Advertisement

شرح عمدة الفقه لابن تيمية من كتاب الطهارة والحج 002


[كِتَابُ الْحَجِّ] [باب تعريف الحج وبيان بعض أحكامه] [تعريف الحج]
الْقِسْمُ الثَّانِي.
الْكِتَابُ الْمُحَقَّقُ.
(2/71)

كِتَابُ الْحَجِّ.
جِمَاعُ مَعْنَى الْحَجِّ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: قَصْدُ الشَّيْءِ وَإِتْيَانُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ مَحَجَّةً لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَيُسَمَّى مَا يَقْصِدُ الْخَصْمُ حُجَّةً لِأَنَّهُ يَأْتَمُّهُ وَيَنْتَحِيهِ، وَمِنْهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الْحَاجَةُ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ وَيُطْلَبُ لِلْمَنْفَعَةِ بِهِ سَوَاءٌ قَصَدَهُ الْقَاصِدُ لِمَصْلَحَتِهِ أَوْ لِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ".
وَقَوْلُ فِي حَاجَةِ اللَّهِ، وَحَاجَةِ رَسُولِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْصَدُ وَيُؤْتَى: مَا يُعَظَّمُ وَيُعْتَقَدُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَإِذَا كَانَ
(2/73)

كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْثُرَ اخْتِلَافُ النَّاسِ إِلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْحَجُّ الْقَصْدُ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقَصْدُ إِلَى مَنْ يُعَظَّمُ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَثْرَةُ الْقَصْدِ إِلَى مَنْ يُعَظِّمُهُ. وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ، وَمَكَانٌ مَحْجُوجٌ، أَيْ مَقْصُودٌ مَأْتِيٌّ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
(2/74)

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يَقُولُ يُكْثِرُونَ الِاخْتِلَافَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ:
قَالَتْ تَغَيَّرْتُمُ بَعْدِي فَقُلْتُ لَهَا ... لَا وَالَّذِي بَيْتُهُ يَا سَلْمُ مَحْجُوجٌ
ثُمَّ غُلِّبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ، وَالْعُرْفِيِّ عَلَى حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَإِتْيَانِهِ. فَلَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَّا هَذَا النَّوْعُ الْخَاصُّ مِنَ الْقَصْدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ الْمَوْجُودُ كَثِيرًا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] وَقَدْ بَيَّنَ الْمَحْجُوجَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] فَإِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ {الْبَيْتَ} [البقرة: 158] لِتَعْرِيفِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَعَلِمَهُ الْمُخَاطَبُونَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ.
(2/75)

وَفِيهِ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. الْحَجُّ، وَالْحِجُّ، وَالْحَجَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا. ثُمَّ حَجُّ الْبَيْتِ لَهُ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ فِي الشَّرْعِ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَمَامِ قَصْدِ الْبَيْتِ، فَإِذَا أُطْلِقَ الِاسْمُ فِي الشَّرْعِ انْصَرَفَ إِلَى الْأَفْعَالِ الْمَشْرُوعَةِ ; إِمَّا فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، أَوِ الْأَصْغَرِ.

[مَسْأَلَةٌ وجوب الحج والعمرة مرة في العمر]
مَسْأَلَةٌ:
(يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، وَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ الْمُسْتَفِيضِ الَّذِي تَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ وَتَنَاقَلَتْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وَحَرْفُ عَلَى لِلْإِيجَابِ لَا سِيَّمَا إِذَا ذُكِرَ الْمُسْتَحِقُّ فَقِيلَ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ، وَقَدْ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا وَضَعَ الْبَيْتَ وَأَوْجَبَ حَجَّهُ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ لَا لِحَاجَةٍ إِلَى الْحُجَّاجِ كَمَا يَحْتَاجُ الْمَخْلُوقُ إِلَى مَنْ يَقْصِدُهُ وَيُعَظِّمُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ،
(2/76)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَقَوْلُهُ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27] فَأَذَّنَ فِيهِمْ: "إِنَّ لِرَبِّكُمْ بَيْتًا فَحُجُّوهُ ".
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» "
(2/77)

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَيْسَ ذِكْرُ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ
(2/78)

النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ ثُمَّ أَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "قَدْ أَجَبْتُكَ " فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ " فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ " قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ " قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتُقَسِّمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " اللَّهُمَّ نَعَمْ " فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو
(2/79)

بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ»، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا وَالتِّرْمِذِيَّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَقَالَ: رَوَاهُ سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
(2/80)

عَنِ النَّبِيِّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ شَيْءٍ فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ! قَالَ: "صَدَقَ " قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ " قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ " قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللَّهُ " قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ " قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا، وَلَيْلَتِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ " قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ " قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا؟ قَالَ: "صَدَقَ" قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟ قَالَ: " صَدَقَ " قَالَ: ثُمَّ وَلَّى وَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ".»
(2/81)

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ رَجُلًا جَلَدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ قَالَ: فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " قَالَ: أَمُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي سَائِلُكَ، وَمُغَلِّظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: "لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ" قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَوْثَانَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ
(2/82)

قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ" قَالَ: فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: مَا بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى؟ قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا وَاللَّهِ مَا يَضُرَّانِ، وَمَا يَنْفَعَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ حَاضِرَتِهِ مِنْ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ إِلَّا مُسْلِمًا». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدٍ قَطُّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهَذَا لَفْظُ الْمَغَازِي
(2/83)

وَاخْتُلِفَ فِي سَنَةِ قُدُومِهِ. فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ وَرَوَى عَنْ شَرِيكٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ - «بَعَثَ بَنُو سَعْدٍ ضِمَامًا فِي رَجَبَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ تِسْعٍ» " ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ
(2/84)

أَبِي عُبَيْدَةَ، وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَاكِمِ فِي تَارِيخِهِ: لَوَامِعُ الْأُمُورِ وَحَوَادِثُ الدُّهُورِ. وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَعْرَابِيُّ الثَّائِرُ الرَّأْسِ الَّذِي مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَهُ أَبُو طَلْحَةَ
(2/85)

وَيَرْوِي نَحْوًا مِنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَاكَ -أَوَّلًا- أَعْرَابِيٌّ، وَهَذَا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، ثُمَّ ذَاكَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ، وَهَذَا رَجُلٌ لَهُ عَقِيصَتَانِ، ثُمَّ ذَاكَ رَجُلٌ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، وَهَذَا رَجُلٌ عَاقِلٌ جَلْدٌ، ثُمَّ ذَاكَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ إِلَّا التَّوْحِيدَ، وَالصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ. فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ ذَاكَ: فَلَيْسَ ذِكْرُ الْحَجِّ إِلَّا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ. وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَلَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُ - وَهُوَ يَقُولُ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ فَإِنْ كَانَتْ سَعْدُ هَذِهِ سَعْدَ بْنَ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ أَظْآرَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ - وَكَانَتْ حُنَيْنٌ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنْصَرَفَهُ - وَهُوَ
(2/86)

بِالْجِعْرَانَةِ - عَنْ حِصَارِ الطَّائِفِ فَأَسْلَمُوا، وَمَنَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى سَبْيِهِمْ - وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. فَتَكُونُ بَنُو بَكْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَدْ أَوْفَدَتْ ضِمَامًا فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَفِيهَا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ أَيْضًا، وَهَذِهِ السَّنَةُ هِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ -فِي الْجُمْلَةِ- عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ لَازِمٌ
(2/87)

(الْفَصْلُ الثَّانِي)
أَنَّ الْعُمْرَةَ أَيْضًا - وَاجِبَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ فَقَالَ: - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي طَالِبٍ
(2/88)

وَحَرْبٍ وَالْفَضْلِ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ، وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهَا سُنَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَالَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] وَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ. وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً
(2/89)

لَذَكَرَهَا، كَمَا ذَكَرَهَا لَمَّا أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا وَبِالسَّعْيِ فِيهَا فِي قَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ - {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] وَكَذَلِكَ أَمَرَ خَلِيلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِدُعَاءِ النَّاسِ إِلَى الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27]- إِلَى قَوْلِهِ: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] وَالِاخْتِصَاصُ بِأَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ هُوَ لِلْحَجِّ فَقَطْ دُونَ الْعُمْرَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْعُمْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةً مُسْتَحَبَّةً لِأَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا ذَكَرَ مَعَانِيَ الْإِسْلَامِ قَالَ: " «وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» " وَقَالَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: " «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» "، وَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ - وَسَأَلَهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ - إِلَى أَنْ قَالَ: " «وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا "؟ قَالَ: "صَدَقَ "، ثُمَّ وَلَّى، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "إِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» ". وَلَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةً لَأَنْكَرَ قَوْلَهُ: لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ - مَعَ تَرْكِ أَحَدِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ - تَعَالَى - وَكُلٌّ قَدْ جَاءَ يُؤَدِّي
(2/90)

فَرْضَ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِ فَلَمَّا قَضَى أَيَّامَ مِنًى بَاتَ بِالْمُحَصَّبِ بَعْدَ النَّفْرِ، وَخَرَجَ مِنَ الْغَدِ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْ مَنْ مَعَهُ بِالْعُمْرَةِ، وَلَا بِأَنْ يُسَافِرُوا لَهَا سَفْرَةً أُخْرَى، وَقَدْ كَانَ فِيهِمُ الْمُفْرِدُ، وَالْقَارِنُ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى، بَلْ قَدْ سَمِعُوا مِنْهُ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ فَعَلُوهُ، فَلَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةً كَالْحَجِّ لَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ أَوْ لَأَقَامَ رَيْثَمَا أَنْ يَعْتَمِرَ مَنْ لَمْ يَكُنِ اعْتَمَرَ.
وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا وَإِنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ» " رَوَاهُ
(2/91)

أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَمَرْفُوعًا، أَنَّهُ قَالَ: " «الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» " قَالَ
(2/92)

الدَّارَقُطْنِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: " «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي طَرِيقِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ
(2/93)

إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: " «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدٌ.
وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ " وَلَيْسَ بِشَيْءٍ».
(2/94)

وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ بَعْضُ الْحَجِّ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الِانْفِرَادِ كَالطَّوَافِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَجِبْ عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَوْ وَجَبَتِ الْعُمْرَةُ لَكَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ حَجَّتَانِ صُغْرَى، وَكُبْرَى، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ وَطَوَافٌ، وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَمِرُ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْحَجِّ فَلَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ شَيْءٌ يَقْتَضِي إِفْرَادَهُ بِالْإِيجَابِ لَكِنْ جَعَلَ اللَّهُ الْمَنَاسِكَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ أَتَمُّهَا هُوَ الْحَجُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَالْإِحْلَالِ.
وَبَعْدَهُ الْعُمْرَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْإِحْلَالِ. وَبَعْدَهُ الطَّوَافُ الْمُجَرَّدُ. . . وَلِأَنَّهَا نُسُكٌ غَيْرُ مُؤَقَّتِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، فَلَمْ تَجِبْ كَالطَّوَافِ.
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ مِنْ جِنْسِهَا فَرْضٌ مُؤَقَّتٌ، فَلَمْ تَجِبْ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةَ إِذَا وَجَبَتْ وُقِّتَتْ كَمَا وُقِّتَتِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ. فَإِذَا شُرِعَتْ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ عُلِمَ أَنَّهَا شُرِعَتْ رَحْمَةً وَتَوْسِعَةً لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِأَنْوَاعٍ شَتَّى مِنَ الْعِبَادَةِ، وَسُبُلٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196].
(2/95)

«وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ، فَقَالَ: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " إِنَّ «أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ» " فَأَمَرَهُ بِفِعْلِهِمَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَوْلَا وُجُوبُهُمَا عَلَى الْأَبِ لَمَا أَمَرَهُ بِفِعْلِهِمَا عَنْهُ. لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْ أَبِيهِ ; لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وِفَاقًا.
«وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِ شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنْ فِي لَفْظِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ " «أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدُ مَعَكَ» " وَكَلِمَةُ عَلَى تَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَا سِيَّمَا
(2/96)

وَقَدْ سَأَلَتْهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الْجِهَادِ. فَجَعَلَهُ جِهَادَهُنَّ. كَمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ، وَبِحَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ
(2/97)

إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: "تُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ وَتَعْتَمِرُ» ".
قَالَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ لَا سِيَّمَا، وَهُوَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِمَبَانِي الْإِسْلَامِ وَدَعَائِمِهِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَاجِبَةٌ» " ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: - يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا جَاءَ فِي صُورَةِ الْأَعْرَابِيِّ -: «يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِسْلَامُ؟ فَقَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ» رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: هَذَا
(2/98)

إِسْنَادٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهَا، لَكِنْ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّ الْحَجَّ يَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ يَدْخُلُ فِيهَا الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ تَبْيِينًا خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " «إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ» ". وَرَوَى الْقَاضِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(2/99)

-: " «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ» ".
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - فِي الْمَنَاسِكِ - عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: " «إِنَّمَا هِيَ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، فَمَنْ قَضَاهُمَا فَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ، وَمَنْ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ". وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْعُمْرَةُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَالِهِ فَيَبْتَغِي بِهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فَإِنَّ فِيهِ الْغِنَى وَالتَّصْدِيقَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَأَنْ أَمُوتَ وَأَنَا أَبْتَغِي بِمَا لِي فِي الْأَرْضِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي» " وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] فَإِنَّ الصِّفَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُبَيِّنَةً لِحَالِ الْمَوْصُوفِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مُقَيِّدَةً لَهُ وَمُمَيِّزَةً لَهُ عَمَّا يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ. فَلَمَّا قَالَ: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] عُلِمَ أَنَّ هُنَاكَ حَجًّا أَصْغَرَ لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ. لِأَنَّ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ لَهُ
(2/100)

وَقْتٌ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ لَا يُخْتَصُّ بِوَقْتٍ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «الْحَجُّ الْأَكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ» ".
وَأَيْضًا فَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: " «وَأَنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
(2/101)

وَهَذَا الْكِتَابُ: ذِكْرُ هَذَا فِيهِ مَشْهُورٌ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَبْلَغُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِإِجْمَاعِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ بَيَّنَ أَنَّهَا الْحَجُّ الْأَصْغَرُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: عُلِمَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] وَسَائِرَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ فَرْضِ الْحَجِّ إِمَّا أَنْ يَعُمَّ الْحَجَّيْنِ الْأَكْبَرَ وَالْأَصْغَرَ كَمَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» " يَعُمُّ نَوْعَيِ
(2/102)

الطَّهُورِ الْأَكْبَرَ وَالْأَصْغَرَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ مُطْلَقَ الْحَجِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِوُجُودِ الْأَكْبَرِ أَوِ الْأَصْغَرِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكْفِيَهُ الْعُمْرَةُ فَقَطْ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ تَخْصِيصًا لِلْعَامِّ، وَتَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقُيِّدَ كَمَا قُيِّدَ فِي قَوْلِهِ: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] بَلِ النَّاسُ إِلَى التَّقْيِيدِ هُنَا أَحْوَجُ لِأَنَّ هَذَا ذِكْرٌ لِلْمَفْرُوضِ الْوَاجِبِ، وَالِاسْمُ يَشْمَلُهَا، وَذَاكَ أَمْرٌ بِالنِّدَاءِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَالنِّدَاءُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي الْمُجْتَمَعِ، وَالِاجْتِمَاعُ الْعَامُّ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ لَا سِيَّمَا وَقَوْلِهِ: (يَوْمَ) وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ كُلِّ مَوْضِعٍ أُطْلِقَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَجِّ. وَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي عُطِفَ فِيهَا فَلِلْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ وَقَطْعِ الشُّبْهَةِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ حُكْمَ الْعُمْرَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحَجِّ، وَأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهَا كَثِيرًا مَا تُذْكَرُ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ لَفْظُ الْحَجِّ لَا يَتَنَاوَلُهَا.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَضَعِيفَةٌ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ، وَكَوْنُهَا بَعْضَ الْحَجِّ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا فَوَجَبَتْ بِالشَّرْعِ كَالْحَجِّ، وَعَكْسُ ذَلِكَ الطَّوَافُ
(2/103)

(فَصْلٌ)
وَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ فَرِيضَةٌ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو طَالِبٍ وَالْفَضْلُ وَحَرْبٌ، وَكَذَلِكَ أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ - فَقَالَ: أَهْلُ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ عُمْرَةٌ إِنَّمَا قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى -: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا ذَاكَ فِي الْهَدْيِ فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْمُتْعَةَ وَاجِبَةً، وَيَقُولُ: "يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إِنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ بِالْبَيْتِ ". قِيلَ لَهُ: كَأَنَّ إِقَامَتَهُمْ بِمَكَّةَ يَجْزِيهِمْ مِنَ الْعُمْرَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ
(2/104)

لِأَنَّهُمْ يَعْتَمِرُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَمِرَ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ، أَوْ تَجَاوَزَ الْحَرَمَ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ -: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ، وَإِنَّمَا الْعُمْرَةُ لِغَيْرِهِمْ، قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الْعُمْرَةَ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهَا بَطْنَ مُحَسِّرٍ ". وَإِذَا أَرَادَ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ الْعُمْرَةَ أَهَلَّ مِنَ الْحِلِّ وَأَدْنَاهُ التَّنْعِيمُ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي هَذَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مُتْعَةٌ يَعْنِي فِي زَمَنِ الْحَجِّ لِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ غَالِبًا إِنَّمَا يَعْتَمِرُونَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَعْتَمِرُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، قَالَهُ الْقَاضِي
(2/105)

قَدِيمًا قَالَ: لِأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهُمْ يَعْتَمِرُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ فِي وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ رِوَايَتَيْنِ: لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا مُطْلَقًا، فِي رِوَايَةٍ وَاسْتَثْنَى أَهْلَ مَكَّةَ فِي أُخْرَى، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَخِيرًا، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَجَدِّي وَغَيْرِهِمْ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مُقَيَّدِهِ وَمُجْمَلَهُ عَلَى مُفَسَّرِهِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي
(2/106)

بَكْرٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَهَؤُلَاءِ يَخْتَارُونَ وُجُوبَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ.
وَوَجْهُ عَدَمِ وُجُوبِهَا مَا رَوَى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ " وَعَنْ عَمْرِو بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "لَا يَضُرُّكُمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا تَعْتَمِرُوا، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَمِ بَطْنَ وَادٍ ".
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " يَا أَهْلَ مَكَّةَ إِنَّمَا عُمْرَتُكُمُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَمِ بَطْنَ وَادٍ " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ، هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] فَجَعَلَ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ الْمُوجِبِ لِهَدْيٍ أَوْ صِيَامٍ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِذَا كَانَ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُفَارِقُ
(2/107)

غَيْرَهُ فِي حُكْمِ الْمُتْعَةِ وَوَاجِبَاتِهَا مُفَارَقَةً فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ زِيَارَةُ الْبَيْتِ وَقَصْدُهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ مُجَاوِرُوهُ وَعَامِرُوهُ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ فَأَغْنَاهُمْ ذَلِكَ عَنْ زِيَارَتِهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فَإِنَّ الزِّيَارَةَ لِلشَّيْءِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ الْبَعِيدِ عَنْهُ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ عِنْدَهُ فَهُوَ زَائِرٌ دَائِمًا، فَإِنَّ مَقْصُودَ الْعُمْرَةِ إِنَّمَا هُوَ الطَّوَافُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْعُمْرَةُ هُمُ الَّذِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ هَدْيُ مُتْعَةٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَالْمَيْمُونِيِّ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى -: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَالْأَثْرَمِ أَيْضًا - أَنَّهَا إِنَّمَا تَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُقِيمُونَ بِمَكَّةَ، وَالطَّوَّافُونَ بِالْبَيْتِ. فَأَمَّا الْمُجَاوِرُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ
(2/108)

الْفَصْلُ الثَّالِثُ
أَنَّهُمَا إِنَّمَا يَجِبَانِ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ، فَأَمَّا إِيجَابُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِالنَّذْرِ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِمَا لَمْ يُتِمَّهُ كَمَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَجِبُ إِتْمَامُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ.
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ: مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ " فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا. الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُمَا: أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِيَّ
(2/109)

-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: "بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ".
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ [فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ] فَقَالَ: لَا وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ
(2/110)

هَذَا الْوَجْهِ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: " أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا " وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
(2/111)

وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ -: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُلَّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُلَّ عَامٍ؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَكَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ. أَلَا وَإِنَّمَا هِيَ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، فَمَنْ قَضَاهُمَا فَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ فَمَا أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ". رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْهُ. اهـ.
(2/112)

(الْفَصْلُ الرَّابِعُ)
أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُجُوبَ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَصِحَّتِهِ إِلَّا عَلَى مُسْلِمٍ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] فَنَهَاهُمْ أَنْ يَقْرَبُوهُ، وَمَنَعَهُمْ مِنْهُ. فَاسْتَحَالَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِحَجِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ مِنْهُمْ، وَمُحَالٌ أَنْ يَجِبَ مَا لَا يَصِحُّ لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ "أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا النِّدَاءُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَيَقْطَعُ الْعُهُودَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْحَجِّ، وَبَعَثَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ وَيَنْبِذُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ.
«وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ، وَيُقَالُ يُثَيْعٌ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ، قَالَ: "بِأَرْبَعٍ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
(2/113)

عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَا مُدَّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ سُكْنَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِهِمْ عَنْ مُجَاوَرَةِ الْبَيْتِ.
وَمَنْ عُرِفَ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ حَجَّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِهِ بِشَرْطِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى تَرْكِهِ فَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ
(2/114)

وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] فَحُجُّوا، فَأَبَوْا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا نَزَلَتْ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] قَالَتِ الْمِلَلُ: فَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: تَعَالَى -: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَقَعَدَ الْكُفَّارُ.
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَوْ
(2/115)

مَلَكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ زَادًا وَرَاحِلَةً، ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْدَمٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا، أَوْ عَاجِزًا فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ
(2/116)

الْقَاضِي.
وَالثَّانِيَةُ: لَا حَجَّ عَلَيْهِ.
وَلَا يَصِحُّ الْحَجُّ مِنْ كَافِرٍ، فَلَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ كَافِرٌ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ وَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بَطُلَ إِحْرَامُهُ
(2/117)

(الْفَصْلُ الْخَامِسُ)
أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى مَجْنُونٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا حَجَّ عَلَى مَجْنُونٍ إِلَّا أَنْ يُفِيقَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- وَغَيْرِهِمَا " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» " وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مَشْهُورٌ.
وَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ وَالتَّكْلِيفِ، لِعَدَمِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ. فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَلَمْ يُفِقْ إِلَّا وَقَدْ أُعْسِرَ لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ.
وَأَمَّا الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا. . . .
(2/118)

وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُحَجَّ بِالْمَجْنُونِ كَمَا يُحَجُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، فَيَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ وَلِيُّهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَصِحُّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ حَجَّ الصَّبِيُّ، أَوِ الْعَبْدُ أَوِ الْأَعْرَابِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إِنْ مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنْ مَاتُوا فَعَلَيْهِمْ كَمَا
(2/119)

قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
(2/120)

(الْفَصْلُ السَّادِسُ)
أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ " وَفِي لَفْظٍ: "حَتَّى يَشِبَّ» ".
وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى قَطْعِ مَسَافَةٍ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ كَالْجِهَادِ، وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْحَجَّ جِهَادَ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَجِهَادَ النِّسَاءِ.
فَإِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، فَلَمْ يُدْرِكْ إِلَّا وَقَدْ نَفِدَ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَدْرَكَ بِالسِّنِّ ; وَهُوَ اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ بِإِنْبَاتِ شَعْرِ الْعَانَةِ الْخَشِنِ، وَلَمْ يَحْتَلِمْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ.
(2/121)

(الْفَصْلُ السَّابِعُ)
أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى حُرٍّ كَامِلِ الْحُرِيَّةِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْقِنُّ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، وَالْمَكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِمِلْكِ الْمَالِ. وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالزَّكَاةِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْجِهَادِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَطُولُ مُدَّتُهَا، وَتَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ وَتَحْتَاجُ إِلَى مَالٍ، وَالْعَبْدُ مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ فَفِي الْإِيجَابِ عَلَيْهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ سَيِّدِهِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُسْتَقِيمَةٌ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ، وَفِيهَا نَظَرٌ.
وَلِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِسَيِّدِهِ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْحُرِّ لَشَقَّ عَلَيْهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ. وَالْحَجُّ كَمَالُ الدِّينِ وَآخِرُ الْفَرَائِضِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى - لَمَّا وَقَفَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَفَةَ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى كَامِلٍ مُطْلَقٍ، وَالْعَبْدُ نَاقِصُ الْأَحْكَامِ أَسِيرٌ لِغَيْرِهِ.
(2/122)

فَصْلٌ
فَقَدِ انْقَسَمَتْ شُرُوطُ الْوُجُوبِ هَذِهِ إِلَى مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجِّ وَإِلَى مَا لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ، وَكُلُّهَا شَرْطٌ لِلْإِجْزَاءِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ: وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْإِجْزَاءِ. فَصَارَتِ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ - كَمَا قُلْنَا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ -: مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ بِنَفْسِهِ. ثُمَّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَصْلًا لَا تَبَعًا، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا لَا أَصْلًا، وَلَا تَبَعًا.
(2/123)

[مَسْأَلَةٌ تفسير الاستطاعة في الحج]
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَهُوَ أَنْ يَجِدَ زَادًا وَرَاحِلَةً بِآلَتِهَا مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: -
(أَحَدُهَا):
أَنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] وَاسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ: مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَمَنَاطُ الْوُجُوبِ: وُجُودُ الْمَالِ ; فَمَنْ وَجَدَ الْمَالَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَالَ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا بِبَدَنِهِ قَالَ: فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ - إِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ الْحَجُّ.
وَسُئِلَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: عَلَى مَنْ يَجِبُ الْحَجُّ؟ فَقَالَ: إِذَا
(2/124)

وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ.
فَإِنْ حَجَّ رَاجِلًا تَجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُ قَدْ تَطَوَّعَ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ الْمَكِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَمَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ " وَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الْحَجُّ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ " قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بِالْعَجِّ: الْعَجِيجَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: نَحْرُ الْبُدْنِ».
(2/125)

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ أَنَّ عَطَاءً عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» " يَعْنِي قَوْلَهُ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]
(2/126)

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا بَأْسَ بِبَعْضِهَا
(2/127)

وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا».
(2/128)

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُسْنَدَةً مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ وَمُرْسَلَةً وَمَوْقُوفَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ: وُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَشْيِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي الْحَجِّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] إِمَّا أَنْ يَعْنِيَ بِهِ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَكِنَةِ، أَوْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَوَّلَ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى هَذَا التَّقْيِيدِ، كَمَا لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ فِي آيَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْمَالَ.
(2/129)

وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى مَسَافَةٍ، فَافْتَقَرَ وُجُوبُهَا إِلَى مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ كَالْجِهَادِ.
وَدَلِيلُ الْأَصْلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} [التوبة: 91] إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92] الْآيَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَشْيَ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ.
(2/130)

(الْفَصْلُ الثَّانِي)
إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا - حَتَّى يَمْلِكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، أَوْ ثَمَنَهُمَا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِصَنْعَةٍ، أَوْ قَبُولِ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ مَسْأَلَةٍ، أَوْ أَخْذٍ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ بَيْتِ الْمَالِ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي مِصْرِهِ، أَوْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: (يُوجِبُ الْحَجَّ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) يَعْنِي: وُجُودَهُمَا، وَقَوْلُهُ: (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) فَعَلَّقَ الْوَعِيدَ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
وَلِأَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُنْتَفٍ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ اعْتُبِرَ فِيهَا الْمَالُ: فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ مِلْكُهُ لَا الْقُدْرَةُ عَلَى مِلْكِهِ. أَصْلُهُ الْعِتْقُ، وَالْهَدْيُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَثَمَنُ الْمَاءِ وَالسُّتْرَةُ فِي الصَّلَاةِ.
(2/131)

(فَصْلٌ)
وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بَذَلَ لَهُ ابْنُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَالًا يَحُجُّ بِهِ، أَوْ بَذَلَ لَهُ ابْنُهُ أَوْ غَيْرُهُ طَاعَتَهُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ، وَكَانَ الْمَبْذُولُ لَهُ مَعْضُوبًا، أَوْ غَيْرَ مَعْضُوبٍ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا مِثْلِ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ ابْنُ الْقَاضِي أَبِي حَازِمِ بْنِ الْقَاضِي أَبِي
(2/132)

يَعْلَى: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَثْبُتُ بِبَذْلِ الِابْنِ الطَّاعَةَ أَوِ الْمَالَ، وَلَا تَثْبُتُ بِبَذْلِ غَيْرِهِ الْمَالَ، وَهَلْ تَثْبُتُ بِبَذْلِ غَيْرِهِ الطَّاعَةَ؟ خَرَّجَهَا عَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً بِنَائِبِهِ، وَالْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ النَّائِبُ لَيْسَ أُجْرَةً عِنْدَنَا فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَفَقَةٌ، فَيَكُونُ قَدْ بَذَلَ عَمَلَهُ لِلْمُسْتَنِيبِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَبَرِّعًا بِحَجٍّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلَّذِي سَأَلَهُ: «(إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ)». 50 وَالَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ الْحَجِّ لَا يَمْشِي وَلَا يُقَتِّرُ وَلَا يُسْرِفُ، إِنَّمَا الْحَجُّ عَمَّنْ لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ وَلَا يُسْرِفُ، وَلَا يُقَتِّرُ، وَلَا يَمْشِي إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَارًا.
(2/133)

وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا كَانَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ. فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ النَّائِبَ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ عَنِ الْمَيِّتِ، مَعَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَأَيْضًا مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ مَالَ الِابْنِ مُبَاحٌ لِلْأَبِ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ، مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا بَذَلَ لَهُ الِابْنُ فَقَدْ يُؤَكِّدُ الْأَخْذَ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِذَا وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَوْجُودِ الْمَمْلُوكُ وَالْمُبَاحُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6] وَلَعَلَّ كَلَامَهُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَالِ الْمُبَاحِ، كَمَا تَحْصُلُ بِالْمَالِ الْمَمْلُوكِ، قَالَ: وَلَوْ بَذَلَ لَهُ الرَّقَبَةَ فِي الْكَفَّارَةِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ الصِّيَامُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَ كَنْزًا عَادِيًّا وَنَحْوَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا
(2/134)

يَحُجُّ بِهِ، وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ
وَلَوْ لَمْ يَبْذُلْ لَهُ الِابْنُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَحُجُّ؟ فَإِنَّ الْجَوَازَ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَحُجِّي عَنْهُ») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيَّ وَهُوَ ... .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «وَقَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَفَةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: (إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ، وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ)، قَالَ: وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَخِفْتُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا، وَفِي لَفْظٍ: (فَهَلْ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ») وَفِي لَفْظٍ: («إِنَّ أَبِي كَبِيرٌ وَقَدْ أَفْنَدَ، وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا فَيُجْزِي عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ».) رَوَاهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَحْمَدُ،
(2/135)

وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَى بَعْضَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، فَقَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ»). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ، أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَحُجَّ عَنْهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
فَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَؤُلَاءِ السُّؤَّالَ عَلَى أَنَّ الْمَعْضُوبَ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِفِعْلِهَا عَنْهُ، وَشَبَّهَهَا بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ الْجَوَابِ لَا سِيَّمَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَالِ، بَلْ أَوْجَبَ الْحَجَّ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْوَلَدِ أَنْ يَحُجَّ، فَدَلَّ
(2/136)

ذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَذْلَ الِابْنِ مُوجِبٌ، وَإِنَّمَا أَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِخْبَارِ بِفَرْضِ الْحَجِّ عَلَى الْمَعْضُوبِ لَمَّا رَأَى الْوَلَدَ قَدْ بَذَلَ الْحَجَّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمُبَاحِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْمَمْلُوكِ، وَيَحْصُلُ بِهِ الْوُجُوبُ، كَمَا يَحْصُلُ بِالْمَمْلُوكِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِالْمَاءِ الْمَبْذُولِ وَالْمُبَاحِ، وَالصَّلَاةَ تَجِبُ فِي السُّتْرَةِ الْمُعَارَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ الْحَجُّ أَيْضًا - بِالِاسْتِطَاعَةِ الْمَبْذُولَةِ مِنْ مَالٍ أَوْ عَمَلٍ. نَعَمْ مَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةٌ لَا يَبْذُلُ بَذْلًا مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ بَاذِلُهُ نَوْعَ عِوَضٍ، وَلَوْ بِالثَّنَاءِ أَوِ الدُّعَاءِ، وَيَحْصُلُ عَلَيْهِ بِهِ مِنَّةٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ بُذِلَتِ السُّتْرَةُ مِلْكًا، أَوْ بَذَلَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ مَالًا يَحُجُّ بِهِ، أَوْ يُكَفِّرُ بِهِ.
وَبَذْلُ الِابْنِ لَيْسَ فِيهِ مِنَّةٌ، وَلَا عِوَضٌ بَلْ هُوَ مِنْ كَسْبِهِ وَعَمَلِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ»).
(2/137)

وَقَالَ: («أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»)، وَكَذَلِكَ دُعَاءُ الِابْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ»). فَكَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَعَ بَذْلِ الِابْنِ لَهُ ذَلِكَ؟ وَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ فِيهِ أَصْلًا. وَطَرْدُ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُسَلَّمًا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَاذِلِ ... .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّبِيلَ: بِأَنَّهُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَفِي لَفْظٍ: «سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»)، وَفِي لَفْظٍ: («مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا)». فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُوجِبُهُ إِلَّا مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
(2/138)

فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: (مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟) يَعْنِي: حَجَّ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً أَوْ مُبَاحَةً، وَإِنَّمَا قَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) أَيْ: وُجُودُ ذَلِكَ يَعُمُّ مَا وُجِدَ مُبَاحًا وَمَمْلُوكًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6].
وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ صِفَةُ الْمُسْتَطِيعِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَصِيرُ قَادِرًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَرْجِعَ الْبَاذِلُ، وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى حِينِ انْقِضَائِهَا، فَإِنْ أَوْجَبَ عَلَى الْبَاذِلِ الْتِزَامَ مَا بَذَلَ: صَارَ الْوَعْدُ فَرْضًا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فَكَيْفَ يَجِبُ فَرْعٌ لَمْ يَجِبْ أَصْلُهُ؟
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي إِيجَابِ قَبُولِ بَذْلِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمِنَّةِ عَلَيْهِ، وَطَلَبِ الْعِوَضِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَاذِلُ وَلَدًا فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ الْوَلَدُ: أَنَا لَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ عَنْكَ، وَلَا أَنْ أُعْطِيَكَ مَا تَحُجُّ بِهِ، وَمَنْ فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَمُنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا ... .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَأَبِي رَزِينٍ وَنَحْوِهِمَا: فَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ قَدْ ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ قَبْلَ اسْتِفْتَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاسْتِفْتَاؤُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى بَذْلِ الْوَلَدِ الطَّاعَةَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْحَجَّ يُجْزِئُ عَنِ الْعَاجِزِ حَتَّى اسْتَفْتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَبْذُلُونَ الْحَجَّ عَنِ الْغَيْرِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ جَوَازَ ذَلِكَ؟ فَإِذَا كَانُوا إِنَّمَا بَذَلُوا الْحَجَّ عَنِ الْوَالِدِ بَعْدَ الْفَتْوَى، وَالْوُجُوبُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْفَتْوَى: عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْبَذْلَ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحَجِّ، وَلَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ
(2/139)

الشَّرْطَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ حُكْمِهِ، وَصَارَ هَذَا كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي الَّتِي قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («إِنَّ أُمِّي كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا»). رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(2/140)

بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يَكُنِ الْبَذْلُ هُوَ الْمُقَرِّرَ لِلْوُجُوبِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ إِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنِ الْمَعْضُوبِ، وَعَنْهُ وَقَعَ الْجَوَابُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوُجُوبِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ. وَبِاتِّفَاقٍ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَاذِلِ أَنْ يَحُجَّ.
وَنَحْنُ إِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا بِحَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَى أَبِيهِ؛ لِتَبْرَأَ ذِمَّةُ الْأَبِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ، فَعُلِمَ أَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأَبِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَأْمُرَهُ [بِهِ كَمَا لَمْ يَأْمُرْهُ] بِتَكْرَارِ الْحَجِّ وَالطَّوَافِ، فَعِنْدَ هَذَا يَكُونُ قَوْلُ السَّائِلِ: عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ إِذَا أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَانَ لِمِلْكِهِ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَقَدْ بَلَغَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ فَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حُكْمَ الْعَاجِزِ عَنِ الرُّكُوبِ أَيَسْقُطُ عَنْهُ أَمْ يَتَجَشَّمُ الْمَشَاقَّ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ وَهَلَكَ فِي الطَّرِيقِ، أَمْ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ؟ وَلِهَذَا جَزَمَتِ السَّائِلَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، وَلَنْ يَقُولَ هَذَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ وَوَاجِبٌ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ عَنِ الْآبَاءِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُمْ هَلْ مَلَكُوا مَالًا أَمْ لَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ النِّيَابَةِ وَإِسْقَاطِهَا فَرْضَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْوَاجِدِ وَالْمُعْدِمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِفْصَالِ وَجْهٌ. وَكُلُّ مَعْضُوبٍ إِذَا حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَسْقَطَ عَنْهُ الْفَرْضَ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ بَعْدَ هَذَا مَالًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى، وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدَّيْنِ فِي جَوَازِ الْأَدَاءِ عَنِ الْغَيْرِ. فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى
(2/141)

وَفَائِهِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ عَاجِزٌ عَنْهُ إِذَا أَدَّاهُ غَيْرُهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ جَازَ، كَذَلِكَ الْحَجُّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحَجَّ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ بِمِلْكِ الْمَالِ، إِمَّا بِعِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ أَمَاكِنَ أُولَئِكَ السُّوَّالِ قَرِيبَةٌ، وَأَنَّ غَالِبَ الْعَرَبِ لَا يَعْدَمُ أَحَدُهُمْ بَعِيرًا يَرْكَبُهُ، وَزَادًا يُبْلِغُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى جَزْمَ السَّائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، مُخَصِّصِينَ لِهَؤُلَاءِ مِنْ دُونِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَزَمُوا لِوُجُودِ الْمَالِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَنَّهُ هُوَ السَّبِيلُ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّوَّالُ عَنُوا بِقَوْلِهِ: - أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ -: الْوُجُوبَ الْعَامَّ، وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ، وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ، أَوْ فُعِلَ عَنْهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ السَّيْرُ لِلْعُذْرِ، لَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا يُفَرَّقُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا بَيْنَ أَهْلِ الْأَعْذَارِ فِي كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُمُ السَّعْيُ إِلَيْهَا لِلْمَشَقَّةِ وَالْعُذْرِ؛ وَلِهَذَا إِذَا حَضَرُوا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَانْعَقَدَتْ بِهِمْ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ
(2/142)

وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا إِذَا حَضَرُوا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ.
وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ: أَنَّ الْوُجُوبَ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الْفَاعِلِ الَّذِي بِهِ يَسْتَعِدُّ لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ، وَيَعْتَمِدُ إِمْكَانُ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ لِنَقْصِ عَقْلِهِ أَوْ سِنِّهِ أَوْ حُرِّيَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُخَاطَبْ بِذَلِكَ الْوُجُوبِ أَصْلًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا يَفْعَلُ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَإِذَا كَانَ كَامِلًا تَأَهَّلَ لِلْخِطَابِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الْأَدَاءِ إِذَا قَدَرَ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِهِ هَلْ هُوَ قَادِرٌ أَوْ عَاجِزٌ، وَلَوْ تَجَشَّمَ وَفَعَلَ لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، فَالْمَعْضُوبُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ.
فَقَوْلُ السَّائِلِ: أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ: يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ أَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ بَالِغٌ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْأَدَاءِ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فَهَلْ يَقُومُ فِعْلُ النَّائِبِ مَقَامَ فِعْلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَعَلَ أَمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، فَيَبْقَى غَيْرَ فَاعِلٍ؟ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْكَلَامِ.
(2/143)

(فَصْلٌ)
وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ أَوِ الرَّاحِلَةَ: إِذَا اكْتَسَبَ حَتَّى حَصَّلَ زَادًا وَرَاحِلَةً فَقَدْ أَحْسَنَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَعْمَلُ صَنْعَتَهُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ يَكْرِي نَفْسَهُ بِطَعَامِهِ وَعُقْبَتِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْحَجُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَ وَكَانَ لَهُ وَفَاءٌ ... .
وَإِنْ كَانَ يَسْأَلُ فِي الْمِصْرِ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ لَهُ الْحَجُّ بِالسُّؤَالِ.
وَالنُّصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ السُّؤَالَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ.
وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ لَكِنْ بُذِلَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ، أَوْ بُذِلَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُطْعَمَ ... .
وَإِنْ حَجَّ بِغَيْرِ مَالٍ، وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ وَيَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، وَيَقْبَلَ مَا يُعْطَاهُ، فَإِنْ وَثِقَ بِالْيَقِينِ وَالصَّبْرِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِشْرَافِ إِلَى النَّاسِ، وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ ... .
(2/144)

وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتَوَكَّلُ ... .
وَإِنْ حَجَّ مَاشِيًا، وَلَهُ زَادٌ مَمْلُوكٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ أَوْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِ الْحَجِّ.
(2/145)

(فَصْلٌ)
وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ فِي حَقِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَأَمَّا الْقَرِيبُ وَالْمَكِّيُّ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ: فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ. فَإِنْ كَانَ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ: لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُجَّ حَبْوًا.
وَأَمَّا الزَّادُ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا يَأْكُلُهُ، وَلَوْ بِكَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ مَتَى تَشَاغَلَ بِالْحَجِّ انْقَطَعَ كَسْبُهُ وَتَعَذَّرَ الزَّادُ عَلَيْهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّؤَالِ ... .
(2/146)

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ بِالْآلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ مِنَ الْغَرَائِرِ، وَأَوْعِيَةِ الْمَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّادُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ طَعَامًا وَأُدْمًا، وَأَنْ تَكُونَ آلَاتُ الرَّاحِلَةِ مِمَّا تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ. فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إِلَّا فِي مَحْمِلٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَخَافُ السُّقُوطَ اعْتُبِرَ وُجُودُ الْمَحْمِلِ، وَإِنْ كَانَ يَكْفِيهِ الرَّحْلُ وَالْقَتَبُ بِحَيْثُ لَا يَخْشَى السُّقُوطَ أَجْزَأَهُ وُجُودُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّفَرَ فِي الْمَحَامِلِ، أَوْ عَلَى الْأَقْتَابِ وَالزَّوَامِلِ وَالرِّحَالِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِي مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الزَّوَامِلِ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالْأَغْنِيَاءِ ... .
(2/147)

وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ عَلَى الرَّحْلِ وَالزَّامِلَةِ دُونَ الْمَحْمِلِ إِذَا أَمْكَنَ، لِمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: («حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالزَّامِلَةُ: هِيَ الْبَعِيرُ الَّذِي يَحْمِلُ مَتَاعَ الرَّجُلِ وَطَعَامَهُ، وَازْدَمَلَهُ: احْتَمَلَهُ، وَالزَّمِيلُ: الرَّدِيفُ، وَالْمُزَامَلَةُ: الْمُعَادَلَةُ عَلَى بَعِيرٍ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: («حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ:
(2/148)

(اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ»). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِمَا كَلَامٌ.
وَهَلْ يُكْرَهُ الْحَجُّ فِي الْمَحْمِلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: وَالْمَحَامِلُ قَدْ رَكِبَهَا الْعُلَمَاءُ وَرُخِّصَ فِيهَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: عَطَاءٌ كَانَ يَكْرَهُ الْمَحَامِلَ لِلرَّجُلِ
(2/149)

وَلَا يَرَى بِهَا لِلنِّسَاءِ بَأْسًا، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْقِبَابُ عَلَى الْمَحَامِلِ بِدْعَةٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهُ فِي رُكُوبِهِ وَطَعَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: اعْتُبِرَتِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ بِكِرَاءٍ، أَوْ شِرَاءٍ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِدَهُمَا فِي مِلْكِهِ، أَوْ هُمَا بِكِرَاءٍ، أَوْ شِرَاءٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِوَضَ مِثْلِهِمَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ.
وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ وَالْكِرَاءُ. وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمَالِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
وَإِنْ كَانَ السِّعْرُ غَالِيًا فِي ذَلِكَ الْعَامِ غَلَاءً خَارِجًا عَنِ الْأَمْرِ الْغَالِبِ فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ ثَمَنُ مِثْلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا يُمْكِنُهُ اقْتِضَاؤُهُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مُوسِرٍ بَاذِلٍ، أَوْ غَائِبٍ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.
(2/150)

ثُمَّ إِنْ كَانَ يَجِدُ الزَّادَ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، أَوْ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ مِنْ مِصْرِهِ، بَلْ عَلَيْهِ حَمْلُهُ مِنْ مَوْضِعِ وُجُودِهِ إِلَى مَوْضِعِ وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ حَمْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ، أَوْ لَا.
وَأَمَّا الْمَاءُ لَهُ وَلِدَوَابِّهِ وَعَلَفُ الرَّوَاحِلِ، فَمِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَعَلَيْهِ حَمْلُهُ مِنْ مَوْضِعِ وُجُودِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ وَلَا عَلَفٌ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ عَلَيْهِ حَمْلُهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَلَا مِنْ أَقْرَبِ الْأَمْصَارِ إِلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشُقُّ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ الْمَاءِ لِبَهَائِمِهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ... .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُ عَلَفِ الْبَهَائِمِ: حُكْمٌ زَادَهُ فِي وُجُوبِ حَمْلِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الطَّرِيقِ.
(2/151)

(الْفَصْلُ الرَّابِعُ)
أَنْ يَجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ.
فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَقَدْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أَوْ حِينَ وُجُوبِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ قَضَاءِ دَيْنِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، ثُمَّ لَزِمَهُ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ ... . [وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، أَوْ مَتْرُوكًا.
]
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ... .
فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ: قَدَّمَ الْحَجَّ. قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَحُجَّ قَطُّ فَإِنَّهُ يَقْضِي دَيْنَهُ، وَلَا يَحُجُّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ فَلْيَحُجَّ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ يَقْضِي دَيْنَ
(2/152)

أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ لَمْ يَحُجَّ دَفَعَ إِلَى أَبِيهِ حَتَّى يَحُجَّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْحَجُّ، إِذْ كَانَ مَعَهُ نَفَقَةٌ تُبَلِّغُهُ إِلَى مَكَّةَ وَيَرْجِعُ، وَيُخَلِّفُ نَفَقَتَهُ لِأَهْلِهِ مَا يَكْفِيهِمْ حَتَّى يَرْجِعَ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: السَّبِيلُ فِي الطَّرِيقِ السَّالِكَةِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ الْمُبَلِّغَانِ إِلَى مَكَّةَ، وَإِلَى الْعَوْدِ إِلَى مَنْزِلِهِ، مَعَ نَفَقَةِ عِيَالِهِ لِمُدَّةِ سَفَرِهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ مَا يُنْفِقُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ وَابْنَ أَبِي مُوسَى صَرَّحَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الْمَنَازِلِ الَّتِي يُؤَجِّرُهَا لِكِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَإِنَّمَا يَبِيعُ مَا يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ لِعَائِلَتِهِ - الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ - مَا يَكْفِيهِمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ آكَدُ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَسْبِ بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ
(2/153)

يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ»). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ - بِعَيْنِهِ - نَفَقَتُهُ لَكِنْ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ كَيَتِيمٍ وَأَرْمَلَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ... .
وَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى كِفَايَةٍ لَهُ، وَلِعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ إِمَّا رِبْحِ تِجَارَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ، أَوْ أُجُورِ عَقَارٍ، وَدَوَابَّ، أَوْ رَيْعٍ وُقِفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ ... .
فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ، أَوِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ ... .
وَالْمُرَادُ بِالْكِفَايَةِ: مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ مَسْكَنٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ السُّكْنَى، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مَسْكَنَهُ، ثُمَّ يَسْكُنَ بِأَجْرٍ، أَوْ فِي وَقْفٍ.
لَكِنْ إِنْ كَانَ وَاسِعًا يُمْكِنُهُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِمَا دُونَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ لَزِمَهُ أَنْ يَحُجَّ بِالتَّفَاوُتِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ كُتُبُ عِلْمٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهَا فَرْضًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْعَالِمِ إِلَى عِلْمِهِ ... .
(2/154)

فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، أَوْ كَانَ لَهُ بِكِتَابٍ نُسْخَتَانِ يَسْتَغْنِي عَنْ إِحْدَاهُمَا: بَاعَ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ كُتُبَ عِلْمٍ، أَوْ يُنْفِقَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ مَلَكَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ رَجُلٌ جَاهِلٌ، أَيَحُجُّ بِهَا أَمْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: يَحُجُّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرِيضَةٌ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ فَرِيضَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هَذَا لَمْ يَتَعَلَّمْ فَالِابْتِدَاءُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ قَبْلَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوِ النَّافِلَةِ: مُتَعَيِّنٌ، وَالْأَوَّلُ قَدْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ، فَفِي بَيْعِ كُتُبِهِ إِخْلَالٌ بِمَا قَدْ عَلِمَهُ مِنْ عِلْمِهِ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ وَالشَّيْءُ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ كِفَايَةٌ لِأَهْلِهِ: فَلَا يُبَاعُ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ: يُبَاعُ.
وَإِذَا كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى النِّكَاحِ فَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ -: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ مَالٌ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهِ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فَضْلٌ، وَإِنْ حَجَّ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْرٌ عَنِ التَّزْوِيجِ: تَزَوَّجَ، وَتَرَكَ الْحَجَّ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ إِنْ خَشِيَ الْعَنَتَ قَدَّمَ النِّكَاحَ
(2/155)

؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَا غِنًى بِهِ عَنْهُ فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْحَجِّ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ، وَلَمْ يَحُجَّ، وَأَبَوَاهُ يَأْمُرَانِهِ بِالتَّزْوِيجِ، قَالَ: يَحُجُّ وَلَا يُطِيعُهُمَا فِي ذَلِكَ، هَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ فَصَّلَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ بِوُجُودِ السَّبِيلِ إِلَيْهِ.
وَالْعَنَتُ الْمَخُوفُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَالْغَالِبُ عَلَى الطِّبَاعِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَلَا يُفَرِّطُ فِيمَا تَيَقَّنَ وُجُوبَهُ بِمَا يَشُكُّ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ: قَدَّمَ الْحَجَّ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَاسْتِبْدَالُ مَا هُوَ دُونَهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِيَسْتَفْضِلَ نَفَقَتَهَا.
(2/156)

(فَصْلٌ)
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسِيرُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْمَسِيرِ بِأَنْ يَكُونَ يَتَّسِعُ الْوَقْتُ لِلسَّيْرِ وَالْأَدَاءِ. فَلَوْ وَجَدَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّحْرِ بِأَيَّامٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ شَهْرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَسِيرُ لِلْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَّا السَّيْرَ الْمُعْتَادَ وَمَا يُقَارِبُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ، أَوْ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ تَحْصِيلِ آلَةِ السَّفَرِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا يَجِبُ مَعَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ خَالِيًا مِنَ الْعَوَائِقِ الْمَانِعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ يَصُدُّهُ عَنِ الْحَجِّ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ كَالْأَعْرَابِ وَالْأَكْرَادِ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْقَوَافِلِ، أَوْ كُفَّارٍ، أَوْ بُغَاةٍ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَى الْحَجِّ. فَإِنْ أَمْكَنَ قِتَالُهُمْ ... .
وَإِنْ أَمْكَنَ بَذْلُ خُفَارَةٍ لَهُمْ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجِبُ بَذْلُهَا، وَإِنْ
(2/157)

كَانَتْ يَسِيرَةً لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ كَالْكَثِيرَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ مَعَ أَخْذِهَا، فَإِنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ أَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مِنْ وَفْدِ اللَّهِ: لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى اسْتِحْلَالِ قَتْلِهِمْ، أَوْ نَهْبِهِمْ، أَوْ سَرِقَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ بَذْلُ الْخُفَارَةِ الْيَسِيرَةِ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ يَقِفُ إِمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا، فَلَمْ يَمْتَنِعِ الْوُجُوبُ مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِهَا كَالْأَثْمَانِ وَالْأَكْرِيَةِ، وَقَدْ بَذَلَ صُهَيْبٌ لِلْكُفَّارِ جَمِيعَ مَالِهِ الَّذِي بِمَكَّةَ حَتَّى خَلَّوْهُ
(2/158)

يُهَاجِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 207].
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ لَوِ احْتَاجَ أَنْ يَرْشُوَ الْوُلَاةَ لِتَخْلِيَتِهِ، أَوْ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِهِ.
وَلَوِ احْتَاجَ أَنْ يَبْذُلَ مَالًا لِمَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ لِيَحْرُسَهُ فَهَذَا لَيْسَ بِرِشْوَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جُعَالَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ مَعَهُ وَحِفْظُهُ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَفَقَةُ مَحْرَمِهَا؛ لِأَنَّهُ الْحَافِظُ لَهَا، وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مَنْ يَحْفَظُ رَحْلَهُ مِنَ السُّرَّاقِ.
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الطَّرِيقُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً يَبْقَى فِيهَا سِنِينَ ... .
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الطَّرِيقُ بَرًّا أَوْ بَحْرًا إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ السَّلَامَةَ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْبَحْرِ الْهَلَاكَ: لَمْ يَجِبِ السَّعْيُ إِلَى الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ يَسْلَمُ قَوْمٌ
(2/159)

وَيَتْلَفُ قَوْمٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ.
(2/160)

(فَصْلٌ)
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الرُّكُوبِ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِمَرَضٍ، أَوْ كِبَرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُخْشَى مِنْ رُكُوبِهِ سُقُوطُهُ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ زِيَادَةُ مَرَضٍ، أَوْ تَبَاطُؤُ بُرْءٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَوَهُّمًا وَجُبْنًا، أَوْ مَرَّةً يَعْتَرِيهِ أَحْيَانًا، وَيَقْدِرُ أَنْ يَسْتَطِبَّ ... .
ثُمَّ إِنْ كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: يَحُجُّ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ وَهُوَ حَيٌّ وَعَنِ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا يَرْكَبُ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي قَدْ أُويِسَ مِنْهُ أَنْ يَبْرَأَ: فَيَحُجُّ عَنْهُمْ وَلِيُّهُمْ، «وَهَذَا الَّذِي أَمَرَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ حُجِّي عَنْ أَبِيكِ»).
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ: حَجَّ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.
(2/161)

وَإِحْجَاجُهُ عَنْ نَفْسِهِ: وَاجِبٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ بَلَغَ وَهُوَ مَعْضُوبٌ، أَوْ عُضِبَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ الْمَالِ، أَوْ بَعْدَ وُجُودِ الْمَالِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ أَنَّ شُرُوطَ الْوُجُوبِ: الْحُرِّيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالصِّحَّةُ، وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَالْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ، وَخُلُوُّ الطَّرِيقِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ: بِالزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ، وَالصِّحَّةِ. وَعَلَى الْمَرْأَةِ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ: الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ، وَالصِّحَّةُ، وَالْمَحْرَمُ.
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْخَثْعَمِيَّةَ وَغَيْرَهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ الْمَقْضِيِّ. وَلَوْلَا أَنَّ الْحَجَّ قَدْ وَجَبَ عَلَى هَذَا الْمَعْضُوبِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ ... .
وَأَيْضًا: «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ») وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَادِرِ بِنَفْسِهِ وَالْعَاجِزِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ إِذَا قَدَرَ أَنْ يَفْعَلَهَا بِأَصْلٍ أَوْ بَدَلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا يَجِبُ بَدَلُ الصَّوْمِ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ، وَبَدَلُ الْكَفَّارَاتِ، وَبَدَلُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
(2/162)

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ الْحَجَّةُ تُجْزِئُ عَنْهُ، وَيَسْقُطُ بِهَا عَنْهُ فَرْضُ الْإِسْلَامِ، بِنَصِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَمْكَنَتْهُ الِاسْتِنَابَةُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِي دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ إِنْ كَانَ أَجِيرًا فَلَا ضَرَرَ مِنْهُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ يَقَعُ مُسْتَحَقًّا لِلْمُسْتَأْجِرِ كَالِاسْتِيجَارِ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ. وَإِنْ كَانَ نَائِبًا مَحْضًا فَإِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مَالِ الْمُسْتَنِيبِ، فَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، يَبْقَى عَمَلُ النَّائِبِ فَقَطْ وَذَلِكَ لَا مِنَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ عِوَضًا صَحِيحًا فِي شُهُودِ الْمَشَاعِرِ، وَعَمَلِ الْمَنَاسِكِ، وَحُضُورِ الْمَوْسِمِ، وَلَهُ بِذَلِكَ عَمَلٌ صَالِحٌ غَيْرُ إِبْرَاءِ ذِمَّةِ الْمُنِيبِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا بَلَغَ ذَلِكَ بِمَالِ الْمُسْتَنِيبِ فَيَصِيرَانِ مُتَعَاوِنَيْنِ عَلَى إِقَامَةِ الْحَجِّ، هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِبَدَنِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مِنَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ بِمَالِ نَفْسِهِ.
لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْحَاجُّ وَلِيَّهُ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ
(2/163)

صِلَةً لِرَحِمِهِ، وَقَضَاءً لِحَقِّهِ، كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَقْلِ عَنْهُ، وَوِلَايَتِهِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَإِذَا حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ عُوفِيَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبِي طَالِبٍ -: إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ فَحُجُّوا عَنْهُ، ثُمَّ صَحَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ: فَقَدْ قُضِيَ عَنْهُ الْحَجُّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِنَا.
فَإِنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَاقَهُ عَائِقٌ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ هَلْ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(2/164)

(فَصْلٌ)
وَإِنْ كَانَ الْعَاجِزُ عَنِ الْحَجِّ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ، وَمَنْ قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، أَوْ مَنَعَهُ سُلْطَانٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ تَجُزْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي فَرْضِ الْحَجِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، كَمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَذِنَ فِي النِّيَابَةِ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ. وَالَّذِي يُرْجَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْحَجِّ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِوُجُوهٍ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَاكَ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ فَقَطْ، وَالْبَدَلُ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ بِكُلِّ حَالٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ بِكُلِّ حَالٍ انْتَقَلَ إِلَى الْبَدَلِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ عَجَزَ فِي الْحَالِ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الْبَدَلِ، وَلَزِمَهُ الصَّوْمُ إِذَا قَدَرَ. فَالْحَجُّ مِثْلُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُحَجَّ عَنِ الْفَقِيرِ، فَتَسْقُطَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ
(2/165)

مِنْ ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِالْوُجُوبِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ دَوَامُ الْعَائِقِ جَازَ أَنْ يُخَاطَبَ فِيمَا بَعْدُ، وَجَازَ أَنْ لَا يُخَاطَبَ، فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلِ ... .
(2/166)

(فَصْلٌ)
إِمْكَانُ الْمَسِيرِ وَالْأَدَاءِ بِسَعَةِ الْوَقْتِ، وَخُلُوِّ الطَّرِيقِ، وَالصِّحَّةِ: هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ فَقَطْ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا الْعَائِقُ الْخَاصُّ، مِثْلُ الْحَبْسِ وَالْمَرَضِ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَمَنْعِ السُّلْطَانِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَاقَةِ الطَّرِيقِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِذَا عَرَضَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِدْيَةٌ، فَإِذَا قُلْنَا: هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَمَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، أَوْ أَنْفَقَ مَالَهُ، أَوْ هَلَكَ: لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي لُزُومِ السَّعْيِ فَإِنَّ الْحَجَّ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا أَنْفَقَ الْمَالَ فِيمَا بَعْدُ بَقِيَ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ. [وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لَكِنْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ] وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ مَعَ إِمْكَانِ إِبْقَائِهِ لِلْحَجِّ. وَإِذَا اسْتَقَرَّ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمَكِّنُهُ مِنَ اكْتِسَابٍ مَالٍ، أَوْ مَشْيٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: هُمَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى؛ فَلِأَنَّ
(2/167)

اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] بَلْ هُوَ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْمَشْيِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ، وَأَعْجَزُ مِنَ الْمَعْضُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَائِبِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَكَيْفَ يَبْقَى الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ؟! وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْعِبَادَةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَإِنَّمَا ذَاكَ فِيمَا أُطْلِقَ وُجُوبُهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ.
فَأَمَّا الْحَجُّ: فَقَدْ خَصَّ وُجُوبَهُ بِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَامْتَنَعَ إِيجَابُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السَّبِيلَ فِي الْأَصْلِ: هُوَ الطَّرِيقُ وَالسَّبَبُ، وَكُلُّ مَا يُوَصِّلُ إِلَى الشَّيْءِ فَهُوَ طَرِيقٌ إِلَيْهِ وَسَبَبٌ فِيهِ، فَالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَطَاعَ التَّسَبُّبَ وَالتَّوَصُّلَ إِلَيْهِ، أَوْ مَنِ اسْتَطَاعَ فِعْلَ سَبِيلٍ، أَوْ سُلُوكَ سَبِيلٍ، وَيَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِمَنْ كَانَ السَّبِيلُ مُسْتَطَاعًا لَهُ أَوْ مَقْدُورًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ
(2/168)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَصُدُّونَهُمْ عَنِ الْبَيْتِ، وَيُقِيمُونَ الْمَوْسِمَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَطَرْدِ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ قُدْرَةِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ لَوَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَمَّنْ مَاتَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مِنْهُمْ، وَلَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُجُوبَ ذَلِكَ فِي تَرِكَاتِهِمْ، أَوْ سَأَلَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، كَمَا سَأَلُوهُ عَمَّنْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَهُوَ مَعْضُوبٌ.
وَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ قَدْ تَأَخَّرَتْ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ، أَوْ عَشْرٍ فَإِنَّمَا سَبَبُ تَأْخِيرِهَا صَدُّ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْبَيْتِ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ تَمَكُّنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إِقَامَتِهِ، فَامْتَنَعَ أَصْلُ إِيجَابِ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فَهُوَ بِالْمَنْعِ فِي حَقِّ الْخَاصَّةِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِتْمَامُ الْحَجِّ، وَلَا يَجِبُ
(2/169)

الْقَضَاءُ فِي ذِمَّتِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ إِتْمَامَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ أَوْكَدُ مِنَ ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ فِيهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ. فَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ فِي ذِمَّةِ الْمَصْدُودِ عَنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَأَنْ لَا يَجِبَ الْأَدَاءُ فِي ذِمَّةِ الْمَصْدُودِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْلَى.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَا بِشَرْطٍ فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ قَوْلُ ... .
فَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)» وَفَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يُعْلَمُ أَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحَجِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الذِّمَّةِ إِنَّمَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْحَالِ، أَوْ فِي الْمَآلِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَائِبِهِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ. وَهَذَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْحَجُّ لِيَفْعَلَهُ فِيمَا بَعْدُ بِنَفْسِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا بِنَائِبِهِ كَالْمَعْضُوبِ. حَتَّى لَوْ فُرِضَ مَنْ لَا يُمْكِنُ الْحَجُّ عَنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدَ آخِرِ سَنَةٍ يَحُجُّ النَّاسُ فِيهَا لَمْ يَجِبْ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَعْضُوبِ، إِلَّا أَنَّ الْمَعْضُوبَ يُمْكِنُهُ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَصْدُودِ.
وَالتَّمَكُّنُ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ إِذًا لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِوُجُوبِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ، لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِنَا الْمَشْهُورِ فِي الصَّلَاةِ
(2/170)

وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ قَضَاءُ الْعِبَادَةِ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ إِذَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا.
وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الشَّهْرِ فِي رَمَضَانَ، وَبِمَنْزِلَةِ حُؤُولِ الْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ، فَمَنْ مَلَكَ ذَلِكَ وَأَمْكَنَ فِعْلُ الْحَجِّ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً وَجَبَ عَلَيْهِ.
(2/171)

[مَسْأَلَةٌ وجوب المحرم في سفر المرأة]
مَسْأَلَةٌ:
(وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا، وَهُوَ زَوْجُهَا، وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُسَافِرَ لِلْحَجِّ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [(«لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ]: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»).
(2/172)

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: («مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: («لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا»). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: (بَرِيدًا).
(2/173)

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: («لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَانْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: («لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلْ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي أُرِيدُ جَيْشَ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، قَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا»).
فَهَذِهِ نُصُوصٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَمْ يُخَصِّصْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، مَعَ أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ مِنْ أَشْهَرِهَا وَأَكْثَرِهَا. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْفِلَهُ، وَيُهْمِلَهُ وَيَسْتَثْنِيَهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، بَلْ قَدْ فَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْهُ دُخُولَ سَفَرِ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ لَمَّا سَأَلَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْ سَفَرِ الْحَجِّ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ،
(2/174)

وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَيَتْرُكَ الْجِهَادَ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِنْفَارِ فِيهِ، وَلَوْلَا وُجُوبُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرُ الْحَجِّ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ أَغْلَبُ أَسْفَارِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَافِرُ فِي الْجِهَادِ، وَلَا فِي التِّجَارَةِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا تُسَافِرُ فِي الْحَجِّ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِهَادَهُنَّ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ فِيهِ الْبَلَاءُ، ثُمَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا اعْتَقَدَهُ حَافِظًا لَهَا وَصَايِنًا،
(2/175)

كَنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ، وَرِجَالٍ مَأْمُونِينَ، وَمَنَعَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ ذَلِكَ.
فَاشْتِرَاطُ مَا اشْتَرَطَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ، وَحِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ إِلَّا مَا ذُبَّ عَنْهُ، وَالْمَرْأَةُ مُعَرَّضَةٌ فِي السَّفَرِ لِلصُّعُودِ وَالنُّزُولِ وَالْبُرُوزِ، مُحْتَاجَةٌ إِلَى مَنْ يُعَالِجُهَا، وَيَمَسُّ بَدَنَهَا، تَحْتَاجُ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَى قَيِّمٍ يَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَغَيْرُ الْمَحْرَمِ لَا يُؤْمَنُ وَلَوْ كَانَ أَتْقَى النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ، وَالشَّيْطَانَ بِالْمِرْصَادِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»). قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: «لَا تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وَلَيْسَ يُشْبِهُ أَمْرُ الْحَجِّ الْحُقُوقَ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَازِمَةٌ وَاجِبَةٌ
(2/176)

مِثْلُ الْحُدُودِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَأَمْرُ النِّسَاءِ صَعْبٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْهُ، وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَحُجَّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؟ فَكَيْفَ بِالضَّيْعَةِ وَمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الْحَوَادِثِ؟!
وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ إِلَّا فِي الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَهْرُبُ مِنْهُ شَرٌّ مِنَ الَّذِي تَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَدْ خَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَفِي حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ
(2/177)

ضَرُورَةٌ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَضِيعَ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَفِي التَّغْرِيبِ لِأَنَّهُ حَدٌّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ... .
وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى ... .
(2/178)

وَهَلِ الْمَحْرَمُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلُّزُومِ وَالْأَدَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: الْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ ... .
(2/179)

(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْمَحْرَمِ).
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ زَوْجُهَا وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ.
وَتَسْمِيَةُ الزَّوْجِ مَحْرَمًا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ: («لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ»). وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ (ذُو مَحْرَمٍ). وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُسَافِرُ مَعَ الزَّوْجِ، فَيَتَنَاوَلُهُ اسْمُ مَحْرَمٍ، وَرُبَّمَا لَمْ يُسَمَّ مَحْرَمًا عَلَى مَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: (إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا).
وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ الْمَحْرَمَ إِمَّا صِفَةٌ أَوْ مَصْدَرٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ إِمَّا مِنَ التَّحْرِيمِ، أَوْ مِنَ الْحُرْمَةِ. . فَأَمَّا الزَّوْجُ فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ مُحَرَّمَةً وَهُوَ مُحَلٌّ، أَوْ هُمَا مُحَرَّمَانِ قَدْ وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ لِكَوْنِهِمَا فِي قَضَاءِ حَجٍّ فَاسِدٍ، وَفِي مَعْنَاهُ سَيِّدُ الْأَمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ ... .
وَأَمَّا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ مِنْ وَلَدِهَا وَآبَائِهَا، وَأُخْوَتِهَا، وَبَنِي أُخْوَتِهَا، وَأَعْمَامِهَا، وَأَخْوَالِهَا فَكُلُّهُمْ مَحَارِمُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ سَبَبُ النَّسَبِ نِكَاحًا صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا، أَوْ وَطْءَ شُبْهَةٍ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْأَنْسَابِ الثَّابِتَةَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ سَوَاءٌ فِي الْأَحْكَامِ.
فَأَمَّا بِنْتُهُ مِنَ الزِّنَا وَأُخْتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا - وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ
(2/180)

- فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا فِي الْمَنْصُوصِ بِخِلَافِ أُمِّهِ. وَكَذَلِكَ ابْنَتُهُ الَّتِي لَاعَنَ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهَا، وَلَا ابْنُهُ، وَلَا أَبُوهُ.
وَأَمَّا السَّبَبُ فَقِسْمَانِ: صِهْرٌ، وَرَضَاعٌ، أَمَّا الصِّهْرُ فَأَرْبَعٌ: زَوْجُ أُمِّهَا، وَابْنَتُهَا، وَأَبُو زَوْجِهَا، وَابْنُهُ.
وَأَمَّا الرَّضَاعُ: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَحَارِمُ.
وَأَمَّا مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا تَحْرِيمًا عَارِضًا كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَسُرِّيَّتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَلَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْرَمًا لَهُنَّ: لَكَانَ مَنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا قَدْ صَارَ مَحْرَمًا لِجَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ يَئِسَتِ النَّفْسُ مِنْهَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا طَمَعٌ فِي
(2/181)

أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهَا نَظَرَ شَهْوَةٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، بِخِلَافِ مَنْ تَحْرُمُ فِي الْحَالِ فَقَطْ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ حِلِّهَا بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ تُطْمِعُ النَّفْسَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَيَصِيرُ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّحْرِيمِ كَافِيًا فِي ذَلِكَ لَكَانَ مَحْرَمًا لِسَائِرِ الْمُحْصَنَاتِ، بَلْ لِسَائِرِ النِّسَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَوْ حَجَّتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَجْزَأَتْهَا الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ مَعَ مَعْصِيَتِهَا، وَعَظِيمِ الْإِثْمِ عَلَيْهَا.
(2/182)

[مَسْأَلَةٌ وجوب الحج على من فرط فيه حتى مات]
مَسْأَلَةٌ: (فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، أَوْ نَائِبِهِ فِي حَيَاتِهِ، فَفَرَّطَ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَلَهُ تَرِكَةٌ: وَجَبَ أَنْ تُخْرَجَ مِنْ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ؛ وَهُوَ مَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا، أَوْ مَمْنُوعًا، أَوْ كَانَ بِطَرِيقَةٍ عَاقَةٍ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِمْ، وَيَكُونُ هَذَا الْحَجُّ دَيْنًا عَلَيْهِ يُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ. هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ - فِي مَوْضِعٍ - وَأَصْحَابِهِ، كَمَا قُلْنَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ دَيْنٌ مِنَ الدُّيُونِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
(2/183)

وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: («أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْ أُمِّكَ»). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنَ الْفَضْلِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: («أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَثْبُتُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْ أَبِيكَ»). وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الَّذِي
(2/184)

فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ إِنَّمَا سَأَلَتْ عَنْ أُمِّهَا، وَبِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَإِذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - عَمَّ بِقَوْلِهِ: {أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] فَإِنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ مَعْنَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمِيرَاثُ بَعْدَ وَصِيَّةٍ أَوْ دَيْنٍ، وَلَمْ يُخَصِّصْ دَيْنَ الْآدَمِيِّ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ -، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ قَدْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ: أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ صُلْبِ الْمَالِ.
وَأَيْضًا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ قَالَ: («بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا»)؟ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: (إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: («أَمَرَتِ امْرَأَةٌ سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَسْأَلَ
(2/185)

رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ أَفَيُجْزِئُ أُمَّهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟ فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا»). وَعَنْهُ أَيْضًا: («أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَبِيهَا مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، قَالَ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ»). وَعَنْهُ قَالَ: («قَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ»). رَوَاهُنَّ النَّسَائِيُّ.
فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِفِعْلِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْحِجَّةِ الْمَنْذُورَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهَا تُؤَدَّى عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَكُلُّ مَا يَبْقَى مِنَ الْحُقُوقِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤَدَّى بَعْدَ الْمَوْتِ: فَإِنَّهُ يَجِبُ فِعْلُهُ
(2/186)

بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَفْعَلُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجِبْ فِعْلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يَزْعُمُ أَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ قَدْ سَقَطَتْ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ عَنْهُ حَجُّ تَطَوُّعٍ لَهُ أَجْرُهُ، وَثَوَابُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ - زَعْمٌ - لَا يُفْعَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي يُوصَى بِهِ لَيْسَ هُوَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَنَّ نَفْسَ الْوَاجِبِ هُوَ الَّذِي يُقْضَى عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَنَّ الْحَجَّ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَكُلُّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: («اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). وَقَوْلُهُ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ الصَّوْمِ («فَحَقُّ اللَّهِ أَحَقُّ»): إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ أَوْكَدُ،
(2/187)

وَأَثْبَتُ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: («فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ») فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ مِنْ تَرِكَتِهِ فَأَنْ يَجِبَ قَضَاءُ دَيْنِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُجْزِئَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِيمٌ جَوَادٌ، وَمَنْ يَكُونُ أَحْرَى بِقَبُولِ الْقَضَاءِ: فَحَقُّهُ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى؛ لِأَنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَحْصُلَ بِقَضَائِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا وَجَبَ فِعْلُ الدَّيْنِ عَنْهُ لِبَقَائِهِ وَكَوْنِهِ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، [وَجَبَ قَضَاءُ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ عَنْهُ لِبَقَائِهِ، وَكَوْنُهُ يُجْزِئُ بَعْدَ الْمَوْتِ] لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ عَنِ الْمَيِّتِ، سَوَاءٌ وَصَّى بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُوصِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْ تَرِكَةٍ خَلَّفُوهَا، وَتَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَيُؤَدِّي عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ بِعَيْنِهَا أَحْكَامُ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْوَلِيَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَمَّا كَانَ الدَّيْنُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ
(2/188)

وَأَيْضًا: فَقَدْ تَقَدَّمَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عَنْهُ، كَمَا يُطْعِمُ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَإِذَا وَجَبَ الْإِطْعَامُ فِي تَرِكَتِهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الْحَجُّ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَا فَرْقَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَجَّ حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ فِي حَيَاتِهِ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدْ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9]- إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]، وَقَوْلِهِ:
(2/189)

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ - لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99 - 100]؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَاتَ عَاصِيًا عَلَى كَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ، بَلْ تُخُوِّفَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْفَوْرِ، فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ - بَعْدَ مَوْتِهِ - وَيُجْزِؤُهُ كَمَا يُجْزِؤُهُ لَوْ فَعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ لَكَانَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَجَّ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إِلَى آخِرِ حَيَاتِهِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَهُ. وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ ابْتِلَاءٌ لِلْعَبْدِ وَامْتِحَانٌ لَهُ، وَأَمْرٌ لَهُ بِأَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِأَنْ يَقْصِدَ الْعِبَادَةَ وَيَفْعَلَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ مَنْ يَفْعَلُهَا. وَبِالْمَوْتِ قَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ دَيْنِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَيَصِحُّ بِدُونِ إِذْنِهِ، لَوْ أَدَّاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ وَلَوِ اقْتَضَاهُ الْغَرِيمُ مِنْ مَالِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحُجُّوا، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَمْلِكُوا زَادًا وَرَاحِلَةً، أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ لَكِنْ لَهُمْ ثَوَابُ وَأَجْرُ مَا يُفْعَلُ عَنْهُمْ لَا أَنَّ الْوَاجِبَ نَفْسَهُ يَسْقُطُ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطِ الْوَاجِبُ: لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ.
قُلْنَا: لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَاصِيًا مُعَرَّضًا لِلْوَعِيدِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْهُ، وَعَدَمَ صِحَّتِهِ، وَوُجُوبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ كَمَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَامِدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا،
(2/190)

أَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا. فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَطَلَ الْغُرَمَاءَ بِدُيُونِهِمْ مَعَ الْيَسَارِ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِهَذَا الْمَطْلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَيُؤَدَّى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيُجْزِؤُهُ، بَلْ عِنْدَنَا لَوْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ فَعَلَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَأَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ. وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ، وَيَصُومَ، وَأَنْ يَفْعَلَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي وَقْتِهِمَا، فَمَتَى تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ: لَمْ يَسْقُطِ الْوَاجِبُ الْآخَرُ وَهُوَ مُطْلَقُ الْحَجِّ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا لَمْ يَسْقُطْ نَفْسُ الْفِعْلِ، بَلْ يُفْعَلُ بَعْدَ الْوَقْتِ.
فَهَذَا الَّذِي أَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى مَاتَ: إِنْ لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ لَحِقَهُ وَعِيدُ تَرْكِ الْحَجِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ فُعِلَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ نَفْسُ الْحَجِّ، وَبَقِيَ إِثْمُ تَأْخِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ فِيهِ، وَتَرْكِ فِعْلِهِ، كَمَا يَبْقَى عَلَى مَنْ يَقْضِي الدَّيْنَ إِثْمُ الْمَطْلِ وَأَشَدُّ. وَسُؤَالُهُ الرُّجْعَةَ، [وَكَوْنُهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ: حَقٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ تَرْكِهِ] الْحَجَّ بِنَفْسِهِ وَتَفْرِيطِهِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ مُتَعَمِّدًا حَبِطَ عَمَلُهُ وَإِنْ قَضَاهَا، وَكَمَا يَلْحَقُ الْوَعِيدُ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، وَإِنْ صَلَّوْهَا بَعْدَ الْوَقْتِ. وَهُنَا قَدْ قَضَوْهَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقْضِي عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَلِأَنَّ هَذَا النَّكَالَ وَهَذَا الْخَطَرَ وَالْعَذَابَ الشَّدِيدَ يَكُونُ [حِينَ الْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ
(2/191)

يُحَجَّ عَنْهُ]، فَإِذَا حُجَّ عَنْهُ خَفَّفَ عَنْهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ... .
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ مَاتَ يُحَجُّ عَنْهُ، إِمَّا لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُخْلِفُ مَالًا، أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَهَاوَنُ الْوَرَثَةُ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ يَكُونُ أَمْرُهُ أَخَفَّ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْفَرَائِضِ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا إِلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَلَّفِ وَأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ بِدُونِ ذَلِكَ مُحَالٌ، فَذَلِكَ فِيمَا وَجَبَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَوْ حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ بِدُونِ أَمْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ الْمُخَاطَبُ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَهُمُ الْوَرَثَةُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بِكَرَمِهِ وَجُودِهِ أَقَامَ فِعْلَهُمْ عَنْهُ مَقَامَ فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي التَّأْخِيرِ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا، وَإِنْ كَانَ فَرَّطَ قَامَ مَقَامَهُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَبَقِيَ إِثْمُ التَّرْكِ عَلَيْهِ هُوَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَا وَجَبَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْوِيَهُ غَيْرُهُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا هُوَ الْوَلِيُّ.
يَبْقَى الْحَجُّ عَنِ الْمَعْضُوبِ هَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ بِدُونِ إِذْنِهِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا:
(2/192)

لَا يُجْزِئُ عَنْهُ بِدُونِ إِذْنِهِ وَيَتَوَجَّهُ ... .
وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ مَا دَامَ إِذْنُهُ مُمْكِنًا فَعِنْدَ تَعَذُّرِ إِذْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِعْلَ غَيْرِهِ قَائِمًا مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ كَمَا قَدْ يَقُومُ فِعْلُ غَيْرِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَحُصُولِ الثَّوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إِهْدَاءِ الثَّوَابِ لِلْمَوْتَى، وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْفَعُ غَيْرَ عَامِلِهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
(2/193)

(فَصْلٌ)
يَجِبُ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ وَالْعَاجِزِ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَحُجُّوا عَنْهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي مَلَكَ فِيهِ الزَّادَ، وَالرَّاحِلَةَ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ وَطَنَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ مَاتَ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ إِنْ مَاتَ فِي بَلَدِ الْوُجُوبِ حَجَّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَإِنْ مَاتَ فِي بَلَدٍ أَبْعَدَ عَنْ مَكَّةَ مِنْهُ، أَوْ هُوَ فِي جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ بَلَدِ الْوُجُوبِ: حَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ وَلَمْ يَجِبْ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ الْمَوْتِ، وَإِنْ مَاتَ بِبَلَدٍ أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ: وَجَبَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ أَيْضًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ قَاصِدًا الْحَجَّ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَيْسَرُ، قِيلَ لَهُ: فَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ خَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ فَأَيْسَرَ، ثُمَّ تَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ أَيْسَرَ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَأَنْكَرَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَمَاتَ بِهَا، قَالَ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ -: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِبَغْدَادَ، وَمَاتَ بِنَيْسَابُورَ نَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَغْدَادَ ... .
(2/194)

وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْحَجَّ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنًا، وَأَمَرَ الْوَارِثَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْهُ كَمَا يُفْعَلُ الدَّيْنُ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَكَذَلِكَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ الْحَجَّةَ الَّتِي يُنْشِئُهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ، وَأَتَمُّ مِنَ الَّتِي يُنْشِئُهَا مِنْ دُونِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إِتْمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ)، يَعْنِي أَنْ تُنْشِئَ لَهَا سَفَرًا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى صِفَةٍ تَامَّةٍ فَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَفْعَلَهَا بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ؛ وَلِأَنَّهَا مَسَافَةٌ وَجَبَ قَطْعُهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَوَجَبَ قَطْعُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَالْمَسَافَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْحَجِّ كَافِيًا لَأَجْزَأَ الْحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ تَامَّةٌ.
وَلِأَنَّ قَطْعَ الْمَسَافَةِ فِي الْحَجِّ أَمْرٌ مَقْصُودٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ ذَلِكَ جِهَادًا، فَقَالَ: («الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ»). وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: («عَلَيْكُنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ»). وَلِهَذَا كَانَ رُكْنُ الْوُجُوبِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ: هُوَ الْمَالُ فَيَجِبُ الْحَجُّ بِوُجُودِهِ، وَيَنْتَفِي الْوُجُوبُ بِعَدَمِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَالَ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَوَاقِيتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ رَاحِلَةٌ، وَلَا مِلْكُ زَادٍ أَيْضًا، وَلِهَذَا
(2/195)

ذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»)، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُصَلِّي وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَالُ مِنْ خَصَائِصِهِ.
فَلَوْ جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ لَسَقَطَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْمَالُ مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّائِبَ يَجِبُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ كَالْمَعْضُوبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَالْمَيِّتُ مِثْلُهُ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْمَيِّتُ وَالْمَعْضُوبُ لَوْ قَطَعَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ لِغَيْرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَرَادَ إِنْشَاءَ الْحَجِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَكَّةَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ قَصْدُهَا جَازَ
(2/196)

أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يُجَاوِزَ إِلَّا مُحْرِمًا.
وَلِأَنَّ مَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِنَفْسِ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ بِخِلَافِ مَنْ حَجَّ مِنْ غَيْرِهِ.
(2/197)

(فَصْلٌ)
وَمَتَى مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَصَى بِذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا؛ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ إِبْرَاهِيمَ فِيمَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ وَكَانَ مُوسِرًا، وَلَمْ يَحْبِسْهُ عِلَّةٌ وَلَا سَبَبٌ - لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ كَانَ مُوسِرًا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَمْ يَحُجَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ زَمَانَةٌ أَوْ أَمْرٌ يَحْبِسُهُ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ غَيْرَ عَازِمٍ وَلَمْ يَأْمُرِ الْحَاكِمُ بِالِاسْتِفْصَالِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ
(2/198)

عَلَى التَّرَاخِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَلِأَنَّ أَحْمَدَ أَوْجَبَ أَنْ نَخْرُجَ عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ أَبْعَدَ مِنْهُ أَوْ أَقْرَبَ وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، ذَكَرَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ أَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ كَانَ مُوسِرًا قَدْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحُجَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ زَمَانَةٌ، أَوْ أَمْرٌ يَحْبِسُهُ، وَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَاخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي
(2/199)

سَنَةِ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ خَمْسٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] فَأَمَرَ بِإِتْمَامِهِمَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِمَا تَامَّيْنِ وَوُجُوبَ إِتْمَامِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِتْمَامِ فِعْلُ الشَّيْءِ تَامًّا، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ، ثُمَّ يُتِمَّ، أَوْ أَنْ يَعْمَلَ بَعْدَ الِابْتِدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِمَا إِلَّا لِلدَّاخِلِ فِيهِمَا: فَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ لِمَا كَانَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ إِتْمَامُ الْعِبَادَةِ وَاجِبًا أَوْ جِنْسُهَا لَيْسَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ - بَلِ الْعِبَادَاتُ اللَّوَاتِي يَجِبُ جِنْسُهُنَّ فِي الشَّرْعِ لَا يَجِبُ إِتْمَامُهُنَّ - فَهَذَا بَعِيدٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الْحَجَّ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27] وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لَا سِيَّمَا شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ.
(2/200)

فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]، وَبِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] إِلَى قَوْلِهِ: {لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [البقرة: 135]، [وَقَدْ فَسَّرَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ الْحَنِيفَ: بِالْحَاجِّ، وَقَوْلِهِ: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95]] وَبِقَوْلِهِ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: 120] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَجِّ وَالْمَنَاسِكِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
(2/201)

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ - بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} [آل عمران: 68] خُصُوصًا حُرْمَةَ الْكَعْبَةِ وَحَجَّهَا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُبْعَثْ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا بُعِثَ بِتَقْرِيرِهِ وَتَثْبِيتِهِ وَإِحْيَاءِ مَشَاعِرِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَدِ اقْتَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا أَمْرَ الْكَعْبَةِ، وَذَكَرَ بِنَائَهَا وَحَجَّهَا وَاسْتِقْبَالَهَا، وَمِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَذَكَرَ أَيْضًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْبَيْتَ وَأَمْرَهُ، وَثَلَّثَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَذَكَرَ الْحَجَّ وَأَمْرَهُ، وَسُنَنَهُ وَمِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَنَاسِكَ وَالْحَضَّ عَلَيْهَا وَتَثْبِيتَ أَمْرِهَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَسُورَةُ الْحَجِّ بَعْضُهَا مَكِّيٌّ بِلَا شَكٍّ، وَأَكْثَرُهَا أَوْ بَاقِيهَا مَدَنِيٌّ مُتَقَدِّمٌ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ إِيجَابَ الْحَجِّ وَفَرْضَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحْكَمَةِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَإِذَا كَانَ وُجُوبُهُ مُتَقَدِّمًا وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ تِلْكَ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ أَمِيرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(2/202)

-، ثُمَّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سَنَةِ تِسْعٍ فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْمَوْسِمَ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِسُورَةِ (بَرَاءَةٌ)، وَرِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لَبَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى فِعْلِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَهُ إِيجَابًا مُطْلَقًا، وَأَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ زَمَانًا دُونَ زَمَانٍ فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ فِعْلُهُ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، لَا سِيَّمَا وَالْحَجُّ هُوَ عِبَادَةُ الْعُمُرِ: فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْعُمُرِ وَقْتًا لَهُ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ عِبَادَةَ وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَقَضَاءَ رَمَضَانَ لَمَّا كَانَ عِبَادَةَ سَنَةٍ مَخْصُوصَةٍ: كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَقْتًا لَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ لَكَانَ فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَضَاءً، كَمَا لَوْ فَعَلَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ وَفَعَلَهُ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ إِثْمِ التَّأْخِيرِ فَمَنِ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
(2/203)

فَعَلَى هَذَا هَلْ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ؟ .. .، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُ الْعَجْزِ، وَدَلَائِلُ الْمَوْتِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ فَاتَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَثِمَ وَمَاتَ عَاصِيًا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ آثِمًا؟ ذَكَرَ أَبُو يَعْلَى فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ آثِمًا، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَقَضَاءُ رَمَضَانَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِهِمَا.
وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ لِمَسْلَكَيْنِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ.
أَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ عِنْدَ
(2/204)

أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا وَاجِبٌ مُؤَقَّتٌ، أَوْ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ.
أَمَّا وَاجِبٌ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ جَازَ التَّأْخِيرُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ مَاتَ غَيْرَ عَاصٍ بَطَلَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ جَازَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجُزْ لِوَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ فَإِنَّ الْمَوْتَ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِأَسْبَابِهِ، وَإِذَا نَزَلَتْ أَسْبَابُ الْمَوْتِ مِنَ الْمَرَضِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهِ تَعَذَّرَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَبْلَ حُصُولِ أَسْبَابِهِ فَإِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ أَحَدٍ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي هَذَا الْعَامِ وَلَوْ بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الظَّنِّ غَيْرَ عَاصٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَجِبَ الْفِعْلُ عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَمُوتُونَ قَبْلَ هَذَا الظَّنِّ، وَإِنْ عَصَى بِذَلِكَ فَبِأَيِّ ذَنْبٍ يُعَاقَبُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ مَا جَازَ لَهُ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
وَأَمَّا الْمَسْلَكُ الْخَاصُّ فَمِنْ وُجُوهٍ: -
(2/205)

أَحَدُهَا: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَأَمَرَ بِالتَّعْجِيلِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَا سِيَّمَا وَاسْتِحْبَابُ التَّعْجِيلِ مَعْلُومُ الضَّرُورَةِ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ. فَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْأَمْرِ الثَّانِي فَائِدَةٌ إِلَّا الْإِيْجَابُ، وَتَوْكِيدُ مَضْمُونِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَعَنْ مِهْرَانَ أَبِي صَفْوَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ»). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(2/206)

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ»). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ أَبُو إِسْرَائِيلَ الْمُلَائِيُّ.
فَأَمَرَ بِالتَّعْجِيلِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَأَمْرُهُ بِالتَّعْجِيلِ مَنْ أَرَادَهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، فَإِنَّ إِرَادَةَ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَهُ، وَيَعْزِمَ عَلَيْهِ حِينَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَبِالْإِرَادَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ فِي الْحِينِ الَّذِي يَعْزِمُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يُؤَخِّرَهُ وَلَا يَتَأَخَّرَ فِعْلُهُ عَنْ حِينِ إِرَادَتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنْ حَيِّزِ
(2/207)

السَّاهِي وَالْغَافِلِ، لَا إِرَادَةُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لِقَوْلِهِ: («مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»).
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِعْلَ الْقَضَاءِ - مِنَ الْحَجِّ - يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ، أَوْ فَاتَهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: («مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ») وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ: فَأَنْ تَجِبَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ الْأَدَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ إِلَى الْعَامِ الثَّانِي تَفْوِيتٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ يُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِيَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ جَازَ أَنْ يُدْرِكَ الْعَامَ الثَّانِيَ، وَجَازَ أَنْ لَا يُدْرِكَهُ، وَأَنْ يَمُوتَ أَوْ يَفْتَقِرَ، أَوْ يَمْرَضَ، أَوْ يَعْجَزَ، أَوْ يُحْبَسَ، أَوْ يُقْطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ: فَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ») وَقَوْلِهِ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ: («يَنْتَظِرُ
(2/208)

أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا»).
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدْ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ، وَهُوَ مَا رَوَى هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»).
(2/209)

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ، وَزَادَ فِيهِ: {«وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» [آل عمران: 97]. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالٌ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ مُضَعَّفٌ، عَضَّدَهُ مَا رَوَى شَرِيكٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: («مَنْ
(2/210)

لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»). رَوَاهُ ابْنُ الْمُقْرِئِ أَبُو عَرُوبَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، ثَنَا
(2/211)

وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ، أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»). وَرَوَاهُ سَعِيدٌ هَكَذَا مُرْسَلًا عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ لَيْثٍ.
وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: («مَنْ كَانَ ذَا مَيْسَرَةٍ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»).
وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَرْزَمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
(2/212)

(«مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»).
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: («مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا، وَلَوْلَا مَا أَرَى مِنْ سُرْعَةِ النَّاسِ فِي الْحَجِّ لَجَبَرْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا وَضَعْتُمُ الرِّحَالَ فَشُدُّوا السُّرُوجَ، وَإِذَا وَضَعْتُمُ السُّرُوجَ فَشُدُّوا الرِّحَالَ»).
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: («مَنْ وَجَدَ إِلَى الْحَجِّ سَبِيلًا سَنَةً
(2/213)

ثُمَّ سَنَةً ثُمَّ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا»).
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: (كَانَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَارٌ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ مِتَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْكَ). رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
وَالْمُرْسَلُ إِذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ صَارَ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ.
وَهَذَا التَّغْلِيظُ يَعُمُّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ، وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَفِي تَأْخِيرِهِ تَعَرُّضٌ لِمِثْلِ هَذَا الْوَعِيدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا
(2/214)

لَحِقَهُ هَذَا؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَحُجُّونَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُصَلُّونَ، وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِجْمَاعُ السَّلَفِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ، ثَنَا مَنْصُورٌ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رَجُلًا إِلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا كُلَّ رَجُلٍ ذَا جِدَّةٍ لَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ؛ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ)، وَهَذَا قَالَهُ عُمَرُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ تَارِكُ الْحَجِّ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ الْكُفْرُ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ يَحُجَّ أَبْقَاهُ عَلَى الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ. وَلَوْلَا
(2/215)

أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَجْعَلْ تَرْكَهُ شِعَارًا لِلْكُفْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: (أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْمًا بِعَرَفَهَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ عَلَيْهِمُ الْقُمُصُ وَالْعَمَائِمُ، فَأَمَرَ أَنْ تُعَادَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ). رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (حُجُّوا الْعَامَ فَإِنْ تَسْتَطِيعُوا فَقَابِلٌ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَابِلٌ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَآذِنُونِي أَضْرِبْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ). رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ خَاطَبَ بِهِ عُمَرُ النَّاسَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ مُخَالِفٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ تَمَامُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ وَلِهَذَا لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ... .
وَكَانَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَصَارَ الْحَجُّ كَمَالَ الدِّينِ وَتَمَامَ
(2/216)

