكرناه بين واضح متفق عليه بين العقلاء من حيث الجملة ن وبه يتبين أن إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي، والجزم بتقديم العقلي، معلوم الفساد بالضرورة، وهو خلاف ما اتفق عليه العقلاء.
وحينئذ فنقول: الجواب من وجوه:

الجواب التفصيلي من وجوه. الوجه الأول
الجواب التفصيلي من وجوه.
الوجه الأول
أن قوله: إذا تعارض النقل والعقل إما أن يريد به القطعيين، فلا نسلم إمكان التعارض حينئذ.
وإما أن يريد به الظنيين، فالمقدم هو الراجح مطلقاً.
(1/86)

وأما أن يريد به ما أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدم مطلقاً، وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعياً، لا لكونه عقلياً.
فعلم أن تقديم العقلي مطلقاً خطأ، كما أن جعل جهة الترجيح كونه عقلياً خطأ.

الوجه الثاني
أن يقال: لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرته من الأقسام الأربعة، إذ من الممكن أن يقال: يقدم العقلي تارة والسمعي أخري، فأيهما كان قطعياً قدم، وإن كانا جميعاً قطعيين، فيمتنع التعارض، وإن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم.
فدعوى المدعي: أنه لا بد من تقديم العقلي مطلقاً أو السمعي مطلقاً، أو الجمع بين النقيضين، أو رفع النقيضين ـدعوى باطلة، بل هنا قسم ليس من هذه الأقسام، كما ذكرناه، بل هو الحق الذي لا ريب فيه.

الوجه الثالث. نفي قاعدة أن العقل أصل النقل
الوجه الثالث.
نفي قاعدة أن العقل أصل النقل
قوله: إن قدمنا النقل كان ذلك طعناً في أصله الذي هو العقل، فيكون طعناً فيه غير مسلم.
وذلك لأن قوله: إن العقل أصل للنقل إما أن يريد به: أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر.
أو أصل في عملنا بصحته.
والأول لا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت، سواء علمنا بالعقل او بغير العقل ثبوته، أو لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره، إذ عدم العلم ليس علماً بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسنا،
(1/87)

فما أخبر به الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه.
ومن أرسله الله تعالي إلي الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق، وإن لم يصدقه الناس، وما أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس، فثبوت الرسالة في نفسها وثبوت صدق الرسول، وثبوت ما اخبر به في نفس الأمر: ليس موقوفاً علي وجودنا، فضلاً عن أن يكون موقوفاً علي عقولنا، أو علي الأدلة التي نعلمها بعقولنا.
وهذا كما أن وجود الرب تعالي وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر، سواء علمناه أو لم نعلمه.
فتبين بذلك أن العقل ليس أصلاً لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطياً له صفة لم تكن له، ولا مفيداً له صفة كمال، إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم، تابع له، ليس مؤثراً فيه.
فإن العلم نوعان: أحدهما العملي، وهو ما كان شرطاً في حصول المعلوم، كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف علي العلم به محتاج إليه.
والثاني: العلم الخبري النظري، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلي العلم به، كعلمنا بوحدانية الله تعالي وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها، فهي مستغنية عن علمنا بها، والشرع مع العقل هو من هذا الباب، فإن الشرع المنزل
(1/88)

من عند الله ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، فهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه وإلي أن نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالماً به، وبما تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته، وانتفع بعلمه به، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له قبل ذلك، ولو لم يعلمه لكن جاهلاً ناقصاً.
وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا علي صحته ـ وهذا هو الذي أراده ـ فيقال له: أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا، أم العلوم التي استفدنا بتلك الغريزة؟
وأما الأول فلم ترده، ويمتنع أن تريده، لأن تلك الغريزة ليست علماً يتصور أن يعارض النقل، وهو شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة، وما كان شرطاً في الشيء امتنع أن يكون منافياً له، فالحياة والغريزة شرط في كل العوم سمعيها وعقليها، فامتنع أن تكون منافية لها، وهى أيضاً شرط في الاعتقاد الحاصل بالاستدلال، وإن لم تكن علماً، فيمتنع أن تكن منافية له ومعارضة له.
وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفة الحاصلة بالعقل، فيقال لك: من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلاً للسمع ودليلاً علي صحته، فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف علي ما به يعلم صدق الرسول صلي الله عليه وسلم.
وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلي الله عليه وسلم، بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالي أرسله، مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول بالآيات وأمثال ذلك.
(1/89)

وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلاً للنقل، لا بمعني توقف العلم بالسمع عليها، ولا بمعني الدلالة علي صحته، ولا بغير ذلك، لاسيما عند كثير من متكلمة الإثبات أو أكثرهم، كالأشعري في أحد قوليه، وكثير من أصحابه أو أكثرهم، كالأستاذأبي المعالي الجويني، ومن بعده من وافقهم ـ الذين يقولون: العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي تجري مجري تصديق الرسول علم ضروري، فحينئذ ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير، مع أن العلم بصدق الرسول له طرق كثيرة متنوعة، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضوع.
وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن القدح فيه قدحاً في أصل السمع، وهذا بين واضح، وليس القدح في بعض العقليات قدحاً في جميعها، كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحاً في جميعها، ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها، كما لا يلزم من صحة بعض السمعيات صحة جميعها.
وحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبني عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فضلاً عن صحة العقليات المناقضة للسمع.
فكيف يقال: إنه يلزم من صحة المعقولات التي هي ملازمة للسمع صحة المعقولات المناقضة للسمع؟ فإن ما به يعلم السمع، ولا يعلم السمع إلا به، لازم للعلم بالسمع، لا يوجد العلم بالسمع بدونه، وهو ملزوم له، والعلم به يستلزم
(1/90)

العلم بالسمع، والمعارض للسمع مناقض له مناف له.
فهل يقول عاقل: إنه يلزم من ثبوت ملازم الشيء ثبوت مناقضه ومعارضه!؟
ولكن صاحب هذا القول جعل العقليات كلها نوعاً واحداً متماثلاً في الصحة أو الفساد، ومعلوم أن السمع إنما يستلزم صحة بعضها الملازم له، لا صحة البعض المنافي له، والناس متفقون علي أن ما يسمى عقليات منه حق، ومنه باطل، وما كان شرطاً في العلم بالسمع وموجباً فهو لازم للعلم به، بخلاف المنافي المناقض له، فإنه يمتنع أن يكون هو بعينه شرطاً في صحته ملازماً لثبوته، فإن الملازم لا يكون مناقضاً، فثبت أنه لا يلزم من تقديم السمع علي ما يقال إنه معقول في الجملة القدح في أصله.
فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة فساد المقدمات الثلاث التي بنوا عليها تقديم آرائهم علي كلام الله ورسوله.

اعتراض: نحن نقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع. الرد عليهم من وجوه. الأول
اعتراض: نحن نقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع.
الرد عليهم من وجوه.
الأول
فإن قيل: نحن إنما تقدم علي السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع.
قيل: سنبين إن شاء الله أنه ليس فيما يعارض السمع شيء من المعقولات التي يتوقف السمع عليها، فإذن كل ما عارض السمع ـ مما يسمي معقولاً ـ ليس أصلاً للسمع، يتوقف العلم بصحة السمع عليه، فلا يكون القدح في شيء من المعقولات قدحاً في أصل السمع.

الثاني
الوجه الثاني: أن جمهور الخلق يعترفون بأن المعرفة بالصانع وصدق الرسول ليس متوقفاً علي ما يدعيه بعضهم من العقليات المخالفة للسمع، والواضعون لهذا القانون ـ كـ أبي حامد والرازي وغيرهما ـ معترفون بأن العلم بصدق الرسول
(1/91)

لا يتوقف علي العقليات المعارضة له، فطوائف كثيرون ـ كـ أبي حامد والشهرستاني وأبي القاسم الراغب وغيرهم ـ يقولون: العلم بالصانع فطري ضروري.
والرازي والآمدي وغيرهما من النظار يسلمون أن العلم بالصانع قد يحصل بالاضطرار، وحينئذ فالعلم بكون الصانع قادراً معلوم بالاضطرار، والعلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي تحدي الخلق بمعارضتها وعجزوا عن ذلك معلوم بالاضطرار.
ومعلوم أن السمعيات مملوءة من إثبات الصانع وقدرته وتصديق رسوله، ليس فيها ما يناقض هذه الأصول العقلية التي بها يعلم السمع، بل الذي في السمع
(1/92)

يوافق هذه الأصول، بل السمع فيه من بيان الأدلة العقلية علي إثبات الصانع، ودلائل ربوبيته وقدرته، وبيان آيات الرسول ودلائل صدقه أضعاف ما يوجد في كلام النظار، فليس فيه ـ ولله الحمد ـ ما يناقض الأدلة العقلية التي بها يعلم صدق الرسول.
ومن جعل العلم بالصانع نظرياً يعترف أكثرهم بأن من الطرق النظرية التي بها يعلم صدق الرسول ما لا يناقض شيئاً من السمعيات.
والرازي ممن يعترف بهذا، فإنه قال في نهاية العقول في مسألة التفكير في: المسألة الثالثة: في أن مخالف الحق من أهل الصلاة هل يكفر أم لا؟ .
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري في أول كتاب مقالات الإسلاميين: اختلف المسلمون ـ بعد نبيهم ـ في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضاً، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقاً متباينين، إلا أن الإسلام يجمعهم فيعمهم، فهذا مذهبه، وعليه أكثر الأصحاب، ومن الأصحاب من كفر المخالفين.
(1/93)

وأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي رضي الله تعالي عنه قال: لا أرد شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية فإنهم يعتقدون حل الكذب.
وأما أبو حنيفة رضي الله تعالي عنه: فقد حكي الحاكم صاحب المختصر في كتاب المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر أحداً من أهل القبلة.
وحكي أبو بكر الرازي عن الكرخي وغيره مثل ذلك.
وأما المعتزلة: فالذين كانوا قبل أبي الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في إثبات الصفات وخلق الأعمال.
وأما المشبهة: فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة
(1/94)

وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: أكفر من يكفرني، وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره، وإلا فلا.
والذي نختاره أن لا نكفر أحداً من أهل القبلة.
والدليل عليه أن نقول: المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها، مثل أن الله تعالي هل هو عالم بالعلم أو بالذات؟ وأنه تعالي هل هو موجد لأفعال العباد أم لا؟ وأنه هل هو متحيز وهل هو في مكان وجهة؟ وهل هو مرئي أم لا؟ لا يخلو إما أن تتوقف صحة الدين معرفة الحق فيها أو لا تتوقف، والأول باطل، إذ لو كانت معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب علي النبي صلي الله عليه وسلم أن يطالبهم بهذه المسائل، ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها، فلما لم يطالبهم بهذه المسائل، بل ما جري حديث في هذه المسائل في زمانه عليه السلام، ولا في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، علمنا أنه لا تتوقف صحة الإسلام علي معرفة
(1/95)

هذه الأصول.
وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قدحاً في حقيقة الإسلام، وذلك يقتضي الامتناع من تكفير أهل القبلة.
ثم قال بعد ذلك وأما دلالة الفعل المحكم علي العلم فقد عرفت أنها ضرورية.
وأما دلالة المعجز علي الصدق فقد بينا أنها ضرورية، ومتي عرفت هذه الأصول أمكن العلم بصدق الرسول عليه السلام، فثبت أن العلم بالأصول التي يتوقف علي صحتها نبوة محمد علية السلام علم جلي ظاهر، وإنما طال الكلام في هذه الأصول لرفع هذه الشكوك التي يثبتها المبطلون، إما في مقدمات هذه الأدلة، أو في معارضاتها، والاشتغال برفع هذه الشكوك إنما يجب بعد عروضها، فثبت أن أصول الإسلام جلية ظاهرة ثم إن أدلتها علي الاستقصاء مذكورة في كتاب الله تعالي، خالية عما يتوهم معارضاً لها.
ثم ذكر بعد ذلك فقال: قلنا: إنا قد ذكرنا في إثبات العلم بالصانع طرقاً خمسة قاطعة في هذا الكتاب من غير حاجة إلي القياس الذي ذكروه، والله أعلم.
(1/96)

وأيضاً فإنه ذكر في إثبات الصانع أربعة طرق:
طريق حدوث الأجسام، وطريق إمكانها، وطريق إمكان صفاتها، وطريق حدوث صفاتها، وقال: إن هذه الطريق لا تنفي كونه جسماً، بخلاف الطرق الثلاثة، وهم إنما ينفون ما ينفونه من الصفات لظنهم أنها تستلزم التجسيم الذي نفاه العقل الذي هو أصل السمع، فإذا اعترفوا بأنه يمكن العلم بالصانع وصدق رسوله قبل النظر في كونه جسماً أو ليس بجسم، تبين أن صدق الرسول لا يتوقف علي العلم بأنه ليس بجسم، وحينئذ فلو قدر أن العقل ينفي ذلك لم يكن هذا من العقل الذي هو أصل السمع.

الثالث
والوجه الثالث: أن يقال لمن ادعي من هؤلاء توقف العلم بالسمع علي مثل هذا النفي، كقول من يقول منهم: إنا لا نعلم صدق الرسول حتى نعلم وجود الصانع، وأنه قادر غني لا يفعل القبيح، ولا نعلم ذلك حتى نعلم أنه ليس بجسم، أو لا نعلم إثبات الصانع حتى نعلم حدوث العالم، ولا نعلم ذلك إلا بحدوث الأجسام، فلا يمكن أن يقبل من السمع ما يستلزم كونه جسماً.
فيقال لهم: قد علم بالاضطرار من دين الرسول والنقل المتواتر أنه دعا الخلق إلي الإيمان بالله ورسوله، ولم يدع الناس بهذه الطريق التي قلتم إنكم أثبتم بها حدوث العالم ونفي كونه جسماً، وآمن بالرسول من آمن به من المهاجرين والأنصار، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولم يدع أحداً منهم بهذه الطريق، ولا ذكرها أحد منهم، ولا ذكرت في القرآن ولا حديث الرسول، ولا دعا بها أحد من الصحابة
(1/97)

والتابعين لهم بإحسان الذين هم خير هذه الأمة وأفضلها علماً وإيماناً، وإنما ابتدعت هذه الطريق في الإسلام بعد المائة الأولي وانقراض عصر أكابر التابعين، بل وأوساطهم، فكيف يجوز أن يقال: إن تصديق الرسول موقوف عليها، وأعلم الذي صدقوه وأفضلهم لم يدعوا بها، ولا ذكروها، ولا ذكرت لهم، ولا نقلها أحد عنهم، ولا تكلم بها أحد في عصرهم؟.

الرابع
الوجه الرابع: أن يقال: هذا القرآن والسنة المنقولة عن النبي صلي الله عليه وسلم، متوا ترها وآحادها، ليس فيه ذكر ما يدل علي هذه الطريق، فضلاً عن أن تكو نفس الطريق فيها، فليس في شيء من ذلك: أن البارئ لم يزل معطلاً عن الفعل والكلام بمشيئته، ثم حدث ما حدث بلا سبب حادث، وليس فيه ذكر الجسم والتحيز والجهة، لا بنفي ولا إثبات، فكيف يكون الإيمان بالرسول مستلزما لذلك، والرسول لم يخبر به ولا جعل الإيمان به موقوفاً عليه؟.

الخامس
الوجه الخامس: أن هذه الطرق الثلاثة ـطريق حدوث الأجسام ـ مبنية علي امتناع دوام كون الرب فاعلاً، وامتناع كونه لم يزل متكلماً بمشيئته، بل حقيقتها مبنية علي امتناع كونه لم يزل قادراً علي هذا وهذا، ومعلوم أن أكثر العقلاء من المسلمين وغير المسلمين ينازعون في هذا، ويقولون: هذا قول باطل.
وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني علي أن الموصوف ممكن، بناء علي أن المركب ممكن، وعلي نفي الصفات، وهي طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله،
(1/98)

وركبها من مذهب سلفهم ومذهب الجهمية، وهي أضعف من التي قبلها من وجوه كثيرة.
وطريقة إمكان صفات الأجسام مبنية علي تماثل الأجسام، وأكثر العقلاء يخالفون في ذلك، وفضلاؤهم معترفون بفساد ذلك كما قد ذكرنا قول الأشعري والرازي والآمدي وغيرهم، واعترافهم بفساد ذلك، وبينا فساد ذلك بصريح المعقول.
فإذا كانت هذه الطرق فاسدة عند جمهور العقلاء، بل فاسدة في نفس الأمر، امتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفاً علي طريق فاسدة، ولو قدر صحتها علم أن أكثر العقلاء عرفوا الله وصدقوا رسوله بغير هذه الطريق، فلم يبق العلم بالسمع موقوفاً علي صحتها، فلا يكون القدح فيها قدحاً في أصل السمع.

السادس
الوجه السادس: أن يقال: إذا قدر أن السمع موقوف علي العلم بأنه ليس بجسم مثلاً لم يسلم أن مثبتي الصفات التي جاء بها القرآن والسنة خالفوا موجب العقل، فإن قولهم فيما يثبتونه من الصفات كقول سائر من ينفي الجسم ويثبت شيئاً من الصفات.
فإذا كان أولئك يقولون: إنه حي عليم قدير وليس بجسم، ويقول آخرون: إنه حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، بل وسميع وبصير ومتكلم بسمع وبصر وكلام، وليس بجسم، أمكن هؤلاء أن يقولوا في سائر الصفات التي أخبر بها الرسول ما قال هؤلاء في هذه الصفات.
(1/99)

وإذا أمكن المتفلسف أن يقول: هو موجود، وعاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة، وهذا كله شيء واحد، وهذه الصفة الأخرى، والصفة هي الموصوف، وإثبات هذه الأمور لا يستلزم التجسيم، أمكن سائر مثبتة الصفات أن يقولوا هذا وما هو أقرب إلي المعقول، فلا يقول من نفي شيئاً مما أخبر به الشارع من الصفات قولاً ويقول: إنه يوافق المعقول، إلا ويقول من أثبت ذلك ما هو أقرب إلي المعقول منه.
وهذه جملة سيأتي إن شاء الله تفصيلها، وبيان أن كل من أثبت ما أثبته الرسول ونفي ما نفاه كان أولي بالمعقول الصريح، كما كان أولي بالمنقول الصحيح، وأن من خالف صحيح المنقول فقد خالف أيضاً صريح المعقول، وكان أولي بمن قال الله فيه {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [تبارك: 10] .

الأنبياء لم يدعوا إلي طريقة الأعراض
فإن قيل: قول القائلين: إن الأنبياء لم يدعوا الناس إلي إثبات الصانع بهذه الطريقة: طريقة الأعراض وحدوثها ولزومها الأجسام، وأن ما استلزم الحادث فهو حادث.

للمنازعين في هذا الكلام مقامان. للمنازعين فيه مقامان: المقام الأول
للمنازعين في هذا الكلام مقامان.
للمنازعين فيه مقامان: المقام الأول
أحدهما: منع هذه المقدمة.
فإنه من المعروف أن كثيراً من النفاة يقول: إن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل، وإنه استدل علي حدوث الكواكب والشمس والقمر بالأفول، والأفول هو الحركة، والحركة هي التغير، فلزم من
(1/100)

ذلك أن كل متغير محدث، لأنه لا يسبق الحوادث، لامتناع حوادث لا أول لها، وكل ما قامت به الحوادث فهو متغير، فيجب أن يكون محدثا، فهذه الطريق التي سلكناها هي طريقة إبراهيم الخليل.
وهذا مما ذكره خلق من النفاة، مثل بشر المريسي وأمثاله، ومثل ابن عقيل وأبي حامد الرازي، وخلق غير هؤلاء.
وأيضاً، فالقرآن قد دل علي انه ليس بجسم، لأنه أحد، والأحد: الذي لا ينقسم، وهو واحد، والواحد: الذي لا ينقسم، ولأنه صمد، والصمد: الذي لا جوف له، فلا يتخلله غيره، والجسم يتخلله غيره، ولأنه سبحانه قد قال
(1/101)

{ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، والأجسام متماثلة، فلو كان جسماً لكان له مثل، وإذا لم يكن جسماً لزم نفي ملزومات الجسم.
وبعضهم يقول: نفي لوازم الجسم.
وليس بجيد، فإنه لا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم، ولكن يلزم من نقيه نفيه، بخلاف ملزومات الجسم، فإنه يجب من نفيها نفي الجسم ن فيجب نفي كل ما يستلزم كونه جسماً.
ثم من نفي العلو والمباينة يقول: العلو يستلزم كونه جسماً، ومن نفي الصفات الخبرية يقول: إثباتها يستلزم التجسيم، ومن الصفات مطلقاً قال: ثبوتها يستلزم التجسيم.
وأيضاً، فالتجسيم نفي، لأنه يقتضي القسمة والتركيب، فيجب نفي كل تركيب، فيجب نفي كونه مركباً من الوجود والماهية، ومن الجنس والفصل، ومن المادة والصورة، ومن الجوهر المفردة، ومن الذات والصفات.
وهذه الخمسة هي التي يسميها نفاة الصفات من متأخري الفلاسفة تركيباً.
والمقصود هنا أن السمع دل علي نفي هذه الأمور، والرسل نفت ذلك، وبينت الطريق العقلي المنافي لذلك، وهو نفي التشبيه تارة، وإثبات حدوث كل متغير تارة.
ثم إنه لما قال هؤلاء: إن الأفول هو الحدوث، والأفول هو التغير، فبنى
(1/102)

ابن سينا وأتباعه من الدهرية علي هذا وقالوا: ما سوي الله ممكن، وكل ممكن فهو آفل فالآفل لا يكون واجب الوجود.
وجعل الرازي في تفسير هذا الهذيان، وقد يقول هو وغيره: كل آفل متغير، وكل متغير ممكن، فيستدلون بالتغير علي الإمكان، كما استدل الأكثر ون من هؤلاء بالتغير علي الحدوث، وكل من هؤلاء يقول: هذه طريقة الخليل.

المقام الثاني
أن يقال: نخن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ولا بينوا أنه ليس بجسم.
وهذا قول محققي طوائف النفاة وأئمتهم، فإنهم يعلمون ويقولون: إن النفي لم يعتمد فيه علي طريقة مأخوذة عن الأنبياء وإن الأنبياء لم يدلوا علي ذلك، لا نصاً ولا ظاهراً، ويقولون: إن كلام الأنبياء إنما يدل علي الإثبات إما نصاً وإما ظاهراً.
لكن قالوا: إذا كان العقل دل علي النفي لم يمكنا إبطال مدلول العقل.
(1/103)

ثم يقول المتكلمون من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم الذين قالوا: إنما يمكن إثبات الصانع وصدق رسله بهذه الطريق، ويقولون: إنه لا يمكن العلم بحدوث العالم وإثبات الصانع، والعلم بأنه قادر حي عالم، وأنه يجوز أن يرسل الرسل ويصدق الأنبياء بالمعجزات إلا بهذه الطريق ـ كما يذكر ذلك أئمتهم وحذاقهم، حتى متأخروهم كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، والقاضي أبي يعلي، وغيرهم ـ فإذا علمنا مع ذلك أن الأنبياء لم يدعوا الناس بها لزم ما قلناه من أن الرسول أحال الناس في معرفة الله علي العقل، وإذا علموا ذلك فحينئذ هم في نصوص الأنبياء إما أن يسلكوا مسلك التأويل، ويكون القصد بإنزال المتشابه تكليفهم استخراج طريق التأويلات، وإما أن يسلكوا مسلك التفويض، ويكون المقصود إنزال ألفاظ يتعبدون بتلاوتها وإن لم يفهم أحد معانيها.
ويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم: المقصود خطاب الجمهور بما يتخيلون به أن الرب جسم عظيم، وأن المعاد فيه لذات جسمانية، وإن كان هذا لا حقيقة له، ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك، وإما أن يقال: علموه ولم يبينوه بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة.
قيل في الجواب: أما من سلك المسلك الأول فجوابه من وجوه:

الجواب علي المسلك الأول من وجوه. الأول
الجواب علي المسلك الأول من وجوه.
الأول
أحدهما: أن يقال: فإذا كانت الأدلة السمعية المأخوذة عن الأنبياء دلت علي صحة هذه الطريق وصحة مدلولها، وعلي نفي ما تنفونه من الصفات، فحينئذ تكون الأدلة السمعية المثبتة لذلك عارضت هذه الأدلة، فيكون السمع قد عارضه سمع آخر، وإن كان أحدهما موافقاً لما تذكرونه من العقل.
(1/104)

وحينئذ فلا تحتاجون أن تبنوا دفع السمعيات المخالفة لكم علي هذا القانون الذي ابتدعتموه، وجعلتم فيه آراء الرجال مقدمة علي ما أنزل الله وبعث به رسله، وفتحتم باباً لكل طائفة، بل لكل شخص، أن يقدم ما رآه بمعقوله علي ما ثبت عن الله ورسوله، بل يعلمه المخبر، ولهذا كان هذا القانون لا يظهره أحد من الطوائف المشهورين ن وإنما كان بعضهم يبطنه سراً، وإنما أظهر لما ظهر كلام الملاحدة أعداء الرسل.

الثاني
أن يقال: كل من له أدني معرفة بما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم يعلم بالاضطرار أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه الطريقة، طريق الأعراض، ولا نفي الصفات أصلاً ن لا نصاً ولا ظاهراً، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا مبايناً له، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، بل ولا نفي الجسم الاصطلاحي، ولا ما يرادف من الألفاظ، ولا ذكر أن الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل، أو في الماضي، لا نصاً ولا ظاهراً، ولا أن الرب صار الفعل ممكناً له بعد أن لم يكن ممكناً، ولا أنه صار الكلام ممكناً له بعد أن لم يكن ممكنا ًن ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه، وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصاً ولا ظاهراً.
(1/105)

بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يذكر ذلك أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وأن القرآن لم يعارضه أحد، وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس، وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلي الليل وصلاة الليل إلي النهار، وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف والاستسقاء، وأنه لم يرض بدين الكفار، لا المشركين ولا أهل الكتاب قط، وأنه لم يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء، وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به، لا أهل الصفة ولا غيرهم، وأنه لم يكن يؤذن بمكة، ولا كان بمكة أهل صفة، ولا كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلي المدينة، وأنه لم يجمع أصحابه قط علي سماع كف ولا دف، وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب، وأنه لم يكن يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب، وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحاً إلا بالمسلمين، لم يكن يصلي الفرض وحده، ولا في الغيب، وأنه لم يحج في الهواء قط، وأنه لم يقل رأيت ربي في اليقظة، لا ليلة المعراج ولا غيرها، ولم يقل: إن الله ينزل عشية عرفة إلي
(1/106)

الأرض، وإنما قال: إنه ينزل إلي السماء الدنيا عشية عرفة فيباهي اللائكة بالحجاج
(1/107)

ولا قال: إن الله ينزل كل ليلة إلي الأرض، وإنما قال: ينزل إلي سماء الدنيا وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علماً ضرورياً أنه لم يكن، ومن روي ذلك عنه أو أخذ يستدل علي ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالاضطرار، كما يعلمون بطلان قول السوفسطائية، وإن لم يشتغلوا بحل شبههم.
وحينئذ فمن استدل بهذه الطريق، أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات، كان كذبه معلوماً بالاضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعي عليه هذه الأمور المنتفية عنه وأضعافها، وهذا مما يعلمه من له أدني خبرة بأحوال الرسل، فضلاً عن المتوسطين، فضلاً عن الوارثين له، العالمين بأقواله وأفعاله.
(1/108)

الثالث
الوجه الثالث: أن يقال: جميع ما ذكرتموه من أقوال الأنبياء أنها تدل علي مثل قولكم فلا دلالة في شيء منها، من وجوه متعددة، وذلك معلوم يقناً، بل فيها ما يدل علي نقيض قولكم، وهو مذهب أهل الإثبات، وهكذا عامة ما يحتج به أهل الباطل من الحجج، لا سيما السمعية، فإنها إنما تدل علي نقيض قولهم.

نقض الاستدلال بقصة إبراهيم عليه السلام
وأما قصة إبراهيم الخليل عليه السلام فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن الأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية، وهو الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلاً، ولا أنه أفل، لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة، كالمرض واصفرار الشمس: إنه أفول، لا يقال للشمس إذا اصفرت: إنها أفلت، وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب: أن آفلاً بمعني غائب، وقد أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولاً: أي غابت.
(1/109)

ومما يبين هذا أن الله ذكر عن الخليل أنه لما {رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 76-79] .
ومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركاً، وهو الذي يسمونه تغيراً، فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغيراً لكان قد قال ذلك من حين رآه بازغاً، وليس مراد الخليل بقوله: هذا ربي رب العالمين، ولا أن هذا هو القديم الأزلي الواجب الوجود، الذي كل ما سواه محدث ممكن مخلوق له، ولا كان قومه يعتقدون هذا حتى يدلهم علي فساده، ولا اعتقد هذا أحد يعرف قوله، بل قومه كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع.
ولهذا قال الخليل {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75-77] وقال {إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 26-28] فذكر لهم ما كانوا يفعلونه من اتخاذ الكواكب والشمس والقمر رباً يعبدونه ويتقربون إليه، كما هو عادة عباد الكواكب ومن يطلب تسخير روحانية الكواكب، وهذا مذهب مشهور، مازال
(1/110)

عليه طوائف من المشركين إلي اليوم، وهو الذي صنف فيه الرازي السر المكتوم وغيره من المصنفات.
فإن قال المنازعون: بل الخليل إنما أراد أن هذا رب العلمين.
قيل: فيكون إقرار الخليل حجة علي فساد قولكم، لأنه حينئذ يكون مقراً بأن رب العالمين قد يكون متحيزاً متنقلاً من مكان إلي مكان، متغيراً، وإنه لم يجعل هذه الحوادث تنافي وجوده، وإنما جعل المنافي لذلك أفوله، وهو مغيبه، فتبين أن قصة الخليل إلي أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم، ولا حجة لهم فيها بوجه من الوجوه.
وأفسد من ذلك قول من جعل الأفول بمعني الإمكان، وجعل كل ما سوي الله آفلاً، بمعني كونه قديماً أزلياً، حتى جعل السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة، وأن أفولها وصف لازم لها، إذ هو كونها ممكنة، والإمكان لازم لها، فهذا مع كونه افتراء علي اللغة والقرآن افتراء ظاهراً يعرفه كل أحد، كما افتري غير ذلك من تسمية القديم الأزلي محدثاً، وتسميته مصنوعاً ـ فقصة الخليل حجة عليه، فإنه لما رأي القمر بازغاً قال هذا ربي ولما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي
فلما أفلت قال: لا أحب الآفلين فتبين أنه أفل بعد أن لم يكن آفلاً، فكون الشمس والقمر والكواكب وكل ما سوي الله ممكنا هو وصف لازم له، لا يحدث له بعد أن لم يكن.
(1/111)

وهم يقولون: إمكانه له من ذاته، ووجوده من غيره، بناء علي تفريقهم في الخارج بين وجود الشيء وذاته، فالإمكان عندهم أولي بذاته من الوجود، ولو قال: فلما وجدت أو خلقت أو أبدعت قال: لا أحب الموجوديين والمخلوفين، كان هذا قبيحاً متناقصاً، إذ لم يزل كذلك، فكيف إذا قال: فلما صارت ممكنة، وهى لم تزل ممكنة.
وأيضاً فهي من حين بزغت وإلي أن أفلت ممكنة بذاتها تقبل الوجود والعدم، مع كونها عندهم قديمة أزلية يمنتع عدمها، وحينئذ يكون كونها متحركة ليس بدليل عند إبراهيم علي مونها ممكنة تقبل الوجود والعدم.
وأما قول القائل: كل متحرك محدث، أن كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم فهذه المقدمة ليست ضرورية فطرية بإتفاق العقلاء، بل من يدعي صحة ذلك يقول: إنها لا تعلم إلا بالنظر الخفي، ومن ينازع في ذلك يقول: إنها باطلة عقلا وسمعا، ويمثل من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه، وهو نفسه يقدح فيها في عامة كتبه.
وأما قوله: كل متغير محدث أو ممكن فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في اللغة، مثل استحالة الصحيح إلي المرض، والعادل إلي الظلم، والصديق إلي العداوة، فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلي دليل.
وإن أراد بالتغير معني الحركة، أو قيام الحوادث مطلقاً ن حتى تسمي الكواكب حين بزوغها متغيرة،
(1/112)

ويسمي كل متكلم ومتحرك متغيراً، فهذا مما عليه إقامة الدليل فيه علي دعواه.

لفظ أحد وواحد
وأما استدلالهم بما في القرآن من تسمية الله أحدا وواحدا علي نفي الصفات، الذي بنوه علي نفي التجسيم.
فيقال لهم: ليس في كلام العرب، بل ولا عامة أهل اللغات، أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمي واحداً ولا تسمي أحداً في النفي والإثبات، بل المنقول بالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا وأحدا، حيث أطلقوا ذلك، ووحيداً.
قال تعالى {ذرني ومن خلقت وحيدا} [المدثر: 11] وهوالوليد ابن المغيرة.
وقال تعالى {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] فسماها واحدة، وهو امرأة واحدة متصفة بالصفات، بل جسم حامل للأعراض.
وقال تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] .
وقال تعالى {قالت إحداهما يا أبت استأجره} [القصص: 26] وقال تعالى {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] وقال تعالى {فإن بغت إحداهما على الأخرى} [الحجرات: 9] .
(1/113)

وقال {ولم يكن له كفواً أحد} [الإخلاص: 4] وقال {قل إني لن يجيرني من الله أحد} بالجن: 22] وقال تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] وقال تعالى {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] .
فإن كان لفظ الأحد لا يقال علي ما قامت به الصفات، بل ولا علي شيء من الأجسام التي تقوم بها الأعراض لأنها منقسمة، لم يكن في الوجود غير الله من الملائكة والإنس والجن والبهائم من يدخل في لفظ أحد، بل لم يكن في الموجودين ما يقال عليه في النفي أنه أحد، فإذا قيل {ولم يكن له كفوا أحد} لم يكن هذا نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له، ولم يكن في الموجودات ما أخبر عنه بهذا الخطاب أنه ليس كفؤاً لله.
وكذلك قوله {ولا أشرك بربي أحدا} [الكهف: 38] ، {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} فإنه إذا لم يكن الأحد إلا ما لا ينقسم، وكل مخلوق وجسم منقسم، لم يكن في المخلوق ما يدخل في مسمي أحد، فيكون التقدير: ولا أشرك به ما لم يوجد، ولا يشرك بربه ما لا يوجد.
وإذا كان المراد النفي العام، وأن كل موجود من الإنس والجن يدخل في مسمي أحد، يقال: إنه أحد الرجلين، ويقال للأنثى: إحدى المرأتين، ويقال للمرأة: واحدة، وللرجل: واحد، ووحيد ـ علم أن اللغة التي نزل بها القرآن لفظ الواحد والأحد فيها يتناول الموصوفات، بل يتناول الجسم الحامل
(1/114)

للأعراض، ولم يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف أصلاً، بل ولا عرف منهم أنهم لا يستعملونه إلا في غير الجسم، بل ليس في كلامهم ما يبين استعمالهم له في غير ما يسميه هؤلاء جسماً، فكيف يقال: لا يدل إلا علي نقيض ذلك، ولم يعرف استعماله إلا في النقيض ـ الذي أخرجوه منه ـ الوجودي، دون النقيض الذي خصوه به وهو العدمي؟ وهل يكون في تبديل اللغة والقرآن أبلغ من هذا؟ .

لفظ الصمد
وكذلك اسمه الصمد ليس في قول الصحابة: إنه الذي لا جوف له ما يدل علي أنه ليس بموصوف بالصفات: بل هو علي إثبات الصفات أدل منه علي نفيها من وجوه مبسوطة غير هذا الموضع.
وكذلك قوله {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشوري: 11] ، وقوله {هل تعلم له سمياً} [مريم: 65] ، ونحو ذلك، فإنه لا يدل علي نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا علي نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه.
وأما احتجاجهم بقولهم: الأجسام متماثلة فهذا ـ إن كان حقاً ـ فهو تماثل يعلم بالعقل، ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل علي كل جسم، ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول: إن السماء مثل الأرض، والشمس والقمر والكواكب مثل الجبال، والجبال مثل البحار، والبحار مثل التراب، والتراب مثل الهواء، والهواء مثل الماء، والماء مثل النار، والنار مثل الشمس، والشمس
(1/115)

مثل الإنسان، والإنسان مثل الفرس والحمار، والفرس والحمار مثل السفرجل والرمان، والرمان مثل الذهب والفضة، والذهب والفضة مثل الخبز واللحم، ولا في اللغة التي نزل بها القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث يكون كل منهما له قدر من الأقدار كالطول والعرض والعمق أنه مثل الآخر، ولا أنه إذا كان كل منهما بحيث يشار إليه الإشارة الحسية يكون مثل الآخر، بل ولا فيها أن كل شيئين كانا مركبين من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة كان أحدهما مثل الآخر.
بل اللغة التي نزل بها القرآن تبين أن الإنسانين ـ مع اشتراكهما في أن كلا منهما جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ضحاك، بادي البشرة ـ قد لا يكون أحدهما مثل الآخر، كما قال تعالي {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] ، فقد بين أنه يستبدل قوماً لا يكونون أمثال المخاطبين، فقد نفي عنهم المماثلة مع اشتراكهم فيما ذكرناه.
فكيف يكون في لغتهم أن كل إنسان فإنه مماثل للإنسان، بل مماثل لكل حيوان، بل مماثل لكل جسم نام حساس، بل مماثل لكل جسم مولد عنصري، بل مماثل لكل جسم فلكي وغير فلكي؟
والله إنما أرسل الرسول بلسان قومه، وهم قريش خاصة، ثم العرب عامة، لم ينزل القرآن بلغة من قال: الأجسام متماثلة حتى يحمل القرآن علي لغة هؤلاء.
(1/116)

هذا لو كان ما قالوه صحيحاً في العقل، فكيف وهو باطل في العقل؟ كما بسطناه في موضع آخر، إذ المقصود هنا بيان أنه ليس لهم في نصوص الأنبياء إلا ما يناقض قولهم، لا ما يعاضده.

لفظ الكفء
وكذلك الكفء، قال حسان بن ثابت:
أتهجوه، ولست له بكفء؟ ... فشركما لخيركما الفداء
فقد نفى أن يكون كفواً لمحمد، مع أن كليهما جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق، ولكن النصوص الإلهية لما دلت على أن الرب ليس له كفء في شيء من الأشياء، ولا مثل له في أمر من الأمور، ولا ند له في أمر من الأمور، علم أنه لا يماثله شيء من الأشياء في صفة من الصفات، ولا فعل من الأفعال، ولا حق من الحقوق، وذلك لا ينفي كونه متصفاً بصفات الكمال.
فإذا قيل هو حي، ولا يماثله شيء من الأحياء في أمر من الأمور، وعليم وقدير وسميع وبصير، ولا يماثله عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير في أمر من الأمور، كان ما دل عليه السمع مطابقاً لما دل عليه العقل من عدم مماثلة شيء من الأشياء له في أمر من الأمور.
(1/117)

وأما كون ماله حقيقة أو صفة أو قدر يكون بمجرد ذلك مماثلاً لما له حقيقة أو صفة أو قدر فهذا باطل عقلاً وسمعاً، فليس في لغة العرب ولا غيرهم إطلاق لفظ المثل على مثل هذا، وإلا فليلزم أن يكون كل موصوف مماثلاً لكل موصوف، وكل ما له حقيقة مماثلاً لكل ما له حقيقة، وكل ما له قدر مماثلاً لكل ما له قدر، وذلك يستلزم أن يكون كل موجود مماثلاً لكل موجود.
وهذا ـ مع أنه في غاية الفساد والتناقض ـ لا يقوله عاقل، فإنه يستلزم التماثل في جميع الأشياء، فلا يبقى شيئان مختلفان غير متماثلين قط، وحينئذ فيلزم أن يكون الرب مماثلاً لكل شيء، فلا يجوز نفي مماثلة شيء من الأشياء عنه، وذلك مناقض للسمع والعقل، فصار حقيقة قولهم في نفي التماثل عنه يستلزم ثبوت مماثلة كل شيء له، فهم متناقضون مخالفون للشرع والعقل.

الرابع
الجواب الرابع: أن يقال فهب أن بعض هذه النصوص قد يفهم منها مقدمة واحدة من مقدمات دليلكم، فتلك كافية بالضرورة عند العقلاء، بل لا بد من ضم مقدمة أو مقدمات أخر ليس في القرآن ما يدل عليها ألبته، فإذا قدر أن الأفول هو الحركة، فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة علي أن كل متحرك محدث أو ممكن؟ وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن؟ وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها؟ وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؟ وأين في القرآن امتناع حوادث لا أول لها؟
بل أين في القرآن أن الجسم الاصطلاحي مركب من الجواهر الفردة التي لا تقبل الانقسام، أو من المادة والصورة، وأن كل جسم فهو منقسم ليس بواحد؟
(1/118)

بل أين في القرآن أو لغة العرب، أو أحد من الأمم أن كل ما يشار إليه أو كل ما له مقدار فهو جسم؟ وأن كل ما شاركه في ذلك فهو له في الحقيقة؟
ولفظ الجسم في القرآن مذكور في قوله تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم} [البقرة: 247] ، وفي قوله {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} [المنافقون: 4] .
وقد قال أهل اللغة: إن الجسم هو البدن.
قال الجوهري في صحاحه: قال أبو زيد: الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان.
قال: وقال الأصمعي: الجسم والجسمان: الجسد.
ومعلوم أن أهل الاصطلاح نقلوا لفظ الجسم من هذا المعني الخاص إلي ما هو أعم منه، فسموا الهواء ولهيب النار وغير ذلك جسماً، وهذا لا تسميه العرب جسماً، كما لا تسميه جسداً ولا بدناً.
ثم قد يراد بالجسم نفس الجسد القائم بنفسه، وقد يراد به غلظه، كما يقال: لهذا الثوب جسم.
وكذلك أهل العرف الاصطلاحي يريدون بالجسم تارة هذا، وتارة هذا، ويفرقون بين الجسم التعليمي المجرد عن المحل الذي يسمي المادة والهيولى، وبين الجسم الطبيعي الموجود.
وهذا مبسوط في موضع آخر.
(1/119)

والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلي مقدمات، ولم يذكر القرآن إلا واحدة، لم يكن قد ذكر الدليل، إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلي مقدمات خفية، فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه، دون ما لا يحتاج إليه، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة، وأن الأجسام تستلزم الأعراض الحادثة، وأن الحوادث لا أول لها ـ من أخفي الأمور وأحوجها إلي مقدمات خفية، لو كان حقاً، وهذا ليس في القرآن.
والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلي مقدمات، ولم يذكر القرآن إلا واحدة، لم يكن قد ذكر الدليل، إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلي مقدمات خفية، فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه، دون ما لا يحتاج إليه، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة، وأن الأجسام تستلزم الأعراض الحادثة، وأن الحوادث لا أول لها ـ من أخفي الأمور وأحوجها إلي مقدمات خفية، لو كان حقاً، وهذا ليس في القرآن.
فإن قيل: بل كون الأجسام تستلزم الحوادث ظاهر، فإنه لا بد للجسم من الحوادث، وكون الحوادث لا أول لها ظاهر، بل هذا معلوم بالضرورة، كما ادعى ذلك كثير من نظار المتكلمين، وقالوا: نحن نعلم بالاضطرار أن ما لا يسبق الحوادث، أو ما لا يخلو من الحوادث، فهو حادث، فإن ما لم يسبقها ولم يخل منها لا يكون قبلها، بل إما معها وإما بعدها، وما لم يكن قبل الحوادث بل معها أو بعدها لم يكن إلا حادثاً، فإنه لو لم يكن حادثاً لكان متقدماً علي الحوادث، فكان خالياً منها وسابقاً عليها.
قيل: مثل هذه المقدمة وأمثالها منشأ غلط كثير من الناس، فإنها تكون لفظاً مجملاً يتناول حقاً وباطلاً، وأحد نوعيها معلوم صادق، والآخر ليس كذلك، فيلتبس المعلوم منها بغير المعلوم، كما في لفظ الحادث والممكن والمتحيز والجسم والجهة والحركة والتركيب وغير ذلك من الألفاظ المشهورة بين النظار التي كثر فيها نزاعهم، وعامتها ألفاظ مجملة تتناول أنواعاً مختلفة:
(1/120)

إما بطريق الاشتراك لاختلاف الاصطلاحات، وإما بطريق التواطؤ مع اختلاف الأنواع، فإذا فسر المراد وفصل المتشابه تبين الحق من الباطل والمراد من غير المراد.
فإذا قال القائل: نحن نعلم بالاضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما يخلو منها فهو حادث، فقد صدق فيما فهمه من هذا اللفظ، وليس ذلك من محل النزاع، كلفظ القديم إذا قال قائل: القرآن قديم وأراد به أنه نزل من أكثر من سبعمائة سنة، وهو القديم في اللغة، أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزول القرآن، فإن هذا مما لا نزاع فيه.
وكذلك إذا قال: غير مخلوق وأراد به أنه غير مكذوب، فإن هذا مما لم يتنازع فيه أحد من المسلمين وأهل الملل المؤمنين بالرسل.

مناقشة قولهم: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث
وذلك أن القائل إذ قال: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فله معنيان: أحدهما أنه لا يسبق الحادث المعين، أو الحوادث المعينة أو المحصورة، أو الحوادث التي يعلم أن لها ابتداء، فإذا قدر أنه أريد بالحوادث كل ما له ابتداء، واحداً كان أو عدداً، فمعلوم أنه ما لم يسبق هذا أو لم يخل من هذا لا يكون قبله، بل لا يكون إلا معه أو بعده، فيكون حادثاً.
وهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان يفهمان ما يقولان.
وليس هذا مورد النزاع، ولكن مورد النزاع هو: ما لم يخل من الحوادث المتعاقبة التي لم تزل متعقابة، هل هو حادث؟ وهو مبني علي أن هذا هل يمكن وجوده أم لا؟ فهل يمكن وجود حوادث متعاقبة شيئاً بعد شيء دائمة لا ابتداء
(1/121)

لها ولا انتهاء؟ وهل يمكن أن يكون الرب متكلماً لم يزل متكلماً إذا شاء؟ وتكون كلماته لا نهاية لها، لا ابتداء ولا انتهاء، كما أنه في ذاته لم يزل ولا يزال ابتداء لوجوده ولا انتهاء له؟ بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال، فهل يمكن أن يكون لم يزل متكلماً بمشيئته، فلا يكون قد صار متكلماً بعد أن لم يكن ن ولا يكون كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه، ولا يكون متكلماً بغير قدرته ومشيئته، بل يكون متكلماً بمشيئته وقدرته، ولم يزل كذلك، ولا يزال كذلك.
هذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك، وبين من نازعهم في ذلك.
والفلاسفة يقولون: إن الفلك نفسه قديم أزلي لم يزل متحركاً، لكن هذا القول باطل من وجوه كثيرة.
ومعلوم بالاضطرار أن هذا مخالف لقولهم، ومخالف لما أخبر به القرآن والتوراة وسائر الكتب، بخلاف كونه لم يزل متكلماً أو لم يزل فاعلاً أو قادراً علي الفعل، فإن هذا مما قد يشكل علي كثير من الناس سمعاً وعقلاً.
وأما كون السماوات والأرض مخلوقتين محدثتين بعد العدم، فهذا إنما نازع فيه طائفة قليلة من الكفار كأرسطو وأتباعه.
وأما جمهور الفلاسفة، مع عامة أصناف المشركين من الهند والعرب وغيرهم، ومع المجوس وغيرهم، ومع أهل الكتاب وغيرهم، فهم متفقون علي أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن، ولكن تنازعوا في مادة ذلك،
(1/122)

هل هي موجودة قبل هذا العالم؟ وهل كان قبله مدة ومادة، أم هو أبدع ابتداء من غير تقدم مدة ولا مادة؟
فالذي جاء به القرآن والتوراة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله، كما أخبر في القرآن أنه: {استوى إلى السماء وهي دخان} أي بخار {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها} [فصلت: 11] ، وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره كالعرش والماء، كما قال تعالى {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} [هود: 7] وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة الشمس والقمر، كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
والشمس والقمر هما من السماوات والأرض، وحركتهما بعد خلقهما، والزمان المقدر بحركتهما ـ وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما ـ إنما حدث بعد خلقهما، وقد أخبر الله أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فتلك الأيام مدة وزمان مقدر بحركة أخري غير حركة الشمس والقمر.
وهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون: إن هذا العالم مخلوق محدث، وله مادة متقدمة عليه، لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعنية قديمة أزلية، وهذا أيضاً باطل، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن المقصود هنا إشارة مختصرة إلي قول من يقول: إن أقوال هؤلاء دل عليها السمع.
(1/123)

فإن قيل: إبطال حوادث لا أول لها قد دل عليه قوله تعالي {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] وقوله {وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 28] كما ذكر ذلك طائفة من النظار، فإن ما لا ابتداء له ليس له كل، وقد أخبر أنه أحصي كل شيء عدداً.
قيل: هذا لو كان حقاً لكان دلالة خفية لا يصلح أن يحال عليها، كنفي ما دل علي الصفات، فإن تلك نصوص كثيرة جلية، وهذا ـلو قدر أنه دليل صحيح ـ فإنه يحتاج إلي مقدمات كثيرة خفية لو كانت حقاً، مثل أن يقال: هذا يستلزم بطلان حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم حدوث الجسم، لأن الجسم لو كان قديماً للزم حوادث لا بداية لها، لأن الجسم يستلزم الحوادث، فلا يخلو منها لاستلزامه الأكوان أو الحركات أو الأعراض، ثم يقال بعد هذا: وإثبات الصفات يستلزم كون الموصوف جسماً.
وهذه المقدمة تناقض فيها عامة من قالها كما سنبينه إن شاء الله تعالي، فكيف وقوله {وأحصى كل شيء عددا} لا يدل علي ذلك؟ فإنه سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] فقد أحصي وكتب ما يكون قبل أن يكون إلي أجل محدود، فقد أحصي المستقبل المعدوم، كما أحصي الماضي الذي وجد، ثم عدم.
(1/124)

ولفظ الإحصاء لا يفرق بين هذا وبين هذا، فإن كان الإحصاء يتناول ما لا يتناهى جملة فلا حجة في الآية، وإن قيل: بل أحصي المستقبل، تقديره: جملة بعد جملة، لم يكن في الآية حجة، فإنه يمكن أن يقال في الماضي كذلك.
ومسألة تناول العلم لما لا يتناهى مسألة مشكلة علي القولين، ليس الغرض هنا إنهاء القول فيها، بل المقصود أن مثل هذه الآية لم يرد الله بها إبطال دوام كونه لم يزل متكلماً

المعاني المختلفة لحدوث العالم عند النظار
ومما يشبه هذا إذا قيل: العالم حادث أم ليس بحادث؟ والمراد بالعالم في الاصطلاح هو كل ما سوى الله، فإن هذه العبارة لها معني في الظاهر المعروف عند عامة الناس أهل الملل وغيرهم، ولها معني في عرف المتكلمين، وقد أحدث الملاحدة لها معني ثالثاً.

