Advertisement

منهاج السنة النبوية 004

[كلام الرافضي على خصائص الأئمة الاثنى عشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَصْلٌ (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ: " [الْوَجْهُ] (2) الرَّابِعُ (3) : أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ أَخَذُوا مَذْهَبَهُمْ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالِاشْتِغَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ (4) وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ (5) زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ إِلَى آخِرِ الْعُمُرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْعُلُومَ (6) ، وَنَزَلَ فِي حَقِّهِمْ: {هَلْ أَتَى} [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: 1] ، وَآيَةُ الطَّهَارَةِ، وَإِيجَابُ الْمَوَدَّةِ لَهُمْ، وَآيَةُ الِابْتِهَالِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلِيٌّ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (7) يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَيَتْلُو الْقُرْآنَ مَعَ شِدَّةِ ابْتِلَائِهِ بِالْحُرُوبِ وَالْجِهَادِ.
_________
(1) ص، ر، هـ،: الْفَصْلُ الثَّامِنُ.
(2) الْوَجْهُ: فِي (أ) ، (ب) ، (ك) . وَسَقَطَتْ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ.
(3) الْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 96 (م) .
(4) ن: بِالْعِبَادَةِ أَيْ بِالدُّعَاءِ.
(5) ن، ص، هـ، ر، و: فِي.
(6) ك: وَمِنْهُمْ تَعَلَّمَ النَّاسُ الْعُلُومَ.
(7) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي (م) : عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي (ك) : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
(4/5)

فَأَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (1) كَانَ أَفْضَلَ الْخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (2) وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ (3) حَيْثُ قَالَ: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 61] وَوَاخَاهُ [رَسُولُ اللَّهِ] وَزَوَّجَهُ (4) ابْنَتَهُ، وَفَضْلُهُ لَا يَخْفَى (5) وَظَهَرَتْ مِنْهُ (6) مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى ادَّعَى قَوْمٌ فِيهِ (7) الرُّبُوبِيَّةَ وَقَتَلَهُمْ، وَصَارَ إِلَى مَقَالَتِهِمْ آخَرُونَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ كَالْغُلَاةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ. وَكَانَ وَلَدَاهُ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (8) «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» إِمَامَيْنِ بِنَصِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (9) ، وَكَانَا أَزْهَدَ النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِمَا (10) ، وَجَاهَدَا (11) فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى قُتِلَا، وَلَبِسَ الْحَسَنُ (12) الصُّوفَ تَحْتَ ثِيَابِهِ الْفَاخِرَةِ مِنْ
_________
(1) ن: عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، م: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ، ك: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
(2) ك: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(3) أ، ب، هـ: نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ن، م: نَفْسَ رَسُولِهِ، وَ: نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(4) ص، ر، هـ، و، ن، م: وَوَاخَاهُ وَزَجَّهُ، ك: وَآخَاهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَزَوَّجَهُ. .
(5) أ، ب، و: لَا تُحْصَى.
(6) ك: عَنْهُ.
(7) قَوْمٌ فِيهِ: كَذَا فِي (و) ، (ك) ، (هـ) ، (ر) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فِيهِ قَوْمٌ.
(8) ك: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. وَلَنْ أُشِيرَ إِلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا يَلِي بِإِذْنِ اللَّهِ.
(9) ن، م: بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ك: بِنَصِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(10) فِي زَمَانِهِمَا: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي (ك) وَسَائِرِ النُّسَخِ: فِي زَمَانِهِمْ.
(11) ن، م، و: وَجَاهَدُوا.
(12) ك، و: الْحَسَنُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(4/6)

غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ أَحَدٌ (1) بِذَلِكَ، «وَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا الْحُسَيْنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ (2) ، وَإِبْرَاهِيمَ (3) عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ، فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (4) وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ لَكَ بَيْنَهُمَا (5) ، فَاخْتَرْ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (6) : إِذَا مَاتَ الْحُسَيْنُ بَكَيْتُ (7) أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، وَإِذَا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بَكَيْتُ أَنَا عَلَيْهِ، فَاخْتَارَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ (8) فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْحُسَيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ (9) : أَهْلًا وَمَرْحَبًا بِمَنْ فَدَيْتُهُ بِابْنِي إِبْرَاهِيمَ» . وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ (10) يَصُومُ نَهَارَهُ وَيَقُومُ لَيْلَهُ، وَيَتْلُو الْكِتَابَ الْعَزِيزَ، وَيُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَيَدْعُو كُلَّ رَكْعَتَيْنِ (11) بِالْأَدْعِيَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ وَعَنْ آبَائِهِ (12) ثُمَّ يَرْمِي الصَّحِيفَةَ كَالْمُتَضَجِّرِ، وَيَقُولُ (13) : أَنَّى لِي بِعِبَادَةِ
_________
(1) ك، ص 97 (م) : يُشْعِرَ أَحَدًا. .
(2) أ، ب: الْحُسَيْنَ يَوْمًا فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ.
(3) ك: وَوَلَدَهُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. .
(4) جِبْرَائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: كَذَا فِي (هـ) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: جِبْرِيلُ. وَفِي (أ) ، (ب) ، (و) : جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(5) ن، م، ر، ص، هـ: لِيَجْمَعَهُمَا لَكَ.
(6) ك: فَقَالَ مَعَ نَفْسِهِ. .
(7) ك: بَكَى عَلَيْهِ أَنَا. .
(8) ك: إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(9) و، هـ، ر: وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْحُسَيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ وَيُقَبِّلُهُ، ك: فَكَانَ إِذَا جَاءَ الْحُسَيْنُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ ذَلِكَ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ. وَسَقَطَتْ عِبَارَةُ " بَعْدَ ذَلِكَ " مِنْ (أ) ، (ب) .
(10) و: زَيْنُ الْعَابِدِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ك: زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
(11) م، ص، هـ، ر، و: بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، أ، ب: بَعْدَ كُلِّ رَكْعَةٍ.
(12) و، ك: وَعَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
(13) ن، هـ، ر، ص،: ثُمَّ يَقُولُ.
(4/7)

عَلِيٍّ (1) ، وَكَانَ يَبْكِي كَثِيرًا (2) حَتَّى أَخَذَتِ الدُّمُوعُ مِنْ لَحْمِ خَدَّيْهِ، وَسَجَدَ حَتَّى سُمِّيَ ذَا الثَّفِنَاتِ (3) ، «وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيِّدَ الْعَابِدِينَ» .
وَكَانَ قَدْ حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاجْتَهَدَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (4) فَلَمْ يُمْكِنْهُ مِنَ الزِّحَامِ (5) فَجَاءَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ فَوَقَفَ (6) النَّاسُ لَهُ وَتَنَحَّوْا عَنِ الْحَجَرِ حَتَّى اسْتَلَمَهُ (7) ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ الْحَجَرِ سِوَاهُ (8) ، فَقَالَ هِشَامُ [بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ] : مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ [الشَّاعِرُ] (9) :
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ (10) الْعَلَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
_________
(1) ك: عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(2) ك: وَكَانَ يَبْكِي عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرًا.
(3) ك: وَسَجَدَ حَتَّى حَشَى مَسَاجِدَهُ كَخُفِّ الْبَعِيرِ، وَسُمِّيَ ذَا الثَّفِنَاتِ. وَفِي (ن) ، (م) ، (أ) ، (هـ) : ذَا النَّقْبَاتِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَفِي اللِّسَانِ: الثَّفِنَةُ مِنَ الْبَعِيرِ وَالنَّاقَهِ: الرُّكْبَةُ، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ رَئِيسِ الْخَوَارِجِ: ذُو الثَّفِنَاتِ لِكَثْرَةِ صِلَاتِهِ، وَلِأَنَّ طُولَ السُّجُودِ كَانَ أَثَّرَ فِي جَبْهَتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَيَدَيْهِ، كَمَا يُؤَثِّرُ الْبُرُوكُ فِي ثَفِنَاتِ الْبَعِيرِ.
(4) أ، ب: فَاجْتَهَدَ عَلَى أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ.
(5) ك: فَلَمْ يُمْكِنْهُ لِلزِّحَامِ.
(6) أ، ب: زَيْنُ الْعَابِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَقَفَ، ك: زَيْنُ الْعَابِدِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَوَقَفَ. .
(7) أ، ر، ن، م، و، هـ: حَتَّى اسْتَلَمَ.
(8) ك: عِنْدَ الْحَجَرِ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِوَاهُ.
(9) ك ص 97 (م) 98 (م) : سِوَاهُ وَاحْتَرَمُوا لَهُ وَفَضَّلُوهُ عَلَى سَائِرِ الْقَوْمِ، فَنَظَرَ هِشَامٌ وَغَضِبَ بِذَلِكَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي وَقَفَهُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَقَامَ مِنْ بَيْنِهِمُ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ وَفَتَحَ طَرِيقَ الْمَحَبَّةِ وَالْوِلَايَةِ. . وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَلِكُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) . وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ " الشَّاعِرُ " مِنْ (ن) ، (م) .
(10) : الظَّاهِرُ.
(4/8)

إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ
إِنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ ... أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ (1) قِيلَ هُمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجِدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
يَنْشَقُّ نُورُ الْهُدَى عَنْ صُبْحٍ غُرَّتِهِ ... كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِهَا الظُّلَمُ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ ... طَابَتْ عَنَاصِرُهُ وَالْخِيمُ وَالشِّيَمُ
اللَّهُ شَرَّفَهُ قِدْمًا وَفَضَّلَهُ ... جَرَى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَمُ (2)
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ
كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَلْجًا وَمُعْتَصَمُ ... لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بَعْدَ غَايَتِهِمْ
وَلَا يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإِنْ كَرُمُوا ... هُمُ الْغُيُوثُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ
وَالْأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى وَالرَّأْيُ (3) مُحْتَدِمُ ... لَا يَنْقُصُ (4) الْعُسْرُ بَسْطًا مِنْ أَكُفِّهِمُ
سِيَّانَ ذَلِكَ إِنْ أَثْرَوْا وَإِنْ عَدِمُوا ... مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ
لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُ نَعَمُ ... يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ (5) وَالْبَلْوَى بِحُبِّهِمُ
وَيُسْتَرَقُّ بِهِ الْإِحْسَانُ وَالنِّعَمُ ... مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُهُمُ
فِي كُلِّ بِرٍّ (6) وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ ... مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوْلَوِيَّةَ ذَا (7)
فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الْأُمَمُ (8)
_________
(1) ك: أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ. .
(2) ص: فِي اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ:
(3) ب (فَقَطْ) : وَالْبَأْسُ.
(4) ب (فَقَطْ) : لَا يَقْبِضُ، ك: لَا يَنْقَبِضُ.
(5) ن، م: الشَّرُّ، ك: الضُّرُّ.
(6) ب (فَقَطْ) : بَدْءٍ.
(7) ن، م، أ، ر، هـ: أَوَّلِيَّتَهُ، و، ص: دِيوَانُ الْفَرَزْدَقِ (ص 849) : أَوَّلِيَّةَ ذَا. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) ، (ك) .
(8) فِي (ك) بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ: وَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بَضَائِرِهِ فَالْعُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ هَذَا الْبَيْتُ الْأَخِيرُ كُتِبَ فِي هَامِشِ (ك) . وَفِي الْأَغَانِي 15/327: فَلَيْسَ قَوْلُكَ. . وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ لَمْ يُذْكَرْ مِنْهَا فِي دِيوَانِ الْفَرَزْدَقِ (ط. الْقَاهِرَةِ، 1354 1936) . إِلَّا سِتَّةُ أَبْيَاتٍ، وَفِي نِسْبَةِ سَائِرِ الْأَبْيَاتِ خِلَافٌ كَبِيرٌ. انْظُرِ الْأَغَانِيَ 15/326 - 329 (ط. دَارِ الْكُتُبِ) .
(4/9)

فَغَضِبَ هِشَامٌ وَأَمَرَ بِحَبْسِ الْفَرَزْدَقِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، [فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ (1)
أَتَحْبِسُنِي بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالَّتِي ... إِلَيْهَا قُلُوبُ النَّاسِ يَهْوِيَ مُنْبِيهَا (2)
تُقَلِّبُ رَأْسًا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيِّدٍ
وَعَيْنًا لَهُ حَوْلَاءَ (3) بَادٍ عُيُوبُهَا
] (4) .
فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ (5) زَيْنُ الْعَابِدِينَ (6) بِأَلْفِ دِينَارٍ فَرَدَّهَا، وَقَالَ: إِنَّمَا قَلَتُ هَذَا غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (7) ، فَمَا آخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (8) : نَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ (9) لَا يَعُودُ إِلَيْنَا مَا خَرَجَ مِنَّا، فَقَبِلَهَا (10) الْفَرَزْدَقُ.
_________
(1) ك: فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: فِي الْحَبْسِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَبَعَثَ إِلَيْهِ:
(2) ك: مُنِيبُهَا.
(3) ب: حَوْبَاءَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَأَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) ، (ك) .
(5) الْإِمَامُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ص) ، (ب) .
(6) ك، ص 99 (م) ، و: زَيْنُ الْعَابِدِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(7) أ، ب، م، ص، ر: غَضَبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ك: حُبًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ.
(8) ن، ر، ص، هـ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، و: ك: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(9) أ، ب: أَهْلَ الْبَيْتِ.
(10) م، ك: فَقَبِلَهُ.
(4/10)

وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قَوْمٌ يَأْتِيهِمْ رِزْقُهُمْ لَيْلًا وَلَا يَعْرِفُونَ مِمَّنْ هُوَ، فَلَمَّا مَاتَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ (1) ، انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ (2) وَعَرَفُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ (3) .
وَكَانَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ (4) أَعْظَمَ النَّاسِ زُهْدًا وَعِبَادَةً، بَقَرَ السُّجُودُ جَبْهَتَهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ [أَهْلِ] (5) وَقْتِهِ، سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَاقِرَ، وَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ إِلَيْهِ (6) وَهُوَ صَغِيرٌ فِي الْكُتَّابِ، فَقَالَ لَهُ: جَدُّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَعَلَى جَدِّيَ السَّلَامُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: (7) «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحُسَيْنُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يُلَاعِبُهُ، (8) فَقَالَ: يَا جَابِرُ، يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ عَلِيٌّ إِذَا (9) كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ وَلَدُهُ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ مَوْلُودٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ، يَبْقُرُ (10) الْعِلْمَ بَقْرًا، فَإِذَا رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» (11) .
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ.
_________
(1) ن، م، أ، ب، ر، هـ، و: مَوْلَانَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ: ك: زَيْنُ الْعَابِدِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(2) أ، ب: عَنْهُمْ ذَلِكَ.
(3) ر، ص: أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ، م: أَنَّهُ مِنْهُ، و: أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ك: أَنَّهُ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(4) و، ك: الْبَاقِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(5) أَهْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(6) أ، ب، ر، ن، م: وَجَاءَ إِلَيْهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ إِلَيْهِ، ص 99 (م) - ص - 100 (م) : وَجَاءَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ - وَقِيلَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ إِلَيْهِ.
(7) أ، ب: قَالَ جَابِرٌ، ن، ر، ص، هـ: فَقَالَ.
(8) وَهُوَ يُلَاعِبُهُ: كَذَا فِي (هـ) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَهُوَ يُدَاعِبُهُ.
(9) أ، ب: فَإِذَا.
(10) ك: إِنَّهُ يَبْقُرُ.
(11) فَإِذَا رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ: كَذَا فِي (ب) ، (ص) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ. . عَنِّي. وَفِي (ك) : فَإِذَا أَدْرَكْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ.
(4/11)

وَكَانَ ابْنُهُ الصَّادِقُ (1) عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَعْبَدَهُمْ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيرَةِ (2) إِنَّهُ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ: كُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (3) عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ النَّبِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي نَشَرَ فِقْهَ الْإِمَامِيَّةِ، وَالْمَعَارِفَ الْحَقِيقَةَ، وَالْعَقَائِدَ الْيَقِينِيَّةَ، وَكَانَ لَا يُخْبِرُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَقَعَ، وَبِهِ سَمَّوْهُ الصَّادِقَ الْأَمِينَ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ (4) جَمَعَ أَكَابِرَ الْعَلَوِيِّينَ (5) لِلْبَيْعَةِ لِوَلَدَيْهِ، فَقَالَ الصَّادِقُ (6) : هَذَا (7) الْأَمْرُ لَا يَتِمُّ، فَاغْتَاظَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لِصَاحِبِ الْقَبَاءِ الْأَصْفَرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمَنْصُورُ بِذَلِكَ فَرِحَ لِعِلْمِهِ بِوُقُوعِ مَا يُخْبِرُ بِهِ (8) ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْهِ (9) ، وَلَمَّا هَرَبَ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ قَوْلُ صَادِقِهِمْ؟ وَبَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ.
وَكَانَ ابْنُهُ مُوسَى الْكَاظِمُ (10) يُدْعَى بِالْعَبْدِ الصَّالِحِ، وَكَانَ أَعْبَدَ أَهْلِ زَمَانِهِ (11) ، يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، وَسُمِّيَ الْكَاظِمَ لِأَنَّهُ كَانَ (12) إِذْ بَلَغَهُ عَنْ
_________
(1) أ، ب: وَكَانَ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ. . .
(2) أ، ب، ص: السِّيَرِ.
(3) ك: جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(4) ك:. . . بْنُ الْحَسَنِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(5) أ، ب: الْعَلَوِيَّةِ.
(6) ك، وَ: الصَّادِقُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(7) ك: إِنَّ هَذَا.
(8) أ، ب، و،: مَا خَبَّرَ بِهِ.
(9) أ، ب: يَتَّصِلُ بِهِ.
(10) و، ك: الْكَاظِمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(11) ك: كَانَ أَعْبَدَ أَهْلِ وَقْتِهِ.
(12) ك: سُمِّيَ الْكَاظِمَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ. .
(4/12)

أَحَدٍ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهِ بِمَالٍ. وَنَقَلَ فَضْلَهُ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: رَوَى (1) عَنْ شَقِيقٍ الْبَلْخِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا سَنَةَ تِسْعٍ (2) وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَنَزَلْتُ الْقَادِسِيَّةَ فَإِذَا شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ شَدِيدُ السُّمْرَةِ، عَلَيْهِ ثَوْبُ صُوفٍ مُشْتَمِلٌ بِشَمْلَةٍ، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ، وَقَدْ جَلَسَ مُنْفَرِدًا عَنِ النَّاسِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا الْفَتَى (3) مِنَ الصُّوفِيَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ إِلَيْهِ أُوَبِّخْهُ (4) ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ (5) فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا (6) قَالَ: يَا شَقِيقُ، اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا (7) عَبْدٌ صَالِحٌ قَدْ نَطَقَ عَلَى مَا فِي خَاطِرِي (8) ، لَأَلْحَقَنَّهُ وَلَأَسْأَلَنَّهُ أَنْ يُحَالِلَنِي (9) ، فَغَابَ عَنْ عَيْنِي (10) ، فَلَمَّا نَزَلْنَا وَاقِصَةَ إِذَا بِهِ يُصَلِّي (11) ، وَأَعْضَاؤُهُ تَضْطَرِبُ، وَدُمُوعُهُ تَتَحَادَرُ. فَقُلْتُ: أَمْضِي إِلَيْهِ وَأَعْتَذِرُ، فَأَوْجَزَ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا شَقِيقُ: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [سُورَةُ طه: 82] فَقُلْتُ: هَذَا مِنَ الْأَبْدَالِ، قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى
_________
(1) رَوَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) ص 101 (م) .
(2) ن (فَقَطْ) : سَبْعٍ. .
(3) الْفَتَى: كَذَا فِي (ب) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الصَّبِيُّ.
(4) ك: وَأُوَبِّخَنَّهُ.
(5) عِبَارَةُ " فَدَنَوْتُ مِنْهُ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) مُقْبِلًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ك) .
(7) ب: إِنَّ هَذَا. وَسَقَطَتْ " هَذَا " مِنْ (و) .
(8) أ، ب: صَالِحٌ نَطَقَ عَمَّا فِي نَفْسِي، ك: صَالِحٌ قَدْ نَطَقَ مَا فِي خَاطِرِي.
(9) ص: يُحْلِلَنِي، ك: يُحِيلَنِي، وَصُوِّبَتْ فِي الْهَامِشِ إِلَى: يُجَالِسَنِي.
(10) أ، ب: عَنْ عَيْنِي فَلَمْ أَرَهُ.
(11) أ، ب: فَلَمَّا نَزَلْنَا وَافَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي.
(4/13)

سِرِّي مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا [زُبَالَةَ] (1) إِذَا بِهِ قَائِمٌ عَلَى الْبِئْرِ وَبِيَدِهِ رِكْوَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَقِيَ مَاءً (2) فَسَقَطَتِ الرِّكْوَةُ مِنْ يَدِهِ (3) فِي الْبِئْرِ فَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ:
أَنْتَ رَبِّي (4) إِذَا ظَمِئْتُ إِلَى الْمَاءِ وَقُوَّتِي إِذَا أَرَدْتُ الطَّعَامَا.
يَا سَيِّدِي مَالِي سِوَاهَا. قَالَ (5) شَقِيقٌ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبِئْرَ قَدِ ارْتَفَعَ مَاؤُهَا، فَأَخَذَ الرِّكْوَةَ (6) وَمَلَأَهَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى (7) أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ مَالَ (8) إِلَى كَثِيبِ رَمْلٍ هُنَاكَ، فَجَعَلَ يَقْبِضُ بِيَدِهِ وَيَطْرَحُهُ فِي الرِّكْوَةِ وَيَشْرَبُ (9) . فَقُلْتُ: أَطْعِمْنِي مِنْ فَضْلِ مَا رَزَقَكَ اللَّهُ أَوْ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ (10) . فَقَالَ: يَا شَقِيقُ، لَمْ تَزَلْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْنَا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (11) فَأَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي الرِّكْوَةَ فَشَرِبْتُ مِنْهَا فَإِذَا هُوَ سَوِيقٌ وَسُكَّرٌ، مَا شَرِبْتُ وَاللَّهِ أَلَذَّ مِنْهُ وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ رِيحًا (12) فَشَبِعْتُ وَرَوِيتُ. وَأَقَمْتُ (13) أَيَّامًا لَا أَشْتَهِي طَعَامًا
_________
(1) زُبَالَةَ: كَذَا فِي (ب) . وَفِي (ك) : فِي زُبَالَةَ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ.
(2) مَاءً: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) عِبَارَةُ " مِنْ يَدِهِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(4) رَبِّي: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي (ك) وَجَمِيعِ النُّسَخِ مَا عَدَا (أ) : رَبِّي. وَفِي (أ) : إِلَهِي.
(5) أ، ب: فَقَالَ.
(6) أ، ب: فَأَخَذَ الرِّكْوَةَ بِيَدِهِ. .
(7) وَصَلَّى: كَذَا فِي (ك) ، (و) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَجَعَلَ يُصَلِّي.
(8) أ، ب: ثُمَّ قَامَ. .
(9) و: يَقْبِضُ بِيَدِهِ يَطْرَحُهُ فِي الرِّكْوَةِ وَيَشْرَبُ، ن: فَجَعَلَ يَقْبِضُ بِيَدِهِ فَيَطْرَحُهُ فِي الرِّكْوَةِ فَيَشْرَبُ (ب: فَيَشْرَبُ مِنْهُ) ، وَزَادَتْ (ك) : فَرَأَيْتُ ذَلِكَ عَجَبًا مِنْهُ.
(10) ك: فَقُلْتُ أَطْعِمْنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ فَضْلِ مَا رَزَقَكَ اللَّهُ وَمَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ.
(11) أ، ب: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يُنْعِمُ عَلَيْنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
(12) أ: وَلَا أَطْيَبَ، ب: وَلَا أَطْيَبَ، ك: وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا.
(13) أ، ب: وَبَقِيتُ.
(4/14)

وَلَا شَرَابًا، ثُمَّ لَمْ أَرَهُ حَتَّى دَخَلْتُ (1) مَكَّةَ، فَرَأَيْتُهُ لَيْلَةً إِلَى جَانِبِ قُبَّةِ الْمِيزَابِ (2) نِصْفَ اللَّيْلِ يُصَلِّي بِخُشُوعٍ وَأَنِينٍ وَبُكَاءٍ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ اللَّيْلُ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يُسَبِّحُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، وَخَرَجَ (3) فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا لَهُ حَاشِيَةٌ وَأَمْوَالٌ وَغِلْمَانٌ (4) ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا رَأَيْتُهُ فِي الطَّرِيقِ، وَدَارَ بِهِ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ (5) : مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُوسَى (6) بْنُ جَعْفَرٍ (7) ، فَقُلْتُ: قَدْ عَجِبْتُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعَجَائِبُ إِلَّا لِمِثْلِ هَذَا السَّيِّدِ. هَذَا رَوَاهُ الْحَنْبَلِيُّ.
وَعَلَى يَدِهِ تَابَ (8) بِشْرٌ الْحَافِي لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (9) اجْتَازَ عَلَى دَارِهِ بِبَغْدَادَ، فَسَمِعَ الْمَلَاهِيَ وَأَصْوَاتَ الْغِنَاءِ وَالْقَصَبِ يَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ، فَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ وَبِيَدِهَا قُمَامَةُ الْبَقْلِ (10) ، فَرَمَتْ بِهَا فِي الدَّرْبِ، فَقَالَ لَهَا (11) : يَا جَارِيَةُ، صَاحِبُ هَذَا الدَّارِ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ؟
_________
(1) ص، ر، هـ، ن، و: حَتَّى دَخَلَ. .
(2) أ، ن، م، ص، هـ، ر، و: الشَّرَابِيِّ، ب: الشَّرَابِ. والْمُثْبَتُ مِنْ (ك) .
(3) أ، ب: ثُمَّ خَرَجَ.
(4) ب: حَاشِيَةٌ وَغِلْمَانٌ وَأَمْوَالٌ، هـ، و، ن، م، ص: حَاشِيَةٌ وَمَوَالٍ وَغِلْمَانٌ، أ: حَاشِيَةٌ وَغِلْمَانٌ وَمَوَالٍ.
(5) و: لَهُ، ك: لِبَعْضِهِمْ.
(6) أ، ب، م: قَالُوا هَذَا مُوسَى، ن، ص، هـ: فَقَالُوا مُوسَى، و، ر، ك: فَقَالَ مُوسَى.
(7) ك: مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(8) و، ك: وَعَلَى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَابَ.
(9) عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(10) أ، ب، و: النُّقْلِ. وَفِي الْأَصْلِ فِي (ك) : النُّقْلِ، وَفَوْقَهَا بَيْنَ السُّطُورِ: النُّقْلِ.
(11) لَهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/15)

فَقَالَتْ: بَلْ حُرٌّ، فَقَالَ: صَدَقْتِ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَخَافَ مِنْ مَوْلَاهُ. فَلَمَّا دَخَلَتِ الْجَارِيَةُ قَالَ (1) مَوْلَاهَا وَهُوَ عَلَى مَائِدَةِ السُّكْرِ (2) : مَا أَبْطَأَكِ عَلَيْنَا (3) ؟ قَالَتْ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِكَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ حَافِيًا حَتَّى لَقِيَ مَوْلَانَا مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ فَتَابَ عَلَى يَدِهِ (4) .

[الجواب على قول الرافضي إن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت]
وَالْجَوَابُ عَنْهُ (5) مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ أَخَذُوا مَذْهَبَهُمْ عَنْ (6) أَهْلِ الْبَيْتِ: لَا الِاثْنَا عَشْرِيَّةٍ وَلَا غَيْرُهُمْ، بَلْ هُمْ مُخَالِفُونَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (7) فِي جَمِيعِ أُصُولِهِمُ الَّتِي فَارَقُوا فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: تَوْحِيدُهُمْ وَعَدْلُهُمْ وَإِمَامَتُهُمْ، فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (8) وَ [أَئِمَّةِ] أَهْلِ الْبَيْتِ (9) مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَإِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَإِثْبَاتِ فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ كُلُّهُ (10) يُنَاقِضُ
_________
(1) ك: فَلَمَّا أَخَذَتِ الْمَاءَ وَرَجَعَتْ وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ. .
(2) ك: الْمُسْكِرِ.
(3) أ، ب: عَنَّا.
(4) ك: حَتَّى لَقِيَ مَوْلَانَا الْكَاظِمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَاعْتَذَرَ وَبَكَى وَاسْتَحْيَا مِنْ فِعْلِهِ وَعَمَلِهِ مِنْهُ فَتَابَ عَلَى يَدِهِ.
(5) عَنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: مِنْ.
(7) أَهْلِ الْبَيْتِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَهْلِ بَيْتِهِ
(8) ن، م، و: عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(9) ن: وَأَهْلِ بَيْتِهِ، م، ص، ر، هـ، و: وَأَئِمَّةِ أَهْلِ بَيْتِهِ.
(10) أ، ب: كُلُّهَا.
(4/16)

مَذْهَبَ (1) الرَّافِضَةِ. وَالنَّقْلُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ مُسْتَفِيضٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِحَيْثُ إِنَّ مَعْرِفَةَ الْمَنْقُولِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ الرَّافِضَةَ مُخَالِفُونَ لَهُمْ لَا مُوَافِقُونَ لَهُمْ (2) .

الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ الشِّيعَةَ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فِي مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ دِينِهِمْ. فَأَيُّ قَوْلٍ لَهُمْ هُوَ الْمَأْخُوذُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ، حَتَّى مَسَائِلُ الْإِمَامَةِ، قَدْ عُرِفَ اضْطِرَابُهُمْ فِيهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّصِّ وَفِي الْمُنْتَظَرِ. فَهُمْ فِي الْبَاقِي الْمُنْتَظَرِ عَلَى أَقْوَالٍ (3) : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ (4) جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ ابْنِهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (5) ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِبَقَاءِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نَصَّ (6) عَلِيٌّ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (7) ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ (8) ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: أَوْصَى [عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ] إِلَى ابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، (وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ) (9) ، وَهَؤُلَاءِ
_________
(1) ن، م، ص، ر، هـ: مَذَاهِبَ.
(2) لَهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ: وَفِي الْمُنْتَظَرِ مِنْهُمْ فِي الْبَا الْمُنْتَظَرِ عَلَى أَقْوَالٍ، ب: وَفِي الْمُنْتَظَرِ مِنْهُمْ عَلَى أَقْوَالٍ.
(4) ص، ر: يَبْقَى.
(5) بْنِ جَعْفَرٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَصَّ. .
(7) ن، م، و: عَلِيٌّ عَلَى ابْنِ الْحُسَيْنِ.
(8) ن: عَلَى ابْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(9) مَا بَيْنَ الْقَوْسَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(4/17)

يَقُولُونَ: أَوْصَى] (1) إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ جَعْفَرًا أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِلَى [ابْنِهِ] (2) مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِلَى ابْنِهِ مُوسَى، وَهَؤُلَاءِ يَسُوقُونَ النَّصَّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهَؤُلَاءِ يَسُوقُونَ النَّصَّ إِلَى بَنِي [عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ] (3) مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ الْحَاكِمِ وَشِيعَتِهِ (4) ، وَهَؤُلَاءِ يَسُوقُونَ النَّصَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْمُتَنَاقِضَةُ مَأْخُوذَةً عَنْ مَعْصُومٍ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: أَنَّ أَقْوَالَهُمْ مَأْخُوذَةٌ عَنْ مَعْصُومٍ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَعْصُومًا، فَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الشِّيعَةِ هَذَا الِاخْتِلَافَ، وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ هَذَا التَّنَازُعَ، فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ صِحَّةُ بَعْضِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَنْ عَلِيٍّ دُونَ الْآخَرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّ مَا يَقُولُهُ إِنَّمَا أَخَذَهُ عَنِ الْمَعْصُومِينَ، وَلَيْسَ لِلشِّيعَةِ أَسَانِيدُ مُتَّصِلَةٌ بِرِجَالٍ مَعْرُوفِينَ (5) مِثْلُ أَسَانِيدِ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي الْإِسْنَادِ (6) وَعَدَالَةِ الرِّجَالِ. بَلْ إِنَّمَا هِيَ مَنْقُولَاتٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ طَائِفَةٍ عُرِفَ فِيهَا كَثْرَةُ الْكَذِبِ وَكَثْرَةُ التَّنَاقُضِ فِي النَّقْلِ، فَهَلْ يَثِقُ عَاقِلٌ بِذَلِكَ؟
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) ابْنِهِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) عِبَارَةُ " عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ": فِي (ص) ، (هـ) ، (ر) فَقَطْ.
(4) أ، ب: الْحَاكِمِ فِي شِيعَتِهِ.
(5) أ، ب: مُتَّصِلَةٌ بِالرَّجَالِ الْمَعْرُوفِينَ.
(6) أ، ب: حَتَّى نَنْظُرَ فِي إِسْنَادِهَا. . .
(4/18)

وَإِنِ ادَّعَوْا تَوَاتُرَ نَصِّ هَذَا عَلَى هَذَا، [وَنَصِّ هَذَا عَلَى هَذَا] (1) كَانَ هَذَا مُعَارَضًا بِدَعْوَى غَيْرِهِمْ مِثْلَ هَذَا التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ سَائِرَ الْقَائِلِينَ بِالنَّصِّ إِذَا ادَّعَوْا مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوَى لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّعْوَيَيْنِ (2) فَرْقٌ.
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَغَيْرُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ بِتَقْدِيرِ (3) ثُبُوتِ عِصْمَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمَذْهَبُهُمْ (4) لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنْهُ، فَنَفْسُ دَعْوَاهُمُ الْعِصْمَةَ فِي عَلِيٍّ مِثْلُ دَعْوَى النَّصَارَى الْإِلَهِيَّةَ فِي الْمَسِيحِ. مَعَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ مَأْخُوذًا عَنِ الْمَسِيحِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ فِي مَذْهَبِهِمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عِصْمَةُ مَنْ يُضِيفُونَ الْمَذْهَبَ إِلَيْهِ (5) مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَالثَّانِيَةُ ثُبُوتُ ذَلِكَ النَّقْلِ [عَنِ الْإِمَامِ] (6) . وَكِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ بِإِلَهٍ، بَلْ هُوَ رَسُولٌ كَرِيمٌ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا أَوْ رَسُولًا كَرِيمًا فَقَوْلُهُ حَقٌّ، لَكِنْ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى لَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ (7) ، وَلِهَذَا كَانَ فِي عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (8) شَبَهٌ مِنَ الْمَسِيحِ: قَوْمٌ غَلَوْا فِيهِ فَوْقَ قَدْرِهِ، وَقَوْمٌ نَقَصُوهُ دُونَ قَدْرِهِ فَهُمْ كَالْيَهُودِ (9) ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ عَنِ الْمَسِيحِ: إِنَّهُ إِلَهٌ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: كَافِرٌ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) الدَّعْوَتَيْنِ: كَذَا فِي (ص) . وَفِي سَائِرِ الِنُسَخِ: الدَّعْوَتَيْنِ.
(3) ب (فَقَطْ) : أَنَّ تَقْدِيرَ.
(4) أ: فَمَذْهَبُ، ب: مَذْهَبٌ.
(5) ن، م: إِلَيْهِ الْمَذْهَبَ، ر: إِلَيْهِ الْمَذَاهِبَ.
(6) عَنِ الْإِمَامِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) أ، ب: لَيْسَ قَوْلَهُ.
(8) ن، م، و: عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(9) فَهُمْ كَالْيَهُودِ: زِيَادَةٌ فِي (ص) . وَفِي (هـ) : فَهُمُ الْيَهُودُ.
(4/19)

وَلَدُ بَغِيَّةٍ (1) . وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ: هَؤُلَاءِ (2) يَقُولُونَ: إِنَّهُ (3) إِلَهٌ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَافِرٌ ظَالِمٌ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يُقَالُ: قَدْ ثَبَتَ لِعَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (4) ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَجَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْمَنَاقِبِ وَالْفَصَائِلِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ هَذَا [الْمُصَنِّفُ] (5) الرَّافِضِيُّ. وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنَ الْكَذِبِ تَدُلُّ عَلَى جَهْلِ نَاقِلِهَا، مِثْلَ قَوْلِهِ: نَزَلَ فِي حَقِّهِمْ: {هَلْ أَتَى} ، فَإِنَّ سُورَةَ: (6) {هَلْ أَتَى} مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَعَلِيٌّ إِنَّمَا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِلَّا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَوُلِدَ لَهُ الْحَسَنُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ (7) مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْحُسَيْنُ فِي [السَّنَةِ] (8) الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ نُزُولِ: {هَلْ أَتَى} بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ وَعِلْمٌ بِأَحْوَالِ (9) هَؤُلَاءِ (10) السَّادَةِ الْأَخْيَارِ.
_________
(1) ن، م، أ، هـ، ر: وَلَدُ غِيَّةٍ.
(2) هَؤُلَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) الْمُصَنِّفُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) سُورَةَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) أ، ب،: الثَّانِيَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ. . وَفِي " الْإِصَابَةِ " 1/328: " وُلِدَ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْبَرْقِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ".
(8) السَّنَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (ة) ، (ص) ، (ر) .
(9) أ، ب: الْقُرْآنِ وَأَحْوَالِ. . .
(10) أ، ب، ن، م، و، هـ: هَذِهِ.
(4/20)

وَأَمَّا آيَةُ الطَّهَارَةِ فَلَيْسَ فِيهَا إِخْبَارٌ بِطَهَارَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَذَهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ لَهُمْ بِمَا يُوجِبُ طَهَارَتَهُمْ وَذَهَابَ الرِّجْسِ عَنْهُمْ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 6] وَقَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ، 26 - 28] .
فَالْإِرَادَةُ هُنَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلْأَمْرِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا (1) ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْمَشِيئَةَ الْمُسْتَلْزِمَةَ لِوُقُوعِ الْمُرَادِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَدْ طَهُرَ (2) كُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ طَهَارَتَهُ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ الشِّيعَةِ أَوْجَهُ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مَا لَا يَكُونُ، وَيَكُونُ مَا لَا يُرِيدُ.
فَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} إِذَا كَانَ هَذَا بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، كَانَ (3) ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِإِرَادَتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَإِنْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ طُهِّرُوا وَإِلَّا فَلَا.
وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَطْهِيرِهِمْ (4) وَإِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ (5) وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ (6) ،
_________
(1) أ، ب: لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرِّضَا وَهُوَ خَطَأٌ.
(2) أ، ب، هـ، و، ر: تَطَهَّرَ.
(3) أ، ب: وَكَانَ.
(4) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَهُمْ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4/21)

فَإِذَا أَلْهَمَهُمْ فِعْلَ مَا أَمَرَ، وَتَرْكَ مَا حَظَرَ حَصَلَتِ (1) الطَّهَارَةُ وَذَهَابُ الرِّجْسِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا مِمَّا أُمِرُوا بِهِ لَا مِمَّا أُخْبِرُوا بِوُقُوعِهِ (2) ، مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَارَ الْكِسَاءَ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ (3) وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» ". وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ (4)
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى [ضِدِّ] (5) قَوْلِ الرَّافِضَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُخْبِرْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ (6) ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ (7) وَقَعَ
_________
(1) أ، ب: فِعْلَ مَا أُمِرُوا بِهِ وَتَرْكَ مَا حُظِرُوا حَصَلَتِ. .
(2) ص، هـ، م، ر، و: لَا مِمَّا أُخْبِرَ بِوُقُوعِهِ.
(3) أ، ب: فَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: مُسْلِمٍ 4/1883 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَنَصُّهُ: " قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] ". وَالْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الْأَحْزَابِ) ، 5/328 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/4298، 292. وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 5/25 27.
(5) ضِدِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(6) أ، ب، ص، هـ، ر: عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ.
(7) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/22)

لَكَانَ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ بِوُقُوعِهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَى ذَلِكَ، لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ بِهِ (1) .
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى (2) أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ وَتَطْهِيرِهِمْ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى (3) أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا - وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا - يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا - وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 30 - 34] .
وَهَذَا السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ (4) أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا هُوَ فِي مُخَاطَبَتِهِنَّ (5) ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} عَمَّ غَيْرَ أَزْوَاجِهِ، كَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِأَنَّهُ (6) ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ
_________
(1) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) (2 - 2) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ن) : ذَهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ وَيُطَهِّرُهُمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) (2 - 2) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ن) : ذَهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ وَيُطَهِّرُهُمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) أ، ب، عَلَى أَنَّ هَذَا.
(5) أ، ب: إِنَّمَا هُوَ لِلْمُخَاطَبِينَ.
(6) أ، ب: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُ. . .
(4/23)

التَّذْكِيرِ لَمَّا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَهَؤُلَاءِ خُصُّوا بِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ أَزْوَاجِهِ (1) ، فَلِهَذَا خَصَّهُمْ بِالدُّعَاءِ لَمَّا أَدْخَلَهُمْ فِي الْكِسَاءِ، كَمَا أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاءَ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَمَسْجِدُهُ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (2) ] أَيْضًا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى (3) وَهُوَ أَكْمَلُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ (4) قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 108] بِسَبَبِ مَسْجِدِ قُبَاءَ، تَنَاوَلَ اللَّفْظُ لِمَسْجِدِ قُبَاءَ وَلِمَسْجِدِهِ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (5) بِطْرِيقِ الْأَوْلَى (6) .
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ أَزْوَاجُهُ (7) مِنْ آلِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُنَّ مِنْ آلِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (8) ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ [مِنْ] قَوْلِهِ: " [اللَّهُمَّ] صَلِّ (9) عَلَى (10) مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ (11) " وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
_________
(1) ب (فَقَطْ) : مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ بِالْأَوْلَى مِنْ أَزْوَاجِهِ.
(2) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) ، (م) .
(3) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) وَفِيهِمَا. . عَلَى التَّقْوَى وَكَانَ قَوْلُهُ. . الْخَ.
(4) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) وَفِيهِمَا. . عَلَى التَّقْوَى وَكَانَ قَوْلُهُ. . الْخَ.
(5) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(6) سَيَرُدُّ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِالتَّفْصِيلِ عَلَى اسْتِدْلَالِ ابْنِ الْمُطَهَّرِ بِآيَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِيمَا يَأْتِي (ب) 4/20 - 25 وَانْظُرْ (ك) 151 (م) - 152 (م) .
(7) أ، ب: فِي كَوْنِ أَزْوَاجِهِ.
(8) أ، ب: وَأَهْلِ الْبَيْتِ.
(9) ن: الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ صَلِّ. . .
(10) عَلَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(11) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/146 (كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ. .) وَنَصُّهُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكَتْ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ". وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 1/306 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّشَهُّدِ) ، الْمُوَطَّأِ 1/165 (كِتَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 3/42 (كِتَابُ السَّهْوِ، بَابُ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ. . نَوْعٌ آخَرُ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/293 (كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ) .
(4/24)

وَأَمَّا مَوَالِيهِنَّ فَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ (1) بِلَا نِزَاعٍ، فَلِهَذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ تُبَاحُ لِبَرِيرَةَ. وَأَمَّا أَبُو رَافِعٍ فَكَانَ مِنْ مَوَالِيهِمْ، فَلِهَذَا نَهَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ، وَتَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ هُوَ مِنَ التَّطْهِيرِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ (2) أَوْسَاخُ النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي إِيجَابِ (3) الْمَوَدَّةِ [لَهُمْ] (4) غَلَطٌ. فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (5) أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (6) سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [سُورَةُ الشُّورَى: 23] ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِلَّا أَنْ تَوَدُّوا ذَوِي قُرْبَى مُحَمَّدٍ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (7) . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجَّلْتَ، إِنَّهُ (8) لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ (9) قُرَيْشٍ إِلَّا لِرَسُولِ
_________
(1) أ، ب: أَهْلِ الْبَيْتِ.
(2) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (أ) فَلِهَذَا نَهَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ أَوْسَاخِ النَّاسِ. وَفِي (ب) : فَلِهَذَا نَهَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ لَهُ إِنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ.
(3) ب (فَقَطْ) : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِيجَابُ.
(4) لَهُمْ: فِي (هـ) ، (ر) فَقَطْ.
(5) أ، ب: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
(6) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(7) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي (أ) ، (ب) ، (هـ) ، (ص) ، (ر) .
(8) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ (أ) (ب) .
(9) ن، م، و: فِي.
(4/25)

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ (1) قَرَابَةٌ. فَقَالَ: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي فِي الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ (2) .
فَابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَعْلَمِهِمْ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا تَفْسِيرُهُ الثَّابِتُ عَنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِلَّا الْمَوَدَّةَ لِذَوِي (3) الْقُرْبَى. وَلَكِنْ قَالَ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (4) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ ذَوِي قُرْبَاهُ قَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 41] ، وَلَا يُقَالُ: الْمَوَدَّةُ فِي ذَوِي (5) الْقُرْبَى. وَإِنَّمَا يُقَالُ: الْمَوَدَّةُ لِذَوِي (6) الْقُرْبَى. فَكَيْفَ (* وَقَدْ قَالَ: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (7) ؟ ! .
وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَسْأَلُ أَجْرًا أَصْلًا، إِنَّمَا أَجْرُهُ *) (8) عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَالَاةُ أَهْلِ الْبَيْتِ لَكِنْ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ
_________
(1) ب (فَقَطْ) : فِيهِمْ.
(2) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/178 - 179 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) ، 6/129 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الشُّورَى) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/54 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الشُّورَى) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 3/320، 4/205.
(3) أ، ب: لِذِي.
(4) يَتَكَلَّمُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِيمَا يَأْتِي عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَيَرُدُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ رَدًّا مُفَصَّلًا. انْظُرْ (ك) ص [0 - 9] 52 (م) 153 (م) وَالرَّدَّ فِي (ب) 4/25 - 26.
(5) أ، ب: فِي ذِي.
(6) أ، ب: لِذِي.
(7) ن، م، و: فَكَيْفَ يُقَالُ: الْمَوَدَّةُ فِي الْقُرْبَى، هـ، ر: فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ: الْمَوَدَّةُ فِي الْقُرْبَى.
(8) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ص) .
(4/26)

هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَتْ مُوَالَاتُنَا لِأَهْلِ الْبَيْتِ مَنْ أَجْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ بَعْدُ [قَدْ] (1) تَزَوَّجَ بِفَاطِمَةَ وَلَا وُلِدَ لَهُ (2) أَوْلَادٌ.
وَأَمَّا آيَةُ الِابْتِهَالِ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ لِيُبَاهِلَ بِهِمْ (3) لَكِنْ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وُلِدَ ذَكَرٌ إِذْ ذَاكَ يَمْشِي مَعَهُ. وَلَكِنْ كَانَ يَقُولُ عَنِ الْحَسَنِ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» (4) " فَهُمَا ابْنَاهُ وَنِسَاؤُهُ (5) [إِذْ] (6) لَمْ يَكُنْ قَدْ (7) بَقِيَ لَهُ بِنْتٌ إِلَّا فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - (8) ، فَإِنَّ الْمُبَاهَلَةَ كَانَتْ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ، وَهُمْ نَصَارَى، وَذَلِكَ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، بَلْ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَفِيهَا نَزَلَ صَدْرُ آلِ عِمْرَانَ، وَفِيهَا فُرِضَ
_________
(1) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) أ، ب: لَهُمَا
(3) آيَةُ الِابْتِهَالِ هِيَ آيَةٌ: 61 مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَاءَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 4/1871 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ. . .) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/293294 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، بَابُ: وَمِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 3/9798. وَسَيَتَكَلَّمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَا يَأْتِي (فِي (ب) 4/3334) عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ رَدًّا عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْمُطَهَّرِ فِي (ك) 154 (م) .
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْكِتَابِ 539 540.
(5) ب (فَقَطْ) : فَهُمْ أَبْنَاؤُهُ وَنِسَاؤُهُ.
(6) إِذْ: فِي (ب) فَقَطْ.
(7) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فِي (ن) ، (م) فَقَطْ.
(4/27)

الْحَجُّ، وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ. فَإِنَّ مَكَّةَ لَمَّا فُتِحَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ قَدِمَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اتِّصَالِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْكِسَاءِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَفْضَلَ مِنْ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ بِكَمَالِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى لَا بِقُرْبِ النَّسَبِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 13] . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الصِّدِّيقَ كَانَ أَتْقَى الْأُمَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» " (1) وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ (2) أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِالْفَضِيلَةِ وَجَهْلِهِ بِالْوَاقِعِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ (3) هَذَا لَيْسَ بِفَضِيلَةٍ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» (4) . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ
_________
(1) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ 1/512.
(2) عَنْ عَلِيٍّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) ن، م: فَإِنَّ.
(4) وَرَدَ أَكْثَرُ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ جَاءَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَزِيدُ عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. انْظُرِ الْأَحَادِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 2/51 (كِتَابُ التَّهَجُّدِ، بَابُ كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) ، مُسْلِمٍ 1/508 - 510 (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ، بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ. . .) الْأَحَادِيثُ رَقْمَ 121 - 128، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1/274 - 276 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصْفِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ) .
(4/28)

[- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (1) : " «أَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» " (2) .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ «كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ» (3) . وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ «بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالًا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: " أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: وَأَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَلَا أَنَامُ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَكِنِّي أَصُومُ
_________
(1) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/161 (كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ: بَابُ: أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ. .) وَنَصُّهُ: " أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ ") . وَالْحَدِيثُ فِي: الْبُخَارِيِّ 2
(كِتَابُ التَّهَجُّدِ، بَابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ) ، مُسْلِمٍ 2/816 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ. .) الْحَدِيثَانِ رَقْمُ 189، 190، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 4/168 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ صِيَامِ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/546 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/440 (كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابٌ فِي صَوْمِ يَوْمٍ، وَفِطْرِ يَوْمٍ) .
(3) الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 2/50 (كِتَابُ التَّهَجُّدِ، بَابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ) وَنَصُّهُ:. . سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ. قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ " فِي شَرْحِ مَعْنَى كَلِمَةِ " الصَّارِخِ ": " يَعْنِي الدِّيكَ، لِأَنَّهُ كَثِيرُ الصِّيَاحِ فِي اللَّيْلِ ". وَالْحَدِيثُ عَنْهَا أَيْضًا فِي: الْبُخَارِيِّ 8/98 (كِتَابُ الرِّقَاقِ، بَابُ الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ) ، مُسْلِمٍ 1/511 (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ، بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ. . .) ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 3/169 (كِتَابُ قِيَامِ اللَّيْلِ، بَابُ وَقْتِ الْقِيَامِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/110، 147، 203، 279.
(4/29)

وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» " (1) .
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَالَ: لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (2) : " لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ، وَنَفَهَتْ لَهُ النَّفْسُ. إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» " (3) .
فَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى قِيَامِ جَمِيعِ اللَّيْلِ (4) لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ بِسُنَّةِ (5) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتَةِ عَنْهُ. وَهَكَذَا مُدَاوَمَةُ صِيَامِ النَّهَارِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ [صِيَامُ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -] (6) : صِيَامُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ.
_________
(1) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ) ، مُسْلِمٍ 2/1020 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ. .) ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 6/4950 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّبَتُّلِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/241، 259، 258.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (ص) ، (ر) ، (هـ) .
(3) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 2/54 (كِتَابُ التَّهَجُّدِ، بَابُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. .) ، 3/39 (كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ) ، 4/160 (كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) ، مُسْلِمٍ 2/816 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ. . .) ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 4/180 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ. . .) .
(4) ص: قِيَامِ اللَّيْلِ جَمِيعِهِ، م: قِيَامِ كُلِّ اللَّيْلِ.
(5) أ، ب: بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ، لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ. . .
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4/30)

وَأَيْضًا فَالَّذِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً» ، وَعَلِيٌّ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ أَعْلَمُ بِسُنَّتِهِ، وَأَتْبَعُ لِهَدْيِهِ مِنْ أَنْ (1) يُخَالِفَهُ (2) هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَكَيْفَ وَصَلَاةُ أَلْفِ رَكْعَةٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، مَعَ الْقِيَامِ بِسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ (3) مِنْ أَكْلٍ وَنَوْمٍ، وَقَضَاءِ حَقِّ أَهْلٍ (4) ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ الرَّعِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ مِنَ (5) الزَّمَانِ إِمَّا النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَالسَّاعَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَتَّسِعُ لِثَمَانِينَ (6) رَكْعَةً، وَمَا يُقَارِبُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْرًا كَنَقْرِ الْغُرَابِ، وَعَلِيٌّ أَجَلُّ مِنْ أَنْ (7) يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «تِلْكَ صَلَاةُ، تِلْكَ صَلَاةُ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ (8) : يَرْقُبُ (9) الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» " (10) . وَقَدْ
_________
(1) ب (فَقَطْ) : وَأَتْبَعُ لِهَدْيِهِ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ.
(2) أ، ص، م: يُخَالِفَ.
(3) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أ، ب: وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْأَهْلِ.
(5) مِنَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ: لَا تَسَعُ لِمِائَتَيْنِ، ب: لَا تِسَعُ مِائَتَيْ. .
(7) ن، و، هـ: مِنْ ذَلِكَ أَنْ. . .
(8) (8 - 8) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(9) أ، ب: يَتَرَقَّبُ.
(10) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مُسْلِمٍ 1/434 (كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ فِيهَا، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالْعَصْرِ) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/167168 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1/107 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْعَصْرِ) ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 1/203 (كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ التَّشْدِيدِ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/149.
(4/31)

نَهَى عَنْ نَقْرٍ كَنَقْرِ الْغُرَابِ (1) ، فَنَقْلُ مِثْلِ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ نَاقِلِهِ (2) ، ثُمَّ إِنَّ (3) إِحْيَاءَ اللَّيْلِ بِالتَّهَجُّدِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ هُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَتَهَجُّدُهُ وَتِلَاوَتُهُ الْقُرْآنَ أَظْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (4) كَانَ أَفْضَلَ الْخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، يُنَازِعُهُ فِيهَا (5) جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
وَقَوْلُهُ: جَعَلَهُ اللَّهُ نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (6) حَيْثُ قَالَ: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 61] وَوَاخَاهُ (7) .
فَيُقَالُ: أَمَّا حَدِيثُ الْمُؤَاخَاةِ فَبَاطِلٌ مَوْضُوعٌ (8) ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَاخِ أَحَدًا، وَلَا آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ (9) بَعْضٍ، وَلَا بَيْنَ
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/316 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ صَلَاةِ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وَنَصُّهُ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ ". وَهُوَ أَيْضًا فِي: سَنَّنِ النَّسَائِيِّ 2/169 (كِتَابُ التَّطْبِيقِ، بَابُ النَّهْيِ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/459 (كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوْطِينِ الْمَكَانِ. .) ، سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/303 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ الِافْتِرَاشِ وَنَقْرَةِ الْغُرَابِ) وَالْحَدِيثُ فِي مَوَاضِعَ فِي الْمُسْنَدِ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 6/70.
(2) أ، ب: قَائِلِهِ.
(3) إِنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) ن، م، إِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. .
(5) أ، ب: تَنَازَعَ فِيهَا.
(6) ن، م، و، هـ، ر: نَفْسَ رَسُولِهِ.
(7) وَوَاخَاهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) ذَكَرَ ابْنُ الْمُطَهَّرِ حَدِيثَ الْمُؤَاخَاةِ الْمَوْضُوعِ بِالتَّفْصِيلِ فِي (ك) 169 (م) 170 (م) ، وَرَدَّ ابْنُ تَيْمِيَةَ عَلَى اسْتِدْلَالِهِ بِهِ رَدًّا مُفَصَّلًا فِيمَا يَأْتِي (ب [0 - 9] \ 9697) .
(9) أ، ب: مِنْ.
(4/32)

الْأَنْصَارِ بَعْضِهِمْ مَعَ (1) بَعْضٍ، وَلَكِنْ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، كَمَا آخَى بَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَآخَى بَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ (2) وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} فَهَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} [سُورَةُ النُّورِ: 12] نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ [عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي] (3) الْإِفْكِ (4) فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِ (5) الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [سُورَةُ
_________
(1) أ، ب: مِنْ.
(2) أَخْبَارُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ. انْظُرْ مَثَلًا: الْبُخَارِيِّ 5/3132 (كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ إِخَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) ، 5/69 (كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ كَيْفَ آخَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ) وَانْظُرْ أَيْضًا: مُسْلِمٍ 4/1960 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ. .) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: 4/23 (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ 48) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) حَدِيثُ الْإِفْكِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وَأَوَّلُهُ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ: 5/116 قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا. . وَالْحَدِيثُ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/173 176 (كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا) ، 5/116 120 (كِتَابُ الْمُغَازِي، بَابُ حَدِيثِ الْإِفْكِ) ، 6/76 77 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ يُوسُفَ) ، مُسْلِمٍ 4/2129 2138 (كِتَابُ التَّوْبَةِ، بَابٌ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ. . .) ، الْمُسْنَدٍ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/194 197.
(5) أ، ب: نَفْسِ.
(4/33)

الْبَقَرَةِ: 54] : أَيْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (1) . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 84] أَيْ لَا يُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (2) فَالْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ الْإِخْوَانُ: إِمَّا فِي النَّسَبِ وَإِمَّا فِي الدِّينِ (3) .
وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» " (4)
_________
(1) انْظُرْ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فِي: تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/72، 79، وَانْظُرِ الْأَثَرَ رَقْمَ 934 (ص [0 - 9] 3) . . عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، قَالَ: عَمَدُوا إِلَى الْخَنَاجِرِ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
(2) فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ لِهَذِهِ الْآيَةِ 2/301 (ط. الْمَعَارِفِ) . . . عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَائَكُمْ "، يَقُولُ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، " وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ "، يَقُولُ: لَا يُخْرِجْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنَ الدِّيَارِ.
(3) انْظُرْ تَفْسِيرَ الشِّيعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) كَمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِمُ الدُّكْتُورُ أَحْمَد صُبْحِي فِي كِتَابِهِ " نَظَرِيَّةِ الْإِمَامَةِ لَدَى الشِّيعَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ " ص [0 - 9] 77 178، ط الْمَعَارِفِ، 1969.
(4) هَذِهِ الْعِبَارَةُ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَاءَ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/184 185 (كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ كَيْفَ يَكْتُبُ هَذَا مَا صَالَحَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ. .) وَهُوَ حَدِيثُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَوَّلُهُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ كِتَابًا. . . وَفِيهِ: قَالَ: " أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " وَآخِرُ الْحَدِيثِ: " فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ: يَا عَمِّ يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَهَا بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ احْمِلِيهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: " الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ " وَقَالَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: " أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي " وَقَالَ لِزَيْدٍ: " أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: الْبُخَارِيِّ 4/103 104 (كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ، بَابُ الْمُصَالَحَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. . .) وَلَكِنْ لَمْ تَرِدْ فِيهِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ، 5/141 142 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي أَوَّلِ بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ 5/18 وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْحَدِيثَ كَامِلًا. وَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى مِنْهَا حَدِيثٌ عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/299 300 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ 85) وَنَصُّهُ: " عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/44 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/164، 165. وَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/204 وَانْظُرِ: الرِّيَاضَ النَّضِرَةَ لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ 2/225 226.
(4/34)

وَقَالَ لِلْأَشْعَرِيِّينَ: " إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ نَفِدَتْ نَفَقَةُ عِيَالِهِمْ (1) بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ قَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ " وَهَذَا فِي الصَّحِيحِ (2) ، وَالْأَوَّلُ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي الصَّحِيحِ [أَيْضًا] (3) أَنَّهُ «قَالَ لِجُلَيْبِيبٍ (4) : " هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ [هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ] » (5) "، (6) وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
_________
(1) ن، م، و، هـ، ر: عِيَالَاتِهِمْ.
(2) الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارَبَةٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 3/138 (كِتَابُ الشَّرِكَةِ، بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ. . .) ، مُسْلِمٌ 4/1944 1945 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْأَشْعَرِيِّينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -) . وَمَعْنَى " أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ ": أَيْ فَنِيَ طَعَامُهُمْ.
(3) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: خَيْبَبٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَالتَّصْوِيبُ مِنَ " الْمُنْتَقَى مِنْ مِنْهَاجِ الِاعْتِدَالِ " لِلذَّهَبِيِّ، ص 170. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ 1/244 عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " غَيْرُ مَنْسُوبٍ تَصْغِيرُ جِلْبَابٍ ".
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) .
(6) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 4/1918 1919. وَنَصُّهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. . ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: " لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَطَلَبُوهُ " فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: " قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ". قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ، لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غُسْلًا ". وَالْحَدِيثُ فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/421، 422، 425.
(4/35)

وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ فَاطِمَةَ فَفَضِيلَةٌ لِعَلِيٍّ، كَمَا أَنَّ تَزْوِيجَهُ عُثْمَانَ بِابْنَتَيْهِ (1) فَضِيلَةٌ لِعُثْمَانَ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَا النُّورَيْنِ. وَكَذَلِكَ تَزَوُّجُهُ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَبِنْتَ عُمَرَ فَضِيلَةٌ لَهُمَا. فَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَصْهَارُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

[كلام الرافضي عن علي رضي الله عنه " وَظَهَرَتْ مِنْهُ مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ " والرد عليه]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَظَهَرَتْ مِنْهُ مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ " فَكَأَنَّهُ يُسَمِّي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٍ، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ لِكَثِيرٍ (2) مِنَ النَّاسِ. فَيُقَالُ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَهُ كَرَامَاتٌ (3) ، وَالْكَرَامَاتُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ عَوَامِّ (4) أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى عَلِيٍّ (5) ، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ الْكَرَامَاتُ ثَابِتَةً لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْكَرَامَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " حَتَّى ادَّعَى قَوْمٌ فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ وَقَتَلَهُمْ ".
_________
(1) أ، ب: ابْنَتَيْهِ.
(2) أ، ب، ص: كَثِيرٍ.
(3) ن: كَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ.
(4) أ، ب: الْعَوَامِّ.
(5) عِبَارَةُ " عَلَى عَلِيٍّ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/36)

فَهَذِهِ مَقَالَةُ جَاهِلٍ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ، وَمَا ادَّعَى فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ (1) الْإِلَهِيَّةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مُعْجِزَاتِ الْخَلِيلِ وَمُوسَى أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ (2) وَمَا ادَّعَى أَحَدٌ فِيهِمَا (3) الْإِلَهِيَّةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا وَ [مُعْجِزَاتِ] مُوسَى (4) أَعْظَمُ مِنْهُ مُعْجِزَاتُ الْمَسِيحِ، وَمَا ادُّعِيَتْ فِيهِمَا الْإِلَهِيَّةُ كَمَا ادُّعِيَتْ (5) فِي الْمَسِيحِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَسِيحَ ادُّعِيَتْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةُ أَعْظَمَ مِمَّا ادُّعِيَتْ فِي مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ لَا عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ (6) وَلَا عَلَى أَنَّ مُعْجِزَاتِهِ أَبْهَرُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ فِيهِمَا دَعْوَى بَاطِلَةٌ تُقَابِلُهَا (7) دَعْوَى بَاطِلَةٌ، وَهِيَ دَعْوَى الْيَهُودِ فِي الْمَسِيحِ، وَ [دَعْوَى] الْخَوَارِجِ (8) فِي عَلِيٍّ، فَإِنَّ الْخَوَارِجَ كَفَّرُوا عَلِيًّا، فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا ادُّعِيَتْ فِيهِ الْإِلَهَيَّةُ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ. جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا ادُّعِيَ فِيهِ الْكُفْرُ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ. وَجَازَ أَنْ يُقَالَ: صَدَرَتْ مِنْهُ ذُنُوبٌ اقْتَضَتْ أَنْ يُكَفِّرَهُ بِهَا الْخَوَارِجُ.
_________
(1) أ، ب: مِنَ الصَّحَابَةِ.
(2) أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَعْظَمُ مِنْهُ.
(3) أ، ب، ن، و، هـ: فِيهِمُ.
(4) ن، م: نَبِيِّنَا وَمُوسَى.
(5) ب (فَقَطْ) : الْإِلَهِيَّةُ وَمَا ادُّعِيَتْ. . .
(6) أ، ب،:. . . ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ. .
(7) أ، ب: قَابَلَهَا.
(8) ن، م: وَالْخَوَارِجُ.
(4/37)

وَالْخَوَارِجُ أَكْثَرُ وَأَعْقَلُ وَأَدْيَنُ (1) مِنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، فَإِنْ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا، وَجُعِلَتْ (2) هَذِهِ الدَّعْوَى مَنْقَبَةً، كَانَ دَعْوَى (3) الْمُبْغِضِينَ لَهُ وَدَعْوَى الْخَوَارِجِ مَثْلَبَةً أَقْوَى وَأَقْوَى، وَأَيْنَ الْخَوَارِجُ مِنَ الرَّافِضَةِ الْغَالِيَةِ؟ ! .
فَالْخَوَارِجُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ صَلَاةً وَصِيَامًا [وَقِرَاءَةً لِلْقِرَانِ] (4) ، وَلَهُمْ جُيُوشٌ وَعَسَاكِرُ، وَهُمْ مُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَالْغَالِيَةُ الْمُدَّعُونَ لِلْإِلَهِيَّةَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَكْفَرِ النَّاسِ (5) ، وَالْغَالِيَةُ كُفَّارٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَلَا يُكَفِّرُهُمْ إِلَّا مَنْ يُكَفِّرُ الْإِمَامِيَّةَ، فَإِنَّهُمْ خَيْرٌ مِنِ الْإِمَامِيَّةِ، وَعَلِيٌّ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يُكَفِّرُهُمْ، وَلَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَاحِدِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، كَمَا أَمَرَ بِتَحْرِيقِ الْغَالِيَةِ، بَلْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ (6) وَأَغَارُوا عَلَى سَرْحِ النَّاسِ.
فَثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ أَنَّ الْخَوَارِجَ خَيْرٌ مِنَ الْغَالِيَةِ، فَإِنْ جَازَ لِشِيعَتِهِ (7) أَنْ تَجْعَلَ (8) دَعْوَى الْغَالِيَةِ الْإِلَهِيَّةَ فِيهِ حُجَّةً
_________
(1) وَأَدْيَنُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب، و، هـ: وَجُعِلَ.
(3) ن، م، و: احْتِجَاجِ.
(4) وَقِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (ص) ، (ر) ، (و) ، (هـ) : وَقِرَاءَةً.
(5) ن، ص، ر، هـ، و: مِنْ أَكْفَرِهِمْ.
(6) أ، ب: بْنَ الْحُبَابِ.
(7) أ: الشِّيعَةَ، ب، م: لِلشِّيعَةِ.
(8) أ، ب: أَنْ يَجْعَلُوا.
(4/38)

عَلَى (* فَضِيلَتِهِ (1) كَانَ لِشِيعَةِ عُثْمَانَ أَنْ يَجْعَلُوا (2) دَعْوَى الْخَوَارِجِ لِكُفْرِهِ حُجَّةً *) (3) عَلَى نَقِيضِهِ (4) بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ إِنَّمَا يَحْتَجُّ بِهَا جَاهِلٌ، ثُمَّ إِنَّهَا تَعُودُ عَلَيْهِ لَا لَهُ. وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الرَّافِضَةَ أَجْهَلُ وَأَكْذَبُ مِنَ النَّاصِبَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَكَانَ وَلَدَاهُ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِمَامَيْنِ بِنَصِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
فَيُقَالُ: الَّذِي ثَبَتَ بِلَا شَكٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ قَالَ عَنِ الْحَسَنِ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ سَيُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " (5) ، وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ كَانَ (6) يُقْعِدُهُ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى فَخِذِهِ وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا (7) وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» (8) .
_________
(1) ب: فَضْلِهِ.
(2) هـ: كَانَ لِمَنْ يُقَابِلُهُمْ لِشِيعَةِ عُثْمَانَ أَنْ يَجْعَلُوا، ص، ر،: كَانَ لِمَنْ يُقَابِلُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) .
(4) ب (فَقَطْ) : حُجَّةً عَلَى فَضْلِهِ جَازَ لِلْخَوَارِجِ أَنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أَنَّ نَقِيضَهُ. .
(5) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ 1/539 540.
(6) أ، ب: وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ.
(7) فَأَحِبَّهُمَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(8) فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/205 عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَضُمُّنَا ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنَّى أَرْحَمُهُمَا ". وَفِي الْمُسْنَدِ أَيْضًا (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/210 عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُنِي وَالْحُسَيْنَ فَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " 2/768 (حَدِيثٌ رَقْمُ: 1352) وَقَالَ الْمُحَقِّقُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
(4/39)

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ عَلَى [الْإِمَامَةِ، وَقَصْدِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (1) كَانَ مَحْبُوبًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُصِيبَةً، بَلْ كَانَ] (2) ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنِ اقْتِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا أَحَبَّهُ وَأَحَبَّ أُسَامَةَ [بْنَ زَيْدٍ] (3) وَدَعَا لَهُمَا، فَإِنَّ كِلَاهُمَا كَانَ (4) يَكْرَهُ الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ (5) ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَلَمْ (6) يُقَاتِلْ لَا مَعَ عَلِيٍّ وَلَا مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَالْحَسَنُ كَانَ دَائِمًا يُشِيرُ عَلَى عَلِيٍّ بِتَرْكِ الْقِتَالِ] (7) وَهَذَا نَقِيضُ مَا عَلَيْهِ الرَّافِضَةُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ كَانَ مُصِيبَةً وَكَانَ ذُلًّا، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ إِمَامٌ مَعْصُومٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ طَاعَتُهُ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَهُ كَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاطِلَةً لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاهَدَ مَعَهُ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، لَكَانَ ذَلِكَ الصُّلْحُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ فَسَادُ دِينِهَا، [فَأَيُّ فَضِيلَةٍ كَانَتْ تَكُونُ لِلْحَسَنِ بِذَلِكَ (8) حَتَّى يُثْنَى عَلَيْهِ بِهِ؟ وَإِنَّمَا (9) غَايَتُهُ أَنْ يُعْذَرَ لِضَعْفِهِ عَنِ الْقِتَالِ الْوَاجِبِ (10) ] (11) وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْحَسَنَ فِي الصُّلْحِ سَيِّدًا
_________
(1) أ، ب، ر: بَيْنَ النَّاسِ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) ابْنَ زَيْدٍ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) أ، ب: فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ. .
(5) ن، م: كَانَ يَكْرَهُ الْقِتَالَ وَالْفِتْنَةَ.
(6) ص، ر، هـ، و: وَأُسَامَةُ لَمْ.
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) أ، ب: فِي ذَلِكَ.
(9) وَإِنَّمَا: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(10) و، ر: أَنْ يُعْذَرَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِتَالِ الْوَاجِبِ، هـ: أَنْ يُعْذَرَ عَنِ الْقِتَالِ لِعَجْزِ الْوَاجِبِ، ص: أَنْ يُعْذَرَ عَنِ الْقِتَالِ لِعَجْزٍ عَنِ الْقِتَالِ الْوَاجِبِ.
(11) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/40)

مَحْمُودًا، وَلَمْ يَجْعَلْهُ عَاجِزًا مَعْذُورًا، وَلَمْ يَكُنِ الْحَسَنُ أَعْجَزَ عَنِ الْقِتَالِ مِنَ الْحُسَيْنِ، [بَلْ كَانَ أَقْدَرَ عَلَى الْقِتَالِ مِنَ الْحُسَيْنِ] (1) ، وَالْحُسَيْنُ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ الْحُسَيْنُ هُوَ [الْأَفْضَلَ] (2) الْوَاجِبَ، كَانَ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ أَوْ عَجْزًا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ هُوَ الْأَفْضَلَ الْأَصْلَحَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ هُوَ الْأَفْضَلُ الْأَصْلَحُ، وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (3) مِمَّا فَعَلَهُ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ يَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ (4) بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -[أَجْمَعِينَ] (5) .
ثُمَّ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُمَا إِمَامَيْنِ لَمْ يَكُونَا قَدِ اسْتَفَادَا الْإِمَامَةَ بِنَصِّ عَلِيٍّ، وَلَاسْتَفَادَهَا الْحُسَيْنُ بِنَصِّ الْحَسَنِ عَلَيْهِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَيْحَانَتَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدُّنْيَا (6) . وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (7) أَدْخَلَهُمَا مَعَ أَبَوَيْهِمَا تَحْتَ الْكِسَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» وَأَنَّهُ دَعَاهُمَا فِي الْمُبَاهَلَةِ، وَفَضَائِلُهُمَا كَثِيرَةٌ وَهُمَا مِنْ أَجِلَّاءِ سَادَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا كَوْنُهُمَا أَزْهَدَ النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِمْ فَهَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى قُتِلَا ".
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) الْأَفْضَلَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: الْحَسَنُ هُوَ الْأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
(4) أ، ب الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ.
(5) أَجْمَعِينَ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)
(6) (66) : سَاقِطٌ مِنْ (ب) . وَفِي (أ) عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ: " ثُمَّ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
(7) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4/41)

فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمَا، فَإِنَّ الْحَسَنَ تَخَلَّى عَنِ الْأَمْرِ وَسَلَّمَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ جُيُوشُ الْعِرَاقِ (1) ، وَمَا كَانَ يَخْتَارُ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ قَطُّ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ مِنْ سِيرَتِهِ (2) .
وَأَمَّا مَوْتُهُ، فَقَدْ قِيلَ: (3) إِنَّهُ مَاتَ مَسْمُومًا، وَهَذَا شَهَادَةٌ (4) [لَهُ] (5) وَكَرَامَةٌ فِي حَقِّهِ، لَكِنْ لَمْ يَمُتْ مُقَاتِلًا.
وَالْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا خَرَجَ يُرِيدُ الْقِتَالَ (6) ، وَلَكِنْ ظَنَّ أَنَّ النَّاسَ يُطِيعُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى انْصِرَافَهُمْ عَنْهُ، طَلَبَ الرُّجُوعَ إِلَى وَطَنِهِ، أَوِ الذَّهَابَ إِلَى الثَّغْرِ، أَوْ إِتْيَانَ يَزِيدَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ أُولَئِكَ الظَّلَمَةُ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا [وَلَا مِنْ هَذَا] (7) وَطَلَبُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ أَسِيرًا إِلَى يَزِيدَ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا، لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ ابْتِدَاءً أَنْ يُقَاتِلَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ: إِنَّهُ لَبِسَ الصُّوفَ تَحْتَ ثِيَابِهِ [الْفَاخِرَةِ] (8) .
فَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ فِي عَلِيٍّ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَلْفَ رَكْعَةٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا فَضِيلَةَ فِيهِ، وَهُوَ كَذِبٌ. وَذَلِكَ أَنَّ لُبْسَ الصُّوفِ تَحْتَ ثِيَابِ الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ لَوْ كَانَ فَاضِلًا لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَعَهُ (9) [لِأُمَّتِهِ] (10) ،
_________
(1) الْعِرَاقِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: وَهَذِهِ مُتَوَاتِرَةٌ مِنْ فَضَائِلِهِ.
(3) أ، ب: فَقِيلَ.
(4) أ، ب، م: وَهَذِهِ شَهَادَةٌ.
(5) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) أ، ب: مَا خَرَجَ مُقَاتِلًا.
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (أ) ، (ب) ، (ر) فَقَطْ.
(8) الْفَاخِرَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(9) شَرَعَهُ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يُشَرِّعُهُ.
(10) لِأُمَّتِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/42)

إِمَّا بِقَوْلِهِ أَوْ (1) بِفِعْلِهِ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُهُ أَصْحَابُهُ عَلَى عَهْدِهِ (2) ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَا رَغَّبَ فِيهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ، وَلَكِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ فِي السَّفَرِ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ فَوْقَ ثِيَابِهِ» (3) . وَقَصْدُ لُبْسِ الصُّوفِ، دُونَ الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ، لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ فِي شَرِيعَتِنَا (4) وَلَا هُوَ مِنْ (5) هَدْيِ نَبِيِّنَا [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (6) .
وَقَدْ قِيلَ (7) لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: إِنَّ قَوْمًا يَقْصِدُونَ لُبْسَ الصُّوفِ وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَلْبَسُهُ. فَقَالَ: هَدْيُ نَبِيِّنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا (8) مِنْ هَدْيِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ (9) هَلْ يُكْرَهُ لُبْسُ الصُّوفِ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا لُبْسُهُ فِي السَّفَرِ فَحَسَنٌ، لِأَنَّهُ (10) مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ
_________
(1) أ، ب: وَإِمَّا.
(2) أ، ب: فِي عَهْدِهِ.
(3) رَوَى الْبُخَارِيُّ 7/144 (كِتَابُ اللِّبَاسِ، بَابُ جُبَّةِ الصُّوفِ فِي الْغَزْوِ) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: " أَمَعَكَ مَاءٌ؟ " قُلْتُ: قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الْإِدَاوَةَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَهَوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: " دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ " فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ".
(4) ن، م: فِي شَرْعِنَا.
(5) عِبَارَةُ " هُوَ مِنْ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ن) ، (م) : هُوَ فِي.
(6) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي (أ) ، (ب) ، (م) فَقَطْ.
(7) أ، ب: وَقِيلَ.
(8) إِلَيْنَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(9) أ، ب: وَقَدْ تَنَازَعُوا.
(10) ن، م: فَإِنَّهُ.
(4/43)

يَكُونَ لُبْسُ الصُّوفِ طَاعَةً وَقُرْبَةً، فَإِظْهَارُهُ تَوَاضُعًا أَوْلَى مِنْ إِخْفَائِهِ تَحْتَ الثِّيَابِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا تَعْذِيبُ النَّفْسِ بِلَا فَائِدَةٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرِ الْعِبَادَ إِلَّا بِمَا هُوَ [لَهُ] (1) أَطْوَعُ وَلَهُمْ أَنْفَعُ، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَعْذِيبٍ لَا يَنْفَعُهُمْ (2) ، بَلْ قَالَ [النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (3) : " «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ (4) عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ» " (5) .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ يَوْمًا الْحُسَيْنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ، وَوَلَدَهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ لَكَ بَيْنَهُمَا (6) فَاخْتَرْ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا مَاتَ الْحُسَيْنُ بَكَيْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، وَإِذَا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بَكَيْتُ أَنَا عَلَيْهِ " فَاخْتَارَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ، فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْحُسَيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ: [أَهْلًا] وَمَرْحَبًا (7) بِمَنْ فَدَيْتُهُ بِابْنِي إِبْرَاهِيمَ» ".
2 -
_________
(1) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (أ) ، (ب) : لَهُمْ.
(2) أ، ب: لَمْ يَنْفَعْهُمْ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ وَسَقَطَ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ.
(4) أ، ب، غَنِيٌّ.
(5) جَاءَ الْحَدِيثُ مُفَصَّلًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/319 (كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ) وَأَوَّلُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ " وَأَمَرَ أَنْ يَرْكَبَ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِي: الْبُخَارِيِّ 8/142 (كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُرِ، بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ وَفِي مَعْصِيَةٍ) . وَجَاءَ مُطَوَّلًا فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/46 (كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابٌ فِيمَنْ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ وَلَا يَسْتَطِيعُ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/106، 114، 183، 235، 271.
(6) هـ، ص، ر: لِيَجْمَعَهُمَا لَكَ.
(7) ن، م: وَيَقُولُ مَرْحَبًا، ص: وَيَقُولُ مَرْحَبًا وَأَهْلًا.
(4/44)

فَيُقَالُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إِسْنَادٌ، وَلَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ (1) . وَهَذَا النَّاقِلُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا (2) وَلَا عَزَاهُ إِلَى كِتَابِ حَدِيثٍ (3) ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي (4) رِوَايَتِهِ أَحَادِيثَ مُسَيَّبَةٍ (5) بِلَا زِمَامٍ وَلَا خِطَامٍ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْقُولَاتِ (6) لَا يُمَيَّزُ بَيْنَ صِدْقِهَا وَكَذِبِهَا إِلَّا بِالطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَدَعْوَى النَّقْلِ الْمُجَرَّدِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الدَّعَاوَى.
ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (7) ، وَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الْجُهَّالِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَالْحُسَيْنِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ مَوْتَ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ إِذَا كَانَ أَعْظَمَ مِنْ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَبَقَاءُ الْحَسَنِ أَعْظَمُ مِنْ بَقَاءِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ بَقِيَ الْحَسَنُ مَعَ الْحُسَيْنِ.
_________
(1) أ، ب: الْأَحَادِيثِ. وَتَكَرَّرَتْ بَعْدَ كَلِمَةِ الْأَحَادِيثِ فِي (أ) ، (ب) عِبَارَةُ: " وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إِسْنَادٌ "
(2) أ، ب: لَمْ يَذْكُرْ لَنَا إِسْنَادَهُ.
(3) أ، ب: إِلَى كُتُبِ الْحَدِيثِ.
(4) أ، ب: مِنْ.
(5) أ: سَيْبَةٍ، ب: سَائِبَةٍ.
(6) أ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَنْقُولَاتِ، ب: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَنْقُولَةَ.
(7) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِهِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 1/407 408: " هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ وَاضِعَهُ فَمَا أَفْظَعَهُ، وَلَا أَرَى الْآفَةَ فِيهِ إِلَّا مِنْ أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ. . . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ بَاطِلٌ. . . ". وَانْظُرْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: اللَّآلِئَ الْمَصْنُوعَةَ لِلسُّيُوطِيِّ 1/390، الْفَوَائِدَ الْمَجْمُوعَةَ لِلشَّوْكَانِيِّ، ص 387، تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ لِابْنِ عِرَاقٍ 1/408. .
(4/45)

وَأَيْضًا فَحَقُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَعَلِيٌّ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ يُحِبُّ النَّبِيَّ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (1) أَكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ لَوْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ لَكَانَ بُكَاؤُهُ لِأَجْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ بُكَائِهِ لِأَجْلِ ابْنِهِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مَحَبَّةُ الِابْنِ طَبِيعِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا. فَيُقَالُ: هَذَا مَوْجُودٌ فِي حُبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ الَّذِي «يَقُولُ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ: " تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» " (2) وَهَكَذَا ثَبَتَ (3) فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَدِ اخْتَارَ مَوْتَهُ وَجَعَلَهُ فَدَاءً لِغَيْرِهِ؟ .
_________
(1) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَتْ فِيهِ (ن) ، (و) .
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 2/83 84 (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ) وَلَفْظُهُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ: " يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ " ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ فِي: مُسْلِمٍ 4/1807 1808 (كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابُ رَحْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّبْيَانَ وَالْعِيَالَ وَتَوَاضُعِهِ. .) ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 3/262 263 (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ) ، وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ حَدِيثٌ مُقَارِبٌ فِي الْمَعْنَى فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/506 507 (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ) ، الْمُسْنَدَ (الْفَتْحَ الرَّبَّانِيَّ لِتَرْتِيبِ الْمُسْنَدِ) 7/131 132، ط. الْقَاهِرَةِ 1356.
(3) أ: يَنْدُبُ، ب: يَنْدُبُهُ، م: ذُكِرَ.
(4/46)

ثُمَّ هَلْ يَسُوغُ مِثْلُ هَذَا أَنْ يُجْعَلَ شَخْصٌ مَعْصُومُ [الدَّمِ] (1) فِدَاءَ شَخْصٍ مَعْصُومِ [الدَّمِ] (2) ؟ بَلْ إِنْ كَانَ هَذَا جَائِزًا كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ [أَوْلَى] (3) ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا مَا يُنْفِقُ عَلَى ابْنِهِ أَوِ ابْنِ بِنْتِهِ، لَوَجَبَ تَقْدِيمُ النَّفَقَةِ عَلَى الِابْنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ (4) دَفْعُ الْمَوْتِ أَوِ الضَّرَرِ (5) إِلَّا عَنِ ابْنِهِ أَوِ ابْنِ بِنْتِهِ، لَكَانَ دَفْعُهُ عَنِ ابْنِهِ هُوَ الْمَشْرُوعَ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَجْعَلُونَ الْعُمْدَةَ فِي الْكَرَامَةِ هُوَ الْقُرَابَةُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَجْعَلُونَ مِنْ أَكْبَرِ فَصَائِلِ عَلِيٍّ قَرَابَتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِابْنَ أَقْرَبُ مِنَ الْجَمِيعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَبْعَدُ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَقْرَبِ، وَلَا مَزِيَّةَ إِلَّا الْقَرَابَةُ؟ .
وَقَدْ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: " لَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيٌّ لَعَاشَ إِبْرَاهِيمُ ". وَغَيْرُ أَنَسٍ نَازَعَهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَقَالَ: لَا يَجِبُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ نَبِيًّا أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ نَبِيًّا.
ثُمَّ لِمَاذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ فِدَاءَ الْحُسَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ فِدَاءَ الْحَسَنِ؟ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ أَفْضَلَهُمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ «كَانَ يَقُولُ عَنِ الْحَسَنِ: " اللَّهُمَّ
_________
(1) الدَّمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) الدَّمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(3) أَوْلَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) أ، ب: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ.
(5) أ، ب: الضَّرْبِ.
(4/47)

إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» " (1) . فَلِمَ لَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ فِدَاءَ هَذَا الَّذِي دَعَا. بِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِمَنْ يُحِبُّهُ (2) .

