Advertisement

درء تعارض العقل والنقل 006

الوجه الثالث والأربعون
أن يقال: المعارضون للكتاب والسنة بآرائهم لا يمكنهم أن يقولوا: إن كل واحد من الدليلين المتعارضين هو يقيني، وقد تناقضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فإن هذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقوله، ولكن نهاية ما يقولونه: إن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وإن ما ناقضها من الأدلة السمعية الشرعية ويثبتونه لما ناقضها من أدلتهم المبتدعة، التي يدعون أنها براهين قطعية.
ولهذا كان لازم قولهم والإلحاد والنفاق، والإعراض عما جاء به الرسول، والإقبال على ما يناقض ذلك، كالذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من مجادلي الرسل كما قال: {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: 5] .
(6/3)

وقوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: 4] .
وقوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112-113] .
، وأمثال ذلك، وهذا باب واسع في كتاب الله.
ومقصودنا تنبيه المؤمنين على حال مثل هؤلاء الكفار في كتاب الله، وإلا فالمقصود هنا دفعهم عن الرسل.
ومن جاهد الكفار والمنافقين لم يحتج عليهم بأقوال من كذبوه من المرسلين، ولكن المؤمن بالرسل يستفيد بهذا: أن جنس هؤلاء هم المكذبون للرسل.
وأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك:
الأول: أن نبين فساد ما ادعوه معارضاً للرسول صلى الله عليه وسلم من عقلياتهم.
الثاني: أن نبين أن ما جاء به الرسول معلوم بالضرورة من دينه، أو معلوم بالأدلة اليقينية وحينئذ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، وهذا ينتفع به كل من آمن بالرسول.
(6/4)

الثالث: أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا يناقضه، إما بأن ذلك معلوم بضرورة العقل، وإما بأنه معلوم بنظره، وهذا أقطع لحجة المنازع مطلقاً، سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول، وبأنه أخبر بذلك، أو لم يكن كذلك، فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس الإيمان بالرسالة، وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا.
وهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم والذين قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها، فإن النصوص التي في الكتاب والسنة بإثبات علو الله على خلقه كثيرة منتشرة، قد بهرتهم بكثرتها وقوتها، ولي سمعهم في نفي ذلك لا آية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قول أحد من سلف الأمة، إلا أن يرووا في ذلك ما يعلم أنه كذب، كحديث عوسجة وأمثاله، وإما أن يحتجوا بما يعلم أنه لا دلالة له على مطلوبهم، كاستدلالهم بأنه أحد، والأحد لا يكون فوق العرش،
(6/5)

لأنه لو كان فوق العرش.
لم يكن أحداً بناءً على أن ما فوق العرش يكون جسماً، والجسم منقسم فلا يكون أحداً والأجسام متماثلة، فيكون له كفو ونظير.
وقد بين فساد مثل هذه الأدلة السمعية بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع، وبينا أن اسم الواحد والأحد لا يقع في لغة العرب إلا على نقيض مطلوبهم، كقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] .
وقوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا} [المدثر: 11] ، وقوله: {وإن كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] ، وقوله: {يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} [البقرة: 266] ، وقوله: {فابعثوا أحدكم بورقكم} [الكهف: 19] ، وقوله: {ولا يشعرن بكم أحدا} [الكهف: 19] ، وقوله: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} [البقرة: 185] ، وقوله: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] ، وقوله: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} [البقرة: 96] ، وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] ، وقوله:
(6/6)

{قل إني لن يجيرني من الله أحد} [الجن: 22] ، وقوله: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] ، وأمثال ذلك كثير وأن لفظ المثل والمساوي منتفيان في لغة العرب عما ادعوا هم تماثلهما وتساويهما.
كقوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] ، فقد نفى التماثل عن صنفين من بنى آدم، فنفي التماثل عن الحيوان والإنسان والفلك، والتراب أولى.
فعلم أنه ليست في لغة العرب أن يكون كل ما كان متحيزاً مماثلاً لكل ما هو متحيز، وإن ادعى بعض المتكلمين تماثل ذلك عقلاً، فالمقصود أن هذا ليس مثلاً في اللغة.
والقرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم، لو كان معناه صحيحاً، فكيف إذا كان باطلاً في العقل.
وقوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} [فاطر: 19] ، {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} [فاطر: 22] ، وقوله: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] .
(6/7)

وعقلاؤهم يعلمون فساد ما يستدلون به من الأدلة الشرعية.
وكلهم يعترف بأن مثل هذه الأدلة لا تعارض ما في القرآن من إثبات العلو والفوقية ونحو ذلك.
ولهذا لم يكن معهم على نفي ذلك أصل يعتصمون منه من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات، فيحتاجون إلى بيان تقديم ذلك على الأدلة الشرعية.
وإذا كان كذلك، فنحن نبين أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية، لا معارضة لها، ونذكر ما ذكروه هم في ذلك ليكون أبلغ في الحجة.

كلام الرازي عن الجهة والمكان
قالوا: وهذا لباب ما ذكره الرازي في (الأربعين) قال: (إنه تعالى ليس من جهة ولا مكان) قال: (وادعى كثير من المخالفين العلم البديهي بأن موجودين لا بد من كون أحدهما سارياً في الآخر كالعرض والجوهر.
أو مبايناً عنه في الجهة كالجوهرين) .
(6/8)

قال: وهذا باطل لوجوه.
أحدهما: لو كان بديهياً لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة والكرامية.
الثاني: أن مسمى الإنسان مشترك بين الأشخاص ذوات الأحياز المختلفة والمقادير المختلفة، فهو من حيث هو ممتنع أن يكون له قدر معين وحيز معين، وإلا لم يكن مشتركاً فيه بين كل الأشخاص.
فإن قلت: فالإنسان من حيث هو إنسان لا وجود له إلا في العقل، والكلام في الموجودات الخارجية.
قلت: الغرض: منه أنه لا يمتنع تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدراً، وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية.
الثالث: أن الخيال والوهم لا يمكننا أن نستحضر لنفسيهما
(6/9)

صورة ولا شكلاً، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى.
الرابع: أن العقل يتصور النفي والإثبات، ثم يحكم بتناقضهما، مع أنه لا يحكم بكون أحدهما سارياً على الآخر، أو مبايناً عنه في الجهة أو لا سارياً ولا مبايناً.
ثم أنا نجد العقل يتوقف عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته أو ينفيه، وأن العقل يدرك ماهيات مراتب الأعداد مع أنه لا يمكنه أن يحكم على أحد منها بأن موضوعها كذا ومقدارها كذا.
إذا عرفت ذلك فنقول: المعني من اختصاص الشيء بالجهة والمكان: أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك.
والعالم مختص بالجهة والمكان بهذا المعنى، فإن الباري كذلك كان مماساً للعالم أو محاذياً له قطعاً.
ثم قالت الكرامية: إنه تعالى مختص بجهة فوق، مماساً للعرش، أو مبايناً عنه ببعد متناه، وهو قول اكثر طوائفهم، وإما مبايناً عنه ببعد غير متناه، وهو قول الهيصمية، وهذا لا يعقل مع إثبات الجهة،
(6/10)

لأنه إذا كان في جانب والعالم في جانب، كان البعد بينهما محصوراً.
فهذا ما ذكروه.

تعليق ابن تيمية
فيقال: قد ذكرتم عمن ذكرتموه من منازعيكم أنهم ادعوا العلم البديهي ببطلان قولكم وصحة نقيضه، حيث جوزتم وجود موجود لا يشار إليه بأنه هنا أو هناك، وأنه يجوز وجود موجودين ليس أحدهما سارياً في الآخر ولا مبايناً عنه بالجهة.
فقال هؤلاء المنازعون: نحن نعلم بالبديهة بطلان هذا، فاحتجتم إلى مقامين.
أحدهما: أن تبينوا أن بطلان هذا ليس معلوماً بالبديهة، وإلا فإذا كان بطلان القول معلوماً بالبديهة، لم يمكن إقامة الدليل على صحته، لأن النظريات لا تعارض الضروريات، بل ما عارضها كان من باب السفسطة.
والمقام الثاني: بيان ثبوت ذلك، فإنه لا يلزم من عدم العلم بامتناعه أو العلم بإمكانه ثبوت ذلك في الخارج.
وإذا ثبت هذان المقامان لكم، فإما أن يمكن مع ذلك القول بمقتضى النصوص من أن الله فوق العرش أو لا يمكن، فإن أمكن ذلك لم يكن بين ما ذكرتموه من المعقولات وبين النصوص الإلهية تعارض، وإن لم يمكن ذلك ثبت التعارض بينهما، فقد تبين أن ثبوت التعارض
(6/11)

مبني على هذه المقدمات الثلاث، فإن لم تثبت الثلاث بطل كلامكم، فكيف إذا تبين بطلان واحدة منها، فكيف إذا تبين بطلانها كلها.
وبيان ذلك في كل مقام.

المقام الأول
أما المقام الأول: فإن المثبتين قالوا: إنهم يعلمون بالبديهة امتناع وجود موجودين لا يكون أحدهما سارياً في الآخر ولا مبايناً له بالجهة، وانه لا يمكن وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه، بل قد يقولون: إن علمتم بأن الله فوق العالم علم ضروري فطري، وأن الخلق كلهم إذا حزبهم شدة أو حاجة في أمر وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه ويسألونه، وأن هذا أمر متفق عليه بين الأمم التي لم تغير فطرتها، لم يحصل بينهم بتواطئ واتفاق.
ولهذا يوجد هذا في فطرة الأعراب والعجائز والصبيان، من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، ومن لم يقرأ كتاباً ولم يتلق مثل هذا عن معلم ولا أستاذ.
وهذا القدر ما زال يذكره المصنفون في هذا الباب، من أهل الكلام والحديث وغيرهم.
قالوا: وإذا كان مما يجيز هؤلاء الذين لم يتواطئوا بثبوته عندهم كانوا صادقين، فإنه يمتنع على الجمع الكثير الكذب من غير تواطئ وبمثل هذا علم ثبوت ما يخبر به أهل التواتر مما يعلم بالحس والضرورة، فإن المخبر إذا لم يكن خبره مطابقاً فإما أن يكون متعمداً للكذب، وإما أن يكون مخطئاً، وتعمد الكذب يمتنع في العادة على الجمع الكثير من غير تواطئ والخطأ على الجمع الكثير ممتنع في
(6/12)

الأمور الحسية والضرورية.
قالوا: وهذا بخلاف إثبات موجودين ليس أحدهما داخلاً في الآخر، ولا خارجاً عنه، فإن هذا لا تقوله إلا طائفة يذكرون أنهم علموا ذلك بالنظر لا بالضرورة، وقد تلقاه بعضهم عن بعض، فهو قول تواطئوا عليه، ولهذا لا يقول ذلك من لم ينظر في كلام النفاة.
وإما الإقرار بعلو الله تعالى: ورفع الأيدي إليه، فهو مما اتفقت عليه الأمم، الذين يقولون ذلك ويفعلونه، من غير اتفاق ولا مواطأة.
وحينئذ فالجمع الكثير: إما أن يجوز عليهم الاتفاق على مخالفة البديهيات، وإما أن لا يجوز، فإن لم يجز ذلك عليهم، ثبت أن هذه المقدمة بديهة، لأنه اتفق عليها أمم كثيرة بدون التواطؤ، وإن جاز ذلك عليهم بطل احتجاجهم على أن هذه المقدمة ليست بديهية، فإن الجمع الكثير أنكروها، وإذا بطلت حجتهم على أنها ليست بديهية، بقي أحد المتناظرين يقول: إن مقدمته معلومه له بالبديهة، والآخر لا يمكنه إبطال قوله، فلا تكون له حجة عقلية على بطلان قوله، وهو المطلوب.
فكيف والنفاة لا يدعون بديهيات فطرية ولا سمعيات شرعية
(6/13)

وإنما يدعون نظريات عقلية.
والمثبتون يقولون: معنا نظريات عقلية مع البديهيات الفطرية ومع السمعيات اليقينية الشرعية النبوية.
وأيضاً فيقال: إذا قال المنازعون المثبتون: إن قولنا معلوم بالبديهة، لم يمكن أن يناظر بقضية نظرية، لأنه لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات، كما لا يقبل قدح السوفسطائي بنظره فيما يقول الناس إنه معلوم بالبديهة، ولا يقبل مجرد قوله على منازعه، بل المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر السليمة، التي لم تتغير فطرتهم بالاعتقادات الموروثة والأهواء.
ومن المعلوم أن هذه المقدمة مستقرة في فطر جميع الناس، الذين لم يحصل لهم ما يغير فطرتهم من ظن أو هوى.
والنفاة لا ينازعون في أن هذا ثابت الفطرة، لكن يزعمون أن هذا من حكم الوهم والخيال، وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات.
قالوا: ويتبين خطأ الوهم والخيال في ذلك بأن يسلم للعقل مقدمات تستلزم نقيض حكمه، مثل أن يسلم للعقل مقدمات تستلزم ثبوت موجود ليس بجسم ولا في جهة فيعلم حينئذ أن حكمه الأول باطل.
والمثبتون يقولون: هذا كلام باطل لوجوه:
(6/14)

أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهيان، أحدهما مقبول والآخر مردود، كان هذا قدحاً في مبادئ العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهية.
الثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بين النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهية، وكلاهما باطل، فإنا إذا جوزنا أن يكون في البديهيات ما هو باطل، لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو صحيح من البديهيات الأولى، وما هو كاذب مقبول التمييز، حتى يعلم أنها من القسم الصحيح، وذلك لا يعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة، وتلك لا يعلم أنها من البديهيات الصحيحة إلا بأخرى فيفضي إلى التسلسل الباطل، أو ينتهي الأمر إلى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز، فلا يبقى طريق يعلم به الحق من الباطل، وذلك يقدح في التمييز، والنظريات موقوفة على البديهيات، فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة.
وبتقدير ثبوت السفسطة، لا تكون لنا عقليات يثبت بها شيء فضلاً عن أن تعارض الشرعيات.
(6/15)

الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه، ممنوع.
الرابع: أنه بتقدير التسليم بكون المقدمة جدلية، فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع العقل بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهة الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليم الوهم إنما يجعل القضية جدلية، لا برهانية، وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية.
الخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي ما لا يمكن الإشارة الحسية إليه، وهذا أول المسألة، فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك.
فإذا قيل لهم: حكم الوهم والخيال مقبول في الحسيات دون العقليات.
والمراد بالعقليات موجودات خارجة قائمة بأنفسها لا يمكن الإشارة الحسية إليها.
قالوا: إبطال لحكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال، موقوف على ثبوت هذه العقليات، وثبوتها موقوف على إبطال هذا
(6/16)

الحكم، وإذا لم يثبت هذا إلا بعد هذا، ولا هذا بعد هذا، كان هذا من الدور الممتنع.
السادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم القلب من العلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، موجودات خارجة لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود، فالنزاع في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهية.
السابع: أن يقال: الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقاً وما كان مخالفاً، فأما المطابق، مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه، وتوهم الشاة أن الذئب يريد أكلها، وتخيل الإنسان لصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه، ونحو ذلك، فهذا الوهم والخيال حق، وقضاياه صادقة، وأما غير المطابق: فمثل أن يتخيل الإنسان أن في الخارج ما لا وجود له في الخارج، وتوهمه ذلك مثل من يتوهم فيمن يحبه أنه يبغضه، ومثل ما يتوهم الإنسان أن الناس يحبونه ويعظمونه، والأمر بالعكس، والله لا يحب كل مختال فخور، فالمختال الذي يتخيل في نفسه أنه عظيم، فيعتقد في نفسه أكثر مما يستحقه، وأمثال ذلك.
قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فلم قلتم: إن حكم الفطرة بأن الموجودين إما متباينان وإما متحايثان من حكم الوهم والخيال الباطل، ونحن نقول: إنه من حكم الوهم والخيال المطابق.
(6/17)

فإذا قلتم: إن العقل دل على أنه باطل، كان الشأن في المقدمات التي ينبني عليها ذلك، وتلك المقدمات أضعف في الفطرة من هذه المقدمات، فكيف يدفع الأقوى بالأضعف.
الثامن: أن المثبتين قالوا: بل المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي من الوهم والخيال الباطل، مثل إثبات الكليات في الخارج، وتصور النفي والإثبات المطلقين ثابتين في الخارج، وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج، فإن هذه المتصورات كلها لا تكون إلا في الذهن، ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له، وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع القضايا البديهية.
التاسع: أن يقال: لا نسلم أن في الفطرة قضايا تستلزم نتائج تناقض ما حكمت به أو لا كما يدعونه، فإن هذا مبني على أن المقدمات المستلزمة ما يناقض الحكم الأول مقدمات صحيحة، وليس الأمر كذلك، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، فإن هذه المقدمات هي النافية لعلو الله على خلقه ومباينته لعباده، والمقدمات المستلزمة لهذا ليست مسلمة، فضلاً عن أن تكون بديهية.
الوجه العاشر: أن الذين جعلوا هذه القضايا من حكم الوهم الباطل هم طائفة من نفاة الصفات الجهمية، من المتكلمين والمتفلسفة، ومن تلقى ذلك عنهم، وهذا معروف في كتب ابن سينا ومن اتبعه من أهل المنطق.
(6/18)

وكثير من أهل المنطق، كابن رشد الحفيد وغيره، يخاف ابن سينا فيما ذكره في هذا الباب من الإلهيات والمنطقيات، ويذكر أن مذهب الفلاسفة المتقدمين بخلاف ما ذكروه، وأما الأساطين قبله فالنقل عنهم مشهور بخلافهم في هذا الباب.

كلام ابن سينا في الإشارات عن الخيال والوهميات
والمقصود أن هذا الكلام عامة من تكلم به من المتأخرين أخذوا من ابن سينا.
ومن تدبر كلامه وكلام أتباعه فيه وجده في غاية التناقض والفساد، فإنه قال في (إشارته) التي هي كالمصحف لهؤلاء المتفلسفة الملحدة - لما ذكر مواد القياس، وتكلم عن القضايا من جهة ما يصدق بها وذكر أن: أصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم أربعة: مسلمات، ومظنونات وما معها.
ومشتبهات بغيرها، ومتخيلات.
قلت: المتخيلات هي مواد القياس الشعري، والمشتبهات هي مواد السوفسطائي، وما قبل ذلك هو مواد البرهان والخطابي والجدلي.
قال: والمسلمات: إما معتقدات، وإما مأخوذات.
والمعتقدات أصنافها ثلاثة: الواجب قبولها، والمشهورات
(6/19)

والوهميات.
والواجب قبولها: أوليات، ومشاهدات، ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا أقيستها معها.
وتكلم عن القضايا الواجب قبولها بما ليس هذه موضعه، وقد بسط الكلام فيما في منطقهم اليوناني من الفساد - مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات اللازمة للماهية، ودعواهم أن الحد الحقيقي يفيد تعريف الماهية، وأن الحقائق مركبة من الأجناس والفصول، وكلامهم في الكليات الخمسة، وما ذكروه في مواد البرهان، ودعواهم أن التصورات المكتسبة لا تنال إلا بحدهم، والتصديقات المكتسبة لا تحصل إلا بمثل قياسهم، وغير ذلك مما ليس هذا موضعه.
والمقصود هنا أنه قال: (وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة، إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة، لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها، بسبب أن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم، ومن المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات، ولم تكن محسوسة، ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك
(6/20)

الوجود في الوهم، ولهذا كان الوهم مساعداً للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم، وامتنع عن قبول ما سلم موجبه.
وهذا الصنف من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها، وهي إحكام للنفس في أمور متقدمة على المحسوسات، أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها، وعلى نحو ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات، مثل اعتقاد المعتمد أنه لا بد من خلاء ينتهي إليه الملاء إذا تناهى، وانه لا بد في كل موجود أن يكون مشاراً إلى جهة وجوده.
وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها، لكانت تكون مشهورة، وإنما يثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية، ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك، لشدة استيلاء الوهم على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات
(6/21)

فهو مدفوع منكر، بل إنه باطل شنع، بل تكاد أن تكون الأوليات والوهميات التي لا تزاحم من غيرها مشهورة ولا تنعكس) .
قلت: وقد ذكر في غير هذا الموضع شرح أقوى الدراكة، وذكر القوى التي تتخيل بها المحسوسات والتي تحفظ بها، وسمى الأولى على اصطلاحهم (الحس المشترك) والثانية (الخيال) .
قال: وأيضاً فالحيوانات - ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة، ولا متأدية من طريق الحواس، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس، وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس: إدراكاً جزئياً يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده، فعندك قوة هذا شأنها، وأيضاً فعندك وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها، غير الحافظ للصور) وهذه هي الذاكرة.
(6/22)

قال: (وتجد قوة أخرى لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس والمعاني المدركة بالوهم، وتركب أيضاً الصور بالمعاني وتفصلها عنها، وتسمى عند استعمال العقل مفكرة، وعند استعمال الوهم متخيلة، وكأنها قوة ما للوهم، وبتوسط الوهم للعقل) .
قلت: والمقصود أن يعرف اصطلاحهم ومرادهم بلفظ الخيال والوهم ونحو ذلك، وأن الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن، والوهم تصور المعاني التي ليست محسوسة في تلك الأعيان، كلاهما تصور معين جزئي، والعقل هو الحكم العام الكلي، الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين.
وإذا عرف ذلك فيقال: هذه القوة في الباطن بمنزلة القوة الحسية في الظاهر، والقدح فيها كالقدح في الحسيات، وهذه القوة لا يجوز أن يناقض تصورها للمعقول، كما لا يناقض سائر القوى الحسية
(6/23)

للمعقول، لأن المعقولات أمور كلية تتناول هذا المعين وهذا المعين، سواء كان جوهراً قائماً بنفسه، أو معنى في الجوهر والحس الباطن والظاهر، لا يتصور إلا أموراً معينة فلا منافاة بينهما، فالحس الظاهر يدرك الأعيان المشاهدة وما قام بها من المعاني الظاهرة كالألوان والحركات، والذي سموه الوهم جعلوه يدرك ما في المحسوسات من المعاني التي لا تدرك بالحس الظاهر، كالصداقة والعداوة ونحو ذلك، والتخيل هو بمثل تلك المحسوسات في الباطن، ولهذا جعلوا الإدراكات ثلاثة: الحس والتخيل والعقل.
قال ابن سينا: (والشيء يكون محسوساً عندما يشاهد، ثم يكون متخيلاً عند غيبته بتمثل صورته في الباطن، كزيد الذي أبصرته مثلاً، إذا غاب عنك فتخيلته، وقد يكون معقولاً عندما يتصور من زيد مثلاً معنى الإنسان الموجود أيضاً لغيره.
وهو عندما يكون محسوساً تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته، مثل: أين، ووضع وكيف، ومقدار بعينه، لو
(6/24)

توهمت بدله غيره لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانيته.
والحس ينال من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها، لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته، ولذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته إذا زال.
وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض، لا يقتدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي يتعلق بها الحس، فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها.
وأما العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتاً إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملاً جعله معقولاً.
وأما ما هو في ذاته بريء عن الشوائب المادية، ومن اللواحق
(6/25)

الغريبة، التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته، فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل به، يعده لأن العقل ما من شانه أن يعقله، بل لعله في جانب ما من شانه أن يعقله) .
قلت: هذا الكلام هو من أصول أقوالهم، ومنه وقعوا في الاشتباه والالتباس، حتى صاروا في ضلال عظيم.

الرد المفصل على كلام ابن سينا
فإنه يقال: قوله: (وقد يكون معقولاً عندما يتصور من زيد مثلاً معنى الإنسان الموجود أيضاً لغيره) .
أتعني به أن ذلك الإنسان المعقول الذي يكون لهذا وهذا، وهو شيء ثابت في الخارج، هو بعينه لهذا المعين، ولهذا المعين، مغاير للإنسان المعين، ولصفاته القائمة به؟ أم تعني به الإنسان المعقول الكلي الثابت في العقل، الذي يتناول المعينات تناول اللفظ العام لمفرداته؟
فإن أردت الأول فهذا باطل لا حقيقة له، ونحن نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من الإنسان المعين الآخر، بل كل
(6/26)

منهما مختص بذاته وصفاته، ولم يشتركا في شيء ثابت في الخارج أصلاً، ولهذا يكون أحدهما موجوداً مع عدم الآخر وبالعكس، ويموت أحدهما مع حياة الآخر وبالعكس، ويتألم أحدهما مع لذة الآخر وبالعكس.

كلام الرازي في شرح الإشارات
ولهذا قال الشارحون لكلامه كالرازي: (إن الشخص المعين إما أن يدرك بحيث يمنع نفس إدراكه من الشركة، وإما أن لا يكون كذلك.
والأول لا يخلو: إما أن يتوقف حصول ذلك الإدراك على وجود ذلك المدرك في الخارج أو لا يتوقف.
فهذه أقسام ثلاثة: أولها الإدراك الذي يجتمع فيه الأمران، وهو أن يكون مانعاً من الشركة، ويكون متوقفاً على وجود المدرك في الخارج، وهذا هو إدراك الحس، فإني إذا أبصرت زيداً، فالمبصر يمنع لذاته من أن يكون مشتركاً فيه بين كثيرين، وهذا الإبصار لا يحصل إلا عند حصول المدرك في الخارج.
(6/27)

وثانيها: أن يحصل فيه أحد الموضعين دون الآخر، فيكون مانعاً من الشركة، ولكنه لا يتوقف على الوجود الخارجي، وهو التخيل.
فإني إذا شاهدت زيداً ثم غاب، فإني أتخيله على ما هو عليه من الشخصية، فنفس ما تخيلته يمنع من الشركة، وأما هذا الإدراك فإنه لا يتوقف على وجود المدرك في الخارج، فإني يمكنني أن أتخيله بعد عدمه.
وثالثهما: أن يخلو عن الموضعين جميعاً، فلا يكون مانعاً من الشركة، ولا موقوفاً على وجود المدرك في الخارج، وهو المسمى بالإدراك العقلي) .

تعليق ابن تيمية عود لمناقشة ابن سينا
قلت: فقد بينوا أن الإدراك العقلي هو ما لا يمنع الشركة، ولا يشترط فيه وجود المدرك من خارج.
ومعلوم أن هذا هو إدراك الكليات الثابتة في العقل.
وإذا كان كذلك، فقوله: (وهو عندما يكون محسوساً تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته) كلام يستلزم أن يكون في الخارج شيئان: أحدهما: ماهية مجردة عن المحسوسات، والثاني: محسوسات غشيت تلك الماهية المجردة المعقولة الثابتة في الخارج، وهذا باطل يعلم بطلانه بالضرورة من تصور ما يقول.
(6/28)

فإنه إن كان المعقول المجرد لا يكون إلا في النفس، فكيف يكون في الخارج معقول مجرد تقارنه المعينات المحسوسة واحداً بعد واحد، أو تقارنه تارة وتفارقه تارة أخرى؟ وقوله: (مثل، أين، ووضع، وكيف ومقدار بعينه، لو توهمت بدله غيره، لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانيته) .
يقال له: نعم إذا تصورنا بدل المعنى غيره، لم يؤثر فيما في النفس من الإنسان المعقول الكلي المجرد، فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا المعين، كما لا يؤثر ذلك في لفظ الإنسان المطلق، فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا المعين، فشمول اللفظ ومعناه الذي هو في الذهن سواء، لكن ذلك المعين إذا توهمنا بدله غيره، لم يكن في ذلك البدل من هذا المعين أصلاً، بل كان البدل نظيره وشبيهه ومثله، فإما أن يكون هو إياه، أو يكون في الخارج حقيقة معينة في هذا المعين، هي نفسها حقيقة ثابتة في هذا المعين، فهذا هو محل الغلط.
ويقال لمن ظن هذا: لما خلق الله هذا المعين، كانت تلك الحقيقة موجودة قبله أو حدثت معه.
فإن حدثت معه، فهي معينة لا مطلقة كلية، لأن الكلي لا يتوقف على وجود هذا المعين، وإن كانت موجودة قبله، فإن كانت
(6/29)

مجردة من الأعيان لم يحتج فيها إلى شيء من المعينات، وإلا فالقول في مقارنتها لذلك المعين كالقول في هذا.
وأيضاً فإنه يقال: هل انتقلت من غيره وقارنته؟ أو قامت به وغيره؟ فإن انتقلت من غيره فارقت ذلك المعين، فثبت أن المعين لا يحتاج إلى مطلق يقارنه، وإن قامت به وبغيره، فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً، فإن كانت عرضاً فالعرض الواحد لا يكون في محلين.
وإن كانت جوهراً فالجوهر الواحد لا يكون في محلين.
فإن قال: هذا في الجواهر المحسوسة، وأما الجواهر المعقولة فقد تقدم بمحلين.
قيل: إن أردت بالجواهر المعقولة ما في القلوب، فتلك أعراض لا جواهر.
وإن أردت هذه الكليات التي تدعي وجودها في الخارج، فتلك لا محل لها عندك، فضلاً عن أن تقوم بمحلين.
وهذا أيضاً مما يناقض قولهم: إن المطلق جزء من المعين، فكيف يكون ما لا يتخصص بحيز ولا مكان ولا جزءاً مما يتخصص بحيز ومكان.
وإذا قال القائل: المعقول الذي لا حيز له ولا مكان ولا جهة ولا يشار إليه، جزء وبعض وداخل في هذا الجسم المتحيز، الذي له مكان وجهة وحيز - لعلم كل عاقل فساد ما يقول.
وهذا حقيقة قول هؤلاء.
وأيضاً فتلك الحقيقة المجردة المطلقة إذا كانت كلية، والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وكانت جزءاً من المعين - كان في
(6/30)

كل معين كليات كثيرة، لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها، فيكون في كل إنسان معين حيوان كلي، وناطق كلي، وإنسان كلي، وجسم كلي، وحساس كلي، وقائم بنفسه كلي، وجوهر كلي وموجود كلي، ومخلوق كلي، وآكل كلي وشارب كلي، ومتنفس كلي، وأمثال ذلك مما يمكن أن يوصف به الإنسان.
ومن المعلوم بصريح العقل أن الكلي الذي قد يعم جزئيات كثيرة لا يكون بعض جزئي واحد، فإن الكثير لا يكون بعض القليل وجزءه، ولا يكون ما يتناول أموراً كثيرة ويشملها ويعمها، أو يصلح لذلك، بعض واحد لا يقبل العموم والشركة.
وقوله: (والحس ينال من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها، لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية) .
فيقال: هذا مبني على أن في الخارج شيئاً موجوداً في هذا الإنسان المعين، عرض له هذا الإنسان المعين، وهذا مكابرة للحس والعقل.
والمادة التي خلق منها بدنه ليست موجودة الآن، بل استحالت وعدمت، وليس فيه الساعة مني أصلاً.
وقوله: (لا يجردها عنه) إنما يصح لو كان هنا مادة موجودة مغايرة لهذا البدن المشهود، حتى يمكن تجريد أحدهما على الآخر.
نعم إن أريد بالمادة البدن، وأن الروح مقارنة للبدن فهذا كلام صحيح.
(6/31)

لكن الروح معينة، والبدن معين ومقارنة أحدهما الآخر ممكن، وهؤلاء يشتبه عليهم مقارنة الروح للبدن وتجريدها عنه، بمقارنة الكليات المعقولة لجزئياتها وتجريدها عنها، والفرق بين هذا وهذا أبين من أن يحتاج إلى بسط.
وهم يلتبس عليهم أحدهما بالآخر، فيأخذون لفظ (التجريد) و (المقارنة) بالاشتراك، ويقولون: العقول المفارقة للمادة، ولا يميزون بين كون الروح قد تكون مقارنة للبدن، وبين المعقولات الكلية التي لا تتوقف على وجود معين، فإن الروح - التي هي النفس الناطقة - موجودة في الخارج، قائم بنفسه، إذا فارقت البدن.
وأما العقليات الكلية المنتزعة من المعينات فإنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فيجب الفرق بين تجريد الروح عن البدن، وتجريد الكليات عن المعينات.
وأما قوله: (وكذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته) .
فسبب هذا أن الحس لا يدركه كله، وإن كان كله محسوساً، بمعنى أنه يمكن إحساسه ورؤيته في الجملة، ولكن باطنه ليس بمحسوس لنا
(6/32)

عند رؤية ظاهره، لا لعدم إمكان إحساسه، لكن لاحتجاب باطنه، أو لمعنى آخر.
وهذا أيضاً من مثارات غلطهم، فإنهم قد لا يفرقون في المحسوس بين ما هو محسوس بالفعل لنا، وبين ما يمكنه إحساسه، وإن كنا الآن لا نستطيع أن نحسه.
فإن عنى بالمحسوس الأول، فلا ريب أن الأعيان منها ما هو محسوس، ومنها ما ليس بمحسوس، وما أخبرتنا به الأنبياء من الغيب ليس محسوساً لنا، فلا نشهده الآن، بل هو غيب عنا، ولكن هو مما يمكن إحساسه، ومما يحسه الناس بعد الموت.
ولهذا كانت عبارة الأنبياء عليهم السلام تقسم الأمور إلى غيب وشهادة، قال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] ، وقال: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك} [هود: 49] ، وقال: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} [الحشر: 22] .
وأما هؤلاء فيقسمونها إلى محسوس ومعقول.
والمعقول في الحقيقة: ما كان في العقل، وأما الموجودات الخارجية فيمكن أن ينالها الحس، وأن يوقف الإحساس بها على شروط متيقنة الآن.
(6/33)

وأما قوله: (وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض لا يقتدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس، فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها) .
فيقال له: هذه حجة عليكم، فإن ما يتخيله الإنسان في نفسه إنما هو موجود في نفسه، فالصورة الخيالية ليست موجودة في الخارج، ولا يشترط في التخيل ثبوت المتخيل في الخارج.
وقولكم: (يتخيله مع تلك العوارض) إثبات لشيئين ولا حقيقة لذلك، بل لم يتخيل إلا الصورة التي هي عرض قائم بنفسه.
وقولكم: (فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها) كلام ملتبس، فإن الصورة التي تخيلها في نفسه ليس لها حامل في الخارج، وحامل الصورة التي في الخارج هو موجود معها، فالصورة المحمولة في الخارج ليست عين ما في نفسه، وما في نفسه ليست الصورة المحمولة.
والتحقيق أنه يتخيل الصورة مع غيبوبتها بالكلية عن حسه الظاهر، وليس مع غيبوبة حاملها قط، سواء عني بالصورة نفس الشخص المتصور.
أو نفس الشكل القائم به.
وقوله: إن الخيال يتخيله مع تلك العوارض لا يقدر على
(6/34)

تجريده المطلق عنها، لكنه يجردها عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس، وأما العقل فيقدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتاً إياها، حتى كأنه عمل بالمحسوس عملاً جعله معقولاً) .
فقد يعترض على بذلك بأن يقال: إنه يقتضي أن تجريد الخيال الكلي من جنس تجريد العقل، فإن ما يتخيله المختال هو مثال المحسوس المعين، فلم يجرد منه معنى كلي أصلاً، لكن إن ارتسم فيه صورة تشاكله، كما ترتسم في الحائط صورة تشاكل الصورة المعينة، ثم قد يتخيل المعين بجميع صفاته، وقد يتخيل بعضها دون بعض، وقد يتصور عينه مع مغيب صورة بدنه - كان المتصور حقيقة المعينة، كالروح دون الإنسانية المطلقة.
وأما العقل فقد يراد به عقل الصورة المعينة، فهو من جهة كونه تصوراً معيناً من جنس التخيل، ومن جهة كونه لا يختص بشكل معين من جنس تصور العقل.
وقد يراد بالعقل تصور الكلي المطلق، كتصور الإنسان المطلق، وجوابه أن الإنسان المطلق قد يتخيل مطلقاً، والبهائم لها تخيل كلي، ولهذا إذا رأت الشعير حنت إليه، ولولا أن في خيالها صورة مطلقة مطابقة لهذا الشعير وهذا الشعير، لم تطلب هذا المعين حتى تذوقه،
(6/35)

فطلبها له إذا رأته يقتضي أنها أدركت أن مثل الأول، وإنما تدرك التماثل إذا كان في النفس صورة تطابق المتماثلين يعتبر بها تماثلهما.
لكن يقال: فحينئذ لا فرق بين التخيل والتعقل من جهة كون كل منهما يكون معيناً ويكون مطلقاً، وكل منهما ليس عين ما فيه هو عين الموجود في العقل بل مثاله.
فقوله: (حتى كأنه عمل بالمحسوس عملاً جعله معقولاً) .
تحقيقة أن المحسوس لم يعمل به شيء أصلاً، ولا فيه معقول أصلاً، بل العقل تمثل معقولاً يطابق المحسوس وأمثاله.
وقوله: (وأما ما هو في ذاته بريء عن الشوائب المادية وعن اللواحق الغريبة التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته، فهو معقول لذاته) .
ففيه كلامان:
أحدهما: أن يقال: ثبوت مثل هذا المعقول تبع لثبوت المعقول المنتزع من المحسوس، وذلك ليس إلا في العقل، لا وجود له في الخارج فيكون المعقول المجرد كذلك، وحينئذ فليس في ذلك ما يقتضي أن يكون في الخارج معقول مجرد.
الثاني: أن يقال: ثبوت هذه المعقولات المجردة في الخارج فرع إمكان وجودها، وإمكان وجودها مبني على إمكان وجود ما لا يمكن
(6/36)

الإحساس به، فلا يجوز إثبات إمكان وجود ذلك بناء على وجود هذه المجردات، لأن ذلك دور قبلي، وهو ممتنع.
والمقصود أن في كلامهم ما يقتضي أنه ليس في المعقولات إلا ما يعقله العاقل في نفسه، مثل العلم الكلي، وقد يدعون ثبوت هذه المعقولات في الخارج فيتناقضون، وهذا موجود في كلام أكثرهم، يقولون كلهم: الكليات وجودها في الأذهان لا في العيان، ثم يقول بعضهم: إن الكليات تكون موجودة في الخارج، ولهذا كثيراً ما يرد بعضهم على بعض في هذا الموضع، وهو من أصول ضلالتهم ومجازاتهم.
وكلامهم في المعقولات المجردة من هذا النمط، وليس لهم دليل على إثباتها، وإذا حرر ما يجعلونه دليلاً لم تثبت إلا أمور معقولة في الذهن.
واسم (الجوهر) عندهم يقال على خمسة أنواع على: العقل، والنفس، والمادة والصورة، والجسم، وهم متنازعون في واجب الوجود: هل هو داخل في مسمى (الجوهر) على قولين، فأرسطو وأتباعه يجعلونه من مقولة الجوهر، وابن سينا وأتباعه لا يجعلونه من مقولة الجوهر، وإذا حرر ما يثبتونه من العقل والنفس والمادة والصورة، لم يوجد عندهم إلا ما هو معقول في النفس أو ما هو جسم، أو عرض قائم بجسم، كما قد بسط في موضعه.
(6/37)

والمراد هنا أن يعرف أن المعقولات التي هي العلوم الكلية الثابتة في النفس لا ينازع فيها عاقل.
وكذلك تصور المعينات الموجودة في الخارج، سواء كان المتصور عيناً قائمة بنفسها، أو معنى قائماً بالعين، وسواء سمي ذلك التصور تعقلاً أو تخيلاً أو توهماً، فليس المقصود النزاع في الألفاظ، بل المقصود المعاني.
وإذا عرف أن الإنسان يقوم به تصور لأمور معينة موجودة في الخارج، وتصور كلي مطابق للمعينات، تبين ما وقع من الاشتباه في هذا الباب.
فقول القائل: إن حكم الوهم أو الخيال قد يناقض حكم العقل: إذا أراد به أن التصور المعين الذي في النفس لما هو محسوس، أو لما يحسه، كالعداوة والصداقة، قد يناقض العقل الذي حكمه كلي عام - كان هذا باطلاً.
وإن أراد به أن العقل يثبت أموراً قائمة بنفسها، تقوم بها معاني، وتصوره للمحسوسات ولما قام بها يناقض ذلك - كان هذا أيضاً باطلاً، فإنه لا منافاة بين هذا وهذا، وذلك لأن الكلام ليس في مناقضة تصور الجزئيات للكليات، بل في تناقض القضايا الكلية بالسلب والإيجاب.
(6/38)

وإذا أراد به أن ما سماه الوهم والخيال يحكم حكماً كلياً يناقض حكماً كلياً للعقل، وهذا هو مرادهم - كان هذا تناقضاً منهم وذلك أنهم قد فسروا حكم الوهم، المناقض للعقل عندهم، بأنه يقضي قضاء كلياً يناقض القضاء الكلي المعلوم بالعقل، مثل أنه يقضي أنه ما من موجود إلا ويمن الإشارة إليه، وما من موجودين إلا وأحدهما محايث للآخر أو مباين له، ويمنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأمثال ذلك.
فيقال لهم: هذه قضايا كلية وأحكام عامة، وأنتم قلتم: إن الوهم هو الذي يدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحس، كإدراك الصداقة والعداوة إدراكاً جزئياً يحكم به كما يحكم الحس بما نشاهده.
وكذلك الخيال عندكم يحفظ ما يتصوره من المحسوسات الجزئية، فإذا كان الوهم والخيال إنما يدرك أموراً جزئية، بمنزلة الحس، وهذه القضايا التي تزعمون أنها تعارض حكم العقل قضايا كلية، علم بذلك أن هذه ليست من إدراك الوهم والخيال، كما أنها ليست من إدراك الحس، وإنما هي قضايا كلية عقلية، بمنزلة أمثالها من القضايا الكلية العقلية، وهذا لا محيد لهم عنه، وهذا بمنزلة الحكم بأن كل وهم وخيال فإنما يدرك أموراً جزئية.
(6/39)

فهذه القضية الكلية عقلية، وإن كانت حكماً على الأمور الوهمية الخيالية.
وكذلك إذا قلت: كل صداقة فإنها ضد العداوة فهذا حكم بما في عقل كل الأفراد التي هي وهمية.
وكذلك إذا قلنا: كل محسوس فإنه جزئي، فهذه قضية كلية عقلية تتناول كل حسي.
ومعلون أنه كل ما كان الحكم أعم كان أقرب إلي العقل.
فقولنا: كل موجود قائم بنفسه فإنه يشار إليه، وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين، من أعم القضايا وأشملها، فكيف تكون من الوهميات التي لا تكون إلا جزئية.
وحينئذ فقولهم: إن حكم الوهم والخيال قد يناقض حكم العقل، بمنزلة قولهم: إن حكم الحس قد يناقض حكم العقل، وبمنزلة قولهم: إن حكم العقل يناقض حكم العقل، وليس الكلام في الحس والوهم والخيال والعقل إذا كان فاسداً عرضت له آفة، فإن هذا لا ريب في إمكان تناقض أحكامه، وإنما الكلام في الحس المطلق وتوابعه مما سموه توهماً وتخيلاً.

كلام آخر لابن سينا في الإشارات
وأيضاً فقد قال ابن سينا في مقامات العارفين: أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر
(6/40)

باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد، ثم إنه يحتاج إلى الرياضة والرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض: الأول تنحية ما سوى الحق عن مستن الآثار، والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.
والثالث: تلطيف السر للتنبيه.
والأول: يعين عليه الزهد، والاني يعين عليه العبادة المشفوعة بالفكر، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول في الأوهام.
والثالث: يعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف) .
(6/41)

تعليق ابن تيمية
قلت: وقد تكلمنا على ما في هذا الكلام من حق وباطل في غير هذا الموضوع، والمقصود هنا انه جعل من الأمور التي يحتاج إليها العارف ما يجذب فوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي من العبادة وسماع الألحان وسماع الوعظ، فإن كان الأمر القدسي أمراً معقولاً مجرداً، لا داخل العالم ولا خارجه، وقوى الوهم والتخيل لا تناسب إلا الأمور الحسية دون العقلية المجردة، كان هذا من الكلام الذي يناقض بعضه بعضاً.
بل كان الواجب على العارف أن يعرض عما يحكم به الوهم والخيال، لينال معرفة الأمر القدسي المعقول المجرد، الذي يناقض حكم الوهم، والخيال لا يناسبه.
ولكن ما ذكره في مقدمات العارفين هو الأمر الفطري، فإن القلوب الطالبة لله إذا تحركت بما يصرف إرادتها إلى العلو، ويصرف إرادتها عن السفل، كان هذا مناسباً لمطلوبها ومرادها ومحبوبها ومعبودها، فإن الله الذي هو العلي الأعلى، هو المعبود المحبوب المراد المطلوب، فإذا حركت النفس بما يصرف قواها إلى أرادته، انصرفت قواها إلى العلو، وأعرضت عن السفل.
والذي يبين هذا أن هذه القوة الوهمية، وفعلها الذي هو الوهم، لا يريدون به أن يتوهم في الشيء ما ليس فيه، وهو الوهم الكاذب.
(6/42)

وكذلك لفظ (التخيل) لا يريدون تخيل ما لا وجود له في الخارج، بل هذا وهذا يتناول عندهم توهم ما لا وجود في الخارج، وتخيل ما له وجود في الخارج، وهو إدراك صحيح صادق مطابق.
وذلك لأن لفظ (الوهم) و (الخيال) كثيراً ما يطلق على تصور ما لا حقيقة لا له في الخارج، بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب.
قال الجوهري: (وهمت في الحساب أوهم وهماً، إذا غلطت فيه وسهوت، ووهمت في الشيء بالفتح أوهم وهماً، إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وتوهمت: أي ظننت، وأوهمت غيري إيهاماً، والتوهم مثله، واتهمت فلاناً بكذا، والاسم التهمة بالتحريك.
ويقال: أوهم في الحساب مائة أي أسقط، وأوهم في صلاته ركعة، ويقال: قد أيهم إذا صار به الريبة) .
قلت: فهذا أبو نصر الجوهري قد نقل في صحاحه المشهور في لغة العرب، أن مادة هذه اللفظ تستعمل في جهة الغلط بمعنى الخطأ
(6/43)

تارة، وتستعمل بمعنى الظن تارة، ولم ينقل أنها تستعمل بمعنى اليقين، وهم يستعملونها في تصور يقيني، وهو تصور المعاني التي ليست بمحسوسة ولا ريب في ثبوتها، كعداوة الذئب للنعجة، وصداقة الكبش لها، وهو في لغة العرب يقال في هذه المعاني: تصورتها وعملتها وتحققتها وتيقنتها وتبينتها، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على العلم، ولا يقال: توهمتها، وإلا إذا لم تكن معلمه، فاصطلاحهم مضاد معروف في لغة العرب، بل وفي سائر اللغات.
وإذا كان كذلك، فلإدراك الصحيح، الذي يسمونه هم توهماً وتخيلاً، هو نوع من التصور والشعور والمعرفة.

كلام ابن سينا في إثبات القوة الوهمية وتعليق ابن تيمية عليه
يوضح ذلك أنهم قالوا في إثبات القوة الوهمية: كما قال ابن سينا: (الحيوانات ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس، وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس: إدراكاً جزئياً: يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده، فعندك قوة هذا شأنها، وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها غير الحافظ للصورة) .
(6/44)

فقد تبين أن هذه القوة تدرك معاني غير محسوسة وغير متأدية في الحس، ففرق بينها وبين الحسية والخيالية بأن الخيالية إدراك ما تأدى من الحس.
وقد فسر الشارحون ما دل عليه كلامه فقالوا هذا بيان إثبات الوهم والحافظة: أما الوهم فقوة يدرك الحيوان بها معاني جزئية لم تتأد من الحواس إليها، كإدراك العداوة والصداقة والموافقة والمخالفة في أشخاص جزئية، فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة تدركها، وكونها مما لا يتأدى من الحواس، دليل على مغايرتها للحس المشترك، ووجودها في الحيوانات العجم دليل على مغايرتها للنفس الناطقة.
قالوا: وقد يستدل على ذلك أيضاً بأن الإنسان ربما يخاف شيئاً يقتضي عقله الأمن منه كالموتى، وما يخالف عقله فهو غير عقله.
وقال ابن سينا في إشاراته: (كل ملتذ به فهو سبب كمال يحصل للمدرك هو بالقياس إليه خير، ثم لا يشك أن الكمالات وإدراكاتها متفاوتة، فكمال الشهوة مثلاً أن يتكيف العضو
(6/45)

الذاتي بكيفية الحلاوة مأخوذة عن مادتها، ولو وقع مثل ذلك، لا عن سبب خارج، كانت اللذة قائمة.
وكذلك الملموس والمشموم ونحوهما.
وكمال القوة الغضبية: أن تتكيف النفس بكيفية غضب، أو بكيفية شعور بأذى يحصل من المغضوب عليه.
والوهم والتكيف بهيئة ما يرجوه أو يذكره، وعلى هذا حال سائر القوى) .
والمقصود أنه جعل كمال الوهم اتصافه بصفة ما يرجوه أو يذكره، والمرجو في المستقبل، والمذكور في الماضي: كلاهما لا بد أن يكون هنا مما يوافقه ويحبه، فإن الكمال- كما قد ذكروه- إنما يكون بإدراك الملائم لا المنافي.
والقوة الوهمية هي التي تدرك بها الصداقة والعداوة والموافقة والمخالفة.
والصداقة هي الولاية التي أصلها المحبة، والعداوة أصلها البغض.
فالقوة الوهمية عندهم هي التي يدرك بها الحيوان ما يحبه وما يبغضه
(6/46)

من المعاني التي لا تدرك بالحس والخيال، ثم يكون حبه وبغضه، لمحل ذلك المعنى تبعاً لحبه وبغضه ذلك المعنى، فالشاة إذا توهمت أن في الذئب قوة تنافرها أبغضته، والتيس إذا توهم أن في الشاة قوة تلائمه أحبها، فهذه القوة هي التي تدرك المحبوبات والمكروهات، من المعاني القائمة بالمحسوسات، وهي التي يحصل بها الرجاء والخوف، فيرجو حصول المحبوب، ويخاف حصول المكروه، ولهذا علقوا الرجاء والخوف بها، كما تقدم من كلامهم، وجعلوا كمالها في التكييف بهيئة ما ترجوه أو تذكره، وقالوا: إن خوف الإنسان من الموتى ونحوهم هو بهذه القوة.
وعلى هذا فكل حب وبغض ورجاء وخوف لما لم يحسه الحيوان بحسه الظاهر فهو بهذه القوة.

كلام ابن سينا في الشفاء عن قوة الوهم
ولهذا عظموا شأنها، فقال ابن سينا في شفائه في القوة المسماة بالوهم: (هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكماً ليس فصلاً كالحكم العقلي، ولكن حكماً تخييلياً مقروناً بالجزئية وبالصورة الحسية، وعنه تصدر أكثر الأفعال الحيوانية) .
(6/47)

وقال أيضاً في شفائه: (ويشبه أن تكون القوة الوهمية هي بعينها المفكرة المتخيلة والمتذكرة، وهي بعينها الحاكمة، فتكون بعينها حاكمة، وبأفعالها وحركاتها متخيلة بما تعمل من الصور والمعاني، والمتذكرة بما ينتهي إليه عملها، وأما الحافظة فهي قوة خزانتها) .