النِّعْمَةِ فَإِذَا لَمْ يَحُجَّ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ وَدِينُهُ كَامِلًا بَلْ يَكُونُ نَاقِصًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ نَاقِصًا، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخِلَّ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ مُتَقَدِّمًا، وَأَخَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: -
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْحَجَّ، وَكَتَبَهُ وَمَكَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ مُؤَخِّرِينَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَائِقٍ أَصْلًا خَمْسَ سِنِينَ، وَلَا سَنَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْقَوْمَ - رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - كَانُوا مُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، يُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ طَلَبَ الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ لِعِلْمِهِمْ بِمَا فِي الْمُسَابَقَةِ مِنَ الْأَجْرِ، فَكَيْفَ يُؤَخِّرُونَ الْحَجَّ بَعْدَ وُجُوبِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا.
وَتَأْخِيرُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، أَوْ هُوَ خِلَافُ الْأَحْسَنِ وَالْأَفْضَلِ، وَتَأَخُّرٌ عَنْ مَقَامَاتِ السَّبْقِ وَدَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ فَكَيْفَ تُطْبِقُ الْأُمَّةُ مَعَ نَبِيِّهَا عَلَى تَرْكِ الْأَحْسَنِ وَالْأَفْضَلِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَصْلًا.
وَأَيْضًا فَقَدْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَحُجُّوا، أَفَتَرَى أُولَئِكَ لَقُوا اللَّهَ عَاصِينَ بِتَرْكِ أَحَدِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ وَلَا قَالَ لَهُمُ: احْذَرُوا تَفْوِيتَهُ، مَعَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا؟ وَقَدْ عُلِمَ بِغَيْرِ رَيْبٍ أَنَّ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ يَحُجَّ مُسْلِمٌ، وَبَعْدَ الْفَتْحِ إِنَّمَا
(2/217)

حَجَّ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ عَلَى عَادَةِ الْكُفَّارِ وَهَدْيِهِمْ، وَإِنَّمَا حَجَّ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْيِ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْبَيْتِ وَبِأَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عَارٍ»، وَإِنَّمَا حَجَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ قَلِيلٌ.
ثُمَّ إِنَّ حَجَّ الْبَيْتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَوْ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْحَجَّ عَامًا وَاحِدًا لَا يَحُجُّ أَحَدٌ مَا نَظَرُوهُ بَعْدَهُ). رَوَاهُ سَعِيدٌ. فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ الْمُسْلِمُونَ الْحَجَّ بَعْدَ وُجُوبِهِ سَنَةً فِي سَنَةٍ فَإِنَّ حَجَّ الْكُفَّارِ غَيْرُ مُسْقِطٌ لِهَذَا الْإِيجَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ: فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا، فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ مَتَى فُرِضَ غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ إِمَّا أَنَّهُ فُرِضَ مُتَأَخِّرٌ، أَوْ فُرِضَ مُتَقَدِّمٌ، وَكَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ عَامٌّ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ، وَإِلَّا لَمَا أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْكِهِ وَتَأْخِيرِهِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَشْبَهَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنَّمَا فُرِضَ مُتَأَخِّرٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وُجُوهٌ: -
(2/218)

أَحَدُهَا: أَنَّ آيَةَ وُجُوبِ الْحَجِّ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَلَالَتِهَا عَلَى وُجُوبِهِ قَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ مُتَأَخِّرَةً سَنَةَ تِسْعٍ، أَوْ عَشْرٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا فِي سِيَاقِ مُخَاطَبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَقْرِيرِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَنْزِيهِهِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَصَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِنَّمَا نَزَلَتْ لَمَّا جَاءَ وَفْدُ نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَاظَرُوهُ فِي أَمْرِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَوَفْدُ نَجْرَانَ إِنَّمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِآخِرِهِ
(2/219)

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] فَإِنَّهُ نَزَلَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ لَمَّا صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إِتْمَامِ عُمْرَتِهِ الَّتِي قَدْ كَانَ أَهَلَّ بِهَا، وَفِيهَا بَايَعَ الْمُسْلِمِينَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَفِيهَا قَاضَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ قَابِلٍ: فَإِنَّمَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِالْإِتْمَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلْأَمْرِ بِالِابْتِدَاءِ، فَإِنَّ كُلَّ شَارِعٍ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِهَا، وَلَيْسَ مَأْمُورًا بِابْتِدَائِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ إِتْمَامِ الْعِبَادَةِ وُجُوبُ ابْتِدَائِهَا، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِ الْإِتْمَامِ تَأْكِيدُ اسْتِحْبَابِ الشُّرُوعِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ قُرْبَةً وَطَاعَةً مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَجَمِيعُ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ وَاسْتِحْبَابِهِ، وَأَمَّا وُجُوبُهُ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَرِيعَةٌ يَجِبُ فِيهَا عَلَى النَّاسِ .. .
(2/220)

وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ كَانَ وَاجِبًا مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَجِّ مِثْلَ حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ فَصْلٍ يَعْمَلُونَ بِهِ، وَيَدْعُونَ إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَيَدْخُلُونَ بِهِ الْجَنَّةَ، أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَفَسَّرَهُ لَهُمْ: أَنَّهُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ يُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا لَمْ يَضْمَنْ لَهُمُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، الَّذِي قَالَ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُ، إِنَّمَا ذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّوْمَ.
وَكَذَلِكَ الَّذِي أَوْصَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَمَلٍ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ: أَمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ.
(2/221)

وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي أَوَّلِ الصِّيَامِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا، وَلَعَلَّهُ سَنَةَ سَبْعٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ؛ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَأَمَّا ذِكْرُ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي وُفُودِ ضِمَامٍ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَفَدَ سَنَةَ تِسْعٍ فَيَكُونُ الْحَجُّ إِنَّمَا فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَهَذَا يُطَابِقُ نُزُولَ الْآيَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. وَهَذَا شَبِيهٌ بِالْحَقِّ فَإِنَّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمَا قَبْلَهَا كَانَتْ مَكَّةُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَقَدْ غَيَّرُوا شَرَائِعَ الْحَجِّ، وَبَدَّلُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا يُمْكِنُ مُسْلِمًا أَنْ يَفْعَلَ الْحَجَّ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَكَيْفَ يَفْرِضُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ فِعْلُهُ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الشَّرَائِعُ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، كُلَّمَا قَدَرُوا، وَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ أُمِرُوا بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَالَّذِينَ ذَكَرُوا وُجُوبَهُ إِنَّمَا تَأَوَّلُوا عَلَيْهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَكْثَرُ النَّاسِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي تَأْوِيلِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَقْلٌ صَحِيحٌ عَنْ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ سَنَةَ خَمْسٍ، أَوْ سَنَةَ سِتٍّ
(2/222)

الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فُرِضَ مُتَقَدِّمًا لَكِنْ كَانَتْ هُنَاكَ عَوَائِقُ تَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ، بَلْ مِنْ صِحَّتِهِ بِالْكُلِّيِّةِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا، أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ، أَظْهَرُهَا مَنْعًا: أَنَّ الْحَجَّ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ يَقَعُ فِي غَيْرِ حِينِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَنْسَئُونَ النَّسِيءَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ يَقُولُ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37]. فَكَانَ حَجُّهُمْ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ يَقَعُ فِي غَيْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] قَالَ: حَجُّوا فِي ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرٍ عَامَيْنِ، فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ حَتَّى وَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ، الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَنَةٍ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَابِلٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلِذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»).
(2/223)

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْهُرَ ذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرًا وَرَبِيعًا، وَرَبِيعًا، وَجُمَادَى، وَجُمَادَى، وَرَجَبًا، وَشَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ، وَشَوَّالًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، ثُمَّ يَحُجُّونَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ الْمُحَرَّمِ فَلَا يَذْكُرُونَهُ، فَيُسَمُّونَ - أَحْسَبُهُ
(2/224)

قَالَ: الْمُحَرَّمُ صَفَرٌ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبَ جُمَادَى الْآخِرَةَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ، وَرَمَضَانَ شَوَّالًا، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شَوَّالًا، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ، ثُمَّ عَادُوا لِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ حَتَّى وَافَقَ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ، فَوَافَقَ ذَلِكَ ذَا الْحِجَّةِ فَلِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ: " «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» ".
وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّسِيءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْقُصُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا.
وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " الشَّهْرُ الَّذِي نَزَعَ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الْمُحَرَّمُ ".
(2/225)

وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] قَالَ: النَّسِيءُ الْمُحَرَّمُ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} [التوبة: 37] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْسَأُ النَّسِيءَ مِنْ كِنَانَةَ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا يَسْتَحِلُّ فِيهِ الْغَنَائِمَ، فَنَزَلَتْ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37].
وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَفِي ذَلِكَ
(2/226)

نَزَلَ قَوْلُهُ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36] الْآيَةَ، وَالَّتِي بَعْدَهَا.
وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: " «أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ الْحَجُّ قَبْلَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ بَاطِلًا وَاقِعًا فِي غَيْرِ مِيقَاتِهِ امْتَنَعَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَبْلَ تِلْكَ السَّنَةِ، وَعُلِمَ أَنَّ حَجَّةَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَحَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا كَانَتَا إِقَامَةً لِلْمَوْسِمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ وُفُودُ الْعَرَبِ وَالنَّاسِ؛ لِيُنْبَذَ الْعُهُودُ، وَيُنْفَى الْمُشْرِكُونَ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الطَّوَافِ عُرَاةً؛ تَأْسِيسًا وَتَوْطِئَةً لِلْحَجَّةِ الَّتِي أَكْمَلَ اللَّهُ بِهَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ بِهَا النِّعْمَةَ، وَأَدَّى بِهَا فَرَضَ اللَّهُ، وَأُقِيمَتْ فِيهَا مَنَاسِكُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(2/227)

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَحُجَّ فِي غَيْرِ وَقْتِ حَجِّ الْمُشْرِكِينَ، أَمَّا قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ لِأُرِيقَ دَمُهُ، وَلَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَصُدَّ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَفِي اسْتِعْطَافِهِمْ تَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ، وَتَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ فِي الْمَوْسِمِ مَا+ فِيهِ.
وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، ثُمَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ مِنَ الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ، وَمَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ بَدَلَ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ بَدَلَ هَذِهِ الْعُمْرَةِ حَجَّةً أَوْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّهَا حَجَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا أَنَّ الْعُمْرَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ عُلِمَ تَعَذُّرُ الْحَجِّ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَقْتٍ دُونَ الْعُمْرَةِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ أَعْذَارِهِ اخْتِلَاطَ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَطَوَافَهُمْ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَاسْتِلَامَهُمُ الْأَوْثَانَ فِي حَجِّهِمْ، وَإِهْلَالَهُمْ بِالشِّرْكِ حَيْثُ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، وَإِفَاضَتَهُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ بَعْدَ طُلُوعِهَا، وَوُقُوفَ الْحُمْسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْحَجُّ مَعَهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَّا فِي سَنَةِ أَبِي بَكْرٍ - حَجَّ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ لَمَّا زَالَتْ. وَمِنَ الْأَعْذَارِ أَيْضًا اشْتِغَالُهُ بِأَمْرِ الْجِهَادِ، وَغَلَبَةُ الْكُفَّارِ عَلَى أَكْثَرِ الْأَرْضِ،
(2/228)

وَالْحَاجَةُ، وَالْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحُجَّ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ عُذْرٌ فِي خُصُوصِهِ، لَيْسَتْ عُذْرًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وُجُوبُ الْحَجِّ مُطْلَقًا، قُلْنَا: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَنَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْحَجِّ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْحَجِّ تَفْوِيتٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيَصِيرُ كَالْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا حَدًّا يَعُمُّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالْحَجُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَوْنُهُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً لَا يُغَيِّرُ وُجُوبَ التَّقْدِيمِ، وَلَا جَوَازَ التَّأْخِيرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّائِمَ، وَالنَّاسِيَ، وَالْحَائِضَ، وَالْمُسَافِرَ يَأْتُونَ بِالْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْعَامِّ الْمَحْدُودِ، فَيَكُونُ قَضَاءً مَعَ جَوَازِ التَّأْخِيرِ أَوْ وُجُوبِهِ، وَالْمُزَكِّي يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ عَقِيبَ الْحَوْلِ، وَلَوْ أَخَّرَهَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي شَهْرَ رَمَضَانَ لَوْ أَخَّرَهُ إِلَى عَامٍ ثَانٍ أَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ الْحَجِّ إِلَى عَامٍ ثَانٍ لَمْ يُقَلْ لَهُ: قَضَاءَ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَضَايُقُ الصَّلَاةِ أَوِ الْحَجِّ فِي وَقْتِهِ فَأَخَّرَهُ وَأَخْلَفَ ظَنَّهُ - أَثِمَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ مَا يَفْعَلُهُ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ لَوْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ الْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَأَخَّرَهُ إِلَى الْوَقْتِ الثَّانِي - لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، فَالْحَجِّ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
(2/229)

فَصْلٌ
الْمَيِّتُ يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَكَذَلِكَ الْمَعْضُوبُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنْ حَجَّ غَيْرُ الْوَلِيِّ. . . .
فَإِنْ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ أَجْنَبِيٌّ بِدُونِ إِذْنِ الْوَارِثِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ.
فَأَمَّا الْحَيُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ الْفَرْضَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَحُجُّ عَنْهُ النَّفْلَ بِدُونِ إِذْنِهِ، لَكِنْ إِنْ حَجَّ وَأَهْدَى لَهُ ثَوَابَهُ. . .
(2/230)

فَأَمَّا الْمَيِّتُ فَيَفْعَلُ عَنْهُ الْفَرْضَ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَأَمَّا النَّفْلُ إِذَا فَعَلَهُ عَنْهُ وَارِثٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَهَلْ يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِحْرَامُ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ الْحَجُّ عَنِ الْحَاجِّ، وَيَكُونُ الثَّوَابُ لِلْمَيِّتِ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ عَنِ الْمَيِّتِ حَجٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ.
وَالثَّانِي: يَقَعُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَابْنُ عَقِيلٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا خَالَفَ النَّائِبُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ عَنْ حَيٍّ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ، بَلْ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ مَيِّتٍ. . .
(2/231)

فَصْلٌ
وَإِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ وَدَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ - تَحَاصَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَزَكَاةٌ تَحَاصَّ الْغُرَمَاءُ مِنَ الزَّكَاةِ نِصْفَيْنِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَالثَّانِيَةُ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الْآدَمِيِّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْمَنَاسِكِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ مَاتَ، وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَحُجَّ، وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ فَرَّطَ فِيهَا، قَالَ: يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ فَيُقْضَى، وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ فِيهِمَا اخْتِلَافٌ، مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنْ لَمْ يُوصِ فَهُوَ مِيرَاثٌ، وَإِنْ أَوْصَى فَهُوَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: يُحَجُّ عَنْهُ، وَيُزَكَّى مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِيرَاثٌ.
وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْجَرْجَرَائِيُّ فَقَالَ:
(2/232)

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُحَجُّ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ فَمِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَالزَّكَاةُ أَشَدُّ، قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يُرِدْ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ أَوْ تُقْضَى دُونَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا أَوْكَدُ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا وَحَقِّ الْفَقِيرِ، وَالْحَجُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ فَقَطْ.
(2/233)

فَصْلٌ
وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا أَوْ يَحُجَّ بِمَالٍ، فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا يَحُجُّ بِمَالِ نَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ جَاءَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ وَالْخَثْعَمِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ، وَحَدِيثُ الْجُهَنِيَّةِ، وَالْمَرْأَةِ الْأُخْرَى، وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ أَقَارِبِهِ، وَيَبْدَأَ مِنْهُمْ بِأَبَوَيْهِ، وَيَبْدَأَ بِالْأُمِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ قَدْ وَجَبَ عَلَى الْأَبِ فَيَبْدَأُ بِهِ، قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى: إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الْحَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ يَبْدَأُ بِالْأُمِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إِنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِمَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِحَجٍّ عَنْ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ.
وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْجَرْجَرَائِيِّ عَنِ الرَّجُلِ يُعْطَى لِلْحَجِّ عَنْ مَيِّتٍ قَالَ: لَا لَا يَأْخُذُ.
(2/234)

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي: رَجُلٌ حَجَّ وَيَأْخُذُ كُلَّ سَنَةٍ حَجَّةً، قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا.
وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ يُحِبُّ الْحَجَّ تَرَى لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ النَّاسِ؟
فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَحُجَّ عَنِ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَبْتَدِيَ، فَقِيلَ لَهُ: حُجَّ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ لِمَنِ ابْتَدَأَ إِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ الْحَجَّ.
وَإِنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ وَارِثٌ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، وَقَدْ سُئِلَ: يَحُجُّ الرَّجُلُ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: إِنْ حَجَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مُتَبَرِّعًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَلَا يَحُجُّ وَارِثٌ عَنْ +وَارِثٍ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ.
(2/235)

فَصْلٌ
وَتَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الْمَعْضُوبِ وَالْقَادِرِ+ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الصَّحِيحِ: هَلْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ، وَلَكِنْ إِنْ أَحَجَّ الصَّحِيحَ عَنْهُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَضُرَّهُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: يُتَصَدَّقُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَيُحَجُّ عَنْهُ، وَيُسْقَى عَنْهُ، وَيُعْتَقُ عَنْهُ، وَيُصَامُ النَّذْرُ إِلَّا الصَّلَاةَ.
وَالْأُخْرَى: لَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ إِلَّا فِي الْفَرْضِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ، وَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَنْ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ يُعْطِي دَرَاهِمَ يُحَجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ يَكُونُ لَهُ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ.
(2/236)

قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي فِعْلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا، وَسَوَاءٌ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ.
وَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا فِيمَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا الْعَاجِزُ فَتَجُوزُ اسْتِنَابَتُهُ بِلَا تَرَدُّدٍ. وَلَوْ كَانَ عَجْزُهُ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ فَهُوَ كَالْمَعْضُوبِ فِي النَّفْلِ؛ لِأَنَّ النَّفْلَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ عَامٍ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ فِي هَذَا الْعَامِ فَهُوَ كَالْمَعْضُوبِ الَّذِي عَجَزَ عَنِ الْفَرْضِ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ، وَهَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَبَّى عَنْهُ.
فَأَمَّا إِنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَهْدَى ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ فَهَذَا يَجُوزُ عِنْدَنَا قَوْلًا وَاحِدًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(2/237)

فَصْلٌ
وَإِذَا اسْتَنَابَ رَجُلًا فِي الْحَجِّ أَوْ نَابَ عَنْهُ فِي فَرْضِهِ فَإِنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَنُوبِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ، وَجَعَلَ فِعْلَهُ عَنِ الْعَاجِزِ وَالْمَيِّتِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، وَقَالَ لِأَبِي رَزِينٍ: " «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِرْ» " وَقَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: " «حُجِّي عَنْهُ» " وَكَذَلِكَ قَالَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ: " «حُجَّ عَنْهُ» ".
وَالشَّيْءُ إِذَا فُعِلَ عَنِ الْغَيْرِ كَانَ الْفَاعِلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَالنَّائِبِ، وَيَكُونُ الْعَمَلُ مُسْتَحَقًّا لِلْمَعْمُولِ عَنْهُ، وَلِهَذَا لَوْ وَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ عَمَلٌ فِي عَقْدِ إِجَارَةٍ فَعَمِلَهُ عَنْهُ عَامِلٌ كَانَ الْعَمَلُ لِلْأَجِيرِ لَا لِلْعَامِلِ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْوِي الْإِحْرَامَ عَنْهُ، وَيُلَبِّي عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ إِلَّا ثَوَابُ النَّفَقَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ مَالًا يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَبِّيَ عَنْهُ.
(2/238)

فَصْلٌ
وَيَجُوزُ حَجُّ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ حَجُّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: " يَحُجُّ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةُ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ " وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ سُئِلَ: يَحُجُّ عَنْ أُمِّهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَقْضِي عَنْهَا دَيْنًا عَلَيْهَا، قِيلَ لَهُ: فَيُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ، وَيَنْوِي عَنْهَا، قَالَ: جَائِزٌ، قِيلَ لَهُ: فَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ عَنِ الرَّجُلِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَتْ مُحْتَاجَةً ".
(2/239)

فَصْلٌ
وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِيجَارُ عَلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ تُفْعَلَ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، مِثْلَ: الْأَذَانِ، وَالْإِمَامَةِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ نَفَقَةً يَحُجُّ بِهَا فَيَجُوزُ، هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ رِوَايَتَانِ، كَرِهُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إِحْدَاهُمَا أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ أَخِيهِ أَوْ عَنْ أُمِّهِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ الْأَخْذُ نَفَقَةً وَأُجْرَةً مَعَ الْجَوَازِ، وَتَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرِّوَايَتَانِ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَطْ.
وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ، وَمَا يَخْتَصُّ نَفْعُهُ مِمَّا
(2/240)

لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ مَا يَعُمُّ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْخَيْرِ أَجْرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ أَجْرٌ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْلَ الْأَذَانِ، وَالصَّلَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِ أَجْرٌ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْ حُجَّ عَنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ، مِثْلَ فِعْلِ الْبَنَّاءِ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الَّذِي يَبْنِي بِنَاءَ الْمَسْجِدِ.
فَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَالَّذِي يَحُجُّ عَنِ النَّاسِ بِالْأَجْرِ لَيْسَ عِنْدَنَا فِيهِ شَيْءٌ، وَمَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا اسْتَأْجَرَ مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: أَكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ يَحُجُّ عَنْهُمَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: نَحْنُ نَكْرَهُ هَذَا إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ فَقَدْ
(2/241)

نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْأُجْرَةِ، وَلَمْ يَكْرَهِ النَّفَقَةَ، وَقَدْ نَصَّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ، وَهَلْ يَكُونُ لَهُ الْفَاضِلُ أَوْ لَا يَكُونُ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي أَخَذَ الْقَاضِي مِنْهَا جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُكْرِي نَفْسَهُ لِلْحَجِّ، وَيَحُجُّ، قَالَ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ: يُكْرِي نَفْسَهُ، وَيَحُجُّ إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنْ يُكْرِيَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ وَالْعَمَلِ، وَلِهَذَا قَالَ: يُكْرِي نَفْسَهُ، وَيَحُجُّ، وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَتِ السُّنَّةُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ فَيَحُجَّ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَبَرِّعًا بِحَجٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُخْتِهِ «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي
(2/242)

سَأَلَهُ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ»، وَالَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ الْحَجِّ لَا يَمْشِي، وَلَا يَقْتُرُ، وَلَا يُسْرِفُ إِنَّمَا الْحَجُّ عَمَّنْ كَانَ لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ، وَيُنْفِقُ، وَلَا يُسْرِفُ، وَلَا يَقْتُرُ إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَارًا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْجَرْجَرَائِيِّ. . . وَقَالَ فِي الْمَعْضُوبِ: يَحُجُّ عَنْهُ وَلِيُّهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَذِنَ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَعْضُوبِ وَالْمَيِّتِ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِالْحَجِّ عَنْهُمْ، أَوْجَبَ قَضَاءَ دَيْنِهِمْ، وَبَرَاءَةَ ذِمَّتِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَخْذَهُ الدَّرَاهِمَ يَحُجُّ بِهَا.
وَإِنَّمَا كُرِهَتِ الْإِجَارَةُ لِمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا عَلَى عَهْدِ السَّلَفِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَجِّ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْتَأْجِرْ أَحَدٌ أَحَدًا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا حَسَنًا لَمَا أَغْفَلُوهُ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20] وَالْأَجِيرُ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ حَرْثَ الدُّنْيَا، وَقَالَ تَعَالَى:
(2/243)

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15] وَقَالَ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: 18] وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَكْلٌ لِلدُّنْيَا بِالدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ الَّذِي قَدْ قِيلَ فِيهِ: " «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " وَيَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنِ اسْتُؤْجِرَ بِدَرَاهِمَ يَغْزُو بِهَا: " لَيْسَ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ إِلَّا هَذَا» " وَهَذَا لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُعَاوَضَةٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ يَمْلِكُ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ كَمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْأَعْيَانَ الْمَبِيعَةَ،
(2/244)

فَالْأَجِيرُ لِلْحَجِّ يَبِيعُ إِحْرَامَهُ، وَطَوَافَهُ، وَسَعْيَهُ، وَوُقُوفَهُ، وَرَمْيَهُ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ؛ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ يُبْطِلُ الْقُرْبَةَ الْمَقْصُودَةَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ عَمَلٌ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْقُرَبِ، وَهَذَا لِأَنَّ دُخُولَهُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مُسْتَحِقًّا لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقَعَ قُرْبَةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْمَلَ مَنَاسِكَهُ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَيَعْبُدَهُ بِذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّهُ عَمِلَهَا بِعِوَضٍ مِنَ النَّاسِ لَمْ تُجْزِهِ إِجْمَاعًا كَمَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى بِالْكِرَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَلَ غَيْرِهِ قَائِمًا مَقَامَ عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، وَسَادًّا مَسَدَّهُ رَحْمَةً وَلُطْفًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ لِيَحْصُلَ بِهِ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدِينِ إِذَا قُضِيَ عَنْهُ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ مَا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْعَامِلُ عَنْهُ إِنَّمَا يَعْمَلُ لِلدُّنْيَا، وَلِأَجْلِ الْعِوَضِ الَّذِي أَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ حَجُّهُ عِبَادَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ النِّيَابَةُ الْمَحْضَةُ مِمَّنْ غَرَضُهُ نَفْعُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ لِرَحِمٍ بَيْنَهُمَا أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهُ قَصْدٌ فِي أَنْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَيَكُونَ حَجُّهُ لِلَّهِ فَيُقَامَ مَقَامَ حَجِّ الْمُسْتَنِيبِ.
وَالْجَعَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ حَتَّى يَعْمَلَ.
(2/245)

وَأَمَّا الْحَجُّ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَصْدُهُ الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مُدَّةَ الْحَجِّ فَلَا يَكُونُ حَجُّهُ لِلَّهِ كَمَا أَنَّ الْأَجِيرَ قَصْدُهُ مِلْكُ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِثْلَ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَقَدْ يَكُونُ قَصْدُهُ اسْتِفْضَالَ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ فَيَبْقَى عَامِلًا لِأَجْلِ الدُّنْيَا، وَوَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ بِمَالِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا الْمَالَ فِي الْحَجِّ.
(2/246)

فَصْلٌ
وَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ، فَاسْتُؤْجِرَ رَجُلٌ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ الْإِجَارَةِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأُجْرَةِ، وَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَتَمَلُّكِ الْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ فَيَتَصَرَّفُ بِمَا شَاءَ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ أُحْصِرَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ ضَاعَتِ النَّفَقَةُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ مَاتَ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، وَاسْتَحَقَّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَيُتَمِّمُ الْحَجَّ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَمَا لَزِمَهُ مِنَ الدِّمَاءِ فَهُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا جَعَالَةً بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: إِنْ حَجَجْتَ فَلَكَ هَذَا الْجُعْلُ فَهَذَا عَقْدٌ جَائِزٌ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْعِوَضَ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ عَاقَهُ عَائِقٌ عَنْ تَمَامِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى: إِذَا أَخَذَ حَجَّةً عِشْرِينَ دِينَارًا فَلَمَّا بَلَغَ الْكُوفَةَ مَرِضَ فَرَجَعَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا أَخَذَ، وَلَا يَحْتَسِبُ مِنْهُ مَا أَنْفَقَ فَإِنْ تَلِفَ مِنْهُ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ فَهَذَا يَضْمَنُ ذَلِكَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتْ جَعَالَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ إِتْمَامَ الْحَجِّ، وَلَا احْتَسَبَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، وَجَعَلَ التَّالِفَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَهَذِهِ أَحْكَامُ الْأَجْعَالِ، وَإِنْ أَخَذَهَا نَفَقَةً، سَوَاءٌ قُلْنَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ أَوْ لَا تَصِحُّ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ.
وَالنَّائِبُ الْمَحْضُ كَالنَّائِبِ فِي الْقَضَاءِ وَالْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ، وَيَكُونُ مَا يَأْخُذُهُ
(2/247)

بِمَنْزِلَةِ الرِّزْقِ الَّذِي يُرْزَقُهُ الْأَئِمَّةُ، وَالْقُضَاةُ، وَالْمُؤَذِّنُونَ، فَلَوْ تَلِفَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ مَاتَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَنْفَقَ، وَلَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِتْمَامُ بَقِيَّةِ الْعَمَلِ، وَيُحْسَبُ لِلْمُسْتَنِيبِ بِمَا عَمِلَهُ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ نُصُوصِهِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ أُعْطِيَ دَرَاهِمَ يَحُجُّ بِهَا عَنْ إِنْسَانٍ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَنْفَقَ، وَيَحُجُّوا بِالْبَاقِي مِنْ حَيْثُ بَلَغَ هَذَا الْمَيِّتُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ: إِذَا دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ رَجُلٍ فَضَاعَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: فَيَجْزِي عَنِ
(2/248)

الْمُوصِي حَجَّتَهُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي أُخْبِرُكَ، أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ.
وَإِذَا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ النَّفَقَةَ، فَإِنَّهُ يُنْفِقُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ، قَالَ أَحْمَدُ: الَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ يَحُجُّ لَا يَمْشِي، وَلَا يَقْتُرُ، وَلَا يُسْرِفُ إِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ صِغَارًا.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ حَجَّةً عَنْ مَيِّتٍ فَفَضَلَ مَعَهُ فَضْلَةٌ: يَرُدُّهَا، وَلَا يُنَاهِدُ أَحَدًا إِلَّا بِقَدْرِ مَا لَا يَكُونُ مُسْرِفًا، وَلَا يَدْعُو إِلَى طَعَامِهِ، وَلَا يَتَفَضَّلُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إِذَا أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا، فَقِيلَ لَهُ: حُجَّ بِهَذَا - فَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهَا، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ.
وَإِذَا قَالَ الْمَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً بِأَلْفٍ فَدَفَعُوهَا إِلَى رَجُلٍ فَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهَا، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ، وَهَذِهِ النَّفَقَةُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا تُقَدَّرُ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ أَوِ الْمُسْتَنِيبِ الْحَيِّ أَوْ بِتَقْدِيرِ الْوَرَثَةِ إِذَا كَانُوا كِبَارًا فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ يَتِيمٌ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا فَضَلَ فَهُوَ لَكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ بِإِذْنِهِمْ وَغَيْرِ إِذْنِهِمْ إِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ؛ إِلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ الْكِبَارُ بِشَيْءٍ مِنْ حِصَّتِهِمْ.
وَلَا يَمْلِكُ الْفَاضِلَ إِلَّا بَعْدَ الْحَجِّ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
(2/249)

قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ فَمَا فَضَلَ مِنَ الْأَلْفِ رَدَّهُ عَلَى الْحَجِّ، وَلَوْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً بِأَلْفٍ فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلَّذِي يَحُجُّ، وَإِذَا قَالَ: حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً فَمَا فَضَلَ مِمَّا دُفِعَ إِلَيْهِ رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا دَفَعَ إِلَى الرَّجُلِ حَجَّةً، فَقَالَ: مَا فَضَلَ لَكَ، فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ فَاشْتَرَى بِهَا مَتَاعًا يَتَّجِرُ بِهِ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ، قَدْ خَالَفَ، إِنَّمَا قَالَ لَهُ امْضِ فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَكَ، لَمْ يَقُلْ اتَّجِرْ قَبْلُ.
وَهَلْ لِهَذَا الَّذِي قَدَّرَ لَهُ النَّفَقَةَ أَنْ يَقْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَنْ يَمْشِيَ؟
(2/250)

فَصْلٌ
فَأَمَّا الْأَجِيرُ الَّذِي يُكْرِي نَفْسَهُ لِخِدْمَةِ الْجِمَالِ أَوِ الرِّكَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ بَلْ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُتَبَرِّعًا، وَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَجَزَأَهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْكَوْسَجِ فِيمَنْ يُكْرِي نَفْسَهُ، وَيَحُجُّ: لَا بَأْسَ، وَقَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ، قُلْتُ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْرُجَ مَعَهُ فَيَخْدِمَهُ فَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ، قُلْتُ: إِذَا كَانَ أَجِيرًا، قَالَ: نَعَمْ، وَسَأَلْتُهُ قُلْتُ: الرَّجُلُ يَحُجُّ مَعَ الرَّجُلِ فَيَكْفِيهِ نَفَقَتَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَتَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُكْرِي دَوَابَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَوْ يَتَّجِرُ فِيهِ
فَإِنَّهُ حَجَّ وَاعْتَاضَ عَنْ مَنْفَعَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْحَجِّ، بَلْ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يُكْرِي نَفْسَهُ لِيَحُجَّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ فَهُوَ +الْمُحْسِنِينَ، «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: " كُنْتُ رَجُلًا أُكْرَى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ: لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَجُلٌ أُكْرَى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَيْسَ تُحْرِمُ، وَتُلَبِّي، وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَتَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: لَكَ حَجٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
(2/251)

وَعَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ أُكْرَى، وَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ يَقُولُونَ: إِنَّمَا أَنْتَ خَادِمٌ إِنَّمَا أَنْتَ أَجِيرٌ، قَالَ: " بَلَى لَكَ حَجٌّ حَسَنٌ جَمِيلٌ إِذَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَأَحْسَنْتَ الصَّحَابَةَ " رَوَاهُ حَرْبٌ.
(2/252)

فَصْلٌ
مَا لَزِمَ النَّائِبَ مِنَ الدِّمَاءِ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ مِثْلِ الْوَطْءِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ فِي مَالِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنَايَتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا، وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ لَتَرْكِ وَاجِبٍ، وَأَمَّا دَمُ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِمَا - عَلَى الْمُسْتَنِيبِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ السَّفَرِ فَهُوَ كَنَفَقَةِ الرُّجُوعِ، هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي دَمِ الْإِحْصَارِ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِ الْأَجِيرِ أَوْ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ أَوْ فَوَّتَهُ بِتَفْرِيطِهِ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْزِ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ بِتَفْرِيطِهِ، وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ.
(2/253)

فَصْلٌ
وَمَا أَنْفَقَ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ أَوْ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ فِي مَالِهِ، فَإِذَا سَلَكَ طَرِيقًا يُمْكِنُهُ سُلُوكُ أَقْرَبَ مِنْهَا فَنَفَقَةُ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَعَجَّلَ إِلَى مَكَّةَ عَجَلَةً يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا، وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْحَجِّ، وَبَعْدَ إِمْكَانِ الرُّجُوعِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْقَصْرِ - أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ الْمُسْتَنِيبِ، وَلَهُ نَفَقَةُ الرُّجُوعِ، وَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ سِنِينَ مَا لَمْ يَسْتَوْطِنْهَا، فَإِنِ اسْتَوْطَنَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَقَةُ الرُّجُوعِ، وَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، وَإِنْ قَالَ: خِفْتُ أَنْ أَمْرَضَ فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَهِّمٌ.
وَلَوْ أُذِنَ لَهُ فِي النَّفَقَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ جَازَ إِذَا كَانَ الْمَالُ لِلْمُسْتَنِيبِ، وَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ.
(2/254)

فَصْلٌ
إِذَا أُمِرَ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ جَازَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ عَنِ الْآمِرِ، وَالدَّمُ عَلَى النَّائِبِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ فَتَمَتَّعَ لِنَفْسِهِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ يَتَمَتَّعُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِذَا قَالُوا لَهُ: حُجَّ، وَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَإِنَّ الْعُمْرَةَ لِلَّذِي يَحُجُّ عَنْهُ، وَالدَّمُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ دَخَلَ قَارِنًا فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ جَازَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لِمَنْ حَجَّ عَنْهُ، وَلَوْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ لِنَفْسِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ عَنْهُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إِذَا قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَالدَّمُ فِي مَالِهِ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ وَالْقَارِنَ أَتَيَا بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ لَيْسَ بَعْدَهَا عُمْرَةٌ بِلَا تَرَدُّدٍ.
وَإِنْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مِيقَاتِهِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ عَلَى مَا نَصَّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَنِيبَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ هَلْ يَعْتَمِرُ قَبْلَ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا أُمِرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُمِرَ أَنْ يَعْتَمِرَ
(2/255)

اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ خَالَفَ، وَفَعَلَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ، وَعَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِمَا يَجْبُرُهُ دَمٌ فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
وَالثَّانِي لَا يَقَعُ فِعْلُهُ عَنِ الْأَمْرِ، وَيَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ. . . .
(2/256)

وَإِنْ أَمَرَهُ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ وَقَعَ عَنِ الْآمِرِ، وَهَلْ يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَقَعَ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ، وَرَدَّ نِصْفَ النَّفَقَةِ لِتَفْوِيتِ الْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَإِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ. . . . .
وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ فَأَفْرَدَ الْحَجَّ أَوْ تَمَتَّعَ وَقَعَ النُّسُكَانِ عَنِ الْآمِرِ، وَيَرُدُّ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إِحْرَامِ النُّسُكِ الَّذِي تَرَكَهُ مِنَ الْمِيقَاتِ.
وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا فَقَطْ، رَدَّ مِنَ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ، وَوَقَعَ مَا فَعَلَهُ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ.
(2/257)

[مَسْأَلَةٌ حَجُّ الكَافِرٍ واَلمَجْنُونٍ]
مَسْأَلَةٌ: (وَلَا يَصِحُّ الْحَجُّ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا مَجْنُونٍ).
أَمَّا الْكَافِرُ: فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28].
«وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَادَى فِي الْمَوْسِمِ: لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ»؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَاتُ؛ وَلِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَرَمِ، وَالْكَافِرُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ.
وَإِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بَطَلَ إِحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ مِنَ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالِاعْتِكَافِ.
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَقِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْجُنُونُ الْمُطْبِقُ، مِثْلُ الْمَعْتُوهِ وَنَحْوِهِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ حَجُّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ حَجَّ بِالصَّبِيِّ أَوِ الْعَبْدِ أَوِ الْأَعْرَابِيِّ أَوِ الْمَعْتُوهِ أَوِ الْمَجْنُونِ لَمْ تُجْزِهِمْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَجْزَأَتِ الصَّبِيَّ، وَالْعَبْدَ، وَالْأَعْرَابِيَّ، وَالْمَعْتُوهَ؛ إِنْ مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ بَلَغُوا فَعَلَيْهِمُ الْحَجُّ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ لَمْ يَفْعَلْ وُقُوفَ عَرَفَةَ وَهُوَ صَحِيحٌ لَمْ يُجْزِهِ، إِلَّا
(2/258)

الصَّبِيَّ» " فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «وَلَهُ حَجٌّ، وَلِأُمِّهِ وَلَكِ أَجْرٌ» ".
فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي صِحَّةَ حَجَّةِ الْمَعْتُوهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ مَسْلُوبُ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ حَجِّهِ كَالصَّبِيِّ.
وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ: أَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ أَنَّ هَذَا لَهُ عَمَلٌ وَحَرَكَةٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ وَلَا تَمْيِيزٍ، فَأَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ، وَعَكْسُهُ الصَّبِيُّ فَإِنَّ غَيْرَهُ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ إِنَّمَا يَعْقِدُهُ وَلِيُّهُ، وَوَلِيُّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُجَنِّبَهُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ؛ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا عَدِمَ كَمَالَ الْعَقْلِ عَدِمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعَقْلِ، فَعَدَمُهُ فِي حَقِّهِ لَيْسَ نَقْصًا، وَالْمَجْنُونُ سُلِبَ الْعَقْلَ مَعَ وُجُودِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعَقْلِ.
(2/259)

الثَّانِي: أَنْ يُجَنَّ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، فَهَذَا إِنْ كَانَ صَرْعًا وَخَنْقًا لَمْ يُبْطِلْ إِحْرَامَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَشْيِ، وَالْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الْحَرَكَةَ لَكِنْ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ بِمَنْزِلَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ أَرْكَانُ الْحَجِّ الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَالْوُقُوفِ. فَأَمَّا الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ فَيَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَإِنْ كَانَ جُنُونًا مَحْضًا لَا يُبْطِلُ الْحَرَكَةَ، فَهَلْ يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ، أَحَدُهُمَا لَا يَبْطُلُ فَلَوْ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ صَيْدًا ضَمِنَهُ.
(2/260)

[مَسْأَلَةٌ حج العبد والصبي]
مَسْأَلَةٌ: (وَيَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ، وَلَا يُجْزِئُهُمَا).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ حَجُّهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَإِنْ مَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الْحَجَّةُ، وَكَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً.
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ؛ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَدِّدَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَافْهَمُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ أَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَلْيَحُجَّ، وَأَيُّمَا غُلَامٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ، وَإِنْ بَلَغَ فَلْيَحُجَّ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
(2/261)

وَالْمُرْسَلُ إِذَا عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ حُجَّةٌ وِفَاقًا، وَهَذَا مَجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ، وَلَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ وَجُوبِهَ.
فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَخُرُوجِ وَقْتِهِ - لَمْ يُجْزِهِمَا ذَلِكَ الْحَجُّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ، وَمَا فَعَلَ مِنْهُ وَقَعَ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَا يُجْزِئُ عَنْ وَاجِبِ الْإِسْلَامِ.
وَإِنْ عَتَقَ وَبَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَ إِفَاضَتِهِمَا مِنْ عَرَفَةَ، فَرَجَعَا إِلَيْهَا وَأَدْرَكَا الْوُقُوفَ بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ - أَجْزَأَتْهُمَا تِلْكَ الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَعَلَيْهِ
(2/262)

أَصْحَابُهُ، وَعَنْهُ. . .
+لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الْحَجَّةُ، وَإِذَا عَتَقَ بِجَمْعٍ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ "، وَعَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا: " إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا يَفِيضُ عَنْ عَرَفَاتٍ أَوْ بِجَمْعٍ، وَحَاضَتِ الْجَارِيَةُ، وَاحْتَلَمَ الْغُلَامُ فَرَجَعُوا إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدَ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ "، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي السَّلَفِ مُخَالِفٌ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا تُجْزِئُهُ إِلَّا هَؤُلَاءِ.
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِأَرْكَانِ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَالْوُقُوفِ، وَالطَّوَافِ، وَغَيْرِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ.
(2/263)

وَإِنَّمَا أَحْرَمَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، وَالْإِحْرَامُ فَرْضٌ مُسْتَصْحَبٌ فِي جَمِيعِ النُّسُكِ، فَتَقَدُّمُهُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ لَا يَضُرُّ كَمَا لَوْ تَطَهَّرَ الصَّبِيُّ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ بَلَغَ فَصَلَّى بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ فَرْضًا بَلْ أَوْلَى.
وَهَذَا لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى بَلَغَ، وَهُوَ بِعَرَفَاتٍ فَأَحْرَمَ حِينَئِذٍ أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ إِذَا بَلَغَ وَهُوَ مُحْرِمٌ يَجِبُ أَنْ يُجْزِئَهُ مَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مَا مَضَى كَأَنْ لَمْ يَفْعَلْ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَكُونُ إِحْرَامًا مُرَاعًى فَإِذَا أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بَالِغًا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ فَرْضًا، وَإِلَّا فَلَا، كَمَا يَجُوزُ إِبْهَامُهُ وَتَعْلِيقُهُ، وَيَكُونُ مُرَاعًى إِنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ كَانَ بِحَجٍّ، وَإِلَّا كَانَ بِعُمْرَةٍ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا يُصِيبُهُ فِي إِحْرَامِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَةِ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَةِ حُرٍّ بَالِغٍ.
فَإِنْ كَانَا قَدْ سَعَيَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَقُلْنَا السَّعْيُ رُكْنٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُهُ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
(2/264)

يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا قَدْ سَعَيَا قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ لَمْ يَسْعَيَا، وَهَذَا يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَا مَضَى مِنَ الْإِحْرَامِ يَصِيرُ فَرْضًا.
وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُمَا، قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهَذَا إِذَا قُلْنَا: السَّعْيُ رُكْنٌ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ غَيْرُ مُسْتَدَامٍ، وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَجِّ فَلَمْ يُجْزِئْ عَنِ الْوَاجِبِ كَمَا لَوْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَعَلَى هَذَا إِنْ أَعَادَهُ. . . .
(2/265)

فَصْلٌ
وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهَا بِإِذْنِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ فِي نَذْرٍ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ عَقَدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِإِذْنِهِ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهَبِ تَحْلِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَيْهِ مُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ فِي الْحَجِّ فَأَشْبَهَ مَا لَوِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ مُؤَجَّرًا أَوْ مُزَوَّجًا، لَكِنْ يَكُونُ الْإِحْرَامُ عَيْبًا بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ الْمَنْفَعَةَ، فَتَنْقُصُ الْقِيمَةُ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الرَّدُّ أَوِ الْأَرْشُ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِدُونِ إِذْنِ الْبَائِعِ، وَقُلْنَا: لَهُ تَحْلِيلُهُ - لَمْ يَكُنْ عَيْبًا، وَإِلَّا فَهُوَ عَيْبٌ، وَلَوْ رَجَعَ السَّيِّدُ عَنِ الْإِذْنِ، وَعَلِمَ الْعَبْدُ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَحْرَمَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَزْلِ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِدُونِ إِذْنِ سَيِّدِهِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ يَغْصِبُ سَيِّدَهُ مَنَافِعَهُ الَّتِي يَمْلِكُهَا، فَلَمْ يَصِحَّ
(2/266)

كَالْحَجِّ بِالْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَأَوْلَى. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ لَكِنْ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنَّهُ يُحْرِمُ. . . . .؟
وَهَلْ يَمْلِكُ السَّيِّدُ تَحْلِيلَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: يَمْلِكُهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ عَلَيْهِ تَفْوِيتًا لِمَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ، وَصِفَةُ التَّحَلُّلِ. . .
وَالثَّانِيَةُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. . .
وَتَحْلِيلُ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ يَحْصُلُ بِقَوْلِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ: قَدْ حَلَلْتُ زَوْجَتِي أَوْ عَبْدِي، أَوْ فَسَخْتُ إِحْرَامَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، فَأَمَّا بِالْفِعْلِ فَقِيلَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَحِلُّ بِهِ.
(2/267)

فَصْلٌ
وَإِذَا نَذَرَ الْعَبْدُ الْحَجَّ مُعَيَّنًا أَوْ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ يَنْعَقِدُ مِمَّنْ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَقَالَ: أَشْبَهُهُمَا بِكَلَامِهِ الْوُجُوبُ.
وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا. . . .
وَهَلْ لِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ مِنْهُ وَمَنْعُهُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّطَوُّعِ فَهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، فَكَذَلِكَ هُنَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، فَعَلَى هَذَا يَقْضِيهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيَبْدَأُ قَبْلَهُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَضَاءِ الْفَاسِدِ.
وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَحُجَّنَّ هَذَا الْعَامَ أَوْ لَيُحْرِمَنَّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي لِسَيِّدِهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ، وَهَلْ يَمْلِكُ مَنْعَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا يُكْرَهُ مَنْعُهُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَمْلُوكٍ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ لَمْ يُحْرِمْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ:
(2/268)