[كلام الرافضي عن زين العابدين ومحمد الباقر والرد عليه]
[ (فَصْلٌ) ] (3) .
وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (4) فَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَسَادَاتِهِمْ عِلْمًا وَدِينًا، أَخَذَ عَنْ أَبِيهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَصَفِيَّةَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
_________
(1) الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 7/159 (كِتَابُ اللِّبَاسِ، بَابُ السِّخَابِ لِلصِّبْيَانِ) وَنَصُّهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ فَانْصَرَفَ، فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ: " أَيْنَ لَكُمْ؟ " ثَلَاثًا " ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ "، فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ: " هَكَذَا " فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ: هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ. وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 4/1883 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/51 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ 11) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 13/129، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/331، 2/532.
(2) أ، ب: أَحَبَّهُ.
(3) فَصْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) ن، م، ص، ر، هـ، و: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْمُلَقَّبُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّابِعُ عِنْدَ الرَّافِضَةِ، يُقَالُ لَهُ: " عَلِيٌّ الْأَصْغَرُ " لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ " عَلَيٍّ الْأَكْبَرِ " الَّذِي قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ فِي كَرْبَلَاءِ سَنَةَ: 61. وُلِدَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ سَنَةَ: 38 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ: 94. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 2/429 431، طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 5/211 222، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7/304 307، صِفَةِ الصَّفْوَةِ 2/52 57، حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ 3/133 145، الْأَعْلَامِ 5/86.
(4/48)

وَذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -] (1) . وَرَوَى عَنْهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَالزَّهْرِيُّ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَابْنُهُ أَبُو جَعْفَرٍ (2) .
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: " هُوَ أَفْضَلُ هَاشِمِيٍّ رَأَيْتُهُ فِي الْمَدِينَةِ ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي " الطَّبَقَاتِ " (3) كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَالِيًا رَفِيعًا ". وَرَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ [عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ] (4) قَالَ: " سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَكَانَ أَفْضَلَ هَاشِمِيٍّ أَدْرَكْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ، فَمَا بَرَحَ بِنَا حُبُّكُمْ حَتَّى صَارَ عَارًا عَلَيْنَا ". وَعَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعَامَةَ قَالَ: " كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَبْخَلُ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوهُ يَقُوتُ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ فِي السِّرِّ ". وَلَهُ مِنَ الْخُشُوعِ [وَصَدَقَةِ السِّرِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ] (5) الْفَصَائِلِ (6) مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ مِنْ صَلَاحِهِ وَدِينِهِ يَتَخَطَّى مَجَالِسَ أَكَابِرِ النَّاسِ، وَيُجَالِسُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ [بْنِ الْخَطَّابِ] (7) ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنَ التَّابِعِينَ، فَيُقَالُ لَهُ: " تَدَعُ مَجَالِسَ قَوْمِكَ وَتُجَالِسُ هَذَا؟ " فَيَقُولُ: " إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ حَيْثُ يَجِدُ صَلَاحَ قَلْبِهِ ".
_________
(1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(2) أ، ب: أَوِ ابْنُهُ وَأَبُو جَعْفَرٍ.
(3) فِي آخِرِ تَرْجَمَتِهِ 5/222 (ط. بَيْرُوتَ، 1377 1957) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) ، (ب) .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) ن، م، و: وَالْفَضَائِلِ.
(7) بْنِ الْخَطَّابِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4/49)

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قِيَامِ أَلْفِ رَكْعَةٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ يُكْرَهُ (1) فِي الشَّرِيعَةِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ، فَلَا يَصْلُحُ ذِكْرُ مِثْلِ (2) هَذَا فِي الْمَنَاقِبِ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ تَسْمِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[لَهُ] (3) سَيِّدَ الْعَابِدِينَ (4) هُوَ شَيْءٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ [وَالدِّينِ] (5) .
وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَاقِرَ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ، لَا لِأَجْلِ بَقْرِ السُّجُودِ جَبْهَتَهُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ
_________
(1) أ، ب: مَكْرُوهٍ.
(2) أ، ب: ذِكْرُهُ لِمِثْلِ. . .
(3) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (ص) .
(4) ن، م، هـ، ر، ص، و: بِسَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ.
(5) وَالدِّينِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ) ، (ر) ، (ص) . وَأَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 2/44 45. . عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، وَعَلَتْ سِنُّهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَمَعَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ صَبِيٌّ فَسَلَّمَ عَلَى جَابِرٍ وَجَلَسَ، وَقَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ: قُمْ إِلَى عَمِّكَ فَسَلِّمَ عَلَيْهِ وَقَبِّلْ رَأْسَهُ، فَفَعَلَ الصَّبِيُّ ذَلِكَ، فَقَالَ جَابِرٌ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: ابْنِي مُحَمَّدٌ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَبَكَى، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ. فَقَالَ لَهُ صَحْبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَأَقْعَدَهُ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: يُولَدُ لِابْنِي هَذَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: عَلِيٌّ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: سَيِّدَ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ هُوَ، وَيُولَدُ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ، إِذَا رَأَيْتَهُ يَا جَابِرُ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلَامَ مِنِّي، وَاعْلَمْ أَنَّ بَقَاءَكَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَلِيلٌ، فَمَا لَبِثَ جَابِرٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتَّى تُوُفِّيَ ". قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: " هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَالْمُتَّهَمُ بِهِ الْغَلَّابِيُّ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ " وَانْظُرْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: اللَّآلِئَ الْمَصْنُوعَةَ 1/451 453، الْفَوَائِدَ الْمَجْمُوعَةَ، ص 418، تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ 1/415.
(4/50)

أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ فَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَالزَّهْرِيُّ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَنَقْلُ تَسْمِيَتِهِ بِالْبَاقِرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَصْلَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ (1) . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ تَبْلِيغِ جَابِرٍ لَهُ السَّلَامَ هُوَ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، لَكِنْ هُوَ رَوَى عَنْ جَابِرِ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] (2) غَيْرَ حَدِيثٍ، مِثْلَ حَدِيثِ الْغُسْلِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ (3) وَدَخَلَ عَلَى جَابِرٍ مَعَ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بَعْدَ مَا أُضِرَّ (4) جَابِرٌ، وَكَانَ جَابِرٌ مِنَ الْمُبَيَّنِ لَهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَأَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ] (5) ، وَرَوَى [أَيْضًا] (6) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبِ عَلِيٍّ (7) ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَدَّانِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ،
_________
(1) بَلْ هُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بَلْ هُوَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ.
(2) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفُ بِالْبَاقِرِ، الْإِمَامُ الْخَامِسُ عِنْدَ الرَّافِضَةِ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فِي فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّابِعِينَ، وُلِدَ سَنَةَ: 57 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ: 114. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 9/350 352، تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 1/124 125، طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 5/320 324، وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 3/314، الْأَعْلَامِ 7/153.
(4) ن: أَمَرَ، أ: أَخْبَرَ، ب: كَبِرَ.
(5) بْنِ مَالِكٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) م، ر، و: وَعَبْدِ اللَّهِ. . . . إِلَخْ. وَفِي " طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ " 5/282: " عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَكَتَبَ لَهُ، وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ ". وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: خَلَاصَةِ تَهْذِيبِ الْكَمَالِ، ص 212، الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ج 2 ق 2 ص 307، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7/10 11.
(4/51)

وَالزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ (1) وَالْأَعْرَجُ وَهُوَ أَسَنُّ مِنْهُ، وَابْنُهُ جَعْفَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ (2) الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ (3) أُمِّ فَرْوَةَ بِنْتِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَنَافِعٍ [مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ] (4) وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءِ [بْنِ أَبِي رَبَاحٍ] (5) وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ] (6) وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعْبَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (7) وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [بْنِ يَسَارٍ] (8) .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ: " كُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ
_________
(1) ر، ص: وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَهُوَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 3/258 259.
(2) ص، ر، و، هـ: يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ. وَرَجَّحْتُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ. وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 11/268 270.
(3) ن: أَبِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَفِي هَامِشِ (ر) : أُمِّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - (فِي الْأَصْلِ: عَنْهُ) هِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) بْنُ أَنَسٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) ن، م، و: وَخَالِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ خَطَأٌ وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 2/128 129.
(8) بْنِ يَسَارٍ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) . وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ. 9/38 46.
(4/52)

إِلَى جَعْفَرِ [بْنِ مُحَمَّدٍ] (1) عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ النَّبِيِّينَ " (2) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنِ الرِّيَاسَةِ ".
فَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ، لِأَنَّ الْإِمَامَةَ (3) عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (4) أَنْ يَقُومَ بِهَا وَبِأَعْبَائِهَا، فَإِنَّهُ لَا إِمَامَ فِي وَقْتِهِ إِلَّا هُوَ، فَالْقِيَامُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ (5) لَوْ كَانَ وَاجِبًا [لَكَانَ] (6) أَوْلَى مِنَ الِاشْتِعَالِ بِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ (7) : " هُوَ الَّذِي نَشَرَ فِقْهَ الْإِمَامِيَّةِ، وَالْمَعَارِفَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَالْعَقَائِدَ الْيَقِينِيَّةَ ".
فَهَذَا الْكَلَامُ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ ابْتَدَعَ فِي الْعِلْمِ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ مَنْ قَبْلَهُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ قَبْلَهُ قَصَّرُوا (8) فِيمَا يَجِبُ [عَلَيْهِمْ] (9) مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ. وَهَلْ يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ
_________
(1) بْنِ مُحَمَّدٍ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْمُلَقَّبُ بِالصَّادِقِ، الْإِمَامُ السَّادِسُ عِنْدَ الرَّافِضَةِ. وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ: 80 وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ: 148. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ: 1/166 167، صِفَةِ الصَّفْوَةِ 2/94 98، وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/291 292، حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ 3/192 206، الْأَعْلَامِ 2/121. وَانْظُرْ عَنْهُ كِتَابَ " الْإِمَامِ الصَّادِقِ " لِلشَّيْخِ مُحَمَّدٍ أَبِي زَهْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ط. دَارِ الْفِكْرِ الْعَرَبِيِّ، الْقَاهِرَةِ، بِدُونِ تَارِيخٍ.
(3) أ، ب، ر، ص، هـ: الْإِمَامَ، ن: الْإِمَامِيَّةَ. وَمَا أَثْبَتُّهُ عَنْ (م) ، (و) .
(4) عَلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) (ص) ،.
(5) أ، ب: أَعْظَمُ.
(6) لَكَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) ، (و) .
(7) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) (ص) ،.
(8) أ، ب، ر، م: الَّذِي قَبْلَهُ قَصَّرَ (ر، م: قَصَّرُوا) .
(9) عَلَيْهِمْ: فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) فَقَطْ.
(4/53)

الْمَعَارِفَ الْحَقِيقِيَّةَ وَالْعَقَائِدَ الْيَقِينِيَّةَ أَكْمَلَ بَيَانٍ؟ وَأَنَّ أَصْحَابَهُ تَلَقَّوْا ذَلِكَ عَنْهُ (1) وَبَلَّغُوهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ؟ .
وَهَذَا يَقْتَضِي الْقَدْحَ: إِمَّا فِيهِ، وَإِمَّا فِيهِمْ. بَلْ كُذِبَ (2) عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَكْثَرَ مِمَّا كُذِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَالْآفَةُ وَقَعَتَ مِنَ (3) الْكَذَّابِينَ عَلَيْهِ لَا مِنْهُ. وَلِهَذَا نُسِبَ إِلَيْهِ أَنْوَاعٌ (4) مِنَ الْأَكَاذِيبِ، مِثْلَ كِتَابِ " الْبِطَاقَةِ " وَ " الْجَفْرِ " وَ " الْهَفْتِ " وَالْكَلَامِ فِي (5) النُّجُومِ، وَفِي تَقْدِمَةِ (6) الْمَعْرِفَةِ مِنْ جِهَةِ الرُّعُودِ وَالْبَرْوَقِ وَاخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (7) . حَتَّى نَقَلَ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي " حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ " (8) مِنَ الْأَكَاذِيبِ مَا نَزَّهَ اللَّهُ جَعْفَرًا عَنْهُ، وَحَتَّى إِنَّ كُلَّ (9) مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَفِّقَ أَكَاذِيبَهُ (10) نَسَبَهَا إِلَى جَعْفَرٍ، حَتَّى إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ " رَسَائِلَ إِخْوَانِ الصَّفَا " مَأْخُوذَةٌ عَنْهُ، وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَعْلُومِ، فَإِنَّ جَعْفَرًا تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذِهِ الرَّسَائِلُ وُضِعَتْ (11) بَعْدَ ذَلِكَ بِنَحْوِ مِائَتَيْ سَنَةٍ: وُضِعَتْ (12) لَمَّا ظَهَرَتْ دَوْلَةُ
_________
(1) أ، ب: عَنْهُ ذَلِكَ.
(2) أ، ب: بَلْ هُوَ كَذِبٌ.
(3) أ، ب: فِي.
(4) أ: نَسَبَتْ إِلَيْهِ أَنْوَاعًا، ب: نُسِبَتْ إِلَيْهِ أَنْوَاعٌ.
(5) أ، ب: عَلَى.
(6) أ، ب: مُقَدِّمَةِ.
(7) سَبَقَ الْكَلَامُ عَنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ فِيمَا مَضَى 2/464 465.
(8) وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِهِ " حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ ".
(9) كُلَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(10) أ: يَتَحَقَّقَ أَكَاذِيبَهُ، ب: يُحَقِّقَ أَكَاذِيبَهُ.
(11) أ، ب: صُنِّفَتْ.
(12) أ: وَصُنِّفَتْ، ب: صُنِّفَتْ.
(4/54)

الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ بَنَوُا الْقَاهِرَةَ الْمُعِزِّيَةَ سَنَةَ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ صُنِّفَتْ هَذِهِ الرَّسَائِلُ بِسَبَبِ ظُهُورِ هَذَا الْمَذْهَبِ، الَّذِي ظَاهِرُهُ الرَّفْضُ، وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ، فَأَظْهَرُوا اتِّبَاعَ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ لَهَا بَاطِنًا مُخَالِفًا لِظَاهِرِهَا، وَبَاطِنُ أَمْرِهِمْ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ، وَعَلَى هَذَا [الْأَمْرِ] (1) وُضِعَتْ هَذِهِ الرَّسَائِلُ، وَضَعَهَا (2) طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ مَعْرُوفُونَ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي أَثْنَائِهَا مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ النَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانَ أَوَّلُ (3) ذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ (4) .

[كلام الرافضي عن موسى بن جعفر والرد عليه]
(فَصْلٌ) .
وَأَمَّا مِنْ بَعْدِ جَعْفَرٍ فَمُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ. قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ (5) : " ثِقَةٌ (6) صَدُوقٌ إِمَامٌ (7) مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ". قُلْتُ: مُوسَى وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ
_________
(1) الْأَمْرِ: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (ص) ، (هـ) .
(2) أ، ب: وَصَنَّفَهَا.
(3) أَوَّلُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أ، ب:. . الرَّابِعَةِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْبَاحِثُونَ فِي تَارِيخِ إِخْوَانِ الصَّفَا عَلَى أَنَّهُمْ أَلَّفُوا رَسَائِلَهُمْ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ. انْظُرْ مَثَلًا مُقَدِّمَةَ الدُّكْتُورِ طه حُسَيْن لِرَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا، وَمُقَدِّمَةَ أَحْمَد ذَكِي بَاشَا لَهَا (ط. 1347/1928) وَخَاصَّةً ص: 42، وَانْظُرْ أَيْضًا كِتَابَ " إِخْوَانِ الصَّفَا " لِلدُّكْتُورِ جَبُّور عَبْد النُّورِ، ص 5، 7، كِتَابَ " إِخْوَانِ الصَّفَا " لِلْأُسْتَاذِ عُمَر الدُّسُوقِي، ص: 67، 72، ط. عِيسَى الْحَلَبِيِّ، 1366 - 1947. وَانْظُرْ مَا سَبَقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ 2/465 (ت 2) .
(5) فِي كِتَابِ " الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ " ق 1 ج [0 - 9] ، ص 139. وَرَوَى النَّصَّ ابْنُهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي حَاتِمٍ.
(6) أ، ب: ثِقَةٌ أَمِينٌ.
(7) إِمَامٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) وَهَى فِي " الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ".
(4/55)

بِضْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَأَقْدَمَهُ الْمَهْدِيُّ إِلَى بَغْدَادَ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَيَّامِ الرَّشِيدِ، فَقَدِمَ هَارُونُ مُنْصَرِفًا مِنْ عُمْرَةٍ، فَحَمَلَ مُوسَى مَعَهُ إِلَى بَغْدَادَ، وَحَبَسَهُ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي مَحْبِسِهِ (1) . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: " فَتُوُفِّيَ (2) سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَلَيْسَ لَهُ كَثِيرُ رِوَايَةٍ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرٍ، وَرَوَى عَنْهُ أَخُوهُ عَلِيٌّ، وَرَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ " (3) .
وَأَمَّا مِنْ بَعْدِ مُوسَى (4) فَلَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُمْ مِنِ الْعِلْمِ مَا يُذْكَرُ بِهِ أَخْبَارُهُمْ فِي كُتُبِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ (5) وَتَوَارِيخِهِمْ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةَ تُوجَدُ أَحَادِيثُهُمْ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ (6) وَتُوجَدُ فَتَاوِيهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي فَتَاوَى السَّلَفِ، مِثْلِ كُتُبِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ. وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَيْسَ لَهُمْ (7) رِوَايَةٌ فِي الْكُتُبِ الْأُمَّهَاتِ مِنْ كُتُبِ (8) الْحَدِيثِ، وَلَا فَتَاوَى فِي الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي نُقِلَ فِيهَا فَتَاوَى السَّلَفِ، وَلَا لَهُمْ فِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ أَقْوَالٌ
_________
(1) أ، ب: حَبْسِهِ.
(2) أ، ب: تُوُفِّيَ.
(3) أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، الْمَعْرُوفُ بِالْكَاظِمِ، الْإِمَامُ السَّابِعُ عِنْدَ الرَّافِضَةِ. عَالِمٌ عَابِدٌ، وُلِدَ سَنَةَ 128 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 183. لَمْ أَجِدْ لَهُ تَرْجَمَةً فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ. (ط. بَيْرُوتَ) . انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ. 10/339 340، وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 4/393 395، مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 4/201 202، تَارِيخِ بَغْدَادَ 13/27، 32، صِفَةِ الصَّفْوَةِ 2/8 105، الْأَعْلَامِ 8/270. وَانْظُرْ جُزْءَ الطَّبَقَاتِ (ط. الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِتَحْقِيقِ زِيَاد مُحَمَّد مَنْصُور) ص 269، 474.
(4) ر: مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ.
(5) بِالْعِلْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، فَقَطْ.
(6) أ، ب، م، ر، و، هـ: الْمَسَانِدِ.
(7) أ، ب: لَهُ.
(8) كُتُبِ: سَاقِطَةٌ مِنَ (أ) ، (ب) ، (م) .
(4/56)

مَعْرُوفَةٌ، (1) وَلَكِنْ لَهُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَحَاسِنِ مَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -[أَجْمَعِينَ] (2) ، وَمُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ مَشْهُورٌ بِالْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ.
وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الْمَذْكُورَةُ (3) عَنْ شَقِيقٍ الْبَلْخِيِّ فَكَذِبٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ تُخَالِفُ الْمَعْرُوفَ مِنْ حَالِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَمُوسَى كَانَ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ جَعْفَرٍ، وَجَعْفَرٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ جَاءَ إِذْ ذَاكَ إِلَى الْعِرَاقِ حَتَّى يَكُونَ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا مِمَّنْ يُتْرَكُ (4) مُنْفَرِدًا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ (5) لِشُهْرَتِهِ، وَكَثْرَةِ غَاشِيَتِهِ (6) وَإِجْلَالِ النَّاسِ لَهُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَمِنْهُمْ (7) أَيْضًا بِالْمُلْكِ، وَلِذَلِكَ (8) أَخَذَهُ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ الرَّشِيدُ إِلَى بَغْدَادَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: " تَابَ عَلَى يَدِهِ بِشْرٌ الْحَافِي " فَمِنْ أَكَاذِيبِ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ وَلَا حَالَ بِشْرٍ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ لَمَّا قَدِمَ [بِهِ] (9) الرَّشِيدُ إِلَى الْعِرَاقِ حَبَسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْتَازُ عَلَى دَارِ بِشْرٍ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْعَامَّةِ.
_________
(1) أ، ب: وَلَا لَهُمْ تَفْسِيرٌ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا لَهُمْ أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ.
(2) أَجْمَعِينَ: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (ص) .
(3) أ، ب: الْمَشْهُورَةُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) أ. ب: يَنْزِلُ.
(5) أ، ب، و: الْحَالَةِ.
(6) أ، ب: لِكَثْرَةِ مَنْ يَغْشَاهُ، م: لِكَثْرَةِ حَاشِيَتِهِ.
(7) ر، ص، هـ: وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِيهِمْ.
(8) ر، و، هـ: وَكَذَلِكَ.
(9) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/57)

[كلام الرافضي على عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا والرد عليه]
(فَصْلٌ) (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ: (2) " وَكَانَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ الرِّضَا (3) أَزْهَدَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَ [كَانَ] أَعْلَمَهُمْ (4) وَأَخَذَ عَنْهُ فُقَهَاءُ الْجُمْهُورِ كَثِيرًا (5) ، وَوَلَّاهُ الْمَأْمُونُ لِعِلْمِهِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَمَالِ وَالْفَضْلِ (6) . وَوَعَظَ يَوْمًا أَخَاهُ زَيْدًا (7) ، فَقَالَ: يَا زَيْدُ (8) ، مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا سَفَكْتَ الدِّمَاءَ، وَأَخَذْتَ الْأَمْوَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا، وَأَخَفْتَ السُّبُلَ (9) ، وَغَرَّكَ حَمْقَى (10) أَهْلِ الْكُوفَةِ؟ وَقَدْ قَالَ (11) رَسُولُ اللَّهِ
_________
(1) ر، ص، هـ: الْفَصْلُ التَّاسِعُ.
(2) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) ، (ب) . وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص [0 - 9] 02 (م) 103 (م) .
(3) ك: عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(4) وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَأَعْلَمَهُمْ. وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ (ك) .
(5) أ، ب: وَأَخَذَ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ الْمَشْهُورُونَ كَثِيرًا.
(6) أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، الْمُلَقَّبُ بِالرِّضَا، ثَامِنُ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ الرَّافِضَةِ، وُلِدَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ: 153 مِنْ أُمٍّ حَبَشِيَّةٍ، وَأَحَبَّهُ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُونُ، فَعَهِدَ إِلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، وَضَرَبَ اسْمَهُ عَلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَغَيَّرَ مِنْ أَجْلِهِ الزِّيَّ الْعَبَّاسِيَّ مِنَ السَّوَادِ إِلَى اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ، وَثَارَ أَهْلُ بَغْدَادَ لِذَلِكَ وَخَلَعُوا الْمَأْمُونَ وَوَلَّوْا عَمَّهُ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ الْمَهْدِيِّ، وَلَكِنَّ الْمَأْمُونَ تَغَلَّبَ عَلَيْهِمْ وَقَمَعَ ثَوْرَتَهُمْ، وَمَاتَ الرِّضَا سَنَةَ 203 فِي حَيَاةِ الْمَأْمُونِ. انْظُرْ تَرْجَمَةَ الرِّضَا فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7/386389، وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 2/432 434، مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/158، الْأَعْلَامِ 5/178.
(7) زَيْدًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب، ص، ر، هـ، و: فَقَالَ لَهُ: يَا زَيْدُ.
(9) ك، ص [0 - 9] 03: (م) الدِّمَاءَ وَأَخَفْتَ السُّبُلَ، وَأَخَذْتَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ.
(10) ك: غَرَّكَ حَمْقَاءُ، ص: وَغَرَّكَ حَمْقَاءُ.
(11) ب (فَقَطْ) : أَوْ مَا قَالَ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَمَا قَالَ. وَمَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ك) .
(4/58)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ (* فَرْجَهَا، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهَا عَلَى النَّارِ *) » (1) . (2) [وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ عَلِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ سَمَّيْتَ فَاطِمَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ فَطَمَهَا وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ النَّارِ» ، فَلَا يَكُونُ الْإِحْصَانُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ ذُرِّيَّتِهَا عَلَى النَّارِ وَأَنْتَ تَظْلِمُ.] (3) وَاللَّهِ مَا نَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ (4) ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنَالَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ مَا نَالُوهُ بِطَاعَتِهِ، إِنَّكَ (5) إِذًا لَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ.
وَضَرَبَ الْمَأْمُونُ اسْمَهُ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْآفَاقِ (6) بِبَيْعَتِهِ (7) وَطَرَحَ السَّوَادَ وَلَبِسَ الْخُضْرَةَ ".
قَالَ: (8) " وَقِيلَ لِأَبِي نُوَاسٍ: لِمَ لَا تَمْدَحُ الرِّضَا (9) ؟ فَقَالَ:
قِيلَ لِي أَنْتَ أَفْضَلُ النَّاسِ طُرًّا ... فِي الْمَعَانِي وَفِي الْكَلَامِ الْبَدِيهِ
[لَكَ مِنْ جَوْهَرِ الْكَلَامِ بَدِيعٌ
يُثْمِرُ الدُّرَّ فِي يَدَيْ مُجْتَنِيهِ (10) ]
فَلِمَاذَا تَرَكْتَ مَدْحَ ابْنِ مُوسَى ... وَالْخِصَالُ الَّتِي تَجْمَّعْنَ فِيهِ
قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ مَدْحَ إِمَامٍ ... كَانَ جِبْرِيلُ خَادِمًا لِأَبِيهِ
" (11) .
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) .
(2) ب (فَقَطْ) : فَحَرَّمَهَا اللَّهُ وَذُرِّيَّتَهَا عَلَى النَّارِ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ. وَسَقَطَ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ وَمِنْ (ك) ، وَلَعَلَّهُ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ نُسَخِ (ك) نَقَلَ عَنْهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ.
(4) أ، ب، هـ، و: إِلَّا بِالطَّاعَةِ.
(5) أ، ب: فَإِنَّكَ.
(6) ك: إِلَى الْآفَاقِ، م: إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(7) ك: بِبَيْعَتِهِ أَنَّهُ إِمَامُ أَهْلِ الْعَالَمِ وَنَحْنُ تَوَابِعُهُ وَتَوَابِعُ آبَائِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ.
(8) بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً فِي (ك) ص [0 - 9] 03 (م) .
(9) ك: الرِّضَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(10) هَذَا الْبَيْتُ فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ. وَسَقَطَ مِنْ (ك) وَمِنْ سَائِرِ النُّسَخِ.
(11) لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ فِي " دِيوَانِ أَبِي نُوَاسٍ ".
(4/59)

فَيُقَالُ: مِنَ الْمَصَائِبِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا وَلَدُ الْحُسَيْنِ انْتِسَابُ الرَّافِضَةِ إِلَيْهِمْ، وَتَعْظِيمُهُمْ [وَمَدْحُهُمْ] (1) لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَمْدَحُونَهُمْ بِمَا لَيْسَ بِمَدْحٍ، وَيَدَّعُونَ لَهُمْ دَعَاوَى لَا حُجَّةَ لَهَا، وَيَذْكُرُونَ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ فَضْلُهُمْ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ الرَّافِضَةِ (2) ، لَكَانَ مَا تَذْكُرُهُ الرَّافِضَةُ بِالْقَدْحِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْمَدْحِ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى لَهُ مِنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَكَارِمِ الْمَعْرُوفَةِ، وَالْمَمَادِحِ الْمُنَاسِبَةِ لِحَالِهِ (3) اللَّائِقَةِ بِهِ، مَا يَعْرِفُهُ بِهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ. وَأَمَّا (4) هَذَا الرَّافِضِيُّ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ فَضِيلَةً وَاحِدَةً بِحُجَّةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ (5) كَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمْ " فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ بِلَا دَلِيلٍ، فَكُلُّ مَنْ غَلَا فِي شَخْصٍ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدَّعِيَ لَهُ هَذِهِ الدَّعْوَى، كَيْفَ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَمَنْ هُوَ أَزْهَدُ مِنْهُ (6) ، كَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (7) وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَشْهَبَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ، وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ. هَذَا وَلَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ شَيْئًا، وَلَا رُوِيَ لَهُ حَدِيثٌ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ (8) ، وَإِنَّمَا يَرْوِي لَهُ: أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ وَأَمْثَالُهُ نُسَخًا عَنْ آبَائِهِ فِيهَا مِنَ الْأَكَاذِيبِ
_________
(1) وَمَدْحُهُمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: مِنْ كَلَامِ غَيْرِ الرَّافِضَةِ.
(3) أ، ب: لِلْحَالَةِ.
(4) أ، ب: أَمَّا.
(5) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) ب (فَقَطْ) : وَأَزْهَدُ مِنْهُ.
(7) وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
(8) أ، ب: وَلَا رَوَى لَهُ حَدِيثًا فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/60)

مَا قَدْ (1) نَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّادِقِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ فَكَيْفَ بِالصَّادِقِينَ (2) مِنْهُمْ (3) ؟ ! .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ أَخَذَ عَنْهُ فُقَهَاءُ الْجُمْهُورِ كَثِيرًا (4) " فَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ. هَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ الْجُمْهُورِ الْمَشْهُورُونَ لَمْ يَأْخُذُوا عَنْهُ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَإِنْ أَخَذَ عَنْهُ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْرَفُ مِنْ فُقَهَاءِ الْجُمْهُورِ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ، فَإِنَّ طَلَبَةَ الْفُقَهَاءِ قَدْ يَأْخُذُونَ عَنِ الْمُتَوَسِّطِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمَنْ هُمْ دُونَ الْمُتَوَسِّطِينَ.
[وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ مَعْرُوفًا الْكَرْخِيَّ كَانَ خَادِمًا لَهُ، وَأَنَّهُ
_________
(1) قَدْ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) ، (و) .
(2) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي " مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ " 2/616: " عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ، أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، إِلَّا أَنَّهُ شِيعِيٌّ جَلْدٌ. رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَلِيٍّ الرِّضَا. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي بِصَدُوقٍ، وَضَرَبَ أَبُو زُرْعَةَ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: رَافِضِيٌّ خَبِيثٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: مُتَّهَمٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَافِضِيٌّ خَبِيثٌ مُتَّهَمٌ بِوَضْعِ حَدِيثِ: الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ بِالْقَلْبِ. وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَلْبٌ لِلْعَلَوِيَّةِ خَيْرٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.
(4) ، ب: الْفُقَهَاءُ الْمَشْهُورَةُ كَثِيرًا. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيٍّ الرِّضَا فِي " مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ " 3/158: " عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ الْعَلَوِيُّ الرِّضَا: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: يَأْتِي عَنْ أَبِيهِ بِعَجَائِبَ. قُلْتُ: إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي ثُبُوتِ السَّنَدِ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَالرَّجُلُ قَدْ كُذِبَ عَلَيْهِ، وَوُضِعَ عَلَيْهِ نُسْخَةٌ سَائِرَةٌ، فَمَا كَذَبَ عَلَى جَدِّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ أَحَدُ الْمُتَّهَمِينَ، وَلِعَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الْقَاضِي عَنْهُ. . . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ قَالَ: عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا يُرْوَى عَنْهُ عَجَائِبُ، يَهِمُ وَيُخْطِئُ ".
(4/61)

أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ، أَوْ أَنَّ الْخِرْقَةَ مُتَّصِلَةٌ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَكُلُّهُ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الشَّأْنَ] (1) .
وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَاطِمَةَ هُوَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (2) ، وَيَظْهَرُ كَذِبُهُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ [أَيْضًا] (3) ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " «إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهَا (4) عَلَى النَّارِ» " يَقْتَضِي أَنَّ إِحْصَانَ فَرْجِهَا هُوَ السَّبَبُ لِتَحْرِيمِ ذُرِّيَّتِهَا [عَلَى النَّارِ] (5) وَهَذَا (6) بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ سَارَّةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، وَلَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ جَمِيعَ (7) ذُرِّيَّتِهَا عَلَى النَّارِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ - وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 122، 113] .
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي " اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ " عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: " مَدَارُهُ عَلَى عَمْرِو بْنِ غِيَاثٍ، وَيُقَالُ فِيهِ عَمْرٌو، قَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: مِنْ شُيُوخِ الشِّيعَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ عَنِ النَّبِيِّ مُرْسَلًا فَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ (بْنُ هِشَامٍ) فَأَفْسَدَهُ ". ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: إِنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ عَنْهُ: إِنَّهُ صَحِيحٌ. وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " فَقَالَ: بَلْ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ مُعَاوِيَةُ وَفِيهِ ضَعْفٌ عَنِ ابْنِ غِيَاثٍ وَهُوَ وَاهٍ بِمَرَّةٍ ". وَانْظُرْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: الْفَوَائِدَ الْمَجْمُوعَةَ لِلشَّوْكَانِيِّ، ص 392 - 393، تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ 1/417 - 418، الْمَوْضُوعَاتِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 1/422.
(3) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) أ، ب: فَحَرَّمَهَا اللَّهُ وَذُرِّيَّتَهَا.
(5) عَلَى النَّارِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) (5 - 5) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) جَمِيعَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (هـ) ، (ص) ، (ر) .
(4/62)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 26] .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ (1) أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَارَّةَ (2) وَالْكُفَّارُ فِيهِمْ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ. وَأَيْضًا فَصَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا وَمِنْ ذُرِّيَّتِهَا (3) مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَاللَّوَاتِي (4) أَحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ لَا يُحْصِي عَدَدَهُنَّ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ.
وَأَيْضًا فَفَضِيلَةُ فَاطِمَةَ وَمَزِيَّتُهَا لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ إِحْصَانِ فَرْجِهَا (5) ، فَإِنَّ هَذَا يُشَارِكُ فِيهِ فَاطِمَةَ جُمْهُورُ (6) نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. وَفَاطِمَةُ لَمْ تَكُنْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بِهَذَا الْوَصْفِ، بَلْ بِمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ، بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ حُجَجِ الرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُمْ لِجَهْلِهِمْ لَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَحْتَجُّوا (7) ، وَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَكْذِبُوا (8) كَذِبًا يَنْفَقُ (9) .
وَأَيْضًا فَلَيْسَتْ ذُرِّيَّةُ فَاطِمَةَ كُلُّهُمْ مُحَرَّمِينَ عَلَى النَّارِ، بَلْ فِيهِمُ الْبَرُّ
_________
(1) ن، م: وَمَعْلُومٌ.
(2) ن، و: مِنْ ذُرِّيَّتِهِ سَارَّةُ، أ، ب: مِنْ ذُرِّيَّتِهِ (وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ: سَارَّةَ) .
(3) ن، م، و: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4) أ، ب: وَفِي الْجُمْلَةِ اللِّوَائِي.
(5) أ، ب: الْفَرَجِ.
(6) أ، ب: تَشَارَكُ فِيهِ فَاطِمَةُ وَجُمْهُورُ. . .
(7) م، ص: لَا يُحْسِنُونَ يَحْتَجُّونَ.
(8) ن: وَلَا يُحْسِنُونَ يَكْذِبُونَ.
(9) أ، ب: كَذِبًا بِاتِّفَاقٍ يَنْفَقُ. وَفِي " اللِّسَانِ ": " وَنَفَقَ الْبَيْعُ نِفَاقًا: رَاجَ ".
(4/63)

وَالْفَاجِرُ. وَالرَّافِضَةُ تَشْهَدُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ (1) وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْهُمُ الْمُتَوَلُّونَ (2) لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَزَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ فَاطِمَةَ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -] (3) ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ رَفَضُوا زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِمْ (4) بِالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، بَلِ الرَّافِضَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً إِمَّا بِالْجَهْلِ وَإِمَّا بِالْعِنَادِ لِأَوْلَادِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
ثُمَّ مَوْعِظَةُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى لِأَخِيهِ الْمَذْكُورِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَرِّيَّةَ فَاطِمَةَ فِيهِمْ مُطِيعٌ وَعَاصٍ (5) وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا بَلَغُوا كَرَامَةَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِإِهَانَةِ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْمَأْمُونِ لَهُ الْخِلَافَةَ، فَهَذَا صَحِيحٌ. لَكِنَّ [ذَلِكَ] لَمْ يَتِمَّ، [بَلِ] اسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ (6) عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَلَمْ يَجْعَلْهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ (7) . وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالسُّمِّ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْمَأْمُونِ الْأَوَّلُ
_________
(1) أ، ب: وَالْفِسْقِ، هـ، ر: أَوِ الْفِسْقِ.
(2) ن، أ، و، هـ: الْمُتَوَالُونَ، ب: الْمُوَالُونَ.
(3) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) أ، ب: عَلَيْهِ.
(5) أ، ب: الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي.
(6) ن، م: لَكِنْ لَمْ يَتِمَّ اسْتِمْرَارُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ. .
(7) أ، ب، م، و: وَلَمْ يَخْلَعْهُ مِنْ عَهْدِهِ، ن: وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ عَهْدِهِ. وَيَذْكُرُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي أَحْدَاثِ سَنَةِ: 201 هـ أَنَّ الْمَأْمُونَ جَعَلَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّ هَذَا أَدَّى إِلَى خُرُوجِ الْعَبَّاسِيِّينَ عَلَيْهِ وَخَلْعِهِمْ لَهُ. وَفِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ بَايَعَ أَهْلُ بَغْدَادَ عَمَّ الْمَأْمُونِ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ الْمَهْدِيِّ، وَفِي سَنَةِ 203 تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا وَخَلَعَ أَهْلُ بَغْدَادَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ الْمَهْدِيِّ وَبَايَعُوا الْمَأْمُونَ بِالْخِلَافَةِ مِنْ جَدِيدٍ. انْظُرْ: الطَّبَرِيَّ 8/554 - 571، الْكَامِلَ لِابْنِ الْأَثِيرِ 6/116 - 121، الْأَعْلَامَ 5/178.
(4/64)

حُجَّةً، كَانَ فِعْلُهُ الثَّانِي حُجَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُذْكَرَ مِثْلُ هَذَا فِي مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ جُهَّالٌ بِحَقِيقَةِ الْمَنَاقِبِ وَالْمَثَالِبِ، وَالطُّرُقِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا ذَلِكَ (1) .
وَلِهَذَا يَسْتَشْهِدُونَ بِأَبْيَاتِ أَبِي نُوَاسٍ، وَهِيَ لَوْ كَانَتْ صِدْقًا لَمْ تَصْلُحْ أَنْ تُثْبِتَ فَصَائِلَ شَخْصٍ بِشَهَادَةِ شَاعِرٍ مَعْرُوفٍ بِالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ الزَّائِدِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِأَيَّامِ النَّاسِ، فَكَيْفَ وَالْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَاسِدٌ؟ ! فَإِنَّهُ قَالَ: - قُلْتُ لَا أَسْتَطِيعُ مَدْحَ إِمَامٍ كَانَ جِبْرِيلُ خَادِمًا لِأَبِيهِ
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ (* جَمِيعِ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الرُّسُلِ، وَجَمِيعُ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ يُشَارِكُونَهُ فِي هَذَا، فَأَيُّ مَزِيَّةٍ (2) لَهُ فِي هَذَا حَتَّى يَكُونَ بِهَا إِمَامًا دُونَ أَمْثَالِهِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي هَذَا الْوَصْفِ؟ ! ثُمَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَمْدَحُ أَحَدًا *) (3) مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ أَصْلًا، لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مُشْتَرَكٌ [بَيْنَهُمْ، ثُمَّ كَوْنُ الرَّجُلِ (4) مِنْ ذُرِّيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ] (5) بَيْنَ النَّاسِ [فَإِنَّ النَّاسَ] (6)
_________
(1) نَقَلَ الْأُسْتَاذُ إِحْسَان إِلَهِي ظَهِير فِي كِتَابِهِ " الشِّيعَةُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ " ص 290 - 292، ط. إِدَارَةِ تُرْجُمَانِ السُّنَّةِ، هُورَ، بَاكِسْتَانَ، الطَّبْعَةِ الثَّالِثَةِ 1403/1983 أَنَّ الرَّافِضَةَ ذَكَرُوا فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ (كِتَابِ الِاسْتِبْصَارِ، 3/343) أَنَّ الرِّضَا كَانَ يَرَى جَوَازَ إِتْيَانِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا، كَمَا نَسَبُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْشَقُ ابْنَةَ عَمِّ الْمَأْمُونِ وَهَى تَعْشَقُهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَالِمُهُمُ ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ " عُيُونِ أَخْبَارِ الرِّضَا " 1/17، 18.
(2) ن: مَيْزَةٍ.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أ: مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ أَصْلًا، لِأَنَّ هَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ مِنْ كَوْنِ الرَّجُلِ، ب: مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ. . .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) عِبَارَةُ " فَإِنَّ النَّاسَ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/65)

كُلَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ: يَهُودِيُّهُمْ وَغَيْرُ يَهُودِيِّهِمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.
وَأَيْضًا فَتَسْمِيَةُ جِبْرِيلَ رَسُولِ اللَّهِ [إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (2) خَادِمًا لَهُ (3) عِبَارَةُ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْرَ إِرْسَالِ اللَّهِ لَهُمْ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ. وَلَكِنَّ الرَّافِضَةَ غَالِبُ حُجَجِهِمْ أَشْعَارٌ تَلِيقُ بِجَهْلِهِمْ وَظُلْمِهِمْ، وَحِكَايَاتٌ مَكْذُوبَةٌ تَلِيقُ بِجَهْلِهِمْ وَكَذِبِهِمْ، وَمَا يُثْبِتُ أُصُولَ (4) الدِّينِ بِمِثْلِ هَذِهِ (5) الْأَشْعَارِ، إِلَّا مَنْ لَيْسَ مَعْدُودًا مِنْ أُولِي (6) الْأَبْصَارِ.

[كَلَامُ الرَّافِضِيُّ على مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوَادُ والرد عليه]
(فَصْلٌ) (7) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (8) : " وَكَانَ وَلَدُهُ (9) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوَادُ (10) عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيهِ فِي الْعِلْمِ وَالتُّقَى وَالْجُودِ (11) ، وَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ الرِّضَا شُغِفَ بِحُبِّهِ الْمَأْمُونُ (12) ، لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ، وَأَرَادَ
_________
(1) عَلَيْهِ السَّلَامُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ. وَعِبَارَةُ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(3) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) ر، ص، هـ: أَصِلُ.
(5) أ، ب: بِهَذِهِ.
(6) هـ: مِنْ أَهْلِ. .
(7) ر، ص، هـ: الْفَصْلُ الْعَاشِرُ.
(8) الْكَلَامُ التَّالِي فِي ص [0 - 9] 03 (م) - 104 (م) .
(9) وَلَدُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) (ب) ، (ص) ، (هـ) .
(10) ك: مُحَمَّدٌ الْجَوَادُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(11) أ، ب: وَالْجُودِ وَالتُّقَى.
(12) ك: الرِّضَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شُغِفَ بِهِ الْمَأْمُونُ.
(4/66)

أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ أُمَّ الْفَضْلِ، وَكَانَ قَدْ زَوَّجَ أَبَاهُ الرِّضَا [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) بِابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبٍ (2) ، فَغَلُظَ ذَلِكَ عَلَى الْعَبَّاسِيِّينَ وَاسْتَنْكَرُوهُ (3) وَخَافُوا أَنْ يَخْرُجَ الْأَمْرُ مِنْهُمْ (4) ، وَأَنْ يُبَايِعَهُ كَمَا بَايَعَ أَبَاهُ، فَاجْتَمَعَ الْأَدْنَوْنَ مِنْهُمْ (5) وَسَأَلُوهُ تَرْكَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ صَغِيرُ السِّنِّ (6) لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَنَا أَعْرَفُ [مِنْكُمْ] بِهِ (7) ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَامْتَحِنُوهُ، فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَجَعَلُوا لِلْقَاضِي يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ مَالًا كَثِيرًا عَلَى امْتِحَانِهِ (8) فِي مَسْأَلَةٍ يُعَجِّزُهُ فِيهَا، فَتَوَاعَدُوا إِلَى يَوْمٍ، وَأَحْضَرَهُ (9) الْمَأْمُونُ، وَحَضَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةُ الْعَبَّاسِيِّينَ، فَقَالَ الْقَاضِي: أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (10) : سَلْ (11) .
_________
(1) عَلَيْهِ السَّلَامُ: فِي (ك) ، (و) فَقَطْ.
(2) أ، ب: زَوَّجَ أَبَاهُ ابْنَتَهُ أُمَّ حَبِيبٍ. وَفِي (ن) ، (م) : أُمَّ حَبِيبَةَ.
(3) و، ر، ص، هـ: وَاسْتَكْبَرُوهُ.
(4) ك: مِنْ يَدِهِ. وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى، الْمُلَقَّبُ بِالْجَوَادِ، الْإِمَامُ التَّاسِعُ عِنْدَ الرَّافِضَةِ. وُلِدَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ: 195 وَانْتَقَلَ مَعَ وَالِدِهِ إِلَى بَغْدَادَ حَيْثُ كَفَلَهُ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُونُ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ الرِّضَا، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ أُمَّ الْفَضْلِ، وَتُوُفِّيَ فِي بَغْدَادَ سَنَةَ: 220. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَارِيخِ بَغْدَادَ 3/54 - 55، وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 3/315، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 2/48، الْأَعْلَامِ 7/155.
(5) أ، ب، و، هـ، ر، ص، م: مِنْهُ.
(6) السِّنِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(7) أَعْرَفُ مِنْكُمْ بِهِ: كَذَا فِي (ر) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَعْرَفُ بِهِ مِنْكُمْ. وَسَقَطَتْ " مِنْكُمْ " مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(8) ن، م: عَلَى اخْتِبَارِهِ.
(9) ك (ص [0 - 9] 04 م) : فَأَحْضَرَهُ.
(10) لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ك) : فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَقَالَ لَهُ.
(11) ك: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ.
(4/67)

فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (1) قَتَلَهُ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا (2) ، مُبْتَدِئًا بِقَتْلِهِ أَوْ عَائِدًا، مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ كَانَ أَمْ مِنْ كِبَارِهَا (3) ، عَبْدًا كَانَ الْمُحْرِمُ أَوْ حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، مِنْ ذَوَاتِ الطَّيْرِ كَانَ الصَّيْدُ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَتَحَيَّرَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، وَبَانَ الْعَجْزُ فِي وَجْهِهِ، حَتَّى عَرَفَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ أَمْرَهُ، فَقَالَ (4) الْمَأْمُونُ لِأَهْلِ بَيْتِهِ: عَرَفْتُمُ الْآنَ مَا كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْإِمَامُ فَقَالَ (5) : أَتَخْطُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: اخْطُبْ لِنَفْسِكَ خُطْبَةَ النِّكَاحِ، فَخَطَبَ وَعَقَدَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ جِيَادًا (6) كَمَهْرِ [جَدَّتِهِ] فَاطِمَةَ (7) عَلَيْهَا السَّلَامُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا ".
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ (8) مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْجَوَادَ كَانَ مِنْ أَعْيَانِ بَنِي هَاشِمٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالسَّخَاءِ وَالسُّؤْدُدِ. وَلِهَذَا سُمِّيَ الْجَوَادَ، وَمَاتَ وَهُوَ شَابُّ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ أَوْ سَنَةَ
_________
(1) فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَذَا فِي (و) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَقَالَ لَهُ. وَفِي (ك) فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(2) ب: عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، ر، ص: عَالِمًا بِقَتْلِهِ أَوْ جَاهِلًا.
(3) أ، ب: مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ أَوْ مِنْ كِبَارِهَا.
(4) ك: أَمْرَهُ، وَطَلَبَ الْمَفَرَّ مِنْهُ وَمِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَمِنَ الْخَلِيفَةِ وَمِمَّنْ رَآهُ، فَسَكَتَ الْمَأْمُونُ سَاعَةً، وَبَعْدَ ذَلِكَ رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ الْأَقَارِبِ وَالْحَاضِرِينَ، فَقَالَ. . .
(5) ك: عَلَى الْإِمَامِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ. .
(6) أ، ب، ك: جِيَادٍ.
(7) كَمَهْرِ جَدَّتِهِ فَاطِمَةَ: كَذَا فِي (ك) . وَفِي جَمِيعِ النُّسَخِ: مَهْرِ فَاطِمَةَ. . .
(8) إِنَّ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(4/68)

تِسْعَ عَشْرَةَ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ زَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ، وَكَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاسْتَقْدَمَهُ الْمُعْتَصِمُ (1) إِلَى بَغْدَادَ، وَمَاتَ بِهَا (2) .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ مِنْ نَمَطِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ لَيْسَ لَهُمْ عَقْلٌ صَرِيحٌ وَلَا نَقْلٌ صَحِيحٌ، وَلَا يُقِيمُونَ حَقًّا، وَلَا يَهْدِمُونَ بَاطِلًا، لَا بِحُجَّةٍ وَبَيَانٍ (3) ، وَلَا بِيَدٍ وَسِنَانٍ (4) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ (5) مَا يُثْبِتُ فَضِيلَةَ (6) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَضْلًا عَنْ ثُبُوتِ إِمَامَتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ الَّتِي حَكَاهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ (7) مِنَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي لَا يَفْرَحُ بِهَا إِلَّا الْجُهَّالُ (8) ، وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ كَانَ (9) أَفْقَهَ [وَأَعْلَمَ] (10) وَأَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَطْلُبَ تَعْجِيزَ شَخْصٍ بِأَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا، فَإِنَّ صِغَارَ (11) الْفُقَهَاءِ يَعْلَمُونَ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَيْسَتْ مِنْ دَقَائِقِ الْعِلْمِ وَلَا غَرَائِبِهِ، وَلَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُبَرَّزُونَ فِي الْعِلْمِ.
ثُمَّ مُجَرَّدُ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَقْسِيمُ أَحْوَالِ الْقَاتِلِ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، [وَمُجَرَّدُ التَّقْسِيمِ لَا يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِأَحْكَامِ الْأَقْسَامِ] (12) وَإِنَّمَا
_________
(1) أ، ب: الْمُعْتَضِدُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) أ، ب: بِهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(3) أ، ب: بَاطِلًا بِحُجَّةٍ وَلَا بَيَانٍ.
(4) ن، م: بِيَدٍ وَلِسَانٍ، أ، ب: بِيَدٍ وَلَا سِنَانٍ.
(5) أ، ب: لَيْسَ لَهُمْ فِيمَا ذَكَرَهُ. .
(6) ب (فَقَطْ) : ثُبُوتُ فَضِيلَةِ.
(7) بَعْدَ " يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ " يُوجَدُ وَرَقَةٌ نَاقِصَةٌ فِي نُسْخَةِ (ر) .
(8) أ، ب: إِلَّا جَاهِلٌ.
(9) كَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(10) وَأَعْلَمَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(11) فَإِنَّ صِغَارَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: صِغَارُ.
(12) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/69)

يَدُلُّ - إِنْ دَلَّ - عَلَى حُسْنِ السُّؤَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سُئِلَ أَحْسَنَ أَنْ يُجِيبَ. ثُمَّ إِنْ كَانَ ذِكْرُ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ وَاجِبًا، فَلَمْ يَسْتَوْفِ الْأَقْسَامَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ بَعْضِهَا، فَإِنَّهُ (1) مِنْ جُمْلَةِ الْأَقْسَامِ أَنْ يُقَالَ: مُتَعَمِّدًا كَانَ أَوْ مُخْطِئًا؟ .
وَهَذَا التَّقْسِيمُ أَحَقُّ بِالذِّكْرِ مِنْ قَوْلِهِ: " عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا " فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ وَالْمُخْطِئِ ثَابِتٌ فِي الْإِثْمِ (2) بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَفِي لُزُومِ الْجَزَاءِ فِي الْخَطَأِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، فَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَهِيَ (3) إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالُوا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الْآيَةَ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 95] ، فَخَصَّ الْمُتَعَمِّدَ بِإِيجَابِ (4) الْجَزَاءِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُخْطِئَ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَالنَّصُّ إِنَّمَا أَوْجَبَ (5) عَلَى الْمُتَعَمِّدِ، فَبَقِيَ الْمُخْطِئُ عَلَى الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِالْمُتَعَمِّدِ يَقْتَضِي انْتِقَاءَهُ عَنِ الْمُخْطِئِ فَإِنَّ هَذَا مَفْهُومُ صِفَةٍ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَاصَّ بَعْدَ الْعَامِّ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ} يُبَيِّنُ (6) الْحُكْمَ مَعَ الْإِيجَازِ، فَإِذَا
_________
(1) ب، ص: فَإِنَّ.
(2) ب (فَقَطْ) : بِالْإِثْمِ.
(3) أ، ب، ص، هـ، و: وَهُوَ.
(4) أ، ب: بِوُجُوبِ.
(5) ب (فَقَطْ) : وَجَبَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(6) أ، ب: بَيَّنَ.
(4/70)