تعليق ابن تيمية
فهذه ألفاظه، ومن الناس من قال: هذا يدل على اضطرابه في أمر هذه القوى، وليس المقصود هنا الكلام فيما يتنازعون فيه، وهو أن هذه الإدراكات الجزئية والأفعال الجزئية: هل هي للنفس، وإن كان بواسطة الجسم، أو هي للجسم، وهل محل هذه شيء واحد أو أشياء متعددة؟ وهل هو بقوة واحدة أو بقوى متعددة؟
فإن الكلام في هذا مما لم يتعلق بالمقصود في هذا المكان، فإنه لا خلاف بين العقلاء أن الإنسان - بل وغيره من الحيوان - يتصور في غيره ما يحبه ويواليه عليه ويرجو وجوده، ويتصور ما يبغضه ويعاديه عليه ويخاف وجوده.
(6/48)

فهذا التصور أمر معلوم في الإنسان وفي الحيوان، وهم سموا التصور وهماً، وقالوا إنه يحصل بقوة تسمى الوهمية.
والناس متنازعون في إدراك الحيوان وأفعاله: كالسمع، والبصر، والتفكير، والعقل، وغير ذلك من أنواع التصورات والأفعال، سواء كان تصور ولاية أو عداوة أو غير ذلك،: هل هو بقوى في الحيوان أم لا؟ .
فالأول: قول الجمهور، والثاني: قول من يقول: إنه ليس للعبد قدرة مؤثرة في مقدوره.
والأولون على قولين: منهم من يخص القوى بالأفعال الاختيارية، ومنهم من يجعله في جميع الحوادث.
وهؤلاء نوعان: منهم من يقول بقول المتفلسفة الذين يقولون: إن الله موجب بذاته بدون مشيئة وعلمه بالجزئيات، وهذا باطل شرعاً وعقلاً.
ومنهم من يقول: إن الله خالق ذلك كله بمشيئته وعلمه وقدرته.
وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، وجمهور علمائها: يثبتون ما في الأعيان من القوى والطبائع، ويثبتون للعبد قدرة حقيقة وإرادة، ويقولون: عن هذه الأمور جعلها الله أسباباً لأحكامها، وهو يفعل بها، كما قال تعالى: {حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات} [الأعراف: 57] .
(6/49)

وقال تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} [البقرة: 164] .
إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة.
وكلام السلف والأئمة المذكور في غير هذا الموضع، ولهذا نص أحمد بن حنبل والحارثي والمحاسبي وغيرهما أن العقل غريزة في الإنسان.
ولكن من قال بالقول الأول من نفاة الأسباب والقوى الذين سلكوا مسلك الأشعري في نفي ذلك قالوا: إنما العقل هو نوع من العلوم الضرورية، كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن طيب، والقاضي أبو يعلى، والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهم.
والمقصود أن هذا التصور لمعان في الأعيان المشهودة: كتصور أن هذا يوافقني ويواليني وينفعني وفيه ما أحبه، وهذا يخالفني ويعاديني ويضرني وفيه ما أبغضه، أمر متفق عليه بين العقلاء، سواء قيل بتعدد القوى، أو اتحادها أو عدمها، وسواء قيل: المدرك هو النفس أو البدن.
(6/50)

إذا كان كذلك، فيقال إذا كان (الوهم) مفسراً عندهم بما ذكروه من تصور معنى (غير محسوس في الأعيان المحسوسة وألا يتأدى من الحس، فمعلوم أن هذا تدخل فيه كل صفة تقوم بالحي من الصفات الباطنة: كالقدرة والإرادة والحب والبغض والشهوة والغضب، وأمثال ذلك.
فإن القدرة في القادر، كالعداوة في العدو، والصداقة في الصديق، بل قد يكون ظهور الولاية والعداوة والحب والبغض، إلى الحس الظاهر أقرب من ظهور القدرة.
وعلى هذا فيكون تصور الملك، والملك هو أيضاً من الوهم، فإن كون الشخص المعين ملكاً لغيره أو مالكاً لغيره: هو تصور معنى في الشخص المحسوس، وذلك المعنى غير محسوس، ولا يتخيل تخيل المحسوسات.
وكذلك تصور الشهوة والنفرة: يكون أيضاً من باب التصور الوهمي في اصطلاحهم، وكذلك تصور الألم في الغير واللذة فيه، هو من الباب، فإن ما يجده الحيوان في نفسه من اللذة والألم غير محسوس.
فإن قيل: هذه الأمر تدرك بآثار تظهر يدرك الحس تلك الظواهر، فلا يقال: هي موهومة.
قيل: إن كان هذا كافياً، فمعلوم أن تصور الشاة صورة الذئب المحسوسة إدراك لتلك الصورة، فتلك الصورة مستلزمة للعداوة،
(6/51)

وكذلك إدراك التيس صورة الشاة، وكذلك إدراك الإنسان شعار صديقه وعدوه، مثل إدراك كل من الطائفتين المقتتلتين شعار الأخرى المسموعة بالأذن، كالشعائر المتداعي بها، والمرئية، كالرايات المرئية هي أيضاً مما يدرك بالحس، ويستدل بها على الولاية والعداوة التي ليست بمحسوسة، بل هي في الأشخاص المحسوسة.
ففي الجملة ليس من شرط الصورة الوهمية عندهم أن يدركها الوهم بلا توسط شيء محسوس، بل لا تدرك تلك المعاني إلا في الأشياء المحسوسة، ولا بد أن تدرك تلك الأشياء المحسوسة فيكون الوهم مقارناً للحس، لا بد من ذلك وإلا فلو أدرك الوهم ما يدركه مجرداً عن الحس لكان يدرك ما يدركه لا في أعيان محسوسة، فلا بد أن يدرك بباطنه، وهو القوة المسماة بالوهم عندهم، وبظاهره، وهو الحس: ما في المدرك من الأمر الباطن، وهو المعنى كالصداقة والعداوة، والظاهر، وهو الشخص الذي هو محل ذلك.
وعلى هذا فميل كل جنس إلى ما يناسبه في الباطن هو بسبب إدراك هذه القوة، كما يتفق في المتحابين والمتباغضين والمتحابون قد يكون تحابهم لاشتراكهم في التعاون على ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، كما يوجد في أجناد العساكر، وأهل المدينة الواحدة، وأهل الدين الواحد، والنسب الواحد ونحو ذلك.
(6/52)

وفي الجملة فميل الحيوان إلى ما يظن أنه ينفعه، ونفوره عما يظن أنه يضره: بسبب هذه القوة، فإن إدراكه كون هذا نافعاً له موافقاً له ملائماً له، وكون هذا ضاراً له مخالفاً له منافراً له: هو بهذه القوة.
وعلى هذه فينبغي إن يكون إدراك ما في الأغذية والأدوية من الملائمة هو بهذه القوة، فإن الإنسان يتوهم في الخبز أنه يلائمه إذا أكله، كما يتوهم الفرس ذلك في الشعير، ويتوهم في السيف أنه يضره إذا ضرب به، كما يتوهم الحمار ذلك في العصا.
وفي الجملة فتصور الإنسان - بل والحيوان- لما ينفعه ويضره هو بهذه القوة على موجب اصطلاحهم، فإن الإنسان إذا رأى بئراً محفورة يتصور أنه إن وقع فيها عطب- كان هذا بهذه القوة، لأن الحس إنما شهد مكاناً عميقاً، أما كونه يضر الإنسان إذا سقط فيه فهذا لا يعلم بالحس، ولهذا كان من لا تمييز له يسقط في مثل هذا المكان، كالصبي والمجنون والبهيمة، وإن كان له حس، فالذي يسميه الناس عقلاً سماه هؤلاء وهماً، وتصور الإنسان أن هذا ماله وهذا مال غيره، وهذه الدار داره وهذه دار غيره، هو بهذه القوة لأن الحس الظاهر لا يميز بين هذا وهذا، وإنما يعرف هذا من هذا بقوة باطنة تتصور في المحسوس ما ليس بمحسوس، وهو أن هذه الدار أو المال له أو لأقاربه أو لأصدقائه، وتلك الدار أو المال للأجانب أو الأعداء، فإن هذه المعاني هي في المحسوس وليست محسوسة، وإدراك كون هذا الإنسان
(6/53)

عادلاً جواداً رحيماً شجاعاً، وهذا ظالماً بخيلاً قاسياً جباناً، هو على موجب اصطلاحهم وهم، فإن هذا إدراك أمور غير محسوسة في المحسوسات.
وكذلك سائر الأخلاق التي بها مدح وقدح، مثل البر والفجور والعفة، والصدق والكذب والكرم واللؤم، وأمثال ذلك، فإن هذه معان تقوم بالشخص المحسوس، ونفس الأخلاق القائمة فيه ليست بمحسوسة، وإنما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عنها، كما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عن الصداقة والعداوة.
ومعلوم أن إدراك هذه الأمور هي مما يدخل في مسمى العقل والعلم والمعرفة عند عامة العقلاء، بل إدراك كون المعروف معروفاً، وكون المنكر منكراً، هو أيضاً مما يدخل في (الوهم) على اصطلاحهم، فإن المعروف هو المحبوب الموافق الملائم، والمنكر هو المكروه المخالف المنافي، وما يدرك به هذه المعاني من الأمور الحسية وهم، بل على قولهم كل معنى يدرك في الأعيان المحسوسة فإدراكه بالوهم، ولا يبقى فرق بين الوهميات والعقليات في مثل هذا، إلا كون الوهميات جزئية والعقليات كلية.
ومعلوم أن إدراك كثير من هذه المعاني من خواص العقل، ومما يبين هذا أن الرجل إذا رأى امرأته مع من يظن به السوء كان هذا إدراكاً لأمر
(6/54)

غير محسوس في المحسوس، وهو إدراك ما ينافيه، وهو ميل الأجنبي إلى امرأته، وميل امرأته إليه.
وكذلك المرأة إذا وجدت مع زوجها امرأة أخرى فظنت أن بينهما اتصالاً وحصلت لها الغيرة، فالغيرة إنما تحصل بهذه القوة، فإن الغيرة من باب كراهة المؤذي وبغضه، وهو من جنس إدراك العداوة فيما يغار منه، كما أن الرجل يميل إلى أبيه وأمه وزوجته لما يستشعره من محبتهم ومودتهم، وإدراك ما منهم من المحبة والمودة هو أيضاً عندهم وهم، لأنه إدراك في المحسوس بما ليس بمحسوس، وهو الولاية التي بينهما، كما قالوا في إدراك التيس معنى الشاة، وإذا رأى إنسان امرأة أجنبية فقد يدرك منها أنها تميل إليه، فيكون كإدراك التيس معنى في الشاة، وقد يدرك منها أنها تنفر عنه، فيكون كإدراك الشاة معنى في الذئب، وهذا باب واسع.
والمقصود أن يجمع بين هذا وببن ما قاله ابن سينا في مقامات العارفين وهو خاتمة مصحفهم، وقد قال الرازي: (هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب علم الصوفية ترتيباً ما سبقه إليه من قبله، ولا يلحقه من بعده) .
وأقره الطوسي على هذا الكلام وقال: (قد ذكر الفاضل
(6/55)

الشارح أن هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، فإنه رتب فيه علوم الصوفية ترتيباً ما سبقه إليه من قبله ولا لحقه من بعده) .
وهذا الذي هو غاية ما عند هؤلاء من معارف الصوفية إذا تدبره من يعرف ما بعث الله به رسوله، وما عليه شيوخ القوم -المؤمنون بالله ورسوله- المتبعون لكتاب والسنة، تبين له أن ما ذكره في الكتاب بعد كمال تحقيقه لا يصير به الرجل مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، فإنه غايته هو الفناء في التوحيد الذي وصفه، وهو توحيد غلاة الجهمية المتضمن نفي الصفات، مع القول بقدم أفلاك، وأن الرب موجب بالذات لا فاعل بمشيئتة ولا يعلم بالجزئيات، ولو قدر أنه فناء في توحيد الربوبية المتضمن للإقرار بما بعث الله به رسوله من الأسماء والصفات، لم يكن هذا التوحيد وحده موجباً لكون الرجل مسلماً، فضلاً عن أن يكون عارفاً ولياً لله، إذ كان هذا التوحيد يقر به المشركون عباد الأصنام، فيقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وإنما يجعل الفناء في هذا التوحيد هو غاية العارفين صوفية هؤلاء الملاحدة كابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وأمثاله، ولهذا يستأنسون بما يجدونه من كلام أبي حامد
(6/56)

موافقاً لقولهم، إذ كان في كثير من كلامه ما يوافق الباطل من قول هؤلاء، كما في كثير من كلامه رد لكثير من باطلهم.
ولهذا صار كالبرزخ بينهم وبين المسلمين، فالمسلمون ينكرون ما وافقهم فيه من الباطل عند المسلمين، وهم ينكرون عليه ما خالفهم فيه من الباطل عند المسلمين.
ومن أسباب ذلك أن هؤلاء جعلوا غاية الإنسان وكماله في مجرد أن يعلم الوجود أو يعلم الحق، فيكون عالماً معقولاً مطابقاً للعالم الموجود، وهو التشبه بالإله على قدر الطاقة، وجعلوا ما يأتي به من العبادات والأخلاق إنما هي شروط وأعوان على مثل ذلك فلم يثبتوا كون الرب تعالى معبوداً مألوهاً يحب لذاته، ويكون كمال النفس أنها تحبه، فيكون كمالها في معرفته ومحبته، بل جعلوا الكمال في مجرد معرفة الوجود عند أئمتهم، أو مجرد معرفته، عند من يقرب إلى الإسلام منهم.
فهذا أحد نوعي ضلالهم.
والنوع الآخر أنه لو قدر كمالها في مجرد العلم، فما عندهم ليس بعلم، بل كثير منه جهل.
(6/57)

والقدر الذي حصل لهم من العلم لا تحصل به النجاة، فضلاً عن حصول السعادة الكبرى، فهم أبعد من الكمال البشري، وعن النجاة في الآخرة والسعادة، من اليهود والنصارى من حيث هم كذلك، وإن كان من اليهود والنصارى من هو أبعد عن ذلك ممن كان أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى، إذ النجاة والسعادة باتباع الرسل علماً وعملاً.
وكتبهم ليس فيها إيمان بنبي معين ولا كتاب معين: لا توراة ولا إنجيل، ولا قرآن، ولا إبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، بل ولا فيها إثبات رب معين، وإنما فيها إثبات موجود كلي وأمور كلية، ولا فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه، ومعلوم أن النجاة والسعادة لا تحصل إلا بذلك، بل ليس عندهم الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، ولا الإيمان بأن الله قدر مقادير العباد، فإنه عندهم لا يعلم الجزئيات، فكيف يقدرها؟ ومعلوم أن السعادة لا تحصل إلا بذلك.
وهؤلاء لما كان قولهم مخالفاً للفطرة التي فطر الله عليها عباده: من الإقرار به ومن محبته.
كان ما ذكروه من كمال النفس منافياً لهذا ولهذا.
ولهذا اضطرب كلامهم في هذا الباب، فتارة يحتاجون أن يثروا بما يوجب محبته وموالاته، مع الإقرار به سبحانه وبعلوه على خلقه، وتارة يدعون ما يوجب انتفاء هذا وهذا.
(6/58)

وقد تقدم أقوالهم في الوهم ومعناه عندهم والقضايا الوهمية، والمقصود أن يجمع بين النظر في ذلك، وبين ما ذكروه في مقامات العارفين الذي هو أجل ما عندهم، وكثير منه أو أكثره، كلام جيد، ولكن الاقتصار عليه وحده مع ما عندهم، لا يوجب نجاة النفوس من العذاب، فضلاً عن حصول السعادة لها، ولكن كل ما قالوه-هم وغيرهم- من حق مقبول، ويتبين من ذلك الحق وغيره بطلان ما يناقضه من الباطل الذي قالوه أيضاً.

عود إلى كلام ابن سينا في مقامات العارفين في الإشارات
قال ابن سينا: (العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر سيئاً على عرفانه.
وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة شريفة إليه، لا رغبة لرغبة ولا لرهبة، وإن كانتا، فيكون المرغوب فيه، أو المهروب عنه هو الداعي، وفيه المطلوب، ويكون الحق ليس الغاية، بل الواسطة إلى شيء غيره، وهو الغاية، وهو المطلوب دونه) .

تعليق ابن تيمية
فيقال: هذا الذي قاله من كون الحق تعالى عند العارف هو المراد المعبود لنفسه، لا يراد لغيره، فيكون هو الواسطة إلى ذلك الغير، ويكون ذلك الغير هو الغاية - كلام صحيح، وهو مبادئ ما يتكلم
(6/59)

فيه أهل الإيمان والإرادة، بل هو من شعائرهم ومن أشهر الأمور عندهم.
وقد قال تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] .
وقال تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى} [الليل: 19-21] .
وقال تعالى: {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29] .
وقال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] .
وقال: {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] .
وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} [التوبة: 24] .
وقد قال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] .
(6/60)

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» .
وفي الصحيحين أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» .
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم «ويعلم أنه قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» .
وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال: «والله يا رسول الله
(6/61)

لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال: الآن يا عمر» .
فإذا كان هذا حب الرسول، التابع لحب الله فكيف في حب الله الذي إنما وجب حب الرسول لحبه، والذي لا يجوز أن نحب شيئاً من المخلوقات مثل حبه؟ بل ذلك من الشرك.
قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] ، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له.
والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل، فلا يكون أحد مؤمناً حتى يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، وأن يعبد الله مخلصاً له الدين.
فهذا الذي ذكره في مقامات العارفين هو أول قدم يضعه المؤمن في الإيمان، ولا يكون مؤمناً من لم يتصف بهذا.
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وعلماؤها على أن الله يحب لذاته، لم ينازع في ذلك إلا طائفة من أهل الكلام والرأي، الذين سلكوا مسلك الجهمية في بعض أمورهم فقالوا: إنه لا يحب ولا يحب.
(6/62)

وابن سينا والفلاسفة، وإن كانوا يردون على هؤلاء كما يرد عليه أئمة الدين، فهم أقرب إلى الحق من ابن سينا وأتباعه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وقال طائفة من النظار: إن الإرادة لا تتعلق إلا بمعدوم محدث، وهو ما يراد أن يفعل، فأما القديم الواجب بنفسه فلا تتعلق به الإرادة.
وقالوا: قول القائل: (أريد الله) أي: أريد عبادته، ونحو ذلك.
وقال آخرون: بل الإرادة تتعلق بنفس القديم الواجب بنفسه، كما نطقت به النصوص.
والتحقيق أنه لا منافاة بين القولين، فإن كون الشيء محبوباً لذاته مراداً لذاته: هو أن المحب المريد لم يطلب إرادته لما سواه، بل كان هو أقصى مراده، وإنما يكون الشيء مراداً محبوباً لما للمحب المريد في الاتصال بذلك من السرور واللذة، إذ المحبة لا تكون إلا لما يلائم المحب، فما يحصل عند ذكره ومعرفته والنظر إليه من اللذة هو مطلوب المحب المريد المحب لذاته.
(6/63)

كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادة» .
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» .
فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لم يعط أهل الجنة
(6/64)

شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهذا غاية مراد العارفين، وهذا موجب حبهم إياه لذاته لا لشيء آخر؟.
فمن قال: إنه لا يحب لذاته، ولا يتلذذ بالنظر إليه، كما تزعمه طائفة من أهل الكلام والرأي فقط أخطأ، ومن قال: إن محبة ذاته وإرادة ذاته لا تتضمن حصول لذة العبد بحبه، ولا يطلبه العبد ولا يريده، بل يكون العبد محباً مريداً لما لا يحصل له لذة به، فقط أبطل.
ومن قال: إن العبد يفنى عن حظوظه وإرادته، وأراد بذلك أنه يفنى عن حظوظه وإرادته المتعلقة بالمخلوقات فقد أصاب، وأما إن أراد أن يفنى عن كل إرادة وحب، وتبقى جميع الأمور عنده سواء، فهذا مكابر لحسه ونفسه.
وكل مراد محبوب لذاته فلا معنى لكونه مراداً محبوباً لذاته إلا أن ذاته هو غاية مطلب الطالبين، بمعنى أن ما يحصل لهم من النعيم واللذة هو غاية مطلوبهم، لا يطلبونها لأجل غيرها.
فأما بتقدير أن تنتفي كل لذة، فلا يتصور حب، فإن حب ما لا لذة في الشعور به ممتنع.
(6/65)

وعلى هذا فقول القائل: (العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه) لا منافاة بينهما.
وكذلك قوله: (وتعبده له فقط) لا ينافي قوله (ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه) بل كونه تعبده له فقط إنما كان محموداً لأنه مستحق للعبادة، وإنما انبغى للعبد أن يفعلها لأنها نسبة شريفة، وإلا فلو فعل العبد ما لا خير فيه كان مذموماً، لكن يفرق بين من يكون قد عرف الله معرفة أحبه لأجلها، وبين من سمع مدح أهل المعرفة، فاشتاق إلى كونه منهم، لما في ذلك من الشرف، فإن هذا في الحقيقة إنما مراده تعظيم نفسه وجعل المعرفة طريقاً إليها.
وكذلك كل من أراد الله لأمر من الأمور، كما حكي أن أبا حامد بلغه أن من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
قال: (فأخلصت أربعين يوماً فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال: لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، لم تخلص لله) .
وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب.
(6/66)

وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضاً، لن من أراد شيئاً لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيله إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالماً أو عارفاً أو ذا حكمة أو متشرفاً بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيله له إلى ذلك المطلوب الأدنى، وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره.
وفطر العباد مجبولة على محبته، لكن منهم من فسدت فطرته.
قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] » .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم «فيما يرويه عن ربه قال: إني خلقت عبادي حنفاء
(6/67)

فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
وأما قول القائل: (لا للرغبة والرهبة) .
فهذا له ثلاث معان:
أحدهما: أن يراد به: لا لرغبة في حصول مطلوب المحب من المحبوب لذاته، ولا لرهبة من ذلك.
وهذا ممتنع، فإنه ما من عبد مريد محب إلا وهو يطلب حصول شيء، ويخاف فواته.
والثاني: أنه لا يرغب في التمتع بمخلوق، ولا يخاف من التضرر بمخلوق، فيمكن أن يعبد الله من يعبده بدون هذه الرغبة والرهبة.
كما قال عمر رضي الله عنه: نعم العبد صهيب، لو لم يخاف الله لم يعصه.
وفي الأثر: «لو لم أخلق جنةً ولا ناراً، أما كنت أهلاً أن أعبد» وقد ثبن في الصحيح «أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» .
(6/68)

وكذلك الملائكة فلولا تمتع أهل الجنة بذلك التسبيح، الذي هو لهم كالنفس، لم يكن الأمر كذلك.
وقد ثبت في الحديث الصحيح المتقدم قوله: «فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه» .
والثالث: أن يراد: أن العبد لا يرهب مما يضره كألم العذاب، ولا يرغب فيما يحتاج إليه كالطعام والشراب، فهذا ممتنع، فإن ما جعل الله العبد محتاجاً إليه متألماً إذا لم يحصل له، لا بد أن يرغب في حصوله، ويرهب من فواته، وما كان ملتذاً به غير متألم بفواته، كأكل أهل الجنة وشربهم، فهذا يرغب فيه ولا يرهب من فواته، فوجود تلك اللذة العليا الحاصلة بمعرفة الله ورؤيته لا ينافي وجود لذات أخر حاصلة بإدراك بعض المخلوقات، ومن نفى الأولى من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم فقط أخطأ، ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقهم فقد أخطأ، ومع أن هؤلاء المتفلسفة لا يثبتون حقيقة الأولى، فإنهم لا يثبتون أن الرب تحبه الملائكة والمؤمنون، وإنما يجعلون الغاية تشبههم به، لا حبهم إياه، وفرق بين أن تكون الغاية كون هذا مثل هذا،
(6/69)

وبين أن تكون الغاية كون هذا يحب هذا محبة عبودية وذل.
ولهذا قالوا: (الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة) ، ولهذا كان مطلوب هؤلاء إنما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف، فمطلوبهم من جنس مطلوب فرعون، بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلاً له.
وهم أيضاً لا يثبتون معرفة تحصيل بها النجاة والسعادة بعد الموت، بل المعروف عندهم وجود مطلق أو مقيد بالسلوب، ولا يثبتون بعد الموت تجدد نظر إليه، إذ المفارقات عندهم ليس فيها حركة أصلاً، لا من الناظر ولا من المنظور إليه، وهو خلاف ما دلت عليه الدلالة الشرعية والعقلية.

فصل تابع كلام ابن سينا في الإشارات عن مقامات العارفين
ثم قال: (إشارة: المستحيل بوسيط الحق مرحوم من وجه، فإن لم يطعم لذة البهجة به، فيستطعمها إنما معارفته مع اللذات
(6/70)

المخدجة، فهو حنون إليها غافل عما وراءها، وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا مثل الصبيان بالقياس إلى المحتنكين، فإنهم لما غفلوا عن طيبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب، صاروا يتعجبون من أهل الجد إذا ازوروا عنها عائقين لها، عاكفين على غيرها، كذلك من غض النقص بصره عن مطالعة بهجة الحق أعلى كفيه بما يليه من اللذات: لذات الزور فتركها في دنياه من كره، وما تركها إلا ليستأجل أضعافها، وإنما يعبد الله ويطيعه ليخوله في الآخرة ويشبعه منها، فيبعث إلى مطعم شهي، ومشرب هني ومنكح بهي، إذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في أولاه وآخرته، إلا إلى لذات قبقبه وذبذبه، والمستبصر بهداية
(6/71)

القدس في شجون واجب الإيثار، قد عرف اللذة الحق، وولى وجهه سمتها، مترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده، وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولاً له حسب وعده) .

تعليق ابن تيمية
فيقال: ينبغي أن يفرق بين كون الإنسان محباً مريداً، وبين كونه يعرف أنه محب مريد، وكذلك يفرق بين كونه سامعاً رائياً عالماً، وبين كونه عالماً بكونه كذلك ذاكراً له.
مثال ذلك: أن الإنسان لا يفعل فعلاً اختيارياً وهو يعلم أنه يفعله إلا بإرادة، فكل من شهد المسجد ليصلي فيه الصلاة الحاضرة وهو يعلم أنها الجمعة أو الفجر، امتنع أن يصلي إلا وهو ناو لهذه الصلاة، ومع هذا فقد يظن كثير من الناس أنه لا ينوي أو لا تحصل له نية حتى يتكلم بذلك، وربما كرر ذلك، ورفع صوته به، وآذى من حوله، وأصابه من جنس ما يصيب الجنون.
وكذلك المعرفة بالله فطرية ضرورية، كما قد بسط في موضعه، وكذلك حب الله ورسوله حاصل لكل مؤمن، ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وماله وبين الله ورسوله، فإنه يختار الله ورسوله.
(6/72)

والمؤمنون متفاضلون في هذه المحبة، ولكن المنافقون - الذين أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم - ليسوا من هؤلاء وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقاً لا يكاد يشتاقه إلى شيء.
وقد قال الحسن البصري: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا.
والحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة، ونقصها من نقص المعرفة ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة.
ولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح، وقد تشغل النفوس بأدنى المحبوبين عن أعلاهما، لقوة حاجته العاجلة إليه، كالجائع الشديد الجوع، فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا يصلين أحدكم بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين» .
وإن كانت الصلاة قرة عين العارفين، والإنسان إنما يشتاق إلى من يشعر به من المحبوبات، فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه، وإن كان لو شعر به لكان شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره.
(6/73)

ولما كانت الجنة فيها كل نعيم يتنعم به من غير تنغيص مما يعرفونه وما لا يعرفونه.
كما قال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] .
وقال: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} [الزخرف: 71] .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: إني أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
بله ما أطلعتم عليه، ثم قرأ {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] الآية» .
وكان النعيم الذي فيها منه ما له نظير عند المخاطبين، إذا ذكر اشتاقوا إليه، ومنه ما لا نظير له عندهم - أخبرهم الله تعالى منه بما له نظير، فإنه بذلك يحصل شوقهم ورغبتهم فيما أمروا به، ثم إذا فعلوا ما أمروا به نالوا بذلك ما لم يخطر بقلوبهم، كما أخبر بذلك الكتاب والسنة.
ولذة النظر، وإن كانت أفضل اللذات، وسببها- وهو حب الله ورسوله - موجود في قلب كل مؤمن، لكن الظاهر من الحب والشهوات، ومعرفة الناس لكون ذلك مشتهاة ومرغوباً فيها، وان محبتها
(6/74)

غالبة، وذكرهم لذلك أظهر من معرفتهم بما في حب الله ورسوله.
والنظر إليه من ذلك، ومن ذكرهم لذلك، وإن كان ذلك موجوداً فيهم، فوجود الشيء غير معرفته وذكره وظهوره، فذكر الله في كتابه من اللذات الظاهرة، كالأكل والشرب والنكاح، ما يعرف كل أحد أنه لذة، وما تشتاق إليه كل نفس، ويعرفون أنه مما يرغب فيه، وذلك لا ينال إلا بعبادة الله وطاعته.
وهم إذا عبدوا الله فقد يحصل لهم من حلاوة المعرفة والعبادة ما هو اعظم من ذلك، وإذا كشف الحجاب في الآخرة فنظروا إليه كان ذلك أحب إليهم من جميع ما أعطاهم، فكان ترغيبهم في العبادة بذلك شائقاً لهم إلى هذا، وكان كمن أسلم رغبة في الدنيا، فلم تغرب الشمس إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس، وكمن دخل في العلم والدين لرغبه في مال أو جاه، أو رهبة من عزل أو عقوبة أو أخذ مال، فلما ذاق حلاوة العلم والإيمان كان ذلك أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.
وإذا كان هذا في الدنيا، فما الظن بما في الآخرة؟ وإذا عرفت هذا عرفت شيئين: أحدهما: أن كل مؤمن تحقق إيمانه فإنما يعبد الله، والله أحب إليه من كل ما سواه، وإن كان لا يستشعر هذا في
(6/75)

نفسه، بل يكون ما يرجوه من الأكل والشرب النكاح، وما يخافه من العقاب باعثاً له على العبادة، لكن إذا ذاق حلاوة الإيمان وطعم العبادة، كان الله أحب إليه من كل شيء، وإن كان يغيب عن علمه بحاله، حتى لا يرغب ولا يرهب إلا من غير ذلك، فما كل محبوب واجب يستحضر في كل وقت، ولا تحصل به الرغبة، ولا من فواته الرهبة، بل تحصل الرغبة والرهبة بالمحبوب الأدنى والمرهوب الأدنى، ويقوده ذلك إلى المحبوب الأعلى، وهذا موجود فيمن ذاق طعم المحبوب الأعلى، فإنه قد يعترض له هوى في محبوب أدنى، فيكون حضوره ودواعي الشهوة إليه يوجب تقديمه، مع علمه بأنه يفوته بذل ما هو أحب إليه منه، وكمن يشتهي شيئاً فيتناوله، وهو بعلم أنه يضره وأنه يفوته به ما هو أحب إليه، بل يعلم أنه يوجب له ما يضره فإذا حصل له ترهيب يصده عن ذلك، أو رغبة فيما ترغب فيه نفسه حتى يترك ذاك، كان هذا دواء نافعاً له يشتاق به إلى المحبوب الأعلى.
والله قد أنزل كتابه شفاءً لما في الصدور، وهدىً للخلق، ورحمةً لهم، وبعث رسوله بالحكمة.
وأما ما ذكره هذا الرجل من الكلام المزخرف الذي قال الله فيه: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112-113] .
(6/76)

وذلك أنه عظم من يعبد الحق لذاته، وعبادة الحق تعالى لذاته أصل عظيم، وهو أصل الملة الحنيفية، وأساس دعوة الأنبياء، لكن هذا حاصل فيما جاءت به الرسل، لا في طريق الصحابة، فإن أصحابه لا يعبدون الله، بل ولا يحبونه أصلاً، بل ولا يطيعونه، وإنما العبادات عندهم رياضة للنفوس لتصل إلى علمهم الذي يدعون أنه كمال النفس، والكمال عندهم في التشبه به لا في أن يكون محبوباً مراداً.
ولهذا لم يتكلم أحد منهم في مقامات العارفين بمثل هذا الكلام الذي تكلم به ابن سينا، وهو أراد أن يجمع بين طريقهم وطريق العارفين أهل التصوف، فأخذ ألفاظاً مجملة، إذا فسر مراد كل واحد منها، تبين أن القوم من أبعد الناس عنه محبة الله وعبادته، وأنهم أبعد عن ذلك من اليهود والنصارى بكثير كثير.
ولهذا يظهر فيهم من إهمال العبادات والأوراد والأذكار والدعوات، ما لا يظهر في اليهود والنصارى، ومن سلك منهم مسلك العبادات فإن لم يهده الله إلى حقيقة دين الإسلام، وإلا صار آخر أمره ملحداً من الملاحدة، من جنس ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.
وأيضاً فإنه استحقر ما وعد الناس به في الآخرة من أنواع النعيم، وطلب تزهيد الناس فيما رغبهم الله فيه، وهو مضادة للأنبياء، وهو في الحقيقة منكر لوجود ذلك، كما هو في الحقيقة منكر لوجود محبة الله ومعرفته والنظر إليه، وإنما الذي أثبته من ذلك خيال، كما أن الذي أثبته من لذة المعرفة إنما هو مجرد كونه عالماً معقولاً موازياً للعالم
(6/77)

الموجود، وظن أنه بهذا تحصل اللذة التي يسعد بها في الآخرة، وينجو بها من العذاب، وهذا ضلال عظيم.
وقد أعرض الرازي عن الكلام على هذا فلم يمدحه ولم يذمه، وأما الطوسي فمدحه عليه، لأنه ملحد من جنسه والكلام على هؤلاء مبسوط في موضعه.

فصل: تابع كلام ابن سينا في مقامات العارفين وتعليق ابن تيمية عليه
ثم قال (إشارة: أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد.
إشارة: ثم إنه يحتاج إلى الرياضة، والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض: الأول: تنحية ما دون الحق من مستن الإيثار.
الثاني: تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التوهم والتخيل
(6/78)

إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.
الثالث: تلطيف السر للتنبيه.
والأول يعين عليه الزهد الحقيقي، والثاني: تعين عليه أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام.
والثالث: نفس الكلام الواعظ من قائل زكي بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد.
وأما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق، ليس سلطان الشهوة) .
فيقال قد ذكر أن المريد يحتاج في الرياضة - التي تسمى السلوك، إلى ثلاثة أشياء متعلقة بالقصد، والعمل، والعلم.
أما القصد، فأن لا يقصد إلا الحق، فينحي ما سواه عن طريق القصد، فلا يقصد إلا إياه.
وهذا حق لكن لا يكون إلا على دين المرسلين.
وأما إرادة الله ومحبته دون ما سواه فليس هو طريق هؤلاء المتفلسفة، بل هو ممتنع على أصولهم الفاسدة، وليس زهدهم زهد الأنبياء، ولكن زهدهم للتوفر على مطلوبهم الذي يرونه كمالاً، لا على عبادة الله.
(6/79)

وأما العمل فهو تطويع قوة النفس الأمارة بالسوء لقوتها المطمئنة، وهذا متفق عليه، لكن عند أهل الملل أن هذا تكميل لعبادة الله وطاعته، وعند الملاحدة إنما هو تهذيب للنفس لتستعد لما جعلوه هم كمالاً.
وليس المقصود هنا ذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل، فإن هذا له موضع آخر.
وإنما المقصود ذكر ما يتعلق بكلامهم في قوى التوهم والتخيل، فإنه قال: (لتنجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي) .
فذكر أن المقصود انجذاب قوى التخيل الوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، ولم يقل: إلى التوهمات والتخيلات، كما قال انجذاب قوى التخيل والوهم، لأنه يريد أن يجذب قوى التخيل والوهم.
فالتخيل لصور المحسوسات، والوهم لما فيها من المعاني، والجذب يكون إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، لا إلى التخيل، فإنه ليس المقصود جذبها إلى صورة متخيلة بل إلى أمر متوهم، وهو المعاني التي تحبها النفس، لأن الوهم كما تقدم تصور المعاني المحبوبة في الأعيان، وهي التي تكون لأجلها الولاية والعداوة.
(6/80)

والمقصود حصول التوهمات المناسبة للأمر القدسي، والانصراف عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.
والتوهمات هي تصور ما يحب ويبغض ويوالى ويعادى، ويوافق ويخالف، ويرجى ويخاف، من المعاني التي في الأعيان، فيريد أن يتصور ما يحب ويرجى لينجذب إليه، وما يكره ويخاف لينجذب عنه، ويكون ما يجب ويرجى في الأمر القدسي، والمكروه والمخوف في الأمر السفلي.
وقد ذكر أن المراد المعبود لذاته هو الله تعالى، فلا بد أن يتصور ما يوجب حبه لله، وبغضه لما يصرفه عن ذلك، وأن يتصور من رجائه وخوفه ما يصرفه إليه كما يتصور في الدنيا ما يجذبه عنها.
وإذا كان قد قال هذا مع قوله: (إن الوهم أن يتصور في المحسوسات أمراً غير محسوس، لم يمكن حتى هذا يتصور في حق الله تعالى ما يوجب انجذاب القلب إليه، وقد سمى ذلك توهماً.
وقوله: (ولتنجذب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي) .
إن أريد التوهمات المناسبة لقدس الرب تعالى، مثل كونه هو الذي يستحق أن يعبد ويحمد، وأمثال ذلك من المعاني المناسبة لعبادته، فقد جعل الشعور بهذه من باب التوهم.
(6/81)

وإن أريد به توهم معان في غير الرب، فتلك لا يحتاج إليها في عبادته تعالى، ولا يحتاج العابد لله إلى أن يتصور ما يناسب محبته لله وعبادته، بشعوره بما يوجب محبة الله وعبادته إياه دون ما سواه، فإن عبادة الله وحده تحصل إذا عرف من الله ما تحصل به محبته لله، فلا يحتاج أن يعرف من غيره ما يوجب محبته لله، ولو قدر أن تصور لغيره يوجب محبته، فقد جعل طلب ما يوجب انجذاب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي.
فهذه الأمور، سواء كانت صفات لله أو أموراً تقتضي محبة الله، فإنه جعلها من باب التوهم.
وهذا يوجب كون الله عالياً على خلقه من وجوه:
أحدهما: أنه قد ذكر أن الحيوانات - ناطقها وغير ناطقها - تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس، وهذا قوة الوهم كما تقدم.
فإذا كان قد قال مع ذلك: أنه لا بد من تطويع القوة الأمارة للقوة المطمئنة، لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي، والتوهمات المناسبة لإرادة الله وحده إنما تكون بتصور معنى فيه يوجب انجذاب القلب إليه.
وهو سبحانه يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فإنه واحد لا شريك له، وهم يقولون: انحصر نوعه في شخصه، فلا يجوز أن يكون
(6/82)

التصور الجاذب للقلب إليه وحده إلا تصور معين، في معين وهذا هو التوهم عندهم.
فهذا تصريح منهم بأن التوهم تصور صفاته، فقولهم مع ذلك بنفي إدراك هذه القوة له تناقض.
الثاني: أن القوة المتوهمة إذا كانت لا تتصور إلا في معين، والمعين لا يكون كلياً، امتنع أن يكون هذا معقولاً، إذا كانت المعقولات هي الكليات، كما قد يقولونه، ولأنه لا حجة لهم على إثبات معقول غير الكليات.
الثالث: أن هذا يوجب أن كون محسوساً، أي يمكن الإحساس به وهو رؤيته، كما ثبت أنه يرى في الآخرة، لأن التوهم عندهم أن يتصور في المحسوس ما ليس بمحسوس.
فإذا كان هو سبحانه يجب أن يوالى ويحب دون ما سواه، وكان ذلك بتوهم الأمور المناسبة لذلك التوهم، وهو تصور أمر غير محسوس في معين محسوس لزم أن يكون هو معيناً محسوساً.
الوجه الرابع: أنه جعل الذي يعين على تطويع النفس ثلاثة أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام، والثالث: نفس الكلام الواعظ.
ومعلوم أن العبادة لا تكون إلا بقصد وإرادة، والقصد والإرادة
(6/83)

الذي تنجذب معه قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة لعبادة الله، منصرفة عن المناسبة للأمر السفلي، لا يكون إلا إذا تصور في المراد الذي انجذبت إليه قوة التوهم ما يوجب إرادته ومحبته، فتكون إرادته توجب موالاته ومحبته، بل وخوفه ورجائه.
وهذا كله عندهم من عمل القوة المتوهمة، فدل على أنه لا بد عندهم أن يكون الحق تعالى مما يتعلق الوهم بمعان فيه، وهذا لازم لكلامهم لا محيد عنه.
الوجه الخامس: أنه قال: (الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام) .
فتبين أنه يطلب كون الوهم يقبل الكلام الملحن، والقوة الوهمية هي التي تدرك المعنى المحبوب والمكروه في المعين المحسوس الجزئي كما تقدم.
فدل بها على أن الكلام الملحن يكون فيه ما يوجب قبول الوهم للكلام الذي يدعو إلى عبادة الله ومحبته، وذلك بما تقدم من كون الوهم هو الذي يشعر بالمعاني التي تحب وتبغض، وتوالي وتعادي، فكان حب العبد لربه وعبادته إياه مشروطاً بتوهمه في ربهما يحبه العبد، فوجب كون الرب عندهم محسوساً وكون الوهم يتصور فيه ما يحب لأجله.
السادس: أنه قال: (لينجذب التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمكر السفلي) .
(6/84)

والسفلي ضد العلوي، فدل ذلك على أن القدسي علوي.
فإن قيل: يراد بذلك علو القدر أو الصفات.
قيل: هذا لا يصح هنا، لأن قوى الوهم إنما تنجذب إلى معان غير محسوسة في أمر محسوس، وما كان محسوساً أمكن أن يكون فوق العالم.
السابع: أن يقال: ما أشار إليه من هذه المعاني، وغن كان التعبير عنه بعبارات غير معروف، فهذا هو الذي فطر الله عليه عباده، فإنهم إذا حزبهم أمر احتاجوا فيه إلى توجيه قلوبهم إلى الله توجهوا إلى العلو، وتصوروا أن الله جواد كريم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويرزقهم وينصرهم، فعرفوا منه ما يوافق مطلوبهم ومرادهم ومحبوبهم.
وهذا هو الذي يسميه هؤلاء التوهم.
وأيضاً فمن كان محباً له، محباً لذكره، متلذذاً بمناجاته، فإنه يجد
في فطرته معنى يطلب بالعلو، ويتصور أن ربه متصف بما يستحق لأجله أن يعبد ويحب ويطاع، وهذا هو الذي يسمونه التوهم، ويجد قلبه منصرفاً إلى العلو، منصرفاً عن السفل، إلا إذا كان قد غيرت فطرته.
فإن قيل له: ربك ليس فوق، أو غير ذلك بأن يقال: ليس في
(6/85)

جهة، أو لا يختص، أو لا تحصره، أو نحو ذلك من العبارات المجملة التي يراد بها: أنه ليس فوق، فيحتاج حينئذ أن يصرف فطرته علما وإرادة عما فطر عليه.
فما ذكره في مقامات العارفين موافق لما فطر الله عليه عباده أجمعين، بخلاف
ما ذكره هناك، فإنه مخالف للفطرة كما تقدم.
الثامن: أن الشرائع الإلهية جاءت بما يوافق الفطرة.
التاسع: أنه قد اتفق على ذلك سلف الأمة.
العاشر: أنه دلت على ذلك الدلائل العقلية اليقينية.
الحادي عشر: أن موجب ما ذكروه أن لا يكون الرب معبوداً إلا بتعلق المعنى الذي سموه الوهم به، وأن من نفى تعلق الوهم بمعنى في الرب، فقد أبطل كون الرب محبوباً معبوداً، فمن قال بعد ذلك: إنه لا يقبل في الإلهيات هذه القضايا الوهمية، فقد نفى كون الرب مستحقاً لأن العبد وأن يحب، وهذا حقيقة قولهم، ولهذا كان حقيقة قولهم تعطيل الرب عن أن يكون موجوداً، وأن يكون مقصوداً وأن يكون معبوداً.
وعلى هذا كانت أئمتهم، كالقرامطة الباطنية الذين قادوا حقيقة قولهم، وكذلك باطنية الصوفية الذين وافقوهم، كأصحاب ابن عربي وابن سبعين، فإن الذين عرفوا حقيقة قولهم كالتلمساني كانوا من أبعد
(6/86)

الناس عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسله، وأشدهم فجوراً وتعدياً لحدود الله، وانتهاكاً لمحارمه، ومخالفة لكتابة ولرسوله، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

عود إلى مناقشة كلام ابن سينا عن الوهم
وحينئذ فنقول قوله: (إن القضايا الوهمية كاذبة) .
إن أراد به القضايا الكلية التي تناقض معقولاً، فتلك عندهم ليست من قضايا الوهم.
وإن أراد به ما يدركه الوهم من الأمور المعينة في المحسوسات، فتلك صادقة عنده لا كاذبة، وهي لا تعارض الكليات.
وقوله: (إن الوهم الإنساني يقضي بها قضاءً شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ويقابلها) .
فيقال له: هذا يقتضي تمكنها من الفطرة، وثبوتها في النفس، وأن الفطرة لا تقبل نقيضها، وهذا يقتضي صحتها وثبوتها، لا ضعفها وفسادها.
وأما قوله: (لأن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم) .
فيقال له: إن أردت بالوهم التابع للحس ما سميته وهماً، وهو توهم معاني جزئية غير محسوسة في المحسوسات الجزئية، فلا ريب أن
(6/87)

الوهم تابع للحس، وهذا الوهم قد ذكرت أنه صحيح مطابق كالحس، فإن قدحت في هذا قدحت في الحس، وإن جعلت هذا معارضاً للعقل، كان بمنزلة جعل الحس معارضاً للعقل.
وإن أردت بالوهم ما يقضي قضاءً كلياً أن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه محال، ونحو ذلك من القضايا الكلية التي تزعم أنها معارضة للعقل، كان هذا الكلام باطلاً من وجهين:
أحدهما: أن هذه قضايا كلية مطلقة، والوهم قد ذكرت أن تصوراته جزئية، فلا يكون هذا من الوهميات.
الثاني: أن يقال: هذه القضايا الكلية كسائر القضايا الكلية التي مبادئها من الحس، كالقضاء بأن السواد والبياض يتضادان، والحركة والسكون يتناقضان، والجسم الواحد لا يكون في مكانين، وأمثال ذلك.
بل هذه بمنزلة الحكم بأن الموجود إما أن يكون قائماً بنفسه، وإما أن يكون قائماً بغيره، وإما أن يكون قديماً وإما أن يكون محدثاً، وإما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً بنفسه، وأمثال ذلك.
فالقدح في هذه القضايا الكلية كالقدح في تلك، فإن الجاز القدح في هذه لأن مبادئها الحس جاز القدح في تلك وإلا فلا، إذ الحس وما يتبعه - مما يسمونه توهماً وتخيلاً - لا يدرك إلا أموراً معينة جزئية، ثم يقضي الذهن قضاءً كلياً، فإن جاز أن تكون تلك القضايا الكلية باطلة بسبب كونها مبدئها من هذا الوهم، الذي هو في الأصل الصحيح
(6/88)

عندهم، جاز أن تكون القضايا الكلية باطلة إذا كان مبدئها من الحس عندهم.
فلو قال قائل يمكن في الموجود غير المحسوس أن يكون لا وجباً ولا ممكناً، ولا قديماً ولا محدثاً، ولا قائماً بنفسه ولا قائماً بغيره - كان بمنزلة قول القائل: يمكن فيه أن يكون لا مبايناً لغيره ولا محايثاً له، ولا مداخلاً له ولا خارجاً عنه.
وإن جاز أن يقال لهذا: هذه قضايا وهمية، والوهم تابع للحس، جاز أن يقال للأول: وهذه قضايا وهمية، أو يقال: قضايا حسية وحكم الحس والوهم لا يقبل إلا في الحسيات، فلا يحكم في الوجود المطلق وتوابعه، لأن ذلك معقول غير محسوس، فما به ترد تلك القضايا الكلية يمكن أن يقال في أمثالها من القضايا الكلية المتناولة لجميع الموجودات والمعلومات.
وأما قوله في بيان أنها كاذبة: (من المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول، كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة، ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم) .
(6/89)

فيقال له: هذا كلام على تقدير أن يكون للمحسوسات مباد لا يمكن تعلق الحس بها، وهذا هو رأس المسألة وأول النزاع فإذا جعلت هذا حجة في إثبات مطلوبك فقد صادرت على المطلوب.
ثم يقال لك: الوهم إنما يتصور عندك في الأمور الجزئية، وهذه القضايا كلية لا جزئية.
ويقال لك أيضاً: هذا بعينه يرد عليك في تقسيم الوجود إلى: قائم بنفسه وبغيره، وقديم ومحدث، وجوهر وعرض، وعلة ومعلول، ونحو ذلك فإن ما ذكرته من هذه القضايا يتناول هذه.
ويقال لك ما تعني بقولك: (إن المحسوسات إذا كان لها مباد وأصول كانت قبل المحسوسات) .
أتعني به أن ما أحسسناه له مباد وأصول لم نحسها؟ أم تعني به أن ما يمكن أن يحس به يجب أن يكون له مبدأ لا يمكن الإحساس به؟ .
فإن عنيت الأول فهو مسلم، لكن لا يلزم من عدم إحساسنا بها أن لا يكون الإحساس بها ممكناً، ولا يقول عاقل: إن كل ما لم نشهده الآن لا يمكن أن نشهده بعد الموت، أو في وقت آخر، فإنه ما من عاقل إلا ويجوز أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشهده الآن، بل يجوز أن تكون هناك أفلاك ونجوم لا ندركها فضلاً عن غيرها.
وإن قال: إنه لا بد أن يكون لكل ما يمكن أن يحس به مبدأ لا
(6/90)

يمكن أن نحس به، فهذا ممنوع، وهو رأس المسألة ولم يذكر عليه دليلاً.
وهو في إشاراته لم يذكر على ذلك من الأدلة إلا ما ذكره الرازي وأمثاله، فإنه قال: (في الوجود وعلله: إنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس، وأن ما لا يناله الحس بجوهره، ففرض وجوده محال، وأن ما لا يتخصص بمكان أو يوضع بذاته كالجسم، أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم، فلا حظ له ولا وجود) .
قال: (وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس، فتعلم منه بطلان قول هؤلاء، فإنك، ومن يستحق أن يخاطب، تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد، لا على الاشتراك الصرف، بل بحسب معنى واحد، مثل اسم الإنسان، فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود، فذلك المعنى الموجود لا يخلو: إما أن يكون بحيث يناله الحس، أو لا يكون.
فإن كان بعيداً من أن يناله الحس فقد أخرج التفتش من المحسوسات ما ليس بمحسوس، وهذا
(6/91)

أعجب.
وإن كان محسوساً فله لا محالة: وضع، وأين، ومقدار معين، وكيف معين، لا يتأتى أن يحس، بل ولا أن يتخيل إلا كذلك، فإن كل محسوس وكل متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك لم يكن ملائماً لما ليس بتلك الحال، فلم يكن مقولاً على كثيرين يختلفون في تلك الحال.
فإذن الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة، بل من حيث الحقيقة الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير المحسوس، بل معقول صرف، وكذلك الحال في كل الكلي) .
فهذا لفظه، وأتباعه مشوا خلفه فأثبتوا ما ليس بمحسوس بإثبات الكليات المعقولة، وقد عرف بالاضطرار أن الكليات لا تكون كلية إلا في العقل لا في الخارج، بل ليس في الخارج كلي البتة، والذي يقال إنه كلي طبيعي لا يوجد إلا معيناً جزئياً، فما كان كلياً في العقل يوجد في الخارج معيناً لا كلياً، كما قد بسط في موضعه.
فهذا الكلام وأمثاله هو الذي يثبت به أن للموجود مبادئ لا يمكن أن يحس بها.
وأما قوله: (إذا كانت للمحسوسات مبادئ كانت غير محسوسة) ، فتلبيس لأن لفظ (المحسوس) يراد به ما هو محسوس لنا
(6/92)