يُحْرِمُ أَوَّلَ يَوْمٍ، وَلَا تُطَلَّقُ امْرَأَتُهُ قِيلَ لَهُ: فَيَمْنَعُهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَهُ أَنْ يَخْرُجَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْأَخْبَارِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا. . . .
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ، نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى مَكَّةَ إِذَا عَلِمَ مِنْهُ رُشْدَهُ.
(2/269)

فَصْلٌ
وَإِذَا فَسَدَ إِحْرَامُهُ فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ تَحْلِيلَهُ إِلَّا كَمَا يَمْلِكُ تَحْلِيلَهُ مِنَ الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ مَأْذُونًا فِيهِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ فِي حَالِ الرِّقِّ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الصَّبِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحْكِ هُنَا خِلَافًا مَعَ حِكَايَتِهِ لِلْخِلَافِ. . . .، ثُمَّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ. . . .
وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ إِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ إِذْنَهُ فِيهِ إِذْنٌ فِي مُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهُوَ كَالْحَجِّ الْمَنْذُورِ هَلْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
(2/270)

أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِي: لَهُ مَنْعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِفْسَادِ، فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ عَتَقَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ أَوْ بَعْدَ وُقُوفِهَا لَمْ يُجْزِهِ الْقَضَاءُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ لَا يُجْزِئُهُ.
وَإِنْ عَتَقَ فِيهَا فِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ أَوْ قَبْلَهُ فَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَأَجْزَأَهُ، وَالْفَاسِدُ إِذَا قَضَاهُ قَامَ قَضَاؤُهُ مَقَامَ الصَّحِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عِنْدِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِجْزَاءِ صَحِيحِهِ إِجْزَاءُ قَضَائِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي رَمَضَانَ، وَقُلْنَا يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ أَفْطَرَهُ لَزِمَهُ يَوْمَانِ.
(2/271)

فَصْلٌ
وَمَا لَزِمَهُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُوجَبِ الْإِحْرَامِ وَمُقْتَضَاهُ مِثْلُ مَا يَجِبُ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ، ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا فَجَزَاؤُهُ عَلَى مَوْلَاهُ إِنْ أَذِنَ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: إِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَتْلِ.
فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَحْظُورٍ فَعَلَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَجَزَاؤُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهُوَ عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، خَرَّجَهَا الْقَاضِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي مَنْعِهِ مِنَ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ فِي كُلِّ دَمٍ لَيْسَ مِنْ مُوجَبِ الْإِحْرَامِ، وَلَا مُقْتَضَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِحْصَارِ خِلَافًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْمَالِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِهِ فَيَجُوزُ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي
(2/272)

مُوسَى، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا: إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا، وَمَلَكَهُ لَزِمَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ السَّيِّدُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إِذَا مَلَّكَهُ الْهَدْيَ لِيُخْرِجَهُ انْبَنَى عَلَى رِوَايَتَيِ التَّمْلِيكِ.
وَمَا كَانَ مِنْ مُوجَبِ الْإِحْرَامِ، مِثْلَ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ - فَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا: إِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُهُ فَفَرَضَ+ الصِّيَامَ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْهَدْيَ عَنْهُ.
(2/273)

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ فَرْضَهُ الصِّيَامُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الصِّيَامِ كَانَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
(2/274)

فَصْلٌ
وَإِذَا حَجَّ الْأَعْرَابِيُّ، ثُمَّ هَاجَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مُحْتَمِلٌ، قَالَ فِي رِوَايَةٍ: هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّبِيِّ يَحُجُّ، ثُمَّ يُدْرِكُ، وَالْعَبْدُ يَحُجُّ، ثُمَّ يَعْتِقُ، عَلَيْهِمَا الْحَجُّ، قُلْتُ: يَقُولُونَ: إِنَّ فِيهِ الْأَعْرَابِيَّ يَحُجُّ، ثُمَّ يُهَاجِرُ قَالَ: نَعَمْ.
وَالْأَعْرَابِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَيَجُوزُ أَنَّهُ قَالَهُ آخِذًا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ الْمُرْسَلَ، وَاعْتَمَدَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَعْرَابِيِّ.
وَاحْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا حَجَّ الْمَمْلُوكُ أَجْزَأَ عَنْهُ حَجَّةُ الْمَمْلُوكِ فَإِذَا عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ وَالصَّبِيُّ مِثْلُ هَذِهِ +الْقِصَّةِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ».
(2/275)

الْفَصْلُ الثَّانِي
أَنَّ حَجَّ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ طِفْلًا بِحَيْثُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ، وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْبَالِغَ مِنْ فِعْلِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَتَرْكِ مَحْظُورَاتِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَالتِّرْمِذِيَّ.
وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " «حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ.
(2/276)

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرُهُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَعَنْهُ قَالَ: " «حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ، وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ " «أَحْرَمْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ، وَأَحْرَمَتِ النِّسَاءُ عَنْ نَفْسِهَا» "، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: " «كُنَّا نُلَبِّي عَنِ النِّسَاءِ، وَنَرْمِي عَنِ الصِّبْيَانِ» " وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَقَدْ
(2/277)

تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى " فَإِنَّ حَجَّ قَبْلَ بُلُوغِ الِاحْتِلَامِ بَعْدَ بُلُوغِ السِّنِّ. . .
فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَفَعَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ، وَاجْتَنَبَ
(2/278)

مَحْظُورَاتِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ الْوَلِيُّ أَوْ فَعَلَ عَنْهُ شَيْئًا مِثْلَ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا دُخُولٌ فِي الْعِبَادَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنَ الْمُمَيِّزِ دُونَ قَصْدِهِ كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ.
فَإِنْ أَحْرَمَ بِدُونِ إِذْنِ الْوَلِيِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ، قَالَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا: وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ حَقٌّ فَلَمْ يَمْلِكْ فِعْلَهُ بِدُونِ إِذْنِ الْوَلِيِّ كَالنِّكَاحِ، فَعَلَى هَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: إِحْرَامُهُ بِدُونِ إِذْنِ الْوَلِيِّ كَإِحْرَامِ الْعَبْدِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَمْلِكُ الْوَلِيُّ تَحْلِيلَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَهَا بِدُونِ إِذْنِ الْوَلِيِّ كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزِ عَقَدَ الْإِحْرَامَ لَهُ وَلَيُّهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَرَامًا أَوْ حَلَالًا كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ، وَيُلَبِّي عَنْهُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ جَازَ، وَيَطُوفُ بِهِ وَيَسْعَى وَيُحَضِّرُهُ الْمَوَاقِفَ وَيَرْمِي عَنْهُ، وَيُجَنِّبُهُ كُلَّ مَا يَجْتَنِبُهُ الْحَرَامُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمْيُ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوضَعَ الْحَصَى فِي يَدِهِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ فَيُرْمَى عَنْهُ، وَإِنْ وَضَعَهُ فِي يَدِهِ، وَرَمَى بِهَا، وَجَعَلَهَا كَالْآلَةِ جَازَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا
(2/279)

يَرْمِي عَنْهُ حَتَّى يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ رَمَى عَنِ الصَّبِيِّ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ قُلْنَا يَقَعُ عَنِ الْغَيْرِ أَوْ يَقَعُ بَاطِلًا فَكَذَلِكَ.
وَنَفَقَةُ السَّفَرِ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ تَجِبُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمَا إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَضَعُهُ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا فَلَمْ تَجِبْ فِي مَالِهِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ فِي الْحَضَرِ.
وَفِي الْأُخْرَى: هِيَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: يُضَحِّي الْوَصِيُّ عَنِ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَفْعَالَ الْحَجِّ، وَيَأْلَفُهَا فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْخَطِّ، وَكَفَّارَاتُ الْحَجِّ الَّتِي تَلْزَمُهُ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ كَالنَّفَقَةِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْكَفَّارَاتِ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى الْعَامِدِ كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ فِي الْمَشْهُورِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَيَتَخَرَّجُ إِذَا أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ.
(2/280)

وَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ مِثْلَ: قَتْلِ الصَّيْدِ، وَحَلْقِ الشَّعَرِ، وَتَقْلِيمِ الظُّفُرِ فِي الْمَشْهُورِ، فَقَالَ:. . . هِيَ كَالنَّفَقَةِ هَلْ تَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ وَلَيِّهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ. . .
وَالْوَلِيُّ هُنَا: هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مِنَ الْأَبِ، وَالْحَاكِمِ، وَالْوَصِيِّ. قَالَهُ الْقَاضِي. فَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمَالِ كَالْأُمِّ وَنَحْوِهَا، فَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ إِلْزَامُ مَالٍ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ أَبَوَاهُ أَوْ وَلِيُّهُ، فَعَلَى هَذَا تُحْرِمُ عَنْهُ الْأُمُّ أَيْضًا، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ: " «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» " وَلَا يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ حَتَّى تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَحُجُّ بِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تَلْزَمُ الْوَلِيَّ وَالْمُحْرِمَ بِهِ، فَلَا ضَرَرَ فِي مَالِهِ.
(2/281)

وَلِأَنَّ الْأُمَّ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا تَقْبِضُ لِلِابْنِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا سَائِرَ الْأَقَارِبِ عَلَى الْأُمِّ، وَأَمَّا الْأَجَانِبُ فَلَا يَصِحُّ إِحْرَامُهُمْ عَنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي هَذَا أَنَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ، فَإِنَّمَا يُحْرِمُ بِهِ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ الزَّكَاةَ أَكْبَرُ الْإِخْوَةِ لِإِخْوَتِهِ، وَيَقْبِضُهَا لِلْيَتِيمِ مَنْ يَعُولُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ فِي مَالِهِ فَمَنْ كَانَ فِي حَضَانَتِهِ الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ هُنَا تَبْقَى عَلَى الْبَدَنِ لَا عَلَى الْمَالِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي حَضَانَةِ أُمِّهِ حَتَّى يُحْرِمَ بِهِ اللَّقِيطُ، وَالْكَافِلُ لِلْيَتِيمِ، وَنَحْوُ هَؤُلَاءِ. . . فَأَرَادَ أَبُوهُ أَنْ
(2/282)

يُحْرِمَ بِهِ. . . وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُمَيِّزُ وَالطِّفْلُ. . .
وَإِذَا وَطِئَ فِي الْحَجِّ أَوْ وَطِئَ فَسَدَ حَجُّهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، وَوَطْءُ النَّاسِي يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَدَنَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ لَكِنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَى وَلِيِّهِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْقَضَاءُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ وَجِهَةِ وَلَيِّهِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ كَوُجُوبِ الْإِتْمَامِ بِخِلَافِ إِيجَابِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي حَالِ صِغَرِهِ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: قَالَ الْقَاضِي: أَصَحُّهُمَا: فِي حَالِ صِغَرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَالثَّانِي: بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْحَالِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قَضَاهُ فِي الصِّغَرِ فَهَلْ يَصِحُّ؟
فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
(2/283)

وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ أَوَّلًا انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْحَجَّةُ الْمَقْضِيَّةُ تُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَوْ تَمَّتْ صَحِيحَةً بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَ فِيهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ كَانَ قَضَاؤُهَا مُجْزِئًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْزِئَةً عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُجْزِئْ قَضَاؤُهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَالْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ بَعْدَهُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ كَالْمَنْذُورَةِ.
(2/284)

فَصْلٌ
وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مَنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، وَتُرَاسِلَهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ كَمَا يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ فِي نِكَاحِ بِنْتِهَا، وَاسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ إِجْبَارِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْأُلْفَةِ، وَصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الشِّقَاقِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ مَنْعَهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، حَتَّى لَوْ قُلْنَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُ الْحَجِّ فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُسَارِعَ إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهَا كَمَا لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَتَقْضِيَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَتَأْخِيرُ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ أَجْوَزُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعِبَادَاتِ الْمُطْلَقَةِ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ، وَلَا تُطِيعُ الزَّوْجَ فِي
(2/285)

الْقُعُودِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي فَالْأَفْضَلُ لَهَا أَنْ تُسَارِعَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَوْلَى بِهَا مِنْ طَاعَةِ الزَّوْجِ فِي الْقُعُودِ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْحَجِّ تَعْرِيضًا لِتَفْوِيتِهِ.
(2/286)

[مَسْأَلَةٌ حج غير المستطيع وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ]
مَسْأَلَةٌ: وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَتُجْزِئُهُمَا، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ مِثْلَ الْمَرِيضِ، وَالْفَقِيرِ، وَالْمَعْضُوبِ، وَالْمَقْطُوعِ طَرِيقُهُ، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ - إِذَا تَكَلَّفُوا شُهُودَ الْمَشَاعِرِ أَجْزَأَهُمُ الْحَجُّ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي يَحُجُّ مَاشِيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسِيءٌ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي يَحُجُّ بِالْمَسْأَلَةِ، وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ.
وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ تَامَّةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ إِنْ وَقَعَتْ فَهِيَ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي نَفْسِ الْمَقْصُودِ.
(2/287)

[مَسْأَلَةٌ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ]
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَقَعَ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَاجِبَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ «قَالَتِ الْمَرْأَةُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» " هُوَ جُمْلَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ حَجَّتْ أَوْ لَمْ تَحُجَّ.
(2/288)

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: الصَّرُورَةُ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ إِنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ لَبَّى عَنْ غَيْرِهِ - وَهُوَ صَرُورَةٌ -: " اجْعَلْهَا عَنْ نَفْسِكَ»
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: يَجُوزُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَاهَانَ فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ جَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذِهِ رِوَايَةً بِجَوَازِ الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا قَبْلَ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ مَنْصُوصَةٌ فِي غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ.
(2/289)

وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ لَمْ تَحُجَّ؟ وَكَذَلِكَ الْجُهَنِيَّةُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا نَذْرَهَا، وَلِلْمَرْأَةِ الْأُخْرَى، وَلِأَبِي رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَا أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ.
وَالْخَثْعَمِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ أَفَاضَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، وَهِيَ مُفِيضَةٌ مَعَهُ، وَهَذِهِ حَالُ مَنْ قَدْ حَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، لَكِنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ فِي سُؤَالِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَجَّ، وَلِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالرَّجُلُ يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ غَيْرِهِ قَبْلَ دَيْنِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَمَلٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَجَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ نَفْسِهِ كَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ.
وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَفْرُوضًا فِيمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْحَجَّ فَهُوَ أَوْجَهُ وَأَظْهَرُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِابْتِدَاءِ الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَغَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَا يُقَالُ: إِذَا حَضَرَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا حَضَرَ، وَقَدِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ: مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ
(2/290)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: " «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ رَفْعَهُ خَطَأٌ، وَقَالَ: رَوَاهُ عِدَّةٌ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ قَالَ يَحْيَى: عَزْرَةُ لَا شَيْءَ.
(2/291)

قُلْنَا: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَحْمَدَ حَكَمَ بِأَنَّهُ مُسْنَدٌ، وَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ثِقَةِ مَنْ رَفَعَهُ، وَقَرَّرَ رَفْعَهُ جَمَاعَةٌ.
عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَلَيْسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مُخَالِفٌ.
فَوَجْهُ الْحُجَّةِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ لَمْ تَجُزْ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَاجُّ مُسْتَطِيعًا وَاجِدًا لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، أَوْ لَا يَكُونَ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّعْرِيفِ فِي حِكَايَةِ الْأَحْوَالِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ فَإِذَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فَرْضٌ، وَالثَّانِيَ نَفْلٌ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ هُوَ مُطَالَبٌ بِهِ، وَمَعَهُ دَرَاهِمُ بِقَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَّا إِلَى دَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا احْتَاجَ إِلَى صَرْفِهِ فِي وَاجِبٍ عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ.
(2/292)

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْمَشَاعِرَ تَعَيَّنَ الْحَجُّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ حَضَرَ صَفَّ الْقِتَالِ فَأَرَادَ أَنَّ يُقَاتِلَ عَنْ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا خَالَفَ وَأَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُمَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
إِحْدَاهُمَا: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ حَتَّى قَضَى الْحَجَّ وَقَعَ عَنْهُ وَأَجْزَأَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَقَعْ عَنِ الْمُلَبَّى عَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
وَالْأُخْرَى: يَقَعُ الْإِحْرَامُ بَاطِلًا فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ عَنِ
(2/293)

الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ.
وَوَجْهُ هَذَيْنِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَقَوْلُهُ: " «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ حَسَنَةٍ " «لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " «إِنْ كُنْتَ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ فَلَبِّ عَنْهُ، وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ» " فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُلَبِّيَ، وَيَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِحْرَامُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ بَاطِلًا، وَعَنْ نَفْسِهِ لَمْ يُنَوِّهْ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَالْإِحْرَامُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا فَيَقَعُ بَاطِلًا.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: أَمْرُهُ بِأَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ فِي نَفْسِهِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا اشْتَمَلَ عَلَى صِفَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فِي ثِيَابٍ وَعِمَامَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ عَنْ نَفْسِهِ الْبَتَّةَ فَقِيَاسُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ قَوْلَهُ: " «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْكَ» " أَيِ اجْعَلْ هَذِهِ التَّلْبِيَةَ عَنْكَ كَمَا
(2/294)

قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا: " «أَيُّهَا الْمُلَبِّي عَنْ فُلَانٍ لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ فُلَانٍ» "، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَجَّةَ عَنْ نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ " «هَذِهِ عَنْكَ، وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الْحَجَّةِ فَقَوْلُهُ: " «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ» " أَيِ اعْتَقِدْهَا عَنْ نَفْسِكَ، وَقَوْلُهُ: " «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ» " أَيِ اسْتَدِمِ الْحَجَّ عَنْ نَفْسِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ قَدْ وَقَعَ بَاطِلًا لَأَمَرَ بِاسْتِئْنَافِهِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَجَّةٌ، وَلَا تَلْبِيَةٌ صَحِيحَةٌ تُجْعَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوِ انْعَقَدَ عَنِ الْغَيْرِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْوَاقِعَ لِشَخْصٍ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ لَبَّى عَنْ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى أَبِيهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مَعَ الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، وَيَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، وَمَجْهُولًا، وَمُعَلَّقًا، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ إِحْرَامَهُ عَنِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ لِأَجْلِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَبُطْلَانُ صِفَةِ الْإِحْرَامِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا لَازِمًا فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَدْ عَقَدَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ عَقَدَهُ مُطْلَقًا أَجْزَأَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَرَدُّدٍ.
(2/295)

الْفَصْلُ الثَّانِي
إِذَا كَانَ عَلَيْهِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْرِمَ إِلَّا بِالْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْدَأَ إِلَّا بِأَوْكَدِهِمَا، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَنَذْرٌ، بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ وَقَضَاءٌ. . . .
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَقَضَاءُ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ. . .
(2/296)

وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّفْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ، وَبِالنَّذْرِ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ تَخْرِيجًا مِنَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَمِنْ جَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّفْلِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَمِنْ كَوْنِهِ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا اعْتَمَدَهُ أَحْمَدُ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَدْ سُئِلَ عَمَّنْ حَجَّ فِي نَذْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَوَى النَّذْرَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِشُهُودِ الْمَشَاعِرِ، فَإِنَّ مَأْخَذَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا وَاحِدٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ مَدَّتُهُ طَوِيلَةٌ، وَلَا يُبْلَغُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَلَا يُفْعَلُ فِي الْعَامِ إِلَّا مَرَّةً، فَفِي تَقْدِيمِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ تَغْرِيرٌ بِهِ وَتَفْوِيتٌ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ إِنْ
(2/297)

سَلَّمْنَاهُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا خَالَفَ وَنَوَى النَّفْلَ أَوِ النَّذْرَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ، وَمَا حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ يَبْدَأُ بِفَرِيضَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَقْضِي مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ، فَقَالَ: هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، أَوْفِي بِنَذْرِكِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا، بَلْ تَكُونُ الْأُولَى لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ نَوَى النَّذْرَ؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ مَرَّةً: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ حَجَّ عَنْ نَذْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: كَانَ ابْنُ
(2/298)

عَبَّاسٍ يَقُولُ: " يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْفِ بِنَذْرِكَ " فَقَدْ حَكَى اتِّفَاقَهُمَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَفْتَى بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الْإِجْزَاءِ عَنِ النَّذْرِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَحُجُّ يَنْوِي التَّطَوُّعَ: فَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ سَوَاءٌ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنْيَةٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» " وَلِأَنَّهَا إِحْدَى الْعِبَادَاتِ، فَلَا تُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ بِنْيَةِ النَّفْلِ كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ صِحَّةِ النَّفْلِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا الْقَاضِي، وَبَيَّنَ فَسَادَ الْإِحْرَامِ، وَإِذَا قُلْنَا فَاسِدٌ فَهَلْ يَمْضِي فِيهِ؟ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ؟
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَحْرَمَ بِالنَّذْرِ، وَقُلْنَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَهَلْ عَلَيْهِ
(2/299)

قَضَاءُ النَّذْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى عَنِ الْفَرْضِ فَقَطْ أَوْ نَوَى عَنْهُمَا، أَصَحُّهُمَا عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مَنْصُوصُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَكْفِيهِ عَنْهُمَا اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ. . . .
وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي سَنَةٍ قَدْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْمَنْذُورَةُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَنَقْلَ ابْنُ مَنْصُورٍ
(2/300)

لَا تَسْقُطُ، وَهُوَ أَصَحُّ. قَالَ الْقَاضِي: وَأَصْلُهُمَا إِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. . . .
(2/301)

[باب الْمَوَاقِيتِ] [مَسْأَلَةٌ مواقيت أهل الأمصار]
الْمِيقَاتُ: مَا حَدَّدَهُ وَوَقَّتَ لِلْعِبَادَةِ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَالتَّوْقِيتُ: التَّحْدِيدُ، فَلِذَلِكَ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّدَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ مِنَ الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالشَّامُ وَمِصْرُ وَالْمَغْرِبُ الْجُحْفَةُ، وَالْيَمَنُ يَلَمْلَمُ، وَلِنَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِلْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ الْخَمْسَةُ مَنْصُوصَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: فَإِنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الطَّائِفِ وَنَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ».
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مَنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ".
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: " «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» " وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَوَقَّتَ أَوَّلًا
(2/302)


ثَلَاثَ مَوَاقِيتَ فَلَمَّا فُتِحَتِ الْيَمَنُ وَقَّتَ لَهَا، ثُمَّ وَقَّتَ لِلْعِرَاقِ، فَالْأَوَّلُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَكَرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ» رَوَاهُ الْجِمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَاسَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ بِقَرْنٍ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» ".
وَفِي لَفْظٍ: " «مِنْ غَيْرِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» " وَفِي لَفْظٍ: " «مَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(2/303)

وَالثَّالِثُ: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ «سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: " سَمِعْتُ أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَا شَكٍّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْزِيِّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ
(2/304)

أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا بِلَا شَكٍّ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ تِهَامَةَ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الطَّائِفِ وَهِيَ نَجْدٌ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ".
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ.
(2/305)

وَرَوَى الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَغَيْرُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ قَالَتْ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ".
(2/306)

وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» "، وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ، فَهَذَا قَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَالشَّامِ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ.
(2/307)

وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ، قَالَ: " «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ قَالَ: فَيَجِيءُ الْأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ قَالَ: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ " «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ أَنْ يُهِلُّوا مِنْهَا، وَذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» ".
وَذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَوْقِيتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتِهَادًا، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: " لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
(2/308)

فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَإِنَّهُ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ قَالَ: فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حُدَّتْ بِالِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ إِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَهُمْ يُحَاذُونَ قَرْنًا إِذَا صَارُوا بِذَاتِ عِرْقٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا، وَأَحَادِيثُ الْمَوَاقِيتِ لَا تُعَارِضُ هَذَا فَعَلَى هَذَا هَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ؟. . .
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الْجِيَادِ الْحِسَانِ الَّتِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِمِثْلِهَا مَعَ تَعَدُّدِهَا، وَمَجِيئِهَا مُسْنَدَةً، وَمُرْسَلَةً مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا
(2/309)

ذَكَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ هَذَا سَبَقَ تَوْقِيتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْرِهَا فَخَفِيَ هَذَا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ، وَإِنْ كَانَ عِلْمُهَا عِنْدَ عُمَّالِهِ، وَسُعَاتِهِ، وَمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، مِثْلَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَتَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَاجْتَهَدَ، وَكَانَ مُحَدَّثًا مُوَفَّقًا لِلصَّوَابِ فَوَافَقَ رَأْيُهُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي مَوَاضِعَ مَعْرُوفَةٍ، مِثْلَ الْمَقَامِ، وَالْحِجَابِ، وَالْأَسْرَى، وَأَدَبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(2/310)

فَعَلَى هَذَا: لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهَا كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَرَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(2/311)

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُفِيدًا لِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ مِنْهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُفِيدَ الِاسْتِحْبَابَ.
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالُوا: يَزِيدُ يَزِيدُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورَ الصَّحِيحَ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا مَعَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَقْصِدُ الْمُحَدِّثُ ذِكْرَهُ مَعَ إِخْوَتِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ حُجَّاجَ الْمَشْرِقِ أَكْثَرُ مِنْ حُجَّاجِ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ.
وَإِنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ دُونَهُ فَلَوْ كَانَ مِيقَاتًا لَوَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَمَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ سَائِرِ مَا وَقَّتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَيْسَ لَنَا مِيقَاتٌ يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " وَقَّتَ " لَا يَقْتَضِي إِلَّا وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إِحْرَامٌ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَكْثَرُ - تُخَالِفُهُ وَتَبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ.
وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ، وَبَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ
(2/312)

اللَّهُ دِينَهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ.
وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرْهُ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَهُ الْمَشْهُورَ، فَيَكُونُ إِنْ كَانَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً قَدْ تَرَكَهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ نَسْخِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا وَلَدُهُ الَّذِي قَدْ يَقْصِدُ بِتَحْدِيثِهِمْ إِخْبَارَهُمْ بِمَا قَدْ وَقَعَ، لَا لِأَنْ يَبْنِيَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْهُ فَكَمَا كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يُحْرِمُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ.
(2/313)

فَصْلٌ
وَأَمَّا ذُو الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ عَنْ مَكَّةَ كَأَنَّهَا - اللَّهُ أَعْلَمُ - تَصْغِيرُ حَلِفَةٍ، وَحَلِيفَةٍ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحُلَفَاءِ، وَهِيَ خَشَبٌ يَنْبُتُ فِي الْمَاءِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا بَلْ هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخٍ، وَبِهَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْبِئْرُ الَّذِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ بِئْرَ عَلِيٍّ، وَحَدُّهَا
(2/314)

مِنْ. . . .
وَيَلِيهَا فِي الْبُعْدِ الْجُحْفَةُ، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِأَهْلِهَا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ، وَهِيَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَتُسَمَّى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الَّتِي دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَقْلِ حُمَّى الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ، وَبِهَا أَثَرُ الْحَمَامِ الَّتِي دَخَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ صَارَ النَّاسُ لِأَجْلِ خَرَابِهَا يُحْرِمُونَ قَبْلَهَا مِنْ رَابِغٍ لِأَجْلِ أَنَّ بِهَا الْمَاءَ لِلِاغْتِسَالِ.
(2/315)

وَأَمَّا قَرْنٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ فَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ. . . . وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ فَهُوَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ نَجْدٍ وَالطَّائِفِ وَتِهَامَةِ نَجْدٍ وَمَا بِتِلْكَ النَّوَاحِي.
وَأَمَّا يَلَمْلَمُ وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَمُ فَهُوَ جَبَلٌ بِتِهَامَةَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، وَهِيَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَتِهَامَةِ الْيَمَنِ، وَهُوَ تِهَامَةُ الْمَعْرُوفُ.
وَذَاتُ عِرْقٍ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ. . . .
(2/316)

وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ هِيَ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ بِعَيْنِهَا فِي زَمَانِهِ، وَلَوْ كَانَ قَرْيَةً فَخَرِبَتْ، وَبُنِيَ غَيْرُهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَالْمِيقَاتُ هُوَ الْقَرْيَةُ الْقَدِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ، وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهَا عَلَى حَدٍّ مُتَقَارِبٍ مَرْحَلَتَانِ لِكَوْنِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ إِلَّا مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّ مَسَافَةَ سَفَرِهِمْ قَرِيبَةٌ إِذْ هِيَ أَكْبَرُ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ غَيْرُهُمْ يَقْطَعُ مَسَافَةً بَعِيدَةً بَيْنَ مِصْرِهِ وَمَكَّةَ، عَوَّضَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ مَسَافَةُ إِهْلَالِهِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَقْطَعُونَ إِلَّا مَسَافَةً قَرِيبَةً فَجُعِلَتْ عَامَّتُهَا إِهْلَالًا، وَأَهْلُ الشَّامِ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ كَانَ مِيقَاتُهُمْ أَبْعَدَ، وَمَنْ مَرَّ عَلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَإِنَّهُ بِمُرُورِهِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ يَجِدُ مِنَ الرَّفَاهِيَةِ وَالرَّاحَةِ مَا يُلْحِقُهُ بِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ.
(2/317)

[مَسْأَلَةٌ المواقيت لأهلها ولمن مر عليها]
مَسْأَلَةٌ: وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي وُقِّتَ الْمِيقَاتُ لَهُ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَجْهِ، لَكِنَّهُ سَلَكَهُ مَعَ أَهْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ هَذَا يَمُرُّ عَلَى مِيقَاتِ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ أَوْ لَا يَمُرُّ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَهْلِ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ قَدْ صَارُوا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ يُعَرِّجُونَ عَنْ طَرِيقِهِمْ لِيَمُرُّوا بِالْمَدِينَةِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّجَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ خَرَجَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْأُخْرَى.
وَمَنْ مَرَّ عَلَى مِيقَاتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَرَادَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ: " «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» "، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ " أَيْ: لِهَذِهِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِهَا " وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» أَيْ: وَلِمَنْ أَتَى عَلَى الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلِّ، أَيْ: مِمَّنْ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِصْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِنَّ جَمِيعِهِنَّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَخْرُجُ
(2/318)

عَنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ، فَجَعَلَ الْمِيقَاتَ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ أَهْلِ وَجْهِهِ وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ وَجْهِ مِيقَاتٍ آخَرَ.
وَقَوْلُهُ: " لَهُنَّ " أَيْ لِمَنْ جَاءَ عَلَى طَرِيقِهِنَّ، وَسَلَكَهُ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ يَحْيَى قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَمَنْ سَاحَلَ+ الْجُحْفَةَ» ".
وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِمَنْ سَاحَلَ+ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» " فَقَدْ بَيَّنَ عُرْوَةُ فِي رِوَايَتِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ ذَا الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ»، وَأَنَّ الْجُحْفَةَ إِنَّمَا وَقَّتَهَا لِلشَّامِيِّ إِذَا سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ السَّاحِلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَوَاقِيتَ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ مِنْ جَوَانِبِ الْحَرَمِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قُرْبَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَبُعْدَهَا؛ لِمَا يَحِلُّ لِأَهْلِ بِعِيدِهَا مِنَ الرَّفَاهِيَةِ، وَذَلِكَ +يَشْرَكُهُمْ فِيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِصْرَهُمْ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ مِصْرًا، وَأَقَامَ فِيهَا أَيَّامًا انْحَطَّ عَنْهُ عَظَمَةُ مَشَقَّةِ سَفَرِهِ فَوَجَدَ الطَّعَامَ، وَالْعَلَفَ، وَالظِّلَّ، وَالْأَمْنَ، وَخَفَّفَ
(2/319)

أَحْمَالَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّفْقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ حُدُودُ النُّسُكِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ.
(2/320)

[مَسْأَلَةٌ ميقات من دون المواقيت للحج]
مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ، وَيُهِلُّونَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي غَيْرِ الْمَكِّيِّ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: («فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» أَيْ وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي قُلْتُ يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْجُحْفَةِ أَهَلَّ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ دُونَ الْجُحْفَةِ إِلَى مَكَّةَ أَهَلَّ مِنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ.
فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ: فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي مَكَّةَ وَالْجَانِبِ الْبَعِيدِ مِنْهَا، وَإِحْرَامُهُ مِنْهُ أَفْضَلُ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ إِحْرَامُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الرُّجُوعِ لَهُ إِلَى آخِرِ الْقَرْيَةِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي وَادٍ يَقْطَعُهُ عَرْضًا فَمِيقَاتُهُ حَذْوَ مَسْكَنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَلَّةٍ .. مِنْ حِلَلِ الْبَادِيَةِ أَحْرَمَ مِنْ حَلَّتِهِ.
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا فِي مَكَانٍ دُونَ الْمِيقَاتِ كَأَهْلِ عُسْفَانَ وَجُدَّةَ
(2/321)

وَالطَّائِفِ، أَوْ ثَمَّتْ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ فَأَنْشَأَ قَصْدَ الْحَجِّ مِنْ وَطَنِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا، بَلْ أَقَامَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا فَبَدَا لَهُ الْحَجُّ مِنْهَا ... ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بَلْ جَاءَ مُسَافِرًا إِلَيْهَا لِحَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ الْحَجُّ مِنْهَا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهَا قَدْ سَافَرَ إِلَى أَبْعَدَ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَجِّ أَوْ لِمَكَّةَ ... .
وَإِنْ سَافِرَ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسْكَنِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ، وَبَدَا لَهُ سَفَرًا الْحَجُّ مِنْ هُنَاكَ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِهِ مُرُورَ مُسَافِرٍ لِلْحَجِّ.
(2/322)

[فَأَمَّا إِنْ عَرَضَ لَهُ هُنَاكَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ أَهْلَهُ سَافَرَ لِلْحَجِّ] ... .
(2/323)

(الْفَصْلُ الثَّانِي)
فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُسْتَوْطِنٌ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَكِّيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمُقِيمٌ بِهَا، سَوَاءٌ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ كَالْمُجَاوِرِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَمُسَافِرٌ.
فَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ: فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» " وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمُوا ... .
قَالَ أَحْمَدُ وَالْخِرَقِيُّ - فِي أَهْلِ مَكَّةَ -: يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ خَارِجَ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ الَّذِي يَلِي عَرَفَةَ كَالْأَبْطَحِ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ جَازَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ
(2/324)

سَوَاءٌ عَادَ إِلَى الْحَرَمِ، أَوْ لَمْ يَعُدْ وَمَضَى عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى عَرَفَةَ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ: الْحَرَمُ مِيقَاتُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ فَلَمْ يُهِلَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَأَرَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ حَدَّهُمْ بِمَا أَرَى عَلَى غَيْرِهِمْ إِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُمْ حَدٌّ مُؤَقَّتٌ إِلَّا أَنَّهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُحْرِمُوا مِنَ الْحَرَمِ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِي رَجُلٍ تَمَتَّعَ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ مِنْهَا ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَأْتِ الْبَيْتَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ الْأَقْصَى مِنْ عَرَفَاتٍ وَمَرَّ بِمِنًى فِي طَرِيقِهِ وَهِيَ مِنَ الْحَرَمِ، وَلَيْسَ فِي مِثْلِ هَذَا خِلَافٌ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: وَالَّذِي يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ أَنَّ مُتَمَتِّعًا جَهِلَ فَأَهَّلَ بِالْحَجِّ مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَأْتِ الْبَيْتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَجْمَعُوا فِي الْإِحْرَامِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ لِكَوْنِهَا
(2/325)

مِيقَاتًا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَّا بِالْإِحْرَامِ [وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ] وَجَوَازِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْبَطْحَاءِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا وَجَبَ لِدُخُولِ الْحَرَمِ، أَمَّا لِلْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ فَلَا، فَإِذَا خَرَجَ أَهْلُ مَكَّةَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إِحْرَامٌ لِخُرُوجِهِمْ إِلَى عَرَفَاتٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا رَجَعُوا، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْمَسَافَةِ بِالْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَاتٍ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ. وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ... .
(2/326)

(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْمَكِّيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي الْحَرَمِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ، وَإِنَّمَا الْعُمْرَةُ لِغَيْرِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الْعُمْرَةَ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَطْنَ مُحَسِّرٍ ".
وَإِذَا أَرَادَ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ الْعُمْرَةَ: أَهَلَّ مِنَ الْحِلِّ، وَأَدْنَاهُ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَقَالَ أَيْضًا: " لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَمِرُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَمِرَ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ وَتَجَاوَزَ الْحَرَمَ " وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: " «لَمَّا خَرَجْتُ مَعَهُ - تَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّفَرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَاهُنَا، فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتِ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
(2/327)

الْمَدِينَةِ» " [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ] مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ وَالْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، قَالَ: انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ» وَفِي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ: " «فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَأُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
(2/328)

وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ... .
فَقَدْ تَبَيَّنَ: أَنَّ الْعُمْرَةَ لِمَنْ هُوَ بِالْحَرَمِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النُّسُكِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَفْعَالُ الْعُمْرَةِ هِيَ فِي الْحَرَمِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْحَرَمِ لَمَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الْحِلِّ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَ رُكْنَيْهِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَقَعُ فِي الْحِلِّ لِأَنَّ عَرَفَاتٍ مِنَ الْحِلِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الزِّيَارَةُ، وَمِنْهُ الْعُمْرَةُ، وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ فِي أَهْلِهَا، فَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى أَهْلِهِ فَهُوَ الْعُرْسُ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ.
وَالزِّيَارَةُ لَا تَكُونُ مَعَ الْإِقَامَةِ بِالْمَزُورِ وَإِنَّمَا تَكُونُ إِذَا كَانَ خَارِجًا مِنْهُ فَجَاءَ
(2/329)

إِلَيْهِ لِيَزُورَهُ، وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ لِأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ بِالْبَيْتِ عَلَى الدَّوَامِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، وَالْحَجُّ أَنْ يُقْصَدَ الْمَحْجُوجُ فِي بَيْتِهِ، وَالْحَرَمُ هُوَ فِنَاءُ بَيْتِ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَقْصِدِ الْحَرَمَ مِنَ الْحِلِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْحَجِّ فِي حَقِّهِ إِذْ هُوَ لَمْ يَنْزَحْ مِنْ دَارِهِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْمَحْجُوجَ.
وَالْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَقْصَى الْحِلِّ أَفْضَلُ مِنْ أَدْنَاهُ، وَكُلَّمَا تَبَاعَدَ فِيهَا فَهُوَ أَفْضَلُ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْمِيقَاتِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ سُئِلَ مِنْ أَيْنَ يَعْتَمِرُ الرَّجُلُ؟ قَالَ: يَخْرُجُ إِلَى الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَحْرَمُوا مِنَ الْمَوَاقِيتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَهُوَ عُمْرَةٌ وَذَاكَ أَفْضَلُ، وَالْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا.
وَالْعُمْرَةُ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِيهَا أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، وَهُوَ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا وَإِنْ دَخَلَ فِي شَعْبَانَ، أَوْ رَمَضَانَ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَعْتَمِرَ اعْتَمَرَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عُمْرَةِ الْمُحْرِمِ تُرَاهُ مِنْ مَسْجِدِ عَائِشَةَ أَوْ مِنَ
(2/330)

الْمِيقَاتِ - أَوِ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ وَالطَّوَافُ بِقَدْرِ مَا تَعِبْتُ، أَوِ الْخُرُوجُ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ؟ فَقَالَ: يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ - فِي عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ -: " هِيَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِهَا وَنَفَقَتِهَا " فَكُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ النَّفَقَةِ وَالتَّعَبِ فَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا نَصٌّ بِأَنَّ الْخُرُوجَ بِهَا إِلَى الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ سَفَرِكَ وَنَفَقَتِكَ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلرَّجُلِ: اذْهَبْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنَ التَّنْعِيمِ مَا أَدْرِي يُؤْجَرُونَ أَوْ يُعَذَّبُونَ؟ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ يُعَذَّبُونَ! قَالَ: لِأَنَّهُ يَدَعُ الْبَيْتَ وَالطَّوَافَ وَيَخْرُجُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ،
(2/331)

وَيَجِيءُ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ قَدْ طَافَ مِائَتَيْ طَوَافٍ، وَكُلَّمَا طَافَ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ: " وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ».
وَعَنْ عَلْقَمَةَ - فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ -: هِيَ بِحَسَبِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: " لَهُ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ وَمَسِيرِهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ هُوَ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: أَنْ يَخْرُجَ إِلَى أَقْصَى الْحِلِّ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى مِيقَاتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ فَأَنْشَأَ لَهَا سَفْرَةً أُخْرَى فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا وَنَصَبِهَا، وَبُعْدِ مَوْضِعِهَا وَنَفَقَتِهَا، وَأَنْ يُنْشِئَ لَهَا قَصْدًا مِنْ مَوْضِعِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ فَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا ".
وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَتَبَاعَدَ فَيُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: وَالْعُمْرَةُ بِمَكَّةَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهَا عَلَى الطَّوَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ وَالطَّوَّافَ.
(2/332)

وَاحْتَجَّ مَنِ اخْتَارَهَا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِنْ فَاتَهُ فَمِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ التَّنْعِيمَ هُنَا، وَعُمْدَةُ ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ»، فَخُصَّتْ هَذِهِ بِالْفَضْلِ، وَكَانَ أَفْضَلَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَأَمَّا الِاعْتِمَارُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَا فَضْلَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ قَطُّ، وَإِنَّمَا اعْتَمَرَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ حَلَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَكَذَلِكَ الْجِعِرَّانَةُ لَيْسَ فِي خُرُوجِ الْمَكِّيِّ إِلَيْهَا بِخُصُوصِهَا سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْ مَكَّةَ قَطُّ، وَإِنَّمَا أَعْمَرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنَ
(2/333)

التَّنْعِيمِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَإِنَّمَا اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ لَمَّا قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ لِأَنَّهَا كَانَتِ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْشَأَ مِنْهُ الْعُمْرَةَ وَهُوَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَيُنْشِئُ الْعُمْرَةَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا يُقَاسُ بِهَذَا أَنْ يَخْرُجَ الْمَكِّيُّ إِلَى ذَاكَ الْمَوْضِعِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا السُّنَّةُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ مِنْ أَيِّ الْجَوَانِبِ كَانَ لَكِنْ جِهَةَ بَلَدِ الْمُعْتَمِرِ ... .
وَإِنْ أَحْرَمَ الْحَرَمِيُّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْحَرَمِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ دُونَ الْمِيقَاتِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ بَعْضَ نُسُكِهِ.
وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْحَرَمِ، كَمَا لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ إِذَا أَحْرَمَ دُونَهُ، لَكِنَّهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ وَرَجَعَ صَحَّتْ عُمْرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْحِلِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ: فَفِيهِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، بَلْ يَقَعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْحَجِّ.
وَلِأَنَّ الْحِلَّ لَوْ لَمْ يَجِبْ إِلَّا لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ لَكَانَ مَنْ إِنْ شَاءَ الْعُمْرَةَ دُونَهُ تُجْزِئُهُ
(2/334)

كَمَوَاقِيتِ الْحَجِّ، وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ فَتُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ مِنَ الْحِلِّ.
فَعَلَى هَذَا وُجُودُ الطَّوَافِ وَمَا بَعْدَهُ كَعَدَمِهِ لَا يَتَحَلَّلُ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ قَصَّرَ رَأْسَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَصَّرَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ وَطِئَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ تَحَلَّلَ كَانَ كَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَتَفْسُدُ بِذَلِكَ عُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْإِفْسَادِ، وَإِتْمَامُهَا بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ وَالطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْعُمْرَةَ صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا تَرَكَهُ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمِيقَاتِ وَهَذَا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّمَ.
ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: فَلْيَخْرُجْ إِلَى أَقْرَبِ الْحِلِّ فَيُحْرِمْ مِنْهُ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ الْوَاجِبَةَ: فَلْيَخْرُجْ إِلَى الْمِيقَاتِ لِيُحْرِمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ بِهَا دُونَ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ: إِنَّ عَلَيْهِ دَمًا.
(2/335)

[مَسْأَلَةٌ ميقات من لم يكن طريقه على ميقات]
مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ فَمِيقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ طَرِيقُهُ عَلَى غَيْرِ مِيقَاتٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ: فَإِنَّهُ يُحْرِمُ إِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى طَرِيقِهِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمِيقَاتُ هُوَ الْأَبْعَدَ عَنْ مَكَّةَ، أَوِ الْأَقْرَبَ مِثْلَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ يَقْرُبُ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ إِذَا حَاذَاهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَقْرُبُ إِلَى الْجُحْفَةِ: أَحْرَمَ مِنْهَا، [وَإِنْ كَانَ قُرْبُهُ إِلَى الْجُحْفَةِ إِذَا حَاذَاهَا أَكْثَرَ أَحْرَمَ مِنْهَا] لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَهَا شَقَّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: " انْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، قَالَ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ " فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ عُمَرُ، وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُرُورِ بِقَرْنٍ، بَلْ جَعَلُوا مَا يُحَاذِيهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِمَّا يُحَاذِي الْمِيقَاتَ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ نَفْسِ الْمِيقَاتِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ بُعْدُهُمَا عَنِ الْبَيْتِ وَاحِدًا: لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْمِيقَاتِ مَقْصُودٌ، وَلِأَنَّ فِي الْمَيْلِ وَالتَّعْرِيجِ إِلَى نَفْسِ الْمُؤَقَّتِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَإِنَّمَا يُحْرِمُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ إِذَا حَاذَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ وَإِلَى طَرِيقِهِ إِذَا مَرَّ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِ الْبَعِيدِ كَمَا لَوْ مَرَّ بِهِ نَفْسِهِ، فَلَوْ مَرَّ بَيْنَ مِيقَاتَيْنِ، وَكَانَ قُرْبُهُ إِلَيْهِمَا سَوَاءً أَحْرَمَ مِنْ حَذْوِ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ كَمَا لَوْ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى مِيقَاتَيْنِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْإِحْرَامِ مِنْهُ مَوْجُودٌ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَيُعْرَفُ مُحَاذَاتُهُ لِلْمُؤَقَّتِ وَكَوْنُهُ هُوَ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّحَرِّي، فَإِنْ شَكَّ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ الِاحْتِيَاطُ فَيُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ حَذْوَ
(2/336)

الْمِيقَاتِ الْقَرِيبِ إِلَيْهِ إِلَّا مُحْرِمًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ حَاذَى الْمِيقَاتَ الْأَقْرَبَ.
(2/337)

[مَسْأَلَةٌ حكم مجاوزة الميقات دون إحرام]
مَسْأَلَةٌ: (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ إِنْ أَرَادَ النُّسُكَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ تَجَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَكَّةَ، بَلْ يُرِيدُ مَوْضِعًا مِنَ الْحِلِّ: فَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَادَ مَوْضِعًا مِنَ الْحَرَمِ غَيْرَ مَكَّةَ .. .
وَإِنْ أَرَادَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ إِلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» " وَهَذَا أَمْرٌ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ " إِلَى قَوْلِهِ: " هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ
(2/338)

أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» وَإِنَّمَا فَائِدَةُ التَّوْقِيتِ: وُجُوبُ الْإِحْرَامِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ فَلَوْ كَانَ مَا بَعْدَهَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَائِدَةٌ.
وَإِنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِغَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِثْلَ تِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ سَكَنٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَاجَاتِ الَّتِي لَا يَشُقُّ مَعَهَا الْإِحْرَامُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مُحْرِمًا بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِتِجَارَةٍ: أَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ، ثُمَّ يَحِلُّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ.
(2/339)

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُ الْإِحْرَامِ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَالْمَرْوَذِيِّ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ تَاجِرٌ، وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا بِإِحْرَامٍ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، وَقَدْ دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِنَّمَا تَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ لَوَجَبَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمَوَاقِيتِ: " «هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ مَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» " وَهَذَا لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَجَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ حُنَيْنٍ إِلَى مَكَّةَ ... .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ عُثْمَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لِيُخْبِرَهُمْ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(2/340)

وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِاسْتِخْرَاجِ خُبَيْبٍ ... .
وَلِأَنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِتَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ فَلَمْ تَجِبْ؛ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالطَّوَافِ وَتَحِيَّةِ غَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ عَرَفَةَ وَالْمَوْسِمَ مَعَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَنْوِ الْحَجَّ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ؟ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْظِيمًا لِلْفِعْلِ كَتَعْظِيمِ الْمَكَانِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
(2/341)

" لَا يَدْخُلْ مَكَّةَ تَاجِرٌ، وَلَا طَالِبُ حَاجَةٍ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ غَيْرَ حَرَامٍ " رَوَاهُ حَرْبٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ.
وَأَيْضًا: مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ قَالَا: " «مَا دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ إِلَّا وَهُمْ مُحْرِمُونَ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ أَظُنُّهُ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " «مَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا عَامَ الْفَتْحِ» ".
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " «مَا نَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ قَطُّ إِلَّا وَهُمْ
(2/342)

مُحْرِمُونَ» " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
وَعَنْ خُصَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يُجَاوِزْ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ» " ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ يَكُونَ وَرَاءَ الْمَوَاقِيتِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ: لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ،
(2/343)

وَقَدْ أَرْخَصَ لِلْحَطَّابِينَ وَالرُّعَاةِ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ أَنْ يَدْخُلُوا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: ابْنُ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ الْمِيقَاتَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ دَخَلَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَقَالَ: الْمِيقَاتُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا رَجَعَ لِاضْطِرَابِ النَّاسِ وَالْفِتْنَةِ فَدَخَلَ كَمَا هُوَ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْحَرْبِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: " «حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» " وَهَذَا يَدْخُلُ مَعَ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي الرَّجُلِ يُقِيمُ بِمَكَّةَ مُتَمَتِّعًا أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا لِبَعْضِ الْحَاجَةِ، فَيُعْجِبُنِي أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا أَبَدًا حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ، فَقَدْ أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ كُلُّ دَاخِلٍ إِلَيْهَا مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهَا، أَوْ لَمْ يَخْرُجْ سَوَاءٌ كَانَ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ فَوْقُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ الْحَرَمِ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ كُلُّ دَاخِلٍ إِلَيْهِ مِمَّنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ؛ وَلِهَذَا يَسْتَوِيَانِ فِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ.
وَأَمَّا نَفْسُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْإِحْرَامِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَعْضَ أَمَاكِنِ الْحِلِّ.
(2/344)

فَأَمَّا إِنْ قَصَدَهَا مِنْ نَفْسِ الْحَرَمِ: فَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجِيجَ يَدْخُلُونَهَا مِنْ مِنًى بَعْدَ أَنْ حَلُّوا الْحِلَّ كُلَّهُ، وَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِمْ وَاجِبٌ وَلَا مُسْتَحَبٌّ، وَلِأَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَأَشْبَهَ الِانْتِقَالَ فِي طُرُقَاتِ الْقَرْيَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى الْقَاطِنِينَ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ بَعْضَ مَوَاضِعِ الْحَرَمِ خَارِجَ مَكَّةَ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَرَمَ ابْنُ سَبِيلٍ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْتَرِقَهَا مِنْ غَيْرِ مُقَامٍ .. .
فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ هَذَا الْإِحْرَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ قَدِمَ مِنْ بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ تَاجِرٌ فَقَدِمَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ قَالَ: يَرْجِعُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُهِلُّ بِعُمْرَةٍ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ: أَهَلَّ بِحَجَّةٍ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَابْنُهُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمْ.
وَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ الدَّمُ، وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا فِي النُّسْخَةِ فَإِنَّهُ وَهْمٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ تَرَكَ إِحْرَامًا وَاجِبًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ - وَغَيْرُهُمَا
(2/345)

مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا دَمٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَفْعُولَةٌ لِحُرْمَةِ الْمَكَانِ، فَوَجَبَ أَلَّا تُقْضَى كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُرَادُ لِلدُّخُولِ فَإِذَا حَصَلَ الدُّخُولُ بِدُونِهِ لَمْ تُشْرَعْ إِعَادَتُهُ كَالْوُضُوءِ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ بِسَبَبٍ فَتَسْقُطُ عِنْدَ فَوَاتِ السَّبَبِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ.
فَعَلَى هَذَا بِأَيِّ شَيْءٍ يَسْقُطُ؟ هَلْ يَسْقُطُ بِدُخُولِ الْحَرَمِ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ؟ فَإِنْ أَحْرَمَ دُونَهُ ... .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ إِحْرَامٌ لَزِمَهُ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ كَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، بَلْ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ خُصُوصًا الْحَجَّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ؛ إِمَّا فِي وَقْتِهِ، وَإِمَّا بَعْدَ وَقْتِهِ، وَعَكْسُهُ مَا لَا يَجِبُ مِنَ النَّوَافِلِ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ تُقْضَى، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَسْتَدِيمُ الْمُكْثَ
(2/346)

وَبَيْنَ مَنْ يَخْرُجُ، فَعَلَى هَذَا ... .
فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ إِذَا رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ إِحْرَامٌ آخَرُ، قُلْنَا: إِنَّمَا يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ بِإِحْرَامٍ سَوَاءٌ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجِبْ.
فَإِنْ أَدَّى بِهَذَا الْإِحْرَامِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ حَجَّةً مَنْذُورَةً فِي سَنَتِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ مَنْصُوصُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقْتٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا أَنْ يَدْخُلَ بِإِحْرَامٍ، وَلَوْ أَنَّهُ لِلْحَجِّ الْمَفْرُوضِ فَإِذَا عَادَ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَدُخُولُهُ حَلَالًا لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ دَمًا كَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرُ الْمُحْرِمِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ.
وَإِنْ أَخَّرَ الْحَجَّ إِلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ تُجْزِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ حَجَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ لَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْإِحْرَامِ فِي
(2/347)

ذَلِكَ الْعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ الَّذِي لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ لَا يُؤَدِّي بِهِ الْحَجَّ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ تُسْقِطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ نَذْرٍ، وَفَاسِدٌ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَمَّا وَجَبَ بِالدُّخُولِ: وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَمَتَى اعْتَمَرَ فَإِنْ أَحْرَمَ هَذَا بِالْعُمْرَةِ أَوْ بِالْحَجِّ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالدُّخُولِ فَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
(2/348)

(الْفَصْلُ الثَّانِي)
أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ فَإِنَّهُ لَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ بُغَاةٌ أَوْ كُفَّارٌ أَوْ مُرْتَدَّةٌ قَدْ بَدَوْا بِالْقِتَالِ فِيهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ
(2/349)

مُحْرِمًا» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَفْظُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَلَمْ يَقُولُوا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلُوا عَامَ الْفَتْحِ كَذَلِكَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَالَ: " «لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِيَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» ".
قِيلَ: الَّذِي خُصَّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَازُ ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ فِيهَا، وَلَمَّا أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ تَرَكَ الْإِحْرَامَ، فَإِذَا أُبِيحَ نَوْعٌ مِنَ الْقِتَالِ لِغَيْرِهِ شَرَكَهُ فِي صِفَةِ الْإِبَاحَةِ ".
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْقِتَالُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ بِهَا سَفْكُ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ
(2/350)

الْمَحْظُورَاتِ فَلَأَنْ تُبَاحَ لَهُ سَائِرُ الْمَحْظُورَاتِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَأَشْبَهَ الْحَطَّابَةَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَهَا خَائِفًا لِفِتْنَةٍ عَرَضَتْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ: " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ جَاءَهُ خَبَرٌ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ".
وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ قُدَيْدًا بَلَغَهُ عَنْ جَيْشٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَهَذَا الْجَيْشُ ... .
(2/351)

وَلِأَنَّ الْخَائِفَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي وَ ... دُخُولُهَا إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَائِفَ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مُحْرِمًا، وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ قَصْدًا ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ هَذَا لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَلَوْ بَلَغَهُ السِّيَاقُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا التَّأْوِيلَ.
وَأَمَّا مَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ إِلَى مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ الْحَطَّابِينَ وَالرُّعَاةِ وَنَحْوِهِمْ: فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " لَا يَدْخُلَنَّ إِنْسَانٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا الْجَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا " رَوَاهُ حَرْبٌ.
(2/352)

وَهَذَا يَقْتَضِي لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ لَا لِتَكْرَارِهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِحْرَامُ كُلَّمَا دَخَلُوا لَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَكَّةَ لِتَعَلُّقِ مَصَالِحِهِمْ بِهَا وَتَعَلُّقِ مَصَالِحِ الْبَلَدِ بِهِمْ ... .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا لَهُ صَنْعَةٌ بِالْحِلِّ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْفُيُوجُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُمْ، وَحَدُّ التَّكْرَارِ ... قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مِنَ الْحَطَّابَةِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ فَقَيَّدَهُ بِيَوْمٍ.
(2/353)

(فَصْلٌ)
وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَى الدَّاخِلِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ، فَأَمَّا الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَيَجُوزُ لَهُمُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ، فَأَنْ لَا يَجِبَ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ.
(2/354)

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَكَّةَ أَوْ قَصَدَهَا وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، كَالْمُحَارِبِ وَذِي الْحَاجَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا أَرَادَ النُّسُكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
(2/355)

(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ إِذَا دَخَلُوا مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، ثُمَّ أَرَادُوا الْحَجَّ بِأَنْ يَأْذَنَ لِلصَّبِيِّ مَوْلَاهُ، وَلِلْعَبْدِ سَيِّدُهُ، أَوْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ مِنْ حَيْثُ أَنْشَئُوهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي مَمْلُوكٍ جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مَنَعَهُ مَوَالِيهِ أَنْ يُحْرِمَ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: يُحْرِمُ مَكَانَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مَنَعَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: جَيِّدٌ حَدِيثُ أَبِي رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ جَازَ لَهُمْ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِحْرَامُ حِينَ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ فَصَارُوا كَالْمَكِّيِّ، وَلِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الْإِحْرَامَ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا دَخَلُوا غَيْرَ مُرِيدِينَ لِلنُّسُكِ، أَوْ أَرَادَهُ وَمَنَعَهُمَا السَّيِّدُ وَالْوَلِيُّ مِنَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا الْوَلِيُّ فِي الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمَا لَزِمَهُمَا دَمٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، أَوْ دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَرَادَ الْحَجَّ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ
(2/356)

بِمَكَّةَ: يَخْرُجُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ، فَإِنْ خَشِيَ الْفَوَاتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ بِتَرْكِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُسْلِمَ وَيُحْرِمَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي تَرْكِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْرَامُ فِي حَالِ كُفْرِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي الذِّمِّيِّ يُسْلِمُ بِمَكَّةَ: يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مَوْضِعِ أَسْلَمَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْرَامُ فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَرَكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ وَالصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ سَوَاءً، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ
(2/357)

مُحْدِثًا فَإِنَّهُ هُنَاكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ فِي حَالِ حَدَثِهِ، وَهُنَا يُغْفَرُ لَهُ مَا تَرَكَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ حَتَّى يُخَاطَبَ بِالْوُجُوبِ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ.
وَلِأَنَّ مَكَّةَ قَدِ اسْتَوْطَنَهَا أَقْوَامٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا دَخَلُوهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، أَوْ بِإِحْرَامٍ لَا يَصِحُّ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمُوا لَمْ يُؤْمَرُوا أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُوا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتَوْطَنَهَا أُفُقِيٌّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ.
(2/358)

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ وَأَرَادُوا النُّسُكَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُوا مِنْهُ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ دُخُولَ مَكَّةَ لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ الْإِحْرَامُ بِالدُّخُولِ، أَوْ قُلْنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فَأَمَّا الْمُسْلِمُ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِتِجَارَةٍ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ يُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ فَإِنْ خَشِيَ الْفَوْتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ قَوْلًا وَاحِدًا، ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَكَى فِي الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَ بِمَكَّةَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقْتٌ وَأَرَادَ الْحَجَّ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَهَلَّ مِنْهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْهُ .... ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ قَدْ أَمْكَنَ فِعْلُهُ فَلَزِمَهُمْ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
وَإِذَا رَجَعُوا فَأَحْرَمُوا فَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْوَاجِبِ وَتِلْكَ الْمُجَاوَزَةُ لَيْسَتْ نُسُكًا، فَإِذَا لَمْ يَتْرُكُوا نُسُكًا وَلَمْ يَفْعَلُوا نُسُكًا فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَلَمْ يَفْعَلُوا فِي الْإِحْرَامِ مَحْظُورًا فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الدَّمِ.
(2/359)

قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: " رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرُدُّهُمْ إِلَى الْمَوَاقِيتِ إِذَا جَاوَزُوهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَخَافُونَ - مِنَ الرُّجُوعِ - فَوْتَ الْحَجِّ، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الرُّجُوعُ لِتَعَذُّرِ الرُّفْقَةِ وَمَخَافَةِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ، فَيُحْرِمُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ وَعَلَيْهِمْ دَمٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمُوا مِنْ دُونِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْعَوْدَةِ فَعَلَيْهِمْ دَمٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ... وَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِمْ إِلَى الْمِيقَاتِ.
(2/360)

[مَسْأَلَةٌ حكم الإحرام قبل الميقات]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ.
مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَلَا بِالْعُمْرَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِيقَاتَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَقَدْ سُئِلَ أَيُّمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ: يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَمْ قَبْلُ؟ فَقَالَ: مِنَ الْمِيقَاتِ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
قِيلَ لَهُ وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ: إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَلَا يُحْرِمُ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ.
(2/361)

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يُحْرِمُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَكَأَنَّهُ سَهَّلَ فِيهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: إِنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ بَأْسٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ هُوَ وَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ،
(2/362)

وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ هُوَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُحْرِمُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يَنْدُبْ أَحَدًا إِلَى الْإِحْرَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا رَغَّبَ فِيهِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ عَلَى عَهْدِهِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لَكَانَ أَوْلَى الْخَلْقِ بِالْفَضَائِلِ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ وَخَيْرَ الْقُرُونِ وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ وَكَانُوا بِهِ أَوْلَى، وَبِفَضْلٍ - لَوْ كَانَ فِيهِ - أَحْرَى، وَلَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ كَمَا نَدَبَ إِلَى جَمِيعِ الْفَضَائِلِ؛ إِذْ هُوَ الْقَائِلُ: " «وَمَا تَرَكْتُ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ يُبَعِّدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ» ".
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ فَتَقْتَدِي الْأُمَّةُ بِهِ وَقَدْ يَخْتَارُ غَيْرَ الْأَفْضَلِ لِلتَّعْلِيمِ.
(2/363)

قِيلَ: قَدْ أَحْرَمَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ مَعَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا مَرَّةً فَقَدْ كَانَ الْجَوَازُ وَالْبَيَانُ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَحْرَمَ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ عُلِمَ أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الْعُمَرَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَزِيَادَةُ مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ لَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرَ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْفِعْلِ الَّذِي يَتَكَرَّرُ، فَيَفْعَلُ الْمَفْضُولَ مَرَّاتٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَالصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَأَمَّا مَا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَخْتَارَ لِرَسُولِهِ أَدْنَى الْأَمْرَيْنِ وَيَدَّخِرَ لِمَنْ بَعْدَهُ أَفْضَلَهُمَا، وَفَاعِلُ هَذَا وَقَائِلُهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَقَالَ: أَخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ [قِيلَ لَهُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ] فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ أَمْيَالٍ؟ فَقَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّكَ خُصِصْتَ بِأَمْرٍ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَوْ كَانَ الْفَضْلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ إِذْ هُوَ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ،
(2/364)

وَأَرْحَمُ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ، كَمَا دَلَّهُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَشَقَّةٌ كَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ.
وَكَوْنُهُ أَيْسَرَ قَدْ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِفَضْلِهِ، كَمَا أَنَّ صَوْمَ شَطْرِ الدَّهْرِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِهِ كُلِّهِ وَقِيَامَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِهِ كُلِّهِ، وَالتَّزَوُّجَ وَأَكْلَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» أَمْرٌ بِالْإِهْلَالِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، وَهَذَا التَّوْقِيتُ يَقْتَضِي نَفْيَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُحَرَّمَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا أَفْضَلَ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَوْرَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(2/365)

(«لِيَسْتَمْتِعْ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي حُرْمَتِهِ») رَوَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِمِثْلِ إِسْنَادِهِ، لَكِنْ أَبُو سَوْرَةَ ضَعَّفُوهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَكَانَ أَحَدُ الْوَقْتَيْنِ، فَلَمْ يَكُنِ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ مُسْتَحَبًّا كَالزَّمَانِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ كَإِعْدَادِ الصَّلَاةِ وَرَمْيِ الْجَمَرَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُشْرَعُ كَالنَّقْصِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مَكْرُوهَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ.
(2/366)

وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّرَفُّهَ بِالْحِلِّ قَبْلَ الْمِيقَاتِ رُخْصَةٌ، كَالْأَكْلِ بِاللَّيْلِ فِي زَمَانِ الصَّوْمِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي زِيَادَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَا وَجَبَ تَعْرِيضًا لِأَخْطَارِ الْإِحْرَامِ؛ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورَاتِ وَمَلَالَةِ النَّفْسِ، فَكَانَ الْأَوْلَى السَّلَامَةَ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ قَلِيلِ الطَّاعَةِ قَلِيلِ الْمَعْصِيَةِ، وَرَجُلٍ كَثِيرِ الطَّاعَةِ كَثِيرِ الْمَعْصِيَةِ، فَقَالَ: " لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا "، وَطَرْدُ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ لِلْمُتَمَتِّعِ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَوَاقِيتِ فَيُحْرِمَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ شَرْعِيٌّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ: " تَمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ ".
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: («مَنْ أَهَلَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: («مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ مَا
(2/367)

تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ») وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: («وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ») شَكَّ الرَّاوِي، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ: («مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ»).
وَقَدْ أَحْرَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ فَوْقِ الْمَوَاقِيتِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ أَحْرَمَ عَامَ الْحَكَمَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " وَعَنْهُ: " أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي لَوْ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَحْرَمْتُ مِنْهُ ".
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنَ الْعَقِيقِ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
(2/368)

وَقَدْ قِيلَ: أَهَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الشَّامِ، وَأَهَلَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ الرَّجُلُ أَوْ يَعْتَمِرُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَرْضِهِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ، وَتَرْكَهُ عَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَادَاتِ.
قِيلَ: أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَحَرْبٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] قَالَ: " إِنَّ إِتْمَامَهَا أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " قَالَ حَرْبٌ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: " أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " قَالَ: هُوَ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرَهَا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ " أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " قَالَ: يُنْشِئُ لَهَا سَفَرًا مِنْ أَهْلِهِ؛ كَأَنَّهُ يَخْرُجُ لِلْعُمْرَةِ عَامِدًا، كَمَا يَخْرُجُ لِلْحَجِّ عَامِدًا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ أَمْرَ الْعُمْرَةِ.
(2/369)

وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَمَامِ الْعُمْرَةِ فَقَالَ: ائْتِ عَلِيًّا فَسَلْهُ فَعُدْتُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: ائْتِ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَلْهُ، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَكِبْتُ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالسُّفُنَ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ تَمَامِ الْعُمْرَةِ فَقَالَ: تَمَامُهَا أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِكَ، فَعُدْتُ إِلَى عُمَرَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: ائْتِ عَلِيًّا فَسَلْهُ، فَقُلْتُ: قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ: تَمَامُهَا أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِكَ، قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: " أَحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " فَقَدْ تَوَافَقَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى أَنَّ تَمَامَهَا أَنْ يُنْشِئَهَا مِنْ بَلَدِهِ، فَيُسَافِرَ لَهَا سَفَرًا مُفْرَدًا كَسَفَرِ الْحَجِّ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَنْشَأَ لِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَضِيَّةِ سَفَرًا مِنْ بَلَدِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي يُنْشِئُ
(2/370)

لَهَا سَفَرًا مِنْ مِصْرِهِ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ وَعُمْرَةِ الْمُحْرِمِ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الْمَوَاقِيتِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَقْصِدُهُ عُمَرُ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُتْعَةِ أَنْ يُنْشِئُوا لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا آخَرَ.
فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّخُولُ فِي الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِصْرِ فَكَلَّا؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلِيٌّ لَمْ يَفْعَلْهُ قَطُّ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، بَلْ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَكُونُ التَّمَامُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا جَمَاهِيرُ أَصْحَابِهِ.
وَقَوْلُهُ: " أَنْ تُحْرِمَ مِنْ أَهْلِكَ " كَمَا يُقَالُ: تَحُجُّ مِنْ أَهْلِكَ وَتَعْتَمِرُ مِنْ أَهْلِكَ لِمَنْ سَافَرَ سَفَرَ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِيرُ حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا حَتَّى يُهِلَّ بِهِمَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («لَا يَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»).
(2/371)

وَلِهَذَا كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ هَذَا الْوَجْهَ فَلَا يَقُولَنَّ: إِنِّي حَاجٌّ وَلَكِنْ لِيَقُلْ: إِنِّي وَافِدٌ، فَإِنَّمَا الْحَاجُّ الْمُحْرِمُ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: " لَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ إِنِّي حَاجٌّ وَإِنَّمَا الْحَاجُّ الْمُحْرِمُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: أُرِيدُ الْحَجَّ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي صَرُورَةٌ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِصَرُورَةٍ ".
وَعَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: " سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: لَا تَقُلْ إِنِّي حَاجٌّ حَتَّى تُهِلَّ، وَلَكِنْ لِتَقُلْ إِنِّي مُسَافِرٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي الْعَالِيَةِ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَسٌ، أَوَلَيْسَ إِنْ شَاءَ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
تَقْدِيرُهُ أَنْ تَقْصِدَ الْإِحْرَامَ وَالْإِهْلَالَ مِنْ أَهْلِكَ وَتُنْشِئَ سَفَرَهُمَا مِنْ أَهْلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَدْ قِيلَ: هُوَ مَخْصُوصٌ بِهِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ
(2/372)

مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَفْضَلَ خُصُوصًا لِأَنَّهُ يُعَمِّرُ مَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِالْعِبَادَةِ، وَهُمَا أَوْلَى مَسَاجِدِ الْأَرْضِ وَبَيْنَهُمَا كَانَ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمَا الْقِبْلَتَانِ، وَمِنْهُمَا الْمَبْدَأُ وَالْمَعَادُ فَإِنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ وَتُعَادُ مِنْ تَحْتِ الصَّخْرَةِ، وَعَامَّةُ الْأَنْبِيَاءِ الْكِبَارِ بُعِثُوا مِنْ بَيْنِهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِهْلَالُ ابْنِ عُمَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ.
وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي: عَلَى أَنْ يُنْشِئَ السَّفَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَكُونَ الْإِحْرَامُ مِنَ
(2/373)

الْمِيقَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ فَأَكْثَرُ مِنْهُمْ عَدَدًا وَأَعْظَمُ مِنْهُمْ قَدْرًا لَمْ يُحْرِمُوا إِلَّا مِنَ الْمَوَاقِيتِ، وَقَدْ أَنْكَرُوهُ بِالْقَوْلِ، فَرَوَى الْحَسَنُ: " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَغَضِبَ وَقَالَ: " يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مَنْ مِصْرِهِ ".
وَعَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ لَهُ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
(2/374)

قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كِرْمَانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: " فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَأَغْلَظَ لَهُ وَقَالَ: يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ ".
وَعَنْ مُسْلِمٍ أَبِي سَلْمَانَ: " أَنَّ رَجُلًا أَحْرَمَ مِنَ الْكُوفَةِ فَرَأَى عُمَرُ سَيِّئَ الْهَيْئَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَجَعَلَ يُدِيرُهُ فِي الْخَلْقِ وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ ".
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: " اسْتَمْتِعُوا بِثِيَابِكُمْ فَإِنَّ رِكَابَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ
(2/375)

شَيْئًا رَوَاهُنَّ النَّجَّادُ.
(2/376)

[مَسْأَلَةٌ أشهر الحج]
مَسْأَلَةٌ: (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ).
هَذَا نَصُّهُ وَمَذْهَبُهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ ... .
وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَأَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو سَعِيدٍ
(2/377)

الْأَشَجُّ وَالنَّجَّادُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
[وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] قَالَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ الْأَشَجُّ وَالنَّجَّادُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ]، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وَهُوَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْحَجِّ، وَسَائِرُ الشُّهُورِ لِلْعُمْرَةِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُحْرِمُ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ " رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْهُ.
(2/378)

وَعَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَعَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " أَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي لَفْظٍ: وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَهَذَا قَوْلُ
(2/379)

الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، وَمُرَادُهُمْ بِعَشْرٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ، كَمَا قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى.
وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ اللَّيَالِي وَأَيَّامِهَا، فَإِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ») وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2] وَيَوْمُ النَّحْرِ دَاخِلٌ فِيهَا، وَقَالَ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142]
(2/380)

وَيَوْمُ النَّحْرِ هُوَ آخِرُ الْأَرْبَعِينَ، وَلَفْظُ الْعَشْرِ - وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ اسْمًا لِلْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ هَاءٍ -: فَإِنَّمَا دَخَلَ فِيهِ الْيَوْمُ لِسَبَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ فِي التَّارِيخِ إِنَّمَا يُؤَرِّخُونَ بِاللَّيَالِي؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ وَتَدْخُلُ الْأَيَّامُ تَبَعًا، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ يَوْمِ النَّحْرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ هَذَا فِي صِفَةِ الْمُذَكِّرِ بِغَيْرِ هَاءٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - («مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ») وَقَوْلِهِ: (مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ).
وَأَيْضًا فَإِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ هِيَ الْأَشْهُرُ الَّتِي سَنَّ اللَّهُ فِيهَا الْحَجَّ وَشَرَعَهُ، وَالْحَجُّ لَهُ إِحْرَامٌ وَإِحْلَالٌ، فَأَشْهُرُهُ هِيَ: الْوَقْتُ الَّذِي يُسَنُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِهِ وَالْإِحْلَالُ مِنْهُ.
(2/381)

وَأَوَّلُ وَقْتٍ شُرِعَ الْإِحْرَامُ فِيهِ بِالْحَجِّ شَوَّالٌ وَالْوَقْتُ الَّذِي يُشْرَعُ فِيهِ الْإِحْلَالُ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَمَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يُشْرَعُ التَّأْخِيرُ إِلَيْهِ، وَلَيْلَةُ النَّحْرِ لَا يُسَنُّ التَّعْجِيلُ فِيهَا كَمَا لَا يُسَنُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَوَّلُهَا عِيدُ الْفِطْرِ وَآخِرُهَا عِيدُ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ هُوَ مَوْسِمُ الْمُسْلِمِينَ وَعِيدُهُمْ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ طَرَفَيْ وَقْتِهِ عِيدَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] قَالَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا عُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ، إِذَا جُعِلَتِ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَفِدِ الرَّجُلُ إِذَا حَجَّ الْبَيْتَ أَبَدًا ".
وَعَنِ التَّمِيمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ " [ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ] رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
(2/382)

قِيلَ: لَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ: قَدْ مَضَى ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَيُقَالُ: لَهُ خَمْسُونَ سَنَةً وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكْمِلْهَا، فَكَثِيرٌ مَا يُعَبَّرُ بِالسِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ عَنِ التَّامِّ مِنْهَا وَالنَّاقِصِ، فَمَنْ قَالَ: وَذُو الْحِجَّةِ أَنَّهُ مِنْ شُهُورِ الْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَنْ قَالَ: وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فَقَدْ بَيَّنَ مَا يَدْخُلُ مِنْهُ فِي شُهُورِ الْحَجِّ عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ وَالتَّفْصِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].
قُلْنَا: الشَّهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ تُسَمَّى شُهُورًا، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ بِالْأَهِلَّةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْيَمِينُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا التَّحْدِيدُ لَهُ فَائِدَةٌ فِي أَوَّلِ الْأَشْهُرِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَهَا، وَهِيَ عُمْرَةُ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ إِنِ اعْتَمَرَ فِيهَا كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَقَبْلَ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الصِّيَامِ، فَإِذَا انْسَلَخَ دَخَلَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ: أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْأَرْكَانِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَطَافَ لِلْقُدُومِ لَمْ يُجْزِهِ سَعْيُ الْحَجِّ عَقِيبَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَرْكَانَ الْعِبَادَةِ لَا تُفْعَلُ إِلَّا فِي وَقْتِهَا، وَفَائِدَتُهُ فِي آخِرِ الْأَشْهُرِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يَتَقَدَّمَ قَبْلَ
(2/383)

ذَلِكَ وَلَا يَتَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ.
(2/384)

فَصْلٌ
وَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ: مَكْرُوهٌ [قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ] قَالَ الْقَاضِي: أَوَدُّ بِهَذَا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مِيقَاتُ الْمَكَانِ ضَرْبٌ؛ لِئَلَّا يُتَجَاوَزَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ ضَرْبٌ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ، فَإِنْ خَالَفَ وَتَجَاوَزَ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ مَكْرُوهًا، وَكَذَلِكَ إِذَا خَالَفَ فِي مِيقَاتِ الزَّمَانِ يَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ مَكْرُوهًا.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ هَلْ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: لَا يُكْرَهُ كَالْإِحْرَامِ قَبْلَ مِيقَاتِ الْمَكَانِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ فِيهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ رُكْنٌ، فَكُرِهَ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ.
(2/385)

وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الْكَرَاهَةِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] وَمَعْنَاهُ: أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، أَوَّلُهُمَا شَوَّالٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا التَّوْقِيتِ وَالتَّحْدِيدِ فَائِدَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّوْقِيتُ لِأَجْلِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ آخِرَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَالطَّوَافُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَقَّتَ بِأَوَّلِ شَوَّالٍ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْقِيتَ لِلْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ اسْمٌ لِلْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَشْهُرُ مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ وَقْتًا لَهَا لَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ مَشْرُوعًا؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ لَا يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفَضِيلَةِ بِدَلِيلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي آخِرِهِ، وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ هُوَ وَقْتَهَا.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة: 197] خَصَّ الْفَرْضَ بِهِنَّ، فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهِنَّ لَا يُشْرَعُ فَرْضُهُ.
وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُحْرِمُ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ " ذَكَرَهُ
(2/386)

الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ النَّجَّادُ.
وَالصَّحَابِيُّ إِذَا أَطْلَقَ السُّنَّةَ انْصَرَفَ ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ " أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ: أَيُهِلُّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لَا " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرَوَاهُ النَّجَّادُ، وَلَفْظُهُ: " لَا يُحْرِمِ الْمُحْرِمُ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ".
(2/387)

وَعَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا قَالَا: " إِتْمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " وَإِذَا كَانَتْ دَارُهُ بَعِيدَةً لَمْ يُحْرِمْ إِلَّا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
قُلْنَا: قَدْ فَسَّرْنَاهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِنْشَاءُ السَّفَرِ لَهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْسَ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ فَهَذَا لِأَنَّ غَالِبَ دِيَارِ الْإِسْلَامِ يَتَأَتَّى الْإِحْرَامُ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ... .
فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَسِنْدِيٍّ: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَزِمَهُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ نَصَّ عَلَى انْعِقَادِهِ وَأَجَازَ لَهُ فَسْخَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي جَوَازِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ.
فَعَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي: إِنْ فَسَخَهُ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمَتُّعٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ لِأَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ إِنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ
(2/388)

قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَإِذَا حَلَّ مِنْهَا أَنْشَأَ الْحَجَّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ لَمَا أَهَلَّ بِهِ إِلَى أَنْ أَتَى الْحَجُّ أَجْزَأَهُ وَقَدْ تَحَمَّلَ مَشَقَّةً.
وَالْأَشْبَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَقْصُودَ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَفْسَخُهُ بِعُمْرَةٍ: لَا لِأَجْلِ فَضْلِ التَّمَتُّعِ، بَلْ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ، فَيَتَخَلَّصُ بِفَسْخِهِ إِلَى الْعُمْرَةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ. رَوَاهَا هِبَةُ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى هَذَا فِيهِ وَجْهَيْنِ:
(2/389)

أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَلَا بِحَجٍّ لِأَنَّ وَقْتَهُ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالنَّفْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ يَفْسَخُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَيَفْرَغَ مِنْهَا، وَيُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا عُمْرَةٌ وَيُتِمَّهَا بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ - فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ - قَالَ: " يَجْعَلُهَا عُمْرَةً " وَفِي رِوَايَةٍ: " اجْعَلْهَا عُمْرَةً " فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] وَمَذْهَبُهُ: أَنَّ نَفْسَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا قَصَدَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ فَتَكُونُ هَذِهِ
(2/390)

الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَعْضُ الْحَجِّ وَجُزْءٌ مِنْهُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُخُولِهِ فِيهِ يُسَمَّى حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَأَنَّهُ يُلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ لِلشَّهْرِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ لَا الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ السَّعْيُ إِلَى الْحَجِّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُدْرِكُ الْوُقُوفَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَفْوِيتُ الْحَجِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ قَبْلَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ كَسَائِرِ الْأَبْعَاضِ وَكُنْيَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] فَخَصَّ الْفَرْضَ فِيهِنَّ بِالذِّكْرِ فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: («مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»).
وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدِ الْحَجُّ وَلَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى بُطْلَانِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا لَازِمًا مُوجِبًا، انْعَقَدَ مُوجِبًا لِعُمْرَةٍ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ نَفْلًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَوَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَيَقِفَ بِعَرَفَةَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْإِحْرَامِ يُوجِبُ إِتْمَامَهُ كَمَا أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ فِعْلَ
(2/391)

الْمَنْذُورِ [فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَزِمَهُ إِتْمَامُهُ كَمَا لَوْ نَذَرَهُ، وَكَوْنُهُ مَكْرُوهًا لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِهِ كَمَا أَنَّ عَقْدَ النَّذْرِ مَكْرُوهًا، وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، ثُمَّ النَّذْرُ يُوجِبُ فِعْلَ الْمَنْذُورِ] وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ يُوجِبُ فِعْلَ مَا أَحْرَمَ بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ لُزُومَهُ وَانْعِقَادَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَقَدَهُ، كَمَا لَوْ عَقَدَهُ وَهُوَ لَابِسٌ عَالِمًا ذَاكِرًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَمَعَ هَذَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ صَحِيحًا مُوجِبًا لِلدَّمِ، بَلْ لَوْ عَقَدَهُ وَهُوَ مُجَامِعٌ انْعَقَدَ إِحْرَامًا فَاسِدًا، فَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيهِ وَالْقَضَاءُ لَهُ وَالْهَدْيُ، نَعَمْ، هَؤُلَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ دَمٌ لِمَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَصُوا الْإِحْرَامَ وَهَذَا لَمْ يَنْقُصْهُ وَإِنَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَأَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَزِيدَ كَالْمَعْدُومِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ إِحْرَامٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ الْمَشْرُوعِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى حِينِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمَنَاسِكِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فَإِنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ كَمَا لَوْ وَقَفَ بِالْمُعَرَّفِ قَبْلَ وَقْتِهِ أَوْ أَقَامَ بِهِ إِلَى نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ أَوْ طَافَ لَيْلَةَ النَّحْرِ أَوْ طَافَ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ رَمَى الْجِمَارَ بِأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ، أَوْ بَاتَ بِمِنًى بَعْدَ لَيَالِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْإِحْرَامِ الْوَاقِعِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَكُونُ إِحْرَامًا صَحِيحًا قَدِ الْتَزَمَهُ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَإِذَا لَزِمَهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ لَزِمَهُ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ إِلَّا بِصِحَّةِ مَا قَبْلَهُ وَلُزُومِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ لَوْ أَدْرَكَا الْوُجُوبَ وَهُمَا بِعَرَفَةَ صَحَّ
(2/392)

إِتْمَامُ الْحَجِّ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَكَانَ بَعْضُ هَذَا الْإِحْرَامِ مُجْزِئًا عَنِ الْوَاجِبِ، وَبَعْضُهُ لَيْسَ مُجْزِئًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمُجْزِئُ مِنْهُ بِصِحَّةِ غَيْرِ الْمُجْزِئِ؛ فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْمَشْرُوعَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ جَعْلًا لِمَا وَجَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالْوُجُوبُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ مَا لَمْ يَقَعْ فَاسِدًا.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تُجْزِئْ لِكَوْنِ الْجُزْءِ الْمَفْعُولِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاجِبًا بِكُلِّ حَالٍ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ قَبْلَ وَقْتِهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْوَاجِبِ فِي الْعِبَادَةِ يُبْطِلُهَا، وَهُنَا الْإِحْرَامُ الْمَوْجُودُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِذَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَعَدَمُهُ لَا يُؤَثِّرُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ فَانْعَقَدَ الْإِحْرَامُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ كَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّ مَخْصُوصٌ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَالْوُقُوفَ وَالطَّوَافَ أَخَصُّ مَكَانًا وَزَمَانًا [مِنَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ] وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالنُّسُكِ قَبْلَ مَكَانِ الْإِحْرَامِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ انْعَقَدَ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ زَمَانِهِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ جَمِيعُهُ بِمَنْزِلَةِ الْبُقْعَةِ الَّتِي يُشْرَعُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا، لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَإِنْ تَقَدَّمَ انْعَقَدَ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ مِيقَاتُ الْمَكَانِ قَدْ نُهِيَ عَنِ التَّأَخُّرِ عَنْهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ انْعَقَدَ وَلَزِمَهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِبَعْضِ النُّسُكِ، وَمِيقَاتُ الزَّمَانِ إِذَا أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ جَوَازِهِ فَاتَ الْحَجُّ فَلَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ التَّقَدُّمُ فِي الزَّمَانِ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الْوَقْتَ بِالْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ بِخِلَافِ الْمَكَانِ.
(2/393)

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ الْحَجَّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ الْتِزَامًا صَحِيحًا وَجَبَ أَنْ يُتِمَّهُ كَمَا الْتَزَمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَمْ يَقْصِدْهَا وَلَمْ يَنْوِهَا، وَهِيَ بَعْضُ مَا الْتَزَمَهُ، أَوْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لَهُ فَكَيْفَ تَقُومُ مَقَامَ الْحَجِّ؟!
وَقَدِ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] قَالُوا: وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَهِلَّةِ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ جَمِيعًا مِيقَاتًا لِلْحَجِّ، وَهَذَا غَلَطٌ مُحَقَّقٌ؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ إِنَّمَا يَكُونُ وَقْتًا لِلشَّيْءِ إِذَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، مِثْلُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ أَوْ يَحِلَّ بِهِ الدَّيْنُ أَوْ يَجِبَ بِهِ الصَّوْمُ أَوِ الْفِطْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الْعَامِ وَقْتًا لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لَمْ تَكُنِ الْأَهِلَّةُ مِيقَاتًا لِلْحَجِّ كَمَا لَمْ تَكُنْ مِيقَاتًا لِلنَّذْرِ، وَلَا مِيقَاتًا لِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مُؤَقَّتٌ بِالْأَهِلَّةِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَهِلَّةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ جِنْسَ الْأَهِلَّةِ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ كَمَا قَالَ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173].
(2/394)

وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِهِلَالٍ وَاحِدٍ، وَبِاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ يُعْلَمُ جَوَازُهُ بِوُجُودِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ حَقٌّ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَكُونُ لِهِلَالٍ خَاصٍّ، وَهُوَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ مَجْمُوعَ أَهِلَّةِ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْحَجِّ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بَعْضُهَا مِيقَاتٌ لِلنَّاسِ وَبَعْضُهَا مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ .... .
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُ قَبْلَهُنَّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: {فِيهِنَّ} [البقرة: 197] مُتَعَلِّقًا بِالْحَجِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ خِلَافَ السُّنَّةِ فَصَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِحْرَامِ رُكْنًا لِلْحَجِّ وَبَعْضًا مِنْهُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، فَزَعَمَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لَهُ، وَالشُّرُوطُ
(2/395)

تُفْعَلُ قَبْلَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ كَالطَّهَارَتَيْنِ وَالسِّتَارَةِ قَالُوا: وَلِهَذَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ فِي جَمِيعِ الْحَجِّ، وَالرُّكْنُ إِنَّمَا يُفْعَلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الرُّكْنِ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَهُ رُكْنًا، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: كَوْنُهُ رُكْنًا لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ جَوَازِهِ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَنَقُولُ: رُكْنٌ فِي طَرَفِ الْحَجِّ فَجَازَ فِعْلُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَالطَّوَافِ، وَعَكْسُهُ الْوُقُوفُ فَإِنَّهُ رُكْنٌ فِي وَسَطِ الْحَجِّ، وَقِيَاسُهُ بِالطَّوَافِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ تَأْخِيرٌ وَهَذَا تَقْدِيمٌ.
وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يُفْعَلُ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالْإِحْرَامُ يَدُومُ وَيَسْتَمِرُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِأُصُولِنَا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَنَا لِلشَّهْرِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا مُخْتَصًّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، نَعَمْ هُوَ يُشْبِهُ النِّيَّةَ لِأَنَّهُ بِهِ يَنْعَقِدُ الْحَجُّ، وَيَلْزَمُ وَبِهِ يَدْخُلُ فِي الْحَجِّ كَمَا يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةُ مِنْهَا مَا يَتَقَدَّمُ وَقْتَ الْعِبَادَةِ كَالصَّوْمِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَقَدَّمُ كَالصَّلَاةِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ
(2/396)

لَهُ شَبَهًا بِالشَّرَائِطِ وَشَبَهًا بِالْأَرْكَانِ، وَالْأُصُولُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَمَا أَنَّ الْحَجَّ لَا يُقَاسُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قُلْتُمْ يَنْعَقِدُ وَلَهُ فَسْخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ يَحُجُّ بَعْدَهَا؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ، أَمَّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَفْسَخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ حَجٍّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ تَمَامِ حَجِّهِ فَكَيْفَ هَذَا؟
قُلْنَا: فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ، فَلَمَّا كَانَ تَحْصِيلُ عُمْرَةٍ يَتَمَتَّعُ بِهَا وَحَجَّةٍ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ جَازَ لَهُ الْفَسْخُ لِذَلِكَ، وَهُنَا إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَأْتِي بِهَا مِنْ غَيْرِ حَجٍّ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ يُحْرِمُ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ مَعَ كَثْرَتِهِ، وَذَاكَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، فَإِذَا انْتَقَلَ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ إِلَّا إِلَى مُتْعَةٍ.
(2/397)

(فَصْلٌ)
وَمَتَى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ تِلْكَ السَّنَةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَجَّ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَتَّى لَوْ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْإِحْرَامَ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِحْرَامَ قَبْلُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُوجِبُ فِعْلَ الْحَجِّ ذَلِكَ الْعَامَ، فَإِذَا فَاتَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهَذَا الْإِحْرَامِ حَجَّةً أُخْرَى.
(2/398)

(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَيُحْرِمُ بِهَا مَتَى شَاءَ لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهَا لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَخْتَصَّ إِحْرَامُهَا بِوَقْتٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُكْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّنَةِ بَلْ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، وَلَهُ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ -: يَعْتَمِرُ الرَّجُلُ مَتَى شَاءَ فِي شَعْبَانَ أَوْ رَمَضَانَ.
وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَأَمَّا إِذَا تَحَلَّلَ مِنَ الْحَجِّ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الرَّمْيُ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ، وَإِنْ نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ ... .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ فِيمَنْ وَاقَعَ قَبْلَ الزِّيَارَةِ -: يَعْتَمِرُ إِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْعُمْرَةَ فِي
(2/399)

أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: الْعُمْرَةُ بَعْدَ الْحَجِّ لَا بَأْسَ بِهَا عِنْدِي، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَتَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَاجَّ نَفْسَهُ لَا يَعْتَمِرُ إِلَّا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ، وَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: " الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ " وَفِي لَفْظٍ: " حَلَّتِ الْعُمْرَةُ الدَّهْرَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ " وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِأَجْلِ التَّلَبُّسِ بِالْحَجِّ.
(2/400)

[باب الْإِحْرَامِ] [مَسْأَلَةٌ ما يستحب للمحرم عند الإحرام]
مَسْأَلَةٌ: (مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَاهِرًا أَوْ حَائِضًا، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ -: وَيَغْتَسِلُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إِذَا أَرَادَا أَنْ يُهِلَّا وَيَغْتَسِلَانِ إِذَا أَرَادَا أَنْ يَدْخُلَا الْحَرَمَ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا فَلَا بَأْسَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وَالْحَائِضُ إِذَا بَلَغَتِ الْمِيقَاتَ فَتَغْتَسِلُ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَلَا بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَعْجَبُ إِلَيَّ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
(2/401)

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ وَدَهَنَهُ بِزَيْتٍ غَيْرِ كَثِيرٍ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ» رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ» وَفِيهِ يَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَرَوَى خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ عَنِ
(2/402)

ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَنَّ النُّفَسَاءَ أَوِ الْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ» " وَفِي لَفْظٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَيَا عَلَى الْوَقْتِ تَغْتَسِلَانِ وَتُحْرِمَانِ وَتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ
(2/403)

فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: " أَنَّهَا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْدَاءِ فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لْتُهِلَّ» " رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
(2/404)

وَإِذَا رَجَتِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَنْ تَطْهُرَ أَقَامَتْ حَتَّى إِذَا طَهُرَتِ اغْتَسَلَتْ إِذَا اتَّسَعَ الزَّمَانُ هَكَذَا، ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَلَيْسَ هَذَا الْغُسْلُ وَاجِبًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ يَقُولُ: مَنْ تَرَكَ الِاغْتِسَالَ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءَ وَهِيَ نُفَسَاءُ: " اغْتَسِلِي " فَكَيْفَ الطَّاهِرُ؟! فَأَظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أَحْيَانًا وَيَتَوَضَّأُ أَحْيَانًا وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فِي عُمْرَةٍ اعْتَمَرَهَا وَلَمْ يَغْتَسِلْ، وَكَانَ فِي عُمْرَةٍ إِذَا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ تَجَرَّدَ وَاغْتَسَلَ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَاءٌ فَهَلْ يَتَيَمَّمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيُقَالُ: رِوَايَتَيْنِ.
(2/405)

إِحْدَاهُمَا: يَتَيَمَّمُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ... .
(2/406)

