Advertisement

درء تعارض العقل والنقل 002

دلالة السمع على أفعال الله تعالى
ونحن ننبه عى دلالة السمع على أفعال اله تعالى الذي به تنقطع الفلاسفة الدهرية، ويتبين به مطابقة العقل للشرع.
ولا ريب أن دلالة ظاهر السمع ليس فيها نزاع، لكن الذين يخالفون دلالته يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة، والدلالة العقلية القاطعة خالفتها، فأصل الدلالة متفق عليه، فنقول:
معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية القائمة به، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك.
بل والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالإفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعدياً إلى مفعول أو لم يكن.
والفاعل لا بد له من فعل، سواء كان فعله مقتصراً عليه أم متعدياً إلى
(2/3)

غيره.
والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل.
وهذا معلوم سمعاً وعقلاً.
أما السمع فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات، متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) وقال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول، فكما أنه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ففي الجملة المتعدية معنا أيضاً فعل وفاعل وزيادة مفعول به.
ولو قال قائل: الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل، كما في الجملة الأولى، بل الفعل الذي هو (أكل) و (شرب) نصب المفعول - من غير تعلق بالفاعل أولاً - لكان كلامه معلوم الفساد، بل يقال: هذا الفعل تعلق بالفاعل أولاً، كتعلق (قام وقعد) ، ثم تعدى إلى المفعول، ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي، وهذا واضح لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان.
(2/4)

فقوله تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} (الحديد: 4) تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: {ثم استوى} - فعلاً متعلقاً بالفاعل، فقوله (خلق) كذلك بلا نزاع بين أهل العربية.
ولو قال قائل: (خلق) لم يتعلق بالفاعل، بل نصب المفعول به ابتداء، لكان جاهلاً، بل في (خلق) ضمير يعود إلى الفاعل كما في (استوى) .
وأما من جهة العقل: فمن جوز ان يقوم بذات الله تعالى فعل لازم به، كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء.
كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير، كالعلم والقدرة والسمع والبصر، ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر، بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال اللازمة.
كالمجيء والإتيان.
وأما العكس فما علمت به قائلاً.
وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعاً لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه سبب الحدوث، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفاً بأنه يتكلم بما يشاء.
فعال لما يشاء.
وهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث.
ونقلوه عن السلف والأئمة، وهو قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين، بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة.
(2/5)

وعلى هذا فيزول الإشكال ويكون إثبات خلق السماوات والأرض إنما يتم بما جاء به الشرع، ولا يمكن القول بحدوث العالم على أصل نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل قد دل على نفيها، ويقدمون هذا الذي هو عندهم دليل عقلي على ما جاء به الكتاب والسنة، والعقل عند التحقيق يبطل هذا القول ويوافق الشرع، فإنه إذا تبين أن القول بنفيها يمتنع معه القول بحدوث شيء من الحوادث: لا العالم ولا غيره، والحوادث مشهودة، كان العقل قد دل على صحة ما جاء به الشرع في ذلك، والله سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص فالخالق أحق به، وكل نقص نزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه، والفعل صفة كمال لا صفة نقص، كالكلام والقدرة، وعدم الفعل صفة نقص، كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع، وهو المطلوب.
وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها.
ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشهري وغيرهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله.
(2/6)

وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين، ورجح قول ابن كلاب، وذكر ذلك في قول الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105] وأمثال ذلك، وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين، وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم، كـ حرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة كـ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد ين منصور.
وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة، فكل حي متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم.
(2/7)

وطائفة أخرى من السلفية كـ نعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وأبي بكر بن خزيمة، وغيرهم كـ أبي عمر بن عبد البر وأمثاله: يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمون ذلك فعلاً ونحوه، ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة لكونه غير مأثور.
وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء، كـ أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما، ومنهم من يوافق الأولين، كـ أبي عبد الله بن حامد وأمثاله، ومنهم طائفة ثالثة - كالتميميين وابن الزاغوني غيرهم - يوافقون النفاة من أصحاب ابن كلاب وأمثالهم.
ولما كان الإثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث كـ البخاري
(2/8)

وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته: من أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة.
وكان له أصحاب كـ أبي علي الثقفي وغيره تلقوا طريقة ابن كلاب، فقام بعض المعتزلة وألقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء، وهو أن الله لا يوصف بأنه يقدر على الكلام إذا شاء، ولا يتعلق ذلك بمشيئته، فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم في ذلك نزاع، حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه، وأمر ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له، وصار الناس حزبين، فالجمهور من أهل السنة وأهل الحديث معه، ومن وافق طريقة ابن كلاب معه، حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين، فـ الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن
(2/9)

السلمي وأبو عثمان النيسابوري وغيرهم معه وكذلك يحيى بن عمار السجستاني وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهم معه، وأما أبو ذر الهروي وأبو بكر البيهقي وطائفة أخرى فهم مع ابن كلاب.
وكذلك النزاع كان بين طوائف الفقهاء والصوفية والمفسرين وأهل الكلام والفلسفة وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة (حلول الحوادث) وكانت المعتزلة تقول: إن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود، ومقصودهم نفي الصفات ونفي الأفعال، ونفي
(2/10)

مباينته للخلق وعلوه على العرش، وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبادات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب، فإنهم إذا قالوا (إن الله منزه عن الأعراض) لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر، لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام، ولا ريب أن الله منزه عن ذلك، ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضاً.
وكذلك إذا قالوا: (إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات) أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنىصحيح، ومقصودهم: أنه ليس مبايناً للخلق ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب إلى شيء، ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره، ونحو ذلك من معاني الجهمية.
وإذا قالوا: (إنه ليس بجسم) أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى ولا يتكلم بنفسه، ولا يقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق، وأمثال ذلك.
(2/11)

وإذا قالوا: (لا تحله الحوادث) أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك.
وابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا وخالفوهم في إثبات الصفات، وكان ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات، وكان ابن كلاب وأتباعه يقولون: إن العلو على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل، وأما استواؤه على العرش فهو من الصفات السمعية الخبرية التي لا تعلم إلا بالخبر، وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة، وثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش، بخلاف أتباع صاحب الإرشاد فإنهم سلكوا طريقة المعتزلة فلم يثبتوا الصفات إلا بالعقل، وكان الأشعري وأئمة أصحابه
(2/12)

يقولون: إنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع، فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين والعقل عاضد له معاون.
فصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من أهل الكلام المعتزلة ونحوهم فيقولون: إن الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف، وإنما يعتمد في ذلك عندهم على عقلهم، ثم ما لم يثبته إما أن ينفوه وإما أن يقفوا فيه.
ومن هنا طمع فيهم المعتزلة، وطمعت الفلاسفة في الطائفتين، بإعراض قلوبهم عما جاء به الرسول وعن طلب الهدى من جهته، وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة، ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ماء جاء به الشرع مطلقاً، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: (إنه لا يرجح إلى السمع في الصفات) ولا يقولون: (الأدلة السمعية لا تفيد اليقين) بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم، وذلك لأن الأشعري صرح بأن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ليس موقوفاً على دليل الأعراض، وأن الاستدلال به على حدوث العالم من البدع المحرمة في دين الرسل، وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي الأفعال القائمة به قد يقول: إن هذا
(2/13)

الدليل دليل الأعراض صحيح، لكن الاستدلال به بدعة، ولا حاجة إليه، فهؤلاء لا يقولون: إن دلالة السمع موقوفة عليه، لكن المعتزلة القائلون بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات، بل ولا الأفعال، وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة، وإن وافق العقل، فكيف إذا خالفه؟
وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب الإرشاد وأتباعه، وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة، تارة يصرحون بأنا وإن علمنا مراد الرسول فليس قوله مما يجوز أن يحتج به في مسائل الصفات، لأن قوله إنما يدل بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات، وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية، وتارة يطعنون في الأخبار.
فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة: أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حتى يقولون: إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها، وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد، ولهم من جنس هذا
(2/14)

الكلام الذي يوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع، ويخالفون به الكتاب والسنة والإجماع، مما ليس هذا موضع بسطه، وإنما نبهنا على أصول دينهم وحقائق أقوالهم، وغايتهم أنهم يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة: المعقول والكلام، وكلامهم فيه من التناقض والفساد ما ضارعوا به أهل الإلحاد، فهم من جنس الرافضة: لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئاً من الكتاب والسنة، حتى في المسائل العملية والقضايا الفقهية.
(2/15)

ومع ذلك فهم لا يحتاجون من العقليات في أصول الدين إلى ما يحتاج إليه المعتزلة، فإن المعتزلة يزعمون أن النبوة لا تتم إلا بقولهم في التوحيد والعدل، فيجعلون التكذيب بالقدر من أصولهم العقلية، وكذلك نفي الصفات.
وأما هؤلاء فالمشهور عندهم أنه إذا رؤيت المعجزة المعتبرة علم بالضرورة أنه تصديق للرسول، وإثبات الصانع أيضاً معلوم بالضرورة أو بمقدمات ضرورية، فالعقليات التي يعلم بها صحة السمع مقدمات قليلة ضرورية، بخلاف المعتزلة فإنهم طولوا المقدمات وجعلوها نظرية، فهم خير من المعتزلة في أصول الدين من وجوه كثيرة، وإن كان المعتزلة خيراً منهم من بعض الوجوه.
وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها، كـ الإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطاً بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم، بمنزلة ابن عقيل عند متأخريهم، لكن الأشعري وأئمة أصحابه أتبع لأصول الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة من مثل ابن عقيل في كثير من أحواله، وممن اتبع ابن عقيل كـ أبي الفرج ابن الجوزي في كثير من كتبه، وكان القدماء من أصحاب أحمد كـ أبي بكر عبد العزيز وأبي الحسن التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق ذكر الموافق للسنة في الجملة، ويذكرون ماذكره من تناقض المعتزلة، وكان بين التميميين
(2/16)

وبين القاضي أبي بكر وأمثاله من الأئتلاف والتواصل ما هو معروف، وكان القاضي أبو بكر يكتب أحياناً في أجوبته في المسائل محمد بن الطيب الحنبلي ويكتب أيضاً الأشعري، ولهذا توجد أقوال التميميين مقاربة لأقواله وأقوال أمثاله المتبعين لطريقة ابن كلاب، وعلى العقيدة التي صفنها أبو الفضل التميمي اعتمد أبو بكر البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما أراد أن يذكر عقيدته، وهذا بخلاف أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأبي عبد الله بن حامد وأمثالهم، فإنهم مخالفون لأصل قول الكلابية.
والأشعري وأئمة أصحابه، كـ أبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي والقاضي أبي بكر.
متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليد، وإبطال تأويلها، وليس له في ذلك قولان أصلاً، ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين أصلاً، بل جميع من يحكي المقالات من أتباعه وغيرهم يذكر أن ذلك قوله، ولكن لأتباعه في ذلك قولان.
(2/17)

وأول من اشتهر عنه نفيها أبو المعالي الجويني، فإنه نفى الصفات الخبرية، وله في تأويلها، ففي الإرشاد أولها، ثم إنه في (الرسالة النظامية) رجع عن ذلك، وحرم التأويل.
وبين إجماع السلف على تحريم التأويل.
واستدل بإجماعهم على أن التأويل محرم، ليس بواجب ولا جائز، فصار من سلك طريقته ينفي الصفات الخبرية، ولهم في التأويل قولان، وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإنهم مثبتون لها، يردون على من ينفيها أو يقف فيها، فضلاً عمن يتأولها.

أقوال السلف في الأفعال الاختيارية بالله تعالى
وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم، وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم.
وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافعي عن أصحاب أحمد في معنى أن القرآن غير مخلوق قولين مبنيين على هذا الأصل:
أحدهما: أنه قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته
والثاني: أنه لم يزل متكلماً إذا شاء.
وكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد قولين، وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته - كقول ابن كلاب -
(2/18)

أبو الحسن التميمي وأتباعه والقاضي أبو يعلى وأتباعه كـ ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم، وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذه تارة وهذا تارة.
وممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز وأبو عبد الله بن بطة وأبو عبد الله بن منده، وأبو نصر السجزي ويحيى بن عمار السجستاني وأبو إسماعيل الأنصاري وأمثالهم.
والنزاع في هذا الأصل بين أصحاب مالك وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب أبي حنيفة، وبين أهل الظاهر أيضاً، فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على إثبات ذلك، وأبو محمد بن حزم على المبالغة في إنكار ذلك، وكذلك أهل الكلام، فالهشامية والكرامية على إثبات ذلك، والمعتزلة على نفي ذلك، وقد ذكر الأشعري في المقالات عن أبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهما إثبات
(2/19)

ذلك، وكذلك المتفلسفة، فحكوا عن أساطينهم - الذين كانوا قبل أرسطو أنهم كانوا يثبتون ذلك، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر وغيره من متأخريهم، وأما أرسطو وأتباعه - كالفارابي وابن سينا - فينفون ذلك، وقد ذكر أبو عبد الله الرازي عن بعضهم أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وإن أنكروه، وقرر ذلك.
وكلام السلف والأئمة ومن نقل مذهبهم في هذا الأصل كثير يوجد في كتب التفسير والأصول.
قال إسحاق بن راهويه: حدثنا بشر بن عمر: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرحمن على العرش استوى: أي ارتفع.
وقال البخاري في صحيحه: (قال أبو العالية استوى إلى السماء: ارتفع) ، قال: (وقال مجاهد: استوى: علا على العرش) .
(2/20)

وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: (وقال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: (استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء) وكذلك قال الخليل بن أحمد.
وروى البيهقي في كتاب الصفات قال: (قال الفراء: ثم استوى أي صعد، قاله ابن عباس، وهو كقولك للرجل: كان قاعداً فاستوى قائماً) .
وروى الشافعي في مسنده عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش» .
والتفاسير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم، وتفسير أبي بكر
(2/21)

بن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز، وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني، وتفسير أبي بكر بن مردويه، وما قبل هؤلاء التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد وغيرهم، ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد وتفسير سنيد وتفسير عبد الرازق، ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين مالا يكاد يحصى، وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة التابعين.
وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما، وذكر معها من الآثار عن النبي صلى الله عيه وسلم والصحابة وغيرهم ما ذكر، وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات، قال في آخره في الجامع: (باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن
(2/22)

جالسنا وأخذنا عنهم العلم) وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك - إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب، ويرحم ويغفو ويغفر ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير) - إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلماً عالماً، فتبارك الله أحسن الخالقين) .
وقال الفقيه الحافظ أبو بكر الأثرم في كتاب السنة، وقد نقله عنه الخلال في السنة: (حدثنا إبراهيم بن الحارث - يعني العبادي - حدثني الليث بن يحيى، سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر - هو صاحب الفضيل - سمعت الفضيل بن عياض: يقول: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف، لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا
(2/23)

أحد} (الإخلاص) فلا صفة أبلغ مما وصف الله عز وجل به نفسه، وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم أن كيف وكيف وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء) .
وقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل بن عياض البخاري في كتاب خلق الأفعال، هو وغيره من أئمة السنة، وتلقوه بالقبول.
وقال البخاري: (وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي (أنا كافر برب يزول عن مكانه) فقل: (أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء) .
قال البخاري: (وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي) .

كلام الخلال في كتاب السنة
وقال الخلال في كتاب السنة: (أخبرني جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا أحمد ابن محمد المقدمي، حدثنا سلميان بن حرب،
(2/24)

قال: سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء «ينزل الله إلى السماء الدنيا» يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء) .

قول الأشعري في كتابه المقالات
وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات، لما ذكر مقالة أهل السنة وأهل الحديث فقال: (ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟» كما جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (النساء: 59) ، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يحدثوا في دينهم ما لم يأذن الله، ويقرون بأن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (الفجر: 22) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق: 16) .
(2/25)

قال الأشعري: (وبكل ما ذكرنا من أقوالهم نقول، وإليه نذهب) .

أقوال أهل السنة: لـ أبي عثمان الصابوني في رسالته
وقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة عنه في السنة، وقد ذكر أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة في بيان المحجة له، قال: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف؟، بل يثبتون له ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى، وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة، وقوله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (الفجر: 22) .
وقال: (سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم
(2/26)

وحضره إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - فسئل عن حديث النزول، صحيح هو؟ قال: نعم، قال، فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] فقال له الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير ‍‍ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ .
وروى بإسناد عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا» كيف ينزل؟ قال: قلت: إعز الله الأمير؟ لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.
وبإسناد عن عبد الله بن المبارك: أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف، ليلة النصف؟ ينزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء) .
وقال أبو عثمان الصابوني: (فلما صح خبر النزول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ماقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبهاً له بنزول خلقه، وعلموا وعرفوا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الرب تبارك وتعالى
(2/27)

لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علواً كبيراً، ولعنهم لعناً كثيراً) .

قول البيهقي في كتابه الأسماء والصفات
وروى الحافظ ابو بكر البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (حدثنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا زكريا العنبري، سمعت أبا العباس - يعني السراج - سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: دخلت يوماً على طاهر بن عبد الله بن طاهر، وعنده منصور بن طلحة، فقال لي: يا أبا يعقوب، إن الله ينزل كل ليلة؟ فقلت له: نؤمن به، فقال له طاهر: ألم أنهك عن هذا الشيخ؟ ما دعاك إلى أن تسأله عن مثل هذا؟ قال إسحاق: فقلت له: إذا أنت لم تؤمن أن لك رباً يفعل ما يشاء تحتاج أن تسألني) .
قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانىء، سمعت أحمد بن سلمة يقول، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: جمعني وهذا المبتدع - يعني إبراهيم
(2/28)

بن أبي صالح - مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول، فسردتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم) .
قال: (هذا معنى الحكاية) .
وروى أبو إسماعيل الأنصاري بإسناده عن حرب الكرماني، قال: (قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى، كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} (الأنبياء: 23) ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله تعالى بصفاته وأفعاله - يعني كما نتوهم فيهم - وإنما يجوز النظر والتفكر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يسأل: كيف نزوله؟ لأن الخالق يصنع ما يشاء كما يشاء.
وعن حرب قال: قال إسحاق بن إبراهيم: ليس في النزول وصف) .

قول الخلال في كتاب السنة
وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة (أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم عز وجل ويكلمونه ويكلمهم؟ قال: نعم، ينظر وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه، كيف شاء وإذا شاء) .
قال: (وأخبرني عبد الله بن حنبل، قال: أخبرني أبي حنبل بن
(2/29)

إسحاق، قال: قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد، فصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه {لا تدركه الأبصار} بحد ولا غاية {وهو يدرك الأبصار} (الأنعام: 103) هو عالم الغيب والشهادة، وعلام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه، وليس من الله من شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى: 11) وكان الله قبل أن يكون شيء، والله هو الأول وهو الآخر، ولا يبلغ أحد حد صفاته.
قال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا» ، و «إن الله يرى» و «إن الله يضع قدمه» وما أشبه
(2/30)

هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى - أي لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل، فنقول: معناها كذا - ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.
وقال حنبل في موضع آخر.
عن أحمد.
قال: (ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء.
فنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه) .
قال: (فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته.
وصفاته منه وله، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك.
ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول، وخلوه بعبده يوم القيامة، ووضعه كتفه عليه - هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه: سميع، بصير، لم يزل متكلماً عالماً غفوراً، عالم الغيب والشهادة، علام
(2/31)

الغيوب.
فهذه صفات وصف الله بها نفسه، لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد، كما قال تعالى: {ثم استوى على العرش} (الأعراف: 45) كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطالة له، ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه، {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} (مريم: 42) فنثبت أن الله سميع بصير، صفاته منه، لا نتعدى القرآن والحديث، والخبر بضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد، تعالى الله عما تقوله الجهمية والمشبهة.
قلت له: والمشبهة ما يقولون؟ قال: من قال بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محمدود، والكلام في هذا لا أحبه.
وقال محمد بن مخلد: قال أحمد: نحن نصف الله بما وصف نفسه، وبما وصفه به رسوله.
(2/32)

وقال يوسف بن موسى: إن أبا عبد الله قيل له: ولا يشبه ربنا شيئاً من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه؟ قال: نعم، ليس كمثله شيء) .
فقول أحمد: (إنه ينظر إليهم ويكلمهم كيف شاء وإذا شاء) وقوله: (هو على العرش كيف شاء وكما شاء) وقوله: (هو على العرش بلا حد كما قال: {ثم استوى على العرش} كيف شاء، المشيئة إليه، والاستطاعة له، ليس كمثله شيء) .
قلت: وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه سميع بصير شيء يبين أن نظره وتكليمه وعلوه على العرش واستواءه على العرش مما يتعلق بمشيئته واستطاعته.
وقوله: (بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد) نفى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفون على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه، ليبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: (الحمد الله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه) ولهذا قال أحمد: (لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية) فنفى أن يدرك له حد أو غاية، وهذا أصح
(2/33)

القولين في تفسير الإدراك، وقد بسط الكلام على شرح هذا الكلام في غير هذا الموضع.
وما في الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة، كما ذكره الخلال أيضاً، قال: (حدثنا أبو بكر المروزي، قال: سمعت أبا عبد الله - لما قيل له: روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك، أنه قيل له: كيف نعرف الله عز وجل؟ قال: على العرش بحد - قال: قد بلغني ذلك عنه، وأعجبه، ثم قال أبو عبد الله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} (البقرة: 210) ثم قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (الفجر: 22) .
قال الخلال: وأنبأنا محمد بن علي الوراق، حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثني محمد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك - وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ - قال: في السماء السابعة على عرشه بحد، فقال أحمد: هكذا هو عندنا.
وأخبرني حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق - يعني ابن راهويه -: هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد.
وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد.
قال: وأخبرنا المروزي قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله تبارك وتعالى: {الرحمن على العرش استوى} (طه: 5)
(2/34)

إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السماوات السبع وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علماً، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره) .
فهذا مثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزير بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته.

قول عبد العزيز الماجشون
وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف، وقد ذكره ابن بطة في الإبانة، وأبو عمر الطلمنكي في كتابه في الأصول، ورواه أبو بكر الأثرم، قال:
(2/35)

(حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: (أما بعد، فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت فيه الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن معرفة قدره) - إلى أن قال: (بأنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعلم من يموت ويبلى قدر من لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حداً أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟ الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته: عجزها عن تحقيق صفة ما لم يسصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف منها قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟ أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟ ـ وذكر كلاما طويلا، إلى أن قال ـ: فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل - بزعمه - على جحد ما وصف
(2/36)

الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمى عن البين بالخفي، يجحد ما سمى الرب من نفسه، بصمت الرب عما لم يسم، فلم يزل يملي له الشيطان، حتى جحد قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} {إلى ربها ناظرة} (القيامة: 22 -23) فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد - والله - أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون) وذكر كلاماً طويلاً كتب في غير هذا الموضع.

قول آخر لالخلال في السنة
قول آخر لالخلال في السنة
وقال الخلال في السنة: (أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (من زعم أن الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله، وكذب القرآن، ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، يستتاب من هذه المقالة، فإن تاب وإلا ضربت عنقه) .
قال: (وسمعت أبا عبد الله قال: {وكلم الله موسى} (النساء: 164) فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال تعالى يؤكد كلامه: {تكليما} (النساء: 164) .
قلت لأبي عبد الله: (الله عز وجل يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله عز وجل؟ يكلم عبده ويسأله، الله
(2/37)

متكلم، لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم، وليس به عدل ولا مثل، كيف شاء، وأنى شاء) .
قال الخلال: (أخبرنا محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بختان حدثهم، أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت؟ فقال: بلى، تكلم بصوب، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها، لكل حديث وجه، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر.
حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً، حتى إذا فزغ عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا) .
قال الخلال: (وأنبأنا أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله
(2/38)

- وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام - فتبسم أبو عبد الله وقال (ما أحسن ما قال! عافاه الله!) .
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بلى، تكلم تبارك وتعالى بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وحديث ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان) قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر، إنما نروي هذه الأحاديث كما جاءت) .
(2/39)

قلت: وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد، بل ذلك صوته كما هو معلوم لعامة الناس، وقد نص على ذلك الأئمة: أحمد وغيره، فالكلام المسموع منه هو كلام الله، لا كلام غيره، كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} (التوبة: 6) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي» رواه أبو داود وغيره.
وقال صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم» ، وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» .
ذكر الخلال عن إسحاق بن إبراهيم قال لي أبو عبد الله يوماً - وكنت
(2/40)

سألته عنه: تدري ما معنى (من لم يتغن بالقرآن) ؟ قلت: لا - قال: هو الرجل يرفع صوته، فهذا معناه، إذا رفع صوته لقد تغنى به.
وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه: (زينوا القرأن بأصوتكم) فقال: التزيين أن يحسنه.
وعن الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عن القراءة؟ فقال: يحسنه بصوته من غير تكلف.
وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان، فقال: كل شيء محدث فإنه لا يعجبني، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه.
وقال القاضي أبو يعلى: هذا يدل من كلامه على أن صوت القارىء ليس هو الصوت الذي تكلم الله به، لأنه أضافه إلى القارىء الذي هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان.

قول البخاري في كتاب خلق أفعال العباد
وقال أبو عبد الله البخاري - صاحب الصحيح - في كتاب خلق الأفعال: يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وليس هذا لغير الله عز وجل» .
(2/41)

قال أبو عبد الله البخاري: (وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، قال: {فلا تجعلوا لله أندادا} (البقرة: 22) فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) .
ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس - الذي استشهد به في غير موضع من الصحيح، تارة يجزم به، وتارة يقول: (ويذكر عن عبد الله بن أنيس) - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة» ، وذكر الحديث - الذي رواه في صحيحه - عن أبي سعيد، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(2/42)

يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب، ما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال: تسعمائة وتسعة وتسعين - فحينئذ تضع الحامل حملها» {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (الحج: 2) وذكر حديث ابن مسعود - الذي استشهد به أحمد - وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله: كأنه سلسلة على صفوان» ، فإذا {فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} (سبأ: 23) وذكر حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار - وقد رواه احمد ومسلم
(2/43)

في صحيحه وغيرهما، وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه - «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ قالوا: كنا يا رسول الله نقول حين رأيناه يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك كذلك، ولكن الله إذا قضى في خلقه أمراً يسمعه أهل العرش فيسبحون، فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل
التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون: أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيسألونهم، فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، الأمر الذي كان، فيهبط الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع، على توهم منهم واختلاف،
(2/44)

ثم يأتون به إلى الكهان من أهل الأرض، فيحدثونهم، فيخطئون ويصيبون، فتحدث به الكهان، ثم إن الله حجب الشياطين عن السماء بهذا النجوم، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة» .
وقال البخاري أيضاً: (ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به) .
قال: (وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيماً ومن نحا نحوه ليس بمارق، ولا مبتدع، بل البدع والترؤس بالجهل بغيرهم أولى، إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله) .

كلام المحاسبي في فهم القرآن
وقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم القرآن لما تكلم على ما يدخل في النسخ وما لا يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات، وذكر عن أهل السنة في الإرادة والسمع والبصر قولين في مثل قوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} (الفتح: 27) وقوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية} (الإسراء: 16)
(2/45)

وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) وكذلك قوله: {إنا معكم مستمعون} (الشعراء: 15) وقوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} (التوبة: 105) ونحو ذلك، فقال: (قد ذهب قوم من أهل السنة إلى أن الله استماعاً حادثاً في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث.
قال: (فأما من ادعى السنة، فأراد إثبات القدر، فقال: إرادة الله تحدث إن حدثت من تقدير سابق الإرادة، وأما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة إنما هي خلق حادث، وليست مخلوقة، ولكن بها كون الله المخلوقين) .
قال: (وزعموا أن الخلق غير المخلوق، وأن الخلق هو الإرادة، وأنه ليست بصفة لله من نفسه) .
(2/46)

قال: (ولذلك قال بعضهم: إن رؤيته تحدث) .
واختار الحارث المحاسبي القول الآخر، وتأول المنصوص على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الإرادة، قال: وكذلك قوله: {إنا معكم مستمعون} وقوله: {فسيرى الله عملكم} تأوله على أن المراد حدوث المسموع والمبصر، كما تأول قوله تعالى: {حتى نعلم} (محمد: 31) حتى يكون المعلوم بغير حادث علم في الله، ولا بصر، ولا سمع، ولا معنى حدث في ذات الله، تعالى عن الحوادث في نفسه) .

كلام محمد بن الهيصم في جمل الكلام
وقال محمد بن الهيصم في كتاب جمل الكلام له: لما ذكر جمل
(2/47)

الكلام في القرآن، وأنه مبني على خمسة فصول:
أحدها: أن القرآن كلام الله، فقد حكى عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة، إنما هو كلام خلقه الله، فنسب إليه، كما قيل: سماء الله، وأرض الله، وكما قيل: بيت الله، وشهر الله، وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة، ثم وافقوا جهماً في المعنى، حيث قالوا: كلام الله خلقه بائناً منه، وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة، وإنه تكلم به.
والفصل الثاني في أن القرآن غير قديم، فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله لم يزل يتكلم بالقرآن، وقال أهل الجماعة: بل إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبريل، وكذلك سائر الكتب.
والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق، فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا أنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه غير مخلوق.
والفصل الرابع: أنه غير بائن من الله، فإن الجهمية وأشياعهم
(2/48)

من المعتزلة قالوا إن القرآن بائن من الله، وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق كلاماً في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلاماً في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة، وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله، وإنما هو موجود منه، وقائم به) .
وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا من إثبات الصفات الفعلية القائمة بالله التي ليست قديمة ولا مخلوقة.

كلام الدارمي في النقض على بشر المريسي
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد، على بشر المريسي الجهمي العنيد فما افترى على الله في التوحيد قال: (وادعى المعارض أيضاً: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟» قال: (فادعى أن الله لا ينزل بنفسه، إنما ينزل أمره ورحمته، وهو على العرش،
(2/49)

وبكل مكان من غير زوال، لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول) .
قال: (فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار، ويؤقت من الليل شطره أو الأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطي؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله، وهذا محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك، ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل، ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر، ثم يرفعان؟ لأن رفاعة يرويه يقول في حديثه «حتى ينفجر الفجر» .
قد علمتم، إن شاء الله، أن هذا التأويل
(2/50)

أبطل باطل، لا يقبله إلا كل جاهل.
وما دعواه أن تفسير (القيوم) الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة، ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروحاً منصوصاً، ووقت لنزوله مخصوصاً، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبساً ولا عويصاً) .
قال: (ثم أجمل المعارض جميع ما ينكر الجهمية من صفات الله تعالى وذاته المسماة في كتابه، وفي آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعد منها بضعاً وثلاثين صفة نسقاً واحداً، يحكم عليها ويفسرها بما حكم المريسي وفسرها وتأولها حرفاً حرفاً، خلاف ما عنى الله وخلاف
(2/51)

ما تأولها الفقهاء الصالحون، لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي، فبدأ منها بالوجه، ثم بالسمع، والبصر، والغضب، والرضا، والحب، والبغض، والفرح، والكره، والضحك، والعجب، والسخط، والإرادة، والمشيئة، والأصابع، والكف، والقدمين.
وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} (القصص: 88) {فأينما تولوا فثم وجه الله} (البقرة: 115) {وهو السميع البصير} (الشورى: 11) و {خلقت بيدي} (ص: 75) {وقالت اليهود يد الله مغلولة} (المائدة: 64) و {يد الله فوق أيديهم} (الفتح: 10) {والسماوات مطويات بيمينه} (الزمر: 67) وقوله: {فإنك بأعيننا} (الطور: 21) و {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} (البقرة: 210) {وجاء ربك والملك صفا صفا} (الفجر: 22) {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} (الحاقة: 17) و {الرحمن على العرش استوى} (طه: 5) و {الذين يحملون العرش ومن حوله} (غافر: 7) .
وقوله {ويحذركم الله نفسه} (آل عمران: 30: 28) و {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} (آل عمران: 77) و {كتب ربكم على نفسه الرحمة} (الأنعام: 54) و {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} (المائدة: 116) و {الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (البقرة: 22) .
(2/52)

قال: (عمد المعارض إلى هذه الصفات والآيات فنسقها ونظم بعضها بعض، كما نظمها شيئاً بعد شيء، ثم فرقها أبواباً في كتابه، وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية، معتمداً فيها على تفسير الزائغ الجهمي بشر بن غياث المريسي دون من سواه، مستتراً عند الجهال بالتشنع بها على قوم يؤمنون بها، ويصدقون الله ورسوله فيها، بغير تكييف ولا تمثال، فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها ويشبهونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه قالوا: ليس في شيء منها اجتهاد رأي، ليدرك كيفية ذلك، أو يشبه شيء منها بشيء مما هو في الخلق موجود) .
قال: (وهذا خطأ، لما أن الله ليس كمثله شيء، فكذلك ليس ككيفيته شيء.
قال: أبو سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع: أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ، فإنا لا نقول: إنه خطأ، كما قلت، بل هو عندنا كفر، ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما
(2/53)

هو في الخلق موجود أشد أنفاً منكم، غير أنا - كما لا نشبهها ولا نكيفها - لا نكفر بها ولا نكذبها، ولا نبطلها بتأويل الضلال، كما ابطلها إمامك المريسي في أماكن من كتابك سنبينها لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار.
وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا، وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون، وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال إمامك المريسي: إن هذه الصفات كلها كشيء واحد، وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا اليد منه غير النفس، وأن الرحمن ليس يعرف - بزعمكم - لنفسه سمعاً من بصر، ولا بصراً من سمع، ولا وجهاً من يدين، ولا يدين من وجه، هو كله بزعمكم سمع وبصر ووجه، وأعلى وأسفل.
ويد ونفس، وعلم ومشيئة وإرادة، مثل
(2/54)

خلق الأرضين والسماء والجبال والتلال والهواء، التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء، فالله المتعالي عندنا أن يكون كذلك، فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: {إنني معكما أسمع وأرى} (طه: 46) و {إنا معكم مستمعون} (الشعراء: 15) وقال: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} (آل عمران: 77) ففرق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السماع والصوت: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} (المجادلة: 1) .
و {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} (آل عمران: 181) ولم يقل: قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها.
وقال موضع الرؤية إنه: {الذي يراك حين تقوم} {وتقلبك في الساجدين} (الشعراء: 219: 218) وقال تعالى: {وقل اعملوا
(2/55)

فسيرى الله عملكم ورسوله} (التوبة: 105) ولم يقل: يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم، فلم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، لما أنهما عنده خلاف ما عندكم.
وكذلك قال الله تعالى: {ودسر} {تجري بأعيننا} (القمر: 14: 13) {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} (الطور: 48) {ولتصنع على عيني} (طه: 39) ولم يقل لشيء من ذلك: على سمعي.
فكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا نكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) .
ثم قال: (باب الحد والعرش.
قال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضاً أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية) .
قال: (وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها جميع أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهماً إليها أحد من العالمين، فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي، تعني أن الله لا شيء، لأن الخلق كلهم قد
(2/56)

علموا أنه ليس له شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن (لا شيء) ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدا موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك: لا حد له يعني أنه لا شيء.
قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله، ولمكانه أيضا حد، وهو على عرشه فوق سمواته، فهذان حدان اثنان.
وسئل عبد الله بن المبارك، بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه.
قيل: بحد؟ قال: بحد.
حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك.
فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن، وادعى أنه لا شيء، لأن الله وصفة حد مكانه في مواضع كثيرة، من كتابه فقال: {الرحمن على العرش استوى} (طه: 5) {أأمنتم من في السماء} (الملك: 16) {إني متوفيك ورافعك إلي} (آل عمران: 55) {يخافون ربهم من فوقهم} (النحل: 50) {إليه يصعد الكلم الطيب} (فاطر: 10)
(2/57)

فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله، وجحد آيات الله.
و «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله فوق عرشه فوق سماواته» و «قال للأمة السواداء: أين الله؟ قالت: في السماء، قال أعتقها فإنها مؤمنة» .
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنها مؤمنة» دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء، كما قال الله ورسوله، لم تكن مؤمنة وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء، كما قال الله ورسوله.
(2/58)

حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن «عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيه: يا حصين، كم تعبد اليوم إلهاً؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء» ، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم، على الكافر، إذ عرف أن إله العالمين في السماء، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسي وأصحابه، مع ما ينتحلون من الإسلام، إذ ميز بين الإلة الخالق الذي في السماء، وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض.
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين: أن الله في السماء، وحدوه بذلك، إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يده إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها، وكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية.
(2/59)

ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها، ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفاً بعد حرف وشيئاً بعد شيء، بحكم بشر بن غياث المريسي، لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه، ولا أرشد منه عنده، فاغتنمنا ذلك كله منه، إذ صرح باسمه، وسلم فيها لحكمه، لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره، وهتك ستره، وافتضاحه في مصره، وفي سائر الأمصار الذي سمعوا بذكره) .
ثم ذكر الكلام على إبطال تأويلات الجهمية للصفات الواردة في الكتاب والسنة.

كلام الدارمي في الرد على الجهمية
وقال عثمان بن سعيد في كتاب الرد على الجهمية له: (باب الإيمان بكلام الله تعالى) ، قال أبو سعيد: فالله المتكلم أولاً وآخراً، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له الكلام، إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: {لمن الملك اليوم} (غافر: 16) أنا
(2/60)

الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ فلا ينكر كلام الله إلا من يريد إبطال ما أنزل الله عز وجل، وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام وأنطق الأنام؟ قال الله تعالى في كتابه {وكلم الله موسى تكليما} (النساء: 164) فهذا لا يحتمل تأويلاً غير نفس الكلام، وقال لموسى: {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} (الأعراف: 144) وقال الله تعالى: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} (البقرة: 75) وقال {يريدون أن يبدلوا كلام الله} (الفتح: 15) وقال {لا تبديل لكلمات الله} (يونس: 64) وقال: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} (الأنعام: 115) .
وذكر آيات أخر، إلى أن قال: (وقال تعالى لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} (طه: 89) وقال: {عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} (الأعراف: 148) .
(2/61)

قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصاً بلا تأويل، ففيما عاب الله تعالى به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان أن الله غير عاجز عنه، وأنه متكلم، وقائل، لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه.
وقال إبراهيم: {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} (الأنبياء: 63) إلى قوله {أفلا تعقلون} (الأنبياء: 67) ، فلم يعب إبراهيم أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام إلا وأن إلهه متكلم قائل) .
وبسط الكلام في ذلك، إلى أن قال: (أرأيتم قولكم: إنه مخلوق، فما بدء خلقه؟ أقال الله له (كن) فكان كلاماً قائماً بنفسه بلا متكلم به؟ فقد علم الناس - إلا ما شاء الله منهم - أن الله لم يخلق كلاماً يرى ويسمع بلا متكلم به، فلا بد من أن تقولوا في دعواكم:
(2/62)

الله المتكلم بالقرآن، فأضفتموه إلى الله، فهذا أجور الجور وأكذب الكذب: أن تضيفوا كلام المخلوق إلى الخالق، ولو لم يكن كفراً كان كذباً بلا شك فيه، فكيف وهو كفر لا شك فيه؟ لا يجوز لمخلوق يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعي الربوبية ويدعوا الخلق إلى عبادته فيقول: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} (طه: 14) و {إني أنا ربك} (طه: 12) .
{وأنا اخترتك} (طه: 13) ، {واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري} (طه: 41 - 42) {إنني معكما أسمع وأرى} (طه: 46) ، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56) .
{ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} (يس: 60 - 61) قد علم الخلق - إلا من أضله الله - أنه لا يجوز لأحد أن يقول هذا وما أشبهه ويدعيه غير الخالق، بل القائل به والداعي إلى عبادة غير الله كافر كفرعون الذي قال: {أنا ربكم الأعلى} (النازعات: 24) ، والمجيب له والمؤمن بدعواه أكفر وأكذب.
وإن قلتم: تكلم به مخلوق فأضفناه إلى الله، لأن الخلق كلهم
(2/63)

بصفاتهم وكلامهم لله، فهذا المحال الذي ليس وراءه محال، فضلاً عن أن يكون كفراً، لأن الله عز وجل لم ينسب شيئاً من الكلام كله إلى نفسه أنه كلامه غير القرآن وما أنزل على رسله، فإن قد تم كلامكم ولزمتموه لزمكم أن تسموا الشعر وجميع الغناء والنوح وكلام السباع والبهائم والطير كلام الله، فهذا مما لا يختلف المصلون في بطوله واستحالته.
فما فضل القرآن إذاً عندكم على الغناء والنوح والشعر إذ كان كله في دعواكم كلام الله؟ فكيف خص القرآن بأنه كلام الله ونسب كل كلام إلى قائله؟ فكفى بقوم ضلالاً أن يدعوا قولاً لا يشك الموحدون في بطوله واستحالته.
ومما يزيد دعواكم تكذيباً واستحالة ويزيد المؤمنين بكلام الله إيماناً وتصديقاً أن الله قد ميز بين من كلم من رسله في الدنيا وبين من لم يكلم، ومن يكلم من خلقه في الآخرة ومن لا يكلم، فقال: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} (البقرة: 253) فميز بين من اختصه الله بكلامه وبين من لم يكلمه، ثم سمى ممن كلم الله موسى فقال: {وكلم الله موسى تكليما} (النساء: 164) فلو لم يكلمه بنفسه إلا على تأويل ما
(2/64)

ادعيتم، فما فضل من ذكر الله في تكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه؟ إذ كل الرسل في تكليم الله إياهم مثل موسى، وكل عندكم لم يسمع كلام الله، وقد قال تعالى: {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} (آل عمران: 77) ، ففي بيان أنه لا يعاقب قوماً يوم القيامة بصرف كلامه عنهم إلا وأنه يثيب بتكلميه قوماً آخرين.
وقال أيضاً في بيان كفر الجهمية: (أخبر الله أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله تبارك وتعالى أنه كلم موسى تكليماً، وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله، إنما سمع كلاماً خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم دعا مخلوق موسى
(2/65)

إلى ربوبيته فقال: {إني أنا ربك فاخلع نعليك} (طه: 12) فقال له موسى في دعواهم: صدقت، ثم أتى فرعون يدعوه إلى ربوبيته مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم، فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر إذاً؟ فأي كفر أوضح من هذا؟ وقال الله تبارك وتعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) .
وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط - قولاً وكلاماً - كن فكان، ولا يقوله أبداً، ولم يخرج منه كلام قط، ولا يخرج، ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم، فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام) .

عود إلى كتاب النقض على المريسي
وقال أيضاً في كتاب النقض على المريسي: (وادعيت أيها المريسي في قول الله عز وجل: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} (الأنعام: 210) وفي قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} (الأنعام: 158) فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان، لما أنه غير متحرك عندك،
(2/66)

ولكن يأتي بالقيامة بزعمك، وقوله: {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} : يأتي الله بأمره في ظلل من الغمام، ولا يأتي هو بنفسه.
ثم زعمت أن معناه كمعنى قوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} (سورة النحل: 26) {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} (الحشر: 2) .
فيقال لهذا المريسي: قاتلك الله! ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر! أنبأك الله أنه إتيان، وتقول: ليس بإتيان، إنما هو كقوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} (النحل: 26) .
لقد ميزت بين ما جمع الله، وجمعت بين ما ميز الله، ولا يجمع بين هذين التأويلين إلا كل جاهل بالكتاب والسنة، لأن تأويل كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة، لا يجهلة إلا مثلك.
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه، فوق سماواته، وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم، وتشقق السماوات يومئذ لنزوله، وتنزل الملائكة تنزيلاً، ويحمل عرش ربك
(2/67)

فوقهم يومئذ ثمانية، كما قال الله ورسوله.
فلما لم يشك المسلمون أنا الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقيناً أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه.
فقوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم {فخر عليهم السقف من فوقهم} (النحل: 26) فتفسير هذا الإتيان خرور السقف عليهم من فوقهم، وقوله: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} مكر بهم {وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} (الحشر: 2) ، وهم بنو النضير، فتفسير الإتيانين مقرون بهما، فخرور السقف والرعب، وتفسير إتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر.
قال الله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} (الحاقة: 13 - 18) إلى قوله تعالى: {هلك عني سلطانيه} (الحاقة: 29) ، فقد فسر الله المعنيين تفسيراً لا لبس فيه
(2/68)

ولا يشتبه على ذي عقل، فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} (يونس: 24) فحين قال: {أتاها أمرنا} علم أهل العلم أن أمره ينزل من عنده من السماء وهو على عرشه، فلما قال: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} (الحاقة: 13) الآيات التي ذكرناها، وقال أيضاً: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} (الفرقان: 25) و {يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} (البقرة: 210) و {دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا} (الفجر: 21- 22) علم بما نص عليه الله من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ: (أن هذا إتيان الله بنفسه يوم القيامة، ليلي محاسبة خلقه بنفسه، لا يلي ذلك أحد غيره، وأن معناه مخالف لمعنى إتيان القواعد، لا ختلاف القضيتين) .
إلى أن قال: (وقد كفانا رسول الله صلى عليه وسلم
(2/69)

وأصحابه تفسير هذا الإتيان، حتى لا نحتاج منك له إلى تفسير) وذكر حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: «فيقول المؤمنون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه» وذكر حديث ابن عباس من وجهين موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه «ثم يأتي الرب تعالى في الكروبيين، وهم أكثر من أهل السماوات والأرض» رواه الحاكم في صحيحه، وذكر (عن أنس بن مالك أنه قال: وتلا هذه الآية: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا، ينزل عليها الجبار) .
ثم قال: (ومن يلتفت أيها المريسي إلى تفسيرك المحال في إتيان
(2/70)

الله يوم القيامة ويدع تفسير رسول الله صلى الله عيه وسلم وأصحابه إلا كل جاهل مجنون خاسر مغبون؟ لما أنك مفتون في الدين مأفون، وعلى تفسير كتاب الله غير مأمون، ويلك! أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه؟ فمن يحاسب الناس يومئذ؟ لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا لأنه لا يؤمن بيوم الحساب.
وادعيت أيها المريسي في قول الله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (البقرة: 255) ، وادعيت أن تفسير القيوم عندك لا يزول، يعني الذي لا ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط، وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: القيوم الذي لا يزول، ومع روايتك هذه عن ابن عباس دلائل وشواهد أنها باطلة:
إحداها: أنك رويتها وأنت المتهم في توحيد الله.
والثانية: أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى، وأصحابك مثلك في الظنة والتهمة.
(2/71)

والثالثة: أنه عن الكلبي، وقد أجمع أهل العلم بالأثر على أن لا يحتجوا بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام، فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه؟ وكذلك أبو صالح.
ولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال: (القيوم: الذي لا يزول) لم نستنكره، وكان معناه مفهوماً واضحاً عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا يزول لا يفنى ولا يبيد، لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان إذا شاء، كما كان يقال للشيء الفاني: هو زائل، كما قال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
يعني فان، لا أنه متحرك، فإن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف بحياة كما لا توصف الأصنام الميتة، قال الله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} (النحل: 20 - 21) فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك إذا شاء،
(2/72)

وينزل إذا شاء، ويفعل ما يشاء، بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال.
واحتججت أيها المريسي في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين رأى كوكباً وشمساً وقمراً قال: {هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين} (الأنعام: 76) ، ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة عن كل إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء، أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد، فقد أفل وزال، كما أفل الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو رومي عجمي ما زاد على ما قست قبحاً وسماجة، ويلك! من خلق الله: إن الله إذا نزل أو تحرك - أو نزل ليوم الحساب - أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة؟ إن الله لا يأفل في شيء سواه إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب، بل هوالعالي على كل شيء، المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه، وهو الفعال لما يريد، لا يأفل في شيء، بل الأشياء كلها تخشع له وتتواضع، والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة، إذا قلت أفلت أفلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله تعالى، والله أعلى وأجل، لا يحيط به شيء، ولا يحتوي عليه شيء.
(2/73)

قول أبي بكر عبد العزيز في المقنع
وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال، في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع، وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان، في مسألة القرآن قال أبو بكر لما سألوه: (إنكم إذا قلتم: لم يزل متكلماً كان ذلك عبثاً، فقال: لأصحابنا قولان: أحدهما أنه لم يزل متكلماً كالعلم، لأن ضد الكلام الخرس، كما أن ضد العلم الجهل، قال: ومن أصحابنا من قال: قد أثبت سبحانه لنفسه أنه خالق، ولم يجز ان يكون خالقاً في كل حال، بل قلنا: إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقاً في كل حال، ولم يبطل أن يكون خالقاً، كذلك وإن لم يكن متكلماً في كل حال يبطل أن يكون متكلماً، بل هو متكلم خالق، وإن لم يكن خالقاً في كل حال ولا متكلماً في كل حال) .

قول القاضي أبي يعلي في إيضاح البيان
وذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسمى بإيضاح البيان هذا السؤال، فقال: (نقول: إنه لم يزل متكلماً، وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله متكلماً عالماً غفوراً.
قال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل الله متكلماً إذا شاء.
(2/74)

وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلماً، والقرآن كلام الله غير مخلوق) .
قال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية والزنادقة: وكذلك الله يتكلم كيف شاء، من غير أن نقول جوف ولا فم ولا شفتان) .
وقال بعد ذلك: (بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق) .

قول عبد الله بن حامد في أصول الدين
وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: (ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله متكلم، وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلماً في كل أوقاته موصوفاً بذلك، وكلامه قديم غير محدث، كالعلم والقدرة) .
قال: وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة المتكلم، لم يزل موصوفاً بذلك ومتكلماً كما شاء وإذا شاء، ولا نقول: إنه
(2/75)

ساكت في حال أو متكلم في حال، من حيث حدوث الكلام) .
قال: (ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلماً قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات، وأن الله كان فيما لم يزل متكلماً كيف شاء وكما شاء، وإذا شاء أنزل كلامه، وإذا شاء لم ينزله) .
قلت: قول ابن حامد: (ولا نقول إنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث الكلام) يريد به أنا لا نقول: إن جنس كلامه حادث في ذاته، كما تقوله الكرامية من أنه كان ولا يتكلم ثم صار يتكلم بعد أن لم يكن متكلماً في الأزل، ولا كان تكلمه ممكناً.