بالفعل وما يمكن إحساسه، ولا ريب أن المحسوسات بالفعل لها مبادئ غير محسوسة.
لكن لم قلت: إن كل ما يمكن إحساسه له مبدأ لا يمكن إحساسه، هذه حكاية المذهب.
وأما قوله: (ولهذا كان الوهم مساعداً للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم موجبه) ، فهذا ممنوع.
وقد عرف أن أدلته على إثبات ذلك من جنس هذه الأدلة التي أثبت بها الموجودات العقلية الثابتة في الخارج بإثبات كليات، وهو مثل إثباته لما كان خارج الذهن.
ثم يقال له: الوهم المساعد للعقل: إن أردت به ما سميته وهماً، وهو ما يتصور في المحسوسات الجزئية معاني غير محسوسة، كالصداقة والعداوة، فليس في هذه التصورات مقدمة تساعد على إثبات موجود لا يمكن الإحساس به، بل تلك المقدمات مثل إثبات الكليات وأمثالها ليس فيها مقدمة يتصورها هذا الوهم.
وإن أردت بالوهم المساعد ما يقضي قضايا كلية، مثل قضاء الذهن بأن بين هذا الإنسان وهذا الإنسان إنسانية مشتركة، ونحو ذلك فهذه قضايا عقلية لا وهمية.
وأيضاً فالقاضي بإثبات إنسانية مطلقة هو القاضي بأن كل
(6/93)

موجودين لا بد أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو محايثاً له، كما أنه هو القاضي بأن كل موجودين لا بد أن يقارن وجود أحدهما الآخر أو يتقدم عليه، وأن كل موجود فلا بد أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره.
فهذه القضايا الكلية إن سميتها وهمية كانت العقليات هي الوهميات، وإن سميتها عقليات وقدرت تناقضها لزم تناقض العقليات.
واعلم أن هؤلاء قد يجيبون بجواب يمكن أن يجاب به كل من قدح في العقليات الكلية.
وقولك: (فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم) .
يقال لك: ما الوهم الناكص: أهو الذي سميته وهماً؟ فذاك إنما يتصور معاني جزئية، فليس له في الكليات حكم: لا بقبول ولا رد فلا يقال فيه: لا يقبل ولا ينكص، كما لا يقال في القضايا الكلية: إن الحس يقبلها ولا يردها، كما لا يقال: إن البصر يميز بين الأصوات، والسمع يميز بين الألوان.
وإن قلت: إن العقل يثبت موجوداً معيناً لا يمكن الإشارة إليه، والوهم لا يتصور معيناً لا يشار إليه.
(6/94)

فيقال لك: العقل إنما يثبت أموراً كلية مطلقة، لا يثبت شيئاً معيناً إلا بواسطة غيره، كالحس وتوابع الحس، ولهذا كان القياس العقلي المنطقي لا ينتج إن لم يكن فيه قضية كلية، وإذا أردنا أن ندخل شيئاً من المعينات تحت القضايا الكلية، فلا بد من تصور للمعينات غير التصور للقضايا الكلية.
فإذا علمنا أن كل شيء: فإما قائم بنفسه أو بغيره، وان كل موجود: فإما واجب بنفسه وإما ممكن بنفسه، وأن كل موجود: فإما قديم وإما محدث، وأن كل موجود أو كل ممكن فهو: إما جوهر وإما عرض، وأردنا أن نحكم على معين بأنه قديم أو محدث، أو جوهر أو عرض، أو واجب أو ممكن، أو نحو ذلك، فلا بد من أن نعينه بغير ما به علمنا تلك القضية الكلية، فتصور المعين الداخل في القضية الكلية شيء وتصور القضية الكلية شيء آخر.
فليتدبر الفاضل هذا، ليتبين له أن من لم يثبت موجوداً يمكن الإحساس به لم يثبت إلا قضايا كلية في الأذهان، كما يثبتون العدد المطلق، والمقدار المطلق، والحقائق المطلقة، والوجود المطلق، وكل هذه أمور ثابتة في الأذهان، لا موجودة في الأعيان.
ولهذا من أثبت أن في الوجود موجوداً واجباً قديماً، وقال: إنه يمتنع الإشارة إليه، امتنع أن يكون عنده معيناً مختصاً، ولزم أن يكون مطلقاً مجرداً في الذهن، فلا حقيقة له في الخارج.
(6/95)

وهذا مذهب أئمة الجهمية، فإنهم يثبتون موجوداً مطلقاً يمتنع وجوده في الخارج، فابن سينا وأتباعه يقولون: هو وجود مطلق بشرط نفي جميع الأمور الثبوتية، وهو أبلغ الأقوال في كونه معدوماً، وآخرون يقولون: هو مطلق بشرط نفي الأمور الثبوتية والسلبية، لا بشرط شيء من الأمور الثبوتية والسلبية كما يقول هذا وهذا طائفة من ملحدة الباطنية ومن وافقهم من الصوفية.
ومن المعلوم أن الوجود المشروط فيه نفي هذا وهذا ممتنع، فكيف بالمشروط فيه النفي؟ فإن ما اشترط فيه العدم كان أولى بالعدم مما لم يشترط فيه وجود ولا عدم، ومما اشترط فيه نفي الوجود والعدم جميعاً؟ وهذا هو المطلق بشرط الإطلاق.
وهم يقرون في منطقهم ما هو متفق عليه بين العقلاء من أن المطلق بشر الإطلاق لا وجود له في الخارج، ويقررون أن الفصول المميزة بين موجودين لا بد أن تكون أموراً وجودية لا تكون عدمية، وهم لا يميزون الوجود الواجب عن الوجود الممكن إلا بأمور عدمية، ومن ظن أن مذهب ابن سينا إثبات وجود خاص بمنزلة الوجود المشروط
(6/96)

بسلب جميع الحقائق، فجعل فيه وجوداً مشتركاً ووجوداً مختصاً، لم يفهم مذهبه، كما فعل ذلك الطوسي منتصراً له فلم يفهم مذهبه.
والقونوي وأمثاله يقولون: هو المطلق لا بشرط، وهذا إما أن يكون ممتنعاً في الخارج، وإما أن يكون جزءاً من الممكنات، فيكون الواجب جزءاً من الممكنات.
وقد بسط بيان تناقض أقوالهم في غير هذا الموضع، واعتبر ما ذكرناه من أن كل ما يثبتونه بالبرهان القياسي فإنه قضايا كلية مطلقة، بأنهم إذا أرادوا أن يعينوا شيئاً موجوداً في الخارج داخلاً في تلك القضية الكلية، عينوه إما بالحس الباطن أو الظاهر، إذ العقل يدرك الكليات والحس هو الذي يدرك الجزئيات، فإذا أثبتوا أن الحركة الإرادية مسبوقة بالتصور، وأرادوا تعيين ذلك، عينوا: إما نفس الإنسان فيشيرون إليها، وإما النفس الفلكية فيشيرون إلى الفلك.
وإن أثبتوا وجود موجود معين في الخارج يدخل تحت هذه القضية من غير إشارة إليه تعذر ذلك عليهم.
وكذلك إذا ثبت بالعقل أن الكل أعظم من الجزء، وأن الأمر المساوية لشيء واحد متساوية، وأن الشيء الواحد لا يكون موجوداً معدوماً ونحو ذلك، فمنى أراد الإنسان إدخال معين في هذه القضية
(6/97)

الكلية أشار إليه.
والقضايا الكلية تارة يكون لجزيئاتها وجود في الخارج، وتارة تكون مقدورة في الأذهان، لا وجود لها في الأعيان، وهذا كثيراً ما يقع فيها الغلط والالتباس.
وليس المقصود الأول بالعلم إلا علم ما هو ثابت في الخارج، وأما المقدورات الذهنية فتلك بحسب ما يخطر للنفوس من التصورات، سواء كانت حقاً أو باطلاً، وما يثبته هؤلاء النفاة من إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه عند التأمل والتدبر نبين أنه من المقدرات الذهنية، لا من الموجودات العينية.
وغير أن ابن سينا وأتباعه م المنطقيين، مثل أبي البركات صاحب المعتبر وغيره، لم يخرجوا هذه القضايا التي سماها ابن سينا (وهميات) من الأوليات البديهيات، كما أخرجها ابن سينا، وما أظن صاحب المنطق أرسطو أخرجها أيضاً.
وأما قوله: (وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من
(6/98)

المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها) إلى آخره.
يقال له: هذا أيضاً مما يبين قوتها وصدقها، فإنهم اعترفوا بأنها أقوى من المشهورات التي ليست بأولية، وهذه المشهورات عند أكثر العقلاء من العقليات الضروريات، فإذا كانت هذه أقوى منها لزم أن تكون أقوى من بعض العقليات الضروريات، وذلك يوجب صدقها.
وذلك أنه قال: (فأما المشهورات فمنها هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله، لا من حيث هي واجب قبولها، بل من حيث عموم الاعتراف بها، ومنها الآراء المسماة بالمحمودة، وربما خصصناها باسم المشهورة، إذ لا عمدة لها إلا الشهرة، وهي أن لو خلي الإنسان وعقله المجرد، ووهمه وحسه، لم يؤدب بقبوله قضايا ما والاعتراف بها، ولم يمكنه الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات، ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل، والأنفة والحمية، وغير ذلك- لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه
(6/99)

وحسه، مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان للإنسان قبيح، وأن الكذب قبيح، ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس، وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج، ولو توهم الإنسان نفسه، وأنه خلق دفعة، تام العقل، ولم يسمع أدباً، ولم يطع أنفعالاً نفسياً أو خلقاً، لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه، ولي كذلك حال قضائه، لأن الكل أعظم من الجزء.
وهذه المشهورات قد تكون صادقة، وقد تكون كاذبة، وإن كانت صادقة فليست تنسب إلى الأوليات ونحوها، إذا لم يكن بينة الصدق عند العقل الأول إلا بنظر، وإن كانت محمودة عنده، والصادق غير المحمود، وكذلك الكاذب غير الشنيع، ورب شنيع حق، ورب محمود كاذب.
(6/100)

والمشهورات: إما من الواجبات، وإما من التأديبات الصلاحية، وما تتطابق عليها الشرائع الإلهية، وإما خلقيات وانفعالات، وإما استقرائيات، وهي: إما بحسب الإطلاق، وإما بحسب صناعة.
قلت: ليس هذا موضع بسط القول.....
قال ابن سينا: (وأما القضايا الوهمية فهي قضايا كاذبة، إلا أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة، لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها، بسبب أن الوهم تابع للحس، فما لا يوافق الحس لا يقبله الوهم، ومن المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات، ولم تكن محسوسة، ولم يكن
(6/101)

وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم، ولهذا كان الوهم مساعداً للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك المبادئ، فإذا تعديا معاً إلى النتيجة نكص الوهم، وامتنع عن قبول ما سلم موجبه.
وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية، وتكاد تشاكل الأوليات، وتدخل في المشبهات بها، وهي أحكام للنفس في أمور متقدمة على المحسوسات، أو أعم منها، على نحو ما يجب أن لا يكون لها، وعلى نحو ما يجب أن يكون أو يظن.
في المحسوسات، مثل اعتقاد المعتقد أنه لا بد من خلاء ينتهي إليه الملاء إذا تناهى، وانه لا بد في كل موجود من أن يكون مشاراً إلى جهة وجوده) .
فيقال له: هذا الكلام إنما يصح أن لو ثبت وجود أمور لا يمكن الإحساس بها، حتى يكون حكم هذه في ما هو مقدم على تلك، أو ما هو أعم منها، وثبوت وجود هذه الأمور إنما يصح إذا ثبت إمكان ذلك، وإمكان ذلك إنما يصح إذا ثبت بطلان هذه القضايا التي يسميها الوهميات، فلو أبطلت هذه الوهميات بإثبات ذلك لزم الدور، فإن هذه القضايا تحكم بامتناع وجود ما لا يمكن الإشارة إليه، والمقدمات
(6/102)

التي تثبت ذلك ليست مسلمة عندها، بل لا يمكن عندها تسليم ما يستلزم نقيض ذلك، فإنه قدح في الضروريات بالنظريات.
وأيضاً فالوهم عندهم إنما يتصور معاني جزئية، وهذه القضايا كلية، فامتنع أن يكون وهمية.
وأيضاً فما يثبت به وجود هذه الموجودات قضايا سوفسطائية، كما بين في موضعه.
وأما قوله: (وهذه الوهميات، لولا مخالفة السنن الشرعية لها، لكانت تكون مشهورة وإنما تثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية) .
فيقال له: هذا من أصدق الدليل على صحتها، وذلك أن هذه مشهورة عند جميع الأمم الذين لم تغير فطرتهم، وعند جميع الأمم المتبعين لسنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من المسلمين واليهود والنصارى، وإنما يقدح فيها المبتدعة من أهل الديانات، كالمعتزلة ونحوهم.
وابن سينا لما كان من أتباع القرامطة الباطنية، وهو يعاشر أهل الديانات المبتدعين من الرافضة والمعتزلة، أو من فيه شعبة من ذلك،
(6/103)

وهؤلاء يقولون: إن الله ليس فوق العرش، لم تكن هذه مشهورة عند هؤلاء.
ومن المعلوم باتفاق هؤلاء وغيرهم، أن الأنبياء لم يقدحوا في هذه القضايا، ولا أخبروا بما يناقضها، بل أخبار الأنبياء كلها توافق هذه القضايا.
والقرآن والتوراة والإنجيل فيها من الموافق لهذه القضايا ما لا يحصيه إلا الله.
وكذلك في الأخبار النبوية والآثار السلفية، بل لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم قول يناقض إثبات هذه القضايا.
وابن سينا وأمثاله مقرون بان الكتب الإلهية إنما جاءت بما يوافق مذهب المثبتة للصفات والعلو، بما لا يناقض ذلك، وهم يسمون ذلك تشبيهاً، ويقولون: الكتب الإلهية إنما جاءت بالتشبيه، ويجعلون هذا مما احتجوا به، كما قد حكينا كلامه في ذلك، وأنه احتج بذلك على هؤلاء الذين وافقوه على نفي الصفات والعلو.
وقال: إذا كان هذا التوحيد حق، والأنبياء لم تخبر به بل بنقيضه، فكذلك في أمر المعاد، فكيف يزعم من هذا أن السنن الشرعية والديانات الحقيقة منعت هذه أن تكون مشهورة.
فعلم أن المانع لشهرتها هو قول لم يوجد عن الأنبياء وأتباع الأنبياء، وأن شهرتها إنما امتنعت بين هؤلاء الذين ابتدعوا قولاً ليس مشروطاً،
(6/104)

وحينئذ فيكون المانع من شهرتها عند من لم تشتهر عنده سنة بدعية لا شرعية، وديانة وضعها بعض الناس، ليست منقولة عن نبي من الأنبياء.
ولا ريب أن المشركين والمبدلين من أهل الكتاب لهم شرائع وديانات ابتدعوها ووضعوها، وتلك لا يجب قبولها عند العقلاء، وإنما يجب أن يتبع ما يثبت نقله عن الأنبياء المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم.
وكذلك قوله إنه: (يثلم في شهرتها العلوم الحكمية) .
فيقال له: قد نقل غيرك من الفلاسفة القدماء أنهم كانوا يقولون بموجب هذه القضايا، كما بين ذلك ابن رشد الحفيد وغيره، بل المنقول عن متقدمي الفلاسفة وأساطينهم بل أرسطو، وعن كثير من متأخريهم، القول بما هو أبلغ من هذه القضايا، من قيام الحوادث بالواجب، وما يتبع ذلك، كما تقدم نقل بعض ذلك عنهم.
وقوله: (ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك، لشدة استيلاء الوهم) .
فيقال له: هذا يدل على تمكنها في الفطرة، وثبوتها في الجبلة.
وأنها مغروزة في النفوس، فمن دفع ذلك عن نفسه لم يقاوم نفسه، ولم يمكنه دفعها عن نفسه.
(6/105)

وهذا حد العلم الضروري، وهو الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه معه دفعه عن نفسه، فإذا لم يمكن الإنسان أن يدفع هذه القضايا عن نفسه، ولا يقاوم نفسه في دفعها، تبين أنها ضرورية، وأن هؤلاء الدافعين لها يريدون تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وتغيير خلقه، كأمثالهم من الجاحدين المكذبين بالحق، الذين يكذبون بالحق المعلوم بالبهتان والسفسطة، وأن قدحهم في هذا كقدح أمثالهم من السوفسطائية في أمثال هذه.
وأما قوله: (لشدة استيلاء الوهم) .
فقد قلنا غير مرة: إن الوهم قد فسروه بالقوة التي تتصور معاني جزئية في محسوسات جزئية، وهذا الوهم إنما تصرفه في الجزئيات من المعاني، وأما هذه القضايا فهي قضايا كلية، فهي من حكم العقل الصريح، فالمخالف لها مخالف لصريح العقل، وهو المتبع لقضايا الوهم الفاسد، فإنه يثبت موجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق، أو موجوداً لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا الموجود لا يثبته في الخارج إلا الوهم والخيال الفاسد، لا يثبته لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل ولا وهم مطابق، ولا خيال مستقيم، كما لا يثبته حس سليم، فنفاة ذلك ينفون موجب العقل والشرع والحس السليم، والوهم المستقيم، والخيال القويم، ويثبتون ما لا يدرك إلا بوهم فاسد، وخيال فاسد.
(6/106)

وقوله: (على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات فهو مدفوع منكر) .
فيقال له: هذا أيضاً حجة عليكم، فإن المنازع يقول: أنه لم يقم دليل شرعي ولا عقلي على إثبات موجود لا يمكن أن يعرف بالحس بوجه من الوجوه، وإن كان لا يمكن أن يعرف كثير من الناس بحسه، ولا يمكن أن يعر ف بالحس في كثير من الأحوال.
وقد عرف من مذهب السلف وأهل السنة والجماعة أن الله يمكن أن يرى في الآخرة، وكذلك الملائكة والجن يمكن أن ترى، وما يقوم بالمرئيات من الصفات يمكن أن يعرف بطريقها، كما تعرف المسموعات بالسمع، والملموسات باللمس، ويقول: إن الرسل صلوات الله عليهم قسموا الموجودات إلى غيب وشهادة، وأمروا الإنسان بالإيمان بما أخبروا به من الغيب.
وكون الشيء شاهداً وغائباً أمر يعود إلى كونه الآن مشهوداً أو ليس الآن بمشهود، فما لم يكن الآن مشهوداً يمكن أن يشهد بعد ذلك، بخلاف هؤلاء النفاة، فإنهم قسموا الموجودات في الخارج إلى محسوس، وإلى معقول لا يمكن الإحساس به بحال.
وهذا مما ينفيه صريح العقل لا مما يثبته، وإنما المعقول الصرف ما كان ثابتاً في العقل كالعلوم الكلية، وليس للكليات وجود في الخارج، مع انه قد يقال: إنه يمكن الإحساس بها أيضاً، إذا أمكن الإحساس
(6/107)

بمحلها، كما يمكن الإحساس بأمثالها من الأعراض، كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك.
لكن نحن لا نحس الآن بهذه الأمور بالحس الظاهر، وعدم إحساسنا الآن بذلك، لا يمنع أن الملائكة يمكنها الإحساس بذلك، وأنه يمكننا الإحساس بذلك في حال أخرى، وأنه يمكن كل واحد أن يحس بما في باطن غيره، كما يمكنه الإحساس الآن بوجهه وعينه، وإن كان الإنسان لا يرى وجهه وعينه، فقد يشهد الإنسان من غيره ما لا يشهده من نفسه، وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع.
وأيضاً فالحس نوعان: حس ظاهر يحسه الإنسان بمشاعره الظاهرة فيراه ويسمعه ويباشره بجلده، وحسن باطن كما أن الإنسان يحس بما في باطنه من اللذة والألم، والحب والبغض، والفرح والحزن، والقوة والضعف وغير ذلك.
والروح تحس بأشياء لا يحس بها البدن، كما يحس من يحصل له نوع تجريد، بالنوم وغيره، بأمور لا يحس بها غيره.
ثم الروح بعد الموت تكون أقوى تجرداً، فترى بعد الموت وتحس بأمور لا تراها الآن ولا تحس بها.
وفي الأنفس من يحصل له ما يوجب أن يرى بعينه ويسمع بأذنه ما لا يراه الحاضرون ولا يسمعونه، كما يرى الأنبياء الملائكة ويسمعون
(6/108)

كلامهم، وكما يرى كثير من الناس الجن ويسمعون كلامهم.
وأما من يقول بعض الفلاسفة: إن هذه المرئيات والمسموعات إنما هي في نفس الرائي لا في الخارج، فهذا مما قد علم بطلانه بأدلة كثيرة، وقد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
ومن كان له نوع خبرة بالجن: إما بمباشرته لهم في نفسه وفي الناس، أو بالأخبار المتواترة له عن الناس، علم من ذلك ما يوجب له اليقين التام بوجودهم في الخارج، دع ما تواتر من ذلك عن الأنبياء.
وكذلك ما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقيني بوجودهم في الخارج، كقصة ضيف إبراهيم المكرمين، ومجيئهم إلى إبراهيم، وإتيانه لهم بالعجل السمين ليأكلوه، وبشارتهم لسارة بإسحاق ويعقوب ثم ذهابهم إلى لوط، ومخاطبتهم له، وإهلاك قرى قوم لوط، وقد قص الله هذه القصة في غير هذه الموضع.
وكذلك قصة مريم وإرسال الله إليها جبريل في صورة بشر حتى نفخ فيها الروح، وكذلك قصة إتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «تارة في صورة أعرابي» .
(6/109)

«وتارات في صورة دحية الكلبي» .
فمن علم أن الروح قد تحس بما لا يحس به البدن، وأن من الناس من يحس بروحه وبدنه ما لا يحسه غيره من الناس، توسع له طرق الحس، ولم يرى الحس مقصوراً على ما يحبه جمهور الناس في الدنيا بهذا البدن، فإن هذا الحس غنما يدرك بعض الموجودات.
وحينئذ فإذا قيل: إن كل قائم بنفسه أو كل موجود يمكن الإحساس به، فإنه يراد بذلك ما هو أعم من هذا الحس، بحيث يدخل في ذلك هذا وهذا، وليس للنفاة دليل على إثبات ما ليس بمحسوس بهذا الحس، والعقليات التي يثبتونها إنما هي الكليات الثابتة في الذهن، وتلك في الحقيقة وجودها في الأذهان لا في الأعيان.
(6/110)

وهذا منتهى ما عند ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة، ولهذا كان كمال الإنسان عندهم أن يصير عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود، ويجعلون النعيم والعذاب أمرين قائمين بالنفس، من جملة أعراضها لا ينفصل شيء من ذلك عنها، وقد بينا بعض ما في هذا القول من الضلال في غير هذا الموضع.
ولهذا جعل في منطقه العلوم اليقينية العقلية هي هذه العقليات، ونفى أن تكون المشهورات العملية من اليقينيات، ونفى أن يكون ما يثبت الموجودات الحسية الغائبة من اليقينيات، وسمى هذه وهميات، فبإنكاره هذا أنكر الموجودات الغائبة عن إحساس أكثر الناس في هذه الدنيا، فلم يصدق بالموجودات الغائبة، ولا بكثير مما يشاهد في هذا العالم من الملائكة والجن وغير ذلك، وبإنكاره المشهورات أن تكون يقينية أنكر موجب القوة العملية في النفس التي بها تستحسن ما ينفعها من الأعمال، وتستقبح ما يضرها، فأخرج الأعمال التي لا تكمل النفس إلا بها من أن تكون يقينية، كما أخرجها من أن تكون من الكمال، ولم يجعل كمال النفس إلا مجرد علم مجرد، لا حب معه لله تعالى في الحقيقة، وإنما الأعمال عندهم لأجل إعداد النفس لنيل ما يظنونه كمالاً من العلم.
وهذا العلم الذي يدعونه غالبه جهل، وما فيه من العلم فليس علماً
(6/111)

بموجودات معينة، وإنما هو علم أمور مطلقة في الذهن لا وجود لها في الخارج، فلم يحصل له من الكمالات العلمية والعملية ما يوجب سعادتهم في الآخرة، ولا نجاتهم من النار، وكان كثير من اليهود والنصارى أقرب إلى السعادة والنجاة منهم، كما قد بسط في موضعه.
والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن حكم الذهن بأنه ما من موجود قائم بنفسه وإلا يمكن الإشارة إليه، وأنه يمتنع وجود موجودين ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا محايثاً له، بل إن صانع العالم فوق العالم - ليس مما تواطأ عليه الناس وقبله بعضهم عن بعض، كقول النفاة: إنه يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، بل ذلك مما أقر به الناس بفطرتهم، وعرفوا ببدائه عقولهم، وضروات قلوبهم.
والقادحون فيما يسلمون ذلك، ويدعون أن فطر الناس أخطأت في هذا الحكم، وأنه من حكم الوهم والخيال الباطل.
فإذا كانوا معترفين بأن هذا مما أقروا به بلا مواطأة، لم يمكن أن يقال: إنهم كذبوا على فطرتهم، لأن هؤلاء القائلين بذلك أضعاف أضعاف أضعاف أهل التواتر، بل هم جماهير بني آدم، فإذا قالوا: إن هذا أمر نجده في قلوبنا وفطرتنا، وجب تصديقهم في ذلك.
وحينئذ فلا يجوز إبطال هذه القضايا البديهية بقضايا نظرية،
(6/112)

لأن البديهيات أصل للنظريات، فلو جاز القدح بالنظريات في البديهيات، والنظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات، كان ذلك قدحاً في أصل النظريات، فلزم من القدح في البديهيات بالنظريات فساد النظريات، وإذا فسدت لم يصح القدح بها، وهو المطلوب.
فهذا ونحوه يبين أنه لا تسمع من النفاة حجة على إبطال مثل هذه القضية البديهية، ثم يبين فساد ما استدل به على بطلان ذلك.

الرد على قول الرازي: الوجه الأول
أن يقال: من المعلوم أن هذا لا ينكره إلا من يقول بأن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، وينكرون أن يكون الله نفسه فوق العالم، فإنهم يقولون: لو كان فوق العرش لكان مبايناً له بالجهة مشاراً إليه، وذلك ممتنع عندهم، فيجوزون وجود موجودين ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا مدخلاً له، ووجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ويقولون: الباري ليس مبايناً للعالم ولا مداخلاً له.
وطائفة من الفلاسفة تقول مثل ذلك فيما تثبته من العقول والنفس الناطقة، ولهم في النفس الفلكية قولان.
(6/113)

وإذا كان كذلك، فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء، ويقولون بأن الله نفسه فوق العالم، وإذا كان الله نفسه فوق العالم، فإن كان ذلك مستلزماً لجواز الإشارة إليه، وأن يكون مبايناً للعالم بالجهة، فلازم الحق حق، وامتنع حينئذ وجود موجود لا مباين للعالم ولا محايث له ولا يشار إليه، وإن أمكن أن يكون هو نفسه فوق العالم، ويكون مع ذلك غير مشار إليه ولا مباين للعالم بالجهة- بطل قول هؤلاء النفاة، فإنهم إنما نفوا أن تكون نفسه فوق العالم، لأن ذلك عندهم مستلزم لكونه مشاراً إليه، ومبايناً للعالم بالجهة، وإذا بطل قولهم حصل المقصود، ولم يكن إلى هذه المقدمات الضرورية حاجة.
فالمقصود أنه لا يوافقهم على أنه ليس فوق العالم إلا أقل الناس، ومن لم يوافقهم على ذلك، فإما أن ينكر وجود موجودين: ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا محايثاً له، وإما أن لا ينكر ذلك، فإن لم ينكر ذلك، مع إنكار قولهم بأنه ليس فوق العالم، كان إنكاره لقولهم أعظم من ترك إنكاره لما يبطل قولهم.
فإن المقصود ما يبطل قولهم، فإذا كان الناس: إما منكر له، وإما منكر لما يستلزم إبطاله، ثبت اتفاق جمهور الناس على إنكاره، وهو المطلوب.
ثم يقال: هذه القضية قد صرح أئمة الطوائف الذين كانوا قبل أن يخلق الله الكرامية والحنبلية بأنها قضية بديهية ضرورية، فمن ذلك ما
(6/114)

ذكره عبد العزيز بن يحيى المكي المشهور صاحب الحيدة وهو من القدماء الذين لقوا الشافعي ومن هو أقدم من الشافعي، وهو مشاهير متكلمي أهل السنة الذين اتفقت الأشعرية مع سائر الطوائف المثبتة على تعظيمه واتباعه.

كلام عبد العزيز الكناني في مسألة الاستواء والعلو
قال في (الرد على الزنادقة والجهمية) : (زعمت الجهمية في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، إنما المعنى، استولى، كقول العرب: استوى فلان على مصر، استوى فلان على الشام، يريد استولى عليها) .
قال: (فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه.
فإذا قال: لا.
قيل له: فمن زعم ذلك؟ فمن قوله: من زعم ذلك فهو كافر، يقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك أن الله تبارك وتعالى أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلق السماوات والأرض.
(6/115)

قال الله عز وجل: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} [هود: 7] فأخبر أن العرش كان على الماء قبل السماوات والأرض.
ثم قال: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} [الفرقان: 59] .
وقوله: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} [غافر: 7] ، وقوله: {استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} [البقرة: 29] .
وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] .
فأخبر أنه استوى على العرش، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان على العرش فيها قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه، إذ كان استوى على العرش معناه عندك: استولى، فإنما استولى بزعمك في ذلك الوقت لا قبله.
وقد روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقبلوا لبشرى يا بني تميم.
قد بشرتنا فأعطنا.
قال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان.
(6/116)

قال: كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء» .
وروي «عن أبي رزين - وكان يجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته أنه قال: يا رسول الله كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء.
ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء» .
قال: (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما يقال: استوى.
فلان على السرير، فيكون السرير قد حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول: إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.
قال: فيقال له: أما قولك: كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه: كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب
(6/117)

على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنهم لم يخبرهم كيف ذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله، ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول: إن الله محدود، وقد حوته الأماكن، إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن، لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان في البيت، والماء في الجب، فالبيت قد حوى فلاناً والجب قد حوى الماء، ويلزمك أشنع من ذلك، لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى، وذلك أنهم قالوا: إن الله عز وجل في عيسى، وعيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك، وقيل لهم: ما أعظم الله إذ جعلتموه في بطن مريم! وأنتم تقولون: إنه في كل مكان، وفي بطون النساء كلهن، وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم، ويلزمك أيضاً أن تقول: إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن، وعندك أن الله في كل مكان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! فلما شنعت مقالته، قال: أقول: إن الله في كل مكان، لا كالشيء في الشيء، ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجاً عن الشيء، ولا مبايناً للشيء، قال: فيقال له: أصل قولك: القياس والمعقول، فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئاً، لأنه لو كان شيئاً داخلاً، فمن القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو
(6/118)

خارجاً منه، فلما لم يكن في قولك شيئاً استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو خارجاً من الشيء، فوصفت لعمري ملتبساً لا وجود له وهو دينك، وأصل مقالتك: التعطيل) .
فهذا كلام عبد العزيز يبين أن القياس المعقول يوجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجاً منه، فإنه لا يكون شيئاً، وأن ذلك صفة توجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجاً منه فإنه لا يكون شيئاً وأن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له.
والقياس هو الأقيسة العقلية، والمعقول هو العلوم الضرورية، وعبد العزيز هذا قبل وجود الحنبلية والكرامية كما تقدم.
وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، إمام الحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، والأشعري، وأمثالهم، وممن ذكر ذلك عنه أبو بكر بن فورك فيما جمعه من كلامه، فإن جمع من كلامه، وجمع كلام الأشعري أيضاً، وبين اتفاقهما في عامة أصولهما.

كلام ابن كلاب في مسألة العلو
قال ابن كلاب: (وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا في العالم ولا لخارج منه، فنفاه نفياً مستوياً، لأنه لو قيل له: صفة بالعدم، ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورد أخبار الله نصاً، وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسون) .
قال: (فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه، وانفراد
(6/119)

العرش به.
قيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره، وأنه عالم بها، فلا.
وإن كنتم تذهبون إلى خلوها من استوائه عليها كما استوت على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله وعلى العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت) .
وقال أيضاً أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب: (يقال لهم: أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا نعم.
قيل ما تعنون بقولكم: إنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس عن هذا سألتكم وإن قالوا: المسألة خطأ.
قيل: فليس هو فوق.
فإن قالوا: نعم، ليس هو فوق.
قيل لهم: وليس هو تحت.
فإن قالوا: ولا تحت، أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو فوق وهو تحت.
قيل لهم: فوق تحت، وتحت فوق) .
وقال أيضاً: (يقال لهم: إذا قلنا: الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال، فلا بد من نعم.
قيل لهم فهو لا مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا نعم: قيل لهم فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة.
وقيل لهم أليس لا يقال لما ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم.
قيل: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما، قيل لهم:
(6/120)

فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون: عدم، كما تقولون للإنسان: عدم، إذا وصفتموه بصفة العدم؟ وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجوداً له، فإذا كان العدم وجوداً كان الجهل علماً، والعجز قوة) .
وقد ذكر هذا الكلام وأشباهه، ذكره عنه أبو بكر بن فورك في الكتاب الذي أفرده في لمقالاته، وقال فيه: إنه أحب من سماه من أعيان أهل عصره: (أن أجمع له متفرق مقالات أبي محمد بن كلاب، شيخ أهل الدين، وإمام المحققين، المنتصر للحق وأهله، المبين بحجج الله، الذاب عن دين الله، لما من به الله تعالى من معالم طرق دينه للحق، وصراطه المستقيم، السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع، الموفق لاتباع الحق، والمؤيد بنصرة الهدى والرشد) وأثنى عليه ثناءً عظيماً.
قال: (وكان ذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا الأشعري) .
قال: (ولما كان الشيخ الأول، والإمام السابق، أبو محمد عبد الله بن سعيد، الممهد لهذه القواعد، المؤسس لهذه الأصول، والفاصل بحسن ثنائه بين حجج الحق وشبه الباطل، بالتنبيه على طرق الكلام فيه، والدال على موضع الوصل والفصل، والجمع والفرق، الفاتق لرتق الأباطيل، والكاشف عن لبس ما زخرفوا وموهوا) وذكر كلاماً طويلاً في الثناء عليه.
(6/121)

والمقصود أن ابن كلاب إمام الأشعري وأصحابه، ومن قبلهم كالحارث المحاسبي وأمثاله، يبين أن من قال: لا هو في العالم ولا خارج منه، فقوله فاسد، خارج عن طريق النظر والخبر، وأنه قد ورد خبر الله نصاً، ولو قيل له: صفة بالعدم، ما قدر أن يقول أكثر منه، وأنه قال ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وأنهم قالوا: هذا هو التوحيد الخالص، وهو النفي الخالص، فجعلوا النفي الخالص هو التوحيد الخالص.
وهذا الذي قاله هو الذي يقوله جميع العقلاء، الذين يتكلمون بصريح العقل، بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد.
ولذلك قال: (إذا قالوا: ليس هو فوق وليس هو تحت فقد أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم) .
وهذا كله يناقض قول هؤلاء الموافقين للمعتزلة والفلاسفة، من متأخري الشيعة، ومن وافقهم من الحنبلية والمالكية والحنفية والشافعية، وغيرهم من طوائف الفقهاء، الذين بقولون: ليس هو تحت وليس هو فوق.
وذكر حجة ثالثة فقال: (أنتم تصفونه بالصفات الممتنعة، التي مضمونها الجمع بين المتقابلين في الموجودات، فيلزمكم أن تصفوه بسائر المتقابلات) .
قال: (فيقال لهم: إذا قلنا الإنسان - يعني: وغيره من الأعيان القائمة بأنفسها - لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال باعترافهم) .

تعليق ابن تيمية
وهم يقولون: إنه لا مماس ولا مباين للمكان، فيصفونه بالصفة
(6/122)

المستحيلة الممتنعة في المخلوق، التي لا تثبت في التوهم، ويقولون: يجوز أن نصفه بما يمتنع تصوره وتوهمه في غيره من هذا السلوب، فإذا جوزوا أن يوصف بما يمتنع تصوره في سائر الموجودات، فليصفوه بسائر الممتنعات من الموجودات، فيقولوا: لا هو قديم ولا محدث، ولا قائم بنفسه ولا بغيره، ولا متقدم على غيره ولا مقارن له، ونحو ذلك، ويقولوا: هذا إنما يمتنع في غيره من الموجودات لا فيه.
وحينئذ فيقولون: لا هو حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا موجود ولا معدوم، وهذا منتهى قول القرامطة، وهو جمع النقيضين، أو رفع النقيضين.
ومن المعلوم أن العقل إذا جزم بامتناع اجتماع الأمرين، أو امتناع ارتفاعهما، سواء كان أحدهما وجوداً والآخر عدماً، وهو التناقض الخاص، أو كانا وجودين،، فإنا نعلم ذلك ابتداءً بما نشهده في الموجودات التي نشهدها، كما أن ما يثبت من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام وأمثال ذلك، إنما نعلمه ابتداء بما نعلمه في الموجودات التي نعرفها، ثم إذا اخبرنا الصادق المصدوق عن الغيب الذي لا نشهده، فإنما نفهم مراده الذي أراد أن يفهمنا إياه لما بين ما أخبر به من الغيب، وبين ما علمناه في الشاهد من القدر الجامع الذي فيه نوع تناسب وتشابه، فإذا أخبرنا عما الجنة من الماء واللبن والعسل والخمر والحرير والذهب، لم نفهم ما أراد إفهامنا إن لم نعلم هذه الموجودات في الدنيا، ونعلم أن بينها وبين ما في الجنة قدرا مشتركاً وتناسباً
(6/123)

وتشابهاً يقتضي أن نعلم ما أراد بخطابه، وإن كانت تلك الموجودات مخالفة لهذه من وجه آخر.
كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.
رواه الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، وقد رواه غيره واحد منهم محمد بن جرير الطبري في التفسير في قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] .
وإذا كان بين المخلوق والمخلوق قدر فارق مع نوع من إثبات القدر المشترك، الذي يقتضي التناسب والتشابه من بعض الوجوه، فمعلوم أن ما بين الخالق والمخلوق من المفارقة والمباينة أعظم مما بين المخلوق والمخلوق، فهذا مما يوجب نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه، ويوجب أن ما بينهما من المباينة والمفارقة أعظم مما بين مخلوق ولمخلوق، مع أنه لولا أن بين مسمى الموجود الموجود، والحي والحي، والعليم والعليم، والقدير والقدير، وأمثال ذلك من المعنى المتفق المتواطئ المناسب والمتشابه، ما
(6/124)

يوجب فهم المعنى لم يفهمه، ولا أمكن أن يفهم أحد ما أخبر به عن الأمور الغائبة.
وإذا كان هذا في الخطاب السمعي الخبري، فكذلك في النظر القياسي العقلي، فإنما نعرف ما غاب عنا باعتباره بما شهدناه، فيعتبر الغائب بالشاهد، ويحصل في قلوبنا بسبب ما نشهده من الأعيان والجزئيات الموجودة قضايا كلية عقلية، فيكون إدراج المعينات فيها هو قياس الشمول، كالذي يسميه المنطقيون المقدمتان والنتيجة، ويكون اعتبار المعين بالمعنى هو قياس التمثيل الجامع المشترك، سواء كان هو دليل الحكم أو علة دليل الحكم.
والناس في هذا المقام: منهم من يزعم أن القياس البرهاني هو قياس الشمول، وأن قياس التمثيل لا يفيد اليقين، بل لا يسمى قياساً إلا بطريق المجاز، كما يقول ذلك من يقوله من أهل المنطق، ومن وافقهم من نفاة قياس التمثيل في العقليات والشرعيات كابن حزم وأمثاله، ومنهم من ينفي قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات، كأبي المعالي ومتبعيه، مثل الغزالي والرازي والآمدي وأبي محمد المقدسي وأمثالهم.
ومنهم من يعكس ذلك فيثبت قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات، كما هو قول أئمة أهل الظاهر، مثل داود بن علي وأمثاله،
(6/125)

وقول كثير من المعتزلة البغداديين، كالنظام وأمثاله، ومن الشيعة الإمامية، كالمفيد والمرتضى والطوسي وأمثالهم.
وكثير من هؤلاء يقول: إن قياس التمثيل هو الذي يستحق أن يسمى قياساً على سبيل الحقيقة، وأما تسمية قياس الشمول قياساً فهو مجاز، كما ذكر ذلك الغزالي وأبو محمد المقدسي وغيرهما.
والذي عليه جمهور الناس، وهو الصواب، أن كليهما قياس حقيقة، وأن كليهما يفيد اليقين تارة والظن أخرى، بل هما متلازمان، فإن قياس التمثيل مضمونه تعلق الحكم بالوصف المشترك، الذي هو علة الحكم، أو دليل العلة، أو هو ملزوم للحكم، وهذا المشترك هو الحد الأوسط في قياس الشمول، فإذا قال القايس: نبيذ الحنطة المسكر حرام، قياساً على نبيذ العنب، لأنه شراب مسكر، فكان حراما قياساً عليه، وبين أن المسكر هو مناط التحريم، فيجب تعلق التحريم بكل مسكر - كان هذا قياس تمثيل.
وهو منزلة أن يقول: هذا شراب مسكر، وكل مسكر حرام، فالمسكر الذي جعله في هذا القياس حداً أوسط، هو الذي جعله في ذلك القياس الجامع المشترك الذي هو مناط الحكم، فلا فرق بينهما عند التحقيق في المعنى، بل هما متلازمان، وإنما يتفاوتان في ترتيب المعاني والتعبير عنها، ففي الأول يؤخر الكلام في المشترك الذي هو الحد الأوسط، وبيان أنه مستلزم للحكم متضمن له، ويذكر الأصل الذي هو نظير الفرع ابتداءً.
وفي الثاني يقدم الكلام في الحد الوسط ويبين شموله وعموه، وانه مستلزم للحكم ابتداء.
(6/126)

والمقصود هنا أنا إذا حكمنا بعقولنا حكماً كلياً يعم الموجودات، أو يعم المعلومات، مثل قولنا: إن الموجود: إما واجب وإما ممكن، وإما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، وإما مشار إليه، وإما قائم بالمشار إليه، وكل موجودين: فأحدهما إما متقدم على الآخر وإما مقارن له، وإما مباين له وإما محايث له، وقلنا: إن الصانع: إما أن يكون متقدماً على العالم أو مقارناً له، وإما أن يكون خارجاً عنه أو داخلاً فيه - كان علمنا بهذه القضايا الكلية العامة بتوسط ما علمناه من الموجودات.
فإذا كنا نعلم أن المعلوم: أما أن يكون موجوداً، وإما أن يكون معدوماً، فادعى مدع أن الواجب لا يقال: إنه موجود لا معدوم، أو ليس بموجود ولا معدوم - كما يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية - كنا، وإن لم نشهد الغائب، نعلم أن هذا الخير العام والقضية الكلية تتناول غيره.
وإذا قلنا لهذا: هل يمكنك إثبات شيء في الشاهد ليس بموجود ولا معدوم؟ قلنا: لا.
قلنا له: فكيف تثبت في الغائب ما ليس بموجود ولا معدوم؟ - كنا قد أبطلنا قوله.

قول القائل: أنا لا أصفه بالوصفين المتقابلين لأن القابل لذلك لا يكون إلا جسماً
فإذا قال: أنا أصفه لا بهذا ولا بهذا، بل أنفي عنه هذين الوصفين المتقابلين، لأن اتصافه بأحدهما إنما يكون لو كان قابلاً لأحدهما، وهو لا يقبل واحداً منهما، لأنه لو قبل ذلك لكان جسماً، إذ هذه من صفات الأجسام، فإذا قدرنا موجوداً ليس بجسم، لم يقبل لا هذا ولا هذا - قيل له: فهكذا سائر الملاحدة، إذا قالوا: لا نصفه لا بالحياة ولا بالموت، ولا العلم ولا الجهل ولا القدرة ولا العجز،
(6/127)

ولا الكلام ولا الخرس، ولا البصر ولا العمى، ولا السمع ولا الصمم، لأن اتصافه بأحدهما فرع لقبوله لأحدهما، وهو لا يقبل واحداً منهما، لأن القابل للاتصاف بذلك لا يكون إلا جسماً، فإن هذه من صفات الأجسام، فإذا قدرنا موجوداً ليس بجسم لم يقبل هذا ولا هذا، فما كان جواباً لهؤلاء الملاحدة فهو جواب لك، فما تخاطب به أنت النفاة الذين ينفون ما تثبته أنت، يخاطبك به المثبتون لما تنفيه أنت حذو القذة بالقذة.
ونحن نجيبك بما يصلح أن تجيب أنت ونحن به لسائر الملاحدة، فإن حجتك عليهم قاصرة، وبحوثك معهم ضعيفة، كما بينا ضعف مناظرة هؤلاء الملاحدة في غير موضع.

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: إن ما يقدر عدم قبوله ولهذا أشد نقصاً واستحال وامتناعاً، من وصفه بأحد النقيضين مع قبوله لأحدهما، وإذا قدرنا جسماً حياً عالماً قادراً سميعاً بصيراً متكلماً كالإنسان والملك وغيرهما، كان ذلك خيراً من الجسم الأعمى الأصم الأبكم، وإن أمكن أن يتصف بضد الكمال.
وهذا الجسم الأعمى الأصم الذي يمكن اتصافه بتلك الكمالات
(6/128)

أكمل من الجماد الذي لا يمكن اتصافه لا بهذا ولا بهذا، والجسم الجماد خير من العدم الذي يكون لا مبايناً لغيره ولا مداخلاً له، ولا قديماً ولا محدثاً، ولا واجباً ولا ممكناً، فأنت وصفته بما لا يوصف به إلا ما هو أنقص من كل ناقص.

الوجه الثاني
أن يقال: قولك: (فهذه من صفات الأجسام) لفظ مجمل.
فإن عنيت أن يكون هذه الصفات لا يوصف بها إلا من هو من جنس المخلوقات، وإذا وصفنا الرب بها لزم أن يكون من جنس الموجودات مماثلاً لها - كان هذا باطلاً، فإنك لا تعلم أن هذه لا يوصف إلا مخلوق، فإن هذا أو المسألة، فلو قدرت أن تبين أن هذه لا يوصف بها إلا مخلوق لم تحتج إلى هذا الكلام.
يقال لك: لا سبيل لك إلى هذا النفي، ولا دليل عليه.
وإن قلت: إن هذه الصفات توصف بها المخلوقات، وتوصف بها الأجسام.
قيل لك: نعم وليس في كون الأجسام المخلوقة توصف بها ما يمنع اتصاف الرب بما هو اللائق به من هذا النوع، كاسم الموجود والثابت والحق والقائم بنفسه ونحو ذلك، فإن هذه الأمور كلها توصف بها الأجسام المخلوقة، فإن طرد قياسه لزم الإلحاد المحض والقرمطة، وأن يرفع النقيضين جميعاً فيقول: لا موجود ولا معدوم، ولا ثابت ولا منتف، ولا حق ولا باطل، ولا قائم بنفسه ولا بغيره، وهذا لازم قول من نفى الصفات، وحينئذ فيلزمه الجمع بين النقيضين، أو رفع
(6/129)

النقيضين، ويلزمه أن يمثله بالممتنعات والمعدومات، فلا يفر من محذور إلا وقع فيما هو شر منه.

الوجه الثالث
أن يقال لهذا النافي للمباينة والمداخلة: أنت تصفه بأنه موجود قائم بنفسه، قديم حي عليم قدير، وأنت لا تعرف موجوداً هو كذلك إلا جسماً.
فلا بد من أحد الأمرين: إما أن تقول: هو موجود حي عليم قديم وليس بجسم، فيقال لك: وهو أيضاً له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، ويقال لك: هو مباين للعالم، عال عليه، وليس بجسم.
وإن قلت: يلزم من كونه مبايناً للعالم عالياً عليه، أن يكون جسماً لأني لا أعقل المباينة والمحايثة إلا من صفات الأجسام.
قيل لك: ويلزم من كونه حياً عليماً قديراً أن يكون جسماً، لأنك لا تعقل موجوداً حياً عليماً قديراً إلا جسماً، فهذا نظير هذا، فما تقوله في أحدهما يلزمك نظيره في الآخر، وإلا كنت متناقضاً مفرقاً بين المتماثلين.
وإما أن تقول: أنا أقول: إنه موجود قائم بنفسه حي عليم قدير، لأن ذلك قد علم بالشرع والعقل، وإن لزم أن يكون جسماً التزمته، لأن لازم الحق حق.
قيل لك: وهكذا يقول من يقول: إنه فوق العالم مباين له: أنا أصفه بذلك، لأنه قد ثبت ذلك بالشرع والعقل، وإذا لزم من ذلك أن يكون جسماً التزمته، لأن لازم الحق حق.
(6/130)

وإما أن تقول: أنا لا أعرف لفظ الجسم، أو تقول: لفظ الجسم فيه إجمال وإبهام، فإذا عنيت به الجسم المعروف في اللغة، وهو بدن الإنسان، لم أسلم لأني لا أعلم موجوداً حياً عالماً قادراً، إلا ما كان مثل بدن الإنسان، فإن الروح هي أيضاً حية عالمة قادرة، وليست من جنس البدن، وكذلك الملك وغيره.
وإن عنيت بالجسم أنه يقبل التفريق والتجزئة والتبعيض، بحيث ينفصل بعضه عن بعض الفعل.
قيل: أنا أتصور موجوداً عالماً قادراً قبل أن أعلم أنه يمكن تفريقه وتبعيضه، فلا يلزم من تصوري للموجود الحي العالم القادر أن يكون قابلاً لهذا التفريق والتبعيض.
وإن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعاً عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كان ما لا يمكن أن يشار إليه، لا يكون موجوداً.
وإن عنيت بالجسم انه يمكن مركب من الجواهر المنفردة الحسية، أو من المادة والصورة اللذان يجعلان جوهران عقليان، فأنا ليس عندي شيء من الأجسام كذلك، فضلاً عن أن يقدر مثل ذلك، فإذا كنت نافياً لذلك في المخلوقات البسيطة فتنزيه رب العالمين عن ذلك أولى.
وإن عنيت بالتبعيض أنه يمكن أن يرى منه شيء دون شيء، كما قال ابن عباس وعكرمة وغيرهما من السلف ما يوافق ذلك، لم أسلم لك أن أن هذا ممتنع.
(6/131)

وإن عنيت بالجسم أنه يماثل شيئاً، من المخلوقات لم نسلم الملازمة.
فأي شيء أجبت به الملحدة من هذه الأجوبة، قال لك المثبت لمباينته للعالم وعلوه عليه مثل ما قلت أنت لهؤلاء الملاحدة.
قال ما تعني بقولك: لو كان عالياً على العالم مبايناً له كان جسماً؟ إن عنيت أنه بدن، لم نسلم لك الملازمة.
وإن عنيت انه يبل التفريق والتبعيض فكذلك.
وإن عنيت أنه مركب من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة لم نسلم الملازمة أيضاً.
وإن عنيت شيئاً أنه يكون مماثلاً لشيء من المخلوقات لم نسلم الملازمة.
وإن عنيت أنه يشار إليه أو أنه يرى منه شيء دون شيء منع انتفاء اللازم.

