Advertisement

درء تعارض العقل والنقل 007

الرد على الرازي وبيان تقرير العلو بالأدلة العقلية من طرق
قلت: ولقائل أن يقول: تقرير العلو بالأدلة العقلية ثبت من طرق:
الطريق الأول: أن يقال: إذا ثبت بالعقل أنه مباين للمخلوقات، وثبت أن العالم كري، وإن العلو المطلق فوق الكرة، لزم أن يكون في العلو بالضرورة.
وهذه المقدمات عقلية ليس فيها خطابي، وذلك لأن العالم إذا كان مستديراً فله جهتان حقيقيتان: العلو والسفل فقط، وإذا كان مبايناً للعالم، امتنع أن يكون في السفل داخلاً فيه، فوجب أن يكون في العلو مبايناً له.
وقد تقدم أن النافي قال: (إن العالم كرة) واستدل على ذلك بالكسوف القمري إذا كان يتقدم في الناحية الشرقية على الغربية.
والقول بأن الفلك مستدير هو قول جماهير علماء المسلمين، والنقل بذلك ثابت عن الصحابة والتابعين، بل قد ذكر أبو الحسين بن المنادي، وأبو محمد بن حزم، وابن الجوزي، وغيرهم: أنه ليس في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وقد نازع في ذلك طوائف من أهل الكلام والرأي، من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
وقال الله تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} [الأنبياء: 33] ، وقال: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] .
(7/3)

قال ابن عباس وغيره: في فلكة، مثل فلكة المغزل.
وفي حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، «أن أعرابيا قال: يا رسول الله، جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه الصحابة، ثم قال: (ويحك أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك.
إن الله لا يستشفع به أحد من خلقه، إن عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة، وأنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه» .
وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
وإذا كان الخصم قد استدل بذلك، كان ذلك حجة عليه، فإذا كان العالم كرياً - وقد ثبت بالضرورة أنه: إما مداخل له، وإما مباين له وليس بمداخل له وجب أن يكون مبايناً له، وإذا كان مبايناً له، وجب أن يكون فوقه، إذ لا فوق غلا المحيط وما كان وراءه.
(7/4)

الطريق الثاني: أن يقال: علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقراراً بذلك وتصديقاً، من غير أن يتواطأوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.
الطريق الثالث: أن يقال: هم عندنا يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى دعائه وسؤاله، وهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلوم إليه لا يجدون في قلوبهم توجهاً إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلوب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.
وهذا الوجه يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعاءه إلى العلو، والأول يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك، فهذا فطرة واضطرار إلى العلم والتصديق والإقرار، وذلك اضطرار إلى القصد والإرادة والعمل متضمن للعلم والتصديق والإقرار.
الطريق الرابع: أن يقال: قوله (جهة فوق أشرف الجهات، خطابي) ليس كذلك، وذلك لأنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة وصف
(7/5)

بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل الكلام والبكم وصف بالكلام دون البكم، ولما تقابل السمع والبصر والصمم والعمى، وصف بالسمع والبصر دون الصمم والعمى، ولما تقابل الغنى والفقر وصف بالغنى دون الفقر، ولما تقابل الوجود والعدم وصف بالوجود دون العدم، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عالياً على العالم أو مسامتاً له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلاً عن السفول.
والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلوه القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مبايناً للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذياً له، ولا سافلاً عنه، ولما كان العلو صفة كمال، كان ذلك كم لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عالياً عليه، لا يكون قط غير عال عليه.
كما ثبت في الصحيح الذي في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر
(7/6)

فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» .
ولهذا كان مذهب السلف والأئمة أنه مع نزوله إلى سماء الدنيا لا يزال فوق العرش.
لا يكون تحت المخلوقات، ولا تكون المخلوقات محيطة به قط، بل هو العلي الأعلى: العلي في دنوه، القريب في علوه.
ولهذا ذكر غير واحد إجماع السلف على أن الله ليس في جوف السماوات.
ولكن طائفة من الناس قد يقولون: إنه ينزل ويكون العرش فوقه، ويقولون: إنه في جوف السماء، وإنه قد تحيط به المخلوقات وتكون أكبر منه.
وهؤلاء ضلال جهال، مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول، كما أن النفاة الذين يقولون: ليس داخل العالم ولا خارجه جهال ضلال، مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول.
فالحلولية والمعطلة متقابلان.
(7/7)

الطريق الخامس: أن يقال: إذا كان مبايناً للعالم: فإما أن يقدر محيطاً به، أو لا يقدر محيطاً به، سواء قدر أنه محيط به دائماً، أو محيط به في بعض الأوقات، كما يقبض يوم القيامة ويطوي السماوات، فإن قدر محيط به كان عالياً علو المحيط على المحاط به.
وقد تقدم قولهم: (إن الفلك كري) فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض، فهي فوقها باتفاق العلماء، فما كان محيطاً بالجميع أولى بالعلو والارتفاع، سبحانه وتعالى وإن لم يكن مماثلاً لشيء من المخلوقات ولا مجانساً لأفلاك ولا غيرها.
وإن لم يقدر محيطاً به، فإن كان العالم كرياً، وليس لبعض جهاته اختصاص بالعلو، فإذا كان مبايناً له لزم أن يكون عالياً، كيفما كان الأمر.
وإن قدر أن العالم ليس بكري، أو هو كري ولكن بعض جهاته لها اختصاص بالعلو، مثل أن تقول: إن الله وضع الأرض وبسطها للأنام، فالجهة التي تلي رؤوس الناس هي جهة العلو من العالم دون الأخرى.
فحينئذ إذا كان مبايناً، وقدر أنه غير محيط، فلا بد من اختصاصه بجهة العلو أو غيرها.
ومن المعلوم أن جهة العلو أحق بالاختصاص، لأن الجهة العالية أشرف بالذات من السافلة، ولهذا اتفق العلماء على أن جهة السماوات أشرف من جهة الأرض، وجهة الرأس أشرف من جهة الرجل، فوجب اختصاصه بخير النوعين وأفضلهما، إذ اختصاصه بالناقص المرجوح ممتنع.
(7/8)

وأما قول النافي: (ولأن العالم كرة، فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة) .
فيقال له: هذا خطأ، لما تقدم من أن المحيط باتفاق العقلاء عال على المركز، وأن العقلاء متفقون على أن الشمس والقمر والكواكب، إذا كانت في السماء، فلا تكون إلا فوق الأرض، وكذلك السحاب والطير في الهواء.
وأيضاً فإن هذا التحت أمر خيالي وهمي لا حقيقة له، وليس فيه نقص، كالمعلق برجليه لا تكون السماء تحته إلا في الوهم الفاسد، والخيال الباطل، وكذلك النملة الماشية تحت السقف.
فالشمس والقمر والنجوم السابحة في أفلاكها، لا تكون بالليل تحتنا إلا في الوهم والخيال الفاسد.
وأيضاً فإنه مع كونه كرياً لا يمتنع أن نختص إحدى جهتيه بوصف اختصاص، ألا ترى أن الأرض مع قولهم، إنها كرية، فإن هذه الجهة التي عليها الحيوان والنبات والمعدن، أشرف من الجهة التي غمرها الماء؟ وإذا كانت هذه الجهة أشرف جهتي الأرض، لم يمتنع أن يكون ما يحاذيها أشرف مما يحاذي الجهة الأخرى، فما كان فوق الأفلاك من هذه الجهة أشرف مما يكون من تلك الجهة الأخرى.
ومما يوضح ذلك أن مقتضى طبيعة الماء والتراب عند من يعتبر ذلك، أن يكون الماء قد غمر الأرض كلها من هذه الناحية، كما غمرها
(7/9)

من تلك الناحية، لأن الماء بالطبع يعلو على التراب، ومع هذا اختص هذا الوجه بأن الماء ممنوع عنه.
وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من ليلة إلا والبحر يستأذن ربه في أن يغرق بني آدم فيمنعه ربه» .
وأهل الطبع والحساب قد حاروا في سبب جفاف هذا الوجه، حتى قالوا: هذا سببه عناية الرب، مع أن هذا عندهم إذا قالوه ينقص مذاهبهم.
وإذا كان هذا فيما شوهد، فما المانع أن يكون فوق الأفلاك من هذا الجانب ما هو مختص بأمر يقتضي اختصاص الرب بالعلو عليه من هذا الوجه؟ .

تابع لكلام الرازي في لباب الأربعين
وأما قوله: (إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية، فكل نقطة فوقها أخرى، فلا شيء يفرض فيه إلا وهو سافل، وإن كان له نهاية كان فوق طرف العلو خلاء أعلى منه، فلم يكن علواً مطلقاً) .

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: العلي الأعلى هو الذي ليس فوقه شيء أصلاً.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح: «أنت
(7/10)

الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» .
وحينئذ فهذا الخلق المذكور: إما أن يكون شيئاً موجوداً، وإما أن يكون شيئاً موجوداً، فإن كان الأول فهو من العالم والله فوقه إذ هو العلي الأعلى، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وإن لم يكن شيئاً موجوداً، فهذا لا يوصف بأنه فوق غيره ولا تحته، ولا يقال: إن تحته شيء ولا فوقه شيء، إذ هو عدم محض، ونفي صرف، فلا يجوز أن يقال: إن فوق الله شيء، والعدم ليس بشيء، لا سيما العدم الممتنع، فإنه ليس بشيء باتفاق العقلاء، ويمتنع أن يكون فوق الله شيء، فهو عدم ممتنع.

الوجه الثاني
أن يقال غاية الكمال في العلو أن لا يكون فوق العالي شيء موجود، والله موصوف.
وما ذكرته من الخلاء إذا قدر أنه لا بد منه، لم يقدح ذلك في علوه الذي يستحقه، كما أنه سبحانه موصوف على كل شيء قدير، والممتنع بنفسه الذي ليس بشيء ولا يدخل في العموم لا يكون عدم دخوله نقص في قدرته الشاملة.
وكذلك هو سبحانه بكل شيء عليم، فيعلم الأشياء على ما هي عليه، فما لم يكن موجوداً لا يعلمه موجوداً، كما قال تعالى {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض} [يونس: 18] ،
(7/11)

ولا يكون نفي هذا العلم نقصاً، بل هو من تمام كماله، لأنه يقتضي أن يعلم الأشياء على ما هو عليه، ونظائر هذا كثيرة.

الوجه الثالث
أن يقول له إخوانه الذين يقولون: أنه لا نهاية له في ذاته: قوله: (إن ما لا يتناهى فكل نقطة منها فوقها نقطة، فكل شيء، منه سفل) - لا يقدح في مطلوبنا، فإن مقصودنا أن لا يكون غيره أعلى منه، بل هو عال على كل موجود، ثم بعد ذلك إذا قدرت أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه، لم يقدح هذا في مقصوده ولا في كماله، فإنه لم يعل على شيء منه إلا ما هو لا من غيره.
وأيضاً فإن مثل هذا لا بد منه، والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان.
وأيضاً فإن مثل هذا كمال في العلو، ولا يقدح في العالي، أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن بعضه عالياً عليه.
وأيضاً فإن الناس متنازعون في صفاته: هل بعضها أفضل من بعض، مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع؟
والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض، وبعض صفاته أفضل من بعض، مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها، كما دلت
(7/12)

على ذلك نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] .
«وكقوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه: إن رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ: «سبقت غضبي» .
وقوله: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] .
تعدل ثلث القرآن.
وقوله في فاتحة الكتاب: لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها.
فنفى أن يكون لها مثل.
وقوله عن آية الكرسي أنها أعظم آية في القرآن.
(7/13)

وقوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
وقوله: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع» ، فأخبر أن الفضل بيده اليمنى، والقسط بيده الأخرى، مع أن كلا يديه يمين.
كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» .
فإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها، وبعضها أفضل من بعض، لم يمتنع أن هو العالي علواً مطلقاً، وإن كان منه ما هو أعلى من غيره.
(7/14)

كلام آخر للرازي في لباب الأربعين
وأما قوله: (إن الشرف الحاصل بسبب الجهة لها بالذات، وللحاصل فيها بالعرض) .

الرد عليه من وجوه
فجوابه من وجوه:
إن هذا إنما يمكن أن يقال إذا كانت الجهة أمراً وجودياً، فأما إذا كانت أمراً عدمياً - والمراد بذلك أنه فوق العالم مباين له ليس معه هناك موجود غيره - لم يكن هناك شيء موجود غيره يستحق العلو، لا جهة ولا غيرها، فضلاً عن أن يستحق غيره العلو والشرف والذات.
وهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان، ويعنون بها تارة أمراً معدوماً، وتارة أمراً موجوداً، ولهذا كان أهل الإثبات، من أهل الحديث والسلفية من جميع الطوائف، فمنهم من يطلق لفظ (الجهة) ومنهم من لا يطلقه، وهما قولان لأصحاب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والرأي.
وكذلك لفظ (المكان) منهم من يطلقه ومنهم من يمنع منه.
وأما لفظ (المتحيز) فمنهم من ينفيه، وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه، لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقاً وباطلاً.
وإذا كان كذلك فيقال: قول القائل (إن الله في جهة أو حيز أو مكان) إن أراد به شيئاً موجوداً غير الله، فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته، فإذا قالوا: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، امتنع أن يكون محصوراً أو محاطاً بشيء موجود غيره، سواء سمى مكاناً أو جهة أو حيزاً أو غير ذلك، ويمتنع أيضاً أن يكون محتاجاً إلى
(7/15)

شيء من مخلوقاته: لا عرش ولا غيره، بل هو بقدرته الحامل للعرش ولحملته، فإن البائن عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون في جوف شيء منها.
إذا قيل: إنه في السماء، كان المعنى إنه في العلو، وهو مع ذلك فوق كل شيء، ليس في جوف السماوات، فإن السماء هو العلو، وكل ما علا فهو سماء.
يقال: سما، يسمو، سمواً، أي علا، يعلو، علواً.
وهذا اللفظ يعم كل ما يعلو، لم يخص بعض أنواعه بسبب القرينة.
فإذا قيل: فليمدد بسبب إلى السماء، فقد يراد به السقف، وإذا قيل: نزل المطر من السماء، كان نزوله من السحاب، وإذا قيل: العرش في السماء فالمراد به ما فوق الأفلاك.
وإذا قيل: الله في السماء، فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها، أو يراد: أنه فوق السماء وعليها، فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل الإثبات، أهل العلم والسنة، ومن قال بذلك فهو جاهل، كمن يقول: إن الله ينزل ويبقى العرش فوقه، أو يقول: إنه يحصره شيء من مخلوقاته، فهؤلاء ضلال، كما أن أهل النفي ضلال.
وإن أراد بمسمي الجهة والحيز والمكان أمراً معدوماً، فالمعدوم ليس شيئاً، فإذا سمى المسمى ما فوق المخلوقات كلها حيزاً وجهة ومكاناً، كان المعنى: أن الله وحده هناك، ليس هناك غيره من الموجودات: لا
(7/16)

جهة ولا حيز ولا مكان، بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة وغيرها، سبحانه وتعالى.

الوجه الثاني
إن يقال: لو عارضكم معارض، وقال: الجهة وإن كانت موجودة فهي مخلوقة له مصنوعة، وهي مفتقرة إليه، وهو مستغن عنها، فإن العرش مثلاً إذا سمي جهة ومكاناً وحيزاً، فالله تعالى هو ربه وخالقه، والعرش مفتقر إلى الله افتقار المخلوق إلى خالقه، والله غني عنه من كل وجه، فليس في كونه فوق العرش، وفوق ما يقال له جهة ومكان وحيز - وإن كان موجوداً - إثبات شرف لذلك المخلوق أعظم من شرف الله تعالى.
وهذا قد يجيب به من يثبت الخلاء ويجعله مبدعاً لله تعالى.

الوجه الثالث
إنه إذ كان عالياً على ما يسمى جهة ومكاناً، كان هو أعلى منه، فأي شرف وعلو كان لذلك الموجود بالذات أو بالعرض، فعلو، فعلو الله أكمل منه.

الوجه الرابع
أن يقال: لا نسلم أن العلو الحاصل بسبب الجهة هو لها بالذات ولغيرها بالعرض، إذ الجهة تابعة لغيرها، سواء كانت موجودة أو معدومة، وعلوها تبع لعلو العالي بها، فكيف يكون العلو للتابع بالذات وللمتبوع بالعرض؟ ‍‍!
وقولنا: (عال بالجهة) مثل قولنا: عال بالعلو، وعالم بالعلم، وقادر بالقدرة، أو عال علو المكانة، أو عال القهر، فليس في ذلك ما
(7/17)

يوجب أن تكون المكانة والقهر والعلو والعلم أكمل من القاهر العالم العالي ذي المكانة العالية، ومهما قدر أنه يسمى جهة فإما أن يكون عدماً فلا شرف له أصلاً، وإما أن يقدر موجوداً: إما صفة لله، وإما مخلوقاً لله، وعلى التقديرين فالموصوف أكمل من الصفة، والخالق أكمل من المخلوق، فكيف تكون الصفات والمخلوقات أكمل من الموصوف الخالق سبحانه وتعالى؟ ! .

الوجه الخامس
أن الجهة قد نعني بها نسبة وإضافة، كاليمين واليسار، والأمام والوراء فالعلو إذا سمي جهة بهذا الاعتبار، كان العالي بالجهة معناه: أن بينه وبين ما هو عال عليه نسبة وإضافة أوجبت أن يكون هذا فوق هذا، فهل يقال: إن هذه النسبة والإضافة التي بها وصف العالي بأنه عال أكمل من ذاته العالية الموصوفة بهذا العلو والنسبة.

الوجه السادس
أن يقال: هذا الذي قاله إنما يتوجه في المخلوق إذا علا على سقف أو منبر أو عرش أو كرسي أو نحو ذلك، فإن ذلك المكان كان عالياً بنفسه، وهذا صار عالياً لما صار فوقه بسبب علو ذلك.
فالعلو لذلك السقف والسرير والمنبر بالذات، ولهذا الذي صعد عليه بالعرض.
فكلامهم يتوجه في مثل هذا، وهذا في حق الله وهم وخيال فاسد، وتمثيل لله بخلقه، وتشبيه له بهم من صفات النقص التي يتعالى عنها.
(7/18)

وهؤلاء النفاة كثيراً ما يتكلمون بالأوهام والخيالات الفاسدة، ويصفون الله بالنقائص والآفات، ويمثلونه بالمخلوقات، بل بالناقصات، بل بالمعدومات، بل بالممتنعات، فكل ما يضيفونه إلى أهل الإثبات الذين يصفونه بصفات الكمال وينزهونه عن النقائص والعيوب، وأن يكون له في شيء من صفاته كفوا أو سمي، فما يضيفونه إلى هؤلاء من زعمهم أنهم يحكمون بموجب الوهم والخيال الفاسد، أو أنهم يصفون الله بالنقائص والعيوب، أو أنهم يشبهونه بالمخلوقات، هو بهم أخلق، وهو بهم أعلق، وهم به أحق، فإنك لا تجد أحداً سلب الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال، إلا وقواه يتضمن لوصفه بما يستلزم ذلك من النقائص والعيوب ولمثيله بالمخلوقات، وتجده قد توهم وتخيل أوهاماً وخيالات فاسدة غير مطابقة بنى عليها قوله من جنس هذا الوهم والخيال، وأنهم يتوهمون ويتخيلون أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجاً إلى العرش، كما أن الملك إذا كان فوق كرسيه كان محتاجاً إلى كرسيه.
وهذا عين التشبيه الباطل، والقياس الفاسد، ووصف الله بالعجز والفقر إلى الخلق، وتوهم أن استواءه مثل استواء المخلوق، أو لا يعلمون أن الله يجب أن نثبت له صفات الكمال وننفي عنه مماثلة المخلوقات؟ وأنه: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله؟ فلا بد من تنزيهه عن النقائص والآفات ومماثلة شيء من المخلوقات، وذلك يستلزم إثبات صفات الكمال والتمام، التي ليس فيها كفو لذي الجلال والإكرام.
وبيان ذلك هنا أن الله مستغن عن كل ما سواه، وهو خالق كل
(7/19)

مخلوق، ولم يصر عالياً على الخلق بشيء من المخلوقات، بل هو سبحانه خلق المخلوقات، وهو بنفسه عال عليها، لا يفتقر إلى علوه عليها إلى شيء منها، كما يفتقر المخلوق إلى ما يعلو عليه من المخلوقات، وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش ولحملة العرش.
وفي الأثر: أن الله لما خلق العرش أمر الملائكة بحمله، قالوا: ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فإنما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى، والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق المخلوق حمل ما شاء أن يحمله من عظمته وغيرها، فهو بقوته وقدرته الحامل للحامل والمحمول، فكيف يكون مفتقراً إلى شيء؟ وأيضاً فالمحمول من العباد بشيء عال، لو سقط ذلك العالي سقط هو، والله أغنى وأجل وأعظم من أن يوصف بشيء من ذلك.
وأيضاً فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي والجهة العالية والحيز العالي، إذا قدر شيئاً موجوداً، كما لو جعل ذلك اسماً للعرش، وجعل العرش هو المكان العالي، كما في شعر حسان:
تعالى علواً فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما
(7/20)

فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه، وبقوته صار عالياً، والشرف الذي حصل لذلك المكان العالي منه، ومن فعله وقدرته ومشيئته، فإذا كان هو عالياً على ذلك وهو الخالق له، وذلك مفتقر إليه من كل وجه، وهو مستغن عنه من كل وجه، فكيف يكون قد استفاد العلو منه، ويكون ذلك المكان أشرف منه.
وإنما صار له الشرف به، والله مستحق للعلو والشرف بنفسه، لا بسبب سواه، فهل هذا وأمثاله إلا من الخيالات والأوهام الباطلة، التي تعارض بها فطرة الله التي فطر الناس عليها، والعلوم الضرورية، والقصود الضرورية، والعلوم البرهانية القياسية، والكتب الإلهية، والسنن النبوية، وإجماع أهل العلم والإيمان من سائر البرية؟ .

تابع كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة والعلو
قال الرازي في حجة خصمه: (ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم إليها عند التضرع والدعاء) .
وأجاب عن ذلك بأن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض.

الرد عليه من وجوه: الوجه الأول
أن يقال: وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل، بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له، لا طلب وقصد ممن هو في السفل، بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو.
(7/21)

والاستدلال هو بقصدهم القائم بقلوبهم، وما يتبعه من حركات أبدانهم، والداعي يجد من قلبه معنى يطلب العلو، والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل، بل الساجد أيضاً يقصد في دعائه العلو، فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم والقاعد والراكع والساجد.

الوجه الثاني
أن وضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل من تواضعوا له من أهل الأرض والسماء، ولهذا يسجد المشركون للأصنام والشمس والقمر سجود عبادة، وقد سجد ليوسف أبواه وإخوته سجود تحية لا عبادة، لكون ذلك كان جائزاً في شرعهم، وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم، والسجود لا يختص بمن هو في الأرض، بل لا يكاد يفعل لمن هو في بطنها، بل لمن هو على ظهرها عال عليها، وأما توجيه القلوب والأبصار والأيدي عند الدعاء إلى السماء فيفعلونه إذا كان المدعو في العلو، فإذا دعوا الله فعلوا ذلك، وإن قدر منهم من يدعوا الكواكب ويسألها، أو يدعوا الملائكة، فإنه يفعل ذلك.
فعلم أن قصدهم بذلك التوجه إلى جهة المدعو المسؤول، الذي يسألونه ويدعونه، حتى لو قدر أن أحدهم يدعو صنماً أو غيره مما يكون على الأرض لكان توجه قلبه ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه، كما يفعل النصارى في كنائسهم، فإنهم يوجهون قلوبهم وأبصارهم وأيديهم إلى الصور المصورة في الحيطان، وإن كان قصدهم صاحب الصورة، وكذلك من قصد الموتى في قبورهم، فإنه يوجه
(7/22)

قصده وعينه إلى من في القبر، فإذا قدر أن القبر أسفل منه توجه إلى أسفل، وكذلك عابد الصنم إذا كان فوق المكان الذي فيه الصنم، فإنه يوجه قلبه وطرفه إلى أسفل، لكون معبوده هناك.
فعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء إلى جهة المدعو، فلما كانوا يوجهون ذلك إلى جهة السماء عند الله، علم إطباقهم على أن الله في جهة السماء.

الوجه الثالث
أن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه بقصد العلو، مع أن وجهه يلي الأرض، بل كلما ازداد وجهه ذلاً وتواضعاً، ازداد قلبه قصداً للعلو، كما قال تعالى: {واسجد واقترب} [العلق: 19] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
فعلم أنهم يفرقون بين توجه وجوههم في حال السجود إلى الأرض.
وتوجيه القلوب في حال الدعاء إلى من في السماء.
والقلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو، وأما الوجوه والأيدي فيتنوع حالها، تارة تكون في حال السجود إلى جهة الأرض، لكون ذلك غاية الخضوع، وتارة تكون حال القيام مطرقة، لكون ذلك أقرب إلى الخشوع، وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب.
(7/23)

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى السماء، وقال لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم» .
وأما رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة، ففيه نزاع بين العلماء، وإنما نهي عن رفع البصر في الصلاة لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة.
قال تعالى: {فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم} [القمر: 6-7] .
وقال: {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم} [المعارج: 43-44] .
وقال: {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} [الشورى: 45] .
ورأى عمر رضي الله عنه رجلاً يصلي وهو يلتفت، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
فخشوع القلب يستلزم خشوع البصر وذله، وذلك ينافي رفعه وفي اعتبار هذا في الدعاء نزاع.
ولهذا يوجد من يخاطب المعظم عنده لا يرفع
(7/24)

بصره إليه.
ومعلوم أنه كانت الجهات بالنسبة إلى الله سواء لم نؤمر بهذا.

الوجه الرابع
أن السجود من باب العبادة والخضوع للمسجود له، كالركوع والطواف بالبيت.
وأما السؤل والدعاء ففيه قصد المسؤول المدعو، وتوجيه القلب نحوه، لا سيما عند الضرورة، فإن السائل الداعي يقصد بقلبه جهة المدعو المسؤول بحسب ضرورته واحتياجه إليه.
وإذا كان كذلك، كان رفع رأسه وطرفه ويديه إلى جهة، متضمن لقصده إياه في تلك الجهة، بخلاف الساجد فإنه عابد ذليل خاشع، وذلك يقتضي الذل والخضوع، ليس فيه ما يقتضي توجيه الوجه واليد ونحوه، لكن إن كان داعياً وجه قلبه إليه، وهذا حجة من فرق بين رفع البصر في حال الصلاة وحال الدعاء.

الوجه الخامس
أن يقال: قصد القلوب للمدعو في العلو أمر فطري عقلي اتفقت عليه الأمم من غير مواطأة، وأما السجود فأمر شرعي يفعل طاعة للآمر، كما تستقبل الكعبة حال العبادة طاعة للآمر.
وحينئذ فالاحتجاج بما في فطر العباد من قصد من في العلو، وهذا لا معارض له.

تابع كلام الرازي في لباب الأربعين عن الجهة والعلو
قال (واحتج الخصم أيضاً بالآيات الواردة الموهمة للجهة، كقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، وقوله: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] ، وقوله: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 61] .
(7/25)

قال: (والجواب أن الظواهر النقلية إذا عارضت الدلائل العقلية لم يمكن تصديقهما ولا تكذيبهما، لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ولا تصديق النقل وتكذيب العقل، لأن العقل أصل النقل، فتكذيبه لتصديقه يوجب تكذيبهما، فتعين تصديق العقل، وتفويض علم النقل إلى الله، أو الاشتغال بتأويل الظاهر) .

الرد عليه
وجواب هذا أن يقال: القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والعلم بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما، بل نصوص العلو قد قيل إنها تبلغ مئين من المواضع.
والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك، فلم يكن بنا حاجة إلى نفي ذلك من لفظ معين، قد يقال إنه يحتمل التأويل، ولهذا لم يكن بين الصحابة والتابعين نزاع في ذلك، كما تنطق بذلك كتب الآثار المستفيضة المتواترة في ذلك، وهذا يعلمه من له عناية بهذا الشأن، أعظم مما يعلمون أحاديث الرجم والشفاعة
(7/26)

والحوض والميزان، وأعظم مما يعلمون النصوص الدالة على خبر الواحد والإجماع والقياس، وأكثر مما يعلمون النصوص الدالة على الشفعة، وسجود السهو، ومنع نكاح المرأة على عمتها وخالتها، ومنع ميراث القاتل، ونحو ذلك مما يتلقاه عامة الأمة بالقبول.
ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين، والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس: إما لإعراضه عن سماع ما في ذلك من المنقول، فيكون حين انصرافه عن الاستماع والتدبر غير محصل لشرط العلم، بل يكون ذلك الامتناع مانعاً له من حصول العلم بذلك، كما يعرض عن رؤية الهلال فلا يراه، مع أن رؤيته ممكنة لكل من نظر إليه، وكما يحصل لمن لا يصغي إلى استماع كلام غيره وتدبره، لا سيما إذا قام عنده اعتقاد إن الرسول لا يقول مثل ذلك، فيبقى قلبه غير متدبر ولا متأمل لما به يحصل له هذا العلم الضروري.
ولهذا كان كثير من علماء اليهود والنصارى يؤمنون بأن محمداً رسول الله، وأنه صادق، ويقولون: إنه لم يرسل إليهم، بل إلى الأميين، لأنهم أعرضوا عن سماع الأخبار المتواترة والنصوص المتواترة، التي تبين أنه كان يقول: إن الله أرسله إلى أهل الكتاب، بل أكثرهم لا يقرون بأن الخليل بنى الكعبة هو وإسماعيل، ولا أن إبراهيم ذهب إلى تلك الناحية، مع أن هذا من أعظم الأمور تواتراً لإعراضهم.
وكثير من الرافضة تنكر أن يكون أبو بكر وعمر مدفونين عند النبي
(7/27)

صلى الله عليه وسلم، وفي الغالية من يقول: إن الحسن والحسين لم يكونا ولدين لعلي، وإنما ولدهما سلمان الفارسي، وكثير من الرافضة لا تعلم أن علياً زوج بنته لعمر، ولا أنه كان له ابن كان يسمى عمر.
وأما دعوى التقية والإكراه فهذا شعار المذهب عندهم.
وبعض المعتزلة أنكر وقعة الجمل وصفين، وكثير من الناس لا يعلمون وقعة الحرة، ولا فتنة ابن الأشعث وفتنة يزيد بن المهلب، ونحوها من الوقائع المتواترة المشهورة.
بل كثير من الناس، بل من المنسوبين إلى العلم، لا يعلمون مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم المواترة المشهورة وترتيبها، وما كان فيه قتال أو لم يكن، فلا يعلمون أيما قبل: بدر أو أحد؟ وأيما قبل: الخندق أو خيبر؟ وأيما قبل: فتح مكة أو حصار الطائف؟ ولا يعلمون هل كان في تبوك قتال أو لم يكن؟ ولا يعلمون عدد أولاد النبي صلى الله عليه وسلم: الذكور والإناث، ولا يعلمون كم صام رمضان، وكم حج واعتمر، ولا كم صلى إلى بيت المقدس بعد هجرته؟ ولا أي سنة فرض رمضان؟ ولا يعلمون هل أمر بصوم يوم عاشوراء في عام واحد أو أكثر؟ ولا يعلمون هل كان يداوم على قصر الصلاة في السفر أم لا؟ ولا يعلمون هل كان يجمع بين الصلاتين، وهل كان يفعل ذلك كثيراً أم قليلاً؟ .
إلى أمثال هذه الأمور التي كلها معلومة بالتواتر عند أهل العلم
(7/28)

بأحواله، وغيرهم، ليس عنده فيها ظن فضلاً عن علم، بل ربما أنكر ما تواتر عنه؟ .
ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم، من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعاً، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعاً، وليس بإجماع، وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات، لا سيما مثل الرازي وأمثاله، الذين يمنعون أن يستدل في هذه المسائل بالكتاب والسنة.
واعتبر ذلك بما تجده في كتب أئمة النفاة، مثل أبي الحسين البصيري وأمثاله، ومثل أبي حامد، والرازي، وأمثالهما.
فأبو الحسين البصيري، وأمثاله من المعتزلة، يعتمدون في أصول دينهم على أحاديث قد يجمعها عبد الوهاب بن أبي حية البغدادي، فيها الكذب والضعف، وأضعافها من الأخبار المتواترة لا يعرفونها البتة، حتى يعتقدون أنه ليس في الرؤية إلا حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع
(7/29)

الشمس وقبل غروبها فافعلوا» .
ويقولون: هذا لم يروه إلا قيس بن أبي حازم، وكان يبغض علياً، فيظنون أنه ليس في الرؤية إلا هذا الحديث.
وأهل العلم بالحديث يعلمون أحاديث الرؤية متواترة، أعظم من تواتر كثير مما يظنونه متواتراً، وقد احتج أصحاب الصحيح منها أكثر مما خرجوه في الشفعة، والطلاق، والفرائض، وسجود السهو، ومناقب عثمان وعلي، وتحريم المرأة على عمتها وخالتها، والمسح على الخفين، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس، وغير ذلك من الأبواب الذين يقولون إن أحاديثها متواترة.
فأحاديث الرؤية أعظم من حديث كل نوع من هذه الأنواع، وفي الصحاح منها أكثر مما فيها من هذه الأنواع.
مثل حديث أبي هريرة الطويل في تجليه يوم القيامة، ومرورهم على الصراط، وهو في الصحيح أيضاً، من حديث أبي سعيد، ومن حديث جابر.
(7/30)

وفي الصحيحين حديث أبي موسى في رؤيته في الجنة.
وفي الصحيحين في حديث الشفاعة رؤيته لربه.
وفي الصحيح حديث صهيب في رؤية أهل الجنة.
وأما أحاديث العلو وما يتضمن هذا المعنى، فأضعاف أضعاف أحاديث الرؤية.
فأبو الحسين وأمثاله من المعتزلة، وكذلك الغزالي والرازي وأمثالهما من فروع الجهمية، هم من أقل الناس علماً بالأحاديث النبوية وأقوال السلف في أصول الدين، وفي معاني القرآن، وفيما بلغوه من الحديث، حتى أن كثيراً منهم لا يظن أن السلف تكلموا في هذه الأبواب.
(7/31)

ومن كان له علم بهذا الباب، علم أن كلام السلف في هذه المسائل الأصولية، كمسائل العلو وإثبات الصفات الخبرية وغير ذلك.
أضعاف أضعاف كلامهم في مسائل الجد، والإخوة، والطلاق، والظهار، والإيلاء، وتيمم الجنب، ومس المحدث للمصحف، وسجود السهو، ومسائل الإيمان، والنذور والفرائض، وغير ذلك مما تواتر به النقل عنهم.
وهذا الأصل قد بسطناه في مواضع، مثل كلامنا في تواتر معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، مما يحتاج إلى معرفة هذا الأصل، وأنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما لا يتواتر عند غيرهم.
وأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول.
ومعرفة أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإليهم المرجع في هذا الباب، لا إلى من هو أجنبي عن معرفته، ليس له معرفة بذلك، ولولا أنه قلد في الفقه لبعض الأئمة، لكان في الشرع مثل آحاد الجهال من العامة.
فإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول، ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال السلف أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث
(7/32)

وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقاً لهم، وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البستي، وأبي سعد السمان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي، وأمثالهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا
(7/33)

يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم.
ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
ونوع ثالث سمعوا الأحاديث، والآثار، وعظموا مذهب السلف.
وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها.
وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
(7/34)

ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.
وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهباً مركباً من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.
(7/35)

وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأمثالهما.
ولهذا تجد أفضل هؤلاء، كالأشعري، يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازماً، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها، عالم بتفصيلها.
وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم.
وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة، وإلا فمن كان عالماً بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعاً، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك وعبد العزيز الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن
(7/36)

سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري والدارميين: أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل.
فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك.

الوجه الثاني
أن يقال نصوص ذلك صريحة لا تحتمل التأول، بالتأويلات المذكورة في ذلك من جنس تأويلات القرامطة الباطنية، وهي باطلة كما قد بين في موضعه، بل معلومة الفساد بالضرورة، كما بين بطلان تأويل كل من تأول (استوى) على غير ما يتضمن علوه على العرش، مثل تأويله بالقدرة والمكانة أو غير ذلك.

الوجه الثالث
أن يقال: لا نسلم أنه عارض ذلك دليل عقلي أصلاً.
بل العقليات التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية، التي هي أوهام وخيالات غير مطابقة، وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلداً لغيره، أو ظاناً في نفسه، وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها، لم يجد فيما يعارض السمعيات برهاناً مؤلفاً من مقدمات يقينية تأليفاً صحيحاً، وجمهور من تجده
(7/37)

يعارض بها أو يعتمد عليها، إذا بينت له فسادها، وما فيه من الاشتباه والالتباس، قال: هذه قالها فلان وفلان، وكانوا فضلاء، فكيف خفي عليهم مثل هذا؟ فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وإجماع سلف الذين لا يجتمعون على ضلالة.
ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها، إلى تقليد رجال يقولون: إن هذه القضايا عقلية برهانية، وقد خالفهم في ذلك رجال آخرون من جنسهم، مثلهم وأكثر منهم، وعامة من تجده من طلبة العلم، المنتسبين إلى فلسفة أو كلام أو تصوف أو فقه أو غير ذلك، إذا عارض نصوص الكتاب والسنة بما يزعم أنه برهان قطعي، ودليل عقلي، وقياس مستقيم، وذوق صحيح، ونحو ذلك إذا حاققته وجدته ينتهي إلى تقليد لمن عظمه إذا كان من الأتباع، أو إلى ما افتراه هو - أو توهمه - إن كان من المتبوعين، وللطائفتين نصيب مما ذكره الله في أشباههم.
قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 165-167] .
وقال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني
(7/38)

عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان: 27-29] .
وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 66-68] .
وقال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر: 47-48] .

الوجه الرابع
أن يقال: لا نسلم أنه بتقدير ما يذكر من التعارض لا يمكن تصديقهما، بل يمكن ذلك، فإن ما ينفيه صريح العقل من صفات النقص وإثبات المماثلة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، لم يثبته السمع الصحيح، وما أثبته السمع الصحيح الصريح لم ينفه عقل صريح.
وحينئذ فلا يجوز أن يتعارض العقل الصريح والسمع الصحيح، وإنما يظن تعارضهما من غلط مدلولهما أو مدلول أحدهما، كمن يعارض الدلالات العقلية الصريحة من السوفسطائية وأمثالهم، وكمن يظن تعارض الأدلة السمعية من الملاحدة.
(7/39)

وكثيراً ما يشتبه ذلك وتتعارض الدلالتان عند من يكن السفسطة والإلحاد لشبه قامت به، فتكون الآفة من إدراكه لا من المدرك، كالأحول الذي يرى الواحد اثنين، والممرور الذي يجد الحلو مراً، وإلا فالسمع الصحيح هو القول الصادق من المعصوم، الذي لا يجوز أن يكون في خبره كذب لا عمداً ولا خطأً.
والمعقول الصحيح هو ما كان ثابتاً أو منتفياً في نفس الأمر، لا بحسب إدراك شخص معين، وما كان ثابتاً أو منتفياً في نفس الأمر.
لا يجوز أن يخبر عنه الصادق بنقيض ذلك، بل من شهد الكائنات على ما هي عليه وجدها مطابقة لخبر الصادق.
كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53] .
فأخبر أنه سيريهم من الآيات العيانية المشهودة لهم، ما يبين لهم أن القرآن حق.
وقال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6] .
فمن أوتي العلم رأى أن ما أنزل إليه من ربه هو الحق، وأما من كان عنده ما يظنه علماً - وهو جهل - فذلك يرى الأمر على خلاف ما هو عليه، مثل من زاغ فأزاغ الله قلبه، وكان في قلبه مرض، فزاده الله مرضاً، وممن يقلب الله أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ومن الصم البكم
(7/40)

العمي الذين لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهدى، أو لم يكونوا يعقلون بحال.
وأمثال هؤلاء قال تعالى فيهم: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] .
وقد ضرب الله مثل هؤلاء وهؤلاء في غير موضوع من القرآن كسورة النور وغيرها.

الوجه الخامس
أن يقال: لا نسلم أن تصديق النقل المثبت لعلو الله على خلقه، وتكذيب ما يناقض ذلك مما يسمى معقولاً، يوجب القدح في أصل النقل كما في قوله: (لأن العقل أصل للنقل، فتكذيبه لتصديقه موجب لتكذيبهما) .
قلنا: لا نسلم أن المعقول النافي لعلو الله على خلقه أصل للنقل فإنه ليس كل ما يسمى معقولاً، ولا كل ما يعلم بالعقل يتوقف العلم بصحة السمع عليه، فتلك الأمور، التي لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها، ليست أصلاً للسمع، ولا يجوز أن يقال جنس المعقول به يعلم بالسمع، فلا يجوز أن يرد شيئاً منه، فإن العقلاء متفقون على أن جنس المعقولات لا يلزم من تكذيب بعضها تكذيب السمع، وإن قدر أنها عقليات صحيحة، مثل مسائل الحساب الدقيقة وغيرها، فإنها مع كونها
(7/41)

عقليات صحيحة لا يلزم من القدح فيها في السمع، فكيف بالمعقولات التي فيها خطأ كثير وتنازع عظيم.
بل كل من كان عن الشرائع أبعد، كان اضطرابهم في عقلياتهم أكثر، كالفلاسفة فإن بينهم من الاختلاف في عقلياتهم - حتى في المنطق والهيئة والطبيعيات - ما لا يكاد يحصى.
وكلامهم في الإلهيات قليل، وعلمهم بها ضعيف، ومسائلها عندهم يسيرة، وهي مع هذا عندهم لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقي، ولا سمين فينتقل.
وأساطينهم معترفون بأنه لا سبيل لهم إلى اليقين فيها وإنما يتكلمون فيها بالأولى وألا خلق، وهم مع هذا متنازعون فيها أعظم من تنازع كل فرقة من مبتدعة أهل الملل في الأمور الإلهية.
وإذا كان جنس ما يسميه هؤلاء عقليات، فيه خطأ كثير باتفاق الناس وبالضرورة، لم يمكن أن يقبل جنس ما يقال له عقليات، فضلاً عن أن يعارض به، ولو قبل جنس ما يقال له عقليات كله، للزم من الجميع بين النقيضين ما شاء الله.
فنفاة الجزء - الذي هو الجوهر الفرد - ومثبتوه، كل منهم يقول: إن ذلك معلوم بالعقل.
والقائلون ببقاء بعض الأعراض، مع القائلين بفنائها، والقائلون بتماثل الأجسام مع القائلين باختلافها، والقائلون
(7/42)

بوجوب تناهي الحوادث مع القائلين بعدم جواز تناهيها، وأضعاف ذلك.
بل العقليات الصحيحة: ما كان معقولاً للفطر السليمة الصحيحة الإدراك التي لم يفسد إدراكها.
وهذا القدر لا يزال موجوداً في بني آدم، وإن فسد رأي القوم، لم يلزم فساد رأي آخرين.
لكن إذا تنازع الناس، وادعى كل فريق أن قولنا هو الذي تشهد به الفطر السليمة، لم يفصل بينهم إلا ما يتفقون على صدق شهادته: إما كتاب منزل من السماء يحكم بينهم، وإما شهادة فطر تقر الطائفتان أنها صحيحة الإدراك صادقة الخبر، فلا يحكم بين المتنازعين إلا حاكم يسلمان لحكمه.
والمقصود هنا أنه لا يقول عاقل: إن كل ما يسمى معقولاً يجوز قبوله، فضلاً عن أن يجب، فضلاً عن أن يعارض به معقول آخر، فضلاً عن أن يعارض به كتاب منزل من عند الله.
وإذا كان كذلك لم يكن في رد كثير مما يسمى معقولاً رد لسائرها، فإذا رد مما يسمى معقولاً ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن في هذا رد للأصل المعقول الذي به يعلم السمع، وهو المطلوب.
وإذا كان كذلك، فالمعقول المذكور هنا الذي عارضوا به الآيات الإلهية والأحاديث النبوية - هو ما ذكروه في نفي علو الله على خلقه، وليس شيء من ذلك مما يحتاج في العلم بصحة السمع إليه، فإن إثبات موجود لا يمكن أن يشار إليه، ولا يكون داخل العالم ولا خارجه،
(7/43)

ومقدمات ذلك مستلزمه له، لا يتوقف العلم بصحة السمع على شيء من ذلك، فإن نعلم بالاضطرار بعد تأمل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التابعين لهم بإحسان، أن الذين أمنوا بالرسول وجزموا بصدقه - وهم باتفاق المسلمون أعلم الأمة بصدقه، والصدق ما أخبر به، وصحة ذلك - لم يكونوا في إيمانهم وعلمهم بصدقه، يستدلون بشيء من هذه المقدمات على صحة ذلك، ولو مناظرين به أحداً، ولا يقيمون بها حجة على غيرهم فضلاً عن أن يكونوا هم لم يعلموا صدقه إلا بعد العلم بهذه المقدمات المستلزمة لوجود موجود لا يشار إليه، وأن صانع العلم ليس بداخل العلم ولا خارجه، ولا فوق العالم رب ولا على العرش إله.
ومما يوضح ذلك أن نعلم بالعادة المطردة أن القضايا التي بها علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به الله، لو كانت مستلزمة لقول نفاة العلو، وأن الله ليس مبايناً للعالم ولا هو فوق السماوات، ولا يمكن الإشارة إليه، ولا عرج أحد من الملائكة ولا محمد، إليه نفسه، ولا نزل من عنده نفسه شيء: لا ملك ولا غيره - لكانت هذه اللوازم تحصل في نفوسهم، كما حصلت على أنفس غيرهم، ولا سيما مع كثرة الخلق، وانتشار الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجا، ولو كانت هذه القضايا مستقرة في أنفسهم، لامتنع فيه العادة أن يتكلموا بها، فضلاً عن أن يتكلموا بنقيضها، ولو وجب في العادة أن يعارضوا بها ما دل عليه ظاهر السمع، لكانوا يسألونه ويقولون: ما دلت
(7/44)

عليه هذه الآيات والأحاديث التي أخبرتنا بها يناقض هذه القضايا التي علمنا بها أنك رسول الله الصادق عليه، فما يمكننا أن نجمع بين تصديقك في دعوى الرسالة، وبين الإخبار بهذه الأمور، بل تصديقك في دعوى الرسالة التي يقتضي تكذيب مقتضى هذه الأخبار، فكيف نصنع؟ هل لها تأويل يوافق ما به علماً أنك صادق؟ : أم نحن مأمورون بأن نقرأ ما ظاهره كفر وكذب يقدح في أصول إيماننا، ونعرض بقلوبنا وعقولنا عن فهم ذلك وتدبره والنظر فيه؟ .
وهذا فيه عذاب عظيم للعقول، وفساد عظيم في القلوب، إذا كان الرجل مأموراً أن يقرأ في الليل والنهار كلاماً، يقرأ به في صلاته وغير صلاته، ويجزم بأنه صدق لا كذب، وأن من كفر بحرف منه فهو كافر، وذلك الكلام مشتمل على أن أخبارها ظاهرها ومفهومها يناقض ما به علم وصدق ذلك الكلام، بل هو باطل وضلال وكفر، فيورثه ذلك الحيرة والاضطراب، ويمرض قلبه أعظم مرض، ويكون تألمه لذلك ووجع قلبه، أعظم بكثير من مرض بدنه ووجع يده ورجله، فإنه حينئذ إن قبل ما به صدق هذا الرسول قدح في الكلام الذي أخبر أنه حق وصدق، فيكون ذلك الدليل الذي دله على صدقه، دله على كذب المفهوم من أخباره وإن صدق المفهوم من أخباره، أبطل شاهد صدقه.
ومن المعلوم أن أخباره لو عارضت معقولاً لهم، غير ما به علموا صدقه، لأوجب ذلك من الحيرة والألم والفساد ما لا يعلمه إلا الله، فكيف إذا كان المعارض له ما به علموا صدقه؟ .
(7/45)

وقد كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأل بعضهم بعضاً، عن أدنى شبهة تعرض في خطابه وخبره، مثل ما كان يوم الحديبية لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم مشركي مكة، على أن يرجع ذلك العام بأصحابه الذين قدموا معه معتمرين، وبايعهم بيعة الرضوان تحت الشجرة، وهم السابقون الأولون، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فصالح المشركين على أن يرجع بهم ذلك العام، ويرد إلى المشركين ما جاءه مؤمناً مهاجراً، ولا يرد المشركون من ذهب إليهم مرتداً، وامتنعوا من أن يكتبوا في كتاب الصلح: (بسم الله الرحمن الرحيم) وأن يكتبوا: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله، وأمثال ذلك.
والمقصود أن كثيراً من الصحابة اشتد عليهم ذلك، وأجلهم عمر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق، وعدونا على باطل؟ قال: بلى.
قال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله وهو ناصري، ولست أعصيه.
فقال: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت، ونطوف به؟ فقال بلى، أقلت لك إنك تأتيه هذا العام؟ قال: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به) .
ثم ذهب عمر إلى أبي بكر، فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم، وأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم، من غير أن يكون سمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم.
(7/46)

والقصة مستفيضة رواها أهل الصحيح والمسند والمغازي والسير والتفسير والفقه وسائر العلماء.
فهذا عمر، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» أخرجاه في الصحيحين.
وقال: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» .
وقال: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» رواه الترمذي.
إلى غير ذلك من فضائله، وقد اشتبه عليه معنى نص، وليس ظاهره ينافي الواقع، فإن الله تعالى قال: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] .
(7/47)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك قبل نزول الآية خبراً مطلقاً، من المعلوم باتفاق الفقهاء أن الرجل إذا قال: والله لأفعلن كذا وكذا، ولم يكن هنا سبب ولا نية توجب التعجيل كان له أن يؤخره إلى وقت آخر، فلم يكن في ظاهر خطاب الله ورسوله ما يقتضي تعجيل إتيان البيت والطواف به.
ومع هذا لما ظن هذا الذي هو أفضل الأمة بعد أبي بكر، أن ظاهره يقتضي التعجيل، أورده على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم على صديقه، وأجاب كل منهما في مغيب الآخر بأنه ليس في الخطاب ما يقتضي التعجيل، وإنما الذي فهم ذلك من الخطاب غلط في فهمه.
فالغلط منه، لا لنقص في دلالة الخطاب.
وأيضاً ففي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب.
قالت عائشة: فقلت يا رسول الله، أليس الله يقول في كتابه: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 8] ، فقلت: ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب» .
ومعلوم أن قوله: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 8] ، لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة، ومع هذا فلما قال: من نوقش عذب، فظنت امرأة تحبه ويحبها - وهي أحب النساء إليه، وأبوها احب الرجال إليه - أن ظاهر خطابه يعارض تلك الآية - سألته عن ذلك ولم تسكت.
(7/48)

وكذلك في الحديث الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة.
قالت حفصة: فقلت يا رسول الله: أليس الله يقول: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] .
فقال: ألم تسمعيه قال: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] » .
وقد بين في الحديث الصحيح الذي رواه جابر وغيره أن الورود هو المرور على الصراط، ومعلوم أنه إذا كان قد أخبرهم أن جميع الخلق يعبرون الصراط ويردون النار بهذا الاعتبار، لم يكن قوله لهم: فلان لا يدخل النار منافياً لهذا العبور، ولهذا قال لها: ألم تسمعيه قال: {ثم ننجي الذين اتقوا} فأخبرها أن هذا الورود لا ينافي عدم الدخول الذي أخبرت به، فالذين نجاهم الله بعد الورود - الذي هو العبور - لم يدخلوا النار.
ولفظ الورود والدخول قد يكون فيه إجمال فقد يقال لمن دخل سطح الدار: أنه دخلها ووردها، وقد يقال لمن مر على السطح ولم يثبت فيها: إنه لم يدخلها.
فإن قيل: فلان ورد هذا المكان الرديء ثم نجاه الله منه، وقيل فلان: لم يدخله الله إياه، كان كلا الخبرين صدقاً لا منافاة بينهما.
وقوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما
(7/49)

مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 71-72] ، بيان فيه نعمة الله على المتقين: أنهم مع الورود والعبور عليها وسقوط غيرهم فيها نجوا منها، والنجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم.
ولهذا قال تعالى: {ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الأنبياء: 76] .
ومعلوم أن نوحاً لم يغرق ثم خلص.
بل نجي من الغرق الذي أهلك الله به غيره.
كما قال: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنكبوت: 15] .
وكذلك قوله عن لوط: {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} [الأنبياء: 74] .
ومعلوم أن لوطاً لم يصبه العذاب الذي أصابهم من الحجارة والقلب وطمس الأبصار.
وكذلك قوله: {ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ} [هود: 58] ، وقوله: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ} [هود: 66] .
(7/50)

وأمثال ذلك يبين سبحانه أنه نجى عباده المؤمنين من العذاب الذي أصاب غيرهم، وكانوا معرضين له، لولا ما خصهم الله من أسباب النجاة - لأصابهم ما أصاب أولئك.
فلفظ (النجاة من الشر) يقتضي انعقاد سبب الشر، لا نفس حصوله في المنجى.
فقوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا} [مريم: 72] ، لا يقتضي أنهم كانوا معذبين ثم نجوا، لكن يقتضي أنهم كانوا معرضين للعذاب الذي انعقد سببه، وهذا هو الورود.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» ، لا ينافي هذا الورود، فإن مجرد الورود ليس بعذاب، بل هو تعريض للعذاب، وهو إنما نفى الدخول الذي هو العذاب، لم ينف التقريب من العذاب، ولا انعقاد سببه، ولا الدخول على سطح مكان العذاب.
ومع هذا لما اشتبه ذلك على امرأته، سألته عن ذلك، وذكرت ما يعارض خبره في فهمها، ولم تسكت، وقد كان يفعل الأمر فيسألونه: هل هو بوحي فيجب طاعته؟ أو هو رأي يمكن معارضته برأي أصلح منه؟ ويشيرون عليه في الرأي برأي آخر، فيقبل منهم ويوافقهم، كما سأله الحباب بن المنذر لما نزل ببدر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته: أهو منزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتعداه، أم هو الرأي
(7/51)

والحرب والمكيدة؟ فقال: (بل هو الرأي والحرب والكيدة.
) فقال: ليس هذا بمنزل قتال.
ولما صالح غطفان عام الخندق على نصف ثمر المدينة لما تألبت عليهم الأحزاب: من قريش وحلفائها، وأهل نجد وجموعهم، وبني قريظة اليهود جيران المدينة، وكانت تلك القضية من أعظم البلاء والمحنة، وفيها أنزل الله سورة الأحزاب، فلما صالحهم على نصف ثمرها.
قال له سعد ما مضمونه: إن كان الله أمرك بهذا سمعنا وأطعنا، وإن كان رأياً منك أردت به مصلحتنا، فقد كنا في الجاهلية وما أحد منهم ينال منها ثمرة إلا بشرىً أو قرىً، فحين أعزنا الله بالإسلام نعطيكم ثمرنا؟ أو كما قال: فبين له النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إني لما رأيت الأعداء قد تحزبوا عليكم خشيت أن تضعفوا عنهم، فرأيت أن أدفع هؤلاء ببعض الثمر، فإذا كنتم ثابتين صابرين، فلا حاجة إلى هذا) » .
وفي الصحيح «أنهم كانوا في بعض الأسفار فنفد زادهم فاستأذنوه في نحر ظهرهم - وهي الإبل التي يركبونها - فأذن لهم، فأتاه عمر وأخبره أنهم إن نحروا ظهرهم تضرروا بذلك، وطلب أن تجمع أزوادهم ويدعوا فيها
(7/52)

بالبركة ليغنيهم الله بذلك عن نحر ظهرهم، ففعل ذلك» .
وكذلك في الصحيح «أنه أعطى أبا هريرة نعله ليبشر الناس بأن الموحدين في الجنة، فلقيه عمر فرده، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهم إذا سمعوا ذلك اتكلوا، فترك ذلك) » .
بل كان يأمرهم بالأمر الذي يجب عليهم طاعته، فيعارضه بعضهم بما لا يصلح للمعارضة، فيجيبهم.
(فإن في الصحيح «أنه نهاهم عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي ويطعمني ويسقيني) » .
ومعلوم أن هذه معارضة فاسدة، لو أوردها بعض طلبة الفقهاء، أجابه آخر بأن أمره ونهيه يجب طاعته فيه، وحكمه لازم للأمة باتفاق المسلمين، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دينه، وإن كان بعض الناس
(7/53)

ينازع في الأمر المطلق: هل يفيد الإيجاب أم لا؟ فلم ينازع في أنه إذا بين في الأمر أنه للإيجاب يجب طاعته، ولا أنه إذا صرح ابتداءً بالإيجاب تجب طاعته.
ولكن نزاعهم في مراده بالأمر المطلق: هل يعلم به أنه أراد به الإيجاب؟ فهذا نزاع في العلم بمراده، لا نزاع في وجوب طاعته فيما أراد به الإيجاب، فإن ذلك لا ينازع فيه إلا مكذب به.
والمقصود أن حكم النهي لازم للأمة، وأما فعله فقد يكون مختصاً به باتفاق الأمة.
بل قد تنازعوا في تعدي حكم فعله إلى غيره، على ما هو معروف، فإذا أمر المسلمين أو نهاهم أمراً ونهياً علموا به مراده، لم يكن لأحد منهم أن يعارض ذلك بفعله باتفاق العلماء، وإنما يتكلمون في تعارض دلالة القول والفعل، إذا لم يعلموا مراده بالقول، كما تكلموا في «نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول» ، «مع أنه قد رآه ابن عمر مستقبل الشام مستدبر الكعبة وهو يتخلى» .
فهنا قد يظن بعضهم أن نهيه ليس عاماً بل خاص إذا لم يكن حائل، ويوفق بين القول والفعل، ويظن بعضهم الفرق بين الاستقبال والاستدبار، ويظن بعضهم أن أحدهما منسوخ لاعتقاده التعارض،
(7/54)

ويظن بعضهم أن الفعل خاص له، فهذا كله لعدم علمهم بأن النهي عام محكم.
وأما إذا علموا أن نهيه عام محكم غير منسوخ، كانوا متفقين على أنه لا يعارض بفعله.
فتبين أن من عارض نهيه عن الوصال بقوله: إنك تواصل، كانت معارضته خطأ، باتفاق العلماء ومع هذا فقد أجابه ببيان الفرق، وقال: «إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» .
«بل لما غير عادته يوم الفتح، فصلى الصلوات بوضوء واحد سأله عمر فقال: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله.
فقال: عمداً فعلته» .
هذا وأمثاله كثير.
هذا من المؤمنين به المحبين له، فأما معارضة الكفار بما لا يصلح للمعارضة - عند أهل النظر والخبرة بالمناظرة - على سبيل الجدل بالباطل فكثيرة.
مثل معارضتهم لله لما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] ، فقام ابن الزبعري وغيره فقالوا: قد عبد المسيح، فآلهتنا خير أم هو؟ .
فأنزل الله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} [الزخرف: 57] : إي يضجون.
{وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم
(7/55)

خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} [الزخرف: 58-59] .
وأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} [الأنبياء: 101-102] .
وقد ظن طائفة من الناس أن قوله {وما تعبدون} [الأنبياء: 98] ، لفظ يعم كل معبود من دون الله لكل أمة، فيتناول المسيح وغيره، وجعلوا هذا مما استدلوا به على عموم الأسماء الموصوفة، مثل (من) و (ما) و (الذي) .
واستدل بذلك بعضهم على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
قالوا: لأن اللفظ عام، وأخر بيان المخصص إلى أن نزل قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101] .
وهذا خطأ، ولو كان قول هؤلاء صحيحاً، لكانت معارضته المشركين صحيحة.
فإن من سمع اللفظ العام ولم يسمع المخصص، فأورد على المتكلم، كان إراده مستقيماً.
وهذا سوء ظن ممن قاله بكلام الله ورسوله وحسن ظن المشركين.
ولكن هؤلاء وأمثالهم الذين يجعلون المفهوم المعقول الظاهر من القرآن مردوداً بآرائهم، كما رده المشركون بالمسيح، فإن قول المشركين إن المسيح لا يدخل النار والملائكة لا تدخل النار، كلام صحيح، أصح مما يعرض به المعارضون لكلام الله ورسوله.
(7/56)

فإن كانت معارض ابن الزبعري باطلة، فمعارضة هؤلاء أبطل، وهي باطلة قبل نزول القرآن، وقبل رد الله عليهم، وما نزل من القرآن كان مبيناً لبطلانها، الذي هو ثابت في نفسه يمكن علمه بالعقل، فإن الله إنما خاطب بقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 98] ، المشركين الذين يعبدون الأوثان، لم يخاطب بذلك أهل الكتاب.
بل الآيات المكية عامتها خطاب لمن كذب الرسل مطلقاً، وأما ما يخاطب به من صدق جنس الرسول من أهل الكتاب والمؤمنين، ففي السور المدنية.
والقرآن قد فصل بين المشركين وأهل الكتاب في غير موضع، كقوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} [البينة: 1] .
وقوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} [الحج: 17] .
وقوله لهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 98] .