المعني الأول
فالذي يفهمه الناس من هذا الكلام أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده هو القديم الأزلي، ليس معه شيء قديم تقدمه، بل كل ما سواه كائن بعد أن لم يكن، فهو المختص بالقدم، كما اختص بالخلق والإبداع والإلهية والربوبية، وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له.
وهذا العني هو المعروف عن الأنبياء وأتباع من المسلمين واليهود والنصارى، وهو مذهب أكثر الناس غير أهل الملل من الفلاسفة وغيرهم.

المعنى الثاني
والمعني الثاني أن يقال: لم يزل الله لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بمشيئته، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك، مثل أن يقال: إن كونه لم يزل متكلماً بمشيئته أو فاعلاً بمشيئته، بل لم يزل قادراً، هو ممتنع، وإنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، فهذا المعني هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية
(1/125)

والمعتزلة ومن أتبعهم بحدوث العالم، وقد يحكونه عن أهل الملل، وهو بهذا المعني لا يوجد لا في القرآن ولا غيره من كتب الأنبياء، لا التوراة ولا غيرها، ولا في حديث ثابت عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا يعرف هذا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

المعنى الثالث
والمعنى الثالث، الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله، قالوا: نقول العالم محدث، أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته، فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي، وغيره الحدوث الزماني.
والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعني لا يعرف عن أحد من أهل اللغات، لا العرب ولا غيرهم، إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعني، والقول بأن العالم محدث بهذا المعني فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة علي هذا القول، إنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس.
وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين، كابن سينا وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه: أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه، ويقولون: إنه محدث، ولم يثبت في كتبه للعالم فاعلاً موجباً له بذاته، وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها، ثم جاء الذين
(1/126)

أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أو لي لغيرها، كما جعلها الفارابي وغيره، ثم جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة، لكن يتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق للمعشوق وإن كان لا شعور له ولا قصد، وجعلوه مدبراً بهذا الاعتبار ـ كما فعل ابن رشد وابن سينا ـ جعلوه موجباً بالذات لما سواه، وجعلوا ما سواه ممكناً.

الخامس
الوجه الخامس: أن يقال: غاية ما يدل عليه السمع ـ إن دل ـ علي أن الله ليس بجسم، وهذا النفي يسلمه كثير ممن يثبت الصفات أو أكثرهم، وينفيه بعضهم ويتوقف فيه بعضهم، ويفصل القول فيه بعضهم.
ونحن نتكلم علي تقدير تسليم النفي، فنقول: ليس في هذا النفي ما يدل علي صحة مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل ذلك علي تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفي شيئاً من الصفات لكون إثباته تجسيماً وتشبيهاً يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو أو الرؤية أو نحو ذلك، وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، لأنه لا يعقل ما هو كذلك
(1/127)

إلا الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم فإذا جاز لك أن تثبت هذه الصفات، وتقول: الموصوف بها ليس بجسم، جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم.
فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض.
قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه ـ وإن كان بعضاً ـ فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضاً، ومحلها ليس بجسم، جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضاً.
فإن قال نافي الصفات: أنا لا أثبت شيئاً منها.
قال له: أنت أبهمت الأسماء، فأنت تقول: هو حي عليم قدير، ولا تعقل حياً عليماً قديراً إلا جسماً، وتقول: إنه هو ليس بجسم، فإذا جاز لك أن تثبت مسمي بهذه الأسماء ليس بجسم، مع أن هذا ليس معقولاً لك، جاز لي أن أثبت موصوفا بهذه الصفات، وإن كان هذا غير معقول لي.
فإن قال الملحد: أنا أنفي الأسماء والصفات.
قيل له: إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع، له صانع فاعله، أو تقول: إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه غني عن الصانع.
(1/128)

فإن قلت بالأول فصانعه، إن قلت: هو جسم فقد وقعت فيما نفيته، وإن قلت: ليس بجسم، فقد أثبت فاعلاً صانعاً للعالم ليس بجسم، وهذا لا يعقل في الشاهد.
فإذا أثبت خالقاً فاعلاً ليس بجسم، وأنت لا تعرف فاعلا إلا جسماً، كان لمنازعك أن يقول: هو حي عليم ليس بجسم، وإن كان يعرف حياً عليماً إلا جسماً، بل لزمك أن تثبت له من الصفات والأسماء ما يناسبه.
وإن قال الملحد: بل هذا العالم المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع، فقد أثبت واجبا بنفسه قديماً أزلياً هو جسم، حامل للأعراض، متحيز في الجهات، تقوم به الأكوان، وتحله الحوادث والحركات، وله أبعاض وأجزاء، فكان ما فر منه من إثبات جسم قديم قد لزمه مثله وما هو أبعد منه، ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد الخالق، وتكذيب رسله، ومخالفة صريح المعقول، والضلال المبين الذي الذي هو منتهى ضلال الضالين وكفر الكافرين.
فقد تبين أن قول من نفي الصفات أو شيئاً منها لأن إثباتها تجسيم قول لا يمكن أحداً أن يستدل به، بل ولا يستدل أحد علي تنزيه الرب عن شيء من النقائص بأن ذلك يستلزم التجسيم، لأنه لا بد أن يثبت شيئاً يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه غيره فيما نفاه، وإذا كان اللازم في الموضعين واحداً، وما أجاب هو به، أمكن المنازع له أن يجيب بمثله، لم يمكنه أن يثبت شيئاً وينفي شيئاً علي هذا
(1/129)

التقدير، وإذا انتهي إلي التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم الواجب بنفسه القديم أعظم من كل تجسيم نفاه، فعلم أن مثل هذا الاستدلال علي النفي بما يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يغني من جوع.

الجواب لأهل المقام الثاني من وجوه. الأول
الجواب لأهل المقام الثاني من وجوه.
الأول
وأما الجواب لأهل المقام الثاني ـ وهم محققو النفاة الذين يقولون: السمع لم يدل إلا علي الإثبات، ولكن العقل دل علي النفي ـ فجوابهم من وجوه:
أحدها ـ أن يقال: نحن في هذا المقام مقصودنا أن العقل الذي به يعلم صحة السمع لا يستلزم النفي المناقض للسمع، وقد تبين أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق المستلزمة للنفي طريقة الأعراض، وأن الذين آمنوا بهم وعلموا صدقهم لم يعلموه بهذه الطريق، وحينئذ فإذا قدر أن معقولكم خالف السمع لم يكن هذا المعقول أصلاً في السمع، ولم يكن السمع قد ناقض المعقول الذي عرفت به
صحته، وهذا هو المطلوب.
وإذا قلتم: نحن لم نعرف صحة السمع إلا بهذه الطريق، أو قلتم: لا نعرف السمع إلا بهذه الطريق.
قيل لكم: أما شهادتكم علي أنفسكم بأنكم لم تعرفوا السمع إلا بهذه الطريق، فقد شهدتم علي أنفسكم بضلالكم وجهلكم بالطرق التي دعت بها الأنبياء أتباعهم،
(1/130)

وإذا كنتم لا تعرفون تلك الطرق فأنتم جهال بطرق الأنبياء، وبما بينوا به إثبات الصانع وتصديق رسله، فلا يجوز لكم حينئذ أن تقولوا: إن صدقهم لا يعرف إلا بمعقول يناقض المنقول عنهم.
وأما إذا قلتم: لا يمكن أن يعرف الله إلا بهذه الطريق، فهذه شهادة زور وتكذيب بما لم تحيطوا بعلمه، ونفي لا يمكنكم معرفته، فمن أين تعرفون أن جميع بني آدم من الأنبياء وأتباع الأنبياء لا يمكنهم أن يعرفوا الله إلا بإثبات الأعراض وحدوثها ولزومها للجسم، وامتناع حوادث لا أول لها، أو بنحو هذا الطريق؟ وهل الإقدام علي هذا النفي إلا من قول من هو أجهل الناس وأضلهم وأبعدهم عن معرفة طرق العلم وأدلته، والأسباب التي بها يعرف الناس ما لم يعرفوه، وهذا النفي قاله كثير من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، وهذه حاله، وهذا النفي عمدة هؤلاء.

الثاني
الوجه الثاني: أن يقال لهم: بل صدق الرسول يعلم بطرق متعددة لا تحتاج إلي هذا النفي، كما أقر بذلك جمهور النظار، حتى إن مسألة حدوث العالم اعترف بها أكابر النظار من المسلمين وغير المسلمين، حتى إن موسى ابن ميمون صاحب دلالة الحائرين وهو في اليهود كـ أبي حامد الغزالي في المسلمين، يمزج الأقوال
(1/131)

النبوية بالأقوال الفلسفية ويتأولها عليها، حتى الرازي وغيره من أعيان النظار اعترفوا بأن العلم بحدوث العالم لا يتوقف علي الأدلة العقلية، بل يمكن معرفة صدق الرسول قبل العلم بهذه المسألة، ثم يعلم حدوث العالم بالسمع، فهؤلاء اعترفوا بإمكان كونها سمعية، فضلاً عن وجوب كونها عقلية، فضلاً عن كونها أصلاً للسمع، فضلاً عن كونها لا أصل للسمع سواها.
وأيضاً فقد اعترف أئمة النظار بطرق متعددة لا يتوقف شيء منها علي نفي الجسم ولا نفي الصفات.

الثالث
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كانت الرسل والأنبياء قد اتبعهم أمم لا يحصي عددهم إلا الله من غير أن يعتمدوا علي هذه الطريق، وهم يخبرون أنهم علموا صدق الرسول يقيناً لا ريب فيه، وظهر منهم من أقوالهم وأفعالهم ما يدل علي أنهم عالمون بصدق الرسول، متيقنون لذلك، لا يرتابون فيه، وهم عدد كثير أضعاف أضعاف أضعاف أي تواتر قدر، فعلم أنهم لم يجتمعوا ويتواطئوا علي هذا الإخبار الذي يخبرون به عن أنفسهم ـ علم قطعاً أنه حصل لهم علم يقيني بصدق الرسول من غير هذه الطريقة المستلزمة لنفي شيء من الصفات.

الرابع
الوجه الرابع: أن نبين فساد هذه الأقوال المخالفة لنصوص الأنبياء، وفساد طرقها التي جعلها أصحابها براهين عقلية، كما سيأتي إن شاء الله.
(1/132)

الخامس
الوجه الخامس: أن نبين أن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية، توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وأن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع، لا تخالف شيئاً من السمع، وهذا ـ ولله الحمد ـ قد اعتبرته فيما ذكره عامة الطوائف، فوجدت كل طائفة من طوائف النظار أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلاً صحيحاً يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، حتى الفلاسفة القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه: ما يذكرونه من دليل صحيح عقلي، فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل، بل يوافقه، وكذلك سائر طوائف النظار من أهل النفي والإثبات، لا يذكرن دليلاً عقلياً في مسألة إلا والصحيح منه موافق لا مخالف.
وهذا يعلم به أن المعقول الصريح ليس مخالفاً لأخبار الأنبياء علي وجه التفصيل، كما نذكره إن شاء الله في موضعه، ونبين أن من خالف الأنبياء فليس لهم عقل ولا سمع، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالي {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} [الملك: 8-11] .
ثم نذكر وجوها أخر لبيان فساد هذا الأصل الذي يتوسل به أهل الإلحاد إلي رد ما قاله الله ورسوله فنقول:
(1/133)

الوجه الرابع
أن يقال: العقل إما أن يكون عالماً بصدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإما أن لا يكون عالماً بذلك.
فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلوماً له، لأن المعلوم لا يعارضه المجهول، وإن لم يكن المعقول معلوماً له لم يتعارض مجهولان.
وإن كان عالماً بصدق الرسول امتنع ـ مع هذا ـ أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر.
غايته أن يقول: هذا لم يخبر به، والكلام ليس هو فيما لم يخبر به، بل إذا علم أن الرسول أخبر بكذا، فهل يمكنه ـ مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه أخبر بكذا ـ أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر، أم يكون علمه بثبوت مخبره لازماً له لزوماً ضرورياً، كما تلزم سائر العلوم لزوماً ضرورياً لمقدماتها؟
وإذا كان كذلك فإذا قيل له في مثل هذا: لا تعتقد ثبوت ما عملت أنه أخبر به لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق، كان حقيقة الكلام: لا تصدقه في هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه، فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور، فإذا قيل: لا تصدقه لئلا يلزم أن لا تصدقه، كان كما لو قيل: كذبه لئلا يلزم أن تكذبه.
فيكون المنهي عنه هو المخوف المحذور من فعل المنهي عنه، والمأمور به هو المحذور من ترك المأمور به، فيكون واقعاً في المنهي عنه، سواء أطاع أو عصى، ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع
(1/134)

أو عصي، ويكون وقوعه في المخوف المحذور علي تقدير الطاعة لهذا الآمر الذي أمره بتكذيب ما تيقن أن الرسول أخبر به أعجل وأسبق منه علي تقدير المعصية، والمنهي عنه علي هذا التقدير هو التصديق، والمأمور به هو التكذيب، وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذوراً أو لم يكن، فإن لم يكن محذوراً لم يجز أن ينهى عنه، وإن كان محذوراً، فلا بد منه علي التقديرين، فلا فائدة في النهي عنه، بل إذا كان عدم التصديق هو المحذور كان طلبه ابتداء أقبح من طلب غيره لئلا يفضي إليه، فإن من أمر بالزنا كان أمره به أقبح من أن يأمر بالخلوة المفضية إلي الزنا.
فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به، بعد علمهم أنه رسول الله، لئلا يفضي تصديقهم له إلي عدم تصديقهم له، بل إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان هذا أمراً له بما يناقض ما علم به صدقه، فكان أمراً له بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره، فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره.
ولهذا آل الأمر بمن يسلك هذا الطريق إلي انهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئاً من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالي وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم، لاعتقادهم أن هذه فيها ما يرد بتكذيب أو تأويل وما لا يرد، وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة، بل هذا يقول: ما أثبته عقلك فأثبته، وإلا فلا، وهذا يقول: ما أثبته كشفك فأثبته، وإلا فلا،
(1/135)

فصار وجود الرسول صلي الله عليه وسلم عندهم كعدمه في المطالب الإلهية وعلم الربوبية، بل وجوده ـ علي قولهم ـ أضر من عدمه، لأنهم لم يستفيدوا من جهته شيئاً، واحتاجوا إلي أن يدفعوا ما جاء به: إما بتكذيب، وإما بتفويض، وإما بتأويل، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
فإن قالوا: لا يتصور أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل، فإنه منزه عن ذلك، وهو ممتنع عليه.
قيل لهم: فهذا إقرار منكم بامتناع معارضة الدليل العقلي للسمعي.
فإن قالوا: إنما أردنا معارضة ما يظن أنه دليل وليس بدليل أصلاً، أو يكون دليلاً ظنياً لتطرق الظن إلي بعض مقدماته: إما في الإسناد، وإما في المتن كإمكان كذب المخبر أو غلطه، وكإمكان احتمال اللفظ لمعنيين فصاعداً.
قيل: إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل، أمكن أن يفسر الدليل العقلي المعارض للشرع بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل.
وحينئذ فمثل هذا ـ وإن سماه أصحابه براهين عقلية أو قواطع عقلية، وهو ليس بدليل في نفس الأمر، أو دلالته ظنية ـ إذا عارض ما هو دليل
(1/136)

سمعي يستحق أن يسمي دليلاً لصحة مقدماته، وكونها معلومة، وجب تقديم الدليل السمعي عليه بالضرورة واتفاق العقلاء.
فقد تبين أنهم بأي شيء فسروا جنس الدليل الذي رجحوه أمكن تفسير الجنس الآخر بنظيره وترجيحه كما رجحوه، وهذا لأنهم وضعوا وضعاً فاسداً، حيث قدهموا ما لا يستحق التقديم لا عقلاً ولا سمعاً، وتبين بذلك أن تقديم الجنس علي الجنس باطل، بل الواجب أن ينظر في عين الدليلين المتعارضين، فيقدهم ما هو القطعي منهما أو الراجح إن كانا ظنيين، سواء كان هو السمعي أو العقلي، ويبطل هذا الأصل الفاسد الذي هو ذريعة إلي الإلحاد..

الوجه الخامس
أنه إذا علم صحة السمع، وأن ما أخبر به الرسول فهو حق، فإما أن يعلم أنه أخبر بمحل النزاع، أو يظن أنه أخبر به، أو لا يعلم ولا يظن.
فإن علم أنه أخبر به امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو غيره، فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك.
وإن كان مظنوناً أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه، وحينئذ فيجب تقديم العلم علي الظن، لا لكونه معقولاً أو مسموعاً، بل لكونه علماً، كما يجب تقديم ما علم بالسمع علي ما ظن بالعقل، وإن كان الذي عارضه من العقل ظنياً، فإن تكافآ وقف الأمر، وإلا قدم الراجح.
وإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذ، فتبين أن الجزم بتقديم العقل مطلقاً خطأ وضلال.
(1/137)

الوجه السادس
أن يقال: إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف علي كل ما يخبر به العقل.

مهمة العقل
ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم: كما قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه.
وقال بعضهم: العقل متول، ولي الرسول ثم عزل نفسه، لأن العقل دل علي أن الرسول صلي الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.
والعقل يدل علي صدق الرسول دلالة عامة مطلقة.
وهذا كما أن العامي إذا علم عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفت، ثم اختلف العامي الدال والمفتي وجب علي المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله علي قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي به علمت بأنه مفت، قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفت، ودللت علي ذلك، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو اعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد وإستدلال، ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال، الذي خالفت به من يجب عليك
(1/138)

تقليده وإتباع قوله، وإن لم تكن مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه عالم مفت يجب عليك تقليده.
هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول صلي الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالي، لا يجوز عليه الخطأ، فتقديمه قول المعصوم علي ما يخالفه من أستدلاله العقلي أولي من تقديم العامي قول المفتي علي قوله الذي يخالفه.
وكذلك أيضاً إذا علم الناس وشهدوا أن فلاناً خبير بالطب أو القيافة أو الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك، وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم، أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم أهل العلم بذلك، وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم علي قول الشهود الذين شهدوا لهم، وإن قالوا: نحن زكينا هؤلاء، وبأقوالنا ثبتت أهليتهم، فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولهم.
كما قال بعض الناس: إن العقل مزكي الشرع ومعدله، فإذ قدم الشرع عليه كان قدحاً فيمن زكاه وعدله، فيكون قدحا فيه.
(1/139)

قيل لهم: أنتم شهدتم بما علمتم من أنه أهل العلم بالطب أو التقويم أو الخرص أو القيافة ونحو ذلك، وأن قوله في ذلك مقبول دون قولكم، فلو قدمنا قولكم عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحاً في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه الأمور، وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك، إذ يمكن إصابتكم في قلوكم: هو أعلم منا، وخطؤكم في قولكم: نحن أعلم ممن هو أعلم منا فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا، بل خطؤكم في هذا أظهر.
والإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات كالحراثة والنساجة والبناء والخياطة وغير ذلك من الصناعات، وإن لم يكن عالماً بتفاصيل تلك الصناعة، فإذا تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد النزاع قدحاً فيما علم به أنه أعلم منه.
ومن المعلوم أن مباينة الرسول صلي الله عليه وسلم لذوي العقول أعظم من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية كالطب والقيافة والخرص والتقويم لسائر الناس، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالماً بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولاً إلي الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالي رسولاً إلي الناس، فإن
(1/140)

النبوة لا تنال بالاجتهاد، كما هو مذهب أهل الملل، وعلي قول من يجعلها مكتسبة من أهل الإلحاد من المتفسلفة وغيرهم فإنها عندهم أصعب الأمور، فالوصول إليها أصعب بكثير من الوصول إلي العلم بالصناعات والعلوم العقلية.
وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلي من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه علي قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب.
فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات، واستعمالها علي وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أن هذا أعلم بهذا مني، وأني إذا صدقته كان ذلك أقرب إلي حصول الشفاء لي، مع علمه بان الطبيب يخطئ كثيراً، وأن كثيراً من الناس لا يشفي بما يصفه الطبيب، بل قد يكون استعماله لما يصفه سبباً في هلاكه، ومع هذا فهو يقبل قوله ويقلده، وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟!.
(1/141)

والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم علي خلاف ما أخبروا به قط، والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط؟
فإن قيل: فالشهود إذا عدلوا شخصاً ثم عاد ذلك المعدل فكذبهم كان تصديقه في جرحهم جرحاً في طريق تعديله.
قيل: ليس هذا وزان مسألتنا، فإن المعدل إما أن يقول: هم فساق لا يجوز قبول شهادتهم، وإما أن يقول: هم في هذه الشهادة المعينة أخطأوا أو كذبوا، فإن جرحهم مطلقا كان نظير هذا أن يكون الشرع قد قدح في دلالة العقل مطلقا، وليس كذلك، فإن الأدلة الشرعية لا تقدح في جنس الأدلة العقلية.
وأما إذا قدح في شهادة معينة من شهادات مزكيه، وقال: إنهم أخطأوا فيها، فهذا لا يعارض تزكيتهم له باتفاق العقلاء فإن المزكي لشاهد ليس من شرطه أن لا يغلط، ولا يلزم من خطئه في شهادة معينة خطؤه في تعديل من عدله، وفي غير ذلك من الشهادات.
وإذا قال المعدل المزكي في بعض شهادات معدله ومزكيه: قد أخطأ فيها، لم يضره هذا باتفاق العقلاء، بل الشاهد العدل قد ترد شهادته لكونه خصماً
(1/142)

أو ظنيناً لعداوة أو غيرها، وإن لم يقدح ذلك في سائر شهاداته، فلو تعارضت شهادة المعدل والمعدل وردت شهادة المعدل لكونه خصماً أو ظنيناً لم يقدح ذلك في شهادة الآخر وعدالته، فالشرع إذا خالف العقل في بعض موارد النزاع ونسبه في ذلك إلي الخطأ والغلط، لم يكن ذلك قدحا في كل ما يعلمه العقل، ولا في شهادته له بأنه صادق مصدوق.
ولو قال المعدل: إن الذي عدلني كذب في هذه الشهادة المعنية، فهذا أيضاً ليس نظيراً لتعارض العقل والسمع، فإن الأدلة السمعية لا تدل علي أن أهل العقول الذين حصلت لهم شبه خالفوا بها الشرع تعمدوا الكذب في ذلك.
وهب أن الشخص الواحد والطائفة المعينة قد تتعمد الكذب، لكن جنس الأدلة المعارضة لا توصف بتعمد الكذب.
وأيضاً فالشاهد إذا صرح بتكذيب معدليه ل يكن تكذيب المعدل من عدله في قضية معينة مستلزماً للقدح في تعديله، لأنه يقول: كان عدلاً حين زكاني، ثم طرأ عليه الفسق، فصار يكذب بعد ذلك، ولا ريب أن العدول إذا عدلوا شخصاً، ثم حدث ما أوجب فسقهم، لم يكن ذلك قادحا في تعديلهم الماضي، كما لا يكون قادحاً في غير ذلك من شهاداتهم.
(1/143)

فتبين أن تمثيل معارضة الشرع للعقل بهذا ليس فيه حجة علي تقديم آراء العقلاء علي الشرع بوجه من الوجوه.
وأيضاً فإذا سلم أن هذا نظير تعارض الشرع والعقل فيقال: من المعلوم أن الحاكم إذا سمع جرح المعدل وتكذيبه لمن عدله في بعض ما أخبر به لم يكن هذا مقتضياً لتقدم قول الذين زكوه، بل يجوز أن يكونوا صادقين في تعديله، كاذبين فيما كذبهم فيه، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، وفي هذا، ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله، صادقين في هذا، سواء كانوا متعمدين للكذب أو مخطئين، وحينئذ فالحاكم يتوقف حتى يتبين له الأمر، لا يرد قول الذين عدلوه بمجرد معارضته لهم، فلو كان هذا وزان تعارض العقل والشرع لكان موجب ذلك تقديم العقل.

الوجه السابع
أن يقال: تقديم المعقول علي الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون الشيء معلوماً بالعقل، أو غير معلوم بالعقل، ليس هو صفة لازمه لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيداً قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر.
والمسائل التي بقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء، ولم يتفقوا فيها علي أن موجب العقل كذا، بل كل من العقلاء
(1/144)

يقول: إن العقل أثبت، أو أوجب، أو سوغ ما يقول الآخر: إن العقل نفاه، أو أحاله، أو منع منه، بل قد آل الأمر بينهم إلي التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلوم بالضرورة العقلية.
كما يقول أكثر العقلاء: نحن نعلم أن بالضرورة العقلية امتناع رؤية مرئي من غير معاينة ومقابلة، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.
وقول أكثر العقلاء: إنا نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع، ويقول طائفة من العقلاء: إن ذلك ممكن.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون الموصوف عالماً بلا علم قادراً بلا قدرة حياً بلا حياة ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون الشيء الواحد أمراً نهياً خبراً ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول أكثر العقلاء: إن كون العقل والعاقل والمعقول، والعشق والمعشوق، والوجود والموجود، والوجوب والعناية أمراً واحدا، هو ممتنع في ضرورة العقل، وآخرون ينازعون في ذلك.
ويقول جمهور العقلاء: إن الوجود ينقسم إلي واجب وممكن وقديم ومحدث، وإن لفظ الوجود يعمهما ويتناولهما، وإن هذا معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.
(1/145)

ويقول جمهور العقلاء: إن حدوث الأصوات المسموعة من العبد بالقرآن أمر معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من ينازع في ذلك.
وجمهور العقلاء يقولون: إثبات موجودين ليس أحدهما مباينا للأخر ولا داخلاً فيه، أو إثبات موجود ليس بداخل العالم ولا خارجه معلوم الفساد بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك.
وجمهور العقلاء يعلمون أن كون نفس الإنسان هي العالمة بالأمور العامة الكلية، والأمور الخاصة الجزئية معلوم بضرورة العقل، ومن الناس من نازع في ذلك، وهذا باب واسع.
فلو قيل بتقديم العقل علي الشرع، وليست العقول شيئاً واحداً بيناً بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس علي شيء لا سبيل إلي ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه.
وأما الشرع فهو في نفسه قول الصادق، وهذه صفة لازمة له، لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن، ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلي الكتاب والسنة، كما قال تعالي {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] ، فأمر الله تعالي المؤمنين عندا لتنازع بالرد إلي الله والرسول، وهذا
(1/146)

يوجب تقديم السمع، وهذا هو الواجب إذ لو ردوا إلي غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وباهينهم لم يزدهر هذا الرد إلا اختلافا واضطرابا، وشكا وارتيابا.
ولذلك قال تعالي {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] .
فأنزل الله الكتاب حاكماً بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع والاختلاف علي الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء، ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يعلمه غيره، وإن لم يمكنه بيان ذلك لغيره، ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط.
وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموفق للشرع.
وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ .
ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمجالات العقول بل بمجاراة العقول ن فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته.
(1/147)

والكلام علي هذا علي وجه التفصيل مذكور في موضعه، فإن أدلة نفاة الصفات والقدر ونحو ذلك، إذا تدبرها العاقل الفاضل وأعطاها حقها من النظر العقلي، علم بالعقل فسادها وثبوت نقيضها، كما قد بيناه في غير هذا الموضع.

الوجه الثامن
أن يقال: المسائل التي يقال: أنه قد تعارض فيها العقل والسمع ليست من المسائل البينة المعروفة بصريح العقل، كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات الظاهرة والإلهيات البينة ونحو ذلك، بل لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن نبينا صلي الله عليه وسلم شيئاً من هذا الجنس، ولا في القرآن شيء من هذا الجنس، ولا يوجد ذلك إلا في حديث مكذوب موضوع يعلم أهل النقل أنه كذب، أو في دلالة ضعيفة غلط المستدل بها علي الشرع.
فالأول: مثل حديث عرق الخيل الذي كذبه بعض الناس علي أصحاب حماد بن سلمة، وقالوا: إنه كذبه بعض أهل البدع، اتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي، وقالوا: إنه وضعه ورمي به بعض أهل الحديث، ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا، وهو الذي يقال في متنه: إنه خلق خيلاً فأجراها، فعرقت، فخلق
(1/148)

نفسه من ذلك العرق تعالي الله عن فرية المفترين وإلحاد الملحدين، وكذلك حديث نزوله عشية عرفة إلي الموقف علي جمل أورق، ومصافحته للركبان، ومعانقته للمشاة، وأمثال ذلك: هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يدخل هذا وأمثاله في الأدلة الشرعية.
والثاني: مثل الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالي: عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: ربي كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
(1/149)

فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل علي جواز المرض والجوع علي الخالق سبحانه وتعالي، ومن قال هذا فقد كذب علي الحديث.
ومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسره المتكلم به، وبين مراده بياناً زالت به كل شبهة، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يعد.
بل غير هذا الباب من الأحاديث، كالأحاديث المروية في فضائل الأعمال علي وجه المجازفة، كما يروي مرفوعاً: أنه من صلي ركعتين في يوم عاشوراء يقرأ فيهما بكذا وكذا كتب له ثواب سبعين نبياً.
ونحو ذلك، هو عند أهل الحديث من الأحاديث الموضوعة، فلا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع، بل لا يعلم حديث صحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم في الأمر والنهي أجمع المسلمون علي تركه، إلا أن يكون له حديث صحيح يدل علي أنه منسوخ، ولا يعلم عن النبي صلي الله عليه وسلم
(1/150)

حديث صحيح أجمع المسلمون علي نقيضه، فضلا عن أن يكون نقيضه معلوماً بالعقل الصريح البين لعامة العقلاء، فإن ما يعلم بالعقل الصريح البين أظهر مما لا يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية.
فإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ونحوه، فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولي وأحرى، ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي، وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم، ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجرد رأيهم إما متنازعين مختلفين، وإما حيارى متهوكين، وغالبهم يرى أن إمامه أحذق في ذلك منه.
ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون: إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل، فتجد أتباع أرسطوطاليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإلهيات، مع أن كثيراً منهم قد يري بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلي نفسه، مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ البين ما لا ريب فيه، كما ذكر في غير هذا الموضع.
(1/151)

وأما كلامه وكلام أتباعه: كالإسكندر الأفروديسي، وبرقلس، وثامسطيوس، والفاربي، وابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وأمثالهم في الإلهيات، فما فيه من الخطأ الكثير والتقصير العظيم ظاهر لجمهور عقلاء بني آدم، بل في كلامهم من التناقض ما لا يكاد يستقصي.
(1/152)

وكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة، وإن كان فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ففيها أيضاً من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله، كأتباع أبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام، وأبي القاسم الكعبي، وأبي علي وأبي هاشم، وأبي الحسين البصري، وأمثالهم.
وكذلك أتباع من هو أقرب إلي السنة من هؤلاء ن كإتباع حسين النجار،
(1/153)

وضرار بن عمرو، مثل أبي عيسي محمد بن عيسي برغوث الذي ناظر أحمد بن حنبل، مثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي، وكذلك أتباع متكلمي أهل الإثبات كأتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد ين كلاب، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن كرام، وأبي الحسن علي ابن إسماعيل الأشعري وغيرهم.
(1/154)

بل هذا موجود في اتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وغيرهم، تجد أحدهم دائماً يجد في كلامهم ما يراه هو باطلاً، وهو يتوقف في رد ذلك، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلاً وعلما وديناً، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم، وأن الخطأ جائز عليه، ولا تجد أحداً من هؤلاء يقول: إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدمت قولي مطلقاً، لكنه إذا تبين له أحياناً الحق في نقيض قول متبوعه، أو أن نقيضه أرجح منه قدمه، لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه.
فكيف يجوز أن يقال: إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل؟ وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم قدم رأيه علي نص الرسول صلي الله عليه وسلم في أنباء الغيب التي ضل فيها عامة من دخل فيها بمجرد رأيه، بدون الاستهداء بهدي الله، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، مع علم كل أحد بقصوره وتقصيره في هذا الباب، وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من الاضطراب؟ .
ففي الجملة: النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق، لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق.
بل نقول قولاً عاماً كلياً: إن النصوص الثابتة عن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يعارضها قط صريح معقول، فضلا عن أن يكون مقدما عليها وإنما الذي
(1/155)

يعارضها شبه وخيالات، مبناها علي معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتي وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية، لا براهين عقليه.
ومما يوضح هذا:

الوجه التاسع
وهو أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله علي النصوص النبوية قول لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضروة العقل أو بنظره نقيضه.
وهذا من حيث الجملة معلوم، فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون: إن أصلهم المتضمن نفي الصفات والتكذيب بالقدر ـ الذي يسمونه التوحيد والعدل ـ معلوم بالأدلة العقلية القطعية، ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون: إن نقيض ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية.
بل الطائفتان ومن ضاهاهما يقولون: إن علم الكلام المحض هو ما أمكن علمه بالعقل المجرد بدون السمع، كمسألة الرؤية والكلام وخلق الأفعال، وهذا هو الذي يجعلونه قطعياً، ويؤثمون المخالف فيه.
وكل من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم متميزون به علي كثير من الناس، وهذا يقول: إن العقل الصريح دل علي النفي، والآخر يقول: العقل الصريح دل علي الإثبات.
(1/156)

وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص، كمسائل الصفات والقدر، وأما المسائل المولدة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض وغير ذلك ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه، وكل منهم يدعي فيها القطع العقي.
ثم كل من كان عن السنة أبعد كان التنازع والاختلاف بينهم في معقولاتهم أعظم، فالمعتزلة أكثر اختلافاً من متكلمة أهل الإثبات، وبين البصريين والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره، والبصريون أقرب إلي السنة والإثبات من البغداديين، ولهذا كان البصريون يثبتون كون الباريء سميعاً بصيراً مع كونه حياً عليماً قديراً، ويثبتون له الإرادة، ولا يوجبون الأصلح في الدنيا، ويثبتون خبر الواحد والقياس، ولا يؤثمون المجتهدين، وغير ذلك.
ثم بين المشايخة والحسينية ـ أتباع أبي الحسن البصري ـ من التنازع ما هو معروف.
وأما الشيعة فأعظم تفرقاً واختلافاً من المعتزلة، لكونهم أبعد عن السنة منهم، حتى قيل: إنهم يبلغون اثنتين وسبعين فرقة.
وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافاً من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى.
والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أر سطو صاحب التعاليم، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وصفة، ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه.
وأما سائر طوائف الفلاسفة، فلو حكي اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة، والهيئة علم رياضي حسابي هو
(1/157)

من أصح علومهم، فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في الطبيعيات أو المنطق؟ فكيف بالإلهيات؟ .
واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية، كما نقله الأشعر عنهم في كتابه في مقالات غير الإسلاميين وما ذكره القاضي أبو بكر عنهم في كتابه الدقائق فإن في ذلك من الخلاف عنهم أضعاف أضعاف ما ذكره الشهرستاني وأمثاله ممن يحكي مقالاتهم، فكلامهم في العلم الرياضي ـ الذي هو أصح علومهم العقلية ـ قد اختلفوا فيه اختلافاً لا يكاد يحصي، ونفس الكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم ـ وهو كتاب المجسطي لبطليموس ـ فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح، وفيه قضايا ينازعه غيره فيها، وفيه قضايا مبنية علي أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب.
وكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم، وهل هو مركب من المادة والصورة، أو الأجزاء التي لا تنقسم، أو ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا؟
وكثير من حذاق النظار حار في هذه المسائل، حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجو يني، وأبي عبد الله بن الخطيب ـ حاروا في مسألة الجوهر الفرد، فتوقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب
(1/158)

واحد، وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض.
وهذا كثير في مسائل الهيئة ونحوها من الرياضيات، وفي أحكام الجسم وغيره من الطبيعيات، فما الظن بالعلم الإلهي؟ وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون فيه إلي اليقين، وإنما يتكلمون فيه بالأولي والأحرى والأخلق.
وأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة، بل وبالتصوف، الذين لم يحققوا ما جاء به الرسول تجدهم فيه حيارى، كما أنشد الشهرستاني في أول كتابه لما قال: قد أشار إلي من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له من مشكلات الأصول، ما أشكل علي ذوي العقول، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، لعمري:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن، أو قارعاً سن نادم
وأنشد أبو عبد الله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات لما ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم، وأنه ثلاث مقامات العلم بالذات، والصفات، والأفعال، وعلي كل مقام عقدة، فعلم الذات عليه عقدة:
(1/159)

هل الوجود هو الماهية أو زائد في الماهية؟ وعلم الصفات عليه عقدة: هل الصفات زائدة علي الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ ثم قال ومن الذي وصل إلي هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذي ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] واقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] ، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي.
(1/160)

وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة، وله أشعار في هذا الباب، كقوله:
فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول، فما ... ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر
كذبوا، إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر
هذا مع إنشاده:
وحقك لو أدخلتني النار قلت ... للذين بها: قد كنت ممن يحبه
وأفنيت عمري في علوم كثيرة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتم: من كان فينا مجاهداً ... سيكون مثواه ويعذب شربه
أما رد شك ابن الخطيب وزيغه ... وتمويهه في الدين إذ جل خطبه
وآية حب الصب أن يعذب الأسى ... إذا كان من يهوى عليه يصبه
(1/161)

وابن رشد الحفيد يقول في كتابه الذي صنفه رداً على أبي حامد في كتابه المسمى تهافت الفلاسفة فسماه تهافت التهافت ومن الذي قاله في الإلهيات ما يعتمد به، وأبو الحسن الأمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يزيف حجج الطوائف ويبقي حائراً واقفاً.
والخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى كتابه كشف الأسراء يقول لما حضره الموت: أموت ولم اعرف شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلي الممتنع، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت ولم اعرف شيئاً ـ حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت.
ولهذا تجد أبا حامد ـ مع فرط ذكائه وتألهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ـ ينتهي في هذه المسائل إلي الوقف، ويحيل في آخر أمره علي طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلي طريقة أهل الحديث، ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري.
(1/162)

والحذاق يعلمون أن تلك الطريقة التي يحيل عليها لا توصل إلي المطلوب، ولهذا لما بني قول النفاة من سلك هذه الطريق، كابن عربي وأبن سبعين وأبن الفارض وصاحب خلع النعلين والتلمساني وأمثالهم ـ وصلوا إلي ما يعلم فساده بالعقل والدين، مع دعواهم أنهم أئمة المحققين.
ولهذا تجد أبا حامد في مناظرته للفلاسفة إنما يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة معينة، بل هو كما قال: نناظرهم ـ يعني مع كلام الأشعري ـ تارة بكلام المعتزلة، وتارة بكلام الكرامية، وتارة بطريق الواقفة، وهذه الطريق هي الغالب عليه في منتهى كلامه.
(1/163)

وأما الطريقة النبوية السنية السلفية المحمدية الشرعية فإنما يناظرهم بها من كان خبيراً بها بأقواله التي تناقضها، فيعلم حينئذ فساد أقوالهم بالمعقول الصريح المطابق للمنقول الصحيح.
وهكذا كل من أمعن في معرفة هذه الكلاميات والفلسفيات التي تعارض بها النصوص من غير معرفة تامة بالنصوص ولوازمها وكمال المعرفة بما فيها وبالأقوال التي تنافيها، فإنه لا يصل إلي يقين يطمئن إليه، وإنما تفيده الشك والحيرة.
بل هؤلاء الفضلاء الحذاق الذي يدعون أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب تقديمه تجدهم حيارى في أصول مسائل الإلهيات، حتى مسألة وجود الرب تعالي وحقيقته حاروا فيها حيرة أوجبت أن يتناقض هذا، كتناقض الرازي، وأن يتوقف هذا، كتوقف الآمدي، ويذكرون عدة أقوال يزعمون أن الحق ينحصر فيها، وهي كلها باطلة.
وقد حكي عن طائفة من رؤوس أهل الكلام أنهم كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة، وأن الأدلة قد تكافأت من الجانبين، حتى لا يعرف الحق من الباطل، ومعلوم أن هذا إنما قالوه فيما سلكوه هم من الأدلة.
(1/164)

وقد حكي لي أن بعض الأذكياء ـ وكان قد قرأ علي شخص هو إمام بلده ومن أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة، وهو ابن واصل الحموي ـ أنه قال: أضطجع علي فراشي، وأضع الملحفة علي وجهي، وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدله هؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء، ولهذا انتهي أمره إلي كثرة النظر في الهيئة، لكونه تبين له فيه من العلم ما لم يتبين له في العلوم الإلهية.
ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء لما لم يتبين له الهدي في طريقة نكص علي عقبيه، فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك، لعدم العلم واليقين الذي يطمئن إليه قلبه، وينشرح له صدره.
وفي الحديث المأثور عن النبي صلي الله عليه وسلم «إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الفتن» وهؤلاء المعرضون عن
(1/165)

الطريقة النبوية السلفية يجتمع فيهم هذا وهذا: اتباع شهوات الغي، ومضلات الفتن، فيكون فيهم من الضلال والغي بقدر ما خرجوا عن الطريق الذي بعث الله به رسوله.
ولهذا أمرنا الله أن نقول في كل صلاة {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقد صح «عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .
وكان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فكيف إذا اجتمع في الرجل الضلال والفجور؟
ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء، كفلان وفلان ن لكان شيئاً كثيراً، وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر.
وذلك لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله ن فمن أعرض عنه لم يكن مهتدياً، فكيف بمن عارضه بما يناقضه وقدم مناقضه عليه؟
قال الله تعالي لما أهبط آدم {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه: 123-126] .
(1/166)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعلم بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقي في الآخرة ثم قرأ هذه الآية.
وقوله تعالى {ومن أعرض عن ذكري} يتناول الذكر الذي أنزله، وهو الهدي الذي جاءت به الرسل، كما قال تعالي في آخر الكلام {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} أي تركت اتباعها والعمل بما فيها، فمن طلب الهدي بغير القرآن ضل، ومن اعتز بغير الله ذل، وقد قال تعالى {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] ، وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] .
وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من عدة طرق، «عن علي، عن النبي صلي الله عليه وسلم لما قال إنها ستكون فتنة.
قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به
(1/167)

صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلي صراط مستقيم» ، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه علي أنه لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله تعالي ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم، لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم ولا هدي ن فإن الذين سلكوا هذه السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه، والمسلمون يشهدون عليه بذلك، فثبت بشهادته وإقراره علي نفسه وشهادة المسلمين، الذين هم شهداء الله في الأرض، أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب، وعارضه بما يناقضه، بيقين يطمئن إليه، ولا معرفة يسكن بها قلبه.
والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولاً صريحاً يناقض الكتاب قابلهم آخرون من ذوي المعقولات، فقالوا: إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول، فصار ما يدعي معارضته للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح: إما بشهادة أصحابه عليه وشهادة الأمة، وإما بظهور تناقضهم ظهوراً لا ارتياب فيه، وإما بمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم، بل من تدبر ما يعارضون به الشرع من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه.
والناس إذا تنازعوا في المعقول لم يكن قول طائفة لها مذهب حجة علي أخرى، بل يرجع في ذلك إلي الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوي، فامتنع حينئذ أن يعتمد علي ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معوقلات،
(1/168)

وإن كان ذلك قد قالته طائفة كبيرة، لمخالفة طائفة كبيرة لها، ولم يبق إلا أن يقال: إن كل إنسان له عقل فيعتمد علي عقل نفسه، وما وجده معرضاً لأقوال الرسول صلي الله عليه وسلم من رأيه خالفه، وقدم رأيه علي نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومعلوم أن هذا أكثر ضلالاً واضطراباً.
فإذا كان فحول النظر واساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلي الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلي معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلي حيرة وارتياب، وإما إلي اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات؟
فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه، لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب فالأول {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39] والثاني {كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] وأصحاب القرآن والإيمان في نور علي نور، قال تعالي {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [الشوري: 52-53] وقال تعالي {الله نور السماوات والأرض مثل نوره} ـ إلي آخر الآية،
(1/169)

[النور: 35] وقال تعالى {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] .
فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب المعرضين عنه، وأهل الجهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها عقليات.
وآخرون ممن يعارضهم يقول: المناقض لتلك الأقوال هو العقليات.
ومعلوم أنه حينئذ يجب فساد أحد الاعتقادين أو كليهما، والغالب فساد كلا الاعتقادين، لما فيهما من الإجمال والاشتباه، وأن الحق يكون فيه تفصيل يبين أن مع هؤلاء حقاً وباطلاً، ومع هؤلاء حقاً، والحق الذي مع كل منهما هو الذي جاء به الكتاب الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والله أعلم.

معارضة دليلهم بنظير ما قالوه. الوجه العاشر
معارضة دليلهم بنظير ما قالوه.
الوجه العاشر
أن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دل علي صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلي الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه.
وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل علي صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون
(1/170)

العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلا عن أن يقدم، فصار تقديم العقل علي النقل قدحاً في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه علي النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، والقدح في دلالته يقدح في معارضته، كان تقديمه عند المعارضة مبطلاً للمعارضة، فامتنع تقديمه علي النقل، وهو المطلوب.

تقديم النقل لا يستلزم فساد النقل في نفسه
وأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه ومما يوضح هذا أن يقال:
معارضة العقل لما دل العقل علي أنه حق، دليل علي تناقص دلالته، وذلك يوجب فسادها، وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها في نفسها، وإن لم يعلم صحتها.
وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلي الصواب من تقديم ما يعلم فساده، كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب، والشاهد المجهول الذي لم يعلم كذبه، فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه علي قول المجهول الذي لم يعلم كذبه لا يجوز، فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته؟
والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال: إنه أخبر بخلاف الحق، كان هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله، وشهد له بأنه لا يجب قبوله، وشهد بأن الأدلة السمعية حق، وأن ما أخبر به السمع فهو حق، وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس بحق، فكان مثله مثل من شهد لرجل بأنه صادق لا يكذب، وشهد له بأنه قد كذب، فكان هذا قدحاً في شهادته مطلقاً وتزكيته، فلا يجب قبول شهادته الأولي ولا الثانية، فلا يصلح أن يكون معارضاً للسمع بحال.
(1/171)

ولهذا تجد هؤلاء الذين تتعارض عندهم دلالة العقل والسمع في حيرة وشك واضطراب، إذ ليس عندهم معقول صريح سالم عن معارض مقاوم، كما أنهم في نفس المعقول الذي يعارضون به السمع في اختلاف وريب واضطراب.
وذلك كله مما يبين أنه ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدماً علي ما جاءت به الرسل، وذلك لأن الآيات والبراهين دالة علي صدق الرسل، وأنهم لا يقولون علي الله إلا الحق، وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب، لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ، كما اتفق علي ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق، لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي.
فمتي علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزماً قاطعاً أنه حق، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به، وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي، ولا عقلي ولا سمعي، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة، وشبه من جنس شبه السوفساطئية.
وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك، وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح، كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل، فيكون هذا العقل والسمع جميعاً شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع.
(1/172)

اعتراض
فإن قيل: فهذا يوجب القدح في شهادة العقل، حيث شهد بصدق الرسول، وشهد بصدق العقل المناقض لخبره.

الرد عليه. الجواب الأول
الرد عليه.
الجواب الأول
قيل له عن هذا جوابان: أحدهما: إنا نحن يمتنع عندنا أن يتعارض العقل والسمع القطعيان، فلا تبطل دلالة العقل، وإنما ذكرنا هذا علي سبيل المعارضة، فمن قدم دلالة العقل علي السمع يلزمه أن يقدم دلالة العقل الشاهد بتصديق السمع، وأنه إذا قدم دلالة العقل لزم تناقضها وفسادها، وإذا قدم دلالة السمع لم يلزم تناقضها في نفسها، وإن لزمه أن لا يعلم صحتها، وما علم فساده أولي بالرد مما لم تعلم صحته ولا فساده.

الجواب الثاني
والجواب الثاني: أن نقول: الأدلة العقلية التي تعارض السمع غير الأدلة العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق، وإن كان جنس المعقول يشملها.
ونحن إذا أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعاً مما يسمي معقولاً، لم نبطل كل معقول، ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول، وكان ما ذكرناه موجباً لصحة السمع وما علم به صحته من العقل.
ولا مناقضة في ذلك، ولكن حقيقة أنه قد تعارض العقل الدال علي صدق الرسول والعقل المناقض لخبر الرسول، فقدمنا ذلك المعقول علي هذا المعقول، كما نقدم الأدلة الدالة علي صدق الرسول علي الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء، وهي حجج عقلية.
بل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده، فإذا كان
(1/173)

تقديم الأدلة العقلية الدالة علي أنهم صادقون في قولهم: إن الله أرسلهم مقدمة علي ما يناقض ذلك من العقليات، كذلك تقديم هذه الأدلة العقلية المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به علي ما يناقض ذلك من العقليات، وعاد الأمر إلي تقديم جنس من المعقولات علي جنس.
وهذا متفق عليه بين العقلاء، فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلا بد من تقديم بعضها علي بعض، ونحن نقول: لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان: لا عقليان ولا سمعيان، ولا سمعي وعقلي، ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما.

اعتراض آخر
فإن قيل: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع علي أن دلالة السمع المخالفة له باطلة، إما لكذب الناقل عن الرسول، أو خطئه في النقل، وإما لعدم دلالة قوله علي ما يخالف العقل في محل النزاع.