(فَصْلٌ)
وَأَمَّا التَّنْظِيفُ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَجُزَّ شَارِبَهُ وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَنْتِفَ إِبْطَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيُزِيلُ شَعَثَهُ، وَقَطْعُ الرَّائِحَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُحْرِمَ فَخُذْ مِنْ شَارِبِكَ وَأَظْفَارِكَ وَاسْتَحِدَّ وَانْتِفْ مَا تَحْتَ يَدِكَ وَتَنَظَّفْ وَاغْتَسِلْ إِنْ أَمْكَنَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ فَإِنْ وَافَقَتْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّيْتَ، وَإِلَّا فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْمُتْعَةَ فَإِنَّهَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ: («لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً») فَلَمْ يَحِلَّ لِأَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَخْتَارُهَا، فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهَا لِي، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي، وَأَعِنِّي عَلَيْهَا، تُسِرُّ ذَلِكَ فِي نَفْسِكَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَتَشْتَرِطُ عِنْدَ إِحْرَامِكَ تَقُولُ: إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، وَإِنْ شِئْتَ أَهْلَلْتَ عَلَى رَاحِلَتِكَ.
وَذَكَرَ فِي الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ نَحْوَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَّبَلْهُمَا مِنِّي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً وَحَجًّا، فَقُلْ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ
(2/407)

فِي الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ لَفْظَهُ فِي التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ شَاءَ تَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ إِنْ شَاءَ قَبْلَ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا بِنَظَافَةٍ كَغَيْرِهَا، لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ بِالْجَزِّ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يُكْرَهُ؟ رَخَّصَ فِيهِ عُمَرُ وَالْحِجَازِيُّونَ وَكَرِهَهُ ... .
(2/408)

(فَصْلٌ)
وَأَمَّا التَّطَيُّبُ فَقَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: وَإِنْ شَاءَ تَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْمُحْرِمِ: الطِّيبُ أَحَبُّ إِلَيْكَ لَهُ أَمْ تَرْكُ الطِّيبِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَنَذْهَبُ فِيهِ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ حَنْبَلٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَكِّدْهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَفِي مُرَاعَاتِهِ نَوْعُ مَشَقَّةٍ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِحَيْثُ لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ الِاغْتِسَالِ وَالتَّنْظِيفِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِمَا شَاءَ مِنْ طِيبِ الرِّجَالِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى أَثَرُهُ أَوْ لَا يَبْقَى؛ لِمَا رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: " كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَطْيَبِ] مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ يُحْرِمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:
(2/409)

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الدُّهْنِ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ " وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْهَا: " كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهًا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ ... وَأَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ
(2/410)

رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ دُرَّةَ قَالَتْ: [كُنْتُ أُغَلِّفُ رَأْسَ عَائِشَةَ بِالْمِسْكِ وَالصَّبِرِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا، وَعَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ] قَالَتْ: " كُنْتُ أَسْحَقُ لَهُ الْمِسْكَ - يَعْنِي سَعْدًا - بِالْبَانِ الْجَيِّدِ فَأُضَمِّخُ مِنْهُ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَأُجَمِّرُ حُلَّتَهُ، فَيَرُوحُ فِيهَا مُهِلًّا ".
وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: " رَأَيْتُ فِي رَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلِحْيَتِهِ مِنَ الطِّيبِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ لَاتَّخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ ".
(2/411)

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: " قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: ادَّهِنْ بِأَيِّ دُهْنٍ شِئْتَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " ادَّهِنْ بِالزَّيْتِ ".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأُصَعْصِعُهُ فِي رَأْسِي، ثُمَّ أُحِبُّ بَقَاءَهُ ".
«وَعَنِ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: " سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَا تَقُولُ فِي الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا يَنْضَحُ مِنِّي الطِّيبُ، وَفِي لَفْظٍ: لَأَنْ أُصْبِحَ مَطْلِيًّا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَحُ طِيبًا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَاكَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنَا أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَتَ» ". رَوَاهُنَّ
(2/412)

أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ دُونَ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا طَيَّبَ الثَّوْبَ فَرُبَّمَا خَلَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الطِّيبَ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِحْيَتِهِ.
قَالُوا: وَإِنْ طَيَّبَهُمَا جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، فَلَوْ كَانَ تَطْيِيبُ الثَّوْبِ مَشْرُوعًا لَمَا نَهَى عَنْ لُبْسِهِ.
قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَطَيَّبَ كَالرَّجُلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهَا لَا تَقْرُبُ مِنَ الرِّجَالِ بِخِلَافِ الطِّيبِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، فَإِنَّهُنَّ يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ فَكُرِهَ ذَلِكَ.
(2/413)

قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْتَضِبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَيِّمًا أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ ... .
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْرِمَةِ فَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْخِضَابُ إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَتْ أَيِّمًا.
(2/414)

(فَصْلٌ)
وَأَمَّا التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ وَلِبَاسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ نَظِيفَيْنِ أَبْيَضَيْنِ: فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثٍ لَهُ ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ أَحْرَمُوا فِي الْأُزُرِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالنِّعَالِ، وَلِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَالْمَنْكِبَيْنِ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَسَتْرَهُمَا بِالْمَخِيطِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِإِزَارٍ، وَمَنْكِبَيْهِ بِرِدَاءٍ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ وَالْخِرَقِيُّ وَالشَّيْخُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمُ الْأَمْرَ بِالْإِحْرَامِ فِي نَعْلَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ، وَإِنَّمَا يُشْرَعُ ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ وَيَنْتَعِلَ، وَمَنْ أَرَادَ الرُّكُوبَ أَوِ الْمَشْيَ حَافِيًا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَهُ أَنْ لَا يَنْتَعِلَ بِخِلَافِ اللِّبَاسِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا الْبَيَاضَ ... .
(2/415)

وَسَوَاءٌ كَانَا جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ ... .
وَإِنْ أَحْرَمَ فِي مُلَوَّنٍ لَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ: فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
وَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَا نَظِيفَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَمِنَ الْوَسَخِ ... .
(2/416)

[مَسْأَلَةٌ يستحب الإحرام بعد الصلاة]
مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمُ عَقِيبَهُمَا؛ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ وَيَشْتَرِطَ فَيَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ فَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ بَعْدَ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا حَجَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ - كَمَا سَيَأْتِي - ثُمَّ أَحْرَمَ عَقِبَ ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الظُّهْرِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَعْنِي التَّلْبِيَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ثُمَّ إِنْ حَضَرَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ أَحْرَمَ عَقِيبَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ عَقِيبَ الْمَكْتُوبَةِ وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي مَعَ الْفَرْضِ شَيْئًا، وَإِنْ صَلَّى بَعْدَهَا سُنَّةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ ... ، وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْ مَكْتُوبَةٌ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ وَقْتُ صَلَاةٍ. فَإِنْ كَانَ وَقْتُ نَهْيٍ
، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بَأْسَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ
(2/417)

: سَأَلْتُ أَبِي: يُحْرِمُ الرَّجُلُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَقَدْ سُئِلَ: يُحْرِمُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا بَأْسَ.
(2/418)

(الْفَصْلُ الثَّانِي)
فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي - رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - فَإِنْ وَافَقْتَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّيْتَ، وَإِلَّا فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْمُتْعَةَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَأَعِنِّي عَلَيْهَا، تُسِرُّ ذَلِكَ فِي نَفْسِكَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَتَشْتَرِطُ عِنْدَ إِحْرَامِكَ تَقُولُ: إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. وَإِنْ شِئْتَ أَهْلَلْتَ عَلَى رَاحَتِكَ، وَذَكَرَ فِي الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً وَحَجًّا قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - إِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ فَإِنْ وَافَقَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّى ثُمَّ أَحْرَمَ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ [أَحْرَمَ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَمَا صَلَّى فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ] فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
(2/419)

وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: فَإِنْ وَافَقَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّى، ثُمَّ أَحْرَمَ وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً فَإِنْ وَافَقَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً صَلَّى ثُمَّ أَحْرَمَ، وَإِنْ شَاءَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَبَّى تَلْبِيَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَجَعَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ هَذِهِ النُّصُوصَ - مِنْهُ -: مُقْتَضِيَةً لِلِاسْتِحْبَابِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ [وَإِنْ شَاءَ أَحْرَمَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ ثُمَّ جَوَّزَ الْآخَرَ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ الْإِحْرَامُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ] بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ عَقِيبَهُمَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَحْرَمَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ نَاقَتِهِ وَانْبِعَاثِهَا بِهِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَشْرُوعًا فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَتَقْدِيمُهُ أَفْضَلُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: الْإِحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوْ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ؟ -[قَالَ: كُلٌّ قَدْ جَاءَ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ] وَإِذَا عَلَا الْبَيْدَاءَ.
(2/420)

قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
وَلَفْظُ أَبِي الْخَطَّابِ: وَعَنْهُ أَنَّ إِحْرَامَهُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَإِذَا بَدَأَ فِي السَّيْرِ سَوَاءً، وَلَفْظُ غَيْرِهِ فِيهَا: أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَحِينَ تَسْتَوِي بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ سَوَاءٌ.
وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا حَكَيْنَا، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ: أَنْ يُحْرِمَ دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا إِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ: أَنَّهَا الْحَالُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْمَسِيرِ.
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ يَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ يُقَلِّدُ بَدَنَتَهُ ثُمَّ يُشْعِرُ ثُمَّ يُحْرِمُ هَكَذَا الْأَمْرُ، هَكَذَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَعَلَى هَذَا: يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ إِذَا رَكِبَ وَأَرَادَ الْأَخْذَ فِي السَّيْرِ؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ وَإِشْعَارَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِحْرَامَ بَعْدَهُ.
وَإِذَا أَحْرَمَ دُبُرَ الصَّلَاةِ فَفِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ التَّلْبِيَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُلَبِّي إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، قَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ قَالَ: قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْرِمًا بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ إِذَا عَزَمَ عَلَى الْإِحْرَامِ وَقَدْ
(2/421)

يُلَبِّي الرَّجُلُ وَلَا يُحْرِمُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ يَعْزِمُ عَلَى الْإِحْرَامِ، فَإِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَبَّى.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ حَالٍ تُشْرَعُ فِيهَا التَّلْبِيَةُ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ لَا فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُلَبِّي عَقِيبَ إِحْرَامِهِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَصِلُ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا أَحْرَمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ أَيُلَبِّي سَاعَةَ يُسَلِّمُ أَمْ مَتَى؟ قَالَ: يُلَبِّي مَتَى شَاءَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَسَهَّلَ فِيهِ.
وَأَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَمَنَ الْإِحْرَامِ هُوَ زَمَنُ التَّلْبِيَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ -: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالْإِهْلَالِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُحْرِمُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَيُلَبِّي إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
وَسَبَبُ هَذَا: الِاخْتِلَافُ فِي وَقْتِ إِحْرَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِهْلَالِهِ، فَرَوَى نَافِعٌ
(2/422)

قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ - لَهُ -: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمَةً».
«وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ " يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ " مَا أَهَلَّ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ [لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ]
(2/423)

وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْهُ أَيْضًا - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَهَلَّ لَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ إِلَى الْقِيَامِ وَهُوَ اسْتِوَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ إِذَا نَهَضَ يَكُونُ مُنْحَنِيًا، فَإِذَا اسْتَوَى صَارَ قَائِمًا.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَهَلَّ حِينَ اسْتِوَاءِ الْبَعِيرِ وَإِرَادَةِ الْمَسِيرِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي السَّيْرِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ التَّلْبِيَةُ عِوَضًا عَنِ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ.
(2/424)

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: " رَكْعَتَيْنِ ".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
فَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَاسْتَوَى
(2/425)

عَلَيْهَا، وَرُوَاتُهَا مِثْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ.
ثُمَّ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُحْرِمُونَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ قَالَ: قَدْ جَاءَ أَنَّهُ أَحْرَمَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَهُنَا أَنَّهُ أَهَلَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَتُحْمَلُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ الْمُجَرَّدِ، وَهَذِهِ عَلَى الْإِهْلَالِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ إِجَابَةُ الدَّاعِي، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْإِجَابَةُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الذَّهَابِ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ عَقْدٌ وَإِيجَابٌ فَفِعْلُهُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ أَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَيْدَاءِ فَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ
(2/426)

أَحْرَمَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ، وَلَفْظُهُ: «فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقُصْوَى، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ".
» وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفَرْعِ أَهَلَّ إِذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا أَخَذَ طَرِيقَ أُحُدٍ أَهَلَّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى
(2/427)

جَبَلِ الْبَيْدَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّى فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: «لَبَّى فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي رِوَايَةٍ
(2/428)

لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: " «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: عَجَبًا لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِهْلَالِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمِنْ هُنَالِكَ اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، فَحَفِظُوا عَنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوا عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ أَقْوَامٌ فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ عَلَا شَرَفَ الْبَيْدَاءِ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ» ".
وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَقَالَ: " «أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ» " وَلَعَلَّ هَذَا اللَّفْظَ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
(2/429)

وَرَوَى .... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَنَا مَعَهُ، وَنَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَابْنُ عُمَرَ مَعَهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكِبَ فَأَهَلَّ فَظَنَّ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ أَهَلَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ».
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ فِيهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ وَاطِّلَاعٍ عَلَى مَا خَفِيَ فِي غَيْرِهَا، فَيَجِبُ التَّقَيُّدُ بِهَا وَاتِّبَاعُهَا، وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ بَعْضُ هَذِهِ.
وَعَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ ثُمَّ رَكِبَ وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى عُمَرُ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، وَفِي لَفْظٍ: " عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ فَصْلًا.
(2/430)

وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَشْرُوعَةٍ لِسَبَبٍ بَعْدَهَا: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصَلَ بِهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَصَلَاةِ الْحَاجَةِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنَّ إِحْرَامَهُ جَالِسًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَقْرَبُ إِلَى اجْتِمَاعِ هَمِّهِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ، وَهُوَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ مِنْهُ عِنْدَ الرُّكُوبِ، فَإِحْرَامُهُ حَالَ الْخُشُوعِ أَوْلَى، وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَبَّى عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا فَرْقٌ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ.
بَلِ التَّلْبِيَةُ وَالْإِهْلَالُ وَالْإِحْرَامُ وَفَرْضُ الْحَجِّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ أَحْرَمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ " وَفِي لَفْظٍ: " أَنَّهُ أَهَلَّ» فَعُلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ ابْتِدَاءَ الْإِحْرَامِ.
(2/431)

فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَحْرَمَ وَلَمْ يُلَبِّ، ثُمَّ لَبَّى حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ وَلِعَامَّةِ نُصُوصِ أَحْمَدَ.
وَالْإِحْرَامُ مِنْ مَكَّةَ مِنَ الْمُتَمَتِّعِ كَغَيْرِهِ يَحْرُمُ عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ طَوَافِ سَبْعٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ -: إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنَ الْمَسْجِدِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ -: إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ طَافَ بِالْبَيْتِ فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لَبَّى بِالْحَجِّ، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُهِلُّ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ؟ قَالَ: إِذَا جَعَلَ الْبَيْتَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، قُلْتُ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: يُحْرِمُ مِنَ الْمِيزَابِ؟ قَالَ: إِذَا جَعَلَ الْبَيْتَ خَلْفَ ظَهْرِهِ أَهَلَّ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُهِلُّ إِذَا أَخَذَ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالذَّهَابِ إِلَى مِنًى، وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ يُهِلُّ إِذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ خَارِجًا مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
وَالتَّلْبِيَةُ عَقِيبَ الْإِحْرَامِ، إِنَّمَا تُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ وَالصَّحْرَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَمْصَارِ لَمْ تُسْتَحَبَّ حَتَّى يَبْرُزَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ فِي الْأَمْصَارِ، ذَكَرَهُ
(2/432)

الْقَاضِي فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَدْ سُئِلَ إِذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ يُلَبِّي، فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى التَّلْبِيَةِ مِنْ وَرَاءِ الْجُدُرِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: التَّلْبِيَةُ إِذَا بَرَزَ عَنِ الْبُيُوتِ.
فَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ فِي مَسْجِدٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي قَرْيَةٍ ... .
(2/433)

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - الرَّجُلُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِالنِّيَّةِ إِذَا عَقَدَ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى
(2/434)

هَدْيِهِ مُقَلَّدًا، فَقَالَ: ذَاكَ كَانَ قَدْ عَقَدَ الْإِحْرَامَ بِتَقْلِيدِهِ الْهَدْيَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُسَمِّي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْرِمًا بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ إِذَا عَزَمَ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَقَدْ يُلَبِّي الرَّجُلُ وَلَا يُحْرِمُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ يَعْزِمُ عَلَى الْإِحْرَامِ، فَإِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ لَبَّى.
(2/435)

(فَصْلٌ)
وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا: أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهَا لِي، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي.
لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: " «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ: كَيْفَ قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَقَالَ: قُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ [وَفِي لَفْظٍ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ]» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ» ".
وَاسْتَحَبُّوا الِاشْتِرَاطَ، وَهُوَ مَنْصُوصُهُ أَيْضًا ... .
(2/436)

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاشْتِرَاطُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ: إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي.
وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ: يَنْطِقُ بِالِاشْتِرَاطِ قَبْلَ التَّلْبِيَةِ.
(2/437)

[مَسْأَلَةٌ من أراد النسك فهو مخير بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغَ مِنْهَا ثُمَّ يَشْرَعَ فِي الْحَجِّ فِي عَامِهِ، ثُمَّ الْإِفْرَادُ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، ثُمَّ الْقِرَانُ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ.)
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: (أَنَّ مَنْ أَرَادَ النُّسُكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ يَمُرُّ فِيهَا عَلَى الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَالْأَفْضَلُ: التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَاخْتَارَ لَهُ الْمُتْعَةَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ -: التَّمَتُّعُ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِي نَخْتَارُ الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يَجْمَعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ جَمِيعًا، وَيَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا، وَقَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ» " وَهَذَا بَعْدَ أَنْ قَدِمَ مَكَّةَ - وَهُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْقِرَانِ، وَالْإِفْرَادِ؟ قَالَ: التَّمَتُّعُ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ
(2/438)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَعْنِي أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: وَالْمُتْعَةُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَجْمَعُ اللَّهُ فِيهَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَاخْتِيَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا إِذْ قَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ» " فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ.
وَسُئِلَ عَنِ الْقِرَانِ؟ قَالَ: التَّمَتُّعُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَهُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اجْعَلُوا حِجَّكُمْ عُمْرَةً» " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي الْحَجَّ، وَالْأَمْرَانِ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَالْحَجُّ وَالْمُتْعَةُ عَلَى هَذَا مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: .. ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ: اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً فَأَمَرَهُمْ بِالْعُمْرَةِ، وَهِيَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(2/439)

وَهَذَا بَيِّنٌ إِلَّا مَنْ ضَاقَ عِلْمُهُ بِالْفِقْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ. فَقَالُوا: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ، قَالُوا: نُخْرِجُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: أَحِلُّوا. وَغَضِبَ، فَحَلُّوا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرَتُنَا لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ» ".

وَأَمَّا إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْقِرَانُ أَفْضَلُ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ
(2/440)

فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ فَالتَّمَتُّعُ نَقَلَهَا أَبُو حَفْصٍ.
وَالثَّانِيَةُ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَنَا أَخْتَارُ فِي الْحَجِّ التَّمَتُّعَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ وَاجِبَةٌ، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى مَا تَخْتَارُ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: أَنَا أَخْتَارُ التَّمَتُّعَ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَحِلُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ [لِعُمْرَتِهِ ثُمَّ قَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ] فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ هَذَا مَذْهَبُهُ؛ وَذَلِكَ لِمَا اعْتَمَدَهُ أَحْمَدُ وَبَنَى مَذْهَبَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَحْرَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ قَالَ: " مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ " فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ: أَمَرَهُمْ كُلَّهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَتَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّحَلُّلِ».
وَكَانَ دُخُولُهُمْ مَكَّةَ يَوْمَ الْأَحَدِ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَمَرَهُمْ
(2/441)

أَنْ يُهِلُّوا بِالْحَجِّ، فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِ مُتَمَتِّعِينَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلَ بِهَا الدِّينَ وَأَتَمَّ بِهَا النِّعْمَةَ، وَقَدْ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُمْ بِالْمُتْعَةِ، وَيَغْضَبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَيَقُولُ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَوْلَا الْهَدْيُ لَأَحْلَلْتُ» " لِعِلْمِهِ بِفَضْلِ الْإِحْلَالِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُتْعَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ، وَمِنَ الْقِرَانِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهَا عَيْنًا بَعْدَ أَنْ خَيَّرَهُمْ عِنْدَ الْمِيقَاتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَوَّلًا فَضْلَ الْمُتْعَةِ حَتَّى أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَا وَحَضَّهُ عَلَيْهَا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِهَا وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ أَوَّلًا مِنْ فَضْلِ الْمُتْعَةِ مَا عَلِمَهُ بَعْدَ قُدُومِهِ مَكَّةَ لَكَانَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالْإِهْلَالِ بِهَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا لِيَسْتَرِيحَ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ لِفَسْخِ الْحَجِّ وَمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا،
[وَلِهَذَا قَالَ: " «مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» "].
(2/442)

الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَجُّوا مَعَهُ مُتَمَتِّعِينَ جَمِيعُهُمْ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَكَانُوا قَلِيلًا، وَذَلِكَ بِأَمْرِهِ، وَأَمْرُهُ أَبْلَغُ فِي الْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ مِنْ فِعْلِهِ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ مُعَارِضًا لَهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ غَيْرَ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْحَجَّةَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَفِيهَا أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ، وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ، وَأُحْيِيَتْ مَشَاعِرُ إِبْرَاهِيمَ، وَأُمِيتَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ السُّبُلِ إِلَّا أَقْوَمَهَا، وَمِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا أَفْضَلَهَا، وَقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ لَهُمُ الْمُتْعَةَ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُتْعَةِ: مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأَثَرِ، وَاسْتَفَاضَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاشْتَهَرَ حَتَّى لَعَلَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنَ الْأَخْبَارِ بَعْضَ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ:
(2/443)

فَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: " مَنْ كَانَ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ وَلْيَهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ أَهْلَهُ ".
وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حَرُمَ مِنْهُ وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ».
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَتَمَتُّعِ النَّاسِ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(2/444)

«وَعَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا - مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: " هِيَ حَلَالٌ، قَالَ الشَّامِيُّ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَأَمْرَ أَبِي نَتَّبِعُ أَمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْهُ: " «الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ تَامَّةٌ قَدْ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ» ".
وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّدَ رَأْسَهُ وَأَهْدَى فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَمَرَ نِسَاءَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ، قُلْنَ مَا لَكَ أَنْتَ لَا تَحِلُّ؟ قَالَ: " إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي وَلَبَّدْتُ رَأْسِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ حَجَّتِي وَأَحْلِقَ رَأْسِي» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(2/445)

وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: («قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟! قَالَ: نَعَمْ، وَسَطَعَتِ الْمَجَامِرُ، وَقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: فَإِنَّ لَكَ مَعَنَا هَدْيًا»، قَالَ حُمَيْدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ طَاوُسًا فَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ الْقَوْمُ) وَفِي رِوَايَةٍ: " «اجْعَلْهَا عُمْرَةً» ".
وَفِي رِوَايَةٍ («خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَبَّى بِالْحَجِّ وَلَبَّيْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً» " رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
(2/446)

وَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا.
وَعَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكُ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ صَفِيَّةُ:
(2/447)

مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، قَالَ: عَقْرَى حَلْقَى، أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكِ انْفِرِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا» ".
وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً» " وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا كُنَّا
(2/448)

بِسَرِفَ حِضْتُ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا، فَقَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ»، قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ".
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمَثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ [فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟] لَعَلَّكِ نَفِسْتِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى
(2/449)

تَطْهُرِي، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ: اجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَذِي الْيَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهُرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فَأُتِينَا بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ؟ قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ، قَالَتْ: فَإِنِّي لَا أَذْكُرُ وَأَنَا حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ فَتُصِيبُ وَجْهِيَ مُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ، حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ جَزَاءً بِعُمَرِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوا» ".
وَعَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ، وَحَرَمِ الْحَجِّ فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا، قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا
(2/450)

وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا هَنْتَاهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ، قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: فَلَا يَضُرُّكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ، وَفِي لَفْظٍ: " فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي " حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهُرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي النَّفَرِ الْآخَرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا، ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرٍ، فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِي لَفْظٍ: " فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ
(2/451)

صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا.
وَعَنْ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، فَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أُحِلُّ كَمَا حَلُّوا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا الْحَدِيثُ مُبِيِّنٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَلُّوا إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ. وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ صَدَرُوا عَنْ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِي لَيَالِيَ مِنًى، وَلَمْ يُقِيمُوا بِمَكَّةَ بَعْدَ لَيَالِي مِنًى شَيْئًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا عَائِشَةُ وَحْدَهَا، حَتَّى أَخُوهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الَّذِي كَانَ مَعَهَا لَمْ يَعْتَمِرْ مِنَ التَّنْعِيمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ اعْتَمَرُوا قَبْلَ الْحَجِّ.
(2/452)

وَقَوْلُهَا: " لَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ "؛ تَعْنِي: مَنْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَوْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا، وَرُبَّمَا كَانُوا أَكْثَرَ الْوَفْدِ. تَرَى أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ عَلَى حَجِّهِمْ وَلَا يَتَحَلَّلُونَ مِنْهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، وَهِيَ لَمْ تَتَطَوَّفْ، فَكَانَتِ الْكِنَايَةُ عَنِ الْحَاجِّ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَوْلُهَا: لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً: تَعْنِي فِي التَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَيَّنَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ هِيَ مُتَمَتِّعَةً، وَقَوْلُهَا: فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، هَذَا كَانَ بِسَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمُوا مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذْنًا وَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا، فَلَمَّا قَدِمُوا جَزَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَمْرِ، وَتَرَدَّدَ بَعْضُ النَّاسِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ تَرَدَّدَ، فَأَطَاعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتَمَتَّعُوا، وَتَوَجَّعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ مُوَافَقَتَهُمْ فِي الْإِحْلَالِ مِنْ أَجْلِ هَدْيِهِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(2/453)

وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ، قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ
(2/454)

حَتَّى قَضَيْتُ حَجَّتِي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ»، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ مَعَهُ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ».
وَعَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» ".
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «عَنْ عَائِشَةَ - قَالَتْ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ أَحَبَّ
(2/455)

أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكْتُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا». قَالَ هِشَامٌ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ ". مُتَّفَقٌ
(2/456)

عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ هَذِهِ ذِكْرُ الْفَسْخِ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُنْكِرُهُ حَتَّى جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَا جَرَى. فَأَمَّا قَوْلُهُ: " «وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» ": فَيَتَحَمَّلُ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنِ اسْتَمَرَّ إِهْلَالُهُ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يُحَوِّلْهُ إِلَى عُمْرَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ ". إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَكَانَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ دَامَ إِهْلَالُهُ بِالْحَجِّ، أَوْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاسْتَمَرُّوا: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَحِلُّوا لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَخْبَرَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ إِلَّا الْحَجَّ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، أَوْ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْفَسْخِ قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَا مِنْ مَكَّةَ فِي أَوَائِلِ الْإِحْرَامِ .. . .
وَأَمَّا قَوْلُهَا: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ .. . .
(2/457)

وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَسْلَمَ قَالَ: " «حَجَجْتُ مَعَ مَوَالِيَّ، فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: أَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ؟ قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ فَاعْتَمِرْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنْ شِئْتَ فَبَعْدَ أَنْ تَحُجَّ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ كَانَ ضَرُورَةً فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، قَالَ: فَسَأَلْتُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِقَوْلِهِنَّ، قَالَ: فَقَالَتْ: نَعَمْ وَأَشْفِيكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: أَهِلُّوا يَا آلَ مُحَمَّدٍ بِعُمْرَةٍ فِي حَجٍّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ طَاوُسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرُ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرُ، وَعَفَا
(2/458)

الْأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيٌّ الْحِلِّ؟، قَالَ: حِلٌّ كُلُّهُ» " [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، وَقَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ].
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: " إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَهُ شَأْنٌ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ طَاوُسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى مَاتَ، وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ، وَعُمَرُ حَتَّى مَاتَ، وَعُثْمَانُ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَجِبْتُ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَسُولِ
(2/459)

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِشْقَصٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ.
وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: " «لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً» " وَفِي لَفْظٍ: " «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ بِذِي طُوًى، وَقِدَمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُحِلُّوا إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ» " وَفِي لَفْظٍ لَهُ: " «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ
(2/460)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَقَالَ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» " وَفِي لَفْظٍ: " «فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ» ".
وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلِ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «أَهَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ الْهَدْيِ، وَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَطُوفَ وَأَنْ يَسْعَى وَيُقَصِّرَ، أَوْ يَحْلِقَ ثُمَّ يَحِلَّ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ.
وَعَنْ. . . ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّاجًا فَأَمَرَهُمْ فَجَعَلُوهَا عُمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلُوا، لَكِنْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَنْشَبَ أَصَابِعَهُ
(2/461)

بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، فَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهْلَلْتَ بِهِ، قَالَ: فَهَلْ مَعَكَ هَدْيٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَقِمْ كَمَا أَنْتَ وَلَكَ ثُلُثُ هَدْيِي، قَالَ: وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةُ بَدَنَةٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنِ النَّهَّاسِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلَّ، وَهِيَ عُمْرَةٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَشْبَهُ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: " أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ
(2/462)

قَلَّدَ الْهَدْيَ، فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] " إِلَى أَمْصَارِكُمُ الشَّاةُ تُجْزِئُ، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]» وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ. . وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ، وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي، وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: " تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَنِي فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ. .
(2/463)

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَوَّلَهُ.
وَعَنْ مُسْلِمٍ أَيْضًا - قَالَ: " «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَرَخَّصَ فِيهَا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِيهَا، فَادْخُلُوا عَلَيْهَا، فَاسْأَلُوهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ «عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: " خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَحَلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يُحِلَّ، قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قُومِي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثْبُتَ عَلَيْكَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: " قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ "
(2/464)

رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: " «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " «أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ، قَالَ: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطْئِنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ [قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ]، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، وَيُقَصِّرُوا، وَيَحِلُّوا، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ قَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ، وَحَاضَتْ عَائِشَةُ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ،
(2/465)

فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا، بَلْ لِلْأَبَدِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: " «قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الْأَنَ حَجَّتُكَ حَجَّةً مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: " أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَفَعَلُوا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَانِ .... الْبُخَارِيُّ.
(2/466)

.. عَبَّاسٌ، فَقَالَ: سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي فَأَجْعَلُ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَقَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتَ "، وَفِي لَفْظٍ: " «سَأَلَتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْمُنَادِيَ يُنَادِي، حَجٌّ مَبْرُورٌ وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " «أَهَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ، وَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ»،
(2/467)

وَلِمُسْلِمٍ، فَقُلْنَا: " «لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ جَابِرٌ بِيَدِهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِينَا، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» " وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: " «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِأَبَدٍ» ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِيهِ: " «ثُمَّ قَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ
(2/468)

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُرِيتَ مُتَمَتِّعًا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَلْ هِيَ أَبَدٌ» ".
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ جَابِرٌ: " «لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَذَكَرَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً] فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ - لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: وَكَانَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ بِالْعِرَاقِ:
(2/469)

فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ بَشِيرٍ، ثَنَا خَصِيفٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «لَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ سَأَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَيِّ شَيْءٍ أَهْلَلْتُمْ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا: بِالْحَجِّ، وَقَالَ بَعْضُنَا: بِالْعُمْرَةِ، وَقَالَ بَعْضُنَا: بِالَّذِي أَهْلَلْتَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَحِلُّوا أَجْمَعِينَ إِلَّا إِنْسَانٌ مَعَهُ الْهَدْيُ قَلَّدَهُ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا
(2/470)

اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ حَتَّى أَكُونَ مَعَكُمْ حَلَالًا، فَرَأَى أَنَّ الْفَضْلَ فِي الْإِحْلَالِ، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: لِأَبَدِ الْآبِدِينَ» ".
وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ، تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ قَالَ: إِنِ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَاتَّقُوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ، فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: " «وَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَحْمَدَ: قَالَ جَابِرٌ: " «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْقُرْآنُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الرَّسُولُ، وَإِنَّهَا كَانَتَا مُتْعَتَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَاهُمَا مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَالْأُخْرَى مُتْعَةُ النِّسَاءِ» ".
(2/471)

وَعَنْ سَعِيدٍ قَالَ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» " [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: " «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: فَأَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ] فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً، قَالَ النَّاسُ: قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ كَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً قَالَ: انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا، فَرَدُّوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ، فَغَضِبَ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَرَأَتِ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَكَ أَغْضَبَهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ، وَأَنَا آمُرُ بِالْأَمْرِ فَلَا
(2/472)

أُتَّبَعُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ وَابْنِ مَاجَهْ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: " «لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَجَدْتُ فَاطِمَةَ قَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صِبْغِيًّا، وَقَدْ نَضَحَتِ الظَّهْرَ لِلْبَيْتِ
(2/473)

بِنَضُوحٍ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ! فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَحَلُّوا، قُلْتُ لَهَا: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: كَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: انْحَرْ مِنَ الْبُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ أَوْ سِتًّا وَسِتِّينَ، وَأَمْسِكْ لِنَفْسِكَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَأَمْسِكْ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ مِنْهَا بَضْعَةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحَلِيفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَقَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(2/474)

حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفَانَ قَالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ، فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ عُمْرَةً، فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: أَلَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ، أَلِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَفِي لَفْظٍ: " «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ
(2/475)

الْعُمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.
وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: " «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ
(2/476)

وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَّطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] "، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، [ثُمَّ حِلَّ، قَالَ: فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ] ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَّطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ فَبِهِ فَائْتَمُّوا، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أُحْدِثَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: " {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] " وَأَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ» ".
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ: " «أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ:
(2/477)

رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ، فَلَقِيَهُ بَعْدُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي الْمُتْعَةَ - وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ يُعَرِّسُوا بِهِنَّ تَحْتَ الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُوا بِهِنَّ حُجَّاجًا».
(2/478)

«وَعَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: " سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ، قَالَ: فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعَرْشِ - يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ إِنَّمَا عَنَى الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَنَى عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مُسْلِمًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ.
«وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: " أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ،
(2/479)

وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: " «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحِرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: " «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ» "، وَلَهُ: " «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجَّ - وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ «عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ
(2/480)

حُصَيْنٍ: أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمْهُ قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ، وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْتُ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَحْمَدَ: " «اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ، فَلَمْ يَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ ارْتَأَى كُلُّ امْرِئٍ بَعْدُ مَا شَاءَ أَنْ يَرْتَئِيَ» ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: " «أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ كَلِمَةً، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عُثْمَانُ: أَجَلْ وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: " «شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا
(2/481)

بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: تَرَانِي أَنْهَى النَّاسَ وَأَنْتَ تَفْعَلُهُ، قَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ أَحَدٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ: " «وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا» " رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: " «اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ: " «اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ بِعُسْفَانَ، فَكَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ أَوِ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْهَى عَنْهُ. فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا» " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: " «خَرَجَ عُثْمَانُ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا ارْتَحَلَ فَارْتَحِلُوا، فَأَهَلَّ
(2/482)

عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَمْ يُكَلِّمْ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ التَّمَتُّعِ؟ قَالَ: فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ؟ قَالَ: بَلَى» ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " «وَاللَّهِ إِنَّا لَمَعَ عُثْمَانَ بِالْجُحْفَةِ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فِيهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ إِذْ قَالَ عُثْمَانُ - وَذَكَرَ لَهُ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ -: إِنْ أَتَمَّ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَلَّا يَكُونَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَوْ أَخَّرْتُمْ هَذِهِ الْعُمْرَةَ حَتَّى تَزُورُوا هَذَا الْبَيْتَ زَوْرَتَيْنِ كَانَ أَفْضَلَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَسَّعَ فِي الْخَيْرِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِبَطْنِ الْوَادِي يَعْلِفُ بَعِيرًا لَهُ، فَبَلَغَهُ الَّذِي قَالَ عُثْمَانُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: أَعَمِدْتَ إِلَى سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُخْصَةٍ رَخَّصَ اللَّهُ بِهَا لِلْعِبَادِ فِي كِتَابِهِ تُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ فِيهَا وَتَنْهَى عَنْهَا، وَقَدْ كَانَتْ لِذِي الْحَاجَةِ وَلِنَائِي الدَّارِ؟! ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: وَهَلْ نَهَيْتُ عَنْهَا، إِنِّي لَمْ أَنْهَ عَنْهَا، إِنَّمَا كَانَ رَأْيًا أَشَرْتُ بِهِ، فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَمَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّا كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّا كُنَّا مَشْغُولِينَ بِالْجِهَادِ عَنْ إِنْشَاءِ سَفْرَةٍ أُخْرَى لِلْعُمْرَةِ لِكَوْنِ أَكْثَرِ الْأَرْضِ
(2/483)

كَانُوا كُفَّارًا، فَأَمَّا الْيَوْمُ: فَالنَّاسُ قَدْ أَمَنُوا، فَإِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ بِسَفْرَةٍ هُوَ الْأَفْضَلُ.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سَلَامِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: " شَهِدْتُ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَهُمَا يُفْتِيَانِ فُتْيَا شَتَّى؛ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَّنَكُمْ، أَلَا إِنَّ الْحَجَّ التَّامَّ مِنْ أَهْلِيكُمْ، وَالْعُمْرَةَ التَّامَّةَ مِنْ أَهْلِيكُمْ " وَمِثْلُ هَذَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ إِذْ كَانَ النَّاسُ يَشْغَلُهُمُ الْجِهَادُ عَنِ الْحَجِّ، فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ أَمَّنَ اللَّهُ السَّاحَةَ وَنَفَى الْعَدُوَّ فَجَرِّدُوا " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» " قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ.
(2/484)

وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقِرَانُ كَمَا فَسَّرَهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ التَّمَتُّعُ، كَمَا جَاءَ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " يَعْنِي بِهَا الْمُتْعَةَ.
وَكَذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَتِ الرَّجُلَ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، وَاحْتَجَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَهِلُّوا يَا آلَ مُحَمَّدٍ بِعُمْرَةٍ فِي حَجٍّ» ". فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ: قَدْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي حَجَّةٍ، وَفِي حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: " «أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ عُمْرَةً، فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» " وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا يُرِيدُ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ، وَلَهُ يُسَافِرُ، وَإِلَيْهِ يَقْصِدُ، وَيُدْخِلُ فِي ضِمْنِ حَجِّهِ عُمْرَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: " «عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» ". فَعُلِمَ أَنَّهَا عُمْرَةٌ تُفْعَلُ فِي أَثْنَاءِ حَجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْقِرَانُ لَقَالَ: حَجَّةٌ فِيهَا عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ تَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: " «عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» " لَا تُخَالِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَتَى بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مِنَ الْقَارِنِ الَّذِي لَمْ يَزِدْ عَلَى عَمَلِ الْحَاجِّ.
فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَخْبَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِالْمُتْعَةِ، وَأَنَّهُمْ تَمَتَّعُوا مَعَهُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَخْبَرُوا - أَيْضًا -: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ، لَكِنْ هَلْ كَانَتْ مُتْعَةَ عُمْرَةٍ أَوْ مُتْعَةَ قِرَانٍ؟ هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ؛ هَلِ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِعُمْرَةٍ، أَوْ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَهُمَا؟ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَارِنًا.
(2/485)

وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَارِنًا، وَالتَّمَتُّعُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَاحْتَجَّ لِاخْتِيَارِهِ التَّمَتُّعَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ".
وَيُوَضِّحُ هَذَا: أَنَّهُ قَدْ رَوَى أَنَّهُ قَرَنَ مُفَسِّرًا، فَرَوَى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ. فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَا إِلَّا صِبْيَانًا! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(2/486)

وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَنَسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحَمِيدٍ، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَسًا قَالَ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَعَنْ أَبِي قُدَامَةَ قَالَ: " قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ مِرَارًا: بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْبَرَاءِ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَعَلِيٍّ: أَوَ
(2/487)

قَرَنْتَ؟ " وَهَذَا - أَيْضًا - صَرِيحٌ لَا يُعَارِضُهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا أَخْبَرَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ، وَكَذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَفَسَّرُوا التَّمَتُّعَ بِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَقَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
«وَعَنِ الصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: " كُنْتُ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمْتُ، فَأَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَسَمِعَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا
(2/488)

جَمِيعًا بِالْقَادِسِيَّةِ، فَقَالَا: لَهَذَا أَضَلُّ مِنْ بَعِيرِهِ، فَكَأَنَّمَا حُمِلَ عَلَيَّ بِكَلِمَتِهِمَا جَبَلٌ، فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا فَلَامَهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
«وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " أَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ.
(2/489)

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: " «إِنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاجٍّ بَعْدَهَا» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَكُلُّ مَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ، فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ هَذَا، فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ لِأَجْلِ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَنَّهُ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ.

وَالْمُتْعَةُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَمَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ حَجَّتِهِ أَوْ مَعَ حَجَّتِهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ الدَّمُ عَلَيْهِمَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ عَلَى تَمَتُّعِ الْقِرَانِ، فَإِنَّ كُلَّ قَارِنٍ مُتَمَتِّعٌ.
وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِذَا لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ حَتَّى أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا قَارِنٌ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ بِإِحْلَالٍ وَإِحْرَامٍ، لَكِنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَوَّلًا وَسَعَى، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَأَكْثَرُ
(2/490)

أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَ هَذَا مُتَمَتِّعًا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَارِنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَلَوْ سُمِّيَ الْمُتَمَتِّعُ قَارِنًا لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لَكِنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ أَوَّلًا وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ، وَالْقَارِنُ يَطُوفُ أَوَّلًا لِعُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ، ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ:. . .
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ
(2/491)

وَالْمُتْعَةِ فَهَذَا حَقٌّ، لَكِنَّ هَذَا هُوَ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَهَذَا الْفَسْخُ كَانَ خَاصًّا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَإِذَا كَانَ الْفَسْخُ خَاصًّا لَهُمْ، وَالْمُتْعَةُ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِالْفَسْخِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمُتْعَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً لَهُمْ، فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ خَاصٌّ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ فِي كِتَابِهِ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ: " {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] " وَمِنْ فَسَخَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ لَمْ يُتِمَّهُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: " إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنَا بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ " وَهَذَا الْخِطَابُ عَامٌّ، خَرَجُوا هُمْ مِنْهُ بِالسُّنَّةِ، فَيَبْقَى بَاقِي النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ.
وَأَيْضًا: مَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
(2/492)

فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةٌ، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ؟ قَالَ: بَلْ لَنَا خَاصَّةٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟» " وَهَذَا نَصٌّ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَيْضًا: فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُتْعَةُ الْفَسْخِ خَاصَّةً بِهِمْ، بَلْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا: لَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَغَضِبَ إِذْ لَمْ يُطِيعُوهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْفَسْخُ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ.
وَأَيْضًا: فَمَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: " كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(2/493)

وَعَنْ سَلِيمِ بْنِ الْأَسْوَدِ «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: " حَدَّثَنِي الْمُرَقَّعُ الْأَسَدِيُّ - وَكَانَ رَجُلًا مَرْضِيًّا - أَنَّ أَبَا ذَرٍّ صَاحِبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَنَا، قَالَ يَحْيَى: وَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ لَمْ يَنْقُضُوا حَجًّا لِعُمْرَةٍ، وَلَمْ يُرَخِّصُوا لِأَحَدٍ، وَكَانُوا هُمْ أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا فَعَلَ فِي حَجِّهِ ذَلِكَ مِمَّنْ سَهُلَ نَقْضُهُ " رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: الْمُرَقَّعُ شَاعِرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَمْ يَلْقَ أَبَا ذَرٍّ.
(2/494)

وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عُمَرَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ» " وَقَوْلُ عُثْمَانَ لَعَلِيٍّ - لَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الْمُتْعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " كُنَّا خَائِفِينَ ".
وَعَنْ عُثْمَانَ - أَيْضًا - أَنْ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: " كَانَتْ لَنَا وَلَيْسَتْ لَكُمْ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَهْيُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - النَّهْيُ عَنِ الْمُتْعَةِ وَكَرَاهَتُهُمْ لَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " نَهَى عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَمُتْعَةِ النِّسَاءِ ".
وَعَنْ أَبِي قُلَابَةَ قَالَ: " قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا، مُتْعَةُ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لَا يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ
(2/495)

نَهْيُهُمْ عَلَى مُتْعَةِ الْفَسْخِ، وَالرُّخْصَةُ عَلَى الْمُتْعَةِ الْمُبْتَدَأَةِ؛ تَوْفِيقًا بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ، وَلَوْلَا عِلْمُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقْدِمُوا عَلَى تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يُطَاوِعْهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ بِهِمْ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانُوا قَدْ نَهَوْا عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُتْعَةِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، أَوْ نَهْيَ اخْتِيَارٍ لِلْأُولَى. فَيُعْلَمُ أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ؛ وَلِهَذَا إِنَّمَا كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ فِي جَوَازِ التَّمَتُّعِ لَا فِي فَضْلِهِ، وَيَجْعَلُونَهَا رُخْصَةً لِلْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ؛ لِيُبَيِّنَ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَدْ حَصَلَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَعُلِمَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ عَقْدٍ لَازِمٍ، أَوْ أَنَّهُ إِذْنٌ لَهُمْ فِي الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَوَّلًا جَوَازَ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ.
وَالَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ مُتْعَتَيِ الْقِرَانِ وَالْعُمْرَةِ الْمُبْتَدَأَةِ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى. . . الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
(2/496)

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَنَّ نَاسًا أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَنَاسًا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ» ".
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجِّ مُفْرَدًا» "، وَفِي لَفْظٍ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا» " رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: " «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَفْرَدَ الْحَجَّ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْلَمْتُكَ عَامَ أَوَّلَ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ؟ قَالَ: أَتَانَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَنَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَتَوَلَّجُ عَلَى النِّسَاءِ وَهُنَّ مُنْكَشِفَاتٌ لَا يَسْتَتِرْنَ؛ لِصِغَرِهِ، وَكُنْتُ أَنَا تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيلُ عَلَيَّ لُعَابُهَا» " رَوَاهُ. . .
(2/497)

وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. . .، وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَقَالَ لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي حَدِيثِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " «أَهَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ» ". وَجَابِرٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ سِيَاقًا لِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ: " لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ ". وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى
(2/498)

أَنَّهُ تَمَتَّعَ: عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ وَهُوَ لَمْ يَفْسَخْ، وَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا فَعَلَهُ غَيْرُهُ، لَا سِيَّمَا فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ؛ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُؤْثِرَ نَبِيَّهُ إِلَّا بِأَفْضَلِ السُّبُلِ وَالشَّرَائِعِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا مُتْعَةً» " إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ: لَمَّا رَآهُمْ قَدْ كَرِهُوا الْمُتْعَةَ، فَأُحِبُّ مُوَافَقَتَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَا مَعَهُ أَفْضَلُ، وَقَدْ يُؤْثِرُ الْمَفْضُولَ إِذَا كَانَ فِيهِ اتِّفَاقُ الْقُلُوبِ كَمَا قَالَ: " «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ. . .» ". الْحَدِيثَ. فَتَرَكَ مَا كَانَ يُحِبُّهُ تَسْكِينًا لِلْقُلُوبِ، وَقَدْ كَانَ يَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ، فَعُلِمَ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَى. . .
(2/499)

وَيُقَرِّرُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ أَفْرَدُوا الْحَجَّ.
وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ؛ فَرَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: «قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، [ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً] ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدُمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مَنِ الْبَيْتَ يَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى دَمٍ، فَإِنْ كَانَ دَمُ جُبْرَانٍ فَالنُّسُكُ التَّامُّ الَّذِي
(2/500)

لَا يَفْتَقِرُ إِلَى جَبْرٍ أَفْضَلُ مِمَّا يُجْبَرُ بِدَلِيلِ: حَجَّتَيْنِ، أَوْ عُمْرَتَيْنِ، قَدْ جَبَرَ إِحْدَاهُمَا بِدَمٍ، وَتَمَّ الْآخَرُ بِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ دَمُ نُسُكٍ: فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ لَمَّا سَقَطَ عَنِ الْمُتَمَتِّعِ مِنْ أَحَدِ السِّفْرَيْنِ وَهُوَ نُسُكٌ، وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ نُسُكِ الْفِعْلِ وَنُسُكِ الذَّبْحِ، كَانَ نُسُكُ الْفِعْلِ أَفْضَلَ، فَإِنَّ فِيهِ عِبَادَةً بَدَنِيَّةً وَمَالِيَّةً؛ وَلِهَذَا عَامَّةُ الدِّمَاءِ لَا تُشْرَعُ إِلَّا عِنْدَ عَوَزِ الْأَعْمَالِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُفْرِدَ يَأْتِي بِالْإِحْرَامِ تَامًّا كَامِلًا مِنْ حِينِ يُهِلُّ مِنَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ كَامِلَةً، فَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُتَمَتِّعُ وَزِيَادَةً، وَيَسْتَوْعِبُ الزَّمَانَ بِالْإِحْرَامِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُتْعَةَ فِي الْأَصْلِ رُخْصَةٌ، وَالْعَزَائِمَ أَفْضَلُ مِنَ الرُّخَصِ.

قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُهُمْ: فَسْخُ الْحَجِّ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وَالتَّمَتُّعُ إِنَّمَا كَانَ بِالْفَسْخِ، فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ الْفَسْخَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأُمَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَمُتْعَتُهُ كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، أَوْ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، وَأَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا، أَوْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ: أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَيَتَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَاعَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يُجِيزُهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ كَلَامٌ، وَلَا يُشْرَعُ الِاحْتِرَازُ مِنَ اخْتِلَافٍ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ مَا نُدِبَتْ إِلَيْهِ السُّنَّةُ؛ كَمَا
(2/501)

اسْتَحْبَبْنَا التَّطَيُّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَبَعْدَ الْإِحْلَالِ الْأَوَّلِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَفِي جَوَازِهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا قَدْ عُلِمَ، وَكَمَا اسْتَحْبَبْنَا التَّلْبِيَةَ إِلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَفِي كَرَاهَتِهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا قَدْ عُلِمَ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ أَمْرَهُمْ بِالْمُتْعَةِ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ الْفَسْخِ.
وَالثَّانِي: اسْتِحْبَابُ التَّمَتُّعِ وَاخْتِيَارُهُ، فَإِذَا بَطَلَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْطُلِ الْآخَرُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْمُتْعَةُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اخْتَارَ لِأَصْحَابِهِ مَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَحَضَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَالْتَزَمَ لِأَجْلِهِ فَسْخَ الْحَجِّ، وَبَيَّنَ
(2/502)

أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَهُ مِنَ التَّحَلُّلِ مَعَهُمْ سَوْقُ هَدْيِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتَارُ لَهُمْ مَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» ". وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِهْلَالَ بِالْعُمْرَةِ لِغَيْرِ الْمَهْدِي أَفْضَلُ، وَقَالَ أَيْضًا. . .
الرَّابِعُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» " وَفِي لَفْظٍ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» ". فَبَيَّنَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مُسْتَقْبِلًا لِلْإِحْرَامِ الَّذِي اسْتَدْبَرَهُ: لَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَهُوَ لَا يَتَأَسَّفُ إِلَّا عَلَى فَوَاتِ الْأَفْضَلِ. فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ الْعُمْرَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا تَأَسَّفَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ:
قُلْنَا: فِي الْحَدِيثِ مَا يَرُدُّ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: " فَرَأَى أَنَّ الْفَضْلَ فِي الْإِحْلَالِ ". هَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ ذَلِكَ فِي سَوْقِ الْهَدْيِ، أَيْ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مُوَافَقَةً لَكُمْ، وَإِنْ كَانَ سَوْقُ الْهَدْيِ أَفْضَلَ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً، مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَى هَذَا، فَلَوْ كَانَ هَذَا مَفْضُولًا مَعَ تَرْكِ سَوْقِ الْهَدْيِ، لَكَانَ قَدِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَلِأَصْحَابِهِ مَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
(2/503)

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ، وَأَنَّهُ هُوَ الْأَفْضَلُ مِنَ الْمَقَامِ عَلَى الْحَجِّ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ الصِّرَاحُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَعَ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي - رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَخْتَارُ الْمُتْعَةَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخَذَ أَنَّهُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] " وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَأَى أَنَّ الشَّعَائِرَ: اسْمٌ يَجْمَعُ مَوَاضِعَ النُّسُكِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] "، وَقَالَ: " {الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] "، وَيَعُمُّ الْأَفْعَالَ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسِكُ، وَيَعُمُّ الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى إِلَى الْبَيْتِ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَحِلَّ. . .
(2/504)

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْفَسْخَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِذَلِكَ الْوَفْدِ خَاصَّةً، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُوهٍ: -
أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَحَيْثُ مَا خُصَّ الْوَاحِدُ بِحُكْمٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ لِعِلَّةٍ اخْتُصَّ بِهَا، لَوْ وُجِدَتْ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى التَّخْصِيصِ كَمَا قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ فِي الْأُضْحِيَةِ: " «تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» "؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ
(2/505)

يُسَنَّ وَقْتُ الْأُضْحِيَةِ، وَكَمَا خَصَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِأَنْ يَرْضَعَ كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُبُنِّيَ قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ سُبْحَانَهُ - أَنْ يُدْعَى الرَّجُلُ لِغَيْرِ أَبِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ التَّخْصِيصَ يَكُونُ لِوَاحِدٍ، وَهُنَا أَمَرَ جَمِيعَ مَنْ حَجَّ مَعَهُ بِالتَّحَلُّلِ، وَقَدْ أَمَرَ مَنْ بَعْدَهُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَلَوْ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ لَوَجَبَ بَيَانُهُ وَإِظْهَارُ ذَلِكَ وَإِشَاعَتُهُ، وَإِلَّا فَلَوْ سَاغَ دَعْوَى مِثْلِ هَذَا؛ لَسَاغَ أَنْ يُدَّعَى اخْتِصَاصُهُمْ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِمْ لَهُ وَإِلْحَاقُهُمْ بِهِ، وَفِي هَذَا تَعْطِيلٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مُسْتَنَدِ التَّخْصِيصِ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَيَّنَ بَيَانًا شَافِيًا أَنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ - الْمُتَمَتِّعَ بِهَا الَّتِي فَسَخَ الْحَجَّ إِلَيْهَا - حُكْمٌ مُؤَبَّدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَدَّعُونَ أَنَّ هَذِهِ كَانَ مَخْصُوصًا بِهِمْ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: " «حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى
(2/506)

الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً. فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ لِلْأَبَدِ» ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَأَمَرَهُمْ فَجَعَلُوهَا عُمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلُوا، لَكِنْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَنْشَبَتْ أَصَابِعُهُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ» ".
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلُوهُ لَيْسَ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْأَبَدِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَهُوَ التَّمَتُّعُ فَبَيَّنَ أَنَّ التَّمَتُّعَ جَائِزٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْفَسْخَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي مَسْأَلَةٍ أَفْرَدَهَا فِي الْفَسْخِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ " «سَأَلَ
(2/507)

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ مِنَ الْمُتْعَةِ وَإِحْلَالِنَا، لَنَا خَاصَّةً أَوْ هُوَ شَيْءٌ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَلْ هُوَ لِلْأَبَدِ» "، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ» ". وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ، وَأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ بَاقٍ إِلَى الْأَبَدِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: " «عَلِيٌّ هُوَ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَفْسَخُ لِمُدَّتِنَا هَذِهِ، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: لِلْأَبَدِ» ".
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: " «مِنْ سَنَتِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ لِلْأَبَدِ» "؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إِلَى الَّذِي فَعَلُوهُ، وَالَّذِي فَعَلُوهُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا يَنْوُونَ الْحَجَّ لَا يَعْرِفُونَ الْعُمْرَةَ، [فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا طُفْتُمْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً] إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ ". وَسِيَاقُ حَدِيثِ جَابِرٍ وَاضِحٌ فِي ذَلِكَ، وَالتَّمَتُّعُ الْمَحْضُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ وَلَا فَعَلَهُ عَامَّتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: " «أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: لِلْأَبَدِ» ". وَقَوْلُهُ: عُمْرَتَنَا هَذِهِ صَرِيحٌ فِي الْعُمْرَةِ الَّتِي تَحَلَّلُوا بِهَا مِنْ حَجِّهِمْ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودَ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَلَمْ يُطْلِقِ الْجَوَابَ إِطْلَاقًا، بَلْ قَالَ: أَمَّا الْمُتْعَةُ فَجَائِزَةٌ، وَأَمَّا الْفَسْخُ فَخَاصٌّ لَنَا؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَمَّا فَعَلُوهُ، فَلَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا هُوَ لِذَلِكَ الْعَامِ وَلِلْأَبَدِ، لَوَجَبَ تَفْصِيلُ الْجَوَابِ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: " دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ " نَصٌّ فِي أَنَّ الْحَجَّ تَدْخُلُ
(2/508)

فِيهِ الْعُمْرَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يَعُمُّ الِاعْتِمَارَ قَبْلَ الْحَجِّ، سَوَاءٌ كَانَ نَوَى الْعُمْرَةَ أَوَّلًا، أَوْ نَوَى الْحَجَّ، أَمْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَسَبَبُ اللَّفْظِ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ حَجٍّ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ عُمْرَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا ابْتِدَاءً، أَوْ حَلَّ مِنَ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ جَوَازَ فِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، سَوَاءٌ حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَجِّ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ شَبَّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَالْيَدَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ جِنْسِ الْأُخْرَى، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ مِنْ جِنْسِ الْمَدْخُولِ فِيهِ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ قَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ هَذَا وَهُوَ بِعُسْفَانَ: " «اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ عُمْرَةً، فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ» " فَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ الَّذِي حَجُّوهُ قَدْ أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ عُمْرَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِأَنْ يَحِلُّوا مِنَ الْحَجِّ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ إِدْخَالَ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ لَا خَفَاءَ بِهِ: أَنَّ كُلَّ حَاجٍّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ فِي حَجِّهِ عُمْرَةً، سَوَاءٌ كَانَ أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَمَّ هَذَا الْبَيْتَ يُرِيدُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَهُوَ حَاجٌّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ وَإِنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْعُمْرَةِ، فَإِذَا اعْتَمَرَ فِي هَذَا الْحَجِّ فَقَدْ أَدْخَلَ فِي حَجَّتِهِ عُمْرَةً، فَلَا مَعْدِلَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْوَاضِحِ الْبَيِّنِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ، فَقَدْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ فِي الْحَجِّ، وَإِنْ
(2/509)

لَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ فَلَمْ يَدْخُلْهَا.
وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَكَانَ هَذَا قَدْ عَلِمُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، حَيْثُ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثَلَاثَ عُمُرَاتٍ، وَأَيْضًا. . .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا خَارِجًا عَنِ الْقِيَاسِ، وَتَغَيَّظَ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَقَدِ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا يَعْتَرِضُ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا، فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ نَفْثَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ.
قَالَ جَابِرٌ: فَقَالَ لَهُمْ: " «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَفَعَلُوا» " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " فَقُلْنَا «: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أُمِرْنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ» " قَالَ جَابِرٌ: فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِينَا فَقَالَ: " «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيٌ لَأَحْلَلْتُ كَمَا تُحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا. فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» ". وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ حَسَنٌ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّ تَوَقُّفَ مَنْ تَوَقَّفَ فِيهِ خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ وَلِذَلِكَ تَغَيَّظَ عَلَيْهِ كَمَا تَغَيَّظَ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ عَنِ الْإِحْلَالِ فِي عُمْرَةِ
(2/510)

الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَمَا تَغَيَّظَ عَلَى مَنْ تَحَرَّجَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَقَالَ: " «يُحِلُّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ» " وَكَمَا تَغَيَّظَ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا وَهُوَ جُنُبٌ، وَكَمَا يُرَخِّصُ فِي أَشْيَاءَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا تَحَرَّجُوا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ: " «إِنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي» " فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُتَّقَى وَيُجْتَنَبُ وَلَمْ أَفْعَلْهُ لِخُصُوصٍ فِيَّ. فَلَوْ كَانَ الْبَقَاءُ عَلَى الْإِحْرَامِ هُوَ الْوَاجِبَ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الرُّخْصَةُ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ - لَمْ يَتَغَيَّظْ مِثْلَ هَذَا التَّغَيُّظِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ: " «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَهَا لِيَقْتَدُوا
(2/511)

بِهِ فِيهَا، وَيَهْتَدُوا بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ، فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْحَجَّةُ خَارِجَةً عَنِ الْقِيَاسِ، وَمُخْتَصَّةً بِأُولَئِكَ الرَّكْبِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " [بَلْ خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ] إِلَّا فِي التَّحَلُّلِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْتَوْا بِالْفَسْخِ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ الرَّكْبِ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا بِاعْتِمَارِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ، فَهُوَ لَمْ يَعْتَمِرْ قَطُّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ فَهَذَا حَصَلَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، وَبِفِعْلِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمُ الَّذِينَ أَحْرَمُوا مِنَ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ مِثْلُ عَائِشَةَ، وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ لَهُمْ عِنْدَ الْمِيقَاتِ: " «مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ» ". فَأَيُّ بَيَانٍ لِجَوَازِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا، وَقَدْ أَحْرَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ بِإِذْنِهِ؟
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، أَوْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَلِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا كُلُّهُمْ بِالْعُمْرَةِ، وَيَتْرُكَ هُوَ سَوْقَ الْهَدْيِ كَمَا قَدْ أَسِفَ عَلَيْهِ، وَيُرِيحَهُمْ
(2/512)

مِنْ مُؤْنَةِ الْفَسْخِ الَّذِي هُوَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَى زَعْمِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ؟ وَإِنْ كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الطُّرُقِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَدَا لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ بَدَا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ لَمْ يَبْدُ لَهُ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا، فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي بَدَا لَهُ: جَوَازُ الْإِحْلَالِ مِنْ هَذَا الْإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مُتَمَتِّعِينَ، وَأَنَّ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ طَاوُسٌ: " «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فِي حَجَّتِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ، قَالَ: فَدَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» " وَفِي لَفْظٍ: " «أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّهِ، فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ أُمِرَ بِالْأَمْرِ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ هَلْ يُتِمُّونَ مَا أَحْرَمُوا بِهِ أَوْ يُغَيِّرُونَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ بِالرِّوَايَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ
(2/513)

أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا إِمَّا بِعُمْرَةٍ، أَوْ بِحَجٍّ، أَوْ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَبَيَّنَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ، كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْفَسْخُ خَارِجًا عَنْ مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ لَمْ يُفَرِّقِ الْحَالُ بَيْنَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَمَنْ لَمْ يَسُقْهُ، حَتَّى يَنْشَأَ مِنْ ذَلِكَ تَرَدُّدُهُمْ وَتَأَسُّفُهُ عَلَى سَوْقِ الْهَدْيِ، وَمُوَافَقَتُهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ سَائِقَ الْهَدْيِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفَسْخُ؛ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ: " {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] " فَهَلَّا أَمَرَ الْجَمِيعَ بِالْإِتْمَامِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ: " {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] " أَيْضًا، أَوْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ ذَلِكَ الرَّكْبِ مِنْ حُكْمِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لِقَصْدِ بَيَانِ جَوَازِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْآيَتَيْنِ عَلَى الْحُكْمِ عِنْدَ مَنْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. فَلَمَّا أَمَرَ بِالْفَسْخِ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ دُونَ مَنْ سَاقَ، وَبَيَّنَ أَنَّ السَّوْقَ يَمْنَعُ الْفَسْخَ - عُلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْفَسْخَ فِي نَفْسِهِ أَمْرٌ جَائِزٌ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنْ لَا مَانِعَ مِنْهُ غَيْرُ سَوْقِ الْهَدْيِ. وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ أَنْصَفَ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ تَرْكًا لِإِتْمَامِ الْحَجِّ لِلَّهِ، فَلَا يَكُونُ أُولَئِكَ الصَّحَابَةُ مُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا دَاخِلِينَ فِي حُكْمِهَا، وَهُمُ الْمُوَاجَهُونَ بِالْخِطَابِ، الْمَقْصُودُونَ بِهِ قَبْلَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، ثُمَّ كَيْفَ يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُمْ لَمْ يُتِمُّوا الْحَجَّ لِلَّهِ؟! وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْفَاسِخُ تَارِكًا لِإِتْمَامِ الْحَجِّ لِلَّهِ، بَلْ هُوَ مُتِمٌّ لَهُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ، فَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ نَاسٍ، وَنَاسٍ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَرْخَصَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ بِقَوْلِهِ: " {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] " وَقَدْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَقَدْ أَحْرَمَ مِنْهُمْ نَفَرٌ بِالْعُمْرَةِ كَمَا
(2/514)

فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ، فَكَيْفَ يُقَالُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟! نَعَمْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرَوْنَ ذَلِكَ، وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ جَوَازَ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، سَوَاءٌ حَجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، أَوْ لَمْ يَحُجَّ، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ. فَعُلِمَ أَنَّ تَوَقُّفَهُمْ وَتَرَدُّدَهُمْ إِنَّمَا كَانَ فِي فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَالْإِحْلَالِ مِنَ الْإِحْرَامِ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ لَا لِبَيَانِ جَوَازِهِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ. . .

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] " فَإِنَّ الْمُتَمَتِّعَ مُتِمٌّ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَهَلَّ أَوَّلًا بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوَّلًا، فَإِنَّمَا يَفْسَخُهُ إِلَى عُمْرَةٍ مُتَمَتِّعٍ بِهَا إِلَى الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهُ إِذَا قَصَدَ التَّمَتُّعَ، فَيَكُونُ قَدْ قَصَدَ الْحَجَّ وَحْدَهُ، فَيَكُونُ مُدْخِلًا لِلْعُمْرَةِ فِي حَجِّهِ، وَفَاعِلًا لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ دَخَلَ فِيهِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ غَيْرِ مُتَمَتِّعٍ بِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ
(2/515)

عَبْدُ اللَّهِ: قِيلَ لِأَبِي: حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ بِهِ وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ أَيْضًا: حَدِيثُ بِلَالٍ عِنْدِي لَيْسَ يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ» " فَحَلَّ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ - أَيْضًا -: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ لَنَا خَاصَّةً - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ.
وَقَالَ - أَيْضًا - فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ وَابْنِ هَانِئٍ: مَنِ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ أَبُوهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فَلَا.
(2/516)

وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ -: أَرَأَيْتَ لَوْ عَرَفَ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ إِلَّا أَنَّ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْنَ يَقَعُ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْهُمْ؟!
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: لَيْسَ يَصِحُّ حَدِيثٌ فِي أَنَّ الْفَسْخَ كَانَ لَهُمْ خَاصَّةً، وَهَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُفْتِي بِهِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَدْ ضَعَّفَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ لِجَهْلِ الرَّاوِي، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَارِثَ بْنَ بِلَالٍ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ مِثْلُ مَالِكٍ وَنَحْوِهِ.
وَتَخْصِيصُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَرْكٌ لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَهُوَ مِثْلُ النَّسْخِ لَهَا. وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْأَحَادِيثِ.
(2/517)

ثُمَّ بَيَّنَ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُخَالِفُ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ وَيُعَارِضُهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ شَاذٌّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الشَّاذَّ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ خِلَافَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ.
فَلَوْ كَانَ رَاوِيهِ مَعْرُوفًا لَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ» " فَعَمَّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِهِمْ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِهِمْ لَوَجَبَ بَيَانُهُ وَلَمْ يُؤَخِّرْ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلَهُ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ. وَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ لِلنَّاسِ عَامَّةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَدَلَالَةُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَلَى عُمُومِ حُكْمِ الْفَسْخِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ لَوْ كَانَ رَاوِيهِ مَعْرُوفًا بِالْعَدْلِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِمَضْبُوطٍ وَلَا مَحْفُوظٍ. وَلَوْ كَانَ هَذَا
(2/518)

صَحِيحًا لَكَانَ لَهُ مِنَ الظُّهُورِ وَالشِّيَاعِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ، وَلَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَيَّنَهُ بَيَانًا عَامًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأُمَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: " «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " فَلَوْ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، كَمَا بَيَّنَ حُكْمَ الْأُضْحِيَةِ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ عَنِ الْأُضْحِيَةِ بِالْجَذَعِ، فَقَالَ: " «يُجْزِئُ عَنْكَ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» " فَلَوْ كَانَ الْفَسْخُ خَاصًّا لَهُمْ لَقَالَ: " «إِذَا طُفْتُمْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَحِلُّوا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِكُمْ» " وَلَمْ يُؤَخِّرْ بَيَانَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ؛ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ بِلَالٌ كَانَ التَّلْبِيسُ وَاقِعًا. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِسُرَاقَةَ لَمَّا سَأَلَهُ: " «أَعُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» ". فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ مَعْلُومًا بِنَفْسِ فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا أَجَابَ السَّائِلَ تَوْكِيدًا، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُقْتَضِيَةً لِعُمُومِ الْحُكْمِ وَثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ عَارَضَ أَحْمَدُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، وَحَكَمَ بِشُذُوذِهِ لَمَّا انْفَرَدَ بِمَا يُخَالِفُ الْأَحَادِيثَ الْمَشَاهِيرَ، وَالَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ حَدَّثُوا بِتِلْكَ إِنَّمَا ذَكَرُوهَا لِتَعْلِيمِ السُّنَّةِ، وَبَيَانِهَا، وَاتِّبَاعِهَا، وَالْأَخْذِ بِهَا، لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ مُجَرَّدَ الْقِصَصِ. وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَخْصُوصًا بِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْوُوهَا رِوَايَةً مُرْسَلَةً حَتَّى يُبَيِّنُوا اخْتِصَاصَهُمْ بِهَا، فَكَيْفَ إِذَا ذَكَرُوهَا لِتَعْلِيمِ السُّنَّةِ؟! وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ مَاضِيَةٌ فِيهِمْ وَفِيمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَا يُرَدُّ هَذَا بِحَدِيثِ مَنْ لَمْ يُخْبِرْ قُوَّةَ ضَبْطِهِ وَتَيَقُّظِهِ،
(2/519)

وَيَدْفَعْ هَذِهِ السُّنَنَ الْمَشْهُورَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ بِرَاوِيَةٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ: عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ لَنَا خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُ الْفَسْخُ، إِلَّا لِنَفَرٍ مَخْصُوصٍ.
وَهَذَا تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ سَائِقَ الْهَدْيِ لَمْ يَحِلَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنْ كَانَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ وَهُوَ مَحْفُوظٌ وَلَمْ يَنْقَلِبْ عَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ بِالْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَاصَّةً، وَهُوَ يَقُولُ: " لَنَا خَاصَّةً " فَإِنْ كَانَ قَدْ حَفِظَ ذَلِكَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْفَسْخَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مُتَحَتِّمًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ بِهِ، وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلُوهُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ وَإِنْ جَازَ لَهُ الْفَسْخُ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ سَبَبُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: " «مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ جَعَلَهَا عُمْرَةً» " وَنَدَبَهُمْ إِلَى ذَلِكَ فَرَأَى أُنَاسًا قَدْ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَامْتَعَضُوا مِنْهُ، وَاسْتَهْجَنُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْهَدُونَ الْحِلَّ قَبْلَ عَرَفَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَعَزَمَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ حَسْمًا لِمَادَّةِ الشَّيْطَانِ، وَإِزَالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، كَمَا أَمَرَهُمْ أَوَّلًا بِالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَمْرَ رُخْصَةٍ،
(2/520)

ثُمَّ لَمَّا دَنَوْا مِنَ الْعَدُوِّ أَمَرَهُمْ بِهِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ، وَكَمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ لَمَّا رَآهُمْ قَدْ كَرِهُوا الصُّلْحَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَالِحْهُمْ، وَمَضَى فِي عُمْرَتِهِ لَكَانَ جَائِزًا. عَلَى أَنَّ بِلَالًا لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: لَنَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْوَفْدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ مِمَّنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَقَالَ: هُوَ لَنَا: مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فَقَالَ: بَلْ لَنَا خَاصَّةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَهَلَّا وَجَبَ الْفَسْخُ عَلَى كُلِّ حَاجٍّ، وَصَارَ كُلُّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ حَلَالًا، سَوَاءٌ قَصَدَ التَّحَلُّلَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، كَمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَامْتَنَعَ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ لِكَوْنِهِمَا مَفْسُوخَيْنِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعْدِهِ حَجُّوا مُفْرِدِينَ، [وَقَارِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ] وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ. فَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا وُجُوبَ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِالْمُتْعَةِ - فَقَدْ عَارَضَ ذَلِكَ أَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَبَنُو هَاشِمٍ، وَهُمْ أَهْلُ
(2/521)

بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِسُنَّتِهِ، وَقَوْلُ الْمَكِّيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَهُمْ أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ كَانُوا - بِالْمَنَاسِكِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: " قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُتَمَتِّعِينَ قَالَ: وَقَالَ لِي مُجَاهِدٌ: لَوْ خَرَجْتَ مِنْ بَلَدِكَ الَّذِي تَحُجُّ مِنْهُ أَرْبَعِينَ عَامًا مَا قَدِمْتَ إِلَّا مُتَمَتِّعًا، هُوَ أَحْدَثُ عَهْدٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي فَارَقَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْغَبَ عَنْ مَا ثَبَتَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لِاتِّبَاعِ بَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
(2/522)

قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: قَوِيَتْ قُلُوبُ الرَّوَافِضِ حِينَ أَفْتَيْتَ أَهْلَ خُرَسَانَ بِمُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ كُنْتَ تُوصَفُ بِالْحُمْقِ، فَكُنْتُ أَدْفَعُ عَنْكَ، وَأَرَاكَ كَمَا قَالُوا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: - وَسُئِلَ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ فَقَالَ -: " قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ غَيْرَ خَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ أَحْمَدُ: كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا، عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟!
(2/523)

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّبَّانِيُّ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ، وَذُكِرَ لَهُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَنَا أَحَدًا أَشَدَّ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ، وَالْآثَارِ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ يَزَالُهُ عَقْلٌ. ثُمَّ قَالَ: جَاءَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ إِلَى أَحْمَدَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، تُفْتِي بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَحْمَقُ إِلَى الْيَوْمِ، ثَمَانِيَةُ عَشَرَ حَدِيثًا أَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أُفْتِي بِهِ، فَلِمَ كَتَبْتُ الْحَدِيثَ؟! قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَطُّ إِلَّا وَهُوَ يُفْتِي بِهِ.
وَأَمَّا نَهْيُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَغَيْرِهِمَا عَنِ الْمُتْعَةِ، وَحَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْفَسْخِ أَوْ عَلَى كَوْنِهَا مَرْجُوحَةً: فَاعْلَمْ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمَا نَهَوْا عَنِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ الْحَجِّ مُطْلَقًا، وَأَنَّ نَهْيَهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ بَيِّنٌ فِي الْأَحَادِيثِ، قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حَصِينٍ: " «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَفِي لَفْظٍ: " «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَحِمَ اللَّهُ عَمْرًا، إِنَّمَا ذَاكَ رَأْيٌ» "، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، سَوَاءٌ جَمَعَ بَيْنَهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَفَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ " لَمَّا نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ فَأَهَلَّ عَلِيٌّ بِهِمَا، فَقَالَ: تَسْمَعُنِي أَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ أَحَدٍ ".
(2/524)

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ، أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُهِلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ عُثْمَانَ.
وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ: - " اسْتَأْذَنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْعُمْرَةِ فِي شَوَّالٍ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ [نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: " أَنَّ عُثْمَانَ سَمِعَ رَجُلًا يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْمُهِلِّ، فَضَرَبَهُ، وَحَلَقَهُ، قَالَ] نُبَيْهٌ: فَمَا نَبَتَ فِي رَأْسِهِ شَعْرَةٌ، وَقَالَ نُبَيْهٌ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَتَمَتَّعُونَ بِالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ، ثُمَّ أَمَرَ نَوْفًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَقَدْ مَلِلْتُمُ الْحَجَّ دَفَرَهُ؟ أَقَدْ مَلِلْتُمْ شَعَثَهُ؟ أَقَدْ مَلِلْتُمْ وَسخَهُ؟! وَاللَّهِ لَئِنْ مَلِلْتُمْ لَيَأْتِينَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْمٍ لَا يَمَلُّونَهُ وَلَا يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَذِنَّا لَكُمْ فِي هَذَا لَأَخَذْتُمْ بِخَلَاخِيلِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ - يُرِيدُ أَرَاكَ عَرَفَةَ - ثُمَّ رَجَعْتُمْ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا الْمُتْعَةُ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ فَهَذَا عُمَرُ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ فَعَلَ الْمُتْعَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَيَقُولُ لِلصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ - لَمَّا أَهَلَّ جَمِيعًا -: هُدِيتَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ. وَيَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(2/525)

أَنَّهُ قَالَ: " «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، فَقَالَ: قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» ".
وَعَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " هَذَا الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي عُمَرَ - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوِ اعْتَمَرْتُ ثُمَّ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ "، وَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: " أَلَا تُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَمْرَ مُتْعَتِهِمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَا يَعْلَمُهَا؟! ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " وَمَا تَمَّتْ حَجَّةُ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا بِمُتْعَةٍ، إِلَّا رَجُلٌ اعْتَمَرَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ ". وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَوْ حَجَجْتُ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ حَجَجْتُ، لَمْ أَحُجَّ إِلَّا بِمُتْعَةٍ ". رَوَاهُمَا سَعِيدٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي
(2/526)

عَبِيدٍ: " لَوِ اعْتَمَرْتُ ثُمَّ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ ". وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " لَوِ اعْتَمَرْتُ وَسَطَ السَّنَةِ لَتَمَتَّعْتُ، وَلَوْ حَجَجْتُ خَمْسِينَ حَجَّةً لَتَمَتَّعْتُ "، وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ عُمَرُ: " وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا عَلِمَهَا؟ أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهَا ".
وَعَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " مَا حَجَّ عُمَرُ قَطُّ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَّا تَمَتَّعَ فِيهَا ".
(2/527)

وَإِنَّمَا وَجْهُ مَا فَعَلُوهُ أَنَّ عُمَرَ رَأَى النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا بِالْمُتْعَةِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَزُورُونَ الْكَعْبَةَ إِلَّا مَرَّةً فِي السَّنَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَجْعَلُونَ تِلْكَ السَّفْرَةِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَكَرِهَ أَنْ يَبْقَى الْبَيْتُ مَهْجُورًا عَامَّةَ السَّنَةِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ لِيَبْقَى الْبَيْتُ مَعْمُورًا مَزُورًا كُلَّ وَقْتٍ بِعُمْرَةٍ يَنْشَأُ لَهَا سَفَرٌ مُفْرَدٌ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ، حَيْثُ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجَّةِ ثَلَاثَ عُمَرٍ مُفْرَدَاتٍ.
وَعَلِمَ أَنَّ أَتَمَّ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ يَنْشَأَ لَهُمَا سَفَرٌ مِنَ الْوَطَنِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَرَ لِتَحْصِيلِ هَذَا الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ لِرَغْبَتِهِ طَرِيقًا إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ الِاعْتِمَارِ مَعَ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، فَقَدْ يَنْهَى السُّلْطَانُ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمُسْتَحَبَّاتِ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْحَلَالُ حَرَامًا.
قَالَ يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ: " إِنَّمَا نَهَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ مِنْ أَجْلِ أَهْلِ الْبَلَدِ؛ لِيَكُونَ مَوْسِمَيْنِ فِي عَامٍ، فَيُصِيبُ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَنْفَعَتِهِمَا ".
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: " إِنَّمَا كَرِهَ عُمَرُ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ إِرَادَةَ أَلَّا يُعَطَّلَ الْبَيْتُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ". رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
(2/528)

وَأَيْضًا: فَخَافَ إِذَا تَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنْ يَبْقُوا حَلَالًا حَتَّى يَقِفُوا بِعَرَفَةَ مُحِلِّينَ، ثُمَّ يَرْجِعُوا مُحْرِمِينَ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: " كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ - يَعْنِي أَرَاكَ عَرَفَةَ - ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ ".
وَنَحْنُ نَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَنْشَأَ لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا مِنْ مَصْرِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ.
(2/529)

فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: " افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ " رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: " سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُخَالِفُ أَبَاكَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَقُلِ الَّذِي تَقُولُونَ: إِنَّمَا قَالَ: أَفْرِدُوا الْعُمْرَةَ مِنَ الْحَجِّ. أَيْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتِمُّ فِي شُهُورِ الْحَجِّ إِلَّا بِهَدْيٍ، وَأَرَادَ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي غَيْرِ شُهُورِ الْحَجِّ، فَجَعَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ حَرَامًا، وَعَاقَبْتُمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَوَكِتَابَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَتَبَّعُوا أَمْ عُمَرَ؟! ".
وَعَنْ أَبِي يَعْفُورَ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ
(2/530)

الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَالَ: " هِيَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَحَبُّ إِلَيَّ ".
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: " مَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَشُكُّ أَنَّ عُمْرَةً فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ".
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، إِمَّا لِعَجْزِهِ عَنْ سَفْرَةٍ أُخْرَى؛ أَوْ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْ سَفْرَةٍ أُخْرَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْحَجِّ مِنْ جِهَادٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَصْدُ مَكَّةَ إِلَّا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ لِعَدَمِ الْقَوَافِلِ، أَوْ خَوْفِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَإِنَّ اعْتِمَارَهُ قَبْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ فِي بَقِيَّةِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهُمْ فَعَلُوا كَذَلِكَ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ الْحَجَّةِ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ إِلَّا عَائِشَةُ خَاصَّةً، وَلَمْ يُقِمِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ وَلَا يَوْمًا وَاحِدًا، بَلْ قَضَى حَجَّهُ وَرَجَعَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ كَانَ. . . وَكَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ كَمَا يَنْهَوْنَ عَنْهَا قَبْلَهُ.
(2/531)

قَالَ أَبُو بِشْرٍ: " حَجَجْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الصَّدَرِ، قَالَ صَاحِبِي: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى هَذَا الْمَكَانِ كُلَّمَا أَرَدْتُ، أَفَأَعْتَمِرُ؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ لَهُ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَسَأَلْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ هَابَنَا، ثُمَّ إِنَّهُ اطْمَأَنَّ بَعْدُ فَقَالَ: أَمَّا أُمَرَاؤُكُمَا فَيَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَعْمَرَ عَائِشَةَ - رَحِمَهَا اللَّهُ - لَيْلَةَ الصَّدَرِ مِنَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ مِنْ سَنَنِ وَجْهِهِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُحْرِمُ ".
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَهُ رُخْصَةً بَعْدَ أَنْ يَسْتَفْتِيَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَوِ اعْتَمَرُوا قَبْلَ الْحَجِّ كَانَ أَفْضَلَ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا عَفَا الْوَبَرُ، وَبَرَأَ الدَّبَرُ، وَدَخَلَ صَفَرُ، فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْعُمْرَةَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " عُمْرَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عُمْرَةٍ فِي الْعِشْرِينَ الْأَوَاخِرِ، قَالَ صَدَقَةُ: فَحَدَّثْتُ نَافِعًا، فَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: لَأَنْ أَعْتَمِرَ عُمْرَةً يَكُونُ عَلَيَّ فِيهَا هَدْيٌ، أَوْ صِيَامٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ
(2/532)

أَنْ أَعْتَمِرَ عُمْرَةً لَيْسَ عَلَيَّ فِيهَا هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ، قَالَ: " وَاللَّهِ لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَأَهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ ".
وَرَوَى أَبُو عَبِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَأَنْ أَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ، أَوْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فِي شَهْرٍ يَجِبُ عَلَيَّ فِيهِ الْهَدْيُ [أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ فِي شَهْرٍ لَا يَجِبُ عَلَيَّ فِيهِ الْهَدْيُ] ".
عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ الَّذِي قَدْ رَآهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمَنْ بَعْدَهُمَا قَدْ خَالَفَهُمْ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ؛ مِثْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
فَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا خَافُوا مِنَ النَّهْيِ؛ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، فَخَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ رَأَوْا أَنَّ تَرْكَ النَّاسِ آخِذِينَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَعِمْرَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
(2/533)

وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: " أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَضْرَبَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ ".
وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَنَا قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْمُتْعَةِ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: انْظُرُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا فِيهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَقَدْ صَدَقَ ".
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُعَرِّضُ بِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " إِنَّ هَاهُنَا قَوْمًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، يُفْتُونَ فِي الْمُتْعَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا لِي فَلْيَسْأَلْ أُمَّهُ، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَ نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ وُلِدُوا مِنْهَا لَفَعَلْتُ " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَاهُمْ سَيَهْلَكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُونَ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ". رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
(2/534)

وَأَمَّا كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي أَشْهُرِهِ، فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَرْوُونَ التَّمَتُّعَ، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَلَمَّا قَضَاهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا.
فَإِنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَرَنَ لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ، سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا أَوْ جَمَعَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ شَهْرِ الْحَجِّ، وَهَذَا لَا يُشَكُّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ.
فَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ؛ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَأَقَرَّتْهُ عَائِشَةُ عَلَى ذَلِكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(2/535)

وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اعْتَمَرْتُ وَلَمْ أَعْتَمِرْ، قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «تَذْهَبُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَذْهَبُ أَنَا بِحَجَّةٍ» ".
وَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ، وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ قَدِ اعْتَمَرُوا مَعَ حَجِّهِمْ قَبْلَ لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ أَوْ قَارِنِينِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ مِنْ قَابِلٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةُ مَعَ حَجَّتِهِ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
وَعَنْ جَابِرٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ، حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ
(2/536)

يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ عَقِيبَ الْحَجَّةِ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ سِوَى عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لَيْلَةَ الصَّدَرِ.
وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ النَّاسُ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، إِمَّا قَبْلَ الْحَجِّ أَوْ مَعَهُ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى قَارِنًا وَمُتَمَتِّعًا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَلْفَاظٌ صَرِيحَةٌ مِنْ قَوْلِهِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ: " «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» "، وَقَوْلِهِ: " إِنِّي قَرَنْتُ "، وَقَوْلِهِ: " قُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ "، وَمِثْلُ مَا رَوَتْ حَفْصَةُ قَالَتْ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكِ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(2/537)

وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ رُوَاةَ التَّمَتُّعَ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَجَلُّ قَدْرًا، وَرِوَايَتُهُمْ أَصَحُّ سَنَدًا وَأَشْهَرُ نَقْلًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، بَلْ طُرُقُ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ بِأَنَّهُ تَمَتَّعَ أَصَحُّ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْإِفْرَادُ إِنَّمَا ذَكَرُوهُ مَعَ أَصْحَابِهِ، مِثْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ. . .
(2/538)

وَأَيْضًا فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: أَفْرَدَ الْحَجَّ؛ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ لِلْعُمْرَةِ طَوَافًا يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَصُورَتُهُ صُورَةُ الْمُفْرِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكَلَامِهِمْ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِوُقُوعِ الْخَطَأِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ مُثْبِتٌ لِزِيَادَةٍ نَفَاهَا غَيْرُهُ، وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنَ النَّافِي.
وَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَيُسَمَّى مُفْرِدًا لِذَلِكَ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا وَكَوْنِهِ لَمْ يَفْسَخِ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ مِمَّنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا. وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَحَلَّلْ فِي حَجَّتِهِ، وَهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَحِلَّ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَفْسَخْ، كَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا تَمَتَّعَ وَلَمْ يُفْرِدْ، عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا.
(2/539)

الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَفْرَدَ فَهُوَ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ حَجَّتِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرُ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدِ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْإِفْرَادُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ، وَمِنِ الْقِرَانِ عِنْدَنَا، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَمَّنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي سَفْرَتِهِ تِلْكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَحُجُّونَ وَيَرْجِعُونَ، وَيَعْتَمِرُونَ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَوْ لَا يَعْتَمِرُونَ، وَإِفْرَادُ الْحَجِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ كَانَ التَّأَسُّفَ عَلَى الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْإِحْلَالَ أَفْضَلَ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَشُكُّ فِي جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى يَعْتَقِدَ مَا اعْتَقَدَهُ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّهُمْ فَسَخُوا؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يُجَوِّزُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُتْعَةِ تَفْتَقِرُ إِلَى دَمٍ، فَذَلِكَ الدَّمُ دَمُ نُسُكٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَتُّعُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَدِمَاءُ الْجُبْرَانِ لَا يَجُوزُ الْتِزَامُهَا إِلَّا لِعُذْرٍ، وَبِدَلِيلِ جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهُ، كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ثُمَّ نَقُولُ: وَإِنْ كَانَ دَمُ جُبْرَانٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ بِلَا جُبْرَانٍ، وَبَيْنَ الْإِحْلَالِ وَالْجُبْرَانِ. وَهَذَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِطَايِلٍ.
فَالْإِحْلَالُ وَالدَّمُ وَالْعُمْرَةُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْهَا. وَهَذَا هُوَ
(2/540)

الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْمُفْرِدُ يَأْتِي بِنُسُكَيْنِ تَامَّيْنِ، فَإِنَّهُ مَتَى أَتَمَّ الْعُمْرَةَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ مِنْ. . . فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ. وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَيْسَتْ بِتِلْكَ التَّامَّةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُتْعَةِ رُخْصَةً: فَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ رُخْصَةٌ، ثُمَّ الرُّخَصُ فِي الْعِبَادَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الشَّدَائِدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجَّةِ: لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ حَلْقِ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ وَالْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ سُنَّةٌ عَظِيمَةٌ: فَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ يَأْتِي فِيهَا بِالْحَلْقِ: أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةٍ تَخْلُوَ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ النُّسُكِ.
(2/541)

وَأَيْضًا: فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَا تُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ عُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْهَا بِالطَّوَافِ أَفْضَلُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَى إِجْزَائِهِ، وَيَتَّسِعُ الْوَقْتُ بَعْدَهُ لِلطَّوَافِ أَفْضَلَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ أَحْوَطَ لَهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخَّرَهَا، فَإِنَّهُ تَغْرِيرٌ بِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوَاحِدِ وَاحِدٌ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ وَتَأْخِيرِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: هُوَ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَجْمَعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ جَمِيعًا، وَيَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيُحِلُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا إِذَا قَضَى حَجَّهُ، وَلَهُ فَضِيلَةٌ عَلَى الْقَارِنِ بِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ.
(2/542)

وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مُخَالَفَةٌ لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ وَدَلِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، وَكُلَّمَا كَانَ مِنَ الْمَنَاسِكِ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، مِثْلُ الْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَةَ، وَتَرْكِ الْوُقُوفَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالطَّوَافِ بِالثِّيَابِ، وَدُخُولِ الْبَيْتِ مِنَ الْبَابِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَالطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَأَيْضًا: فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إِذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ عُمْرَةً وَحَجَّةً وَدَمًا؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ عَلَى حِدَةٍ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَجْمَعَهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِإِحْلَالَيْنِ، وَإِحْرَامَيْنِ، وَتَلْبِيَتَيْنِ، وَطَوَافَيْنِ، وَسَعْيَيْنِ، فَهُوَ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْقَارِنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعُمْرَتُهُ تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ بِالِاتِّفَاقِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ الْقَارِنِ فَإِنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا، وَلَيْسَ الْقَارِنُ بِأَعْجَلَ مِنَ الْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَفْرُغُ مِنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا، وَيَزِيدُ الْمُتَمَتِّعُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَفْرُغُ مِنَ الْعُمْرَةِ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ أَسْبَقَ مِنْهُ إِلَى أَدَاءِ النُّسُكِ.
وَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْمُفْرِدِ: بِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَنُسُكَانِ أَفْضَلُ مِنْ نُسُكٍ، وَأَنَّهُ يَأْتِي مَعَ ذَلِكَ بِدَمِ الْمُتَمَتِّعِ، وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَيَكُونُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى زِيَادَةٍ أَفْضَلَ كَمَا فُضِّلَ الْمُفْرِدُ عَلَى الْقَارِنِ؛ لِأَنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى مَرَّتَيْنِ. وَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ وَهَدْيٌ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ لَا عُمْرَةَ فِيهَا وَلَا هَدْيَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ: " لَأَنْ أَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأُهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الْحَجِّ وَلَا أُهْدِيَ ".
(2/543)

وَيَتَّسِعُ الْوَقْتُ لِلْمُتَمَتِّعِ بَعْدَ الصَّدَرِ مِنْ مِنًى إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً، لَا سِيَّمَا إِنْ خِيفَ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ لِخَوْفٍ، أَوْ غَلَاءٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَتَحْصِيلُ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ أَوْثَقُ. وَإِنْ كَانَ الْحَاجُّ امْرَأَةً خِيفَ عَلَيْهَا أَنْ تَحِيضَ بَعْدَ الصَّدَرِ، وَيَسْتَمِرُّ بِهَا الْحَيْضُ حَتَّى لَا تَتَمَكَّنَ مِنْ الِاعْتِمَارِ، فَإِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً وَحَاضَتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
فَأَمَّا إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْإِفْرَادِ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا شَكَّ أَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَكَانَ قَارِنًا، أَوْ مُتَمَتِّعًا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهِ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِفْرَادِ أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ، فَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا بِذَلِكَ، قَالُوا: لِأَنَّ فِي عَمَلِ الْمُفْرِدِ زِيَارَةً عَلَى الْقَارِنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْتِي بِإِحْرَامَيْنِ، وَإِحْلَالَيْنِ، وَتَلْبِيَتَيْنِ، وَطَوَافَيْنِ، وَسَعْيَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ. . .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُتْعَةَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا، أَوْ بِالْحَجِّ، أَوْ بِهِمَا، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى وُجُوبَهَا؛ فَعَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ: " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَأْمُرُ الْقَارِنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ ".
(2/544)