الوجه الرابع
أن يقال: الحكم بأن المعلوم: إما موجود وإما معدوم، وأن الموجود: إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره، وإما واجب وإما ممكن، وإما قديم وإما محدث، وإما متقدم على غيره وإما مقارن له، وإما مباين لغيره وإما محايث له، وأن القائم بنفسه أو القائم القابل لصفات الكمال: إما حي وإما ميت، وإما عالم وإما جاهل، وإما قادر وإما عاجز، وإن ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله، وأن المتصف بصفات الكمال أكمل من المتصف بصفات النقص، وممن لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا.
وهذه العلوم وأمثالها مستقرة في العقول، وهي إما علوم ضرورية،
(6/132)

أو قريبة من الضرورية، والقطع بها أعظم من القطع بوجود موجود لا يمكن الإشارة الحسية إليه، وأن الواجب الوجود لا يشار إليه، فإن ما يشار إليه فهو جسم، فلو أشير إليه لكان جسماً وليس بجسم فإن هذه الأمور إما أن تكون معلومة الفساد بالضرورة أو بالنظر، وإما أن تكون إذا علمت لا تعلم إلا بطرق نظرية، فلا يمكن القدح بها في تلك المقدمات الضرورية، فالاعتبار والقياس تارة يكون بلفظ الشمول والعموم، وتارة بلفظ التشبيه والتمثيل.
وكذلك إذا قلنا: إما أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره أو قديماً أو محدثاً، أو واجباً أو ممكناً، فكذلك إذا قلنا: إما أن يكون مبايناً أو محايثاً أو داخلاً أو خارجاً.
فبين ابن كلاب - وغره من أئمة النظار - لهؤلاء النفاة: أنكم إذا جوزتم خلو الرب عن الوصفين المتقابلين - الذين يعلمون أنه يمتنع خلو الوجود عنهما - لزمكم مثل ذلك، وأن تصفوه بسائر الممتنعات، فقال: إذا وصفتموه بأنه لا مماس ولا مباين، وأنتم تعلمون أن الموجود الذي تعرفونه لا يكون إلا مماساً أو مبايناً، فوصفتموه بما هو عندكم محال فيما تعرفونه من الموجودات، لزمكم أن تصفوه بأمثال ذلك من المحالات، فتقولون: لا قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا غيره، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل وأمثال ذلك.
وذكر أيضاً حجة أخرى رابعة فقال: أليس يقال لما ليس بثابت
(6/133)

في الإنسان: لا مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أم مباين؟ فإذا قالوا لا يوصف بهما.
قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم، كما تقولون للإنسان: عدم إذا وصفتموه بصفة العدم.
يقول: أنتم تعرفون أن سلب هذين المتقابلين جميعاً هو من صفات المعدومات، فالموجود الذي تعرفونه، القائم بنفسه، لا يقال: إنه ليس مبايناً لغيره من الأمور القائمة بأنفسها ولا مماساً لها، بخلاف المعدوم، فإنه يقال: لا هو مماس لغيره ولا مباين له، فإذا وصفتموه بصفة المعدوم، فجعلتم ما هو صفة لما هو عدم في الموجودات صفة للخالق الموجود الثابت، وحينئذ فيمكن أن يوصف بأمثال ذلك، فيقال: هو عدم كما يوصف ما عدم من الأناسي بأنه عدم، فقال لهم: إذا كان عدم الموجود وجوداً له، فإذا كان العدم وجوداً، كان الجهل علماً، والعجز قوة، أي إذا جعلتم المعدوم - الذي لا يعقل إلا معدوماً - جعلتموه موجوداً، أمكن حينئذ أن يجهل علماً، والعجز قوة، والموت حياة والخرس كلاماً والصمم سمعاً، والعمى بصراً وأمثال ذلك.
وهذا حقيقة قول النفاة، فإنهم يصفون الرب بما لا يوصف به إلا المعدوم، بل يصفون الموجود الواجب بنفسه، الذي لا يقبل العدم بصفات الممتنع الذي لا يقبل الوجود، فإن كان هذا ممكناً أمكن أن يجعل أحد المتناقضين صفة لنقيضه، كما ذكر.
(6/134)

ولا ريب أن النفاة لا تقر بوصفه بالامتناع والعدم والنقائص، لكن نقول: لا نصفه لا بهذا ولا بهذا، لا نصفه بالعلم ولا الجهل ولا الحياة ولا الموت، ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس.
فإذا قيل لهم: عن لم يوصف بصفة الكمال، لزم اتصافه بهذه النقائص.
قالوا: هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا.
ويقول المنطقيون: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعاً، بخلاف المتقابلين تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر، فإنهما قد يرتفعان جميعاً إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات، فإنها لما لم تقبل الحياة والبصر والعلم لم يقل فيها إنها حية ولا ميتة، ولا عالمة ولا جاهلة، وقد أشكل كلامهم هذا على كثير من النظار، وأضلوا به خلقاً كثيراً، حتى الآمدي وأمثاله من أذكياء النظار، اعتقدوا أن هذا كلام صحيح، وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به السلف والأئمة، ومتكلمو أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات.
وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة، التي راجت على هؤلاء فأضلتهم عن كثير من الحق الصحيح، المعلوم بالعقل الصريح.
وجواب هذا من وجوه بسطناها في غير هذا الموضع.
منها أن يقال: فما يقبل الاتصاف بهذه الصفات، مع إمكان
(6/135)

انتفائه عنه، أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها بحال.
فالحيوان الذي يقبل أن يتعاقب عليه العدم والملكة، فيكون إما سميعاً وإما أصم، وإما بصيراً وإما أعمى، وإما حياً وإما ميتاً - أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا ولا هذا، بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص، مع إمكان اتصافه بهذا الكمال، أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك.
فإذا قلتم: إن الموجود الواجب لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال - مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها - جعلتموه أنقص من الحيوانات، وجعلتموه بمنزلة الجمادات، وكان من وصفه بهذه النقائص، مع إمكان اتصافه
(6/136)

بالكمالات، خيراً منكم، فمن وصفه بالعمى والصمم والعور، مع إمكان زول هذه النقائص عنه - كان خيراً منكم.
وهم يشنعون بما يحكى عن بعض ضلال اليهود والنصارى من أن الله ندم على الطوفان حتى عض على إصبعه وجرى الدم، وبكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وآلى على نفسه أنه لا يغرق بنيه، وأن بعض بني إسرائيل وجده ينوح على خراب بيت المقدس، وفي بعض كتب النصارى أنه ينام.
ومن قال إن بشراً - كمسيح الهدى ومسيح الضلالة - أنه الله، مع كونه يأكل ويشرب وأنه أعور.
وأمثال هؤلاء الذين يصفونه بهذه النقائص - مع إمكان اتصافه بالكمال - هم خير ممن يقول: لا يمكن اتصافه بصفات الكمال بحال.
بل من جعل يأكل ويشرب فهو خير ممن يقول: لا يمكن أن يكون حياً ولا عالماً ولا قادراً، فإن الحي الذي يأكل ويشرب، خير من الجماد الذي لا يعلم ولا يتكلم، ولا يسمع ولا يبصر.
علم أن من نفى عنه صفات الكمال كان شراً من جميع هذه الطوائف، فإنهم جعلوه كالمعدوم أو الجماد، وهؤلاء شبهوه بالحيوان الذي فيه صفة كمال مع نوع من النقص، فكان تعطيل الأول له من صفات الكمال، وتمثيله له بالمعدومات والجمادات، شراً من تعطيل هذا له عن بعض صفات الكمال مع إثباته لكثير من صفات الكمال، وكان تشبيهه له بالحيوان أمثل من تشبيه ذاك له بالجماد والمعدوم.
وهكذا من قيل له: هو واجب، فإنه إن لم يكن واجباً كان ممكناً، وهو قديم فإنه إن لم يكن قديماً كان محدثاً، وهو خالق فإن القائم بنفسه إن لم يكن خالقاً كان مخلوقاً، وهو مباين للعالم خارج عنه، فإنه إن لم يكن مبايناً له خارجاً عنه، كان داخلاً فيه محصوراً محوزاً.

كلام الإمام أحمد في الرد على الجهمية والزنادقة في إثبات علو الله واستوائه
وممن ذكر ذلك الإمام أحمد فيما خرجه في (الرد على الزنادقة والجهمية) قال: (بيان ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله
(6/137)

على العرش.
قلنا لم أنكرتم أن الله على العرش؟ وقد قال الله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، فقالوا هو تحت الأرضين السبعة كما هو على العرش، فهو على العرش، وفي السماوات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتلو آيات من القرآن: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} [الأنعام: 3] ، فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء.
فقالوا: أي شيء؟ قلنا أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة، ليس فيها من عظم الرب شيء.
وقد أخبرنا أنه في السماء فقال: {أأمنتم من في السماء أن
(6/138)

يخسف بكم الأرض} [الملك: 16] ، {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} [الملك: 17] ، وقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] ، وقال: {إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] ، وقال: {بل رفعه الله إليه} [النساء: 158] ، وقال: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده} [الأنبياء: 19] ، وقال: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] ، وقال: {ذي المعارج} [المعارج: 3] ، وقال: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] ، وقال: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] .
فهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذموماً بقول الله عز وجل: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] ، وقال: {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} [فصلت: 29] .
(6/139)

وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان، فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد؟ .
ولكن معنى قول الله عز وجل: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} [آل عمران: 129] ، يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط الله بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان.
وذلك قوله تعالى: {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] .
ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلاً كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شيء صاف، لكان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح،
(6/140)

من غير أن يكون ابن آدم في القدح، والله وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.
وخصلة أخرى لو أن رجلاً بنى داراً بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار.
فالله عز وجل - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق.
وما تأوله الجهمية من قول الله عز وجل: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] ، فقالوا: إن الله عز وجل معنا وفينا.
قال: فقلنا: فلم قطعتم الخبر من أوله بأن الله
(6/141)

يقول: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} يعني: إلا الله - بعلمه - رابعهم، {ولا خمسة إلا هو} بعلمه {سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} يعني بعلمه فيهم {أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} [المجادلة: 7] ، يفتح الخبر بعلمه فيهم ويختمه بعلمه.
ويقال للجهمي: إذا قال: إن الله معنا بعظمة نفسه.
قيل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن الله يباين خلقه، وأن خلقه دونه، وإن قال لا
(6/142)

كفر.
وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان.
فقل له: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه من نفسه أو خارجاً من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل: واحد منها: إن زعم أن الله خلق في نفسه فقد كفر، حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضاً كفراً حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء.
وإن قال: خلقهم خارجاً عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة) .

تعليق ابن تيمية
فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته، من أنه لا بد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مبايناً له أو محايثاً له، ومع المحايثة: إما
(6/143)

أن يكون هو العالم، وإما أن يكون العالم فيه، لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثاً لغيره، فلا بد أن يكون أحدهما حالاً في الآخر، بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات، فإنها قد تكون جميعاً قائمة بغيرها.
فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده، وأن أحداً لا يقول به، إذ من المعلوم لكل أحد أن الله تعالى قائم بنفسه، لا يجوز أن كون من جنس الأعراض التي تفتقر إلى محل يقوم به.
وكذلك من هذا الجنس قول من يقول: لا هو مباين ولا محايث، لما كان معلوماً بصريح العقل بطلانه، لم يدخله في التقسيم، إذ من المستقر في صريح العقل أن الموجود: إما مباين لغيره، وإما مداخل له، فانتفاء هذين القسمين يبطل قول من يجعله لا مبايناً ولا مداخلاً كالمعدوم، وقول من يجعله حالاً في العالم مفتقراً إلى المحل كالأعراض، إذ المفتقر إلى المحل لا يقوم بنفسه، ولا يكون غنياً عما سواه، فيمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه.
ولهذا لم يقل مثل هذا أحد من العقلاء، وإن قال بعضهم ما يستلزم ذاك، فما كل من قال مذهباً التزم لوازمه.
وقد نفى أيضاً قول من يقول: هو في كل مكان بتقسيم آخر من هذا الجنس، إذ القائل بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، لا يمكنه أن
(6/144)

ينفي قول من يقول: إنه في كل مكان، لأنه إن جوز وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يقبل الإشارة إليه، لم يمكنه مع هذا السلب أن ينفي قول من يقول: هو في كل مكان لا الجسم مع الجسم، ولا كالعرض مع العرض أو الجسم، فإنه إذا احتج على نفي ذلك بأنه لو كان في كل مكان للزم احتياجه إلى محل، أو نحو ذلك، قال له المنازع: هو في كل مكان، وهو مع ذلك لا يحتاج إلى محل، فإن المحتاج إلى المحل إنما هو العرض أو الجسم، وهو ليس بجسم ولا عرض، بل هو لا مماس للأشياء ولا مباين لها، إذ المماسة والمباينة من صفات الجسم، وهو ليس بجسم.
كما قد يقول: إنه في كل مكان، وليس بحال ولا مماس ولا مباين، فإذا قال النافي: هذا لا يعقل، قال له نظيره الذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه: وقولك أيضاً لا يعقل، فكلا القولين مخالف للمعروف في العقول، فليس إبطال أحدهما دون الآخر بأولى من العكس.
وإنما يمكن أن يرد على الطائفتين أهل الفطر السليمة الذين لم يقولوا ما يناقض صريح العقل.
ومن المعلوم أن من قال: إنه في العالم، مثل كون القائم بنفسه في
(6/145)

القائم بنفسه - كان قوله أقل فساداً من قول من قال: إنه في العالم كالقائم بغيره مع القائم بنفسه، فإن هذا لا يقوله عاقل، فإذا بطل الأول بطل الثاني.
فأبطل الإمام أحمد هذا القول أيضاً فقال: (بيان ما ذكره الله في القرآن من قوله تعالى: {وهو معكم} [الحديد: 4] .

كلام آخر للإمام أحمد عن المعية
وهذا على وجوه: قول الله لموسى: {إنني معكما} [طه: 46] ، يقول في الدفع عنكما.
وقال: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] ، يقول: في الدفع عنا.
وقال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] ، يقول: في النصر لهم على عدوهم.
وقال: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد: 35] ، في النصر لكم على عدوكم.
(6/146)

وقال: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} [النساء: 108] ، يقول: بعلمه فيهم.
وقال: {فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 61، 62] ، يقول: في العون على فرعون.
قال: (فلما ظهرت الحجة على الجهمي لما ادعى على الله أنه مع خلقه في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماساً؟ قال: لا.
قلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس له ولا مباين له؟ فلم يحسن الجواب، فقال: بلا كيف، فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم، فقلنا له: إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة
(6/147)

والنار، والعرش والهواء؟ قال: بلى.
قلنا: فأين يكون ربنا: قال: يكون في الآخرة في كل شيء كما كان، حيث كانت الدنيا في كل شيء.
قلنا فإن مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى) .

تعليق ابن تيمية
فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية، سواء قالوا: إنه في كل مكان، أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، أو قالوا: إنه في العالم أو خارج العالم، إذ جماع قولهم أنه ليس مبايناً للعالم، مختصاً بما فوق العالم.
ثم هم مع هذا مضطربون: يقولون هذه تارة، وهذا تارة، ولا يمكن بعض طوائفهم أن يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد.
ولهذا كان الحلولية والاتحادية منهم الذين يقولون: إنه في كل
(6/148)

مكان يحتجون على النفاة منهم، الذين يقولون: ليس مبايناً للعالم ولا مداخلاً له، بأن قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم، إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم.
والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبتة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون داخلاً ولا مبايناً غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد.

كلام الرازي في الرد على الحلولية
واعتبر ذلك بما ذكره الرازي في الرد على الحلولية فإنه لما ذكر الكلام: (في أنه يمتنع حلول ذاته أو صفة من صفاته في شيء) ذكر: أن النصارى تقول بالحلول تارة والتحاد تارة أخرى) .
قال: (والحلول باطل، لأن الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقراً إلى المحل، فحلوله بصفة الجواز ينفي افتقار الحال إلى المحل، وبصفة الوجوب، يقتضي افتقار الواجب إلى غيره وحدوثه أو قدم المحل) .
(6/149)

قال: (فإن قلت: أنه قد يقتضي الحلول بشرط وجود المحل، أو المحل يقتضي حلوله فيه، فلم يلزم قدم المحل ولا حلول الواجب.
قلت: كلاهما يمنع وجوب الحلول، والاتحاد باطل، لأن المتحدين إن بقيا عند الاتحاد أو عدما وحصل ثالث فلا اتحاد، فإن بقي أحدهما دون الآخر فلا اتحاد، لامتناع كون المعدوم عين الموجود) .
قال الرازي: (ناظرت بعض النصارى، فقلت: تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول؟ قال: نعم.
فقلت: فما الدليل على أنه تعالى لم يحل في بدن زيد ولا عمرو، والذبابة والنملة؟ فقال: لأنه ثبت في حق عيسى أنه أحيى الأموات، وأبرأ
(6/150)

الأكمه والأبرص، ولم يوجد في حق غيره.
فقلت له: فقد سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، ولأنه ظهر على يد موسى قلب العصا ثعباناً، وانقلاب الخشبة ثعباناً أعجب من انقلاب الميت حياً، فهو أولى بالدلالة على الحلول في الجملة) .
قال: (وبالجملة مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ما ذكره من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح، ولكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأما على قول الجهمية النفاة فلا تستقيم هذه الحجة.
وذلك أن الحلول على وجهين:
أحدهما: أهل الحلول الخاص، كالنصارى والغالية من هذه الأمة، الذين يقولون بالحلول، إما في علي، وإما في غيره.
الثاني: القائلون بالحلول العام، الذين يقولون في جميع المخلوقات نحواً مما قالته النصارى في المسيح عليه السلام، أو ما هو شر
(6/151)

منه، ويقولون: النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا كما يقول ذلك الاتحادية أصحاب صاحب (الفصوص) وأمثاله، وهم كثيرون في الجهمية.
بل عامة عباد الجهمية وفقهائهم، وعامة الذين ينتسبون إلى التحقيق من الجهمية، هم من هؤلاء كابن الفارض، وابن سبعين، والقونوي، والتلمساني، وأمثالهم.
فإذا قال الجهمي الذي يقول: إنه في كل مكان، ويقول مع ذلك بأن وجوده غير وجود المخلوقات، أو يقول بالاتحاد من وجه والمباينة من وجه، كما هو قول ابن عربي وأمثاله، كما حكى الإمام أحمد عنهم، يقول: إنه في كل مكان لا مماس للأمكنة ولا مباين لها، وأنه حال في العالم أو متحد به لا كحلول الأعراض والأجسام في الأجسام وأشباه ذلك.
فاحتج موافقوهم على نفي المباينة كالرازي وأمثاله بما ذكروه من قولهم: الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقراً إلى المحل، فإما أن يكون الحلول جائزاً أو واجباً، فإن كان جائزاً انتفى افتقاره إلى المحل، فلزم الجمع بين النقيضين: أن يكون مفتقراً إلى المحل غير مفتقراً إليه لكون حلوله جائزاً لا واجباً، وإن كان الحلول واجباً لم يكن الحال واجباً بنفسه بل بغيره.
(6/152)

قال لهم الحلولية: قولكم الحلول المعقول يقتضي افتقار الحال إلى المحل إنما يكون إذا كان الحال عرضاً، فضلاً عن أن يكون جسماً، فضلاً عن أن يكون لا جسماً ولا عرضاً، فأما إذا قدر حال ليس بجسم ولا عرض، فلم قلتم: إن حلوله يقتضي افتقاره إلى المحل؟ وقالوا لهم: إذا جوزتم وجود موجود لا مباين لغيره ولا حال فيه، فلم لا يجوز وجود موجود حال في غيره ليس مفتقراً إليه؟
فإذا قلتم: لا نعقل حالاً في شيء إلا مفتقراً إليه.
قيل لكم: هذا كما قلتموه للمثبتة: هذا من حكم الهم والخيال، لما قال المثبتة: لا نعقل موجوداً إلا مبايناً لغيره أو محايثاً له.
وهذا هو السؤال الذي أورده أحمد من جهة الجهمية حيث قالوا: (هو في كل مكان: لا مماس ولا مباين، فضلاً عن أن يقولوا: مفتقراً، فإن الافتقار إنما يعقل في حلول الأعراض، فأما حلول الأعيان القائمة بأنفسها في الأعيان القائمة بأنفسها، فلا يجب فيه الافتقار.
والقائلون بالحلول إنما يقولون: هو حلول عين في عين، لا حلول صفة في محل.
فلهذا قال لهم الإمام أحمد وأمثاله: أهو مماس أو مباين؟ فإذا سلبوا هذين المتقابلين تبين مخالفتهم لصريح العقل، وكانت هذه الحجة عليهم خيراً من حجة الرازي، حيث أنه نفى حلول العرض في محله، فإن هذا لم يقله أحد.
(6/153)

وكذلك ما نفاه من الاتحاد، ليس فيه حجة على ما ادعوه من الاتحاد، فإنهم لا يقولون ببقائهما بحالهما، ولا ببقاء أحدهما، وإنما يشبهون الاتحاد باتحاد الماء واللبن، والماء والخمر واتحاد النار والحديد.
فقوله: (هذا ليس باتحاد) نزاع لفظي، فهم يسمون هذا اتحاداً، فلا بد من بيان بطلان ما أثبتوه من الحلول والاتحاد، وإلا كان الدليل منصوباً في غير محل النزاع.
أما الأئمة الذين ردوا على الحلولية، فأبطلوا نفس ما ادعوه، وإن كان هؤلاء لا يقرون بأنا نقول بالحلول، كما لا يقر القائلون بأنه لا داخل العالم ولا خارجه بالتعطيل، فلزوم الحلول لهؤلاء كلزوم التعطيل لهؤلاء، والتعطيل شر من الحلول.
ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان، وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا، لأن العقول تنفر عن التعطل أعظم من نفرتها عن الحلول، وتنكر قول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل مكان، فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول، وذلك مستلزم فساد القول الآخر بطرق الأولى.
(6/154)

ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول النصارى، كما قد ذكر ذلك عنهم أحمد وغيره من العلماء.
وبهذا السبب وضعوا على ابن كلاب حكاية راجت على بعض المنتسبين إلى السنة، فذكروها في مثالبه، وهو أنه كان له أخت نصرانية، وأنها هجرته لما أسلم، وأنه قال لها: أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم، فرضيت عنه لأجل ذلك.
وهذه الحكاية إنما افتراها بعض الجهمية من المعتزلة ونحوهم، لأن ابن كلاب خالف هؤلاء في إثبات الصفات، وهم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى، وهو أشبه بالنصارى، لأنه يلزمهم أن يقولوا: إنه في كل مكان، وهذا أعظم من قول النصارى، أو أن يقولوا ما هو شر من هذا، وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه.
ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره، يردون عليهم بمثل هذا، ويقولون: إذا كان المسلمون كفروا من يقول: إنه
(6/155)

حل في المسيح وحده، فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفراً من النصارى بكثير.
وهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول، إن لم يقولوا بقول أهل الإثبات، القائلين بمباينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين: إما الحلول، وإما التعطيل، والتعطيل شر من الحلول.
ولا يمكنهم إبطال قول أهل الحلول مع قولهم بالنفي الذي هو شر منه وإنما يمكن ذلك لأهل الإثبات.
وهم وإن قالوا: إن مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه، فلا يقدرون على إبطاله مع قولهم بالتجهم، ولهذا لم يكن فيما ذكروه حجة على إبطاله، فيلزمهم: إما إمكان تصحيح قول النصارى والحلولية، وإما إبطال قولهم، وهذا لا حيلة فيه لمن تدبر ذلك.
وهب أنهم يمكنهم إبطال قول النصارى في تخصيصهم المسيح بالحلول والاتحاد، حيث يقال: إذا جوز الحلول والاتحاد بالمسيح جاز بغيره، فإن القائلين بعموم الحلول والاتحاد يلتزمون هذا، ويقولون: النصارى كفرهم لأجل التخصيص، وكذلك عباد الأصنام إنما أخطأوا من حيث عبدوا بعض المظاهر دون بعض، والعارف المحقق عندهم من لا يقتصر على بعض المظاهر والمجالي، بل يعبد كل شيء كما قد صرح بذلك ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم، وأمثاله من أئمة هؤلاء الجهمية القائلين بوحدة الوجود
(6/156)

الذين هم محققو أهل الحلول والاتحاد، ولهذا كان هؤلاء لهم الظهور والاستطالة على نفاة الحلول والمباينة جميعاً، بل هؤلاء يخضعون لأولئك ويعتقدون فيهم ولاية الله، وينصرونهم على أهل الإيمان القائلين بمباينة الخالق للمخلوق، كما قد رأيناه وجربناه.
وسبب ذلك أن قول هؤلاء الحلولية والاتحادية مسقف بالتأله والتعبد، والتصوف والأخلاق، ودعوى المكاشفات والمخاطبات، ونحو ذلك مما لا يكاد يفهمه أكثر النفاة، فإذا كانوا لا يفهمون حقيقة قولهم سلموا إليهم ما يقولونه، وظنوا أن هذا من جنس كلام أكابر أولياء الله، الذين أطلعهم الله من الحقائق على ما يقصر عنه عقول أكثر الخلائق، وسلموا لهم ما لا يفهمونه من أقوالهم، كما يسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يفهمونه من أقواله، فيعظمون هؤلاء كما يعظمون الرسول، بمثابة من صدق محمداً رسول الله ومسيلمة الكذاب: صدق كلا منهما في أنه رسول، كحال أهل الردة الذين آمنوا بمسيلمة المتنبي، مع دعواهم أنهم مؤمنون بمحمد رسول الله، ولا يعرفون ما بين قول هذا وقول هذا من المناقضة والمنافاة، لعدم تحققهم في الإيمان بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهكذا نفاة العلو والصفات من الجهمية، أو نفاة العلو وحده، إذا سمعوا النصوص الإلهية المثبتة للعلو والصفات، أعرضوا عن فهم
(6/157)

معناها، وإثبات موجبها ومقتضاها، وآمنوا بألفاظ لا يعرفون مغزاها، وآمنوا للرسول إيماناً مجملاً بأنه لا يقول إلا حقاً، ولم يكن في قلوبهم من العلم بمباينة الله لخلقه وعلوه عليهم ما ينفون به بدعة الحلولية والاتحادية وأمثالهم، لأن أحد المتقابلين إنما يرتفع عن القلب بإثبات مقابله، وأحد النقيضين لا يزول عن القلب زوالاً مستقراً إلا بإثبات نقيضه.
فإذا كان حقيقة الأمر أن الرب تعالى، إما مباين للعالم، وإما مداخل له، كان من لم يثبت المباينة لم يكن عنده ما ينافي المداخلة، بل إما أن يقر بالمداخلة، وإما أن يبقى خالياً من اعتقاد المتقابلين المتناقضين، ولا يمكنه مع عدم اعتقاد نقيض قول أن يعتقد فساده، ولا ينكره ولا يرده، بل يبقى بمنزلة من سمع أن محمداً قال: إنه رسول الله، وأن مسيلمة قال: إنه رسول الله، وهو لم يصدق واحداً منهما، ولم يكذب واحداً منهما، فمثل هذا يمتنع أن يرد على مسيلمة أو يكذبه.
فهكذا من كان لم يقر بأن الخالق تعالى مباين للمخلوق، لم يمكنه أن يناقض قول من يقول بالحلول والاتحاد، بل غايته أن لا يوافقه كما لم يوافق قول أهل الإثبات، فهو لم يؤمن بما قاله محمد رسول الله والمؤمنون به، ولا بما قاله مخالفوه الدجالون الكذابون، من أهل الحلول والاتحاد وغيرهم من نفاة العلو.
(6/158)

وقول النفاة للمباينة والمداخلة جميعاً، لما كان في حقيقة الأمر نفياً للمتقابلين المتناقضين، بمنزلة قول القرامطة الذين يقولون: لا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز - كان قولهم في العقل أفسد من قول من لا يؤمن بمحمد ولا بمسيلمة، فإن كلاهما مبطل، لكن بطلان سلب النقيضين وما هو في معنى النقيضين، أبين في العقل من الإقرار بنبوة رسول من رسل الله صلى الله عليهم أجمعين، فلهذا لا تكاد تجد أحداً من نفاة المباينة والمداخلة جميعاً، أو من الواقفة في المباينة، يمكنه مناقضة الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته.
فإذا قال لهم: لا يعقل الحلول إلا حلول العرض، فيكون الحال مفتقراً إلى المحل، أو قال ما هو أبلغ من هذا مما احتج به الأئمة عليهم: لو كان حالاً لم يخل من المباينة والمماسة، فإن القائم بنفسه إذ حل في القائم بنفسه لم يخل من هذا وهذا - قالوا للنفاة: هذا إنما يكون إذا كان الحال متخيراً أو قائماً بمتحيز، أو قالوا: هذا هو المعقول من حلول الأجسام وأعراضها، فأما إذا قدرنا موجوداً قائماً بنفسه ليس بجسم ولا متحيز، لم يمتنع أن يكون حالاً بلا افتقار إلى المحل، ولا مماسة ولا مباينة.
(6/159)

فإن قال إخوانهم من النفاة للعلو والمباينة: هذا لا يعقل.
قالوا لهم: إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه، ولا مباين للعالم ولا محايث له ولا داخل فيه ولا خارج عنه، وعرضنا على العقل وجود موجود في العالم: قائم بنفسه، لا مماس له ولا مباين له، وليس بجسم ولا متحيز، أو وجود موجود مباين له، وليس بجسم ولا متحيز - كان هذا أقرب إلى العقل.
وذلك أن وجود موجود لا يشار إليه، ولا يكون محيزاً: لا جسماً ولا جوهراً: إما أن يكون ممكناً، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممكناً بطل قول من يثبت موجوداً، لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، وكان حينئذ قول من أثبت موجوداً خارج العالم أو داخله، وقال: إنه لا يشار إليه - أقل فساداً في العقل من هذا، وإن كان وجود موجود لا يشار إليه، وولا يكون جسماً ولا متحيزاً، ممكناً في العقل، فمن المعلوم إذا قيل مع ذلك: إنه خارج العالم، لم يجب أن يشار إليه، ولا يكون جسماً منقسماً ولا مطابقاً موازياً محاذياً للعرش، لا أكبر ولا أصغر ولا مساوياً.
وإن قيل مع ذلك: إنه حال في العالم، لم يجز أن يقال: إنه مماس أو مباين، لأن المماسة والمباينة عندهم من عوارض الجسم المشار إليه، فما
(6/160)

لا يكون جسماً لا يشار إليه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا، وإذا كان قائماً بنفسه لا يشار إليه امتنع أن يقال: هو عرض أو كالعرض المفتقر إلى المحل، بل إثبات ما لا يشار إليه، وهو داخل العالم أو خارجه أقرب إلى ما تثبته العقول من إثبات ما لا يشار إليه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه.
ومما يقرر هذه الحجج: أن هؤلاء النفاة لما أرادوا بيان إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأن نفي ذلك ليس معلوماً بضرورة العقل - احتجوا على ذلك بإثبات الكليات، واحتجوا بأن الفلاسفة وطائفة من متكلمي المسلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا توصف بحركة ولا سكون، ولا مباينة لغيرها، ولا حلول فيه.
قالوا: وقول هؤلاء ليس معلوم الفساد بالضرورة، والمثبتون لما طلبوا بيان فساد قولهم، بينوا أن الكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان، وأن قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة حتى عند جماهير المتكلمين من المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم.
والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء: إذا جوزتم إثبات الكليات لا
(6/161)

داخل العالم ولا خارجه، مع أنها متعلقة بمعينات، بل جعلتموها جزءاً من المعينات، حيث قلتم: المطلق جزء من المعين، وجوزتم وجود نفوس مجردات عقلية، لا داخل العالم ولا خارجه، مع أنها متعلقة بأبدان بني آدم تعلق التدبير والتصريف، وجوزتم أيضاً وجود نفس فلكية كذلك على أحد قوليكم، فما المانع أن يكون واجب الوجود، مع تدبيره وتصريفه للعالم، متعلقاً به تعلق النفوس بالأبدان، وتعلق الكليات بالأعيان.
والنصارى لا يصلون إلى أن يقولوا: إن اللاهوت في الناسوت كالنفس في البدن، بل مباينة اللاهوت للناسوت عندهم أعظم من مباينة النفس للبدن، فإذا جوزتم ما يكون لا داخل العالم ولا خارجه، مع تعلقه بالأبدان أعظم من تعلق اللاهوت بالناسوت عند النصارى، أمكن أن يكون واجب الوجود متعلقاً بالأبدان، بل الموجودات كلها كذلك، وكان قول الجهمية الذين يقولون: إن اللاهوت في كل مكان أقرب إلى المعقول من قول من يقول: إن المجردات في الأبدان والأعيان.
ومما يزيد الأمر وضوحاً أن هؤلاء الفلاسفة المشائين، ومن وافقهم من المتكلمة والمتصوفة يثبتون خمس أنواع من الجواهر: واحد منها هو الجوهر الذي يمكن إحساسه، وهو الجسم في اصطلاحهم، وأربعة: هي جواهر عقلية لا يمكن الإحساس بها، وهي: العقل،
(6/162)

والنفس، والمادة والصورة، مع اتفاقهم على أن الأجسام المحسوسة مركبة من المادة والصورة، وهما جوهران عقليان، كما يقولون: إن الأعيان المعينة المحسوسة فيها كليات طبيعية عقلية هي أجزاء منها.
فإذا كان هؤلاء يثبتون في الجواهر المحسوسة، معها جواهر عقلية لا ينالها الحس بحال، ويجعلون هذا حالاً وهذا محلاً - لم يمكنهم مع ذلك أن ينكروا كون الوجود الواجب هو حالاً أو محلاً لهذه المحسوسات.
وهذا هو الذي انتهى إليه محققوهم، كابن سبعين وأمثاله، فإنهم جعلوا الوجود الواجب مع الممكن - كالمادة مع الصورة، وكالصورة مع المادة، أو ما يشبه ذلك - يجعلون الوجود الواجب جزءاً من الممكن، كما أن المطلق جزء من المعين، حتى أن ابن رشد الحفيد وأمثاله يجعلون الوجود الواجب كالشرط في وجود الممكنات، الذي لا يتم وجود الممكنات إلا به، مع أن الشرط قد يكون وجوده مشروطاً بوجود المشروط، فيكون كل منهما شرطاً في وجود الآخر.

كلام ابن عربي في فصوص الحكم عن علاقة الواجب بالممكن
وهذه حقيقة قولهم: يجعلون الواجب مع الممكن، كل منهما مفتقر إلى الآخر ومشروط به، كالمادة والصورة.
فابن عربي يجعل أعيان الممكنات ثابتة في العدم، والوجود الواجب فاض عليها فلا يتحقق وجوده إلا بها، ولا تتحقق ماهيتها إلا به، وبنى قوله على أصلين فاسدين.
(6/163)

أحدهما: أن الوجود واحد، ليس هنا وجودان أحدهما واجب بنفسه، والآخر بغيره.
والثاني: أن وجود كل شيء زائد عن حقيقته وماهيته، وأن المعدوم شيء، موافقة لمن هذا وهذا: من المعتزلة والفلاسفة، ومن وافقهم من متأخري الأشعرية، فالحقائق والذوات عنده ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فكان كل منهما مفتقراً إلى الآخر، ولهذا يقول: إن الحق يتصف بجميع صفات المخلوقات من النقائص والعيوب، وأن المخلوق يتصف بجميع صفات الله تعالى من صفات الكمال، كما قال: (ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص وصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق، فهي من أولها إلى آخرها صفات له، كما أن صفات المحدثات حق للحق) .
ولهذا قال: (فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة، وهو العيون الكثيرة:
{فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] ،
(6/164)

فالولد عين أبيه، فما رأى يذبح غير نفسه {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات 107] ، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان، بل بحكم ولد من هو عين الوالد {وخلق منها زوجها} [النساء: 1] ، فما نكح سوى نفسه) .
وقال: (فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده) .
وقال: (ولما كان فرعون في مرتبة الحكم، قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] أي، وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته من الحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه، وأقروا
(6/165)

بذلك، وقالوا: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} ، {فاقض ما أنت قاض} [طه: 72] فالدولة لك، فصح قوله: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، وإن كان عين الحق) .
وقال: (فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتاب موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره، وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء) .
وقال في قصة قوم نوح: {ومكروا مكرا كبارا} [نوح: 22] ، لأن الدعوة إلى مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية) .
(6/166)

وقوله: (ادعوا إلى الله عين المكر، فأجابوه مكراً، كما دعاهم مكراً) ، فقالوا في مكرهم: {لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح: 23] ، فإنهم إذا تركوا هؤلاء جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله، كما قال في المحمديين: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] : أي حكم الله.
وفسر قوله: قضى، بمعنى قدر لا بمعنى أمر.
قال: (وما حكم الله بشيء إلا وقع) .
(والعارف يعرف من عبد.
وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود) .
(6/167)

وأمثال هذا الكلام كثير في كلام هذا وأمثاله، كابن سبعين الذي حقق قول هؤلاء الفلاسفة تحقيقاً لم يسبق إليه، وكان آخر قوله: (وأن الله في النار نار، وفي الماء ماء، وفي الحلو حلو، وفي المر مر، وأنه في كل شيء تصوره ذلك الشيء) .
كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع.
وكذلك ابن حموية الذي يتكلم بنحو هذا في مواضع من كلامه.
وكذلك ابن الفارض في قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
(6/168)

وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة
إلى أن قال:
وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
إلي رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي علي استدلال
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت
وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج ... هدى فرقة بالاتحاد تحدث
(6/169)

فإن العارف المحقق من هؤلاء يقول: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولاً بنفسه، فهو المرسل والمرسل إليه والرسول،.
ويقول من هو من أكبر من أضلوه من أهل الزهادة والعبادة مع الصدق في تسبيحاته وأذكاره: (الوجود واحد، وهو الله، ولا أرى الواحد، ولا أرى الله) .
ويقول أيضاً (نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود، والوجود واحد لا ثنوية فيه) .
ويكرر ذلك كما يكرر المسلمون: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وعنده أن غاية هذا التحقيق والعرفان.
ويجيء من هو من أفضل المتكلمين من النفاة للعلو: يعتقد في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم، ويأخذ ورقة فيها سر مذهبه، ويرقي بها المرضي، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب.
(6/170)

ويقول من هو من شعرائهم العارفين:
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويشهد هذا السر من هو ذائق
ويقول:
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم
وأمثال هذا كثير.
والمتكلمة النفاة منهم من يوافق هؤلاء ومنهم من لا يوافقهم، ومن وافقهم يقال له: أين ذاك النفي - لا داخل ولا خارج - من هذا الإثبات؟ وهو أنه وجود كل موجود.
فيقول: هذا حكم عقلي، وهذا حكم ذوقي.
أو يرجع عن ذلك النفي، ويقول: المطلق جزء من المعينات، والوجود الواجب للموجودات،: مثل الكلي الطبيعي للأعيان، كالجنس لأنواعه، والنوع لأشخاصه، كالحيوانية في الحيوانات، والإنسانية في الأناسي، وهذا غايته أن يجعله شرطاً في وجود الممكنات، لا مبدعاً فاعلاً لها، فإن الكليات لا تبدع أعيانها، بل غايتها إذا كانت موجودة في الخارج أن تكون شرطاً في وجودها، بل جزءاً منها.
ومن لا يوافقهم أكثرهم يسلمون لهم أقوالهم، أو يقولون: نحن لا نفهم هذا، أو يقولون: هذا ظاهره كفر، لكن قد تكون له أسرار وحقائق يعرفها أصحابها.
(6/171)

ومن هؤلاء من يعاونهم وينصرهم على أهل الإيمان، المنكرين للحلول والاتحاد، وهو شر ممن ينصر النصارى على المسلمين، فإن قول هؤلاء شر من قول النصارى، بل هو شر ممن ينصر المشركين على المسلمين.
فإن قول المشركين الذين يقولون: إنما نعبدهم: {ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ، خير من قول هؤلاء، فإن هؤلاء أثبتوا خالقاً ومخلوقاً غيره يتقربون به إليه، وهؤلاء يجعلون وجود الخالق وجود المخلوق.
وغاية من تجده يتحرى الحق منهم أن يقول: العالم لا هو الله ولا غير الله.
ولما وقعت محنة هؤلاء الملاحدة المشهورة، وجرى فيها ما جرى من الأحوال، ونصر الله الإسلام عليهم، طلبنا شيوخهم لنتوبهم، فجاء من كان من شيوخهم، وقد استعد لأن يظهر عندنا غاية ما يمكنه أن يقول لنا ليسلم من العقاب، فقلنا له: العالم هو الله أو غيره؟ فقال: لا هو الله ولا غيره.
وهذا كان عنده هو القول الذي لا يمكن أحد أن يخالف فيه، ولو علم أنا ننكره لما قاله لنا، كان من أعيان شيوخهم ومحققيهم
(6/172)

وممن لا أتباع ومريدون، وله ولأصحابه سلطان ودولة، ومعرفة ولسان وبيان، حتى أدخلوا معهم من ذوي السلطان والقضاة والشيوخ والعامة، ما كان دخولهم في ذلك سبباً لانتقاص الإسلام، ومصيره أسوأ من دين النصارى والمشركين، لولا ما من الله به من نصر الإسلام عليهم، وبيان فساد أقاويلهم، وإقامة الحجة عليهم، وكشف حقائق ما في أقوالهم من التلبيس، الذي باطنه كفر وإلحاد، لا يفهمه إلا خواص العباد.
والمقصود هنا أن الحلولية إذا أراد النفاة للمباينة والحلول جميعاً - من متكلمة الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية، كابن سينا والرازي وأبي حامد وأمثالهم - أن يردوا عليهم حجة عقلية تبطل قولهم لم يمكنهم ذلك كما تقدم، بل يلزم من تجويزهم إثبات وجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية، ولهذا لا تجد في النفاة من يرد على الحلولية رداً مستقيماً، بل إن لم يكن موافقاً لهم كان معهم بمنزلة المخنث، كالرافضي مع الناصبي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يقيم حجة على الناصبي الذي يكفره علناً أو يفسقه، فإنه إذا قال للرافضي: بماذا علمت أن علياً مؤمن ولي الله من أهل الجنة قبل ثبوت إمامته، وهذا إنما يعلم بالنقل، والنقل إما متواتر وإما آحاد.
فإن قال له الرافضي: بما تواتر من إسلامه ودينه وجهاده وصلاته وغير ذلك من عباداته.
(6/173)

قال له: وهذا أيضاً متواتر عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة، وأنت تعتقد كفرهم أو فسقهم.
وقال له أيضاً: أنت تقول: إن علياً كان يستجيز التقية، وأن يظهر خلاف ما يبطن، ومن كان هذا قوله أمكن أن يظهر الإسلام مع نفاقه في الباطن.
فإن قال الرافضي للناصبي: علمت ذلك بثناء النبي صلى الله عليه وسلم وشهادته له بالإيمان والجنة، كقوله: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» ، وقوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» ، ونحو ذلك.
قال له الناصبي: قد نقل أضعاف ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان، وأنت تطعن في تلك المنقولات أو تقول: إنهم ارتدوا بعد موته، فما يؤمنك إن كان قولك في هؤلاء صحيحاً أن يكون علي ذلك؟ .
(6/174)

وأيضاً فهذه الأحاديث إنما نقلها الصحابة الذين تذكر أنت كفرهم وفسقهم، والكافر والفاسق لا تقبل روايته.
فإن قال: هذه نقلها الشيعة.
قال له الناصبي: الشيعة لم يكونوا موجودين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن الصحابة ارتدوا إلا نفراً قليلاً: إما عشرة أو أقل، أو أكثر.
ومثل هؤلاء يجوز عليهم المواطأة على الكذب.
فإن قال: أنا أثبت إيمانه بالقرآن، كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100] وقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] .
وقال: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] .
وقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] .
قال له الناصبي: هذه الآيات تتناول أبي بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار كما تتناول علياً، ليس في ظاهرها ما يخص علياً.
فإن جاز أن يدعي خروج هؤلاء منها، أو أنهم دخلوا فيها ثم خرجوا بالردة، أمكن الخوارج الذين يكفرون علياً أن يقولوا مثل ذلك.
والمقصود هنا أن الرافضة لا يمكنهم إقامة حجة صحيحة على
(6/175)

الخوارج، وإنما يتمكن من ذلك أهل السنة والجماعة، الذين يقرون بعموم هذه الآيات، وتناولها لأهل بيعة الرضوان كلهم، ويقرون بالأحاديث الصحيحة المروية في فضائل الصحابة، وأنهم كانوا صادقين في روايتهم، فهم الذين يمكنهم الرد على الخوارج والروافض بالطرق الصحيحة السليمة على التناقض.
وهكذا الرد على الحلولية وبيان إبطال قولهم بالحق إنما يتمكن منه أهل السنة المثبتة لعلو الله على خلقه ومباينته لهم، فإن قول هؤلاء نقيض قول الحلولية، ومن علم ثبوت أحد النقيضين أمكنه إبطال ما يقابله، بخلاف قول النفاة فإنه متضمن رفع النقيضين، أو ما هما في معنى النقيضين، ورفع النقيضين أشد بطلاناً من المناقض الباطل، فإن رفعهما يعلم امتناعه بصريح العقل، وأما انتفاء أحدهما فهو أخفى في العقل من رفعهما، فمن رفع النقيضين، أو ما في معناهما، لم يمكنه إبطال قول من أثبت أحدهما، وما من حجة يحتج بها من رفع المتقابلين، إلا ويمكن ممن أثبت أحدهما أن يحتج عليه بما هو أقوى منها من جنسها.
ولهذا كان إطباق العقول السليمة على إنكار قول النفاة المتقابلين أعظم من إطباقها على إنكار قول الحلولية، لأن الموجود الواجب الوجود كلما وصف بصفات المعدومات الممتنعات، كان اعظم بطلاناً وفساداً من وصفه بما هو أقرب إلى الموجود.
ومما يبين هذا أن الصفات السلبية ليس فيها بنفسها مدح ولا توجب
(6/176)

كمالاً للموصوف، إلا أن تتضمن أمراً وجودياً، كوصفه سبحانه بأنه لا تأخذه ولا نوم، فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته.
وكذلك قال تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38] ، متضمن كمال قدرته.
وقوله: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سبأ: 3] يقتضي كمال علمه.
وكذلك قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] يقتضي عظمته، بحيث لا تحيط به الأبصار.
وكذلك نفي المثل والكفو عنه يقتضي أن كل ما سواه فإنه عبد مملوك له، ولك يقتضي من كماله ما لا يحصل إذا كان له نظير مستغن عنه، مشارك له في الصنع، فإن ذلك نقص في الصانع، فأما العدم المحض والنفي الصرف، مثل كونه لا يمكن رؤيته بحال، وكونه لا مبايناً للعالم ولا مداخلاً له، فإن هذا أمر يوصف به المعدوم لا يمكن رؤيته بحال، وليس هو مبايناً للعالم ولا مداخلاً له، والمعدوم المحض لا يتصف بصفة كمال ولا مدح، ولهذا كان تنزيهه الله تعالى بقوله: (سبحان الله) يتضمن مع نفي صفات النقص عنه، إثبات ما يلزم ذلك من عظمته، فكان التسبيح تعظيم، له مع تبرئته من السوء.
ولهذا جاء التسبيح عند العجائب الدالة على عظمته، كقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء: 1] ، وأمثال ذلك.
ولما قال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافات: 180] ،
(6/177)

كان تنزيهه عما وصفوه به متضمناً لعظمته اللازمة لذلك النفي.
وإذا كان كذلك، فنفاة النقيضين، وما هو في معنى النقيضين، لم يتضمن وصفهم له بذلك شيئاً من الإثبات ولا التعظيم، بخلاف القائلين بالحلول في جميع الأمكنة، فإنهم يصفونه بما فيه تعظيم له.
ولهذا من يقول من يعذر الطائفتين: إن هؤلاء قصدوا تنزيهه، وهؤلاء قصدوا تعظيمه، فإذا كان التنزيه، إن لم يتضمن تعظيماً لم يكن مدحاً، كان من وصفه بما فيه تعظيم أقرب إلى المعقول ممن وصفه بما يشركه فيه المعدوم، من غير أن يكون فيه تعظيم، فلم يكن أولئك النفاة أن يبطلوا حج هؤلاء المعظمين له، وإذا ردوا عليهم ببيان ما في قولهم من إثبات ما لا يعقل أو التناقض، قالوا لهم: إن في قولهم من إثبات ما لا يعقل ومن التناقض ما هو أعظم من ذلك.
فإن قال النفاة: هؤلاء الحلولية قد أثبتوا حلولاً يقتضي افتقاره إلى المحل، كالصورة مع المادة، وكالوجود مع الثبوت، ونحو ذلك مما يقتضي أن أحدهما محتاج إلى الآخر، نحن قد بينا: إنما يعقل الحلول إذا كان الحال محتاجاً إلى المحل، وذلك باطل، لأن ذلك يناقض وجوبه كما تقدم، فقد أبطلنا قول هؤلاء.
قيل عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه ليس كل من قال بالحلول يقول افتقاره إلى المحل، بل كثير من القائلين بالحلول يقولون: إنه في كل مكان مع استغنائه عن
(6/178)

المحل، وهو قول النجارية وكثير من الجهمية، وقول من يقول بالحلول الخاص كالنصارى وغيرهم.
الثاني: أنه بتقدير أن يكون الحلول مستلزماً للافتقار، فأنتم لم تثبتوا غناه عما سواه، فإن طريقة الرازي والآمدي وأمثالهما في إثبات الصانع، هي طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود، وهذه الطريقة لا تدل على إثبات موجود قائم بنفسه واجب الوجود.
وإن قيل: إنها تدل على ذلك، فلم تدل على أنه مغاير للعالم، بل يجوز أن يكون هو العالم.
ومن طريقهم قال هؤلاء بوحدة الوجود، فإن طريقتهم المشهورة: أن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن، الممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين.
وهذا القدر يدل على أنه لا بد من وجود واجب، ومن قال: كل موجود واجب فقد وفى بموجب هذه الحجة، ومن قال: إن الوجود الواجب مع الممكن كالصورة مع المادة أو كالوجود مع الثبوت، فقد وفى بموجب هذه الحجة، بل لا يمكنهم إثبات لوجود واجب مغاير للممكن إن لم يثبتوا أن في الوجود ما هو ممكن يقبل الوجود والعدم.
وهم يدعون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديماً أزلياً، ولا يمكنهم إقامة دليل على ثبوت الإمكان بهذا الاعتبار.
ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات الإمكان استدلوا بأن الحادث لا بد له محدث، وأن الحوادث مشهودة.
(6/179)

وهذا حق، لكنه يدل على أن المحدث لا بد له من قديم، فيلزم ثبوت قديم، لكن لا يلزم من ذلك عندهم أن يكون واجب الوجود ثابتاً إلا بذلك التقسيم، إذ كانوا يجوزون على القديم، أن يكون ممكن الوجود، فإذا قالوا: القديم إن كان ممكناً فلا بد له من واجب، لم يمكنهم إثبات واجب إلا بإثبات هذا الممكن، وهذا ممتنع، وهو أيضاً مستلزم للدور، فإنه لا يمكنهم إثبات واجب الوجود إلا بإثبات ممكن الوجود، ولا يمكن إثبات ممكن الوجود إلا بإثبات أن المحدث ممكن وله فاعل، وذلك لا يستلزم إلا إثبات قديم، والقديم عندهم لا يجب أن يكون واجب الوجود، فلا يمكنهم أن يثبتوا واجب الوجود حتى يثبتوا ممكن الوجود، والذي قد يكون قديماً، وهذا لا يمكن إثباته إلا بإثبات الممكن الذي هو حادث، وهذا لا يدل إلا على إثبات قديم، والقديم عندهم لا يستلزم أن يكون واجب الوجود.
وأيضاً فإذا أثبتوا واجب الوجود فإنهم لم يثبتوا أنه مغاير لهذه المشهودات إلا بطريقة التركيب، وهي باطلة.
وحينئذ فيمكن أن يقول لهم أهل الحلول: الواجب هو حال.
وإيضاح ذلك أنهم قسموا الوجود إلى واجب وممكن، لكن جعلوا الممكن منه ما هو قديم ومنه ما هو محدث، وحينئذ فلا يمكن إثبات الواجب إلا بإثبات هذا الممكن، وهذا الممكن لا يمكن إثباته.
وأيضاً فهم لا يثبتون الممكن إلا بإثبات الحادث، والحادث لا بد له من القديم، والقديم لا يستلزم أن يكون واجباً.
(6/180)

