Advertisement

درء تعارض العقل والنقل 008

وقد رأيت من كلام الناس في هذا الباب وغيره ألواناً لا يسعها هذا الموضع، وكثير من نزاع الناس يكون نزاعاً لفظياً، أو نزاع تنوع، لا نزاع تناقض.
فالأول مثل أن يكون معنى اللفظ الذي يقوله هذا، هو معنى اللفظ الذي لا يقوله هذا، وإن اختلف اللفظان، فيتنازعان، لكون معنى اللفظ في اصطلاح أحدهما، غير معنى اللفظ في اصطلاح الآخر، وهذا كثير.
والثاني أن يكون هذا يقول نوعاً من العلم والدليل صحيحاً، ويقول الآخر نوعاً صحيحاً.
وكثير من نزاع الناس في هذا الموضع من هذا الباب، وكثير منه نزاع في المعنى، والنزاع المعنوي: إما أن يكون في ثبوت شيء وانتفائه، وإما أن يكون في وجوب شيء وسقوطه.
فالنزاع في صحة دليل الأعراض ونحوه نزاع معنوي، وكذلك النزاع في وجوب الاستدلال بهذا الدليل على الإيمان، أو توقف صحة الإيمان عليه، ونحو ذلك.
ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة، مأخوذ في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟ صار كثير من المنتسبين إلى
(8/3)

السنة، المخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم، يوافقونهم على ذلك.
ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم، كـ مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وصنف كتاباً في هذا الباب يقول فيه: (قال أصحابنا) و (اختلف أصحابنا) فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام فإن أصحابه الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام، إنما بينهم وبين أصحابه المشاركين له في ذلك الكلام عموم وخصوص، فقد يكون الرجل من هؤلاء دون هؤلاء وبالعكس، وقد يجتمع فيه الوصفان.
وهذا موجود كثيراً في أتباع جميع الأئمة، فتجد الواحد، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يقول: اختلف أصحابنا في أول الواجبات، ونحو ذلك، ولا يصح كلامه إلا على هذا الوجه.

كلام أبي الفرج المقدسي
كما يقول أبو الفرج المقدسي الحنبلي في تبرصته فإنه قال:
(8/4)

(فصل) : في أول ما أوجب الله على العبد المكلف، وفي ذلك وجهان لأصحابنا: أحدهما: أن أول ما أوجب الله على العبد معرفته، والثاني: أن أول ما أوجب الله على العبد النظر والاستدلال، المؤديان إلى معرفة الله تعالى) .
قال: (وقال قوم: أول ما أو جب الله على العبد الطهارة والصلاة وغير ذلك) .
ثم قال: (دليلنا أن معرفة الله يجب أن تتقدم على عبادته، لأنه لا يجوز للمكلف ان يعبد ما لا يعرف وإذا ثبت هذا، وجب تقدم المعرفة على العبادة) .
قال: (وإلى ذلك دعانا الباري بقوله تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم} وقال: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} .
قال: (ولم يندبنا إلى النظر والتفكر إلا لكي نستدل على معرفته) .
قال: (دليل ثان: أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أرسل به إلى الأمة التوحيد، ومعرفة الله تعالى بالوحدانية ونفى الإليهة عما سواه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس
(8/5)

حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» .
ثم فرض عليهم بعد ذلك الفرائض، فدل على ما قلناه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة ومعلوم أن الأئمة الأربعة ما قالوا لا هذا القول، ولا هذا القول، وإنما قال ذلك من أتباعهم من سلك السبل المتقدمة.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع أحداً من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه.
كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» .
(8/6)

وكذلك سائر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقه لهذا، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» .
وفي حديث ابن عمر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» .
وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلاً، أو مشركاً، أو كتابياً، وبذلك يصير الكافر مسلماً، ولا يصير مسلماً بدون ذلك.
كما قال أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح يعقل - أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتداً، يجب عليه ما يجب على المرتد.
لكن تنازعوا فيما إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله: هل يتضمن ذلك الشهادة بالتوحيد أو لا يتضمن؟ أو يفرق بين من يكون
(8/7)

مقراً بالتوحيد ومن لا يكون مقراً، على ثلاثة أقوال معروفة من مذهب أحمد وغيره من الفقهاء.
ولهذا قال غير واحد ممن تكلم في أول الواجبات، كالشيخ عبد القادر وغيره: أول واجب على الداخل في ديننا هو الشهادتان.
واتفق المسلمون على أن الصبي إذا بلغ مسلماً، لم يجب عليه عقب بلوغه تجديد الشهادتين.
والقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما في الأمر بالنظر لبعض الناس، وهذا موافق لقول من يقول: إنه واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به، بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجباً إلا به.
وهذا أصح الأقوال.
فقوله تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} وهذا بعد قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} .
(8/8)

ثم قال تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم} فالضمير عائد إلى الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون.
وقوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين * أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} .
فهذا مذكور بعد قوله: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين} .
ثم قال: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم} ، فالضمير عائد إلى المكذبين، فإنه قال تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} ثم قال تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} فقول هؤلاء، كأبي المعالي وغيره: (أول ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم) هو في الأصل من
(8/9)

كلام المعتزلة، وهو كلام مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين، ولما تواتر عن سيد المرسلين، بل لما علم بالاضطرار من دينه.
وإذا قدر أن أول الواجبات هو النظر، أو المعرفة، أو الشهادتان، أو ماقيل، فهذا لا يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ، إلا إذا لم يكن قد فعله قبل البلوغ، فأما من فعل ذلك قبل البلوغ فإنه لا يجب عليه فعله مرة ثانية، لا سيما إذا كان النظر مستلزماً للشك، المنافي لما حصل له من المعرفة والإيمان، فيكون التقدير: اكفر ثم آمن، واجهل ثم أعرف، وهذا كما أنه محرم في الشرع، فهوممتنع في العقل، فإن تكليف العالم الجهل من باب تكليف ما لا يقدر عليه، فإن الجاهل يمكن أن يصير عالماً، فإذا أمر بتحصيل العلم كان ممكناً، أما العالم فلا يقدر أن يصير جاهلاً، كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه، فمن كان الله قد أنعم عليه وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه، فحصل له الإيمان المتضمن للمعرفة، لم يمكن أن يؤمر بما يناقض المعرفة، من نظر ينافي المعرفة، أو شك أو نحو ذلك، بل الأمر لمن حصل له علم ومعرفة أن يقدم ذلك ثم يحصله، مثل تكليف من حصل له قصد الصلاة ونيتها، بأن يقدم ذلك ثم تحصل النية.
(8/10)

وهذا مع أنه من باب الجهل والسفه والضلال، فهو من باب تكليف العباد ما يعجزون عنه، ولهذا يقال: الوسوسة لا تكون إلا من خبل في العقل أو جهل بالشرع.
وقد اتفق الفقهاء على أن الصبي إذا تطهر قبل البلوغ لم يجب عليه إعادة الوضوء إذا بلغ، وكذلك لوكان عليه ديون فقضاها، أو قضاها وليه، لم يجب عليه إعادة القضاء بعد البلوغ، بل لو صلى الفرض في أول الوقت ثم بلغ، ففي إعادة الصلاة عليه نزاع معروف بين العلماء، ومذهب الشافعي لا تجب الإعادة، وهو قول في مذهب أحمد.
ومن الناس من يضعف هذا القول، ولعله أقوى من غيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً من الصبيان بإعادة الصلاة، مع العلم بأن كثيراً منهم يحتلم بالليل.
وقد صلى العشاء مع بقاء وقتها.
والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ.
والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله، لكن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمناً، بل ولا يصير مؤمناً بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يصير مؤمناً
(8/11)

بذلك حتى يشهد أن محمداً رسول الله، ثم كون ما يجب من العرفة لا يحصل إلا بالنظر، أو يمكن حصوله بدونه؟ وهل أصل المعرفة فطرية ضرورية أو نظرية؟ أو يحصل بهذا تارة ولهذا تارة؟ والنظر المحصل لها: هل يتعين في طريق معين أو لا يتعين؟ هذه مسائل أخر.
ومما يتعلق بهذا تنازعهم في المعرفة الواجبة: هل تحصل بالعقل أو بالشرع؟ وكثير من النزاع في ذلك لفظي، وبعضه معنوي.
فمن ادعى أن المعرفة لا تحصل إلا بطريقة الأعراض والتركيب ونحو ذلك من الطرق المبتدعة، التي للمعتزلة والمتفلسفة ومن وافقهم.
كان النزاع معه معنوياً.
ونحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول وسلف الأمة بطلان قول هؤلاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً بهذه الطرق، ولا علق إيمانه، ومعرفته بالله بهذه الطرق، بل القرآن وصف بالعلم والإيمان من لم يسلك هذه الطرق.
ولم ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها، أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ووسموا هؤلاء بالبدعة والضلالة.
ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر، لا يمشي على
(8/12)

قول من يقول: لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور، وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أوسبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك.
وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين، وإن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة.
وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة.
فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا، أو إذا ميزوا.
كما «قال صلى الله عليه وسلم: مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» .
ولهذا قال الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما: يجب على كافل الصبي أن يأمره بالطهارة والصلاة لسبع.
ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد شهادتين، ولا نظر ولا استدلال، ونحو ذلك.
ولا يؤمر بذلك بعد البلوغ، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجباً باتفاق المسلمين، ووجوب ذلك، يسبق وجوب الصلاة، لكن هو قد أدى هذا الواجب قبل ذلك: إما بلفظه وإما بمعناه، فإن نفس الإسلام والدخول فيه إلتزام لذلك.
(8/13)

وهنا مسائل تكلم الفقهاء فيها، فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام.
فإن قال هؤلاء: يعني بكونه أول الواجبات: أنه أول العبد من الواجبات؟ قيل: قد يؤدي قبل ذلك واجبات: من قضاء الديون، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، والعدل وغير ذلك.
فإن قيل: لكن هذا أول واجب يتعلق به الثواب في الآخرة، بخلاف ما أدي بدونه، فإنه لا ثواب فيه في الآخرة؟.
قيل: مع قولنا بأنه لا وجوب ولا ثواب في الآخرة إلا بالشرع، فلا يثاب لا على هذا وعلى هذا قبل مجيء الشرع، ولا يجب لا هذا ولا هذا إلا بالشرع، وإذا خاطبه الشارع الناس، فإنما يأمر العبد ابتداءً لما لم يؤده من الواجبات دون ما أداه.
فلم يخاطب المشركين ابتداءً بالمعرفة إذ كانوا مقرين بالصانع، وإنما أمرهم بالشهادتين، ولو لم يكونوا مقرين بالصانع، فإنه لم يأمرهم بإقرار مجرد عن الشهادتين، بل أمرهم بالشهادتين ابتداءً.
والشهادتان تتضمن المعرفة،
(8/14)

فلو أقروا بالصانع وعرفوه من غير إقرار بالشهادتين لم يقبل ذلك منهم، ولم يخرجوا بذلك من الكفر، ولم يرتب خطابهم بذلك شيئاً بعد شيء، بل خاطبهم بالجميع ابتداءً.
وهنا تكلم الناس في وجوب إمهال الكافر إذا طلب الإمهال للنظر، فأوجبه من أوجبه من المتكلمين من المعتزلة، ومن تبعهم على هذه الطريقة، كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى في المعتمد وغيرهما.
وأما الفقهاء أئمة الدين فلا يوجبون ذلك مطلقاً.
أما في حال المقاتلة فيقاتلون حتى يسلموا أو يقروا بالجزية، إن كانوا من أهلها، فإذا أسر الرجل منهم فهذا لا يتعين قتله.
فإذا طلب مثل هذا الإمهال ورجى إسلامه أمهل.
وأما المرتد فلا يؤخر عند الجماهير أكثر من ثلاث.
وأما من له عهد، فذلك لا يكره على الإسلام، فهو في مهلة النظر دائماً.
ولوطلب أهل دار ممتنعين من الإمام أن يمهلهم مدةً، ورجا بذلك إسلامهم، ولم يخف مفسدة راجحةً، أمهلهم.
والحربي إذا طلب الأمان حتى يسمع القرآن، وينظر في دلائل الإسلام، أمناه.
كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} .
وأما من قال بالوجوب العقلي، كما هو قول المعتزلة والكرامية، ومن
(8/15)

وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فهؤلاء هم الذين قالوا ابتداء: أول ما يجب المعرفة أو النظر المؤدي إليها.
لكن أخد كلامهم من أراد أن يبنية على أصوله من الأشعرية ونحوهم، فتناقض كلامه.
ومن قال بالوجوب العقلي إذا قال: أول الواجبات المعرفة كان ذلك أقرب، ثم له أن يقول: الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أوجب الشهادتين ابتداء فقد ضم إلى الواجب العقلي ما يجب بالشرع، وجعل أحدهما شرطاً في الآخر، فلا يقبل لأحدهما دون الآخر، ومن أدى هذا الواجب أو بعضه لم يخاطبه إلا بفعل ما لم يؤده.
وعلى هذا فيكون خطاب الشارع للناس بحسب أحوالهم.
وأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً ما لا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أول الواجبات الشرعية التي يؤمر بها.
وأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهراً، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها.
وفي الجملة فينبغي أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحداً بعد واحد، ليس هو أمراً يستوي فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد
(8/16)

يؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا.
فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة، فهم مختلفون فيما يؤمرون به ابتداءً من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة، ونحو ذلك من واجباتها، أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداءً، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة، هو أول ما يؤمر به هذا.
وهكذا الواجبات العقلية: إذا قيل بالوجوب العقلي يتنوع الناس في ترتيبها.
فهذا يؤمر بقضاء ما عليه من الديون، وهذا يؤمر برد ما عنده من الودائع، وهذا يؤمر بالعدل في حكمه والصدق في شهادته، وأمثال ذلك.
وكما أنهم متنوعون في ترتيب الوجوب فهم متنوعون في ترتيب الحصول علماً وعملاً.

كلام أبي الحسين البصري عن العلم
وقد سلك طائفة من أهل الكلام، من المعتزلة ومن وافقهم، ترتيباً معيناً في العلم الواجب على كل مكلف، وزعموا أنه لايمكن حصول المعرفة لأحد إلا على ذلك الترتيب الخاص، كما ذكرناه من كلام أبي الحسين البصري وأمثاله، حيث قالوا: (ليس يثق أحد بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم، ولا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم، وليس تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح، لكي يؤمن أن يصدق الكذابين، وليس يعلم أنه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف أنه عالم بقبحه،
(8/17)

عالم باستغنائه عنه، ولا يعرف غناه إلا بعد أن يعلم بأنه غير جسم، ولا يعرف أنه غير جسم إلا إذا عرف أنه قديم، ولا يعلم أنه قديم، ولا يعلم أنه عالم بكل قبيح إلا إذا علم أنه عالم بكل شيء، ولا يعلم ذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته، ولا يعلم أنه يثبت ويعاقب إلا إذا علم أنه قادر حي، ولا نعرف موصوفاً بهذه الصفات إلا إذا عرفت ذاته، وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة، ولا معروفة باضطرار، ولا طريق إليها إلا أفعاله) .
قال: (فيجب أن يتكلم في هذه الأشياء ليعلم صحة ما جاءت به الرسل) .
ثم إنه تكلم في حدوث الأجسام، وبنى الأمر في ذلك على أن ما لم يسبق الحوادث فهو محدث، وبنى ذلك على أنه إذا كان كل من الحوادث له أول، استحال أن لا يكون له أول، لأنها ليست سوى آحادها، كما يستحيل أن يكون كل واحد من الزنج أسود، ولا يكونوا كلهم سوداً.

تعليق ابن تيمية
فقد جعل الدين كله مبنياً على هذا الترتيب، المبني على هذه المقدمة، التي ينازعه فيها جمهور العقلاء من أهل الملل وغيرهم.
وهذا هي أصول الدين عندهم، وهذا مما يخالفهم فيه جماهير المسلمين، بل جمهور عقلاء العالمين، بل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن
(8/18)

الرسول لم يوجب هذه الطريق ولا دعا إليها، ولا كان إيمان السابقين الأولين موقوفاً عليها.
وعامة ما ذكره من الترتيب ممنوع.
فقوله: لا تحصل المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات ينازعه فيه طوائف كثيرون، بل أكثر الناس.
وقوله: (لا تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح) ينازعه فيه أيضاً طوائف كثيرون.
وقوله: (لا يعلم غناه إلا إذا علم أنه ليس بجسم) ينازعه فيه أيضاً طوائف كثيرون.
وكذلك ما ذكره من قوله: (ولا يعلم ذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته) ومراده نفي الصفات، والقول: بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، ونحو ذلك مما ينازعه فيه طوائف كثيرون.
وقوله: (إنما يعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة ولا معرفة باضطرار) ينازعه فيه طوائف آخرون.
فهذا ترتيب المعتزلة للعلم بالله ورسله.
ولغيرهم من طوائف المتكلمين ترتيب آخر، وفيه من الممانعات والمعارضات من جنس ما في ترتيب هؤلاء.
(8/19)

ونظير هذه التراتيب التي أحدثها أهل الكلام، وادعوا أنه لا يحصل العلم إلا بها، تراتيب ذكرها طوائف من الصوفية المصنفين في أحوال القلوب وأعمالها، لما تكلموا في المقامات والمنازل وترتيبها.
فهذا يذكر عدداً من المنازل والمقامات وترتيباً.
وهذا يذكر عدداً آخر وترتيباً.
ويقول هذا: إن العبد لا ينتقل إلى مقام كذا، حتى يحصل له كذا، وأنه ينتقل إلى كذا بعد كذا، ويقول هذا: عدد المنازل مائة، ويقول الآخر عددها أكثر، وأقل.
ثم هذا يقسم المنازل أقساماً يجعلها الآخر كلها قسماً.
ويذكر هذا أسماء وأحوالاً لا يذكرها الآخر.
وغاية الواحد من هؤلاء أن يكون ما ذكره وصف حاله وحال أمثاله وسلوكهم وترتيب منازلهم، فإذا كان ما قالوه حقاً، فغايته أن يكون وصف سلوك طائفة معينة.
أما كون جميع أولياء الله تعالى لا يسلكون إلا على هذا الوجه المرتب، وهذه الانتقالات، فهذا باطل.
وكذلك أيضاً نظير هذا ما يذكره من المتفلسفة وأهل المنطق في ترتيب العلم وأسباب حصوله، وما يذكرونه، من الحدود والأقيسة، والانتقالات الذهنية، فغاية كلامهم - إذ كان صحيحاً - أن يكون ذلك وصفاً لما تسلكه طائفة معينة.
أما كون جميع بني آدم لا يحصل لهم العلم بمطالبهم إلا بهذه الطرق المعينة، فهذا كلام
(8/20)

باطل.
فحصر هؤلاء لمطلق العلم في ترتيب معين، وحصر هؤلاء العلم بالله وبصدق رسله في ترتيب معين، وحصر هؤلاء للوصول إلى الله في ترتيب معين، كل هذا مع كونه في نفسه مشتملاً على حق وباطل، فالحق منه لا يوجب الحصر، ولكن هو وصف قوم معينين، وطرق العلم والأحوال وأسباب ذلك وترتيبه أوسع من أن تحصر في بعض هذه الطرائق.
ولهذا كانت الرسل صلوات الله عليهم وسلامه يأمرون بالغايات المطلوبة من الإيمان بالله ورسوله وتقواه، ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما أقوى وأنفع.
وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس، يأمرون بالبدايات والأوائل، ويذكرون من ذلك ما هو أضعف وأضر.
فمتبع الأنبياء لا يضل ولا يشقى، ومتبع هؤلاء ضال شقي.
إذ كانت قضايا هؤلاء فيها من الباطل الذي هو كذب وإفك، وإن لم يعلم صاحبه أنه كذب وإفك، بل يظنه صدقاً، ما لا يحصيه إلا الله.
وإذا كان الناس يتنوعون في الوجوب وترتيب الواجبات، ويتنوعون في الحصول وترتيب الحاصلات، لم يمكن أن يجعل ما يخص بعضهم شاملاً لجميعهم، وكثير من الغلط في هذا الباب إنما دخل من هذا الوجه: يصف أحدهم طريق طائفة، ثم يجعله عاماً كلياً، ومن لم يسلكه كان ضالاً عنده، ثم ذلك الطريق إما أن يكون خطأ وإما أن
(8/21)

يكون صواباً.
ولكن ثم طرق أخرى غير ذلك الطريق، فيجيء من سلك غير ذلك الطريق: يبطله بالكلية، ويرد ما فيه من الصواب.
وقد تكلمنا على مسألة تحسين العقل وتقبيحه في غير هذا الموضع، وفصلنا القول فيها.
وبينا منشأ الغلط، فإن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح باعتبار الملائمة والمنافرة قد يعلم بالعقل.
والملائمة تتضمن حصول المحبوب المطلوب المفروح به، والمنافرة تتضمن حصول المكروه المحذور المتأذى به.
وهذا الذي اتفقوا عليه حق، لكن توهموا بعد هذا أن الحسن والقبح الشرعي خارج عن ذلك، وليس الأمر كذلك، بل هو في الحقيقة يعود إلى ذلك.
لكن الشارع عرف بالموجود، وأثبت المفقود.
فتحسينه: إما كشف وبيان، وإما إثبات لأمور في الأفعال والأعيان.
وعلى قول من يجعل الأحكام صفات ثابتة للأفعال وللأعيان فالتحسين الشرعي يتضمن أن الحسن ما حصل به الحمد والثواب، والقبح ما حصل به الذم والعقاب، ومعلوم أن الحمد والثواب ملائم للإنسان، والذم والعقاب مناف للإنسان.
وكذلك توهم من توهم من الطائفتين أن إثبات ذلك في حق الله تعالى ممتنع، لكون هؤلاء المتوهمين لم يفرقوا بين الإرادة، والمحبة،
(8/22)

والرضا، بل جعلوا كل مراد محبوباً مرضياً.
ثم قال هؤلاء: الكفر والفسوق والعصيان ليس محبوباً باتفاق المسلمين، فلا يكون مراداً، فيكون وقوع ذلك بدون إرادته، فيكون في ملكه ما لا يريده، فيكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون.
وقال هؤلاء بل هو مريد لكل حادث، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
والكفر والفسوق والعصيان.
مراد له فيكون محبوباً مرضياً، فيكون محباً راضياً، فيكون محباً راضياً بالكفر والفسوق والعصيان، فهؤلاء سووا بين المأمور والمحظور في أن الجميع محبوب مرضي فلزمهم تعطيل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وإن لم يلتزموه.
وأولئك قالوا: يكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، فلزمهم أن يكون عاجزاً مغلوباً، وإن كانوا لا يكرمون عجزه.
فهؤلاء لم يجعلوا لله الملك، وأولئك لم يجعلوا الحمد، والله تعالى له الملك وله الحمد.
هؤلاء أرادوا إثبات إلهيته، وأنه معبود محمود حكيم عادل، فقصروا في ذلك، ونقصوه موجب ربوبيته، وقدرته ومشيئته.
وهؤلاء أثبتوا موجب ربوبيته، وقدرته ومشيئته، لكنهم نقصوا موجب إلهيته وحكمته، ورحمته وحمده.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
(8/23)

والمقصود هنا التنبيه على منشأ النزاع في الوجوب، كما نبهنا على النزاع في ترتيب الوجوب.
وأما الحصول فكثير من الناس يقول: المعرفة لا تحصل إلا بالعقل، وقد يسرف هؤلاء حتى لا يثبتوا أشياء من صفات الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً إلا بالعقل.
وصرح هؤلاء بأنه لا يستدل بنصوص الرسل على شيء من صفات الله تعالى، لا إثباتاً ولا نفياً.
كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن اتبعهم من متأخري الأشعرية، ويجعلون أصول الدين هي: العقليات المحضة التي لا تعلم بالسمع.
ثم قد يعينون من الطرق العقلية ما هو باطل عقلاً وشرعاً كطريقة الأعراض، وطريقة التركيب وطريقة الاختصاص.
وإلى هذه الثلاث تعود جميع أصول النفاة.
ويقابلهم آخرون فيقولون: المعرفة لا تحصل إلا بالسمع، ولا تحصل بالعقل.
وربما قالوا: إنه لا يمكن حصولها بالعقل.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن الأدلة العقلية والسمعية متلازمة، كل منهم مستلزم صحة الآخر.
فالأدلة العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به، والأدلة السمعية فيها بيان الأداة العقلية التي بها يعرف الله، وتوحيده، وصفاته، وصدق أنبيائه.
ولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي.
والعقليات
(8/24)

لا تتضمن السمعي.
ثم افترقوا فمنهم من رجح السمعيات، وطعن في العقليات، ومنهم من عكس.
وكلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية.
ثم تجد هؤلاء وهؤلاء في أتباع الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.

كلام أبي الفرج صدقة بن الحسين
وكثير من النزاع في ذلك قد يكون لفظياً.
وقد رأيت من ذلك عجائب كطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد سلكوا الطريقة الأولى، ونسبوا من خالفهم في ذلك إلى الجهل والغباوة، حتى أن بعض متأخري أصحاب أحمد، وهو أبو الفرج صدقة ابن الحسين البغدادي صنف مصنفاً سماه محجة الساري في معرفة الباري سلك فيه مسلك ابن عقيل وأمثاله من المتكلمين المنتسبين إلى السنة، مشوب من كلام المعتزلة مع مخالفتهم لهم في شعار مذهبهم، فذكر أنه سئل عن المعرفة بأي طريق تحصل؟ ومن أي طريق تجب؟ وأن يبين اختلاف الناس في ذلك.
وذكر أن الناس تنازعوا في أول واجب على الإنسان بعد سن البلوغ والعقل، هل هو النظر أو المعرفة؟ وأنهم اتفقوا على وجوب المعرفة، واختلفوا في طريقه.
قال: (فذهب أهل الحق والسنة والجماعة إلى أن طريق الوجوب هو السمع والنقل وقالت المعتزلة: طريق الوجوب هو العقل) .
(8/25)

ثم قال: (وهنا مزلة أقدام لبعض أصحابنا الحنابلة.
لأنهم إذا سئلوا مطلقاً عن معرفة الله، وقيل لهم: بم يعرف الله؟ قالوا: بالشرع، من غير فصل بين الوجوب والحصول) .
قال: (وقد نبهتهم على هذا غير مرة، فما هبوا من رقدتهم، ولا انتبهوا من سنتهم) .
ثم ذكر قول الإمامية والباطنية، وأن المعرفة تحصل عندهم بقول الرسول والإمام المعصوم، دون نظر العقل.
وتكلم في مسألة نفي الوجوب العقلي بما ليس هذا موضعه.
وتكلم في طرق المعلومات بالكلام المعروف لأهل هذه الطريقة، وأن منها ما لا يعلم إلا بالعقل، ومنها ما لا يعلم بالسمع، ومنها ما يعلم بهما.
فالذي لا يعلم إلا بالعقل: علمنا بأنه لا بد من موجود قديم، لأن الكل لو كان حادثاً لكان حادثاً بلا سبب.
وهذه المعرفة تتقدم على ورود الرسول، فلا حاجة فيها إلى الرسول.
بل مثاله علمنا بدلالة معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقه.
والذي يعلم بمجرد التعليم من النبي المعصوم مثل علمنا بمقادير العبادات الواجبة، وما يتعلق بالآخرة من الجنة، والنار، وعذاب القبر، والحساب، والميزان، وغير ذلك.
قال: (فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليفصل الشرع،
(8/26)

وليشرح أمر الآخرة.
فأما معرفة افتقار هذا العالم إلى صانع قادر على إرسال الرسل، فهو متقدم على قول الرسول، فكيف يكون مستفاداً من قول الرسول؟ فمعرفة المرسل إذاً تقدم على معرفة الرسول ومعرفة صدقه، فكيف يعرف بقول الرسول؟ قال: وأما مثال ما يدرك بالعقل والسمع جميعاً، فهو كرؤية الله تعالى، وكونه خالقاً لأعمال العباد فهذا مما يعلم بمجرد السمع وبمجرد العقل.
ثم قال: (وأما حجتنا في حصول المعرفة بمجرد العقل فقوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} ، وقال في موضع آخر {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ، وقال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ، فهذا كله دعوة إلى الدلائل العقلية، وهو التأمل في الآيات الدالة على حدوث العالم، وقدم الصانع، من غير شرط، على ما نبنيه من بعد) .
قال: (ولأنه بالعقل يستدل بالشاهد على الغائب، وبالبناء على الباني، وبالكتابة على الكتاب، من غير سماع خطاب) .
(8/27)

قال: (وآثار صنع الباري - عزت قدرته - في الموجودات أكثر وأظهر من كل دليل.
وكل من وقف على آثار صنعته بنور عقله، يقع له العلم بوجود الصانع.
إذ لا يتصور مصنوع بلا صانع، ولا مخلوق بلا خالق) .
قال: (والدليل على أن النظر أول الواجبات هو أن سائر الواجبات من الصلاة والصيام إنما يوجد بعد المعرفة، لأن إنما يصح أن يتقرب إلى الله من يعرفه.
فصارت المعرفة متقدمة على سائر الواجبات، والنظر متقدم على المعرفة، لأنه طريق إليها، وطريق الشيء متقدم عليه، فصح أن النظر متقدم على كل شيء واجب، وهنا التقدم في النظر إنما هو في وجوده لا في وجوبه، وإلا فالواجب الأول هو المعرفة.
يعني: الواجب قصداً) .
قال: (والحاجة التي دعت إلى النظر هو أنه لا طريق إلى المعرفة إلا به.
والدليل على ذلك أن المعرفة إما تكون واقعة مبتدأة، كمعرفة العاقل أن العشرة أكثر من الخمسة، وإما أن تكون واقعةً عن طريق، كمعرفتنا بالمدركات إذا أدركناها بحواسنا الخمس، وكمعرفتنا بما غاب عنا إذا أخبرنا به خلق عظيم شاهدوه، نحو معرفتنا
(8/28)

بمكة من جهة الخبر، وإما أن تكون بالاستدلال، كاستدلالنا بالبناء على الباني) .
قال: (ومعلوم أن معرفة الله تعالى لا تجري مجرى معرفتنا بأن العشرة أكثر من الخمسة، لأنه لو جرت هذا المجرى لاستغنينا عن الاستدلال عليه، كما نستغني عن الاستدلال على أن العشرة أكثر من الخمسة.
ومعلوم أن نفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال على الله تعالى، ولا يجوز أن تكون معرفتنا بالله تعالى لإدراك الحواس، لأنه لا يجوز أن يدرك بشيء منها في الدنيا، ولا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر، لأن الخبر إنما يفضي إلى المعرفة إذا أخبر به خلق كثير عن مشاهدة، وليس أحد يخبرنا بالله عن مشاهدة.
ولا يجوز أن تكون معرفته بطريق الإلهام، كما زعمت طائفة من الصوفية وبعض الشيعة، لأن الإلهام هو تخايل يقع في القلب، قد يكون ذلك من الله وقد يكون من وسوسة الشيطان، وليس على أحدهما دليل يدل عليه، ولأن من يدعي الإلهام يمكن خصمه أن يدعي خلافه.
فإنه إذا قال: ألهمت بكذا.
فيقول خصمه: وأنا ألهمت بكذا.
فكان العمل به عملاً بلا دليل.
ألا ترى أن صاحب الشرع أمرنا بالاجتهاد عند
(8/29)

فقد النصوص؟ هو عمل بدلالة النصوص، كما روي في حديث معاذ) .
قال: (ولا يلزم على هذا التحري في الأواني وغيرها في الشرع، فإنه عمل بشهادة القلب، لأنه هناك ليس ثم دليل سواه.
وذلك ليس من قبل ما ذكرنا، لأن الإلهام لا يصلح حجة لإلزام الحكم على الغير، وكذلك التحري أيضاً لا يصلح للإلزام على غيره، وإنما اعتبر لجواز العمل في حق نفسه عند عدم سائر الأدلة.
أما المشروعات فلا يتصور أن تنفك عن نوع دليل: إما الكتاب، أو السنة، أو إجماع، أو قياس، فلا ضرورة في العمل بغير حجة ودليل.
فإذا بطلت هذه الأقسام كلها ثبت أنه لا طريق إلى معرفة الله إلا بالنظر) .
(8/30)

قال: (فإن قيل: بماذا تعلمون أن في العقول حجة ودليلاً؟ قيل: بأن تبين في كل مسألة تبييناً عقلياً يفضي النظر فيه إلى العلم.
فإن قيل لم قلتم إن معرفة الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل؟ قيل: الدلالة على ذلك: أن الكتاب إنما يصح أن يستدل به إذا علم أنه كلام الله الحكيم.
فيجب تقدم العلم بالله وحكمته وبأن هذا كلامه، وإنما لم يصح الاستدلال عليه بالسنة، لأنه إنما يصح الاستدلال بها إذا ثبت أنها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم، فيجب تقدم العلم بالله وحكمته، وأن هذا الرسول رسوله.
وإنما لم يصح الاستدلال بالإجماع على الله، لأنه إنما يصح الاستدلال بالإجماع بعد أن يعلم أن الله ورسوله قد شهدا بأنه حجة، فيجب تقدم العلم بالله، فصح أن العلم بالله لا يستفاد بغير حجة العقل) .
قال: (فإن قيل فما الدليل الذي يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى؟ قيل: نفسك وسائر ما تشاهدوه من الأجسام.
فوجه دلالة
(8/31)

الإنسان من نفسه على الله تعالى أنه قد كان نطفة، ثم تقلبت به الأحوال إلى أن انتهى إلى حال الكمال، فلا بد لهذا التنقل والتغير من مغير.
ولم يكن التغير في وقت أولى من وقت.
فلا يخلو ذلك المغير إما أن يكون قد اقتضى تغيرها على سبيل الإيجاب من غير اختيار بالطبع أو القالب، أو يكون اقتضى تغيرها على سبيل الاختبار وهو الفاعل.
ولا يخلو ذلك الفاعل إما أن يكون هو الإنسان أو غيره.
وإن كان غيره فلا يخلو إما أن يكون من جنسه أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه فإما أن يكون أبويه أو غيرهما.
فإن كان من غير جنسه فهو قولنا.
وسنبطل سائر الأقسام، ونثبت هذا الأخير.
أما أنه لا يجوز أن يكون الإنسان قد تشكل لأجل أن الرحم على شكل القالب، فلأن الكلام فيمن شكل ذلك القالب، كالكلام فيمن شكل الإنسان، ولأن القالب يقتضي تشكيل ظاهر ما يلقى فيه.
فما الذي اقتضى تشكيل باطن الإنسان ووضع أجزاء الباطن مواضعها؟ ولا يجوز أن يكون المقتضى لتغيير الإنسان وتشكيله طبيعية غير عالمة ولا مختارة، لأن الإنسان أبلغ في الترتيب والحكمة من بناء دار وصناعة تاج.
وكما لم يجز أن يحصل ذلك ممن ليس بعالم فكذلك الإنسان.
ألا ترى أن أعضاء الإنسان مقسومة على حسب المنفعة وموضوعة مواضعها؟ ولا يجوز أن يكون الإنسان هو
(8/32)

الذي غير نفسه من حال إلى حال، لأنه لو قدر على ذلك في حال ضعفه لكان في حال كماله أقدر.
وإذا عجز عن خلق مثله وخلق أعضائه في حال كماله فهو عن ذلك في حال الضعف أعجز، ولا يجوز أن يكون المغير له من حال إلى حال أبويه، لأنه ليس يجري على حسب إيثارهما، ألا ترى أنهما يريدانه فلا يكون ويكرهانه فيكون؟ ويريدانه ذكراً فيكون أنثى، ويريدانه أنثى فيكون ذكراً؟ فإذا لم يكن لأبويه في ذلك تأثير فغيرهما مما لا تعلق له به أجدر.
فصح أن للإنسان فاعلاً مخالفاً له، وهو الله تعالى) .
قال: (فإن قيل: فكيف يدل غير على الله؟ قيل: إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق.
وهذه حوادث فيجب أن يكون للجسم محدثاً إذ لم يتقدم الحوادث، والدليل على أن الأجسام محدثة هو أن الأجسام محدثة، وكل محدث يحتاج إلى محدث) .
قال: (وهذا الكلام يشتمل على أصلين: أحدهما: أن الأجسام محدثة، والثاني: أن كل محدث يحتاج إلى محدث.
أما الأصل الأول فالغرض به أن يدل على أن الجواهر والأجسام محدثة غير قديمة، ولا
(8/33)

يصح أن تثبت صفة لشيء وتنقى صفة عن شيء إلا وقد عرفنا ما تثبت له الصفة، والصفة التي نثبتها والصفة التي ننفيها.
فيجب أن نذكر ما الجوهر وما الجسم وما القديم وما المحدث.
ولما كان الوصلة إلى حدوث الجسم هو العرض، الذي هو الحركة والسكون، والكون والاجتماع والافتراق، ولم يصح أن يتوصل بما لا نعرفه، وجب أن نبين ما العرض، وما الكون، وما الحركة، وما السكون، وما الاجتماع والافتراق، فالجوهر هو الذي يشغل الحيز في وجوده، ويصح أن تحله الأعراض، ومعنى شغله الحيز أن يوجد في جهة ومكان فيحوزه، ويمنع مثله من أن يوجد معه بحيث هو والجسم هو المؤلف، عند قوم: هو الطويل العميق.
والقديم هو: الموجود الذي لم يزل، والذي لا أول لوجوده والمحدث هو، الذي لوجوده أول.
والعرض هو ما يعرض في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر والأجسام.
وذلك أن ما قل لبثه بالإضافة إلى غيره سموه عارضاً.
قال الله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} وذلك نحو الحركة والسكون.
والحركة زوال الجسم من مكان إلى مكان، والسكون لبث الجوهر في المكان أكثر من وقت واحد، والكون ما به كون الجوهر في مكان دون مكان، والاجتماع كونا جوهرين متماسين، والافتراق كونا جوهرين غير متماسين) .
(8/34)

قال: (وإذ قد ذكرنا حدود هذه الأشياء، فلندل على حدوث الأجسام.
فنقول: إن الأجسام لم تسبق الحركة والسكون المحدثين، وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث) .
ثم إنه ساق هذه الحجة إلى آخرها.
كما ساقها من قبله، مثل ابن عقيل ونحوه، وقبلهم أبو الحسين البصري، وأمثاله الذين هم أئمة هذه الحجة، وقد ذكرنا سياق أبي الحسين لها فلا حاجة إلى تكريرها.
وقال: (فإن قيل: فما تقولون فيمن حصلت له هذه المعرفة بمجرد التقليد أو غيره؟ أيكون عارفاً بالله مؤمناً؟ قيل: نعم، إلا أنه يكون مأثوماً بترك ما وجب عليه من النظر) .

تعليق ابن تيمية
قلت: أما هذه الحجة: حجة الأعراض، فقد عرف اعتراض الناس عليه وذمهم لها.
وأما الحجة المتقدمة، وهي الاستدلال بحدوث الإنسان، فإنها حجة صحيحة، وهي من الحجج التي دل عليها القرآن وأرشد إليها.
والمقصود هنا أن هذا وأمثاله ممن يقولون: إن المعرفة لا تحصل إلا بالعقل، ويشنعون على من يقول: إنها تحصل بالسمع، من
(8/35)

أصحابهم وغير أصحابهم، إذا تدبر كثير من كلام أصحابهم الذين ينازعهم هؤلاء، تبين أن نزاعهم لهم ليس في نفس ما ثبت معرفته بمجرد العقل، بل في أمر آخر.
والمعنى الذي أراد أولئك أنه يحصل بالسمع، ليس هو المعنى الذي اتفقوا على أنه لا يحصل إلا بالعقل، كما ذكر ذلك الشريف أبو علي بن أبي موسى وغيره.
وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض كلامهم، فالنزاع بينهم وبين كثير من أصحابهم قد يكون لفظياً، وقد يكون معنوياً، فإن المقدمات التي حصروا بها المعرفة في طريقهم ينازعهم الناس في كل واحدة منها، وإن تنوع المنازعون.
وهذا كله بناء على أن دلالة السمع هي مجرد خبر المخبر الصادق، كما هو اصطلاح هؤلاء.
وأما إذا عرف أن دلالة السمع تتناول الأخبار، وتتناول الإرشاد والتنبيه والبيان للدلائل العقلية، وأن الناس كما يستفيدون من كلام
(8/36)

المصنفين والمعلمين الأدلة العقلية التي تبين لهم الحق، فاستفادتهم ذلك من كلام الله أكمل وأفضل.
فتلك الأدلة عقلية باعتبار أن العقل يعلم صحتها إذا نبه عليها، وهي شرعية باعتبار أن الشرع دل عليها وهدى إليها.
فعلى هذا التقدير تكون الدلائل حينئذ شرعية عقلية.
وعلى هذا فقد يقال: الأدلة الشرعية نوعان: عقلي وسمعي.
فالعقلي ما دل الشرع عليه من المعقولات، والسمعي ما دل بمجرد الإخبار.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن أئمة النظار معترفون باشتمال القرآن على الدلائل العقلية.
وأما على اصطلاح أولئك، فكثيراً ما يعنون بالدليل الشرعي الدليل السمعي الخبري، وهو مجرد خبر الشارع الصادق، فعلى اصطلاحهم ينازعهم الناس في تلك المقدمات العقلية، التي زعموا أن المعرفة لا تحصل إلا بها.
فأما المقدمة الأولى، وهي قولهم: إن المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس، بل لا بد لها من طريق، فهي من موارد النزاع.
فإذا قيل لهم: إنها قد تحصل في النفس مبتدأة، لم يكن لها على نفي ذلك دليل إلا مجرد الاستقراء، الذي هو: إما فاسد، وإما ناقص.
وقولهم: إن نفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال.
يقول لهم المنازعون: لا نسلم أن جميع العقلاء كذلك، بل جمهور العقلاء
(8/37)

مطمئنون إلى الإقرار بالله تعالى، وهم مفطورون على ذلك.
ولهذا إذا ذكر لأحدهم اسمه تعالى، وجد نفسه ذاكرةً له مقبلة عليه، كما إذا ذكر له ما هو عنده من المخلوقات.
والمتجاهل الذي يقول: إنه لا يعرفه، هو عند الناس أعظم تجاهلاً ممن يقول: إنه لا يعرف ما تواتر خبره من الأنبياء والملوك، والمدائن والوقائع، وذلك عندهم أعظم سفسطة من غيره من أنواع السفسطة.
ولهذا من تتبع مقالات الناس المخالفة للحس والعقل، وجد المسفسطين فيها أعظم بكثير من المسفسطين المنكرين للصانع.
فعلم أن معرفته في الفطرة أثبت وأقوى، إذ كان وجود العبد ملزوم وجوده، وحاجته معلقة به سبحانه وتعالى، بل كل ما يخطر بقلب العبد ويريده فهو ملزوم له، وخواطر العباد وإرادتهم لا نهاية لها.
وانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم لا ينحصر، بل إقرار القلوب به قد لا يحتاج إلى وسط وطريق، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات.
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقناً في الباطن، كما قال له موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} .
(8/38)

وقال تعالى عنه وعن قومه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} .
ولهذا قال: {وما رب العالمين} على وجه الإنكار له، قال له موسى: {رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} وقد زعم طائفة أن فرعون استفهم استفهام استعلام، فسأله عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم يكن له ماهية عجز موسى عن الجواب.
وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام إنكار وجحد، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحداً لله نافياً له، لم يكن مثبتاً له، طالباً للعلم بماهيته.
فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو، فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل، وهو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطرة أعظم من معرفة كل معروف، وهو سبحانه له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو في السماء إله وفي الأرض، فأهل السماوات والأرض يعرفونه ويعبدونه، وإن كان أكثر أهل الأرض، كما قال
(8/39)

تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} .
ولهذا قالت الأنبياء عليهم السلام لأمهم: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} وهذا استفهام إنكار يتضمن النفي، ويبين أنه ليس في الله شك.
وقول القائل: ليس في هذا شك، يراد به أنه قد بلغ في الظهور والوضوح ولزوم معرفته، إلى حيث لا ينبغي أن يشك فيه، وإلى حيث لا يشك فيه.
وعلى كلا التقديرين يتبين أن الإقرار بالصانع بهذه المثابة.
وأما الطريق الثاني، وهو إدراك الحواس، فلا ريب أنهم لا يقولون إنهم يدركونه بالحس الظاهر، بل يقولون: إن الحس نوعان: ظاهر، وباطن.
والإنسان يحس بباطنه الأمور الباطنة، كالجوع والعطش، والشبع والري، والفرح والحزن، واللذة والألم، ونحو ذلك من أحوال النفس، فهكذا يحسون ما في بطونهم من محبته سبحانه وتعظيمه، والذل له، والافتقار إليه، مما اضطروا إليه وفطروا عليه، ويحسون أيضاً ما يحصل في بواطنهم من المعرفة المتضمنة لمثله الأعلى في قلوبهم.
والإحساس نوعان: نوع بلا واسطة، كالإحساس بنفس الشمس والقمر والكواكب، وإحساس بواسطة: كالإحساس
(8/40)

بالشمس والقمر والكواكب في مرآه، أو ماء، أو نحو ذلك.
والقلوب مفطورة على أن يتجلى لها من الحقائق ما هي مستعدة لتجليها فيها، فإذا تجلى فيها شيء أحست به إحساساً باطناً تجليه فيها.
وأيضاً فنفس مشاهدة القلوب لنفسه تبارك وتعالى أمر ممكن، وإن كان ذلك قد يقال: إنه مختص ببعض الخلق، كما قال أبو ذر وابن عباس وغيرهما من السلف: «إن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده» .
وقال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين.
فهذا النوع إذا كان ممكناً، وقد قيل: إنه واقع، لم يمكن نفيه إلا بدليل.
وأما الرؤية بالعين في الدنيا.
وإن كانت ممكنة عند السلف والأئمة، لكن لم تثبت لأحد، ولم يدعها أحد من العلماء لأحد إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم على قول بعضهم.
وقد ادعاها طائفة من الصوفية لغيره، لكن هذا باطل، لأنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن أحداً لا يراه في الدنيا بعينه.
(8/41)

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت» .
وقد بسطنا الكلام على مسألة الرؤية في غير هذا الموضع، وبينا أن النصوص عن الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة هو الثابت عن ابن عباس من أنه يقال: رآه بقلبه، أو: رآه بفؤاده.
وأما تقييد الرؤية العين فلم يثبت، لا عن ابن عباس ولا عن أحمد.
والذي في الصحيح «عن أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه» !.
وقد روى أحمد بإسناده عن أبي ذر أنه رآه بفؤاده، واعتمد أحمد على قول أبي ذر لأن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة، وأجابه - وهو أعلم بمعنى ما أجابه به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ثبت أنه رآه بفؤاده، دل ذلك على مراده.
(8/42)

وأما قولهم: لا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر، لأن الخبر إنما يفضي إلى المعرفة، إذا أخبر به خلق كثير عن مشاهدة، وليس أحد يخبر بالله عن مشاهدة.
فهذا مما ينازعهم فيه المنازعون، ويقولون: ليس من شرط أهل التواتر أن يخبروا عن مشاهدة، بل إذا أخبروا عن علم ضروري، حصل العلم بمخبر أخبارهم، وإن لم يكن المخبر مشاهداً.
والمعرفة بالله قد تقع ضرورة، وإذا كان كذلك أمكن المعرفة بتصديق أخبار المخبرين عن المعرفة الحاصلة ضرورة، إلى ترى أن ما يخبر به الناس عن أنفسهم من لذة الجماع، وكثير من المطاعم والمشارب، بل ولذه العلم والعبادة والرئاسة، وحال السكر والعشق، وغير ذلك من الأمور الباطنة، تحصل المعرفة بوجودها بالتواتر لمن لم يجدها من نفسه، ولا عرفها بالضرورة في باطنه؟ وليست أمراً مشاهداً، بل إطباق الناس على وصف رجل بالعلم أو العدل أو الشجاعة أو الكرم أو المكر أو الدهاء، أو غير ذلك من الأمور النفسانية التي لا تعلم بمجرد المشاهدة يوجب العلم بذلك لمن تواترت هذه الأخبار عنده، وإن لم يكن المخبرون أخبروا عن مشاهدة، وكذلك الإخبار عن ظلم الظالمين.
(8/43)

ولهذا كانت العداله والفسق تثبت بالاستفاضة، ويشهد بها بذلك، كما يشهد المسلمون كلهم أن عمر بن عبد العزيز كان عادلاً، وأن الحجاج كان ظالماً.
والعدل والظلم ليس أمراً مشاهداً بالظاهر، فإن الإنسان أكثر ما يشاهد الأفعال كما يسمع الأقوال، فإذا رأى رجلاً يعطى ويقتل، شاهد الفعل، أما كونه قتل بحق أو بغير حق، أو أعطى عدلاً وإحساناً، أو غير عدل وأحسان، فهذا لا يعلم بمجرد المشاهدة، بل لابد من دخول العقل في هذا العلم.
وكذلك من لا يعرف الطب والنحو: إذا رأى ما تواتر عند أهل الطب والنحاة من علم أبقراط وجالينوس وأمثالهما، والخليل وسيبويه، علم أن هؤلاء علماء بالطب والنحو، وإن لم يعرف هو الطب والنحو وليست معرفة المخبرين بذلك عن المشاهدة.
بل وكذلك إذا تواتر عنده كلام الناس بالإخبار عن علم مالك والشافعي وأحمد ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وأمثالهم بالفقه والحديث، علم علمهم بذلك، وإن كان المخبرون لم يخبروا عن مشاهدة لكن من رآى كلام هؤلاء، من أهل الخبرة بالفقه والحديث، علم بالضرورة أنهم علماء بذلك، ثم هؤلاء يخبرون بذلك غيرهم.
فيتواتر ذلك عند هؤلاء.
(8/44)

وكذلك القضايا الحسابية، كالعلم بالمضروبات والمنسوبات والمجموعات ونحو ذلك، هو ضروري لمن علمه، فإذا أخبر أهل تواتر بذلك لواحد حصل له العلم بذلك، وإن كانوا إنما أخبروا عن علم ضروري.
وهكذا العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب، يعلمه من باشره وجربه ضرورة، ويعلمه من تواتر ذلك عنده بطريق الخبر.
ولهذا كان العلم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم، كان صادقاً معروفاً بالصدق لا يكذب متواتراً عند من لم يباشره، لأن الذين جربوه من أعدائه وغيرهم كانوا متفقين على أنه صادق أمين، حتى أن هرقل لما سأل أبا سفيان - وكان حين سأله من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم -: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا.
فأخبر أنه - هو وغيره من قريش - لم يكونوا يتهمونه بالكذب، فضلاً عن أن يخبروا عنه بالكذب، وكانوا يسمونه الأمين.
ولما كان أبو سفيان مخبراً بهذا بين جماعة من قومه يقرونه على ذلك، مع قيام المقتضى للتكذيب لو كان قد كذب، استفاد هرقل بهذا أنه لا يكذب.
فقال: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.
وهذا وأمثاله باب واسع، فالعلم بمخبر الأخبار يحصل إذا كان المخبر عالماً بالضرورة، سواء كان المخبر مشاهداً أو لم يكن.
(8/45)

وأما طريقة الإلهام، فالإلهام الذي يدعى في هذا الباب، هو عند أهله علم ضروري، لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم، أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض، فلا يمكن أن يكون باطلاً.
وأما الاستدلال على الأحكام بالإلهام، فتلك مسألة أخرى، ليس هذا موضعها، والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وأنواعهما، وأن ما يعنيه هذا بالاستحسان، قد يعنيه هذا بالإلهام.
وليس الكلام فيما علم فساده من الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع، فإن هذا باطل، بل الكلام فيما يوافق هذه الأدلة لا يخالفها.
وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهاماً، فدعوى المدعي امتناع ذلك يفتقر إلى دليل.
فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرفها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفياً عاماً لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه، فإن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل.
نعم، من نفى تلك بحسب علمه، لم ينازع في ذلك.
فإذ قال: لا أعلم طريقاً آخر، أو لم يحصل لي ولمن عرفته طريق آخر، كان نافياً لعلمه ولما علم وجوده، لا نافياً للأمور المحققة في نفس الأمر.
(8/46)

كلام العلماء في ذم علم الكلام
فهذا الكلام وأمثاله يرد على النزاع المعنوي، ولهذا كان كثير من الفضلاء، الذين يوجبون هذه الطريقة ويصححونها، قد رجعوا عن ذلك، وتبين لهم ذم هذا الكلام، بل بطلانه، كما يوجد مثل ذلك في كلام غير واحد منهم، مثل أبي المعالي، وابن عقيل، وأبي حامد، والرازي وغيرهم، من الذين يصححون هذه الطريق، بل يوجبونها تارة، ثم إنهم ذموها أو أبطلوها تارة.
قال أبو المعالي في آخر عمره: (خليت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهوا عنه والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق ببره فأموت على دين العجائز، وإلا فالويل لابن الجويني) .
(8/47)

وسأل رجل ابن عقيل فقال له: هل ترى لي أن أقرأ الكلام، فإني أحسن من نفسي بذكاء؟ فقال له: (إن الدين النصيحة، فأنت الآن على مابك مسلم سليم، وإن لم تنظر في الجزء - يعني الجوهر الفرد - وتعرف الطفرة - يعني طفرة النظام - ولم تخطر ببالك الأحوال، ولا عرفت الخلاء والملاء والجوهر والعرض، وهل يبقى العرض زمانين، وهل القدرة مع الفعل او قبله، وهل الصفات زوائد على الذات، وهل الاسم المسمى أو غيره، وهل الروح جسم أو عرض، فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا تذاكروه، فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن، وإن رأيت طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة، فبئس الاعتقاد والرأي) .
قال: (ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك، وأخرج كثيراً منهم إلى الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات
(8/48)

كلامهم، وأصل ذلك كله أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه ما علمه هو من حقائق الأمور، وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعات، ولما راموا ما وراءها ردوا إلى مقام غايته التحكيم والتسليم، وهو الذي يزرى به طائفة المتكلمين على أهل النقل والسنة، وتسميهم الحشوية، وإليه ينتهي المتكلمون أيضاً، لكنهم يتحسنون بما ليس لهم، وبما لم يتحصل عندهم، فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم، ويتغانى على الفقراء وهو عديم، والعقل، وإن كان للتعليل طالباً، فإنه يذعن بأن فوقه حكمة إلهية، توجب الاستكانة والتحكيم لمن هو بعض خلقه) .
قال: (وإنما دخلت الشبه من ثلاث طرق ترجع إلى طريق واحد، وذلك أن قوماً نظروا إلى أن العقل هو الأصل في النظر
(8/49)

والاستدلال، اللذين هما طريقة العلم، فإذا قضى العقل بشيء عولوا عليه، فلما قضى بوجود صانع لهذا العالم المحكم بالقواعد أثبتوه، ثم نظروا في أفعاله، فرأوا هدم الأبنية المحكمة، وشاهدو جزيئات لم تأت على نظام الكليات، ومضمار تعقب منافع، فجحدوا الأول بالآخر، ففسد اعتقادهم في الكل، بما عرض لهم من اختلال الجزء، وقالوا: إن دل الإحكام على حكيم، فقد دل الاختلال على الإهمال، فشكوا.
والقبيل الآخر أثبتوا صانعاً للكليات، وأضافوا الشرور إلى صانع آخر، فثنوا بعد أن وحدوا.
والقبيل الآخر عللوا بما انحرم بعلل لم تشف غليل العقل، فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا، وقالوا: خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد، فسلموا لمن استحق التسليم، وهو الصانع، وهذه طائفة أهل الحديث) .
قال: (وهذا الذي يقال له مذهب العجائز، وإليه كل عالم محق) .
قال: وقد ظن قوم أن مذهب العجائز ليس بشيء، وليس كذلك.
وإنما معناه أن المدققين لما بالغوا في النظر، فلم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات، وقفوا مع هذه الجملة التي هي
(8/50)

مراسم) .

تعليق ابن تيمية
قلت: قول القائل: (إن الصحابة - رضي الله عنهم - ماتوا وما عرفوا ذلك) فيه تفصيل.
وذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل، فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد، وطفرة النظام، وامتناع بقاء العرض زمانين، ونحو ذلك.
فهذا قد لا يخطر ببال الانبياء والأولياء، من الصحابة وغيرهم، وإن خطر ببال أحدهم، تبين له أنه كذب، فإن القول الباطل الكذب هو من باب ما لا ينقض الوضوء، ليس له ضابط، وإنما المطلوب معرفة الحق والعمل به، وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع، وصار هذا كالنهي عن المنكر، وجهاد العدو، فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة وأنكروه، ومع هذا فلا يقطع على كل من الصحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه الأقاويل ويعرفوا بطلانها، فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان، وكان بهذه البلاد من الكفار المشركين الصابئين وأهل الكتاب من كان عنده من كتب أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة، فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات، وبينوا بطلانها لمن سألهم.
والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال، ويسألونه عن
(8/51)

أنواع من المسائل، ويوردون عليه أنواعاً من الأسولة والشبهات الباطلة فيجيبهم عنها، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه.
والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة قد ناظروا أنواعاً من الجهمية أهل الكلام وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل، ولكن من عرف طريق المناظرين لهم، والمسائل التي ناظروهم فيها، علم ما كانوا يقولونه، كالفقيه الذي يعرف أن فقيهين تناظرا في مسألة من مسأئل الفقه، مثل مسألة قتل المسلم بالذمي، أو القتل بالمثقل ونحو ذلك، فينقل المناظرة من لم يفهم ما قالاه، فيعرف الفقيه الفاضل - مما نقل - ما لم ينقل.
وأما الخوض في مسألة الروح: هل هي قائمة بنفسها، أم هي عرض؟ فكلام الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة في أن الروح: عين بنفسها تخرج من البدن، وتصعد وتعرج، وتنعم وتعذب، وتتكلم وتسأل وتجيب، وأمثال ذلك أكثر من أن يمكن سطره هنا، فكيف يقال: إن الصحابة ماتوا وما عرفوا هل الروح عين قائمة بنفسها، أو صفة من الصفات؟ وإن كانوا هم كانوا لا يتخاطبون بلفظ الجسم والعرض.
وكذلك قول القائل: إن الصحابة لم يعرفوا هل الصفات زوائد على
(8/52)

الذات، ليس بسديد.
فإن كلام الصحابة في إثبات الصفات لله تعالى أكثر وأعظم من أن يمكن سطره هنا، بل كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيماً، أكثر من أن يمكن سطره هنا، وكلامهم وكلام التابعين صريح في أنهم لم يكونوا يثبتون ذاتاً مجردة عن الصفات.
وأما اللفظ: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ فلفظ مجمل، فإن أراد به المريد أن هناك ذاتاً قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا لا يقوله أهل الإثبات، ولا الصحابة.
وإن أراد به أن الصفات زائدة على الذات المجردة التي يعترف بها النفاة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة، فالسلف والأئمة لم يثبتوا ذاتاً مجردة حتى يقولوا: الصفات زائدة عليها، بل الذات التي أثبتوها هي الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها، وهذا المعنى متواتر في كلام الصحابة.
ففي الجملة: المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها، وإن كان التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات.
والمعاني الباطلة قد لا تخطر ببال أحدهم، وقد تخطر بباله فيدفعها، أو يسمعها من غيره فيردها، فإن ما يلقيه الشيطان
(8/53)

من الوسواس والخطرات الباطلة ليس لها حد محدود، وهو يختلف بحسب أحوال الناس.
وأما ما ذكره ابن عقيل من قوله: (ليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها ...
إلى آخر كلامه) فهذا كله في العلل الغائية، وحكمة الأفعال وعواقبها، ومسائل القدر والتعديل والتجوير، فإن ابن عقيل كان - لكثرة نظره في كتب المعتزلة وما عارضها - عنده في هذا الأصل أمر عظيم، وهو من أعظم الأصول التي تشعب فيها كلام الناس.
وكان طوائف من المنتسبين إلى الحديث والسنة كالأشعري، والقاضي أبي بكر، ومن وافقهم في أصل قولهم، وإن كان يختلف كلامه، كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وطوائف لا يحصيهم إلا الله، ينكرون التعليل جملة، ولا يثبتون إلا محض المشيئة، ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق والأمر، إلى غير ذلك من لوازم قولهم.
والمعتزلة يثبتون تعليلاً متناقضاً في أصله وفرعه، فيثبتون للفاعل تعليلاً لا تعود إليه حكمة، ثم يزعمون أن كل واحد من العباد قد
(8/54)

أراد به الفاعل كل من هو صالح له أو أصلح، وفعل معه ما يقدر عليه من ذلك، ويتكلمون في الآلام والتعويضات، والثواب والعقاب، بكلام فيه من التناقض والفضائح ما لا يحصى.
وفي ذلك الحكاية المشهورة لأبي الحسن الأشعري مع أبي علي الجبائي لما سأله عن إخوة ثلاثة: مات أحدهم قبل البلوغ، والآخر بلغ فكفر، والآخر بلغ فآمن وأصلح، فرفع الله درجات هذا في الجنة، والصغير جعله دونه في الجنة، والكافر أدخله النار.
فقال له الصغير: يارب ارفعني إلى درجة أخي.
قال: إنك لا تستحق ذلك، فإن أخاك عمل عملاً صالحاً استحق به ذلك.
فقال: يارب إنك أحييته حتى بلغ، وأنا أمتني، فلو أبقيتني لعملت مثل ما عمل.
فقال له: إنه كان في علمي إنك لو بقيت لكفرت، فاخترتك إحساناً إليك.
قال: فصرخ الكافر من النار: يارب فهلا أمتني قبل البلوغ ما فعلت بهذا؟ قالوا: فما سأله عن ذلك انقطع.
ولهم على الكلام أبي الحسن اجوبة لها موضع آخر.
والمقصود هنا أن ابن عقيل نظر في تعليلات المعتزلة فرآها عليلة، ورأى أنه لا بد من إثبات الحكمة والتعليل في الجملة، خلافاً لما كان
(8/55)

ينصره شيخه القاضي أبو يعلى: فصار يثبت الحكمة والتعليل من حيث الجملة، ويقر بالعجز عن التفصيل.
والقاضي أبو خازم بن القاضي أبي يعلى في كتابه المصنف في أصول الدين الذي رتبه ترتيب محمد بن الهيصم في كتابه المسمى بجمل المقالات يسلك مسلك من أثبت الحكمة والمصلحة العامة التي تجب مراعاتها، وإن أفضى ذلك إلى مفسدة جزيئة، كما يشخد ذلك في المخلوقات والمأمورات، وهذا مذهب الفقهاء في تعليل الشرعيات، وهو مذهب كثير من النظار، أو أكثرهم، في تعليل المخلوقات، كما ذهب إلى ذلك الكرامية والفلاسفة وغيرهم من الطوائف، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
ولم يرد ابن عقيل بقوله: (وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعيات) .
والإقناعيات تكون في الأدلة الدالة على العلم بإثبات الصانع، وإثبات الصفات له، والمعاد، ونحو ذلك، فإن تلك عند ابن عقيل وامثاله برهانيات يقينيات، فكيف يجعلها عند
(8/56)

الأنبياء والسلف إقناعيات؟ ولكن أراد بذلك، الإقناعيات في تعليل أفعاله.
وسماها هو إقناعيات لأن هذا مبلغ أمثاله من العلم، ومنتهاهم من المعرفة في ذلك.
وأما الأنبياء عليهم السلام، والسلف رضوان الله عليهم، فإن الله تعالى أطلعهم من حكمته في خلقه وأمره على ما لم يطلع عليه هو وأمثاله، ولكن هؤلاء ليس لهم بحقائق أحوال الأنبياء والصحابة من الخبرة ما يعرفون به منتهاهم في هذه المطالب العالية، كما أنه ليس لهم من الخبرة بهذه المسائل الكبار ما انتهوا معه إلى غايتها، لكنهم يعلمون أن الأنبياء أفضل الخلق، والصحابة بعدهم أفضل الخلق، فيعتقدون فيهم أنهم وصلوا إلى منتهى ما يصل إليه الخلق في هذه المسائل.
ثم إنهم لما نظروا - مع فرط ذكائهم - ولم يصلوا إلا إلى هذا، ظنوا أنه لا غاية وراءهم، فقالوا ما قالوا.
وهكذا كل طائفة سلكت فانتهت إلى حيث رأت أنه منتهى الخلق، فإنها تقضي على كل من تعظمه بأن هذا منتهاه، كما قد رأينا طائفة من الفلاسفة لما رأوا أن قول الفلاسفة هو منتهى معارف العقلاء، صاروا إذا رأوا شخصاً ظهر عنه ما يدل على كمال عقله، وعظم علمه وفضله، ومعرفته بأقوالهم على الحقيقة، يجعلون قوله هو منه ورأينا من كلامه ما يناقض قول الفلاسفة، يقول ذلك الفيلسوف الفاضل: هذا والله قد عرف حقيقة قولنا، ومن عرف حقيقة قولنا لم يعدل عنه، إلا أن يكون هناك شيء أعلى منه، ثم
(8/57)

يبقى حائراً: هل فوق قولهم ما هو أكمل منه، لما ظهر منه من كون العارف بحقيقة قولهم، مع حسن قصده وعدله، قد عدل عنه إلى قول يناقضه؟ أو ليس فوقه ما هو أكمل منه؟ لأن هذا الفيلسوف لا يعرف أن فوقه ما هو أكمل منه.
وهكذا الاتحادية أهل الوحدة ينسبون كل من عرف علمه وعقله وكماله إلى أنه منهم، وإن كان مظهراً للإنكار عليهم، وهكذا أهل الحيرة في الصفات الخبرية، يجعلون السلف والأئمة يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، مع عدم علمهم بمعانيها.
وإن كانوا من نفاتها قالوا: إنهم كانوا يعتقدون نفيها في الباطن: ولا يعلمون مدلول النصوص.
ولما كان هذا عندهم هو الغاية التي انتهوا إليها، والسلف عندهم أعظم الناس، جعلوا هذا غاية السلف.
وهؤلاء الطوائف وقع لهم الخطأ من جهتين: أحداهما: أنهم لم يعرفوا الحق في نفسه على ما هو عليه، لا بدليل عقلي ولا سمعي.
الثانية: أنهم لم يعرفوا حقيقة أقوال السلف وما كان عندهم من العلم والبيان، فكان عندهم قصور في معرفة الحق في نفسه، وفي معرفة الأنبياء والسلف به، وظنوا أن ما وصلوا إليه هو الغاية الممكنة، فجعلوا ذلك
(8/58)

منتهى غيرهم، فصاروا يحكون كلام المعظمين عندهم على هذا الوجه.
وقد رأينا من ذلك أموراً، حتى أن من قضاتهم وأكابرهم من يحكي أقوال الأئمة الأربعة في مسألة من المسائل الكبار، فإذا قيل له: أهذا نقله أحد عن الشافعي أو فلان أو فلان؟ قال: لا، ولكن هذا قاله العقلاء، والشافعي لا يخالف العقلاء، أو نحو هذا الكلام.
فالطوائف المقصرة الضالة تجد حكايتهم للمنقولات، مثل نظرهم في المعقولات، فلا نقل صحيح، ولا عقل صريح.
وكل من كان أبعد عن متابعة الأنبياء، كان أبلغ في هذين الأمرين، حتى ينتهي الأمر إلى القرامطة الباطنية، الذي مبنى أمرهم على السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات.
ثم الشيعة أقرب منهم، فكان عندهم من السفسطة والقرمطة بحسبهم، والمعتزلة خير منهم، فهم أقل سفسطة وقرمطة، ولكن دخل من ذلك عندهم، بحسب ما فيهم من مخالفة الكتاب والسنة، أمور كثيره.

كلام ابن عقيل في ذم علم الكلام
وابن عقيل لما خبر كلام المعتزلة لم يرض طريقهم، فلهذا ذكر أن
(8/59)

الناس ثلاث طوائف: طائفة شكت لما رأت وجود الشر والضرر في العالم.
وطائفة قالت بالأصلين وهم الثنوية.
والطائفة الثالثة عللوا ما انخرم بعلل لم تشف غليل العقل - كما فعلت المعتزلة - فلما لم يستقم لهم التعليل، جنحوا وقالوا: خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد، فسلموا لمن استحق التسليم، وهو الصانع.
قال: (وهذه طائفة أهل الحديث) وهذا بناءً على إثبات الحكمة والغاية والتعليل من حيث الجملة، والاعتراف بجهلة من جهة التفصيل، وذكر أن هذا منتهى كل عالم محق، وهذا مبلغ علم من انتهى إلى هنا.
ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسميها صفات، ويقول: إنما هي إضافات، موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه ذم التشبيه وإثبات التنزيه وغيره من كتبه، واتبعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في كتابه كف التشبيه بكف التنزيه) في كتابه منهاج الوصول، وتارة يثبت
(8/60)

الصفات الخبرية، ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات، وتارة يوجب التأويل كما فعله في الواضح وغيره وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهي عنه، كم فعله في كتاب الأنتصار لأصحاب الحديث، فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور.
وكذلك يوجد هذا وهذا في كلام كثير من المشهورين بالعلم، مثل أبي محمد بن حزم، ومثل أبي حامد الغزالي، ومثل أبي عبد الله الرازي وغيرهم.
ولابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما هو معروف، كما قال في الفنون، ومن خطه نقلت، قال: (فصل: المتكلمون وقفوا النظر في الشرع بأدلة العقول
(8/61)

فتفلسفوا، واعتمد الصوفية المتوهمة على واقعهم فتكهنوا، لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم، والكهان اعتمدوا على ما يقلى إليهم من الاطلاع، وجميعاً خوارج على الشرائع، هذا يتجاسر إن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول، بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل، وهذا يقول: قال لي قلبي عن ربي، فلا على هؤلاء أصبحت، ولا على هؤلاء أمسيت، لا كان مذهب جاء على طريق السفراء والرسل، يريد تعلم بيان الشرايع، وبطلان المذاهب والتوهمات، والطرايق المخترعات: هل لعلم الصوفية عمل في إباحة دم أو فرجً، أوتحريم معاملة، أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة؟ أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق؟ أو تصيب للمتوهمة فتاوي وأحكام؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء: هؤلاء يروون أحاديث الشرع، وينفون الكذب عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف.
وهؤلاء المفتون يفنون عن الأخبار تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، هم الذي سماهم النبي صلى الله عليه وسلم: الحملة العدول، فقال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين.
(8/62)

فالخارج - وإن خفقت بنوده، وكثرت جموعه، وسمي بالملك - يبعد أن يضرب له دينار أو درهم، أو يخطب له على منبر، أو تكون أموره إلا على المغالطة والمخالسة، بينا هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك، وتخشى من أن يقابله بقتال، أو يصافه بحرب، لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل، وللملك - وإن قل جمعه - صولة الحق، وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم: هذا مختار يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال، ويضع على الأمراض الأدوية الجواد العاملة بسرعة، فيأخذ العطية والخلعة لسكون الألم وإزاله المرض، ويصبح على أرض أخرى، ومنزل
(8/63)

بعيد، وطبه مجازفة، لأنه يأمن الموافقة والمعاينة.
والأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج، وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المتركبة دون الحادة من الأدوية، وإن عجلت سكون الألم، فإنها غير مأمونة الغوائل، ولا سليمة العواقب، لأن ماتعطى الأدوية الحادة من السكون إنما هو لغلبة المرض، وحيثما غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض، فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب ينقيه ويبليه، كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب، فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه.
لأنهم عن نقل يتكلمون، وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويقللون، فهم حال الأجوبة ينظرون في العاقبة، والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون، كتهجم البرخشتي، فعلومهم فرح ساعة، ليس لعلومهم ثبات، فإن اشتبه على قوم ما دلسه الصوفيه عليهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن في أمتي محدثين ومكلمين، وهو ما يلقي من الفراسات والدرايات، كما نطق به عمر.
قيل لهم: لو نطق
(8/64)

عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير، لما التفت إلى واقعته، ولا يبتنى الشرع على فراسته.
ألاتراه لما مات السفير قال من هو أعلى طبقة منه: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ وقال في الكلالة ما قال.
يقول الصديق هذا وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه، ويسمع الغناء من أمرد وحرة، ويأكل من الحرام شبعة، ويرقص كما تشمس الخيل، لا يسأل الفقهاء، ولا يبنى أمره على النقل، يقول بواقعة، ويقول أتباعه: الشيخ يسلم إليه طريقته، وأي طريقة مع الشرع؟ وهل أبقت الشريعة لقائل قولاً؟ وهل جاءت إلا بهدم العوايد ونقض الطرايق؟ ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين.
هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان، يحبون البطالات، والاجتماع على اللذات، وسماع الأصوات المشوشات للمعايش والطاعات، وأولئك يجرئون الشباب والأحداث، وعلى البحث وكثرة السؤال والاعتراضات، وتتبع الشرع بالمناقضات.
وما عرفنا للسلف الصالح أعمال هؤلاء الصوفية، بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل، ولا أحوال المتكلمين: لا التكشف ولا البحث، بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات، وجد وتشهير في الأعمال والطاعات،
(8/65)

فنصيحتي لأخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة، والوقوف مع الظواهر أولى من توغل المنتحلة للكلام.
وقد خبرت طريقة الفريقين: غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح.
والمتكلمون عندي خير من المتصوفة، لأن المتكلمين مرادهم مع التحقيق مزيد الشكوك في بعض الأشخاص، ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال، والتشبيه هو الغاية في الإبطال، بل هو حقيقة المحال، مما يسقط المشايخ من عيني، وإن نبلوا في أعين الناس أقداراً وانساباً، وعلوماً وأخطاراً، إلا قول القائل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع: عدتي كذا وكذا، يشير إلى طريقة قد قننها لنفسه، تخرج عن سمت الشرع، فذاك مختلق طريقة، وكل مختلق مبتدع، ولو كان في ترك النوافل، لأن الاستمرار على ترك السنن خذلان.
قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل
(8/66)

عن رجل استمر على ترك الوتر: هذا رجل سوء.
أنا أنصح بحكم العلم والتجارب: إياك أن تتبع شيخاً يقتدي بنفسه، ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه، ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير صلى الله عليه وسلم، الله الله، الثقة بالأشخاص ضلال، والركون إلى الآراء ابتداع، اللين والانطباع في الطريقة مع السنة، أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة، الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم يمنع منه، كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها.
اصحاب الحديث رسل السفير: الفقهاء المترجمون لما أراد السفير من معاني كتابه، ولا يتم اتباع إلا بمنقول، ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان، وما عداهما تكلف لا يفيد.
وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقلةً وفقهاء، ولا نعرف فيهم ثالثاً.
أصحاب أسواق وصفقات وتجارات، لا ربط ولا مناخ للبطالات، يا أصحاب المخالطات والمعاملات، عليكم بالورع، يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم بحسم مواد الطمع.
يا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع، ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد، ولا لأبي بكر وعمر، ولا الشيعة عندي من زار المشاهد، وأنشد المراثي والقصايد.
(8/67)

السني عندي من تتبع آثار الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء، واحتذى الرسم، واتبع الأمر، وكف عن النهي وتنزه عن الشبه، ووقف عند الشك، وتفرغ من كل علم خالف النقل، وإن كانت له طلاوة في السمع، وقبول في القلب، ليس قلبك معياراً على الشرع، مالله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه، وما أحدثوا وعولوا على ما رووا، ولا على ما رأوا، الصبر على الرواية مقام الصديقين.
قال الخضر للسفير: {إنك لن تستطيع معي صبرا} لأن مستحسناً برأيه ومستقبحاً برأيه لا يتبع، لأنه قد بان لك بنص القرآن أن استحسان عقل السفير الكليم واستقباحه ما كان على القانون الصحيح، حتى كشف له عن العذر فيما كان استقبحه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ولا ابن عقيل من هذا الجنس في تعظيم الشرع، وذم من يخالفه من أهل النظر والكلام، وأهل الإرادة والعبادة، كلام كثير من هذا الجنس.
كما قد تقدم تكلم في ذلك طوائف من اهل العلم والدين، لكن من غلب عليه طريق النظر والكلام،
(8/68)

كان ذمه لمنحرفه العباد أكثر من ذمه لمنحرفه أهل الكلام، وهذا كثير في أهل الكلام والفقهاء، لاسيما في العتزلة، وهؤلاء قد لا يعرفون ما في طريق أهل العبادة والتصوف من الأمور المحمودة في الشرع، ومن غلب عليه طريقة أهل التصوف.
وهذا يوجد كثيراً في كلام أهل الزهد والعبادة، لا سيما المعظمين لطريق الصوفية، فمثل أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي طالب المكي، وأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، وأبي حامد الغزالي، وإن كانوا يذمون من منحرفة الصوفية ما يذمون، فذمهم لجنس أهل الكلام والبحث والنظر أعظم.
ومثل أبي بكر بن فورك، وأبن عقيل، وأبي بكر الطرطوشي، وأبي عبد الله المازري، وأبي الفرج بن الجوزي، وإن كانوا يذمون من بدع أهل الكلام والفلسفة ما يذمون، فذمهم لما يذمونه من بدع أهل التصوف والتاله أعظم.
وقد قال الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .
رواه الترمذي وصححه.
وكان طائفة من السلف يقولون: من فسد من الفقهاء ففيه شبه من
(8/69)

اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى.
فمن كان فيه بدعة من أهل الكلام والنظر والفقه كالمعتزلة تجدهم يذمون النصارى أكثر مما يذمون اليهود، واليهود يقرأون كتبهم ويعظمونهم.
ومن كان فيه بدعة، من أهل العبادة والتصوف والزهد، تجدهم يذمون اليهود أكثر مما يذمون النصارى، وتجد النصارى يميلون إليهم، وقد يحصل من مبتدعة الطائفين من موالاة اليهود والنصارى بحسب ما فيهم من مشابهتهم، وهذا موجود كثيراً، كما دل عليه الكتاب والسنة.
وهذه الطريقة الأولى التي يعتمد عليها من يعتمد، مثل ابن عقيل، وصدقه بن الحسين، وغيرهما، هي التي ذكرها أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وهي التي اعتمد عليها في كتابه المشهور المسمى: بـ اللمع في الرد على أصحاب البدع وهو أشهر مختصراته، وقد شرحوه شروحاً كثيرة، ومن أجلها‍‍‍ شرح القاضي أبي بكر له.

كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى
وهذه السياقة النتقدمة هي سياقة أبي الحسن في اللمع فإنه قال في أوله: (إن سأل سائل: ما الدليل على أن للخلق صانعاً صنعه، ومدبراً دبره؟ قيل: الدليل على ذلك أن الإنسان، الذي
(8/70)

هو في غاية الكمال والتمام، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً ودماً، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأنا نراه في حال كمال قوته، وتمام عقله، ولا يقدر أن يحدث لنفسه سمعاً ولا بصراً، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، فدل ذلك على أنه قبل تكامله، واجتماع قوته وعقله، كان عن ذلك أعجز، لأن ما عجز عنه في حال الكمال، فهو في حال النقصان عنه أعجز، ورأيناه طفلاً، ثم شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم، لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم، ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك، فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الأحوال، وأن له ناقلاً نقله من حال إلى حال، ودبره على ما هو عليه، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر) .
قال: (ومما يبين ذلك أيضاً: أن القطن لا يجوز أن يتحول
(8/71)

غزلاً مفتولاً، ولا ثوباً منسوجاً يغير صانع ولا ناسج، ومن اتخذ قطناً فانتظر أن يصي رغزلاً مفتولاً، ثم ثوباً منسوجاً، بغير صانع ولا ناسج، كان عن المعقول خارجاً، وفي الجهل والجاً، وكذلك من قصد إلى برية لم يجد فيها قصراً مبنياً، فانتظر أن يتحول الطين إلى حال الآجر، وينتضد بعضه إلى بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلاً، فإذا كان تحول النطفة علقة، ثم مضغة، ثم لحما، ثم عظماً ودماً، أعظم في الأعجوبة، كأن أولى أن يدل على صانع صنعها، أعني النطفة، ونقلها من حال إلى حال) .
قال: (وقد قال تعالى: {أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} ، فما استطاعوا بحجة أن
(8/72)

يقولوا إنهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون، ومع كراهتهم له فيكون.
وقال تنبيهاً لخلقه على وحدانيته: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم، ومدبر دبرهم) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الدليل مبني على مقدمتين: على تحول الإنسان من حال إلى حال، وأن ذلك لا بد له من صانع حوله من حال إلى حال، وكلتا المقدمتين ضرورية.
والأولى هي مسألة حدوث صفات الأجسام، كما تقدم بيانه، وأن من أهل الكلام من يقول إن: المشهود هو حدوث الصفات لا حدوث الأعيان، وإن أكثر الناس على خلاف ذلك.
وهذا هو طريقة القرآن، ولكن حدوث الصفات هي أقرب الطرق إلى طريقة القرآن، وأما الثانية فهي ضرورية، ولهذا لم يذكر أبو الحسن عليها دليلاً، لكن كثير من أصحابه يقولون: إنها طريقة، موافقةً منهم لمن قال ذلك من المعتزلة.

كلام الباقلاني شرحاً لكلام الأشعري
ولهذا اعترض من اعترض من المعتزلة على كلام أبي الحسن، فأجابه
(8/73)

القاضي أبو بكر على أصله بجواب ذكره.
قال القاضي أبو بكر: (أعلم أنه إنما ضرب المثل بما ذكره من القطن واللبن لظهوره في نفوس العامة والخاصة، واعتقاد جميعهم لجهل من جوز تنضد البنيان، واجتماع الآجر والتراب، وتصوير المصنوعات بغير صانع ولا مدبر، وأنت لو اعترضت كل من سلمت حاسته، وصح عقله، فسألته: هل يجوز وجود ما ذكره من ضروب المحكمات بغير صانع، مع العلم بأنها لم تكن كذلك من قبل؟ لمنع ذلك ولاستجهل قائله، لتقدم الأدلة وتقررها على فساده، في نفوس العامة والخاصة، وإن كانت العامة تقصر عبارتها عن عبارة الخاصة، وألفاظ المتكلمين، وطريق المستنبطين في التعبير، وقولهم: لم تجد كتابة إلا من كاتب، ولا ضرباً إلا من ضارب، ولا بناءً إلا من بان، وإن استحالة وجود ضرب من لا ضارب، وبناء من لا بان، كاستحالة ضارب لا ضرب له، وبان لا بناء له، وقد تقرر هذا المعنى في نفوسهم، وإن قصروا عن تأديته، وصار مقارناً للعلوم الضرورية، وصار المخالف فيه عند سائرهم كالمخالف فيما يدرك من جهة الحواس) .
قال: (وجملة القول في هذا الباب أنا لا ندعي، ولا صاحب
(8/74)

الكتاب، أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع، شيء يدرك من جهة الضروريات وتعلم صحته من طريق درك الحواس، لكنه يدرك بالاستنباط، فإذا حصل في نفوس من يجوز أن يشك في هذه المسألة، وفي صانع الأشياء التي غاب عنها، نظير لما يشك فيه، ومثل لما ارتاب فيه، رده إليه، وجعله أصلاً معه في تصحيح ما ينبغي تصحيحه، وكشف ما يرجى له كشفه) .
قال: وقوله: لو أن منتظراً انتظر اجتماع المصنوعات من غير صانع كان متجاهلاً، كلام صحيح، لأن الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع، كما يستحيل في العقول وجود صانعاً لا صنعة له، وكاتب لا كتابة له، فتعلق الصنعة بالصانع، كتعلق الصانع في كونه صانعاً بوجود صنعته، واستحالة أحد الأمرين في المعقول كاستحالة الآخر) .
قال: (وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل، وإنما نذكر ضروباً من ضروب الصنائع تقريباً بذكره، وليس القصد بذكره تخصيص تعليقه بالصانع، وإنما يراد بذلك وجوب تعلق سائر المصنوعات بصانع صنعها، فاعرف ذلك) .
وذكر كلاماً آخر إلى أن قال: (فإن قال قائل: فما الدليل الآن
(8/75)

على أنه لا بد لسائر الأفعال الحاضرة والغائبة من فاعل فعلها، ومدبر دبرها؟ وكيف وجه تعلق الإنسان وغيره من المصنوعات، بفاعل ومدبر صنعه وقصده، متى لم يكن هو الفاعل لنفسه؟ قيل له: قد تقدم من كلام صاحب الكتاب ما هو دلالة على ذلك، وقد مضى شرحنا له، حيث قلنا: إن تعلق الفعل بالفاعل، كتعلق الفاعل في كونه فاعلاً بفعله.
ثم نقول في الدليل على ذلك: إنه لا يسوغ أن يجيب عن هذه المسألة إلا من سلم لنا هذه الأمور - التي هي التأليفات والتصويرات والتركيبات - معان محدثات، وإن كان لا يقر بأنها أفعال، كلم في أصل هذه المسألة، وقرر معه القول بوجوب حدوثها، فإذا كان الأمر على ما وصفناه، لم يكن لأحد أن يسأل عن هذه المسألة.
وقد يخالف في أن هذه الأمور التي ذكرناها أفعال، لأنه إذا قال: ما الدليل على أن هذه الأفعال تتعلق بفاعل؟ فقد أثبتها أفعالاً، فإذا أنكر أن تكون أفعالاً، فقد أبطل بآخر كلامه ما أثبته بأوله، ولكن قد يسوغ أن يقول: ما الدليل على أن التأليف يتعلق بمؤلف؟ وإن لم يسلم أنه فعل، لشبهة تدخل عليه.
(8/76)

فإذا كان الأمر على ما وصفنا، رجعنا فقلنا: الدليل على أنه لا بد للأفعال من تعلق بفاعل، أنا وجدناها يتقدم بعضها على بعض في الوجود، ويتأخر بعضها عن بعض، وتوجد في زمان كان يصح عدمها فيه، بدلاً من الوجود، وتعدم في زمان يصح وجودها فيه بدلاً من العدم.
فإذا كان هذا وصفها، قلنا: لا يخلو ما تقدم منها: أن يكون متقدماً لنفسه، أو لمعنى يوجد به، أو لا لنفسه ولا لعلة، أولمقدم قدمه، وكذلك حكم القول فيما تأخر منها، فنظرنا فإذا هو مستحيل أن يكون إن ما تقدم منها إنما تقدم لنفسه، لأنه قد يتقدم على ما هو جنسه، وتأخر عنه ما ذاته مثل ذاته، كالجواهر وأجزاء السواد وغير ذلك من المتماثلات، فلو كان ما تقدم منها متقدماً لنفسه، لم يكن بالتقدم أولى مما هو مثل له، ولا كان المتأخر منها بالتأخر أولى منه بالتقدم، إذ قد صح وثبت أن المتماثلين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه، وناب منابه، واقتضت ذاته من الأحكام ما اقتضته ذات ما كان مثلاً له.
وفي العلم بتقدم بعض المتماثلات على بعض، وتأخر بعضها عن بعض - فإن ما تقدم منها، فالتقدم أولى منه بالتأخر، وما تأخر منها، فالتأخر أولى منه بالتقدم - دليل على أنه لا يجوز أن يكون
(8/77)

المتقدم منها متقدماً لنفسه، ولا المتأخر منها متأخراً لنفسه، ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدماً لعلة توجد به، لأنه ليس بأن توجد له تلك العلة - إذا لم تكن تلك العلة منه معلقة بموجد - أولى من وجودها بغيره.
ووجود سائر ما جانسها، بسائر ما يحتمله ذلك الجنس من العلل المقتضية بالتقدم، الذي هو الوجود في الوقت المخصوص الذي يتكلم عليه، حتى تتساوى في الوجود، ولا يتأخر بعضها عن بعض، لاحتمالها ما يقتضي وجودها من المعاني وكونها متماثلة.
على أنه لو كان المتقدم من الجواهر وأجزاء السواء متقدماً لعلة، والمتأخر عنها متأخراً لعلة، لكانت علة التقدم قبل علة التأخر، إذ كانت موجودة مع المتقدم، الذي هو قبل المتأخر.
ولو كان ذلك كذلك، لوجب أن يكون لعلة ايضاً، ما تقدمت إحدى العلتين على الأخرى، لأن علة التقدم والتأخر يجب أن تكونا من جنس واحد، لأنهما حدوثان ووجودان للحادث الموجود، ولو ثبتا معنى من المعاني.
وقد أبنا فيما سلف أنه لا يجوز تقدم أحد المثلين، على صاحبه لنفسه وجنسه.
ووجود الشيئين في زمانين متغايرين، لا يخرج
(8/78)

الوجود عن حقيقته، فيجب لذلك أن تكون علة وجود الشيء في زمان، كعلة وجود غيره في غير ذلك الزمان، ومن جنسها.
وإذا كان كذلك، وجب أن يكون تقدم إحدى العلتين للأخرى لعلة ثانية، والقول في الثانية وفي وجوب تعليقها بثالثة - إذا كانت متقدمة لعلة - كالقول في الأولى.
وكذلك القول في علة التأخر، وهذا يوجب ما لا نهاية له من الحوادث، وذلك محال.
فإن اعترف المخالف أن الشيء الذي يتقدم وجوده وجود ما هو مثل له لعلة فعلها فاعل، أقر أن الفعل يتعلق بالفاعل، وكان حكم المعلول حكم العلة، ففي ذلك ما أردناه.
وإن امتنع من تعلق العلة المقتضية لوجود ما يوجد به الفاعل، دخل عليه ما كلمناه به آنفاً: من أنه ليس احتمال بعض الجواهر لما يقتضي وجوده في زمان بعد زمان، بأولى من احتمال وجود ذلك فيما هو مثل له) .
قال: (وسنبين بعد هذا أن الجواهر المعدودات، ليست بذوات ولا أعيان ولا جواهر قبل وجود الأعراض، وأنها لم توجد إلا مع وجودها.
وإنما لم نقدم هذا الباب في هذه الدلالة لعدم حاجتنا
(8/79)

إليه، وذلك أنا نجعل مكان قولنا: (تقدمت الجواهر بعضها على بعض) ، أن نقول: إن بعضها ينتضد قبل بعض، وبعضها يتفرق قبل بعض، وبعضها يجتمع قبل بعض، وأنه لا يجوز أن يكون ما ينتضد منها منتضداً لنفسه، وما افترق منها مفترقاً لنفسه لقيام الدليل على تماثلها، وأن ما اقتضاه ذوات بعضها من الأحكام اقتضاه ذوات سائرها، وفي العلم بأن منها ما يكون مجتمعاً منتضداً، ومنها ما يكون متفرقاً متبايناً، دليل على أنه ليس الذي اقتضى لها ذلك ذواتها، وإن كانت تلك العلة فعلها فاعل، فصارت بوجودها على صفة ما ذكرناه من الاجتماع والافتراق، فصح أن الأفعال تتعلق بالفاعل، وأن تلك العلة إذا كانت متعلقة بالفاعل من حيث كانت فعلاً محدثاً، وجب أن يكون هذا سبيل الجسم، إذ كان فعلاً لمساواته لما تعلق بالفاعل فيما لو كان متعلقاً به.
وهذا إقرار بتعلق الأفعال بالفاعل) .
قال: (ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدماً لا لنفسه ولا لعلة، لأنه كان يجب أن لا يكون بالتقدم - في وقت تقدمه - أولى منه بالتأخر، ولا بالتأخر أولى منه بالتقدم، ولا كان هو بأن يكون متقدماً لا لنفسه ولا لعلة، أولى من تقدم ما هو مثل له في زمانه، لا لنفسه ولا لعلة، وفي العلم بكون المتقدم أولى منه بالتأخر، والمتأخر
(8/80)

أولى منه بالتقدم، وإن وصفه بالتقدم والتأخر يفيد فوائد متغايرة، لا تجري مجرى الألقاب التي لا تفيد - دليل على أنه لا يجوز أن يكون ما تقدم منها متقدماً لا لنفسه ولا لعلة) .
قال: (وفي فساد هذه الأقسام التي لا يخلو الأمر منها في التقدم والتأخر، دليل على أن مقدماً قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر) .
قال: (وهذا أحد ما يعول عليه في وجوب تعلق الأفعال بفاعل) .
قلت: مضمون هذا الكلام أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث يستدل عليه بأن ذلك يتضمن الاختصاص بزمان دون زمان، والتخصيص لا بد له من مخصص، لأنه ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر، وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح معلوم الفساد بالضرورة، ولم يحتج بعد هذا أن يستدل على أن الترجيح لا بد له من مرجح، لأن ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر، فلا بد له من مرجح، وقد ذكرنا فيما بعد أن هذا هو الطريق الذي سلكه أبو الحسين، وأبو المعالي، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغيرهم: قرروا افتقار المحدث
(8/81)

إلى المحدث بأن ذلك تخصيص بأحد الجائزين، والتخصيص بأحد الجائزين لأنه لا بد له من مخصص، وهذا عندهم مختص بالمحدثات، ولا يتصور عندهم ممكن قديم حتى يستدلوا بافتقار الممكن المتساوي الطرفين إلى مرجح لأحدهما، أو مرجح لوجوده.
وذكر القاضي أبو بكر أن ما ذكر من ضرب المثل باللبن إذا صار بناءً، والغزل إذا صار ثوباً، إنما هو لأجل ظهور ذلك في نفوس العامة والخاصة، لا لأن أحداهما مقيس على الآخر.
وذلك أن كثيراً من المعتزلة، كأبي علي، وأبي هاشم، يقررون ذلك بالقياس على أفعال العباد، فيقولون: كما أن الكتابة لا بد لها من كاتب، والبناء لا بد له من بان، فكذلك الجسم المحدث لا بد له من فاعل للقدر المشترك، لأن العلة الموجبة افتقار الأصل المقيس عليه إلى الفاعل، هي موجوده في الفرع المقيس، لأن افتقار الأصل إلى الفاعل إنما كان لحدوثه، وهذا موجود في الفرع ...
إلى سائر كلامهم المعروف في مثل هذا.
فذكر القاضي أبو بكر أنه لا حاجة إلى هذا، بل افتقار أحداهما كافتقار الآخر، وقرر الجميع بالطريقة التي ذكرها، وهو قوله: (لأن
(8/82)

الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع، كما يستحيل في العقول وجود صانع لا صنعة له، وكاتب لا كتابة له، فتعلق الصنعة بالصانع، كتعلق الصانع في كونه صانعاً بوجود صنعته) .
قال: (وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل) .

تعليق ابن تيمية
قلت: بيان هذا أنه إذا قيل: صنعة، أو فعل، كان هذا اللفظ متضمناً صانعاً فاعلاً، كما إذا قيل: فاعل صانع، كان ذلك متضمناً فعلاً وصنعة.
وذلك لأن المصدر يستلزم الفاعل، كما يستلزم الفاعل المصدر، فكما أن العقل يعلم امتناع فاعل لا فعل له، فهو يعلم امتناع فعل لا فاعل له.
والقاضي أبو بكر قرر هذا الوجه أيضاً بناءً على أن العلم بافتقار المحدث إلى محدث ليس بضروري، وزعم أن الأشعري يقول بذلك، كما تقدم من قوله: (إنا لا ندعي - ولا صاحب الكتاب - أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع، شيء يدرك من جهة الضرورات) .
ومن المعلوم أن كلام الأشعري ليس فيه شيء من هذا، ولم يذكر في كلامه أن العلم بافتقار الصنعة إلى صانع يقرر بأن استلزام الصنعة للصانع كاستلزام الصانع للصنعة، ولا بأن ذلك يتضمن تقديماً وتأخيراً، فيفتقر إلى مقدم ومؤخر.
(8/83)

ثم إن القاضي قرر ذلك بأن ذلك التقدم والتأخر لا يجوز أن يكون لعلة تقوم بالمتقدم والمتأخر، لأنه ليس وجود العلة به بأولى من وجودها بغيره، إذا لم يكن هناك موجد.
وكذلك وجود سائر العلل المجانسة لها لسائر ما يحتمله ذلك الجنس الذي وجدت به العلة، ولأن ذلك يتضمن تقدم علة على علة، فتفتقر أيضاً إلى لعة متقدمة، وذلك يفضي إلى وجود حوادث لا نهاية لها، وهو محال.
وهذه المقدمة فيها نزاع مشهور، لكنه احتج بها على من يسلمها من المعتزلة، ولأنه عند نفسه قد أقام الدليل عليها في موضع آخر.
وأيضاً فإنه بنى دليله على تماثل الجواهر، وهذا فيه نزاع مشهور، لكنه أحال على تقريره لذلك في موضع آخر.
وإبطال هذا القسم يظهر بدون هذه الأدلة التي اعتمد عليها، وذلك أن الكلام في حدوث ما يحدث من الحوادث التي تقدمت وتأخرت، وهذه لا تقوم بها العلل في حال عدمها، إنما تقوم بها في حال وجودها، فيمتنع أن يكون حدوثها لمعنى قام بها قبل حودثها، لأن المعدوم لا يحدث الموجود، ولا يكون المعدوم علة للموجود.
ولكن سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول، دون
(8/84)

الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع، قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة الطرق القريبة الواضحة القطعية، إما عناداً منه، وإما لشبهة عرضت له افسدت عقله وفطرته، مثلما يعرض كثيراً لهؤلاء، فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمةً مقدمة، إلى أن تلزمه النتيجة بغير اختياره، وإن كانت المقدمات التي مانعها أبين وأقطع من المقدمات التي سلمها، لكن هذا يحتاج إليه كثيراً في مخاطبة الخلق، فكم من شخص لا يقبل شهادة العدول الذين لا يشك في صدقهم، ويقبل شهادة من هو دونهم: إما لجهله، وإما لظلمه.
وكذلك كم من الخلق من يرد أخباراً متواترة مستفيضة، ويقبل خبر من يحسن به الظن، لاعتقاده أنه لا يكذب، وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل السمعية والعقلية، ويقبله إذا رآى مناماً يدل على ثبوته، أو قاله من يحسن به الظن لثقة نفسه بهذا أكثر من هذا، وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ما يوافقها شيخه أو إمامه فيقبلها حينئذ، لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ذلك المعظم عنده، ولم يعتد تلقي العلم من الكتاب والسنة، ومثل هذا كثير.
فكذلك كثير من الناس قد يألف نوعاً من النظر والاستدلال، فإذا أتاه العلم على ذلك الوجه قبله، وإذا أتاه على غير ذلك الوجه، لم
(8/85)

يقبله، وإن كان الوجه الثاني أصح وأقرب، كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة مخوفة، وهناك طرق أقرب منها آمنة وفيها الماء، لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه عن سلوكها.
وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء، قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة، ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس، أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور.
ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب، والملابس والعادات، لما في النفوس من حب الرياسة.
فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات، أو تلازمات، أو إدراج جزيئات تحت كليات، قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين، وإن كان غير هؤلاء، من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة، لا يحتاج إليها، بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه، ونفر عنها عقله، ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا، فإن علم العقول بافتقار المحدث إلى محدث، أبين
(8/86)

وأظهر من علم العقول بأن تخصيص أحد المثلين بشيء دون الآخر يحتاج إلى مخصص، ومن تصور هاتين القضيتين حق التصور، لم يمكنه - مع الشك في الأولى - أن يجزم بالثانية، بل قد لا يتصور إحداهما حق التصور.
ألا ترى أنه إذا قيل لمن صدق بالثانية: لم قلت: إن التقديم والتأخير لا بد له من مقدم ومؤخر؟ رجع إلى فطرته السليمة وحكم بذلك، وغايته أن يقول: الأشياء المتساوية لا يترجح بعضها على بعض إلا بمرجح.
فلو قال قائل: لما قلت ذلك؟ ولم لا يجوز أن يترجح هذا على هذا إلا بمرجح أصلاً؟ ويختص بما اختص به لا لمخصص أصلاً؟ لكان إنكاره لقول هذا القائل، دون إنكاره لقول من قال: لم قلت: إن هذه الحوادث لا تحدث إلا بمحدث؟
وهذا التأليفات والتركيبات الحادثة كانت، بعد أن لم تكن، لا بمؤلف ولا مركب، فإن ترجيح أحد المتساويين الحادثين على الآخر بلا مرجح، هو نوع من حدوث الحادث بلا محدث، فإن سوغ العقل حدوث حادث بلا محدث، سوغ ان يحدث أحد المثلين دون الآخر، بلا مخصص لحدوثه.
(8/87)

وهل تخصيص أحد الحادثين بوقت دون وقت، أو شكل دون شكل، أو وصف دون وصف، إلا نوع من حدوث حادث؟ فإن الصفات والأشكال حوادث، والتقدم والتأخر إضافة للحوادث إلى وقتها، فهو صفة في الحدوث، كإضافة الحادث إلى مكانه، وكل ذلك مما يعلم بصريح العقل وفطرته السليمة، أنه لا بد له من محدث، مخصص، فاعل، مؤلف، سواه.
ولهذا لم يحتج الأشعري إلى أن يقيم على ذلك دليلاً، كما فعله القاضي أبو بكر وأتباعه، إلا أن يكون في موضع آخر فعل كما فعلوا، ولعله إن فعل ذلك لأجل عناد المناظرين أو جهلهم، فسلك بهم الطريق البعيدة لما لم يسلكوا الطريق القريبة، لا لأنه عنده يحتاج إلى الطريق البعيدة.
ولهذا لا توجد هذه الطريق البعيدة في كلام أحد من السلف والأئمة، ولا ذكرت في القرآن، فإنها من باب تضييع الزمان، وإتعاب الحيوان في غير فائدة.
والقرآن لا يذكر فيه مخاطبة كل مبطل بكل طريق، ولا ذكر كل ما يخطر بالبال من الشبهات وجوابها، فإن هذا لا نهاية له ولا ينضبط، وإنما يذكر الحق والأدلة الموصلة إليه لذوي الفطر السليمة، ثم إذا اتفق معاند أو جاهل، كان من يخاطبه
(8/88)

من المسلمين، مخاطباً له بحسب ما تقتضيه المصلحة، كما يحتاج إلى الترجمة أحياناً وكما قد يستدل على أهل الكتاب بما يوجد عندهم من التوراة والإنجيل.
ففي الجملة: الطرق التي تختص بطائفة طائفة، مع طولها وثقلها على جمهور الخلق، لا تكون في مثل الكتاب العزيز، الذي جعله الله شفاءً ورحمةً، ودعا به الخلق جميعهم ليخرجهم به من الظلمات إلى النور، فإن مثل هذا الكتاب العزيز لا يليق أن يذكر فيه من الطرق ما يثقل على جمهور الخلق ويستركونه ويعدونه لكنةً وعياً لا يحتاج إليه، ويرونه من باب إيضاح الواضحات، كما لو ذكر فيه الرد على السوفساطئية ببيان أن الشمس موجودة، والقمر موجود، والبحار موجودة، والجبال موجودة، والكواكب موجودة، وأن الإنسان يعلم هذا بالمشاهدة - ونحو ذلك - لكن هذا مما يستقبح ذكره، ويستثقله ويستركه جمهور العقلاء، لأن هذا عندهم أمر معلوم، مستقر في عقولهم، لا يحتاجون فيه إلى خطاب عالم من العلماء، فضلاً عن كتاب منزل من السماء.
(8/89)

وإذا قدر أن بعض الناس احتاج إلى إزالة ما عرض له من هذه الشبه السوفسطائية، كان هذا من الأمراض النادرة التي لا تعرض لجمهور العقلاء، وعلاج هذا لا يحتاج إلى كتاب منزل من السماء يقصد به هدى الخلق، وبيان ما يحتاجون إليه في صلاح أمورهم.
ولو ذكر في القرآن مثل هذا، لم يكن لما يذكر من ذلك غاية، لأن الخواطر الفاسدة لا نهاية لها ولا ضابط، فكان يضيع زمان الناس في القراءة والسماع لما لا ينتفع به جماهيرهم، ويشتغلون بذلك عما لا بد لهم منه، ولا يصلح أمرهم إلا به.
ونحن لم يكن بنا حاجة - في الإيمان بالله ورسوله - إلى مثل هذه الطرق، وإنما ذكرناها لما كان الذين سلكوها يعارضون كلام الله ورسوله بمقتضاها، يزعمون أنه قد قامت عندهم أدلة عقلية تناقض ما جاءت به الرسل، فكشفنا حقائق هذه الطرق التي يعرضون بها، لنبين أن ما عارض النصوص منها لا يكون إلا باطلاً، وما لم يعارض النصوص: فقد يكون حقاً، وقد يكون باطلاً، وماكان حقاً ولم يعارض النصوص، فقد لا يحتاج إليه، بل في الطرق العقلية التي دلت النصوص عليها وهدت إليها ما يغني عن ذلك، بل تلك الطرق
(8/90)

أقوى وأقرب وأنفع، فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.
وقد قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} ، والصراط المستقيم هو أقرب الطرق إلى المطلوب، بخلاف الطرق المنحرفة الزائفة، فإنها إما أن لا توصل، وإما أن توصل بعد تعب عظيم، وتضييع مصالح أخر، فالطرق المبتدعة إن عارضت كانت باطلاً، وإن لم تعارض، فقد تكون باطلاً، وقد تكون حقاً لا يحتاج إليه مع سلامة الفطرة.
ولهذا كل من كان إلى طريق الرسالة والسلف أقرب، كان إلى موافقة صريح المعقول وصحيح المنقول أقرب.
فـ القاضي أبو بكر، وإن كان أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول في أصول الدين - بخلاف أصول الفقه - من أبي المعالي، وأتباعه، والأشعري أقرب إلى ذلك من القاضي أبي بكر، وأبو محمد بن كلاب أقرب إلى ذلك من أبي الحسن، والسلف والأئمة أقرب إلى ذلك من ابن كلاب، فكل من كان إلى الرسول أقرب كان أولى بصريح المعقول وصحيح المنقول، لأن كلام المعصوم هو الحق الذي لا باطل فيه، وهو المبلغ عن الله كلامه، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
ومما يبين ذلك أن ما ذكره القاضي أبو بكر من الطريقين البعيدين اقربهما مبني على أن دلالة الصنعة على الصانع، كدلالة الصانع على الصنعة، وهذا إنما يدل من جهة الاشتقاق اللفظي كما تقدم.
(8/91)

ومن المعلوم أن من شاهد الحوادث قبل أن يعلم أن لها صانعاً، لا يعلم أنها صنعة ولا مفعولة لفاعل، حتى يتضمن علمه بأحدهما علمه بالآخر، فإن لم يعلم أن الحادث لا بد له من محدث، لم يعلم أنها مفعولة ولا مصنوعة، فضلاً عن أن يعلم أن لها صانعاً فاعلاً وإذا علم أنها مصنوعة مفعولة، امتنع مع ذلك أن لا يعلم أن لها صانعاً فاعلاً.
يوضح ذلك أن علم الناس بأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع، ليس بدون علمهم بأن الصانع لا بد له من صنعة، بل علمهم بالأول قد يكون أقوى من الثاني، وذلك لأنه أراد بكلامه أن الصانع لا يكون صانعاً الإبصنعة، والفاعل لا يكون فاعلاً إلا بفعل، وهذا صحيح.
ولكن ليس هذا بأبين من كون المصنوع لا يكون مصنوعاً إلا بصانع، والمفعول لا يكون مفعولاً إلا بفاعل، والفعل لا يكون فعلاً إلا بفاعل، والصنعة لا تكون صنعة إلا بصانع، بل إذا رأوا الحادث علموا بعقولهم أنه لا بد له من فاعل أحدثه، وقد يرون ما يصلح أن يكون فاعلاً، ولا يعلمون: هل فعل شيئاً أو لم يفعله؟ فكان فيما ذكره بيان الأبين الأظهر بالأخفى، وهم يمنعون من تحديد الأظهر بالأخفة.
وقد قلنا: إن مثل هذا قد يستعمل مع جهل المخاطب أو عناده ونحو ذلك.
(8/92)

وأما الطريق الثانية التي جعلها القاضي أبو بكر معتمدة، فهي مع طولها يمكن تقريرها بمقدمات صحيحة، لكنه أدخل في بعض مقدماتها تماثل الجواهر وتناهي الحوادث.
ومعلوم لكل مؤمن عاقل أن الإقرار بالصانع لا يفتقر إلى هذا وهذا، بل وعلم الخلق بأن الحادث لا بد له من محدث، لا يفتقر لا إلى هذا ولا إلى هذا، وهو ذكر هاتين المقدمتين مع غيرهما، وفيما ذكره من غيرهما غنية عنهما، فإن تماثيل الأعراض كأجزاء السواد يغنيه عن تماثل الجواهر.
وما ذكره من الوجه الأول في امتناع التقدم لعلة يغنيه عن الوجه الثاني، المبني على تناهي الحوادث.
ثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع وتصديق رسله، إذا اعتقدوا أنه لا طريق إلا ذلك الطريق، جعلوا من خالفهم في صحة تلك الطريق ملحداً أو دهرياً أو نحو ذلك، وهذا يذكرونه في مواضع.
منها: أنهم لما اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات
(8/93)

الجوهر الفرد، جعلوا إثبات ذلك من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين.
وكذلك قد يقولون: إن تماثل الجواهر والأجسام من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين، وكذلك قد يقولون: إن تناهي الحوادث من أقوال المسلمين، والقول بعدم تناهيها من أقوال الدهرية الملحدين، ولهذا نظائر.
مع أن الذين يضيفونه إلى المسلمين قد يكون إنما ابتدعه طائفة من أهل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، والقول الآخر هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهور الخلق.
وكذلك قد يضيفون إلى السنة ما لا يوجد في كتاب ولا سنة، ولا قول أحد من السلف، بل قد يكون المأثور ضد ذلك، حتى يتناقض أحدهم في النقل.
فيحكي إجماع المسلمين، أو إجماع أهل الملل على شيء، ثم يحكي النزاع عنهم في موضع آخر.

كلام أبي الحسن الطبري إلكيا
كما رأيته قد ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي، أظنه أبا الحسن الطبري المعروف بإلكيا، أو بعض نظرائه ذكر في
(8/94)

كتابه في الكلام لما استدل على حدوث العالم بدليل الأعراض، المشهور عن المعتزلة وأتباعهم من الأشعرية والكرامية وغيرهم - قال: (فإما الركن الرابع، وفيه المعركة، والتشاجر عنده يحصل، وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها، وقد أطبق المليون وأتباع الأنبياء كلهم على استحالة حوادث لا أول لها - وقال ملحدة الفلاسفة بإثبات حوادث لا أول لها) .
وقال: في مسألة حلول الحوادث بعد أن ذكر قول الكرامية قال: (واعلم أن المشبهة أيضاً يقولون: إن الحوادث تقوم به، وإن لم يصرحوا به، فهم والكرامية في إثبات الجهة وقيام الحوادث بذات القديم، على حد سواء.
وذلك أنهم يجوزون على الله الجيئة والذهاب، والنزول والصعود، والانتقال، فيقولون: هذه الأشياء لم تكن فكانت، وهذا هو الحادث.
ثم أثبتوا له التحيز، وذلك لا يقوم إلا بمتحيز) .
قال: (وقد أثبتوا حوادث لا أول لها) .
قال: ولا تصول الملحدة إلا بهذا، وقد دللنا على بطلانه، وأنه لا يتم القول بحدوث العالم إلا بإبطاله) .

تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين، أو
(8/95)

إجماع المليين في مواضع كثيرة، يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب، فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل، وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام، فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام، كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها، وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام، أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة، فيحكون الإجماع على نفي ما سواها، وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا يكون معهم فيها نقل لا عن أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، بل ولا عن العلماء المشهورين، الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا فيها آية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم مع هذا يعتقدون أنها من أصول الدين، التي لا يكون الرجل مؤمناً، أولا يتم دين الإسلام إلا بها، ونحو ذلك.
ومثل هذا الرجل، وأمثاله من أهل الكلام، لما اعتقدوا أن العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول موقوف على هذا الدليل، أخذ يحكيه عن جميع أهل الملل وجميع أتباع الأنبياء، وهو مع هذا لا يمكنه أن ينقله عن عالم واحد، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا
(8/96)

تابعيهم، ولا معه فيه آية ولا حديث، والمنصوص عن الأئمة المشهورين عند الأمة يناقض ذلك، ولهذا عاد فحكى عن أهل الحديث الذين سماهم مشبهة، أنهم يقولون بذلك وإن كان ذكره في معرض التشنيع عليهم ففي ذلك ما يبين أن أتباع الأنبياء تنازعوا في ذلك.
وما ذكره من أن حدوث العالم لا يتم إلابإبطاله، يقول منازعوه: إن الأمر في ذلك بالعكس، وإن القول بما أخبرت به الرسل من أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، لا يتم مع هذا القول، ولا يتم إلا بنقيضه، لأن إبطال هذا يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وحدوث مجموع الحوادث بلا سبب حادث، ويصير الفاعل فاعلاً بعد أن لم يكن، بدون سبب جعله فاعلاً، بل حقيقة هذا القول أنه صار قادراً بعد أن لم يكن بغير سبب، وصار الفعل ممكناً بدون سبب وهذا ممتنع في بدائه العقول.
وبذلك صالت الدهرية على أهل الكلام، الذين سلكوا هذه السبيل.
فإنهم لما رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول، وظنوا أن هذا قول الرسل وأبتاعهم، اعتقدوا أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بما يخالف صريح المعقول.
ثم من أحسن الظن بهم قال: فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور، إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق المحض، فكذبوا لمصلحة الجمهور، فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء، وامتنع أن
(8/97)

يستدلوا به على علم، وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق الأنبياء، ونصر ما جاؤوا به، فما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاؤوا به.
فأما القول بما أخبرت به الرسل فلا يناقض هذا الأصل، بل يبطل ما يدفع به الملاحدة أقوال الرسل.
ثم إنه يحكي عن اهل الحديث هذا القول، وأن معنى قولهم هو أنه تحله الحوادث، وتجد كثيراً من متكلمة أهل الحديث كأبي الحسن بن الزاغوني، وأبي بكر بن عربي يحكون الإجماع على امتناع قيام الحوادث به، وأظن ان أبا علي بن أبي موسى ذكر ذلك، وهذا من جملة الإجماعات التي يطلقها من يطلقها بحسب ما ظنه، وهذا لأن هذه أقوال مجمله، قد يفهم منها ما هو باطل بالإجماع، والمطلقون لها أدرجوا فيها معاني كثيرة، لا يفهمها إلا خواص الناس.
وأول من أظهر هذه المقالات الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وصاروا يقولون: إنه منزه عن الأعراض، والأبعاض، والحوادث، والمقدار، والحد، ونحو ذلك.
ويدخلون في نفي الأعراض نفي الصفات، وفي نفي الحوادث نفي الأفعال القائمة به، وفي نفي المقدار نفي علوه على خلقه، ومباينته لهم، وفي نفي الأبعاض نفي علوه ومباينته، ونفي الصفات الخبرية: كالوجه، واليدين، ونحو ذلك،
(8/98)

مما يستلزم عندهم أن يكون له أبعاض.
ومن عجيب ذلك ما ذكروه في هذه المسألة، مسألة افتقار الحادث إلى المحدث، فإن أبا الحسن لما قال: الدليل على أن للخلق صانعاً صنعه، ومدبراً دبره؟ واستدل بحدوث الإنسان كما تقدم، فسر القاضي أبو بكر قوله بوجهين:
أحدهما: أنه يريد بالخلق: التقدير.
وكل جسم فله قدر، فيكون المعنى: ما الدليل على أن لكل جسم قدراً من الأقدار، قدره مقدر؟ لكن هذا الوجه لم يرده الأشعري، ولا بنى كلامه على إرادته، وإنه لم يذكر دليلاً على ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون الخلق: بمعنى الإبداع والاختراع، وجعل الشيء شيء شيئاً عيناً بعد أن لم يكن كذلك.
وهذا هو الوجه الذي أراده، لكن اعترض عليه بعض المعتزلة، وأظنه القاضي عبد الجبار، بأن كل من أقر بالمحدث المخلوق أقر بالخالق، وكل من اعترف بمفعول اعترف بفاعل، ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات الصانع الخالق.
وأراد
(8/99)

عبد الجبار بيان فساد الطريقة التي سلكها الأشعري، وتصحيح طريق شيوخه، وهو إثبات حدوث الأجسام أولاً، ثم إثبات المحدث بعد ذلك.
وليس الأمر كما ذكره عبد الحبار، بل الأشعري قصد العدول عن هذه الطريقة التي سلكها المعتزلة عمداً، مع علمه بها، كما قد بين ذلك في رسالته إلى الثغر، وبين أنها بدعة محرمة في الشرائع لم يسلكها السلف والأئمة، وعدل عنها إلى الاستدلال بحدوث صفات الإنسان، لأن ذلك أمر مشهود معلوم، والقرآن العزيز قد دل عليها وأرشد إليها.
لكن الأشعري لما أراد تقرير حدوث النطفة سلك في الاستدلال على حدوثها الطريقة المعروفة للمعتزلة في حدوث الأجسام، فهو وإن كان قد وافقهم على صحة هذه الطريقة، فهو يقول إن فيها تطويلاً وشبهات ومقدمات كثيرة فيها نزاع، فلا يحتاج إليها ابتداء، ولا يقف العلم والإيمان بالله تعالى عليها، بخلاف نفس تحول النطفة من حال إلى حال، فإن هذا أبين وأظهر من كون كل جسم لا بد له من أعراض مغايرة له، وأن الأعراض حادثة النوع.
ثم من أراد إثبات حدوث الأجسام بأنها لا تخلو عن الحركة والسكون، كما فعله من فعله من المعتزلة ومن وافقهم، فالأمر عليه أيسر
(8/100)

من إثبات من أثبت ذلك، بأنها لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن واحد منها، وأن جميع أنواع الأعراض لا تبقى زمانين، كما سلك هذه الطريقة كثير من الأشعرية ومن وافقهم، فإن هذه أبعد الطرق وأطولها وأضعفها مقدمات، لوكان في هذه الطرق شيء صحيح.
فالجواب لعبد الجبار عن الأشعري أن يقال له: هو استدل بحدوث الإنسان، وهو أمر معلوم مشهود لا ينازع فيه عاقل، وكان في ذلك مندوحة له عن الاستدلال بحدوث جميع الأجسام، وحينئذ فإذا ثبت أن للإنسان صانعاً ثبت سائر صفاته من العلم والقدرة وغير ذلك، ثم أمكن أن يعلم حدوث السماوات والأرض بالسمع، فلا يحتاج إلى ما يدل على حدوث جميع الأجسام، مع أن تمام الطريقة التي ذكرها الأشعري تدل على ذلك، فيقال لعبد الجبار: إن كانت طريقتكم صحيحة فقد سلكها الأشعري في آخر استدلاله، وإن كانت باطلة لم يكن عليه ملام في تركها، بل الذين ذموا ما ذموا منه، من أتباع السلف والأئمة، ذموا منها ما وافقكم فيه من هذه الطريقة وأمثالها، فالذي تطلبون منه من موافقتكم، هو الذي ينكره عليه السلف والأئمة، كما ينكرون ذلك عليكم.
(8/101)

وفي الجملة، فإن كان طريقكم مذموماً فالذم الذي يلحقه به أقل مما يلحقكم به، وإن كان صحيحاً فهو قد سلكه في آخر الدليل، لكنه لم يجعل نفس إثبات الصانع تعالى مفتقراً إلى إثبات حدوث الأجسام، لعلمه بأن الأمر ليس كذلك، وبأن هذا مخالفة لدين المسلمين، وسائر أهل الملل، فكان في موافقتكم على سلوك هذه الطريق ابتداء مخالفة للشرع والعقل.
وأما كون من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق، ومن اعترف بالمفعول اعترف بالفاعل، كما ذكره هذا المعتزلي، فالأمر كذلك.
ولهذا لم يتعرض الأشعري للدليل على ذلك، بل جعل كون المحدث دالاً على المحدث أمراً مستقراً معلوماً بالفطرة، إذ النزاع في ذلك أقبح من نزاع السوفسطائية.
وأما القاضي أبو بكر فأراد أن يجيب عن الأشعري بوجه آخر، فزعم أن افتقار المحدث إلى المحدث أمر نظري لا ضروري، وأن الأشعري أثبت ذلك، وذكر أن إثباته لذلك من جهة تتضمن الفعل للفاعل، كتضمن الفاعل للفعل.
ومن المعلوم أن كلام الأشعري ليس فيه شيء من هذا، ولا يحتاج كلامه إلى هذا، وإما نشأ الغلط من ظن القاضي أبي بكر أن العلم
(8/102)

بافتقار المحدث إلى الفاعل أمر نظري، وليس الأمر كذلك، بل هو ضروري عند جماهير العقلاء، وإن كان نظرياً عند طائفة من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم.
والشيء قد يكون ضرورياً مع إمكان إقامة الأدلة النظرية عليه، فلا منافاة بين كونه ضرورياً مستقراً في الفطر، وبين إمكان إقامة الدليل عليه.

كلام الباقلاني في بيان معنى الخلق
فقال القاضي أبو بكر: (وأما توجيه كلام أبي الحسن إلى أن الخلق بمعنى الاختراع والابتداع فصحيح مع أكثر أهل الدهر، لأن كثيراً من الدهرية والفلاسفة يزعمون أن العالم محدث من غير محدث، وأنه متشكل ومتصور بغير مصور ولا مدبر، مع إظهارهم الإقرار بحدوثه وأنهم لذلك يعتقدون، فإذا حصل هذا الإقرار من الفريق الذين ذكرناهم بحدث الأجسام وتصويرها وتركيبها، مع إنكارهم الصانع المصور، كان الكلام معهم في تعلقها بمحدث أحدثها وصورها، بعد الأصل الذي قد سلموه صحيحاً)
قال: (وقد زعم قوم من المسلمين أن شطر الحوادث، أو قريباً من شطرها، يقع من غير محدث ولا فاعل أصلاً، وهو ثمامة بن
(8/103)

أشرس النميري وشيعته، لأنه كان يزعم أن المتولدات كلها لا فاعل لها، وهي مع ذلك حوادث وأفعال) .
قال: (وإنما ذكرت لك هذه الفرقة من أهل الملة، لتعلم أن الإقرار بحدث الشيء وإنكار محدثه مذهب قد شاع في أهل الملة وغيرهم، وأن تعجب من تعجب من هذا وإنكاره دليل على جهله وشدة غباوته، وقلة عنايته بمعرفة مذاهب الأمم السالفة، ومن بعدهم من شيوخه المعتزلة، مع أن الدعوة التي عول عليها صاحب الأعتراض، هو أن قال: كل من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق، وكل من اعترف بمفعول اعترف بالفاعل، ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات الصانع الخالق) .
قال: (وقد أنبأنا بالذي سلف من الكلام على جهله في هذا، وذهابه عن جهة الصواب فيه.
ثم نقول: فهب أن الأمر كما وصفته، ماالذي فيه يوجب غلط واضع الكتاب في تعاطيه إقامة الدليل على إثبات الخالق؟ وقد اتفق الجميع من العاقلين على أن الأفعال تتعلق بفاعل، وأن المخلوقات تتعلق بخالق، ليس هو مما يعلم بالاضطرار، ولا يثبت بدرك الحواس، وإنما يتطرق إليه بالبحث والفحص، إلا شرذمة قليلة لا يعتد بقولها، ادعت في هذا المذهب البديهة، وأن
(8/104)

العلم يقع به عند كمال العقل، وليس هذا من قولنا وقول هذا المعترض، وقد يصح أن يشك في وجوب هذا التعلق من العقلاء شاكون إذا عدلوا عن جهة الاستدلال، وطرق الاستشهاد المؤدي إلى معرفة وجوب تعلق الفعل بالفاعل، وإذا كان هكذا لم يستنكر ما سلكه شيخنا رضي الله عنه من ذكر الدليل على أن الإنسان ليس هو المحدث لنفسه، وأن له محدثاً سواه، وأن المخلوق لا بد له من أن يتعلق بخالق، فإذا كان هذا إنما يعلم بالاستدلال، فكإنه إنما أراد أن يعرف المتعلم وجه الدليل الذي أدى المجمعين إلى وجوب تعلق الفعل بالفاعل، وما من أجله أجمعوا على ذلك، فما في هذا مما يعاب، لولا فرط الجهل وسوء الظن بالشيوخ؟!
وأيضاً فإن الذي عابه هذا المعترض غلط بين من قبل أنه سام الرجل إقامه الدليل على حدوث الجسم قبل إقامته على وجود محدثه.
وهذا الترتيب لعمري يجب على من قصد إلى أن يدل على الأمرين.
فأما من قصد أن يقيم الدلالة على أحدهما، وهو أن المحدث يتعلق بوجود محدث، فلا يجب عليه ذلك، فإنه قصد إلى الكلام في إحدى المسألتين دون الأخرى) .
قال: (وقد يقضي القول في هذا الذي سامه هذا المعترض في إثبات الأعراض وحدوث الأجسام في غير كتاب بما لا يخفي على من
(8/105)

عرف من مذهبه القليل واطلع منه على اليسير) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: ما ذكره القاضي أبو بكر ليس فيه جواب عن الأشعري، بل كلام الأشعري صحيح في نفسه لا يحتاج إلى ما ذكره.
وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أن كلام الأشعري ليس فيه إقامة دليل على هذه المقدمة التي جعلها القاضي نظرية، وهو تعلق الفعل بالفاعل، وأن المخلوق لا بد له من خالق.
بل الأشعري ذكر هذه المقدمة ذكراً مطلقاً، وجعلها مسلمة، ولم ينازع فيها من يعبأ فيها من يعبأ به، ولهذا لا يعرف في أهل المقالات المعروفة من نازع فيها.
وقول القاضي: إن كثيراً من الدهرية والفلاسفة يقولون: إنه محدث من غير محدث، فهذا القول إنما يحكي عن شرذمة لا يعرف منهم وقد تأول الشهرستاني وغيره ذلك بأنهم أرادوا به أن سبب حدوثه كان بالاتفاق، لا أنهم أنكروا الصانع، وحينئذ فيكونون قد أثبتوا فاعلاً ولم يثبتوا سبباً للحدوث.
(8/106)

وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، وقال لهم الناس: هذا ينقض الاصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة، لم يتجدد فيه شيء أزلاً وأبداً، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحاً بلا مرجح.
فقول أولئك الدهرية وقول محمد بن زكريا الرازي وأمثاله في إحالة الحدوث على تعلق النفس بالهيولى وأمثال ذلك، كل ذلك ينزع إلى أصل واحد، وهو إثبات حدوث حادث بلا سبب حادث.
والفلاسفة القائلون بقدم العالم، كأرسطو وابن سينا وأمثالهما، جعلوا هذا حجة على القائلين بحدوث العالم، لكن قولهم تضمن هذا وما هو أقبح منه، فإنهم زعموا أن الحوادث كلها تحدث عن علة تامة قديمة مستلزمة لمعلولها، لا يتأخر عنها شيء من معلولها، كما يقوله ابن سينا وأمثاله: إن الأول يحرك المتحركات، بمعنى أنها تتحرك للتشبه به، لا أنه أبدع حركتها، كما أنها لم يدعها عندهم، فلزم من
(8/107)

ذلك أن تكون الحوادث كلها حدثت لا محدث، وذلك أعظم من كونها حدثت بلا سبب حادث، وقد بسط هذا في موضعه.
وأما ما حكاه القاضي عن ثمامة، فهو من لوازم قوله، كما أن المعتزلة البصريين لما قالوا: تحدث إرادة لا في محل بل إرادة، ألزمهم الناس بحدوث الحوادث كلها بلا إرادة، وهو ينفي عنها الفاعل الإرادي، لا ينفي سبباً اقتضى حدوثها، وهم مع هذا معترفون بأنه لا بد للحوادث من فاعل مختار، ولكن لازم المذهب ليس بمذهب، وليس كل من قال قولاً التزم لوازمه التي صرح لفسادها، بل قد يتفق العقلاء على مقدمة وإن تناقض بعضهم في لوازمها، ولهذا كانت الشبه الواردة على قول القائل: إن التخصيص الحادث لا بد له من محدث مخصص، أو أن الممكن لا بد له من مرجح، أعظم مما يرد على أن المحدث لا بد له من محدث.

كلام الرازي في نهاية العقول عن مسألة إثبات وجود الله تعالى
والتناقض الذي يلزم أولئك أكثر.
ولها أورد أبو عبد الله الرازي في مسألة إثبات الصانع على طريقة أسولة لم يجب عنها بجواب صحيح، فإنه يبني جميع ما يذكره من الطرق على أن الممكن
(8/108)

لا بد له من سبب، فاعترض على ذلك بأنه: (لم قلتم: إن الممكن لا بد له من سبب؟.
ثم هنا نظران: أحدهما: أن نقول: أنتم في هذا المقام بين أمرين: إما أن تدعوا الضرورة فيه أو النظر.
ودعوى الضرورة باطل لوجهين: أحدهما أنا إذا عرضنا على العقل أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، وعرضنا أيضاً قولنا: إن الواحد نصف الأثنين، لم نجد القضية الأولى في قوة القضية الثانية.
وثانيهما: أن العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان ذلك ضرورياً لاستحال من العقلاء دفعه.
بيان أن العقلاء جوزوا ذلك صور ست: أحدها: أن القائلين بحدوث العالم، وهم المسلمون، يقولون: إن الله فعل في
(8/109)

الوقت المعين، دون سائر الأوقات، لا لأمر يختص به ذلك الوقت.
ومن علل منهم ذلك باختصاص ذلك الوقت بمصلحة خفية، يحكم باختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة دون سائر الأوقات المذكورة، مع تساويها بأسرها، فيكون ذلك وقوعاً للممكن بلا سبب.
وثانيها: أن الذين يحيلون الدواعي والأعراض على الله تعالى، وينكرون كون الحسن والقبح صفة عائدة إلى الفعل، يقولون: أن الله تعالى حكم في الواقعة المعينة بحكم مخصوص، من إيجاب، أو ندب، أو حظر، أو إباحة، مع كون سائر الوقائع مساوياً لها، فلا يكون على مذهبهم لتخصيص تلك الواقعة بذلك الحكم سبب مخصوص.
وثالثها: أن أكثر زعموا أن القادر، مع تساوى دواعيه إلى الشيء وضده، قد يفعل أحدهما دون الآخر لا لمرجح، بل زعموا أن الهارب من السبع إذا اعترضه طريقان متساويان من جميع الوجوه، فإنه لا بد وأن يختار أحدهما دون الآخر، وزعموا أن العلم بذلك
(8/110)

ضروري، وأن الجائع إذا خير بين أكل رغيفين متساويين من كل الوجوه، فإنه لا بد وأن يختار أحدهما، بل يبتدىء بكسر أحد جوانب ذلك الرغيف من غير سبب مختص يختص به ذلك الجانب، وكذلك النائم ينقلب من احد جنبيه على الآخر لا لمرجح، وادعوا الضرورة في هذه الصورة.
ورابعها: أن أكثر المعتزلة زعموا أن الذوات متساوية في الذاتية، ومختلفة في الصفات الذاتية، وأنه ليس لاختصاصها بتلك الصفة علة.
وخامسها: زعمت الفلاسفة أن حركات الفلك لأجل التشبه، مع أنها لو وقعت إلى الجهة المضادة لجهتها، أو أسرع أو أبطأ مما وجدت، لكن التشبه حاصلاً لا عن مرجح.
(8/111)

وسادسها: أنهم يقولون: الكوكب المعين يختص بموضع معين من الفلك، مع كون ذلك الموضع مساوياً لسائر المواضع في الحقيقة والماهية، لكون الفلك عندهم بسيطاً، فثبت أن العقلاء حكموا في هذه الصور بوقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان العلم بذلك ضرورياً لاستحال ذلك، كما استحال أن يحكم بعضهم بكون الواحد أكثر من اثنين.
فهذا البطلان قول من يدعي الضرورة في هذا المقام، وأما من يدعي الاستدلال فلا بد له من دليل، وأنتم ما ذكرتم ذلك الدليل.
ثم لو ذكرتموه فإنه ينتقض بالصور التي عددناها) .
وذكر أسولة أخرى.
ثم قال أبو عبد الله الرازي: (والجواب على منهجين: الأول: إجمالي، وهو أن دليلنا بناء على مقدمتين: إحدهما:
(8/112)

أن المحدث لا بد وأن يكون ممكناً، لأن الذي لا يقبل حقيقة العدم لا يكون معدوداً في شيء من الأوقات.
وثانيهما: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.
وهاتان المقدمتان لا يشك فيهما عاقل، وما ذكرتموه من الشكوك فهي جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في سائر العلوم الضرورية.
وكما أن تلك الشبه مع قوتها لا تقدح في شيء من العلوم الضرورية، وتلك لا تزيل عنا الجزم والوثوق بالمشاهدات، فكذلك ما ذكرتموه) .
قال: (وهذا جواب قاطع للمنصف) .
قال: (والمنهج الثاني أن نجيب عن الشكوك المذكورة على التفصيل) .
إلى أن قال: (قوله: إذا ثبت كون المحدثات ممكنة، وجب
(8/113)

استنادها إلى مؤثر.
قوله: تدعون فيه الضرورة أو النظر؟ قلنا: بل ندعي فيه الضرورة، فإنا أذا فرضنا إنساناً سليم العقل لم يمارس هذه المجادلات، ثم يعرض على عقله أن كفتي الميزان: هل يمكن أن تترجح إحداهما على الأخرى لا لسبب أصلاً؟ فإن صريح العقل يشهد له بإنكار ذلك.
وكذلك إذا دخل برية لم يجد فيها عمارة أصلاً، ثم دخلها فوجد فيها عمارة رفيعة مشيداً، فإنه مضطر إلى العلم بوجود باني وصانع، وكذلك إذا أحس بصوت أو حركة اضطر إلى العلم بوجود مصوت أو متحرك، بل الصبيان يضطرون إلى العلم بذلك، لأنهم إذا وجدوا في موضع شيئاً لم يتوقعوا حصوله هناك، حملتم طباعهم السليمة على طلب من وضع ذلك الشيء في ذلك الموضع، فدلنا هذا على أن ذلك من العلوم الضرورية.
قوله: إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الأثنين، وعرضنا أيضاً أن الممكن
(8/114)

لا يترجح أحد طرفيه على الآخر الإ لمرجح، وجدنا الأول أظهر.
قلنا: هذا ممنوع، وبتقدير التسليم لا يلزم من كون الأول أجلى منه أن لا يكون هو جلياً، وذلك لأن العلوم الضرورية متفاوتة في الجلاء، كما أن العلوم النظرية متفاوتة في الخفاء، وكما أن التفاوت في النظريات لا يخرجها عن كونها نظرية، وكذلك التفاوت في الضروريات لا يخرجها عن أن تكون ضرورية.
قوله: إن جمعاً من العلماء التزموا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان فساد ذلك ضرورياً لما قالوا به.
قلنا: إنهم لم يلزموا ذلك، بل غايته أن صار ذلك لازماً على مذاهبهم، وليس كل ما صار لازماً وجب أن يلتزمه صاحب ذلك المذهب.
والإشكال إنما يجيء من التزامه ما يناقض هذه القضية لا من لزومه، وكذلك فإن أصحاب هذه المذاهب متى ألزمتهم وقوع الممكن لا عن سبب، فإنهم يحتالون
(8/115)

في الجواب عن ذلك، سواء كانت أجوبتهم عن ذلك قوية أو ضعيفة، وذلك يدل على أن العلم بذلك ضروري.
وأما العذر عن كل واحد من الصور التي أوردناها، فنحن بعد ذلك إن شاء الله تعالى في المواضع اللائقة بها نجيب عنها.
قال: وبالجملة فكل مذهب يؤدي إلى القول بوقوع الممكن لا عن سبب، فإحالة البطلان على ذلك المذهب أولى من إحالته على هذا الأصل المعلوم بالضرورة) .

تعليق ابن تيمية
قلت: فهو إن سلك مسلك هؤلاء في بيان افتقار المحدث إلى المحدث لأنه ممكن، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فمسلكه اطول وأضعف.
بل هذا المسلك الذي سلكه باطل، كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر.
وذلك أن كون تخصيص أحد الوقتين المتماثلين بالحدوث دون الآخر يفتقر إلى مخصص، أبين من كون الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فإن المعلوم لكل أحد أن الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا بد له من غيره، فلا يترجح وجوده إلا بمرجح.
(8/116)

أما كون عدمه لا يترجح على وجوده إلا بمرجح فهذا محل نزاع، وأكثر العقلاء على نقيض ذلك، وعندهم أن العدم لا يعلل ولا يعلل به، كما قال ذلك من قاله من متكلمة أهل الإثبات، وغيرهم كـ القاضي أبي بكر وأتباعه، كـ أبي المعالي، والقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وغيرهم.
فالجمهور يقولون: عدم الممكن لا يفتقر إلى سبب، بل ليس له من ذاته وجود، فإذا لم يكن ثم سبب يقتضي وجوده نفي معدوماً.
وإذا قال القائل: عدم وجوده لعدم علة وجوده، كما أن وجوده لوجود علة وجوده.
قالوا له: أتعني أن نفس عدم العلة هو الموجب لعدمه، كما أن العلة المقتضية لوجوده كالفاعل هو المقتضي لوجوده؟ أم تعني أن عدم العلة مستلزم لعدمه، ودليل على عدمه؟
الأول ممنوع، والثاني مسلم.
وذلك لأن عدمه لا يفتقر إلى سبب منفصل أصلاً، وما لا يفتقر إلى سبب منفصل لا يعلل بسبب منفصل، وذاته ليست مستلزمة للعدم لتكون ممتنعة، بل ليست مقتضية للوجود، فعدمه مستمر إذا لم يكن هناك سبب يقتضي وجوده، ولكن يستدل بعدم الموجب على عدم الموجب، لأن وجوده بدون سبب محال.
فإذا علمنا ان لا سبب يقتضي وجوده، علمنا عدم وجوده، فهذا
(8/117)

من باب الاستدلاب وقياس الدلالة، لا من باب العلة التي هي المؤثرة في عدمه في الخارج، والله أعلم.
وأيضاً فالمعلوم بالبديهة هو أن ترجيح أحد المتماثلين من كل وجه على نظيره لا يكون إلا بمرجح، كما ذكره من أن كفتي الميزان لا تترجح إحداهما على الاخرى إلا بمرجح، وأن هذا معلوم بصريح العقل.
وإذا كان كذلك، فطريقة المتكلمين من الذي قالوا: لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخص، كما قاله القاضي أبو بكر، والقاضي أبو يعلى، وأبو الحسين البصري، وأبو المعالي، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وأمثال هؤلاء من نظار المسلمين - خير من طريقة الذين احتجوا بأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.
كما فعل ذلك ابن سينا، والسهروردي المقتول، والرازي، والآمدي، وأمثال هؤلاء، فإن هؤلاء بنوا ذلك على أن الممكن لا يترجح أحد طرفي وجوده وعدمه على الآخر إلا بمرجح.
ومن المعلوم أن العلم يكون أحد الأمرين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح يظهر في الأمرين المتماثلين من كل وجه، كما ذكروه في كفتي الميزان، فإما إذا قدرناهما متساويتين، لم يترجح إحداهما على الأخرى إلا بمرجح.
(8/118)

وكذلك الأوقات المتماثلة، إذا اختص وقت عن وقت بحدوث الحادث فيه، كان ذلك التخصيص تخصيصاً لأحد المثلين على الآخر، والتخصيص ترجيح له عليه، فلا يد له من مخصص مرجح.
وأما الوجود والعدم فليسا متماثلين في أنفسهما، وإن كان الممكن يقبل الوجود ويقبل العدم، فليس وجوده مماثلاً لعدمه، كتماثل الكفتين والوقتين، ولكن هما بالنسبة إليه جائزان، وهو قابل لهما.
فغاية ما يقال: إنه باعتبار نفسه ليس هو بأحدهما أولى منه بالآخر، فهما بالنسبة إليه متماثلان من هذا الوجه، فيكون ترجيح أحدهما مفتقراً إلى مرجح، ولكن عند التحقيق يظهر أنهما بالنسبة إليه ليسا متماثلين، وأنه ليس هنا حقيقتان ترجيح إحداهما على الأخرى، بل ليس له نفسه وجود أصلاً، فهو باعتبار ذاته لا يستحق إلا العدم، لا يقال: إنه لا يستحق لا الوجود ولا العدم، بل إذا جردنا النظر إلى محض ذات الممكن، الذي يقبل الوجود والعدم، علمنا أن ذاته لا تكون موجودة بذاته.
لسنا نقول: إن ذاته تستلزم العدم، بحيث يكون عدمها واجباً ووجودها ممتنعاً، فإن هذا حقيقة الممتنع لذاته، لا حقيقة الممكن لذاته.
ولكن نقول: إن ذاته هي باعتبار النظر إليها فقط معدومة عدماً ليس واجباً، بل عدماً يمكن أن يتبدل بالوجود.
(8/119)

ومما يوضح ذلك أن كل محدث فهو ممكن، فإنه كان معدوماً ثم صار موجوداً، فهو قابل للوجود والعدم.
ثم إنه من المعلوم لكل أحد أن المحدث لا يقال: إن عدمه يفتقر إلى سبب مرجح، كما يفتقر وجوده إلى سبب مرجح، بل المحدث ليس له من نفسه وجود أصلاً، ولا يستحق باعتبار ذاته إلا العدم، أي لا يثبت له بذاته إلا العدم، لا أنه يجب له بذاته العدم، فالعدم ليس واجباً بذاته، بل هو ثابت بذاته.
وقولي: ثابت بذاته، ليس هو إخباراً عن شيء ثابت في الخارج وذات، فإن المعدوم ليس له في الخارج ذات ثابتة، بل حقيقة الأمر أنه ليس له في الخارج شيء موجود من ذاته، ولكن هو ممكن الوجود من غيره، فهو مفتقر إلى غيره في كونه موجوداً لا في كونه معدوماً.
وإذا قال قائل: إن الممكن - أو المحدث - يفتقر في عدمه إلى عدم السبب الموجب.
قيل له: وعدم ذلك السبب الموجب: إما أن يكون واجباً، وأما أن يكون ممكناً، فإن كان واجباً، لزم أن يكون عدم كل ممكن واجباً، فتكون جميع الممكنات ممتنعة، لأن عدم كل ممكن على هذا التقدير معلول بعدم واجب، وإذا كان معدوماً لعدم علته، وعدم علته واجباً، كان عدمه واجباً، وهذا معلوم الفساد بالبديهة.
(8/120)

وإن قيل: إن عدم العلة ممكن، فإن كان معدوماً بنفسه، أمكن أن يكون الممكن معدوماً بنفسه لا بعلة، وهو المطلوب.
وإن كان معدوماً بعلة، كان القول في تلك العلة كالقول في الأخرى، ويلزم من هذا أن يكون عدم كل ممكن معللاً بعدم ممكن آخر.
وهذا باطل لوجوه: منها: أنه ليس تعليل عدم هذا بعدم هذا، بأولى من العكس.
فإن كل ممكن مفتقر إلى المرجح المؤثر، سواء سمي فاعلاً أو علة، أو موجباً أو سبباً، أو ما سمي به.
فإذا قيل: عدم هذا الممكن لعدم مؤثره، وعدم ذلك المؤثر لعدم مؤثره، كان كل منهما مساوياً للآخر في الافتقار إلى المؤثر، فليس أن يكون عدم أحدهما لعدم الآخر، المفتقر عدماً إلى المؤثر، بأولى من أن يكون عدم ذاك لعدم هذا المفتقر عدمه إلى المؤثر، مع استوائهما في ذلك.
منها: إذا كان عدم هذا لعدم ذاك، وعدم ذاك لعدم آخر، فالعدم الثالث إن كان هو الأول، لزم الدور القبلي، وإن كان غيره، لزم التسلسل في العلل والمعلولات، وكلاهما ممتنع.
فهذا كله مما يببين أن عدم الممكن ليس مفتقراً إلى المؤثر، كافتقار
(8/121)

وجوده إلى المؤثر، فليس ترجيح وجوده على عدمهه، كترجيح إحدى كفتي الميزان، وترجيح أحد الزمانين بالحدوث على الآخر، فإنه هناك رجح الشيء على مثله بلا مرجح، ونسبة الحادث إلى هذا الزمان كنسبته إلى هذا، ونسبة الرجحان إلى هذه الكفة كنسبته إلىهذه، بخلاف الوجود والعدم يالنسبة إلى الممكن، فإن ليس رجحان الوجود كرجحان العدم.
ومما يبين هذا أن المرجح للوجود في الممكن، ليس هو المرجح للعدم، لا مثله، ولا من جنسه، فإن المرجح للوجود مؤثر موجود، والمرجح للعدم عدم المؤثر، وليس الوجود هو العدم، ولا مثله، ولا من جنسه، فليس المرجح لأحد طرفي الممكن هو المرجح للآخر، ولا مثله، ولا من جنسه، ولا يمكن ذلك فيه، بخلاف المرجح لإحدى كفتي الميزان والمخصص لوقت دون وقت بالحدوث، فإنه يمكن أن يكون هو الآخر لتغير صفته، أو ما يكون من جنس بالآخر.
وأيضاً فترجيح سائر صفات الحادث والممكن على الأخرى، ليست كترجيح الوجود على العدم، بل هي أقرب إلى ترجيح الوقت على الوقت، كتخصيصه بقدر دون قدر، ووصف دون وصف، ومكان دون مكان، ونحو ذلك.
فإن هذا إلى تخصيصه لوقت دون وقت، أقرب منه إلى تخصيصه بالوجود دون العدم.
(8/122)

فتبين بذلك أن طريقة أولئك النظار من متكلمة المسلمين، مع كونهم سلكوا فيها من التطويل والتبعيد ما لا يحتاج إليه، بل ربما كان فيه مضرة، خيراً من طريقة هؤلاء، الذي استدلوا بترجيح أحد طرفي الممكن.
ثم إن ابن سينا وأمثاله كانوا خيراً فيها من الرازي والآمدي وأمثالهما.
والرازي فيها خير من الآمدي، كما قد ذكر في غير هذا الموضع.
وهذا لو قدر أن هذه الطريقة - طريقة ابن سينا ومن اتبعه كـ الرازي ونحوه - طريقة صحيحة، فكيف إذا كانت باطلة؟! كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع، وبينا أن هذه الطريقة لا تدل على إثبات وجود واجب ثابت في الخارج، مغاير للممكن أصلاً.
ولو دلت على ذلك لم تدل على أنه مغاير للأفلاك ونحوها.
ولهذا كان من سلك هذه الطريقة لا يمكنه أن يثبت بها الصانع، ولو أثبت بها الصانع، لم يمكنه أن يجعله شيئاً غير الأفلاك، فضلاً عما يدعونه من نفي التركيب، الذي جعلوه دليلاً على نفي الصفات.
وذلك أن هؤلاء بنوا هذه الطريقة على أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وأن الممكن لابد له من واجب، فاحتاجوا إلى شيئين: إلى حصر القسمة في الواجب والممكن، وأن الممكن يستلزم الواجب.
ولفظ (الواجب) فيه إجمال.
قد يراد به الموجود بنفسه الذي
(8/123)

لا فاعل له، فتدخل فيه - إذا كان ذاتاً موصوفة بالصفات - ذاته وصفاته.
ويراد به القائم بنفسه مع ذلك، فتدخل فيه الذات دون الصفات.
ويراد به المبدع للممكنات، فلا تدخل فيه إلا الذات المتصفة بالصفات.
ويراد به شيء منفرد، ليس بصفة ولا موصوف.
فهذا يمتنع وجوده، ولم يفهموا دليلاً على وجوده، فضلاً عن أن يكون واجب الوجود.
فإذا قالوا: نعني بالواجب ما لا تقبل ذاته العدم، وبالممكن ما تقبل ذاته العدم.
قيل لهم: أثبتوا وجود ممكن تقبل ذاته العدم لتحتاج إلى الواجب.
ولما قيل لهم ذلك لم يثبتوه إلا بإثبات الحوادث، التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى.
وهذا صحيح، فإن الحوادث مشهودة، وافتقارها إلى المحدث معلوم الضرورة.
لكنهم لم يسلكوا هذا المسلك، فإن هذا إنما يثبت وجود قديم أحدث الحوادث.
والممكن عندهم يتناول ما يكون قديماً ومحدثاً، فالقديم الأزلي عندهم يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم.
وهذا القول قاله ابن سينا واتبعه هؤلاء، وخالفوا به جميع العقلاء حتى أرسطو وأصحابه، وحتى خالفوا أنفسهم وتناقضوا، فإن ابن سينا وأتباعه صرحوا في غير موضع بأن الممكن، الذي يقبل الوجود
(8/124)

والعدم لا يكون إلا محدثاً، لا يكون قديماً أزلياً، وأن ما كان قديماً أزلياً، لم يكن إلا واجباً ضرورياً يمتنع عدمه.
فهذا القول باطل، وإن قدر صحته، فلا يتمكن إثباته إلا بكلفة ونظر دقيق.
ومعلوم أن العلم بواجب الوجود الصانع للممكنات، لا يتوقف على العلم بكون القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه، قد يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم، فهم يقولون: إذا أثبتنا قديماً نحتاج بعد ذلك إلى أن نثبت أنه واجب الوجود لا ممكن الوجود، لأن القديم يحتمل الأمرين.
وهذه طريقة الرازي التي اعتمد عليها في عامة كتبه كـ الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية وغيرها من كتبه.
فهؤلاء إذا قيل لهم أثبتوا واجب الوجود، الذي هو قسيم الممكن عندهم، والممكن عندهم يتناول القديم والحادث، لم يمكنهم إثبات هذا الواجب إلا بإثبات ممكن يقبل الوجود والعدم.
وهذا لا يمكنهم إثباته إلا بإثبات الحادث، الذي يكون موجوداً تارة معدوماً أخرى.
والحادث يسلتزم ثبوت القديم، والقديم عنده لا يجب أن يكون واجب الوجود، بل قد يكون ممكن الوجود، فهم لم يثبتوا: لا واجب الوجود، ولا ممكن الوجود، الذي به يثبت واجب الوجود الذي ادعوه.
ثم إذا قدر أنهم أثبتواوجود واجباً، فهم لم يقروا أنه واحد وأنه
(8/125)

مغير للأفلاك، إلا بدعوى أن الواجب لا يكون مركباً، لأن المركب يفتقر إلى أجزائه وما افتقر إلى أجزائه لم يكن واجباً.
ومعلوم أن هذا إنما ينفي وجوب واجب، بمعنى أنه منفرد، ليس بصفة ولا موصوف، وأن مثل هذا يمتنع أن يكون موصوفاً، مع أن الغرض أنه ليس بموصوف.
ولكن هذا الواجب لم يقم دليل على وجوده، بل ولا على إمكانه، وإنما يقوم الدليل على امتناعه.
يراد به افتقار المفعول إلى فاعله، والمعلوم إلى علته الفاعلة، وإنما يراد به أنه يلزم من وجود المركب وجود أجزائه، فيلزم من وجود الذات المتصفة بصفات، وجود الذات والصفات.
وهذا لا محذور فيه، وحقيقته أنه يلزم من كون الشيء موصوفاً كونه موصوفاً، ومن كونه مركباً كونه مركباً.
وهذا كلام صحيح، وليس فيه ما يدل على امتناع ذلك، وقد بسط هذا فيغيره هذا الموضع.
وقد تفطن الغزالي وغيره لبعض ما به يفسد كلامهم، وقد تكلمنا على ذلك وعلى أنواع أخر مما يتبين به بطلان كلامهم.
والمقصود هنا بيان أن طريقة أولئك خير من طريقة هؤلاء.
وهذا كله مما يبين أن كل من كان إلى الإسلام أقرب، فإن عقلياته في الأمور الإلهية أصح من عقليات من كان على الإسلام أبعد منه، إلا حيث يكون قد اتبع في عقليانه من هو عن الإسلام أبعد منه.
هذا كله بين
(8/126)

لمن تدبره، ومن تدبر كلام هؤلاء وكلام هؤلاء، وجد كلام متكلمي المسلمين خيراً من كلام متكلمي الفلسفة ومبتعيهم.
وهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا وأتباعه، لم يسلكها أرسطو وقدماء الفلاسفة.

كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية
وقد قال ابن سينا في الإشارات: (ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجوداً من ذاته، فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من
(8/127)

عدمه، من حيث هو ممكن.
فإن صار أحدهما أولى، فلحضور شيء أو غيبته، فوجود كل ممكن الوجود من غيره) .
فقوله: (ما حقه الإمكان فليس يثير موجوداً من ذاته) قضي صحيحة وهي بينة بنفسها، فإن الممكن هو الذي يكون وجوده بنفسه.
فإذا قيل: ما لا يكون وجوده بنفسه فوجوده من غيره، كان هذا من القضايا البينة، ولكن هذا لا يعرف، بل ولا يثبت إلا في الأمور الحادثة، التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى، كما اعترف، هو وسلفه وسائر العقلاء، لأن ما يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثاً.
وقد ذكرنا ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع، ولم يمكنهم إقامة دليل على الافتقار إلى الفاعل إلا في المحدث.
وأما استدلاله على ذلك بقوله: (فليس وجوده في ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن) فهذا لا يحتاج إليه، وهو متنازع فيه، وهو لم يقم عليه دليلاً، بل يقال: هو العدم باعتبار ذاته أولى به من الوجود، بل هو باعتبار مجرد ذاته لا يستحق إلا العدم، بل يقال: هذا باطل، فإن ما كان يفتقر إلى فاعل يفعله، يعلم بالضرورة أنه لا يوجد إلا بالفاعل الذي فعله، وأما عدمه فلا يفتقر فيه إلى شيء، وكل ما كان يمكن وجوده وعدمه، لا يكون وجوده إلا بموجد يوجده، وأما عدمه فلا يحتاج فيه إلى شيء.
وقوله: (فإن صار أحدهما فلحضور شيء او غيبته) هو أيضاً مما لا يحتاج إليه ولا بينه، ولا هو مسلم، بل هو باطل، إذ كان الممكن إنما يفتقر إلى غيره إذا كان موجوداً، فأما ما كان مستمراً على العدم، فلا يحتاج دوام عدمه إلى شيء، وحقيقة كلامه أنه صار الوجود فلحضور غيره، وإن صار العدم فلغيبة غيره، فيكون إنما عدم لغيبة سببه، وهذا كما قد عرف كلام ليس ببين، وهو متنازع فيه، بل هو باطل، وعند التحقيق تبين أن عدم الغير مستلزم لعدمه، ودليل على عدمه، لا أنه الموجب لعدمه.
وكلام القاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري وأمثالهما في هذا
(8/128)

الباب، هو أصرح في المعقول، بل هو صواب، وهذا خطأ، وإن كان أولئك مقصرين من وجه آخر، حيث استولوا على الواضح بالخفي.
وأما ابن سينا وأتباعه، كـ الرازي وغيره، فدليلهم باطل، ولم يثبتوا وجوداً واجباً، بل تكلموا في تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بكلام ابتدعوه، خالفوا به سلفهم وسائر العقلاء ونقضوا به أصولهم التي قرروها بالعقل الصريح، فإن أبا الحسين يقول: (الدليل على أن للمحدث محدثاً هو أنه لا يخول: إما أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث، أو كان يجب أن يحدث، فلو حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من ان يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال، إذ كان حدوثه واجباً في نفسه.
وإن حدث مع جواز أن لا يحدث، لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه)
فقد بين أن الحادث إن كان واجب الحدوث بنفسه لم يختص بوقت دون وقت، إذ الواجب بنفسه لا يختص بوقت دون وقت، وإذا لم يختص يجب أن لا يحدث في بعض الأوقات، والتقدير أنه حدث في بعض الأوقات.
وأيضاً فالتخصيص بوقت دون وقت لا بد له من مخصص، وإن كان ممكن الحدوث، بحيث يكون قد حدث وكان من الممكن أن لا
(8/129)

يحدث، لم يكن بالحدوث أولى منه بعدم الحدوث لولا شيء اقتضى حدوثه.
فقول أبي الحسين: (لم يكن وجود الحدوث أولى من عدم الحدوث لولا مقتض اقتضى الحدوث) يبين أن رجحان وجود الحدوث على عدم الحدوث، يفتقر إلى مقتض لترجيح الحدوث على عدم الحدوث.
فكانت هذه الطريقة، مع طولها، خيراً من طريقة ابن سينا والرازي وأمثالهما، لو كانت تلك صحيحة، من وجهين: أحدهما: أن افتقار رجحان المحدث على عدمه إلى مقتض، أبين في المعقول من افتقار كل ممكن، فإن الممكن الذي يقدر أنه ليس بمحدث، قد نازع طوائف من الناس في ثبوته، وفي إمكان كونه معلولاً لغيره، ونحو ذلك.
بل عامة العقلاء على امتناعه، والذين يثبتونه يعترفون بامتناعه، والعقل الصريح يدل على امتناعه، ولم يقيموا دليلاً على تحقيقه، ولا على افتقاره إلى واجب، وعلى إثبات واجب يكون قسيماً له.
(8/130)

وأما المحدث الذي كان بعد عدمه، لم ينازع هؤلاء، ولا عامة العقلاء في أنه لا يترجح وجودهه على عدمه إلا بمقتض، فكان الاستدلال بترجيح وجود المحدث على عدمه، أولى من الاستدلال برجحان وجود كل ممكن، لو قدر أن الممكن أعم من المحدث فكيف أذا لم يكون الممكن إلا محدثاً؟ ‍‍‍.
الثاني: أنه قال: (لم يكن بالحدوث أولى منه بالعدم لولا شيء اقتضى حدوثه) فبين أن رجحان الوجود على العدم لا يكون إلا بمقتض، لم يقل: إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يكون إلا بمرجح.
وهذا الذي قاله أبو الحسين متفق عليه بين الطوائف، وهو بين في العقل ضروري فيه، بخلاف ما قاله أولئك، فإن فيه نزاعاً واضطراباً، وليس هو بينا في العقل، بل الصواب يقتضيه.
وكذلك أبو الحسين يقول دائماً: (ما كان موجوداً على طريق الجواز لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم لولا فاعل) وهذا كلام صحيح، ولكن ابن سينا إنما أخذ هذه الطريق التي سلكها من كتب المعتزلة ونحوهم من متكلمي الإسلام، وأراد تقريبها إلى مذهب سلفه الفلاسفة الدهرية، ليصير كلامه في الإلهيات مقرباً لجنس كلام متكلمي المسلمين، ثم يأخذ المواضع التي خالف فيها المتكلمون للشرع
(8/131)

والعقل، فيستدل لها على ما نازعوه فيه، مما وافقوا فيه دين المسلمين، وهذا كما فعلت إخوانه الباطنية، مثل صاحب كتاب الأقاليد الملكوتية ونحوه، فإنهم عمدوا إلى كل طائفة من طوائف القبلة، فأخذوا منها ما وافقوهم فيه من المقدمات المسلمة التي غلط فيها أولئك، فبنوا عليها لوازمها التي تخرج أولئك عن دين المسلمين، وناظروا بذلك المعتزلة وأمثالهم، كما قالوا للمعتزلة: أنتم سلمتم لنا نفي التشبيه والتجسيم، ونفيتم الصفات بناء على ذلك، ثم أثبتم الأسماء الحسنى لله تعالى والتشبيه يلزم في الأسماء كما يلزم في الصفات.
فإذا قلتم: إنه حي عليم قدير، لزم في ذلك من التجسيم والتشبيه نظير ما يلزم في إثبات الحياة والعلم والقدرة وأردتم إثبات أسماء بلا صفات، وهذا ممتنع.
وإذا كنتم قد وافقتم على نفي الصفات، وهي لازمة للأسماء، فنفي اللازم يقتضى نفي الملزوم، فيلزمكم نفي الأسماء، ولهذانظائر في كلامهم.
فابن سينا وجد في كتب متكلمي المسلمين، من المعتزلة وأشباههم، أن تخصيص أحد المتماثلين على الآخر لا يكون إلا بمخصص، كما في تخصيص الحدوث بوقت دون وقت، وهذا مما جعله هؤلاء أصلاً لهم في إثبات العلم بالصانع.
(8/132)

فأخذ ابن سينا كلام هؤلاء ونقله إلى ماده الإمكان والوجوب، وأن الممكن لا يترجح إلا بمرجح، لئلا يناقض قوله في قدم العالم، ويقول: إنه معلول علة قديمة مستلزمة له ونسى ما قرره في المنطق، هو وسلفه، من أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا حادثاً، وأن الدائم الأزلى والأبدي لا يكون إلا ضرورياً واجباً، لا يكون ممكن الوجود والعدم، وهذا الذي ذكروه في المنطق متفق عليه بين العقلاء.
وأخذ قولهم الضعيف في أن القادر المختار يحدث الحوادث بلا سبب حادث، جعله له حجة على قدم العالم، بناء على مطالبتهم بسبب الحدوث، وكان ما يلزمه ويبين فساد قوله، أعظم مما يلزمهم ويبين فساد قولهم، فإنه إذا كان العالم صادراً عن علة مستلزمة له، والعلة المستلزمة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، لزم أن لا يحدث في العالم شيء من الحوادث، أو أن تكون الحوادث حدثت بلا محدث.
وفي ذلك من الترجيح بلا مرجح ما هو أعظم مما بنوا عليه وجود الواجب.
فيلزمهم على قولهم بطلان ما أثبتوا به واجب الوجود، وبطلان الاستدلال بالحدوث على المحدث، وبالممكن على الواجب، وأن تكون الحوادث حدثت بلا محدث أصلاً.
(8/133)

وذلك أعظم من قول أولئك: حدثت عن قادر مختار بدون سبب حادث وهؤلاء أصل قولهم: إن العلة التامة يقارنها معلولها في الزمان، كما جعلوا الفلك القديم الأزلي عندهم مقارناً لعلته في الزمان، وقابلوا لذلك قول المتكلمين، الذي قالوا: بل المؤثر التام يتأخر عنه أثره.
والصواب أن المؤثر التام يتعقبه أثره، لا يقارنه، ولا يتراخي عنه، كما قال تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} .
ولهذا يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فأنقطع وطلقت المرأة فطلقت، وعتقت العبد فعتق.
وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب تعالى، لأن ما كونه لا يكون إلا بعد تكوينه لا مع التكوين.
وهم إذا قالوا: إن المكون مع التكوين، لزمهم أن لا يحدث شيء من العالم، وهو خلاف المشاهدة.
فإن الأول إذا كان علة تامة، والعلة التامة يقارنها معلولها، وكل ما ساواه معلوله كان الجميع قديماً.
ولزمهم أيضاً أن كل ما حدث يحدث عند حدوثه تمام علل لا نهاية لها، وذلك في آن واحد، وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء.
(8/134)

وقد ذكر ابن سينا أن هذه الطريقة، التي سلكها في إثبات واجب الوجود ولوازمه، هي غير طريقة سلفه الفلاسفة، بل هي طريقة محدثة.
وهذا مما يبين أنه ركبها مما أخذه عن المعتزلة ونحوهم من متكلمة الإسلام، ومن أصول سلفه الفلاسفة، والذي أخذه عن متكلمة الإسلام أقرب إلى الحق مما أخذه عن سلفه في ذلك، لأنه أخذ عنهم أن تخصيص أحد الشيئين المتماثلين المحدثين دون الآخر لا بد له من مخصص، وهذا حق.
فأخذ من ذلك أن تخصيص الممكن بالوجود لا بد له من موجب، وهذا حق.
لكن قد ينازعونه في أن الممكن: هل يمكن أن يكون قديماً أم لا؟ فإنهم - وعامة العقلاء - يقولون: الممكن لا يكون إلا محدثاً وهو - وسلفه - يسلمون لهم ذلك.
وأيضاً فإن أبا الحسين وأمثاله يقولون: الموجود على طريق الجواز، ليس بالوجود أولى منه بالعدم لولا الفاعل.
ويقولون: إنه يستحيل ان يوجب القديم بالفاعل، لأن المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم، وليس للقديم حال عدمية.
ولهذا يقولون: إن وجود القديم واجب، وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال.
فصح أنه واجب الوجود في كل حال، فاستحال عدمه.
(8/135)

وضم ابن سينا وأتباعه إلى ذلك أن الممكن لا يكون معدوماً إلا بسبب.
وهذا مما نازعه فيه الجمهور، حتى إخوانه الفلاسفة نازعوه في ذلك.
وهذا الذي ذكرته من أن ابن سينا أخذ هذه الطريق عن المتكلمين، رأيته بعد ذلك قد ذكره ابن رشد الحفيد.
ذكر في كتابه الذي سماه تهافت التهافت.
فإن أبا حامد الغزالي ذكر ذلك في كتابه المسمى بتهافت الفلاسفة مسألة في بيان عجز الفلاسفة عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم.

كلام الغزالي عن عجز الفلاسفة عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم
قال: (فنقول: النسا فرقتان: فرقة أهل الحق، وقد رأوا أن العالم حادث، وعلموا ضرورةً أن الحادث لا يوجد بنفسه، فافتقر إلى صانع، فعقل مذهبهم في القول بالصانع.
وفرقة أخرى هم الدهرية، وقد رأوا العالم قديماً، ثم كما هو عليه، ولم يثبتوا صانعه، ومعتقدهم مفهوم.
وإن كان الدليل يدل على بطلانه.
(8/136)

فأما الفلاسفة فقد رأوا قديماً ثم أثبتوا مع ذلك له صانعاً) .
قال: (وها المذهب بوضعه متناقض، لا يحتاج إلى إبطال) .

رد ابن رشد على الغزالي في تهافت التهافت
قال ابن رشد الحفيد: (بل مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد، أكثر من المذهبين جميعاً.
وذلك أن الفاعل قد يلقى صنفين: صنف يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه.
وهذا إذا تم كونه استغنى عن الفاعل، كوجود البيت عن البناء والصنف الثاني إنما يصدر عنه فعل فقط يتعلق بمفعول، لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به، وهذا الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول، أعني أنه إذا عدم ذلك الفعل عدم المفعول، وإذا وجد ذلك الفعل وجد المفعول، أي هما معاً، وهذا الفاعل أشرف
(8/137)

وأدخل في باب الفاعلية من الأول، لأنه يوجد مفعوله ويحفظه.
والفاعل الآخر يوجد مفعوله، ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد وهذه حال المحرك مع الحركة، والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة، والفلاسفة لما كانوا يعتقدون أن الحركة فعل الفاعل، وأن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة، قالوا: إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم، وأنه لو كف فعله طرفة عين عن التحريك لبطل العالم، فعلموا قياسهم هكذا: العالم فعل، أو شيء، وجوده تابع لفعل.
وكل فعل لا بد له من فاعل موجود بوجوده، فأنتجوا من ذلك أن العلم له فاعل موجود بوجوده، فمن لزم عنده أن يكون الفعل الصادر عن فاعل العالم حادثاً، قال: العالم حادث عن فاعل لم يزل قديماً وفعله قديم.
أي: لا أول له ولا آخر، لا أنه موجود قديم بذاته، كما تخيل لمن يصفه بالقدم) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الذي ذكره ابن رشد عن الفلاسفة أراد به تقرير طريقة أرسطو وأتباعه، الذين استدلوا بالحركة على وجود المحرك الذي لا يزال محركاً غير متحرك، ويسمونه الأول.
(8/138)

وهو الواجب الوجود عند ابن سينا وأتباعه.
وأما من قبل ابن سينا من الفلاسفة فلا يخصونه بواجب الوجود، إذ كل قديم فهو عندهم واجب الوجود، فلا يخصه بواجب الوجود إلا من يقول: لا قديم إلا هو، وليس هذا قول أرسطو وأتباعه، وإن كان هو مذهب جماهير العقلاء من أهل الملل وغيرهم.

كلام أرسطو وأتباعه
وكلام أرسطو وأتباعه باطل من وجوه:
(الوجه الأول)
أن هؤلاء لم يجعلوا الأول فاعلاً للحركة الفلكية، إلا من حيث هو محبوب معشوق يتشبه به الفلك، لا من حيث هو مبدع محدث للحركة.
ومعلوم أن المحبوب المتحرك إليه من غيره بالمحبة له والشوق، لا سيما إذا كان محباً للتشبيه به لا لذاته، كما يتشبه المأموم بإمامه، لا يكون هو المبدع المحدث للحركة بمجرد ذلك، وإنما يكون علة غائية، لا علة فاعلية، فلم يثبتوا الواجب الوجود بنفسه فاعلاً لشيء من الحوادث، كما قد بسط في موضعه.
وأرسطو وأتباعه معترفون بأن الأول عندهم لا يفعل شيئاً ولا يعلم شيئاً، ولا يريد شيئاً.

الوجه الثاني
أنه بتقدير أن يثبتوه محدثاً مبدعاً للحركة التي لا قوام
(8/139)

للفلك والعالم إلا بها، كما قد يدعي ذلك ابن رشد وأمثاله، فإنما يكون فاعلاً لما هو شرط في وجود العالم، لا يكون فاعلاً لنفس جواهر العالم وسائر أعراضه، بل هو فاعل لعرض واحد من أعراضه، وهي الحركة التي زعموا أنه لا قوام له بدونها.
وهذا من أبعد الأشياء عن كونه مبدعاً للعالم، ولاسيما إذا جعلوا فعله للحركة من جهة كونه محبوباً، فهو بمنزلة كون كل محبوب يبدع المحب، الذي لا يقوم بدون تلك المحبة، بل بمنزلة كون الإمام المقتدى به مبدعاً للمؤتم به، من جهة كونه يحتاج إلى الأئتمام به.
ومعلوم أن هذا لا يقوله عاقل، بل هذا يتضمن أن واجب الوجود - كالفلك عند أرسطو وأتباعه - يفتقر إلى شيء بائن عنه، وذلك يدل على فساد قولهم، فما قاله أرسطو وأتباعه من الحق يدل على فساد قول المتأخرين، وما قاله المتأخرون من الحق في الواجب يدل على فساد قول أرسطو وأتباعه.

الوجه الثالث
إن كون العالم لا يمكن وجوده بدون الحركة أمر لا دليل عليه، بل هو باطل، وأقصى ما يمكن أن يقال: يمكن وجوده لكن يكون ناقصاً.
ومعلوم أن هذا حال سائر المخلوقات التي لها صفات كمال إذا عدم بعض صفاتها، إنما يلزم نقصها لا يلزم عدمها.
(8/140)

الوجه الرابع
أنه ادعى أن هذا الفاعل أشرف من الفاعل الذي فعل البناء ونحو.
فيقال: إن ادعيت أن ما يفعل حركةً في غيره أشرف مما يفعل التأليف القائم به، فهذا غير مسلم، لا يسما إذا كان فعل ذلك بجهة كونه محبوباً أو مؤتماً به، وهذا مبدع لنفس التأليف القائم بغيره.
ومعلوم أن حاجة المؤلف إلى التأليف قائم به أعظم من حاجة المتحرك إلى الحركة القائمة به، وأن تغير ذات المؤلف إذا انتفض تأليفه، أبين من انتقاض ذلك المتحرك إذا والت حركته، فإذا جعلتم فاعل الحركة فاعلاً، ففاعل التأليف أولى أن يكون فاعلاً، وهذا أمر مشهود، ليس من جمع الأجزاء المتفرقة وجعلها شيئاً واحداً، كمن حرك الشيء الساكن، لاسيما إذا كان تحريكه كتحريك الخبز للجائع، والماء للعطشان، والمرأة للرجل، والرجل للمرأة، فكيف إذا كان كتحريك الإمام للمؤتم به؟
وإن قال: إن ذلك الفاعل للحركة يفعلها دائماً، وفاعل التأليف لا يفعله إلا حال إحداثه، وهذا هو الوجه الذي قصده.
فيقال له: ليس في الشاهد أمر يفعل الحركة التي لا قوام للمتحرك إلا بها دائماً.
فقولك: إن مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد أكثر من
(8/141)

المذهبين، وذلك أن الفاعل قد يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه، وقد يصدر عنه فعل يتعلق بمفعول، لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به، وهذا الفاعل يخصه إن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول، وهذه حال المحرك مع الحركة، والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة.
فيقال لك: ليس فيما نشاهده شيء من هذا الصنف الثاني، وإنما الفاعل المشاهد هو من النمط الأول.
وإن قلت: إن النفس تحرك البدن بهذا الاعتبار.
فيقال لك: كون النفس وحدها هي المحركة للبدن، دون أن يكون هناك سبب للحركة، أمر لو كان حقاً لم يكن من المشاهدات.
وأيضاً فالنفس لا يقول عاقل: إنها هي الفاعلة للبدن.
وأيضاً فكل من النفس البدن شرط في حركة الآخر.

الوجه الحامس
أن يقال: نحن نسلم أن الفاعل، الذي نفتقر إليه المفعول دائماً، أكمل ممن لا يفتقر إليه إلا حال حدوثه.
لكن إذا قيل: إن المخلوقات مفتقرة إلى الخالق دائماً، كان هذا قولاً صحيحاً، وليس هذا نظير ما ذكرته من الصنفين.
بل لو قيل: إنه يفعل تأليف العالم دائماً، وأن تأليفه لا يقوم إلا به، كان هذا خيراً من قول سلفك: إنه يفعل حركة العالم دائماً، لو كانوا قائلين بذلك.
فكيف وحقيقة قولهم: إنه لا يفعل شيئاً؟.
(8/142)

فأنت لو جعلته من الصنف الأول، من الفاعلين الذين يفعلون تأليف المؤلفات، كان خيراً من أن تجعله فاعلاً للحركات.
لكن الفاعل الدائم، للفعل الذي يحتاج إليه المفعول دائماً، أكمل ممن لا يفتقر إليه المفعول إلا في حال حدوثه، فإذا جعلته فاعلاً للتأليف، وهو محتاج إليه دائماً، كان خيراً من أن تجعله فاعلاً للحركة، فكيف ولم تجعلوه فاعلاً إلا من جهة كونه متشبهاً به فقط؟.

الوجه السادس
أن يقال: العالم ليس فيه مخلوق يشهد أنه فاعل لشيء منفصل عنه من كل وجه، لا عين ولا صفة، فإن فاعل التأليف في غيره كالبناء والخياط والكاتب ونحوهم، غاية فعله تأليف تلك الأجسام، مع أن كثيراً من متكلمة الإثبات، كالأشعري ومن وافقه، يقولون: ليس فعله إلا ما قام به في محل قدرته، وما خرج عنه ليس فعله.
والقائلون بالتولد يقولون: بل ذلك التأليف فعله.
والقول الوسط: أن التألف حادث بسبب فعله القائم به، وبسبب ما في الأجزاء المؤلفة من قبول التأليف وحفظه، ولهذا لم تكن الأجزاء محتاجة إلى الإنسان المحدث لتأليفها بعد التأليف، لأنها تمسك التأليف بما فيها من اليبس
(8/143)

والقوة التي جعلها الله فيها، وتلك لا حاجة إليه فيها، فالذي أحتيج إليه إنما هو مجرد فعله القائم به فقط.
وأما مبدع العالم فهو المبدع لأعيانه وأعراضه وحركاته، فليس له نظير، إذ هو سبحانه ليس كمثه شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وأما ما ذكره هو من إثبات مخلوق محدث لحركة تقوم بغيره، لا يقوم إلا بها، والمخلوق يحدثها دائماً، فليس هذا بمشاهد في الفاعلين، والمثل الذي ضربه لقوله وقولهم، وإن لم يكن مطابقاً، ولس في المشاهدات ما يكون فعله كفعل الرب تعالى، ولا فعل كفعله - فقولهم أقرب من قوله، لأنه موجود في العالم، وهو أقرب إلى الفاعل المطلق.
فقوله: (إن الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحفظه، أشرف وأدخل في باب الفاعلية من الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد) كلام صحيح، لكن ليس هو مطابقاً لقول إخوانه الفلاسفة، فإنهم لم يثبتوا أنه فاعل لجوهر العالم ولأعراضه، بل غاية ما جعلوه فاعلاً للحركة، ثم لم يجعلون فاعلاً لها إلا من جهة كونه
(8/144)

علة غائية، لكون الفلك يقصد التشبه به، وهذا القدر لا يوجب أن يكون هو الفاعل.
وأما أولئك فأثبتوا أنه فاعل لجواهر العالم.
ثم من قال من المتكلمين، المعتزلة ونحوهم، إن المحدثات لا تحتاج إلى الفاعل المحدث إلا في حال الحدوث لا في حال البقاء فقوله - مع فساده - أرجح من قول الفلاسفة، لكونهم أثبتوا فاعلاً حقيقة.
فأما قول أهل السنة وجماهير أهل الملة، الذي يقولون: إن المخلوقات محتاجة إلى الخالق في حال الحدوث وحال البقاء، فهذا أكمل من قولهم من كل وجه، وإذا ضم إلى ذلك أنه إلههم الذي يعبدونه ويحبونه، وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، تبين بذلك أن العالم محتاج إليه من جهة كونه رباً فاعلاً، ومن جهة كونه إلهاً محبوباً معبوداً.
وفي هذا من التفاضل بينه وبين قول سلفه الفلاسفة ما لا يخفى على أضعف الناس نظراً.
(8/145)

بقية كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة
قال الغزالي: (فإن قيل: نحن إذا قلنا للعالم صانع لم نرد به فاعلاً مختاراً يفعل بعد أن لم يكن يفعل، كما يشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط، والنساج والبناء، بل نعني به علة العالم، ونسميه المبدأ الأول، على معنى أنه لا علة لوجوده، وهو علة لوجود غيره، فإن سميناه صانعاً فبهذا التأويل.
وثبوت موجود لا علة لوجوده يقوم عليه البرهان القطعي على قرب، فإنا نقول: العالم موجود، والموجود إما أن يكون له علة، وإما أن يكون لا علة له، فإن كان له علة، فتلك العلة لها علة ام لا علة لها؟
وهكذا القول في علة العلة، فإما ان تتسلسل إلى غير نهاية، وهو محال.
وإما أن تنتهي بالآخر إلى علة أولى لا علة لوجودها فنسميه المبدأ الأول.
(8/146)

وإن كان العالم موجوداً بنفسه لا علة له.
فقد ظهر المبدأ الأول، فإما لم نعن به إلا موجوداً لا علة له، هو ثابت بالضرورة.
نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هو السماوات، لأنها عدد، ودليل التوحيد يمنعه، فيعرف بطلانه بنظر في صفة المبدأ ولا يجوز أن يقال: إنه سماء واحد أو جسم واحد، أو شمس، أو غيره، لأنه جسم، والجسم مركب من الهيولى والصورة، والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركباً، وذلك يعرف بنظر ثان.
والمقصود أن موجوداً، لا علة لوجوده، ثابت بالضرورة والاتفاق - وإنما الخلاف في الصفات - وهو الذي نعنية بالمبدأ الأول) .
قال الغزالي: (والجواب من وجهين: أحدهما: أنه يلزم على مساق مذهبكم أن تكون أجسام العالم قديمة لذلك لا علة لها.
وقولكم إن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان، فيبطل ذلك عليكم في
(8/147)

مسألة التوحيد ونفي الصفات بعد هذه المسألة.
الوجه الثاني: وهو الخاص بهذه المسألة، هو أن يقال: نثبت تقديراً أن هذه الموجودات لها علة، ولكن علتها علة، ولعلة العلة علة كذلك، وهكذا إلى غير نهايتة.
وقولكم: أنه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها، لايستقيم منكم.
فإنا نقول: عرفتم ذلك ضرورةً بغير واسطة او عرفتموه بواسطة؟ لا سبيل إلى دعوى الضرورة، وكل مسلك ذكرتموه في النظر، يبطل عليكم بتجويز حوادث لا أول لها.
وإذا جاز أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له، فلم يبعد أن يكون بعضها علة لبعض وينتهي من الطرف الآخر إلى معلول لا معلول له ولا ينتهي في الجانب الآخر إلى علة لا علة لها؟ كما أن الزمان
(8/148)

السابق له آخر، وهو الآن.
ولا أول له.
فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معاً في الحال، ولا في بعض الأحوال، والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي، فيلزمكم النفوس البشرية المفارقة للأبدان، فإنها لا تفنى عندكم، والموجود المفارق للبدن من النفوس لا نهاية لأعدادها، إذ لم تزل نطفة من إنسان وإنسان من نطفة، إلى غير نهاية، ثم كل إنسان مات، فقد بقي نفسه، وهو بالعدد غير نفس من مات قبله، ومعه، وبعده، وإن كان الكل بالنوع واحداً، فعندكم في الوجود، في كل حال، نفوس لا نهاية لأعدادها) .
قال: (فإن قيل: ليس لبعضها ارتباط ببعض، ولا ترتيب لها: لا بالطبع، ولا بالوضع، وإنما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها، إذا كان لها ترتيب بالطبع، كالأجسام فإنها مرتبة بعضها فوق
(8/149)

بعض، أو كان بها ترتيب بالطبع، كالعلل والمعلولات، وأما النفوس فليست كذلك.
قلنا: هذا تحكم في الوضع ليس طرده أولى من عكسه، فلم أحلتم.
أحد القسمين دون الآخر، وما البرهان المفرق؟.
وبم تنكرون على من يقول: إن هذه النفوس التي لا نهاية لها، لا تخلو عن ترتيب، إذ وجود بعضها قبل البعض، فإن الأيام والليالي الماضية لا نهاية لها، فإذا قدرنا وجود نفس واحدة، في كل يوم وليلة، كان الحاصل في الوجود الآن خارجاً عن النهاية، واقعاً على ترتيب في الوجود، أي بعضها بعد البعض.
والعلة غايتها أن يقال: إنها قبل المعلول بالطبع، كما يقال: إنها فوق المعلول بالذات لا بالمكان، فإذا لم يستحل ذلك في القبل الحقيقي الزماني، فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبيعي.
وما بالهم لم يجوزوا أجساماً بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية، وجوزوا موجودات بعضها قبل البعض بالزمان إلى غير النهاية؟ وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له؟.
(8/150)

قال فإن قيل: البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير النهاية، أن يقال: كل واحدة من آحاد العلل، ممكنة في نفسها أو واجبة؟ فإن كانت واجبة لم تفتقر إلى علة.
وإن كانت ممكنة فالكل موصوف بالإمكان، وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة على ذاته، فيفتقر الكل إلى علة زائدة على ذاته، فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنها.
قلنا: لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده، ويراد بالممكن ما لوجوده علة، فإن كان المراد هذا، فلنرجع إلى هذه اللفظة، ونقول: كل واحد ممكن: على معنى أن له علة زائدة على ذاته، والكل ليس بممكن: على معنى انه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة منه، وأن أريد بلفظ الممكن غير ما أردناه، فهو ليس بمفهوم) .
(8/151)

قال: (فإن قيل: فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود، وهو محال.
قلنا: إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه، فهو نفس المطلوب، فلا نسلم أنه محال.
وهو كقول القائل: يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث، والزمان عندهم قديم، وآحاد الذوات حادثة، وهي ذات أوائل، والمجموع لا أول له، فقد تقوم ما لا أول له بذوات أوائل، وصدق ذوات أوائل على الآحاد، ولم يصدق على المجموع.
وكذلك يقال على كل واحد: إن له علة، ولا يقال: للمجموع علة، وليس كل ما صدق على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع، إذ يصدق على كل واحد أنه واحد، وأنه بعض، وأنه
(8/152)

جزء ولا يصدق على المحجموع وكل واحد حادث بعد أن لم يكن، أي له أول، والمجموع عندهم ما ليس له أول.
فتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها، وهي صور العناصر الأربعة المتغيرات، فلا يتمكن من إنكار علل لا نهاية لها، ويخرج من هذا أنه لا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول لهذا الإشكال، وخرج قولهم إلى التحكم المحض.
فإن قيل: الدورات ليست موجودة في الحال، ولا صور العناصر وإنما الموجود منها صورة واحدة بالفعل، وما لا وجود له لا يوصف بالتنهاهي وعدم التناهي، إلا إذا قدر في الوهم وجودها، ولا يتعذر ما يقدر في الوهم، فإن كانت المقدرات بعضها علل لبعض، فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه، وإنما الكلام في الموجود في الأعيان لا في الأذهان، لا يبقى إلا نفوس الأموات، وقد ذهب
(8/153)

بعض الفلاسفة إلى أنها كانت واحدة أزلية قبل التعلق بالأبدان، وعند مفارقة الأبدان تتحد، فلا يكون فيه عدد، فضلاً عن ان يوصف بأنه لا نهاية لها، وقال آخرون: النفس تابع للمزاج، وإنما معنى الموت عدمها، ولا قوام لها بجوهرها دون الجسم، فإذن لا وجود في النفوس إلا في أحياء، والأحياء الموجودون محصورون، ولا تنتهي النهاية عنهم، والمعدومون لا يوصفون أصلاً بوجود النهاية ولا بعدمها إلا في الوهم، إذا فرضوا موجودين) .
قال: (والجواب أن هذا الإشكال في النفوس أوردناه على ابن سينا والفارابي والمحققين منهم، إذا حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه، وهو اختيار أرسطاليس والمعتبرين من الأوائل، ومن عدل
(8/154)

عن هذه المسلك فيقول: هل يتصور أن يحدث شيء يبقى أم لا؟ فإن قالوا: لا، فهو محال، وإن قالوا نعم، قلنا: إذا قدرنا كل يوم حدوث شيء وبقاءه، اجتمع إلى الآن لا محالة موجودات لا نهاية لها، فالدورة وإن كانت منقضية، فحصول موجود فيها، يبقى ولا ينقضي غير مستحيل، وبهذا التقدير يتقرر الإشكال، ولا غرض في أن يكون ذلك الباقي نفس آدمي، أو جني، أو شيطان، أوملك، أو ماشئت من الموجودات، وهو لازم على كل مذهب لهم، إذا أثبتوا دورات لا نهاية لها) .

تعليق ابن تيمية
قلت: أبو حامد جعل الطريقة الصحيحة في أثبات الصانع الاستدلال بالحدوث على المحدث، وقال: إنا نعلم بالضرورة أن الحادث لا يوجد نفسه فافتقر إلى صانع، وهذا موافق لما ذكره حذاق أهل النظر، بخلاف من ذهب إليه من ذهب من المعتزلة ومن وافقهم.
كـ القاضي أبي بكر وأبي المعالي وغيرهما، ممن جعل هذه المقدمة نظرية.
(8/155)

وأخذ أبو حامد يطعن على طريقة ابن سينا وأمثاله في إثبات واجب الوجود بوجهين.
أحدهما: أن غاية هذه الطريقة إثبات موجود واجب، ولكن لا يمكن نفي كونه جسماً من الأجسام إلا بطريقهم في التوحيد الذي مضمونه نفي الصفات، وتلك مبناها على نفس التركيب، وقد بين أبو حامد فساد كلامهم في هذا.
وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه، وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ونفيهم الصفات كلاماً بينت فيه فساد كلامهم في طرقة التركيب، قبل أن أقف على كلام أبي حامد، ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته.
ومن هنا يعلم أن ابن سينا لا يمكنه بهذه الطريقة إفساد مذهب الفلاسفة الطبيعين الذين يقولون بأن الفلك واجب الوجود بنفسه، وإن كان يمكن إفساد قولهم بطرق أخرى.
ولهذا ظن كثير من المتأخرين أن ابن سينا موافق للدهرية
(8/156)

المحضة، الذين يقولون: إن العالم واجب الوجود بذاته، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني الذي أبطل به أبو حامد طريقهم: أنها مبنية على إبطال علل ومعلولات لا نهاية لها، وقد ألزمهم أنهم لا يمكنهم إبطال ذلك مع قولهم بثبوت حوادث لا تتناهي كما قد ذكره.
وابن سينا والرازي والآمدي إنما أثبتوا واجب الوجود بناءً على هذه المقدمة.
فكان ما ذكره أبو حامد إبطالاً لطريق هؤلاء كلهم.
والآمدي وافق أبا حامد على ضعف الحجة في نفي النهاية عن العلل، فلا جرم لم يقرر في كلامه إثبات واجب الوجود، بل قرره في كتاب الأفكار بطريق أفسدها في كتاب رموز الكنوز وقد بينا بطلان اعتراضه في غير هذا الموضع.
وليس فيما ذكره أبو حامد والآمدي إبطال لطريقة المعتزلة، ومن وافقهم، على أن تخصيص الحدوث بأحد الزمانين لا بد له من مخصص، فإن تلك لا تفتقر إلى أبطال التسليل في العلل والمعلولات.
ومدار كلام أبي حامد على أنه لا فرق بين نفي النهاية في الحوادث ونفيها في العلل.
وأنتم تجوزونها في الحوادث، فجوزوها في العلل.
والناس لهم في هذا المقام قولان: أحدهما: قول من يبطل عدم
(8/157)

النهاية فيهما جميعاً، مثل كثير من أهل الكلام: المعتزلة ومن وافقهم.
ثم من هؤلاء من يبطل عدم النهاية في الأزل والأبد، كقول جهم والعلاف.
وأكثرهم يبطلونها في الأزل دون الأبد، لأن من دين المسلمين دوام نعيم الجنة لا إلى نهاية.
ولهذا قال جهم بانقطاع نعيم الجنة، وقال العلاف ببطلان حركاتهم.
والثاني: قول من يبطل عدم النهاية في الفاعلين والعلل دون الحوادث والآثار، كما هو قول جمهور الفلاسفة من القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه، وهو قول طوائف من أهل الكلام، من المعتزلة والأشعرية وهو قول جمهور أهل الحديث وأئمة السنة.
وما ذكره أبو حامد من الكلام على بطلان حجة من ينفي عدم النهاية، هو أنه لا يلزم أن ماصدق على الآحاد صدق على الجميع، كما قاله هؤلاء في الحوادث، بخلاف ما قاله أبو الحسين البصري، وغيره من أهل الكلام، من أنه صدق على الآحاد صدق على الجيمع، ثم سوى أبو حامد بين الأمرين.
وقد تكلمنا في غير هذا الموضع على الفرق بين الأمرين، وهو أن الوصف إذا ثبت للجميع كثبوته للأفراد، كان حكم الجميع حكم أفراده، وإن لم يكن ثبوته للجميع كثبوته للأفراد، لم يلزم أن يكون
(8/158)

حكمها حكمه، فالأول مثل وصفها بالوجود، أو العدم، أو الوجوب، أو الامكان، أو الامتناع، فإذا قدر أشياء لا تناهى، كل منها موجود، فالكل أيضاً موجود.
ثم أن قدر وجود كل منها مقارناً للآخر، كان وجود الجميع مقارناً، وإن قدر وجودها متعاقبة كان وجود الجملة متعاقباً.
وإذا قدرت كل منها معدوماً فالكل أيضاً معدوم، وإذا قدرت عدم كل منها مع عدم الآخر كانت معدومة معاً، وإذا قدرت عدم كل منها بعد الآخر، كانت متعاقبة في العدم.
فالحوادث المتعاقبة التي تعدم بعد وجودها - كالحركات - وجودها متعاقب، وعدمها متعاقب.
فالجملة أيضاً موجودة على التعاقب، معدومة على التعاقب.
وإذا قدر أشياء لا تتناهي ممتنعة، فالجملة ممتنعة، ولو قدر أشياء لا تتناهي واجبة، فالجملة أيضاً واجبة، فكذلك إذا قدر أمور لا تتناهي، ليس لشيء منها وجود من نفسه، بل كل منها مفتقر إلى غيره، فوصف الافتقار والحاجة والإمكان يجب تناوله للجملة، كتناوله لكل من أفرادها، كما يتناول وصف الوجود والعدم، والوجوب والامتناع، للجملة بحسب تناوله للأفراد، فلا تكون الجملة إلا مفتقرة محتاجة ممكنة، لا تكون معدومة مع وجود كل منها،
(8/159)

ولا تكون واجبة بنفسها مع إمكان كل منها، فإن اجتماعها عرض مفتقر إلى الممكنات، فهو أولى بالإمكان منها.
ولو قال قائل: فكيف تصفونها بالامتناع، مع كون كل منها ممكناً؟ أليس في هذا وصف بالامتناع للجملة دون الأفراد؟
قيل له: نحن لا نقدر وجود علل ومعلولات لا تتناهى في الخارج، ثم نحكم عليها بالامتناع، فإن هذا جمع بين النقيضين.
فإن كونها موجودة في الخارج ينافي امتناعها، ولكن نقدر ذلك في الذهن، ثم نحكم على هذا المقدر في الذهن بامتناعه في الخارج، كالجمع بين النقيضين.
وأمثاله من الممتنعات، بخلاف ما إذا قدر وجودها في الخارج، وكل منها ممكن.
وقيل: إن الجملة واجبة بنفسها، فهذا هو الممتنع، كما ان وصفها مع ذلك بالامتناع ممتنع، وتقديرها في الذهن لا يكفي في وجود الممكنات، لأن الممكن لا يوجد إلا بما هو موجود في الخارج لا مقدر في الذهن.
وهذا بخلاف ما إذا قدر أشياء لا تتناهي كل منها بعد الآخر، لم يلزم أن تكون الجملة بعد غيرها.
كالحوادث المستقبلة في الجنة.
فإن كلاً منها بعد غيره، وليست الجملة بعد غيرها، بل لا تزال
(8/160)

إلى غير نهابة، وهذا لأن تقديرها غير متناهية يستلزم أن لا يكون بعدها شيء.
فحينئذ إذا قيل: بعد كل واحد غيره، كان التقدير أن الجملة ليس لها بعد، ولكل واحد من أجزائها بعد.
ومعلوم أن مثل هذا حكم الجملة فيه ليس حكم الأفراد، وكذلك إذ قدر أنه لا أول للجملة، ولكل منها أول.
وكذلك إذا قيل: إن الجملة كل، وجميع، ومجموع، أومستدير، أومربع، أو مثلث، أو حيوان، أو إنسان لم يلزم أن يكون كل من أجزائها كلاً، ولا مدوراً، ولا حيواناً.
ولكن الذي يبين فساد مذهب هؤلاء الفلاسفة أن يقال: قد علم بصريح العقل واتفاق العقلاء امتناع التسلسل في العلل، وأما وجود حوادث لا تتناهى فلا ننازعهم فيه مطلقاً، إذ كان أئمة السنة يقولون بذلك في أفعال الرب وأقواله.
لكن تبين خطؤهم من وجوه:

فساد مذهب الفلاسفة من وجوه
(الوجه الأول)
أن قولهم يتضمن وجود حوادث لا تتناهى في آن واحد، وهذا محال باتفاقهم مع جماهير العقلاء، بل بتضمن وجود تمام علل
(8/161)

ومعلولات لا تتناهي في آن واحد، ووجود ممكنات لا تتناهى في آن واحد، وهذا مما يصرحون بامتناعه، مع قيام الدليل على امتناعه، وتضمن امتناع وجود حادث، ووجود الحوادث بلا مؤثر تام، وكل هذا ممتنع.
وذلك أن أصلهم أن المعلول يجب مقارنته لعلته التامة في الزمان، لا يتعقبها ولا يتراخى عنها، فيكون الأثر مع التأثير التام.
وكثير من المتكلمين يقولون: يجوز أن يتراخى.
والصحيح قول ثالث، وهو أن يتعقبه: لا يكون معه، ولا متراخياً عنه.
وذلك يستلزم حدوث كل ما سوى الله تعالى.
وأما على قولهم فيلزم أن لا يحدث شيء في الوجود، بل يكون كل ممكن قديماً أزلياً، لوجود علته التامة في الأزل.
ويلزم أن لا يحدث شيء لامتناع حدوث الحادث بدون سبب حادث، والأول يمتنع عندهم أن يحدث عنه شيء، ويلزم أنه كلما حدث حادث حدثت حوادث لا نهاية لها، فإنهم يقولون: لا يحدث حادث حتى تحدث تمام علته.
فيقال: وذلك التمام حادث، فيحتاج أن يحدث معه تمام علته وهلم جراً، فيلزم وجود تمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد.
وهذا ممتنع، كامتناع علل ومعلولات لاتتناهى في آن واحد، إذ لا فرق بين امناع التسلسل في ذات العلة وفي تمامها، إذ كانت لا تصير علة بالفعل إلا إذا كانت تامة.
(8/162)

ولهذا قالوا: لا يحدث حادث إلا بسبب حادث، فلو حدث عن القديم لا فتقر إلى حادث، والقول في الثاني كالقول في الأول، فيلزم أن لا يحدث شيء.
وهذا بعينه يلزمهم في كل حادث، فإنه لا يحدث حتى يحدث حادث هو تمام مؤثره، وذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث حادث معه، فيلزم أن لا يحدث شيء.
فالمتكلمون قالوا: القادر يفعل بدون سبب حادث، فقالوا: هذا محال.
وقالوا: تحدث الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا فاعل محدث لها، فكان قولهم أشد بطلاناً.

الوجه الثاني
أن وجود حوادث لا أول لها إنما يمكن في القديم الواحد، فإذا قدر قديمان: كل منهما تقوم به حوادث لا تتناهى، كما يقولونه في الأفلاك، فهذا ممتنع.
لأن كلاً منهما لا بداية لحركاته ولا نهاية، مع أن أحدهما أكثر من الآخر، وما كان أكثر من غيره كان ما دونه أقل منه، فيلزم أن يكون ما لا أول له ولا آخر يقبل أن يزاد عليه، ويكون شيء آخر أكثر منه، وهذا ممتنع، كما امتنع مثل ذلك في الأبعاد.
(الوجه الثالث)
أن قولهم يقتضي أن يكون فعل الفاعل مقارناً له أزلاً وأبداً، وأن يكون القديم الأزلي مفعولاً ممكناً يقبل الوجود والعدم، وهذا مما يعلم فساده بصريح العقل واتفاق العقلاء.

كلام ابن رشد رداً على الغزالي وتعليق ابن تيمية
وقد أورد ابن رشد على أبي حامد في هذا كلاماً، بعضه من باب
(8/163)

الأسولة اللفظية وبعضه من باب الأسوله المعنوية، فقال عن الدليل الذي ذكره لهم في إثبات العلة الأول.
(هذا كلام مقنع غير صحيح، فإن اسم العلة يقال باشتراك الاسم على العلل الأربع، أعني: الفاعل، والصورة، والهيولى، والغاية.
وكذلك لو كان هذا جواب الفلاسفة لكان جواباً مختلاً، فإنهم كانوا يسألون عن أي علة أرادوا بقولهم: إن العالم له علة أولى، فإن قالوا: أردنا بذلك السبب الفاعل الذي فعله لم يزل ولا يزال، مفعوله هو فعله، لكان جواباً صحيحاً على مذهبهم، على ما قلنا غير معترض عليه.
ولو قالوا: أردنا به السبب المادي لكان قولهم معترضاً.
وكذلك لو قالوا: أردنا به السبب الصوري لكان معترضاً أن فرضوا صورة العالم قائمة به.
وإن قالوا: أردنا به صورة مقارنة للمادة، جرى قولهم على مذهبهم.
(8/164)

وإن قالوا: صورة هيولانية، لم يكن المبدأ عندهم شيئاً غير جسم من الأجسام، وهذا لا يقولون به.
وكذلك إن قالوا: هو سبب على طريق الغاية، كان جارياً أيضا على أصولهم.
وإذا كان هذا الكلام فيه من الاحتمال ما ترى، فكيف يصح أن يجعل جواباً للفلاسفة؟) .
وبسط الكلام بسطاً لا يرد على أبي حامد، فإنه قد علم أنه أراد بالعلة هنا العلة الفاعلة، لا الأقسام الثلاثة، وهم يسمون المبدأ الأول العلة الأولى، ويقولون: كل ما سواه صادر عنه، فالذي ذكره تقرير مذهبهم - كما يقولونه - على أحسن وجه، فلا حاجة إلى مؤاخذة لفظية، وهو كون لفظاً مشتركاً، فإن هذا من باب الإعنات في الخطاب، والخروج عن المقصود.
والاستفسار مع ظهور المقصود، نوع من اللد في الكلام، وأبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.
ثم اعترض ابن رشد على الوجهين اللذين ذكرهما أبو حامد، فقال على الوجه الأول، وأنه يلزمهم على مساق مذهبهم أن يكون المبدع جسماً قديماً لا علة له، وأنهم لم يبطلوا ذلك إلا بقولهم في التوحيد ونفي الصفات، وقد أبطلة أبو حامد.
(8/165)

قال ابن رشد: (يريد أنهم إذا لم يقدروا على نفي الصفات، كان ذلك الأول عندهم ذاتاً بصفات، وما كان على هذه الصفة فهو جسم، أو قوة في جسم، ولزمهم أن يكون الأول الذي لا علة له الأجرام السماوية) .
قال ابن رشد: (وهذا القول لازم لمن يقول بالقول الذي حكاه عن الفلاسفة - يعني طريقة ابن سينا والفلاسفة - يعني الأوائل - لا يحتجون على وجود الأول الذي لا علة له، بمانسبة إليهم من الأحتجاج، ولا يزعمون أيضاً أنهم يعجزون عن دليل التوحيد، ولا عن دليل نفي الجسمية عن المبدأ الأول.
وستأتي هذه المسألة فيما بعد) .
قلت: ابن رشد لما رأى ضعف الطريقة المنسوبة إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا، في نفي الصفات ونفي التجسيم.
وأنها ليست طريقة
(8/166)

أوليهم، بنى نفي الصفات ونفي التجسيم تارة على إثبات النفس، وأنها ليست بجسم، واستدل بأضعف من دليلهم، وتارة يستدل بطريقة كلامية لفظية، وهي أن المركب لا بد له من مركب، والمؤلف لا بد له من مؤلف.
وهذا إنما يكون إذا أطلق هذا اللفظ على مسماه، باعتبار أن هناك مؤلفاً فعل التأليف، ومركبا فعل التركيب.
ومن لا يطلق هذا اللفظ بحال، أو أراد به ما فيه اجتماع، وقال: إن ذلك واجب بنفسه، لم يكن مثل هذا الكلام حجة عليه، وهذا مبسوط في موضعه.
المقصود تبيين ما أخذه ابن سينا عن أسلافه، وما أخذه عن المتكلمين، وكيف خلط أحدهما بالآخر.
قال ابن رشد: (قول أبي حامد: ولكن لعلتها علة، ولعلة العلة علة، وهكذا إلى غير نهاية، إلى قوله: وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز دورات لا أول لها، شك تقدم الجواب عنه، حين قلنا: إن الفلاسفة لا تجوز عللاً ومعلولات لا نهاية
(8/167)

لها، لأنه يؤدي إلى معلول لا علة له، ويوجبونها بالعرض من قبل علة قديمة، لكن لا إذا كانت مستقيمة ومعاً وفي مواد لا نهاية لها، بل إذا كانت دوراً) .
قال: (وأما ما يحكيه عن ابن سينا: أنه يجوز نفوساً لا نهاية لها، وأن ذلك إنما يمتنع فيما له وضع، فكلام غير صحيح، ولا يقول به أحد من الفلاسفة، وامتناعه يظهر من البرهان العام الذي ذكرناه عنهم، فلا يلزم الفلاسفة شيء مما ألزمهم من قبل هذا الوضع، أعني القول لوجود نفوس لا نهاية لها بالفعل.
ومن أجل هذا قال بالتناسخ من قال: إن النفوس متعددة بتعدد الأشخاص، وأنها باقية) .
قال: (وأما قوله: وما بالهم لم يجوزوا أجساماً بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية، وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض بالزمان إلى غير نهاية؟ وهل هذا إلا تحكم بارد؟!.
فإن الفرق بينهما عند الفلاسفة ظاهر جداً، وذلك أن وضع
(8/168)

الأجسام لا نهاية لها معاً يلزم عنه أن يوجد لما لا نهاية له كل، وأن يكون بالفعل، وذلك مستحيل، والزمان ليس بذي وضع، فليس يلزم من وجود أجسام، بعضها فوق بعض إلى غير نهاية، وجود ما لا نهاية له بالفعل، وهو الذي امتنع عندهم) .
ثم لما ذكر ابن رشد البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على استحالة علل لا نهاية لها، قال ابن رشد: (وهذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة، أول نقله إلى الفلسفة ابن سينا، على أنه طريق خير من طريق القدماء، لأنه زعم أنه من جوهر الموجود، وأن طرق القوم من أعراض تابعة للمبدأ الأول، وهو طريق أخذه ابن سينا من المتكلمين، وذلك أن المتكلمين ترى أن من المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري، ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل، وأن العالم بأسره لما كان ممكناً، وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود وهذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الأشعرية، وهو قول جيد ليس فيه كذب، إلا ما وضعوه فيه: من أن العالم بأسره ممكن، فإن هذا ليس معروفاً بنفسه، فأراد ابن سينا أن يعمم هذه
(8/169)

القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة، كما ذكر أبو حامد، وإذا سومح في هذه القضية، لم تنته به القسمة إلى ما أراد، لأن قسمة الموجود أولاً إلى ما له علة، وإلى ما لا علة له، ليس معروفاً بنفسه.
ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وإلى ضروري، فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي، أفضى إلى ممكن ضروري، ولم يفض إلى ضروري لا علة له، وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة فله علة، وأمكن أن نضع أن تلك لها علة، وأن يمر ذلك إلى غير نهاية، فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا عله له، وهو الذي يعنونه بواجب الوجود، إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له: الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية، وأما إن عنى بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية، فلم يتبين بعد ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة، ولا يتبين بعد أن ها هنا ضرورياً يحتاج إلى علة، فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى
(8/170)

ضروري بغير علة، إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة الممكنة) .
قلت: فقد ذكر ابن رشد لما ذكر البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على استحالة علل لا نهاية لها: أن هذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة أول من نقله إلى الفلسفة ابن سينا على أنها طريق خير من طريق القدماء، لأنه زعم أنه من جوهر الوجود وأن طرق القوم من اعراض تابعة للمبدأ الأول.
قال: (وهو طريق أخذه ابن سينا من المتكلمين، وذلك أن المتكلم يرى أن من المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري، ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل، وأن العالم بأسره لما كان ممكناً وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود هذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الأشعرية) .
قال: (وهو قول جيد ليس فيه كذب، إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره بممكن، فإن هذا ليس معروفاً بنفسه، فأراد ابن
(8/171)

سينا أن يعمم هذه القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة، كما ذكره أبو حامد) .
قلت: فقد بين أن كون الممكن يجب أن يكون له فاعل، قول جيد، إذ ان الممكن هو المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، والمحدث لا بد له من فاعل.
هذا أيضا معلوم بين مسلم عند عامة العقلاء.
وأما قوله: (ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره ممكن، فإن هذا ليس معروفاً بنفسه.
فأراد ابن سينا أن يعمم هذه القضية.
ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة) .
فإنه يقول: أولئك أرادوا بالممكن المحدث، وليس من المعروف بنفسه أن العالم كله محدث، فأراد ابن سينا أن يجعل معنى الممكن هو ما له علة، حتى يبني على ذلك أن العالم كله ممكن وله علة قديمة أزلية.
وهذا القول الذي ذكره ابن سينا، يظن من أخذ الفلسفة من كلامه، أنه قول أرسطو وأتباعه، وليس كذلك.
وإنما يذكر هذا عن برقلس.
ولهذا قال: الباري جواد وعلة جوده هو ذاته، فيكون جوده دائناً.
وهذا يوافق قول ابن سينا، ولا يوافق قول أرسطو، فإن الأول عنده لا فعل له: لا جوداً ولا غير جود، ولا إرادة، بل ولا يعلم ما سواه.
وقول ابن رشد: (إن كون العالم بأسره ممكن ليس معروفاً بنفسه) .
(8/172)

فيقال له: إن سلم أنه ليس معروفاً بنفسه، هو معروف بالأدلة الكثيرة الدالة على أن كل ما سوى الله ممكن: يقبل الوجود والعدم، بل إنه محدث وكل ما سواه فقير إليه، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن، وأنه ليس شيئاً موجوداً بنفسه غنياً عما سواه، قديماً أزلياً، إلا واحد.
وأدلة ذلك مذكورة في مواضع، وحينئذ فيحصل بذلك المقصود.
لكن المتكلمون من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية والكرامية ونحوهم، سلكوا في ذلك الاستدلال بأن ذلك لا يخلو عن الأعراض الحادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا أول لها، فلزم بذلك أن الأول لم يزل غير متكلم بمشيئته وقدرته، ولا فاعل لشيء، بل ولا كان يمكنه أن يكون متكلماً إذا شاء، فعالاً لما يشاء، بل هذا ممتنع، فلا يكون مقدوراً، فيلزم أنه صار قادراً بعد أن لم يكن، وفاعلاً، بل ومتكلماً بمشيئته بعد أن لم يكن، وأن الفعل صار ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، من غير تجدد شيء أوجب انقلابه من الامتناع إلى الإمكان، إلى غير ذلك من اللوازم.
كما قد بسط في موضعه.
والسلف والأئمة كلهم ذموا الكلام المحدث وأهله، وأخبروا أنهم يتكلمون بالجهل، ويخالفون الكتاب والسنة وإجماع السلف، مع أن كلاهم جهل وضلال.
مخالف للعقل، كما هو مخالف للشرع، كما قد بسط في موضعه.
(8/173)

والمقصود ذكر كلام ابن رشد على طريقة ابن سينا: قال ابن رشد: (وإذا سومح ابن سينا في هذه القضية: - وهو أن الممكن ما له علة - لم تنته به القسمة إلى ما أراد، لأن قسمة الوجود إولاً: إلى ما علة، وإلى ما لا علة له، ليس معروفاً بنفسه، ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري) .
قلت: أما تقسم الوجود إلى ما علة وإلى ما لا علة، فهذا تقسم دائر بين النفي والإثبات، لا يمكن المنازعة فيه، كما إذا قيل: الموجود ينقسم إلى ما قوم بنفسه، وإلى ما لا قوم بنفسه، وإلى ما هو موجود بنفسه، وما ليس موجوداً بنفسه، ونحو ذلك من التقسيمات الدائرة بين النفي والإثبات.
فهذا تقسيم حاصر، وإذ لا واسطة بين النفي والإثبات، وهما النقيضان.
كما أنهما لا يجتمعان فلا يرتفعان أيضاً.
لكن دعوى ابن سينا وأتباعه المقسمون هذا التقسيم: أن ما له علة ينقسم إلى ممكن حقيقي - وهو الحادث - وإلى ضروري، هو الذي ليس بيناً بنفسه، ولم يقيموا عليه دليلاً، ولا يمكنهم إقامة دليل عليه، بل
(8/174)

الدليل يدل على بطلانه.
ولهذا أظهر ما ذكره ابن رشد من فساد كلامهم.
قال ابن رشد: (ثم إذا قسم ما له علة إلى ممكن وضروري، فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي أفضى إلى ممكن ضروري، ولم يفض إلى ضروري لا علة به، وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم من ذلك إلا أن ما له علة فله علة، وأمكن أن نضع أن تلك العلة لها علة، وأن يمر ذلك إلى غير نهاية.
فلا ينتهي الامر إلى موجود لا علة له، وهو الذي يعنونه بواجب الوجود.
إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له: الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيه إلى غير نهاية) .
فقد بين ابن رشد أنه إذا قسم الوجود إلى ما له علة وما ليس له علة، ثم قسم ما له علة إلى ممكن وضروري، فإذا أراد بالممكن: الممكن الحقيقي، وهو الحادث، وهو قد جعل الممكن ما له علة - أفضى ذلك إلى ما له علة، فينقسم إلى ممكن ضروري - وهو القديم - وإلى ممكن حقيقي - وهو الحادث.
ولم يكن في هذا إثبات ضروري لا علة له، وهو واجب الوجود، لأن مجرد تقسيم الوجود إلى قسمين لا يستلزم ثبوت كل من القسمين، بل لا بد من دليل بدل على ثبوتهما،
(8/175)

وإلا فمجرد التقسيم دعوى مجردة، كما لو قيل: الوجود ينقسم إلى ماهو ثابت، وإلى ما ليس بثابت، أو ينقسم إلى قديم وحادث، وما ليس بقديم ولا حادث، أو ينقسم إلى واجب وممكن، وما ليس بواجب ولا ممكن.
فهذا تقسيم دائر بين النفي والإثبات، لكن لا يستلزم ثبوت كل من الأقسام.
وإذا قيل: ينقسم إلى معلول وغير معلول.
وقيل: المعلول ينقسم إلى ممكن حقيقي - وهو الحادث وإلى ممكن باصطلاح ابن سينا - وهو المعلول - مع كونه ضرورياً، كان غايته إذ أثبت انقسام المعلول إلى ضروري وحادث: إثبات القسمين: الضروري والحادث، أو إثبات ضروري معلول، ليس في إثبات ضروري ليس بمعلول، وهو واجب الوجود بنفسه، فلم يكن فيما ذكره إثبات واجب الوجود بنفسه، فكيف وليس فيه أيضاً إثبات ضروري معلول، وإنما فيه تقسيم المعلول إلى ضروري وغير ضروري؟.
ومجرد التقسيم لا يدل على ثبوت كل من القسمين، فلم يكن فيما ذكره لا إثبات ضروري معلول ولا غير معلول، إن لم يبين أن المحدث يدل على ذلك، ولا استدل بالحدوث ألبته، وهو الممكن الحقيقي، وإنما استدل بالممكن الذي ابتدعه، وجعله يتناول القديم الضروري والمحدث ولو استدل بالمحدث لدل على إثبات قديم، وثبوت قديم لا يدل على واجب الوجود باصطلاحهم لأن القديم عندهم ينقسم إلى واجب وممكن.
(8/176)

فإن أرادوا أن يثبتوا الواجب بنفسه، قالوا: (والقديم - الذي سموه ممكناً - يفتقر إلى واجب بنفسه) .
وهذا ليس بيناً، وعامة العقلاء ينازعونهم فيه، ولا يمكنهم إقامة دليل عليه.
فهذا الذي سموه ممكناً هو قديم أزلي ضروري الوجود، ومثل هذا لا يدل على واجب بنفسه، وهو أيضاً ليس بثابت، فلم يثبتوا هذا الممكن، ولم يثبتوا الواجب الذي يستدل عليه بهذا الممكن، فلم يثبتوا ما ادعوه من الممكن، ولا ما ادعوه من الواجب.
قال ابن رشد: (وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم من ذلك إلا أن ما له علة فله علة) .
قلت: وذلك لأنه إذا قسم الوجود إلى ما له علة، وما لا علة له، وسمى هذا الأول ممكناً، ثم قسم هذا الممكن إلى: الممكن الحقيقة - وهو الحادث - وإلى الضروري - وهو القديم المعلول - لم يلزم من ذلك إلا إثبات قديم معلول، وهو أن هذا الضروري الذي له علة، هو ضروري له علة.
وهذا إذا قدر أنه أثبت هذا القسم.
وحينئذ فيكون قد أثبت ضرورياً واجب الوجود معلولاً.
قال: وإذا أمكن أن يكون الضروري الواجب الوجود معلولاً لعلة، أمكن أيضاً أن تكون تلك العلة، وإن كانت ضرورية واجبة
(8/177)

الوجوب معلولة لعلة أخرى وهلم جراً، ولم يكن على هذا التقدير معنا ما يدل على امتناع هذا التسلسل، لأن مضمونه إثبات أمور واجبتة ضرورة كل منها له علة، والجملة كلها واجبة ضرورة، مع كونها وكون كل منها معلولاً، وهو الممكن بهذا الاصطلاح المتأخر، إذا الممكن عندهم يكون ضرورياً واجب الوجود ممتنع العدم - مع كونه معلولاً لغيره.
فلا يمتنع على هذا التقدير وجود علل ومعلولات كل منها واجب ضروري، ويسمى ممكناً باعتبار أنه معلول، وإن كان ضرورياً واجب الوجود، لا باعتبار أنه محدث مفتقر إلى فاعل.

كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية
وحقيقة الأمر أنهم قدروا أموراً متسلسلة، كل منها واجب الوجود ضروري يمتنع عدمه، وكل منها معلول، وسموه باعتبار ذلك ممكناً، وقالوا: إنه يقبل الوجود والعدم.
وحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة، فضلاً عن افتقارها كلها، لأن التقدير أنها جميعها ضرورية الوجود لا تقبل العدم، ومثل هذا يعقل افتقاره إلى فاعل، ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه، وهو الضروري الواجب الوجود القديم الأزلي: هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه؟
وقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل، بل جميع العقلاء يقولون: إن هذا لا يفتقر إلى فاعل.
ولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على إثبات هذا الممكن - كما فعله ابن سينا والرازي والآمدي وغيرهم - لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا الممكن - بهذا التفسير - يفتقر إلى فاعل، وورد على هذا الممكن من الأسولة ما لم يمكنهم الجواب عنه، كما قد ذكر بعض ذلك في غير هذا الموضع.
(8/178)

وقد ذكر بعض ذلك الرازي في الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية والمحصل وغير ذلك من كتبه.
وهؤلاء قسموا الوجود إلى واجب وممكن، وعنوا بالممكن ما له علة، وأدخلوا في الممكن القديم الأزلي الضروري الواجب الذي يمتنع عدمه، فيلزمهم بيان أن هذا الممكن لا بد له من واجب، فلم يثبتوا ذلك إلا بأن المحدث يفتقر إلى فاعل.
هذا حق، لكنه يدل على إثبات قديم أزلي، لا يدل على أن القديم الأزلي ينقسم إلى واجب وممكن كما ادعوه.
ولما لم يثبتوا هذا الممكن، والواجب لا يثبت إلا بثبوته، لم يثبتوا لا واجباً ولا ممكناً، ولا عرف انقسام الوجود إلى واجب وممكن على اصطلاحهم، بل غايتهم ثبوت الواجب على التقديرين.
وإن لم يثبت الممكن، فإنه إن كان الممكن ثباتاً فقد ثبت الواجب، وإن لم يكن ثابتاً فقد بقي القسم الآخر، وهو الواجب، لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات.
ونحن قلنا: الموجود: إما أن يكون له علة، وإما أن يكون لا علة له، والمعلول لا بد له من علة، فلزم ثبوت ما لا علة له على التقديرين وهو المطلوب.
قيل لهم: هذا لا ينفعكم لوجهين:
احدهما: أنكم لم تثبتوا وجوداً لا علة له، ومجرد التقسيم لا يدل عليه، بل جوزتم أن يكون موجود قديم أزلي معلول.
وعلى هذا التقدير
(8/179)

فيجوز وجود علل ومعلولات لا تتناهى، فلا يثبت لكم وجود لا علة له.
الثاني: أن يقال: هذا غايته أن يدل على ثبوت وجود واجب.
فمن قال: الوجود كله واحد، وهو واجب لا ينقسم إلى واجب وممكن، ولا قديم ومحدث، فقد وفى بموجب دليلكم، وهذا مما يبين به غاية كلام هؤلاء.
ولما كان هذا منتهى كلامهم، صار السالكون لطريقهم نوعين:
نوعاً يقول: لم يثبت واجب الوجود لإمكان علل ومعلولات لا تتناهى، ويوردون على إبطال التسلسل ما يقولون: لا جواب عنه، كالآمدي وغيره.
ونوعاً يقول: الوجود كله واجب: قديمه ومحدثه، وليس في الوجود موجودان: أحدهما قديم، والآخر محدث، وأحدهما واجب والآخر ممكن، بل عني وجود المحدث الممكن هو عين وجود الواجب القديم، كما يقوله ابن عربي وأتباعه، كابن سبعين والقونوي.
فيتدبر من هداه الله هذا التناقض العظيم، الذي أفضى إليه هذا الطريق الفاسد، الذي سلكه ابن سينا وأتباعه، في إثبات واجب الوجود.
فنظارهم يعترفون بأنه لم يقم دليل على إثبات وجود واجب، بل ولا على ممكن بالمعنى الذي قدره.
ومعلوم أن هذا في غاية السفسطة، فإن انقسام الموجود إلى
(8/180)

واجب: هو قديم أزلي، وإلى ممكن: هو محدث وجد بعد أن لم يوجد، معلوم بالضرورة بجميع العقلاء وعوامهم.
وصوفيتهم يقولون: الوجود الواجب القديم الأزلي هو عين الوجود المحدث ليس هنا وجودان: أحدهما واجب قديم، والآخر ممكن محدث، فهؤلاء يجمعون بين النقيضين، حين يجعلون الوجود الواحد قديماً حادثاً ممكناً، معلولاً مفعولاً واجباً، وغير مفعول ولا معلول.
وأولئك لم يثبت عندهم أحد النقيضين، بل يشكون في رفع النقيضين، فلم يثبت عندهم وجود واجب، بل ولا ممكن بالمعنى الذي قرره.
ومعلوم أن الموجود مشهود، وأنه إما ممكن وإما واجب، فمن رفع النوعين أو شك في ثبوتهما، أوثبوتا أحدهما، فهو في غاية السفسطة، كما أن من لم يثبتهما، بل جعل الجميع واجباً بنفسه قديماً أزلياً، وأنكر وجود الحوادث، فهو في غاية السفسطة.
والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر.
وإنما المقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد، فإنه مع تعظيمه للفلاسفة، وغلوه في تعظيمهم، وقوله: إنهم وقفوا على أسرار العلوم الإلهية، قد تفطن لفساد ما ذكره أفضل متأخريهم وأتباعه، وهو عند التحقيق خير مما ذكره أرسطو وأتباعه، فإذا كان هذا فساداً فذاك بطريق الأولى.
(8/181)

وقد تبين ما ذكره ابن رشد حيث قال: (وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري، لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة، وأمكن أن نضع أن تلك لها علة، وأن نمر ذلك إلى غير نهاية، فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له، وهو الذي يعنونه بواجب الوجود، إلا أن يفهم من الممكن، الذي وضعه بإزاء ما لا علة له، الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية) .
قال ابن رشد: إنه إذا أريد بالممكن ما يعقل العقلاء أنه ممكن، وهو المحدث بعد أن لم يكن، الذي يكون أن يكون موجوداً تارة ومعدوماً تارة أخرى، فإن هذا هو الممكن الحقيقي، فإذا أريد بالممكن هذا، وقيل: الوجود ينقسم إلى ممكن وغير ممكن، والممكن ما له علة، وهو الممكن الحقيقي وهو الحادث، كان حقيقة الكلام: أنه ينقسم إلى قديم وحادث، كما قاله المتكلمون.
وحينئذ فهذه الممكنات - التي هي المحدثات - هي التي يستحيل فيها وجود علل لا تتناهى، فإن المحدث يعلم بالضرورة أنه لا بد له من محدث، فإذا قدرنا وجود ما لاينتاهى من المحدثات، كان كل منها لا بد له من محدث، وكان مجموع المحدثات أعظم افتقاراً إلى محدث، فإنه كلما كثرت المحدثات كان افتقارها إلى محدث لها أعظم من افتقر واحد
(8/182)

منها، وتسلسل المحدثات إذا قدر إلى ما لايتناهى لا يخرجها عن كونها جميعها محدثة، وأن جيمعها مفتقر إلى محدث خارج عنها، والمحدث الخارج عن جميع المحدثات لا يكون إلا قديماً.
وعلى هذا التقدير فليس فيها معلول قديم أزلي، ولا معلول ضروري، كما قدره أولئك، حيث قدروا عللاً ومعلولات لا تتناهى، كل منها محدث وكل منها ممكن، مع أن الممكن قد يكون ضرورياً ممتنع العدم واجب الوجود، فكانوا محتاجين إلى بيان أن الضروري الوجود القديم الأزلي يكون معلولاً، حتى يكون المجموع من ذلك معلولاً، وهذا ممتنع عليهم، حيث جمعوا بين النقيضين.
قال ابن رشد: (وأما إن عنى بالممكن ما له علته من الأشياء الضرورية فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين من الموجودات الممكنة بالحقيقة، ولا تبين بعد أن ها هنا ضرورياً يحتاج إلى علة، فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة، إلى تبين أن الأمر في الجملة الضرورية - التي من علة معلول - كالأمر في الجملة الممكنة) .
قلت: فابن رشد ذكر أولاً أن الممكن، إن فهمنا منه: الممكن
(8/183)

الحقيقي وهو المحدث، فقد تبين فساد كلامهم على هذا التقدير.
وإن عني بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية - كما يقوله ابن سينا وأتباعه: إن الأفلاك ضرورية واجبة الوجود، يمتنع عدمها أزلاً وأبداً، ويقول مع ذلك: إنها ممكنة، يمعنى أنها معلولة - قال ابن رشد: فلا يمكن إثبات واجب الوجود على هذا التقدير، كما لا يمكنهم إثباته بطريقتهم على التقدير الأول.
وذلك أن مقدمة الدليل لا بد أن تكون معلولة قبل النتيجة، فيستدل على ما لا يعلم بما يعلم، ويستدل بالبين على الخفي.
وحينئذ فما ذكروه فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لم يتبين بعد أنه يستحيل وجود التسلسل في هذه الممكنات بالوجه الذي تبين في الممكنات الحقيقية.
وهي المحدثات.
ودليلهم في إثبات واجب الوجود موقوف على إبطال التسلسل، وإبطال التسلسل إنما يمكن في المحدثات، لا في الأمور الضرورية التي لا تقبل العدم، إذا قدر تسلسلها.
الوجه الثاني: قال: (ولا تبين بعد أن ها هنا ضرورياً يحتاج إلى علة، فيجب عن وضع هذا، إي عن تقدير هذا، أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة، إلى أن تبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة الممكنة) .
ومعنى كلامه: أن مقدمة الدليل يجب أن تكون معلومة قبل النتيجة، فإذا كانوا يثبتون واجب الوجود بما جعلوه ممكناً، وإن كان
(8/184)

ضرورياً واجب الوجود، لكنه واجب بغيره، فيجب أولاً أن يثبتوا أن هاهنا ضرورياً يحتاج إلى علة، وهو الواجب بغيره، الذي قالوا: إنه واجب أزلاً وأبداً ضروري الوجود، لكنه واجب بغيره لا بنفسه، فلهذا سموه ممكناً.
قال: (ولم يبين بعد أن ها هنا ضرورياً يحتاج إلى علة، حتى يلزم عن تقدير ذلك أن يكون هنا ضرورياً بغير علة، وهو الواجب بنفسه، ولو بين هذا أولاً كان يحتاج بعد ذلك أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة الممكنة) .
يقول: تبين أولاً أنه يمكن أن يكون ضروري الوجود واجب الوجود أزلاً وأبداً، وهو مع ذلك معلول غيره.
لقيل: هذا يدل على ضروري آخر يكون واجب الوجود ويكون علة له، وحينئذ فنحتاج أن نقول: إنه يمتنع وجود علل ومعلولات، كل منها ضروري واجب الوجود قديم يمتنع عدمه أزلاً وأبداً، فيكون التسلسل فيها باطلاً، كما كان التسلسل باطلاً في الممكن الحقيقي، وهو المحدث.
فإنه قد علم بالعقل واتفاق العقلاء أنه يمتنع وجود محدثات متسلسة، كل منها محدث الآخر، ليس فيها قديم، فلو ثبت إمكان معلول قديم أزلي، لوجب بعد هذا أن ينظر في امتناع التسلسل، وقد تقدم أن التسلسل في ذلك على هذا التقدير لا يمكن إقامة الدليل على امتناعه، فيكيف إذا لم يثبت الأصل الذي بنوا عليه كلامهم؟
(8/185)

وهذا الأصل الذي بنوا عليه كلامهم - وهو أن الممكن قد يكون قديماً أزلياً ضرورياً واجباً بغيره، وأن الواجب الضروري القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه أزلاً وأبداً، ينقسم إلى واجب بنفسه وإلى ممكن بنفسه واجب بغيره - هو مما ابتدعه ابن سينا، وخالف فيه عامة العقلاء من سلفه ومن غيره سلفه.
وقد صرح أرسطو وسائر الفلاسفة أن الممكن، الذي يمكن وجوده وعدمه، لا يكون إلامحدثاً، وأن الدائم القديم الأزلي لايكون إلا ضرورياً، لا يكون محدثاً.
وابن سينا وأتباعه وافقوهم على ذلك، كما ذكروا ذلك في المنطق في غير موضع، كما قد ذكرت ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع، من كتابه المسمى بالشفاء وغيره.
لكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا بسبب أنهم لما وجدوا المتكلمين قد قسموا الموجود إلى واجب وممكن، والممكن عندهم هو الحادث، سلكوا سبيلهم في هذا التقسيم، وأدخلوا في الممكن ما هو قديم أزلي، ونسوا ما ذكروه في غير هذا الموضع: من أن الممكن لا يكون إلا محدثاً.
وكان ما ذكره هؤلاء، وسائر العقلاء، دليلاً على أن ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن، لما ثبت أنه ليس واجب الوجود موجوداً بنفسه إلى الله وحده، وأن كان ما سواه مفتقر إليه.
وكان ما ذكره أرسطو وسائر العقلاء مبطلاً لما ذكره ابن سينا وأتباعه في الممكن وتناقضوا فيه، وكان ما ذكره ابن سينا وأتباعه من العقلاء في الواجب بنفسه مبطلاً لما ذكره أرسطو وأتباعه، وابن رشد أيضاً،
(8/186)

من أن الفلك ضروري الوجود واجب الوجود لا يقبل العدم، فإنه محتاج إلى غيره، وهم يسلمون أنه محتاج إلى الأول، لأنه لا قوام له إلا بحركته، ولا قوام لحركته إلا بالأول، فكان لا وجود له إلا بالأول، فامتنع أن يكون وجوده بنفسه، بل كان معلولاً بغيره، وما كان معلولاً بغيره لم بكن موجوداً بنفسه، بل كان ذلك الأول علة في وجوده، وما كان له علة في وجوده ثابتة عنه، علم بصريح العقل أنه ليس موجوداً بنفسه، فلا يكون واجباً بنفسه، وما لم يكن واجباً بنفسه كان ممكناً، وكان محدثاً، كما قد بسط في مواضع.
إذا المقصود هنا ذكر كلام ابن رشد، وابن رشد يقول: إن لفظ الممكن في اصطلاح الفلاسفة ليس هو لفظ الممكن في اصطلاح ابن سينا وأتباعه، وما كان أزلياً واجباً بغيره دائماً - بحيث لا يقبل العدم - لا يسمى ممكناً، بل الممكن ما كان معدوماً يقبل الوجود، وأما ما لم يزل واجباً يغره فليس هو بممكن.
وقد ذكر هذا في غير موضع من كتابه، وذكر أن ما ذكره ابن سينا خروج عن طريقة الفلاسفة القدماء، وأن طريقه التي أثبت به
(8/187)

واجب الوجود، بناءً على هذا الأصل، إنما هو إقناعي لا برهاني، كقوله في الكلام في مسألة الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.
(وما وضع في هذا القول من أن كل معلول فهو ممكن الوجود، فإن هذا إنما هو صادق في المعلول المركب، وليس يمكن أن يوجد شيء مركب وهو أزلي، فكل ممكن الوجود عند الفلاسفة فهو محدث) .
قال: (وهذا شيء قد صرح به أرسطاطاليس في غير ما موضع من كتبه) .
قال: (وأما هذا الذي يسميه ابن سينا ممكن الوجود، فهذا والممكن الوجود مقول باشتراك الاسم وكذلك ليس كونه محتاج إلى الفاعل ظاهراً من الجهة التي منها تظهر حاجة الممكن) .
(8/188)

قلت: وهذا الذي حكاه عنهم: من أن الممكن عندهم لا يكون إلا محدثاً مركباً قد ذكره في غير موضع، وذكر عنهم أن الأفلاك عندهم ليست مركبة من المادة والصورة، كالأجسام العنصرية والمولدات، وأن القول بأن كل جسم مركب من المادة والصورة إنما هو قول ابن سينا دون القدماء، وكذلك ذكر عنهم أن القول بأن الأول صدر عنه عقل، ثم عن العقل عقل ونفس وفلك، وهلم جراً إلى العقل الفعال ليس هو قول القدماء، بل هو قول ابن سينا وأمثاله.
وكذلك ذكر فيما ذكره ابن سينا وأتباعه في الوحي والمنامات: أن سببها كون النفس الفلكية عالمة بحوادث العالم، فإذا اتصلت بها نفوس البشر فاض عليها العلم منها، ذكر أنه ليس قول القدماء، بل هو قول ابن سينا وأمثاله، وهو مع هذا فالذي يذكر عن القدماء وطرقهم، هو أضعف من قول ابن سينا بكثير.
وعامة ما يذكر في واجب الوجود أن يكون شرطاً في وجود غيره، وأما كونه علة تامة لغيره ورباً ومبدعاً، كما يقوله ابن سينا وأمثاله، فهذا لا يوجد تقريره فيما ذكره عن الأوائل، فإذا كانت طريقة ابن سينا يلزمها أن تكون الحوادث حدثت بغير محدث، فطريقة أولئك تستلزم أن تكون
(8/189)

الممكنات وجدت بغير واجب، أو أن يكون كل من الواجبين بأنفسهما لا يتم وجوده إلا بالآخر، إلى غير ذلك مما في كلامهم من الفساد.
والمقصود هنا أن نبين أن خيار ما يوجد في كلام ابن سينا فإنما تلقاه عن مبتدعة متكلمة أهل الاسلام، مع ما فيهم من البدعة والتقصير.
ولما أورد عليهم الغزالي في قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.
وعدة أدلة بين بها فساد قولهم، قال ابن رشد: (إذا اعتقدت الفلاسفة أن في المعلول الأول كثرة، لزمهم ضرورة أن يقال لهم: من أين كان في المعلول الأول كثرة؟ وكما يقولون: إن الواحد لا يصدر عنه كثير، كذلك يلزمهم أن الكثير لا يصدر عن الواحد، فقولهم: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، يناقض قولهم: إن الذي صدر عن الواحد الأول شيء فيه كثرة، إلا أن يقولوا: إن
(8/190)

الكثرة في المعلول الأول كل واحد منها أول، فيلزمهم أن تكون الأوائل كثيرة) .
قال: (والعجب كل العجب كيف خفي هذا على أبي نصر وابن سينا؟ لأنهما أول من قال هذه الخرافات، فقلدهما الناس، ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة، لأنهم إذا قالوا: إن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما الثاني إنما هي مما يعقل من ذاته ومما يعقل من غيره، لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبيعتين: أعني صورتين.
فليت شعري أيتهما الصادرة عن المبدأ الأول، وأيتهما التي ليست الصادرة؟) .
قال: وكذلك إذا قالوا فيه: إنه ممكن من ذاته واجب من غيره، لأن الطبيعة الممكنة يلزم ضرورة أن تكون غير الطبيعة الواجبة التي استفادها من واجب الوجود، فإن الطبيعة الممكنة ليس يمكن أن تعود
(8/191)

واجبة، إلا لو أمكن أن تنقلب طبيعة الممكن ضرورياً، وكذلك ليس في الطبائع الضرورة إمكان أصلاً، كانت الضرورة بذاتها أو بغيرها) .
قال: (وهذه كلها خرافات وأقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين، وهي كلها أمور دخيلة في الفلسفة، ليست جارية على أصولهم، وكلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة الإقناع الخطبي، فضلاً عن الجدلي ولذلك يحق ما يقول أبو حامد في غير موضع من كتبه: إن علومهم الإلهية ظنية) .
وقال أيضاً لما أراد أن يقرر قول أرسطو: إن كل حادث فهو مسبوق بإمكان العدم، والإمكان لا بد له من محل، وقد رد ذلك أبو حامد بأن الإمكان الذي ذكروه يرجع إلى قضاء العقل، فكل
(8/192)

ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع تقديره، سميناه واجباً، فهذه قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى نجعل وصفاً له، لأن الإمكان كالامتناع، وليس للامتناع محل في الخارج، ولأن السواد والبياض يقضي العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين.
فقال ابن رشد: (هذه مغلطة، فإن الممكن يقال على القابل وعلى المقبول، والذي يقال على الموضوع القابل يقابله الممتنع، والذي يقال على المقبول بقابله الضروري، والذي يتصف بالإمكان الذي يقاله الممتنع، ليس هو الذي يخرج من الإمكان إلى الفعل، من جهة ما يخرج إلى الفعل، لأنه إذا خرج ارتفع عنه الإمكان، وإنما يتصف بالإمكان من جهة ما هو بالقوة، والحامل لهذا الإمكان هو الموضوع الذي ينتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وذلك بين من حد الممكن، فإن الممكن هو المعدوم الذي يتهيأ أن يوجد وأن لا يوجد،
(8/193)

وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكناً من جهة ما هو معلوم، ولامن جهة ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن من جهة ما هو بالقوة.
ولذلك قالت المعتزلة: إن المعدوم ذات ما، وذلك أن العدم يضاد الوجود، وكل واحد منهما يخلف صاحبه، فإذا ارتفع عدم شيء ما خلفه وجوده، وإذا ارتفع وجوده خلفه عدمه.
ولما كان نفس العدم ليس يمكن فيه أن ينقلب وجوداً، ولا نفس الوجود أن ينقلب عدماً، وجب أن يكون القابل لهما شيئاً ثالثاً غيرهما، وهو الذي يتصف بالإمكان والتكون والانتقال من صفة العدم إلى صفة الوجود، فإن العدم لا يتصف بالتكون والتغير، ولا الشيء الكائن بالفعل يتصف أيضاً) وبسط الكلام في هذا.
وقال أيضاً في دليلهم المشهور على قدم العالم، وهو قولهم: (يستحيل صدور حادث من قديم مطلق، لأنا إذا فرضنا القديم ولم
(8/194)

يصدر منه العالم مثلاً، فإنما لم يصدر لأنه لم يكن للوجود مرجح، بل كان وجود العالم ممكناً عنه إمكاناً صرفاً، فإذا حدث لم يخل: إما أن يتجدد مرجح أو لا يتجدد، فإن لم يتجدد مرجح بقي العالم على الإمكان الصرف كما كان قبل ذلك، فإن تجدد مرجح انتقل الكلام إلى ذلك المرجح: لم رجح الآن ولم يرجح قبل؟ فإما أن يمر إلى غير نهاية، أو ينتهي الأمر فيها إلى مرجح لم يزل مرجحاً) .