قول أبي إسماعيل الأنصاري في مناقب أحمد بن حنبل
وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام، في اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة: (اعلم أن الله متكلم قائل مادح نفسه، وهو متكلم كلما شاء، ويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره، والقرآن كلامه هو تكلم به) .
قال أيضاً في كتاب مناقب أحمد بن حنبل في باب الإشارة إلى طريقته في الأصول، لما ذكر كلامه في مسأئل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولاً: هو مخلوق، وجرت المحنة المشهورة، ثم مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي، إلى أن قال: وجاءت
(2/76)

طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثاً، قال: وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة، وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد إليها الدانات، وتشد إليها الركائب، ويجلب منها العلم، وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان، والبيت والقدر لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله، فـ ابن خزيمة في بيت، ومحمد بن إسحاق في بيت، وأبو حامد العرشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى
(2/77)

دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب، أن الله متكلم: إن شاء تكلم، وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خبيراً) .
قلت: هذه القصة التي أشار إليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من المصنفين كـ الحاكم أبي عبد الله في تاريخ نيسابور وغيره، ذكر أنه رفع إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري، وأنهم على مذهب الكلابية، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية.
قال: (فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله: أقديم لم يزل، أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض.
قال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل، وقال جماعة: إن كلامه قديم، غير أنه لا يثبت إلا باختياره لكلامه.
فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي، وأخبرته بما جرى، فقال: من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث، وانتشرت هذه المسألة في البلد، وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك، حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية، وهذا مذهبهم،
(2/78)

فجمع أبو بكر أصحابه، وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام، ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم، وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف في الرد عليهم، وأنهم ناقضوه، ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث، وجعلهم هو كلابية.
قال الحاكم: (سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئاً منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، أو يقول: إن شيئاً من صفات الله - صفات الذات - أو اسماً من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي) .
وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام، فهم لا يفهمون كتاب الله، فإن
(2/79)

الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى، وكرر ذكر عيسى بن مريم في مواضع، وحمد نفسه في مواضع فقال: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} (الكهف: 1) ، و {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} (الأنعام: 1) ، {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} (سبأ: 1) ، وكرر زيادة على ثلاثين مرة {فبأي آلاء ربكما تكذبان} (الرحمن: 16) ولم أتوهم أن مسلماً يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين.
قال الحاكم: (سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق - يعني الصبغي - يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين - يعني المعتزلة - الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا، قال أبو علي الثقفي للإمام: ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان
(2/80)

أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث المحاسبي وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت إليه الطبق فقلت: تأمل ما جمعته بخطي، وبينته في هذه المسائل، فإن كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه، فذكر أنه تأمله ولم ينكر منه شيئاً، وذكر لشيخه الخط وفيه: إن الله بجميع صفات ذاته واحد، لم يزل، ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق، وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق) .
وذكر أن أبا العباس القلانسي وغيره وافقوا من خالف أبا بكر، وأنه كتب إلى جماعة من العلماء تلك السمائل، وأنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر إلى السلطان، وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس، وأن عبد الله بن حماد قال: طوبى لهم إن كان ما يقال عنهم مكذوباً عليهم، وأن عبد الله بن حماد
(2/81)

من غد ذلك اليوم قال: رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله ثم قال: كأنك في شك من أمور هؤلاء الكلابية، قال: ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} (إبراهيم: 52) وهذه القصة مبسوطة في موضع آخر، وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ابن خزيمة على الكلابية.

قول الأنصاري في ذم الكلام
ذكر أبو إسماعيل الأنصاري العروف بشيخ الإسلام في كتاب ذم الكلام: (سمعت أبا نصر بن أبي سعيد الرداد، سمعت إبراهيم بن إسماعيل الخلال يقول: إني ذهبت بكتاب ابن خزيمة في الصبغي والثقفي إلى أمير المؤمنين، فكتب بصلبها، فقال ابن خزيمة: لا، قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق من أقوام فلم يصلبهم) .
قال أبو إسماعيل: (سمعت إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني يقول: استتيب الصبغي والثقفي على قبر ابن خزيمة.
وقال: (سمعت أحمد بن أبي نصر يقول: رأينا محمد بن الحسين السلمي يعني أبا عبد الرحمن السلمي صاحب التصانيف المعروفة في طريقة الصوفية - يلعن الكلابية) .
(2/82)

قال: (وسمعت محمد بن العباس بن محمد يقول: كان أبو علي الرفا يقول: لعن الله الكلابية) .
ومن الموافقين لابن خزيمة أبو حامد الشاركي، وأبو سعيد الزاهد، ويحيى بن عمار وأبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام.
قال: (وسمعت عبد الواحد بن ياسين يقول: رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب - يعني الصعلوكي - بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك، وسمعت الطيب ابن محمد، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفرايني وأبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله.

قول السجزي في رسالته إلى أهل زبيد
وقال الحافظ أبو نصر السحزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن: (اعلموا - أرشدنا اله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالاً منهم في
(2/83)

الباطن، من أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذي تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام جروف متسقة وأصوات مقطعة، وقالت - يعني علماء العربية -: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علماً، وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذكل لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى، لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له
(2/84)

أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: (خلق الله، وعبد الله، وفعل الله) .
(قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل) .
فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم، فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه (تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام) ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبه، منها قول الأخطل:
إن البيان من الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
(2/85)

فغيروه، وقالوا: (إن الكلام من الفؤاد) وزعموا أنه لهم حجة على مقالتهم في قول الله تعالى: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} (المجادلة: 8) ، وفي قول الله عز وجل: {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} (يوسف: 77) واحتجوا بقول العرب: (أرى في نفسك كلاماً، وفي وجهك كلاماً) فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام.
وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه، ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر، بل يجانب ويقمع) .

قول السجزي في الإبانة
وقال أبو نصر السجزي أيضاً في كتابه المسمى بالإبانة في مسألة القرآن: لما قيل له (إن القراءة عمل، والعمل لا يكون صفة لله، والدليل على أنها عمل أنك تقول: قرأ فلان يقرأ، وما حسن فيه ذكر المستقبل فهو عند العرب عمل) .
(2/86)

فقال: (هذا لا يلزم، لأنك تقول: (قال الله عز وجل) و (يقول الله عز وجل) والله تعالى قال: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} (البقرة: 35) وقال تعالى: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} (ق: 30) فقد حسن في القول ذكر المستقبل.
فإن ارتكبوا العظمى، وقالوا: كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ، وليس بلغة، والله سبحانه من الأزل إلا الأبد متكلم بكلام واحد لا أول له ولا آخر، فقال: ويقول إنما يرجع إلى العبارة لا إلا المعبر عنه.
قيل لهم: قد بينا مراراً كثيرة أن قولكم في هذا الباب فاسد، وأنه مخالف للعقليين والشرعيين جميعاً، وأن نص الكتاب والثابت من الأثر قد نطقا بفساده، قال الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) ، فبين الله سبحانه أنه يقول للشيء كن إذا أراد كونه، فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد كوني) .
وقال أيضاً في موضع آخر: ( «النبي صلى الله عليه وسلم قال: نبدأ بما بدأ الله به» ) ثم قرأ {إن الصفا والمروة من شعائر الله}
(2/87)

(البقرة: 158) والله تعالى قال: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران: 59) ، وقال: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) ، فبين جل جلاله أنه قال لآدم بعد أن خلقه من تراب: كن، وأنه إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، ولم يقتض ذلك حدوثاً ولا خلقاً بعد حدوث نوع الكلام، لما قام من الدليل على انتفاء الخلق عن كلام الله تعالى) .
وقال أبو نصر السجزي أيضاً: (فأما الله تعالى فإنه متكلم فيما لم يزل، ولا يزال متكلماً بما شاء من الكلام، يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك، ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله، وهو سبحانه حي عليم متكلم لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ليس بجسم، ولا في معنى جسم، ولا يوصف بأداة ولا جارحة وآلة، وكلامه
(2/88)

أحسن الكلام، وفيه سور وآي وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو مسموع منه على الحقيقة سماعاً يعقله الخلق، ولا كيفية لتكلمه وتكليمه، وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا) .
قال: (ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه، ومن أهل الأثر من جوز إطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث، وقال: معناه تركه التوبيخ والتقرير والمحاسبة اليوم، وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ، فذلك الترك بمعنى السكوت) .
قال: (والأصل الذي يجب أن يعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمين بها، فنحن إذا قلنا إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم بصير متكلم، وقلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً حياً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً لم يكن ذلك تشبيهاً، ولا خالفنا به أحداً من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم، وحيي بمعنى
(2/89)

حله، ثم يصير ميتاً بزوال ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم، وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق سبحانه وتعالى، وإن اتفقت مسميات هذه الصفات) .
وقال أبو نصر أيضاً: (خاطبني بعض الأشعرية يوماً في هذا الفصل، وقال: التجزؤ على القديم غير جائز، فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم - وهم يطلقون ذلك، ويموهون على من لم يخبر مذهبهم- وحقيقة سماع كلام الله من ذاته، على أصل الأشعري، محال، لأن سماع الخلق - على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت، وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم، وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع، وربما سمي ذلك سماعاً على التجوز لقربه من معناه، فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري) .
قال: (فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعاً أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال، وليس ههنا من تتقيه وتخشى
(2/90)

تشنيعه، وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالماً متيقناً بأن الذي فهمه كلام الله، والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده على السماع، فدع التمويه، ودع المصانعة.
ما تقول في موسى عليه السلام حيث كلمه الله؟ أفهم كلام الله مطلقاً أم مقيداً؟ فتلكأ قليلاً، ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي وأجب بما عندك، فأبى وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت: أريد أنك إن قلت: إنه عليه السلام فهم كلام الله مطلقاً اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى، وهذا يؤول إلى الكفر، فإن الله تعالى يقول: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} (البقرة: 255) ولو جاز ذلك لصار مم فهم كلام الله عالماً بالغيب وبما في نفس الله تعالى، وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى عليه السلام أنه يقول: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} (المائدة: 116) ، وإذا لم يجز إطلاقه، وألجئت إلى أن تقول (أفهمه الله ما شاء من كلامه) دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله عز وجل ومن قبل رسول اله صلى الله عليه وسلم، وأنت أبيت أن تقبل
(2/91)

ذلك، وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئاً.
فقال: هذا يحتاج إلى تأمل، وقطع الكلام) .
وقال أبو نصر: (لم يزل الله متكلماً، لأن الكلام من صفات المدح للحي الفاعل، وضده من النقائص، والله منزه عنها) .
وذكر كلاماً كثيراً إلى أن قال: (وقد ثبت بما ذكرناه كون القرآن مفرقاً مفصلاً، ذا أجزاء وأبعاض وآي وكلمات وحروف، وأن ما كان بخلاف ذلك لم يكن القرآن المنزل الذي آمن به المسلمون وجحده الكفار، وأن المقروء سور وآي وكلمات وحروف، وكذلك المحفوظ والمكتوب والمتلو، وأنه عريبي مبين، نازل بلسان العرب، ولسان قريش، والمراد باللسان في هذا الباب اللغة، لا اللسان الذي هو لحم ودم وعروق، تعالى الله عن ذلك، وجل عن أن يوصف إلا بما وصف به نفسه، وتنزه عن الأشباه) .
قال: (ونحن نذكر عقب هذا الفصل فصلاً في ذكر حروف القرآن، وفصلاً بعد ذلك في الصوت وما ورد فيه من القرآن والحديث، وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس والمشاهدة قبل الاستدلال أن القرآن العربي حروف، ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس وأنها من مبادىء العلم وأسباب المدارك) .
(2/92)

قال: (وقد بين الله في كتابه ما لا إشكال بعده في هذا الفصل لما قال: {وإذ نادى ربك موسى} (الشعراء: 10) ، والعرب لا تعرف نداء إلا صوتاً، وقد جاء عن موسى تحقيق ذلك، فإن أنكروا الظاهر كفروا، وإن قالوا: (إن النداء غير صوت) خالفوا لغات العرب، وإن قالوا: نادى الأمير - إذا أمر غيره بالنداء - دفعوا فضيلة موسى عليه السلام المختصة به من تكليم الله إياه من غير واسطة ولا ترجمان، وليس في وجود الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق، كما لم يكن في إثبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه، وكيف وكلامه وكلام خلقه معاً عن الأشعري معنى قائم بذات المتكلم لا يختلف، فهو المشبه لا محالة) .
قال: (وأما نحن فنقول: كلام الله حرف وصوت بحكم النص) ، قال: (وليس ذلك عن جارحة ولا آلة، وكلامنا حروف وأصوات، لا يوجد ذلك منا إلا بآلة، والله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء، لا يشغله شيء عن شيء، والمتكلم منا لا يتأتى منه أداء حرفين إلا بأن يفرغ من أحدهما ويبتدىء في الآخر، والقرآن لما كان كلاماً لله كان معجزاً، وكلام الخلق غير معجز، وفي كلام الله بيان ما كان وما سيكون
(2/93)

وما لا يكون أبداً لو كان كيف كان يكون، والخلق لا يصلون إلى هذه الأشياء إلا بتعريف) .

كلام أبي القاسم الأصبهاني في الحجة على تارك المحجة
وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه المعروف بالحجة على تارك المحجة: (أجمع المسلمون على أن القرآن كلام الله، وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة الله تعالى، وأنه موصوف به، وهذه الصفة لازمة لذاته.
تقول العرب: (زيد متكلم) فالكلام صفة له لا نعرف إلا أن حقيقة هذه الصفة الكلام، وإذا كان كذلك كان القرآن كلام الله، وكانت هذه الصفة لا زمة له، أزلية.
والدليل على أن الكلام لا يفارق المتكلم أنه لو كان مفارقه لم يكن للمتكلم إلى كلمة واحدة، فإذا تكلم بها لم يبق له كلام، فلما كان المتكلم قادراً على كلمات كثيرة، كلمة بعد كلمة، دل على أن تلك الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة) .
قال: (والدليل على أن القرآن غير مخلوق: أنه كلام الله، وكلام الله سبب إلى خلق الأشياء، قال الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) ، أي أردنا خلقه وإيجاده وإظهاره، فقوله (كن) كلام الله وصفته، والصفة التي منها يتفرع
(2/94)

الخلق والفعل، وبها يتكون المخلوق، لا تكون مخلوقة، ولا يكون مثلها للمخلوق.
والدليل على أنه كلام لا يشبه كلام المخلوقين أنه كلام معجز، وكلام المخلوقين غير معجز، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل سورة من سوره، أو آية من آياته، عجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه) .

كلام أبي الحسن الكرجي في الفصول في الأصول
وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول، عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إماماً: الشافعي ومالك والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم.
ثم قال فيه: (سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا، مسموعاً ومكتوباً ومحفوظاً ومنقوشاً، وكل حرف منه - كالباء والتاء - كله كلام
(2/95)

الله غير مخلوق، ومن قال (مخلوق) فهو كافر، عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين) .
قال الشيخ أبو الحسن: (وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام) .
قال: (ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه، على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة - منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي - يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات، قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد ابن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة، الذي طبق الأرض علماً وأصحاباً إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور، يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر، ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر لك منه جمعات، فقيل له في ذلك،
(2/96)

فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلح، ويشيع الخبر في أهل البلاد: أني بريء مما هم عليه - يعني الأشعرية - وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه: فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبل، وأنا ما قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته) .
قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: (وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وكان ينهي أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلاني، فبلغه أن نفراً من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أني معهم ومنهم، وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني، قد بلغني أنك تدخل على هذا الرجل - يعني الباقلاني - فإياك وإياه، فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة، وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل، وتائب إليه، وأشهدوا على أني لا أدخل إليه) .
(2/97)

قال الشيخ أبو الحسن: (وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد - أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم - قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعاً، خوفاً من الشيخ أبي حامد الإسفرايني) .
قال أبوالحسن: (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني.
وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميزة وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه، فضلاً عن أصول الدين) .
قلت: هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي، أصحاب الوجوه، معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها.
وقد ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وأبو إسحاق الشيرازي وغير واحد، بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة الكلام التي امتاز بها عن ابن كلاب والأشعري عن غيرهما، وإلا فسائر المسائل ليس لابن كلاب والأشعري بها
(2/98)

اختصاص، بل ما قاله قاله غيرهما، إما من أهل السنة والحديث وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام، وأتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك حد، ولا وافقه عليه من رؤوس الطوائف، وأصله في ذلك مسألة الصفات الاختيارية، ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى: هل تقوم بذاته أم لا؟ فكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقاً، والجهمية من المعتزلة وغيرهم ينكرون ذلك مطلقاً، فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته.
ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه كـ القلانسي والأشعري ونحوهما، بأن في أقوالهم بقايا من الاعتزال، وهذه البقايا أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال.
وقد ذكر الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في دين الرسل، محرم عندهم، وكذلك غير الأشعري، كـ الخطابي وأمثاله، يذكرون ذلك، لكن مع هذا من وافق ابن كلاب لا يرى بطلان هذه الطريقة عقلاً، وإن لم يقل: إن الدين محتاج إليها، فلما رأى من رأى صحتها لزمه: إما قول ابن كلاب، أو ما يضاهيه.
وهذا الذي نقلوه - من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر
(2/99)

الباقلاني - هو بسبب هذا الأصل، وجرى له بسبب ذلك أمور أخرى، وقام عليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو عبد الله بن حامد وغيرهما من العلماء من أهل العراق وخراسان والشام، وأهل الحجاز ومصر، مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن كتباً وتصنيفاً، وبسببه انتشر هذا القول، وكان منتسباً إلى الإمام أحمد وأهل السنة وأهل الحديث والسلف، مع انتسابه إلى مالك والشافعي وغيرهما من الأئمة حتى كان يكتب في بعض أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي وكان بينه وبين أبي الحسن التميمي وأهل بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف، كما تقدم ذكر ذلك، ولهذا غلب على التميميين موافقته في أصوله، ولما صنف أبو بكر البيهقي كتابه في مناقب الإمام أحمد - وأبو بكر البيهقي موافق لابن البقلاني في أصوله - ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذي صفنه أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي، وهو مشابه لأصول القاضي أبي بكر، وقد حكى عنه: أنه كان إذا درس مسألة الكلام على أصول ابن كلاب والأشعري يقول: (هذا الذي ذكره أبو الحسن أشرحه لكم وأنا لم تتبين لي هذه المسألة) فكان يحكى عنه الوقف فيها، إذ له في عدة من المسائل
(2/100)

قولان وأكثركما تنطق بذلك كتبه، ومع هذا تكلم فيه أهل العلم، وفي طريقته التي أصلها هذه المسألة مما يطول وصفه، كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه، حتى ذكر أبو إسماعيل الأنصاري قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقاً يذكرون شدة أبي حامد - يعني الإسفرايني - على ابن الباقلاني، قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سالم ببغداد: إن كنت تريد أن
ترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني، قال: وسمعت الحسين بن أبي أمامة المالكي يقول: سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر الهروي، فإنه أول من حمل الكلام إلا الحرم، وأول من بثه في المغاربة.
قلت: أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به، وكان قد قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم، كـ أبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين لما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد
(2/101)

الباجي فأخذ طريقة أبو جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد.
ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم، لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.
وهذا لي مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
(2/102)

بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر: 10) .
ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (البقرة: 286) .
ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو وأعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب، ولهذا تجد كثيراً من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها، فيقولون القول الموافق للسنة، وينفون ما هو من لوازمه، غير ظانين أنه من لوازمه، ويقولون ما ينافيه، غير ظانين أنه ينافيه، ويقولون بملزومات القول المنافي ما أثبتوه من السنة، وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي وملزوماته، فيكون مضمون قولهم: أن
(2/103)

يقولوا قولاً ويكفروا من يقوله، وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد، لعدم تفطنه لتناقض القولين، ويوجد في الحالين، لاختلاف نظره واجتهاده.
وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجملة التي يظن الظان أنه لا يدخل فيها إلا الحق، وقد دخل فيها الحق والباطل، فمن لم ينقب عنها أو يستفصل المتكلم بها - كما كان السلف والأئمة يفعلون - صار متناقضاً أمبتدعاً ضالاً من حيث لا يشعر.
وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض وحلول الحوادث ونحو ذلك، كانوا يظنون أنهم ينصرون الإسلام بهذه الطريقة وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله، فوقع منهم من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك، وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم، فإن البدعة لا تكون حقاً محضاً موافقاً للسنة، إذا لو كانت كذلك لم تكن باطلاً، ولا تكون باطلاً محضاً لا حق فيها، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولا كن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: إما مخطئاً غالطاً، وإما متعمداً لنفاق فيه وإلحاد.
(2/104)

كما قال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} (التوبة: 47 (فأخبر أن المنافقين لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاً، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين، يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم: إما لظن مخطىء، أو لنوع من الهوى، أو لمجموعهما، فإن المؤمن إنمايدخل عليه الشيطان بنوع من الظن واتباع هواه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» .
وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة: 6 - 7) ، فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والضالون عبدوا الله بلا علم.
ولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين بقوله {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى} (النجم: 1 -2) وقال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} (ص: 45) .
وهذا الذي تقدم ذكره - من إنكار أئمة العراقيين من أصحاب الشافعي قول ابن كلاب ومتبعيه في القرآن - هو معروف في كتبهم،
(2/105)

ومعلوم أنه ليس بعد الشافعي وابن سريج مثل الشيخ أبي حامد الإسفرايني، حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري: أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد: إنه أنظر من الشافعي، وهذا الكلام - وإن لم يكن مطابقاً لمعناه، لجلالة قدر الشافعي وعلو مرتبته - فلولا براعة أبي حامد، ما قال فيه الشيخ أبو الحسين القدوري مثل هذا القول.

كلام أبي حامد الإسفرايني في التعليق في أصول الفقه
وقد قال أبو حامد في كتاب التعليق في أصول الفقه: (مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر: هل له صيغة تدل على كونه أمراً، أم ليس له ذلك؟ على ثلاثة مذاهب، فذهب أئمة الفقهاء إلى أن الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمراً إذا عريت عن القرائن، وذلك مثل قول القائل: افعل كذا وكذا، وإذا وجد ذلك عارياً عن القرائن كان أمراً، ولا يحتاج في كونه أمراً إلى قرينه.
هذا مذهب الشافعي رحمه الله ومالك وأبي حنيفه والأوزاعي، وجماعة أهل العلم، وهو قول البلخي من المعتزلة.
وذهبت المعتزلة بأسرها - غير البلخي - إلى أن الأمر لا سيغة له، ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمراً، وإنما يكون أمراً بقرينة تقترن
(2/106)

به، وهي الإرادة، ثم اختلفوا في تلك الإرادة: فمنهم من قال: هي إرادة المأمور به، فإذا قال: افعل، وأراد بذلك إيجاد المأمور به صار أمراً، وإذا عري عن ذلك لم يكن أمراً، ومنهم من قال: يحتاج إلى إرادة شيئنين: إرادة المأمور به، وإرادة كون اللفظ أمراً، ومنهم من اعتبر إرادة ثلاثة أشياء، ولسنا نتكلم معهم في هذا الفصل، فإنه شيء يتفرع على مذاهبهم، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في الأصل، وهو أن اللفظ هل يكون أمراً بصيغته، أو بقرينة تقترن به؟
وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنىً قائم بنفس الآمر، لا يفارق الذات ولا يزايلها، وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك، كل هذه المعاني قائمة بالذات لا تزايلها، كالقدرة والعلم وغير ذلك، وسواء في هذا أمر الله تعالى وأمر الآدميين، إلا أن أمر الله تعالى يختص بكونه قديماً، وأمر الآدمي محدث، وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمراً ولا نهياً، وإنما هي عبارة عنه) .
قال: (وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الأمر، وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك، فقال: لا يجوز أن يقال: (إنها حكاية) ، لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي، ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس، وتقرر مذهبهم على هذا.
فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم، فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف
(2/107)

في أن الأمر هل له صيغة أم لا، فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس، فذلك المعنى لا يقال: إن له صيغة، أو ليست له صيغة، وإنما يقال ذلك في الألفاظ، ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم عبارة عن الأمر، وعندنا أن هذا هو أمر، وتدل صيغته على ذلك من غير قرينة، وعندهم أنه لا يكون عبارة عن الأمر، ولا دالاً على ذلك بمجرد صيغته، ولكنه يكون موقوفاً على ما بينه الدليل، فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن الأمر حمل عليه، وأن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز والتحذير وغير ذلك حمل عليه، إلا أننا نتكلم معهم في الجملة: أن هذا اللفظ، هل يدل على الأمر من غير قرينة أم لا) ؟ وبسط كلامه في هذه المسألة إلى آخرها.
وهذا أيضاً معروف عن أئمة الطريقة الخراسانية، ومن متأخريهم أبو محمد الجويني والد أبي المعالي.
وقد ذكر القاضي أبو القاسم بن عساكر في مناقبه ما ذكره عبد الغافر الفارسي في ترجمة أبي محمد الجويني (قال: سمعت خالي أبا
(2/108)

سعيد - يعني عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري - يقول: كان أئمتنا في عصره، والمحقوقون من أصحابنا، يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحيمدة أنه لو جاز أن يبعث الله نبياً في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله) .

كلام أبو محمد الجويني في عقيدة أصحاب الشافعي
قال أبو محمد في آخر كتاب صنفه سماه: (عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة) وقد نقل هذا عنه أبو القاسم بن عساكر فيكتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري.
(قال أبو محمد: ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد، ويجب التعيين في الأصول، فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى، ومذهب الشيخ أبي الحسن تصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي، فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه، ومن هذا القبيل قوله: إنه لا صيغة للألفاظ، أي الكلام، وتقل وتعز
(2/109)

مخالفته أصول الشافعي ونصوصه، وربما نسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه، كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي القدرة على الخلق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم) قال: (وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه، فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه) .
قلت: هذه المسأئل فيها كلام ليس هذا موضعه، ولكن المقصود هنا: أنه جعل من القبيل الذي خالف فيه الشافعي وأعرض عنه فيه أصحابه: مسأل صيغ الألفاظ، وهذه هي مسألة الكلام، وقوله فيها هو قول ابن كلاب (إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس الله تعالى: إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وإن القرآن العربي لم يتكلم الله به، بل وليس هو كلام الله، وإنما خلقه في بعض الأجسام) .
وجمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار، وإن معاني القرآن ليست هي معاني التوراة، وليست معاني التوراة المعربة هي القرآن، ولا القرآن إذا ترجم بالعبرية هو التوراة، ولا حقيقة الأمر هي حقيقة الخبر.
(2/110)

وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل: أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، لا فعل ولا تكلم ولا غير ذلك، وقد تبين لهم فساد قول من يقول: (القرآن مخلوق) ولا يجعل لله تعالى كلاماً قائماً بنفسه، بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره، وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولاً منفصلاً عن المتكلم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه، بل إذا خلق الله شيئاً من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل، لا لله، فإذا خلق في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها، وكذلك إذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل هي الحي بها، وكذلك إذا خلق علماً أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر بها، فإذا خلق كلاماً في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به.
وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف مثل أهل الحديث والسنة، ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم.
ولازم هذا أن من قال: (إن القرآن العربي مخلوق) أن لا يكون القرآن العربي كلام الله، بل يكون كلاماً للمحل الذي خلق فيه، ومن
(2/111)

قال (إن لفظ الكلام يقع بالاشتراك على هذا وهذا) تبطل حجته على المعتزلة، فإن أصل الحجة أنه إا خلق كلاماً في محل كان الكلام صفة لذلك المحل، فإذا كان القرآن العربي كلاماً مخلوقاً في محل، كان ذلك المحل هو المتكلم به، ولم يكون كلام الله، ولهذا قال من قال: (لا يسمى كلاماً إلا مجازاً) فراراً من أن يثبتوا كلاماً حقيقياً قائماً بغير المتكلم به، فلما عظم شناعة الناس على هذا القول، وكان تسمية هذا كلاماً حقيقة معلوماً بالاضطرار من اللغة، أراد من ينصرهم أن يجعل لفظ الكلام مشتركاً، فأفسد الأصل الذي بنوا عليه قولهم.
وبإنكار هذا الأصل استطال عليهم من يقول بخلق القرآن من المعتزلة والشيعة والخوارج ونحوهم، فإن هؤلاء لما ناظرهم من سلك طريقة ابن كلاب - ومضمونها: أن الله لا يقدر على الكلام ولا يتكلم بما شاء ولا هو متكلم باختياره ومشيئته - طمع فيهم أولئك، لأن جمهور الخلق يعلمون أن المتكلم يتكلم بمشيئته واختياره، وهو قادر على الكلام، وهو يتكلم بما يشاء.
ولكن منشأ اضطراب الفريقين اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون
(2/112)

بإرادته وقدرته، فلزم هؤلاء - إذا جعلوا يتكلم بإرادته وقدرته واختياره - أن يكون كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه، ولزم هؤلاء - إذا جعلوه غير مخلوق - أن لا يكون قادراً على الكلام، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بما يشاء.
والمقصود هنا أن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلم لا بد أن يقوم به، فما لا يكون إلا بائناً عنه لا يكون كلامه، كما قال الأئمة: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وقالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، فقالوا: (منه بدأ) رداً على الجهمية الذين يقولون: بدأ من غيره، ومقصودهم أنه هو المتكلم به، كما قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} (الزمر: 1) وقال تعالى: {ولكن حق القول مني} (السجدة: 13) وأمثال ذلك.
ثم إنهم - مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا - اعتقدوا هذا الأصل، وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدوراً له متعلقاً بمشيئته، بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة، فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدوراً مراداً، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحداً، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفاً من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا
(2/113)

أن يقولوا (معنى واحداً) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم.
وأنكر الناس عليهم أموراً: إثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر، وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله، وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها، فإذا عبر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن، وأن الله لا يقدر أن يتكلم، ولا يتكلم بمشيئته واختياره، وتكليمه لمن كلمه من خلقه، كموسى وآدم، ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالتكليم هو خلق الإدراك فقط.
ثم منهم من يقول: السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود، فكل موجود يمكن أن يرى ويسمع، كما يقوله أبو الحسن ونحوه.
ومنهم من يقول: إنه يسمع ذلك المعنى من القارىء مع صوته المسموع منه كما يقول ذلك طائفة أخرى.
وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد
(2/114)

بالضرورة، وإنما ألجأ إليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
وكذلك من قال: (لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة، وهو لا يقدر على التكلم بها، ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل) من أهل الحديث والفقهاء والكلام المنتسبين إلى السنة، فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء أيضاً معلوم الفساد بالضرورة، وإنما ألجأهم إلى ذلك اعتقادهم أن الكلام لا يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته، مع علمهم بأن الكلام يتضمن حروفاً منظومة وصوتاً مسموعاً من المتكلم.
وأما من قال: (إن الصوت المسموع من القارىء قديم) أو: (يسمع منه صوت قديم ومحدث) فهذا أظهر فساداً من أن يحتاج إلى الكلام عليه.
وكلام السلف والأئمة والعلماء في هذا الأصل كثير منتشر، ليس هذا موضع استقصائه.

دلالة القرآن على مسألة أفعال الله تعالى
وأما دلالة الكتاب والسنة على هذا الأصل فأكثر من أن تحصر، وقد ذكر منها الإمام أحمد وغيره من العلماء في الرد على الجهمية ما جمعوه، كما ذكر الخلال في كتاب السنة، قال: (أخبرنا المروزي قال: هذا ما جمعه واحتج به أبو عبد الله على الجهمية من القرآن، وكتبه بخطه، وكتبته من كتابه، فذكر المروزي آيات كثيرة، دون ما ذكر الخضر بن أحمد بن عبد الله بن أحمد، وقال فيه: سمعت
(2/115)

أبا عبد الله يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع - يعني الجهمية -.
قال الخلال: وأنبأنا الخضر بن أحمد المثنى الكندي سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي، فيما احتج به على الجهمية، وقد ألف الآيات إلى الآيات في السور، فذكر آيات كثيرةً تدل على هذا الأصل، مثل قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة: 186) وقوله تعالى: {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (البقرة: 117) وقوله {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة} (البقرة: 174) وقوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} (المجادلة: 1) وقوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} (آل عمران: 181) وقوله تعالى: {إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم} إلى قوله تعالى - {كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (آل عمران 45 - 47) وقوله تعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن
(2/116)

فيكون} (آل عمران: 59) وقول تعالى {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة} (آل عمران: 77) وقوله تعالى {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك} (الأنعام: 73) .
{وكلم الله موسى تكليما} (النساء: 164) وقوله: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} (الأعراف: 143) .
{ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} (يونس: 19) .
{ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب} (هود: 110) .
{ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم} (الشورى: 21) ، {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود: 119) ، {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (يوسف: 3) ، وقوله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} (الكهف: 109) .
وقال تعالى: {فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} (طه: 11 - 14) إلى
(2/117)

قوله: - {إنني معكما أسمع وأرى} (طه: 46) ، {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني} (طه: 39) .
{ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} (طه: 129) .
{وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم} (الأنبياء: 83 - 84) .
وقوله: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} (الأنبياء: 87 - 88) .
قوله {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} (الأنبياء: 88 - 89) وقوله {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} (الفرقان: 59) ، وقوله: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها} (النمل: 80) .
وقوله: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} (القصص: 30) .
وقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 88) وقوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون}
(2/118)

(الصافات: 171 - 173) .
وقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} (الزمر: 67) .
وقول تعالى: {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (غافر: 68) .
{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر: 60) {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب} (الشورى: 14) .
{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} (الشورى: 51) ، وقوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} (الزخرف: 55) .
وقوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} (المجادلة: 1) .
قلت: وفي القرآن مواضع كثيرة تدل على هذا الأصل، كقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} (البقرة: 29) ، وقوله: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} إلى قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} (فصلت: 9 - 11) ، وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} (البقرة: 210) وقوله: {هل
(2/119)

ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} (الأنعام: 158) ، وقوله: {وجاء ربك والملك صفا} (الفجر: 22) ، وقوله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} (التوبة: 105) ، وقوله: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} (يونس: 14) ، وقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} (الأعراف: 54) في غير موضع في القرآن، وقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) .
وقوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} (الإسراء: 16) ، وقوله تعالى: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} (الرعد: 11) .
وقوله تعالى: {كل يوم هو في شأن} (الرحمن: 29) ، وقوله تعالى: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} (القصص: 65) ، وقوه تعالى: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} (القصص: 62) ، {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} (الشعراء: 10) ، {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} (الأعراف: 22) ، وقوله
(2/120)

تعالى: {قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} (الشعراء: 15) ، وقوله: {سلام قولا من رب رحيم} (يس: 58) وقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} (الزمر: 23) ، وقوله: {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} (الجاثية: 6) ، وقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} (المرسلات: 50) ، وقوله: {ومن أصدق من الله حديثا} (النساء: 87) .
وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى، بل يدخل في ذلك عامة ما أخبر الله به من أفعاله، لا سيما المرتبة، كقوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} (الضحى: 5) ، وقوله: {فسنيسره لليسرى} (الليل: 10) ، وقوله: {إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم} (الغاشية: 25 - 26) ، وقوله: {إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه} (القيامة: 17 - 19) ، وقوله: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} (الانشقاق: 8) ، وقوله: {أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا} (عبس: 25 - 26) .
وقوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} (الروم: 27) ، وقوله {ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين} (المرسلات: 16 - 17) ونحو ذلك.
(2/121)

لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول، والخلق ليس هو المخلوق، وهو قول جمهور الناس على اختلاف أصنافهم، وقد قرر هذا في غير هذا الموضع.
ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: إن الفعل قديم لازم للذات لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ومنهم من يقول: يتعلق بمشيئته وقدرته، وإن قيل إن نوعه قديم، فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص.
وإذا تأول من ينازعهم أن المتجدد إنما هو المفعول المخلوق فقط من غير تجدد فعل، كان هذا بمنزلة من يتأول نصوص الإرادة والحب والبغض والرضا والسخط، على أن المتجدد ليس أيضاً إلا المخلوقات التي تراد وتحب وترضى وتسخط، وكذلك نصوص القول والكلام والحديث، ونحو ذلك: على أن المتجدد ليس إلا إدراك الخلق لذلك، وتأويل الإتيان والمجيء على أن المتجدد ليس إلا مخلوقاً من المخلوقات.
فهذه التأويلات كلها من نمط واحد، ولا نزاع بين الناس أنها خلاف المفهوم الظاهر الذي دل عليه القرآن والحديث.
(2/122)

ثم ملاحدة الباطنية يقولون: إن الرسل أرادو إفهام الناس ما يتخيلونه، وإن لم يكن مطابقاً للخارج، ويجعلون ذلك بمنزلة ما يراه النائم، فتفسير القرآن عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها، كرؤيا يوسف والملك، بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقاً لباطنها.
وأما المسلمون من أهل الكلام النفاة فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا، فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها، وإما أن يقولوا: ما ندري ما أراد، فهم إما في جهل بسيط أو مركب، ومدار هؤلاء كلهم على أن العقل عارض ما دلت عليه النصوص.
وقد بين أهل الإثبات أن العقل مطابق موافق لما أخبرت به النصوص، ودلت عليه، لا معارض له، لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر، فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من النصوص على ما ترك، ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك مناقضةً لا حيلة لهم فيها، وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاؤه من أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات وغير أفعاله.
ولولا ما وقع في كلام الناس من الالتباس والإجمال لما كان يحتاج أن يقال: الأفعال مفعول ليس هو
(2/123)

نفس المفعول، ولكن النفاة عندهم أن المخلوقات هي نفس فعل الله، ليس له فعل عندهم إلا نفس المخلوقات فلهذا احتيج إلى البيان.
ومما يدل على هذا الأصل ما علق بشرط، كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق: 2 - 3) وقوله: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} (آل عمران: 31) وقوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} (الأنفال: 29) وقوله: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} (الطلاق: 1) وقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله} (الكهف: 23 - 24) وقوله تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله} (محمد: 28) .
وفي الجملة هذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر.

دلالة السنة على أفعال الله تعالى
وكذلك في الأحاديث المستفيضة الصحيحة المتلقاة بالقبول، كقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه «ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» وقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم
(2/124)

الليلة؟» .
وقوله في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» .
وقوله: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات كجر السلسة على الصفا» وقوله: «إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة» .
وقوله في حديث التجلي: «فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» .
وقوله: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت
(2/125)

شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا براحلته» وهذا الحديث مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من غير وجه، من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأنس وغيرهم.
وقوله: «يضحك الله إلى رجلين أحدهما صاحبه، كلاهما يدخل الجنة» وفي حديث آخر من يدخل الجنة «قال: فيضحك الله منه» وقوله «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان» .
وفي حديث «قسمت الصلاة بيني وبين
(2/126)

عبدي نصفين، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} ، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال: أثنى علي عبدي.
فإذا قال: مالك يوم الدين، قال مجدني عبدي» ، وقوله صلى الله عليه وسلم «يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً» وقوله صلى الله عليه وسلم «ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» .
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأنصاري الذي أضاف رجلاً وآثره على نفسه وأهله، فلما أصبح الرجل غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «لقد ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما»
(2/127)

وأنزل الله تبارك وتعالى {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (الحشر: 9) وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين.
وفي السنن من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الركوب على الدابة، قال: فقلت «يا رسول الله من أي شيء تضحك؟ قال: ربك يضحك إلى عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» وفي لفظ: «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» وفي حديث أبي رزين عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب، فقال له أبو رزين: أو يضحك الرب؟ قال نعم، فقال لن نعدم من رب يضحك خيراً» .
وفي الصحيحين وغيرهما - في حديث التجلي الطويل المشهور الذي
(2/128)

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة - فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وفي مسلم من حديث جابر، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود وغيره، قال في حديث أبي هريرة «قال: أو لست قد أعطيت العهود والمواثيق: أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك! فيضحك الله تبارك وتعالى منه، ثم يأذن له في دخول الجنة» .
وفي صحيح مسلم «عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن آدم، أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزىء بي، وأنت رب العالمين؟ وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تسألوني: مم ضحكت؟ فقالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين،
(2/129)

حين قال: أتستهزىء بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزىء بك، ولكني على ما أشاء قادر» .
وفي لصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد» .
وفي الصحيح أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم قال «عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» .
وفي حديث معروف: «لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته» .
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون» - وفي لفظ:
(2/130)

«مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء» .
وفي الصحيح أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله لا ينظر صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً في أصحابه إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس، وأما رجل فجلس، يعني خلفهم، وأما رجل فانطلق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل أوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه» .
وعن سلمان الفارسي موقوفاً ومرفوعاً قال: «إن الله يستحي أن
(2/131)

يبسط العبد يديه إليه يسأله فيهما خيراً فيردهما صفراً خائبتين» .
وفي الصحيح عنه، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» .
وفي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة: إنا لنكره الموت؟ قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكرامته، وإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره
(2/132)

الموت بشر بعذاب الله وسخطه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاء» .
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول عز وجل: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال:
(2/133)

أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً» .
وفي الصحيحين عن أنس قال: أنزل علينا - ثم كان من النسوخ -: أبلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا.
وفي حديث «عمرو بن مالك الرواسي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، ارض عني، قال: فأعرض عني، ثلاثاً، قال: قلت: يا رسول الله، إن الرب ليرضى فيرضى، فارض عني، فرضي عني» .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان» .
(2/134)

وفي الصحيحين «عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله وهو حينئذ يشير إلى رباعيته» .
وقال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» .
وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، فيقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم
(2/135)

يخرج الملك الصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» .
وفي الصحيح «عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
وفي حديث آخر: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده» .
وفي الصحيحين عن أنس في حديث الشفاعة «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول لي: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع» وذكر مثل هذا ثلاث مرات.
(2/136)

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» .
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سيارة فضلاً عن كتاب الناس، سياحين في الأرض، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيجيئون حتى يحفون بهم إلى السماء الدنيا، قال: فيقول الله عز وجل: أي شيء تركتم عبادي
(2/137)

يصنعون؟ قال: فيقولون: تركناهم يحمدونك ويسبحونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، قال: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تمجيداً وأشد ذكراً، قال: فيقول: فأي شيء يطلبون؟ قالوا يطلبون الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً، قال: فيقول: من أي شيء يتعوذون؟ قال: فيقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها تعوذاً وأشد منها هرباً، قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال فيقولون: إن فيهم فلانا الخطاء، لم يردهم، إنما جاء في حاجة، قال: فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله
(2/138)

إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وقال في البغض مثل ذلك.
وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت له ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت
(2/139)

بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن رجلاً أصاب ذنباً، فقال: رب، إني قد أصبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر، فقال: أي رب، إني قد أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليعمل ما يشاء» .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله الأرض ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» .
(2/140)

وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤية قال فيه: «فيلقى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل - فذكر مثل ما قال الأول - ويلقى الثالث فيقول: آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول: فههنا إذن، قال: ثم يقال: ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ما كان ذلك، ليعذر من نفسه، وذلك المنافق» وذكر الحديث.
(2/141)

وفي صحيح مسلم «عن أنس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك، قال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: فكفى بنفسك عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي بأعماله، فتنطق بأعماله قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» .
وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول له: قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك» .
(2/142)

وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم يارب، فيقرره، ثم يقول: قد سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله: {هاؤم اقرؤوا كتابيه} وأما الكفار والمنافقون فينادون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» .
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب كيف أعدك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، ويقول: يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، فيقول: أي رب، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول تبارك وتعالى: أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟ قال: ويقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: أي رب وكيف أطعمك، وأنت
(2/143)

رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي» .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك.
فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قال: فيقولون: يارب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» وهذا فيه ذكر المخاطبة وذكر الرضوان جميعاً.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجاً من النار: رجل يخرج حبواً، فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: إن الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يعيد: الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات» .
(2/144)

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين على مال امرئ.
مسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد العصر: أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي، وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء، يقول الله اليوم أمنعك من فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» .
وفي صحيح مسلم «عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يارسول الله؟ قال: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» .
(2/145)

وهذا الحديثان فيهما نفي التكليم والنظر عن بعض الناس.
كما نفى القرآن مثل ذلك، وأما نفي التكليم وحده ففي غير حديث.
وهذا الباب في الأحاديث كثير جداً يتعذر استقصاؤه.
ولكن نبهنا ببعضه على نوعه، والأحاديث جاءت في هذا الباب كما جاءت الآيات مع زيادة تفسير في الحديث، كما أن أحاديث الأحكام تجيء موافقة لكتاب الله، مع تفسيرها لمجمله، ومع ما فيها من الزيادات التي لا تعارض القرآن، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهم من آيات الله والحكمة، وامتن على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته وزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، و «قال النبي صلى الله عيه وسلم: ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» .
وفي رواية: «ألا إنه مثل القرآن أو أكثر» .
فالحكمة التي أنزلها الله عليه مع القرآن، وعلمها لأمته، تتناول ما تكلم به في الدين من غير القرآن من أنواع الخبر والأمر، فخبره موافق
(2/146)

لخبر الله، وأمره موافق لأمر الله، فكما أنه يأمر بما في الكتاب أو بما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب، فهو أيضاً يخبر بما في الكتاب وبما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب، فجاءت أخباره في هذا الباب يذكر فيها أفعال الرب: كخلقه ورزقه وعدله وإحسانه وإثابته ومعاقبته، ويذكر فيها أنواع كلامه وتكليمه لملائكته وأنبيائه وغيرهم من عباده، ويذكر فيها ما يذكره من رضاه وسخطه، وحبه وبغضه، وفرحه وضحكه، وغير ذلك من الأمور التي تدخل في هذا الباب.
والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام:

الناس في مسألة أفعال الله تعالى ثلاثة أقسام
الجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم، يجعلون هذا كله مخلوقاً منفصلاً عن الله تعالى.
والكلابية ومن وافقهم، يثبتون ما يثبتون من ذلك: إما قديماً بعينه لازماً لذات الله، وإما مخلوقاً منفصلاً عنه.
وجمهور أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام، يقولون: بل هنا قسم ثالث قائم بذات الله متعلق بمشيئته وقدرته، كما دلت عليه النصوص الكثيرة.
(2/147)

ثم بعض هؤلاء قد يجعلون نوع ذلك حادثاً، كما تقوله الكرامية، وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثاً، بل قديماً، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه، فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه ولا يدوم كل واحد واحد من الأعيان الفانية، ومن الأعيان الحادثة ما لا يفنى بعد حدوثه، كأرواح الآدميين، فإنها مبدعة، كانت بعد أن لم تكن، ومع هذا فهي باقية دائمة.
والفلاسفة تجوز مثل ذلك في دوام النوع دون أشخاصه، لكن الدهرية منهم ظنوا أن حركات الأفلاك من هذا الباب، وأنها قديمة النوع، فاعتقدوا قدمها، وليس لهم على ذلك دليل أصلاً، وعامة ما يحتجون به إبطال قول من لا يفرق بين حدوث النوع وحدوث الشخص، ويقولون: إنه يلزم من حدوث الأعيان حدوث نوعها، ويقولون: إن ذلك كله حدث من غير تجدد أمر حادث.
وهذا القول إذا بطل كان بطلانه أقوى في الحجة على الدهرية في إفساد قولهم، وفي صحة ما جاء به الكتاب والسنة، كما تقدم بيانه، وإن لم يبطل بطل قولهم.
(2/148)

فالمعقول الصريح موافق للشرع متابع له كيف ما أدير الأمر، وليس في صريح المعقول ما يناقض صحيح المنقول، وهو المطلوب.
ومن المعلوم: أن أصل الإيمان تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنه لا يجوز أن يكون ثم دليل لا عقلي ولا غير عقلي يناقض ذلك، وهذا هو المطلوب هنا.
ولكن أقواماً ادعوا معارضة طائفة من أخباره للمعقول.