الرد عليه
قيل: هذا معارض بأن يقال: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع علي أن دلالة العقل المخالفة له باطلة بعض مقدماتها، فإن مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلي مقدمات الأدلة السمعية.
ومما يبين ذلك أن يقال: دلالة السمع علي مواقع الإجماع مثل دلالته علي موارد النزاع، فإن دلالة السمع علي علم الله تعالي وقدرته وإرادته وسمعه وبصره، كدلالته علي رضاه ومحبته وغضبه واستوائه علي عرشه ونحو ذلك، وكذلك دلالته علي عموم مشيئته وقدرته كدلالته علي عموم علمه.
(1/174)

فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها، لكن لاعتقاده أنها تخالف العقل، بل كثير من الأدلة السمعية التي يريدونها تكون أقوي بكثير من الأدلة السمعية التي يقبلونها، وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء بها، لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها، والسمع جعلوه عاضداً للعقل، وحجة علي من ينازعهم من المصدقين بالسمع، لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم، كما صرح بذلك أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم.
وإذا كان كذلك، تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرد مخالفة عقل الواحد، أو لطائفة منهم، أو مخالفة ما يسمونه عقلاً لا يجوز، إلا أن يبطلوا الأدلة السمعية بالكلية، ويقولون: إنها لا تدل علي شيء، وإن إخبار الرسول عما أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به، وحينئذ فما لم يكن دليلاً لا يصلح أن يجعل معارضاً.
والكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق، وأن ما أخبر به ثابت، وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقنا بثبوت ما أخبر به، فمن كان هذا معلوماً له امتنع أن يجعل العقل مقدماً علي خبر الرسول صلي الله عليه وسلم، بل يضطره الأمر إلي أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ تارة في الخبريات، ويصيب أو يخطئ أخري في الطلبيات، وهذا تكذيب للرسول، وإبطال لدلالة السمع، وسد لطريق العلم بما أخبر به الأنبياء والمرسلون، وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالي به رسله.
(1/175)

وغايته إن أحسن المقال: أن يجعل الرسول مخبراً بالأمور علي خلاف حقائقها لأجل نفع العامة.
ثم إذا قال ذلك امتنع أن يستدل بخبر الرسول علي شيء، فعاد الأمر جذعاً، لأنه إذا جوز علي خبر الرسول التلبيس كان كتجويزه عليه الكذب، وحينئذ فلا يكون مجرد إخبار الرسول موجباً للعلم بثبوت ما أخبر به، وهذا: وإن كان زندقة وكفراً وإلحاداً فهو باطل في نفسه، كما قد بين في غير هذا الموضع.

المقصودون بالخطاب في هذا الكتاب
فنحن في هذا المقام إنما نخاطب من يتكلم في تعارض الأدلة السمعية والعقلية ممن يدعي حقيقة الإسلام من أهل الكلام، الذين يلبسون علي أهل الإيمان بالله ورسوله، وأما من أفصح بحقيقة قوله: وقال: إن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم بغيب، ولا تصديق بحقيقة ما أخبر به، ولا معرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وجنته وناره وغير ذلك ـ فهذا لكلامه مقام آخر.
فإن الناس في هذا الباب أنواع:
منهم من يقر بما جاء به السمع في المعاد دون الأفعال والصفات.
ومنهم من يقر بذلك في بعض أمور المعاد دون بعض.
ومنهم من يقر بذلك في بعض الصفات والمعاد مطلقاً دون الأفعال وبعض الصفات.
ومنهم من لا يقر بحقيقة شيء من ذلك لا في الصفات ولا في المعاد.
ومنهم من لا يقر بذلك أيضاً في الأمر والنهي، بل يسلك طريق التأويل في الخبر والأمر جميعا لمعارضة العقل عنده، كما فعلت القرامطة الباطنية.
وهؤلاء أعظم الناس كفراً وإلحاداً.
(1/176)

والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن يعرضه بالعقل البتة، لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع، فإذا شهد مرة أخري بفساده كانت دلالته متناقضة، فلا يصلح لا لإثبات السمع ولا لمعارضته.

اعتراض: الشهادة بصحة السمع ما لم يعارض العقل
فإن قال: أنا أشهد بصحته ما لم يعارض العقل.

الرد عليه من وجوه: الأول
قيل: هذا لا يصح لوجوه:
أحدهما: أن الدليل العقلي دل علي صدق الرسول وثبوت ما أخبر به مطلقاً، فلا يجوز أن يكون صدقه مشروطاً بعدم المعارض.

الثاني
الثاني: أنك إن جوزت عليه أن يعارضه العقل الدال علي فساده لم تثق بشيء منه، لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل علي فساده، فلا تكون قد علمت بعقلك صحته البتة، وأنت علمت صحته بالعقل.

الثالث
الثالث: أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له، سواء كان حقاً أو باطلاً، فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يثق بشيء من أخبار الرسول، لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما يناقض ما أخبر به الرسول.
ومن قال: أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل، أو أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل، لم يكن لقوله ضابط، فإن تصديقه بالسمع مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقي مع هذا الأصل إيمان.
(1/177)

ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان، بل يكون كما قال الأئمة: إن علماء الكلام زنادقة، وقالوا: قل أحد نظر في الكلام إلا كان في قلبه غل علي أهل الإسلام، ومرادهم بأهل الكلام من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة.
ففي الجملة: لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيماناً جازما، ليس مشروطاً بعدم معارض، فمتي قال: أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره لم يكن مؤمناً به، فهذا أصل عظيم تجب معرفته، فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنفاق.

الرابع
الرابع: أنهم قد سلموا أنه يعلم بالسمع أمور.
كما يذكرونه كلهم من أن العلوم ثلاثة أقسام: منها ما لا يعلم إلا بالعقل، ومنها ما لا يعلم إلا بالسمع، ومنها ما يعلم بالسمع والعقل.
وهذا التقسيم حق في الجملة، فإن من الأمور الغائبة عن حس الإنسان ما لا يمكن معرفته بالعقل، بل لا يعرف إلا بالخبر.
وطرق العلم ثلاثة: الحس، والعقل، والمركب منهما كالخبر.
فمن الأمور ما لا يمكن علمه إلا بالخبر، كما يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر، وما يعلم بخبر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وهذا التقسيم يجب الإقرار به، وقد قامت الأدلة اليقينية علي نبوات الأنبياء، وأنهم قد يعلمون بالخبر ما لا يعلم إلا بالخبر، وكذلك يعلمون غيرهم بخبر هم.
(1/178)

ونفس النبوة تتضمن الخبر، فإن النبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار بالمغيب، فالنبي يخبر بالمغيب ويخبرنا بالغيب، ويمتنع أن يقوم دليل صحيح علي أن كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر، فلا يمكن أن يجزم بأن كل ما أخبرت به الأنبياء هو منتف.
فإنه يمتنع أن يقوم دليل علي هذا النفي العام، ويمتنع أن يقول القائل: كل ما أخبر به الأنبياء يمكن غيرهم أن يعرفه بدون خبرهم، ولهذا كان أكمل الأمم علماً المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية، فمن كذب بطريق منها فاته من العلوم بحسب ما كذب به من تلك الطرق.
والمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات علي وجه يوافق أصولهم الفاسدة ـ كابن سينا وأمثاله ـ لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون بخبر يأتيهم عن الله، لا بخبر ملك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية، لكونهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس، ويسمون ذلك القوة القدسية، فحصروا علوم الأنبياء في ذلك.
وكان حقيقة قولهم: أن الأنبياء من جنس غيرهم، وأنهم لم يعلموا شيئاً بالخبر، ولهذا صار هؤلاء لا يستفيدون شيئاً بخبر الأنبياء، بل يقولون: إنهم خاطبوا الناس بطريق التخييل لمنفعة الجمهور، وحقيقة قولهم: أنهم كذبوا
(1/179)

لمصلحة الجمهور، هؤلاء في الحقيقة يكذبون الرسل، فنتكلم معهم في تحقيق النبوة علي الوجه الحق، لا في معارضة العقل والشرع.
وهذا الذي ذكرته مما صرح به فضلاؤهم، يقولون: الرسل إنما ينتفع بخبرهم الجمهور في التخييل، لا ينتفع بخبرهم أحد من العامة والخاصة في معرفة الغيب، بل الخاصة عندهم تعلم ذلك بالعقل المناقض لأخبار الأنبياء، والعامة لا تعلم ذلك لا بعقل ولا خبر، والبنوة إنما فائدتها تخييل ما يخبرون به للجمهور، كما يصرح بذلك الفارابي وابن سيناء وأتباعهما.
ثم لا يخلو الشخص إما أن يكون مقراً بخبر نبوة الأنبياء، وإما أن يكون غير مقر، فإن كان غير مقر بذلك لم نتكلم منه في تعارض الدليل العقلي والشرعي، فإن تعارضهما إنما يكون بعد الإقرار بصحة كل منهما لو تجرد عن المعارض، فمن لم يقر بصحة دليل عقلي البتة لم يخاطب في معارضة الدليل العقلي والشرعي، وكذلك من لم يقر بدليل شرعي لم يخاطب في هذا التعارض.
ومن لم يقر بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلاً شرعياً، فهذا يتكلم معه في تثبيت النبوات، فإذا ثبتت فحينئذ يثبت الدليل الشرعي، وحينئذ فيجب الإقرار بأن خبر
(1/180)

الأنبياء يوجب العلم بثبوت ما أخبروا به، ومن جوز أن يكون في نفس الأمر معارض ينفي ما دلت عليه أخبارهم أمتنع أن يعلم بخبرهم شيئاً، فإنه ما من خبر أخبروا به ولم يعلم هو ثبوته بعقله إلا وهو يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل يناقضه، فلا يعلم شيئاً مما أخبروا به بخبرهم، فلا يكون مقراً بنبوتهم، ولا يكون عنده شيء يعلم بالسمع وحده، وهم قد أقروا بأن العلوم ثلاثة: منها ما يعلم بالسمع وحده، ومنها ما يعلم بالعقل وحده، ومنها ما يعلم بهما.
وأيضاً، فقد قامت الأدلة العقلية اليقينية علي نبوة الأنبياء، وأنهم قد يعلمون ما يعلمونه بخبر الله وملائكته، تارة بكلام يسمعونه من الله كما سمع موسى بن عمران، وتارة بملائكة تخبرهم عن الله، وتارة بوحي يوحيه الله، كما قال تعالي {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] .
فتبين أن تجويزهم أن يكون في نفس الأمر دليل يناقض السمع يوجب أن لا يكون في نفس الأمر دليل سمعي يعلم به مخبره، وهذا مما تبين به تناقضهم ـ حيث أثبتوا الأدلة السمعية، ثم قالوا ما يوجب إبطالها، حيث أثبتوا الأدلة العقلية، ثم قالوا ما يوجب تناقضها، فإن العقل يعلم به صحة الأدلة السمعية، فمتي بطلت بطل العقل الدال علي صحة السمع، والدليل مستلزم للمدلول، ومتي
(1/181)

انتفي اللازم الذي هو المدلول انتفي ملزومه الذي هو الدليل، فيبطل العقل ـ وتناقضهم حيث أقروا بنبوات الأنبياء ثم قالوا ما يوجب بطلانها.
وأيضاً، فالأدلة العقلية توجب الإقرار بنبوة الأنبياء، فالقدح في نبوة الأنبياء قدح في الأدلة العقلية، ومع كون قولهم مستلزماً لتناقضهم فهو مستلزم لبطلان الأدلة العقلية والسمعية، وبطلان النبوات، وهذا من أعظم أنواع السفسطة، فتبين بعض ما في قولهم من أنواع السفسطة الدالة علي فساده، ومن أنواع التناقض الدالة علي جهلهم وتناقض مذاهبهم.
وإن قالوا: نحن لا نعلم شيئاً مما دل عليه الشرع من الخبريات، أو من الخبريات وغيرها، إلا أن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر به.
قيل: فيقال لكم علي هذا التقدير: فكل ما لا يعلم شخص بالاضطرار أن الرسول أخبر به يجب أن ينفيه إذا قام عنده ما يظنه دليلاً عقلياً!.
فإن قالوا: نعم، لزم أنه يجوز لكل أحد أن يكذب بما لم يضطر إلي أن الرسول أخبر به، وإن كان غيره قد علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به، وحينئذ فيلزم من ذلك تجويز تكذيب الرسول، ونفي الحقائق الثابتة في نفس الأمر، والقول بلا علم، والقطع بالباطل.
وإن قالوا: نحن إنما نجوز ذلك إذا قام دليل عقلي قاطع.
قيل: هذا باطل لوجهين:
(1/182)

أحدهما: أنه إذا لم يعلم بالاضطرار أنه أخبر به كان علي قولكم غير معلوم الثبوت، وحينئذ فإذا قام عنده دلالة ظنية ترجح النفي أخبر بموجبهما، وإن جوز أن يكون غيره يعلم باضطرار نقيضها.
الثاني: أن الأدلة العقلية القطعية ليست جنساً متميزاً عن غيره، ولا شيئاً اتفق عليه العقلاء، بل كل طائفة من النظار تدعي أن عندها دليلاً قطعياً علي ما تقوله، مع أن الطائفة الأخرى تقول: إن ذلك الدليل باطل، وإن بطلانه يعلم بالعقل، بل قد تقول: إنه قام عندها دليل قطعي علي نقيض قول تلك الطائفة، وإذا كانت العقليات ليست متميزة، ولا متفقاً عليها، وجوز أصحابها فيما لم يعلمه أحدهم بالاضطرار من أخبار الرسول أن يقدمها عليه ـ لزم من ذلك تكذيب كل من هؤلاء بما يعلم غيره بالاضطرار أن الرسول أخبر به.
ومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية، فإذا جوز الإنسان أن يكون ما علمه غيره من العلوم الضرورية باطلاً جوز أن تكون العلوم الضرورية باطلة، وإذا بطلت بطلت النظرية، فصار قولهم مستلزماً لبطلان العلوم كلها، وهذا مع أنه مستلزم لعدم علمهم بما يقولونه، فهو متضمن لتناقضهم، ولغاية السفسطة.
وإن قالوا: ما علمنا بالاضطرار أن الرسول أراده أقررنا به ن ولم نجوز أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علمه غيرنا لم نقر به، وجوزنا أن يكون في العقل
(1/183)

ما يناقضه ـ أمكن تلك الطائفة أن تعارضهم بمثل ذلك، فيقولون: بل نحن نقر علمنا الضروري، ونقدح في علمكم الضروري بنظرياتنا.
وأيضاً، فمن المعلوم أن من شافهه الرسول بالخطاب يعلم من مراده بالاضطرار ما لا يعلمه غيره، وأن من كان أعلم بالأدلة الدالة علي مراد المتكلم كان أعلم بمراده من غيره، وإن لم يكن نبياً فكيف بالأنبياء؟.
فإن النحاة أعمل بمراد الخليل وسبويه من الأطباء، والأطباء أعلم بمراد أبقراط وجالينوس من النحاة، والفقهاء أعلم بمراد الأئمة الأربعة وغيرهم من الأطباء
(1/184)

والنحاة، وكل من هذه الطوائف يعلم بالاضطرار من مراد أئمة الفن ما لا يعلمه غيرهم، فضلاً عن أن يعلمه علماً ضرورياً أو نظرياً.
وإذا كان كذلك فمن له اختصاص بالرسول، ومزيد علم بأقواله وأفعاله ومقاصده، يعلم بالاضطرار من مراده ما لا يعلمه غيره، فإذا جوز لمن يحصل له هذا العلم الضروري أن يقوم عنده قاطع عقلي ينفي ما علمه هؤلاء بالاضطراب لزم ثبوت المعارضة بين العلوم النظرية والضرورية، وأنه يقدم فيها النظرية، ومعلوم أن هذا فاسد.
فتبين أن قول هؤلاء يستلزم من تناقضهم وفساد مذاهبهم وتكذيب الرسل ما يستلزم من الكفر والجهل، وأنه يستلزم تقديم النظريات علي الضروريات، وذلك يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم الضرورية والنظرية.

الخامس
الخامس: أن الدليل المشروط بعدم المعارض لا يكون قطعياً، لأن القطعي لا يعارضه ما يدل علي نقيضه، فلا يكون العقل دالاً علي صحة شيء مما جاء به السمع، بل غاية الأمر: أن يظن الصدق فيما أخبر به الرسول.
وحينئذ فقولك: إنه تعارض العقل والنقل قول باطل، لأن العقل عندك قطعي، والشرع ظني ن ومعلوم أنه لا تعارض بين القطعي والظني.
(1/185)

فإن قيل: نحن جازمون بصدق الرسول فيما أخبربه، وأنه لا يخبر إلا بحق ن لكن إذا احتج علي خلاف ما اعتقدناه بشيء مما نقل عن الرسول يقبل هذه المعارضة للقدح: إما في الإسناد وإما في المتن:
إما أن نقول: النقل لم يثبت، إن كان مما لم تعلم صحته، كما تنقل أخبار الآحاد وما ينقل عن الأنبياء المتقدمين.
وإما في المتن بأن نقول: دلالة اللفظ علي مراد المتكلم غير معلومة، بل مظنونة، إما في محل النزاع، وإما فيما هو أعلم من ذلك، فنحن لا نشك في صدق الرسول، بل في صدق الناقل، أو دلالة المنقول علي مراده.
قيل: هذا العذر باطل في هذا المقام لوجوه:
أحدها: أن يقال لكم: فإذا علمتم أن الرسول أراد هذا المعني، إما أن تعملوا مراده بالاضطرار، كما يعلم أنه أتي بالتوحيد والصلوات الخمس والمعاد بالاضطرار، وإما بأدلة أخري نظرية، وقد قام عندكم القاطع العقلي علي خلاف ما علمتم أنه أراده، فكيف تصنعون؟
فإن قلتم: نقدم العقل، لزمكم ما ذكر من فساد العقل المصدق للرسول، مع الكفر وتكذيب الرسول.
وإن قلتم: نقدم قول الرسول، أفسدتم قولكم المذكور الذي قلتم فيه العقل أصل النقل، فلا يمكن تقديم الفرع علي أصله.
وإن قلتم: يمتنع معارضة العقل الصريح بمثل هذا السمع، لأنا علمنا مراد الرسول قطعاً.
(1/186)

قيل لكم: وهكذا يقول كل من علم مراد الرسول قطعاً: يمتنع أن يقوم دليل عقلي يناقضه، وحينئذ فيبقي الكلام: هل قام سمعي قطعي علي مورد النزاع أم لا؟ ويكون دفعكم للأدلة السمعية بهذا القانون باطلاً متناقضاً.
الوجه الثاني: أنه إذا كنتم لا تردون من السمع إلا ما لم تعلموا أن الرسول أرداه، دون ما علمتم أن الرسول أراده، بقي احتجاجكم بكون العقل معارضاً للسمع احتجاجاً باطلاً لا تأثير له.
الثالث: أنكم تدعون في مواضع كثيرة أن الرسول جاء بهذا، وأنا نعلم ذلك اضطراراً، ومنازعوكم يدعون قيام القاطع العقلي علي مناقض ذلك كما في المعاد وغيره، فكذلك يقول منازعوكم في العلو والصفات: إنا نعلم اضطرار مجيء الرسول بهذا، بل هذا أقوي، كما بسط في موضع آخر.

السادس
السادس: أن هذا يعارض بأن يقال: دليل العقل مشروط بعدم معارضة الشرع، لأن العقل ضعيف عاجز، والشبهات تعرض له كثيراً، وهذه المتائه والمحارات التي اضطرب فيها العقلاء لا أثق فيها بعقل يخالف الشرع.
ومعلوم أن هذا أولي بالقبول من الأول، بأن يقال ما يقال في:

السابع
السابع: وهو: أن العقل لا يكون دليلا مستقلاً في تفاصيل الأمور الإلهية واليوم الآخر، فلا أقبل منه ما يدل عليه إن لم يصدقه الشرع ويوافقه، فإن الشرع
(1/187)

قول المعصوم الذي لا يخطئ ولا يكذب، وخبر الصادق الذي لا يقول إلا حقاً، وأما آراء الرجال فكثيرة التهافت والتناقض، فأنا لا أثق برأيي وعقلي في هذه المطالب العالية الإلهية، ولا بخبر هؤلاء المختلفين المتناقضين الذين كل منهم يقول بعقله ما يعلم العقلاء أنه باطل، فما من هؤلاء أحد إلا وقد علمت أنه يقول بعقله ما يعلم أنه باطل، بخلاف الرسل، فإنهم معصومون، فأنا لا أقبل قول هؤلاء إن لم يزك قولهم ذلك المعصوم: خبر الصادق المصدوق.
ومعلوم أن هذا الكلام أولي بالصواب، وأليق بأولي الألباب، من معارضة أخبار الرسول، الذي علموا صدقه وأنه لا يقول إلا حقاً، بما يعرض لهم من الآراء والمعقولات، التي هي في الغالب جهليات وضلالات.
فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلي اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعاً لقوله تعالي {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ، وقوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] .
وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل ـ وإن جعلوه من المعقول بالبرهان ـ أعظم من أن يبسط في هذا المكان.
وقد تبين بذلك أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقاً بشرط، ولا موقوفاً علي انتفاء مانع، بل لا بد من تصديقه في كل ما أخبر به
(1/188)

تصديقاً جازماً، كما في أصل الإيمان به، فلو قال الرجل: أنا أؤمن به إن أذن لي أبي أو شيخي، أو: إلا أن ينهاني أبي أو شيخي ـلم يكن مؤمناً به بالاتفاق، وكذلك من قال: أؤمن به إن ظهر لي صدقه، لم يكن بعد قد آمن به، ولو قال: أؤمن به إلا أن يظهر لي كذبه، لم يكن مؤمنا.
وحينئذ فلا بد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي: لا سمعي ولا عقلي، وأن ما يظنه الناس مخالفاً له إما أن يكون باطلاً، وإما أن يكون مخالفاً، وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه: فهذا فاسد في العقل، كما هو كفر في الشرع.
ولهذا كان من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب علي الخلق الإيمان بالرسول إيماناً مطلقاً جازماً عاماً: بتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أوجب وأمر، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل، وأن من قال: يجب تصديق ما أدركته بعقلي، ورد ما جاء به الرسول لرأيي وعقلي، وتقديم عقلي علي ما أخبر به الرسول، مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به، فهو متناقض، فاسد العقل، ملحد في الشرع.
وأما من قال: لا أصدق ما أخبر به حتى أعلمه بعقلي، فكفره ظاهر، وهو ممن قيل فيه {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله
(1/189)

الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ، وقوله تعالى {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 82-85] .
ومن عارض ما جاءت به الرسل برأيه فله نصيب من قوله تعالى {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} [غافر: 34] وقوله تعالى {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر: 35] وقوله تعالى {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56] والسلطان: هو الكتاب المنزل من السماء، فكل من عارض كتاب الله المنزل بغير كتاب الله الذي قد يكون ناسخاً له أو مفسراً له، كان قد جادل في آيات الله بغير سلطان أتاه.
ومن هذا قوله تعالى {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: 5] ، وقوله تعالى {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} [الكهف: 56] وأمثال ذلك مما في كتاب الله تعالي مما يذم به الذين عارضوا رسل الله وكتبه بما عندهم من الرأي والكلام.
(1/190)

والبدع مشتقة من الكفر، فمن عارض الكتاب والسنة بآراء الرجال كان قوله مشتقاً من أقوال هؤلاء الضلال، كما قال مالك: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلي محمد صلي الله عليه وسلم لجدل هذا؟
فإن قيل: هذا الوجه غايته أنه لا تصح معارضة الشرع بالعقل، ولكن إذا طعن في العقل لم يبق لنا دليل علي صحة الشرع.
قيل: المقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل علي الشرع، وهو المطلوب.
وأما ثبوت الشرع في نفسه وعلمنا به، فليس هذا مقام إثباته، ونحن لم ندع أن أدلة العقل باطلة، ولا أن ما به يعلم صحة السمع باطل، ولكن ذكرنا أنه يمتنع معارضة الشرع بالعقل وتقدميه عليه، وأن من قال ذلك تناقض قوله، ولزمه أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، إذ كان عنده العقل يستلزم صحة ما هو باطل في نفسه، فلا بد أن يضطره الأمر إلي أن يقول: ما عارضه الدليل العقلي فليس هو عندي دليلا في نفس الأمر، به هو باطل، فيقال له: وهكذا ما عارضه الدليل السمعي فليس هو دليلاً في نفس الأمر، بل هو باطل، وحينئذ فيرجع الأمر إلي أن ينظر في دلالة الدليل، سواء كان سمعيا أو عقلياً، فإن كان دليلاً قطعياً لم يجز أن يعارضه شيء، وهذا هو الحق.
وأيضاً، فقد ذكرنا أن مسمي الدليل العقلي ـ عند من يطلق هذا اللفظ ـ جنس تحته أنواع، فمنها ما هو حق ومنها ما هو باطل باتفاق العقلاء، فإن الناس متفقون علي أن كثيراً من الناس يدخلون في مسمي هذا الاسم ما هو حق وباطل.
(1/191)

وإذا كان كذلك فالأدلة العقلية الدالة علي صدق الرسول إذا عارضها ما يقال إنه دليل عقلي يناقض خبره المعين، ويناقض مادل علي صدقه مطلقاً، لزم أن يكون أحد نوعي ما يسمي دليلاً عقلياً باطلاً: وتمام هذا بأن يقال:

الوجه الحادي عشر. كثير مما يسمي دليلاً ليس بدليل
الوجه الحادي عشر.
كثير مما يسمي دليلاً ليس بدليل
أن ما يسميه الناس دليلاً من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلاً، وإنما يظنه الظان دليلاً.
وهذ متفق عليه بين العقلاء، فإنهم متفقون علي أن ما يسمي دليلاً من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلاً في نفس الأمر.
فنقول: أما المتبعون للكتاب والسنة ـ من الصحابة والتابعين وتابعيهم ـ فهم متفقون علي دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك، لم يتنازعوا في دلالته علي ذلك، والمتنازعون في ذلك بعدهم لم يتنازعوا في أن السمع يدل علي ذلك، وإنما تنازعوا: هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه؟ وإلا فكلهم متفقون علي أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات، مثبتان لما جاءا به من أحوال الرسالة والمعاد.
والمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن النصوص السمعية تدل علي الإثبات، وأنه ليس في السمع دليل ظاهر علي النفي.
(1/192)

فقد اتفق الناس علي دلالة السمع علي الإثبات، وإن تنازعوا في الدلالة: هل هي قطعية أو ظنية؟ .
وأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا علي دليل واحد من العقليات، بل كل طائفة تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل علي فسادها، لا علي صحتها، فالمثبتة للصفات يقولون: إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة، كما يقول النفاة: إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة.
ومثبتة الرؤية يقولون: إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك، كما تقول النفاة: إنه يعلم بالعقل امتناع ذلك.
والمتنازعون في الأفعال هل تقوم به؟ يقولون: إنه علم بالعقل قيام الأفعال به، وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل.
ثم كثير من هؤلاء يقولون: إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل، لا في الآثار والشروط، وخصومهم يقولون: ليس الخلق إلا المخلوق، وليس الفعل إلا المفعول، وليس الإبداع والخلق شيئاً غير نفس الفعل ونفس المفعول المنفصل عنه، وإن ذلك معلوم بالعقل، لئلا يلزم التسلسل.
وكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك، كل هذه مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء، وهذا باب واسع، فأهل العقليات من أهل النفي والإثبات كل منهم يدعي أن العقل دل علي قوله المناقض لقول الآخر، وأما السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء.
(1/193)

وإذا كان كذلك قيل: السمع دلالته معلومة متفق عليها، وما يقال إنه معارض لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقاً عليها، بل فيها نزاع كثير، فلا يجوز أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء، بما دلالته المعارضة له متنازع فيها بين العقلاء.
واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة.
وليس في ذلك ـ ولله الحمد ـ دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل.
وحينئذ فنقول في:

الوجه الثاني عشر. كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده
الوجه الثاني عشر.
كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده
إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده، وإن لم يعارض العقل، وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع.
وهذه الجملة تفصيلها هو الكلام علي حجج المخالفين للسنة من أهل البدع بأن نبين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها، وهذا ـ ولله الحمد ـ مازال الناس يوضحونه، ومن تأمل ذلك وجد في المعقول مما يعلم به فساد المعقول المخالف للشرع ما لا يعلمه إلا الله.
(1/194)

الوجه الثالث عشر. الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها معلومة من الدين بالضرورة
الوجه الثالث عشر.
الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها معلومة من الدين بالضرورة
أن يقال: الأمور السمعية التي يقال: إن العقل عارضها كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك، هي مما علم بالاضطرار أن الرسول صلي الله عليه وسلم جاء بها، وما كان معلوما بالاضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلاً، مع كون الرسول رسول الله حقاً، فمن قدح في ذلك وادعي أن الرسول لم يجيء به، كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين.

العلم بمقاصد الرسول علم ضروري يقيني. الوجه الرابع عشر
العلم بمقاصد الرسول علم ضروري يقيني.
الوجه الرابع عشر
أن يقال: إن أهل العناية بعلم الرسول، العلمين بالقرآن، وتفسير الرسول صلي الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين لهم بإحسان، والعلمين بأخبار الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم، ولهذا كانوا كلهم متفقين علي ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر، كما اتفق أهل الإسلام علي نقل حروف القرآن، ونقل الصلوات الخمس والقبلة، وصيام شهر رمضان، وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر، كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر.
ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني، سواء كان التواتر لفظياً أو معنوياً، كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم، وفقه الأئمة الأربعة، وعدل العمرين، ومغازي النبي صلي الله عليه وسلم مع
(1/195)

المشركين وقتاله أهل الكتاب، وعدل كسري، وطب جالينوس، ونحو سيبويه، يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه، فإذا كان من ادعي في كلام سيبونه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلاناً وفساداً، لأن هذا معصوم محفوظ.
وجماع هذا: أن يعلم أن المنقول عن الرسول صلي الله عليه وسلم شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة، ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس، وإن كان عند غيره مجهولاً أو مظنوناً مكذوباً، وأهل العلم بأقواله كأهل العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم، وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول، كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل
(1/196)

وسيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند الأطباء من معاني أقوال أبقراط وجالينوس وغيرهما ما لا يتواتر عن غيرهم، ويتواتر عند كل أحد من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزعي وأحمد وأبي داود وأبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أهل العلم بنقله الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم، بحيث يعلمون بالاضطرار اتفاقهم علي تعديل مالك والثوري وشعبة
(1/197)

وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء، وعلى تكذيب محمد بن سعيد المصلوب وأبي البختري وهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبد الله الجويباري وأمثالهم

الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقلياً وإنما بكونه بدعياً. الوجه الخامس عشر
الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقلياً وإنما بكونه بدعياً.
الوجه الخامس عشر
أن يقال: كون الدليل عقلياً أو سمعياً ليس هو صفة تقتضي مدحاً ولا ذماً ولا صحة ولا فساداً، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لا بد معه من العقل، وكذلك كونه عقلياً أو نقلياً، وأما كونه شرعياً فلا يقابل بكونه عقلياً، وإنما يقابل بكونه بدعياً، إذ البدعة تقابل الشرعة، وكونه شرعياً صفة مدح، وكونه بدعياً صفة ذم، وما خالف الشريعة فهو باطل.
ثم الشرعي قد يكون سمعياً وقد يكون عقلياً، فإن كون الدليل شرعياً يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلوماً بالعقل أيضاً، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون شرعياً عقلياً.
(1/198)

وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالي عليها في كتابه العزيز، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة علي توحيده وصدق رسله، وإثبات صفاته وعلي المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية.
وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعياً.
وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه، ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليات، والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.
وهذا غلط منهم، بل القرآن دل علي الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53] .
وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات.
والشارع يحرم الدليل لكونه كذباً في نفسه، مثل أن تكون إحدي مقدماته باطلة، فإنه كذب، والله يحرم الكذب، لاسيما عليه، كقوله تعالى {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه} [الأعراف: 169] .
(1/199)

ويحرمه لكون المتكلم به بلا علم، كما قال تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ، وقوله تعالي {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ، وقوله {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} آل عمران: 66] .
ويحرمه لكونه جدالاً في الحق بعد ما تبين، كقوله تعالى {يجادلونك في الحق بعد ما تبين} الأنفال: 6] ، وقوله تعالى {ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق} [الكهف: 56] .
وحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي، ويكون مقدماً عليه، بل هذا بمنزلة من يقول: إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالي تكون مقدمة علي الشرعة التي أمر الله بها، أو يقول: الكذب مقدم علي الصدق، أو يقول، خبر غير النبي صلي الله عليه وسلم يكون مقدما علي خبر النبي، أو يقول: ما نهي الله عنه يكون خيراً مما أمر الله به، ونحو ذلك، وهذا كله ممتنع.
وأما الدليل الذي يكون عقلياً أو سمعيا من غير أن يكون شرعيا، فقد يكون راجحا تارة ومرجوحا أخري، كما أنه قد يكون دليلا صحيحا تارة، ويكون شبهة فاسدة أخري، فما جاءت به الرسل عن الله تعالي إخباراً أو أمراً لا يجوز أن يعارض بشيء من الأشياء، وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره، إذ قد يكون حقا تارة وباطلاً أخري، وهذا مما لا ريب فيه لكن من الناس من يدخل في الأدلة الشريعة ما ليس منها، كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها، والكلام هنا علي جنس الأدلة، لا علي أعيانها.
(1/200)

المعارضون ينتهون إلي التأويل أو التفويض وهما باطلان. الوجه السادس عشر
المعارضون ينتهون إلي التأويل أو التفويض وهما باطلان.
الوجه السادس عشر
أن يقال: غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض، فأما الذي ينتهون إلي أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة.
والتأويل المقبول: هو ما دل علي مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلي دليل خاص.
وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد.
وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالي أمرنا أن نتدبر القرآن، وحضنا علي عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟
(1/201)

وأيضاً، فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلي النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلي التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره علي الكفر والباطل، وأراد منا أن نفهم منه شيئاً، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه.
وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد.
وبهذا احتج الملاحدة، كابن سينا وغيره، علي مثبتي المعاد، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم، وزعموا أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله تعالي ولا باليوم الآخر، فكان الذي استطالوا به علي هؤلاء هو موافقتهم لهم علي نفي الصفات، وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم ودحضت حجتهم.
(1/202)

ولهذا كان أبن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف، يعين أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسل، وأولئك جعلوا الجميع تخيلا وتوهيماً.
ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة، فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة.
ثم إن ابن سينا وأمثاله من الباطنية المتفلسفة والقرامطة يقولون: إنه أراد من المخاطبين أن يفهموا الأمر علي خلاف ما هو عليه، وأن يعتقدوا ما لا حقيقة له في الخارج، لما في هذا التخييل والاعتقاد الفاسد لهم من المصلحة.
والجهمية والمعتزلة وأمثالهم يقولون: إنه أراد أن يعتقدوا الحق علي ما هو عليه، مع علمهم بأنه لم يبين في الكتاب والسنة، بل النصوص تدل علي نقيض ذلك، فأولئك يقولون: أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به، وهؤلاء يقولون: أراد اعتقاد ما لم يدلهم إلا علي نقيضه.
والمؤمن يعلم بالاضطرار أن كلا القولين باطل، ولا بد للنفاة أهل التأويل من هذا أو هذا: وإذا كان كلاهما باطلاً كان تأويل النفاة للنصوص باطلاً:
(1/203)

فيكون نقيضه حقاً، وهو إقرار الأدلة الشرعية علي مدلولاتها، ومن خرج عن ذلك لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد.
وما ذكرناه من لوازم قول التفويض: هو لازم لقولهم الظاهر المعروف بينهم، إذ قالوا: إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة، ولكن لم يبين للناس مراده بها، ولا أوضحه إيضاحاً يقطع به النزاع.
وأما علي قول أكابرهم: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها ـفعلي قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه، وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة، والنصوص المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة، والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة.
ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدي وبياناً للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه ـوهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقاً لكل شيء، وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهي، ووعد وتوعد، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر ـ لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين.
(1/204)

وعلي هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به.
فيبقي هذا الكلام سداً لباب الهدي والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدي والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون: فضلاً عن أن يبينوا مرادهم.
فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.
فإن قيل: أنتم تعلمون أن كثيراً من السلف رأوا أن الوقف عند قوله {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 6] ، بل كثير من الناس يقول: هذا هو قول السلف، ونقلوا هذا القول عن أبي بن كعب وابن مسعود وعائشة وابن عباس وعروة بن الزبير وغير واحد من السلف والخلف، وإن كان القول الآخر ـوهو أن السلف يعلمون تأويله ـ منقولاً عن ابن عباس أيضاً، وهو قول مجاهد ومحمد بن جعفر وابن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وما ذكرتموه قدح في أولئك السلف وأتباعهم.
(1/205)

قيل: ليس الأمر كذلك، فإن أولئك السلف الذين قالوا: لا يعلم تأويله إلا الله كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم، ولم يكن لفظ التأويل عندهم يراد به معني التأويل الاصطلاحي الخاص، وهو صرف اللفظ عن المعني المدلول عليه المفهوم منه إلي معني يخالف ذلك، فإن تسمية هذا المعني وحده تأويلا إنما هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، ليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، لاسيما ومن يقول إن لفظ التأويل هذا معناه يقول: إنه يحمل اللفظ علي المعني المرجوح لدليل يقترن به، وهؤلاء يقولون: هذا المعني المرجوح لا يعلمه أحد من الخلق، والمعني الراجح لم يرده الله.
وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به ما أراده الله بلفظ التأويل في مثل قوله تعالي {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] ، وقال تعالي {ذلك خير وأحسن تأويلاً} [النساء: 59] ، وقال يوسف {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} [يوسف: 100] ، وقال يعقوب له {ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: 6] ، {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله} [يوسف: 45] ، وقال يوسف {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] .
فتأويل الكلام الطلبي: الأمر والنهي، وهو نفس فعل المأمور به وترك المنهي عنه، كما قال سفيان بن عيينة: السنة تأويل الأمر والنهي، و «قالت
(1/206)

عائشة: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم في يقول ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن» ، وقيل لعروة بن الزبير: فما بال عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً؟ قال: تأولت كما تأول عثمان ونظائره متعددة.
وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله: هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
وكذلك قال ابن الماجوشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن علمنا تفسيره ومعناه.
ولهذا رد أحمد بن حنبل علي الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه علي غير تأويله، فرد علي من حمله علي غير ما أريد به، وفسر هو جميع الآيات المتشابهة، وبين المراد بها.
وكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن، وكانوا يقولون: إن العلماء يعلمون تفسيره وما أريد به، وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وكذلك
(1/207)

لا يعلمون كيفية الغيب، فإن ما أعده الله لأوليائه من النعيم لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر علي قلب بشر، فذاك الذي أخبر به لا يعلمه إلا الله، فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعني، فهذا حق.
وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا الله، فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله، وقالوا: إنهم يعلمون معناه.
كما قال مجاهد: عرضت المصحف علي ابن عباس من فاتحته إلي خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها.
وقال ابن مسعود: ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم أنزلت.
وقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها.
ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين، كما قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا في كتاب الله بيانها.
وأمثال ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة، مما ليس هذا موضع بسطه.

العقليات المبتدعة بنيت علي أقوال مشتبهة مجملة تشتمل علي حق وباطل. الوجه السابع عشر
العقليات المبتدعة بنيت علي أقوال مشتبهة مجملة تشتمل علي حق وباطل.
الوجه السابع عشر
أن يقال: الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات: من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك، إنما يبنون أمرهم في ذلك علي أقوال مشتبهة مجملة، تحتمل
(1/208)

معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه لفظاً ومعني يوجب تناولها لحق وباطل، فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل ونصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع، فإن البدعة لو كانت باطلا محضاً لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقاً محضاً لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل وقد بسطنا الكلام علي هذا في غير هذا الموضع.
ولهذا قال تعالي فيما يخاطب به أهل الكتاب علي لسان محمد صلي الله عليه وسلم {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون * ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 40-42] ، فنهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمانه.
ولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، كما قال تعالى {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9] .
ومنه التلبيس، وهو التدليس، وهو الغش، لأن المغشوش من النحاس تلبسه فضة تخالطه وتغطيه، كذلك إذا لبس الحق بالباطل يكون قد أظهر الباطل
(1/209)

في صورة الحق، فالظاهر حق، والباطن باطل، ثم قال تعالى {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] .
وهنا قولان.
قيل: إنه نهاهم عن مجموع الفعلين، وإن الواو واو الجمع التي يسميها نحاة الكوفة واو الصرف، كما في قولهم لاتأكل السمك وتشرب اللبن كما قال تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] علي قراءة النصب، وكما في قوله تعالى {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} [الشورى: 34-35] علي قراءة النصب، وعلي هذا فيكون الفعل الثاني في قوله {وتكتموا الحق} منصوباً، والأول مجزوماً.
وقيل: بل الواو هي الواو العاطفة المشركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون قد نهي عن الفعلين من غير اشتراط اجتماعهما، كما إذا قيل: لا تكفر وتسرق وتزن.
وهذا هو الصواب، كما في قوله تعالي {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] ولو ذمهم علي الاجتماع لقال: وتكتموا الحق بلا نون وتلك الآية نظير هذه.
ومثل هذا الكلام إذا أريد به النهي عن كل من الفعلين فإنه قد يعاد فيه حرف النفي، كما تقول: لا تكفر، ولا تسرق، ولا تزن.
ومنه قوله تعالي {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] .
(1/210)

وأما إذا لم يعد حرف النفي فيكون لارتباط أحد الفعلين بالآخر، مثل أن يكون أحدهما مستلزماً للآخر، كما قيل: لا تكفر بالله وتكذب أنبياءه، ونحو ذلك.
وما يكون اقترانهما ممكناً لا محذور فيه، لكن النهي عن الجميع فهو قليل في الكلام.
ولذلك قل ما يكون فيه الفعل الثاني منصوباً، والغالب علي الكلام جزم الفعلين.
وهذا مما يبين أن الراجح في قوله: (وتلبسوا) أن تكون الواو واو العطف، والفعل مجزوماً، ولم يعد حرف النفي لأن أحد الفعلين مرتبط بالآخر مستلزم له، فالنهي عن الملزوم ـ وإن كان يتضمن النهي عن اللازم ـفقد يظن أنه ليس مقصوداً للنهي، وإنما هو واقع بطريق اللزوم العقلي.
ولهذا تنازع الناس في الأمر بالشيء: هل يكون أمراً بلوازمه؟ وهل يكون نهياً عن ضده؟ مع اتفاقهم علي أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده.
ومنشأ النزاع: أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد، ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا علي ترك المأمور فقط، لا يعاقبه علي ترك لوازمه وفعل ضده.
وهذه المسألة هي الملقبة بأن: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد غلط فيها بعض الناس، فقسموا ذلك إلي ما لا يقدر المكلف عليه كالصحة في الأعضاء والعدد في الجمعة، ونحو ذلك مما لا يكون قادراً علي تحصيله، وإلي ما يقدر عليه كقطع المسافة إلي الحج، وغسل جزء من الرأس في الوضوء، وإمساك
(1/211)

جزء من الليل في الصيام، ونحو ذلك، فقالوا: ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
وهذا التقسيم خطأ، فإن هذه الأمور التي ذكروها هي شرط في الوجوب، فلا يتم الوجوب إلا بها، وما لا يتم الوجوب إلا به لا يجب علي العبد فعله باتفاق المسلمين، سواء كان مقدوراً عليه أو لا، كالاستطاعة في الحج واكتساب نصاب الزكاة، فإن العبد إذا كان مستطيعاً للحج وجب عليه الحج، وإذا كان مالكاً لنصاب الزكاة وجبت عليه الزكاة، فالوجوب لا يتم إلا بذلك، فلا يجب عليه تحصيل استطاعة الحج، ولا ملك النصاب.
ولهذا من يقول: إن الاستطاعة في الحج ملك المال، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فلا يوجبون عليه اكتساب المال، ولم يتنازعوا إلا فيما إذا بذلت له الاستطاعة: إما بذل الحج، وإما بذل المال له من ولده، وفيه نزاع معروف في مذهب الشافعي وأحمد، ولكن المشهور من مذهب أحمد عدم الوجوب، وإنما أوجبه طائفة من أصحابه، لكون الأب له علي أصله أن يتملك مال ولده، فيكون قبوله كتملك المباحات، والمخالفون لهؤلاء من أصحابه لا يوجبون عليه اكتساب المباحات، والمشهور من مذهب الشافعي الوجوب ببذل الابن الفعل.
(1/212)

والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، وأن الكلام في القسم الثاني، فما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك، فعلي المكلف فعله باتفاق المسلمين.
لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة، أو ترك الجمعة وهو بعيد الدار عن الجامع فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار، ومع هذا فلا يقال: إن عقوبة هذا أعظم من عقوبة قريب الدار، والواجب ما يكون تركه سبباً للذم والعقاب، فلو كان هذا الذي لزم فعله بطريق التبع مقصوداً بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه أعظم، فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقاباً ممن تركه من أهل مكة والطائف، ومن ترك الجمعة من أقصي المدينة أعظم عقاباً ممن تركها من جيران المسجد الجامع.
فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم، وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب القريب، نشأت من ههنا الشبهة: هل هو واجب أو ليس بواجب؟ والتحقيق: أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي، لا بطريق قصد الآمر، بل بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالماً بأنه لا بد من وجودها، وإن كان ممن يجوز عليه الغفلة فقد لا تخطر بقلبه اللوازم.
ومن فهم هذا انحلت عنه شبهة الكعبي: هل في الشريعة مباح أم لا؟ فإن الكعبي زعم أنه لا مباح في الشريعة، لأنه ما من فعل يفعله العبد من المباحات
(1/213)

إلا وهو مشتغل به عن محرم، والنهي عن المحرم أمر بأحد أضداده، فيكون من فعله من الباحات هو من أضداد المحرم المأمور بها.
وجوابه أن يقال: النهي عن الفعل ليس أمراً بضد معين، لا بطريق القصد ولا بطريق اللزوم، بل هو نهي عن الفعل المقصود تركه بطريق القصد، وذلك يستلزم الأمر بالقدر المشترك بين الأضداد، فهو أمر بمعني مطلق كلي، والأمر بالمعني المطلق الكلي ليس أمراً بمعين بخصوصه، ولا نهياً ننه، بل لا يمكن فعل المطلق إلا بمعين، أي معين كان، فهو أمر بالقدر المشترك بين المعينات، فما امتاز به معين عن معين فالخيرة فيه إلي المأمور، لم يؤمر به ولم ينه عنه، وما أشتركت فيه المعنيات ـ وهو القدر المشترك ـ فهو الذي أمر به الآمر.
وهذا يحل الشبهة في مسألة المأمور المخير، والأمر بالماهية الكلية: هل يكون أمراً بشيء من جزئياتها أم لا؟ فالمخير هو الذي يكون أمر بخصلة من خصال معينة، كما في فدية الأذى وكفارة اليمين، كقوله تعالى {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ، وقوله تعالى {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] فهنا اتفق المسلمون علي أنه إذا فعل واحد منها برئت ذمته، وأنه إذا ترك الجميع لم يعاقب علي ترك الثلاثة، كما يعاقب إذا وجب عليه أن يفعل الثلاثة كلها.
(1/214)

وكذلك اتفق العقلاء المعتبرون علي أن الواجب ليس معيناً في نفس الأمر، وأن الله لم يوجب عليه ما علم أنه سيفعله، وإنما يقول هذا بعض الغالطين، ويحكيه طائفة عن طائفة غلطاً عليهم، بل أوجب عليه أن يفعل هذا أو هذا، وهو كما قال أبن عباس: كل شيء في القرآن أو.......
أو فهو علي التخيير، وكل شيء في القرآن فمن لم يجد فهو علي الترتيب، والله يعلم أن العبد يفعل واحدا بعينه مع علمه أنه لم يوجبه عليه بخصوصه.
ثم اضطراب الناس هنا: هل الواجب الثلاثة، فلا يكون هناك فرق بين المعين وبين المخير، أو الواجب واحد لا بعينه، فيكون المأمور به مبهماً غير معلوم للمأمور؟ ولا بد في الأمر من تمكن المأمور من العلم بالمأمور به والعمل به، والقول بأيجاب الثلاثة يحكي عن المعنزلة، والقول بإيجاب واحد لا بعينه هو قول الفقهاء.
وحقيقة الأمر: أن الواجب هو القدر المشترك بين الثلاثة، وهو مسمي أحدها.
فالواجب أحد الثلاثة، وهذا معلوم متميز معروف للمأمور، وهذا المسمي يوجد في هذا المعين وهذا المعين وهذا المعين، فلم يجب واحد بعينه غير معين، بل وجب أحد المعينات، والامتثال يحصل بواحد منها وإن لم يعينه الآمر.
والمتناقض هو أن يوجب معينا ولا يعينه، أما إذا كان الواجب غير معين بل هو القدر المشترك، فلا منافاة بين الإيجاب وترك التعيين.
(1/215)

وهذا يظهر بالواجب المطلق، وهو الأمر بالماهية الكلية، كالأمر بإعتاق رقبة، فإن الواجب رقبة مطلقة، والمطلق لا يوجد إلا معيناً، لكن لا يكون معيناً في العلم والقصد، فالآمر لم يقصد واحداً بعينه، مع علمه بأنه لا يوجد إلا معيناً، وأن المطلق الكلي عند الناس وجوده في الأذهان لا في الأعيان، فما هو مطلق كلي في أذهان الناس لا يوجد إلا معيناً مشخصاً متميزاً في الأعيان، وإنما سمي كليا لكونه في الذهن كلياً، وأما في الخارج فلا يكون في الخارج ما هو كلي أصلاً.
وهذا الأصل ينفع في عامة العلوم، فلهذا يتعدد ذكره في كلامنا بحسب الحاجة إليه، فيحتاج أن يفهم في كل موضع يحتاج إليه فيه، كما تقدم، وبسبب الغلط فيه ضل طوائف من الناس، حتى في وجود الرب تعالي، وجعلوه وجوداً مطلقاً، إما بشرط الإطلاق، وإما بغير شرط الإطلاق، وكلاهما يمتنع وجوده في الخارج.
والمتفلسفة منهم من يقول: يوجد المطلق بشرط الإطلاق في الخارج، كما يذكر عن شيعة أفلاطون القائلين بالمثل الأفلاطونية، ومنهم من يزعم وجود المطلقات في الخارج مقارنة للمعينات، وأن الكلي المطلق جزء من المعين الجزئي، كما يذكر عمن يذكر عنه من أتباع أرسطو صاحب المنطق.
وكلا القولين خطأ صريح، فإنا نعلم بالحس وضرورة العقل أن الخارج ليس فيه شيء معين مختص لا شركة فيه أصلاً، ولكن المعاني الكلية العامة المطلقة في الذهن، كالألفاظ المطلقة والعامة في اللسان، وكالخط الدال علي تلك الألفاظ،
(1/216)

فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعني، فكل من الثلاثة يتناول الأعيان الموجودة في الخارج ويشملها ويعمها، لا أن في الخارج شيئاً هو نفسه يعم هذا وهذا، أو يوجد في هذا وهذا، أو يشترك فيه هذا وهذا، فإن هذا لا يقوله من يتصور ما يقول: وإنما يقوله من اشتبهت عليه الأمور الذهنية بالأمور الخارجية، أو من قلد بعض من قال ذلك من الغالطين فيه.
ومن علم هذا علم كثيراً مما دخل في المنطق من الخطأ في كلامهم في الكليات والجزئيات، مثل الكليات الخمس: الجنس، والفصل، والنوع، والخاصة، والعرض العام.
وما ذكروه من الفرق بين الذاتيات واللوازم للماهية، وما ادعوه من تركيب الأنواع من الذاتيات المشتركة المميزة التي يسمونها الجنس والفصل، وتسمية هذه الصفات أجزاء الماهية، ودعواهم أن هذه الصفات التي يسمونها أجزاء تسبق الموصوف في الوجود الذهني والخارجي جميعاً، وإثباتهم في الأعيان الموجودة في الخارج حقيقة عقلية مغايرة للشيء المعين الموجود، وأمثال ذلك من أغاليطهم التي تقود من اتبعها إلي الخطأ في الإلهيات، حتى يعتقد في الموجود الواجب: أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق كما قاله طائفة من الملاحدة، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية كلها كما قاله ابن سينا وأمثاله، مع العلم بصريح العقل أن المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية يمتنع وجوده في الخارج، فيكون الواجب الوجود ممتنع الوجود.
(1/217)

وهذا الكفر المتناقض وأمثاله هو سبب ما اشتهر بين المسلمين أن المنطق يجر إلي الزندقة، وقد يطعن في هذا من لم بفهم حقيق المنطق وحقيقة لوازمه، ويظن انه في نفسه لا يستلزم صحة الإسلام ولا فساده، ولا ثبوت حق ولا انتقاءه، وإنما هو آلة تعصم مراعاتها عن الخطأ في النظر، وليس الأمر كذلك، بل كثير مما ذكروه في المنطق يستلزم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، ويكون من قال بلوازمه ممن قال الله تعالى فيه: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] .
والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضوع، وإنما يلتبس علي كثير من الناس بسبب ما في ألفاظه من الإجمال والاشتراك والإبهام، فإذا فسر المراد بتلك الألفاظ انكشفت حقيقة المعاني المعقولة، كما سننبه علي ذلك إن شاء الله تعالي.
والغرض هنا: أن الأمر بالشيء الذي له لوازم لا توج
إلا بوجوده، سواء كانت سابقة علي وجوده أو كانت لاحقة لوجوده، قد يكون الآمر قاصداً للأمر بتلك اللوازم، بحيث يكون آمراً بهذا وبهذا اللازم، وأنه إذا تركهما عوقب علي كل منهما، وقد يكون المقصود أحدهما دون الآخر، وكذلك النهي عن الشيء الذي له ملزوم، قد يكون قصده أيضاً ترك الملزوم لما فيه من المفسدة، وقد يكون تركه غير مقصود له، وإنما لزم لزوماً.
ومن هنا ينكشف لك سر مسألة اشتباه الأخت بالأجنبية، والمذكي بالميت، ونحو ذلك مما ينهي العبد فيه عن فعل الاثنين لأجل الاشتباه، فقالت طائفة: كلتاهما محرمة، وقالت طائفة: بل المحرم في نفس الأمر الأخت والميتة، والأخرى
(1/218)

إنما نهي عنها لعلة الاشتباه، وهذا القول أغلب علي فطرة الفقهاء، والأول أغلب علي طريقة من لا يجعل في الأعيان معاني تقتضي التحليل والتحريم، فيقول: كلاهما نهي عنه، وإنما سبب النهي اختلف.
والتحقيق في ذلك أن المقصود للناهي اجتناب الأجنبية والميتة فقط، والمفسدة التي من أجلها نهي عن العين موجودة فيها فقط، وأما ترك الأخرى فهي من باب اللوازم فهنا لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه، وهنا لا يتم فعل الواجب إلا بفعله.
وهذا نظير من ينهاه الطبيب عن تناول شراب مسموم، واشتبه ذلك القدح بغيره، فعلي المريض اجتناب القدحين، والمفسدة في أحدهما، ولهذا لو أكل الميتة والمذكي لعوقب علي أكل الميتة، كما لو أكلها وحدها، ولا يزداد عقابه بأكل المذكي، بخلاف ما إذا أكل ميتتين فإنه يعاقب علي أكلهما أكثر من عقاب من أكل إحداهما.
إذا عرف هذا فقوله تعالى {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} [البقرة: 42] ، نهي عنهما، والثاني لازم للأول مقصود بالنهي، فمن لبس الحق بالباطل كتم الحق وهو معاقب علي لبسه الحق بالباطل، وعلي كتمانه الحق، فلا يقال: النهي عن جمعهما فقط، لأنه لو كان هذا صحيحاً لم يكن مجرد كتمان الحق موجباً للذم، ولا مجرد لبس الحق بالباطل موجباً للذم، وليس الأمر كذلك، فإن كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله من البينات والهدي من بعد ما بينه للناس يستحقون به العقاب باتفاق المسلمين، وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله الله بالباطل
(1/219)

الذي ابتدعوه، وجمع بينهما بدون إعادة حرف النفي لأن اللبس مستلزم للكتمان، ولم يقتصر علي الملزوم لأن اللازم مقصود بالنهي.
فهذا يبين لك بعض ما في القرآن من الحكم والأسرار، وإنما كان اللبس مستلزماً للكتمان لأن من لبس الحق بالباطل، كما فعله أهل الكتاب ـ حيث ابتدعوا ديناً لم يشرعه الله، فأمروا بما لم يأمر به، ونهوا عما لم ينه عنه، وأخبروا بخلاف ما أخبر به ـ فلابد له أن يكتم من الحق المنزل ما يناقض بدعته، إذ الحق المنزل الذي فيه خبر بخلاف ما أخبر به إن لم يكتمه لم يتم مقصوده، وكذلك الذي فيه إباحة لما نهي عنه أو إسقاط لما أمر به.
والحق المنزل إما أمر ونهي وإباحة، وإما خبر، فالبدع الخبرية كالبدع المتعلقة بأسماء الله تعالي وصفاته والنبيين واليوم الآخر لا بد أن يخبروا فيها بخلاف ما أخبر الله به، والبدع الأمرية، كمعصية الرسول المبعوث إليهم ونحو ذلك، لا بد أن يأمروا فيها بخلاف ما أمر الله به، والكتب المتقدمة تخبر عن الرسول النبي الأمي وتأمر باتباعه.
والمقصود هنا الاعتبار، فإن بني إسرائيل قد ذهبوا أو كفروا، وإنما ذكرت قصصهم عبرة لنا، وكان بعض السلف يقول: إن بني إسرائيل ذهبوا، وإنما يعني أنتم، ومن الأمثال السائرة: إياك أعني واسمعي يا جارة فكان فيما خاطب الله بني إسرائيل عبرة لنا: أن لا نلبس الحق بالباطل، ونكتم الحق.
(1/220)

والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفيات، أو ذوقيات ووجديات وحقائق وغير ذلك، لا بد أن تشمل علي لبس حق بباطل وكتمان حق، وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله، فلا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه، ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه.
ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لا بد له أن يلبس فيه حقاً بباطل، بسبب ما يقوله من الألفاظ المجملة المتشابهة.
ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد علي الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن، وتأولته علي غير تأويله مما كتبه في حبسه ـ وقد ذكره الخلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلي، وأبو الفضل التميمي، وأبو الوفاء بن عقيل، وغير واحد من أصحاب أحمد، ولم ينفه أحد منهم عنه ـ قال في أوله: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلي الهدى، ويبصرون منهم علي الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم علي الناس وأقبح أثر الناس عليهم ‍‍‍‍‍‍! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي
(1/221)

مخالفة الكتاب يقولون علي الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما بشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.

المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر
والمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ المتشايهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل علي عرض، إما مسمي مصدر عقل يعقل عقلا، وإما قوة يكون بها العقل، وهي العزيزة، وهم يريدون بذلك جوهراً مجرداً قائماً بنفسه.
وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم، والتحيز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث، والقدم بل ولفظ الواجب، والممكن، بل ولفظ الوجود، والذات وغير ذلك من الألفاظ.
وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون علي ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم، كما لأهل الصناعات العلمية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم، وهذه
(1/222)

الألفاظ هي عرفية عرفاً خاصاً، ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة، سواء كان ذلك المعني حقاً أو باطلاً.
وإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلي بيان:
وذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا، ويلبسون علي الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق، ويقولون أيضاً: إنه موافق للشرع، إذا لم يظهروا مخالفة الشرع، كما يفعله الملاحدة من القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم.
وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم ـ مع كونه ليس هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن ـ فقد يفضي إلي مخالفة ألفاظ القرآن في الظاهر.
فإن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخري ليست في القرآن، وربما جاءت في القرآن بمعني آخر، فليست تلك العبارات مما أثبته القرآن، بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفياً باطلاً، نفاه الشرع والعقل، وهم اصطلحوا بتلك العبارات علي معان غير معانيها في لغة العرب، فتبقي إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب علي باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص علي باطل، فمن خاطبهم بلغة العرب قالوا: إنه لم يفهم مرادنا، ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال ما يخالف القرآن، وكان هذا من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة.

معني لفظ التوحيد في الكتاب والسنة مخالف لما يقصده المبتدعة
وهذا كالألفاظ المتقدمة مثل لفظ: القدم، والحدوث، والجوهر، والجسم، والعرض، والمركب، والمؤلف، والمتحيز، والبعض، والتوحيد،
(1/223)

والواحد، فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم: ما لا صفة له ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يرى، والتوحيد الذي جاء به الرسول لم يتضمن شيئا من هذا النفي، وإنما تضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات.
قال جابر بن عبد الله في حديثه الصحيح في سياق حجة الوداع «فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» وكانوا في الجاهلية يقولولن: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك فأهل النبي صلي الله عليه وسلم بالتوحيد كما تقدم.
قالت تعالي {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] .
وقال تعالى {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} [النحل: 51] وقال تعالى {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه} [المؤمنون: 117] وقال تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون}
(1/224)

[الزخرف: 45] ، وقال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] .
وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلي عبادة الله وحده لا شريك له.
وقال تعالي {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] ، وقال تعالى عن المشركين: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] ، وقال تعالى {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا} [الإسراء: 46] ، وقال تعالى {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} [الزمر: 45] ، وقال تعالى {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات: 35-36] وهذا في القرآن كثير.
وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد.
ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد.
وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ثلاث معان، وهو: واحد في ذاته لا قسيم له، أو لا جزء له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله
(1/225)

لا شريك له.
وهذا المعني الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما يوافق ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم، وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول، بل التوحيد الذي أمر به أمر يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخري، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل وكتم الحق.
وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالي من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء ـ لم يكن موحداً، بل ولا مؤمناً حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.
والإله هو بمعني المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعني القادر علي الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعني القادر علي الاختراع، واعتقد أن هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من المتكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين.
وقال تعالى {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] ، قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله، وهم مع هذا يعبدون غيره، وقال تعالي {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84-89] ، وقال تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت: 61] .
(1/226)

فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابداً له دون ما سواه، داعياً له دون سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويطيع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهي عنه.
وقد قال تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] ، وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له أنداداً، قال تعالى {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر: 43-44] .
وقال تعالى {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] ، وقال تعالى {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] ، وقال تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] .
ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالي، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك: وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سبباً وواسطة لم أكن مشركاً.
(1/227)

ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهم لا يدخلونه في مسمي التوحيد الذي اصطلحوا عليه، وأدخلوا في ذلك نفي صفاته، فإنهم إذا قالوا: لا قسيم له، ولا جزء له، ولا شبيه له، فهذا اللفظ ـ وإن كان يراد به معني صحيح ـ فإن الله ليس كمثله شيء، هو سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق، ولا يفسد، ولا يستحيل، بل هو أحد صمد، والصمد: الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده، فإنهم يدرجون في هذا نفي علوه علي خلقه ومباينته لمصنوعاته، ونفي ما ينفونه من صفاته، ويقولون: إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركباً منقسماً، وأن يكون له شبيه.
وأهل العلم يعلمون أن مثل هذا لا يسمي في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيباً وانقساماً، ولا تمثيلاً، وهكذا الكلام في مسمى الجسم والعرض والجوهر والمتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون: إن القرآن مخلوق، لم يتكلم الله به، وينفون بها رؤيته، لأن رؤيته، لأن رؤيته علي اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك: فلا تجوز رؤيته.
وكذلك يقولون: إن المتكلم لا يكون إلا جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلماً، ويقولون: لو كان فوق العرش لكن جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلماً فوق العرش، وأمثال ذلك.
(1/228)

إما أن نمتنع عن التكلم بالألفاظ المبتدعة. وإما نقبل ما وافق معناه الكتاب والسنة
إما أن نمتنع عن التكلم بالألفاظ المبتدعة.
وإما نقبل ما وافق معناه الكتاب والسنة
وإذا كانت هذه الألفاظ مجملة ـ كما ذكر ـ فالمخاطب لهم إما أن يفصل ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعني الذي يوافق القرآن قبلت، وإن فسروها بخلاف ذلك ردت.
وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً، فإن امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسونه إلي العجز والانقطاع، وإن تكلم بها معهم نسبوه إلي أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقاً وباطلاً، وأوهموا الجهال باصطلاحهم: أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها، فحينئذ تختلف المصلحة، فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلي قولهم وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم: لا يجب علي أحد أن يجيب داعياً إلا إلي ما دعا إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن علي الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلي ذلك، ولو قدر أن ذلك المعني حق.
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لبس ملبس منهم علي ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن إلي مناظرتهم أن يقال: ائتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلي ذلك، وإلا فلسنا نجيبكم إلي ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلي عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم: أن العقل أداه إلي علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.
(1/229)

وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلي المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة علي قولهم، فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] ، وقوله {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} [الأنبياء: 2] وقوله النبي صلى الله عليه وسلم «تجيء البقرة وآل عمران» وأمثال ذلك من الأحاديث، مع ما ذكروه من قوله صلي الله عليه وسلم «إن الله خلق الذكر» أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل علي مطلوبهم.
ولما قالوا: ما تقول في القرآن: أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم: أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث، وكان من أحذقهم بالكلام: ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلاماً غير مخلوق لزم أن يكون جسماً.
فأجابه الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدري مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، ولا بمدلوله، وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فبين أني لا أقول: هو جسم وليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب علي الناس إجابة من دعا إلي موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه، وإجابة من
(1/230)

دعاهم إلي ما دعاهم إليه الرسول صلي الله عليه وسلم، لا إجابة من دعاهم إلي قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعياً.
وأما إذا كان المناظر معارضاً للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلي الشريعة، مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلي ما يزعمه من العقليات، أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل علي باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء ـ فهؤلاء لا بد في مخاطبتهم من الكلام علي المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون علي أنها تقوم مقام ألفاظهم.
وحينئذ فيقال لهم: الكلام إما أن يكون في الألفاظ، وإما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون فيهما، فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ، كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع، بل يسميه علة وعاشقاً ومعشوقاً ونحو ذلك، فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلي العبارة الشرعية كان حسناً، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولي من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ، كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفاً من التشبه بهم في الثياب.
(1/231)

وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة، فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً بدعة، وفي كل منهما تلبيس وإيهام، فلا بد من الاستفسار والاستفصال، أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.
وقد ظن طائفة من الناس ان ذم السلف والأئمة للكلام وأهل الكلام كقول أبي يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق، وقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل علي الكلام، وقوله: لقد اطلعت من أهل الكلام علي شيء ما كنت أظنه، ولأن يبتلي العبد بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله، خير له نظر في الكلام إلا كان في قلبه غل علي أهل الإسلام، وأمثال هذه الأقوال المعروفة عن الأئمة ـ ظن بعض الناس أنهم إنما ذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة، كلفظ الجوهر والسجم والعرض، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحبالإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك، بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث ألفاظه، فذموه لاشتماله علي معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة ومخالفته للعقل
(1/232)

الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسن فهو باطل قطعاً.
ثم من الناس من قد يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.
وأيضاً فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخظئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله، فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة، ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلي ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن الله قد أكمل للأمة دينهم، ولا أتم عليهم نعمته، فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول، إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله، فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس؟
ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقاً أو اعتقاداً زعم أن الإيمان إلا العلم بأن الرسول لم يذكره.
وهذا مما احتج به علماء السنة علي من دعاهم إلي قول الجهمية القائلين بخلق القرآن، وقالوا: إن هذا لو كان من الدين الذي يجب الدعاء إليه لعرفه الرسول،
(1/233)

ودعا أمته إليه، كما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي الأزدي في مناظرته للقاضي أحمد بن أبي دؤاد قدام الواثق.
وهذا مما رد به علماء السنة على من زعم أن طريقة الاستدلال على إثبات الصانع سبحانه بإثبات الأعراض وحدوثها من الواجبات التي لا يحصل الإيمان إلا بها، وأمثال ذلك.
وبالجملةـ فالخطاب له مقامات: فإن كان الإنسان في مقام دفع من يلزمه ويأمره ببدعة ويدعوه إليها أمكنه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يقول: لا أجيبك إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، بل هذا هو الواجب مطلقاً.
وكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله فقد دعا إلى بدعة وضلالة، والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله إلى صراطه المستقيم، فإن الشريعة مثل سفينة نوح عليه السلام، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وقد قال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 135] ، وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] .
و «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام
(1/234)

الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في سياق حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى» .
وفي الصحيح: «أنه قيل لعبد الله بن أبي أوفى: هل وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا، قيل: فلم، وقد كتب الوصية على الناس؟ قال: وصى بكتاب الله» .
وقد قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] ، ومثل هذا كثير.
وأما إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له، وفي مقام النظر أيضاً، فعليه أن يعتصم أيضاً بالكتاب والسنة، ويدعوا إلى ذلك، وله أن يتكلم مع
(1/235)

ذلك، ويبين الحق الذي جاء به الرسول بالأقيسة العقلية والأمثال المضروبة، فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة، فإن الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في كتابه، وبين بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله وأمر المعاد وغير ذلك من أصول الدين، وأجاب عن معارضة المشركين، كما قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33] .
وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطباته، ولما قال: «ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر.
فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن كثير؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخلياً به، فالله أعظم» ولما سأله أيضاً عن إحياء الموتى ضرب له المثل بإحياء النبات.
(1/236)

وكذلك السلف، فروى عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عارضه السائل بقوله تعالى {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] فقال له: ألست ترى السماء.
فقال: بلي، قال: أتراها كلها؟ قال: لا فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية.
وكذلك الأئمة كالإمام أحمد في رده على الجهمية، لما بين دلالة القرآن على علوه تعالي واستوائه على عرشه، وأنه مع ذلك عالم بكل شيء، كما دل على ذلك قوله تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد: 4] ، فبين أن المراد بذكر المعية أنه عالم بهم، كما افتتح الآية بالعلم وختماها العلم، وبين سبحانه أنه مع علوه على العرش يعلم ما الخلق عاملون، كما في حديث العباس بن عبد المطلب الذي رواه داود وغيره عن النبي صلي الله عليه وسلم قال فيه «والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» فبين الإمام أحمد إمكان ذلك بالاعتابر العقلي، وضرب مثلين، ولله المثل الأعلى، فقال: لو أن رجلاً في يده قوارير فيها ماء صاف، لكان بصره
(1/237)

قد أحاط بما فيها مع مباينته، فالله ـ وله المثل الأعلى ـ قد أحاط بصره بخلقه، وهو مستو على عرشه، وكذلك لو أن رجلاً بنى داراً لكان مع خروجه عنها يعلم ما فيها، فالله الذي خلق العالم يعلمه مع علوه عليه، كما قال تعالي {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] .
وإذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضة بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإنه قد يحتاج إلي حل شبهته وبيان بطلانها.
فإذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة مثل أن يقول: لو كان فوق العرش لكان جسماً، أو لكان مركبا وهو منزه عن ذلك، ولو كان له علم وقدرة لكان جسماً، وكان مركباً، وهو منزه عن ذلك، ولو خلق واستوى وأتى لكان تحله الحوادث، وهو منزه عن ذلك ولو قامت به الصفات لحلته الأعراض، وهو منزه عن ذلك.
فهنا يستفصل السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟
فإن أراد بها حقاً وباطلاً قبل الحق ورد الباطل، مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به، ونفي كونه مركباً ن فنقول: هو قائم بنفسه، وله صفات قائمة به، وأنت سميت هذا تجسيما لم يجز أن أدع الحق الذي دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا.
(1/238)

وأما قولك: ليس مركباً فإن أردت به أنه سبحانه ركبه مركب، أو كان متفرقاً فتركب، وأنه يمكن تفرقه وانفصاله، فالله تعالى منزه عن ذلك، وإن أردت أنه موصوف بالصفات، مباين للمخلوقات، فهذا المعني حق، ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركبا، فهذا ونحوه مما يجاب به.
وإذا قدر أن المعارض أصر على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه الاصطلاحية المحدثة، مثل أن يدعي أن ثبوت الصفات المخلوقات يستحق أن يسمى في اللغة تجسيماً وتركيباً ونحو ذلك، قيل له: هب أنه سمي بهذا الاسم، فنفيك له أما أن يكون بالشرع، وإما أن يكون بالعقل.
وأما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله، لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك، لا نفياً ولا إثباتاً، بل قول القائل: إن الله جسم أو ليس بجسم، أو جوهر أو ليس بجوهر، أو متحيز أو ليس بمتحيز، أو في جهة أو ليس في جهة، أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا تقوم به، ونحو ذلك ـ كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث، لم يتكلم السلف والأئمة فيها، لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات، بل كانوا ينكرون على أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا النوع في حق الله تعالي نفياً وإثباتاً.
وإن أردت أن نفي ذلك معلوم بالعقل، وهو الذي تدعيه النفاة، ويدعون أن نفيهم المعلوم بالعقل عارض نصوص الكتاب والسنة.
(1/239)

قيل له: فالأمور العقلية المحضة لا عبرة فيها بالألفاظ، فالمعني إذا كان معلوماً إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبر عنه بأي عبارة بها، وكذلك إذا كان معلوماً انتفاؤه بالعقل لم يجز إثباته بأي عبارة عبر بها المعبر، وبين له بالعقل ثبوت المعنى الذي نفاه وسماه بألفاظه الاصطلاحية.
وقد يقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته، وإن كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام، كما إذا قال الرافضي: أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد، فقيل له: نحن نتولى الصحابة والقرابة، فقال: لا ولاء إلا ببراء، فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة، فيكون قد نصب لهم العداوة.
فيقال له: هب أن هذا يسمي نصباً.
فلم قلت: إن هذا محرم؟ فلا دلالة لك علي ذم النصب بهذا التفسير، كما لا دلالة علي ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت، إذ كان الرجل موالياً لأهل البيت كما يحب الله ورسوله، ومنه قول القائل:
إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
وقول القائل أيضاً:
إذا كان نصبا ولاء الصحاب ... فإني كما زعموا ناصبي
وإن كان رفضاً ولاء الجميع ... فلا برح الرفض من جانبي

الألفاظ نوعان. النوع الأول
الألفاظ نوعان.
النوع الأول
والأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان
(1/240)

نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحاً استحق صاحبه المدح، وإن كان ذماً استحق الذم، وإن أثبت شيئاً وجب إثباته، وإن نفي شيئاً وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق.
وهذا كقوله تعالى {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 1-4] ، وقوله تعالى {هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن} [الحشر: 22-23] ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته.
وكذلك قوله تعالى {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، وقوله تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، وقوله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22-23] ، وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا كله حق.
ومن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموماً، كاسم الكافر والمنافق والملحد ونحو ذلك، ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محموداً، كاسم المؤمن والتقي والصدق، ونحو ذلك.

النوع الثاني
وأما الألفاظ التي ليس له أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض
(1/241)

بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ الجسم والحيز والجهةوالجوهروالعرض، فمن كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفر مخالفه، إن لم يكن قوله مما يبين الشرع أنه كفر، لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرأ في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صواباً في العقل تجب في الشرع معرفته.
ومن العجب قول من يقول من أهل الكلام: إن أصول الدين التي يكفر مخالفها هي علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل.
وأما ما لا يعرف بمجرد العقل فهي الشرعيات عندهم، وهذه طريقة المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم كأتباع صاحب الإرشاد وأمثالهم.
فيقال لهم: هذا الكلام تضمن شيئين: أحدهما: أن أصول الدين هي التي تعرف بالعقل المحض دون الشرع، والثاني: أن المخالف لها كافر، وكل من المقدمتين وإن كانت باطلة فالجمع بينهما متناقض، وذلك أن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن مخالفه كافر الكفر الشرعي، فإنه ليس في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا بالعقل يكفر، وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليهم وسلم فيما أخبر به أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم.
وفي الجملة فالكفر متعلق بما جاء به الرسول، وهذا ظاهر على قول من لا يوجب شيئاً ولا يحرمه إلا بالشرع، فإنه لو قدر عدم الرسالة لم يكن كفر محرم، ولا إيمان واجب عندهم ومن أثبت ذلك بالعقل فإنه لا ينازع أنه بعد مجيء
(1/242)

الرسول تعلق الكفر والإيمان بما جاء به، لا بمجرد ما يعلم بالعقل، فكيف يجوز أن يكون الكفر معلقاً بأمور لا تعلم إلا بالعقل؟ إلا أن يدل الشرع على أن تلك الأمور التي لا تعلم إلا بالعقل كفر، فيكون حكم الشرع مقبولاً.
لكن معلوم أن هذا لا يوجد في الشرع، بل الموجود في الشرع تعليق الكفر بما يتعلق به الإيمان، وكلاهما متعلق بالكتاب والرسالة، فلا إيمان مع تكذيب الرسول ومعاداته، ولا كفر مع تصديقه وطاعته.
ومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا، فيبتدعون بدعاً بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة، ثم يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه، وهذا حال من كفر الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميهما هو تركيباً وتجسيماً وإثبات لحلول الصفات والأعراض به، ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعتها الجهمية والمعتزلة، ثم كفروا من خالفهم فيها.
والخوارج الذين تأولوا آيات من القرآن وكفروا من خالفهم فيها أحسن حالاً من هؤلاء، فإن أولئك علقوا الكفر بالكتاب والسنة، لكن غلطوا في فهم النصوص، وهؤلاء علقوا الكفر بكلام ماأنزل الله به من سلطان.
ولهذا كان ذم السلف للجهمية من أعظم الذم، حتى قال عبد الله بن المبارك: إنا لنكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
(1/243)

بل الحق أنه لو قدر أن بعض الناس غلط في معان دقيقة لا تعلم إلا بنظر العقل، وليس فيها بيان في النصوص والإجماع، لم يجز لأحد أن يكفر مثل هذا، ولا يفسقه، بخلاف من نفى ما أثبتته النصوص الظاهرة المتواترة، فهذا أحق بالتكفير، إن كان المخطئ في هذا الباب كافراً.
وليس المقصود هنا بيان مسائل التكفير، فإن هذا مبسوط في موضع آخر، ولكن المقصود أن عمدة المعارضين للنصوص النبوية أقوال فيها اشتباه وإجمال، فإذا وقع الاستفسار والاستفصال تبين الهدى من الضلال.
فإن الأدلة السمعية معلقة بالألفاظ الدالة على المعاني، وأما دلالة مجرد العقل فلا اعتبار فيها بالألفاظ.
وكل فول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا يدخل في الأدلة السمعية، ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته، فضلاً عن أن يعلق بذلك كفر وإيمان، وإنما السنة موافقة للأدلة الشرعية، والبدعة مخالفتها.
وقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف: إنه بدعة، إذ الأصل أنه ما لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة وديناً، فمن عمل عملاً لم يعلم أنه مشروع فقد تذرع إلي البدعة، وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع، وكذلك من قال في الدين قولاً بلا دليل شرعي، فإنه تذرع إلى البدعة، وإن تبين له فيما بعد موافقته للسنة.
والمقصود هنا أن الأقوال التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة والإجماع ـ كأقوال النفاة التي تقولها الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وقد يدخل فيها ما هو حق
(1/244)

وباطل ـ هم يصفون بها أهل الإثبات للصفات الثابتة بالنص، فإنهم يقولون: كل من قال: إن القرآن عير مخلوق أو إن الله يرى في الآخرة أو إنه فوق العالم فهو مجسم مشبه حشوى.
وهذه الثلاثة مما اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها، وحكى إجماع أهل السنة عليها غير واحد من الأئمة والعالمين بأقوال السلف، مثل أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وداود بن علي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأمثال هؤلاء.
ومثل عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس
(1/245)

القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري، ومثل أبي بكر الإسماعيلي، وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي عمر
(1/246)

الطلمنكي ويحيى بن عمار السجستاني، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم التميمي، ومن لا يحصي عدده إلا الله من أنواع أهل العلم.
فإذا قال النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم: لو كان الله يرى في الآخرة لكان في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، وذلك على الله محال، أو قالوا: لو كان الله تكلم بالقرآن، بحيث يكون الكلام قائماً به، لقامت به الصفات والأفعال، وذلك يستلزم أن يكون محلاً للأعراض والحوادث، وما كان محلاً للأعراض والحوادث، فهو جسم، والله منزه عن ذلك، لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث العالم، وحدوث العالم إنما علم بحدوث الأجسام، فلو كان جسم ليس بمحدث لبطلت دلالة إثبات الصانع.
فهذا الكلام ونحوه هو عمدة النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، ومن وافقهم في بعض بدعتهم، وهذا ونحوه في العقليات التي يزعمون أنها عارضت نصوص الكتاب والسنة.
(1/247)

فيقال لهؤلاء: أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن هذه الألفاظ ليس لها وجود في النصوص، بل قولكم: لو رؤي لكان في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، وما كان جسم فهو محدث كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل، حينيئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي، وينظر فيه بنفس العقل.
ومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية وقال لكم فليكن هذا لازما للرؤية، وليكن هو جسماً أو قال لكم: أنا أقول إنه جسم وناظركم على ذلك بالمعقول، وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول، لم يكن لكم أن تقولوا له: أنت مبتدع في إثبات الجسم فإنه يقول لكم: وأنتم مبتدعون في نفيه، فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته، وإن لم تكن أعظم، بل النافي أحق بالبدعة من المثبت، لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص، وذكر هذا معاضدةً للنصوص، وتأييداً لها، وموافقة لها، ورداً على من خالف موجبها.
فإن قدر أنه أنه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخف من بدعة من نفى ذلك نفياً عارض به النصوص ن ودفع موجبها، ومقتضاها، فإن ما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين، وما لم يعلم أنه خالفها فقد يسمى بدعة.
(1/248)

قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه بدعة ضلالة، وبدعة لم تخالف شيئاً من ذلك، فهذه قد تكون حسنة، لقول عمر: نعمت البدعة هذه.
هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل.
ومن المعلوم أن قو ل نفاة الرؤية والصفات والعلو على العرش والقائلين بأن الله لم يتلكم، بل خلق كلاماً في غيره، ونفيهم ذلك لأن إثبات ذلك تجسيم، هو إلي مخالفة الكتاب والسنة والإجماع السلفي والآثار أقرب من قول من أثبت ذلك، وقال ـ مع ذلك ـ ألفاظاً يقول: إنها توافق معنى الكتاب والسنة، لا سيما والنفاة متفقون على أن ظواهر النصوص تجسيم عندهم، وليس عندهم بالنفي نص، فهم معترفون بأن قولهم هو البدعة، وقول منازعهم أقرب إلى السنة.
ومما يوضح هذا أن السلف والأئمة كثر كلامهم في ذم الجهمية النفاة للصفات، وذموا المشبهة أيضاً، وذلك في كلامهم أقل بكثير من ذم الجهمية، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه، وأما ذكر التجسيم وذم المجسمة فهو لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأن الله جسم، أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم، كما ذكره أحمد في كتاب الرد على الجهمية: ولما ناظر برغوث وألزمه بأنه جسم، امتنع أحمد من موافقته على النفي والإثبات، وقال: هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، لم يكن له كفواً أحد.
(1/249)

مثال: الكلام على الرؤية
والمقصود هنا أن نفاة الرؤية ـ من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ـ إذا قالوا: إثباتها يستلزم أن يكون الله جسماً، وذلك منتف، وادعوا أن العقل دل على المقدمتين، احتيج حينئذ إلى بيان بطلان المقدمتين، أو إحداهما، فإما أن يبطل نفس التلازم أونفي اللازم، أو المقدمتان جميعاً.
وهنا افترقت طرق مثبتة الرؤية: فطائفة نازعت في الأولى، كالأشعري وأمثاله ـ وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث وأصحاب السنة، وقالوا: لا نسلم أن كل مرئي يجب أن يكون جسماً.
فقالت النفاة: لأن كل مرئي في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، فافترقت نفاة الجسم على قولين: طائفة قالت: لا نسلم أن كل مرئي يكون في جهة، وطائفة قالت: لا نسلم أن كل ما كان في جهة فهو جسم.
فادعت نفاة الرؤية أن العلم الضروري حاصل بالمقدمتين، وأن المنازع فيهما مكابر.
وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية، فلهذا صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: المزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي.
وطائفة نازعت في المقدمة الثانية ـ وهي أنتفاء اللازم ـ وهي كالهشامية والكرامية وغيرهم، فأخذت المعتزلة وموافقوهم يشنعون على هؤلاء، وهؤلاء وإن كان في قولهم بدعة وخطأ، ففي قول المعتزلة من البدعة والخطأ أكثر مما في قولهم.
(1/250)

ومن أراد أن يماظر مناظرة شرعية بالعقل الصريح فلا يلتزم لفظاً بدعياً، ولا يخالف دليلاً عقليا ولا شرعياً، فإنه يسلك طريق أهل السنة والحديث والأئمة الذين لا يوافقون على إطلاق الإثبات ولا النفي بل يقولون: ما تعنون بقولكم: إن كل مرئي جسم؟.
فإن فسروا ذلك بان كل مرئي يجب أن يكون قد ركبه مركب، أو أن يكون كان متفرقاً فاجتمع، أو أنه يمكن تفريقه، ونحو ذلك، منعوا هم المقدمة الأولى، وقالوا: هذه السماوات مرئية مشهودة، ونحن لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة، وإذا جاز أن يرى ما يقبل التفريق فما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته، فالله تعالى أحق بأن تمكن رؤيته من السماوات ومن كل قائم بنفسه، فإن المقتضى للرؤية لا يجوز أن يكون أمراً عدمياً، بل لا يكون إلا وجودياً، وكلما كان الوجود أكمل كانت الرؤية أجوز، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وإن قالوا: مرادنا بالجسم المركب أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة نازعوهم في هذا، وقالوا: دعوى كون السماوات مركبة من جواهر منفردة، أو من مادة وصورة دعوى ممنوعة أو باطلة، وبينوا فساد قول من يدعي هذا، وقول من يثبت الجوهر الفرد أو يثبت المادة والصورة، وقالوا: إن الله خلق هذا الجسم المشهود هكذا، وإن ركبه ركبه من أجسام أخري وهو سبحانه يخلق الجسم من الجسم، كما يخلق الإنسان من الماء المهين، وقد ركبت العظام في مواضعها من بدن ابن آدم، وركب الكواكب في السماء، فهذا
(1/251)

معروف.
وأما أن يقال إنه خلق أجزاء لطيفة لا تقبل الانقسام ثم ركب منها العالم فهذا لا يعلم بعقل ولا سمع، بل هو باطل، لأن كل جزء لا بد أن يتميز منه جانب عن جانب، والأجزاء المتصاغرة كأجزاء الماء تستحيل عند تصغرها، كما يستحيل الماء إلى الهواء، مع أن المستحيل يتميز بعضه عن بعض.
وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع، وبين أن الأدلة العقلية بينت جواز الرؤية وإمكانها، وليست العمدة على دليل الأشعري ومن وافقه في الاستدلال لأن المصحح للرؤية مطلق الوجود، بل ذكرت أدلة عقلية دائرة بين النفي والإثبات لا حيلة لنفاة الرؤية فيها.
والمقصود هنا بيان كلام كلي في جنس ما تعارض به نصوص الإثبات من كلام النفاة الذي يسمونه عقليات.
وإن قالوا: مرادنا أن المرئي لا بد أن كون معايناً تجاه الرائي، وما كان كذلك فهو جسمونحو هذا الكلام، قالوا لهم: الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» ، وقال: «هل تضامون في رؤية الشمس صحواً ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» .
وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي بالمرئي، وفي لفظ في الصحيح: «إنكم ترون ربكم عياناً» فإذن قد أخبرنا أنا نراه عياناً.
(1/252)

وقد أخبرنا أيضاً أنه قد: استوى على العرش فهذه النصوص يصدق بعضها بعضاً، والعقل أيضاً يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانس له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم انتم هذا قولاً بالجهة وقولاً بالتجسيم لم يكن هذا القول نافياً لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول ـ والحال هذه ـ ليس منتفياً لا بشرع ولا عقل.
ويقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة؟ أتعنون بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟
فإن أردتم أمرا وجودياً ـ وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن ـ والحالة هذه ـ في جهة موجودة، فقولكم: إن المرئي لا بد أن يكون في جهة موجودة قول باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر.
وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، ولاحيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزاً.
فيقال لكم: الجهة ـ والحيز ـ إذا كان أمراً عدمياً فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان
(1/253)

الخالق تعالى مبايناً للمخلوقات عالياً عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلاً عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به.
فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة أيضاً، وقالوا: إنما قابل بدعة ببدعة، ورداً باطلاً بباطل.

مثال آخر: كلمة جبر
ونظير هذا القصص المعروفة التي ذكرها الخلال في كتاب السنة هو وغيره في مسألة اللفظ ومسألة الجبر ونحوهما من المسائل، فإنه لما ظهرت القدرية النفاة للقدر وأنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن يكون خالقاً لكل شيء وأن تكون أفعال العباد من مخلوقاته، أنكر الناس هذه البدعة، فصار بعضهم يقول في مناظرته: هذا يلزم منه أن يكون الله مجبراً للعباد على أفعالهم، وأن يكون قد كلفهم ما لا يطيقونه، فالتزم بعض من ناظرهم من المثبتة إطلاق ذلك، وقال: نعم يلزم الجبر، والجبر حق، فأنكر الأئمة ـ كـ الأوزاعي وأحمد بن حنبل ونحوهما ـ ذلك على الطائفتين، ويروى إنكار
(1/254)

إطلاق الجبر عن الزبيدي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم.
وقال الأوزاعي وأحمد ونحوهما: من قال إنه جبر فقد أخطأ، ومن قال لم يجبر فقد أخطأ، بل يقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ونحو ذلك.
وقالوا: ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة، وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا لفظ الجبر فإنه قد صح «عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لأشج عبد القيس إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة.
فقال: أخلقين تخلقت بهما، أم خلقين جبلت عليه؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما.
فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» .
وقالوا: إن لفظ الجبر لفظ مجمل فإن الجبر إذا أطلق في الكلام فهم منه إجبار الشخص على خلاف مراده، كما تقول الفقهاء: إن الأب يجبر ابنته على النكاح أو لا يجبرها، وإن الثيب البالغ العاقل لا يجبرها أحد على النكاح بالاتفاق، وفي البكر البالغ نزاع مشهور، ويقولون: إن ولي الأمر يجبر المدين على وفاء دينه، ونحو ذلك، فهذه العبارات معناها إجبار الشخص على خلاف مراده، وهو كلفظ الإكراه: إما أن يحمله على الفعل الذي يكرهه ويبغضه فيفعل خوفاً من وعيده، وإما أن يفعل به الشيء بغير فعل منه.
ومعلوم أن الله سبحانه تعالي إذا جعل في قلب العبد إرادة للفعل ومحبة له حتى يفعله ـ كما قال تعالي {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7]ـ لم يكن هذا جبراً
(1/255)

بهذا التفسير، ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى، فإنه هو الذي جعنل الراضي راضيا، والمحب محبا، والكاره كارها.
وقد يراد بالجبر نفس جعل العبد فاعلا، ونفس خلقه متصفاً بهذه الصفات، كما في قوله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً * إذا مسه الشر جزوعاً * وإذا مسه الخير منوعاً} [المعارج: 19-20] .
فالجبر بهذا التفسير حق، ومنه قول محمد بن كعب القرظي في تفسير اسمه الجبار قال: هو الذي جبر العباد على ما أراد.
ومنه قول علي رضي الله عنه في الأثر المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم داحي المدحوات، فاطر المسموكات، جبار القولب على فطراتها: شقيها وسعيدها فالأئمة منعت من إطلاق القول بإثبات لفظ الجبر أو نفيه بدعة يتناول حقاً باطلاً.

مثال ثالث: اللفظ بالقرآن
وكذلك مسألة اللفظ، فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلي محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه محمد إلي الخلق، وأن الكلام إذا بلغه المبلغ عن قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلغ عنه، بل هو كلام لمن قاله مبتدئاً، لا كلام من بلغه عنه مؤدياً.
(1/256)

فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا قال «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وبلغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم أنا إذا سمعناه من المحدث به إنما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تلكم به بلفظه ومعناه، وإنما سمعناه من المبلغ عنه بفعله وصوته، ونفس الصوت الذي تلكم به النبي صلى الله عليه وسلم لم نسمعه، وإنما سمعنا صوت المحدث عنه، والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كلام المحدث.
فمن قال: إن هذا الكلام ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مفترياً، وكذلك من قال: إن هذا لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أحدثه في غيره، أو إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بلفظه وحروفه، بل كان ساكتاً أو عاجزاً عن التكلم بذلك، فعلم غيره ما في نفسه، فنظم هذه الألفاظ ليعبر بها عما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، او نحو هذا الكلام ـ فمن قال هذا كان مفترياً، ومن قال: إن هذا الصوت المسموع صوت النبي صلى الله عليه وسلم، كان مفترياً.
فإذا كان هذا معقولاً في كلام المخلوق، فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه من صفات الكمال، وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم، أو مثل صفات العباد وأفعالهم.
(1/257)

فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أن هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين كلام الله، كما قال تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] ، ليس هو كلاماً لغيره، لا لفظه ولا معناه، ولكن بلغه عن الله حبريل، وبلغه محمد رسو ل الله عن جبريل، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين، لأنه بلغه وأداه، لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر، فقال تعالى {إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين} [الحاقة: 40-43] فهذا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى {إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين} [المطففين: 19-21] فهذا تجبريل عليه السلام.
وقد توعد الله تعالى من قال {إن هذا إلا قول البشر} [المدثر: 25] ، فمن قال: إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر: وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر، ومن قال: إن شيئاً منه قول البشرفقد قال ببعض قوله، ومن قال: إنه ليس بقول رسول كريم، وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر، أو قال: هو قول شيطان نزل به عليه ونحو ذلك، فهو أيضاً كافر ملعون.
(1/258)

وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه، وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأنا نحن نسمع كلام الله من المبلغين عنه، وإذا كان الفرق ثابتاً بين من سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه وبين من سمعه من الصاحب المبلغ عنه، فالفرق هنا أولى، لأن أفعال المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته.
ولما كانت الجهمية يوقلون: إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلاماً في غيره ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة، فهذا مراده، فالنزاع بينهم لفظي ـ كان من المعلوم أن القائل إذا قال: هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وأنه ليس هو كلامه، بل خلقه في غيره.
وإذا فسر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق، كان هذا المعني ـ وإن كان صحيحاً ـ ليس هو مفهوم كلامه، ولا معنى قوله، فإن المسلمين إذا قالوا: هذا القرآن كلام الله لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله، كما أنهم إذا قالوا: هذا الحديث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يريدوا بذلك: أن حركات المحدث وصوته قامت بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل وكذلك، إذا قالوا في إنشاد لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
(1/259)

هذا شعر لبيد وكلام لبيد، لم يريدوا بذلك أن صوت المنشد هو صوت لبيد، بل أرادوا أن هذا القول المؤلف، لفظه ومعناه، وهو لبيد، وهذا منشد له، فمن قال: إن هذا القرآن مخلوق أو: إن القرآن المنزل مخلوق أو نحو هذه العبارات، كان بمنزلة من قال: إن هذا الكلام ليس هو كلام الله ن وبمنزلة من قال عن الحديث المسموع من المحدث: إن هذا ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بهذا الحديث، وبمنزلة من قال: إن هذا الشعر ليس هو شعر لبيد، ولم يتكلم به لبيد، ومعلوم أن هذا كله باطل.
ثم إن هؤلاء صاروا يقولون: هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن وقراءته، وتلاوة القرآن مخلوقة، وقراءة القرآن مخلوقة.
ويقولون: تلاوتنا للقرآن مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، ويدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع، ويقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، يدخلون في ذلك القرآن الملفوظ المتلو المسموع.
فأنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة هذا، وقالوا: اللفظية جهمية، وقالوا: افترقت التجهمية ثلاث فرق: فرقة قالت: القرآن مخلوق، وفرقة قالت: نقف فلا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وفرقة قالت: تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق.
(1/260)

فلما انتشر ذلك عن أهل السنة غلطت طائفة فقالت: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وتلاوتنا له غير مخلوقة، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وأمر بهجرهم.
ولهذا ذكر الأشعري في مقالاته هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث، فقال: والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة، من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع عندهم، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع.
وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة أنه سمع غير واحد من أصحابه يذكر عن الإمام أحمد أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع.
وصنف أبو أحمد بن قتيبة في ذلك كتاباً، وقد ذكر أبو بكر الخلال هذا في كتاب السنة وبسط القول في ذلك، وذكر ما صنفه أبو بكر المروزي في ذلك، وذكر قصة أبي طالب المشهورة التي نقلها عنه أكابر أصحابه، كعبد الله وصالح ابنيه والمروزي وأبي محمد فوران ومحمد بن إسحاق الصاغني وغير هؤلاء.
(1/261)

وكان أهل الحديث قد أفتوقوا في ذلك، فصار طائفة منهم يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق، وليس مراده صوت العبد، كما يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي، ومحمد بن داود المصيصي، وطوائف غير هؤلاء.
وفي أتباع هؤلاء من قد يدخل صوت العبد أو فعله في ذلك أو يقف فيه، ففهم ذلك بعض الأئمة، فصار يقول: أفعال العباد أصواتهم مخلوقة، رداً لهؤلاء، كما فعل البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة.
وصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة، وأهواء للنفوس، حصل بسبب ذلك نوع من الفرقة والفتنة، وحصل بين البخاري وبين محمد بن يحيى الذهلي في ذلك ما هو معروف، وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج نحوه، وقوم عليه كأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما.
(1/262)

وكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث، وهم من أصحاب أحمد بن حنبل، ولهذا قال ابن قتيبة: إن أهل السنة لم يختلوفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ.
وصار قوم يطلقون القول بأن التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، وليس مرادهم بالتلاوة المصدر، ولكن الإنسان إذا تكلم بالكلام فلا بد له من حركة، ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة، والقول والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك، ويكون الكلام نوعاً من العمل وقسماً منه، ويراد به تارةً ما يقترن بالحركة ويكون عنها، لا نفس الحركة، فيكون الكلام قسيماً للعمل، ونوعاً آخر ليس هو منه ولهذا تنازع العلماء في لفظ العلم المطلق: هل يدخل فيه الكلام؟، على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم، وبنوا على ذلك ما إذا حلف لا يعمل اليوم علملاً، فتكلم، هل يحنث أم لا؟ على قولين، وذلك لأن لفظ الكلام قد يدخل في العمل وقد لا يدخل.
فالأول كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فقال رجل: لو لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان» أخرجاه في الصحيحين، فقد جعل فعل هذا الذي يتلوه آناء الليل والنهار عملاً، كما قال: لعملت فيه مثل ما يعلم فلان.
(1/263)

والثاني كما في قوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ، وقوله تعالى {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] فالذين قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول والكلام المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو.
وآخرون قالوا: بل التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليس هي كلام الله، ولا أصوات العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري، وهو مقصود صحيح.
وسبب ذلك أن لفظ: التلاوة، والقراءة، واللفظ مجمل مشترك: يراد به المصدر، ويراد به المفعول.
فمن قال: اللفظ ليس هو الملفوظ، والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول المصدر، كان معني كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع، وهذا صحيح.
ومن قال اللفظ هو الملفوظ، والقول هو نفسه المقول وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أن اللفظ والقول المراد به الكلام المقول الملفوظ هو الكلام المقول الملفوظ، وهذا صحيح.
فمن قال: اللفظ بالقرآن، أو القراءة، أو التلاوة، مخلوقة أو لفظي بالقرآن، أو تلاوتي دخل في كلامه نفس الكلام المقروء المتلو، وذلك هو كلام الله تعالى.
وإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعني صحيحاً، لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره.
(1/264)

ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال لفظي بالقرآن كخلوق يريد به القرآن فهو جهمي أحترازاً عما إذا أراد به فعله وصوته.
وذكر اللالكائي، أن بعض من كان يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة رجل يضربه، فقال له: لا تضربني، فقال: إني لا أضربك، وإنما أضرب الفروة، فقال: إن الضرب إنما يقع ألمه علي، فقال هكذا إذا قلت: لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق على القرآن.
ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أو تلاوتي دخل في ذلك المصدر الذي هو علمه، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق، لا نفس حركاتي قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحاً كما يقال للأول إذا قال: أردت أن فعلي مخلوق: لفظك أيضاً بدعة، وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحاً.
فلهذا منع أئمة السنة الكبار إطلاق هذا وهذا، وكان هذا وسطاً بين الطرفين، وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون: القرآن تحيث تصرف كلام الله غير مخلوق،
(1/265)

فيجعلون القرآن نفسه حيث تصرف غير مخلوق، من غير أن يقترن بذلك ما يشعر أن أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوق.
وصارت كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد، وهم ـ كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال: إن كل واحدة من هاتين الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم يفقهون قوله لدقة معناه.
ثم صار ذلك التفرق موروثاً في أتباع الطائفتين، فصارت طائفة تقول: إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، موافقة لـ أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وأمثالهما كأبي عبد الله بن منده وأهل بيته، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي نصر السجزي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم.
وقوم يقولون نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب.
(1/266)

مع اتفاق الطائفتين على أن القرآن كله كلام الله، لم يحدث غيره شيئاً منه، ولا خلق منه شيئاً في غيره: لا حروفه، ولا معانيه ـ مثل حسين الكرابيسي وداود بن علي الأصبهاني وأمثالهما.
وحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس المتكلم، هو الأمر بكل ما أمر به، والنهي عن كل ما نهى عنه، والإخبار بكل ما أخبر به، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة.
وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن، ولا معنى {قل هو الله أحد} هو معنى {تبت يدا أبي لهب} .
وكان يوافقهم على إطلاق القول بأن التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة، من لا يوافقهم على هذا المعنى، بل قصده أن التلاوة هي أفعال العباد وأصواتهم.
(1/267)