الوجه الخامس
بمنزلة قوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} [الأنعام: 156] .
(7/57)

وبمنزلة قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا} [فاطر: 42] .
وأمثال ذلك مما فيه ضمير المخاطب والغائب، وهو متناول لأولئك المشركين، لكن يتناول غيرهم من جهة المعنى والاعتبار وتماثل الحالين.
فلما قال تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} [الأنبياء: 98-99] ، دليل على انتفاء الإلهية، فإن الإله لا يدخل النار، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم أن يكون من لم يدخل النار إلهاً، فمن ورد النار لم يكن إلهاً، وليس كل من لا يردها إله.
لكن كانت معرضة الزبعري وأشباهه من جهة المعنى والقياس والاعتبار، أي إذا كانت آلهتنا دخلوا النار لكونهم معبودين، وجب أن يكون كل معبود يدخل النار، والمسيح معبود فيجب أن يدخلها، فعارضوه بالقياس، والقياس مع وجود الفارق المؤثر قياس فاسد، فبين الله الفرق بأن المسيح عبد حي مطيع لله، لا يصلح
(7/58)

أن يعبد لأجل الانتقام من غيره بخلاف الأوثان، فإنها حجارة، فإذا عذبت لتحقيق عدم كونها آلهة، وانتقاماً ممن عبدها، كان ذلك مصلحة، ليس فيها عقوبة لمن لا يصلح أن يعاقب.
ولهذا قال تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا} [الزخرف: 57] ، أي جعلوه مثلاً لآلهتهم فقاسوها به، فهذا حال من عارض النص الخبري بالقياس الفاسد، وهو حال الذين يعارضون النصوص الإلهية بأقيستهم الفاسدة، فيقولون: لو كان له علم وقدرة ورحمة وكلام وكان مستوياً على عرشه، للزم أن يكون مثل المخلوق الذي له علم وقدرة ورحمة وكلام ويكون مستوياً على العرش، ولو كان مثل المخلوق للزم أن يجوز عليه الحدوث، وإذا جاز عليه الحدوث امتنع وجوب وجوده وقدمه.
فهذا من جنس معارضة ابن الزبعري، حيث قاس ما أخبر الله عنه بشيء آخر ليس مثله، بل بينهما فرق، والفرق بين الله وبين مخلوقاته، أعظم من الفرق بين المسيح وبين الأوثان، فإن كلاهما مخلوق لله تعالى.
وأما قياس الخالق بالمخلوق، وقول القائل: لو كان متصفاً بالصفات والأفعال القائمة به، لكان مماثلاً للمخلوق المتصف بالصفات والأفعال القائمة به - ففي غاية الفساد، فإن تشابه الشيئين من بعض الوجوه لا يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء، فإذا كان المسيح المشابه لآلهتهم في وجوه كثيرة لا تكاد تحصى - مثل كون هذا كان معدوماً وهذا كان معدوماً، وهذا محدث ممكن، وهذا محدث ممكن، وهذا مفتقر إلى
(7/59)

غيره وهذا مفتقر إلى غيره، وهذا يقدر عليه غيره، وهذا يقدر عليه غيره، وهذا تعترض عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض، وهذا تعترض عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض، وهذا يمكن إفساده واستحالته، وهذا يمكن إفساده واستحالته، وأمثال ذلك من الأمور التي يجب تنزيه الرب عنها - فمع اشتراكهما في هذه الأمور التي يجب تنزع الرب عنها، لم يصح قياس أحدهما بالآخر، ولا أن يثبت له من الحكم ما ثبت له، وإن كانا قد اشتركا في هذه الأمور.
فالخالق سبحانه الذي يفارق غيره بأعظم مما فارق به المسيح آلهتهم، هو أولى وأحق بأن لا يمثل بخلقه، لأجل موافقته في بعض الأسماء والصفات، إذ أصل هذا القياس الفاسد أن الشيئين إذا اشتركا وتشابها في بعض الأشياء، لزم اشتراكهما وتماثلهما في غير ذلك مما ليس من لوازم المشترك، وهذا كله خطأ فاحش، وبعضه أفحش من بعض، فالشيئان إذا اشتركا في شيء لزم أن يشتركا في لوازمه، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، فأما ما ليس من لوازمه، فلا يجب اشتراكهما فيه.
فكون المعبود من حصب جهنم، ليس من لوازم كونه معبوداً، بل من لوازم كونه معبوداً يصلح دخوله النار، والمسيح ونحوه لا يصلح دخولهم النار.
وكذلك ثبوت الوجود والحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول، ونحو ذلك من الأمور التي يوصف بها الخالق والمخلوق، ليس من لوازمها
(7/60)

الإمكان والحدوث والآفات والنقائص، فإن الإمكان من لوازم ما ليس واجباً بنفسه، والحدوث من لوازم المعدوم، وإمكان الآفات والنقائص من لوازم ما يقبل ذلك.
وهذه الصفات صفات كمال لا تستلزم الآفات، بل قد تكون منافية للآفات والنقائص، والمنافي للشيء لا يكون من لوازمه، بل هو مناقض للوازمه، فكيف يجعل المنافي كالملازم؟
والمقصود أن المشركين كانوا يعارضون الرسول بما يتخيلونه مناقضاً لقوله، وإن لم يكن في ظاهر قوله ما يناقض: لا معقولاً ولا منقولاً، فكيف إذا كان ظاهر قوله يناقض صريح المعقول الذي عليه أئمة أرباب العقول، لا سيما إذا كان ذلك المعقول هو الذي لا يمكن تصديقه إلا به؟ فإذا كان قد أظهر ما يطعن في دليل صدقه وشاهده، كان معارضته بذلك أولى الأشياء.
وكذلك أيضاً لما أخبرهم بالإسراء وشجرة الزقوم أنكر ذلك طائفة منهم، وزعموا أن العقل ينافي ذلك.
وأنزل الله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] .
وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به» .
(7/61)

قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] .
وقال: {أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى} [النجم: 12-16] .
وقال تعالى: {وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم} [التكوير: 22-25] .
فإذا كان ما أخبرهم به من رؤية الآيات التي أراها الله إياها ليلة الإسراء قد أنكروها وكذبوه لأجلها، واستبعدوا ذلك بعقولهم، مع أن ذلك ليس ممتنعاً في العقل، فكيف بما هو ممتنع في صريح العقل.
وكذلك أيضاً أنكروا أن يبعث الله بشراً رسولاً، وجعلوا ذلك منكراً ممتنعاً في عقولهم.
كما قال تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء: 24] .
وقال: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} [يونس: 2] .
(7/62)

وقال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا} [الفرقان: 41] .
وقال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9] .
وقال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] .
وقد حكى نحو ذلك عمن تقدم من الكفار، كقول قوم فرعون: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون * فكذبوهما فكانوا من المهلكين} [المؤمنون: 47-48] .
وقول قوم نوح: {ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} [هود: 27] .
وقالت أصناف الأمم لرسلهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} [إبراهيم: 10] .
حتى قالت الرسل: {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 11] .
وأمثال هذا.
فقد ذكر عن المشركين أنهم أنكروا إرسال رسول من البشر، ودفعوا ذلك بعقولهم.
(7/63)

وهذا قول من يجحد النبوات من البراهمة مشركي الهند وغيرهم، ولهم شبه معروفة يزعمون أنها براهين عقلية تقدح في جواز إرسال الرسل.
ولهذا قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] .
وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] .
وقال: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] .
وأمثال ذلك.
وكذلك لما أخبرهم بالمعاد عارضوه بعقولهم، وقد ذكر الله تعالى من حججهم التي احتجوا بها في إنكار المعاد ما هو مذكور في القرآن.
كقوله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} [يس: 78-81] .
وقد ذكر طعنهم في الرسالة والمعاد جميعاً في قوله تعالى: {ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا
(7/64)

شيء عجيب * أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد * قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} [ق: 1-4] .
ثم ذكر الأدلة عليهم إلى قوله: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} [ق: 15] .
وهذه السورة قد تضمنت من أصول الإيمان ما أوجبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في المجامع العظام، فيقرأ بها في خطبة الجمعة وفي صلاة العيد، وكان من كثرة قراءته لها يقرأ بها في صلاة الصبح، وكل ذلك ثابت في الصحيح.
قال تعالى: {وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا * قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 49-52] .
وقد ذكر نحو ذلك عمن مضى من المكذبين للرسل، كقولهم عن رسولهم: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا
(7/65)

نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين} [المؤمنون: 35-38] .
وقال تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] .
وأمثال هذا في القرآن كثير.
وذكر عنهم أنه طعنوا في الرسول بعقولهم بأمور ظنوها لازمة له، كقولهم: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحور} [الفرقان: 7-8] .
قال تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الفرقان: 9] .
وكذلك قالوا عمن قبله من الرسل كما قال فرعون: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 52-53] .
وقالوا لشعيب: {إنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز} [هود: 91] .
والمقصود هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعارضه من
(7/66)

المؤمنين به والكفار من لا يكاد يحصى معارضة لا ترد عليه.
ولم تكن إلا من جهل المعارض، ولم يكن في ظاهر الكلام الذي يقوله لهم ومفهومه ومعناه ما يخالفه صريح المعقول، بل كان المعارضون يعارضون بعقولهم ما لا يستحق المعارضة، فلو كان فيما بلغهم إياه عن الله، من أسمائه وصفاته ونحو ذلك، ما يخالف ظاهره صريح المعقول، لكان هذا أحق بالمعارضة، وكان يمتنع في مستمر العادة أن مثل هذا لا يعارضه أحد: لا معارضة دافع طاعن، ولا معارضة مستشكل مسترشد، فكيف إذا كان ذلك يعارض القضايا العقلية التي بها علموا نبوته، وأنه رسول الله إليهم؟ فكانت تكون المعارضة بذلك أولى أن تقع من الكفار والمسلمين.
أما الكفار فيقولون له: نحن لا نعلم صدقك إلا بأن نعلم بعقولنا أموراً تناقض ما يفهم ويظهر مما تخبرنا به، فالمصدق لك يكون متناقضاً متلاعباً، لا يمكنه أن يقبل بعض أخبارك إلا برد بعضها، وهذا ليس فعل العالمين الصادقين دائماً، بل فعل من يكذب تارة ويصدق أخرى، أو يصيب تارة ويخطئ أخرى.
وأما المسلمون المظهرون للإسلام فقد كان فيهم منافقون، وفي المؤمنين سماعون لهم يتعلقون بأدنى شبهة يوقعون بها الشك والريب في قلوب المؤمنين، وكان فيهم من له معرفة وذكاء وفضيلة وقراءة للكتب ومدارسة لأهل الكتاب، مثل أبي عام الفاسق، الذي كان يقال له أبو عامر الراهب، الذي أتخذ له المنافقون مسجد الضرار.
(7/67)

وأيضاً فقد كان اليهود والنصارى يعارضونه بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم، كما قالوا للمغيرة بن شعبة: أنتم تقرأون في كتابكم: {يا أخت هارون} [مريم: 28] ، وموسى بن عمران كان قبل عيسى بسنين كثيرة، فظنوا أن هارون المذكور هو هارون أخو موسى، وهذا من فرط جهلهم، فإن عاقلاً لا يخفى عليه أن موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة، وأن مريم أم عيسى ليست أخت موسى وهارون، ولا هو المسيح ابن أخت موسى، وليس في من له تمييز - وإن كان من أكذب الناس - من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يضحك عليه به كل من سمعه، فكيف بمن هو أعظم الناس عقلاً وعلماً ومعرفة، غلبت عقول بنى آدم ومعارفهم وعلومهم، حتى استجاب له كل ذي عقل مصدقاً لخبره، مطيعاً لأمره وذل له - أو خاف منه - كل من لم يستجيب له، وظهر به من العلم والبيان، والهدى والإيمان، ما قد ملأ الآفاق، وأشرق به الوجود غاية الإشراق.
فكان النصارى الذين سمعوا هذا - لو كان لهم تمييز - لعلموا أن مثل هذا الرجل العظيم الذي جاء بالقرآن لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن عمران، ولا يتكلم بمثل ذلك، ولو كانت أختهما لكان إضافتها إلى موسى أولى من إضافتها إلى هارون، فكان يقال لها: يا أخت موسى، لكن لما اتفق أن مريم هذه بنت عمران، وذانك
(7/68)

موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشترك، والاشتراك غالب على أسماء الأعلام - نشأت الشبهة، حتى سأل المغيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «ألا قلت لهم إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم؟ إن هارون هذا كان رجلاً في بنى إسرائيل سموه باسم هارون النبي» .
فمن كانوا يعارضونه بمثل هذه المعارضة، كيف يسكتون عن معارضته إذا كان الخطاب الذي أخبر به، والمفهوم الظاهر منه - بل الصريح منه الذي لا يحتمل التأويل مخالفاً لصريح العقل، بل مخالفا لما به يعلم صدقه وصدق الأنبياء قبله؟ وهلاً كان أهل الكتاب يقولون له: ما جئت به يقدح في نبوات الأنبياء قبلك، فإنا لا يمكننا أن نصدقك إلا بقضايا عقلية بها يعلم صدق الرسل، وما أظهرته للناس وبينته لهم وأخبرته به يناقض الأصول العقلية التي بها نعلم تصديق الأنبياء؟
واعلم أنه من أمعن النظر في هذا المقام وتوابعه، حصل لهم أمور جليلة:
بطلان قول من يقول: العلم بصحة السمع لا يكون إلا بقضايا عقلية مناقضة للمفهوم الظاهر من أخبار الله ورسوله.
بل بطلان قول من يجعل صريح العقل مناقضاً لأخباره.
(7/69)

بل بطلان قول من يدعي أن أقوال الجهمية النفاة لعلو الله على خلقه - مما هي معروفة بصريح العقل، سواء كانت موافقة لخبر الرسول أو مخالفة له.
وذلك من وجوه:
أحدها: أن إيمان المؤمنين به، العالمين بصدقه، حصل بدون هذه القضايا.
الثاني: أن أحداً منهم لم يورد هذه المعارضة، ولم يستشكل هذا الذي هو تناقض في وعم هؤلاء.
الثالث: أن المنافقين لم يورد أحد منهم هذا.
الرابع: أن المشركين لم يورد أحد منهم هذا.
الخامس: أن أهل الكتاب لم يورد أحد منهم هذا.
السادس: أنه لم يعهد إليهم أن لا يصدقوا بمضمون هذه الظواهر ولا يعتقدوا موجبها، ولا أمرهم بترك تدبرها وفهمها وعقلها، ولا بتأويلها تأويلا يصرفها عن المعنى الظاهر المفهوم منها، ولا بتفويضها وقولهم: لا نعلم معناها.
السابع: أن الصحابة لم يوصوا التابعين بذلك.
الثامن: أن التابعين لم يوردوا على الصحابة، ولا أورد بعضهم على بعض ظهور هذا التناقض والتعارض، ولا سئل بعضهم بعضاً: كيف نصنع؟ هل نتبع موجب النصوص أو موجب العقول المعارضة،
(7/70)

وتناول النصوص؟ أو نصرف قلوبنا عن فهمها وتدبرها وعقلها، ونقول: لا ندري ما معناها؟
فإن قيل: فهذا الذي ذكرته ظاهراً لا يخفى على من تأمل أمور الإسلام كيف كانت، وكيف ظهر الإسلام، ومع هذا فهذه الشبه العقلية التي احتج بها النفاة وقد ضل بها خلق كثير من هذه الأمة ومن أهل الكتاب، فهل كانت عقول الكفار أصح من عقول هؤلاء؟ ثم إذا كان الأمر هكذا فكيف إذا وقع في هذه من وقع؟
قيل: المقصود هنا فساد قول من يقول: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به، وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة، وأتباعهم من الأشعرية، ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة والصوفية: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حوادث العالم بحدوث الأجسام، وأنه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقاً أو الحركات، وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره، بل نفي صفاته، وأن يكون القرآن مخلوقاً، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يكون فوق العالم.
فمن قال: إن تصديقه فيما أخبر به لا يمكن إلا بهذه الطريق، كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا قال الأشعري وغيره: إن هذه الطرق مبتدعة في دين الأنبياء، بل محرمة غير
(7/71)

مشروعة لا ريب أن عقل من آمن بالله ورسوله كان خيراً من عقل من سلك هذه الطريق من أهل الكلام.
وأما عقول الكفار فلا ريب، وإن كانت عقول جنس المؤمنين خيراً من عقولهم، لكان قد يكون عند الكفار من عقل التمييز ما يمنعه أن يقول ما يقوله كثير من أهل البدع.
ألا ترى أن أكاذيب الرافضة لا يرضاها أكثر من العقلاء من الكفار؟ فذلك عقول المشركين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تقبل أن ترد رسالته بمثل هذا الكلام الذي فيه من الدقة والغموض ما لا يفهمه أكثر الناس، ومن فهمه من العقلاء علم أنه من باب الهذيان والبهتان.
يبين لك كل ذلك أن العرب مع شركها كانت مقرة بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، مقرة بالقدر، وكانت عقولهم من هذا الوجه خيراً من عقل من جعل كثيراً من المحادثات لم يخلقه الله ولا قدره ولا أراده، وكانت العرب أيضاً تقر بان الله فاعل مختار، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكانت عقولهم خيراً من عقول الدهرية والفلاسفة، الذين يقولون بأن العالم صدر عن علة تامة موجبة له، كما يقول الدهرية والإلهيون.
ولا ريب أن من أنكر الصانع وقال بان العالم واجب بذاته، فعقله أفسد من عقل هؤلاء.
والعرب لم تكن تقول بهذا اللهم إلا أن يكون في تضاعيفهم آحاد وتقوله، ولكن لم يكن هذا القول ظاهراً فيهم، بل الظاهر فيهم الإقرار بالخالق وعلمه وقدرته ومشيئته.
وهذه الشبه - شبه الجهمية - هي في الأصل نشأت من ملاحدة
(7/72)

الأمم المنكرين للصانع، وهؤلاء أجهل الطوائف وأقلهم عقلاً، فلهذا لم تكن العرب تعارض بمثل هذه الشبه، وإنما ذكر الله تعالى نظير قول الجهمية عن مثل فرعون وأمثاله من المعطلة، كالذي حاج إبراهيم في ربه.
ولا ريب أن المعطلة شر من المشركين، والعرب، وإن كانوا مشركين، لم يكن الظاهر فيهم التعطيل للصانع، وإن كان قد يكون في أضعافهم من هو من المرتابين في الصانع أو الجاحدين له، كما في تضاعيف كل أمة، حتى في المصلين من هو من هؤلاء، إذ المنافقون لم يزالوا في الأمة ولم يزالوا على اختلاف أصنافهم.
وإذا عرف أن المقصود بيان فساد قول من يزعم أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا بالطريق الجهمية، المناقضة لإثبات ما اخبر من صفات الله وكلامه وأفعاله حصل المقصود.
وأما من قال: إن هذه المعقولات تعارض المفهوم الظاهر من الآيات والأحاديث، من غير أن يقول: إن العلم بصدق الرسول موقوف عليها، كما يقول من يعتقد صحة هذه الطريق: طريقة الاستدلال على الصانع بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وإن قال إنه يمكن تصديق الرسول بدونها، كما يقول الأشعري نفسه، وكثير من أصحابه، والرازي وأمثاله، وكثير من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية، يوجد شيء من هذا في كلام المحاسبي، وأبي حاتم البستي، والخطابي، وأبي الحسن التميمي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغير هؤلاء - فإن هؤلاء وجمهور المسلمين يقولون: إنه
(7/73)

يمكن تصديق الرسل بدون طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام.
لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطريق وإن قالوا: إن تصديق الرسل لا يتوقف عليها.
ثم منهم من يقول: إنها لا تعارض النصوص، بل يمكن الجمع بينهما.

الوجه الخامس
وهذه طريق الأشعري وأئمة الصحابة: يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها القرآن، مع اعتقادهم صحة طريقة الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام.
وهذه طريق أبي حاتم بن حبان البستي، وأبي سليمان الخطابي، والتميميين: كأبي الحسن التميمي وغيره من أهل بيته، وأبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى، وأبي بكر البيهقي، وابن الزاغوني، وخلق كثير من طوائف المسلمين من الحنيفة والمالكية والشافعية والحنبلية.
ومن هؤلاء من يدعي التعارض بينهما كالرازي وأمثاله، كما يقول ذلك من يوجب الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض، كالمعتزلة، وأبي المعالي وأتباعه.
فهؤلاء مشتركون في أن هذه الطريقة المعقولة لهم مناقضة لما يفهم من الآيات والأحاديث، سواء قالوا: إن تصديق الرسول موقوف عليها، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، وأتباع صاحب الإرشاد أو لم يقولوا ذلك، كما يقوله من يوافق الأشعري والرزي.
وجمهور المسلمين على
(7/74)

أن تصديق الرسول ليس موقوفاً عليها.
وليس المقصود في هذا المقام إلا إبطال قول من يدعي أن تقديم النقل على العقل المعارض له يقدح في العقل الذي به علم صحة السمع، وقد تبين أن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار من الدين، معلوم بالاضطرار من العادة، وأن الذين آمنوا بالرسول وعلموا صدقه، لم يكن علمهم موقوفاً على هذه القضايا.
ومما يشترك فيه الفريقان أن يقال: أهل العقول الذين سمعوا القرآن، والكفار من المشركين وأهل الكتاب في العصور المتقدمة، لم يكن منهم من طعن فيه، أو رد عليه مخالفة هذه الأخبار عن صفات الله لصريح المعقول، فلو كان العلم بنقيض ذلك ثابتاً في عقول بني آدم، لم يمكن في العادة أن يكون هذا الكلام الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها، وظهر وليه على عدوه بالحجة الباهرة والسيف القاهر، وفي صريح المعقول ما يناقض أخباره، ولا أحد من العقلاء يتفطن لذلك: لا على وجه الطعن، ولا على وجه الاستشكال، مع أن هذه العقليات مما تتوفر الهمم والدواعي على استخراجها واستنباطها لو كانت صحيحة لأنها متعلقة بأشرف المطالب، والعلم به الذي تتوفر الهمم على طاب معرفة صفاته نفياً وإثباتاً.
فلو كانت هذه الطرق الدالة على السلب طرقاً صحيحة تعلم بالعقل، لكان مع الداعي التام يجب تحصيلها، فإنه مع كمال القدرة
(7/75)

والداعي يجب وجود المقدور، فكان يجب أن تظهر هذه من أفضل الناس عقلاً وديناً.
فلما لم يكن الأمر كذلك علم أن ذلك كان لفسادها، وأنهم لصحة عقولهم لم يعتقدوها، كما يعتقدوا مذهب القرامطة الباطنية، والرافضة الغالية، وأمثالهم من الطوائف التي يعلم فساد قولهم بصريح العقل.
ومعلوم أن الباطل ليس له حد محدود، فلا يجب أن يخطر ببال أهل العقل والدين كل باطل، وأن يردوه فإن هذه لا نهاية له، بخلاف ما هو حق بصريح العقل في حق الله تعالى، لا سيما إذا كان مما يجب اعتقاده، بل يتوقف تصديق الرسول على معرفته، فإن هذا يمتنع أن تكون العصور الفاضلة، مع كثرة أهلها وفضلهم عقلاً وديناً، لم يعلموها ولم يقولوها.
فعلم بذاك أن هذه المعارضات ليست من العقليات الصحيحة التي هي مستقرة في صريح العقل، بل هي من الخيالات الفاسدة المشابهة للعقليات التي تنفق على طائفة من الناس دون طائفة، كما نفقت على الجهمية ومن وافقهم دون جمهور عقلاء بني آدم.
ولهذا كان أعظم نفاقها على أجهل الناس وأعظمهم تكذيباً بالحق وتصديقاً بالباطل، من القرامطة الباطنية، والحلولية والاتحادية وأمثالهم.
ومن المعلوم أن أهل التواتر لا يجوز عليهم في مستقر العادة أن يكذبوا، ولا أن يكتموا ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فكما أن الفطر فيها مانع من الكذب، ففيها داع إلى الإظهار والبيان، فكذلك ها هنا.
كما أن العقول المتباينة والفطر المختلفة إذا أخبرت عما تعلمه بضرورة أو
(7/76)

حس، لم تتفق على الكذب ولا الخطأ، فكذلك أيضاً العقول المتباينة والفطر المختلفة إذا سمعت ما يعلم بصريح العقل وبطلانه وفساده، لم تتفق على الإعراض عن النظر والاستدلال حتى يعرف فساده وبطلانه.
ولهذا لم تظهر في أمة من الأمم أقوال باطلة إلا كان فيه من يعرف بطلان ذلك، فيتكلم بذلك مع من يثق به، وإن وافق في الظاهر لغرض من الأغراض.
ولهذا تجد خلقاً من الرافضة والإسماعيلية والنصيرية يعلمون في الباطن فساد قولهم، ويتكلمون بذلك مع من يثقون به.
وكذلك بين النصارى خلق عظيم يعلمون فساد قول النصارى، وكذلك بين اليهود.
وهذه الأمة قد كان فيها في القرون الثلاثة منافقون لا يعلم عددهم إلا الله، وقد جاورهم من المشركين وأهل الكتاب أمم أخر، وهم طوائف متباينة، فما يمكن أحداً أن ينقل أنه كان قبل الجعد بن درهم وجهم بن صفوان من ظهر عنه القول بأن العقول تنافي ما في القرآن من إثبات العلو والصفات، أو بعض الصفات، لا من المؤمنين، ولا من أهل الكتاب، ولا من سائر الكافرين.
ومن المعلوم أن هذا إذا كان مستقراً في صريح المعقول، فلا بد مع توفر الهمم والدواعي أن يستخرج ويستنبط، وإذا استخرج واستنبط فلا بد مع توفر الهمم والدواعي أن يتكلم به، وإذا تكلم به فلا بد مع
(7/77)

توفر الهمم والدواعي أن ينقل.
إلا ترى أنه لما تكلم به واحد، وهو الجعد بن درهم، نقل الناس ذلك؟ ثم الجهم بعده كذلك، ولم نقل إن هذا لم يكن في نفس أحد، فإن هذا لا يمكن نفيه، ولم ينقل أن أحداً من هؤلاء لم يناج به بعض الناس، فإن هذا لا يمكن نفيه، بل قلنا: إنه لم يظهر، وعدم ظهوره مع الكثرة والقوة الموجبة لتوفر الهمم والدواعي على استخراجه واستنباطه: إن كان حقاً يوجب أنه ليس حقاً، فإن معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً أعظم المطالب.
ونحن نعلم بالاضطرار أن سلف الأمة كانوا أعظم الناس رغبة في هذا ومحبة له، فإذا كان الحق هو قول النفاة، وعلى ذلك أدلة عقلية يستخرجها الناظر بعقله، وهم من أعقل الناس وأرغبهم في هذا المطلب، امتنع مع ذلك أن لا يكون منهم من يفطن لهذا الحق، وإذا تفطن له، مع قوة دينهم ورغبتهم في الحيز، كانوا يظهرونه ويبينونه، وذلك يوجب ظهوره وانتشاره لو كان حقاً.
وكذلك الكفار لهم رغبة في معرفة ذلك وإظهاره، لو كان حقاً، لما كان فيه من معارضة الرسول ومناقضته، ولما فيه من معرفة الحق.
واعلم أن هذا كما يقال في أمتنا، فإنه يقال في بني إسرائيل، فإن التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النفاة تشبيهاً وتجسيماً.
ومن المعلوم أن التوراة قد تداولها من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله، وقد انتشرت بين النصارى كما انتشرت بين اليهود، فلو كان ما فيها من الصفات وإثبات العلو لله مما يناقض صريح العقل، لكان ذلك من أعظم ما كان
(7/78)

ينبغي أن يتعنت به بنو إسرائيل وغيرهم لموسى، فقد ذكر عنهم ومن تعنت بموسى أشياء لا تعلم بصريح العقل، قد آذوا موسى وقالوا إنه آدر وإنه قتل هارون، ودس عليه قارون بغياً لرميه بالزنا ليؤذي موسى بذلك.
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] ، ومع هذا فأذى موسى بذلك أذى لا يشهد به صريح العقل، فلو كان ما اخبرهم به مما يناقض صريح العقل، لكان آذاه بالقدح في ذلك أبين وأظهر وأولى أن يستعمله من يريد الأذى له.
وقد قال تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] .
وقال: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] .
وقال: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] .
وقد كان القوم مجاورين الروم والقبط والنبط والفرس، وهم أئمة الفلاسفة، والصابئين والمشركين من جميع الأصناف.
وقد ذكروا أن
(7/79)

أساطين الفلاسفة كفيثاغورس وسقراط أفلاطون قدموا الشام وتعلموا الحكمة من لقمان وأصحاب داود وسليمان، فكيف بكون ما تدل عليه التوراة ويفهم منها مناقضاً لصريح المعقول الذي لا ينبغي أن يشك عاقل فيه، لا يظهر ذلك إلا في أوليائها ولا أعدائها؟
بل الطوائف كلها مجتمعة على تعظيم الذي جاء بالتوراة، خاضعين له، فهل يكون كتاباً مملوءاً مما ظاهره كذب وفرية على الله، ووصف له بما يمتنع عليه ولا يجوز في حقه، ولا يظهر بين العقلاء مناقضته ومعارضته؟
ومن اعتبر الأمور وجد الرجل يصنف كتاباً في طب وحساب أو نحو أو فقه، أو ينشأ خطبة أو رسالة، أو ينظم قصيدة أو أرجوزة، فيلحن فيه لحنة، أو يغلط في المعنى غلطة، فلا يسكت الناس حتى يتكلموا فيه ويبينوا ذلك ويخرجون إلى الحق من زيادة الباطل، وإن كان صاحب ذلك الكلام لا يدعوهم إلى طاعته واستتباعه، ويذم من يخالفه - فضلاً عن أن يكفره ويبيح قتاله وشتمه - فإذا كان الذي جاء بالقرآن، ودعا الناس إلى طاعته واستتباعه، وأن يكون هو المطاع الذي لا ينبغي مخالفته في شيء: دق ولا جل، ويقول إن السعادة لمن أطاعه والشقاء لمن خالفه، ويعظم مطيعيه، ويعدهم بكل خير، ويلعن مخالفيه ويبيح دماءهم وأموالهم وحريمهم، فمن المعلوم أن مثل هذه الدعوة لا يدعيها إلا أكمل الناس وأحقهم بها، وهم الرسل الصادقون، أو أكذب الناس وأبعدهم عنها، كالمتنبئين الكاذبين.
(7/80)

ومعلوم أن صاحب هذه الدعوة، تعاديه النفوس وتحسده، «كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بما جاءه، فقال: (إن قومك سيخرجوك.
قال: أو مخرجيهم؟ قال: نعم، إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مأزورا) » .
ومن المعلوم أن أعداء من يقول مثل هذا، إذا كان المفهوم من كلامه، والظاهر من خطابه هو كذب على الله، ووصفه بذلك كان قائلاً من التشبيه والتجسيم بما يخالف صريح العقل، بل يكون صاحبه كافراً كذاباً مفترياً على الله - كان هذا من أعظم مما تتوفر الهمم والدواعي على معارضته به، والطعن في ذلك والقدح في نبوته به.
وهكذا موسى بن عمران وبنو إسرائيل، كان بمقتضى العادة المطردة إنه لا بد في كل عصر من أن يظهر إنكار مثل ذلك والقدح في ما جاء به موسى، وأن يكون المأذون له يؤذونه بذلك وأعظم منه.
فإن قيل: أنه قد وجد طعن في موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم بمثل هذا.
(7/81)

قلنا: نعم، وجد بعد أن ظهرت مقالة الجهمية في المسلمين، وحديث الملاحدة من القرامطة الباطنية، والذين أخذوا شر قول الجهمية وشر قول الرافضة، وركبوا منهم قولاً ثالثاً شراً منهما، ونحن لم نقل: إنه لم يقدح أحد في الأنبياء والمرسلين، ولا كذبهم ولا عارضهم في نفس ما دعوا إليه من التوحيد والنبوة والمعاد، وعارضوهم بعقولهم، ولم يعارضوهم معارضة صحيحة، بل كان ما عارضوا به فاسداً في العقل.
فهؤلاء الذين حدثوا من المعارضين هم أسوا حالاً من أولئك المعارضين، فغن القرامطة الباطنية شر من عباد الأصنام من العرب، وشر من اليهود والنصارى، فمجادلة هؤلاء وأمثالهم بالباطل ليس بعجيب، فما زال في الأرض من يجادل بالباطل ليدحض به الحق.
ولكن قلنا: إذا كان الظاهر المفهوم مما خبروا به مخالفاً لصريح العقل، امتنع في العادة أن لا يعارض أولئك الأعداء به، ولا يستشكله الأصدقاء مع طول الزمان، وتفرق الأمة، فإذا كان العدو يعارض بالمعقول الفاسد، فكيف لا يعارض بالمعقول الصريح، وإذا كان الولي يستشكل ما لا إشكال فيه لخطأه هو نفسه، فكيف لا يستشكل ما هو مشكل يخالف ظاهره - بل نصه - للحق المعلوم بصريح العقل؟
فقلنا: عدم وجود هذه المعارضات مع توفر الهمم والدواعي على وجودها - لو كانت حقاً - دليل على أنها باطل، كما أن عدم نقل ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله - لو كان موجوداً - دليل على انه كذب، بخلاف وجود الطعن والمعارضة، فانه ليس دليلاً على صحة ما
(7/82)

عارض به وطعن، كما أن مجرد نقل الناقل ليس دليلاً على صحة ما نقل.
فليتدبر الفاضل هذا النوع من النظر والكلام فإنه ينفتح له أبواب من الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن الجهمية النفاة هم من أفسد الناس عقلاً، وأعظمهم جهلاً، وإن كان قد يحصل لأحدهم ملك وسلطان بيد أو لسان، كما حصل لفرعون ونمرود بن كنعان ونحوهما.
ولهذا وصف الله لهؤلاء وأشباههم بأنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ومن تدبر الحقائق وجد كل من كان أقرب إلى التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به، كان أكمل عقلاً وسمعاً، وكل من كان أبعد عن التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به، كما أنقص عقلاً وسمعاً.
ولا ريب أن قول أهل التعطيل والإلحاد، ومن دخل منهم من أهل الحلول والاتحاد، ومن شاركهم في بعض أصولهم المستلزمة، لتعطيلهم وإلحادهم من سائر العباد هي من أفسد الأقوال وأكذبها وأعظمها تناقضاً، وأكثر من الأمور أدلة على نقيضها، من الأدلة العقلية والسمعية، لكان اشتبه بعض أصولهم على كثير من أهل الإيمان فظنوا أن ذلك برهان عقلي معارض للقرآن الإلهي، ولم يعلموا أن البرهان موافق للقرآن ومعاضد لا مناقض معارض، وإن دلائل الآيات والآفاق العيانية موافقة للدلائل القرآنية، إذ كانت أدلة الحق شهوداً صادقين، وحكماً لا يثبت عندهم إلا الحق المبين.
ومن المعلوم أن أخبار الصادقين وشهاداتهم وإثباتاتهم تتعاون وتتعاضد وتتناصر وتتساعد، لا تناقض ولا تعارض، وإن قدر أن
(7/83)

أحدهم يغلط خطأ أو يكذب أحياناً، فلا بد أن يظهر خطأه وكذبه، وهذا ما استقراه الناس في أحاديث المحدثين للأحاديث النبوية، لا يعرف أن أحداً منهم غلط أو كذب، إلا وظهر لأهله صناعته كذبه أو خطأه.
وكذلك الناظرون - أهل النظر والاستدلال في الأدلة السمعية أو العقلية - ما يكاد يغلط غالط منهم، إلا ويعر فالناس غلطه من أبناء جنسه وغيرهم.
والجهمية النفاة المعطلة قلبوا حقائق الأدلة البرهانية العقلية والسمعية، ثم ادعوا أن معهم دلالات عقلية تعارض الآيات السمعية، فحرفوا الآيات وبدلوها بالتأويل، بعد أن أفسدوا العقول بزخرف الأباطيل.
قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون * أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين * وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} [الأنعام: 112-115] .
فإذا رأيت الدلائل اليقينية تدل على أن ما اخبر به الرسول لا يناقض العقول، بل يوافقها، وأن ما ادعاه النفاة من مناقضة البرهان
(7/84)

لمدلول القرآن قول باطل، فلا تعجب من كثرة أدلة الحق، وخفاء ذلك على كثيرين، فإن دلائل الحق كثيرة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وقل لهذه العقول التي خالفت الرسول، في مثل هذه الأصول: كادها باريها، واتل قوله تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 26] .
ومما يوضح الأمر في ذلك أن يقال: من المعلوم أن موسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلم وأمثالهما، كانوا من أكمل الناس معرفة وخبرة وعقلاً باتفاق من آمن بهم ومن كفر، فإن الكافر بهم يقول: كانوا من أدهى الناس واخبرهم بالأمور، وأعرفهم بالطرق التي تنال بها المقاصد، والأسباب التي تطلب بها المرادات، فسعوا فيما يصدقهم به الناس، ويطيعونهم بما كان عندهم من المعرفة والحذق والذكاء.
وأما المؤمن بهم فيقول: إن الله خصهم من العلم والعقل والمعرفة واليقين، بما لم يشركهم أحد من العالمين.
وقال وهب بن منبه لو وزن عقل محمد صلى الله عليه وسلم بعقل أهل الأرض لرجح.
وإذا كان كذلك امتنع في صريح العقل أن من يريد أن الناس يصدقونه ويطيعونه، يذكر لهم ما يوجب في صريح العقل تكذيبه
(7/85)

ومعصيته، والقدح فيما جاء به ومعارضته، فإن كان المفهوم المعروف مما أخبروا به الناس مناقضاً لصريح العقل.
وهم لو لم يعرفوا أنه مناقض لصريح العقل، فقد وصفهم من قال ذلك من نقص العقل وفساده، بما أجمع الناس على فساده، وإن علموا أنه مناقض لصريح العقل، وأظهروه ولم يبينوه، ولم يذكروا ما يجمع بينه وبين صريح العقل، فقد سعوا فيما به يكذبهم المكذب، ويرتاب المصدق، ويستطيل به أعداؤهم على أوليائهم، فيكون أوليائهم في الريب والاضطراب، وأعدائهم قد فوقوا إليهم النشاب، وحزبوا عليه الأحزاب، وهم لا يستطيعون نصر ما جاء به الرسول بل يطلبون الإعراض عن سماعه، ومنع الناس من استماعه، ولا يفعله إلا من هو من أقل الناس عقلاً.
وإذا كان هؤلاء بإجماع أهل الأرض كاملي العقول والمعرفة، بل أكمل الناس عقلاً ومعرفة، تبين أن الدين الذي أظهروه وبينوا وأخبروا به ووصفوه، لم يكن عنهم مناقضاً لصريح المعقول، ولا منافياً لحق مقبول، بل كان عندهم لا يخالف ذلك إلا كل كاذب جهول.
ومما يوضح الأمر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظهر وانتشر ما أخبر به من تبديل أهل الكتاب وتحريفهم، وما اظهر من عيوبهم وذنوبهم، تنزيه لله عما وصفوه به من النقائص والعيوب،
(7/86)

كقوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} [آل عمران: 181] .
وقوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين} [المائدة: 64-65] ، وقوله تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38] .
ونزه نفسه عما يصفوه به من الفقر والبخل والإعياء، فالإعياء من جنس العجز المنافي لكمال القدرة، والفقر من جنس الحاجة إلى الغير المنافي لكمال الغنى، والبخل من جنس منع الخير وكراهة العطاء، المنافي لكمال الرحمة والإحسان، وكمال القدرة والرحمة.
والغنى من الغير مستلزم سائر صفات الكمال، فإن الفاعل إذا كان عاجزاً لم يفعل، وإذا كان قادراً ولم يرد فعل الخير لم يفعله، فإذا كان قادراً مريداً له فعل الخير، ثم إن كان محتاجاً إلى غيره، كان معاوضاً لا محسناً متفضلاً، وكان فيه نقص من وجه آخر، فإذا كان مع
(7/87)

هذا غني عن الغير، لم يفعل إلا لمجرد الإحسان والرحمة، وهذا غاية الكمال.
وقد نزه الله سبحانه نفسه في القرآن عما زعمته النصارى من الولد الشريك، فقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه} [النساء: 171] .
وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [المائدة: 17] .
وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} [المائدة: 73-74] .
ثم إنه جمع اليهود والنصارى في قوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30] .
ومن المعلوم لمن له عناية بالقران أن جمهور اليهود لا تقول: إن عزير ابن الله، وإنما قالت طائفة منهم، كما قد نقل أنه قاله فنحاص بن
(7/88)

عازورا، أو هو وغيره.
وبالجملة إن قائلي ذلك من اليهود قليل، ولكن الخبر عن الجنس.
كما قال: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] ، فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به، فلولا كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم، فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً، بل فيه إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت، وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور.
فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته، كان إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك، فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص في التوراة؟ فإنك تجد عامة كما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة، وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة.
وموسى لم يواطئ محمداً، ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب.
فدل
(7/89)

ذلك على صدق الرسولين العظيمين، وصدق الكتابين الكريمين.
وقلنا: إن هذا لو كان مخالفاً لصريح المعقول لم يتفق عليه مثل هذين الرجلين، اللذان هما وأمثالهما أكمل العالمين عقلاً، من غير أن يستشكل ذلك وليهما المصدق، ولا يعارض بما يناقضه عدوهما المكذب، ويقولان: إن إقرار محمد صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب على ذلك، من غير أن يبين كذبهم فيه، دليل على أنه ليس مما كذبوه وافتروا على موسى مع أن هذا معلوم بالعادة، فإن هذا في التوراة كثير جداً، وليس لأمة كثيرة عظيمة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، غرض في أن تكذب على من تعظمه غاية التعظيم، بما يقدح فيه، وتبين فساد أقواله، ولكن لهم غرض في أن يكذبوا كذباً يقيمون به رياستهم وبقاء شرعهم، والقدح فيما جاء به من ينسخ شيئاً منها، كما لهم غرض في الطعن على عيسى بن مريم وعلى محمد صلى الله عليهما وسلم، فإذا قالوا ما هو من جنس القدح فيه عيسى ومحمد كان تواطؤهم على الكذب فيه ممكن، فإما إذا قالوا ما هو من جنس القدح في موسى فيمتنع تواطؤهم على ذلك في العادة، مع علمهم بأنه يقدح في موسى، كما يمتنع تواطؤ النصارى على ما يعلمون انه قدح في المسيح.
(7/90)

وأما المسلمون فقد عصمهم الله من أن يتفقوا على خطأ، لكن يعلم بمطرد العادات انه يمتنع تواطؤهم على ما يعلمون أن قدح في نبوته، فإن هذا لا يفعله إلا من هو مبغض له مكذب، ونحن نعلم أن اليهود لم يتفقوا على ضرب موسى وتكذيبه، ولا اتفقت النصارى على بغض المسيح وتكذيبه، فضلاً عن أن تتفق طائفة من المسلمين على بغض محمد وتكذيبه، وإذا اتفقت طائفة على بغضه وتكذيبه، مثل غالية الإسماعيلية والخزمية الباطنية وأمثالهم، لم تكن هذه الطائفة من أهل الإيمان به، وقد انكشف - ولله الحمد - أمرهم، وانهتك سترهم.
وقد تتفق الطائفة على قول يكون متضمناً للقدح فيمن تعظمه ولا يعلم ذلك، كما يتفق مثل ذلك للنصارى والرافضة، وأمثالهم من جهال الطوائف، الذين اعتقدوا عقائد فاسدة فظنوها حقاً، وكذب بعضهم فنقلها لهم عن المسيح أو علي، فصدقوا ذلك الناقل، لا لثبوت صدقه عندهم، لكن لموافقته لهم فيما يعتقدونه.
وهذا سبب كثرة الكذب والضلال بين النصارى والرافضة والغلاة من العامة وغيرهم، وإذا كان كذلك فهذه الأقوال التي في التوراة: إن كانت مخالفة لصريح العقل لم يكن في إضافتها إلى موسى إلا بطريق القدح فيه، فيمتنع اتفاق اليهود على نقلها عنه، وإن لم تكن مخالفة لصريح العقل، لم يكن حينئذ في نقلها عن موسى محذور.
فثبت أن لا يجوز تكذيب نقل هذه عن موسى لاعتقاده مخالفتها بالعقل الصريح.
(7/91)

فإن قيل: إن الذي كذبها لهم كان يعتقد صدقها، أو كان غرضه إضلالهم، كما أن كثيراً من هذه الأمة يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أكاذيب لاعتقاده أنها حق صحيح يجب على الناس قبوله، فيكذب أحاديث في ذلك ليقبل الناس ما يعتقده، كما وقع مثل هذا لطوائف من أهل البدع والكلام، وبعض المتفقهة والمتزهدة، مثل الجويباري الذي كان يكذب للمرجئة والكرامية وغيرهم أحاديث توافق قولهم، ومثل بعض المتفقهة الذين كذبوا أحاديث توافق رأيهم لاعتقادهم أنه صدق، ومثل طائفة من أهل الزهد والعبادة كذبوا أحاديث في الرتغيب والترهيب، وقالوا: نحن كذبنا له ما كذبنا عليه، ومثل الذين كذبوا أحاديث في فضائل الأشخاص والبقاع والأزمنة وغير ذلك، وغير ذلك، لظنهم أن موجب ذلك حق، أو لغرض آخر.
وآخرون من الزنادقة والملاحدة كذبوا أحاديث مخالفة لصريح العقل ليهجنوا بها الإسلام ويجعلوها قادحة فيه، مثل حديث عرق الخيل الذي فيه أنه خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق، فإن هذا الحديث وأمثاله لا يكذبه من يعتقد صدقه لظهور
(7/92)

كذبه، وإنما كذبه من مقصوده إظهار الكذب بين الناس، كما يقولون: إنه وضعه بعض أهل الأهواء، ليقول: أن أهل الحديث يروون مثل هذا، ومع هذا فكل أهل الحديث متفقون على لعنة من وضعه.
ومما يشبه ذلك حديث الجمل الأورق وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق، فيصافح المشاة ويعانق الركبان، وحديث رؤيته لربه في الطواف، أو رؤيته ليلة المعراج بعين رأسه وعليه تاج يلمع، بل وكل حديث فيه رؤيته لربه ليلة المعراج عياناً، فإنها كلها أحاديث مكذوبة موضوعة، باتفاق أهل المعرفة بأحاديث، لكن الذين وضعوها يمكن أنهم كانوا زنادقة، فوضعوها ليهجنوا بها من يرويها ويعتقدها من الجهال، ويمكن أن الذين وضعوها كانوا من الجهال الذين يظنون مثل هذا حقاً، وأنهم إذا وضعوه قووا الحق، كما وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل الصحابة: أبي بكر وعمر وعثمان، لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب، فإنه لا يكاد يحصى، مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغنى عن الباطل، ومثل ما وضعوه في مثالبهم، لا سيما ما وضعته الرافضة في مثالب الخلفاء وغيرهم، فإن فيه من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله.
والمقصود أن المعترض يقول: يمكن أن يكون الذين كذبوا ما في
(7/93)

التوراة من الصفات على موسى، كانوا يعتقدونها فكذبوها، أو كان مقصودهم إضلال اليهود وبث الكذب فيهم لإفساد دينهم.
قيل: هذا القدر يمكن أن يفعله الواحد والاثنان والطائفة القليلة، ولكن هؤلاء إذا حدثوا به عامة اليهود، مع معرفتهم واختلافهم، فلا بد إذا كان معلوماً فساده بصريح العقل أن يرده بعضهم أو يستشكله، ويقول: إن مثل هذا يقدح في موسى، فحيث قبلوه كلهم علم أنهم لم يكونوا يعتقدون أنه فاسد في صريح العقل.
ومن المعلوم عند أهل الكتاب أن قدماءهم لم يكونوا ينكرون ما في التوراة من الصفات، وإنما حدث فيهم بعد ذلك، لما صار فيهم جهمية: إما متفلسفة مثل موسى بن ميمون وأمثاله، وإما معتزلة مثل أبي يعقوب البصير وأمثاله، فإن اليهود لهم بالمعتزلة اتصال وبينهما اشتباه، ولهذا كانت اليهود تقرأ الأصول الخمسة التي للمعتزلة، ويتكلمون في أصول اليهود بما يشابه كلام المعتزلة، كما أن كثيراً من زهاد الصوفية يشبه النصارى ويسلك في زهده وعبادته من الشرك والرهبانية ما يشبه سلوك النصارى، ولهذا أمرنا الله تعالى أن تقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط
(7/94)

المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6-7] .
والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال، واليهود تشبه الخالق بالمخلوق في صفات النقص.
ولهذا أنكر القرآن على كل من الطائفتين ما وقعت فيه من ذلك، فلو كان ما في التوراة من هذا الباب لكان إنكار ذلك من اعظم الأسباب، وكان فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لذلك من أعظم الصواب، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر ذلك، من جنس إنكار النفاة.
فنقول إثبات هذه الصفات يقتضي التجسيم والتجسيد والتشبيه والتكييف، والله منزه عن ذلك، فإن عامة النفاة إنما يردون هذه الصفات بأنها تستلزم التجسيم.
ومن المسلمين وأهل الكتاب من يقول بالتجسيد، فلو كان هذا وتجسيماً وتجسيداً يجب إنكاره، لكان الرسول إلى إنكار ذلك أسبق وهو به أحق.
وإن كان الطريق إلى نفي العيوب والنقائص، ومماثلة الخالق لخلقه، هو ما في ذلك من التجسيد والتجسيم، كان إنكار ذلك بهذا الطريق هو الصراط المستقيم، كما فعله من أنكر ذلك بهذا الطريق من القائلين بموجب ذلك من أهل الكلام، فلما لم ينطق النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون، بحرف من ذلك بل كان ما نطق به
(7/95)

موافقاً مصدقاً لذلك، وكان اليهود إذا ذكروا بين يدي أحاديث في ذلك يقرأ من القرآن ما يصدقها.
كما في الصحيحين عن «عبد الله بن مسعود أن يهودياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يوم القيامة يمسك السماوات على إصبع.
والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقول الحبر، ثم قرا قوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] » .
وأخبر هو صلى الله عليه وسلم بما يوافق ذلك غيره مرة، كما في حديث ابن عمر الذي في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر هذه الآية ثم قال: يقول الله: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ينجد نفسه.
قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها، حتى رجف به المنبر، حتى ظننا انه سيخر به» .
فهذا كله ذكرناه لما بينا أن ما يخالف هذه النصوص من القضايا التي يقال: أنها عقلية ليست مما يحتاج إليه في العلم بصدق الرسول، فاعلم
(7/96)

بطلان قول القائل: إن تقديم النقل على العقل يوجب القدح فيه بالقدح في أصله، حيث تبين أن ذلك ليس قدحاً في أصله.
وهذا الكلام في الأصل هو من قول الجهمية والمعتزلة وأمثالهم، وليس من قول الأشعري وأئمة الصحابة وإنما تلقاه عن المعتزلة متأخرو الأشعرية لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة الصحابة، الذين لم يكونوا بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة ادلة عقلية عقلية توافق السمع.
ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، واثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضاً للسمع، بل ما جعله معاضداً له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.
وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة الصحابة في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوا من العقليات.
والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب الأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الجسام وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة، كالحارث المحاسبي، وأبي علي الثقفي، وأبي بكر بن إسحاق الصبغي، مع أنه قد قيل: إن
(7/97)

الحارث رجع عن ذلك، وذكر عن غير واحد ما يقتضي الرجوع عن ذلك، وكذلك الصبغي والثقفي قد روي أنهما استتيبا فتابا.
وقد وافق الأشعري على هذه الأصول طوائف من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، منهم من تبين له بعد ذلك الخطأ فرجع عنه، ومنهم من اشتبه عليه ذلك، كما اشتبه غير ذلك على كثير من المسلمين، والله يغفر لمن اجتهد في معرفة الصواب من جهة الكتاب والسنة، بحب عقله وإمكانه وإن أخطأ في بعض ذلك.
والمقصود أنه لم يكن في المنسوبين إلى السنة ولو كان فيه نوع من البدعة، من يزعم أن صريح المعقول يخالف مدلول الكتاب والسنة، بل كل من تكلم بذلك كان عند الأمة من أهل البدع المضلة، فضلاً عن أن يقال: إن ما به يعلم صدق الرسول من المعقول مناقض لمدلول الكتاب والسنة، وإذ هذا كلام يفتح على صاحبه من الزندقة والإلحاد ما يخرجه عن طرد قوله إلى غاية الجهل والضلال والكفر والإلحاد، وإن لم يطرد قول ظهر منه من التناقض والفساد ما لا يوافقه عليه لا أهل التوحيد والحق والإيمان ولا طائفة من طوائف العباد.
وبهذا كان يصف الأشعري كل من يواليه ويحبه من المنسوبين إلى السنة والجماعة، كما في رسالة أبي بكر البيهقي التي كتبها إلى بعض ولاة الأمور لما كان وقع بخراسان من لعنة أهل البدع ما وقع، وقصد بعض
(7/98)

الناس إدخال الأشعري فيهم.
وقد ذكر الرسالة أبو قاسم بن عساكر في تبين كذب المفتري.

رسالة البيهقي في فضائل الأشعري
قال البيهقي في أثناء الرسالة: (فليعلم الشيخ العميد أن أبا الحسن من أولاد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه) .
ثم ذكر من فضائل أبي موسى الأشعريين، وذرية أبي موسى أموراً معروفة، إلى قال: (إلى أن بلغت النوبة إلى أن شيخنا أبي حسن الأشعري، فلم يحدث في دين الله حدثاً، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة، في أصول الدين، فبصرنا بزيادة شرح وتبيين وأن ما قالوه وجاء به الشرع في الأصول صحيح في المعقول، خلاف ما زعمه أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه
(7/99)

تقوية ما لم يزل عليه أهل السنة والجماعة، ونصرت أقاويل من مضى من الأئمة، كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من أهل الحجاز، وغيرها من سائر البلاد، كأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار، وذلك من دأب من تصدر من الأئمة في هذه الأمة، وصار رأساً في العلم أهل السنة، في قديم الدهر وحديثه.
إلى أن قال: (وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة، وتركوا ظاهر الكتاب والسنة، وأنكروا ما ورد أنه من صفات الله تعالى، نحوه: الحياة والقدرة والعلم، والمشيئة، والسمع، والبصر، والكلام، وجحدوا ما دل عليه من المعراج وعذاب القبر، والميزان، وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران، وما لنبينا صلى الله عليه وسلم من الحوض والشفاعة، وأن الخلفاء الأربعة
(7/100)

كانوا محقين فيما قاموا به من الولاية، وزعموا أن شيئاً من ذلك لا يستقيم على العقل، ولا يصح في الرأي - أخرج الله من نسل أبي موسى الأشعري إماماً قام بنصرة دين الله، وجاهد بلسانه وبنانه من صد عن سبيل الله، وزاد في التبيين لأهل اليقين، أن ما جاء به الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، مستقيم على العقول الصحيحة والآراء.
ومضمون الرسالة إزالة ما وقع من الفتنة وإطابة قلوب أهل السنة.
قال أبو القاسم بن عساكر: (وإنما كان انتشار ما ذكر أبو بكر البيهقي من المحنة واستعار ما أشار بإطفائه - في رسالته -من الفتنة، ما تقدم به من سب حزب الشيخ أبي الحسن الأشعري، في دولة السلطان طغرلبك، ووزارة أبي نصر الكندري، وكان السلطان حنيفاً سنياً، وكان وزيره معتزلياً رافضياً، فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع، قرن الكندري - للتسلي والتشفي - اسم الأشعرية
(7/101)

بأسماء أرباب البدع، وامتحن الأئمة الأفاضل، وعزل أبا عثمان النيسابوري عن خطبة نيسابور، وفوضها إلى بعض الحنيفة، فأم الجمهور، وخرج الأستاذ أبو القاسم وأبو المعالي عند البلد) .
ثم ذكره زوال تلك المحنة في دولة ابن ذلك السلطان ووزارة النظام.
وهذا الذي ذكره عنه البيهقي هو المعروف في كتبه وعند أئمة الصحابة، وذكر ابن عساكر عن جماعة ما يوافق كلام البيهقي فذكر أن أبا الحسن القابسي - وهو من كبار أئمة المالكية بالمغرب - سأل عنه فكان في جوابه: (واعلموا أن أبا الحسن الأشعري لم يأت من هذا الأمر - يعني الكلام - إلا ما أراد به إيضاح السنن - والتثبيت عليها - ودفع الشبه عنها) .
وقال أبو بكر بن فورك: (انتقل الشيخ أبو الحسن الأشعري
(7/102)

من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية، وصنف في ذلك الكتب) .
وذكر ابن عساكر كلامه في مصنفاته.

كلام الأشعري في الإبانة
وقوله: (فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم الني بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي به تقول: وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثبوبته - قائلون: ولمن خالف
(7/103)

قوله مجانبون، لأن الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولد، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، وأن له وجه، كما قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [طه: 27] ، وان له يدين كما قال: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ، كما قال {لما خلقت
(7/104)

بيدي} [ص 75] ، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: {تجري بأعيننا} [القمر: 15] ، إلى أن قال
(ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ، وأن الله يقرب من عباده كيف يشاء كما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] ، وكما قال: {ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى} [النجم: 8-9] .

تعليق ابن تيمية
فهذا الكلام وأمثاله في كتبه وكتب أئمة أصحابه: يبينون أنهم يعتصمون في مسائل الأصول التي تنازع فيها الناس بالكتب والسنة والإجماع، وأن دينهم التمسك بالكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ثم خصوا الإمام أحمد بالاتباع والموافقة، لما أظهر من السنة بسبب ما وقع له من المحنة.
فأين هذا من قول من لا يجعل الكتاب والسنة والإجماع طريقاً إلى معرفة صفات الله، وأمثال ذلك من مسائل الأصول؟ فضلاً عمن يدعي تقديم عقله ورأيه على مدلول الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأئمة، ومن يقول: إذا تعارض القرآن وعقولنا قدمنا عقولنا على القرآن.
(7/105)

ولهذا كان الأشعري وأئمة الصحابة من المثبتين لعلو الله بذاته على العالم، كما كان ذلك مذهب ابن كلاب، والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي، وأبي بكر الصبغي، وأبي علي الثقفي وأمثالهم.
لكن للبقايا التي بقيت على ابن كلاب وأتباعه من بقايا التهجم والاعتزال، كطريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام، احتاج من سلك طريقهم إلى طرد تلك الأقوال، فاحتاج أن يلتزم قول الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات الخبرية، ويقدم عقله على النصوص الإلهية، ويخالف سلفه والأئمة الأشعرية، وصار ما مدح به الأشعري وأئمة الصحابة من السنة والمتابعة النبوية عنده من أقوال المجسمة الحشوية، كما أن المعتزلة لما نصروا الإسلام في مواطن كثيرة، وردوا على الكفار بحجج عقلية، لم يكن أصل دينهم تكذيب الرسول، ورد أخباره ونصوصه، لكن احتجوا بحجج عقلية: إما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم وإما تلقوها عمن احتج بها من غير أهل الإسلام، فاحتجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها وتسلم عن النقص والفساد، فوقعوا في أنواع من رد المعاني الأخبار الإلهية، وتكذيب الأحاديث النبوية.
وأصل ما أوقعهم في نفي الصفات والكلام والأفعال، والقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، والعلو لله على خلقه - هي طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وعنها لومهم ما خالفوا به الكتاب والسنة والإجماع في هذا المقام، مع مخالفتهم للمعقولات الصريحة التي لا تحتمل
(7/106)

النقيض، فناقضوا العقل والسمع من هذا الوجه، وصاروا يعادون من قال بموجب العقل الصريح، أو بموجب النقل الصحيح.
وهم وإن كان لهم من نصر بعض الإسلام أقوال صحيحة، فهم فيما خالفوا به السنة سلطوا عليهم وعلى المسلمين أعداء الإسلام، فلا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا.

اعتراض يذكر نفاة الصفات
فإن قيل: إنما لم يعارض سلف المؤمنين والكفار المتقدمون لهذه النصوص لأنهم كانوا قوماً عرباً فصحاء يفهمون ما أريد بها، ولم يكونا يفهمون منها إثبات أن ذاته نفسه فوق العرش، ولا ما يشبه ذلك من الأمر المستلزمة للتجسيم، فلما لم يفهموا منها ما فهمه المتأخرون من هذا الإثبات، لم يكن المفهوم منها عندهم معارضاً لشيء من الأدلة العقلية، وأما المتأخرون فلما صاروا يستدلون بها على الإثبات المستلزم للتجسيم، صار من يريد أن يرد عليهم يعارضهم بالأدلة العقلية النافية.
فهذا خلاصة ما يمكن أن يقوله من يعظم الرسول والسلف من النفاة.