أصل خطأ المبتدعة في هذه المسألة
وأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان: أن أقواماً من أهل النظر والكلام أرادوا نصرة ما اعتقدوا أنه قوله بما اعتقدوه أنه حجة، ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها، وتلك اللوازم تنافض كثيراً من أخباره.
وهؤلاء غلطوا في المنقول والمعقول جميعاً، كما اعتقدت المعتزلة وغيرهم من الجهمية نفاة الصفات والأفعال أنه أخبر أن كل ما سوى الذات القديمة المجردة عن الصفات محدث الشخص والنوع جميعاً، وظنوا أن، هذا من التوحيد الذي جاء به، واحتجوا على ذلك بما يستلزم حدوث كل ما قامت به صفة وفعل، وجعلوا هذا هو الطريق إلا إثبات وجوده ووحدانيته وتصديق رسله، فقالوا: إن كلامه مخلوق، خلقه في غيره، لم يقم به كلام، وإنه لا يرى في الآخرة، ولا يكون مبايناً للخلق، ولا بقوم به علم ولا قدرة ولا غيرهما من الصفات، ولا
(2/149)

فعل من الأفعال، لا خلق للعالم ولا استواء ولا غير ذلك، فإنه لو قام به فعل أو صفة لكان موصوفاً محلاً للأعراض، ولو قام به فعل يتعلق بمشيئته للزم تعاقب الأفعال ودوام الحوادث، وإذا جوزوا دوام النوع الحادث أو قدمه بطل ما احتجوا على ما ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به.
وهم مخطئون في المنقول والمعقول.
أما المنقول: فإن الرسول لم يخبر قط بقدم ذات مجردة عن الصفات والأفعال، بل النصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات والأفعال.
وهذا معلوم بالضرورة لمن سمع الكتاب والسنة، وهم يسلمون أن هذا هو الذي يظهر من النصوص، ولكن أخبر عن الله بأسمائه الحسنى وآياته المثبتة لصفاته وأفعال، وأنه: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} (الفرقان: 59) .
فمن قال: إن الأفلاك قديمة أزلية فقوله مناقض لقول الرسول صلى الله عليه وسلم بلا ريب، كما أن من قال (إن الرب تعالى لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا فعل) فقوله مناقض لقول الرسول، وليس مع واحد منهما عقل صريح يدل على قوله، بل العقل الصريح مناقض لقوله، كما قد بين في موضعه من وجوه كثيرة، مثل ما يقال: إن العقل الصريح يعلم أن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ممتنع، كإثبات
(2/150)

علم بلا عالم وقدرة بلا قادر.
وأعظم امتناعاً من ذلك أن يكون العلم هو العالم، والعلم هو القدرة، فهذا قول نفاة الصفات.
وأما القائلون بقدم العالم فقولهم يستلزم امتناع حدوث حادث، فإن القديم إما واجب بنفسه أو لازم للواجب بنفسه، ولوازم الواجب لا تكون محدثة ولا مستلزمة لمحدث، فالحوادث ليست من لوازمه، وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده على حدوث سبب حادث، فإذا كان القديم الواجب نفسه، أو اللازم للواجب، لا يصدر عنه حادث - امتنع حدوث الحوادث، وهذا حقيقة قولهم، فإنهم يزعمون أن العالم له علة قديمة موجبة له، وهو لازم لعلته، وعلته عندهم مستلزمة لمعلولها ومعلول معلولها، فيمتنع أن يحدث شيء في الوجود، إذ الحادث المعين يكون لازماً للقديم بالضرورة واتفاق العقلاء.
وإذا قالوا: (يجوز أن يحدث عن الواجب بنفسه حادث بواسطة) قيل: الكلام في تلك الواسطة كالكلام في الأول، فإنها إن كانت قديمة لازمة له لزم قدم المعلولات كلها، وإن كانت حادثة فلا بد لها من سبب حادث.
وإذا قالوا: (كل حادث مشروط بحادث قبله لا إلى أول) .
قيل لهم: فليست أعيان الحوادث من لوازم الواجب بنفسه، وإذا كان النوع من لوازم الواجب امتنع وجود الواجب بنفسه بدون النوع، ونوع الحوادث ممكن بنفسه ليس فيه واجب بنفسه، فيكون نوع الحوادث صادراً عن الواجب بنفسه، فلا يجب قدم شيء معين من أجزاء العالم، لا الفلك ولا غيره، وهو نقيض قولهم.
(2/151)

وإذا قالوا: (نوع الحوادث لازم لجرم الفلك والنفس، وهذان لازمان للعقل، وهو لازم للواجب بنفسه) .
قيل لهم: فذاته مستلزمة لنوع الحوادث، سواء كان بوسط أو بغير وسط، والذات القديمة المستلزمة لمعلولها لا يحدث عنها شيء، لا بوسط ولا بغير وسط، سواء كان الحادث نوعاً أو شخصاً، لأن النوع الحادث يمتنع مقارنته لها، كما تمتنع مقارنة الشخص الحادث لها، لأن النوع الحادث إنما يوجد شيئاً فشيئاً، والمقارن لها قديم معها لا يوجد شيئاً فشيئاً، فبطل أن تكون الحوادث صادرة عن علة تامة مستلزمة لنوعها المقترن بعضه ببعض أو شخص منها، فبطل أن يكون العالم صادراً عن علة موجبة له، كما بطل وجوبه بنفسه، وهو المطلوب.
ومما يبين ذلك: أن القديم يستلزم قدم موجبه، أو وجوبه بنفسه، فإن القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره، إذ الممكن الذي لا موجب له لا يكون موجوداً، فضلاً عن أن يكون قديماً، بالضرورة واتفاق العقلاء، وإذا كان واجباً بغيره فلا بد أن يكون الموجب له قديماً، بالضرورة واتفاق العقلاء، وإذا كان واجباً بغيره فلا بد أن يكون الموجب له قديماً، ولا يكون موجباً له حتى تكون شروط الإيجاب قديمة أيضاً، فيمتنع أن يكوم موجب القديم أو شرط من شروط الإيجاب حادثاً، لأن الموجب المقتضي للفاعل المؤثر يمتنع أن يتأخر عن موجبه
(2/152)

الذي هو مقتضاه وأثره، وهذا معلوم بالضرورة، ومتفق عليه بين العقلاء.
وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون جميع العالم واجباً بنفسه، إذ لو كان كذلك لم يكن في الموجودات ما هو حادث، لأن الحادث كان معدوماً، وهو مفتقر إلى محدث يحدث، فضلاً عن أن يكون واجباً بنفسه.
فثبت أن في العالم ما ليس بواجب، والواجب بغيره لا بد له من موجب تام مستلزم لموجبه، والموجب التام لا يتأخر عنه شيء من موجبه ومقتضاه، فيمتنع صدور الحوادث عن موجب تام، كما يمتنع أن تكون هي واجبة بنفسها، وإذا لم تكن واجبة ولا صادرة عن علة موجبة فلا بد لها من فاعل ليس موجباً بذاته، وإذا كان غاية ما يقولون: إن العالم صادر عن علة موجبة بنفسها بغير واسطة أو بوسائط لازمة لتلك العلة، فعلى هذا التقدير: يمتنع حدوث الحوادث عنه، فإن لم يكن للحوادث فاعل غيره، وإلا لزم حدوثها بلا محدث، وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
فتبين أن للحوادث محدثاً ليس هو مستلزماً لموجبه ومقتضاه، فامتنع أن يكون محدث الحوادث علة مستلزمة لمعلولها، أو أن يكون شيئاً من
(2/153)

معلولاتها، وهم يقولون: إن العالم صادر عن علة مستلزمة لمعلولها، وكل ما سواها معلول لها، وهذا مما تبين بطلانه بالضرورة.
ومن قال: (إن مجموع أجزاء العالم واجبة أو قديمة) فقوله معلوم الفساد بالضرورة.
ومن قال: (إن الحوادث صادرة عن جزء منه واجب) فقوله أيضاً معلوم الفساد، سواء جعل ذلك الجزء الأفلاك أو بعضها، لوجهين:
أحدهما: أن ذلك الجزء الذي هو واجب بغيره إذا كان علة تامة لغيره لزم أيضاً قدم معلوله معه، فيلزم أن لا يحدث شيء، وإن كان ذلك الجزء الواجب ليس هو علة تامة، امتنع صدور شيء عن غير علة تامة، ولو قدر إمكان الحدوث عن غير علة تامة أمكن حدوث كل ماسوى الله، فعلى كل تقدير قولهم باطل.
الوجه الثاني: أنه من المعلول أنه ليس شيء من أجزاء العالم مستقلاً بالأبداع لغيره من أجزائه، وإن قيل: (إن بعض أجزائه سبب لبعض) فتأثيره متوقف على سبب آخر، وعلى إنتفاء موانع، فلا يمكن أن يجعل شيء من أجزاء العالم رباً واجباً بنفسه، قديماً مبدعاً لغيره، والحوادث لا بد لها من رب واجب بنفسه قديم مبدع لغيره، وليس شيء من أجزاء العالم مما يمكن ذلك فيه، فعلم أن الرب تعالى خارج عن العالم وأجزائه وصفاته، وهذا كله مبسوط في موضع آخر.
(2/154)

والمقصود هنا بيان أنه ليس في المعقول ما يناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد علم أن المدعين لمعقول يناقضه صنفان:
صنف يجوزون عليه وعلى غيره من الرسل فيما أخبروا به عن الله تعالى وبلغوه إلى الأمم عن الله تعالى الكذب عمداً أو خطأ، أو أن يظهر نقيض ما يبطن، كما يقول ذلك من يقوله من الكفار بالرسل، ومن المظهرين لتصديقهم، كالمنافقين من المتفلسفة والقرامطة والباطنية ونحوهم ممن يقول بشيء من ذلك.
وصنف لا يجوزون عليهم ذلك، وهذا هو الذي يقوله المتكلمون المنتسبون إلى الإسلام على اختلاف أصنافهم.
والمبتدعة من هؤلاء مخطئون في السمع وفي العقل، ففي السمع حيث يقولون على الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل عمداً أو خطأ، وفي العقل حيث يقررون ذلك بما يظنونه براهين، وإذا كانت الدعوى خطأ لم تكن حجتها إلا باطلة، فإن الدليل لازم لمدلوله، ولازم الحق لا يكون إلا حقاً، وأما الباطل فقد يلزمه الحق، فلهذا يحتج على الحق بالحق تارة وبالباطل تارة، وأما الباطل فلا يحتج عليه إلا بباطل، فإن حجته لو كانت حقاً لكان الباطل لازماً للحق، وهذا لا يجوز،
(2/155)

لأنه يلزم من ثبوت الملزوم ثبوت اللازم، فلو كان الباطل مسلتزلماً للحق لكان الباطل حقاً، فإن الحجة الصحيحة لا تستلزم إلا حقاً، وأما الدعوى الصحيحة: فقد تكون حجتها صحيحية، وقد تكون باطلة.
ومن أعظم ما بنى عليه المتكلمة النافية للأفعال وبعض الصفات أو جميعها أصولهم التي عارضوا بها الكتاب والسنة: هي هذه المسألة، وهي نفي قيام ما يشاؤه ويقدر عليه بذاته من أفعاله وغيرها.

كلام الرازي والآمدي عن أدلة النفاة
وقد ذكر أبو عبد الله الرازي - هو وأبو الحسن الآمدي ومن اتبعهما - أدلة نفاة ذلك، وأبطلوها كلها، ولم يستدلوا على نفي ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل حدوثها نقصاً، وإن كان نقصاً اتصافه بالنقص، والله تعالى منزه عن ذلك.
وهذه الحجة ضعيفة، ولعلها أضعف مما ضعفوه، ونحن نذكر ما
(2/156)

ذكره أبو عبد الله ابن الخطيب في ذلك في أجل كتبه الكلامية الذي سماه نهاية العقول في دراية الأصول وذكر أنه أورد فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، من الموافقين والمخالفين، ووصفه بصفات تطول.
قال: (وهذا كله لا يعلمه إلا من تقدم تحصيله لأكثر كلام العلماء، وتحقق وقوفه على مجامع بحث العقلاء، من المحقين والمبطلين، والموافقين والمخالفين) .
قال: (فإنني قلما
(2/157)

تكلمت فيه في المبادىء والمقدمات، بل أكثر العناية كان مصروفاً إلى تلخيص النهايات والغايات) .
وقال في هذا الكتاب: (الأصل الثاني عشر، وهو ما يستحيل على الله) قال: (المسألة الرابعة في أنه يستحيل عليه أن يكوم محلاً للحوادث، واتفقت الكرامية على تجويز ذلك، وأما تجدد الأحوال: فالمعتزلة اختلفوا في تجويزه، مثل المدركية والسامعية والمبصرية والمريدية والكارهية، وأما أبو الحسين البصري فإنه أثبت تجدد العالميات في ذاته) .
قال: (وأما الفلاسفة فمع أنهم في المشهور أبعد الناس عن هذا المذهب، ولكنهم يقولون بذلك من حيث لا يعرفونه، فإنه يجوزون
(2/158)

تجدد الإضافات على ذاته، مع أن الإضافة عندهم عرض وجودي، وذلك يقتضي كون ذاته موصوفة بالحوادث، وأما أبو البركات البغدادي فقد صرح باتصاف ذاته بالصفات المحدثة) .
قلت: أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة: ما يجده في كتب أبي الحسين البصري، وصاحبه محمود الخوارزمي، وشيخه عبد الجبار الهمداني ونحوهم، وفي كلام الفلاسفة: ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما، وفي مذهب الأشعري: يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه كتب القاضي أبي بكر وأمثاله، وهو ينقل أيضاً من كلام الشهرستاني وأمثاله.
وأما كتب القدماء كـ أبي الحسن الأشعري وأبي محمد بن كلاب وأمثالهما، وكتب قدماء المعتزلة والنجارية والضرارية ونحوهم، فكتبه تدل على أنه لم يكن يعرف ما فيها، وكذلك مذهب طوائف الفلاسفة المتقدمين، وإلا فهذا القول الذي حكاه عن أبي البركات هو قول أكثر قدماء الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، وقول كثير منهم، كما نقل ذلك أرباب المقالات عنهم، فنقل أرباب المقالات الناقلون لاختلاف الفلاسفة في الباري ما هو؟ قالوا: قال سقراط وأفلاطون وأرسطو: إن الباري لا يعبر
(2/159)

عنه إلا بهو فقط، وهو الهوية المحضة غير المتكثرة، وهي الحكمة المحضة والحق المحض، وليست لله صورة مثل الصورة التي تكترث في العنصر، وهو الأيس الذي لا يحيط به الذهن ولا العقل، ولا يجوز عليه التغير ولا الصفة ولا العدد ولا الإضافة ولا الوقت ولا المكان ولا الحدود، ولا يدرك بالحواس ولا بالعقول من جهة غاية الكنه، ولكن بأنه واحد أزلي ليس باثنين، لأنا إن أوقعنا عليه العدد لزمته التثنية، وإن أوقعنا عليه الإضافة لزمه الزمان والمكان والقبل والبعد، وإن أوقعنا عليه المكان لزمه الحدود، وجعلناه متنايهاً إلى غيره، وقال تاليس
(2/160)

وبلاطرخس ولوقيوس وكسيفايس وأنبذقليس جميعاً: إن الباري واحد ساكن، غير أن أنبذقليس قال: إنه متحرك بنوع سكون، كالعقل المتحرك بنوع سكون، فذلك جائز، لأن العقل إذا كان مبدعاً فهو متحرك بنوع سكون، فلا محالة أن المبدع متحرك
(2/161)

بسكون، لأنه علة، قالوا: وشايعه على هذا القول فيثاغورس ومن بعده إلى زمن أفلاطون.
وقال زينون وديمقراط وساغوريون: إن الباري
(2/162)

متحرك في الحقيقة، وإن حركته فوق الذهن، فليس زوالاً.
قالوا: وقال تاليس - وهو أحد أساطين الحكمة -: إن صفة الباري لا تدركها العقول إلا من جهة آثاره، فأما من جهة هويته: فغير مدرك له صفة من نحو ذاته، بل من نحو ذواتنا، وكان يقول: أبدع الله العالم لا لحاجة إليه، بل لفضله، ولولا ظهور أفاعيل الفضيلة لم يكن ههنا وجود، وكان يقول: إن فوق السماء عوالم مبدعة أبدعها من لا تدرك العقول كنهه.
وقال فيثاغورس نحو قال تاليس: لا يدرك من جهة النفس، هو فوق الصفات العلوية الروحانية، غير مدرك بجوهريته، بل من قبل آثاره في كل عالم، فيوصف وينعت بقدر ظهور تلك الآثار في ذلك العالم، وهو الواحد الذي رامت العقول إدراك معرفته عرفت أن ذواته مبدعة مسبوقة مخلوقة.
(2/163)

قالوا: وقال انكسيمانس نحو مقالة هذين، غير أنه يجوز لقائل أن يقول: إن الباري يتحرك بحركة فوق هذه الحركات.

كلام ابن ملكا
قلت: وكذلك أبو البركات في المعتبر حكى المقالتين عن غيره، بل عن القائلين بقدم العالم، فقال: (قال القائلون بالحدوث للقدميين: فإذا كان الله لم يزل جواداً خالقاً قديماً في الأزل، فالحوادث في العالم كيف وجدت؟ أعن القديم أم عن غيره؟ فإن قلتم: هو خالقها، وعنه صدر وجودها، فقد قلتم بأن القديم خلق المحدث، وأراد خلقه بعد أن لم يرد، وإن قلتم: إن غيره فعل الحوادث، فقد أشركتم بعد ما بالغتم في التوحيد لواجب الوجود بذاته) .
قال: (فقال القدميون: بل الخالق الأول الواحد القديم هو خالق المخلوقات بأسرها من قديم وحديث، وحده لا شريك له في
(2/164)

وجوده وخلقه وملكه وأمره، وتشعب رأيهم في ذلك إلى مذهبين: فمنهم من قال: إنه خلق الأشياء القديمة دائمة الوجود بدوام وجوده والحوادث شيئاً بعد شيء، أراد فخلق، وخلق فأراد، أوجب خلقه إرادته، وأوجب إرادته خلقه.
مثال ذلك: أنه أراد خلق آدم الذي هو الأب فخلقه وأوجده، وأراد بوجود الأب وجود الابن، أراد فجاد، وجاد فأراد، إرادة بعد إرادة لموجود بعد موجود، فإذا قلتم: لم أوجد؟ قيل: لأنه أراد فجاد، ولم أراد؟ قيل: لأنه أوجد، فوجود الحوادث يقتضي بعضها بعضاً من وجوده السابق واللاحق.
فإن قالوا: كيف تحدث له الإرادة؟ وكيف يكون له حال منتظرة تكون بعد أن لم تكن؟ وكيف يكون محل الحوادث؟ قيل: وكيف يكوم محلاً لغير الحوادث؟ أعني الإرادة القديمة.
(2/165)

فإن قيل: لإنها له منه.
قيل: والإرادات له منه.
فإن قيل: الإرادة القديمة له في قدمه.
قيل: والحديثة له في قدمه، لأن السابق من وجوده بالإرادة السابقة أوجب عنده إرادة لاحقة، فأحدث خلقاً بعد خلق بإرادة بعد إرادة وجبت في حكمته من خلقه بعد خلقه، فاللاحق من إرادته وجب عن سابق إرادته بتوسط مراداته، وهكذا هلم جراً) .
قال: (والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الأرادة القديمة، في كونه محلاً لها، لكنه لا وجه لهذا التنزيه، كما سنتكلم عليه في فصل العلم، إذا قلنا في علمه: لم يعلم؟ وكيف يعلم؟.
قال: (فهذا أحد المذهبين) قال:، (وأما المذهب
(2/166)

الآخر: فإن أهله يقولون إن كل حادث يتجدد بعد عدمه، فله سبب يوجب حدوثه، وذلك السبب حادث أيضاً، حتى ترتقي أسباب الحوادث إلى الحركة الدائمة في المتحركات الدائمة) وساق تمام قول هؤلاء، وهو قول أرسطو وأتباعه.
وقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة هو أرسطو، وأما أساطين الفلاسفة قبله فلم يكونوا يقولون بقدم صورة الفلك، وإن كان لهم في المادة أقوال أخر، وقد بسط الكلام على هذا الأصل في مسألة العلم وغيره لما رد على من زعم أنه لا يعلم الجزئيات، حذراً من التغير والتكثر في ذاته، وذكر حجة أرسطو وابن سينا ونقضها.
وقال: (فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الإغيار والكثرة بكثرة المدركات، فجوابه المحقق: أنه لا يتكثر بذلك تكثراً في ذاته، بل في إضافاته ومناسباته، وتلك مما لا يعيد الكثرة على هويته
(2/167)

وذاته، ولا الوحدة التي أوجبت وجوب وجوده بذاته ومبدئيته الأولى التي بها عرفناه، وبحسبها أوجبنا له ما أوجبنا، وسلبنا عنه ما سلبنا، هي وحدة مدركاته ونسبه وإضافاته، بل إنما هي وحدة حقيقته وذاته وهويته) .
قال: (ولا تعتقدن أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاته قيلت على طريق التنزيه، بل لزمت بالبرهان عن مبدئيته الأولى ووجوب وجوده بذاته والذي لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته، لا مدركاته وإضافاته، فأما أن يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي (لا معنى في نفس الذات، وذلك مما لم تطبله الحجة، ولم يمنعه البرهان، ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له، بل التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى) .
وتكلم على قول أرسطو، إذ قال: من المحال أن يكون كماله بعقل غيره، إذ كان جوهراً في الغاية من الإلهية والكرامة والعقل
(2/168)

فلا يتغير، والتغير فيه انتقال إلى الأنقص، وهذا هو حركة ما، فيكون هذا العقل ليس عقلاً بالفعل، لكن بالقوة، فقال أبو البركات: (ما قيل في منع التغير مطلقاً حتى يمنع التغير في المعارف والعلوم: فهو غير لازم في التغير مطلقاً، بل هو غير لازم البتة، وإن لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام، مثل الحرارة والبرودة، وفي بعض الأوقات، لا في كل حال ووقت، ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها المعرفة والعلم دون الأجسام، فإنه يقول: إن كل تغير وانفعال فإنه يلزم أن يتحرك قبل ذلك التغير حركة مكانية) .
قال: (وهذا محال، فإن النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم من غير أن تتحرك على المكان، على رأيه، فإنه لا يعتقد فيها أنها مما يكون في مكان البتة، فكيف أن تتحرك فيه؟ وإنما ذلك للأجسام في بعض التغيرات والأحوال، كالتسخن والتبرد، ولا يلزم فيهما أبداً،
(2/169)

وإنما ذلك فيما يصعد بالبخار من الماء ويتدخن من الأرض من الأجزاء التي هي كالهباء دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة التي تحمى حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك، والماء يسخن سخونة كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر وإنما يتبخر منه بعض الأجزاء، ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة، لا قبلها: كما قال: إن جميع هذه هي حركات توجد بأخرة بعد الحركات المكانية، وفيما عدا ذلك فقد يسود الجسم ويبيض هو في مكانه لم يتحرك قبل الاستحالة ولا بعدها، فما لزم هذا في كل جسم، بل في بعض الأجسام، ولا في كل حال ووقت، بل في بعض الأحوال والأوقات، ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال، بل على طريق التبع، ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات النفسانية، ولو لزم التغيرات النفسانية ايضاً لما لزم انتقال الحكم فيه إلى التغيرات في المعارف والعلوم والعزائم والإرادات، فالحكم الجزئي لا يلزم كلياً، ولا يتعدى من البعض إلى البعض، وإلا لكانت الأشياء على حالة واحدة) .
وبسط الكلام في مسألة العلم، وقال - لما ذكر القولين
(2/170)

المتقدمين -: (والقائلون بالحدوث قالوا: إنه لا يحتاج إلى هذا التمحل، وسموه على طريق المجادلة باسم التمحل للتشنيع والتسفيه، بل نقول: بأن المبدىء المعيد خلق العالم وأحدثها بإرادة قديمة أزلية أراد بها في القدم إحداث العالم حتى أحدثه) .
وقال: (وقيل في جوابهم: إن ذلك المبدأ لا يتغير ويتخصص في القدم إلا معقول يجعله مقصوداً في العلم القديم عند الإرادة القديمة، حيث أراده في مدة العدم السابق لحدوث العالم التي هي مدة غير متناهية البداية، وما لا يعقل ولا يتصور لا يعلم، وما لا يمكن أن يعلم لا يعلمه عالم، لا لأن الله لا يقدر على علمه، لكن لأنه في نفسه غير مقدرور عليه، ثم ما الذي يقولونه في حدوث العالم: من مشيئة الله وإرادته التي بها يقبل الدعاء من الداعي، ويحسن إلى المحسن، ويسيء إلى المسيء، ويقبل توبة التائب، ويغفر للمستغفر، هل يكون ذلك عنه أو لا يكون؟ فإن قالوا بأنه لا يكون أبطلوا بذلك
(2/171)

الشرع الذي قصدهم نصرته، وأبطلوا حكم أوامره ونواهيه، وكل ما جاء لأجله من الحث على الطاعة، والنهي عن المعصية، وإن قالوا: يكون ذلك بأسره عنه فهل هو بإرادة أم بغير إرادة؟ وكونه بغير إرادة أشنع، وإن كان بإرادة فهل هي إرادة قديمة أم محدثة؟ فإن كانت قديمة فالإرادات القديمة غير واحدة، وما أظنهم يقولون: إن المرادات الكثيرة صدرت عن إرادة واحدة.
قال: (وإن قالوا: إن ذلك يصدر عنه بإرادات حادثة، فقد قالوا بما هربوا منه أولاً) .

تعليق ابن تيمية
قلت: فأبو البركات لاستبعاد عقله أن تصدر المرادات الكثيرة عن إرادة واحدة ظن أن هؤلاء لا يقولون به، وهم يقولون به، فإن هذا قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، يقولون: إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين، ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين، وإن كلامه الذي تكلم به من الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه هو أيضاً واحد بالعين، ثم تنازع القائلون بهذا الأصل: هل كلامه معنى فقط والقرآن
(2/172)

العربي ليس هو كلامه، أو كلامه الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها القرآن وغيره، وهي قديمة العين؟ على قولين.
ومن القائلين بقدم أعيان الحروف والأصوات من لا يقول هي واحدة، بل يقول: هي متعددة، وإن كانت لا نهاية لها، ويقول بثبوت حروف، أو حروف ومعان لا نهاية لها في آن واحد، وأنها لم تزل ولا تزال، وهذا مما أوجب قول القائلين بأن كلام الله مخلوق، وأنه ليس له كلام قائم بذاته، لما رأوا أن ما ليس بمخلوق فهو قديم العين، والثاني ممتنع عندهم، فتعين الأول.
وأولئك الصنفان قالوا: والأول ممتنع، فتعين الثاني، وهؤلاء إنما قالوا هذه الأقوال لظنهم أنه يمتنع أن تقوم به الأمور الاختيارية: لا كلام باختياره، ولا غير كلام، كما قد بين في موضعه.
وهذا الأصل هو القول بقيام الحوادث به هو قول هشام بن الحكم وهشام الجواليقي وابن مالك الحضرمي وعلي بن الهيثم
(2/173)

وأتباعهم، وطوائف من متقدمي أهل الكلام والفقه، كأبي معاذ التومني وزهير الأثري، وداود الأصبهاني وغيرهم كما ذكره الأشعري عنهم في المقالات، وقال (وكل القائلين بأن القرآن ليس بمخلوق - كنحو عبد الله بن سعيد بن كلاب، ومن قال: إنه محدث، كنحو زهير الأثري - يعني وداود الأصبهاني - ومن قال: إنه حدث، كنحو أبي معاذ التومني - يقولون: إن القرآن ليس بجسم ولا عرض) .
وأما أقوال أئمة الفقه والحديث والتصوف والتفسير وغيرهم من علماء المسلمين وكذلك كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان فكلام الرازي يدل على أنه لم يكن مطلعاً على ذلك.

كلام آخر للرازي
والمقصود هنا أن نبين غاية حجة النفاة، فإنه بعد أن ذكر الخلاف قال: (والمعتمد أن نقول: كل ما صح قيامه بالباري تعالى: فإما أن يكون صفة كمال، أو لا يكون، فإن كان صفة كمال استحال أن يكون
(2/174)

حادثاً، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية عن صفة الكمال، والخالي عن الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة، وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها، لأن إجماع الأمة على أن صفات الله بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وإنه غير جائز) .
قال: (وهذا ما نعول عليه، وإنه مركب من السمع والعقل) .
قال: (والذي عول عليه أصحابنا أنه لو صح اتصافه بالحوادث لوجب اتصافه بالحوادث أو بأضادها في الأزل، وذلك يوجب اتصافه بالحوادث في الأزل، وإنه محال) .
وقال: (وهذا الدلالة مبنية على أن القابل للضدين يستحيل خلوه عنهما، وقد عرفت فساده) .
قال: (ومن أصحابنا من أورد هذه الدلالة على وجه لا يحتاج في تقريرها إلى البناء على ذلك الأصل، وهو أنه لو كان قابلاً للحوادث لكان قابلاً لها في الأزل، وكون الشيء قابلاً للشيء فرع عن إمكان وجود المقبول، فيلزم صحة حدوث الحوادث في الأزل، وهو محال) .
قال: (إلا أن ذلك معارض بأن الله قادر في الأزل، ولا يلزم من أزلية قادريته صحة أزلية المقدور، فكذلك ههنا) .
(2/175)

قال: (ومنهم من قال: لو كانت الحوادث قائمة به لتغير، وهو محال) .
قال: (وهذا ضعيف، لأنه إن فسر التغير بقيام الحوادث به اتحد اللازم والملزوم، وإن فسر بغيره امتنع إثبات الشرطية) .
قال: (وأما المعتزلة فجلهم تمسكوا بأن المفهوم من قيام الصفة بالموصوف حصولها في الحيز تبعاً لحصول ذلك الموصوف فيه، والباري تعالى ليس في الجهة، فامتنع قيام الصفة به) .
قال: (وقد عرفت ضعف هذه الطريقة) .
قال: (ومشايخهم استدلوا بأن الجوهر إنما يصح قيام المعاني الحادثة به لكونه متحيزاً، بدليل أن العرض لما لم يكن متحيزاً لم يصح قيام هذه المعاني به) .
قال: (وإنه باطل، لاحتمال أن يقال: إن الجوهر إنما صح قيام الحوادث به لا لكونه متحيزاً، بل لأمر آخر مشترك بينه وبين الباري تعالى، وغير مشترك بينه وبين العرض.
سلمنا ذلك، إلا أنه من المحتمل أن يكون الجوهر يقبل الحوادث لكونه متحيزاً، والله تعالى يقبلها لوصف آخر، لصحة تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة) .
قال: (واستدلوا أيضاً بأنه لو صح قيام حادث به لصح قيام كل حادث به) .
قال: (وهذه دعوى لا يمكن إقامة البرهان عليها) .
(2/176)

قال: (فهذه عيون ما تمسكت به الناس في هذه المسألة) .

تعليق ابن تيمية
قلت: أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس منازعة للكرامية، حتى يذكر بينه وبينهم أنواع من ذلك، وميله إلى المعتزلة والمتفلسفة أكثر من ميله إليهم، واختلف كلامه في تكفيرهم، وإن كان هو قد استقر أمره على أنه لا يكفر أحداً من أهل القبلة، لا لهم ولا للمعتزلة ولا لأمثالهم.
وهذه المسألة من أشهر المسائل التي ينازعهم فيها، ومع هذا قد ذكر أن قولهم يلزم أكثر الطوائف، وذكر أنه ليس لمخالفيهم عليهم حجة صحيحة، إلا الحجة التي احتج هو بها، وهي من أضعف الحجج، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وأما الحجج التي يحتج بها الكلابية والمعتزلة فقد بين هو فسادها، مع أنه قد استوعب حجج النفاة، والذي ذكره هو مجموع ما يوجد في كتب الناس مفرقاً.
ونحن نوضح ذلك:
فأما الحجة الأولى - وهي: (أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، فلو جاز اتصافه بها لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث، فهو حادث) فهذه الحجة مبنية على مقدمتين، وفي كل من المقدمتين نزاع معروف بين طوائف من المسلمين:
(2/177)

أما الأولى - وهي أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده - فأكثر العقلاء على خلافها، والنزاع فيها بين طوائف الفقهاء والنظار، ومن الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة، كأصحاب احمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، ومن قال ذلك التزم أن يكون لكل جسم طعم ولون وريح وغير ذلك من أنواع الأعراض، ولا دليل لأصحابها عليها.
وأبو المعالي في كتابه المشهور الذي سماه الأرشاد إلى قواطع الأدلة لم يذكر على ذلك حجة، بل هذه المقدمة احتاج إليها في مسألة حدوث العالم لما أرد أن يبين أن الجسم لا يخل من كل جنس من أجناس الأعراض عن عرض منه، فأحال على كلامه مع الكرامية، ولما تكلم مع الكرامية في هذه المسألة أحال على كلامه في مسألة حدوث العالم مع الفلاسفة، ولم يذكر دليلاً عقلياً، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء وإنما احتج على الكرامية بتناقضهم.
ومضمون ما اعتمد عليه من قال: (إن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده) أن الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، فتقاس بقية الأعراض عليها، واحتجوا بأن القابل لها لا يخلو عنها وعن ضدها بعد الاتصاف، كما سلمته الكرامية، فكذلك قبل الاتصاف.
(2/178)

فأجابهم من خالفهم - كالرازي وغيره - بأن الأولى قياس محض بغير جامع، فإذا قدر أن الجسم يستلزم نوعاً من أنواع الأعراض، فمن أين يجب أن يستلزم بقية الأنواع؟ وأيضاً فإن الذي يسلمونه لهم الحركة والسكون، والسكون: هل وجود أو عدم؟ فيه قولان معروفان، وأما الاجتماع والافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد، ومن قال: (إن الأجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة) - وهم أكثر الطوائف - لم يقل بأن الجسم لا يخل من الاجتماع والافتراق، بل الجسم البسيط عنده واحد، سواء قبل الافتراق أو لم يقبله، وكذلك إذا قدر أن فيه حقائق مختلفة متلازمة لم يلزم من ذلك أن يقبل الاجتماع والافتراق.
وأما كونه لا يخلو عنهما بعد الاتصاف فأجابوا عنه بمنع ذلك في الأعراض التي لا تقبل البقاء كالحركات والأصوات، وأما ما يقبل البقاء فهو مبني على أن الباقي هل يفتقر زواله إلى ضد أم لا؟ فمن قال: (إن الباقي لا يفتقر زواله إلى ضد) أمكنه أن يقول بجواز الخلو عن الاتصاف بالحادث بعد قيامه بدون ضد يزيله، ومن قال: (لا يزول إلا بضد) قال: إن الحادث لا يزول إلا بضد حادث، فإن الحادث بعد الحدوث لا يخلو المحل منه ومن ضده، بناءً على هذا
(2/179)

الأصل، فإن كان هذا الأصل صحيحياً ثبت الفرق، وإن كان باطلاً منع الفرق، وتناقضهم يدل على فساد أحد قوليهم.
ثم القائلون بموجب هذا الأصل طوائف كثيرون، بل أكثر الناس على هذا، فلا يلزم من تناقض الكرامية تناقض غيرهم.
وأما المقدمة الثانية - (وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث) - فهذه قد نازع فيها طوائف من أهل الكلام والفلسفة والفقه والحديث والتصوف وغيرهم، وقالوا: التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل، فأما التسلسل في الآثار المتعاقبة والشروط المتعاقبة فلا دليل على بطلان، بل لا يمكن حدوث شيء من الحوادث، لا العالم ولا شيء من أجزاء العالم، إلا بناء على هذا الأصل، فمن لم يجوز ذلك لزمه حدوث الحوادث بلا سبب حادث، وذلك يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، كما قد بسط هذا في مسألة حدوث العالم، وبين أنه لا بد من تسلسل الحوادث أو الترجيح بلا مرجح، وأن القائلين بالحدوث بلا سبب حادث يلزمهم الترجيح بلا مرجح، وأن القائلين بقدم العالم يلزمهم الترجيح بلا مرجح ويلزمهم حدوث الحوادث بلا محدث أصلاً، وهذا أفسد من حدوثها بلا سبب حادث.
(2/180)

والطوائف أيضاً متنازعة في هذا الأصل، وجمهور الفلاسفة وجمهور أهل الحديث لا يمنعون ذلك.
وأما أهل الكلام: فللمعتزلة فيه قولان، وللأشعرية فيه قولان.
وأما الحجة الثانية - وهي أنه (لو كان قابلاً لها لكان قابلاً لها في الأزل، وذلك فرع إمكان وجودها ووجودها في الأزل محال - فقد أجاب عنها بالمعارضة بأنه قادر على الحوادث، ولا يلزم من كون القدرية أزلية أن يكون إمكان المقدور أزلياً.
قلت: ويمكن أن يجاب عنها بوجوه أخرى:
أحدها: أنه لا يسلم أنه إذا كان قابلاً لحدوث الحادث أن يكون قابلاً له في الأزل إلا إذا أمكن وجود ذلك في الأزل، فإنه إذا قيل: (هو قابل لما يمتنع أن يكون أزلياً) كان بمنزلة أن يقال: هو قادر على ما يمتنع أن يكون أزلياً، فمن اعتقد امتناع حدوث حادث في الأزل، وقال مع ذلك بأنه قادر على الحوادث وقابل لها، لم يلزمه القول بإمكان وجود المقدور المقبول في الأزل، لكن هذا المقام هو مقام الذين يقولون (يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث) والكلام في هذا مشترك بين كونه قادراً وقابلاً، فمن جوز حدوث الحوادث بلا سبب حادث - كالكلابية وأمثالهم من المعتزلة والكرامية - كان كلامه في هذا
(2/181)

بمنزلة كلامه في هذا، ومن قال: (إن حدوث الحوادث لا بد له من سبب حادث) - كما يقوله من يقوله من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث وغيرهم الذين يقولون: إ: نه تقوم به الأمور المتعلقة بقدرته ومشيئته، ولم يزل كذلك، أو يقولون بتعاقب ذلك في غيره، كما يشترك في هذه الأصل من يقوله من الهشامية والمعتزلة والمرجئة وأهل الحديث والسلفية والفلاسفة ومن وافق هؤلاء من أتباع الأشعري وغيرهم - فقولهم في هذا كقولهم في هذا.
الوجه الثاني: أن يلتزم قائل ذلك إمكان وجود المقبول في الأزل، كما يلتزم من يلتزم إمكان وجود المقدور في الأزل، وقد عرف أن لطوائف المسلمين في هذا الأصل قولين معروفين، فإن ما لا يتناهى من الحوادث: هل يمكن وجوده في الماضي والمستقبل أو في الماضي فقط أو فيهما جميعاً؟ على ثلاثة أقوال معروفة، قال بكل قول طوائف من نظار المسلمين وغيرهم.
الوجه الثالث: أن يجاب بجواب مركب، فيقال: هو قابل لما هو قادر عليه، فإن كان ثبوت جنسها في الأزل ممكناً كان قابلاً لذلك في الأزل وقادراً عليه في الأزل، وإن لم يكن ثبوت هذا الجنس ممكناً في الأزل كان قابلاً للممكن من ذلك، كما هو قادر على الممكن من ذلك.
الوجه الرابع: أن يقال: كونه قابلاً أو ليس بقابل: هو نظر في
(2/182)

محل هذه الأمور، وليس نظراً في إمكان تسلسلها أو امتناع ذلك، كما أن النظر في كونه يقبل الاتصاف بالصفات - كالعلم والقدرة - هو نظر في إمكان اتصافه بذلك.
فأما وجوب تناهي ما مضى من الحوادث أن ما بقي، وإمكان وجود جنس الحوادث في الأزل: فذلك لا اختصاص له بمحل دون محل، فإن قدر امتناع قيام ذلك به فلا فرق بين المتسلسل والمتناهي، وإن قدر إمكان ذلك كان بمنزلة إمكان حدوث الحوادث المنفصلة، والكلام في إمكان تسلسلها وعدم إمكان ذلك مسألة أخرى.
الجواب الخامس: أن يقال: هذه الأمور المقبولة هي من الحوادث المقدورة، بخلاف الصفات اللازمة له، فإنها ليست مقدورة، فالمقبولات تنقسم إلى مقدور وغير مقدور، كما أن المقدورات تنقسم إلى مقبول وغير مقبول، وما يقوم بالذات من الحوادث هو مقبول مقدور، وحينئذ فإذا كان وجود المقدور في الأزل محالاً كان وجود هذا المقبول في الأزل محالاً، لأن هذا المقبول مقدور من المقدورات، وإذا كان وجود هذه الحوادث المقدورة المقبولة محالاً في الأزل لم يلزم من ذلك امتناع وجودها فيما لا يزال، كسائر الحوادث، ولم يزل من كون الذات قابلة لها إمكان وجودها في الأزل.
الجواب السادس: أن يقال: أنتم تقولون: (إنه قادر في الأزل) مع امتناع وجود المقدور في الأزل، وتقولون: (إنه قادر في الأزل على ما لا يزال) فإن كان هذا الكلام صحيحاً أمكن أن يقال في
(2/183)

المقبول كذلك، ويقال: هو قابل في الأزل مع امتناع وجود المقبول في الأزل، وهو قابل في الأزل لما لا يزال، وإن كان هذا الكلام باطلاً لزم إمكان وجود المقدور في الأزل، وإما امتناع كونه قادراً في الأزل، وعلى التقديرين: يبطل ما ذكرتموه من الفرق بين القادر وبين القابل بقولكم: (تقدم القدرة على المقدور واجب دون تقدم القابل على المقبول) .
الجواب السابع: أن يقال: أنتم اعتمدتم في هذا على أن تلك القابلية يجب أن تكون من لوازم الذات، ويلزم من ذلك إمكان وجود المقبول في الأزل، لأن قابلية الشيء لغيره نسبة بين القابل والمقبول، والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما، فيقال لكم: إن كانت النسبة بين الشيئين موقوفة عليهما - أي على تحققهما معاً في زمن واحد، كما أقتضاه كلامكم - بطل فرقكم، وهو قولكم (بأن تقدم القدرة على المقدور واجب) فإن القدرة نسبة بين القادر والمقدور، مع وجوب تقدم القدرة على المقدور، وهكذا تقولون (الإرادة قديمة، مع امتناع وجود المراد في الأزل) وتقولون: (الخطاب قديم، مع امتناع وجود المخاطب في الأزل) فإذا كنتم تقولون بأن هذه الأمور التي تتضمن النسبة بين شيئنين تتحقق في الأزل مع وجود أحد المنتسبين دون الآخر، أمكن
(2/184)

أن يقال: إن القابلية متحققة في الأزل، مع امتناع تحقق المقبول في الأزل، كما قال كثير من الناس: إن التكوين ثابت في الأزل، مع امتناع وجود المكون في الأزل.
وأما الحجة الثالثة - وهو أن قيام الحوادث به تغير، والله منزه عن التغير - فهذه هي التي اعتمد عليها الشهرستاني في نهاية الإقدام ولم يحتج بغيرها.
وقد أجاب الرازي وغيره عن ذلك بأن لفظ (التغير) مجمل، فإن الشمس والقمر والكواكب إذا تحركت أو تحركت الرياح أو تحركت الأشجار والدواب من الأناسي وغيرهم فهل يسمى هذا تغيراً، أولا يسمى تغيراً؟ فإن سمي تغيراً كان المعنى أنه إذا تحرك المتحرك فقد تحرك، وإذا تغير بهذا التفسير فقد تغير، وإذا قامت به الحوادث - كالحركة ونحوها - فقد قامت به الحوادث، فهذا معنى قوله: (إن فسر بذلك فقد اتحد اللازم والملزوم) .
فيقال: وما الدليل على امتناع هذا المعنى؟ وإن سماه المسمى تغيراً، وإن كان هذا لا يسمى تغيراً بل المراد بالتغير غير مجرد قيام الحوادث، مثل أن يعني بالتغير الاستحالة في الصفات، كما يقال: تغير المريض، وتغيرت البلاد، وتغير الناس، ونحو ذلك، فلا دليل على أنه يلزم من
(2/185)

الحركة ونحوها من الحوادث مثل هذا التغير، ولا ريب أن التغير المعروف في اللغة هو المعنى الثاني، فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب - إذا كانت جارية في السماء -: إن هذا تغير، وإنها تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا كانت عادته أن يقرأن القرآن ويصلي الخمس: إنه كلما قرأ وصلى قد تغير، وإنما يقولون ذلك لمن لم تكن عادته هذه الأفعال، فإذا تغيرت صفته وعاداته قيل: إنه قد تغير.
وحينئذ فمن قال: (إنه سبحانه لم يزل متكلماً إذا شاء، فعالاً لما يشاء) لم يسم أفعاله تغيراً، ومن قال: (إنه تكلم بعد أن لم يكن متكلماً، وفعل بعد أن لم يكن فاعلاً) فإنه يلزم من قال: (إن الكلام والفعل يقوم به) ما يلزم من قال: (إن الكلام والفعل يقوم بغيره) والقول في أحد النوعين كالقول في الآخر.
وإذا قدر أن النزاع لفظي فلا بد من دليل سمعي أو عقلي يجوز أحدهما ويمنع الآخر.
وإلا فلا يجوز التفريق بين المتماثلين بمجرد الدعوى، أو بمجرد إطلاق لفظي من غير أن يكون ذلك اللفظ مما يدل على ذلك المعنى في كلام المعصوم، فأما إذا كان اللفظ في كلام المعصوم - وهو كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل الإجماع - وعلم مراده بذلك اللفظ، فإنه يجب مراعاة مدلول ذلك اللفظ، ولا يجوز مخالفة قول المعصوم.
وإطلاق التغير على الأفعال، كإطلاق لفظ (الغير) على الصفات، وإطلاق لفظ (الجسم)
(2/186)

على الذات، وكل هذه الألفاظ فيها إجمال واشتباه وإبهام.
ومذهب السلف والأئمة: أنهم لا يطلقون لفظ (الغير) على الصفات، لا نفياً ولا إثباتاً، فلا يطلقون القول بأنها غيره ولا بأنها ليست غيره، إذ اللفظ مجمل، فإن أراد المطلق بالغير المباين فليست غيراً، وإن أراد بالغير ما قد يعلم أحدهما دون الآخر، فهي غير، وهكذا ما كان من هذا الباب.
وإذا كان هذا كلامهم في لفظ (الغير) فلفظ (التغير) مشتق منه.
ومن تأمل كلام فحول النظر في هذه المسألة علم أن الرازي قد استوعب ما ذكروه، وأن النفاة ليست معهم حجة عقلية تثبت على السبر، وإنما غايتهم إلزام التناقض لمن يخالفهم من المعتزلة والكرامية والفلاسفة.
ومن المعلوم أن تناقض المنازع يستلزم فساد أحد قوليه، لا يستلزم فساد قوله بعينه الذي هو مورد النزاع، ولهذا كان من ذم أهل الكلام المحدث من أهل العلم لأنهم يصفونهم بهذا، ويقولون: يقابلون فاسداً بفاسد، وأكثر كلامهم في إبداء مناقضات الخصوم.
وأيضاً فغير ذلك الخصم لا يلتزم مقالته التي ناقض به المورد النزاع، كما في هذه المسألة، فإنه وإن كانت الكرامية قد تناقضوا فيها فلم يتناقض فيها غيرهم من الأئمة والسلف وأهل الحديث وغيرهم من طوائف أهل النظر والكلام.
(2/187)

وقد قال أبو القاسم الأنصاري - شيخ الشهرستاني وتلميذ أبي المعالي - في شرح الإرشاد: (أجود ما يتمسك به في هذه المسألة تناقض الخصوم) .

أقوال الجويني في مسألة أفعال الله ورد ابن تيمية عليه
وهو كما قال: فإنه لم يجد لمن تقدمه في ذلك مسلكاً سديداً، لا عقلياً ولا سمعياً.
واعتبر ذلك بما ذكره أبو المعالي في كتابه الذي سماه: الإرشاد إلى قواطع الأدلة وقد ضمنه عيون الأدلة الكلامية التي يسلكها موافقوه، وقد تكلم على هذا الأصل في موضعين من كتابه:
أحدهما: في مسألة حدوث العالم، فإنه استدل بدليل الأعراض المشهور، وهو أن الجسم لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو عنها فهو حادث، وهو الدليل الذي اعتمدت عليه المعتزلة قبله، وهو الذي ذمه الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وبين أنه ليس من طرق الأنبياء وأتباعهم، والدليل هو مبني على إثبات أربع مقدمات: الأعراض، وإثبات حدوثها، وأن الجسم لا يخلو منها، وإبطال حوادث لا أول لها، فلما صار إلى المقدمة الثالثة قال: (وأما الأصل الثالث -
(2/188)

وهو تبيين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض - فالذي صار إليه أهل الحق: أن الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضداده، لا كان له أضداد.
وإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين، وإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه) .
قال: (وجوزت الملحدة خلو الجوهر عن جميع الاعراض، والجواهر في اصطلاحهم تسمى الهيولى والمادة، والأعراض تسمى الصورة) .
قال: (وجوز الصالحي العرو عن جملة الأعراض ابتداء، ومنع البصريون من المعتزلة من العرو عن جميع الأكوان، وجوزوا
(2/189)

الخلو عما عداها، وقال الكعبي ومتبعوه: يجوز الخلو عن الأكوان، ويمتنع العرو عن الألوان) .
قال: (وكل مخالف لنا يوافقنا على امتناع العرو عن الأعراض بعد قبول الجواهر لها، فيفرض الكلام على الملحدة في الأكوان، فإن القول فيها يستند إلى الضرورة، فإننا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة.
ومما يوضح ذلك: أنها إذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر اجتماعها إلا عن افتراق سابق، إذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع، وكذلك إذا طرأ الافتراق عليها اضطررنا إلا العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع، وغرضنا في ورم إثبات حدث العالم، يتضح بالأكوان) ,.
(2/190)

قلت: أثبات الأكوان بقبول الحركة والسكون هو الذي لا يمكن دفعه، فإن الجسم الباقي لا بد له من الحركة أو السكون، وأما الأجتماع والافتراق فهو مبني على إثبات الجوهر الفرد، والنزاع فيه كثير مشهور، فإن من ينفيه لا يقول: إن الجسم مركب منه، ولا إن الجوهر كانت متفرقة فاجتمعت، والذين يثبتونه أيضاً لا يمكنهم إثبات أن الجواهر كانت متفرقة فاجتمعت، فإنه لا دليل على أن السماوات كانت جواهر متفرقة فجمع بينها، ولهذا قال في الدليل: (فإنا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة) .
وهذا كلام صحيح، لكن الشأن في أثبات الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق، فما ذكره من الدليل مبني على تقدير أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وهذا التقدير غير معلوم، بل هو تقدير منتف في نفس الأمر عند جمهور العقلاء من المسملين وغيرهم.
ثم قال أبو المعالي: (وإن حاولنا رداً على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكنا بنكتتين: إحداهما: الاستشهاد بالإجماع على امتناع العرو عن الأعراض بعد الاتصاف بها.
فنقول: كل عرض باق فإنه ينتفي عن محله بطريان ضده، ثم الضد إنما يطرأ في حال عدم المنتفى به
(2/191)

على زعمهم، فإذا انتفى البياض فهلا جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون، إن كان يجوز الخلو من الألوان، وتطرد هذه الطريقة في أجناس الأعراض) .
قلت: مضمون هذا أنه قاس ما بعد الاتصاف على ما قبله، وقد أجابه المنازعون عن هذا بأن الفرق بيهما: أن الضد لا يزول إلا بطريان ضده، فلهذا لم يخل منهما: فإن كان هذا الفرق صحيحاً بطل القياس، وإلا منع الحكم في الأصل، وقيل: بل يجوز خلوه بعد الإتصاف إذا أمكن زوال الضد بدون طريان آخر، وما ذكره في السواد والبياض قضية جزيئية، فلا تثبت بها دعوى كلية، ومن أين يعلم أن كل طعم في الأجسام إذا زال فلا بد أن يخلفه طعم آخر؟ وكل ريح إذا زالت فلا بد أن يخلفها ريح آخر؟ وكذلك في الإرادة والكراهة ونحو ذلك، فمن أين يعلم أن المريد للشيء المحب له إذا زالت إرادته ومحبته فلا بد أن، يخلفه كراهية وبغضه؟ ولم لا يجوز خلو الحي عن حب المعين وبغضه وإردته وكراهته؟
قال: (ونقول أيضاً: الدال على استحالة قيام الحوادث بذات
(2/192)

الرب سبحانه وتعالى: أنها لو قامت به لم يخل عنها، وذلك يقضي بحدثه، فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحةً وجوزاً فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول البارىء للحوادث) .
قلت: فلقائل أن يقول: هذا غايته إلزام لهؤلاء المعتزلة: إنكم إذا جوزتم ذلك يكن لكم حجة على استحالة قبول الباري للحوادث.
فيقال: إما أن يكون هذا لازماً، وإما أن لا يكون لازماً: فإذا كان لازماً دل ذلك على أنه لا دليل للمعتزلة على ذلك، ولا دليل له أيضاً، فإن مجرد موافقة المعتزلة له لا يكون دليلاً لواحد منهما في شيء من المسائل التي لم نعلم فيها نزاعاً، فكيف مع ظهور النزاع؟ وإن لم يكن لازماً لهم لم يكن حجة عليهم.
فقد تبين أنه لم يذكر حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده.
الموضع الثاني - قال في أثناء الكتاب:
(2/193)

(فصل) مما يخالف فيه الجوهر حكم الإله: قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب يتقدس عن قبول الحوادث) .
قال: (وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الرب، ثم زعموا أنه لا يتصف بما يقوم به من الحوادث، وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا إليها، فقالوا: القول الحادث يقوم بذات الرب، وهو غير قائل به، وإنما يقول بالقائلية، والقائلية عندهم القدرة على التكلم، وحقيقة أصلهم: أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد، ولذلك وصفوه بكونه خالقاً في
(2/194)

الأزل، ولم يتحاشوا من قيام الحوادث به، وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكراً وقولاً) .
قال: (والدليل على بطلان ما قالوه: أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها، لما سبق تقريره في الجواهر، حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض، ولو لم تخل عن الحوادث لم تسبقها، وينساق ذلك إلى الحكم بحدث الصانع) .
قال: (ولا يستقيم هذا الدليل على أصل المعتزلة،، مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجوهر عن الأعراض، على تفصيل لهم أشرنا إليه، وإثباته أحكاماً متجددة لذات الرب تعالى من الإرادة المحدثة القائمة لا بمحل على زعمهم، ويصدهم أيضاً عن طرد دليل في هذه المسألة: إنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن تدل على الحدث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأعراض على الذات) .
(2/195)

هذا كلامه، ولقائل أن يقول: قوله: (الدليل على بطلان ما قالوه: أنه لو قبلها لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر) هو لم يذكر دليلاً هناك إلا قياس ما قبل الاتصاف على ما بعده، وهو ليس حجة علمية عقلية، بل غايته: احتجاج بموافقة منازعة في مسألة عظيمة عقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والنسة، وينبني عليها من مسائل الصفات والأفعال أمور عظيمة اضطرب فيها الناس، فمن الذي يجعل أصول الدين مجرد قول قالته طائفة من أهل الكلام وافق بعضهم بعضاً عليه من غير حجة عقلية ولا سمعية؟.
وقد أجابه المنازعون بجواب مركب، وهو إما الفرق - إن صح - وألا منع حكم الاصل.
وأيضا فأنه قد قرر هناك وهنا أن المعتزلة أئمة الكلام الذين أظهروا في الإسلام نفي الصفات والأفعال، وسموا ذلك تقديساً له عن الاعراض والحوادث، وقد ذكر أبوالمعالي أنه لا حجة لهم على استحالة اتصافه بالحوادث، وانه يلزمهم نقيض ذلك، أما الأول: فإن القابل للشيء عندهم يجوز أن يخلو عنه وعن ضده، وأما لزوم هذا القول لهم: فلإ ثباتهم أحكاما متجددة للرب، وأنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات
(2/196)