قَالَ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} فَزَادَ اللَّفْظُ وَنَقَصَ الْمَعْنَى كَانَ هَذَا مِمَّا يُصَانُ عَنْهُ كَلَامُ أَدْنَى النَّاسِ حِكْمَةً، فَكَيْفَ بِكَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْكَلَامِ وَأَفْضَلُهُ، وَفَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ؟ ! .
وَالْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُخْطِئِ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِعُمُومِ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى قَتْلِ الْخَطَأِ فِي الْآدَمِيِّ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ الْمُتَعَمِّدَ (1) بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُتَعَمِّدُ (2) وَهُوَ الْوَعِيدُ بِقَوْلِهِ (3) : {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 95] ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْجَزَاءَ وَالِانْتِقَامَ، كَانَ الْمَجْمُوعُ مُخْتَصًّا بِالْمُتَعَمِّدِ، وَإِذَا كَانَ الْمَجْمُوعُ مُخْتَصًّا بِالْمُتَعَمِّدِ (4) ، لَمْ يَلْزَمْ أَلَّا يَثْبُتَ (5) بَعْضُهُ مَعَ عَدَمِ الْعَمْدِ (6) .
مِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 101] فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالْقَصْرِ قَصْرَ الْعَدَدِ وَقَصْرَ الْأَرْكَانِ، وَهَذَا الْقَصْرُ الْجَامِعُ لِلنَّوْعَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّفَرِ وَالْخَوْفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ الِاخْتِصَاصِ الْمَجْمُوعِ
_________
(1) أ، ب: إِنَّمَا خَصَّ الْمُعْتَمِّدَ. . الْخَ.
(2) أ، ب: مَا يُخَصُّ بِهِ الْمُعْتَمِدُ، ن، م: مَا يَخْتَصُّ الْعَامِدُ، و: مَا يُخَصُّ بِالْمُتَعَمِّدِ.
(3) أ، ب: لِقَوْلِهِ.
(4) (4 - 4) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَثْبُتَ.
(6) انْظُرْ حُكْمَ صَيْدِ الْمُحْرِمِ فِي: الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ 3/310 - 314، نَيْلِ الْأَوْطَارِ لِلشَّوْكَانِيِّ 5/84 - 86 (ط. الْمُنِيرِيَّةِ، الطَّبْعَةَ الثَّانِيَةَ، 1344) ، مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ لِابْنِ النَّجَّارِ 1/253 - 257 (ط. دَارِ الْعُرُوبَةِ، 1381/1961) .
(4/71)

بِالْأَمْرَيْنِ (1) أَنْ لَا يَثْبُتَ أَحَدُهُمَا مَعَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ.
وَكَذَلِكَ (2) كَانَ يَنْبَغِي لَهُ (3) أَنْ يَسْأَلَهُ: أَقَتَلَهُ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِإِحْرَامِهِ أَوْ نَاسٍ (4) ؟ فَإِنَّ فِي النَّاسِي مِنَ النِّزَاعِ (5) أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْجَاهِلِ. وَيَسْأَلُهُ: أَقَتَلَهُ (6) لِكَوْنِهِ صَالَ عَلَيْهِ؟ أَوْ لِكَوْنِهِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ لِمَخْمَصَةٍ (7) ؟ أَوْ قَتَلَهُ اعْتِبَاطًا (8) بِلَا سَبَبٍ؟ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ [فِي] (9) هَذِهِ التَّقَاسِيمِ مَا يُبَيِّنُ جَهْلَ السَّائِلِ (10) ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ مَنْ يَكُونُ إِمَامًا مَعْصُومًا عَنْ هَذَا الْجَهْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَفِي حِلٍّ قَتَلَهُ أَمْ فِي حَرَمٍ؟ فَإِنَّ الْمُحَرِمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ (11) بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّيْدُ الْحَرَمِيُّ يَحْرُمُ قَتْلُهُ عَلَى الْمُحِلِّ وَالْمُحْرِمِ، فَإِذَا كَانَ مُحْرِمًا وَقَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا تَوَكَّدَتِ الْحُرْمَةُ، لَكِنَّ الْجَزَاءَ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مُبْتَدِئًا أَوْ عَائِدًا " فَإِنَّ هَذَا فَرْقٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ إِلَّا شَاذٌّ مِنْ أَهْلِ (12) الْعِلْمِ.
_________
(1) أ: مِنِ الِاخْتِصَاصِ الْمَجْمُوعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، ب: مِنِ الِاخْتِصَاصِ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، ن، م، و: مِنِ اخْتِصَاصِ الْمَجْمُوعِ بِالْأَمْرَيْنِ.
(2) أ، ب: وَلِذَلِكَ.
(3) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (م) ، (ص) ، (و) .
(4) ص: حَرَامَهُ هُوَ أَوْ نَاسِيًا، أ: لِإِحْرَامِهِ هُوَ أَوْ نَاسِي.
(5) أ: فَإِنَّ فِي النَّاسِ نِزَاعٌ، ب: فَإِنَّ فِي النَّاسِ نِزَاعًا.
(6) أ، ب: هَلْ قَتَلَهُ.
(7) أ، ب: اضْطُرَّ إِلَى مَخْمَصَةٍ.
(8) أ، ب: أَوْ قَتَلَهُ عَبَثًا ظُلْمًا.
(9) فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(10) ن، م: جَهْلَ الْجَاهِلِ.
(11) أ، ب: سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَمْ فِي الْحَرَمِ.
(12) أ، ب: إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ. .
(4/72)

وَأَمَّا الْجَمَاهِيرُ فَعَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ وَعَلَى الْعَائِدِ. وَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ مَنْ عَادَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، بَعْدَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
كَمَا قَالَ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 22] .
وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 23] وَقَوْلُهُ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 38] .
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ: عَفَا اللَّهُ عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءً وَلَا انْتَقَمَ مِنْهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 95] فَمَنْ أَذَاقَهُ اللَّهُ وَبَالَ أَمْرِهِ، كَيْفَ يَكُونُ قَدْ عَفَا عَنْهُ؟ .
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {عَمَّا سَلَفَ} لَفْظٌ عَامٌّ، وَاللَّفْظُ الْعَامُّ الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرَائِنِ التَّخْصِيصِ، لَا يُرَادُ بِهِ (1) مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: عَفَا اللَّهُ عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَنْ عَادَ) يُرَادُ بِهِ الْعَوْدُ إِلَى الْقَتْلِ، فَإِنَّ انْتِقَامَ اللَّهِ مِنْهُ إِذَا عَادَ لَا يُسْقِطُ الْجَزَاءَ عَنْهُ، فَإِنَّ تَغْلِيظَ الذَّنْبِ لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ (2) كَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بَعْدَ نَفْسٍ (3) لَا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ قَوَدًا (4) وَلَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.
_________
(1) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(2) عِنْدَ عِبَارَةِ " لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ " تَعُودُ نُسْخَةُ (ر) بَعْدَ الصَّفْحَةِ الْمَفْقُودَةِ.
(3) و: بِغَيْرِ حَقٍّ.
(4) أ، ب: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَوَدٌ. .
(4/73)

وَقَوْلُهُ: " إِنَّ مَهْرَ فَاطِمَةَ كَانَ (1) خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ " لَا يَثْبُتُ (2) وَإِنَّمَا الثَّابِتُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصْدِقِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتِ (3) امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ» : اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٍّ، وَالنَّشُّ هُوَ النِّصْفُ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ (4) . لَكِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوَّجَهُ بِهَا النَّجَاشِيُّ، فَزَادَ الصَّدَاقَ مِنْ عِنْدِهِ (5) . وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا ثَابِتًا أَوْ لَمْ يَكُنْ (6) ثَابِتًا فَتَحَرِّي تَخْفِيفِ (7) الصَّدَاقِ سُنَّةٌ. وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى
_________
(1) كَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ص) ، (هـ) ، (ر) .
(2) ب (فَقَطْ) : لَمْ يَثْبُتْ.
(3) أ، ب، ر، هـ، ص: أَصْدَقَ.
(4) فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/316 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ الصَّدَاقِ) عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً. عَنْ عَائِشَةَ فِي الْكِتَابِ وَالْبَابِ السَّابِقَيْنِ 2/315316 عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ صَدَاقِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَتْ ثِنْتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٌّ. فَقُلْتُ: وَمَا نَشٌّ؟ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. وَانْظُرِ الْأَثَرَيْنِ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/607 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ صَدَاقِ النِّسَاءِ) الدَّارِمِيِّ 2/141 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ كَمْ كَانَتْ مُهُورُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَاتِهِ) . وَانْظُرْ حَدِيثَ عُمَرَ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 1/227. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ "
(5) فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/316 عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَزَوَّجَهَا النَّجَّاشِيُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ. وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ النَّسَائِيِّ 6/97 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ الْقِسْطِ فِي الْأَصْدِقَةِ) وَزَادَ: " وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ، وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/427.
(6) أ، ب: سَوَاءٌ كَانَ هَذَا ثَابِتًا أَمْ لَمْ يَكُنْ. . .
(7) أ: فَيَجْزِي تَخْفِيفُ، ب: فَتَخْفِيفُ.
(4/74)

صَدَاقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا أَصْدَقَ فَاطِمَةَ دِرْعَهُ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ (1) فَضْلًا عَنْ إِمَامَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ (2) فَضَائِلُ ثَابِتَةٌ بِدُونِ هَذَا (3) .

[كلام الرافضي على علي الهادي ولد محمد بن علي الجواد]
فَصْلٌ (4) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) : " وَكَانَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ الْهَادِي (6) ، وَيُقَالُ لَهُ: الْعَسْكَرِيُّ، لِأَنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَشْخَصَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَغْدَادَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، فَأَقَامَ بِمَوْضِعٍ عِنْدَهَا (7) يُقَالُ لَهُ: الْعَسْكَرُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى فَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا
_________
(1) ن، م: فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرِ، أ، و: فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، ص: فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، ب: فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ. .
(2) أ، ب، ن، م: لَهُ.
(3) أ، ب، ن، م: هَذِهِ.
(4) هـ، ر، ص: الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ.
(5) الْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 104 (م) 106 (م) .
(6) ك: وَكَانَ وَلَدُهُ الْهَادِي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، الْمُلَقَّبُ بِالْهَادِي، الْإِمَامُ الْعَاشِرُ عِنْدَ الرَّافِضَةِ، وُلِدَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ: 214 وَاسْتَقْدَمَهُ الْمُتَوَكِّلُ إِلَى بَغْدَادَ وَأَنْزَلَهُ فِي سَامَرَّاءَ حَيْثُ تُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ: 254. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَارِيخِ بَغْدَادَ 12/5657، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 2/128129، الْعِبَرِ 2/6، الْأَعْلَامِ 5/140.
(7) أ، ب: مِنْهَا.
(4/75)

أَشْخَصَهُ الْمُتَوَكِّلُ، لِأَنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (1) ، فَبَلَغَهُ مُقَامُ عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ (2) ، وَمَيْلُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَخَافَ مِنْهُ، فَدَعَا يَحْيَى بْنَ هُبَيْرَةَ وَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِ (3) ، فَضَجَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ (4) مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، مُلَازِمًا لِلْعِبَادَةِ (5) فِي الْمَسْجِدِ، فَحَلَفَ يَحْيَى أَنَّهُ لَا مَكْرُوهَ عَلَيْهِ (6) ، ثُمَّ فَتَّشَ مَنْزِلَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ سِوَى (7) مَصَاحِفَ وَأَدْعِيَةً (8) وَكُتُبَ الْعِلْمِ، فَعَظُمَ فِي عَيْنِهِ، وَتَوَلَّى خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ بَدَأَ بِإِسْحَاقَ (9) بْنِ إِبْرَاهِيمَ [الطَّائِيِّ] (10) وَالِي بَغْدَادَ. فَقَالَ لَهُ: يَا يَحْيَى هَذَا الرَّجُلُ قَدْ وَلَدَهُ (11) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُتَوَكِّلُ مَنْ تَعْلَمُ، فَإِنْ حَرَّضْتَهُ (12) عَلَيْهِ قَتَلَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
_________
(1) ك:. . الْمُتَوَكِّلُ مِنَ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(2) ك: عَلِيٍّ النَّقِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمَدِينَةِ.
(3) ك: وَدَعَا يَحْيَى بْنَ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِإِشْخَاصِهِ.
(4) ك: لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ. . .
(5) أ، ب: لِلصَّلَاةِ.
(6) أ، ب: يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ.
(7) أ، ب: إِلَّا.
(8) ك: الْمَصَاحِفِ وَالْأَدْعِيَةِ.
(9) أ، ب: بِأَبِي إِسْحَاقَ.
(10) الطَّائِيِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (ك) ص 105 (م) : الظَّاهِرِيِّ.
(11) ب (فَقَطْ) : مِمَّنْ وَلَدَهُ.
(12) ك: فَإِنْ عَرَضْتَهُ. .
(4/76)

خَصْمَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ (1) مِنْهُ إِلَّا عَلَى خَيْرٍ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى الْمُتَوَكِّلِ أَخْبَرْتُهُ بِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ، فَأَكْرَمَهُ الْمُتَوَكِّلُ، ثُمَّ مَرِضَ الْمُتَوَكِّلُ فَنَذَرَ إِنْ عُوفِيَ تَصَدَّقَ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ، فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ [عَنْ ذَلِكَ] (2) فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ جَوَابًا، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ الْهَادِي (3) ، فَسَأَلَهُ (4) فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، فَسَأَلَهُ الْمُتَوَكِّلُ عَنِ السَّبَبِ، فَقَالَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 25] ، وَكَانَتِ الْمَوَاطِنُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ (5) ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً (6) وَبَعَثَ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَرِيَّةً. قَالَ الْمَسْعُودِيُّ (7) : نُمِيَ (8) إِلَى الْمُتَوَكِّلِ بِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (9) أَنَّ فِي مَنْزِلِهِ سِلَاحًا مِنْ شِيعَتِهِ مِنْ أَهْلِ قُمَّ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْمُلْكِ (10) ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَمَاعَةً مِنَ
_________
(1) ك: مَا وَقَفْتُ. .
(2) عَنْ ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(3) ك، و: الْهَادِي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(4) فَسَأَلَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(5) ن (فَقَطْ) : وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاطِنُ الْجُمْلَةَ.
(6) أ، ب: غَزْوَةً.
(7) فِي كِتَابِهِ " مُرُوجِ الذَّهَبِ وَمَعَادِنِ الْجَوْهَرِ " 4/9394، تَحْقِيقِ الشَّيْخِ مُحَمَّد مُحْيِي الدِّين عَبْد الْحَمِيد رَحِمَهُ اللَّهُ، الطَّبْعَةِ الثَّالِثَةِ، 1377/1958.
(8) أ، ب: وَنُمِيَ، وَفِي " مُرُوجِ الذَّهَبِ ": سُعِيَ.
(9) ك: بِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(10) ك: إِلَى الْمُلْكِ.
(4/77)

الْأَتْرَاكِ، فَهَجَمُوا دَارَهُ (1) لَيْلًا فَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا شَيْئًا، وَوَجَدُوهُ فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ (2) وَهُوَ يَقْرَأُ (3) وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى مُتَوَجِّهًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُو (4) الْقُرْآنَ، فَحُمِلَ عَلَى حَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ (5) وَهُوَ فِي مَجْلِسِ الشَّرَابِ، وَالْكَأْسُ فِي يَدِ الْمُتَوَكِّلِ، فَعَظَّمَهُ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، وَنَاوَلَهُ الْكَأْسَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ (6) مَا خَامَرَ لَحْمِي وَدَمِي قَطُّ (7) فَأَعْفِنِي، فَأَعْفَاهُ (8) وَقَالَ لَهُ: أَسْمِعْنِي صَوْتًا، فَقَالَ (9) : {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} الْآيَاتِ [سُورَةُ الدُّخَانِ: 25] فَقَالَ: أَنْشِدْنِي شِعْرًا، فَقَالَ: إِنِّي قَلِيلُ الرِّوَايَةِ لِلشِّعْرِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْشَدَهُ: بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ (10) تَحْرُسُهُمْ غُلْبُ الرِّجَالِ فَمَا أَغْنَتْهُمُ (11) الْقُلَلُ
_________
(1) ص: فَهَجَمُوا عَلَى دَارِهِ. .
(2) عَلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) ك: وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
(4) يَتْلُو: كَذَا فِي (و) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَقْرَأُ.
(5) فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ: كَذَا فِي (ر) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ.
(6) ن، م، و: تَاللَّهِ، هـ، ر، بِاللَّهِ.
(7) قَطُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(8) أ: فَعَفَى عَنْهُ، ب: فَأَعْفَاهُ عَنْهُ.
(9) و، ك: فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ن، هـ: فَقَالَ لَهُ.
(10) ك، ص: قُلَلِ الْجِبَالِ، ر: قُلَلٍ أَجْبَالٍ، أ: الْقُلَلِ الْأَجْبَالِ، و: قُلَلِ الْأَجْيَالِ.
(11) ص: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمُ الْقُلَلُ.
(4/78)

وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ (1) مَعَاقِلِهِمْ ... وَأُسْكِنُوا (2) حُفَرًا يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا
نَادَاهُمُ صَارِخٌ (3) مِنْ بَعْدِ دَفْنِهِمُ ... أَيْنَ الْأَسِرَّةُ (4) وَالتِّيجَانُ وَالْحُلَلُ
أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنَعَّمَةً ... مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ
فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ (5) تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ يَقْتَتِلُ (6)
قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْرًا وَمَا شَرِبُوا (7)
فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا.
فَبَكَى الْمُتَوَكِّلُ حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ ".
فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ، لَمْ يَذْكُرْ مَنْقَبَةً بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ، بَلْ ذَكَرَ مَا يَعْلَمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ مِنَ الْبَاطِلِ (8) ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحِكَايَةِ أَنَّ وَالِيَ بَغْدَادَ كَانَ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمِ الطَّائِيَّ، وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِ (9) ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ هَذَا خُزَاعِيٌّ مَعْرُوفٌ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، كَانُوا مِنْ خُزَاعَةَ، فَإِنَّهُ (10) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومَةُ (11) سِيرَتُهُ، وَابْنُ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ كَانَ نَائِبًا عَلَى بَغْدَادَ فِي خِلَافَةِ
_________
(1) م، ك: عَنْ.
(2) أ، ب: وَاسْتُبْدِلُوا.
(3) أ، ن، و، هـ، ر، ص: صَايِحٌ.
(4) ك: الْأَسَاوِرُ.
(5) و، هـ، ز: سَاءَلَهُ، ص: تَسْأَلُهُ.
(6) ك: تَنْتَقِلُ.
(7) و، ك: وَقَدْ شَرِبُوا.
(8) أ، ب: أَنَّهُ بَاطِلٌ.
(9) أ، ب: مِنْ جَهْلِهِمْ.
(10) أ، م، ص، هـ: فَإِنَّ.
(11) أب: الْمَعْلُومُ.
(4/79)

الْمُتَوَكِّلِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَمَّا مَاتَ، وَإِسْحَاقُ [بْنُ إِبْرَاهِيمَ] (1) هَذَا كَانَ نَائِبًا لَهُمْ فِي إِمَارَةِ الْمُعْتَصِمِ وَالْوَاثِقِ وَبَعْضِ أَيَّامِ الْمُتَوَكِّلِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْسُوا مِنْ طَيِّئٍ، وَهُمْ [أَهْلُ] (2) بَيْتٍ مَشْهُورُونَ (3) .
وَأَمَّا الْفُتْيَا الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ نَذَرَ إِنْ عُوفِيَ يَتَصَدَّقُ (4) بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ، وَأَنَّهُ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ جَوَابًا، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} ،
[سُورَةُ التَّوْبَةِ: 25] ، وَأَنَّ الْمُوَاطِنَ كَانْتْ [هَذِهِ الْجُمْلَةَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا] (5) سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً (6) ، وَ [بَعَثَ] سِتًّا (7) وَخَمْسِينَ سَرِيَّةً، فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ أَيْضًا تُحْكَى عَنْ
_________
(1) بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) أَهْلُ: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ.
(3) قَالَ: ابْنُ الْعِمَادِ فِي: شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 2/84 عَنْ وَفَيَاتِ سَنَةِ: 235: " وَفِيهَا الْأَمِيرُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ الْخُزَاعِيُّ ابْنُ عَمِّ (الصَّوَابُ: ابْنُ أَخِي) طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلِيَ بَغْدَادَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يُسَمَّى صَاحِبَ الْجِسْرِ، وَكَانَ صَارِمًا سَايِسًا حَازِمًا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَطْلُبُ الْعُلَمَاءَ وَيَمْتَحِنُهُمْ بِأَمْرِ الْمَأْمُونِ، مَاتَ فِي آخِرِ السَّنَةِ ". وَانْظُرْ عَنْهُ: الْعِبَرَ 1/420، الْكَامِلَ لِابْنِ الْأَثِيرِ 7/17، الْأَعْلَامَ 1/283284. وَأَمَّا ابْنُ عَمِّهِ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ زُرَيْقٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ: 230. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 2/271275، تَارِيخِ بَغْدَادَ 9/483489، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 2/68، الْأَعْلَامِ 4/226227.
(4) إِنْ عُوفِيَ يَتَصَدَّقُ: كَذَا فِي (هـ) ، (ر) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(6) أ، ب: غَزْوَةً.
(7) وَبَعَثَ سِتًّا. . . كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَسِتًّا. .
(4/80)

عَلِيِّ بْنِ مُوسَى مَعَ الْمَأْمُونِ، وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ كَذِبًا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ جَهْلًا مِمَّنْ أَفْتَى بِذَلِكَ.
فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ، أَوْ وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّ فُلَانًا دَرَاهِمَ كَثِيرَةً، أَوْ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ، لَا يُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالْحُجَّةُ الْمَذْكُورَةُ بَاطِلَةٌ لِوُجُوهٍ:.
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّ الْمَوَاطِنَ كَانَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً وَسِتًّا وَخَمْسِينَ سَرِيَّةً، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَغْزُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، بَلْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ (1) .

الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَاللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ (2) بِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مَوَاطِنَ كَثِيرَةً، وَكَانَ بَعْدَ يَوْمِ حُنَيْنٍ غَزْوَةُ الطَّائِفِ وَغَزْوَةُ تَبُوكَ، وَكَثِيرٌ مِنَ السَّرَايَا كَانَتْ بَعْدَ [يَوْمِ] (3)
_________
(1) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي كِتَابِهِ " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، تَحْقِيقِ مُصْطَفَى عَبْد الْوَاحِدِ 2/252 - 254 (ط. عِيسَى الْحَلَبِيِّ، 1384 1964) إِنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ سُئِلَ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، شَهِدَ مِنْهَا سَبْعَ عَشْرَةَ، أَوَّلُهُنَّ الْعَسِيرَةُ، أَوِ الْعَشِيرَةُ. . . ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ بُرَيْدَةَ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ: أَنَّهُ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَقَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: " وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَزْهَرَ بْنِ الْقَاسِمِ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ مَغَازِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَرَايَاهُ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ بَعْثًا، وَتِسْعَ عَشْرَةَ غَزَاةً ".
(2) أ، ب: وَاللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ. .
(3) يَوْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (ص) .
(4/81)

حُنَيْنٍ كَالسَّرَايَا الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ (1) مِثْلِ إِرْسَالِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى ذِي الْخُلَصَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَجَرِيرٌ إِنَّمَا أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِ سَنَةٍ، وَإِذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا كَانَتْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ الْمُخْبِرَةَ عَنِ الْمَاضِي (2) إِخْبَارًا بِجَمِيعِ (3) الْمَغَازِي وَالسَّرَايَا.

الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْصُرْهُمْ فِي جَمِيعِ الْمَغَازِي، بَلْ يَوْمَ أُحُدٍ تَوَلَّوْا، وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ (4) . وَكَذَلِكَ يَوْمُ مُؤْتَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ السَّرَايَا لَمْ يَكُونُوا مَنْصُورِينَ فِيهَا، فَلَوْ كَانَ مَجْمُوعُ الْمَغَازِي وَالسَّرَايَا ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُنْصَرُوا فِيهَا كُلِّهَا، حَتَّى يَكُونَ مَجْمُوعُ مَا نُصِرُوا فِيهِ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ.

الرَّابِعُ: أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ (5) أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ فِي الْآيَةِ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ، فَهَذَا لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ (6) هَذَا الْقَدْرِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ لَفْظَ " الْكَثِيرِ " لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْأَلْفَ وَالْأَلْفَيْنِ وَالْآلَافَ، وَإِذَا عَمَّ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَقَادِيرِ، فَتَخْصِيصُ بَعْضِ الْمَقَادِيرِ دُونَ بَعْضٍ تَحَكُّمٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 245] ، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ إِلَى
_________
(1) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (هـ) ، (ر) ، (ص) .
(2) أ، ب: مُخْبِرَةً عَنِ الْمَاضِي، ن: مُخْبِرَةً (وَسَقَطَتْ عِبَارَةُ: عَنِ الْمَاضِي) .
(3) هـ، ر، ص، م: لِجَمِيعِ.
(4) أ: وَكَانَ بونلا وَتَمْحِيصٌ، ب: وَكَانَ ابْتِلَاءً وَتَمْحِيصًا.
(5) أ، ب: أَنَّهُ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ. .
(6) أ، ب: تَخْصِيصَ.
(4/82)

سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَقَدْ وَرَدَ (1) أَنَّهُ يُضَاعِفُهَا أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ فَقَدْ سَمَّى هَذِهِ الْأَضْعَافَ كَثِيرَةً، وَهَذِهِ الْمَوَاطِنَ كَثِيرَةً.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وَالْكَثْرَةُ هَاهُنَا تَتَنَاوَلُ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَقَادِيرِ لِأَنَّ (2) الْفِئَاتِ الْمَعْلُومَةَ مَعَ الْكَثْرَةِ لَا تُحْصَرُ (3) فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ وَقَدْ تَكُونُ الْفِئَةُ الْقَلِيلَةُ أَلْفًا وَالْفِئَةُ الْكَثِيرَةُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ فَهِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ الْأُخْرَى.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 43] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ أَرَاهُ أَهْلَ بَدْرٍ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، وَقَدْ سَمَّى ذَلِكَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ أَمْرٌ إِضَافِيٌّ. وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا قَالَ لَهُ: " عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ أَوْ خَطِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ أَوْ جَلِيلٌ " هَلْ يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ فَيُفَسِّرُهُ (4) بِمَا يُتَمَوَّلُ؟ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَوْ لَا يُقْبَلُ (5) تَفْسِيرُهُ إِلَّا بِمَا لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ (6) كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِنِصَابِ الزَّكَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِالدِّيَةِ. وَهَذَا النِّزَاعُ فِي الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْخَبَرُ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ قَدْ عَلِمَهُ الْمُقِرُّ.
_________
(1) أ، ب: بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَقَدْ رُوِيَ.
(2) أ، ب: فَإِنَّ.
(3) ن: لَا تُحْصَى، و: لَا تُخَصُّ.
(4) أ، ب: فَيُفَسَّرُ. 1
(5) ن، م: وَلَا نَقْبَلُ، و: أَوْ لَا نَقْبَلُ.
(6) أ، ب: إِلَّا بِمَا لَهُ خَطَرٌ، و: وَإِلَّا بِمَا لَهُ قَدْرٌ خَطِرٌ.
(4/83)

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فَهِيَ إِنْشَاءٌ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ. وَالْأَرْجَحُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِ، فَمَا كَانَ يُسَمِّيهِ مِثْلُهُ كَثِيرًا، حُمِلَ مُطْلَقُ كَلَامِهِ عَلَى أَقَلِّ مَحْمِلَاتِهِ (1) . وَالْخَلِيفَةُ إِذَا قَالَ: " دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ " فِي نَذْرٍ نَذَرَهُ، لَمْ يَكُنْ عُرْفُهُ فِي مِثْلِ هَذَا مِائَةَ دِرْهَمٍ وَنَحْوَهَا، بَلْ هُوَ يَسْتَقِلُّ هَذَا وَلَا يَسْتَكْثِرُهُ، بَلْ إِذَا حُمِلَ [كَلَامُهُ] (2) عَلَى مِقْدَارِ الدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، كَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا مِقْدَارُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ فِي الشَّرْعِ، وَلَا يَكُونُ عِوَضُ الْمُسْلِمِ إِلَّا كَثِيرًا.
وَالْخَلِيفَةُ يُحْمَلُ الْكَثِيرُ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يُحْمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ آحَادِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ صَاحِبَ أَلْفِ دِرْهَمٍ إِذَا قَالَ: أَعْطُوا هَذَا دَرَاهِمَ كَثِيرَةً، احْتَمَلَ عَشْرَةً وَعِشْرِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ (3) بِحَسَبِ حَالِهِ. فَمَعْنَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ هُوَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الْإِضَافِيَّةِ، كَالْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ النَّاسِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ كُلِّ إِنْسَانٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِحَالِهِ (4) فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ.
وَالْحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنِ الْمَسْعُودِيِّ مُنْقَطِعَةُ الْإِسْنَادِ. [وَفِي تَارِيخِ الْمَسْعُودِيِّ مِنَ الْأَكَاذِيبِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَكَيْفَ يُوثَقُ بِحِكَايَةٍ مُنْقَطِعَةِ الْإِسْنَادِ] (5) فِي كِتَابٍ قَدْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ الْكَذِبِ؟ (6) مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا
_________
(1) ص: مُحْتَمَلَاتِهِ.
(2) كَلَامُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) أ، ب: وَنَحْوَهَا.
(4) أ، ب: بِحَالِهِ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَسْعُودِيُّ، الْمُؤَرِّخُ صَاحِبُ " مُرُوجِ الذَّهَبِ "، " أَخْبَارِ الزَّمَانِ وَمِنْ إِبَادَةِ الْحَدَثَانِ " تَارِيخٍ فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا، مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، أَقَامَ بِمِصْرَ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ 346 وَقِيلَ: 345. تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " لِسَانِ الْمِيزَانِ " 4/224 225، وَقَالَ عَنْهُ: " وَكُتُبُهُ طَافِحَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا مُعْتَزِلِيًّا. . . ". وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ أَيْضًا فِي: فَوَاتِ الْوَفِيَاتِ 2/94 95، طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 3/456 457، النُّجُومِ الزَّاهِرَةِ 3/315 316، تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 3/857، الْأَعْلَامِ 5/87.
(4/84)

الْفَضِيلَةُ إِلَّا مَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُوجَدُ فِيهِمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا.

[كلام الرافضي على الْحَسَن الْعَسْكَرِيّ والرد عليه]
وَأَمَّا قَوْلُهُ (1) : " وَكَانَ وَلَدُهُ (2) الْحَسَنُ الْعَسْكَرِيُّ عَالِمًا زَاهِدًا فَاضِلًا عَابِدًا، أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَرَوَتْ عَنْهُ الْعَامَّةُ كَثِيرًا ".
فَهَذَا مِنْ نَمَطِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الدَّعَاوَى الْمُجَرَّدَةِ، وَالْأَكَاذِيبِ الْبَيِّنَةِ (3) ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ الْمَعْرُوفِينَ بِالرِّوَايَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ هَذَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ لَيْسَتْ لَهُمْ [عَنْهُ] (4) رِوَايَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَشُيُوخِ [أَهْلِ] (5) الْكُتُبِ السِّتَّةِ (6) : الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ (7) وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَقَرِيبًا مِنْهُ: قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ أَخْبَارَ شُيُوخِ النُّبْلِ (8) ، يَعْنِي
_________
(1) فِي (ك) ص [0 - 9] 06 (م) .
(2) أ، ن، م: وُلِدَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(3) أ، ب: الْمُثْبَتَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) عَنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(5) أَهْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) م: الْكُتُبِ السُّنَّةِ، أ، ب: كُتُبِ السُّنَّةِ.
(7) التِّرْمِذِيِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (و) .
(8) أ، هـ، ر، ص: أَسْمَاءَ شُيُوخِ النُّبْلِ، ب: أَسْمَاءَ شُيُوخِ الْكُلِّ.
(4/85)

شُيُوخَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ، فَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ [الْأَئِمَّةِ] (1) مَنْ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ [هَذَا] (2) الْعَسْكَرِيِّ مَعَ رِوَايَتِهِمْ عَنْ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: رَوَتْ عَنْهُ الْعَامَّةُ كَثِيرًا؟ وَأَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ؟ وَقَوْلُهُ: " إِنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ " هُوَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ (3) .

[كلام الرافضي على محمد بن الحسن المهدي عندهم والرد عليه]
فَصْلٌ (4) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) : " وَوَلَدُهُ (6) مَوْلَانَا الْمَهْدِيُّ [مُحَمَّدٌ] (7) عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي اسْمُهُ كَاسْمِي (8) وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا (9) ، كَمَا مُلِئَتْ
_________
(1) الْأَئِمَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) هَذَا: زِيَادَةٌ فِي (هـ) ، (ر) ، (ص) .
(3) أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، الْمُلَقَّبُ بِالْخَالِصِ وَبِالْعَسْكَرِيِّ، الْإِمَامُ الْحَادِي عَشَرَ عِنْدَ الرَّافِضَةِ، وُلِدَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ: 232 وَانْتَقَلَ مَعَ أَبِيهِ الْهَادِي إِلَى سَامَرَّا وَكَانَ اسْمُهَا مَدِينَةَ الْعَسْكَرِ فَقِيلَ لَهُ مِثْلَ أَبِيهِ الْعَسْكَرِيَّ، وَكَانَ صَالِحًا عَابِدًا، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ: 260. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/372 373، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 2/141، الْعِبَرِ 2/20، الْأَعْلَامِ 2/215216.
(4) هـ، ر، ص: الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ.
(5) فِي (ك) ص [0 - 9] 06 (م) .
(6) ن، م: وَلَدُ، هـ، ر، ص، و: وَوُلِدَ، ك: وَكَانَ وَلَدُهُ.
(7) مُحَمَّدٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) ك: اسْمُهُ اسْمِي. .
(9) ك: الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا. .
(4/86)

جَوْرًا " (1) فَذَلِكَ هُوَ الْمَهْدِيُّ» (2) .
فَيُقَالُ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ (3) وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَنْسَابِ وَالتَّوَارِيخِ: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسْلٌ وَلَا عَقِبٌ. وَالْإِمَامِيَّةُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَلَدٌ يَدَّعُونَ أَنَّهُ دَخَلَ السِّرْدَابَ بِسَامَرَّا وَهُوَ صَغِيرٌ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عُمُرُهُ سَنَتَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
_________
(1) ك: كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا.
(2) هـ، ر، ص: فَهُوَ الْمَهْدِيُّ، ك: فَذَلِكَ هُوَ الْمَهْدِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(3) أ، ب، و: وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ نَافِعٍ. وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى الطَّبَرِيِّ فِيمَا مَضَى 1/122 وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى أَنَّ غَرِيبَ بْنَ سَعْدٍ الْقُرْطُبِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي " صِلَةِ تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ " أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيَّ لَمْ يُعْقِبْ وَخُلَاصَةُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ فِي " تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ " 11/49 - 50 (كِتَابُ الصِّلَةِ) أَنَّ رَجُلًا زَعَمَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَهْدِيُّ: " فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِإِحْضَارِ ابْنِ طُومَارٍ نَقِيبِ الطَّالِبِيِّينَ وَمَشَايِخَ آلِ طَالِبٍ فَسَأَلَهُ عَنْ نِسْبَتِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الرِّضَا وَأَنَّهُ قَدِمَ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ طُومَارٍ: لَمْ يُعْقِبِ الْحَسَنُ وَكَانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَعْقَبَ، وَقَوْمٌ قَالُوا: لَمْ يُعْقِبْ. . . إِلَخْ ". وَيَذْكُرُ الدُّكْتُورُ أَحْمَد صُبْحِي فِي كِتَابِهِ " نَظَرِيَّةِ الْإِمَامَةِ " ص [0 - 9] 95 396 أَنَّ أَصْحَابَ الْمَقَالَاتِ وَمُؤَرِّخِي الْفِرَقِ ذَكَرُوا أَنَّ الشِّيعَةَ قَدِ انْقَسَمُوا إِلَى مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ فِرْقَةً، وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ التِّسْعِ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ مَنْ أَجْمَعَ الشِّيعَةُ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ يَبْلُغُ أَشُدَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ، إِذْ تَرَى فِرَقٌ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْقِبْ، وَشَارَكَ بَعْضُ أَهْلِ السِّنَّةِ فِي هَذَا الْقَوْلِ كَابْنِ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيِّ مُعَارَضَةً مِنْهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ الْمَهْدِيَّةِ بِمَفْهُومِهَا الشِّيعِيِّ، اسْتَنَدَتْ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَعْفَرَ ابْنَ الْهَادِي قَدْ طَالَبَ بِمِيرَاثِ أَخِيهِ الْحَسَنِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا ادَّعَى الْإِمَامَةَ بَعْدَهُ، وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ عِنْدَ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ وَعَدَّتْهُ الْقَائِمَ الْمُنْتَظَرَ، وَذَهَبَتْ أُخْرَى إِلَى بُطْلَانِ الْإِمَامَةِ بَعْدَهُ، فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ حُجَّةٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَيَقُولُ الدُّكْتُورُ أَحْمَد صُبْحِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ص 409) إِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَابْنَ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيَّ قَدِ اسْتَنَدَا إِلَى أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ عَلِيٍّ قَدْ أَنْكَرَ وُجُودَ وَلَدٍ لِأَخِيهِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ وَطَالَبَ بِاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِ أَخِيهِ، وَرَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى السُّلْطَانِ الْعَبَّاسِيِّ وَحَمَلَهُ عَلَى حَبْسِ جِوَارِي الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ حَمْلِهِنَّ ".
(4/87)

قَالَ: ثَلَاثٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خَمْسُ سِنِينَ (1) وَهَذَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا مَعْلُومًا، لَكَانَ الْوَاجِبُ فِي حُكْمِ اللَّهِ الثَّابِتِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
_________
(1) إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ الرَّافِضَةَ أَنْفُسَهُمْ يُسَجِّلُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ. يَقُولُ الْأُسْتَاذُ إِحْسَان إِلَهِي ظَهِير فِي كِتَابِهِ " الشِّيعَةُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ " ص 294: " هَذَا وَأَمَّا الثَّانِيَ عَشَرَ الْمَوْهُومَ فَكَفَى فِيهِ الْقَوْلُ أَنَّهُمْ يُصَرِّحُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنْفُسُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يُعْثَرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَ لَهُ أَثَرٌ مَعَ كُلِّ التَّفْتِيشِ وَالتَّنْقِيبِ، ثُمَّ يَحْكُونَ حِكَايَاتٍ، وَيَنْسِجُونَ الْأَسَاطِيرَ، وَيَخْتَلِقُونَ الْقِصَصَ وَالْأَبَاطِيلَ فِي وِلَادَتِهِ وَأَوْصَافِهِ: إِمَّا مَوْجُودٌ وُلِدَ، وَإِمَّا مَعْدُومٌ لَمْ يُولَدْ؟ ". ثُمَّ يُورِدُ الْأُسْتَاذُ إِحْسَانٌ نَصًّا طَوِيلًا مِنْ كُتُبِهِمْ يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ لِلْكَافِي ص 505، الْإِرْشَادِ لِلْمُفِيدِ ص 339، 340، كَشْفِ الْغُمَّةِ ص 408، 409، الْفُصُولِ الْمُهِمَّةِ، ص 289، جَلَاءِ الْعُيُونِ ج [0 - 9] ص 762، إِعْلَامِ الْوَرَى، ص 377، 378. وَوَجَدْتُ هَذَا النَّصَّ عِنْدِي فِي كِتَابِ " الْأُصُولِ مِنَ الْكَافِي " لِلْكِلِينِيِّ (ط. طَهْرَانَ، 1381) فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ، بَابُ مَوْلِدِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَهُوَ مِنْ ص 503 506. وَسَنَدُ هَذَا الْخَبَرِ فِي الْكَافِي هُوَ: " الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَاقَانَ عَلَى الضِّيَاعِ وَالْخَرَاجِ بِقُمَّ، فَجَرَى فِي مَجْلِسِهِ يَوْمًا ذِكْرُ الْعَلَوِيَّةِ وَمَذَاهِبِهِمْ، وَكَانَ شَدِيدَ النَّصْبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ وَلَا عَرَفْتُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى رَجُلًا مِنَ الْعَلَوِيَّةِ مِثْلَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الرِّضَا فِي هَدْيِهِ وَسُكُونِهِ وَعَفَافِهِ وَنُبْلِهِ وَكَرَمِهِ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَبَنِي هَاشِمٍ. . ثُمَّ يَسْتَطْرِدُ رَاوِي الْخَبَرِ إِلَى أَنْ يَقُولَ (ص 504 506) : " وَلَقَدْ وَرَدَ عَلَى السُّلْطَانِ وَأَصْحَابِهِ فِي وَقْتِ وَفَاةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا تَعَجَّبْتُ مِنْهُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكُونُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَعْتَلَّ بَعَثَ إِلَى أَبِي أَنَّ ابْنَ الرِّضَا قَدِ اعْتَلَّ، فَرَكِبَ مِنْ سَاعَتِهِ فَبَادَرَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ رَجَعَ مُسْتَعْجِلًا وَمَعَهُ خَمْسَةٌ مِنْ خَدَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كُلُّهُمْ مِنْ ثِقَاتِهِ وَخَاصَّتِهِ، فِيهِمْ نِحْرِيرٌ، فَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ دَارِ الْحَسَنِ وَتَعَرُّفِ خِبْرِهِ وَحَالِهِ، وَبَعَثَ إِلَى نَفَرٍ مِنَ الْمُتَطَبِّبِينَ فَأَمَرَهُمْ بِالِاخْتِلَافِ إِلَيْهِ وَتَعَاهُدِهِ صَبَاحًا وَمِسَاءً، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَّاتَةٍ أُخْبِرَ أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ، فَأَمَرَ الْمُتَطَبِّبِينَ بِلُزُومِ دَارِهِ، وَبَعَثَ إِلَى قَاضِي الْقُضَاةِ، فَأُحْضِرَ مَجْلِسَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَشَرَةً مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَوَرَعِهِ، فَأَحْضَرَهُمْ فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى دَارِ الْحَسَنِ وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزَالُوا هُنَاكَ حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَصَارَتْ سُرَّ مَنْ رَأَى ضَجَّةً وَاحِدَةً، وَبَعَثَ السُّلْطَانُ إِلَى دَارِهِ مَنْ فَتَّشَهَا وَفَتَّشَ حُجَرَهَا وَخَتَمَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِيهَا، وَطَلَبُوا أَثَرَ وَلَدِهِ، وَجَاءُوا بِنِسَاءٍ يَعْرِفْنَ الْحَمْلَ، فَدَخَلْنَ إِلَى جَوَارِيهِ يَنْظُرْنَ إِلَيْهِنَّ، فَذَكَرَ بِعْضُهُنَّ أَنَّ هُنَاكَ جَارِيَةً بِهَا حَمْلٌ، فَجُعِلَتْ فِي حُجْرَةٍ، وَوُكِّلَ بِهَا نِحْرِيرٌ الْخَادِمُ وَأَصْحَابُهُ وَنِسْوَةٌ مَعَهُمْ، ثُمَّ أَخَذُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَهْيِئَتِهِ وَعُطِّلَتِ الْأَسْوَاقُ وَرَكِبَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَالْقُوَّادُ وَأَبِي وَسَائِرُ النَّاسِ إِلَى جِنَازَتِهِ. . . فَلَمَّا دُفِنَ أَخَذَ السُّلْطَانُ وَالنَّاسُ فِي طَلَبِ وَلَدِهِ، وَكَثُرَ التَّفْتِيشُ فِي الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، وَتَوَقَّفُوا عَنْ قِسْمَةِ مِيرَاثِهِ، وَلَمْ يَزَلِ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِحِفْظِ الْجَارِيَةِ الَّتِي تُوُهِّمَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ لَازِمِينَ حَتَّى تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْحَمْلِ، فَلَمَّا بَطَلَ الْحَمْلُ عَنْهُنَّ قُسِمَ مِيرَاثُهُ بَيْنَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ جَعْفَرٍ وَادَّعَتْ أُمُّهُ وَصِيَّتَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَالسُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ يَطْلُبُ أَثَرَ وَلَدِهِ، فَجَاءَ جَعْفَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي. . . . فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، حَتَّى مَاتَ أَبِي، وَخَرَجْنَا وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَالسُّلْطَانُ يَطْلُبُ أَثَرَ وَلَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ".
(4/88)

أَنْ يَكُونَ مَحْضُونًا عِنْدَ مَنْ يَحْضُنُهُ فِي بَدَنِهِ، كَأُمِّهِ، وَأُمِّ أُمِّهِ، وَنَحْوِهِمَا مَنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَالُهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ: إِمَّا وَصِيُّ أَبِيهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ، وَإِمَّا غَيْرُ [الْوَصِيِّ] : (1) إِمَّا قَرِيبٌ، وَإِمَّا نَائِبٌ لَدَى السُّلْطَانِ (2) ، فَإِنَّهُ يَتِيمٌ لِمَوْتِ أَبِيهِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 6] ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ مَالِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْلُعَ النِّكَاحَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ إِمَامًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَعْصُومًا، لَا يَكُونُ أَحَدٌ مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهِ؟ ! .
ثُمَّ إِنَّ (3) هَذَا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ: سَوَاءٌ قُدِّرَ وُجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ، لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ
_________
(1) ن: وَإِمَّا غَيْرُهِ.
(2) ن، م، ص: لِذِي سُلْطَانٍ، هـ: لِذِي سُلْطَانٍ.
(3) إِنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/89)