كلام ابن رشد ردا على الغزالي وتعليق ابن تيمية
قال ابن رشد: (هذا القول هو قول في أعلى مراتب الجدل، وليس هو واصلاً موصل البراهين، لأن مقدماته هي عامة، والعامة قريبة من المشتركة، ومقدمات البراهين هي من الأمور الجوهرية المناسة، وذلك أن الممكن يقال اشتراك على الممكن الأكثري، الممكن الأقلي، والذي على التساوي، وليس ظهور الحاجة فيها إلى مرجح على التساوي، وذلك أن الممكن الأكثري قد يظن به أن يترجح من ذاته، لا من مرجح خارج عنه، بخلاف الممكن على التساوي.
(8/195)

والإمكان أيضاً منه ما هو من الفاعل، وهو إمكان الفعل، ومنه ما هو من المنفعل، وهو إمكان القبول، وليس ظهور الحاجة فيهما إلى المرجح على السواء.
وذلك أن الإمكان الذي في المنفعل مشهور حاجته إلى المرجح من خارج، لأنه يدرك حساً في الأمور الصناعية وكثير من الأمور الطبيعية، وقد يلحق فيه شك في الأمور الطبيعية، لأن أكثر الأمور الطبيعة مبدأ تغيرها منها، ولذلك يظن في كثير منها أن المحرك هو المتحرك هو المتحرك، وأنه ليس معروفاً بنفسه: أن كل متحرك فله محرك، وأنه ليس ها هنا شيء يحرك ذاته.
فإن هذا كله يحتاج إلي بيان، فلذلك فحص عنه القدماء.
وإما الإمكان الذي في الفاعل، فقد يظن في كثير منها أنه لا يحتاج في خروجه إلى الفعل إلى مرجح من خارج، لأن انتقال الفاعل من أن لا يفعل إلى أن يفعل، قد يظن بكثير منه أنه ليس تغيراً يحتاج إلى مغير، مثل انتقال المهندس من أن لا يهندس إلى أن يهندس، وانتقال المعلم من أن لا يعلم إلى أن يعلم) .
(8/196)

قال: (والتغير أيضاً الذي يقال إنه يحتاج إلى مغير: منها ما هو في الجوهر، ومنه ما هو في الكيف، ومنه ما هو في الكم، ومنه ما هو في الأين.
والقديم أيضاً: يقال على ما هو قديم بذاته، وقديم بغيره عند كثير من الناس، والتغيرات منها ما يجوز عند قوم على القديم، مثل جواز كون الإرادة الحادثة على القديم عند الكرامية، وجواز الكون والفساد على المادة الأول عند القدماء وهي قديمة.
وكذلك المعقولات: على العقل الذي بالقوة، ووهو قديم عند أكثرهم ومنها ما لا يجوز، وبخاصة عند بعض القدماء دون بعض) .
قال: (وكذلك الفاعل أيضاً: منه ما يفعل بإرادة، ومنه ما يفعل بطبيعة.
وليس الأمر في كيفية صدور الفعل الممكن الصدور عنهما واحداً: أعني في الحاجة إلى المرجح، وهل هذه القسمة في الفاعل حاصرة أويؤدي البرهان إلى فاعل لايشبه الفاعلين بالطبيعة، ولا الذي بالإرادة التي في الشاهد) ؟
(8/197)

قال: (وهذه كلها مسائل كثيرة عظيمة يحتاج كل واحد منها إلى أن يفرد بالفحص عنها وعما قاله القدماء فيها.
وأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة هو موضع مشهور من مواضع السفسطائيين، والغلط في واحد من هذه المبادي، هو سبب لغلط عظيم آخر في الفحص عن الموجودات) .
قلت: المقصود هنا أن بين اختلاف اصطلاحهم في مسمى الممكن، وأن الطريفة المشهورة عند المتأخرين في الفلسفة هي الطريفة المضافة إلى أفضل متأخريهم ابن سينا، والفارابي قبله.
وهذا ابن رشد، مع عنايته التامة بكتب أرسطو والقدماء، واختصاره لكلامهم، وعنايته بالانتصار لهم والذب عنهم، يذكر أن كثيراً من ذلك إنما هو من قول هؤلاء المتأخرين، ليس هو من قول قدمائهم.
ولما ذكر عن ابن سينا أنه استعمل لفظ الممكن في أعم مما هو عند الفلاسفة قال: إنه جعل المفهوم من لفظ الممكن ما له علة.
(8/198)

قال: وحينئذ فقول القائل: إن الموجود ينقسم إلى ما له علة، وإلى ما لا علة له، يحتاج إلى دليل.
قال: ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري.
فالضروري هو الذي لا يمكن عدمه، بل هو واجب دائماً بعلته، والممكن الحقيقي ما كان يمكن وجوده وعدمه، وهو ما كان معدوماً.
وحينئذ فالممكن الحقيقي لا يكون إلا حادثاً، وذلك يستلزم وجود واجب وهو الضروري، ولكن لا يستلزم أنه لا علة له إلا بدليل منفصل.
قال: وإذا جعلنا الممكن ما له علة، كان التقدير: أن ما له علة فله علة، ويمكن حينئذ تقدير ممكنات لا تنتهي.
فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له، وهو المسمى عندهم بواجب الوجود، إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له: الممكن الحقيقي، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية، وأما إن عنى بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية، فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة، ولا تبين بعد أن ها هنا ضرورياً يحتاج إلى علة، حتى يقال: إنه لا بد أن ينتهي
(8/199)

الأمر إلى ضروري بغير علة، إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية، التي من علة ومعلول، كالأمر في الجملة، الممكنة.
قلت: ولفظ الممكن إذا قيل فيه يمكن أن يوجد ويمكن لا يوجد، فهذا لا يكون إلا إذا كان معدوماً.
كما ذكر ابن رشد أنه اصطلاح الفلاسفة، فإما كل ما يمتنع عدمه، فليس بممكن بهذا الاعتبار أن يكون ممكن الوجود والعدم.
بل هذا واجب الوجود، سواء قيل: إنه واجب بنفسه.
أو واجب بغيره، وإذا كان من هذا ما هو واجب بغيره أزلاً وأبداً، فكونه ممكناً يفتقر إلى دليل.
فتقسيم الموجود إلى واجب وممكن، بهذا الاعتبار، لا بد له من دليل، كما ذكر ابن رشد.
بخلاف المعدوم الذي يمكن وجوده، فهذا يعلم أنه ممكن.
ولهذا كان ابن سينا ومن سلك طريقته محتاجين إلى إثبات كون الأفلاك ممكنة بنفسها، لا واجبة بنفسها.
وهذا وإن كان حقاً، لكن دليلهم عليه في غاية الضعف، فإنه مبين على أن كل جسم ممكن، ودليلهم عليه ضعيف جداً، كما قد بين في غير هذا الموضع، وقد بين ضعفه أبو حامد، ووافقه ابن رشد مع عنايته بالرد عليه على ضعف هذه الطريق.
والتحقيق أن هذا يسوغ تسميته ممكناً في اللغة، باعتبار أنه بنفسه لا
(8/200)

يوجد.
لكن ما كان كذلك لا يكون إلا محدثاً، فيسمى ممكناً باعتبار، ويسمى محدثاً باعتبار، والإمكان والحدوث متلازمان، وأما تسمية ما هو قديم أزلي يمتنع عدمه ممكناً يمكن وجوده وعدمه، فهذا لا يعرف في عقل ولا لغة.
وإن قدر أنه حق فالنزاع هنا لفظي.
لكن إذا عرفت الاصطلاحات زالت إشكالات كثيرة تولدت من الإجمال الذي في لفظ الممكن، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
واختلاف الاصطلاح في لفظ الممكن هنا غير اختلاف الاصطلاح في الممكن العام الذي هو قسيم الممتنع.
والممكن الخاص الذي هو قسيم الواجب الممتنع، بل نفس الممكن الخاص على هذا الاصطلاح المذكور عن القدماء إنما هو في المحدث الذي يمكن وجوده وعدمه.
وأما ما يقدر واجباً بغيره دائماً، فذاك لا يسمى ممكناً بهذا الاصطلاح.
وأما على اصطلاح ابن سينا وأتباعه، وهو كون الممكن ما له علة.
قال ابن رشد: فما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري.
فالضروري هو الذي لا يمكن عدمه، بل هو واجب دائماً بعلة، وهذا مما يقوله الفلاسفة في الأفلاك والممكن الحقيقة هو الحادث.
(8/201)

قال: وذلك يسلتزم وجود واجب وهو ضروري، ولكن لا يستلزم أنه لا علة له إلا بدليل منفصل.
وهذا الذي قاله ابن رشد بناء على أن افتقار المحدث إلى المحدث أمر ضروري، كما هو قول الجمهور.
فإذا كان المراد بالممكن الحقيقي هو الحادث، فلا بد له من فاعل ليس بحادث، وهو الضروري في اصطلح عامة العقلاء، فإن كل قديم هو ضروري عند عامة العقلاء، وكل ممكن الإمكان الخاص هو محدث عندهم، ثم بعد هذا كونه لا علة له.
والعلم بامتناع التسلسل في مثل هذا: بأن يكون للمحدث محدث إلى غير نهاية، ممتنع عند جميع العقلاء.
وقد بين ذلك في موضعه.
وأما كون الممكن، الذي هو قديم أزلي ضروري الوجود، هو معلول لغيره، فهذا ليس يبين أيضاً امتناع التسلسل فيه على هذا التقدير كما تقدم، وعلى هذا التقدير فيمكن تقرير ما ذكره الغزالي من أن ما قالوه في امتناع التسلسل باطل على أصولهم، فإن كل ممكن إذا قدر أنه معلول، مع كونه واجباً قديماً أزلياً، فالقول في علته كقول فيه، فإذا قدر علل ومعلولات، كل منها واجب قديم أزلي لا نهاية لها، لم يظهر امتناع هذا على هذا التقدير، ولم يظهر افتقار مجموعها إلى واجب خارج عنها، إذ كان كل منها واجب له علة.
فإذا قيل: المجموع لا علة له، لم يظهر امتناع ذلك، كما يظهر امتناعه في المحدثات، ولكن كونه له
(8/202)

علة أو لا علة له يفتقر إلى دليل آخر.
وقد تكلم ابن رشد على القول المنسوب إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا في صدرو العالم عن الله، وأنه صدر عن عقل، ثم عن العقل عقل ونفس وفلك، إلى العقل العاشر، كما هو معرف من مذهبهم وتقريره.
قال ابن رشد لما حكاه أبو حامد عنهم: (وهذا كله تخرص على الفلاسفة من ابن سينا وأبي نصر وغيرهما، ومذهب القوم القديم هو أنه ها هنا مبادىء هي الأجرام السماوية، ومبادىء الموجودات السماوية، موجودات مفارقة للمواد، هي المحركة للأجرام السماوية، والأجرام السماوية تتحرك إليها على جهة الطاعة لها، والمحبة فيها، والامتثال لأمرها إياها بالحركة والفهم عنها، وأنها إنما خلقت من أجل الحركة.
وذلك أنه لما صح أن المبادىء التي تحرك الأجسام السماوية هي
(8/203)

مفارقة للمواد، وأنها ليست بأجسام، لم يبق وجه به تحرك الأجسام، ما هذا شأنه إلا من جهة أن المحرك أمر بالحركة، ولذلك لزم عندهم أن تكون الأجسام السماوية حية ناطقة تعقل ذواتها وتعقل مباديها المحركة لها على جهة الأمر لها، ولما تقرر أنه لا فرق بين العلم والمعلول، إلا أن المعلوم في مادة، والعلم ليس في مادة، وذلك في كتاب النفس فإذا وجدت موجودات ليست في مادة، وجب أن يكون جوهرها علماً، أو عقلاً، أو كيف شئت أن تسميها، وصح عندهم أن هذه المبادىء مفارقة للمواد، من قبل أنها التي أفادت الأجرام السماوية الحركة الدائمة، التي لا يلحقها فيها كلال ولا تعب، وإن كل ما يفيد حركة دائمة بهذه الصفة فإنه ليس جسماً ولا قوة في جسم، وأن الجسم السماوي إنما استفاد البقاء من قبل المفارقات، وصح عندهم أن هذه المبادىء المفارقة وجودها
(8/204)

مرتبط بمبدأ أول فيها، ولولا ذلك لم يكن هنا نظام موجود، وأقاويلهم مسطورة في ذلك.
فينبغي لمن أراد معرفة الحق أن يقف عليها من عنده.
وما يظهر أيضاً من كون جميع الأفلاك تتحرك الحركة اليومية، مع أنها تتحرك بها الحركات التي تخصها، مما صح عندهم أن الآمر بهذه الحركة هو المبدأ الأول، وهو الله سبحانه وتعالى، وأنه أمر ساير المبادىء أن تأمر ساير الأفلاك بساير الحركات، وأن بهذا الأمر قامت السماوات والأرض، كما أن بأمر الملك الأول في المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل الملك له ولاية أمر من الأمور من المدينة إلى جميع من فيها من أصناف الناس.
كما قال سبحانه: {وأوحى في كل سماء أمرها} ، وهذا التكليف والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه حيواناً ناطقاً) .
قال: (وأما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادىء بعضها
(8/205)

عن بعض، فهو شيء لا يعرفه القوم، وإنما الذي عندهم أن لها من المبدأ الأول مقامات معلومة، لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام منه، كما قال تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم} ، وأن الارتباط الذي بينها هو الذي يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض، وجميعها عن المبدأ الأول، وأنه ليس يفهم من الفاعل المفعول، والخالق والمخلوق، في ذلك الوجود، إلا هذا المعنى فقط، وما قلناه من ارتباط وجود كل موجود بالواحد، وذلك خلاف ما يفهم ها هنا من الفاعل والمفعول، والصانع والمصنوع.
فلو تخيلت آمراً له مأمورون كثيرون، وأولئك المأمورون لهم مأمورون أخر، ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر، ولا وجود لم دون المأمورين إلا بالمأمورين، لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي صار به صارت موجودة، وأنه إن كان شيء وجوده في أنه مأمور، فلا وجود له إلا من قبل الآمر الأول، وهذا المعنى هو الذي ترى الفلاسفة أنه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع والتكليف) .
(8/206)

قال: (فهذا هو أقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم، من غير أن يلحق ذلك الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم، على التفصيل الذي ذكره أبو حامد ها هنا) .
يعني ما ذكره ابن سينا.
قال: (وهذا كله يزعمون أنه قد بين في كتبهم، فمن أمكن أن ينظر في كتبهم على الشروط التي ذكروها، فهو الذي يقف على صحة ما يدعون أو ضده) .
قال: (وليس يفهم من مذهب أرسطاطاليس غير هذا، ولا من مذهب أفلاطون وهو منتهى ما وقفت عليه العقول الإنسانية.
وقد يمكن الإنسان أن يقف على هذه المعاني من أقاويل عرض لها إن كانت مشهورة، مع أنها معقولة، وذلك أن ما شأنه هذا الشأن من التعليم، فهو لذيذ محبوب عند الجيمع) .
قال: (وأحد المقامات التي يظهر منها هذا المعنى، هو أن
(8/207)

الإنسان إذا تأمل ما ها هنا، ظهر له أن الأشياء التي تسمى حية عالمة، هي الأشياء المتحركة من ذاتها بحركات محدودة، بجواهر وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة.
ولذلك قال المتكلمون: إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم، فإذا حصل له هذا الأصل، وهو أن كل ما يتحرك حركات محدودة يلزم عنها أفعال محدودة منتظمة، فهو حيوان عالم.
وأضاف إلى ذلك ما هو مشاهد بالحس، وهو أن السماوات تتحرك من ذاتها حركات محدودة، يلزم عند ذلك في الموجودات التي دونها أفعال محدودة.
ونظام وترتيب به قوام ما دونها من الموجودات، تولد أصل ثالث لا شك فيه، وهو أن السماوات أجسام حية مدركة، فأما أن حركتها يلزم عنها أفعال محدودة، بها قوام ما ها هنا وحفظه، من الحيوان والنبات والجمادات، فذلك معروف بنفسه عند التأمل، فإنه لولا قرب الشمس وبعدها عن فلكها المائل، لم يكن ها هنا فصول أربعة، ولو لم يكن ها هنا فصول أربعة، لما كان نبات ولا
(8/208)

حيوان، ولا جرى الكون علىنظام في كون الاستقصات بعضها من بعض على السواء لينحفظ بها الموجود مثال ذلك أنه إذا بعدت الشمس إلى جهة الجنوب برد الهواء في جهة الشمال، فكانت الأمطار، وكثر الاستقص المائل وكثر في جهة الجنوب تولد الاسطقس الهوائي، وفي الصيف بالعكس: أعني إذا صارت الشمس فوق سمت رؤوسنا، وهذه الأفعال التي تلفى للشمس من قبل القرب والبعد، الذي لها دائماً من موجود موجود، من المكان الواحد بعينه، تلفى للقمر ولجميع الكواكب، فإن لكلها أفلاكاً مائلة، وهي تفعل فصولاً أربعة في حركاتها الدورية.
وأعظم من هذه كلها، في ضرورة وجود المخلوقات وحفظها، الحركة العظمى اليومية الفاعلة للليل والنهار.
وقد نبه الكتاب العزيز على العناية بالإنسان لتسخير جميع السماوات له، في غير ما آية.
مثل قوله سبحانه: {وسخر لكم الليل
(8/209)

والنهار} الآية.
فإذا تأمل الإنسان هذه الأفعال والتدبيرات اللازمة والمتقنة عن حركات الكواكب، ورأى الكواكب تتحرك هذه الحركات وهي ذوات أشكال محدودة، ومن وجهات محدودة، ونحو حركات محدودة، وحركات متضادة - علم أن هذه الأفعال المحدودة إنما هي عن موجودات مدركة حية، ذوات اختيار وإرادة، ويزيده إقناعاً في ذلك أن يرى أن كثيراً من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة الأجساد التي ها هنا، لم تعدم بالحياة بالجملة، على صغر أجرامها، وخساسة أقدارها، وقصر أعمارهما، وإظلام أجسادها، وأن الجود الإلهي أفاض عليها الحياة والإدراك، التي لها دبرت ذاتها، وحفظت وجودها - علم على القطع أن الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية مدركة من هذه الأجسام، لعظم أجرامها، وشرف وجودها، وكثرة أنوارها.
(8/210)

كما قال سبحانه: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} الآية، وبخاصة إذا اعتبر تدبيرها الأجسام الحية التي ها هنا، علم على القطع أنها حية، فإن الحي لا يدبره إلى حي أكمل حياة منه، فإذا تأمل الإنسان هذه الأجسام العظيمة الحية، الناطقة المختارة المحيطة بنا، ونظر إلى أصل ثالث، وهو أن عنايتها بما ها هنا هي غير محتاجة إليها في وجودها، علم أنها مأمورة بهذه الحركات، ومسخرة لما دونها من الحيوانات والنباتات والجمادات، وأن الآمر لها غيرها، وهوغير جسم ضرورة، لأنه لو كان جسماً لكان واحداً منها، وكل واحد منها مسخر لما دونه ها هنا من الموجودات، وخادم لما ليس يحتاج إلى خدمته في وجود ذاته، وأنه لولا مكان هذا الآمر لها لما اعتنت بما ها هنا على الدوام والاتصال، لأنها مدبرة ولا منفعة لها، خاصة في هذا الفعل فإذن إنما تتحرك من قبل الأمر والتكليف للجرم المتوجه
(8/211)

إليها لحفظ ما ها هنا وإقامة وجوده، والآمر هو الله تعالى.
وهذا كله معنى قوله تعالى: {أتينا طائعين} .
) .
قال: (ومثال هذا في الاستدلال: لو أن إنساناً رأى جمعاً عظيماً من اناس، ذوي نطق وفضل، مكبين على أفعال محدودة، لا يخلون بها طرفة عين، مع أن تلك الأفعال غير ضرورية في وجودهم، وهم غير محتاجين إليها - لأيقن على القطع أنهم مكلفون ومأمورون بتلك الأفعال، وأن لهم آمراً هو الذي أوجب لهم تلك الخدمة الدائمة، للعناية بغيرهم المستمرة، هو أعلى قدراً منهم، وأرفع مرتبة، وأنهم كالعبيد مسخرين له.
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه الكتاب العزيز في قوله سبحانه: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} .
وإذا اعتبر الإنسان أمراً آخر، وهو أن كل واحد من الكواكب السبعة،
(8/212)

له حركات خادمة لحركاته الكلية، ذوات أجسام تخدم جسمه الكلي، كأنها خدمة يعتنون بخادم واحد - علم أيضاً على القطع أن لجماعة كل كوكب منها آمراً خاصاً بهم، رقيباً عليهم، من قبل الآمر الأول مثل ما يعرض عند تدبير الجيوش: أن يكون منها جماعة جماعة، كل واحد منها تحت آمر واحد، وأولئك الآمرون، وهم المسمون العرفاء، يرجعون إلى أمير واحد، وهو أمير الجيش.
كذلك الأمر في حركات الأجرام السماوية التي أدرك القدماء.
من هذه الحركات - وهي نيف على الأربعين - ترجع كلها إلى سبعة آمرين، وترجع السبعة - أو الثمانية، على اختلاف بين القدماء في عدد الحركات - إلى الآمر الأول.
وهذه المعرفة تحصل للإنسان بهذا الوجه، سواء علم كيف مبدأ خلقه هذه الأجسام - أعنى السماوية - أو لم يعلم، وكيف ارتباط وجود سائر
(8/213)

الآمرين باللآمر الأول أو لم يعلم، فإنه لا شك أنها لو كانت موجودة من ذاتها، أعني قديمة من غير علة ولا موجد، لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر واحد لها بالتسخير وألا تطيعه، وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول.
وإذا لم يجز ذلك عليها، فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة، وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها، لا فيعرض من اعراضها، كحال السيد مع عبيده، بل في نفس وجودها، فإنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات، بل تلك الذوات تقومت بالعبودية.
وهذا هو معنى قوله تعالى: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} ، وهذا الملك هو ملكوت السماوات والأرض الذي أطلع الله إبراهيم عليه في قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون
(8/214)

من الموقنين} وأنت تعلم تأنه إذا كان الآمر هكذا، فإنه يجب ألا تكون خلقة هذه الأجسام ومبدأ كونها على نحو كون الأجسام التي ها هنا، وأن العقل الإنساني يقصر عن إدراك كيفية ذلك الفعل، وإن كان يعترف بالوجود، فمن رام أن يشبه الوجودين: أحدهما بالفاعل، وأن الفاعل لها فاعل بالنحو الذي توجد الفاعلات ها هنا، فهو شديد الغفلة، عظيم الزلة كثير الوهلة) .
قال: (فهذا هو أقصى ما تفهم به مذاهب القدماء في الأجرام السماوية.
وفي إثبات الخلق لها، وفي أنه ليس بجسم، وإثبات ما دونه من الموجودات التي ليست بأجسام، واحدها هي النفس) .
قال: (وأما إثبات وجوده من كونها محدثة، على نحو حدوث الأجسام التي نشاهدها كما رام المتكلمون، فعسير جداً والمقدمات المستعلمة في غير ذلك غير مفضية بهم إلى ما قصدوا بيانه) .
(8/215)

قلت: فهذا الكلام لا ريب أنه إلى الكلام الذي نقله الناس عن أرسطو وأصحابه في إثبات واجب الوجود أقرب من كلام ابن سينا وأمثاله.
بل هذا خير من الكلام المنقول عن أرسطو من وجوه متعددة، فإن المنقول عن أرسطو إنما فيه أنه جعل الأول محركاً لها، من حيث هو محبوب معشوق لها للتشبه به، يحركها تحريك المحبوب لمحبه، بل تحريك المتشبه به للمتشبه، كتحريك الإمام للمؤتم، فإن هذا أضعف من تحريك المحبوب لمحبه، كتحريك الطعام للآكل، ولمرأة للجماع.
وأما هذا فقد جعله آمراً لها بالحركة، مسخراً لها بذلك، مكلفاً لها بذلك.
لكن أرسطو أثبت قوله بأن الحركة الإرادية الشوقية لا بد فيها من عقل يتشبه به الفلك، كم يتشبه المؤتم بالإمام.

كلام أرسطو عن الحركة الشوقية والمحرك الأول
قال: والشيء المتشوق إليه علة لحركة المتحرك إليه بالشوق،
(8/216)

والشيء المشتاق إليه معلول له من جهة تلك العلة، وفي تلك الحركة وحركة كل واحد من الأجسام، فتشتاق كلها وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك.
وهذا لم يذكر حجة على أن المبدأ الأول هو الآمر بالحركات، فإن كان قصد أن أمره لها بمعنى كونه متشبهاً به محبوباً لها كما ذكر أرسطو، فقد ذكر طريقة أرسطو بعينها، وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع، وبينا ما فيها من النقص والتقصير عن إثبات واجب الوجود، وأنها تدل على أن هؤلاء القوم من أبعد الخلق عن معرفة الله تعالى.

نقد كلام ابن رشد عن الحركة الشوقية للسماوات
وكذلك كلام هذا الرجل ليس فيه إثبات الصانع، كما ليس ذلك في كلام أرسطو.
وفي باطل وتناقض من وجوه:
(الوجه الأول)
أنه جعل الحركة تاره لا قوام للسماوات إلا بها، كما ذكر ذلك أرسطو حيث قال: إنه لا وجود لها إلا في قبول الأمر وطاعة
(8/217)

الآمر، يعني الحركة كما ذكر أرسطو، وجعلها تارة مستغنية عنها، ولكنها كلفت بها لأجل السفليات، وأن حال المكبين على أفعال لا يخلون منها طرفة عين، مع أن تلك الأفعال غير ضرورية في وجدهم، وهم غير محتاجين إليها.

الوجه الثاني
أن غاية ما في هذا أن يكون آمراً لها بالحركة، وليس في مجرد الأمر بالفعل ما يوجب أن يكون الفعل القائم بالفاعل من إبداع الآمر ومن خلقه، ولا أنه محتاج إلى الآمر في نفس إحداث الفعل، كما ذكره في أمر الملك لنوابه، وأمر القائد لجيشه.
وأمر السيد لعبيده.

الوجه الثالث
أنه لم يذكر حجة على أنه لا قوام لها إلا بحركة التي أمرت بها، فمن أين يعلم أن قوام ذاتها بتلك الحركة؟.

الوجه الرابع
أنه لو قدر أنه أبدع الحركة التي قامت بها، وأنه لا قوام لها إلا بالحركة، فغاية ما في ذلك أن يكون ذلك شرطاً في قوامها، ويكون فاعلاً لشرط من شروط وجودها، ليس في هذا ما يقتضي أنه أبدع سائر أعراضها، ولا أبدع أعيانها.

الوجه الخامس
أن هذا مبني على إثبات عقول مفارقة وراء الأفلاك، وأن فيها عقلاً هو فوقها في الرتبة، والدليل الذي ذكره هذا، وابن سينا وغيرهما من الفلاسفة، في إثبات العقول، إنما يدل على إثبات عقول
(8/218)

هي أعراض تفتقر إلى أعيان تقوم بها، من جنس العقل الموجود في نفوسنا، فأما إثبات عقول هي جواهر قائمة بنفسها، فلا دليل لهم على ذلك أصلاً.
ولولا أن هذا ليس موضع بسط ذلك، لذكرت ألفاظهم بأعيانهم، ليتبين لك ما ذكرته.
ولكن هؤلاء القوم يجعلون الأعراض جواهر، والجواهر أعراضاً، والصفة هي الموصوف، والموصوف هو الصفة.
وعلى هذا بنوا كلامهم، كما صرحوا به في غير موضع.
ومن هنا يظهر:

الوجه السادس
وهو أن هذا وأمثاله جعلوا نفس العلم هو العالم، وجعلوا نفس العلم هو جوهراً قائماً بنفسه واجب الوجود.
وهذا من أعظم سفسطة في الوجود، وهو شر من كلام النصارى بكثير.
وغاية ما ينتهي إليه ما يدعونه من المفارقات المجردات عن المادة، وهو العقول التي جعلولها مبادىء، أنها علوم كلية كالعلوم الكلية التي لنا.
ومن المعلوم أن العلوم الكلية لا تقوم إلا بعالم، لكن هؤلاء غلطوا حيث أثبت قدماؤهم كأصحاب أفلاطون، كليات مجردة عن الأعيان، وهي المثل الأفلاطونية، وجعلوها أزلية أبدية، وإنما التغير والتحول في أعيانها فلما تبين لأرسطو وأتباعه فساد هذا أبطلوه، وقالوا: الكليات لا يكون
(8/219)

وجودها منفكة عن الأعيان.
وهؤلاء ظنوا أيضاً أن الأعيان الموجودة تقارنها كليات مغايرة للأعيان وهو أيضاً غلط، فإن كل هذه الأمور الكلية إنما ثبتوها في الأذهان لا في الأعيان، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن العقول المفارقات التي أثبتوها هي من جنس هذه الكليات، ولهذا يصرحون بأن العلم هو العالم، حتى في واجب الوجود قالوا: إنه هو العلم، وإنه العالم، وأن العلم هو القدرة، فجعلوا نفس الذات الموصوفة هي الصفة، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ثم إنهم أثبتوا واجب الوجود بطريق الحركة، وأنه لا بد لها من محرك والمحرك هو المحبوب عندهم، الذي يحب التشبه به لا تحب ذاته، لأن الحركة الإرادية لا بد له من ذلك، وادعوا أنه لا بد له من محرك لا يتحرك، وقدبين فساد هذا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.
(8/220)

وابن رشد قرر طريقتهم على غاية ما أمكنه من الحسن والبيان، وهي كما ترى غايتها أن تكون الأجسام المتحركة محتاجة إلى آمر يحركها، والمراد بأمره بالحركة: كونه محبوباً لها، أي تحب أن تتشبه به، لا أنها تحب ذاته، كما ذكره سلفه الفلاسفة الذين بين طريقهم، وشبهه بالملك الآمر لمن دونه من نابه في مملكته بأوامر، وكل واحد يأمر من دونه، وكلها ترجع إلى الآمر الأول.
ومعلوم أن الآمر لم يبدع شيئاً من أعيان المأمورين: لا صفاتهم ولا أفعالهم، بل الملك الآمر له شعور بأمره، وطلب من المأمور، وأما كون الشيء محبوباً مشتاقاً إليه أو للتشبه به، فليس في هذا صدور أمر من أمر، ولا شعور بالمحب المشتاق، ولا طلب لفعل منه.
وابن رشد قرر بأن الآمر لها هو المبدع لها، بأنها لو كانت موجودة من ذاتها، أي قديمة من غير علة ولا موجد، لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر احد لها بالتسخير، وألا تطيعه، كذلك حال الآمرين مع الآمر الأول، وإذا لم يجز ذلك عليها، فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة، وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها.
لا في عرض من أعراضها.
(8/221)

فيقال له: أنت لم تقرر أنه آمر لها، وسلفك إنما ذكروا أنه محبوب لها، أي تحب التشبه به، وهب أنه آمر لها، فأنت لم تذكر دليلاً على أنها إذا كانت مأمورة كانت مملوكة، إلا قولك: (إنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات، بل تلك الذوات تقومت بالعبودية) .
وهذه دعوى مجردة.
فلم لا يجوز أن يقال: تلك العبودية زائدة على الذات؟
وقولك: (إنها تقومت بالعبودية) : إن أردت تقومت.
بتعبدها الذي هو طاعتها وحركتها، فهذه دعوى أرسطو، وقد علم ما فيها.
وبتقدير أن تكون حقيقتها هي تلك الحركة، بل يقتضي أن تكون الحركة شرطاً في وجودها.
وإن أردت بتقومها بالعبودية تقومها بأن خلقها الله تعالى، فهذا هو المطلوب، ولم تذكر عليه حجة.
وأيضاً فقولك: علم أن الآمر لها غيرها، وهو غير جسم، لأنه لو كان جسماً لكان واحداً منها - كلام لا حجة فيه، لوجهين:
أحدهما: أنه مسخراً للعقول: ولم يلزم أن يكون من العقول المسخرة، فلماذا يلزم إذا كان مسخراً للأجسام، أن يكون من الأجسام
(8/222)

المسخرة؟ فهو عندهم عقل وليس من العقول المسخرة، فلا يلزم أيضاً إذا قيل: هو قائم بنفسه، أو هو حي عليم قدير، أو هو جوهر، أو جسم أو ذات، أو غير ذلك، أن يكون من جملة المسخرات من هذا الجنس.
الثاني: أنه لم لا يجوز أن يكون خارجاً عن جملة المسخرات المأموره كما أنه قائم بنفسه، وهو آمر لأعيان قائمة بنفسها، وهو موصوف.
وهو آمر لموصوفات، وأمثال ذلك.
وإذا كانت الأعيان أو الأجسام أو الموصفات مختلفة الحقائق، لم يلزم أن يكون الآمر لها مماثلاً للمأمور.
وأيضاً فإنك قلت: لو تخيلت أمراً له مأمورون كثيرون، وأولئك المأمورون لهم مأمورون أخر، ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر، ولا وجود لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين، لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي صارت موجودة.
وهذا الكلام فيه تفريق بين المأمور الذي لا وجود له إلا في قبول الأمر، كما يقولون: لا توجد الأفلاك إلا بالحركة، وهي قبول الأمر، أو أن العقول لا توجد إلا بما فيها من قبول الأمر، وبين ما صدر عن الأفلاك أو العقول من المولدات التي لا وجود لها إلا بالعقول أو الأفلاك.
(8/223)

ومن المعلوم أن احتياج العقول والأفلاك إلى الواجب بذاته، أعظم من حاجة ما دونها إليها: فكيف يقال في هذا: لا يوجد إلا به؟ ويقال في ذلك: لا يوجد إلا بقبول الأمر؟
ومن المعلوم أن ما يظهر من تأثير الأفلاك في الأرض إنما هو في بعض أحوالها، كما ذكره من تأثير قرب الشمس وبعدها والليل والنهار.
ومن المعلوم بالحس أن هذا ليس وحده مستقلاً بإبداع ما في الأرض، وإنما هو من جملة الأسباب التي بها يتم، كما يفتقر الحيوان والنبات إلى الريح، وافتقارها إلى ذلك أعظم من افتقارها إلى الشمس، وكما تفتقر إلى الأرض والتراب وغير ذلك من الأسباب.
وبالجملة هذه الطريق التي سلكها هؤلاء مبنية على ثلاث مقدمات أن الأفلاك لا تقوم إلا بالحركة، وأن الحركة لا تقوم إلا بآمر منفصل، أو محبوب منفصل يحب التشبه به، فالأفلاك لا تقوم إلا بذلك.
ثم إذا كانت لا تقوم إلا بذلك، لزم أن تكون جميع أعيانها وصفاتها صادرة عنه، وهم لم يقروا ذلك.
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، لكن يمكن تقريره بأن يقال: إذا كان قوامها بحركتها، وقوام حركتها به، فقوامها به، وإذا كان قوامها
(8/224)

به، امتنع أن تكون واجبة الوجود بنفسها، لأن ما كان واجب الوجود بنفسه لا يكون قوامه بغيره.
وإذا كان الفلك متحركاً بغيره امتنع أن يكون واجب الوجود، فيكون ممكن الوجود بنفسه.
وممكن الوجود بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، فيجب أن يكون مفتقراً إلى مبدع فاعل، كما كان مفتقراً إلى محبوب مشتاق إليه للتشبه به.
فهذه الطريق يمكن أن يقرر به إثبات واجب الوجود.
لكن هم لم يذكروا هذا، وهم في إصطلاحهم لايسمون الواجب بغيره ممكناً.
وإنما سلك هذه الطريقة متأخروهم، لكن متأخروهم لم يثبتوا كون الفلك ممكناً لا واجباً بنفسه بهذه الطريق، فظهر في كلام قدمائهم التقصير من وجه، وفي كلام متأخريهم التقصير من وجه آخر.
ولهذا ما صاروا مقصرين في إثبات كون الفلك ممكناً مصنوعاً، صار الدهرية منهم إلى أنه واجب بنفسه.

عود إلى لكلام ابن رشد في الرد على الغزالي وتعليق ابن تيمية
ولهذا لما ناظرهم أبو حامد الغزالي وبين عجزهم عن إثبات كون كل جسم ممكناً، كما اعترفوا بأنه ليس كل جسم محدثاً، قال: (فإن قيل: إن الدليل على أن الجسم لا يكون واجب الوجود أنه إن كان واجب الوجود
(8/225)

لم يكن له علة: لا خارجة عنه ولا داخلة فيه، فإن كانت له علة لكونه مركباً، كان باعتبار ذاته ممكناً، وكل ممكن مفتقر إلى واجب الوجود) .
أجاب بأن البرهان لم يقم على إثبات واجب الوجود بالتفسير الذي ادعيتموه، وإنما قام بمعنى أنه ليس له علة فاعلة، وأما كونه ليس له علة مادية أو صورية، فلم يقم دليل على واجب الوجود بهذا الاعتبار.
قال: (وكل تلبياتهم في هاتين اللفظيتين) : واجب الوجود وممكن الوجود (فلنعد إلى المفهوم وهو نفي العلة) (يعني العلة الفاعلة) وإثباتها، فكأنهم يقولون: إن هذه الأجسام لها علة أم لا علة لها؟ فيقول الدهري: لا علة لها، فما المستنكر؟ وإذا عنى بالإمكان والوجوب هذا، فنقول: إنه واجب وليس ممكناً.
وقولهم:
(8/226)

الجسم لا يكون واجباً تحكم لا أصل له) .
قال ابن رشد: (قد تقدم من قولنا: إنه إذ فهم من واجب الوجود ما ليس له علة، وفهم من ممكن الوجود ما له علة، لم تكن قسمة الموجود بهذين الفصلين، معترفاً بها، فإن للخصم أن يقول: ليس كما ذكر، بل كل موجود لا علة له.
لكن إذا فهم من واجب الوجود: الموجود الضروي، ومن الممكن: الممكن الحقيقي، أفضى الأمر - ولا بد - إلى موجود لا علة له، وهو أن يقال: كل موجود فإما أن يكون ممكناً أو ضررياً، فإن كان ممكناً فله علة، فإن كانت تلك العلة من طبيعة الممكن، تسلسل الأمر.
فيقطع التسلسل بعلة ضرورية، ثم يسأل في تلك العلة الضرورية: إذا جوز أيضاً أن يكون من الضروري ما له علة وما ليس له علة، فإن وضعت العلة من طبيعة الضروري الذي له علة لزم التسلسل، وأنتهى الأمر إلى علة ضرورية ليس لها علة) .
قال: (وإنما أراد ابن سينا أن يطابق بهذه القسمة رأي الفلاسفة في الموجودات، وذلك أن الجرم السماوي عند الجميع من الفلاسفة هو
(8/227)

ضروري بغيره.
وأما: هل الضروري بغيره فيه إمكان بالإضافة إلى ذاته؟ ففيه نظر ولهذا كانت هذه الطريقة مختلة إذا سلك فيها هذا المسلك، فأما مسلكه فهو مختل ضرورة، لأنه لم يقسم الموجود أولاً إلى الممكن الحقيقي والضروري، وهي القسمة الموجودة بالطبع للموجودات) .
قال: (ثم قال أبو حامد مجيباً للفلاسفة في قولهم: إن الجسم ليس بواجب الوجود بذاته لكونه له أجزاء هي علته.
فإن قيل: لا ينكر أن يكون الجسم له أجزاء، وأن الجملة إنما تقوم بالأجزاء، وأن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة.
قلنا: ليكن كذلك، فإن الجملة تقومت بالأجزاء واجتماعها، ولا علة للأجزاء ولا اجتماعها، بل هي قديمة كذلك بلا علة فاعلية، فلا يمكنهم رد هذا إلا بما ذكروه من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول، وقد أبطلنا عليهم، ولا سبيل لهم سواه) .
قال: (فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام، لا يصل
(8/228)

لاعتقاد في الصانع أصلاً) .
قال ابن رشد: (هذا القول لازم لزوماً لا شك فيه لمن سلك طريقة واجب الوجود في إثبات موجود ليس بجسم، وذلك أن هذه الطريق لم يسلكها القدماء، وإنما أول من سلكها - فيما وصلنا - ابن سينا، وقد قال: إن أشرف من طريقة القدماء، وذلك أن القدماء إنما صاروا إلى إثبات موجود ليس بجسم هو مبدأ للكل، من أمور متأخرة، وهي الحركة والزمان.
وهذه الطريقة تفضي إليه - زعم - أعني إلى إثبات مبدأ بالصفة التي أثبتها القدماء من النظر في طبيعة الوجود بما هو موجود، ولو أفضت لكان ما قال صحيحاً، لكنها ليس تفضى) .
وذلك أن واجب الوجود بذاته إذا وضع موجوداً فغاية ماينتفي عنه أن يكون مركباً من مادة وصورة، وبالجملة أن يكون له جزء، فإذا وضع موجوداً مركباً من أجزاء قديمة، من شأنها أن يتصل بعضها بعض، كالحال في العالم وأجزائه، صدق على العالم - أو على أجزائه - أنه واجب الوجود) .
(8/229)

قال: (هذا كله إذ سلمنا أن ها هنا موجوداً هو واجب الوجود، وقد قلنا نحن: إن الطريقة التي سلكها في إثبات موجود بهذه الصفة ليست برهانية، ولا تفضى بالطبع إليه، إلا على النحو الذي قلنا، وأكثر ما يلزم هذا القول، أعني ضعف هذه الطريقة عند من يضع ها هنا جسماً بسيطاً غير مركب من مادة وصورة، وهو مذهب المشائين، لأن من يضع مركبا قديماً من أجزاء بالفعل، فلا بد أن يكون واحداً بالذات، وكل وحدة في شيء مركب فهي من قبل واحد بنفسه، أعني بسيطاً ومن قبل هذا الواحد صار العالم واحداً.
وكذلك يقول الإسكندر: إنه لا بد أن تكون ها هنا قوة روحانية سارية في جميع أجزاء العالم، كما يوجد في جميع أجزاء الحيوان الواحد قوة تربط أجزاءه بعضها ببعض.
والفرق الذي بينهم أن الرباط الذي في العالم قديم من قبل أن الرابط قديم، والرباط الذي بين أجزاء
(8/230)

الحيوان ها هنا كائن فاسد بالشخص غير كائن ولا فاسد بالنوع، من قبل الرباط القديم، من قبل أنه لم يمكن فيه أن يكون غير كائن ولا فاسد بالشخص، كالحال في العالم، فتدارك الخالق سبحانه هذا النقص الذي لحقه بهذا النوع من التمام الذي لم يكن فيه غيره، كما يقوله أرسطو في كتاب الحيوان) .
قال: (وقد رأينا في هذا الوقت كثيراً من أصحاب ابن سينا، لموضع هذا الشك، تأولوا على ابن سينا هذا الرأي، وقالوا: إنه ليس يرى أن ها هنا مفارقاً وقالوا: إن ذلك يظهر من قوله في واجب الوجود في مواضع، وإنه المعنى الذي أودعه في فلسفته المشرقية.
قالوا: وإنما سماها فلسفة مشرقية، لأنها مذهب أهل المشرق، ويرون أن الآلهة عندهم هي الأجرام السماوية، على ما كان يذهب إليه وهم مع هذا يضعفون طريق أرسطو في إثبات المبدأ الأول من طريق الحركة) .
قال: (ونحن قد تكلمنا على هذه الطريقة غير ما مرة،
(8/231)

وبينا الجهة التي منها يقع اليقين لها، وحللنا جميع الشكوك الواردة عليها.
وتكلمنا أيضاً على طريقة الإسكندر في ذلك أعني الذي اختاره في كتابه الملقب بالمبادىء وذلك أنه يظن أنه عدل عن طريقة أرسطو إلى طريقة أخرى، لكنها مأخوذة من المبادىء التي بينها أرسطو، وكلا الطريقين صحيحة، لكن الطبيعة أكثر ذلك هي طريقة أرسطو.
قال: (ولكن إذا حققت طريقة واجب الوجود عندي، على ما أصف كانت حقاً، وإن كان فيها إجمال يحتاج إلى تفصيل، وهو أن يتقدمها العلم بأصناف الممكنات: الوجود في الجوهر، والعلم بأصناف الواجبة الوجود في الجوهر.
وهذه الطريقة هي أن نقول: إن الممكن الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود في الجوهر الجسماني، وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود بإطلاق، وهو الذي لا قوه فيه أصلاً: لا في الجوهر، ولا في غير ذلك من أنواع الحركات.
وما هكذا فليس بجسم.
مثال ذلك أن الجرم السماوي قد يظهر من أمره أنه واجب الوجود في الجوهر الجسماني، وإلا لزم أن يكون هنالك جسم أقدم منه، وظهر منه أنه
(8/232)

ممكن الوجود في الحركة التي في المكان، فوجب أن يكون المحرك له واجب الوجود في الجوهر، وألا يكون فيه أصلاً: لا على حركة، ولا على غيرها، فلا يوصف بحركة ولا سكون، ولا يغير ذلك من أنواع التغيرات.
وما هو بهذه الصفة فليس بجسم أصلاً، ولا قوة في جسم، وأجزاء العالم الأزلية إنما هي واجبة الوجود في الجوهر: إما في الكلية كالحال في الاسطقسات الأربع، وإما بالشخص كالحال في الأجرام السماوية) .
قلت: المقصود ذكر طرق هؤلاء، ومنتهى نظرهم ومعرفتهم، وأن خيار ما في كلام ابن سينا وأمثاله، إنما تلقاه من طرق المتكلمين، كالمعتزلة ونحوهم مع ما فيهم من البدعة.
وأما ما ذكره هذا من طريقة الفقهاء، فهي أضعف وأقل فائدة في العلوم الإلهية من طريقة ابن سينا بكثير، فإن ابن سينا أدخل الفلسفة من المعارف الإلهية التي ركبها من طرق المتكلمين، وطرق الفلاسفة والصوفية.
ما كسا به الفلسفة بهجة ورونقاً، حتى نفقت على كثير من أهل الملل، بخلاف فلسفة القدماء، فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإليهة ما لا يخفى على أحد.
وإنما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية والطبيعية، وكل فاضل يعلم أن كلام أرسطو وأمثاله في الإلهيات قليل نزر جداً، قليل
(8/233)

الفائدة إذاكان صحيحاً، مع أنه لا يوصل إليه إلا بالتعب كثير، مع أنه يقول: هذا غاية فلسفتنا ونهاية حكمتنا.
وهوكما قيل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر، ولا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل.
وهذا الذي ذكره ابن رشد في إثبات واجب الوجود، مضمونه: أن الممكن الوجود، هو في اصطلاحه الذي ذكره عن القدماء: المحدث بعد عدم، يجب أن تتقدمه واجب الوجود، وهو القديم الذي لم يسبقه عدم.
وهذا هو بعينه قول المتكلم: إن المحدث مفتقر إلى قديم.
ثم قال: (وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود بإطلاق، وهو الذي لا قوة فيه أصلاً، وليس بجسم) .
وهذا لم يذكر عليه دليلاً صحيحاً.
وقوله: (إن الفلك يظهر من أمره أنه واجب الوجود) أي قديم في جوهره، (وأنه ممكن الوجود في الحركة) هو قول الفلاسفة الدهرية، الذي يقولون: إن الأفلاك قديمة وحركتها دائمة.
وهذا لا دليل له أصلاً، بل جميع ما يذكرونه من الأدلة في
(8/234)

قدم العالم لا يدل شيء منها على قدم الأفلاك، بل غاية ما يدل على أن الله لم يزل فاعلاً، وأنه لا بد قبل الأفلاك من شيء آخر موجود، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم الأفلاك.
ثم إذا قدر ثبوت ذلك فقوله: يجب أن يكون المحرك للفلك واجب الوجود في الجوهر، وألا يكون فيه أصلاً لا على حركة ولا غيرها، فلا يكون جسماً، أي لا يقوم له فعل من الأفعال - دعوى مجردة.
ثم لم قدر أنه لا يقوم به فعل، فلم قال: إن ما لا يقوم به فعل لا يكون جسماً؟ يقال: غاية ما ذكره أن يكون ما قاله ممكناً.
فيقال: كما أنه يمكن ذلك فيمكن نقيضه.
فإنه كما يجوز أن يكون المحرك له غير متحرك.
فالمحرك المتحرك أولى بالجواز والإمكان.
ثم يقال: بل ما ذكرته هو على نقيض قولكم أدل منه على قولكم، وذلك لأن الفلك إذا كان دائم الحركة - وقد قررت أن المحرك له غيره - فالمحرك له إما أن يكون متحركاً وإما أن لا يكون.
فإن لم يكن متحركاً كان محركاً لغيره بدون حركة فيه.
وهذا إما أن يكون ممكناً وإما أن يكون ممتنعاً.
فإن كان ممكناً بطل مذهبهم، وإن أمكن فالفلك نفسه: إما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً، فإن كان واجباً بنفسه وحركته ممكنة، وهو محتاج في حركته
(8/235)

إلى محرك منفصل، كان واجب الوجود بنفسه جسماً متحركاً بحركة تقوم به، يفتقر فيها إلى غيره.
وحينئذ فيمكن أن يقال: المحرك للفلك هو أيضاً جسم متحرك بحركة فيه، سواء احتاج فيها إلى غيره أولم يحتج.
وإذا لم يتحج إلى غيره كان أولى.
وإن قيل: إن الفلك ممكن الوجود، فلا بد له من الواجب، فيكون الواجب علة موجبة له.
فلا بد أن يكون علة تامة في الأزل له، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن كذلك.
والعلة التامة لا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها، فإن كان علة تامة لحركة الفلك لزم وجودها في الأزل، وهو ممتنع.
وإن لم يكن علة تامة له، لم يكن بد من أمر يتجدد يصير به علة تامة لحدوث ما يحدث من الحركة.
وذلك المتجدد إن كان منه فقد بطل قولهم، وإن كان من الممكن كان قولهم أبطل وأبطل، فإن ما من الممكن لا بد أن يكون له من الواجب، إذ لا شيء له من نفسه.
وهذا يصلح أن يكون حجة في أول هذه المسألة، وهو أن الحركة الدائمة في الفلك، إذا كانت صادرة عن موجب، فالموجب لها: إن كان علة تامة لها في الأزل لم يتأخر عنها شيء من معلولها، وإن لم تكن تامة في الأزل صار موجباً بعد أن لم يكن.
وذلك التمام: إن كان له من نفسه كان متحركاً، وهو خلاف ما زعموه، وإن كان من غيره كان واجب الوجود بنفسه، مفقتراً في تمام فعله إلى غيره.
(8/236)

وهذا أعظم عليهم: وهو أن يكون متحركاً بحركة من غيره.
وإذا قيل: نقول في صدور الفعل الدائم الذي في الفلك عن الواجب ما يقال لو كان ذلك الفعل في الواجب.
قيل: الفعل إذا كان قائماً في الواجب بنفسه، لم يكن على هذا القول يمتنع أن تقوم به الأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولا يكون مفتقراً في شيء من ذلك إلى شيء من مخلوقاته، بل كل ما سواه فقير إليه.
وأما على قولهم: فهم يقولون: إنه يمتنع أن يقوم بالمبدأ الأول شيء من الأفعال، ويقولون: إن الفعل الدائم القائم بالفلك صادر عنه شيئاً بعد شيء.
فيقال لهم: الفلك إن كان واجباً بنفسه، فقد قام بالواجب بنفسه حركات شيئاً بعد شيء، فامتنع أن يقولوا: إن الواجب بنفسه لا تقوم به الأفعال.
وإن كان الفلك ليس واجباً بنفسه، لم ممكن بنفسه، فهو صادر عن الأول: ذاته وصفاته وأفعاله.
فإذا قدر قديماً لزم أن يكون المقتضى التام له قديماً، والفلك الممكن قابل للحركة شيئاً بعد شيء، فلا بد له من واجب، والحركة ممكنة لا واجبة بنفسها، فلا بد لها من فاعل يفعلها شيئاً بعد شيء، فإذا قدر الفاعل الفلك، ففاعله الفلك ممكنة، فإذا حدثت شيئاً بعد شيء لم يكن
(8/237)

لها بد من فاعل.
وحدوث الحوادث شيئاً بعد شيء عن علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من موجبها ممتنع، فوجب أن يكون لحدوث تلك الحوادث أمراً يتعلق بالواجب، وذلك من لوازم الواجب، لا يفتقر إلى غير الواجب، وما منه بخلاف ما يقوم بالممكن، فإن الممكن نفسه مفتقر إلى غيره، فما فيه أولى أن يفتقر إلى غيره.
وهذا قد بسط في موضع آخر، وبين أنهم يلزمهم التناقض وفساد قولهم، سواء قدر الفلك واجباً بنفسه، أو قدر ممكناً واجباً بغيره.
والمقصود هنا إنما كان التنبيه على طرق الطوائف في إثبات الصانع، وأن ما يذكره أهل البدع من المتكلمة والمتفلسفة، فإما أن يكون طويلاً لا يحتاج إليه، أو ناقصاً لا يحصل المقصود، وأن الطرق التي جاءت بها الرسل هي أكمل الطرق وأقربها وأنفعها، وأن ما في الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة يغني عن هذه الأمور المحدثة، وأن سالكيها يفوتهم من كمال المعرفة بصفات الله تعالى وأفعاله ما نيقصون به عن أهل الإيمان نقصاً عظيماً إذا عذروا بالجهل، وإلا كانوا من المستحقين للعذاب، إذا خالفوا النص الذي قامت عليهم به الحجة، فهم بين محروم ومأثوم.
(8/238)

وهذه الطرق التي أخدها، ابن سينا عن المتكلمين، من المعتزلة ونحوهم، وخلطها بالكلام سلفه الفلاسفة، صار بسبب ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة، يستطيل بها على المسلمين، ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين.
وليس الأمر كذلك.
وإنما هو قول مبتدعتهم، وهكذا عمل إخوانه القرامطة الباطنية: صاروا يلزمون كل طائفة من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقهم عليه مما هو مخالف للنصوص ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية.
ولهذا كان لهؤلاء وأمثالهم نصيب من حال المرتدين، الذين قال الله تعال فيهم: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ولهذا آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى عبادة الأوثان، والشرك بالرحمن مثل دعوة الكواكب والسجود لها، أو التصنيف في ذلك كما صنفه الرازي وغيره في ذلك.
والذي أحدثه الفلاسفة، كابن سينا وأمثاله، عن المعتزلة: منه ما هو صحيح، ومنه ما هو باطل.
فالصحيح كقولهم: إن تخصيص شيء دون
(8/239)

شيء بالحدوث في وقت دون وقت لا بد له من مخصص.
والباطل نفي الصفات.
وركب ابن سينا من الأمرين ما دار به على المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين، ولم يقتصر على مجرد ما قالوه، بل وسع القول فيه، حتى وصله كلام سلفه الدهرية.
فالأول: وهو أن تخصيص الحدوث بوقت لا بد له من مخصص، ضم إليه: أن كل ممكن، وإن كان قديماً، لا يترجح إلا بمرجح، وبنى على ذلك إثبات واجب الوجود.
وهي الطريقة التي أحدثها في الفلسفة، وهي مركبة من كلام الفلاسفة المعتزلة.
والمعتزلة لا تقتصر في أن التخصيص لا بد له من مخصص على تخصيص الحدوث، بل تقول ذلك فيما هو أعم من ذلك، ولا تفرق بين الاختصاص الواجب والاختصاص الممكن.
وابن سينا وافقهم على ذلك، فتناقضت عليه أصوله، وأما الأصل الفاسد الذي أخذه عنهم، فهو نفي الصفات، ولما كانت المعتزلة تنفي الصفات وتسمي إثباتهما تجسيماً، والتجسيم تركيباً، ويقولون: إن المركب لا بد له من مركب، فلا يكون مركباً، فلا يكون
(8/240)

جسماً لأن الجسم مركب، فلا يقوم به صفة، لأن الصفة لا تقوم إلا بجسم، ولا يكون فوق العالم، لأنه لا يكون فوق العالم إلا جسم.
ولا يرى في الآخرة، لأن الرؤية إنما تقع على جسم، أو عرض في جسم.
وكلامه مخلوق، لأن لو قام به الكلام لكان جسماً.
أخذ ابن سينا وأمثاله هذه الأصول، وألزمهم ما هو أبلغ من ذلك، فزاد في نفي الصفات عليهم، حتى كان أظهر تعطيلاً منهم، بل أبلغ تعطيلاً من الجهم رأس نفاة الصفات.
وخالف ابن سينا وأمثاله المعتزلة في أمور: بعضها أصابوا في مخالفتهم، وبعضها أخطأوا في مخالفتهم، لكن الذي أصابوا فيه، منه ما صاروا يحتجون به على باطلهم، لضعف طريق المعتزلة الذي به يردون باطلهم.
وهذا الذي ذكرته يجده من اعتبره في كتب ابن سينا كـ الإشارات وغيرها، ويتبين للفاضل أنه إنما بنى إلحاده في قدم العالم على نفي الصفات، فإنهم لما نفوا الصفات والأفعال القائمة بذاته، وسموا ذلك توحيداً، ووافقهم ابن سينا على تقرير هذا النفي الذي سموه توحيداً، بين امتناع القول بحدوث العالم مع هذا الأصل، وأظهر تناقضهم.
(8/241)

ولكن قوله في قدم العالم أفسد من قولهم، ويمكن أظهار تناقض قوله، أكثر من إظهار تناقض أقوالهم.
فلهذا تجده في مسألة قدم العالم يردد القول فيها، ويحكي كلام الطائفتين وحجتهم كأنه أجنبي، ويحيل الترجيح بينهما إلى نظر الناظر، مع ظهور ترجيحه لقول القائلين بالقدم.
وأما مسألة نفي الصفات فيجزم بها، ويجعلها من المقطوع به الذي لا تردد فيه، فإنهم يوافقون عليها، وهو بها تمكن من الاحتجاج عليهم في قدم العالم، وبها تمكن من إنكار المعاد، وتحريف الكلم عن مواضعه، وقال: نقول في النصوص الواردة في المعاد كما قلتم في النصوص الواردة في الصفات، وقال: كما أن الكتب الإلهية ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في التوحيد، يعني التوحيد الذي وافقته عليه المعتزلة، وهو نفي الصفات بناءً على نفي التجسيم والتركيب، فكذلك ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في أمر المعاد.
وبنى ذلك على أن الإفصاح بحقيقة الأمر لا يمكن خطاب الجمهور به، وإنما
(8/242)

يخاطبون بنوع من التخييل والتمثيل الذي ينتفعون به فيه، كما تقدم كلامه.
وهذا كلام الملاحدة الباطنية الذين ألحدوا في اسماء الله وآياته، وكان منتهى أمرهم تعطيل الخالق، وتكذيب رسله، وإبطال دينه.
ودخل في ذلك باطنية الصوفية، أهل الحلول والاتحاد وسموه تحقيقاً ومعرفة وتوحيداً.
ومنتهى أمرهم هو إلحاد باطنية الشيعة، وهو أنه ليس إلا الفلك وما حواه وما وراء ذلك شيء.
وكلام ابن عربي، صاحب فصوص الحكم وأمثاله من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، يدور على ذلك لمن فهمه، ولكن يسمون هذا العالم الله، فمذهبهم في الحقيقة مذهب المعطلة، كفرعون وأمثاله، ولكن هؤلاء يطلقون عليه هذا الاسم، بخلاف أولئك.
وأيضاً فقد يكون جهال هؤلاء وعوامهم يعتقدون أنهم يثبتون خالقاً مبايناً للمخلوق، مع قولهم بالوحدة والاتحاد، كما رأينا منهم طوائف، مع ما دخلوا فيه من العلم والدين، لا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء، لما في ظاهره من الإقرار بالصانع ورسله ودينه.
وإنما يعرف ذلك من كان ذكياً خبيراً بحقيقة مذهبهم، ومم كان كذلك فهو أحد رجلين: إمامؤمن عليهم: علم أن هذا يناقض الحق، وينافي دين الإسلام، فذمهم وعاداهم.
وإما زنديق منافق: علم حقيقة
(8/243)

أمرهم، وأظهرمن ما يظهرون، وكان من أئمتهم.
فهذا وأمثاله من جنس آل فرعون، الذين جعلوا أئمة يدعون إلى النار.
والأول من أتباع الرسل والأنبياء، كآل إبراهيم، الذين جعلهم الله أئمة يهدون بأمره.

كلام ابن سينا في الإشارات
وهذا الذي ذكرته لك من حال هؤلاء، يتبين لكل مؤمن ذكي رأى كتبهم، وتبين له مقصودهم.
فما ذكرته عن ابن سينا مذكور في كتابه الإشارات الذي هو زبدة الفلسفة عندهم، الذي قال في خاتمته: (أيها الأخ إن مخضت لك في هذه الإشارات عن زبد الحق، وألقمتك نفي الحكم، في لطائف الكلم، فصنه عن المبتذلين والجاهلين، ومن لم يرزق الفطنة الوقادة، والروية والسعادة، وكان صغاه مع الغاغة، أو كان من ملاحدة هؤلاء المتفلسفة ومن
(8/244)

همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته، واستقامة سيرته، أو بتوقفه عما يفزع إليه الوسواس، ونظر إلى الحق بعين الرضا والصدق، فآته ما سألك منه مدرجاً مجزأ مفرقاً، تستفرس ما تسلفه لما تستأنفه، وعاهده بالله وبالأيمان التي لا مخرج له منها، أن يجري فيما تؤتيه مجراك، متأسياً بك، فإن أذعت هذه العلم وأضعته، فالله بيني وبينك)
وبهذه الوصية أوصى الرازي في شرحه له، كما وصى بذلك في كلامه على حديث المعراج لما شرحه بنظير شرح هؤلاء له.
وهذا من جنس وصايا القرامطة الملاحدة في البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم.
والمقصود هنا أن ابن سينا في الكتاب الذي عظمه، لما تكلم على أفعال الرب تعالى وصفاته، سلك ما ذكرته لك عنه، كما قد ذكرنا في
(8/245)

غير هذا الموضع، لما ذكر النزاع في مسألة الصنع الإبداع وحدوث العالم.
قال في آخره: (فهذه هي المذاهب، وإليك الاعتبار بعقلك دون هوالك، بعد أن تجعل واجب الوجود واحداً) .
والرازي لم يعرف وجه وصيته فقال: (إن كان المقصود منه الأمر بالثبات على التوحيد، فإنه يكون كلاماً أجنبياً عن مسألة الحدوث والقدم.
وإن كان المقصود منه إنما هو المقدمة التي يظهر منها الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف، لأن القول بوحدة واجب الوجود لا تأثير له في ذلك أصلاً، لأن القائلين بالقدم يقولون: ثبت إسناد الممكنات بأسرها إلى واجب الوجود لذاته، فسواء كان الواجب واحداً أو أكثر من واحد، لزم من كونه واجباً دوام آثاره وأفعاله.
وأما القائلون بالحدوث، فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد والتثنية، فثبت أنه لا تتعلق مسألة القدم والحدوث بمسألة التوحيد) .
قلت: ليس مراد ابن سينا بالتوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحدة لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من ممكنات سواه، فإن إخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا
(8/246)

التوحيد، إذ فيهم من الإشراك بالله تعالى، وعبادة ما سواه، وإضافة التأثيرات إلى غيره، بل ما هو معلوم لكل من عرف حالهم، ولازم قولهم: إخراج الحوادث كلها عن فعله.
وإنما مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه، وهو نفي الصفات، وهو الذي شارك فيه المعتزلة، وسموه أيضا توحيداً.
وهذا النفي الذي سموه توحيداً، لم ينزل به كتاب، ولا بعث به رسول، ولا كان عليه أحد من سلف الأئمة وأئمتها، بل هو مخالف لصريح المعقول، مع مخالفته لصحيح المنقول.
والمقصود منه وجه ارتباطه بمسألة الحدوث والقدم، وذلك أن الأصل الذي بنى عليه حجته في مسألة القدم: أنه كيف تحدث السماوات بعد أن لم تكن محدثة من غير حدوث أمر؟ وهذا إنما يكون على قول نفاة الصفات والأفعال القائمة به، الذي يقولون: إنه لا يقوم به فعل يتعلق بمشيئته وقدرته، وإلا فعلى قول أهل الإثبات تبطل حجته.
وأيضاً فمقصود تمهيد أصله في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهذا إنما يتم إذا ثبت موجوداً مجرداً لا صفة له ولا نعت، وإلا فإذا كان الخلق موصوفاً بصفات متنوعة: كالعلم والقدرة والكلام والمشيئة،
(8/247)

الرحمة، بأفعال متنوعة: كالخلق والاستواء ونحو ذلك - لم يكن واحداً عندهم، بل كان مركباً وجسماً.
وحينئذ فيقال لهم: هذا الذي تسمونه واحداً لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو أمر يقدر في الأذهان، لا يوجد في الأعيان، وهو نظير الواحد البسيط، الذي يجعلون منه تتركب الأنواع، فإن هذا الواحد الذي يثبتونه في الكليات، ويقولون: إنه منه تتركب الأنواع الموجودة، هو نظير الواحد الذي يثبتونه في الألهيات، ويقولون: هو مبدأ الوجود.
وكلاهما لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو يقدره الذهن، كما يقدر الكليات المجردة عن الأعيان، وكما يقدر بعداً مجرداً ودهراً مجرداً ومادة مجردة، كما يقوله شيعة أفلاطون ومن وافقهم.
بل هذه الأمور أقرب إلى وجودها في الخارج من ذلك الواحد الذي يقدرونه: إما الواحد الكلي البسيط، الذي تتركب منه الأنواع في حدودها وحقائقها، وإما الواحد المعين الذي تصدر عنه الموجودات.
ومتى بطل واحدهم هذا بطل توحيدهم، فبطل نفيهم للصفات، وبطل قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فبطل قولهم في الأفعال، فبطل ما قرروه في قدم العالم، وبطل ما احتجوا به على ذلك من الحجة، حيث قالوا: كيف يصدر عنه ما لم يكن صادراً، من غير قيام أمر متجدد
(8/248)

به؟ فكان إبطال ما ألحدوا به في توحيد الله تعالى بهدم أصول ضلالهم.
أيضاً فالمقالات التي أبطلها ابن سينا في مسألة حدوث العالم وقدمه، بنى إبطالها على هذا التوحيد الذي هو نفي الصفات، فكان هذا عصمته التي لا بد له منها.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن ابن سينا ذكر مقالات الناس في مسألة الحدوث والقدم، ولم يذكر مقالة أساطين الفلاسفة المتقدمين، كما لم يذكر مقالة الأنبياء والمرسلين.
والمقالات التي حكاها من الباطل إنما احتج على إبطالها بما لا حجة له فيه، فقال: (أوهام وتنبيهات.
قال قوم: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته، واجب لنفسه، لكنه إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجباً، وتلوت قوله تعالى: {لا أحب الأفلين} فإن الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما) .
(8/249)

قلت: وهذا القول هو قول القائلين بقدم العالم وأنه واجب بنفسه، ليس له موجب آخر.
وهو الظاهر المشهور من مذاهب الدهرية، وإليه يعود كلام محقيقهم، ولهذا كان أئمة الكلام القدماء، من المعتزلة والأشعرية وغيرهم، كأبي على الجبائي وأمثاله، وكـ القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأمثالهما، لا يذكرون عن الدهرية إلا هذا القول.
وأما القول الذي ذكره ابن سينا وهو أنه معلول علة واجبة أبدعته، فهذا قوله وقول أمثاله من الفلاسفة.
وقد حكي هذا القول عن برقلس، وقد نازعه فيه إخوانه الفلاسفة، وهو لم يذكر له عليهم حجة مستقيمة، وإنما احتج عليهم بما احتج عليهم بما ذكره في توحيد واجب الوجود، وأنه لايكون موصوفاً بصفات فتكون فيه كثرة، ولا يكون جسماً فتكون فيه كثرة، ونفى الأنواع الخمسة التي سماها تركيباً كتركيب الجسم من أجزائه الحسية: الجواهر المفردة، ومن أجزائه العقلية: وهي المادة والصورة، ومن الذات والصفات، ومن العام والخاص، ومن الوجود والماهية.
(8/250)

ولهذا بين أبو حامد الغزالي وغيره من المسلمين، بل وابن رشد وأمثاله من الفلاسفة، فساد ما ذكروه في هذا التوحيد، وبطلان ما نفوه من هذه المعاني التي سموها تركيباً، وأنه لا حجة لهم على ذلك أصلاً إلا ما توهموه من مدلول لفظ واجب الوجود بالمعنى الذي تصوروه، لا بالمعنى الذي قام عليه الدليل، فكان مبنى حجتهم على ألفاظ مجملة إذا بينت ظهر فساد كلامهم.
ولهذا احتاج ابن سينا في مسألة إثبات الصانع إلى توحيده، فضلاً عن إثبات أفعاله قال: (وقال آخرون: بل هذا الوجود المحسوس معلول.
ثم افترقوا: فمنهم من زعم أن أصله وطينته غير معلولين، لكن صنعته معلولة.
وهؤلاء قد جعلوا في الوجود واجبين.
وأنت خبير باستحالة ذلك.
ومنهم من جعل وجوب الوجود لشيئين أو لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك.
وهؤلاء في حكم الذين من قبلهم) .
فيقال له: الذين جعلوا الوجود لشيئين أو عدة أشياء، يدخل فيهم من جعل أصله وطينته غير معلومين، فإن ما لم يكن معولاً كان واجباً لنفسه، فهؤلاء جنس واحد، حيث جعلوا واجب الوجود أكثر من
(8/251)

واحد.
ومع هذا فحجتك على إبطال قولهم قد عرف ضعفها، ولكن الفرق بين هؤلاء وهؤلاء: أن هؤلاء يجعلون الصانع أكثر من واحد، فيقولون بالتعدد في الصانع.
وأولئك إذا أثبتوا أصلاً وطنية غير معلولة، فلا يجعلونها فاعلة صانعة، بل قابلة للفاعل، فهؤلاء يقولون: إن الفاعل للعالم واجب بنفسه وهؤلاء يدخل فيهم من قال بقولهم، كابن زكريا المتطبب حيث قالوا: القدماء خمسة، وسبب حدوث العالم عشق النفس للهيولى، فإن هؤلاء يقولون بقدم مادة العالم ومكانه وزمانه والنفس.
وكان ابن سينا ذكر هذا القول، وذكر قول المجوس الذين يقولون بقدم النور والظلمة.
فهذان القولان متشابهان من بعض الوجوه، فإن هذا يقول: سبب حدوث العالم اختلاط النور والظلمة.
وهذا يقول: سببه عشق النفس للهيولى، ثم ذكر قول المتكليمن وقول أصحابه، فلم يذكرإلا هذه الأقوال الأربعة.
وأما قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم القدماء فلم يذكره، كما لم يذكر قول الأنبياء وسلف الأمة.
وحينئذ فيقال: مذهب جمهور الفلاسفة أن أصل العالم معلول عن الواجب نفسه، والعالم مع ذلك محدث الصورة.
فهؤلاء لا يقولون بتعدد الواجب، ولا يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بأن طينته غير
(8/252)

معلولة.
وهذا القول لم يذكره في نقله للمقالات، مع أنه من أشهر الأقوال عن أساطين الفلسفة، وهو أظهر أقوالهم في الحجة والدليل، فإنه لا يدر عليه ما يرد على غيره، ولا يمكنه أن يحتج على فساد قول هؤلاء بما احتج به على فساد قول غيرهم، بل حجته الصحيحة لا تدل إلا على قول هؤلاء، فإنهم يمكنهم أن يثبتوا للحوادث سبباً حادثاً، ويجعلون الفاعل معطلاً عن الفعل، ولا يقولون بقدم الأفلاك وحدوث حوادثها من غير سبب حادث، ولا يخالفون النصوص المشهورة عن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
فكان قولهم أقرب إلى العقل والنقل من الأقوال التي ذكرها.
قال: (ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد، ثم افترقوا فقال فريق منهم: إنه لم يزل ولا وجود لشيء عنه، ثم ابتدأ وأراد وجود شيء عنه، ولولا هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل، لأن كل واحد منها وجد، فالكل وجد، فيكون لما لا نهاية له من أمور متعاقبة كلية منحصرة في الوجود.
قالوا: وذلك محال، وإن لم تكن كلية حاصرة لأجزائها معاً فإنها في حكم ذلك، وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال
(8/253)

توصف بأنها لا تكون إلا بعد ما لا نهاية له، فتكون موقوفة على ما لا نهاية له، فيقطع إليها ما لا نهاية له.
ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الاحوال، وكيف يزداد عدد ما لا نهاية له؟ ومن هؤلاء من قال: إن العالم يوجد حين كان أصلح لوجوده، ومنهم من قال: لم يمكن وجوده إلا حين وجد، ومنهم من قال: لا يتعلق وجوده بحين وشيء آخر بل بالفاعل، ولا يسأل عن لم فهؤلاء هؤلاء) .
قال: (وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول، يقولون: إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الأزلية، وأنه ليس يتميز في العدم الصريح حال الأولى به فيها أن لا يوجد شيئاً، أو بالأشياء أن لا توجد عنه أصلاً، وحال بخلافها، ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع، وأن
(8/254)

تسنح جزافاً.
وكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال، وكيف تسنح إرادة لحال تجددت، وحال حال ما يتجدد كحال ما يمهد له التجدد فيتجدد؟ وإذا لم يكن تجدد، كانت حاله ما لم يتجدد شيء حالاً واحدة مستمرة على نهج واحد، وسواء جعلت التجدد لأمر تيسر، أو لأمر زال مثلاً لحسن من الفعل وقتاً ما، أو تيسر، أو وقت معين، أوغير ذلك مما عد، أو لقبح كان يكون له قد زال، أو عائق، أوغير ذلك كان فزال.
قالوا: فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والجود هو كون المعلول مسبوق العدم لا محالة.
فهذا الداعي
(8/255)

ضعيف قد انكشف لذوي الأبصار ضعفه على أنه قائم في كل حال، وليس في حال بأولى بإيجاب السبق من حال، وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه واجب الوجود بغيره، فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره كما نبهت عليه.
وأما كون غير المتناهي كلاً موجوداً ككون كل واحد وقتاً ما موجوداً فهو توهم خطأ، فليس إذا صح على كل واحد حكمه صح على كل محصل، وإلا لكان يصح أن يقال: الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود، لأن كل واحد يمكن أن يدخل في الوجود، فيحمل الإمكان على الكل، كما حمل على كل واحد.
قالوا: ولم يزل غير المتناهي من الأحوال التي يذكرونها معدوماً إلا شيء بعد شيء، وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه أكثر وأقل، ولا يثلم ذلك كونها غير متناهية في العدم.
وأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله ما لا نهاية له، أو احتياج شيء منها إلى أن ينقطع إليه ما لا نهاية له، فهو قول كاذب.
فإن معنى قولنا: كذا توقف على كذا هو أن الشيئين وصفاً معاً بالعدم.
(8/256)

والثاني لم يكن يصح وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول، وكذلك الاحتياج.
ثم لم يكن البتة ولا في وقت من الأوقات، يصح أن يقال: إن الأخير كان متوقفاً على وجود مالا نهاية، أو محتاجاً إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له، بل أي وقت فرضت وجدت بينه وبين كون الأخير أشياء متناهية، ففي جميع الأوقات هذه صفته، لا سيما والجميع عندكم وكل واحد واحد، فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها، وذلك محال، فهذا نفس المتنازع فيه: أنه ممكن أوغير ممكن، فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه؟ أبان يغير لفظها بتغيير لا يتغيره به المعنى؟ قالوا: فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه أن يكن الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كوناً أولياً وما يلزم من ذلك الاعتبار لزوماً ذاتياً، إلا ما يلزم من الاختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير) .
(8/257)

قال: (فهذه هي المذاهب وإليك الاعتبار بعقلك دون هواك) .