وإذا قالوا: القديم إن كان واجباً ثبت الواجب، وإن كان ممكناً ثبت الواجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين.
قيل: هذا إذا صح لزم أنه لا بد من واجب، كما أن الموجود مستلزم أنه لا بد من واجب، وهذا مما لا نزاع فيه، لكنه لا يدل على إثبات صانع، لا على أنه مغاير للأفلاك، ولا على أنه ليس بحال، بل يستلزم أنه لا بد من موجود يمتنع عدمه، وهذا مما يوافق عليه منكرو الصانع، والقائلون بقدم العالم، وأهل الحلول، وغيرهم، فتبين أنه ليس في كلامهم إبطال مذهب الحلول.
والمقصود هنا أن السلف والأئمة كانوا يردون على من أقوال النفاة ما هو أقرب إلى الإثبات، فيكون ردهم لما هو أقرب إلى النفي بطريق الأولى، وقول النفاة لمباينته للعالم ومداخلته له، أبعد عن العقل من قول المثبتين، لأنه قائم بنفسه في كل مكان، مع نفي مماسته ومباينته.
والسلف ردوا هذا وهذا، وكان ذلك تنبيهاً على إبطال الحلول، بمعنى حلول العرض في المحل.
لكن هذا لم يقل به أحد، وإن كان النفاة لم يمكنهم إلا إبطاله خاصة دون أقوال أهل الحلول المعروفة عنهم.
ومما يبين هذا أن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه، قديم أزلي لا يجوز عليه العدم، ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه.
فالنفاة تصفه بهذه الصفات السلبية: أنه لا مباين للعالم ولا مداخل، ولا فوق ولا تحت، ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء،
(6/181)

ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء وأمثال ذلك، بل ويقولون أيضاً: إنه لا تمكن رؤيته ولا غير ذلك من الإحساس به، ولا يمكن الإشارة إليه.
وآخرون منهم يقولون: ليس له علم ولا قدرة ولا حياة، ولا غير ذلك من الصفات.
وآخرون يقولون: لا يسمى موجوداً حياً عالماً قادراً إلا مجازاً، أو بالاشتراك اللفظي، وأن هذه الأسماء لا تدل على معنى معقول، ويقولون: إذا أثبتنا هذه الصفات لزم أن يكون متحيزاً، والمتحيز مركب، أو كالجوهر الفرد في الصغر، ونحو ذلك، فيفرون من هذه الصفات، لاعتقادهم أن ذلك يقتضي التجسيم، والأجسام عندهم موجودة، لكنها عند بعضهم محدثة، وعند بعضهم ممكنة، فإذا وصفوا الواجب القديم بذلك، لزم أن يكون عندهم ممكناً أو محدثاً، وذلك ينافي وجوبه وقدمه، ويقولون: إن هذه المقدمات معلومة بالنظر.
وأما المثبتون فيقولون: الموصوف بهذه الصفات السلبية لا يكون إلا ممتنعاً، والامتناع ينافي الوجود، فضلاً عن وجوب الوجود، فيقولون: إن الواصفين له بهذه الصفات وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده، ومن وصف ما يجب وجوده بما يمتنع وجوده، فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود.
ويقولون: إن هذه المقدمات معلومة بالضرورة، فهم يقولون لأولئك: أنتم فررتم من وصفه بالإمكان فوصفتموه بالامتناع، ومن وصفه بالحدوث فوصفتموه بالعدم.
(6/182)

ويقولون: إن الأجسام الجامدة خير من الموصوف بهذه الصفات، فضلاً عن الأجسام الحية الناقصة، فضلاً عن الأجسام الحية الكاملة.
ومن المعلوم أنه إذا دار الأمر بين جسم حي كامل، وبين معدوم أو ممتنع، كان ذلك خيراً من هذا، وإن كانت هذه النتيجة لازمة لمقدمات يقول أهلها: إنها معلومة بالاضطرار، كانت أثبت من مقدمات يقول أهلها: أنتم لا تعلمونها إلا بالنظر، مع اختلافهم في كل مقدمة منها.
فعلم بذلك أن المثبتة هم أقطع بما يقولونه وأشد تعظيماً لما يثبتونه، وأن النفاة أقرب إلى الظن، وأبعد عن التعظيم والإثبات.
يبين ذلك أن عمدة النفاة على أنه لو ثبت هذه الصفات: من العلو والمباينة ونحو ذلك، للزم أن يكون جسماً، وكون الواجب القديم جسماً ممتنع.
وهذه المقدمة هي نظرية باتفاقهم، وكل طائفة منهم تطعن في طريق الآخرين.
والعمدة فيها طريقان: طريق الجهمية والمعتزلة، وطريق الفلاسفة.
ومن وافق على هذه المقدمة من الفقهاء وأهل الكلام، من الأشعرية وغيرهم فهو تبع فيها: إما للمعتزلة والجهمية، وإما للفلاسفة.
فأما المعتزلة والجهمية فطريقهم هي طريق الأعراض والحركات،
(6/183)

وأنه لو ثبت للقديم الصفات والأفعال لكان محلاً للأعراض والحركات، وذلك يقتضي تعاقبها عليه.
وذلك يوجب حدوثه.
وقد عرف أن الفلاسفة - مع طوائف من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام - يطعنون في هذه الطريقة.
وقد صنف الأشعري نفسه كتاباً بين فيه عجز المعتزلة عن إثبات هذه الطريق، كما سيأتي بيان ذلك.
وأما طريق الفلاسفة فهي مبنية على أن واجب الوجود لا يكون متصفاً بالصفات، لأن ذلك يستلزم التركيب.
وقد علم ما بينه نظار المسلمين من فساد هذه الطريقة.
فإذا ليس بين النفاة مقدمة اتفقوا عليها يبنون عليها النفي، بل هم يشتركون فيه كاشتراك المشركين وأهل الكتاب في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، واشتراك أهل البدع في مخالفة الحديث والسنة، مآخذ كل فريق غير مآخذ الآخر.
وإذا كانت مقدماتهم ليست مما اتفقوا عليه، بل ولا اتفق عليه أكثرهم، بل أكثرهم ينكر صدق جميعها، علم أنها ليست مقدمات فطرية ضرورية، لأن الضروريات لا ينكرها جمهور العقلاء، الذين لم يتواطأوا عليها، ولا يكفي أن تكون بعض المقدمات معلومة، بل لا بد أن تكون الجميع معلومة، وما لم تكن معلومة بالضرورة، فلا بد أن تستلزمها مقدمات ضرورية، وليس معهم شيء من ذلك، بل غاية
(6/184)

هؤلاء لفظ (التركيب) وأنه لا يكون واجباً، وقد علم ما في ذلك من الإجمال والاشتراك.
وغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى، وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك، وأن الأفعال يجب تناهيها، وقد علم نزاع العقلاء فيها، وجمهورهم يمنعون امتناع تناهيها من الطرفين.
وقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره من شيوخه في هذه المقدمات، وقد سبقه إلى ذلك الرازي وغيره، وقدحوا فيها قدحاً بينوا به فسادها، على وجه لم يعترضوا عليه.
وإن كلام الرازي يعتمدها في مواضع أخر، فنظره استقر على القدح فيها.
وكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف بتحرير الدلائل في تقرير المسائل هو وغيره - قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل، وهو بطلان حوادث لا أول لها.
وذكر الأبهري الدليل المتقدم: دليل الحركة والسكون، وقولهم: لو كان الجسم أزلياً لكان: إما متحركاً أو ساكناً، والقسمان باطلان.
أما الأول فلأنها لو كانت متحركة للزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل يقتضي عدم المسبوقية، فيلزم الجمع بينهما، ولأنها لو كانت متحركة لكانت بحال لا يخلو من الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وإلا لكان الحادث أزلياً.
وهو محال.
ولأنها لو كانت متحركة
(6/185)

لكانت الحركة اليومية موقوفة على انقضاء ما لا نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له المحال، والموقوف على المحال محال.
ولأنها لو كانت متحركة، لكان قبل كل حركة حركة أخرى لا إلى أول، وهو محال.
ولأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة، ومن الحركة التي قبل الحركة اليومية إلى الأزل جملة أخرى، فتطبق إحداهما على الأخرى بأن يقابل الجزء الأول من الجملة الثانية، وبالجزء الأول من الجملة الأولى، والثاني بالثاني، فإما يتطابق إلى غير النهاية أو لم يتطابقا، فإن تطابقا كان الزائد مثل الناقص، وإن لم يتطابقا لزم انقطاع الجملة الثانية، وإذا لزم انقطاع الجملة الثانية لزم انقطاع الجملة الأولى أيضاً، لأن الأولى لا تزيد على الثانية إلا بمرتبة واحدة.
ثم تكلم على تقدير السكون، وهذا هو الذي تقدم ذكر الرازي له.
ومن تدبر كتب أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، يف حدوث الأجسام، علم أن هذا عمدة القوم.

كلام الأبهري وتعليق ابن تيمية عليه
قال الأبهري: (والإعراض على قوله: يلزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير.
قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم الجمع بينهما، أن لو كان الواحد مسبوقاً بالغير وغير مسبوق بالغير، وليس كذلك، فإن المسبوق بالغير لا يكون إلا الحركة، وغير المسبوق بالغير هو الجسم، فلا يلزم الجمع بين المسبوقية وعدم المسبوقية في شيء واحد) .
قلت: وهذا الاعتراض فيه نظر، ولكن الاعتراض المتقدم: وهو
(6/186)

أن المسبوق لغير آحاد الحركة لا جنسها، فكل من أجزائها مسبوقة بالغير، وأما الجنس ففيه النزاع - اعتراض جيد، وإلا فإذا كانت الحركة من لوازم الجسم لم يكن سابقاً لها، فكيف يقال: إن الحركة مسبوقة بالجسم؟ .
وكان الأبهري لم يفهم مقصود القائل: إن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير فظن أنه أراد أنها مسبوقة بالجسم، وإنما أراد أن الحركة تقتضي أن يكون بعض أجزائها سابقاً على بعض.
قال الأبهري: (وأما قوله: لو كانت متحركة لكانت بحالة لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
قلنا: لا نسلم.
قوله: لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزلياً.
قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك لو كانت الحادث الواحد يصير بعينه أزلياً، وليس كذلك، بل يكون قبل كل حادث آخر لا إلى أول، فلا يلزم قدم الحادث.
وأما قوله فإنها لو كانت متحركة لكان الحادث اليومي موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له.
قلنا: لا نسلم، بل يكون الحادث اليومي مسبوقاً بحوادث لا أول لها.
ولم قلتم بأن ذلك غير جائز، والنزاع ما وقع إلا فيه؟ وأما قوله بأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة.
قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت الحركة مجتمعة في الوجود ليحصل منها جملة ومجموع، واستدل هو على حدوث العالم بأن صانع العالم إن كان موجباً بالذات لزم دوام آثاره، فلا يكون في الوجود حادث.
وإن كان
(6/187)

فاعلاً بالاختيار امتنع أن يكون مفعوله أزلياً، لأنه يكون قاصداً إلى إيجاد الموجود، وتحصيل الحاصل محال.
وقد اعترض بعضهم على دليله بأنه يجوز أن يكون بعضه حادثاً له فاعل بالاختيار، وبعضه قديم له موجب بالذات، وجوزه بعضهم بأنه يجوز أن يكون موجباً بالذات، ومعلوله فاعل بالاختيار أحدث غيره) .
قلت: وهذا الاعتراض ساقط، لأن ما كان فاعلاً بالاختيار، فحدوث فعله بعد أن لم يكن حادث من الحوادث، فإذا كان مفعولاً لعلة تامة موجبة، امتنع أن يتخلف عنها معلولة، ولا يجوز أن يحدث عنها شيء، ولا عن لازمها، ولا لازم لازمها، وهلم جرا.
وإن قدر أن البعض الحادث له فاعل واجب بنفسه غير فاعل للآخر، فهذا مع أنه لم يقله أحد، وأدلة التوحيد للصانع تبطله، فهو يبطل حجة القائلين بالقدم، لأن عمدتهم أن الواجب بنفسه لا يتأخر عنه فعله، فإذا جوزوا تأخر فعله عنه بطل أصل حجتهم.
وهذا الدليل الذي احتج به، قد ذكرنا في غير موضع أنه يبطل قول الفلاسفة بأنه صدر عن علة موجبة، وأن قولهم هذا يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب.
وأما كون الفاعل باختياره يمتنع أن يقارنه فعله، فقد تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع، ولكن نبين فساد قول الفلاسفة بأن يقال: الفاعل بالاختيار: إما أن يجوز أن يقارنه فعله، وإما أن يجب تأخره، فإن وجب تأخره بطل قولهم بقدم العالم، فإن الفعل إذا لزم تأخره كان تأخر المفعول، أولى إن جعل المفعول غير الفعل، وإن جعل المفعول هو
(6/188)

الفعل فقد لزم تأخره، فتأخره لازم على التقديرين، وإن جاز مقارنة فعله له فإما أن يكون التسلسل ممكناً، وإما أن يكون ممتنعاً، فإن كان ممتنعاً لزم أن يكون للحوادث أول، وحينئذ فإذا كان الفعل المقارن قديماً، لم يقدح هذا في وجوب حدوث المفعولات.
وهذا يقوله من يقول: إنه أحدث من الحوادث بتخليق قديم أزلي قائم بذاته، كما تقول ذلك طوائف من المسلمين، وإن كان التسلسل ممكناً أمكن أن يكون بعد ذلك الفعل فعل آخر، وبعده فعل آخر، وهلم جرا، وأن تكون هذه الأفلاك حادثة بعد ذلك، كما أخبرت به النصوص، وهو المطلوب.
والأبهري وغيره اعترضوا على هذه المقدمة لما ذكروها في حجة من احتج على حدوث العالم بأنه ممكن، وكل ممكن فهو محدث، لأن المؤثر فيه إما أن تؤثر فيه حالة وجوده، وهو باطل، لأن التأثير حالة الوجود يكون إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل، وهو محال، وإما حال العدم وهو محال، لأن يستلزم الجمع بين الوجود والعدم، فتعين أن يكون لا حال الوجود ولا حال العدم، وهو حال الحدوث.
فاعترض الأبهري وغيره على ذلك بأنه لم لا يجوز أن يكون التأثير حال الوجود؟ (قوله: يكون تحصيلاً للحاصل.
قلنا: لا نسلم لأن التأثير عبارة عن كون المرجح مترجح الوجود على العدم بالمؤثر، وجاز أن يكون الممكن مترجح الوجود على العدم حال الوجود.
فيقول له من يعارضه في دليله مثل ذلك، فإذا قال: لو كان الفعل الذي فعله الفاعل المختار أزلياً، لكان الفاعل قاصداً إلى إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل.
(6/189)

قالوا: بل وجود الموجود وحصول الحاصل مقصده واختياره.
فقولك لو كان قاصداً إلى إيجاد الموجود، إن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بدون قصده فهذا ممنوع، وإنما يستقيم هذا إذا ثبت أن الأزلي لا يمكن أن يكون مراداً مقصوداً، وهو أول المسألة، وإن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بقصده، فهذا هو المدعي، فكأنك قلت: لو كان مقصوداً لأزلي موجوداً بقصده لكان موجوداً بقصده، وإذا كان هذا هو المدعي، فلم قلت: إنه محال: ولكن يلزم هؤلاء على هذا التقدير أن لا يكون فرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار، وهم يقولون: إن أريد بالموجب الذات أنه لم يزل فاعلاً، فهذا لا يمنع كونه مختارات على هذا التقدير، وإن أريد به ما يلزمه موجبه ومعلوله، فهذا أيضاً لا يمنع كونه مختاراً أيضاً على هذا التقدير.
وهذا القسم باطل بلا شك، سواء سمي موجباً أو مختاراً، لأن ذلك يستلزم أن لا يحدث شيء من الحوادث، فإن موجبه إذا كان لازماً له - ولازم اللازم لازم - كانت جميع الموجبات لوازم قديمة، فلا يكون شيء من المحدثات صادراً عنه ولا عن غيره، إذ القول في كل ما يقدر واجباً كالقول فيه، فيلزم أن لا يكون للحوادث فاعل.
ولا ريب أن هذا لازم للفلاسفة الدهرية الإلهيين وغيرهم، كأرسطو والفارابي وابن سينا، لزوماً لا محيد عنه، وأن قولهم يستلزم أن
(6/190)

لا يكون للحوادث فاعل، وأن هذه الحوادث الممكنة حصلت بعد عدمها من غير واجب ولا فاعل.
وأما القسم الأول، وهو كونه لم يزل فاعلاً، سواء سمي موجباً أو مختاراً، فهذا لا يوجب قدم هذا العالم، لإمكان توقفه على أفعال قبل ذلك، كما تحدث سائر الحوادث الجزئية.

فصل
والمقصود في هذا المقام أن هؤلاء النفاة للعلو والمباينة لم يتفقوا على مقدمة واحدة يبينون عليها مطلوبهم، بل كل منهم يقدح في مقدمة الآخر، وإذا كان اتفاقهم على النفي مبنياً على المقدمات التي بها اعتقدوا النفي - وتلك المقدمات متنازع فيها بينهم، ليس فيها مقدمات متفق عليها تبنى عليها النتيجة المذكورة - علم أن ما اشتركوا فيه من النتيجة كان من لوازم مع ما اعتقدوه من القضايا المختلف فيها، لا القضايا الضرورية.
وحينئذ فاتفاقهم على النفي لا يمنع أن يكون اتفاقاً على خلاف المعلوم بالضرورة، كما لو كان لرجل مال كثير، وله غرماء كثيرون، فأقام كل منهم شاهدين بقدر من المال واستوفاه حتى استوفى المال كله، وكل من الغرماء يقدح في شهود الآخر، كان اللازم من الحكم بشهادة الشهود كلهم أخذ مال ذاك الرجل كله، ولا يقال أن هؤلاء عدد كثير لا يتفقون على الكذب، فإنهم لم يتفقوا على خبر واحد، بل كل طائفة
(6/191)

أخبرت بخبر تكذبها فيه الأخرى، ولزم من مجوع الأخبار أخذ المال، فهم لم يخبروا بقضية واحدة توجب أخذ المال، بل الكذب ممكن عليهم كلهم.
كذلك المتفقون على رد بعض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم بضرورات العقول، ويمكن أن يقع منهم على هذا الوجه، وهذا كاشتراك الكفار في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول هؤلاء: هو ساحر، وهؤلاء: هو كاذب، وهؤلاء: هو مجنون، فهم في الحقيقة مختلفون لا متفقون.
وأيضاً فاتفاق العدد الكثير على تعمد الكذب، الذين يعلمون أنه كذب، يجوز إذا كان ذلك عن تواطئ منهم، وأما اتفاق الخلق الكثير على الكذب خطأ، فهو ممكن بالنظر والأمور الضرورية، فقد يعتبر عنها بعبارات غيها إجمال واشتباه، يظن كثير من الناس أن مفهومها لا يخالف الضرورة، وإنما يعلم أنها مخالفة للضرورة من ميز بين معانيها، وفصل المعنى المخالف للضرورة من غيره، فإذا كان قد سبق قليل من الناس إلى اعتقاد خطأ يتضمن مخالفة الضرورة، كان هذا جائزاً باتفاق العقلاء، فإن السفسطة تجوز على الطائفة القليلة تعمداً، فكيف خطأ؟ .
فإذا تلقى تلك الأقوال، عن أولئك السابقين إليها، عدد آخرون واشتهرت بين من اتبعهم فيها، صاروا متواطئين على قبولها، لما فيها الاشتباه والإجمال، مع تضمنها مخالفة الضرورة، وإن كان كثير من القائلين بها - أو أكثرهم - لا يعلمون ذلك، وهذا هو السبب في اتفاق
(6/192)

طوائف كثيرة على مقالات يعلم أنها باطلة بضرورة العقل، كمقالات النصارى والرافضة والجهمية.

كلام ابن كلاب في كتاب الصفات عن العلو وتعليق ابن تيمية عليه
ثم إن المتقدمين من النظار يحكون إجماع الخلائق على نقيض قول النفاة، كما ذكره أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، إمام الأشعري وأصحابه، ذكره في كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك فقال في كتاب الصفات في باب القول في الاستواء: (فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعاً به، يجيز السؤال بأين، ويقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول صلى الله عليه وسلم أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهمين أن الله عز وجل محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت.
(6/193)

كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان به لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق به وشاهد له) .
قال: (ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل أحداً من الناس عنه، عربياً ولا عجمياً، ولا مؤمناً، ولا كافراً، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: (في السماء) إن أفصح، أو أومأ بيده، أو أشار بطرفه، إذا كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحداً داعياً له إلا رافعاً يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحداً غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون: وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وحده وخمسون رجلاً معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن) .
فقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق، فطري، مغروز في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم، وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل يدعون أنهم أفضل الناس، جهم ونفر قليل معه، وبين أيضاً ابن كلاب أن قول الجهمية هو نظير قول الدهرية، وهو كما قال فإن منتهى كلام الجهمية إلى أنه لا موجود إلا العالم.
قال: (يقال للجهمية: أليست الدهرية كفاراً ملحدين في قولهم:
(6/194)

إن الدهر هو واحد، إلا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم منه، ولا يباين العالم ولا يباينه، ولا يماس العالم ولا يماسه، ولا يداخل شيئاً من العالم ولا يداخله، لأنه واحد والعالم غير مفارق له؟ فإذا قالوا نعم: قيل لهم: صدقتم، فلم أثبتم المعبود بمعنى الدهر، وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم؟ وهل تجدون بينكم وبينهم فرقاً أكثر من أن سميتموه بغير ما سموه به؟ وقد قلتم: إنه غير مفارق للعالم ولا العالم مفارق له، ولا هو داخل العالم ولا العالم داخل فيه، ولا مماس للعالم، ولا العالم مماس له.
فأين تذهبون يا أولي الألباب إن كنتم تعقلون؟ من أولى أن يكون قد شبه الله بخلقه: نحن أو أنتم؟ ولم رجعتم على من خالفكم بالتكفير، وزعمتم أنهم قد كفروا لأنهم قالوا: واحد منفرد بائن؟ فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم إذ زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة المخالفين الضالين، وخرجتم من توحيد رب العالمين) .
قال: (وكذلك مشاركتكم الثنوية في إلحادهم لما قالوا: إن الأشياء من شيئين لا تنفك منهما ولا ينفكان منها، وإن الأشياء تولدت عنهما ومنهما، وأن النور والظلمة لا نهاية لهما في أنفسهما، وأن أحدهما مازج الآخر فتولدت الأشياء منهما؟ وقلتم لهم: كيف يكون ما لا نهاية له يفعل شيئاً لا في نفسه؟ وكيف يجيء ما لا نهاية له فيكون في غيره؟ فقيل لكم مثل ذلك: كيف يكون ما لا نهاية له يفعل شيئاً لا في نفسه ولا بائناً من نفسه؟ ويلزمكم إذا زعمتم أنه لاتفاق النور والظلمة
(6/195)

أصل الأشياء، وأن الأشياء تحدث منهما، وأنهما لا ينفكان مما كان بعدهما، ولا ينفك عنهما.
كذلك زعمتم أن الواحد الذي {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]- تعالى عما قلتم - كان لا نهاية له، ثم خلق الأشياء غير منفكة منه، ولا هو منفك منها، ولا يفارقها ولا تفارقه، فأعظمتم معناهم ومنعتم القول والعبارة) .
فيقال: هذا الذي ذكره ابن كلاب من موافقة الجهمية في الحقيقة للدهرية والثنوية يحققه ما فعلته غالية الجهمية من القرامطة الباطنية، فأنهم ركبوا لهم قولاً من قول الفلاسفة الدهرية وقول المجوس الثنوية، وقولهم هو منتهى قول الجهمية.
وكان ذلك مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع.
قالوا: فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا هؤلاء» .
(6/196)

وفي الحديث الآخر الصحيح: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
قالوا اليهود والنصارى؟ قال: فمن» .
ومشابهة اليهود والنصارى أيسر من مشابهة فارس والروم، فإن الفرس كانوا مجوساً، والروم إن لم يكونوا نصارى كانوا مشركين صابئة وغير صابئة، فلاسفة وغير فلاسفة، والباطنية ركبوا مذهبهم من قول المجوس ومن دخل فيهم ومن قول المشركين من الروم ومن دخل فيها، كاليونان ونحوهم.
وأما الأشعري وأئمة أصحابه فهم مصرحون بأن الله نفسه فوق العرش، كما ذكر ذلك في كتبه كلها الموجز والإنابة والمقالات وغير ذلك.

كلام الأشعري في الإنابة عن الاستواء وتعليق ابن تيمية
قال: (إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول: إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، وقد قال: {إليه يصعد الكلم
(6/197)

الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ، وقال: {بل رفعه الله إليه} [النساء: 158] ، وقال: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} [السجدة: 5] .
وقال تعالى حكاية عن فرعون: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} [غافر: 36-37] كذب موسى في قوله: إن الله عز وجل فوق السماوات.
وقال عز وجل: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك: 16] ، فالسماوات فوقها العرش.
فلما كان العرش فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: {أأمنتم من في السماء} يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى
(6/198)

السماوات.
ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السماوات فقال: {وجعل القمر فيهن نورا} [نوح: 16] ، ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعاً، وأنه فيهن جميعاً.
ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض) .
قال: (وقال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى قول الله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء والأرض، فالله قادر عليها
(6/199)

وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستو على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو سبحانه مستول على الأشياء كلها، لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عنه أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش، الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها) .
قال: (وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم والحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم) .
وقال: (دليل آخر.
وقال الله عز وجل: {ما كان لبشر
(6/200)

أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] ، فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً، فيرتفع الشك والحيرة، من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحياً أو من وراء حجاب أو أرسل رسولاً، ويترك أجناساً لم يعمهم بالآية، فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم) .
قلت: ومقصود الأشعري من هذا أنه على قول النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم، فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحداً بحجاب منفصل عنه، بل هو محتجب عن جميع الخلق، بمعنى أنه لا يمكن أحد أن يراه، فاحتجابه عن بعضهم دون البعض دل على نقيض قولهم: وذلك أن نفاة المباينة يفسرون بالاحتجاب بمعنى عدم الرؤية لمانع من الرؤية في العين، ونحو ذلك من الأمور التي لا تنفصل عن المحجوب، بل نسبتها إلى جميع الأشياء واحدة.
قال الأشعري: (دليل آخر.
قال تعالى: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} [الأنعام: 62] ، وقال تعالى: {ولو ترى
(6/201)

إذ وقفوا على ربهم} [الأنعام: 30] ، وقال: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} [السجدة: 12] ، وقال تعالى: {وعرضوا على ربك صفا} [الكهف: 48] ، وكل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو على عرشه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية، إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك - زعموا - التنزيه ونفي التشبيه، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل) .
قلت: فقد احتج على عدم مداخلته بقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} [الأنعام: 30] ، وقوله: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} الأنعام: [62] ، وقوله تعالى: {ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} [السجدة: 12] ، وقوله: {وعرضوا على ربك صفا} [الكهف: 48] ، فإنه لو كانت نسبته إلى جميع الأمكنة واحدة لا يختص بالعلو، لكان في المردود كما هو في المردود إليه، وفي
(6/202)

الواقف كما هو الموقوف عليه، وفي الناكس كما هو فيمن نكس رأسه عنده، وفي المعروض كما هو في المعروض عليه.
فهذه النصوص تنفي مداخلته للخلق، وتوجب مباينته لهم، فلو أمكن وجود موجود لا مباين ولا محايث، لكان نسبة ذاته إلى جميع المخلوقات نسبة واحدة، وهو مناقض لما ذكر.
وقوله: (مع نفي المداخلة أنه على العرش) ، يبين أنه يثبت المباينة لا ينفيها كما ينفي المداخلة.
قال الأشعري أيضاً: (وروت العلماء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله، فإنه بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله عز وجل فوق ذلك.
قلت: وهذا الحديث رواه الحاكم أبو محمد العسال في كتاب المعرفة له من حديث عبد الوهاب الوراق الرجل الصالح: ثنا علي بن عاصم، عن عطاء بن السايب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله، فإن ما بين كرسيه إلى السماء السابعة سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك.
قال عبد
(6/203)

الوهاب الوراق: من زعم أن الله ههنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة.
قال الأشعري: (ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث النزول، كقوله: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟ حتى يطلع الفجر) » .
قال الأشعري: دليل آخر قال الله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] ، وقال تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: 4] ، وقال: {استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11] ، وقال: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} [الفرقان: 59] ، وقال: {ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة: 4] ، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء، مستو على عرشه.
والسماء
(6/204)

بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أن الله منفرد بوحدانيته مستو على عرشه.
وقال الأشعري: (دليل آخر.
قال عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ، وقال تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] ، وقال تعالى: {ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى} إلى قوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم: 7-18] .
وقال عز وجل لعيسى ابن مريم: {إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] .
وقال: {وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه} [النساء: 157-158] وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء) .
قال الأشعري: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً، إذا هم
(6/205)

رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم، يقولون جميعاً: يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعاً: لا والذي احتجب بسبع سماوات) .
فقد حكى الأشعري إجماع المسلمين على أن الله فوق العرش، وأن خلقه محجوبون عنه بالسماوات، وهذا مناقض لقول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، فإن هؤلاء يقولون: ليس للعرش به اختصاص، وليس شيء من المخلوقات يحجب عنه شيئاً.
ومن أثبت الرؤية منهم إنما يفسر رفع الحجاب بخلق إدراك العين، لا أن يكون هناك حجاب منفصل يحجب العبد عن الرؤية.

كلام الباقلاني في التمهيد إثبات العلو والاستواء
وقال: القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابي: الإبانة والتمهيد وغيرهما: (فإن قال قائل: أتقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه، فقال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ، وقال: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} [الملك: 16] .
(6/206)

ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي نرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا وشمائلنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله) .
فقد وافق القاضي أبو بكر لأبي الحسن الأشعري، وأنكر أن يكون في كل مكان، وجعل مقابل ذلك أنه على العرش، لم يجعل مقابل ذلك أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فإن الأقسام أربعة ليس لها خامس: إما أن يكون نفسه مبايناً للعالم، وإما أن يكون مداخلاً له، وإما أن يكون مبايناً ومداخلاً، وإما أن يكون لا مبايناً ولا مداخلاً.
فهؤلاء جعلوا مقابلة المداخلة المباينة، ولم يقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، وهؤلاء أئمة طوائفهم.

كلام القاضي أبو يعلى في إبطال التأويل في إثبات العلو والاستواء
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: (فإذا ثبت أنه على العرش، فالعرش في جهة، وهو على عرشه) .
(6/207)

قال: (وقد منعنا في كتابنا هذا، في غير موضع إطلاق الجهة عليه) .
قال: (والصواب جواز القول بذلك، لأن أحمد أثبت هذه الصفة، التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة) .
قال: (والدليل عليه: أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه، فاقتضى أنه في جهة، ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية) .
قال: (ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول: ليس في جهة ولا خارجاً منها، وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره، ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده، ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضع ما، وبين قوله: طلبته فإذا هو معدوم) .

تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا الذي اختلف فيه قول القاضي، اختلف فيه أصحاب أحمد وغيرهم، فكان طائفة يقولون: العلو من الصفات السمعية الخبرية، كالوجه واليد ونحو ذلك، وهذا قول طوائف من الصفاتية ولهذا نفاه من متأخري الصفاتية من نفى الصفات السمعية الخبرية كأتباع صاحب الإرشاد) .
(6/208)

وأما الأشعري وأئمة أصحابه، فإنهم متفقون على إثبات الصفات السمعية، مع تنازعهم في العلو: هل هو من الصفات العقلية أو السمعية.
وأما أئمة الصفاتية كابن كلاب وسائر السلف، فعندهم أن العلو من الصفات المعلومة بالعقل، وهذا قول الجمهور من أصحاب أحمد وغيرهم، وإليه رجع القاضي أبو يعلى آخراً، وهو قول جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف، وهو قول الكرامية وغيرهم.
وأما الاستواء فهو من الصفات السمعية عند من يجعله من الصفات الفعلية بلا نزاع، فإن ذلك لم يعلم إلا بالسمع.
وهذا الذي ذكره ابن كلاب وغيره من أن المنازع من المسلمين في أن الله فوق العرش كانوا قليلين جداً، يبين خطأ من قال: إن النزاع إنما هو مع الكرامية والحنبلية، بل جماهير الخلق من جميع الطوائف على الإثبات: جمهور أئمة الفقهاء من: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والداوودية، وجمهور أهل التصوف والزهد والعبادة، وجمهور أهل التفسير، وجمهور أهل الحديث، وجمهور أهل الكلام من الكرامية والكلابية والأشعرية والهشامية، وجمهور المرجئة، وجمهور قدماء الشيعة.
وإنما الخلاف في ذلك معروف عن جهم وأتباعه، والمعتزلة ومن
(6/209)

وافقهم من الخوارج، ومتأخري الشيعة، وتأخري الأشعرية.
وللمعتزلة والفلاسفة فيها قولان.
بل وهذا هو المنقول عن أكثر الفلاسفة أيضاً، كما ذكر أبو الوليد بن رشد الحفيد، وهو من أتبع الناس لمقالات المشائين: أرسطو وأتباعه، ومن أكثر الناس عناية بها، وموافقة لها، وبياناً لما خالف فيه ابن سينا وأمثاله لها، حتى صنف كتاب تهافت التهافت وانتصر فيه لإخوانه الفلاسفة، ورد فيه على أبي حامد في كتابه الذي صنفه في تهافت الفلاسفة، مع أن في كلام أبي حامد من الموافقة للفلاسفة في مواضع كثيرة ما هو معروف، وإن كان يقال: إنه رجع عن ذلك واستقر أمره على التلقي من طريقة أهل الحديث، بعد أن أيس من نيل مطلوبه من طريقة المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضاً.
فالمقصود أن ابن رشد ينتصر للفلاسفة المشائين - أرسطو وأتباعه - بحسب الإمكان، وقد تكلمنا على كلامه وكلام أبي حامد في غير هذا الموضع، وبينا صواب ما رده أبو حامد من ضلال المتفلسفة، وبينا ما تقوى به المواضع التي استضعفوها من رده بطرق أخرى، لأن الرد على أهل الباطل لا يكون مستوعباً إلا إذا اتبعت السنة من كل الوجوه، وإلا فمن وافق السنة من وجه وخالفها من وجه، طمع فيه خصومه من الوجه الذي خالف فيه السنة، واحتجوا عليه بما وافقهم عليه من تلك المقدمات المخالفة للسنة.
وقد تدبرت عامة ما يحتج به أهل الباطل على من هو أقرب إلى الحق منهم، فوجدته إنما تكون حجة الباطل قوية لما تركوه من الحق الذي
(6/210)

أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، فيكون ما تركوه من ذلك الحق من أعظم حجة المبطل عليهم، ووجدت كثيراً من أهل الكلام الذين هم أقرب إلى الحق ممن يردون عليه، يوافقون خصومهم تارة على الباطل، ويخالفونهم في الحق تارة أخرى، ويستطيلون عليهم بما وافقهم عليه من الباطل، وبما خالفوهم فيه من الحق، كما يوافق المتكلمة النفاة للصفات - أو لبعضها كالعلو وغيره - لمن نفى ذلك من المتفلسفة وينازعونهم في مثل بقاء الأعراض، أو مثل تركيب الأجسام من الجواهر المنفردة، أو وجوب تناهي جنس الحوادث ونحو ذلك.
والمقصود هنا أن ابن رشد نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة، وقرر ذلك بطرقهم العقلية التي يسمونها البراهين، مع أنه يزعم أنه لا يرتضي طرق أهل الكلام، بل يسميها هو وأمثاله من الفلاسفة الطرق الجدلية، ويسمون المتكلمين أهل الجدل، كما يسميهم بذلك ابن سينا وأمثاله، فإنهم لما قسموا أنواع القياس العقلي الشمولي الذي ذكروه في المنطق إلى: برهاني وخطابي، وجدلي، وشعري، وسوفسطائي، زعموا أن مقاييسهم في العلم الإلهي من النوع البرهاني، وان غالب مقاييس المتكلمين إما الجدلي وإما من الخطابي، كما يوجد هذا في كلام هؤلاء المتفلسفة، كالفارابي وابن سينا ومحمد بن يوسف العامري،
(6/211)

ومبشر بن فاتك، وأبي علي بن الهيثم، والسهروردي المقتول، وابن رشد، وأمثالهم، وإن كانوا في هذه الدعاوى ليسوا صادقين على الإطلاق، بل الأقيسة البرهانية في العلم الإلهي في كلام المتكلمين أكثر منهما في كلامهم وأشرف، وإن كان قد يوجد في كلام المتكلمين أقيسة جدلية وخطابية بل وسوفسطائية، فهذه الأنواع في العلم الإلهي هي في كلام الفلاسفة أكثر منها في كلام المتكلمين وأضعف، إذا قوبل ما تكلموا فيه من العلم الإلهي بما تكلم فيه المتكلمون، بل ويستعملون من هذا الضرب في الطبيعيات، بل وفي الرياضيات قطعة كبيرة.

كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن العلو والجهة
والمقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد عنهم، وهذا لفظه في كتاب مناهج الأدلة في الرد على الأصوليين، قال: (والقول في الجهة.
وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة، في أول الأمر،
(6/212)

يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله.
وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، ومثل قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] ، ومثل قوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17] ومثل قوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5] ، ومثل قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: 4] ، ومثل قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} [الملك: 16] ، إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهاً لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من في السماء نزلت الكتب، وإليها
(6/213)

كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قرب من سدرة المنتهى) .
قال: (وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك.
والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية) .
قال: (ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان.
وذلك أن الجهة هي: إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به، وهي ستة، وبهذا نقول: إن للحيوان فوقاً وسفلاً، ويميناً وشمالاً، وأماماً وخلفاً، وإما سطوح جسم آخر تحيط بالجسم من الجهات الست.
فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلاً.
وأما سطوح الجسم المحيطة به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضاً مكان للهواء.
وهذه الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له، وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم،
(6/214)

لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم أيضاً جسم آخر، ويمر الأمر إلى غير نهاية.
فإذاً سطح آخر أجسام العالم ليس مكاناً أصلاً، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم، فإذاً إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير الجسم، فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم، وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم.
وليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء.
وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه، لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئاً أكثر من أبعاد ليس فيها جسم، أعني طولاً وعرضاً وعمقاً، لأنه إن وقعت الأبعاد عنه عاد عدماً، وإن أنزل الخلاء موجوداً لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم.
وذلك لأن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد، ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين، يريدون الله والملائكة.
وذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان، وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسداً، فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن،
(6/215)

وقد تبين هذا المعنى فيما أقوله، وذلك أنه لما لم يكن ههنا شيء يدرك إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى الوجود، أعني أنه يقال: إنه موجود في الوجود، إذ لا يمكن أن يقال: إنه موجود في العدم، فإن كان ههنا موجود هو أشرف الموجودات، فواجب أن ينسب من الوجود المحسوس إلى الجزء الأشرف، وهي السماوات.
ولشرف هذا الجزء، قال الله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] .
قال: (فهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم.
فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه، فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، وأنه وجه العسر في نفيهم هذا المعنى مع نفي الجسمية، هو
(6/216)

أنه ليس في الشاهد مثال له، وهو بعينه السبب في أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه، لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب، متى كان ذلك معلوم الوجوه في الشاهد، مثل العلم في الفاعل، فإنه لما كان في الشاهد شرطاً في وجوده كان شرطاً في وجود الصانع الغائب، وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر، ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون، فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته، إن لم تكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثال في الشاهد.
فإن بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم، وإن لم يكن ذلك المثال هو الأمر المقصود فتفهيمه مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد.
والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور لها، لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم، فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع، ولا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأوله.
والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث رتب: صنف لا
(6/217)

يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى، وخاصة متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثرون، وهم الجمهور.
وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء، وهم الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس، وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها، وهؤلاء هم فوق العامة دون العلماء، وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع، وهم الذين ذمهم الله تعالى.
وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه.
فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم المتشابه.. ومثال ما عرض لهذا الصنف من الشرع مثال ما يعرض لخبز البر مثلاً، الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان، أن يكون لأقل الأبدان ضاراً، وهو نافع للأكثر، وكذلك التعلم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما يضر الأقل.
ولهذا الإشارة بقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26] .
لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منها والأقل من الناس، وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد، فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها، وأكثرها شبهاً بها، فيعرض لبعض الناس أن
(6/218)

يرى الممثل به هو الممثل نفسه، فتلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يسمى متشابهاً في الشرع.
وهذا ليس يعرض للعلماء والجمهور، وهم صنفا الناس بالحقيقة، لأن هؤلاء هم الأصحاء، والغذاء الملائم إنما يوافق أأبدان الأصحاء، وأما أولئك فمرضى، والمرضى هم الأقل.
ولذلك قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] ، وهؤلاء هم أهل الجدل والكلام.
وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيراً مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإما أتى به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختباراً لهم، ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزاً من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما أبعد عن مقصود الشرع من قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أوله بزعمه، وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش، وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه.
وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تؤملت
(6/219)

وجدت ليس يقوم عليها برهان، ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها، وعلمهم عنها، فإن المقصود الأول في العلم في حق الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفع في العمل فهو أجدر.
فأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعاً: أعني العلم والعمل) .
قال: (ومثال من أول شيئاً من الشرع، وزعم أن ما أوله هو الذي قصد الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور، مثال ما أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر لحفظ صحة جميع الناس، أو الأكثر، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة مزاج كان به، ليس يعرض إلا لأقل الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت به العادة في ذلك أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخر مما يمكن أن تدل عليه بذلك استعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم،
(6/220)

وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على وجه الذي تأوله عليه هذا المتأول، ففسدت به أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير المرض الأول، فجاء ثالث فتأول أدوية ذلك المركب على غير التأويل الثاني، فعرض للناس نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين، فجاء متأول رابع فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة، فعرض للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة، فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها، عرض منه للناس، أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس، وهذه حال الفرق الحادثة في هذه الشريعة، وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلاً غير
(6/221)

التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه الذي قصد صاحب الشرع، حتى تمزق الشرع كل ممزق، وبعد جداً عن موضوعه الأول.
ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا يعرض، ولا بد في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله تأويلاً صرحت به للناس) .
قال: (وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة، في هذا الوقت، من الفساد العارض فيها من قبل التأويل، تبينت أن هذا المثال صحيح.
فأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى، وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور، وبآراء
(6/222)

الحكماء، على ما أداه إليه فهمه، وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد، وزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم، ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة، فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة من جهة خرقهم فيها الإجماع فيما زعم، وبدعهم في مسائل، وأتي فيه بحجج مشككة، وشبه محيرة أضلت كثيراً من الناس عن الحكمة والشريعة جميعاً، ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية، وأن الحق إنما أثبته في المضنون به على غير أهله ثم جاء في كتابه المعروف بـ مشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله، وقال: إن سائرهم محجوبون، إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماء الأولى، وهو الذي صدر عنه هذا المحرك، وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية، وهو قد قال في غير ما وضع: إن علومهم الإلهية تخمينات، بخلاف الأمر في سائر علومهم، وأما في كتابه الذي سماه المنقذ من الضلال فتحامل فيه على
(6/223)

الحكماء، وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة، وأن هذه المرتبة من جنس مراتب الأنبياء في العلم، وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة فصار الناس بسبب هذا التخليط والتشويش فرقتين: فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة، فرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة، وهذا كله خطأ، بل ينبغي أن يقر الشرع على ظاهره، ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة، لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم، دون أن يكون عندهم برهان عليها، وهذا لا يحل ولا يجوز، أعني التصريح بشيء من نتائج الحكمة لم يكن عنده
البرهان عليها، لأنه لا يكون مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل، ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع، فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعاً، أعني بالحكمة وبالشرع عند أناس، وحفظ الأمرين أيضاً جميعاً عند آخرين.
أما إخلاله بالشريعة فمن جهة إفصاحه فيه بالتأويل الذي لا يجب الإفصاح به، وأما إخلاله بالحكمة فلإفصاحه أيضاً بمعان فيها لا
(6/224)

يجب أن يصرح بها إلا في كتب البرهان، وأما حفظه للأمرين جميعاً، فإن كثيراً من الناس لا يرى بينهما تعارضاً من جهة الجمع الذي استعمل منهما، وأكد هذا المعنى بأن عرف وجه الجمع بينهما، وذلك في كتابه الذي سماه التفرقة بين الإسلام والزندقة، وذلك أنه عدد فيه أصناف التأويلات، وقطع فيه على أن المتأول ليس بكافر.
وإن خرق الإجماع في التأويل.
فإذاً ما فعل من هذه الأشياء هو ضار للشرع بوجه، وللحكمة بوجه، ونافع لهما بوجه، وهذا الذي فعله هذا الرجل إذا فحص عنه ظهر أنه ضار بالذات للأمرين جميعاً.
أعني الحكمة والشريعة، وأنه نافع لهما بالعرض.
وذلك أن الإفصاح بالحكمة لمن ليس من أهلها يلزم عن ذلك بالذات: إما إبطال الحكمة، وإما إبطال الشريعة، وقد يلزم عنها بالعرض الجمع بينهما.
والصواب كان ألا يصرح بالحكمة للجمهور، فأما قد وقع التصريح، فالصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة أنها ليست مخالفة لها، وكذلك يعرف الذين يرون أن الحكمة
(6/225)

مخالفة لها من الذين ينتسبون للحكمة أنها غير مخالفة لها.
وذلك بأن يعرف كل أحد من الفريقين أنه لم يقف على كنهها بالحقيقة، أعني على كنه الشريعة، ولا على كنه الحكمة، وأن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي: إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، وإما رأي خطأ في الحكمة، أعني تأويل خطأ عليها، كما عرض في مسألة علم الجزئيات وفي غيرها من المسائل) .
قال: (ولهذا المعنى اضطررنا نحن في هذا الكتاب أن نعرف أصول الشريعة، فإن أصولها إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول عليها.
وكذلك الرأي في الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك أنه لم يحط علماً بالحكمة ولا بالشريعة.
ولذلك اضطررنا نحن إلى وضع قول في موافقة الحكمة للشريعة) .