بطلان هذا الكلام من وجوه متعددة: الوجه الأول
فيقال: هذا باطل من وجوه متعددة: الوجه الأول
أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أن قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات: لا دلالة قطعية ولا ظاهرة بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه إثبات.
(7/107)

ومن المعلوم أن هذا خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة، حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات.
ولكن هؤلاء المتفلسفة يقولون: إن الرسول لم يرد بيان العلم والإخبار بالأمر على وجهه، وإنما أراد التخييل، وإن تضمن ذلك التدليس وإظهار خلاف ما يبطن والكذب للمصلحة وهذا قول الملاحدة الباطنية.
وفساد هذا المعلوم من وجوه اكثر مما يعلم به فساد قول الجهمية والمعتزلة.
ولهذا كان هؤلاء عند المسلمين ملاحدة زنادقة

الوجه الثاني
أن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين، بل المصنفة في السنة من: كتاب السنة والرد على الجهمية، للأثرم،، ولعبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي داود السجستاني، وعبد الله بن محمد الجعفي، والحكم بن معبد الخزاعي، وحشيش بن أصرم النسائي، وحرب بن قاسم الكرماني، وأبي بكر الخلال، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي القاسم الطبراني، وأبي الشيخ الأصبهاني، وأبي أحمد العسال، وأبي
(7/108)

نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي حفص بن شاهين، ومحمد بن إسحاق بن منده، وأبي عبد الله بن بطه، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي ذر الهروي، وأبي محمد الخلال، والبيهقي، وأبي عثمان الصابوني، وأبي نصر السجزي، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم اللالكائي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم التيمي، وأضعاف هؤلاء رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين، ما يعلم منه بالاضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه.
وهذا يصير دليلاً من وجهين: أحدهما من جهة إجماع السلف، فإنهم يمتنع أن يجمعوا في الفروع على الخطأ، فكيف في الأصول.
الثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك.
ولهذا كان الذين أدركوا التابعين من أعظم الناس قولاً بالإثبات وإنكاراً لقول النفاة، كما قال يزيد بن هارون الواسطي من قال: إن الله على العرش استوى، خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي.
وقال الأوزاعي كنا - والتابعون متوافرون - نقر بأن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.

الوجه الثالث
أن من له عناية بآثار السلف بعلم علماً أن قول النفاة إنما حدث فيهم في أثناء المائة الثانية، وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد
(7/109)

بن درهم، والجهم بن صفوان، وقد قتلهما المسلمون.
وكلام السلف والأئمة في ذم الجهمية أعظم وأكثر من أن يذكر هنا، حتى كان غير واحد من الأئمة يخرجهم عن عداد الأمة.
وقال يوسف بن أسباط وعبد الله ابن المبارك: أصولي الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج والشيعة، والمرجئة والقدرية،.
فقيل لابن المبارك: فالجهمية: فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة والزنادقة؟ - قولان.
والجهمية باتفاقهم هم نفاة الصفات الذين يقولون إن الله ليس فوق العالم، ولا يرى، ولا تقوم به صفة ولا فعل.
وابن كلاب ومتبعوه خالفوهم في العلو والصفة، ووافقوهم على نفي الأفعال القائمة به، وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته، فكيف يمكن مع هذا أن يقال: إن السلف كانوا من القائلين بنفي العلو والصفات.
وإذا كانوا من المثبتة امتنع أن يقال: إنهم عرفوا أن القرآن إنما يدل على قول الإثبات وخالفوه.

الوجه الرابع
أن يقال: القرآن: إما أن يقال: إنه بنفسه دال على العلو وإثبات ما يفهم منه من الصفات.
وإما أن يقال: أنه ينفي ذلك، وإما أن يقال: إنه لا يدل على ذلك لا بنفي ولا إثبات.
فإن قيل بالأول ثبت المقصود وعلم أن مدلول القرآن ومفهومه هو
(7/110)

الإثبات، وتبين ما ذكر من أنه يمتنع أن يكون العقل الصريح معارضاً لذلك.
وإن قيل بالثاني كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار، فإن ليس في القرآن آية واحدة ظاهرة في نفي الصفات، وغاية ما يريد من يستدل بذلك أن يستدل بقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] ، ونحو ذلك، وهذه الآيات إنما تنفي مماثلة صفاته لصفات المخلوقين، لا تنفي ثبوت الصفات.
ولا ريب أن القرآن تضمن إثبات الصفات ونفى مماثلة المخلوقات، فأما أن يكون فيه ما ينفي الصفات، فهذا من أعظم البهتان، الذي يظهر أنه كذب لكل عاقل.
ولهذا لما كان النفاة يعتمدون على ما ينفي التمثيل كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ، وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} ، وهذا لا يدل على مقصودهم في اللغة التي نزل بها القرآن، بل هو على نقيض مقصودهم أدل، فإن هذا يدل على ثبوت شيء موصوف بصفات الكمال، لا مماثل له في ذلك، وهم لم يثبتوا ذلك - احتاجوا إلى أن يفتروا على اللغة، بعد أن افتروا على العقل، فصاروا مفترين على الشرع والعقل واللغة، فيقول أحدهم: لو كان موصوفاً بالعلو لكان جسماً، ولو كان جسماً لكان مماثلاً لسائر الأجسام، والله قد نفى عنه المثل، فهذا أعظم ما يعتمدون عليه من جهة السمع.
وقد بين في غير هذا الموضع فساد هذا من وجوه كثيرة.
منها أن يقال: هنا ثلاث مقدمات حصل فيها التلبيس: أحدها: كون كل
(7/111)

عال جسماً.
والثاني: كون الأجسام متماثلة.
والثالث: كون هذا التماثل هو المراد بالمثل في لغة العرب التي نزل بها القرآن.
ومنشأ الغلط في الاشتباه والاشتراك والإجمال في لفظ (الجسم) ولفظ (المثل) .
فيقال: الجسم في لغة العرب هو البدن، وهو عندكم مما يمكن الإشارة إليه، فالهواء والماء والنار ونحو ذلك ليس جسماً في لغة العرب، وهو في اصطلاحكم جسم.
وإذا كان الجسم في لغة العرب أخص منه في عرفكم، وقد علم بصريح العقل أن الذهب ليس مثل الفضة، ولا الخبز مثل التراب، ولا الدم كالذهب، فما يسمى في لغة العرب (جسداً) و (جسماً) ونحو ذلك، هو مما يعلم أنه ليس متماثلاً بصريح العقل والحس، فكيف بما هو أعم من ذلك، مثل كونه يشار إليه، أو كونه يقبل الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق؟ مع أن هذه الألفاظ ليس مرادهم بها ما هو معناها في اللغة المعروفة، فإن هؤلاء عندهم الحبة الواحدة، كالعدسة والسمسمة، بل الذرة التي قال الله فيها: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء: 40] ، هي في اصطلاحهم طويلة عريضة عميقة.
ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أنهم يقولون عن نوع الإنسان: هذا طويل، وهذا قصير.
وكذلك أعضاء الإنسان كيده
(7/112)

ورجله وعنقه، يقولون: هذا طويل وهذا قصير، ويقولون: هذا عريض، وهذا دقيق ورقيق، لعنقه ويده.
وأما العميق عندهم فيقال في مثل الآبار ونحوها، لا يقولون لفم الإنسان: إنه عميق، ولا لأذنه وعينه ونحو ذلك، فكيف بالعدسة والسمسمة والذرة.
فإذا قالوا عن الشيء: إنه طويل عريض عميق، لم يقصدوا بذلك المعروف في اللغة، وما يعقله الناس من معنى الطول والعرض والعمق، بل يقصدون هذا المعنى العام الذي وضعوا له لفظ الطول والعرض والعمق، ثم يقولون مع هذا: إن كل ما وصف بهذه المعاني العامة، فإنه يجب أن يكون مماثلاً مستوياً في الحد والحقيقة، لا يختلف إلا باختلاف أعراضه.
فهذا القول من أبعد الأقوال عن المعقول الذي يعرفه الناس بحسهم وعقلهم.
ثم بتقدير أن يكون كذلك، فلا يتمارى عاقلان أن لفظ (المثل) في لفة العرب وسائر الأمم ليس المراد به هذا، وأنه إذا قيل له: إن كذا مثل كذا، أو ليس مثله، وهذا ليس له مثل، فإنه ليس المفهوم من (المثل) كون هذا بحيث يشار إليه، وكون هذا بحيث يشار إليه، أو كون كل منهما له قدر، أو له طول وعرض وعمق، لا بالمعنى اللغوي، ولا بما هو أقرب إليه، فضلاً عن اصطلاحهم.
ونحن نعلم بالضرورة من لغة العرب انهم لا يقولون: الجبل مثل النار، ولا الهواء مثل الماء ولا الجمل مثل البقر، ولا الشمس والقمر مثل الذهب والفضة، مع اشتراكهما في كثير من الصفات الزائدة على
(7/113)

مطلق المقدار، بل قد نفى في القرآن كون الشيء مثل غيره مع كون كل منهما جسماً، بل حيواناً، بل إنساناً.
كما يف قوله: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] .
وقال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 58-61] .
وهذا في لغة العرب لقول شاعرهم:
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل
وقال الآخر:
ما إن كمثلهم في الناس واحد
فكيف يجوز مع هذا أن يستدل بقوله: {ليس كمثله شيء} ، أو قوله: {ولم يكن له كفوا أحد} على أنه لا صفة له، أو لا يرى في الآخرة، أو ليس فوق العرش - بناءً على تلك المقدمات، وهو أنه لو كان كذلك لكان جسماً، والأجسام متماثلة، والله قد نفى المثل؟
ومن عجيب ما يحتجون به أنهم يقولون: لو كان متصفاً بذلك لكان جسماً، ولو كان جسماً لكان منقسماً، والمنقسم ليس بواحد، والله قد أخبر أنه واحد.
مع أنه لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم
(7/114)

من الأمم، استعمال الواحد الأحد والوحيد إلا فيما يسمونه جسماً ومنقسماً، كقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} [المدثر: 11] .
وقوله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] .
وقوله: {واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} إلى قوله: {قال له صاحبه وهو يحاوره} [32-37] .
وقوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} [البقرة: 266] .
وقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] .
وقوله: {ولا يشرك في حكمه أحدا} [الكهف: 26] .
وقوله: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] .
وقوله: {ولا تستفت فيهم منهم أحدا} [الكهف: 23] .
وقوله: {قل إني لن يجيرني من الله أحد} [الجن: 22] .
وقوله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] .
وقوله: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] .
(7/115)

وقوله: {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] .
إلى قوله: {أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} [يوسف: 41] .
وقوله: {قالت إحداهما يا أبت استأجره} [القصص: 26] .
إلى قوله: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} [القصص: 27] .
وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] .
والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد، وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد، ورأس واحد، وذكر واحد، وأمير واحد، وملك واحد، ومسكن واحد، وسيد واحد، وأمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.
فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسماً منقسماً، لأن ما لا يسمونه هم جسماً منقسماً ليس هو شيئاً يعقله الناس، ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه، بل عقول الناس وفطرهم مجبولة على إنكاره ونفيه، فلو قدر وجود هذا في الخارج، أو إمكان وجوده، لاحتيج بعد ذلك إلى أن يثبت لفظ (الواحد) في لغة العرب يعبرون بها عنه، إذ ليس كل ما وجد، أو أمكن وجوده، يجب أن يتصوره أهل اللغة، ويكون داخلاً فيما عبروا عنه من لغتهم.
(7/116)

وإذا قدر أن أهل اللغة عبروا بلفظ (الواحد) و (الأحد) في لغتهم عن هذا، لم يجز أن يقال: إن لفظ (الواحد) في لغتهم لا يقع إلا عليه، لما ذكرناه أن لفظ (الواحد) وما اشتق منه عرف واشتهر استعماله في اللغة فيما يجعلونه هم جسماً منقسماً، وذلك ليس بواحد عندهم، فسمي الواحد عندهم منتف في اللغة، وإن قدر وجوده لكان نادراً في اللغة.
والغالب المشهور في اللغة أن اسم (الواحد) يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم، وإذا كان كذلك لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] ، وقوله: {قل هو الله أحد} ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة العرب، واخبرنا فيه انه أحد، وأنه إله واحد - على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحداً مما ليس معروفاً في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر - كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديماً بنفسه، متصفاً بالصفات مبايناً لغيره، مشاراً إليه.
وما لم يكن مشاراً إليه أصلاً، ولا مبايناً لغيره، ولا مداخلاً له، فالعرب لا تسميه واحداً ولا أحداً، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم.
(7/117)

يؤيد هذا أنهم يقولون: اللفظ المشهور في اللغة الذي يتداوله الخاص والعام لا يجوز أن يكون موضوعاً بإزاء المعنى الدقيق الذي لا يفهمه إلا خواص الناس، وهذا مما استدل به نفاة الأحوال على مثبتيها، وقالوا: المعروف في اللغة أن الحركة هي كون الجسم متحركاً.
وأما ما يدعونه من أن الحركة أمر يوجب كون الجسم متحركاً، فهذا المعنى لا يفهمه إلا الخاصة، فضلاً عن أن يعلموا أن لفظ (الحركة) موضوع له.
ولفظ (الحركة) لفظ مشهور يتداوله الخاصة والعامة، فلا يحوز أن يكون مفهومه ما لا يتصوره المخاطبون به.
وهذا بعينه ما يقال لهؤلاء النفاة الذين يسمون نفيهم توحيداً، فيقال هذا الواحد الذي تثبتونه، وهو أنه لا يشار إليه، ولا يتميز منه شيء عن شيء، ونحو ذلك - أمر لا يتصوره إلا بعض الناس، بل قليل منهم، والذين تصوروه تناعوا في إمكان وجوده في الخارج، فمنهم من قال: وجود هذا في الخارج ممتنع، وإن كان كذلك، ولفظ الواحد مشهور في اللغات كلها أشهر من لفظ (الحركة) ، فلا يجوز أن يكون مسمى هذا الاسم في اللغة المعروفة معنى لا يتصوره إلا قليل من الناس، وهم متنازعون في إمكان ثبوته في الخارج، وإذا لم يكن هذا المعنى هو المراد بلفظ (الواحد) و (الأحد) ، لم يجز الاستدلال بالسمع الوارد بلغة العرب على هذا.
(7/118)

ولو قيل: إنه يجوز استعمال لفظ (الواحد) في لغتهم في هذا المعنى: إما بطريق المجاز والاشتراك أو التواطؤ.
قيل: هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى، وبتقدير أن يكون مستعملاً في هذا وهذا، فإنه يكون دالاً على ما به الاشتراك، فلا يدل على ما يمتاز به أحدهما عن الآخر، فلا يدل على محل النزاع، ولو قدر أنه حقيقة في أحدهما: مجاز في الآخر، لكان حقيقة في المعنى الذي يسبق إلى إفهام الناس عند الإطلاق، وهو المعروف.
ولو قدر أنه مشتركاً اشتراكاً لفظياً لم يجز تعيين محل النزاع إلا بقرينة تدل على تعيينه، والقرائن اللفظية إنما تدل على نقيض قولهم، لا على عين قولهم، فإنه ليس في الكتاب إثبات واحد بالمعنى الذي ادعوه، فضلاً عن أن يكون الله موصوفاً به.
وهذا (الواحد) الذي يثبته هؤلاء من جنس الأحوال التي يثبتها أولئك، ومن جنس الشيء المعدوم الذي يثبته من يقول: المعدوم شيء، ومن جنس الكليات والمجردات، كالعقول والمادة والصورة العقلية التي يثبتها الفلاسفة، فهؤلاء يثبتون في الخارج ما لا وجود له في الخارج، لكن مثبتة الأحوال اعقل، ولهذا كان فيهم من هو من أهل الإثبات، فإنهم عرفوا أنها ليست موجودة في الخارج، لكن تناقضوا حيث قالوا: لا موجودة ولا معدومة، فصاروا مشابهين للقرامطة الباطنية المتفلسفة، الذين يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت.
ومن قال: المعدوم شيء، وهو ثابت وليس بموجود - يشبه المتفلسفة الذين جعلوا
(7/119)

الكليات المجردات أموراً موجودة في الخارج، لكن تناقضوا حيث فرقوا بين الوجود والثبوت.
والمقصود أن كل هؤلاء يجمعهم إثبات أمور يدعون أنها موجودة في الخارج، وهي لا يتصورها إلا طائفة قليلة من الناس، فضلاً عن أن تكون الألفاظ المعروفة المشهورة في اللغة دالة عليها.
ولا ريب أنهم أخطأوا في المعاني المعقولة، ثم في مدلول الألفاظ المسموعة.
فتبين لك أن قولهم يتضمن من الفرية على اللغة والعقل من جنس ما تضمن من الفرية على الشرع، وأنهم لا يمكنهم أن يقولوا: إن الشرع دال على قولهم بوجه من الوجوه، لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز.
فإذا أريد بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعوه من مسمى الواحد، كان هنا طرق:
أحدها: أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا فيما نفوه دون ما أثبتوه.
الثاني: أن نبين انتفاء ما أثبتوه في الخارج، وحينئذ فلا يكون كلام دالاً على وجود ما ليس بموجود.
الثالث: أن ما يذكرونه لا يتصوره عامة الناس: لا العرب ولا غيرهم، فلا يكون اللفظ موضوعاً له ودالاً عليه، وإن كان له وجود.
ولا يقال: هو بتقدير وجوده يشمله لفظ الواحد، لما تقدم من أن اللفظ المشهور بين الخاص والعام لا يكون مسماه مما لا يتصوره إلا الخاصة.
الطريق الرابع: أنه بتقدير شموله لما أثبتوه وما نفوه، فلا ريب أن شموله لما
(7/120)

نفوه أظهر، إذ لم يعرف استعماله في ذلك، فلا يمكنهم دعوى اختصاص معنى الواحد بما ادعوه.
الخامس: أنه بتقدير عمومه وكونه متواطئاً إنما يدل على القدر المشترك لا على خصوص ما أثبتوه.
السادس: أنه بتقدير كون أحدهما مجازاً، فالحقيقة هي ما نفوه دون ما أثبتوه، لأن المعنى الذي يسبق إلى إفهام المخاطبين.
السابع: أنه بتقدير الاشتراك اللفظي لا يجوز إرادة ما ادعوه غلا بقرينة، ويكفينا في هذا المقام ألا نستدل به على أحدهما.
الثامن: أن من يستدل به على ما نفوه، لأن القرائن اللفظية المذكورة في القرآن تدل عليه، لأنه أثبت لهذا الواحد صفات متعددة، وأفعالاً متعددة، وتلك تستلزم ما نفوه لا ما أثبتوه.
التاسع: أن يقال: أسم (الأحد) لا يستعمل في حق غير الله إلا مع الإضافة، أو في غير الموجب، كقوله: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] ، وقال: {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] ، وقال: {وإن أحد من المشركين استجارك} [التوبة: 6] ، فهو أبلغ في إثبات الوحدانية من اسم الواحد، ومع هذا فلم يستعمل إلا فيما نفوه مثل قوله: {ولم يكن له كفوا أحد} وأمثاله، لا يعرف استعمال (الأحد) فيما ادعوه، لا في النفي والإثبات، فكيف اسم الواحد؟
(7/121)

العاشر: أن القرآن أثبت الوحدانية في الإلهة بقوله: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 62] ، وقوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} [النحل: 51] ، وقوله حكاية عن المشركين: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] .
وأمثال ذلك.
وأما كون القديم واحداً، أو الواجب واحداً، فهذا إنما يعرف عن الجهمية من المتكلمين والفلاسفة، فإنهم قالوا: القديم واحد، وهو لفظ مجمل يراد به أن الإله القديم واحد، وهذا حق، ويراد به أن مسمى القديم واحد، ثم قالوا: لو أثبتنا له الصفات لكان القديم أكثر من واحد.
وقالت جهمية الفلاسفة: الواجب واحد، وهو مجمل: يراد به الإله الواجب بذاته، وهذا حق.
ويراد به مسمى الواجب ثم قالوا: لو أثبتنا له الصفات لتعدد الواجب.
ومعلوم أن التوحيد الذي في القرآن هو الأول لا هذا، وكذلك التوحيد الذي جاءت به السنة، واتفق عليه الأئمة، فتبين أن لفظ (التوحيد) و (الواحد) و (الأحد) في وضعهم واصطلاحهم، غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي اللغة التي جاء بها القرآن.
وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي
(7/122)

لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 4] ، بل لفظ (التوحيد) و (الأحد) و (الواحد) الموجود كلام الله ورسوله يدل على نقيض قولهم، وأنه موصوف بالصفات الثبوتية، كما تقدم التنبيه عليه من أنه لا يعرف مسمى الواحد في لغة العرب إلا ما كان كذلك، ومن أن الله وصف هذا الواحد بالصفات الثبوتية، وسماه بالأسماء المتضمنة للمعاني الثبوتية في غير موضع.
فلو قدر أن لفظ (الواحد) فيه اشتراك وإجمال، لكان ما بينه القرآن من اتصافه بالصفات الثبوتية رافعاً للإجمال والاشتراك، موافقاً لقول أهل الإثبات دون النفاة.
وهذه الأدلة كلما تدبرها العاقل تبين له قطعاً أن هؤلاء النفاة مناقضون للرسول، هم في جانب، والرسل في جانب، كمناقضة القرامطة الباطنية وأمثالهم، وأن استدلال هؤلاء بنصوص الأنبياء على نفيهم، من جنس استدلال القرامطة على شريعتهم الإلحادية بنصوص الأنبياء.
ومما يبين ذلك أن كلام الله ورسوله صدق، بل أصدق الكلام كلام الله.
والكلام الصدق يتضمن الإخبار عن الأمور على ما هي عليه، لا على خلاف ما هي عليه، بخلاف الكلام الذي هو كذب، سواء كان
(7/123)

صاحبه يعلم أنه كذب، أو كان مخطأ يظن أنه صدق مطابق للحقائق وليس كذلك، كما هو كلام هؤلاء النفاة للصفات، فإن الواحد الذي يثبتونه لا حقيقة له في الخارج، فيمتنع أن يكون كلام الله مخبراً عن وجوده في الخارج وذلك أنهم يجعلون الحقائق المتنوعة: كل واحدة هي الأخرى بلا امتياز أصلاً، فيجعلون الذات القائم بنفسها هي الصفة القائمة بها، كما يجعلون العالم عين العلم، والقادر عين القدرة.
ومنهم من يجعل العلم عين المعلوم، ويجعلون كل صفة هي الأخرى، كما يجعلون العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، أو يجعلون النوع الكلي العام المقسوم إلى أعيان هو واحد بالعين، بحيث تكون هذه العين هي تلك العين، كما يقولون: الوجود واحد، والموجود الواجب، وهو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، الذي لا يختص بوجه من الوجوه، أو بشرط عدم كل أمر وجودي عنه، فلا يختص بكونه واجباً أو عالماً أو قادراً أو حياً، أو نحو ذلك من الأمور التي توجب اختصاصه بموجود دون موجود.
وإذا حققوا الأمر لم يفرقوا بين الوجود الواجب الخالق القديم الفاطر الغني عن كل ما سواه، والوجود الممكن المحدث المخلوق المفطور الفقير الذي لا يستغني بوجه من الوجوه عن خالقه بل لا يزال فقيراً إليه.
ويجعلون الكلام المنقسم إلى الأمر والنهي والخبر هو نفس الأمر والنهي والخبر، وإن عين الكلام الذي هو أمر عين الكلام الذي هو
(7/124)

خبر، وعين الكلام الذي هو أمر بالصلاة، هو عين الكلام الذي هو أمر بالصيام، وعين الكلام الذي هو خبر عن الله، هو العين الكلام الذي هو خبر عن أبي لهب، فيجمعون ذلك بين كون الواحد العام الكلي المشترك الذي لا يكون إلا بالذهن، هو الآحاد المعينة الموجودة في الخارج، ولا يفرقون بين الواحد بالنوع والواحد بالعين.
كما لم يفرق بين هذا وهذا وحدة الوجود، الذين قالوا الوجود واحد، وجعلوا وجود الخالق عين وجود المخلوقات، الذين قالوا: الحقائق المتنوعة كالأمر والخبر حقيقة واحدة.
فالواحد الذي يثبته النفاة - أو من أخذ ببعض أقوالهم - لا بد أن يتضمن بعض هذا، مثل جعل الذرات هي الصفات، أو جعل كل صفة هي الأخرى، أو جعل الكل المقسوم إلى أنواع هو نفس الأعيان المختلفة الموجودة في الخارج، وجعل ما يمتنع وجوده في الخارج ولا يكون إلا في الذهن أمراً موجوداً في الخارج يجب وجوده في الخارج، وجعل ما يجب وجوده في الخارج مما يمتنع وجوده في الخارج، فلا يكون إلا في الذهن.
ومنتهاهم في توحيدهم إلى إثبات واحدين: أحدهما: الجوهر الفرد الذي يثبته من يثبته من المعتزلة ومن وافقهم من أهل الكلام، مع أن
(7/125)

جمهور العقلاء ينكرونه، مع دعوى النظام أن في كل جسم من ذلك ما لا يتناهى.
الثاني: الجواهر العقلية التي يثبتها من يثبتها من المتفلسفة، مع أن جمهور العقلاء يعلمون بالضرورة أنها إنما هي في الأذهان لا في الأعين، مثل الكليات المطلقة التي توصف بها العيان.
وهم يقولون إن الحقائق الموجودة بالخارج - الذي يسمونها الأنواع، كالإنسان والفرس وغيرها من أنواع الحيوان - مركبة من هذه، ومثل المادة الكلية والصورة الجوهرية اللتين يدعون أنهما جوهران عقليان يتركب منهما كل جسم، ومثل العقول العشرة التي يدعون أنها مجردات - فإن هؤلاء يصورون أن ما يعقله الإنسان من المعقولات المجردات المفارقات للأعيان المحسوسة، فتوهموها أنها تلك المعقولات المجردات هي موجودة في الخارج مفارقات للأعيان محسوسة، وإنما هي أمور متصورة في الأذهان، لا أنها موجودة مع كونها كلية أو مع كونها مجردة في الأعيان، ثم يدعون تركيب الأنواع منها، كما يدعي أولئك تركب الأعيان من الأجزاء التي يسمونها الجواهر المنفردة.
وقد بسط الكلام على هذه الأمور في موضع آخر، وبين أن هذا الواحد الذي يثبتون في العلم الإلهي والطبيعي والمنطقي لا حقيقة له إلا في الأذهان.
ومن تصور أن هذا حق التصور، تبين لهم من غلط هؤلاء
(7/126)

وضلالهم ما يطور وصفه، وتبين له أن ضلال هؤلاء في العقليات من جنس ضلالهم في السمعيات، وأنهم كما أخبر تعالى عن أصحاب النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] .
وكان من أصول الإلحاد والتعطيل - الذي سموه توحيداً - هو فرارهم من تعدد صفات الواحد الحق، وتعدد أسمائه وكلامه، مع ذلك لا محذور فيه، بل هو الحق الذي لا يمكن جحده.
ومن فهم هذا انحل له ما يقوله من يقوله من المتفلسفة: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وما يقوله من تركيب الأنواع من الأجناس والفصول، وأن ذلك الفرض الذي تتركب منه هذه الحقائق هو أيضاً أمر يقدر في الذهن لا حقيقة له في الخارج، وما يقولونه من أن الواحد لا يكون فاعلاً وقابلاً، وأمثال ذلك مما يعبرون عنه بلفظ الواحد هو واحد يقدر في الأذهان، لا حقيقة له في الخارج.

الرد على قولهم: أن القرآن لم يدل على العلو والصفات من وجوه
وإن قيل: إن القرآن لم يدل على العلو والصفات لا بنفي ولا إثبات، كان هذا أيضاً باطلاً ومعلوم الباطلان من وجوه:

الوجه الأول
أن العلم بدلالة النصوص على العلو والصفات أمر ضروري، فالقدح فيه من جنس القدح في ما دل عليه القرن من خلق السماوات والأرض، ومن نعيم الجنة والنار.
ولا ريب أن دلالة القرآن والحديث على ذلك أعظم من دلالته على الميزان والشفاعة والحوض
(7/127)

وفتنة القبر ومساءلة منكر ونكير، وأعظم من دلالته على أن محمد خاتم النبيين، وأنه أفضل الخلق، وأن الأنبياء أفضل من غيرهم وأن السابقين الأولين من أهل الجنة، وأعظم من دلالته على تنزيه الله عن البخل والكذب والظلم ونحو ذلك من النقائص.
وبالجملة فما من صنف من الأصناف المعلومة بالضرورة من الدين إلا وتطريق التأويل إلى نصوصه من جنس تطريقه إلى نصوص العلو والصفات، أو أبلغ من ذلك أو قريب من ذلك.

الوجه الثاني
أن يقال: جميع الطوائف متفقة على أن ظواهر النصوص مثبتة للعلو والصفات.
ولهذا كان المخلوقون إما بالتأويل المتضمن لصرف ذلك عن ظاهره، وإما بالتفويض مع قولهم: ظاهر ذلك غير مراد، فلو كان ظاهرها دالاً على الإثبات لما احتاجوا إلى هذا، ولدفعوا أصل ظهور هذه الدلالة، كما يدفع ظهور الدلالة في غير ذلك مما تقدم التمثيل به وغير ذلك.

الوجه الثالث
أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن ظهور دلالة هذه النصوص على العلو الصفات أعظم من ظهور ما كان المؤمنون والكافرون يوردونه من السؤالان عما يظنوه مشكلاً من القرآن، كما تقدم تمثيلاً.
وإذا كان كذلك، ولم يسألوا عن ذلك، علم قطعاً أنه لم يكن منافياً لما يعلمونه بعقولهم.
(7/128)

الوجه الرابع
أن يقال: فعلى هذا التقدير يمتنع تعارض العقل والسمع، إذا لم يكن للسمع ظاهر يخالف العقل.
وهذا هو كان صلب الكلام، وإنما ذكرنا مسألة العلو على طريق التمثيل، لنهم يذكرون ذلك فيها.
فيقال: ليس في ظاهر القرآن ما يخالف الأدلة العقلية وهو المطلوب.

الوجه الخامس
أن الهمم والدواعي متوفرة على طلب العلم بهذه المسائل، وهي من أجل علوم الدين، ومعرفتها إما واجبة أو مؤكدة الاستحباب.
وما كان كذلك يمتنع في الشرع والعادة أن الرسول لا يبين أمرها بالنفي ولا إثبات.

الوجه السادس
أن العلم بهذه المسائل إما أن يكون من الدين، وإما أن لا يكون.
فإن قيل: ليس ذلك من الدين، بحيث لا يكون العلم بها أفضل من الجهل بها، وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وكل دين، فإن العلم بالله وما يستحقه من الأسماء والصفات لا ريب أنه مما يفضل الله به بعض الناس على بعض، أعظم مما يفضلهم بغير ذلك من أنواع العلم.
ولا ريب أن ذلك يتضمن من الحمد لله، والثناء عليه، وتعظيمه وتقديسه، وتسبيحه وتكبيره - ما يعلم به أن ذلك مما يحبه الله ورسوله.
سواء قيل: إن ذلك واجب أو مستحب، فمقصود أنه من المحمود الحسن المفضل عند الله ورسوله، فيكون ذلك من الدين.
وقد قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] .
(7/129)

وقال تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 16] .
وقال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] .
وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] .
وأمثال ذلك من النصوص التي يدل كل منها على أن بيان هذا ومعرفته مما جاء به الرسول، ونزل به هذا الكتاب، وعلمته هذه الأمة، وتضمنه هذا الدين، فلا يمكن أن يقال: إن الرسول والمؤمنين أعرضوا عنه، فلم يكن لهم به علم، ولا لهم فيه كلام لا بنفي ولا إثبات.

الوجه السادس في الرد على كلام الرازي المتقدم
وفيه الرد على كلام الرازي المتقدم: عن أصل الحجة أن يقال: لا نسلم أن العقل ينافي موجب هذه النصوص، بل هذه المعقولات النافية لذلك فاسدة، كما تقدم التنبيه على فسادها، فضلاً عن أن يكون المعقول المنافي لها هو الأصل في العلم بالسمع، فإن غاية هذه المعقولات أن يقال: لو كان فوق العالم لكان جسماً وذلك منتف، قد علم جواب أهل الإثبات عن هذه الحجة، فإن منهم من منع المقدمة الأولى، مثل كثير من أهل الكلام والفلسفة، وغيرهما من أصحاب كلاب والأشعري، وأهل الفقه والحديث والتصوف، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، والفلاسفة كما ذكر ابن رشد ونحوه.
ومنهم من منع الثانية، كالهشامية والكرامية وغيرهما، ومنهم من فصل عن المعنى الجسم.
(7/130)

فإن قيل: إن معناه ما ليس بلازم للعلو، مثل كونه مماثلاً للمخلوقات - منع الأولى.
فإن قيل: إن معناه لزم للعلو، مثل كونه مستشارا إليه - منع الثانية.
فهو يقول: أنه فوق العالم قطعاً، كما علم ذلك بالعقل والسمع.
فإذا قيل: لو كان فوقه لكان جسماً، فالمراد بمعنى الجسم: إما أن يكون لازماً للعلو، وإما أن لا يكون لازماً.
فإذا كان لازماً لا محال، منعت المقدمة الثانية، وهي انتفاء اللازم.
وإن لم يكن لازماً، منعت المقدمة الأولى وهي التلازم.
وكل ما يقال في هذا المقام من الألفاظ المتجملة مثل لفظ (المتحيز) و (المركب) ونحو ذلك يستفصل عن معناه، كما يستفصل عن معنى لفظ (الجسم) ، فإذا تخلص محل النزاع في معنى معقول، مثل كون المراد بذلك ما تقوم به الصفات، أو ما يتميز منه شيء عن شيء، ونحو ذلك من المعاني - لم يسلم انتفاء ذلك، بل نقول: هذا لا بد من ثبوته بالعقل الصريح، كما دل عليه النقل الصحيح.

الوجه السابع
أن يقال: بل العقل الصريح الموافق للسمع لا منازع له.
والعقل قد دل على أن الله تعالى فوق العالم، وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل الإثبات، كما هو طريق السلف والأئمة: يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل.
وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه، كأبي عباس القلانسي، والحارث المحاسبي وأشباههما
(7/131)

من أئمة الأشعرية، وهي طريقة محمد بن كرام وأتباعه، وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف، وإليها رجع القاضي أبو يعلى وأمثاله.
ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعرية، ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك، وانهم إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط، ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ويتأول نصوصه أو يعرض عنها كما يفعل مثل ذلك من نصوص الوجه واليد.
ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي قال: أنها نافية لهذه الصفة، كما يبطل ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليدين، ويبين أنه لا محذور في إثباتها، كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد، ونحو ذلك من الصفات الخبرية.
وهؤلاء كلامهم امتن من كلام نفاة الصفات الخبرية نقلاً وعقلاً، وإذا قيل: إن في كلامهم تناقضاً، أو أنهم يقولون ما لا يعقل، ففي كلام النفاة من التناقض وما لا يعقل أكثر مما في كلامهم، فهم بالنسبة إلى النفاة اكمل علماً بالمعقول والمنقول، وأما بالنسبة إلى السلف والأئمة أهل الإثبات، فيظهر من تناقضهم وقولهم ما لا يعقل وما يظهر به رجحان طريقة السلف والأئمة عليهم، وتنسب به معارضة النفاة لهم.
ويتبين به الحق الذي لا يعدل عنه من فهمه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم المثبتون للعلو بالعقل لهم طرق: منها: أنهم يقولون: العلم بذلك ضروري مستقر في فطر بني آدم.
(7/132)

ومنها: أنهم يقولون: قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو - هو أيضاً ضروري، وقصدهم لهم بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضاً ضروري، فهم مفطورون على الإقرار به وأنه في العلو، وعلى انهم محتاجون غليه يسألونه عن الضرورات، وعلى انهم يقصدونه في العلو ولا في السفل، وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى العلو، اللهم إلا من أفسد فطرته وقصد أن يصدها عن مقتضاها مع أن هذا عند الحقيقة يغلب مع فطرته، ويظل عنه ما كان يفتريه.
ومنها أنهم يقولون: إن ذلك أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، وكل منهم يخبر بذلك عن فطرته من غير موطأة من بعضهم البعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة، ويمتنع أيضاً غلطهم في الأمور الفطرية الضرورية، فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة، وأن يثق الإنسان بشيء من علومه.
ومتى قدح في مثل هذا، كان القدح في مقدمات ما يدعى أنه معارض لذلك أسهل بكثير، فإن المعارضين لا بد فيما يعارضون به من العقليات من قضايا تلقاها بعضهم عن بعض، فيجوز عليهم فيها من الاتفاق على الغلط وعلى تعمد الكذب، ما لا يجوز على المتفقين على قضايا لم يتلقها بعضهم عن بعض، مع كثرة هؤلاء وتنوع أصنافهم.
ومنها أنهم يثبتون العلو بطرق نظرية: كقولهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما مبايناً للآخر، وإما أن يكون مداخلاً له، ونحو ذلك من الطرق المعلومة لهم، فمعهم من العلم الضروري، والقصد الضروري، واتفاق العقلاء الذين لم يتواطأوا على قضاياهم والعقليات
(7/133)

النظرية ما ليس للنفاة ما يشابهه، وليس مع النفاة إلا أقيسة نظرية قد بين فسادها، ومن لم يعلم فسادها على التفصيل كفاه أن يعلم فسادها مجملاً، فإنها مخالفة للمعارف الضرورية، ولما أجمعت عليه فطر البرية، مع مخالفتها لما جاء في الكتب الإلهية، كالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، فالعلم الموروث عن الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم، مع علم عامة المسلمين بمخالفتها للقرآن، ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما أجمع عليه سلف الأمة وخيار قرونها، ولما اجتمع عليه عامة المؤمنين وأعيان الأمة من كل صنف.

الوجه الثامن
أن يقال لمن أجاب بهذا عن النصوص: إذا احتججت على من ينفي، ما تثبته بالنصوص: كإثبات القدر إن كنت من المثبتين له، أو إثبات الجنة والنار وما فيهما من الأكل والشرب واللباس ونحو ذلك، إن كنت من المثبتين له، وإثبات وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الربا والخمر وغير ذلك من الشرائع، إن كنت من المثبتين له - إذا قال لك منازعك: هذه الظواهر التي احتججت بها قد عارضها دلائل عقلية وجب تقديمها عليها، فما كان جوابك لهؤلاء كان جواب أهل الإثبات لك.
فإن قلت: ما أثبته معلوم معلوم بالاضطرار من الدين.
قال لك أهل الإثبات للعلو: وهذا معلوم لنا بالاضطرار من الدين.
فإن قلت: أنا لا أسلم هذا لكم.
قالوا لك: ومن نازعك من القرامطة أو الفلاسفة أو المعتزلة لا يسلم لك ما ادعيته من الضرورة.
(7/134)

فإن قلت: لا يقدح في علمي الضروري منازعة غيري.
قالوا لك: لا يقدح في علمنا الضروري منازعتك لنا.
فإن قلت: أنا إذا نازعني منازع في الضروريات التي عندي سكت عنه ولم أنازعه.
قيل لك: وهذا مما يمكن المثبت أن يقوله لك، كما تقوله لمنازعك أيضاً، لكن أنت لا توفي بهذا، بل تتناقض وتخاصم أهل الإثبات وتنكر عليهم، بل قد تعاديهم أو تكفرهم، فإن كان ما فعلته سائغاً لك، ساع لأولئك النفاة أن يخاصموك ويعادوك ويكفروك، كما فعلت هذا بأهل الإثبات، وإن كنت تنكر على من يعاديك ويكفرك من النفاة لما أثبته، فأنكر على نفسك معاداتك وتكفيرك لأهل الإثبات لما نفيته.
وإن قلت: أنا لا أثق بصدقهم: أنهم يعلمون ذلك اضطراراً، أو لا أثق بخبرتهم بالعلم الضروري.
قيل لك: ومنازعك النافي لا يثق بصدقك وعلمك أيضاً.
فإن قلت: هو يعلم من ديني وعقلي ما يوجب معرفته بصدقي وعلمي.
قيل لك: وأنت تعرف من دين أهل الإثبات وعقلهم، ما يوجب معرفتك بصدقهم وعلمهم.
وإن قلت: أنا بين فساد العقليات التي يعارض به النفاة لما أثبته.
قيل لك: والمثبتون لما تنفيه يثبتون فساد العقليات التي تعارضهم أنت بها.
(7/135)

وإن قلت: أنا وأولئك النفاة متفقون على النفي لما أثبته هؤلاء.
قيل لك: والطائفة الفلانية والفلانية متفقتان على النفي لما أثبته.
وأعلم أنه ليس من أهل الأرض إلا من يمكن مخاطبته بهذه الطريق، حتى غلاة النفاة من الجهمية والقرامطة والفلاسفة، فإنهم لا بد أن يثبتوا شيئاً من السمعيات بوجه من الوجوه، إذ لا يمكن أحداً من الطوائف أن ينفي جميع ما أثبته السمع من القضايا الخبرية والطلبية.
وإذا قال: أنا أثبت ما جاء به السمع لكوني علمته بالعقل، لا لمجيء السمع به أمكن أن يجاب بمثل ذلك في إثبات العلو والصفات أيضاً، وأمكن أن يجاب بجواب آخر، وهو: أن كل من أقر بالنبوات بوجه من الوجوه، فلا بد له أن يثبت بأقوال الأنبياء ما تكون الحجة فيه مجرد قولهم، ولو أنه من الأمور العلمية السياسية، فإن هؤلاء كلهم لا بد لهم من العمل بالشرائع: إما في الظاهر، وإما للجمهور، وإما أوائل سلوكهم.
وإن كان ممكن لا يثبت النبوات بوجه، فلا بد له من العمل بقول غير الأنبياء، كالملوك والفلاسفة ونحوهم.
بل لا بد للإنسان أن يفهم كلام بني جنسه، إذ الإنسان مدني بالطبع، لا يستقل بتحصيل مصالحه، فلا بد لهم من الاجتماع للتعاون على المصالح، ولا يتم ذلك إلا بطريق يعلم به بعضهم ما يقصده غيره.
(7/136)

وأي طريق فرض من الإشارة والعبارة والكتابة وغير ذلك - كان ذلك من جنس السمعيات والنقليات، فإن جماع ذلك ما به يعلم مراد الغير، فإن نفى ناف ذلك بطريق جعله معارضاً له من عقلياته، فلا بد لمن أثبت ما يثبته من السمعيات أن يجيبه بجواب، فما كان جواباً له، كان نظير جواباً لأهل الإثبات فيما علموا أنه مراد للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

الجواب التاسع
أن يقال: نحن لا نرضى أن نجيبكم بما أجبتم به النفاة.
وذلك أنكم مقصرون في مناظرة النفاة لما أثبتموه عقلاً وسمعاً، فإنكم في كثير من مناظراتكم لهم تصيرون إلى المكابرة ودعوى ما يعلمون هم نقيضها، كما تفعلونه في مسالة الرؤية والكلام وإثبات الصفات بدون إثبات لوازم ذلك، إذ أنتم كثيراً ما تثبتون الشيء بدون لوازمه، أو مع وجود منافيه.
ومن هنا تسلط عليكم القرامطة والفلاسفة والمعتزلة، ونحوهم من النفاة، وكلام أئمتكم معهم كلام قاصر، يظهر قصوره لمن كان خبيراً بالعقليات.
وسبب ذلك تقصيرهم في مناظرتهم، حيث سلموا لهم مقدمات عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة، فاحتاجوا إلى إثبات لوازمها، فاضطروا إما إلى موافقتهم على الباطل، وإما على التناقض الذي يظهر به فساد قولهم، وإما إلى العجز الذي يظهر به قصورهم وانقطاعهم.
(7/137)

ثم أخذوا يناظرون أهل الإثبات للعلو ونحوه، بما به ناظرهم أولئك، ويتسلطون على العاجز من مناظرتهم مع المثبتين، كما تسلط عليهم أولئك، فصاروا بمنزلة من قصروا في جهاد من يليهم من الكفار حتى غلبوهم وهزموهم، فقاموا يقاتلون من يليهم من المسلمين، كما قاتلهم أولئك الكفار، حتى ظهر الباطل والكفر والضلال، بتفريطهم أولاً في جهاد من يليهم من الكفار، وعداوتهم ثانياً على من يليهم من المسلمين.
وصاروا على ضد ما وصف الله به المؤمنين حيث قال: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] ، {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] ، فصاروا أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين.
كما نعت النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج حيث قال: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» .
وحال الجهمية والرافضة شر من حال الخوارج، فإن الخوارج كانوا
(7/138)

يقاتلون المسلمين ويدعون قتال الكفار، وهؤلاء أعانوا الكفار على قتال المسلمين وذلوا للكفار، فصاروا معاونين للكفار أذلاء لهم، معادين للمؤمنين أعزاء عليهم، كما قد وجد مثل ذلك في طوائف القرامطة والرافضة والجهمية النفاة والحلولية.
ومن استقرأ أحوال العالم رأى من ذلك عبراً، وصار في هؤلاء شبه من الذين قال الله تعالى فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} [النساء: 51-52] .
ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء النفاة يصنف في الشرك والسحر وعبادة الكواكب والأوثان، وفي النفاق والزندقة التي توجد في كلام كثير من الفلاسفة وغيرهم، بل يخضع لهؤلاء الكفار والمنافقين ويذل لهم، ويريد أن يعلو على المؤمنين ويقهرهم، وإن كان هذا بسبب ضعف من قاتله من المؤمنين وتفريطهم وعداوتهم، كما أن قهر أولئك الكفار له كان بسبب ضعفه الحاصل من تفريطه وعدوانه، فالذم لاحق له بقدر ما فرط فيه من حقوق الله وتعداه من حرماته، كما أن هؤلاء يلحقهم أيضاً الذم بقدر ما فرطوا فيه من حقوق الله وتعدوه حرماته.
وقد قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} [الزخرف: 39] .
والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء الذين ينفون العلو ويثبتون بعض الصفات: نحن لا نرضى أن نجيبكم بنا تجيبون به أنتم نفاة الصفات
(7/139)

وغيرها مما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم، بل نجيبكم وأولئك جميعاً ببيان أنه ليس معكم فيما تخالفون به النصوص: لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل ليس معكم في ذلك إلا الأكاذيب المموهة المزخرفة بالألفاظ المجملة المموهة التي تلقاها بعضكم عن بعض تقليداً لأسلافكم، فإذا فسر معناها وكشف عن مغزاها ظهر فسادها بصريح المعقول، كما علم فسادها بصحيح المنقول، وتبين أيضاً أن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم قائمة على من بلغه ما جاء به، ليس لأحد أن يعارض شيئاً من كلامه برأيه وهواه، بل على كل أحد أن يكون معه كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] .
ونحن لا نسلم ما سلمتموه أنتم من المقدمات الفاسدة، كما سلمتموه لمن عارض الكتاب من القرامطة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم، بل نسد عليهم الطريق التي منها دخلوا على الإسلام، ونمنعهم المقدمات التي جعلوا علم الكلام الذي خالفوا به الكتاب والسنة وإجماع خير الأنام.
(7/140)

الوجه الرابع والأربعون
أن يقال: العقليات التي يقال إنها أصل للسمع وأنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فامتنع أن تكون أصلاً له، بل هي أيضاً باطلة.
وقد اعترف بذلك أئمة أهل النظر، من أهل الكلام والفلسفة، فإن جماع هذه الطرق هي طريقان أو ثلاثة:
طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون.
وطريقة التركيب والاستدلال بها أن الموصوف بها ممكن أو محدث.
فهاتان الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب.
والثالثة: الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه.
قد يقال: إنها طريقة أخرى، وقد تدخل في الأولى.
والاستدلال باجتماع الجواهر وافتراقها - على رأي من يقول: إن الجسم مركب من الجواهر المنفردة - يدخل في الأولى والثانية.
أما دخولها في الأولى فبناءً على أن الجواهر لا تخلو من الاجتماع والافتراق، كما لا يخلو الجسم - بل الجوهر - من الحركة والسكون.
(7/141)

وأما دخولها في الثانية فبناءً على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وحينئذ فيكون: إما ممكناً عند من يستدل بذلك على الإمكان، وإما محدثاً عند من يستدل بذلك على الحدوث.
ولكن الاستدلال بهذه الطريق مبني على أن الجسم مركب من الجواهر المحسوسة التي لا تنقسم، وهي الجواهر المنفردة، أو من الجواهر العقلية، وهي المادة والصورة، وهذا مما ينازعهم فيه جمهور العقلاء، بخلاف كون الجسم لا يخلو عن نوع من الأعراض، فلا يخالف فيه إلا شذوذ.
ثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود ما لا يتناهي من الحوادث، والثانية مبنية على أن ما اجتمعت فيه معان لزم أن يكون ممكناً أو حادثاً، والثالثة مبنية على أن المختص لا بد له من مخصص منفصل عنه.
وهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء، وكل من هذه الطرق تسلكه الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال، ويسلكه أيضاً نفاة الأفعال القائمة به دون الصفات.
وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم نفاة الصفات، فأصل كلامهم مبني على طريقة التركيب، بناءً على أن الموصوف مركب، وإذا استدلوا
(7/142)

بطريقة الأعراض فإنما يستدلون بها على أن الموصوف بها ممكن، ويسندون ذلك إلى التركيب، فإنما استدلالهم بالأعراض على حدوث الموصوف فلا يمكنهم، بل هذا نقيض قولهم.
وكل من الطائفتين تطعن في طريقة الأخرى وتبين فسادها.
ومعلوم أن المتكلمين القائلين بإثبات الصفات لله تعالى أقرب إلى الإسلام والسنة من نفاة الصفات، وأن نفاة الصفات القائلين بحدوث السماوات والأرض أقرب إلى الإسلام والسنة من القائلين بقدم ذلك، ومن كان إلى الإسلام والسنة أقرب، كانت عقلياته التي يعارض بها النصوص الإلهية أقل بعداً عن دين المسلمين.
فإذا كان أئمة العلم قد أنكروا هذه التي هي أقرب من غيرها إلى العقل والنقل، وبينوا أنها فاسدة في العقل، محرمة في الشرع - كان ما هو أبعد منها وأضعف أعظم فساداً في العقل، وتحريماً في الشرع.
وما زال أئمة العلم على ذلك، حتى أئمة النظر من أهل الكلام والفلسفة، فالاستدلال بالحكة والسكون على حدوث المتحرك الساكن، بل الاستدلال بالأعراض مطبقاً على حدوث ما قامت به من الجواهر والأجسام، والاستدلال بحدوث الصفات على حدوث ما قامت به من الموصوفات، والاستدلال بتركيب الأجسام من الجواهر، ونحو ذلك، وجعل ذلك طريقاً إلى العلم بحدوث العالم، وإلى العلم
(7/143)

بإثبات الصانع تعالى، هو طريق الجهمية والمعتزلة، ونحوهم من أهل الكلام المذموم - عند السلف المحدث في الإسلام، وهم الذين ابتدعوا هذه الطريقة، والاستدلال بها - والتزام لوازمها، والتفريع عليها، وإن كان قد شركهم في ذلك قوم من غير المسلمين، أو سبقوهم إلى ذلك، سواء كانوا من الصابئين أو اليهود أو غيرهم.
والمقصود أن ظهور هذه في الإسلام كان ابتداؤه من جهة هؤلاء المتكلمين المبتدعين، وهذه هي من أعظم أصول هؤلاء المتكلمين.
وهذه وأمثالها هي من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه والنهي عنه، وتجهيل أصحابه وتضليلهم، حيث سلكوا في الاستدلال طرقاً ليست مستقيمة، واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصرائح المعقول، فكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ووسائلهم وأحكامهم ودلائلهم.
وكلام السلف والأئمة في ذم ذلك كثير مشهور في عامة كتب الإسلام، وما من أحد قد شدا طرفاً من العلم إلا وقد بلغه من
(7/144)

ذلك بعضه، لكن كثير من الناس لم يحيطوا علماً بكثير من أقوال السلف والأئمة في ذلك وبمعانيها، وقد جمع الناس من كلام السلف والأئمة في ذلك مصنفات مفردة، مثل ما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي.
ومثل المصنف الكبير الذي جمعه الشيخ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام الذي سماه ذم الكلام وأهله، ومن ذلك في كتب الآثار والسنة ما شاء الله.

كلام الغزالي في الإحياء عن ذم علم الكلام
وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك الغزالي في أجل كتبه، الذي سماه إحياء علوم الدين قال: (فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم، أو هو مباح، أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف.
فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب - سوى الشرك - خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل: إنه واجب فرض: إما على كفاية، أو على الأعيان، وإنه أجل الأعمال، وأعلى القربات،
(7/145)

وإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال على دين الله) .
قال: (وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف، قال ابن عبد الأعلى سمعت الشافعي يوم ناظر حفصاً الفرد - وكان من متكلمي المعتزلة - يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام، وإني سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه.
وقال أيضاً: قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت ظننته قط، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام) .
(وقال أيضاً: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد) .
(7/146)

(وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام) .
وقال (وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل) .
قال: (وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتاباً في الرد على المبتدعة، وقال: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولاً ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة، والتفكر في تلك الشبهات، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هجران أحمد للحارث لم يكن لهذا السبب الذي ذكره أبو حامد، وإنما هجره لأنه كان على قول ابن كلاب، الذي وافق المعتزلة
(7/147)

على صحة طريق الحركات وصحة طريق التركيب، ولم يوافقهم على نفي الصفات مطلقاً، بل كان هو وأصحابه يثبتون أن الله فوق الخلق، عال على العالم، موصوف بالصفات، ويقررون ذلك بالعقل، وإن كان مضمون مذهبه نفي ما يقوم بذات الله تعالى من الأفعال وغيرها مما يتعلق بمشيئته واختياره، وعلى ذلك بنى كلامه في مسألة القرآن.
وهذا هو المعروف عند من له خبرة بكلام أحمد، من أصحابه وغيرهم من علماء أهل الحديث والسنة، ولأبي عبد الله الحسين والد أبي القاسم الخرقي صاحب المختصر المشهور - كتاب في قصص من هجره أحمد سال فيه لأبي بكر المروذي عن ذلك، فأجابه عن قصصهم واحداً واحداً.
وقد ذكر ذلك أيضاً أبو بكر الخلال في كتاب السنة، وقد ذكر ذلك ابن خزيمة وغيره ممن يعرف حقيقة هذه الأمور، وكذلك السري السقطي كان يحذر الجنيد بن محمد من شقاشق الحارث.
ثم ذكر غير واحد أن الحارث رجع عن ذلك، كما ذكره معمر بن زياد في أخبار
(7/148)

شيوخ أهل المعرفة والتصوف، وذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذاهب التصوف عن الحارث المحاسبي، أنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت، وهذا يناقض قول ابن كلاب.
وأبو حامد ليس له من الخبرة والآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة بذلك، الذين يتميزون بين صحيحه وسقيمه.
ولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث والآثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها.
وأحمد رضي الله عنه قد رد على الجهمية وغيرهم بالأدلة السمعية والعقلية، وذكر من كلامهم وحججهم ما لم يذكره غيره.
بل استوفى حكاية مذهبهم وحججهم أتم استيفاء، ثم أبطل ذلك بالشرع والعقل.
وقد نقل أبو حامد في كتابه ما ذكر أنه سمعه من بعض الحنابلة، وهو
(7/149)

أن أحمد لم يتأول إلا ثلاث أحاديث، وهذا غلط على أحمد، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وتبين ما في هذا الكلام وتوابعه من الصواب والخطأ نقلاً وتوجيهاً.
ولو اقتصر أبو حامد على ما نقله من كتاب ابن عبد البر عن الأئمة لم يكن فيه شيء من هذا الخطأ، فإن ابن عبد البر وأمثاله أعلم بالآثار من هؤلاء، ولكن لعله نقل ذلك من كلام أب طالب أو غيره.
ونظير هذا ما ذكره أبو المعالي في كتابه أصول الفقه المسمى بالبرهان لما ذكر مذهب الناس في القياس العقلي والشرعي،
(7/150)

فقال: (القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى شرعي وعقلي، ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب، فذهب بعضهم إلى رد القياسين، وقال القائلون: هذا مذهب منكري النظر.
وقال قائلون بالقياس العقلي والسمعي، وهذا مذهب الأصوليين والقياسيين، من الفقهاء.
وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي، وجحد القياس الشرعي.
وهذا مذهب النظام وطوائف من الرافضة والإباضية والأزارقة ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات.
وصار صائرون إلى النهي عن القياس النظري، والأمر بالقياس الشرعي.
(7/151)

وقال (وهذا مذهب أحمد بن حنبل والمقتصدين من أتباعه، وليس ينكرون إفضاء النظر العقلي إلى العلم، ولكن ينهون عن ملابسته والاشتغال به) .

كلام الجويني في البرهان
قال: (وذهب الغلاة من الحشوية وأهل الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي) .
قال أبو المعالي: أطلق النقلة القياس العقلي، فإن عنوا به النظر العقلي فهو من نوعه إذا استجمع شرائط الصحة، مفض إلى العلم مأمور به شرعاً، والقياس الشرعي متقبل معمول به إذا صح على السبر اللائق به، وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء، ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى في شاهد، فهذا باطل عندي لا أصل له، فليس في المعقولات قياس، وقد فهم عنا ذلك طلبة المعقولات.
(7/152)

تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الذي ذكره أبو المعالي من إنكار القياس في المعقولات وافقه عليه طائفة من المتأخرين، كأبي حامد الرازي وأبي محمد المقدسي، قال: قياس التمثيل إنما يكون في الشرعيات.
والمنطقيون قد يدعون أن قياس التمثيل في العقليات إنما يفيد الظن، وأما جمهور العقلاء فعلى أنه لا فرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل في إفادة العلم والظن، فإن مما يجعل في قياس الشمول حداً أوسط يجعل في قياس التمثل مناط الحكم، ويسمى العلة والوصف والمشترك.
فإذا قيل: النبيذ المسكر حرام، لأنه مسكر، وكل مسكر حرام - فهذا قياس شمول، ولا بد له من دليل يدل على صحة المقدمة الكبرى القائلة: كل مسكر حرام فإذا استدل بقياس التمثيل: قال: إنه مسكر فكان حراماً، قياساً على عصير العنب المسكر.
ثم يبين أن العلة في الأصل هو السكر، فالدليل الدال على علة الوصف في الأصل، هو الدال على صحة المقدمة الكبرى، والسكر هو الوصف الذي علق به الحكم، وهو مناطه، وهو المشترك بين الأصل والفرع الذي علق به الحكم، والسكر المتصف بالسكر هو الحد الأوسط المقرر في قياس الشمول، الذي هو محمول في المقدمة الصغرى، موضوع في الكبرى.
وأما ما ذكره عن أحمد فقد أنكره أصحاب أحمد، حتى قال أبو البقاء العكبري لمن قرأ عليه كتاب البرهان: (هذا النقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام أحمد) .
وهو كما قال، فإن أحمد لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يفضي إلى المطلوب، بل في كلامه في أصول الدين في الرد على الجهمية وغيرهم من الاحتجاج بالأدلة العقلية
(7/153)

على فساد قول المخالفين للسنة ما هو معروف في كتبه وعند أصحابه.
ولكن أحمد ذم من الكلام البدعي ما ذمه سائر الأمة، وهو الكلام المخالف للكتاب والسنة، والكلام في الله ودينه بغيره علم.
واستدل أحمد بقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] .
وأحمد أشهر وأكثر كلاماً في أصول الدين بالأدلة القطعية: نقلها وعقلها من سائر الأئمة، لأنه ابتلي بمخالفي السنة، فاحتاج إلى ذلك.
والموجود في كلامه، من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة، لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة، ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد، لم يسلك فيه إلا قياس الأولى، وهو الذي جاء به الكتاب والسنة، فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس، بل هو سبحانه أحق بكل حمد، وأبعد عن كل ذم، فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أحق به من كل ما سواه، وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه.
والقرآن لما بين قدرته في إعادة الخلق بفعله لما هو أبلغ من ذلك، كان هذا من باب قياس الأولى.
وكذلك بين تنزيهه عن الولد والشريك.
وكذلك أحمد سلك هذا المسلك - كما ذكره في موضعه - مثل بيانه لإمكان كونه عالماً بجميع المخلوقات، مع كونه بائناً عن العالم فوق
(7/154)

العرش، بقياسين عقليين: أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قد صاف فيرى ما فيه مع مباينته له، فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له، أعظم من قدرة هذا على ما في يده، فلا تمتنع رؤيته لما فيه وأحاطته به مع مباينته له.
والقياس الثاني من بنى داراً وخرج منها فهو يعلم ما فيها، لكونه فعلها، وإن لم يكن فيها.
فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه، هو أحق بأن يعلم ما خلق، وهو اللطيف الخبير، وإن لم يكن حالاً في المخلوقات.
والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة، إنما يذم ما يخالف الكتاب والسنة، أو الكلام بلا علم، والكلام المبتدع في الدين، كقوله في رسالته إلى المتوكل: (لا احب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة أو التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود) .
وهو لا يكره - إذا عرف معاني الكتاب والسنة - أن يعبر عنها بعبارات أخرى إذا احتيج إلى ذلك، بل هو قد فعل ذلك، بل يكره المعاني المبتدعة في هذا، أي فيما خاض الناس فيه - من الكلام في القرآن والرؤية والقدر والصفات - غلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين.
(7/155)

ولهذا كره الكلام في (الجسم) وفي (الحيز) ، وفي اللفظ بالقرآن نفياً وإثباتاً، لما في كل من النفي والإثبات من باطل، وكلامه في هذه الأمور مبسوطة في موضع آخر كما هو معروف في كتابه وخطابه.
والمذموم شرعاً ما ذمه الله ورسوله، كالجدل بالباطل، والجدل بغير علم، والجدل في الحق بعد ما تبين.
فأما المجادلة الشرعية، كالتي ذكرها الله تعالى على الأنبياء عليهم السلام وأمر بها، مثل قوله تعالى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} [هود: 32] .
وقوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] ، وقوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] .
وقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] .
وأمثال ذلك، فقد يكون واجباً أو مستحباً، وما كان كذلك لم يكن مذموماً في الشرع.
وما ذكره أبو حامد الغزالي من كلام السلف، في ذم أهل الكلام، لو أنه معروف عنهم، في كتب يعتمد عليها، لم يذكره هنا.
(7/156)

وقد نقل من ذلك ما نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر، الذي سماه فضل العلم وأهله، وما يلزمهم في تأديته وحمله وأبو عمر من اعلم الناس بالآثار والتميز بين صحيحيها وسقيمها.