من غير أن يدل على الحدوث: لم يبعد مثل ذلك في اعتوار أنفس الأعراض، وكان ما ذكره الأستاذ أبو المعالي يقتضي أن القول بحلول الحوادث يلزم المعتزلة، وأنه لادليل لهم على نفي ذلك، وهو أيضاً لم يذكر دليلاً لموافقيه على نفي ذلك.
فأفاد ما ذكره أن أئمة النفاة لحلول الحوادث به القائلين بأنه لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا دليل لهم على ذلك، بل قولهم يستلزم قول أهل الإثبات لذلك.
قال: (ونقول للكرامية: مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الباري به تناقض، إذ لو جاز قيام معنى بمحل من غير أن يتصف المحل بحكمه لجاز شاهداً قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام موجبة عن المعاني، وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى جهالات) .
قال: (ثم نقول لهم: إذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته، فما المانع من تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب؟
(2/197)

وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث.
ومما يلزمهم: تجويز قيام قدرة حادثة وعلم حادث بذاته، على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثين ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا عنه فصلاً) .
قال: (ونقول لهم: قد وصفتم الرب تعالى بكونه متحيزاً، وكل متحيز جسم وجرم، ولا يتقرر في المعقول خلو الأجرام من الأكوان، فما المانع من تجويز قيام الأكوان بذات الرب؟ ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه) .
قلت: ولقائل أن يقول: هذه الوجوه الأربعة التي ذكرها ليس فيها حجة تصلح لإثبات الظن في الفروع، فضلاً عن إثبات يقيني في أصول الدين يعارض به نصوص الكتاب والسنة، فإن غاية هذا الكلام - إن صح - أن الكرامية تناقضوا، وقالوا قولاً ولم يلتزموا بلوازمه.
(2/198)

فيقال: إن كان ما ذكره لازماً لزمهم الخطأ: إما في إثبات الملزوم، وإما في نفي اللزم، ولم يتعين الخطأ في أحدهما، فلم لا يجوز أن يكون خطؤهم في نفي اللوازم؟ فإن أقام على ذلك دليلاً عقلياً كان هو حجة كافية في المسألة وإلا استفدنا خطأ الكرامية في أحد قوليهم، وإن لم يكن ما ذكره لازماً لهم لم يفد لا إثبات تناقضهم ولا دليلاً في مورد النزاع.
ثم يقال: أما الوجه الأول فحاصله نزاع لفظي: هل يتصف بالحوادث أو لا يتصف؟ كالنزاع في أمثال ذلك، وإذا كان من أصلهم الفرق بين اللازم وغير اللازم، بحيث يسمون اللازم صفة دون العارض، كاصطلاح من يفرق بين الصفات والأفعال فلا يسمى الأفعال صفات وإن قامت بمحل كاصطلاح من يفرق بين الأقوال والأفعال، فلا يسمى ما يتكلم به الإنسان عملاً، وإن كان له فيه حركة ونحو ذلك - كانت هذه أموراً اصطلاحية لفظية لغوية، لا معاني عقلية، والمرجح في إطلاق الألفاظ - نفياً وإثباتاً - إلى ما جاءت به الشريعة، فقد يكون في إطلاق اللفظ مفسدة وإن كان المعنى صحيحاً.
وما ألزمهم إياه في الشاهد: فأكثر الناس يلتزمونه في الأفعال، فإن الناس تفرق في الإطلاقات بين صفات الإنسان وبين أفعاله، كالقيام
(2/199)

والقعود والذهاب والمجيء، فلا يسمون ذلك صفات، وإن قامت بالمحل.
وكذلك العلم الذي يعرض للعالم ويزول، والإرادة التي تعرض له وتزول، قد لا يسمون ذلك صفة له، وإنما يصفونه بما كان ثابتاً له كالخلق الثابت.
وبالجملة فهذه بحوث لفظية سمعية، لا عقلية، وليس هذا موضعها.
وأما قيام الأكوان به على التعاقب، وقيام ما أحالوا قيامه به، فهم يفرقون بين ما جوزوه ومنعوه بما يفرق به مثبتة الصفات بين ما توصفوه به وبين ما منعوه، فكما أنهم يصفونه بصفات الكمال فلا يلزمهم أن يصفوه بغيرها، فكذلك هؤلاء يقولون، فإن صح الفرق وإلا كانوا متناقضين.
ومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف بالسمع والبصر - كما دلت عليه النصوص - ألزمت النفاة لأهل الإثبات إدراك الشم والذوق واللمس، فمن الناس من طرد القياس، ومنهم من فرق بين الثلاثة والاثنين، ومنهم من فرق بين إدراك اللمس، وإدراك الشم والذوق، لكون النصوص أثبتت الثلاثة دون الاثنين.
فإذا قال المعتزلة البصريون والقاضي أبو بكر وأبو المعالي وغيرهما ممن يصفه بالإدراكات الخمسة، لمن لم يصفه إلا باثنين أو ثلاثة: يلزمكم
(2/200)

طرد القياس، لزمهم إما الفرق وإلا كانوا متناقضين، ولم يكن هذا دليلاً على إبطال اتصافه بالسمع والبصر، كذلك إذا قال من جعل الإدراكات الخمسة تتعلق به، كما فعله هؤلاء ومن وافقهم، كـ القاضي أبي يعلى ونحوه لمن أثبت الرؤية: يلزمكم أن تصفوه بتعلق السمع والشم والذوق واللمس به، كما قلتم في الرؤية، كانوا أيضاً على طريقين: منهم من يذكر الفرق، ومنهم من يفرق بين اللمس وغيره، لمجيء النصوص بذلك دون غيره.
قال أبو المعالي في إرشاده: (فإن قيل: قد وصفتم الرب تعالى بكونه سميعاً بصيراً، والسمع والبصر إدراكان، ثم ثبت شاهداً إدراكات سواهما: إدراك يتعلق بقبيل الطعوم، وإدراك يتعلق بقبيل الروائح، وإدراك يتعلق بالحرارة والبرودة واللين والخشونة، فهل تصفون الرب تعالى بأحكام هذه الإدراكات أم تقتصرون على وصفة بكونه سميعاً بصيراً
قلنا: الصحيح المقطوع به عندنا: وجوب وصفه بأحكام الإدراك، إذ كل إدراك ينفيه ضد فهو آفة فما دل على وجوب
(2/201)

وصفه بحكم السمع والبصر، فهو دال على وجوب وصفه بأحكام الإدراك، ثم يتقدس الرب تعالى عن كونه شاماً ذائقاً لامساً: فإن هذه الصفات منبئة عن ضروب من الاتصالات، والرب يتعالى عنها، وهي لا تنبىء عن حقائق الإدراكات، فإن الإنسان يقول: شممت تفاحة فلم أدرك ريحها، ولو كان الشم دالاً على الإدراك لكان ذلك بمثابة قول القائل: أدركت ريحها، ولم أدركه، وكذلك القول في الذوق واللمس) .
قلت: ولا يلزم من تناقض هؤلاء - إن كانوا متناقضين - نفي الرؤية التي تواترت بها النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقلت: وأما تعاقب الحوادث: فهم نفوه، بناء على امتناع حوادث لا أول لها، فإن صح هذا الفرق وإلا لزمهم طرد الجواز، كما طرده غيرهم ممن لا يمنع ذلك.
(2/202)

وأما حدوث القدرة والعلم فنفوهما، لأن عدم ذلك يستلزم النقص، لعموم تعلق العلم والقدرة، بخلاف الإرادة والكلام، فإنه لا عموم لهما، فإنه سبحانه لا يتكلم إلا بالصدق، لا يتكلم بكل شيء، ولا يريد إلا مايسبق علمه به، لا يريد كل شيء، بخلاف العلم والقدرة، فإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير.
وهذا كما فرقت المعتزلة بين هذا وهذا، فقالوا: إن له إرادة حادثة وكلاماً حادثاً، ولم يقولوا: له عالمية حادثة وقادرية حادثة، فالسؤال على الفريقين جميعاً.
فإن صح الفرق، وإلا كانوا متناقضين.
وقد أثبت غيرهم قيام علم بالموجود بعد وجوده، ولم يجعل ذلك عين العلم المتعلق به قبل وجوده، كما دل على ذلك ظاهر النصوص.
وقد أثبت ذلك من أهل الكلام والفلسفة طوائف، كـ أبي الحسين البصري وأبي البركات وغيرهم، وغير المتقدمين مثل هشام بن الحكم وأمثاله، ومثل جهم.
والمفرق - إن صح فرقه - وإلا لزم تناقضه.
وقيام الأكوان به نفوه، لأنها هي دليلهم على حدوث العالم كما استدلت بذلك المعتزلة، وهم يقولون: المتصف بالأكوان لا يخلو منها.
وهذا معلوم بالبديهة كما بينه الأستاذ أبو المعالي في أول كلامه، وقال: (نفرض الكلام في الأكوان، فإن القول فيها يستند
(2/203)

إلى الضرورة، فإذا كان من المعلوم بالضرورة: أن القابل للأكوان لا يخلو عنها، فلو وصفوه بالأكوان للزم أن لا يخلو عنها، وهم يقولون بامتناع تسلسل الحوادث، ويقولون: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، كما يوافقهم على ذلك أبو المعالي وأمثاله، فإن كان هذا الفرق صحيحاً بطل الإلزام وصح فرقهم، وإن لم يكن هذا الفرق صحيحاً لم يكن في ذلك حجة للمنازع لهم، بل يقول القائل: كلاكما مخطىء، حيث قلتم بامتناع دوام الحوادث وتسلسلها.
ومعلوم أن هذا كلام متين لا جواب عنه، فإن فرقهم بين الأكوان وغيرها هو العلم الضروري من الجميع بأن القابل للأكوان لا يخلو منها، فما قبل الحركة والسكون لم يخل من أحدهما، فهذا هو محيصهم عما ألزمهم به، فإن كانت الأكوان كغيرها في أن القابل للشيء لا يخلو عنه ضده فقد ثبت تناقضهم إذا كان قابلاً لها، وإن لم تكن مثل غيرها - كما تقوله المعتزلة - صح فرقهم.
وهم يدعون أنه ليس قابلاً لها، كما قد وافقهم على ذلك المعتزلة والأشعرية.
فإذا قال المعترض عليهم: يجب على أصلهم أن يكون قابلاً لها، لأنهم يصفونه بكونه متحيزاً، وكل متحيز جسم وجرم، قيل: هذا كما تقوله المعتزلة للأشعرية: يلزمكم إذا قلتم إن له حياة وعلماً وقدرة: أن يكون متحيزاً، لأنه لا يعقل قيام هذه الصفات إلا بمتحيز، ويقولون:
(2/204)

إنه لا يعقل موصوف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة إلا ما هو جسم، فإذا وصفتموه بهذه الصفات لزمكم أن يكون جسماً.
فإذا قال هؤلاء للمعتزلة: قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه حي عليم قدير، وليس بمحيز ولا جسم، فإذا عقلنا موجوداً حياً عليماً قديراً ليس بجسم عقلنا حياة وعلماً وقدرة لا تقوم بجسم، قالوا: وأنتم وافقتمونا على أنه حي عليم قدير، وإثبات حي عليم قدير بلا حياة ولا علم ولا قدرة مكابرة للعقل واللغة والشرع.
قالت الكرامية لهؤلاء: قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه موصوف بالحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك من الصفات، مع اتفاقنا نحن وأنتم على أنه لا يتصف بالأكوان، فهكذا إذا جوزنا عليه أن يسمع أصوات عباده حين يدعونه، ويراهم بعد أن يخلقهم، ويغضب عليهم إذا عصوه، ويحب العبد إذا تقرب إليه بالنوافل، ويكلم موسى حين أتى الوادي، ويحاسب خلقه يوم القيامة، ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص، لم يلزمنا مع ذلك أن تجوز عليه حدوث الأكوان.
ومن تدبر كلام هؤلاء الطوائف - بعضهم مع بعض - تبين له أنهم لا يعتصمون فيما يخالفون به الكتاب والسنة إلا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض، وآخر منتهاهم: حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام لاأكوان به أو الأعراض، ونحو ذلك من الحجج التي هي
(2/205)

أصل الكلام المحدث، الذي ذمه السلف والأئمة وقالوا: إنه جهل، وإن حكم أهله (أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام) ولكن من عرف حقائق ما انتهى إليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلماً ويقيناً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنة من كلامهم الذي يسمونه عقليات: هي من هذا الجنس الذي لا ينفق إلا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة، مع من قلت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق إثبات ذلك، ويتوهم أن يمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله، وأن الطع في ذلك طعن فيما به يصير العبد مؤمناً، فيتعجل رد كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لظنه أنه بهذا الرد يصير مصدقاً للرسول في الباقي.
وإذا أنعم النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقاً لمثل هذا الكلام ازداد نفاقاً ورداً لما جاء به الرسول، وكلما ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد إيماناً وعلماً بحقيقة ما جاء به الرسول، ولهذا قال من قال من الأئمة: (قل أحد نظر في الكلام إلا تزندق وكان في قلبه غل على أهل الإسلام) بل قالوا: (علماء الكلام زنادقة) .
ولهذا قيل: إن حقيقة ما صنفه هؤلاء في كتبهم من الكلام
(2/206)

الباطل المحدث المخالف للشرع والعقل هو: ترتيب الأصول في تكذيب الرسول، ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول، ولولا أن هؤلاء القوم جعلوا هذا علماً مقولاً وديناً مقبولاً، يردون به نصوص الكتاب والسنة، ويقولون: إن هذا هو الحق الذي يجب قبوله، دون ما عارضه من النصوص الإلهية والأخبار النبوية، ويتبعهم على ذلك من طوائف أهل العلم والدين ما لا يحصيه إلا الله: لاعتقادهم أن هؤلاء أحذق منهم وأعظم تحقيقاً، لميكمن بنا حاجة إلى كشف هذه المقالات، مع أن الكلام هنا لا يحتمل إلا الاختصار.

قول الرازي في الأربعين
ومقصودنا بحكاية هذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره الرازي في هذه المسألة قد استوعب فيه جميع حجج النفاة، وبين فسادها.
وأما الحجة التي احتج بها فهي أضعف من غيرها كما سيأتي بيانه.
وقد ذكر أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف.
وذكر في كتاب الأربعين أنها تلزم أصحابه أيضاً، فقال في الأربعين: (المشهور أن الكرامية يجوزون ذلك، وينكرون سائر الطوائف، وقيل: أكثر العقلاء يقولون به، وإن أنكروه باللسان، فإن أبا علي وأبا هاشم من المعتزلة وأتباعهما قالوا: إنه يريد بإرادة حادثة،
(2/207)

لا في محل، ويكره بكراهة حادثة لا في محل، إلا أن صفة المريدية والكارهية محدثة في ذاته تعالى.
وإذا حضر المرئي والمسموع حدث في ذاته تعالى صفة السامعية والمبصرية، لكنهم إنما يطلقون لفظ التجدد دون الحدوث.
وأبو الحسين البصري يثبت في ذاته علوماً متجددة بحسب تجدد المعلومات.
والأشعرية يثبتون نسخ الحكم، مفسرين ذلك برفعه أو انتهائه، والارتفاع والانتهاء عدم بعد الوجود، ويقولون: إنه عالم بعلم واحد يتعلق قبل وقوع المعلوم بأنه يسقع، وبعده يزول ذلك التعلق ويتعلق بأنه وقع، ويقولون: بأن قدرته تتعلق بإجاد المعين، وإذا وجد انقطع ذلك التعلق، لامتناع إيجاد الموجود، وكذا تعلق الإرادة بترجيح المعين، وأيضاً
(2/208)

المعدوم لا يكوم مرئياً ولا مسموعاً، وعند الوجود يكون مرئياً ومسموعاً، فهذه التعلقات حادثة.
فإن التزام جاهل كون المعدوم مرئياً ومسموعاً، قلنا: الله تعالى يرى المعدوم معدوماً، لا موجوداً، وعند وجوده يراه موجوداً لا معدوماً، لأن رؤية الموجود معدوماً أو بالعكس غلط، وأنه يوجب ما ذكرنا، والفلاسفة - مع بعدهم عن هذا - يقولون بأن الإضافات - وهي القبلية والبعدية والمعية - موجودة في الأعين، فيكون الله مع كل حادث، وذلك الوصف الإضافي حدث في ذاته وأبو البركات من المتأخرين منهم صرح في المعتبر بإرادات محدثة، وعلوم محدثة في ذاته تعالى، زاعماً بأنه لا يمكن الاعتراف بكونه إلهاً لهذا العالم إلا مع هذا القول، ثم قال: (الإجلال من هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه واجب) .
(2/209)

قال الرازي: (واعلم أن الصفة إما حقيقية عارية عن الإضافة كالسواد والبياض، أو حقيقة تلزمها إضافة كالعلم والقدرة، فإنه يلزمها تعلق بالمعلوم والمقدور، وهو إضافة مخصوصة بينهما، وإما إضافة محضة ككون الشيء قبل غيره وبعده ويمينه ويساره، فإن تغير هذه الأشياء لا يوجب تغيراً في الذات، ولا في صفة حقيقية منها.
فنقول: تغير الإضافات لا محيص عنه، وأما تغير الصفات الحقيقية: فالكرامية يثبتونه، وغيرهم ينكرونه، فظهر الفرق بين مذهب الكرامية وغيرهم.
لا نسمي ذلك صفة، ولا نقول: إن ذلك تغير في الصفات الحقيقية، كما تقدم) .
ثم استدل الرازي بثلاثة أوجه:
(أحدها: أن صفاته صفات كمال، فحدوثها يوجب
(2/210)

نقصانه، يعني قبل حدوثها، والإضافات لا وجود لها في الأعيان، دفعاً للتسلسل، فلا يرد نقصاً) .
ولقائل أن يقل: هذا الدليل قد تقدم الكلام عليه، والمنازع لا يسمي ذلك صفة، وإن وصف الموصوف بنوع ذلك، فليس لك فرد من الأفراد صفة كمال مستحقة القدم، يحيث يكون عدمها في الأزل نقصاً، وما اقتضت الحكمة حدوثه في وقت لم يكن عدمه قبل ذلك نقصاً، بل الكمال عدمه حيث لا تقتضي الحكمة وجود حدوثه، ووجوده حيث اقتضت الحكمة وجوده، كالحوداث المنفصلة، فليس عدم كل شيء نقصاً عما عدم منه.
وأيضاً فالحوادث لا يمكن وجودها إلا متعاقبة، وقدمها ممتنع وكان ممتنع الوجود لم يكن عدمه نقصاً، والتسلسل المذكور هو التسلسل في الآثار والشروط ونحوها، وهذا فيه قولان مشهوران، فالمنازع قد يختار جوازه، لا سيما من يقول: إن الرب لم يزل فاعلاً متكلماً إذا شاء.
(الثاني: لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت تلك القابلية من
(2/211)

لوازمها، وأزلية القابلية توجب صحة وجود المقبول أزلاً، لأن قابلية الشيء للغير نسبة بينهما، والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما، لكن وجود الحوادث في الأزل محال، ولا يلزم علينا القدرة الأزلية، لأن تقدم القدرة على المقدور واجب، دون تقدم القابل على المقبول) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: ما ذكرتم بتقدير التسليم يقتضي أزلية صحة وجود الحوادث، لا صحة أزلية وجود الحوادث، وقد عرفت الفرق بينهما في مسألة الحدوث، والفرق المذكور - إن صح - أغنى عن الدليل السابق، وإلا نفى النقص، وأيضاً إذا صح الفرق، مع أن الدليل المذكور ينفيه، لزم بطلان الدليل) .
قلت: فقد ذكر الأرموي في بطلان هذا الدليل ثلاثة أوجه:
أحدها: الفرق بين صحة أزلية الحدوث وأزلية صحة الحدوث، وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه، وبيان أنه فرق فاسد.
لكن يقال: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، وإن لم يصح لزم إمكان الحوادث في الأزل، ولزم إمكان وجود المقدور والمقبول في الأزل، وكلاهما يبطل
(2/212)

الدليل، أو يقال: ما كان جواباً لكم عن المقدور كان جواباً لنا عن المقبول، أو يقال: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، وإن لم يصح هذا الفرق فاللازم أحد أمرين: إما إمكان دوام الحوادث وإما امتناع دوامها، فإن كان اللازم هو الأول لزم إمكان وجود جنس الحوادث المقبولة في الأزل وبطل الدليل، وإن كان اللازم هو الثاني كان وجودها في الأزل ممتنعاً.
وحينئذ فإذا جاز أن يقال: هو قادر عليها مع امتناع وجود المقدور أمكن أن يقال: هو قابل لها مع امتناع وجود المقبول.
وقول الأرموي: والفرق المذكور إن صح أغنى عن الدليل السابق وإلا بقي النقص.
قد يقال: أراد به الفرق بين أزلية الصحة وصحة الأزلية.
وقد يقال: عنى به الفرق بين القادر والقابل، فإن أراد الأول كان معنى كلامه: إن صح الفرق أمكن أن يكون قابلاً لها في الأزل وتكون صحتها أزلية، أي لم تزل ممكنة صحيحة، مع امتناع صحة أزلية الحوادث كما يقولون، إذ لم تزل الحوادث ممكنة صحيحة جائزة مع امتناع كون الحادث أزلياً، ويقولون: صحة الجواز وإمكانها أزلي لا متناع انقلابها من الامتناع إلى الإمكان من غير سبب حادث مع امتناع وجودها في الأزل وامتناع أزليتها.
وهذا الفرق ذكره الغزالي في تهافت الفلاسفة والرازي وغيرهما في جواب من قال بأن إمكان وجود المقدورات لا أصل له، فقالوا: نحن نقول: إمكان الحوادث لا بداية لها، ونقول الشيء المعين بشرط كونه
(2/213)

حادثاً لا بداية لأزليته، ولا يلزم من ذلك إمكان وجود شيء من الحوادث في الأزل، لأن كونه حادثاً مع كونه أزلياً ممتنع.
وهذا الفرق عند التحقيق باطل، فإنه مسلتلزم للجمع بين النقيضين، فإن الحادث يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم.
فإذا قيل بأن الحادث لم يزل ممكناً، وأن صحته وإمكانه أزليته، كان معناه أن ما كان مسبوقاً بالعدم يمكن أن يكون أزلياً، والأزلي لا يكون مسبوقاً بالعدم، فكان معناه أن ما يجب أن يكون حادثاً يمكن أن يكون قديماً، وما يجب كونه مسبوقاً بالعدم يجوز أن يكون أزلياً غير مسبوق بالعدم، وهذا جمع بين النقيضين.
فإذا قيل: الحادث المعين إمكانه هل هو أزلي أو حادث؟
قيل: بل هو حادث، فإن كون الحادث المعين في الأزل ممتنع لذاته، وهذا الممتنع لا يكون قط، ولكن حدثت أسباب أوجبت إمكان حدوثه، فكان إمكان حدوثه ممكناً، كوجود الولد المشروط بوجود والده، فإن كونه ابن فلان يستلزم وجود فلان، ويمتنع أن يكون وجود ابن فلان موجوداً قبل وجود فلان، والممتنع لذاته لا يكون مقدوراً، وتجدد القادرية بتجدد إمكان المقدور ليس ممتنعاً، فإن الجميع حاصل بمسيئة الرب وقدرته، وهو سبحانه بما يحدث بمشيئته وقدرته يجعل المعدوم موجوداً، فيجعل ما لم يكن ممكناً مقدوراً يصير ممكناً مقدوراً، وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود شرح مراد الأرموي، فإذا أراد بالفرق الفرق بين صحة
(2/214)

الأزلية وأزلية الصحة، كان معنى كلامه: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، فإنه يقول في الحوادث المقبولة ما يقال في الحوادث المنفصلة من الفرق بين صحة أزليتها وأزلية صحتها، لكن لو أراد بالفرق هذا لم يستقم قوله: (إن هذا الفرق إن صح إنى عن الدليل السابق) بل هذا الفرق إن صح بطل الدليل المذكور، فهذا يرجح أنه أراد بالفرق بين القادر والقابل، فيكون قد ذكر ثلاثة أجوبة، نقول إن صح الفرق بينهما بأن القابل يستلزم وجود المقبول في الأزل دون القادر، فهذا الفرق يغني عن الدليل، وإن لم يصح هذا الفرق انتقض الدليل بالقادر.
الوجه الثاني: أنه إن صح الفرق بين المقدور والمقبول بأن المقدور يجب تأخره عن القدرة، والمقبول لا يجب ذلك فيه، كان هذا وحده دليلاً على وجوب حصول الحادث في الأزل إذا كان قابلاً له، وحينئذ فلا حاجة إلى أن يستدل على ذلك بما ذكره من النسبة إن كان الفرق صحيحاً، وإن لم يكن صحيحاً صح النقض به.
الثالث: أن الدليل المذكور يوجب وجود المقدور في الأزل، لأن القادرية على الشيئين نسبة بينهما، والنسبة بين الشيئين متوقفة عليهما، فإن صح الفرق بين المقدور والمقبول - مع أن الدليل يتناولهما جميعاً وينفي
(2/215)

الفرق - لزم بطلان الدليل، فيلزم بطلان مقدمة الدليل أو انتفاضه، وكلاهما مبطل له، وهذا بين.
قال الرازي: (الثالث قول الخليل: {لا أحب الأفلين} (الأنعام: 67) يدل على أن المتغير لا يكون إلهاً) .
ولقائل أن يقول: إن كان الخليل صلى الله عليه وسلم احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين، لزم أنه لم يكن ينفي عنه حلول الحوادث، لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير واللغة، وهو مما يعلم من اللغة اضطراراً، وهو حين بزغ قال: (هذا ربي) فإذا كان من حين يزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية دل على أنه لم يجعل حركته منافية لذلك، وإنما جعل المنافي الأفول، وإن كان الخليل صلى الله عليه وسلم إنما احتج بالأفول على أنه لا يصلح أن يتخذ رباً يشرك به، ويدعى من دون الله، فليس فيه تعرض لأفعال الله تعالى، فقصة الخليل إما أن تكون حجة عليهم، أو لا لهم ولا عليهم.
قال الرازي: (واحتجوا بأن الدليل على أن الكلام والسمع
(2/216)

والبصر صفات حادثة، ولا بد لها من محل، وهو ذاته تعالى، ولأنه يصح قيام الصفات القديمة بذاته تعالى باتفاق منا ومن الأشعرية، والقدم لا يعتبر في المقتضى، فإنه عبارة عن نفس الأزلية وهو عدمي، فالمقتضى هو كونها صفات، والحوادث كذلك فليلزم قيامها به) .
قال: (والجواب عن الأول بالجواب عن أدلة حدوث تلك الصفات، وعن الثاني بأن تلك الصفات قد تكون مخالفة لهذه بالنوع، سلمنا أنه لا فارق سوى القدم فلم قلتم: إنه عدمي، فإنه عبارة عن نفي العدم السابق، ونفي النفي ثبوت؟)
قلت: ليس المقصود هنا ذكر أدلة المثبتة، فإن النصوص تدل على ذلك في مواضع لا تكاد تحصى إلا بكلفة، وإنما الغرض بيان: هل في العقل ما يعارض النصوص؟ ومن أراد تقرير ما احتجوا به من الدليل العقلي على الإثبات قدح فما يذكره النفاة من امتناع حدوث تلك الأمور.
(2/217)

وعمدة المانعين هو امتناع حلول الحوادث، وامتناع تسلسلها، فإذا كانوا لا ينفون حدوثها في ذاته إلا لامتناع حلول الحوادث: لم يجز أن يجيبوا عن أدلة الحدوث بمجرد دليل امتناع حلول الحوادث إن لم يجيبوا عن المعارض، لأن ذلك دور، فإذا قال القائل: الدليل على بطلان دليل المثبتة هو تدليل النفاة، قيل له: دليل النفاة لا يتم إلا ببطلان دليل المثبتة، فإذا لم تمكن المطالبة إلا بدليل المثبتة كان صحة دليل النفاة متوقفاً على صحته، وذلك دور، فإنه لا يتم نفي ذلك إلا بالجواب عن حجة المثبتين، فيكون قولهم بانتفاء حلول الحوادث مبيناً على انتفاء حلول الحوادث، فلا يكون لهم حجة على ذلك.
فالمثبتون معهم السمعيات الكثيرة المتواترة بخلاف النفاة، فإنه ليس معهم شيء من السمع، وإنما يدعون قيام الدليل العقلي على امتناع قيام الحوادث به، فإذا أراد بعض المثبتين أن يقيم دليلاً عقلياً على قيامها به أو إمكان قيامها به، احتاج إلى أن يجيب عن أدلة النفاة، والنفاة لا يتم دليلهم على النفي حتى يجيبوا على أدلة المثبتين، وإلا فلو قدر تعارض الأدلة العقلية من الجانبين فتكافأتا، وبقيت الأدلة السمعية خالية عن معارض يجب تقدمه عليها، فإذا احتج المثبتون بالآيات والأحاديث لم يمكن للنفاة أن يقولوا هذا يثبت قيام الحوادث به وذلك ممتنع، إلا إذا أقاموا الدليل العقلي على الامتناع، أجابوا عما يحتج به المثبتة من الدليل العقلي، فلا بد للنفاة من هذا وهذا، بخلاف المثبتة فإنه يمكنهم
(2/218)

أن يقولا السمع دل على ذلك، ولم يقيموا دليلاً عقلياً خالياً عن المعارض المقاوم ينفي ذلك، فلا يحتاج المثبتون إلى دليل عقلي يوافق السمع، يل يكفيهم إبطال ما يعارضه، وإذا أقاموا دليلاً عقلياً فعورضوا بأدلة النفاة لم يحتاجوا إلى إبطالها، بل تكفيهم المعارضة، فإذا أبطلوا كانوا قد سدوا على النفاة الأبواب.
فلهذا كان ما يحتاج إليه النفاة من إقامة دليل عقلي، وإبطال ما يعارضه، مما احتاج إليه المثبتة، بل يكفيهم منع مقدمات المعارض، فإن أبطلوها فقد زادوا، وتكفيهم الممعارضة بالعقليات، فإن بينوا رجحان عقلياتهم فقد زادوا، وإذا بينوا صحة عقلياتهم وبطلان عقليات النفاة ومعهم السمعيات، كانوا قد أثبتوا أن معهم السمع والعقل، وأن المنازغ ليس معه لا سمع ولا عقل.
وأما أدلة المثبتين فهو ما يذكرونه من الشرعيات والعقليات، وهم قد قدحوا في أدلة النفاة، فيتم كلامهم.
وأما التسلسل فالكرامية ومن وافقهم لا يجيزونه، كما لا يجيزه كثير من المعتزلة ومن وافقهم، وأما من يجوز التسلسل في الآثار من أهل الحديث والكلام والفلسلفة وغيرهم، فهؤلاء قد عرف طعنهم في أدلة النفاة، وطعن النفاة في أدلة بعض، حتى متكلمة أهل الإثبات
(2/219)

من الأشعرية وغيرهم متنازوعون في ذلك قد عرف.
وأيضاً فإن المثبتين يقلون: كونه قادراً على الفعل بنفسه صفه كمال، كما أن قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال، فإنا إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر على أحدهما علم أنا لأول أكمل، كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره ومن لا يعلم إلا أحدهما، وأمثال ذلك، ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها: إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة، ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل.
وكذلك إذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها، ومن لا يفعل حادثاً أصلاً لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل، فإن الثاني ينفي قدرتهوفعله للجميع، لئلا يعدم البعض في الأزل، والأول يثبت قدرته وفعله للجميع مع عدم البعض في الأزل، فذاك ينفي الجميع حذراً من فوت البعض، والثاني يثبت ما يثبته من الكمال مع فوت البعض، ففوت البعض لازم على التقديرين، وامتاز الأول بإثبات كمال في قدرته وفعله لم يثبته الثاني.
وأيضاً فهم يقولون: كون الكلام لا يقوم بذاته يمنع أن يكون
(2/220)

كلامه، فإن ما قام به شيء من الصفات والأفعال عاد حكمه إليه، لا إلى غيره، فإذا خلق في محل علماً أو قدرة أو كلاماً كان ذلك صفة للمحل الذي خلق فيه، فذلك المحل هو العالم القادر المتكلم به، فإذا خلق كلاماً في محل كان ذلك الكلام المخلوق كلام ذلك المحل، لا كلامه، فإذا خلق في الشجرة: {إني أنا الله رب العالمين} (القصص: 30) ولم يقم هو به كلام كان ذلك كلاماً للشجرة، فتكون هي القائلة: (إني أنا الله رب العالمين) وهذا باطل، فيتعين أن يقوم به الكلام، وكونه لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بما شاء، بل يلزمه الكلام كما تلزمه الحياة، مع كون تكليمه هو خلق مجرد الإدراك، يقتضي أن يكون القادر على الكلام الذي يتكلم باختياره أكمل منه، فإنا إذا عرضنا على العقل من يتكلم باختياره وقدرته ومن كلامه بغير اختياره وقدرته كان الأول أكمل، فتعين أن يكون متكلماً بقدرته ومشيئته كلاماً يقوم بذاته، وكذلك في مجيئة وإتيانه واستوائه وأمثال ذلك، إن قدرنا هذه أموراً منفصلة عنه: لزم أن لا يوصف بها، وإن قدرناها لازمة لذاته لا تكون بمشيئته وقدرته: لزم عجزه وتفضيل غيره عليه، فيجب أن يوصف بالقدرة على هذه الأفعال القائمة به، التي يفعلها بمشيئته وقدرته، وهذا هو الذي تعنيه النفاة بقولهم: لا تحله الحوادث، كما يعنون نفي العلم والقدرة ونحوهما بقولهم: لا تحله الأعراض.
وأيضاً فإن ما به تثبت الصفات القائمة به، تثبت الأفعال القائمة به
(2/221)

التي تحصل بقدرته واختياره، ونحو ذلك، وذلك أنه يقال: العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك صفات كمال، فلو لم يتصف الرب بها اتصف بنقائضها كالجهل والعجز والصمم والبكم والخرس، وهذه صفات نقص، والله منزه عن ذلك، فيجب اتصافه بصفات الكمال، ويقال: كل كمال يثبت لمخلوق من غير أن يكون فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق تعالى أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق سبحانه أولى بتنزيهه عنه، بل كل كمال يكون للموجود لا يستلزم نقصاً فالواجب الوجود أولى به من كل موجود، وأمثال هذه الأدلة المبسوطة في غير هذا الموضع.
فإذا قال النفاة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الثاني، إلا أن يكون المحل قابلاً لهما، فأما ما لا يقبلهما كالجماد فلا يقال فيه حي ولا ميت، ولا أعمى ولا بصير.
أجيبوا عن ذلك بعدة أجوبة:
مثل أن يقال: هذا اصطلاح لكم، وإلا فاللغة العربية لا فرق فيها، والمعاني العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات.
ومثل أن يقال: فما لا يقبل هذه الصفات كالجماد أنقص مما يقبلها
(2/222)

ويتصف بالناقص منها، فالحي الأعمى أكمل من الجماد الذي لا يوصف ببصر ولا عمى، وهذا بعينه يقال فيما يقوم به من الأفعال ونحوها التي يقدر عليها ويشاؤها، فإنه لو لم يتصف بالقدرة على هذه الأفعال لزم اتصافه بالعجز عنها، وذلك نقص ممتنع كما تقدم، والقادر على الفعل والكلام أكمل من العاجز عن ذلك.
فإذا قال النافي: (إنما يلزم اتصفاه بنقيض ذلك لو كان قيام الأفعال به ممكناً، فأما ما لا يقبل لك كالجدار فلا يقال: هو قادر على الحركة ولا عاجز عنها) .
فيقال: هذا نزاع لفظي كما تقدم، ويقال أيضاً: فما لا يقبل قيام الأفعال الاختيارية به والقدرة عليها كالجماد أنقص مما يقبل ذلك كالحيوان، فالحيوان الذي يقبل أن يتحرك بقدرته وإرادته إذا قدر عجزه هو أكمل مما لا يقبل الاتصاف بذلك كالجماد، فإذا وصفتموه بعدم قبول ذلك كان ذلك أنقص من أن تصفوه بالعجز عن ذلك، وإذا كان وصفه بالعجز عن ذلك صفة نقص، مع إمكان اتصافه بالقدرة على ذلك، فوصفه بعدم قبول الأفعال والقدرة عليها أعظم نقصاً.
فإن قال النافي: لو جاز ان يفعل أفعالاً تقوم به بإرادته وقدرته للزم أن يكون محلاً للحوادث، وما قبل الشيء لا يخل عنه وعن ضده، فيلزم تعاقبها، وما تعاقبت عليه الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا أول لها.
(2/223)

قيل لهم: هذا مبني على مقدمتين: على أن ما يقبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وعلى امتناع دوام الحوادث، وكل من المقدمتين قد بين فسادها كما تقدم.
ثم قبل العلم بفساده يعلم بصريح العقل أن ما ذكر في إثبات هذه الأفعال من الأدلة العقلية الموافقة للأدلة الشرعية أبين وأظهر وأصرح في العقل من امتناع دوام الحوادث وتعاقبها، فإن هذه المقدمة في غاية الخفاء والاشتباه، وأكثر العقلاء من جميع الأمم ينازعون فيها ويدفعونها، وهي أصل علم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وبهذه المقدمة استطالت الدهرية على من احتج بها من متكلمة أهل الملل، وعجزوهم عن إثبات كون الله تعالى يحدث شيئاً لا العالم ولا غيره، والذين اعتقدوا صحة هذه المقدمة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ظنوا أن حدوث العالم وإثبات الصانع لا يتم إلا بها، وفي حقيقة الأمر هي تنافي حدوث العالم وإثبات الصانع، بل لا يمكن القول بإحداث الله تعالى لشيء من الحوادث إلا بنقيضها، ولا يمكن إثبات خلق الله لما خلقه تصديق رسله فيما أخبروا به عنه إلا بنقيضها، فما جعلوه أصلاً ودليلاً على صحة المعقول والمنقول، هو مناف مناقض للمنقول والمعقول، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
(2/224)

وأيضاً فإن هؤلاء النفاة يقولون: لم يكن الرب تعالى قادراً على الفعل فصار قادراً، وكان الفعل ممتنعاً فصار ممكناً، من غير تجدد شيء أصلاً يوجب القدرة والإمكان، وهذا معنى قول القائل: إنه يلزم أن ينقلب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وهذا مما تجزم العقول ببطلانه، مع ما فيه من وصف الله بالعجز وتجدد القدرة له من غير سبب.
ومن اعتذر منهم عن ذلك - مثل كثير منهم - قالوا: إن الممتنع هو القدرة على الفعل في الأزل، فنفس انتفاء الأزل يوجب إمكان الفعل والقدرة عليه.
قيل لهم: الأزل ليس هو شيئاً كان موجوداً فعدم، ولا معدوماً فوجد، حتى يقال: إنه تجدد أمر أوجب ذلك، بل الأزل كالأبد، فكما أن الأبد هو الدوام في المستقبل، فالأزل هو الدوام في الماضي، فكما أن الأبد لا يختص بوقت دون وقت، فالأزل لا يختص بوقت دون وقت، فالأزلي هو: الذي لم يزل كائناً، والأبدي هو: الذي لا يزال كائناً، وكونه لم يزل ولا يزال معناه دوامه وبقاؤه، الذي ليس له مبتدأ ولا منتهى، فقول القائل: (شرط قدرته انتفاء الأزل) كقول نظيره: (شرط قدرته انتفاء الأبد) .
فإذا كان سلف الأمة وأئمتها وجماهير الطوائف أنكروا قول الجهم في
(2/225)

كونه تعالى لا يقدر في الأبد على الأفعال، فكذلك قول من قال: لا يقدر في الأزل على الأفعال، وقول أبي الهذيل: (إنه تعالى لا يقدر على أفعال حادثة في الأبد) يشبه قول من قال: (لا يقدر على أفعاله حادثة في الأزل) ، وقد بسط الكلام على هذا، وقول من يفرق بين النوعين في غير هذا الموضع.

الاستدلال على النفي والرد عليه
وقد استدل بعضهم عل النفي بدليل آخر، فقال: إن كل صفة تفرض لواجب الوجود فإن حقيقته كافية في حصولها أولا حصولها وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وهذا يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً، هذا خلف، وحينئذ يلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة.
والمثبتون يجيبون عن هذا بوجوه:
أحدها: أن هذا إنما يقال فيما كان لازماً لذاته في النفي أو الإثبات، أما ما كان موقوفاً على مشيئته وقدرته كأفعاله فإنه يكون إذا شاءه الله تعالى، ولا يكون إذا لم يشأه، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإن بين المستدل أنه لا يجوز ان يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته كان هذا وحده كافياً في المسألة، وإن لم يبين ذلك لم يكن فيما ذكره حجة.
الثاني: أن يقال: إن هذا منقوض بأفعاله، فإن حقيقته
(2/226)

كافية في حصولها، ولا لزام افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً، فما كان جواباً عن الأفعال كان جواباً للمثبتين القائلين: إنه يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، ومن جوز أنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً بمحض القدرة والمشيئة القديمة قال هنا كذلك كما يقول الكرامية، ومن قال: (إنه لم يزل يفعل ويتكلم إذا شاء) قال هنا كذلك، كما يقولوه من يقوله من أئمة السنة والحديث.
الثالث: أن يقال: أتعني بقولك (ذاته كافية) أنها مستلزمة لوجود اللازم في الأزل؟ أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده؟ فإن عنيت الأول انتقض عليك بالمفعولات الحادثة، فإنه يلزمك إما عدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل، إذ كان مالا تكفي فيه الذات يفتقر إلى سبب منفصل، وإن عنيت الثاني كان حجة عليك، إذ كان مما تكفي الذات يمكن تأخره.
الرابع: ان يقال: قولك (يفتقر إلى سبب منفصل) تعني به شيئاً يكون من فعل الله تعالى، أو شيئاً لا يكون من فعله؟ أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره، فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب فهو فاعلها وفاعل ما يحدث بها، فلا يكون مفتقراً إلى غيره، وأما إن عنيت بالسبب
(2/227)

ما لا يكون من فعله لزمك أن كل مالا يكفي فيه الذات فلا يستلزم وجوده في الأزل ألا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مخلوقاته، ومعلوم أن هذا خلاف إجماع أهل الإيمان، بل خلاف إجماعه جماهير العقلاء، وهو خلاف المعقول الصريح أيضاً، فإن ذلك الشريك المقدر إن كان واجب الوجود بنفسه إلهاً آخر لزم إثبات خالق قديم مع الله مشارك له في فعله لا يفعل إلا به، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من بني آدم، فهو باطل في نفسه، لأنه يستلزم افتقار كل من الفاعلين إلى الآخر، فإن التقدير في هذا المشترك هو أن أحدهما لا يستقل به، بل يحتاج إلى معاونة الآخر، وما احتاج إلى معاونة الآخر كان فقيراً إلى غيره ليس بغني، وكان عاجزاً ليس بقادر، فإن كان هذا دليلاً على انتفاء الوجوب بطل دليلك، وإن لم يكن دليلاً بطل دليلك أيضاً، فإنه مبني عليه، وإن كان ذلك الشريك المقدر ليس واجب الوجود بنفسه فهو ممكن لا يوجد إلا بالواجب نفسه، فلزم أن يكو من مفعولاته.
الجواب الخامس: أن يقال قول المحتج: (كل ما يفرض له فإما أن تكون ذاته كافية في ثبوت حصوله أو لا تكفي في
(2/228)

حصوله، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل) كلام باطل، وذلك أنه يقال: لا نسلم أن مالا يكون مجرد الذات كافية في ثبوته أو انتفائه يفتقر فيه إلى سبب منفصل، وإنما يلزم ذلك أن لو لم تكن الذات قادرة على ما يتصل بها من الأفعال، فإذا كانت قادرة على ذلك أمكن أن يكون ما يتجدد له من الثبوت موقوفاً على ما يقوم بها من مقدوراتها، فليس مجرد الذات مقتضية لذلك، ولا افتقرات إلى سبب منفصل، وذلك أن لفظ (الذات) فيه إجمال واشتباه، وبسبب الإجمال في ذلك وقعت شبهة في مسائل الصفات والأفعال؟، فإنه يقال له: ما تريد بذاته؟ أتريد به الذات المجردة عما يقوم بها من مقدوراتها ومرادتها؟ أم تعني به الذات القادرة على ما تريده مما يقوم لها ومما لا يقوم بها؟
فإن أرادت به الأول كان التلازم صحيحاً، فإنه إذا قدر ذات لا يقوم بها شيء من ذلك، كان ما يثبت لها وما ينفي عنها إن لم تكن هي كافية فيه، وإلا افتقرت إلى سبب منفصل، لأنه لا يقوم بها ما تقدر عليه وتريده، لكن يقال: ثبوت التلازم ليس بحجة إن لم تكن الذات في نفس الأمر كذلك، وكون الذات في نفس الأمر كذلك هو رأس المسألة، ومحل النزاع، فلا يكون الدليل صحيحاً حتى يثبت المطلوب ولو ثبت المطلوب لم يحتج إلى الدليل، فتكون قد صادرت على
(2/229)

المطلوب حيث جعلته مقدمة إثبات نفسه، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق أهل العارفين بذلك.
وإن أردت بذات النوع الثاني لم يصح التلازم، فإنه إذا قدر ذات تقدر على أن تفعل الأفعال التي تختارها وتقوم بها، لم يلزم أن يكون ما يتجدد من تلك الأفعال موقوفاً على سبب منفصل، ولا يكون مجرد الذات بدون ما يتجدد من مقدورها ومرادها كافياً في كل فرد من ذلك، بل قد يكون الفعل الثاني لا يوجد إلا بالأول، والأول بما قبله وهلم جراً، فليس مجرد الذات بدون ما تجدده كافياً في حصول المتأخرات، ولا هي مفتقرة في ذلك إلى أمور منفصلة عنها، فلفظ (الذات) قد يراد به الذات بما يقوم بها، وقد يراد به الذات المجردة عما يقوم بها.
فإذا قيل (هل الذات كافية) إن أريد به الذات المجردة فتلك لا حقيقة لها في الخارج عند أهل الإثبات، وإذا قدرت تقديراً فهي لا تكفي في إثبات ما يثبت لها، وإن أريد به الذات المنعوتة فإنه يقوم بها الأفعال الاختيارية، فمعلوم أن هذه الذات لا يجب أن يتوقف ما يتجدد لها من فعل ومفعول على سبب منفصل عنها، ونظير هذا قول نفاة الصفات: إن الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة؟
(2/230)

فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، بل الصفات زائدة على ما يثبته النفاة من الذات، وأما الذات الموصوفة بصفاته القادرة على أفعالها فتلك مستلزمة لما يلزمها من الصفات، قادرة على ما تشاؤه من الأفعال، فهي لا تكون إلا موصوفة، لا يمكن أن تتجرد عن الصفات اللازمة لها، حتى يقال: هل هي زائدة عليها أو ليست زائدة عليها؟ بل هي داخلة في مسمى اسمها، والأفعال القائمة بها بقدرتها وإرادتها كذلك.
فكما أنه مسمى بأسمائه الحسنى، منعوت بصفاته العلى، قبل خلق السماوات والأرض، وبعد إقامة القيامة، وفيما بين ذلك، لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الإكرام والجلال، فكذلك هو مسمى بأسمائه الحسنى منعوت بصفاته العلى، قبل هذه الأفعال وبعدها.
وكان أن ذلك ثابت قبل حدوث المفعولات وبعدها، فهو ايضاً ثابت قبل حدوث الأفعال وبعدها، ومن آياته الشمس والقمر والكواكب، وما تستحقه هذه الأعيان من الأسماء والصفات هو ثابت لها قبل الحركات المعينة وبعدها، ولا يحتاج أن يقدر لها ذات مجردة عن النور وعن دوام الحركة، ثم زيد عليها النور ودوام الحركة، فالخالق سبحانه أولى بثبوت الكمال له وانتفاء النقص عنه، والمخلوقات
(2/231)

إنما احتاجت فيما يحدث عنها إلى سبب منفصل لأنها هي في نفسها محتاجة إلى الفاعل المنفصل، فلا يوجد شيء من ذاته وصفاتها وأفعالها إلا بأمر منفصل عنها، وأما الخالق سبحانه وتعالى فهو الغني عما سواه، فلا يفتقر في شيء من ذاته وصفاته وأفعاله إلى أمر منفصل الذي هو مفتقر إليه، فلا يحتاج فيما يجدده من أفعاله القائمة بنفسه التي يريدها ويقدر عليها إلى أمر مستغن عنه، كما لا يحتاج في مفعولاته المنفصلة عنه إلى ذلك وأولى، وإذا كان قد خلق من الأمور المنفصلة عنه ما جعله سبباً لأفعال تقوم بنفسه، كما يخلق الطاعات التي ترضيه، والتوبة التي يفرح بها، والدعاء الذي يجيب سائله، وأمثال ذلك من الأمور، فليس هو في شيء من ذلك مفتقراً إلى ما سواه، بل هو سبحانه الخالق للجميع، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهذا كما أن ما يفعله من المخلوقات بعضها ببعض، كإنزال المطر بالسحاب وإنبات النبات بالماء، لا يوجب افتقاره إلى الأسباب المنفصلة، إذ هو خالق هذا وهذا، وجاعل هذا سبباً لهذا، وقد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع بما لا يليق بهذا المكان.
الجواب السادس: أن يقال: قولهم إن لم يكن ذاته كافية في
(2/232)

حصولها لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً تمنع فيه المقدمة الأولى التلازمية التي هي شرطية متصلة، وذلك أن الذات إن لم تكن كافية في حصولها، إنما يلزم افتقار ذلك الحادث إلى سبب منفصل، لا يلزم افتقار نفس الذات إلى سبب منفصل، فإن المحتج يقول: كل صفة تفرض فذاته كافيه في حصولها أو لا حصولها، لأنه لو لم يكن كذلك لزم افتقاره إلى سبب منفصل.
فيقال له: بتقدير أن لا تكون الذات كافية في نفي تلك الصفة أو ثبوتها، يلزم أن يكون نفيها أن إثباته موقوفاً عل أمر غير الذات، وأما كون الذات تكون موقوفة على ذلك الغير، فهذا ليس بلازم من هذا التقدير، إلا أن يتبين أنه إذا كان شيء من الأمور التي توصف بها من السلب والإيجاب موقوفاً على الغير، وجب أن يكون هو نفسه موقوفاً على الغير، وهو لم يبين ذلك.
ومن المعلوم أن القائلين بهذا يقولون: إن ما يتجدد من الأمور القائمة به، فهو موقوف على مشيئته وقدرته، وذاته ليست موقوفة على مشيئته وقدرته، ويقولون: إنه يجوز أن يقف ذلك على ما يحدثه هو من الحوادث بمشيئته وقدرته، وهو في نفسه ليس موقوفاً على ما يحدثه من الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، وليس في الوجود موجود سواه وسوى مخلوقاته حتى يقال إن تلك الأمور موقوفة عليه، بل غاية ما يمكن أن يقال إنها موقوفة على مشيئته وقدرته أو توابع مشيئته وقدرته.
وأصحاب هذا القول يقولون ذلك، وتكون تلك الأمور موقوفة على ذلك، لا يقتضي أن يكون هو نفسه موقوفاً على ذلك، ولكن هذا المحتج إن لم
(2/233)

يقرر مقدمات حجته لم تكم حجته صحيحة، وحجته مبنية على أنه لو لم تكف ذاته في حصول ما ينفي ويثبت للزم افتقاره إلى غيره، وإنما يلزم افتقار تلك المنفيات والمثبتات إلى ذلك الغير، فإن هذا بين، فإن لم يبن أن افتقار تلك الأمور إلى الغير مستلزم لافتقاره، وإلا لم تكن حجة صحيحة، لا سيما وتلك الأمور على هذا التقدير ليست من لوازم ذاته، فإنها لو كانت من لوازم ذاته كانت ذاته كافية فيها، ولوازم الذات متى افتقرت إلى الغير لزم افتقار الذات إلى الغير، فإن الملزوم لا يوجد إلا باللازم، واللازم لا يوجد إلا بذلك الغير، فالملزوم لا يوجد إلا بذلك الغير، ولكن ذلك الغير لا يجب أن يكون فاعلاً أو علة فاعلة، بل يجوز أن يكو شرطاً ملازماً.
وقد بين في غير هذا الموضع أن نفس ذات الواجب إذا قيل: هي ملازمة لصفاته الواجبة له، أو صفاته الواجبة له ملازمة لذاته، أو كل من الصفات الواجبة ملازم للأخرى، كان هذا حقاً وهو متضمن أن تحقيق كل من ذلك مشروط بتحقق الآخر.
وأما كون الرب تعالى مفتقر إلى شيء مباين له غنى عنه، فهذا ممتنع، فإنه سبحانه الغني عن كل شيء، فإذا قدر أن بعض لوازمه توقف على ما هو مباين له لم يكن وجوده ثابتاً إلا بوجود ذلك المباين، وكان الله مفتقراً إليه، والله غني عن كل شيء.
وأما إذا لم يكن الأمر من لوازم ذاته، بل كان من الأمور العارضة، فلا ريب أن أهل الإيمان والسنة يقولون إن الله لا يفتقر في شيء من الأشياء إلى غيره،
(2/234)

لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، سواء قام بذاته أو لم يقم بذاته، ولكن هو بنفسه غني عن كل ماسواه، ولا يقال إنه نفسه غني عن نفسه، وليس في كونه مستلزماً لصفاته وفاعلاً لأفعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه، فإنه إذا كان وحده مستلزماً لصفاته وفاعلاً لأفعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه، فإنه إذا كان وحده مستلزماً لصفاته، فاعلاً لجميع أفعاله، لم يكن شيء مما وجد بغيره، بل جميع ما وجد فلا يخرج من ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يتصور أن يكون مفتقراً إلى غير نفسه المقدسة سبحانه وتعالى.
ولكن المقصود أن هذا المحتج إذا قال له المعترض: ما المانع أن تكون هذه الأمور العارضة موقوفة على غير مع كون الحق واجب بذاته؟ لم يكن فيما ذكر حجة، بل ذكر أن تلك الأمور إذا لم تكن من لوازم ذاته بحيث تكون مجرد الذات كافيه فيها، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، واللازم إنما هو افتقار تلك الأمور إلى سبب منفصل، فإن بين أن ما يقوم بالواجب يمتنع أن يكون موقوفاً على سبب منفصل تمت حجته، وإلا فلا، ولا يمكن أن يقيم حجه إلا على أنه لا يقف على ما هو مستغن عن الواجب بنفسه، وهذا حق.
وأما كونه لا يقف على ما هو مفتقر إلى الواجب فهذا لا يمكن إقامة الدلالة عليه.
الوجه السابع: أن يقال: قولك بأن عواض ذاته لا يتوقف على الغير يستلزم أن عواض ذاته يتوقف على الغير، وإذا كان تقدير ثبوته مستلزماً لانتفائه دل على أن تقدير ثبوته مستلزم لجمع بين النقيضين، فلا يكون ثابتاً، وإن شئت قلت: قولك لا تقوم به الحوادث مستلزم لقيام
(2/235)

الحوادث به، فيلزم الجمع بين النقيضين، وإن شئت قلت: قولك لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته يستلزم نقيض ذلك فيكون باطلاً، وهذا يصلح أن يكون دليلاً مستقلاً في أول المسألة، وذلك لأن هذا العالم المشهود إما أن يكون واجباً بذاته أو ممكناً، فإن كان واجباً بذاته فمن المعلوم قيام الحوادث به، فيلزم قيامها بالواجب بذاته.
وأيضاً فمن المعلوم أن ما يقوم ببعض الأفلاك من الحوادث ليست ذاته كافيه له، بل هو موقوف على غيره، فيكون ما يقوم بالواجب بنفسه موقوفاً على غيره، وإن كان هذا العالم ممكناً وهو الحق، فلا بد له من واجب، فذلك الواجب إما أن يكون علة تامة مستلزمة في الأزل لجميع معلولاته أو لا، والأول باطل لأنه لو كان كذلك لم يتأخر شيء من معلولاته.
والثاني يقتضي أنه فعل بعد أن لم يكن فعل، وذلك يقتضي تجدد فاعلية فأما أن يكون تجدد ذلك مستلزماً لكون متجدداته توجب افتقار ذاته إلى غيره أو لا، فإن لم تكن بطلت الحجة، وإن استلزم ذلك ثبت افتقار ما يتجدد بذاته إلى غيره.
فلو قيل: إن الواجب لا تقوم بذاته هذه الأمور للزم أن تقوم بذاته هذه الأمور، فيلزم الجمع بين النقيضين.
وإن قيل: تجدد الفاعلية لا يستلزم قيام شيء به، بل تجددت من غير حدوث شيء أصلاً.
قيل: فكذلك ما يتجدد من الأمور القائمة بذاته ممكن حينئذ تجدده من غير حدوث شيء اصلاً بطريق الأولى.
وإن شئت أن تكون هذه معارضة ودليلاً في رأس المسألة، ونقول: ما يتجدد من مفعولاته هل يتقضي أفتقار ذاته
(2/236)

إلى غيره أما لا؟ فإن قيل لا يقتضي، فكذلك ما يتجدد من أفعاله القائمة به وإلا فلا.
وهذا لأن نفاة الأمور القائمة به منهم من يقول حدثت الحوادث المباينة له من غير تجدد شيء أصلاً، كما يقول ذلك من يقول من المعتزلة والكلابية وغيرهم، ومنهم من يقول: بل ما زالت الحوادث تحدث مع كونه مستلزماً لجميع مفعولاته، كما تقول ذلك الدهرية الفلاسفة، والدهرية منهم من يقول: إن العالم واجب الوجود بنفسه، ومنهم من يقول: إن الأول علة غائية له، وكل من هذه الأقوال يلزمه من التناقض ما يبين به أنه لا يمكنه إبطال القول بقيام مراداته ومحبوابته بذاته.