وصار أقوام يطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو، وأن اللفظ بالقرآن مخلوق، فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب، ومنهم من يعرف مخالفته له، ومنهم من لا يعرف منه لا هذا ولا هذا، وصار أبو الحسن الأشعري ونحوه ـ ممن يوافق ابن كلاب على قوله ـ موافقاً للإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في المنع من إطلاق هذا وهذا، فيمنعون أن يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وهؤلاء منعوه من جهة كونه يقال في القرآن: إنه يلفظ أو لا يلفظ وقالوا اللفظ: الطرح والرمي، ومثل هذا لا يقال في القرآن.
ووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام كالقاضي أبي يعلى وأمثاله، ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية والحلولية، ومال فيه إلى كجانب النفاة الفائلين بأن الىلاوة مخلوقة، كنا مال ابن منده إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقه، وحكى كل منهما من الحق وجد فيه من المنقول الثبت عن الأئمة ما يوافقه.
وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك، حتى صنف أبو نصر السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة، وذكر فيه من الفوائد والآثار والانتصار للسنة وأهلها أموراً عظيمة المنفعة، لكنه نصر فيه قول من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من
(1/268)

التفصيل، ورجح طريقة من هجر البخاري، وزعم أن أحمد بن حنبل كان يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنه رجع إلى ذلك.
وأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكار على الطائفتين، وهي مسألة أبي طالب المشهورة.
وليس الأمر كما ذكره، فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام الإمام أحمد، كـ المروزي والخلال وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهم، وقد ذكروا من ذلك ما يعلم لك عارف له أنه أثبت الأمور عن أحمد.
وهؤلاء العراقيون أعلم بأقوال أحمد من المتنسبين إلى السنة والحديث من أهل خرسان، الذين كان ابن منده وأبو نصر وأبو إسماعيل الهروي وأمثالهم يسلكون حذرهم، ولهذا صنف عبد الله بن عطاء الإبراهيمي كتاباً فيمن أخذ عن أحمد
(1/269)

العلم، فذكر طائفة ذكر منهم أبو بكر الخلال، وظن أنه أبو محمد الخلال شيخ القاضي أبي يعلي وأبي بكر الخطيب، فاشتبه عليه هذا بهذا.
وهذا كما أن العرقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أبتاع ابن كلاب كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري، والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني، وأمثالهم، أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل خراسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب، ولهذا كان القاضي أبو بكر بن الطيب يكتب في أجوبته أحياناً: محمد بن الطيب الحنبلي، كما كان يقول الأشعري، إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلي أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة، كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وأمثالهم.
(1/270)

وكان أبو ذر الهروي قد أخذ طريقة ابن الباقلاني وأدخلها إلى الحرم، ويقال إنه أول من أدخلها إلى الحرم، وعنه أخذ ذلك من أخذه من أهل المغرب فإنهم كانوا يسمعون عليه البخاري ويأخذون ذلك عنه، كما أخذه أبو الوليد الباجي، ثم رحل الباجي إلى العرق، فأخذ طريقة الباقلاني عن أبي جعفر السمناني قاضي الموصل صاحب ابن الباقلاني، ونحن قد بسطنا الكلام في هذه المسائل وبينا ما حصل فيها من النزاع والاضطراب في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانو يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيه من لبس الحق بالباطل ن ممع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت له الألفة، وما كان معروفا حصلت به المعرفة، كما يرى عن مالك رحمه الله أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء.
فإذا لم يكن اللفظ منقولاً ولا معناه معقولاً ظهر الجفاء والأهواء، ولهذا تجد قوماً كثيرين يحبون قوماً ويبغضون قوماً لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها أو يعادون، من غير أن تكون منقولة نقلا صحيحاً عن النبي صلى
(1/271)

الله عليه وسلم وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها ومقتضاها.
وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة، وجعلها مذاهب يدعى إليها، ويوالي ويعادى عليها.
وقد ثبت في الصحيح «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي عليها ويعادي غير النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون علي ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون.
ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان ـ وإن تنازعوا فيما تنازعوا فيه من الأحكام ـ فالعصمة بينهم ثابتة، وهم يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فبعضهم يصيب الحق فيعظم الله أجره ويرفع درجته، وبعظهم يخطئ بعد إجتهاده في طلب الحق، فيغفر الله له خطأه، تحقيقاً لقوله تعالى {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] سواء كان خطؤهم في حكم علمي أو حكم خبري نظري، كتنازعهم في الميت هل يعذب ببكاء أهله عليه؟ وهل يسمع الميت قرع نعالهم؟ وهل رأي محمد ربه؟
(1/272)

وأبلغ من ذلك أن شريحاً أنكر قراءة من قرأ {بل عجبت ويسخرون} [الصافات: 12] وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أعلم منه أو قال: أفقه منه ـ وكان يقرأ) بل عجبت) فأنكر على شريح إنكاره، مع أن شريحاً من أعظم الناس قدراً عند المسلمين، ونظائر هذا متعددة.
والأقوال إذا حكيت عن قائلها أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على سبيل التعريف والبيان، وأما المدح والذم والموالاة والمعاداة فعلى الأسماء المذكورة في القرآن العزيز، كاسم المسلم والكافر، والمؤمن والمنافق، والبر والفاجر، والصادق والكاذب، والمصلح والمفسد، وأمثال ذلك، وكون القول صواباً أو خطأ يعرف بالأدلة الدالة على ذلك المعلومة بالعقل والسمع، والأدلة الدالة على العلم لا تتناقض كما تقدم.
والتناقض هو أن يكون أحد الدليلين يناقض مدلول الآخر: إما بأن ينفي أحدهما عين ما يثبته الآخر، وهذا هو التناقض الخاص الذي بذكره أهل الكلام والمنطق، وهو اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق
(1/273)

إحداهما كذب الأخرى.
وأما التناقض لمطلق فهو أن يكون موجب أحد الدليلين ينافي موجب الآخر: إما بنفسه، وإما بلازمه، مثل أن ينفي أحدهما لازم الآخر أو يثبت ملزومه، فإن انتقاء لازم الشيء، يقتضي انتفاءه، وثبوت ملزومه يقتضي ثبوته.
ومن هذا الباب الحكم على الشيئين المتماثلين من كل وجه مؤثر في الحكم بحكمين مختلفين، فإن هذا تناقض أيضاً، إذ حكم الشيء حكم مثله، فإذا حكم على مثله بنقيض حكمه كان كما لو حكم عليه بنقيض حكمه.
وهذا التناقض العام هو الاختلاف الذي نفا الله تعالى عن كتابه بقوله عز وجل: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] ، وهو الاختلاف الذي وصف الله به قول الكفار في قوله تعالى {إنكم لفي قول مختلف * يؤفك عنه من أفك} [الذاريات: 8-9] .
وضد هذا هو التشابه العام الذي وصف الله به القرآن في قوله {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23] ، وهذا ليس هو التشابه الخاص الذي وصف الله تعالى به القرآن في قوله {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] ، فإن ذلك التشابه العام يراد به التناسب والتصادق والائتلاف.
وضده: الاختلاف الذي هو التناقض والتعارض، فالأدلة الدالة على العلم لا يجوز أن تكون متناقضة متعارضة، وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء،
(1/274)

ومن صار من أخل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة والحيرة فإنما ذلك لفساد استدلاله إما لتقصيره، وإما لفساد دليله، ومن أعظم أسباب ذلك الألفاظ المجملة التي تشتبه معانيها.
وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على اصل فاسد، وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه، كما يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا به صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه ونحو ذلك، جعلوا تلك الأقوال محكمة، وجعلوا قول الله ورسوله مؤولاً عليها، أو مردوداً، أو غير ملتفت إليه ولا متلقى للهدى منه فتجد أحدهم يقول: ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا له كم، ولا كيف، ولا تحله الأعراض والحوادث ونحو ذلك، وليس بمباين للعالم ولا خارج عنه.
فإذا قيل: إن الله أخبر أن له علماً وقدرة، قالوا لو كان له علم وقدرة للزم أن تحله الأعراض، وأن يكون جسماً، وأن يكون له كيفية وكمية، وذلك منتف عن الله، لما تقدم.
ثم قد تقول: إن الرسول قصد بما ذكره من أسماء الله وصفاته أموراً لا نعرفها، وقد تقول: إنه قصد خطاب الجمهور فإفهامهم الأمر على غير حقيقته، لأن مصلحتهم في ذلك قد يفسر صفة بصفة، كما يفسر الحب والرضا والغضب
(1/275)

بالإرادة، أو السمع والبصر بالعلم، والكلام والإرادة والقدرة بالعلم، ويكون القول في الثانية كالقول في الأولى، يلزمها من اللوازم في النفي والإثبات ما يلزم التي نفاها، فيكون مع جمعه في كلامه أنواعاً من السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات قد فرق بين المتماثلين: بأن جعل حكم أحدهما مخالفاً لحكم الآخر، ويكون قد عطل النصوص عن مقتضاها، ونفى بعض ما يستحق الله من صفات الكمال، ويكون النافي لما أثبته هو قد تسلط عليه، وأورد عليه فيما أثبته هو نظير ما أورده هو على من أثبت ما نفاه، وإن كان النافي لما أثبته أكثر تناقضاً منه.
ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة ديناً، يوالون عليه ويعادون، بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه، ويقول: مسائل أصول الدين: المخطئ فيها يكفر وتكون تلك المسائل مما ابتدعوه.
معلوم أن الخوارج هم مبتدعة مارقون، كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم، وهم إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافرا، لاعتقادهم أنه خالف القرآن، فمن ابتدع أقوالاً ليس له أصل في القرآن، وجعل من خالفها كافراً كان قوله شراً من قول الخوارج، ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن قول الجهمية شر من قول الخوارج.
وأصل قول الجهمية هو نفي الصفات بما يزعمون من دعوى العقليات التي عارضوا بها النصوص، إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضاياه
(1/276)

عقليات موافقاً للنصوص لا مخالفاً لها، ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى، كقول أبي تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء
فهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم: أحدها: ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والثاني: ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء، والثالث: جعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين، والرابع: تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول.
وأما أهل العلم والإيمان: فهم على نقيض هذه الحال، يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي أستفرغ به وسعه غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الحبرية، او المسائل العلمية، فإنه ليس كل ما كان معلوماً متيقناً لبعض الناس يجب أن يكون معلوماً متيقناً لغيره.
وليس كل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيراً منه، وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده، وإن كان كلامه في نفسه محكماً مقروناً بما يبين مراده، لكن أهل العلم يعلمون
(1/277)

ما قاله، ويميزون بين النقل الذي يصدق به والنقل الذي يكذب به، ويعرفون ما يعلم به معاني كلامه صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالي أمر الرسول بالبلاغ المبين، وهو أطوع الناس لربه، فلا بد أن يكون قد بلغ البلاغ المبين، ومع البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبساً مدلساً.

معنى الاستواء على العرش
والآيات التي ذكر الله فيها أنها متشابهات لا يعلم تأوليها إلا الله، إنما نفى عن غيره علم تأويلها، لا علم تفسيرها ومعناها، كما أنه لما سئل مالك رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ـ وكذلك ربيعة قبله ـ فبين مالك أن معنى الاستواء معلوم، وأن كيفيته مجهولة، فالكيف المجهول هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وأما ما يعلم من الاستواء وغيره فهو من التفسير الذي بينه الله ورسوله.
والله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن، وأخبر أنه أنزله لتعقله، ولا يكون التدبر والعقل إلا لكلام بين المتكلم مراده به، فأما من تكلم بلفظ يحتمل معاني
(1/278)

كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه، ولا يعقل، ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أن كلام الله يحتمل وجوهاً كثيرة، وأنه لم يبين مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله، بل في كلامهم من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات، وإن كانوا لم يتعمدوا الكذب، كالمحدث الذي يغلط في حديثه خطأ، بل منتهى أمرهم: القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات، وهذان النوعان مجمع الكذب والبهتان.
فإذ قال القائل: استوى يحتمل خمسة عشر وجهاً أو أكثر أو أقل، كان غالطاً، فإن قول القائل: استوى على كذا له معنى، وقوله: استوى إلى كذا له معنى، وقوله: استوى وكذا له معنى، وقوله: استوى بلا حرف يتصل به له معنى، فمعانيه تنوعت بتنوع ما يتصل به من الصلات، كحرف الاستعلاء والغاية وواو الجمع، أو ترك تلك الصلات.
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أن كلام الله مبين غاية البيان، موفى حق التوفية في الكشف والإيضاح، وقد بسط الكلام على هذا النص وغيره، وبين نحو من عشرين دليلاً على أن هذه الآية نص في معنى واحد لا يحتمل معنى آخر، وكذلك ذكر هذا في غير هذا النص.
فإن الكلام هنا أربعة أنواع: أحدهما: أن نبين أن ما جاء به الكتاب والسنة فيه الهدى والبيان.
والثاني: أن نبين أن ما يقدر من الاحتمالات فهي باطلة، قد دل الدليل الذي به يعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها.
الثالث: أن نبين أن ما يدعى أنه معارض لها من العقل فهو باطل.
الرابع: أن نبين أن العقل موافق لها معاضد، لا مناقض لها معارض.
(1/279)

ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات فاسد متناقض. الوجه الثامن عشر
ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات فاسد متناقض.
الوجه الثامن عشر
أن يقال: ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات في أمر التوحيد والنبوة والمعاد قد بينا فساده في غير هذا الموضع وتناقضه، وأن معتقد صحته من أجهل الناس وأضلهم في العقل، كما بينا انتهاءهم في نفي الصفات والأفعال إلى حجة التركيب والتشبيه والاختصاص، وانتهاءهم في جحد القدر إلى تعارض الأمر والمشيئة، وانتهاءهم في مسألة حدوث العالم والمعاد إلى إنكار الأفعال.
وبينا أن ما يذكرونه على النفي ألفاظ مجملة مشتبهة تتناول حقاً وباطلاً، كقولهم: إن الرب تعالى لو كان موصوفاً بالصفات من العلم والقدرة وغيرها مباينا للمخلوقات لكان مركباً من ذات وصفات، ولكان مشاركاً لغيره في الوجود وغيره، ومفارقاً له في الوجوب وغيره، فيكون مركبا مما به الاشتراك والامتياز، ولكان له حقيقة غير مطلق الوجود، فيكون مركباً من وجود وماهية، ولكان جيماً مركباً من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، والمركب مفتقر إلى جزئه، والمفتقر إلى جزئه لا يكون واجباً بنفسه.

معنى المركب
وقد بينا فساد هذا الكلام بوجوه كثيرة يضيق عنها هذا الموضع، فإن مدار هذه الحجة على ألفاظ مجملة، فإن المركب يراد به ما ركبه غيره، وما كان مفترقاً فاجتمع، كأجزاء الثوب والطعام والأدوية من السكنجبين وغيره، وهذا هو المركب في لغة العرب وسائر الأمم.
وقد يراد بالمركب ما يمكن تفريق بعضه عن بعض، ومعلوم أن الله تعالى منزه عن جميع هذه التركيبات.
(1/280)

ويراد بالمركب في عرفهم الخاص ما تميز منه شيء، كتميز العلم عن القدرة، وتميز ما يرى ونحو ذلك، وتسمية هذا المعنى تركيباً وضع وضعوه ليس وافقا للغة العرب، ولا لغة أحد من الأمم، وإن كان هذا مركبا فكل ما في الوجود مركب، فإنه ما من موجود إلا ولا بد أن يعلم منه شيء دون شيء، والمعلوم ليس الذي هو غير معلوم.
وقولهم: إنه مفتقر إلى جزئه تلبيس، فإن الموصوف بالصفات اللازمة له يمتنع أن تفارقه أو يفاقها، وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال: إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها، والصفة اللازمة يسميها بعض الناس غير الموصوف، وبعض الناس يقول: ليست غير الموصوف.
ومن الناس من لا يطلق عليها لفظ المغايرة بنفي ولا إثبات حتى يفصل ويقول إن أريد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فهي غير، وإن أريد بهما ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بزمان أو مكان أو فليست بغير، فإن لم يقل: هي غير الموصوف لم يكن هناك غير لازم للذات، فضلا عن أن تكون مفتقرة إله، وإن قيل: هي غيره فهي والذات متلازمان لا توجد إحداهما إلا مع الأخرى، ومثل هذا التلازم بين الشيئين يقتضي كون وجود أحدهما مشروطا بالآخر، وهذا ليس بممتنع، وإنما الممتنع أن يكون يقتضي كون وجود أحدهما إلا مع الأخر، وهذا ليس بممتنع، وإنما الممتنع أن يكون كل من الشيئين موجبا للآخر، فالدور في العلل ممتنع، والدور في "الشروط جائز.
(1/281)

ولفظ الافتقار هنا: إن أريد به افتقار المعلول إلى علته كان باطلا، وإن أريد به أفتقار المشروط إلى شرطه ـ فهذا هو تلازم من الجانبين، وليس ذلك ممتنعا، والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقراً إلى ما هو خارج عن نفسه، فأما ما كان صفة لازمة لذاته وهو داخل في مسمى أسمه، فقول القائل: إنه مفتقر إليها كقوله: إنه مفتقر إلى نفسه.
فإن القائل إذا قال: دعوت الله أو عبدت الله كان اسم الله متناولا للذات المتصفة بصفاتها، ليس أسم الله أسما للذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها.

مذهب النفاة في الصفات والرد عليه
وحقيقة ذلك أنه لا تكون نفسه إلا بنفسه، ولا تكون ذاته إلا بصفاته، ولا تكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى أسمها، وهذا نحق، ولكن قول القائل إن هذا افتقار إلى غيره تلبيس، فإن ذلك يشعر أنه مفتقر إلى ما هو منفصل عنه، وهذا باطل، لأنه قد تقدم أن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقاً له بوجود أو زمان أو مكان ويراد يه ما أمكن العلم به دونه والصفة لا تسمى غيرا له بهذا المعنى، وأما بالمعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات، وأن يكون مستلزما لصفات، وإن سميت تلك الصفات غيراً فليس في إطلاق اللفظ ما يمنع صحة المعاني العقلية، سواء جاز إطلاق اللفظ أو لم يجز.
(1/282)

وهؤلاء عمدوا إلى المعاني كالصحيحة العقلية وأطلقوا عليها ألفاظاً مجملة تتناول الباطل الممتنع، كالرافض الذي يسمى أهل السنة ناصبة، فيوهم أنهم نصبوا العداوة لأهل البيت رضي الله عنهم.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن إثبات المعاني القائمة التي توصف بها الذات لا بد منه لكل عاقل، وأنه لا خروج عن ذلك: إلا بجحد وجود الإرادة، فقود هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهي الإلحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وذلك أن نفاة الصفات من المتفلسفة ونحوهم يقولون: إن العاقل والمعقول والعقل، والعاشق والمعشوق والعشق، واللذة واللذيذ والملتذ: هو شيء واحد، وإنه موجود واجب له عناية، ويفسرون عنايته بعلمه أو عقله، ثم يقولون: وعلمه أو عقله هو ذاته، وقد يقولون: إنه حي عليم قدير مريد متكلم سميع بصير، ويقولون: إن ذلك كله شيء واحد، فإرادته عين قدرته، وقدرته عين علمه، وعلمه عين ذاته.
(1/283)

وذلك أن من أصلهم: أنه ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته: إما سلب، كقولهم: ليس بجسم ولا متحيز، وإما إضافة كقولهم: مبدأ وعلة، وإما مؤلف منهما كقولهم: عاقل ومعقول وعقل، ويعبرون عن هذه المعاني بعبارات هائلة، كقولهم: إنه ليس فيه كثرة كم، ولا كثرة كيف، أو إنه ليس له أجزاء حد، ولا أجزاء كم، أو أنه لا بد من إثباته موحداً توحيدا، منزهاً مقدساً عن المقولات العشر: عن الكم، والكيف، والأين، والوضع، والإضافة، ونحو ذلك.
ومضمون هذه العبارات وأمثالها نفي صفاته، وهم يسمون نفي الصفات توحيداً وكذلك المعتزلة ومن ضاهاهم من الجهمية يسمون ذلك توحيداً.
وهم ابتدعوا هذا التعطيل الذي يسمونه توحيداً، وجعلوا اسم التوحيد واقعاً على غير ما هو واقع عليه في دين المسلمين، فإن التوحيد الذي بعث الله له رسله، وأنزل به كتبه، هو أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً، ولا يجعل له نداً، كما قال تعالى {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 1-6] .
ومن تمام التوحيد أن يوصف الله تعالى يما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل، كما قال تعالى {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 1-4] .
(1/284)

ومن هنا ابتدع من ابتدع لمن اتبعه على نفي الصفات اسم الموحدين وهؤلاء منتهاهم أن يقولوا: هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، كما قاله طائفة منهم، أو بشرط نفي الأمور الثبوتية، كما قاله ابن سينا وأتباعه، أو يقولون: هو الوجود المطلق لا بشرط، كما يقوله القونوي وأمثاله.
ومعلوم بصريح العقل الذي لم يكذب قط أن هذه الأقوال باطلة متناقضة من وجوه:

الرد على نفاة الصفات من وجوه. الأول
الرد على نفاة الصفات من وجوه.
الأول
أحدهما: أن جعل عين العلم عين القدرة، ونفس القدرة هي نفس الإدارة والعناية، ونفس الحياة هي نفس العلم والقدرة، ونفس العلم نفس الفعل والإبداع ونحو ذلك معلوم الفساد بالضرورة، فإن هذه حقائق متنوعة ن فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول: إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم هي حقيقة اللون، وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة.

الثاني
الوجه الثاني: أنه من المعلوم أن القائم بنفسه ليس هو القائم بغيره، والجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت، فمن قال: إن العالم هو العلم، والعلم هو العالم فضلاله بين.
وكذلك معلوم أن العلم ليس هو المعلوم، فمن قال: إن العلم هو المعلوم، والمعلوم هو العلم فضلاله بين أيضاً.
ولفظ العقل إذا أريد به المصدر فليس المصدر هو العاقل الذي هو اسم الفاعل، ولا المعقول الذي هو اسم مفعول، وإذا أريد بالعقل جوهر
(1/285)

قائم بنفسه فهو العاقل، فإذا كان يعقل نفسه أو غيره فليس عين عقله لنفسه أو غيره هو عين ذاته، وكذلك إذا سمى عاشقاً ومعشوقاً بلغتهم، أو قيل: محبوب ومحب بلغة المسلمين، فليس الحب والعشق هو نفس العاشق ولا المحب، ولا العشق ولا الحب هو المعشوق ولا المحبوب، بل التمييز بين مسمى المصدر ومسمى اسم الفاعل واسم المفعول، والتفريق بين الصفة والموصوف مستقر في فطر العقول ولغات الأمم، فمن جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى من السفسطة بما لا يخفى على من يتصور ما يقول: ولهذا كان منتهى هؤلاء السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات.

الثالث
الوجه الثالث: أن يقال: الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، أو لا بشرط، مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج، وإنما يوجد في الذهن، وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني، وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق كإنسان مطلق بشرط الإطلاق، وحيوان مطلق بشرط الإطلاق جسم مطلق بشر الإطلاق، ووجود مطلق بشرط الإطلاق: لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان.
ولما اثبت قدماؤهم الكليات المجردة ع الأعيان التي يسمونها المثل الأفاطونية أنكر ذلك حذاقهم، وقالوا: هذه لا تكون إلا في الذهن، ثم الذين ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة قالوا: إنها مجردة عن الأعيان المحسوسة ن ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان، بل يمتنع أن تكون شرطاً في وجود الأعيان، فإنها إما أن تكون صفة للأعيان، أو جزءاً منها.
(1/286)

وصفة الشيء لا تكون خالقة للموصوف، وجزء الشيء لا يكون خالقاً للجملة، فلو قدر أن في الخارج وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق امتنع أن يكون مبدعاً لغيره من الموجودات، بل امتنع أن يكون شرطاً في وجود غيره، فإذن تكون المحدثات والممكنات المعلوم حدوثها وافتقارها إلى الخالق المبدع مستغنية عن هذا الوجود المطلق بشرط الإطلاق، إن قيل: إن له وجوداً في الخارج، فكيف إذا كان الذي قال هذا القول هو من أشد الناس إنكاراً على من جعل وجود هذه الكليات المطلقة المجردة عن الأعيان خارجاً عن الذهن.
وهم قد قرروا ا، العلم الأعلى والفلسفة الأولى هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه، فجعلوا الوجود المطلق موضوع هذا العلم، لكن هذا هو المطلق الذي ينقسم إلى واجب وممكن، وعلة ومعلول، وقديم ومحدث.
ومورج التقسيم مشترك بين الأقسام.
فلم يمكن هؤلاء أن يجعلوا هذا الوجود المنقسم إلى واجب وممكن هو الوجود الواجب، فجعلوا الوجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق الذي ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، أو بشرط سلب الأمور الثبةتية، ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضاً لشيء من الماهيات والحقائق.
وهذا التعبير مبني على أصلهم تالفاسد، وهو ا، الوجود يعرض للحقائق الثابتة في الخارج، بناء على أنه في الخارج وجود الشيء غير حقيقته، فيكون في الخارج حقيقة يعرض لها الوجود تارة، ويفارقها أخرى.
(1/287)

ومن هنا فرقوا في منطقهم بين الماهية والوجود، وهم لو فسروا الماهية بما يكون في الأذهان، والوجود بما يكون في الأعيان، لكان هذا صحيحاً لا ينازع فيه عاقلن وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل، لكن توهموا أن تلك الماهية التي في الذهن هي بعينها الموجود الذي في الخارج، فظنوا أن في هذا الإنسان المعين جواهر عقلية قائمة بأنفسها مغيرة لهذا المعين، مثل كونه حيواناً ناطقاً وحساساً ومتحركاً بالإرادة ونحو ذلك.
والصواب أن هذه كلها أسماء لهذا المعين، كل اسم يتضمن صفة ليست هي الصفة التي يتضمنها الاسم الآخر، فالعين في الخارج هو هو، ليس هناك جوهران اثنان، حتى يكون أحدهم عارضاً للآخر أو معروضاً، بل هناك ذات وصفات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه لم يمكن ابن سينا وأمثاله أن يجعلوه الوجود المنقسم إلى واجب وممكن، فجعلوه الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، كما بين ذلك في شفائه وغيره من كتبه.
وهذا مما قد بين هو ـ ومما يعلم كل عاقل ـ أنه يمتنع وجوده في الخارج، ثم إذا جعل مطلقاً بشرط الإطلاق لم يجز أن ينعت بنعت يوجب امتيازه، فلا يقال:
(1/288)

هو واجب بنفسه، ولا ليس بواجب بنفسه، فلا يوصف بنفي ولا إثبات، لن هذا نوع من التمييز والتقييد.
وهذا حقيقة قول القرامطة الباطنية الذين يمتنعون عن وصفه بالنفي والإثبات، ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع.
وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية، فهو أسوأ جالاً من المقيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، فإنه يشارك غيره في مسمى الوجود ويمتاز عنه بأمور وجودية، وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، فيكون كل من الموجودات أكمل منه.
وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معا، كان أقرب إلى الوجود من أن يمتاز بسلب الوجود دون العدم، وإن كان هذا ممتنعاً فذاك ممتنع أيضاً، وهو أقرب إلى العدم، فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العد هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن تقديراً، كما يقدر كون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً، فلزم الجمع بين النقيضين، والخلو عن النقيضين.
وهذا من أعظم الممتنعات بإتفاق العقلاء ن بل قد يقال: إن جميع الممتنعات ترجع إلى الجمع بين النقيضين، فلهذا كان ابن سينا وأمثاله من أهل دعوة القرامطة الباطنية من أتباع الحاكم الذي كان بمصر، وهؤلاء وأمثالهم من رؤوس الملاحدة الباطنيةن وقد ذكر ذلك عن نفسه، وأنه كان هو وأهل بيته من أهل دعوة هؤلاء
(1/289)

المصريين الذين يسميهم المسلمون الملاحدة، لإلحادهم في أسماء الله وآياته إلحاداً أعظم من إلحاد اليهود والنصاري.
وأما ملاحدة المتصوفة: كابن عربي الكائي، وصاحبه الصدر القونوي، وابن سبعين، وابن الفارض وأمثالهم، فقد يقولون: هو الوجود المطلق، كما قاله القونوي، وجعله هو الوجود من حيث هو هو، مع قطع النظر عن كونه واجباً وممكناً وواحداً وكثيراً، وهذا معنى قول ابن سبعين وأمثاله القائلين بالإحاطة.
ومعلوم أن المطلق لا بشرط ـ كالإنسان المطلق لا بشرط ـ يصدق على هذا الإنسان وهذا الإنسان، وعلى الذهني والخارجي، فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب والممكن، والواحد والكثير، والذهني، والخارجي، وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس موجودا في الخارج مطلقاً بلا ريب.
ومن قال: إن الكلي الطبيعي موجود في الخارج فقد يريد به حقا ًوباطلاً، فإن أراد بذلك أن ما هو كلي في الذهن موجود في الخارج معيناً: أي تلك الصورة الذهنية مطابقة للأعيان الموجودة في الخارج، كما يطابق الاسم لمسماه، والمعني الذهني الموجود الخارجي، فهذا صحيح.
وإن أراد بذلك أن نفس الموجود
(1/290)

في الخارج كلي حين وجوده في الخارج، فهذا باطل، مخالف للحس والعقل، فإن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
وكل موجود في الخارج معين متميز بنفسه عن غيره يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، أعني هذه الشركة التي يذكرونها في هذا الموضع، وهي اشتراك الأعيان في النوع، واشتراك الأنواع في الجنس، وهي اشتراك الكليات في الجزئيات.
والقسمة المقابلة لهذه الشركة، هي قسمة الكلي إلى جزئياته، كقسمة الجنس إلى أنواع، والنوع إلى أعيانه.
وأما الشركة التي يذكرها الفقهاء في كتاب الشركة، والقسمة المقابلة لها التي يذكرها الفقهاء في باب القسمة، وهي المذكورة في قوله تعالى {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} [القمر: 28] ، وقوله {لكل باب منهم جزء مقسوم} [الحجرات: 44] .
فتلك شركة في الأعيان الموجودة في الخارج، وقسمتها قسمة للكل إلى أجزاءه، كقسمة الكلام إلى الاسم والفعل والحرف، والأول كقسمة الكلمة الاصطلاحية إلى اسم وفعل وحرف.
وإذا عرف أن المقصود الشركة في الكليات، لا في الكل، فمعلوم أنه لا شركة في المعينات، فهذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من هذا المعين، ولا في هذا شيء من هذا.
ومعلوم أن الكلي الذي يصلح لاشتراك الجزئيات فيه لا يكون هو جزءاً من الجزئي الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
فمن قال: إن الإنسان الكلي جزء من هذا الإنسان المعين أو إن الإنسان المطلق جزء من هذا المعين بمعني أن هذا المعين فيه شيء مطلق، أو شيء كلي، فكلامه ظاهر الفساد.
(1/291)

وبهذا تنحل شبه كثيرة توجد في كلام الرازي، وأمثاله من أهل المنطق، ونحوهم ممن التبس عليهم هذا المقام.

وجود الله هل هو ماهيته أو زائد على ماهيته؟
وبسبب التباس هذا عليهم حاروا في وجود الله تعالى: هل هو ماهيته، أم هو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود ن مقول بالتواطؤ والتشكيك، أو مقول بالاشتراك اللفظي؟
فقالوا: إن قلنا: إن لفظ الوجود مشترك اشتراكاً لفظياً لزم ألا يكون الوجود منقسماً إلى واجب وممكن، وهذا خاف ما اتفق عليه العقلاء، وما يعلم بصريح العقل.
وإن قلنا: إنه متواطئ أو مشكك، لزم أن تكون الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، فيكون الوجود مشتركاً بين الواجب والممكن، فيحتاج الوجود المشترك إلى ما يميز وجود هذا عن وجود هذا، والامتياز يكون بالحقائق المختصة، فيكون وجود هذا زائداً على ماهيته، فيكون الوجود الواجب مفتقراً إلى غيره.
ويذكرون ما يذكره الرازي وأتباعه: أن للناس في وجود الرب تعالى ثلاثة أقوال فقط: أحدها أن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي فقط.
والثاني: أن وجود الواجب زائد على ماهيته.
والثالث: أنه وجود مطلق، ليس له حقيقة غير الوجود المشروط بسلب كل ماهية ثبوتية عنه.

رأي ابن تيمية
فيقال لهم: الأقوال الثلاثة باطلة، والقول الحق ليس واحداً من الثلاثة.
وإنما أصل الغلط هو توهمهم أنا إذا قلنا: إن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لزم أن يكون في الخارج وجود هو نفسه الواجب، وهو نفسه
(1/292)

في الممكن، وهذا غلط، فليس في الخارج بين الموجودين شيء هو نفسه فيهما، ولكن لفظالوجود ومعناه الذي في الذهن، والخط الذي يدل على اللفظ يتناول الموجودين ويعمهما، وهما يشتركان فيه، فشمول معنى الوجود الذي في الذهن لهما كشمول لفظ الوجود والخط الذي يكتب به هذا اللفظ لهما، فهما مشتركان في هذا، وأما نفس ما يوجد في الخارج فإنما يشتبهان فيه من بعض الوجوه، فأما أن تكون نفس ذات هذا وصفته فيها شيء من ذات هذا وصفته، فهذا مما يعلم فساده كل من تصوره، ومن توقف فيه فلعدم تصوره له.
وحينئذ فالقول في اسم الوجود كالقول في اسم الذات والعين والنفس والماهيةوالحقيقة وكما أن الحقيقة تنقسم إلى: حقيقة واجبة وحقيقة ممكنة، وكذلك لفظ الماهية ولفظ الذات ونحو ذلك، فكذلك لفظ الوجود فإذا قلنا: إن الحقيقة أو الماهية تنقسم إلى واجبة وممكنة لم يلزم أن تكون ماهية الواجب فيها شيء من ماهية الممكن، فذلك إذا قيل: الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لم يلزم أن يكون الوجود الواجب فيه شيء من وجود غيره، بل ليس فيه وجود مطلق ولا ماهية مطلقة، بل ماهيته هي حقيقية، وهي وجوده.
وإذا كان المخلوق المعين وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته وماهيته التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان، فالخالق تعالى أولى أن تكون حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد، وهو نفس ماهيته التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر.
(1/293)

ولو قدر أن الوجود المشترك بين الواجب والممكن موجود فيهما في الخارج، وأن الحيوانية المشتركة هي بعينها في الناطق والأعجم: كان تميز أحدهما عن الآخر بوجود خاص، كما يتميز الإنسان بحيوانية تخصه، وكما أن السواد والبياض إذا اشتركا في مسمى اللون تميز أحدهما بلونه الخاص عن الآخر.
وهؤلاء الضالون يجعلون الواحد اثنين، والأثنين واحد، فيجعلون هذه الصفة هي هذه الصفة، ويجعلون الصفة هي الموصوف، فيجعلون الاثنين واحداً كما قالوا: إن العلم هو القدرة وهو الإرادة، والعلم هو العالم، ويجعلون الواحد اثنين، كما يجعلون الشيء المعين الذي هو هذا الإنسان هو عدتة جواهر: إنسان، وحيوان، وناطق، وناطق، وحساس، ومتحرك بالإرادة، ويجعلون كلاً من هذه الجواهر غير الآخر، ومعلوم أنه جوهر واحد له صفات متعددة، وكما يفرقون بين المادة والصورة ويجعلونهما جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما، وإنما المعقول هو قيام الصفات بالموصوفات، والاعراض بالجواهر، كالصورة الصناعية: مثل صورة الخاتم والدرهم والسرير والثوب، فإنه عرض قائم بجوهر هو الفضة والخشب والغزل، وكذلك الاتصال والانفصال قائمان بمحل هو الجسم.
وهكذا يجعلون الصورة، الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات للمادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلا النفس الناطقة إذا فارقت البدن بالموت، والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة، فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها، ويجعلون الموجد في الخارج هو الموجود في الذهن، كما يجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق.
(1/294)

فهذه الأمور من أصول ضلالهم: حيث جعلوا الواحد متعدداً، والمتعدد وحدا، وجعلوا من في الذهن في الخارج، وجعلوا ما في الذهن، ولزم من ذلك أن يجعلوا الثبت منتفياً، والمنتفي ثابتاً، فهذه الأمور من أجناس ضلالهم، وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنا ننبه على بعض ما نبين به تناقضهم وضلالهم في عقلياتهم التي نفوا بها صفات الله عز وجل، وعارضوا بها نصوص الرسول الثابتة بصحيح المنقول الموافقة لصريح المعقول، وكلما أمعن الفاضل الذكي في معرفة أقوال هؤلاء الملاحدة ومن وافقهم في بعض أقوالهم من أهل البدع، كنفاة بعض الصفات الذين يزعمون أن المعقول عارض كلام الرسول، وأنه يجب تقديمه عليه، فإنه يتبين له انه يعلم بالعقل الصريح ما يصدق ما أخبر به الرسول، وما به يتبين فساد ما يعارض ذلك.
ولكن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة وصاروا يدخلون فيها من المعاني ماليس هو المفهوم منها في لغات الأمم، ثم ركبوها وألفوها تأليفاً طويلاً بنوا بعضه على بعض، وعظموا قولهم، وهولوه في نفوس من لم يفهمه، ولا ريب أن فيه دقة وغموضاً لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض علهم قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل، ونقلوا الناس
(1/295)

في مخاطبتهم درجات، كما ينقل إخوانهم القرامطة المستجيبين لهم درجة حتى يوصلوهم إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، الذي مضمونه جحد الصانع، وتكذيب رسله، وجحد شرائعه، وفساد العقل والدين، والدخول في غاية الإلحاد ن المشتمل على غاية الفساد في المبدأ والمعاد.

كيف نعرف الضلال ونتجنبه
وهذا القدر الذي وقع فيه ضلال المتفلسفة لم يقصده عقلاؤهم في الأصل، بل كان غرضهم تحقيق الأمور والمعارف، لكن وقعت لهم شبهات ضلوا بها، كما ضل من ضل ابتداء من المشركين منهم ومن غيرهم من الكفار ممن ضل ببعض الشبهات، ولهذا يجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وأمثالهم: أن يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين معناه، ويعرف مقصوده، ويكون الكلام في المعاني العقلية المبينة، لا في معان مشتبهة بألفاظ مجملة.
واعلم أن هذا نافع في الشرع والعقل:
أما الشرع: فإن علينا أن نؤمن بما قاله الله ورسوله، فكل ما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، فعلينا أن نصدق به، وإن لم نفهم معناه، لأنا قد علمنا أنه الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق، وما تنازع فيه الأمة من الألفاظ المجملة كلفظ المتحيز والجهة، والجسم، والجوهر، والعرض وأمثال ذلك، فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء، لا في النفي ولا في الإثبات، حتى يتبين له معناه، فإن كان المتكلم بذلك أراد معنى صحيحاً، وافقاً لقول المعصوم كان ما أراده حقاً، وإن كان أراد به معنى مخالفاً لقول المعصوم كان ما أراده باطلاً.
(1/296)

ثم يبقى النظر في إطلاق ذلك اللفظ ونفيه، وهي مسألة فقهية، فقد يكون المعنى صحيحاً ويمتنع من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة، وقد يكون اللفظ مشروعاً ولكن المعنى الذي أراده المتكلم باطل، كما قال علي رضي الله عنه ـ لمن قال من الخوارج المارقين لا حكم إلا لله ـ: كلمة حق أريد بها باطل.
وقد يفرق بين اللفظ الذي يدعى به الرب، فإنه لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه لإثبات حق أو نفي باطل.
وإذا كان في باب العبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نفرق بين مخاطبته وبين الإخبار عنه، فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى، حيث قال {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] فلا نقول: يا محمد، يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضاً بل نقول: يا رسول الله، يا نبي الله.
والله سبحانه وتعالى خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة: 35] ، {يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} [هود: 48] ، {يا موسى * إني أنا ربك} [طه: 11-12] ، {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] ، ولما خاطبه صلى الله عليه وسلم قال {يا أيها النبي} [التحريم: 1] ، {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}
(1/297)

[المائدة: 41] ، {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] ، {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] ، {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] ، فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.
وأما إذا كان في مقام الإخبار عنه قلنا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وقلنا: محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الحزاب: 40] ، وقال {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا} [الفتح: 29] ، وقال {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: 144] ، وقال {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} [محمد: 2] .
فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه وجل مما هو حق ثابت، لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه عز وجل من العيوب والنقائص، فإنه الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وقال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: 180] مع قوله {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم} [الأنعام: 19] ، ولا يقال في الدعاء: يا شيء.
(1/298)

وأما نفع هذا الاستفسار في العقل: فمن تكلم بلفظ يحتمل معاني لم يقبل قوله ولم يرد حنى نستفسره ونستفصله حتى يتبين المعنى المراد، ويبقى الكلام في المعاني العقلية، لا في المنازعات اللفظية، فقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، ومن كان متكلماً بالمعقول الصرف لم يتقيد بلفظ، بل يجرد بأي عبارة دلت عليه.
أرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم: منها ما كان أعجمياً، فعربت، كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس وغيرهم، وقد يكون المترجم عنهم صحيح الترجمة، وقد لا يكون صحيح الترجمة.
ومنها ما هو عربي.
ونحن إنما نخاطب المم بلغتنا العربية، فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى، والصورة، والمادة، والعقل، والنفس، والصفات الذاتية، والعرضية، والمجرد، والتركيب والتأليف، والجسم، والجوهر، والعرض، والماهية، والجزءونحو ذلك، بين ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني، كما إذا قال قائلهم: النوع مركب من الجنس والفصل، كتركيب الإنسان من الحيوان والناطق، أو من الحيوانية والناطقية، وإن هذه أجزاء الإنسان وأجزاء الحد، والواجب سبحانه إذا كان له صفات لزم أن يكون مركباً، ولمركب مفتقر إلى أجزائه، والمفتقر إلى أجزائه لا يكون واجباً ـ استفسروا عن لفظ التركيب، والجزء، والافتقار، والغير فإن جميع هذه الألفاظ فيها اشتراك والتباس وإجمال.
فإذا قال القائل: الإنسان مركب من الحيوان والناطق، أو من الحيوانية والناطقية.
(1/299)

قيل له: أتعني بذلك الإنسان الموجود في الخارج، وهو هذا الشخص وهذا الشخص، أو تعني الإنسان المطلق من حيث هو هو؟
فإن أراد الأول.
قيل له: هذا الإنسان، وهذا الإنسان، وغيرهما، إذا قلت ك هو مركب من هذين الجزأين.
فيقال لك: الحيوان والناطق جوهران قائمان بأنفسهما.
فإذا قلت: هما جزءان للإنسان الموجود في الخارج لزم أن يكون الإنسان الموجود في الخارج فيه جوهران: أحدهما حيوان، والآخر ناطق، غير الإنسان المعين.
وهذا مكابرة للحس والعقل.
وإن قال: أنا أريد بذلك أن الإنسان يوصف بأنه حيوان وأنه ناطق.
قيل له: هذا معنى صحيح، لكن تسمية الصفات أجزاء، ودعوى أن الموصوف مركب منها وأنها متقدمة عليه، ومقومة له في الوجودين الذهني والخارجي، كتقدم الجزء على الكل، والبسيط على المركب، ونحو ذلك مما يقولونه في هذا الباب: هو مما يعلم فساده بصريح العقل.
وإن قال: هو مركب من الحيوانية والناطقية.
قيل له: إن أردت بالحيوانية والناطقية: الحيوان والناطقن كان الكلام واحداً.
وإن أردت العرضين القائمين بالحي الناطق، وهما: صفتاه، كان مضمونه أن الموصوف مركب من صفاته، وأنها أجزاء له، ومقومة له، وسابقة عليه، ومعلوم أن الجوهر لا يتركب من الأعراض، وأن صفات الموصوف لا تكون سابقة له في الوجود الخارجي.
(1/300)

وإن قال: أنا أريد بذلك أن الإنسان من حيث هو هو مركب من ذلك.
قيل له: إن الإنسان من حيث هو هو لا وجود له في الخارج، بل هذا هو الإنسان المطلق، والمطلقات لا تكون مطلقة إلا في الأذهان، فقد جعلت المركب هو ما يتصوره الذهن، وما يتصوره الذهن هو مركب من الأمور التي يقدرها الذهن.
فإذا قدرت في النفس جسماً حساساً متحركاً بالإرادة ناطقاً كان هذا المتصور في الذهن مركباً من هذه الأمور، وإن قدرت في النفس حيواناً ناطقاً كان مركباً من هذا وهذا، وإن قدرت حيواناً صاهلاً كان مركباً من هذا وهذا.
وإن قلت: إن الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من هذه الصور الذهنية كان هذا معلوم الفساد بالضرورة.
وإن قلت: إن هذه مطابقة لها وصادقة عليها فهذا يكون صحيحاً إذا كان ما في النفس علماً لا جهلاً.
وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن سوغ جعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة بالعين كان كلامه مستلزماً أن يجعل وجود الحقائق المتنوعة وجوداً واحداً بالعين، بل هذا أولى، لأن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، فمن اشتبه عليه أن العلم هو القدرة وأنهما نفس الذات العالمة القادرة: كان أن يشتبه عليه أن الوجود واحد أولى وأحرى.
وهذه الحجة المبينة على التركيب هي أصل قول الجهمية نفاة الصفات والأفعال، وهم الجهمية من المتفلسفة ونحوهم، ويسمون ذلك التوحيد.