كلام الغزالي في الإحياء عن علم من الكلام وتعليق ابن تيمية عليه
ومن ذلك ما نقله أبو حامد أيضاً عن أحمد أنه قال (علماء الكلام زنادقة) .
قال: (وقال مالك: أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم بدين جديد؟) .
قال: (يعني أن أقوال المتجادلين تتقاوم) .
وقال: (وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع.
فقال بعض أصحابه في تأويله: انه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أي مذهب كانوا) .
قلت: هذا الذي كنى عنه أبو حامد هو محمد بن خويز منداد
(7/157)

البصري الإمام المالكي، وقد قال: (إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه، الذين ترد شهادتهم، هم أهل الكلام) .
قال: (فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه.
وكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء: أشعري كان أو غير أشعري) هكذا ذكره عنه ابن عبد البر، ومنه نقل ذلك أبو حامد، لكان كنى عن التصريح بذلك.
قال أبو حامد: (وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق) .
(7/158)

وقال: (وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما ينقل عنهم من التجديدات فيه.
وقالوا: ما سكت عن الصحابة، مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم، إلا لعلمهم بما يتولد منه.
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» ، أي المتعمقون في البحث والاستقصاء) .
قال: واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين، لكان أهم ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلم طريقه، ويثني على أربابه، فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلا حفظ الفرائض
(7/159)

وأثنى عليهم ونهاهم عن الكلام في القدر، وعلى هذا استر الصحابة فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم، وهم الأستاذون والقدوة، ونحن الأتباع والتلامذة) .
قال: (وأما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بان المحذور من الكلام: إن كان هو من أجل لفظ (الجوهر) و (العرض) وهذه الاصطلاحات الغريبة لأجل التفهم كالحديث والتفسير والفقه، ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسب، والتعدية، والتركيب، وفساد الوضع لما كانوا يفهمونه، وإحداث عبارة للدلالة على مقصود صحيح، كإحداث آنية على
(7/160)

هيئة جديدة لاستعمالها في مباح.
وإذا كان المحذور هو المعنى، فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم، ووحدانية الخالق تعالى وصفاته، كما جاء به الشرع، فمن أين تحرم معرفة الله بالدليل؟ وإن كان المحذور هو الشغب، والتعصب، والعداوة، والبغض وما يفضي إليه الكلام، فذلك يحرم ويجب الاحتراز منه، كما أن الكبر والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه على الحديث والتفسير والفقه، وهو محرم يجب الاحتراز منه، ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه أليه.
وكيف يكون ذلك الحجة المطالبة، والبحث عن محظوراً، وقد قال تعالى: {قل هاتوا برهانكم} [النمل: 64] ، وقال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] .
(7/161)

وقال تعالى: {إن عندكم من سلطان} [يونس: 68] أي من حجة وبرهان.
وقال تعالى {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] .
وقال تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} إلى قوله {فبهت الذي كفر} [البقرة: 158] ، وذكر إبراهيم مجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء عليه.
وقال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] .
وذكر كلاماً طويلاً ذكرناه وتكلمنا على ما فيه من مقبول ومردود كلاماً مبسوطاً في غير هذا الموضع، إلى أن قال: (فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين) .
ثم ذكر تفصيلاً اختاره، مضمونه: أن فيه مضرة من آثار الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، ومضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة، وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث
(7/162)

دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجدل) .
قلت: المضرة التي ذكرها: نوعان: أحدهما: يتعلق بالعلم، وهو التنبيه على شبه الباطل التي تضعف اعتقاد الحق، وتفضي إلى الباطل.
والثاني: يتعلق بالقصد، وهو إثارة الهوى والحمية والعصبية التي تدعو إلى الإصرار ولو على الباطل، لئلا يغلب الشيطان.
قال: (وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا.
فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود) .
قال (ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف
(7/163)

وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور، وفي أمور جلية تكاد تنال قبل التعمق في صناعة الكلام) .
قال: (بل منفعته شيء واحد، وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام، وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسداً، ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة، والناس متعبدون بهذه العقيدة التي قدمناها، إذ ورد الشرع بها لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم، اجتماع السلف عليها، والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام من تلبيسات المبتدعة، كما تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات الغصاب والظلمة) .
قال: (وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون
(7/164)

كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر، إذ لا يضعه إلا في موضعه، وذلك في وقت الحاجة، وعلى قدر الحاجة) .
قلت فهذا كلام أبي حامد، مع معرفته بالكلام والفلسفة، وتعمقه في ذلك يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام، ويذكر خلاف من نازعهم، ويبين أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد، امتنع أن يكون معارضاً لها، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها، فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول مناقضاً للكتاب والسنة، وما كان من ذلك مناقضاً للكتاب والسنة، وجب أن يكون من الكلام الباطل المردود الذي لا ينازع في ذمه أحد من المسلمين: لا من السلف والأئمة، ولا أحد من الخلف المؤمنين أهل المعرفة بعلم الكلام والفلسفة، وما يقبل من ذلك وما يرد، وما يحمد وما يذم، وإن من قبل ذلك وحمده كان من أهل الكلام الباطل المذموم باتفاق هؤلاء.
هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلاً، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، فكيف من قابل السنة بالبدعة، وعارض الحق بالباطل، وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق.
(7/165)

ولكن المقصود هنا بيان ما ذكره من اتفاق أئمة السنة على ذمه، وما ذكره من أنه هو وطريق الفلسفة لا يفيد كشف الحقائق ومعرفتها، مع خبرته بذلك.
وهو تكلم بحسب ما بلغه عن السلف، وما فهمه وعلمه مما يحمد ويذم، ولم تكن خبرته بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كخبرته بما سلكه من طرق أهل الكلام والفلسفة، فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره، وذلك أن ما ذكره من أن مضرته هي إثارة الشبهات في العلم، وإثارة التعصب في الإرادة، إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقاً، بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة، بل معلومة.
فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبهاً وعداوة قيل فيه ذلك: والسلف لم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك، ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله، بل كانوا أعلم الناس بذلك، وأعرفهم بأدلة ذلك، ولا حرموا نظراً صحيحاً في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع، ولا مناظرة في ذلك نافعة: إما لهدى مسترشد، وإما لإعانة مستنجد، وإما لقطع مبطل متلدد، بل هم أكمل الناس نظراً واستدلالاً واعتباراً، وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها، فإن الناظر
(7/166)

الطالب للعلم: إما أن يكون نظره في كلام معلم يبين له ويخاطبه بما يعرفه الحق، وإما أن يكون في نفس الأمور الثابتة، التي يخبر عنها المتكلم ويريد أن يعلم أمرها المتعلم، كسائر الناظرين في الطب والنحو وغير ذلك: إما أن ينظر في كلام المعلمين لهذا الفن، وإما أن ينظر فيما من شأنه أنه يخبر عنه كالأبدان واللغات.
والسلف كان نظرهم في خير الكلام وأفضله، وأصدقه وأدله على الحق، وهو كلام الله تعالى، وهم ينظرون في آيات الله تعالى التي في الآفاق وفي أنفسهم، فيرون في ذلك من الأدلة ما يبين أن القرآن حق.
قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] .
والمناظرة المحمودة نوعان: والمذمومة نوعان، وذلك لأن المناظر: إما أن يكون عالماً بالحق، وإما أن يكون طالباً له، وإما أن لا يكون عالماً به ولا طالباً له.
فهذا الثالث هو المذموم بلا ريب، وأما الأولان: فمن كان عالماً بالحق فمناظرته المحمودة أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشداً طالباً للحق إذا تبين له، أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معانداً غير متبع للحق إذا تبين له، ويوقفه ويسلكه ويبعثه على الناظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه حق وقصده الحق.
وذلك لأن المخاطب بالمناظرة إذا ناظره العالم المبين للحجة: إما أن
(7/167)

يكون ممن يفهم الحق ويقبله، فهذا إذا بين له الحق فهمه وقبله، وإما أن يكون ممن لا يقبله إذا فهمه، أو ليس له غرض في فهمه، بل قصده مجرد الرد له، فهذا إذا نوظر بالحجة انقطع وانكف شره عن الناس وعداوته، وهذا هو المقصود الذي ذكره أبو حامد وغيره، وهو دفع أعداء السنة المجادلين بالباطل عنها.
وإما أن يكون الحق قد التبس عليه، وأصل قصده الحق، لكن يصعب عليه معرفته لضعف علمه بأدلة الحق، مثل من يكون قليل العلم بالآثار النبوية الدالة على ما أخبر به من الحق، أو لضعف عقله لكونه لا يمكنه أن يفهم دقيق العلم، أو لا يفهمه إلا بعد عسر، أو قد سمع من حجج الباطل ما اعتقد موجبه وظن أنه لا جواب عنه، فهذا إذا نوظر بالحجة أفاده ذلك: إما معرفة الحق، وإما شكاً وتوقفاً في اعتقاد الباطل، أو في اعتقاد صحة الدليل الذي استدل به عليه، وبعث همته على النظر في الحق وطلبه، إن كان له رغبة في ذلك، فإن صار من أهل العصبية الذين يتبعون الظن وما تهوى النفس الحق بقسم المعاندين كما تقدم.
وأما المناظرة المذمومة من العالم بالحق، فأن يكون قصده مجرد الظلم والعدوان لمن يناظره.
ومجرد إظهار علمه وبيانه لإرادة العلو في الأرض، فإذا أراد علواً في الأرض أو فساداً كان مذموماً على إرادته
(7/168)

ثم قد يكون من الفجار الذين يؤيد الله بهم الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ، فكما قد يجاهد الكفار فاجر فينتفع المسلمون بجهاده، فقد يجادلهم فاجر فينتفع المسلمون بجداله، لكن هذا يضر نفسه بسوء قصده وربما أوقعه ذلك في أنواع من الكذب والبدعة والظلم، فيجره إلى أمور أخرى.
وقد وقع في ذلك كثير من هؤلاء وهؤلاء.
وأما إن كان المناظر غير عالم بالحق، بأن لا يعرف الحق في نفس المسألة، أو يعرف الحق لكن لا يعرف بعض الحجج، أو الجواب عن بعض المعارضات، أو الجمع بين دليلين متعارضين، وأمثال ذلك - فهذا إذا ناظر: طالباً لمعرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضها، والجمع بين الأدلة الصحيحة - كان محموداً، وإن ناظر بلا علم، فتكلم بما لا يعرف من القضايا والمقدمات - كان مذموماً.
والسلف رضوان الله عليهم كانت مناظرتهم مع الكفار وأهل البدع - كالخوارج وغيرهم - من القسم الأول، وكانت مناظرة بعضهم لبعض في مسائل الأحكام والتفسير: تارة من القسم الأول، وتارة من
(7/169)

القسم الثاني، وهي المشاورة التي مدحهم الله عليها بقوله عز وجل {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] .
وما ذكره الله تعالى عن الأنبياء والمؤمنين من المجادلة يتناول هذا وهذا.
وقد ذم الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة: ذم أصحاب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، وذم المجادلة في الحق بعد ما تبين، وذم المحاجة فيما لا يعلم المحاج.
فقال تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} [غافر: 5] .
وقال تعالى: {يجادلونك في الحق بعد ما تبين} [الأنفال: 6] .
وقال: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} [آل عمران: 66] .
والذي ذمه السلف والأئمة من المجادلة والكلام هو من هذا الباب، فإن أصل ذمهم الكلام المخالف للكتاب والسنة، وهذا لا يكون في نفس الأمر إلا باطلاً، فمن جادل به جادل بالباطل، وإن كان ذلك الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنه باطل لما فيه من الشبهة، فإن الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد لا يكون قولاً ومذهباً لطائفة تذب عنه، وإنما يكون باطلاً مشوباً بحق، كما قال تعالى:
(7/170)

{لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] .
أو تكون فيه شبهة لأهل الباطل، وإن كانت باطلة وبطلانها يتبين عند النظر الصحيح، كالذين قالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن ومجنون، قالوا: إنه شاعر لأن الشعر كلام موزون مقفى فشبهوا القرآن به من هذا الوجه، والكاهن يخبر أحياناً بواحدة تصدق فشبهوا الرسول به من هذا الوجه، والمجنون يقول ويفعل خلاف ما في عقول ذوي العقول.
فلما زعموا أن ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم يخالف ما يأتي به العقلاء نسبوه إلى ذلك.
لكن ما ينصبه الله من الأدلة، ويهدي إليه عباده من المعرفة، يتبين به الحق من الباطل الذي يشتبه به، ولكن ليس كل من عرف الحق - إما بضرورة أو بنظر - أمكنه أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه، فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع، وما به يعرفه به غيره نوع، وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به، فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة، فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه، وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به.
(7/171)

ولهذا كان أهل العلم بالحديث لهم علوم ضرورية بأقوال الرسول ومقاصده، لا يشركهم فيها إلا من شركهم في أسبابها.
والمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضه، وإن كانوا في ذلك درجات.
وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك، بل هذا يقوم بالبعض،، وهذا يقوم بالبعض، كما في نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من أمور الدين.
والكلام الذي ذموه نوعان: أحدهما أن يكون في نفسه باطلاً وكذباً، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل كذب، فإن أصدق الكلام كلام الله.
والثاني أن يكون فيه مفسدة، مثلما يوجد في كلام كثير منهم: من النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم، ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم.
وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم، فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هجر وعزر، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قتل كما قتل المسلمون
(7/172)

الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما - كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعياً، وهو لا يقبل الحق: إما لهواه، وإما لفساد إدراكه، فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين.
والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه، وناظروه وبينوا له الحق، كما فعل عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه، ثم نكت التوبة بعد ذلك فقتلوه.
وكذلك علي - رضي الله عنه - بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم، ثم رجع نصفهم، ثم قاتل الباقين.
والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس، قوبل بالعقوبة.
قال الله تعالى: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} [الشورى: 16] .
وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة، وقد ينهى عنها إذا كان المناظر
(7/173)

معانداً يظهر له الحق فلا يقبله - وهو السوفسطائي - فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية وجحدها الخصم كان سوفسطائياً، ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك، بل إن كان فاسد العقل داووه، وإن كان عاجزاً عن معرفة الحق - ولا مضرة فيه - تركوه، وإن كان مستحقاً للعقاب عاقبوه مع القدرة: إما بالتعزير وإما بالقتل، وغالب الخلق لا ينقادون للحق إلا بالقهر.
والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال.
وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى.
وفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها: محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل.
ومنشأ الباطل من نقص العلم، أو سوء القصد.
كما قال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم: 23] .
ومنشأ الحق من معرفة الحق والمحبة له، والله هو الحق المبين، ومحبته أصل كل عبادة، فلهذا كان أفضل الأمور على الإطلاق معرفة الله ومحبته، وهذا هو ملة إبراهيم خليل الله تعالى، الذي جعله الناس إماماً، وجعله أمة يأتم به الخلق، وهو الذي ناظر المعطلين والمشركين.
(7/174)

ثم ذكر الله تعالى محاجته لمن حاجه في ربه: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} [البقرة: 258] ، ومحاجته لقومه الذين كانوا يعبدون الكواكب.
والجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم، قولهم مأخوذ من قول خصمائه، كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى عليه السلام، فإن فرعون أظهر جحد الصانع وعلوه على خلقه، وجحد تكليمه لموسى.
وقوم إبراهيم كانوا مشركين، كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك، وكان فيهم من هو معطل، كما ذكر الله تعالى ذلك.
والفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب: فيهم المشرك، وفيهم المعطل.
ونفي الصفات من أقوالهم، فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود رباً أبدعه، كما هو قول الدهرية الطبيعية منهم، ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته، ومنهم من يثبت له مبدعاً واجباً بنفسه أبدعه، كما هو قول الدهرية الإلهية منهم، ويقولون: إن الواجب ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته: إما سلب، وإما إضافة، وإما مركبة منهما.
وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة - خصوم إبراهيم الخليل عليه السلام، فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون والنمرود، بناءً على أصل هؤلاء
(7/175)

النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه.
والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيها طوائف، كما ضلوا في إنكار العلو الذي أنكره فرعون على موسى.
كما قد بسط هذا في موضعه.
ومما يبين هذا أن السلف لم يذموا التكلم بأسماء مفردة: كالجوهر، والجسم، والعرض، فإن الاسم المفرد ليس بكلام، ولا يتكلم به أحد، وإنما ذموا الكلام المؤلف الدال على معان، والذين كانوا يتكلمون بهذه الأسماء كان كلامهم متضمناً لأمور فيها افتراء على الله ورسوله: إما إثبات ما نفاة الله، وإما نفي ما أثبته الله، ومتضمنة لمعان باطلة هي كذب وباطل في نفس الأمر.
والمقصود هنا التنبيه على جنس ما مدحه السلف وذموه، وأنهم كانوا أعرف الناس بالحق وأدلته، وبطلان ما يعارضه، وإنما يظن بهم التقصير في هذا من كان جاهلاً بحقيقة الحق، وبما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم والإيمان، وبما وصل إليه السلف والأئمة، فجهله بالأول يوجب أن لا يعلم الحق بل يعتقد نقيضه، وجهله بالثاني يوجب ظنه أن ليس فيما جاء به الرسول بيان الحق بأدلته والمناظرة عنه، وجهله بالثالث يوجب ظنه أن السلف ذموا الكلام بالأدلة الصحيحة المفضية
(7/176)

إلى العلم بالله وصفاته خوفاً من الشبهات والأهواء، بل الأصل في ذم السلف لكلام هو اشتماله على القضايا الكاذبة، والمقدمات الفاسدة، المتضمنة للافتراء على الله تعالى وكتابه ورسوله ودينه.
فهذا هو الكلام المذموم بالذات، وهو الكلام الكاذب الباطل، وأما الكلام الذي هو حق وصدق، فهذا لا يذم بالذات، وإنما يذم المتكلم به أحياناً، لاشتمال ذلك على مضرة عارضة، مثل ما يحرم القذف، وإن كان القاذف صادقاً إذا لم يكن له أربعة شهداء، ومثل ما تحرم الغيبة والنميمة ونحو ذلك مما هو صدق لكن فيه ظلم للغير.
وأما الكلام في الدين فنوعان: أحدهما أمر، والثاني خبر.
والكلام في أصول الدين هو من النوع الثاني.
ولا ريب أن الله تعالى أخبر بإثبات أمور ونفي أمور، وأصدق الكلام كلام الله، فما ناقض ذلك كان كذباً وقولاً على الله غير الحق.
كما قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] .
وقال تعالى: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} [الأعراف: 169] .
وقال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] .
(7/177)

وقال تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافات: 180] ، وأمثال ذلك.
وعامة الكلام الذي ذمه السلف تشتمل مسائله على كذب وفرية، ودلائل مسائله على كذب وفرية، كأقوال الجهمية النفاة لما أثبته الله تعالى له من الأسماء والصفات، وكلام القدرية النافية لما أثبته الله من قدرته ومشيئته.
ودلائل الجهمية والنفاة: هو استدلالهم بدليل الجواهر والأعراض، فإنهم زعموا أن الأعيان المشاهدة كالسماوات والأرض مركبة من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وأن المركب مسبوق بجزئه، ومفتقر إلى مركب يركبه، فيكون محدثاً وممكناً، وما قام بها من الصفات والحركات أعراض، والأعراض - أو بعضها - حادثة، وما كان شخصه حادثاً، وجب أن يكون نوعه حادثاً، فيمتنع وجود حوادث لا تتناهى، قالوا: بهذا عرفنا أن السماوات مخلوقة، وبذلك عرفنا أن الله موجود، فلزمهم على ذلك أن ينفوا صفات الله وأفعاله، وذلك باطل شرعاً وعقلاً، ولم يكن ما أقاموه دليلاً صحيحاً، فلا هم عرفوا الحق بدليل صحيح قويم، ولا
(7/178)

هم نصروا بميزان مستقيم، ولكنهم قد يقابلون الفاسد بالفاسد، فإن أعداد الملة قد يقيمون شبهة على نقيض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كشبهة الدهرية على قدم السماوات، فيقابلون ذلك بفاسد آخر، كاستدلالهم على حدوث ذلك بدليل الأعراض والصفات.
وحفظ مثل هذا الكلام لاعتقاد العوام، كدفع المظلمة عنهم بعقوبات فيها عدوان، ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته، أو المناظرة فيه من السلف، فهو بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم، وكلا الظنين طريق من لم يعرف حقيقة الدين، ولا حال السلف السابقين.
وهذا مثل كلام الرافضة وأمثالهم من أهل الفرية، الذي يتضمن قولهم التكذيب بالحق والتصديق بالباطل، فهؤلاء فيما يحدثون به من الكذب، ويكذبون به من الصدق في المقولات، بمنزلة أهل الكلام الباطل في البحث والنظر، كالجهمية الذين يكذبون بالحق ويصدقون بالباطل في العقليات.
ولهذا كان غير واحد من السلف يقرن بين الجهمية والرافضة، وهما شر أهل الأهواء، وكان الكلام المذموم عند السلف أعظم من الشهادة بالزور وظلم الحق.
(7/179)

وذلك لأن الكاذب الظالم إذا علم أنه كاذب ظالم، كان معترفاً بذنبه، معتقداً لتحريم ذلك، فترجى له التوبة، ويكون اعتقاده التحريم، وخوفه من الله تعالى من الحسنات التي يرجى أن يمحوا الله بها سيئاته.
وأما إذا كذب في الدين معتقداً أن كذبه صدق، وافترى على الله ظاناً أن فريته حق، فهذا أعظم ضرراً وفساداً.
ولهذا كان السلف يقولون: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، ونهى عن الخروج على أئمة الظلم، وأمر بالصبر عليهم.
«وكان يجلد رجلاً يشرب الخمر فلعنه رجل، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» .
«وجاءه ذو الخويصرة التميمي وبين عينيه أثر السجود، فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل.
فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل.
ثم قال: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته
(7/180)

مع قراءتهم.
يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» .
فهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل، كان ظنه كاذباً، وكان في إنكاره ظالماً، وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى، أو أثبت ما نفاه الله، أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله، أو قبح ما لم يكرهه الله، فاعتقادهم خطأ، وكلامهم كذب، وإرادتهم هوى، فهم أهل شبهات في آرائهم، وأهواء في إرادتهم.
فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه، ولكن قد يورث شبهة وهوى.
وقد اعترف أبو حامد بأن ما ذكره هو من الكلام والفلسفة ليس فيه كشف الحقائق ومعرفتها.
(7/181)

وأما حراسة عقيدة العوام.
فيقال: أولاً: لا بد أن يكون المحروس هو نفس ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أخبر به لأمته، فأما إذا كان المحروس فيه ما يوافق خبر الرسول وفيه ما يخالفه، كان تمييزه قبل حراسته أولى من الذب عما يناقض خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن حاجة المؤمنين إلى معرفة ما قاله الرسول وأخبرهم به ليصدقوا به، ويكذبوا بنقيضه، ويعتقدوا موجبه، قبل حاجتهم إلى الذب عن ذلك، والرد على من يخالفه، فإذا كان المتكلم الذي يقول إنه يذب عن السنة، قد كذب هو بكثير مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، واعتقد نقيضه - كان مبتدعاً مبطلاً متكلماً بالباطل فيما خالف فيه خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن ما وافق فيه خبر الرسول، فهو فيه متبع للسنة، محق يتكلم بالحق.
وأهل الكلام الذين ذمهم السلف لا يخلو كلام أحد منهم على مخالفة السنة، ورد بعض ما أخبر به الرسول، كالجهمية والمشبهة، والخوارج والروافض، والقدرية، والمرجئة.
ويقال بأنها لا بد أن تحرس السنة بالحق والصدق والعدل، كما تحرس بكذب ولا ظلم، فإذا رد الإنسان باطل بباطل، وقابل بدعة ببدعة، كان هذا مما ذمه السلف والأئمة.
(7/182)

وهؤلاء - كما ذكره أبو حامد - يدخلون في هذا، وكلام السلف في ذم الكلام متناول لما ذمه الله في كتابه، والله سبحانه قد ذم في كتابه الكلام الباطل، والكلام بغير علم.
والأول كثير.
وأما الثاني فقد قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] .
وقال تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} [آل عمران: 66] .
وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36] .
وهذا النوعان مذمومان في القضاء والفتيا والتفسير.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاث: قاض في الجنة، وقاضيان في النار.
رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وحكم بخلافه فهو في النار» .
(7/183)

وفي السنن: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار» .
فهذان النوعان من الكلام مذمومان مطلقاً، لا سيما ما كان في نفسه كذباً باطلاً، وأما جنس النظر والمناظرة، فهذا لم ينه السلف عنه مطلقاً، بل هذا - إذا كان حقاً - يكون مأموراً به تارة ومنهياً عنه أخرى، كغيره من أنواع الكلام الصدق، فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع، أو الذي يضر المستمع، وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء، فلا تفيد علماً ولا ديناً.
ومن هذا الباب أنه خرج صلى الله عليه وسلم على طائفة من أصحابه وهم يتناظرون في القدر، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ وأن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل القرآن ليصدق بعضه بعضاً، لا ليكذب بعضه بعضاً.
فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نهي عنه لذلك.
وأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من
(7/184)

هذا الباب، كالقائلين بأن الله جسم متحيز في جهة، والنافين لذلك، والقائلين: إن الله يجبر العباد، والنافين لذلك وأمثال ذلك من الكلام المجمل المتشابه، الذي يتضمن حقاً وباطلاً، في جانبي النفي والإثبات.
والكلام بلفظ (الجسم) و (الجوهر) و (العرض) في مسائل الصفات هو من هذا الباب.
قال: أبو عبد الرحمن السلمي - وقد ذكر شيخ الإسلام في ذم الكلام من طريقة: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد السجزي يقول: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ قال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بإنكاره ذلك.
والمقصود هنا بيان فساد الطرق المعارضة للكتاب والسنة، وأما بيان اشتمال الكتاب والسنة على الطرق التي بها تحصل معرفة الله والإيمان به وبرسله وباليوم الآخر، فهذا مذكور في موضع آخر.

تابع كلام الغزالي في الإحياء
قد قال أبو حامد أيضاً لما ذكر أقسام العلوم: (فإن قلت: لم تورد في أقسام العلوم الكلام والفلسفة، وتبين أنهما محمودان أو
(7/185)

مذمومان؟ فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام في الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنه فهو: إما مجادلة مذمومة، وهي من البدع، وإما مشاغبات بالتعلق بمناقضات الفرق، وتطويل وقت بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع، وتمجها الأسماء، وبعضها خوض في ما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيء منها مألوفاً في العصر الأول، فكان الخوض فيه بالكلية من البدع.

كلام الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر
قال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب: (ووقفت على ما التمسوه من ذكر الأصول التي عول
(7/186)

سلفنا رحمة الله عليهم عليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها، واتباع خلفنا الصالح لهم في ذلك، وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي أحدثوها، وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها، وما ذكرتم من شدة الحاجة إلى ذلك، فبادرت - أيدكم الله - بإجاباتكم إلى ما التمسوه، وذكرت لهم جملاً من الأصول، مقرونة بأطراف من الحجاج، تدلكم على صوابكم في ذلك، وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم، وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم، ومفارقتكم بذلك الأدلة الشرعية، وما أتى به الرسول منها ونبه عليها، وموافقتكم بذلك لطرد الفلاسفة الصادين عنها، والجاحدين لما أتت به الرسل صلوات الله عليهم منها: اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي
(7/187)

مضى عليه سلفنا وأتباعهم من صالح خلفنا: أن الله تعالى بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى سائر العالمين وهم أحزاب متشتتون، وفرق متباينون: منهم كتابي يدعو إلى الله بما في كتابه، وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول وبرهمي يمكن أن يكون لله رسول، ودهري يدعي الإهمال ويخبط في عشواء الضلال، وثنوي قد اشتملت عليه الحيرة، ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة، وصاحب صنع يعكف عليه ويزعم أن له رباً يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه، لينبههم جميعاً على حدثهم، ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم، ويبين لهم طرق معرفته، بما فيهم من آثار صنعتهم ويأمرهم برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل، بعد تنبيهه عليه السلام لهم على فسادها، ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ربهم بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، ويوضح لهم سائر
(7/188)

ما تعبدهم الله به من شريعته، وأنه عليه السلام دعا
جماعتهم إلى ذلك، ونبههم على حدثهم، بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات، وغير ذلك من اختلاف اللغات، وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم، بما فيهم وفي غيرهم مما يقتضي وجوده، ويدل على إرادته وتدبيره، حيث قال عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] ، فنبههم عز وجل بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك.
وشرح لهم ذلك بقوله سبحانه: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12-14] .
وهذا مما أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان
(7/189)

ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديماً، وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره، وكونه قديماً ينفي تلك الحال، فإذا حصل متغيراً بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها، دل ذلك على حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها، إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها، وذلك أن القديم لا يجوز عدمه، وإذا كان هذا على ما قلنا، وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهياً إلى هيئات محدثة، ولم تكن الأجسام قبلها موجودة، بل كانت معها محادثة، ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق، فيتم من غير مرتب له، ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها، دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئات المخالفة لها، وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها، وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها، لأن سلالة الطين والماء المهين
(7/190)

بنفسه، لا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق، لاحتمالها لغيره، فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام، وما فيه الآلات المعدة لمصالحه: كسمعه وبصره وشمه وحسه وآلات ذوقه، وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها، على ترتيب ما قد أحوج إليه من ذلك، حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنع من غذائه، وتحول بينه وبين مرضعته، فإذا نقل من ذلك وخرج إلى غذاء لا ينتفع به، ولا يصل منه إلا غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه، والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك، وتلطيفه حتى يصل إلى الشعر والظفر، وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجاز لطاف، قد هيئات لذلك بمقدار ما يقيمها، والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب،
(7/191)

والرئة المهيأة
لإخراج بخار الحرارة التي في القلب، وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد، باجتذاب المناخر، وما فيها من الآلات المعدة كخروج ما يفضل من الغذاء عن مقدار الحاجة، في مجاز ينفذ ذلك منها، وغير لك مما يطول شرحه، مما لا يصح وقوعه بالاتفاق، ولا يستغني في ما هو عليه عن مقوم له يرتبه، إذا كان ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع لها مدبر، عند كل عاقل متأمل، كما لا يصح أن تترتب الدار على ما تحتاج إليه فيها من البناء بغير مدبر ينقسم ذلك فيها، ويقصد إلى ترتيبها.
ثم زادهم الله تعالى في ذلك بياناً بقوله عز وجل: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار
(7/192)

لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] ، فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم، التي لا تخفى مواقع انتفاعهم، بها كالليل الذي جعل لسكونهم، ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم، والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم، على القدر الذي يحتملونه في ذلك.
ولو كان دهرهم كله ليلاً لأضر بهم ما فيه من الظلمة، التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم، وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم، وكذلك لو كان دهرهم كله نهاراً، لأضر بهم ذلك ودعاهم إلى ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك، إلى ما لا يطيقونه، فأداهم قلة الراحة إلى عطبهم، فجعل لهم من النهار قسطاً لتصرفهم، لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه، وجعل لهم من الليل قسطاً لسكونهم، لا يقتصر عن درك حاجتهم، لتعتدل في ذلك
(7/193)

أحوالهم، وتكمل مصالحهم، وجعل لهم من الحر والبرد فيهما، بمقدار ما لهم من ثمارهم ولمواشيهم من الصلاح، رفقاً لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ملاوماً لأبصارهم، ولو كان لونها على اختلاف ذلك من الأولون لأفسدها، ودلهم على حدثها، بما ذكرناه من حركتها، واختلاف هيئاتها، كما ذكرنا أنفاً، ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض، وما فيهما من الحكم، ومع عظمها وثقل أجرامها إلى إمساكه عز وجل لهما بقوله تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا} [فاطر: 41] .
فعرفنا تعالى أن وقوفهما لا يصح أن يكون من غيره، وأن وقوفهما
(7/194)

لا يجوز ان يكون بغير موقف لهما، ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع، وما يدعونه من فعل الأرض والماء والنار والهواء في الأشجار، وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله عز وجل: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} ثم قال عز وجل {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] .
ثم نبه تعالى خلقه على انه واحد باتساق أفعاله وترتيبها، وأنه تعالى لا شريك له فيها، بقوله عز وجل: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] .
ووجه الفساد بذلك: لو كان إلهين ما اتسق أمرهما على نظام، ولا يتم إحكام، وكان لا بد أن يلحقهما العجز، أو يحلقهما، عند التمانع في الأفعال والقدرة على ذلك، وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادراً
(7/195)

ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل لآخر، أو لا يكون كل واحد منهما قادراً على ذلك، فإن كان كل واحد منهما قادراً على فعل ما يقدر الأخر بدلاً منه، لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر، وإلا بترك الآخر له، وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له، جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك.
ومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له، فهو مذموم عاجز، وإن كان كل واحد منهما لا يقدر على فعل مقدور الآخر بدلاً منه، وجب عجزهما وحدوث قدرتيهما، والعاجز لا يكون إلهاً ولا رباً.
ثم نبه المنكرين للإعادة، مع إقرارهم بالابتداء على جواز إعادته تعالى لهم، حيث قال لهم لما استنكروها وقالوا: من يحي العظام وهي رميم؟ {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل
(7/196)

خلق عليم} ثم أوضح لهم ذلك بقوله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 79-80] ، فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من العفار والمرخ وهما شجرتان خضراوان إذا حكت أحدهما الأخرى بتحريك الريح لها اشتعل النار فيهما، على جواز إعادته الحياة في العظام والنخرة والجلود المتمزقة.
ثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها، بقوله تعالى: {أتعبدون ما تنحتون} ثم قال: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 95-96] .
فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها، بأنها إذا كانت لا تصير أصناماً إلا بنحتكم لها، فأنتم أيضاً لن تكونوا على ما أنتم عليه
(7/197)

من الصور والهيئات إلا بفعلي، وإني - مع خلقي لكم وما تنحتونه - خالق لنحتكم، إذ كنت أنا المقدر لكم عليه والممكن لكم منه.
ثم رد على المنكرين لرسله بقوله عز وجل: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 191] .
وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] .
ثم احتج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الكتب بما في كتبهم من ذكر صفته والدلالة على اسمه ونعته، وتحدي النصارى - لما كتموا ما في كتبهم من ذلك وجحدوه - بالمباهلة، عند أمر الله عز وجل له بذلك بقوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من
(7/198)

العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} آل عمران: 61] .
وقال لليهود لما بهتوه: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} [البقرة: 94] ، فلم يجسر أحد منهم على ذلك، مع اجتماعهم على تكذيبه، وتناهيهم في عداوته، واجتهادهم في التنفير عنه، لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم، لأقدموا على إجابته، ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أن فيه توهين أمره.
ثم إن الله تعالى بعد إقامة الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما دعاهم إليه، ونبههم عليه، بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، وأيده بالقرآن الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث
(7/199)

إليهم لما قالوا: إنه مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو سورة من مثله، وقد خاطبهم فيه بلغتهم، فعجزوا عن ذلك، مع إخباره لهم أنهم لا يأتون بمثله، ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن، وقطع عليه السلام عذرهم به عذر غيرهم، كما قطع موسى عليه السلام عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصا التي فضحت سحرهم، وبان بما كان منها - لهم ولغيرهم - أن ذلك من فعل الله تعالى، وأن هذا ليس تبلغه قدرتهم، ولا تطمع فيه خواطرهم، وكما قطع عيسى عليه السلام عذر من كان في زمانه من الأطباء، الذين قد برعوا في معرفة العقاقير، وقوى ما في الحشائش، وقدر ما ينتهي إليه علاجهم، وتبلغه حيلهم، بإحياء الموتى بغير علاج، وإبراء الأكمة والأبرص، وغير ذلك مما
(7/200)

بهرهم به، وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير الفكر أنه خارج عن قدرهم، وما يصلون إليه بحيلهم.
وكذلك قد أزاح نبينا صلى الله عليه وسلم بالقرآن - وما فيه من العجائب - علل الفصحاء من أهله، وقطع به عذرهم، لرؤيتهم أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في لغاتهم، ونظموه في شعرهم، وبسطوه في خطبهم، وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق التي ذكرناها فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيناته، ودل على صحة ما دعاهم إليه ببراهين الله وآياته، حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه، ولا احتيج مع ما كان منه عليه السلام في ذلك إلى زيادة من غيره، ولو لم يكن ذلك كذلك، لم يكن له عليه السلام حجة على جماعتهم، ولا كانت طاعته لازمة لهم، مع خصامهم وشدة عنادهم، ولكانوا قد احتجوا عليه بذلك، ودفعوه عما يوجب
(7/201)

طاعتهم له، وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه، مع طول تحديه لهم، وكثرة تبكيتهم، وطول مقامه فيهم، ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، مع حرصهم عليه.
وإذا كان هذا على ما ذكرناه، علم صحة ما ذهبنا إليه في دعوته عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد، وإقامة الحجة على ذلك، وإيضاحه لطرق إليها.
وقد أكد الله تعالى دلالة نبوته، بما كان من خاص آياته عليه السلام التي تنقض بها عاداتهم، كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير، وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير، وهو ينبع من بين أصابعه، حتى رووا ورويت مواشيهم، وكلام الذئب، وإخبار الذراع المشوية أنها مشوية، وانشقاق القمر، ومجيء الشجرة إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها، وإخباره لهم عليه
(7/202)

السلام بما تجنه صدورهم، وما يغيبون به عنه من أخبارهم.
ثم دعاهم عليه السلام إلى معرفة الله عز وجل، وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم، بقوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [التغابن: 12] ، وعرفهم أمر الله بإبلاغه ذلك، وما ضمنه له من عصمته منهم، بقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] ، فعصمه الله منهم، مع كثرتهم وشدة بأسهم، وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له، حتى بلغ رسالة ربه إليهم، مع كثرتهم ووحدته وتبري أهله منه، ومعاداة عشيرته، وقصد الجميع المخالفين له حين سفه آراءهم فيما
(7/203)

كانوا عليه من تعظيم أصنامهم، وعبادة النيران، وتعظيم الكواكب، وإنكار الربوبية، وغير ذلك مملا كانوا عليه حتى بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم مما كانوا عليه، ودلهم على صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وبيناته، وأنه عليه السلام - لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفهم فعله، لما يوجبه تأخير ذلك عنهم من سقوط تكليفه لهم.
وأنه جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما أجمله الله من الأحكام قبل لزوم فعله لهم فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عن كافتهم.
ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حديثهم ومعرفة المحدث لهم.
وتوحيده ومعرفة أسمائه الحسنى، وما هو عليه من صفات نفسه وصفات
(7/204)

فعله، وتصديقه فيما بلغهم من رسالته، مما لا يصلح أن يؤخر عنهم البيان فيه، لأنه - عليه السلام - لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة، ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه، وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور، وإنما كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم، لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله، والزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه، وهذا غير جائز عليه، لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته.
ولهذا المعنى لم يوجد عن أحد من صحابته خلاف في شيء ما وقف عليه جماعتهم، ولا شك في شيء منه، ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك، ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج، بل مضوا جميعاً على ذلك، وهم متفقون: لا يختلفون في حدثهم، ولا
(7/205)

في توحيد المحدث لهم، وأسمائه وصفاته، وتسليم جميع المقادير إليه، والرضى فيها بأقسامه، لما قد ثلجت به صدورهم، وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم - عليه السلام عليها عند دعائه لهم إليها، وعرفوا به صدقه في جميع ما أخبرهم به، وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم وحدوثها فيهم، وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها، ونبههم بالإشارة على ما فيها، فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا عنهم من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها، والطرق التي اختلفوا فيها، ولم يقلد بعضهم بعضاً في جميع ما صاروا إليه من جميع ذلك، لما كلفوا من الاجتهاد وأمروا به، فأما ما دعاهم إليه عليه السلام من معرفة حدثهم والمعرفة
(7/206)

بمحدثهم، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعدله وحكمته - فقد تبين لهم وجوه الأدلة في جميعه، حتى ثلجت صدورهم به، واستغنوا على استئناف الأدلة فيه، وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك، واتفقوا عليه إلى من جاء بعدهم، فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك، مقطوعاً بما نبههم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الأدلة على ذلك، وما شاهدوا من آياته الدالة على صدقه، وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم، ونقل أهل كل زمان حجة على من بعدهم، ومن غير أن تحتاج - أرشدكم الله - في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ودعا سائر أمته إلى تأملها، إذ كان من المستحيل أن يأتي في ذلك أحد
بأهدى
(7/207)

مما أتى به، أو يصل من ذلك إلى ما بعد عنهم عليه السلام.
وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول المشهورة في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك، وانقطعوا إلى الاحتياط فيه، والاجتهاد في طلب الطرق الصحية إليه: من المحدثين والفقهاء، يعلم أكابرهم أصاغرهم، ويدرسون صبيانهم في كتاتيبهم، لتقر ذلك عندهم.
، وشهرته فيهم، واستغنائهم في العلم بصحة جميع ذلك، بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته.
واعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزات - بعد تنبيهه لسائر المتكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم - قد أوجب صحة أخباره، ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله عز وجل.
وإذا ثبت بالآيات صدقه، فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم
(7/208)

عنه، وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه، من الأمور الغائبة عن حواسنا، وصفات فعله، وصار خبره - عليه السلام - عن ذلك سبيلاً إلى إدراكه، وطريقاً إلى العلم بحقيقته، وكان ما يستدل به من أخباره - عليه السلام - على ذلك، أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام، من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها، إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها، ويدق الكلام عليها، فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والعرفة بفساد شبه المنكرين لها، والمعرفة بمخالفتها للجواهر، في كونها لا تقوم بنفسها، ولا يجوز ذلك على شيء منها، والمعرفة بأنها لا تبقى، والمعرفة باختلاف أجناسها، وأنه لا يصح انتقالها من محالها، والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها، ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما
(7/209)

يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك، حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا، الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها، لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفاً.
وفي كل رتبة من ما ذكرنا فوق تخالف فيها، ويطول الكلام معهم عليها، وليست يحتاج - أرشدك الله - في الاستدلال بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك، لأن آياته والأدلة على صدق محسوسة مشاهدة، قد أزعجت القلوب، وبعثت الخواطر، على النظر في صحة ما يدعوا إليه، وتأمل ما استشهد به على صدقه، والمعرفة بأن آياته من قبل الله تعالى تدرك بيسير الفكر فيها، وأنها لا يصح أن
(7/210)

تكون من البشر، بوضوح الطرق إلى ذلك، ولا سيما مع إزعاج الله قلوب سائر من أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم على النظر في آياته، بخرق عوائدهم له، وحلول من يعدهم به من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له، على ما ذكرنا مما كان من ذلك موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم - أرشدكم الله - أن طرق الاستدلال بإخبارهم - عليهم السلام - على سائر ما دعينا إلى معرفته وما لا يدرك بالحواس - أوضح من الاستدلال بالأعراض، إذ كان أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة، ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها، لبعدهم عن الشبهة، كما ذكرناه، وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه، وكذلك ما منع الله رسله من الاعتماد
(7/211)

عليه، لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم، وكلفوا - عليهم السلام - إلزامهم فرضه، فأخلدنا سلفنا رحمة الله عليهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح، بعد ما عرفوه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم، في ما دعاهم إليه من العلم بحذفهم، ووجود المحدث لهم، بما نبههم عليه من الأدلة - إلى التمسك بالكتاب والسنة، وطلب الحق في سائر ما ادعوا إلى معرفته منهم، والعدول عن كل ما خالفها، لثبوت نبوته عليه السلام عندهم، وثقتهم بصدقه في ما أخبرهم به عن ربهم، لما وثقته الأدلة لهم فيه، وكشفته لهم العبرة، وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة - ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع - من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته، لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه، وإنما صار من أثبت حدث العلم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر، لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم، وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز
(7/212)

مجيئهم في العقول وغلط من دفع لك، وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم - لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طريقتهم، إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم، فلما كان هذا واجباً لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف - في طلب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتياط في عدالة الرواة لها - واجباً عندهم،
ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين.
لذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حرصاً على معرفة الحق من وجهه، وطلباً للأدلة الصحيحة فيه، حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه، وتسكن نفوسهم إلى من يتدينون به، ويفارقوا بذلك من ذمه في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك، ولما كلفهم الله عز وجل ذلك وجعل أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم
(7/213)

طريقاً إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان - حفظ أخباره عليه السلام في سائر الأزمنة، ومنع من تطرق الشبه عليها، حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها، أو تبديل معنى كلمة قالها، إلا كشف الله تعالى ستره، وأظهر في الأمة أمره، حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي، ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه عليه السلام.
والمبلغين عنه، كما حفظ كتابه، حتى لا يطيق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن فيه، أو تسكين حرف متحرك، إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه، مع اختلاف لغاتهم، وتباين أوطانهم، لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء عنه، ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا عليه السلام إلى من يأتي في آخر الزمان،
(7/214)

لانقطاع الرسل بعده، واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم، حتى قد ظهر ذلك بينهم، وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه، وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه، حجة على من تعبد بعده عليه السلام بشريعته، ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله لجميعهم طرق الدين، وأغناهم بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين.
ودل على ذلك بقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] .
وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين، مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم به الدين، وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى
(7/215)

ذلك في حجة الوداع، لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته، عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم هل بلغت؟
فلو كنا نحتاج مع ما كان منه - عليه السلام - في معرفة ما دعانا إليه، إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال، لما كان مبلغاً، إذ كنا نحتاج إلى المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا، لكان فيما دعانا إليه وقوله بمنزلة الملغز، ولو كان كذلك لعارضه المنافقون، وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم مانع، كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات، ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم يجدوا سبيلاً إلى الطعن، لأنه عليه السلام لم يدع شيئاً مما بهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده،
(7/216)

أو مثل فعله كذا، إلا وقد بينه لهم.
ويزيد هذا وضوحاً قوله عليه السلام «إني قد تركتكم على مثل الواضحة: ليلها كنهارها» .
وإذا كان هذا على ما وصفنا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا طعن لمبتدع، إذ كان - عليه السلام - قد أقام الدين، بعد أن أرسى أوتاده، وأحكم أطنابه، ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره، ولا لزائغ طعناً عليه، ثم مضى - صلى الله عليه وسلم - محموداً بعد إقامة الحجة، وتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة، حتى لم يحوج أحداً من أمته إلى البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته.
بل قد قال - عليه والسلام - في المقام الذي لم ينكتم قوله
(7/217)

فيه، لاستحالة كتمانه على من حضره، أو طي شيء منه على من شهده،: إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي، ولعمر إن فيهما الشفاء من كل أمر مشكل، والبرء من كل داء معضل، وإن في حراستهما من الباطل - على ما تقدم ذكرنا له - آية لمن نصح نفسه، ودلالة لمن كان الحق قصده) .
قال: (وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال به، وقوة ما عرفوا الحق منه، فإذا كان ذلك ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد، وسوء اختيارهم لهم في المفارقة لهم، والعدول عما كانوا عليه معهم، وبالله التوفيق.
وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة لطرق
(7/218)

استدلالهم، وصحة معارفهم، فلنذكر الآن ما اجتمعوا عليه من الأصول.

تعليق ابن تيمية
قلت: الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة، ونحوها على وجود الخالق سبحانه وتعالى، فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، ووجوب تناهي الحوادث.
والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين.
والذي في القرآن هو الأول لا الثاني، كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35] ، فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة.
والعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لبا يحتاج إلى دليل، وذلك معلوم بالحس أو بالضرورة: إما بإخبار يفيد العلم الضروري، أو غير ذلك من العلوم الضرورية.
وحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار، وحدوث
(7/219)

النبات من الأرض، وأمثال ذلك.
ومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة بعد أن لم تكن، وكذلك الإنسان وغيره.
كما قال تعالى: {أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 67] ، {قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9] .
ومعلوم أن هذه المخلوقات خلقت من غيرها كما خلق الإنسان من نطفة، والطائر من بيضة، والثمر من شجرة، والشجرة من نواة، والسنبلة من حبة.
ومعلوم أن ما منه خلق هذا استحال وزال، فالحبة التي أنبتت سبع سنابل لم تبق حبة ولم يبق منها شيء، بل استحال.
وقد تنازع الناس في هذا الموضع، فقال طائفة من أهل الكلام: هنا أجسام وجواهر منتقلة من حال إلى حال، كالاجتماع بعد الافتراق، والافتراق بعد الاجتماع، وأت تلك الجوهر باقية، ولكن تغيرت صفاتها وأعراضها.
وأنكر هؤلاء أن تكون نفس الأعيان القائمة بنفسها انقلبت حقيقتها فاستحالت ذاتها، ولكن تغيرت صفاتها.
وهذا مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة.
وهؤلاء يقولون: إنما يعلم بالحس والضرورة حدوث ما يحدث من الأعراض والصفات، وأما حدوث شيء من الأجسام القائمة بأنفسها، فلا نعلمه إلا بالاستدلال.
(7/220)

والذي ذكر الأشعري أولاً مبني على هذا الأصل، وهو في ذلك موافق لمن قال به من المعتزلة وغيرهم، وهذا من بقايا التي بقيت عليه من أصولهم العقلية، بعد رجوعه عن مذهبهم، وبيانه لبطلان أقوالهم التي أظهروا بها خلاف أهل السنة والجماعة.
وجمهور العقلاء من أصناف الناس - أهل النظر والفلسفة وغيرهم - يقولون: إن هذا باطل، وإن الأجسام يستحيل بعضها إلى بعض، كما يقول ذلك الفقهاء والأطباء وغيرهم، وكما يشهد ذلك، وإن الحادث هو نفس أعيان الحيوان والنبات لا مجرد صفاتها، وينكرون أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة.
والمنكرون للجوهر المفرد أكثر طوائف الكلام كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وطائفة من الكرامية، مع جمهور الفلاسفة.
وقالت طائفة من الفلاسفة وغيرهم: بل الأجسام التي يستحيل بعضها إلى بعض بينها مادة: وهي هيولى مشتركة بينها، هي بعينها باقية لم تتبدل، وإنما تبدلت الصورة، وتلك الهيولى جوهر عقلي.
(7/221)

وجمهور العقلاء أيضاً ينكرون ذلك.
وذلك أن المني إذا صار حيواناً والماء هواءً والهواء ماءً، ونحو ذلك، فالجسم الثاني له عين وصفات وليس عين الأول ولا صفاته، وإنما يشتركان في النوع.
وهو: أن هذا له قدر، وهذا له قدر، وكل منهما يقبل الاتصال والانفصال، ولكن ليس عين القدر هذا هو عين قدر هذا، ولا نفس ما يقوم به الاتصال والانفصال من أحدهما هو عين الآخر الذي يقوم به الاتصال والانفصال، وأحدهما إذا قبل الاتصال والانفصال فهو اجتماعه وافتراقه، وذلك عرض له، والقابل للاجتماع - الذي هو القائم به هو هو، ولكن تفرق بعد اجتماعه كالثوب والحجر ونحوهما مما يقطع ويكسر، وهو كالشمع، التي تختلف صورها وهي هي بعينها، وكالفضة التي تختلف صورها مع بقاء عينها، فنفس العين - التي هي الجوهر والجسم - باقية، وإنما تغير شكلها وصفتها وذلك هو الصورة العرضية التي تغيرت، لم تتغير الحقيقة.
ولفظ (الصورة) لفظ مشترك: يراد بالصورة الشكل والهيئة، كصورة الخاتم والشمعة، والمادة الحامية لهذه الصورة هي الجسم بعينه.
ويراد بالصورة نفس الجسم المتصور، وهذا الجسم المتصور
(7/222)

ليس له مادة تحمله، فإن الجسم القائم بنفسه لا يكون شائعاً في الجسم قائماً بنفسه، لكن خلق من مادة، كما خلق الإنسان من المني، وهذه المادة لا تبقى مع وجود ما خلق منها، بل تفنى وتعدم شيئاً فشيئاً.
وهذا هو العدم المشهود في الأعيان، فإن الله تعالى كما ينشئ ما يخلقه شيئاً فشيئاً فينفي ما يعدمه شيئاً فشيئاً.
وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع.
وإذ كان كذلك فالطريقة المذكورة في القرآن هي المعلومة بالحس والضرورة، ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان، بل يستدل بذلك على وجود المحدث لله تعالى.
وأما المعتزلة والجهمية ومن تبعهم، فطريقتهم المشهورة في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع هي الاستدلال: (بإثبات الأعراض أولاً، وإثبات حدوثها ثانياً، وبيان استحالة خلو الجواهر عنها ثالثاً، وبيان استحالة حوادث لا أول لها رابعاً) ، وقد وافقهم عليها اكثر الأشعرية وغيرهم، وهذه هي التي ذمها الأشعري، وبين أنها ليست طريقة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا من اتبعهم، وإنما سلكها من يخالفهم من الفلاسفة وأتباعهم المبتدعة كما تقدم.
وقد تقدم نقل كلامه في ذلك وهو المقصود، وكلامه يقتضي أنها محرمة في الدين
(7/223)

مبتدعة، لا حاجة إليها لطول مقدماتها، وغموضها، وما فيها من النزاع.
وهذا هو الذي قصدناه، وهو أنه نقل اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه الطريقة.
وأما بطلانها، فذاك مقام آخر، ليس في كلامه تعرض لذلك، ولهذا كان ما سلكه هو من جنس هذه الطريق.

كلام الشهرستاني عن حدوث العالم في نهاية الإقدام
قال الشهرستاني في مسألة حدوث العالم: (وللمتكلمين طريقان في المسألة: أحدهما: إثبات حدوثه.
والثاني إبطال القول بالقدم.
أما الأول فقد سلك عامتهم طريق الإثبات بإثبات الأعراض) - كما تقدم ذكره - قال: (وأما الثاني فقد سلك شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال فقال: لو قدرنا قدم الجوهر لم يخل من أمور: إما أن تكون مجتمعة، أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة معاً، أو بعضها مجتمعاً وبعضها مفترقاً، وبالجملة ليس يخلو من اجتماع وافتراق
(7/224)

وجواز طريان الاجتماع والافتراق عليها، أو تبدل بعضها ببعض، وهي بذاتها لا تجتمع ولا تفترق، لأن حكم الذات ل يتبدل، فلا بد إذاً من جامع فارق) .
قال: (وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني هذه الطريقة فكساها عبارة أخرى) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذه الطريقة: إنما أراد بها امتناع قدم جميع الجواهر، فهي مبنية على إثبات الجوهر الفرد، حتى يمكن أن يفرض إمكان اجتماع الجواهر وافتراقها، وإلا فإذا قيل: إن من الأجسام ما هو واحد في نفسه، أو كل جسم متشابه فهو واحد في نفسه، أو قيل: إنه مركب من المادة والصورة - لم يلزم الافتراق فيما هو واحد في نفسه، ولا يسلم المنازع إمكان افتراق كل جسم، فيمنع قوله:
(7/225)

(لا يخلو من اجتماع وافتراق، وجواز طريان الاجتماع والافتراق) بل ويمكن مع هذا أن يقال: هي مركبة من الجواهر، ويمنع قبول كل منهما للافتراق، لكن يبنيه على أن الجواهر متماثلة، فما جاز على أحدهما جاز على الآخر.
ولا ريب أن تماثل الجواهر والأجسام: إن سلمه المنازع، كان القول بحدوث الأجسام كلها ظاهراً، فإن منها ما هو حادث قطعاً، فيكون جميعها قابلاً للحدوث، وما قبل الحدوث لم يكن بنفسه موجوداً، فلا بد له من صانع، وهو الذي سماه جامعاً فارقاً.
لكن هم يقولون: إن الحادث المعلوم حدوثه هو الأعراض، وحينئذ فلا يكون في الجواهر ما يعلم حدوثه إلا بالدليل، وإن أراد به امتناع قدم بعض الجواهر، فهذا لا ينازعه فيه من يقول: إن الأعيان المحدثة جواهر، وهم اكثر العقلاء، فإنه من المعلوم بالاضطرار حدوث ما يشهد حدوثه من الحيوان والنبات والمعدن، لكن من يقول بأن الأجسام مركبة من جواهر، قد يقول: إن المحدث تأليف وتركيب، وهي أعراض.
وأما جمهور العقلاء فيقولون: إن المحدث المشهود جواهر قائمة بأنفسها.
فالمقصود أن من قال: الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، فهذه الحجة توجب أنه لا بد لذلك التركيب من مركب.
وكلام الأشعري - الذي ذكره الشهرستاني - مبني على هذه الأصل، ومن نازع في ذلك لم يفده شيئاً.
(7/226)

وإذا دلت هذه الحجة فإنما تدل على حدوث التركيب الذي هو عرض، لا تدل على حدوث الجواهر إلا بالطريقة الأولى، وهي إثبات حدوث التركيب، وامتناع حوادث غير متناهية.
وهذه الطريقة تسلكها الكرامية ونحوهم، ممن يقول: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكناً ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلو من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكناً.
والسكون عندهم أمر عدمي وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة.
وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خالياً من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق.

بقية كلام الشهرستاني
قال الشهرستاني: (وربما سلك أبو الحسن طريقاً في حدوث الإنسان بكونه من نطفة أمشاج، وتقلبه في أطوار الخلقة، وأكوار الفطرة، وليس يشك في أنه ما غير ذاته ولا بدل
(7/227)

صفاته: لا الأبوان ولا الطبيعة، فتعين احتياجه إلى صانع مدبر قال: وما ثبت من الأحكام لشخص واحد، أو لجسم واحد، ثبت في الكل لاشتراك الكل في الجسمية) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذه الطريقة هي المتقدمة التي ذكرها الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وهي مبنية على أنه أثبت حدوث الإنسان بما فيه من اختلاف الصور والهيئات، ولهذا قال: إنه سلك طريقاً في إثبات حدوث الإنسان فجعل حدوثه هو المدلول، وجعل الدليل اختلاف الصور عليه.
وقد جعل الصورة الحادثة دليلاً على حدوث المتصور، ولا بد في هذه الطريقة من بيان امتناع حوادث لا أول لها، فهذه الطريقة من جنس طريقة الأعراض، لكنها أخص دليلاً ومدلولاً، فإن الهيئات أخص، ومدلولها إنما هو حدوث ما حدثت هيئته.
ودليل أولئك يعم، ولكن الأشعري عدل عن طريقة غامضة إلى طريقة واضحة، وهذه الطريقة هي التي يسميها الرازي وأمثاله: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض القائمة بالأجسام فإنهم يقولون في
(7/228)

الاستدلال على وجود الصانع ما قاله الرازي في (نهاية العقول) وغيره.