كلام ابن رشد في مسألة رؤية الله تعالى
قال: (فإذا تبين هذا فلنرجع إلى حيث كنا فنقول: إن
(6/226)

الذي بقي علينا من هذا الجزء من المسائل المشهورة هي مسألة الرؤية، فإنه قد يظن أن هذه المسألة هي، بوجه ما، داخلة في هذا الجزء، أعني في الجزء المعدوم) يعني جزء التنزيه، فإنه تكلم في التنزيه بعد تكلمه في الصفات الثبوتية، فقال: (فإنه قد يظن أن هذه المسألة هي، بوجه ما داخلة في هذا الجزء، أعني في الجزء المعدوم، لقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، ولذلك أنكرتها المعتزلة، وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك، مع كثرتها وشهرتها، فشنع المر عليهم، والسبب في وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه سبحانه، واعتقدوا وجوب التصريح بهذا لجميع المكلفين، وجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية، إذ كل مرئي في جهة من الرائي، فاضطروا لهذا المعنى إلى رد الشرع المنقول، وأعلوا الأحاديث بأنها أخبار آحاد.
وأخبار الآحاد لا توجب العلم، مع أن ظاهر القرآن معارض لها، أعني قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] ) .
(6/227)

قال: (وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين، أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس، فعسر ذلك عليهم، ولجأوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة، أعني الحجج التي توهم أنها حجج وهي كاذبة، وذلك أنه يشبه أن يكون يوجد في الحجج ما يوجد في الناس، أعني كما يوجد في الناس الفاضل التام الفضيلة، يوجد فيهم من هو دون ذلك في الفضل، ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل وليس بفاضل، وهو المرائي، وكذلك الأمر في الحجج أعني أن منها ما هو في غاية اليقين ومنها ما هو دون اليقين، ومنها حجج مرائية، وهي التي توهم أنها يقين وهي كاذبة.
والأقاويل التي سلكها الأشعرية في هذه المسألة منها أقاويل في دفع دليل المعتزلة، ومنها أقاويل لهم في جواز إثبات الرؤية لما ليس بجسم، وأنه ليس يعرض من فرضها محال.
فأما ما عاندوا به قول المعتزلة: إن كل مرئي فهو في جهة من الرائي، فمنهم من قال: إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب، وإن هذا الموضع ليس هو من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب، وإنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة، إذ كان جائزاً أن يرى الإنسان بالقوة المبصرة نفسها
(6/228)

دون عين، وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة، أعني في مكان.
وأما إدراك البصر، فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة، أعني في مكان، ولا في كل جهة بل في جهة ما مخصوصة.
ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي، بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضاً.
وهي ثلاثة أشياء: حضور الضوء، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر، وكون المبصر ذا لون.
والرد لهذه الأمور المعروفة بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل المعلومة بالطبع للجميع، وإبطال لجميع علوم النظر والهندسة.
وقد قال القوم - أعني الأشعرية - إن أحد المواضع التي يجب فيها أن ينقل حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط، مثل حكمنا بأن كل عالم حي، لكون الحياة تظهر في الشاهد شرطاً في وجود العلم قلنا لهم: وكذلك يظهر في الشاهد أن هذه الأشياء هي شرط في الرؤية، فألحقوا الغائب فيها بالشاهد، على أصلكم) .
(6/229)

قال: (وقد رام أبو حامد في كتابه المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة، أعني أن كل مرئي في جهة من الرائي، بأن الإنسان ينظر ذاته في المرآة، وليس ذاته منه في جهة ولا في غير جهة تقابله، وذلك أنه لما كان يبصر ذاته، وكانت ذاته لا تحال في المرآة التي في الجهة المقابلة، فهو يبصر ذاته في غير جهة) .
قال: (وهذه مغالطة، فإن الذي يبصر هو خيال ذاته فقط، والخيال هو في جهة، إذ كان الخيال في المرآة، والمرآة في جهة.
وأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان رؤية ما ليس بجسم، فإن المشهور عندهم من ذلك حجتان: إحداهما - وهي الأشهر عندهم - ما يقولونه من أن الشيء لا يخلو من أن يرى من جهة أنه متلون، أو من جهة أنه جسم، أو من جهة أنه لون، أو من جهة أنه موجود.
وربما عددوا جهات أخر غير هذه الوجوه، ثم يقولون: وباطل أن يرى من قبل أنه جسم، إذ لو كان كذلك لما رئي ما
(6/230)

هو غير جسم، وباطل أن يرى من قبل أنه ملون، إذ لو كان كذلك لما رئي، وباطل أن يرى لمكان أنه لون، إذ لو كان كذلك لما رئي الجسم.
قالوا: وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تتوهم في هذا الباب، لم يبق أن يرى الشيء إلا من قبل أنه موجود) .
قال: (والمغالطة في هذا القول بينة، فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته، ومنه ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته.
وهذه هي حال اللون والجسم، فإن اللون مرئي بذاته، والجسم مرئي من قبل اللون، وكذلك ما لم يكن له لون لم يبصر، ولو كان الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط، لوجب أن يبصر الأصوات وسائر المحسوسات الخمس، فكان يكون السمع والبصر وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة، وهذا كله خلاف ما يعقل، وقد اضطر المتكلمون لمكان
(6/231)

هذه المسألة - وما أشبهها - إلى أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع، والأصوات ممكنة أن لا تسمع، وهذا كله خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان، فإن من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع، وأن محسوس هذه غير محسوس تلك، وأن آلة هذه غير آلة تلك، وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعاً، كما لا يمكن أن يعود اللون صوتاً، والذين يقولون: إن الصوت يمكن أن يبصر في وقت، فقد وجب أن يسألوا فيقال لهم: ما هو البصر؟ فلا بد أن يقولوا: هو قوة تدرك بها المرئيات: الألوان وغيرها، ثم يقال لهم: ما هو السمع؟ فلا بد أن يقولوا: هو قوة تدرك بها الأصوات، فإذا وضعوا هذا قيل لهم: فهل البصر عند إدراكه الأصوات هو بصر فقط، أو سمع فقط؟ فإذا قالوا: سمع فقط، فقد سلموا أنه لا يدرك الألوان.
وإن قالوا: بصر فقط، فليس يدرك الأصوات، وإذا لم يكن بصراً فقط لأنه يدرك الأصوات، ولا سيما فقط لأنه يدرك الألوان، فهو بصر وسمع معاً، وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئاً واحداً، حتى المتضادات، وهذا شيء - فيما أحسبه - يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا، أو يلزمهم تسليمه - يعني هؤلاء الأشعرية) .
(6/232)

قال: (وهو رأي سوفسطائي لأقوام مشهورين بالسفسطة.
وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية فهي الطريقة التي اختارها أبو المعالي في كتابه المعروف بالإرشاد وتلخيصها.
أن الحواس إنما تدرك ذوات الأشياء، وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض، فهي أحوال ليست بذوات، فالحواس لا تدركها، وإنما تدرك الذات، والذات هي نفس الوجود المشتركة لجميع الموجودات، فإذاً الحواس إنما تدرك الشيء من حيث هو هو موجود) .
قلت: هذه الحجة من جنس الأولى، لكن هذه على قول مثبتة الأحوال، وتلك على رأي نفاة الأحوال، لكن ذكرها على هذا الوجه فيه تناقض، حيث جعل الأحوال لا ترى، بل إنما يرى الوجود، والوجود حال عند مثبتة الأحوال، لكن مضمون ذلك أنها تدرك الحال المشتركة وهي الوجود، لا لما اختصت به.
ثم قال ابن رشد: (وهذا كله في غاية الفساد.
ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لوجودها لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود، لأن الأشياء لا تفترق بالشيء
(6/233)

الذي تشترك فيه، ولكان في الجملة لا يمكن في الحواس: لا في البصر أن يدرك فصول الألوان، ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات، ولا في الطعم أن يدرك فصول المطعومات، وللزم أن يكون مدارك المحسوسات بالحس واحداً، فلا يكون فرق بين مدرك السمع ومدرك البصر، وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان، وإنما تدرك الحواس وذوات الأشياء المشار إليها بتوسط إدراكها لمحسوساتها الخاصة بها، فوجه المغالطة في هذا هو أنه ما يدرك ثانياً أخذ أنه يدرك بذاته) .
قال: (ولولا النشأ على هذه الأقاويل، وعلى التعظيم للقائلين بها، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة) .
قال: (والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة - حتى ألجأت القائلين بنصرتها، في زعمهم، إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة، التي هي ضحكة عند من عنى بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية - هو التصريح في الشرع بما لم يأذن به الله ورسوله، وهو التصريح بنفي
(6/234)

الجسمية للجمهور.
وذلك أنه من العسير أن يجتمع في اعتقاد واحد أن ههنا موجوداً ليس بجسم، وأنه مرئى بالأبصار، لأن مدرك الأبصار هي في الأجسام أو أجسام، وكذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ذلك الوقت، وهذا لا يليق أيضاً الإفصاح به للجمهور، فإنه لما كان العقل من الجمهور لا ينفك عن التخيل، بل ما لا يتخيلون هو عندهم عدم، وكان تخيل ما ليس بجسم لا يمكن، والتصديق بوجود ما ليس بمتخيل غير ممكن عندهم، عدل الشرع عن التصريح لهم بهذا المعنى، ووصف لهم نفسه سبحانه بأوصاف تقرب من قوة التخيل مثل ما وصفه به من السمع والبصر والوجه وغير ذلك، مع تعريفهم أنه لا يجانسه شيء من الموجودات المتخيلة ولا يشبهه.
ولو كان القصد تعريف الجمهور أنه ليس بجسم لما صرح لهم بشيء من ذلك، بل لما كان أرفع الموجودات المتخيلة هو النور ضرب المثال به، إذ كان النور هو أشهر الموجودات عند الحس والتخيل.
وبهذا النحو من التصور أمكن أن يفهموا المعاني
(6/235)

الموجودات في المعاد، أعني تلك المعاني مثلت لهم بأمور متخيلة محسوسة، فإذاً متى أخذ الشرع في أوصاف الله على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها، لأنه إذا قيل: إنه نور، وإن له حجاباً من نور، كما جاء في القرآن والسنن الثابتة، ثم قيل: إن المؤمنين يرونه في الدار الآخرة، كما ترى الشمس لم يعرض في هذا كله شك، ولا شبهة في حق الجمهور، ولا حق العلماء، وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك الحال مزيد علم، لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلها أو كفروا المصرح لهم بها، فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه الأشياء فقد ضل عن سواء السبيل.
وأنت إذا تأملت الشرع وجدته، مع أنه قد ضرب للجمهور في هذا المعنى المثالات التي لم يمكن تصورها إياها دونها، فقد نبه العلماء على تلك المعاني أنفسها التي ضرب مثالاتها للجمهور، فيجب أن يوقف عند حد الشرع في نحو التعليم الذي خص به صنفاً صنفاً من الناس، لئلا يختلط التعليمان كلاهما، فتفسد الحكمة الشرعية النبوية.
ولذلك قال عليه الصلاة
(6/236)

والسلام: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم» ، ومن جعل الناس شرعاً واحداً في التعليم فهو كمن جعلهم شرعاً واحداً في عمل من الأعمال، وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول) .
قال: (وقد تبين لك من هذه أن الرؤية معنى ظاهر، وأنه ليس يعرض فيه شبهة إذا أخذ الشرع على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى، أعني إذا لم يصرح فيه بنفي الجسمية ولا إثباتها) .

تعليق ابن تيمية على كلام ابن رشد في مناهج الأدلة
قلت: هذا الرجل قد ذكر في كتابه أن أصناف الناس أربعة: الحشوية، والأشعرية، والمعتزلة والباطنية: باطنية الصوفية وهو يميل إلى باطنية الفلاسفة الذين يوجبون إقرار الجمهور على الظاهر كما يفعل ذلك من يقول بقولهم من أهل الكلام والفقه والحديث، ليس هو من باطنية الشيعة كالإسماعيلية ونحوهم الذين يظهرون الإلحاد
(6/237)

ويتظاهرون بخلاف شرائع الإسلام، وهو في نفي الصفات أسوأ حالاً من المعتزلة وأمثالهم، بمنزلة إخوانه الفلاسفة الباطنية، حتى أنه يجعل العلم هو العالم، والعلم هو القدرة، وهو مع موافقته لابن سينا على نفي الصفات، يبين فساد طريقته التي احتج بها وخالف بها قدماء الفلاسفة، وهو أن ما يشهد به الوجود من الموجود الواجب يمتنع كونه موصوفاً لأن ذلك تركيب، ووافق أبا حامد - مع تشنيعه عليه - على أن استدلال ابن سينا على نفي الصفات بأن وجوب الوجود مستلزم لنفي التركيب، المستلزم لنفي الصفات - طريقة فاسدة، واختار طريقة المعتزلة، وهي أن ذلك تركيب، والمركب يفتقر إلى مركب، وهي أيضاً من نمط تلك في الفساد.
وكذلك أيضاً زيف طريقهم التي استدلوا بها على نفي التجسيم: زيف طريقة ابن سينا وطرق المعتزلة والأشعرية بكلام طويل، واعتمد هو في نفي التجسيم على إثبات النفس الناطقة، وأنها ليست بجسم، فيلزم أن يكون الله ليس بجسم.
ولا ريب أن هذه الحجة أفسد من غيرها، فإن الاستدلال على نفي كون النفس جسماً أضعف بكثير من نفس ذلك في الواجب، والمنازعون له في النفس أكثر من المنازعين له في ذلك، لكن مما يطمعه، ويطمع أمثاله في ذلك ضعف مناظرة أبي حامد لهم في مسألة النفس، فإن أبا حامد بين فساد أدلتهم التي استدلوا بها على نفي كون الواجب ليس بجسم، وبين أنه لا حجة لهم على ذلك، وغنما الحجة على ذلك طريق
(6/238)

المعتزلة: طريقة الأعراض والحوادث.
وأما في مسألة النفس فهو موافق لهم على قولهم لاعتقاده صحة طريقهم.
وابن رشد يذم أبا حامد من الوجه الذي يمدحه به علماء المسلمين ويعظمونه عليه، ويمدحه من الوجه الذي يذمه به علماء المسلمين، وإن كانوا قد يقولون: إنه رجع عن ذلك، لأن أبا حامد يخالف الفلاسفة تارة، ويوافقهم أخرى، فعلماء المسلمين يذمونه بمن وافقهم فيه من الأقوال المخالفة للحق الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم الموافقة لصحيح المنقول وصريح المعقول، كما وقع من الإنكار عليه أشياء في كلام رفيقه أبي الحسن المرغيناني، وأبي نصر القشيري، وأبي بكر الطرشوشي، وأبي بكر بن العربي، وأبي
(6/239)

عبد الله المازري، وأبي عبد الله الذكي، ومحمود الخوارزمي، وابن عقيل، وأبي البيان الدمشقي، ويوسف الدمشقي، وابن حمدون القرطبي القاضي، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي محمد المقدسي، وأبي عمرو بن الصلاح، وغير واحد من علماء المسلمين وشيوخهم.
(6/240)

والمتفلسفة، الذين يوافقون ما ذكره من أقوالهم، يذمونه لما اعتصم به من دين الإسلام ووافقه في الكتاب والسنة، كما يفعل ذلك ابن رشد الحفيد هذا، وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، وابن سبعين، وابن هود، وأمثالهم.
وهؤلاء وأمثالهم يعظمون ما وافق فيه الفلاسفة، كما يفعل ذلك صاحب خلع النعلين وابن عربي صاحب الفصوص، وأمثالهم ممن يأخذ المعاني الفلسفية يخرجها في قوالب المكاشفات والمخاطبات الصوفية، ويقتدي في ذلك بما وجده من ذلك في كلام أبي حامد ونحوه.
وأما عوام هؤلاء فيعظمون الألفاظ الهائلة مثل: لفظ الملك، والملكوت، والجبروت، وأمثال ذلك مما يجدونه في كلام هؤلاء وهم لا يدرون هل أراد المتكلم بذلك ما أراده الله ورسوله، أم أراد بذلك ما أراده الملاحدة كابن سينا وأمثاله.
(6/241)

والمقصود هنا أن ابن رشد هذا مع اعتقاده أقوال الفلاسفة الباطنية - لا سيما الفلاسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم الذين لهم التصانيف المعروفة في الفلسفة - ومع أن قول ابن رشد هذا في الشرائع من جنس قول ابن سينا وأمثاله من الملاحدة، من أنها أمثال مضروبة لتفهيم العامة ما يتخيلونه في أمر الإيمان بالله واليوم الاخر، وأن الحق الصريح الذي يصلح لأهل العلم، فإنما هو أقوال هؤلاء الفلاسفة، وهذه عند التحقيق منتهاها التعطيل المحض، وإثبات وجود مطلق لا حقيقة له في الخارج غير وجود الممكنات، وهو الذي انتهى إليه أهل الوحدة والقائلون بالحلول والاتحاد، كابن سبعين وأمثاله ممن حقق هذه الفلسفة ومشوا على طريقة هؤلاء المتفلسفة الباطنية من متكلم ومتصوف، وممن أخذ بما يوافق ذلك من كلام أبي حامد وأمثاله، وزعموا أنهم يجمعون بين الشريعة الإلهية والفلسفة اليونانية، كما زعم ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من هؤلاء الملاحدة.
وابن رشد هذا، مع خبرته بكلام هؤلاء وموافقته لهم، يقول: إن جميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك، وقرر ذلك بطريق عقلية من جنس تقرير ابن كلاب والحارث المحاسبي، وابن العباس القلانسي، والأشعري،
(6/242)

والقاضي أبي بكر، وأبي الحسن التميمي، وابن الزاغوني، وأمثالهم ممن يقول إن لله فوق العرش وليس بجسم.
وقال هؤلاء المتفلسفة كما يقوله هؤلاء المتكلمون الصفاتية: إن إثبات العلو لله لا يوجب إثبات الجسمية، بل ولا إثبات المكان، وبناء ذلك على أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وهذا قول أرسطو وأتباعه، فهؤلاء يقولون: مكان الإنسان هو باطن الهواء المحيط به، وكل سطح باطن من الأفلاك فهو مكان للسطوح الظاهرة مما يلاقيه.
ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئاً، فلا مكان هناك على اصطلاحهم، إذ لو كان هناك محوى لسطح الجسم لكان الحاوي جسماً، وإذا كان كذلك فالموجود هنالك لا يكون في مكان ولا يكون جسماً، ولهذا قال: (فإذاً إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم، لا وجود ما ليس بجسم) .
(6/243)

فقرر إن كان ذلك كما قرر إثباته، كما ذكره من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس.
والذي يمكن منازعوه من الفلاسفة أن يقولوا له: لا يكمن أن يوجد هناك شيء: لا جسم ولا غيره، أما الجسم فلما ذكره، وأما غيره فلأنه يكون مشاراً إليه بأنه هناك، وما أشير إليه فهو جسم.
وهذا كما يقول المعتزلة للكلابية وقدماء الأشعرية ومن وافقهم من أهل الحديث كالتميميين وأمثالهم أتباعهم، فيقول ابن رشد لهم ما تقوله الكلابية للمعتزلة، وهو أن وجود موجود ليس هو وراء أجسام العالم ولا داخل فيها، إما أن يكون ممكناً وإما أن لا يكون، فإن لم يكن ممكناً بطل قولهم، وإن كان ممكناً فوجد موجود هو وراء أجسام العالم وليس الجسم أولى بالجواز، لأنه إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه، لا في العالم ولا خارجاً عنه، ولا يشار إليه، وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم، كان إنكار العقل للأول
(6/244)

أعظم من إنكاره للثاني، فإن كان الأول مقبولاً وجب قبول الثاني وإن كان الثاني مردوداً وجب رد الأول، فلا يمكن منازعو هؤلاء أن يبطلوا قولهم مع إثباتهم لموجود قائم بنفسه، لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه.
وما ذكره ابن رشد من أن: هذه الصفة - صفة العلو - لم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله تعالى حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الشريعة - كلام صحيح، وهو يبين خطأ من يقول: إن النزاع في ذلك ليس إلا مع الكرامية والحنبلية، وكلامه هذا أصح مما زعمه ابن سينا حيث ادعى أن السنن الإلهية منعت الناس عن شهرة القضايا التي سماها (الوهميات) مثل أن: كل موجود فلا بد أن يشار إليه، فإن تلك السنن ليست إلا سنن المعتزلة والرافضة والإسماعيلية ومن وافقهم من أهل البدع ليست سنن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
وما نقله ابن رشد عن هذه الأمة فصحيح، وهذا مما يرجع أن نقله لأقوال فلاسفة أصح من نقا ابن سينا.
ولكن التحقيق أن الفلاسفة في هذه المسألة على قولين وكذلك في مسالة ما يقوم بذاته من الأفعال وغيرها من الأمور، للفلاسفة في ذلك قولان.
(6/245)

والرازي إذا قال: (اتفق الفلاسفة) فإنما عنده ما في كتاب ابن سينا وذويه.
وكذلك الفلاسفة الذين يرد عليهم أبو حامد إنما هم هؤلاء.
ولا ريب أن مسائل الإلهيات كالنبوات ليس لأرسطو وأتباعه فيها كلام طائل.
أما النبوات فلا يعرف له فيها كلام، وأما الإلهيات فكلامه فيها قليل جداً.
وأما عامة كلام الرجل فهو في الطبيعيات والرياضيات، ولهم كلام في الروحانيات من جنس كلام السحرة والمشركين.
وأما كلامهم في واجب الوجود نفسه، فكلام قليل جداً مع ما فيه من الخطأ، وهم لا يسمونه واجب الوجود، ولا يقسمون الوجود إلى واحب وممكن، وإنما فعل هذا ابن سينا وأتباعه، ولكن يسمونه المحرك الأول والعلة الأولى، كما قد بسط أقوالهم في موضع آخر.
وعلم ما بعد الطبيعة عندهم هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه، وتلك الأمور كلية عامة مطلقة تتناول الواجب وغيره.
وبعض كلامهم في ذلك خطأ وبعضه صواب، وغالبه تقسيم لأجناس الجواهر والأعراض، ولهذا كانوا نوعين: نوعاً نظارين مقسمين للكليات، ونوعاً متأهلين بالعبادة والزهد على أصولهم أو جامعين بين الأمرين كالسهروردي والمقتول، وأتباع ابن سبعين، وغيرهم.
(6/246)

وأما كلامهم في نفس العلة الأولى فقليل جداً، ولهذا كانوا على قولين: منهم من يثبت موجوداً واجباً مبايناً للأفلاك، ومنهم من ينكر ذلك، وحجج مثبتي ذلك على نفاته منهم حجج ضعيفة، وقدماؤهم كأرسطو كانوا يستدلون بأنه لا بد للحركة من محرك لا يتحرك، وهذا لا دليل عليه بل الدليل يبطله.
وابن سينا سلك طريقته المعروفة، وهو الاستدلال بالوجود على الواجب، ثم دعواه أن الواجب لا يجوز أن يتعدد ولا تكون له صفة وهذه أيضاً طريقة ضعيفة ولعلها أضعف من طريقة أولئك، أو نحوها، أو قريبة منها.
وإذا كان كلام قدمائهم في العلم بالله تعالى قليلاً كثير الخطأ، فإنما كثر كلام متأخريهم لما صاروا من أهل الملل، ودخلوا في دين المسلمين واليهود والنصارى، وسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من أسماء الله وصفاته وملائكته وغير ذلك، فأحبوا أن يستخرجوا من أصول سلفهم ومن كلامهم ما يكون فيف موافقة لما جاءت به الأنبياء لما رأوا في ذلك من الحق العظيم الذي لا يمكن جحده، والذي هو أشرف المعارف وأعلاها، فصار كل منهم يتكلم بحسب اجتهاده، فالفارابي لون، وابن سينا لون، وأبو البركات صاحب المعتبر لون، وابن رشد الحفيد لون، والسهروردي المقتول لون وغير هؤلاء ألوان أخر.
وهم في هواهم بحسب ما تيسر لهم من النظر في كلام أهل
(6/247)

الملل.
فمن نظر في كلام المعتزلة والشيعة، كابن سينا وأمثاله، فكلامه لون، ومن خالط أهل السنة وعلماء الحديث، كأبي البركان وابن رشد فكلامه لون آخر أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا.
لكن قد يخفى ذلك على من يمعن النظر، ويظن أن قول ابن سينا أقرب إلى المعقول، كما يظن أن كلام المعتزلة والشيعة أقرب إلى المعقول من كلام الأشعرية والكرامية وغيرهم من أهل الكلام، ومن نظار أهل السنة والجماعة.
ومن المعلوم - بعد كمال النظر واستيفائه - أن كل من كان إلى السنة وإلى طريق الأنبياء أقرب كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح، كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح، لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تناقض وتعارض.
وما ذكره ابن رشد في اسم المكان يتوجه من يسلم له مذهب أرسطو، وأنا المكان هو السطح الداخل الحاوي المماس للسطح الخارج المحوي.
ومعلوم أن من الناس من يقول: إن للناس في المكان أقوالاً آخر، منهم من يقول: إن المكان هو الجسم الذي يتمكن غيره عليه ومنهم من يقول: إن المكان هو ما كان تحت غيره وإن لم يكن ذلك متمكناً عليه ومنهم من يزعم أن المكان هو الخلاء وهو أبعاد.
والنزاع في هذا الباب نوعان: أحدهما معنوي، كمن يدعي وجود مكان هو جوهر قائم بنفسه ليس هو الجسم، وأكثر العقلاء ينكرون ذلك.
(6/248)

والثاني نزاع لفظي، وهو من يقول المكان من يحيط بغيره، يقول آخر: ما يكون غيره عليه أو ما يتمكن عليه.
ولا ريب أن لفظ (المكان) يقال على هذا وهذا، ومن هنا نشأ تنازع أهل الإثبات: هل يقال: أن الله تعالى في مكان أم لا؟ هذا كتنازعهم في الجهة والحيز، لكن قد يقر بلفظ الجهة من لا يقر بلفظ (الحيز) أو (المكان) ، وربما أقر بلفظ الحيز أو المكان ومن لا يقر بالآخر.
وسبب ذلك إما إتباع ما ورد، أو اعتقاد في أحد اللفظين من المعنى المردود ما ليس في الآخر.
وحقيقة الأمر في المعنى أن ينظر إلى المقصود، فمن اعتقد أن المكان لا يكون إلا ما يفتقر إليه المتمكن، سواء كان محيطاً به أو كان تحته فمعلوم أن الله سبحانه ليس في مكان بهذا الاعتبار، ومن اعتقد أن العرش هو المكان، وأن الله فوقه، مع غناه عنه، فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار.
فمما يجب نفيه بلا ريب وافتقار الله إلى ما سواه، فإنه سبحانه غني عن ما سواه، وكل شيء فقير إليه، فلا يجوز أن يوصف بصفة تتضمن افتقاره إلى ما سواه.
وأما إثبات النسب والإضافات بينه وبين خلقه، فهذا متفق عليه بين أهل الأرض، وأما علوه على العالم ومباينته للمخلوقات، فمتفق عليه بين الأنبياء والمرسلين، وسلف الأمة وأئمتها، وبين هؤلاء الفلاسفة كما ذكر ذلك عنهم، لكن آخرون من الفلاسفة ينازعون في ذلك.
(6/249)

فصل مذهب السلف والأئمة في العلو والمباينة
فهذا ونحوه بعض كلام رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب، يبين خطأ من جعل النزاع في ذلك مع الكرامية والحنبلية، ويبين أن أكثر طوائف العقلاء يقولون بالعلو، وبامتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه.
وأما كلام من نقل مذهب السلف والأئمة فأكثر من أن يمكن سطره.

كلام أبي نصر السجزي في كتاب الإبانة
قال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له: فأئمتنا كسفيان الثوري، مالك، سفيان بن عيينة، حماد بن سلامة، حماد بن زيد، عبد الله بن المبارك، فضيل بن عياض، أحمد بن حنبل، إسحق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وإنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء.
وأبو نصر هذا كان مقيماً بمكة في أثناء المائة الخامسة.

كلام أبي عمر الطلمنكي في الوصول إلى معرفة الأصول
وقال قبله الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي، أحد أئمة وقته بالأندلس، في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول قال: وأجمع
(6/250)

المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] ، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء.
وقال أيضاً: (قال أهل السنة في قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، أن الاستواء من الله على عرشه المجيد في الحقيقة لا على المجاز.

كلام نصر المقدسي في الحجة على تارك المحجة
وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي السيخ المشهور في كتاب الحجة له: (إن قال قائل: قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فاذكر مذهبهم وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم.
فالجواب: أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيته وأخذت عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم) فذكر جمل اعتقاد أهل السنة وفيه (أن الله مستو على عرشه بان من خلقه، كما قال في كتابه: {أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] ، {وأحصى كل شيء عدد} [الجن: 28] .
(6/251)

كلام أبي نعيم الأصبهاني ي عقيدته
وقال قبله الحافظ أبي نعيم الأصبهاني المشهور، صاحب التصانيف المشهورة كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه: (طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه.
فما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن عن خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سماواته من دون أرضه) .

كلام أبي أحمد الكرخي في عقيدته
وقال الشيخ أبو أحمد الكرخي، الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها للخليفة القادر بالله، وقرأها على (الناس، وجمع الناس عليها، وأقرتها طوائف أهل السنة، وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة لما كان الحاكم المصري وأمثاله من أئمة الملاحدة قد أنتشر أمرهم، وكان أهل ابن سينا وأمثالهم
(6/252)

من أهل دعوتهم، وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر، وأظهر السنة، وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو، فرأى قوة كلام ابن الهيصم، فرجح ذلك، ويقال إنه قال لابن فورك: فلو أردت تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا؟ أو قال: فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم؟ وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحق الأسفراييني يطلب الجواب عن ذلك، فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسماً.
ومن الناس من يقول: إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله، وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم، وفقهاء الرأي، فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه، وغزا المشركين بالهند، وهذه العقيدة مشهورة وفيها: (كان ربنا وحده ولا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى على استواء استقرار، كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق، وهو يدبر السماوات والأرض ويدبر ما فيهما، ومن في البر والبحر، لا مدبر غيره، ولا
(6/253)

حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم، ويميتهم، والخلق كلهم عاجزون: الملائكة، والنبيون، والمرسلون، وسائر الخلق أجمعين، وهو القادر بقدرة، والعلم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، تعرف صفتهما من نفسه، لا يبلغ كنهها أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه، لا بآلة مخلوق كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصف بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) .

كلام ابن عبد البر في كتاب التمهيد
قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد في شرح الموطأ لما تكلم على حديث النزول، قال: (هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته ...
وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم.....
وفيه دليل على أن الله في السماء على
(6/254)

العرش فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على أن المعتزلة في قولهم: إن الله بكل مكان) .
قال: (والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى.....
) وذكر عدة آيات إلى أن قال: (هذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته.
لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم) .
وقال أبو عمر أيضاً: (أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] : هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله) .
(6/255)

وقال أيضاً (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة.
وأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة، ويزعم أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، بلاشون، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة) .

كلام معمر بن أحمد الأصبهاني في وصيته
قال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصبهاني، أحد شيوخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين) .
قال
(6/256)

فيها: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه عز وجل مستو فيه على عرشه، بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد، الغني عن الخلق وأن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: هل من داع فأستجب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر) .
قال: (ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول وتأول فهو مبتدع ضال) .

كلام ابن أبي حاتم
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني في أصول الدين - وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالوا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً، وعراقاً، ومصراً وشاماً، ويمناً فكان من مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته) .
إلى أن قال: (وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكل شيء علماً) .
(6/257)

كلام أبي محمد المقدسي
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي: (إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة والأتقياء، والأئمة من الفقهاء، فتواترت الأخبار بذلك، على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزاً في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع، غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته) .
قال: (وأنا ذاكر في هذا الجزء بعض ما بلغني في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك عنهم، ونعلم تواتر الرواية بوجوه منهم يزداد من وقف عليه من المؤمنين إيماناً، وننبه من خفي ذلك عليه حتى يصير كالمشاهد له عياناً) .

كلام أبي عبد الله القرطبي في شرح معنى الاستواء
وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي لما ذكر اختلاف الناس في تفسير (الاستواء) .
قال: (وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه، كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه، بلا كيف بائن من جميع خلقه.
هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات) .
(6/258)

وقال أيضاً في كتابه الكبير في التفسير لما تكلم على آية الاستواء، قال: (هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وأجزاء وقد بينا أقوال العلماء فيها في شرح الأسماء الحسنى.
وذكر فيها أربعة عشر قولاً) وذكر قول النفاة من المتكلمين، فقال: وأنهم يقولون: (إذا وجب تنزيه الرب عن الحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه له تنزيه الرب عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون، ويلزم من ذلك التغير والحدوث) .
وذكر أقوال هؤلاء المتكلمين، وقال: (قد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف
(6/259)

الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية الاستواء) .

كلام أبي بكر النقاش
وأما كلام السلف أنفسهم فأكثر من أن يمكن حصره.
قال أبو بكر النقاش صاحب التفسير والرسالة: (حدثنا أبو العباس السراج قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] .

كلام أبي بكر الخلال في كتاب السنة
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة (أنبأ أبو بكر المروذي، ثنا محمد بن الصباح النيسابوري، ثنا سليمان بن داود، أبو داود الخفاف، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تعالى {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش ويعلم كل شيء في أسفل الأرضين السابعة، وفي قعور البحار) .
وفي رواية: (وفي رؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السماوات السبع، وما دون العرش، أحاط بكل شيء علماً، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، وإلا وقد عرف ذلك كله، وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء من معرفة غيره) .
(6/260)

كلام عبد الله بن أحمد في كتاب السنة
وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وعبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علماً وديناً، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق: أنه ذكر عنده الجهمية، فقال (هم شر قولاً من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش وقالوا هم: ليس عليه شيء) .
ورويا أيضاً عن عبد الرحمن بن مهدي، الإمام المشهور، وهو من هذه الطبقة قال: (أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: أن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء وأن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا) .
وروى عبد الله بن أحمد عن عباد بن العوام الواسطي، من تلك الطبقة قال: كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء) .
ورويا عن علي بن عاصم شيخ البخاري وغيره قال: ناظرت جهمياً فتبين من كلامه أنه لا يرى أن في السماء رباً) .
وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء) .
وروى عبد الله وغيره عن أبيه أحمد بن حنبل: ثنا شريح بن
(6/261)

النعمان سمعت عبد الله بن نافع الصائغ، سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان.
وروى هذا الكلام مالك مكي خطيب قرطبة فيما جمعه من تفسير مالك نفسه، وكل هذه الأسانيد صحيحة.

كلام أبي بكر البيهقي في الأسماء والصفات
وروى أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: (كنا نحن والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق العرش، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) .
فقد ذكر الأوزاعي، وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين، الذي كان فيه مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم، أئمة أهل الحجاز، والليث بن سعد ونحوه أئمة أهل مصر، والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم، أئمة أهل الكوفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة ونحوهما، أئمة أهل البصرة، وهؤلاء ونحوهم أئمة الإسلام شرقاً وغرباً في ذلك الزمان.
وقد حكى الأوزاعي عن شهرة القول بذلك في زمن التابعين،، وهم أيضاً متطابقون على ما كان عليه التايعون، كما ذكرنا قوا مالك وحماد بن زيد وغيرهما.
(6/262)

كلام أبي حنيفة في كتاب الفقه الأكبر
وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر لأن الله يقول: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، وعرشه فوق سبع سماوات.
قال أبو مطيع: قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل) .
وفي لفظ: قال: (سألت أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض.
قال قد كفر لأن الله يقول: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، وعرشه فوق سبع سماوات.
(6/263)

قال: (فإنه يقول: على العرش استوى، ولكنه لا يدري العرش في الأرض أم في السماء قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر) .

كلام عبد الله بن المبارك الذي رواه عته البخاري
وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه.
ولا نقول كما يقول الجهمية بأنه ههنا في الأرض) .
ومنن ذكر هذا عن ابن المبارك، البخاري في كتاب خلق أفعال العباد.
وهكذا قال الإمام أحمد وغيره.

كلام ابن خزيمة
وقال محمد بن إسحق بن خزيمة - الملقب بإمام الأئمة -: (من لم يقل بأن الله فوق سماواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة) وهذا معروف عنه، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور، وأبو عثمان النيسبوري في رسالته المشهورة.

كلام ربيعة بن أبي عبد الرحمن
وروى الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: (سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق) .

كلام مالك بن أنس
وهذا
(6/264)

الكلام مروي عن مالك بن أنس صاحب ربيعة من وجوه متعددة، يقول في بعضها: الاستواء معلوم.
وفي بعضها: غير مجهول، وفي بعضها: استواؤه غير مجهول، فيثبت العلم بالاستواء وينفي العلم بالكيفية.

كلام آخر لبعض الأئمة
وروى ابن أبي حاتم، عن هشام بن عبيد الله الرازي أنه حبس رجلاً في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ قال: لا أدري ما بائن من خلقه.
قال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب بعد.
وروى أيضاً عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابةً له بالنعل على رأسه يرى رأي جهم، ويقول: لا حتى يقول: الرحمن على العرش استوى، بائن من خلقه.
وعن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال: كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله.
وجميع الطوائف تنكر هذا، إلا من تلقى ذلك عن الجهمية، كالمعتزلة ونحوهم من الفلاسفة، فأما العامة من جميع الأمم فلا يستريب اثنان في أن فطرهم مقرة بأن الله فوق العالم، وأنهم إذا قيل لهم: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يقرب إليه شيء، ولا يقرب هو من شيء، ولا يحجب العباد عنه شيء، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تتوجه القلوب إليه طالبة له في العلو، فإن فطرهم تنكر ذلك، وإذا أنكروا هذا في هذه القضية
(6/265)

المعينة التي هي المطلوب، فإنكارهم لذلك في القضايا المطلقة العامة التي تتناول هذا وغيره أبلغ وأبلغ.
وأما خواص الأمم فمن المعلوم أن قول النفاة لم ينقل عن نبي من الأنبياء، بل جميع المنقول عن الأنبياء موافق لقول أهل الإثبات، وكذلك خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينقل عنهم إلا ما يوافق قول أهل الإثبات.
وأول من ظهر عنه قول النفاة هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وكانا في أوائل المائة الثانية فقتلهما المسلمون، وأما سائر أئمة المسلمين، مثل مالك والثوري والأوزاعي ووأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم، فالكتب مملوءة بالنقل عنهم لما يوافق قول أهل الإثبات.
وكذلك شيوخ أهل الدين، مثل الفضيل بن عياض وبشر الحافي، وأحمد بن أبي الحواري وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي والحارث المحاسبي ومحمد بن خفيف الشيرازي، وغير هؤلاء.
وكتب أهل الآثار مملوءة بالنقل عن السلف والأئمة لما يوافق قول أهل الإثبات، ولم ينقل عن أحد منهم حرف واحد صحيح يوافق قول النفاة.
فإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية؟ .
ومن المعلوم أن ظهور قول أهل الإثبات قبل زمن أحمد بن حنبل كان أعظم من ظهوره في هذا الزمان، فكيف يضاف ذلك إلى أتباعه.
(6/266)

وأيضاً فعبد الله بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وعامة قدماء الأشعرية يقولون: إن الله بذاته فوق العرش، ويردون على النفاة غاية الرد، وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على بطلان ما يعارض به النفاة من الحجج العقلية.
وأما النفي فلم يكن يعرف إلا عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم، ومن وافقهم من الفلاسفة.
وإلا فالمنقول عن أكثر الفلاسفة هو قول أهل الإثبات، كما نقله ابن رشد الحفيد عنهم، وهو من أعظم الناس انتصاراً لهم، وسلوكاً لطريقتهم، لا سيما لأرسطو وأتباعه، كما أنه يميل إلى القول بقدم العالم أيضاً.

الوجه الثاني من وجوه الرد على الوجه الأول من كلام الرازي الوجه الثاني
من أجوبة قوله: (لو كان بديهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة) .
هو أن يقال: لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما اخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم.
فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه
(6/267)

ما من طائفة من طوائف الضلال - وإن كثرت - إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية.

الوجه الثالث
أن يقال: ما من طائفة من طوائف الكلام والفلسفة إلا وجمهور الناس يقولون: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.
فالقائلون بأن الممكن قد يترجح أحد طرفيه بلا مرجح من القادر أو غيره، يقول جمهور العقلاء: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن الأجسام لا تبقى والأعراض لا تبقى، يقول جمهور الناس: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن الأصوات المتعاقبة تكون قديمة، أزلية الأعيان باقية، وأن الأصوات المسموعة من الآدميين هي قديمة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.
والقائلون بأن الكلام هو معنى واحد: هو الأمر بكل ما أمر به، والخبر عن كل ما أخبر به، وأنه وإن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة، يقول جمهور العقلاء إنهم جحدوا العلم الضروري.
والقائلون بأن العالم هو العلم والمعلوم، والعاقل هو العقل والمعقول، والعاشق هو العشق والمعشوق، واللذة هي الملتذ، والعلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن الوجود الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية.
(6/268)

والقائلون بأن النفس لا تدرك إلا الكليات دون الجزئيات، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.
والقائلون بأن كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمسة، وأن الصوت يرى، والطعم يسمع، واللون يشم، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.
والقائلون بأنه يحدث إرادة لا في محل، أو يحدث فناء لا في محل، يقول جمهور العقلاء: أن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
والقائلون بأن الإرادة تحدث في الإنسان من غير سبب يوجب حدوثها، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
والقائلون بأنه حي عليم قدير، من غير حياة ولا علم ولا قدرة، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
والقائلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بالخلافة نصاً جلياً أشاعه بين المسلمين، فكتموه ولم يظهروه، يقول جمهور العقلاء: إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة.
والقائلون بان للأمة إماماً معصوماً عمره سنتان - أو ثلاث أو أربع - دخل السرداب من أكثر من أربعمائة سنة، أو أن علياً لم يمت،
(6/269)

وأمثال ذلك، يقول جمهور الناس: إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة.
وكذلك قول القائلين بأن الأعراض لا تبقى زمانين، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساده معلوم بالضرورة.
وكذلك من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي المنافقين مؤمنين، ويجعل إيمانهم كإيمان المؤمنين غير المنافقين، وهم مع ذلك مخلدون في النار، مما يعلم جمهور العقلاء المسلمين فساده بالاضطرار من دين الإسلام.
وكذلك القائلون بأن القرآن العزيز زيد فيه زيادات، ونقص منه أشياء، مما يعلم بالضرورة امتناعه في العادة.
وقول النصارى: إن الكلمة اتحدث بالمسيح، وإنها ليس هي الآب الجامع للأقانيم، وهي مع ذلك الرب الذي يخلق ويرزق، وهي جوهر، والجوهر عندهم واحد ليس إلا الآب، مما يقول الناس: إنه معلوم الفساد بالضرورة.
ومثل هذا إذا تتبعناه كثير.
فوجده الأقوال التي يقول جمهور الناس: إنها معلومة الفساد بالضرورة في قول طوائف كثيرة من الناس أكثر من أن تستوعب، فكيف يقال: لا يجوز إطباق الجمع الكثير على إنكار ما علم بالبديهة؟
(6/270)

ولكن إذا قيل: ما الفرق بين هذا وبين ما لا يمكن التواطؤ عليه من إثبات منف أو نفي ثابت، كما في خبر أهل التواتر.
كان الجواب: أن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على جحد ما يعلم بالبديهة، فأما مع المواطأة فلا يمتنع اتفاق خلق كثير على الكذب، الذي يعلمون كلهم أنه كذب، وإن تضمن من جحد الحسيات والضروريات وإثبات نقيضها ما شاء الله.
وأما في المذاهب فقد يجتمع على جحد الضروريات جمع كثير، إذا كان هناك شبهة أو هوى، فيكون عامتهم لم يفهموا ما قاله خاصتهم، مثل التعبير عن هذه المسألة بنفي الجهة والحيز والمكان، فيظن عامتهم أن مرادهم تنزيه الله تعالى عن أن يكون محصوراً في خلقه، أو مفتقراً إلى مخلوق، فيوافقون على هذا المعنى الصحيح، ظانين أنه مفهوم تلك العبارة، فأما إذا فهموا هم حقيقة قولهم، وهو أنه ما فوق السماوات رب، ولا وراء العالم شيء موجود، فهذا لا يوافقهم عليه - بعد - فهمه - أحد بفطرته، وإنما يوافقهم عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة، لا سيما إن كان له هوى وغرض.
وإذا كان المتفقون على هذا النفي - بعد فهمه - إنما قالوه لما قامت عندهم من حجج النفاة، أمكن غلطهم في ذلك وخطؤهم، واتفاقهم على جحد ما يخالف ذلك، وإن كان معلوماً بالضرورة، كما
(6/271)

وقع مثل ذلك في عامة فرق أهل الضلال، ومع هذا فلا يكاد بوجد منهم من يرجع إلى فطرته بلا هوى، إلا وفطرته تنكر إثبات موجود لا مباين ولا محايث، لكن يقهر فطرته بالشبهة أو العادة أو التقليد، كما يقهر النصراني فطرته إذا أنكرت أن يكون الله هو المسيح ابن مريم.
وعامة هؤلاء إذا أصابت أحداً منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليداً أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته.

الوجه الرابع
أن يقال: هذا معارض بما هو أبلغ منه، فإن الجموع الكثيرة يقولون: إنهم يجدون في أنفسهم عند الضرورة معنى يطلب العلو في توجه قلوبهم إلى الله ودعائه، وأنه يمتنع في عقولهم وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأن هذا معلوم لهم بالضرورة، فإن امتنع اتفاق الجمع العظيم على مخالفة البديهة، فتجب الحجة المثبتة، فيبطل نقيضها، وإن لم تمتنع بطلت حجة النفاة، فيثبت بطلانها على التقديرين.

فصل الوجه الثاني من كلام الرازي في الأربعين
وأما الوجه الثاني فقوله: إن مسمى الإنسان المشترك بين الأشخاص ممتنع أن يكون له قدر معنى وحيز معنى، وما أوردوه من أن
(6/272)

هذا لا وجود له إلا في العقل، وأن النزاع في الموجودات الخارجية.
وجوابه بأن الغرض تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدراً، وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية.

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن المثبتين إنما ادعوا أنه لا يوجد في الخارج موجودان إلا ولا بد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً له، وأما ما في النفس من العلوم الكلية فلم ينفوه، ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون العلوم الكلية ثابتة في النفس إمكان ثبوتها في الخارج، وإذا لم يلزم ذلك لم يلزم إمكان وجود موجود في الخارج لا محايث للاخر ولا مباين له.
وأما قوله: المقصود أنه ممكن تعقل أمر لا يثبت له العقل جهة ولا قدراً.
فيقال: بتقدير صحة ذلك، هذا يفيد إمكان تعقل ثبوته في النفس، لا يفيد إمكان تعلقه في الخارج، فمورد النزاع لا دليل عليه، وما أثبته ليس مورد النزاع.

الوجه الثاني
أن يقال: هذه المعاني الكلية هي كلية باعتبار مطابقتها لمفرداتها، كما يطابق اللفظ العام لأفراده.
وأما في نفسها
(6/273)

فأعراض معينة، كل منها عرض معين قائم في نفس معينة، كما يقوم اللفظ المعين بالفم المعين، والخط المعين بالورق المعين، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى الذهني، والمعنى يطابق الموجود الخارجي، وكل من تلك الثلاثة قد يقال له: عام، وكلي، ومطلق، باعتبار شموله للأعيان الموجودة في الخارج، وأما هو في نفسه فشيء معين مشخص.
وإذا كان كذلك فالإنسان المطلق من حيث هو الذي تصوره الذهن هو علم، وعرض معين في محل معين.
فإذا قدر أن محل العلم وغيره من صفات الإنسان، كالحب والرضا والبغض، وغير ذلك مما يشار إليه إشارة حسية، كما يقوله جمهور الخلق، كانت الإشارة إلى ما فيه من الأعراض، كالإشارة إلى كل عرض قائم بمحله.
وحينئذ فإذا كان المشار إليه حسياً له قدر معين، وحيز معين، فلمحل الصورة الذهنية قدر معين وحيز معين، وله أيضاً جهة.
والكليات ثابتة في النفس كالجزئيات الثابتة فيها، فالنفس تعلم الإنسان المطلق والإنسان المعين، والإشارة إلى أحدهما كالإشارة إلى الآخر، فلا فرق حينئذ بين تصور الإنسان المشترك الكلي، والإنسان المعين الجزئي من هذه الجهة، لكن أحدهما لا يوجد إلا في النفس والآخر يوجد في الخارج، ويوجد تصوره في النفس.

الوجه الثالث
أن يقال: هذه الماهية المطلقة من حيث هي هي،
(6/274)

إما أن يقال: هي ثابتة في الخارج، وإما أن لا يقال هي ثابتة في الخارج، فإن من الناس من يقول بثبوت الماهيات المجردة منفردة عن الأعيان، كالقائلين بالمثل الأفلاطونية.
ومن الناس من يقول بثبوتها مقارنة للمعينات، والمطلق جزء من المعين، ويقولون: المطلق لا بشرط موجود في الخارج، وأما المطلق بشرط الإطلاق فليس موجوداً في الخارج، ويسمون المطلق لا بشرط الكلي الطبيعي، والمطلق بشرط الإطلاق هو العقلي، وكونه كلياً ومطلقاً هو الكلي المنطقي، إذ العقل عندهم مركب من الطبيعي والمنطقي، فيقول: الإنسان من حيث هو - مع قطع النظر عن جميع قيوده - هو الطبيعي، وكونه عاماً وكلياً ومطلقاً هو المنطقي، والمؤلف منهما هو العقلي.
وآخرون يقولون: ليس في الخارج ما هو كلي في الخارج أصلاً، بل ليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص، ولكن ما كان في النفس كلياً يوجد في الخارج، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً.
فإذا قيل: الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وأريد به: أن الطبيعة التي يجردها العقل كلية توجد في الخارج ولا توجد فيه إلا معينة فهذا صحيح.
وإذا قيل: إن الطبيعة الكلية، مع كونها كلية، توجد في الخارج، أو أن الكلي الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، جزء من المعين الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، أو أن هذا الإنسان المعين مركب من جوهرين: أحدهما حيوان والآخر ناطق، أو من عرضين: حيوانية وناطقية، أو نحو هذه المقالات، فهذا كله
(6/275)

باطل، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن يقال: هذه الكليات: إما أن يقال: إنها ثابتة في الخارج، وإما أن لا يقال.
فإن لم يقل بذلك، لم يكن فيها حجة على إمكان وجود موجود في الخارج لا يشار إليه.
وإذا قيل بثبوتها في الخارج، فمن المعلوم أن هذا ليس من العلوم البديهية الأولية، بل لم يقل هذا إلا طائفة من أهل المنطق اليوناني، وهم متناقضون في ذلك، ويقولون القول، ويقولون ما يناقضه، وبعضهم ينكر على بعض إثبات ذلك.
وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف بها جماهير الأمم، واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم، مغروزة في أنفسهم، وأنهم مضطرون إليها، لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم.
لكن طائفة منهم تقول: إنها مع هذا خطأ، لاعتقادهم أنها - وإن كانت ضرورية في فطرتهم - ففطرتهم تسلم مقدمات تنتج نقيضها.
وهؤلاء لا ينازعون أنها فطرية، مبتدأة في النفوس، ولكن يقدحون فيها بطرق نظرية.
فإذا قال لهم المثبتون: نحن لا نقبل القدح في القضايا المبتدأة في النفس بالقضايا النظرية، أو قالوا: نحن لا نسلم لكم المقدمات التي تستدلون بها على نقيض هذه القضايا، كما لا نسلم لكم ثبوت الكليات في الخارج ونحو ذلك، ظهر انقطاع المعارض لهم، وأنهم يريدون دفع القضايا الضرورية بمجرد الدعاوى الوهمية الخيالية.
(6/276)

فصل الوجه الثالث من كلام الرازي في الأربعين
وأما الوجه الثالث: فقوله (إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحصرا لأنفسهما صورة وشكلاً، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى) .

كلام ابن سينا في الإشارات
فهذه الحجة من جنس حجة ابن سينا على ذلك فإنه قال في إشاراته في الحجة الثانية: (لو كان موجوداً بحيث يدخل في الوهم والحس، لكان الحس والوهم يدخل في الحس والوهم، ولكان العقل - الذي هو الحكم الحق - يدخل في الوهم.
ومن بعد هذه الأصول، فليس شيء من العشق، والخجل، والوجل، والغضب، والشجاعة، والجبن، مما يدخل في الحس والوهم، وهي من علائق الأمور المحسوسة، فما ظنك بموجودات، إن كانت خارجة الذوات عن درجة المحسوسات وعلائقها) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: الوهم والخيال والقوة الباصرة، وغير ذلك من
(6/277)

القوى، هي من باب الأعراض الباطنة في الإنسان، وكذلك العشق والخجل، والوجل ونحوهما.
ومن المعلوم أن أحداً لم يقل: إن كل عرض له شكل وصورة، وإنما غاية من يقول ذلك أن يقوله في الجسم القائم بنفسه، لا في العرض بل الأعراض الظاهرة المشهودة، كالألوان والحركات والطعوم والروائح، ليس لها في أنفسها شكل وصورة قائمة بنفسها، فكيف بالأعراض الباطنة.
فإن قال: بل هذه لها صورة وشكل: إما باعتبار محلها وصورتها وشكلها بحسب الجسم الذي قامت به، أو يجعل نفس العرض القائم بالجسم له صورة وشكل.
يقال: وهذا يمكن أن يقال في الأعراض الباطنة القائمة بباطن الإنسان، كحسه الباطن، وحركته الباطنة، وتوهمه، وتخيله القائم بدماغه ونفسه، ونحو ذلك فإن هذه أعراض قائمة ببعض بدن الإنسان، وبروحه التي هي النفس الناطقة، أو بهما، وذلك جسم له شكل وصورة، فلها من الشكل والصورة من جنس ما للطعم واللون والحركات.

الوجه الثاني
أن هذه الأمور: إما أن تكون قائمة بنفسها، وإما أن تكون قائمة بغيرها.
فإن قال: هي قائمة بنفسها، مثل أن يريد
(6/278)

بالوهم والخيال الروح الباطن في الدماغ الذي تقوم به هذه القوى، أو جسماً آخر، فمعلوم أن ذلك له ما لغيره من الأجسام من الشكل والصورة.
وإن كانت قائمة بهذه الأجسام، فلها حكم أمثالها من الأعراض القائمة بالأجسام.
فعلى التقديرين لم يثبت بذلك إمكان وجود موجود، لا جسم ولا قائم بجسم، فضلاً عن أن يثبت وجود ما ليس في جهة، وما لا يمكن الإشارة إليه.
وهكذا القوى في الخجل، والوجل، وسائر الأعراض النفسية.
فإن قال: هذه الأعراض عندي قائمة بالنفس الناطقة، وتلك ليست جسماً، ولا قوة في جسم، ولا يمكن الإشارة إليها، وليست داخل السماوات والأرض، ولا خارج السماوات والأرض ولا تصعد ولا تنزل، ولا تتحرك ولا تسكن.
فيقال له: هذا منتف في التخيل والتوهم، ونحو ذلك مما يعرف بأن محله قائم بنفسه وهو جسم.
ثم يقال: إن ثبت ما تقوله في النفس الناطقة، كان ذلك حجة في إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه، وإن لم يثبت ذلك، لم يكن في مجرد الدعوى حجة لك في إثبات موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه، وقال لك المنازع: جميع هذه الأعراض عندي يمكن الإشارة إليها بالإشارة إلى محلها، كما يشار إلى غيرها من الأعراض، ويمكن الإحساس بها، وإن كنت الآن لا أحس بها، كما لا أحس ببعض أعضاء بدني الباطنة والظاهرة.
(6/279)

وأهل الملل يعلمون أن الملائكة والجن موجودون في الخارج، وجمهور العباد لا يحسون بهم، والعقلاء لا يرتابون في إمكان أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشاهده نحن الآن.
وهذا معلوم بالضرورة.