وَعَنْ أَبِي هِشَامٍ " أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ حَاجًّا، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً، ثُمَّ لَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: اثْبُتْ عَلَى إِحْرَامِكَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ طَوَافَكَ بِالْبَيْتِ يَنْقُضُ حُرْمَكَ، كُلَّمَا طُفْتَ فَجَدِّدْ إِهْلَالًا "، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَنَا أَطُوفُ وَأُلَبِّي، فَقَالَ: أَبِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؟ قُلْتُ: حَجَّةٍ، قَالَ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً، قُلْتُ: كَيْفَ أَجْعَلُهَا عُمْرَةً وَهَذَا أَوَّلُ مَا حَجَجْتُ؟ قَالَ: فَأَكْثِرْ مِنَ التَّلْبِيَةِ فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ تَشُدُّ الْإِحْرَامَ، وَإِنَّ الْبَيْتَ يُنْقَضُ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ تُنْقَضُ ".
وَعَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يَحِلُّ الْحَجُّ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي قَدِمْتُ حَاجًّا وَلَمْ أَذْكُرْ عُمْرَةً، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَمَرْتَ. فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: إِنَّكَ لَمْ تَفْهَمْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: إِنِّي قَدِمْتُ حَاجًّا، قَالَ: فَصَنَعْتَ مَاذَا؟ قَالَ: طُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ: اعْتَمَرْتَ. فَقَالُوا لَهُ: عُدْ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدِمْتُ حَاجًّا وَلَمْ أَذْكُرْ عُمْرَةً، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ؟ هِيَ ثَلَاثًا فَإِنْ أَنْتَ فَأَرْبَعٌ، وَلَمْ يَقُلْ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّكَ قَصَرْتَ " وَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " وَاللَّهِ مَا تَمَّتْ حَجَّةُ
(2/545)

رَجُلٍ إِلَّا بِمُتْعَةٍ، إِلَّا رَجُلٌ اعْتَمَرَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ "، وَقَدْ تَأَوَّلَ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: " قُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْخُذُ أَنَّهُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33]، وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يُسْتَحَبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِنِيَّةِ الْفَسْخِ، فَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِنِيَّةِ الْمُضِيِّ فِيهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ رَغْبَةً فِي الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ - فِي قَلْبِهِ - جَازَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ الْمُتْعَةِ كَمَا حَكَيْتُمْ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(2/546)

الْقَاسِمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: " أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: يَنْهَى عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ ".
وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْهُنَائِيِّ - مِمَّنْ قَرَأَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ -: " «أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَرُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَقَالُوا: أَمَّا هَذَا فَلَا، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا مَعَهَا وَلَكِنْ نَسِيتُمْ» " رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ. وَهَذَا النَّهْيُ
(2/547)

إِمَّا أَنْ يُفِيدَ الْكَرَاهَةَ، أَوْ يَكُونَ مَعْنَاهُ النَّهْيَ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
قُلْنَا: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُكْرَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ كَانَ بَعْضُ أُمَرَاءِ بَنِي مَرْوَانَ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، وَيُعَاقِبُ عَلَى الْمُتْعَةِ. وَهَذَا قَدْ يَكُونُ رَأَى ذَلِكَ لِنَوْعِ مَصْلَحَةٍ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ خِلَافًا.
(2/548)

وَقَدْ أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ عَلِمُوا مَعْنَى كَلَامِ عُمَرَ - مِثْلَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ - ذَلِكَ. عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ أَحَدٌ بِكَرَاهَةِ الْمُتْعَةِ لَكَانَ مَخْصُومًا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا: فَإِنَّهُ أَوْجَهُ حُجَّةً، وَأَحْسَنُ انْتِزَاعًا؛ إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا، وَتَغَيَّظَ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَشَاذَّانِ مُنْكَرَانِ، مُخَالِفَانِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ النَّاطِقَةِ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يُنْسَخُ حَيْثُ قَالَ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: قَدْ يَكُونُ مِنَ الْحَافِظِ الْوَهْمُ أَحْيَانًا. وَالْأَحَادِيثُ إِذَا تَظَاهَرَتْ وَكَثُرَتْ كَانَتْ أَثْبَتَ مِنَ الْوَاحِدِ الشَّاذِّ، كَمَا قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: وَإِيَّاكَ وَالشَّاذَّ مِنَ الْعِلْمِ.
(2/549)

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ آدَمَ: إِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَ شَاذًّا مِنَ الْعِلْمِ حَمَلْتَ شَرًّا كَثِيرًا. قَالَ: وَالشَّاذُّ - عِنْدَنَا - هُوَ الَّذِي يَجِيءُ عَلَى خِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ الشَّاذُّ الَّذِي يَجِيءُ وَحْدَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَجِئْ أَحَدٌ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ.
وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْحَجِّ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى مِصْرِهِ، وَيُؤَخِّرَ الْحَجَّ عَنْ ذَلِكَ الْعَامِ، فَيَكُونُ هَذَا مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لِكَوْنِ الْحَجِّ أَوْجَبَ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ مَشَقَّةَ السَّفَرِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ بِغَيْرِ حَجٍّ، وَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا الْآخَرُ ..... .
(2/550)

(فَصْلٌ)
وَإِذَا اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَفْرَدَ الْحَجَّ مِنْ سَنَتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَثْرَمِ -: هِيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ وَهِيَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ وَسَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَتَقُولُ: الْعُمْرَةُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا سُئِلْتُ عَنْ أَتَمِّ الْعُمْرَةِ، فَالْمُتْعَةُ تُجْزِؤُهُ مِنْ عُمْرَتِهِ، فَأَمَّا أَتَمُّ الْعُمْرَةِ: فَأَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
فَإِذَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ، أَوْ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ سَنَتِهِ - فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ ; لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى الْمُحَرَّمِ حَتَّى يَعْتَمِرَ فَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَتُّعِ؟
(2/551)

وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى مِصْرِهِ ثُمَّ عَادَ لِلْعُمْرَةِ.
وَإِنِ اعْتَمَرَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ثُمَّ عَادَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَمَتَّعَ أَوْ يُفْرِدَ، وَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَحُجَّ، أَوْ يَحُجَّ فَقَطْ، أَوْ يَحُجَّ ..
وَأَمَّا إِذَا حَجَّ، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ: فَالْمُتْعَةُ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَسَعْدَانَ بْنِ يَزِيدَ ..
فَإِنْ عَادَ فِي ذِي الْحِجَّةِ أَوِ الْمُحَرَّمِ إِلَى الْمِيقَاتِ فَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ. . .
(2/552)

(فَصْلٌ)
وَيَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ مِنْ عُمْرَةٍ، أَوْ حَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ عُمْرَةَ تَمَتُّعٍ، أَوْ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْوِيَ عُمْرَةً أَوْ حَجَّةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا أَحْرَمَ بِهِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: " «قَدِمَ عَلِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " «فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ - وَمَعَهُ هَدْيٌ - فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» " وَفِي لَفْظٍ: «قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ» ". وَفِي لَفْظٍ: قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِلْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ: " «مَا قُلْتَ حِينَ
(2/553)

فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تُحِلَّ» "، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: " «قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ - فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «فَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَذَكَرَهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنْ عَلِمَ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فُلَانٍ.
فَإِنْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ. . .
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنْ مَاتَ زَيْدٌ أَوْ. . .، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ كَالْمُطْلَقِ فِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَى أَحَدِ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالْمُنْشِئِ يَصْرِفُهُ إِلَى مَا شَاءَ. وَهَذَا أَصَحُّ.
(2/554)

وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ إِلَى تَمَتُّعٍ، أَوْ إِفْرَادٍ، أَوْ قِرَانٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى الْمُتْعَةِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً حَتَّى مَضَتْ أَيَّامٌ - فَقَالَ: يَقْدَمُ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُ وَيُقَصِّرُ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ.
وَحَمَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ ; لِأَنَّا نَسْتَحِبُّ التَّمَتُّعَ لِمَنْ عَيَّنَ الْحَجَّ وَالْقِرَانَ، فَأَنْ نَسْتَحِبَّهُ لِمَنْ أَبْهَمَ الْإِحْرَامَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا قَدْ أَحْرَمَ بَعْضُهُمْ شَبِيهًا بِهَذَا الْإِحْرَامِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ: انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرٍ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ جَازَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
فَإِنْ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " -: وَا. . . وَغَيْرُهُمَا. لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ ; لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا فِي عُمْرَةٍ. وَقَالَ:. . .: يَتَعَيَّنُ طَوَافُهُ لِلْعُمْرَةِ.
(2/555)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَيَصِيرَ قَارِنًا؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ " «وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» " وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: " «أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الْحَجَّ عَامَ حَجَّتِ الْحَرُورِيَّةُ فِي عَهْدِ ابْنِ
(2/556)

الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، إِذًا أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ طَافَ بَعْدَ
(2/557)

التَّعْرِيفِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ هُوَ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ نَافِعٌ أَنَّهُ اكْتَفَى لِلْقِرَانِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لَمْ يَطُفْ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَ سَعْيَيْنَ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقُلْتُ: أَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ فَأَلْقَى عَلِيًّا، فَأَقْتَدِي بِهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَلِيٌّ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا، فَأَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَأَدْرَكْتُ عَلِيًّا فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ لِأَقْتَدِيَ بِكَ، وَقَدْ سَبَقْتَنِي فَأَهْلَلْتَ بِالْحَجِّ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ؟
(2/558)

فَقَالَ: لَا؛ إِنَّمَا ذَاكَ لَوْ كُنْتَ أَهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ. فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ [لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَادَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ] لِحَجَّتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ حَرَامًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ.
وَيَجُوزُ إِضَافَةُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِكُلِّ مُحْرِمٍ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ إِنْ أَضَافَهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَعَ الطَّوَافُ عَنِ الْقِرَانِ، وَكَانَ قَارِنًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْإِفَاضَةُ تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ فَخَشِيَ فَوْتَهُ، إِمَّا بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَقَدْ حَاضَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَتُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَتَتْرُكُ طَوَافَ الْقُدُومِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُفْرِدَةً، أَوْ بِأَنْ يُوَافِيَ مَكَّةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ إِتْمَامِ الْعُمْرَةِ وَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْعُمْرَةِ وَيُفَوِّتَ الْحَجَّ. . .، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ الْحَجِّ وَهُوَ قَارِنٌ إِذَا وَقَفَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ - فَهُوَ بَاقٍ عَلَى قِرَانِهِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَا يَنْقُضُ الْعُمْرَةَ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَخَشِيَ الْفَوْتَ - لَمْ
(2/559)

يَطُفْ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَمْسَكَ عَنِ الْعُمْرَةِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: قَدْ رَفَضَ الْعُمْرَةَ وَصَارَ حَجًّا فَقَالَ: مَا قَالَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ، إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَمَا رَفَضَتِ الْعُمْرَةَ، فَلَمَّا قَالَتْ: أَيَرْجِعُ أَزْوَاجُكِ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ؟ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، أَرَادَ أَنْ يُطَيِّبَ نَفْسَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْقَضَاءِ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ كَيْفَ يَصْنَعُ مِثْلُهَا؟ قَالَ: لَمَّا دَخَلَتْ بِعُمْرَةٍ حَاضَتْ بَعْدَمَا أَهَلَّتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَهَذِهِ شُبِّهَتْ بِالْقَارِنِ، فَتَذْهَبُ فَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ جَاءَتْ مَكَّةَ، فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، وَسَعَتْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قِيلَ لَهُ: طَوَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، طَوَافٌ وَاحِدٌ يُجْزِئِ الْقَارِنَ، وَهَذِهِ يُجْزِؤُهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ يَرْوِيهِ: " «انْقُضِي عُمْرَتَكِ» " فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ يَرْوِيهِ: " «أَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ» " أَيْشِ مَعْنَى انْقُضِي؟ هُوَ شَيْءٌ يَنْقُضُهُ، هُوَ ثَوْبٌ تُلْقِيهِ، وَعَجِبَ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَهَذَا يَسْتَقِيمُ
(2/560)

عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّهُ لَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرَدِ.
فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: يَلْزَمُ الْقَارِنَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى أَوَّلًا لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْعَى لِلْحَجِّ، فَإِنَّ عُمْرَتَهُ تَنْقَضِي قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ.
فَعَلَى هَذَا: إِذَا لَمْ يَطُفْ لِلْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَسْعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ - فَإِنَّ عُمْرَتَهُ تَنْتَقِضُ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَيَكُونُ مُفْرِدًا وَعَلَيْهِ دَمُ جِنَايَةٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَابْنَ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا. فَعَلَى هَذَا إِذَا رَفَضَ الْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَدْ فَسَخَ الْعُمْرَةَ إِلَى الْحَجِّ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا قَدِمَتْ مَكَّةَ - وَهِيَ مُتَمَتِّعَةٌ - فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ وَتَتْرُكَ الْعُمْرَةَ.
[فَمَنْ قَالَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي قَالَ: أَمَرَهَا بِرَفْضِ الْعُمْرَةِ] وَأَنْ تَصِيرَ مُفْرِدَةً لِلْحَجِّ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا دَمَ قِرَانٍ، بَلْ ذَبَحَ عَنْهَا يَوْمَ النَّحْرِ دَمَ جُبْرَانٍ؛ لِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءَ تِلْكَ الْعُمْرَةِ الَّتِي رَفَضَتْهَا، قَالُوا: لِأَنَّ فِي حَدِيثِهَا قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ - وَأَنَا حَائِضٌ - فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ - بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى - لِحَجِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» " وَفِي لَفْظٍ:
(2/561)

قَالَتْ: " «فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهِلَّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ» " وَفِي لَفْظٍ: " «أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ - فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ -لَيْلَةُ عَرَفَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ» " وَفِي لَفْظٍ: " «حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوهَا» " وَفِي لَفْظٍ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُصْدِرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأُصْدِرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، قَالَ: انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمَنَعْتُ الْعُمْرَةَ، قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: فَلَا يَضُرُّكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجِّكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى، فَطَهُرْتُ» "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: أَنَّهَا قَالَتْ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ؟ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّهَا قَالَتْ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ:
(2/562)

يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْحَجِّ؟ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي وَلْيُرْدِفْكِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّهَا قَالَتْ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ» ".
قَالُوا: فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا صَارَتْ مُفْرِدَةً، وَأَنَّهَا رَفَضَتِ الْعُمْرَةَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» ". وَلَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَالِهِ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالِامْتِشَاطِ، وَلِقَوْلِهِ: " «أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» "، " وَاتْرُكِي الْعُمْرَةَ "، وَفِي لَفْظٍ: " «وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ» "، وَهَذَا ظَاهِرُ فِي أَنَّهَا تَرْفُضُ الْعُمْرَةَ.
وَقَدْ رَوَى. . . . لَا سِيَّمَا وَكَانَ هَذَا لَيْلَةَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَهَا، وَالنَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ فِعْلُ الْعُمْرَةِ، فَعُلِمَ: أَنَّهُ أَرَادَ تَرْكَ إِحْرَامِهَا.
وَلِقَوْلِهِ: " هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ " وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَتُهَا بِحَالِهَا: لَمْ يَقُلْ: " هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ، كَمَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ سَائِرُ مَنْ قَرَنَ مِنْ أَصْحَابِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ عُمْرَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَيْضًا: فَقَوْلُهَا: " «أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ فَقَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ» "، فَأَقَرَّهَا عَلَى قَوْلِهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ بِحَجَّةٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ يَرْجِعُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ تِلْكَ اللَّيَالِي يَكُونُ حَالُهُ كَذَلِكَ، يَرْجِعُ بِحَجَّةٍ بِدُونِ عُمْرَةٍ، ثُمَّ أَمَرَهَا بِالْقَضَاءِ - بِحَرْفِ الْفَاءِ.
(2/563)

وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ لَهَا لَمَّا ذَكَرَتْ لَهُ الْحَيْضَ -: " فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا " قَالَتْ: " فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَبْقَ فِي عُمْرَةٍ وَأَنَّهَا تَرْتَجِي ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ فِي إِحْرَامٍ بِعُمْرَةٍ: لَكَانَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ تَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْوُقُوفَ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةٍ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ مِنَ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى؛ وَلِهَذَا إِذَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَلَمْ يَقِفْ بِالْمَوَاقِفِ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي عُمْرَةٍ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رَوَى طَاوُسٌ «عَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ -: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ، فَأَبَتْ فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ «عَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ «عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: " طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(2/564)

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ ثُمَّ وَجَدَهَا تَبْكِي، وَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: اغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حِينَ حَجَجْتُ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ - وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ، وَأَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي طَافَتْهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُهَا لِحَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى عُمْرَتِهَا مُقِيمَةٌ عَلَيْهَا، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهَا بِقَضَاءِ الْعُمْرَةِ حَتَّى أَلَحَّتْ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهَا ابْتِدَاءً بِالْعُمْرَةِ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا عَلَيْهَا لَمَا
(2/565)

أَهْمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرَ بِهِ حَتَّى تَطْلُبَ هِيَ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ، بَلْ أَعْمَلَهَا بِهِ حِينَ قَالَ لَهَا: " «اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» " بِأَنْ يَقُولَ: فَإِذَا حَلَلْتِ، فَاقْضِي عُمْرَتَكِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى عَنْهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهَا مِنْ هَدْيِهَا. فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ دَمَ نُسُكٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَمَ جِنَايَةٍ لَمْ يَجُزِ الْأَكْلُ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ لَهَا: " «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ» ": يَعْنِي عَنْ إِتْمَامِهَا مُفْرِدَةً كَمَا كَانَتْ أَوْجَبَتْهُ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَتَصِيرُ الْعُمْرَةُ فِي ضِمْنِ الْحَجِّ وَلَا يَبْقَى لَهَا صُورَةٌ ; فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِبَقَاءِ الْعُمْرَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: أَمْسِكِي عَنْهَا، وَالْإِمْسَاكُ عَنْهَا لَا يَقْتَضِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي تَرْكَ عَمَلِهَا الَّذِي بِهِ تَتِمُّ وَتَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَمَّا نَقْضُ الرَّأْسِ. . . .
وَأَمَّا الْقَضَاءُ: فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عُمْرَةِ الْقِرَانِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ. وَسَنَتَكَلَّمُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا: " «يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ» ".
(2/566)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
أَنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، فَإِنْ أَدْخَلَهَا عَلَيْهِ لَمْ تَنْعَقِدْ هَذِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ بِهَا شَيْءٌ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حَجِّهِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - فِيمَنْ قَدِمَ يَوْمَ عَرَفَةَ مُعْتَمِرًا، فَخَافَ أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ إِنْ طَافَ -: أَدْخِلِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَيَكُونُ قَارِنًا، قِيلَ لَهُ: فَيُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لَا.
وَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ: إِذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَضَافَ إِلَيْهَا الْحَجَّ، وَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ لَمْ يُضِفْ إِلَيْهِ عُمْرَةً. وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ: إِذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهَا حَجَّةً، فَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ لَمْ يُضِفْ إِلَيْهِ عُمْرَةً.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ حَرْبٌ - وَقَدْ سَأَلَهُ عَمَّنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَأَرَادَ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهَا عُمْرَةً فَكَرِهَهُ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ: إِذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَضَافَ إِلَيْهَا الْحَجَّ وَلَا بَأْسَ، إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي الَّذِي يُهِلُّ بِالْحَجِّ أَيُضِيفُ إِلَيْهِ عُمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: عَلِيٌّ يَقُولُ: لَوْ كُنْتَ بَدَأْتَ بِالْعُمْرَةِ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ - قَوْلُهُ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» " يَعْنِي الْعُمْرَةَ فِي
(2/567)

أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي ضَمِّ الْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَّا شَيْئًا ضَعِيفًا.
وَلَعَلَّ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ لَا عَلَى بُطْلَانِهِ، فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: مَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ لَمَّا سَأَلَهُ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ - وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، فَقَالَ: هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ لَوْ كُنْتَ أَهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ، فَأَخْبَرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِرَانَ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا، وَيَسْتَطِيعُهُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا، وَقَوْلُهُ: لَا تَسْتَطِيعُهُ دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْبَتَّةَ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ.
(2/568)

(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِإِحْدَاهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْآخَرِ ; نُصَّ عَلَيْهِ فِيمِنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا حَجَّةٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاتَيْنِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - إِذَا قَالَ: لَبَّيْكَ الْعَامَ وَعَامَ قَابِلٍ، فَإِنَّ عَطَاءً يَقُولُ: يَحُجُّ الْعَامَ وَيَعْتَمِرُ قَابِلَ، فَإِنْ قَالَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّتَيْنِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ الَّتِي لَبَّى بِهَا، وَلَا يَكُونُ إِهْلَالًا بِشَيْئَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: لَبَّيْكَ بِمِائَةِ حَجَّةٍ أَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِائَةُ حَجَّةٍ؟ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَأَصْلُ قَوْلِ عَطَاءٍ التَّسْهِيلُ، يَقُولُ: الْمُشِيءُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَكَفَّارَةٌ، وَذُكِرَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَرْبَعٍ. . . . .
(2/569)

(فَصْلٌ)
وَإِذَا نَسِيَ الْمُحْرِمُ مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ فُلَانٍ، وَتَعَذَّرَ مَعْرِفَتُهُ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ - فِي رَجُلٍ لَبَّى فَنَسِيَ لَا يَدْرِي بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ: يَجْعَلُهَا عُمْرَةً، ثُمَّ يُلَبِّي مِنْ مَكَّةَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ أَهَلَّ لَا يَدْرِي بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ: فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْمَعَهُمَا - قَالَ أَحْمَدُ: أَنَا أَقُولُ: إِنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً فَعَلَ، وَإِنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ [وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَعَلَ. فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عُمْرَةً] فَيَتَمَتَّعُ بِهَا إِلَى الْحَجِّ، وَهَذَا حَسَنٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرَعَ لِمَنْ يَذْكُرُ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُتْعَةً، فَلِمَنْ لَا يَذْكُرُ أَوْلَى.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَأَقَرَّهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ بَعْضُ هَؤُلَاءِ قَالَ: إِنَّمَا يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
(2/570)

وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ يَتَمَتَّعُ بِهَا إِلَى الْحَجِّ، فَلَزِمَهُ عُمْرَةٌ وَحَجٌّ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنَّ قِيَاسَ هَذَا أَنْ يَلْزَمَهُ الْقِرَانُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ وُجُوبَ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَزِمَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا. وَإِذَا تَمَتَّعَ فَإِنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِيَقِينٍ، أَمَّا إِذَا أَفْرَدَ جَازَ أَنْ يَكُونَ [الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ عُمْرَةً أَوْ قِرَانًا، وَإِذَا قَرَنَ جَازَ أَنْ يَكُونَ] قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا، فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْقَاضِي وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ; كَالشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافَةٍ، وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ: فَإِنَّهُمْ يُخَيِّرُونَهُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَحَمَلُوا كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنَ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، فَلَمْ يَجِبْ إِلْزَامُهُ بِالشَّكِّ. وَزَعَمَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ إِحْرَامًا وَنَسِيَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْأَوْلَى، وَكَذَلِكَ هُنَا، وَلِأَنَّ الشَّكَّ فِي التَّعْيِينِ يَجْعَلُ التَّعْيِينَ كَعَدَمِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، فَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ. وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ فِي إِحْرَامِهَا، فَإِذَا صَلَّى صَلَاةً مُطْلَقَةً لَمْ تَصِحَّ. وَالْحَجُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْإِبْهَامِ، فَإِذَا شَكَّ فِي عَيْنِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا يَتَّقِينُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَالْإِحْرَامُ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ يُبْرِئُ الذِّمَّةَ مِنْ هَذَا الْإِحْرَامِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ عَيَّنَهُ بِقِرَانٍ، فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَدْ
(2/571)

أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَصِحُّ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ - أَجْزَأَتْهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ - فَيَصِحُّ لَهُ الْحَجُّ بِكُلِّ حَالٍ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ قَارِنًا.
وَالثَّانِي: لَا تُجْزِئُهُ - وَهُوَ أَصَحُّ - لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ لِصِحَّةِ قِرَانِهِ. فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ قَدْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَى لَهَا، ثُمَّ طَافَ لِلْحَجِّ وَسَعَى، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَعْمَالِ الْمُفْرِدِ، وَقُلْنَا: بِأَنَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ لَا تَدْخُلُ فِي الْحَجِّ: لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِطَوَافٍ لِلْعُمْرَةِ. وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ طَوَافِ الْحَجِّ لِكَوْنِهِ قَدْ شَرَكَ فِي طَوَافِهِ الْأَوَّلِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي؟
وَإِنْ قُلْنَا: تَدْخُلُ أَعْمَالُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ - وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ - فَإِنَّهُ قَدْ شَرَكَ فِي الطَّوَافِ بَيْنَ حَجٍّ صَحِيحٍ وَعُمْرَةٍ لَمْ تَصِحَّ، وَذَلِكَ يُجْزِئُهُ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ الْقَاضِي.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ النُّسُكَانِ عَنْهُ، لَزِمَهُ الدَّمُ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَجُّ، فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - لِلشَّكِّ فِي سَبَبِهِ.
(2/572)

وَالثَّانِي: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ ظَاهِرًا، وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَإِنِ اخْتَارَ الْإِفْرَادَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَجُّ يَقِينًا، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِهِ، أَوْ بِالْعُمْرَةِ، أَوْ بِهِمَا، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَا تَحَقَّقَ وُجُوبُهُ، وَهَلْ يَحْتَاجُ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْإِحْرَامِ إِلَى طَوَافٍ بِنِيَّةِ الْعُمْرَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَإِنْ عَيَّنَهُ بِتَمَتُّعٍ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيُجْزِئُهُ عَنِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ. قَالَ - بَعْضُ أَصْحَابِنَا -: وَلَوْ بَدَا لَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَا يَحُجُّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ وَتَمَّمَ أَعْمَالَ الْحَجِّ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْحَجُّ يَقِينًا. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَهُوَ فِيهَا كَالْقَارِنِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ، فَلَا يَصِحُّ فَسْخُهُ إِلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ هُوَ قَدْ طَافَ أَوَّلًا وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَسَعَى لِلْحَجِّ.
فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ لَا تَدْخُلُ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ إِذَا كَانَ قَارِنَا، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِحْرَامِ بِيَقِينٍ، وَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَارِنِ أَنْ يَطُوفَ لَهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ.
وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ تَدْخُلُ فِي الْحَجِّ وَلَا يُجْزِئُ الطَّوَافُ لَهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ - فَإِنَّ طَوَافَهُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ لَمْ يَقَعْ عَنْ عُمْرَةِ الْقِرَانِ، وَهُوَ بَعْدَ الْوُقُوفِ إِنَّمَا طَافَ عَنِ الْحَجِّ خَاصَّةً، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ لَهَا ثَانِيًا بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ عَلَى الْقَارِنِ أَنْ يَنْوِيَ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الطَّوَافُ لِلْحَجِّ يُجْزِئُ عَنِ النُّسُكَيْنِ إِذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ كَذَلِكَ - فَكَذَلِكَ هُنَا.
(2/573)

وَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْقَارِنِ، أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُوجِبَهُ، وَهُوَ أَحْوَطُ.
وَالثَّانِي: لَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِحْرَامُهُ - فِي الْأَصْلِ - بِحَجَّةٍ وَقَدْ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِنَا، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ إِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ بِلَا تَرَدُّدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِحْرَامُهُ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ بِلَا نِيَّةِ تَمَتُّعٍ، وَنَقُولُ: إِنَّ نِيَّةَ التَّمَتُّعِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهِ.
(2/574)

[مَسْأَلَةٌ صفة التلبية]
مَسْأَلَةٌ:
(وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ).
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ التَّلْبِيَةِ.
وَأَمَّا صِفَتُهَا: فَكَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَحَنْبَلٍ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا لَبَّى يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» " وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . . إِلَى آخِرِهِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ مَعَ هَذَا: " لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(2/575)

وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ مُلَبِّيًا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» " لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، الْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ».
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ: " «أَرْبَعًا تَلَقَّنْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ - ثَلَاثًا إِلَى آخِرِهِ ". رَوَاهُ. . . .
(2/576)

«وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ».
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " «كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ. .» مِثْلَهُ سَوَاءً ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي كَذَلِكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
«وَعَنْ جَابِرٍ فِي ذِكْرِ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ
(2/577)

لَكَ. وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَلَفْظُهُمَا: " وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ " ذَا الْمَعَارِجِ " وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا ".
وَعَنِ الضَّاحِكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَدَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو.
وَسَبَبُ التَّلْبِيَةِ وَمَعْنَاهَا: عَلَى مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمُ اتَّخَذَ بَيْتًا وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ أَكَمَةٍ، أَوْ
(2/578)

تُرَابٍ، أَوْ شَيْءٍ، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " رَوَاهُ آدَمُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْهُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27] قَالَ: نَادَى إِبْرَاهِيمُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالْحَجِّ قَامَ عَلَى الْمَقَامِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، قَالُوا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَمَنْ حَجَّ الْيَوْمَ فَقَدْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ. رَوَاهُمَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْهُ - أَيْضًا - قَالَ: " أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَامَ عَلَى
(2/579)

الْمَقَامِ، فَتَطَاوَلَ حَتَّى صَارَ كَطُولِ الْجَبَلِ، فَنَادَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ مَرَّتَيْنِ، فَأَجَابُوهُ مِنْ تَحْتِ التُّخُومِ السَّبْعِ: لَبَّيْكَ أَجَبْنَا، لَبَّيْكَ أَطَعْنَا، فَمَنْ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ، فَوَقَرَتْ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ " رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْهُ.
وَعَنْهُ - أَيْضًا - قَالَ: " لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمَّا أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْحَجِّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، قَالَ: فَلَبَّى كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ".
وَقِيلَ لِعَطَاءٍ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27] إِبْرَاهِيمُ أَوْ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ:
لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُؤْذِّنَ فِي النَّاسِ عَلَى الْمَقَامِ، فَنَادَى بِصَوْتٍ أَسْمَعَ مَنْ بَيْنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، قَالَ: فَأَجَابُوهُ مِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَإِنَّمَا يَحُجُّ الْيَوْمَ مَنْ أَجَابَ يَوْمَئِذٍ " رَوَاهُنَّ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ.
(2/580)

وَأَمَّا اشْتِقَاقُهَا: فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَلَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَهُ، وَلَبَّ - أَيْضًا - لُغَةٌ فِيهِ حَكَاهَا الْخَلِيلُ، وَالْمَعْنَى: وَأَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ وَلَازِمُهَا، لَا أَبْرَحُ عَنْهَا وَلَا أُفَارِقُهَا، أَوْ أَنَا لَازِمٌ لَكَ، وَمُتَعَلِّقٌ بِكَ لُزُومَ الْمُلِبِّ بِالْمَكَانِ. وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِالْفِعْلِ اللَّازِمِ إِضْمَارُهُ، كَمَا قَالُوا: حَنَانَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَدَوَالَيْكَ، وَالْيَاءُ فِيهِ لِلتَّثْنِيَةِ.
وَأَصْلُ الْمَعْنَى: لَبَّيْتُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَبًّا بَعْدَ لَبٍّ، ثُمَّ صِيغَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّكْرَارُ وَالْمُدَاوَمَةُ كَقَوْلِهِ: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] وَكَقَوْلِ حُذَيْفَةَ: وَجَعَلَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ -: " رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي " وَيَقُولُ فِي الِاعْتِدَالِ: " لِرَبِّيَ الْحَمْدُ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ " يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُكَرِّرُ هَذَا اللَّفْظَ. هَذَا
(2/581)

قَوْلُ الْخَلِيلِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ.
وَزَعَمَ يُونُسُ أَنَّهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَتْ مُثَنَّاةً، وَأَنَّ الْيَاءَ فِيهَا أَصْلِيَّةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: لَبَّى يُلَبِّي.
وَالْأَجْوَدُ فِي اشْتِقَاقِهَا: أَنَّ جِمَاعَ هَذِهِ الْمَادَّةِ: هُوَ الْعَطْفُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْإِقْبَالُ إِلَيْهِ وَالتَّوَجُّهُ نَحْوَهُ، وَمِنْهُ اللَّبْلَابُ، وَهُوَ نَبْتٌ يَلْتَوِي عَلَى الشَّجَرِ، وَاللَّبْلَبَةُ: الرِّقَّةُ عَلَى الْوَلَدِ، وَلَبْلَبَتِ الشَّاةُ عَلَى وَلَدِهَا: إِذَا لَحِسَتْهُ وَأَسْلَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ تَضَعُهُ، وَمِنْهُ لَبَّ بِالْمَكَانِ، وَأَلَبَّ بِهِ إِذَا لَزِمَهُ لِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ لَبٌّ وَلَبِيبٌ أَيْ لَازِمٌ لِلْأَمْرِ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ لَبٌّ طَبٌّ. قَالَ:
لُبَابًا بِأَعْجَازِ الْمَطِيِّ لَاحِقًا
قَالَ:
فَقُلْتُ لَهَا فَيْئِي إِلَيْكِ فَإِنَّنِي ... حَرَامٌ وَإِنِّي بَعْدَ ذَاكَ لَبِيبُ
(2/582)

وَامْرَأَةٌ لَبَّةٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ مِنَ النَّاسِ لَطِيفَةٌ، وَمِنْهُ اللَّبَّةُ وَهِيَ الْمَنْحَرُ، وَاللَّبَبُ وَهُوَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ - أَيْضًا - عَلَى صَدْرِ النَّاقَةِ أَوِ الدَّابَّةِ يَمْنَعُ الرَّحْلَ مِنَ الِاسْتِئْجَارِ. سُمِّي مُقَدَّمُ الْحَيَوَانِ لَبَبًا وَلَبَّةً لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُقْبِلُ بِهِ وَيَتَوَجَّهُ. ثُمَّ قِيلَ: لَبَّبْتُ الرَّجُلَ تَلْبِيبًا إِذَا جَمَعْتَ ثِيَابَهُ عِنْدَ صَدْرِهِ وَنَحْرِهِ فِي الْخُصُومَةِ ثُمَّ جَرَرْتَهُ؛ لِأَنَّ انْقِيَادَهُ وَاسْتِجَابَتَهُ تَكُونُ بِهَذَا الْفِعْلِ، وَقَدْ تَلَبَّبَ إِذَا انْقَادَ.
وَسُمِّيَ الْعَقْلُ لُبًّا: لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ الْحَقَّ فَيَتْبَعُهُ، فَلَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ لُبٌّ حَتَّى يَسْتَجِيبَ لِلْحَقِّ وَيَتَّبِعَهُ، وَإِلَّا فَلَوْ عَرَفَهُ وَعَصَاهُ لَمْ يَكُنْ ذَا لُبٍّ، وَصَاحِبُهُ لَبِيبٌ.
وَيُقَالُ: بَنَاتُ أَلْبُبٍ: عُرُوقٌ فِي الْقَلْبِ تَكُونُ مِنْهَا الرِّقَّةُ.
وَقِيلَ لِأَعْرَابِيَّةٍ تُعَاقِبُ ابْنًا لَهَا: مَا لَكِ لَا تَدْعِينَ عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: تَأْبَى لَهُ ذَلِكَ بَنَاتُ أَلْبُبِي.
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الْكُمَيْتِ:
إِلَيْكُمْ ذَوِي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوَازِعُ مِنْ قَلْبٍ ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ
(2/583)

إِنَّهُ مِنْ هَذَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَمْعُ لُبٍّ، وَإِنَّمَا فُكَّ الْإِدْغَامُ لِلضَّرُورَةِ، فَالدَّاعِي إِلَى الشَّيْءِ يَطْلُبُ اسْتِجَابَةَ الْمَدْعُوِّ وَانْقِيَادَهُ، وَإِقْبَالَهُ إِلَيْهِ، وَتَوَجُّهَهُ نَحْوَهُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ: أَيْ قَدْ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ وَتَوَجَّهْتُ نَحْوَكَ، وَانْقَدْتُ لَكَ، فَأَمَّا مُجَرَّدُ الْإِقَامَةِ فَلَيْسَتْ مَلْحُوظَةً.
وَالْمُسْتَحَبُّ فِي تَقْطِيعِهَا. . . .
فَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا ثَلَاثًا، يَقُولُ فِي الثَّانِيَةِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، ثُمَّ يَبْتَدِي: لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ؛ لِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي ثَلَاثًا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ذَكَرَ أَنَّهُنَّ أَرْبَعٌ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُلَبِّي بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ [لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ]» " رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو.
وَعَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْهُ. . . .
(2/584)

وَالْمُسْتَحَبُّ كَسْرٌ إِنْ نُصَّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، فَإِذَا فُتِحَ كَانَ الْمَعْنَى: لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ، أَوْ: بِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تُوصَلَ أَنَّ بِالتَّلْبِيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا تَعَلُّقَ الْمَفْعُولِ بِفَاعِلِهِ، وَتَكُونُ التَّلْبِيَةُ فِيهَا خُصُوصًا أَيْ لَبَّيْنَاكَ بِالْحَمْدِ لَكَ، أَوْ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ أَوْ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ. وَأَمَّا الْحَمْدُ فَلَا خُصُوصَ فِيهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا إِذَا كُسِرَ فَإِنَّهَا تَكُونُ جُمْلَةً مُبْتَدَأَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، فَتَكُونُ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقَةً عَامَّةً، وَالْحَمْدُ مُطْلَقٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَفِي قَوْلِهِ: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ} [التغابن: 1].
(2/585)

(فَصْلٌ)
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُلَبِّيَ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ; لِأَنَّ أَصْحَابَهُ رَوَوْهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهَا.
وَإِنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهَا شَيْئًا فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ; لِأَنَّ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ هُوَ الْأَفْضَلُ.
فَإِنْ زَادَ شَيْئًا مِثْلَ قَوْلِهِ: لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، أَوْ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - فَهُوَ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَلَا مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، فَذَكَرَهَا، فَقِيلَ لَهُ: يُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: وَمَا بَأْسُ أَنْ يَزِيدَ؟
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لَهُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي يَزِيدُهَا النَّاسُ فِي التَّلْبِيَةِ؟ فَقَالَ شَيْئًا مَعْنَاهُ الرُّخْصَةُ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِي الرَّجُلِ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ كَلَامًا أَوْ دُعَاءً، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: كَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ " فَتَرَكَهُ لِأَنَّ النَّاسَ تَرَكُوهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ. . . .
(2/586)

وَعَنْ لَيْثٍ «عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ " زَادَ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْمَرُّوذِيِّ فَيَنْظُرُ.
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ كَمَا ذَكَرَهُ جَابِرٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي تَلْبِيَتِهِ: " لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيُّ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ أَحْيَانًا عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَدْ زَادَ ابْنُ عُمَرَ الزِّيَادَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَهُوَ مِنْ أَتْبَعِ النَّاسِ لِلسُّنَّةِ.
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ زَادَ: " لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا وَمَرْغُوبًا إِلَيْكَ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(2/587)

وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ: " لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ ".
وَعَنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ لَبَّيْكَ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَأَمَّا مَا «رَوَى سَعْدٌ " أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَقُولُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ: فَقَدْ حَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ظَاهِرِهِ فِي أَنَّهُ أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ، وَلَعَلَّهُ فَهِمَ مِنْ حَالِ الْمُلَبِّي أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ التَّلْبِيَةُ الْمَشْرُوعَةُ.
وَقَدْ قِيلَ: لَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَتَرَكَ تَمَامَ التَّلْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ.
وَلَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى التَّلْبِيَةِ، سَوَاءٌ جَعَلَ الزِّيَادَةَ مُتَّصِلَةً بِالتَّلْبِيَةِ مِنْهَا أَمْ لَا، بَلْ
(2/588)

تَكُونُ الزِّيَادَةُ مِنْ جُمْلَةِ التَّلْبِيَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ -: لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَوْرَدَهَا عَلَى وَجْهِ الذِّكْرِ لِلَّهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، لَا عَلَى أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالتَّلْبِيَةِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى التَّشَهُّدِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ.
لِأَنَّ مَا وَرَدَ عَنِ الشَّرْعِ مَنْصُوصًا مُؤَقَّتًا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ.
فَأَمَّا إِنْ نَقَّصَ مِنَ التَّلْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ. . .
وَإِذَا فَرَغَ مِنَ التَّلْبِيَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ.
وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: " كَانَ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَةٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(2/589)

وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِأَنَّ الْمُلَبِّيَ قَدْ أَجَابَ اللَّهَ فِي دُعَائِهِ إِلَى حَجِّ بَيْتِهِ فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهُ دُعَاءَهُ جَزَاءً لَهُ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ دُعَاءٍ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي
(2/590)

وَأَصْحَابُهُ: إِنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُشْرَعُ عِنْدَ الْأَفْعَالِ، كَالذَّبْحِ وَالْعُطَاسِ وَالْإِحْرَامِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَنَّ زِيَادَةَ الدُّعَاءِ مِنْ جِنْسِ زِيَادَةِ الْكَلَامِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ.
(2/591)

[مَسْأَلَةٌ استحباب الإكثار من التلبية ورفع الصوت بها لغير النساء]
مَسْأَلَةٌ: (وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا لِغَيْرِ النِّسَاءِ).
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ خَلَّادٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " «كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا» " وَالْعَجُّ التَّلْبِيَةُ، وَالثَّجُّ نَحْرُ الْبُدْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ " قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: " أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ " وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ.
(2/592)

وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
وَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ. يُقَالُ: قَدْ عَجَّ يَعِجُّ عَجِيجًا، وَلَا يَكَادُ يُقَالُ إِلَّا إِذَا تَابَعَ التَّصْوِيتَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ عَجَّاجًا، وَهُوَ اسْمٌ لِمَنْ يُكْثِرُ الْعَجِيجَ.
وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي - وَفِي لَفْظٍ: وَمَنْ مَعِيَ - أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ - وَفِي لَفْظٍ -: بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّلْبِيَةِ، يُرِيدُ أَحَدَهُمَا». رَوَاهُ
(2/593)

الْخَمْسَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: " «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ
(2/594)

وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَصِحُّ. وَالصَّحِيحُ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنِي جِبْرِيلُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْإِهْلَالِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَبْلُغُوا الرَّوْحَاءَ حَتَّى تَبُحَّ أَصْوَاتُهُمْ ".
وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى
(2/595)

إِنِّي لَأَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ مِنَ الْجِبَالِ ".
وَعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: " رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فِي الْمَسْجِدِ يُوقِظُ الْحَاجَّ وَيَقُولُ: قُومُوا فَلَبُّوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هِيَ زِينَةُ الْحَجِّ ".
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ: " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَكْثِرُوا مِنَ التَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا زِينَةُ الْحَجِّ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ. . . .
(2/596)

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ، وَلَا يَتَحَامَلُ فِي ذَلِكَ بِأَشَدِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِعُ كَالْأَذَانِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تُسْمِعَ رَفِيقَتَهَا. قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ -: تَجْهَرُ الْمَرْأَةُ بِالتَّلْبِيَةِ مَا تَسْمَعُ زَمِيلَتَهَا ; لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: " أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالْإِهْلَالِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " يَرْفَعُ الرِّجَالُ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُسْمِعُ نَفْسَهَا وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِهَا: مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(2/597)

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا مِنْ مُحْرِمٍ يُضَحِّي لِلَّهِ يَوْمَهُ يُلَبِّي حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إِلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَسَائِرًا وَنَازِلًا وَطَاهِرًا وَجُنُبًا وَحَائِضًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ.
(2/598)

[مَسْأَلَةٌ مواطن استحباب التلبية]
مَسْأَلَةٌ: (وَهِيَ آكَدُ فِيمَا إِذَا عَلَا نَشْزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَبِالْأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
وَذَلِكَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْثُورٌ عَنِ السَّلَفِ: قَالَ خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُلَبُّونَ إِذَا هَبَطُوا وَادِيًا، أَوْ أَشْرَفُوا عَلَى أَكَمَةٍ، أَوْ لَقُوا رُكْبَانًا، وَبِالْأَسْحَارِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَفِي لَفْظٍ: " كُنْتُ أَحُجُّ مَعَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُلَبُّوا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَحِينَ يَلْقَى الرَّكْبَ، وَبِالْأَسْحَارِ، وَإِذَا أَشْرَفُوا عَلَى أَكَمَةٍ، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوِ انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ " رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ.
(2/599)

وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ حِينَ انْبَعَثَتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً، ثُمَّ أَهَّلَ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إِذَا لَقِيَ رَاكِبًا أَوْ عَلَا أَكَمَةً، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» ".
وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا عَلَا عَلَى شَرَفٍ أَنْ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا أَنْ يُسَبِّحَهُ - فَالتَّلْبِيَةُ لِلْمُحْرِمِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الذِّكْرِ.
وَلِأَنَّ الْبِقَاعَ إِذَا اخْتَلَفَتْ. . . . .
وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِشْرَافِ: إِذَا عَلَا عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنِ السَّلَفِ.
(2/600)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ قَبْلَهَا بِذِكْرِ الرُّكُوبِ، سُئِلَ عَطَاءٌ: أَيَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ يَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ؟ قَالَ: يَبْدَأُ بِسُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ مُخْتَصٌّ بِالرُّكُوبِ، فَيَفُوتُ بِفَوَاتِ سَبَبِهِ، بِخِلَافِ التَّلْبِيَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ سَمِعَ مُؤَذِّنًا كَانَ يَشْتَغِلُ بِإِجَابَتِهِ عَنِ التَّلْبِيَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَلِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَوْكَدُ مِنَ التَّلْبِيَةِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13].
(2/601)

وَأَمَّا إِذَا سَمِعَ مُلَبِّيًا. . . .
وَأَمَّا إِذَا فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا ; مِثْلَ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ، أَوْ يَلْبَسَ قَمِيصًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّ ذَلِكَ سَيِّئَةٌ تُنْقِصُ الْإِحْرَامَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْبِعَهَا بِحَسَنَةٍ تَجْبُرُ الْإِحْرَامَ، وَلَا أَحْسَنَ فِيهِ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَلِأَنَّهُ بِذَلِكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْإِحْرَامِ وَيَتَذَكَّرُهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ طَافَ فِي إِحْرَامِهِ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَحِلُّ: أَكْثِرْ مِنَ التَّلْبِيَةِ؛ فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ تَشُدُّ الْإِحْرَامَ.
وَأَمَّا إِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ. . . . .
فَأَمَّا الْقَافِلَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا جَاءَ بَعْضُهُمْ إِلَى عِنْدِ بَعْضٍ. . . .، وَهَلْ يَبْدَأُونَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ. . . . .
وَأَمَّا أَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ.
وَأَمَّا السَّحَرُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ، وَلِأَنَّهَا سَاعَةٌ يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
(2/602)

وَأَمَّا فِي إِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: فَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَمَعْنَى إِقْبَالِ النَّهَارِ. . . . وَلَمْ يَذْكُرِ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى السَّحَرَ وَطَرَفَيِ النَّهَارِ.
(2/603)

(فَصْلٌ)
وَيَكْفِيهِ أَنْ يُلَبِّيَ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً ; بِحَيْثُ يَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِيبَ تِلْكَ الْمَرَّةِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ بِهِ الْعَامَّ