كلام الرازي في الاستدلال على وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما ذكره من ذلك في (الأربعين) .
وقال في النهاية: (اعلم أن الاستدلال على ما يعلم بالضرورة إنما يكون بما يعلم بالضرورة، والمعلوم بالضرورة: الأجسام، والأعراض القائمة بها، وكل منهما إما أن يعتبر إمكانه أو حدوثه، فلا جرم كانت الأدلة الدالة على الصانع تعالى هذه المسالك الأربعة) .
وذكر أن الأول هو الاستدلال بحدوث الأجسام لقيام الأعراض بها أو بعضها بها، فهذه هي الطريقة المشهورة عند الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية، ومن دخل في ذلك من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.
(7/229)

وهذه هي التي ذكر الأشعري أنها طريقة الفلاسفة، ومن اتبعهم من القدرية، وذكر أنها مبتدعة مذمومة في الدين، لم يسلكها السلف الصالح، وذكر أنها خطرة مبتدعة، وأنه لا حاجة إليها.
قال الرازي: والثاني: (الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع تعالى) .
قال: (وهذه عمدة الفلاسفة) .
قلت: هذه طريقة ابن سينا ومن وافقه، ليست طريقة قدماء الفلاسفة.
وهي مبنية على أصلهم الفاسد في التوحيد ونفي الصفات، الذين بين الناس فساده وتناقضهم فيه، وهو طريقة التركيب الذي يقولون: إن المتصف بالصفات مركب، والمركب مفتقر إلى أجزائه، قد تكلمنا عليها في مواضع.
قال الرازي: (والمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو ممكنة، قديمة أو حادثة) .
(7/230)

قلت: وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام، وقد بين الناس فساد هذه الحجة، وبين الرازي نفسه فسادها، بل وجمهور العقلاء على فسادها.
وقد بين ذلك في موضع آخر على وجه لا يبقي في القلب شبهة.
قال الرازي: (والمسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع، ولنفرض الكلام في أعراض لا يقدر عليها بشر، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء أنساناً، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضاً حادثة، والعبد غير قادر عليها، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى أن العلم بحاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة ههنا، ومن بنى ذلك على الإمكان أو على القياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول في حدوث الصفات) .
قال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها، أن الأول يقتضي ان لا يكون الفاعل جسماً.
والثاني لا يقتضي ذلك) .
قلت: قد ذكرنا في غير موضع أن هذا المسلك صحيح، لكن
(7/231)

الرازي قصر فيه من وجهين: أحدهما: أنه لا يستدل بنفس الحدوث، بل يجعل الحدوث دليلاً على إمكان الحادث، ثم يقول: والممكن لا بد له من مرجح، وهذا الإمكان الذي يثبته هو الإمكان الذي يثبته ابن سينا، وهو الإمكان الذي يشترك فيه القديم والحادث، فجعل القديم الأزلي ممكناً يقبل الوجود والعدم، وهذا مما خالفوا فيه سلفهم وسائر العقلاء، فإنهم متفقون على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثاً.
وابن سينا وأتباعه يوافقن الناس على ذلك، لكن يتناقضون وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع، كما تكلمنا على ذلك فيما ذكره الرازي في إثبات الصانع في أول المطالب العالية وأول الأربعين وبينا فساد ذلك، وأنه على هذا التقدير لا ينفي لهم دليل على إثبات واجب الوجود.
الوجه الثاني: إنه جعل ذلك استدلالاً بحدوث الصفات والأعراض ليس بمستقيم، بل هو مبني على مسألة الجوهر الفرد.
وقد ذكرنا في غير موضع أن هؤلاء بنوا مثل هذا الكلام على مسألة الجوهر الفرد، وأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، وأن الحادث إنما هو اجتماع الجواهر وافتراقها، وحركتها وسكونها، وهذه الأربعة هي الأكوان عندهم، أو حدوث غير ذلك من الأعراض، فيجعلون تبديل الأعيان وإحداثها إنما هو تبديل أعراض.
(7/232)

وقد قابلهم في ذلك طائفة من المتفلسفة، كابن سينا وأمثاله، فجعلوا الصور كلها جواهر، كما جعل أولئك الصور كلها أعراضاً.
وذلك أن هؤلاء المتفلسفة نظروا في المصنوعات: كالخاتم، والدرهم، والسيف، والسرير، والبيت، والثور، ونحو ذلك مما يؤلفه الآدميون ويصورونه، فوجدوها مركبة من مادة كالفضة، ويسمونها أيضاً الهيولى، والهيولى في لغتهم معناه المحل، وتصرفهم فيه بحسب عرفهم الخاص، كتصرف متكلمي العرب في اللغة المعربة، فهذه المصنوعات مركبة من مادة هي المحل، ومن صورة وهي الشكل الخاص، وهذا نظر صحيح.
ثم زعموا أن صور الحيوان والنبات والمعدن لها مادة هي هيولاها كذلك، وأن النار والهواء والتراب لها أيضاً مادة هي هيولاها.
ومنهم من قال: جميع الأجسام لها مادة مشتركة هي هيولاها، وجعلوا الهيولى ثلاث مراتب.
صناعية وطباعية وكلية، وتنازعوا: هل تنفرد المادة الكلية عن الصور، فتكون الهيولى مجردة عن الصور؟ على قولين:
وإثبات هذه المادة المجردة يذكر عن شيعة أفلاطون، وإنكار ذلك قول أصحاب أرسطو.
(7/233)

والتحقيق أن الصور الصناعية إنما هي أعراض وصفات قائمة بالأجسام، كالفضة والحديد والخشب والغزل واللبن ونحو ذلك، وأما الحيوان والنبات والمعدن فهي جواهر استحالت عن جواهر أخرى، وإثبات مادة مشتركة بينها باقية مع اختلاف الصور عليها قول باطل، كما أن إثبات أولئك للجوهر الفرد قول باطل.
والذين قالوا: إن بدن الإنسان وأمثاله من المحدثات إنما حدثت أعراضه لم تحدث عين قائمة - أخطأوا، والذين قالوا: إن جميع الصور جواهر أخطأوا، بل الصورة قد تكون عرضاً كالشكل، والصور الصناعية من هذا الباب.
وقد يعبر بالصورة عن نفس الشيء المصور كالإنسان، فالصورة هنا جوهر قائم بنفسه، ليس قائماً بجوهر آخر.
والقرآن العزيز ذكر خلق الله تعالى لما خلقه من الجواهر التي هي أعيان قائمة بأنفسها، مع ما نشهده من إحداث الصفات والأعراض أيضاً، والاستدلال بذلك على الخالق سبحانه، وجعل ذلك من آياته هو مما بينه القرآن.
(7/234)

ولكن هؤلاء لم يسلكوا طريقة القرآن من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الحوادث إنما هي أعراض لا أعيان، كما جعله الرازي وغيره.
لكن الرازي وغيره مع ذلك استدلوا بذلك على إثبات الصانع، فكان دليلاً صحيحاً في نفسه، وإن كان فيه تقصير من ذلك الوجه، ومن حيث رد ذلك إلى طريقة الإمكان.
الثاني: ما ذكره الأشعري، حيث أنه استدل بذلك على حدوث محل هذه الصفات والأعراض، بناء على أن الحادث صورة هي عرض ولها محل، فتكون الأجسام التي هي محل هذه الأعراض حادثة، وهذا لا يتم إلا ببيان امتناع حوادث لا أول لها، ثم إذا أراد أن يستدل بذلك على حدوث سائر الأجسام احتاج أن يبنيه على تماثل الأجسام.
وهذه ثلاث مقدمات ينازعهم فيها أكثر العقلاء، بل يبينون فسادها بصريح المعقول، فهي من جنس طريقة المعتزلة.
لكن مقصود الأشعري أن هذه الطريقة تغني الناس عن تلك الطريقة الطويلة، الكثيرة المقدمات، الغامضة التي يقع فيه نزاع، فإذا كانت الطريقتان مشتركتان في البناء على امتناع حوادث لا أول لها، وهذه الطريقة لا تحتاج إلى ما تحتاج إليه تلك، فكانت هذه أقرب وأيسر، فبحث الأشعري مع المعتزلة في هذه الطريقة، من جنس بحوثه
(7/235)

معهم في غير ذلك من أصولهم، فإنه يبين تناقضهم، ويلزمهم فيما نفوه نظير ما يلزمونه لأهل الإثبات فيما أثبتوه فيستفاد من مناظرته لهم معرفة فساد كثير من أصولهم، ولكن سلم لهم أصولاً وافقهم عليها، مثل تسليمه لهم صحة طريق الأعراض مع طولها،، ومثل إثباته للصانع بهذه الطريق التي هي من جنسها، وبنى ذلك على إثبات الجوهر الفرد، فلزم من تسليمه ذلك لهم لوازم أراد أن يجمع بينها وبين ما أثبته من الرؤية، وإثبات الكلام والصفات والعلو لله تعالى، فقال جمهور طوائف العقلاء من أهل السنة والحديث وغيرهم، ومن المعتزلة والفلاسفة وغيرهم: أن هذا مناقضة مخالفة لصريح المعقول.
ولهذا قال من قال: بقيت عليه بقية من الاعتزال، وقالوا: إنه وافقهم على بعض أصولهم التي بنوا عليها قولهم كهذا الأصل.

كلام أبي نصر السجزي في الإبانة
وهذا ما ذكره أبو نصر السجزي في الإبانة قال: حكى محمد بن عبد الله المغربي المالكي، وكان فقيهاً صالحاً، عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة، عن أستاذ خلف المعلم، كان من فقهاء المالكيين، قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت على الأصول) .
قال أبو نصر: (وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره) .
(7/236)

تعليق ابن تيمية
قلت: ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية والقرآن والصفات.
ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم، كما قد بينا كلام أبي الحسين البصيري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامهم في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباع المتأخرين، كأتباع صاحب الإرشاد فأعطوا الأصول - التي سلمها للمعتزلة - حقها من اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن، الذي قالت به المعتزلة: إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم.
والمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية، وصارت المعتزلة والفلاسفة - مع جمهور العقلاء، يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضروريات.
(7/237)

وسبب ذلك تسليمهم لهم صحة تلك الأقوال، التي ذكر الأشعري أنها مبتدعة في الإسلام، مع أنه يمكن بيان أن قول الأشعري وأصحابه أقرب إلى صحيح المعقول، من قول المعتزلة، كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من قول الفلاسفة، لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق، لا يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر، فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية من المعتزلة، والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة، فتبين له أن قول هؤلاء خير من قول أصحابك، فإنه كما إن كل من كان أقرب إلى السنة فقوله أقرب إلى الأدلة الشرعية، فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية.
ولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه، فكل قول - أو قائل - كان إلى الحق أقرب، فإنه يبين رجحانه على ما كان عن الحق أبعد، ألا ترى أن الله تعالى لما نصر الروم على الفرس وكان هؤلاء أهل الكتاب، وهؤلاء أهل أوثان، فرح المؤمنون بنصر الله لمن كان إلى الحق أقرب، على من كان عنه أبعد، وأيضاً فيمكن القريب إلى الحق أن ينازع
(7/238)

البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد، وأن يوافق القريب إلى الحق للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقاً.
مثال ذلك: أن متأخري الأشعرية إذا ناظروا المعتزلة في مسألة الرؤية، وقالت لهم المعتزلة: رؤية مرئي لا يواجه ولا يقابل مخالف لصريح العقل، أمكن الأشعرية - ومن وافقهم على نفي المقابلة والمواجهة، كطائفة من أصحاب أحمد وغير هم من أصحاب الأئمة الأربعة أن يقولوا لهم - الرؤية ثابتة بالسنة المستفيضة، بل المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبإجماع السلف من أهل العصر الأول، ويمكن تقريرها أيضاً بالعقل، كما بيناه في غير هذا الموضع.
فلا يخلو من ذلك: إما أن يمكن الرؤية بدون المواجهة والمقابلة، وإما أن لا يمكن، فإن أمكن ذلك انقطعت المعتزلة، وإن لم يمكن كانوا بين أمرين: إما موافقة المعتزلة على نفي المقابلة لانتفاء المباينة والعلو، وإما موافقة أهل الحديث على المباينة والعلو، المتضمن معنى المقابلة والمواجهة.
وهذا أولى بأتباع الأشعري، لأنه قول أئمة مذهبهم كابن كلاب وغيره، بل وقول الأشعري أيضاً وغيره من قدماء الأصحاب.
فإن قال له المعتزلي: إذا قلت ذلك لزمك أن يكون متحيزاً، وأنت قد وافقتني على بطلان ذلك - أمكن الأشعري أن يقول له: إما أن يكون علوه على العرش ومباينته للخلق مع نفي التحيز ممكنا، وإما أن
(7/239)

لا يكون.
فإن كان مكناً انقطع المعتزلي، وإن لم يكن ممكناً قال له: أنا وافقتك على نفي التحيز، لاعتقادي صحة الدليل الدال على أن كل متحيز هو محدث، لما اتفقنا عليه من التحيز لا بد أن يكون مركباً من الجواهر المنفردة، فيصح عليه الاجتماع والافتراق، ويصح عليه الحركة والسكون، وكل ما قبل ذلك لم يخل من الحوادث، والحوادث يجب أن تكون متناهية لها انتهاء، وما كان مستلزماً لما له انتهاء كان له ابتداء، فإذا كان المتحيز لا ينفك عما له ابتداء، كان له ابتداء لأن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع.
فيقول الأشعري: هذا الدليل إن كان صحيحاً، ودليل الرؤية والعلو والمباينة أيضاً صحيح، أمكن أن أقول بموجب ذلك، وأثبت العلو والرؤية والمباينة بدون التحيز، وإن قدر أنه لا يمكن الجمع بين هذين، فموافقتي للسلف والأئمة في إثبات الرؤية والعلو والمباينة، مع موافقتي للكتاب والسنة، أولى من موافقتك على هذه المقدمة، وهي امتناع وجود ما لا يتناهى، فإن هذه المقدمة لكل طائفة فيها قولان، فللفلاسفة فيها قولان، وللمعتزلة فيها قولان، وللأشعرية فيها قولان، ولأهل السنة والحديث والفقه فيها قولان.
وأكثر العقلاء على جواز وجود ما لا يتناهى في الجملة، ولكن منهم
(7/240)

من يجوز ذلك في الماضي كما يجوزه في المستقبل ومنهم من يجوزه في المستقبل دون الماضي.
والأدلة الدالة على امتناع ذلك قد عرف ضعفها.
ويقول له: وقد علمت بالاضطرار أن تصديق السلف للرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مبنياً عليها، فلا يكون العلم بصدق الرسول موقوفاً عليها، ولا علمي أيضاً بصدق الرسول موقوفاً عليها، ولا معرفتي للصانع تعالى موقوفة عليها.
وليست هذه الطرق وأمثالها هي الطرق العقلية التي دل القرآن عليها وأرشد عليها فإن تلك الطرق صحيحة عقلية، لا يمكن عاقلاً أن ينازع فيها، فإن حدوث المحدثات مشهود معلوم الحس، وافتقار المحدث إلى محدث معلوم بضرورة العقل، بل العقل الصريح يعلم العقل افتقار كل ما يعلم حدوثه إلى محدث، كما يعلم افتقار جنس المحدثات إلى محدث، فتعلم الأعيان الجزئية الموجودة في الخارج، كما تعلم القضية الكلية الشاملة لها، إلى سائر نافي هذا الباب من الآيات الدالة على معرفة الصانع سبحانه، كما قد بسط في موضعه.
(7/241)

وإذا كان كذلك تبين أن العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ليس موقوفا على شيء من المقدمات المناقضة لإثبات الصفات الخبرية والرؤية والعلو على العرش ونحو ذلك مما دل عليه السمع، وهو المطلوب.

فصل
ومما يوضح ذلك أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام في إثبات الصانع، التي أحدثها المعتزلة والجهمية، وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية، وغيرهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، قد طعن فيها جمهور العقلاء، فكما طعن فيها السلف والأئمة وأتباعهم، وذموا أهل الكلام بها، كذلك طعن في حذاق الفلاسفة وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن العزيز أصح منها، وإن كان أولئك المعتزلة والأشعرية أقرب إلى الإسلام من هؤلاء الفلاسفة من وجه آخر.

كلام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري عن ذم الأئمة لأهل الكلام
فأما ذم السلف والأئمة لهذا الكلام فمشهور كثير.
وقد قال أبو القاسم بن عساكر في كتابه المعروف بـ تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الأشعري: فإن قيل: (غاية ما تمدحون به أبا الحسن أن تثبتوا أنه
(7/242)

متكلم، وتدلونا على أنه بالمعرفة برسوم الجدل متوسم، ولا فخر في ذلك عند العلماء من ذوي التسنن والاتباع، لأنهم يرون أن من تشاغل بذلك من أهل الابتداع، فقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب المتكلمين، وذم أهل الكلام، ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى، فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم وشفى، وأنتم تنتسبون إلى مذاهبه، فهلا اقتديتم في ذلك به) .
ثم روى ابن عساكر بإسناده عن الفريابي، حدثني بشر ابن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس.
قال البيهقي، وروي هذا أيضا عن مالك بن أنس، وقال: قال البيهقي: وإنما يريد - والله أعلم - بالكلام
(7/243)

كلام أهل البدع، فإن في عصرهما إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع، فأما أهل السنة فقلما كانوا يخوضون في الكلام حتى اضطروا إليه بعد) .
قال ابن عساكر: (وأما قول الشافعي: فأخبرنا فلان - وذكر من كتاب مناقب الشافعي لـ عبد الرحمن بن أبي حاتم: ثنا يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول: لأن يبتلي المرء بكل ما نهى الله عنه - سوى الشرك - خير له من الكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول ذلك.
قال ابن أبي حاتم ثنا أحمد بن أصرم المزني قال: قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: ما تردى أحد بالكلام فأفلح.
(7/244)

وقال ابن أبي حاتم: ثنا الربيع، قال رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام.
فصاح فقال: إما أن تجاورونا بخير، وإما أن تقوموا عنا) .
وروي أيضا (عن ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: لو علم الناس ما في الكلام في الأهواء لفروا منه كما يفر من الأسد) .
قال ابن عساكر: (فإنما عنى الشافعي الكلام البدعي المخالف عند اعتباره للدليل الشرعي) .
قال: (وقد بين زكريا بن يحيى الساجي في روايته هذه الحكاية عن الربيع أنه أراد بالنهي عن الكلام قوما تكلموا في القدر، ولذلك حكم بالتبديع، ويدل عليه ما أخبرنا فلان) .
وروى بإسناده (عن محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت يونس بن عبد الأعلى: يقول: جئت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد، فقال: غبت عنا يا
(7/245)

أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله، خير له من أن يبتلى بالكلام) .
قال: (فالشافعي إنما عنى بمقالته كلام حفص القدري وأمثاله) .

تعليق ابن تيمية
قلت: حفص الفرد لم يكن من القدرية، وإنما كان على مذهب ضرار بن عمرو الكوفي، وهو من المثبتين للقدر، لكنه من نفاة الصفات، وكان أقرب إلى الإثبات من المعتزلة والجهمية.

كلام الأشعري في المقالات عن الضرارية
وقد ذكر الأشعري في (المقالات) فقال: (ذكر الضرارية - أصحاب ضرار بن عمرو -: والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله: إن أعمال العباد مخلوقة، وإن فعلا واحدا لفاعلين، أحدهما خلقه، وهو الله، والآخر اكتسبه، وهو العبد، وإن الله فاعل لأفعال العباد في الحقيقة، وهم فاعلون لها في
(7/246)

الحقيقة.
وكان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل، وأنها بعض المستطيع، وأن الإنسان أعراض مجتمعة، وكذلك الجسم أعراض مجتمعة.... وأن الأعراض قد يجوز أن تنقلب أجساما ...
وكان يزعم أن كل ما تولد عن فعله، كالألم الحادث عن الضربة، وذهاب الحجر الحادث عن الدفعة، فعل لله - سبحانه - وللإنسان.
وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر: أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه) .
وقال: (وكان يزعم أن الله يخلق حاسة سادسة يوم القيامة للمؤمنين، يرون بها ماهيته - أي ماهو -) .
قال: (وقد تابع على ذلك حفص الفرد وغيره) .
فهذا الذي ذكره الأشعري من قول ضرار وحفص الفرد في القدر هو مخالف لقول المعتزلة، بل هو من أعدل الأقوال وأشبهها.
وقوله إلى قول الأشعري وأصحابه في القدر والرؤية أقرب من قوله إلى قول المعتزلة، بل هو في القدر أقرب إلى قول أهل الحديث والفقهاء وسائر أهل السنة.
(7/247)

وأعدل من قول الأشعري، حيث جعل العبد فاعلا حقيقة، وأثبت استطاعتين، ونحو ذلك مما أثبته أئمة الفقهاء وأهل الحديث، كما هو مذكور في موضعه.

عود لكلام ابن عساكر وتعليق ابن تيمية عليه
قال ابن عساكر: (فأما الموافق للكتاب والسنة، الموضح لحقائق الأصول عند الفتنة فهو محمود عند العلماء) .
وروي عن ابن خزيمة: (سمعت الربيع يقول: لم كلم الشافعي حفصاً الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق، قال له الشافعي: كفرت بالله العظيم) .
وعن الربيع: (قال: حضرت الشافعي - أو حدثني أبو شعيب - ألا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد، وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم، فقال: ما تقول
(7/248)

في القرآن؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، فكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي واحتج عليه، فطالت فيه المناظرة، فقال الشافعي بالحجة عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكفر حفصاً الفرد.
قال الربيع: فلقيت حفصاً في المسجد بعد، فقال: أراد الشافعي قتلى) .
وروي عن الشافعي: (قال: ماناظرت أحداً أحببت أن يخطىء إلا صاحب بدعة، فإني أحب أن ينكشف أمره للناس) .
(قال البيهقي إنما أراد الشافعي بهذا الكلام حفصاً الفرد وأمثاله من أهل البدع، وهكذا مراده بكل ما حكي عنه من ذم الكلام وذم أهله، غير أن بعض الرواة أطلقه، وبعضهم قيده) .
(7/249)

(وروى البيهقي عن أبي الوليد بن الجارود قال: دخل حفص الفرد على الشافعي، فقال لنا: لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة، خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه، وكان يقول بخلق القرآن) .
قلت: حفص الفرد كما هو معروف عند أهل العلم بمقالات الناس بإثبات القدر، فهو من نفاة الصفات القائلين بأن الله تعالى لا تقوم به صفة ولا كلام ولا فعل.
وأصل حجتهم في ذلك هو دليل الأعراض المتقدم، فإن القرآن كلام، والكلام عندهم كسائر الصفات والأفعال، لا يقوم إلا بجسم، والجسم محدث، فكان إنكار الشافعي عليه لأجل الكلام الذي دعاهم إلى هذا، لم تكن مناظرته له في القدر، ومن ظن أن الشافعي ناظره في القدر فقد أخطأ خطأ بينا، فإن الناس كلهم إنما نقلوا مناظرته له في القرآن: هل هو مخلوق أم لا؟.
وأهل المقالات متفقون على أن حفصاً لم يكن من نفاة القدر بل من
(7/250)

مثبته.
وقد ظن البيهقي وغيره أنه إنما ذم مذهب القدرية فقال: (وإنما ذم الشافعي مذهب القدرية ألا تراه قال: بشيء من هذه الأهواء، واستحب ترك الجدال فيه وكأنه سمع ما رويناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم» - الحديث، أو غير ذلك من الأخبار الواردة في معناه، وعلى مثل ذلك جرى أئمتنا في قديم الدهر عند الاستغناء عن الكلام فيه، فإذا احتاجوا إليه أجابوا بما في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدلالة على إثبات القدر لله تعالى، وأنه لا يجري في ملكوت السماوات والأرض شيء إلا بحكم الله وبقدرته وإرادته، وكذلك في سائر مسائل
(7/251)

الكلام اكتفوا بما فيها من الدلالة على صحة قولهم، حتى حدثت طائفة سموا ما في كتاب الله من الحجة عليهم متشابهاً، وقالوا: نترك القول بالأخبار أصلاً، وزعموا أن الأخبار التي حملت عليهم لا تصح في عقولهم، فقال جماعة من أئمتنا بهذا العلم، وبينوا لمن وفق للصواب ورزق الفهم أن جميع ما ورد في تلك الأخبار صحيح في المعقول، وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في المعقول، وحين أظهروا بدعهم وذكروا ما اغتر به أهل الضعف من شبههم.
أجابوهم فكشفوا عنها بما هو حجة عندهم، كما فعل الشافعي فيما حكينا عنه، لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما في ترك أنكار المنكر والسكوت عنه من الفساد والتعدي وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة، وكانوا لا يتسمون بتسميتهم) .
قال: (وإنما يعني - والله أعلم - بقوله: من ارتدى بالكلام لم يفلح، كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة، وجعلوا معولهم
(7/252)

عقولهم، وأخذوا في تسوية الكتاب عليها، وحين حملت عليهم السنة بزيادة بيان لنقض أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عنها) .
قال: (فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالاً لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل) .
إلى أن قال البيهقي: (وفي كل هذا دلالة أن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل البدع الذي يخالف الكتاب والسنة، فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة، ويبين بالعقل والعبرة، فإنه محمود مرغوب فيه عند الحاجة، تكلم فيه الشافعي وغيره من أئمتنا رضي الله عنهم) .
قال: (وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز شيخ مالك بن أنس استاذ الشافعي بصيرا بالكلام والرد على أهل الأهواء) .
وروي من تاريخ يعقوب بن سفيان، عن ابن وهب: (قال:
(7/253)

قال مالك: كان ابن هرمز رجلا كنت أحب أن أقتدي به، وكان قليل الكلام قليل الفتيا، شديد التحفظ وكان كثيرا ما يفتي الرجل ثم يبعث في إثره فيرده إليه يغير ما أفتاه
قال: وكان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء، وكان من علم الناس بما اختلفت فيه الناس من هذه الأهواء.
وروى ابن عساكر من طريق البيهقي عن الحاكم: سمعت أبا بكر بن عبد الله يوسف الحفيد ـ من أصل كتابه ـ سمعت الحسين بن الفضيل البجلي يقول: دخلت على زهير بن حرب بعد ما قدم من عند المأمون وقد امتحنه، فأجاب إلى ما سأله، وكان أول ما قال لي علي تكتب عن المرتدين؟ فقلت: معاذ الله، ما أنت بمرتد.
وقد قال الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ، فوضع الله عن المكره ما يسمعه في القرآن، ثم سألته عن أشياء يطول ذكرها، فقال: أشدها
(7/254)

علينا: أن قال لنا: ما تقولون في عيسى صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: من عيسى يا أمير المؤمنين؟ قال: عيسى بن مريم.
قلنا: رسول الله، قال: وكلمته؟ قلنا: نعم.
قال: فما تقولون فيمن قال: ليس عيسى كلمة الله؟ قلنا: كافر يا أمير المؤمنين.
قال: فقال لنا: أليس عيسى كلمة الله؟ قلنا: بلى.
قال: أفمخلوق أم غير مخلوق؟ قلنا: مخلوق.
قال فمن زعم أنه غير مخلوق؟ قلنا: كافر يا أمير المؤمنين.
قال: فما تقولون في القرآن؟ قلنا: كلام الله عز وجل.
قال: مخلوق أو غير مخلوق؟ قلنا: غير مخلوق.
قال: فمن زعم أنه مخلوق؟ قلنا: كافر.
قال فمن زعم؟ أن عيسى غير مخلوق.
وهو كلمة الله؟ قلنا: كافر قال: يا سبحان الله: عيسى كلمة الله، ومن نفى الخلق عنه كافر‍‍‍‍‍! والقرآن كلمة الله، ومن يثبت الخلق عليه كافر‍! قال الحسين: فأعلمته ما يجب من القول، وقلت له: قد كان المكي يختلف إليكم ويقول لكم: إني أعلم من هذا الباب مالا تعلمون.
فتعلموا ذلك مني، فتحملكم الرياسة على ترك ذلك.
ويقول لكم: يكون لكم ما تعلمتموه مني عدة تعتدونها لأعدائكم، فإن هجموا لم تحتاجوا إلى طلب العدة، وإن لم يحضركم الأعداء لم يضركم الإعداد للعدة،
(7/255)

فتأبون ذلك.
والحجة في هذا الباب كيت وكيت.
فقال: والله وددت أني كنت أعلم هذا كما تعلمه يوم دخلت على المأمون، وأن ثلث روايتي ساقطة عني.
ثم نظر إلى يحيى بن معين وهو معه، فقال له: وأنا أقول كما تقول.
فقال لي زهير: فعلم ابني فإنه حدث.
فخلوت به في المسجد فعلمته ذلك، ثم انصرفت.
قال الحاكم: الحسين بن الفضل البجلي، صاحب عبد العزيز المكي المقدم في معرفة الكلام.
هـ) .
قلت: هذه الحكاية وقع فيها تغيير، أن كان أصلها صحيحاً، فإن زهير بن حرب ويحيى بن معين ونحوهما، ممن امتحن في زمن المحنة، لم يجتمعوا بالمأمون، ولا ناظرهم، بل ذهب إلى الثغر بطرسوس، وكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن أبراهيم ين مصعب أن يمتحن الناس، فامتنعوا من الإجابة، فكتب إليه كتاباً ثانياً يغلظ فيه، ويأمر بقتل القاضيين: بشر بن الوليد، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا، ويأمر بتقييد من لم يجب من العلماء، فامتنع من الإجابة سبعة، منهم:
(7/256)

زهير بن حرب، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح لم يجيبا، فحملا إليه مقيدين، فمات محمد بن نوح في الطريق، ومات المأمون قبل وصول أحمد بن حنبل إليه.
وهذا كله معلوم عن أهل العلم بذلك، لم يختلفوا في ذلك، فإن كانت قد جرت مناظرة مع زهير بن حرب، فلعل ذلك كان من غير المأمون، ولعل ذلك كان بين يدي نائبه إسحاق بن إبراهيم، فإنه هو الذي باشرهم بالمحنة، وإنما الذي ناظر الجهمية في المحنة هو أحمد بن حنبل، وكان ذلك في خلافة المعتصم، بعد أن بقي في الحبس أكثر من سنتين، وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها: من الجهمية والمعتزلة والنجارية: مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث، صاحب حسين النجار، وناظرهم ثلاثة أيام، وقطعهم في تلك المناظرات، كما قد شرحنا تلك المناظرات في غير هذا الموضع.
وهذه الحجة التي ذكرت في حكاية زهير بن حرب، ذكرها الإمام أحمد وتكلم عليها في كتبه فيما الرد على الجهمية، وهو في الحبس، قبل اجتماعه بهم للمناظرة فكان الجواب عن هذه مما هو بعد عند الأئمة، كـ أحمد بن حنبل وأمثاله.

كلام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية عن القرآن
قال أحمد فيما كتبه: (ثم إن الجهمي ادعى أمراً آخر، فقال:
(7/257)

أنا أجد آية في كتاب الله تدل على القرآن أنه مخلوق.
فقلنا: أي آية؟ قال: قول الله عز وجل: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم} ، وعيسى مخلوق.
فقلنا: إن الله منعك الفهم في القرآن: إن عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن، لأنه يسمى مولوداً رضيعاً وطفلاً وغلاماً، يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي، يجري عليه الوعد والوعيد، ثم هو من ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم، فلا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى، فهل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى من قول الله جل ثناؤه: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته
(7/258)

ألقاها إلى مريم} فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له (كن) فكان عيسى صلى الله عليه وسلم بكن، فعيسى ليس هو الكن، ولكن بالكن كان، فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقا.
وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته.
إلا أن كلمته مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله، وكلمة الله من ذات الله، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، قلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة، وأما قول الله تعالى: {روح منه} ، يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} ، يقول: من أمره، وتفسيره
(7/259)

روح الله إنما معناها أنها روح يملكها الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله) .
فبين الإمام أحمد أن الجهمية المعطلة، والنصارى الحلولية، ضلوا في هذا الموضع، فإن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص، كما ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص، وكذلك الجهمية النفاة إذا قالوا: هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب، ونحو ذلك من نفيهم.
والحلولية يشبهون المخلوق بالخالق، فيصفونه لصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله، كما فعلت النصارى في المسيح.
ومن جمع بين النفي والحلول، كحلولية الجهمية: مثل صاحب الفصوص وغيره، قالوا: (ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص والذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي كلها صفات له.
كما أن صفات المخلوق حق الله) .
فهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق، ويصفون
(7/260)

الخالق بكل ما يوصف به المخلوق، فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك.
ولفظ (الكلام) مثل لفظ: الرحمة، والأمر، والقدرة، ونحو ذلك من ألفاظ الصفات التي يسمونها في اصطلاح النحاة مصادر، ومن لغة العرب أن لفظ المصدر يعبر به عن المفعول كثيراً، كما يقولون: درهم ضرب الأمير.
ومنه قوله تعالى: {هذا خلق الله} : أي مخلوقه؟.
فالأمر يراد به نفس مسمى المصدر، كقوله: {أفعصيت أمري} ، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ، {ذلك أمر الله أنزله إليكم} .
ويراد به المأمور به، كقوله تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} ، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} ، فالأول هو كلام الله وصفاته، والثاني مفعول ذلك وموجبه ومقتضاه.
وكذلك لفظ (الرحمة) يراد بها صفة الله التي يدل عليها اسمه: الرحمن، الرحيم، كقوله تعالى: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} ، ويراد بها ما يرحم به عباده من
(7/261)

المخلوقات، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة» .
وقوله «عن الله تعالى: يقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، ويقول للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي» .
وكذلك الكلام يراد به الكلام الذي هو الصفة، كقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} ، وقوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} .
ويراد به ما فعل بالكلمة، كالمسيح الذي قال له (كن) فكان، فخلقه من غير أب على غير الوجه المعتاد المعروف في
(7/262)

الآدميين، فصار مخلوقا بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين، كما خلق آدم وحواء أيضاً على غير الوجه المعتاد، فصار عيسى عليه السلام مخلوقا بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين.
وفي هذا الباب، باب المضافات إلى الله تعالى، ضلت طائفتان: طائفة جعلت جميع المضافات إلى الله إضافة خلق وملك، كإضافة البيت والناقة إليه، وهذا قول نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، حتى ابن عقيل وابن الجوزي وأمثالهما، إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك، وقالوا: هذه آيات الإضافات لا آيات الصفات، كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسمى بـ نفي التشبيه وإثبات التنزيه، وذكره أبو الفرج بن الجوزي في منهاج الوصول وغيره، وهذا قول ابن حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات وإن كانوا منتسبين إلى الحديث والسنة.
وطائفة بإزاء هؤلاء يجعلون جميع المضافات إليه إضافة صفة، ويقولون بقدم الروح، فمنهم من يقول بقدم روح العبد، لقوله:
(7/263)

{ونفخت فيه من روحي} ، وهم من جنس النصارى الذين يقولون بأن روح عيسى من ذات الله تعالى.
ومن هؤلاء من ينتسب إلى أهل السنة والحديث، إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة، كطائفة من أهل طبرستان وجيلان، وأتباع الشيخ عدي وغيره.
وطائفة ثالثة تقف في روح العبد: هل هي مخلوقة أم لا؟ وهم منتسبون إلى السنة والحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، والنزاع بين متأخري أصحاب أحمد وغيرهم وهو في المضافات الخبرية، كالوجه واليد والروح.
وأما المعتزلة فيطردون ذلك في الكلام وغيره.
وقد بين أحمد الرد على الطائفتين الأوليين، وهؤلاء الطائفتان أيضاً يضلون في المضاف بمن، فإن المجرور بالإضافة حكمه حكم المضاف، كقوله تعالى: {ولكن حق القول مني} ، وقوله تعالى: {وروح منه} ، فالطائفتان يجعلون القول منه كالروح منه، ثم يقةل النفاة: والروح مخلوقة بائنة عنه، فالقول مخلوق بائن عنه، ويقول الحلولية: القول صفة له ليس لمخلوق، فالروح التي منه صفة له ليست مخلوقة.
(7/264)

والفرق بين البابين: أن المضاف إذا كان معنى لا يقوم ينفسه ولا بغيره من المخلوقات، وجب أن يكون صفة لله تعالى قائما به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل وأرواح بني آدم، امتنع أن تكون صفة لله تعالى، لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره.
فقوله تعالى: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} ، وقوله في عيسى: {وروح منه} ، وقوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} ، يمتنع أن يكون شيء من هذه الأعيان القائمة بنفسها صفة لله تعالى.
لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما أن تضاف إليه من جهة كونه خلقها وأبدعها، فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله.
ومن هذا الباب فجميع المخلوقين عباد الله، وجميع المال مال الله، وجميع البيوت والنوق لله.
والوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه الله به من معنى يحبه ويرضاه ويأمر به، كما خص البيت العتيق بعباجة فيه لا تكون في غيره، وكما خص المساجد بأن يفعل فيها ما يحبه ويرضاه من العبادات، وأن
(7/265)

تصان عن المباحات التي لم متشرع فيها فضلاً عن المكروهات.
وكما يقال عن مال الفيء والخمس: هو مال الله ورسوله.
ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره.
فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه، وهذه الإضافة العامة لا تتضمن إلا خلقه وربوبيته.
وكذلك كلماته نوعان: كلماته الدينية المتضمنة شرعه ودينه كالقرآن.
وكلماته الكونية التي بها كون الكائنات.
وهي الكلمات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بها في قوله: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر» ، فإن كلماته التي بها كون المخلوقات لا يخرج عنها بر ولا فاجر، بخلاف كلماته التي شرع بها دينه فإن الفجار عصوها، كما عصاها إبليس ومن اتبعه.
والله تعالى لا يضيف إليه من المخلوقات شيئاً إضافة تخصيص إلا
(7/266)

لإختصاصه بأمر ويوجب الإضافة، وإلا فمجرد كونه مخلوقا ومملوكا لا يجب أن يخص بالإضافة.
ويهذا يتبين فساد قول النفاة الذين يقولون في قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ، من الأقوال ما لا اختصاص لآدم به، كقولهم: بقدرته، أو بنعمته، أو أن المعنى: خلقته أنا، أو أنه أضافه إلى نفسه إضافة تخصيص، فإن هذه المعاني كلها موجودة في الملائكة وإبليس والبهائم، فلا بد أن يثبت لآدم من اختصاصه بكونه سبحانه خلقه بيديه مالا يثبت لهؤلاء.
وكذلك أيضا إذا قيل عن القرآن العزيز - أو غيره - إنه كلام الله، فإن هذا لا يوجب أن تكون إضافته إليه إضافة خلق وملك، لوجهين: أحدهما: أنه صفة، والصفات إذا أضيفت إليه كانت إضافة وصف لا إضافة خلق.
الثاني: أن هذا يقتضي أن يكون كل كلام خلقه الله كلام، فيكون إنطاقه لما أنطقه من المخلوقات كلاماً له، ومن عرف أن الله خالق كل شيء لزمه أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه، كما فعل ذلك حلولية الجهمية، كابن عربي وغيره حيث قالوا:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
(7/267)

ولا يجوز أن تكون إضافته إليه لا ختصاصه بمعنى يحبه ويرضاه، كما أضاف إليه البيت والناقة، بقوله تعالى: {وطهر بيتي للطائفين والقائمين} ، وقوله: {ناقة الله وسقياها} ، لأن هذا يوجب أن يكون كل كلام يحبه الله فإنه كلامه، فيكون الإنسان إذا أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس يكون ذلك كلام الله، ويكون الشاهد إذا شهد بشهادة أمر بها تكون كلام الله، ويكون كل من حدث بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنما حدث بكلام الله تعالى.
والناس قد تنازعوا في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» .
هل المراد بها: الكلمة التي شرعها الله، وهي عقد النكاح؟ أو المراد كلمة التي تكلم بها، وهي شرعه وإذنه وتحليله لذلك؟
والصواب أن المراد بقوله: كلمة الله، كلامه الذي تكلم به المتضمن إذنه وتحليله وشرعه، لا العقد الذي هو كلام العباد.
ومن قال
(7/268)

إن المراد به العقد فقد أخطأ من وجون متعددة، قد بسطناها في غير هذا الموضع، وتكلمنا على ذلك في مسألة مفردة، ولا يعرف قط أنه أضيف إلى الله كلام إلا كلام تكلم الله به، ولكن لو قدر أنه قد يراد بالكلام المضاف إلى الله ما أمر به، وقدر أنه حصل نزاع في قوله: {وكلمة الله هي العليا} هل المراد: الكلمة التي يحبها ويأمر بها؟ أو الكلمة التي تكلم بها، وهي نفس أمره وخبره؟
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» .
فمن قال: المراد بالجميع كلام الله الذي تكلم له أطردت الإضافة على قوله، ولو قدر أن قائلا قال: أضيف إليه من الكلام ما يحبه ويرضاه، وإن لم يكن تكلم به - لم يمكن أن يجعل كون القرآن
(7/269)

كلامه من هذا الباب بالضرورة والاتفاق، إذ لازم ذلك أن يكون القرآن بمنزلة ما أمر به من الشهادة والأخبار وتقويم السلع وخرص النخل وسائر أنواع الكلام الصادق الذي يجب التكلم به، فيكون كل من تكلم بشيء من ذلك قد تكلم بكلام الله، ويكون كون القرآن كلام الله هو من هذا الباب، ولا يكون لله عز وجل في نفسه كلام إلاما تكلم به الخلق، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده.
ثم قول القائل: الكلام الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به، أو الكلام الذي يكرهه وينهى عنه - يقتضي أن هناك محبة ورضاء وامراً غير المأمور به، وكلاماً هو نهي غير المنهي عنه، وذلك هو كلامه الذي هو أمره ونهيه، فالأمر والنهي غير المأمور به والمنهي عنه.
وهذا على قول من اشتبه عليه أمر الإضافة في هذا المواضع، وإلا فالصواب في قوله صلى الله عليه وسلم: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله،» أنها كلمته التي تكلم بها.
وكذلك قوله تعالى: {وكلمة الله هي العليا} .
(7/270)

هي كلمته التي تكلم بها، وكل كلام تكلم به سبحانه مخبرا فإنه صدق، كما أن كل كلام تكلم به آمرا فهو عدل، وقد تمت كلماته صدقا وعدلا.
فالكلام له نسبة إلى المتكلم به، وهو الآمر المخبر به وله نسبة إلى المتكلم فيه، وهو المأمور به والمخبر عنه، فكلام الله الذي تكلم به يشبرك كله في كونه تكلم به.
ثم ما أخبر به عن نفسه، مثل قوله تعالى: {قل هو الله أحد} ، وآية الكرسي، وغير ذلك - أفضل مما أخبر به عن خلقه، وذكر فيه أحوالهم، كقوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} ، وهذا أصح القولين لأهل السنة وغيرهم،
وهو قول جمهور العلماء من الأولين والآخرين، فإن طائفة من المنتسبين إلى السنة وغيرهم يقولون: إن نفس كلام الله تعالى لا يتفاضل في نفسه، بناء على أنه قديم، والقديم لا يتفاضل.
ويتأولون قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو
(7/271)

مثلها} ، أي خير لكم وأنفع.
والصواب الذي عليه جمهور السلف والأئمة: إن بعض كلام الله أفضل من بعض، كما دل على ذلك الشرع والعقل.
ففي الحديث الثابت «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي سعيد بن المعلى: لأعلمنك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها» ، ثم أخبره أنها فاتحة الكتاب، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس في القرآن لها مثل، فبطل قول من يقول بتماثل جميع كلام الله.
وكذلك ثبت في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم: فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ، فضرب بيده في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، فبين أنه هذه الآية أعظم من غيرها من الآيات.
(7/272)

وقد ثبت عنه في الصحيحين من غيره وجه أن: {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن.
وذلك أن القرآن: إما خبر، وإما إنشاء، والخبر: إما خبر عن الخالق، وإما عن المخلوق.
فثلثه قصص.
وثلثه أمر، وثلثه توحيد، فهي تعدل ثلث القرآن بهذا الاعتبار.
وأيضاً فالكلام وإن اشترك من جهة المتكلم به في أنه تكلم بالجميع.
فقد تفاضل من جهة المتكلم فيه، فإن كلامه الذي وصف به نفسه، وأمر فيه بالتوحيد، أعظم من كلامه الذي ذكر فيه بعض خلقه، وأمر فيه بما هو دون التوحيد.
وأيضاً فإذا كان بعض الكلام خيراً للعباد وأنفع، لزم أن يكون في نفسه أفضل من هذه الجهة، فإن تفاضل ثوابه ونفعه إنما هو لتفاضله في نفسه، وإلا فالشيئان المتساويان من كل وجه، لا يكون ثواب أحدهما أكثر، ولا نفعه أعظم.
والمقصود هنا شيئان: أحدهما: أن الذين يعظمون الأشعري وأمثاله من أهل الكلام كالبيهقي، وابن عساكر، وغيرهما - وقد عرفعوا ذم الشافعي وغيره من الأئمة للكلام، ذكروا أن الكلام المذموم هو كلام أهل البدع، وقالوا: إنما كان يعرف في عصرهم بالكلام أهل البدع،
(7/273)

وأنه أراد بذلك كلام مثل حفص الفرد وأمثاله، وأنه لما حدثت طائفة سمت ما في كتاب الله من الحجة عليهم متشابها، وقالوا بترك القول بالأخبار التي رواها أهل الحديث، وزعموا أن الأخبار التي حملت عليهم لا تصح في عقولهم، قام جماعة من أئمتنا، وبينا أن جميع ما ورد في الأخبار صحيح في المعقول، وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في العقول، وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة، فكانوا لا يسمون تسميتهم، وإنما يعني بقوله (من ارتدى بالكلام لم يفلح) كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة، وجعلوا معولهم عقولهم، وأخذوا في تسوية الكتاب والسنة عليها، فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل، إبطالاً لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل.
قلت: وهذا اتفاق من علماء الأشعرية، مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف، على أن الكلام المذموم عند السلف: كلام من يترك الكتاب والسنة، ويعول في الأصول على عقله، فكيف بمن يعارض
(7/274)

الكتاب والسنة بعقله؟! وهذا هو الذي قصدنا إبطاله، وهو حال أتباع صاحب الإرشاد الذين وافقوا المعتزلة في ذلك.
وأما الرازي وأمثاله، فقد زادوا في ذلك على المعتزلة، فإن المعتزلة لا تقول: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل يقولون: إنها تفيد اليقين، ويستدلون بها أعظم مما يستدل بها هؤلاء.
الثاني: أن كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه ونحوه من الأئمة تضمن ذم كلام حفص الفرد وأمثاله في مسألة القرآن.
والكلام في ذلك مبني على نفي قيام الأفعال به، فإن المعتزلة يقولون: الكلام لا بد له من فعل يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته، فلو قام به الكلام لقامت به الأفعال، وهي حادثة، فكان يكون محلا للحوادث، وبطل الدليل الذي استدللنا به على حدوث العالم.
وقد بينا أن ذم الشافعي لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل إنكار القدر، فإن حفصاً لا ينكره، وإنما كان لإنكار الصفات والأفعال، المبني على دليل الأعراض.
وهكذا كلام الإمام أحمد - وغيره من الأئمة - في ذم الكلام، كان متناولاً لكلام الجهمية.
وكلام أحمد وأمثاله في ذلك كثير ظاهر معلوم، فإن مناظرته للجهمية، ورده عليهم، أشهر وأكثر من أن
(7/275)

يذكر هنا، وكان من المناظرين له أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث، وهو على قول حسين النجار - والنجار من المثبتة للقدر - وكذلك كانوا يذمون المريسي وغيره من المثبتين للقدر، فتبين أن كلامهم في ذم أهل الكلام لم يكن لأجل إنكار القدر، بل كان ذمهم للجهمية أعظم من ذمهم للقدرية.

كلام الأشعري في مقالات الإسلاميين عن النجارية
قال الأشعري في المقالات: (ذكر قول الحسين بن محمد النجار: كان هو وأصحابه يقولون: إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى وهم فاعلون لها، وإنه لا يكون في ملك الله إلا ما يريده، وأن الله لم يزل مريداً أن يكون في وقته ماعلم أنه يكون في وقته، مريداً أن لا يكون ما علم أنه لا يكون، وأن الاستطاعة لا يجوز أن تتقدم الفعل، وأن العون من الله يحدث في حال الفعل مع الفعل وهو الاستطاعة، فإن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان، وأن لكل فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وإن الاستطاعة لا تبقى، وأن في وجودها وجود الفعل، وفي عدمها عدم الفعل) .
وذكر سائر قوله في القدر من جنس قول الأشعري وأصحابه
(7/276)

(وأن الإنسان لا يفعل في غيره، وأنه لا يفعل الأفعال إلا في نفسه، كنحو الحركات والسكون، والإرادات والعلوم، والكفر والإيمان، وإن الإنسان لا يفعل ألماً ولا إدراكاً ولا رؤية، ولا يفعل شيئاً على طريق التولد) .
قال: (وكان برغوث يميل إلى قوله) .
قال: (وكان يزعم أن الله لم يزل جواداً بنفي البخل عنه، ولم يزل متكلماً بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأنه كلام الله محدث مخلوق، وكان يقول في التوحيد يقول المعتزلة، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء.
وكان يزعم أن جائز أن يحول الله العين إلى القلب، ويجعل في العين قوة القلب، فيرى الله الإنسان بعينه: أي يعلمه بها، وكان ينكر الرؤية لله بالأبصار على غير هذا الوجه) .
(7/277)

قلت: فقول ضرار والنجار وأتباعهما كبرغوث وحفص، وقول بشر المريسي ونحوه من أهل الكلام الذين ذمهم الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة، ليس فيه إنكار للقدر، بل فيه إثبات له، وإنما ذمومهم لما في قولهم من نفي ما وصف الله به نفسه، مع أن قول النجار وضرار خير من قول المعتزلة، وقولهما في الرؤية يشبه قول من ينفي العلو ويثبت الرؤية من الأشعرية ونحوهم، وأصل كلامهم الذي بنوا عليه نفي ذلك ما تقدم من الأصول الثلاثة، ليس لهم غيرها، وهي دليل الأعراض، والتركيب، والأختصاص.

كلام الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله
ومما يبين ذلك ما ذكره الشيخ أبو سليمان الخطابي في رسالته المعروفة في الغنية عن الكلام وأهله قال فيها: (وقفت على مقالتك وظهور ما ظهر بها من مقالات أهل الكلام، وخوض الخائضين فيها، وميل بعض منتحلي السنة إليها، واغترارهم بها،
(7/278)

واعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة، وجنة لها، يذب به عنها، ويزداد بسلاحه عن حريمها، وفهمت ما ذكرته من ضيق صدرك بمجالسهم، وتعذر الأمر عليك في مفارقتهم، لأن موقفك بين أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك فتقبله، وبين أن تقابلهم على ما يزعمونه فترده وتنكره، وكلا الأمرين يصعب عليك: أما القبول فلأن الدين يمنعك منه، ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه، وأما الرد المقابلة فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول، ويؤاخذونك بقوانين الجدل، ولا يقنعون منك بظواهر الأمور، وسألتني أن أمدك بما يحضرني في نصرة الحق من علم وبيان، وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان، وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم دفعها، ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها وإنكارها، فرأيت إسعافك لازماً في حق الدين، وواجب النصيحة لجماعة المسلمين، فإن الدين النصيحة) .
(7/279)

«واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصحية، الدين النصيحة، الدين النصيحة.
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» .
قال: (واعلم أن هذه الفتنة قد عمت اليوم وشملت، وشاعت في البلاد واستفاضت، فلا يكاد يسلم من رهج غبارها إلا من عصمه الله، وذلك مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء» .
قال: ثم إني تدبرت هذا الشأن، فوجدت عظم السبب
(7/280)

فيه أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم، وفضل ذكاء وذهن، ويوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة، واقتصر على واضح بيان منها، كان أسوة للعامة، وعد واحداً من الجمهور والكافة، وأنه قد ضل فهمه، واضمحل لطفه وذهنه فحركهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع لمخالفة السنة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، فاختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا
(7/281)

عن حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوا بيقين علم) .
قال: (ولما رأوا كتاب الله ينطق يخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض، وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولسنته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها، وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنة، وسوء المعرفة بما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سكلوا سبيل القصد، ووقفوا عند ما أنتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين، وروح القلوب، ولكثرت البركة،
(7/282)

وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) .

تعليق ابن تيمية
فهذا الذي وصفه الشيخ أبو سليمان الخطابي هو حال أهل الكلام، الذين يعارضون الكتاب والسنة بعقلهم، فيتأولون الكتاب على غير تأويله، ويردون الحديث بما يمكنهم، مثل زعمهم أنه خبر واحد، وأن كان من المستفيضات المتلقاة بالقبول، ومثل غير ذلك من وجوه الرد، لأن الأصول التي بنوا عليها دينهم تناقض منصوص الكتاب والسنة، كطريقة الأعرض والتركيب والاختصاص، ونحو ذلك مما تقدم.
وهم فيها خاضوا فيه من العقليات المعارضة للنصوص، في حيرة وشبهة وشك، من كان منهم فاضلاً ذكياً قد عرف نهايات أقدامهم كان في حيرة وشك، ومن كان منهم لم يصل إلى الغاية كان مقلدا لهؤلاء، فهو يدع تقليد النبي المعصوم وإجماع المؤمنين المعصوم، ويقلد رؤوس الكلام المخالف للكتاب والسنة، الذين هم في شك وحيرة، ولهذا لا يوجد أحد من هؤلاء إلا وهو: إما حائر شاك، وإما متناقض يقول قولاً ويقول ما يناقضه، فيلزم بطلان أحد القولين أو كلاهما، لا يخرجون عن الجهل البسيط مع كثرة النظر والكلام، أو عن
(7/283)

الجهل المركب الذي هو ظنون كاذبة، وعقائد غير مطابقة، وإن كانوا يسمون ذلك براهين عقلية، وأدلة يقينية، فهم أنفسهم ونظراؤهم يقدحون فيها، ويبينون أنها شبهات فاسدة، وحجج عن الحق حائدة.
وهذا الأمر يعرفه كل من كان خبيراً بحال هؤلاء، بخلاف أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المتبعين له، فإنهم ينكشف لهم أن ما جاء به الرسول، هو الموافق لصريح المعقول، وهو الحق الذي لا اختلاف فيه ولا تناقض.
قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} .
فهؤلاء مثل نور الله في قلوبهم: {كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} : نور الإيمان، ونور القرآن، نور صريح المعقول، ونور صحيح المنقول.
كما قال بعض السلف: يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا جاء الأثر كان نوراً على نور.
(7/284)

وقال لغير واحد من الصحابة - كجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: - تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانا.
قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور}
وأما أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة فهم: إما في الجهل البسيط، وإما في الجهل المركب، كالكفار، فالأولون: {كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} .
والآخرون: {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} .
فأهل الجهل والكفر البسيط لا يعرفون الحق ولا ينصرونه، وأهل الجهل والكفر المركب يعتقدون أنهم عرفوا وعلموا، والذي معهم ليس لعلم بل جهل.
(7/285)

عود لكلام الخطابي في الغنية
قال أبو سليمان الخطابي: (واعلم أن الأئمة الماضين، والسلف المتقدمين، لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر، عجزاً عنه، ولا انقطاعاً دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة، وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء، وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة وأعرضوا عنها لما تخوفوه من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمرهم، وعلى بصيرة من دينهم، لما هاهم الله له من توفيقه، وشرح به صدورهم من نور معرفته، ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف السنة وبيانها، غناء ومندوحة عما سواهما، وأن الحجة قد وقعت بهما، والعلة أزيحت بمكانهما، فلما تأخر الزمان بأهله، وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة، وقلت عنايتهم، واعترضهم الملحدون بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم - حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام، ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل، لم يقووا
(7/286)

بهم، ولم يظهروا في الحجاج عليهم، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه، وخدعة من الشيطان، والله المستعان) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هو كما قال أبو سليمان فإن السلف كانوا أعظم عقولاً، وأكثر فهموماً، وأحد أذهاناً، وألطف إدراكاً، كما قال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن: «خير قرون الأمة القرن الذي بعث فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .
وأعظم الفضائل فضيلة العلم والأيمان، فهم أعلم الأمة باتفاق علماء الأمة، ولم يدعوا الطرق المبتدعة المذمومة عجزاً عنها، بل كانوا كما قال عمر بن عبد العزيز: على كشف الأمور أقوى، وبالخير لو كان في تلك الأمور أحرى.
(7/287)

وقول الخطابي: (تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها، لما تخوفوه من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها) فسنبين إن شاء الله أن تلك الطرق المخالفة للسنة هي في نفسها باطلة، فأضربوا عنها، كما يضرب عن الكذب والقول الباطل، وإن كان مزخرفاً مزيناً، ولم يستجيزوا أن يقابلوا الفاسد بالفاسد، ويردوا البدعة بالبدعة.
وأما الكلام الذي لا يدري أصدق هو أم كذب، فهو بمنزلة الشاهد الذي لا يعلم صدقه، فهذا قد يعرض عنه خوفاً أن يكون باطلاً وكذباً.
فهذا يكون في الطرق المجهولة الحال.
ولا ريب أن كثيراً من الناس لا يعلم أحق هي أم باطل، فينهى عن القول بما لا يعلم، وقد ينهى بعض الناس عن أن ينظر فيما يعجز عن فهمه ومعرفة الحق فيه من الباطل، خوفاً من أن يزل ذهنه فيضل، ولا يمكن هداه، فالخوف يكون فيما لا يعلم حاله، أو لا يعلم حال سالكه، وإن كان حقاً.
وأما الكلام المخالف للنصوص فهو في نفسه باطل، فالنهي عنه كالنهي عن الكذب والكفر ونحو ذلك.
وقوله: (وقد كانوا على بينة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم، لما هداهم الله له من توفيقه، وشرح به صدورهم من نور معرفته) .
(7/288)

فهذا بيان لأنهم كانوا أهل علم ويقين، لا أهل جهل وتقليد، وأنه حصل لهم معرفة يقينية ضرورية، بهدى الله لهم، وشرح صدورهم، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أن الإيمان والعلم لا يتوقف على النطر الذي أحدثه أهل الكلام، فضلاً عن الكلام المخالف للنصوص.
وقوله: (ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب والسنة غنىً ومندوحة عما سواهما)
فهذا لأن الكتاب - والسنة - قد بين الحق وبين الطرق التي بها يعرف الحق، وذكر من الأدلة العقلية والأمثال المضروبة، التي هي مقاييس برهانية، ما هو أكمل في تحصيل العلم واليقين، مما أحدثه أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة.
وليس هدى الكتاب بمجرد كونه خبراً، كما يظنه بعضهم، بل قد نبه وبين ودل على ما به يعرف الحق من الباطل، من الأدلة والبراهين، وأسباب العلم واليقين، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع.
وما ذكره من أنه لما تأخر الزمان، وفترت عزائم بعض الناس عن طلب حقائق علوم الكتاب والسنة أخذوا يردون شبه الملحدين
(7/289)

بالكلام المبتدع، المستلزم مخالفة النصوص - فهو كما قال.
وقد تأملت هذا في عامة الأبواب فوجدته كذلك، بل وجدت جميع أهل البدع يلزمهم أن لا يكونوا مصدقين بتنزيل القرآن، ولا بتفسيره وتأويله في كثير من الأمور، والعلم - والإيمان - يتضمن التصديق بالتنزيل، وما دل عليه من التأويل، وما من بدعة من بدع الجهمية وفروعهم، إلا وقد قالوا في القرآن بما يقدح في تنزيله، وقالوا في معانيه بما يقدح في تفسيره وتأويله.
فمن تأمل طرق المعتزلة ونحوهم، التي ردوا بها على أهل الدهر والفلاسفة ونحوهم، فيما خالفوا فيه المسلمين، رآهم قد بنوا ما خالفوا فيه النصوص على أصول فاسدة في العقل، لا قطعوا بها عدوا الدين، ولا أقاموا على موالاة السنة واتباع سبيل المؤمنين، كما فعلوه في دليل الأعراض والتركيب والاختصاص.
وكذلك من ناطرهم من الكلابية وغيرهم، فيما خالفوا فيه السنة من مسائل الصفات والقدر وغير ذلك، بنوا كثيراً من الرد عليهم على أصول فاسدة: إما أصول وافقوهم عليها مما أحدثه أولئك، كموافقة من وافقهم على دليل الأعراض والتركيب ونحوهما، وإما أصول عارضوهم بها فقابلوا الباطل بالباطل، كما فعلوه في مسائل القدر والوعد والوعيد، ومسائل الأسماء والأحكام، فإن أولئك كذبوا بالقدر، وأوجبوا إنفاذ الوعيد، وقاسوا الله بخلقه فيما يحسن ويقبح، وهؤلاء ابطلوا حكمة الله
(7/290)

تعالى، وحقيقة رحمته وعدله، وقالوا ما يقدح في أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وتوقفوا في بعض أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فصار أولئك يكذبون بقدرته وخلقه ومشيئته، وهؤلاء يكذبون برحمته وحكمته، وببعض أمره ونهيه، ووعده ووعيده، كما قد بسط في موضعه.
فكان ما دفعوا به أهل البدع من أصول مبتدعة باطلة وافقوهم عليها، أو أصول مبتدعة باطلة قاتلوهم فيها، ضلة من الرأي، وغبناً فيه، وخدعة من الشيطان، بل الحق أنهم لا يوافقون على باطل، ولا يقابل باطلهم بباطل.
وهذا كما أصاب كثيراً من الناس من أهل العبادة والزهد والتصوف والفقر، أعرضوا عن السماع الشرعي، والزهد الشرعي، والسلوك الشرعي، فاحتاجوا أن يعتاضوا عن ذلك بسماع بدعي، وزهد بدعي، وسلوك بدعي، يوافق فيه بعضهم بعضاً في باطل، أو يقابل باطلهم بباطل آخر، وكما أصاب كثيراً من الناس مع الولاة الذين أحدثوا الظلم، فإنهم تارة يوافقونهم على بعض ظلمهم، فيعاونونهم على الإثم والعدوان، وتارة يقابلون ظلمهم بظلم آخر، فيخرجون عليهم
(7/291)

ويقاتلونهم بالسيف، وهو قتال الفتنة، فمن الناس من يوافق على الظلم ولا يقابل الظلم، مثل ما كان بعض أهل الشام، ومنهم من كان يقابله بالظلم والعدوان، ولا يوافق على حق ولا على باطل كالخوارج، ومنهم من كان تارة يوافق على الظلم، وتارة يدفع الظلم بالظلم، مثل حال كثير من أهل العراق.
وكثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة: إما أن يوافقوهم على بدعهم الباطلة، وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة، وإما أن يجمعوا بين هذا وهذا، وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلاً، ولا يدفع بباطل أصلاً فيلزم المؤمن الحق، وهو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج عنه إلى باطل يخالفه: لا موافقة لمن قاله، ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلاً.
وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب والسنة بما يناقض ذلك، وإن كان لا يظهر ذلك في بادي الرأي.

بقية كلام الخطابي في الغنية
قال أبو سليمان: (فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم قد أنكرتم الكلام
(7/292)

ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم، ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها، وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، وأن الرسول لم يثبت صدقة إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟) .
قال أبو سليمان: (قلنا: إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف، ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع، ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بياناً، وأصح برهاناً، وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه.
وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات، ولا يرون لها حقيقة، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور، ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء، فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله عز وجل عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها،
(7/293)

والإيداع والانقطاع على سالكها) .

تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الأعراض من الكلام المذموم، الذي ذمه السلف والأئمة، وأعرضوا عنه، كما ذكر ذلك الأشعري وغيره، وأن الذين سلكوها سلكوها لكونهم لم يسلكوا الطرق النبوية الشرعية، فمن لم يسلك الطرق الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية، بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة.
والخطابي ذكر أن هذه الطريقة متعبة مخوفة، فسالكها يخاف عليه أن يعجز أو أن يهلك.
وهذا كما ذكره الأشعري وغيره، ممن لم يجزموا بفساد هذه الطريقة، وإنما ذموها لكونها بدعة، أو لكونها صعبة متعبة قد يعجز سالكها، أو لكونها مخوفة خطرة لكثرة شبهاتها.
وهكذا ذكر الخطابي في كتاب شعار الدين ما يتضمن هذا المعنى، ولهذا كان من لم يعلم بطلان هذه الطريقة أو اعتقد صحتها، قد يقول ببعض موجباتها.
كما يقع مثل ذلك في كلام الخطابي وأمثاله، ما يوافق موجبها، وقد أنكره عليه أئمة السلف والعلم، كما هو مذكور في غير هذا الموضع.
وهذا قد وقع فيه طوائف من أصناف الناس، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم.
(7/294)

وأما قوله: (إنهم أخذوا هذه الطريقة من الفلاسفة) كما ذكر ذلك الأشعري.
فيقال: كثير من الفلاسفة يبطل هذه الطريقة، كأرسطو وأتباعه، فلم يوجد عنهم، ومن الفلاسفة من يقول بها، والذين قالوا بها من أهل الكلام ليس كلهم أخذها عن الفلاسفة، بل قد تتشابه القلوب.
كما قال تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} .
وقال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون} .
وأكثر المتكلمين السالكين لها مناقضون للقول المشهور عن الفلاسفة لا موافقون لهم، بل يردون على أرسطو وأصحابه في المنطق والطبيعيات والألهيات.

تابع كلام الخطابي في الغنية
قال الخطابي: (وبيان ما ذهب إليه السلف - من أئمة المسلمين - في الاستدلال على معرفة الصانع وإثبات توحيده وصفاته، وسائر ما ادعى أهل الكلام تعذر الوصول إليه إلا من الوجه الذي يذهبون إليه، ومن الطريقة التي يسلكونها، ويزعمون أن من لم يتوصل
(7/295)

إليه من تلك الوجوه كان مقلداً غير موحد على الحقيقة - هو أن الله سبحانه لما أراد إكرام من هداه لمعرفته، بعث رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
وقال له: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} .
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، وفي مقامات شتى، وبحضرته عامة أصحابه: «ألا هل بلغت» .
وكان الذي أنزل عليه من الوحي، وأمر بتبليغه، هو كمال الدين وتمامه، لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} ، فلم يترك صلى الله عليه وسلم شيئاً من أمور الدين: قواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله - إلا بينه، وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال.
ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبداً في كل وقت وزمان، ولو أخر عنه البيان لكان التكليف واقعاً بما لا سبيل
(7/296)

للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز، وإذا كان الأمر على ما قلناه، وقد علم يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها، إذ لا يمكن واحداً من الناس أن يروي عنه ذلك ولا عن أحد من أصحابه من هذا النمط حرفاً واحداً فما فوقه، لا من طريق تواتر ولا آحاد - علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقتهم، ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدل، لعدوا من جملة المتكلمين، ولنقل إلينا أسماء متكلميهم، كما نقل إلينا أسماء فقهائهم وقرائهم وزهادهم، فلما لم يظهر ذلك، دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل) .
قال الخطابي: (وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه:
أحدهما: ثبوت النبوة بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره، وأعجزهم شأنه، وقد تحداهم به وبسورة من مثله،
(7/297)

وهم العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء، فكل عجز عنه، ولم يقدر على شيء منه بوجه: إما بأن لا يكون في قولهم ولا في طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع القرآن في جزالة لفظه.
وبديع نظمه، وحسن معانيه، وإما أن يكون ذلك في وسعهم، وتحت قدرهم، طبعاً وتركيباً، ولكن منعوه وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته، وحجة عليهم في وجود تصديقه، وإما أن يكونوا إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن من أنباء ما كان، والإخبار عن الحوادث التي تحدث وتكون، وعلى الوجوه كلها، فالعجز موجود، والانقطاع حاصل، هذا إلى ما شاهدوه من آياته، وسائر معجزاته المشهودة عنه، الخارجة عن سوم الطباع، الناقضة للعادات، كتسبيح الحصا في كفه، وحنين الجذع لمفارقته، ورجف الجبل تحته، وسكونه لما ضربه برجله، وانجذاب الشجرة بأغصانها وعروقها إليه، وسجود البعير له، ونبوع
(7/298)

الماء من بين أصابعه حتى توضأ به بشر كثير، وربو الطعام اليسير بتبريكه فيه حتى أكل منه عدد جم، وأخبار الذراع إياه بأنها مسمومة، وأمور كثيرة سواها، يكثر تعدادها هي مشهورة، ومجموعة في الكتب التي أنشئت لمعرفة هذا الشأن) .
قال الخطابي: (فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم، وثبت ذلك في عقولهم، صحت عندهم نبوته، وظهرت عن غيره بينونته، ووجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله عز وجل وأمر صفاته، وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة، الشاهدة على أن لها صانعاً حكيماً، عالماً، خبيراً، تام القدرة، بالغ الحكمة، وقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} : إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة، ولطيف الحكمة، الدالين على جود الصانع
(7/299)

الحكيم، لما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك، والجوارح التي يباشر بها القبض والبسط، والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها، كالأضراس الحادثة فيهم عند استغنائهم عن الرضاع، وحاجتهم إلى الغذاء، فيقع بها الطحن له، وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء، والكبد التي يسلك إليها صفاوته، وعنها يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن، وكالأمعاء التي يرسب إليها تفل الغذاء وطحانه فيبرز عن البدن.
وكقوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} .
وكقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} .
وما أشبه ذلك من جلال الأدلة، وظواهر الحجج، التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما
(7/300)

يطول تتبعه واستقراؤه، فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته، بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها، وجريها على إدلالها، ثم علموا سائر صفاته توقيفاً عن الكتاب المنزل، الذي بان حقه، وعن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد ظهر صدقه، ثم تلقى جملة أمر الدين عنهم أخلافهم وأتباعهم، كافة عن كافة، قرناً بعد قرن، فتناولوا ما سبيله الخبر منها تواتراً واستفاضة، على الوجه الذي تقوم به الحجة، وينقطع فيها العذر، ثم كذلك من بعدهم عصراً بعد عصر، إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة، وتقوم عليه بها الحجة، فكان ما اعتمده المسلمون من الاستدلال في ذلك أصح وأبين، وفي التوصل إلى المقصود به أقرب، إذ كان التعلق في أكثره إنما هو بمعاني درك الحس، وبمقدمات من العلم مركبة
(7/301)

عليها، لا يقع الخلف في دلالتها) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ذكر الخطابي طريقين إلى معرفة الله وصفاته: طريقاً سمعية.
وطريقاً عقلية، وكلاهما طريق شرعية معروفة بالقرآن.
أما الأولى: فهو أن تعلم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بما أظهره الله على يديه من المعجزات وبغير ذلك، ثم يعرفون بذلك ما أخبرهم به ودعاهم إليه من التوحيد وإثبات الصفات، وهذا لأن نفس الإقرار بالصانع سبحانه فطري ضروري، أو معلوم بأدنى نظر وتأمل يحصل لعموم الخلق.
ثم معرفة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم بما أظهره من المعجزات الدالة على صدق الرسول.
وقد نبه الخطابي أن فيما جاء به الرسول من بيان الطرق العقلية التي يعرف بها ثبوت الخالق وتوحيده وصفاته، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن تعريفه للناس ما عرفهم إياه بمجرد خبره، وإن كان ذلك بعد ثبوت صدقه كما يظنه كثير من أهل الكلام، بل عرفهم ما به يعرف ثبوت الخالق ووحدانيته وصفاته، وما به يعرف صدقه، فبين ما جاء به من أصول
(7/302)

الدين وأدلته العقلية التي يعلم بها ما يمكن معرفته بالعقل، وأخبرهم عن الغيب الذي لا يمكنهم معرفته بمجرد عقلهم.
ولهذا قال الخطابي: (وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة على أنه لها صانعاً حكيماً عالماً خبيراً تام القدرة بالغ الحكمة) .
قال: (وقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} .
إلى قوله: (وما أشبه ذلك من جلال الأدلة، وظواهر الحجج، التي يذكرها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما يطول تتبعه واستقراؤه، فعن هذه الأمور ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته، بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها، وجريها على إدلالها، ثم علموا سائر صفاته توقيفاً عن الكتاب.... إلى آخر كلامه) .

كلام القاضي عبد الجبار في تثبيت دلائل النبوة
وهذا مما اعترف به النظار من جميع الطوائف: من المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم، كما قال القاضي عبد الجبار في أول كتابه المصنف في تثبيت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (الحمد لله
(7/303)

الذي من على عباده بإرسال رسله، وختمم بسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، فأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإنما يعرف الرسول من عرف المرسل، وقد حصل لك العلم به تبارك وتعالى بما في كتاب المصباح وغيره، وأجلها وأعظمها وأوضحها وأبينها ما في القرآن مما نبه الله عليه، وجعله في عقول العقلاء، فينبغي أن يراعيه، ويديم النظر فيه، ويواصل الفكر في آيات الله، ويعتبر بالنقل والاعتبار، تنال المعرفة) .
وكذلك قال الأشعري في كتابه المشهور المعروف باللمع لما ذكر خلق الإنسان واستدل به على الخالق تعالى.
كما قد حكينا كلامه، وذكرنا كلامه وكلام القاضي أبي بكر عليه، وأن كلامه أجود، مع أنه جعل الإنسان مما يستدل على خلق جواهره بأنها لا تخلو من الحوادث بناءً على أن الحدوث المشهود إنما هو حدوث الأعراض كالتأليف والتركيب، وهو المراد بالخلق، بناءً على ثبوت الجوهر الفرد.
وهذا وإن كان ضعيفاً، وأكثر علماء المسلمين ينازعون في هذا.

كلام الباقلاني شرح اللمع
فالمقصود أنه استدل بالخلق على الخالق.
قال القاضي أبو بكر: (ثم قال أبو الحسن مؤيداً لما ذكره من حدوث الإنسان، وحدوث تصويره
(7/304)

وتعلقه بخالق خلقه، ومدبر دبره: وقد قال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} فما استطاعوا بحجة أن يقولوا إنهم يخلقون مع تمنيهم الولد، فلا يكون، ومع كراهتهم له يكون قال: وقال تنبيهاً لخلقه على وحدانيته: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ، فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم، ومدبر دبرهم) .
قال القاضي أبو بكر: (واعملوا أن الغرض بذكر الآيتين الإخبار عن الله في نص كتابه بما دلهم العقول عليه، وتقريبه والتنبيه على موضع الاستدلال به من جهة السمع، ليكون المرء عند سماعه أقرب إلى العلم بإدراك ما يلتمس علمه، وترتيب ما النظر فيه على حقه وموجبه، وأن يجمع لأهل التوحيد المقربن بالسمع بين دلائل العقول وتنبيه السمع عليها، وأن النظر في مقدورات الله والاعتبار بها طريقاً إلى العلم بصانعها المدبر بها والخالق لأعيانها) .
قال: (وأما وجه التنبيه من قوله: {أفرأيتم ما تمنون * أأنتم
(7/305)

تخلقونه أم نحن الخالقون} ، فهو أن من سبيل الخالق المنشىء، أن يكون ماخلقه واقعاً بقصده وإرادته، وأن يجد نفسه قادرة عليه وعلى إجاد عينه، إن كان مخترعاً له، أو على تصويره وتخطيطه، إن كان الخلق تصويراً وتقديراً) .
قال: (وإذا ثبتت هذه الجملة، وعلمنا أن وجود الولد بنيته وهيئته، وليس بمقصور على إرادة الوالد، ولا مما يجد في نفسه القدرة عليه - ثبت بذلك أن الولد المخلوق ليس من فعل الوالد على سبيل المباشرة، ولا على جهة التولد عن حركاته) .
قال: (وأما وجه التنبيه من قوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ، رده لهم إلى الاعتبار في أحوالهم، وتنقلهم من حال إلى حال، ومن تركيب إلى تركيب، وعجيب ما قد فعل بذواتهم من التصوير والتأليف، وخلق الحواس ومواضعها، وتركيب كل عضو من أعضائهم على صفة ما يحتاج إلى استعماله فيه: من اليد للبطش، والرجل للمشي، وغير ذلك من جوارحهم، ومايتجدد في أنفسهم من الحوادث التي لم تكن، ويزول عنهم من الأمور الني يؤثرون استدامتها، مع علمهم بأن الصورة لا بد لها من مصور، وأن التأليف للدار والكتابة وضروب المنسوجات والمصنوعات لا بد لها في عقولهم من صانع مؤلف، وأن التغير في صفاته مع جواز بقائه على ما يعبر عنه لا بد له من ناقل نقله، ومغير غيره، وأنهم يجب أن يعلموا بذلك أن تصوير الإنسان وتغيره في الأحوال التي ذكرها أولى أن يتعلق بمصور صوره، وناقل نقله وغيره من تركيب إلى تركيب، وحال إلى
(7/306)

حال: أن الإنسان أقرب إلى علم هذا بالتنبيه من ناحية السمع عليه، وأجدر أن يتحقق علم ما فيه، وإن كان لو أفرد بعقله، وأحيل على صحيح نظره، لقال بما نبه السمع على مواضعه، وإن احتاج في ذلك إلى فضل فكر بالكد والروية وإتعاب النفس في طلب الحق) .
قال: (فهذا وجه التنبيه مما تلاه من التنزيل) .
وذكر في التوحيد والمعاد نحواً من ذلك، بخلاف نفي التشبيه، فإنه جعله من باب ما دل القرآن عليه بالخبر.
وأما ما ذكره هو وغيره: من أنهم عرفوا صدق الرسول بالمحجزات ابتداءً، فهذا يكون على وجهين:
أحدهما: أنهم عرفوا إثبات الخالق بالضرورة، ثم عرفوا صدق الرسول بالمعجزات.
الثاني: أن يقال: نفس ظهور المعجزات دلت على إثبات الخالق وعلى صدق رسوله، كما كان إظهار موسى للآيات: مثل العصا، واليد، دليلاً على الصانع وعلى صدق الرسول.
ولهذا لما قال له فرعون: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} .
قال له موسى: {قال أو لو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} .
فأظهر موسى هذه الآيات لما قال له فرعون: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} فدل ذلك على أنه أظهرها لإثبات
(7/307)

العلم بالصانع، ولصدق الرسول.
والأدلة الدالة على صدق الرسول كثيرةً مبسوطةً في غير هذا الموضع.
وبنبوته يستدل على تفصيل صفات الله وأسمائه، وعلى توحيده الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وهو توحيد الإلهية وكذلك على توحيد الربوبية.
فكلا نوعي التوحيد مما يمكن علمه بالسمع، وهذا مما اعترف به غير واحد من حذاق النظار، وقالوا: إنه يمكن العلم بصدق الرسول قبل العلم بالوحدانية، مع أن الخطابي أردا - والله أعلم - بعلم التوحيد: علم صفات الرب سبحانه وأسمائه، فإنهم يسمون ذلك علم التوحيد، وذلك مما يمكن معرفته بالشرع، فإنه يعلم بالفطرة، وبالعقل إثبات الصانع على طريق الإجمال، وأما تفصيل صفاته وأسمائه فتعلم بالسمع.
وأيضاً فإذا عرف أن العلوم الإلهية حقيقتها موجودةً عند الأنبياء عليهم السلام، فإنهم الصادقون المصدقون فيما يخبرون به من ذلك، وأن الواجب تلقي ذلك عنهم - كان العلم بأن هذا يستفاد من الرسول يمكن إثباته بما به يعلم أنه رسول، وإذا علم أنه رسول تعلم منه هذا
(7/308)

المطلوب.
كما إذا عرف أن علاج المرضى يؤخذ من الأطباء، والاستفتاء يرجع فيه إلى المفتين، وأمر التقويم يرجع فيه إلى المقومين.
فإذا عرف أن هذا طبيب، أو مفت، أو مقوم، رجع إليه في ذلك.
وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، وبين أن العلم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم له طرق متعددة، فمن ادعى من المتكلمين: المعتزلة والجهمية وموافقيهم - أنه لا يمكن العلم بصدقة إلا بعد العلم بحدوث الأجسام، وأن ذلك لا يعلم إلا بطريقة الأعراض، فقوله خطأ مبتدع، وهو الذي ذكر الخطابي أنه لم يسلك أحد من السلف هذه الطريق.
وأما الطريق العقلية التي ذكرها، فهي طريق دل عليها القرآن، وأرشد إليها، ونبه عليها، وهي الاستدلال بما يجدونه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعاً حكماً عالماً خبيراً.
إلى قوله: (فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم تبينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما
(7/309)

شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها) .
وهذا لأن الفعل الواحد المتسق المنتظم لا يكون عن اثنين، ولا يكون إلا عن عالم قادر، كما بين في غير هذا الموضع.

عود لكلام الخطابي في الغنية
فهذه الصفات ونحوها مما يعلم بالعقل.
قال: (ثم علموا سائر صفاته توقيفاً عن الكتاب المنزل) .
وهذا كالصفات الخبرية: مثل الوجه، واليدين، والاستواء على العرش، ونحو ذلك.
قال الخطابي: (فأما الأعراض فإن التعلق بها إما أن يكون عذراً، وإما أن يكون تصحيح الدلالة من جهتها عسراً متعذراً.
وذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها، فمن قائل: لا عرض في الدنيا ناف لوجود الأعراض أصلاً، وقائل: إنما هي قائمة بأنفسها، لا تخالف الجواهر في هذه الصفة، إلى غير ذلك من الاختلاف فيها.
وأوردوا في نفيها شبهاً قوية، فالاستدلال بها، والتعلق بأدلتها، لا يصح إلا بعد التخلص من تلك الشبه، والانفكاك عنها.
والطريقة التي
(7/310)

سلكناها سليمة من هذه الآفات، برية من هذه العيوب، فقد بان ووضح فساد قول من زعم وادعى من المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله تعالى وتوحيده من الوجه الذي يصححونه من الاستدلال، فإنه غير موحد في الحقيقة، لكنه مستسلم مقلد، وأن سبيله سبيل الذرية في كونها تبعاً للآباء في الإسلام، وثبت أن قائل هذا القول مخطىء، وبين يدي الله ورسوله متقدم، وبعامة الصحابة وجمهور السلف مزر، وعن طريق السنة عادل، وعن نهجها ناكب) .

تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا الذي ذكره الخطابي بين ظاهر، بتقدير أن تكون تلك الطريق صحيحة في نفسها، موصلة إلى العلم، فإن سلوكها - والحال هذه - إما غرر وخطر، وإما مشق صعب، بل معجوز عنه، فإنها تحتاج إلى تصحيح مقدمات كثيرة دقيقة متنازع فيها، وقد لا تثبت للإنسان فيضل عنها، فكانت بمنزلة من يريد الحج من طريق بعيدة مخوفة، يمكن سالكها أن يصل بعد جهد ومشقة، ويمكن أن
(7/311)

ينقطع، فمثل هذه الطريق قد يعجز صاحبها، وقد يضل بعد جهد ومشقة عظيمة، إذا لم يكن فيها مخوف، وإذا كان فيها مخوف فقد يهلك قبل الوصول.
ومعلوم أن من عدل إلى هذه الطريق، وترك الطريق المستقيمة الواضحة الآمنة الميسرة كان ظلوماً جهولاً.
وأما بتقدير أن تكون طريقاً فاسدة، كما يعرفه من عرف حقيقتها، فإنها: إما أن لا توصل إلى مطلوب، لأن النظر في الدليل الفاسد يستلزم الجهل المركب لا محالة، بل قد لا يحصل معه لا علم ولا جهل، وهذا حال كثير من حذاق النظار الذين سلكوها.
وإما أن توصل إلى نقيض الحق، إذا اعتقد سالكها صدق بعض مقدماتها الكاذبة، وهذه حال كثير ممن اعتقد صحتها، وعارض بموجبها صحيح المنقول وصريح المعقول.
وهي حال أهل البدع من المعتزلة والجهمية، ومن وافقهم على مقتضاها، فإنها منشأ ضلال ما شاء الله تعالى من طوائف أهل الكلام، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، فالأولون يبقون في الجهل البسيط، وهؤلاء يصيرون في الجهل المركب.
(7/312)

تابع كلام الخطابي في الغنية
قال الخطابي: (فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف، فلا تشتغل - رحمك الله - بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه أو يقاربه، فكل بكل معارض، وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صنعة الجدل والكلام، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل، على أصول مؤصلة لهم، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بقودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعاً، وجعلوه مبطلاً، وحكموا بالفلج لخصمه عليه، والجدل لا يبين به حق، ولا تقوم به حجة.
وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل ويكون الحق في ثلاثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه وإن
(7/313)

كان مفسداً له قول خصمه، لأنهما مجتمعان معاً في الخطأ، مشتركان فيه، كقول الشاعر فيهم:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً، وكل كاسر مكسور
وإنما كان الأمر كذلك لأن واحداً من الفريقين لا يعتمد في مقالتها التي ينصرها أصلاً صحيحاً، وإنما هي أوضاع تتكافأ وتتقابل، فيكثر المقال، ويدوم الاختلاف، ويقل الصواب.
قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} .
فأخبر سبحانه ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده.
وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة، لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله عنه.
(7/314)

ثم قال سبحانه في الحق: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} .
قال الخطابي: (فإن قيل: دلائل النبوة، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم - ما عدا القرآن - إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر، والحجة لا تقوم بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر، لجواز وقوع الغلط فيها، واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها، قيل: هذه الأخبار، وإن كانت شروط التواتر في آحادها معدومة، فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر، ومتعلقة به جنساً، لأن بعضها يوافق بعضاً ويجانسه.
إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز، والأمر المزعج للخواطر الناقض لمجرى العادات) .
قال: (ومثال ذلك أن يروي قوم ان حاتم طي وهب لرجل مائة
(7/315)

من الأبل، ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفاً من الغنم، ويروي آخرون أنه وهب آخر عشرة أرؤس من الخيل والرقيق إلى ما يشبه ذلك حتى يكثر عدد ما يروى عنه، فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها نوعاً نوعاً، فقد ثبت التواتر في جنسها، وحصل من جملتها العلم بأن حاتماً سخي، كذلك هذه الأمور وأن لم يثبت لأفراد أعيانها تواتر، فقد ثبت برواية الجم الغفير، الذي لا يحصى عددهم، ولا يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم، أنه قد جاء بمعنى معجز للبشر خارج عما في قدرهم، فصح بذلك أمر نبوته) .

كلام الخطابي في كتاب شعار الدين
وقال الخطابي أيضاً فيما ألحقه بكتاب شعار الدين وبراهين المسلمين (الكلام المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه، هو التجرد
(7/316)

في مذهب الكلام، والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب المتكلمون.
وذلك أنهم أدعوا الوقوف على حقائق الأمور من جهة العقول، وزعموا أن شيئاً من المعلومات لا يذهب عليهم علمه، ولا يعجزهم إدراكه، على سبيل التحديد والتحقيق) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذا هو حقيقة قول من لم يجعل السمعيات تفيد العلم، إنما يحصل العلم عنده من جهة العقل فقط، وقول من يظن أنه بمجرد عقله يعرف ما جاءت به الشرائع.
ولهذا قول الإمام أحمد في أول رسالته في السنة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول) ، فبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعارض بضرب الأمثال له، ولا يدركه كل أحد بقياس، ولا يحتاج أن يثبته بقياس، بل هو ثابت بنفسه، وليس كل ما ثبت يكون له نظير، وما لا نظير له لا قياس فيه، فلا يحتاج المنصوص خبراً وأمراً إلى قياس، بخلاف من أردا أن ينال كل ما جاءت به الرسل بعقله، ويتلقاه من طريق القياس،
(7/317)

كالقياس العقلي المنطقي، وهو قياس الشمول أو قياس التمثيل ونحو ذلك، فإن كلاً من هذا وهذ يسمى قياساً.
وقد تنازع الناس في اسم القياس: هل هو حقيقة في قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول؟ كما يقوله أبو حامد الغزالي وأبو محمد المقدسي وغيرها، أو هو حقيقة في قياس الشمول مجاز في قياس التمثيل؟ كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره، أو القياس حقيقة فيهما؟ كما يقوله الجمهور.
على ثلاثة أقوال.
وأيضاً فهم متنازعون في الجنسين: أيهما هو الذي يوصل إلى العلم؟ كثير من الناس من أهل النطق اليوناني ونحوهم يزعم أن الموصل إلى العلم هو قياس الشمول فقط دون قياس التمثيل، وكثير من أهل الكلام يرجح قياس التمثيل، ويقول: إن قياسهم المنطقي قياس الشمول قليل الفائدة أو عديمها.
وحقيقة الأمر أن القياسين متلازمان، فكل قياس شمول هو متضمن لتمثيل، وكل قياس تمثيل هو متضمن لشمول، فأن القايس قياس التمثيل لا بد أن يعلق الحكم بالوصف المشترك، فإذا قال: النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر، فكان حراماً كخمر العنب، فقد علق
(7/318)

التحريم بالسكر، ولا بد له من دليل بدل على تعلق الحكم بذلك الوصف المشترك: إما بنص، أو إجماع، أوغير ذلك من الطرق الدالة على أن الحكم معلل بذلك الوصف المشترك بين الأصل والفرع، وهو الذي يسمى جواب المطالبة، فإن القايس إذا قاس توحه عليه منوع، أحدها: منع الحكم في الأصل.
والثاني: منع ثبوت الوصف الذي علق به الحكم في الأصل.
والثالث: منع وجوده في الفرع.
وهذه الأسولة الثلاثة قد يسهل جوابها، والرابع: منع علة الوصف، وهو منع كون الحكم متعلقاً به، وهذا أعظم الأسولة.
وذلك الوصف الذي علق به الحكم، يسمونه: علة، وسبباً، وداعياً، وموجباً، ومناطاً، وباعثاً، وأمارةً، وعلامة، ومشتركاً، وأمثال ذلك.
ثم إذا أراد المستدل أن يصوغ هذا قياس شمول، قال: النبيذ مسكر، كل مسكر حرام، ولا بد له من إثبات هذه القضية الكبرى، وهو قوله: كل مسكر حرام، كما يحتاج الأول إلى إثبات كون السكر هو مناط التحريم، والذي جعله الأول مناط الحكم، جعله الثاني الحد الأوسط المتكرر في المقدمتين، ولا بد لكل منهما من الدلالة على ذلك، وكل من القياسين يتضمن حكماً عاماً كلياً، ولهذا اتفق أرباب القياس الشمولي المنطقي على أنه لا بد فيه من قضية كلية،
(7/319)

واتفق أرباب القياس التمثيلي على أنه لا بد فيه من مشترك بين الأصل والفرع، والمشترك هو الكلي، لكن في قياس الشمول لا يجب أن يبين ثبوت الكلي في صورة من الصور المعنية، بل يقول الرجل: السواد والبياص لا يجتمعان، وإن لم يعين سواداً أو بياضاً معينين، ويقول: الكل أعظم من الجزء، ولا يعين شيئاً.
وأما قياس التمثيل فلا بد فيه من تعيين أصل يقاس به الفرع ويمثل به، فيقال: هذا السواد وهذا البياض لا يجتمعان، فكذلك سائر السواد والبياض.
وهذا الكل أعظم من هذا الجزء، وهلم جراً.
ويقول أهل التمثيل: هذا أنفع لأن الكليات لاوجود لها في الأعيان، إنما وجودها في الأذهان، فإذا مثل الفرع بمعين ثابت في الخارج أفاد ذلك معرفة شيء موجود معين، بخلاف الكلي الذي لا تتمثل أعيانه في الخارج.
ولهذا كل متكلم في كليات مقدرة لا يتصور أعيانها الموجودة في الخارج، فإما أن يكون كلامه قليل الفائدة، بل عديمها، وإما أن يكون كثير الخطأ والغلط، وإما أن يجتمع فيه الأمران.
ويقولون أيضاً: إن العلم بكل واحد واحد من الأعيان يحصل بما به يحصل المعين
(7/320)

الآخر، فإنا إذا قلنا: الكل أعظم من الجزء، كان علمنا بأن هذا الكل أعظم من هذا الجزء، كعلمنا بذلك في الكل الآخر، فلم نستفد بالقضية الكلية علماً بمعين، إلا والعلم بذلك المعين مستغن عن القضية الكلية، ففيه تطويل بلا فائدة.
ويقول أهل قياس الشمول: بل قياس التمثيل لا يفيد إلا بتوسط تعليق الحكم بالمشترك، وهو الحد الأوسط، فلا بد فيه من قضية كلية أيضاً، لكن قد يدعي القايس الممثل تعليق الحكم بالمشترك بمجرد التمثيل، ولا يقيم دليلاً على أن الوصف المشترك الجامع بين الأصل والفرع هو مناط الحكم الذي هو الحد الأوسط، وربما أثبت ذلك بطرق لا تفيد العلم، كالاستقراء الناقص الذي هو من نوع السبر والتقسيم ونحو ذلك، ففي كل من القياسين قضية كلية، لكن صاحب الشمول يثبتها وصاحب التمثيل لا يثبتها.
قال أصحاب التمثيل: بل صاحب الشمول لا يمكنه إثباته إلا بطريق التمثيل، وإلا فإذا نازعه المنازع في الشمول والعموم، لم يكن له طريق إلا ذكر الأعيان بأن يقول: هذا الكل أعظم من هذا
(7/321)

الجزء، وإذا قيل: بل العقل يقضي بالقضية الكلية قضاءً عاماً.
قيل: إنما كان ذاك بواسطة علمه بالجزئيات، فيعود إلى التمثيل.
ولهذا توجد عامة قضاياهم الكلية منتقضة باطلة، لأنهم يدعون فيها العموم، بناءً على ما عرفوه من التجارب والعادات، وتكون تلك منتقضة في نفس الأمر كما هو الواقع، فإن من قال: كل نار فإنها تحرق ما لاقته، إنما قاله لأجل إحساسه بما أحس به من جزئيات هذا الكلي، وقد انتفض ذلك عليه بملاقاتها للياقوت والسمندل وغير ذلك، وبسط الكلام في هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا التنبيه على أن كل واحد من قياس التمثيل والشمول يفيد أمراً كلياً مطلقاً بواسطته يحصل العلم بالمعينات الموجودة في الخارج، ثم قد يكون العلم بتلك المعينات غنياً عن ذينك القياسين، والمعين الذي لا نظير به لا يعلم لا بهذا القياس ولا بهذا القياس، وقد تكون الكلية منتقضة، فالقياس لا يحصل بنفسه العلم بالمعينات، وقد لا يحصل العلم به مطلقاً، وقد يكون كثير الانتقاض، بخلاف النصوص النبوية، فإنها لا تكون إلا حقاً، وهي تخبر عن المعينات على ما هي عليه.
وأعظم المطالب العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأمره، ونهيه، وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول ولا بقياس التمثيل، فإن الله تعالى لامثل له فيقاس به، ولا يدخل هو
(7/322)

وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، فلهذا كانت طريقة القرآن - وهي طريقة السلف والائمة - أنهم لا يستعملون في الإلهيات قياس تمثيل وقياس شمول تستوي أفراده، بل يستعملون من هذا وهذا قياس الأولى، فإن الله له المثل الأعلى، فإذا أدخل هو - سبحانه - وغيره تحت قضية كلية، مثل أن يقال: القائم بنفسه لا يفتقر إلى المحل كما يفتقر العرض مثلاً، أو قيل: كل موجود فله خاصية لا يشركه فيها غيره ونحو ذلك - كان هو سبحانه أحق بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات، فهو أحق بالغنى عن المحل من كل قائم بنفسه، وهو أحق بانتقاء المشارك له في خصائصه من كل موجود.
وكذلك إذا قيس قياس تمثيل فكل كمال يستحقه موجود من جهة وجوده فالوجود الواجب أحق بتنزيه عنه، وهو أحق بانتفاء أحكام العدم وأنواعه وأشباهه وملزوماته عنه من كل موجود.
وإذا كان الأمر الوجودي كالرؤية مثلاً لا يتعلق إلا بأمور موجودة لا يجوز أن تتعلق بمعدوم، لأن العدم لا يكون سبباً للوجود، وكان كل
(7/323)

ما كان أكمل وجوداً كان أحق بأن يرى، كان الباري سبحانه بأن يرى أحق من كل موجود، وإذا كان تعذر الرؤية أحياناً قد يكون لضعف الأبصار، وكان في الموجودات القائمة بنفسها ما تتعذر أحياناً رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا، كان ضعفها في الدنيا عن رؤيته أولى وأولى.
وليس المقصود هنا الكلام على أعيان المسائل، ولكن المقصود بيان مسمى القياس، وأنه وإن كان قد يحصل به من العلوم أمور عظيمة، فإنه لا يحصل به كل مطلوب، ولا يطرد في كل شيء.
فطرق العلم ثلاث: أحدها: الحس الباطن والظاهر، وهو الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها.
والثاني: الاعتبار بالنظر والقياس، وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس، فما إفاده الحس معيناً يفيده العقل والقياس كلياً مطلقاً، فهو لا يفيد بنفسه علم شيء معين، لكن يجعل الخاص عاماً، والمعين مطلقاً، فإن الكليات إنما تعلم بالعقل، كما أن المعينات إنما تعلم بالإحساس.
والثالث: الخبر، والخبر يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب، فهو أعم وأشمل، لكن الحس والعيان أتم أكمل.
(7/324)

وقد تنازع الناس في السمع والبصر إيهما أكمل؟ فذهبت طائفة منهم ابن قتيبة إلى أن السمع أكمل، لعموم ما يعلم به وشموله.
وذهب الجمهور إلى أن البصر أكمل، فليس المخبر كالمعاين، وليس كل ما يعاين يمكن الإخبار عنه، وليس العلم الحاصل بالخبر كالعلم الحاصل بالعيان، وإن كان الخبر لا ريب في صدقه، لكن نفس المرئي المعاين لا يحصل العلم به قبل العيان كما يحصل عن العيان.
والتحقيق في هذا الباب أن العيان أتم وأكمل، والسماع أعم وأشمل، فيمكن أن يعلم بالسماع والخبر أضعاف ما يمكن علمه بالعيان والبصر أضعافاً مضاعفة، ولهذا كان الغيب كله إنما يعلم بالسماع والخبر، ثم يصير المغيب شهادة، والمخبر عنه معايناً، وعلم اليقين عين اليقين.
والمقصود هنا أن الخبر أيضاً لا يفيد إلا مع الحس أو العقل، فإن المخبر عنه، إن كان قد شوهد، كان قد علم بالحس، وإن لم يكن شوهد ما يشبهه من بعض الوجوه، وإلا لم يعلم بالخبر شيء فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس والعقل، فكما أن العقل بعد الحس، فالخبر بعد العقل والحس، فالإخبار يتضمن هذا
(7/325)

وهذا، وكما أنه ليس كل ما علم بالخبر والسماع يمكن اعتباره بالقياس، إما لعدم النظير له من كل وجه، وإما لغير ذلك.
ثم إذا كان الخبر صادقاً لا كذب فيه، أمن معه من الانتفاض والفساد، بخلاف القياس، فإن كثيراً مما يبني فيه على قضايا كلية تكون منتقضة، وإن كان فيه ما ليس منتقضاً.
والمقصود أنه ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس، ولا كل شيء يحتاج فيه إلى القياس، فلهذا قال الأئمة: ليس في المنصوصات النبوية قياس.
وأما كونها لا تعارض بالأمثال المضروبة، فهذا الذي ذكرناه من أن المنصوص لا يعارضه دليل عقلي صحيح.
أما قولهم: لا تدرك بالعقول، فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور، لا سيما الغائبات، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء كان جاهلاً، لا سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية.
وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة ومن يشبههم من أهل الكلام.
وهؤلاء هم الذين يذكر أبوحامد الغزالي وغيره تهافتهم
(7/326)

وتناقضهم، وأن ما يدعونه من المعارف الإلهية بعقولهم جمهوره باطل، وإن كان قد وقع في كلامه من كلام هؤلاء أمور، قيل أنه رجع عنها.
ولا ريب أن الرسل صلوات الله عليهم يخبرون الخلق بما تعجز عقولهم عن معرفته، ولا يخبرونهم بما يعلمون امتناعه، فهم يخبرنهم بمحارات العقول لا بمحالاتها، فمن أراد أن يعرف ما أخبرت به الرسل بعقله، كان شبيهاً بمن قال الله تعالى فيه: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} ، وقال: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} .

كلام آخر للخطابي وتعليق ابن تيمية
قال الخطابي: (وذهب العلماء إلى خلاف هذا الرأي، وجعلوا المعلومات قسمين: قسم يمكن استدراكه وتثبيته حقيقة، وقسم لا يعلم إلا ظاهره ولا يتعرض لعلم باطنه وطلب كيفيته، وانتهوا في ذلك إلى ما نطق به الكتاب، وقوله سبحانه: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} ، يجعلون
(7/327)

الوقف عند قوله: {إلا الله} ويستأنفون الكلام فيما بعده، وهو مذهب الصحابة، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعائشة، وابن عباس، قالوا: وقد حجب عنا أنواع من العلم، كعلم قيام الساعة، وكعلم الروح، حين يقول: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ، وقال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ، وقال: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} .
قلت: قد ذكرنا معنى لفظ (التأويل) في غير هذا الموضع، وأنه في اللغة التي نزل بها القرآن يراد به: حقيقة الشيء كالكيفية التي لا يعلمها إلا الله، كما قال مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) .
ويراد به التفسير، وهو كقوله: (الاستواء معلوم) فإنه تفسيره ومعناه معلوم) ويراد به تحريف الكلم عن مواضعه، كتأويلات الجهمية، مثل تأويل من تأول: استوى بمعنى استولى.
وهذا الذي اتفق السلف والأئمة على بطلانه وذم أصحابه.
ومثل هذا لا يقال فيه: لا يعلمه إلا الله، بل يقال: إنه باطل وتحريف وكذب، ولكن في القسم الأول يقال: لا يعلمه إلا الله، وأما القسم الثاني فيعلمه الله، وقد يعلمه الراسخون في العلم.
(7/328)

قال الخطابي: (فلم ينته أهل التعمق من المتكلمين حتى تكلموا في الروح وتكلموا في القدر، والتعديل والتجويز، وتكلموا في النفس والعقل وما بينهما، وتكلموا في أشياء لا تعنيهم ولا تجدي عليهم.
شيئاً.
كالكلام في الجزء والطفرة وما أشبه ذلك من الأمور التي لا طائل لها، ولا فائدة فيها، فزجر العلماء عن الخوض في هذه الأمور، وخافوا فتنتها، والخروج منها إلى ما يفضي بالمرء إلى أنواع من المكروه: من الأقوال الشنعة، والمذاهب الفاسدة، ورأوا أن يقتصروا من الكلام على ما انتهى إليه بيان الدين، وتوقيف الشريعة) .
قلت: فقد ذكر الخطابي في الكلام المذموم ما لا يد ركه الإنسان بعقله، وما لا فائدة فيه.
وما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم بلا علم، والكلام بلا علم ذمه الله في كتابه، وما لا فائدة فيه هو من باب ما لا يعني الإنسان ولا يفيده، ومن باب العلم الذي لا ينفع، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع.
ولهذا يقال: العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، وهذان النوعان هما اللذان يذكرهما أبو حامد وغيره في وصف غير العلوم الشرعية، فيقول: (هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها - ونعوذ بالله من علم لا ينفع - وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن إثم.
فالأول كالعلم بدقائق الهيئة، وحركات الكواكب، وغير ذلك مما هو بعد التعب الكثير لا يفيد إلا تضييع الزمان، وتعذيب الحيوان.
(7/329)

والثاني كالعلم بأحكام النجوم، التي غلبها ظنون لا تغني من الحق شيئاً، والخطأ فيها أكثر من الصواب، والكذب فيها أكثر من الصدق) .
وهذان النوعان غير ما ذكر أولاً، ذمه لما فيه من الخطر والعسر والعجز.
وهذه الثلاثة غير ما هو كذب في نفسه وباطل، فإن هذا هو الكلام المذموم في نفسه، فما كان كذباً غير مطابق للحق فهو مذموم في نفسه، بخلاف ما فيه عسر وهو حق، فإن هذا، وإن ذم من وجه فقد يحمد من وجه آخر، بخلاف ما لا يدركه الإنسان، أو ما لا فائدة فيه، فإن هذا قد يقال: إن مضرته تضييع الزمان من جنس اللعب واللهو الذي لا ينفع، أو من جنس البطالة وتضييع الزمان، لكن متى أفضى بصاحبة إلى اعتقاد الباطل حقاً، والكذب صدقاً، كان من القسم المذموم بنفسه.
وكل كلام ناقض نصوص الأنبياء فإنه من الكلام المذموم بنفسه، وهو باطل قطعاً.
وأما قوله: (وتكلموا في الروح، والقدر، والتعديل والتجوير، والعقل والنفس) فقد يظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقاً، وليس كذلك.
بل الكلام في ذلك وغيره بالحق النافع لا يذم، وإنما يذم الكلام الباطل، والكلام بلا علم، والكلام الحق لمن يعجز عن معرفته.
كما قال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون،
(7/330)

ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ وأما الكلام الحق النافع فهو محمود غير مذموم.
قال الخطابي: (ثم إن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج الناس إليه نصاً وتسمية، فاحتجنا إلى انتزاع أحكام الحوادث في ضمن الأسماء والنصوص، من طريق المعاني والمعقول من النصوص، فاستنبطه العلماء وتكلموا فيه من طريق القياس، ولم يتجاوزوه إلى الكلام فيما لا أصل له من الكتاب والسنة، ولم يتعرضوا لما ورد الكتاب - ثم السنة - بالزجر عنه وعن الخوض فيه، وكان هذا موضع الفرق بين الكلامين) .
قال: (وقد أشار الشافعي إلى هذه الجملة، وأبان عنها بما زجر عنه من النظر في الكلام، وعابه من مذاهب المتكلمين.
وبما زجر عنه من التقليد وجب عليه من النظر والاستدلال، فعلمنا أن زجر عنه ليس هو الذي أمر به، وتبينا أن له في الأصول مذهباً ثالثاً، ليس بالتقليد ولا بالتجريد لمذاهب المقتحمين في غمرات الكلام، والخائضين في أوديته، وإنما هو الاستدلال بمعقول أصول
(7/331)

الدين، التي مرجعها إلى علوم الحس ومقدماتها، والنظر المتعلق بالأصول التي هي الكتاب والسنة الصحيحة التي ينقطع العذر بها) .
قال: (ونحن لم نعد فيما أوردنا من الكلام في كتاب شعار الدين هذه الجملة، وإن كان الذي عبناه في مسألة الغنية عن الكلام هو المذهب الآخر الذي تقدم ذكرنا له، وهو مذهب الغلو والأفراط، وما يقابله من مذاهب من يرى التقليد، ولا يقول بحجج العقول، فهو في التفريط والتقصير مواز لمذاهب المتكلمين في الغلو والأفراط.
والطريقة المثلى هي القصد والاعتدال، وهو ما نختاره ونذهب إليه) .
قال: (وسبيل ما نأتيه ونذره من هذا الباب سبيل القياس، فإنا نستعمله في مواضع ونأباه في مواضع، فلا يكون ذلك منا مناقضة، وكذلك ما نطلقه من جواز الكلام في موضع، وكراهته في موضع آخر.
والأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث مقالات: القول بالحس حسب، وهو مذهب الدهرية، فإنهم قالوا بما يدركه الحس، لم يقولوا بمعقول ولا خبر وقال قوم بالحس والمعقول حسب، ولم يقولوا بالخبر، وهو مذهب الفلاسفة، لأنهم لا يثبتون
(7/332)

النبوة.
وقال أهل المقالة الثالثة بالحس والنظر الأثر، وهو جماعة المسلمين، وهو قول عمائنا وبه نقول) .
قلت: تفصيل مقالات الناس مبسوط في غير هذا الموضع، فإن الدهرية لا تنكر جنس المعقول، بل تنكر من المعقول ما لا يكون جنسه محسوساً.
وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما كفروا بإنكارهم الغيب الذي أخبرت به الرسل.
والفلاسفة أيضاً لا تنكر جنس الخبر، بل تقول بالأخبار المتواترة وغيرها.
ولكن ينكرون استفادة الأمور الغائبة بأخبار الأنبياء، وهم قد يعظمون الأنبياء - صلوات الله عليهم - ويوجبون اتباع شرائعهم، ويأمرون بقتل من يخرج عنها، لكن يجعلون مقصودها هو إقامة مصالح الناس في دنياهم بالعدل الذي شرعته الأنبياء.
وأما الأمور الإلهية والمعاد ونحو ذلك، فيزعمون أنهم لم يخبروا عنها بما يحصل به العلم، ولكن خاطبوا الناس فيه بطريق التخييل وضرب المثل الذي ينتفع به الجمهور.
وحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي من أنهم لا يجعلون خبر الأنبياء طريقاً إلى العلم، وقد ذكرنا من كلام من دخل معهم في هذا الأصل الفاسد، من المنتسبين إلى المسلمين، ما تبين به هذا الأصل، وبينا من ضلالهم وكذبهم في هذا القول ما قد بسط في موضعه.
(7/333)

وحقيقة ما يزعمونه في المعقول إنما هو أمور ذهنية كلية، قائمة في الذهن، لا حقيقة لها في الخارج.
وما يثبتونه من المجردات العقليات، بل وواجب الوجود الذي يثبتونه وغير ذلك، يعود إلى هذا.
ومن هنا استطال عليهم إخوانهم الفلاسفة الطبيعية والدهرية، فإن أولئك لم ينكروا مثل هذه العقليات، ولكن أنكروا وجود هذه في الخارج، وادعوا أن كل موجود في الخارج فلا بد أن يمكن إحساسه، والفريقان جميعاً كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله من الإخبار بالغيب إلا من كان منهم من الصابئة الحنفاء الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحاً، فأولئك هم سعداء في الآخرة.
كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
وأما الصابئة المشركون، الذين يعبدون الكواكب والأوثان، ونحوهم من الفلاسفة المشركين، فهؤلاء كفار كسائر المشركين.
والفلسفة اليونانية - فلسفة المشائين - عامتها من هذه الفلسفة، فإن اليونان كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان، وفي مقالاتهم حق وباطل، كما في مقالات مشركي العرب والهند وغيرهم من أصناف المشركين، وهذا مبسوط في موضعه.
(7/334)

وأما ما ذكره الخطابي من القياس والاعتبار في الأحكام الشرعية.
وأن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج إليه الناس نصاً.
فهذا كلام في القياس العلمي الشرعي، وهو مبسوط في موضعه.
والناس في هذا بين إفراط وتفريط، كما هم كذلك في القياس العقلي الخبري.
فطائفة تزعم أن أكثر الحوادث لا تتناولها النصوص، بل إنما تعلم بالقياس.
وطائفة بآرائهم يزعمون أن القياس كله باطل، حتى يردون الاستدلال المسمى بتنقيح المناط، ويردون قياس الأولى وفحوى الخطاب، والعلة المنصوصة، ويرجعون إلى العموم واستصحاب الحال.
وكل من الطائفتين مخطئة غالطة، فإن الطائفة الأولى بخست الكتاب والسنة حقهما، وقصرت في معرفتهما وفهمهما، واعتصمت بأنواع من الأقيسة الطردية التي تغنى من شيئاً، أو بتقليد قول من لا تعرف حجة قائله.
وكثيراً ما تجد هؤلاء إذا فتشت حجتهم إنما هي مجرد دعوى.
بأن يظن أحدهم أن الحكم الثابت في الأصل معلق بالوصف المشترك، من غير دليل يدله على ذلك، بل بمجرد اشتباه قام في نفسه،
(7/335)

أو بمجرد استحسان ورأي ظن به أن مثل ذلك الحكم ينبغي تعليقه بذلك الوصف، وأحدهم يبني الباب على مثل هذه القواعد، التي متى حوقق عليها سقط بناؤه، وربما تمسكوا من الآثار الضعيفة بما يعلم أهل المعرفة بالأثر أنه من الموضوع المكذوب، فضلاً عن أن يكون من كلام المعصوم.
وقد يتمسكون بما يظهر له من ألفاظ المعصوم، ولا تكون داله على ما فهموه.
وأما الطائفة الثانية فتعتصم من استصحاب الحال ونفي الحكم لعدم دليله - في زعم أحدهم - مع ظهور الأدلة الشرعية بما يبين به فساد قولها، ويفرق بين المتماثلين تفريقاً لا يأتى به عاقل، فضلاً عن نبي معصوم، وتجمد على ما تراه ظاهر النص من خطائها في فهم النص ومراد قائله، وتسلب الشريعة حكمها ومحاسنها ومعانيها، وتضيف إلى الله ورسوله من التحكم المنافي للعدل والإحسان، ما يجب أن ينزه عنه الملك العادل، والرجل العاقل.
والناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه، الذي يحتاج فيه إلى إدخال القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة، التي نطق بها الكتاب والسنة.
وهذا هو الذي يسمى تحقيق المناط، كالاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه، والاجتهاد في عدل الشخص المعين، والنفقه بالمعروف للمرأة المعينة، والمثل لنوع الصيد أو للصيد المعين، المثل الواجب في إتلاف المال المعين، وصلة الرحم الواجبة، ودخول أنواع
(7/336)

من المسكرات في اسم الخمر، وأنواع من المعاملات في اسم الربا والميسر، وأمثال ذلك مما فيه إدخال أعيان تحت نوع، وإدخال نوع خاص تحت نوع أعم منه.
فهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروري في كل شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بان الأحكام بالأسماء العامة الكلية، ثم يحتاج إلى معرفة دخول ما هو أخص منها تحتها من الأنواع والأعيان.
وقد احتج من احتج من الأئمة المثبتين للقياس عليه بمثل هذا القياس، وأن القرآن العزيز ورد بمثل هذا في القبلة، وجزاء الصيد، وعدل الشخص، ونحو ذلك.
وهذا لا حجة فيه، فإن مثل هذا لا نزاع فيه، وهو ضروري لا بد منه، ولا يمكن إثبات حكم النوع - أو عين - إلا بمثل هذا.
ونفاة القياس لا يسمونه قياساً، وإن سماه المسمي قياساً كان نزاعاً لفظياً.
والتحقيق أن دخول الأعيان في المعنى العام الذي دل عليه الخطاب، هو من قياس الشمول، وأن تمثيل بعض الأعيان والأنواع ببعض، هو من قياس التمثيل، لكن شمول اللفظ لهذا ولهذا بطريق العموم يغني عن قياس التمثيل.
(7/337)

ونفاة القياس المعروفون بالسنة لا ينازعون في العموم، وإن سماه الممي قياساً كلياً، بل هو عمدتهم وعصمتهم، هو واستصحاب الحال.
فهذا نوع.
ومن نازع في القياس والعموم جميعاً - كما فعل ذلك من فعله من الرافضة - فهؤلاء سدوا على أنفسهم طريق معرفة الأحكام، فلهذا يحتجون بما يزعمون أنه قول المعصوم.
ومن الناس من يظن أن العلة المنصوصة هي المسماة بتحقيق المناط، وهي داخلة فيه.
وليس كذلك، فإن هذه فيها نزاع.
وهنا نوع ثان يسمى تنقيح المناط، وهو أن يكون الشارع قد نص على الحكم في عين معينة، وقد علم بالنص والإجماع أن الحكم لا يختص بها، بل يتناولها وغيرها، فيحتاج أن ينقح مناط الحكم، أي يميز الوصف الذي تعلق به ذلك الحكم، بحيث لا يزداد عليه ولا ينقص منه.
وهذا كأمره صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي استفتاه لما جامع امرأته في رمضان بالكفارة، ثم لما أتى العرق، قال: أطعمه أهلك وأمره لمن سأله عن فأرة وقعت في سمن بأن تلقى وما حولها ويأكل السمن.
وأمره لمن سأله عمن أحرم بعمرة، وعليه جبة، وهو متضمخ بخلوق، أن ينزع عنه الجبة، ويغسل الخلوق، ويصنع في
(7/338)

عمرته ما كان صانعاً في حجته.
وأمره لمن ابتاع صاعاً جيداً من التمر بصاعين من الرديء، أن يبيع الرديء بدراهم ثم يبتاع بها جيداً.
ومثل أمره لبريرة لما عتقت أن تختار.
ومثل رجمه لماعز والغامدية، وقطعه لسارق رداء صفوان والمخزومية وغيرهما، وأمثال ذلك.
فإنه من المعلوم لجميع العلماء أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ليس مخصوصاً بتلك الأعيان، بل يتناول ما كان مثلها، لكن يحتاجون إلى معرفة مناط المشترك الذي به علق الشارع الحكم.
وهذا قد يكون ظاهراً، وقد يكون خفياً.
فالظاهر: مثل كون سبب الرجم هو زنا المحصن، وسبب القطع هو السرقة.
والخفي: مثل كون الكفارة وجبت لخصوص الجماع، أو لعموم الإفطار.
وهل وجبت لنوع من الإفطار، أو لجنسه؟ وهل وجب لوقاع في صوم صحيح في رمضان، أو لوقاع في صوم واجب في رمضان؟ سواء كان صحيحاً أو فاسداً؟ كما يجب في الإحرام الواجب، سواء كان صحيحاً أو فاسداً فهذه مما تنازع فيه الفقهاء.
وكذلك لما أجاب عن الفأرة التي وقعت في السمن، فلا ريب أن الحكم ليس مخصوصاً بتلك الفأرة والسمن، ولا بنوع من الفأر ونوع من الأسمان، فلا بد من إثبات حكم عام.
وهذا النوع يقر به كثير من منكري القياس، أو أكثرهم.
وكثير من الفقهاء لا يسميه قياساً، بل يثبتون به الكفارات والحدود، وإن كانوا لا يثبتون ذلك بالقياس، فإنه
(7/339)

هنا قد علم يقيناً أن الحكم ليس مخصوصاً بمورد النص، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق، كما يمكن ذلك في صور القياس المحض المسمى بتخريج المناط، فإنه لما نهى عن التفاضل في الأصناف الستة لم يعلم أن حكم غيرها حكمها، إلا بدليل يدل على ذلك.
ولهذا كان بعض نفاة القياس لما حكموا في مثل هذا بأن الحكم مخصوص بفأرة وقعت في سمن، دون سائر الميتات والنجاسات الواقعة في سائر المائعات، ظهر خطاؤهم يقيناً، فإن الشارع - صلوات الله عليه - لم يعلق الحكم في خطابه بفأره وقعت في سمن، ولكن السائل سأله عن ذلك، والسائل إذا سأل عن حكم عين معينة، أو نوع باسمه، لم يجب أن يكون الحكم معلقاً مختصاً بما سأل عنه السائل، بل قد يكون ما سأل عنه السائل داخلاً في حكم عام، كما إذا سئل عن عين معينة لم يكن الحكم مخصوصاً بتلك العين، ولا فرق بين أن يسأل عن عين أونوع، فليس في جوابه ما يقتضي اختصاص الحكم بمورد السؤال، فهذا من أعظم الغلط.
وهنا يظهر تفاضل العلماء بما آتاهم الله من العلم، فمن استخرج المناط الذي دل عليه الكتاب والسنة، دل على فهمه لمراد الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل أن يقول القائل: الحكم هنا ليس متعلقاً بمجرد الميتة، بل بالخبيث الذي قال الله تعالى فيه: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ، فإن الميتة، وإن
(7/340)

شاركت الخنزير والدم في التحريم، فقد شمل الجميع اسم الخبيث، فالتحريم متناول للوصف العام، ليس مخصوصاً بنوع من الأنواع، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس فيه دليل على الاختصاص بنوع، لتعلق الحكم بالوصف العام المشترك - وهو الخبث - فيكون الخبيث الجامد الواقع في السمن حكمه حكم الفأرة، سواء كان دماً أو ميتة متجسدة، ونحو ذلك.
ثم ينظر في السمن فيعلم أنه لا اختصاص في الشرع له بذلك، بل سائر الأدهان كذلك ثم سائر المائعات كذلك، ثم يبقى النظر: هل يفرق بين الماء وسائر المائعات؟ أو يسوي بينهما؟ وهل يفرق بين الجامد والمائع أو يسوى بينهما؟ وهل يفرق بين القليل والكثير، أو يسوى بينهما؟ هذا من المواضع الخفية التي تنازع فيها العلماء.
والمقصود هنا أن مثل هذا لا يرده إلا جهلة نفاة القياس.
وكذلك العلة المنصوصة، وكذلك القياس في معنى الأصل، وقياس الأولى.
وأما القياس الذي يستخرج علة الأصل فيه بالمناسبة، فهذا محل اجتهاد.
ولهذا تنازع الفقهاء القياسون من أصحاب أحمد وغيرهم في ذلك، فمنهم من لا يقول إلا بالعلة المنصوصة، ومنهم من يقول بالمؤثر،
(7/341)

وهو ما نص على تأثيره في نظير ذلك الحكم، كالصغر فإنه قد علم أن الشارع علق به ولاية المال، فإذا علق به ولاية النكاح كان هذا إثباتاً لعلة هذا الحكم بنظيره المؤثر.
وأما إذا لم يكن مؤثراً، فهو الذي يسمونه المناسب الغريب، وفيه قولان مشهوران، فإنه استدلال على أن الشرع علق الحكم بالوصف لمجرد ما رأيناه من المصلحة.
ومن تدبر الأدلة الشرعية: منصوصها ومستنبطها، تبين له أن القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلين، وهو من العدل الذي أمر الله به ورسوله، وأنه حق لا يجوز أن يكون باطلاً، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالعدل، فلم يسو بين شيئين في حكم إلا لاستوائهما فيما يقضي تلك التسوية، ولم يفرق بين اثنين في حكم إلا لافتراقهما فيما يقتضي ذلك الفرق، ولا يجوز أن يتناقض قياس صحيح ونص صحيح، كما لا يتناقض معقول صريح ومننقول صحيح، بل إذا ظن بعض الناس تعارض النص والقياس، كان أحد الأمرين لازماً: إما أن القياس فاسد، وإما أن النص لا دلالة له.
ومع هذا فالكتاب والسنة بينا جميع الأحكام بالأسماء العامة، لكن يحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهم دقيق ونظر ثاقب، لإدخال كل معين تحت نوع، وإدخال ذلك النوع تحت نوع آخر بينه الرسول صلى الله عليه وسلم.
(7/342)

وحينئذ فكل من الحوادث شملها خطاب الشارع، وتناولها الاعتبار الصحيح.
وخطاب الشارع العام الشامل دل عليها بطريق العموم الذي يرجع إلى تحقيق المناط، وهو في معنى قياس الشمول البرهاني.
والاعتبار الصحيح تناولها بطريق قياس التمثيل، الذي يتضمن التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين.
والتماثل والاختلاف ثابت في نفس الأمر، وقد نصب الله عليه أدلة تدل عليه، وكما أن القياس الشمولي والتمثيلي يرجعان إلى أصل واحد، ولا يجوز تناقضهما إلا مع فسادهما أو فساد أحدهما، فكذلك الخطاب العام والاعتبار الصحيح يرجعان إلى أصل واحد، ولا يجوز تناقضهما إلا لفساد دلالتهما أو أدلة أحدهما.
وهذا تنبيه على مجامع نظر الأولين والآخرين في جميع استدلالهم، ومن تبصر في ذلك وفهمه وعلم ما فيه من الأحاطة.
وبين له أن دلائل الله تعالى لا تتناقض، وأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الموافق لصرائح المعقول، وأن ما شرعه للعباد هو العدل الذي به صلاح المعاش والمعاد، وإن فهم - مع ذلك - مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وارتباطها بمسألة المناسبات، ورجوع جنس التحسين والتقبيح إلى حصول المحبوب ودفع المكروه - هو المعروف والمنكر - كما يرجع جنس الخبر إلى الوجود والعدم، وإن هذا يرجع إلى الحق النافع، وفي مقابلته الباطل الذي لا ينفع، وهذا يرجع إلى الحق
(7/343)

الموجود، وفي مقابلته المعدوم - تبين به أيضاً تناسب جميع العلوم الصحيحة، والموجودات المعتدلة، والشرائع الإلهية، وأعطى كل ذي حق حقه: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} ، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} .
وإذا أحسن الاعتبار، تبين له ما في منطق اليونان وفلسفتهم من الصواب والخطأ في الحد والبرهان، لت سيما في مواد القياس والبرهان، وتبين له كثير من خطأهم في التفريق بين المتماثلين، والتسوية بين المختلفين، مثلما ذكروه في مواد البرهان من قبول بعض القضايا التي سموها يقينية واعتقدوها كلية، وليس الأمر كذلك، وردهم لبعض القضايا التي سموها مشهورات ووهميات، مع كونها قد تكون أقوى من كثير من القضايا التي سموها يقينية، كما قد ذكر في غير هذا الموضع، فهذا لمعة من كلام علماء الكلام وغيرهم في طريقة الأعراض ونحوها.
(7/344)

كلام ابن رشد في مناهج الأدلة
وأما كلام الفلاسفة في هذا الباب، فقال القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد في كتابه المعروف بالأصول في العقائد: (قد رأيت أن أفصح في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها، ونتحرى في ذلك كله مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم بحسب الجهد والاستطاعة، فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة، كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى، وأن من خالفه: إما مبتدع، وإما كافر مستباح الدم والمال، وهذا كله عدول عن مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم، وسببه ما عرض لهم من الضلال عن مقصد فهم الشريعة.
وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة: الطائفة التي تسمى بالأشعرية، والتي تسمى بالمعتزلة، والطائفة التي تسمى بالباطنية، والطائفة التي تسمى بالحشوية.
وكل هذا الطوئف قد اعتقدت في
(7/345)

الله اعتقادات مختلفة، وصرفت كثيراً من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها في تلك الاعتقادات، وزعم كل منهم أن اعتقاده هو الشريعة الأولى التي قصد بالحمل عليها جميع الناس، وأن من زاغ عنها فهو: إما كافر، وإما مبتدع.
وإذا تؤملت جميعها وتؤمل مقصد الشرع، ظهر أن جلها أقاويل محدثة، وتأويلات مبتدعة.
وأنا أذكر من ذلك ما يجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع، الذي لا يتم الإيمان إلا به، وأتحرى في ذلك مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم، دون ما جعل أصلاً في الشرع، وعقيدة من عقائده، من قبل التأويل الذي ليس بصحيح، وأبدأ من ذلك بتعريف ما قصد الشارع أن يعتقده الجمهور في الله تبارك وتعالى، والطرق التي سلك بهم في ذلك، وذلك في الكتاب العزيز.
ونبتدي من ذلك بمعرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع، إذ كانت أول معرفة يجب أن يعلمها المكلف، وقبل ذلك فينبغي أن
(7/346)

نذكر آراء تلك الفرق المشهورة، فنقول: أما الفرقة التي تدعى بالحشوية، فإنهم قالوا: إن طريق معرفة وجود الله سبحانه هو السمع لا العقل، أعني أن الإيمان بوجوده الذي كلف الناس التصديق به، يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع ويؤمن به إيماناً، كما يتلقى منه أحوال المعاد وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه) .
قال: (وهذه الفرقة الظاهر منها أنها مقصرة عن مقصود الشرع في الطريق التي نصبها للجميع، مفضية إلى معرفة وجود الله تبارك وتعالى) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ليس المقصود هنا الكلام علىكل ما يقوله هذا الرجل، فإن حصره للمسلمين في هذه الطوائف الأربعة تقصير منه، إذ السلف والأئمة وخيار المسلمين ليس منهم واحد من هذه الطوائف، فإن المعتزلة قد عرفت بدعتهم عند المسلمين، والأشعرية جاءوا بعدهم، وما كان في كلامهم من حق فهو قول السلف والأئمة، وما كان فيه من باطل فهو مما أحدث، كأقوال المعتزلة وغيرهم.
(7/347)

وأما الباطنية فهم أبعد عن السلف والأئمة من هؤلاء وهؤلاء.
وأما الذي سماهم بالحشوية، فهذا الذي ذكره عنهم، إن يريد به أن الإيمان بوجود الرب تبارك وتعالى يكفي فيه مجرد إخبار من لم يعلم صدقه بعد، فهذا قول لا يقوله عاقل يعقل ما يقول، فضلاً عن أن يكون هذا قول طائفة لها قول، أو قول سلف الأمة وأئمتها، ولكن غاية ما قد يقال: إن الجزم بوجود الرب تعالى يكفي في الأيمان بأي طريق من الطرق حصل ذلك.
وقد تنازع الناس في الجزم: هل يمكن أن يكون يغير علم أم لا؟ وهل يحصل الإيمان بدون العلم به أم لا؟ وإذا حصل الإيمان بدون العلم فهل بعد ذلك طلب العلم به أم لا؟
وتنازعوا في العلم به: هل يحصل ضرورة وموهبة أم لا يحصل إلا كسباً؟ ونحو ذلك من المسائل التي ليس هذا موضعها.
وكذلك العلم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو غيره من المخبرين، له طرق متنوعة ليس هذا موضعها.
فغير الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخبر بشيء قد يعلم صدقه بوجوه متنوعة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أولى أن يعلم صدقه كذلك.
وقد يفرق في التصديق بين شخص وشخص.
فهذا وأمثاله مما يقوله من يتكلم في العلم.
(7/348)

فهؤلاء قد يقولون: العلم بوجود الرب هو فطري ضروري، لا يتوقف على النظر والعلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، مع ما يقترن برسالته من آيات الصدق التي تحصل أيضاً بالضرورة.
وإذ حصل العلم بالصانع تعالى وبالرسول بعلوم ضرورية، أمكن بعد هذا أن يعلم تفصيل المعرفة بالله وصفاته وغير ذلك بطريق السماع من الرسول.
ومما يبين هذا أن الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم كان عامتهم مقرين بالصانع، وكانت آيات رسالته وأعلام نبوته أظهر عند طالب الحق من أن تخفى على عاقل.
وأيضاً فقد يقال: إن من الناس من يحصل له العلم بحال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه عالم صادق فيما يذكره من العلوم الإلهية والمعارف الدينية، ثم يعرف من الرسول صلى الله عليه وسلم هذه العلموم كما قد يسلكه أبو حامد، وهذا الرجل، وغير واحد في العلم بالنبوة - فيقولون نعلم أن هذا نبي، كما نعلم أن هذا الطبيب، وأن هذا شاهد عدل، وأن هذا أمين، وسائر الصناعات،
(7/349)

فإنه إذا علم وجود النوع كان العلم بأن هذا الشخص من أهل هذا النوع له طرق متنوعة.
فهذا طريق تعرف به نبوة النبي قبل العلم بتفصيل العلوم الإلهية والدينية.
وبالجملة فالعلم بنبوة النبي لها طرق كثيرة قد ذكرت في غير هذا الموضع.
فالذين يسلكون في معرفة الله تعالى طريق السماع والخبر المجرد يعرفون صدق النبي أولاً، ثم يعلمون بخبره ما أخبر به.
ولعلم بصدق النبي ليس موقوفاً على إثبات المقدمات التي يذكرها كثير من أهل الكلام، كالمعتزلة ومن تبعهم، لما سلكوا في ذلك طريق إثبات حدوث الأجسام، بما ادعوه من التركيب، وبما اتصفت به من الاختصاص، وبما قام بها من الأعراض والحوادث، وظنوا أنه لا طريق إلى العلم بصدق الرسول إلا هذه - أخذوا يشنعون على من لم يسلك هذه الطرق، أو قال ما يناقض مقدماتها.
وقد عرف بطلان طريقهم شرعاً وعقلاً، ولهم ولنحوهم من أهل الكلام الباطل تشنيعات على أهل الجماعة.
(7/350)

وقد تقدم من كلام أبي سليمان الخطابي وغيره في الغنية عن الكلام وأهله وبيان طريق المعرفة بهذا الموضع.
ومثل هذا موجود في كلام عامة أئمة المسملين، فإنهم يذمون الطريق التي أحدثها أهل الكلام، كالمعتزلة ونحوهم.
ولكن هؤلاء الذين ابتدعوها يذمون من لم يسلكها من عوام المسلمين وعلمائهم، ويسمونهم حشوية.
فإن لفظ الحشوية أول ما عرف الذم به من كلام المتعتزلة ونحوهم، رووا عن عمر بن عبيد أنه قال: عبد الله بن عمر حشوياً وهم يسمون العامة الحشو، كما تسميهم الرافضة والفلاسفة الجمهور، ويسمون مذهب الجماعة مذهب الحشو.
فما كان السلف والأئمة يردونهم إلى الشرع، وظنوا هم أن الشرع لا يدل إلا بمجرد خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا بطريق الإلزام، فيلزم أن يكون وجود الصانع تعالى يكفي فيه مجرد خبر الرسول بوجوده، وكان هذا من تقصيرهم في معرفة الشرع، فإن الشرع يتضمن بيان الدلائل العقلية التي يحتاج إليها وينتفع لها في هذا الباب.
وقد اعترف بذلك أئمة طوائف الكلام والفلسفة الذين يقولون: لا تعرف إلا بالعقل، بل الذين يقولون بأن وجوب المعرفة والنظر ثابت في العقل، كما سنذكر إن شاء الله تعالى بعض كلامهم في ذلك.
فإن
(7/351)

الكتاب - والرسول - وإن كان يخبر أحياناً بخبر مجرد، كما يأمر أحياناً بأمر مجرد، فهو يذكر مع إخباره عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، من الدلالة والبيان والهدى والإرشاد، ما يبين الطرق التي يعلم لها ثبوت ذلك، وما يهدي القلوب ويدل العقول على معرفة ذلك، ويذكر من الآيات والأمثال المضروبة، التي هي مقاييس عقلية وبراهين يقينية، ما لا يمكن أن يذكر أحد من أهل الكلام والفلسفة ما يقاربه، فضلاً عن ذكر ما يماثله أو يفضل عليه.
ومن تدبر ذلك رأى أنه لم يذكر أحد - طريقاً عقلياً يعرف به وجود الصانع، أو شيء من أحواله - من أهل الكلام والفلاسفة إلا وقد جاء القرآن بما هو خير منه وأكمل وأنفع وأقوى وأقطع، بتقدير صحة ما يذكره هؤلاء.