تعليق ابن تيمية
هذا جملة كلامه، فهذا الكلام قد ذكر فيه قول المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام، وقوله وقول أمثاله من الفلاسفة، وذكر حجة المعتزلة المعروفة عندهم، وهو دليل الأعراض المبني على إبطال حوادث لا تتناهى، وذكر حجته في أن تخصيص حال دون حال بالفعل لا بد له من مخصص، فإذا كانت الأحوال متساوية لزم انتفاء المخصص، فينتفي التخصيص، فينتفي ما ذكروه من الحدوث.
وهذه الحجة مادتها من كلام المعتزلة الصحيح، حيث أخذ عنهم أن التخصيص بوقت دون وقت لا بد له من مخصص.
وهم بنوا على ذلك إثبات الصانع، هو على ذلك بنى إثبات واجب الوجود، لكن نقل ذلك إلى الممكن الذي ليس له من نفس وجود، فتخصيصه بالوجود دون العدم، وبالعدم دون الوجود، كتخصيص الحدوث بوقت دون وقت.
وقد عرف أن هذا الكلام مادته من كلام المعتزلة والفلاسفة
(8/258)

جميعاً، وأن الصواب الذي فيه - وهو امتناع تخصيص المحدث أو الممكن بلا مخصص - هو من كلام المعتزلة الذي وافقهم عليه، والخطأ الذي فيه بعضه منهم وأكثره منه، فإنه ألزم المعتزلة بطرد هذا الأصل، فلما لم يطردوه نقض قولهم.
وحينئذ فيقال له: بطلان قول المعتزلة لا يستلزم صحة قولك، إلا لو لم يمكن قول إلا وقولك وقولهم.
فكيف وأقاويل أئمة الفلاسفة ليست من القولين؟ وكذلك الأقوال التي عليها أئمة السنة والحديث ليست من القولين؟.
والأقوال الموجودة في الكتب الإلهية: التوراة والقرآن اللذين لم يأت من عند الله تعالى كتاب أهدى منهما ليست واحداً من القولين، فإذا قدر بطلان قول معين لم يلزم صحة قولك، فكيف إذا كان ما أفسدت به قول المعتزلة يبطل أيضاً قولك؟ فقولك أفسد من قولهم إن كان قولهم فاسداً، وكذلك إن كان صحيحاً، فهو فاسد على كل تقدير.
وذلك أن عمدتك على بدلان قولهم أنه يمتنع أن يختص وقت دون وقت بالحدوث بل سبب مخصص حادث.
(8/259)

فيقال لك: وأنت تقول: إن الحوادث كلها تحدث بلا سبب حادث.
وعلى قولك فكل حادث حادث في وقت من الأوقات، فإن ذلك الوقت اختص بالحدوث بلا سبب مخصص حادث، فألزمهم اختصاص وقت من الأوقات بالحدوث دون سائر الأوقات بلا مخصص.
وأنت يلزمك اختصاص كل وقت بما يحدث فيه من الحوادث بلا سبب مخصص، واختصاص كل حادث بصفته وقدره بلا سبب مخصص، واختصاص كل حادث بوقته بلا سبب مخصص، وحدوث جميع الحوادث بلا سبب مقتض للحوادث، فهم إن كان ما التزموه باطلاً فقد التزمت أضعافه، فيكون قولك أفسد.
وإن لم يكن باطلاً بطلت حجتك على إبطال قولهم، فتبين أن إبطالك لقولهم، مع اعتقادك لما تعتقده، باطل على كل تقدير، وعلم أن الأصول الصحيحة التي وافقتهم عليها، هي بطلان قولك أدل منها على بطلان قولهم، والأصول الفاسدة التي وافقوك عليها، إذا كانوا قد تناقضوا فيه ولم يطردوها، فأنت أعظم تناقضاً في عدم طردك لأصولك مطلقاً: صحيحها وفاسدها.
وبيان ذلك أنه قد قال: يجب أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كوناً أزلياً، ومايلزم من ذلك لزوماً ذاتياً وإلا ما يلزم من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغيير يعني حركة الفلك وما يتبعها من التغيير.
(8/260)

فيقال له: إذا لم يكن مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كوناً أزلياً، واللازمة من ذلك لزوماً ذاتياً، كما يقوله في لزوم الفلك عنه، وما يقدره علة للفلك من العقول أوغيرها، فاللازم لهذه اللوازم: إما أن يكون لازماً لها لا ينفك عنها في وقت من الأوقات، أو لازماً لها في حال دون حال.
فإن كان لازماً لها في كل الأوقات، وجب أن لا يحدث شيء، وأن لا يكون تغير أصلاً.
وإن كان لازماً لها في وقت دون وقت، فقد اختلف نسبة لوازمه إلى الأوقات، والأمور الحادثة في الأوقات، حيث حدث عن لوازمه في هذا الوقت ما لم يحدث في هذا الوقت، وإذا اختلفت نسبة اللوازم إلى الأوقات والحودث، لزم أن تختلف نسبته إلى الأوقات والحوادث، لأن الأمور الكائنة عنه كوناً أزلياً، وما يلزمها لزوماً ذاتياً، نسبتها إلى جميع الأوقات والحوادث كنسبته، لأنه لو كانت نسبتها إلى الأوقات والحوادث تخالف نسبته، لكانت حالها في بعض الأوقات والحوادث مخالفاً لحاله، ولكانت مختصة في بعض الأوقات بمعنى منتف في أوقات أخر.
وذلك تخصيص لبعض الأوقات دون وقت آخر بحدوث حادث فيه،
(8/261)

فإن جاز تخصيص وقت دون وقت بحدوث من غير سبب حادث، بطل أصل الكلام.
وإن لم يجز ذلك، لزم أن يكون اختصاص لوازمه بحدوث حادث فيها أو منها بوقت دون وقت، إنما كان لاختصاصه هو بحدوث حادث فيه أو منه لوقت دون وقت، وإلا لم تكن تلك اللوازم لوازم له.
فلا بد من أحد أمرين:
إما أن تكون الأمور اللازمة له ليست لازمة، فتكون الحوادث حدثت عنه ابتداء بدون وسائط، وهذا أشد إبطالاً لقولهم.
وإما أن تكون تلك الأمور اللازمة له لا تخصص في وقت دون وقت بحدوث حادث فيها أو منها، إلا لتخصيص لها بذلك، إذ لو اختصت دون تخصيصه، للزم الحدوث بلا محدث، وهو ممتنع.
ومتى كان تخصيص اللوازم لحدوث حادث فيها أو منها إنما هو لتخصيصها لها بذلك، كانت نسبته إلى الأوقات والحوادث نسبة مختلفة كنسبة اللوازم.
وهذا أمر لا محيد لهم عنه، هو يبين بطلان قولهم بياناً ضرورياً لمن فهمه.
إذ أصل قولهم حدوث التغير عما لا يتغير.
وهذا يناقض ما قالوه.
فهم بين أمرين: إن جوزوا حدوث متغير عن غير متغير، لم يمكنهم
(8/262)

إبطال قول المعتزلة ونحوهم، الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث من غير حدوث سبب، بل بمجرد القدرة، أو القدرة والإرادة التي لم تزل ولا تزال على حال واحدة.
وإن لم يجوزوا حدوث متغير عن غير متغير، بطل قوهم كله.
فإن الفلك متغير مختلف هو في نفسه، مختلف القدر والصفات، وهو متغير عندهم بما يحدث فيه من الحركات.
وهذا التغير صادر عما لا يتغير عندهم، سواء قالوا: هو صدر عن العقل الذي لا يتغير، كما يقوله ابن سينا وأمثاله، أو صادر عن الواجب بنفسه الذي لا يتغير، كما يقوله ابن رشد وأمثاله، أو صادر عن الواجب بتوسط العقل، كما يقوله النصير الطوسي وأمثاله، أو مهما قالوه من جنس هذه المقالات فلا بد على كل تقدير أن يلزمهم حدوث متغير عن غير متغير.
وحينئذ فبطلت حجتهم على المعتزلة، وكانوا أكثر التزاماً للباطل الذي قرروا أنه باطل، وأبطلوا به قول المعتزلة.
وذلك أنهم يجعلون جنس الحركات والحوادث كلها حدثت بلا محدث أصلاً، لأن العلة القديمة الأزلية لا يتأخر عنها شيء من معلولاتها ولوازمها، فكل ما تأخر عنها فليس من موجبها: لا بوسط ولا بغير وسط.
وتلك الحوادث لم تحدث
(8/263)

عن واجب آخر بالاتفاق والضرورة، فيلزم أن لا يكون للحوادث كلها محدث، وأن لا يكون الرب تعالى محدثاً لشيء من الحوادث.
وفي هذا من تعطيل الصنع عن الصانع وتعطيل الصانع عن الصنع، ما هو أعظم من كل قول قاله غيرهم، فإنهم يشنعونه على المعتزلة ونحوهم: بأنكم إذا قلتم بحدوث العالم عطلتم الصانع في أزلة عن الصنع.
فقال لهم: أنتم عطلتم الصانع دائماً عن صنع شيء من الحوادث، على ما هوبين ظاهر لكل من تدبر هذا، فقد عطلتموه عن أن يحدث شيئاً من الخير والإحسان أزلاً وأبداً.
وأما صنعه اللوازم وجوده، فهذا أنتم منازعون فيه، وقد بين غير واحد بطلان قولكم فيه.
وحينئذ فتكونون قد عطلتموه عن كل فعل وصنع وإفاضة وإيجاب واقتضاء أزلاً وأبداً.
وأما تعطيل الصنعة عن الصانع، فهذا ليس قولاً معروفاً لطائفة معروفة، بل الأمم المعروفون متفقون على أن الصنعة لا بد لها من صانع.
وهذا ضروري في العقل.
وعلى قولكم: الحوادث دائماً تحدث، وليس لها صانع، فإن العلة التامة في الأزل لا يحدث عنها شيء أصلاً.
وأيضاً فإن الحوادث مختلفة في
(8/264)

صفاتها ومقاديرها.
كما أن الفلك مختلف في صفته وقدرة.
والواحد البسيط من كل جهة يمتنع أن يصدر عنه ما هو مختلف في صفاته وأقداره، وإن جاز ذلك بطل قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.
وإذا بطل هذا القول بطل قولهم في صدور العالم عنه، سواء كان صادراً عنه بوسائط لازمة له بسيطة كالعقول، أو بغير وسائط أو بوسائط مختلفة، فكيف ما قدروه، فلا بد لهم من لوازم أجسام مختلفة في القدر والصفات عن واحد بسيط لا صفة له ولا فعل فيه.
وأيضاً فما زمان من الأزمنة إلا وتحدث فيه حوادث مختلفة، وقد يختص بعض الأزمنة بحوادث ليست من جنس حوادث بقية الأزمنة، كحادث الطوفان وأمثاله، بل إرسال موسى عليه السلام، وما تبع رسالته من الحوادث، وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وما تبع رسالته من الحوادث، وأمثال ذلك، هي من الحوادث المختصة بزمان دون زمان، فإذا كان لا سبب للحوادث إلا ذات نسبتها إلى جميع الأزمنة سواء، ولوازمها التي نسبتها إلى جميع الأزمنة سواء، وقد قالوا لأجل هذا: يمتنع تخصيص زمان دون زمان بحدوث العالم، وقالوا: العالم قديم لذلك، ففي هذا القول من تخصيص بعض الأزمنة بحادث دون حادث، ما في ذلك القول وزيادات، فإن المعتزلة يقولون: التخصيص إنما وقع
(8/265)

وقت إحداث العالم فقط، ثم التخصيص في سائر الأوقات كان أسباب حادثة في العالم.
وهؤلاء يقولون: لا تزال الأوقات تختص بالحوادث من غير سبب، مع أن نسبته إلى جميع الأوقات والحوادث واحدة.
والأشعرية ونحوهم، وإن قالوا: إنه لا يزال يخص وقتاً دون وقت بحدوث الحوادث، من غير سبب يقتضي التخصيص سوى محض الإرادة، التي نسبتها إلى جميع الأوقات والحوادث واحدة، فهم أطرد لقولهم من قولكم: إن نسبته إلى الأوقات واحدة، مع أنه لم يزل ولا يزال يخص كل وقت بحادث دون الآخر، مع استواء نسبته إلى الأوقات.
فأنتم مع قولكم بدوام الفعل وأزليته، في قولكم من مخالفة أصلكم أكثر مما في قول المعتزلة وقول الأشعرية.
وأيضاً فمعلوم أن الحركات مختلفة، والمتحركات مختلفة، وليست الحركات كلها صادرة عن حركة الفلك الأطلس، بل لكل فلك، أو لكواكب كل فلك، حركة تخصه، فإن الناس يشهدون بعيونهم حركات الخمسة على خلاف حركات الثوابت، ويشهدون حركة الشمس والقمر والكواكب من المشرق إلى المغرب، على خلاف حركة الخمسة وحركة الثوابت.

تعليق ابن تيمية
والجمهور من أهل الهيئة يقولون: المتحرك هو الأفلاك، وإن
(8/266)

الحركة المشرقية هي حركة المحيط بما فيه، وسواء كان الأمر كذلك أو لم يكن، فليست حركة كل كوكب وفلك تابعة لحركة المحيط، بل الحركات مختلفات وإذا كان كذلك امتنع أن تصدر هذه الحركات المختلفة عن واحد بسيط لا يصدر عنه إلا واحد، سواء صدرت بواسطة أو بغير وساطة.
وأما صدور المختلفات عن ما لا يصدر عنه إلا واحد بلا واسطة، فهو جمع بين النقيضين، وقول متناقض.
وأما الصدور بواسطة، فتلك الواسطة يجب أن لا تكون إلا واحد عن واحد، فإذا قدر أن الأول واحد بسيط لا يصدر عنه إلا واحد، وإلا كان قولاً متناقضاً، فإنه إذ صدر عنه ما فيه كثرة، فقدر صدر عنه أكثر من واحد، وإن لم يكن في الصادر كثرة، وجب أن لا يصدر عن الصادر الأول إلا واحد، وهلم جراً، وهذا خلاف المشهود.
وما يلفقونه في هذا المقام من قولهم: إن الأول يعقل مبدعه ويعقل نفسه، وأنه باعتبار عقله للأول صدر عنه عقل، وباعتبار عقله لنفسه صدر عنه نفس أو فلك، أو باعتبار وجوبه بالأول صدر عنه عقل، وباعتبار إمكانه صدر عنه نفس أو فلك، أو باعتبار عقله صدر كذا أو كذا، وباعتبار وجوبه أو إمكانه صدر كذا أو كذا، أو مهما قالوه
(8/267)

من الأقوال التي يقدرها الذهن في هذا المقام، فهي مع كونها أقوالاً لا دليل عليها، وإنما هي تحكمات ورجم بالغيب، بل والدليل يقوم على فسادها، فلا يحصل بها جواب عما يدل على فساد أصلهم، فإن تلك الوجوه إما أن تكون أموراً وجودية أو عدمية، فإن كانت وجودية، فقد صدرت عن الأول، فقد صدر عنه أمور متعددة أكثر من واحد بلا واسطة، وإن كانت عدمية لا يخرج الصادر الأول عن أن يكون واحداً بسيطاً، وحينئذ فلا يصدر عنه إلا واحد.
يبين ذلك أن كثرة السلوب العدمية إن أوجبت كثرة، فالأول فيه كثرة لكثرة ما يسلب عنه، وإن لم توجب كثرة فلا كثرة في الصادر الأول بأمور عدمية، فلا يصدر عنه إلا واحد، وهلم وجراً.
وأيضاً فهذا الواحد الذي يقدرونه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان، كالواحد الذي يجعلونه مبدأ المركبات العقلية، كما بسط هذا في موضع آخر.
وإذا كان كذلك، فما يقولونه في هذا المقام من أنه حركة الفلك واحدة أزلية أبدية، وهي فعل الرب الدائم فعله، قول باطل لوجوه:
أحدها: أن الحركات ليست واحدة، بل حركات مختلفات وليس بعضها صادراً عن بعض.
فقول القائل: إنها واحدة قول باطل.
الثاني: أن الحركة الدائمة سواء كانت واحدة
(8/268)

نوعاً واحداً أو أنواعاً مختلفة تحدث شيئاً بعد شيء، وإذا كان الأول علة تامة أزلية، كان مستلزماً لمعلوله، فلا يتأخر عنه شيء من معلوله، بل يكون معلوله كله أزلياً أبدياً دائماً بدوامه، إن أمكن مقارنة المعلول لعلته، لا يحدث منه شيء بعد شيء، فإن الحادث في الزمن الثاني يمتنع أن تكون علته تامة أزلية، لأن العلة التامة مستلزمة لمعلولها، وهو لا يكون بينه وبينها فصل، فكيف وأجزاء الحركة الحادثة شيئاً بعد شيء كلها منفصلة عن الأزل؟ فامتنع أن يكون معلول علة تامة أزلية.
الثالث: أن يقال: كون المفعول المعين يقارن فاعله في الزمان، أمر لا يعقل وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن، كما يقدر الممتنعات.
وسواء سمي الفاعل علة أولم يسم، فإنه لا تعقل علة صدر عنها معلول وهو مفعول لها، وكان زمانهما واحداً، ولكن قد يكون الشيء مستلزماً لغيره ومقارناً له في الزمان، كاستلزام الذات لصفاتها اللازمة واستلزام حركة أحد الجسمين المتلازمين لحركة الآخر، كحركة الخاتم واليد، لكن لا يكون الملزوم فاعلاً للازم، فإنه لا يعقل مفعول معين لازم لفاعله البتة.
ولكن لفظ (العلة) فيه إجمال واشتباه واشتراك، فقد يراد بها الملزوم الموجب، وقد يراد بها الفاعل.
والملزوم الموجب الذي ليس بفاعل يعقل أن يقارنه لازمه وموجبه الذي ليس بمفعول له، لكن موجبه الذي هو
(8/269)

مفعول له لا يعقل مقارنته له، لكن يعقل صدور الفعل عنه شيئاً بعد شيء، فتكون المفعولات صادرة عنه شيئاً بعد شيء.
وهؤلاء أصلوا أصلاً فاسداً ظهر به فساد قولهم وهو أن العلة التامة التي تسمى المؤثر التام يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه، ولا يكون معلول إلا لعلة تامة.
وهذا ناقضوا به المتكلمين الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم في قولهم: إن المؤثر التام يجوز، بل قد يجب، أن يتراخى عنه أثره، فقالوا: الباري كان في الأزل مؤثراً تاماً وتراخى عنه أثره.
فقال أولئك: بل يجب أن يقارنه أثره.
والصواب قول ثالث، وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر، فيكون الأثر عقبه، لا مقارناً له، ولا متراخياً عنه.
كما يقال: كسرت الإناء فانكسر، وقطعت الحبل فانقطع، وطلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق.
قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} ، فإذا كون شيئاً كان عقب تكوين الرب له، لا يكون مع تكوينه ولا متراخياً عنه.
وقد يقال: يكون مع تكوينه، بمعنى أنه يتعقبه لا يتراخى عنه.
وهو سبحانه ما شاء كان ووجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له، وعلى هذا فكل ما سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثاً مسبوقاً بالعدم، فإنه إنما يكون عقب تكوينه له،
(8/270)

فهو مسبوق بغيرهم سبقاً زمانياً.
وما كان كذلك لا يكون إلا محدثاً والمؤثر التام يستلزم وجود أثره عقب كمال التأثير التام.
وأما على قول هؤلاء، فيلزمهم أمور باطلة تستلزم فساد قولم.
منها: أنه لا يحدث في العالم شيء، فإنه إذا كانت العلة تامة أزلية ومعلولها معها في الزمان، وكل ما سواه مغلول له بوسط أو بغير وسط، لزم أن يكون كل ما سوى الله قديماً أزلياً.
ومنها: أنه يلزم أن لا يحدث شيء حتى تحدث حوادث لا تتناهى في آن واحد.
وهذا متفق على استحالته عندهم وعند سائر العقلاء، وهو تسلسل علل ومعولات، أو تمام علل ومعلولات حادثة لا نهاية لها، فإنه كلما حدث حادث، فإنه لا يحدث حتى تحدث علته التامة أو تمام علته التامة وتكون حادثة معه، وتلك لا تحدث حتى يحدث معها ماهو كذلك، فلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى، أوتمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد.
وإذا قالوا: كل حادث مشروط بعدم ما قبله لم يصح على قولهم، لأن عدم الحادث الأول سابق للحادث الثاني.
وعندهم العلة التامة يجب مقارنتها للمعلول ولا تتقدم عليه.
ولكن هذا يصح على قول أهل السنة الذين يقولون: المعلول يحصل عقب تمام العلة التامة لا معها، فيكون حدوث الثاني عقب عدم الأول.
(8/271)

وعلى هذا القول فيلزم حدوث كل ماسوى الله تعالى.
وبهذا يظهر بطلان قولهم وصحة قول المسلمين، فإنهم قد يشبهون قولهم بما يحدث شيئاً فشيئاً عن الفاعل بالاختيار أو بالطبع، كالحجر الهابط، وكالمسافر إلى بلد، فإنه يقطع المسافة شيئاً فشيئاً، والمقتضى لقطعه المسافة، وهو قصده تلك المدينة، قائم.
لكن قطعه للجزء الثاني منها مشروط بعدم الأول.
فيقال لهم: هذا يدل على فساد قولكم، فإنه ليس هنا مؤثر تام قارنه أثره، ولم يوجد الأثر إلا عقب التأثير التام لا معه، فليس هذا نظير قولكم، بل هو نظير قول من يقول: لم يزل يحدث شيئاً بعد شيء، وإحداثه للثاني مشروط بعدم الأول.
وهذا نظير قول من يقول: لم يزل متكلماً إذا شاء، فعالاً لما يشاء، فوجود الثاني، كالإرادة الثانية، والكلمة الثانية، والفعل الثاني، مشروط بانقضاء الأول، وبانقضاء الأول تم المؤثر التام المقتضى لوجود الثاني.
وعلى هذا فكل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو سبحانه المختص بالقدم والأزلية، فليس في مفعولاته قديم، وإن قدر أنه لم يزل فاعلاً، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ليس في المفعولات قديم
(8/272)

البتة، بل لا قديم إلا هو سبحانه، وهو وحده الخالق لكل ماسواه، وكل ما سواه مخلوق، كما قال تعالى: {الله خالق كل شيء} .
وهؤلاء لمما كانت مناظرتهم مع المتكلمين الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم على أصلهم في الاستدلال على حدوث الأجسام، أو حدوث العالم، بامتناع حوادث لا أول لها، ورأى هؤلاء أن هذه قضية كاذبة.
ولهذا كان أئمة أهل الكلام، كـ الرازي وغيره، يوفقونهم على فسادها، فإن الرازي وإن قرر في كتبه الكلامية كـ الأربعين ونهاية العقول وغيرهما: امتناع حوادث لا أول لها، كما تقدم تقريره، واعتراض إخوانه عليه، فهو نفسه في كتب أخرى يقدح في هذه الأدلة، ويقرر وجوب دوام الفاعلية، وامتناع حدوث الحوادث بلا سبب، وامتناع حدوثها في غير زمان، ويجيب عن كل ما يحتج به في هذه الكتب، كما فعل ذلك في كتاب المباحث المشرقية وغيره.
ولعل الذين قدحوا في أدلته هذه، كـ الآمدي والأبهري والأرموي صاحب لباب الأربعين وغيرهم، أخذوا ذلك - أو بعضه - من كلامه، أو أخذوه هم من حيث أخذه هو.
وهذا قد رأيته فإني كنت قد أرى اعتراض هؤلاء عليه أو بعض أجوبته، ثم أنظر بعد ذلك في كلام آخر له، فأجدهم قد أخذوا ذلك
(8/273)

الأعتراض أو الجواب، أخذو، من كلامه كما في الجواب الباهر الذي ذكره الأرموي، فإنه أخذه من المطالب العالية.
والاعتراضات التي ذكرها هو وغيره على تقريره لامتناع حوادث لا أول لها، قد ذكرها الرازي في المباحث المشرقية وذكرها الآمدي أيضاً.
ولهذا أرأيت من يغتر بكلام هؤلاء من طلبة العلم حقيقة أمرهم.
وأن هذا التقرير الذي وافقوا فيه شيوخهم المتكلمين، ومن المعتزلة والأشعرية، هم بعينهم قد قدحوا فيه في موضع آخر قدحاً لم يجيبوا عنه.
فلا يظن الظان أن ما ذروه مما ينصر دين الإسلام، بل هذا مما يقوي معرفة المسمين بذم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة.
وأنه جهل لا علم.
ولا يغتر المغتر بما يجده من كثرة ذكر المصنفين في الكلام لذلك، واتباع آخرين مقلدين لهم في ذلك، فإن النظر: إما أن يكون ناظراً بنفسه حتى يتبين له الحق، أو يقلد المعصوم، فهذان طريقان علميان، وإما أن يكون محسناً للظن بشيوخ تقدموا، من شيوخ هذا الكلام المحدث، فهؤلاء قد عارضوهم من هو أعلم منهم.
فالسلف والأئمة عارضوهم، وأتباعهم الحذاق الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم، وأتباعهم الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم، والفلاسفة أيضاً عارضوهم وناقضوهم.
(8/274)

وإذا قال القائل: هذا الأصل قد قرره مثل أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام، ومثل الجهم بن صفوان، واتبعهم عليه مثل أبي علي وأبي هاشم، وعبد الجبار بن أحمد، وأبي الحسين البصري، وغيرهم.
ووافقهم على صحة هذه الطريقة - وهو امتناع حوادث لا أول لها - مثل محمد بن كرام، وابن الهيثم وغيرهما، ومثل أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، ابن الزاغوني، وأبي عبد الله المازري، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم، بل ومثل الشريف المرتضى وأمثاله من شيوخ الشيعة، فهؤلاء - وأضعافهم - يحتج بهذه الطريقة، وإن كان أصلها مأخوذاً من الجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف وغيرهما.
قيل لمن قال هذا القول: الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين، إلا لما قام به من دين الإسلام، الذي كان فيه موافقاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام، والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول، فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله، وإظهار العلم الصحيح الموافق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمظهر لباطل من خالف الرسول، وما من أحد من هؤلاء، ومن هو أفضل منهم، إلا وله غلط في مواضع.
(8/275)

وإذا كان كذلك فانظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخروهم لمتقدميهم، من إثباتهم حدوث العالم والأجسام بهذه الطريق: هل هي طريقة صحيحة في العقل أم لا؟
وهل هي موافقة للشرع أم لا؟ فعرضها على الكتاب والميزان، فإن الله تعالى يقول: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ، فاعرض عما يذكرونه بما ثبت من كتاب الله وسنة رسوله، وما ثبت عن الصحابة التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وزنه أيضاً بالميزان الصحيحة العادلة العقلية، واستعن على ذلك بما يذكره كل من النظار في هذه الطريقة وأمثالها، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ولا تتبع الظن فإنه لا يغنى من الحق شيئاً، وسل الله أن يلهمك ويهديك.
فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح الإلهي «أن الله تعالى قال: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» .
وقد ثبت في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام
(8/276)

من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .
والله تعالى قد أخبر عن أهل النار أنهم قالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ، فالضلال وقع في السمع والعقل، فإن أقواماً نصروا الإسلام - أو السنة - في ظنهم، وصاروا يدخلون في الإسلام - أو السنة - ما ليس منه، ولم يكن لهم من الخبرة بالكتاب - وتفسير السلف له - والسنة، وأقوال سلف الأمة ما يعرفون به ما بعث الله به رسوله، مما عرف بالنص والإجماع.
ولهذا نجد جمهور أهل الكلام من أبعد الناس عن معرفة الحديث وأقوال الصحابة، ويذكرون أحاديث يظنونها صحيحة وتكون من الموضوعات المكذوبات، وأحاديث تكون صحيحة متلقاة بالقبول، بل مجمع على تلقيها بالقبول وصحتها عند علماء أهل الحديث، وهم يكذبون بها أو يرتابون فيها، وكذلك نجدهم - وغيرهم - في العقليات قد
(8/277)

أحسنوا الظن بطريقة دون طريقة، وفي كل من الطريقين ما يؤخذ ويترك، وأهم الأمور معرفة ماجاء به الرسول وفهم ذلك.
فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ، وأول الفقه فهم خطاب الله ورسوله، بعد معرفة ثبوت ذلك عن الرسول، ولو كان في نفس الأمر أن السمعيات لا يجب قبولها حتى يقوم الدليل على صدق المبلغ، وهو بعد في قطع هذه المسافة، فينبغي له أن لا ينظر في مسألة مما تكلم فيها الناس، حتى يعرف ما قاله هذا الرسول وما ثبت عنه، فإنه لوقدر واحد من العلماء النظار، لكان ينبغي أن يعرف ما قاله في مسائل النزاع، لينظر في قوله وقول غيره، كما يفعل من نظر في أقوال النظار، فكيف إذا كان في نفس الأمر هو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى؟.
ومعلوم أن الرجل لو تكلم في مسألة طب تنازع فيها الناس، وقد بلغه أن لبقراط وجالنيوس وأمثالهم فيها نصاً، لم ينبغ له أن يثبت القول فيها
(8/278)

حتى يعرف ما قاله هؤلاء، مع جواز غلطهم في نفس الأمر، فكيف بنصوص الانبياء في الأمور الألهية؟.
وإذا وقع في قلبه شبهة الباطنية، من الفلاسفة وغيرهم، أنهم تكلموا بالتخييل والتمثيل، لا بإظهار الحقائق، إذ لم يكن إلا ذلك، فليس لأحد أن يقبل هذا القول منهم تقليداً لهم، بل ينظر في أقواله وأحواله وسائر أموره وأحوال أصحابه، هل يطابق قول هؤلاء، أم يورث علماً ضرورياً بأن هؤلاء كاذبون عليهم عمداً أو خطأ: إما عناداً وإما ضلالاً؟ وهذا مبسوط في موضعه.

تعليق ابن تيمية
والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وبين باطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول بها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم، ومخالفة نصوص الأنبياء،
وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء.
وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم يقيم دليلاً على قدم الأفلاك أصلاً،
(8/279)

وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم أصلاً، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلاً، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء، بل يوافقها.
وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وأن الله خالق كل شيء، فكل ماسواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً عقلياً يناقض هذا، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
وهذه مسألة حدوث العالم أعظم عمد الفلاسفة فيها، التي عجز المتكلمون عن حلها، ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم أصلاً ولهذا كان ما أقامه الناس من الأدلة على أن كل مفعول فهومحدث كائن بعد أن لم يكن، ولك ما سوى الله مفعول فيكون محدثاً، لا يناقض ذلك، وإنما يناقض ذلك أصل الجهمية والمعتزلة حيث قالوا: إن الله كان، ولا يتكلم بشيء ولا يفعل شيئاً، بل كان الكلام والفعل عليه ممتنعاً، لا مقدوراً له في الأزل، ثم إنه صار ذلك ممكناً مقدوراً بدون تجدد شيء، فيحدث الكلام والفعل بدون سبب أوجب حدوث ذلك أصلاً.
ثم قال أئمة هذه الطريقة - وهو الجهم وأبو الهذيل - بأن لا بد من فناء الفعل وفناء الحركات كلها، زاد الجهم: وبفناء العالم كله: الجنة
(8/280)

والنار، فيكون الرب ما زال معطلاً من الكلام والفعال، صم لا يزال معطلاً من الكلام والفعال، وإنما حدث ما حدث من الكلام والفعال في مدة قليلة جداً بالنسبة إلى الأزل والأبد، فبهذا القول وما يترتب عليه أقام على هؤلاء الشناعة أئمة الشرع والعقل، ورآى الناس أن في ذلك من مخالفة الشرع والعقل مالا يجوز السكوت عن رده، لكن هؤلاء، وإن كانوا ابتدعوا مخالفة للشرع والعقل بحسب نظرهم واستدلالهم، فالمتفلسفة المتنازعون لهم أبعد عن العقل والشرع، وهؤلاء يردون صريح ما تواتر عن الرسل، ويزعمون أنهم خيلوا ومثلوا.
وأما أولئك فقد يتأولون النصوص، أو يقولون: لها معنى لا نفهمه، ولا يقولون: إن الرسل قصدت أن تخبر بالأمور على خلاف ما هي عليه بطريق التخييل والتمثيل، بل كثير مما ينصرونه من بدعهم يظنون أن الرسل قالوه، فخطؤهم تارة في تكذيب الناقل، وتارة في تأويل المنقول.
وأولئك يعلمون صدق الناقل وصدق المنقول عنه، ولكن يقولون كلاماً مضمونه أنه كذب للمصلحة، ولهذا سماهم المسلمون: ملحدين: فإنهم يلحدون في آيات الله، ولهذا يفضي بهم تأويل
(8/281)

النصوص إلى ما يعلم العامة والخاصة أنه افتراء على الرسول وإلحاد محض، مثل تأويلات الباطنية للعبادات وللقرآن وغير ذلك.
وكان مما سلط هؤلاء على الإلحاد، إدخال أولئك في الشريعة ما ليس منها، وإن كانوا متأولين في ذلك، فما جعلوا من دين الإسلام القول بأن الخالق لم يكن يمكنه أن يتكلم ويفعل، ثم أمكنه ذلك بلا سبب، وأن ذلك يتضمن ترجيح الممكن بلا مرجح، وأن الممكن انقلب من الأمتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب حادث، والفاعل أمكنة الفعل والكلام بعد أن لم يكن ممكناً بلا سبب - أخذ ذلك المتفلسفة وناقضوه واستدلوا بحجتهم المشهورة على قدم العالم، بأن كل ما يعتبر في كون الباري مؤثراً: إما أن يكون موجوداً في الأزل، وإما أن لا يكون، فإن كان موجوداً لزم القول بأنه لم يزل فاعلاً، لأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره، وإن لم يكن موجوداً امتنع وجوده بعد هذا، لأن القول في ذلك الحادث كالقول في غيره، فإذا لم يحصل المرجح التام امتنع الفعل، وإذا حصل وجب وجود الفعل.
وهذه الحجة لما ذكروها صار أولئك يجيبون عنها بما لا يفسدها، بأن
(8/282)

يقولوا: المرجح هو علم الفاعل وإرادته أو قدرته، أو إمكان الفعل وانتفاء المانع، وهو الأزل، أو حصول المصلحة.
وكل ما قالوه من هذا وغيره إذا نظر فيه بعينه لم يكن جواباً صحيحاً، فإن العلم يتبع المعلوم على ما هو به، والمعلوم يتبع الإرادة، فإن لم يكن المرجح ثابتاً في نفس الأمر، لم يكن العلم مرجحا.
وأما الإرادة فادعى كثير منهم أنها بذاتها توجب تخصيص أحد المتماثلين.
وهذا القدر خلاف ما يعقل من الإرادة، فإنه لا تعرف الإرادة ترجح أحد المتماثلين من كل وجه، بل لا بد من اختصاص أحدهما بما يوجب الترجيح.
وإثبات إرادة كما ذكروه لا يعرف بشرع ولا عقل، بل هو مخالف للشرع والعقل، فإنه ليس في الكتاب والسنة وما يقتضي أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له، وكذلك سائر ما ذكروه.
ثم إن هذه الأمور إن كانت قديمة فلم يحدث مرجح، وإن حدث بعد أن لم يحدث شيء منها أو تعلق بها، فقد حدث الحادث بدون موجب لحدوثه، وترجح أحد المتماثلين بلا مرجح، فقد حدث الحادث بدون موجب لحدوثه، والمرجح قبل وجوده كما هو بعد وجوده لم يكن ناقصاً فتم.
والرازي يجيب بأن الإرادة مرجحة كجواب أصحابه، ثم يضعف هذا الجواب، وتارة يقول: بل العقل والنفوس أزلية فحدث تصور من
(8/283)

التصورات للنفس أوجب حدوث الأجسام، وهو باطل في نفسه مخالف للعقل والنقل كما تقدم، وأجود أجوبته المعارضة والنقض، وهو أنه يقول: هذه الحجة تستلزم أن لا يحدث شيء من العالم، وهو خلاف المشاهدة.
وهذه المعارضة جيدة إذا ادعى المدعي أن المرجح التام لكل ممكن ثابت في الأزل، فأن الحس والمشاهدة يناقض ذلك، ودليلهم لا يدل على ذلك، بل يدل على حصول مطلق الترجيح، لا على حصول ترجيح لممكنات معينة، ولا كل ممكن.
فهذا يبين أنه ليس في دليلهم حصول مطلوبهم، فإن مطلوبهم حصول المؤثر التام في الأزل لأثر معين، كالعقول والنفوس والأفلاك.
ومعلوم أن دليلهم لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على أنه لم يزل يفعل شيئاً، فإذا قدر أن ذلك الفعل هو قائم بنفسه، لا مفعول له في الخارج، كان ذلك وفاءً بموجب دليلهم، وإذا قدر أن ذلك كونه لم يزل متكلماً إذا شاء، كان وفاءً بموجب دليلهم.
وإذا قيل: إنه قامت به إرادات متعاقبة، كما قاله الأبهري، وأن بسبب بعض تلك الإرادات حدثت الحوادث، كان ذلك وفاءً بموجب دليلهم، إذ موجبه أنه يمتنع كونه يصير فاعلاً بعد أن لم يكن، والمثبت لمطلق لا ثبت فعلاً معيناً ولا مفعولاً معيناً، فضلاً عن أن يثبت عموم الفعل والمفعول.
(8/284)

بل الذي يدل على فساد قولهم أنا قد علمنا بالمشاهدة والإحساس تجدد الحوادث في العالم، وقد امتنع أن يكون في الأزل مؤثراً تاماً فيها، فلا بد من حدوث تمام المؤثرية لك واحد منها، والإحداث من غيره ممتنع بوسط أو بغير وسط، فلا يحدث حادث إلا منه، سواء كان بوسط كالعقول أو بغير وسط، فلو كان المؤثر كما زعموه، من أنه واحد بسيط لا تقوم به صفة ولا أمر اختياري، لكان حاله عند هذه الحوادث كحاله قبلها وبعدها.
وهكذا الأمر في كل حال، وهو قبل حدوث الحادث المعين لم يكن علة تامة، فعنده يجب أن لا يكون علة تامة، فلا يجوز أن يحدث شيء على موجب أصولهم.
وإذا قالوا: حدث من الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ما أعدت القوابل لقبول فيضه.
قيل لهم: هذا إنما يصح إذا كانت القوابل والاستعدادات من غير الفاعل الممد، كما في الشمس، وكما يقولونه في العقل الفعال.
فأما الباري تعالى فمنه الإعداد والإمداد، وكل ما سواه من القوابل والمقبولات، والاستعدادات والإمدادات، فمنه لا من غيره، سواءً كان بوسط أو بغير وسط.
(8/285)

وإذا كان كذلك، وكان حاله قبل إحداث كل حادث، كحاله قبل ذلك الحادث، امتنع أن يحدث منه شيء أصلاً: لا قابل ولا مقبول، ولا استعداد ولا إمداد.
فهم وإن أثبتوا أنه لم يزل فاعلاً، فقولهم يوجب أنه لم يحدث شيئاً قط، بل ولا فعل شيئاً قط، بل حدثت الحوادث بلا محدث، فعلم أنه باطل.
وليس في قولهم ما يوجب قدم شيء من العالم، فقولهم بقدمه باطل.
ولهذا لم يحفظ القول بقدم الأفلاك عن أساطين الفلاسفة، بل أول من حفظ ذلك عنه أرسطو وأتباعه.
وأما أساطين القدماء، فالمنقول عنهم حدوث الأفلاك، فهم قائلون بحدوث صورة العالم، ولهم في المادة كلام فيه اضطراب.
فالنقل الثابت عن أعيانهم بحدوث العالم، موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم.
ونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله، وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته.
وهذا قول من يقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول، من الأوائل والأواخر، كأبي البركات وغيره.
وهؤلاء لم يوافقوا أرسطو وأتباعه، ولا ابن سينا وأمثاله، على أن
(8/286)

الرب وجود بسيط لا صفة له ولافعل، بل أثبتوا له الصفات القائمة بذاته، وأنه يفعل بإرادات تقوم بذاته: إرادة بعد إرادة.
وهؤلاء أبعدوا أن يمكنهم إقامة الدليل على قدم شيء من العالم، فإن الفاعل الذي يفعل بإرادات قائمة به بذاته شيئاً بعد شيء، لا يقوم لهم دليل على أن شيئاً من مفعولاته لم يزل مقارناً له، إذ يمكن أنه فعل مفعولاً بعد مفعول.
وأن هذا العالم خلقه من مادة كانت قبله.
كما أخبرت بذلك الرسل.
فأخبر الله تعالى في القرآن أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأخبر أنه سبحانه: {استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم} .
قال في الآية الأخرى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم} .
فأخبر أنه سواهن سبع سماوات في يومين، وأن السماء كانت دخاناً، وهو بخار الماء كم جاء تفيسره في عدة آثار: أنه خلق السماء من
(8/287)

بخار الماء، والبخار دخان الماء، كما أن دخان الأرض دخان.
وإن أريد بالدخان التراب فقط.
أو دخان التراب والماء، فكل ذلك فيه إخبار الله أنه خلق السماوات السبع من مادة أخرى، كما أخبر أنه خلق الإنسان من مادة، وأنه خلق الجان من مادة.
وثبت في الصحيح: صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» .
وثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله به عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» .
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض» وفي رواية صحيحة: «ثم خلق
(8/288)

السماوات والأرض» ، قأخبر أنه كان بين تقديره وبين خلقه للسماوات والأرض خمسين ألف سنة، وهذه أزمنة مقدرة بحركات موجوده قبل وجود الأفلاك والشمس والقمر.
وأخبر أنه كان عرش الرب إذ ذاك على الماء.
وقد جاءت الآثار المشهورة بأن الماء كان على وجه الأرض، وأنه خلق السماء من دخان ذلك الماء.
وكذلك في أول التوراة مثل هذا، سواء أنه في أول الأمر خلق الله السماوات والأرض، وأنه كانت الأرض مغمورة بالماء، وكانت الريح تهب على الماء، وذكر تفصيل خلق هذا العالم.
ففي هذه الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجوداً قبل خلق هذا العالم أرض وماء وهواء، وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام
(8/289)

أخر فإن العرش أيضاً مخلوق، كما أخبرت بذلك النصوص، واتفق على ذلك المسلمون، فأساطين الفلاسفة المتقدمون كانوا - فيما نقل الناقلون عنهم - قولهم يوافق هذا، لم يكونوا بقدم العالم، فإن هذا قول ليس عليه دليل أصلاً، مع أنه في غاية الفساد.
وحقيقته أن الصانع لم يصنع شيئاً، وأن الحوادث تحدث بلا محدث، بل حقيقته أن هذا العالم واجب الوجود، وأنه ليس له مبدع.
وأرسطو إنما أثبت له علة غائية يتشبه الفلك لها، واستدل عليه بكون حركة الفلك عنده اختيارية، فلا بد لها من غاية، وقال: إن العلة الأولى تحرك الفلك كما يحرك المعشوق عاشقه، والمشوق في الحقيقة ليس له قصد ولا علم ولا فعل في تحريك العاشق، بل ذاك لمحبته يتحرك إليه، فكيف وحقيقة قولهم أن يتحرك للتشبه به، كمايتحرك المأموم للتشبه بإمامه؟ فهكذا يقولون: أن الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الأولى.
وقد بينا فساد قوله.
وحكينا ما ذكره أصحابه من أقواله، وما فيها من الفساد، في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن يعلم العقلاء أنه مخالف لصريح العقل، ليس من دين المسلمين، كما أنه من خالف كتاب الله، وسنة رسوله، أو إجماع السابقين، ليس من دين المسلمين، فليس في دينهم الصحيح: لا ما يخالف صحيح المنقول، ولا ما يخالف صريح المعقول، ولاما يناقض صحيح المنقول وصريح المعقول.
(8/290)

والمقصود هنا أن الممكن لا يترجح إلا بمرجح، وأن هذا متفق عليه بين العقلاء، والله أعلم.

فصل
ثم إن الرازي، مع سلوكه المسلك المتقدم، ذكر أن هذه المتقدمة، أعني أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، هي مقدمة ضرورية، وأن من لزمه ما يناقضها فهو لم يلزم ذلك، فليس من العقلاء من يلتزم نقيضها، والأقوال المستلزمة نقيض هذه القضية باطلة قطعاً.
وهذا الذي قاله صحيح في الممكن المعلوم أنه ممكن وهو المحدث، فإن وجود المحدث بلا محدث مما يعلم بضرورة العقل امتناعه، وأما الممكن بالمعنى الذي قالوه وهو ما يتناول القديم، فهو يبين أنه باطل، وأنهم لم يثبتوا بهذه الطريق: لا إثبات متمكن ولا إثبات واجب.
ولكن قد ذكر أيضاً أنه من المعلوم بضرورة العقل أن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.
وهذا صحيح يوافقه عليه عامة العقلاء.
(8/291)

وقد ذكر أن كثيراً من الطوائف يتنافضون، فيقولون بما يناقض هذه القضية، ونحن ليس بنا حاجة أن نجيب عن أهل الباطل به نقول: إن قولهم بترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح له يدل على فساد قولهم، كما يدل على فساد قول المتفلسفة الدهرية وفساد قول الجهمية والقدرية.
وحينئذ فليس في تلك اللوازم ما نحتاج أن نجيب عنه، إلا ما ذكره عن المسلمين من قولهم: إن الله فعل العالم في الوقت المعين دون سائر الأوقات، لا لأمر يختص به ذلك الوقت.
فإن القول المحكي عن المسلمين لا بد أن يكون موجوداً في كتاب الله أو سنة رسوله، أو هو مما انعقد عليه إجماع المسلمين، ولو لم يكن إلا إجماع الصحابة وحدهم فلو كان فيه نزاع بين المسلمين لما جاز أن يحكى عنهم كلهم.
فكيف وهذا القول ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها.
ولا هو متفق عليه بين أهل الكلام منهم؟ بل هوقول طوائف من أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة.
وطوائف منهم ينازعون في ذلك، ويقولون: إن الحادث إنما حدث لسبب اقتضى حدوثه واختصاصه بذلك الوقت، مع قولهم: إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما ثبت ذلك بالنصوص المتواترة، وقد علم النزاع في تسلسل الآثار، بل فيما
(8/292)

يقوم بذات الله تعالى من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته مع عدم تناهيها، وثبوت تسلسلها.
والمقصود هنا أن القول بترجيح الممكن - الذي هو الحادث - بلا مرجح ممتنع عند عامة العقلاء، فإن كان الممكن هو الحادث، كان كلاهما دليلاً على مدلول واحد.

القول بحدوث حادث بلا محدث ممتنع لوجوه
وإن قدر أن الممكن أعم من المحدث، فنقول: إذا كان ذلك ممتنعاً فالقول بحدوث حادث بلا محدث ممتنع أيضاً.
بل هو أعظم امتناعاً لوجوه:
(الأول)
أنه يتضمن رجحان الممكن بلا مرجح، لأن كل محدث فهو يمكن وجوده وعدمه، إذ لولا إمكان وجوده لما وجد، ولولا إمكان عدمه لما كان معدوماً قبل حدوثه، فوجوده يقتضي ترجيح وجوده علىعدمه، وذلك يفتقر إلى مرجح.

الثاني
أن ذلك يتضمن تخصيص حدوثه بوقت دون وقت، وصفة دون صفة، وتخصيص أحد المثلين بما يختص به عن الآخر لا بد له من مخصص.

الثالث
أن نفس العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين وأقوى وأظهر في العقل من كون الممكن لا يترجح إلا بمرجح.
وهذا يتصور هذا من العقلاء ويعلمون بطلانه بالضرورة، من لا يتصور الممكن ويعلم افتقاره إلى
(8/293)

المرجح، إلا بنوع من التكلف الذي لا يتصور به ذلك.
وقد تبين أن الناس في هذا المقام على درجات، وكل من كان إلى الفطرة العقلية والشريعة النبوية أقرب، كانت طريقته أقوم، فالمستدل بأن الموجود على سبيل الجواز، وهو الموجود الممكن، لا يكون بالوجود أولى منه بالعدم إلا بالفاعل، وأن ما حدث مع جواز أن لا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه، كما سلك ذلك كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم - خير من المستدل بأن الموجود الممكن مطلقاً لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح، وهذا المستدل بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح خير من المستدل بأنه لا يترجح وجوده على عدمه، ولا عدمه على وجوده إلا بمرجح، كما سلك ابن سينا وأتباعه، كالسهروردي والرازي والآمدي وغيرهم مع تناقض هؤلاء، حيث قالوا في موضع آخر: إن العدم المستمر لا يحتاج إلى سبب، كما قاله نظار المسلمين من جميع الطوائف.
ثم الذين استدلوا بذلك، ولم يحتاجوا إلى قطع التسلسل، كما فعل الجمهور، أقرب من الذين احتاجوا إلى قطع التسلسل، كما فعل ابن سينا ونحوه.
(8/294)

ثم هؤلاء الذين لم يحتاجوا إلا إلى إبطال التسلسل دون إبطال الدور، أقرب من الذين احتاجوا إلى إبطال التسلسل والدور جميعاً، كما فعل الرازي ونحوه، وظنوا أن الدليل لايتم إلا بذلك.
ثم هؤلاء الذين أبطلوا التسلسل خير من الذين أقروا بعجزهم عن ذلك كما فعل الآمدي.
ثم إن أبا الحسين مع أن طريقه أصح وأبين وأقرب من طرق هؤلاء، فطريقة القاضي أبي بكر بن الطيب، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي الجويني، وابن عقيل، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وأمثالهم، خير من طريقته.

كلام أبي الحسن البصري في إثبات محدث العالم
وذلك أنه قال: (فإذا ثبت أن العالم محدث، فالدلالة على أن له محدثاً، هي أنه لا يخلو إما أن يكون حدث، وكان يجوز أن لا يحدث، أو كان يجب أن يحدث.
فلو حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن أن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال، إذ كان حدوثه واجباً في نفسه، وإن حدث مع جواز أن لا يحدث، لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث، لولا شيء اقتضى حدوثه.
وسندل على أنه عالم قادر، فصح قولنا) .
قال: (واستدل شيوخنا، رحمهم الله، على أن الأجسام تحتاج إلى محدث، بأن تصرفنا يحتاج إلى محدث، لأجل أنه محدث، فكان حدوث
(8/295)

كل محدث يحوجه إلى محدث، فإذا كانت الأجسام محدثه، احتاجت إلى محدث) .
قال: (والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث، هو أنه لو حدث بنفسه من غير محدث لحدث، وإن كرهناه، وكنا ممنوعين منه، فلما وقع بحسب قصدنا، وانتفى بحسب كراهتنا، علمنا أنه يحتاج إلينا.
والدليل على أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه، أنه إما أن يحتاج إلينا لأجل حدوثه، أو لبقائه، أو لعدمه، فلو احتاج إلينا لأجل بقائه، لوجب أن لا يبقى البناء إذا مات الباني، ولا يجوز أن يحتاج إلينا لعدمه، لأن تصرفنا كان معدوماً قبل وجودنا، وقبل كوننا قادرين، فصح أنه احتاج إلينا ليحدث، ولأن حدوثه هو المتجدد بحسب قصدنا وإرادتنا، وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه، فعلمنا أنه إنما يحتاج إلينا لأجل حدوثه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: فطريقة شيوخه الذين أشار إليهم من المعتزلة، هي الاستدلال على افتقار المحدث إلى المحدث بالقياس على تصرفاتنا، وأنها تحتاج إلى محدث لأجل كونها محدثة.
وقد سلك هذه الطريقة غير المعتزلة من أصحاب الأشعري وغيرهم، حتى مثل أبي القاسم القشيري وأبي الوفاء بن عقيل، وبنوا ذلك على هذه.
وأما الطريقة التي ذكرها هو، وبناها على التقسيم الذي ذكره وهو أن
(8/296)

المحدث لا يخلو من أن يحدث مع وجوب حدوثه، أو مع جواز حدوثه وجواز أن لا يحدث.
وأبطل الأول، بأنه لو كان حدوثه واجباً، لم يكن حدوثه في حال بأولى من حدوثه قبل تلك الحال، فلا يستقر حدوثه على حال، إذ كان حدوثه واجباً في نفسه.
وقد قال قبل هذا: إن وجود القديم واجب، وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال، فصح أنه واجب الوجود في كل حال، واستحال عدمه.
وهذا التقسيم لا يحتاج إليه، ولا على إبطال هذا القسم بما ذكروه، وذلك أن قول القائل: إما أن يحدث مع وجوب حدوثه، أو مع جواز حدوثه.
إما أن يريد به وجوب حدثه بنفسه، أو وجوبه بغيره.
فإن أراد به الثاني فهذا لا يمتنع، بل يجوز أن يقال: المحدث حدث مع وجوب حدوثه بالمقتضى لحدوثه لا بنفسه، أي وجد المقتضي التام لحدوثه، الذي يمتنع معه أن لا يحدث.
وهذا إذا قيل، فإنه يدل على ثبوت الصانع المحدث أيضاً لا ينفي ذلك، فليس في إثبات هذا القسم ما ينفي ثبوت الصانع.
ولكن هؤلاء المعتزلة قد ينازعون قي كون الممكن عند وجود المقتضى التام يكون واجباً.
ويقولون: لا يقع شيء من الممكنات والحوادث إلا على وجه الجواز، أو أن يكون بالوجود أولى منه بالعدم، لا على وجه الوجوب.
(8/297)

ويقولون: إن القادر المختار، سواء كان قديماً أو محدثاً، لا يفعل إلا مع جواز أن لا يفعل، وإنه يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وهذا مما نازعهم فيه جمهور العقلاء.
وليس المقصود هنا بيان صحة قول الجمهور، وفساد قولهم.
لكن المقصود أن قولهم سواء كان صحيحاً أو فاسداً، فهم يستغنون عن جعله مقدمة إثبات الصانع.
وإذا أمكن إثبات العلم بالصانع على كل تقدير، كان خيراً من إثباته على تقدير قول تنازع فيه كثير من العقلاء وهم يمكنهم إثباته بأن المحدث لا بد له من محدث، سواء قيل أنه يجب بمحدثه أو لم يقل ذلك، فلا حاجة بهم في إثباته إلى ذلك.
وإما إن أراد القائل بقوله: إما أن يحدث مع وجوب أن يحدث أو مع جواز أنه يحدث، مع وجوب أن يحدث بنفسه بدون مقتض لحدوثه، فلا ريب أن هذا فاسد معلوم فساده بضرورة العقل.
والعلم بفساده أبين من العلم بكون حدوثه ليس في حال بأولى منه في حال أخرى، وذلك أن ما حدث يعلم أنه ليس واجباً بنفسه، فإن الواجب بنفسه لا يقبل العدم.
والمحدث كان معدوماً، فيمتنع أن يقال إنه حادث، وهو واجب بنفسه.
(8/298)

ومن المعلوم أن المحدث يمتنع أن يكون قديماً، فإن هذا نقيض هذا، إذ المعني بكونه محدثاً أنه ليس بقديم.
ومن المعلوم أن واجب الوجود بنفسه يجب أن يكون قديماً، والعلم بأن واجب الوجود بنفسه يجب أن يكون قديماً، أبين من العلم بكون القديم يجب أن يكون واجب الوجود بنفسه.
فإن الأول لم تنازع فيه طائفة معروفة، والثاني نازع فيه طائفة معروفة.
وأيضاً فإن أبا الحسين استدل على أن القديم يجب أن يكون واجب الوجود بنفسه، بأنه ليس وجوده في حال بأولى من وجوده في حال، فصح أنه واجب الوجود في كل حال، فامتنع عدمه.
وأما كون واجب الوجود بنفسه يكون قديماً، فهو أبين من هذا.
وحينئذ فالمحدث لا يمكن أن يقال: إنه حدث، وهو أنه حدث وهو واجب الوجود بنفسه، أبين من كونه ليس وجوده في حال أولى منه في حال.
وأبو الحسين بنى كلامه على نفي هذه الأولوية، التي مضمونها أن الوقتين متساويان.
فلا يجوز تخصيص أحد الوقتين عن الآخر بالحدوث إلا بمخصص.
وهذا يكفيه في الاستدلال ابتداء، فإن المحدث اختص حدوثه بوقت، وتخصيص أحد الوقتين لا بد له من مخصص.
(8/299)

وهذه هي الطريقة التي سلكها القاضي أبو بكر ومن وافقه، وهي خير وأقرب وأصح من طريقة أبي الحسين.
أما كونها خيراً وأقرب فظاهر، وأما كونها أصح فلأن أبا الحسين جعل من مقدمات حجته أنه إذا حدث مع وجوب أن يحدث، لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل، فلا يستقر حدوثه على حال.
وهذا كما تقدم فيه إجمال يحتاج إلى استفصال، يترتب عليه نزاع.
فإذا قال له القائل: بل حدث مع وجوب أن يحدث لمقتضى اقتضى وجوب حدوثه في تلك الحال، لم يمكنه أن يقول: ليس إيجاب المقتضى لحدوثه في تلك الحال بأولى من اقتضائه لوجوب حدوثه في غير تلك الحال، لأنه يقول له كما قلت: إن المقتضى لحدوثه مع جواز حدوثه، يخصص الحدوث بحال من حال، كذلك يقول: إن المقتضي لوجوب حدوثه يخصص الحدوث بحال دون حال.
فإن قال: المقتضى الموجب لا يخص بحال دون حال، بخلاف المقتضى مع عدم وجوب الاقتضاء.
كان الجواب من وجوه:
أحدها: المنع، فإن هذه دعوى مجردة.
الثاني: أن يقال: لا نسلم أنه يمكن أن يكون شيء مقتضياً للحدوث إلا مع الوجوب، وإنه مادام اقتضاؤه جائزاً فإنه يمتنع الاقتضاء، وذلك
(8/300)

لأنه إذا جاز أن يقتضى، وجاز أن لا يقتضى، كان كل من الأمرين ممكناً جائزاً، لم يكن ثبوت الاقتضاء أولى من انتفاء، لولا أمر آخر اقتضى ذلك الاقتضاء، ثم القول في اقتضاء ذلك الاقتضاء كالأول، ويلزم منه توقف حدوث الحوادث على اقتضاءات متسلسلة لا نهاية لها، ولا وجود لشيء منه، وما توقف على ما لا وجود له فلا وجود له، وهو يبطل التسلسل فيما هو دون هذا.
وهذا المقام مقام معروف للمعتزلة في فعل الرب، وفعل العبد يذكرونه في مسألة حدوث العالم، ومسألة القدر، وهو مما استطالت عليهم به أهل السنة والفلاسفة وغيرهم.
لا سيما وأبو الحسين يقول: إنه مع فعل القادر يتوقف على الداعي، وإنه عند وجود الداعي التام يجب وجود المقدور، فيكون أصل قوله موافق لقول من قال من أهل السنة ومن الفلاسفة: إن الحادث يحدث مع وجوب أن يحدث، وهذايناقض قوله بأنه لا يحدث إلا مع جواز الحدوث لا مع وجوبه.
الثالث أن يقال: هب أنا سلمنا إمكان ثبوت المقتضى، وأنه يقتضى مع جواز أن لا يقتضى، وأنه يخص الحدوث بحال دون حال، فإذا أمكن الحدوث والتخصيص بما هو مقتض مع جواز أن لا يقتضى، فالحدوث والتخصيص بمقتض واجب الاقتضاء أولى وأحرى.
فإن قيل: ما كان واجب الاقتضاء لم يتخلف عنه مقتضاه، فيلزم قدم الحوادث، بخلاف ما كان جائز الاقتضاء.
(8/301)

قيل: هذا إنما يصح لو كان اقتضاؤه لكل ما يقتضيه لازماً له، وكان مجرد ذاته علة موجبة لمعلولاته، كما يقوله من يقول ذلك من المتفلسفة، كبرقلس وابن سينا وأتباعهما.
فإنهم يقولون: إن الأول علة بمجرد ذاته لجميع المعلولات، وما سواه معلول به، فيلزمهم أن لا يتخلف عنه شيء من الحوادث، وهذا باطل قطعاً.
وأما إذا كان اقتضاؤه وفعله لما يفعله، إنما هو أنه مقتض لوجود كل حادث في الوقت الذي حدث فيه، لا سيما إذا قيل مع ذلك بأنه مقتض لما يقتضيه كمشيئته وقدرته، كما هو قول المسلمين وجماهير العقلاء.
فيقال: إذا قدر أنه قادر مختار، وهو يحدث الحوادث، مع جواز أن لا تكون مشيئته وقدرته مستلزمة لحدوثها، فلان يحدثها مع كون مشيئته وقدرته مستلزمة لها أولى وأحرى.
وحينئذ فيحدث مع وجوب حدوثها بقدرته ومشيئته.
ولا يمكنهم أن يقولوا: القدرة والمشيئة لا تخص وقتاً دون وقت، لأن هذا ينقض قولهم.
فإنهم يقولون: إنه لمجرد قدرته يخص بعض الأحوال دون بعض.
(8/302)

ولو قال قائل: ذلك من غيرهم.
لقيل له: تخصيص القدرة والمشيئة للحوادث بحال دون حال، هو بحسب ما يعلمه من الأسباب المقتضية للتخصيص.
وغاية ذلك أن يستلزم أن تقوم بذاته أسباب تقتضي التخصيص متعلقة بمشيئته وقدرته.
أو يقال: إن هذا يستلزم ما لا نهاية له على سبيل التعاقب، ونحو ذلك من المقامات المعروفة التي لا يوردها أحد، إلا وهو يلزمه بترك التزامها من التناقض أعظم مما يلزم به منازعه، وأما منازعه فيمكنه التزامها، ولا يتناقض قوله: لا عقلاً ولا شرعاً.
ولكن من حسن المناظرة والتعليم أن يبين لمن يرد قولاً ما يلزمه هو على تقديره رده ومن أراد تصحيح الحق بقول باطل يمكن استغناؤه عن ذلك القول، وأن الحق يمكن تصحيحه بدونه، وأنه إذا صححه بذلك الطريق، كان ما يلزمه من اللوازم التي تناقض قوله وتفسده، أعظم مما يلزمه إذا أعرض عن ذلك.
وبهذا وأمثاله يتبين أنه لم يسلك أحد طريقاً مخالفة للسنة في إثبات شيء من اصول الإيمان، إلا والله قد أغنى عنها بما هو سليم من عيوبها، وأن تلك الطريق وإن غمض على أكثر الناس معرفة فسادها لدقته، فلا يخفى عليهم إمكان الاستغناء عنها.
ونحن كثيراً ما نقصد بيان أن الطرق التي خالفها سالكها شيئاً من النصوص غير محتاج إليها، بل مستغن عنها، ليتبين أن العلم بصدق
(8/303)

الرسول، وصحة ما جاء به من الكتاب والسنة، ليس موقوفاً على شيء من الطرق التي تناقض شيئاً مما جاء به، مع أنا نبين أيضاً أن تلك الطرق فاسدة، لكن بيان الاستغناء عنها في مقام، وبيان فسادها في مقام.
وأهل البدع يدعون الحاجة إليها أولاً، ثم يعارضون بها النصوص ثانياً، فنحن نبين الغنى عنها، ثم نبين فسادها ثانياً، ثم نبين ثالثاً أن الطرق العقلية الصحيحة، وهي الأدلة السمعية متلازمان، فيلزم من صحة أحدهما صحة الآخر.
وهذا قدر زائد على عدم تنافيها، وعدم تنافيها وحده كاف في بطلان قول من يزعم تنافيهما.
وأيضاً فلو قدر أن فيها ما ينافي السمع، فذلك المنافي ليس هو الأدلة العقلية التي بها نعلم صحة السمع.
وذلك كله مما تبين به بطلان قول من يقول: إن تقديم الكتاب والسنة على ما يعارض ذلك، يستلزم قدح الشرع في أصله.
وطريقة القاضي أبي بكر وأمثاله ليس فيها هذا التقسيم الذي ذكره أبو الحسين، بل ذكر أولاً أن تخصيص المحدث بوقت دون وقت لا بد له من مخصص، وأن ما قدم من الحوادث وأخر، لا بد له من مقدم ومؤخر، من غير أن يحتاج أن يقول: إن الحدوث: إما أن يكون واجباً، وإما أن يكون غير واجب، وهذا أصح وأقرب وأبين.
ثم أن طريقة أبي الحسن الأشعري التي في اللمع خير من
(8/304)

طريقة القاضي، فإنه بناها على أن المحدث لا بد له من محدث، ولم يحتج أن يستدل على ذلك بأن الحدوث تخصيص بوقت دون وقت، والتخصيص لا بد له من مخصص، فإن هذا وإن كان صحيحاً فالعلم بافتقار المحدث إلى المحدث أبين وأقوى من هذا.
وكل ما يذكر في تخصيص أحد الوقتين، أو تخصيصه بصفة دون صفة، هو موجود في نفس الحدوث، فإن تخصيص هذا الحادث بالحدوث دون غيره من الممكنات، لا بد له من مخصص، ونفس الحدوث مستلزم للمحدث الفاعل، ولو قدر أنه لم يحدث غيره، ولا يمكن حدوث غيره، وأنه ليس هناك حال أخرى تصلح للحدوث، فإن كون الحادث يحدث نفسه من غير محدث يحدثه، من أبين الأمور استحالة في فطر جميع الناس.
والعلم بذلك مستقر في فطر جميع الناس، حتى الصبيان، حتى أن الصبي إذا رأى ضربة حصلت على رأسه، قال: من ضربني؟ من ضربني؟ وبكى حتى يعلم من ضربه.
وإذا قيل له: ما ضربك أحد، أو هذه الضربة حصلت بنفسها من غير أن يفعلها أحد، لم يقبل عقله ذلك، وهو لا يحتاج في هذا العلم الفطري الذي جبل عليه إلى أن يستدل عليه بأن حدوث هذه الضربة في هذه الحال، دون ما قبلها وما بعدها، لا بد له من مخصص، بل تصور هذا فيه عسر على كثير من العقلاء، وبيان
(8/305)

ذاك بهذا، من باب بيان الأجلى بالأخفى.
ثم الطرق التي جاء بها القرآن خير من طريقة الأشعري وغيره، فإن فيها إثبات الصانع بنفس ما يشاهده الناس، من حدوث الأعيان المحدثة، وحدوث الأعيان مشهود معلوم، لا يحتاج أن يستدل على حدوثها بحدوث صفاتها، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
بل سالكو هذه السبيل ظنوا أن الأعيان لا تحدث، وإنما تحدث صفاتها وأنهم لم يشهدوا حدوث جسم ولا جوهر قائم بنفسه، وإنما شهدوا حدوث صفات الأجسام، وأن الأجسام متماثلة مركبة من جواهر متماثلة، وهي تنقلب فيها من وصف إلى وصف.
قالوا: فهذا هو الذي يشهد حدوثه، ثم بهذا يعلم حدوث ما قامت به هذه الحوادث، فأنكروا ما يعلمه الناس بحسهم ومعاينتهم، من حدوث ما يشهدون حدوثه من الأجسام، ثم احتاجوا مع ذلك إلى أن يثبتوا حدوث هذه الأعيان بالاستدلال الذي ذكروه، من أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
وهذه الطريق يظهر الاستغناء عنه لكل أحد بما يشهده من حدوث الأعيان، وأصحابها يسلمون الاستغناء عنها بما يشهدونه من حدوث الصفات، كما ذكره الرازي وغيره، وعلى التقديرين فقد ثبت الاستغناء عنها.
(8/306)

فمن قال: إن العلم بإثبات الصانع وتصديق رسله موقوف عليها، فقد ظهر خطؤه عقلاً لكل أحد، كما علم مخالفته لدين الإسلام بالضرورة.
فإنه من المعلوم بالاضطرار: أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، ما دعوا أحداً من الناس إلى الإقرار بالخالق وبرسله بهذه الطريق، ولا استدلوا على أحد بهذه الحجة، بل ولا سلكوا هم في معرفتهم هذه الطريق، ولا حصلوا العلم بهذا النوع من النظر والاستدلال المبتدع المحدث، الذي قد أغنى الله عنه، وظهر الغنى عنه لكل عاقل.
ثم معرفة فساد هذه الطريق عقلاً، هو ألطف من العلم بالغنى عنها.
ولهذا يظهر الغنى عنها لخلق كثير، قبل أن يظهر لهم فسادها.
وقد ذكر من الكلام على مقدماتها، وفسادها، وطعن بعض أهلها في بعض، وإفسادها لمقدماتها، وبيان فسادها بصريح العقل، في غير هذا الموضع، ما ينبه على المقصود.
والمقصود هنا: التنبيه على أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث، والمفعول إلى الفاعل، وهو من العلوم الضرورية البديهية، وهو أظهر وأقوى مما استدل به عليه القاضي وأمثاله، من كون تخصيص الحدوث بوقت دون وقت، لا بد له من مخصص.
(8/307)

وهذا الذي ذكره القاضي أبو بكر وأمثاله، أظهر مما استدل عليه أبو الحسين وأمثاله، من أن الحدوث: إما أن يكون على وجه الوجوب، أو على وجه الجواز.
وهذا الذي ذكره أبو الحسين وأتباعه من أن الجائز الممكن ليس وجوده أولى من عدمه، لولا المقتضى لحدثه، أظهر مما ذكره ابن سينا، والرازي، وأمثالهما، من أن الجائز الممكن ليس وجوده أولى من عدمه، ولا عدمه أولى من وجوده إلا لمرجح منفصل عنه.
وطريق هؤلاء بعضها أصح وأقرب من طريق بعض.
وقد ظهر بما ذكرنا فساد القاضي أبي بكر: أنه لم يخالف في أن افتقار المحدث إلى محدث مما لا يعلم بالاضطرار، وإنما يتطرق إليه بالفحص والبحث إلا شرذمة لا يعتد بقولها، ادعت في هذه المذهب البديهة.

كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية
ثم يقال له: إن كان هذا حقاً، فالأشعري لم يذكر في اللمع دليلاً على ذلك، بل جعل ذلك مسلماً، وإنما أثبت حدوث الإنسان وأنه
(8/308)

لم يحدث نفسه.
ثم قال: (فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الأحوال، وأن له ناقلاً نقله من حال إلى حال، ودبره على ما هو عليه، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر) .
فذكره هذه المقدمة مجردة عن الاستدلال، فإن كان العالم انتقاله من حال إلى حال، لا يعلم به أن له ناقلاً مدبراً إلا بأدلة تذكر، فهو لم يذكر تلك الأدلة، بل ادعى دعوى نظرية تقبل النزاع بلا دليل.
وحينئذ فيكون طعن من طعن المعتزلة في كلامه أوجه، فإنه لم يقم دليلاً: لا على حدوث الجسم، ولا على أن المحدث لا بد له من محدث.
ثم يقال: من العجائب أن يكون القول بأن العالم حدث من غير محدث أحدثه، وأن بعض الحوادث حدث من غير محدث أحدثه، قول قاله كثير من الفلاسفة والدهرية، أو طائف من نظار المسلمين.
وقول بأن العلم بأن الأفعال تتعلق بفاعل، وأن المخلوقات تتعلق بفاعل، وأن المخلوق تتعلق بخالق - علم ضروري، إنما قاله شرذمة لا
(8/309)

يعتد بقولها، وأن الجميع من العقلاء إنما يعلم هذا بالفحص والبحث، مع أنه لا يعلم أن أحداً من المشهورين بالعلم، طلب على هذا دليلاً، ولم يذكر عن أحد من الكفار مطالبة أحد من المؤمنين بدليل على هذا، ولا في كتاب الله وسنة ورسوله، ولا كلام أحد من السلف والأئمة ذكر حاجة هذا إلى الاستدلال.
أو الاستدلال عليه بما ذكرتموه: من أن ذلك يتضمن التقدم والتأخر، فلا بد به من مرجح.

فصل
ومن هنا يظهر الوجه الثاني، الذي تبين به أن ما ذكره الأشعري لا يحتاج إلىما ذكره القاضي.
وذلك أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث، هو أبده للعقل، وأرسخ في القلب، وأظهر عند الخاصة والعامة، مما قرره به، وهو أن ذلك يتضمن تخصيص بعض الأزمان بالحدوث دون بعض، والتخصيص لا بد له من مخصص.
فالأول: إن لم يكن أقوى منه وأجلى، فليس هو دونه، وغاية هذا الثاني أن يكون مثله أو داخلاً في أفراده.
لا سيما على أصل القاضي، وموافقيه من المعتزلة والأشعرية، فإنهم يجوزون اختصاص بعض الأزمنة بالحوادث دون بعض، بدون سبب اقتضى ذلك التخصيص.
وإذا أضافوا التخصيص إلى المشيئة القديمة، فنسبة المشيئة إلى جميع الحوادث والأزمنة سواء.
(8/310)

وإذا كانت النسبة مستوية، فثبوت هذه النسبة مع أحد المتماثلين دون الآخر، تخصيص بلا مخصص.
وإذا قالوا: الإرادة لذاتها تخصص مثلاً عن مثل بلا سبب، مع تضمن ذلك ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح أصلاً، أمكن منازعهم أن يقول بتخصيص أحد الزمانين المتماثلين بالحوادث دون الآخر بلا مخصص أصلاً، وقال: من شأن الأوقات التخيصص بلا مخصص.
وإذا قالت المعتزلة: القادر المختار يرجح أحد مقدورية على الآخر بلا مرجح، كان ما يلزمهم كما يلزم أولئك وأشد.
فمن كانت هذه الأقوال أقواله، وكان غاية ما يثبت به الصانع وافتقار المحدث إلى محدث: أن الحوادث مختصة بزمان دون زمان، فلا بد للتخصيص من مخصص، وأن التخصيص بلا مخصص ممتنع، ويجعل ذلك بديهياً ضرورياً.
كيف يمكنه أن يقول: إن وجود الحوادث بلا محدث، والفعل بلا فاعل، والصنعة بلا صانع، ليس امتناعه بديهياً ضرورياً؟
فمن جعل العلوم البديهية الضرورية ليست بديهية ضرورية، وجعل ما هو دونها بديهياً ضرورياً، تناقضت أقواله، وكان فيها من مخالفة العقل والسمع ما لا يحصيه إلا الله.
وهذا بخلاف الطرق المذكورة في القرآن، فإنها في غاية السداد والاستقامة.
(8/311)

ومن أقرب ذلك أن إثبات الفاعل مبني على مقدمتين ضروريتين: أحداهما: أن الإنسان محدث.
والثانية: أن المحدث لا بد له من محدث.
فأبو الحسن - مع جماهير العقلاء - جعولوا المقدمة الثانية ضرورية بخلاف ما ذكره القاضي ومن وافقه، حيث أثبتوا بما هي أقوى منه وأجلى.
وإن كانت هذه الطرق الخفية البعيدة وأمثالها ينتفع بها في حق من لم ينفذ للطرق الجلية القريبة، أوعرضت له فيها شبهة كما تقدم.
وأما المقدمة الأولى: وهو أن الإنسان والثمار والمطر والسحاب ونحو ذلك محدث فهذه مقدمة معلومة بالمشاهدة والضرورة، فإن حدوث الحوادث مشهود.
ثم من قال من أهل الجوهر الفرد والهيولى: إن الحادث إنما هو صفات الأجسام لا أعيانها، أو صورتها لا مادتها، أمكنهم إثبات المحدث بناءً على ذلك، وهذه الطريقة التي ذكرها الرازي وغيره، وهي الاستدلال بحدوث صفات الأجسام.
وأما من أنكر ذلك، وهم جمهور العقلاء، فإن الحادث عندهم هو نفس الأعيان المحسوسة.
وأبو الحسن ممن يثبت الجوهر الفرد، ولم يكتف بالاستدلال على حدوث الصفات، بل أراد إثبات حدوث نفس النطفة، فأثبت ذلك بطريقة استلزامها للحوادث، وما لا ينفك عن الحوادث فهو
(8/312)

حادث.
وهي الطريقة التي سلكتها المعتزلة في حدوث الأجسام ابتداءً، وعلى هذه الطريقة فحدوث الإنسان نظري لا ضروري.
وإذا ضم إلى ذلك أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث نظري، كما قاله من قاله من المعتزلة ومن وافقهم، كـ القاضي أبي بكر وأتباعه - صار كل من المقدمتين في إثبات الصانع نظرياً.
وهذا أضعف هذه الطرق وأطولها، لكن مبناها على أن التخصيص الحادث لا بد له من مخصص، وهذا عند هؤلاء ضروري، كافتقار الممكن إلى الواجب.
ثم الذي سلكوا طريقة ابن سينا جعلوا هذا نظرياً، وأثبتوا منع التسلسل بطريقة ابن سينا، وهي أقرب مما بعده.
فجاء من بعدهم، كـ الرازي، ضم إلى ذلك نفي الدور أيضاً، ثم هو والآمدي ونحوهما أثبتوا بطلان التسلسل بطرق طويلة، واستصعب ذلك على الآمدي، حتى قال: إنه عاجز عن تمشيها، وحل مايرد عليها، كما ذكرناه.
ولا ريب أن تمشيها مع تفسيرهم الممكن بالتفسير الذي أحدثه ابن سينا ممتنع.
وأما تمشيتها إذا جعل الممكن هو الذي يوجد تارة، ويعدم أخرة، فهو سهل متيسر، معلوم ببدائه العقول.
فانظر من عدل عن الطرق المستقيمة شرعاً وعقلاً، كلما أمعن في العدول أمعن في البعد عن الحق وتطويل الطريق وتصعيبها، حتى آل الأمر
(8/313)

بهم إلى الجهل العظيم، وإلى العجز عن الاستدلال على ما هو أعظم الأشياء ثبوتاً ووجوداً، وأكثرها وأقواها أدلة، وأولاها بالعلم من كل معلوم، وأحقها بأن يكون مستقراً في الفطرة، دائم الحصول في القلوب، حاصلاً بأكمل الأسباب التي يمكن بها حصول العلم.
والمقصود هنا الكلام على الطريقة التي ذكرها أبو الحسن، وأنها أقرب وأصح من الطريقة التي سلكها من سلكها من المعتزلة ومن وافقهم، كـ القاضي أبي بكر وأمثاله، وأنها طريقة صحيحة لم ينازع فيها طائفة مشهورة، إذا اكتفي فيها بحدوث ما يعلم حدوثه كالإنسان والنبات وغيرهما من الحوادث.
وأما إذا احتيج فيها إلى إثبات حدوث الأجسام كلها بطريقة الأعراض، أو قيل: إن حدوث الإنسان ونحوه لا يثبت إلا بمثل تلك الطريق، كان المنازع في صحة هذه الطريق جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة، وكان هذا من الكلام الذي ذمه السلف والائمة.
فالمخالفون للطرق الفطرية العقلية الشرعية، القريبة الصحيحة، كلما أبعدوا عنها مدحوا من يوافقهم في البعد، ولهذا عكس هؤلاء الكلام على المقدمتين، فأخذوا يوافقون أبا الحسن على المقدمة المبتدعة الباطلة، ويذمونه أو يعتذرون عنه على المقدمة البديهة الصحيحة الشرعية.