لَا فِي دِينٍ وَلَا فِي دُنْيَا (1) ، وَلَا عَلَّمَ أَحَدًا شَيْئًا (2) ، وَلَا يُعْرَفُ (3) لَهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ وَلَا الشَّرِّ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ وَلَا مَصَالِحِهَا (4) لَا الْخَاصَّةُ وَلَا الْعَامَّةُ، بَلْ إِنْ قُدِّرَ وَجُودُهُ فَهُوَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِلَا نَفْعٍ أَصْلًا، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ (5) ، وَلَا حَصَلَ لَهُمْ بِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، وَالْمُكَذِّبُونَ بِهِ يُعَذَّبُونَ [عِنْدَهُمْ] (6) عَلَى تَكْذِيبِهِمْ بِهِ، فَهُوَ شَرٌّ مَحْضٌ وَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَخَلْقُ مِثْلِ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْحَكِيمِ الْعَادِلِ.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ احْتَجَبَ عَنْهُمْ.
قِيلَ: أَوَّلًا: كَانَ الظُّلْمُ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ (7) آبَائِهِ وَلَمْ يَحْتَجِبُوا.
وَقِيلَ: [ثَانِيًا] : (8) فَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ طَبَّقُوا الْأَرْضَ فَهَلَّا اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يُعَلِّمُهُمْ شَيْئًا مِنِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ؟ ! .
وَقِيلَ: ثَالِثًا: قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا شِيعَتُهُ، كَجِبَالِ الشَّامِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الرَّافِضَةُ عَاصِيَةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ (9) مِنَ الْمَوَاضِعِ الْعَاصِيَةِ.
وَقِيلَ: رَابِعًا: فَإِذَا هُوَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ
_________
(1) أ، ب: لَا فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنْيَا، هـ، ر، ص، و: لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا.
(2) ن، و: وَلَا عَلِمَ أَحَدٌ شَيْئًا.
(3) ب: وَلَا عُرِفَ.
(4) أ: مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامِ وَمَصَالِحًا، ب: مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ وَمَصَالِحِهَا.
(5) أ، ب: لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ أَصْلًا.
(6) عِنْدَهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) أ، ب: الظُّلْمُ كَانَ فِي زَمَنِ. . .
(8) ثَانِيًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(9) ن، م: وَغَيْرِهَا.
(4/90)

لِأَحَدٍ، لِأَجْلِ هَذَا الْخَوْفِ، لَمْ يَكُنْ فِي وُجُودِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، فَكَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَا أَثْبَتُوهُ. بِخِلَافِ مَنْ أُرْسِلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَكُذِّبَ، فَإِنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَحَصَلَ لِمَنْ آمَنَ مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ مَا هُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمُنْتَظَرُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ لِطَائِفَتِهِ إِلَّا الِانْتِظَارُ لِمَنْ لَا يَأْتِي، وَدَوَامُ الْحَسْرَةِ وَالْأَلَمِ، وَمُعَادَاةُ الْعَالَمِ، وَالدُّعَاءُ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بِالْخُرُوجِ [وَالظُّهُورِ] (1) (* مِنْ مُدَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً لَمْ (2) يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. ثُمَّ إِنْ عُمِّرَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *) (3) هَذِهِ الْمُدَّةَ أَمْرٌ يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِالْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ وُلِدَ فِي دِينِ (4) الْإِسْلَامِ وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً (5) ، فَضْلًا عَنْ هَذَا الْعُمُرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (6) عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: " «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّهُ (7) عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَيْهَا (8) أَحَدٌ» (9) .
_________
(1) وَالظُّهُورِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) . وَفِي (أ) ، (ب) : بِالظُّهُورِ وَالْخُرُوجِ.
(2) ب (فَقَطْ) : وَلَمْ.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(4) ب (فَقَطْ) : زَمَنِ.
(5) ن، م، ر، هـ، و: مَائِةً وَعَشْرَ سِنِينَ.
(6) ص: فِي الصَّحِيحَيْنِ.
(7) ب، م: فَإِنَّ.
(8) ص، هـ، و، ر: عَلَيْهَا الْيَوْمَ.
(9) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 1/119 120 (كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ بَعْدَ الْعَشَاءِ) وَنَصُّهُ: صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ". فَوَهَلَ النَّاسُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِي مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ فِي: الْبُخَارِيِّ 1 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ) ، 1/113 (كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ ذِكْرِ الْعَشَاءِ وَالْعَتَمَةِ. .) . وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُفَصَّلًا فِي: مُسْلِمٍ 4/1965 1966 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ) ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/176 (كِتَابُ الْمَلَاحِمِ، بَابُ قِيَامِ السَّاعَةِ) سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 3/354 355 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ 55) . وَقَالَ مُحَقِّقُ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: " وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ بْنَ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ سَنَةَ مِائَةٍ مِنِ الْهِجْرَةِ "
(4/91)

فَمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَهُ سَنَةٌ وَنَحْوُهَا لَمْ يَعِشْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ قَطْعًا. وَإِذَا كَانَتِ الْأَعْمَارُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ لَا تَتَجَاوَزُ هَذَا الْحَدَّ، فَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَعْصَارِ أَوْلَى بِذَلِكَ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ أَعْمَارَ بَنِي آدَمَ فِي الْغَالِبِ كُلَّمَا تَأَخَّرَ الزَّمَانُ قَصُرَتْ وَلَمْ تَطُلْ، فَإِنَّ نُوحًا [عَلَيْهِ السَّلَامُ] لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَآدَمُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (2) ، فَكَانَ
_________
(1) عَلَيْهِ السَّلَامُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/123 124 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، الْبَابُ الْأَخِيرُ فِيهِ) وَأَوَّلُهُ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ. . الْحَدِيثَ وَفِيهِ " قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: يَا رَبِّ زِدْهُ فِي عُمُرِهِ. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ لَهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ فَإِنَّى قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمُرِي سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. قَالَ: ثُمَّ اسْكُنِ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اهْبِطْ مِنْهَا، فَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ. قَالَ: فَآتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ، قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ. قَالَ: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ": قَالَ الْأَلْبَانِيُّ فِي تَخْرِيجِ " مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ " لِلتَّبْرِيزِيِّ 2/543: " وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَا ". وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ بِنَفْسِ الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي السَّنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 4/71، 72، 252، 5/174 175. وَأَوْرَدَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ الدَّيْنِ (الْبَقَرَةِ 282) وَعَلَّقَ عَلَيْهِ، كَمَا أَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ 1/370.
(4/92)

الْعُمُرُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ طَوِيلًا، ثُمَّ أَعْمَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ (1) يَجُوزُ ذَلِكَ، كَمَا [ثَبَتَ] ذَلِكَ فِي [الْحَدِيثِ] الصَّحِيحِ (2) .
وَاحْتِجَاجُهُمْ بِحَيَاةِ الْخَضِرِ احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ عَلَى بَاطِلٍ، فَمَنِ الَّذِي يُسَلِّمُ لَهُمْ بَقَاءَ الْخَضِرِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ (3) أَنَّهُ مَاتَ، وَبِتَقْدِيرِ بَقَائِهِ فَلَيْسَ [هُوَ] (4) مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ (5) .
_________
(1) أ، ب: مِمَّنْ.
(2) ن، م: كَمَا ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ، ر، هـ، ص، و: كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ. وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/387 (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) . . . وَنَصُّهُ: " عُمُرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ". وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1415 (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ الْأَمَلِ وَالْأَجَلِ) وَنَصُّهُ: " أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ ". وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 1/354. وَانْظُرْ كَلَامَهُ عَلَيْهِ فِيهِ " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ " 2/320 (رَقْمِ 757) .
(3) أ، ب: الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَقِّقُونَ.
(4) هُوَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ رِسَالَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ عُنْوَانُهَا: " الزَّهْرُ النَّضِرُ فِي نَبَأِ الْخَضِرِ " نُشِرَتْ فِي " مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ الْمِنْبَرِيَّةِ " 2/195 234 قَالَ فِي آخِرَهَا (ص 234) : " وَالَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ حَيْثُ الْأَدِلَّةُ الْقَوِيَّةُ خِلَافُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْعَوَامُّ مِنِ اسْتِمْرَارِ حَيَاتِهِ ".
(4/93)

وَلِهَذَا يُوجَدُ كَثِيرٌ [مِنَ الْكَذَّابِينَ] (1) مِنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهُ الْخَضِرُ وَيَظُنُّ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ الْخَضِرُ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَايَاتِ الصَّحِيحَةِ [الَّتِي نَعْرِفُهَا] (2) مَا يَطُولُ وَصْفُهَا [هُنَا] (3) .
وَكَذَلِكَ [الْمُنْتَظَرُ] (4) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَإِنَّ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، مِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ ذَلِكَ لِطَائِفَةٍ (5) مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُمُ ذَلِكَ وَلَا يُظْهِرُهُ إِلَّا لِلْوَاحِدِ أَوِ الِاثْنَيْنِ. وَمَا مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَنْ يَظْهَرُ كَذِبُهُ كَمَا يَظْهَرُ كَذِبُ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ الْخَضِرُ.

[الجواب عن كلام الرافضي على حديث المهدي من وجوه]
فَصْلٌ.
وَقَوْلُهُ: رَوَى (6) ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي اسْمُهُ كَاسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا، فَذَلِكَ هُوَ الْمَهْدِيُّ» ".
فَيُقَالُ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:.
_________
(1) مِنَ الْكَذَّابِينَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) الَّتِي نَعْرِفُهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(3) هُنَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) . وَفِي (ر) ، (هـ) ، (ص) : ذَكَرَهُ هُنَا.
(4) الْمُنْتَظَرُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5) ن، م، هـ، ر: كَطَائِفَتِهِ.
(6) أ، ب، قَالَ: رَوَى، ص، ر: قَالَ وَرَوَى، هـ: وَرَوَى.
(4/94)

أَحَدُهَا: أَنَّكُمْ لَا تَحْتَجُّونَ بِأَحَادِيثِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُفِيدُكُمْ فَائِدَةً (1) . وَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَنَذْكُرُ كَلَامَهُمْ فِيهِ.
الثَّانِي: إِنَّ هَذَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (2) ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ؟ .
الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ (3) ، فَإِنَّ لَفْظَهُ: " يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي " فَالْمَهْدِيُّ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (4) أَنَّهُ [قَالَ: هُوَ] (5) مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، لَا مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ [بْنِ عَلِيٍّ] (6) .
وَأَحَادِيثُ الْمَهْدِيِّ مَعْرُوفَةٌ، رَوَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ (7) حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» " (8) .
_________
(1) أ: فَإِنَّهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (ب) .
(2) ن، و: أَنَّ هَذَا أَخْبَارُ آحَادٍ، م: أَنَّ هَذِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ.
(3) عِبَارَةُ " لَا لَكُمْ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) . .
(4) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) . وَفِي (م) ، (و) . عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(5) قَالَ هُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) بْنِ عَلِيٍّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(7) ن، م: لَطَوَّلَهُ اللَّهُ.
(8) الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/151 (كِتَابُ الْمَهْدِيِّ) وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 5/70، 71 وَجَاءَ حَدِيثٌ بِسَنَدٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: " لَا تَذْهَبُ أَوْ لَا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي " فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (نَفْسِ الْمَوْضِعِ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/343 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَهْدِيِّ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ ن وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ ". وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: " يَلِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي " وَهُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَوَّلُهُ: " لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَلِيَ. . . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ". وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي نَفْسِ الصَّفْحَةِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَلَفْظُهُ: " إِنَّ فِي أُمَّتِي الْمَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا " زَيْدٌ الشَّاكُّ قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: " سِنِينَ ". قَالَ: " فَيَجِيءُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي، قَالَ: فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِإِسْنَادَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفُ) 2/117 118 (حَدِيثٌ رَقْمُ: 773) وَلَفْظُهُ: " لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلًا مِنَّا، يَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا " قَالَ الشِّيحُ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: " إِسْنَادَاهُ صَحِيحَانِ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (فِي نَفْسِ الْمَوْضِعِ) وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي (صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) 5/71 إِلَّا أَنَّ لَفْظَ أَبِي دَاوُدَ: " لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ. . . إِلَخْ. وَأَوْرَدَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ: 2/928 929 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ ذِكْرِ الدَّيْلَمِ وَفَضْلِ قَزْوِينَ) . حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَفْظُهُ: " لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ، لَطَوَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَمْلِكَ جَبَلَ الدَّيْلَمِ وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةَ " وَأَوْرَدَ الْمُعَلِّقُ مَا يُبَيِّنُ ضَعْفَ الْحَدِيثِ.
(4/95)

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ (1) الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَوْلَهُ: " «اسْمُهُ كَاسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي» " وَلَمْ يَقُلْ: يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي "، فَلَمْ يَرْوِهِ (2) أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةِ بِهَذَا
_________
(1) أَنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) ب (فَقَطْ) : لَمْ يَرَهُ.
(4/96)

اللَّفْظِ. فَهَذَا الرَّافِضِيُّ لَمْ يَذَكُرِ الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ الْمَعْرُوفِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مِثْلِ مَسْنَدِ أَحْمَدَ (1) ، وَ [سُنَنِ] أَبِي دَاوُدَ (2) وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظٍ مَكْذُوبٍ لَمْ يَرْوِهِ (3) أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ رَوَاهُ (4) بِإِسْنَادِهِ: إِنْ أَرَادَ الْعَالِمَ الْمَشْهُورَ صَاحِبَ الْمُصَنَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ أَبَا الْفَرَجِ، فَهُوَ (5) كَذِبٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَرَادَ سِبْطَهُ يُوسُفَ بْنَ قِزُأُوغْلِي (6) صَاحِبُ التَّارِيخِ الْمُسَمَّى " بِمِرْآةِ الزَّمَانِ " وَصَاحِبُ الْكِتَابِ الْمُصَنَّفِ فِي " الِاثْنَى عَشْرَ " الَّذِي سَمَّاهُ " إِعْلَامَ الْخَوَاصِّ "، فَهَذَا الرَّجُلُ
_________
(1) ص، ر، هـ: مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
(2) ن، م: وَأَبِي دَاوُدَ.
(3) أ، ب، و، هـ: لَمْ يَذْكُرْهُ.
(4) ن، م: رُوِيَ.
(5) ن، م، هـ، و: فَهَذَا.
(6) ب: بْنَ غِزَاوُغْلِي، ن، أ، م، و: قِزُعْلِي، هـ، ر، ص: قِزُغْلَ. وَهُوَ أَبُو الْمُظَفَّرِ يُوسُفُ بْنُ قِزُأُوغْلِي أَوْ قِزُغْلِي بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، سِبْطُ أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ. وَقِزُأُوغْلِي لَفْظٌ تُرْكِيٌّ مَعْنَاهُ " سِبْطٌ " أَوِ " ابْنُ الْبِنْتِ ". وَهُوَ مُؤَرِّخٌ وَاعِظٌ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ: 581، وَانْتَقَلَ إِلَى دِمَشْقَ وَعَاشَ فِيهَا وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ: 654، مِنْ كُتُبِهِ " مِرْآةُ الزَّمَانِ "، " تَذْكِرَةُ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ بِذِكْرِ خَصَائِصِ الْأَئِمَّةِ " أَوْ " تَذْكِرَةُ الْخَوَاصِّ " وَطُبِعَ بِالنَّجَفِ عَامَ 1383 1964. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ (مِيزَانَ الِاعْتِدَالِ) 4/471: " رَوَى عَنْ جَدِّهِ وَطَائِفَةٍ، وَأَلَّفَ كِتَابَ " مِرْآةِ الزَّمَانِ " فَتَرَاهُ يَأْتِي فِيهِ بِمَنَاكِيرِ الْحِكَايَاتِ، وَمَا أَظُنُّهُ بِثِقَةٍ فِيمَا يَنْقُلُهُ، بَلْ يَجْنَفُ وَيُجَازِفُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَرَفَّضَ، وَلَهُ مُؤَلَّفٌ فِي ذَلِكَ. . . قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ السَّوَسِيُّ: لَمَّا بَلَغَ جَدِّيَ مَوْتُ سِبْطِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ قَالَ: لَا رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا ". وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ أَيْضًا فِي لِسَانِ الْمِيزَانِ 6/328، ذَيْلِ مَرْآةِ الزَّمَانِ لِقُطْبِ الدِّينِ الْيُونِينِيِّ (ط. حَيْدَرْ آبَادَ، 1374 1954) 1/39، 43، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 5/266 267، السُّلُوكِ لِلْمَقْرِيزِيِّ 1/401، الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 13/194 195، الْأَعْلَامِ 9/324، مُعْجَمِ الْمُؤَلِّفِينَ 13/324.
(4/97)

يَذْكُرُ فِي مُصَنَّفَاتِهِ أَنْوَاعًا مِنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ، وَيَحْتَجُّ فِي أَغْرَاضِهِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ضَعِيفَةٍ وَمَوْضُوعَةٍ، وَكَانَ يُصَنِّفُ بِحَسَبِ مَقَاصِدِ النَّاسِ: يُصَنِّفُ لِلشِّيعَةِ مَا يُنَاسِبُهُمْ لِيُعَوِّضُوهُ بِذَلِكَ، وَيُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ لِيَنَالَ بِذَلِكَ أَغْرَاضَهُ، فَكَانَتْ طَرِيقَتُهُ طَرِيقَةَ الْوَاعِظِ الَّذِي قِيلَ لَهُ: مَا مَذْهَبُكَ؟ قَالَ فِي أَيِّ مَدِينَةٍ؟ .
وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ [ثَلْبُ] (1) الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ مُدَاهَنَةِ (2) مَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِهَا تَعْظِيمُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ السَّلَفِ (3) وَالْخَلَفِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمَهْدِيِّ: " «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» " صَارَ يَطْمَعُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي (4) أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَهْدِيَّ، حَتَّى سَمَّى الْمَنْصُورُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَلَقَّبَهُ بِالْمَهْدِيِّ مُوَاطَأَةً لِاسْمِهِ (5) بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ بِاسْمِ أَبِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَوْعُودَ بِهِ.
وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ التُّومَرْتَ [الْمُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ، الَّذِي ظَهَرَ بِالْمَغْرِبِ، وَلَقَّبَ طَائِفَتَهُ بِالْمُوَحِّدِينَ، وَأَحْوَالُهُ مَعْرُوفَةٌ، كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ الْمَهْدِيُّ] (6) الْمُبَشَّرُ بِهِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَخْطُبُونَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِهِمْ، فَيَقُولُونَ فِي
_________
(1) ثَلْبُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(2) أ، ب: مَذَاهِبِ، ن: مَذَاهِبِهِ، ر، ص: مُدَاهَنَتِهِ.
(3) ن: عِنْدَ أَهْلِ السَّلَفِ.
(4) فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ،
(5) أ، ب: اسْمِهِ
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/98)

خُطْبَتِهِمْ (1) : الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ، الْمَهْدِيُّ الْمَعْلُومُ، الَّذِي بَشَّرْتَ بِهِ فِي صَرِيحِ وَحْيِكَ، الَّذِي اكْتَنَفْتَهُ بِالنُّورِ الْوَاضِحِ، وَالْعَدْلِ اللَّائِحِ، الَّذِي مَلَأَ الْبَرِيَّةَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا ".
وَهَذَا الْمُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ ظَهَرَ سَنَةَ بِضْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ (2) وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ يَنْتَسِبُ (3) إِلَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ، فَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الْمُبَشَّرُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَا مَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّهَا قِسْطًا وَلَا عَدْلًا، بَلْ دَخَلَ فِي أُمُورٍ مُنْكَرَةٍ، وَفَعَلَ أُمُورًا حَسَنَةً.
وَقَدِ ادَّعَى قَبْلَهُ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ (4) بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ (5) ، وَلَكِنْ لَمْ
_________
(1) فِي خُطْبَتِهِمْ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فِي الْخُطْبَةِ.
(2) أ، ب، ص، ر: تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، هـ: تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَسَبَقَتْ تَرْجَمَةُ ابْنِ التُّومَرْتَ، وَذَكَرْتُ أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي سَنَةِ مَوْلِدِهِ وَلَكِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ 524 وَعُمُرُهُ يَتَرَاوَحُ مَا بَيْنَ 51 عَامًا، 55 عَامًا.
(3) ن، م: يُنْسَبُ.
(4) هـ: عَبْدُ اللَّهِ.
(5) يَقْصِدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِهِ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ، الَّذِي يَرَى بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّهُ مِنْ نَسْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ، وَيُسَمِّيهِ ابْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ: " سَعِيدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ بْنِ دَيْصَانَ الْقَدَّاحُ " وَيُذَكَرُ أَنَّهُ غَيَّرَ اسْمَ نَفْسِهِ وَنَسَبَهُ وَقَالَ لِأَتْبَاعِهِ أَنَّهُ: " عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ". وَيَذْكُرُ الْبَعْضُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ كَانَ يَعْمَلُ حَدَّادًا بِسِلْمِيَّةَ، وَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ تَزَوَّجَتْ أُمُّهُ أَحَدَ الْأَشْرَافِ الْعَلَوِيِّينَ، وَقَامَ هَذَا الشَّرِيفُ بِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ حَتَّى إِذَا كَبِرَ ادَّعَى لِنَفْسِهِ نَسَبًا عَلَوِيًّا. وَقَدْ وُلِدَ عُبَيْدُ اللَّهِ سَنَةَ: 259 وَتُوفِي سَنَةَ: 322 وَهُوَ الَّذِي أَسَّسَ دَوْلَتَهُ بِالْمَغْرِبِ (الَّتِي عُرِفَتْ بِالدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ) سَنَةَ: 297 وَتَمَكَّنَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ فَتْحِ مِصْرَ فِي زَمَنِ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْفَاطِمِيِّ سَنَةَ: 358. انْظُرْ: الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص [0 - 9] 70، كِتَابَ " طَائِفَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ " تَأْلِيفُ الدُّكْتُورِ مُحَمَّد كَامِل حُسَيْن، ط. الْقَاهِرَةِ، 1959، كِتَابَ " نَشْأَةِ الْفِكْرِ الْفَلْسَفِيِّ فِي الْإِسْلَامِ " الدُّكْتُور عَلِي سَامِي النِّشَار 2/478 - 511، ط. الْمَعَارِفِ، الْقَاهِرَةِ، 1964، " الْحَاكِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ " لِلْأُسْتَاذِ مُحَمَّد عَبْد اللَّه عَنَان، ص 47 - 75، ط. لَجْنَةِ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْجَمَةِ وَالنَّشْرِ، الْقَاهِرَةِ، 1379/1959، الْأَعْلَامَ 4/286، 353.
(4/99)

يُوَافِقْ فِي الِاسْمِ وَلَا اسْمِ الْأَبِ (1) وَهَذَا ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ (2) وَأَنَّ مَيْمُونًا هَذَا هُوَ (3) مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ [يَعْلَمُونَ] (4) أَنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْوَى نَسَبِهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيًّا رَبِيبَ مَجُوسِيٍّ، فَلَهُ نِسْبَتَانِ: نِسْبَةٌ إِلَى الْيَهُودِ، وَنِسْبَةٌ إِلَى الْمَجُوسِ.
وَهُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ كَانُوا مَلَاحِدَةً، وَهُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ الْعُلَمَاءُ: " إِنَّ (5) ظَاهِرَ مَذْهَبِهِمُ الرَّفْضُ، وَبَاطِنَهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ ". وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ، وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وَبَيَانِ كَذِبِهِمْ فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَدَعْوَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُمْ بَرِيئُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسَبًا وَدِينًا.
وَكَانَ هَذَا الْمُتَلَقِّبُ (6) بِالْمَهْدِيِّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ قَدْ ظَهَرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَانْتَقَلَ الْأَمْرُ إِلَى
_________
(1) أ، ب: وَاسْمِ الْأَبِ.
(2) بْنِ جَعْفَرٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) هُوَ: فِي (ن) ، (م) فَقَطْ.
(4) يَعْلَمُونَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) إِنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) ن، م، هـ، ر، ص، و: كَانَ هَذَا الْمُلَقَّبُ.
(4/100)

وَلَدِهِ الْقَائِمِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمُعِزِّ الَّذِي بَنَى الْقَاهِرَةَ، ثُمَّ الْعَزِيزِ، ثُمَّ الْحَاكِمِ، ثُمَّ الظَّاهِرِ ابْنِهِ، ثُمَّ الْمُسْتَنْصِرِ [ابْنِهِ] (1) وَطَالَتْ مُدَّتُهُ، وَفِي زَمَنِهِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَخُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ عَامًا كَامِلًا (2) وَابْنِ الصَّبَاحِ الَّذِي أَحْدَثَ السِّكِّينَ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةِ (3) ، هُوَ مِنْ أَتْبَاعِ هَؤُلَاءِ (4) .
وَانْقَرَضَ مُلْكُ هَؤُلَاءِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَمَلَكُوهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَأَخْبَارُهُمْ عَنِ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورَةٌ بِالْإِلْحَادِ وَالْمُحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالرِّدَّةِ وَالنِّفَاقِ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: " «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
_________
(1) ابْنِهِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) هُوَ أَبُو الْحَارِثِ أَرْسَلَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَسَاسِيرِيُّ، قَائِدٌ تُرْكِيُّ الْأَصْلِ عَمِلَ لِلْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ الْعَبَّاسِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ الْقَائِمُ مِنْ بَغْدَادَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ لِلْفَاطِمِيِّينَ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْصِرِ الْفَاطِمِيِّ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ أَعْوَانُ الْقَائِمِ وَقَتَلُوهُ سَنَةَ: 451. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: النُّجُومِ الزَّاهِرَةِ 5
(3) أ، ب: أُخِذَتِ السِّكِّينُ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، هـ، ر: أَحْدَثَ السِّكِّينَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ.
(4) الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ صَبَّاحٍ الْحِمْيَرِيُّ وُلِدَ سَنَةَ: 428 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ: 518 مُؤَسِّسُ فِرْقَةِ الْحَشَّاشِينَ، وَصَاحِبُ الدَّعْوَةِ النِزَارِيَّةِ مِنْ فِرْقَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، اسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ الْأَلَمُوتِ سَنَةَ: 483 وَجَعَلَهَا مَرْكَزًا لِدَعْوَتِهِ حَتَّى عَامَ: 654 حِينَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا هُولَاكُو وَهَدَمَهَا مَعَ سَائِرِ قِلَاعِهِمْ، وَاتَّخَذَ الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ مَبْدَأَ الْقَتْلِ وَالِاغْتِيَالِ وَسِيلَةً لِتَحْقِيقِ أَهْدَافِهِ. انْظُرْ عَنْهُ وَعَنْ أَتْبَاعِهِ: طَائِفَةَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، ص [0 - 9] 2 90، الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/175 178، بِرْنَارْد لُوِيس: الدَّعْوَةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ الْجَدِيدَةُ ط. دَارِ الْفِكْرِ، بَيْرُوتَ، 1391/1971، دَائِرَةَ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةَ، مَادَّةُ " الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ "، تَارِيخَ الدَّعْوَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ لِمُصْطَفَى غَالِب، ص [0 - 9] 62290
(4/101)

وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ (* عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ شَيْخٍ [مَجْهُولٍ] (1) مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَا تَقُومُ بِإِسْنَادِهِ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَدِهِ، بَلْ مَدَارُهُ عَلَى يُونُسَ *) (2) بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى (3) ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الشَّافِعِيِّ (4) ، وَفِي " الْخَلْعِيَّاتِ (5) " وَغَيْرِهَا: " حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الشَّافِعِيِّ " لَمْ يَقُلْ: " حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ " ثُمَّ قَالَ: " عَنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْجَنَدِيِّ " وَهَذَا تَدْلِيسٌ يَدُلُّ عَلَى تَوْهِينِهِ (6) .
[وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَرْوِهِ] (7)
_________
(1) مَجْهُولٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) الْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1340 - 1341 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ شِدَّةِ الزَّمَانِ) وَنَصُّهُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْجَنَدِيُّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إِدْبَارًا، وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شَرَارِ النَّاسِ، وَلَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ". وَتَكَلَّمَ الْأَلْبَانِيُّ عَلَى الْحَدِيثِ كَلَامًا مُفَصَّلًا فِي " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ " 1 - 105 (حَدِيثٌ رَقْمُ: 77) وَقَالَ عَنْهُ: إِنَّهُ مُنْكَرٌ، وَأَنَّ الذَّهَبِيَّ قَالَ فِي " الْمِيزَانِ " إِنَّهُ خَبَرٌ مُنْكَرٌ وَقَالَ الصَّغَانِيُّ: " مَوْضُوعٌ " كَمَا فِي: " الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ " لِلشَّوْكَانِيِّ (ص [0 - 9] 95) .
(4) أ، ب: قَالَ: حَدِيثُ الشَّافِعِيِّ، ن، هـ، ص: قَالَ: حَدِيثٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، و: قَالَ حَدَّثْتُ الشَّافِعِيَّ.
(5) أ: الْخَلْفِيَّاتِ، ص: الْخَلْصِيَّاتِ.
(6) أ، ن، م: تُوهِينِهِ الْحَدِيثَ، ب: تَوْهِينِ الْحَدِيثِ.
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4/102)

[كلام الرافضي على عصمة الأئمة والرد عليه]
(فَصْلٌ) (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْفُضَلَاءُ الْمَعْصُومُونَ (3) ، الَّذِينَ بَلَغُوا الْغَايَةَ فِي الْكَمَالِ، وَلَمْ يَتَّخِذُوا مَا اتَّخَذَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْمُلْكِ وَأَنْوَاعِ الْمَعَاصِي وَالْمَلَاهِي، وَشُرْبِ الْخُمُورِ وَالْفُجُورِ، حَتَّى فَعَلُوا بِأَقَارِبِهِمْ عَلَى مَا هُوَ (4) الْمُتَوَاتِرُ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ".
قَالَ أَيِ ابْنُ الْمُطَهَّرِ بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً ص 107 (م) .: " وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ (5)
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَرْضَى لِنَفْسِكَ مَذْهَبًا ... وَتَعْلَمَ أَنَّ النَّاسَ فِي نَقْلِ أَخْبَارِ
فَدَعْ عَنْكَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ... وَأَحْمَدَ وَالْمَرْوِيَّ عَنْ كَعْبِ أَحْبَارِ
وَوَالِ أُنَاسًا قَوْلَهُمْ وَحَدِيثَهُمْ ... رَوَى جَدُّنَا عَنْ جِبْرَئِيلَ عَنِ الْبَارِي
".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: أَمَّا دَعْوَى الْعِصْمَةِ فِي هَؤُلَاءِ فَلَمْ تَذْكُرْ (6) عَلَيْهَا حُجَّةً إِلَّا مَا ادَّعَيْتَهُ (7) مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا مَعْصُومًا،
_________
(1) ص، ر، هـ: الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ
(2) فِي (ك) . ص 106 (م) 107 (م) .
(3) ك: الْمَعْصُومُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -.
(4) ب: حَتَّى فَعَلُوا بِأَقَارِبِهِمْ مَا هُوَ، ن، م، ص، هـ، ر، و، أ: حَتَّى مَا قَارَبَهُمْ أَحَدٌ عَلَى مَا هُوَ. وَالثَّبْتُ مِنْ (ك) .
(5) و: مَا أَحْسَنَ قَوْلَ النَّاسِ شِعْرًا، ك: وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ النَّاسِ.
(6) ن، م: فَلَمْ يُدْرِكْ، وَهُوَ خَطَأٌ، ب، ر، هـ: فَلَمْ يَذْكُرْ.
(7) ب: مَا ادَّعَاهُ، ن: مَا ادَّعَيَهُ.
(4/103)

لِيَكُونَ لُطْفًا وَمَصْلَحَةً فِي التَّكْلِيفِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ هَذِهِ الْحُجَّةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَدْنَاهَا أَنَّ هَذَا مَفْقُودٌ (1) لَا مَوْجُودٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إِمَامٌ مَعْصُومٌ حَصَلَ بِهِ لُطْفٌ وَ [لَا] مَصْلَحَةٌ (2) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّلِيلِ عَلَى [انْتِفَاءِ] (3) ذَلِكَ إِلَّا الْمُنْتَظَرُ الَّذِي قَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ، [لَا] (4) فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَلَا حَصَلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا لُطْفٌ، لَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ، فَكَيْفَ مَعَ كَثْرَةِ الدَّلَائِلِ عَلَى ذَلِكَ؟ .

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: " كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ؟ فِي الْكَمَالِ " هُوَ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الدَّلِيلِ، وَالْقَوْلُ بِلَا عِلْمٍ يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يُقَابِلَهُ بِمِثْلِهِ. وَإِنِ ادَّعَى الْمُدَّعِي هَذَا الْكَمَالَ فِيمَنْ هُوَ أَشْهَرُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنَ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَمَنْ طَالَعَ أَخْبَارَ النَّاسِ عَلِمَ أَنَّ الْفَضَائِلَ الْعِلْمِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْثَرُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الْكَذِبِ، دَعِ الصِّدْقَ (5) .

الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ " إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ (6) أَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي سُلْطَانٍ وَقُدْرَةٍ مَعَهُمُ السَّيْفُ (7) ، فَهَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ، وَهُمْ لَا يَدَّعُونَ ذَلِكَ،
_________
(1) ن، م: مَقْصُودٌ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) وَلَا مَصْلَحَةٌ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَمَصْلَحَةٌ.
(3) انْتِفَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) لَا: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب، ر، هـ، ص: مِنَ الصِّدْقِ.
(6) أ: بِقَوْلِهِ، ب: بِهِ.
(7) أ: السَّيْبُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/104)

بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ عَاجِزُونَ مَمْنُوعُونَ مَغْلُوبُونَ مَعَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنِ الْإِمَامَةِ، إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، مَعَ أَنَّ الْأُمُورَ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ، وَنِصْفُ الْأُمَّةِ - أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ - لَمْ يُبَايِعُوهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوهُ (1) وَلَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ، وَفِي هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ (2) ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ عَلِيٍّ مِثْلُهُمْ (3) ، بَلِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُ وَلَهُ كَانُوا أَفْضَلَ مِمَّنْ قَاتَلَهُ وَقَاتَلَ مَعَهُ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ (4) كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ وَدِينٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً، فَهَذِهِ الدَّعْوَى إِذَا صَحَّتْ لَا تُوجِبُ كَوْنَهُمْ أَئِمَّةً يَجِبُ عَلَى النَّاسِ طَاعَتُهُمْ، كَمَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ إِمَامَ مَسْجِدٍ لَا يَجْعَلُهُ إِمَامًا، وَاسْتِحْقَاقُهُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا [لَا يُصَيِّرُهُ قَاضِيًا] (5) ، وَاسْتِحْقَاقُهُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَ الْحَرْبِ لَا يَجْعَلُهُ أَمِيرَ الْحَرْبِ. وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا خَلْفَ مَنْ يَكُونُ إِمَامًا بِالْفِعْلِ، وَلَا خَلْفَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِمَامًا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ إِنَّمَا يَفْصِلُهُ (6) ذُو سُلْطَانٍ وَقُدْرَةٍ لَا مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ، وَكَذَلِكَ الْجُنْدُ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ مَعَ أَمِيرٍ عَلَيْهِمْ لَا مَعَ مَنْ لَمْ يُؤَمَّرْ وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ (7) أَنْ يُؤْمَرَ.
_________
(1) ن، م: لَمْ يُقَاتِلْهُمْ.
(2) (22) : سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(3) مِثْلُهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أ، ب: وَإِنْ أَرَادَ بِهِ. .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(6) ر: يُفَضِّلُهُ.
(7) وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَإِنِ اسْتَحَقَّ.
(4/105)

فَفِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ، فَكُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ وَسُلْطَانٌ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا، وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ (1) أَنْ يُجْعَلَ لَهُ قُدْرَةٌ حَتَّى يَتَمَكَّنَ، فَكَوْنُهُ يَسُوغُ (2) أَنْ يُمَكَّنَ أَوْ يَجِبَ أَنْ يُمَكَّنَ (3) لَيْسَ هُوَ نَفْسَ التَّمَكُّنِ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ الْقَادِرُ [الَّذِي لَهُ سُلْطَانٌ] (4) ، وَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ إِلَّا عَلِيٌّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (5) كَمَا تَقَدَّمَ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: مَا تَعْنُونَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؟ أَتَعْنُونَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُوَلَّى الْإِمَامَةَ دُونَ سَائِرِ قُرَيْشٍ؟ أَمْ تُرِيدُونَ أَنَّ الْوَاحِدَ [مِنْهُمْ] (6) مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ؟ فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْأَوَّلَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مَرْدُودٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الثَّانِيَ فَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ (7) وَبَيْنَ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ قُرَيْشٍ.

[الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ (8) ] (9) وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِحَيْثُ يُطَاعُ بِاخْتِيَارِ الْمُطِيعِ، لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آمِرًا بِهِ، فَيُطِيعُهُ الْمُطِيعُ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إِلْزَامِهِ (10) الطَّاعَةَ.
_________
(1) أ، ب: اسْتَحَقَّ.
(2) أ، ب: يَشْرَعُ.
(3) ن، م: أَنْ يَكُونَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (و) فَقَطْ.
(5) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: زِيَادَةٌ فِي (ص) فَقَطْ.
(6) مِنْهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(7) ب: بَيْنَهُ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (أ) .
(8) أ: مَنْ يَقُومُ بِهِ، ب: مَنْ يُقْتَدَى بِهِ.
(9) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(10) أ، ب: إِلْزَامِهِمْ.
(4/106)

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ يَدٍ وَسَيْفٍ، بِحَيْثُ يُطَاعُ طَوْعًا وَكَرْهًا لِكَوْنِهِ (1) قَادِرًا عَلَى إِلْزَامِ الْمُطِيعِ بِالطَّاعَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] قَدْ فُسِّرَ بِالْأُمَرَاءِ (2) بِذَوِي الْقُدْرَةِ كَأُمَرَاءِ الْحَرْبِ، وَفُسِّرَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ. وَهَذَانَ الْوَصْفَانِ كَانَا كَامِلَيْنِ فِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَامِلِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالسِّيَاسَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَكْمَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ أَكْمَلُ فِي ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَبَعْدَهُمْ لَمْ يَكْمُلْ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ [الرَّجُلُ] (3) أَكْمَلَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِمَّنْ [يَكُونُ] (4) لَهُ سُلْطَانٌ، وَقَدْ يَكُونُ أَكْمَلَ فِي السُّلْطَانِ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَدْيَنُ.
وَهَؤُلَاءِ إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِمْ أَئِمَّةً أَنَّهُمْ ذَوُو سُلْطَانٍ فَذَلِكَ بَاطِلٌ (5) ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَهُ. وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ يُطَاعُونَ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْ إِلْزَامِ غَيْرِهِمْ بِالطَّاعَةِ، فَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كُلِّ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
ثُمَّ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: قَدْ كَانَ فِي أَعْصَارِهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ وَأَدْيَنُ، إِذِ
_________
(1) لِكَوْنِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ: فُسِّرَ الْأَمْرُ، ب: فُسِّرَ أُولُو الْأَمْرِ.
(3) الرَّجُلُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ،
(4) يَكُونُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب:. . سُلْطَانٍ فَبَاطِلٌ. .
(4/107)

الْعِلْمُ الْمَنْقُولُ عَنْ غَيْرِهِمْ أَضْعَافُ الْعِلْمِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ، وَظُهُورُ آثَارِ غَيْرِهِمْ فِي الْأُمَّةِ أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِ آثَارِهِمْ فِي الْأُمَّةِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَدْ نُقِلَ (1) عَنْهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قِطْعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَأُخِذَ عَنْ غَيْرِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَالْعِلْمُ الْمَأْخُوذُ عَنْهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا، وَلَا ذِكْرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي رِجَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَشَاهِيرِ بِالرِّوَايَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُتْيَا، وَلَا غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَشَاهِيرِ بِالْعِلْمِ. وَمَا يُذْكَرُ لَهُمْ مِنَ الْمَنَاقِبِ وَالْمَحَاسِنِ، فَمِثْلُهُ يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ (2) .
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَامَتُهُمْ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يُنَازِعُ فِيهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْتَمُّ (3) بِكُلِّ أَحَدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ [مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ] (4) وَيَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَيَفْعَلُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، فَمَا فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْخَيْرِ وَدَعَوْا إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ فِيهِ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي ذَلِكَ (5) .
قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 24] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 124] ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَهُ ذَا سَيْفٍ يُقَاتِلُ
_________
(1) أ، ب: أُخِذَ.
(2) أ، ب: لِكَثِيرٍ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ، ص، ر، هـ: لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ.
(3) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْتَمُّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَرَوْنَ أَنَّهُ يَأْتَمُّ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) ن، م: يُقْتَدَى بِهِمْ فِيهِ.
(4/108)

بِهِ جَمِيعَ النَّاسِ، بَلْ جَعَلَهُ [بِحَيْثُ] (1) يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُ، سَوَاءٌ أَطَاعُوهُ أَمْ عَصَوْهُ.
فَهَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ (2) فِي الدِّينِ أُسْوَةٌ (3) أَمْثَالُهُمْ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ مُقِرُّونَ بِإِمَامَةِ هَؤُلَاءِ فِيمَا دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِيهِ، (* وَعَلَى الْإِمَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِيهِ *) (4) ، كَمَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِأَمْثَالِهِمْ مِثْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَمِثْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ (5) فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ (* السَّبْعَةُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... مَقَالَةَ حَقٍّ (6) لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
*) (7) .
وَمِثْلِ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ (8) وَأُسَامَةَ (9) وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمِثْلِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
_________
(1) بِحَيْثُ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(2) أ، ب: فَهَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةُ، و: فَهَؤُلَاءِ فِي الْأُمَّةِ.
(3) ن: سَوَاءٌ.
(4) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) هُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(6) حَقٍّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) .
(7) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ فِي (ص) ، (ر) فَقَطْ. وَلَا يُوجَدُ إِلَّا كَلِمَةُ " السَّبْعَةِ " فِي (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ) . وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَيْضًا مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: وَالْأَسْوَدِ بْنِ زَيْدٍ.
(9) وَأُسَامَةَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4/109)

وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (1) وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمِثْلِ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمْ (2) .
لَكِنَّ الْمَنْقُولَ الثَّابِتَ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْفُتْيَا قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْآخَرِ، فَتَكُونُ شُهْرَتُهُ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ أَوْ لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَهُشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَأَبَا الزِّنَادِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّ الزُّهْرِيَّ، وَيَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ (3) وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ أَبِيهِ (4) أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بَلْ كُلُّ [وَاحِدٍ مِنْ] (5) هَؤُلَاءِ ثِقَةٌ فِيمَا يَنْقُلُهُ، مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ، وَمَا بَيَّنَهُ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ فَهُوَ مِنِ الْعِلْمِ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْهُ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الرِّوَايَةِ وَالْإِسْنَادِ، مَقْبُولٌ فِي الدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ (6) ، وَإِذَا أَفْتَى بِفُتْيَا
_________
(1) وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فِي (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ) فَقَطْ.
(2) يُوجَدُ اخْتِلَافٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَسْمَاءِ السَّابِقَةِ بَيْنَ النُّسَخِ الْمُخْتَلِفَةِ.
(3) أ: وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ، ب، ر: وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ. وَمَا أَثْبَتُّهُ فِي سَائِرِ النُّسَخِ. وَأَبُو مُسْلِمٍ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مُسْلِمٍ الْأَشْعَرِيُّ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 3/16 18.
(4) ن: مِنِ ابْنِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) (6 - 6) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/110)

وَعَارَضَهُ [غَيْرُهُ] (1) رَدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ (2) . وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ جَمِيعِهِمْ، وَهَكَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَ [عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ] (3) .

الْوَجْهُ السَّادِسُ (4) : أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: " لَمْ يَتَّخِذُوا مَا اتَّخَذَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْمُلْكِ وَالْمَعَاصِي " كَلَامٌ بَاطِلٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ [عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ] (5) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يُتَّخَذُ إِمَامًا فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَسْتَعِينُونَ بِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ (6) ، وَيُعَاوِنُونَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ (7) : إِنْ كَانَ اتِّخَاذُهُمْ أَئِمَّةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَحْذُورًا، فَالرَّافِضَةُ أَدْخَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ دَائِمًا يَسْتَعِينُونَ بِالْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ عَلَى مَطَالِبِهِمْ، وَيُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ [وَالْفُجَّارَ] (8) عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ (9) فِي كُلِّ زَمَانٍ
_________
(1) غَيْرُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) . وَفِي (م) : وَعَارَضَهُ آخَرُ.
(2) أ، ب: كَمَا أُمِرَ بِذَلِكَ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (أ) ، (ب) : وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
(4) ن، م، و: الْخَامِسُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) أ، ب: فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
(7) ب (فَقَطْ) : لَهُ.
(8) وَالْفُجَّارَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(9) ن، م، هـ، و: مَشْهُورٌ.
(4/111)

وَمَكَانٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَاحِبُ هَذَا الْكِتَابِ " مِنْهَاجِ النَّدَامَةِ " وَإِخْوَانُهُ، فَإِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْمُغِلَّ وَالْكُفَّارَ أَوِ الْفُسَّاقَ أَوِ الْجُهَّالَ أَئِمَّةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ (1) : أَنْ يُقَالَ: الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ هُمْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَادَّعَى عِصْمَتَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ سُلْطَانٌ تَحْصُلُ بِهِ مَقَاصِدُ (2) الْإِمَامَةِ، وَلَا يَكْفِي الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي تَحْصِيلِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُلْكٌ وَلَا سُلْطَانٌ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تُصَلَّى خَلْفَهُمْ جُمُعَةٌ [وَلَا جَمَاعَةٌ] (3) ، وَلَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الْجِهَادِ وَلَا فِي الْحَجِّ، وَلَا تُقَامُ بِهِمُ الْحُدُودُ، وَلَا تُفْصَلُ بِهِمُ الْخُصُومَاتُ، وَلَا يَسْتَوْفِي الرَّجُلُ بِهِمْ حُقُوقَهُ الَّتِي عِنْدَ النَّاسِ وَالَّتِي فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يُؤْمَنُ بِهِمُ السُّبُلُ (4) ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى قَادِرٍ يَقُومُ بِهَا، وَلَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا مَنْ لَهُ أَعْوَانٌ عَلَى ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ غَيْرَهُمْ، فَمَنْ طَلَبَ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ إِمَامٍ عَاجِزٍ عَنْهَا (5) كَانَ جَاهِلًا ظَالِمًا، وَمَنِ اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا كَانَ عَالِمًا (6) مُهْتَدِيًا مُسَدَّدًا، فَهَذَا يُحَصِّلُ مَصْلَحَةَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَالْأَوَّلُ تَفُوتُهُ مَصْلَحَةُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.