تنازع الناس في أصل المعرفة بالله وكيف تحصل
مما يبين أصل الكلام في هذا المقام أنه قد تنازع الناس في أصل المعرفة بالله: هل تحصل ضرورة في قلب العبد؟ أو لا تحصل إلا بالنظر؟ أو تحصل بهذا تارة وهذا تارة؟..

القائلون بأنها لا تحصل بالنظر
فذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الطوائف، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة
(7/352)

وغيرهم، إلى أنها لا تحصل إلا بالنظر، وهؤلاء يقولون في أول واجب على العبد: هل هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله أو المعرفة؟ وقد تنازعوا في ذلك على قولين ذكرهما هؤلاء الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم.
والنزاع لفظي، فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الوجب إلا به، والمعرفة واجبة وجوب المقاصد.
فإول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة.
ومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر.
وهو أيضاً نزاع لفظي فإن العمل الاختياري مطلقاً مشروط بالإرادة، وحكى عن أبي هاشم أنه قال: أول الواجبات الشك.
وقال كثير من أهل الكلام والصوفية والشيعة وغيرهم: إن المعرفة يبتديها الله اختراعاً في قلوب العقلاء البالغين من غير سبب يتقدم، وغير نظر وبحث، وأنها تقع ضرورة.
ويذكر ذلك عن صالح قبة وفضل الرقاشي وغيرهما
(7/353)

وعن الجاحظ أنه قال: معرفة الله ضرورية، وأنها تقع في طباع نامية عقب النظر والاستدلال، وأن العبد غير مأمون بها.
ويذكر نحو ذلم عن ثمامة بن أشر.
وذكروا عن الجهم أنه قال: معرفة الله واقعة باختيار الله لا باختيار العبد، لأن العبد لا يفعل شيئاً.
وقال جمهور طوائف المسلمين: يمكن أن تقع ضرورة، ويمكن أن تقع بالنظر.
بل قال كثير من هؤلاء: إنها تقع بهذا تارة وبهذا تارة، فالذين جوزوا وقوعها ضرورة هم عامة أهل السنة وسائر المثبتين للقدر كالأشعري وغيره.
وتنازع نظارهم: هل ذلك بطريق خرق العادة أو هو معتاد؟ على قولين.
ومن هؤلاء القائلين بأنها تحصل تارة بالضرورة وتارة بالنظر أبو حامد والرازي والآمدي وغيرهم.
ولهذا لما أوردوا عليهم في مسألة وجوب النظر: أن المعرفة قد
(7/354)

تحصل بغير الحس والخبر والنظر بطريق تصفية النفس، وأنها طريق الصوفية، وأنهم جازمون بما هم عليه من العقائد في المعارف الإلهية بخلاف أصحاب النظر، فإنه قد لا يحصل لهم هذا الجزم.
وإذا كان كذلك فالرياضة إن لم تتعين طريقاً إلى تحصيل معرفة الله، فلا أقل من أن تكون هي من جملة الطرق المفيدة لمعرفة الله تعالى.

كلام الرازي في نهاية العقول عن المعرفة الفطرية
فقال الرازي في كتابه الكبير نهاية العقول في الجواب: العقائد الحاصلة عند التصفية إما أن تكون ضرورية، وإما أن لا تكون.
فإن كانت ضرورية فلا كلام لنا فيها، فإنا قد نسلم أن النظريات يمكن أن تصير ضرورية، وإن لم تكن ضرورية فلا يخلو إما أن تكون تلك العقائد بحال يلزم من زوالها زوال شيء من العلوم الضرورية، أو يلزم، فإن لزم فتلك العلوم إنما حصلت مرتبة على تلك العلوم الضرورية، ولا معنى للعلم النظري إلا ذلك، وإن لم يلزم فتلك العقائد ليست إلا عقائد تقليدية، فلا عبرة حينئذ بذلك، فإن أمثال تلك العقائد قد توجد لأصحاب الرياضة من المبطلين من اليهود والنصارى والدهرية) .
(7/355)

كلام الآمدي في الأبكار
وكذلك قال أبو الحسن الآمدي في كتابه الكبير المسمى أبكار الأفكار في مسألة وجوب النظر لما ذكر حجة من ذكر من جهة المنازع: (إنا لا نسلم أنه لا طريق إلى معرفة الله إلا النظر والاستدلال، بل أمكن حصولها بطريق آخر، إما بأن يخلق الله تعالى العلم للمكلف بذلك من غير واسطة، وإما بأن يخبره به من لا يشك في صدقه، كالمؤيد بالمعجزات الصادقة، وإما بطريق السلوك والرياضة وتصفية النفس وتكميل جوهرها، حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية، مطلعة على ما ظهر وبطن، من غير احتياج إلى تعليم وتعلم) .
وقال في الجواب: (قولهم: لا نسلم توقف المعرفة على النظر.
قلنا نحن إنما نقول بوجوب النظر في حق من لم يحصل له العلم بالله
(7/356)

بغير النظر، وإلا فمن حصلت له المعرفة بالله بغير النظر في حقه غير واجب) .
وكذلك ذكر هذا غير واحد من أئمة الكلام من أصحاب الأشعري وغيرهم، ذكروا أن المعرفة بالله تعالى قد تحصل ضرورة، وأنهم مع قولهم بوجوب النظر فإنهم يقولون: بإيمان العامة: إما لحصول المعرفة لهم ضرورة، وإما لكونهم حصل لهم من النظر ما يقتضي المعرفة، وإما لصحة الإيمان بدون المعرفة، ونقلوا صحة إيمان العامة عن جميعهم.

كلام أبي الحسن الطبري الكيّا

كلام أبي الحسن الطبري الكيا
وممن ذكر ذلك أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا في كتابه في الكلام، أو بعض نظرائه من أصحاب الأستاذ أبي المعالي، قال: (فإن قيل: إذا قلتم: إن النظر واجب والمعرفة واجبة، فما قولكم في العوام وسائر الناس الذين لا ينظرون ولا يعرفون؟ أهم مؤمنون أم كافرون؟ قلنا: اختلف في هذا علماء الأصول.
أما أبو هاشم رأس القدرية فإنه ركب الأبلق العقوق في هذا، وقال: من لا يعرف الله فهو كافر غير مؤمن، وقال: المعرفة واجبة فإذا لم تحصل فضدها النكرة، والنكرة كفر، وقرره بأن هؤلاء العامة يقولون: إنهم
(7/357)

مخيرون في المذاهب أم غير مخيرين؟ فإن قلتم: إنهم مخيرون بين الرفض والاعتزال والقدر، والتجسيم والتشبيه، وغير ذلك من المذاهب فهذا خطأ وعناد.
وإن قلتم: لا يخيرون بل يتبعون بعض المذاهب، فلا يمكن اختيار بعض المذاهب إلا بدليل، وذلك هو العلم والنظر) .
قال: (وأما علمائنا فكلهم مجمعون على أن العامة مؤمنون، وأنهم حشو الجنة، إلا أنهم اختلفوا في ذلك، فقال قائلون: إنهم عالمون بالله تعالى، عارفون بالأدلة، إلا أن عبارتهم غير مفصحة بالألفاظ المصطلح عليها، وإلا فالأدلة في طي عقولهم ونشر نفوسهم، وإذا رأى أحدهم خضرة تفوه يقول: سبحان الله وما هذا نظر منه.
وقالوا: لا معنى للعلم إلا اعتقاد المعلوم على ما هو عليه، وهذا موجود في حق العامة.
ثم أنهم قالوا في العلوم النظرية: ما قولكم فيها؟ أتجيزون وجودها ضرورة أم لا تجوزوا ذلك فقد أبعدتم، وإن جوزتم ذلك فألا قلتم مثله ههنا؟ ويكون التكليف الوارد في حقهم
(7/358)

قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتكون المعارف ضرورية) .
قال: (وقال قائلون من علمائنا: هم مؤمنون غير عالمين لأن العلم حقيقة، فإن وجدت حكمنا بإنهم عالمون، وإلا فلا.
والعلم معرفة المعلوم على ما هو به، على وجه لا يمكن الانحلال عنه ولا الانفكاك منه، وإذا طرأت علية شبهة لا يرتاع لها ولا يتشكك.
وهذا العلم بناؤه على طريق يفيد العلم، ولا يوجد هذا في حق العامة فإنهم وإن اعتقدوا المعلوم على ما هو به، إلا أنهم يعرضه التشكك إذا ذكرت لهم شبهة، أذ لا يقدرون على دفعها بطريق يستند العلم إليه، لأنهم يدفعون الشبه باتباع الآباء والتعصب الذي نشأوا عليه، وهذا لا يحصل به العلم، وإذا قال: إن العم حصل بغير اتباع الآباء والتقليد، فهذا عالم حقيقة، كسادات الصوفية، فإن المعارف في حقهم ضرورة) .
قال: (وأما قوله بأن العامة ينظرون.
قلنا: لعمري ذاك كله مبادىء النظر، وما وصلوا إلى غاية النظر، وهو وقوف منهم على أحد شطري الشيء، لأنهم يقولون: العالم حادث، ويجوز أن يكون
(7/359)

حادثاً، ويجوز أن يكون قديماً مثلاً، فيعتقد حدوثه لا ينظر إلى الجانب الآخر.
والعالم يستعرض المسالك، ويشرحها بالمدارك، وينهي النظر إلى الغاية القصوى) .
قال: (فإن قيل: كيف يكونون مؤمنين وليسوا بعارفين؟ قلنا: لأن الله تعالى أوجب عليهم هذا القدر، ولم يوجب عليهم العلم.
وهذا معلوم بضرورة العقل، مستنداً إلى السمع، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكتفي من الأعراب بالتصديق، مع علمنا بقصور علمهم عن معرفة النظر والأدلة، بل يجب عليهم نفي الشك عنهم، فإذا كانوا قد نفوا الشك واللبس عنهم، وعقائدهم مستقرة، فهم مؤمنون.
ولا نقول: يجب العلم، بل لو زال الشك عنهم بخبر التواتر ظاهراً، أو قول بعض المشايخ، أو منام هائل في حق الخصوم، ثم سكنت قلوبهم إلى اعتقادهم، صح ذلك.
فإن لم يزل عنهم الشك إلا بالعلم، فعند ذلك لا بد منه) .
قال: (وفي القرآن حجاج، وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج، غير أن العامي يكتفي له، كقوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول} ، وليس من أنكر الحشر ينكره لأجل العياء.
وكذلك قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} ، {ألكم الذكر وله الأنثى} ، وليس هذا يدل على نفي الولد قطعاً، فمبادىء النظر كافية لهم.
فإن قيل: فإذا لم يجب هذا النظر على كافة الناس، فهل يجب على الآحاد؟ قلنا: أجل، يجب في كل عصر أن يقول به آحاد الناس، وهو فرض من فروض الكفايات، كالجهاد وتعلم القرآن
(7/360)

وغير ذلك من فروض الكفايات.
فأما عامة الناس فلا يتعين عليهم العلم، بل الاعتقاد الصحيح يكفيهم) .

تعليق ابن تيمية
قلت: المقصود أن الطائفة الأولى الذين قالوا: إن العامة عليهم العلم، قالوا: إنه قد يحصل لهم ضرورة، وقد يحصل بالنظر.
والطائفة الثانية الذين اكتفوا بالاعتقاد، اعترفوا بأن من الناس من يحصل له المعرفة ضرورة، كسادات الصوفيه.
وأما ذكره من أن الحجاج الذي في القرآن يكتفي به العامي، وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج، فهذا الكلام يقوله مثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام الجاهلين بحقائق ما جاء به التنزيل، وما بعث به الرسول، حتى قد يقول بعضهم: إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن، وهؤلاء جهلهم بمعاني الأدلة البرهانية التي دل عليها القرآن، كجهلهم بحقائق ما أخبر به القرآن، بل جهلهم بحقائق ما دل عليه الشرع من الدلائل العقلية والمطالب الخبرية، أعظم من جهلهم بما سلكوه من الطرق البدعية التي سموها عقلية.
وقد رأيت في كلام هذا الرجل وأمثاله من ذلك عجائب يخالفون بها صريح المعقول، مع مخالفتهم لصحيح المنقول، ونقص علمهم وإيمانهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.
(7/361)

وقد بينا في غير هذا الموضع أن الطرق التي جاء بها القرآن هي الطرق البرهانية التي تحصل العلم في المطالب الإلهية، مثال ذلك أنه يستدل بقياس الأولى البرهاني، لا يستدل بقياس التمثيل والتعديل، وذلك أن الله تعالى ليس مماثلاً لشيء من الموجودات، فلا يمكن أن يستعمل في حقه قياس شمول منطقي تستوي أفراده في الحكم، كما لا يستعمل في حقه قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، فإنه سبحانه لا مثل له، وإنما يستعمل في حقه من هذا وهذا قياس الأولى، مثل أن يقال: كل نقص ينزه عنه مخلوق من المخلوقات، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه، وكل كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات، فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، لأنه سبحانه واجب الوجود، فوجوده أكمل من الوجود الممكن من كل وجه، ولأنه مبدع الممكنات وخالقها، فكل كمال لها فهو منه وهو معطيه، والذي خلق الكمال وأبدعه وأعطاه أحق بأن يكون له الكمال، كما يقولون: كل كمال في المعلول فهو من العلة.
وكان المشركون يقولون: إن الملائكة بنات الله، كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ، وهم مع هذا يجعلون البنات نقصاً وعيباً، ويرون الذكر كمالاً، فقال لهم: كيف تصفون ربكم بأنقص الوصفين، وأنتم مع هذا لا ترضون هذا لأنفسكم؟ فهذا احتجاج عليه بطريق
(7/362)

الأولى في بطلان قولهم: إن له البنات ولهم البنين، لم يحتج بذلك على نفي الولد مطلقاً كما يقول من يفتري على القرآن.
قال تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ، {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون * وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون * للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} إلى قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} .
فبين سبحانه وتعالى أنهم يفضلون أنفسهم على ربهم، ويجعلون له ما يكرهون، ويقولون بوصفهم الكذب أن لهم الحسنى، وأنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن ما جعلوا لله نظيره إذا بشر به أحدهم ظل وجه مسوداً يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون.
فبين سبحانه أن هذا الحكم حكم سىء.
كما قال تعالى في الآية الأخرى: {ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى} ، أي قسمة جائرة.
وقال في
(7/363)

الآية الأخرى: {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين * أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين * وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} ، فقال تعالى مقيماً للحجة مخاطباً باستفهام الإنكار المبين لبطلان ما أنكره وامتناعه، وأن ذلك مستقر في الفطر: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} ، فإنه لوقدر على سبيل الفرض أن يتخذ ولداً، أكان يتخذ مما يخلق بنات ويصفيكم بالبنين؟! أي يجعل البنين صافين لكم لا يشرككم في اتخاذ البنين، بل تكونون أنتم مخصوصون بخير الصنفين، وهو سبحانه مخصوص بالصنف المنقوص؟!
ثم ذكر عنهم ما يبين فرط نقص البنات عندهم فقال: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} ، وهن الإناث، كما ذكر ذلك في سورة النحل، أي بالذي جعله مثلاً للرحمن وهن البنات اللاتي جعل للرحمن مثلهن فضربه للرحمن مثلاً أي جعله له مثلاً حيث مثل به الملائكة الذين جعلهم بنات الله، فجعلهن يماثلن البنات اللاتي جعل الرحمن مثلهن، فضرب للرحمن - أي
(7/364)

جعل له - مثلاً، يماثل البنات اللاتي إذا بشر أحدهم بها ظل وجهه مسوداً وهو كظيم.
ثم بين نقص النساء فقال: {أو من ينشأ في الحلية} ، وهن النساء تربين في الحلية: {وهو في الخصام غير مبين} ، وهي المرأة لا تكاد تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها، فبين أنهم من نقصهن يكملن بالحلية التي تزينهن في أعين الرجال، وهي لا تبين في الخصام.
وعدم البيان صفة نقص، فإن الله ميز الإنسان بالنطق والبيان، الذي فضله به على سائر الحيوان، كما قال تعالى {الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان} ، وقال: {اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} .
وأهل المنطق يقولون: الإنسان هو الحيوان الناطق، ولما كان هذا أظهر صفاته قال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ، وقد قال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى} ، وهذه هي الأصنام الكبرى التي كانت بمدائن الحجاز، فإنه كانت
(7/365)

اللات لأهل المدينة، والعزى لأهل مكة، ومناة الثالثة الأخرى لأهل الطائف.
وهذه كلها مؤنثة، كما قال في الآية الأخرى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} .
وهذه جعلوها شركاء له تعبد من دونه، وسموها بأسمائه مع التأنيث، كما قيل: إن اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من مني يمنى إذا قدر، وكانوا يسمونها الربة، وهم سموها بهذه الأسماء التي فيها وصفها لها بالإلهية والعزة والتقدير والربوبية، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، أي من كتاب وحجة، فإن الله تعالى لم يأمر أحداً بإن يعبد أحداً غيره، ولم يجعل لغيره شركاء في إلهيته.
كما قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} .
(7/366)

وهو سبحانه دائما ينزه نفسه في كتابه العزيز عن الشريك والولد، كما ذكره في سورة النحل، حيث قال: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} الآية، وما بعدها.
وقال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} .
وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} .
وقال تعالى: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} .
وقال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون} .
وقالت الجن: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} .
وإذا أراد أن يحتج سبحانه على نفي الولد مطلقاً لم يذكر هذه الحجة التي لن يفهم وجهها من لم يعرف ما في القرآن من الحجاج، وظن هو
(7/367)

وأمثاله من أهل الضلال أن حجاجهم أكمل من حجاج القرآن، وأنهم حققوا أصول الدين أعظم من تحقيق الصحابة والتابعين.
بل يذكر سبحانه الحجة المناسبة للمطلوب كقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون * بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} .
وقال تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون * بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} .
والكلام على هذه الآيات وما فيها من الأسرار مذكور في غير هذا الموضع، وقد بين هناك أن هؤلاء الآيات تضمنت إبطال قول المبطلين من المشركين والصابئين وأهل الكتاب، وتضمنت إبطال ما كان يقوله مشركو العرب، وما يقوله النصارى، وما يقوله مشركو الصابئة وفلاسفتهم، الذين يقولون بتولد العقول، أو العقول والنفوس عنه.
ومن أراد الجمع بين كلامهم وبين النبوات سماها ملائكة، ويقول: العقل كالذكر، والنفس كالأنثى.
فهؤلاء خرقوا له بنين وبنات بغير علم.
(7/368)

ثم بين سبحانه أنه مبدع للسماوات والأرض، والإبداع خلق الشيء على غير مثال، بخلاف التولد الذي يقتضي تناسب الأصل والفرع وتجانسهما.
والإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته، مع استقلال الخالق له وعدم شريك له، والتولد لا يكون إلا بجزء من المولد بدون مشيئته وقدرته، ولا يكون إلا بانضمام أصل آخر إليه.

تعليق ابن تيمية
وقال تعالى: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} ، فبين بطلان كون الولد له من غير صاحبة لقوله: {ولم تكن له صاحبة} ، فإن التولد لا يكون إلا من أصلين، وليس في الموجودات ما يكون وحده مولداً لشيء، بل قد خلق الله تعالى من كل شيء زوجين، وهو سبحانه الفرد الذي لا زوج له.
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين فساد قول المتفلسفة الذين يقولون: لا يصدر عن الواحد إلا واحد، حتى قالوا: إن الواجب لم يصدر عنه أولاً إلا العقل، ثم بتوسط العقل صدر عقل ونفس وفلك.
(7/369)

وهذا الكلام، وإن كان فساده معلوماً من وجوه كثيرة، كما قد بسط في موضعه، فالمقصود هنا أنه ليس في الموجودات الواحد البسيط الذي يصفونه، وهو المجرد عن جميع صفات الإثبات الذي لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات، بل هذا الواحد لا حقيقة له.
وأيضاً فإنه لا يعرف في الوجود واحد صدر عنه بمجرده شيء، وما يمثلون به من أن النار لا يصدر عنها إلا الإحراق والتسخين، والماء لا يصدر عنه إلا التبريد، والشمس يصدر عنها الشعاع، ونحو ذلك كلها حجج عليهم، فإن هذه الآثار لم تصدر عن مجرد هذه الأجسام وطبائعها، بل لا تكون السخونة والإحراق إلا عن شيئين: أحدهما: النار أو الشعاع أو الحركة، فإن هذه الثلاثة من أسباب السخونة.
والثاني: محل قابل لذلك، كبدن الحيوان والنبات، ونحو ذلك، وإلا فالسمندل والياقوت وغيرهما لما لم تكن فيه قوة القبول لم تحرقه النار.
وكذلك الشعاع لا بد له من محل يقبل الانعكاس عليه، وإلا فإذا لم يكن هناك جسم قابل له لم يحدث الشعاع.
وهؤلاء الملاحدة يقولون: إن الأول الواجب الوجود، الذي
(7/370)

يسمونه العلة، هو ذات بسيطة، ليس له نعت من النعوت، وأنه صدر عنه عقل هو واحد بسيط أيضاً لأنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد ثم صدر عنه عقل ونفس وفلك، وليس هذا نظير ما يمثلون به من الآحاد، فإن آثارها كانت بمشاركة من القوابل الموجودة، وهنا كل ما سوى الأول فهو معلول له، ليس هناك موجود غيره ليشترك هو وذلك الموجود في ذلك، كاشتراك الشمس والمطارح القابلة، واشتراك النار والموارد القابلة.
فقوله تعالى: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} ، بيان أن التولد لا يكون إلا بين اثنين وهو سبحانه لا صاحب له فكيف يكون له ولد.
وهذا القدر لما كان مستقر في فطر الناس كان عامة ما يسمونه تولداً ونتاجاً إنما يكون عن أصلين، فالأمور التي تسمى متولدات - كالشبع والري ونحو ذلك - إنما حدثت عن أصلين: فعل العبد، والأسباب الأخر المعاونة له.
وكذلك النظار يقولون: النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين ويشبهون حصول النتيجة عن المقدمتين بحصول النتاج عن الأصلين من
(7/371)

الحيوان، لأن هذين أصلان في التوليد، وهذين أصلان في التولد.
ثم قال تعالى: {وخلق كل شيء} ، وذلك بيان لأنه إذا كان خالقاً لجميع الأشياء، فكيف يكون فيها ما هو متولد عنه؟ والجمع بين الخلق والتوليد ممتنع، كما يمتنع الجمع بين التولد والتعبد.
كما قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا} .
وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ، حتى أنه استدل بهذا طائفة من الفقهاء على أن ولد الإنسان يعتق عليه إذا ملكه، فلا يكون عبده من هذه الآية، لأنه سبحانه بين تنافي التوليد والتعبيد.
(7/372)

وهذا الحكم معلوم بأدلة أخرى، كما في الصحيح «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال: لعل صاحبها يلم بها؟ قالوا: أجل قال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستعبده وهو لا يحل له؟»
فبين صلى الله عليه وسلم أنه إذا وطىء تلك الحبلى وسقى ماءه زرع غيره، فإنه بتلك الزيادة التي تحصل منه في الجنين، يصير شريكاً له في التولد، وحينئذ فلا يحل له أن يستعبده، ولا أن يجعله موروثاً عنه، كما يورث ماله، فإذا كان هذا بمشاركته في التولد مع أن الولد قد انعقد من ماء غيره، فكيف بالولد الذي انعقد منه؟
وكذلك قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} كما، قال في الآية الأخرى: {لقد أحصاهم وعدهم عدا} ، فإن إحاطة العلم والعد بهم فيه بيان أنه لا يكون منهم إلا ما يعلمه، لا ينفردون عنه بشيء، كما ينفرد الولد عن والده، والشريك عن شريكه.
(7/373)

وقوله في الآية الأخرى: {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} ، بيان لكونه سبحانه يخلق الأشياء بكلمته، وأنها منقادة له، فإذا قال له: كن، كانت.
وهذا مناف للتوليد، بل خلق المسيح عليه السلام بكلمة (كن) .
وقد علم في الشاهد أن من يدبر الأشياء بمجرد كلمته ليس كالذي يحتاج إلى أن تولد منه الأشياء، فكيف يوصف بالتولد وهو سبحانه في جميع ما يقضيه إنما يقول له: كن فيكون؟
وأما ما ذكره من قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول} ، وقول ذلك القائل: من أنكر الخلق فلم ينكره لأجل كونه عيي بالخلق الأول.
فيقال له: مثل هذا الكلام إذا قاله ملحد طاعن في القرآن، كان فيه الدلالة على جهله وضلاله ما لا يقدر على وصفه الإنسان.
وذلك أن الله تعالى في كتابه ذكر من دلائل المعاد وبراهينه ما لا يقدر أحد على أن يأتي بقريب منه، وذكر فيه من أصناف الحجج ما ينتفع به عامة الخلق.
(7/374)

فإنه سبحانه دل على إمكان إحياء الموتى وقدرته على ذلك بطريق الوجود والعيان، وبطريق الاعتبار والبرهان، والأول أعظم الطريقين، فلا شيء أدل على إمكان الشيء من وجوده.
فذكر في كتابه ما أحياه من الموتى في غير موضع.
كما قال تعالى في سورة البقرة: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} ، فهذه في قصة موت بني إسرائيل الذين سألوه الرؤية.
وقال في قصة البقرة: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} .
وقال في الذين خرجوا من ديارهم: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس} ، الآية - وهي قصة معروفة.
وقال تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم
(7/375)

لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} ، فقص هذه القصة التي فيها موت البشر مائة عام، وموت حماره، ومعه طعامه وشرابه، ثم إحياء هذا الميت وإحياء حماره وبقاء طعامه وشرابه لم يتغير ولم يفسد، وهو في دار الكون والفساد التي لا يبقى فيها في العادة طعام وشراب بدون التغير بعض هذه المدة، وهذا يبين قدرته على إحياء الآدميين والبهائم، وإبقاء الأطعمة والأشربة لأهل الجنة في دار الحيوان بأعظم الدلالات.
وذكر بعد ذلك قول إبراهيم: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} ، فأمره بخلط الأطيار الأربعة مثلاً مضروباً لاختلاط الأخلاط الأربعة، ثم أحيى الأطيار، وميز بين هذا وهذا، وجعلهن يأتين سعياً إجابة
(7/376)

لدعوة الداعي، فكان في ذلك من الدليل ما لا يخفى على ذي تحصيل.
فهذه خمس قصص في إحياء الآدميين، وقصة في إحياء البهائم، وقصة في إبقاء الطعام والشراب، وقصة في إحياء الطير.
وذلك في غير هذا موضع إحياء المسيح صلى الله عليه وسلم للموتى، وذكر قصة أصحاب الكهف وبقاءهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين نياماً لا يأكلون ولا يشربون وهم أحياء لم يفسدوا.
وقال في القصة: {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها} .
فهذه القصص فيها من الإخبار بالموجود ما هو من أعظم الدلائل على القدرة والإمكان لإحياء الله الموتى.
وصدق هذه الأخبار يعلم بما به يعلم صدق الرسول، ويعلم بأخبار أخرى من غير طريق الرسول، وإخبارهم بها من أعلام نبوته، كما قد بسط في موضع آخر.
(7/377)

وأما الصنف الثاني، وهو طريق إثبات الإمكان والقدرة بالاعتبار والقياس بطريق الأولى، فإنه سبحانه يستدل على ذلك تارةً بخلق النبات، ويبين أن قدرته على إحياء الموتى كقدرته على إنبات النبات.
وتارةً يستدل على ذلك بخلق الحيوان نفسه، وأن قدرته على الإعادة كقدرته على الابتداء وأولى.
وتارةً يبين ذلك بقدرته على خلق السماوات والأرض، كما في قوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} .
وفي هذا الكلام العزيز من أنواع الاعتبار ما لا يحتمله هذا المكان.
وقال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} .
(7/378)

فبين أن إخراج النبات بالماء مما يتذكر به إخراج الموتى من قبورهم.
وقال تعالى: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} .
وقال تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور}
وقال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} .
وقال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} .
وقال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} .
وقال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} .
(7/379)

وقد بين سبحانه من حجج منكري المعاد، والجواب عنها وتقريره ما يطول هذا الموضع باستقصائه، كما في قوله: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} .
إلى آخر الآيات، وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه.
فأما الآية التي ذكرها القائل التقدم، وهي قوله: {أفعيينا بالخلق الأول} .
فإن العرب تقول: عي وعيي بأمره إذا لم يهتد لوجهه، ويقول الرجل: عييت بأمري إذا لم يهتد لوجهه، وأعياني هو.
وقال الشاعر:
عيوا بأمرهم كما ... عييت ببيضتها الحمامة
فالعيي بالأمر يكون عاجزاً عنه مثل أن لا يدري ما يفعل فيه.
فقال سبحانه باستفهام الإنكار المتضمن نفي ما استفهم عنه، وأن ذلك معلوم عند المخاطب: {أفعيينا بالخلق الأول} ، فلم نكن عالمين بما نصنع فيه، ولا قادرين عليه؟ أم خلقناه بعلمنا وقدرتنا، وأتنيا فيه من الإحكام والإتقان بما دل على كمال علمنا وحكمتنا وقدرتنا؟
وهذا نظير قوله: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات
(7/380)

والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} .

تعليق ابن تيمية
ومن المستقر في بدائه العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الآدميين، فإذا كان فيها من الدلالة على علم خالقها وقدرته وحكمته ما بهر العقل، أفلا يكون ذلك دالاً على أنه قادر على إحياء الموتى لا يعي بذلك كما لم يعي بالأول بطريق الأولى والأخرى؟
ولعل هذا الجاهل لم يفهم هذه الآية، فظن أن قوله: {ولم يعي بخلقهن} ، وهو من الإعياء: الذي هو النصب اللغوب، وأن المعنى إذا كنا ما تعبنا في الخلق الأول، فكيف نتعب في الثاني؟ فإن كان هذا هو الذي فهمه من الآية، كما يفهم ذلك جهال العامة الذين لا يعرفون لغة العرب ولا تفسير القرآن، ولا يفرقون بين عيي وأعياء، فقد أوتي من جهة جهله بالعقل والسمع.
وهؤلاء المبتدعين يجهلون حقائق ما جاء به الرسول، ويعرضون عنه، ثم يحكمون بموجب جهلهم أن ليس في ذلك من البراهين من
(7/381)

جنس ما في كلامهم، ولو أوتوا العقل والفهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لتبينوا أنه الجامع لكل خير.
وأما فساد طرقهم المخالفة للنصوص، فهو بين لكل ذكي فاضل منهم ومن غيرهم.
ويكفيك أن عمدتهم في أصول الدين إما دليل الأعراض، وقد علم ما فيه من الأعتراض وإما دليل الوجوب المستلزم للواجب.
وقد بينا في غير هذا الوضع أن تلك الطريقة لا تدل على وجود واجب، فإن ذلك إنما يدل إذا ثبت وجود الممكن الذي يستلزم الواجب.
والممكن عندهم هو متناول القديم والحادث، فجعلوا القديم الأزلي داخلاً في مسمى الممكن، وخالفوا بذلك سائر العقلاء من سلفهم وغيرهم، مع تناقضهم في ذلك.
وبهذا التقدير لا يمكنهم أن يقيموا دليلاً على أن الممكن بهذا الاعتبار يحتاج إلى فاعل.
وقد أوردوا على هذه الطريقة من الاعتراضات ما أوردوه، ولم يمكنهم أن يجيبوا عنه بجواب صحيح، كما قد بسط في موضعه.
ثم غايته إثبات وجود واجب لا يتميز عن المخلوقات، ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب لا يتميز على المخلوقات.
ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب هو وجود المخلوقات، فكثير
(7/382)

من نظارهم يطعن في دليل إثبات واجب الوجود، وكثير من محققيهم وعارفيهم يقول: إن الوجود الواجب هو وجود المخلوقات.
ومآل القولين واحد، وهو قول فرعون الذي أنكر رب العالمين، فإن فرعون وغيره لم ينكروا وجود هذا العالم المشهود، فمن جعله هو الوجود الواجب، أو كان قوله لا يدل إلا على ذلك، كان منكراً للصانع.
ثم إذا كان هذا الوجود الواجب، كان ما يلزمهم على ذلك من المحالات أضعاف ما فروا منه، كما بينا ذلك في غير هذا الموضع.
فمن جعله وجود كل موجود، كان فيه الشهادة على نفس الوجود المحدث الكائن بعد أن لم يكن بأنه واجب، ومن جعله وجود الفلك كان فيه من افتقار واجب الوجود إلى غيره، ومن حدوث الحوادث بلا سبب فاعل، ومن غير ذلك ما يناقض أصولهم وأصول غيرهم المتفق على صحتها، ويوقعهم في شر مما منه فروا.
والمقصود هنا أنه سبحانه لما قال: {أفعيينا بالخلق الأول} ، لم يرد الإعياء الذي هو التعب، وإيما أراد العي، كما تقول العرب: عيي بأمره إذا لم يهتد لوجهه.
وحينئذ فيكون في الآية من الدلالة على علم الخالق وحكمته ما يبين أنه خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه.
ومن كان خالقاً لهذا العالم بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه، كان بأن يقدر على إحياء الموتى أولى وأحرى.
(7/383)

والملاحدة المنكرون للعماد تعود شبههم كلها إلى ما ينفي علم الرب تعالى أو قدرته أو مشيئته أو حكمته.
ونفي العي يثبت هذه الصفات، فتنتفي أصول شبههم.
فالفلاسفة الإلهيون الذين هم أشهر هذه الطوائف بالحكمة والنظر والعلم - رهط الفارابي وابن سينا وأمثالهما - عمدتهم في إنكار المعاد هو اعتقادهم قدم العالم، وأن الفاعل علة تامة موجبة بالذات، لا يختلف فعلها، فلا يجوز أن يتغير العالم لأجل ذلك.
وهؤلاء في كلامهم من نفي قدرته وعلمه ومشيئته ما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
ومن أيسر ذلك أنهم في الحقيقة ينكرون أن يكون خالقاً للمحدثات.
وإذا كان قد عرف بضرورة العقل أن المحدثات، وما فيها من التخصيص والإتقان والحكمة، دل على الخالق العليم القدير الحكيم، علم فساد قول هؤلاء، فإن قولهم يستلزم أن تكون المحدثات كلها حدثت بلا محدث، لأن العلة القديمة التامة التي جعلوها الأول لا يتأخر عنها شيء من معلولاتها، فلا يكون شيء من الحوادث معلولاً لها، فلا يكون مفعولاً لها، ولا يجوز أن تكون الحوادث معلولة لعلة أخرى تامة موجبة بذاتها، لأن القول في تلك
(7/384)

العلة كالقول في هذه، ولا يجوز أن يكون صدرت عن ممكن لا علة له، لأن الممكن لا يكون موجوداً بنفسه، بل لا بد له من موجد - سمي علة أو لم يسم - ولا يجوز أن يكون صدرت عن ممكن بنفسه، لأن كون ذلك الممكن محدثاً لها أمر ممكن محدث.
فلا بد له من محدث، فإذا استحال على أصولهم صدور الحوادث عن العلة التامة الواجبة بواسطة أو غير واسطة، فقد تعذر صدورها عن ممكن لا موجب له، وعن موجب لا يستند فعله إلى الواجب بنفسه، لزم على قولهم أن لا يكون لها فاعل.
ووجه الحصر أن يقال: محدث الحوادث: إما أن يكون هو الواجب بنفسه، بوسط أو بغير وسط، أو غير الواجب بنفسه.
وما ليس بواجب بنفسه فهو الممكن.
والممكن إما أن يكون له موجد، وإما أن لا يكون.
والثاني ممتنع.
والأول نفس إحداثه للمحدثات أمر حادث ممكن، فلا بد له من موجد.
فتبين أن المحدثات لا بد لها من محدث، يكون واجباً بنفيه، ولا يكون علة تامة مستلزمة لمعلولها، وهذا يبطل أصل قولهم.
وهذا قول حذاقهم - كابن سينا وأمثاله - الذين يقولون: إنه صدر عن موجب بالذات.
ويحكى هذا القول عن برقلس.
وأما أرسطو وأتباعه فعندهم الأول لا يوجب شيئاً ولا يفعل شيئاً، بل
(7/385)

الفلك يتحرك للتشبه به - وهذا أفسد من ذاك من طرق متعددة وليس هذا موضع بسط ذلك.
وإنما المقصود هنا التنبيه على أن قوله تعالى: {ولم يعي بخلقهن} ، فيه تنبيه على ثبوت الأمور التي توجب وصف خالق السماوات والأرض بصفات الكمال وبإحداث الأفعال، وذلك هو الذي يستلزم قدرته على إحياء الموتى، وبسط ذلك يطول.
ومما يبين خذلان الله لأهل البدع، والمخالفين للكتاب والسنة، أن هذين الأصلين: أمر الولادة، وأمر المعاد، هما من أعظم أصول أهل الضلال كالدهرية من الفلاسفة وغيرهم، الذين يقولون: إن العقول تولدت عن الله، وينكرون إحياء الله الموتى.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك.
فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولداً، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد.
وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته» .
وهذا في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي هريرة، وابن عباس.
(7/386)

وهؤلاء الملاحدة شتموه بما ذكروه من تولد الموجودات عنه، وكذبوه بقولهم: لن يعيدنا كما بدأنا، وضاهوا في ذلك أشباههم من ملاحدة العرب.
قال تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} إلى قوله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا} إلى قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} .
فذكر سبحانه في هذا الكلام الرد على من أنكر المعاد، وعلى من قال: إنه اتخذ ولداً، كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في الحديث.
(7/387)

وهذا المبتدع ذكر في دلالة القرآن على هذا وعلى هذا ما تقدم التنبيه على فرط ضلال قائله عن حقائق ما أنزل الله على رسوله.
ولهذا كانت طريقة القرآن فيما يثبته للرب تعالى وينفيه عنه مبنية على برهان الأولى، لا على البرهان الذي تستوي أفراده، أو يماثل فرعه أصله.
قال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} ، بعد قوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} .
وقال تعالى في الآية الأخرى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن} ، أي بما ضربوه للرحمن مثلاً، والمثل الذي ضربوه له هو البنات، وهو عندهم مثل سوء مذموم معيب.
فقال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} ، ومن قال: إنه ولد الملائكة، أو قال: إنه ولد العقول أو النفوس، فإنه لا يؤمن بالآخرة، فله مثل السوء.
والله تعالى له المثل الأعلى، فلا يضرب له المثل المساوي، إذا لا كفو ولا ند، فضلاً عن أن يضرب له المثل الناقص، ولا يكتفي في حقه بالمثل العالي، بل له المثل الأعلى، إذ هو الأعلى سبحانه، والعلم به أعلى العلوم، وذكره أعلى الأذكار، وحبه أعلى الحب.
(7/388)

والذي يبتغي وجه ربه الأعلى هو أعلى إذ هو الأتقى الذي هو أكرم الخلق على الله، كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، وقال تعالى: {وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} .
ونظير ما ذكره سبحانه في الأولاد، ما ذكره في الشركاء في قوله تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} ، يقول تعالى: إذا كان الواحد منكم ليس له من مماليكه شريك في ما رزقه الله، بحيث يخاف ذلك المملوك، كما يخاف السادة بعضهم بعضاً، فكيف تجعلون لي شريكاً هو مملوكي، وتجعلونه شريكاً فيما يختص بي من العبادة والمخافة والرجاء حتى تخافوه كما تخافوني؟.
ومن المعلوم أن ملك الناس بعضهم بعضاً ملك ناقص، فإن السيد لا يملك من عبده إلا بعض منافعه، لا يملك عينه، وهو شبيه بملك الرجل بعض منافع امرأته، وملك المستأجر بعض منافع أجيره.
ولهذا
(7/389)

يشبه النكاح بملك اليمين، كما قال عمر رضي الله عنه: النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته.
وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: {وألفيا سيدها لدى الباب} ، فإذا كان هذا الملك الناقص لا يكون المملوك فيه شريكاً للمالك، فكيف بالملك الحق التام لكل شيء؟ ملك المالك للأعيان والصفات، والمنافع والأفعال، الذي لا يخرج عن ملكه شيء بوجه من الوجوه، ولا لغيره ملك مفرد، ولا شريك في ملك ولا معاونة له بوجه من الوجوه، كيف يسوغ في مثل هذا، أن يجعل مملوكه شريكه بوجه من الوجوه؟.
والشرك نوعان: أحدهما: شرك في الربوبية، والثاني شرك في الإلهية.
فأما الأول فهو إثبات فاعل مستقل غير الله، كمن يجعل الحيوان مستقلاً بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول، أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلاً بشيء من الإحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل، فإن كل ما يذكرونه من فعل هذه الفاعلات أمر حادث يفتقر إلى محدث يتم به إحداثه، وأمر ممكن لا بد له من واجب يتم به
(7/390)

وجوده، وكل ما سوى الخالق القديم الواجب الوجود بنفسه مفتقر إلى غيره، فلا يتم به حدوث حادث، ولا وجود ممكن.
وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا الوجه، بل كانت مقرة بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وإنما كان من النوع الثاني، فإثبات التوحيد في النوع الثاني يتضمن الأول من غير عكس.
والثاني الشرك في الإلهية، وضده هو التوحيد في الإلهية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين المقرين بأنه رب كل شيء، كانوا يتخذون آلهة يستجلبون بعبادتها المنافع، ويستدفعون بها المضمار، ويتخذونها وسائل تقربهم إليه، وشفعاء يستشفعون بها إليه.
وهؤلاء خلق من خلقه، لا يملكون لأحد نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه، فكل ما يطلب منهم لا يكون إلا بإذنه، وهو سبحانه لم يأمر بعبادة غيره، ولم يجعل هؤلاء شفعاء ووسائل.
بل قد قال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} .
قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} .
وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في
(7/391)

السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} .
وهذا المعنى كثير في القرآن: يبين سبحانه أنه لم يشرع عبادة غيره، ولا إذن في ذلك، بل يبين أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فإنه كما يمتنع أن يكون غيره رباً فاعلاً، يمتنع أن يكون إلهاً معبوداً.
وإذا كان جعل المملوك شريكاً في الملك الناقص - بحيث يرغب إليه كما يرغب إلى المالك، يرهب منه كما يرهب من المالك - ممتنعاً يوجب الفساد، فجعل المملوك المخلوق شريكاً لمالكه الخالق أولى بالامتناع ولزم الفساد.
وذلك أن الذي يخافه إنما يخاف أن يضره، فإذا كان يعلم أنه لا يضره إلا بإذن الله سبحانه، كان الله تعالى هو الذي يجب أن يخاف.
وكذلك الذي يرجوه، إذا كان إنما يرجو نفعه، وهو لا ينفعه إلا بإذن الله، كان الله هو الذي يجب أن يرجى، إذ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، بخلاف مملوك البشر، فإنه - وإن كان لا يترف في المال إلا بإذن سيده، ولا يمنع من أذن له
(7/392)

سيده - فقد يمكنه معصية سيده، وإن كان في معصيته نوع من الفساد.
والخالق تعالى لا يمكن أحداً أن يفعل شيئاً إلا بمشيئته وقدرته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وفي معصية أمره الفساد الذي لا صلاح معه، فالمخلوق أعجز عن أن ينفع أو يضر بدون إذنه، من عجز المملوك عن النفع والضر بدون إذن سيده، ومعصية المخلوق لأمره، الذي أرسل به رسله، أعظم فساداً من معصية المملوك لأمر سيده.
قال تعالى في قصة الخليل صلى الله عليه وسلم ومناظرته لقومه: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} .
(7/393)

قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} .
وقال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} .
ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان، كان من سلك الطريق العقلي دله على الطرق السمعي، وهو صدق الرسول، ومن سلك الطريق السمعي بين له الأدلة العقلية، كما بين ذلك القرآن، وكان الشقي المعذب من لم يسلك لا هذا ولا هذا.
كما قال أهل النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .
وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} .
ولهذا نفى سبحانه عن الشرك الطريق السمعي والعقلي، ونفى شرك الإلهية والربوبية في مثل قوله: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات
(7/394)

ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} ، فطالبهم أولاً بالطريق العقلي، وثانياً بالطريق السمعي.
ونظيره قوله: {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} ، وهذا باب واسع قد بسط الكلام فيه في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه اللطيف على بعض ما في القرآن من تقرير المعاد ونفي الولد والشريك، إذ كان هذا فصلاً معترضاً في هذا المقام.
فقد تبين أن جمهور النظار من جميع الطوائف يجوزون أن تحصل المعرفة بالصانع بطريق الضرورة، كما هو قول الكلابية والأشعرية، وهو مقتضى قول الكرامية والضرارية والنجارية والجهمية وغيرهم، وهو قول طوائف أهل السنة، من أهل الحديث والفقهاء وغيرهم، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفه ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وإنما ينازع في ذلك من ينازع من القدرية كالمعتزلة ونحوهم، مع أنهم متنازعون في ذلك، بل كثير من أهل الكلام، بل
(7/395)

وجمهور العلماء، يقولون: إن الإقرار بالصانع حاصل لعامة الخلق بطريق الضرورة.

ذكر الشهرستاني في نهاية الإقدام أن الفطرة تشهد بوجود الله تعالى
كما ذكر الشهرستاني في كتابه المعروف بنهاية الإقدام في قاعدة التعطيل قال: (قد قيل: إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى: منها: تعطيل الصنع عن الصانع.
ومنها: تعطيل الصانع عن الصنع.
ومنها: تعطيل الباري عن الصفات الأزلية الذاتية ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية القائمة بذاته.
ومنها: تعطيل الباري عن الصفات والأسماء أزلاً.
ومنها: تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها) .
ثم قال.
أما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية: أنهم قالوا: كان
(7/396)

العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقاً، فحصل منها العالم بشكله الذي تراه عليه، ودارت الأكوار وكرت الأدوار، وحدثت المركبات) .
قال: (ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق، احترازاً عن التعطيل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها - على صانع حكيم، قادر عليم: أفي الله شك، {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن
(7/397)

الله} ، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} .
قال: وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء، فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء: {دعوا الله مخلصين له الدين} ، {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} .
ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، {فاعلم أنه لا إله إلا الله} ، ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ونفي الشريك {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا} ، {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} {وإذا ذكرت ربك في القرآن
(7/398)

وحده ولوا على أدبارهم نفورا} .
قال: (وقد سلك المتكلمون طريقاً في إثبات الصانع، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع، وسلك الأوائل طريقاً آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان، ويدعي كل واحد من جهة الاستدلال ضرورة وبديهة) .
قال: (وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه بعد تقديم المقدمات، ودون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتجاج ذاته إلى مدبر، هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغنى به ولا يستغنى عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويفزع إليه في الشدائد والمهمات، فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب،
(7/399)

والحادث إلى المحدث، وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج.
{أمن يجيب المضطر إذا دعاه} .
{قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} ، {ومن يرزقكم من السماء والأرض} ، {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده} .
قال: (وعن هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم: «خلق الله العباد على معرفته، فاجتالتهم الشياطين عنها» ، فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج، وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويله الاستغناء ونفي الحاجة، والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها من تسويلات الشياطين
(7/400)

فإنهم الباقون على أصل الفطرة، وما كان له عليهم من سلطان: {فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى} ، {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} .
ومن رحل إلى الله قربت مسافته، حيث يرجع إلى نفسه أدنى رجوع، فيعرف احتياجه إليه في تكوينه، وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه، ثم استبصر من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، ثم استشهد به على الملكوت، لا بالملكوت عليه: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ، عرفت الأشياء بربي، وما عرفت ربي بالأشياء، ومن غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعالى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم لم يتعطل عن الصانع الحكيم، العالم القدير، تعالى وتقدس) .
وقال أيضاً في أول كتابه: (قد أشار إلي من إشارته
(7/401)

غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول، لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات مسارح النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم.
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم
فلكل عقل مسرى ومسرح، هو سدرته المنتهى، ولكل قدم محط ومجال، هو غايته القصوى، إذا وصل إليها ووقف دونها، فيظن الناظر أولاً، أن ليس وراء مرتبته مطاف لطيف الخاطر، ولا فوق درجته مطرح لشعاع الناظر، ويتيقن آخراً أن مطار الأفكار، إنما يتعلق بذوات المقدار، وجناب العزة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) .
(7/402)

إلى أن قال: (وإذا كان لا طريق إلى المطلوب من المعرفة إلا الاستشهاد بالأفعال، ولا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة، فحيثما كان الاضطرار والعجز أشد، كان اليقين أوفر وآكد: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، لا جرم: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} .
والمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار، أشد رسوخاً في القلب من المعارف التي نتائج الأفكار، في حال الاختيار) .

تعليق ابن تيمية
‍‍‍ قلت: فهذا كله كلام الشهرستاني، وهو من أئمة المتأخرين من النظار، وأخبرهم بالمقالات، وقد صرح بأن معرفة الله ليست معدودة من النظريات التي يقام عليها البرهان، وأن الفطرة تشهد بضرورتها وبديهة فكرتها بالصانع الحكيم، إلى آخر ما ذكره وأن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من القضايا الضرورية، دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية، من احتياج الإنسان في ذاته إلى مدبر.
وأما ما ذكره من أن إنكار الصانع ليس مقالة معروفة لصاحب مقالة.
فإنه، وإن لم يكن مذهباً مشهوراً، عليه أمة من
(7/403)

الأمم المعروفة، لكنه مما يعرض لكثير من الناس، ويقوله بعض الناس: إما ظاهراً دون الباطن - كحال فرعون ونحوه - وإما باطناً وظاهراً، كما ذكر الله مناظرة إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه للذي حاجه في ربه، ومحاجة موسى صلوات الله عليه وسلامه لفرعون.
لكن هذا لا يمنع أن تكون المعرفة به مستقرة في الفطرة، ثابتةبالضرورة، فإن هذا نوع من السفسطة حال يعرف لكثير من الناس: إما عمداً، وإما خطأ.
وكثير من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية، والمعارف الفطرية، في الحسيات والحسابيات، وكذلك في الإلهيات.
ومن تأمل ما يحكيه الناس من المقالات عن الناس، في العلوم الطبيعية والحسابية، رأى عجائب وغرائب.
وبنو آدم لا ينضبط ما يخطر لهم من الآراء والإرادات، فإنهم جنس عظيم التفاوت، ليس في المخلوقات أعظم تفاضلاً منه، خيارهم خير المخلوقات عند طائفة، أو من خيرها عند طائفة، وشرهم شر المخلوقات، أو من شرها.
(7/404)

قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} .
وقال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} .
وقال تعالى: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} .
وقال تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} .
ونظير هذا كثير.
وكما تنازع النظار في المعرفة: هل تحصل ضرورة، أو نظراً، أو تحصل بهذا وهذا، على ثلاثة أقوال، فكذلك تنازعوا في مسألة وجوب النظر المفضي إلى معرفة الله تعالى على ثلاثة أقوال.
فقالت طائفة من الناس: إنه يجب على كل أحد.
وقالت طائفة: لا يجب على أحد.
وقال الجمهور: إنه يجب على بعض الناس دون بعض.
فمن حصلت له المعرفة او الإيمان عند من يقول: إنه يحصل بدون المعرفة بغير النظر لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة ولا الإيمان إلا به وجب عليه.
(7/405)

كلام ابن حزم في الفصل
وذكر غير واحد أن هذا قول جمهور المسلمين، كما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم في كتابه المعروف بـ الفصل في الملل والنحل فقال في مسألة: (هل يكون مؤمناً من اعتقد الإسلام دون استدلال، أم لا يكون مسلماً إلا من استدل؟) .
قال: (وذهب محمد بن جرير والأشعرية إلا أبا جعفر السمناني إلى أنه لا يكون مسلماً إلا من استدل، وإلا فليس مسلماً) .
قال: (وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال أو النساء، أو بلغ المحيض من النساء، ولم يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال، فهو كافر حلال الدم والمال: وقال إنه أذا بلغ الغلام أو الجارية سبع سنين وجب تعليمهما وتدريبهما على الاستدلال على كل ذلك) .
قال: (وقالت الأشعرية: لا يلزمهما الاستدلال على ذلك إلا
(7/406)

بعد البلوغ) قال: وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقاداً لا يشك فيه، وقال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن كل ما جاء به حق، وبرىء من كل دين سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه مسلم مؤمن، ليس عليه غير ذلك.

تعليق ابن تيمية
قلت: القول الأول هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام، وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم، ولهذا قال أبو جعفر السمناني: القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب من أقوال المعتزلة، وهؤلاء الموجبون للنظر يبنون ذلك على أنه لا يمكن حصول المعرفة الواجبة إلا بالنظر، لا سيما القدرية منهم، فإنهم يمنعون أن يثاب العباد على ما يخلق فيهم من العلوم الضرورية، وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم، بل هم متنازعون في ذلك.