حجة الأعراض عند المتكلمين
وأما المعتزلة وأتباعهم فقد يحتجون بذلك، لكن عمدتهم الكبرى حجتهم التي زعموا أنهم أثبتوا بها حدوث العالم، وهي حجة الأعراض، فإنهم استدلوا على حدوث
(1/301)

العالم بحدوث الأجسام، واستدلوا على حدوث الأجسام بأنها مستلزمة للأعراض، كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، ثم قالوا: إن الأعراض أو بعض الأعراض حادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فاحتاجوا في هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا، ثم إثبات لزومها للجسم.
فادعى قوم أن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض، وأن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده، وادعوا أن كل جسم له طعم ولون وريح، وأن العرض لا يبقى زمانين، كما زعم ذلك من سلكه من أهل الكلام الصفاتية، نفاه الفعل الاختياري القائم بذاته، كالقاضي أبو بكر وأبي المعالي ونحوهما، ومن يوافقهم أحيانا كالقاضي أبي يعلى وغيره، ولما ادعوا أن الأعراض جميعها لا تبقى زمانين لزم أن تكون حادثة شيئا بعد شيء، والجسم لا يخلو منها، فيكون حادثا بناء على امتناع حوادث لا أول لها.
وعلى هذه الطريق اعتمد كثير منهم في حدوث العالم، ومن متأخريهم أبو الحسن الآمدي وغيره.
وأما جمهور العقلاء فأنكروا ذلك، وقالوا: من المعلوم أن الجسم يكون متحركا تارة، وساكنا أخرى.
وهل السكون أمر وجودي أو عدمي؟ على قولين.
وأما الاجتماع والافتراق فمبني على إثبات الجوهر الفرد.
(1/302)

فمن قال بإثباته قال: إن الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة، وهي: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، ومن لم يقل بإثباته لم يجعل الاجتماع من الأعراض الزائدة على ذات الجسم.
ونفاة الجوهر الفرد كثير من طوائف أهل الكلام وأهل الفلسفة، كالهشامية والنجارية، والضرارية، والكلابية، وكثير من الكرامية.
وأما من قال: إن نفيه هو قول أهل الإلحاد، وإن القول بعدم تماثل الأجسام ونحو ذلك هو من أقوال أهل الإلحاد: فهذا من أقوال المتكلمين، كصاحب الإرشاد ونحوه ممن يظن أن هذا الدليل الذي سلكوه في إثبات العالم هو أصل الدين، فما يفضي إلى إبطال هذا الدليل لا يكون إلا من أقوال الملحدين.
ومن لم يقل بأن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض قال: إنه يستلزم بعضها كالأكوان، أو الحركة والسكون، وإن ذلك حادث.
وهذه الطريقة هي التي يسلكها أكثر المعتزلة وغيرهم ممن قد يوافقهم أحيانا في بعض الأمور كـ أبي الوفاء بن عقيل وغيره.
ثم هؤلاء بعد أن أثبتوا لزوم الأعراض أو بعضها للجسم، وأثبتوا حدوث ما يلزم الجسم أو حدوث بعضه، احتاجوا إلى أن يقولوا: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، فمنهم من اكتفى بذلك ظنا منهم أن ذلك ظاهر، ومنهم من تفطن لكون ذلك مفتقرا إلى إبطال حوادث لا أول لها، إذ يمكن أن يقال: إن الحادث بعد أن لم يكن هو كل شخص شخص من أعيان الحوادث، وأما النوع فلم يزل، فتكلموا هنا في إبطال وجود ما لا نهاية له بطريق التطبيق والموازاة والمسامتة.
(1/303)

وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد بعد ذلك كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية له، فإن لزم كون الزائد مثل الناقص، وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى.
وهذه نكتة الدليل، فإن منازعيهم جوزوا مثل هذا التفاضل إذا كان ما لا يتناهى ليس هو موجودا له أول وآخر، وألزموهم بالأبد، وذلك إذا أخذ ما لا يتناهى في أحد الطرفين قدر متناهيا من الطرف الآخر، كما إذا قدرت الحوادث المتناهية إلى زمن الطوفان، وقدرت إلى زمن الهجرة، فإنها كانت لا تتناهى من الطرف المتقدم، فإنها متناهية من الطرف الذي يلينا.
فإذا قال القائل: إذا طبقنا بين هذه وهذه، فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص، أو أن يكون وجود الزيادة كعدمها، وإن تفاضلا لزم وجود التفاضل فيما لا يتناهى.
كان لهم عنه جوابان:
أحدهما: أنا لا نسلم إمكان التطبيق مع التفاضل، وإنما يمكن التطبيق بين المتماثلين لا بين المتفاضلين.
والجواب الثاني: أن هذا يستلزم التفاضل بين الجانب التناهي، لا بين الجانب الذي لا يتناهى، وهذا لا محذور فيه.
ولبعض الناس جواب ثالث، وهو أن التطبيق إنما يمكن في الموجود لا في المعدوم.
وقد وافق هؤلاء على إمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل طوائف كثيرة ممن يقول بحدوث الأفلاك من المعتزلة والأشعرية والفلاسفة وأهل الحديث وغيرهم، فإن هؤلاء جوزوا حوادث لا أول لها، مع قولهم بأن الله أحدث السماوات
(1/304)

والأرض بعد أن لم يكونا، وألزموهم بالأبد، ونشأ عن هذا البحث كلامهم في الحوادث المستقبلة، فطرد إماما هذا الطريق الجهم بن صفوان، إمام الجهمية الجبرية، وأبو الهذيل العلاف، إمام المعتزلة القدرية، فنفيا ثبوت ما لا يتناهى في المستقبل، فقال الجهم بفناء الجنة والنار، وأبو الهذيل اقتصر على القول بفناء حركات أهل الجنة والنار.
وعن ذلك قال أبو المعالي بمسألة الاسترسال: وهو أن علم الرب تعالى يتناول الأجسام بأعيانها، ويتناول أنواع الأعراض بأعيانها، وأما آحاد الأعراض فيسترسل العلم عليها، لامتناع ما لا يتناهى علما وعينا.
وأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا فيه أقوالا غليظة، حتى يقال: إن أبا القاسم القشيري هجره لأجل ذلك.
وصار طوائف المسلمين في جواز حوادث لا تتناهى على ثلاثة أقوال:
قيل: لا يجوز في الماضي ولا في المستقبل.
وقيل: يجوز فيهما.
وقيل: يجوز في المستقبل دون الماضي.
ثم إن المعتزلة والجهمية نفت أن يقوم بالله تعالى صفات وأفعال، بناء على هذه الحجة.
قولوا: لأن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، وبذلك استدلوا على حدوث الجسم.
(1/305)

فجاء ابن كلاب ومن اتبعه فوافقوهم على إنتفاء قيام الأفعال به، وخالفوهم في قيام الصفات، فأثبتوا قيام الصفات به، وقالوا: لا نسميها أعراضا لأنها باقية، والأعراض لا تبقى.
وأما ابن كرام وأتباعه: فلم يمتنعوا من تسمية صفات الله أعراضا، كما لم يمتنعوا من تسميته جسما.
وعن هذا الحجة ونحوها نشأ القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، ونحو ذلك من مقالات الجهمية النفاة، لأن القرآن كلام، وهو صفة من الصفات، والصفات عندهم لا تقوم به.
وأيضا فالكلام يستلزم فعل المتكلم، وعندهم لا يجوز قيام فعل به، ولأن الرؤية تقتضي مقابلة ومعاينة، والعلو يقتضي مباينة ومسامته، وذلك من صفات الأجسام.
وبالجملة فقد صاروا ينفون ما ينفونه من صفات الله تعالى، لأن إثبات ذلك يقتضي أن يكون الموصوف جسما، وذلك ممتنع، لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث الأجسام، فلو كان جسما لبطل دليل إثبات الصانع.
ومن هنا قال هؤلاء: إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول.
وقالوا إنه لا يمكن تصديق الرسول لو قدر أنه يخبر بذلك، لأن صدقه لا يعلم بعد أن يثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحودث الأجسام.
قالوا: وإثبات الصفات له يقتضي أنه جسم قديم، فلا يكون كل جسم حادثا، فيبطل دليل إثبات العلم به.
(1/306)

وقالت المعتزلة، كـ أبي الحسين وغيره: إن صدق الرسول معلوم بالمعجزة، والمعجزة معلومة بكون الله تعالى لا يظهرها على يد كاذب، وذلك معلوم بكون إظهارها على يد الكذاب قبيحا، والله منزه عن فعل القبيح، وتنزيهه عن فعل القبيح معلوم بأنه غني عنه عالم بقبحه، والغني عن الشيء العالم بقبحه لا يفعله، وغناه معلوم بكونه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم معلوم بنفي الصفات، فلو قامت به الصفات لكان جسما، ولو كان جسما لم يكن غنيا، وإذا لم يكن غنيا لم يمتنع عليه فعل القبيح، فلا يؤمن أن يظهر المعجزة على يد كذاب، فلا يبقى لنا طريق إلى العلم بصدق الرسول.
فهذا الكلام ونحوه أصل دين المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة.
وكذلك أبو عبد الله بن الخطيب وأمثاله: أثبتوا وجود الصانع بأربع طرق، منها ثلاثة مبنية على أصلين، وربما قالوا بست طرق، منها خمسة مبنية على الأصلين المتقدمين في توحيد الفلاسفة وتوحيد المعتزلة.
فإنه قال: الاستدلال على الصانع إما أن يكون: بالإمكان، أو الحدوث.
وكلاهما: إما في الذات، وإما في الصفات، وربما قالوا: وإما فيهما.
فالأول: إثبات إمكان الجسم بناء على حجة التركيب التي هي أصل الفلاسفة.
والثاني: بيان حدوثه بناء على حجة حدوث الحركات والأعراض التي هي أصل المعتزلة.
والثالث: إمكان الصفات بناء على تماثل الأجسام.
والرابع: إمكانهما جميعا.
والخامس: حدوث الصفات، وهذا هو الطريق المذكور في القرآن.
والسادس: حدوث الأجسام وصفاتها، وهو مبني على ما تقدم.
وهذه الطرق الست كلها مبنية على الجسم، إلا الطريق الذي سماه حدوث الصفات يعني بذلك ما يحدثه الله في العالم من الحيوان والنبات والمعدن والسحاب
(1/307)

والمطر وغير ذلك، وهو إنما سمى ذلك حدوث الصفات متابعة لغيره ممن يثبت الجوهر الفرد، ويقول بتماثل الأجسام، وإن ما يحدثه الله تعالى من الحوادث إنما هو تحويل الجواهر التي هي أجسام من صفة إلى صفة مع بقاء أعيانها، وهؤلاء ينكرون الاستحالة.
وجمهور العقلاء وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم متفقون على بطلان قولهم، وأن الله تعالى يحدث الأعيان ويبدعها، وإن كان يحيل الجسم الأول إلى جسم آخر، فلا يقولون: إن جرم النطفة باق في بدن الإنسان، ولا جرم النواة باق في النخلة.
والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع، فإن هذه الجمل هي من جوامع الكلام المحدث الذي كان السلف والأئمة يذمونه، وينكرون على أهله.
والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
فيقال لهم: أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالاضطرار أن إيمان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنيا على هذه الحجج المبنية على الجسم، ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا أن يستدل بذلك على إثبات الصانع، ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه وعلى وحدانيته شيئا من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض، وتركيب الجسم وحدوثه وما يتبع ذلك.
فمن قال: إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.
ومن قال: إن سلوك هذه الطريق واجب
(1/308)

في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
ولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا: وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب، بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق بدعة محرمة في دين الرسل، لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم.
ثم القائلون بان هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون: إنها في نفسها صحيحة، بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة: منهم الأشعري والخطابي وغيرهما.
وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل، وقول من قال: لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام، وقول من قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ونحو ذلك.
ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلما أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفا عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه
(1/309)

عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك علم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلا بدونها.
فمن قال بعد هذا: إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من الطرق المحدثة كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، وعلم أن القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها، وأن تقديم الشرع المعارض لها، لا يكون قدحا في العقليات، التي هي أصل الشرع، بل يكون قدحا في أمور لا يفتقر الشرع إليها، ولا يتوقف عليها، وهو المطلوب.
فتبين أن الشرع المعارض لمثل هذه الطرق التي إنها عقليات إذا قدم عليها لم يكن في ذلك محذور.

بطلان استدلال المتكلمين بقصة الخليل على رأيهم
ومن عجائب الأمور: أن كثيراً من الجهمية نفاة الصفات والأفعال ن ومن اتبعهم على نفي الأفعال: يستدلون على ذلك بقصة الخليل صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك بشر المريسي، وكثير من المعتزلة، ومن أخذ ذلك عنهم، أوعمن أخذ ذلك عنهم، كأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم، وذكروا في كاتبهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل عليه صلوات الله وسلامه، وهو قوله {لا أحب الأفلين} [الأنعام: 76] .
قالوا: فاستدل بالأفول الذي هو الحركة والانتقال على حدوث ما قام به ذلك، كالكوكب والقمر والشمس.
(1/310)

وظن هؤلاء أن قول إبراهيم عليه السلام {هذا ربي} [الأنعام: 77] أراد به: هذا خالق السماوات والأرض، القديم الأزلي، وأنه استدل على حدوثه بالحركة.
وهذا خطأ من وجوه:

الوجه الأول
أحدهما: أن قول الخليل {هذا ربي} ـ سواء قاله على سبيل التقدير لتقريع قومه، أو على سبيل الاستدلال والترقي: أو غير ذلك ـ ليس المراد به: هذا رب العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه، ولا كان قومه يقولون: إن الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه، ولا قال هذا أحد من اهل المقالات المعروفة التي ذكره الناس: لا من مقالات أهل التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ولا من مقالات غيرهم، بل قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم، كانوا يتخذونها أرباباً يدعونها ويتقربون إليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين وغير ذلك، وهو دين المشركين الذين صنف الرازي كتابه على طريقتهم وسماه السر المكتوم في دعوة الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم.
(1/311)

وهذا دين المشركين من الصبئين كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين وأرسطواً وأمثاله من أهل هذا الدين، وكلامه معروف في السحر الطبيعي والسحر الروحاني، والكتب المعروفة بذخيرة الإسكندر بن فليبس الذي يؤرخون به، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة.
وكانت اليونان مشركين يعبدون الأوثان، كما كان قوم إبراهيم مشركين يعبدون الأوثان، ولهذا قال الخليل {إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} [الزخرف: 26-27] ، وقال {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75-77] ، وأمثال ذلك مما يبين تبرؤه مما يعبدونه غير الله.
وهؤلاء القوم عامتهم من نفاة صفات الله وأفعاله القائمة به، كما هو مذهب الفلاسفة المشائين، فإنهم يقولون: إن ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية، وهو مذهب القرامطة الباطنية القائلين بدعوة الكواكب والشمس والقمر والسجود لها، كما كان على ذلك من كان عليه من بني عبيد ملوك القاهرة وأمثالهم.
فالشرك الذي نهي عنه الخليل وعادى أهله عليه كان أصحابه هم أئمة هؤلاء النفاة للصفات والأفعال، وأول من أظهر هذا النفي في الإسلام: الجعد بن درهم، معلم مروان بن محمد.
(1/312)

قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات، وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال، ولهم مصنفات في دعوة الكواكب، كما صنفه ثابت بن قرة وأمثاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران، وكما صنفه أبو معشر البلخي وأمثاله، وكان لهم بها هيكل العلة الأولى ن وهيكل العقل الفعال، وهيكل النفس الكلية، وهيكل زحل، وهيكل المشتري وهيكل المريخ، وهيكل الشمس، وهيكل الزهرة، وهيكل عطارد، وهيكل القمر، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.

الوجه الثاني
أنه لو كان المراد بقوله: {هذا ربي} أنه رب العالمين، لكانت قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم، لأن الكوكب والقمر والشمس ما زال متحركاً من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه، وهو جسم متحرك متحيز صغير، فلو كان مراده هذا للزم أن يقال: إن: إبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من كون المتحرك المنتقل رب العالمين، بل ولا كونه صغيراً بقدر الكوكب والشمس والقمر.
وهذا ـ مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ـ فإن جوزوه عليه كان حجة عليهم، لا لهم.

الوجه الثالث
أن الأفول هو المغيب والاحتجاب، ليس هو مجرد الحركة والانتقال، ولا يقول أحد ـ لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير ـ إن الشمس والقمر في حال مسيرهما في السماء: إنهما آفلان، ولا يقول للكواكب
(1/313)

المرئية في السماء، في حال ظهورها وجريانها: إنها آفلة، ولا يقول عاقل لكل من مشى وسافر وسار وطار: إنه آفل.

الوجه الرابع
أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام، كما ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة، وبينوا أن هذا من التفسير المبتدع.
وبسبب هذا الابتداع أخذ ابن سينا وأمثاله لفظ الأفول بمعني الإمكان، كما قال في إشاراته:
قال قوم إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه، لكن إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجباً، وتلوت قوله تعالى {لا أحب الأفلين} [الأنعام: 76] فإن الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما فهذا قوله.
(1/314)

ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب: أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا، ولا كل موجود بغيره آفلاً، ولو كان الخليل أراد بقوله {لا أحب الأفلين} [الأنعام: 76] هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس والقمر، ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الاستدلال بالآية أظهر من فساد قول أولئك.
وأعجب من هذا قول من قال في تفسيره: إن هذا قول المحققين.
واستعارته لفظ: الهوي، والحظيرة لا يوجب تبديل اللغة المعروفة في معنى الأفول، فإن وضع هو لنفسه وضعاً آخر، فليس له أن يتلو عليه كتاب الله تعالى فيبدله أو يحرفه.
وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيراً آخر، كما ذكره أبو حامد في بعض مصنفاته، كمشكاة الأنوار وغيرها: أن الكواكب والشمس والقمر: هي النفس، والعقل الفعال، والعقل الأول، ونحو ذلك.
وشبهتهم في ذلك: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجل من أن يقول لمثل هذه الكواكب: إنه رب العالمين، بخلاف ما ادعوه من النفس، ومن العقل والفعال الذي يزعمون أنه رب كل ما تحت فلك القمر، والعقل الأول الذي يزعمون أنه مبدع العالم كله.
(1/315)

وقول هؤلاء ـ إن كان معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام ـ فابتداع أولئك طرق مثل هؤلاء على هذا الإلحاد.
ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب: أن هذه المعاني ليست هي المفهوم من لفظ الكوكب والقمر والشمس.
وأيضاً فلو قدر أن ذلك كوكباً وقمراً وشمساً بنوع من التجوز: فهذا غايته أن يسوغ للإنسان أن يستعمل اللفظ في ذلك، لكنه لا يمكنه أن يدعي أن أهل اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا بهذا، القرآن نزل بلغة الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان بنوع من التشبه والاستعارة، ثم يحمل كلام من تقدمه على هذا الوضع الذي أحدثه هو.
وأيضاً فإنه قال تعالى {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} [الأنعام: 76] فذكره منكراً: لأن الكواكب كثيرة، ثم قال: {فلما رأى القمر} [الأنعام: 77] ، {فلما رأى الشمس} [الأنعام: 78]] بصيغة التعريف لكي يبين أن المراد القمر والمعروف والشمس المعروفة، وهذا صريح بأن الكواكب متعددة، وأن المراد واحد منها، وأن الشمس والقمر هما هذان المعروفان.
وأيضا فإنه قال {لا أحب الأفلين} والأفول هو المغيب والاحتجاب، فإن أريد بذلك المغيب عن الأبصار الظاهرة فما يدعونه من العقل والنفس لا يزال محتجاً عن الأبصار لا يرى بحال، بل وكذلك واجب الوجود،
(1/316)

فالأفول أمر يعود إلى حال العارف بها، لا يكسبها صفة نقص ولا كمال، ولا فرق في ذلك بينها وبين غيرها.
وأيضاً فالعقول عندهم عشرة والنفوس تسعة بعدد الأفلاك.
فلو ذك القمر والشمس فقط لكانت شبهتهم أقوى، حيث يقولون: نور القمر مستفاد من نور الشمس، كما أن النفس متولدة عن العقل، مع ما في ذلك ـ لو ذكروه ـ من الفساد، أما مع ذكر كوكب من الكواكب فقولهم هذا من أظهر الأقوال للقرامطة الباطنية فساداً، لما في ذلك من عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة إرادة مثل هذا.
والكم على فساد هذا طويل ليس هذا موضعه.
ولولا أن هذا وأمثاله هو من أسباب ضلال كير من الداخلين في العلم والعبادو، إذ صاحب كتاب مشكاة الأنوار إنما بنى كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس خطاب الله عز وجل لموسى ين عمران النبي صلي الله عليه وسلم، كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من المتفلسفة، وجعل خلع النعلين الذي خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه إشارة إلى ترك الدنيا
(1/317)

والآخرة، وإن كان قد يقرر خلع النعلين حقيقة، لكن جعل هذا إشارة إلى أن من خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي.
وهو من جنس قول من يقول: إن النبوة مكتسبة، ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون في النبوة، فكن السهروردي المقتول يقول: لا أموت حتى يقال في: قم فأنذر، وكان ابن سبعين يقول: لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي ولما جعل خلع النعلين إشارة إلى ذلك، أخذ ذلك ابن قسي ونحوه ووضع كتابه ففي خلع النعلين، واقتباس النور من موضع القدمين من مثل هذا الكلام.
ومن هنا دخل أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، حنى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق سبحانه وتعالى، كما فعل صاحب الفصوصابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى التصرف والتحقيق.
وهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع، لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ الصوفية وأهل المعرفة بما التبس به حالهم على كثير من أهل العلم المنتسبين إلى العلم والدين، بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذهب التشيع، فإن نفور الجمهور
(1/318)

عن مذهب الرافضبة مما الجمهور عن مثل هؤلاء، بخلاف جنس أهل الفقر والزهد ومن يدخل في ذلك من متكلم ومتصرف وفقير وناسك وغير هؤلاء، فإنهم لمشاركتهم الجمهور في الانتساب إلى السنة والجماعة، يخفى من إلحاد الملحد الداخل فيهم ما لا يخفي من إلحاد ملاحدة الشيعة، وإن كان إلحاد الملحد منهم أحيانا قد يكون أعظم، كما حدثني نقيب الأشراف أنه قال لعفيف التلمساني: أنت نصيري، فقال: نصير جزء مني.
والكلام على بسط هذا له موضع آخر غير هذا.
فإن قيل: فهب أن تقديم الشرع عليها لا يكون قدحاً في أصله، لكنه تقديماً له على أدلة عقلية، فلا بد من بيان الموجب لتقديم الشرع.
قيل: الجواب من وجوه:
أحدهما: أن المقصود هنا بيان أن تقديم الشرع على ما عارضه من مثل هذه العقليات المحدثة في الإسلام، ليس تقديماً له على أصله الذي يتوقف العلم بصحة الشرع عليه، وقد حصل، فإنا إنما ذكرنا في هذا المقام بيان بطلان من يزعم أنه يقدم العقل على الشرع المعارض له، وذكرنا أن الواجب تقديم ما قام الدليل على صحته مطلقاً.
الجواب الثاني: أن نقول: الشرع قول المعصوم الذي قام الدليل على صحته وهذه الطرق لم يقم دليل على صحتها، فلا يعارض ما علمت صحته بما لم تعلم صحته.
الجواب الثالث: أن نقول: بل هذه الطرق المعارضة للشرع كلها باطلة في العقل، وصحة الشرع مبنية على إبطالها لا على صحتها، فهي باطلة بالعقل، وبالشرع،
(1/319)

والقائل بها مخالف للعقل والشرع من جنس أهل النار الذين قالوا {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وهكذا شأن جميع البدع المخالفة لنصوص الأنبياء، فإنها مخالفة للسمع والعقل، فكيف ببدع الجهمية المعطلة التي هي الأصل من كلام المكذبين للرسل.
والكلام على إبطال هذه الوجوه على التفصيل، وأن الشرع لا يتم إلا بإبطالها، مبسوط في غير هذا الموضع، لكن نحن نشير إلى ذلك في تمام هذا الكلام، فنقول:

بطلان الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض. الوجه التاسع عشر
بطلان الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض.
الوجه التاسع عشر
أن هذه المعارضات مبنية على التركيب، وقد تقدمت الإشارة إلى بطلانه، وأما الاستدلال بحدوث الحركات والأعراض فنقول: قد أورد عليهم الفلاسفة سؤالهم المشهور، وجوابهم عنه على أصلهم مما يقول جمهور العقلاء إنه معلوم الفساد بالضرورة.
وذلك إما أن يكون صدر عنه بسبب حادث يقتضي الحدوث، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن صدر عنه سبب حادث يقتضي الحدوث لزم ترجيح الممكن بلا مرجح، وهو ممتنع في البديهة، وإن حدث عنه سبب فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في حدوث غيره، ويلزم التسلسل الممتنع فإتفاق العقلاء بخلاف التسلسل المتنازع فيه،
(1/320)

مع أن كلا النوعين باطل عند هؤلاء المتكلمين، فهم مضطرون في هذا الدليل إلى الترجيح بلا مرجح تام، أو إلى القول بالتسلسل والدور، وكلاهما ممتنع عندهم.
ومما ينبغي أن يعرف أن التسلسل الممتنع في هذا المكان ليس هو التسلسل المتنازع في جوازه، بل هو مما اتفق العقلاء على امتناعه، فإنه إذا قيل: إنه قدر أنه لم يكن يحدث شيئاً قط ثم حدث حادث، فإما أن يحدث بسبب حادث أو بلا سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح، فالناس كلهم متفقون على أنه إذا قدر أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن، لم يحدث إلا بسبب حادث، وأن القول في كل ما يحدث قول واحد.
وإذا قال القائل: فلم يحدث الحادث إلا بسبب حادث، ثم زعم أن الحادث الأول يحدث بغير سبب حادث فقد تناقض، فإن قوله: لا يحدث حادثقول عام، فإذا جوز أن يحدث حادث بلا بسبب فقد تناقض، ويسمى تسلسلاً.
ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في العلل والفاعلين والمؤثرات: بأن يكون للفاعل فاعل، وللفاعل فاعل إلى ما لا نهاية له، وهذا متفق على امتناعه بين العقلاء.
والثاني: التسلسل في الآثار: بأن يكون الحدث الثاني موقوفا على حادث قبله، وذلك الحادث موقوف على حادث قبل ذلك، وهلم جراً، فهذا في جوازه قولان مشهوران للعقلاء، وأئمة السنة والحديث ـ مع كثير من النظار أهل الكلام والفلاسفة ـ يجوزون ذلك، وكثير من النظار وغيرهم يحيلون ذلك.
(1/321)

وأما إذا قيل: لا يحدث حادث قط حتى يحدث حادث فهذا ممتنع باتفاق العقلاء وصريح العقل، وقد يسمى هذا دوراً، فإنه إذا قيل: لا يحدث شيء حتى يحدث شيء كان هذا دوراً، فإن وجود جنس الحادث موقوف على وجود جنس الحادث، وكونه سبحانه لم يزل مؤثراً يراد به مؤثراً في كل شيء، وهذا لا يقوله عاقل، لكنه لازم حجة الفلاسفة، ويراد به لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء، وهو موجب الأدلة العقلية التي توافق الأدلة السمعية.
ولما أجاب بعضهم بأن المرجح هو القدرة أو الإرادة القديمة أو العلم القديم أو إمكان الحدوث ونحو ذلك، قالوا لهم في الجواب: هذه الأمور إن لم يحدث بسببها سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح، وإن حدث سبب حادث، فالكلام في حدوثه كالكلام في حدوث ما حدث به.
وعدل آخرون إلى الإلزام فقالوا: هذا يقتضي أن لا يحدث في العالم حادث والحس يكذبه، فقالوا لهم: إنما يلزم هذا إذا كان التسلسل باطلاً، وأنتم تقولون بإبطاله وأما نحن فلا نقول بإبطاله، وإذا كان الحدوث موقوفاً على حوادث متجددة زال هذا المحذور.
والتسلسل نوعان: تسلسل في العلل، وقد اتفق العلماء على إبطاله، وأما التسلسل في الشروط ففيه قولان مشهوران للعقلاء.
(1/322)

وتنازع هؤلاء: هل الإلزام لهم صحيح أم لا؟ وبتقدير كون الإلزام صحيحاً ليس فيه حل للشبهة، وإذا لم تنحل كانت حجةً على الفريقين، وكان القول بموجبها لازماً، واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبد الله الرازي في أشهر كتبه، وهو كتاب الأربعين وما اعترض عليه به صاحب لباب الأربعين أبو الثناء محمود الأرموي، وجوابه هو عنها، فإنه الرازي ذكرها، وذكر أجوبة الناس عنها وبين فسادها، ثم أجاب هو بالإلزام مع أنه في مواضع أخر بجيب عنها بالأجوبة التي بين فسادها الموضع.
قال حجتهم: جميع الممكنات مستندة إلى واجب الوجود، فكل ما لا بد منه في مؤثريته، إن لم يكن حاصلاً في الأزل، فحدوثه إن لم يتوقف على مؤثر وجد الممكن لا عن مؤثر، وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل، وإن كان حاصلاً: فإن وجب حصول الأثر معه لزم دوامه لدوامه، وإن لم يجب أمكن حصول الأثر معه تارة وعدمه أخرى، فيرجح أحدهما على الآخر، وأن لم يتوقف على أمر وقع الممكن بلا مرجح، وإن توقف لزم خلاف الفرض.
(1/323)

ثم قال أجاب المتكلمون بوجه: الأول: أنه إنما أحدث العالم في ذلك الوقت لأن الإرادة لذاتها اقتضت التعلق بإيجاده في ذلك الوقت.
قلت: هذا جواب جمهور الصفاتية الكلامية كابن كلاب والأشعري وأصحابهما، ونه يجيب القاضي أبو بكر، وأبو المعالي، والتميميون من أصحاب أحمد، والقاضي أبو يعلي، وابن عقيل، وابن الزاغوني وأمثالهم، وبه أجاب الغزالي في تهافت الفلاسفة، وزريفه عليه ابن رشد الحفيد، وبه أجاب الأمدي، وبه أجاب الرازي في بعض الموضع.
قال: الجواب الثاني للمتكلمين: أنها اقتضت التعلق به في ذلك الوقت لتعلق العلم به.
قلت: هذا الجواب ذكره طائفة من الأشعرية، ومن الناس من يجعل المرجح مجموع العلم والإرادة والقدرة، كما ذكره الشهرستاني، ويمكن أن يجعل هذا جواباً آخر.
قال: الجواب الثالث: لعل هناك حكمة خفية لأجلها أحدث في ذلك الوقت.
(1/324)

قلت: هذا الجواب يجيب به من قد يعلل الأفعال، كما هو مذهب المعتزلة والكرامية وغيرهم، وقد يوافق المعتزلة ابن عقيل ونحوه، كما قد يوافق الكرامية في تعليلهم القاضي أبو حازم ابن القاضي أبي بعلي وغيره.
قال: الجواب الرابع: أن الأزلية مانعة من الإحداث لم سبق.
الجواب الخامس: أنه لم يكن ممكناً قبله، ثم صار ممكناً فيه.
قلت: هذان الجوابان أو تاحدهما ذكرهما غير واحد من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية وغيرهم، كالشهرستاني وغيره، وهذا جواب الرازي في بعض المواضع.
قال: الجواب السادس: أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح كالهارب من السبع إذا عرض له طريقتان متساويان، والعطشان إذا وجد قدحين متساويين.
قلت: هذا جواب أكثر الجهمية المعتزلة، وبه أجاب الرازي في نهاية العقول فإنه قال في كتابه المعروف بنهاية العقول ـوهو عنده أجل ما صنفه الكلام ـ قال: قوله في المعارضة الأولى جميع جهات مؤثرية الباري عز وجل لا بد وأن يكون حاصلاً في الأزل، ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عن الباري عز وجل.
(1/325)

قلنا: هذا إنما يلزم إذا كان موجباً بالذات، أما إذا كان قادراً فلا.
قوله: القادر لما أمكنه أن يفعل في وقت، وأن يفعل قبله وبعده، توقفت فاعليته على مرجح.
قلنا: المعتمد في دفع ذلك ليس إلا أن يقال: القادر لا يتوقف في فعله لأحد مقدوريه دون الآخر على مرجح.
قوله: إذا جاز استغناء الممكن هنا عن المرجح فليجز في سائر المواضع ويلزم منه نفي الصانع.
قلنا: قد ذكرنا أن بديهة العقل فرقت في ذلك بين القادر وبين غيره، وما اقتضت البديهة الفرق بينهما لا يمكن دفعه.
قلت، وهذا الجواب هو جواب معروف عن المعتزلة، وهو وأمثاله دائماً في كتبهم يضعون هذا الجواب ويحتجون على المعتزلة في مسألة خلق الأفعال وغيرها بهذه الحجة، هو أنه لا يتصور ترجيح الممكن لا من قادر ولا من غيره، إلا بمرجح يجب عنده وجود الأثر.
فهؤلاء إذا ناطروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة، هم دائماً إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر عليهم بهذه الحجة التي احتجت بها الفلاسفة، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة.
وهذا غلب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائماً بتناقضون، فيحتجون بالمحجة التي يزعمون أنها برهان باهر، ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم به فساد هذه الحجة.
(1/326)

آراء المتكلمين في إرادة الله تعالى
وهو لما احتج في المحصول على إثبات الجبر، وأن إثباته يمنع القول بالتحسين والتقبيح العقلي ذكر هذه الحجة، وقال: فثبت بهذا البرهان الباهر أن هذه الحوادث إما أن تحدث ـ يعني من العبد القادر ـ على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق.
وقال أيضاً في تقريرها ههنا: العمدة في إثبات الصانع احتياج الممكن إلى المؤثر، فلو جوزنا ممكناً يترجح أحد طرفيه على الآخر بلا مرجح، لم يمكنا أن نحكم لشيء من الممكنات باحتياجه إلى المؤثر وذلك يسد باب إثبات الصانع.
قال: وأما الهارب من السبع إذا عن له طريقان، فإنا نمنع تساويهما من كل الوجوه وإن ساعدنا عليه، ولكن الهارب من السبع يعتقد ترجح أحدهما على الآخر من بعض الوجوه، أو يصير غافلاً عن أحدهما، فأما لو اعتقد الهارب تسويهما من كل الوجوه، فإنه يستحيل منه والحال هذه أن يسلك أحدهما.
والدليل على أن الأمر كذلك أن الإنسان إذا تعرضت دواعيه إلى الحركات المتضادة فإنه يتوقف في كل موضع، لا يمكنه أن يترك إلا عند حصول المرجح.
(1/327)

وكما قال من جعل المرجح هو الإرادة: إن الإرادة اقتضت ترجيح ذلك المقدور على غيره، ولا يمكن أن يقال: الإرادة لماذا رجحت ذلك الشيء على غيره؟ لأنه لو رجحت غيره عليه كان هذا السؤال عائداً، وعلى هذا التقدير يلزم أن كون الإرادة مرجحة معلل بعلة أخرى، وذلك محال، لأن كون الإرادة مرجحة صفة نفسية لها، كما أن كون العلم بحيث يعلم به المعلوم صفة نفسية له، وذلك أمر ذاتي له، ولما استحال تعليل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجحة.
قال: وهذا الجواب باطل أيضاً، لأنا لا نعلل أصل كون الإرادة مرجحة، وإنما نعلل كونها مرجحة لهذا الشيء على ضده، ولا يلزم من تعليل خصوص المرجحية، تعليل أصل المرجحية، ألا ترى أن الممكن لما دار بين الوجود والعدم فإنا نحكم أنه لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، ولا يكون تعليل ذلك تعليلاً لأصل كونه ممكناً، فكذلك ههنا.
قلت: نظير هذا قول من يقول من القدرية المعتزلة الشيعة ونحوهم: إن الله تعالى جعل العبد مختاراً، وخلقه مختاراً، إن شاء اختار هذا الفعل، وإن شاء اختار هذا الفعل، فهو يختار أحدهما باختياره.
فيقال لهم: هو جعله أهلاً للاختيار، وقابلاً للاختيار، وجائزاً منه الاختيار، وممكناً منه الاختيار، ونحو ذلك، أو جعله مختاراً لهذا الفعل على هذا؟.
(1/328)

فإن قالوا بالأول قيل لهم: فوجود اختيار هذا الفعل دون هذا لا بد له من سبب، وإذا كان العبد قابلا لهذا ولهذا، فوجود أحد الاختيارين دون الآخر لا بد له من سبب أوجبه.
وإن قالوا بالثاني أعترفوا بالحق، وأن ما فيه من أختيار الفعل المعين هو من الله تعالى، كما قال سبحانه {لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 28-29] .
ولهذا إذا حقق القول عليهم وقيل لهم: فهذا الاختيار الحادث الذي كان به هذا الفعل، وهو إرادة العبد الحادثة، من المحدث لها؟
قالوا: الإرادة لا تعلل.
فقلت لمن قال لي ذلك منهم: تعني بقولك: لا تعلل بالعله الغائية، أي لا تعلم غايتها، أو لا تعلل بالعلة الفاعلية، فلا يكون لها محدث أحدثها؟.
أما الأول فليس الكلام فيه هنا، مع أنه هو يقول بتعليلها بذلك، وأما الثاني فإنه معلوم الفساد بالضرورة، فإنه من جوز في بعض الحوادث ان تحدث بلا فاعل أحدثها لزمه ذلك في غيره من الحوادث، وهذا المقام حار فيه هؤلاء المتكلمون.
فالمعتزلة القدرية: إما أن ينفوا إرادة الرب تعالى: وإما أن يقولوا بإرادة أحدثها في غير محل بلا إرادة كما يقوله البصريون منهم، وهم أقرب إلى الحق من البغداديين منهم، وهم في هذا كما قيل فيهم: طافوا على أبواب المذاهب، وفازوا بأخس المطالب ـ فإنهم التزموا عرضاً يحدث لا في محل، وحادثاً يتحدث بلا إرادة، كما
(1/329)

التزموا في إرادة العبد أنها تحدث بلا فاعل، فنفوا السبب الفاعل للإرادة، مع أنهم يثبتون لها العلة الغائية، ويقولون: إنما أراد الإحسان إلى الخلق ونحو ذلك.
والذين قابلوهم من الأشعرية ونحوهم، أثبتوا السبب الفاعل لإرادة العبد، وأثبتوا لله إرادة قديمة تتناول جميع الحوادث، لكن لم يثبتوا لها الحكمة المطلوبة والعاقبة المحمودة، فكان هؤلاء بمنزلة من أثبت العلة الفاعلية دون الغائية، وأولئك بمنزلة من أثبت العلة الغائية دون الفاعلية.

آراء الفلاسفة
والمتفلسفة المشاؤون يدعون إثبات العلة الفاعلية والغائية، ويعللون ما في العالم من الحوادث بأسباب وحكم.
وهم عند التحقيق أعظم تناقضاً من أولئك المتكلمين، لا يثبتون لا علة فاعلية ولا غائية، بل حقيقة قولهم: أن الحوادث التي تحدث لا محدث لها، لن العلة التامة القديمة مستلزمة لمعلومها، لا يمكن أن يحدث عنها شيء.
وحقيقة قولهم: أن أفعال الرب تعالى ليس فيها حكمة، ولا عاقبة محمودة، لأنهم ينفون الإرادة، ويقولون: ليس فاعلاً مختاراً، ومن نفى الإرادة كان نفيه للمراد المطلوب بها الذي هو الحكمة الغائية أولى وأخرى، ولهذا كان لهم من الاضطراب والتناقض في هذا الباب أعظم مما لطوائف أهل الملل، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على مجامع أقوال الطوائف الكبار، وما فيها من التناقض، وأن من عارض النصوص الإلهية بما يسميه عقليات، إنما يعارضها بمثل هذا الكلام الذي هو نهاية إقدامهم وغاية مرامهم، وهو نهاية عقولهم
(1/330)

في دراية أصولهم.
قال الرازي: قالت الفلاسفة: حاصل الكل اختيار أن كل ما لا بد منه في إيجاد العالم لم يكن حاصلاً في الأزل لأنه جعل شرط الإيجاد أولاً: الوقت الذي تعلقت الإرادة بإيجاده فيه، وثانياً: الوقت الذي تعلق العلم به فيه، وثالثا: الوقت المشتمل على الحكمة الخفية، ورابعاً: انقضاء الأزل، وخامساً: الوقت الذي يمكن فيه، وسادساً: ترجيح القادر، وشيء منها لم يوجد في الأزل، وقد أبطلنا هذا القسم.
ثم قال عن الفلاسفة: والجواب المفصل عن الأول من وجهين:
أحدهما: أن إرادته لم تكن صالحة لتعلق إيجاده في سائر الاوقات كان موجباً بالذات، ولزم قدم العالم، وإن كانت صالحة فترجيح بعض الأوقات بالتعلق إن لم يتوقف على مرجح وقع الممكن لا لمرجح، وإن توقف عاد الكلام فيه، وتسلسل.
والثاني: أن تعلق إرادته بإيجاده أن لم يكن مشروطاً بوقت ما ملزم قدم المراد، وإن كان مشروطاً به كان ذلك الوقت حاضراً في الأزل، وإلا عاد الكلام في كيفية إحداثه، وتسلسل.
وعن الثاني من وجهين:
الأول: أن العلم تابع للمعلوم التابع للإراداة فامتنع كون الإرادة تابعة للعلم.
(1/331)

الثاني: أن تعين المعلوم محال، فيمتنع عقلاً إحداثه في وقت علم عدم حدوثه فيه، وعدم إحداثه في وقت علم حدوثه فيه، وذلك يوجب كونه موجباً بالذات.
وعن الثالث من وجهين:
أحدهما: أن حدوث وقت تلك المصلحة إن كان لا لمحدث لزم نفي الصانع، وأن كان لمحدث عاد الكلام فيه.
وأيضا فتلك المصلحة إن كانت حاصلة قبل الوقت لزم حدوثها قبله، وإلا فإن وجب حدوثها في ذلك الوقت جاز في غير ذلك، ولزم نفي الصانع.
وإن لم يجب عاد الكلام في اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة، وتسلسل.
الثاني: أنه مع العلم باشتمال ذلك الوقت على تلك المصلحة إن لم يمكنه الترك كان موجباً بالذات، وإن أمكنه وتوقف الفعل على مرجح تسلسل، وإلا وقع الممكن لا لمرجح.
وعن الرابع من وجهين:
أحدهما: أن مسمى الأزل إن كان واجباً لذاته امتنع زواله، وإلا استند إلى واجب لذاته، ولزم المحذور.
والثاني: أن الأزل نفي محض، فامتنع كونه مانعاً م الإيجاد.
وعن الخامس: أن انقلاب الممتنع لذاته ممكناً لذاته محال.
(1/332)

الثاني: أن الماهية لا يختلف قبولها للوجود أو لا قبولها، لكونه شاملاً للأوقات.
وعن السادس من وجهين: الأول: أنه لما استويا بالنسبة إليه كان وقوع أحدهما من غير مرجح اتفاقياً، وحينئذ يجوز في سائر الحوادث ذلك، ولزم نفي الصانع.
الثاني: أنه لما استويا بالنسبة إليه فترجح أحدهما إن لم يتوقف على نوع ترجيح منه كان وقوعه لا بإيقاعه، بل من غير سبب، ولزم نفي الصانع، وإن توقف عاد التقسيم فيه: أنه هل كان حاصلاً في الأزل أم لا؟.
وأما فصل الهارب والعطشان فإنا نعلم أنه ما لم يحصل لهما ميل إلى أحدهما لم يرجح.
قلت: هذه الوجوه بعضها حق لا حيلة فيه، وبعضها فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا ذكر جواب الناس عن تلك الشبهة.
ثم قال الرازي: والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب الوجود، ودوام الثاني لدوام الأول، وهلم جراً، وإن ينفي الحدوث أصلاً.
قال: فإن قلت: واجب الوجود علم الفيض، يتوقف حدوث الأثر عنه على حدوث استعدادت القوابل بسبب الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية، فكل حادث مسبوق بآخر لا إلى أول.
(1/333)

قلت: حدوث العرض المعين لا بد له من سبب، فذلك السبب: إن كان حادثاً عاد الكلام في سبب حدوثه، ولزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة، وهو محال.
وإن كان قديما لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر، فكذلك في كلية العالم.

اعتراض الأرموي على الرازي
وقد اعترض الأرموي على هذا الجواب فقال:
والقائل أن يقول: إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث المسبب الفاعل، بل يدل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه، وإن عنيت به السبب الفاعل لم يلزم من حدوث العرض المعين حدوثه، بل إما حدوثه أو حدوث بعض الشرائط، وحدوث الشرائط والمعدات الغير متناهية على التعاقب جائز عندكم.
قال: بل الجواب الباهر عنه: أنه لا يلزم من ذلك قدم العالم الجسماني، لجواز أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنهما تصورات متعاقبة، كل واحد منها بعد ما يليه، حتى ينتهي إلى تصور خاص يكون شرطاً لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم.

رد ابن تيمة على الأرموي
قلت: الإلزام الذي ألزمهم إياه الرازي صحيح متوجه، وهو الجواب الثاني الذي أجابهم به الغزالي في كتاب التهافت.
وأما اعتراض الأرموي فجوبه: أنه كان التقدير أن العلة التامة مستلزمة لمعلولها، ومعلولها لازم لعلته: امتنع أن يحدث عنها شيء، فما حدث لا بد له من
(1/334)

سبب تام، وحدوث السبب التام يستلزم حدوث سبب تام له، فيلزم جود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة، وهو محال.
وأما قوله: إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب الفاعل، بل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه.
فيقال له: هذا التقسيم صحيح إذا نظر إلى الحادث من حيث الجملة، وأما إذا نظر إلى حادث يمتنع حدوثه عن العل التامة، فلا بد له من حدوث سبب تام.
وإذا قال القائل: الفاعل القديم أحدثه لما حدث شرط حدوثه.
قيل: الكلام في حدوث ذلك الشرط كالكلام في حدوث المشروط، فلا بد من حدوث أمر لا يكون حادثاً عن العلة التامة، لأن العلة التامة القديمة يمتنع أن يحدث عنها شيء، فإنه يجب مقارنة معلولها لها في الأزل، والحادث ليس بمقارن لها في الأزل.
وإذا قيل: حدث عنها بحدوث الاستعداد والشرائط.
قيل: الكلام في كل ما يقدر حدوثه عن علة تامة مستلزمة لمعلولها، فإن حدوث حادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها محال.
وهذا الإلزام صحيح لا محيد للفلاسفة عنه.
وإذا قالوا: حدث عنها أمور متسلسلة واحد بعد واحد.
قيل لهم: الأمور المتسلسلة يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة، لأن العلة التامة القديم تستلزم معلولها فتكون معها في الأزل، والحوادث المتسلسلة ليس معها في الأزل.
(1/335)

وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا أن قولهم بحدوث الحوادث عن موجب تام أزلي لازم لهم في صريح العقل، سواء حدثت عنه بواسائط لازمة له أو بغير وسائط، وسواء سميت تلك الوسائط عقولا ونفوساً أو غير ذلك، وسواء قيل: إن الصادر الأول عنه: العنصر، كما يقول بعضهم، أو قيل: بل هو العقل، كما هو قول آخرين، فإن الوسائط اللازمة ل قديمة معه، لا يحدث فيها شيء، إذ القول في حدوث ما يحدث فيها كالقول في غيره من الحوادث.
وقولهم: إن حركات الفلك بسبب حدوث تصورات النفس وإرادتها المتعاقبة، مع حدوث تلك عن الواجب بنفسه بواسطة العقل اللازم له، أو بغير واسطة العقل، أو القول بحدوثها عن العقل، أو ما قالوا من هذا الجنس الذي يسندون فيه حدوث الحوادث إلى مؤثر قديم تام لم يحدث فيه شيء ـ هو قول يتضمن أن الحوادث حدثت عن علة تامة لا يحدث فيها شيء.
فإذا كان المؤثر التام الأزلي، سواء جعل ذلك شرطاً في حدوث غيره أو لم يجعل، ومتي امتنع حدوث حادث عنه كان حدوث ما يدعونه من الاستعدادات والشرائط مفتقراً إلى سبب تام.
فيلزم وجود علل ومعلومات لا تتناهى دفعة، كما ذكره الرازي، وهذا من جيد كلامه.
وأما الجواب الذي أجاب به الأرموي وذكر أنه باهر: فهو منقول من كلام الرازي في المطالب العالية وغيرها، وهو منقوض بهذه المعارضة، مع أنه جواب
(1/336)

غاب بعضه موافق لقول أهل الملل، وبعضه موافق لقول الفلاسفة الدهرية، فإنه مبني على إثبات العقول والنفوس، وأنها ليست أجساماً، وكونها قديمة أزلية لازمة لذات الله تعالى.
وهذه الأقوال ليست من أقوال أهل الملل، بل هي أقوال باطلة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أن ما يدعونه من المجردات إنما ثبوتها في الأذهان في الأعيان.
وإنما أجاب الأرموي بهذا الجواب لأن هؤلاء المتأخرين ـ الكشهرستاني الرازي واللآمدي ـ زعموا أن ما ادعاه هؤلاء المتفلسفة من إثبات عقول ونفوس مجردة لا دليل للمتكلمين على نفيه، وأن دليلهم على حدوث الأجسام لا يتضمن الدلالة على حدوث هذه المجردات.
وهذا قول باطل، بل أئمة الكلام صرحوا بأن انتفاء هذه المجردات، وبطلان دعوى وجود ممكن ليس جسماً ولا قائماً بجسم: مما يعلم انتفاؤه بضرورة العقل، كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي وغيره بل قال طوائف من أهل النظر: إن الموجود منحصر في هذين النوعين، وإن ذلك معلوم بضرورة العقل، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن هذا الجواب الذي ذكره الأرموي مبني على هذا الأصل.
ومضمونه: أن الرب تعالى موجب بالذات للعقول والنفوس الأزلية اللازمة لذاته لا فاعل لها بمشيئته وقدرته، وهم يفسرون العقول بالملائكة، فتكون الملائكة قديمة
(1/337)

دخل فيه الخلق والإبداع، هل هو أمر وجودي، أو أمر عدمي؟ وهل الخلق هو المخلوق، أو غير المخلوق؟
وفيها قولان مشهوران للناس، والجمهور على أن الخلق ليس هو المخلوق، هو قول أكثر العلماء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وهو قول أكثر أهل الكلام، مثل طوائف من المعتزلة والرمجئة والشيعة، وهو قول الكرامية وغيرهم، وهو مذهب الصوفية، ذكره صاحب التعرف في مذاهب التصوف المعروف بـ الكلاباذي هو قول أكثر قمدماء الفلاسفة وطائفة من مأخريهم.
(1/338)

وطائفة قالت: الخلق هو المخلوق، وهو قول كثير من المعتزلة، وقول الكلابية كالأشعري وأصحابه، ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم.
والمقصود هنا أنهم لما احتجوا على قدم العالم بأن كون الواجب مؤثرا في العالم غير ذاتيتهما، لإمكان تعقلهما مع الذهول عنه، ولأن كونه مؤثراً معلوم دون حقيقته، ولأن المؤثرية نسبة بينهما، فهي متأخرة ومغايرة.
قال: وليس التأثير أمراً سلبياً، لأنه نقيض قولنا: ليس بمؤثر، فذلك الوجودي إن كان حادثاً فتقر إلى مؤثر، وكانت مؤثريته زائدة، ولزم التسلسل، وإن كان قديماً ـ وهو صفة إضافية لا يعقل تحققها مع المضافين ـ فلزم قدمها.
أجاب الرازي: بأن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة على الذات، وإلا كانت مفتقرة إلى المؤثر، فتكون مؤثريته زائدة، ويتسلسل.
قلت: وهذا الجواب هو على قول من يقول: إن الخلق هو المخلوق، وإنه ليس الفعل والإبداع والخلق إلا مجرد وقوع المفعول المنفصل عنه من غير زيادة أمر وجودي أصلاً.
فقال الأرموي: ولقائل أن يقول: التسلسل هاهنا واقع في الآثار، لأن المؤثرية صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر، فتكون متأخرة على الأثر فاقتضت مؤثرية أخرى بعد الأثر، حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية.
قال: والمنكر هو التسلسل في المؤثرات.
(1/339)

قال: بل الجواب عنه: أن الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها، فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء بالنسبة إلى المتأخر عنه ولو بأزمنه كثيرة، مع امتناع حصول المتقدم مع المتأخر.
قلت: وقول الأرموي: لقائل، أن يقول: التسلسل هاهنا واقع في الآثار، لأن المؤثرية صفة إضافية يتوقف تعلقها على المؤثر والأثر، فتكون متأخرة عن الأثر، فاقتضت مؤثرية أخري بعد الأثر، حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية:
يعترض عليه: بأن هذا يناقض قوله بعد هذا: بل الجواب عنه: أن الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها، فإنه إن كان هذا القول صحيحاً لم يلزم عن المؤثر، وإن كانت الصفة العارضة للشيء لا تتوقف، بل يكفي فيها تحقق المؤثرية فقط.
ولكنه يجيب عن هذا بأن مقصودي أن ألزم غيري إذا قال: تتوقف المؤثرية على المؤثر والأثر بأن هذا تسلسل في الآثار، لا في المؤثرات، وهذا إلزام صحيح.
لكن يقال له ك كان من تمام هذا الإلزام أن تقول: المؤثرية إذا كانت عندكم صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر كانت مستلزم لوجود الأثر،
(1/340)

فإن كونه مؤثراً بدون الأثر ممتنع، وحينئذ فمعلوم أن الأثر يكون عقب التأثير الذي هو المؤثرية، فإنه إذا خلق وجد المخلوق، وإذا أثر في غيره حصل الأثر، فالأثر يكون عقب التأثير، وهو جعل المؤثرية متأخرة عن الأثر.
وليس الأمر كذلك، بل هي متقدمة على الأثر، أو مقارنة له عند بعضهم، ولم يقل أحد من العقلاء: إن المؤثرية متأخرة عن الأثر، بل قال بعضهم: إن الأثر متأخر منفصل عنها، وقال بعضهم: هو مقارن لها، وقال بعضهم: هو متصل بها، لا منفصل عنها، ولا مقارن لها وهذا أصح الأقوال.
ولكن على التقديرين: تكون المؤثرية حادثة بحدوث تمامها، فيلزم أن يكون لها مؤثرية، وتكون المؤثرية الثانية عقب الؤثرية الأولى.
وهذا مستقيم لا محذور فيه، فتكون المؤثرية الأولى أوجبت كونه مؤثراً في الأثر المنفصل عنه، وكونه مؤثراً في ذلك الأثر أوجب ذلك الأثر.
وهذا على قول الجمهور الذين يقولون: الموجب يحصل عقب الموجب التام، والأثر يحصل عقب المؤثر التام، والمفعول يحصل عقب كمال الفاعلية، والمعلول يحصل عقب كمال العلية.
وأما من جعل الأثر مقارناً للمؤثر في الزمان ـكما تقوله طائفة من المتفلسفة ومن وافقهم ـ فهؤلاء يلزم قولهم لوازم تبطله، فإنه يلزم عند وجود المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية تامة، ومع المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية تامة، وهلم جراً، وهذا تسلسل في تمام المؤثرية، وهو من جنس التسلسل في المؤثرات لا في الآثار، فإن التسلسل في تمام المؤثرية، وهو من جنس التسلسل
(1/341)

في المؤثرات أن يكون للمؤثر مؤثر معه لا يكون حال عدم المؤثر، فإن الشيء لا يفعل في حال عدمه، وإنما يفعل في حال وجوده، فعند وجود التأثير لا بد من وجود المؤثر، فإن المؤثر التام لا يكون حال عدم التأثير، بل لا يكون إلا مع وجوده، لكن نفس تأثيره يستعقب الأثر، فإن جعل تمام المؤثرية مقارناً للأثر كان من جنس التسلسل في المؤثرات، لا في الآثار.
وقد يقول القائل: هذا الذي أراده الرازي بقوله: إن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة على الذات، وإلا كانت مفتقرة إلى المؤثر، فتكون مؤثريته زائدة، ويتسلسل فإنه قد يريد التسلسل المقارن لا المتعاقب، فإنها إذا كانت زائدة افتقرت إلى مؤثر يقارنها، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والمتكلمين.
والرازي قد يقول بهذا، وحينئذ فهذا التسلسل باطل باتفاق العقلاء.
فيقول القائل: هذا هو الإلزام الذي ألزم به الرازي الفلاسفة، حيث قال: والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول، لوجوب دوام واجب الوجود، ودوام الثاني لدوام الأول، وهلم جرا، وإنه ينفي الحوادث أصلاً.
قال: فإن قلت: واجب الوجود عام الفيض، يتوقف حدوث الأثر عنه على استعدادات القوابل، فكل حادث مسبوق بآخر لا إلى أول.
قلت: حدوث العرض المعين لا بد له من سبب، فذلك السبب إن كان حادثاً عاد الكلام في سبب حدوثة، ويلزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعةً، وهو محال، وإن كان قديماً لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر، فكذلك في كلية
(1/342)