تابع كلام الأشعري في اللمع
قال أبو الحسن: (فإن قال قائل: ما أنكرتم من أن تكون النطفة
(8/314)

قديمة لم تزل؟ قيل له: لو كان ذلك كما ادعيتم، لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغير، لأن القديم لا يجوز انقلابه وتغييره، وأن يجري عليه سمات الحدث، لأن ما جرى عليه ذلك ولزمته الصنعة، لم ينفك عن سمات الحدث، وما لم يسبق المحدث كان محدثاً مصنوعاً، فبطل لذلك قدم النطفة وغيرها من الأجسام) .

كلام الباقلاني في شرح اللمع
قال القاضي أبو بكر: (اعلم أن هذا الذي ذكره هو المعول عليه في الاستدلال على حدوث سائر الأجسام، وذلك أن الذي عناه بقوله: لو كانت قديمة لم يلحقها الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغير، وخروجها من صفة كانت عليها إلى صفة لم تكن عليها، كنحو خروجها عن السكون إلى الحركة، وعن الحركة إلى السكون، وكاستصلابها بعد لينها، وافتراقها بعد اجتماعها، وما يلحقها من تعاقب الأكوان، وغير ذلك من التغيرات، لأن القديم الحاصل على صفة من الصفات لا يجوز خروجه عنها على ماذكره أصلاً، وذلك أن القديم إذا لم يزل مجتمعاً مثلاً أو مفتقراً، أومتحركاً أو ساكناً، أو على بعض هذه الصفات، لم يجز خروجه عنه، لأنه لايخلو أن يكون على ما هو عليه في أزله: لنفسه، أو لعلة، أولا لنفسه ولا
(8/315)

لعلة، أن لبطلان نفسه، أو لبطلان معنى، فيستحيل أن يكون على ما هو عليه لا لنفسه ولا لمعنى، لأن هذا يوجب خروج الإثبات عن تعلقه بمثبت، والخبر عن تعلقه بمخبر، وغير ذلك من وجوه الفساد، ويستحيل أن يكون ما هو عليه لبطلان نفسه - وعدمها، لأن المعدوم ليس بشيء يحصل على صفة من الصفات، ولأنه ليس عدم نفسه - إن جاز عدمها - بأن يكون تحصيله ساكناً أولى من تحصيله له متحركاً، ويستحيل أن يكون ذلك لبطلان معنى كان موجوداً به.
لأن القديم لا يجوز عدمه، ولأنه ليس بأن يكون متحركاً لعدم سكونه أولى من غيره، ممن يصح أن يكون متحركاً.
وهذا يوجب أن يكون الجسم إنما تحرك لعدم سكونه إلى محاذاة بعينها، ولو كان ذلك كذلك لم يكن تحركه لعدم ذلك السكون إلى تلك المحاذاة بعينها، أولى من تحركه إلى غيرها من الجهات، وإلىما هو أبعد منها.
وفي تحركه إلى جهة مخصوصة، ومحاذاة معينة - دليل على أن ذلك إنما وجب له لمعنى سوى عدم سكونه، ولأنه ليس بأن يتحرك هو لأجل عدم السكون، أولى من غيره من الأجسام، لأن عدم السكون ليس هو بأكثر من خلوه منه، وأنه ليس فيه وغيره من الأجسام حال من ذلك السكون أيضاً، فكيف صار خلوه منه يوجب له التحرك أولى من كل من خلا من الأجسام؟ وفي فساد ذلك: دليل على أنه لا يجوز أن يكون المتحرك تحرك لعدم معنى.
(8/316)

وجملة هذا أن القديم لا يجوز عدمه، ولا يجوز لمثل ذلك أن يكون القديم إنما يتحرك فيما لم يزل لعدم نفسه، ولا لعدم معنى قديم.
فلم يبق إلا وجهان: أحدهما: أن يكون فيما لم يزل على ما هو عليه لنفسه أو لمعنى قديم.
فإن كان لم يزل ساكناً لنفسه، استحال تحركه بعد سكونه، لوجود نفسه في كلا الحالين.
ويستحيل خروج الشيء عن الوصف المستحق لنفسه، مع وجود نفسه التي بها كان كذلك.
وإن كان لم يزل ساكناً لأجل معنى قديم، استحال أن يتحرك إلا عند عدم سكونه القديم، وإلا وجب تحركه وسكونه معاً.
فإذا استحال ذلك، واستحال عدم سكونه إذا كان قديماً، واستحال أن يخرج القديم عن الصفة التي هو فيها لم يزل عليها، لم يجز أن يلحقه - لما وصفناه - وانقلاب ولا تغيير، ولا اعتمال ولا تأثير، فصح ما قاله شيخنا أبو الحسن من هذا الوجه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الكلام مضمونه أن ما به يعلم حدوث النطفة، به يعلم حدوث سائر الأجسام، وأن المنكر لحدوث سائر الأجسام يمكنه إنكار حدوث النطفة.
وليس الأمر كذلك.
بل حدوث الحيوان والنبات والمعدن ونحوذلك، وحدوث أوائل ذلك، كالنطفة والبيضة وطاقة الزرع ونحو ذلك - أمر مشهود معلوم بالحس والضرورة،
(8/317)

واتفاق العقلاء.
وهذا بخلاف الفلك، فإنه ليس شهود حدوثه كشهود حدوث الحيوان والنبات والمعدن.
وكذلك من ينازعهم في الواجب وفي تسميته جسماً: كالهاشمية والكرامية وغيرهم.
أو من لا يطلق الاسم، ولكن يقولون له: ما أثبته نسميه نحن جسماً، أو يجب أن يكون جسماً، كما يعلم حدوث هذه الحوادث المشهودة.
فإن قال بهذا، فالمفرق يقول: حدوث النطفة مشهود معلوم مسلم، وكذلك حدوث ما أشبهها.
وأما حدوث كل ماسميته جسماً، فإنما أثبته بما ذكرته من الدليل، وهو ضعيف على ما سنذكره.
فإن قال: أعني بالنزاع في حدوث النطفة النزاع في حدوث الجواهر المفردة، التي منها تركبت النطفة وتألفت، أو في حدوث مادتها التي لبستها صورة النطفة.
قيل له: الجواب من طريقتين:
أحدهما: أن يقال: هذا لا حاجة لك به.
الثاني: أن يقال: ما ذكرته ليس بصحيح.
(8/318)

فأما الطريق الأول ففيه وجوه.
أحدها: أن العلم بحدوث ما يحدث، والاستدلال به على ثبوت الصانع ليس مفتقراً إلى أن يعلم: هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة؟ وهل ذلك قديم أو حادث؟ بل مجرد حدوث ما شهد حدوثه يدل على أن له محدثاً، كما يدل حدوث سائر الحوادث على أن لها محدثاً.
وإن قال: فقصدي تعميم حدوث سائر الأجسام.
قيل له: فحينئذ لم يكن بك حاجة إلى ذكر حدوث الإنسان وحده من النطفة، بل كان هذا تطويلاً.
إذ كان ما به بثبت حدوث النطفة، به يثبت حدوث الإنسان ابتداء.
وحينئذ فيكون كلام الأشعري كلام من لا يعرف الاستدلال والنظر، كما قاله من اعترض عليه من المعتزلة، فإنه إذا كان لا بد في الاستدلال بالأجسام المخصوصة في آخر الأمر من دليل يتناول جميع الأجسام، كان ذكر هذا ابتداءً أولى من التطويل، لا سيما في مثل المختصر الذي يطلب فيه التقريب والتسهيل.
وأيضاً، فإن العلم بحدوث الحوادث المشهودة أظهر وأبين من العلم بحدوث جميع الأجسام، وذلك كاف في إثبات العلم بالصانع، فلماذا تجعل موقوفة على مقدمات لو كانت صحيحة، كان فيها من التطويل والغموض ما يوجب هذا كثيراً: إما عدم العلم، أو حصول ضده
(8/319)

من اعتقاد الباطل، فيكون ما جعل طريقاً إلى العلم والإيمان، موجباً لضده من الجهل والكفر.
والوجه الثاني: أن يقال: فحينئذ يكون الشك في حدوث الحيوان والنبات ونحو ذلك، مبيناً على كونها مركبة من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة، وإمكان قدم الجواهر المنفردة أو المادة.
ومعلوم أن هذا لو كان صحيحاً، لكان من الدقيق الذي يحتاج إلى بيان، وهم لم يبنوا ذلك.
ومن المعلوم أن هذا موضع اضطراب فيه أهل الكلام والفلسفة اضطراباً لا يتسع هذا الموضع لاستقصائه:
فقالت طائفة: إن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ، وهي الجواهر المنفردة، وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية.
وقالت طائفة: بل فيها أجزاء لا نهاية لها، وهوالمذكور عن النظام.
وعليه انبنى القول بطفرة النظام.
ولهذا يقال: ثلاثة لا يعلم لها حقيقة: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري.
وقالت طائفة: بل هي مركبة من المادة والصورة، وهي تقبل الانقسام إلى غير نهاية، لكن ليس فيها أجزاء لا نهاية لها.
(8/320)

وقالت طائفة: ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، بل تقبل التجزؤ إلى أجزاء لا تتجزأ.
وقالت طائفة: ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، ولا تتجزأ إلى غير غاية.
بل إذا صغرت الأجزاء انقلبت إلى أجسام أخر، مع كونها في نفسها يتميز منها جانب عن جانب.
فهؤلاء لا يقولون بقبول الانقسام إلى غير نهاية، ولا بوجود ما لا يقبل الانقسام، بل كل ما وجد يقبل الانقسام، لكنه يستحيل إلى جسم آخر، في حال تميز جانب منه عن جانب، فلا يوجد فيه انقسام إلى غير نهاية.
وقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير هذا الموضع.
وأذكياء المتأخرين: مثل أبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبد الله الرازي: كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد.
فإذا كان الأمر هكذا لم يمكن أحداً أن يطالب بدليل على حدوث الحيوان، باعتبار تركبه من الجواهر، أو المادة والصورة، حتى يثبت ذلك أولاً.
ومن المعلوم لكل عاقل أن علم الناس بحدوث ما يشهدون حدوثه من
(8/321)

الأجسام، ليس موقوفاً على العلم بأنها مركبة هذا التركيب، الذي كلت فيه أذهان هؤلاء الأذكياء.
الوجه الثالث: أن يقال: حدوث مايشهد حدوثه من الثمار والزروع والحيوان وغير ذلك أمر مشهود، فإن الإنسان إذا تأمل خشب الشجرة، وما يخرجه الله منها من الأنوار والثمار، وما يخرجه من الأرض من الزروع، وما يخرجه من الحيوان من النطفة والبيض - أيقن بحدوث هذه الأعيان.
فإذا قيل له: هذا لم يحدث، ولكن كانت أجزاؤه مفرقة فاجتمعت، وجعل لها صفة غير تلك الصفة.
قال: أما ما تغيرت صفاته، كتغير الأبيض إلى السواد، والساكن إلى الحركة، والحامض إلى الحلاوة، والمفرق إلى الاجتماع، وتغير الجسم من شكل إلى شكل، كتغير الشمعة والفضة ونحو ذلك من صورة إلى صورة - فهذا كله، وما يشبهه، يشهد فيه أن العين باقية، وإنما تغيرت صفاتها التي هي: الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والألوان والطعوم والأشكال.
بخلاف الثمرة التي تخرج من الشجرة، والجنين الذي يخرج من بطن أمه، والفروج الذي يخرج من البيضة، فإن
(8/322)

عاقلاً لا يقول: إن نفس الرطبة فها جرم الخشب باقياً، ولا أجزاء الجنين كعظمه وبصره فيه أجزاء النطفة باقية، ولا نفس الفروج فيه بياض البيض باقياً.
ومن قال: إن هذا باق في هذا، كما أن الجسم الذي اسود بعد بياضه، وحلا بعض حموضته، وصار مدوراً بعد أن كان مسطحاً باق - فهو لا يتصور ما يقول، أو هو معاند مسفسط.
فالأمر ينتهي إلى عدم التصور التام أو العناد المحض.
وهذا أصل كل ضلال، وهو الجهل أو العناد، والعناد وصف المغضوب عليهم، والجهل وصف الضالين.
والفرق بين استحالة العين وبين تبدل الصفات معلوم للعامة والخاصة.
وقد ذكر الفقهاء ذلك في غير موضع.
ثم كلامهم في النجاسة إذا استحالت، مثل أن تصير رماداً أو ملحاً ونحو ذلك.
ومثل كلامهم في باب الأيمان: فيما إذا حلف على فعل في جسم معين، فتغير ذلك الجسم المعين.
فإن كان التغيير لم يزل الاسم فاليمين باقية بلا نزاع بينهم، كما لو حلف لا يكلم هذا الرجل فمرض أو صار شيخاً، أو لا يأكل هذه الخبز فصار كسراً، ونحوذلك.
وإن كانت قد استحالت أجزاؤه تغير اسمه: مثل أن يحلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فروجاً، أولا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعاً.
(8/323)

قالوا: فهنا لا يحنث، لأنه زال اسمه، وزالت أجزاؤه.
وإن تغيرت الصفة مع زوال الاسم: كما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً، أولا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً - فإنه يحنث عند جمهورهم: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور من مذهبه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي.
وكذلك لو حلف لا أكلت من هذا الرطب فصار تمراً.
وتنازعوا فيما إذا أكل مما يصنع من الرطب والعنب من الدبس والخل، فمنهم من قال: يحنث، وهو مذهب مالك، وهو المشهور من مذهب أحمد.
ومنهم من قال: لا يحنث، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وطائفة من أصحاب أحمد قالوا: لأن اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث، كما في مسألة البيضة والفروج.
فقال لهم الأولون: عين المحلوف عليه باقية، فصار كمسألة الحمل، بخلاف البيضة إذا صارت فرخاً، فإن أجزاءها استحالت فصارت عيناً أخرى، ولم يبق عينها.
مع أن في هذه المسائل كلاماً ليس هذا موضعه، إذ كان منهم من يرى اليمين باقية مع استحالة العين لأجل التغيير، ومنهم من يرى أنه بمجرد زوال الاسم تزول اليمين.
(8/324)

ولكن المقصود هنا أنه من المستقر في عقول الناس الفرق بين استحالة الأعيان وانقلابها، وبين تغير صفاتها مع بقاء عينها وذاتها.
ولهذا اتفقوا كلهم على أن العين الخبيثة لا تطهر بمجرد تغير الصفة، فالدم والميتة ولحم الخنزير والخمر: إذا تغيرت صفاته، مثل أن يجمد الدم والخمر، أو يسيل شحم الميتة والخنزير ونحو ذلك، فإنه لا يزول التحريم باتفاقهم.
وأما إذا استحالت العين: مثل أن يصير ذلك ملحاً أو رماداً أو نحو ذلك، ففيه نزاع مشهور.
والجمهور على أنه يطهر بالاستحالة، كما هو مذهب أكثر أهل الرأي وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، واتفقوا على أن الخمر المنقلبة بفعل الله تعالى خلاً أنها تطهر.
وأما الطريق الثاني: وهو بيان أن ما ذكره ليس بدليل صحيح على حدوث الأجسام - فإن المعترض يقول: قوله: (إن القديم إذا حصل على صفة من صفات لم يجز خروجه عنها) كلام مجمل، قد يراد به أنه إذا حصل على صفة لازمة لذاته لم يجز خروجه عنها.
وقد يريد له إذا حصل على حال عارضة له، سواء كان نوعها لازماً له أولم يكن لازماً لذاته، مثل الفعل والعمل، سواء سمي حركة أو لم يسم: كالإتيان
(8/325)

والمجيء والنزول والمناداة والمناجاة، وأمثال ذلك مما تنازع فيه الناس: هل يقوم بالقديم أم لا؟.
فجمهور أهل السنة والحديث المتبعون للسلف، والأئمة من السلف والخلف، مع كثير من طوائف الكلام، وأكثر الفلاسفة: يجوزون أن يقوم بالقديم ما يتعلق بمشئته وقدرته من الأفعال وغير الأفعال، فيقول هؤلاء: قول القائل: أن القديم الحاصل على صفة، لا يجوز خروجه عنها، إن إراد به مواقع الإجماع: مثل صفات الكمال اللازمة لذات الله، أو نوع الصفات الازم لذات الله تعالى، فهذا لا نزاع فيه.
وإن أراد به أعيان الحوادث، فما الدليل على أن القديم إذا قام به حال من غير هذه الأحوال المعينة، لم يجز خروجه عنها؟
وأما استدلال المستدل بقوله: لا يخلو أن يكون على ما هو عليه في أزله لنفسه، أو لعلة، إلى آخر الكلام.
فيقال لك: ذلك الأمر الذي قام هو به، هو معنى من المعاني؟ فإن جعلت الموجب لذلك المعنى أمراً آخر - على قول مثبتي الأحوال القائلين: بأن كونه عالما ومتحركا معنى أوجبه العلم والحركة - خوطبت على هذا الاصطلاح وقيل لك: قام به ذلك لمعنى.
قوله: وإذا كان لمعنى استحال أن يزول إلا عند عدم ذلك المعنى، والقديم يستحيل عدمه.
يقال له: قول القائل: القديم يستحيل عدمه، لفظ مجمل.
أتريد
(8/326)

به: أن العين القديمة أو صفتها اللازمة لها يستحيل عدمه، أو النوع الذي لا يزال يستحيل عدمه؟ فإن أراد شيئاً من هذه المعاني، لم يكن له فيه حجة.
وإن أراد أن النوع القديم يستحيل عدم فرد من أفراده المتعاقبة، فهذا محل نزاع، ولا دليل على امتناع عدمه، ولم يعدم القديم هنا، بل النوع القديم لم يزل، ولكن عدم فرد من أفراده بمعاقبة فرد آخر له، كالأفعال المتعاقبة شيئاً بعد شيء.
فإذا كان القائم بالقديم نوع لم يزل مع تعاقب أفراده، لم يكن قد عدم النوع، بل كان الكلام في كونه أزلياً كالكلام في كونه أبدياً، وكما أنه لا يزال، فلا يعدم النوع، وإن عدم ما يعدم من أعيانه، فكذلك القول في كونه لم يزل.
وأيضاً فيقال له: القديم إذا فعل بعد إن لم يكن فاعلاً، فكونه فعل أمر موجود أو معدوم؟.
فإن قال: إنه معدوم.
فهذا مكابرة للحس والعقل، فإن الفعل إذا كان أمراً عدمياً، فلا فرق بين حال أن يفعل وحال ألا يفعل، لأن العدم المحض لا يكون فعلاً.
وإذا لم يكن فرق بين الحالين، وهو في حال ألا يفعل لا فعل، فيجب في الحال التي زعم أنه فعل ألا يكون له فعل لتساوي الحالين، فيجب ألا يفعل مع كونه فعل، وهذا جمع بين النقيضين.
(8/327)

وإن قال: كونه فعل أمر موجود، فالقديم قبل أن يفعل كان على صفة، فإما أن يتجدد ما يوجب خروجه عن تلك الصفة أو لا يتجدد، فإن لم يتجدد وجب ألا يفعل، وإن تجدد شيء انتقض قوله: إنه إذا كان على صفة من الصفات لم يجز خروجه عنها.
فإن قيل: إنما أعني بالصفة المعنى القائم بذاته، وذاك لم يزل.
قيل: هب أنك عنيت هذا، لكن دليلك يتناول هذا وغيره، ويوجب أن الأمر القديم الأزلي لا يجوز تحوله من حال إلى حال بوجه من الوجوه، لأن ما كان قديماً كان لمعنى، والقديم لا يزول.
فالأمر المتجدد المتحول الحادث، سواء سميته صفة أو حالاً أو حادثاً أو فعلاً، وسواء كان قائماً به أو بغيره، بموجب دليلك أنه لا يجوز بغير الأمور القديمة الأزلية.
فإن كان هذا حقاً وجب ألا يحدث شيء من الحوادث، فإن جوز أن تحدث عن قديم من غير حدوث أمر وجودي يكون شرطاً في وجودها، فقد جوز تغير الأمور الأزلية بلا سبب.
وإن قال: لا بد من تجدد أمر به يحصل حدوثها، وإذا تجدد أمر فقد حصل تغير لم يكن في الأزل، فانتقضت حجته.
وإيضاح هذا أن يذكر نظير حجته.
فيقال له: القديم الذي لم يزل غير فاعل لا يجوز كونه فاعلاً، فإنه إذا كان غير فاعل، فإما أن يكون ذلك لنفسه أو لعلة، إلى آخر الكلام.
(8/328)

وإن قال: فعله بعد أن لم يكن فاعلاً، ليس إلا مجرد وجود المفعولات، والفعل حدوث نسبة وإضافة بينهما، وهي عدمية.
فيقال له: فالمتجدد القائم به يقال فيه كذلك، ليس هو إلا مجرد وجود ذلك المتجدد، وهو حدوث نسبة وإضافة عدمية، والفعل حدوث نسبة وإضافة نسبة وإضافة بيهما وهي عدمية.
فإن قال: هذا يلزم منه قيام المتجددات والحوادث به، وهذا لا يجوز.
قيل له: هذه مصادرة على المطلوب، فإنك أنت لم تقم دليلاً على أن القديم لا تقوم المتجددات والحوادث به، بل ما ذكرته هو الدليل على ذلك.
فإن كان استدلالك على هذا لا يتم إلا بأن تجعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه، لم يكن لك عليه دليل إلا مجرد الدعوى، وصار هذا بمنزلة أن يقول القائل: القديم لا تقوم به الأحوال المتجددة، لأن القديم لا تقوم به الأحوال المتجددة.
وإذا كان العلم بالصانع موقوفاً على هذا الدليل، لم يكن هناك علم بالصانع، بل صار حقيقة الكلام: الدليل على ثبوت الصانع حدوث النطفة وغيرها من الأجسام، والدليل على حدوث ذلك أنه تقوم به المتجددات والحوادث، وما قام به المتجددات والحوادث كان حادثاً، لأن ما قام به المتجددات والحوادث كان جادثاً.
فيكون منتهى الكلام: مجرد الدعوى التي نوزع فيها والاستدلال عليها
(8/329)

بنفسها، مع ترك الدليل الواضح البين، الذي يشهد به الحس ويعلمه الخلق، ولا ينازع فيه عاقل - وهو حدوث المحدثات التي يشهد حدوثها، ثم افتقار المحدثات إلى فاعل ليس بمحدث بل قديم - من الأمور المعلولة بالضرورة لعامة العقلاء، لا ينازع فيه إلا من هو من شر الناس سفسطة.
فهذا وأمثاله مما يقوله جمهور الأنام، في مثل هذا المقام، ويقولون: إنا نعلم بالاضطرار: أن ما ذكره الله تعالى في القرآن ليس فيه إثبات الصانع بهذه الطريق، بل ما في القرآن من الإخبار عن الله بما أخبر عنه من أفعاله وأحواله يناقض هذه الطريق.
ويقولون: إن العقل الصريح مطابق لما في القرآن، فإن حدوث المحدثات مشاهد معلوم بالحس والعقل، وكون المحدث لا بد لهم من محدث أمر يعلم بصريح العقل، وأيضاً فحدوث الحادث بدون سبب حادث ممتنع في العقل.

عود لكلام الباقلاني في شرح اللمع
قال القاضي أبو بكر: (وأما قول أبي الحسن: إن الانقلاب والتغير والاعتمال والتأثير من سمات الدحث، وما لم يسبق المحدثات كان محدثاً مثلها - ففيه وجهان من الكلام:
أحدهما: أن نقول: إن التغييرات من سمات الحدوث بدلالة أن التغير هو خروج الشيء من صفة إلى صفة - فلا يخلو إما أن يكون
(8/330)

خروجاً من صفة قدم إلى صفة قدم، أو من صفة حدث إلى صفة حدث، أو من صفة قدم إلى صفة حدث، أو من صفة حدث إلى صفة قدم.
والأول باطل لوجهين:
أحدهما: أن المنتقل انتقل إلى أمر مستأنف لم يكن عليه، وذلك لا يكون قديماً.
الثاني: أن ذلك يقتضي عدم القديم كما تقدم، والقديم لا يجوز عدمه) .
قال: (ويستحيل أن يكون التغيير خروجاً من حال حدث، لأن ذلك لا يثبت إلا بأحد وجهين:
إما بحدوث تغيير القديم، أو ببطلان معنى منه قد ثبت قدمه، ووجوب حدوث ما اكتسبه وصفاً بعد أن لم يكن مستحقاً له.
وما قبل الحوادث لم يخل منها أو من أضدادها، وما لم يوجد قبل أول الحوادث ولم يعر منها كان محدثاً مثلها) .
قال: (ولا خلاف بيننا وبينهم - يعني المعتزلة - في هذا القسم لنطنب فيه) .
(8/331)

وقال: (وأما الوجه الآخر: فهو أن نقول: إنما أراد بقوله: إنها من سمات الحدث ودلائلة - إنها إذا ثبت حدوثها وأن الجسم لم يخل منها ولم يوجد قبل أولها: وجب له من الحدث ما وجب لها، إذ لا يخلو أن يكون وجد مع وجودها أو بعد وجودها، إذ قد فسد أن يكون موجوداً قبلها.
فإن كان وجد مع وجودها، وجب له من الحدث ما وجب لها، وإن كان وجد بعد وجودها، كان أولى بالحدوث، لأن ما وجد بعد المحدث كان أولى أن يكون محدثاً) .
قال القاضي أبو بكر: (واعلم أن هذا الدليل على حدوث النطفة وغيرها من الأجسام، إذا علق على هذه النكتة، وسلك فيها هذا الضرب من الاستدلال - فلا بد فيه من مقدمات أربع:
أولها: الدلالة على إثبات الأعراض.
والثانية: الدلالة على حدوثها وأن لها أولاً تنتهي إليه.
والثالثة: أن الجسم لا يخلو منها ولا يوجد قبل أولها.
والرابعة: أن ما لم يسبق المحدثات فواجب أن يكون محدثاً مثلهاً) .
ثم تكلم على إثبات هذه المقدمات بالكلام المعروف فهم في ذلك.
ولما قيل له: لم قلتم: إن الجسم لا ينفك من هذه الحوادث، ولا يوجد قبل أولها؟.
(8/332)

قال: (لأدلة منها: أنا نعلم بالاضطرار وببدائه العقول ومقدماتها: أن الأجسام إذا كانت موجودة فلا تخلو من الاجتماع والافتراق، وذلك لأنها لا تعدو إذا كانت موجودات من أن تكون متماسة متلاصة، كل شيء منها إلى جنب صاحبه، أوتكون متباينة متباعدة، كل شيء منها لا إلى جنب صاحبه، وليس بين هذين منزلة.
فإن كانت متماسة، فذلك معنى الاجتماع، وإن كانت متباينة، فذلك هو معنى الافتراق) .
قال: (ومما يبين ذلك أيضاً: أنا لوجاز لنا وجود جسم خالياً من الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والحياة والموت، والسواد والبياض غيرهما من الألوان ومن سائر الهيئات، لم يجد إلى ذلك سبيلاً، ولكان ذلك ممتنعاً، لأنا وجدنا هذه الأعراض متعاقبة عن الأجسام.
وتفسير التعاقب: أن الشيء منها يوجد بعقب غيره) .

تعليق ابن تيمية
قلت: أما الاجتماع والافتراق: فإذا قدر وجود جسمين فلا بد من يجتمعا أو يفترقا.
وأما الجسم الواحد الذي ليس معه غيره، فلا يوصف بمجامعة غيره ولا مفارقته.
وإنما يصفه بالاجتماع والافتراق من يقول: بأنه مركب من الأجزاء المفردة.
فيقول: تلك الأجزاء إما مجتمعة وإما مفترقة، وهذا ليس معلوماً بالبديهة ولا الحس، ولا يسلمه جمهور الناس.
(8/333)

وأما الحياة والموت: فقد ينازعه من ينازعه من النظار في ذلك.
فإن نظار المسلمين وغيرهم متنازعون في الموت: هل هو وجودي أو عدمي؟.
ثم من قال: إنه عدمي، يقول كثير منهم: إن هذين متقابلان، تقابل العدم والملكة.
وما لا يقبل الحياة والموت، كالجماد، لا يوصف بواحد منهما.
لكن القاضي وجمهور الناس، يردون على هؤلاء: بأنه هذا اصطلاح منكم لا يلزمنا.
ويقولون: إنا نفسر الموت بما يكون النزاع معه لفظياً.
ويقول القاضي وأكثر الناس: إن كل جسم فإنه يقبل الحياة.
لكن الذي يقال له: الجسم، لا يخلو من أن يكون حياً أو ميتاً، كما لا يخلو من أن يكون متحركاً أو ساكناً، واتصافه بالحياة لايستلزم إمكان اتصافه بالموت.
فإن القديم سبحانه موصوف بالحياة والعلم والقدرة، ولا يمكن اتصافه بضد ذلك.
وحينئذ: فلا يمكن أن يقال: إن كل جسم يقبل الحياة والموت إلا بدليل يدل على ذلك.
والحياة لايجب أن تكون حادثة لا نوعاً ولا شخصاً، كما قد يقال مثل ذلك في الحركة.

تابع كلام الباقلاني وتعليق ابن تيمة عليه
ثم قال القاضي أبو بكر: (فإن قال قائل: فما الدليل على أن لم يسبق المحدثات محدث، وأنه واجب لا محالة القضاء على حدوث الجسم، متى لم يوجد قبل أول الحوادث، ولم زعمتم ذلك؟.
(8/334)

قيل له: الدليل على هذا قريب واضح: وذلك أنه لا حال للجسم مع الحوادث إلا بثلاثة أحوال: إما أن يكون موجوداً قبل أولها، أو يكون موجوداً مع وجودها، أو يكون موجوداً بعدها.
فإذا بطل أن يكون الجسم عارياً عن الحوادث ومنفكاً من سائرها - وجب أنه ليس له معها إلا حالان: إما أن يكون موجوداً مع وجودها، أو بعدها.
فإن كان موجوداً مع وجودها، ولوجودها أول: فواجب أن يكون حكمه في الوجود عن أول، وحصوله عن عدم حكمها، وذلك يوجب من حيث شركها في علة الحدوث متى لم يكن سابقاً لها.
وإن كان موجوداً بعدها: كان أولى بالحدوث منها لوجوده بعدها) .
فهذا منتهى كلام القاضي وأبي الحسن في إثبات الصانع، وكلام أبي الحسن أجود، فإنه بناه على التغير المحسوس في النطفة، لم يحتج من ذلك إلى إثبات جنس الأعراض لكل جسم.
وقول القاضي: إن الدليل على حدوث النطفة وغيرها من الأجسام إذا علق على هذه النكتة، فلا بد فيه من إثبات الأعراض أولاً، وعلى حدوثها ثانياً - فليس كما قال.
بل الأشعري عدل عن هذه الطريق
(8/335)

قصداً، كما ذكره في رسالة الثغر، وذم هذه الطريق وعابها.
وذلك أن ما ذكره من تحول النطفة وانقلابها أمر مشهود محسوس، لا ينازع فيه عاقل سليم، سواء سمي ذلك تحول عرضاً أولم يسم، وسواء قيل: إن ذلك العرض مغاير للجسم، أوقيل ليس بمغاير له، وتحولها مشهود حدوثه لا يحتاج من ذلك إبطال كمون الأعراض ولا انتقالها.
لكن منتهى الدليل إلى مقدمة واحدة: وهو أن ما قامت به الحوادث فهو حادث، بناءً على أن ما قامت به لم ينفك عنها، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث.
وهذه المقدمات فيها نزاع مشهور.
وجمهور الناس من المسلمين واليهود النصاري والمجوس والصابئين والمشركين يخالفون في ذلك، حتى جمهور الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون القائلون بقدم العالم وحدوثه يخالفون في ذلك.
والجمهور القائلون بأن الله خلق السماوات والأرض بعد أن لم تكونا مخلوقتين، لا يتوقف إثبات ذلك عندهم على هذه المقدمة، بل ويقولون: إن إثبات خلقهما لا يثبت إلا مع نقيض هذه المقدمة.
بل وكذلك القول بأن الله خالق كل شيء، وأنه هو القديم وحده وما سواه محدث مسبوق بالعدم، كما هو مذهب أهل الملل.
وجمهور العقلاء يقول أئمتهم: إنها لا تحتاج إلى هذه المقدمة، بل لا تثبت إلا مع نقيض هذه المقدمة، ومع القول بإبطالها.
ويقولون: إن
(8/336)

موجب هذه المقدمة أن كل موجود محدث، وأنه ليس في الوجود قديم، مع أن هذا معلوم الفساد بالضرورة.
وأما الكلام في أن ما قبل الحوادث لم يخل منها، ففيها نزاع مشهور بين أهل الكلام.
وذلك قوله: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، فيها من منازعة أهل الحديث والكلام والفلسفة ما هو معروف.
وقد يسلم هذه من ينازع في الأولى من الكرامية ونحوهم، وقد ينازع في هذه من لا ينازع في الأولى من أهل الحديث والفلسفة والكلام وغيرهم.
وهذه المقدمة هي التي جعلها الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم عليها من الأشعرية والكرامبة وأتباع الأئمة الأربعة - أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - أصل الدين.
ثم إن قدماءهم كانوا يأخذونها مسلمة، ويظنونها ضرورية، ولا يميزون بين ما لا يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة التي لها مبدأ، وما لا يسبق جنس الحوادث.
فإن ما لا يسبق الحادث المعين أو الحوادث المحددة التي لها مبدأ، فهو محدث بالضرورة، ولا ينازع في هذا عاقل.
فإن ما كان عينه حادثاً فما لم يكن قبله فإنه محدث مثله بالضرورة، كما قرره.
لأنه إما بعده.
وما كان مع الحادث أو بعده فهو
(8/337)

حادث بالضرورة.
وأما ما لا يسبق جنس الحوادث، وهو ما قدر أنه لم يزل يقارنها حادث بعد حادث وهلم جراً، كما أنه يقارنه حادث بعد حادث، وفان بعد فان في الأبد، فيقدر ليس متقدماً على جنس الحوادث، ولا متأخراً عن جنس الحوادث والفانيات، فهذا محل نزاع: نازعهم فيه جمهور الناس من أهل الملل، والفلاسفة القائلين بحدوث العالم وبقدمه.
وقد رأيت في كتب كثير من المتكلمين: من المعتزلة والأشعرية وغيرهم، أنهم أخذوا هذه المقدمة مسلمة، وجعلوها ضرورية.
واشتبه عليهم ما لم يسبق عين الحادث بما لم يسبق نوع الحادث.
والأول ظاهر معلوم لكل احد.
وأما الثاني فليس كذلك.
فصاروا ينتهون في أصل أصول دينهم الذي زعموا أنه ثابت بصريح المعقول، وأنهم به عرفوا وجود الخالق وصدق رسله، وأنه به يردون على من خالف الملة، وبه خالفوا ما خالفوه من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة وأهل الحديث، إلى هذه المقدمة.
وهي لفظ مجمل فيه عموم، وإطلاق أحد نوعيه بين.
(8/338)

فإذا ذكروا ذلك النوع البين، ظنوا أن المقدمة صارت معلومة ضرورية، والمطلوب لا يتم إلا ببيان النوع الآخر، وهم لم يبينوه.
وهذا مما يبين للفاضل المعتبر كيف تدخل الشبهات والبدع على كثير من الناس، وإن كانوا من أعقل الناس وأذكاهم وأفضلهم، وإن كانوا لم يعتمدوا التلبيس لا على أنفسهم، ولا على من يعلمونه ويخاطبونه، لكن اشتبه الأمر عليهم، فوقعوا في شبهات ظنوها بينات.
وهذا مما يعتبر به المسلم فلا يعدل عن كلام الله وكلام رسوله المعصوم، الذي عرف أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى كلام من يروج عليهم مثل هذه الشبهات، ويغرقون في مثل هذه المجملات، ولا يتبين لهم ما فيها من فصل الخطاب، والتقسيم المميز للصحيح من السقيم.
ويعرف بهذا حذق السلف والأئمة، الذين ذموا مثل هذا الكلام، وجعلوه من الجهل الذي يستحق أهله العقوبة والانتقام.
لكن هؤلاء ذكروا في موضع آخر الكلام مع من يدعي وجود ما لا يتناهى، وبحثوا معه، وإن كانوا لم يجعلوا ذلك من المقدمات التي لا بد منها في هذه المسألة.
وقد ذكر القاضي أبو بكر بعد هذا فقال: (فصل: فإن قال قائل من أهل الدهر، الذاهبين إلى أنه: لا حركة إلا وقبلها
(8/339)

حركة، ولا حادث إلا وقبله حادث، لا إلى غاية: فما أنكرتم من ألا تدل الحوادث على حدوث الجسم أصلاً، إذ كان لا أول لوجودها، ولا شيء منها إلا وقبله شيء لا إلى غاية؟.
يقال له: أنكرنا ذلك لأمور: أقربها أن هذا الذي قلته محال متناقض، وذلك أنه لا يخلو ما ما مضى من الحوادث وانقضى، أن يكون محدثاً موجوداً عن أول، وأن يكون الفعل والفراغ قد أتيا عليه، أو أن يكون منها ما هو غير وجود عن أول، ولا كائن عن حدوث.
فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحاً مبتدأ قد أتى عليه الفراغ - استحال قولكم: إنها لم تزل موجودات شيئاً قبل شيء، لأن ما لم يزل موجوداً فقديم غير مستفتح.
وقولنا: إنها حوادث وجب لها الاستفتاح والوجود عن أول، والجمع بين ذلك متناقض - محال.
وإن كان فيما أوقعنا عليه هذه التسمية، وهو قولنا: حوادث، ما هو موجود لا عن أول، وكائن عن عدم، فالموجود لا بحدوث، والكائن لا عن عدم واجب أن يكون قديماً لا محالة، كما أن الفلك عندكم وعناصر الأشياء - التي هي: الماء، والأرض، والنار، والهواء - قديمة عندكم، إذ كانت موجودة لا عن عدم، وكانت لا بحدوث، فواجب أن يكون الفلك قديماً لا أول لوجوده.
(8/340)

ولو أمكن أن يكون فيما أوقعنا عليه قولنا: حوادث، ما هو كائن لا بحدوث، موجود لا عن عدم، وهو مع ذلك محدث في الحقيقة - لوجب أن يكون الفلك أيضاً وهذه الأعراض موجودةً لا بحدوث، كائناً لا عن عدم، وهو مع ذلك محدث غير قديم.
وكذلك القول في سائر أجسام العالم المركبة من هذه الأصول.
ولو جاز ذلك جاز في جميع أجسام العالم.
فإن لم يجز هذا، ووجب قدم الفلك الكائن لا عن عدم، الموجود بغير حدوث - وجب قدم ما كان من الحوادث لا عن عدم، وما هو موجود فيها بغير حدوث.
وهذا يوجب أن من الحوادث ما هو قديم، وذلك غاية التناقض والجهل لمن بلغه، لأن هذين الوصفين متناقضان.
وإذا كان كذلك استحال ما قلتموه من أن الحوادث لم تزل شيئاً قبل شيء لا إلى أول.
قال: (وتحرير ذلك أن هذا قول يوجب أن منها ما هو قديم لا محالة.
والقديم لا يكون محدثاً، ولا مجموعاً من الحوادث، لأن قولنا محدث جمع مبني من لفظ واحد، ومن المحال أن يكون من جملة الحوادث.
فوجب أن للحوادث كلاً وجميعاً، وأن ما انقضى منها ومضى قد لقي الفراغ على جميعه، وأن لم يسبقه ولم يكن قبله، فواجب أن يكون محدثاً مثله) .
(8/341)

فدل ما ذكره أبو الحسن في حال النطفة، وما يلحقها من التغييرات والانقلاب والتأثيرات على أنها محدثة، وهي وسائر الأجسام، إذ سائر الأجسام هي كالنطفة فيما استدل به على حدوثها، من الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغيير) .
قال: (وهذا الطريق من الكلام في حدوث الأجسام هو المعتمد في هذا الباب) .

تعليق ابن تيمية
قلت: هذا القاضي هو المقدم على أبناء جنسه.
وهذا منتهى كلامه في هذا الموضع، الذي هو عندهم أصل الدين، الذي جعلوه أصلاً لرد ما خالفه من النصوص النبوية، ولما خالفه من مذاهب الدهرية.
والمنازعون من أئمة السنة وأئمة الفلسفة يقولون لهم: ما ذكرتموه ليس فيه إلا مجرد الدعوى المبنية على عدم تصور النزاع، فإن قولكم: لا يخلو ما مضى من الحوادث أن يكون موجوداً عن أول، أو يكون فيها ما هو غير موجود عن أول - جوابه: أن ما مضى من الحوادث يراد به كل فرد بعينه، ويراد به النوع المتعاقب شيئاً بعد شيء.
فإن كان المراد كل واحد واحد من الحوادث، فليس فيها شيء قديم، بل كل منها كائن بعد أن لم يكن.
(8/342)

وإن كان مرادك النوع المتعاقب شيئاً بعد شيء، فليس له أول، وليس هو حادثاً، بل النوع قديم من أن كل فرد من أفراده حادث.
وأنت لم تذكر دليلاً على امتناع هذه البتة، وإنما ذكرت أنه ليس فيها شيء قديم، وهذا مسلم لا نزاع فيه.
وقلت: فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحاً مبتدأ، قد أتى الفراغ عليه استحال قولكم: إنها لم تزل موجودة شيئاً قبل شيء، لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح.
فيقال لك: كل واحد منها مستفتح مبتدأ.
ولكن لم قلت: إنه إذا كان كذلك استحال قول القائل: إنها لم تزل موجودة شيئاً قبل شيء، لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح؟.
فإن هذا القائل يقول: إن الذي لم يزل، إنما هو الجنس المتعاقب شيئاً بعد شيء، وأما كل واحد واحد من تلك الحوادث فلا يقول عاقل: إنه لم يزل.
فقول القائل: فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحاً مبتدأ قد أتى الفراغ عليه، استحال قولكم: إنها لم تزل موجودة شيئاً قبل شيء.
يقال له: هم لا يقولون: إن جنس الماضي مستفتح مبتدأ.
فإن ما لم يزل موجوداً شيئاً قبل شيء لا يكون إلا قديماً لم يزل، ولكن يقولون: إن كل واحد من تلك الحوادث مستفتح مبتدأ، وهذا لا يقولون فيه: إنه لم يزل موجوداً.
فالذي يقولون: إنه لم يزل، ليس هو الذي يقولون: إنه مستفتح
(8/343)

مبتدأ.
وهذا كما يقولون في المستقبلات الفانية المنقضية المتصرمة كالحركات: إن كل واحد منها فان منقض، والجنس ليس بفان منصرم بل هو دائم.
كما قال تعالى: {أكلها دائم} ، وقال: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} .
فالجنس دائم لا نفاذ له، وكل واحد واحد من أفراد الرزق المأكول ينفذ لا يدوم.
ولما تفطن كثير من أهل الكلام، لما في هذه المقدمة من الإجمال والإبهام، وأنها لا بد من بيان هذه المقدمة في هذا الموضع، ميزوا بين النوعين، كما فعل ذلك أبو الحسين البصري وأبو المعالي الجويني، والشهرستاني، والرازي وغيرهم.
فعرفوا أن المراد أنه ما لم يسبق جنس الحوادث لا عين الحوادث، وأن ذلك لا يتم إلا ببيان أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء، وأنه يمتنع وجود حوادث لا يتناهى نوعها.
فإخذوا يحتجون على ذلك بما ذكرناه، وذكرنا اعتراض الناس عليه في غير هذا الموضع.
ولهذا جعل أبو الحسين وأبو المعالي ونحوهما هذا الدليل مبنياً على أربع مقدمات: إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها، وإثبات استلزام الجسم لها، واستحالة حوادث لا أول لها.
وجعلوا النتيجة: أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، فإن ذلك حينئذ يكون معلوماً بالضرورة، بخلاف ما فعله كثير من أهل الكلام من
(8/344)

الجهمية والمعتزلة والأشعرية والشيعة وغيرهم، حيث جعلوا المقدمات أربعاً: إثبات الأعراض، وإثبات حدوثها، وأثبات استلزام الجسم لها، والرابعة: أن ما لم يسبق الحوادث فهو محدث، وهذه هي النتيجة، وتصلح أن تكون مقدمة إذا تبين أن ما لم يسبق جنس الحوادث فهو محدث، لكن هم لم يثبتوا ذلك هنا، واللفظ مجمل كما ترى.
لكن قد بين هؤلاء، كـ القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وغيرهما الكلام على هذا الأصل.
وهو امتناع وجود ما لا يتناهى في موضع آخر، فجعلوا الكلام في إبطال ما لا يتناهى من الحوادث، والأجزاء التي هي الجواهر المفردة، ونحو ذلك جنساً.
ومنهم من يجعل ذلك دليلاً ثابتاً في المسألة، كما فعله ابن عقيل والقشيري وغيرهما.
وقد ذكرنا: أن الناس لهم في وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل ثلاثة أقوال، قال بكل قول طائفة من نظار المسلمين وغيرهم.
أحدها: امتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل.
وهذا قول أبي الهذيل والجهم بن صفوان.
وعن هذا الأصل قال الجهم بفناء الجنة والنار، واشتد إنكار سلف الأمة عليه ذلك.
وليس هذا قول من يقول بأنهما ليستا مخلوقتين، ولو كانتا مخلوقتين لفنيتا.
كما قال ذلك طائفة من الجهمية والمعتزلة، فإن هؤلاء يقولون: إن
(8/345)

العالم كله لا بد أن يفنى جميعه ثم يعاد، فلو كانت الجنة مخلوقة لفنيت فيما يفنى، ثم تعاد فلا تفنى، والجهم يقول: تفنى فناءً لا تعاد بعده، وأبو الهذيل يقول: تفنى حركات أهل الجنة والنار.
والقول الثاني: قول من يقول بامتناع ما لا يتناهى في الماضي دون المستقبل، لأن الماضي قد وجد، والمستقبل لم يوجد بعد.
وهو قول أكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم.
والثالث: قول من يقول بإمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل كما هو قول أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة.
لكن أئمة أهل الملل وغيرهم ممن يقر بأن الله خالق كل شيء، وأن كل ما سواه محدث مسبوق بعدم - يقولون: لا يجوز وجود حوادث لا تتناهى إلا من قديم واحد.
وأما من يقول بوجود قديمين متحركين، كمن يقول بقدم الأفلاك، فإن هؤلاء - كأرسطو وأتباعه - لا يجوزون أن يوجد بكل من القديمين - بل والقدماء - حوادث لا بداية لها ولا نهاية، مع أن إحداهما أكثر من الأخرى، فيجوزون فيما لا أول له ولا آخر أن يكون غيره أكثر منه، وأن يكون قابلاً للزيادة، بخلاف الذين قبلهم، فإنهم إنما يجوزون ذلك في قديم واحد، فإذا كان ما يفعله لا بداية له ولا نهاية، لم يلزم أن يكون قابلاً للزيادة.
(8/346)

وعلى هذا فللناس في أن ما لا يسبق جنس الحوادث هل هو حادث؟ أقوال:
أحدها: أنه يجب أن يكون حادثاً مطلقاً.
والثاني: لا يجب أن يكون حادثاً.
والثالث: أنه كان محتاجاً إلى غيره وجب أن يكون حادثاً، وإن كان غنياً عن غيره لم يجب أن يكون حادثاً.
وأيضاً فإن ما لم يسبق حوادث نفسه لم يجب أن يكون حادثاً، وإن لم يسبق حوادث غيره كان حادثاً.
وقد قرر هذا في موضع آخر.
ومن فهم ما ذكرناه، ونظر فيما صنفه الناس في هذا الباب من الاستدلال على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث - تبين له تقصير كثير منهم في استيفاء مقدمات الدليل.
ثم الذين استوفوا مقدماته يبقى الكلام معهم في صحة تلك المقدمة، وقد عرف منازعه أكثر أهل الملل، وأكثر الفلاسفة، أو كثير من الطائفتين فيها وإبطالهم لها.
ولما كان هؤلاء وأمثالهم يدعون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالمعقول، ويفسرون المعقول بمثل هذا الدليل الذي هو باطل، وغايته إذا قيل: إنه صحيح أنه لا يصل به إلى المطلوب إلى قليل من الناس بعد كلفة شديدة، ومخاطرة عظيمة، ويريدون أن يردوا بمثل هذا ما دل عليه الكتاب
(8/347)

والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، بل ما علم بفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، ودلت عليه العقليات الصريحة، قابلهم من قال: إن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع.
وهؤلاء في الغالب لا يريدون بذلك المعرفة الحاصلة لعموم الخلق من الكفار وغيرهم، فإن هذه عندهم فطرية ضرورية، أو مكتسبة بنوع من نظر العقل.
وقد تقدم كلام الناس في أن أصل الإقرار بالصانع فطري ضروري، أو قد يكون ضرورياً، خلافاً لمن قال: إنه لا يحصل إلا بالنظر.
وكلام السلف والأئمة في ذلك كثير.
ولهذا كان كثير من أتباعه ممن يقول: إن أول الواجبات هو النظر، وأن المعرفة لا تحصل إلا به، قد يقول خلاف ذلك في موضع آخر.
وقد تقدم أن القاضي أبا يعلى وغيره كانوا يقولون بوجوب النظر في هذه الطريقة: طريقة الأعراض، ثم رجعوا عن ذلك.
ويقولون: إن المعرفة نظرية، وإنها حاصلة بالنظر في الأدلة المذكورة في القرآن.
وكثير من الناس كانوا يقولون أولاً بوجوب النظر المعين الذي توجبه الجهمية والمعتزلة، وهو النظر في حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، وأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأنه أول واجب على العباد، ثم رجعوا عن ذلك لما تبين له فساد القول بوجود ذلك.

كلام أبي يعلى في المعتمد عن وجوب النظر
ومن هؤلاء القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وأبو المعالي الجويني،
(8/348)

والغزالي، والرازي، وغيرهم.
فإن هؤلاء وأمثالهم سلكوا أولاً الطريقة التي وجدوها للمتكلمين الذي سلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة.
فقالوا - وهذا لفظ القاضي أبي يعلى في المعتمد -: (إذا ثبت صحة النظر ووجوبه، فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله تعالى) .
قال: (وقد قيل: إن أول الواجبات إرادة النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله تعالى) .
قلت: هذا قول أبي المعالي في إرشاده وذكر القاضي أبو بكر وغيره.
واختار القاضي أبو يعلى هذا في موضع آخر، فقال: (أول ما أنعم الله على المؤمنين - بعد الحياة - من النعم الدينية: خلق القدرة على الإرادة للنظر والاستدلال المؤديين إلى إثبات المعاني وحدوثها، وأن الجواهر لم تخل منها ولم تسبقها في الوجود الموصل له إلى معرفة الله تعالى) .
قال: (وقد قيل: أول نعمة دينية خلق القدرة على الإيمان) .
(8/349)

قال: (وجه الأول: أول طاعة واجبة لله على الخلق اكتساب الإرادة للنظر المؤدي إلى إثبات المعاني وحدوثها، وأن الجواهر لم تسبقها، وإذا كان ذلك أول الواجبات، وجب أن يكون أول النعم عليه من النعم الدينية) .
قال: (وأعظم نعمة الله على المؤمنين من النعم الدينية وأجلها: كتب الإيمان في قلوب المؤمنين) .
قال: (وقد قيل: أعظم النعم الدينية هي: خلق القدرة على الإيمان، والأول أشبه.
فإن أعظم الطاعات هو الإيمان، فإنه بوجوده والموافاة به يحصل الثواب الدائم في الآخرة، وإذا لم يوجد لا يحصل ذلك.
ثم قالوا: - وهذا لفظ القاضي أبي يعلى - خلافاً لمن قال: إن أول الواجبات المعرفة بالله، وخلافاً لمن قال: معرفة الله غير واجبة، وأن الواجب الإقرار به والتصديق له.
قال: (والدلالة على ما ذكرنا، أنه قد ثبت أن من لا يعرف الله لا يمكنه أن يتقرب إليه، كما أن من لا يعرف زيداً لا يمكنه أن يتقرب إليه.
لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً بالمتقرب إليه، وليس بمشاهد لنا، ولا معلوم لنا ضرورة، فوجب ألا نعلمه إلا بالنظر والاستدلال في الطريق الموصل إليه، فلما لم تتم المعرفة إلا به، وجب أن يكون واجباً، وإذا وجب علم أنه أول الواجبات) .
ثم قال: (فصل) : وإذا ثبت أن أول الواجبات، فإنما يجب النظر في الطريق الموصل إلى معرفة الله، وهو حدوث الأشياء من الجواهر
(8/350)

والأجسام، وإذا كانت محدثةً وجب أن يكون لها محدث، لأن المحدث لو لم يعلق بمحدث، لم تتعلق الكتابة بكاتب، والضرب بضارب، لأن ذلك كله يبعد، إذ استحالة محدث لا محدث له كاستحالة كتابة لا كاتب لها.
فلو جاز محدث لامحدث له، لجاز محدث لا إحداث له وذلك محال.
وأيضاً، فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها على بعض، ويتأخر بعضها عن بعض، فلولا أن مقدماً قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر،، لم يكن ما تقدم منها أولى من أن يكون متأخراً، وما تأخر منها أولى من أن يكون متقدماً، فدل ذلك على أن لها مقدماً محدثاً لها، قدم منها ما قدم، وأخر منها ما أخر) .
وكان القاضي قد سمع رسالة الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله على مسعود السجزي، عن علي بن سري السجستاني، عن الخطابي، وذكر أن بعض الناس اعترض عليها.
فإن الخطابي ذكر عن الغنية عن الاستدلال بحدوث الجواهر والأجسام، لكونها لا تنفك عن الحوادث كما تقدم.
وقال: (فأموا مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك) .
(8/351)

وهذه طريقة السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع، وحدوث العالم، لأنه إذا ثبتت نبوته بقيام المعجز (وجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله تعالى وصفاته وكلامه) .....
(وقد نبههم في كتابه على الاستدلال به على ربوبيته فقال: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ....) وقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} ، وقوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات} ، وما أشبه ذلك مما يدل على إثبات الصانع) إلى آخر كلامه.
(8/352)

قال القاضي: (وقد اعترض على هذا بعضهم فقال: هذه رجوع منهم ومناف لما ذكره، لأنه حث على الاعتبار بأنفسنا وبالسماوات والأرض، وليس ذلك بمعجزات الأنبياء، وإنما هي الأجسام والأعراض) .
قال: (وإنما احتج المتكلمون بالأعراض لأن الجسم لا ينفك منها، وهي محدثة في أنفسها، لعلمنا بأن العرض يعدم في حال ويوجد في حال أخرى.
وهذا شاهد على حدوثها، وعلى حدوث ما لا ينفك منها) .
قال: (ومعنى قوله: انقلابها فيها، انقلاب الجواهر في الأعراض، ومعناه تغيره من سواد إلى بياض، ومن حركة إلى سكون) .
قلت: قد يراد بانقلابها فيها انقلاب الأعراض في الجواهر، فإنها تنقلب من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، ومن نوع إلى نوع: كالبياض والسواد، والحركة والسكون.
وهذا المعترض على الخطابي أخطأ، فإن الخطابي ذكر طريقين كما ذكرنا:
(8/353)

أحدهما: المعجزات، بناء على أن الإقرار بالصانع فطري، أو على المعجزات يستدل بها على الخالق، وعلى صدق أنبيائه، كما ذكرنا في عصا موسى.
والطريق الثاني: أن القرآن نبه على الأدلة العقلية الصحيحة، كما اعترف أئمة النظار بأن القرآن دل على الطريق العقلية.
فقال: (وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعاً حكيماً، عالماً خبيراً، تام القدرة، بالغ الحكمة.
وقد نبههم الكتاب على ذلك، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ، إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة، الدالين على وجود الصانع الحكيم) .
ثم تكلم في خلق الإنسان بما تقدم ذكره.
قال: (وكقوله: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت}
(8/354)

وبقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} ، وما أشبه ذلك من خلال الأدلة، وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما يطول تتبعه واستقراؤه) .
قال: (فبهذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه) .
فقد بين الخطابي بعض ما نبه عليه القرآن من الاستدلال بالآيات النفسية والأفقية، وهي أدلة عقلية.
والخطابي ذم طريقة الاستدلال بالأعراض، وأنها لازمة للأجسام.
وهذه الطريقة لم ينبه القرآن عليها، ولكن بعض الناس ذكروا: أن هذه طريقة إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، في قوله: {لا أحب الأفلين} ، قالوا: لأن الأفول هو الحركة التي لم يخل الجسم منها.
وهذا باطل لوجوه:

بطلان استدلال الفلاسفة
أحدها: أن الأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب.
(8/355)

والثاني: أنه لو استدل بالحركة لكان من حين بزغت استدل بذلك، لم يؤخر الدلالة إلى حين الغروب.
الثالث: أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم أدل، فإنه لم يجعل الحركة منافية لما قصده، بل المنافي هو الأفول.
الرابع: أن إبراهيم لم يكن معنياً بقوله: {هذا ربي} ، أنه رب العالمين، عل أي وجه قاله، ولا اعتقد ذلك قومه ولا غيرهم، وإنما كان الذي يقول ذلك يتخذه رباً لينال بذلك أغراضه، كما كما عباد الكواكب والشمس والقمر يفعلون ذلك.
وكان قومه من هؤلاء، لم يكونوا جاحدين للصانع، بل مشركين به.
ولهذا قال لهم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} .
وقال في آخر قوله: {إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} ، وقد بسط هذا في موضع آخر.
(8/356)

والمقصود هنا: أن القاضي كان أولاً يقول بطريقة من يقول: إن أول الواجبات هو النظر في حدوث الأجسام، ثم رجع القاضي عن ذلك، ووافق الخطابي وغيره ممن سلك مسلك السلف والأئمة، وقالوا: إن هذه الطريقة ليست واجبة بل هي عند محققيهم باطلة، وإن كان النظر واجباً في غيرها من الطرق الصحيحة.
وقد افتتح القاضي كتابه بقوله: (الحمد لله مبتدىء الأشياء ومخترعها من غير شيء، العالم بها قبل تكوينها، والقادر عليها قبل أنشائها، جاعل العلامات، وناصب الدلالات، ومبين الآيات، الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار، أرسل الرسل بالإنذار، وأنزل الكتب بالأنوار، وباعث النبيين، ومنقذ العمين.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، أنزل عليه كتابه الهدى نوراً لمن التمسه، وضياءً لمن اقتبسه، ودليلاً لمن طبله، دلهم فيه على معاني حكمته، ولطيف صنعته، وبيان جلاله، أثبت الحجة به على أوليائه وأعدائه، وهو كلامه الذي يعجز الخلق أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لا معقب لأمره، ولا راد لفضله، تعالى عما يقول الجاحدون علواً كبيراً) .
(8/357)

ثم قال: (وهذه خطبة شيخنا أبي بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، ذكرها في أول كتابه الشافي قصدت أن أفتتح كتابي بها تبركاً به، ولأنه قد صرح فيها بالقول وبالنظر والاستدلال بقوله: الآمر أولي الأبصار بالأفكار، وأولي الألباب بالاعتبار) .
قال: (وفي هذا بيان لوجوب النظر وصحته، وإزالة الإشكال عمن توهم غير هذا في المذهب) .
قلت: وإيجاب النظر مطلقاً غير إيجاب النظر في الطريق المعين، طريقة كون الأعراض حادثة وهي لازمة للأجسام، فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد من أئمة المسلمين، الذي يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبعونه، إذ كان معلوماً بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجب النظر في هذه الطريقة، بل ولا دل على صحتها، بل ما أخبر به يناقض موجبها، وهي وإن جعلها من جعلها من أهل الكلام المحدث أصلاً في معرفة الصانع وصفاته، وصدق رسله، فهي عند التحقيق تناقض معرفة الصانع ومعرفة صفاته وصدق رسله، كما قد بسط في مواضع والمقصود هنا أن القاضي أبا يعلى ونحوه ممن كان يقول أولاً: إن المعرفة
(8/358)

لا تحصل إلا بالنظر في هذه الطريقة، وهو أول الواجبات، لما ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ، قالوا: - واللفظ للقاضي في الفطرة -: (ما الفطرة هنا؟ على روايتين عن أحمد:

كلام القاضي أبي يعلى عن معنى الفطرة
أحداهما: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم، فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعاً ومدبراً، وإن سماه بغير اسمه.
قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول) .
قال: (وليس الفطرة ها هنا الإسلام، لأمرين:
أحدهما: أن معنى الفطرة: ابتداء الخلقة.
ومنه قوله تعالى: {فاطر السماوات والأرض} ، أي مبتدئهما.
وإذا كانت الفطرة هي الأبتداء، وجب أن تكون تلك هي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطرة المعقول، وهو استخراجهم ذريةً، لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة هنا: الإسلام لوجب إذ ولد من بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، ما دام طفلاً، لأنه مسلم، واختلاف
(8/359)

الدين يمنع الإرث، ولوجب ألا يصح استرقاقه، ولا يصح إسلامه بإسلام أبيه، لأنه مسلم) .
قال: (وهذا تأويل ابن قتيبة، ذكره في إصلاح الغلط على أبي عبيد، وذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة.
قال: (وليس كل من ثبت له المعرفة حكم بإسلامه، كالبالغين من الكفار فإن المعرفة حاصلة لهم وليسوا بمسلمين) .
قال: (وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل في رواية الميموني، فقال: الفطرة الأولى التي فطر الله عليها، فقال له الميموني: الفطرة: الدين؟ قال: نعم) .
قال القاضي: (وأراد أحمد بالدين: المعرفة التي ذكرناها) .
قال: (والرواية الثانية: الفطرة هنا: ابتداء خلقه في بطن أمه) .
قال: لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم، وهو الإقرار بممعرفة الله تعالى، حمل للفطرة على الإسلام، لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان، والمؤمن مسلم) .
قال: (ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه، لأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقاً لله، وقد ثبت من أصولنا أن أفعال العباد خلق لله عن طاعة ومعصية) .
(8/360)

قال: (وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن كل مولود يولد على الفطرة، فقال: على الشقاوة والسعادة.
وكذلك نقل محمد بن يحيى الكحال، أنه سأله عن كل مولود يولد على الفطرة، قال: هي التي فطر الناس عليها: شقي أو سعيد.
وكذلك نقل حنبل عنه، قال: الفطرة التي فطر الله العباد من الشقاء والسعادة) .
قال: (وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا: ابتداء خلقه في بطن أمه) .

تعليق ابن تيمية
قلت: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وهي الدين.
وقد قال في غير هذا موضع: إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما، حكم بإسلامه.
واستدل بهذا الحديث: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.
فدل على أنه فسر الحديث: بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرحاً به في الحديث: ولو لم يكن كذلك لما صح استدلاله بالحديث.
وقوله في موضع آخر: يولد على مافطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك، فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها، وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها، كفعل الأبوين.
فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله تعالى.
والمولود ولد على الفطرة سليماً، وولد على أن هذه الفطرة السليمة
(8/361)

يغيرها الأبوان، كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه.
كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ، فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليماً، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضاً بقضاء الله وقدره.
وإنما قال الأئمة: ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة، لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله، بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس.
ولهذا قالوا لـ مالك بن أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره.
وهو قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين.
فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تهوده وتنصره، بل هو تهود وتنصر باختياره، لكن كانا سبباً في ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهم بهذا الاعتبار، فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى، لأن الله، وإن خلقه مولوداً على الفطرة سليماً، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك.
كما في الحديث الصحيح: (إن الغلام الذي قتله الخضر يوم طبع
(8/362)

كافراً، ولو بلغ لأرهق أبويه طغياناً وكفراً) .
فقوله: طبع، أي طبع في الكتاب، أي قدر وقضي، لا أنه كان كفره موجوداً قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طبع كتابه يوم طبع.
ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط.
فإن ذلك لا يقال فيه: طبع يوم طبع، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار «عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره، قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله: أليسوا أولاد المشركين؟ قال: أو ليس خياركم أولادكم
(8/363)

المشركين؟ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» .
فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك.
ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافراً وإما مسلماً على ما سبق له القدر - لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده صلى الله عليه وسلم من نهية لهم عن قتل أولاد المشركين.
وقد ظن بعضهم أن معنى قوله: «أو ليس خياركم أولاد المشركون؟» معناه: لعله أنه قد يكون سبق في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعاً إلى هذا المعنى من التجويز.
وليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: إن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، هؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفاراً، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كانوا مؤمناً، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.
(8/364)

وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسر بعضها بعضاً، ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} ، قالوا: يا رسول الله: أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وفي الصحيح: قال الزهري: يصلي على كل مولود متوفى وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخاً، ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه سقط، و «إن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} » .
وفي الصحيح من رواية الأعمش: «ما من مولود يولد إلا وهو على
(8/365)

الملة» .
وفي رواية أبي معاوية عنه: إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه، فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام، كما فسره ابن شهاب راوي الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك.
قال ابن عبد البر في التمهيد: (روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وغيره، فممن رواه عن أبي سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وأبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، وسعيد بن أبي سعيد، ومحمد بن سيرين) .

كلام ابن عبد البر في التمهيد عن معنى الفطرة
قال: (ورواه ابن شهاب، واختلف في إسناده، منهم من رواه عن سعيد عن أبي هريرة، ومنهم من رواه عن أبي سلمة عن
(8/366)

أبي هريرة ومنهم من رواه عن حميد عن أبي هريرة.
قال محمد بن يحيى الذهلي: كل هذه صحاح عن ابن شهاب، محفوظة) .
قال ابن عبد البر: (وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزىء الصبي عنه أن يعتقه وهو رضيع؟، قال: نعم لأنه ولد على الفطرة) .
قال ابن عبد البر لما ذكر النزاع في تفسير هذا الحديث: (وقال آخرون: الفطرة ها هنا الإسلام، قالوا: وهوالمعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله عز وجل: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، على أن قالوا: فطرة الله: دين الله الإسلام.
واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} .
وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله عز وجل: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} قالوا: فطرة
(8/367)

الله: دين الإسلام، لا تبديل لخلق الله، قالوا: لدين الله.
واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن عياض بن حمار المجاشعي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوماً: ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب: إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالاً لا حرام فيه، فجعلوا ما أعطاهم الله حلالاً وحراما» الحديث.
قال: (وكذلك روى بكر بن مهاجر، عن ثور بن يزيد بإسناده مثله في هذا الحديث (حنفاء مسلمين) .
( ...
قال أبو عمر: روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن حمار، ولم يسمعه قتادة من مطرف، ولكن
(8/368)

قال: حدثني ثلاثة: عقبة بن عبد الغافر، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والعلاء بن زياد، كلهم يقول: حدثني مطرف، عن عياض، عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» .
لم يقل: مسلمين، وكذلك رواه الحسن عن مطرف عن عياض، ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن قتادة بإسناده، وقال فيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» ولم يقل مسلمين) .
قال: (فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه، لأنه ذكر (مسلمين) في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، وأسقطه من رواية قتادة، وكذلك رواه الناس عن قتادة، قصر فيه عن قوله: مسلمين، وزاد ثور بإسناده، والله أعلم) .
قال: (والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام) .
(8/369)

قال: (وقد روي عن الحسن قال: الحنيفة: حج البيت، وهذا يدلك على أنه أراد الإسلام، وكذلك روي عن الضحاك والسدي: (حنفاء) قال: حجاجاً، وعن مجاهد: (حنفاء) قال: متبعين) .
قال: (وهذا كله يدلك على أن الحنيفية: الإسلام) .
قال: (وقال أكثر العلماء: الحنيف: المخلص.
وقال الله عز وجل: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} وقال: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} .
فلا وجه لإنكار من أنكر رواية من روى:
حنفاء: مسلمين.
قال الشاعر - وهو الراعي -:
(8/370)

أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرةً وأصيلاً
عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلاً تنزيلاً
فهذا وصف الحنيفية بالإسلام، وهو أمر واضح لا خفاء به) .
قال: (ومما احتج به - من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث: الإسلام - قوله صلى الله عليه وسلم «خمس من الفطرة» ويروى «عشرة من الفطرة» يعني فطرة الإسلام) .
قلت: الدلائل الدالة على أنه أراد: على فطرة الإسلام - كثيرة، كألفاظ الحديث التي في الصحيح، مثل قوله: (على الملة) ، (وعلى هذه الملة) ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: «خلقت عبادي حنفاء كلهم» وفي لفظ «حنفاء مسلمين» ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك، وهو أعلم بما سمعوا.
وأيضاً، فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام، لما سألوا عقب ذلك: (أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟) ، لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لم سألوه.
والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.
(8/371)

وكذلك قوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر الناس عليها.
وأيضاً، فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها.
وأيضاً، فإن الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، وهذا يعم جميع الناس، فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة.
يبين ذلك أنه قال: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه، فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفاً هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في نظائره، ومثل قوله: {كتاب الله عليكم} ، وقوله: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} ، فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضماره، دل عليه الفعل المتقدم.
كأنه قال: كتب الله ذلك عليكم، وسن الله ذلك.
وكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك: على إقامة الدين لله حنيفاً.
وكذلك فسره السلف كما تقدم النقل عنهم.
(8/372)

كلام الطبري في تفسيره عن معنى الفطرة
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور يقول: فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته، وهي الدين حنيفاً.
يقول: مستقيماً لدينه وطاعته.
فطرة الله التي فطر الناس عليها، يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها، ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا} وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة) .
قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) .
وروي (عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، قال: الإسلام، فمنذ خلقهم الله من آدم جميعاً يقرون بذلك.
وقرأ: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} .
فهذا قول الله، كان الناس أمة واحدة يومئذ، فبعث الله النبيين بعد) .
(8/373)

وروي بإسناده الصحيح عن (ابن أبي نجيح عن مجاهد: فطرة الله، قال: الدين، الإسلام.
وقال (ثنا ابن حميد، ثنا يحيى بن واضح، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، قال: مر عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص - وهو الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها - والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة.
فقال عمر: صدقت) .
قال: حدثني يعقوب - يعني الدورقي - ثنا أبن علية، ثنا أيوب عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟ فذكر نحوه) .
قال: (وقوله {لا تبديل لخلق الله} : يقول: لا تغيير لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل) .
ثم ذكر بإسناده الصحيح عن (ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لا
(8/374)

تبديل لخلق الله.
قال: لدين الله) .
وروي عن (عبد الله بن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلاً يقال له قاسم إلى عكرمة، يسأله عن قول: {لا تبديل لخلق الله} ، فقال عكرمة: هو الخصاء.
فرجع إلى مجاهد فقال: أخطأ، لاتبديل لخلق الله إنما هو الدين، ثم قرأ: {لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} ) .
وروي عن (وكيع، عن نصر بن عربي، عن عكرمة: لا تبديل لخلق الله: لدين الله) .
وروي أيضاً عن (حسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة: فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال: الإسلام، وكذلك روي (عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لدين الله) .
وروي (عن سعيد، عن قتادة: {لا تبديل لخلق الله} : أي لدين الله) .
(8/375)

وكذلك روي (عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، قال: قال سعيد بن جبير: {لا تبديل لخلق الله} ، قال: لدين الله) .
وكذلك عن (المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله {لا تبديل لخلق الله} ، قال: دين الله) .
وكذلك عن (وكيع، عن سفيان الثوري، ومسعر، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم النخعي: {لا تبديل لخلق الله} ، قال: دين الله) .
وكذلك عن (مغيرة، عن إبراهيم قال: لدين الله) .
وعن (عمرو بن أبي سلمة، سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قوله تعالى: {لا تبديل لخلق الله} .
قال: لدين الله) .
وروي أيضاً عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه،
(8/376)

وقال: لا تبديل لخلق الله.
وعن حميد الأعرج قال: قال عكرمة: الإخصاء، وعن حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد قال: الإخصاء) .

تعليق ابن تيمية
قلت: مجاهد وعكرمة: روي عنهما القولان، إذ لا منافاة بينهما، كما قال تعالى: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} ، فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخصاء وقطع الأذن أيضاً تغيير لخلقه.
ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما بالآخر في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» .
فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع والخصاء، هذا تغيير لما خلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خلق عليه بدنه.
واعلم أن هذا الحديث لما صارت القدرية يحتجون به على قولهم الفاسد، صار الناس يتأولونه تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاة.
فالقدرية من المعتزلة وغيرهم يقولون: كل مولود يولد على الإسلام، والله لا يضل أحداً، ولكن أبواه يضلانه.

الحديث حجة على المعتزلة ونحوهم من المتكلمين
والحديث حجة عليهم من وجهين:
(8/377)

أحدهما: أنه عند المعتزلة ونحوهم من المتكلمين: لم يولد أحد على الإسلام أصلاً، ولا جعل الله أحداً مسلماً ولا كافراً، ولكن هذه أحدث لنفسه الكفر، وهذا أحدث لنفسه الإسلام، والله لم يفعل واحداً منهما عندهم، بلا نزاع بين القدرية، ولكن هو دعاهما إلى الأسلام، وأزاح علتهما، وأعطاهما قدرة مماثلة فيهما تصلح للإيمان والكفر، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان، فإن ذلك عندهم غير مقدور، ولو كان مقدوراً لكان ظلماً، وهذا قول عامة المعتزلة.
وإن كان بعض متأخريهم كأبي الحسين يقول: إنه خص المؤمن بداعي الإيمان، ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان، فهذا في الحقيقة موافق لأهل السنة، فهذا أحد الوجهين.
الثاني: أنهم يقولون: إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، فيستحيل.
أن تكون المعرفة عندهم ضرورية، أو تكون من فعل الله تعالى.
وأما آخر الحديث فهو دليل على أن الله تعالى يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين؟ أو يغيرونها فيصيرون كفاراً؟.
وإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين - فيقال لهم: أنتم
(8/378)

تقولون: إنه لا يقدر: لا الله ولا أحد من مخلوقاته، على أن يجعلهما يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، بل هما فعلا بأنفسهما ذلك، بلا قدرة من غيرهما ولا فعل من غيرهما، فحينئذ لا حجة لكم في قوله: «فأبواه يهودانه» ...
وأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في قلب أحد.
فقد اتفقت الأمة على أن المراد بذلك: دعوة الأبوين لهما إلى ذلك، وترغيبهما فيه، وتربيتهما عليه، ونحو ذلك مما يفعل المعلم والمربي مع من يعلمه ويربيه، وذكر الأبوين بناءً على الغالب، إذ لكل طفل أبوان، وإلا فقد يقع ذلك من أحد الأبوين، وقد يقع من غير الأبوين حقيقةً وحكماً.

عود إلى كلام ابن عبد البر وتعليق ابن تيمية عليه
وأما غير القدرية فقال أبو عمر بن عبد البر: اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافاً كثيراً، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة، فذكر ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في غريبه المشهور، قال: قال ابن المبارك: يفسره آخر الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
قال ابن عبد البر: هكذا ذكر عن ابن المبارك، لم يزد شيئاً.
(8/379)

وذكر عن محمد بن الحسن أنه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: (كان هذا القول عن صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد) .
هذا ما ذكره أبو عبيد.
قال ابن عبد البر: (أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال، ولكنها جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان، أو جنة أو نار ما لم يبلغوا العمل) .
قال: (وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن، فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه: إما لإشكاله عليه، أو لجهلة به، أولما شاء الله.
وأما قوله: إن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، فلا أدري ما هذا.
فإن كان أراد أن ذلك
(8/380)

منسوخ، فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في إخبار الله تعالى وأخبار رسوله، لأن المخبر بشيء، كان أو يكون، إذا رجع عن ذلك، لم يخل رجوعه عن تكذيبه لنفسه، أو غلطة فيما أخبر به، أو نسيانه.
وقد جل الله وعصم رسوله في الشريعة والرسالة منه.
وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد له أدنى فهم، فقف عليه، فإنه أمر جسيم من أصول الدين.
وقول محمد بن الحسن: إن ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال، لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد) .
وروي بإسناده (عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟ فقال رجل: أو ليس إنما هو أولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ إنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يبلغ فيعبر عنه ليسانه، ويهوده أبواه أو ينصرانه» .
(8/381)

قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة، منهم بكر المزني، والعلاء بن زياد، والسري بن يحيى.
وقد روي عن الأحنف عن الأسود بن سريع، قال: وهو حديث بصري صحيح.
قال: وروى عوف الأعرابي عن سمرة بن جندب، «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل مولود يولد على الفطرة.
فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين» .
قلت: أما ما ذكره عن ابن المبارك ومالك، فيمكن أن يقال: إن المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأولاد قد سبق في علم الله ما يعملون إذا بلغوا، وأن منهم من يؤمن فيدخل الجنة، ومنهم من يكفر فيدخل النار.
فلا يحتج بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة) .
على نفي القدر كما احتجت به القدرية، ولا على أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة، فيكون مقصود الأئمة أن يستقر الأطفال على ما في آخر الحديث.
وأما قوله محمد، فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبوية في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في
(8/382)

أنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقهم، ونحو ذلك - فلم يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم، وهذا حق.
لكن ظن أن الحديث اقتضى أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين، فقال: هذا منسوخ، كان قبل الجهاد، لأنه بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يسترق، ولكن كون الطفل يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية، أمر ما زال مشروعاً، وما زال الأطفال تبعاً لأبويهم في الأمور الدنيوية.
والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام، وإنما قصد ما ولد عليه من الفطرة.
وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفاً ونحو ذلك.
فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده.
فإن الله تعالى يقول: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ، ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته.
فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئاً بعد شيء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض.
(8/383)

وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الإغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه.
وهذا من قوله تعالى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ، وقوله: {الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} ، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتدياً إلى طلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئاً فشيئاً بحسب حاجته.
ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة.
قال ابن عبد البر: (وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال: (كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة) يريد خلقةً مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك) .
(8/384)

قالوا: (لأن الفاطر هو الخالق) .
قال: (وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار) .
قلت: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف.
فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفاً، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبوية لفطرته، حتى يسأل عمن مات صغيراً.
ولأن القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير.
وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان، فقالوا: إنهم أولاد المشركين.
قال: أليس خياركم أولدا المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة.
ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين، مستوجبين للقتل.
وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان.
(8/385)

قال: (وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ، يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم) .
(قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة.
والفاطر المبدىء والمبتدىء، فكأنه قال: صلى الله عليه وسلم: يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاوة والسعادة، وغير ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه.
واحتجوا بقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} .
وروي بإسناده إلى (ابن عباس قال: لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا
(8/386)

فطرتها، أي ابتدأئتها) .... (وذكروا ما يروى عن علي رضي الله عنه في دعائه: اللهم جبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها) .
قلت: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه.
ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي مولودة على ماسبق في علم الله لها.
والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها.
وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقاً على الفطرة.
وأيضاً فإنه لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، على هذا القول، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم.
وأيضاً فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، يبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه.
وأيضاً فقوله: (على هذه الملة) ، وقوله: (إني خلقت
(8/387)

عبادي حنفاء) يخالف هذا.
وأيضاً فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنه من حين كان جنيناً إلى ما لا نهاية له من أحواله، على ما سبق في علم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص.
وقد ثبت في الصحيح أنه: قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فلو قيل: كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة، لكان أشبه بهذا المعنى، مع أن النفخ هو بعد الكتابة.
قال ابن عبد البر: (قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن أبن المبارك، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين: الله أعلم بما كانوا عاملين.
(8/388)

قال المروزي: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه.
قال ابن عبد البر: ما رسمه مالك في موطأه، وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا) .
قلت: أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً) والطبع الكتاب، أي كتب كافراً كما قال: (فيكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد) ، وليس إذا كان الله قد كتبه كافراً، يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في عمله أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة.
وكلام أحمد في أجوبة أخرى له، يدل على أنه الفطرة عنده:
(8/389)

الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإن كانوا معهما فهم على دينهما، وإن سبوا مع أحدهما، فعنه روايتان، وكان يحتج بالحديث.