الْوَجْهُ الثَّامِنُ (7) : أَنْ يُقَالَ: دَعْوَى كَوْنِ جَمِيعِ الْخُلَفَاءِ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِمَا
_________
(1) ن، م، و: السَّادِسُ.
(2) ص، ر، و، هـ: سُلْطَانٌ يُقْتَدَى بِهِ فِي مَقَاصِدِ. . .
(3) وَلَا جَمَاعَةٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) أ، ب، هـ، ر: السَّبِيلُ.
(5) عَنْهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) عَالِمًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ص) ، (ر) ، (هـ) .
(7) ن، م، و،: السَّابِعُ.
(4/112)

ذَكَرَهُ مِنَ الْخُمُورِ وَالْفُجُورِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ. وَالْحِكَايَاتُ الْمَنْقُولَةُ فِي ذَلِكَ فِيهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ فِيهِمُ الْعَدْلَ الزَّاهِدَ (1) كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَهْدِيِّ بِاللَّهِ (2) ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِهَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَدْ يُبْتَلَى بِبَعْضِ الذُّنُوبِ، وَقَدْ يَكُونُ تَابَ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ تَمْحُو تِلْكَ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ (3) . فَفِي الْجُمْلَةِ الْمُلُوكُ حَسَنَاتُهُمْ كِبَارٌ وَسَيِّئَاتُهُمْ كِبَارٌ (4) ، وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ لَهُ ذُنُوبٌ وَمَعَاصٍ لَا تَكُونُ لِآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا لَيْسَ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ وَإِيصَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْحُقُوقِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَمَنْعِ كَثِيرٍ مِنَ الظُّلْمِ وَإِقَامَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَدْلِ.
وَنَحْنُ لَا نَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا سَالِمِينَ مِنَ (* الْمَظَالِمِ وَالذُّنُوبِ، كَمَا لَا نَقُولُ: إِنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا سَالِمِينَ مِنْ *) (5) ذَلِكَ، لَكِنْ نَقُولُ: وُجُودُ الظُّلْمِ وَالْمَعَاصِي مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ (6) وَعَامَّتِهِمْ، لَا يَمْنَعُ أَنْ يُشَارِكَ فِيمَا يَعْمَلُهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَأْمُرُونَ بِمُوَافَقَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَا فِي
_________
(1) أ، ن، م: الْعَدْلَ وَالزُّهْدَ، ب: الْعَدْلَ وَالزَّاهِدَ.
(2) أ، ب: وَالْمُهْتَدِي بِاللَّهِ.
(3) أ، ب: تُكَفِّرُهَا عَنْهُ.
(4) أ: حَسَنَاتُهُمْ كِثَارٌ وَسَيِّئَاتُهُمْ، ب: حَسَنَاتُهُمْ كَثِيرَةٌ وَسَيِّئَاتُهُمْ.
(5) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ر) .
(6) أ، ب: الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ. .
(4/113)

مَعْصِيَتِهِ (1) ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى مَنْ وَافَقَ رَجُلًا (2) فِي طَاعَةِ اللَّهِ إِذَا انْفَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ بِمَعْصِيَةٍ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَجَّ مَعَ النَّاسِ، فَوَقَفَ مَعَهُمْ وَطَافَ، لَمْ يَضُرَّهُ كَوْنُ بَعْضِ الْحُجَّاجِ لَهُ مَظَالِمُ وَذُنُوبٌ يَنْفَرِدُ بِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا شَهِدَ مَعَ النَّاسِ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ وَغَزَا مَعَهُمْ، لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ يَكُونَ (3) بَعْضُ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَهُ ذُنُوبٌ يَخْتَصُّ بِهَا، فَوُلَاةُ الْأُمُورِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ، يُشَارَكُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا يُشَارَكُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ أَئِمَّةِ (4) أَهْلِ الْبَيْتِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهُمْ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْمُقْتَدِي بِهِمْ، دُونَ مَنْ تَبَرَّأَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَظَاهَرَ عَلَى عَدَوَاتِهِمُ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَفْعَلُهُ مِنَ الرَّافِضَةِ الضَّالِّينَ.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ (5) : أَنْ يُقَالَ: إِمَامٌ قَادِرٌ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ النَّاسِ فِي أَكْثَرِ مَصَالِحِهِمْ، بِحَيْثُ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ (6) وَيُقَامُ بِهِ مَا يُقَامُ مِنَ الْحُدُودِ، وَيُدْفَعُ بِهِ مَا يُدْفَعُ مِنَ الظُّلْمِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَيُسْتَوْفَى بِهِ مَا يُسْتَوْفَى مِنَ الْحُقُوقِ، خَيْرٌ مِنْ إِمَامٍ مَعْدُومٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
_________
(1) ن، م، هـ: لَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
(2) رَجُلًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: لَمْ يَضُرَّهُ كَوْنُ. .
(4) أَئِمَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) ن، م، و: الثَّامِنُ.
(6) أ: يَأْمَنُ بِهِمُ السَّبِيلُ، ب: يُؤْمَنُ بِهِ السَّبِيلُ.
(4/114)

وَالرَّافِضَةُ تَدْعُو (1) إِلَى إِمَامٍ مَعْصُومٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الْبَاطِنِ إِلَّا إِمَامٌ مَعْدُومٌ، وَفِي الظَّاهِرِ إِمَامٌ كَفُورٌ أَوْ ظَلُومٌ (2) . فَأَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَوْ فُرِضَ مَا فُرِضَ فِيهِمْ مِنَ الظُّلْمِ وَالذُّنُوبِ، خَيْرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الظَّاهِرِينَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُهُمُ الرَّافِضَةُ (3) ، وَخَيْرٌ مِنْ إِمَامٍ مَعْدُومٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ الْبَاقُونَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فَأُولَئِكَ يَأْتَمُّ بِهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ كَمَا يَأْتَمُّونَ بِأَمْثَالِهِمْ، فَهُوَ وَأَمْثَالُهُمْ أَئِمَّةٌ، وَمَنِ ائْتَمَّ بِهَؤُلَاءِ مَعَ أَمْثَالِهِمْ (4) مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ خَيْرًا مِمَّنِ ائْتَمَّ بِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَإِنَّ الْعِلْمَ رِوَايَةٌ وَدِرَايَةٌ، كُلَّمَا كَثُرَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ (5) كَانَ أَقْوَى وَأَوْلَى الِاتِّبَاعِ، فَلَيْسَ عِنْدَ الشِّيعَةِ خَيْرٌ إِلَّا وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُشْرِكُونَهُمْ [فِيهِ، وَالْخَيْرُ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ] (6) لَا يُشْرِكُهُمْ فِيهِ الشِّيعَةُ.

الْوَجْهُ الْعَاشِرُ (7) : أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامِيُّ يُمْكِنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ عَنْ مِثْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَمَكْحُولٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
_________
(1) أ، ب، م: يَدْعُونَ.
(2) ن، م: إِمَامٌ كَفُورٌ وَظَلُومٌ، هـ، ر، ص، و: إِمَّا كَفُورٌ أَوْ ظَلُومٌ.
(3) ن: يَعْتَقِدُ بِهِمُ الرَّافِضَةُ، أب: تَعْتَمِدُهُمُ الرَّافِضَةُ، ر، هـ، ص، و: تَعْتَضِدُ بِهِمُ الرَّافِضَةُ.
(4) أ، ب: بِهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ، ن: بِهَؤُلَاءِ فِيهِ مَعَ أَمْثَالِهِمْ.
(5) ب (فَقَطْ) : وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(7) ن، م، و: التَّاسِعُ.
(4/115)

وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَئِمَّةُ (1) فِيمَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ مَعَ الِائْتِمَامِ بِالْمُلُوكِ فِيمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِيهِ مِنَ الدِّينِ (2) . وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَابْنُهُ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُمْ هُمْ أَيْضًا [مِنْ أَئِمَّةِ] (3) أَهْلِ السُّنَّةِ [وَالْجَمَاعَةِ] (4) بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَلَمْ تَأْتَمَّ الشِّيعَةُ بِإِمَامٍ ذِي عِلْمٍ وَزُهْدٍ إِلَّا وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَأْتَمُّونَ بِهِ أَيْضًا (5) وَبِجَمَاعَاتٍ (6) آخَرِينَ يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَزْهَدُ. وَمَا اتَّخَذَ أَهْلُ السُّنَّةِ إِمَامًا مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي (7) إِلَّا وَقَدِ اتَّخَذَتِ الشِّيعَةُ إِمَامًا مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي شَرًّا مِنْهُ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ [أَوْلَى بِالِائْتِمَامِ بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ فِيمَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِمْ فِيهِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الِائْتِمَامِ (8) بِأَئِمَّةِ الظُّلْمِ فِي غَيْرِ مَا هُمْ ظَالِمُونَ فِيهِ، فَهُمْ] (9) خَيْرٌ مِنَ الشِّيعَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ.

الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ (10) : قَوْلُهُ: " قَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ".
_________
(1) أ، ب: هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ.
(2) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) مِنْ أَئِمَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، أَئِمَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) ، مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) وَالْجَمَاعَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب، ص: وَبِجَمَاعَةٍ.
(7) أ، م، ر، هـ: إِمَامًا فِي الْمَعَاصِي، ن: إِمَّا فِي الْمَعَاصِي.
(8) (8 - 8) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(9) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(10) ن، م، و: الْوَجْهُ الْعَاشِرُ.
(4/116)

فَيُقَالُ لِلْإِمَامِيَّةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ [فِي الدُّنْيَا] (1) بِمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَبِمَا نَصَرَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ (2) عَلَيْكُمْ، فَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَبِالْيَدِ وَالسِّنَانِ (3) ، كَمَا أَظْهَرَ دِينَ نَبِيِّهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ.
قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 33] وَكَانَ مِنْ دِينِهِ (4) قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي (5) خَالَفْتُمُوهُمْ [فِيهِ] (6) ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ وَالسِّنَانِ (7) ، كَظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ دِينُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ إِلَّا بِأَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا ظَهَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ظُهُورًا لَمْ يَحْصُلْ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَدْيَانِ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمِنْ سَادَاتِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، فَلَمْ (8) يَظْهَرْ فِي خِلَافَتِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ، بَلْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِهِ، وَطَمِعَ فِيهِمْ عَدُوُّهُمْ مِنَ [الْكُفَّارِ وَ] النَّصَارَى (9) وَالْمَجُوسِ
_________
(1) فِي الدُّنْيَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) أ، ب: وَبِمَا يُظْهِرُ أَهْلَ الْحَقِّ. . .
(3) أ، ب: وَاللِّسَانِ.
(4) أ، ب: وَمَنْ كَانَ مِنْ دِينِهِ. . .
(5) ن، م، ص: الَّذِينَ.
(6) فِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) أ، ب: وَاللِّسَانِ.
(8) ب (فَقَطْ) : لَمْ.
(9) ن، م: مِنَ النَّصَارَى.
(4/117)

بِالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ. وَأَمَّا بَعْدَ عَلِيٍّ فَلَمْ يُعْرَفْ أَهْلُ عِلْمٍ وَدِينٍ (*، وَلَا أَهْلُ يَدٍ وَسَيْفٍ، نَصَرَ اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ إِلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِمَّا أَنْ تُعَاوِنَ (1) أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا أَنْ *) (2) تُمْسِكَ عَنْ نَصْرِ الطَّائِفَتَيْنِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْكُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبَيْنَ مَنْ عَادَاهُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، كَمَا يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ (3) .

الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ (4) : أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّظَلُّمُ مِمَّنْ هُوَ؟ إِنْ قُلْتُمْ: مِمَّنْ ظَلَمَ عَلِيًّا، كَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ عَلَى زَعْمِكُمْ، فَيُقَالُ لَكُمْ: الْخَصْمُ فِي هَذَا (5) عَلِيٌّ، وَقَدْ مَاتَ كَمَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِنَا وَلَا بِكُمْ إِلَّا بِطَرِيقِ بَيَانِ الْحَقِّ وَمُوَالَاةِ أَهْلِهِ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ بِالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَوْلَى بِالْعَدْلِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُمَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الظُّلْمِ مِنْ كُلِّ مَنْ سِوَاهُمَا، وَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِمَامُ الْأُمَّةِ دُونَهُمَا، كَمَا يُذْكَرُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (6) .
وَإِنْ قُلْتُمْ: نَتَظَلَّمُ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَنَعُوا هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ مِنِ الْإِمَامَةِ، فَهَذَا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ هَؤُلَاءِ [الِاثْنَى عَشَرَ] (7) كَانُوا يَطْلُبُونَ
_________
(1) أ، ب: أَنْ يُعَاوِنُوا.
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) ص، هـ: بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَالْكُفَّارِ، و: بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ.
(4) ن، م، و: الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ.
(5) أ، ب: فِي ذَلِكَ.
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(7) الِاثْنَى عَشَرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ،. وَفِي (و) : عَلَى كَوْنِ الْأَئِمَّةِ. .
(4/118)

الْإِمَامَةَ، أَوْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ [الْأُمَّةِ الْمَعْصُومُونَ] (1) ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الْقَوْمِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ إِنْ كَانُوا مُخْتَصِمِينَ: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 46] .
وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْ بَعْضِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مُنَازَعَةٌ فِي وِلَايَةٍ أَوْ مَالٍ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَحْكُمُ بَيْنَ سَائِرِ الْمُخْتَصِمِينَ، فَإِنَّ نَفْسَ الشِّيعَةِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُخَاصَمَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا بَيْنَ سَائِرِ طَوَائِفِ [أَهْلِ] (2) السُّنَّةِ.
وَبَنُو هَاشِمٍ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمْ نَوْعٌ مِنَ الْحُرُوبِ، وَقَدْ جَرَى (3) بَيْنَ بَنِي حَسَنٍ وَبَنِي حُسَيْنٍ مِنَ الْحُرُوبِ مَا يَجْرِي بَيْنَ أَمْثَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. وَالْحُرُوبُ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَيْنَ بَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ أَكْثَرُ مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ بَيْنَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ، لَا لِشَرَفِ نَسَبِ أُولَئِكَ إِذْ (4) نَسَبُ بَنِي هَاشِمٍ أَشْرَفُ، لَكِنْ لِأَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ هُوَ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، [ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ] (5) ، فَالْخَيْرُ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ أَكْثَرُ وَالشَّرُّ فِيمَا بَعْدَهَا أَكْثَرُ.
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ " الْمَعْصُومُونَ " مِنْ (و) .
(2) أَهْلِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) ، (ص) .
(3) أب: وَجَرَى.
(4) أ، ب: إِنَّ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .
(4/119)

وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ (1) الَّذِينَ لَمْ يَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلَمْ يُعَاوِنُوا ظَالِمًا، وَلَكِنْ يَذْكُرُونَ مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ عِلْمًا وَعَمَلًا بِالدَّلَائِلِ الْكَاشِفَةِ لِلْحَقِّ، فَلَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ أَنَّ (2) مَنْ شَبَّهَ مِثْلَ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ وَأَمْثَالِهِمْ، بِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ: إِنَّهُ لَمِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ. وَكَذَلِكَ مَنْ شَبَّهَ الْمُفِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَالْكَرَاجَكِيَّ (3) وَأَمْثَالَهُمَا بِمِثْلِ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ (4) الْبَصْرِيِّ: إِنَّهُ لَمِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ شُيُوخُ الْمُعْتَزِلَةِ، دَعْ مُحَمَّدَ بْنَ الْهَيْصَمِ (5) وَأَمْثَالَهُ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ وَأَمْثَالَهُ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، دَعْ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ (6) ، وَ [أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ بَطَّةَ (7) ، وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، [وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيِّ] (8) . وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ، وَأَبِي
_________
(1) ن، م: الْمَعْرِفَةِ وَالدِّينِ.
(2) أ، ب: أَنَّهُ.
(3) أ: الْمُقْتَدَيْنِ النُّعْمِيَّ وَالْكَرَاجِلِيَّ، ب: الْقَدَرِيَّيْنِ النَّغَمِيَّ وَالْكَرْجَكِيَّ، م: الْمُفِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَالْكَرَاخِيَّ.
(4) ن، ص: وَأَبِي الْحَسَنِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) أ، ص، ر، ن: مُحَمَّدَ بْنَ الْهَيْضَمِ، ب: مُحَمَّدَ بْنَ هَيْضَمٍ. وَسَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 2/285.
(6) وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(7) ن، م: وَابْنِ بَطَّةَ.
(8) وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) . وَفِي (أ) ، (ب) : وَأَبِي الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيِّ، وَفِي (هـ) ، (ص) : وَأَبِي الْحَسَنِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُدُورِيُّ، فَقِيهٌ حَنَفِيٌّ، تُوُفِّيَ فِي بَغْدَادَ سَنَةَ: 428. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/60 - 61، تَاجِ التَّرَاجِمِ لِابْنِ قُطْلُوبَغَا (ط. بَغْدَادَ، 1962) ص [0 - 9] ، الْأَعْلَامِ 1
(4/120)

الْحَسَنِ الدَّرَاقُطْنِيِّ، وَ [أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ مَنْدَهْ (1) ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ (2) ، وَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.
فَمَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ - عَلَى تَنَوُّعِهِمْ - إِلَّا إِذَا اعْتَبَرْتَهَا وَجَدْتَهَا (3) أَعْلَمَ وَأَعْدَلَ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، مِنْ طَائِفَةِ الرَّافِضَةِ (4) ، فَلَا يُوجَدُ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ مُعَاوَنَةُ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ فِي الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ، وَلَا يُوجَدُ فِي الشِّيعَةِ بَعْدُ [مَا] عَنْ (5) ظُلْمِ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ فِي هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ الْعِيَانُ وَالسَّمَاعُ، لِمَنْ لَهُ اعْتِبَارٌ وَنَظَرٌ. وَلَا يُوجَدُ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ لَا (6) أَكْذَبَ مِنْهُمْ، وَلَا أَظْلَمَ مِنْهُمْ، وَلَا أَجْهَلَ مِنْهُمْ. وَشُيُوخُهُمْ يُقِرُّونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، يَقُولُونَ: يَا أَهْلَ السُّنَّةِ أَنْتُمْ فِيكُمْ فُتُوَّةٌ لَوْ قَدَرْنَا عَلَيْكُمْ لَمَا عَامَلْنَاكُمْ (7) بِمَا تُعَامِلُونَا بِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْنَا.
_________
(1) ن، م: وَابْنِ مَنْدَهْ.
(2) أ، ب: وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ مَيْمُونٍ، ن: وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ شَمْعُونَ. وَهُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَنْبَسِ بْنِ سَمْعُونَ، زَاهِدٌ وَوَاعِظٌ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ: 300 وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ: 387، عَلَتْ شُهْرَتُهُ حَتَّى قِيلَ: " أَوْعَظُ مِنْ سَمْعُونَ ". انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ 2/155 - 162، صِفَةِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 2/266 - 269، الْأَعْلَامِ 6/204.
(3) أ، ب: إِلَّا إِذَا اعْتَبَرْتَهَا إِلَّا وَتَحَقَّقْتَهَا.
(4) أ، ب: الرَّوَافِضِ.
(5) أ، ب: عَدَلَ عَنْ. وَسَقَطَتْ " مَا " مِنْ (ن) .
(6) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(7) أ، ب: مَا عَامَلْنَاكُمْ، ص: لَعَامَلْنَاكُمْ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4/121)

الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ (1) : أَنْ يُقَالَ: هَذَا الشِّعْرُ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ [وَاسْتَحْسَنَهُ] (2) هُوَ قَوْلُ جَاهِلٍ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى قَبُولِ مَا رَوَى جَدُّهُمْ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي، بَلْ هُمْ يَقْبَلُونَ مُجَرَّدَ قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلَا يَسْأَلُونَهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وَإِنَّمَا سُمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ لِاتِّبَاعِهِمْ لِسُنَّتِهِ (3) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي [مَعْرِفَةِ] (4) مَا رَوَاهُ جَدُّهُمْ، فَهُمْ يَطْلُبُونَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ (5) الْعَلَوِيِّينَ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَفَادُوهُ مِنْهُ (6) ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَفَادُوهُ مِنْهُ] (7) .
وَأَمَّا مُجَرَّدُ كَوْنِ جَدِّهِمْ رَوَى عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ فَمَا يَصْنَعُ لَهُمْ (8) ؟ وَالنَّاسُ لَمْ يَأْخُذُوا قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا لِكَوْنِهِمْ يُسْنِدُونَ أَقْوَالَهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَتْبَعِهِمْ لِذَلِكَ، وَأَشَدِّهِمُ اجْتِهَادًا (9) فِي مَعْرِفَةِ [ذَلِكَ] وَاتِّبَاعِهِ (10) ، وَإِلَّا فَأَيُّ غَرَضٍ لِلنَّاسِ فِي تَعْظِيمِ مِثْلِ (11) هَؤُلَاءِ؟ .
_________
(1) ن، م، و: الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ.
(2) وَاسْتَحْسَنَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) أ، ب: سُنَّتَهُ.
(4) مَعْرِفَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) أَحَدٍ مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: مِنْهُمْ.
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) و، ر، ص، هـ: بِهِمْ.
(9) أ، ب: وَأَسَدِّ اجْتِهَادًا.
(10) ن، م: فِي مَعْرِفَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ.
(11) مِثْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/122)

وَعَامَّةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا هَؤُلَاءِ يَرْوِيهَا أَمْثَالُهُمْ، وَكَذَلِكَ عَامَّةٌ مَا يُجِيبُونَ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ يَقُولُهُ (1) أَمْثَالُهُمْ، وَلَا يَجْعَلُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَحْدَهُ (2) مَعْصُومًا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، بَلْ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تُشَاهِدُهُ فِي زَمَانِكَ مِنْ عِلْمِ (3) أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِمَا (4) ، وَأَنْتَ (5) تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَعْرِفُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا يَفْقَهُ مَعَانِيَ (6) ذَلِكَ.
فَإِذَا قَالَ هَذَا: رَوَى جَدُّنَا عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي. قِيلَ: نَعَمْ. وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا رَوَى جَدُّكُمْ عَنْ جِبْرِيلَ، وَأَنْتُمْ تَرْجِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِمْ. وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ تَعَلَّمَ (7) بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -[صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]- (8) مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ مِنْ غَيْرِ بَنِي
_________
(1) أ، ب: مِنَ الْمَسَائِلِ كَقَوْلِ. . .
(2) وَحْدَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) عِلْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(4) فِيهِمَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(5) ب (فَقَطْ) : فَإِنَّكَ.
(6) أ، ب: وَلَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ. .
(7) ن، م، و: قَدْ يَعْلَمُ، ب: قَدْ يَتَعَلَّمُ.
(8) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4/123)

هَاشِمٍ، كَانَ هَذَا مِنْ أَمَارَةِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا كَعِلْمِ أَمْثَالِهِمْ. فَبِمَنْ (1) يَأْتَمُّ النَّاسُ، وَعَمَّنْ يَأْخُذُونَ؟ عَمَّنْ يَعْرِفُ (2) مَا جَاءَ بِهِ جَدُّهُمْ أَوْ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ وَالْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدَ (3) أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ.
وَإِنْ قَالَ: مُرَادِي بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ. قِيلَ لَهُ: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَمْثَالُهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَدِّهِمْ، فَمَقْبُولٌ مِنْهُمْ كَمَا يَرْوِيهِ أَمْثَالُهُمْ. وَلَوْلَا أَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَدُوهُ عِنْدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، لَمَا عَدَلُوا عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ. وَإِلَّا فَأَيُّ غَرَضٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَكِلَاهُمَا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ، فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ؟ لَوْ وَجَدُوا عِنْدَ مُوسَى [بْنِ جَعْفَرٍ] (4) مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ مَا وَجَدُوهُ عِنْدَ مَالِكٍ - مَعَ كَمَالِ رَغْبَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعْرِفَةِ عِلْمِ الرَّسُولِ، وَنَفْسُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا يَسْتَفِيدُونَ عِلْمَ الرَّسُولِ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَفِيدُونَهُ مِنِ ابْنِ عَمِّهِمْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّ جَاءَ بَعْدَ مَالِكٍ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي أَشْيَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَا وَقَعَ، وَهُوَ أَقْرَبُ نَسَبًا
_________
(1) أ، ص، هـ: فَيمَنْ.
(2) ب (فَقَطْ) : أَيَأْخَذُونَ عَمَّنْ يَعْرِفُ. وَفِي (أ) : وَيَعْرِفُ. . . إِلَخْ.
(3) فَقَدَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(4) بْنِ جَعْفَرٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/124)

بِبَنِي هَاشِمٍ (* مِنْ مَالِكٍ (1) ، وَمِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَغَيْرِ [بَنِي عَمِّهِ] (2) - فَلَوْ وَجَدَ (3) عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ *) (4) أَعْظَمَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَ مَالِكٍ، لَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ مُسَارَعَةً إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذِ [الْعِلْمَ] (5) عَنْ أَحَدٍ أَعْلَمَ مِنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ مَشْحُونَةً بِالْأَخْذِ عَنْ هَذَيْنِ [الِاثْنَيْنِ] (6) وَعَنْ غَيْرِهِمَا (7) ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَأَمْثَالِهِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، عَلِمَ أَنَّ مَطْلُوبَهُ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ -[صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]- (8) كَانَ عِنْدَ مَالِكٍ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَدْ عُلِمَ كَمَالُ مَحَبَّتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِحَدِيثِهِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمُوَالَاتُهُ لِمَنْ يُوَافِقُهُ، وَمُعَادَاتُهُ لِمَنْ يُخَالِفُهُ، وَمَحَبَّتُهُ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَتَصْنِيفُهُ فِي فَضَائِلِهِمْ، حَتَّى صَنَّفَ " فَضَائِلَ (9) عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ " كَمَا صَنَّفَ " فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ (10) "، وَمَعَ
_________
(1) أ، ب: مِنْ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ مَالِكٍ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) ن: وَغَيْرِهِمْ.
(3) ن: فَلَوْ وَجَدُوا، أ، ب: وَلَوْ وَجَدَ.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)
(5) الْعِلْمَ: فِي (ر) فَقَطْ. وَفِي (ص) : لَمْ يَأْخُذْهُ.
(6) الِاثْنَيْنِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(7) أ، ب: وَغَيْرِهِمَا.
(8) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(9) ن، م: صَنَّفَ فِي فَضَائِلِ. . .
(10) م (فَقَطْ) : صَنَّفَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ. وَذَكَرَ سِزْكِينُ مِنْ كُتُبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الْمَخْطُوطَةِ " كِتَابَ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " وَمِنْ كُتُبِهِ الْأُخْرَى كِتَابَ " فَضَائِلِ عَلِيٍّ " انْظُرْ: تَارِيخَ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، م [0 - 9] ، ج [0 - 9] ، ص [0 - 9] 25، 226. وَقَدْ طُبِعَ كِتَابُ " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ ".
(4/125)

هَذَا فَكُتُبُهُ مَمْلُوءَةٌ بِعِلْمِ (1) مِثْلِ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ، دُونَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ. فَلَوْ وَجَدَ مَطْلُوبَهُ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ لَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ مَا لَيْسَ عِنْدَ أُولَئِكَ لَكِنْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِلنَّاسِ فِي عِلْمٍ يَكْتُمُونَهُ؟ (2) فَعِلْمٌ لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَكَيْفَ (3) يَأْتَمُّ النَّاسُ بِمَنْ لَا يُبَيِّنُ لَهُمُ الْعِلْمَ الْمَكْتُومَ، كَالْإِمَامِ الْمَعْدُومِ، وَكَلَاهُمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ.
وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانُوا يُبَيِّنُونَ (4) ذَلِكَ لِخَوَاصِّهِمْ دُونَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ. قِيلَ: أَوَّلًا: هَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ. وَقَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْهُ (5) هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، كَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشَاهِيرِ (6) الْأَعْيَانِ.
_________
(1) بِعِلْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، (أ) . وَفِي (ب) : مَمْلُوءَةٌ عَنْ مِثْلِ مَالِكٍ. . . إِلَخْ.
(2) أ، ب: فِي عِلْمٍ مَكْتُومٍ.
(3) أ، ب، ر: فَكَيْفَ.
(4) أ: يُثْبِتُوا، ب: يُثْبِتُونَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5) أ، ب، هـ، ر، ص: عَنْ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(6) ن، م: الْمَشْهُورِينَ.
(4/126)

ثُمَّ مَنْ ظَنِّ بِهَؤُلَاءِ السَّادَةِ أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ عِلْمَهُمْ (1) عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، وَيَخُصُّونَ بِهِ قَوْمًا مَجْهُولِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِهِمْ، فَإِنَّ فِي هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَالطَّاعَةِ لَهُ وَالرَّغْبَةِ فِي حِفْظِ دِينِهِ وَتَبْلِيغِهِ وَمُوَالَاةِ مَنْ وَالَاهُ وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ وَصِيَانَتِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا لَا يُوجَدُ قَرِيبٌ مِنْهُ لِأَحَدٍ مِنْ شُيُوخِ الشِّيعَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ لِمَنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَاعْتَبِرْ هَذَا مِمَّا تَجِدُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ شُيُوخِ السُّنَّةِ وَشُيُوخِ الرَّافِضَةِ، كَمُصَنِّفِ هَذَا الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ أَفْضَلُهُمْ فِي زَمَانِهِ، بَلْ يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي جِنْسِ الْعُلُومِ مُطْلَقًا. وَمَعَ هَذَا فَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، فَيَرْوِي الْكَذِبَ (2) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَذِبٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ كَذِبٌ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ (3) يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (4) " وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قِيلَ:
_________
(1) أ، ب: الْعِلْمَ.
(2) ر، هـ، ص: فَيَرْوِي الْحَدِيثَ.
(3) وَهُوَ: لَيْسَتْ فِي (ص) .
(4) أ، ب، م: الْكَذَّابِينَ. وَالْحَدِيثُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: مُسْلِمٍ 1/9 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/143 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ مَنْ رَوَى حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/14 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/20، وَانْظُرْ شَرْحَ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ 1/62 - 64.
(4/127)

فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ
(* وَأَمَّا الْأَبْيَاتُ الَّتِي أَنْشَدَهَا فَقَدْ قِيلَ فِي مُعَارَضَتِهَا:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَرْضَى لِنَفْسِكَ مَذْهَبًا ... تَنَالُ بِهِ الزُّلْفَى وَتَنْجُو مِنَ النَّارِ
فَدِنْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالسُّنَّةِ (1) الَّتِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ نَقْلِ أَخْيَارِ (2) وَدَعْ عَنْكَ دِينَ الرَّفْضِ (3) وَالْبِدَعِ الَّتِي
يَقُودُكَ دَاعِيهَا إِلَى النَّارِ وَالْعَارِ
وَسِرْ خَلْفَ أَصْحَابِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُمْ ... نُجُومُ هُدًى فِي ضَوْئِهَا يَهْتَدِي السَّارِي
وَعُجْ عَنْ طَرِيقِ الرَّفْضِ فَهْوَ مُؤَسَّسٌ ... عَلَى الْكُفْرِ تَأْسِيسًا عَلَى جَرُفٍ هَارِ
هُمَا خُطَّتَا (4) : إِمَّا هُدًى وَسَعَادَةٌ ... وَإِمَّا شَقَاءٌ مَعْ ضَلَالَةِ كُفَّارِ
فَأَيُّ فَرِيقَيْنَا (5) أَحَقُّ بِأَمْنِهِ ... وَأَهْدَى سَبِيلًا عِنْدَ مَا يَحْكُمُ الْبَارِي
أَمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ وَخَالَفَ الْـ ... كِتَابَ وَلَمْ يَعْبَا بِثَابِتِ أَخْبَارِ (6) أَمِ الْمُقْتَدِي بِالْوَحْيِ يَسْلُكُ مَنْهَجَ الـ صَّحَابَةِ مَعْ حُبِّ الْقَرَابَةِ الَاطْهَارِ (7) *) (8)
_________
(1) ص: وَالسُّنَنِ.
(2) أَخْيَارِ: كَذَا فِي (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْأَخْيَارِ.
(3) أ، ب: دَاعِ الرَّفْضِ.
(4) ب (فَقَطْ) : هُمَا خُطَّتَانِ.
(5) ر، هـ: طَرِيقَيْنَا، ص: الطَّرِيقَيْنِ.
(6) أَخْبَارِ. كَذَا فِي (ص) ، (ر) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْأَخْبَارِ.
(7) ص: قَرَابَةٍ أَطْهَارِ.
(8) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(4/128)

[كلام الرافضي على اختيار الناس لمذهب أهل السنة طلبا للدنيا والرد عليه]
فَصْلٌ (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنَ الْمُحَصِّلِينَ (3) وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَاخْتَارَ (4) غَيْرَ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ بَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ طَلَبًا لِلدُّنْيَا؛ حَيْثُ وُضِعَتْ لَهُمُ الْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَالْأَوْقَافُ حَتَّى تَسْتَمِرَّ (5) لِبَنِي الْعَبَّاسِ الدَّعْوَةُ وَيُشِيدُوا (6) لِلْعَامَّةِ اعْتِقَادَ إِمَامَتِهِمْ ".
فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ (7) لَا يَقُولُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَوْ مَنْ (8) هُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَذِبًا وَعِنَادًا، وَبُطْلَانُهُ (9) ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى الْمَدَارِسُ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، فَإِنَّ الْمَدَارِسَ إِنَّمَا بُنِيَتْ فِي بَغْدَادَ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ: بُنِيَتِ النِّظَامِيَّةُ فِي حُدُودِ السِّتِّينَ وَالْأَرْبَعِمِائَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ (10) . وَالْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ طَبَقَتِ الْمَشْرِقَ
_________
(1) ص، ر، هـ: الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ.
(2) فِي (ك) ص [0 - 9] 07 (م) .
(3) ن، أ: مِنَ الْمُخْلِصِينَ.
(4) ك: فَاخْتَارَ.
(5) ك: حِينَ تَسْتَمِرُّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(6) ك: وَيُشِيدُ.
(7) أ، ب: كَلَامٌ.
(8) أ، ب: وَمَنْ.
(9) ن: وَسُلْطَانُهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(10) يَقُولُ ابْنُ خِلِّكَانَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُلَقَّبِ بِنِظَامِ الْمُلْكِ (وَفِيَّاتِ الْأَعْيَانِ 1/396: " وَشَرَعَ فِي عِمَارَةِ مَدْرَسَتِهِ بِبَغْدَادَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ لِيُدَرِّسَ بِهَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. . . " وَانْظُرِ: الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ لِابْنِ كَثِيرٍ 12/140؛ الْكَامِلَ لِابْنِ الْأَثِيرِ 10؛ الْمُنْتَظِمَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 9/65 - 66 وَفِيهِ (وَفِي كِتَابٍ شَرَطَهَا أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَصْلًا. . .)
(4/129)

وَالْمَغْرِبَ (1) وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَدْرَسَةٌ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْغَرْبِ (2) لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُمْ وَلَدُ الْعَبَّاسِ.
ثُمَّ السُّنَّةُ كَانَتْ قَبْلَ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَظْهَرَ مِنْهَا وَأَقْوَى فِي دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ دَخَلَ فِي دَوْلَتِهِمْ كَثِيرٌ (3) مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. ثُمَّ إِنَّ (4) أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَخْتَصُّ بِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنَّهُ لَوْ تَوَلَّاهَا بَعْضُ الْعَلَوِيِّينَ أَوِ الْأُمَوِيِّينَ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ جَازَ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مُدَاهَنَةِ الْمُلُوكِ أَوْ مُقَارَبَتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ (5) أَهْلَ السُّنَّةِ إِنَّمَا يُعَظِّمُونَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ.
ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ أَحَدٌ (6) رَافِضِيٌّ، بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَجْهِيلِ الرَّافِضَةِ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَكُتُبُهُمْ كُلُّهَا
_________
(1) ن، م، ص، ر، هـ: الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ.
(2) فِي الْغَرْبِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بِالْغَرْبِ.
(3) أ، ب: فَإِنَّ دَوْلَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ دَخَلَ فِيهَا كَثِيرٌ. . .
(4) إِنَّ: فِي (ن) فَقَطْ.
(5) إِنَّ: فِي (ن) فَقَطْ.
(6) ن، م، و: وَاحِدٌ.
(4/130)

شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وَهَذِهِ كُتُبُ الطَّوَائِفِ كُلُّهَا تَنْطِقُ (1) بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يُلْجِئُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الرَّافِضَةِ، وَذِكْرِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ.
وَهُمْ دَائِمًا يَذْكُرُونَ مِنْ جَهْلِ الرَّافِضَةِ وَضَلَالِهِمْ مَا يُعْلَمُ مَعَهُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّافِضَةَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ، وَأَبْعَدِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهُدَى. كَيْفَ (2) . وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ قَدْ جَمَعَ عَظَائِمَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ، فَإِنَّهُمْ جَهْمِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ رَافِضَةٌ (3) . وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ فِي ذَمِّ كُلِّ (4) صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ، وَالْكُتُبُ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ، كَكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ شَرٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالْمُرْجِئَةِ (5) وَالْحَرُورِيَّةِ.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِي وَتَطَلُّعِي إِلَى مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ النَّاسِ [وَمَذَاهِبِهِمْ] (6) مَا عَلِمْتُ رَجُلًا لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ يَتَّهِمُ (7) بِمَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ (8) يَعْتَقِدُهُ فِي الْبَاطِنِ.
وَقَدِ اتُّهِمَ بِمَذْهَبِ الزَّيْدِيَّةِ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَكَانَ فَقِيهًا
_________
(1) أ، ب: تَشْهَدُ.
(2) كَيْفَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)
(3) أ، ب: رَافِضِيَّةٌ.
(4) كُلِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: وَالْمُرْجِئَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(6) وَمَذَاهِبِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) أ: مِنْهُمْ؛ ب: مُتَّهَمًا.
(8) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/131)

صَالِحًا (1) زَاهِدًا (2) ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ (3) أَحَدٌ عَنْهُ (4) : إِنَّهُ طَعَنَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَشُكَّ فِي إِمَامَتِهِمَا. وَاتُّهِمَ (5) طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ الْأُولَى (* بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ (6) ، وَلَمْ يُتَّهَمْ أَحَدٌ مِنَ الشِّيعَةِ الْأُولَى بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَلْ كَانَتْ عَامَّةُ الشِّيعَةِ الْأُولَى *) (7) الَّذِينَ يُحِبُّونَ عَلِيًّا يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ (8) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَكِنْ كَانَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ تُرَجِّحُهُ (9) عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ النَّاسُ فِي الْفِتْنَةِ صَارُوا شِيعَتَيْنِ: شِيعَةً عُثْمَانِيَّةً، وَشِيعَةً عَلَوِيَّةً. وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى عُثْمَانَ، بَلْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُفَضِّلُ عُثْمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
_________
(1) صَالِحًا: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) .
(2) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الْهَمْدَانِيُّ الثَّوْرِيُّ الْكُوفِيُّ، كَانَ فَقِيهًا مُحَدِّثًا مُتَكَلِّمًا، وَهُوَ رَأْسُ فِرْقَةِ الصَّالِحِيَّةِ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، وَقَوْلُهَا وَفِرْقَةُ الْبُتْرِيَّةِ أَصْحَابُ كَثِيرِ النَّوَى الْأَبْتَرِ قَوْلٌ وَاحِدٌ. وُلِدَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ سَنَةَ 100 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 168 وَجَعَلَهُمَا الْأَشْعَرِيُّ فِرْقَةً وَاحِدَةً سَمَّاهَا الْبُتْرِيَّةَ، وَيَقُولُ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ: " يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ، وَأَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لَيْسَتْ بِخَطَأٍ، لِأَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَيَقِفُونَ فِي عُثْمَانَ وَفِي قَتَلَتِهِ، وَلَا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ بِإِكْفَارٍ ". انْظُرْ عَنْهُ وَعَنْ آرَائِهِ: تَهْذِيبَ التَّهْذِيبِ 2/285 - 289؛ مِيزَانَ الِاعْتِدَالِ 1/496 - 499؛ الْأَعْلَامَ 2/208؛ مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/136 - 138؛ الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/142 - 143 الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص [0 - 9] 4 - 25.
(3) وَلَمْ يَنْقُلْ: كَذَا فِي (ن) ، (م) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَلَمْ يَقُلْ.
(4) عَنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) ن، م، أ، ب: وَأَنَّهُمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(6) عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ: كَذَا فِي (ص) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ.
(7) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: وَيُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(9) أ، ب: يُرَجِّحُونَهُ.
(4/132)

[كلام الرافضي على تدين بعض أهل السنة بمذهب الإمامية في الباطن والرد عليه]
فَصْلٌ (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْنَا مَنْ يَتَدَيَّنُ فِي الْبَاطِنِ بِمَذْهَبِ (3) الْإِمَامِيَّةِ، وَيَمْنَعُهُ عَنْ إِظْهَارِهِ حُبُّ الدُّنْيَا وَطَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ يَقُولُ: إِنِّي عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَ (4) تَدْرُسُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي مَذْهَبِكُمُ الْبَغْلَاتُ وَالْمُشَاهَرَاتُ. وَكَانَ أَكْبَرُ مُدَرِّسِي (5) الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِنَا حَيْثُ تُوُفِّيَ أَوْصَى أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ فِي غَسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ (6) وَأَنْ يُدْفَنَ فِي مَشْهَدِ مَوْلَانَا الْكَاظِمِ، وَأَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْنَا " هَذَا كَذِبٌ (7) ، بَلْ قَدْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيٌّ، كَمَا يُوجَدُ فِي الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ مُنَافِقٌ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ لَمَّا كَانُوا مِنْ جِنْسِ الْمُنَافِقِينَ يُخْفُونَ أَمْرَهُمُ احْتَاجُوا أَنْ يَتَظَاهَرُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ (8) ، كَمَا احْتَاجَ الْمُنَافِقُونَ (9) أَنْ يَتَظَاهَرُوا بِغَيْرِ الْكُفْرِ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا فِيمَنْ هُوَ
_________
(1) ص، ر، هـ: الْفَصْلُ الْخَامِسُ.
(2) فِي (ك) ص [0 - 9] 07 (م) .
(3) أ، ب: بِدِينِ.
(4) ك: فَلِمَ.
(5) ك، هـ: مُدَرِّسِ.
(6) ب (فَقَطْ) : بَعْضُ الْإِمَامِيَّةِ.
(7) ن، م: قَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا كَثِيرٌ، كَذِبٌ. وَسَقَطَتْ " هَذَا " مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: أَنْ يُظْهِرُوا غَيْرَ ذَلِكَ.
(9) الْمُنَافِقُونَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْمُنَافِقُ.
(4/133)

جَاهِلٌ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ كَيْفَ كَانَ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيًّا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيًّا إِلَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ، أَوْ جَاهِلٌ بِالْإِسْلَامِ كَيْفَ كَانَ، [مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ] (1) .
وَالْحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمُدَرِّسِينَ ذَكَرَ لِي بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا كَذِبٌ مُفْتَرًى، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُدَرِّسِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ هُوَ زِنْدِيقٌ مُلْحِدٌ مَارِقٌ مِنَ الْإِسْلَامِ (2) ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَافِضِيًّا. وَمَنِ اسْتَدَلَّ بِزَنْدَقَةِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ زَنَادِقَةٌ، كَانَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، كَذَلِكَ (3) مَنِ اسْتَدَلَّ بِرَفْضِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْبَاطِنِ.
وَلَوْ كُشِفَ لَنَا عَنِ اسْمِ هَذَا الْمُدَرِّسِ وَهَذَا الْمُدَرِّسِ لَبَيَّنَّا مِنْ جَهْلِهِ (4) مَا يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ حَالِهِ (5) . وَهَلْ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِ الرَّجُلِ تَوَلَّى التَّدْرِيسَ فِي مِثْلِ دَوْلَةِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ، أَوِ الْحَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُدَرِّسِ وَدِيَانَتِهِ، حَتَّى يُجْعَلَ لَهُ قَوْلٌ؟ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ (6) كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَوَلَّى التَّدْرِيسَ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) عِبَارَةُ " مِنَ الْإِسْلَامِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) ب (فَقَطْ) : وَكَذَلِكَ.
(4) أ، ب: مِنْ جَهْلِهِمَا.
(5) ن، م، وَ: حُكْمِهِ.
(6) ب (فَقَطْ) : مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّ. .
(4/134)

بِجَاهِ الظَّلَمَةِ الْجُهَّالِ (1) يَكُونُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَظْلَمِهِمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُلَمَاءِ مَا اشْتَهَرَ مِنْ عِلْمِهُمْ عِنْدَ النَّاسِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ آثَارِ كَلَامِهِمْ وَكُتُبِهِمْ. فَهَلْ عَرَفَ أَحَدٌ (2) مِنْ فُضَلَاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَ [أَصْحَابِ] مَالِكٍ (3) كَانَ رَافِضِيًّا؟ أَمْ يَعْلَمُ (4) بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ كُلَّ فَاضِلٍ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ (5) مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِنْكَارًا لِلرَّفْضِ. وَقَدِ اتُّهِمَ طَائِفَةٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ بِالْمَيْلِ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الِاعْتِزَالِ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اتُّهِمَ بِالرَّفْضِ (6) ، لِبُعْدِ الرَّفْضِ (7) عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَقْوَالُهُمْ مُتَضَمِّنَةً (8) لِبِدَعٍ مُنْكَرَةٍ، فَإِنَّ فِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ (9) وَالدِّينِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالرَّدِّ عَلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ عَنِ الْإِسْلَامِ [مِنْهُمْ] (10) مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْمَلَاحِدَةِ، بَلْ وَمِنَ الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ مَا أَوْجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِمْ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِنِ انْتَسَبُوا (11) إِلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ
_________
(1) ر: الظَّلَمَةِ الْكُفَّارِ الْجُهَّالِ. .
(2) ر: وَاحِدٌ.
(3) ن، م: وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ.
(4) ن، م: إِنَّهُ يَعْلَمُ؛ ص: لَمْ يُعْلَمْ. .
(5) فَإِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْهُمُ اتُّهِمَ بِالرَّفْضِ.
(7) ن، م: الرَّافِضَةِ.
(8) مُتَضَمِّنَةً: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(9) ن، م: الْعَدْلِ.
(10) مِنْهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(11) أ، ب: الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَانْتَسَبُوا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/135)

الطَّوَائِفِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ مِنَ الْمُظْهِرِينَ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ بَاطِنًا (1) فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، أَوْ زِنْدِيقًا مُلْحِدًا.