العالم.
فيقال: هذا الكلام الذي ذكره الرازي جيد مستقيم، وهو إلزامهم الحوادث المشهودة التي قد يعبر عنها بالحوادث اليومية، فإنه لا بد لها من مؤثر تام، فإن كان قديماً أمكن وجود الحادث عن القديم، وبطل قولهم، وإن كان حادثاً فلا بد على قولهم أن يكون حادثاً مع حدوث الأثر، لا قبله، لأنهم قد قرروا أن المؤثر التام يجب أن يكون أثره معه في الزمان لا يتأخر عنه، فعلى قولهم هذا: يجب أن يكون المؤثر التام معه أثره، والأثر معه مؤثره، لا يتقدم زمان أحدهما على زمان الآخر، وحينئذ فالحادث المعين يجب أن يكون مؤثره معه حادثاً، ويكون مؤثر ذلك المؤثر معه حادثاً، فيلزم وجود أسباب ومسببات هي علل ومعلومات لا نهاية لها في زمن واحد معلوم الفساد بضرورة العقل، وقد اتفق العقلاء على امتناعه.
واعتراض الأرموي عليه ساقط حينئذ.
فإن ملخص قوله: إن اللازم حدوث المؤثر، أو حدوث بعض شرائطه، وهم يجوزون حدوث الشرائط والمعدات على سبيل التعاقب.
فيقال لهم: هم يجوزون أن يكون بعد كل حادث حادث فيقولون: حدوث الحادث الأول شرط في حدوث الحادث الثاني، والشرط موجود قبل المشروط.
ولكن هذا يناقض قولهم: إن العلة التامة تستلزم أن يكون معلومها معها في الزمان، وأن المعلوم يجب أن يكون موجوداً مع تمام العلة، لا يتأخر عن ذلك، فإن موجب هذا أنه إذا حصل شرط تمام العلة حصل معه المعلول لا يتأخر عنه، وكلما
(1/343)

حدث حادث كان الشرط الحادث الذي به تمت عليه العلة حادثاً معه لا قبله، ثم ذلك الحادث أيضاً يحدث الشرط الذي هو تمام علته معه لا قبله، وهلم جراً، فيلزم تسلسل تمام العلل في آن واحد وهو أن تمام علة هذا الحادث حدث في هذا الوقت، وتمام علة هذا التمام حدث في هذا الوقت، وهلم جراً.
والتسلسل ممتنع في العلة، وفي تمام العلة، فكما لا يجوز أن يكون للعلة علة، وللعلة علة إلى غير غاية، فلا يجوز أن يكون لتمام العلة تمام، ولتمام العلة تمام إلى غير غاية.
والتسلسل في العلل وفي تمامها متفق على امتناعه بين العقلاء، معلوم فساده بضرورة العقل، سواء قيل: إن المعلول يقارن العلة في الزمان، أو قيل إنه يتعقب العلة.
ولكن هؤلاء لا يتم قولهم بقدم شيء من العالم إلا إذا كان المعلول مقارناً للعلة التامة لا يتأخر عنها، وحينئذ فيلزم أن يكون كل حادث تمام علته حادث معه، وتمام علة ذلك التمام حادث معه، وهلم جرا، فيلزم وجود حوادث لا نهاية لها في آن واحد ليست متعاقبة، وهذا مما يسلمون أنه ممتنع، ويعلم بضرورة العقل أنه ممتنع، وهو يشبه قول أهل المعاني أصحاب معمر.
(1/344)

وإذ كان هذا لازماً لقولهم لا محيد لهم عنه: لزم أن أحد أمرين: إما بطلان حجتهم وإما القول بأنه لا يحدث في العالم شيء، والثاني باطل بالمشاهدة، فتعين بطلان حجتهم.
فتبين أن الذي ألزمهم إياه أبو عبد الله الرازي لا محيد عنه، وأن الأرموي لم يفهم حقيقة الإلزام، فأعترض عليه بما لا يقدح فيه.
ولكن مثاب الغلط والاشتباه هنا: أن لفظ التسلسل إذا لم يرد به التسلسل في نفس الفعل فإنه يراد به التسلسل في الأثر، بمعني أنه يحدث شيء، ويراد به التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلاً، وهذا عند من يقول: إن المؤثر التام وأثره مقترنان في الزمان كما يقوله هؤلاء الدهرية، فيقضي أن يكون ما يحدث من تمام المؤثر مقارناً للأثر لا يتقدم عليه، فتبين به فساد حجتهم.
وأما من قال: إن الأثر إنما يحصل عقب تمام المؤثر فيمكنه أن يقول بما ذكره الأرموي، وهو أن كونه مؤثرا في الأثر المعين يكون مشروطاً بحادث يحدث يكون الأثر عقبه، ولا يكون الأثر مقارناً له.
ولكن هذا يبطل قولهم بقدم شيء من العالم، ويوافق أصل السنة وأهل الحديث الذين يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء.
فإنه على قول هؤلاء يقال: فعله لما يحدث من الحوادث مشروط بحدوث حادث به تتم مؤثرية المؤثر، ولكن عقب حدوث ذلك التمام يحدث ذلك الحادث، وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي، إذ الأزلي لا يكون إلا مع تمام مؤثره، ومقارنة الأثر للمؤثر زمانا ممتنعة.
(1/345)

وحينئذ فإذا قيل: هو نفسه كاف في إبداع ما ابتدعه، لا يتوقف فعله على شرط.
قيل: نعم كل ما يفعله لا يتوقف على غيره، بل فعله لكل مفعول حادث يتوقف على فعل يقوم بذاته يكون المفعول عقبه، وذلك الفعل أيضاً مشروط بأثر حادث قبله.
فقد تبين أن هذه المعقولات التي اضطرب فيها أكابر النظار، وهي عندهم أصول العلم الإلهي، إذا حققت غاية التحقيق: تبين أنها موافقة لما قاله أئمة السنة والحديث العارفون بما جاءت به الرسل، وتبين أن خاصة المعقول خادمة ومعينة وشاهدة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
قلت: المقصود هنا أن الأرموي ضعف الجواب بأن التسلسل المنكر هو تسلسل المؤثرات التي هي العلل، وأما تسلسل الآثار فليس بمنكر، وإذا كانت المؤثرية مسبوقة بمؤثرية، لم يلزم إلا التسلسل في الآثار.
وقوله: إن هذا يقتضي التسلسل في الآثار لا في المؤثرات كلام صحيح على قول من يقول: إن الأثر لا يجب أن يقارن المؤثر في زمان بل يتعقبه لأن المؤثرية المسبوقة بمؤثرية إنما حدث بالأولى كونها مؤثرة، لا نفس المؤثر.
والفرق بين نفس المؤثر ونفس تأثيره هو الفرق بين الفاعل وفعله، والمبدع وإبداعه، والمقتضي واقتضائه، والموجب وإيجابه، وهو كالفرق بين الضارب وضربه، والعادل وعدله، والمحسن وإحسانه، وهو فرق ظاهر.
لكن احتجاجه بأن المؤثرية إذا كانت صفة إضافية يتوقف تحققها على المؤثر والأثر جاز أن تكون متقدمة على الأثر، كما لزم أن تكون متأخرة عن الأثر:
(1/346)

ليس بمستقيم.
فإن كون الشيء مؤثراً في غيره لا يكون متأخراً عن أثره، بل إما أن يكون مقارناً له، أو سابقاً عليه، وإلا فوجود الأثر قبل التأثير ممتنع، ولا يحتاج إلى هذا التقدير، فإن كون التسلسل ها هنا واقعاً في الآثار: أبين من أن يدل عليه بدليل صحيح من هذا الجنس، فضلاً عن أن يدل عليه بهذا الدليل.
والجواب الذي ذكره ـ من أن الصفة العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها ـ هو جواب من يقول بأن التأثير قديم، والأثر حادث.
وهذا قول من يقبت لله تعالى صفة التخليق والتكوين في الأزل، وإن كان المخلوق حادثاً.
وهو قول طوائف من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الكلام والصوفية، وهو مبني على أن الخلق غير المخلوق، وهذا قول أكثر الطوائف، لكن منهم من صرح بأن الخلق قديم والمخلوق حادث، ومنهم من صرح بتجدد الأفعال، ومنهم من لا يعرف مذهبه في ذلك.
فالذي ذكره البغي عن أهل السنة: إثبات صفة الخلق لله تعالى، وأنه لم يزل خالقاً، وكذلك ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذهب التصوف أنه مذهب الصوفية، وكذلك ذكره الطحاوي وسائر أصحاب أبي حنيفة، وهو
(1/347)

قول جمهور أصحاب أحمد، كأبي إسحاق بن شاقلاً، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى وغيرهم، وكذلك ذكره غير واحد من المالكية، وذكر أنه قول أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء من صرح بمعني الحركة لا بلفظها.
وهؤلاء الذين يقولون بإثبات تأثير قديم هو الخلق والإبداع مع حدوث الأثر، يجعلون ذلك بمنزلة وجود الإرادة القديمة مع حدوث المراد، كما يقول بذلك الكلام وغيرهم من الصفاتية.
فجواب أبي الثناء الأرموي موافق لقول هؤلاء الطوائف، وهو قوله: الصفة المعارضة للشيء لا تتوقف إلا على وجود معروضها، كما أن الإرادة القديمة لا تتوقف إلا على وجود المريد دون المراد عند من يقول بذلك، وكذلك القدرة المتعلقة بالمستقبلات تتوقف على وجود القادر، دون المقدور، فكذلك قولهم في الخلق الذي هو الفعل وهو التأثير.
ولكن هذا الجواب ضعيف، فإن قوله: الصفة الإضافية العراضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها، فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء بالنسبة إلى التأخر عنه ولو بأزمنة كثيرة، مع امتناع حصول المتقدم مع المتأخر يعترض عليه بأنك ادعيت دعوى كلية وأثبتها بمثال جزئي، فادعيت أن كل صفة عارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها
(1/348)

وهذه دعوى كلية، ثم احتججت على ذلك بالتقدم العارض للمتقدم، وهذا المثال لا يثبت القضية الكلية.
ونظير هذا قولهم: ليس لمتعلق القول من القول صفة وجودية، فإنه ليس لكون الشيء مذكوراً أو مخبراً عنه صفة ثبوتية بذلك، فإن المعدوم يقال: إنه مذكور ومخبر عنه، فإن هذه دعوى، والمثال جزئي.
والتحقيق أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية، كمتعلق التكوين والتحريم والإيجاب، وقد يكون، كمتعلق الإخبار.
ثم يقال: الصفة العرضة للشيء بالنسبة إلى غيره: سواء كانت من الصفات الحقيقية المستلزمة للنسبة والإضافة كالإرادة والقدرة والعلم، أو كانت من الصفات الإضافية عند من يجوز جواز إضافة محضة، لا يستلزم صفة حقيقية قد تكون مستلزمة لوجود الاثنين المتضايفين المتباينين كالأبوة والنبوة، فأن وجود أحدهما مستلزم لوجود الآخر، وكذلك الفوقية والتحتية والتيامن والتياسر، وكذلك العلة التامة مع معلومها، فإنه ليس بينهما برزخ زمان، وإن كان المعلوم لا يكون إلا متعقباً للعلة في الزمان، لا يكون زمنه زمنها عند جمهور العقلاء، كما قد بسط في موضع آخر.
وأنتم احتججتم في غير موضع بأن القبول نسبة بين القابل والمقبول، فلا يتحقق إلا مع تحققهما، وجعلتم هذا مما احتججتم به على الكرامية في مسألة حلول الحوادث، وقلتم: كونه قابلاً للحدوث يجب أن يكون من لوازم ذاته، وذلك إنما يمكن مع تحقق الحوادث في الأزل مع امتناع تحقق الحادث في الأزل:
(1/349)

فهذا التناقض من جنس قولكم إنه قادر في الأزل مع امتناع المقدور في الأزل، وقلتم: إذا كان قابلاً للحوادث في الأزل لزم إمكان وجود الحوادث في الأزل، فأي فرق بين إمكان القبول، وإمكان المقدور، وإمكان المفعول؟ وما تقدم الشيء على غيره وكونه مثل هذا قبل زمن هذا، ولكن لا يلزم إذا لم يكن المتأخر مع المتقدم ألا يكون المقبول المقدور والأثر ممكناً مع وجود التأثير والقدرة والقبول، حتى يقال: إنه خالق مع امتناع المخلوق، وقادر مع امتناع المقدور، وقابل مع امتناع المقبول.
وأيضاً فإن هذا الجواب بمنزلة جواب من يقول: إن الحوادث توجد بإرادة قديمة، والمنازعون لهم ألزموهم بأن هذا ترجيح بلا مرجح، كما تقدم.
فهؤلاء يعترضون على جواب الأرموي، وهؤلاء يعترضون عليه بأنه عند وجود الأثر الحادث: إما أن يتجدد تمام التأثير، وإما أن لا يتجدد شيء لزم التسلسل كما تقدم، وإن لم يتجدد لزم حدوث الحادث بدون سبب حادث، وقد تقدم إبطاله بأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره.
وكان الأرموي يمكنه أن يجيب ـ على أصله ـ بأن حدوث الأجسام موقوف على حدوث التصورات المتعاقبة في العقل أو النفس، كما أجاب به عن الحجة الأولي.

المقصود مما تقدم
قلت: المقصود هنا أن يعرف نهاية ما ذكره هؤلاء في جواب الدهرية عن المعضلة الزباء والداهية الدهاء، وما يخفي على العاقل الفاضل ما في هذه الأجوبة.
(1/350)

ونحن ولله الحمد قد بينا الجواب عن جميع حجج الفلاسفة في غير هذا الموضع وبسطنا الكلام في ذلك، وبينا كيف يمكن فساد استدلالهم من وجوه كثيرة، وكيف تتمكن كل طائفة من المسلمين من قطعهم بجواب مركب من قولهم وقول طائفة أخرى من المسلمين، حتى إذا احتاجوا إلى موافقة الدهرية على قدم الأفلاك، وأن الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ونحو ذلك مما فيه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو إلى موافقة طائفة أخري من طوائف المسلمين على بعض أقوالهم التي ليس فيها تبليغ للرسول، بل ولا مخالفة لصريح العقل كان موافقتهم لطائفة من طوائف المسلمين على ما لا يكذبون به الرسول ولا يخالفون به المعقول، أولى بهم من موافقة الدهرية على ما فيه تكذيب للرسل ومخالفة لصريح العقل، وهذا مما تبين به أنه ليس في العقل الصريح ما يخالف النصوص الثابتة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهو المقصود في هذا المقام.

مثال في الإجابة على الفلاسفة. الرد على قولهم بقدم العالم. الكلام على امتناع التسلسل
مثال في الإجابة على الفلاسفة.
الرد على قولهم بقدم العالم.
الكلام على امتناع التسلسل
مثال الأجوبة التي يجاب بها هؤلاء الفلاسفة، أن يقال: حجتكم الأولى على قدم العالم مبنية على مقدمتين: إحداهما: أن الممكن لا بد له من مرجح تام، وامتناع التسلسل، ولفظ التسلسل فيه إجمال قد تقدم الكلام عليه، فإن التسلسل هنا: هو توقف جنس الحادث على الحادث، وهذا متفق على امتناعه، والتسلسل في غير هذا الموضع يراد به التسلسل في الفاعلين وفي الآثار، والتسلسل في تمام الفاعلين هو من التسلسل في الفاعلين.
(1/351)

فيقال لكم: التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل، وفي تمامها.
أما تسلسل في الشروط أو الآثار: ففيه قولان للمسلمين.
وأنتم قائلون بجوازاه.
فنقول: إما أن يكون هذا التسلسل جائزاً أو ممتنعاً، فإن كان ممتنعاً امتنع تسلسل الحوادث، ولزم أن يكون لها أول، وبطل قولكم بحوادث لا أول لها، وأمتنع كون حركات الأفلاك أزلية، وهذا يبطل قولكم.
ثم نقول: العالم لو كان أزلياً، فإما أن يكون لا يزال مشتملاً على حوادث: سواء قيل، إنها حادثة في جسم أو عقل، أو يقال: بل كان في الأزل ليس فيه حادث، كما يقال: إنه كان جسما ساكناً، فإن كان الأول لزم تسلسل الحوادث، ونحن نتكلم على تقدير امتناع تسلسلها، فبطل هذا التقدير، وإن كانت الحوادث حدثت فيه بعد أن لم تكن، لزم جواز صدور الحوادث عن قديم لم يتغير، وهذا يبطل حجتكم، ويجوب جواز حدوث الحوادث بلا حدوث سبب.
وإن قلتم: إن التسلسل في الآثار جائز ـ وهو قولكم ـ بطل استدلالكم بهذه الحجة على قدم شيء من العالم، فإنها لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم، وإنما تدل على وجود دوام كون الرب فاعلاً.
فيقال لكم حينئذ: لم لا يجوز أن تكون الأفلاك، أو كل ما يقدر موجوداً في العالم، أو كل ما يحدثه الله: موقوفاً على حادث بعد حادث، ويكون مجموع العالم الموجود الآن كالشخص الواحد من الأشخاص الحادثة؟
فتبين أن احتجاجكم على مطلوبكم باطل، سواء كان تسلسل الحوادث جائزاً أو لم يكن، بل إذا لم يكن جائزاً بطلت الحجة، وبطل المذهب المعروف عندكم،
(1/352)

وهو أن حركات الأفلاك أزلية، فإن هذا إنما يصح إذا كان تسلسل الحوادث جائزاً، فإذا كان تسلسلها ممتنعاً لزم أن يكون لحركة الفلك أول، وإن كان تسلسل الحوادث جائزاً، لم يكن في ذلك دلالة على قدم شيء من العالم، لجواز أن يكون حدوث الأفلاك موقوفاً على حوادث قبله، وهلم جراً.
فإن قلتم: هذا يستلزم قيام الحوادث المتسلسلة بالقديم.
كان الجواب من وجوه: أحدها: أن هذا هو قولكم، ليس هذا ممتنعاً عندكم، فإن الفلك قديم أزلي عندكم، مع أنه جسم تقوم به الحوادث.
الثاني: أنه يجوز أن تكون تلك الحوادث ـ إذا امتنع قيامها بواجب الوجود ـ قائمة بمحدث بعد محدث، فإن كان صدور هذه الحوادث المتسلسلة عن الواجب القديم ممكناً بطلت حجتكم، وإن كان ممتنعاً بطل مذهبكم وحجتكم أيضاً، فإن قولكم: إن الحوادث الفلكية المتسلسلة صادرة عن قديم أزلي.
الثالث: أنا نتكلم على تقدير إمكان تسلسل الحوادث.
وعلى هذا التقدير فلا بد من التزام أحد أمرين: إما قيام الحوادث بالواجب وإما تسلسل الحوادث عنه بدون قيام حادث به.
الرابع أن يقال: قيام الحوادث بالقديم: إما أن يكون ممتنعاً، وإما أن يكون ممكناً، فإن كان ممتنعاً لزم حدوث الأفلاك، وهو المطلوب، وإن كان جائزاً بطلت هذه الحجة.
(1/353)

الخامس: أن من قال أهل الكلام بأن: القديم لا تحله الحوادث إنما قاله لأن تسلسل الحوادث في المحل يستلزم حدوثه عندهم، فإن كان قولهم هذا صحيحاً لزم حدوث الأفلاك والنفوس وكل ما يقوم به حوادث متسلسلة، وهو يستلزم بطلان حجتكم، لأنه حينئذ يمكن صدور العالم م تكن، أو ما زال يحدث شيء بعد شيء، والأول يستلزم حدوث الحادث بلا سبب حادث، وهذا باطل، كما ذكرتموه في الحجة، لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح.
والثاني: يمتنع أن يكون في الممكنات شيء قديم، وهو نقيض مذهبكم.
فإذا قالوا: نحن ما أحلنا قيام الحوادث بالواجب، لكون القديم لا تحله الحوادث ـ فإن ذلك جائز عندنا ـ بل لأنه لا تقوم به الصفات.
قيل لهم: فحينئذ سهلت القضية، فإن جماهير أهل الملل من المسلمين وغيرهم بل ـ وجمهور الفلاسفة ـ يخالفونكم في هذا الأصل، وقولكم في نفي الصفات أضعف بكثير من قول من قال: القديم لا تحله الحوادث.
(1/354)

ولهذا كان كثير من المسلمين ـ كالكلابية ومن وافقهم ـ يقولون بإثبات الصفات للواجب، دون قيام الحوادث به، فإذا لم يكن لكم حجة على نفي قيام الحوادث به إلا ما هو حجة لكم على نفي الصفات، كانت الأدلة على بطلان قولكم كثيرة جداً.
وتبين حينئذ فساد قولكم بنفي الصفات وجعل المعاني المتعددة شيئاً واحداً، وأن قولكم: إن العاشق والمعشوق والعشق، والعاقل والمعقول والعقل: شيء واحد، وإن العالم هو العلم، والقدرة هي الإرادة من أفسد الأقوال، كما قد بين فيما تقدم لما نبهنا على تلبيسكم على المسلمين، وتكلمنا على ما تسمونه تركيباً، وأنه ـ بتقدير موافقتكم على أصطلاحكم الفاسد ـ لا حجة لكم على نفيه، وهكذا تجابون على حجة التأثير.
وقولهم: إن كان التأثير قديماً لزم قدم الأثر، وأن كان محدثاً، فإن كان المحدث جنس التأثير ـ وقيل بجواز ذلك ـ كان للحوادث ابتداء، وبطل مذهبكم، وإن قيل بامتناعه ـ وهو أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء ـ فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، وقد يسمى تسلسلاً ودواراً، وإن كان المحدث التأثير في شيء معين بعد حدوث معين قبله، لزم التسلسل وقيام الحوادث بالقديم.
فإنه يقال لهم: إما أن يكون التأثير أمراً وجودياً، وإما أن لا يكون وجودياً، فإن لم يكن وجودياً بطلت الحجة وهو جواب الرازي، وهو جواب من يقول: الخلق نفس المخلوق.
وإن كان وجودياً، فإما أن يكون قائماً بذات المؤثر أو بغيره، فإن كان
(1/355)

قائماً بذاته، لزم جواز قيام الأمور الوجودية بواجب الوجود، وهذا قول مثبتة الصفات.
وعلى هذا التقدير فالتسلسل في الآثار والشروط، إن كان ممكناً بطلت هذه الحجة، وأمكن تسلسل التأثيرات القائمة بالقديم، وإن كان ممتنعاً لزم جواز حدوث الحوادث عن تأثر قديم ن فتبطل حجتكم.
وإن كان التأثير ـ أو تمامه ـ قائماً بغيره لزم جواز التسلسل في الشروط، وأن يكون ممكنا، وإذا كان ممكناً أمكن تسلسل التأثير، فبطلت الحجة.
وذلك لأن التقدير أن تمام التأثير قائم بغير المؤثر، وعلى هذا التقدير فإن لم يكن التسلسل ممكناً كان هناك تأثير قديم بغير ذات الله تعالى، وهذا باطل لم يقل له أحد، وإن قدر إمكانه أمكن حدوث الأفلاك عنه، وهو المطلوب.
ومما يجابون به عن حجة التأثير، أن يقال أيضاً: التسلسل في الآثار إن كان ممكناً بطلت الحجة، لإمكان حدوث الأفلاك عن تأثير مسبوق بتأثير آخر، وإن كان ممتنعاً لزم إما حدوث الحوادث عن تأثير قديم، أو كون التأثير عدمياً، وعلى التقديرين يبطل قولكم.
وذلك لأن الحوادث مشهودة لا بد لها من إحداث محدث، وذلك الإحداث هو التأثير، فإن كان عديماً بطلت الحجة، وإن كان موجوداً، فإن كان قديماً لزم حدوث الحوادث عن تأثير قديم، فتبطل الحجة، وإن كان التأثير محدثاً ـ والتقدير أن التسلسل ممتنع ـ فيلزم أن يكون حدث بتأثير محدث، فتبطل الحجة أيضاً.
وهو جواب لا مخلص لهم عنه، به ينقطع شغبهم.
(1/356)

وأما أن يجابوا بقول يخالف فيه أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ويجعل خلق الله عز وجل للسماوات والأرض مبنياً على مثل هذا القول الذي هو جواب المعارضة: فهذا لا يرضى به عقل ولا ذو دين.
بل يحب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جواباً قاطعاً لا شبهة فيه، بخلاف ما يسلكه من يسلكه من أهل الكلام الذين يزعمون أنهم يبينون العلم واليقين بالأدلة والبراهين وإنما يستفيد الناظر في كلامهم كثرة الشكوك والشبهات، وهم في أنفسهم عندهم شك وشبهة فيما يقولون: إنه برهان قاطع، ولهذا يقول أحدهم في هذا الموضع: إنه برهان قاطع، وفي موضع آخر يفسد ذلك البرهان.
والذين يعارضون الثابت في الكتاب والسنة بما يزعمون أنه من العقليات القاطعة إنما يعارضونه يمثل هذه الحجج الداحضة.
فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفي بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين.
ولولا أنا قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع ـ وهذا موضع تنبيه وإشارة، لا موضع بسط ـ لكنا نبسط الكلام في ذلك، ولكن نبهنا على ذلك.
(1/357)

ملخص الرد على حجة التأثير
وملخص ذلك في حجة التأثير، الذي يسمى الخلق والإبداع، والتكوين والإيجاب، والاقتضاء والعلية، والمؤثرية، ونحو ذلك ـ أن يقال: التأثير في الحوادث: إما أن يكون وجودياً أو عدمياً، وإذا كان وجودياً: فإما إن يكون قديماً أو حادثاً، وعلى كل تقدير فحجة الفلاسفة باطلة.
أما إن كان عدمياً فظاهر، لأنه لا يستلزم حينئذ قدم الأثر، إذ العدم لا يستلزم شيئاً موجوداً، ولأنه إذ جاز أن يفعل الفاعل للمحدثات بعد أن لم يفعلها من غير تأثير وجودي أمكن حدوث العالم بلا تأثير وجودي، كما هو قول الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وكثير من المعتزلة.
وإن كان وجودياً فإما أن يكون قديماً أو محدثاً، فإن كان التأثير قديماً فإما أن يقال بوجوب كون الأثر متصلاً بالتأثير، والمكون متصلاً بالتكوين، وإما أن لا يقال بوجوب ذلك، وإما أن يقال بوجوب المقارنة، وإما أن يقال بإمكان انفصال الأثر عن التأثير.
فإن قيل بوجوب ذلك فمعلوم حينئذ بالضرورة أن في العالم حوادث، فيمتنع أن يكون التأثير في كل منها قديماً، بل لا بد من تأثيرات حادثة، ويمتنع حينئذ أن يكون في العالم قديم، لأن الأثر إنما يكون عقب التأثير، والقديم لا يكون مسبوقاً بغيره.
وإن قيل: إن الأثر يقارن المؤثر فيكون زمانهما واحداً لزم أن لا يكون في العالم شيء حادث، وهو خلاف المشاهدة.
(1/358)

فإذا قيل بأن: التأثير لم يزل في شيء بعد شيء كان كل من الآثار حادثاً، ولزم حدوث كل ما سوى الله، وإن كان كل حادث مسبوقاً بحادث.
وإن قيل: بل يتأخر الأثر عن التأثير القديم لزم إمكان حدوث الحوادث عن تأثير قديم، كما هو قول كثير من أهل النظر.
وهو قول من يقول بإثبات الصفات الفعلية لله تعالى، وهي صفة التخليق، ويقول: إنها قديمة، وهو قول طوائف من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والصوفية، وأهل الكلام، وغيرهم.
وإن كان التأثير محدثاً فلا بد له من محدث، فإن قيل بجواز حدوث الحوادث بإرادة قديمة، أو إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح: جاز أن يحدث التأثير قائماً بالمؤثر بقدرته، أو بقدرته ومشيئته القديمة، كما يجوز من يجوز وجود المخلوقات البائنة عنه بمجرد قدرته، أو لمجرد قدرته ومشيئته القديمة.
وإن قيل: لا يمكن حدوث الحوادث إلا بسبب حادث كان التأثير القائم بالمؤثر محدثاً، وإن كان التأثير محدثاً فلا بد له من محدث، وإحداث هذا التأثير تأثير، وحينئذ فيكون تسلسل التأثيرات ممكناً، وإذا كان ممكناً بطلت الحجة، فظهر بطلانها على كل تقدير.
وصاحب الأربعين وأمثاله من أهل الكلام إنما لم يجيبوا عنها بجواب قاطع، لأن من جملة مقدماتها أن التسلسل ممتنع، وهم يقولون بذلك، والمحتج بها لا يقول بامتناع التسلسل، فإن الدهرية يقولون بتسلسل الحوادث، فإذا أجيبوا
(1/359)

عنها بجواب مستقيم على كل قول، كأن خيراً من أن يجابوا عنها بجواب لا يقول به إلا بعض طوائف أهل النظر، وجمهور العقلاء يقولون: إنه معلوم الفساد بالضرورة.
وقد ذكر الرازي هذه الحجة في غير هذا الموضع، وذكر فيها أن القول بكون التأثر أمراً وجودياً أمر معلوم بالضرورية، ثم أخذ يجيب عن ذلك بمنع كونها وجودية، لئلا يلزم التسلسل.
ومن المعلوم أن المقدمات التي يقول المنازع إنها ضرورية لا يجاب عنها بأمر نظري، بل إن كان المدعي لكونها ضرورية أهل مذهب معين يمكن أنهم تواطأوا على ذلك القول، وتلقاه بعضهم عن بعض، أمكن فساد دعواهم، وتبين أنها ليست ضرورية، وإن كن مما تقر به الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا موافقة من بعضهم لبعض، كالموافقة التي تحصل في المقالات الموروثة، التي تقولها الطائفة تبعاً لكبيرها، لم يمكن دفع مثل هذه، فإنه لو دفعت الضروريات التي يقر بها أهل الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا تشاعر، لم يمكن إقامة الحجة على مبطل.
وهذا هو السفسطة التي لا يناظر أهلها إلا بالفعل، فكل من جحد القاضايا الضرورية المستقرة في عقول بني آدم، التي لم ينقلها بعضهم عن بعض، كان سوفسطائياً.
فإن ادعى المدعي أن التأثير أمر وجودي، وذلك معلوم بالضرورة، لم يقل له: بل هو عدمي، لئلا يلزم التسلسل، فإن التسلسل في الآثار فيه قولان مشهوران لمنظار المسلمين وغيرهم.
(1/360)

والقول بجوازه هو قول طوائف: كطائفة من المعتزلة يسمون أصحاب المعاني من أصحاب معمر بن عباد الذين يقولون: للخلق إلى ما لا نهاية له، لكن هؤلاء يثبتون تسلسلاً في آن واحد، وهو تسلسل في تمام التأثير، وهو باطل، وقول طوائف من أهل السنة والحديث، كالذين يقولون: إن الحركة من لوازم الحياة، وكل حي متحرك، والذين يقولون: إنه لم يزل متكلما إذا شاء، وغير هؤلاء.
فإذا كان فيه قولان، فإما أن يكون جائزاً، أو يكون العلم بامتناعه نظيراً خفياً.
بل الجواب القاطع يكون بوجوه قد بسطناها في غير الموضع.
منها ما ذكرناه، وهو أن يقال: التأثير سواء كان وجودياً أو عديماً، وسواء كان التسلسل ممكنا ًأو ممتنعاً، فاحتجاجهم به على قدم العالم احتجاج باطل.
أو يقال: إن كان التسلسل في الآثار ممكناً بطلت الحجة، لإمكان حدوثه بتأثير حادث، وإن لزم التسلسل.
وإن كان ممتنعاً لزم حدوث الحوادث بدون تسلسل التأثير، وهو يبطل الحجة، فالحجة باطلة على التقديرين، وهذا جواب مختصر جامع.
فإن الحجة مبناها على أنه لا بد للحوادث من تأثير وجودي، فإن كان محدثاً لزم التسلسل، وهو ممتنع، وإن كان قديماً لزم قدم الأثر.
فيقال له: إن كان التسلسل في الآثار ممكنا بطلت الحجة، لإمكان حدوثه عن تأثير حادث، وذلك عن تأثير حادث، وهلم جراً، وامتناع التسلسل مقدمة من مقدمات الدليل، فإذا بطلت مقدماته بطل، إن كان التسلسل ممتنعاً، لزم أن تكون الحوادث حدثت عن تأثير وجودي قديم، وحينئذ فيمكن حدوث العالم بدون تسلسل الحوادث عن تأثير قديم، وهو المطلوب.
(1/361)

وإن شئت أدخلت المقدمة الأولى في التقدير أيضاً، كما تقدم التنبيه عليه ن، حتى يظهر الجواب على كل تقدير، وعلى قول كل طائفة من نظار المسلمين، إذ كان منهم من يقول: التأثير في المحدثات وجودي قديم، ومنهم من يقول، هو أمر عدمي، ومنهم من يقول بتسلسل الآثار الحادثة.
والدهري بنى حجته عل أنه لا بد من تأثير وجودي قديم، وأنه حينئذ يلزم قدم الأثر.
فيجاب على كل تقدير، فيقال: التأثير إن كان عدمياً بطلت المقدمة الأولى، وجاز حدوث الحوادث بدون تأثير وجودي، وإن كان وجودياً ـ وتسلسل الحوادث ممكن ـ أمكن حدوثه بآثار متسلسلة، وبطل قولك بامتناع تسلسل الآثار، وإن كان تسلسل الآثار ممتنعاً لزم: إما التأثير القديم، وإما التأثير الحادث بالقدرة، أو بالقدرة والمشيئة القديمة، وحينئذ فالحوادث مشهودة، فتكون صادرة عن تأثير قديم أو حادث، وإذا جاز صدور الحوادث عن تأثير قديم أو حادث بطلت الحجة.
وأصل هذا الكلام: أنا نشهد حدوث الحوادث، فلا بد لها من محدث، هو المؤثر، وإحداثه هو التأثير، فالقول في إحداث هذه الحوادث والتأثير فيها، كالقول في إحداث العالم والتأثر فيه.
وهؤلاء الدهرية بنوا هذه الحجة على أنه لا بد من تأثير حادث، فيفتقر إلى تأثير حادث، كما بنوا الأولى على أنه لا بد من سبب حادث، فمأخذ الحجتين من مشكاة التسلسل في الآثار: القائلون بقدم العالم، والقائلون بحدوثه، كما يجوزه طوائف من أهل الملل، أو أكثر أهل الملل.
(1/362)

فإذا أجيبوا على التقديرين، وقيل لهم: إن كان التسلسل جائزاً بطلت هذه الحجة وتلك، وإن لم يكن جائزاً بطلت أيضاً هذه وتلك، كان هذا جواباً قاطعاً.
ولكن لفظ التسلسل فيه إجمال واشتباه، كما في لفظ الدور، فإن الدور يراد به: الدور القبلي، وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء، ويراد به الدور المعي الاقتراني، وهو جائز بصريح العقل واتفاق العقلاء، ومن أطلق امتناع الدور فمراده الأول، أو هو غالط في الإطلاق.
ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات، وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، وهذا هو التسلسل الذي أمر التبي صلى الله عليه وسلم بأن يستعاذ بالله منه، وأمر بالانتهاء عنه، وأن يقول القائل: آمنت بالله ورسله.
كما في الصحيحين «عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» .
وفي رواية: «لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق من خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل:
(1/363)

آمنت بالله» ورواية: «ورسوله» وفي رواية: «لا يزالون بك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم به، ثم قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي» .
وفي الصحيح أيضاً «عن أنس بن مالك عن رسول صلى الله عليه وسلم قال قال الله: إن أمتك لا يزالون يسألون: ما كذا؟ وما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟» .
وهذا التسلسل في المؤثرات والفاعلين يقترن به تسلسل آخر، وهو التسلسل في تمام الفعل والتأثير، وهو نوعان: تسلسل في جنس الفعل، وتسلسل في الفعل المعين.
فالأول ـ مثل أن يقال: لا يفعل الفاعل شيئاً أصلا حتى يفعل شيئاً معيناً، أو لا يحدث شيئاً حتى يحدث شيئاً، أو لا يصدر عنه شيء حتى يصدر عنه شيء، فهذا أيضاً بالطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.
(1/364)

وهذا هو الذي يصح أن يجعل مقدمة في دوام الفاعلية، بأن يقال: كل الأمور المعتبرة في كونه فاعلاً: إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن حدث فيها شيء، فالقول في حدوث ذلك الحادث كالقول في حدوث غيره، فالأمور المعتبرة في حدوث ذلك الحادث: إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت محدثة لزم أن لا يحدث شيء من الأشياء حتى يحدث شيء.
وهذا جمع بين النقيضين، وقد يسمى هذا دوراً، ويسمى تسلسلاً، وهذا هو الذي أجاب عنه من أجاب بالمعارضة بالحوادث المشهودة.
وجوابه أن يقال: أتعني بالأمور المعتبرة الأمور المعتبرة في جنس كونه فاعلاً، أم الأمور المعتبرة في فعل شيء معين؟ أما الأول فلا يلزم من دوامها دوام فعل شيء من العالم، وأما الثاني: فيجوز أن يكون كل ما يعتبر في حدوث المعين كالفلك وغيره حادثاً، ولا يلزم من حدوث شرط الحادث المعين هذا التسلسل، بل يلزم منه التسلسل المتعاقب في الآثار، وهو أن يكون قبل ذلك الحادث حادث، وقبل ذلك الحادث حادث، وهذا جائز عندهم وعند أئمة المسلمين، وعلى هذا فيجوز أن يكون كل ما في العالم حادثاً، مع التزام هذا التسلسل الذي يجوزونه.
وقد يراد بالتسلسل في حدوث الحادث العين، أو في جنس الحوادث: أن يكون قد حدث مع الحادث تمام مؤثره، وحدث مع حدوث تمام المؤثر.
وهلم جراً.
وهذا أيضاً باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، وهو من جنس التسلسل في تمام التأثير.
(1/365)

فقد تبين أن التسلسل إذا أريد به أن يحدث مع كل حادث حادث يقارنه، يكون تما تأثيره مع الآخر حادث، وهلم جراً، فهذا ممتنع من جنس قول معمر في المعاني التسلسلة، وإن أريد به أن يحدث قبل كل حادث حادث وهلم جراً، فهذا فيه قولان، وأئمة المسلمين وأئمة الفلاسفة يجوزونه.
وكما أن التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات وفي تمام التأثير، يراد به التسلسل المتعاقب شيئاً بعد شيء، ويراد به التسلسل المقارن شيئاً مع شيء، فقولنها أيضاً: إن المؤثر يستلزم أثره يراد به أن يكون عقبه، فهذا هو الاستلزام المعروف عند جمهور العقلاء، وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم شيء قديم.
والناس لهم في أستلزام المؤثر أثره قولان:
فمن قال: إن الحادث يحدث في الفاعل بدون سبب حادث فإنه يقول: المؤثر التام لا يجب أن يكون أثره معه، بل يجوز تراخيه، ويقول: أن القادر المختار يرجع أحد مقدوريه بمجرد قدرته التي لم تزل، أو بمجرد مشيئته التي لم تزل، وإن لم يحدث عند وجود الحادث سبب.
والقول الثاني: أن المؤثر التام يستلزم أثره.
لكن في معنى هذا الاستلزام قولين:
(1/366)

أحدهما: أن يكون معه، بحيث يكون زمان الأثر زمان المؤثر، فهذا هو الذي تقوله المتفلسفة، وهو معلوم الفساد بصريح العقل عند جمهور العقلاء.
والثاني: أن يكون الأثر عقب تمام المؤثر، وهذا يقر به جمهور العقلاء وهو يستلزم أن لا يكون في العالم شيء قديم، بل كل ما فعله القديم الواجب بنفسه، فهو محدث.
وإن قيل: إنه لم يزل فعالاً، وإن قيل بدوام فاعليته، فذلك لا يناقض حدوث كل ما سواه، بل هو مستلزم لحدوث كل ما سواه، فإن كل مفعول فهو محدث، فكل ما سواه مفعول، فهو محدث مسبوق بالعدم، فإن المسبوق بغيره سبقاً زمانياً لا يكون قديماً، والأثر المتعقب لمؤثره، الذي زمانه عقب زمان تمام مؤثره، ليس مقارناً له في الزمان، بل زمنه متعقب لزمان تمام التأثير، كتقدم بعض أجزاء الزمان على بحض وليس في أجزاء الزمان شيء قديم، وإن كان جنسه قديماً، بل كل جزء من الزمان مسبوق بآخر، فليس من التأثيرات المعينة تأثير قديم، كما ليس من أجزاء الزمان جزء قديم.
فمن تدبر هذه الحقائق، وتبين له ما فيها من الاشتباه والالتباس: تبين له محارات أكابر النظار في هذه المهامه التي تحار فيها الأبصار.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
(1/367)

عمدة الفلاسفة في قدم العالم على مقدمتين
وحقيقة الأمر: أن هؤلاء الفلاسفة بنوا عمدتهم في قدم العالم على مقدمتين: إحداهما: أن الترجيح لا بد له من مرجح تام يجب به.
والثانية أنه لو حدث الترجيح للزم التسلسل، وهو باطل.
وهم متناقضون قائلون بنقيض هاتين المقدمتين.

جواز التسلسل
أما جواز التسلسل، فإن أرادوا به التسلسل المتعاقب في الآثار شيئاً بعد شيء، فهم يقولون بجواز ذلك، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون كل ما سوى الله محدثاً، كائناً بعد أن لم يكن، كالفلك وغيره، وإن كان حدوثه مؤقوفاً على سبب حادث قبله، وحدوث ذلك السبب موقوف على سبب حادث قبله.
وإن أرادوا التسلسل المقترن ـ وهو أنه لو حدث حادث، للزم أن يحدث معه تأثيره، ومع حدوث تمام تأثيره يحدث تأثير المؤثرـ فهذا باطل بصريح العقل، وهم يوافقون على امتناعه.
وإن عنوا بالتسلسل: أنه لو حدث ترجيح جنس الفعل للزم هذا التسلسل فهو صادق، ولكن هذا يفيد أنه لا يحدث مرجح يوجب ترجيح الفعل، بل لا يزال جنس الفعل موجوداً، فهذا يسلمه لهم أئمة المسلمين.
(1/368)

لكن ليس في هذا ما يقتضي صحة قولهم بقدم شيء من العالم، بل هذا يقتضي حدوث كل ما سوى الله، فإنه إذا كان جنس الفعل لم يزل، لزم أنه لا تزال المفعولات تحدث شيئاً بعد شيء، وكل مفعول محدث مسبوق بعدم نفسه، ولكن هؤلاء ظنوا أن المفعول يجب أن يقارن الفاعل في الزمان، ويكون معه من غير أن يتقدم الفاعل على مفعوله بزمان.
وهذا غلط بين لمن تصوره، وهو معلوم الفساد بالعقل عند عامة العقلاء، ولهذا لم يكن في العقلاء من قال: إن السماوات والأرض قديمة أزلية إلا طائفة قليلة، ولم يكن في العالم من قال: إنها مفعولة وهي قديمة إلا شرذمة من هذه الطائفة الذين خالفوا المعقول وصحيح المنقول.
وقولهم بأن المؤثر التام الأزلي يستلزم أثره بهذا الاعتبار الذي زعموه، أي: يكون معه لا يتقدم المؤثر على أثره بالزمان، يوجب أن لا يحدث في العالم شيء، وهو خلاف المشاهدة، فقد قالوا بما يخالف الحس والعقل وأخبار الأنبياء.
وهذه هي طرق العلم.
وإذن، كان الممتنع إنما هو جواز التسلسل في أصل التأثير، والتسلسل المقارن مطلقاً.
وأما التسلسل في الآثار شيئاً بعد شيء فهم مصرحون به: معترفون بجوازه.
(1/369)

وقدم العالم ليس لازماً مستلزماً لجواز التسلسل.
وإنما خصوا به المعتزلة ومن اتبعهم من الكلابية وغيرهم، الذين وافقوهم على نفي الأفعال القائمة به، أو نفي الصفات والأفعال، فقالوا لهم: أنتم قدرتم في الأزل ذاتاً معطلة عن الفعل، فيمتنع أن يحدث عنها شيء لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح.
فالطريق الذي به ينقطع هؤلاء الفلاسفة أن يقال: إن كان التسلسل في الآثار شيئاً بعد شيء ممتنعاً بطلت الحجة، وإن كان جائزاً أمكن أن يكون حدوث كل شيء من العالم مبيناً على حوادث قبله، إما معان حادثة شيئاً بعد شيء في غير ذات الله تعالى، وإما أمور قائمة بذات الله تعالى، كما يقوله أهل الحديث وأهل الإثبات، الذين يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء، فعالاً لما يشاء، وإما غير ذلك، كما قاله الأرموي وغيره.
وبالجملة: فالتقديرات في تسلسل الحوادث معددة، ومهما قدر منها كان أسهل من القول بأن السماوات والأرض أزلية، وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهؤلاء الفلاسفة إنما يبحثون بمجرد عقولهم، فليس في العقل ما يوجب ترجيح قدم الأفلاك على سائر التقديرات، ومن يقر بالسمع ـ كمن يقر بالشرائع منهم ـ فأي تقدير قدره كان أقرب إلى الشرع من قولهم بقدم الأفلاك.
(1/370)

الترجيح بلا مرجح
وأما المقدمة الثانية - وهي الترجيح بلا مرجح - فإنهم ألزموا بها القائلين بالحدوث بدون سبب حادث، وهي لهم ألزم، فإن الحوادث المتجددة تقتضي تجدد أسباب حادثة، فالحدوث أمر ضروري على كل تقدير، والذات القديمة المستلزمة لموجبها: إن لم يتوقف حدوث الحوادث عنها على غيرها لزم مقارنة الحوادث لها في الأزل، وهذا باطل بالضرورة والحس، وإن توقف على غيرها فذلك الغير إن كان قديماً أزلياً كان معها، فيلزم مقارنة الحوادث لها، وإن كان حادثاً، فالقول في سبب حدوثه كالقول في غيره من الحوادث.
فهؤلاء الفلاسفة أنكروا على المتكلمين - نفاة الأفعال القائمة به - أنهم أثبتوا حدوث الحوادث بدون سبب حادث، مع كون الفاعل موصوفاً بصفات الكمال، وهم أثبتوا حدوث الحوادث كلها بدون سبب حادث، ولا ذات موصوفة بصفات الكمال، بل حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بدون محدث فاعل، إذ كانوا مصرحين بأن العلة التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها، فلا يبقى للحوادث فاعل أصلاً، لا هي ولا غيرها.
فعلم أن قولهم أعظم تناقضاً من قول المعتزلة ونحوهم، وأن ما ذكروه من الحجة في قدم العالم، هو على حدوثه أدل منه على قدمه، باعتبار كل واحدة من مقدمتي حجتهم.
(1/371)

ومن تدبر هذا وفهمه تبين له أن الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في الظلمات، وأن هؤلاء وأمثالهم من أهل النار، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (الملك: 10) ، وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أن نبين أن أجوبة نفاة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى لهؤلاء الدهرية أجوبة ضعيفة،.
كما بين ذلك، وبهذا استطالت الفلاسفة والملاحدة وغيرهم عليهم.
فالذين سلكوا هذه المناظرة لا أعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه، ولا أعطوا الجهاد لأعداء الله تعالى حقه، فلا كملوا الإيمان ولا الجهاد.
وقد قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (الحجرات: 15) ، وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} (آل عمران: 81) .
«قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن
(1/372)

بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه» .
فقد أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه، ومن الإيمان به: تصديقه في كل ما أخبر به، ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به، وألحد في أسماء الله وآياته.
وهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة، الذين ذمهم السلف والأئمة، لا قاموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد، بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار وأهل البدع، الذين هم أبعد عن السنة منهم، بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول، وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول، فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد، وأخذوا يقولون أنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات، وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده - تكذيباً أو تأويلاً أو تفويضاً - لأنها أصل السمعيات.
وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس، وأنه لا يتم الإيمان بالرسول والجهاد لأعدائه، إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات، وتبين
(1/373)

أن المعقول الصريح مطابق لما جاء به الرسول، لا يناقضه ولا يعارضه، وأنه بذلك تبطل حجج الملاحدة، وينقطع الكفار، فتحصل مطابقة العقل للسمع، وانتصار أهل العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد، ويحصل بذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول، واتباع صريح المعقول، والتمييز بين البينات والشبهات.