الوجه الثالث
أن يقال: المثبتون قالوا: إنه لا يمكن وجود موجودين إلا أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو محايثاً له، أو قالوا: لا يمكن وجود موجود لا يمكن الإشارة إليه، أو لا يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك.
فهذه قضية كلية لا تبطل - إن قبلت البطلان - إلا بثبوت نقيضها.
وقول القائل: إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحضرا لأنفسهما صورة ولا شكلاً، ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى - كلام أجنبي لا يقدح في مقصودهم سواء كان حقاً أو باطلاً، إلا أن يثبت أن ما لا يمكن الوهم والخيال أن يثبت له صورة وشكلاً لا يمكن الإشارة إليه، بل يكون لا محايثاً لغيره ولا مبايناً له ونحو ذلك.
ومعلوم أن هذا باطل، فإن القوة الباصرة، وغيرها من القوى، قائمة بالجسم، يشار إليها كما يشار إلى كل عرض قائم بالجسم، وهي محايثة لمحلها، كما تحايث الأعراض للجواهر، وتحايث سائر الأرض القائمة لمحلها، كما يحايث العرض العرض، فليست خارجة عن المباينة والمحايثة، فلم يكن في إثبات ذلك ما يناقض دعواهم الكلية، التي قالوا: إنها معلومة بالضرورة.
(6/280)

الوجه الرابع
أن يقال: قول القائل: إن الوهم والخيال والقوة الباصرة وغيرها من القوى، والعشق، والخجل، والوجل، والغضب، والشجاعة، لا تدخل في الحس والوهم والخيال: إما أن يعني به أنه لا يمكن الإنسان أن يحس هذه الأمور، أو لا يمكن الإحساس بها بحال.
فإن أراد الأول، لم يكن فيه حجة.
وإن أراد الثاني معه المنازع ذلك، وقال: بل هذا مما يمكن الإحساس به، وطالبه بالدليل على أنه لا يمكن الإحساس به.

الوجه الخامس
أن يقال: حكم الإنسان بأن هذه الأعراض والقوى، أو النفس الحاملة لها، لا يتصور أن تحس بها، أضعف من حكمة بأن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو محايثاً له، وبأن كل موجود قائم بنفسه مشار إليه، ونحو ذلك.
بل يقال بأن العاقل إذا رجع إلى فطرته وقيل له: هل يمكن أن يخلق الله في الإنسان قوة يحس بها - إما بالمشاهدة، وإما باللمس، وإما بغير ذلك - ما في باطن غيره من القوى والأعراض ومحل ذلك، وعرض على فطرته وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه - كان جزمه بامتناع هذا أقوى من جزمه بامتناع الأول.
فإذا كان كذلك لم يمكن أن يجزم بامتناع الأول، ويجعل امتناعه دليلاً على إمكان الثاني.
(6/281)

الرد على الوجه الرابع من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول
أن ما يتصوره العقل من النفي والإثبات،: إما أن يكون معيناً أو مطلقاً.
فإن كان إثبات معين ونفيه، كان تصوره تبعاً لذلك المعين، فإذا كان ذلك المعين محايثاً لغيره أو مبايناً، كان تصوره كذلك، فإذا كان العقل يجزم بانتفاء وجود موجودين لا متباينين ولا متحايثين، نفى الثالث، وإن تصور النفي المطلق والإثبات المطلق، كان هذا من القضايا العامة الكلية، والكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان.
وقد تقدم أن الكلام إنما هو في الوجود الخارجي لا الذهني.

الوجه الثاني
أن يقال: لا نسلم أنه لا يحكم بكون أحدهما محايثاً للآخر، بل تصوره للنفي والإثبات محله الذهن، وتصور أحدهما هو حيث هو تصور الآخر ولا نعني بالمحايثة إلا هذا.

الوجه الثالث
أن يقال: هو عبر عن قول هؤلاء بعبارة لا يقولونها، فإنهم لا يقولون: إن كل موجودين لا بد أن يكون أحدهما سارياً على الآخر أو مبايناً عنه، فإن الأعراض المجتمعة في محل واحد ليس كل منهما مبايناً للآخر.
ولا يقال: إن العرض سار في العرض، بل يقال: إن الأعراض سارية في المحل.
اللهم إلا أن يعبر معبر بلفظ
(6/282)

السريان عن كون أحد العرضين بحيث هو الآخر، فإن هذا قد يسمى محايثة ومداخلة ومجامعة ونحو ذلك، وإذا كان كذلك فتصور النفي وتصور الإثبات يجتمعان، كما تجتمع سائر التصورات، والتصورات محلها كلها محل العلم من الإنسان، وهذه كلها متحايثة متجامعة قائمة بمحل واحد.

الرد على الوجه الخامس من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج، فإن يقدر أن الشيء: إما موجود وإما معدوم، وإما لا موجود ولا ومعدوم، وأن الموجود: إما أن يكون واجباً، وإما أن يكون ممكناً، وإما أن يكون لا واجباً ولا ممكناً، وأنه: إما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه أو بغيره، أو لا قائم بنفسه ولا بغيره، وأمثال ذلك من التقديرات، ثم لم يكن هذا دليلاً على إمكان كل هذه الأقسام في الخارج.
(6/283)

فكذلك تقديره لأن الشيء: إما محايث، وإما مباين، وإما لا محايث ولا مباين، لا يدل على إمكان كل من الأقسام في الخارج.

الوجه الثاني
أن يقال: القوم لا يقولون: إما ساري وإما مباين، ولكن يقولون: إما أن يكون مبايناً له، وإما أن يكون محايثاً له - أي بحيث هو، سواء كان سارياً فيه سريان الصفة في الموصوف، وإما أن يكون جميعاً ساريين في موصوف واحد، كالحياة والقدرة القائمة لموصوف واحد.
وحينئذ فلا يسلم توقف العقل عن نفي القسم الثالث، فإن من يقول: أنا أعلم بالضرورة أن الموجودين: إما أن يكونا متباينين، وإما أن يكونا متحايثين، يجزم بانتفاء موجود لا يكون مبايناً للموجود الآخر ولا محايثاً له.

الوجه الثالث
أن يقال: القسم الثالث: إما أن يقول: إنه ممكن إمكاناً ذهنياً أو خارجياً، والإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع، والثاني معناه العلم بالإمكان في الخارج.
وهو قد فسر مراده بالأول، وهو عدم العلم حتى يقوم الدليل.
وحينئذ فيقال: مجرد الإمكان الذهني - وهو عدم العلم بالامتناع - لا يدل على الإمكان الخارجي ولا العلم به، وإنما غايته أن يقول: إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه.
والمدعي يقول: أنا أعلم امتناعه بالضرورة، وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من غير مواطأة، وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم.
(6/284)

ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها، فكيف يقدح فيها شك الشاك فيه.

الوجه الرابع
أن يقال: لا نسلم توقف العقل بعد التصور التام، بل لا يتوقف إلا لعدم التصور، أو لوجود ما يمنع من الحكم، لظن أو هوى، كسائر المنازعين في القضايا الضرورية من أهل الجحود والتكذيب.
ومعلوم أن هؤلاء كثيرون في بني آدم، فإن الله قد أخبر عن قوم فرعون أنهم جحدوا بآياته واستيقنتها أنفسهم.
وقال تعالى عن اليهود: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] .
وقال تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] .
وقال عن المشركين: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] ، وقال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} [الإسراء: 102] .
وقد أخبر عن كذب طوائف، وإذا كان كثير من الطوائف يتعمدون الكذب والتكذيب بما يعلمون أنه حق، وهذا جحد لما علموه وتيقنوه، علم أن في الطوائف من قد يتفقون على جحد ما يعلمونه، وكل طائفة
(6/285)

جاز عليها المواطأة على الكذب، جاز عليها ذلك، ويجوز أيضاً أن يشتبه عليها الحق بالباطل، حتى تجحد ما هو حق في نفسه لاشتباهه عليها، وإن كان معلوماً بالضرورة عند غيرها، فإنه إذا جاز تعمد الكذب عليهم، فجواز الخطأ عليهم أولى.
ومعلوم أن الحس قد يغلط، والعقل قد يغلط، فيجوز على الطائفة المعينة غلط حسهم أو عقلهم، وإذا كانت المعاني دقيقة، وفيها ألفاظ مجملة، وقد ألقى بعضهم إلى بعض أن هذا القول باطل وكفر، أمكن أن لا يتصوروه على وجهه، وإن كان غيرهم يتصوره لسلامته من الهوى ومن الاعتقاد المانع من ذلك.

الرد على الوجه السادس من كلام الرازي من وجوه: الوجه الأول
ما أجاب به بعض أصحابهم، حيث قال: هذا لا يرد عليهم، لأن الأعداد أمور ذهنية، والكلام في أمور خارجية.

الوجه الثاني
أن يقال: العدد مع المعدود، والتقدير مع المقدر،
(6/286)

كالحد مع المحدود، والاسم مع المسمى، والعلم مع المعلوم، ونحو ذلك.
فالعلم والقول والعدد والحد، الذي هو القول الدال، والتقدير ونحو ذلك، هي قائمة بالعالم، القائل.
العاد، الحاد، المقدر، وإذا العدد هو معنى يقوم بالعاد، كان حكمه حكم سائر ما يقوم بالإنسان من هذه الأمور، وموضع ذلك نفس الإنسان، وأما مقدورها فهو تابع لمحلها، كأمثالها من الأعراض.

الوجه الثالث
أن يقال: هذه الأعداد هي من جملة الكليات، والقول فيها كالقول في كليات الأنواع.
ومن المعلوم أن أصحاب فيثاغورس لما أثبتوا عدداً مجرداً قائماً بنفسه، أنكر ذلك عليهم جماهير العقلاء من إخوانهم وغيرهم، وكانوا أضعف قولاً من أصحاب أفلاطون الذي أثبتوا الحقائق المجردة الكلية قائمة بأنفسها التي يسمونها (المثل الأفلاطونية) .
فإذا كان قد تقدم بطلان حجة من احتج بكليات الحقائق، فبطلان حجة من احتج بكليات العدد أولى وأحرى.

فصل تابع كلام الرازي في الأربعين
قال الرازي: (وإذا عرفت ذلك فنقول: المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان: أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك.
والعالم مختص بالجهة والمكان بهذا المعنى، فإن كان الباري
(6/287)

كذلك كان مماساً للعالم أو محاذياً له قطعاً.
ثم قول أكثر الكرامية: إنه مختص بجهة فوق، مماس للعرش، أو مباين عنه ببعد متناه.
وقالت الهيصمية: هو مباين عنه ببعد غير متناه) .

الرد عليه
فيقال: الناس لهم في هذا المقام أقوال: منهم من يقول: هو نفسه فوق العرش غير مماس، ولا بينه وبين العرش فرجة، وهذا قول ابن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، والأشعري، وابن الباقلاني، وغير واحد من هؤلاء، وقد وافقهم على ذلك طوائف كثيرة من أصناف العلماء، ومن أتباع الأئمة الأربعة، وأهل الحديث والصوفية، وغيرهم.
وهؤلاء يقولون: إنه بذاته فوق العرش، وليس بجسم، ولا هو محدود ولا متناه.
ومنهم من يقول: هو نفسه فوق العرش، وإن كان موصوفاً بقدر لا يعلمه غيره.
ثم من هؤلاء من لا يجوز عليه مماسة العرش، ومنهم من يجوز ذلك.
وهذا قول أهل الحديث والسنة، وكثير من أهل الفقه، والصوفية والكلام غير الكرامية، فأما أئمة أهل السنة والحديث
(6/288)

وأتباعهم، فلا يطلقون لفظ (الجسم) نفياً ولا إثباتاً، وأما كثير من أهل الكلام فيطلقون لفظ (الجسم) ، كهشام بن الحكم، وهشام الجواليقي وأتباعهما.

وجوه للرازي في الأربعين الوجه الأول
قال الرازي: لما وجوه: الأول: لو كان مشاراً إليه، فإن لم ينقسم كان في الحقارة كالجوهر الفرد، وتعالى عنه وفاقاً، وإن انقسم كان مركباً، وقد سبق بطلانه) .
قال (وعبر أصحابنا عن هذا بأنه لو كان فوق العرش، فإن كان أكبر منه أو مثله كان منقسماً لكون العرش منقسماً، وإن كان أصغر فإن بلغ إلى صغر الجوهر الفرد جاءت الحقارة المنزه عنها وفاقاً، وإلا لزم التركيب.
ثم من قال بأن كل متحيز قابل للقسمة كفاه أن يقول: كل متحيز فإن يمينه غير يساره، وقدامه غير خلفه، ولزم التركيب) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
قول من يقول: هو فوق العرش وليس بمنقسم، ولا متحيز، ولا له يمين ولا يسار يتميز منه بعضه عن بعض، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من أهل الحديث والصوفية، الذين يقولون: هو فوق العرش وليس بجسم،
(6/289)

كالتميميين، والقاضي أبي يعلى، وأتباعه كابن الزاغوني، وغير ذلك وكما يقول ذلك من يقول من الفلاسفة، كما حكاه ابن رشد عن الحكماء، كما تقدم بعض ذلك.
وهؤلاء خلق كثيرون فإن هؤلاء يقولون: لا نسلم أنه إذا لم ينقسم كان الجوهر الفرد، ويقولون: لا نسلم أنه يلزم أنه يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، فإن هذه الأقسام الثلاثة إنما تلزم إذا كان جسماً متحيزاً محدوداً، فإذا كان فوق العرش وليس بجسم مقدر محدود، لم يلزم لا هذا ولا هذا، مع أنه مشار إليه.
فإن قال النفاة: فساد هذا معلوم بالضرورة، فإنا نعلم بالضرورة أن ما كان فوق غيره، فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو بقدره، ونعلم أنه يتميز منه جانب عن جانب، وهذا هو الانقسام.
قالت لهم المثبتة: تجويز هذا أقرب إلى العقل من تجويز وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه، وتجويز وجود موجودين ليس أحدهما محايثاً للآخر ولا مبايناً له، وأنتم تقولون: إن الحكم بكون الشيء أكبر من غيره وأصغر ومساوياً، وأنه مباين له ومحايث له ومشار إليه ونحو ذلك، هو من حكم الوهم التابع للحس، وتقولون: إن حكم الوهم لا يقبل في غير الأمور الحسية، وتزعمون أن الكلام في صفات الرب تعالى من هذا الباب.
فيقال لكم: إن كان مثل هذا الحكم غير مقبول، لم يقبل حكمكم
(6/290)

بأنه إما أكبر وإما أصغر وإما مساو، فإن هذا حكم على ذوات المقدار، فإذا قدر ما لا مقدار له وهو فوق غيره، لم يلزمه شيء من الأقسام الثلاثة، وإن كان مثل هذا الحكم مقبولاً، لزم الحكم بأن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً له.
ومن المعلوم بضرورة العقل أنا إذا عرضنا على العقل، أو الوهم، أو الخيال، أو الحس - أو ما شئت فقل - قولين: أحدهما يتضمن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه، والآخر يتضمن إثبات موجود خارج العالم، ليس بجسم ولا منقسم، ولا يكون أكبر من العالم ولا أصغر - كان إنكار العقل - إن أنكر القولين - للأول أعظم، وتجويزه - إن جوز القولين - للثاني أعظم.
فإن ادعى المدعي أن فساد قول من يثبت موجوداً خارج العالم، ولا أكبر ولا أصغر ولا مساوياً، معلوم بالضرورة.
قيل له: وفساد قول من يثبت موجوداً لا داخل العالم ولا خارجه، هو معلوم بالضرورة بطريق الأولى.
وقد تقدم بيان قول من يقول: إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة، وإن المنازعون له يقولون: هذا حكم الوهم لا حكم العقل، فهكذا يقول هؤلاء: إن قولكم هذا فاسد، من حكم الوهم لا من حكم العقل.
ولكن هؤلاء النفاة فيهم جهل وظلم، فإنهم يحتجون على منازعيهم بحجة هي لهم ألزم، ويثبتون قولهم بحجة هي على قول منازعيهم أدل، وهذا القول مع أنه أقرب إلى العقل فهو أقرب للسمع، فإن صاحبه لا يحتاج أن يتأول النصوص المثبتة للعلو والفوقية والاستواء،
(6/291)

فيكون قوله أقرب إلى اتفاق الشرع والعقل، وأقرب إلى الشرع منفرداً، فيكون أرجح من قولهم على كل تقدير.
وهكذا هو عند أهل الإسلام، فإن الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى السنة والحق من جهمية الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم، باتفاق جماهير المسلمين وعوامهم.

الوجه الثاني
أنه يقال له: ما تعني بقولك: إن كل مشار إليه فإما أن ينقسم أو لا ينقسم؟ أتعني بالانقسام إمكان تفريقه وتجزئته وتبعضه؟ أم تعني به أن كل مشار إليه، إذا لم يكن بقدر الجوهر الفرد فإنه يكون مركباً من الجواهر المنفردة؟ أو تعني به أنه يشار إلى شيء منه دون شيء، ويرى منه شيء دون شيء، ويتميز منه شيء عن شيء.
فإن أردت الأول لازم التقدير الأول، فإنه لا يلزم من كونه لا يمكن تفريقه وتبعيضه وتقسيمه أن يكون صغيراً بقدر الجوهر الفرد، فإنا نعلم بالاضطرار إمكان كون الشيء كبيراً عظيماً مع أنه لا يمكن تفريقه وتبعيضه وتقسيمه.
بل قد تنازع الناس في كثير من المخلوقات: هل تقبل التفريق أو لا تقبله؟ ومن قال: إنها تقبله أثبته بالدليل، لم يقل: إنه معلوم بالضرورة.
(6/292)

وكذلك إن عنى به أنه مركب من المادة والصورة، كما يقول بعض الفلاسفة، فأكثر العقلاء ينكرون ذلك.
والصواب قول من ينكر ذلك، كما هو مذكور في غير هذا الموضع، وبتقدير تسليمه ينازع من سلمه في صحة المقدمة الثانية ويمنع صحة انتفاء اللازم.
وإن أردت به المعنى الثالث: وهو أنه يتميز منه شيء عن شيء.
فيقال لك: هذا القول لازم لجميع الخلائق.
أما الصفاتية فإنهم يثبتون العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، ومن المعلوم أن هذه المعاني متميزة في أنفسها، ليس كل واحد منها هو الآخر.
وأما غيرهم فيعلمون الفرق بين كونه عالماً، وكونه قادراً، وكونه حياً، ونحو ذلك.
والمتفلسفة يعلمون الفرق بين كونه موجوداً، وكونه واجباً، وكونه عاقلاً وعقلاً، وعاشقاً وعشقاً، ولذيذاً وملتذاً، ونحو ذلك، ففي الجملة لزوم مثل هذه المعاني المتعددة المتكثرة لازم لجميع الخلائق، وهذه مسألة الصفات.
فإذا قال النفاة: عندنا العلم هو الإرادة، والإرادة هي القدرة، والوجوب هو الوجود، ونحو ذلك.
كان لهم جوابان: أحدهما أن يقال: هذا معلوم الفساد بالضرورة، كما تقدم.
ولا يرتاب عاقل في فساد مثل هذا بعد تصوره.
والثاني أن يقال: إذا جاز لكم أن تثبتوا معاني متعددة ومتغايرة في الأحكام واللوازم والأسماء ليس التغاير بينها تغاير العموم والخصوص، كاللون والسواد، وتقولون: إنه لا تعدد فيها ولا كثرة ولا انقسام، جاز
(6/293)

لمنازعكم أن يثبت ذاتاً فوق العالم لا انقسام فيها ولا تركيب، وكان هذا أقرب إلى العقل.
فإن جاز أن تقولوا: لا يتميز العلم عن القدرة، ولا الإرادة عن الحياة، جاز أن يقول: لا يتميز ما يحاذي يمين العرش عما يحاذي يسار العرش.
ومن المعلوم أن التعدد في الصفات أظهر من التعدد في المقدر، فإن كان ذلك مقبولاً كان هذا أولى بالقبول، وإن كان هذا مردوداً كان ذلك أولى بالرد، ولا يمكن أحد من العقلاء أن يرد ما يثبت أنه من المعاني المتعددة المعلومة بصريح العقل، ومع نطق الشرع بذلك في غير موضع، فإن الله تعالى أثبت لنفسه من الأسماء الحسنى التي تتعدد معانيها: كالعليم، والقدير، والرحيم، والعزيز، وغير ذلك، وأثبت له من الكلمات التي لا تعادلها، ما شهد به الكتاب العزيز، فقد أثبت تعدد أسمائه وكلماته، وفي ضمن ذلك تعدد صفاته، وهو الواحد المسمى بأسمائه الحسنى، المنعوت بصفات العلى، الصادق العدل في كلماته التامات صدقاً وعدلاً، وإذا كانت هذه الحجة مبنية عل نفي الصفات، فقد علم فساد أصلها.

الوجه الثالث
أن يقال: قولك: (وإن انقسم كان مركباً.
وقد سبق بطلانه) قد سبق قولك: أنه ليس بمتحيز، لأن كل متحيز منقسم لذاته، بناء على نفي الجزء، وكل منقسم لذاته ممكن لافتقاره إلى
(6/294)

جزئه الذي هو غيره، وكون المفتقر إلى الغير ممكناً بالذات.
ومعلوم أن هذه الحجة قد تبين فسادها بطريق البسط في مواضع متعددة وبين أن مبناها على ألفاظ مجملة مشتبهة، وهي أصل توحيد الفلاسفة.
وقد بين نظار المسلمين فسادها، كما بين ذلك أبو حامد الغزالي وغيره.

جواب الرازي في نهاية المعقول على حجة التركيب في مسألة الصفات
والرازي أجاب الفلاسفة عن حجة التركيب في مسألة الصفات فقال في نهاية العقول: (قوله: يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية، فتكون تلك الحقيقة ممكنة.
قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم، لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها، وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة، فذلك مما يلتزمه.
فأين المحال؟ وأيضاً فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج، فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات، وفي الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات) .
وقال أيضاً: (مما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله
(6/295)

عالم بالكليات، وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم، وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى، حتى ابن سينا قال: إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات، بل كانت م لوازم الذات.. ومن كان هذا مذهباً له كيف يمكنه أن ينكر الصفات؟ وفي الجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة، إلا أن الصفاتية يقولون: إن الصفات قائمة بالذات، والفلاسفة يقولون: إن هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات والذي تسميه الصفاتية صفة يسميه الفلسفي عارضاً، والذي يسميه الصفاتي قياماً، يسميه الفلسفي قواماً وتقوماً، فلا فرق إلا بالعبارة، وإلا فلا فرق في المعنى) .

الوجه الرابع
أن يقال: (إذا كان لفظ: التحيز والانقسام
(6/296)

والجزء والافتقار، والغير ألفاظاً مجملة، فلفظ (المتحيز) يراد به ما حازه غيره من الموجودات، وليس مرادهم بهذا.
ويراد به ما كان منحازاً عن غيره، أو ما كان بحيث يشار إليه وإن لم يكن معه موجود سواه، وهذا مرادهم بلفظ (المتحيز) ، ولهذا يقولون: العالم متحيز.
ولفظ (الانقسام) يراد به الانقسام المعروف الذي يتضمن تفريق الأجزاء، وليس هذا مرادهم، ويراد به ما يتميز منه شيء عن شيء أو جانب عن جانب، وهذا مرادهم.
ولفظ (الجزء) يراد به ما كان منفرداً فانضم إليه غيره، أو ما أمكن التفريق بينه وبين غيره، وليس هذا مرادهم.
ويراد به ما حصل الامتياز بينه وبين غيره، وهذا مرادهم.
ولفظ (الافتقار) يراد به أن يكون الشيء مفتقراً إلى فاعل يفعله، وليس هذا مرادهم هنا، ويراد به أن يكون ملازماً لغيره فلا يوجد أحدهما مع الآخر، وهذا مرادهم، وقد يقال: إنه يراد به كون الشيء مفتقراً إلى أمر منفصل عنه، وليس هذا مرادهم هنا، ويراد به أن يكون الشيء لا يتم إلا بما يدخل فيه، مما يقال: إنه جزء كالصفة، وهذا مرادهم هنا.
وإذا عرف ذلك كان مضمون كلامهم أنه لو كان مشاراً إليه للزم أن لا يوجد إلا بلوازمه التي لا يوجد إلا بها، الداخلة في مسمى اسمه.
ومعلوم أن ما كان كذلك لم يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه المستلزمة لهذه اللازمات، والمتصفة بهذه الصفات، بل إذا كانت حقيقته متصفة بصفات الكمال الوجودية، كانت أحق بالوجود من أن لا يوصف إلا بأمور سلبية، يستلزم أن تكون ممتنعة الوجود، مشبهة
(6/297)

بالمعدومات والجمادات، فما لا يتصف بشيء من صفات الكمال، فلا بد أن تكون له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا كلام، ولا فعل، ولا عظمة، ولا رحمة، بل يكون موجوداً مطلقاً أو مجرداً - كان ممتنع الوجود، لا واجب الوجود.
وما لا يكون إلا كاملاً، لا يكون إلا بكماله، وما يجب أن يكون حياً عليماً قديراً، لا يكون إلا بحياته وقدرته وعلمه، وليس لزوم صفات الكمال له واستلزامه إياها، موجباً لكونه لا يكون موجوداً بنفسه.
وتسمى المسمى هذا جزءاً وبعضاً ونحو ذلك، غايته أن يقال: لا يمكن وجود الكل إلا بوجود بعضه، ومن المعلوم أن وجود الكل لا يوجد إلا بوجود الكل، فيكون الكل موجوداً بالكل، ولا يتضمن ذلك افتقاراً له إلى غيره، فإذا كان قول القائل: إنه مفتقر إلى نفسه أو كله لا يقدح في وجوب وجوده، فقوله: هو مفتقر إلى صفته أو بعضه أولى أن لا يقدح في وجوب وجوده.
ومما يبين ذلك أن هؤلاء المتفلسفة يقولون: إن وجوده مستلزم لوجود المعلولات الممكنات، فلا يتصور وجوده بدون وجودات ممكنة معلولة منفصلة عنه، وذلك لا يقدح عندهم في وجوب وجوده بنفسه، فكيف يقدح في وجوب وجوده كونه مستلزماً لصفات كمال لازمة له قائمة بنفسه؟ فإن كان استلزامه لغيره افتقاراً إليه، فافتقاره إلى معلوله
(6/298)

المنفصل أعظم امتناعاً، وإن لم يكن افتقاراً إلى اللازم لم يكن استلزامه الصفات افتقاراً إليها.
ومثل هذا التناقض كثير في كلام المخالفين للسنة تحقيقاً لقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] .

الوجه الثاني من وجوه الرازي في الأربعين
قال الرازي: (الوجه لثاني: لو كان مشاراً إليه لكان متناهياً من جميع الجوانب لما سبق من تناهي الأبعاد، ولأن عدم تناهيه إن كان من جميع الجوانب فإنه مخالط للعالم وما فيه من القاذورات، تعالى عنه، وإن كان من بعضها، فالجانب المتناهي، إن وافق غير الفصل والوصل، وإن خالفه فيها، وكل مركب من أجزاء مختلفة الطبائع ففيه أجزاء بسيطة، فأمكن على كل منها أن يماس ما على يمينه ويساره وبالعكس، فصح عليه الوصل والفصل، وكل ما كان كذلك كان تأليفه بمؤلف، تعالى عنه، وكل متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما وجد.
(6/299)

فاختصاصه بذلك القدر المخصص، ولأنه لو كان متناهياً من جميع الجوانب، لم يكن فوق كل الموجودات، لأنه يكون فوقه أمكنة خالية عنه، والخصم ينفيه) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
قول من يقول: هو فوق العرش، ولا يوصف بالتناهي ولا بعدمه إذ لا يقبل واحداً منهما، وهو قول من تقدم ممن يقول: هو فوق العرش ولا يوصف بأن له قدراً، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، من الكلابية والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم.
وإذا قال لهم النفاة: هذا ممتنع في بديهة العقل.
قالوا لهم: القول بوجود موجود لا يشار إليه ولا يقبل الوصف بالنهاية وعدمها، ولا بدخول العالم ولا بخروج منه، أظهر فساداً في بديهة العقل، فإنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود خارج العالم بائن منه، لا يوصف بثبوت النهاية ولا انتفائها، ووجود موجود لا داخل العالم لا خارجه، ولا بائن ولا محايث ولا متناه ولا غير متناه - كان الثاني أظهر فساداً في العقل كما تقدم نظيره.

الوجه الثاني
قول من يقول: هو غير متناه: إما من جانب،
(6/300)

وإما من جميع الجوانب، كما قال ذلك طوائف أيضاً من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم، وحكاه الأشعري في المقالات عن طوائف.
فإذا قيل لهم: هذا ممتنع.
قالوا: قول منازعينا أظهر امتناعاً.
وإذا قيل لهم: يلزمكم أن يكون مخالطاً للعالم.
قالوا: منازعونا منهم من يقول: هو بذاته في كل مكان، ومنهم من ينفي ذلك، ونحن يمكننا أن نقول كما قال هؤلاء وهؤلاء، وإذا ادعى هؤلاء إمكان ذلك من غير مخالطة، ادعينا مثل ذلك.

الوجه الثالث
قول السلف والأئمة، وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف، الذين يقولون: له حد لا يعلمه غيره.
فإذا قيل لهؤلاء: كل متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما وجد، واختصاصه بذلك القدر المخصص منفصل - منعوا هذا كما تقدم ذكره، وقالوا: لا نسلم أن كل ما اختص بقدر افتقر إلى مخصص منفصل عنه، ولا نسلم أن كل ما ثبت لواجب الوجود من خصائصه - يمكن أن يوجد بخلاف ذلك.
(6/301)

وتقدم الكلام على هاتين المقدمتين، واعترف هؤلاء المحتجين بهما بفسادهما.
وأما قوله: (لو كان متناهياً من جميع الجوانب لم يكن فوق كل الموجودات، لأنه يكون فوقه أمكنة خالية منه) .
فكلام ساقط، لأنه ليس هناك شيء موجود: لا مكان ولا غير مكان، وإنما هناك: إما خلاء هو عدم محض ونفي صرف ليس شيئاً موجوداً على قول طائفة، وإما أنه لا يقال هناك لا خلاء ولا ملاء.
وعلى كل تقدير فليس هناك شيء موجود، بل يقال لمن احتج بهذا: أنت تقول ليس فوق العالم شيء موجود، ولا وراء العالم شيء موجود، مع أنه متناه عندك، فكيف يجب أن يكون فوق رب العالمين شيء موجود؟ .
ثم قال: (أنتم تزعمون أنكم تحتجون بالمعقولات اليقينية لا بالمقدمات الجدلية، فهب أنه لا يكون فوق جميع الموجودات، فأين دليلكم العقلي على امتناع هذا.

الوجه الرابع
قول بعض هؤلاء النفاة لبعض: لم قلتم: (إن عدم تناهيه: إن كان من جميع الجوانب فإنه مخالط للعالم وما فيه من القاذورات تعالى عنه) ولم لا يجوز أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو غير مخالط؟ فإن قالوا: لأن فرض مشار إليه، غير متناه لا يخالط العالم - ممتنع في صريح العقل.
قيل: وفرض موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون مبايناً لغيره، ممتنع في صريح العقل.
(6/302)

فإن قلتم: هذا في حكم الوهم.
قالوا: وإثبات المخالطة لما لا نهاية له من حكم الوهم.
وهؤلاء النفاة لمباينته للعالم، منهم من يقول: (إنه جسم، وهو في كل مكان، وفاضل في جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من مساحة العالم، لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر مساحة العالم.
وقال بعضهم: هو جسم له مقدار في المساحة، ولا ندري كم ذلك القدر) .
(ومنهم من يقول: إنه جسم تحل الأشياء فيه، وهو الفضاء، وليس بذي غاية ولا نهاية.
وقال بعضهم: هو الفضاء، وليس بجسم، والأشياء قائمة به) .
(وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ
(6/303)

نهاية ولا غاية، وإنه ذاهب في الجهات الست، اليمين، والشمال، والأمام، والخلف، والفوق، والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم، ولا طويل ولا عريض، ولا عميق وليس بذي حدود، ولا هيئة ولا قطب) .
حكى هذه الأقوال الأشعرية في المقالات وحكى عن زهير الأثري أنه كان يقول: (إن الله بكل مكان، وإنه مع ذلك مستو على عرشه، وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود، ولا يجوز عليه الحلول والمماسة، ويزعم أنه يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ، بلا كيف) .
وكذلك أبو معاذ التومني.
وهذا القول الذي حكاه الأشعري عن هؤلاء يشبه قول كثير من الصوفية والسالمية، كأبي طالب المكي وغيره.
فهؤلاء القائلون بأنه بذاته في كل مكان على أقوال: منهم من يقول: له قدر، ومنهم من يقول: ليس له غاية ولا نهاية، ومنهم من يقول: هو جسم، ومنهم من يقول: ليس بجسم.
ثم من هؤلاء من
(6/304)

يقول: إنه غير متناه من جميع الجوانب، وهو مع ذلك لا يخالط الأشياء، وأيضاً فإنهم إذا قالوا: إنه يخالط الأشياء، قالوا: هذا لا يقدح في كماله، كما أن الشعاع لا يقدح فيه أنه فوق الأقذار.
وقول هؤلاء وإن كان باطلاً، كما قد بين في غير هذا الموضع، فالمقصود أن النفاة الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا بخارجه، لا يمكنهم إبطال قول هؤلاء.
بل قد يقول القائل: إن قول هؤلاء الحلولية خير من قول أولئك المعطلة، الذين يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه.
ولهذا قال من قال: (متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء) .
ومنهم من يقول هذا تارة وهذا تارة ومنهم من يقول: هذا اعتقادي، وهذا ذوقي ووجدي.
وإنما يتمكن من إبطال قول هؤلاء كلهم أهل السنة المثبتة، الذين يقولون: إنه مباين للعالم، فأما بعض هذه الطوائف مع بعضهم فإنهم متناقضون.
فإذا قالوا: لا نسلم أنه يجب أن يخالط العلم، أو لا نسلم أن في ذلك محذوراً، بل يمكن عدم المخالطة، أو المخالطة، بلا نقص ولا عيب - كان قول هؤلاء من جنس أقوال أولئك، فإنهم أثبتوا ما يحيله العقل.
فإذا قالوا لأولئك: هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل، كان
(6/305)

هذا بمنزلة قول أولئك: إن إحالة موجود لا داخل العالم ولا خارجه من حكم الوهم، فإنهم قد قالوا: إنه حكم في غير المحسوس بحكم المحسوس، فإن لم يكن في الوجود ما لا يمكن الإحساس به بطل قولهم، وإن كان فيه ما لا يمكن الإحساس به، وادعى هؤلاء أنه غير متناه من جميع الجوانب، وهو غير جسم عند بعضهم، وجسم عند آخرين منهم - كان الحكم حينئذ بكونه يكون مخالطاً للعالم، وأن ذلك ممتنع عليه، حكماً على غير المحسوس بحكم المحسوس، وهم لا يقبلون هذا الحكم.
ثم إن الكلام هنا من جهة من يقول: إنه مشار إليه، ويقول: إنه متناه، وهو مع ذلك جسم، أو ليس بجسم.
وإذا قال هؤلاء: كل مشار إليه فهو جسم، كان كقولهم: لو كان فوق العرش لكان مشاراً إليه، ولكان جسماً، وقد نازعهم في ذلك طوائف.
وتبين أن قول من قال: هو فوق العرش وليس بجسم، ليس هو أبعد عن العقل، من قول من قال: أنه لا داخل العالم ولا خارجه أصلاً.
فإن هذا أقرب إلى المعدوم من ذلك، وكل ما كان أقرب إلى العدم، كان أبعد عن الوجود الواجب.
فهكذا من قال: يشار إليه وهو غير متناه ولا يخالط، أو يخالط ولا نقص في ذلك - فقوله ليس أبعد عن العقل من قول أولئك، بل نظير قولهم أن يقال: إنه في كل مكان بذاته، ولا يشار إليه، ولا نهاية له، كما قال بعضهم.
(6/306)

فهذه الأقوال حكم ببطلانها حاكم واحد، فإن رد حكمه في بعضها رد في سائرها، فهذا جواب هؤلاء.

الوجه الخامس
قول من يقول: لا نسلم أنه إذا كان متناهياً من بعض الجهات يلزم ما ذكره من المحذور.
وقوله: (الجانب المتناهي إن وافق غير المتناهي في الماهية صح عليه أن ينقلب غير متناه، وإلا لزم التركيب، فيصح الفصل والوصل، وما كان كذلك احتاج إلى مؤلف يؤلفه) .
قالوا: لا نسلم أنه يجوز عليه الفصل والوصل والحال هذه، لإمكان أن يكون ذلك الاتصال من لوازم الذات، كقيام الصفات اللازمة لموصوفها، وأيضاً الموافقة في الماهية إنما تقتضي جواز انقلابه غير متناه، إن لو لم يكن المقدار المعين من لوازم وجوده.
فإن قال: إن كل مختص بقدر فهو ممكن، فهي المقدمة الثانية، وقد تقدم إبطالها، فلا يمكنه حينئذ تقرير المقدمة الأولى إلا بالثانية، فلا يكون قد أقام دليلاً على أنه إذا كان متناهياً لزم التناهي من جميع الجوانب، إلا لافتقار الاختصاص إلى مخصص، وهذا: إن كان دليلاً صحيحاً فهو كاف سواء قدر التناهي من جميع الجوانب أو بعضها، وإن لم يكن صحيحاً بطل كلامه على بطلان تناهيه من جميع الجوانب، ومن بعضها.
(6/307)

الوجه الثالث من وجوه الرازي في لباب الأربعين
قال: الرازي: الوجه الثالث: (أنه لو كان مشاراً إليه فإن صح عليه الحركة والسكون كان محدثاً لما سبق في مسألة الحدوث، وإلا كان كالزمن المقعد، وهو نقص تعالى عنه) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال قد تقدم إبطال هؤلاء لدليل الحركة والسكون، كما أبطله الرازي نفسه في كتبه العقلية المحضة، وأبطل كل ما احتج به النفاة، من غير اعتراض على إبطال ذلك.
وكذلك أبطله الآمدي والأرموي وغيرهما.

الوجه الثاني
قول من يقول: هو مع كونه مشاراً إليه لا يقبل الوصف بالحركة والسكون ولا بضد ذلك، كما يقولون هم: إنه لا يقبل الوصف بالدخول والخروج، والمباينة والمحايثة، ونحو ذلك من المتقابلات.
فإن قيل لهؤلاء: إثبات مشار إليه لا يقبل ذلك غير معقول.
قالوا: هذا أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه.
وهؤلاء إذا قيل لهم: إما أن يكون مبايناً، وإما أن يكون محايثاً.
قالوا: هذا من عوارض الجسم، فإذا قدر موجود لا يقبل ذلك، لم يوصف بمباينة ولا محايثة، فيقول لهم هؤلاء: كونه موصوفاً بالحركة
(6/308)

والسكون فرع على قبوله لذلك، فإذا قدر موجود مشار إليه لا يقبل ذلك، لم يوصف بأحدهما.
ومن الناس من يقول: الحركة من خصائص الجسم.
ومنهم من يقول: الحركة يوصف بها ما ليس بجسم كمن يقول بإثبات نوع من الحركة للنفس، ويقول: إنها غير جسم.
وكذلك قول من قال مثل ذلك في الواجب.

الوجه الثالث
أن يقال: اتصاف المتصف بالحركة والسكون: إما أن يكون صفة كمال أو لا.
فإن لم يكن صفة كمال، لم يكن سلب ذلك نقصاً، فلا محذور فيه، وإن كان صفة كمال أمكن اتصافه بذلك فلا محذور فيه.
فإن قيل: هو صفة كمال للجسم دون غيره.
قيل: إما أن نعلم ثبوت موجود غير الجسم، أو لا نعلمه، فإن لم نعلمه لم يمكن إثبات موجود قائم بنفسه: لا تكن الحركة كمالاً، وإن علمنا وجود موجود ليس بجسم، فالعلم بذلك ليس بضروري، بل هو نظري، فلا بد له من دليل.
وحينئذ فإما أن يمكن وجود مشار إليه ليس بجسم، أو لا يمكن، فإن أمكن جاز أن يشار إلى الباري تعالى، ويكون فوق العرش، وليس بجسم.
وإن لم يمكن وجود مشار إليه إلا أن يكون جسماً، فلا بد من دليل يدل على إثبات وجود موجود لا يمكن الإشارة إليه، ولا يكون جسماً.
(6/309)

وهذه الوجوه هي أدلة ثبوت ذلك.
فإذا قيل: لو لم يصح عليه الحركة والسكون لكان كالزمن، لم يمكن إثبات ذلك إلا إذا ثبت أن كل مشار إليه يقبل الحركة والسكون، وأن كل مشار إليه جسم.
وهذا لا يثبت إلا إذا بطل قول من يقول: يمكن أن يشار إليه ولا يكون جسماً، أو يمكن أن يكون فوق العرش ولا يكون جسماً.
وهؤلاء لا يمكن إبطال قولهم إلا إذا بطل قول من يقول بوجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، لأنه بتقدير صحة قول هؤلاء، يمكن صحة قول أولئك، فإنه إذا جاز في العقل إمكان وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يباين غيره ولا يحايثه، أمكن وجود موجود قائم بنفسه، فوق عرشه، لا يشار إليه، وكان هذا أقرب إلى العقل من ذلك.
فإذا كان إبطال قول هؤلاء مستلزماً لبطلان قول المدعي، لم يبطل قولهم إلا ببطلان قوله.
وإذا بطل قوله، كانت الحجة على صحته باطلة.
فتبين أن هذه الحجة يلزم من صحة مقدمتيها بطلان قول المدعي المحتج بها، فلا يمكن الاستدلال بها عليه، وهو المطلوب، فإنها إن صحت استلزمت بطلان دعواه، وإن لم تصح لم يمكن الاستدلال بها على دعواه، فبطلت الدلالة على التقديرين، وهو المطلوب.

الوجه الرابع
أن يقال: كثير من النظار يقولون: صحة الحركة ليست
(6/310)

من خصائص كونه مشاراً إليه، فإن كثيراً من هؤلاء يجوز أن يقوم به ما هو متجدد أو حادث، وإن قال: إنه غير مشار إليه، وقد تقدم قول الرازي: (إن عامة الطوائف يلزمهم القول بحلول الحوادث وإن أنكروا ذلك) مع أن نفاة العلو من هؤلاء يمنعون جواز الإشارة إليه، كما يقول ذلك من يقوله من الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية وغيرهم، بل المتفلسفة يجوزون حلول الحوادث بما ليس بجسم غير الواجب، كما يقولون مثل ذلك في النفس الفلكية والإنسانية.
ثم أكثر أهل الكلام من هؤلاء يقولون: إن ذلك الحادث القائم بالواجب تجدد بعد أن لم يكن، فهؤلاء يصفونه بقيام الحوادث به في وقت دون وقت، ومع هذا فلا يجعلونه في حال انتفاء ذلك كالزمن المقعد، فيقول هؤلاء: يمكن أن تقوم به الحوادث، وهو نوع من الحركة، ولا يكون مشاراً إليه، ولا يكون عند انتفاء ذلك كالزمن، فإن سلم أولئك لهم إمكان ذلك بطلت الحجة، وإن لم يسلموا ذلك لهم: قالوا: هذا أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، وإن كان هذا من حكم الوهم فكذلك الأول، وإلا لزم امتناع موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، وهو المطلوب.
ومما يوضح هذا أن لفظ الحركة قد يعني به الانتقال من حيز إلى حيز، وقد يعني به ما هو أعم من ذلك، كالحركة في الكيف والكم والوضع، مثل مصير النفس عالمة وقادرة ومريدة، ومصير الجسم أسود وأحمر، وحلواً وحامضاً.
ومثل الاغتذاء والنمو الحاصل في الحيوان والنبات، ومثل حركة الفلك في حيز واحد، فهذه قد تسمى حركات، وإن لم يكن قد خرج الجسم فيها من حيز إلى حيز آخر.
(6/311)

وإذا كان لفظ الحركة من جنس لفظ الحدوث كان البحث عن قيام أحدهما به، كالبحث عن قيام الآخر به.
ومعلوم أن كثيراً من النظار يصفونه بذلك، ولا يقولون: هو جسم.

الوجه الرابع من وجوه الرازي في لباب الأربعين
قال الرازي: (الوجه الرابع: المكان الذي يزعم الخصم حصوله فيه: إن كان موجوداً، وهو منقسم، كان جسماً، ولزم قدم الأجسام لذواته، وأيضاً المكان مستغن في وجوده عن المتمكن لجواز الخلاء وفاقاً، والباري تعالى عند الخصم يمتنع كونه لا في حيز، فكان مفتقراً إلى الحيز، وكان المكان بالوجوب والإلهية أولى، وإن كان معدوماً استحال حصول الوجود فيه، ولا يلزم علينا كون الجسم في المكان، لأنه المعنى منه كونه يمكن الإشارة إلى أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به.
وهذا المعنى في الباري يوجب التركيب، وتعالى عنه) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: لا نسلم الحصر، بل قد يكون الحيز تارة
(6/312)

موجوداً وتارة معدوماً، فإنه إذا كان في الأزل وحده، لم يكن معه شيء موجود، فضلاً عن أن يكون في شيء موجود.
ثم لما خلق العالم: فإما أن يكون مداخلاً للعالم، وإما أن يكون مبايناً له، وإذا امتنع أن يكون هو نفسه داخل العالم، أو دخل العالم فيه، وجب أن يكون مبايناً له، وإذا كان مبايناً للعالم، أمكن أن يكون فوق العالم، ويكون ما يسمى حينئذ مكاناً أمراً وجودياً، ولا يلزم أن يكون ملازماً له، فلا يلزم قدم المخلوقات، ولا افتقاره إلى شيء منها، بل كان مستغنياً عنها، وما زال مستغنياً عنها وإن كان عالياً عليها، فعلوه على العرش وعلى غيره من المخلوقات لا يوجب افتقاره إليه، فإن السماء عالية على الأرض وليست مفتقرة إليها، والهواء عال على الأرض وليس مفتقراً إليها، وكذلك الملائكة عالون على الأرض وليسوا مفتقرين إليها، فإذا كان المخلوق العالي لا يجب أن يكون مفتقراً إلى السافل، فالعلي الأعلى، الخالق لكل شيء والغني عن كل شيء، أولى أن لا يكون مفتقراً إلى المخلوقات مع علوه عليها.

الوجه الثاني
أن قول القائل: (إنه في كل مكان) لفظ فيه إجمال وتلبيس.
والمثبتون لعلو الله على خلقه لا يحتاجون أن يطلقوا القول بأنه في مكان، بل منهم كثير لا يطلقون ذلك، بل يمنعون منه، لما فيه من الإجمال.
فإذا قال قائل: إنه لو كان في مكان، لم يخل: إما أن يكون المكان موجوداً، أو معدوماً.
قيل له: إذا قيل: إن الشيء في مكان، وفسر المكان بأنه معدوم،
(6/313)

كان حقيقته أنه وحده، ليس معه غيره، إذ لا يقول عاقل: إنه في مكان معدوم، وإنه مع هذا في شيء موجود قد أحاط به، أو كان هو فوقه، أو غير ذلك، إذ هذا كله من صفات الموجودات.
وإذا كان كذلك فقول القائل.
وإن كان المكان معدوماً استحال حصول الموجود فيه، إنما يلزم لو قدر أن هناك أمراً يكون الواجب فيه، فأما إذا فسر ذلك بأنه وحده، ليس معه غيره، امتنع أن يقال: إنه في غيره.

الوجه الثالث
أن يقال: إذا كنت أنت - وعامة العقلاء - تقولون: إن الجسم في مكان، ولا يلزم من هذا أن يكون في شيء موجود، لأنه يستلزم أبعاداً لا تتناهى، ولا في معدوم، لأن العدم لا يكون فيه شيء - فقولهم أولى بالقبول والجواز.
وأما قوله: (إن المعنى من كون الجسم في المكان، كونه بحيث يمكن الإشارة إلى أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به) .
فيقال له: وبهذا المعنى فسرت قولهم بأنك قلت: المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك.
وأما قولهم: هذا المعنى يوجب التركيب في الباري، فهذا هو الحجة الأولى، وقد تقدم جوابها، فإذن هذه الحجة لا تتم إلا بالأولى، فلا تجعل حجة أخرى، وحجة التركيب قد تقدم بيان فسادها.

الوجه الرابع
أن يقال لفظ الحيز والمكان قد يعني به أمر
(6/314)

وجودي وأمر عدمي، وقد يعني بالمكان أمر وجودي، وبالحيز أمر عدمي.
ومعلوم أن هؤلاء المثبتين للعلو يقولون: إنه فوق سماواته، وعلى عرشه، بائن من خلقه، وإذا قالوا: إنه بائن من جميع المخلوقات، فكل ما يقدر موجوداً من الأمكنة والأحياز فهو من جملة الموجودات، فإذا كان بائناً عنها لم يكن داخلاً فيها، فلا يكون داخلاً في شيء من الأمكنة والأحياز الوجودية على هذا التقدير، ولا يلزم قدم شيء من ذلك على هذا التقدير.
وإذا قالوا: إنه فوق العرش، لم يقولوا: إن العرش كان موجوداً معه في الأزل، بل العرش خلق بعد أن لم يكن، وليس هو داخلاً في العرش، ولا هو مفتقر إلى العرش، بل هو الحامل بقوته للعرش ولحملة العرش، فكيف يلزم على هذا أن يكون معه في الأزل؟ بل كيف يلزم على هذا أن يكون داخلاً في العرش أو مفتقراً إليه، وإنما يلزم ما ذكره من لا بد له من شيء مخلوق يحتوي عليه، وهذا ليس قول من يقول: إنه بائن عن جميع المخلوقات.

الوجه الخامس
أن يقال: قوله (الباري عند الخصم يمتنع كونه لا في حيز) لفظ مجمل، فإن قال: إنه مفتقر عنده إلى حيز وجودي، فهذا لم يقله الخصم ولا يعرف أحداً قاله، وإن قاله من لا يعرف لم يلتفت إليه، ولا ريب عند المسلمين أن الله تعالى غني عن كل ما سواه، فكيف يقال: إنه مفتقر إلى حيز عدمي، فالعدم ليس بشيء حتى يقال: إن الرب مفتقر إليه، أو ليس بمفتقر إليه.
(6/315)

وإذا فسر الحيز بأمر عدمي، لم يجز أن يقال: إن العدم الذي ليس بشيء أحق بالإلهية من الموجود القائم بنفسه، فعلم أن هذه الحجة مغلطة محضة، وأن لفظ الحيز لفظ مجمل.
وهؤلاء يريدون بالحيز تارة ما هو موجود، ويريدون به تارة ما هو معدوم.
وكذلك لفظ المكان، لكن الغالب عليهم أنهم يريدون بالحيز ما هو معدوم، وبالمكان ما هو موجود، ولهذا يقولون: العالم في حيز وليس في مكان.
وإذا كان كذلك، فمن أثبت متحيزاً في حيز عدمي لم يجعل هناك موجوداً غيره، سواء كان ذلك واجباً أو ممكناً.
وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون هناك ما يجب أن يكون موجوداً معه، فضلاً عن أن يكون مفتقراً إليه.

الوجه السادس
أن يقال: هذه الحجة مبنية على أن كل مشار إليه مركب، وإن ذلك ممتنع في الواجب، فإن أردت بالتركيب أن غيره ركبه، أو أنه يقبل التفريق، ونحو ذلك، لم تسلم الأولى.
وإن عنيت بالتركيب إمكان الإشارة إلى بعضه دون بعض، فللناس هنا جوابان:
أحدهما: قول من يقول: هو فوق العالم وليس بمشار إليه، أو هو مشار إليه، وهو لا يتبعض، فيشار إلى بعضه دون البعض، لأن الإشارة إلى البعض دون البعض إنما تعقل فيما له أبعاض، فإذا قدر مشاراً إليه لا يتبعض، لم يمكن أن يقال هذا فيه.
(6/316)

الثاني: قول من يقول: يمكن الإشارة إلى بعضه دون بعض، ويقول: التبعيض المنفي عنه، هو مفارقة بعضه بعض، وأما كونه يرى بعضه دون البعض، فليس هذا منفياً عنه، بل هو من لوازم وجوده، وإذا قال الثاني: هذا تركيب، وهو ممتنع، فقد عرف بطلان هذه الحجة.

الوجه السابع
أن يقال: إذا كان فوق العرش فلا يخلو: إما أن يلزم أن يكون جسماً أو لا يلزم، فإن لم يلزم بطل مذهب النفي، فإن مدار قولهم على أن العلو يستلزم أن يكون جسماً، فإذا لم يلزم ذلك لم يكن في كونه على العرش محذور، وإن لزم أن يكون جسماً، فإن لازم هذا القول قدم ما يكون جسماً، وحينئذ فقول القائل: إن كان المكان موجوداً كان جسماً ولزم قدم الأجسام لدوامه - لا يكون محذوراً على هذا التقدير، ولا يصح الاستدلال على انتفاء المكان بهذا الاعتبار.