معارضة بعض المتكلمين للرازي
وقد عارض بعضهم الرازي فيما ذكره من أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف، فقال: المراد بالحادث: الموجود الذي وجد بعد العدم، ذاتاً كان أو صفة، أما ما لا يوصف بالوجود - كالأعدام المتجددة، والأحوال عند من يقول بها، والإضافات عند من لا يقول: إنها وجودية - فلا يصدق عليها اسم الحادث، وإن صدق عليها اسم المتجدد، فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري أن تكون محلاً للحوادث.
(2/237)

قال: وما قاله الإمام - يعني الرازي - في هذا المقام إن أكثر العقلاء قالوا به وإن أنكروه باللسان، وبينه بصور، فليس كذلك، لأن أكثر ما ذكر من تلك الأمور فإنما هي متجددة لا محدثة، والمتجدد أعم من الحادث، فلا يلزم من وجود العام وجود الخاص
قلت: ولقائل أن يقول: هذا ضعيف من وجوه:

الرد عليهم من وجوه الوجه الأول
أن الدليل الذي استدلوا به على نفي الحوادث ينفي المتجددات أيضاً كقولهم: إما أن يكون كمالاً أو نقصاً، وقولهم: لو حصل ذلك لزم التغير، وقولهم: إما أن تكون ذاته كافية فيه أو لا تكون، وقولهم: كونه قابلاً له في الأزل يستلزم إمكان ثبوته في الأزل، فإنه لا يمكن أن يحصل في الأزل لا متجدد ولا حادث، ولا يوصف الله بصفة نقص، سواء كان متجدداً أو حادثاً، وكذلك التغير لا فرق بين أن يكون بحادث أو متجدد، فإن قالوا: تجدد المتجددات ليس تغيراً، قال أولئك: وحدوث الحركات الحادثة ليس تغيراً، فإن قالوا: (بل هذا يسمى تغيراً) منعوهم الفرق، وإن سلموه كان النزاع لفظياً، وإذا كان استدلالهم ينفي القسمين لزم إما فساده وإما النقض.

الوجه الثاني
أن يقال: تسمية هذا متجدداً وهذا حادثاً فرق
(2/238)

لفظي، لا معنوي، ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه سبحانه وتعالى أنه محل للحوادث، ولا محل للأعراض، ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم منها معنى باطل، فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما سمونه هم حادثاً كالعيوب والآفات، والله منزه عن ذلك سبحانه وتعالى، وإذا قيل: فلان ولي على الأحداث، أو تنازع أهل القبلة في أهل الأحداث، فالمراد بذلك: الأفعال المحرمة كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق، والله أجل وأعظم من أن يخطر بقلوب المؤمنين قيام القبائح به، والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد والحادث أمر لفظي، لا معنى عقلي، ولو عكسه عاكس فسمى هذا متجدداً وهذا حادثاً لكان كلامه من جنس كلامه.

الوجه الثالث
أن دعوى المدعي أن الجمهور إنما يلزمهم تجدد الإضافات والأحوال والأعدام، لا تجدد الحادث الذي وجد بعد العدم، ذاتاً كان أو صفة، دعوى ممنوعة لم يقم عليها دليلاً، بل الدليل يدل على أن أولئك الطوائف يلزمهم قيام أمور وجودية حادث بذاته، مثال ذلك سبحانه وتعالى يسمع ويرى ما يخلقه من الأصوات والمرئيات.
وقد أخبر القرآن بحدوث ذلك في مثل قوله: {وقل اعملوا فسيرى
(2/239)

الله عملكم ورسوله والمؤمنون} (التوبة: 105) وقوله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} (يونس: 14) .
وقد أخبر بسمعه ورؤيته في مواضع كثيرة، كقوله لموسى وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} (طه: 46) وقوله: {الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين} (الشعراء: 218 - 219) وقوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} (آل عمران: 181) .
{قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} (المجادلة: 1) .
وفي الصحيح «عن عائشة رضي الله عنها قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كانت المجادلة تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} » ، ومثل هذا كثير.
فيقال لهؤلاء: أنتم معترفون وسائر العقلاء بما هو معلوم بصريح العقل أن المعدوم لا يرى موجوداً قبل وجوده، فإذا وجد فرآه موجوداً وسمع كلامه فهل حصل أمر وجودي لم يكن قبل، أو لم يحصل شيء؟
(2/240)

فإن قيل: لم يحصل أمر وجودي، وكان قبل أن يخلق لا يراه، فيكون بعد خلقه لا يراه أيضاً، وإن قيل: حصل أمر وجودي، فذلك الوجودي إما أن يقوم بذات الرب، وإما أن يقوم بغيره، فإن قام بغيره لزم أن يكون غير الله هو الذي رآه، وإن قام بذاته علم أنه قام به رؤية ذلك الموجود الذي وجد، كما قال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} (التوبة: 105) ، وما سموه إضافات وأحوالاً وتعلقات وغير ذلك.
يقال لهم: هذه أمور موجوده أو ليست موجودة؟ فإن لم تكن موجودة فلا فرق بين حاله قبل أن يرى ويسمع وبعد أن يرى ويسمع، فإن العدم المستمر لا يوجب كونه صار رائياً سامعاً، وإن قلتم: بل هي أمور وجودية، فقد أقررتم بأن رؤية الشيء المعين لم تكن حاصلة، ثم صارت حاصلة بذاته، وهي أمر وجودي.
والمتفلسفة لا يقتصر في إلزامهم على تجدد الإضافات، بل يلزمون بكونه محدثاً للحوادث المتجددة شيئاً فشيئاً، والإحداث هو من مقولة أن يفعل، وأن يفعل: أحد المقولات العشر، وهي أمور وجودية.
فيقال: كونه فاعلاً لهذه الحوادث المعينة بعد أن لم يكن فاعلاً لها، إما أن يكون أمراً حادثاً وإما أن لا يكون حدث كونه فاعلاً، فإن لم يحدث كونه فاعلاً فحاله قبل أن يحدثها وبعد أن يحدثها واحد، وقد كان قبل أن يحدثها غير فاعل لها، فيلزم أن لا يحدث شيء، أو يحدث بلا
(2/241)

محدث، وأنتم أنكرتم على المتكلمة الجهمية والمعتزلة أن قالوا: الذات تفعل بعد أن لم تكن فاعلة، بلا أمر تجدد، فكيف تقولون: هي دائماً تفعل الحوادث شيئاً بعد شيء، من غير أن يحدث لها أمر؟
وأيضاً فالفاعلية التامة لكل واحد من الحوادث إن كانت موجودة في الأزل قبل حدوثه لزم تأخر الفعل عن الفاعلية التامة، وهذا باطل، وذلك يبطل قولهم.
وإن قالوا: بل الفاعلية التامة لكل حادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة، فقد صارت الذات فاعلة لذلك الحادث بعد أن لم تكن فاعلة، وكونها فاعلة هي من مقولة أن يفعل، هي إحدى المقولات العشر التي هي الأجناس العالية، المسماة عندهم بقاطيغورياس، وهي كلها وجودية، فيلزم اتصاف الرب بقيام الأمور الوجودية به شيئاً بعد شيء، كما أختاره كثير من سلفهم وخلفهم.
وهكذا يمكن تقرير كل ما ذكر الرازي من إلزام الطوائف شيئاً بعد شيء لمن تصور ذلك تصوراً تاماً، وكل من قال: (لم يحدث شيء موجود) فإنه يلزمه التناقض البين الذي لا ينازع فيه المنصف الذي يتصور ما يقول تصوراً تاماً.
(2/242)

وقد اعتذر من اعتذر من الفلاسفة عما ألزمهم إياه من الإضافات بأن قالوا: الإضافات لا توجد إلا كذلك، فلا يتصور فيه الكمال قبلها، ولأنها تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال، بل في متبوعها.
قلت: ولقائل أن يقول: هذا بعينه يقوله المثبتون، فإن الكلام إنما هو في الحوادث المتعلقة بمشئيته وقدرته.
ومن المعلوم امتناع ثبوت الحوادث جميعها في الأزل: فإذا قال القائل: (الإضافات لا توجد إلا حادثة) قيل له: والحوادث المعلقة بمشيئته وقدرته لا توجد لا حادثة.
وأما قوله: (الإضافة تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال) فعنه جوابان: أحدهما: أن الدليل لا يفرق بين التابع والمتبوع، فإن صح الفرق ظل الدليل، وإن لم يصح انتقض الدليل، فيبطل على التقديرين.
الثاني: أن يقال: وهكذا ما يتعلق بمشيئته وتقدرته، هو تابع أيضاً، فلا يثبت فيه الكمال.
يوضح ذلك: أنه سبحانه مستحق في أزله لصفات الكمال، لا وزر أن يكون شيء من الكمال الأزلي إلا وهو متصف به في أزله،
(2/243)

كالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك، وإنما الشأن فيما لا يمكن وجوده في الأزل.

طريقة الأئمة في مسألة القرآن
ومما يبين لك أن الرازي وأمثاله كانوا يعتقدون ضعف هذه المسألة - مع فرط رغبتهم في إبطال قول الكرمية إذا أمكنهم - أنه لم يعتمد على ذلك في مسألة كلام الله تعالى في أجل كتبه نهاية العقول، ومسأل الكلام هي من أجل ما يبنى على هذا الأصل.
وذلك أن الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن، هم ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم من أصحاب أحمد، وكأبي المعالي الجويني وأمثاله وأبي القاسم الرواسي وأبي سعيد المتولي وغيرهم من أصحاب الشافعي، والقاضي أبي الوليد الباجي وأبي بكر الطرطوشي والقاضي
(2/244)

أبي بكر بن العربي وغيرهم من أصحاب مالك.
وكأبي منصور الماتريدي وميمون النسفي وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، أنهم قالوا: لو كان القرآن مخلوقاً للزم أن يخلقه: إما في ذاته، أو في محل غيره، أو أن يكون قائماً بنفسه لا في ذاته ولا في محل آخر.
والأول: يستلزم أن يكون الله محلاً لحوادث، والثاني: يقتضي أن يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه، فلا يكون ذلك الكلام كلام الله، كسائر الصفات إذا خلقها في محل، كالعلم والحياة والحركة واللون وغير ذلك، والثالث: يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها، وهذا ممتنع.
فهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسألة القرآن.
وقد سبقهم عبد العزيز المكي صاحب الحيدة المشهورة إلى هذا التقسيم.

قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه
وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه، وأنه كان يقول بقولهم، وأن الله لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن قوله من جنس قول ابن كلاب.
وليس الأمر كذلك، فإن عبد العزيز ـ هذا ـ له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ما لا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث.
(2/245)

وذلك أنه قال بعد أن ذكر جوابه لبشر فيما احتج به بشر من النصوص مثل قوله تعالى {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] ، وقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] ، قال: (فقال بشر: يا أمير المؤمنين عندي أشياء كثيرة، إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس، فليدع ما مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره؟، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال) .
وذكر عبد العزيز أنه طلب من بشر أن يناظره على وجه النظر والقياس ويدع مطالبته بنص التنزيل - إلى أن قال: (فقال عبد العزيز: يا بشر، تسألني أم أسألك؟ فقال بشر:
(2/246)

سل أنت، وطمع في، وجميع أصحابه! وتوهموا أني إذا خرجت عن نص التنزيل لم أحسن أن أتكلم بشيء غيره) .
قال عبد العزيز: (فقلت: يا بشر، تقول: إن كلام الله مخلوق؟ قال: أقول: إن كلام الله مخلوق) قال: (فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: أن تقول: إن الله خلق القرآن - وهو عندي أناكلامه - في نفسه، أو خلقه قائماً بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره، فقل ما عندك، قال بشر: أقول: إنه مخلوق، وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، تركنا القرآن ونص التنزيل والسنن والأخبار عند هربه منها وذكر أنه يقيم الحجة، وأنا أقول معه بخلق القرأن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب، وانقطع عن الكلام، فإن كان يريد أن يناظرني على أنه يجيبني عما أسأله عنه، وإلا فأمير المؤمنين أعلى عيناً في صرفي، فإنما يريد بشر أن يقع
(2/247)

معه من لا يفهم، فيخدعه عن دينه، ويحتج عليه بما لا يعقله، فتظهر حجته عليه، فيبيح دمه.
قال: فأقبل عليه المأمون فقال: أجب عبد العزيز عما سألك عنه، فقد ترك قوله ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه، فقال بشر: قد أجبته، ولكنه يتعنت، فقال المأمون: يأبى عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة من ثلاث، فقال: هذا أشد طلباً من مطالبته بنص التنزيل، ما عندي غير ما أجبته به.
قال: فأقبل على المأمون فقال: يا عبد العزيز، تكلم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها ودع بشراً فقد انقطع عن الجواب من كل جهة.
فقلت: نعم، سألته عن كلام الله تعالى: أمخلوق هو؟ قال: نعم، فقلت له ما يلزمه في هذا القول، وهو واحدة من ثلاث لا بد منها: أن يقول إن الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائماً بذاته ونفسه، فإن قال (إن الله خلق كلامه في نفسه) فهذا محال لا يجد سبيلاً إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله لا يكون مكاناً للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك عز وجل وتعظم!
(2/248)

وإن قال: (خلقه الله في غيره) فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله عز وجل، لا يقدر أن يفرق بينهما، فيجعل كلامه كلاماً لله، ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذمه قائله: كلاماً لله عز وجل، وهذا محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به، لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله، تعالى الله عن ذلك!
وإن قال:
(خلقه قائماً بنفسه وذاته) فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلاً في قياس ولا نظر ولا معقول، لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا يرى ولا رئي كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته.
وهذا مما لا يعقل ولا يعرف، ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً علم أنه صفة لله، وصفات الله كلها غير مخلوقة، فبطل قول بشر.
فقال المأمون: أحسنت يا عبد العزيز، فقال بشر: سل عن غير هذه المسألة فلعله يخرج من بيننا شيء.
فقلت: أنا أدع هذه المسألة وأسأل عن غيرها، قال: سل،
(2/249)

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ألست تقول: إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل شيئاً ولما يخلق شيئاً؟ قال: بلى.
فقلت: فبأي شيء حدثت الأشياء بعد أن لم تكن شيئاً؟ أهي أحدثت نفسها أم الله أحدثها؟ فقال: الله أحدثها، فقلت له: فبأي شيء حدثت الأشياء إذ أحدثها الله؟ قال: أحدثها بقدرته التي لم تزل.
قلت له: إنه أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفليس تقول: إنه لم يزل قادراً؟ قال: بلى.
قلت له: فتقول: إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا.
قلت له: فلا بد أن يلزمك أن تقول: أنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله.
ولا يقال لصفة الله هي الله ولا هي غير الله، فقال بشر: ويلزمك أنت أيضاً أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.
قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ليس لك أن تحكم علي وتلزمني مالا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل، إني لم أقل:
(2/250)

(إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل) ليلزمني ما قلت.
وفي نسخة أخرى: (وإنما قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة الله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) قال بشر: أنا أقول إنه أحدث أشياء بقدرته، فقل ما شئت، فقال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء، وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئاً بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله خلق بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها، فبأي ذلك كان فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريداً ومراداً، وقولاً وقائلاً ومقولاً له، وقدرة وقادراً ومقدوراً عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل اللخق متقدماً فليس هو من الخلق في شيء.
فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية والنظر والمعقول) ثم ذكر حجة أخرى.
والمقصود هنا: أن عبد العزيز احتج بتقسيم حاصر معقول، فإن الله
(2/251)

تعالى إذا خلق شيئاً فإما أن يخلقه في نفسه، أو في غيره، أو يخلقه قائماً بنفسه، وقد أبطل الأقسام الثلاثة.
ولا ريب أن المعتزلة يقولون: إنه خلقه في غيره، فأبطل ذلك عبد العزيز بالحجة العقلية التي يتداولها أهل السنة، وهو أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن كلام الله، فإن كان مخلوقاً في محل آخر غيره لزم أن يكون كل كلام مخلوق في محل كلام الله، لتماثلهما بالنسبة إلى الله، ويلزم أن يكون ما يخلقه تعالى من كلام الجلود والأيدي والأرجل كلام الله، فإذا قالوا: {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم} (فصلت: 21) ، كان الناطق هو المنطق، وبشر لم يكن من القدرية، بل كان ممن يقر بأن الله تعالى خالق أفعال العباد، فألزمه عبد العزيز أن يكون كلام كل مخلوق كلام الله، حتى قول الكفر والفحش، وهذا الإلزام صرح به حلولية الجهمية من الاتحادية ونحوهم كصاحب الفصوص والفتوحات المكية ونحوه، وقالوا:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
(2/252)

ولهذا قال من قال من السلف: من قال: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} (طه: 14) مخلوق، فقد جعل كلام الله بمنزلة قول فرعون، الذي قال: {أنا ربكم الأعلى} (النازعات: 24) لأن عنده هذا الكلام خلقه الله في الشجرة، وذلك خلقه في فرعون، فإذا كان هذا كلام الله كان هذا كلام الله.
كما قال سليمان بن داود الهاشمي - أحد أئمة الإسلام نظير الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي بكر بن أبي شيبة وأمثالهم - قال: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقاً كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: {أنا ربكم الأعلى} من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد، فاستحسنه وأعجبه، ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق أفعال العباد.
وكذلك ذكر نظير هذا عبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن سعيد القطان، وهذا مبني على أن الله خالق أفعال العباد، فإذا كان قد خلق في محل: (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني) وخلق في محل: (أنا ربكم الأعلى) كان ذلك المحل الذي خلق فيه ذلك الكلام أولى بالعقاب من فرعون، وإذا كان ذلك كلام الله كان كلام فرعون كلام الله.
(2/253)

وأما كونه خلقه قائماً بنفسه فهو ظاهر البطلان أيضاً، لأن الصفات لا تقوم بنفسها، ولكن الجهمية تقول: خلق علماً لا في محل، والبصريون من المعتزلة يقولون: خلق إرادة وقدرة لا في محل، وطائفة منهم يقولون: خلق بخلق بعد خلق لا في محل، وهذه المقالات ونحوها مما يعلم فساده بصريح العقل.
وأما القسم الأول - وهو كونه سبحانه خلقه في نفسه - فأبطله عبد العزيز أيضاً لكن ما في نفس الله تعالى يحتمل نوعين:
أحدهما: أن يقال: أحدث في نفسه بقدرته كلاماً بعد أن لم يكن متكلماً.
وهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقولون: كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى، وأن الله تكلم بعد أن لم يكن يتكلم أصلاً، وأن الله يمتنع ان يقال في حقه: ما زال متكلماً، وهذا مما أنكره الإمام أحمد وغيره.
والثاني: أن يقال: لم يزل الله متكلماً إذا شاء كما قاله الأئمة، وكل من هاتين الطائفتين لا تقول: (إن ما في نفس الله مخلوق) بل المخلوق عندهم لا يكون إلا منفصلاً عن نفس الله تعالى، وما قام به من أفعاله وصفاته فليس بمخلوق.
ولا ريب أن بشراً وغيره من القائلين بخلق القرآن كانوا يقولون: إنه خلق منفصلاً عنه كما خلق غيره من المخلوقات، فأما نفس خلق الرب
(2/254)

عند من يقول الخلق غير المخلوق - وهم الأكثرون - فلا يقولون: إن الخلق مخلوق.
ومن قال بتجدد ما يقوم به من الأفعال أو الإرادات أو الإدراكات لم يقل: إن ذلك مخلوق، فإنه إذا كان ثم خلق وخالق ومخلوق لم يكن الخلق داخلا في المخلوق.
ولهذا كان من يقول: (إن كلام الله قائم بذاته) متفقين على أن كلام الله غير مخلوق، ثم هم بعد هذا متنازعون على عدة أقوال: هل يقال: إنه معنى واحد أو خمسة معان لم تزل قديمة، كما يقوله ابن كلاب والأشعري؟
أو أنه حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل قديمة، كما يذكره عن ابن سالم وطائفة.
أو يقال: بل هو حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلماً، كما يقوله ابن كرام وطائفة.
أو يقال: إنه لم يزل متكلماً إذا شاء، وإنه إذا شاء تكلم بصوت يسمع وتكلم بالحروف، كما يذكر ذلك عن أهل الحديث والأئمة؟
والمقصود هنا أن ما قام بذاته لا يسميه أحد منهم مخلوقاً، سواء كان حادثاً أو قديماً.
وبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر، فإن بشراً من أئمة الجهمية نفاة الصفات، وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة لا فعل
(2/255)

ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة بل ما ثم عنده إلا الذات المجردة عن الصفات والمخلوقات المنفصلة عنها، كما تقول ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم، فاحتج عليه عبد العزيز بحجتين عقليتين:
إحداهما: أنه إذا كان كلام الله مخلوقاً ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائماً بنفسه: لزم أن يكون مخلوقاً في نفس الله، وهذا باطل.
الثانية: إن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات: إما القدرة - كما أقر به بشر - وإما فعله وأمره وإرادته - كما قاله عبد العزيز - وعلى التقديرين: ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق، فبطل أصل قول بشر والجهمية: إنه ليس لله صفة، وإن كل ماسوى الذات المجردة فهو مخلوق.
وتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة.
وهذا حجة مثبتة الصفات القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نفى الصفات وقال بخلق القرآن، فإن كل من نفى الصفات لزمه القول بخلق القرآن.
يبقى كلام أهل الإثبات فيما يقوم بذاته: هل يجوز أن يتعلق شيء منه بمشيئته وقدرته أم لا؟ وهل عبد العزيز ممن يجوز ان يقوم بذاته ما يتعلق بمشئيته وقدرته، أو ممن يقول: لا يكون المراد المقدور إلا منفصلاً عنه مخلوقاً؟ ويجعل المقدور هو المخلوق، وهما في الأصل قولان معروفان ذكرهما الحارث المحاسبي وغيره عن أهل السنة حسبما تقدم إيراده.
وهذا القول الثاني هو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من
(2/256)

أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم.
والقول الأول: هو قول أئمة أهل الحديث والهشامية والكرامية وطوائف من أهل الكلام من المرجئة.
كأبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهم ومن وافق هؤلاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
فقد يقول القائل: إن عبد العزيز موافق لابن كلاب، لأنه قال: إن الله لا يكون مكاناً للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه، لكن إذا تدبر المتدبر سائر كلام عبد العزيز وجده من أهل القول الأول: قول أهل الحديث، لأنه قال بعد هذا لبشر: بأي شيء حدثت الأشياء؟ قال: أحدثها الله بقدرته التي لم تزل، قال عبد العزيز: فقلت له: إنه قد أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفلست تقول: إنه لم يزل قادراً؟ قال: بلى، فقلت له: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا، قلت: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بلا قدرة، لأن القدرة صفة.
وقال
(2/257)

عبد العزيز بعد هذا: لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع.
وقد أثبت عبد العزيز فعلاً مقدوراً لله هوصفة له ليس من المخلوقات، وأنه به خلق المخلوقات، وهذا صريح في أنه يجعل الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وأن الفعل صفة لله، مقدور لله، إذا شاء، ولا يمنعه منه مانع، وهذا خلاف قول الأشعري ومن وافقه.
يبقى أن يقال: هذا الخلق - الذي يسمى التكوين - من الناس من يجعله قديماً، ومنهم من يجعله مقدوراً مراداً، وعبد العزيز صرح بأن الفعل الذي به يخلق الخلق مقدور له، وهذا تصرح بأنه يقوم بذات الله عنده ما يتعلق بقدرته، وما كان موجوداً مقدوراً لله فهو مراد له بالضرورة واتفاق الناس.
وأيضاً فإنه قال: قد أقر بشر أن الله أحدث الأشياء بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فقد صرح بأن القول يكون عن قدرته، فجعل قول الله مقدروراً له مع أنه صفة له عنده.
وهذا قول من يقول: إنه يقدر على التكلم، وإنه بمشيئته وقدرته، وليس هو قول من يقول: إن القول لازم له، لا يتعلق بقدرته ومشيئته.
(2/258)

فتبين أن عبد العزيز الكناني يثبت أنه يقوم بذات الله تعالى ما يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يجعل كل واحد من ذلك قديماً، وإن كان النوع قد يكون قديماً، لأن بشراً لما قال له: أحدثها بقدرته التي لم تزل، قال له: أفليس تقول: لم يزل قادراً؟ قال: بلى، قال: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا، قال: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة.
وهذا لأنه إذا كان لم يزل قادراً ولا مخلوقاً ثم وجد مخلوق، لم يكن قد وجد بقدرة بلا فعل، فإنه لو كان مجرد القدرة كافياً في وجوده بلا فعل للزم مقارنة المخلوق للقدرة القديمة.
وهذا المقام هو المقام المعروف، وهو أنه: هل يمكن وجود الحوادث بلا سبب حادث أم لا؟ فإن جمهور العقلاء يقولون: إن انتفاء هذا معلوم بالضرورة، وإن ذلك يقتضي الترجيح بلا مرجح، وهذا هو الذي ذكره عبد العزيز، بخلاف قول من يقول: إن نفس القادر يرجح أحد طرفي مقدروه بلا مرجح، كما يقوله أكثر المعتزلة والجهمية، أو بمجرد إرادة قديمة كما تقوله الكلابية والكرامية فإن هذا هو الذي ذكره بشر.
(2/259)

يبقى هنا السؤال على عبد العزيز، هو الذي ألزمه إياه بشر، حيث قال له: وأنت أيضاً يلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق، وإذا كان كذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله، لأن الحادث إن لم يفتقر إلى سبب حادث كفت القدرة القديمة، وإن افتقر إلى سبب حادث فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في الذي حدث به، فيلزم تسلسل الحوادث، فيلزمك أنه لم يزل يفعل ويخلق، فيكون المخلوق معه، فأجابه عبد العزيز بأني لم أقل (لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، ليلزمني ما قلت، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي النسخة الأخرى: (وإنما قلت: لم يزل الخالق سيخلق، والفاعل سيفعل، لأن الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) .
ومضمون كلامه: أنني لم أقل إن الله لم يزل يخلق الأشياء المنفصلة ويفعلها، ولا يلزمني هذا كما لزمك، لأنك جعلت المخلوقات تحصل بالقدرة القديمة من غير فعل من القادر يقوم به، فإذا لم تتوقف المخلوقات على غير القدرة، والقدرة قديمة، لزم وجود المخلوقات معها، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، والحدوث بلا سبب، لأن القدرة دائمة أزلاً
(2/260)

وأبداً، ووجود المخلوقات ممكن، والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح، وعند وجود المرجح التام يجب وجوده، لأنه لو لم يجب لكان قابلا للوجود والعدم، فيبقى ممكناً كما كان، فلا يترجح إلا بمرجح تام.
فتبين أن وجود القدرة التي يمكن معها وجود المخلوقات لا يوجد المخلوق مع مجردها، بل لا بد من أمر آخر يفعله الرب.
قال عبد العزيز: وهذا الفعل صفة لله، ليس من المخلوقات المنفصلة عنه، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، فأما قول القائل: (إن ذلك الفعل الذي لم يكن ثم كان بالقدرة وهو صفة) فإنه يسأل عن سبب حدوثه، كما يسأل عن سبب حدوث المخلوق به.
فيجيب عنه عبد العزيز بأجوبة.
أحدها: الجواب المركب وهو أن يقول: تسلسل الآثار الحادثة إما أن يكون ممكناً وإما أن يكون ممتنعاً، فإن كان ممكناً فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعاً لم يلزمني ذلك، ولا يلزم من بطلان التسلسل بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به، فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق، قبل العلم بجواز التسلسل أو بطلانه، ولهذا كان كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، فيثبتون لك مع إبطال التسلسل، مثل كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ومن الصوفية
(2/261)

وأهل الحديث والكلام من الكرامية والمرجئة والشيعة وغيرهم، وهؤلاء منهم من يقول: الفعل الذي هو التكوين قديم، والمكون المنفصل حادث، كما يقولون مثل ذلك في الإرادة، ومنهم من يقول: بل ذلك حادث الجنس بعد أن لم يكن، وكلا الفرقين لا يقولون: إن ذلك مخلوق، بل يقولون: إن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة.
الجواب الثاني: أن يقول: ما ذكرته من التسلسل لازم لكل من قال: إن جنس الحوادث يكون بعد أن لم يكن، فهو لازم لك ولي إذا قلت بهذا، فلا أختص بجوابه، وأما وجود المفعول بدون فعل: فهذا لازم لك وحدك، وهو الذي احتججت به عليك، فحجتي عليك ثابتة تبطل قولك دون قولي.
والإلزام الذي ذكرته أنت مشترك بيني وبينك، فلا يخصني جوابه.
الجواب الثالث: أن يقول: أنا قلت: الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، وإنما يجب أن يكون المخلوق معه في الأزل إذا ثبت أن الفعل يستلزم فعلاً قبله، وأن الفعل اللازم يستلزم ثبوت الفعل المتعدي إلى المخلوق، فإن ذك يستلزم ثبوت غير المخلوق.
وكل هذه المقدمات فيها ممانعات ومعارضات، وتحتاج إلى حجج لم
(2/262)

يذكر المريسي منها شيئاً، وعبد العزيز لم يلتزم شيئاً من ذلك، وإنما التزم أن الفعل صفة لله تعالى، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وحجته يحصل بها المقصود.
وقوله في النسخة الأخرى - إن صح عنه: (إنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، والخالق سيخلق) قد نفى فيه ان يكون نفس الفعل قديماً، فضلاً عن أن يكون المفعول قديماً.
وقوله: (إن الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، لا يمنعه منه مانع) يمنع قدم عين الفعل، لا يمنع قدم نوعه، إلا أن يثبت امتناع تسلسل الآثار، وليس في كلامه تعرض لنفي ذلك ولا إثباته.
وقوله: (لم يزل سيفعل) إن صح عنه يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يزل موصوفاً بأنه سيفعل ما يفعله من جميع المفعولات أعيانها وأنواعها، كما يقوله من يقول بحدوث نوع الفعل القائم به كما يقوله من يقول بحدوث أنواع المنفصلات عنه.
والثاني: أنه لم يزل الفاعل سيفعل شيئاً بعد شيء، فهو متقدم على كل واحد واحد من أعيان المفعولات.
فعلى الأول يمتنع أن يكون شيء من أنواعها أو أعيانها قديماً، وعلى
(2/263)

الثاني لا يمتنع تقدم النأواع، بل قد يمتنع تقدم أعيان المخلوقات، فلا يكون شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين.
وجماع ذلك: أن الذي ألزمه عبد العزيز للمريسي لازم له، مبطل لقوله بلا ريب، وعليه جمهور الناس، فإن جماهير الناس يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وهذا قو ل جماهير الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير الصوفية وجماهير أهل الحديث، بل كلهم، وكثير من أهل الكلام والفلسفة أو جماهيرهم، فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم، وأكثر الشيعة، وكثير من المعتزلة والكلابية، وكثير من الفلاسفة، ولأصحاب مالك والشافعي واحمد في ذلك قولان، فالذي عليه أئمتهم: أن الخلق غير المخلوق، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جمهور أصحاب أحمد، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو قول كثير من الكلابية.

قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه
وأما قوله: (إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع) فكلامه يقتضي أنه لم يزل قادراً على الفعل لا يمنعه منه مانع، وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير الناس، ولهذا أنكروا على من قال: لم يكن قادرا على الفعل في الأزل.
وكان من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس، وأراد أبو محمد الجويني وغيره تبرئته من هذا القول، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع.
(2/264)

وإذا كان لم يزل قادراً على الفعل كان هذا صفة كمال، فلهذا قال عبد العزيز: (لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع) وقد خلق المخلوقات بفعله فوجدت بالفعل الذي هو الخلق، والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى، والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة عليه.
كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} (يس: 81) ، وقوله تعالى: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} (القيامة: 40) ، وقوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} (الأنعام: 65) الآية، ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، ولا أن نفس خلقه للسماوات والأرض هو السماوات والأرض، والقدرة التي تزل ثم وجدت المخلوقات بدون فعل اصلاً.
فيقول له المريسي: فذلك الفعل الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع، إن كان قديماً كان كالقدرة، وكان السؤال علي كالسؤال عليك، وإن كان حادثاً من غير تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل، وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل
(2/265)

الأمر: لزم تسلسل الأفعال، ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل، والخالق لم يزل يخلق.
فيقول له عبد العزيز: لم أقل إنه قديم، بل قلت: إنه صفة، والله قادر عليه، لا يمنعه منه مانع، وماكان مقدوراً له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديماً معه، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله.
وأماسؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الإثبات جوابان:
أحدهما: - وهو جواب الكرامية ومن وافقهم - أن إثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه، فإنا نعقل أن القادر على الفعل قبل أن يفعله ليس له فعل، فإذا فعله كان هناك فعل به فعل المفعول، وخلق به خلق المخلوق، ونحن مقصودنا إثبات فعل وصفة لله تقوم به مغاير مخلوقاته، وكلامه من هذا الباب، ونحن لم نورد عليكم التسلسل، فإن ذلك باطل على قولنا وقولكم جميعاً.
الجواب الثاني: أن يقول من يجيب به: لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما هو أيضاً فعل فعله الله بقدرته، ولا يضرني التسلسل، فإن ذلك جائز ممكن، فإن هذا تسلسل في الأفعال والآثار والشروط، وهذا ليس بممتنع.
فعلى الجواب الأول: يظهر قوله: (إنما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل، ولم أقل لم يزل يخلق ويفعل) .
(2/266)

وأما على الجواب الثاني: (فإذا قال: لم يزل يخلق ويفعل، بل أقول: إنه لم يزل سيخلق وسيفعل، فنقرره بوجهين:
أحدهما: أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق، بل يكون الفعل قائماً بنفسه بعد فعل قائم بنفسه، وهلم جراً من غير وجود مخلوق منفصل عنه.
الثاني: أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل إلا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال، إذ كان كل منهما حادثاً بعد أن لم يكن، والحادث بعد أن لم يكن لا يكون مقارناً للقديم الذي لم يزل، وإذا قيل: (إن نوع الأفعال أو المفعولات لم يزل) فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعاً، لا يوجد إلا متعاقباً، فإذا قيل: (لم يزل الفاعل يفعل، والخالق يخلق) - والفعل لا يكون إلا معيناً، والخلق والمخلوق لا يكون إلا معيناً - فقد يفهم أن الخالق للسماوات والإنسان لم يزل يخلق السماوات والإنسان، والفاعل لذلك لم يزل يفعله، وليس كذلك، بل لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله، فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من الأفعال إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفاً بأنه لم يزل فاعلاً له خالقاً له، بمعنى أنه موجود معه في الأزل، وإن قدر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلاً لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقاً لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كل
(2/267)

فعل ومخلوق سيفعله وسيخلقه، لا يقال: لم يزل فاعلاً له خالقاً بمعنى مقارنته له.
وإذا أريد أنه لم يزل فاعلاً للنوع، كان هذا بمعنى قولنا: (إنه لم يزل سيفعل ما يفعله) لكن هذه العبارة تفهم من الباطل ما لا تفهمه تلك العبارة.
وهذا الموضع للناس فيه أقوال، فإن جمهور أهل السنة يقولون: لم يزل الله خالقاً فاعلاً، كما قال الإمام أحمد: لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً، بل يقولون: لم يزل يفعل، إما بناء على أن الفعل قديم وإن كان المفعول محدثاً، أوبناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل.
ومذهب بشر وإخوانه الجهمية: أن المخلوقات كلها كائنة بدون فعل ولا خلق وكلام الله من جملتها، فألزمه عبد العزيز على أصله، فقال له: إذا قلت: كان الله ولما يفعل ولما يخلق شيئاً، وهو لم يزل قادراً، ثم خلق المخلوقات، فأنت تقول: لم يزل قادراً ولا تقول: لم يزل يفعل المخلوقات، فلا بد له من أن يكون هناك فعل حصل بالقدرة، وليس هو القدرة التي لم تزل ولا هو المخلوق المنفصل، إذ لو كان كذلك لكان المخلوق قد وجد من غير خلق، والمفعول قد وجد من غير فعل، وهذا أعظم امتناعاً في العقل من كونه وجد بغير قدرة، فإنه
(2/268)

إذا عرض على العقل مفعول مخلوق حدث بعد أن لم يكن بلا فعل ولا خلق كان إنكار العقل لذلك أعظم من إنكاره لحدوثه من غير قدرة الفاعل، وإنكاره لحدوثه من غير فاعل أعظم امتناعاً في العقل من هذا وهذا، فإذا قيل: فعله الفاعل بلا قدرة، أنكره العقل، وإذا قيل: فعله بالقدرة التي لم تزل بدون فعل، كان إنكاره أعظم، وإذا قيل: حدث بلا فاعل، كان أعظم وأعظم، فإن الفاعل بلا فعل كالعالم بلا علم، والحي بلا حياة، والقادر بلا قدرة نحو ذلك وذلك نفي لجزء مدلول اللفظ الذي دل عليه بالتضمن، وأما نفي القدرة عن الفاعل فهو نفي لما دل عليه باللزوم العقلي.
وإذا قال القائل: (بل يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق غيره، لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل، ولزم التسلسل وأن يكون محلاً للحوادث) .
قيل: فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل، لأن ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به.
فإذا قال: (الفعل بدون القدرة ممتنع، وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة، بل علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به، وإن سماها المسمي أعراضاً) .
(2/269)

قيل له: والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعاً في العقل.
وليس في العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة، بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من علمنا بامتناع قيام الأفعال به، وإن سماها المسمي حوادث.
يبين ذلك: أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم باللزوم العقلي وبالقول السمعي، فإن (فاعل وخالق) مثل متكلم وقائل ومريد ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات.
فلما ظهرت حجة عبد العزيز على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى بقدرته، كما قال له: (يلزمك أن تقول إنه خلق بلا فعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله، ولا يقال لصفة الله: هي الله، ولا يقال: إنه غير الله) ولم يقل عبد العزيز أنها ليست هي الله ولا غيره، بل قال: لا يقال إنها هي الله، ولا يقال إنها غيره.
وقل عبد العزيز هذا هو قول أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان.
ولكن طائفة من أصحاب
(2/270)

أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون: لا هي الله ولا غيره.
وتلك العبارة هي الصواب، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يصح إطلاقه لا نفياً ولا إثباتاً على الصفة، ولكن يصح نفي إطلاقه نفياً أو إثباتاً، كما قال السلف مثل ذلك في لفظ (الجبر) ونحوه من الألفاظ المجملة: إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها، وإذا قيل: (لا يطلق لا هذا ولا هذا) لم يلزم إثبات قسم ثالث، لا هو الموصوف ولا غير الموصوف، بل يلزم إثبات مالا يطلق عليه لفظ الغير، لا ما ينفي عنه المغايرة.
ومقصود عبد العزيز: أن القدرة صفة لله، ليست هي الفعل الذي كان عن القدرة، فإنه يقول: لم يزل الله قادراً، ولا يقول: لم يزل فاعلاً.
فعارضه المريسي بأن هذا يلزمك أيضاً، فيلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق.
وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.
فقال له عبد العزيز: ليس لك أن تحكم علي وتلومني ما لا يلزمني، وتحكي عني ما لم أقل، وذلك لأن عبد العزيز لم يقل في هذا قولاً يحكى
(2/271)

عنه، ولكن قال له: إما أن تلتزم أنت ما ألزمتني، وإلا التزمت أن تقول: إن المخلوق لم يزل مع الله.
وهذا الذي قاله المريسي إنما يلزم عبد العزيز إذا أبطل كل قسم مما يمكن أن يقال في هذا المقام، وهو لم يفعل ذلك، ولا سبيل له إليه، بخلاف ما ألزمه إياه عبد العزيز، فإنه لازم له لامحالة، إذ كان قوله: (إن المخلوقات كلها - وكلام الله عنده من جملتها - حدثت بعد أن لم تكن من غير فعل فعله الله، بل بقدرته التي لم تزل) مع أن عبد العزيز قد بين فيما بعد أن ما أقر به المريسي يكفيه في الاحتجاج في مسألة القرآن، فإن المريسي أقر بأن الله خلقها بقدرته، فأثبت هنا معنى هو صفة لله تعالى ليس بمخلوق، فبطل أصل قوله الذي نفى به الصفات، وقال: إنا القرآن مخلوق، لكن عبد العزيز بين له ما يلزمه، وما أقر به، وأن الحجة تحصل بهذا وبهذا، وأما المريسي فعارضه بأن قال: يلزمك ما ألزمتني.
وذلك مبني على مقدمات لم يذكر منها واحدة.
أحدها: أن يقول: إذا كان أحدث الأشياء بفعله الكائن عن قدرته حصل المقصود من غير إثبات قديم مع الله تعالى، ولهذا قال له عبد العزيز: (إنما قلت: الفعل صف لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي نسخة أخرى زيادة على ذلك: (إنما قلت: إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة لله) .
(2/272)

وهذه الزيادة لم تتقدم في كلام عبد العزيز، فإما أن تكون ملحقة من بعض الناس في بعض النسخ، أو يكون معنى الكلام: إنما قولي هذا، وإنما قلت إني إنما اعتقدت والتزمت هذا، أو يكون المعنى: إنما أقول وأعتقد هذا.
والأشبه أن هذه الزيادة ليست من كلام عبد العزيز، فإنها لا تناسب ما ذكره من مناظرته المستقيمة، ولم يتقدم من عبد العزيز ذكر هذا الكلام ولا ما يدل عليه.
بخلاف قوله: (إنما الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) فإن هذا كلام حسن صحيح، وهو لم يكن قد قاله، ولهذا لم يقل: إني قلت ذلك، ولكن قال: هذا هو الذي يجب أن يقال، وهو الذي يلزمني أن أقوله، لأني بينت أن المخلوق لا يكون إلا بفعل عن قدرة الله، والفعل قائم بالله، ليس هو مخلوقاً منفصلاً، وهذا مراده بقوله: (إنه صفة) لم يرد بذلك أن الفعل المعين لازم لذات الله تعالى، لأنه قد قال: (والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) .
فحصل بذلك مقصود عبد العزيز من أنها فعلاً أحدث الله به المخلوقات عن قدرته، فأقام الحجة على أنه يقوم بالله تعالى أمر غير المخلوقات عن القدرة، واعترف له المريسي بالقدرة.
(2/273)

فقد ثبت على كل تقدير أن قبل المخلوق شيئاً خارجاً عن المخلوق، سواء كان هو القدرة وحدها أو كان مع ذلك الفعل والقول والإرادة، وما كان متقدماً قبل المخلوق فليس هو من المخلوق، فبطل قول المريسي: إن ما لا يسمى بالله فهو مخلوق، فإن هذه الأمور يقال: (إنها غير الله) وإذا قلنا: (الله الخالق وما سواه مخلوق) فقد دخل في مسمى اسمه صفاته، فإنها داخلة في مسمى اسمه.
ولما قال النبي صلى الله عيه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك» لم يكن الحلف بعزةالله ونحوه حلفاً بغير الله.
ولما حدثت الجهمية واعتقدوا أن القرآن خارج عن مسمى اسم الله تعالى، قال من قال من السلف: (الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق) ، فاستثنوا القرآن مما سواه، لما أدخله من أدخله فيما سواه، ولفظ (ما سواه) هو كلفظ (الغير) وقد قلنا:
(2/274)

إن القرآن وسائر الصفات لا يطلق عليه أنه هو، ولا يطلق عليه أنه غيره، فكذلك لا يطلق عليه أنه مما سواه، ولا أنه ليس مما سواه، لكن مع القرينة قد يدخل في هذا تارة وفي هذا تارة.
فما كان بعض الناس قد يفهم أن القرآن هو مما سواه قال من قال من السلف (ماسواه مخلوق) ، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق: منه بدأ، وإليه يعود) ومن لم يفهم دخول الكلام في لفظ (سواه) لم يحتج إلى هذا الاستثناء، بل قال: (الله الخالق وما سواه مخلوق.
والقرآن كلام الله غير مخلوق) لا يقول: (إلا القرآن) أي القرآن هو كلامه، وكلامه وفعله وعمله وسائر ما يقوم بذاته لا يكون مخلوقاً، وإنما المخلوق ما كان مبياناً له، ولهذا قال السلف والأئمة، كأحمد وغيره: (القرآن كلام الله ليس ببائن منه) وقالوا: (كلام الله من الله) .
وقال أحمد بن حنبل لرجل سألة فقال له: (ألست مخلوقاً؟ فقال: بلى، فقال: أو ليس كلامك منك؟ قال: بلى، قال: والله ليس بمخلوق، وكلامه منه) ومراده أن المخلوق: إذا كان كلامه صفةً
(2/275)