كلام الأشعري
فقال الأشعري في بعض كتبه: (قال بعض أصحابنا: أول الواجبات الإقرار بالله تعالى وبرسله وكتبه ودين الإسلام.
وقال أيضاً: لو سأل سائل عمن ورد من الصين ورأى الاختلاف، ماذا يلزمه؟ فقال: عنه جوابان: أحدهما: أن يلزمه
(7/407)

النظر ليعرف الحق فيتبعه.
والثاني: يلزمه اتباع الحق وقبول الإسلام، ثم تصحيح المعرفة بالنظر والاستدلال على أقل ما يجزئه) .
وقد تنازع أصحابه وغيرهم في النظر في قواعد الدين: هل هو من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات؟ والذين لا يجعلونه فرضاً على الأعيان، منهم من يقول: الواجب هو الاعتقاد الجازم.
ومنهم من يقول: بل الواجب العلم، وهو يحصل بدونه.
كما ذكر ذلك غير واحد من النظار من أصحاب الأشعرية وغيرهم، كـ الرازي والآمدي وغيرهما.
والذين يجعلونه فرضاً على الأعيان، متنازعون: هل يصح الإيمان بدونه وتاركه آثم، أم لا يصح؟ على قولين.
والذين جعلوه شرطاً في الإيمان، أو أوجبوه، ولم يجعلوه شرطاً اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان، ولم يوجب العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام.
ولا ريب أن المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين، لم يكونوا يؤمرون بالنظر الذي ذكره أهل الكلام المحدث، كطريق الأعراض والأجسام.
لكن هل يقال: مجرد الاعتقاد الجازم كان كافياً لهم؟ أم لا بد من علم يحصل بالنظر؟ أم يحصل علم ضروري بغير الطريقة النظرية؟ فهذا مما تنوزع فيه.
(7/408)

رد ابن حزم
قال ابن حزم: (فاحتج من أوجب الاستدلال بالإجماع على أن التقليد مذموم، وما لم يعرف بالاستدلال فهو تقليد) .
(قالوا والديانات لا يعرف حقها من باطلها بالحس، لا يعلم إلا بالاستدلال، ومن لم يحصل له العلم فهو شاك، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما حكاه من المسؤول في قبره.
قال: «فأما المؤمن - أو الموقن - فيقول: هو عبد الله ورسوله، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته» .
وقال في الجواب: (التقليد أخذ المرء قول من هو دون الرسول صلى الله عليه وسلم ممن لم يأمرنا الله باتباعه وأخذ قوله، بل حرم علينا ذلك.
وأما أخذ قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي
(7/409)

فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليداً، بل إيمان وتصديق، واتباع للحق، وطاعة الله ورسوله) .
قال: (فموه هؤلاء الذين أطلقوا على الحق - الذي هو اتباع الحق - اسم التقليد، الذي هو باطل.
والقرآن إنما هو ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ما جاءت به الرسل، وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه، لم يذم من اتبعهم أصلاً) .
قال: (وأما احتجاجهم بأنه لا تعرف الأشياء إلا بالدلائل، وبأن ما لم يصح به دليل فهو دعوى، ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما، فإن هذا ينقسم قسمين.
فمن كان من الناس تنازعه نفسه إلى تصديق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يسمع الدلائل، فهذا فرض عليه طلب الدليل، إلا أنه مات شاكاً أو جاحداً قبل أن يسمع من البرهان ما تثلج به نفسه، فقد مات كافراً، وهو مخلد في النار، بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأى المعجزات، فهذا أيضاً لو مات قبل أن يرى المعجزات مات كافراً بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام، وإنما أوجبنا على من هذه صفته طلب البرهان، لأن فرضاً عليه طلب ما فيه نجاته من الكفر.
والقسم الثاني: من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه
(7/410)

وسلم، وسكن قلبه إلى الإيمان، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقاً من الله له، وتيسيراً له لما خلق له من الخير والحسنى، فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان، ولا إلى تكليف استدلال.
وهؤلاء هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والأكراه والعباد، وأصحاب الحديث الأئمة، الذين يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين) .
قال: (وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم} .
وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} .
قال: (فقد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم المعاصي، فضلاً منه ونعمة وهذا هو خلق الله الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم،
(7/411)

ولم يذكر الله في ذلك استدلالاً أصلاً.
وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم ورؤساءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم، ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل من سمعوا منه ما يخالف الشريعة، ويرون أن حرقهم بالنار أخف عليهم من مخالفة الإسلام) .
قال: (وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حساً، وشاهدناه في ذواتنا يقيناً، فلقد بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه، ونحن - ولله الحمد - في غاية اليقين بدين الإسلام، وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وفي غاية سكون النفس إليه، وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك، وكانت تخطر في قلوبنا خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان، فنكاد
(7/412)

لشدة نفارنا عنها أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعاً لها، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن ذلك، فقيل له: إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يقدم فتضرب عنقه أحب إليه من أن يتكلم به.
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك محض الإيمان، وأخبر أنه وسوسة الشيطان، ثم تعلمنا طرق الاستدلال وأحكمناها - ولله الحمد والمنة - فما زادنا يقيناً على ما كنا، بل عرفنا أننا كنا ميسرين للحق، وصرنا كما عرف وقد أيقن يكون - الفيل سماعاً ولم يره، ثم رآه، فلم يزدد يقيناً بصحة إنيته أصلاً، لكن أرانا صحيح الاستدلال رفض بعض الآراء الفاسدة التي نشأنا عليها فقط) .
قال: وإن المخالفين لنا ليعرفون من أنفسهم ما ذكرنا، إلا أنهم يلزمهم أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر قبل استدلالهم ولا بد، فصح بما قلنا أن كل من محض اعتقاد الحق بقلبه، وقاله
(7/413)

بلسانه، فهم مؤمنون محققون.
ليسوا مقلدين أصلاً، وإنما كانوا مكذبين مقلدين لو أنهم قالوا واعتقدوا أننا إنما نتبع في الدين آباءنا وكبراءنا فقط، ولو أن آباءنا وكبراءنا تركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم لتركناه، فلو قالوا هذا واعتقدوه لكانوا مقلدين كفاراً غير مؤمنين، لأنهم إنما اتبعوا آباءهم وكبراءهم الذين نهوا عن اتباعهم، لم يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمروه باتباعه) .
قال: (وإنما كلق الله الإتيان بالبرهان - إن كانوا صادقين - الكفار المخالفين لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا نص الآية، ولم يكلف قط المسلمين الإتيان بالبرهان، ولا أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان.
والفرق بين الأمرين واضح وهو أن كل من خالف النبي صلى الله عليه وسلم فلا برهان له أصلاً، فكلف المجيء بالبرهان تبكيتاً وتعجيزاً، وإن كانوا صادقين - وليسوا
(7/414)

صادقين - فلا برهان لهم، وأما من اتبع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اتبع الحق الذي قامت البراهين بصحته، ودان بالصدق الذي قامت الحجة البالغة بوجوبه، فسواء علم هو بذلك - أي البرهان - أو لم يعلم، حسبه أنه على الحق الذي صح البرهان به، ولا برهان على سواه، فهو محق مصيب) .
قال: (وأما قولهم: ما لم يكن علماً فهو شك وظن، والعلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو استدلال.
قالوا: والديانات لا تعرف صحتها بالحواس ولا بضرورة العقل، فصح أنه لا تعرف صحتها إلا بالاستدلال، فإن لم يستدل المرء فليس عالماً، وإذا لم يكن عالماً فهو جاهل شاك أو ظان، وإذا كان لا يعلم الدين فهو كافر.
قال: فهذا ليس كما قالوا، لأنهم قضوا قضية باطلة فاسدة بنوا عليها هذا الاستدلال، وهي إقحامهم في حد العلم قولهم عن ضرورة أو استدلال.
هذه زيادة فاسدة لا نوافقهم عليها، ولا جاء بتصحيحها قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا لغة، ولا طبيعة،
(7/415)

ولا قول صاحب.
وحد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئاً على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به، وسواء كان عن ضرورة حسً، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال، أو عن تيسير الله عز وجل له، وخلقه لذلك المعتقد في قلبه، ولا مزيد ولا يجوز البتة أن يكون محقق في اعتقاد شيء، كما هو ذلك الشيء، وهو غير عالم به، وهذا تناقض وفساد وتعارض) .
قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم في مساءلة الملك حجة عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال فيه: «فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، ولم يقل: فأما المستدل.
فحسبنا نور المؤمن الموقن، كيف كان إيمانه ويقينه.
و «قال صلى الله عليه وسلم: وأما المنافق أو المرتاب» - ولم يقل: غير المستدل - فيقول: «سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته» ، فنعم هذا هو قولنا، لأن
(7/416)

المنافق والمرتاب ليسا موقنين ولا مؤمنين، وهذا مقلد للناس لا محقق، فالخبر حجة عليهم كافية.
وأما قولهم: إن الله قد ذكر الاستدلال في غير موضع من كتابه وأمر به وأوجب العلم به، والعلم به لا يكون إلا عن استدلال، فهذا أيضاً زيادة أقحموها وهي قولهم: وأمر به.
فهذا لا يجدونه أبداً، ولكن الله ذكر الاستدلال وحض عليه، ونحن لا ننكر الاستدلال، بل هو فعل حسن مندوب إليه، محضوض عليه كل من أطاقه، لأنه مزيد من الخير، وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، وإنما ننكر كونه فرضاً على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه، فهذا هو الباطل المحض.
وأما قولهم: إن الله أوجب العلم به، فنعم.
وأما قولهم: والعلم لا يكون إلا عن استدلال، فهذا هو الدعوى الكاذبة التي أبطلناها آنفاً.
وأول بطلانها أنه دعوى بلا برهان) .
قال: (فسقط قولهم إذ تعرى من البرهان، وكان دعوى منهم مفتراه لم يأت بها نص قط ولا إجماع.
ونحن ذاكرون البراهين على بطلان قولهم.
يقال لمن قال: لا يكون مسلماً إلا من
(7/417)

استدل أخبرنا: متى يجب عليه فرض الاستدلال؟ أقبل البلوغ أو بعده؟ فأما الطبري.
فإنه أجاب بأن واجب قبل البلوغ.
قال ابن حزم: وهذا خطأ، لأن من لم يبلغ ليس مكلفاً ولا مخاطباً) .
قال: وأما لاأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم، وتقشعر منها جلود أهل الاسلام، وتصطك منه المسامع، ويقطع ما بين قائلها وبين الله، وهو أنهم قالوا: لا يلزم طلب الأدلة إلا بعد البلوغ.
ولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا المؤونة، وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم، فقالوا غير مساترين: لا يصح إسلام أحد بأن يكون بعد بلوغه شاكاً غير مصدق.
قال: وما سمعنا قط في الكفر والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم: إنه لا يكون أحد مسلماً حتى يشك في الله عز وجل، وفي صحة النبوة، وفي هل رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق أو كاذب؟ ولا سمع قط سامع في الهوس
(7/418)

والمناقضة والاستخفاف بالحقائق بأقبح من قول هؤلاء: إنه لا يصح الإيمان إلا بالكفر، ولا يصح التصديق إلا بالجحد، ولا يوصل إلى رضا الله عز وجل إلا بالشك فيه، وأن من اعتقد موقناً بقلبه ولسانه أن الله ربه لا إله إلا هو، وأن محمد رسول الله، وأن دين الله الذي لا دين غيره - فإنه كافر مشرك، نعوذ بالله من الخذلان.
فوالله لولا خذلان الله - الذين هو غالب على أمره - ما انطلق لسان ذي مسكة بهذه العظيمة) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذا القول هو في الأصل من أقوال المعتزلة، وقد أوجب أبو هاشم وطائفة معه الشك، وجعلوه أول الواجبات.
ومن لم يوجبه من الموافقين على أصل القول، قال إنه لابد من حصوله، وإن لم يؤمر به.
وهذا بناء على أصلين: أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم.
والثاني: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالماً.
وكلا الأصلين باطل.
أما الأول، فقد عرف الكلام فيه.
وأما الثاني، فإن النظر نوعان: أحدهما: النظر المتضمن طلب الدليل،
(7/419)

وهو كالنظر في المسؤول عنه ليعلم ثبوته أو انتفاؤه، كالنظر في مدعي النبوة: هل هو صادق أو كاذب؟ والنطر في رؤية الله تعالى: هل هي ثابتة في الآخرة أم منتفية؟ والنظر في النبيذ المسكر: أحلال هو أم حرام؟
فهذا الناظر طالب، وهو في حال طلبه شاك.
وليس هذا النظر هو النظر المقتضي للعلم، فإن ذلك هو النظر فيما يتضمن النظر فيه للعلم، وهو النظر في الدليل، كالنظر في الآية والحديث، أو القياس الذي يستدل به، فهذا النظر مقتض للعلم، مستلزم له.
وذلك النظر مضاد للعلم مناف له.
ولما كان في لفظ (النظر) إجمال، كثر اضطراب الناس في هذا المقام، وتناقض من تناقض منهم، فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم، ثم يقولون: النظر يضاد العلم.
فكيف يكون ما يتضمن العلم مضاداً له لا يجتمعان.
فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق.
والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون في القلب ذاهلاً عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم
(7/420)

يتقدم ذلك شك وطلب.
وقد يكون عالماً به، ومع هذا ينظر في دليل آخر، لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور، لأنهم إنما أوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالباً للعلم، فيلزم أن يكون شاكاً، فصاروا يوجبون على كل مسلم: أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا: هو من لوازم الواجب.
ومن غلطهم أيضاً.
أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، فليس من شرط ذلك تأخر النظر إلى البلوغ، بل النظر قبل ذلك ممكن، بل واقع، فتكون المعرفة قد حصلت بذلك النظر، وإن لم يكن واجباً كما لوتعلم الصبي أم الكتاب وصفة الصلاة قبل البلوغ، فإن هذا التعلم يحصل به مقصود الوجوب بعد البلوغ، والنظر إنما هو واجب وجوب الوسائل، فحصوله قبل وقت وجوبه أبلغ في حصول المقصود.
ونظير ذلك: إن يتوضأ الصبي قبل البلوغ، والبالغ قبل دخول وقت الصلاة، فيحصل بذلك مقصود الوجوب بعد البلوغ والوقت.
والكلام في هذه المسألة له شعب كثيرة، وقد تكلم عليها في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان طرق كثير من أهل العلم في تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتحقيق هذه المسألة يتعلق بمسائل: منها: أن
(7/421)

الاعتقاد الجازم بلا ضرورة ولا استدلال: هل يمكن أم لا؟ وإذا أمكن: فهل يسمى علماً أم لا؟
ومنها: أن لفظ (الضرورة) فيه إجمال.
فقد يراد به مايضطر إليه الإنسان من المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس.
وقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون كسبه.
وقد يراد به ما لا يقبل الشك.
وقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزوماً لا يمكن الانفكاك عنه.
ومنها: أن حصول العلم في النفس قد يحصل لكثير من الناس حصولاً ضرورياً، مع توهمه أنه لم يحصل له، كما يقع مثل ذلك في القصد والنية، فإن الأمة متفقة على أن الصلاة ونحوها من العبادات لا تصح إلا بالنية من جنس القصد، والإرادة محلها القلب باتفاقهم، فلو لفظ بلسانه غير ما قصد بقلبه أو بالعكس، كان الاعتبار بقصده الذي في قلبه.
ثم إن كثيراً من الناس اشتبه عليهم أمر النية، حتى صار أحدهم يطلب حصولها وهي حاصلة عنده، ويشك في حصولها في نفسه وهي حاصلة، لا سيما إذا اعتقد أنه يجب مقارنة النية للصلاة، فيرى في أحدهم من الوسواس في حصولها ما يخرجه عن العقل والدين، حتى قيل: الوسوسة لا تكون إلا عن خبل في العقل، أو جهل بالشرع.
وأصل ذلك جهلهم بحقيقة النية وحصولها، مع خروجهم عن الفطرة السليمة، التي فطر الله عليها عباده.
ومن المعلوم أن كل من علم
(7/422)

ما يريد أن يفعله، فلا بد ان ينويه ويقصده، فيمتنع أن يفعل العبد فعلاً باختياره، مع علمه به وهو لا يريده، فالمصلي إذا خرج من بيته وهويعلم أنه يريد الصلاة، امتنع أن لا يقصد الصلاة ولا ينويها.
وكذلك الصائم إذا علم أن غداً من رمضان وهوممن يصومه، أمتنع أن لا ينويه.
وكذلك المتطهر إذا أخذ الماء وهو يعلم أن مراده الطهارة، أمتنع أن لا يريدها.
وإنما يتصور عدم النية مع الجهل بالمفعول، أو مع أنه ليس مقصوده المأمور به، مثل من يظن أن وقت الصلاة أو الصيام قد خرج، فيصوم ويصلي ظاناً أن ذلك قضاء بعد الوقت، فهذا نوى القضاء، فإذا تبين له بعد ذلك أن الصوم والصلاة إنما كانا في الوقت، إذا فهذا يجزئه الصلاة والصيام بلا نزاع.
وكذلك من اغتسل بالماء لقصد لقصد إزالة الوسخ، أو لتعليم الغير، فهذا لم يكن مراده بما فعله الطهارة المأمور بها.
ولهذا تنازع الفقهاء في صحة الصلاة بمثل هذه الطهارة، وأمثال ذلك.
ولهذا يجد المسلم في نفسه فرقاً بين ليلة العيد الذي يعلم أنه لا يصومه، وبين ليالي رمضان الذي يعلم أنه يصومه.
ويجد الفرق بين ما إذا كان مقيماً أو مسافراً يريد الصيام، وبين ما إذا كان مسافراً لا يريد الصيام.
(7/423)

فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان، وقد يشك في وجودها، أولا يحسن أن يعبر عن وجودها، أو يطلب وجودها فهكذا العلم الضروري وغيره، قد يكون حاصلاً في نفس الإنسان، وهو يشك في وجوده، أو يطلب وجوده، أو لا يحسن أن يعبر عنه، لأن وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر، فالتمييز بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر.
فهكذا عامة المؤمنين: إذا حصل أحدهم في سن التمييز يحصل له من الأسباب، التي توجب معرفته بالله وبرسوله، ما يحصل بها في نفسه علم ضروري ويقين قوي، كحصول الإرادة لمن علم ما يريد فعله، ثم كثير من أهل الكلام يلبسون عليه ما حصل له ويشككونه فيه، كما أن كثيراً من الفقهاء يلبسون على المريد الناوي ما حصل له ويشككونه فيه.
والعلم الحاصل في النفس لا تنضبط أسبابه، ومنه ما يحصل دفعة، كالعلم بما أحسه.
ومنه ما يحصل شيئاً بعد شيء، كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة، والعلم بمدلول القرائن التي لا يمكن التعبير عنها.
وكذلك حصول الإرادة، فإن من الأشياء ما تحصل إرادته الجازمة في النفس، كإرادة الأشياء الضرورية التي لا بد له منها، كإرادة دفع
(7/424)

الأمور الضارة له، وكإرادة الجائع الشديد الجوع، والعطشان الشديد العطش، لتناول ما تيسر له من الطعام والشراب.
ومنه ما يحصل شيئاً بعد شيء، كإرادة الإنسان لما هو أكمل له وأفضل، فإن هذا قد تحصل إرادته شيئاً بعد شيء.
وكذلك إرادته لما يشك في كونه محتاجاً إليه، أو كونه نافعاً له، فإن الإرادة قد تقوى بقوة العلم، وقد تضعف بضعفه، وقد تقوى بقوة نفس محبة الشيء المطلوب وضعف محبته.
ومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية، وعلوم فطرية، وأن كثيراً من أهل الكلام في العلم قد يظنون عدم حصولها، فيسعون في حصولها، وتحصيل الحاصل ممتنع، فيحتاجون أن يقدروا عدم الموجود، ثم يسعون في وجوده، ومن هنا يغلط كثير من الخائضين في الكلام والفقه.
وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، مع نوع من الذهول والغفلة، فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم والإرادة، أو توجهت نحو المطلوب، فيحصل لها معرفته ومحبته.
(7/425)

والله تعالى فطر عباده على محبته ومعرفته، وهذه هي الحنيفية التي خلق عباده عليها، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» .
وقد قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} .
وقال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ؟ والكلام في هذه الأمور مذكور في غير هذا الموضع.
ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والإيمان واجب على الناس بحسب الإمكان، فالجمل التي فرض الله تعالى على الخلق كلهم الإقرار بها مما يمكنهم معرفتها.
وأما التفاصيل ففيها من الدقيق ما لا يمكن أن يعرفه إلا بعض الناس، فلو كلف بقية الناس بمعرفته، كلفوا ما لا يطيقون، ولهذا لم يجب على كل أحد أن يسمع كل آية في القرآن ويفهم معناها، وإن كان هذا فرضاً على الكفاية.
(7/426)

ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا.
والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار يفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيماً، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات، كما قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ، بل من الأخبار ما إذا سمعه بعض الناس ضرهم ذلك، وآخرون عليهم أن يصدقوا بمضمون ذلك ويعلموه، قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسول؟ وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم.
فمثل هذه الأحاديث التي سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ممن سمعها منه، وعلم أنه قالها، يجب على من سمعها أن يصدق بمضمونها، وإذا فهم المراد كان عليه معرفته والإيمان به.
وآخرون لا يصلح لهم أن يسمعوها في كثير من الأحوال، وإن كانوا في حال أخرى يصلح لهم سماعها ومعرفتها.
والقرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له.
قال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها
(7/427)

فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} .
وهذا مثل ضربه الله سبحانه لما أنزل من العلم والإيمان والقلوب التي تنال ذلك، شبه الإيمان بالماء النازل، والقلوب بالأودية، فمنها كبار ومنهاصغار، وبين أن الماء كما يختلط بما يكون في الأرض، كذلك القلوب فيها شبهات وشهوات تخالط الإنسان، وأخبر أن ذلك الزبد بجفأ جفاءً، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، كذلك الشبهات تجفوها القلوب، وما ينفع يمكث فيها.
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا ورعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في
(7/428)

دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .
وما ذكره ابن حزم من أن العلم قد يحصل في القلب لا عن ضرورة ولا نظر، ورده على من يحصره في النوعين فمثل هذا قد يكون النزاع فيه لفظياً.
وذلك أن نافي الحصر قد يريد بالضرورة ما كان عن ضرورة حس، وأولئك يجعلون ما يحصل من العلم الضروري بالحس أحد أنواع العلم الضروري وقد يريد بالضرورة ما يضطر إليه الإنسان بدون نظر في تصوره.
وأولئك يريدون بالعلم الضروري والبديهي ما اضطر إليه الإنسان إذا تصور طرفيه، سواء كان ذلك التصور ضرورياً أو لم يكن، بل كثير من الناس يقول: إن جميع العلوم ضرورية باعتبار أسبابها، فإن العلم الحاصل بالنظر والكسب والاستدلال هو بعد حصول أسبابه ضروري، يضطر إليه الإنسان، وهذا اختيار أبي المعالي وغيره.
وللناس في هذا الباب اصطلاحات متعددة، من لم يعرفها يجعل بينهم نزاعاً معنوياً، وليس كذلك.
كما أن طائفة منهم يجعلون العلم البديهي هو الضروري، والكسبي هو النظري.
ومنهم من يفرق بينهما، فيجعلون الضروري ما اضطر إليه العبد من غير عمل وكسب منه، لا في
(7/429)

تصور المسألة ولا دليلها ويجعلون البديهي ما بدهه، وإن كان عن نظر اضطر إليه من غير كسب منه، فإن العبد قد يضطر إلى أسباب العلم.
وقد يختار اكتساب أسبابه.
وهذا في الحسيات وغيرها، كمن يفجأه ما يراه ويسمعه، من غير قصد إلى رؤيته وسمعه، ومن يسعى في رؤية الشيء واستماعه.
والأول لا يدخل تحت الأمر والنهي.
والثاني يدخل تحت الأمر والنهي.
وأيضاً فمن الناس من يقول: العلوم الضرورية والبديهية يشترك فيها عامة العقلاء، ويجعل ما يختص به بعضهم ليس من هذا القسم.
ومنهم من يسمى كل ما اضطر إليه الإنسان وبدهه ضرورياً وبديهياً، وإن كان ذلك مختصاً بنوع من الناس، كما يختص بالأنبياء والأولياء وأهل الفراسة والإلهام.
وعلى هذا فالعلم الحاصل بتيسير الله تعالى وهدايته وإلهامه، وجعله له في قلب العبد بدون استدلال، يسميه هؤلاء علماً ضرورياً.
وإن كان ابن حزم وأمثاله لا يسمونه ضرورياً، فهذا نزاع لفظي.
ومن حد الضروري بأنه العلم الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه الانفكاك عنه، جعل هذا كله ضرورياً.
وكذلك يقول كثير من شيوخ أهل المعرفة لكثير من أهل النظر: إن علمنا ضروري، كما في الحكاية المعروفة التي ذكرها أبو العباس أحمد بن محمد بن خلف المقدسي
(7/430)

ورأيتها بخطه عن الشيخ أحمد الحيوقي المعروف بالكبرى، قال: دخل علي فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم، فقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين.
فقلت نعم أنا أعلم علم اليقين.
فقالا لي: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا، وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت بجة أبطلها؟ فقلت: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين.
فقالا: فبين لنا ما هذا اليقين.
فقلت: واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها.
فجعلا يرددان هذا الكلام، ويقولون: واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها.
وتعجبا من هذا الجواب، لأنه رحمه الله بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزوماً لا يمكنه مع ذلك دفعها.
قالا له: كيف الطريق إلى هذه الواردات؟ فقال لهما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها فاعتذر الرازي بما له من الموانع.
وأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات، فإن الشبهات قد أحرقت قلبي.
فأمر الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر وما يتبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات.
(7/431)

والمعتزلة ينفون العلو والصفات، ويسمون من أثبت مجسماً حشوياً، فلما فتح الله تعالى عليه بذلك، قال: والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية والمجسمة، أو كما قال، فإن عهدي بالحكاية من زمان، وكان هذا الشيخ الكبرى إذا قيل له: من قال: {الرحمن على العرش استوى} فهو مجسم، يقول: فخذ إني حنيئذ مجسم وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده، بلاد جرجان وخوارزم.

تابع كلام ابن حزم
قال أبو محمد بن حزم: (ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئاً من السير من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمنانية والدهرية في أن رسول الله صلى لله عليه وسلم منذ بعث لم يزل يدعو الناس، الجم الغفير، إلى الإيمان بالله تعالى، وبه، وبما أتى به، ويقاتل من أهل الأرض من يقاتله ممن عند ويستحل سفك دمائهم، وسسبي نسائهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، متقرباً إلى الله تعالى بذلك، وأخذ الجزية
(7/432)

وإصغاره، ويقبل من آمن به، ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام، ومنهم المرأة البدوية، والراعي، والراعية، والغلام الصحراوي، والوحشي، والزنجي، والمسبي، والزنجية المجلوبة، والرومي والرومية، والأغثر الجاهل والضعيف في فهمه، فما منهم من أحد ولا من غيرهم قال عليه السلام: إني لا أقبل إسلامك، ولايصح لك دين إلا حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه.
قال: ولسنا نقول: إنه لم يبلغنا أنه قال ذلك لأحد، بل نقطع - نحن وجميع أهل الأرض - قطعاً كقطعنا على ما شاهدنا: أنه عليه السلام لم يقل هذا قط لأحد، ولا رد إسلام أحد حتى يستدل، ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة، أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر.
ومن المحال
(7/433)

الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون عليه السلام يغفل أن يبين للناس ما لا يصح لأحد الإسلام إلا به، ثم يتفق على إغفال ذلك أو تعمد ترك ذكره جميع أهل الإسلام، ويبينه هؤلاء الأشقياء، ومن ظن أنه وقع من الدين على ما لا يقع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر بلا خلاف.
فصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله ولرسوله، ولجميع أهل الإسلام قاطبة) .

تعليق ابن تيمية
قلت: قبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموروثة، ونحو ذلك.
وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
وقال: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم» .
(7/434)

ولهذا يقاتل الكافر حتى يسلم أو يعطي الجزية، فيكون مكرهاً على أحد الأمرين.
ومن قال: لا تؤخذ الجزية من وثني قال: إنه يقاتل حتى يسلم.
وأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقاً، وقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير هذا موضع، وميز سبحانه بين المؤمنين والمنافقين في غير موضع.
كما في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} .
وقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم
(7/435)

من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} .
وهؤلاء قد قالت طائفة: إنهم أسلموا ظاهراً مع كونهم منافقين.
وقال الأكثرون: بل كانوا مسلمين غير منافقين ولا واصلين إلا حقيقة الإيمان، فإنه قد قال فيهم: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم} .
والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وغير ذلك من الأحاديث التي تكلم عليها في غير هذا الموضع، فإن مسألة الإيمان والكفر والنفاق متعلقة بمسألة أول الواجبات، ووجوب النظر، بالفاسق الملي، وتكفير أهل البدع، وغير ذلك من المسائل التي تكلم عليها الناس.
(7/436)

وبهذا أجابوا عن هذه الحجة، فإنه لما قيل لهم: أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفي منه بالإقرار بالشهادتين.
قالوا: إنما نجتزىء منه بذلك لإجراء الإسلام عليه.
فإن صاحب الشرع جعل ذلك أمارة لإجراء الأحكام.
ولو كان ذلك إيماناً حقيقياً لما قال في حق النسوة المهاجرات: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} ثم يقول: من ترك ملة من الملل وعاد إلى ملتنا، فلا بد له من حامل يحمله عليه، فإن كان الذي يحمله عليه ما علمه من فساد ملته وعقيدته، وصحة دين الإسلام، فهذا القدر كاف من النظر والاستدلال على الجملة، وإن كان الذي يحمله رهبةً منا، أو رغبة فيما أعطانا الله من المال وغيره، فهجرته إلى ما هاجر إليه.

تابع كلام ابن حزم
قال أبو محمد: (فإن قالوا: فما كانت حاجة الناس إلى الآيات والمعجزات؟ وإلى احتجاج الله عليهم بالقرآن وإعجازه؟ وبدعاء اليهود إلى تمني الموت، ودعاء النصارى إلى المباهلة وشق القمر؟ قلنا
(7/437)

وبالله التوفيق قد قلنا: إن الناس قسمان: قسم لم تسكن نفوسهم إلى الإسلام، ولا دخلها التصديق، فطلبوا منه عليه السلام البراهين، فأراهم المعجزات، فانقسموا قسمين: طائفة آمنت، وطائفة عندت وجاهرت فكفرت، وأهل هذه الصفة اليوم هم الذين يلزمهم طلب الاستدلال فرضاً ولابد، وقسم وفقهم الله تعالى لتصديقه عليه السلام، وخلق في نفوسهم الإيمان، كما قال تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} ، فهؤلاء آمنوا له عليه السلام بلا تكليف آية.
وأهل هذه الصفة هم اليوم المعتقدون للإسلام حقاً بلا معرفة باستدلال.
قال أبو محمد ويلزم أهل هذه المقالة أن جميع أهل الأرض كفار إلا الأقل، وقد قال بعضهم: إنهم مستدلون.
قال: وهذه مجاهرة هو يدري أنه فيها كاذب، وكل من سمعه يدري
(7/438)

أنه فيها كاذب، لأن أكثر العامة من حاضرة وبادية لايدري ما معنى الاستدلال، فكيف يستعمله؟) .

تعليق ابن تيمية
قلت: لفظ الاستدلال فيه إجمال، فإن أريد العبارة عن نظم الأدلة والجواب عن الممانعات والمعارضات، فهذا قد يقال: إنه لا يحسنه إلا من يحسن الجدل.
وأما الاصطلاح المعين، والترتيب المعين، أو اللفظ المعين، فهذا بمنزلة اللغات، لا يعرفه إلا من يعرف تلك اللغة، وليس هذا واجباً بلا ريب.
وإن أريد به نفس طلب العلم بالشيء بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء، فهذا مركوز في فطرة جميع الناس، فإنه مامنهم من أحد إلا وعنده من نوع النظر والاستدلال، بل ومن الجدال، بحسب ما هداه الله إليه من ذلك.
وقد قال تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} والإنسان يجادل بالباطل ليدحض به الحق، من غير معرفة بقوانين الجدل، فكيف لا يجادل بالحق؟.
وللناس من النظر والمناظرة في صناعتهم وأمور دنياهم، ما يبين أن النظر والمناظرة مركوز في فطرهم، فكيف في أمور الدين؟
والله سبحانه يقول: {الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} وقال تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} .
(7/439)

وهذا الذي ذكره ابن حزم هو قول كثير من الأشعرية، فإنهم متنازعون في النظر: هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ وفي الواجب: هل هو المعرفة أو الاعتقاد الجازم المصمم؟ وهل يسمى ذلك علماً أم لا؟

كلام الجويني في نفي وجوب النظر
وكان أبو المعالي يقول: (لم يكلف الناس العلم، فإن العلم في هذه المسائل عزيز لا يتلقى إلا من النظر الصحيح التام، فتكليف ذلك عامة الناس تكليف ما لا يطاق، وإنما كلفوا الاعتقاد السديد مع التصميم وانتفاء الشك والتردد، ولو سمى مسم مثل هذا الاعتقاد علماً، لم يمنع من أطلاقه) .
قال: (وقد كنا ننصر هذه الطريقة زماناً من الدهر، وقلنا: مثل هذا الاعتقاد علم على الحقيقة، فإنه اعتقاد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم، ثم بدا لنا أن العلم ما كان صدوره عن الضرورة أو الدليل القاطع) .
قال: (وهذا الاعتقاد الذي وصفناه لا يتميز في مبادىء النظر حتى يستقر ويتميز عن اعتقاد الظان والمخمن) .

كلام أبي إسحاق الإسفراييني
وقال أبو إسحاق الإسفراييني في آخر مصنفاته: (من اعتقد ما يجب
(7/440)

اعتقاده هل يكتفي به؟ اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من اكتفى به، ومنهم من شرط إقرار هذه العقائد بالأدلة) .

تعليق ابن تيمية
قلت: والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان: أحدهما: من يقول: إن أكثر العامة تاركوه، وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون: إن إيمانهم لا يصح.
وأكثرهم يقولون يصح إيمانهم تقليداً، مع كونهم عصاة بترك النظر.
وهذا قول جمهورهم.
قد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم، كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح الفقه الأكبر فقالوا: قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد، ولكنه عاص بترك الاستدلال.

كلام شارح الفقه الأكبر لأبي حنيفة
وقال الشارح: (هذا يفيد فائدتين: إحداهما: أن الإيمان بالتقليد صحيح، وإن لم يهتد إلى الاستدلال، خلافاً للمعتزلة والأشعرية، فإنهما لا يصححان إيمان المقلد والإيمان بالتقليد، ويقولان بكفر العامة) .
(7/441)

وقال: (وهذا قبيح من أقبح القبائح لأنه يؤدي إلى تفويت حكمة الله تعالى في الرسالة والنبوة، لأن من أعطي الرسالة والنبوة أمر بعرض الإسلام أولاً على الكفرة، فلو كان الإسلام لا يصح بالعرض والتقليد، لفات الحكمة في الرسالة، إلا أن درجة الاستدلال أعلى من درجة التقليد ألف مرة، وكل من كان في الاستدلال والاستنباط أكثر، كان إيمانه أنور) .
وذكر كلاماً آخر.

تعليق ابن تيمية
قلت: القول القبيح الباطل تكفير من حكم الشارع بإيمانه، وهم المؤمنون من العامة وغيرهم، الذين لم يسلكوا الطرق المبتدعة، كطريق الأعراض ونحوها.
وأما كون إيمان العامة تقليداً أو ليس تقليداً؟ وهل هم عصاة أو ليسوا عصاة؟ فهذا كلام آخر.
وأما المعتزلة والأشعرية فلهم في ذلك نزاع وتفصيل معروف.
والنوع الثاني من موجبي النظر - وهم جمهورهم - يقولون: إنه متيسر على العامة، كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلي وغيرهما، ممن يقول ذلك.

كلام أبي يعلى في وجوب النظر
قالوا: (فإن قيل: فتقولون بوجوب معرفة الله، ومعرفة نبوة رسله، في حق كل مكلف من أهل النظر والعامة، وجفاة
(7/442)

الأعراب والأكراد، وأهل القصبة والرستاق، ومن يقصر فهمه عن معرفة الدقيق وأدلة التفصيل؟ قيل: نعم، لأنه ليس في جميع من ذكرت من يعرف فهمه ويقصر علمه عن معرفة الحدث والمحدث عند مشاهدة تغيير العالم، وما يحدث ويتجدد في أجسامه، من الزيادة والنقصان والنماء وتغير الحالات، وما تجد عليه النطفة من التصور والانتقال من حال إلى حال، وإن قصرت عبارته عن أن يقول: إن هذه أمور متجددة طارئة، إنه لا بد للصنعة من صانع، وللكتابة من كاتب.
وقد علم أن انتقال النطفة، إلى أن تصير إنساناً أو بهيمة، أعظم في الأعجوبة، من تحول الفضة خاتماً، والخشبة سريراً وباباً، والغزل ثوباً منسوجاً، وإن لم يعبر عن ذلك بعبارات المتكلمين، وألفاظ الناظرين، وكما يفرق بين خبر الوحد الذي لا يوجب العلم، وبين خبر التواتر الموجب للعلم، وكما تجد في أنفسها الفرق بين الظن والتقليد، وبين المشاهدة وعلم اليقين، وإن تعذر عليها الفصل بين ذلك أجمع من طريق العبارة.
وإذا كان كذلك وجب أن يكون لجميعهم سبيل إلى معرفة الحدوث والمحدث) .
هذه عبارة القاضي أبي يعلي، وغيره من هؤلاء الذين وافقوا القاضي أبا بكر على طريقته.

كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر
وكذلك قال ابن الزاغوني، وهو من القائلين بوجوب النظر
(7/443)

والاستدلال، وحكى ذلك عن عامة العلماء، كما ذكره القاضي أبو يعلي، وابن عقيل، وأبو الخطاب، وغيرهم.
قال: (والذي فرضه الله على الأعيان على ضربين: أحدهما: ما لا يتم الإيمان إلا به، وهو معرفة الله وتوحيده، وأنه صانع الأشياء، وأن الكل عبيده، وأمثال ذلك.
فهذا يستوي في لزومه العالم والعامي، ونعني بقولنا: العالم، الذي تبصر وتدرب وعرف الحجة من الشبهة، وتبحر في مواقف الاجتهاد للمعرفة، وانتصب دافعاً بالحق شبه أهل الاعتراض، على وجه يترجح به الثقة، ويساعده بالفهم اليقين والمعرفة.
ونعني بالعامي من فصل عن أرباب الاختصاص في أحراز العلم وكثرة التبحر، وإنما سمي عامياً من جهة قلة العدد في خواص العلماء، بالإضافة إلى من بقي، فخواص العلماء في كل زمان آحاد يسير عددهم، والناس غيرهم أعم وجوداً، وأكثر عدداً.
فلهذا سمي من قل علمه عامياً ومن جملة العامة.
ولسنا نريد بالعامي من لا معرفة له بشيء من العلم بحال.
فإذا ثبت هذا، فسائر العامة مؤمنون عارفون بالله في عقائدهم وديانتهم، غير مقلدين في شيء قدمناه ذكره) .
قال: (وذهبت طوائف من المعتزلة والقدرية إلى أنه لا يعرف الله إلا العلماء، فإما العوام فلا يحكم بصحة إيمانهم ولا بمعرفتهم لله) .
(7/444)

قال: (والدليل على إبطال قولهم هو أنا نقول: حقيقة الإيمان العائد إلى المعتقد هي طمأنينة النفس، وسكون القلب إلى معرفة مايعتقد، بإسناد ذلك إلى دليل يصلح له.
وهذا لا يعدم في حق أحد من العامة.
وبيان ذلك: أنه لو قيل لأحد من العوام: بم عرفت ربك؟ لقال: بأنه انفرد ببناء هذه السماء ورفعها، فلا يشاركه في هذا موصوف بجسم ولا جوهر.
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وإلى السماء كيف رفعت} ، ومن سائر الآيات التي فيها ذكر السماء والاعتبار بها.
وهذا الآيات هي الأصل عند العلماء، وإنما ينفردون عن العامة في هذا ببيسط البيان المليح، والتشقيق، والغامض الدقيق.
وفي بيان حكم يدركها العامي فهماً بجنانه، ويقصر عن شرحها بلسانه، فهما في ذلك كرجلين اتفقا في العلم بمسألة، وأحدهما في الكشف أبسط باعاً، وأفصح شرحاً.
وهذا يرجع إلى شيء، وذلك أنه قد ثبت أن الله تعالى كلف الكل معرفته، وضمن فيما أن لا يزيد تكليفه على مقدار الوسع، بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ، فحقيقة المعرفة بالشيء إنما هي الوقوف عليه بالعلم على ما هو به، ولا يوصل إلى ذلك في
(7/445)

حق الله إلا باستناد المعتقد فيه إلى دليله، فلو كان الدليل لا يدخل الوقوف عليه في طوق العامي، لأدى ذلك إلى تكليفه ما ليس في وسعه، وهذا خلاف ما نص الله عليه.
دليل آخر: وهو أنا إذا تأملنا أدلة التوحيد، وما يجب على العامي ترك التقليد فيه، وجدناه سهلاً في مأخذه، قريباً في تناوله، تشتاق النفوس إليه بأنسها، ويستند ذلك إلى شيئين: أحدهما: أن ذلك منوط بالعقل، ولأجل هذا ادعى خصومنا أن المعرفة وجبت بالعقل، والعوام عقلاء.
ويظهر ذلك شرعاً وعقلاً: أما الشرع فلا يكلف إلا عاقلاً، وهو تسليم أموالهم إليهم لرشدهم، ولا رشيد إلا عاقل.
وأما طريق العقل فيما يظهر من ذلك في تدبيرهم، وتدقيق حيلهم، وخفي مكرهم، في تقاسيم أحوال الدنيا.
وقد سطر الناس في ذلك كتباً، وصنفوا فيها من فنون المكر والحيل، وتدقيق الآراء في أنواع التدبير ما فيه غنية لمن تأمله.
والثاني: أن أدلة ذلك جلية في أعلى مقامات الإيضاح والكشف، حتى تجد النفوس بها مستأنسة، وذلك مثلما يستدل
(7/446)

العامي على معرفة أن له خالقاً، فيعلم عند تأمل نفسه أنه جسم مجموع مفعول مصنوع، وهو عاجز في نفسه عن صنع ذاته وصفاته من وجوه.
أيسرها: أن الصانع من شرطه أن يتقدم على المصنوعات، فإذا ثبت ذلك في نفسه، واستقر ذلك في أمثاله من جنسه، واستوى العالم كله عنده في أنه يشاركه في صفات نفسه، اقتضى ذلك إثبات صانع آخر، يخالفهم في استحقاق الجمع لحقيقة الوحدة، ويتحقق فيه شرط السبق إلى غير غاية.
وهذا وأمثاله معروف عند العامة، لا يخفى عليهم، وإن عجزوا في بعضه عن الإفصاح بشرحه، والمأخوذ على المكلف فهمه ومعرفته، على وجه يزول عنه الشك، ويبعد فيه الريب، ويستضيء به العقل، وتثق به النفس.
وهذا سهل لا تقصر العامة عن معرفته، فلهذا قضينا لهم بالإيمان والمعرفة، وهذا جلي واضح.
ولكونه حقاً في نفسه، صحيحاً في معناه، سوى الله في أحكامه بين العالم والعامي، في احكام ذلك العامة، وهي الخطاب بالأمر والنهي، وإقرارهم على حكم القبول في المعقود من الأنكحة والبيوع، وأداء الفرائض
(7/447)

واجتناب المحارم، والغسل والتكفين، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين إلى قبلتهم، والتوارث منهم، وذلك يوجب لهم القضاء بالإيمان والمعرفة) .
قال: (واحتج المخالف بأن حقيقة المعرفة هو العلم بالشيء، أو العلم بالمعلوم، وإنما يكون ذلك إذا وصل صاحبه إلى اليقين فيه، وإذا لم يكن قادراً على بصيرة دليل يكشفه، ولا على دفع شبهة يحلها، لم يكن على يقين فيما علمه، لأنه قد يعترض عليه، فيما عنده شك، ما يوجب نقلته عما كان عليه، أو يعرض له من الشكوك، ما يزيل الثقة بما عنده.
ومن هو على هذه الصفة فهو ناقص المعرفة، وتجويز النقصان في هذا يوجب أنه لم يتعلق بما مثله يصلح أن يكون كافياً في مقصوده، شافياً في مراده، وإلا فحقيقة المعرفة لا تدخلها التجزئة، فيثبت منها بعض دون بعض.
فبان بهذا أن كل من كان في عداد العامة، فهو غير عارف على الحقيقة، ومن ليس بعارف لم يثبت له تسمية ما يستحقه أهل المعرفة من ذلك) .
قال: (والجواب أن ما أسلفناه في أول المسألة، هو جواب عما
(7/448)

ذكروه، وهو أنه إذا أضاف ما علمه إلى دليل مثله لا يفسد، وقد استحكمت ثقة المعترف به في مدة حياته، لا يعتريه فساد، ولا يدخله نقص، واتفق على ذلك من يساويه في معرفته، ومن يزيد عليه في مقام العلم والاجتهاد، فقد استحكمت ثقته به من وجهين: أحدهما: علمه وتجربته.
والثاني: اتفاق أهل الملة على صحته.
ومثل هذا لا يعارضه شك يخرج المتمسك به عن الثقة، فإنه قد ثبت عند العامة عموماً، لا يختلف فيه أحد منهم، أن كل جسم مبني مجموع محدث، كان بعد أن لم يكن، ويتوهم نقضه، كما يتحقق بناؤه، وإن كان كل واحد منهم ليس بفاعل نفسه، ولا فعله مثله، ويتحقق أن من شرط الفاعل أن يكون سابقاً على المفعول، فإذا تساوت الأجسام في هذا، دل على أن الفاعل لها غيرها، وهو من لا يشاركها فيما أوجب بها العجز، وهذا جلي واضح لا يمكن دفعه، ولا تقابله شبهة تؤثر فيما استقر عند العالم به.
وهذا كاف لا يقصر عنه عامي، ولا يقدر على الزيادة فيه عالم، إلا بتحسين العبارة فيه، أو حذف مواد الشبهة عنه.
وهذا أمر زائد على مقدار فهمه، والثقة بصحته، ولهذا كان من فرائض الكفايات) .
(7/449)

تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: إن جمهور العامة لا يعرف هذا الدليل، بل ولا يعرف مسمى الجسم في اصطلاح المستدلين به، ولا يعرف أن الهواء يسمى جسماً، بل أكثر الناظرين في العلم، من أهل الفلسفة والكلام، والفقه والحديث والتصوف، لم يعرفوا صحة هذا الدليل، بل قالوا: إن باطل.
والسلف والأئمة جعلوا هذا من الكلام المبتدع الباطل، ولم يدع أحد من الأنبياء وأتباعهم أحداً إلى الاستدلال على معرفة الله بهذا الطريق، وإنما ابتدعه في الإسلام، من كان مبتدعاً في الإسلام، من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.
ولكن الذي يعرفه العامة، والخاصة، إن كل واحد من الآدميين محدث، كان بعد أن لم يكن، وأنه ليس بفاعل نفسه.
ولم يفعله مثله.
ولهذا استدل سبحانه بذلك، في قوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} .
وكذلك يعلمون حدوث ما يشهدون حدوثه، ويعلمون أنواعاً من الادلة غير هذا.

تابع كلام ابن الزاغوني
قال أبو الحسن بن الزاغوني: (وأما قولهم: إنه قد يعترض عليه من الشبهة ما يوجب تفلته، ويرفع ثقته، فليس كذلك، من وجهين: أحدهما: أن خيالات الشبه لا تكافي فيما ذكرنا، فما يقصر من الشبه
(7/450)

فتقصيره يظهر سريعاً.
والنثاني: أنه إذا طرأ على العامي شبهة، فإنه لا يزال يسأل عنها، ويبالغ في التفتيش والتنقير، حتى يخبره العلماء الربانيون في ذلك بما تقوى به ثقته) .
قال: (وأما قولهم: إن المعرفة ناقصة في حقه، فإن أردتم أنها ناقصة من حيث إنه لا يصل إلى مطلوب المسألة، فهذا محال، لا فهذا مما لا يدخله نقص، وذلك لأن الإنسان: إما عارف بالمسألة، أو غير عارف، ولا واسطة بينهما وإن أردتم بالنقص من طريق العدد في المسائل أو في الدلائل فصحيح، غير أنه يفصل به بين علم الأعيان وعلم الكفاية، وذلك غير قادح في ثبوت المسألة بدليلها الذي لا غنى عنه ولا زيادة عليه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذا مبني على أن المعرفة بالله تعالى لا تتفاضل، وأن الشيء لا يكون معلوماً من وجه، مجهولاً من وجه.
وهذا أحد القولين للناس في هذه المسألة، وهو قول طائفة من أهل الحديث والفقهاء، من أصحاب أحمد وغيرهم، وقول كثير منهم من أصحاب الأشعري، أو أكثرهم، وهو قول جهم بن صفوان وكثير من المرجئة.
لكن جمهور الناس على خلاف هذا.
وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد في روايتين.
وهذا يشبه تنازع الناس في العقل: هل
(7/451)

يتفاضل؟ فمذهب الجمهور أنه يتفاضل، وهو قول أكثر أصحاب أحمد، وغيرهم من العلماء، كـ التميمي، والقاضي، وأبي الخطاب، وغيرهم من العلماء.
وقالت طائفة: لا يتفاضل.
وهو قول أكثر أصحاب الأشعري، وابن عقيل، وغيرهم.
وهو يشبه تنازعهم في أن بعض الواجبات: هل تكون أوجب من بعض؟ فـ ابن عقيل وغيره ينكرون التفاضل في هذا.
وجمهور الفقهاء يجوزون التفاضل في هذا.
والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن الذين يقولون بوجوب النظر والاستدلال على الأعيان، أو يقولون: إن الإيمان لا يصح إلا به، لأن المعرفة واجبة، والمعرفة لا تتم إلا به، فقول جمهورهم: إن المراد بذلك هو العلم الذي يقوم بالقلب، لا العبارة عنه، ولا يوجبون نظم الدليل بالعبارة، ولا القدرة على جواب المعارض، ويقولون: إن العلم بالدليل أمر متيسر على العامة، وإن العامة المؤمنين قد حصل لهم في قلوبهم النظر والاستدلال المفضي إلى العلم، وإن لم يكونوا قادرين على نظم الدليل وبيانه بالعبارة.
وهذا موجود في عامة ما يقوم بالنفس من علم، وحب وبغض،
(7/452)

ولذة وألم، وغير ذلك، يكون ذلك موجوداً في النفس، يعلم به الإنسان، ولكن وصف ذلك وبيانه، والتعبير عنه، شيء آخر.
وليس كل من علم شيئاً أمكنه أن يصفه، ولهذا يسمى مثل هذا متكلماً.
ومعلوم أن العلم ليس هو الكلام.
ولهذا يقال: العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة الله على عباده.
وقد روي ذلك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وقد قيل: إنه من كلام الحسن، وهو أقرب.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سائلوه.
وسيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل فقهاؤه، قليل معطوه، كثير سائلوه.
فالفقيه الذي تفقه قلبه، غير الخطيب الذي يخطب بلسانه، وقد يحصل للقلب من الفقه والعلم أمور عظيمة، ولا يكون صاحبه مخاطباً
(7/453)

بذلك لغيره، وقد يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب وأحوالها، وهو عار عن ذلك، فارغ منه.
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة: طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة: طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: طعمها مر ولا ريح لها» .
فبين صلى الله عليه وسلم إن الإنسان قد يقرأ القرآن فيتكلم بكلام الله وهو منافق، ليس في قلبه إيمان، وآخر يكون مؤمناً قلبه، فيه من معرفة الله تعالى وتوحيده، ومحبته وخشيته، ما هو من أعظم الأمور، وهو لا يتكلم بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى.
ولهذا قال جندب بن عبد الله، وابن عمر، وغيرهما: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيماناً.
وأنتم تتعلمون القرآن، ثم تتعلمون الإيمان.
(7/454)

وقد قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} .
وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» .
فأخبر انه أنزل الإيمان في القلوب.
وقد تقدم قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} .
وهذا مثل ضربه الله لما أنزله في القلوب من الإيمان والقرآن، وشبه القلوب بالأودية، وشبه ما يخالط القلوب من الشهوات والشبهات بالزبد الذي
(7/455)

يذهب جفاء، يجفوه القلب ويدفعه، وشبه ما يبقى في الأرض من الماء النافع بما يبقى في القلوب من الإيمان النافع.
وتقدم أيضاً حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء، فشرب الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان: لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .
فقسم صلى الله عليه وسلم الناس فيما بعث به من الهدى والعلم، الذي شبهه بالغيث، إلى ثلاثة أقسام: فقسم قبلوه فانتفعوا به في نفوسهم علماً وعملاً.
وقسم حفظوه وأوده إلى غيرهم.
وقسم ثالث لا هذا ولا هذا.
وقوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} نظير قوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} .
(7/456)

ففي هاتين الايتين بين سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل، لا بمجرد العقل الذي كان حاصلاً قبل الوحي.
والناس متنازعون في المعرفة: هل حصلت بالشرع، أو بالعقل؟ وهل وجبت بهذا أو بهذا؟
والنزاع في هاتين المسألتين موجود بين عامة الطوائف، من اصحاب أحمد وغيره.
فإن الناس لهم في العقل: هل يعلم به حسن الأشياء وقبحها؟ والوجوب والتحريم، قولان مشهوران: أحدهما: أنه لا يعلم به ذلك، وهو قول الأشعري وأصحابه، وابن حامد، والقاضي أبي يعلى، والقاضي يعقوب، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغيرهم من أصحاب أحمد وكثير من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما.
والثاني: أنه يعلم به ذلك.
وهذا قول المعتزلة والكرامية وغيرهم.
وهو قول أبي الحسن التميمي، وأبي الخطاب، وغيرهما من أصحاب أحمد.
وذكر أبو الخطاب أنه قول جمهور العلماء، وهو قول كثير من أئمة الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، كـ أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأبي نصر السجزي.
وقول كثير من أصحاب مالك والشافعي، وهو الذي ذكره أصحاب أبي حنيفة، وذكروه عن أبي حنيفة نفسه.
وقد بسط الكلام على هذه المسألة، وما فيها من التفصيل، في غير هذا الموضع.
وكذلك المعرفة: هل تحصل بالعقل أو بالشرع؟.
فيها
(7/457)

نزاع بين العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم من العلماء.
وحقيقة المسألة: أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل، ومنها ما لا يعرف إلا بالشرع.
فالإقرار الفطري: كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار، قد يحصل بالعقل، كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} .
وأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} فلا يحصل إلا بالوحي، كما في قوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} .
ومما يتعلق بهذه المسألة الكلام فيما يلهمه الله تعالى المؤمنين من الإيمان، كقوله تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} .
وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} ، وقوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} .
وقوله: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} إلى قوله: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} .
(7/458)

وقوله: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} .
وقوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وقوله: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} .
وأمثال ذلك مما يبين أن ما يحصل في القلوب من الهدى والنور الإيمان هو من الله تعالى بفضله ورحمته.
وهذا يتعلق بمسألة القدر.
ولما كانت المعتزلة قدرية تنكر أن يكون الله تعالى خالقاً لأفعال العباد، ويقولون: إن ما يحصل للعبد من الإيمان، لم يحصل من الله تعالى، بل قد أعطى الكافر من أسباب الإيمان مثل ما أعطى المؤمن، وليس له نعمة على المؤمن، أعظم من نعمته على الكافر، ولكن نفس القدرة التي بها آمن هذا بها كفر هذا، وكل منهما رجح أحد مقدوريه بلا سبب يوجب الترجيح، لأن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح.
وأما من قال منهم بقول أبي الحسين: إن الفعل لا يحصل مع القدرة إلا بالداعي، وإن الله يخلق الداعي، وأنه يجب وجود المقدور عند وجودهما، فهذا موافق لأهل السنة في المعنى، وإن أظهر نزاعهم.
(7/459)

والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض والأجسام وما يتبع ذلك، وصاروا يقولون: إن الإيمان لا يمكن أن يحصل للعبد بدون اكتسابه له، لا يمكن عندهم أن يحصل بعلم ضروري يجعله الله في قلب العبد، ولا بإلهام وهداية منه، يختص بها من يشاء من عباده.
ولهذا خالفهم المثبتون للقدر، كـ الأشعري وغيره، وقالوا: يمكن أن يعلم بالاضطرار ما يعلم بالنظر، فإن هذا عندهم ليس أمراً لازماً، لكنه بحسب العادة.
والمعتزلة يقولون: إن الإيمان إذا كان موهبة من الله تعالى لعبد، وتفضلاً منه عليه، لم يستحق العبد الثواب.
وأهل السنة يقولون: هو محسن إلى العبد متفضل عليه، بأن أرسل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن جعل له السمع والبصر الفؤاد الذي يعقل به، وأن هداه للإيمان، وأن أماته عليه، فكل هذا إحسان منه إلى المؤمن وتفضل عليه، وإن كان هو قد كتب على نفسه الرحمة، وكان حقاً عليه نصر المؤمن، وحق العباد عليه إذا وحدوه ألا يعذبهم، فذاك حق أوجبه بنفسه، بكلماته التامات وبما تستحقه نفسه المقدسة من حقائق الأسماء والصفات، لا أن شيئاً من المخلوقات أوجب عليه شيئاً، أو حرم عليه شيئاً
(7/460)

والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر.
فلما صار من أخذ ما أخذه من الكلام المحدث عنهم، كـ الأشعري ومن سلك سبيله من أصحاب أحمد ومالك والشافعي، يسلكون مسلكهم في مسألة إيجاب النظر، وأن الإيمان لا يحصل إلا به، قال أبو جعفر السمناني، أحد أئمة الأشعرية: (هذه المسألة بقية بقيت في المذهب من الأعتزال لمن اعتقدها، وذلك لكون الأشعري كان معتزلاً تلميذاً لأبي علي الجبائي، ثم رجع عن ذلك إلى مذهب ابن كلاب وأمثاله من الصفاتية المثبتين للقدر، والقائلين بأن أهل الكبائر لا يخلدون، ونحو ذلك من الأصول التي فارق بها المعتزلة للجماعة.
وأصل الكلام المحدث، المخالف للكتاب والسنة، المذموم عند السلف والأئمة، كان أئمة الجهمية والمعتزلة وأمثالهم، والمعتزلة قدرية جهمية، وجهم وأتباعه جهمية مجبرة، ثم الأشعري كان منهم، ولما فارقهم وكشف فضائحهم، وبين تناقضهم، وسلك مسالك أبي محمد بن كلاب وأمثاله، ناقضهم غاية المناقضة في مسائل القدر والوعيد والأسماء والأحكام، كما ناقضهم في ذلك الجهمية والضرارية والنجارية ونحوهم.
(7/461)

وكان الأشعري أعظم مباينة لهم في ذلك من الضرارية، حتى مال إلى قول جهم في ذلك، لكنه كان عنده من الانتساب إلى السنة والحديث وأئمة السنة، كـ الإمام أحمد وغيره.
ونصر ما ظهر من أقوال هؤلاء، ما ليس عن أولئك الطوائف.
ولهذا كان هو وأمثاله يعدون من متكلمة أهل الحديث، وكانوا هم خير هذه الطوائف، وأقربها إلى الكتاب والسنة، ولكن خبرته بالحديث والسنة كانت مجملة، وخبرته بالكلام كانت مفصلة، فلهذا بقي عليه بقايا من أصول المعتزلة، ودخل معه في تلك البقايا وغيرها طوائف من المنتسبين إلى السنة والحديث، من أتباع الأئمة من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.
وعامة هؤلاء يقولون الأقوال المتناقضة، ويقولون القول ولا يلتزمون لوازمه.
ومن أسباب ذلك أنهم يقولون القول المأثور عن الصحابة والسلف، الموافق للكتاب والسنة، ولصريح المعقول، ويسلكون في الرد على بعض الكفار، أو بعض أهل البدع، مسلكاً سلكته المعتزلة ونحوهم، وذلك المسلك لا يوافق أصول أهل السنة، فيحتاجون إلى التزام لوازم ذلك المسلك المعتزلي، وإلى القول
(7/462)

بموجب نصوص الكتاب والسنة، والمعقول الموافق لذلك، فيحصل التعارض والتناقض.
وهكذا المعتزلة ردوا على كثير من الكفار رداً بطرق سلكوها، متى التزموا لوازمها عارضت حقاً آخر معلوماً بالشرع أو العقل.
ومن تدبر هذه الأبواب رأى عجائب، وما ثم ما يثبت على السبر والتقسيم ويسلم عن التناقض، إلا ما جاء من عند الله.
كما قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} .
وكثير من هذه الطوائف يتعصب على غيره، ويرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع المعترض في عينه، ويذكر من تناقض أقوال غيره، ومخالفتها للنصوص والمعقول، ما يكون له من الأقوال في ذلك الباب ما هو من جنس تلك الأقوال، أو أضعف منها، أو أقوى منها.
والله تعالى يأمر بالعلم والعدل ويذم الجهل والظلم.
كما قال تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} .
(7/463)

وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فرجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار» .
رواه أهل السنن.
ومعلوم أن الحكم بين الناس في عقائدهم وأقوالهم أعظم من الحكم بينهم في مبايعهم وأموالهم.
وقد قال تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} .
(7/464)