كلام أبي بكر الخلال في كتابه الجامع
قال أبو بكر الخلال في الجامع في كتاب أحكام أهل الملل: (أنبأ أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله قال في سبي أهل الحرب: إنهم مسلمون إذا كانوا صغاراً، وإن كانوا مع أحد الأبوين.
وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....
قال: وأما أهل الثغر فيقولون: إذا كان مع أبوية: إنهم يجبرونه على الإسلام) .
قال: (ونحن لا نذهب إلى هذا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه» ....
(8/390)

قال الخلال: أنبأ عبد الملك الميموني قال: سألت أبا عبد الله قبل الحبس - أي قبل أن يحبس أحمد في محنة الجهمية - عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه أبواه قال: إذا مات صلى عليه المسلمون.
قلت: يكره على الإسلام؟
قال: إذا كانوا صغاراً يصلون عليه أكره من يليه إلا هم، وحكمه حكمهم.
قلت: فإنه كان معه أبواه؟ قال: إذا كان معه أبواه - أو أحدهما - لم يكره، ودينه على دين أبويه.
قلت: إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة» :
حتى يكون أبواه؟ قال: نعم.
قال: وعمر بن عبد العزيز نادى به؟ قال: فرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم.
قلت: في الحديث كان معه أبواه؟ قال: لا، وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه) .
(8/391)

قال الخلال: (ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله) .... (ولذلك نقل إسحاق ابن منصور أن أبا عبد الله قال: إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم.
قلت: لا يجبرون على الإسلام، إذا كان معه أبواه أو أحدهما؟ قال: نعم) .
قال الخلال: (وقد روي هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال: إذا كان مع أحد أبويه فهو مسلم.
وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس، وبعضهم قبل وبعد، والذي أذهب إليه: ما رواه الجماعة) .
وقال الخلال: (ثنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته، ويدعا طفلين ولهما عم، ما تقول فيهما؟ فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها، وقالوا:
(8/392)

إنهم قد كتبوا إليك.
فقال: أكره أن أقول فيها برأي.
دع حتى أنظر، لعل فيها عمن تقدم.
فلما كان بعد شهر عاودته، فقال: قد نظرت فيها فإذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (فأبواه يهودانه وينصرانه....) ، هذا ليس له أبوان.
قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون، لقول النبي صلى الله عليه وسلم) ...
(وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال: قال أبو عبد الله: الذمي إذا مات أبواه وهو صغير جبر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....
(ونقل عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان: هذا مسلم فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى؟ قال: ذاك يدفنه المسلمون.
قال النبي صلى الله عليه وسلم «فأبواه يهودانه وينصرانه» ....
(وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من
(8/393)

قوم، على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم، وما كان من أنثى فهي مشركة: يهودية أو نصرانية أو مجوسية؟ فقال: يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام، لأن آباءهم مسلمون.
حديث النبي صلى الله عليه وسلم «فأبواه يهودانه وينصرانه» يردون كلهم إلى الإسلام) .
ومثل هذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافراً بأبويه، فإن لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة: الإسلام، لم يكن بعدم أبويه يصير مسلماً، فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة.
ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى.
قال الخلال: (أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه، معناه: أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغاراً؟ فقال لي: نعم، ولكن يدخل عليك في هذا.
فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول، وبما يكون بقوله.
قلت لأبي عبد الله: فما تقول أنت فيها، وإلى أي شيء تذهب؟ قال: إيش أقول
(8/394)

أنا؟ ما أدري أخبرك هي مسلمة كم ترى، ثم قال لي: والذي يقول: كل مولود يولد على الفطرة ينظر أيضاً إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها.
قلت له: فما الفطرة الأولى: هي الدين؟ قال لي: نعم.
فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» .
قلت لأبي عبد الله: فما تقول لأعرف قولك؟ قال: أقول: (إنه على الفطرة الأولى) .
فجوابه: أنه على الفطرة الأولى، وقوله: إنها الدين - يوافق القول بأنه على دين الإسلام.
وأما جواب أحمد: أنه على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة، الذي ذكر محمد بن نصر أنه كان به ثم تركه، فقال الخلال: (أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة، ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شقي أو سعيد) .
(8/395)

وكذلك نقل عنه (الفضل بن زياد، وحنبل، وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة، قال: (الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة) .
وكذلك نقل: (عن علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على الفطرة.
قال: على الشقاء والسعادة، فإليه يرجع على ما خلق) .
(وعن الحسن بن ثواب قال: سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين.
قلت: إن ابن أبي شيبة أبا بكر قال: هو على الفطرة حتى يهودانه أبواه أو ينصرانه، فلم يعجبه شيء من هذا القول وقال: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على الفطرة التي خلقوا عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب، ارفع ذلك إلى الأصل.
هذا معناه كل مولود يولد على الفطرة) .
(8/396)

تعليق ابن تيمية
قلت: وأما ثبوت حكم الكفر في الآخرة للأطفال، فكان أحمد يقف فيه، تارة يقف عن الجواب، وتارة يردهم إلى العلم، كقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وهذا أحسن جوابيه، كما، نقل محمد بن الحكم عنه، وسأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
ونقل عنه (أبو طالب أن أبا عبد الله سئل عن أطفال المشركين.
فقال: كان ابن عباس يقول: (فأبواه يهودانه وينصرانه) ، حتى سمع: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
فترك قوله.
قال أحمد: (وهي صحاح، ومخرجها كلها صحاح.
وكان الزهري يقول: من الحديث ما يحدث بها على وجوهها) .
وأما توقف أحمد في الجواب، (فنقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله: فأبواه يهودانه وينصرانه.
قال: الشأن في هذا، وقد اختلف الناس، ولم نقف منها على شيء أعرفه) .
وقال الخلال: (رأيت في كتاب لهارون المستملي، قال أبو عبد الله: إذا سأل الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم، فإنه أصل كل
(8/397)

خصومه، ولا يسأل عنه إلا رجل الله أعلم به، قال: ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت، ونسكت، لا نقول شيئاً) .
(قال المروزي: قال أبو عبد الله سأل بشر بن السري عن سفيان الثوري عن أطفال المشركين، فصاح به وقال: يا صبي، أنت تسأل عن هذا؟!) .
وكذلك نقل خطاب بن بشر، وحنبل أن عبد الرحمن بن الشافعي سأل أحمد عن هذا، فنهاه، ولم ينقل أحد قط عن أحمد أنه قال: هم في النار.
ولكن طائفة من أتباعه، كالقاضي أبي يعلى وغيره، لما سمعوا جوابه بأنه قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ظنوا أن هذا من تمام حديث مروي «عن خديجة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أولادها من غيره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هم في النار.
فقالت: بلا عمل؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
فظن هؤلاء أن، أحمد أجاب بحديث خديجة، وهذا غلط على أحمد.
فإن حديث خديجة هذا حديث موضوع كذب لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد، فضلاً عن الإمام أحمد.
(8/398)

وأحمد إنما اعتمد على الحديث الصحيح، حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وهو في الصحيحين «عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} » .
وكذلك في الصحيح عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين.
فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وقد ذكر أحمد أن ابن عباس رجع إلى هذا، بعد أن كان يقول: هم مع آبائهم.
فدل على أن هذا جواب من لا يقطع بأنهم مع آبائهم.
وأبو هريرة نفسه، الذي روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قد ثبت عنه ما رواه غير واحد، منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وغيره، من حديث عبد الرازق: أنبأ معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولاً: أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسل؟ قال: وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يرسل
(8/399)

إليهم رسولاً، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.
ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} .
وروي هذا الأثر عن أبي هريرة: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره من رواية محمد بن الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، ومن رواية القاسم، عن الحسين، عن أبي سفيان، عن معمر، وقال فيه: (والشيوخ الذين جاء الاسلام وقد خرفوا) فبين أبو هريرة أن الله لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً، وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا.
وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن الأسود بن سريع أيضاً، قال أحمد في المسند: حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما
(8/400)

أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول.
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً» .
وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث، غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها» .
وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة والتابعين، بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه الرساله في الدنيا.
وهذا تفسير قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وهذا هو الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه.
وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه.
فإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنةكلهم، جاءت نصوص تدفع قوله.
ثم إذ قيل: هم مع آبائهم، لزم تعذيب من لم يذنب، انفتح باب الخوض في الأمر والنهي،
(8/401)

والوعد والوعيد، والقدر والشرع، والمحبة والحكمة والرحمة.
فلهذا كان أحمد يقول: هو أصل كل خصومه.
فأما جواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أجاب به أحمد آخراً، وهو قوله «الله أعلم بما كانوا عاملين» ، فإنه فصل الخطاب في هذا الباب.
وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة، والله تعالى أعلم.

تابع كلام ابن عبد البر في التمهيد
وأحمد - رحمه الله - كان متبعاً في هذا الباب وغيره لمن قبله من أئمة السنة، كما روينا عن طريق إسحاق بن راهويه، فيما ذكره ابن عبد البر وغيره.
(ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي: سمعت أبن عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً، أو كلمة تشبه هاتين، حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر.
قال يحيى بن آدم: فذكرته لابن المبارك، فقال: أفيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ فسكت.
وذكر محمد بن نصر المروزي، ثنا شيبان بن شيبة، ثنا جرير
(8/402)

بن حازم فذكره بإسناده.
وقال: لا يزال أمر هذه الأمة مقارباً أو مواتياً ما لم يتكلموا في الولدان والقدر.
وذكر المروزي أيضاً، ثنا عمرو بن زرارة، أنبأ إسماعيل بن علية، عن ابن عوان قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال: ماذا كان بين قتادة وبين حفص بن عمر في أولاد المشركين؟ قال: وتكلم ربيعة الرأي في ذلك؟ فقال القاسم: إذا الله انتهى عند شيء فانتهوا وقفوا عنده.
قال: فكأنما كانت ناراًفطفئت؟.

تعليق ابن تيمية
قلت: ابن عباس رضي الله عنه خطب بهذه الخطبةبالبصرة، وكان عنده وعند غيره من الصحابة من العلم بما يحدث في هذا الأمة، والتحذير من أسباب الفتن، ما قد نقل إلينا، كما في الحديث الذي ذكره أحمد في رسالته للمتوكل في قصة ابن عباس مع عمر ابن الخطاب، لما كثر القراء، وخوفهما من اختلاف الأمة وافتراقها، والمسائل المشكلة إذا خاض فيها أكثر الناس لم يفهموا حقيقتها، وإذا تنازعوا فيها صار بينهم أهواء وظنون، وأفضى ذلك إلى الفرقة والفتنة.
(8/403)

ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد وغيره، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، وقائل يقول: ألم يقل الله كذا؟ وآخر يقول: ألم يقل الله كذا؟ فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه، وما نهيتم عنه فاتركوه.
فهذا الحديث ونحوه مما ينهى فيه عن معارضة حق بحق، فإن ذلك يقتضي التكذيب بأحد الحقين، أو الاشتباه والحيرة.
والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق، فعلى الإنسان أن يصدق بالحق الذي يقوله غيره، كما يصدق بالحق الذي يقوله هو، ليس له أن يؤمن بمعنى آية استدل بها، ويرد معنى آية استدل بها مناظره، ولا أن يقبل الحق من طائفة، ويرده من طائفة أخرى.
ولهذا قال تعالى: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} .
فذم سبحانه من كذب أو كذب بحق، ولم يمدح إلا من صدق وصدق بالحق.
فلو صدق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره، لم يكن ممدوحاً، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدق به، فأولئك هم المتقون.
(8/404)

ومسألة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله، وإلى الإيمان بشرع الله، فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، فظنوا أن هذا لا يتم إلا بالتكذيب بالقدر، فأخطأوا في التكذيب به، وطائفة ظنت أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأن يقول: إن الرب تعالى يخلق ويأمر لا لحكمه ولا لرحمة، ولا يسوي بين المتماثلين، بل بإرادة ترجح أحد المتماثلين لا لمرجح.
واشتركت الطائفتان في أن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح.
وهذا أصل مذهب القدرية النفاة، ولهذا قالوا: إن العبد لا يحتاج في ترجيح أحد مقدوريه على الآخر إلى مرجح يفتقر فيه إلى الله تعالى، وإن الله لا يمتن على المطيع بنعمة أنعم بها عليه دون العاصي صار بها مطيعاً، وتوهموا أن هذا من الظلم الذي يجب نفيه، وظن أولئك أنه لا يمكن أبطال قولهم إلا بأن يقال: الظلم ممتنع لذاته، وأنه مهما قدر من الممكنات فهو عدل، حتى تعذيب الأنبياء والصالحين، وتنعيم الكفار والفاسقين، إلى أمثال هذه الأمور التي خاض فيها الناس في القدر، وكانت من أعظم أسباب الجهل والظلم.
وكان أعظم ظهور ذلك من أهل البصرة الذين خطبهم ابن عباس، وكذلك أمر أطفال المشركين: طائفة يقولون: يعذبهم كلهم، أو يمكن تعذيبهم كلهم، بناءً على المشيئة المرجحة بلا سبب ولا حكمة ولا رحمة.
(8/405)

وطائفة تقول: بل يدخلون الجنة مع من آمن وعمل صالحاً، بناءً على رحمة بلا حكمة، وتسوية بين أولاد المؤمنين وأولاد الكفار، وبين من آمن وعمل صالحاً ومن لم يؤمن ويعمل صالحاً، من غير اعتبار التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، فيقع الاختلاف والاشتباه والتفرق.
وهذه المسأئل وغيرها قد بين الله ورسوله أمرها، فإن الله أكمل الدين، وأتم النعمة.
وقد «قال النبي صلى الله عليه وسلم: تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» .
وفي الصحيح «عن أبي ذر رضي الله عنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً» .
وقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.
وقال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} .
قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وقد قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} ، فحكم الله بكتابه بين الناس فيما اختلفوا فيه.
(8/406)

وقال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} .
فهذه النصوص وأمثالها مما يبين أن ما بعث الله به رسله، يبين للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم في هذه المسائل وغيرها، لكن ليس كل واحد قد بلغته النصوص كلها، ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص، فإن الله يختص من يشاء عباده من العلم والفهم بما يشاء، فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد أحسن، ومن علم الحق فبينه لمن يحتاج إليه وينتفع به فهو أحسن وأحسن.
ولهذا لما روى يحيى بن آدم لابن المبارك هذا الأثر عن ابن عباس، وهو قوله: إنه لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً، شك الراوي، حتى يتكلموا في الولدان والقدر، وكأن قائل هذا يطلب من الناس السكوت مطلقاً.
قال له ابن المبارك: أفيسكت الإنسان على الجهل؟ وقد صدق ابن المبارك، فقال له يحيى بن آدم: أفتأمر بالكلام؟ فسكت ابن المبارك، لأن أمره بالكلام مطلقاً يتضمن الإذن
(8/407)

بالكلام الذي وقع من الناس، وفيه من الجهل والكذب ما ينهى عنه.
وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بينه الله وسوله مأمور به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد يتكلم بما يظنه علماً: إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه، ويكون كلاماً بلا علم.
وهذا قد يعذر صاحبه تارة وإن لم يتبع، وقد يذم صاحبه إذا ظلم غيره ورد الحق الذي معه بغياً.
كما ذم الله ذلك بقوله: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} .
فالبغي مذموم مطلقاً.
سواء كان في أن يلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمهم على تركه، أو بأن يذمهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفر لهم خطأهم فيه، فمن ذم الناس وعاقبهم على ما لم يذمهم الله تعالى ويعاقبهم.
فقد بغى عليهم، لا سيما إذا كان ذلك لأجل هواه.
وقد قال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} .
والله تعالى قد قال: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} .
(8/408)

فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه، وإلا فالإنسان ظلوم جهول، وإذا وقع الظلم والجهل في الأمور العامة الكبار، أوجبت بين الناس العداوة والبغضاء، فعلى الإنسان أن يتحرى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس، فإن الحكم بالعلم والعدل في ذلك أولى منه في الأمور الصغار.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة.
رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار» .
فإذا كان هذا فيمن يقضي في درهم وثوب، فكيف بمن يقضي في الأصول المتضمنة للكلام في رب العالمين، وخلقه وأمره، ووعده ووعيده؟.
ولهذا لما اشترك هؤلاء القدرية القائلون بأن القادر المختار يرجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح في هذا الأصل، وناظروا به الملاحدة القائلين بقدم العالم، من الدهرية الفلاسفة وغيرهم، ورأى أولئك أن هذا ليس بعلم ولا عدل، طعموا في هؤلاء القدرية.
فإن الإنسان إذا اتبع العدل نصر على خصمه، وإذا خرج عنه طمع
(8/409)

فيه خصمه، فصار بين الفلاسفة الدهرية والمتكلمين القدرية في هذا الباب من النزاع ما استطار شرره، وإن كانت القدرية أقرب إلى العلم والعدل.
ومن الناس من يحار، ومنهم من يوافق هؤلاء تارة وهؤلاء تارة، تناقضاً منه في حالين، أو جمعاً بين النقيضين في حال واحدة.
ولو اتبعوا ما بعث الله ورسوله من الهدى ودين الحق، لحصل لهم من العلم والعدل ما يرفع النزاع، ويدخلهم في اتباع النص والإجماع، والكلام على هذه المسألة له موضع آخر.
والمقصود هنا تفسير قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) وأن من قال بإثبات القدر، وأن الله كتب الشقي والسعيد، لم يمنع ذلك أن يكون ولد على الإسلام ثم تغير بعد ذلك، كما تولد البهيمة جمعاء ثم تغير بعد ذلك، فإن الله تعالى يعلم الاشياء على ما هي عليه، فيعلم أنه يولد سليماً ثم يتغير.
والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه، وهو أنهم ولدوا على الفطرة، ثم صاروا إلىما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان، مستلزمة له لولا المعارض.
(8/410)

فروى ابن عبد البر في ضمن هذا المنقول بإسناده (عن موسى بن عبيده، سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: {كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} ، وقال: من ابتدأ الله خلقه لضلالة وإن علم بعمل أهل الهدى، ومن ابتدأ خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بعمل أهل الضلالة، ابتدأ خلق إبليس على الضلالة، وعمل بعمل السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة.
قال: وكان من الكافرين.
وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل الضلالة، ثم هداهم إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم، عليها مسلمين.
وبهذا الإسناد عن محمد بن كعب في قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} ، يقول: فأقروا له بالبإمان والمعرفة الأرواح قبل أن تخلق أجسادها) .
فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه، وهو
(8/411)

ما كتبه أنهم صائرون إليه، قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابتدأه على الضلالة، أي كتبه أنه يموت ضالاً، فقد يكون قبل ذلك عاملاً بعمل أهل الهدى، وحينئذ من ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى، لا يمتنع أن يعرض لها ما يغيرها، فيصير إلى ما سبق به القدر لها.
كما في الحديث الصحيح: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعلم بعمل أهل النار، حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة» .
ولهذا قال محمد بن كعب: إن جميع الذرية أقروا له بالإيمان والمعرفة، فأثبت هذا وهذا، إذ لامنافاة بينهما.
ثم روى ابن عبد البر بإسناده (عن سعيد بن جبير في قوله: {كما بدأكم تعودون} ، قال: كما كتب عليكم تكونون.

تعليق ابن تيمية
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} ، قال: شقي وسعيداً.
وقال غيره عن مجاهد: {كما بدأكم تعودون} ، قال: يبعث المسلم مسلماً والكافر كافراً.
(8/412)

وقال الربيع أبن أنس عن أبي العالية: {كما بدأكم تعودون} قال: عادوا إلى علمه فيهم، فريقاً هدى، وفريقاً حق عليهم الضلالة) .
قلت: ما في هذه الأقوال من إثبات علم الله وقدره السابق، وأن الخلق يصيرون إلى ذلك، حق لا محالة، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأما كون ذلك تفسير الآية، فهذا مقام آخر ليس هذا موضعه.
ولفظ (بدأ الله الخلق) : يراد به ابتداء تكوينهم، وهو ظاهر القرآن.
وقد يراد به ابتداء أسباب خلقهم وعلامات ذلك، كما في قول السائل للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان أول أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي: رأت أنني حين ولدتني كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» .
قال: (وقال آخرون: معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم، فقال ألست بربكم؟ قالوا جميعاً:
(8/413)

بلى، فأما أهل السعادة فقالوا: بلى، على معرفة له طوعاً من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا: بلى، كرهاً غير طوع.
قالوا: ويصدق ذلك قوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ، قالوا: وكذلك قوله: {كما بدأكم تعودون * فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} ، قال محمد بن نصر المروزي: وسمعت إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - يذهب إلى هذا المعنى.
واحتج بقول أبي هريرة: اقرأوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} .
قال إسحاق: يقول: (لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم، يعني من الكفر والإيمان، والمعرفة والإنكار، واحتج إسحاق بقول الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} .
قال: إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد: استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال: انظروا ألا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) .
وذكر (حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر.
(8/414)

قال: وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس؟ فعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها، وأنه لا تبديل لخلق الله: فأمر بقتله، لأنه كان قد طبع يوم طبع كافراً) .
وروى إسحاق حديث أبي بن كعب.
«عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافراً» .
وهذا الحديث رواه مسلم.
وروى البخاري وغيره (عن ابن عباس أنه كان يقرأها: وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين.
قال إسحاق: فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال، لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم
(8/415)

الطفل في الدنيا فقال: «أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، يقول: أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيراً بين أبوين كافرين ألحق بحكم الكفار، ومن كان صغيراً بين أبوين مسلمين ألحق بحكم الأسلام، وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله، ويعلم ذلك فضل الخضر موسى إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم.
قال: (ولقد «سئل ابن عباس عن الولدان: ولدان المسلمين والمشركين، فقال ابن عباس: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر قال: إسحاق: ألا ترى إلى قول عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين
(8/416)

فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة.
فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال: مه يا عائشة، وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلها، وخلق النار وخلق لها أهلها» .
قال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم) .
(وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ، فقال: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم.
قال ابن عبد البر: (وقال ابن قتيبة: يريد حين مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى) .
قلت: مقصود حماد وإسحاق ومالك وابن المبارك، ومن اتبعهم كابن قتيبة، وابن بطة، والقاضي أبي يعلى، وغيرهم، هو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، وهذا مقصود صحيح.
ولكن سلكوا في حصوله طرقاً بعضها صحيح وبعضها ضعيف.
(8/417)

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ثبت عنه أنه قال: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: ربنا أرنا أبانا آدم الذي أخرجنا من الجنة.
فقال له: أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، فبكم تجد علي مكتوباً قبل أن أخلق: {وعصى آدم ربه فغوى} ؟ قال: بأربعين خريفاً.
قال: فحج آدم موسى» .
فبهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وهو مروي بإسناد جيد من حديث عمر.
فلما توهم من توهم أن ظاهره أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب، اضطربوا فيه: فكذب به طائفة من القدرية كالجبائي، وتأوله طائفة من أهل السنة تأويلات ضعيفة قصداً لتصحيح الحديث، ومقصودهم صحيح.
لكن طريقهم في رد قول القدرية وتفسير الحديث ضعيفة، كقول بعضهم إنما حجه لكونه أباه، وقول الآخر: لكونه كان قد تاب، وقول الآخر: لكون الذنب كان في شريعة والملام في أخرى، وقول الآخر: حجة لأن الاحتجاج به كان في الآخرة
(8/418)

دون الدنيا، وقول الآخر: الاحتجاج بالقدر ينفع الخاصة المشاهدين لجريان القدر عليهم دون العامة، فإن الحديث صريح بأن آدم احتج بالقدر وحج به موسى.
وأيضاً فموسى أعلم من أن يلوم تائباً، وموسى وآدم أعلم من أن يظنا أن القدر حجة لأحد في ذنب، فإن هذا لو كان حقاً لكان حجةً لإبليس وفرعون، وكل كافر وفاسق.
وكذلك قول من قال: إن الأحتجاج بالقدر لا يجوز في الدنيا بل بعد الموت قول باطل، أو احتجاج الخاصة به سائغ، فإنه قول باطل، فإن الأنبياء جميعهم تابوا من ذنوبهم ولم يحتج أحد منهم بالقدر، ووقع العتب والملام بسبب الذنب، كما حقق الله ذلك في القرآن، ولكن موسى لام آدم لما حصل له وللذرية من الشقاء بالخروج من الجنة، كما في الحديث: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فلامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بسببه، لا من جهة كونه عصى الأمر أو لم يعصه، فإن هذا أمر قد تاب الله عليه منه، واجتباه ربه وهداه، فأخبر آدم بأن القدر قد سبق بذلك، فما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، ما أخطاه لم يكن ليصيبه.
كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم
(8/419)

إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} ، وقال: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} .
قال طائفة من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
فالعبد مأمور بالصبر عند المصائب نظراً إلى القدر، وأما عند الذنوب فمأمور بالاستغفار.
فحج آدم موسى لأن ما أصابهم من المصيبة كانت مقدرة هي وسببها.
فلا بد أن يصيبهم ذلك، فلا فائدة من ملام لا يدفع المصيبة المقدرة بعد وقوعها، وإنما الفائدة في الرجوع إلى الله.
ومثل هذا قول أنس في الحديث الصحيح: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي شيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته، وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان» .
ومن هذا قوله في الحديث الصحيح: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت
(8/420)

لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن اللو تفتح عمل الشيطان» .
والمقصود هنا أنهم تشعبوا في حديث الفطرة كتشبعهم في حديث الحجة.
وأصل مقصودهم من الإيمان بالقدر صحيح، لكن لا يجب مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله، ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليل.
وكثيراً ما يقع لمن هو من أهل الحق - في أصل مقصوده، وقد أخطأ في بعض الأمور - هذا المجرى، مثل أن يتكلموا في مسألة، فإذا أرادوا أن يجيبوا عن حجج المنازعين ردوها رداً غير مستقيم.
وما ذكروه من أن الله فطرهم على الكفر والإيمان، والمعرفة والنكرة: إن أرادوا به أن الله سبق علمه وقدره بأنهم سيؤمنون ويكفرون، ويعرفون وينكرون، وأن ذلك كان بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فهذا حق يرده القدرية، فغلاتهم ينكرون العلم، وجمهورهم ينكرون عموم خلقه وممشيئته وقدرته، وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنكرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق، كما في ظاهر المنقول عن إسحاق، فهذا يتضمن شيئين: أحدهما: أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجوداً فيهم، كما قال ذلك
(8/421)

طوائف من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه.
والآية في تفسيرها نزاع ليس هذا موضعه، وكذلك في وجود الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان.
لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقاً، فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإقرار، فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة، وأن الله خلق خلقه حنفاء، بل هو مؤيد لذلك.
وأما قول القائل: إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى: طائع وكاره، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم، إلا عن السدي في تفيسره.
قال السدي في قول الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} .
قالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة، قبل أن يهبطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي.
(8/422)

فذلك قوله: وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.
ثم أخذ منهم الميثاق فقال: {ألست بربكم قالوا بلى} .
فأطاعه طائفة طائعين وطائفة كارهين، على وجه التقية.
فقال هو والملائكة: {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} ، فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه.
وذلك قوله عز وجل: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ، وذلك قوله: {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} يعني يوم أخذ الميثاق.
فهذا الأثر إن كان حقاً ففيه أن كل ولد آدم يعرف الله، فإذا كانوا ولدوا على هذه النطفة فقد ولدوا على المعرفة، ولكن فيه أن بعضهم أقر كارهاً مع المعرفة، بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره ولا يقر به إلا مكرهاً، وهذا لا يقدح في كون المعرفة فطرية، مع أن هذا لم يبلغنا إلا في هذا الأثر، ومثل هذا لا يوثق به.
فإن هذا في مثل تفسير السدي، وفيه أشياء قد عرف بطلان بعضها، إذ كان السدي - وإن كان ثقة في نفسه - فهذه الأشياء أحسن أحوالها أن تكون كالمراسيل، إن كانت أخذت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كان فيها ما هو مأخوذ عن أهل الكتاب الذين يكذبون كثيراً؟ وقد عرف أن فيها شيئاً كثيراً مما يعلم أنه باطل، لا
(8/423)

سيما ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تسوي بين جميع الناس في ذلك الإقرار.
وقول الله تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ، إنما هو في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لم يقل: إنهم حين العهد الأول أسلموا طوعاً وكرهاً.
يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله حجة عليهامن عند من يثبته ولو كان فيهم كاره لقال: لم أقل ذلك طوعاً بل كرهاً، فلا تقوم عليه به حجة.
وأما احتجاج إسحاق رحمه الله، بقول أبي هريرة: اقرأوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ، قال إسحاق: نقول: لا تبديل للخلقة التي جبل عليها.
فهذه الآية فيها قولان: أحدهما: أن معناها النهي، كما تقدم عن ابن جرير أنه فسرها بالنهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده، وهذا قول غير واحد من المفسرين الذين لم يذكروا غيرهم كالثعلبي والزمخشري.
والثاني: ما قاله إسحاق: وهو أنه خبر على ظاهرها، وأن خلق الله
(8/424)

لا يبدله أحد.
وظاهر اللفظ أنه خبر فلا يجعل نهياً بغير حجة، وهذا أصح.
وحينئذ فيقال: المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تبدل، فلا يخلقون على غير الفطرة، لا يقع هذا قط.
والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع، ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا مجدوعة.
وقد قال تعالى عن الشيطان: {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} ، فالله أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته.
وأما تبديل الخلق، بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة، فهذا لا يقدر عليها إلا الله، والله لا يفعله، كما قال: {لا تبديل لخلق الله} ، ولم يقل: لا تغيير، فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله، فلا يكون خلق بدل هذا الخلق، ولكن إذا غير بعد وجوده، لم يكن الخلق الموجود عند الولادة قد حصل بدله.
وأما قول القائل: لا تبديل للخلقة التي جبل عليه ولد آدم كلهم من كفر وإيمان، فإن عنى بها أن ما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه، فهذا حق.
ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير مقدور، بل العبد قادر على ما أمره الله به
(8/425)

من الإيمان، وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر، وعلى أن يبدل حسناته بالسئيات بالتوبة، كما قال تعالى: {إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم} .
و {أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} .

تعليق ابن تيمية
وهذا التبديل كله هو بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة، فإن ذاك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره، وهو سبحانه لا يبدله قط، بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس، فإنه يبدله دائماً، والعبد قادر على تبديله بإقدار الله له على ذلك.
ومما يبين ذلك أنه قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ، فهذه فطرة محمودة، أمر الله بها نبيه، فكيف يكون فيها كفر وإيمان مع أمر الله تعالى بها؟ وهل يأمر الله تعالى قط بالكفر؟.
وقد تقدم تفسير السلف: لا تبديل لخلق الله تعالى، بأنه: دين الله، أو تبديل خلق الحيوان بالخصاء ونحوه، ولم يقل أحد منهم إن المراد: لا تبديل لأحوال العباد من إيمان إلى كفر ولا من كفر إلى إيمان، إذ تبديل ذلك موجود، ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر، والله تعالى عالم بما
(8/426)

سيكون، لا يقع خلاف معلومه، لكن إذا وقع التبديل كان هو الذي علمه، وإن لم يقع كان عالماً بأنه لا يقع.
وأما قوله: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً.
فالمراد به: كتب وختم، وهذا من طبع الكتاب، وإلا فاستنطاقهم بقوله: {ألست بربكم قالوا بلى} ، ليس هو طبعاً لهم، فإنه ليس بتقدير ولا خلق.
ولفظ (الطبع) لما كان يستعمله كثير من الناس في الطبيعة، التي هي بمعنى الجبلة والخليقة، ظن الظان أن هذا مراد الحديث.
وهذا الغلام الذي قتله الخضر قد يقال فيه: إنه ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير مكلف، بل ولا ما يبين أنه كان غير بالغ، ولكن قال في الحديث الصحيح: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً.
وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد، فإن كان بالغاً - وقد كفر - فقد صار كافراً بلا نزاع، وإن كان مكلفاً قبل الاحتلام في تلك الشريعة، أو على قول من يقول: إن المميزين مكلفون بالإيمان قبل الاحتلام، كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه، من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم - أمكن أن يكون
(8/427)

مكلفاً بالإيمان قبل البلوغ، ولو لم يكن مكلفاً، فكفر الصبي المميز صحيح عند أكثر العلماء، فإذا ارتد الصبي المميز صار مرتداً، وإن كان أبواه مؤمنين، ويؤدب على ذلك باتفاق العلماء أعظم مما يؤدب على ترك الصلاة، لكن لا يقتل في شريعتنا حتى يبلغ.
فالغلام الذي قتله الخضر: إما أن يكون كافراً بالغاً كفر بعد البلوغ فيجوز قتله، وإما أن يكون كافراً قبل البلوغ وجاز قتله في تلك الشريعة، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبي الكافر في ديننا، إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل.
بل الصبي الذي يقاتل المسلمين يقتل، فقتل الصبي الكافر المميز يجوز لدفع صباله الذي لا يندفع إلا بالقتل.
وأما قتل صبي لم يكفر بعد، بين أبوين مؤمنين، للعلم بأنه إذا بلغ كفر وفتن، فقد يقال إنه ليس في القرآن ما يدل عليه، ولا في السنة.
وقد يقال: بل في السنة ما يدل عليه، ومنه قول ابن عباس لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان: إن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وإلا فلا.
رواه مسلم.
(8/428)

والمعلوم من الكتاب والسنة لا يعارض إلا بما يصلح أن يعارض به.
ومن قال بالأول يقول: إن الله تعالى لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه، ولا هو سبحانه يعاقب العباد بما يعلم أنهم سيعماونه حتى يفعلوه.
ويقول قائل هذا القول: إنه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه عموم الناس، وإنما فيها علمه بأسباب لم يكن علم بها موسى، مثل علمه بأن السفينة لمساكين ووراءهم ملك ظالم، وهذا أمر يعلمه غيره.
وكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين، وأن أباهما كان رجلاً صالحاً، هذا مما قد يعلمها كثير من الناس، فكذلك كفر الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه، لكن لحبهما له لا ينكران عليه، أو لا يقبل منهما الإنكار عليه.
فإن كان الأمر على ذلك، فليس في الآية حجة أصلاً، وإن كان ذلك الغلام لم يكفر بعد أصلاً، ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كفر.
فهذا أيضاً يبين أنه قتل قبل أن يصير كافراً، ومن قال هذا يقول: إنه قتل دفعاً لشره.
كما قال نوح: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}
(8/429)

فقد دعا نوح عليها السلام بهلاكهم لدفع شرهم في المستقبل، وعلى هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافراً.
وقول ابن عباس: وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين، ظاهره أنه كان حينئذ كافراً.
وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» أنه أراد به مجرد الإلحاق في أحكام الدنيا، دون أن يكون أراد أنهما يغيران الفطرة، فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث، فإنه شبه تكفير الأطفال بجدع البهائم تشبيهاً للتغيير بالتغيير.
وأيضاً فإنه ذكر الحديث لما قتلوا أولاد المشركين ونهاهم عن قتلهم، وقال أليس خياركم أولاد المشركين؟ كل مولود يولد على الفطرة.
فلو أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم، يقولون: هم كفار كآبائهم فنقتلهم.
وكون الصغير يتبع أباه في أحكام الدنيا، هو لضرورة حياته في الدنيا، فإنه لا بد من مرب يربيه، وإنما يربيه أبواه، فكان تابعاً لهما ضرورة ولهذا متى سبي منفرداً عنهما صار تابعاً لسابيه عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وغيرهم، لكونه هو الذي يربيه.
وإذا سبي منفرداً عن أحدهما أو معهما، ففيه نزاع للعلماء.
(8/430)

واحتجاج الفقهاء، كأحمد وغيرهم، بهذا الحديث على أنه متى سبي منفرداً عن أبويه يصير مسلماً، لا يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين مجرد لحاقه بهما في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا ولد على الملة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن الفطره، فمتى سباه المسلمون منفرداً عنهما، لم يكن هناك من يغير دينها، وهو مولود على الملة الحنيفية، فيصير مسلماً بالمقتضى السالم عن المعارض، ولو كان الأبوان يجعلانه كافراً في نفس الأمر بدون تعليم وتلقين، لكان الصبي المسبى بمنزلة الكافر.
ومعلوم أن الكافر البالغ إذا سباه المسلمون لم يصر مسلماً، لأنه صار كافراً حقيقة.
فلو كان الصبي التابع لأبويه كافراً حقيقة، لم ينتقل عن الكفر بالسباء، فعلم أنه كان يجزي عليه حكم الكفر في الدنيا تبعاً لأبويه، لا لأنه صار كافراً في نفس الأمر.
يبين ذلك أنه لو سباه كفار، لم يكن معه أبواه ولم يصر مسلماً، فهو هنا كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوداه ونصراه ومجساه.
فعلم أن المراد بالحديث أن الأبوين يلقنانه الكفر ويعلمانه إياه.
وذكر صلى الله عليه وسلم الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال، فإن كل طفل غير فلا بد له من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما، بخلاف ما إذا ماتا أو عجزا لسبي الولد عنهما أو غير ذلك.
(8/431)

ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكراً وإما كفوراً» .
فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يثبت له أحد الأمرين، ولو كان كافراً في الباطن بكفر الأبوين، لكان ذلك من حين يولد، قبل أن يعرب عنه لسانه.
وكذلك قوله في الحديث الآخر الصحيح، حديث عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم وحرمت عليهم الحلال وأمرتهم بالشرك، فلو كان الطفل يصير كافراً في نفس الأمر من حين يولد، لكونه يتبع أبويه في الدين قبل أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه إياه، لم يكن الشياطين هن الذين غيروهم عن الحنيفية وأمروهم بالشرك، بل كانوا مشركين من حين ولدوا تبعاً لآبائهم.
ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آبائهم محاربين، وغير ذلك - صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به.
(8/432)

ومن هنا قال من قال: إن هذا الحديث - هو قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» كان قبل أن تنزل الأحكام، كما ذكره أبوعبيد، عن محمد بن الحسن، فأما إذا عرف أن كونهم ولدوا عى الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعاً، لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.
وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه من لا يعلم المسلمون حاله، إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه ولا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير حكام الدار الدنيا.
وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» إنما أراد به الإخبار بالحقيقة التي خلقوا عليها، وعليها الثواب والعقاب في الآخرة، إذا عمل بموجبها وسلمت عن المعارض، لم يرد له الإخبار بأحكام الدنيا، فإنه قد علم بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار يكونون تبعاً لآبائهم في أحكام الدنيا، وأن أولادهم لا ينتزعون منهم إذا كان للآباء ذمة، وإن كانوا محاربين استرقت أولادهم ولم يكونوا كأولاد المسلمين.
ولا نزاع بين المسلمين أن أولاد الكفار الأحياء مع آبائهم، لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما، هل يحكم بإسلامه؟ فعن
(8/433)

أحمد رواية أنه يحكم بإسلامه، لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، فإذا مات أبواه بقى على الفطرة.
والرواية الأخرى كقول الجمهور: إنه لا يحكم بإسلامه.
وهذا القول هو الصواب، بل هو إجماع قديم من السلف والخلف، بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها.
فقد عليم أن أهل الذمة كانوا على عهد النبي صلى الله علي وسلم بالمدينة، ووادي القرى، وخيبر، ونجران، وأرض اليمن وغير ذلك، وكان فيهم من يموت وله ولد صغير، ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام يتامى أهل الذمة.
وكذلك خلفاؤه كان أهل الذمة في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان، وفيهم من يتامى أهل الذمة عدد كثير، ولم يحكموا بإسلام أحد منهم، فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضاً، فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون حضانة أولادهما.
وأحمد رضي الله عنه يقول: إن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل، مع قوله في إحدى الروايتين: إنه يصير مسلماً، لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثونهم، ولأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث، لم يحصل قبله.
والقول الآخر هو الصواب كما تقدم.
(8/434)

والمقصود هنا أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» لم يرد به في أحكام الدنيا، بل في نفس الأمر، وهو ما يترتب عليه الثواب والعقاب، ولهذا لما قال هذا، سألوه فقالوا: يا رسول الله: أرأيت من يموت من أطفال المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
فإن من بلغ منهم فهو مسلم أو كافر، بخلاف من مات.
وقد تنازع الناس في أطفال المشركين على أقوال: فقالت طائفة: إنهم كلهم في النار.
وقالت طائفة: كلهم في الجنة.
وكل واحد من القولين اختاره طائفة من أصحاب أحمد.
الأول: اختاره القاضي أبي يعلى وغيره، وحكوه عن أحمد، وهو غلط على أحمد كما أشرنا إليه.
والثاني: اختاره أبو الفرج بن الجوزي وغيره.
ومن هؤلاء من يقول: هو خدم أهل الجنة.
ومنهم من قال: هم من أهل الأعراف.
والقول الثالث: الوقف فيهم.
وهذا هو الصواب الذي دلت عليها الأحاديث الصحيحية، وهو منصوص أحمد وغيره من الأئمة.
وذكره ابن عبد البر عن حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك وإسحاق بن راهويه.
قال: وعلى ذلك أكثر أصحاب مالك، وذكر أيضاً في أطفال المسلمين نزاعاً ليس هذه موضعه.
(8/435)

لكن الوقف قد يفسر بثلاثة أمور:
أحدها: أنه لا يعلم حكمهم، فلا يتكلم فيهم بشيء، وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى النسة، وقد يقال: إن كلام أحمد يدل عليه.
والثاني: أنه يجوز أن، يدخل جميعهم الجنة، ويجوز أن يدخل جميعهم النار.
وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الكلام وغيرهم، من أصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم.
والثالث: التفصيل، كما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بما كانوا عاملين» فمن علم الله منه أنه إذا بلغ أطاع أدخله الجنة، ومن علم منه أن يعصي أدخله النار.
ثم من هؤلاء من يقول: إنهم يجزيهم بمجرد علمه فيهم، كما يحكى عن أبي العلاء القشيري المالكي.
والأكثرون يقولون: لا يجزي على علمه بما سيكون حتى يكون، فيمتنحهم يوم القيامة، ويمتحن سائر من لم تبلغه الدعوة في الدنيا، فمن أطاع حينئذ دخل الجنة ومن عصى دخل النار.
(8/436)

وهذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم.
وقد روي به آثار متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم حسان يصدق بعضها بعضاً، وهو الذي حكاه الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه، وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة بالكتاب والسنة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أن الله لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً.
والمقصود هنا الكلام على الأقوال المذكورة في تفسير هذا الحديث، وقد تبين ضعف قول من قال: الفطرة: الكفر والإيمان، وأن الإقرار كان من هؤلاء طوعاً، ومن هؤلاء كرهاً.
ومما يضعف هذا القول طائفة أخرى بأن جميع أولئك كان إقرارهم جميعهم له بالربوبية من غير تفصيل بطوع وكره.

تعليق ابن تيمية
قال ابن عبد البر: (وقال آخرون: معنى الفطرة المذكورة في المولدين ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق، قبل أن يخرجوا إلى الدنيا، يوم استخرج ذرية آدم من ظهره، فخاطبهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
فأقروا جميعاً له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار.
(8/437)

قالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرةً ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل يدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخضوع، تصديقاً بما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف، لأنه لم يكن الله يدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم يعرفهم نفسه، لأنه كان حينئذ يكون قد كلفهم الإيمان بما لا يعرفون.
قالوا: وتصديق ذلك قول الله عز وجل: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ، وذكروا ما ذكره السدي عن أصحابه) كما تقدم.
وروى بإسناده في التفسير المعروف عن أبي جعفر الرازي (عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله عز وجل: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} إلى قوله: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} .
(8/438)

قال: فجعلهم جميعاً أرواحاً، ثم صورهم، ثم استنطقهم فقال: ألست بربكم؟.
قالوا: بلى شهدنا، أن يقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا.
قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، ولا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك.
قال: فإني أرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا بوعدي، وإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي.
قال: فأخذ عهدهم وميثاقهم، ورفع أباهم آدم، فرأى منهم الغني والفقير، وحسن الصورة، وغير ذلك، فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؟ قال: أحببت أن أشكر.
قال: والأنبياء يومئذ بينهم مثل السرج.
وقال: وخصوا بميثاق آخر للرسالة أن يبلغوها.
قال: فهو قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} .
قال: وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها) .
قال: (وذلك قوله: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن
(8/439)

وجدنا أكثرهم لفاسقين} .
قال: (فكان في علم الله من يكذب به ومن يصدق.
قال: وكان روح الله عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم) .
فهذا القول يحقق القول الأول في أن كل مولود يولد على الفطرة، التي هي المعرفة بالله والإقرار به، وفيه زيادة: أن ذلك كان قد حصل لهم قبل الولادة حين استخرجوا من صلب آدم.
وقد فسر (فطرة الله) في الحديث بذلك.
وأما قول صاحب هذا القول: (إن هذا الإقرار ليس هو بإيمان يستحق عليه الثواب) فهذا لا يضر، فإنه قد بين فيه أن المعرفة بالله ضرورية، وأنه بذلك صح أن يأمرهم، فإن المأمور إن لم يعرف الآمر امتنع أن يعرف أنه أمره.
ولو لم تكن المعرفة ثابتة في الفطرة لكان الرسول إذا قال لقومه: أدعكم إلى الله، لقالوا مثل ما قال فرعون: وما رب العالمين؟ إنكاراً له وجحداً، كأن يكون قولهم متوجهاً.
وفرعون لم يقل هذا لعدم معرفته في الباطن بالخالق، لكن أظهر خلاف ما في نفسه.
كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ، وكما قال له موسى: {لقد علمت
(8/440)

ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} .
ولهذا قال تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} ، فأخبر تعالى أن أولئك المكذبين لما قالوا: {إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم أفي الله شك} .
وهذا استفهام إنكار بمعنى النفي والأنكار على من لم يقر بهذا النفي.
والمعنى: ما في الله شك، وأنتم تعلمون أنه ليس في الله شك، ولكن تجحدون انتفاء الشك جحوداً تستحقون أن ينكر عليكم هذا الجحد.
فدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار، وإلا فالأمر النظري مسلتزم للشك قبل العلم، لا سيما إذا كانت طرقة خفيةً طويلة، فكل من لم يعرف تلك الطرق يشك فيه، فإن كان لا طريق للمعرفة إلا طريقة الأعراض وطريقة الوجود ونحو ذلك، فالشك في الله حاصل لمن لم يعرف هذه الطرق، وهم
(8/441)

جمهور الخلق، بل ولأكثر من سلك هذه الطرق أيضاً إذا عرف حقيقتها.
قال ابن عبد البر: (وقال آخرون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة» لم يرد رسول الله عليه وسلم بذكر الفطرة ها هنا كفراً ولا إيماناً، ولا معرفة ولا إنكاراً، وإنما أراد أن كل مولود يولد على السلامة خلقةً وطبعاً وبنيةً، ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا.
واحتجوا بقوله في الحديث: «كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء» يعني سالمة: «هل تحسون فيها من جدعاء» يعني مقطوعة الأذن.
فمثل قلوب بني آدم بالبهائم، لأنها تولد كاملة الخلق، لا يتبين فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحاير وهذه سوايب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس لهم كفر حينئذ ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم السالمة، فلما بلغوا
(8/442)

استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم، قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمرهم، ما انتقلوا عنه أبداً، وقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون.
قالوا: ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفراً أو إيماناً، لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون فيها شيئاً.
قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} فمن لم يعلم شيئاً استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار.
قال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الولدان عليها، وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة، بدليل قوله في حديث عياض بن حمار: إني خلقت عبادي حنفاء، يعني على استقامة وسلامة، فكأنه - والله أعلم - أراد الذين خلصوا من الآفات
(8/443)

كلها والزيادات، ومن المعاصي والطاعات، فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما.
ومن الحجة أيضاً في هذا قول الله تعالى: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} ، {كل نفس بما كسبت رهينة} ، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء.
قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
قلت: هذا القائل إن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحداً منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام - فهذا قول فاسد، لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه، فلما ذكر أن أبوه يكفرانه، وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام، علم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل غير حكم الكفر.
وأيضاً فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب، ولا استقامة ولا زيغ، إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة، وليس هو بأحدهما
(8/444)

أولى منه بالآخر، كما أن الرق قبل الكتابة فيه لا يثبت له حكم مدح كالمصحف، ولا حكم ذم القرآن مسيلمة، والتراب قبل أن يبنى مسجداً أو كنيسة، لا يثبت له حكم واحد منهما.
ففي الجملة كل ما كان قابلاً للممدوح والمذموم على السواء، لم يستحق مدحاً ولا ذماً.
والله تعالى يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ، فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا يكون فيها مدح ولا ذم؟.
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن.
ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم، فكيف تكون فبل النقص لا محمودة ولا مذمومة؟.
وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من الناس، من أن المراد: أنهم ولدوا على الفطرة السليمة، التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة - فهذا القول قد يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله، فإنه صاحبه يقول: في الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما
(8/445)

في البدن السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها، لكن يقال: فهذا الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة يتعلمها من خارج؟.
فإن كانت المعرفة تقف على أدلة يتعلمها من خارج، أمكن أن توجد تارة وتعدم أخرى، ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجباً للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفاً ومذكراً، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة، كانت المعرفة واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب وإلا فلا، وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك.
ومعلوم أن فيها قبول الإنكار والكفر، إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك، وهو التهويد والتنصير والتمجيس.
وحينئذ فلا فرق بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج.
وهذا القسم الأول الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة، وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس، من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس
(8/446)

بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال مالا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلاً لكل مولود، وهو المطلوب.
والمقتضى التام يستلزم مقتضاه، فتبين أن أحد الأمرين لازم: إما لكون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وإلا استوى الكفر والإيمان بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها.
وتلخيص النكتة أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب، فإما أن تكون هو موجبة مسلتزمة له، وإما أن يكون ممكناً بالنسبة إليها، ليس بواجب لازم لها.
فإن كان الثاني، لم يكن فرق بين الكفر والإيمان، إذ كلاهما ممكن بالنسبة إليها.
فتبين أن المعرفة لازمة واجبة لها، إلا أن يعارضها معارض.
فإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة، ولكنها إليها أميل، مع قبولها للنكرة.
قيل: فحينئذ إذا لم تسلتزم المعرفة، وجبت تارة وعدمت أخرى.
وهي وحدها لا تحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام كالتهويد والتنصير والتمجيس.
ومعلوم أن هذه الأنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس،
(8/447)

ولكن مع ذلك لما لم تكن الفطرة مقتضية لشيء منها، أضيفت إلى السبب، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام، صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس، فوجب أن تذكر كما ذكر ذلك.
وهذا كما أن الفطرة لو لم تقتض الأكل عند الجوع - مع القدرة عليه - لم يوجد الأكل إلا بسبب منفصل.
والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللبن بالفطرة، لما عرض عليه الخمر واللبن واختار اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو أخذت الخمر لغوت أمتك.
والطفل مفطور على أن يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزم أن يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية له لا محالة إذا لم يوجد معارض.
وأيضاً فإن حب النفس وخضوعها لله وإخلاص الدين له، مع
(8/448)

الكبر والشرك والنفور، إما أن يكون نسبتها إلى الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني.
فإن كانا سواء، لزم انتفاء المدح كما تقدم، ولم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها، وقد عرف بطلان هذا.
وإن كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون المقتضى مسلتزماً لمقتضاة عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقفاً على شخص خارج عنها.
فإن كان الأول، ثبت أن ذلك من لوازمها، وأنه مفطورة عليه، لا تفقد إلا إذا فسدت الفطرة.
وإن قيل: إنه متوقف على شخص، فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية.
وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا.
وإذا قيل: هي إلىالحنيفية أميل، كان كما يقال: هي إلى النصرانية أميل.
فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله، والذل له، وإخلاص الدين له، وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه.

تعليق ابن تيمية
ومما يبين هذا أن كل حركة إرادية، فإن الموجب لها قوة في المريد، فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين، كان فيه قوة تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل، ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد، فما في النفوس من
(8/449)

قوة المحبة له - إذا شعرت به - يقتضي حبه إذا لم يحصل معارض.
وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك.
وإذا كان كذلك، وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والذل له، وإخلاص الدين له، وأن فيها قوة الشعور به - لزم قطعاً وجود المحبة فيها، والذل بالفعل لوجود المقتضى الموجب إذا سلم عن المعارض، وعلم أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل يكلمها بكلام، وإن كان وجود هذا قد يذكر ويحرك، كما لو خوطب الجائع بوصف طعام، أو خوطب المغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكر ويحرك، لكن لا يجب ذلك في وجود الشهوة للطعام ووجود الأكل.
فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذل له ومحبته، وإن كان ذلك مذكراً ومحركاً، أومزيلاً للمعارض المانع، لكن المقصود أنه لا يحتاج حصول ذلك في الفطرة إليه مطلقاً.
وأيضاً فالإقرار بالصانع بدون عبادته، بالمحبة له والذل له وإخلاص الدين له، لا يكون نافعاً، بل الإقرار مع البعض أعظم استحقاقاً للعذاب، فلا بد أن يكون في الفطرة مقتض للعلم، ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم، فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه، والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج، بل هو جبلي فطري، وإذا كانت
(8/450)

المحبة جبلية فطرية، فشرطها - وهو المعرفة أيضاً - جبلي فطري، فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به.
وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها، وهو فطرة الله التي أمر الله بها.
وأيضاً فإذا كانت المحبة فطرية، وهي مشروطة بالشعور، لزم أن يكون الشعور أيضاً فطرية، والمحبة له أيضاً فطرية، لأنها لو لم تكن فطرية، لكانت النفس قابلة لها ولضدها على السواء، وهذا ممتنع كما تقدم.
وإذا كانت في الفطرة أرجح، لزم وجودها في الفطرة، وإلا كانت ممكنة الحصول وعدمه، كما في المجوسية وغيرها من الكفر، فتبقى الحنيفية مع المجوسية، كاليهودية مع المجوسية، وهذا باطل كما تقدم.
فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مسلتزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال، هذه الأحوال لازمة لها، وهو المطلوب.
قال أبو عمر: (قد مضى في الفطرة ومعناها عند العلماء ما بلغنا عنهم والحمد لله، وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله العلماء في تأويل
(8/451)

قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية، قالوا: ما أخذ الله من آدم ولا من ذريته ميثاقاً قط قبل خلقه إياهم، وما خلقهم قط إلا في بطون أمهاتهم، وما استخرج قط من ظهر آدم ذرية تخاطب، ولو كان ذلك لأحياهم ثلاث مرات.
والقرآن قد نطق عن أهل النار: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} من غير إنكار عليهم.
وقال تعالى تصديقاً لذلك: {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} قالوا: وكيف يخاطب الله عز وجل من لا يعقل؟ وكيف يجيب من لا عقل له؟ أم كيف يحتج عليه بميثاق لا يذكرونه؟ أم كيف يؤاخذون بما قد نسوه ولم يذكروه، ولا يذكر أحد أن ذلك عرض له أو كان منه؟.
(8/452)

قالوا: وإنما أراد الله بقوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} إخراجه إياهم في الدنيا، وخلقه لهم، وإقامة الحجة عليهم، بأن فطرهم ونبأهم فطرة: إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ربهم.
ثم اختلف القائلون بهذا كله في المعرفة: هل تقع ضرورة أو اكتساباً.
على ما قد ذكرنا في غير هذا المكان) .
قلت: ليس المقصود هنا الكلام على هذه الآية وتفسيرها، والكلام في معرفة حاصلة قبل الولادة أو نفيها، بل المقصود إثبات المعرفة الفطرية الحاصلة بعد الولادة، وإذا كان من نفاة الأول من يقول: إن هذه ضرورية، فكيف بمن أثبت الثنتين، وهذه الأقوال التي ذكرها منها اثنان من جنس، وهو قول من يقول: ولدوا على ما سبق به القدر، أو على ذلك، وكانوا مفطورين عليه من حين الميثاق الأول، منهم مقر طوعاً وكرهاً، أو اثنان من جنس، وهو قول من يقول: ولدوا
(8/453)

قادرين على المعرفة، وقول من يقول: ولدوا قابلين لها وللتهود والتنصر، إما من التساوي، وإما مع رجحان القبول للإسلام.
وأما من قول من يقول: ولدوا على فطرة الإسلام، أو علىالإقرار بالصانع، وإن لم يكن ذلك وحده أيماناً، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق عليهم - فهذه الثلاثة لا منافاة بينها، بل يحصل بها المقصود.
والكتاب - والسنة - دل على ما اتفقت عليه من كون الخلق مفطورين على دين الله، الذي هو معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم، وبمقتضاها يجب حصوله فيها، إذا لم يحصل ما يعوقها، فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء مانع.
ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لموجب الفطرة شرطاً، بل ذكر ما يمنع موجبها، حيث قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} ، فأخبر أن المشركين مفترقون.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه لا تشركوه به شيئاً، وأنت تعتصموا بحبل الله جميعاً
(8/454)

ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» .
وقد قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} .
وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} .
وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} .
وأصل الدين الذي فطر الله عليه عباده، كما قال: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً.
فهو يجمع أصلين:
أحدهما عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما يعبد بما أحبه وأمر به، وهذا هو المقصود الذي خلق الله له الخلق، وضده الشرك والبدع.
والثاني: حل الطيبات التي يستعان لها على المقصود، وهو الوسيلة.
وضدها تحريم الحلال.
والأول كثير في النصارى، والثاني - وهو تحريم الطيبات - كثير في اليهود، وهما جميعاً في المشركين.
(8/455)

ولهذا ذم الله تعالى المشركين على هذين النوعين في غير موضع من كتابه، كسورة الأنعام والأعراف، يذكر فيها ذمهم على ما حرموه من المطاعم والملابس وغير ذلك، وذمهم على ما ابتدعوه من العبادات التي لم يشرعها الله تعالى.
وفي الحديث: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» ، فنعبده وحده بفعل ما أحبه، ونستعين على ذلك بما أحله.
كما قال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} .
وهذا هو الدين الذي فطر الله عليه خلقه، فإنه محبوب لكل أحد، فإنه يتضمن الأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب، والنهي عن المنكر الذي تبغضه، وتحليل الطيبات النافعة، وتحريم الخبائث الضارة.

الأدلة العقلية تدل على أن كل مولود يولد على الفطرة
وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن «كل مولود يولد على الفطرة» ، مما تقوم الأدلة العقلية على صدقه، كما أخبر الصادق المصدوق، وتبين أن من خالف مدلول هذا الحديث فإنه مخطىء في ذلك.
وبيان ذلك من وجوه:
(الوجه الأول)
أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له تارة من
(8/456)

الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، فإن اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهو الحق، وقد تكون غير مطابقة وهو الباطل.
والخبر عن هذا صدق وعن هذا كذب.
والإرادات تنقسم إلىما يوافق مصلحته، وهو جلب المنفعة له، وإلى ما لا يوافق مصلحته بل يضره.
فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة.
ولهذا «قال صلى الله عليه وسلم: أصدق الأسماء: الحارث وهمام، وأحبها إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها: حرب ومرة» ، فإن الإنسان لا بد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية، ولا بد من أن يهم بالأمور: منها ما يهم به ويفعله، ومنها ما يهم به ولا يفعله، فإن كان المراد موافقاً لمصلحته كانت الإرادة حسنة محمودة، وإن كان مخالفاً لمصلحته كانت الإرادة سيئة مذمومة، كمن يريد ما يضر عقله ونفسه وبدنه.
وإذا كان الإنسان تارةً تكون تصديقاته وإراداته حسنة محمودة، وتارة تكون سيئة، فلا يخلو: إما أن تكون نسبة نفسه إلى النوعين نسبة
(8/457)

واحدة بحيث لا يترجح أحد الصنفين على الآخر بمرجح من نفسه، أو لا بد أن تكون نفسه مرجحة لأحد النوعين.
فإن كان الأول، لزم أن لا يوجد أحد الصنفين إلا بمرجح منفصل عنه، ثم ذلك المرجح المنفصل إذا قدر مرجحان: أحدها يرجح الصدق الذي ينفعه، والآخر يرجح الكذب الذي يضره، فإما أن يتكافأ المرجحان، أويترجح أحدهما، فإن تكافأ المرجحان لزم أن لا يحصل واحد منهما، وهو خلاف المعلوم بالضرورة، فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق، وأن ينتفع، وأن يكذب وتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع وإذا كان لا بد من ترجيح أحدهما فترجح الكذب الضار - مع فرض تساوى المرجحين أولى بالامتناع من تكافيهما، فعين أنه تكافأ المرجحان فلا بد أن يترجح عنده الصدق والنفع، وهو المراد باعتقاد الحق وإرادة الخير.
فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع، وحينئذ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق أو نقضيه؟ والثاني معلوم الفساد قطعاً، فتعين الأول.
وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به.
وأيضاً فإنه مع الإقرار به، إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته، والثاني معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له، كان في فطرته محبة ما ينفعه.
(8/458)

وأيضاً فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس علماً وقصداً، أو الإشراك به، والثاني معلوم الفساد، فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده.
وأيضاً فأما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين، أو الإسلام مرجوحاً أو راجحاً.
والأول والثاني باطلاق باتفاق المسملين، وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة، سواء كانت نسبة قدرة، أو نسبة قبول.
وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ومحبته، وإخلاص الدين له، فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل، مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل.
فإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفاً على مخاطب منفصل دائماً، فلا يحصل بدونه البتة.
ثم القول في حصول موجبها لذلك المخاطب المنفصل، كالقول في الأول، وحينئذ فيلزم التسلسل في المخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهو أيضاً مخاطبون، وهذا تسلسل في الفاعلين، وهو ممتنع.
وإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل، دل على إمكان ذلك في الفطرة، فبطل هذا التقدير: وهو كون
(8/459)

موجب الفطرة لا يحصل قط إلا لمخاطب منفصل.
وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل، علم أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك، وأن ذلك ليس موقوفاً على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضى معارض مانع، وهذا هو الفطرة.
وهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنياً عن مخاطب منفصل في حصول موجب الفطرة، لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك، لكن إذا عرف أن ما جاز على أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع، أمكن ذلك في حق كل شخص، وهو المطلوب.

الوجه الثاني
أن يقال: إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته، حصل المقصود بذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة: كالتعليم والتخصيص.
فإن الله قد بعث الرسل، وأنزل الكتب، ودعوا الناس إلى موجب الفطرة: من معرفة الله وتوحيده، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة، وإلا استجابت لله ورسله، لما فيها من المقتضى لذلك.
ومعلوم أن قوله: كل مولود يولد على الفطرة، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفاً بالله موحداً له، بحيث يعقل ذلك.
فإن
(8/460)

الله يقول: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} .
ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك، وتستوجبه بحسبها.
فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل من معرفتها بربها، ومحبتها له، ما يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ فحصول موجب الفطرة، سواء توقف على سبب، وذلك السبب موجود من خارج، أو لم يتوقف، على التقديرين يحصل المقصود.
ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع، فلا يحصل مقصود الفطرة.

الوجه الثالث
أن يقال: من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم ومخصص، حصل لها من العلم والإرادة بحسب ذلك.
ومن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق.
ومعلوم أن مجرد التعليم والتخصيص لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك.
وإلا فلو علم البهائم والجمادات وحضضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم، والسبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.
ولهذا يشترك الناس في سماع القرآن، ويتفاوتون في آثاره فيهم من العلم والحال وهكذا في سائر الكلام.
وإذاكان كذلك علم أن في النفوس قوة تقتضي العلم والإرادة.
(8/461)

يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج، فمعلوم أنه نفس لا يوجب بنفسه حصول العلم والإرادة في النفس، إلا بقوة منها تقبل ذلك، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهين، أو الدور القبلي، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء.
فهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق علىغيره، وحينئذ فالمخاطب إنما عنده تنبيهاً على ما لا تعلمه لتعلمه، أو تذكيرها بما كانت ناسية لتذكره، أو تخضيضها على ما لا تريده لتريده، ونحو ذلك.
وكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها وتحضيضها.
واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك، فإن ما يسمعه الإنسان من كلام البشر بمكن أن يخطر له مثله في قلبه.
فعلم أن الفطرة يمكن حصول إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل، وأنه يمكن أن تكون الذات كافية في ذلك.
ومن المعلوم أنه إذا كان المقتضى لذلك قائماً في النفس وقدر عدم المعارض، فالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم يجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يصل لها من يفسدها كانت مقرةً بالصانع، عابدةً له.
فإن قيل: هذه الخواطر التي تخطر للإنسان قد تحصل لبعض الناس دون بعض، بحسب ما يتفق من الأسباب، كما أن بعض الناس يحصل له
(8/462)

من يخاطبه دون بعض، فليسوا مشتركين في أسباب الخواطر والخطاب.
قيل: إذا لم تكن الخواطر متوقفة على مخاطب من خارج، كانت الفطرة الإنسانية هي المقتضية لذلك، وإن كان ذلك بأسباب يحدثها الله من إلهام ملك أو غيره، لكن المقصود أنه لا يحصل لها ذلك بواسطة تعلم إنسان ودعائه.
وهذا هو المقصود بيانه من كونها ولدت على الفطرة، ليس المراد أنه يجب وجود الهدى لكل إنسان، فإن هذا خلاف الواقع.
والحديث قد بين أن المولود يعرض له من يغير فطرته.

الوجه الرابع
أن يقال: هب أنه لا بد من الداعي المعلم من خارج، لكن في النفس ما يوجب ترجيح الحق على الباطل في الاعتقادات والإرادات، وهذا كاف في كونها ولدت على الفطرة.

الوجه الخامس
أن يقال: المقصود أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج، كانت الفطرة مقتضية للصلاح، لأن المقتضي فيه للعلم والإرادة النافعة قائم، والمانع زائل، إذ يجب وجود مقتضاه.
والأول استدلال بوقوع الإقرار بدون سبب من فصل على وجود المقتضي التام في الفطرة، وهذا استدلال بوجود المقتضي التام على حصول مقتضاه.
وليس المقصود هنا أن المقتضى التام يجب وجوده لكل أحد، فإنه هذا
(8/463)

ممتنع، بل إن الفطرة تقتضى وجوده، كما تقتضى فطرة الصبي شرب لبن أمه، فلو لم يعرض له المانع للزم وجود الشرب.
لكن قد يعرض له مرض فيه أو في أمه أو غير ذلك، يوجب نفوره عن شرب لبنها.
وحب العبد لربه هو مفطور فيه، أعظم مما فطر فيها حبه للبن أمه.
قال الله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} ، فلو لم يكن المقتضي التام ممكن وجوده في الفطرة، لم يحصل موجبها إلا بمرجح من خارج، وهو خلاف الواقع، ولأنها إذا خلت عن الأسباب الخارجة، لم يكن بد من وجود صلاحها أو فسادها، والثاني ممتنع، فتعين الأول.

الوجه السادس
أن السبب الذي في الفطرة: إما أن يكون مسلتزماً للمعرفة والمحبة، وإما أن يكون مقتضياً لها بدون استلزام، وعلى التقديرين يحصل المقصود.

الوجه السابع
أن النفس لا تخلو عن الشعور والإرادة، بل هذا الخلوممتنع فيها.
فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها، ولا يتصور أن تكون النفس إلا شاعرةً مريدةً، ولا يجوز أن يقال: إنها قد تخلو في حق الخالق تعالى عن الشعور بوجوده وعدمه، وعن محبته وعدم محبته.
وحينئذ فلا يكون الإقرار به ومحبته من لوازم وجودها، ولو لم يكن لها معارض، بل هذا باطل.
(8/464)

وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضروة فطرتها، وكونها مريدة من لوازم ذاتها، لا يتصور أن تكون نفس الإنسان غير مريدة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء الحارث وهمام» ، وهي حيوان، وكل حيوان متحرك بالإرادة، فلا بد لها من حركة إرادية، وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد، والمراد إما أن يكون مراداً لنفسه أو لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه، فيمتنع أن تكون جميع المرادات مرادات لغيرها، فإن هذا تسلسل في العلل الغائبة، وهو ممتنع، كامتناع التسلسل في العلل الفاعلية، بل أولى.
وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه، فهذا هو الإله الذي يألهه القلب.
فإذاً لا بد لكل عبد من إله، فعلم أن العبد مفطور على انه يحب إلهه.
ومن الممتنع أن يكون مفطوراً على أنه يأله غير الله لوجوده:
منها: أن هذا خلاف الواقع.
ومنها: أنه ليس هذا المخلوق، بأن يكون إلهاً لكل الخلق، بأولى من هذا.
ومنها: أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل عبد كل قوم ما يستحسنوه.
ومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتاً فالحي أكمل من الميت، فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة ميت، وإن كان حياً فهو أيضاً مريد، فله إله يألهه، فلو كان هذا يأله هذا، وهذا يأله هذا، لزم الدور الممتنع، أو التسلسل الممتنع، فلا بد لهم كلهم من إله يألهونه.
(8/465)

فإن قلت: ما ذكرته يستلزم أنه لا بد لكل حي من إله، أو لكل إنسان من إله، لكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس مطلق المألوه، لا مألوهاً معيناً، وجنس المراد لا مراداً معيناً؟.
قيل: هذا ممتنع، فإن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه، فالأول مثل كون العطشان يريد ماءً، والسغبان يريد طعاماً، فإرادته هنا لم تتعلق بشيء معين، فإذا حصل عين من النوع حصل مقصوده.
والمراد لذاته لا يكون نوعاً، لأن أحد المعنيين ليس هو الآخر، فلو كان هذا مراداً لذاته، للزم أن لا يكون الآخر مارداً لذاته، وإذا كان المراد لذاته هو القدر المشترك بينهما، لزم أن يكون ما يختص به أحدهما ليس مراداً لذاته، وإذا لم يكن مراداً لذاته، لزم أن يكون ما يختص به كل منهما ليس مراداً لذاته.
والكلي لا وجود له في الأعيان إلا معيناً، فإذا لم يكن في المعينات ما هو مارد لذاته، لم يكن في الموجودات الخارجية ما هو مراد لذاته، فلا يكون فيها ما يجب أن يألهه أحد، فضلاً عما يجب أن يألهه كل واحد.
فتبين أنه لا بد من إله معين، هو المحبوب لذاته من كل حي، ومن الممتنع أن يكون هذا غير الله، فلزم أن يكون هو الله، وعلم أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وأن كل مولود ولد على حبة هذا الإله، ومحبته
(8/466)

مستلزمة لمعرفته، فعلم أن كل مولود ولد على محبته ومعرفته، وهو المطلوب.
وهذا الدليل يصلح أن يكون مستقلاً، وهذا بخلاف ما يراد جنسه كالطعام والشراب، فإنه ليس في ذلك ما هومارد لذاته، بل المراد دفع ألم الجوع والعطش، أو طلب لذة الأكل والشرب.
وهذا حاصل بنوع الطعام والشراب، لا يتوقف على معين بخلاف ما هو مارد ومحبوب لذاته، فإنه لا يكون إلا معيناً.
أن يقال: اليهود عندهم نوع من المعرفة بالحق لكن بلا عمل به، بل مع بغض له ونفور عنه واستكبار.
والنصارى معهم نوع من المحبة والطلب والإرادة، لكن بلا علم، بل مع ضلال وجهل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» .
رواه الترمذي وصححه.
وأمرنا الله أن نقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} آمين.
فإن النعمة المطلقة لا تحصل إلا بمعرفة الحق واتباعه، وإذا كان كذلك، والإنسان يحتاج إلى هذا وهذا، فطرته السليمة: إما أن تكون مقتضية لمعرفة الحق دون العلم به، أو للعمل به دون معرفته، أو لهما، أو لا لواحد منهما.
(8/467)

فإن كان الرابع: فيلزم أن يستوي عندها الصدق والكذب، والاعتقاد المطابق والفاسد، وإرادة ما ينفعها وإرادة ما يضرها، وهذا خلاف ما يعلم بالحس الباطن والظاهر وبالضرورة.
وإن كان الثالث: فيلزم أن يستوي عندها مع العمل أن تعلم وأن تجهل، وأن تهتدي وأن تضل، وأن لا يكون فيها مع استواء الدواعي الظاهرة ميل إلى أحدهما، وهوأيضاً خلاف المعلوم بالحس والضرورة.
وإن كان الثاني: فيلزم أن يستوي عندها إرادة الخير النافع والشر الضار دائماً، إذا استوت الدواعي الخارجة.
هو أيضاً خلاف الحس الباطن والظاهر، وخلاف الضرورة.
فبين أنه لا يستوى عندها هذان، بل يترجح عندها هذا وهذا جميعاً.
وحينئذ فلا تكون مفطورة لا على يهودية ولا على نصرانية، فعلى المجوسبة أولى، ويلزم أن تكون مفطورة على الحنيفية المتضمنة لمعرفة الحق والعمل به، وهو المطلوب.