له هو داخل في مسمى اسمه، وهو قائم به، فالخالق أولى أن يكون كلامه صفة له داخلة في مسمى اسمه، وهو قائم به، لأن الكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص، فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم.
والخالق أحق بكل كمال من غيره.
والسلف كثيراً ما يقولون: الصفة من الموصوف، والصفة بالموصوف، فيقولون: علم الله من الله، وكلام الله من الله، ونحو ذلك، لأن ذلك داخل في مسمى اسمه.
فليس خارجاً عن مسماه، بل هو داخل في مسماه، وهو من مسماه.
فعبد العزيز قرر حجته بأن الفعل صفة لله عن قدرته، لا يمنعه منه مانع، وهذا كاف، وما ألزمه إياه بشر لا يلزمه إلا بمقدمات لم يقرر بشر منها شيئاً.
وأي تقدير من تلك التقديرات قال به القائل كان خيراً من قول المريسي.
التقدير الأول: قول من يقول: إن الفعل حادث قائم بذات الله بقدرته، كما يقول ذلك من يقوله من الكرامية.
وهذا خير من قول المريسي وأمثاله من الجهمية، فإن ما يلزم أصحاب هذا القول من
(2/276)

تسلسل الحوادث يلزمهم مثله، والذي يلزمهم من نفي الخلق الفعل لا يلزم أصحاب هذا القول.
وأما قولهم: (إنه محل للحوادث) فمثل قولهم: إنه محل للأعراض) .
التقدير الثاني: قول من يقول: إن الفعل قديم أزلي، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية، ومن الفقهاء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية.
وهذا أيضاً على هذا التقدير يكون من جنس قول الصفاتية، وهؤلاء لا يقولون بقيام الحوادث به ولا تسلسلها، وإذا ألزمهم المريسي وإخوانه أن يقال: فإذا كان الفعل لم يزل والإرادة لم تزل: لزم أن يكون المفعول المراد لم يزل.
وقيل لهم: فحدوث الحوادث لا بد له من سبب قالوا: هذا السؤال مشترك بيننا وبينكم، لكن عبد العزيز لم يجب بهذا الجواب، فإنه لو أجاب به لانتفضت حجته التي احتج بها على المريسي، فإنه احتج بأنه لم يزل قادراً، فلو قال (الفعل قديم) قال المريسي: إنه لم يزل فاعل عندك.
وأيضاً فعبد العزيز ذكر أنه يقدر على الفعل لا يمنعه منه مانع، وذكر غير ذلك.
التقدير الثالث: ان الفعل الذي كان عن قدرته كان قبله فعل
(2/277)

آخر كان عن قدرته أيضاً، وهلم جراً، ولم يكن شيء من المفعولات والمخلوقات موجوداً معه في الأزل، فإن الفعل ينقسم إلى متعد ولازم، فإذا قدر دوام الأفعال اللازمة لم يجب دوام الأفعال المتعدية، وعلى هذا التقدير فإذا قال: (كان الله ولما يخلق شيئاً ولما يفعل شيئاً) لم يزل أن لا يكون هناك فعل قائم بنفسه بدون مخلوق مفعول، ولا يجب أن يكون المخلوق لم يزل مع الله تعالى.
وهذا التقدير إن لم ينفه المريسي بالحجة لم يكن ما ألزمه لعبد العزيز لازماً.
وإذا قال السلف والأئمة: (إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء) فقد أثبتوا أنه لم يتجدد له كونه متكلماً، بل نفس تكلمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه إلا إذا وجب تناهي المقدورات المرادات، وهو المسمى بتناهى الحوادث.
والذي عليه السلف وجمهور الخلف: أن المقدورات المرادات لا تتناهى، وهم بهذا نزهوه عن كونه كان عاجزاً عن الكلام، كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام، وعن أنه كان ناقصاً فصار كاملاً، وأثبتوا مع ذلك أنه قادر على الكلام باختياره.
وحجة عبد العزيز على المريسي تتم على هذا التقدير، ولا يكون مع الله في الأزل مخلوق.
التقدير الرابع: أنه لو قيل: (بأن كل ماسوى الله مخلوق، محدث
(2/278)

كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في أزله شيء من المخلقوات، لكنه لم يزل يفعل) ولم يوجب ذلك أن يكوم معه شيء من المفعولات المخلوقات، وإنما يوجب ذلك كون نوع المفعول لم يزل، مع أن كل واحد من آحاده حادث لم يكن ثم كان معه، فليس من ذلك شيء مع الله في الأزل.
وعبد العزيز لم يقل هذا ولم يلتزمه، بل ولا التزم شيئاً من هذه التقديرات، ولا يلزمه واحد منها بعينه إلا بتقدير امتناع ما سواه، ولكن المقصود أن إلزام المريسي له بأن يكون المخلوق لم يزل مع الله لا يلزمه التزامه، فإنه على التقديرات الثلاث لا يلزم وجود شيء من المفعولات ولا نوعها في الأزل.
وأما على التقدير الرابع: فإنما يلزم أنه لم يزل نوع المفعول لا شيء من المفعولات بعينه.
وهذا التقدير إذا كان باطلاً: فالمريسي لم يذكر إبطاله، ولا إبطال شيء من التقديرات، وهو لو أراد أن يبطل هذا لم يبطله إلا بإبطال التسلسل في الآثار، كما هو طريقة من أبطل ذلك من أهل الكلام، ولكن المريسي وموافقوه الذين يقولون: (بأن الله يخلق المخلوقات بغير فعل قائم به) ، ويقولون: (الخلق هو المخلوق) ، ويقولون: (إن المخلوقات كلها وجدت بعد أن لم تكن موجودة، من غير أن يتجدد من الله فعل ولا قصد ولا أمر من الأمور، بل ولا من غيره) - فيقولون: إن
(2/279)

الأمر ما زال على وجه واحد، ثم حدثت جميع المحدثات، وكانت جميع المخلوقات، وليس هناك من الفاعل شيء غير وجودها، بل حاله قبل وجودها ومع وجودها وبعد وجودها واحد، لم يتجدد منه أمر يضاف الحدوث إليه.
فأصحاب القول الأول يلتزمون التسلسل مع قولهم: (بأن كل ما سوى الله محدث، كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه، لكن تحدث الحوادث شيئاً بعد شيء، وهو محدثها بأفعاله سبحانه التي يفعلها أيضاً شيئاً بعد شيء) وأصحاب الثاني يقولون: (بل حدثت من غير سبب حادث) كما ترى.
ومن المعلوم: أنه إذا عرض على العقل القولان كان بطلان هذا القول أظهر من بطلان ذلك القول، فإن ترجيح أحد طرفي الممكن بغير مرجح، وتخصيص الشيء عن أمثاله التي تماثله من كل وجه بلا مخصص، وحدوث الحوادث جميعها بدون سبب حادث - بل مع كون الأمر قبل حدوثها ومع حدوثها على حال واحد - هو أبعد في المعقول، وأنكر في القلوب من كون المحدثات لم تزل تحدث شيئاً بعد شيء، ومن كون الله سبحانه لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء، كما أنه لا يزال في الأبد يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء.
(2/280)

فلو قدر أن عبد العزيز والمريسي انتهيا إلى هاتين المقدمتين لم يكن للمريسي أن يلزم عبد العزيز بشيء إلا ألزمه عبد العزيز بما هو أشنع منه، فكيف وعبد العزيز لم يحتج إلى شيء من ذلك؟ بل بين أنه لا بد أن يكون قبل المخلوق ما به يخلق المخلوق من صفات الله وأفعاله، فيبطل ما يدعيه المريسي ونحوه من أن الله لا صفة له ولا كلام ولا فعل، بل خلق المخلوقات وخلق الكلام الذي سماه كلامه بلا صفة ولا فعل ولا كلام.
وهذان الجوابان اللذان يمكن عبد العزيز أن يجيب بهما عن إلزامه التسلسل يمكن معهما جواب ثالث مركب منهما، كما تقدم التنبيه على ذلك، وهو أن يقول:
إن كان التسلسل ممتنعاً بطل هذا الإلزام، وإن كان ممكناً أمكن التزامه كما قد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن المسلمين وغيرهم من أهل الملل القائلين بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، يمكنهم أن يجيبوا بمثل هذا الجواب للقائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم، المحتجين على ذلك بحجتهم العظمى التي اعتمد عليها ابن سينا وابن الهيثم وغيرهما حيث احتجوا على المعتزلة ونحوهم من
(2/281)

أهل الكلام، فقالوا: الموجب التام للعالم إن كان ثابتاً في الأزل لزم قدمه، وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وإن لم يكن ثابتاً في الأزل احتاج في حدوث تمامه إلى مرجح، والقول فيه كالقول في الأول، ويلزم التسلسل.
وعظم شأن هذه الحجة على هؤلاء المتكلمين، لأنهم يقولون ببطلان التسلسل، وبحدوث الحوادث من غير سبب حادث، ويقولون بأن المرجح التام لايستلزم أثره، بل القادر أو المريد يرجح أحد مقدوريه أو أحد مراديه على الآخر بلا مرجح، فصاروا بين أمرين: إما إثبات الترجيح بلا مرجح، وإما التزام التسلسل، وكلامهما مناقض لأصولهم، ولهذا عدل من عدل في جوابها إلى الإلزام والمعارضة بالحوادث اليومية.

جواب على الفلاسفة في مسألة التسلسل
ونحن قد بينا جوابها من وجوه:
منها أن يقال: التسلسل يراد به أمور، أحدها: التسلسل في المؤثرات والفاعلين والعلل، وهذا باطل بصريح العقل، واتفاق العقلاء، ومنها: التسلسل في تمام كون المؤثر مؤثراً، وهذا كالذي قبله باطل بصريح العقل، وقول جمهور العقلاء.
(2/282)

ومنها: التسلسل الذي في معنى الدور، مثل أن يقال: لا يحدث حادث أصلاً حتى يحدث حادث، وهذا أيضاً باطل بضرورة العقل واتفاق العقلاء.
ومنها: التسلسل في الآثار المتعاقبة، وتمام التأثير في الشيء المعين، مثل أن يقال: لا يحدث هذا حتى يحدث قبله، ولا يحدث هذا إلا ويحدث بعده، وهلم جراً، وهذا فيه نزاع مشهور بين المسلمين وبين غيرهم من الطوائف، فمن المسلمين وغيرهم من جوزه في المستقبل دون الماضي.
وإذا عرفت هذه الأنواع قالوا: إذا لم يكن المؤثر تاماً في الأزل لم يحدث عنه شيء حتى يحدث حادث به يتم كونه مؤثراً، إذ القول في ذلك الحادث كالقول في غيره، فيكون حقيقة الكلام: أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.
لكن هذا الدليل إن طلبوا به أنه لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء فهذا يناقض قولهم، وهو حجة عليهم، وإن أرادوا أنه كان في الأزل مؤثراً تاماً في الأزل لم تتجدد مؤثريته، لزم من ذلك أنه لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثا، فيلزم أن لا يحدث في العالم
(2/283)

شيء.
ولهذا عارضهم الناس بالحوادث اليومية.
وهذا لازم لا محيد لهم عنه، وهو يستلزم فساد حجتهم.
وإن أرادوا أنه مؤثر في شيء فالحجة لا تدل على ذلك، وهو أيضاً باطل من وجوه، كما قد بسط في موضع آخر.
فالمؤثر التام يراد به المؤثر في كل شيء، والمؤثر في شيء معين، والمؤثر تأثيراً مطلقاً في شيء بعد شيء: فالأول هو الذي يجعلونه موجب حجتهم، وهو يستلزم أن لا يحدث شيء، فعلم بطلان دلالة الحجة على ذلك.
ويراد به التأثير في شيء بعد شيء، فهذا هو موجب الحجة، وهو يستلزم فساد قولهم، وأنه ليس في العالم شيء قديم، بل لا قديم إلا الرب رب العالمين.
ويراد به التأثير في شيء معين، فالحجة لا تدل على هذا، فلم يحصل مطلوبهم بذلك، بل هذا باطل من وجوه أخرى.
فبهذا التقسيم ينكشف ما في هذا الباب من الإجمال والاشتباه.
فكل حادث معين فيقال: هذا الحادث المعين إن كان مؤثره التام موجوداً في الأزل لزم جواز تأخير الأثر عن مؤثره التام، فبطل قولهم.
وإن قيل: بل لا بد أن يحدث تمام مؤثره عند حدوثه، فالقول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث تمام الأول.
وذلك يستلزم التسلسل في حدوث تمام التأثير.
وهو باطل بصريح العقل، فيلزم على قولهم حدوث الحوادث بغير سبب حادث.
وهذا أعظم مما أنكروه على المتكلمين من التسلسل.
(2/284)

فإن قيل: فما الفرق بين هذا التسلسل وبين التسلسل في تمام تأثير معين بعد معين.
قيل: الفرقف بينهما من وجوه:
أحدها: أن هؤلاء قد قالوا إنه مؤثر تام في الأزل، والمؤثر التام مستلزم أثره معه، فيلزمكم أن لا يحدث عنه شيء، بل تكون جميع الممكنات قديمة أزلية، وهذا باطل بالحس والمشاهدة.
فادعوا أمرين باطلين: أحدها: أنه كان مؤثراً تاماً في الأزل، وأن المؤثر التام يكون أثره معه في الزمان حتى يكون الأثر مقارناً للمؤثر في الزمان.
فإن قيل: إنه يتقدم عليه بالعلية، وهذا بخلاف قول من قال: لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء، فهذا لم يقل إنه كان مؤثراً في الأزل في شيء قط، ولم يكن مؤثراً تاماً في الأزل قط.
الثاني: أنهم إن قالوا: إن الأثر يجب أن يقارنه أثره في الزمان لزم أن لا يحدث شيء.
وإن قالوا: بل الأثر عقب المؤثر في الزمان لزم أن لا يكون معه قديم، وحينئذ فمن قال بهذا قال: إنه لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء، وكل ما سواه حادث مسبوق بالعدم.
الثالث: أن هؤلاء يقولون: كل حادث معين لا بد أن يحدث تمام تأثيره فيكون هو حادثا عقب تمام التأثير، فأي شيء كونه الله كان عقب
(2/285)

تكوين الرب له، كأجزاء الزمان والحركة التي توجد شيئاً فشيئاً، فقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) ، فيكون الحادث عقب تكوين الرب له، كما يكون الانكسار عقب التكسر، والطلاق عقب التطليق، فيلزم على هذا حوادث متعاقبة شيئاً بعد شيء.
وهذا غير ممتنع عند من يقول بهذا من أئمة أهل الملل، ومن الفلاسفة، بخلف قول المتفلسفة ومن وافقهم على أن الأثر يكون مع المؤثر في الزمان، كما قالوا: الفلك قديم بقدم علته، وهو معه في الزمان.
فهؤلاء إن قالوا بحدوث الحوادث بدون سبب حادث لزمهم المحذور الذي فروا منه.
وإن قالوا: بل عند كل حادث يحدث مع زمن حدوثه وحدوث تمام مؤثره لزم حدوث حوادث لا تتناهى في آن واحد من غير تجدد شيء عن المؤثر الأزلي.
فلزمهم التسلسل في تمام أصل التأثير، لا في تأثير معين، وهو ممتنع مع قولهم بحوادث لا تتناهى في آن واحد.
وهم وسائر العقلاء يسلمون بطلان هذا، وإنما نازع فيه معمر صاحب المعاني، وقد ظهر بطلان ذلك، فإنه تسلسل في أصل التأثير، لا في تأثير المعينات، فلزمهم المحال الذي لزم أصحاب معمر، ويلزمهم المحال والتناقض الذي اختصوا به؟، وهو قولهم بأن المؤثر مع
(2/286)

مؤثره في الزمان، مع كون الرب مؤثراً تاماً في الأزل، فيلزمهم أن لا يحدث في العالم شيء.
ومنها أن يقال: التسلسل جائز في أصلكم، فلا تكون الحجة برهانية، بل تكون جدلية، وهي تلزمنا بتقدير صحتها أحد أمرين: إما القول بالترجيح بلا مرجح، وإما القول بالتسلسل، وإلا كنا قد تناقضنا في نفي هذا وهذا، ولكن جواز التناقض علينا يقتضي بطلان أحد قولينا، فلم قلتم: إن قولنا الباطل هو نفي الترجيح بلا مرجح، مع اتفاقنا على بطلانه؟ فقد يكون قولنا الباطل: هو نفي التسلسل في الآثار الذي نازعنا فيه من نازعنا من إخواننا المسلمين مع منازعتكم لنا في ذلك، وإذا كان كذلك فالتزامنا لقول نوافق فيه إخواننا المسلمين وتوافقوننا أنتم عليه وتبطل به حجتكم على قدم العالم، أولى أن نلتزمه من قول يخالفنا فيه هؤلاء وهؤلاء، وتقوم به حجتكم على قدم العالم.
الجواب الثالث: الجواب المركب، وهو أن يقال: إن كان التسلسل في تمام التأثير ممكناً بطلت الحجة، فإنه يمكن حينئذ أن يحدث
(2/287)

كل ما سوى الله بأن يحدث تمام تأثيره.
وإن كان ممتنعاً لزم إما أن لا يحدث شيء، وهو خلاف المشاهد، وإما أن تحدث الحوادث بدون سبب حادث، وهو يبطل الحجة، فبطلت الحجة على كل تقدير.
وإن شئت قلت: إن التسلسل في الآثار إن كان ممكناً بحيث يحدث شيئاً بعد شيء ولا يكون علة تامة في الازل، لزم حدوث كل ما سوى الله، وبطلت الحجة، وإن كان ممتنعاً لزم أيضاً أن تحدث الحوادث عن المؤثر التام الأزلي، فيلزم حدوث جميع الحوادث عنه، ولزم حينئذ حدوث العالم، فتبطل حجة قدمه، فالحجة باطلة على التقديرين.
وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

مراجعة تعليق عبد العزيز الكناني
وأما قول عبد العزيز: (فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريداً، ومراداً.
وقولاً وقائلاً، ومقولاً له.
وقدرة، وقادراً، ومقدوراً عليه.
وذلك كله متقدم قبل الخلق) فيحتمل أمرين:
أحدهما: أنه أراد بالمراد: المراد المتصور في علم الله، وبالمقدور عليه: الثابت في علم الله، وبالمقول له، المخاطب الثابت في علم الله المخاطب خطاب التكوين، كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد
(2/288)

شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) وهذه معان ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوق، لهذا اضطربت نفاة الصفات من المعتزلة وغيرهم في هذه الأمور، فتارةً يثبتونها في الخارج، وتارة ينفونها مطلقاً.
ومن هنا غلط من قال: (المعدوم شيء) فإنهم ظنوا أنه لما كان لا بد من تمييز ما يريده الله مما لا يريده ونحو ذلك، توهموا أن هذا يقتضي كون المعدوم ثابتاً في الخارج.
وليس الأمر كذلك، بل هي معلومة لله تعالى ثابتة في علم الله تعالى.
وضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول: (لم يزل الله عالماً أنه واحد لا ثاني له، ولا يقول: إنه لم يزل عالماً بالأشياء) وقال: (إذا قلت: لم يزل عالماً بالأشياء، أثبتها لم تزل مع الله) وإذا قيل له: (أفتقول بأن الله لم يزل عالماً بأن ستكون الأشياء؟ قال: إذا قلت بأن ستكون فهذه إشارة إليها ولا يجوز أن يشار إلا إلى موجود) وكان لا يسمى ما لم يخلقه ولم يكن شيئاً.
(2/289)

والثاني: أن يريد بذلك نفس الفعل المقدور المراد الذي يكون به المخلوق.
وأما القول: فهو المصدر كما تقدم، والمقول هو الكلام، فإن في إحدى النسختين: (مقولاً له) وفي الأخرى: (ومقولاً) .
وعلى هذا فقول عبد العزيز: (إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد سبيلاً إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله لا يكون مكاناً لحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك!) مراده: أنه لا يكون مكاناً لما حدث مطلقاً.
وهو ما حدث جنسه، كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، فيكون جنس الكلام محدثاً، وكذلك إذ قيل: أراد بعد أن لم يكن مريداً، فحدث جنس الإرادة، وكذلك إذا قيل: علم بعد أن لم كن عالماً، فيكون جنس العلم حادثاً، وأمثال هذا، فإن الله لا يكون مكانا لأجناس الحوادث.
وعلى هذا فيكون عبد العزيز قد ذكر على بطلان قول المريسي عدة حجج: أنه لا يكون مكاناً للمخلوقات، ولا يكون مكاناً لما جنسه حادث، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء، فهذه ثلاث حجج
(2/290)

وهذا لا ينافي ما ذكره من أنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة، وأن الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وأنه أحدث الأشياء بأمره وقوله عن قدرته، ونحو ذلك، فإن هذا الفعل والقول المقدور الذي ليس هو مخلوقاً منفصلاً عنه ليس جنسه محدثاً عنده، وإن كان الواحد من آحاده يكون بعد أن لم يمكن.
فالجنس لا يقال له حادث ولا محدث، بل لم يزل الله موصوفاً بذلك عنده.
ولهذا قال: (ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه) فإن ما كان جنسه محدثاً كان قد زادت به الذات، وقد عرف أن المخلوق عنده: ما كان مسبوقاً بفعله الذي خلق به وقوله وقدرته، وأن المخلوق لا يكون إلا منفصلاً عنه.
فهذا الذي قاله عبد العزيز فيه رد على الكرامية ومن وافقهم في أنهم جوزوا عليه أن يحدث له جنس الكلام ونحوه مما لم يكن موجوداً فيه قبل ذلك، وجوزوا أن يحدث له جنس صفات الكمال، ومتى قيل: (إنه لم يكن موصوفاً بجنس من أجناس صفات الكمال حتى حدث له) لزم أن يكون قبل ذلك ناقصاً عن صفة من صفات الكمال، فلا يكون متكلماً، بل يكون موصوفاً قبل ذلك بعدم الكلام، وهذا الذي قاله عبد العزيز هو نظير قول الإمام أحمد وغيره من الأئمة.

رأي أحمد بن حنبل في مسألة أفعال الله
قال أحمد في (رده على الجهمية) : باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: - (فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله
(2/291)

لم يتكلم، ولا يتكلم، وإنما كون شيئاً فعبر عن الله، وخلق صوتاً فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فقلنا: هل يجوز لمكون أوغير الله أن يقول: {يا موسى * إني أنا ربك} (طه: 12) أويقول: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} (طه: 14) ؟ فمن قال ذلك زعم أن غير الله ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهمي: أن الله كون شيئاً كان يقول ذلك المكون: {يا موسى إني أنا الله رب العالمين} (القصص: 30) وقد قال جل ثناؤه {وكلم الله موسى تكليما} (النساء: 164) ، وقال تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} (الأعراف: 143) ، وقال تعالى: {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} (الأعراف: 144) هذا منصوص القرآن.
فأما ما قالوا: (إن الله لا يتكلم) فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خثيمة عن عدي بن حاتم الطائي قال: «قال رسول الله
(2/292)

صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان» .
وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات، فقد قال تعالى: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} (الأنبياء: 79) أتراها أنها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين، والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: {لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} فصلت: 21) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله يتكلم كيف شاء، من غير أن نقول: بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان.
فلما خنقته الحجج قال: إ: ن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره، فقلنا: وغيره مخلوق؟ قالوا: نعم، قلنا: مثل قولكم الأول، إلا أنكم
(2/293)

تدفعون عن أنفسكم الشنعة، وحديث الزهري قال: «لما سمع موسى كلام الله قال: يا رب، هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، فقال سبحان الله! وهل أستطيع أن أصفه لكم؟ قالوا: فشبهه، قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله» .
فقد ذكر أحمد في هذا الكلام: أن الله تعالى يتكلم كيف شاء، وذكر فيما استشهد به من الأثر (أن الله كلم موسى عليه السلام بقوة عشرة آلاف لسان) وأن له قوة الألسن كلها، وهو أقوى من ذلك، وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق، ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات.
وهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقاً بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز.
وهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات، التي
(2/294)

لا تتعلق بمشيئة ولا قدرة.
وبين أيضاً في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم رداً على الجهمية وأستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه» وجعل قوله: «سيكلمه ربه» دليلاً على أنه سيتكلم، فبين أن التكلم عنده مستلزم للتكليم متضمن للتكلم، ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل.
وقال الإمام أحمد: (وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} (المائدة: 116) أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئاً فيعبر عن الله، كما كون شيئاً فعبر لموسى، قلنا: فمن القائل {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم} (الأعراف: 6 - 7) أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله، فقلنا: قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك، ولا تزول من مكان إلى مكان.
فلما
(2/295)

ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم، ولكن كلامه مخلوق.
قلنا: وكذلك بنوا آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم: قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاماً، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة! بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إن كان ولا يتكلم حتى خلق كلاماً، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علماً فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول: إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه
(2/296)

نوراً، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة) .
فقد بين أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذي شبهوه بالجمادات التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام.
فشبهه بالآدمي الذي كان
(2/297)

لا يتكلم حتى خلق الله له كلاماً.
فأنكر تشبيهه الجماد الذي لا يتكلم، وبالإنسان الذي كان قادر على الكلام حتى خلق الله له الكلام، فكان قادراً على الكلام في وقت دون وقت.
وبين أن من وصف الله ذلك فقد جمع بين الكفر - حيث سلب ربه صفة الكلام وهي من أعظم صفات الكمال، وجحد ما أخبرت به النصوص - وبين التشبيه.
ثم قال أحمد: (بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق..) فبين أن الكلام يتعلق بمشيئته وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء فرد قول من لا يجعل الكلام متعلقاً بالمشيئة، كقول الكلابية ومن وافقهم، ومن يقول: (كان ولا يتكلم حتى حدث له الكلام) كقول الكرامية ونحوهم، وقال: (لا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما، لا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علماً فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسة قدرة، ولا نقول: إنه قد كان له ولا نور له حتى خلق لنفسه نوراً، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة) فنزهه سبحانه عن سلب صفات الكمال في وقت من الأوقات، وإنا لا نقول: تجددت له صفات الكمال، بل لم يزل موصوفاً بصفات الكمال، ومن صفات الكمال: إنه لم يزل متكلماً إذا شاء، لا أن يكون الكلام خارجا عن قدرته ومشيئته، ولهذا لم يقل: لم يزل عالماً إذا شاء، ولا قال: يعلم كيف شاء، وقد قال في موضع آخر فيما رواه عنه حنبل: (لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً) .
وكلام أحمد وغيره من الأئمة في هذا الأصل كثير ليس هذا موضع بسطه، مثل ما ذكره البخاري في آخر صحيحه في كتاب التوحيد والرد على الجهمية قال: باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب وأمره، فالرب تعالى بصفاته وفعله وأمره - وفي نسخه (وكلامه) - هو الخالق المكون، غير
(2/298)

مخلوق، وما كان يفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مكون مخلوق) .
وقال بعد ذلك: باب قول الله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} إلى قوله {ماذا قال ربكم قالوا الحق} (سبأ: 23) ولم يقولوا ماذا خلق ربكم.
قال عز وجل: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة: 255) ، وقال مسروق عن أبن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: {ماذا قال ربكم قالوا الحق} (سبأ: 23) ويذكر عن جابر بن عبد الله بن أنيس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان» .
وذكر حديث أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟
(2/299)

قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير» وذكر حديث أبي سعيد الخدري قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار» والحديث فيه طول، استوفاه في موضع آخر.
وقال بعد ذلك: باب ما جاء في قول الله تعالى: {كل يوم هو في شأن} (الرحمن: 29) وقال: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} (الأنبياء: 2) وقوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} (الطلاق: 1) ، وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، لقوله تعال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى: 11) وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة» وقول ابن
(2/300)

عباس: كتابكم أحدث الأخبار بالرحمن عهداً، محضاً لم يشب.
ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب وقد قال تعالى: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} (البقرة: 176) .
ولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصيرون منهم على
(2/301)

الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ذال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم!.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، مجموعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين) .
ومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة - مسألة أفعال الله تعالى وكلام الله ونحوه ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته - فإن هذا الأصل لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وظنوا أنه لا يمكن إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع إلا إثبات حدوث الجسم، ولا يمكن إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة، ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته، أو ينفوا بعض ذلك، وظنوا أن الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي، وأن الدهرية من
(2/302)

الفلاسفة وغيرهم لا يبطل قولهم إلا بهذا الطريق، وأخطأوا في هذا وهذا.
أما الفلاسفة الدهرية فإن هذه الطريقة زادتهم إغراء، وأوجبت لهم حجة عجز هؤلاء عن دفعها إلا بالمكابرة التي لا تزيد الخصم إلا قوة وإغراء، فقالو لهم: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟ وكيف تكون الذات حالها وفعلها وجميع ماينسب إليها واحداً من الأزل إلى الأبد؟ والعالم يصدر عنها في وقت دون وقت من غير فعل يقوم به ولا سبب حدث؟.
فكان ما جعلوه أصل للدين وشرطاً في معرفة الله تعالى منافياً للدين ومانعاً من كمال معرفة الله، وكان ما أحتجوا به من الحجج العقلية هي في الحقيقة على نقيض مطلوبهم أدل، فالحوادث لا تحدث إلا بشرط جعلوه مانعا من الحدوث.
وأما أمور الإسلام: فإن هذا الأصل اضطرهم إلى نفي صفات الله تعالى لئلا تنتقض الحجة، ومن لم ينف الصفات نفى الأفعال القائمة به وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته.
فلزمهم من عدم الإيمان ببعض ما جاء به الرسول ومن جحد بعض ما يستحقه الله تعالى من أسمائه وصفاته، ما أوجب له من من التناقض والإرتياب ما تبين لأولى الألباب.
فلم يعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه،
(2/303)

ولا الجهاد لعدو الله ورسوله حقه، وقد قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا} (الآية (الحجرات: 15) .
هذا مع دعواهم أنهم أعظم علماً وإيماناً وتحقيقاً لأصول الدين وجهاداً لأعدائه بالحجج من الصحابة، وإن هم في ذلك إلا كبعض الملوك الذين لم يجاهدوا العدو، بل أخذوا منهم بعض البلاد، ولا عدلوا في المسلمين العدل الذي شرعه الله للعباد إذا ادعى أنه أمكن وأعدل من عمر بن الخطاب وأصحابه رضوان الله عليهم.

أقوال مختلفة في كلام الله تعالى
ثم إنهم بسبب ذلك تفرقوا في أصول دينهم كتفرقهم في كلام الله من القرآن وغيره، فإنهم تفرقوا فيه شيعاً: شيعة قالت: هومخلوق، وحقيقة قولهم: لم يتكلم الله هبه، كما كان قدماؤهم يقولون: لكن المعتزلة صاروا يطلقون اللفظ بأن الله متكلم حقيقة، وكان مرادهم مراد من قال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، كما ذكره أحمد: إنهم تارة ينفون الكلام، وتارة يقولون: يتكلم بكلام مخلوق، وهو معنى الأول.
وهذا في الحقيقة تكذيب للرسل الذي إنما أخبروا الأمم بكلام الله الذي أنزله إليهم.
وجاءت الفلاسفة القائلون بقدم العالم فقالوا أيضاً: متكلم، وكلامه ما يفيض من العقل الفعال على نفوس الأنبياء.
(2/304)

وهذا قول من وافقهم من القرامطة الباطنية ونحوهم ممن يتظاهر بالإسلام ويبطن مذهب الصابئة والمجوس ونحو ذلك.
وهو قول طوائف من ملاحدة الصوفية كأصحاب وحدة الوجود ونحوهم الذين أخذوا دين الصابئة والفراعنة والدهرية فأخرجوه في قالب المكاشفات والولاية والتحقيق.
والذين قالوا ليس هو مخلوقاً ظن فريق منهم أنه لا يقابل المخلوق إلا القديم اللازم للذات الذي يثبتونه بدون مشيئة الرب وقدرته كثبوت الذات فقالوا ذلك.
ثم طائفة رأت أن الحروف والأصوات يمتنع أن تكون كذلك، فقالت: كلامه هو مجرد معنى واحد، هو الأمر والنهي والخبر، وأنه إن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وإن عبر عنه بالعربية، كان قرآناً، فلزمهم أن تكون معاني القرآن هي معاني التوراة والإنجيل، وأن يكون الأمر هو النهي وهو الخبر، وأن تكون هذه صفات له لا أنواعاً له، ونحو ذلك مما يعلم فساده بصريح العقل.
وطائفة قالت بل هو حروف وأصوات أزلية لا تتعلق بمشئيته وقدرته كما قال الذين من قبلهم.
واتفق الفريقان على أن تكليم الله لملائكته وتكليمه موسى وتكليمه لعباده يوم القيامة ومناداته لمن ناداه ونحو ذلك: إنما هو خلق إدراك في
(2/305)

المستمع أدرك به ما لم يزل موجوداً، كما أن تجليه - عند من ينكر مباينته لعباده وأن يكشف لهم حجاباً منفصلاً عنهم - ليس هو إلا خلق إدراك في أعينهم من غير أن يكون هناك حجاب منفصل عنهم يكشفه لهم.
وطائفة ثالثة لما رأت شناعة كل من القولين قالت: بل يتكلم بعد أن لم يكن يتكلم بصوت وحروف، وكلامه حادث قائم بذاته متعلق بمشيئته وقدرته، وأنكروا أن يقال: لم يزل متكلماً إذا شاء، إذ ذلك يقتضي تسلسل الحوادث وتعاقبها، وهذا هو الدليل الذي استدلوا به على حدوث أجسام العالم.
فليتدبر المؤمن العالم كيف فرق هذا الكلام المحدث المبتدع بين الأمة، وألقى بينها العداوة والبغضاء، مع أن كل طائفة تحتاج أن تضاهي من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، إذ مع كل طائفة من الحق ما تنكره الأخرى، فالذين قالوا بخلق القرآن إنما ألقاهم في ذلك أنهم رأوا أنه لا يمكن أن يكون الكلام لازماً للذات لزوم العلم، بل الكلام يتعلق بمشيئتة المتكلم وقدرته، فقالوا: يكون من صفات الفعل، والمتكلم: من فعل الكلام، ثم لم يثبتوا فعلاً إلا منفصلاً
(2/306)

عنه، لنفيهم أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته.
وصار من قابلهم يريد أن يثبت كلاما لازما للمتكلم لا يتعلق بمشيئته وقدرته: إما معنى، وإما حروفاً، ويثبت أن المتكلم لا يقدر على التكلم، ولا يمكنه أن يقول غير ما قال، ويسلب المتكلم قدرته على القول والكلام وتكلمه باختياره ومشيئته، فإذا قال له الأول: (المتكلم من فعل الكلام) ، قال هو: (المتكلم من قام به الكلام) ولكن ذاك يقول: لا يقوم الكلام بفاعله، وهذا يقول: لا يختار المتكلم أن يتكلم.
فأخذ هذا بعض صفة الكلام وهذا بعضها، والمتكلم المعروف: من قام به الكلام ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولهذا يوجد كثير من المتأخرين المصنفين في المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي يعرفونها.
وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل قول فلا يعرفونه ولا يعرفون قائله، فالشهرستاني صنف المل والنحل وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره، والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو الحسين البصري ومحمد بن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحداً منها، والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم، مع أن
(2/307)

عامة المنتسبين إلى السنة من جميع الطوائف يقولون: إنهممتبعون للأئمة كمالك والشافعي وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد وغيرهم، لا سيما الإمام أحمد، فإنه بسبب المحنة المشهورة من الجهمية له ولغيره أظهر من السنة ورد من البدعة ما صار به إماماً لمن بعده، وقوله هو قول سائر الأئمة، فعامة المنتسبين إلى السنة يدعون متابعته والاقتداء به سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا فإن أقوال الأئمة في أوصول الدين متفقة، ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى السنة كانت موافقته لأحمد أشد، ولما كان الأشعري ونحوه أقرب إلى السنة من طوائف من أهل الكلام كان انتسابه إلى أحمد أكثر من غيره، كما هو معروف في كتبه.
وقد رأيت من أتباع الأئمة أبي حنيفة ومالك والشأفعي وأحمد وغيرهم من يقول أقوالاً ويكفر من خالفها، وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها، كما أنهم كثيراً ما ينكرون أقوالاً ويكفرون من يقولها، وتكون منصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكثرة ما وقع من الاشتباه والاضطراب في هذا الباب، ولأن شبه الجهمية النفاة أثرت في قلوب كثير من الناس، حتى صار الحق الذي جاء به
(2/308)

الرسول - وهو المطابق للمعقول - لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه، وصار في لوازم ذلك من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس، والمعنى المفهوم يعبر عنه بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام.
والله تعالى يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر: 10) .

عدم ذكر مصنفي أصول الدين
وكان هذا من تلك البدع الكلامية كبدع الذين جعلوا أصل الدين مبنياً على كلامهم في الأجسام والأعراض، ولهذا كثر ذم السلف والأئمة لهؤلاء، وإذا رأيت الرجل قد صنف كتاباً في أصول الدين ورد فيه من أقوال أهل الباطل ما شاء الله، ونصر فيه من أقوال أهل الحق ما شاء الله، ومن عادته أنه يستوعب الأقوال في المسأل فيبطلها إلا واحداً، ورأيته في مسألة كلام الرب تعالى وأفعاله أو نحو ذلك ترك من الأقوال ما هو معروف عن السلف والأئمة - تبين أن هذا القول لم يعرفه ليقبله أو يرده، إما لأنه لم يخطر بباله، أو لم يعرف قائلاً له، أو لأنه خطر له فدفعه بشبهة من الشبهات، وكثيراً ما يكون الحق مقسوماً بين المتنازعين في هذا الباب، فيكون في قول هذا حق وباطل، وفي قول هذا حق وباطل، والحق بعضه مع هذا وبعضه مع هذا وهو مع ثالث غيرها، والعصمة إنما هي ثابتة لمجموع الأمة، ليست ثابتة لطائفة بعينها.
(2/309)

فإذا رأيت من صنف في الكلام - كصاحب الإرشاد والمعتمد ومن أتبعهما ممن لم يذكروا في ذلك إلا أربعة أقوال وما يتعلق بها - علم أنه لم يبلغهم القول الخامس ولا السادس، فضلاً عن السابع، فالذين يسلكون طريقة ابن كلاب كصاحب الإرشاد ونحوه يذكرون قول المعتزلة وقول الكرامية ويبطلونهما، ثم لا يذكرون مع ذلك إلا ما يقولون فيه.
(وذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أن كلام الله تعالى قديم أزلي، ثم زعموا أنه حروف وأصوات، وقطعوا بأن المسموع صوت القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأطلق الرعاع منهم القول بأن المسموع صوت الله، تعالى الله عن قولهم! وهذا قياس جهالاتهم.
ثم قالوا: إذا كتب كلام الله بجسم من الأجسام رقوماً ورسوماً وأسطراً وكلما فهي بأعينها كلام الله القديم، فقد كان إذ كان جسماً حادثاً ثم أنقلب قديماً، ثم قضوا بأن المرئي من الأسطر هو الكلام القديم الذي هو
(2/310)

حرف وأصوات، وأصلهم أن الأصوات على تقطيعها وتواليها كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وقواعد مذهبهم مبينة على دفع الضرورات) .
فلم يذكر أبوالمعالي إلا هذا القول من قول المعتزلة والكلابية والكرامية.
ومعلوم أن هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، ولا نعرف هذا القول عن معروف بالعلم من المسلمين، ولا رأينا هذا في شيء من كتب المسلمين، ولا سمعناه من أحمد منهم.
فما سمعنا من أحد، ولا رأينا في كتاب احد أن المداد الحادث انقلب قديماً، ولا أن المداد الذي يكتب به القرآن قديم، بل رأينا عامة المصنفين من أصحاب أحمد وغيرهم ينكرون هذا القول، وينسبون ناقله عن بعضهم إلى الكذب.
وأبو المعالي وأمثاله أجل من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد يسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم، بل يذكر كلاماً مجملاً يتناول النقيضين، ولايميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر، فيحكيه الحاكي مفصلاً ولا يجمله إجمال القائل، ثم إذا فصله يذكر لوازم أحدهما دون ما يعارضها ويناقضها، مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما أيضاً، وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها القائل نفسه.
وما كل من قال قولاً التزمه لوازمه، بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم، فالحاكي يجعل ما
(2/311)

يظنه من لوازم قوله هو أيضاً من قوله، لا سيما إذا لم ينف القائل ما يظنه الحاكي لازماً، فإنه يجعله قولاً بطريق الأولى.
ولا ريب أن من الناس من يقول: هذا القرآن كلام الله، وما بين اللوحين كلام الله، ويقول: إن كلام الله محفوظ في القلوب متلو بالألسن، مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف.
وهذا الإطلاق حق متفق عليه بين المسملين، ثم من هؤلاء من إذا سئل عن المداد وصوت العبد: أقديم هو؟ أنكر ذلك، وربما سكت عن ذلك، وكره الكلام فيه بنفي أو إثبات، خشية أن يجره ذلك إلى بدعة، مع أنه لو سمع من يقول: (إن المداد قديم) ألزمه العقوبة به والعذاب الأليم.
وأما صوت العبد فقد تكلم فيه طائفة من المنتسبين إلى الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، فمنهم من قال: إن الصوت المسموع قديم، ومنهم من يقول: يسمع شيئين الصوت القديم والمحدث، وهذا خطأ في العقل الصريح، وهو بدعة، وقول قبيح.
والإمام أحمد وجماهير أصحابه منكرون لما هو أخف من ذلك، فإن أحمد وأئمة أصحابه قد أنكروا على من قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فكيف بمن قال: اللفظ به قديم، فكيف بمن قال:
(2/312)

الصوت غير مخلوق؟ فكيف بمن قال: الصوت قديم؟ وقد بدعوا هؤلاء، وأمروا بهجرهم، وقد صنف المروذي في ذلك مصنفاً كبيراً ذكره الخلال في كتاب السنة كما جهموا وبدعوا من قال: اللفظ به مخلوق أيضاً، كما بين في موضعه.
إذا المقصود هنا أن من أكابر الفضلاء من لا يعرف أقوال الأئمة في أكابر المسائل، لا أقوال أهل الحق ولا أهل الباطل، بل لم يعرف إلا بعض الأقوال المبتدعة في الإسلام، ومن المعلوم أن السلف والأئمة كان لهم ليس هو قول المعتزلة ولا الكلابية ولا الكرامية، ولا هو قول المسلمين بالحشوية، فأين ذلك القول؟ أكان أفضل الأمة وأعلمها وخير قرونها لا يعلمون في هذا حقاً ولا باطلاً؟
ومعلوم أن كل قول من هذه الأقوال فاسد من وجوه، وقد يكون بعضها أفسد من بعض، فقول المعتزلة الذي قالوا: (إن كلام الله مخلوق) وإن كان فاسداً من وجوه، فقول الكلابية فاسد من وجوه، وقول الكرامية فاسد من وجوه.
والإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا هذه الأقوال كلها: أنكروا قول الكلابية والكرامية بالنصوص الثابتة عنهم، وإنكارهم لقول المعتزلة متواتر مستفيض عنهم، وأنكروا على من جعل ألفاظ العباد بالقرآن غير
(2/313)

مخلوقة، فكيف بالقول المنسوب إلى هؤلاء الحشوية؟.
ولهذا لما كان أبو حامد مستمداً من كلام أبي المعالي وأمثاله، وأراد الرد على الفلاسفة في التهافت، ذكر أنه يقابلهم بكلام المعتزلة تارة، وبكلام الكرامية تارة، وبكلام الواقفة تارة، كما يكلمهم بكلام الأشعرية، وصار في البحث معهم إلى مواقف غايته فيها بيان تناقضهم، وإذا ألزموه فر إلى الوقف.
ومن المعلوم أنه لا بد في كل مسألة دائرة بين النفي والإثبات من حق ثابت في نفس الأمر أو تفصيل.
ومن المعلوم أن كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام لا بد أن يناقضه حق معلوم من دين الإسلام موافق لصريح العقل، فإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بمحالات العقل، وإنما يخبرون بمجازات العقول، وما يعلم بصريح العقل أنتفاؤه لا يجوز أن يخبر به الرسل، بل تخبر بما لا يعلمه العقل وبما يعجز العقل عن معرفته.
ومن المعلوم أن السلف والأئمة له قول خارج عن قول المعتزلة والكرامية والأشعرية والواقفة، ومن علم ذلك القول فلا بد أن يحكيه ويناظرهم به، كما يناظرهم بقول المعتزلة وغيرهم، لكن من لم يكن عارفاً بآثار السلف وحقائق أقوالهم وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة،
(2/314)

وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإنكان ذلك في المسائل العملية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم، بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه، إذا كان مقصوده متابة الرسول بحسب إمكانه: هو أحق بان يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه، تحقيقاً لقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (البقرة: 286) .