كل ما يحتج به النفاة يدل على نقيض قولهم
وقد كنت قديماً ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من النصوص، فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم، كأحتجاجهم على نفي الرؤية بقوله تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] فبينت أن الإدراك هو الإحاطة لا الرؤية، وأن هذه الآية تدل على إثبات الرؤية أعظم من دلالتها على نفيها.
وكذلك إحتجاجهم على أن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة بقوله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه} [الأنبياء: 2] بينت أن دلالة هذه الآية على نقيض قولهم أقوى، فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولهم.
والحدوث في لغة العرب العامة ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل ال كلام، فإن العرب يسمون ما تجدد حادثاً، وما تقدم على غيره قديماً، وإن كان بعد أن لم يكن، كقوله تعالى {كالعرجون القديم} [يس: 39] ، وقوله تعالى عن إخوة يوسف {تالله إنك لفي ضلالك القديم} [يوسف: 95] ، وقوله تعالى {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11]
(1/374)

وقوله تعالى عن إبراهيم {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون} [الشعراء: 75-76] .
وكذلك استدلالهم بقوله: الأحد الصمد على نفي علوه على الخلق وأمثال ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع.
ثم تبين لي بعد ذلك مع هذا أن المعقولات في هذا كالسمعيات، وأن عامة ما يحتج به النفاة من المعقولات هي أيضاً على نقيض قولهم أدل منها على قولهم، كما يستدلون به على نفي الصفات ونفي الأفعال، وكما يستدل به الفلاسفة على قدم العالم، ونحو ذلك والمقصود هنا التنبيه، وإلا فالبسط له موضع آخر.
وعمدة من نفى الأفعال والصفات من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم على هذه الحجة التي زعموا أنهم يقررون بها حدوث العالم وإثبات الصانع، فجعلوا ما قامت به الصفات أو الأفعال محدثاً، حتى يستدلوا بذلك على أن العالم محدث، ويلزم من ذلك أن لا يقوم بالصانع لا الصفات ولا الأفعال.
وإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له أن إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن إلا بإثبات صفاته وأفعاله، ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعاً تاماً عقلياً لا حيلة لهم فيه، إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال والصفات، وأما من نفى الأفعال أو نفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ بخناقه، ويبقى حائراً شاكاً مرتاباً مذبذباً، بين أهل الملل المؤمنين بالله ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة، كما قال تعالى في المنافقين {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] .
(1/375)

وهذا موجود في كلام عامة هؤلاء الذين في كلامهم سنة وبدعة، ولا ريب أنهم يردون على الفلاسفة وغيرهم أموراً، ولكن الفلاسفة ترد عليهم أموراً، وهم ينتصرون في غالب الأمر بالحجة العقلية على الفلاسفة، أكثر مما تنتصر الفلاسفة بالحجة العقلية عليهم، ولكن قد تقول الفلاسفة أموراً باطلة من جنس العقليات فيوافقونهم عليها فيستطيلون بها عليهم وقد تقول الفلاسفة أموراً صحيحة موافقة للشريعة فيردونها عليهم، وهم لا يصيبون الصدق والعدل إلا إذا وافقوا الشريعة، فإذا خالفوها كان غايتهم أن يقابلوا الفاسد بالفاسد، الباطل بالباطل، فتبقي الفلاسفة العقلاء في شك، ويبقى العقلاء منهم في شك، لا حصل لهؤلاء نور الهدى ولا لهؤلاء.
وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح، والباطل بالحق، والبدعة بالسنة والضلال بالهدى، والكذب بالصدق.
وبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا تعارض بحال، وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح.
وقد رأيت من هذا عجائب، فقل أن رأيت حجة عقلية هائل لمن عارض الشريعة، قد انقدح لي وجه فسادها وطريق حلها، إلا رأيت بعد ذلك من أئمة بلك الطائفة من قد تفطن لفسادها وبينه.
(1/376)

وذلك لأن الله خلق عباده على الفطرة، والعقول السليمة مفطورة على معرفة الحق، لولا المعارضات، ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف من العقليات ما يبين ذلك، لا لأنا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك، لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون بفساد هذه القضايا، التي يدعي إخوانهم أنها قطعية، مع مخالفتها للشريعة، ولأن النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين، استأنست بذلك واطمأنت به، ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة، فتنحل عقد الإصرار والتصميم على التقليد.
فإن عامة الطوائف ـ وإن ادعوا العقليات ـ فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم، فإذا رأوا الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق، انحلت عقدة الإصرار على التقليد.

إبطال الأبهري حجة الفلاسفة على قدم العالم
وقد رأيت الأثير الأبهري - وهو ممن يصفه هؤلاء المتأخرون بالحذق في الفلسفة والنظر، ويقدمونه على الأرموي، ويقولون: الأصبهاني صاحب القواعد هو وغيره
(1/377)

تلامذته - رأيته قد أبطل حجة هؤلاء المتفلسفة على قدم العالم بما يقرر ما ذكرته من إبطالها، وكان ما أجاب به عن حجتهم أولى بدين المسلمين، كما ذكره الأرموي، مع أنه ينتصر للفلاسفة أكثر من غيره.
فقال في فصل ذكر فيه ما يصح من مذاهب الحكماء وما لا يصح:
قال: (ثم قالوا: إن الواجب لذاته يجب أن يكون واجباً من جميع جهاته، أي يجب أن تكون جميع صفاته لازمة لذاته، إما أن تكون كافية فيما له من الصفات، وجودية كانت أو عدمية، أو لا تكون.
والثاني باطل، وإلا لتوقف شيء من صفاته على غيره، وذاته متوقفة على وجود تلك الصفة، أو عدمها، فذاته تتوقف على غيره، وهو محال.
قال: (وهذا ضعيف، لأنا نقول: لا نسلم أن ذاته تتوقف على وجود تلك الصفة أو عدمها، بل ذاته تستلزم تلك الصفة أو عدمها، ولا يلزم من ذلك ذاته إما على وجودها أو عدمها) .
قال: (ثم قالوا: إن الباري تعالى يستلزم جملة ما يتوقف عليه وجود العالم، فيلزم من دوامه أزلية العالم، وهو ممتنع، لا محال أن يكون له إرادات حادثة، كل واحدة منها تستند إلى الأخرى، ثم تنتهي في في جانب النزول إلى أرادة تقتضي حدوث العالم، فلزم حدوثه) .
(1/378)

قلت: فهذا الجواب خير من الذي ذكره الأرموي، وذكر أنه باهر، والأرموي نقله من المطالب العالية للرازي، فإنه ذكره، وقال: (إنه هو الجواب الباهر) ، ووافقه عليه القشيري المصري: فهذا أصح في الشرع والعقل.
أما الشرع: فإن هذا فيه قول بحدوث كل ما سوى الله، وذلك القول فيه إثبات عقول ونفوس أزليبة مع الله تعالى، والفرق بين القولين معلوم عند أهل الملل والشرائع.
وأما العقل: فإن قول الأرموي فيه إثبات أمور ممكنة، يحدث فيها حوادث متعاقبة من غير أمر يتجدد من الواجب، وهذا يقتض حدوث الحوادث بلا محدث، فإن الواجب بنفسه إذا كان علة مستلزمة لمعلولها، لم يجز تأخر شيء من معلوله عنه، بخلاف ما ذكره الأبهري، فإنه ليس فيه إلا أن الواجب مستلزم لآثاره شيئاً بعد شيء، وهذا متفق عليه بينهم، فإنه ليس فيه إلا تسلسل الآثار، والأبهري
(1/379)

والأرموي وغيرهما يقولون بتسلسل الآثار، بل قول أولئك يقتضي أن يكون الفلك هو رب ما دونه، وهو المحدث للحوادث بأفعاله القائمة به المتعاقبة، وقول الأبهري يقتضي أن يكون الله هو رب العالمين، وهو محدث لكل شيء مما يقوم به من الأفعال المتعاقبة.
ولا ريب أن قول أولئك فاسد في العقل، كما هو فاسد في الشرع، فإن الفلك إذا كان ممكناً فجميع صفاته وحركاته ممكنة، ولا يترجح شيء من ذلك إلا بوجود المرجح التام، فالمرجح التام إن كان موجوداً في الأزل لزم وجود مقتضاه في الأزل.
ثم ذلك المرجح إن كان في نفسه علة تامة لمعلوله، بحيث لا يتجدد به ولا منه شيء، امتنع أن يصدر عنه شيء، بعد أن لم يكن صادراً لا في الفلك ولا في غير الفلك، لا دائم ولا منقطع، وامتنع أن تكون حركة الفلك الدائمة صادرة عن هذا، لا سيما مع اختلاف الحركات والمتحركات، وأنه بسيط عندهم من كل وجه، وهو في الأزل علة تامة، فيمتنع أن تصدر عنه المختلفات والمتجددات، كما أن جميع المتحركات الممكنات لا تدوم حركتها إلا بدوام السبب المحرك المنفصل عنها، وهذا لأن حال الفاعل إذا كانت حين أحدث هذا المتأخر كحاله حين أحدث ذلك المتقدم، امتنع تخصيص هذا الحال بالفصل دون هذه، كما يقولون هم ذلك.
وإن قالوا: (إنما كان هذا لأن حركة الفلك لم يمكن وجودها كلها، أو لم يمكن وجود الحوادث كلها في الأزل، فتأخر فيضه لتأخر استعداد القوابل) .
(1/380)

قيل: هذا إنما يمكن أن يقال إذا كان القابل ليس هو صادراً عن الفاعل، مثل القوابل لأثر الشمس، فإن أثر الشمس فيها مختلف باختلاف تلك القوابل، فتسود وجه القصار وتبيض الثوب، وترطب الفاكهة تارة، وتجففها أخرى، ولهذا إنما قال سلفهم هذا في العقل الفعال، فقالوا إنه يتأخر فيضه على القوابل، لتأخر استعداد القوابل بسب الحركات الفلكية، فالموجب لاستعداد القوابل ليس هو الموجب للفيض عندهم.
وهذا قالوه لاعتقادهم وجود هذا العقل، وهذا لا يستقيم في المبدع لكل شيء، الذي منه الإعداد ومنه الإمداد، لا يتوقف فعله على غيره.
فأما إذا كان الفاعل هو الفاعل للقابل والمقبول، عاد السؤال جذعاً، وقيل: فلم جعل القوابيل تقبل على ذلك الوجه، دون غيره؟ ولم جعل الحركة الفلكية علي هذا الوجه دون غيره، مع أن الممكن ليس له من نفسه شيء أصلاً، لا طبيعة ولا غيرها؟ بل الموجب هو الفاعل لطبيعته وحقيقته، وليس له حقيقة في الخارج مباينة للموجود في الخارج، بل البارىء هو المبدع للحقائق كلها.
ومن قال: (إن للممكن ماهية مغايرةً في الخارج للأعيان الموجودة في الخارج) .
أو قال: (إنه شيء ثابت في القدم) ، فلا يمكنه أن يقول: إن تلك المعدومات أوجبت قدرة الفاعل على بعضها دون بعض، مع أنها كلها ممكنة: إلا لأمر آخر، مثل أن يقال: ما يمكن غير هذا، وهذا هو الأصلح، أو الأكمل والأفضل.
(1/381)

وبهذا تظهر حجة الله تعالى في قوله: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} (الرعد: 4) ، فإنه دل بهذا على تفضيله بعض المخلوقات على بعض، مع استوائها فيما تساوت فيه من الأسباب.
كما قال في الآية الأخرى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء} .
(فاطر: 27- 28) .
فإذا قال القائل: إنما تفاضلت واختلفت لاختلاف القوابل، وأسباب أخرى من الهواء والتراب والحب والنوى.
قيل له: وتلك القوابل والأسباب هي أيضاً من فعله، ليست من فعل غيره، فهو الذي أعد القوابل، وهو الذي أمد كل شيء بحسب ما أعده له، وحينئذ فقد تبين أنه خلق الأمور المختلفة، ومن كل شيء زوجين، فبطل أن يكون واحداً بسيطاً لا يصدر عنه إلا واحد لازم له، لا يصدر عنه غيره، ولا يمكنه فعل شيء سواه، فإن فعل المختلفات الحادثات يدل على أنه فاعل بقدرته ومشيئته، ولهذا قال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: 28) .
قال طائفة من السلف: العلماء به فإن من جعله غير قادر على إحداث فعل، ولا تغيير شيء من العالم، بل لزمه ما لا يمكنه مفارقته: لم يخشه، إنما يخشى الكواكب والأفلاك التي تفعل الآثار الأرضية عنده، أو ما كان نحو ذلك، ولهذا عبدها هؤلاء من دون الله، ولهذا كان دعاؤهم لها وخشيتهم منها.
(1/382)

ولهذا تبرأ الخليل من مخافتها لما ناظرهم في عبادة الكواكب والأصنام، وقال: {لا أحب الأفلين} (الأنعام: 76) .
قال تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} (الأنعام: 80- 81) .
وقال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام: 82) ، فإن المشركين يخافون بالمخلوقات من الكواكب وغيرها، وهم قد أشركوا بالله، ولا يخافون الله إذ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وإنما يخشاه من عباده العلماء، الذين لا يعلمون أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، فهؤلاء الدهرية الفلاسفة وأمثالهم لا يخافون الله تعالى.
فإن قال قائل: فهم يقرون بالعبادات، ويقولون: (ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات) لا سيما الإسلاميون منهم، فإنهم يعظمون الأدعية والعبادات.
قيل: هم لا يقرون بأن الله نفسه يحدث شيئاً بسبب الدعاء أو غيره، وإنما الحوادث كلها عندهم بسبب حركة الفلك، لا بشيء آخر أصلاً، وهم إذا قالوا: (إن النفوس تقوى بالدعاء والعبادة والتجرد والتصفية، فتؤثر في هيولى العالم) كان هذا عندهم بمنزلة تأثير الأكل والشرب في الري والشبع، لا يستلزم ذلك عندهم
(1/383)

أمراً يحدث من عند الله تعالى، فإنه لو حدث منه أمر لزم تغيره عندهم، وبطل أصل قولهم.
وهم قد يخافون ما يحدث من الحوادث بسبب أعمالهم، لاقتضاء طبيعة الوجود ذلك، كما يقولون: إن أكل المضرات يورث المرض أو الموت، والسبب لكل الحوادث حركة الفلك، وإن كانت الحوادث لا تحدث بمجرد الحركة، بل بالحركة وغيرها: أما لكون الحركة توجب امتزاجاً تستعد به الممتزجات لما يفيض عليها من العقل الفعال، أو لغير ذلك، فهم مطالبون بالموجب لحركة الفلك وحدوث جميع الحوادث: إن كان الموجب لها علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من معلولها، امتنع أن تكون حركات الممكنات وما فيها من الحوادث صادرة عن هذه العلة، لأن ذلك يقتضي تأخر كثير من معلولاتها، مع ما فيها من الاختلاف العظيم المنافي لبساطتها التي يسمونها الوحدة.
وقد بين في غير هذا الموضع أن الواحد البسيط الذي يقدرونه لا حقيقة له في الخارج أصلاً.
وإذا قيل: (القوابل المفعولة الممكنة المبدعة اختلفت وتأخر استعدادها، مع كون الفاعل لها لم يزل ولا يزال على حال واحدة) كان امتناع هذا ظاهراً.
بخلاف ما إذا قيل: (أن نفس الفاعل موصوف بصفات متنوعة وأفعال متنوعة، وله تعالى شؤون وأحوال، كل يوم هو في شأن، فإنه يكون تنوع المفعولات وحدوث الحادثات لتنوع أحوال الفاعل، وأنه يحدث من أمره ما شاء) .
(1/384)

وإذا طلب الفرق بينهما قيل: أحواله من مقتضيات ذاته الواجبة الوجود بنفسه، التي لا يتوقف شيء من أحوالها على أمر مستغن عنها، ولا يحتاج إليه، وإذا كان واجباً بنفسه، فما كان من لوازمه كان أيضاً واجباً لا يمكن عدمه، بخلاف الممكن الذي ليس له من نفسه وجود.
فإنه إذا قيل: اختلف فعل الفاعل، وتأخر لاختلاف القابل وحدوثه.
قيل: فهو أيضاً الفاعل للقابل المختلف الحادث.
فكيف تصدر المختلفات الحادثات عن فاعل لا اختلاف في فعله، ولا حدوث لشيء من أفعاله؟.

رد الأبهري على الرازي وتعليق ابن تيمية
والأبهري قد أبطل حجة المعتزلة والأشعرية ونحوهم على حدوث الأجسام، وأراد أن يعتذر عن الفلاسفة، فقال:
(فصل - في ذكر الطرائق التي سلكها الإمام - يعني أبا عبد الله الرازي - في كتبه لتقرير مذاهب المتكلمين، وكيفية الاعتراض عليها.
أما الطريقة التي سلكها لحدوث العالم فمن وجهين:
أحدهما: أن العالم ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو حادث، لأن تأثير المؤثر فيه: إما أن يكون حال الوجود، أوحال العدم، أو لا حال الوجود ولا حال العدم.
والأول باطل، لأن التأثير حال الوجود يكون إيجاداً للموجود وتحصيلاً للحاصل، وهو محال.
والثاني محال، لأن التأثير حال العدم يكون جمعاً بين الوجود والعدم، وهو محال.
فيلزم أن يكون: لا حال الوجود ولا حال العدم، فيكون حال الحدوث، فكل ما له مؤثر فهو حادث.
الثاني: أن الأجسام لو كانت أزلية، فإما أن تكون متحركة في الأزل، أو ساكنة والقسمان باطلان.
أما الأول فلوجوه:
(1/385)

أحدها: أنها لو كانت متحركة في الأزل للزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية في شيء واحد.
لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل يتقضي عدم المسبوقية بالغير، فيلزم الجمع ضرورة.
الثاني: أنه لو كانت متحركة في الأزل لكانت بحال لا تخلو عن الحوادث، وما يخلو عن الحوادث فهو حادث، وإلا لكان الحادث أزليا، هذا خلف.
الثالث: أنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت الحركة اليومية موقوفة على انقضاء ما لا نهاية له، وهو محال، والموقوف على المحال محال.
الرابع: أنها لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان: إحداهما من الحركة اليومية إلى غير النهاية، والثانية من الحركة التي وقعت من الأمس إلى غير النهاية.
فالجملة الثانية، إن صدق عليها أنها لو أطبقت على الأولى انطبقت عليها، كان الزائد مثل الناقص، وإن لم تصدق كانت متناهية، فالجملة الاولى أيضا متناهية، وقد فرضت غير متناهية، هذا خلف.
وأما الثاني: فلأنها لو كانت ساكنة في الأزل امتنع عليها الحركة، لأن المؤثر في السكون إما أن يكون أزلياً أو حادثاً، لا جائز أن يكون حادثاً، وإلا لكان السكون حادثاً، وقد فرض أزلياً، هذه خلف، فتعين أن يكون أزلياً، فيلزم من دوامه دوام السكون، فتمتنع الحركة على الأجسام وأنها ممكنة عليها، لأن
(1/386)

الأجسام إما أن تكون بسيطة أو مركبة، فإن كانت بسيطة فيصح على أحد جوانبها ما يصح على الآخر، فيصح أن يصير يمينها يساراً ويسارها يميناً، فيصح عليها الحركة، وإن كانت مركبة كانت مجتمعة من البسائط، فكانت بسائطها قابلة للاجتماع والافتراق، وكانت قابلة للحركة، هذا خلف) .
قال الأبهري (الاعتراض: قوله: بأن التأثير في الممكن إما أن يكون حالة الوجود، أو حالة العدم، أو لا حالة الوجود ولا حاله العدم.
قلنا: لم لا يجوز أن يكون حال الوجود؟.
وقوله: التأثير حال الوجود إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل.
قلنا: لا نسلم، وإنما يكون كذلك أن لو أعطى الفاعل وجوداً ثانياً، وليس كذلك، فإن التأثير عبارة عن كون الأثر موجوداً بوجود المؤثر.
وجاز أن يكون الأثر موجوداً دائماً لوجود المؤثر، والذي يدل على حصول التأثير حالة الوجود، أنه لو لم يكن كذلك لكان التأثير حالة العدم، لاستحالة الواسطة بين الوجود والعدم، والثاني كاذب، لأن التأثير حاله العدم يقتضي الجمع بين الوجود والعدم، وهو محال) .
قال: (أما قوله: الأجسام لو كانت أزلية: فإما أن تكون متحركة أو ساكنة في الأزل.
قلنا: لم لا يجوز أن تكون متحركة؟.
قوله: يلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في شيء واحد.
قلنا: لا نسلم، وهذا لأن المسبوق بالغير هو الحركة، وغير المسبوق بالغير هو الجسم.
(1/387)

فإن قال: (إذا كانت الحركة أزلية كانت الحركة من حيث هي هي غير مسبوقة بالغير، لكن الحركة من حيث هي هي مسبوقة بغير، لأنها تغير وانتقال فتقتضي المسبوقية بالغير، فيلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في الحركة.
قلنا: إذا ادعيتم ذلك فنقول: لا نسلم أن الجسم لو كان أزلياً لكانت الحركة من حيث هي هي حركة أزلية.
ولم لا يجوز أن يكون الجسم أزلياً، ويصدق عليه أنه متحرك دائماً بأن تتعاقب عليه الحركات المعنية، ولا يصدق على الحركات الموجودة في الأعيان أنها أزلية، ضرورة اتصاف كل واحد منها بكونها مسبوقة بالغير؟) .
قلت: هذا مضمونه ما نبه عليه في غير هذا الموضع: أن حدوث كل من الأعيان لا يستلزم حدوث النوع الذي لم يزل ولا يزال.
(وأما قوله: لو كانت الأجسام متحركة لكانت لا تخلو عن الحوادث.
قلنا: نعم: ولكن لم قلتم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؟.
قوله: لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزلياً.
قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازماً للجسم، وليس كذلك، بل هو قبل كل حركة حركة، لا إلى أول إلى ما لا نهاية) .
قلت: هذه من نمط الذي قبله، فإن الأزلي هو نوع الحادث، لا عين الحادث.
(1/388)

قوله: لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له.
قلنا: لا نسلم، بل يكون الحادث اليومي مسبوقاً بحوادث لا أول لها، ولم قلتم: إن ذلك غير جائز؟ .
قلت: مضمونة أنه يكون موقوفا على انقضاء ما لا ابتداء له، ولا أول له، وهو لا نهاية له من الطرف الأول، لكن له نهاية من الطرف الآخر.
قوله: لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان، أحدهما: من الحركة اليومية، والثانية: من الحركة التي وقعت في الأمس.
قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك لو كانت الحركات مجتمعة في الوجود.
قلت: هذا مضمونه أن التطبيق لا يكون إلا بين موجودين، ولكن يقال التطبيق في الخارج لا يكون إلا بين موجودين، ولكن يمكن تقدير التطبيق بين معدومين، لا سيما إذا كانا قد دخلا جميعاً في الوجود، فالمطبق بينهما إما أن يكونا مقدرين في الأذهان، لا يوجدان في الأعيان بحال، كالأعداد المجردة عن المعدودات، أو معدومين منتظرين كالمستقبلات، أو معدومين ماضيين كالحوادث المتقدمة، أو موجودين كالمقادير الموجودة والمعدودات الموجودة.
ويجاب عن هذا بجواب ثان: وهو: أن الجملتين اللتين طبقت إحداهما على الأخرى، مع التفاوت في أحد الطرفين وعدم التناهي في الآخر، هما متفاضلتان
(1/389)

في الطرف الواحد، وتنطبق إحداهما على الآخرى في الطرف الآخر، فلا يصدق ثبوت مطابقة إحداهما للأخرى مطلقاً، ولا نفي المطابقة مطلقاً، بل يصدق ثبوت الانطباق من أحد الطرفين وانتفاؤه من الآخر، وحينئذ فلا يكون الزائد مثل الناقص: ولا يكونان متناهيين.
وإذا قال القائل: نحن نطبق بينهما من الطرف الذي يلينا، فإن استويا لزم أن يكون الزائد مثل الناقص، وأن يكون وجود الزيادة كعدمها، والشيء مع عدم غيره كهو مع وجوده، وإن تفاضلا لزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه متفاضلاً.
قيل: التطبيق بينهما من الجهة المتناهية مع تفاضلهما فيها ممتنع، وفرض الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع، فإن الحوادث الماضية من أمس إذا قدرت منطبقة على الحوادث الماضية في اليوم كان هذا التطبيق ممتنعاً، فإنه يمتنع أن يطابق هذا هذا، فإن الجملتين متفاضلتان: ومع التفاضل يمتنع التطبيق المستلزم للمعادلة والاستواء.
وإذا قال القائل: أنا أقدر المطابقة في الذهن وإن كانت ممتنعة في الخارج.
قيل له: فقد قدرت في الذهن شيئين مع جعلك أحدهما أزيد من الآخر من الطرف الواحد، ومساوياً له من الطرف الآخر.
ومعلوم أنك إذا قدرت لم يكن تفاضلهما ممتنعاً، بل كان الواجب هو التفاضل.
ودليلك مبني على تقدير التطبيق، فيلزم التفاضل فيما لا يتناهى، وكل من المقدمتين باطل، فإن قدرت تطبيقها صحيحاً عدلياً فهو باطل، وإن قدرته وإن كان ممتنعاً لم يكن التفاضل
(1/390)

في ذاك ممتنعاً، فدعواك أن التفاضل ممتنع فيما قدرته متفاضلاً ممنوع، بل مع تقدير التفاضل يجب التفاضل، لكن يجب التفاضل من جهة التفاضل، ولا يلزم التفاضل من الجهة الأخرى.
قال الأبهري: (وإن سلمنا أنه لا يجوز أن تكون متحركة في الأزل، ولكن لم لا يجوز أن تكون ساكنة؟
قوله: بأن المؤثر في السكون إما أن يكون حادثاً أو أزلياً.
قلنا: فلم قلتم بأنه لو كان أزلياً للزم دوام السكون؟ ولم لا يجوز أن يكون تأثيره فيه موقوفاً على شرط عجمي أزلي؟ والعدمي الأزلي جائز الزوال، فإذا زال الشرط زال السكون) .
قلت: لقائل أن يقول: العرض الأزلي إنما يزول بسبب حادث، والقول فيه كالقول في غيره، بل لا يزول إلا بسبب حادث، فيحتاج إلى حدوث سبب يحدث ليزول السكون، وهو يقول: المقتضي لزوال السكون كالمقتضي لحدوث العالم، وهو الإرادة المسبوقة بإرادة لا إلا أول، لكن هذا التقدير يصحح القول بحدوث العالم.
فيقال: إن كان الجسم أزلياً وأمكن حدوث الحركة فيه، كان المقتضي لحركته مجوزاً لحدوث العالم، لكن هذا يبطل حجة الفلاسفة، ولا يصحح حجية أن الجسم الأزلي يمتنع تحريكه فيما بعد.
(1/391)

وأيضاً فإنه ههنا بحثاً آخر، وهو أن السكون هل هو أمر ثبوتي مضاد للحركة، أو هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك؟ وفيه قولان معروفان، فإذا كان عدمياً لم يفتقر إلى سبب.
(قال: وأما الطريقة التي يسلكها في كون الباري فاعلاً بالاختيار فمن وجهين:
أحدهما: أنه لو كان موجباً بالذات وجب أن لا ينفك عنه العالم، فيلزم إما قدم العالم، وإما حدوث الباري تعالى.
الثاني: أنه لو كان موجباً بالذات لما حصل تغير في العالم، لأنه يلزم من دوامه دوام معلوله، وإلا كان ترجيحاً بلا مرجح، ويلزم من دوام معلوله دوام معلول معلوله، وهكذا إلى أن يلزم دوام جميع المعلولات) .
قال الأبهري: (الاعتراض: أما الوجه الأول فلا نسلم أن القدم منتف، وأما الحجة التي ذكرها فقد مر ضعفها.
وأما الثاني فلا نسلم أنه لو كان موجباً بالذات للزم دوام معلولاته، وإنما يلزم ذلك أن لو كان جميع معلولاته قابلة للدوام، وهذا لأن من جملة معلولاته الحركة، وهي غير قابلة للبقاء) .
ولقائل أن يقول: اعتراض الأبهري هنا ضعيف.
أما الأول فيقال: هب أن ما ذكره على انتفاء القدم ضعيف، لكن لا يلزم من ضعف الدليل المعين انتفاء المدلول، وأنت قد بينت ضعف دليل الفلاسفة على القدم، وإذا كان القول بالموجب بالذات يستلزم قدم العالم، ولا دليل لهم عليه، كان قولهم أيضاً لا دليل عليه.
(1/392)

والأبهري قد ذكر في غير هذه الموضع ما احتج به على حدوث العالم ببيان انتفاء لازم القدم، ولكن إن كان قصده بيان فساد ما ذكره الرازي فـ الرازي ذكر وجهين.
وهب أن الأول ضعيف، لكن الثاني قوي، وهو قوله: (لو كان موجباً بالذات ما حصل تغير في العالم) .
وتحرير ذلك أن يقال: الموجب بالذات يراد به العلة التامة التي تستلزم معلولها، ولو كانت شاعرة به، ويراد ما يفعل بغير إرادة ولا شعور، وإن كان فعله متراخياً.
ومن المعلوم أنه لم يقصد إفساد القسم الثاني، وإنما قصد إفساد القسم الأول.
فيقال: إذا كان الموجب علة تامة تستلزم معلولها كان معلولها لازماً لها، ومعلول معلولها لازماً، فيمتنع تأخر شيء من لوزمها ولوازم لوازمها، فلا يكون هناك شيء محدث، فلا يحصل في العالم تغير.
وأما قول المعترض: (إنما يلزم أن لو كان جميع معلولاته قابلة للقدم، والحركة لا تقبله) .
فيقال: هذا الاعتراض باطل لوجوه: أحدها: أنه إذا جاز أن تكون العلة التامة التي تستلزم معلولها لها معلول لا يقبل البقاء، وهو الحركة، والحوادث تحدث بسببه، جاز أن يكون ذلك المعلول حوادث يقوم بها، وتكون كل الأمور المباينة موقوفة على تعاقب تلك الحوادث، كما قد ذكره الأبهري نفسه في الإرادات المتعاقبة، وقال: (يجوز أن يكون للباري إرادات حادثة، وكل واحدة منها تستند إلى الأخرى، ثم تنتهي في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث العالم، فيلزم حدوثه، وإذا كان هذا جائزاً امتنع أن يكون موجباً بذاته، بمعنى أنه يسلتزم أن يكون موجباً بذاته، بمعنى أنه يستلزم
(1/393)

موجباته، بل يجوز مع هذا أن تتأخر عنه موجباته، وعلى هذا فلا يكون العالم قديماً، وليس هذا هو الموجب بذاته في هذا الاصطلاح الذي تكلم به الرازي، وأراد به إفساد قول الفلاسفة الدهرية، فإن الموجب بذاته في هذا الاصطلاح الذي بينه وبينهم هو العلة التامة التي تستلزم معلولها.
الوجه الثاني: أن يقال: إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله، فالتغيرات التي في العالم تبطل كونه موجباً بهذا الاعتبار، وإن أردتم بالموجب بالذات ما قد تكون مفعولاته أمراً لا يلزمه، بل يحدث شيئاً بعد شيء، فحينئذ إذا وافقكم المنازعون على تسميته موجباً بالذات لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون مفعولاته تحدث شيئاً بعد شيء، ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث المتأخرة، فبطل قولكم.
الوجه الثالث: ذلك المعلول الذي لا يقبل الدوام كحركة الفلك: هل للباري موجب له بذاته بوسط أو بغير وسط، أو أيجابه له موقوف على حادث آخر؟
فإن قيل بالأول، لزم الحركات المتعاقبة، وأن تكون قابلة للدوام، وهو ممتنع.
وإن قيل بالثاني، قيل: فإيجابه لما تأخر من هذه الحركة: إما يكون موقوفا على شرط أو لا يكون، فإن يكن موقوفا على شرط، لزم تقدمه لتقدم الموجب الذي لا يقف تأثيره على شرط، وهو ممتنع.
(1/394)

وإن قيل: بل إيجابه للجزء الثاني مشروط بحدوث الجزء الأول، وهلم جرا: كان معناه أن إيجابه لكل جزء مشروط بوجود جزء آخر، وهو قبله: وهو علة تامة لشيء من تلك الأجزاء، فيجب أن لا يحصل شيء منها، لأن تلك الأجزاء متعاقبة أزلاً وأبداً، وما من وقت يفرض إلا وهو مشابه من الأوقات، فليس هو في شيء من الأوقات علة تامة لشيء من الحوادث، فيكون إحداثه لكل حادث مشروطاً بحادث لم يحدثه، والقول في ذلك الحادث الذي هو شرط كالقول في الحادث الذي هو مشروط، فإذا لم يكن محدثاً للأول فلا يكون محدثاً للثاني، فلا يكون محدثاً لشيء من الحوادث على قولهم (هو علة تامة) وهو المطلوب.
فإنه لو قال: (لو كان موجباً بذاته لما حصل في العالم شيء من التغير) وهذا يهدم قولهم، فإنهم بين أمرين: إما أن يقولوا ليس بعلة تامة لمعولاته، أو يقولوا: معلولاته مقارنة له، فأما جمعهم بين كونه علة تامة في الأزل، وبين كون المعلول يوجد شيئاً فشيئا، فجمع بين الضدين.
فإن العلة التامة: هي التي تستلزم معولولها، لا يتأخر عنها معلولها، ولا يقف اقتضاؤها على غيرها.
وهم يقولون: إنه في كل وقت ليس علة تامة لما يحدثه فيه، بل فعله مشروط بأمر متقدم، وليس هو علة تامة لذلك الشرط المتقدم، فلا يكون علة تامة، لا للمتقدم من الحوادث ولا للمتأخر، فلا بد للحوادث من مقتض آخر.
وهذا لا يرد على من يقول: (أحدث الحوادث بإرادات متعاقبة أو أفعال متعاقبة) فإنه لا يقول: هو موجب بنفسه للممكنات، ولا يقول: هو في الأزل علة تامة لها، بل بقوله: ليس بعلة أصلاً لشيء من مخلوقاته، بل فعلها بمشيئته
(1/395)

وقدرته، إذ الفعل الثاني منه مشروط بالأول، لأن الأفعال الحادثة لا تكون إلا متعاقبة، وليس هو موجباً بذاته لشيء من تلك الأفعال، ولا للمفعولات بها، ولا يلزم من ذلك لا قدم شيء من الأفعال بعينه، ولا قدم شيء من المفعولات بعينه: لا فلك ولا غيره، والحوادث جميعها التي في العالم والتغيرات يحدثها شيئاً بعد شيء، بأفعاله الحادثة شيئاً بعد شيء، فكل يوم هو في شأن.
بخلاف ما إذا قالوا: هو علة تامة مستلزمة لمعلولها، وجعلوا من المعلولات ما لا يكون إلا شيئاً فشيئاً، فإن هذا جميع بين المتنافيين، يمنزلة من قال: معلوله مقارن له، معلوله ليس مقارناً له.
وإذا قالوا: هو موجب بنفسه للفلك وأجزاء العالم الأصلية، وليس موجباً بنفسه للحوادث المتجددة، بل أيجابه لها مشروط بما يكون قبلها من الحوادث.
قيل: هذه حقيقة قولكم وحينئذ فلا يكون نفسه موجباً لشيء من الحوادث، لا الأول ولا الثاني، لا بوسط ولا بغير وسط، وهو المطلوب، فالقول بالموجب بالذات وحدوث المحدثات عنه بوسط وبغير وسط جمع بين النقيضين.
ثم هذا القول يبطل قولكم بكونه موجباً للعالم بذاته، لأنهم يقولون: إن العالم لا قيام له بدون الحركة، وإنها صورته التي لولا هي لبطل، فإذا كان إيجابه للعالم بدون الحركة ممتنعاً وإيجابه للحركة في الأزل ممتنعاً: لم يكن موجباً لا للعالم ولا للحركة، فإن المبدع المشروط بشرط يمتنع إبداعه بدون إبداع شرطه، وإبداع شرطه ممتنع على أصلهم، فإذن إبداعه ممتنع، وهذا لأنهم جعلوا الباري ليس له فعل
(1/396)

يقوم بذاته أصلاً، ولا يتجدد منه شيء، ولا فيه شيء أصلاً، وعندهم أن ما كان كذلك لا يحدث عنه شيء أصلاً.
ثم قالوا: الحوادث كلها صادرة عنه، لأن الحركة لم تزل ولا تزال صادرة عنه، وكيف تصدر حركات لم تزل ولا تزال في أمور ممكنة، عن شيء لا يحدث عنه ولا فيه شيء على أصلهم؟.
ومما يوضح هذا أن قدماء هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه كانوا يقولون: إن الأول محرك للعالم حركة الشوق، كتحريك المحبوب لمحبه، والإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي به.
وبهذا أثبتوه، وجعلوه علة للعالم، حيث قالوا: إن الفلك لا يقوم إلا بالحركة الإرادية، والحركة الإرادية لا تتم إلا بالمراد المحبوب الذي يحرك المريد حركة اشتياق، فالباري عندهم علة بهذا الاعتبار، وهو بهذا الاعتبار لم يبدع الأفلاك ولا حركاتها، لكن هو شرط في حصول حركتها.
وعلى هذا القول فقد يقال: العالم قديم واجب بنفسه، بل هم يصرحون بذلك، والأول الذي هو المحبوب واجب قديم بنفسه، كما يقول آخرون منهم: بل العالم واجب قديم بنفسه، وليس هناك علة محبوبة محركة له بالشوق خارجة عن العالم.
وإذا كان كذلك كانت الحركات حادثة في واجب بنفسه، وإذ لزمهم كون الواجب بنفسه محلاً للحوادث والحركات، لم يكن معهم ما يبطلون به كون الأول كذلك، وحينئذ فلا يكون لهم حجة على كونه موجباً بالذات، وهم يعترفون بذلك،
(1/397)

وإنما نفوا عن الأول ذلك لكونه ليس جسماً عند أرسطو وأتباعه، ولا دليل لهم على ذلك إلا كون الجسم لا يمكن أن يكون فيه حركة غير متناهية، بناء على أن الجسم متناه، فيمتنع أن يتحرك حركة غير متناهية.
هذه الحجة عمدتهم، وهي مغلطية من أفسد الحجج، فإنه فرق بين ما لا يتناهى في الزمان، بل يحدث شيئاً بعد شيء، وبين ما لا يتناهى في المقدار، والنزاع إنما هو في حركة الجسم دائماً حركة لا تتناهى، ليس هو كونه في نفسه ذا قدر لا تتناهى، فأين هذا من هذا؟ وهذا مبسوط في موضع آخر.
ويقال لهم: حدوث الحوادث عن فاعل لا يحدث فيه شيء: إما أن يكون ممكناً، وإما أن يكون ممتنعاً، فإن كان ممكناً أمكن حدوث الحوادث جميعها عن الأول بدون حدوث شيء، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام وغيرهم من المعتزلة والكلابية وغيرهم، وإن كان ممتنعاً بطل قولهم بحدوث الحوادث الدائمة عنه مع أنه لم يحدث فيه شيء، وهذا أفسد.
وإذا قالوا: أولئك خصصوا بعض الأوقات بالحدوث بدون سبب حادث من الفاعل.
قيل: وأنتم جعلتم جميع الحوادث تحصل بدون سبب حادث من الفاعل.
وإذا قلتم لهم: كيف يحدث بعد أن لم يكن محدثاً بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة؟
قالوا لكم: فكيف تحدث الحوادث دائماً بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة؟ بل بدون وجود ذلك؟ وأنتم تقولون: يحدث للفلك تصورات وإرادات،
(1/398)

وهي سبب الحركات المتعاقبة، فما السبب الموجب لحدوث تلك الحوادث، ولم يحدث شيء أصلاً يوجب حدوثها؟.
ولو قال قائل: الإنسان دائماً يتجدد له تصورات وإرادات وحركات بدون سبب حادث، ولا يحدثها محدث أصلاً، ألم يكن ذلك ممتنعاً؟.
فإن قيل: بإحداثه للأول استعان على إحداث الثاني.
قيل: فما الموجب لإحداثه الأول، وهو لم يزل في إحداث إذا قدر أزلياً لم يكن هناك أول، بل لم يزل في إحداث.
فإن قيل تلك الحوادث التي للإنسان صدرت عن العقل الفعال بدون سبب حادث.
قيل: فالعقل الفعال دائم الفيض عندهم، فلم خص هذه التصورات والإرادت والحركات بوقت دون وقت؟.
قالوا: لعدم استعداد القوابل، فإذا استعد الإنسان للفيض أفاض عليه واهب الصور.
فإذا قيل لهم: فما الموجب لحدوث الاستعداد؟
قالوا: ما يحدث من الحركات الفلكية والامتزاجات العنصرية، فلا يجعلون العقل الفعال هو الموجب لما يحدث من الاستعداد، بل يحيلون ذلك على تحركيات خارجة عنه وعن إفاضته.
فإن قالوا مثل هذا في الأول، لزم أن يكون المحدث لشروط الفيض غيره، وشبهوه بالفعال في كونه لا يفيض عنه إلا بعض الأشياء دون بعض، لكن الفعال
(1/399)

تحدث عنه الأشياء شيئا بعد شيء عندهم، أما الأول فلا يحدث عنه شيء، بل معلوله لازم له، فهو أنقص رتبة في الإحداث عندهم من الفعال.
وإن قالوا: بل هو المحدث للشروط شيئاً فشيئاً.
قيل: أنتم قلتم في الفعال: (إنه دائم الفيض، لا يخص من تلقاء نفسه وقتاً دون وقت بفيض) فالأول إذا خص وقتاً دون وقت من تلقاء نفسه بشيء لم يكن فياضاً بل كان الفياض أجود منه، وإن كان التخصيص من غير تلقاء نفسه كان ذلك لمشارك له في الفعل، كما في الفياض.
فهم بين أمرين: إما أن يجعلوه عاجزاً عن الانفراد بالإحداث كالفعال، بل أدنى منه، وإما أن يجعلوه بخيلاً لا فياضاً، فيكون الفعال أجود منه.
وأيضاً فإذا قالوا: إنه علة تامة وموجب تام لمعلوله وموجبه، وفاعل تام في الأزل لمفعوله، فجعلوا ما سواه معلوله ومفعوله وموجبه، وإن كان ذلك بوسط، كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول، فإن الموجب التام والعلة التامة والتكوين التام إما أن يقول القائل: يجوز تراخي المكون عنه، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام، وإما أن يقول: هو مستلزم به.
فإن قيل بالأول أمكن تراخي المفعولات كلها، وبطل قولهم بوجوب قدم شيء من العالم، بل يمتنع قدم شيء من العالم لامتناع مقارنة الكون للمكون.
وإن قيل بالثاني فلا يخلو: إما أن يقال: يجب اقتران مفعوله به في الزمان، بحيث يكون معه، لا يكون عقب تكوينه.
وإما أن يقال: بل كون الكائن إنما يكون عقب تكوين المكون.
(1/400)

فإن قالوا بالأول كما يدعونه لزمهم أن لا يحدث في العالم شيء، وهو خلاف الحس والمشاهدة.
وإن قالوا بالثاني، لزم أن يكون كل معلول له مسبوقاً بغيره زمانياً، فلا يكون شيء من العالم قديماً أزلياً معه، وهو المطلوب.
وإذ كان أقتران المفعول بفاعله في الزمان ممتنعاً على تقدير دعوى استلزامه له، فاقترانه به على تقدير عدم وجوب الاستلزام أولى.
فتبين أن يمتنع قدم شيء من العالم على كل تقدير.
وهذا بين لم تصوره تصوراً تاماً.
ولكن وقع اللبس والضلال في هذا الباب من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من أهل الكلام، لما ادعوا ما يمتنع في صريح العقل عند هؤلاء - من كون المؤثر التام يتأخر عنه أثره، والحوادث تحدث بسبب حادث - فر هؤلاء إلى أن جعلوا المؤثر يقترن به أثره، ولا يحدث حادث إلا بسبب حادث، ولم يحققوا واحداً من الأمرين، بل كان قولهم اشد فساداً وتناقضاً من قول أولئك المتكلمين.
فإن كون المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان:
أحدهما: أن يكون الأثر المكون المفعول المصنوع مقرناً للمؤثر ولتأثيره في الزمن، بحيث لا يتأخر عنه تأخراً زمانياً بوجه من الوجوه، وهذا مما يعرف جمهور العقلاء بصريح العقل أنه باطل في كل شيء، فليس معهم في العالم مؤثر تام يكون زمنه زمن أثره، ويكون زمن حصول الأثر المفعول زمن حصول التأثير، بل إنما يعقل التأثير أن يكون الأثر عقب المؤثر، وإن كان متصلاً به، كأجزاء الزمان والحركة الحادثة شيئاً بعد شيء، وإن كان ذلك متصلاً.
(1/401)

أما كون الجزء الثاني من الزمان والحركة مقارناً للجزء الأول في الزمن، فهذا مما يعلم فساده بصريح العقل.
وهذا معلوم في جميع المؤثرات الطبيعية والإرادية، وما صار مؤثراً بالشرع وغير الشرع.
فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، ولعبده، أنت حر، فالطلاق والعتاق لا يقع مع التكلم بالتطليق والإعتاق، وإنما يقع عقب ذلك.
وإذا قال: إذا طلقت فلانة ففلانة طالق، لم تطلق الثانية إلا عقب طلاق الأولى، لا مع تطليق الأولى في الزمان، وهذا الذي عليه عامة العلماء قديماً وحديثاً، ولكن شرذمة من المتأخرين، الذين استزل هؤلاء عقولهم، ظنوا أن الطلاق يكون مع التكلم في الزمان، وهذا غلط عند عامة العلماء.
وكذلك إذا قال: إذا مت فأنت حر، فالمدبر يعتق عقب موت سيده، لا مع موت سيده.
وهكذا في الأمور الحسية، إذا قال: (كسرت الإناء فانكسر) ، و (قطعت الحبل فانقطع) ، فانكسار المنفعل وانقطاعه يحصل عقب كسر الكاسر وقطع القاطع، ولهذا إذا لم يكن المحل قابلا قيل: (قطعته فلم ينقطع، وكسرته فلم نكسر) كما يقال: علمته فلم يتعلم.
ولفظ (التعليم، والقطع، والكسر) ونحو ذلك يراد به الفعل التام الذي يستلزم أثره، فهذا كالعلة التامة التي تستلزم معلولها لا تقبل التخصيص، ويراد به المقتضي الموجب المتوقف اقتضاؤه على شروط، فهذا قد يتخلف عنه موجبه.
(1/402)

ومن هذا الباب قوله تعالى: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ، وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] ، وقوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] ، فالمراد به الهدى التام المستلزم لحصول الاهتداء، وهو المطلوب في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} .
وكذلك الإنذار التام المستلزم خشية المنذر وحذره مما أنذر به من العذاب، وهذا بخلاف قوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} (فصلت: 17) ، فالمراد به البيان والإرشاد المقتضى للاهتداء، وإن كان موقوفاً على شروط وله موانع.
وهكذا إذا قيل: هو موجب بذاته، أو علة بذاتة، ونحو ذلك،: إن أريد بذلك أنه موجب ما يوجبه من مفعولاته بمشيئته وقدرته، في الوقت الذي شاء كونه فيه، فهذا حق، لا منافاة بين كونه موجباً وفاعلاً بالاختيار على هذا التفسير.
وإن أريد به أنه موجب بذات عرية عن الصفات، أو موجب تام لمعلول مقارن له - وهذا قول هؤلاء - وكل من الأمرين باطل.
فقد قامت الدلائل القينية على اتصافه بصفات الإثبات، وقامت الدلائل اليقينية على امتناع كون الأثر مقارناً للمؤثر وتأثيره في الزمان، ولو كان فاعلاً بدون مشيئته وقدرته كالمؤثرات الطبيعية، فكيف في الفاعل بمشيئته وقدرته؟ فإن هذا مما يظهر للعقلاء امتناع أن يكون شيء من مقدوراته قديماً أزلياً لم يزل ولا يزال.
فمن تصور هذه الأمور تصوراً تاماً، علم بالاضطرار أنه يمتنع أن يكون في العالم شيئ قديم، وهو المطلوب.
(1/403)

فإن قال قائل: المنازعون لنا الذين يقولون: لم يزل متكلماً إذا شاء، أو لم يزل فاعلاً إذا شاء، أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئاً بعد شيء، ونحو ذلك، وهم يقولون بحدوث الحوادث في ذاته شيئاً بعد شيء، فنحن نقول بحدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئاً بعد شيء: إما حدوث تصورات وإرادات في النفس الفلكية، وإما حصول حركات الفلك المتعاقبة، فلم كان قولنا ممتنعاً وقولهم ممكناً؟.
قيل لهم: أنتم قلتم: إنه مؤثر تام، أو علة تامة في الأزل، فلزمكم أن لا يتأخروا عنه شيء من آثاره، سواء كانت صادرة بوسط أو بغير وسط.
فإذا قلتم: صدر عنه عقل - مثلا - والعقل أوجب نفساً فلكية وفلكاً، أو ما قلتم.
قيل لكم: المعلول الأول إن كان تاماً من كل وجه لا يمكن أن يحدث فيه شيء - فهو أزلي - كان معلوله العقل معه أزلياً، فإن العقل حينئذ يكون علة تامة في الأزل، فيلزم أن يكون معلوله معه أزلياً، وهكذا معلول المعلول، هلم جراً.
وإذا قلتم: الحركة لا تقبل البقاء.
قيل لكم: فيمتنع أن يكون لها موجب تام في الأزل، بل يكون الموجب لها غير تام في الأزل، بل صار موجباً، وحدوثه كونه موجباً يمتنع أن يتوقف على أثر غيره، إذ ليس هناك موجب غيره.
ويمتنع أن يحدث تمام
(1/404)

إيجابه منه، لأنه علة تامة يجب اقتران معلولها بها في الأزل، فذلك التمام: إن كان قديماً لزم كون معلول المعلول قديماً، وهلم جراً، وإن كان حادثاً حدث عن العلة التامة الأزلية حادث بدون سبب حادث، وهذا ينقض قولهم بامتناع حادث بلا سبب.
فأنتم بين أمرين، أيهما قلتموه بطل قولكم: إن قلتم (أنه علة تامة في الأزل) ، لزم أن لا يتأخر عنه معلوله.
وإن قلتم (ليس بعلة تامة) لزم أن يحدث تمام كونه علة بدون سبب حادث، فيلزمكم جواز حدوث الحوادث بلا سبب.
وأيهما كان بطل قولكم، فإنه إذا بطل كونه علة تامة في الأزل امتنع قدم شيء من العالم، وإن جاز حدوث الحوادث بلا سبب حادث بطلت حجتكم، وجاز حدوث كل ما سواه.
وإذا قلتم: هو علة تامة للفلك دون حركاته.
قيل لكم: هو علة للفلك ولحركاته المتعاقبة شيئاً بعد شيء، فهل كان علة تامة لهذه الحركات في الأزل، أم حدث تمام كونه علة لها شيئاً بعد شيء؟.
فإن قلتم: هو علة تامة في الأزل، لزمكم إما مقارنتها كلها له في الأزل، وإما تخلف المعلول عن علته التامة، وكلاهما يبطل قولكم.
وإن قلتم: حدث تمام كونه علة لحركة حركةً منها.
قيل لكم: فحدوث التمام قد حدث عندكم بدون سبب حادث، وذلك يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب، وهذا أمر بين لمن تصوره تصوراً تاماً، ليس لهم حيلة في دفعه.
(1/405)

وأما الذين يقولون: (إنه لم يزل متكلماً إذا شاء، أو فاعلاً بمشيئته، وإنه يقوم به إرادة أو كلمات متعاقبة شيئاً بعد شيء) فهؤلاء لا يجعلونه في الأزل قط علة تامة، ولا موجباً تاماً، ولا يقولون: إن فاعلية شيء من المفعولات يتم في الأزل.
بل عندهم كون الشيء مفعولاً ومصنوعاً مع كونه أزلياً جمع بين النقيضين، وإذا امتنع كون المفعول الذي هو أثر المكون أزلياً، امتنع كون تأثيره وتكوينه المستلزم له قديماً أزلياً، فأمتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء من الأشياء.
ولكن ذاته تستلزم بما يقوم بها من الأفعال شيئاً بعد شيء، وكلما تم فاعلية مفعول وجد ذلك المفعول وجد ذلك المفعول، كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) ، فكلما كون الشيء كونه فحصل المكون عقب تكوينه، وهكذا الأمر دائماً، فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وتمام تكوينه وتخليقه لم يكن موجوداً في الأزل، بل إنما تم تخليقه وتكوينه بعدئذ، وعند تمام التكوين والتخليق حصل المكون المخلوق عقب التكوين والتخليق، لا مع ذلك في الزمان، فأين هذا القول من قولكم؟ ‍!.
(1/406)