فصل في قوله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
فصل في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
قالت الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، وللناس في هذه العبادة التي خلقوا له قولان:
أحدهما: أنها وقعت منهم.
ثم هؤلاء منهم من يقول: جميعهم خلقوا لها.
ومنهم من يقول: إنما خلق لها بعضهم.
(8/468)

والقول الثاني: أنهم كلهم خلقوا لها، ومع ذلك فلم تقع إلا من بعضهم.
وهؤلاء حزبان:
حزب يقولون: إن الله لم يشأ إلا العبادة، لكنهم فعلوا ما لا يشاؤه بغير قدرته ولا مشيئته، وهم القدرية المنكرون لعموم قدرته ومشيئته وخلقه.
والثاني يقولون: بل كل ما وقع فهو بمشيئته وقدرته وخلقه، لكن هو لا يحب إلا العبادة التي خلقهم لها، ولا يأمر إلا بذلك، فمنهم من أعانة ففعل المأمور به، ومنهم من لم يفعله.
واللام عند هؤلاء كاللام في قوله: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} ، وفي قوله: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين} .
وقوله تعالى: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} ، على قول الأكثرين، الذي يجعول (لعل) متعلقة بقوله: (خلقكم) كما قال {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .
(8/469)

وقوله: {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين} .
وقوله: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} .
وقوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} .
وقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} .
ومنه قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} .
وقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} ونحو ذلك مما فيه: أن الله يفعل فعلاً لغاية يحبها ويرضاها، ويأمر بها عباده، وإذا حصلت لهم كان فيها نجاتهم وسعادتهم، ثم منهم من يعينه على فعلها، ومنهم من لا يفعلها، فإن هذا قد أشكل على طائفة من الناس، وقالوا: كيف يفعل فعلاً لغاية مع علمه أنها لا تحصل؟.
(8/470)

فيقال: الغاية التي يراد الفعل لها هي غاية مرادة للفاعل، ومراد الفاعل نوعان: فإنه تارةً يفعل فعلاً ليحصل بفعله مراده، فهذا لا يفعله، وهو يعلم أنه لا يكون.
والله تعالى يفعل ما يريد، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن الله يفعل ما يريد.
وتارةً يريد من غيره أن يفعل فعلاً باختياره، لينتفع ذلك الفاعل بفعله، ويكون ذلك محبوباً للفاعل الأول، كمن يبني مسجداً ليصلي فيه الناس، ويعطيهم مالاً ليحجوا به ويجاهدوا به، وسلاحاً ليجاهدوا به، ويأمرهم بالمعروف ليفعلوه، وينهاهم عن المنكر ليتركوه، وهم إذا فعلوا ما أراد لهم ومنهم، كان صالحاً لهم، وكان ذلك محبوباً له، وإن لم يفعلوا ذلك، لم يكن صلاحاً لهم ولا حصل محبوبه منهم.
ثم هذا قد لا يكون قادراً على فعل ما أمروا به اختياراً.
ولهذا زعمت القدرية النافية أن الرب ليس قادراً على هدي العباد، وهو خطأ عند أهل السنة، وقد يكون قادراً، فإنه سبحانه لو شاء لآتى كل نفس هداها: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} .
لكن المخلوق قد يعين بعض من أمره لمصلحة له في إعانته، ولا يعين آخر، والرب تعالى قد يعين المؤمنين فيفعلوا ما أمروا به، وأحبه الله منهم، لا يعين آخرين، لما له في ذلك من الحكمة، فإن الفعل لا يوجد إلا بلوازمه وانتفاء أضداده.
(8/471)

وقد يكون في وجود ذلك فوات حكمة له، هي أحب إليه من طاعة أولئك، أو وجود شيء دفعه أحب إليه من حصول معصية أولئك.
وحينئذ فإذا أمر العباد ونهاهم، ليطيعوه ويعبدوه، ويفعلوا ما أحبه، وينالوا كمالهم الذي هو غايتهم التي خلقوا لها، جاز أن يقال: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} ، وأن يقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} .
وأن يقال: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} .
وأن يقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} ، ونحو ذلك.
وإن كان هو لم يخلق ما أمره به، وإذا خلقهم وخلق لهم ما ينتفعون به، ليعبدوه ويطيعوه، ويشكروه ويذكروه، ويبلغوا الغاية المحمودة في حقهم، التي يحبها ويرضاها لهم - صح أن يقال: إنما خلقهم ليعبدوه، وإن كان هو لم يخلق لكل منهم ما به يصير عابداً له، كما جاز أن يقال: وإنما بنيت المسجد ليصلوا فيه، وإنما أعطيتهم المال ليحجوا ويجاهدوا ونحو ذلك، فإنه ليس من شرط من فعل فعلاً لغاية يفعلها غيره، أن يكون هو فاعلاً لتلك الغاية.
ثم إذا علم أن كثيراً من هؤلاء لا يصلي ولا يحج ولا يجاهد، وإن من
(8/472)

يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر لا يطيعه، لم يمنع ذلك أن يفعل ما يفعل، ويأمر بما يأمر به، لأن نفس ذلك الفعل وذلك الأمر مصلحة له، وهذا موجود في المخلوق والخالق، فإن المخلوق - كالرسول وغيره - يأمر وينهي، وإن كان يعلم أنه لا يطاع، لأن نفس أمره لهم، له فيه مصلحة ومنفعة وثواب، وفيه حكمة في حق المأمور والمنهي.
وكذلك يفعل ما يفعل لمصالح الناس، وإن علم أنهم لا يفعلون ذلك، إذا كان له في ذلك أجراً ومثوبة ومصالح أخرى، فإنه إذا كان بعض الناس يصلى في المسجد، وبعضهم لا يصلي فيه، قامت حجته على من لا يصل واستحق العقوبة، وكان قد أزاح عن نفسه العلة، بأن يقال: لم يبن لهم مسجداً يصلون فيه.
والخالق تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأنذر العباد، وأزاح عللهم، وفعل لهم من الأسباب التي بها يتمكنون من الطاعة، أعظم مما يفعله كل آمر غيره بالمأمورين، فليس أحد أزاح علل المأمورين أعظم من الله، فلا تقوم حجة آمر على مأمور، إلا وحجة الله على عباده أقوام، ولا يستحق مأمور من آمره ذماً ولاعقاباً لمعصيته إلا واستحقاق عصاة الله لأمره أعظم استحقاقاً وذماً، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا ييسر أمر على مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه، إلا والله تعالى أعظم تيسيراً على مأموريه وأعظم رفعاً لما لا يطيقونه عنهم.
(8/473)

وكل من تدبر الشرائع، لا سيما شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وجد هذا فيها أظهر من الشمس.
ولهذا قال في آية الصيام: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} .
وقال في آية الطهارة: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} .
وقال: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» .
وهو سبحانه يسقط الواجبات إذا خشي المريض زيادة في المرض أو تأخر البرء، فيسقط القيام في الصلاة، والصيام في شهره، والطهارة بالماء كذلك، بل المسافر مع تمكنه من الصيام أسقطه عنه في شهره، وقال: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} .
(8/474)

والشريعة طافحة بهذا وأمثاله، وهو سبحانه مع ذلك هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، وهو سبحانه محسن متفضل إلى من أمرهم ونهاهم بقدر زائد لا يقدر عليه، ولا يفعله غيره، وهو أن جعلهم مؤمنين مسلمين مطيعين، وهذا لا يقدر عليه غيره من الآمرين الناهين، وهو في ذلك محسن إليهم منعم عليهم نعمة ثانية، غير نعمته بالإرسال والبيان والإنذار، فهذه نعمة يختصمون بها غير النعمة المشتركة.
وأما الكفار فلم ينعم عليهم بمثل ما أنعم به على المؤمنين، ومن لم ينعم ويحسن بمثل ذلك، لم يكن قد أساء وظلم مع الإقدار والتمكين وإزاحة العلل، إذا كان له في ترك ذلك حكمة بالغة، لو فعل بهم مثلما فعل بالأولين، بطلت تلك الحكمة التي هي أعظم من طاعتهم، وحصلت مفسدة أعظم من مفسدة معصيتهم.
فمن وجه ليس ذلك بواجب عليه لهم، ومن وجه له في ذلك حكمة بالغة لا تجتمع هي ومساواتهم بأولئك، فتقتضي الحكمة ترجيح خير الخيرين، بتفويت أدناهما، ودفع شر الشرين بالتزام أدناهما.
وقول القائل: كيف يفعل فعلاً لغاية مع علمه أنها لا تحصل؟
جوابه: أن ذلك إنما يمتنع إذا كان ليس مراده إلا تلك الغاية فقط،
(8/475)

فإذا لم تحصل لم يحصل ما أراده، ومن فعل شيئاً لأجل مراد يعلم أنه لا يحصل كان ممتنعاً.
وبهذا يبطل قول القدرية الذين يقولون: لم يرد إلا المأمور، وما سواه واقع بغير مراده، وخلق الخلق لذلك المراد بعينه، مع علمه أنه لا يكون، وهذا تناقض.
يقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.
وأما أهل السنة الذين يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع إلا ما شاءه، وإن وقع ما لم يحبه ويأمر به، فلحكمة له في ذلك باعتبارها خلقه، ولولا الغاية التي يريدها به لم يخلقه، فلا إشكال على قولهم.
وإذا علم أن الرب له مراد بما أمره، وله مراد بما خلقه، فإذا لم يحصل ما أمر به فقد حصل ما خلقه، فما حصل إلا مراده، وهو لم يخلق ذلك المعين الذي أمر به، لئلا يستلزم عدم مراد أحب إليه منه وهو ما خلقه، وقد يكون ذلك المأمور يستلزم تفويت مأمور آخر هو أحب إليه منه.
مثاله أن فرعون لو أطاع لم يحصل ما حصل من الآيات العظيمة، التي حصل بها من المأمور ما هو أعظم من إيمان فرعون.
وصناديد قريش لو أطاعوا لم يحصل ما حصل من ظهور آيات الرسول، ومعجزة القرآن،
(8/476)

وجهاد المؤمنين الذي حصل به من طاعة الله ومحبوبه ما هو أعظم عنده من إيمان صناديد قريش.
وعلى هذا فيجوز أن يقال: إن الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، فإنه هذا هو الغاية التي أرادها منهم بأمره، وبها يحصل محبوبه، وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم، وإن كان منهم من لم يعبده، ولم يجعله عابداً له، إذا كان في ذلك الجعل تفويت محبوبات أخر، هي أحب إليه من عبادة أولئك، وحصول مفاسد أخر، هي أبغض إليه من معصية أولئك.
ويجوز أيضاً أن يقال: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} ، فإنه أراد بخلقهم صائرون إليه من الرحمة والاختلاف.
ففي تلك الآية ذكر الغاية التي أمروا بها، وهنا ذكر الغاية التي إليها يصيرون، وكلاهما مرادة له، تلك مرادة بأمره، والموجود منها مراد بخلقه وأمره.
وهذه مرادة بخلقه، والمأمور منها مراد بخلقه وأمره.
وهذا معنى ما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: {إلا ليعبدون} ، قال: معناه إلا لآمرهم أن يعبدوني
(8/477)

وأدعوهم إلى عبادتي، واعتمد الزجاج هذا القول، فرواه ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، قال: لآمرهم وأنهاهم.
وروى سليمان بن عامر عن الربيع بن أنس، قال: ما خلقتهما إلا للعبادة.
وأما من قال: المراد: المؤمنون، فروى ابن مصلح عن الضحاك في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، قال هي خاص للمؤمنين.
وأمامن قال: كلهم وقعت منهم العبادة التي خلقوا لها.
فروي الوالبي عن ابن عباس: إلا ليعبدون: إلا ليقروا لي بالعبودية طوعاً وكرهاً.
وقال السدي: خلقهم للعبادة، فمن العبادة تنفع، ومن العبادة عبادة لا تنفع: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} هذا منهم عبادة، وليس تنفعهم مع شركهم.
(8/478)

وروى ابن أبي زائدة، عن ابن جريج في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، قال: إلا ليعرفون.
روى هذه الأقوال ابن أبي حاتم بأسانيده إلا قول علي.
وذكر الثعلبي عن مجاهد: إلا ليعرفون.
قال: ولقد أحسن في هذا القول، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده.
ودليل هذا التأويل قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم} الآيات، قال: وروى حبان عن الكلبي: إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه: قوله: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} ، فعلى هذه الأقوال أن جميع الإنس والجن عبدوه وعرفوه ووحدوه، وأقروا له بالعبودية طوعاً وكرهاً.
والأولون لا ينكرون ما أثبته هؤلاء، لكن يقولون: ليست هذه هي العبادة التي خلقوا لها، وإن كان قد وجد من جميعهم معرفة به، وإقرار به، وعبودية له طوعاً وكرهاً.
وهذا يبين أن جميع الإنس والجن مقرون بالخالق معترفون به مقرون بعبوديته طوعاً وكرهاً، وذلك يقتضي أن هذه المعرفة من لوازم نشأتهم، وأنه لم ينفك عنها أحد منهم، مع العلم بأن النظر المعين الذي يوجبه
(8/479)

الجهمية والمعتزلة لا يعرفه أكثرهم، فعلم بذلك ثبوت المعرفة والإقرار بدون هذا النظر.
وقد روى ابن جريج عن زيد بن أسلم: إلا ليعبدون قال: جبلهم على الشقاء والسعادة.
وكذلك عن وهب بن منبه: {إلا ليعبدون} قال: جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية، ذكرهما ابن أبي حاتم؟
وعلى هذا فيكون المراد بالعبادة دخولهم تحت قضائه وقدره، ونفوذ ميشئته فيهم.
وقد فسر بهذا ما رواه الوالبي عن ابن عباس حيث قال: إلا ليقروا لي بالعبودية طوعاً وكرهاً.
قال الثعلبي: (فإن قيل: كيف كفروا، وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم، لأن قضاءه جار عليهم، لا يقدرون على الامتناع منه إذا نزل لهم، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمر به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه) .
قلت: وهذا المعنى - وإن كان في نفسه صحيحاً، وقد نازعت القدرية في بعضه - فليس هو المراد بالآية.
فإن جميع المخلوقات - حتى البهائم والجمادات - بهذه المنزلة.
(8/480)

وأيضاً فالعبادة المذكورة في عامة المواضع في القرآن لا يراد بها هذا المعنى.
وأيضاً فإن قوله: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ، دليل على أنه خلقهم ليعبدوه، لا ليرزقوا ويطعموا، بل هو المطعم الرازق، وإطعامه لهم ورزقه إياهم، هو من جملة تدبيرهم وتصريفهم، الذي قد جعله أهل هذا القول عبادةً له، فتكون العبادة التي خلقوا لها كونهم مرزوقين مدبرين، وهذا باطل.
وأيضاً: فقوله {ليعبدون} يقتضي فعلاً يفعلونه هم.
وكونه يربيهم ويخلقهم، ليس فيه إلا فعله فقط، ليس في ذلك فعل لهم.
ويلي هذا القول في الضعف قول من يقول: إنهم كلهم عبدوه، أو أن الآية خاصة فإنه هذه أقوال ضعيفة، كما أن قول القدرية الذين يقولون: إنه ما كان منهم كان بغير مشيئته وقدرته وإنه لم يشأ إلا العبادة فقط، وما كان غير ذلك فإنه حاصل بغير مشيئته وقدرته - قول ضعيف.
والناس لما خاضوا في القدر صارت الأقوال المتقابلة تكثر فيه، وفي تفسير القرأن بغير المراد، وهو مما «نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث خرج عليهم وهم يتنازعون في القدر: هذا قول: ألم يقل الله كذا؟ وهذا يقول: ألم يقل الله كذا؟ فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض» .
(8/481)

والمقصود هنا أنه من المعروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره هؤلاء، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن، وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أنه حصل بسبب، كما أن اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم، وذلك ضروري فيهم.
وهذه هو الإقرار والشهادة المذكورة في قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} .
فإن هذه الآية فيها قولان: من الناس من يقول: هذا الإشهاد كان لما استخرجوا من صلب آدم، كما نقل ذلك عن طائفة من السلف، ورواه بعضهم مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره الحاكم، لكن رفعه ضعيف.
(8/482)

وإنما المرفوع الذي في السنن، كأبي داود، والترمذي، وموطأ مالك، من حديث أبي هريرة ومن حديث عمر: هو أنهم استخرجهم، ليس في هذه الكتب أنهم نطقوا ولا تكلموا.
(8/483)

ولكن في حديث أبي هريرة أنه أراهم آدم.
وفي حديث عمر وغيره أنه قال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار.
ففيها إثبات القدر وأن الله علم ما سيكون قبل أن يكون، وعلم الشقي والسعيد من ذرية آدم، وسواء كان ما استخرجه فرآه آدم هي وأمثالهم أو أعيانهم.
فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث المرفوعة الثابتة، ولا يدل عليه القرآن، فإن القرآن يقول فيه: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} ، فذكر الأخذ من ظهور بني آدم - لا من نفس آدم - وذرياتهم يتناول كل من ولده، وإن كان كثيراً، كما قال تمام الآية: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} .
وقال تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} ، وقال: {ذرية من حملنا مع نوح} ، وقال: {ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون} ، إلى قوله: {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس} ، فاسم الذرية يتناول الكبار.
(8/484)

وقوله: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} ، فشهادة المرء على نفسه في القرآن يراد بها: إقراره.
فمن أقر بحق عليه فقد شهد به على نفسه.
قال تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} ، وهذا مما احتج به الفقهاء على قبول الإقرار.
وفي حديث ماعز بن مالك: فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أقر أربع مرات.
ومنه قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} ، فإنهم كانوا مقرين لما هو كفر، فكان ذلك شهادتهم على أنفسهم.
وقال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ، فشهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم، وهو إذاً الشهادة على أنفسهم.
(8/485)

ولفظ شهد فلان وأشهدته: يراد به تحمل الشهادة، ويراد به أداؤها، فالأول كقوله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم} ، والثاني كقوله: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} .
وقوله: {وأشهدهم على أنفسهم} ، من هذا الثاني، ليس المراد أنه جعلهم يتحملون شهادة على أنفسهم يؤدونها في وقت آخر، فإنه سبحانه في مثل ذلك إنما يشهد على الرجل غيره.
كما في قصة آدم لما أشهد عليه الملائكة، وكما في شهادة الملائكة وشهادة الجوراح على أصحابها، ولما ظن بعض المفسرين هذا قال: المراد أشهد بعضهم على بعض.
لكن هذا اللفظ حيث جاء في القرآن، إنما يراد به شهادة الرجل على نفسه، بمعنى أداء الشهادة على نفسه، وهو إقراره على نفسه، فالشهادة هنا خبر.
وقولهم: {بلى شهدنا} ، هو إقرارهم بأنه ربهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شهد به على نفسه، ولهذا قال في الآية: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} ، فقولهم: بلى، معناه: أنت ربنا.
وهذا إقرار بربوبيته لهم، وهذا الإقرار هو
(8/486)

شهادة على أنفسهم، أي إنطاقهم بالإقرار بربوبيته، وجعلهم شهداء على أنفسهم بما أقروا به من ربوبيته.
وقوله: (أشهدهم) يقتضي أنه هو الذي جعلهم شاهدين علىأنفسهم بأنه ربهم، وهذا الإشهاد مقرون بأخذهم من ظهور آباؤهم، وهذا الأخذ المعلوم المشهود الذي لا ريب فيه هو أخذ المني من أصلاب الآباء ونزوله في أرحام الأمهات.
لكن لم يذكر هنا الأمهات لقوله فيما بعد: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} ، وهم كانوا متبعين لدين آبائهم، لا لدين الأمهات، كما قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} .
ولهذا قال: {قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} ، فهو يقول: اذكر حين أخذوا من أصلاب الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة مقرين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم، فهذا الإقرار حجة لله عليهم يوم القيامة، فهو يذكر أخذه لهم، وإشهاده إياهم على أنفسهم، إذ كان سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى.
فالأخذ يتضمن خلقهم، والإشهاد يتضمن هداه لهم إلى هذا الإقرار، فإنه قال: {أشهدهم} أي جعلهم شاهدين.
وقد ذكرنا أن الإشهاد يراد به تحميل الشهادة، كقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ، أي احملوا هذه الشهادة على هؤلاء المشهود عليهم.
(8/487)

وهنا لم يقل: أشهدوا على أنفسهم بما أنطقهم به، فيكون هذا إقرار مشهوداً به غير الشهادة، سواء كان شهادة بعضهم على بعض، كما قاله بعضهم أو كان شهادتهم على أنفسهم بما أقروا به، بل شهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم.
فالشهادة هي الإقرار، كما قال: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} ، وكما قيل لماعز: شهد على نفسه أربعاً.
فإشهادهم على أنفسهم جعلهم شاهدين على أنفسهم، أي مقرين له بربوبيته، كما قال في تمام الكلام: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} ، فقولهم: بلى شهدنا، هو إقرارهم بربوبيته، وهو شهادتهم على أنفسهم بأنه ربهم وهم مخلوقون به، فشهدوا على أنفسهم بأنهم عبيده.
كما يقول الملوك: هذا سيدي، فيشهد على نفسه بأنه مملوك لسيده، وذلك يقتضي أن هذا الإشهاد من لوازم الإنسان، فكل إنسان قد جعله الله مقراً بربوبيته، شاهداً على نفسه بأنه مخلوق والله خالقه.
ولهذا جميع بنى آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم.
وهذا أمر ضروري لهم لا ينفك عنه مخلوق، وهو مما خلقوا عليه وجبوا عليه، وجعل علماً ضرورياً لهم، لا يمكن أحداً جحده.
(8/488)

ثم قال بعد ذلك: {أن تقولوا} أي كراهة أن تقولوا، ولئلا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين: عن الإقرار لله بالربوبية، وعلى نفوسنا بالعبودية، فإنهم كانوا غافلين عن هذا، بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم، التي لم يخل منها بشر قط، بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضرورية، ولكن قد يغفل عنها كثير من بني آدم، من علوم العدد والحساب وغير ذلك، فإنها إذا تصورت كانت علوماً ضرورية، لكن كثير من الناس غافل عنها.
وأما الاعتراف بالخالق فإنه علم ضروري لازم للإنسان، لا يغفل عنه أحد بحيث لا يعرفه، بل لا بد أن يكون قد عرفه، وإن قدر أنه نسيه، ولهذا يسمى التعريف بذلك تذكيراً، فإنه تذكير بعلوم فطرية ضرورية قد ينساها العبد.
كما قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} ، وفي الحديث الصحيح: «يقول الله للكافر: فاليوم أنساك كما نسيتني» .
(8/489)

ثم قال: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} ، ذكر لهم حجتين يدفعهما هذا الإشهاد.
إحداهما: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} .
فبين أن هذا علم فطري ضروري، لا بد لكل بشر من معرفته، وذلك يتضمن حجة الله في إبطال التعطيل، وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري، وهو حجة على نفي التعطيل.
والثاني: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} ، فهذا حجة لدفع الشرك، كما أن الأول حجة لدفع التعطيل.
فالتعطيل مثل كفر فرعون ونحوه، والشرك مثل شرك المشركين من جميع الأمم.
وقوله: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} : وهم آباؤنا المشركون، وتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ وذلك لأنه قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذى الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم، إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية، ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين
(8/490)

أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، اتبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم.
فإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم، فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء، كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية السابقة لهذه العادة الأبوية.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها.
وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد، حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا.
وهذا لا يناقض قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، فإن الرسول يدعو إلى التوحيد، لكن إن لم يكن في الفطرة دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع، لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم، فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم.
ومعرفتهم بذلك، وأن هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحداً أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلاً، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني، لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له، فلم يكن معذوراً في التعطيل ولا الإشراك، بل قام به ما يستحق به العذاب.
(8/491)

ثم إن الله بكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال رسول إليهم، وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب، كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم رسول، فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعقاب، والرب تعالى مع هذا لم يكن معذباً لهم حتى يبعث إليهم رسولاً.
والناس لهم في هذا المقام ثلاثة أقوال، قال بكل قول طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أصحاب الأئمة الأربعة، أصحاب أحمد وغيره.
طائفة تقول: إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة البتة.
وكون الفعل حسناً وسيئاً إنما معناه أنه منهي عنه أو غير منهي عنه، وهذه صفة إضافية لا تثبت إلا بالشرع، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهؤلاء لا يجوزون أن يعذب الله من لم يذنب قط، فيجوزون تعذيب الأطفال والمجانين.
وطائفة تقول: بل الأفعال متصفة بصفات حسنة وسيئة، وأن ذلك قد يعلم بالعقل ويستحق العقاب بالعقل، وإن لم يرد سمع، كما يقول ذلك المعتزلة، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم،: أبي الخطابي وغيره.
(8/492)

وطائفة تقول: بل هي متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم، ولكن لا يعاقب أحداً إلا بلوغ الرسالة، كما دل عليه القرآن في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
وفي قوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} .
وقال تعالى لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} .
وهذا أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة، قبل مجيء الرسول إليهم، وأخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم.
وقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} حجة على الطائفتين.
وإن كان نفاة التحسين والتقبيح العقلي يحتجون بهذه الآية على منازعيهم، فهي حجة عليهم أيضاً فإنهم يجوزون على الله أن يعذب من لا ذنب له ومن لم يأته رسول، ويجوزون تعذيب الأطفال والمجانين الذي لم يأتهم رسول، بل يقولون: إن عذابهم واقع.
وهذه الآية حجة عليهم، كما أنها حجة على من جعلهم معذبين بمجرد العقول من غير إرسال رسول.
والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول، ويعلم أن هذا
(8/493)

الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحداً بعد إرسال رسول.
والله سبحانه أعلم.

كلام أبي محمد بن عبد البصري
وقال الشيخ أبو محمد بن عبد البصري في كتابه في أصول السنة والتوحيد: (فصل في الخلق على الفطرة.
قال: وخلق الله الخلق على الفطرة، وهو قوله سبحانه: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، وهي الإقرار له بالربوبية، مع معرفة الوحدانية، وذلك أنه سبحانه خلق الخلق على علم منه بهم، مشاهد لما يؤول أمرهم وعواقبهم إليه، فخلقهم على ما علم منهم وشاء، غير مؤمنين ولا كافرين صبغةً، بل مقرين عارفين، لا موحدين ولا جاحدين.
وكذلك قد روي في الأثر، بقول الله تعالى: خلقت خلقي حنفاء مقرين، لا منكرين ولا موحدين، وذلك إثبات ونفي الجبر، فثابت في نظره وعلمه عامة عواقبهم، وله التحكم فيهم، وهو أعدل من أن يضطرهم إلىكفر وغيره، فيبطل بذلك الكسب، وإذا بطل الكسب بطل التكليف والامتحان، إذ التكليف لا يكون جبلاً، ولا يقع اضطراراً وجبراً، ولا يكون إلا اختياراً، إذ قد أمروا بها، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وكل
(8/494)

ما منه حق غير عابث، عدل غير ظالم، عالم لا يخفى عليه شيء، شاء لم يزل يشاء أن يثبتهم ويعاقبهم على أفعال تكون كسباً لهم.
وهو عادل في عباده: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} .
وقال عز من قائل: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} مع ما أنه لم يزل مالكاً لهم، وقادراً عليهم، ومتصرفاً فيهم، لا غناء لهم عنه، ولا محيص لهم منه، فخلقهم عز وجل على الفطرة كما أخبر، وخلق الأعمال كما ذكرنا، ولم يضطر أحداً إلى شيء من ذلك، ولو خلقهم كفاراً صبغةً لما قال لهم: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} ، إذ لا يليق بالحكيم أن يخلق صبغةً ويغير نفس ما خلق من غير كسب.
وقال سبحانه: {أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} ، ولو خلقه كافراً لما صح منه الإيمان، وكان معذوراً مدلياً بحجته، والله تعالى يقول: {لا تبديل لخلق الله} ، وكان ذلك تكليف ما لا يطاق، كما أن يصرف الأسود فيقال له أبيض، والأبيض أسود، وذلك مستحيل من حكيم.
وأما قوله سبحانه: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم
(8/495)

مؤمن} ، يعني: أنه خلق الكل وقد اعترفوا به بذلك، فمنهم من شكر خالقه واعترف له بالنعم، وبالإخراج من العدم إلى الوجود، فحقق فعله، وقبل من رسله، ووحد ربه.
ومنهم من كفر ولم يشكر خالقه، وأشرك به ما لا يجوز له، وكذب برسله، فصار كافراً بفعله.
وقد روي نحو من هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه فإما شاكراً وإما كفوراً» .
وقد قال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} ، فلما امتثل ذلك قوم، وعدل عنه آخرون، كانوا هم المرادين من قوله: {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} .
وقد قال سبحانه في حال المؤمنين {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} ، فأخبر أنه فعل ذلك بهم بعد ما خلقهم، ولم يقل: خلقكم مؤمنين: وكره إليكم الكفر، فدل على أنه لم يفعل بالكافر ما فعل بالمؤمن، وذلك أبلغ دليل على أنهم لم يخلقوا صبغة: كافرين ولا مؤمنين) .
(8/496)

إلى أن قال: (وقد رأينا على الكفر برهة ثم آمن، ومن كان مؤمناً ثم كفر.
ولو كان ذلك صبغةً لما انتقلوا، ولما كان من الكسب صح عليه النقلة والتحويل، وقد قال تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} ، فأضافه إليهم حقيقة.
وقال: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا} ، {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا} ، ألا ترى أنهم لما لم يخلقوا صبغة كفاراً نفعهم إيمانهم؟.
ولما قال فرعون (آمنت) لم ينفعه.
وقد أشفى في الحديث بما فيه مقنع بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، وهو إجماع المسلمين أن الكافر لا يعاقب ويجلد على ما خلق، إنما يعاقب ويجلد على نيته وكسبه، وهو موضع إيثارهم لما نهاهم عنه، على ما أمرهم به من الإيمان، فكان تكذيبه لهم على كسب اكتسبوه، وفعل فعلوه، ونهي ارتكبوه، وأمر خالفوه، وهو ما أحدثوه، لا شيء جبلوا عليه ولا اضطروا له، ولا خلقوا مجبولين عليه، إذ لو خلقهم كفاراً لكانوا إلى ذلك مضطرين، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين.
ألاترى أنه لما خلقهم علىمعرفة لم يصح لهم ولم يقع غير ذلك، ولم يثابوا على ذلك؟ أعني: معرفة الربوبية، وهي الفطرة، ووجدنا الكفر يصح النقل عنه إلى
(8/497)

الإيمان، ويقع الارتداد عن الإيمان إلى الكفر، فكان كمعرفة التوحيد الذي يقع اختياراً.
وقال سبحانه: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ولم يقل: منهم من خلقت مؤمناً، ومنهم من خلقت كافراً.
وقال سبحانه: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} ، فأعلمنا أن كذبهم وكفرهم هو كسبهم الذي حرمهم البركات، وعليه توعدهم بالعقوبات، وكون الكافر مخلوقاً كافراً صراح بالجبر، ومن قال: ما سبق في العلم والنظر ولا هو داخل في القضاء والقدر، فهو قدري رديء.
وقد لعنت القدرية والمرجئة، وكذلك المجبرة، والله لا يجبر أحداً على فعل، إذ لو جبر لكانوا عن التكليف خارجين كما جبلت الملائكة على الطاعة.
وقد قال سفيان، وأحمد، وسهل، والإمام، وأهل العلم: (إن الله لا يجبر على طاعة ولا على معصية، وهو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها) .
إلى أن قال: (قال سبحانه: {وما ربك بظلام للعبيد} ، مع كونه سبحانه فعالاً لما يريد، وليس معنى (شاء) معنى (علم) ، ولا معنى (علم وشاء) معنى (خلق) ، فشاءهم وعلمهم
(8/498)

وقدرهم وقضاهم مؤمنين وكافرين في حكم الكينونة، وهي العواقب التي لم يزل بها عالماً، وعليها قادراً، ولها شائياً، ولم يخلقهم في العبودية والدينونة والبنية والتركيب كفاراً، ولا إقراراً للزوم المطالبة والعبودية، ومحال أن يخلقهم لذلك ويتعبدهم، ويطالبهم، كما زعم أهل الإجبار، من ضرار وأصحابه، وسالكي البدعة، والمضاهي لهم بالعدوان والطغيان، والمغترين المحيلين على الأقدار، والمتمسكين بمعاذير ليست لهم بأعذار، لم يؤمنوا أن الأعمال محصاة، والعواقب مشهودة، وأعمالهم في القبضتين داخلة، وإلى المعبود صائرون، وعلى اكتسابهم محاسبون، وبها مؤاخذون.
قال أصدق القائلين: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} ، وهل الكفر وغيره إلا عملان وكسبان؟ فمن زعم أنه ما سبق في علمه عواقبهم، وما قضى عليهم بما وجد منهم، ولا شاء ذلك في ملكه، ولا خلق أعمالهم، ولا أحصى سكونهم وحركاتهم، ولا شهد في القدم إلى ما إليه صائرون - فهو قدري ومعتلي، مكابر معتزلي، مدعي الحول والقوة، وأن الأمر إليه.
ومن زعم أن كلفهم صبغةً، وجبرهم على الأفعال، وجعل كسبهم
(8/499)

مجازاً، وأعمالهم لا صنع لهم فيها - فهو أخس القدرية، وأعتى المجبرة، وهو الغالي في دين الله، المرجىء المحيل بمعاصيه على ربه، وبفجوره على من تقدس عن كسبه، بل تنزه عما يقول الظالمون، ولم يزل عليماً شائياً، حكيماً عادلاً متفضلاً، منصفاً محققاً، مجبراً خالقاً، آمراً ناهياً، غير عابث ولا تارك لأمورهم سدى، ولا لها مهملاً، فخلق الكافر على الفطرة، وخلق كفره وشاءه في ملكه، ولم يجبره عليه ولا اضطره إليه، ولم يتوله، بل تبرأ منه، وتركه معه، ونهاه عن اعتقاده والتلبس به وبفعاله، وجعل له قدرةً واستطاعةً على كسبه، وتركه مع هواه، فلما دخل تحته، واعتقده في نفسه، واتصل به، واختاره وأحبه - كان كما ذكرنا في الجمع والتفرقة، والخلقة والكسب، فصار بما اعتقد واكتسب، كافراً، وسمي فاجراً، ولا هو لنفسه خالقاً، ولا لكفره مخترعاً، بل له مكتسباً، وبه اجتمع ففارق الإيمان والإحسان الذي أمر بمواصلتهما، فصار لذلك مجانياً، وخالط الكفر فصار فيه والجاً، فتوجه نحوه التهديد، ولزمه الوعيد، فألزمه ما اكتسب، ورده إل ىما علم، وأدخله في وعيده، واستحق عقوبته، وخلده بنيته: {وما ربك بظلام للعبيد} .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين» .
وهذا نص من صاحب الشريعة جلي واضح لا شبهة فيه، يسفر عن إيضاح ما أوردناه، حنفاء عارفين على فطرته،
(8/500)

وهي معرفة ربوبيته، والإقرار بوحدانيته، لا يقع بذلك كفر ولا إيمان، بل ذلك عليهم طارىء بالحكم الجاري، فخلق الكل على الفطرة، وأمر الكل بالإيمان، لصحة الدعوة، وعموم النصيحة، وأقدر الكل على ما أمر وأراد) .

تعليق ابن تيمية
قلت: فهذا الكلام يوافق قول من قال: خلقهم على الفطرة، التي هي المعرفة والإقرار بالصانع، وأن ذلك لا يصير به العبد مؤمناً ولا كافراً، وقد أبطل من يقول: إنهم خلقوا على الكفر والإيمان، وهو ظاهر القول الذي تقدم عن طائفة من العلماء.
وصاحب هذا الكلام يقول: الذي خلقوا عليه من المعرفة والإقرار لا يمكن تغييره.
وهذا موافق لقول من قال: لا تبديل لخلق الله - إنها بمعنى الخبر.
لكن ذاك يقول: إنهم لا يخلقون إلا على الفطرة، لا يبدل الخلق، فيخلقون على غير ذلك.
وصاحب هذا الكلام يقول: لايبدل الخلق بعد ذلك، أي: لا يمكن أن يصيروا غير عارفين مقرين بالخلق، بل هذه المعرفة والإقرار أمر لازم لهم، وهو يقول: كل ما خلق عليه العبد فلا يمكن انتقاله عنه، وهو يثبت القدر، وأن الله خالق أفعال العباد، وينكر أن يكونوا جبلوا على ذلك واضطروا إليه أو جبروا عليه.
فأما الكلام في الجبر فهو مبسوط في غير هذا الموضع، وقد بينا أن مذهب الأئمة، كالأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم، أنهم ينكرون إثبات الجبر ونفيه معاً.
ومذهب الزبيدي وطائفة: نفي الجبر
(8/501)

وإنكار إثباته فقط، وهو موافق لهذا الكلام.
وأما ما حكاه أحمد ونحوه: أن الله لا يجبر على طاعة ولا معصية - فهو حكاه بحسب ما بلغه واعتقده.
والمنصوص الصريح عنه الإنكار على من قال: جبر.
وعلى من قال: لم يجبر.
وفي الجملة الكلام في هذا الباب له موضع آخر.
والمقصود هنا ما ذكره في تفسير الفطرة، وأنه فسر ذلك بأن الخلق فطروا على المعرفة والإقرار.
وأما قوله: (إن ذلك ليس بإيمان، وإن ذلك لا يمكن تحويله) فقد قدمنا الكلام على ذلك، وبينا أن النصوص تدل على أن ما ولدوا عليه يتغير، وإن كان ذلك بقضاء الله وقدره، كما تغير الشاة المولودة سليمة بجدع الأنف والأذن.
والمقصود هنا كلامه في أن المعرفة بالصانع فطرية ضرورية، وقد بسط ذلك مستوفياً في أول كتابه.
وهذا الشيخ أبو محمد بن عبد البصري المالكي، طريقته طريقة أبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي، وأمثالهما من المنتسبين إلى السنة والمعرفة والتصوف، واتباع السلف وأئمة السنة والحديث، كمالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد بن حنبل وأمثالهم.
وكذلك ينسبون إلى سهل ابن عبد الله التستري وأمثاله من الشيوخ.
(8/502)

تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية
قال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في أصول السنة والتوحيد، قال: (وكان إجماع السلف والخلف، وأئمة الدين وفقهاء المسلمين، من شرق وغرب، وسهل وجبل، وسائر أقاليم الإسلام، من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان مجتمعين: على أن عقيدة السنة أربع عشرة خصلة: سبعة متعلقة بالشهادة، وهي مما يدان بها في الدنيا، وسبعة متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من أحكام الآخرة.
فالتي في دار الدنيا: القول مع الاعتقاد بأن الإيمان: قول وعمل ونية، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن القرآن غير مخلوق، وتخيير الأربعة على الترتيب، وإثبات الإمامة، وترك الخروج على أحد منهم، والصلاة على من مات من أهل القبلة، وترك المراء والجدل.
والمتعلقة بالآخرة: الإيمان بأحكام البرزخ، والآيات التي بين يدي الساعة، والبعث بعد الموت، ورؤية الله تعالى، والإيمان بالحوض والشفاعة والصراط والميزان، وخلود الدارين، فمن خالف شيئاً من هذا فقد خالف اعتقاد السنة والجماعة، وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر الأقاليم.
وسنتكلم على كل مسألة بذاتها، ونقيم الدليل على ذلك من كتاب وسنة ونظر، وبه التوفيق والمعونة، وهو حسبنا ونعم الوكيل، لا غناء بنا عنه طرفة عين ولا أقل من
(8/503)

ذلك، إذ قد أدبنا وعلمنا كيف نقول، فقال: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، إثباتاً للمجاهدة، وفقراً إلى المعونة منه سبحانه.
فأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف، فجمهور قول المعتزلة أن جميعها اضطرار) .
قلت: كأنه بالعكس وأظن الغلط في النسختين: المعتزلة.
(وقال ابن كلاب وطائفة: جميعها اكتساب.
وقول أصحاب الحديث: إن منها اضطراراً ومنها اكتساباً، وكان الأصل في ذلك أن المعرفة اسم لاضطرار ومكتسب، وكأن الاضطرار راجع إلى معرفة الربوبية والوحدانية، والمكتسب راجع إلى المريد ونحوه.
فصل: في معرفة الوحدانية التي جبل الرحمن الرحيم الخلق عليها وبه نستعين.
أما معرفة الوحدانية فهي معرفة الصانع القديم، المخترع لأعيان الأشياء، والمتمم تصويره لها على غير مثال، ولا بد لكل مخترع أن يعرف المنعم عليه بالإخراج من العدم إلى الوجود، وهي غير مكتسبة لأنها تعم من يصح منه الكسب ومن لا يصح منه، وهي ضرورة لا اختيار فيها، كما لا كسب فيها، ولا يتوصل إليها بالأسباب.
(8/504)

دليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ، يعني: وما من شيء إلا يسبح.
قال ابن عباس: حتى النبات الذي خلقه يسبح بحمده.
وقال عكرمة: لايسبن أحدكم ثوبه ولا دابته، فما من شيء إلا يسبح بحمده.
وروي أن صرير الباب بالتسبيح.
وقال سبحانه: {يا جبال أوبي معه والطير} ، وقد روي: سبحي.
وقال سبحانه: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون} ، يعني: صاغرون.
وقال سبحانه: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} الآية.
وقوله سبحانه: {سبح لله ما في السماوات والأرض} ، وسبح إخبار عن ماض وآت، وإعلام لنا أن كل شيء يسبح بحمده، ويسجد لعظمته، ويعترف بألوهيته ووحدانيته، ولا يجوز أن تسجد الأشياء وتسبح لمجهول.
وكذلك اعترافها بفضائل رسله، وما
(8/505)

استفاض من مخاطبات الجمادات له صلى الله عليه وسلم، وسلامها عليه، وحنينها إليه، ومخاطبة الأنعام والوحوش، والطير، والصغار في المهود، وغير ذلك.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن البهائم أبهمت إلا عن ثلاث» ، فذكر معرفة بارئها.
وهذه الأشياء مما لا يصح فيها الاستدلال والنظر، ولا عقول، ولا اختيار، ولا كسب، وقد عقل معرفتها لبارئها عز وجل، وثبت بالكتاب والسنة.
وهذا ظاهر جلي ينفي وجود هذه المعرفة بالوسائط، لأنها حق له عز وجل، ينفي عن نفسه ما شمل سائر البرية من المعلوم والمجهول، لأنه سبحانه خلق الأشياء مجهولة، ثم جلاها بالأسماء، فعرفت من بعد جهلها، وذلك دليل الحدث، فعز عن أن يكون كالحوادث التي عرفت بغيرها.
وقال بعض الحكماء كلمات لا سبيل إلى نقضها: وهو أن كل معروف بغير نفسه مجهول، وكل تام بغيره معلول.
ولقد أحسن فيما قال وأصاب، إذ معرفته بغيره شهادة قاطعة على وجود علة المجهول فيه، الذي ارتفعت عنه تغيره، الذي لولاه لم يعرف، فصارت معرفته بغيره صارخة بفقره، إلى من ارتفعت عنه علة المجهول، والغير علة، والعلة لا تصحب إلا معلولاً.
(8/506)

قلت: وقد قرر كلامه صاحبنا الشيخ أبو العباس الواسطي، فقال: (المعنى: أنه لولا وجود زيد ما عرف عمرو، وبوجود زيد زالت الجهالة عن عمرو، فصار زيد مفتقراً إلى وجود عمرو واسمه، لزوال الجهالة عنه به وباسمه، والمعنى: أن المخلوق مفتقر إلى علة يعرف بها، بخلاف الواحد الذي لا نظير له، ولا هو مفتقر إلى علة يعرف به ويقوم بها، بل العباد مفترقون إليه وإلى معرفته) .
قال: وهذا إشارة إلى المعرفة الفطرية، فإنه سبحانه لم يعرف فيها بغيره، بل كان هو المعروف بها بنفسه إلى خلقه) .
قال الشيخ أبو محمد بن عبد: (فعز ربنا أن يقوم بالعلل، فيصير دليلاً بعد ماكان مدلولاً) .
هكذا رأيته في الكتاب، وإنما أراد: (فيصير مدلولاً بعد ما كان دليلاً) .
قال: (وقد جاء في الأثر: يقول الله تعالى في بعض الكتب السالفة: أنا الدال على نفسي، ولا دليل أدل علي مني.
وقد روى: كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف، فأظهرت خلقاً وتعرفت إليه بنفسي فعرفوني.
وهذ نص بإزالة العلل، لأنه من ثبت بغيره ونفي بغيره، كان
(8/507)

إثباته تخييراً، وتلك علل الحوادث، فهو الثابت بثباته، المعروف بنفسه، لم يعرف من بعد جهل، إذ ذاك تغيير عن الأزل، فهو المعروف أزلياً، والعارفون محدثون، كما أنه إله لم يزل، والمألوهون المقرون له بالإلهية محدثون، ولا يجوز على الإلهية تغيير، ولا أن تقوم لها صفة بالحوادث، وهذه المعرفة تعم سائر البرية من ساكن ومتحرك، وهي جبل كجبل الملائكة على الخدمة، فتلزم مكلفاً وغير مكلف) .
قال: (والفصل الثاني: معرفة الربوبية، وهي خاصة للمكلفين من بني آدم، وهي تعم مؤمنهم وكافرهم وسائر فرقهم، وهي ضرورية أيضاً، وهي عن رؤية، وهي قوله سبحانه: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} ، وهذا في غير وقت الكسب والتكليف، فتعرف إليهم بنفسه بلا وسائط ولقنهم التاء وخاطبهم بحرف التعريف، فأقر الكل له بتلك المعرفة، إذ عاينوه جباراً قهاراً، وهي معرفة لا يقع بها إيمان ولا توحيد، لأنها إقرار للضرورة، وليس للكافر فيها اختيار، إذ لو كان له فيها اختيار لجحدها، كما جحد معرفة التوحيد، ولو كانت كسبية لوقع له بها
(8/508)

إيمان وثواب، بلى هي ضرورية يرجع إليها في شدائده، قال تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} .
وقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله.
قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ، وقال سبحانه: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، مع آيات كثيرة، وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه، ويقولن: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك، مع كفرهم.
فدل ذلك على أن تلك ضرورة ألزموها، وهو قوله تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ، وقول: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، يعني: معرفة ربوبيته.
وقد جاء في الأثر: يقول الله تعالى: (خلقت خلقي حنفاء مقرين) يعني عرفاء عرفوه بوحدانيته، وأقروا له بمعرفة ربوبيته، وإنما جحدوا معرفة التوحيد الذي تعبدهم بها على ألسنة السفراء، وهو قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
وقول صاحب الشرع: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا
(8/509)

إله إلا الله» ، لم يقل: حتى يقولوا: إن ربهم رباً، إذ هم عارفون بذلك.
وإنما أمرتهم الرسل أن يصلوا معرفة التوحيد بمعرفة الربوبية والوحدانية فأبوا، وقبل ذلك الموحدون، فقال في حال المؤمنين: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ، وقال في حال الكفار: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} .
فالسفراء لهم مدخل في معرفة التوحيد دون معرفة الوحدانية والربوبية، إذ لكل معرفة مقام، فليس للعقل والكسب والوسائط والنظر والاستدلال في هذه المعرفة حكم، لكونها عامة موجودة ممن يصح منه النظر والاستدلال وممن لا يصح منه، فلو كلفهم كلهم النظر والاستدلال، لكان مكلفاً لهم شططاً، إذ لايصح من الكل النظر والاستدلال، ويصح من الكل المعرفة بالاضطرار، فحملهم من ذلك ما رفع به عنهم الشطط.
وحديث الجارية فمشهور، وهي مما لا يصح منه النظر والاستدلال.
وكذلك الأبله والمجنون وغيرهم، لو سألتهم عن الله سبحانه لأشاروا إليه بما عرفهم، فتعرف سبحانه قبل التكليف بنفسه وبعد التكليف بالسفراء، لأنه لو خطابهم وكاشفهم قبل التكليف بلا سفير لبطل التكليف) .
(8/510)

قال: وقد «قال له أبو ذر رضي الله عنه: يا رسول الله، بماذا أقول: عرفت الله؟ فقال: إنك إن قلت بمن فقد أشركت، وإن حلت كفرت، وإن وسطت واسطة ضللت» .
وقد قيل لعلي رضي الله عنه: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرفني نفسه، لا يشبه صورةً، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس.
وعن ابن عباس حين سأله نجدة الحروري فقال: يا ابن عباس بما عرفت ربك إذ عرفته؟ فأجاب بنحو من جواب أمير المؤمنين.
وقول الصديق الأكبر: (سبحان من لم يجعل للخق طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته) .
فهذه المعرفة ضرورة للعارف موجودة فيه، كوجود ضرورة المقعد وقعوده موجودة فيه، فهو سبحانه المعروف الذي لا ينكره شيء، والمعلوم الذي لا يجهله شيء، فمن كانت معه معرفتان فهو كافر، وبالمعرفة الثالثة يصح الإيمان، وهو الفصل الثالث: وهي معرفة التوحيد التي دعت الرسل إليها، وبعثوا بها، وكلفنا قبولها، وهي قوله: {وإلهكم إله واحد} ، وهو قوله: {لئلا يكون للناس على الله
(8/511)

حجة بعد الرسل} ، وأخبرنا أنه ما كان معذباً قبل بعثتهم، فكانوا يعرفون أن لهم رباً وإلهاً، ولكنهم ينكرون توحيد الإله وبعث رسله وشرائع دينه، وبه وقع منهم الكفر.
فوجود ذلك منهم يزيل عنهم معرفة التوحيد، ولا يزيل ضرورتهم، وهذه المعرفة وجبت بالتوقيف، وهي ما وقفتنا الرسل عليه، ودلنا عليه سبحانه، ووفقنا لذلك، وبها يجب الخلود في الجنة، وبعدمها يجب الخلود في النار، وهي مكتسبة ولم تجب بالعقل كما زعمت المعتزلة، لأن هذه المقالة تضاهي مقالة البراهمة، حيث زعمت أن في قوة العقل كفاية عن بعث الرسل، والحق لم يخبر أنه ما كان يعذبهم حتى يرزقهم عقولاً، وإن كان العقل حجة فهو باطن، والرسل حجة الله ظاهرة.
وقد قيل لبعض العارفين: بم عرفت الله؟ قال: بالله.
فقيل: فأين العقل؟ فقال: العقل عاجز يدل على عاجز.
وقد جاء في الأثر: إن الله سبحانه لما خلق العقل، وأقامه بين يديه - وهو حجة من قال: عرف بالعقل - فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: عزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف.
فتعلق الخصم بهذه
(8/512)

الكلمة، وتمام الحديث: فطفق لا ينطق، فكحله بنور العزة، فقال: أنت الله الذي لا إله إلا أنت، فلم يعرف العقل الله إلا بالله.
وإذا كان الله معروفاً من طريق التوحيد بالعقل، فما بال قريش - مع كونها ذوي عقول - يقول الله عنهم إخباراً: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ؟ فإن كان لا عقل لها فلا حجة عليها، وإن كانت ذوي عقول فما أغنت عنهم عقولهم.
وقال سبحانه: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم} الآية، وأخبر عنهم أنهم يقولون في النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ، لا خلاف أنهم كانوا ذوي أسماع لا يسمعون بها، وكذلك عقول لا تغني عنهم ولا يستعملونها، فلم تكن مغنية لهم مع تكذيبهم الرسل، فبوجود الرسل صح التكليف، وبالعقل تمثيل ذلك بعد التوفيق، وليس للعقل مدخل فما تقدم من المعارف، وإن كان له ها هنا مدخل، فالأصل الرسل والعقل اتبع ذلك.
وأما العقل فله مدخل بالغ في معرفة المزيد، وكذلك العلم، فالعلم بيان الله، والعقل حجة الله، والرسل هم الحجة الظاهرة المبلغة عن الله مراده، والمخبرة بأمره، والداعية إلى سبيله.
ولما كان سبحانه لا سبيل إليه.
ولا عقول تشرف عليه، ولا لنا طاقة إلى استماع كلامه، لم يكن بد من بعث الرسل لنعلم بها مراد الربوبية منا.
(8/513)

وليس هذا للعقل، وإنما للعقل الزوائد والتصرف في المراد المخبر عنه الرسل، فعم سبحانه بمعرفة وحدانيته سائر ما ابتدع، وخص بمعرفة ربوبيته بني آدم كما كرمهم، وخص بمعرفة توحيده المؤمنين، وخص بمعرفة المزيد خواص المؤمنين.
وفي هذه المعرفة يتفاوت الناس، فمن كان معه معرفتان كان كافراً، ومن كان معه ثلاث فهو مسلم، فإذا كان أربع كان مؤمناً، فإذا كانت معه خمس كان مؤمناً عالماً، ثم يفاوتون في معرفة المزيد على قدر أحوالهم، وصدق الهمم، واتباع العلم، وقوة اليقين، وصفاء الإخلاص، وصحة المعتقد، ولزوم السنة.
فالعقل والعلم والنظر والاستدلال، والافتكار والاعتبار، يكشف عن معرفة المزيد التي يتفاوت فيها العبيد، فمن جعل حكم معرفة في أخرى فقد غلط غاية الغلط، وأوبقه الجهل، ورماه في بحر الحيرة ونقض الآثار، إذ قد ورد في بعضها أنه عرف بنفسه، وفي بعضها بالعلم، وفي بعضها بالعقل، وغير ذلك.
فدل على أن كل معرفة لها حكم ومصدر، ومقام وحال، فللكل معرفة الوحدانية والربوبية، وليس للكل معرفة التوحيد.
وإذا عمت معرفة التوحيد المسلمين، فليس لكل المسلمين معرفة
(8/514)

المزيد، وإذا زعم الخصم أن المعارف المتقدمة وجبت - أي حصلت - بالنظر والاستدلال - فذلك مكابر معاند.
فإن احتج بقوله تعالى عن الخليل: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} ، إلى قوله: {إني بريء مما تشركون} ، فتلك حجة على الخصم لا له، لأنه لو عرف بالنظر والاستدلال لما صح له أن يقال: إني بريء مما تشركون، ولم يحكم النظر والاستدلال، ولا يقول: إني بريء مما تشركون، وإني وجهت وجهي، إلا عارف بربه.

تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية
وما كان ذلك من الخليل إلا بالرشد السابق الذي خبرت الربوبية عنه، بقوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} ، وإنما أراد بذلك القول الإنكار على قومه والتوبيخ لهم، إذ كانوا يعبدون الشمس والقمر والنجم من دون الله، فقال ما قال على طريق الإنكار ليعلمهم أن ما جاز عليه الأفول والتغيير من حال إلى حال، لم يكن بإله يعبد ولا رب يوحد.
وإنما الإله الذي خلقكم، ولمعرفته فطركم:
هو الذي أخبر عنه بقوله: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} ، وإن كان مخرج الآية مخرج الخبر، فإنما المراد به الاستفهام) .
(8/515)

قلت: وذكر ابن عبد أشياء، وإن كان في بعض ما ذكره آثار لا تثبت، وكلام مستدرك، فالمقصود بيان ما ذكره من أن المعرفة فطرية.
إلى أن قال: وإنما كان الخليل بقوله منبها لقومه، ومذكراً لهم الميثاق الأول، رداً لهم إلى ضرورتهم، ليصلوا إلى ما انعجم عليها بما هو ضرورتهم وكوشفوا به، وإن كان ذلك من الخليل في طفوليته كم حكي، فأين محل النظر والاستدلال؟ وإن كان في حال رجوليته فمتى التبس هذا الحكم على بعض المؤمنين في زماننا وغيره، حتى يلتبس على الخليل، الذي اصطفاه الله بالخلة من بين العالمين؟! نعوذ بالله من الحيرة في الدين.
لا جرم وقال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ، ولو أن الله عرف بالعقل لكان معقولاً بعقل، وهو الذي لا يدركه عقل، ولا يحيط به إحاطة، وإنما أمرنا بالنظر والتفكير فيما عرف بالتقدير، لا إلى من: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، فعرفنا أن لكل أثراً مؤثراً، ولك بناء بان، ولكل كتابه كاتب من ضرورتنا إلى ذلك، كما عرفنا اضطراراً أن السماء فوقنا والأرض تحتنا، ومعرفة وجودنا، وغير ذلك، إذ يستحيل أن يحدث الشيء نفسه، لعلمنا بأنه في وجوده وكماله يعجز، كيف في عدمه وعجزه؟!) .
(8/516)

قال: (والفصل الرابع: وهي معرفة المزيد بالعقل والعلم والاستدلال، وخالص الأعمال مدلول عليها، وإن كان الأصل فضل الله المحض.
قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} ، وقد روى: معرفة، {وزدناهم هدى} ، {ولدينا مزيد} ، {لئن شكرتم لأزيدنكم} ، فوعد بالزيادات وأخبر عنها، فكلما نصحوا فيما عرفوا، كوشفوا بما غاب عنهم في المقام الثاني من المقام الأول.
وفي الحديث: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» وكان عمر بن عبد العزيز يقول: (جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا، ولو علمنا بما علمنا لفتح الله على قلوبنا غلق ما لا تهتدي إليه آمالنا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وعلماً بلا تعلم، فليخرج من ذل معصية الله، إلى عز طاعة الله، فإنه واجد ذلك كله» .
وقد روي: «إذا زهد العبد في الدنيا، وكل الله سبحانه بقلبه ملكاً
(8/517)

يغرس فيه آثار الحكمة، كما يغرس أكار أحدكم الفسيل في بستانه» .
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول - ويكتب بذلك إلى عماله-: (احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون، فإنه يتجلى لهم أمور صادقة) فكلما استعمل العبد عقله، وعمل بعلمه، وأخلص في عمله، وصفا ضميره، وجال بفهمه في بصيرة العقل، وذكاء النفس، وفطنة الروح وذهن القلب، وقوى يقينه، ونفى شكه، وضبط حواسه بالآداب النبوية، وقام على خواطره بالمراقبة، وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال، وصار الصدق وطنه، وذهب عنه الرياء والعجب، وأظهر الفقر والفاقه إلى معبوده، وتبرأ من حوله وقوته، ولزم الخدمة، وقام بحرمة الأدب، وحفط الحدود والاتباع، وهرب من الابتداع، زيد في معرفته، وقويت بصيرته، وكوشف بما غاب عن الأعيان، وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد، وهذه المعرفة لا يجب أن تكون ضرورة، ولا أيضاً معرفة التوحيد، إذ لو كانت ضرورة لعمت وبطل الثواب، فلم يجبر سبحانه على معرفة توحيد، وعلى معرفة المزيد، إذ لو كان كذلك لأغنى عن بعث الرسل، وإنزال الكتب،
(8/518)

وإقامة الحجج، وإنما هو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها، وأقامها مع مقدرتها، لم يكلفها فوق الطاقة، ولا شططاً، فجبر على معرفة ربوبيته ووحدانيته، ولم يجبر على ما سوى ذلك من المعارف كما زعمت المجبرة، فمن أهل الكلام من يزعم أن المعارف كلها اضطرار، وذلك غلط.
وهو قول جمهور شيوخ الاعتزال والمجبرة وبعض المتشيعة، ومنهم من يزعم أن جميعها اكتساب، وذلك أيضاً غير صواب، وبه يقول القدرية وبقايا الاعتزال وغيرهم، وأصحاب الحديث وأهل الظاهر، فيقولون بالاضطرار والاكتساب.
والأمر هو ما ذكرنا، والصواب ما شرحنا، لأن كل مقالة خالفت ما رتبنا فمنقوضة مضطربة، نصرح بإبطالها، ونومي إلى تناقض الأحاديث، فمعارف الاضطرار لا تفاوت فيها، ومعارف الاكتساب يقع فيها التفاوت، ويتفاضل الناس فيها على قدر ما ذكرنا.
فلما ثبت أنه القديم الأزلي وحده، وما سواه محدث، وكان القاهر لهم على الاتحاد والفناء، كانت المعرفة لهم من هذا الوجه اضطراراً وجبلاً، وكذلك لما اضطرهم في الذر، وخاطبهم كفاحاً في غير زمان التكليف، لم يجز أن يكون ذلك بكسب، فلما أرسل رسله، وأنزل كتبه، وتعرف على ألسنة السفراء، لم يصح أن يكون ذلك جبراً ولا ضرورة فيسقط
(8/519)

التكليف، ولا يكون ذلك موقع الحكمة، ولا ثبوت حجة: {وما ربك بظلام للعبيد} ، وهو الفعال لما يريد، ذو الحكمة البالغة، والعدل الشامل، والفضل الذي يختص به، فعرفناه من حيث وحدانيته وربوبيته، من حيث يعرف، ومن حيث توحيده، ومن حيث وصف ووقف، ومن حيث المزيد، من حيث استعمل ووفق، واختص وتفضل، فلكل معرفة مقام، ولكل مقام حكم، فعم بالأول، وأفراد بالثاني، واختص بالثالث من مقامات المعارف، فمعارف البلغاء بالإصابة، ومعرفة النظر والاستدلال لأهل الرأي والمكايلة والكلام، ومعرفة الفقه للعلماء، والحديث للرواة، والفراسة للحكماء، والمزيد للأنبياء والأولياء، مع مشاركتهم للغير في المعارف، لا يشاركهم غيرهم فيما خصوا به وكوشفوا، فلما استوى الكل في كونهم أحداثاً مربوبين، استووا في تلك المعرفة، ولما وقعت الميزة بالكسب والاختصاص، تباينوا وتفاوتوا في المعارف، وما يعقل ذلك إلا عارف، ولا ينكره إلا جاهل، فوصل الكل إلى معرفة الربوبية، ولم ينته أحد إلى معرفة المزيد، وهو أن يعرف الله حق معرفته.
قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} .
وقد روي: ما عرفوه حق معرفته.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال، ولو خفتم الله حق خوفه لعلمتم العلم
(8/520)

الذي ليس بعده جهل، وما وصل أحد إلى ذلك.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، الله أجل أن يبلغ أحد كنه أمره كله» .
هذا وهو أعرف الخلق بربه، الذي تصير معارف ذوي المعارف عند معرفته نكرة.
وقد كان يقول في مناجاته: «اللهم عرفني نفسك حتى أزداد لك رغبة، ومنك رهبة» .
وهذا طلب الزيادة في المعرفة، كما أدبه: {وقل رب زدني علما} .
وقد كان الشبلي يقول: (ما عرف الله أحد حقيقةً) يعني لو عرفوه حقيقةً ما اشتغلوا بسواه.
وكان الواسطي يقول: (كما به كانوا، كذلك به عرفوا) .
وقال أبو الحسن المروزي في قصيدته:
به عرفوه فاهتدوا لرشادهم ... ولولا الهدى منه عموا وتحيروا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه: «والله لول الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا» الحديث) .
(8/521)

قال: (فليس شيء إلا وهو يعرف الله سبحانه، ولو كان الحكم واحداً والمعرفة واحدة لاستووا.
وعدم الاستواء ووجود التفاوت يشهد بصحة ما قلنا، مع تصحيح الآثار، ومذاقات ألفاظ الرجال، فهو أجل أن يجهل، وأعز أن تنتهي فيه معارف ذوي المعارف، أو تبلغه بصائر ذوي البصائر: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} .
ومعرفة الرب بربوبيته، إذ ربوبيته ظاهرة، لا يدعها جاحد، ولا يقدر أن ينكرها معاند، إذ هو أجل أن يخفى، وأعز أن يقاس، وأعظم أن تشرف عليه العقول، أو يتناوله معقول، ليس في حيز المجهولات فيستدل عليه، ولا مضبوط بالحواس فتصل الأفهام إليه، فعرفناه بما تعرف، ووصفناه بما وصف، إذ به عرفت المعارف، ووجدت الدلائل، فعرفنا نفسه، وعرفنا رسله، بما أظهر على أيديها من المعجزات، والبراهين والآيات، وتعرف إلينا على ألسنتهم كيف نوحده ونشكره ونعبده، إذ لا وصول لنا إلى مراده منا إلا بما أرسل وعلم، لتكون المملكة معذوقة بمالكها، ونوحده بما وحد به نفسه، ونثني عليه
(8/522)

بثنائه، ونشكره كما علمنا على آلائه، إذ هو الغني عن كل شيء، وكل شيء إليه فقير.
قال الله: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} ، فلفقرنا لم نعرفه بنا، ولغنائه عنا عرفناه به، وجعل لنا الزيادة في الكسب، والتوصل بالأسباب، ومنه البداية، وإليه المنتهى، فكل من ألزمنا بسبب، عكسنا عليه ذلك السبب، وتسلسل الأمر، وإلى الله ترجع الأمور: {وإليه يرجع الأمر كله} ، فلا مجهول فيستدل عليه، ولا متوقع فيرتقب، فللرسل تأثير في العبادات، وللاستدلال تأثير في المكونات، وللعقول تأثير في المدبرات، وللرياضات تأثير في المكتسبات.
وقد أخبر سبحانه في كتابه فقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، وقد روي: ليعرفون.
فلأجل ذلك وقعت المعرفة من الجميع ولم تقع العبادة، فأراد ليعرفوه ثم يعبدوه على بساط المعرفة، فما جبرهم عليه من معرفة ربوبيته وقع، وما ردهم فيه إلى الاكتساب وقع من بعض دون بعض، ألا ترى أنه لم يقع من الكفار التعجب والإنكار من أنه سبحانه رب وإله؟ وإنما تعجبت وأنكرت التوحيد بالإلهية، فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ، فما أريد منهم أن يقع بهم علل، وما ألزمهم من معرفة ربوبيته لم يكن لهم سبيل إلى إنكاره وجحده كغيره من المعارف) .

تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية
قال: (فأصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها،
(8/523)

وأجملت وجهلت الحكم، فالتبس عليها الحكم، واختلفوا بما يصاب؟: بالعقول، أو الاستدلال أو بالإمام؟ فقال بعضهم: أصل المعرفة معرفة الإمام.
ومنهم من يقول: أهل البيت، يعني معرفتهم.
والأئمة والعلماء والفقهاء أكثرهم يذهب إلى أن المعرفة معرفة العلم والفقه، من حلال وحرام، وفرائض ومندوبات، وأحكام وسنن.
وقال بعضهم: هي أن تعرف الله على يقين حتى تستقر معرفته في قلبك.
واختلفوا: أي وقت تقع؟ فمنهم من يزعم: قبل البحث والنظر.
ومنهم من قال: بعد البحث والنظر.
وقوم يقولون: بعد البلوغ.
ومنهم من بجعل حدها معرفة الأجسام والأعراض والجواهر، وكلام يكثر ذكره، ويتبين لك في نفس الكلام - إذا لزمت ما قررنا وشرحنا - أن أهل الكلام اعتقدوا ما يليق بالطبع فأثبتوا من طريق العبودية، فجعلوا معرفته بأسباب، وأهل الحق اعتقدوا ما يليق بالربوبية فأثبتوه من حيث الربوبية، والربوبية لا تدنسها العلل، ولا يقع عليها غوامض الفطر، فقرر الله الخلق ودعاهم إلى معرفته كفاحاً، لئلا يشركوا في العلم بمعرفته ولا تكون لهم حجة.
قال سبحانه: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} وذلك لموضع ما ألزمهم من الضرورة، ولو قررهم بمعرفته في حال العبودية - كما
(8/524)

زعم الجاهلون - لخرجوا عن كونهم مكلفين لموضع النظر إليه، لكن تعرف إليهم من بعد ما ألزمهم من الضرورة بالوسائط والآيات فمن نصح معبوده، وقام على مراعاة ما شرعه له، وتعرف به إليه، واتكل في المعرفة عليه، وأسند جميع أموره إليه، ذكره ما سلف من الحال، وكشف له عن العواقب والمآل، فزهد فيما يفنى، وزادت رغبته فيما يبقى، وصار للإله موحداً خائفاً، ومصدقاً راجياً، ومن قصر في رعايته، وخلط في سعايته، وسلك محجة التفريط، ولم ينصح فيما أعطى من ضرورته وعقله، جمت عيوبه، وكثرت ذنوبه، فملكه هواه، فأعماه وأراده، ولم يبلغ مناه، فأنساه ذلك ما كان في وقت التعريف، فحصل في جملة من خان وعاند، ولم يكن بخارج من كون ماكان يجهله، إذ قد ثبت العلم بذلك فلم يكن بخارج من النار، ولم يكن بخارج من ضرورته) .
قال: (وقد ثبت أهل الكلام معارف ضرورية، كمعرفة الإنسان بوجود نفسه، فالربوبية أولى بذلك.
وكذلك الأعراض والأجسام والجواهر لأهل الكلام، والجمع والتفرقة، وما يعرف بالفكر ويشترط بالعلم، ومعرفة الشرع للفقهاء، والمعرفة التي هي
(8/525)

الحجة والبرهان، والنور والبيان، للعلماء البلغاء الحكماء، ومعرفة الصفات - وهي العلم به - فهي للأولياء الذين يشاهدونه بالقلوب، ويكاشفهم بالغيوب، إذ يظهر لهم ما لا يظهر لغيرهم، وهم المكاشفون بنور اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين المخصوصون بالحقائق، والمبتدأون بالمكنون من ذخائر كراماته، لأهل صفوته وولايته، فلكل قوم مقام ولكل مقام علم، ولكل علم حكم.
وكذلك المعارف على أحكام ومقامات، فلا يتعدى بمعرفة مقامها) .
قال: (وقد قيل لأبي الحسين النوري: كيف لا تدركه العقول؟ فقال: كيف يدرك ذو مدى من لا مدى له؟ أم كيف يدرك ذو غاية من لا غاية له؟ أم كيف يدرك مكيف من كيف الكيف.
وقال الواسطي: كما قامت الأشياء وبه فنيت كذلك به عرفوه.
وقال الشبلي: الحق لا يعرف بسواه.
وقال النباجي: طوبى لأهل المعرفة، عرفهم نفسه قبل أن عرفوه) .
قال: (صدق أئمة الدين، وشيوخ المسلمين فالله سبحانه هو المعروف الأزلي، وهو الهادي إلى معرفته، والمتعرف بنفسه إلى بريته، إذ ضلت العقول والفهوم، والعلوم والأوهام، في تيه التيه أن تتوهمه، والأفكار والأضمار ان تدركه، لأنه العظيم الذي فاتت عظمته لكل
(8/526)

حيث وتقدير، وعجز عن توهمه كل فكر وضمير، وردعت العقول، فلم تجد مساغاً فرجعت كليلة، ورجع الوهم خاسئاً وهو حسير) .
إلى أن قال: (بل هو المعروف بما تعرف، والموصوف كما وصف، فتعرف إلينا بربوبيته، ووصف لنا توحيده ووحدانيته، وأقسم على ذلك بقوله تعالى: {والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد} ، وهو الصادق في خبره وشهادته، إذ هو الواحد في الحقيقة، الذي لا شريك له في الألوهية والابتداع، وتعرف إلينا بهذه المعرفة على ألسنة السفراء، فأوقفتنا السفراء على توحيده، الذي تعرف إلينا به في كلامه وخطاه، فالأصل منه ثم السفراء.
{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} ، وأسعدنا بالعقل الذي هو الحجة، والعلم الذي هو الحجة، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وطالبنا بالاعتبار والافتكار والقبول، ليكون أقوى في البرهان، وأبلغ في البيان.
قال سبحانه: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} ، فنزه نفسه عما زعموا وابتدعوا، وصدق الله في خبره وصدقت الرسل) .
(8/527)

وتكلم على هذه الآية، وعلى قوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ، بما يناسب ذلك، إلى أن قال: (قال سبحانه: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} .
وقال سبحانه: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل} .
وقال: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا} ، مثلا لمن عبد غيره، إذ ضرب العبد مثلاً لمن عبد من دونه، لأنه ذليل عاجز مفتقر مدبر مملوك، لا يقدر على شيء: لا نفعا ولا ضراً، ولا خلقاً ولا أمراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
ومن رزقناه: جعله مثلا يستدل به على توحيده وكمال ربوبيته، لأنه الواسع الجواد القادر الرازق للعباد سراً وجهراً، فضرب الله سبحانه لهم الأمثال ليوبخهم ويريهم عجزهم فيما أضافوا إليه من الشركاء، مع إقرارهم بمعرفة ربوبيته تعالى الله عما يشركون، فعز من لمن يشارك في قدرته، وجل من لم يرام في وحدانيته، وتعظم من تفرد بالربوبية، فجل أن يكون له شريك في خلقه) .
إلى أن قال: (فخلقهم على الفطرة، وبعث إليهم السفراء، وعلمهم العلم، وركب فيهم العقل بالفكر.
فبالفطرة عرفوه، وبالواسائل عبدوه، فلولا الله سبحانه ما عرفناه من طريق ربوبيته، ولولا إرسال الرسول مع ما
(8/528)

خاطبنا به، ووقفنا عليه، ووفقنا له، ومن علينا به، وكتب في قلوبنا، واختصنا - ما عرفنا توحيده، ولا كيف نطيعه.
ولولا ما ظهرت من الآيات والمعجزات، التي أظهرها على أيدي الرسل، بحقائق معانيها التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، لم نعرف رسله.
ولولا زوائد الأعمال، وتصحيح الأحوال، والعلوم والفهوم والمعارف، وأسرار مقامات القوم، وحلاوة أذواقهم، والروائح الواردة إلينا منهم وعنهم - ما عرفنا ذوي المزيد.
وكل ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
فلو شكر الكافر ما اضطره إليه من معرفة باريه بربوبيته، واعترف له بنعمه، وإخراجه من العدم إلى الوجود، ورأى الأفضال والنعم التي قد عم بها، وكمال صورته، وإدرار رزقه عليه - لأوصله شكره بمعرفة توحيده، فصدق رسوله، وحقق ما سلف من عهده، ورجع إلى ضرورته، واعترف بوحدانيته، فأبطل ما سواه، ولم ير إلهاً إلا إياه، ولكن لما جهل النعمة.
وزاغ عن العهد، ونكث في إقراره، وكذب السفراء - حرمه أكبر المنن، وأفضل النعم: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ، فتركه مع هواه، فكان هلاكه في مناه، وإذا شكر المؤمن معرفة التوحيد التي من بها عليه، وشكرها قبول ماجاء به الرسول: قول، وعمل، وإخلاص نية، وإصابة سنة، ولزوم
(8/529)

قدوة، وحبس عن المخالفة أو صلة بمعرفة مزيدة، فكلما نصح في مزيد، رفع إلى مزيد.
قال سبحانه: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} .
قلت: ويستدل على ما ذكره أبومحمد بن عبد وغيره من أن المعرفة الأولية الفطرية تحصل بلا دليل أن ما يعلم بالدليل إنما يعلم إذا علم أن الدليل مسلتزم له ليكون دليلاً عليه.
وهذه هي الآية والعلامة.
وكذلك الاسم إنما يدل على المسمى إذا عرف أنه اسم له، وذلك مشروط بتصور المدلول عليه اللازم، وبأن هذا ملزوم له.
ولهذا قيل: إن المقصود بالكلام ليس هو تعريف المعاني المفردة، لأن المعنى المفرد لا يفهم من اللفظ حتى يعرف أن اللفظ دال عليه، فلا بد أن يعرف أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، حتى تعرف دلالته عليه، فتكون المعرفة بالمعنى سابقة للمعرفة بدلالة اللفظ عليه، بخلاف المعنى المركب، فإنه إنما يحتاج إلى العلم بجنس المركب لا بالتركيب المعين، فنعرف أنه إذا قيل: قام فلان، أنه فعل القيام القائم به.
فإذا قيل: زيد، عرف أنه فعل القيام القائم به، بخلاف مسمى زيد، وأنه لا يعرف
(8/530)

أن زيداً يدل على مسماه، حتى يعرف أولاً مسمى زيد، فلو استفيد مسمى زيد من زيد لزم الدور.
وهذا موجود في كل ما دل على معنى مفرد.
فما دل على الباري إنما تعرف دلالته عليه إذ عرف أنه مستلزم له، وذلك مشروط بمعرفة اللازم المدلول عليه، فلا يعرف أن هذا دليل على هذا المعين حتى يعرف المعنى والدليل، وأن الدليل مستلزم للمعين المدلول عليه، فلو استفيد معرفة المعين من الدليل لزم الدور، بل يكون ذلك المعين متصور قبل هذا، وتلك الأمور مستلزمة له، وآيات عليه، فكلما تصورت تصور المدلول عليه، فيكون كما قال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} ، تبصرة: إذا قدر أنه مس طيف من الشيطان فشككه فيما عرفه أولاً، فإذا رآى آياته المستلزمة لوجوده، كان ذلك تبصرة من ذلك اللطيف.
كما قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} ، وتكون تذكرة إذا حصل نسيان وغفلة تذكرة بالله، فهي تبصرة لما قد يعرض من الجهل، وتذكرة لما قد يحصل من غفلة، وإن كان أصل المعرفة فطرياً حصل في النفس بلا واسطة البتة.
(8/531)

وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الأدلة نوعان: أقيسة، وآيات.
فأما الأقيسة فلا تدل إلا على معنى كلي، لا تدل على معنى معين.
فإذا قيل: هذا محدث.
وكل محدث فله محدث قديم.
أو: كل ممكن فلا بد له من واجب، فإنما يدل على قديم واجب الوجود بنفسه، لا يدل على عينه، بل نفس تصور هذا لا يمنع من وقوع الشركة فيه.
فإذا قدر أنه عرف أنه واحد لا يقبل الشركة، فإنه لم تعرف عينه، فلا بد أن تعرف علينه بغير هذه الطريق، والايات تدل على عينه، لكن كون الآية دليلاً على عينه مشروطة بمعرفة عينه قبل، إذ لو لم تعرف عينه لم يعرف أن هذه الآية مستلزمة لها.
فعلم أنه في الفطرة معرفة بالخالق نفسه، بحيث يميز بينه وبين ما سواه، كما ذكره أبو محمد بن عبد وغيره، ولهذا كل من تطلب معرفته بالدليل، فلا بد أن يكون مشعوراً به قبل هذا، حتى يطلب الدليل عليه أو على بعض أحواله.
وأما ما لا تشعر به النفس بوجه فلا يكون مطلوباً لها.
وإذا كان مطلوباً لها فلا يمكن أن يستدل عليه بشيء، حتى يعلم أنه يلزم من تحقق
(8/532)

الدليل تحققه.
وقد بسط هذا في موضع آخر، وبين فيه أن التصور البسيط المفرد لا يجوز أن يكون مطلوباً بالحد، وإنما يطلب بالحد ما يكون مشعوراً به من بعض الوجوه، فيطلب الشعور به من وجه آخر.
ولهذا لم يكن مجرد الحد معرفاً بالمحدود، إن لم يعرف أن الحد مطابق له، وهو لا يعرف ذلك إن لم يعرف المحدود، وإلا فمجرد الدعوى لا تفيد.
وكذلك الدليل القياسي.
إذا قيل: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فإن لم يعرف المقدمتين لم يعرف النتيجة.
وإذا كان آية على شيء معين.
مثل كون الكوكب الفلاني، كالجدي مثلاً، علامة على جهة الكعبة، فلا بد أن يكون قد عرف الجدي وعرف أنه من جهة الشمال، وعرف أن الجهة المعينة جهة الكعبة في الجنوب، فإذا رآى الجدي علم أن جهة الكعبة تقابله.
ولولا تقدم معرفته بالدليل وهو الجدي، والمدلول عليه وهو جهة الكعبة، لم يمكنه الاستدلال.
لكنه عرف أولاً الدليل والمدلول عليه، ثم خفى عليه المدلول، وهوجهة الكعبة في بعض الأوقات والمواضع، فلما رآى الدليل عرف المدلول الذي كان قد جهله بعد علمه به، كمن سمع منادياً ينادي باسم من يطلبه كابنه وأخيه، وقد أضل مكانه، فإذا سمع الاسم استدل به عل المسمى الذي كان يعرفه قبل هذا، ولكنه قد حصل له به نوع من الجهل بعد ذلك.
فالآيات الدالة على الرب تعالى: آياته القولية التي تكلم بها كالقرآن،
(8/533)

وآياته الفعلية التي خلقها في الأنفس والآفاق، تدل عليه وتحصل بها التبصرة والذكرى، وإن كان الرب تعالى قد عرفته الفطرة قبل هذا، ثم حصل له نوع من الجهل أو الشك أو النسيان ونحو ذلك.
ومما ينبغي أن يعرف أن علم الإنسان بالشيء وتصوره له شيء، وعلمه بأنه عالم به شيء، وعلمه بأن علمه حصل بالطريق المعين شيء ثالث.
وكذلك إرادته وحبه شيء، وعلمه بأنه مريد محب له شيء، وكون الإرادة والمحبة حصلت بالطريق المعين شيء ثالث.
فالمتوضىء والمصلي والصائم يحصل في قلبه نية ضرورية للفعل الاختياري، ولا يمكنه دفع ذلك عن نفسه، وإن لم يتكلم بالنية، ثم قد يظن أن النية إنما حصلت بتكلمه بها، وهو غالط في ذلك.
وكذلك قد يحصل له علم ضروري بمخبر الأخبار المتواترة، ثم ينظر في دلالة الخبر، فيظن أن العلم الحاصل له لم يحصل إلا بالنظر، وهو قد كان قبل النظر عالماً.
وقد يقال: إن النظر وكد ذلك العلم أو أحضره في النفس بعد ذهول النفس عنه، وهذا مما يبين لك أن كثيراً من النظار يظنون أنهم لم يعرفوا الله بالطريق المعين من النظر الذي سلكوه، وقد يكون صحيحاً، وقد يكون فاسداً.
فإن كان فاسداً فهو لا يوجب العلم، وهم يظنون أن العلم إنما حصل به، وهم غالطون.
(8/534)

بل العلم قد حصل بدونه، وإن كان صحيحاً، فقد يكون مؤكداً للعلم ومحضراً له، ومبيناً له، وإن كان العلم حاصلاً بدونه.
هذه الأمور من تصورها حق التصور تبين له حقيقة الأمر في أصول العلم، وعلم أن من ظن أن الأمر الذي يعرفه عامة الخلق، وهو أجل المعارف عندهم، من حصره في طريق معين لا يعرفه إلا بعضهم كان جاهلاً، لو كان ذلك الطريق صحيحاً، فكيف إذا كان فاسداً‍!؟.
ومما يوضح الكلام في هذا الذكر المشروع لله هو كلام تام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» .
فأما مجرد ذكر الاسم المفرد، وهو قول القائل: (الله، الله) فلم تأت به الشريعة، وليس هو كلاماً مفيداً، إذا الكلام المفيد أن يخبر عنه بإثبات شيء أو نفيه.
وأما التصور المفرد فلا فائدة فيه، وإن كان ثابتاً بأصل الفطرة، وإن كان المعلوم بالفطرة ما تدخل فيه أمور ثبوتية وسلبية.
(8/535)