عدم ذكر الشهرستاني لقول السلف في نهاية الإقدام
والشهرستاني - لما كان أعلم بالمقالات من إخوانه - ذكر في مسألة الكلام قولاً سادساً، وظن أنه قول السلف، فقال في نهاية الإقدام - بعد أن ذكر قول الفلاسفة، والمعتزلة والأشعرية، والكرامية، وأن المعتزلة لما قالت: (أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله، واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف منظمومة وكلمات مجموعة، وهي مقروءة مسموعة على التحقيق، لها
(2/315)

مفتتح ومختتم، وأنه معجزه للرسول صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه، وأن الأشعرية تفرق بين اللفظ والمعنى، وتثبت معنى هو مدلول اللفظ) - ثم قال: (قال السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرؤه ونكتبه ونسمعه عين كلام الله، فيجب أن تكون تلك الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أن كلام غير مخلوق فيجب أن تكون تلك الكلمات أزلية غير مخلوقة.
ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما القدم، والثاني الحدوث، والقولان مقصوران على الكلمات المتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن قول ثالث، وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، وقد حتم قدحاً ليس منها وهو خلاف القولين.
فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه
(2/316)

الكلمات، دون التعرض لمعنى وراءها، فأبدع الأشعري قولاً، وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازاً لا حقيقة، وهو عين الابتداع، فهلا قال: ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله، دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته؟ كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين، إلى غير ذلك من الصفات الخبرية) .
قال: قال السلف: ولا يظن بنا أن نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت بألسنتنا، وصارت صفات لنا، فأنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها بأكسابنا وأفعالنا، وقد بذل السلف أرواحهم، وصبروا على أنواع البلايا والمحن من معتزلة الزمان، دون أن يقولوا: القرآن مخلوق: ولم يكن ذلك على حروف وأصوات هي أفعالنا وأكسابنا، بل هم عرفوا يقيناً أن لله تعالى قولاً
(2/317)

وكلاماً وأمراً، وأن أمره غير خلقه، بل هو أزلي قديم بقدمه.
كما ورد القرآن بذلك في قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} (الأعراف: 54) وقوله تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} (الروم: 4) وقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره، وقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس: 82) ، وقوله تعالى: {وإذ قال ربك} (البقرة: 30) ، {وإذ قلنا للملائكة} (البقرة: 34) ، {قال الله} (المائدة: 115) ، فالقول قد ور في السمع مضافاً إلى الله أخص من إضافة الخلق، فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى إلا من جهة واحدة وهي الخلق والإبداع، والأمر ينسب إليه لا على تلك النسبة، وإلا فيرتفع الفرق بين الخلق والأمر، والخلقيات والأمريات.
قالوا: ومن جهة العقل: العاقل يجد فرقاً ضرورياً بين (قال) و (فعل) وبين (أمر) و (خلق) .
ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري، فثبت أن القول غير الفعل، وهو قبل
(2/318)

الفعل، وقبليته قبلية أزلية، إذ لو كان له أول لكان فعلاً سبقه قول آخر، ويتسلسل) .
قال: (وحققوا زيادة تحقيق فقالوا: قد ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر، وهو التعرض لإثبات كلمات الله، حيث قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} (الأنعام: 115) وقال: {ولولا كلمة سبقت من ربك} (يونس: 19) ، وقال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} (الكهف: 109) ، وقال تعالى {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} (لقمان: 17) ، وقال تعالى: {ولكن حق القول مني} (السجدة: 13) ، وقال: {ولكن حقت كلمة العذاب} (الزمر: 71) فتارة يجيء الكلام بلفظ الأمر، وتثبت له الوحدة الخالقية التي لا كثرة فيها: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} (القمر: 50) ، وتارة يجيء بلفظ الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة فيها ولا نهاية لها {ما نفدت كلمات الله} فله تعالى إذاً أمر وكلمات كثيرة، وذلك لا يتصور إلا بحروف.
(2/319)

فعن هذا قلنا: أمره قديم، وكلماته أزلية، والكلمات مظاهر الأمر، والروحانيات مظاهر الكلمات، والأجسام مظاهر الروحانيات، والإبداع والخلق إنما يبتدي من الأرواح والأجسام وأما الكلمات والحروف والأمر فأزلية قديمة، وكما أن أمره لا يشبه أمرنا، فكلماته وحروف كلماته لا تشبه كلامنا، وهي حروف قدسية علوية، وكما أن الحروف بسائط الكلمات، والكلمات أسباب الروحانيات، والروحانيات مدبرات الجسمانيات، وكل الكون قائم بكلمات الله محفوظ بأمر الله) .
قال: (ولا يغفلن عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له شأناً، وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والممكتوب، ويحكمون بأن القراءة التي هي
(2/320)

صفتنا وفعلنا، غير المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأمر، وليس المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير بأن المقروء بالقراءة قص وأخبار وأحكام وأمر، وليس المقروء من قصة آدم وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون، وليست أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة، فلا بد إذاً من كلمات تصدر عن كلمة وترد على كلمة.
ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات، وتلك الحروف لا تشبه حروفنا، وتلك الكمات لا تشبه كلامنا) .
قلت: فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد وأتباعه، فإن أولئك لم يحكوا إلا قول من يجعل القديم عين صوت العبد والمداد، وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو مصنف في الإسلام.
وأما القول الذي ذكره الشهرستاني: فقال به طائفة كبيرة، وهو أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف، وهو المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية، وقد قاله طائفة
(2/321)

غير هؤلاء، كما ذكر ذلك الأشعري في كتاب المقالات لما ذكر كلام ابن كلاب فقال: (قال ابن كلاب: إن الله لم يزل متكلماً، وإن كلامه صفة له قائمة به، وإنه قدمي بكلامه، وإن كلامه قائم به، كما أن العلم قائم به، والقدرة قائمة به، وإن الكلام ليس بحروف ولا صوت، ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض، وإنه معنى واحد قائم بالله) .
قال: (وقال بعض من أنكر خلق القرآن: إن القرآن يسمع ويكتب، وإنه متغاير غير مخلوق، وكذلك العلم غير القدرة، والقدرة غير العلم، وإن الله لا يجوز أن يكون غير صفاته، وصفاته متغايرة، وهو غير متغاير) .
قال: (وزعم هؤلاء أن الكلام غير محدث، وأن الله لم
(2/322)

يزل متكلماً، وأنه مع ذلك حروف وأصوات، وأن هذه الحروف الكثيرة لم يزل الله متكلماً بها) .
قلت: فبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف، مثل إنكارهم على من زعم أن الله خلق الحروف، وعلى من زعم أن الله لا يتكلم بصوت، ومثل تفريقهم بين صوت القارىء وبين الصوت الذي يسمع من الله، ونحو ذلك.
فهذا كله موجود عن السلف والأئمة.
وبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفاً عن السلف والأئمة، مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف المعين، ولكن القول الذي أطبقوا عليه: هو أن كلام الله غير مخلوق، ولكن الناس تنازعوا في مرادهم بذلك، والنزاع في ذلك موجود في عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
والنزاع في ذلك مبني على هذا الأصل، هو كون قوله - مع أنه غير مخلوق ومع أنه قائم به، ومع أنه لم يزل متكلماً -: هل يتعلق بقدرته ومشيئته أم لا؟ فهذا القول السابع لم يذكره الشهرستاني ونحوه، إذ الأقوال المعروفة للناس في مسألة الكلام سبعة أقوال.
(2/323)

موقف الرازي في مسألة القرآن وأفعال الله
والمقصود هنا: أن أبا عبد الله الرازي في أكثر كتبه، لم يبن مسألة القرآن على الطريقة المعروفة لـ الأشعري، وهو أنه يمتنع أن يحدث في نفسه كلام، لكونه ليس محلاً للحوادث، وذلك لأنه قد ضعف هذا الأصل، فلم يمكنه أن يبني عليه، بل أثبت ذلك بإجماع مركب، فقرر بأن الكلام له معنى غير العلم والإرادة، خلافاً للمعتزلة ونحوهم.
وإذا كان كذلك فكل من قال بذلك قال: إنه معنى واحد قديم قائم بذات الله تعالى، فلو لم يقل بذلك لكان خلاف الإجماع.
فهذا هو العمدة التي اعتمد عليها في نهاية العقول وهو ضعيف، فإن الإقوال في المسألة متعددة قول غير المعتزلة والكلابية.
وكان من الممكن أن يقال له: إن ثبت أنه لا يقوم بالله ما يتعلق بمشيئته وقدرته أمكن أن يجعل كلام الله قديماً بالطريقة المعروفة، فإنه يمتنع أن يحدثه قائماً في نفسه أو في محل آخر، فإذا أمتنع حدوثها في نفسه تعين قدمه.
وإن لم يثبت ذلك، بل أمكن أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته أمكن هنا قول الكرامية وقول أهل الحديث الذين يقولون: إنه قول السلف والأئمة، فلم يتعين قول الكلابية، فذكر في نهاية العقول ما جرت عادته وعادة غيره بذكره، وهو أن معنى الكلام: إما أن يكون هو الإرادة والعلم، وإما أن يكون الطلب مغايراً للإرادة، والحكم الذهني مغايراً للعلم.
والأول باطل، لأن
(2/324)

الإنسان في الشاهد قد يخبر بما يعلمه ولا يعتقده، وقد يأمر بأمر لا يريده، كالسيد إذا كان قصده امتحان العبد.
قال: (وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب، لانعقاد الإجماع على أن ماهية الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب) .
قال: (فثبت أن أمر الله ونهيه وخبره صفات حقيقية، قائمة بذاته، مغايره لذاته وعلمه، وأن الألفاظ الواردة في الكتب الإلهية دالة عليها.
وإذا ثبت ذلك وجب القطع بقدمها، لأن الأمة علىقولين في هذه المسألة: منهم من نفى كون الله موصوفاً بالأمر والنهي والخبر بهذا المعنى، ومنهم من أثبت ذلك.
وكل من أثبته موصوفاً بهذه الصفات زعم أن هذه الصفات قديمة.
فلو أثبتنا كونه تعالى موصوفاً بهذه الصفات، ثم حكمنا بحدوث هذه الصفات، كان ذلك قولاً ثالثاً خارقاً للإجماع، وهو باطل) .
(2/325)

وأورد على نفسه أسئلة: فمنها قول القائل: (لم قلتم إن تلك المعاني قديمة.
قولكم: كل من أثبت تلك المعاني أثبتها قديمة؟ قلنا: القول في إثباتها مسألة، والقول في قدمها مسألة أخرى، فلو لزم من ثبوت إحدى المسألتين ثبوت الأخرى، لزم من أثبات كونه تعالى عالماً بعلم قديم، إثبات كونه تعالى متكلماً بكلام قديم، وإن سلمنا أن هذا النوع من الإجماع يقتضي قدم كلام الله، لكنه معارض بنوع آخر من الإجماع، وهو أن أحداً من الأمة لم يثبت قدم كلام الله بالطريق الذي ذكرتموه، فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقاً لإجماع) .
وذكر في جواب ذلك (قوله: لو لزم من إثبات هذه الصفة إثبات قدمها - لأن كل من قال بالأول قال بالثاني - لزم من القول بإثبات العلم القديم إثبات الكلام القديم، لأن كل من قال بالأول قال بالثاني - قلنا: الفرق بين الموضعين مذكور في المحصول
(2/326)

فإن المعتزلة يساعدوننا على الفرق بين الموضعين، فلا نطول قوله: إثبات قدم كلام الله بهذه الطريق على خلاف الإجماع.
قلنا: قد بينا في كتاب المحصول أن إحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقاً للإجماع) .
قلت: المقصود أن يعرف أنه عدل عن الطريقة المشهورة، وهو أنه لو أحدثه في نفسه لكان محلاً للحوادث - مع أنه عمدة ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما - لضعف هذا الأصل عنده، ولو أعتقد صحته لكان ذلك كافياً مغنياً له عن هذه الطريقة التي أحدثها.
وليس المقصود هنا الكلام في مسألة القرآن، فإن هذا مبسوط في مواضعه، وإنما الغرض التنبيه على اعتراف الفضلاء بأن هذا الأصل ضعيف.
وأما ضعف ما اعتمده في مسألة القرآن: فمبين في موضع آخر، فإن إثبات المقدمة الأولى فيها كلام ليس هذا موضعه، إذ كانت العمدة فيه على أمر الممتحن وخبر الكاذب.
والمنازع يقول: هذا إظهار للأمر والخبر، وإلا فهو في نفس الأمر لم يدل الخبر هنا على معنى في النفس.
ولهذا يقول الله تعالى عن الكاذبين إنهم: {يقولون
(2/327)

بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} (الفتح: 11) فهم ينازعون في أن الكاذب قام بنفسه حكم أو دل لفظه على معنى في نفسه، بل أظهر الدلالة على معنى في نفسه كذباً.
وأما المقدمة الثانية فضعيفة.
وذلك أنه يقال: هب أن هذا ثبت، لكن لم لا يجوز أن يتكلم بحروف ومعان قائمة في ذاته حادثة؟ وهذا القول قول طوائف من المسلمين، فليس هو خلاف الإجماع، فإن أبطل هذا بقوله: (ليس هو محلاً للحوادث) .
قيل: فهذا - إن صح - فهو دليل كاف، كما سلكه من سلكه من الناس، وإن لم يصح بطلت الدلالة، فتبين أنه لا بد في إثبات قدمه من هذه المقدمة.
وأما قوله: (كل من أثبت اتصاف الله بهذه المعاني فإنه يقول بقدمها) فليس الأمر كذلك.
بل كثير من أهل الحديث وأهل الكلام يثبتونها ولا يقولون بقدمها.
وأما الفرق الذي ذكره في المحصول فهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألتين على قولين: فإن كان مأخذهما واحداً - كتنازعهم في الرد وذوي الأرحام - لم يكن لمن بعدهم إحداث موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء في مسألة.
وإن كان المأخذ مختلفاً - كتنازعهم في الشفعة وميراث ذوي الأرحام - جاز موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء في مسألة، فظن أن قدم
(2/328)

الكلام مع إثبات هذه المعاني من هذا الباب، وليس الأمر كذلك، فإن مأخذ إثبات هذه المعاني ليس هو مأخذ القدم، فإن القدم مبني على مسألة الصفات، وعلى أنه: هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته؟ وأما إثبات هذه المعاني فمسألة أخرى.
والناس لهم في مسمى (الكلام) أربعة أقوال: أحدهما: أنه اللفظ الدال على المعنى، والثاني أنه المعنى المدلول عليه باللفظ، والثالث: أنه مقول بالاشتراك على كل منهما، والرابع: أنه اسم لمجموعهما، وإن كان مع القرينة يراد به أحدهما، وهذا قول الأئمة وجمهور الناس، وحينئذ فمن أثبت هذه المعاني وقال: إن اسم (الكلام) يتناولهما بالعموم أو الأشتراك يمكنه إثبات قيام اللفظ والمعنى جميعاً بالذات.
ثم من جوز تعلق ذلك بمشيئته وقدرته يمكنه أن لا يقول بالقدم، أو لا يقول بالقدم في الكلام المعين وإن قال بالقدم في نوع الكلام، ومن لم يجوز ذلك فمنهم طائفة يقولون بقدم الحروف، وطائف تقول بقدم المعاني دون الحروف، وما به يستدل أولئك على حدوث الحروف كالتعاقب والمحل يعارضونهم بمثله في المعاني، فإنه بالنسبة إلينا متعاقبة، ولها محل لا يليق بالله تعالى.
فإن
(2/329)

جاز أن تجعل فينا متعددة مع اتحادها في حق الله تعالى، وأن محلها منه ليس كمحلها منا: أمكن أن يقال في الحروف كذلك: إنها وإن تعددت فينا فهي متحدة هناك، وليس المحل كالمحل.
وإذا قيل: (هي مرتبة فينا) قيل: فكذلك المعاني مرتبة فينا.
فترتيب أحدهما كترتيب الآخر.
وإذا قيل: (دعوى أتحادهما مخالف لصريح العقل) .
قيل: وكذلك دعوى اتحاد المعاني، فكلام هؤلاء من جنس كلام هؤلاء.
والمقصود هنا: الكلام على هذا الأصل، وهي مسألة الصفات الاختيارية كالأفعال ونحوها مما يقوم به، ويتعلق بمشيئته وقدرته.
وأما قول القائل: (الجمهور على خلاف ذلك، وإنما الخلاف فيه مع الكرامية) فهذا قول من ظن أن طوائف المسلمين منحصرة في المعتزلة والكلابية والكرامية، بل أكثر طوائف المسلمين يجوزون ذلك: من أهل الكلام وأهل الحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم.
وأما أئمة أهل الحديث والسنة فكالمجمعين على ذلك، فكلام من يعرف كلامه في
(2/330)

ذلك صريح فيه، والباقون معظمون لمن قال ذلك، شاهدون له بأنه إمام في السنة والحديث، لا ينسبونه إلى بدعة.
وأما متأخرو أهل الحديث فلهم فيها قولان، ولأصحاب أحمد قولان، ولأصحاب الشافعي قولان، ولأصحاب مالك قولان، ولأصحاب أبي حنيفة قولان، وللصوفية قولان، وجمهور أهل التفسير على الإثبات.
وأما أهل الكلام فقد ذكر الأشعري هذا في كتاب المقالات عن غير واحد من أئمة الكلام غير الكرامية، ولم يذكر للكرامية شيئاً انفردوا به إلا قولهم في الإيمان، بل ذكر عن هشام بن الحكم وغيره من الشيعة أنهم يصفونه بالحركة والسكون ونحو ذلك، وأن عامة القدماء من الشيعة كانوا يقولون بالتجسيم أعظم من قول الكرامية، وأن المتأخرين منهم هم الذين قالوا في التوحيد بقول المعتزلة، بل ذكر عنهم تجدد الصفات من العلم والسمع والبصر، والناس قد حكوا عن هشام والجهم أنهما يقولان بحدوث العلم، وهذا رأس المعطلة وهذا رأس الشيعة، لكن جهم كان يقول بحدوث العلم في غير ذاته، وهشام يقول بحدوثها في ذاته، وحكى الأشعري تجدد العلم له عن جمهور
(2/331)

الإمامية.
وحكى عنهم إثبات الحركة به، وأن كلهم يقولون بذلك إلا شرذمة منهم، وذكر عن هشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي وأبي مالك الحضرمي وعلي بن ميثم وغيرهم أنهم يقولون إرادته حركة، وهل يقال: إنها غيره أم لا؟ على قولين لهم، وذكر عن طائفة أنهم يقولون: يعلم الأشياء قبل كونها، إلا أعمال العباد، فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها، وهذا قول غلاة القدرية، كمعبد الجهني وأمثاله، وهو أحد قولي عمروبن عبيد.
وذكر عن زهير الأثري أنه كان يقول: إن الله ليس بجسم ولا محدود، ولا يجوز عليه الحلول والمماسة، ويزعم أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال
(2/332)

تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (الفجر: 22) ، ويزعم أن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق) .
قال: (وكان أبو معاذ التومني يوافق زهيراً في أكثر قوله، ويخالفه في القرآن، ويزعم أن كلام الله: حدث غير محدث ولا مخلوق، وهو قائم بالله لا في مكان، وكذلك قوله في محبته وإرادته أيضاً) .
قال زهير: كلام الله حدث وليس بمحدث، وفعل وليس بمفعول، وامتنع أن يزعم أنه خلق، ويقول: ليس بخلق ولا مخلوق، وإنه قائم بالله، ومحال أن يتكلم بالله بكلام قائم بغيره، كما يستحيل أن يتحرك بحركة قائمة بغيره، وكذلك يقول في إرادة الله ومحبته وبغضه: إن ذلك أجمع قائم بالله.
قال الأشعري: (وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول: إن الله لم يزل متكلماً، بمعنى أنه يزل قادراً على الكلام، ويقول: إن كلام الله محدث غير مخلوق) .
قال: (وهذا قول داود الأصبهاني) .
قال: (وكل القائلين بأن القرآن غير مخلوق، كنحو عبد الله بن كلاب،
(2/333)

ومن قال إنه محدث كنحو زهير، ومن قال: إنه حدث كنحو أبي معاذ التومني - يقولون: إن القرآن ليس بجسم ولا عرض) .
وأما الحجة التي احتج بها الرازي للنفاة فهي أيضاً ضعيفة من وجوه.
أحدها: أن المقدمة التي اعتمد عليها فيه قوله: (إن الخالي عن الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص) .
فيقال: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، فإن ما كان وجوده مشروطاً بحادث سابق له امتنع إمكان وجوده قبل وجود شرطه، وعلى هذا: فالخلو عن هذه في الأزل لا يكون خلواً عما يمكن الاتصاف به، والخالي عما لا يمكن اتصافه به ليس بناقص.
الوجه الثاني: أن يقال: هو لم يثبت امتناع ما ذكره من النقص بدليل عقلي، ولا ينص كتاب ولا سنة، بل إنما أثبته بما ادعاه من الإجماع.
وهذه طريقته وطريقة أبي المعالي قبله ومن وافقهم، يقولون: إن امتناع النقص على الله تعالى إنما علم بالإجماع، لا بالنص ولا بالعقل، وإذا كان كذلك فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع، فكيف يحتج بالإجماع في مسائل النزاع؟
(2/334)

فإن قال: هؤلاء وافقونا على امتناع النقص عليه، وإنما نازعونا في كون ذلك نقصاً.
قيل له: إما أن يكونوا وافقوا على إطلاق اللفظ، وإما أن يكونوا وافقوا على معانية.
فإن وافقوا على إطلاق القول بأنه سبحانه منزه عن النقص، وقالوا: ليس هذا من النقص، لم يكن مورد النزاع داخلاً فيما عنوه بلفظ النقص، ومعلوم إن الإجماع حينئذ لا يكون حاصلاً على المعنى المتنازع فيه، ولكن على لفظ لم يدخل فيه هذا المعنى عند بعض أهل الإجماع، ومثل هذا لا يكون حجة في المعنى، ولكن غايته - إذا قام الدليل على أن هذا يسمى في اللغة نقصاً -: أن يكونوا لم يعبروا باللفظ اللغوي، وهذا بتقدير أن لا يكون له مساغ في اللغة: إنما فيه خطأ لغوي، فكيف إذا كانت هذه المقدمات غير مسلمة لهم في اللغة أيضاً؟ ومثل هذا ليس بحجة على المعاني المتنازع فيه، وإنما يكون حجة لفظية، لو صحت مقدماته، فلا يحصل بها المقصود.
وإن كانوا وافقوا على نفي المعاني التي يعبر عنها بلفظ النقص: فمعلوم أن المعنى المتنازع فيه لم يوافقهم عليه، فتبين أن مورد النزاع لا إجماع على نفيه قطعاً، فلا يجوز الإحتجاج على نفيه بالإجماع.
(2/335)

الوجه الثالث: أن يقال: إن قول القائل: (إن الأمة اجتمعت على تنزه الله تعالى عن النقص، وقوله: أجتمعت على تنزيه الله تعالى عن العيب والآفة ونحو ذلك) .
وهذا القدر ليس بمنقول اللفظ عن كل واحد من الأمة، لكن نحن نعلم أن كل مسلم فهو ينزه الله تعالى عن النقص والعيب، بل العقلاء كلهم متفقون على ذلك، فإنه ما من احد ممن يعظم الصانع سبحانه وتعالى وصف الله بصفة وهو يعتقد أنها آفة وعيب ونقص في حقه، وإن كان بعض الملحدين يصفه بما يعتقده هو نقصاً وعيباً، فهذا من جنس نفاة الصانع تعالى، ولهذا كان نفاة الصفات إنما نفوها وهم يعتقدون أن إثباته يقتضي النقص كالحدوث والإمكان ومشابهة الأحياء، مثبتوها إنما اثبتوها لاعتقادهم أن إثباتها يوجب الكمال.
وعدمها يستلزم النقص والعدم ومشابهة الجمادات، وكذلك مثبتة القدر ونفاته، بل بعض نفاة النبوة زعموا أنهم نفوها تعظمياً لله أن يكون رسوله من البشر، وأهل الشرك أشركوا تعظيماً لله أن يعبد بلا وساطة تكون بينه وبين خلقه.
فإذا كان كذلك فمن المعلوم:
(2/336)

أن الإنسان لو احتج بإجماع المسملين على نفي النقص والعيب عن الله تعالى على من يثبت الصفات، مدعياً أن إثباتها نقص وعيب أو بالعكس، لقال له المثبتة: نحن لم نوافقك على نفي هذا المعنى الذي سميته أنت نقصاً وعيباً، فلا تحتج علينا بالموافقة على لفظ لم نوافقك على معناه، وأمكنهم حينئذ أن يقولون: نحن ننازعك في هذا المعنى وإن سميته أنت نقصاً وعيباً، فلا يكون حجة ثابتة، إلا أن يقوم دليل على انتفاء ذلك غير الإجماع المشروط بموافقتهم.
الوجه الرابع: أن يقال له: قولك: (إجماع الأمة على أن صفاته كلها صفات كمال) إن عنيت بذلك صفاته كلها اللازمة له لم يكن في هذا حجة لك، وإن عنيت ما يحدث بقدرته ومشيئته لم يكن هذا إجماعاً، فإنك أنت وغيرك من أهل الكلام تقولون: إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص، والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفاً، فكونه خالقاً ومبدعاً وعادلاً ومحسناً ونحو ذلك عندك أمور حادثة متجددة، وليست صفة مدح ولا كمال، وإن قلت (المفعولات ليست قائمة به، بخلاف ما يقوم به) .
قيل لك: هب أن الأمر كذلك، لكن ما يحدث بقدرته ومشيئته إما أن يقال: هو متصف به أولا يقال: هو متصف به، فإن قيل (ليس
(2/337)

متصفاً لا بهذا ولا بهذا، وإن قيل (هو متصف به) كان متصفاً بهذا وهذا.
ومعلوم أن المشهور عند أهل الكلام من عامة الطوائف أنهم يقسمون الصفات إلى صفات فعلية وغير فعلية، مع قول من يقول منهم: إن الأفعال لا تقوم به، فيجعلونه موصوفاً بالأفعال، كما يقولون: إنه موصوف بأنه خالق ورازق، وعندهم هذه أمور كائنة بعد أن لم تكن، ولما قال لهم من يقول بتسلسل الحوادث من الفلاسفة وغيرهم: (الفعل إن كان صفة كمال لزم اتصافه به في الأزل، وإن كان صفة نقص امتنع اتصافه به في الأبد) أجابوا عن ذلك بأن الفعل ليس صفة كمال ولا نقص.
الوجه الخامس: احتجاجه بقوله: (إن الأمة مجمعة على أن
(2/338)

صفاته لا تكون إلا صفة كمال) أضعف من احتجاجه بإجماعهم على تنزيه عن صفة النقص، فإن كونه منزهاً عن صفات النقص مشهور في كلام الناس، وأما كون صفاته لا تكون إلا صفات كمال، فليس هذا اللفظ مشهوراً معروفاً عن الأئمة، ومن اطلق ذلك منهم فإنما يطلقه على سبيل الإجمال، لما استقر بالقلوب من ان الله موصوف بالكمال دون النقص.
وهذه الإطلاقات لا تدل على دق المسائل، ولوقيل لمطلق هذا: (كونه يفعل أفعالاً بنفسه يقدر عليها ويشاؤها هو صفة نقص أو كمال) ؟ لكان إلى أن يدخل ذلك في صفات الكمال أو يقف عن الجواب أقرب منه إلى أن يجعل ذلك من صفات النقص.
الوجه السادس: أن هذا الإجماع حجة عليهم، فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاماً وفعلاً يقوم به والآخر لا يمكنه ذلك بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور له ولا مراد، أو يكون بائناً عنه - لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل موجودين وكذلك إذا عرضنا على العقول
(2/339)

موجودين من المخلوقين، أو موجودين مطلقاً، أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه، والآخر لا يمكنه ذلك - لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني، كما أنا إذا عرضنا على العقل موجودين من المخلوقين أو موجودين مطلقاً، أحدهما حي عليم قدير، والآخر لا حياة له ولا علم ولا قدرة، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.
فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والعلم والقدرة صفة كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به.
التي بها يفعل المفعولات المباينة، صفة كمال.
والعقلاء متفقون على أن الأعيان المتحركة، أو التي تقبل الحركة.
أكمل من الأعيان التي لا تقبل الحركة، كما أنهم متفقون على أن الأعيان الموصوفة بالعلم والقدرة والسمع والبصر، أو التي تقبل الاتصاف بذلك أكمل من الأعيان التي لا تتصف بذلك ولا تقبل الاتصاف به.
وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهاً لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، فقد عبد رباً ناقصاً معيباً مؤوفاً، ويثبتون أن هذه صفات كمال، فالخالي عنه ناقص.
(2/340)

ومن المعلوم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه يثبت للمخلوق، فالخالق أحق له، وكل نقص تنزه عنه مخلوق، فالخالق سبحانه أحق بتنزيه عنه.
ولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون نقصاً إذا كان المحل قابلاً لها، وإنما يكون عدم البصر عمى، وعدم الكلام خرساً، وعدم السمع صمماً: إذا كان المحل قابلاً لذلك كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا - أجيبوا عن هذا بأن ما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصاً مما يقبلهما ويتصف بأحدهما، وإن اتصف بالنقص، فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر الكلام أعظم نقصاً من الحيوان الذي يقبل ذلك، وإن كان أعمى أصم أبكم.
فمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم الأبكم، ومن قال: إنه لا يقبل لا هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم، وهذا بعينه موجود في الأفعال، فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة لها، بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر، والحركة الطبيعية التي تطلب بها العين العود إلى مركزها لخروجها عن المركز، فإن تلك حركة بالعرض.
والعقلاء متفقون على ما كان من
(2/341)

الأعيان قابلاً للحركة فهو أشرف مما لا يقبلها، وما كان قابلاً للحركة بالذات فهو أعلى مما لا يقبلها بالعرض، وما كان متحركاً بنفسه كان أكمل من الموات الذي تحركه بغيره.
وقد بسط في غير هذا الموضع.

فصل
ونحن نتكلم على هذه الحجة - حجة الكمال والنقصان - كلاماً مطلقاً لا يختص بنظم الرازي، إذ يقول القائل: أنا أصوغها على غير الوجه الذي صاغها عليه الرازي فنقول:
أعلم أن الطوائف المسلمين لهم في هذا الأصل الذي تنبني عليه مسألة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى أربعة أقوال تتفرع إلى ستة.
وذلك أنهم متنازعون: هل يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغير الأفعال؟ على قولين مشهورين، ومتنازعون في أن الأمور المتجددة الحادثة: هل يمكن تسلسلها ودوامها في الماضي والمستقبل، أو في المستقبل دون الماضي، أو يجب تناهيها وانقطاعها في الماضي والمستقبل؟ على ثلاثة أقوال معروفة.
فصارت الأقوال أربعة:
طائفة تقول: يقوم به ما يتعلق بمشئيته وقدرته، ثم هل يقال
(2/342)

ما زال كذلك، أو يقال: حدث هذا الجنس بعد أن لم يكن؟ على قولين.
وطائفة تقول: لا يقوم به شيء من ذلك، ثم هل يمكن دوام ذلك وتسلسله خارجاً عنه؟ على قولين.
وكل من الطائفتين تنازعوا: هل يمكن وجود هذه المعاني بدون محل تقوم به؟ على قولين.
فالقائلون من أهل القبلة بجواز تسلسل الحوادث: منهم من قال: تقوم به، ومنهم من قال: تحدث لا في محل، ومنهم من قال: تحدث في محل غيره.
والمانعون لذلك من أهل القبلة: منهم من قال: تقوم له ولها ابتداء، ومنهم من قال: بل تحدث قائمة في غيره ولها ابتداء، ومنم من قال: بل تحدث لا في محل ولا ابتداء.
وقد ذكرنا حجة المانعين من قيام المقدرورات والمرادات به، وكلام من ناقضها.
ونحن نذكر حجة المانعين من التسلسل في الآثار، وكلام بعض من عارضهم من أهل القبلة.
وهذا موجود في عامة الطوائف، حتى في الطائفة الواحدة، فإن أبا الثناء الأرموي قد ذكر في لباب الأربعين لأبي عبد الله الرازي من الاعتراضات على ذلك ما يناسب
(2/343)

هذا الوضع، وتابع في ذلك طوائف من النظار، كأبي الحسن الآمدي وغيره، بل نفس الرازي قد ذكر في مواضع من كتبه نقض ما ذكره في الأربعين ولم يجب عن ذلك، كما قد حكينا كلامه في موضع آخر، وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي في إفساد هذه الحجج التي ذكرها في تناهي الحوادث بأمور لم يذكر عنها جواباً.

حجج الرازي على حدوث العالم ومعارضة الأموري له
وذلك أن أبا عبد الله الرازي ذكر في الأربعين في مسألة حدوث العالم من الحجج على حدوث الأجسام أو العالم ما لم يذكره في عامة كتبه.

البرهان الأول
فذكر خمس حجج: الأولى: أنه لو كانت الأجسام قديمة لكانت إما متحركة أو ساكنة، والأول يستلزم حوادث لا أول لها.
(2/344)

امتناع حوادث لا أول لها من وجوه
واحتج على انتفاء ذلك بستة أوجه:
(الأول والتعليق عليه)
أن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنفيها، فامتنعت أزلية الحركة.
فعارضه أبو الثناء الأرموي بأنه: لقائل أن يقول: كون ماهية الحركة مركبة من جزء سابق وجزء لاحق لا ينافي دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أول، وهو المعني بكونها أزلية.
قلت: ونكتة هذا الاعتراض أن يقال: إن المستدل قال: ماهية الحركة تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير، فهل المراد بالغير: أن تكون الحركة مسبوقة بما ليس بحركة، أو أن يكون بعض أجزائها سابقاً لبعض؟ أما الأول فباطل، وهو الذي يشعر به قوله: (ماهية الحركة
(2/345)

تقتضي المسبوقية بالغير) ، فإن ذلك قد يفهم منه أم ماهيتها تقضي أن تكوم مسبوقة بغير الحركة، ولو كان الأمر كذلك لا متنع كون المسبوق بغيره أزلياً، لكن لا يصلح أن يريد إلا الثاني، وهو أن ماهيتها تقتضي تقديم بعض أجزاها على بعض، وحينئذ فقد منعوه المقدمة الثانية وهي قولهم: (إن ماهية الأزل تنفي ذلك) ، وقالوا: لا نسلم أن ما كان كذلك لا يكون أزلياً، بل هذا رأس المسألة، ولا سيما وهو - وجماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل - يسلمون أن ما كان كذلك فإنه يصلح أن يكون أبدياً.
ومعلوم أن ماهية الحركة تقتضي أن يكون بعضها متأخراً عن بعض، ولا يمتنع مع ذلك وجود ما لا انقضاء له من الحركات.
قالوا: فكذلك لا يمتنع وجود ما لا ابتداء له منها، كما لم يمنتع وجود ما لا أول لوجوده وهو القديم الواجب الوجود، مع إمكان تقدير حركات وأزمنة لا ابتداء لها مقارنة لوجوده، والكلام في انتهاء المحقق كالكلام في انتهاء المقدر.

الثاني والتعليق عليه
قال الرازي: الوجه الثاني: (لو كانت أدوار الفلك متعاقبة لا إلى أول كان قبل كل حركة عدم لا إلى أول، وتكل العدمات
(2/346)

مجتمعة في الأزل، وليس معها شيء من الوجودات، وإلا لكان السابق مقارنا للمسبوق، فلمجموع الوجودات أول) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع، لأنه ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها فيه لوجود الحركة التي هي عدمها، ضرورة تعاقب تلك الحركات لا إلى أول، وإن عنيت به أنه لا ترتيب في بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات، فلا يلزم من اجتماع بعض الوجودات معها المحذور) .
قلت: مضمون هذا: أن عدم كل حركة ينتهي بوجودها، فليست الأعدام متساوية في النهايات، فلا تكون مجتمعة في شيء من الأوقات، لأنه في كل وقت يثبت بعضها دون بعض لوجود حادث يزول به عدمه، ولكن لا بداية لكل عدم منها، فإن ما حدث لم يزل معدوما قبل حدوثه، بخلاف الحركات، فإن لكل بداية، وحينئذ فلا يمتنع أن يقارن الوجود بعضها دون بعض، كما يقارن الوجود الباقي الأزلي عدم كل ما سواه، فالمستدل يقول: عدم كل حادث ثابت في الأزل.
(2/347)

وليس الجنس حادثا، حتى يكون مسبوقا بعدم الجنس، وإنما الحادث أفراده، كما في دوامه في الأبد.
فليس لعدم المجموع تحقق في الأزل، والعدم السابق لأفراد الحركات بمنزلة العدم اللاحق لها.
ولا يقال: إن تلك الإعدام مجتمعة في الأبد.
والفرق بين عدم المجموع وعدم كل فرد فرد: فرق ظاهر، والمستدل يقول: عدم كل واحد أزلي، فمجموع الأعدام أزلي.
وهذا بمنزلة أن يقول: كل واحد من الأفراد حادث، فالمجموع حادث، أو كل حادث فله بداية فالمجموع له بداية، وبمنزلة أن يقول: كل حادث فله انقضاء، فمجموع الحوادث له انقضاء، أو كل واحد مسبوق بغيره، فالمجموع مسبوق بغيره.
فإذا قال المتكلم عن المستدل: قول المعترض: (إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع، لأنه ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها فيه) ليس بمستقيم، فإنها مجتمعة في الأزل.
قال المتكلم عن المعترض: ليس الأزل ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم، كما أن الأبد ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم، ولكن معنى كون الشيء أزليا: أنه ما زال موجودا، أو ليس لوجوده ابتداء، ومعنى
(2/348)

كونه أبديا، أنه لا يزال موجودا، أو ليس لوجوده انتهاء.
ومعنى كون عدم الشيء أزليا: أنه ما زال معدوما حتى وجد، وإن كان عدمه مقارنا لوجود غيره.
وقائل ذلك يقول: لا يتصور اجتماع هذه العدمات في وقت من الأوقات أصلا، بل ما من حال إلا فيه عدم بعضها ووجود غيره، فقول القائل: (إن العدمات مجتمعة في الأزل) فرع إمكان اجتماع هذه الأعدام، واجتماع هذه الأعدام ممتنع.
وسيأتي تمام الكلام على ذلك بعد هذا.

الثالث والتعليق عليه
قال الرازي: (الثالث) : إنه إن لم يحصل شيء من الحركات في الأزل، أو حصل ولم يكن مسبوقاً بغيرها - فلكلها أول، وإن كان مسبوقاً بغيرها كان الأزل مسبوقاً بالغير) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: ليس شيء من الحركات
(2/349)

الجزئية أزلياً، بل كل واحدة منها حادثة.
وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهي ليست مسبوقة بغيرها، فلم يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول) .
قلت: قول المستدل: (إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقاً بغيرها فلها أول) يريد به: ليس مسبوقاً بحركة أخرى، فإن الحركة المعينة التي لم تسبقها حركة أخرى تكون لها إبتداء، فلا تكون أزلية، إذ الأزلي لا يكون إلا الجنس.
أما الحركة المعينة إذا قدرت غير مسبوقة بحركة كانت حادثة، كما أنها إذا كانت مسبوقة كانت حادثة، ولم يرد بقوله: (إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقاً بغيره فلها أول) أي لم يكن مسبوقاً بغير الحركات، فإن ما كان في الأزل ولم يكن مسبوقاً بغيره لا يكون له أول، فلو أراد بالغير غير الحركات لكان الكلام متهافتاً، فإن ما كان أزلياً لا يكون مسبوقاً بغيره، فالجنس عند المنازع أزلي، وليس مسبوقاً بغيره، والواحد من الجنس ليس بأزلي، وهو مسبوق بغيره.
وما قدر أزلياً لم يكن مسبوقاً بغيره.
سواء كان جنساً أو شخصاً، لكن إذا قدر أزلياً - وليس مسبوقاً بغيره - فكيف يكون له أول؟ ولكن إذا قدر مسبوقاً بالغير كان له أول، فالمسبوق بغير هو الذي له أول، وأما ما ليس مسبوقاً بغيره فكيف يكون له أول؟
(2/350)

ومع هذا فيقال له: تقدير كون الحركة المعينة في الأزل ومسبوقة بأخرى جمع بين النقيضين، فهو ممتنع لذاته، والممتنع لذاته يلزمه حكم ممتنع، فلا يضر ما لزم على هذا التقدير.
وأما على التقدير الآخر - وهو حصول شيء منها في الأزل مع كونه مسبوقاً - فقد أجابوا الأرموي: بأن وجود الحركة المعينة في الأزل محال أيضاً، وإذا كان ذلك ممتنعاً جاز أن يلزمه حكم ممتنع، وهو كون الأزلي مسبوقاً بالغير، وإنما الأزلي هو الجنس، وليس مسبوقاً بالغير.
وقد اعترض بعضهم على هذا الاعتراض بأن قال: فحيئنذ ليس شيء من الحركات حاصلاً في الأزل، إذ لو حصل في الأزل لا متنع زواله، وما هذا شأنه يمتنع كوناً أزلياً.
وجواب هذا الاعتراض أن يقال: ليس شيء من الحركات المعينة في الأزل، إذ ليس شيء منها لا أول له، بل كل واحد منها له أول، لكن جنسها: هل له أول؟ وهذا غير ذلك، والمنازع يسلم أن ليس شيء من الحركات المعينة أزلياً، وإنما نزاعه في غير ذلك، كما أنه يسلم أنه ليس شيء من الحركات المعينة أبدياً، مع أنه يقول: جنسها أبدي.

الرابع والتعليق عليه
قال الرازي: الوجه الرابع: (كلما تحرك زحل دورة
(2/351)

تحركت الشمس ثلاثين فعدد دورات زحل أقل من عدد دورات الشمس، والاقل من غير متناه، والزائد على المتناهي بالمتناهي متناه، فعددهما متناه) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: تضعيف الواحد إلى غير النهاية أقل من تضعيف الاثنين كذلك مع كونهما غير متناهيين)
قلت: هذا الذي ذكره الأرموي معارضة ليس فيه منع شيء من مقدمات الدليل، ولا حل له، ثم قد يقول المستدل: الفرق بين مراتب الأعداد وأعداد الدورات من وجهين.
أحدهما: أن مراتب الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج، وإنما يقدرها الذهن تقديراً، كما يقدر الأشكال المجردة يقدر شكلاً مستديراً وشكلاً أكبر منه وشكلاً أكبر من الآخر وهلم جراً، وتلك الأشكال التي يقدرها الذهن لا وجود لها في الخارج، وكذلك الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج، فالكم المتصل أو المنفصل إذا أخذ مجرداً عن الموصوف به لم يكن إلا في الذهن، وكذلك الجسم التعليمي - وهو أن يقدر طول وعرض وعمق مجرد عن الموصوف به - وإذا كان كذلك لم يلزم من إمكان تقدير ذلك في الذهن إمكان وجوده في الخارج، فإن الذهن تقر فيه الممتنعات، كاجتماع النقيضين والضدين، فيقدر فيه كون الشيء موجوداً معدوماً، وكون الشيء متحركاً ساكناً، ويقدر فيه
(2/352)

أن كون الشيء لا موجوداً ولا معدوماً، ولا واجباً ولا ممكناً ولا ممتنعاً، إلا غير ذلك من التقديرات الذهنية التي لا تسلتزم إمكان ذلك في الخارج، ولهذا يمكن تقدير خط لا يتناهى وسطح لا يتناهى، وتقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا نهاية وأبعاد لا نهاية لها، ولا يلزم من إمكان تقدير ما لا نهاية له في الذهن إمكان ذلك في الخارج، والمنازعون يسلمون امتناع أجسام لا يتناهى قدرها وأبعاد لا تتناهى وعلل ومعلولات لا تتناهى، مع إمكان تقدير ذلك في الذهن.
فإذا قيل لهم: كذلك تقدير أعداد لا تتناهى، أو تقدير مراتب أعداد لا تتناهى بعضها أفضل من بعض، إذا قدر في الذهن لم يدل ذلك على إمكان وجوده في الخارج - بطلت معارضتهم، وكان من عارض تقدير الأعداد التي لا تتناهى بتقدير الأشكال التي لا تتناهى وتقدير التفاضل في هذا كالتفاضل في هذا: أولى ممن عارض تفاضل الدورات بتفاضل مراتب الأعداد، فإنه إذا قيل: تضعيف الواحد إلى غير نهاية أقل من تضعيف الاثنين.
قيل: وإذا فرض خط عرضه بقدر الكف لا يتناهى طولاً وخط عرضه بقدر الذراع لا يتناهى، فالذي بقدر الكف أقل، وإذا فرض أجسام مستديرة كل منها بقدر رأس الإنسان لا تتناهى، وأخرى كل منها بقدر الفلك لا
(2/353)

تتناهى، كانت مقادير تلك أصغر، مع أن الجميع لا يتناهى، كان معلوماً أن هذه المعارضة أعدل وأولى بالقبول من تلك المعارضة.
الوجه الثاني: إن كان تضعيف الأعداد ومراتبها وسائر المقادير إلى غير نهاية كان هذا التضعيف إنما هو في الذهن، فكل ما يتصوره الذهن من ذلك ويقدره فهو يتناهى، والذهن لا يزال يضعف حتى يعجز، وهكذا أذا نطق بأسماء الأعداد أو بألفاظ فلا يزال ينطق حتى يعجز، وإن قدر أنه لا يعجز بل لا يزال الذهن يقدر اللسان ينطق فإن جميع ذلك داخل في الوجود الذهني واللفظي والجناني واللساني، وكل ما يدخل من ذلك في الوجود فهو متناه وله مبدأ محدود، فله أول ابتدء منه، وهو من ذهن الإنسان ولفظه، وكل ما يوجد منه متعاقباً فإنه منتهاه، لكن هذا يدل على جواز ما لا نهاية له في المستقبل، وأن الشيء قد يكون له بداية ولا يكون له نهاية، فإن ما يخطر بالأذهان وينطق به اللسان له بداية، ويمكن وجود ما لا يتناهى منه، ومن هذا الباب أنفاس أهل الجنة وألفاظهم وحركاتهم، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ومن هذا الباب تسبيح الملائكة دائماً.
فهذا المذكور من تضعيف الأعداد ذهناً ولفظا يدل على وجود ما لا يتناهى في المستقبل إذا كان له بداية محدودة، وأما التفاضل فيه - سواء أريد به تضعيف الذهن، أو اللسان، أو جميعهما - فمعلوم أنه إذا قيل: ضعف الواحد وضعف ضعفه وضعف ضعف ضعفه وهلم جراً،
(2/354)

وقيل: ضعف الاثنين وضعف ضعفهما وضعف ضعف الضعف وهلم جرا، فإن أريد بكون تضعيف الواحد أقل من تضعيف الاثنين، أن ما وجد من نطق اللسان بالتضعيف أو ما يخطر بالقلب من التضعيف أقل، فهذا ممنوع إذا قدر التساوي في المبدأ والحركة، وإن قدر التفاضل فأكثرهما أسبقهما مبدأ وأقواهما حركة، وحينئذ فقد يكون تضعيف الواحد هو الأكثر.
وإن أريد بذلك أن مسمى أحد اللفظين أكثر مما في كل مرتبة من مراتب التضعيف، فإذا ضعف الواحد خمس مرات كان اثنين وثلاثين، وإذا ضعف الاثنان خمس مرات كان أربعاً وستين مرة، فهذه الأربع والستون ليست معدوداً موجوداً في الخارج ولا في الذهن حتى يقال: وجد التفاضل فيما لا يتناهى، وإنما نطق بلفظ أعداد متناهية، والمعدودات ليست موجودة لا في الذهن ولا في الخارج، فلو قدر وجود ألفاظ الأعداد من هذه المرتبة ومن هذه المرتبة في الذهن واللسان لم يلزم إذا قدر أنهما غير متناهيين أن يكونا متفاضلين مع استوائهما في المبدأ والحركة.
وإن أراد أن مسمى هذا لو وجد لكان أكبر من مسمى هذا.
(2/355)

فيقال: نعم، ولكن لم قلت: إن وجود ذلك المسمى ممكن؟ وهذا كما لو قال القائل: (ما لا يتناهى أقدره في ذهني وأتكلم بلفظه) لم يكن في ذلك ما يقتضي أنه يمكن وجوده في الخارج، كما يقدر ذهناً ولساناً ما لا يتناهى من الأجسام والأبعاد والأشكال، فهذا هذا، فهذا مما يجيب به المستدل عن المعارضة بمراتب الأعداد.
وهذا الفرق - وإن كما قد أوردناه - فقد ذكره غير واحد من النظار المفرقين بين العدد والحركات من متكلمي المسلمين وغيرهم، وذكر هؤلاء هذا الفرق المعروف عند من يوافق المستدل على هذا النقض هو أن تضعيف العدد ليس أمراً موجوداً، بل مقدراً، بخلاف ما وجد من الحركات.
وهكذا فرق من فرق بين الماضي والمستقبل، بأن الماضي قد وجد، بخلاف المستقبل، والممتنع وجود ما لا يتناهى، لا تقدير ما لا يتناهى.
ومن يوافق المعترض يقول: الماضي أيضاً قد عدم، فليست أفراده موجودة معاً والمحذور وجود ما لا يتناهى فيما كان مجتمعاً، بل مجتمعاً منتظما بعضه ببعض، بحيث يكون له ترتيب طبيعي أو وضعي.
وهذا فرق ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة، ولكن ابن رشد
(2/356)

يقول: إن مذهب الفلاسفة الفرق بين المجتمع وغير المجتمع، سواء كان المجتمع له ترتيب أو ليس له ترتيب، وإنما النزاع بينهم في النفوس البشرية المفارقة: هل هي موجودات متميزة غير متناهية أم لا؟
ويقول هؤلاء: لا نسلم أن ما كان وعدم، أو ما سيكون، إذا قدر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهياً، والمؤمنون بأن نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلمون ذلك، ولم ينازع فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم، وأبو الهذيل القائل بفناء الحركات، وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين على تضليل القائلين بهما، ومن أعظم ما أنكروه السلف والأئمة على الجهمية: قولهم بفناء الجنة.
وقال الأشعري في كتاب المقالات: وأختلفوا أيضاً في معلومات الله عز وجل ومقدوراته: هل لها كل، أو لا كل لها؟ على مقالتين، فقال أبو الهذيل: إن لمعلومات الله كلاً وجميعاً، ولما يقدر الله عليه: كل وجميع، وإن أهل الجنة تنقطع حركاتهم
(2/357)

يسكنون سكوناً دائماً.
وقال أكثر أهل الإسلام: ليس لمعلومات الله، ولا لما يقدر عليه كل ولا غاية.
واختلفوا أيضاً: هل لأفعال الله سبحانه آخر، أم لا آخر لها؟ على مقالتين، فقال الجهم بن صفوان: إن لمعلومات الله ومقدوراته غاية ونهاية، ولأفعاله آخر، وإن الجنة والنار تفنيان ويفنى أهلهما، حتى يكون الله آخر، وإنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، ليس لذلك آخر، ولا لمعلومات الله ومقدوراته غاية ولا نهاية.
وقد ذكر بعض الناس بين الماضي والمستقبل فرقاً بمثال ذكره، كما ذكره صاحب الإرشاد وغيره، وهو أن المستقبل بمنزلة ما إذا قال قائل: لا أعطيك درهماً إلا أعطيتك بعده درهماً، وهذا كلام صحيح، والماضي بمنزلة لا أعطيك درهماً إلا أعطيتك قبله درهماً، وهذا كلام متناقض.
(2/358)

لكن هذا المثال ليس بمطابق، لأن قوله: (لا أعطيك) نفي للحاضر والمستقبل، ليس نفياً للماضي، فإذا قال (لا أعطيك هذه الساعة أو بعدها شيئاً إلا أعطيتك قبله شيئاً) اقتضى أن لا يحدث فعلاً الآن حتى يحدث فعلاً في الزمن الماضي، وهذا ممتنع.
أو بمنزلة أن يقول: (لا أفعل حتى أفعل) وهذا جمع بين النقيضين.
وإنما مثاله أن يقول: ما أعطيتك درهماً إلا أعطيتك قبله درهماً، فكلاهما ماض.
فإذا قال القائل: (ما يحدث شيء إلا ويحدث بعده شيء) كان مثاله أن يقول: ما حدث شيء إلا حدث قبله شيء، لا يقول لا يحدث بعده شيء) كان مثاله أن يقول: ما حدث شيء إلا حدث قبله شيء، لا يقول (لا يحدث في المستقبل شيء إلا حدث قبله شيء) وكل ما له ابتداد وانتهاء كعمر العبد، يمتنع أن يكون فيه عطاء لا انتهاء له، أو عطاء لا ابتداء له، وإنما الكلام فيما لم يزل ولا يزال.
والناس لهم في إمكان وجود ما لا يتناهى أقوال:
أحدها: امتناع ذلك مطلقاً، في الماضي والمستقبل والحاضر، في كل شيء، وهذا قول الجهم وأبي الهذيل.
والثاني: جواز ذلك، حتى في الأبعاد التي لا تتناهى، وهو قول طائفة من فلاسفة الهند وطائفة من نظار أهل الملة وغيرهم، يقولون: إن الرب له قدر لا يتناهى.
ثم من هؤلاء من يقول: لا يتناهى من
(2/359)

جميع الجهات، ومنهم من يقول: يتناهى من جهة العرش فقط، وأما من سائر الجهات فإنه لا يتناهى.
وقد ذكر الأشعري في المقالات هذه الأقوال وغيرها عن طوائف، وممن ذكر ذلك: الكرامية، وطائفة من أتباع الأئمة، كـ القاضي أبي يعلى وغيره، وهؤلاء منهم من يقول بتناهي الحوادث في الماضي، مع قوله بوجود ما لا يتناهى من المقدار في الحاضر.
وكذلك معمر وأتباعه من أصحاب المعاني، يقولون بوجود معان لا تتناهى في آن واحد، مع قولهم بامتناع حوادث لا أول لها، فصار بعض الناس يقول بجواز التناهي في الحوادث الماضية والأبعاد، ومنهم من يقول بجواز ذلك في الأبعاد دون الحوادث، فهذه ثلاثة أقوال.
الرابع: قول من يقول: لا يجوز ذلك فيما دخل في الوجود، لا في الماضي ولا في الحاضر، ويجوز فيما لم يوجد بعد، وهو المستقبلات، وهذا قول كثير من النظار.
الخامس: قول من يقول: يجوز ذلك في الماضي ولامستقبل، ولا يجوز فيما يوجد في آن واحد، لا في الأبعاد ولا الأنفس ولا المعاني، وهو قول ابن رشد، وحكاه عن الفلاسفة.
وزعم أن النفوس البشرية واحدة بعد المفارقة، كما زعم أنها كانت كذلك قبل المفارقة.
(2/360)

السادس: قول من يقول: ما كان مجتمعاً مترتباً فإنه يجب تناهيه كالعلل والأجسام، فتلك لها ترتيب طبيعي، وهذه لها ترتيب وضعي، وكلها موجودة في آن واحد.
وأما ما لم يكن له ترتيب - كالأنفس - أو كان له ترتيب ولكن يوجد متعاقباً - كالحركات - فلا يمتنع فيه وجود ما لا يتناهى، وهذا قول ابن سينا، وهو المحكي عندهم عن أرسطو وأتباعه، لكن ابن رشد ذكر أن هذا القول لم يقله أحد من الفلاسفة إلا ابن سينا.
وأما وجود علل ومعلولات لا تتناهى: فهذا مما لم يجوزه أحد من العقلاء.
إذا عرف هذا تكلمنا على الاحتجاج بتفاضل الدورات التي لا تتناهى، فإن الشمس تقطع الفلك في السنة مرة، والقمر اثنتي عشرة مرة، وهذا مشهود، والمشتري في كل اثنتي عشرة سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، فتكون دورات القمر بقدر دورات زحل ثلاثمائة وستين مرة، ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة، فتكون دورات هذا أضعاف دورات هذا، وكلاهما لا يتناهى عند القائلين بذلك، والأقل من غير المتناهي متنهاه، والزائد على المتناهي متناه، وقد عرف أن المعارضة بالعدد باطلة.
(2/361)

وقد يقال: هذا من جنس تطبيق الحوادث الماضية إلى اليوم بالحوادث الماضية إلى أمس، فإن كلاهما لا يتناهى مع التفاضل.
وهو الوجه الخامس الذي سيأتي.
لكن بينهما فروق مؤثرة:
منها: أنه هناك هذه الحوادث هي تلك بعينها، لكن زادت حوادث اليوم، فغاية تلك: أن يكون ما لا إبتداء له من الحوادث لا يزال في زيادة شيئاً بعد شيء، وأما هنا: فهذه الدورات ليست تلك.
ومنها: أنه هناك فرض انطباق اليوم على الأمس، مع اشتراكهما في عدم البداية، وهذا التطبيق ممتنع.
فإن حقيقته: أنا نقدر تماثلهما وتفاضلهما، فإنه إذا طبق أحدهما على الآخر لزم التماثل مع التفاضل، لأنهما استويا في عدم البداية وفي حد النهاية، وهما متفاضلان، وهذا تقدير ممتنع، بخلاف الدورتين، فإنهما هنا مشتركان في عدم البداية، وفي حد النهاية، فالتفاضل هنا حاصل مع الاشتراك في عدم النهاية عند هؤلاء، فهذا لا يحتاج إلى فرض وتقدير، حتى يقال: هو تقدير ممتنع، بخلاف ذلك.
ولكن التقابل يوافق ذلك التقابل في أن كليهما قد عدمت فيه الحوادث الماضية، ويوافقه في أن كليهما قد قدر فيه انتهاء الحوادث من أحد الجانبين، فهما متفقان من هذين الوجهين، مفترقان من ذينك الوجهين.
(2/362)

وحينئذ فيقال: الدهرية يزعمون أن حركات الفلك لا بداية لها ولا نهاية، لا يجعلون لها آخراً تنتهي إليه فلا يصح اعتمادهم على أن هذه الحوادث متناهية من أحد الجانبين، بل يلزمهم قطعاً أن تكون الحركة الفلكية التي زعموا أنها لم تزل ولا تزال متفاضلةً، فدورات زحل عنهم لم تزل ولا تزال، وكذلك دورات الشمس والقمر، مع أن دورات القمر دورات بقدر دورات الشمس اثنتي عشرة مرة، ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة، فكل من هذين لا يتناهى في الماضي والمستقبل، وهذا أقل من هذا بقدر متناه، وهذا أزيد من هذا بقدر متناه، فإذا كان الأقول من غيره متناهياً لزم أن يكون كل من الدورات متناهياً.
وهذا الوجه لا يرد على من قال من أئمة الإسلام وأهل الملل بجواز حوادث لا تتناهى، فإن أولئك يقولون بأن حركة الفلك لها ابتداء ولها انتهاء، وأنه محدث مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وأنه ينشق وينفطر، فتبطل حركة الشمس والقمر، وكل واحد من دورات الفلك وكواكبه وشمسه وقمره له عندهم بداية ونهاية.
وهذا الدليل إنما يدل على أن حركته يمتنع أن تكون غير متناهية، ولا يلزم إذا وجب تناهي حركة جسم معين أن يجب تناهي جنس الحوادث، إلا إذا كان الدليل الذي دل على تناهي حرك المعين يدل
(2/363)

على تناهي الجنس، وليس الأمر، فإن هذا الدليل لا يتناول إلا الفلك، وهو دليل على حدوثه، وامتناع أن تكون حركته بلا بداية ولا نهاية، فهو يدل على فساد مذهب أرسطو وابن سينا، وأمثالهما ممن يقول بأن الفلك قديم أزلي.
فهذا حق متفق عليه بين أهل الملل وعامة العقلاء.
وهو قول جمهور الفلاسفة، ولم يخالف في ذلك إلا شرمذة قليلة، ولهذا كان الدليل على حدوثه قوياً، والاعتراض الذي اعترض به الأرموي ضعيفاً، بخلاف الوجوه الدالة على امتناع جنس دوام الحوادث، فإن أدلتها ضعيفة، واعتراضات غيره عليها قوية.
وهذا مما يبين أن ما جاءت به الرسل هو الحق، وأن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه، كالذين جعلوا من السمع: أن الرب لم يزل معطلاً عن الكلام والفعل، لا يتكلم بمشيئته، ولا يفعل بمشيئته، بل ولا يمكنه عندهم أنه لا يزال يتكلم بمشيئته ويفعل بمشيئته.
فجعل هؤلاء هذا قول الرسل، وليس هو قولهم، وجعل هؤلاء من المعقول: أنه يمتنع دوام كونه قادراً على الكلام والفعل بمشيئته.
وعارضهم آخرون: فادعوا أن الواحد من مخلوقاته كالفلك أزلي معه، وأنه لم يزل ولا تزال حوادثه غير متناهية، فهذه الدورات لا تتناهى، وهذه لا تتناهى، مع أن هذه بقدر هذه مرات متناهية، وكون الشيئين لا يتناهيان أزلاً وأبداً، مع كون أحدهما بقدر الآخر مرات، مع
(2/364)

كونه مفعولاً معلوماً مساوياً لفاعله في الزمن - هو الذين أنفردوا به.
وأما الفاعلية فيما لا يتناهى ابتداء وانتهاء، فهو الذي ذكر في هذا الوجه.
وقد يقال: يلزم مثل هذا في كلمات الله وإرادته التي كل منها غير متناه أزلا وأبداً، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر.
وقد يذكر هنا أن مقدرار القمر أصغر من مقدار الشمس فحركته وإن زادت في الدورات فقد نقصت في المقدار، لكن هذا لا ينفع إلا إذا عرف تساوي مقدار جميع حركات الكواكب التي كل منها غير متناه، وإلا لزم التفاضل فيما لا يتناهى، فإذا كان تساويها باطلاً كان هذا السؤال باطلاً.