الوجه الثامن
وأما الوجه الثامن: فقوله: (المكان مستغن في وجوده عن المتمكن، لجواز الخلاء وفاقاً، والباري عند الخصم يمتنع كونه لا في الحيز، فكان مفتقراً إلى الحيز) يعترض عليه الخصم بأنا لا نسلم أنه على هذا التقدير يكون كل مكان مستغنياً عن المتمكن، فإنه لا يقول عاقل إن شيئاً من الممكنات مستغنية عن الواجب الوجود، فإذا جعل ما سمى مكاناً من الممكنات المبدعات لله تعالى، لم يجز أن يقال: هو مستغن عنه.
وأيضاً يقال: إن عنيت بكون المكان مستغنياً عن المتمكن، أنه لا يفتقر إلى كون المتمكن عليه، فهذا مسلم، لكنه لا يفيدك، إلا إذا
(6/317)

قيل: إن المتمكن مفتقر إلى وجود المكان المستغنى عنه، وهذا لم يذكره في التقسيم.
وإن عنيت أنه يستلزم استغناءه عن فاعل مبدع، فهذا ليس بلازم على هذا التقدير، فإن الأمكنة كلها مفتقرة إلى فاعل مبدع، وإن استغنيت عن متمكن.
وإذا كان وجوده مستلزماً للحيز على هذا التقدير، لم يكن مفتقراً إلى ما هو مستغن عنه، بل كان وجوده مستلزمة لأمور لازمة له مفتقرة إليه، وذلك لا يوجب أن يكون غيره مستغنياً عنه، ولا أن يكون مفتقراً إلى ما هو مستغن عنه، كما أن الذات إذا كانت مستلزمة للصفات، لم يجب أن تكون الصفات أحق بالإلهية.
هذا عند من يقول بالصفات وكذلك من يقول بالأحوال من المسلمين، ومن نفى الجميع كالفلاسفة الدهرية، فعندهم أن وجود الواجب مستلزم لوجود الممكنات، مع أنها هي المفتقرة إليه، وهو مستغن عنها.
ونكتة الاعتراض أنه فرض افتقاره إلى مكان مستغن عنه، فلا ريب أن هذا باطل بالاتفاق، لأنه يلزم أن يكون الخالق فقيراً إلى ما هو مستغن عنه، وهذا ينافي وجوب وجوده.
وأما إذا كان ما سمي مكاناً مفتقراً إليه، وهو المبدع الخالق له، لم يكن فيما ذكره ما يبطل ذلك.
(6/318)

أما إذا قدر أن وجوده لا يستلزم وجود ذلك ولا يشترط فيه ذلك، لكن حصل بحكم الجواز لا بحكم الوجوب، فهذا ظاهر.
وإما إذا قدر أن ذلك لازم له، فغايته أن وجوده مستلزم لما يكون الرب ملزوماً له، وهو مفتقر إلى الرب تعالى، وقد عرف كلام الناس في مثل هذا؟.

الوجه الخامس من وجوه الرازي في لباب الأربعين
قال الرازي: (الوجه الخامس في نفي علوه على الخلق أن الأحياز إن تساوت في تمام الماهية، كان حصوله في بعضها بدلاً عن الآخر جائزاً، فافتقر فيه إلى مرجح، وإن تخالفت فيها كانت متباينة بالعدد، والماهية تختص بخواص معينة وصفات معينة، وهي غير متناهية، فقد وجد في الأزل مع الله أشياء موجودة قائمة بأنفسها غير متناهية، ولا يرتضيه مسلم.

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: الأحياز أمور عدمية كما قد عرف، فإنهم يقولون: العالم في حيز، والحيز عندهم عدمي، ولو قال قائل: إن الحيز قد يكون وجودياً، فالمثبتون يقولون: نحن نقول: أنه فوق العالم وحده، كما كان قبل المخلوقات، وليس هو في حيز وجودي، فإذا
(6/319)

سميت ما هناك حيزاً، كان تسميته للعدم حيزاً، وهو اصطلاحهم.
وحينئذ فالعدم المحض ليس هو أشياء موجودة، حتى يقال: إنها متماثلة أو مختلفة.
فإن قيل: من الناس من يقول: الحيز جوهر قائم بنفسه لا نهاية له.
قيل: هذا القول إن كان صحيحاً ثبت قدم الحيز الوجودي، وحينئذ فتبطل الحجة التي مبناها على نفي ذلك.
وإن كان باطلاً بطلت الحجة أيضاً كما تقدم، فهي باطلة على تقدير النقيضين، فثبت بطلانها في نفس الأمر.

الوجه الثاني
أن يقال: لم لا يجوز أن تكون الأحياز متساوية في الماهية.
قوله: (حصوله في بعضها بدلاً عن الآخر جائز فيفتقر إلى مرجح) .
يقال له: نعم وإذا افتقر إلى مرجح فإنه يرجح بعضها بقدرته ومشيئته، كما ترجح سائر الأمور الجائزة بعضها على بعض، وكما يرجح خلق العالم في بعض الأحياز على بعض، مع إمكان أن يخلقه في حيز آخر، وكما رجح ما خلقه بمقدار على مقدار، وصفة على صفة، مع إمكان أن يخلقه على قدر وصفة أخرى.

الوجه الثالث
أن يقال: ترجح بعض الأحياز على بعض متفق
(6/320)

عليه بين العقلاء، سواء قالوا بالفاعل بالاختيار أو بالعلة الموجبة، فغن القائلين بالعلة الموجبة يقولون: إنها اقتضت وجود العالم في هذا الحيز دون غيره، وأما على القول بالفاعل المختار فالأمر ظاهر، وإذا كان ترجيح بعض الأحياز على بعض متفقاً عليه بين العقلاء، لم يكن في ذلك محذور.
وإذا قيل: هذا ترجيح لبعضها على بعض في الممكن.
قيل: فإذا جاز ذلك في الممكن، فهو في الواجب أولى بالجواز، فإن المرجح إن كان موجباً بالذات، فترجيحه لما يتعلق به أولى من ترجيحه لما يتعلق بغيره، وإن كان فاعلاً بالاختيار، فاختياره لما يتعلق به أولى من اختياره لما يتعلق بظاهره.
وإذا قيل: هذا يلزم منه قيام الأمور الاختيارية بذاته.
قيل: قد عرف أنهم يعترفون بذلك، وهو لازم لعامة العقلاء.

الوجه الرابع
أن يقال: أهل الإثبات القائلون بأن الله سبحانه فوق العالم، لهم في جواز الأفعال القائمة بذاته، المتعلقة بمشيئته وقدرته، قولان مشهوران:
أحدهما: قول من يقول: لا يجوز ذلك، كما يقول ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما، من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وغيرهم، فهؤلاء يقولون: استواؤه مفعول له، فعله في العرش، ويقولون: إنه خلق العالم تحته، من غير أن يحصل منه انتقال وتحول من حيز إلى حيز، ويقولون: أنه خصص العالم بذلك الحيز بمشيئته وقدرته.
(6/321)

والقول الثاني: قول من يقول: إنه يفعل أفعالاً قائمة بنفسه باختياره ومشيئته، كما وصف نفسه في القرآن بالاستواء إلى السماء وعلى العرش، وبالإتيان والمجيء، وطي السماوات بيمينه، وغير ذلك، مما هو قول أئمة أهل الحديث، وكثير من أهل الكلام، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فهؤلاء يقولون: إن ما يحصل من الترجيح لبعض الأحياز على بعض بأفعاله القائمة بنفسه هو بمشيئته وقدرته.
فحصل الجواب عن هذا على قول الطائفتين جميعاً.

الوجه الخامس
أن يقال: الحيز، إما أن يقال: إنه موجود، وإما أن لا يقال: إنه معدوم.
فإن قيل: هو معدوم، لم يلزم أن يكون مع الله في الأزل شيء موجود.
وإن قيل: هو موجود، فإما أن يكون وجوده في الأزل ممتنعاً، وإما أن يكون ممكناً، فإن كان ممتنعاً تعين القسم الأول، وهو أن الأحياز متماثلة في تمام الماهية، فإن العدم المحض لا يتميز فيه شيء عن شيء، وحينئذ في فالتخصيص المفتقر إلى المرجح يحصل: إما بقدرته ومشيئته، على قول المسلمين وجمهور الخلق، وإما بالذات، عند من يجوز نظير ذلك، وإن كان وجوده في الأزل ممكناً، فلا محذور فيه، فبطا انتفاء اللازم.

الوجه السادس
أن يقال: التقسيم المذكور غير حاصر، وذلك لأن الأحياز: إما أن تكون متماثلة، وإما أن تكون مختلفة، وعلى التقديرين: فإما أن تكون متناهية، وإما أن تكون غير متناهية فإن كان
(6/322)

وجود أحياز وجودية غير متناهية ممتنعاً، بطل هذا التقسيم، ولم يلزم بطلان غيره، وكذلك أي قسم بطل، لم يلزم بطلان غيره، وذلك لأن هؤلاء النفاة: منهم من يقول بثبوت أحياز قديمة: إما بنفسها، وإما بغيرها، كما تقول الطائفة منهم بأن القدماء خمسة: الواجب بنفسه، والحيز الذي هو الخلاء، والدهر والمادة والنفس.
ويقول آخرون منهم بثبوت أبعاد لا نهاية لها، وإن لم يقولوا بغير ذلك.
وما يذكر من هذه الأقوال ونحوها - وإن قيل: أنه باطل - فالقائلون بغير ذلك بهذه الأقوال هم المعارضون لنصوص الكتاب والسنة، وهم الذين يدعون أن معهم عقليات برهانية تنافي ذلك، فإذا خوطبوا على موجب أصولهم، وبين أنه ليس في العقليات ما ينافي النصوص الإلهية على كل مذهب، كان هذا من تمام نصر الله لرسوله وإظهار لنوره.

الوجه السابع
أن يقال: مقدمات هذه الحجة ليست برهانية، فإنه على تقدير تماثل الأحياز إنما يلزم الافتقار إلى المرجح، وهذا غير ممتنع.
وأما على التقدير الثاني، فيلزم ثبوت أحياز مختلفة أما كونها غير متناهية فذلك غير لازم.
وحينئذ فيقال: إذا قدر أن هذه الأحياز مفتقرة إليه، ممكنة بنفسها واجبة به، أمكن أن يقال فيها ما يقوله من يجوز أن يكون معه ما هو من لوازم ذاته، كما عرف من مذاهب الطوائف.
ويقال على وجه التقسيم: إن امتنع أن يكون معه ما هو من لوازم ذاته، تعين القسم الأول وإلا جاز الثاني.
(6/323)

والمقصود بيان فساد أمثال هذه الكلام بالحجج العقلية المحضة، فإن هؤلاء النفاة يستعينون على معارضة النصوص الإلهية بأقوال الفلاسفة وغيرها، المخالفة لدين المرسلين، فإذا احتج لنصر النصوص الإلهية بما هو من هذا الجنس، كان ذلك خيراً من فعلهم.

الوجه الثامن
أن يقال: الأحياز: إن كانت عدمية، لم يكن في ذلك محذور، سواء كانت متماثلة أو مختلفة، فإن ثبوت أعدام غير متناهية في الأزل غير محذور، والمثبت لا يقول: إنه يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه، فإن هذا ليس هو معروفاً من أقوال المثبتين.
وإن قدر قائل يقوله أمكنه أن يقول: هذا من لوازم ذاته، وحينئذ فإن جاز أن يلزمه أمر وجودي كان هذا ممكناً، وإلا تعين قول من يجعل الحيز عدمياً، فعلم أنه لا حجة فيما ذكره.

الوجه التاسع
أن من المسلمين من يقول: قد قامت به في الأزل معاني لا نهاية لها، كعلوم لا نهاية لها، وكلمات لا نهاية لها، وإرادات لا نهاية لها، ونحو ذلك.
ومن الناس من يقول بثبوت أبعاد لا نهاية لها، وحينئذ فإن كان علوه على العالم ممكناً بدون ثبوت أحياز قديمة، مختلفة غير متناهية، لم يضرهم بطلان هذا اللازم.
وإن قيل: إن ذلك يستلزم هذا القول كان نفيه محتاجاً إلى دليل، وهو لم يذكر دليلاً على نفيه، وإنما قنع بحجة مسلمة، وهي أن المسلمين ليس فيهم من يرتضي أن يوجد معه في الأزل أشياء موجودة
(6/324)

قائمة بأنفسها غير متناهية، ومعلوم أن هذا لا يرتضيه المسلمون، من أهل الإثبات وغيرهم، لاعتقادهم أن ذلك ليس من لوازم قولهم، فإذا قدر أنه من لوازم قولهم، احتاج نفيه إلى دليل، ولا يجوز أن يحتج على ذلك بالسمع، لأن السمع الدال على علو الله على خلقه أظهر وأكثر وأبين مما يدل على مثل هذا، فإن المحتج إذا احتج بمثل قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] و: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] .
ونحو ذلك، لم يدل إلا على أن الأحياز الموجودة مخلوقة لله، وهو ربها، وهذا لا ينازع فيه مسلم، لكن الاستدلال بالسمع على قدم شيء من ذلك أضعف من الاستدلال على أن الله تعالى ليس فوق العالمين، فلا يمكن دفع أقوى الدلالتين بأضعفهما.

الوجه العاشر
أن يقال: هذا الرازي وأمثاله يدعون أنه ليس في السمع ما يصرح بأن الله كان وحده، ثم ابتدأ إحداث الأشياء من العدم، بل يقولون بما هو أبلغ من ذلك، كما يذكر مثل ذلك في كتاب المطالب العالية وغير ذلك من كتبه.
وأما النصوص الكثيرة الدالة على علو الله على خلقه، فلا ينازعون في كثرتها، وظهور دلالتها، ولا يدعون أنه عارضها نصوص سمعية تدفع موجبها، وإنما يدعون أنه عارض العقل.
وإذا كان الأمر كذلك، لم يجز أن يدفع موجب النصوص الكثيرة الدالة على أن الله فوق بأدلة سمعية، ليست في الظهور والكثرة بمنزلتها.
(6/325)

بل إذا قدر تعارض الأدلة السمعية كان الترجيح مع الأكثر الأقوى دلالة بلا ريب، فعلم أنه لا يجوز دفع موجب نصوص العلو بالمقدمة التي أثبتها بالسمع.
والمقدمة السمعية: إما نص أو إجماع، ولا نص في المسألة، وأما الإجماع فهو يقول: أنه لا يمكن العلم بإجماع من بعد الصحابة، ومعلوم أنه ليس عن الصحابة، بل ولا التابعين، ولا الأئمة المشهورين، ما يقرر ما يقرر مطلوبه، بل النقول المتواترة عنهم توافق إثبات العلو لا نفيه.
وأيضاً فالإجماع عنده دليل ظني:
ومعلوم أن النصوص الدالة على العلو أكثر وأقوى دلالة من النصوص الدالة على كون الإجماع حجة، فكيف يجوز أن تدفع النصوص الكثيرة البينة الدلالة، بنصوص دونها في الظهور والكثرة.
وبالجملة من بنى كونه تعالى ليس على العرش على مقدمة سمعية، فقوله في غاية الضعف كيفما احتج، سواء ادعاها نصية أو إجماعية، مع أن قوله أيضاً في غاية الفساد في العقل عند من خبر حقائق الأدلة العقلية، فقوله فاسد في صحيح المنقول وصريح المعقول، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الوجه السادس من وجوه الرازي في لباب الأربعين
قال الرازي: (الوجه السادس في العالم كرة.
فإن الكسوف القمري يرى في البلاد الشرقية في أول الليل، في البلاد الغريبة في
(6/326)

آخره، فلو كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى سكان الوجه الآخر، وأنه باطل) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أحدها: أن يقال: القائلون بأن العالم كرة يقولون: إن المحيط هو الأعلى، وإن المركز الذي هو جوف الأرض هو الأسفل، ويقولون: إن السماء عالية على الأرض من جميع الجهات، والأرض تحتها من جميع الجهات، ويقولون: إن الجهات قسمان: حقيقية وإضافية، فالحقيقية جهتان: وهما العلو والسفل، فالأفلاك وما فوقها هو العالي مطلقاً، وما في جوفها هو السافل مطلقاً.
وأما الإضافية فهي بالنسبة إلى الحيوان، فما حاذى رأسه كان فوقه، وما حاذى رجليه كان تحته، وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه، وما حاذى اليسرى كان عن يساره، وما كان قدامه كان أمامه، وما كان خلفه كان وراءه.
وقالوا هذه الجهات تتبدل، فإن ما كان علواً له قد يصير سفلاً له، كالسقف مثلاً: يكون تارة فوقه، وتارة تحته، وعلي هذا التقدير فإذا علق رجل جعلت رجلاه إلى السماء ورأسه إلى الأرض، أو مشت نملة تحت سقف: رجلاها إلى السقف، وظهرها إلى الأرض، كان هذا
(6/327)

الحيوان باعتبار الجهة الحقيقية، السماء فوقه، والأرض تحته، لم يتغير الحكم، وأما باعتبار الإضافة إلى رأسه ورجليه، فيقال: إن السماء والأرض فوقه.
وإذا كان كذلك، فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب - هم باعتبار الحقيقة كلهم فوق الأرض، وليس بعضهم تحت بعض، ولا هم تحت شيء من الأرض، أي الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب، وكذلك من كان في ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب، وإن كان بعض جوانب السماء تلي رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى، وإن كان فلك الشمس فوق القمر، وكذلك السحاب وطير الهواء، هو من جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء، ليس شيء منه تحت الأرض، ولا من في هذا الجانب تحت من في هذا الجانب، وكذلك ما على ظهر الأرض من الجبال والنبات والحيوان والأناسي وغيرهم، هم من جميع جوانب الأرض فوقها، وهم تحت السماء، وليس أهل هذه الناحية تحت أهل هذه الناحية، ولا أحد منهم تحت الأرض ولا فوق السماء البتة، فكيف تكون السماء تحت الأرض، أو يكون من هو فوق السماء تحت الأرض؟ ولو كان شيء منهم تحت الأرض، للزم أن يكون كل منهم تحت الأرض وفوقها، ولزم أن تكون كل من الملائكة وطير الهواء وحيتان الماء ودواب الأرض فوق الأرض وتحت الأرض، ويلزم أن يكون كل شيء فوق ما يقابله وتحته، ولزم أن يكون كل من جانبي
(6/328)

السماء فوق الآخر وتحت الأرض وأن يكون العرش - إذا كان محيطاً بالعالم - تحت السماء وتحت الأرض، مع أنه فوق السماء وفوق الأرض، ولزم أن تكون الجنة تحت الأرض وتحت جهنم، مع أنها فوق السماوات وفوق الأرض وفوق جهنم، ولزم أن يكون أهل عليين تحت أهل سجين مع أنهم فوقهم.
فإذا كانت هذه اللوازم وأمثالها باطلة، باتفاق أهل العقل والإيمان، علم أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وكان من احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له، مع دعواه أنه من البراهين العقلية، فإن كان يتصور حقيقة الأمر فهو معاند جاحد محتج بما يعلم أنه باطل، وإن كان لم يتصور حقيقة الأمر، فهو من اجهل الناس بهذه الأمور العقلية، التي هي موافقة لما أخبرت به الرسل، وهو يزعم أنها تناقض الأدلة السمعية، فهو كما قيل:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

الوجه الثاني
أن يقال: هب أنا لا نأخذ بما يقوله هؤلاء، أليس من المعلوم عند جميع الناس أن السماوات فوق الأرض، والهواء فوق الأرض والسحاب والطير فوق الأرض، والحيتان والدواب والشجر فوق الأرض، والملائكة الذين في السماوات فوق الأرض وأهل عليين فوق أهل سجين، والعرش أعلى المخلوقات.
(6/329)

كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: «إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن» .
وهذه الأمور بعضها متفق عليه عند جميع العقلاء، وما لم يعرفه جميع العقلاء فهو معلوم عند من يقول به، ومن يقل أحد من العقلاء: أن هذه الأمور تحت الأرض وسكانها، وعلم العقلاء بذلك أظهر من علمكم بكرية الأفلاك، لو قدر أن ذلك معارض لهذا، فكيف إذا لم يعارضه.
وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم، فالعلي الأعلى - سبحانه - أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه.

الوجه الثالث
أن يقال: هذه الحجة: إما أن تكون سمعية، وإما أن تكون عقلية.
ومن المعلوم أنها ليست سمعية، ولو كانت سمعية لكانت السمعيات التي تدل على علو الله تعالى أنص وأكثر وأظهر على ما لا يخفى على مسلم.
وإن كانت عقلية فلا بد من بيان مقدماتها بالعقل.
وهو لم يذكر إلا قوله: (فإن كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى
(6/330)

سكان الوجه الآخر من الأرض، وأنه باطل) .
فذكر مقدمتين لم يدل عليهما: لزوم كونه أسفل بالنسبة إلى بعض المخلوقات، وبطلان هذا اللازم.
والمنازع ينازع في كل من المقدمتين، فلا يسلم لزوم السفول، وإن سلم لزومه فلا بد من دليل عقلي ينفي به ذلك، وهو لم يذكر على ذلك دليلاً.
ولا يجوز أن يقال: هذا يوجب النقص، وهو منزه عنه لوجهين:
أحدهما: أن المثبت لا يسلم أن هذا نقص، ألا ترى أن الأفلاك موصوفة بالعلو على الأرض مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر وليس ذلك نقصاً فيها؟ وكذلك كل ما يوصف بالعلو على ما تحته، مثل الهواء والسحاب والطير والحيوان والنبات والجبال والمعدن، ومثل الملائكة والجنة والعرش، وغير ذلك، فإذا كانت المخلوقات العالية أشرف في النفوس من المخلوقات السافلة، ولم يكن ما ذكره من هذا السفول الإضافي مانعاً من هذا الشرف والرتبة، ولا يوجب ذلك نقصاً - علم أن هذا ليس بنقص.
فإن قيل: الناحية الأخرى ليس فيها حيوان ونبات ومعادن وجبال، وإنما فيها ماء، وكذلك السحاب والمطر قد يمنع كونه فيها.
قيل: هذا لا يضرنا، فإنا نعلم أن الكواكب والشمس والقمر فوق الأرض مطلقاً، وعلوها على الأرض ليس بنقص فيها، وإن قدر ما تخيلوه في السفول، وكذلك إذا قدر هناك مثل ما في هذا الوجه، ولو
(6/331)

كان ما هناك سافلاً، للزم أن تكون الشمس والقمر والسماوات إذا ظهرت علينا تحت ذلك الجانب من الأرض، وتحت ما هناك، ولزم أنه لا تزال الأفلاك تحت الكواكب، والشمس والقمر تحت الأرض وهذا في غاية الفساد.
ومن العجائب أن هؤلاء النفاة يعتمدون في إبطال كتاب الله، وسنة أنبيائه ورسله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر الله عليه عباده، وجعلهم مضطرين إليه عند قصده ودعائه، ونصب عليه البراهين العقلية الضرورية، على مثل هذه الحجة التي لا يعتمدون فيها إلا على مجرد خيال ووهم باطل، مع دعواهم أنهم هم الذين يقولون بموجب العقل، ويدفعون موجب الوهم والخيال.
وكل من له معرفة يعلم أن قول القائل: أن الشمس والقمر والكواكب الدائرة في الفلك هي بالليل تحت الأرض، هو من حكم الوهم الفاسد، والخيال الباطل، ليس له حقيقة في الخارج، فيريدون بهذا الوهم والخيال الفاسد أن يبطلوا صريح العقل وصحيح المنقول في أعظم الأصول، ويحولوا بين القلوب وقصد خالقها وعبادته بمثل هذا الوهم والخيال الفاسد، الملتبس على من لا يفهم حقيقة قولهم.
الوجه الثاني: أن يقال: أنتم تقولون: لم يقم دليل عقلي على نفي النقص عن الله تعالى، كما ذكر ذلك الرازي متلقياً له عن أبي المعالي وأمثاله، وإنما ينفون النقص بالأدلة السمعية، وعمدتهم فيه على
(6/332)

الإجماع، وهو ظني عنده، والنصوص الدالة عليه دون النصوص الدالة على العلو في الكثرة والقوة.
وإذا كان كذلك، وكان علو الله تعالى على خلقه ثابتاً بالسمع، كان السمع مثبتاً لما نفيتموه، لا نافياً له، ولم يكن في السمع ما ينفي هذا المعنى وإن سميتموه ناقصاً، فإنه إذا كان عمدتهم الإجماع، فلا إجماع في موارد النزاع، ولا يجوز الاحتجاج بإجماع في معارضة النصوص الخبرية بلا ريب، فإن هذا يستلزم انعقاد الإجماع على مخالفة النصوص، وذلك ممتنع في الخبريات وإنما يدعيه من يدعيه في الشرعيات، ويقولون: نحن نستدل بالإجماع على أن النص منسوخ.

الوجه الرابع
أن يقال: إذا قدرنا موجودين أحدهما عظيم كبير، أعظم من السماوات والأرض، بحيث يمكنه أن يحيط بذلك كله ويحتوي عليه، وآخر لا يشار إليه، وليس هو داخل العالم ولا خارجه، كان من المعلوم بالضرورة أن الأول أكمل وأعظم.
فإذا قال قائل: هذه العظمة تقتضي، إذا كان محيطاً بالعالم، أن يكون تحت شيء منه، كان من المعلوم أن وصف ذاك له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يحيط بشيء، ولا يوصف بأنه عظيم كبير في نفسه، ولا أنه
(6/333)

ليس بعظيم كبير في نفسه - أعظم نقصاً من وصفه بإحاطة ما يستلزم إحاطته بجميع الموجودات.

الوجه الخامس
أن يقال: هب أن العالم كري، فلم قلت: إنه إذا كان فوق العالم يلزم أن يكون تحت بعضه، فإن هذا إنما يلزم إذا قدر أنه محيط بالعالم كله من جميع الجهات، فأما إذا قدر أنه فوق العالم من هذه الجهة التي عليها الحيوان والنبات والمعدن، لم يلزم أن يكون تحت العالم من تلك الجهة، فلو فرضنا مخلوقين أحدهما مدور، والآخر فوق المدور، ليس محيطاً به، كما يجعل الإنسان تحت قدمه حمصة أو بندقة، لك يلزم أن يكون الذي فوق المدور تحت المدور بوجه من الوجوه.
وإذا قيل: المحيط بالمدور، كالفلك التاسع المحيط بالأرض، وهو العالي من كل جانب.
قيل: هو العالي بالنسبة إلى ما في جوف المدور، وأما بالنسبة إلى ما فوق المدور فلا، بل المحيط وما في جوفه تحت ذلك الفوقاني مطلقاً، كما أن الحمصة والبندقة تحت الرجل الموضوعة عليها.
ومما يوضح ذلك أن مركز الفلك هو السفل المطلق للفلك، والفلك من كل جانب عال عليه، فإذا قدر فوق الفلك من الجانب الذي يلي الجانب الذي عليه الأنام ما هو أعلى من الفلك من هذا الجانب وليس محيطاً به، ولا مركز العال مركزاً له - امتنع أن يكون هذا تحت شيء من العالم، بل هو قطعاً فوق الأفلاك من هذا الجانب، وليس تحتها من ذلك الجانب، فيلزم أن يكون هو فوقها لا تحتها.
(6/334)

وإذا قال القائل: هذا كما لا يوصف بالسفول، فهو لا يوصف أيضاً بالعلو، فإن العالي المطلق هو المحيط، إذاً ليس إلا المحيط والمركز، وهذا إذا لم يكن محيطاً لم يكن عالياً.
قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه على هذا التقدير إذا كان محيطاً لم يكن سافلاً البتة، بل يكون عالياً، وعلى هذا فإذا كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، ولو أدلى المدلي بحبل لهبط عليه - كان محيطاً بالعالم عالياً عليه مطلقاً، ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكاً ولا مشابهاً للفلك، فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها، وليس شكلها شكل يده، بل ولا شكل يده شكلها.
وذكر أن بعض الشيوخ سئل عن كون الرب عالياً محيطاً بالعالم ممسكاً له، فقال: بعض مخلوقاته كالباشق مثلاً يقبض بيده حمصة، فيكون فوقها محيطاً بها ممسكاً لها، فإذا كان هذا لا يمتنع في بعض مخلوقاته، فكيف يكون ممتنعاً في حقه.
الثاني: أنه إذا قدر أنه عال وليس بمحيط، لم يلزم أن يكون له مركز، ولا أن يكون مركز العالم مركزاً له، وأن يكون المركز هو السفل بالنسبة إليه، وأن يكون العالي هو المحيط بالنسبة إليه، بل ذلك إنما يلزم في المحيط والمحاط به، فالمركز من المحيط كالنقطة من الدائرة، فإذا قدر ما ليس بدائرة ولا هو كرة، لم يكن له مركز كنقطة الدائرة.
ولهذا لو
(6/335)

قدر أن السماوات ليست محيطة بالأرض لم يكن لها مركز، مع تقدير الكرة المستديرة، فلا بد لها من نقطة في وسطها هو المركز، وأما ما ليس بمستدير ولا هو كرة فليس مركز الكرة - وهو النقطة التي وسطها - مركزاً له، سواء جعل فوق المستدير أو تحته، فلا يمتنع أن يكون شيء فوق المستدير وتحته إذا لم يكن مستديراً، ولا يكون مع هذا مشاركاً للمستدير في أن النقطة التي هي المحيطة مركزاً له، بل المركز نسبته إلى جميع جهات المحيط واحدة، وليست نسبته إلى ما فوق المحيط أو تحته - إذا قدر أن فوقه شيء أو تحته شيء ليس مستدير - نسبة واحدة، بل يكون المركز مع المحيط تحت هذا الشيء المعين الذي ليس بمستدير، كما قد يمكن أن يكون فوق شيء آخر، فالمركز بالنسبة إلى المحيط تحته، والمحيط فوقه.
وأما ما يقدر فوق المحيط فهو عال على الجميع قطعاً، ويمتنع أن يقال: إنه ليس فوق المحيط، فإنه معلوم بصريح العقل أن الهواء فوق الأرض، والسماء فوق الأرض، وهذا معلوم قبل أن يعلم كون السماء محيطة بالأرض، بل الإحاطة قد يظن أنها مناقضة للعلو، لا يقول أحد: إن العلم بالعلو موقوف على العلم بها، ولا إن العلو مشروط بها، فإن الطير فوق الأرض، وليست محيطاً بها، والسحاب فوق الأرض وليس محيطاً بها، وكل جزء من أجزاء الفلك هو فوق الأرض وليس محيطاً بها، فتبين أن العلو معنى معقول، مع أنه لا يشترط فيه الإحاطة، وإن كانت الإحاطة لا تناقضه.
(6/336)

وهؤلاء النفاة حائرون: تارة يجعلون الإحاطة مناقضة للعلو، وتارة يجعلونها شرطاً في العلو لازمة له.
ونحن قد بينا خطأهم في هذا وهذا، فلا هي مناقضة له، ولا هي منافية له.
ولهذا كان الناس يعلمون أن السماء فوق الأرض، والسحاب فوق الأرض، قبل أن يخطر بقلوبهم أنها محيطة بالأرض.
وكذلك يعلمون أن الله فوق العالم، وإن لم يعلموا أنه محيط به، وإذا علموا أنه محيط لم يمنع ذلك علمهم بأنه فوق.
فتبين أنه ليس من شرط العلم بكون الشيء عالياً أن يعلم أنه محيط، ولو كانت الإحاطة شرطاً في العلم، امتنع العلم بالمشروط دون شرطه، ولكن لما كان في نفس الأمر الأفلاك عالية محيطة، كانت الإحاطة والعلو متلازمين في هذا - محال، فإن قدر أن كل عال فهو محيط، كان العلو والإحاطة متلازمين، وإن قدر وجود موجود عال ليس بمحيط لم تكن الإحاطة لازمة للعلو.
فقد تبين أنه بتقدير أن يكون الرب عالياً ليس بمحيط فهو عال، وبتقدير أن يكون عالياً محيطاً فهو عال، فثبت علوه على التقديرين، وهو المطلوب.
وإذا كان هذا معقولاً في مخلوقين، ففي الخالق بطريق الأولى.
وقد قررت هذا على وجه آخر بأن يقال: فإن قيل: المحيط لا يتميز منه جانب دون جانب بكونه فوقاً وسفلاً، فلا يمكن إذا قدر شيء
(6/337)

خارجاً عنه أن يقال: هو فوقه إلا كما يقال: هو سفله، وحينئذ ففرض شيء خارج عن المدور المحيط مع كونه فوقه، جمع بين الضدين.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا الكلام إن كان صحيحاً لزم بطلان حجتكم، وإن لم يكن صحيحاً لزم بطلانها، فثبت بطلانها على تقدير النقيضين، فيلزم بطلانها في نفس الأمر، لأن الحق في نفس الأمر لا يخلو عن النقيضين.
بيان ذلك أن المحيط إما أن يصح أن يقال: إن بعضه عال وبعضه سافل، وإما أن لا يصح، فإن لم يصح بطل أن يكون الخارج عنه تحت شيء من العالم، بل إذا قدر أنه يحيط به، ولو بقبضته له، لزم أن يكون عالياً عليه مطلقاً، ولم يكن سافلاً تحت شيء من العالم، وإن صح أن يكون بعضه عالياً وبعضه سافلاً، أمكن أن يكون مبايناً للعالم من الجهة العالية، فيكون عالياً عليه.
وإن قيل: بل المحيط إذا حاذى رؤوسنا كان عالياً، وإذا حاذى أرجلنا كان سافلاً، فلا يزال بعضه عالياً، وبعضه سافلاً.
قيل: فعلى هذا التقدير يكون العالي ما كان فوق رؤوسنا، وحينئذ فإذا كان مبايناً للعالم من جهة رؤوسنا دون أرجلنا، لم يزل عالياً علينا دائماً، وهو المطلوب.
الوجه الثاني: أن يقال: هب أنه محيط بالعالم وفوقه من
(6/338)

جميع الجهات، فإنما يلزم ما ذكرت أن لو كان من جنس فلك من الأفلاك، فإن المتخيل قد يتوهم أن ما استدار وأحاط بالأفلاك، كان تحت بعض العالم من بعض الجهات.
ومن المعلوم أن الله تعالى ليس مثل فلك من الأفلاك، ولا يلزم إذا كان فوق العالم ومحيطاً به أن يكون مثل فلك، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه.
وقد قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ما يوافق ذلك، مثل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» وفي رواية: «أنها تكون بيده مثل الكرة في يد الصبيان» وروي ما هو أقل من ذلك.
والمقصود أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علماً، وأمكن أن تكون السماوات والأرض في قبضته لم يجب - والحال هذه - أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل، وأحاط بها بغير ذلك، لم يجز أن يقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها
(6/339)

الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص بل صفة كمال.
وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال: إنها تحت المحاط، وأن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره، فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عال عليه أو محيط به، ويكون ذلك نقصاً ممتنعاً.
وقد ذكر أن بعض المشايخ سئل عن تقريب ذلك إلى العقل، فقال للسائل: إذا كان باشق كبير، وقد أمسك برجله حمصة أليس يكون ممسكاً لها في حال طيرانه، وهو فوقها ومحيط بها، فإذا كان مثل هذا ممكناً في المخلوق، فكيف يتعذر في الخالق.

بقية كلام الرازي في لباب الأربعين
قال الرازي: (واحتج الخصم بالعلم الضروري بأن كل موجودين فإن أحدهما سار في الآخر أو مباين عنه في الجهة) .
(6/340)

قال: (والجواب أن دعوى الضرورة قد سبق بطلانها وبقي القسم الثالث فهذه المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها) .

الرد على كلام الرازي
والاعتراض على هذا: أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يعلم أنها لم يتواطأوا على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري.
وأيضاً فالمنازع يسلم أن مثل هذا مستقر في فطر جميع الناس وبدائههم، وأنهم مضطرون إليه لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، إلا كما يمكن دفع أمثاله مما هم مضطرون إليه، وإنما يقولون: إن هذه الضرورة خطأ وهي من حكم الوهم.
وقد تقدم بيان فساد ذلك، وأن هذه قضية كلية عقلية، لا خبرية معينة، ولو كانت خبرية معينة فالجزم بها كالجزم بسائر الحسيات الباطنة والظاهرة، فهي لا تخرج عن العقليات الكلية والحسيات المعينة، وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل
(6/341)

ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلوماً بالضرورة، فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض.
وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثاً للآخر ولا مبايناً له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين.
وأما قوله: (وبقي القسم الثالث، فهذه المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها) .
فليس الأمر كذلك، لأن هذه المقدمة الضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يعارضها، كسائر المعارف الضرورية، بل نعلم بالضرورة أن ما عارضها من النظريات فهو باطل على سبيل الجملة، وإن لم نذكر حل الشبه على وجه التفصيل، كما نعلم فساد سائر النظريات السوفسطائية المعارضة للعلوم الضرورية.
وإذا قال قائل: لا تثبت هذه المقدمة حتى ينفي المعارض المبطل لها، ونفسي ذلك لا يكون إلا بثبوتها.
(6/342)

كان قوله ممنوعاً غير مقبول باتفاق العقلاء على نظائر ذلك، فإن كل مقدمة ضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يقدح فيها، والاستدلال بها لا يتوقف على ذلك، بل هم يقولون: إن القضايا اليقينية سواء كانت ضرورية أو نظرية، لا يتوقف العلم بموجبها على نفي المعارض، ولو توقف على ذلك لم يعلم أحد شيئاً، لأن ما يخطر بالقلوب من الشبهات المعارضة لا نهاية له، فكيف يحتاج إلى العلوم الضرورية إلى نفي المعارض.
ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلاً يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم.
ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقدوه من المعارض لها.
فالنفاة لعلو الله إذا حزب أحدهم شدة وجه قلبه إلى العلو يدعو الله.
ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت له: أنت محق، لمن ترفع طرفك
(6/343)

ورأسك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: أستغفر الله، ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول: فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم.

كلام الرازي عن الجهة في لباب الأربعين
قال الرازي: (واحتج الخصم أيضاً بأن اختصاص الجسم بالحيز والجهة إنما كان لكون قائماً بالنفس) يعني: وهذا ثابت لكل قائم بنفسه (وإذا كان في جهة كان في جهة فوق، لأن اختصاص الأشرف بالأشرف هو المناسب، ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم إليها عند التضرع والدعاء) قال:
(والجواب أن اختصاص الجسم بالحيز والجهة قد يكون لذاته المخصوصة، فإنه لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفة لصفة أخرى) .

الرد عليه
والاعتراض على ذلك أن يقال: إن عنيت بذاته المخصوصة هو ما
(6/344)

يمتاز به جسم عن جسم، كما يقال: اختصاص الفلك بالحيز لكونه فلكاً، واختصاص الماء بالحيز لكونه ماء، واختصاص الهواء بالحيز لكونه هواء، فهذا باطل لا يقوله عاقل، فإن جميع الأجسام مشتركة في الاختصاص بالحيز والجهة، والحكم العام المشترك بينها، لا يكون إلا لما امتاز به بعضها عن بعض، فإنه لو كان لما امتاز به بعضها عن بعض وجب أن يختص ببعضها، كسائر ما كان من ملزومات المخصصات المميزات.
وإذا قيل: إن المختلفات يجوز أن تشترك في لازم عام، كاشتراك أنواع الحيوانات المختلفة في الحيوانية، فهذا صحيح، لكن لا يجوز أن يكون الحكم العام المشترك فيه لأجل ما يخص به كل حيوان.
وإذا قيل: إن الحكم الواحد بالنوع يجوز أن يعلل بعلتين مختلفتين، كما يعلل حل الدم بالردة والقتل والزنا، وكما يعلل الملك بالإرث والبيع والاصطياد، وكما يعلل وجوب الغسل بالإنزال والإيلاج والحيض، فالوجوب الثابت بهذا السبب ليس هو بعينه الوجوب الثابت بهذا السبب، لكنه نظير، مع أنهما يختلفان بحسب اختلاف الأسباب، فليس الملك الثابت بالإرث مساوياً للملك الثابت بالبيع من كل وجه، بل له خصائص يمتاز بها عنه، وكذلك حل الدم الثابت بالردة، ليس مساوياً لحل الدم الثابت بالقتل، بل بينهما فروق معينة.
وكذلك الغسل المشروع بالحيض مخالف للغسل المشروع بالإيلاج من بعض الوجوه، وأما الإنزال والإيلاج فهما نوع واحد.
وأما ما جزم العقل بثبوته للقدر المشترك، فيجب أن يضاف إلى قدر
(6/345)

مشترك، والعقل يجزم بثبوت الحيز والجهة لكل جسم من غير أن يعلم كل جسم، بل لا يعقل حقيقة الجسم عنده إلا مع كونه متحيزاً ذا جهة، فصار هذا من لوازم القدر المشترك، فلا يجوز أن يضاف إلى المخصصات.
وقوله: (لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفة لصفة أخرى) .
إنما تكون حجة لو قيل: العلة في ثبوت هذه الصفة لصفة أخرى، وليس هذا هو المدعي، بل المدعي أن هذا من لوازم القدر المشترك، سواء قيل: إنه معلول له، أو غير لازم غير معلول له.
وحينئذ فلا يحتاج أن نقول: ثبت لصفة أخرى، بل يمكن أن يكون لازماً لنفس الذات، لكن هو لازم لسائر ما يشابهها في الحيز والجهة، فلم يكن لزومه لها من جهة ما يمتاز به عن غيرها، بل من جهة القدر المشترك بينها وبين غيرها من الأجسام.
فعلم أن اتصاف الجسم بكونه متحيزاً وذا جهة لازم له، لعموم كونه جسماً، لا لخصوص المعينات، بمعنى أن المشترك مستلزم لهذا الحكم.
وإن عنيت بذاته المخصوصة القدر المشترك بين الأجسام، فلفظ (الجسم) مجمل إن عنيت به كل ما يشار إليه، فتسمية مثل هذا جسماً مما ينازعك فيه من ينازعك من أهل الإثبات والكلام في المعاني العقلية، لا في المنازعات العقلية.
وصاحب هذا القول قد يمنع أن كل ما يشار إليه مركب من الجواهر
(6/346)

المفردة، أو من المادة والصورة.
وحينئذ فالناس هنا طوائف: منهم من يقول لك: هو فوق العرش وليس بجسم، ومنهم من يقول لك: هو فوق العالم وهو جسم، بمعنى أنه يشار إليه، لا بمعنى أنه مركب.
ومنهم من يسلم لك أنه يلزم أن يكون مركباً، ومنهم من لا يطلق الألفاظ البدعية في النفي ولا الإثبات، بل يراعي المعاني العقلية والألفاظ الشرعية، فيقولون لك: القدر مشترك بينهما هو القيام بالنفس، فإنها كلها مشتركة في القيام بالنفس وفي التحيز وفي الجهة، فهذه أمور متلازمة.
ويقول لك كثير منهم أو أكثرهم: لا يعقل قائم بنفسه غير متحيز، كما لا يعقل قائم بغيره إلا وهو صفة، سواء سمي عرضاً أو لم يسم، فإثبات المثبت قائماً بنفسه لا يشار إليه أمر لا يعقل عند عامة العقلاء، كإثباته قائماً بغيره ليس صفة له.
يوضح ذلك أن الأجسام مختلفة على أصح قولي الناس، وإنما اشتركت في مسمى القيام بالنفس والمقدار، مع القيام بالنفس، فكما أن التحيز والجهة هما من لوازم المقدار العام، لا من لوازم ما يختص ببعضها، فكذلك هما من لوازم القيام بالنفس العام، لا من لوازم ما يختص ببعضها.
وإن عنيت بلفظ الجسم ما هو مركب من المادة والصورة، أو من الجواهر المفردة، كما هو قول طوائف من أهل الكلام والفلسفة، فهنا المنازعون لك صنفان: منهم من يقول: هو جسم مركب من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة، وهؤلاء - وإن كان قولهم باطلاً - فليس لك حجة تبطل بها قولهم، بل هم على إبطال قولك أقدر منك على إبطال قولهم، فإن كل قول يكون أبعد عن الحق
(6/347)

تكون حجج صاحبه أضعف من حجج من هو أقل خطأ منه.
وقول المعطلة لما كان أبعد عن الحق من قول المجسمة، كانت حجج أهل التعطيل أضعف من حجج أهل التجسيم، ولما كان مرض التعطيل أعظم، كانت عناية الكتب الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم، وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل، مع تنزيهه عن أن يكون له فيها مثيل، بل يثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، ويأتون بإثبات مفصل ونفي مجمل، فيثبتون أن الله حي، عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، ودود، إلى غير ذلك من الصفات، ويثبتون مع ذلك أنه لا ند له، ولا مثل له، ولا كفو له، ولا سمي له.
ويقول تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، ففي قوله: {ليس كمثله شيء} رد على أهل التمثيل، وفي قوله: {وهو السميع البصير} رد على أهل التعطيل.
ولهذا قيل: الممثل يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً.
والمقصود هنا أن هؤلاء النفاة لا يمكنهم إقامة حجة على غلاة المجسمة الذين يصفونه بالنقائص، حتى الذين يقولون ما يحكى عن بعض اليهود أنه بكى على الطوفان حتى رمد، وأنه عض يده حتى جرى منه الدم ندماً، ونحو ذلك من المقالات التي هي من أفسد المقالات وأعظمها كفراً، ليس مع هؤلاء النفاة القائلين بأنه بداخل العالم ولا خارجه حجة عقلية يبطلون بها مثل هؤلاء الأقوال الباطلة، فكيف بما هو دونها من الباطل، فكيف بالأقوال الصحيحة.
(6/348)

وذلك أن عمدتهم على أن هذه الصفات تستلزم التجسيم وهو باطل، وعمدتهم في نفي التجسيم على امتناع اتصافه بالصفات، ويمسونه التركيب، أو على حدوث الجسم الذي مبناه على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وعلى أن ما اختص بشيء فلا بد له من مخصص، من غير فرق بين الواجب بذاته القديم الأزلي وبين غيره، مع العلم بأنه لا بد للموجود الواجب من حقيقة يختص بها يتميز بها عما سواه، وأن ما اختصت به حقيقته يمتنع أن يكون لها مخصص، كما يمتنع أن يكون لوجوده الواجب موجب، أو لعلمه معلم، أو لقدرته مقدور، ونحو ذلك.
وإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لك: الاختصاص بالحيز والجهة إنما كان لكون المختص بها قائما بالنفس، فيكون كل قائم بنفسه مختصاً بالحيز والجهة لذاته المخصوصة، فقد ظهر بطلان ذلك.
وإن قلت: إنما اختص بالجهة المخصوصة والحيز المخصوص لذاته المخصوصة، لم ينازعوك في ذاك، بل يقولون: الاختصاص بجنس الجهة والحيز كان لجنس القيام بالنفس، فجنس الاختصاص لازم لجنس القيام بالنفس، فكل قائم بنفسه مختص بحيز وجهة، فقد تبين أن كونه متحيزاً ذا جهة لازم لعموم كونه جسماً، لا لخصوص جسم معين.
وحينئذ فإن قلت: كما أن الاختصاص بالجهة والحيز من لوازم القيام بالنفس، فهو مستلزم لكونه جسماً.
قالوا لك: ونحن نقول بذلك.
(6/349)

وكذلك إذا قلت لهم: كما لا تعقلون قائماً بنفسه إلا مختصاً بجهة وحيز، فلا تعقلون قائماً بنفسه إلا جسماً.
قالوا لك: ونحن نقوم بذلك.
فإذا شرعت معهم في نفي الجسم، كان لهم طريقان: أحدهما: أن يقولوا: هذا قدح في الضروريات بالنظريات: فلا نقبله، كما تقدم.
والثاني: أن يبينوا بطلان أدلة النافية للتجسيم، وأن تعترف ببطلانها.
فأنت في غير موضع من كتبك، ومن تقدمك، كالغزالي وغيره، تبينون فساد حجج المتكلمين على أن كل جسم محدث، وتقدحون فيها بما لا يمكن إبطاله، كما فعلت في المباحث المشرقية والمطالب العالية، بل كما فعل من بعدك الآمدي والآرموي وغيرهما، وأنتم في مواضع أخر تقدحون في حجج من احتج على أن الجسم مركب، وكل مركب فهو مفتقر بذاته، وتقدحون في أدلة الفلاسفة التي احتجوا بها على إمكان كل مركب، كما فعل ذلك الغزالي في تهافت الفلاسفة وكما فعله الرازي والآمدي وغيرهما.
وهذه الحجة - وهي الاحتجاج بكون الرب قائماً بنفسه على كونه مشاراً إليه، وأنه فوق العالم - لما كانت حجة عقلية لا يمكن مدافعتها، وكانت مما ناظر به الكرامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فر أبو إسحاق وغيره إلى إنكار كون الرب قائماً بنفسه بالمعنى المعقول،
(6/350)

وقال: لا أسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفاً عدمياً لا ثبوتياً، وهذا لازم لسائرهم.
ومعلوم أن كون الشيء قائماً بنفسه أبلغ من كونه قائماً بغيره، فإذا كان العرض القائم بغيره يمتنع أن يكون عدمياً، فقيام الجسم بنفسه أبلغ في الامتناع، وإذا كان المخلوق قائماً بنفسه، فمعلوم أن هذه صفة كمال تميز بها الجسم عن العرض، فخالق الجميع كيف لا يتصف إلا بهذه الصفة الكمالية.
بل لا يكون قائماً بنفسه ولا بغيره إلا بمعنى عدمي، فيكون المخلوق مختصاً بصفة موجودة كمالية، والخالق لا يتصف إلا بالأمر العدمي، فيكون المخلوق متصفاً بصفة كمال وجودية، والخالق مختصاً بالأمر العدمي، والعدم لا يكون قط صفة كمال إلا إذا تضمن أمراً وجودياً، فما ليس بوجود ولا كمال في الوجود فليس بكمال، فإن لم يكن القيام بالنفس متضمناً لأمر وجودي، بل لا معنى له إلا العدم المحض، لم يكن صفة كمال، وعدم افتقاره إلى الغير أمر عدمي، والعدمي إن لم يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال، والعدم المحض لا يفتقر إلى محل، وكل صفة لا يشاركه فيها المعدوم لم تكن صفة كمال.
وأما الصنف الثاني فهم يوافقونك على أن صانع العالم ليس بمركب من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، فليس هو بجسم.
وحينئذ فقولك: إن اختصاص الجسم بالحيز والجهة، قد يكون
(6/351)

لذاته المخصوصة، إن عنيت بذاته المخصوصة هذا التركيب، فهذا المعنى ممنوع عنده، فضلاً عن أن يكون علة لهذا الحكم.
وإن عنيت بذاته المخصوصة ما هو مشترك بين الأجسام من كونهاً مشاراً إليها، فلا يسلم لك أن في الوجود قائماً بنفسه غير مشار إليه.

بقية كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة
قال الرازي: في حجة خصمه: (وإذا كان في جهة كان في جهة فوق لأن اختصاص الأشرف بالأشرف هو المناسب) .
قال: (والجواب: قوله: جهة فوق أشرف الجهات، خطابي لا يثبت به العقليات) .
قال: (ولأن العالم كرة، فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة، ولأنه إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية، فكل نقطة فوقها نقطة أخرى، فلا شيء يفرض فيه إلا وهو سفل، وإن كان له نهاية كان فوق طرفه الأعلى خلاء أعلى منه، فلم يكن علواً مطلقاً، ولأن الشرف الحاصل بسبب الجهة للجهة بالذات، وللحاصل فيها بالعرض، فكان المكان في هذا الباب أشف منه، تعالى الله عن ذلك) .
(6/352)