[كلام الرَّافِضِيُّ على وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ]
فَصْلٌ (2) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا (4) إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ (5) ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ (6) ، وَهُمَا (7) إِمَامَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ تَسْطِيحَ الْقُبُورِ هُوَ الْمَشْرُوعُ، لَكِنْ لَمَّا جَعَلَتْهُ الرَّافِضَةُ شِعَارًا لَهُمْ (8) عَدَلْنَا عَنْهُ إِلَى التَّسْنِيمِ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ،
_________
(1) أ، ب: بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَسَقَطَتْ عِبَارَةُ " بَاطِنًا وَظَاهِرًا " مِنْ (هـ) ، (ص) ، (ر) .
(2) هـ، ص، ر: الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ. وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ " فَصْلٌ " مِنْ (ن) ، (م) .
(3) فِي (ك) ص [0 - 9] 08 (م) .
(4) ك: الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ لَمْ يَذْهَبُوا.
(5) عِبَارَةُ " بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ ": لَيْسَتْ فِي (ك) .
(6) وَالْمَاوَرْدِيُّ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي (ك) : وَالْمُتَوَكِّلُ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْمُبَرِّدِ. وَالْمُبَرِّدُ هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْأَكْثَرِ الثُّمَالِيُّ الْأَزْدِيُّ إِمَامٌ فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَالنَّحْوِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَخَاصَّةً فِي الْفِقْهِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ وُلِدَ عَامَ 210 وَتُوُفِّيَ عَامَ 286 (انْظُرِ الْأَعْلَامَ 8/15) ، فَمَا فِي النُّسَخِ الْمُخْتَلِفَةِ تَحْرِيفٌ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا مَا فِي (ك) - أَعَنَى: الْمُتَوَكِّلَ - فَلَمْ أَجِدْهُ فِي فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ. وَمَا اخْتَارَهُ مُحَقِّقُ (ب) وَهُوَ الْمَاوَرْدِيُّ، جَائِزٌ؛ إِذْ إِنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْمَاوَرْدِيُّ، وُلِدَ عَامَ 364 وَتُوُفِّيَ عَامَ 450 لَهُ كِتَابُ " الْحَاوِي " فِي فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ: نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا، وَكَانَ أَقْضَى قُضَاةِ عَصْرِهِ، وَلَهُ " الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ " وَهُوَ مَطْبُوعٌ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 5/267 - 285؛ الْأَعْلَامِ 5/146 - 147.
(7) ك: وَكَانَا.
(8) ص: ذَلِكَ شِعَارًا فِي. . .
(4/136)

وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 42] أَنَّهُ يَجُوزُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُصَلَّى عَلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَمَّا اتَّخَذَتِ الرَّافِضَةُ ذَلِكَ فِي (1) أَئِمَّتِهِمْ مَنَعْنَاهُ، وَقَالَ مُصَنِّفُ " الْهِدَايَةِ " مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْمَشْرُوعَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ (2) ، وَلَكِنْ لَمَّا اتَّخَذَتْهُ الرَّافِضَةُ جَعَلْنَا التَّخَتُّمَ فِي (3) فِي الْيَسَارِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. فَانْظُرْ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُ الشَّرِيعَةَ وَيُبَدِّلُ الْأَحْكَامَ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّصُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (4) وَيَذْهَبُ إِلَى ضِدِّ الصَّوَابِ مُعَانَدَةً لِقَوْمٍ [مُعَيَّنِينَ] (5) ، فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَالْمَصِيرُ إِلَى أَقْوَالِهِ (6) ؟ ".

وَالْجَوَابُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ بِالرَّافِضَةِ أَلْصَقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ بُرَآءٌ مِنْ هَذَا.
أَمَّا الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فَيُقَالُ: لَا نَعْلَمُ طَائِفَةً أَعْظَمَ تَعَصُّبًا فِي الْبَاطِلِ مِنَ الرَّافِضَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ دُونَ سَائِرِ الطَّوَائِفِ عُرِفَ مِنْهُمْ شَهَادَةُ الزُّورِ لِمُوَافِقِهِمْ
_________
(1) ص: ذَلِكَ شِعَارًا فِي. . .
(2) ك: بِالْيَمِينِ.
(3) أ، ب: جَعَلْنَاهُ فِي. .
(4) أ، ب، م: وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ و، ن، ر، هـ: وَرَدَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ك: وَرَدَ بِهَا أَخْبَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. وَمَا أَثْبَتَهُ عَنْ (ص) .
(5) مُعَيَّنِينَ: فِي (ك) ، (ب) فَقَطْ، وَسَقَطَتْ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ.
(6) ن، م، ص، هـ، ر، و: قَوْلِهِ.
(4/137)

عَلَى مُخَالِفِهِمْ، وَلَيْسَ فِي التَّعَصُّبِ أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ، وَحَتَّى أَنَّهُمْ فِي التَّعَصُّبِ جَعَلُوا لِلْبِنْتِ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ، لِيَقُولُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَرِثَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (1) ، وَحَتَّى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ حَرَّمَ لَحْمَ الْجَمَلِ (2) ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَاتَلَتْ عَلَى جَمَلٍ، فَخَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةَ لِأَمْرٍ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ (3) ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْجَمَلَ الَّذِي رَكِبَتْهُ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] (4) مَاتَ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ حَيٌّ فَرُكُوبُ الْكُفَّارِ عَلَى الْجِمَالِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا، وَمَا زَالَ الْكُفَّارُ يَرْكَبُونَ جِمَالًا (5) وَيَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، وَلَحْمُهَا حَلَالٌ لَهُمْ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي رُكُوبِ عَائِشَةَ لِلْجَمَلِ مِمَّا (6) يُوجِبُ تَحْرِيمَ لَحْمِهِ؟ .
وَغَايَةُ مَا يَفْرِضُونَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا رَكِبَ جَمَلًا (7) ، مَعَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ مُفْتَرُونَ فِيمَا يَرْمُونَ بِهِ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ (8) " الْعَشَرَةِ " بَلْ يَقُولُونَ: تِسْعَةٌ وَوَاحِدٌ. وَإِذَا بَنَوْا أَعْمِدَةً أَوْ غَيْرَهَا لَا يَجْعَلُونَهَا عَشَرَةً، وَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ.
_________
(1) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) ص، هـ، ر: حَرَّمَ أَكْلَ لَحْمِ الْجَمَلِ.
(3) ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(4) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: الْجِمَالَ.
(6) ن، م، ر، ص، هـ، أ: مَا: وَسَقَطَتْ مِنْ (ب) . وَمَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (و) . وَفِي (ص) : فَلَيْسَ رُكُوبُ عَائِشَةَ لِلْجَمَلِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ لَحْمِهِ.
(7) ن، م، ر، ص، هـ: الْجَمَلَ.
(8) ن، م: لَا يَذْكُرُونَ فِي أَبْنِيَتِهِمْ.
(4/138)

مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ قَدْ جَاءَ بِذِكْرِ " الْعَشَرَةِ " وَ " الْعَشْرِ " (1) فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 196] ، وَقَالَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 234] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: 142] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْفَجْرِ - وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [سُورَةِ الْفَجْرِ: 1، 2] .
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْمَ " الْعَشَرَةِ " فِي مَوَاضِعَ مَحْمُودَةٍ. وَذَكَرَ اسْمَ " التِّسْعَةِ " فِي مَوْضِعٍ مَذْمُومٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [سُورَةِ النَّمْلِ: 48] .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» " (2) . وَكَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ: " «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ» " (3) فَإِذَا كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِاسْمِ " الْعَشَرَةِ " وَعَلَّقَ بِهَذَا
_________
(1) وَالْعَشْرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 3/47 (كِتَابٌ فِي فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. . .) ؛ مُسْلِمٍ 2/828 (كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. . .) ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/144 (كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) . وَجَاءَ الْحَدِيثُ غَيْرَ مَوْصُولٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي: الْمُوَطَّأِ 1/319 (كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) .
(3) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ - فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/129 (كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ". وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/550 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ صِيَامِ الْعَشْرِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 3/298 وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر: " إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، كَمَا فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ 2: 124 "، 5/54. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبُخَارِيِّ تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ وَهُوَ فِيهِ 2/20 (كِتَابُ الْعِيدَيْنِ، بَابُ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) . وَانْظُرْ فَتْحَ الْبَارِي 2/457 - 458.
(4/139)

[الْعَدَدِ] (1) أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً مَحْمُودَةً، كَانَ نُفُورُهُمْ عَنِ التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ تَسَمَّى بِهِ (2) عَشَرَةٌ مِنَ النَّاسِ يُبْغِضُونَهُمْ غَايَةَ الْجَهْلِ وَالتَّعَصُّبِ.
ثُمَّ قَوْلُهُمْ: تِسْعَةٌ وَوَاحِدَةٌ، هُوَ مَعْنَى الْعَشَرَةِ مَعَ طُولِ الْعِبَارَةِ. وَإِذَا (3) كَانَ اسْمُ الْعَشَرَةِ أَوِ التِّسْعَةِ أَوِ السَّبْعَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَعْدُودٍ بِهَذَا الْعَدَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ النَّاسِ أَوِ الدَّوَابِّ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، وَبَعْضُ الْمَعْدُودَاتِ يَكُونُ مَحْمُودًا، وَبَعْضُهَا يَكُونُ مَذْمُومًا، فَنُفُورُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الْأَعْدَادِ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ (4) ، وَإِنَّمَا هُوَ كَنُفُورِهِمْ عَنِ التَّكَلُّمِ بِأَسْمَاءِ قَوْمٍ يُبْغِضُونَهُمْ، كَمَا يَنْفِرُونَ عَمَّنِ اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ [وَعُثْمَانُ] (5) لِبُغْضِهِمْ لِشَخْصٍ كَانَ اسْمُهُ هَذَا الِاسْمَ.
وَقَدْ كَانَ مِنَ (6) الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَنْ هُوَ مُسَمًّى بِأَسْمَاءٍ تُسَمَّى بِهَا (7) بَعْضُ الْكُفَّارِ كَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى
_________
(1) الْعَدَدِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) أ، ب: سُمِّيَ بِهِ.
(3) أ، ب: وَإِنْ.
(4) ب (فَقَطْ) : غَايَةٌ فِي الْجَهْلِ.
(5) وَعُثْمَانُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) أ، ب: فِي.
(7) أ، ب: يُسَمَّى بِهَا؛ ص: يَتَسَمَّى بِهَا.
(4/140)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ [إِذَا قَنَتَ] (1) : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَنْجِ سَلَمَةَ (2) بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» " (3) .
وَهَذَا الْوَلِيدُ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَأَبُوهُ الْوَلِيدُ كَافِرٌ شَقِيٌّ، وَكَذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ وَأُتِينَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابَ (4) ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا (5) فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ لَنَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» (6) ".
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَفِي الْكُفَّارِ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ قُتِلَ هُوَ وَأَبُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرَيْنِ. وَفِي الصَّحَابَةِ
_________
(1) إِذَا قَنَتَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) أ، ب: وَسَلَمَةَ؛ ن، م: وَنَجِّ سَلَمَةَ؛ ص: اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ.
(3) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 6/48 - 49 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بَابُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ. .) ، 9/19 - 20 (كِتَابُ الْإِكْرَاهِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ؛ مُسْلِمٍ 1/466 - 468 (كِتَابُ الْمَسَاجِدِ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ. . .) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/92 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَوَاتِ) .
(4) أ: ابْنِ طَاطَ؛ ب: مِنْ طَابَ.
(5) ب: بِالرِّفْعَةِ.
(6) الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 4/1779 (كِتَابُ الرُّؤْيَا، بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ الْمُحَقِّقُ: " بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الرُّطَبِ مَعْرُوفٌ. . . وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى ابْنِ طَابَ، رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/418 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/286.
(4/141)

كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ شَاعِرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرُهُ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ (1) الْأَشْرَفِ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ (2) حَتَّى نَدَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَتْلِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابَهُ (3) . وَفِي الصَّحَابَةِ «أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (4) الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} » [سُورَةِ الْبَيِّنَةِ: 1] (5) يَعْنِي قِرَاءَةَ (6) تَبْلِيغٍ لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ (7) . وَفِي الْمُشْرِكِينَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ قَتَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ [أَحَدًا] (8) غَيْرَهُ، وَقَالَ: " «إِنَّ (9) مِنْ أَشَدِّ
_________
(1) بْنُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: آذَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(3) خَبَرُ مَقْتَلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي شَبَّبَ بِأُمِّ الْفَضْلِ زَوْجِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَرَّضَ الْكُفَّارَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ. 3/54، 61 وَفِيهَا (58) : " فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكَانَ أَخَا كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ ".
(4) أ، ب: وَفِي الصَّحَابَةِ: كَعْبٌ.
(5) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 6/175 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ لَمْ يَكُنْ) وَسَاقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ نَصُّ أَوَّلِهَا: ". . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَيٍّ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) ". قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: " نَعَمْ "، فَبَكَى.
(6) أ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ يَعْنِي: لَمْ يَكُنْ، قِرَاءَةٌ، ب: أَقْرَأُ عَلَيْكَ يَعْنِي قِرَاءَةً؛ هـ، ر، ص،: أَقْرَأُ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنْ يَعْنِي قِرَاءَةً؛ وَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنْ قِرَاءَةٌ.
(7) أ، ب: تَعْلِيمٍ.
(8) أَحَدًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ن) ، (م) ، (و) .
(9) إِنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/142)

النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ» " (1) . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
[وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ] (2) ، وَقَدْ سَمَّى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ابْنَيْهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ (3) .
فَفِي الْجُمْلَةِ أَسْمَاءُ الْأَعْلَامِ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، كَمَا تُسَمِّي الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَالْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ بِذَلِكَ أَيْضًا، فَلَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الْكَافِرِ بِاسْمٍ مَا يُوجِبُ هِجْرَانَ ذَلِكَ الِاسْمِ (4) ، [فَلَوْ فُرِضَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - أَنَّ هَؤُلَاءِ كُفَّارٌ، كَمَا يَقُولُ الْمُفْتَرُونَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ (5) - لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ هِجْرَانَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ] (6) ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّعَصُّبِ وَالْجَهْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَكْرَهُونَ هَذَا الِاسْمَ لِأَنَّ الْمُسَمًّى بِهِ يَكُونُ سُنِّيًّا.
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 5/322 333 بِلَفْظِ: " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ ". وَحَسَّنَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 1/335، وَقَالَ عَنْهُ فِي " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ " 1/136 137 (رَقْمَ 281) إِنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ وَالْهَيْثَمِيَّ فِي: مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(3) ذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي " الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ " 2/333 أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ " كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا وَثَمَانِ عَشْرَةَ أُنْثَى " وَذَكَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ: " أَبُو بَكْرٍ: قُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ. . . وَالْعَبَّاسُ الْأَكْبَرُ وَعُثْمَانُ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ: قُتِلُوا مَعَ الْحُسَيْنِ أَيْضًا، أُمُّهُمْ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ حِزَامِ بْنِ خَالِدٍ. . . وَعُمَرُ الْأَكْبَرُ أُمُّهُ أُمُّ حَبِيبٍ الصَّهْبَاءُ التَّغْلِبِيَّةُ. . ".
(4) ن، م: هِجْرَانَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ.
(5) عِبَارَةُ " لَعَنَهُمُ اللَّهُ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/143)

قِيلَ: فَهُمْ قَدْ يَعْرِفُونَ (1) مَذْهَبَ الرَّجُلِ وَلَا يُخَاطِبُونَهُ بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ، مُبَالَغَةً فِي هِجْرَانِ هَذَا الِاسْمِ. وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا وَجَدُوا مُسَمًّى بِعَلِيٍّ أَوْ جَعْفَرٍ أَوِ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ بَادَرُوا إِلَى إِكْرَامِهِ (2) ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فَاسِقًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ سُنِّيًّا، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُسَمُّونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ. كُلُّ هَذَا مِنَ التَّعَصُّبِ وَالْجَهْلِ، وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ وَجَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يُبْغِضُونَ بَنِي أُمَيَّةَ كُلَّهُمْ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كَانَ مِمَّنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا.
وَقَدْ كَانَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ قَوْمٌ صَالِحُونَ مَاتُوا قَبْلَ الْفِتْنَةِ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ أَكْثَرَ الْقَبَائِلِ عُمَّالًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ (3) ، وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (4) بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَخَوَيْهِ (5) أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ (6) وَسَعِيدَ بْنَ سَعِيدٍ عَلَى أَعْمَالٍ أُخَرَ (7) ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ
_________
(1) أ، ب: قَدْ عَرَفُوا.
(2) ن، م: إِلَى كَرَامَتِهِ.
(3) فِي " سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ " 4/83: ". . . وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى مَكَّةَ، أَمِيرًا عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى وَجْهِهِ يُرِيدُ لِقَاءَ هَوَازِنَ ". وَجَاءَ فِي النُّسَخِ: عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ خَطَأٌ. انْظُرِ: الْإِصَابَةَ 2/444.
(4) أ، ب: بْنِ أَبِي الْعَاصِ، هُوَ خَطَأٌ.
(5) ن، م، و،: وَأَخَاهُ.
(6) بْنَ سَعِيدٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) فِي " سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ " 5/229 أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمُذْحَجٍ كُلِّهَا. وَفِي الْإِصَابَةِ 1/24: " وَفِي الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ. . . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ". وَفِي " الْإِصَابَةِ " 2/45 عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: " وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُوقِ مَكَّةَ ". .
(4/144)

حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى نَجْرَانَ أَوِ ابْنَهُ (1) يَزِيدَ، وَمَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا (2) ، وَصَاهَرَ [نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (3) بِبَنَاتِهِ الثَّلَاثَةِ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَزَوَّجَ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ زَيْنَبَ بِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ (4) ، وَحَمِدَ صِهْرَهُ لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ (5) أَبِي جَهْلٍ، فَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي [أُمَيَّةَ] (6) بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ، وَقَالَ: " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي (7) ، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي " (8) .
_________
(1) ص، ر، هـ: وَابْنَهُ.
(2) فِي " الْإِصَابَةِ " 2/172: " وَيُقَالُ: " إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى نَجْرَانَ وَلَا يَثْبُتُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَكَّةَ وَقْتَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عَامِلُهَا حِينَئِذٍ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ ". وَفِي " أُسْدِ الْغَابَةِ " 5/491 492 (ط. الشَّعْبِ) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جَيْشٍ وَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَلَّاهُ فِلَسْطِينَ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) خَبَرُ زَوَاجِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ الرَّسُولِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَعَنْهُ وَخَبَرُ أَسْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَافْتِدَاءِ زَيْنَبَ لَهُ وَسُؤَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يُطْلِقُوهُ لَهَا وَإِطْلَاقِهِمْ لَهُ ثُمَّ إِسْلَامِهِ فِي: سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 2/306 315. وَانْظُرِ الْمُسْنَدَ 6/276.
(5) أ، ب: بِابْنَةِ.
(6) أُمَيَّةَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(7) أ، ب: فَصَدَقَ.
(8) الْحَدِيثُ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 3/190 (كِتَابُ الشُّرُوطِ، بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ) ، 5/22 23 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ. .، بَابُ ذِكْرِ أَصْهَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ) ؛ 7/37 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ ذَبِّ الرَّجُلِ عَنِ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالْإِنْصَافِ) ؛ مُسْلِمٍ 4/1902 1904 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/304 305 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ) ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/359، 360 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) : سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/643 644 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ الْغَيْرَةِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/5 328.
(4/145)

«وَزَوَّجَ ابْنَتَيْهِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ: " لَوْ كَانَتْ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْنَاهَا عُثْمَانَ» " (1) .
وَكَذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ (2) يُبْغِضُونَ أَهْلَ الشَّامِ؛ لِكَوْنِهِمْ (3) كَانَ فِيهِمْ أَوَّلًا مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَكَّةَ كَانَ فِيهَا كُفَّارٌ وَمُؤْمِنُونَ، وَكَذَلِكَ الْمَدَنِيَّةُ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنُونَ وَمُنَافِقُونَ (4) ، وَالشَّامُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ (5) مَنْ يَتَظَاهَرُ بِبُغْضِ عَلِيٍّ، وَلَكِنْ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ يَسْحَبُونَ ذَيْلَ الْبُغْضِ. وَكَذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يَذُمُّونَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْ آثَارِ بَنِي أُمَيَّةَ، كَالشُّرْبِ مِنْ نَهْرِ يَزِيدَ، وَيَزِيدُ لَمْ يَحْفِرْهُ [وَلَكِنْ وَسَّعَهُ] (6) ،
_________
(1) ن، م: لِعُثْمَانَ، وَالْحَدِيثُ فِي كِتَابِ " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " فِي مَوْضِعَيْنِ 1/481 (رَقْمَ 782) ، 1/508 509 (رَقْمَ 831) وَالْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " أَلَا أَبُو أَيِّمٍ، أَلَا وَلِيُّ أَيِّمٍ، أَلَا أَخُو أَيِّمٍ يُزَوِّجُ عُثْمَانَ، فَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ، وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ "،. قَالَ الْمُحَقِّقُ: " ضَعِيفٌ لِانْقِطَاعِهِ وَرِجَالِ الْحَسَنِ ". وَقَالَ إِنَّ ابْنَ أَبِي عَاصِمٍ أَخْرَجَهُ فِي السُّنَّةِ، وَذَكَرَهُ الْهَيْثَمِيُّ فِي " مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ 9/83. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ عَنِ الْحَدِيثِ الثَّانِي: " إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِلْإِرْسَالِ ".
(2) أَنَّهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ أ، ب.
(3) لِكَوْنِهِمْ: كَذَا فِي أ، ب، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ لِكَوْنِهِ.
(4) ن، م، و، ر، هـ، ص: مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ.
(5) أ، ب، م: فِيهَا.
(6) وَلَكِنْ وَسَّعَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ " تَارِيخِ مَدِينَةِ دِمَشْقَ " الْمُجَلَّدَةِ الثَّانِيَةِ، ق [0 - 9] ص 145 (ط. الْمَجْمَعُ الْعِلْمِيُّ الْعَرَبِيُّ، دِمَشْقَ 1373/1954) بَعْدَ أَنْ سَاقَ سَنَدَهُ:. . . عَنْ جَدِّي زُفَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَكْحُولًا عَنْ نَهْرِ يَزِيدَ وَكَيْفَ كَانَتْ قِصَّتُهُ. قَالَ: سَأَلْتَ مِنِّي خَبِيرًا، أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ كَانَ نَهْرًا صَغِيرًا نَبَاطِيًّا يَجْرِي شَيْئًا يَسْقِي ضَيْعَتَيْنِ لِقَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنِي فَوْقَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ لِأَحَدِهِمْ شَيْءٌ غَيْرَهُمْ، فَمَاتُوا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ وَارِثٌ، فَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ ضِيَاعَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ وَوَلَّى ابْنَهُ يَزِيدَ نَظَرَ إِلَى أَرْضٍ وَاسِعَةٍ لَيْسَ لَهَا مَاءٌ، وَكَانَ مُهَنْدِسًا، فَنَظَرَ إِلَى النَّهْرِ فَإِذَا هُوَ صَغِيرٌ فَأَمَرَ بِحَفْرِهِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْغُوطَةِ، وَدَافَعُوهُ، فَلَطَفَ بِهِمْ عَلَى أَنْ ضِمَنَ لَهُمْ خَرَاجَ سَنَتِهِمْ مِنْ مَالِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَاحْتَفَرَ نَهْرًا سَعَتُهُ سِتَّةُ أَشْبَارٍ فِي عُمْقِ سِتَّةِ أَشْبَارٍ وَلَهُ مِلْءُ جَنَبَتَيْهِ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا شَرَطَ لَهُمْ فَهَذِهِ قِصَّةُ نَهْرِ يَزِيدَ ".
(4/146)

وَكَالصَّلَاةِ فِي جَامِعٍ بَنَاهُ بَنُو أُمَيَّةَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ يَسْكُنُ فِي الْمَسَاكِنِ الَّتِي بَنَوْهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْ [مَاءِ] (1) الْآبَارِ الَّتِي حَفَرُوهَا، وَيَلْبَسُ [مِنَ] (2) الثِّيَابِ الَّتِي نَسَجُوهَا، وَيُعَامِلُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي ضَرَبُوهَا. فَإِذَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِمَسَاكِنِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ، وَالْمِيَاهِ الَّتِي أَنْبَطُوهَا (3) ، وَالْمَسَاجِدِ الَّتِي بَنَوْهَا، فَكَيْفَ بِأَهْلِ الْقِبْلَةِ؟ ! .
فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ كَافِرًا وَحَفَرَ نَهْرًا، لَمْ يُكْرَهِ الشُّرْبُ مِنْهُ (4) بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لِفَرْطِ تَعَصُّبِهِمْ كَرِهُوا مَا يُضَافُ إِلَى مَنْ يُبْغِضُونَهُ.
وَلَقَدْ حَدَّثَنِي ثِقَةٌ أَنَّهُ كَانَ لِرَجُلٍ (5) مِنْهُمْ كَلْبٌ فَدَعَاهُ آخَرُ مِنْهُمْ: بُكَيْرٌ
_________
(1) مَاءِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) مِنْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) فِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " النَّبْطُ: الْمَاءُ الَّذِي يَنْبُطُ مِنْ قَعْرِ الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَ. وَقَدْ نَبَطَ مَاؤُهَا يَنْبُطُ وَيَنْبِطُ نَبْطًا وَنُبُوطًا، وَأَنْبَطَنَا الْمَاءَ، أَيِ اسْتَنْبَطْنَاهُ وَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ ".
(4) ن، م: أَنْ يُشْرَبَ مِنْهُ.
(5) أ، ب: لِوَاحِدٍ.
(4/147)

بُكَيْرٌ (1) فَقَالَ صَاحِبُ الْكَلْبِ: أَتُسَمِّي كَلْبِي بِأَسْمَاءِ أَصْحَابِ النَّارِ (2) ؟ ! فَاقْتَتَلَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَرَى بَيْنَهُمَا دَمٌ. فَهَلْ يَكُونُ أَجْهَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ ! .
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَمِّي أَصْحَابَهُ بِأَسْمَاءٍ قَدْ تَسَمَّى بِهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ [اللَّهُ] (3) فِي الْقُرْآنِ، كَالْوَحِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ [فِي الْقُرْآنِ] (4) فِي قَوْلِهِ: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: 11] وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو لِابْنِ هَذَا، وَاسْمُهُ أَيْضًا الْوَلِيدُ، وَيُسَمِّي الِابْنَ وَالْأَبَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ» " كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ (5) .
وَمِنْ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ (6) أَنَّهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى يَوْمٍ أَحَبَّ اللَّهُ صِيَامَهُ فَيَرَوْنَ فِطْرَهُ، كَيَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ (7) وَإِذَا نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ " وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (8)
_________
(1) وَ: بِأَبِي بَكْرٍ، ن، م: كُلَيْبٌ.
(2) أ، ب: أَهْلِ النَّارِ.
(3) لَفْظُ الْجَلَالَةِ لَيْسَ فِي (ن) ، (م) ، (و) ، (ص) .
(4) فِي الْقُرْآنِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) مَضَى الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ قَبْلَ صَفَحَاتٍ، ص 141.
(6) ن: وَبُغْضِهِمْ.
(7) أ، ب: عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ. .
(8) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 3/44 (كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) وَنَصُّهُ: " قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: " مَا هَذَا "؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: " فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ "؛ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ " وَالْحَدِيثُ فِي: الْبُخَارِيِّ 6 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ يُونُسَ) ؛ مُسْلِمٍ 2/795 796 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/552 (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْهُمَا وَلَفْظُهُ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ 2/796: عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " صُومُوهُ أَنْتُمْ ". . .
(4/148)

وَمِنْ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى دَابَّةٍ عَجْمَاءَ فَيُؤْذُونَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، إِذْ جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُبْغِضُونَهُ (1) ، كَمَا يَعْمِدُونَ إِلَى نَعْجَةٍ حَمْرَاءَ يُسَمُّونَهَا عَائِشَةَ وَيَنْتِفُونَ شَعْرَهَا، وَيَعْمِدُونَ إِلَى دَوَابَّ لَهُمْ فَيُسَمُّونَ بَعْضَهَا أَبَا بَكْرٍ وَبَعْضَهَا عُمَرَ وَيَضْرِبُونَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُصَوِّرُونَ صُورَةَ إِنْسَانٍ مِنْ حَيْسٍ (2) يَجْعَلُونَهُ عُمَرَ وَيَبْعَجُونَ بَطْنَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ وَيَشْرَبُونَ دَمَهُ (3) .

وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ فَنَقُولُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَا كَانَ مَشْرُوعًا لَمْ يُتْرَكْ لِمُجَرَّدِ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ: لَا الرَّافِضَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ. وَأُصُولُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ تُوَافِقُ (4) هَذَا، مِنْهَا مَسْأَلَةُ التَّسْطِيحِ الَّذِي ذَكَرَهَا،
_________
(1) أ، ب: يُبْغِضُونَهَا.
(2) فِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " الْحَيْسُ: الْخَلْطُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَيْسُ. وَالْحَيْسُ: الْأَقِطُ يُخْلَطُ بِالتَّمْرِ وَالسَّمْنِ ".
(3) يَقُولُ دُونَلْدُسُنْ فِي كِتَابِهِ " عَقِيدَةِ الشِّيعَةِ " ص 25 (ط. الْخَانِجِيِّ، 1365/1946) : " وَيَذْكُرُ هُيُوجِزْ فِي كِتَابِهِ " قَامُوسِ الْإِسْلَامِ " ص 128 قَضِيَّةً ظَرِيفَةً عَنْ عِيدِ الْغَدِيرِ، قَالَ: وَلِلشِّيعَةِ عِيدٌ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، يَصْنَعُونَ بِهِ ثَلَاثَةَ تَمَاثِيلَ مِنَ الْعَجِينِ يَمْلَئُونَ بُطُونَهَا بِالْعَسَلِ، وَهَى تُمَثِّلُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، ثُمَّ يَطْعَنُونَهَا بِالْمُدَى، فَيَسِيلُ الْعَسَلُ، تَمْثِيلًا لِدَمِ الْخُلَفَاءِ الْغَاصِبِينَ ".
(4) أ، ب: يُوَافِقُونَ.
(4/149)

فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ أَنَّ تَسْنِيمَ الْقُبُورِ أَفْضَلُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُسَنَّمًا» (1) ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنْ مُشَابَهَةِ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَأَمْنَعُ عَنِ الْقُعُودِ (2) عَلَى الْقُبُورِ. وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَحِبُّ التَّسْطِيحَ لِمَا رُوِيَ مِنَ الْأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ (3) الْقُبُورِ، فَرَأَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ هِيَ التَّسْطِيحُ (4) ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ قَالَ: [إِنَّ] (5) هَذَا شِعَارُ الرَّافِضَةِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، فَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ (6) وَقَالُوا: بَلْ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ وَإِنْ فَعَلَتْهُ الرَّافِضَةُ.
وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ هُوَ (7) مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ تَكَلَّمَ فِي الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِهَا، وَبِسَبَبِ (8) الْقُنُوتِ، وَنَسَبَهُ إِلَى قَوْلِ الرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْعِرَاقِ أَنَّ الْجَهْرَ [كَانَ] (9) مِنْ شِعَارِ (10)
_________
(1) عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ فِي الْبُخَارِيِّ 2 (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) : أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا. وَفِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " وَقَبْرٌ مُسَنَّمٌ إِذَا كَانَ مَرْفُوعًا عَنِ الْأَرْضِ، وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا شَيْئًا فَقَدْ تَسَنَّمَهُ. وَتَسْنِيمُ الْقَبْرِ خِلَافُ تَسْطِيحِهِ ".
(2) أ، ب: وَأَبْعَدُ مِنَ الْقُعُودِ.
(3) و: بِتَسْطِيحِ.
(4) انْظُرِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاخْتِلَافَ الْأَئِمَّةِ فِيهَا فِي: الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ 2/420 421؛ أَحْكَامُ الْجَنَائِزِ لِلشِّيحِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ، ص 153 156، 207 209 (ط. بَيْرُوتَ، 1388، 1969) وَيَقُولُ الْأَلْبَانِيُّ ص 153) : " وَيُسَنُّ. . . أَنْ يُرْفَعَ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ قَلِيلًا نَحْوَ شِبْرٍ، وَلَا يُسَوَّى بِالْأَرْضِ، وَذَلِكَ لِيَتَمَيَّزَ فَيُصَانَ وَلَا يُهَانَ ".
(5) إِنَّ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(6) أ: فَخَالَفُوهُمْ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ، ب: وَخَالَفَهُمْ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ.
(7) ن، م: وَهُوَ، وَ: هِيَ.
(8) أ، ب: وَسَبَبِ.
(9) كَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (ص) .
(10) و: شَعَائِرِ.
(4/150)

الرَّافِضَةِ، وَأَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ كَانَ مِنْ شِعَارِ (1) الْقَدَرِيَّةِ [الرَّافِضَةِ] (2) ، حَتَّى أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَذْكُرُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ، [كَمَا يَذْكُرُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ كَانَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ] (3) ، وَمَعَ هَذَا فَالشَّافِعِيُّ لَمَّا رَأَى أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ.
وَكَذَلِكَ إِحْرَامُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْعَقِيقِ يُسْتَحَبُّ (4) عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَكَذَلِكَ مَالِكٌ يُضَعِّفُ أَمْرَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، حَتَّى أَنَّهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَمْسَحُ فِي الْحَضَرِ، وَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ. وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، الْمَشْهُورُ عَنْهُ (5) أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَسْتَظِلُّ (6) بِالْمَحْمَلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ السُّجُودَ يُكْرَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَالرَّافِضَةُ يَمْنَعُونَ مِنَ (7) السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْتَحِبُّ الْمُتْعَةَ - مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَيَأْمُرُ بِهَا حَتَّى يَسْتِحَبَّ (8) هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ - أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ - لِمَنْ أَحْرَمَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَنْ
_________
(1) و: شَعَائِرِ.
(2) الرَّافِضَةِ: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(4) أ، ب: مُسْتَحَبٌّ.
(5) عِبَارَةُ " الْمَشْهُورِ عَنْهُ " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) ن، م، و: لَا يَتَظَلَّلُ.
(7) مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: وَيَسْتَحِبُّ.
(4/151)

يَفْسَخَ ذَلِكَ إِلَى الْعُمْرَةِ وَيَصِيرَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ جَاءَتْ بِذَلِكَ؛ حَتَّى قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ (1) لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَوِيَتْ قُلُوبُ الرَّافِضَةِ لَمَّا أَفْتَيْتَ أَهْلَ خُرَاسَانَ بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ، كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْكَ أَنَّكَ أَحْمَقُ، وَكُنْتُ أَدْفَعُ عَنْكَ، وَالْآنَ فَقَدْ (2) ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّكَ أَحْمَقُ: عِنْدِي أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟ ! .
وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى (3) غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (4) ] : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ (5) وَغَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ
_________
(1) ن: شَيْبٍ. وَمَكَانُ الْكَلِمَةِ بَيَاضٌ فِي (أ) ، (ب) . وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ الْحَجَرِيُّ الْمِسْمَعِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ وَمُحَدِّثُهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ 247. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 4/146 147، الْأَعْلَامِ 3/172.
(2) فَقَدَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (م) .
(3) أ، ب: أَنَّ الصَّلَاهَ تَجُوزُ عَلَى. . .
(4) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) ن، م، هـ: وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَهُوَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجِيلِيُّ أَوِ الْجِيلَانِيُّ أَوِ الْكِيلَانِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ 471 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 561، وَهُوَ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ الْقَادِرِيَّةِ مِنْ كِبَارِ الزُّهَّادِ وَالصُّوفِيَّةِ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 4/198 202، الذَّيْلِ لِابْنِ رَجَبٍ 1/290 301، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لِلشَّعْرَانِيِّ 1/108 114، فَوَاتِ الْوَفِيَّاتِ لِابْنِ شَاكِرٍ 2/4 6، الْأَعْلَامِ 4/171 172.
(4/152)

اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (1) ] أَنَّهُ قَالَ: لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ [مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ] عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (2) (* وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (3) قَالَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمَّا صَارَتِ الشِّيعَةُ تَخُصُّ بِالصَّلَاةِ عَلِيًّا دُونَ غَيْرِهِ، [وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي حَقِّهِ بِخُصُوصِهِ دُونَ غَيْرِهِ] (4) ، وَهَذَا خَطَأٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَيُصَلَّى عَلَى جَمِيعِ آلِهِ تَبَعًا لَهُ (5) .
وَآلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ هُمُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ (6) عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا إِلَى أَنَّهُمْ أُمَّةُ [مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] . وَقَالَتْ (7) طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّهُمُ الْأَوْلِيَاءُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ، وَرُوِيَ (8) فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ
_________
(1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) ، (ص) .
(2) أ، ب: الصَّلَاةُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ن، م، هـ: الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(3) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ: (ن) ، (م) .
(5) ر، ص: وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَعَلَى جَمِيعِ آلِهِ تَبَعًا لَهُ.
(6) أ، ب:. . . وَأَحْمَدَ الَّذِينَ حُرِّمَتْ، ر، ص: وَأَحْمَدَ مَنْ حُرِّمَتْ.
(7) ن، م، ص، ر: إِلَى أَنَّهُمْ أُمَّتُهُ، وَقَالَتْ. . .
(8) أ، ب: وَرَوَوْا.
(4/153)

ضَعِيفٌ (1) لَا يَثْبُتُ، فَالَّذِي قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ (2) لَا يُصَلُّونَ إِلَّا عَلَى عَلِيٍّ دُونَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى عَلِيٍّ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَيُكْرَهُ (3) لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ رَافِضِيٌّ، فَأَمَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ صَلَّى (4) عَلَى عَلِيٍّ وَعَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ (5) . فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي فِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ لَمْ يَصِرْ مُسْتَحَبًّا * (6)) . [وَمِنْ هُنَا] (7) ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَرْكِ بَعْضِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا صَارَتْ شِعَارًا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا بِذَلِكَ (8) ، لَكِنْ قَالَ (9) : فِي إِظْهَارِ ذَلِكَ مُشَابَهَةٌ لَهُمْ، فَلَا يَتَمَيَّزُ السُّنِّيُّ مِنَ الرَّافِضِيِّ، وَمَصْلَحَةُ التَّمَيُّزِ (10) عَنْهُمْ لِأَجْلِ هِجْرَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ، أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ هَذَا الْمُسْتَحَبِّ. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إِذَا كَانَ فِي الِاخْتِلَاطِ وَالِاشْتِبَاهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ فِعْلِ ذَلِكَ (11) الْمُسْتَحَبِّ، لَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ عَارِضٌ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَجْعَلَ الْمَشْرُوعَ لَيْسَ
_________
(1) أ، ب: حَدِيثًا ضَعِيفًا.
(2) ن، م: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ قَوْمٌ.
(3) ن، م، ر: فَكَرِهَ، ص: وَكَرِهَ.
(4) أ، ب: يُصَلِّي.
(5) ص، ر: سَائِرُ الْجَمَاعَةِ.
(6) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) وَيَسْتَمِرُّ السَّقْطُ فِي (هـ) مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى كَلِمَةِ " فَصْلٌ "
(7) وَمِنْ هُنَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) أ: فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا لِذَلِكَ، ب: فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّرْكُ وَاجِبًا لِذَلِكَ. . .
(9) قَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(10) ن، م: التَّمْيِيزُ.
(11) ن: هَذَا.
(4/154)

بِمَشْرُوعٍ دَائِمًا، بَلْ هَذَا مِثْلُ لِبَاسِ (1) شِعَارِ الْكُفَّارِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا [إِذَا] (2) لَمْ يَكُنْ شِعَارًا لَهُمْ، كَلُبْسِ الْعِمَامَةِ الصَّفْرَاءِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ شِعَارًا لِلْيَهُودِ، فَإِذَا صَارَ شِعَارًا لَهُمْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ (3) .

[زعم الرافضي بأن المنصور ابتدع ذكر الخلفاء الراشدين في خطب الجمعة]
فَصْلٌ (4) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) : " مَعَ أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا أَشْيَاءَ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فَإِنَّ مَصِيرَهَا إِلَى النَّارِ» ". وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ أَدْخَلَ (6) فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» "، وَلَوْ رُدُّوا عَنْهَا كَرِهَتْهُ (7) نُفُوسُهُمْ وَنَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ، كَذِكْرِ الْخُلَفَاءِ فِي خُطَبِهِمْ (8) مَعَ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا فِي زَمَنِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَا فِي صَدْرِ (9) وِلَايَةِ الْعَبَّاسِيِّينَ، بَلْ شَيْءٌ (10) أَحْدَثَهُ الْمَنْصُورُ لِمَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
_________
(1) أ، ب: اللِّبَاسِ.
(2) إِذَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) أ، ب: عَنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُنَا وَرَدَتْ فِي نُسْخَةِ (و) السُّطُورُ الَّتِي سَقَطَتْ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
(4) ص، ر، هـ: الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ.
(5) فِي (ك) ص 108 (م) . .
(6) ك: وَقَالَ: مَنْ أَحْدَثَ. . .
(7) ن: كَرَاهِيَةَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8) ك: فِي خُطْبَتِهِمْ.
(9) ن، م: بَنِي أُمَيَّةَ وَفِي صُدُورِ، وَ: بَنِي أُمَيَّةَ وَفِي صَدْرِ، ك: بَنِي أُمَيَّةَ وَلَا فِي زَمَنِ صَدْرِ. .
(10) ك: بَلْ هُوَ شَيْءٌ. . .
(4/155)

الْعَلَوِيَّةِ (1) [خِلَافٌ] (2) ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُرْغِمَنَّ أَنْفِي وَأُنُوفَهُمْ وَأَرْفَعُ (3) عَلَيْهِمْ بَنِي تَيْمٍ وَعَدِيٍّ، وَذَكَرَ الصَّحَابَةَ فِي خُطْبَتِهِ، وَاسْتَمَرَّتْ [هَذِهِ الْبِدْعَةُ] (4) إِلَى هَذَا الزَّمَانِ ".