الخامس والتعليق عليه
قال الرازي: الوجه الخامس: (نقدر أن الأدوار الماضية من اليوم لا إلى أول جملة، ومن الأمس كذلك، ثم نطبق الطرف المتناهي من إحدى الجملتين في الوهم على الطرف المتناهي من
(2/365)

الأخرى، ونقابل كل فرد إحداهما بنظيره من الأخرى، فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وإن قصرت كانت متناهية، والأخرى زائدة بقدر متناه فهي متناهية أيضاً) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: الجملة الناقصة لا تنقطع من طرف المبدأ، وإنما يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، إذا كان أفراد الزائد مثل أفراد الناقص كما في مراتب الأعداد من الواحد إلى ما لا يتناهى ومن العشرة إلى ما لا يتناهى، إذا طبقنا إحدى الجملتين على الأخرى) .
قلت: المعترض لم يبين فساد الحجة، بل عارضها معارضة، وغيره قد يمنع كلتا المقدمتين أو إحداهما، فالمعترض يقول: (وإن قصرت كانت متناهية) فنقول: إنما تكون متناهية لو كانت منقطعة
(2/366)

من طرف المبدأ، فأما مع عدم انقطاعها فلا نسلم تناهيها، كما أن المستقبل وتضعيف العدد لما لم يكن منقطعاً من جهة المنتهى لم يكن متناهياً، وإن أمكن فيه مثل هذه المقابلة.
وأما غيره فيجيب بثلاثة أجوبة:
أحدها: قوله: (فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره) فنقول: هذا إنما يلزم إذا طبقنا إحدى الجملتين على الأخرى) والتطبيق في المعدوم ممتنع، كما في تطبيق مراتب الأعداد من الواحد إلى ما لا يتناهى، ومن العشرة إلى ما لا يتناهى، ومن المائة إلى ما لا يتناهى فإنا نعلم أن عدد تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة، وعدد تضعيف العشرة أقل من عدد تضعيف المائة، وعدد تضعيف المائة أقل من تضعيف الألف، والجميع لا يتناهى، وهذه الحجة من جنس حجة مقابلة دورات أحد الكوكبين بدورات الآخر، لكن هناك الدورات وجدت وعدمت، وهنا قدرت الأزمنة والحركات الماضية ناقصه وزائدة.
ومما يجاب به عن هذه الحجة - وهي أشهر حججهم - أن يقال: لا نسلم إمكان التطبيق، فإنه إذا كان كلاهما لا بداية له، وأحدهما
(2/367)

انتهى أمس، والآخر انتهى اليوم: كان تطبيق الحوادث إلى اليوم على الحوادث إلى الأمس ممتنعاً لذاته، فإن الحوادث إلى اليوم أكثر، فكيف تكون إحداهما مطابقة للأخرى؟ فلما كان التطبيق ممتنعاً جاز أن يلزمه حكم ممتنع.
أيضاً فيقال: نحن نسلم أنها متناهية من الجانب المتناهي، لكن لم قلت: إذا كانا متناهيين من أحد الجانبيين كانا متناهيين من الجانب
(2/368)

الآخر؟ وهذا أول المسألة، والتفاضل وقع من الجانب المتناهي، لا من الجانب الذي ليس بمتناه، فلم يقع فيما لا يتناهى تفاضل.

السادس والتعليق عليه
قال الرازي: السادس: (لو كانت الأدوار الماضية غير المتناهية كان وجود اليوم موقوفاً على إنقضاء ما لا نهاية له، والموقوف على المحال محال) .
قال الأرموي: ولقائل أن يقول: انقضاء ما لا نهاية له محال، وأما انقضاء ما لا بداية له ففيه نزاع.
قلت: هنا نزاع لفظي ونزاع معنوي، أما اللفظي، فهو أنه إذا قدر تسلسل الحوادث في الماضي وعدم إنقطاعها وأنها لا أول لها، فهل يعبر عن هذا بأن يقال: لا نهاية لها، أو يقال: لا بداية لها، ولا يقال لا نهاية لها؟ فالمستدل عبر بأنه لا نهاية لها، والمعترض أنكر ذلك، وهذا نزاع لفظي.
وذلك أنه يقال: هذا غير متناه، بمعنى أنه ليس له حد محدود، وقد يقال: (غير متناه) بمعنى أنه لا آخر له، ويقال (هذا له نهاية) أي: له آخر، و (هذا لا نهاية له) أي: لا آخر له، والحوادث الماضية إذا قدر أنها لم تزل، فإنه يقال: (لا نهاية لها) بالمعنى الأول، وأما بالمعنى الثاني: فقد انقضت وانصرمت ولها آخر.
(2/369)

وهذه الحجة اعتمد عليها أكثر المتكلمين كـ أبي المعالي ومن قبله وبعده من المعتزلة والأشعرية، وذكروا أنه اعتمد عليها يحيى النحوي وغيره من المتقدمين، وظنوا أن ما لا يتناهى يمتنع أن يكون منقضياً منصرماً، فإن ما أنقضى وانصرم فقد تناهى، فكيف يقال: إنه لا نهاية له؟ واشتبه عليهم لفظ (النهاية) لما فيه من الإجمال والاشتباه) فإن الماضي له آخر انتهى إليه، فهو متناه بهذا الاعتبار، بلا نزاع وبهذا المعنى يقال: إنه انصرم وانقضى، وفرغ ونفد، وأما بالمعنى المتنازع فيه فهو أنه لا بداية له: أي لم تزل آحاده متعاقبة.
وأما النزاع المعنوي فهو أنه: هل يعقل انقضاء ما يقدر أنه لا بداية له ولا ينتهي مم جهة مبدئه أو لا؟ ولا ريب أن المستدل لم يذكر دليلاً على امتناع انقضاء ذلك، لكن أخذ لفظ (ما لا يتناهى) ولفظ (ما لا يتناهى) فيه إجمال، فقد يعني به ما لا يتناهى في المستقبل من جهة آخره، فإذا قيل: (إن هذا ينقضي) كان
(2/370)

ذلك جمعاً بين النقيضين، وقد يعني به ما لا بداية له، وهو ينازع في إمكان ذلك، لأنه حينئذ يكون له نهاية بلا بداية، وكأنه يقول: ما له نهاية فلا بد له من بداية، ومنازعوه يقولون: هذا مسلم في الأشخاص، فكل شخص ينتهي فلا بد له من مبدأ، إذ لو لم يكن له مبدأ لكان قديماً، وما وجب قدمه امتنع عدمه كما سيأتي، وينازعونه في النوع، ويقولون: يمكن أن يقال: إن الله لم يزل يفعل شيئاً بعد شيء.
وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي على إفساد هذه الحجة التي ذكرها ههنا على تناهي الحوادث بكلام لم يذكر عنه جواباً.
قال الرازي: وإن كان الجسم في الأزل ساكناً كان ذلك ممتنعاً، (لأن) السكون وجودي، وكل وجودي أزلي فإنه يمتنع زواله.
والمنازع نازعه في كون السكون وجودياً، ولم ينازعه في أن الوجود الأزلي يمتنع زواله، وقد قرر ذلك الرازي بأن القديم إما واجب بذاته أو ممكن يكون مؤثرة بذاته، سواء كان تأثيره بنفسه أو بشرط لازم
(2/371)

له، ولا يحتاج إلى هذا، بل يقال: القديم إن كان واجباً بنفسه امتنع عدمه، وإن لم يكن كذلك فالمقتضى له - سواء سمى موجباً أو مختاراً - إما أن يتوقف اقتضاؤه له على شرط محدث أو لا، والثاني ممتنع، فإن القديم لا يتوقف على شرط محدث، إذ لو توقف عليه لكان القديم مع المحدث أو بعده، وإذا لم يتوقف على شرط محدث لزم ان يكون قد وجد المقتضى التام المستلزم له في الأزل، وحينئذ فيجب دوامه بدوام المقتضى التام، ثم كون القديم لا يكون مقتضية له اختيار: فيه كلام ونزاع ليس هذا موضعه، والمقصود هنا: أن منازعه نازعه في كون السكون وجودياً.
وقد احتج عليه الرازي بأن (تبدل حركة الجسم الواحد بالسكون وبالعكس، يقتضي كون أحدهما وجودياً، لأن رفع العدم ثبوت، فيكون الآخر وجودياً، لأن الحركة هي: الحصول في حيز مسبوقاً بالحصول في الآخر، والسكون هو: الحصول في حيز مسبوقاً بالحصول فيه، فاختلافهما إنما هو بالمسبوقية بالغير، وإنها وصف عرضي لا يمنع اتحاد الماهية، فيلزم كونهما وجوديين) .
(2/372)

قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين، أو تقابل العدم والملكة.
والبديهة حاكمة باختلاف الضدين في تمام الماهية، وكذا العدم والملكة، وايضاً المسبوقية وصف عرضي لما به الاشتراك، والوصف العرضي لما به الاشتراك يكون ذاتياً للماهية المركبة منهما) .
قلت: مضمون ذلك أن الرازي احتج بأن السكون من جنس الحركة، وإنما يختلفان في كون أحدهما مسبوقاً بالغير، وهذا اختلاف في وصف عرضي لا يمنع التماثل في الحقيقة، فمنعه الأرموي بمقدمتين، بل أبطل الأولى بأن المتقابلين تقابل الضدين - كالسواد والبياض، والحلاوة والمرارة، ونحو ذلك - هما مختلفان في الحقيقة، وكذا المتقابلان تقابل العدم والملكة - كالعمى والبصر، والحياة والموت، والعلم والجهل، ونحو ذلك - والحركة مع السكون: إما من هذا وإما من هذا، فكيف تجعل حقيقة أحدهما مماثلة لحقيقة الآخر، وأنهما لا يختلفان إلا بوصف عرضي؟
(2/373)

وإيضاح هذا: أن الحركة ليست من جنس الحصول المشترك بينها وبين السكون، فإن كون الشي في هذا الحيز وفي هذا الحيز معقول، مع قطع النظر عن كونه متحركاً، فإنه إذا قدر أنه سكن في الحيز الثاني كان هذا الحصول من جنس ذلك الحصول، وأما نفس حركته: فأمر زائد على مطلق الحصول المشترك، ومنع الثانية، وجعل سند منعه: أن قول القائل: (المسبوقية وصف عرضي) إن عنى أنها ليست ذاتية: فلا دليل على ذلك، وإن عنى أنه عرضية لما اشتركا فيه: فالعرض لما به الاشتراك قد يكون ذاتياً للحقيقة المركبة من المشترك والمميز، كالناطقية فإنها تعرض للحيوانية ليست ذاتية لها، ثم أنها ذاتية للإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية.
والرازي قد يمكنه أن يجيب عن هذا بأن كون هذا مسبوقاً بهذا إنما هو أمر إضافي، أي هو متأخر عنه، مثل هذا لا يكون من الصفات الذاتية، كالحركتين المتماثلتين الثانية مع الأولى، فإنهما إذا كانت متماثلتين لم يجز أن يجعل كون إحداهما مسبوقة بالغير دون الاخرى من الصفات الذاتية المفرقة بينهما.
ولقائل أن يقول: الحجة والاعتراض مبني على أن الصفات اللازمة للحقيقة تنقسم إلى ذاتي وعرضي، كما يقوله من يقوله من أهل المنطق، فإن تقسيم الصفات اللازمة للحقيقة إلى ما هو ذاتي داخل في الحقيقة، وما هو عرضي خارج عنها: قول لا يقوم عليه دليل، بل
(2/374)

الدليل يقوم على نقيضه، ولهذا لما لم يكن في نفس الأمر بينهما فرق لم يحدد المفرقون بينهما حداً بفصل بينهما، بل ما ذكروه من الضوابط منتقض، كما هو مبسوط في موضعه، وإذا كانت الصفتان متلازمتين في الوجود والعدم والثبوت والانتفاء، لا توجد هذه إلا مع هذه، وإذا انتفت هذه انتفت هذه: كان التفريق بجعل إحداهما مقومة والأخرى عرضية تحكماً.
ثم إذا قيل: الذات هي المركبة من الصفات الذاتية، والصفات الذاتية ما لا تتصور الذات إلا بها، لم تعرفه الذات إلا بالصفات الذاتية، ولا الصفات الذاتية إلا بالذات.
وأيضاً، فإن هذا مبني على أن وجود الشيء في الخارج زائد على حقيقته الموجودة في الخارج، وهو أيضاً قول باطل ضعيف.
وأيضاً، فالذات الموجودة في الخارج القائمة بنفسها كهذا والإنسان: إن قيل: (إنه مركب من عرضين) .
لزم كون الجوهر مركباً من عرضين، وإن يكونا سابقين له، وهذا ممتنع في البديهة، وإن قيل: (إنه ركب من جوهرين كل منهما يحمل عليه، كما يقال: هو حيوان ناطق) لزم أن يكون فيه جوهران، أحدهما: حيوان، والآخر: ناطق، وهذا مكابرة للحس والعقل، إذ هو حيوان واحد موصوف بأنه ناطق.
(2/375)

وإذا كان كذلك فكون الحصول الذي هو مسبوق بحصول آخر إذا كان ذلك لازماً له كان من الصفات اللازمة، وإذا افترق الشيئان في الصفات اللازمة لم يجب أن تكون حقيقة أحدهما مثل حقيقة الآخر.
فإن المتماثلين هما المشتركان فيما يجب ويجوز ويمتنع، فإذا وجب لأحدهما ما لا يجب للآخر لم يكن مثله.
وللأرموي أن يقول: قد تبين بطلان المقدمتين، سواء كان بطريقة المنطقيين، أو بطريقة سائر أهل النظر الذين أنكروا على المنطقيين ما ذكروه، كما أنكر سائر طوائف أهل النظر من المسلمين وغيرهم عليهم كثيراً مما ذكروه في الحدود وغيرها، كما هو معروف في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية وطوائف الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وليس المقصود هنا بسط ما يتعلق بهذا.
قال الرازي: (وإنما قلنا السكون لا يمتنع زواله، لأن الخصم يسلم جواز حركة كل جسم، ولأن المتحيز يجوز خروجه من حيزه، لأنه إن كان بسيطاً كانت طبائع جوانبه متساوية، فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر، وإن كان مركباً كان هذا لازماً لبسائطه، وخروجه
(2/376)

عن حيزه هو الحركة.
ولقائل أن يقول: هذا يقتضي إمكان كون نوع الجسم يقبل الحركة، فإذا قدر أن السكون وجودي وله موجب مستلزم له، كان امتناع الحركة لمعنى آخر يختص به الجسم المعين لم يوجد لغيره من الأجسام، فلا يلزم إذا قدر أنه موجود أزلي أنه يمكن زاواله، بل هذا جمع بين المتناقضين، فما قدر موجوداً أزلياً لا يمكن زواله بحال، ولا يمكن أن يجمع بين تقديرين متناقضين، وقبول كل جسم للحركة لا يحتاج إلى هذا.
فإذا قيل: (إن السكون عدم الحركة) أمكن مع كون السكون أزلياً من إثبات الحركة ما لا يمكن مع تقدير كونه وجودياً، وذلك أنه حينئذ لا تتوقف الحركة إلا على وجود مقتضيها وانتفاء مانعها، وليس هناك معنى وجودي أزلي يحتاج إلى زواله.
وقد أورد بعضهم على استدلاله على أن السكون أمر وجودي اعتراضاً بالغاً، فقال: هذا فيه نظر من جهة أن مقدمة الدليل مناقضة للمطلوب، لأن المطلوب كونهما وجوديين، ومقدمة الدليل أن أحدهما وجودي، ولا يمكن تقريره إلا بما سبق، وهو يقتضي أن يكون أحدهما عدمياً، فادعاء كونهما وجوديين بعد ذلك مناقض له.
(2/377)

قلت: وهذا كلام جيد، فإن الأمرين اللذين تبدل أحدهما بالأخر ورفعه: إن لزم أن يكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً لزم أن تكون الحركة والسكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً، وهو نقيض المطلوب، وإن جاز أن يكونا جميعاً وجوديين أو عدميين بطل الدليل - وهو قوله: لأن تبدل أحدهما بالآخر يقتضي أن يكون أحدهما وجودياً، لان المرفوع إن كان وجودياً وإلا فالرافع وجودي، لأن رفع العدم ثبوت - فإنه على هذا التقدير يمكن رفع العدم بالعدم، والوجود بالوجود.
وإن قيل: بل يجب أن يكونا وجوديين، أو يكون أحدهما وجودياً، ولا يجوز أن يكونا عدميين، لأن العدم لا يرتفع بالعدم كما يرتفع الوجود بالوجود والعدم بالوجود، أو بالعكس.
قيل: بل العدمان قد يتضادان كما قد يتلازمان، فكما أن عدم الشرط مستلزم لعدم المشروط، فعدم الأمور الواجب واحد منها ينافي عدمها كلها، فإذا كان الجنس لا يوجد إلا بوجود نوع له فصل امتنع مع وجود الجنس عدم جميع الأنواع والفصول، فكان عدم بعضها ينافي عدمها كلها.
وهذا كما يقال في التقسيم، وهو الشرطي المنفصل: قد يكون مانعاً من الجمع والخلو، كقول القائل: العدد إما شفع وإما وتر، وقد يكون مانعاً من الجمع فقط، كقول القائل: الجسم إما أسود وإما أبيض، وقد يكون مانعاً من الخلو فقط، فما كان مانعاً من الخلو فقط
(2/378)

أو من الجمع: امتنع اجتماع العدمين فيه، فكما أن الشفعية تنافي الوترية في العدد فعدم الشفعية ينافي عدم الوترية، لا ثبوتها، فلا يحصل العدمان معاً، بل إذا ثبت أحد العدمين لم يثبت العدم الآخر، فيكون الدعم رافعاً للعدم.
وأيضاً فمطلوب المستدل: أن تكون الحركة والسكون وجوديين، فإذا قال: (تبدل الحركة بالسكون يقتضي كون أحدهما وجودياً، لأن رفع العدم ثبوت) كان إثبات كونهما وجوديين موقوفاً على تقدير كون أحدهما عدمياً، لأنه قال (لأن رفع العدم ثبوت) فإن لم يكن أحدهما عدمياً لم يصح هذا، وإذا كان المرفوع عدمياً امتنع أن يكونا وجوديين، والمطلوب كونهما وجوديين، فصار المطلوب مناقضاً لمقدمة الدليل، كما ذكره المعترض.
لكنه قال: فالأولى أن يقال في تقريره: إن الحركة وجودية إجماعاً، ولأنه مبصر، فوجب أن يكون السكون أيضاً وجودياً بالتقرير الذي سبق.
ثم ذكر اعتراض الأرموي فقال: وأورد بينهما إما تقابل التضاد أو العدم والملكة، والبديهة حاكمة باختلاف ماهية المتضادين والمتقابلين.
قال: وأجيب بان التضاد بين الشيئين إذا كان عارضاً لهما كما بين الأسود والأبيض لم يلزم ذلك، وما نحن فيه كذلك، فإن التضاد عارض لهما بسبب المسبوقية بالغير، وهي عدمية، فلم يجز أن تكون
(2/379)

جزءاً ولأنه ليس جعل السكون عبارة عن دعم الحركة أولى من العكس، فإما أن يكونا عدميين وهو باطل وفاقاً، وفتعين أن يكونا وجوديين.
ولقائل أن يقول: التضاد بين الحركة والسكون من جنس التضاد بين الحياة والموت، والعلم والجهل، والقدرة والعجز، والسواد والبياض، والعمى والبصر، والحلاوة والحموضة، ونحو ذلك من الصفات الثبوتية، أو التي بعضها ثبوتي وبعضها عدمي، ليس هو من جنس تضاد القائمين بأنفسهما، كالأسود والأبيض، فإن التضاد إنما يكون في المعتقبين اللذين يعتقبان على محل واحد، كما قال متكلمة أهل الإثبات: الضدان كل معنيين يستحيل اجتماعهما في محل واحد لذاتيهما من جهة واحدة، فما لم يكن المعنيان قائمين بمحل واحد فلا تضاد، والحركة والسكون يعتقبان على المحل الواحد إما تعاقب اللونين والطعمين وإما تعاقب العلم والبصر والسمع وعدم ذلك، فكيف يكون أحدها مثل الآخر لا يفارقه إلا بصفة عرضية؟ وفي الجملة: فالحركة والسكون هما إن كانا وجوديين فهما عرضان، وإن كان أحدهما وجودياً فأحدهما عرض والآخر عدم العرض، وعلى التقديرين: فليسا قائمين بأنفسهما، فلا يجوز تشبيهما بالأجسام، كالأسود والأبيض، والطويل والقصير، والعالم والجاهل، بل يجب تشبيههما بالاعراض وعدم كالسواد والبياض والعلم وعدم العلم ونحو ذلك.
(2/380)

فقول الأرموي: (إن الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين، أو تقابل العدم والملكة.
وعلى التقديرين: يجب اختلاف ماهيتها لا تماثلهما) كلام صحيح، وقول المعارض له: إن الاختلاف إذا كان لعارض كما بين الأسود والأبيض: لم يجب اختلاف الماهيتين، فإن ماهية الأسود من جنس ماهية الأبيض: كلام باطل، لأن الأسود والأبيض من باب الأجسام القائمة بأنفسهما، لا من باب الصفات والأعراض.
وأيضاً، فالأسود والأبيض لا يتقابلان تقابل الضدين، ولا تقابل العدم والملكة فليس من هذا الباب، اللهم إلا إذا مريد بذلك: أن الحيز الذي فيه الأسود لا يكون فيه الأبيض، وحينئذ فيكون تضاد الأبيض والأسود كتضاد الأسودين والأبيضين.
وأيضاً، فيقال: اختلاف الأسود والأبيض يراد به اختلاف عينهما، مع قطع النظر عن السواد والبياض، أوبشرط السواد والبياض، فإن أريد الأول فلا اختلاف بين ذاتيهما مع قطع النظر عن اللونين، فإن الجسم الذي هو الأسود قد يكون نفس الجسم الذي هو الأبيض وإن أريد بالاختلاف اختلافهما بشرط اللون المختلف، فحينئذ يكون اختلافهما كاختلاف السواد والبياض، فإن الشيء المشروط بالسواد مخالف للشيء المشروط بالبياض.
ولا يجوز أن يقال: إن الذاتين متماثلين إلا مع التجريد
(2/381)

عن الاختلاف، وإلا فإذا أخذت الذاتين مشروطتين بالاختلاف لم يكونا متماثلتين التماثل الذي لا يشترط فيه الاختلاف، كيف والتماثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر؟ والشيء في حال سواده لا يجوز أن يكون أبيض، وهو في حال بياضه لا يكون أسود؟ فلا يكون الأسود حال كونه مشروطاً بالسواد يجوز عليه ما يجوز على الأبيض حال كونه مشروطاً بالبياض.
وقول القائل: (إن الإختلاف بين الحركة والسكون عارض بسبب المسبوقية بالغير) ليس بمسلم له، فإنه يعقل التضاد بينهما مع عدم خطور المسبوقية بالبال، كما يعقل التضاد بين العلم والجهل، والقدرة والعجز، والسواد والبياض.
وقول القائل: (ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة بأولى من العكس) دعوى مجردة، فلا نسلم انتفاء هذه الأولوية، بل هذه الدعوى بمنزلة قول القائل: ليس جعل العمى عدم البصر بأولى من العكس، وليس جعل الصمم عدم السمع بأولى من العكس، وليس جعل الجهل البسيط عدم العلم بأولى من العكس، وليس جعل المتقابلين عدماً والآخر وجوداً بأولى من العكس.
ومعلوم أن كل هذه دعاى مجردة بل باطلة، فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر وجودي، كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر أمر وجودي، وأما كون ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو
(2/382)

عدمها من محلها فهذا فيه نظر، ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول، وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظياً، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزماً لأمر وجودي، مثل الحياة مثلاً، فإن عدم حياة البدن مثلاً مستلزماً لأعراض وجودية.
والناس تنازعوا في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ ومن قال: (إنه وجودي) احتج بقوله تعالى: {خلق الموت والحياة} (الملك: 2) فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارىء يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ فالنزاع لفظي.
وكذلك تنازعوا في الظلمة: هل هي وجودية أو عدمية.
وهي عدم النور عما من شأنه قبوله، ومن قال: (إنها وجودية) يحتج بقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} (الأنعام: 1) والآخر يقول: كل ما يتجدد ويحدث من الأمور الوجودية والعدمية، فالله سبحانه جاعله، أو يقول: عدم النور مستلزم لأمور وجودية، هي الظلمة المجعولة، وكون السكون وجودياً أبعد من كون الموت والظلمة ونحو ذلك وجودياً، والسكون قد يراد به قوة في الجسم تمنع حركته، كالطبيعة التي في الحجر التي توجب استقراره في الأرض، وهذا أمر وجودي، لكن من قال (إن السكون عدمي) لم يجعل تلك الطبيعة هي السكون، بل قد يسمون ذلك اعتماداً، ويفرقون بين السكون والاعتماد، لكن قد
(2/383)

يقال له: فالجسم إذا كان ساكناً، فإما أن يكون السكون وجودياً أو مستلزماً لأمر وجودي، وحينئذ فالمقتضى لذلك الأمر الوجودي: إما موجب بنفسه، ويساق الدليل إلى آخره، لكن من قال: (إن الجسم الأول كان ساكناً في الأزل ثم تحرك) يقول في هذا ما يقوله القائلون بحدوث الأجسام، فإنهم إذا قالوا: (حدثت هي وحركتها من غير سبب يقتضي حدوثها) قال لهم هذا المنازع: بل كان ما قدر قديماً من الأجسام ساكناً، ثم حدثت حركته من غير سبب يقتضي حركتها، وهذا يقوله من يقول: إن الأول جسم، وإنه يتجدد له الفعل بعد أن لم يكن له فاعلاً، ويقول: الكلام في حدوث الفعل القائم به كالكلام في حدوث المفعول المنفصل عنه.
وذلك أن أهل الكلام والنظر من أهل القبلة وغيرهم تنازعوا في ثبوت جسم قديم:
فطائفة قالت: بامتناع جسم قديم، وحدوث كل جسم، وتنازعوا في المحدث للجسم، هل أحدث بعد أن لم يكن محدثاً بدون سبب حادث أصلاً، أم لا بد من سبب حادث؟ وهل تقوم به أمور حادثة كإرادة حادثة، وتصور حادث، بل وفعل حادث؟ على قولين لهم.
(2/384)

وطائفة قالت بثبوت جسم قديم: ثم هؤلاء منهم من قال: لم يزل فاعلاً متحركاً، ومنهم من قال: بل تجدد له الفعل والحركة، فإذا احتج الأولون على هؤلاء بأن الجسم لو كان أزلياً لم يخل من الحركة والسكون، والحركة لا تكون أزلية، لامتناع دوام الحوادث وتسلسلها، والسكون لايكون أزلياً لأنه وجودي، فلو كان أزلياً لامتنع زواله، لأن الوجودي الأزلي يمتنع زواله، لأن المقتضي له إما موجب بنفسه أو لازم للموجب بنفسه، ثم نقول: والسكون يجوز زواله فلا يكون أزلياً.
أجابوهم عن جواز الحوادث بأجبوتهم المعروفة كما تقدم التنبيه على ذلك، وأجابوهم على السكون الأزلي بأن قالوا: ما ذكرتموه يناقض ما ذكرتموه في حدوث الأجسام.
وذلك أنكم إذا قلتم بحدوثها فلا يخلو: إما أن تقولون بجواز تسلسل الحوادث، وإما أن لا تقولوا بجواز ذلك.
فإن قلتم بجواز تسلسل الحوادث وأن الأجسام حدثت بشرط حوادث متعاقبة، كما قال ذلك من قاله من القائلين بحدوث الأجسام، كالأرموي والأبهري وغيرهما.
قالوا لهم: فإذا جوزتم تسلسل الحوادث بطل دليلكم على امتناع التسلسل في الآثار، وأمكن حينئذ أن يكون الجسم القديم لم يزل متحركاً، فبطل دليلكم على حدوث الجسم.
وإن قلتم لا يجوز تسلسل الحوادث والآثار، وقلتم بحدوث
(2/385)

الأجسام من غير سبب حادث - لزم أن لا يكون حدوث الحادثات متوقفاً على سبب حادث، بل كان الفاعل المختار يحدث ما يحدث من غير سبب حادث أصلاً، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن وافقهم.
وحيئنذ فيقول لهم منازعوهم من الهشامية والكرامية وغيرهم: فيجوز حينئذ أن يكون الجسم القديم الازلي تحرك بعد أن كان ساكناً من غير سبب أوجب ذلك، بل بمحض المشيئة والقدرة، لأن القادر المختار يمكنه ترجيح احد طرفي الممكن بلا مرجح: يرجح السكون تارة والحركة أخرى.
فإن قالوا هم: نحن نقول: (يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً، فإذا قلتم السكون أمر وجودي جعلتموه فاعلاً في الأزل لأمر وجودي.
والفعل في الأزل محال) .
قالوا لهم: نحن ليس لنا غرض في أن نجعل السكون أمراً وجودياً، ولا أن نجعله فاعلاً في الأزل لأمر وجودي، بل اتفقنا نحن وأنتم على أنه يفعل ما لم يكن فاعلاً له من غير سبب حادث، لكن نزاعنا في الفعل: هل يقوم به؟ وفي الفاعل: هل هو جسم؟ فإذا طالبتمونا بسبب فعله للحركة بعد السكون، قلنا لكم: هذا بمنزلة فعله لكل محدث بعد أن لم يكن فاعلاً، والفرق إنما يعود إلى محل الفعل لا إلا سببه
(2/386)

ومقتضيه.
وتلك مسألة أخرى قد تكلم عليها في غير هذا الموضع وإلا فمن جهة المطالبة بسبب الفعل الحادث لا فرق بيننا وبينكم، بل قولنا أقرب إلى المعقول من قولكم، فإن أحداث الأمور المنفصلة بدون حدوث فعل يقوم بالفاعل أمر غير معقول، بخلاف العكس.
فإذا قالوا لهم: السكون أمر وجودي، فإذا كان أزلياً كان له موجب قديم، فيمتنع زواله.
قالوا لهم: حدوث ما يحدث إما أن يقف على سبب حادث، وإما أن لا يقف، فإن وقف على أمر حادث بطل قولكم بحدوث الأجسام، وإن لم يقف فقد يقال: فرق بين حدوث حادث يزيل أمراً وجودياً وحدوث حادث يزيل أمراً عدمياً، فإن لم يقف بطل قولكم بحدوث الاجسام، وإن وقف فلا فرق بين حدوث حادث يزيل أمراً وجودياً، أو حدوث حادث لايزيل أمراً وجودياً.
وذلك أنه إن جوز على الفاعل أن يحدث ما يحدث من غير تجدد أمر فقد تغير الأمر الذي لم يزل بلا سبب اقتضى التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته، وحيئنذ فيجوز أن يتغير السكون الذي لم يزل بدون سبب يقتضي التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته.
وإذا كان الفاعل القادر المختار قادر على أن يحدث ما يحدث ويجعل المعدوم موجوداً بدون سبب حادث أصلاً لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، كان قادراً على أن يجعل
(2/387)

الساكن متحركاً بدون سبب حادث أصلاً، لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا إحداث الاجسام التي تكون ساكنة ومتحركة أعظم من إحداث نفس حركاتها، فإذا أمكنه إحداثها بدون سبب حادث فإحداث حركاتها أمكن وأمكن.
ويقال لهم: لو خلق الباري تعالى جسماً ساكناً ثم أراد تحريكه بدون سبب حادث: أكان ذلك ممكناً أو ممتنعاً؟
فإن قلتم: (يمتنع ذلك) بطل مذهبكم ودليلكم.
وإن قلتم: (يمكن ذلك) قيل لكم: فالقول في زوال ذلك السكون كالقول في زوال غيره.
فإنه يقال: السكون أمر وجودي، وذلك السكون الوجودي لا بد له من سبب.
وحيئنذ فتجيء مسألة زوال الضد: هل هو بإحداث ضد آخر، أو بإحداث عدمه، أو بخلق فناء، أو نفس الاعراض لا تبقى؟ فيقال في هذا ما يقال في ذلك.
ومن قال: (السكون الوجودي لا يبقى زمانين بل ينقضي شيئاً فشيئاً) .
قيل له: فكذلك إذا قدر السكون قديماً فإنه لا يبقى زمانين، بل يحدث شيئاً فشيئاً، وحينئذ فكل جزء من أجزاء السكون ليس هو قديماً بنفسه، كما قلتم في كل جزء من أجزاء الحركة: ليس هو قديماً بنفسه.
فإذا كان القائلون بأن السكون أمر وجودي يقولون: إنه يتجدد شيئاً فشيئاً كما يقولون مثل ذلك في الحركة.
(2/388)

قيل لهم: فيكون دليلكم على امتناع كون الازلي ساكناً من جنس دليلكم على امتناع كونه متحركاً، وهو تناهي الحوادث، وقد تقدم الكلام فيه.
فإذا قالوا: (السكون أمر وجودي فإذا كان قديماً امتنع زواله، لأن ما وجب قدمه امتنع عدمه، لأن القديم إما أن يكون واجباً بنفسه أو من لوازم الواجب بنفسه) .
قيل لهم: هذا مثل أن يقال: عدم الفعل هو تركه، وترك الفعل أمر وجودي، فإذا كان قديماً امتنع عدمه، لأن ما وجب قدمه امتنع عدمه.
فإذا قالوا: (عدم الفعل ليس هو تركاً وجودياً) أمكن أن يقال: عدم الحركة ليس هو سكوناً وجودياً.
وقد ضعف الآمدي وغيره هذه الحجة: حجة الحركة والسكون، وهي فاسدة على أصول من يقول بان الأعراض لا تبقى زمانين من هذه الجهة، وهي في الأصل من حجج المعتزلة الذين يقولون بجواز بقاء الأعراض، لكن من ينازعهم من الهشامية والكرامية وغيرهم: ممن يقول بإثبات جسم قديم، وأنه قام به من الفعل ما لم يكن قائماً - سواء سموا ذلك حركة، كما يقر بعضهم بذلك، أو لم يسموه حركة كما يمتنع بعضهم من ذلك - فإن المقصود المعاني العقلية لا الإطلاقات اللفظية.
(2/389)

فإذا قال من قال من معتزلة البصرة: (إن إفناء الاجسام بإحداث فناء لا في محل، كما إن إحداثها بحدوث إرادة لا في محل) والتزموا حدوث عرض لا محل له، وحدوث الحوادث بلا سبب حادث، وأن من الحوادث ما يحدث بدون إرادة، وقالوا: لا يزوال الضد إلا بحدوث ضده.
قال لهم هؤلاء: فكذلك إذا قدرنا جسماً قديماً متحرك بعد أن كان ساكناً، كان زوال ذلك السكون بحدوث ضده من الحركة وحدوث ذلك بما به يحدث المنفصل، ومن قال: (العرض يعدم بإحداث إعدام) كما هو أحد القولين لمتكلمة أهل الإثبات من الأشعرية والكرامية وغيرهم، قالوا: ذلك السكون يعدم بإحداث إعدام والقول في سبب حدوث الإعدام كالقول في حدوث سبب الإحداث.
وإن قالوا: (إن السكون ينقضي شيئاً فشيئاً كما تنقضي الحركة شيئاً فشيئاً) كما قالوا مثل ذلك في سائر الأعراض - كما هو أحد قولي أهل الإثبات من الأشعرية وغيرهم - قالوا لهم: فالسكون إذن كالحركة، فكما أن الحركة متعاقبة الأجزاء فكذلك السكون.
ولا ريب أن هذه الأمور تلزم المستدلين بدليل الحركة والسكون لزوماً لا محيد عنه، وإنما التبس مثل هذا لأن الواحد من هؤلاء يبنى على المقدمة الصحيحة في موضع، ويلتزم ما يناقضها في موضع آخر، فيظهر
(2/390)

من تناقض أقوالهم ما يبين فسادها، لكن قد يكون ما أثبتوه في أحد الموضعين صحيحاً متفقاً عليه، فلا ينازعوهم الناس فيه ولا في مقدماته، وقد تكون المقدمات فيها ضعف، لكن لكون النتيجة صحيحة يتساهل الناس في تسليم مقدماتها.
وإنما يقع تحرير المقدمات والنزاع فيها إذا كانت النتيجة مورد نزاع.
والمسلمون متفقون على أن الله سبحانه وتعالى وصفاته اللازمة لذاته لايجوز عليها العدم، وقد اشتهر في اصطلاح المتكلمين تسميته بالقديم، بل غالب المعتزلة ومن سلك سبيلهم غالب ما يسمونه بالقديم، وإن كان من المعتزة وغيرهم من لايسميه بالقديم، وإن سماه بالأزلي، وأكثرهم يجعلون القدم أخص وصفه، كما أن الفلاسفة المتأخرين الإلهيين غالب ما يسمونه به (واجب الوجود) ، والمتقدمون منهم غالب ما يسمونه به (العلة الأولى) و (المبدأ الأول) .
فإذا قرر المقرر أن ما وجب قدمه امتنع عدمه كان من المعلوم أن الرب القديم الواجب الوجود يمتنع عدمه تعالى، وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره، حتى يقال: إنه يمتنع عدمه، والمتفلسفة القائلون بقدم الأفلاك يقولون: إنه يمتنع عدمها، فهذه المقدمة وإن كانت صحيحة في نفسها فلا يصلح أن يستدل بها من قال بما يناقضها أو بما يستلزم ما يناقضها، فإن نفس ما يستدل به عليها إذا ناقض قوله أمكن
(2/391)

معارضه أن يبطل حجته بالاعتراض المركب، لاسيما إذا اقتضى فساد قوله على التقديرين.
فمن كان من أصل قوله إن الفاعل المختار له أن يرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح أصلاً، بمجرد كونه قادراً، أو بمجرد إرادته القديمة، وقدر مع ذلك جسم قديم قادر مختار يقبل الحركة والسكون، كان تحركه بعد سكونه الدائم بمنزلة تحريكه لغيره، فإن أمكن تحركيه لغيره بمجرد كونه قادراً أو بمجرد إرادته أمكن ذلك في هذا الموضع، ولا يمتنع من ذلك إلا أن يقوم دليل على أن الجسم يمتنع قدمه، أو أن القديم يمتنع كونه يتحرك، لكن هؤلاء إذا لم يثبتوا حدوث الجسم أو امتناع تحريك القديم إلا بهذا الدليل لم يمكنهم أن يجعلوا من مقدمات الدليل حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم، بل إذا كان حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم موقوفاً على هذا الدليل كانوا قد صادروا على المطلوب، وجعلوا المطلوب حجة في إثبات نفسه، لكن غيروا العبارات، وداروا الدورات، وهم من موضعهم لم يتغيروا، فلهذا كان من وافقهم وفهم كلامهم حائراً لم يفده علماً، ومن لم يفهمه ووافقهم كان جاهلاً مقلداً لأقوام جهال ضلال يظهرون أنهم من أعلم الناس بأصول الدين والكلام والعقليات.
ثم إن الرازي ذكر من جهة المنازعين بأن هذه الوجوه الستة في امتناع كون الجسم أزلياً متحركاً - التي تقدمت، وتقدم اعتراض
(2/392)

الأرموي عليها - معارضة: (بأن امتناع الحركة في الأزل إن كان لذاتها وجب أن لا توجد أصلاً، وإن كان لغيرها فذلك المانع إن كان واجباً لذاته فكذلك، وإن كان واجباً لغيره عاد الكلام فيه وتسلسل، أو ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، ولزم امتناع زوال المانع.
فإن قلت: المانع هو مسمى الأزل، لأنه ينافي المسبوقية بالغير التي تقتضيها الحركة، وإنه زائل فيما لايزال.
قلت: الترديد المذكور عائد في مسمى الأزل أنه: هل هو واجب لذاته أو لغيره؟) .
وأجاب الرازي عن هذه المعارضة فقال: (قوله: صحة الحركة أزلية، قلنا: إنه لايلزم من أزلية الصحة صحة الأزلية) .
قلت: ولقائل أن يقول: ما تعني بقولك: صحة الحركة أزلية، أتعني به: أنه يصح وجود الحركة في الأزل؟ أم تعني به أنه في الأزل يصح الحكم عليها بالصحة فيما لا يزال؟ أما الأول:
(2/393)

فهو تسليم للمطلوب، وأما الثاني: فهو حكم علمي لا كلام فيه.
كالأحكام العقلية الذهنية فينا، فإنه يصح في الأزل الحكم بالامتناع على الممتنعات كما يصح الحكم بالجواز على الجائزات، ثم يقال: الحركة في الأزل إما ممتنعة الإمكان العام الذي يدخل فيه الواجب وإما ممكنة، فإن كانت ممتنعة فهو باطل كما تقدم، وإن كانت ممكنة كان الدليل على امتناعها باطلاً، فبطلت الوجوه الدالة على امتناع الحركة في الأزل.
ولم يرض أبو الحسن الآمدي هذا الجواب الذي ذكره الرازي، بل ذكر جواباً آخر، فقال: (وجوابه أن يقال: لا يلزم من امتناع الوجود الأزلي على الحركة لذاتها امتناع الوجود الذي ليس بأزلي، فإذاً ما هو ممتنع غير زائل، وهو الوجود الأزلي، وما هو الجائز لم يكن ممتنعاً) .
قلت: ولقائل أن يقول: هذا يستلزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب يوجب هذا الانقلاب بما لا ينضبط لا في الوجود ولا في العقل، فإن الإمكان الذاتي ثابت بالضرورة والاتفاق، وما من وقت يقدر فيه الإمكان إلا والإمكان ثابت قبله، لا إلى غاية، فليس للإمكان ابتداء محدود.
يبين ذلك: أنه قد يقال: صحة الحركة إو إمكان الحركة أو جواز
(2/394)

الحركة، وصحة الفعل أو جواز أو إمكان الفعل إما أن يكون به ابتداء وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له ابتداء لزم أنها لم تزل جائزة ممكنة، فلا تكون ممتنعة، فتكون جائزة في الأزل.
وإن كان لجوازها ابتداء فمعلوم أنه ما من وقت يقدره الذهن إلا والجواز ثابت قبله، فكل ما يقدر فيه الجواز فالجواز ثابت قبله لا إلى غاية، فعلم أنه ليس للجواز بداية، فيكون جواز ثبوت الحركات دائماً لا ابتداء له، ويلزم من ثبوت الجواز عدم الامتناع.
وإذا قال القائل: إن مسمى الحركة ممتنع في الأزل، قيل: معنى هذا الكلام أن مسمى الحركة يمتنع أن يكون قبله حركة أخرى لا إلى أول، وزوال الأزل ليس موقوفاً على تجدد أمر من الأمور، فإن المتجدد هو من الحوادث، فتكون الحركة ممتنعة، ثم صارت ممكنة من غير تجدد أمر من الأمور.
فإن قيل: المتجدد هو عدم الأزل أو انقضاء الأزل أو نحو ذلك.
قيل: عدم الأزل ليس شيئاً كان موجوداً فعدم ولا معدوماً فوجد، إذ معنى الأزل في الماضي كمعنى الأبد في المستقبل، فما ليس بأزلي فهو متجدد حادث، فإذا قيل (يشترط في جواز المتجدد الحادث تجدد المتجدد الحادث) كان المعنى أنه يشترط في إمكان الشيء ثبوته، ومن المعلوم أن ثبوته كاف في إمكانه.
(2/395)

يوضح هذا: أن القائل إذا قال: كل ما يسمى متجدداً حادثاً إما أن يكون ممكناً في الأزل وإما أن لا يكون، فإن كان ممكناً بطل القول بامتناعه في الأزل، وإن كان ممتنعاً ثم صار ممكناً لزم انقلاب الشيء من كونه ممكناً إلى كونه ممتنعاً من غير تجدد شيء أصلاً، وإذا كان القول بحدوث الحوادث بلا سبب ممتنعاً لاستلزامه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، فالقول بتجدد الإمكان والجواز أو حدوث الإمكان والجواز بلا سبب حادث أولى بالامتناع، إذا كانت الحقيقة المحكوم عليها بالجواز والإمتناع هي هي بالنسبة إلى كل ما يقدر في كل وقت وقت، وإذا كانت نسبة الحقيقة إلى كل ما يقدر من الأوقات كنسبتها إلى الوقت الآخر امتنع اختصاص أحد الوقتين بجواز الحقيقة فيه دون الوقت الآخر، وإذا امتنع الاختصاص إلا بمخصص، ولا مخصص، لزم: إما الامتناع في جميع الأوقات، وهو باطل بالحس والإجماع، فلزم الإمكان والجواز في جميع الأوقات وهو المطلوب.
وعلى هذا التقدير: فيمكن أن ينظم ما ذكروه من المعارضة بعبارة لا يرد عليها ما ذكر بأن يقال: إن قيل إن الحركة لم تزل ممكنة
(2/396)

ثبت المطلوب، وإن قيل إنها كانت ممتنعة ثم صارت ممكنة فالامتناع إما لذاتها وإما لموجب واجب بذاته، وعلى التقديرين فيلزم دوام الامتناع، وإن كان لا لذاتها ولا لموجب بذاته فلا بد أن يكون الامتناع لأمر واجب بغيره، وحيئنذ فالكلام في ذلك المانع في غيره، ويلزم التسلسل، ثم يقال: تسلسل الموانع إن كان ممكناً ثبت جواز التسلسل، وأمكن القول بتسلسل الحوادث، وإن كان تسلسل الموانع ممتنعاً بطل كون الامتناع متسلسلاً، وقد بطل كونه واجباً بنفسه أو بغيره، فلا يكون الامتناع ثابتاً في الأزل، فيثبت نقيضه، وهو الإمكان.
وإيضاح ذلك بعبارة أخرى أن يقال: مسمى الحركة إما أن يكون ممتنعاً في الأزل، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممتنعاً في الأزل ثبت إمكانه، فيكون مسمى الحركة ممكناً في الأزل، وإن كان ممتنعاً في الأزل فامتناع إما لنفسه، وإما لموجب واجب بنفسه، أو لازم للواجب، وحينئذ فلا يزول الامتناع، وإن كان لمعنى متسلسل لزم جواز التسلسل، وهو يستلزم بطلان الأصل الذي بنى عليه امتناع تسلسل الحوادث.
وسر هذا الدليل: أن الأزل ليس هو شيئاً معيناً محدوداً، ولكن ما من وقت يقدر إلا وقبله شيء آخر، وهلم جراً.
وهذا هو التسلسل، فيلزم من تحقق الأزل التسلسل.
(2/397)

لكن قد يقال: تسلسل العدميات ليس كتسلسل الوجوديات، بل تسلسل العدميات ممكن، بخلاف تسلسل الوجوديات، ويكون حدوث حدوث الحوادث موقوفاً علىتسلسل العدميات، فيقال: إن لم يكن تسلسل العدميات أمراً محققاً فلا حقيقة له، فيكون إمكان حدوث الحوادث موقوفاً على ما لا حقيقة له.
وهذا باطل، وإن كان تسلسلها أمراً محققاً فقد ثبت أن تسلسل الأمور المحققة جائز، وأنه أزلي، مع أن كل واحد من تلك التسلسلات ليس بأزلي، وهذا ينقض ما ذكروه في امتناع تسلسل الحوادث، فهم بين أمرين: إما أن يقولون بالترجيح بلا مرجح، وإما أن يقولون بجواز التسلسل، وهذا بعينها هو الذي يلزمهم في قولهم: إنه لا بد للحوادث من ابتداء، فكما أنهم في هذا يلزمهم إما الترجيح بلا مرجح وإما التسلسل، فكذلك في قولهم (إنه لا بد لإمكانها من ابتداء) يلزمهم إما هذا وإما هذا، والقول بالترجيح بلا مرجح تام ممتنع، وهم متفقون على أن الترجيح بلا فاعل مرجح ممتنع، لكن لا يشترطون تمام ما به يكون مرجحاً، بل يقولون: يحصل الترجيح التام من غير حصول الرجحان، ويحصل الرجحان بدون المرجح التام، بناء على أن القادر يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح، إذ أن الإرادة القديمة ترجح أحد المثلين بلا مرجح والقول بجواز التسلسل
(2/398)

يبطل القول بامتناع التسلسل.
فثبت بطلان قولهم على التقديرين.
(2/399)