[الجواب على زعم الرافضي بأن المنصور ابتدع ذكر الخلفاء الراشدين في خطب الجمعة من وجوه]
فَيُقَالُ: الْجَوَابُ (5) مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَحَدِيثُ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ (6) مِنْ أَشْهَرِ الْأَحَادِيثِ. فَرَوَى الطَّلَمَنْكِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِذَا خَطَبَ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ وَالِيَهَا، صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ثَنَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَدْعُو لَهُ. فَيَقُومُ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ فَيَقُولُ (7) : فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ (8) ذِكْرِ صَاحِبِهِ قَبْلَهُ يُفَضِّلُهُ؟ (9) - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. ثُمَّ قَعَدَ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا أَمْحَكَهُ (10) أَبُو مُوسَى، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ ضَبَّةَ
_________
(1) ص، ر، هـ: وَبَيْنَ الْعَلَوِيِّينَ.
(2) خِلَافٌ: فِي (ب) ، (ك) فَقَطْ.
(3) ك: فَأَرْفَعُ.
(4) هَذِهِ الْبِدْعَةُ: فِي (ب) ، (ك) فَقَطْ.
(5) أ، ب: فَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ.
(6) أ: ضَبَّةَ بْنِ مُحْسِنٍ، ن: صَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، هـ: ظَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ. وَهُوَ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ الْبَصْرِيُّ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 4/442 443.
(7) ب (فَقَطْ) : فَقَامَ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ فَقَالَ.
(8) ب (فَقَطْ) : مِنْ.
(9) ب (فَقَطْ) : تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ.
(10) ص، م: مَحَكَهُ. وَفِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " الْمَحْكُ: الْمُشَادَّةُ وَالْمُنَازَعَةُ فِي الْكَلَامِ. وَالْمَحْكُ: التَّمَادِي فِي اللَّجَاجَةِ عِنْدَ الْمُسَاوَمَةِ وَالْغَضَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْمُمَاحَكَةُ: وَالْمُلَاجَّةُ، وَقَدْ مَحَكَ يَمْحَكُ، وَمَحِكَ مَحْكًا وَمَحَكًا، فَهُوَ مَاحِكٌ وَمَحِكٌ، وَأَمْحَكَهُ غَيْرُهُ "
(4/156)

يَطْعَنُ عَلَيْنَا وَيَفْعَلُ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى ضَبَّةَ يَأْمُرُهُ (1) أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ بِهِ أَبُو مُوسَى، فَلَمَّا قَدِمَ ضَبَّةُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَهُ الْحَاجِبُ (2) : ضَبَّةُ الْعَنَزِيُّ بِالْبَابِ. فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ [عَلَيْهِ] (3) قَالَ: لَا مَرْحَبًا بِضَبَّةَ وَلَا أَهْلًا. قَالَ ضَبَّةُ: أَمَّا الْمَرْحَبُ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَهْلُ فَلَا أَهْلَ وَلَا مَالَ، فَبِمَ اسْتَحْلَلْتَ إِشْخَاصِي مِنْ مِصْرِي بِلَا ذَنْبٍ أَذْنَبْتُ وَلَا شَيْءٍ أَتَيْتُ؟ قَالَ: مَا الَّذِي شَجَرَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَامِلِكَ؟ .
قُلْتُ (4) : الْآنَ أُخْبِرُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا خَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ (5) وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، [ثُمَّ] ثَنَّى (6) يَدْعُو لَكَ، فَغَاظَنِي (7) ذَلِكَ مِنْهُ، وَقُلْتُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ (8) صَاحِبِهِ: تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ؟ فَكَتَبَ إِلَيْكَ يَشْكُونِي. قَالَ: فَانْدَفَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَاكِيًا وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَوْفَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ مِنْهُ، فَهَلْ أَنْتَ غَافِرٌ لِي ذَنْبِي، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ؟ قُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ انْدَفَعَ بَاكِيًا وَهُوَ (9)
_________
(1) يَأْمُرُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: فَقَالَ الْحَاجِبُ.
(3) عَلَيْهِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) م (فَقَطْ) : قَالَ.
(5) أ، ب، م: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ.
(6) و، ر: وَثَنَّى. وَسَقَطَتْ " ثُمَّ " مِنْ (ن) ، (م) ، (ص) ، (هـ) .
(7) أ، ن، م، و، ر: فَغَاضَنِي؛ ب: فَغَاضَبَنِي.
(8) ب: مِنْ؛ ن: عَمَّنْ.
(9) وَهُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/157)

يَقُولُ: وَاللَّهِ لَلَيْلَةٌ (1) مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَيَوْمٌ خَيْرٌ مِنْ عُمَرَ وَآلِ عُمَرَ، فَهَلْ لَكَ أَنْ أُحَدِّثَكَ بِلَيْلَتِهِ (2) وَيَوْمِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: أَمَّا اللَّيْلَةُ (3) فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ هَارِبًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ خَرَجَ لَيْلًا، فَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَمْشِي مَرَّةً أَمَامَهُ، وَمَرَّةً خَلْفَهُ، وَمَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ، وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَا هَذَا يَا أَبَا بَكْرٍ؟ مَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ فِعْلِكَ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذْكُرُ الرَّصْدَ فَأَكُونُ أَمَامَكَ، وَأَذْكُرُ الطَّلَبَ فَأَكُونُ خَلْفَكَ، وَمَرَّةً عَنْ يَمِينِكَ، وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِكَ، لَا آمَنُ عَلَيْكَ. فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ حَتَّى حَفِيَتْ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ أَنَّهَا قَدْ حَفِيَتْ (4) حَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، حَتَّى أَتَى بِهِ فَمَ الْغَارِ، فَأَنْزَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَدْخُلُهُ حَتَّى أَدْخُلَهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَيَبْدَأُ بِي قَبْلَكَ، فَلَمْ يَرَ (5) شَيْئًا يَسْتَرِيبُهُ، فَحَمَلَهُ فَأَدْخَلَهُ (6) ، وَكَانَ فِي الْغَارِ خَرْقٌ فِيهِ حَيَّاتٌ (7) ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ (8) أَلْقَمَهُ عَقِبَهُ، فَجَعَلْنَ يَلْسَعْنَهُ أَوْ يَضْرِبْنَهُ (9) وَجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَتَحَادَرُ عَلَى خَدِّهِ مِنْ أَلَمِ مَا يَجِدُ،
_________
(1) ن، م: لَيْلَةٌ.
(2) أ، ب: بِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ.
(3) أ، ب: أَمَّا لَيْلَتُهُ.
(4) أ، ب: أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا حَفِيَتْ.
(5) أ، ب: فِيهِ شَيْءٌ فَبِي فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ. . .
(6) و: يُرِيبُهُ فَحَمَلَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ. .
(7) أ، ب: فَأَدْخَلَهُ فَلَمَّا دَخَلَ فَوَجَدَ (ب: وَجَدَ) الصِّدِّيقُ أَحْجَارَ الْأَفَاعِي. .
(8) أ، ب، م: فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ. . .
(9) أ، ب: وَيَضْرِبْنَهُ.
(4/158)

وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «لَا تَحْزَنْ يَا أَبَا بَكْرٍ (1) إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» " فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ وَطُمَأْنِينَتَهُ لِأَبِي بَكْرٍ (2) ، فَهَذِهِ لَيْلَتُهُ (3) .
وَأَمَّا يَوْمُهُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُزَكِّي وَلَا نُصَلِّي. فَأَتَيْتُهُ لَا آلُوهُ نُصْحًا. فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، تَأَلَّفِ النَّاسَ وَارْفُقْ بِهِمْ. فَقَالَ لِي: أَجَبَّارٌ (4) فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخَوَّارٌ (5) فِي الْإِسْلَامِ؟ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَارْتَفَعَ الْوَحْيُ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُعْطُونَهُ رَسُولَ اللَّهِ (6) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ. فَقَاتَلْنَا مَعَهُ (7) ، فَكَانَ وَاللَّهِ رَشِيدَ الْأَمْرِ، فَهَذَا يَوْمُهُ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى يَلُومُهُ (8) .
_________
(1) عِبَارَةُ " يَا أَبَا بَكْرٍ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(2) ب (فَقَطْ) : عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
(3) ن: فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ.
(4) ن، هـ، ر، ص، و: جَبَّارٌ، م: جَبَانٌ.
(5) وَخَوَّارٌ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: جَوَّارٌ.
(6) ن، م: يُعْطُونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ ص: يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ.
(7) عِبَارَةُ " فَقَاتَلْنَا مَعَهُ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ " الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ فِي مَنَاقِبِ الْعَشَرَةِ " ص 89، 91 (ط. الْخَانَجِيِّ، الطَّبْعَةَ الثَّانِيَةَ، 1372 1953) وَقَالَ الْمُحِبُّ: " وَخَرَّجَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ وَالْمُلَّاءُ فِي سِيرَتِهِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَنَوِيِّ (كَذَا) ". ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ سَرْدِ الْخَبَرِ: " خَرَّجَهُ الْمُلَّاءُ فِي سِيرَتِهِ وَصَاحِبِ فَضَائِلِهِ، وَخَرَّجَ الْخُجَنْدِيُّ مَعْنَاهُ وَزَادَ. . . ". وَأَوْرَدَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ 4/184 185 (ط. الْمَعَارِفِ) . خَبَرًا عَنْ وَاقِعَةٍ أُخْرَى بَيْنَ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ وَبَيْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ حَكَمَ فِيهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(4/159)

فَإِنْ قِيلَ: ذَاكَ فِيهِ ذِكْرُ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ السُّلْطَانَ الْحَيَّ. قِيلَ: فَأَبُو بَكْرٍ كَانَ (1) قَدْ مَاتَ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْمَيِّتَ أَيْضًا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ذَكَرَ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ لَمَّا كَانَ بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ يَسُبُّونَ عَلِيًّا، فَعَوَّضَ عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْخُلَفَاءِ وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، لِيَمْحُوَ تِلْكَ السُّنَّةَ (2) الْفَاسِدَةَ.
[الْوَجْهِ] (3) الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ إِحْدَاثِ الْمَنْصُورِ وَقَصْدِهِ بِذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَوَلَّيَا الْخِلَافَةَ قَبْلَ الْمَنْصُورِ وَقَبْلَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ الْمَنْصُورِ لَهُمَا إِرْغَامٌ لِأَنْفِهِ وَلَا لِأُنُوفِ بَنِي عَلِيٍّ، إِلَّا لَوْ كَانَ بَعْضُ بَنِي تَيْمٍ أَوْ بَعْضُ بَنِي عَدِيٍّ [يُنَازِعُهُمُ الْخِلَافَةَ (4) ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ] (5) يُنَازِعُهُمْ فِيهَا.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَقُولُونَ: إِنَّ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ [الْأَرْبَعَةِ] (6) فِي الْخُطْبَةِ فَرْضٌ، بَلْ يَقُولُونَ إِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى عَلِيٍّ وَحْدَهُ، أَوْ ذِكْرِ الِاثْنَى عَشَرَ هُوَ الْبِدْعَةُ الْمُنْكَرَةُ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَا مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ. كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ سِتَّ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ [مِنَ السَّلَفِ] (7) بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، فَإِنْ كَانَ
_________
(1) أ: الْحَيُّ وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ. .؛ ب: قُلْنَا: وَأَبَا بَكْرٍ كَانَ. .
(2) ن: السَّيِّئَةَ.
(3) الْوَجْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) أ: مُنَازِعِيهِمُ الْخِلَافَةَ؛ ب: مُنَازِعِيهِمْ فِي الْخِلَافَةِ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) الْأَرْبَعَةِ: زِيَادَةٌ فِي (ص) ، (ر) ، (هـ) .
(7) مِنَ السَّلَفِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4/160)

ذِكْرُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ (1) بِدْعَةً، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَفَاءِ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى عَلِيٍّ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِدْعَةً، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ عَلِيٍّ لِكَوْنِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحَبًّا، فَذِكْرُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ هُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْلَى بِالِاسْتِحْبَابِ، وَلَكِنَّ الرَّافِضَةَ مِنَ الْمُطَفِّفِينَ (2) : يَرَى أَحَدُهُمُ الْقَذَاةَ فِي عُيُونِ (3) أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا يَرَى الْجِذْعَ الْمُعْتَرِضَ فِي عَيْنِهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الثَّلَاثَةَ اتَّفَقَتْ (4) عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ السَّيْفُ فِي زَمَانِهِمْ مَسْلُولًا عَلَى الْكُفَّارِ، مَكْفُوفًا عَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يَتَّفِقِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مُبَايَعَتِهِ، بَلْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ تِلْكَ الْمُدَّةَ، [وَكَانَ السَّيْفُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ] (5) مَكْفُوفًا عَنِ الْكُفَّارِ مَسْلُولًا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَاقْتِصَارُ الْمُقْتَصِرِ عَلَى ذِكْرِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ دُونَ مَنْ سَبَقَهُ، وَهُوَ تَرْكٌ لِذِكْرِ الْأَئِمَّةِ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَانْتِصَارِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى ذِكْرِ الْإِمَامِ الَّذِي كَانَ إِمَامًا وَقْتَ افْتِرَاقِ الْمُسْلِمِينَ [وَطَلَبِ عَدَوِّهِمْ لِبِلَادِهِمْ (6) .
فَإِنَّ الْكُفَّارَ بِالشَّامِ وَخُرَاسَانَ طَمِعُوا وَقْتَ الْفِتْنَةِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ] (7) ،
_________
(1) الْأَرْبَعَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) ر، ص، هـ: قَوْمٌ مُطَفِّفُونَ؛ و: قَوْمٌ يُطَفِّفُونَ.
(3) أ، ب: عَيْنِ.
(4) ب (فَقَطْ) : اتَّفَقَ. 1
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ. 1
(6) أ، ب: لِلْبِلَادِ. 1
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/161)

لِاشْتِغَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ (1) بِبَعْضٍ، وَهُوَ تَرْكٌ لِذِكْرِ أَئِمَّةِ (2) الْخِلَافَةِ التَّامَّةِ الْكَامِلَةِ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى ذِكْرِ الْخِلَافَةِ الَّتِي لَمْ تَتِمَّ وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهَا.
وَهَذَا كَانَ [مِنْ] (3) حُجَّةِ مَنْ كَانَ يُرَبِّعُ بِذِكْرِ مُعَاوِيَةَ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (4) وَلَا يَذْكُرُ عَلِيًّا رَضِيَ عَنْهُ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ [كَانَ] (5) يَفْعَلُهُ بِالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا. قَالُوا (6) : لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (7) اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ عَلِيٍّ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (8) . وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَقَوْلُ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ عَلِيًّا وَحْدَهُ أَعْظَمُ خَطَأً مِنْ هَؤُلَاءِ. وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ (9) كُلِّهِ ذِكْرُ الِاثْنَى عَشَرَ فِي خُطَبِهِ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ نَقْشُهُمْ عَلَى حَائِطٍ، أَوْ تَلْقِينُهُمْ لِمَيِّتٍ، فَهَذَا هُوَ الْبِدْعَةُ الْمُنْكَرَةُ الَّتِي يُعْلَمُ (10) بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّهَا (11) مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الْمُبْتَدَعَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ. وَلَوْ تَرَكَ الْخَطِيبُ ذِكْرَ الْأَرْبَعَةِ جَمِيعًا (12) لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ الِاقْتِصَارُ
_________
(1) ن، م، و: لِاشْتِغَالِهِمْ بَعْضِهِمْ. .
(2) أ: الْأَئِمَّةِ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (ب) .
(3) مِنْ: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) . 1
(4) ن، م، و: يَرْفَعُ بِمُعَاوِيَةَ.
(5) كَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ) .
(6) أ، ب: وَقَالُوا.
(7) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(8) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(9) أ، ب: مِنْ هَذَا.
(10) أ، ب، ن: تُعْلَمُ.
(11) أ، ب: لِأَنَّهَا.
(12) جَمِيعًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/162)

عَلَى وَاحِدٍ دُونَ الثَّلَاثَةِ السَّابِقِينَ، الَّذِينَ كَانَتْ خِلَافَتُهُمْ أَكْمَلَ، وَسِيرَتُهُمْ أَفْضَلَ. كَمَا أُنْكِرَ عَلَى أَبِي مُوسَى ذِكْرُهُ لِعُمَرَ دُونَ أَبِي بَكْرٍ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ هُوَ الْحَيَّ خَلِيفَةَ الْوَقْتِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ خُطَبَاءِ السُّنَّةِ يَذْكُرُونَ الْخُلَفَاءَ فِي الْخُطْبَةِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ خُطَبَاءِ السُّنَّةِ بِالْمَغْرِبِ وَغَيْرِهِ (1) لَا يَذْكُرُونَ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ بِاسْمِهِ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ خُطَبَاءِ الْمَغْرِبِ يَذْكُرُونَ (2) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِذِكْرِ مُعَاوِيَةَ (3) لَا يَذْكُرُونَ عَلِيًّا. قَالُوا: لِأَنَّ (4) هَؤُلَاءِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامَتِهِمْ دُونَ عَلِيٍّ. فَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْخُلَفَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَنًا فَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ [يَفْعَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ] (5) يَتْرُكُهُ، فَالْحَقُّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.

الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ الَّذِينَ اخْتَارُوا ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا فَعَلُوهُ تَعْوِيضًا عَمَّنْ يَسُبُّهُمْ (6) وَيَقْدَحُ فِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِيهِ (7) مِنَ الْفَاسِدِ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَا يَخْفَى، فَأَعْلَنُوا (8) بِذِكْرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ حِفْظًا لِلْإِسْلَامِ بِإِظْهَارِ مُوَالَاتِهِمْ وَالثَّنَاءِ
_________
(1) أ، ب: وَغَيْرِهَا.
(2) (2 - 2) ؛ سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) ن، و: وَيَرْفَعُونَ بِمُعَاوِيَةَ.
(4) لِأَنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(6) ب (فَقَطْ) : عَنْ سَبِّ مَنْ يَسُبُّهُمْ.
(7) أ، ب: وَكَانَ فِي ذَلِكَ.
(8) فَأَعْلَنُوا: كَذَا فِي (ب) ، (و) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَأَعْلَنُوا.
(4/163)

عَلَيْهِمْ وَمَنْعًا (1) مِمَّنْ يُرِيدُ عَوْرَاتِهِمْ وَالطَّعْنَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» " (2) .
وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ خِلَافَتِهِمْ (3) كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ يَسُبُّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيَذُمُّهُ (4) وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُلَفَاءِ (5) الرَّاشِدِينَ، وَتَوَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ [بَعْدَ أُولَئِكَ] (6) ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ذَكَرَ الْخُلَفَاءَ [الرَّاشِدِينَ] (7) الْأَرْبَعَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَأَظْهَرَ ذِكْرَ (8) عَلِيٍّ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَذِكْرَ فَضَائِلِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا لَا تَخْتَارُ ذَلِكَ (9) . وَالْخَوَارِجُ تُبْغِضُ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَتُكَفِّرُهُمَا، فَكَانَ فِي ذِكْرِهِمَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِتَالِهِمْ.
_________
(1) ن، م، و، أ: وَمَنَعَهَا؛ ب: وَمَنَعَهُمْ.
(2) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَوَّلُهُ: " وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ. . . الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/280 281 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ. .) ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/15 16 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابٌ فِي اتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ) ؛ سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/44 45 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/126 127. وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 2/346.
(3) ن، م: خِلَافِهِمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) وَيَذُمُّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: وَيَقُولُ: لَيْسَ هُوَ مِنَ الْخُلَفَاءِ. . .
(6) بَعْدَ أُولَئِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) الرَّاشِدِينَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(8) ن، م، أ: فَأَظْهَرَ ذَلِكَ. .
(9) أ، ب: لَا يَخْتَارُونَ ذَلِكَ. .
(4/164)

وَالرَّافِضَةُ [شَرٌّ] (1) مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، يُبْغِضُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَيَسُبُّونَهُمْ، بَلْ قَدْ يُكَفِّرُونَهُمْ، فَكَانَ فِي ذِكْرِ هَؤُلَاءِ وَفَضَائِلِهِمْ رَدٌّ عَلَى الرَّافِضَةِ، وَلَمَّا قَامُوا فِي دَوْلَةِ خُدَابَنْدَةَ الَّذِي صَنَّفَ لَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ هَذَا الْكِتَابَ (2) ، فَأَرَادُوا إِظْهَارَ مَذْهَبِ الرَّافِضَةِ وَإِطْفَاءَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْفِتْنَةِ، وَأَطْلَقُوا عِنَانَ الْبِدْعَةِ، وَأَظْهَرُوا مِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا رَبُّ الْعِبَادِ، كَانَ مِمَّا احْتَالُوا بِهِ أَنِ اسْتَفْتَوْا بَعْضَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ فِي الْخُطْبَةِ: هَلْ يَجِبُ؟ فَأَفْتَى مَنْ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ: إِمَّا جَهْلًا بِمَقْصُودِهِمْ، وَإِمَّا خَوْفًا مِنْهُمْ وَتَقِيَّةً لَهُمْ (3) .
وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُمْ مَنْعَ ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ، ثُمَّ عَوَّضُوا عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ عَلِيٍّ وَالْإِحْدَى عَشَرَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ الْمَعْصُومُونَ (4) ، فَالْمُفْتِي إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُسْتَفْتَى لَهُ (5) أَنْ يَتْرُكَ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ وَأَنْ يَذْكُرَ (6) الِاثْنَى عَشَرَ، وَيُنَادِي بِحَيِّ (7) عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ لِيُبْطِلَ الْأَذَانَ الْمَنْقُولَ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَمْنَعَ قِرَاءَةَ (8) الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعِوِّضَ عَنْهَا بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي افْتَرَاهَا
_________
(1) شَرٌّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) انْظُرْ كَلَامِي عَنْ خُدَابَنْدَةَ فِي الْمُقَدِّمَةِ ص 96 (م) .
(3) أ، ب: وَهَيْبَةً لَهُمْ.
(4) أ، ب: أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ.
(5) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: وَيَذْكُرَ.
(7) ب: حَيِّ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (أ) .
(8) ن: وَمَنَعَ قَوْلَهُ؛ م: وَيَمْنَعَ قَوْلَهُ.
(4/165)

الْمُفْتَرُونَ، وَيُبْطِلَ الشَّرَائِعَ الْمَعْلُومَةَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَيُعَوِّضَ عَنْهَا بِالْبِدَعِ (1) الْمُضِلَّةِ، وَيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ مَنْ يَتَوَسَّلُ (2) إِلَى إِظْهَارِ دِينِ الْمَلَاحِدَةِ، الَّذِينَ يُبْطِنُونَ مَذْهَبَ الْفَلَاسِفَةِ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، الْكَائِدِينَ (3) لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ - لَمْ يَحِلَّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا (4) يَجُرُّ إِلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ.
وَإِذَا كَانَ ذِكْرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ [بِهِ] الْمَقَاصِدُ (5) الْمَأْمُورُ بِهَا عِنْدَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، كَانَ هَذَا مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي تَجِبُ مُطْلَقًا، وَلَا مِنَ السُّنَنِ الَّتِي يُحَافَظُ عَلَيْهَا فِي (6) كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، كَمَا أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ إِذَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ شِعَارٌ وَلِهَؤُلَاءِ شِعَارٌ وَجَبَ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ دُونَ شِعَارِ الْكُفْرِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ (7) فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِإِظْهَارِ ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ، وَإِنَّهُ إِذَا تُرِكَ ذَلِكَ ظَهَرَ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ، صَارَ مَأْمُورًا بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ. وَالْأُمُورُ
_________
(1) أ، ب: بِالْبِدْعَةِ.
(2) مَنْ يَتَوَسَّلُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ
(3) ب (فَقَطْ) : الْمُكَايِدِينَ.
(4) أ، ب: لِمَا.
(5) ن، م: يَحْصُلُ الْمَقَاصِدُ.
(6) أ، ب: الَّتِي تُحَافِظُ فِي. .
(7) أ، ب: الْحَالُ هَذَا وَاجِبٌ؛ ن، م، ر: الْحَالُ لَا لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ؛ هـ: الْحَالُ لَا إِنَّ هَذَا وَاجِبٌ.
(4/166)

الْمَأْمُورُ بِهَا مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَسْنُونٌ دَائِمًا، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْوَتْرِ، وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. وَمِنْهَا مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْوَاجِبَاتُ إِلَّا بِهِ، وَلَمْ تَنْدَفِعِ الْمُحَرَّمَاتُ إِلَّا بِهِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِي الدُّعَاءِ لِسُلْطَانِ الْوَقْتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: إِذَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِمُوجَبِ (1) الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَانَ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَقْبُولًا، وَكَانَ لِلْمُصِيبِ مِنْهُمْ أَجْرَانِ، وَلِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَأَمَّا إِذَا أَخَذَ يَعِيبُ ذَلِكَ مَنْ يُعَوِّضُ عَنْهُ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، كَطَائِفَةِ ابْنِ التُّومَرْتِ الَّذِي كَانَ يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الْمَعْلُومُ، وَالْإِمَامُ الْمَعْصُومُ، إِذَا ذَكَرُوهُ بِاسْمِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَوَصَفُوهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي تُعَلَمُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَجَعَلُوا حِزْبَهُ هُمْ خَوَاصُّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَرَكُوا مَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ (2) الَّذِينَ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ (3) وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ (4) أَنَّهُمْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُهَا، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ فِي زَمَنِ أَفْضَلِ الْقُرُونِ، ثُمَّ أَخَذَ هَؤُلَاءِ التُّومَرْتِيَّةُ يَنْتَصِرُونَ لِذَلِكَ بِأَنَّ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَ سُنَّةً بَلْ بِدْعَةً - كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ غَايَةَ الرَّدِّ مَعَ ذِكْرِهِمْ لِإِمَامِهِمْ (5) ابْنِ
_________
(1) ن، م، و: يَتَكَلَّمُونَ مِنْ حَيْثُ. . .
(2) أ، ب: وَالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ. .
(3) أ، ب: ثَبَتَ لَهُمْ بِالْكِتَابِ. .
(4) ن (فَقَطْ) : بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(5) أ، ب: إِمَامَهُمْ.
(4/167)

التُّومَرْتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خَيْرٌ مِنْهُ وَأَفْضَلُ مِنْهُ، وَأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيَامَهُمْ بِأَمْرِهِ أَكْمَلُ (1) ، بَلْ ذِكْرُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ (2) وَبَنِي الْعَبَّاسِ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْمُلَقَّبِ بِالْمَهْدِيِّ، فَإِنَّ خِلَافَةَ أُولَئِكَ خَيْرٌ مِنْ خِلَافَتِهِ، وَقِيَامَهُمْ بِالْإِسْلَامِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِهِ، وَظُهُورَهُمْ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِهِ، وَمَا فَعَلُوهُ مِنَ الْخَيْرِ أَعْظَمُ مِمَّا فَعَلَهُ هُوَ، وَفَعَلَ هُوَ (3) مِنَ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْجَهْلِ وَالشَّرِّ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أُولَئِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ الْمَهْدِيَّ دُونَهُمْ؟ أَمْ كَيْفَ يَكُونُ ذِكْرُهُ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ مَشْرُوعًا (4) دُونَ ذِكْرِهِمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ ذِكْرَ أُولَئِكَ مَنْ يَذْكُرُ مِثْلَ هَذَا؟ .
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ إِنْكَارُ [هَؤُلَاءِ] (5) الْإِمَامِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَيَذْكُرُونَ اثْنَى عَشَرَ رَجُلًا: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ خَيْرٌ مِنْ أَفْضَلِ الِاثْنَى عَشَرَ، وَأَكْمَلُ خِلَافَةً وَإِمَامَةً. وَأَمَّا سَائِرُ الِاثْنَى عَشَرَ، فَهُمْ أَصْنَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَقَدْ شَرَكَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ (6) وَفِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، مِثْلُ أَهْلِ بَدْرٍ. وَهُمَا رَضِيَ اللَّهُ
_________
(1) أ، ب: أَجْمَلُ.
(2) أ، ب: مِنَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. .
(3) أ، ب: وَفَعَلَ هَؤُلَاءِ.
(4) أ، ب: وَاجِبًا.
(5) هَؤُلَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(6) أ، ب: الْحُسَيْنِ وَشَرَكَهُمْ فِي ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ. . .
(4/168)

عَنْهُمَا (1) وَإِنْ كَانَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الصِّنْفُ أَكْمَلُ (2) مِنْ ذَلِكَ (3) الصِّنْفِ. وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هُمَا وَلَدُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قِيلَ وَعَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ] أَفْضَلُ (4) مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ وَلَدَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ هُوَ أَفْضَلَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَكَذَا أُمَامَةُ (5) بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بِنْتُ بِنْتِهِ، وَكَانَ لِعُثْمَانَ وَلَدٌ مِنْ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَإِذَا قِيلَ: [عَلِيٌّ] (6) هُوَ ابْنُ عَمِّهِ.
قِيلَ: فِي أَعْمَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنِي عَمِّهِ جَمَاعَةٌ (7) مُؤْمِنُونَ صَحِبُوهُ: كَحَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ وَعَبْدِ اللَّهِ (8) وَالْفَضْلِ ابْنَيِ الْعَبَّاسِ، وَكَرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَحَمْزَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبَّاسِ، وَعَلِيٌّ وَجَعْفَرُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبَّاسِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْفَضْلَ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى لَا بِالنَّسَبِ. وَفِي الِاثْنَى عَشَرَ مِنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِالْعِلْمِ
_________
(1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِي (ن) ، (م) فَقَطْ.
(2) ر، هـ، ص: أَفْضَلُ.
(3) أ، ب: مِنْ هَذَا.
(4) ن، م: وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ. .
(5) وَكَذَا أُمَامَةُ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ وَأُمَامَةُ. .
(6) عَلِيٌّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(7) جَمَاعَةٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(8) ن، هـ، ر، و: وَعُبَيْدِ اللَّهِ. وَفِي " الْإِصَابَةِ " 2/430: " عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ أَحَدِ الْإِخْوَةِ، وَهُوَ شَقِيقُ الْفَضْلِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَقُثَمَ وَمَعْبَدٍ. . .
(4/169)

وَالدِّينِ، كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ. فَفِي الْأُمَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِثْلُ هَؤُلَاءِ وَأَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَفِيهِمُ الْمُنْتَظَرُ وَلَا وُجُودَ لَهُ أَوْ مَفْقُودٌ (1) لَا مَنْفَعَةَ [لَهُمْ] (2) فِيهِ، فَهَذَا لَيْسَ فِي اتِّبَاعٍ إِلَّا شَرٌّ [مَحْضٌ] (3) بِلَا خَيْرٍ.
وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَفِي بَنِي هَاشِمٍ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ جَمَاعَاتٌ مِثْلُهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَدْيَنُ مِنْهُمْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعِيبَ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، الَّذِينَ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، مَنْ يُعَوِّضُ بِذِكْرِ قَوْمٍ فِي الْمُسْلِمِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَفْضَلُ مِنْهُمْ؟ وَقَدِ انْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِخَلْقٍ كَثِيرٍ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا انْتَفَعُوا بِهَؤُلَاءِ، مَعَ أَنَّ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُمْ قَصْدُهُمْ مُعَادَاةُ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى ذَلِكَ بِالْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ (4) ، وَإِطْفَاءُ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ أَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَفَتْحُ بَابِ الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ لِمَنْ يُرِيدُ إِفْسَادَ الْمِلَّةِ (5) .

[كلام الرافضي على مسح الرجلين في الوضوء بدلا من غسلهما والرد عليه]
فَصْلٌ (6) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (7) : " وَكَمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ الَّذِي نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
_________
(1) أ، ب: وَمَفْقُودٌ.
(2) لَهُمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) مَحْضٌ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) ن، م: وَالْمُسْلِمِينَ وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ.
(5) أ، ب: الْمِلَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(6) ر، هـ، ص: الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ.
(7) فِي (ك) ص 108 (م) 109 (م) .
(4/170)

فِي كِتَابِهِ [الْعَزِيزِ] (1) فَقَالَ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [سُورَةِ الْمَائِدَةِ: 6] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (2) : عُضْوَانِ مَغْسُولَانِ، وَعُضْوَانِ مَمْسُوحَانِ، [فَغَيَّرُوهُ] (3) وَأَوْجَبُوا الْغَسْلَ ".
فَيُقَالُ: الَّذِينَ نَقَلُوا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُضُوءَ (4) قَوْلًا وَفِعْلًا، وَالَّذِينَ تَعَلَّمُوا الْوُضُوءَ مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا عَلَى عَهْدِهِ، [وَهُوَ يَرَاهُمْ وَيُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ] (5) ، وَنَقَلُوهُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، أَكْثَرُ عَدَدًا (6) مِنَ الَّذِينَ نَقَلُوا لَفْظَ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا الْوُضُوءَ إِلَّا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمْ قَدْ رَأَوْهُ يَتَوَضَّأُ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَنَقَلُوا عَنْهُ ذِكْرَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِيمَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ، حَتَّى نَقَلُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ قَالَ: " «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ» " (7) ، مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ إِذَا كَانَ مَسْحَ ظَهْرِ الْقَدَمِ، كَانَ
_________
(1) ن، م: الَّذِي نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَلَيْهِ؛ ك: الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.
(2) أ، ب: ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
(3) فَغَيَّرُوهُ: فِي (ب) ، (ك) فَقَطْ.
(4) أ، ب: نَقَلُوا الْوُضُوءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. . 1
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) عَدَدًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) الْحَدِيثُ: بِلَفْظِ: " وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: الْبُخَارِيِّ 1/17 18 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ) ، 1/26 27 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ، 1/40 (كِتَابُ الْوُضُوءِ، بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ الْعَقِبَيْنِ، بَابُ غَسْلِ الْأَعْقَابِ) ؛ مُسْلِمٍ 1/213 215 (كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) الْأَرْقَامَ: 6809، 6883، 6976، 7103، 7122، 7788. وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ (وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ) . فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1 (كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ مَا جَاءَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/191 (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِسِ بْنِ جُزْءٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) .
(4/171)

غَسْلُ الْجَمِيعِ كَلَفَةً لَا تَدْعُو إِلَيْهَا الطِّبَاعُ، (1) كَمَا تَدْعُو الطِّبَاعُ إِلَى طَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ (2) ؛ فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ كَذَبُوا وَأَخْطَئُوا فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ الْكَذِبُ وَالْخَطَأُ فِيمَا نُقِلَ (3) مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ أَقْرَبَ إِلَى الْجَوَازِ.
وَإِنْ قِيلَ: بَلْ لَفْظُ (4) الْآيَةِ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ، فَثُبُوتُ التَّوَاتُرِ فِي نَقْلِ (5) الْوُضُوءِ عَنْهُ أَوْلَى وَأَكْمَلُ، وَلَفْظُ الْآيَةِ لَا يُخَالِفُ مَا تَوَاتَرَ مِنَ السُّنَّةِ، فَإِنَّ الْمَسْحَ جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعَانِ: الْإِسَالَةُ، وَغَيْرُ الْإِسَالَةِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ، فَمَا كَانَ بِالْإِسَالَةِ فَهُوَ الْغَسْلُ، وَإِذَا خُصَّ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ بِاسْمِ الْغَسْلِ فَقَدْ يُخَصُّ النَّوْعُ الْآخَرُ بِاسْمِ الْمَسْحِ، فَالْمَسْحُ يُقَالُ عَلَى الْمَسْحِ الْعَامِّ الَّذِي يَنْدَرِجُ فِيهِ الْغَسْلُ، وَيُقَالُ عَلَى الْخَاصِّ الَّذِي لَا يَنْدَرِجُ فِيهِ الْغَسْلُ.
وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، مِثْلُ لَفْظِ " ذَوِي الْأَرْحَامِ " فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْعُصْبَةَ [كُلَّهُمْ] (6) وَأَهْلَ الْفُرُوضِ وَغَيْرَهُمْ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ لِلْعُصْبَةِ وَأَصْحَابِ
_________
(1) أ، ب: الطَّبَايِعُ.
(2) (22) : سَاقِطٌ مِنْ (ب) وَفِي (أ) سَقَطَتْ عِبَارَةُ " كَمَا تَدْعُو الطِّبَاعُ ".
(3) أ، ب: فِيمَا نَقَلُوهُ.
(4) ن، م: فَإِنْ قِيلَ إِنَّ لَفْظَ.
(5) أ، ب: فِي لَفْظِ.
(6) كُلَّهُمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4/172)

الْفُرُوضِ اسْمٌ يَخُصُّهُمَا، بَقِيَ لَفْظُ " ذَوِي الْأَرْحَامِ " مُخْتَصًّا فِي الْعُرْفِ بِمَنْ لَا يَرِثُ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ (1) .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْجَائِزِ " وَ " الْمُبَاحِ " يَعُمُّ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ. ثُمَّ قَدْ يَخْتَصُّ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ (2) . وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْمُمْكِنِ " يُقَالُ (3) عَلَى مَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، ثُمَّ يُخَصُّ (4) بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُمْكِنِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْحَيَوَانِ " [وَنَحْوِهِ] (5) يَتَنَاوَلُ الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ قَدْ يَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْإِنْسَانِ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ: إِذَا كَانَ لِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ اسْمٌ يَخُصُّهُ، بَقِيَ الِاسْمُ الْعَامُّ مُخْتَصًّا بِالنَّوْعِ الْآخَرِ. وَلَفْظُ " الْمَسْحِ " مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَفِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحَ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْغَسْلِ، بَلِ الْمَسْحَ الَّذِي الْغَسْلُ قِسْمٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ (6) : (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى الْكِعَابِ، كَمَا قَالَ: (إِلَى الْمَرَافِقِ) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ رِجْلٍ (7) كَعْبٌ وَاحِدٌ، كَمَا فِي كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ وَاحِدٌ، بَلْ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ، فَيَكُونُ
_________
(1) ن: وَلَا بِعَصَبٍ.
(2) يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ خَلَّافٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ " عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ " ص 116، الطَّبْعَةَ الرَّابِعَةَ الْقَاهِرَةَ، 1369 1950: (يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْإِيجَابُ، وَالنَّدْبُ، وَالتَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِبَاحَةُ) .
(3) أ، ب: فَيُقَالُ.
(4) ب (فَقَطْ) : يَخْتَصُّ.
(5) وَنَحْوِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) ن، م: فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ. . .
(7) أ، ب: فِي الرِّجْلِ.
(4/173)

تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالْمَسْحِ إِلَى الْعَظْمَيْنِ النَّاتِئَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْغَسْلُ فَإِنَّ مَنْ يَمْسَحُ الْمَسْحَ الْخَاصَّ يَجْعَلُ الْمَسْحَ لِظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ وَفِي ذِكْرِهِ الْغَسْلُ فِي الْعُضْوَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالْمَسْحُ فِي الْآخَرَيْنِ، التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ يَجِبُ فِيهِمَا الْمَسْحُ الْعَامُّ، فَتَارَةً يُجْزِئُ الْمَسْحُ الْخَاصُّ، كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْعِمَامَةِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَتَارَةً لَا بُدَّ مِنَ الْمَسْحِ الْكَامِلِ الَّذِي هُوَ غَسْلٌ (1) ، كَمَا فِي الرِّجْلَيْنِ الْمَكْشُوفَتَيْنِ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَبِغَسْلِ (2) الرِّجْلَيْنِ. وَالرَّافِضَةُ تُخَالِفُ هَذِهِ السُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ، كَمَا تُخَالِفُ الْخَوَارِجُ نَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، بَلْ تَوَاتُرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (3) أَعْظَمُ مِنْ تَوَاتُرِ قَطْعِ الْيَدِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَفِي ذِكْرِ الْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى قِلَّةِ الصَّبِّ فِي الرِّجْلِ، فَإِنَّ السَّرَفَ يُعْتَادُ فِيهِمَا كَثِيرًا، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ لِلْكَلَامِ (4) ، فَإِنَّ (5) الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ فِعْلَاهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ، كَقَوْلِهِ:
_________
(1) أ، ب: الْغَسْلُ.
(2) أ، ب: وَغَسْلِ.
(3) (33) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) لِلْكَلَامِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْكَلَامِ.
(5) أ، ب: لِأَنَّ.
(4/174)

عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
وَالْمَاءُ يُسْقَى، لَا يُقَالُ: عَلَفْتُ الْمَاءَ، لَكِنَّ الْعَلْفَ وَالسَّقْيَ (1) يَجْمَعُهُمَا مَعْنَى الْإِطْعَامِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
أَيْ: وَمُعْتَقِلًا (2) رُمْحًا، لَكِنَّ التَّقَلُّدَ (3) وَالِاعْتِقَالَ يَجْمَعُهُمَا مَعْنَى الْحَمْلِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} ، {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: 17، 18] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحُورٌ عِينٌ} [سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: 22] . وَالْحَوَرُ الْعَيْنُ لَا يُطَافُ بِهِنَّ (4) ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى: يُؤْتَى بِهَذَا وَبِهَذَا. وَهُمْ قَدْ يَحْذِفُونَ مَا يَدُلُّ الظَّاهِرُ عَلَى جِنْسِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (5) : {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [سُورَةِ الْإِنْسَانِ: 31] . وَالْمَعْنَى: يُعَذِّبُ الظَّالِمِينَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: الْخَفْضُ وَالنَّصْبُ، فَالَّذِينَ قَرَءُوا بِالنَّصْبِ، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَعَادَ الْأَمْرَ إِلَى الْغَسْلِ، أَيْ: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ، وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالْقِرَاءَتَانِ (6) كَالْآيَتَيْنِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى
_________
(1) أ، ب: لِأَنَّ.
(2) أ، ب: أَيْ مُعْتَقِلًا.
(3) ر، هـ، و: التَّقْلِيدَ.
(4) أ، ب: بِهِمْ.
(5) أ، ب: كَقَوْلِهِ.
(6) وَالْقِرَاءَتَانِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/175)

مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، يَكُونُ الْمَعْنَى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ، وَامْسَحُوا أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَقَوْلُهُمْ (1) : مَسَحْتُ الرِّجْلَ، لَيْسَ مُرَادِفًا لِقَوْلِهِ (2) : مَسَحْتُ بِالرِّجْلِ، فَإِنَّهُ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ أُرِيدَ بِهِ (3) مَعْنَى الْإِلْصَاقِ، أَيْ أَلْصَقْتَ بِهِ شَيْئًا. وَإِذَا قِيلَ: مَسَحْتُهُ، لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَلْصَقْتَ بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي مُجَرَّدَ الْمَسْحِ، وَهُوَ لَمْ يُرِدْ مُجَرَّدَ الْمَسْحِ (4) بِالْيَدِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ إِذَا (5) مَسَحَهُ بِالْمَاءِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ، فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ، كَمَا فِي قِرَاءَةِ الْجَرِّ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْقُرْآنُ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ إِيجَابِ الْغَسْلِ، بَلْ فِيهِ إِيجَابُ الْمَسْحِ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ السُّنَّةَ أَوْجَبَتْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا رَفْعًا لِمُوجِبِ الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ إِذَا فَسَّرَتْهُ وَبَيَّنَتْ مَعْنَاهُ؟ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَيُعْلَمُ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ الَّتِي تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، فَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ (6) تَقْضِي عَلَى مَا يَفْهَمُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ لِلنَّاسِ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ، كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: عُثْمَانُ (7) بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّهُمْ
_________
(1) (فَقَطْ) : وَقَوْلُكَ.
(2) أ، ب: لِقَوْلِكَ.
(3) ن، م: مِنْهُ.
(4) (44) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) إِذَا: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَرَادَ.
(6) أ، ب: فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(7) أ، ب: الْقُرْآنَ عَلَى عُثْمَانَ.
(4/176)

كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا (1) حَتَّى يَتَعَلَّمُوا (2) مَعْنَاهَا.
وَمَا تَقَوَّلَهُ الْإِمَامِيَّةُ مِنْ (3) أَنَّ الْفَرْضَ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا مُجْتَمَعُ (4) السَّاقِ وَالْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ (5) ، أَمْرٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ يُعْرَفُ (6) ، وَلَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، بَلْ هُمْ مُخَالِفُونَ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَلِإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ (7) .
فَإِنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ يُوجِبُ الْمَسْحَ بِالرُّءُوسِ (8) وَبِالْأَرْجُلِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، مَعَ إِيجَابِهِ لِغَسْلِ الْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي (9) إِلَى الْمَرَافِقِ، فَكَانَ فِي ظَاهِرِهِ مَا يُبَيِّنُ (10) أَنَّ فِي كُلِّ يَدٍ مِرْفَقًا، وَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ فَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ النَّصْبِ فَالْعَطْفُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمَحَلِّ (11) إِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
_________
(1) ر، هـ، ص: لَمْ يَتَجَاوَزْهَا.
(2) ص: يَعْلَمُوا.
(3) مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أ، ب، و: مَجْمَعُ.
(5) فِي " اللِّسَانِ ": " وَالشِّرَاكُ: سَيْرُ النَّعْلِ، وَالْجَمْعُ شُرُكٌ ".
(6) ر، هـ، ص،: مَعْرُوفٌ.
(7) ن: بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(8) أ، ب، ص: بِالرَّأْسِ.
(9) ن، م: الْوَجْهِ وَالْأَيْدِي؛ أ، ب: الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ.
(10) أ، ب: فِي ظَاهِرِ مَا تَبَيَّنَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(11) يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: " وَقَوْلُهُ: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ؛ قُرِئَ: (وَأَرْجُلَكُمْ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وَهِيبٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَرَأَهَا (وَأَرْجُلَكُمْ) يَقُولُ: رَجَعَتْ إِلَى الْغَسْلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعُرْوَةَ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالضِّحَاكِ وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَهَكَذَا قِرَاءَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ، كَمَا قَالَهُ السَّلَفُ ".
(4/177)

مُعَاوِي إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا (1) فَلَوْ كَانَ (2) مَعْنَى قَوْلِهِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِي وَرِجْلِي، هُوَ: مَعْنَى مَسَحْتُ رَأْسِي وَرِجْلِي، لِأَمْكَنَ كَوْنُ الْعَطْفِ (3) عَلَى الْمَحَلِّ. وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ (4) ؛ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: " وَأَرْجُلَكُمْ " بِالنَّصْبِ، عَطْفٌ عَلَى: وَأَيْدِيَكُمْ، كَمَا قَالَهُ الَّذِينَ قَرَءُوهُ كَذَلِكَ.
وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ مَا يَدُلُّ ظَاهِرُهَا (5) عَلَى قَوْلِهِمْ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا [إِلَّا] بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ (6) ، وَهَذَا حَالُ سَائِرِ أَهْلِ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِظَاهِرِ
_________
(1) فِي هَامِشِ (ر) كُتِبَ مَا يَلِي: " قَوْلُهُمْ: مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ. الْإِسْجَاحُ: حُسْنُ الْعَفْوِ، أَيْ: مَلَكْتَ الْأَمْرَ عَلَيَّ، فَأَحْسِنِ الْعَفْوَ عَنِّي وَأَصْلُهُ: السُّهُولَةُ وَالرِّفْقُ. يُقَالُ: مِشْيَةٌ سَجْحٌ، أَيْ سَهْلَةٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَوْمَ الْجَمَلِ حِينَ ظَهَرَ عَلَى النَّاسِ فَدَنَا مِنْ هَوْدَجِهَا، ثُمَّ كَلَّمَهَا بِكَلَامٍ، فَأَجَابَتْهُ: مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ أَيْ: مَلَكْتَ فَأَحْسِنْ، فَجَهَّزَهَا عِنْدَ ذَلِكَ بِأَحْسَنِ جِهَازٍ، وَبَعَثَ مَعَهَا بِأَرْبَعِينَ امْرَأَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَبْعِينَ امْرَأَةً، حَتَّى قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ. " مَجْمَعَ الْأَمْثَالِ لِلْمَيْدَانِيِّ ".
(2) ن، م، ر، هـ: فَلَوْ قَالَ.
(3) ن، م: لَا يَكُونُ كَوْنُ الْعَطْفِ؛ وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ الْعَطْفِ.
(4) ب (فَقَطْ) : لَكِنْ لِمَعْنًى مُخْتَلِفٍ.
(5) ن، م، و: ظَاهِرُهُ؛ ب: ظَاهِرًا
(6) ب (فَقَطْ) : تَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(4/178)

الْقُرْآنِ عَلَى مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ إِذَا خَفِيَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، [مَعَ أَنَّهُ] (1) لَمْ يُوجَدْ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ، كَمَنْ قَالَ مِنَ الْخَوَارِجِ: لَا نُصَلِّي (2) فِي سَفَرٍ (3) إِلَّا أَرْبَعًا (4) ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ (5) مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ (6) . وَمَنْ قَالَ: لَا نَحْكُمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ [فِي مَوَاضِعَ] وَبَيَّنَ (7) أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ حَقٌّ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ عُمُومٌ لَفْظِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ مُطْلَقٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 5] فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي الْأَعْيَانِ، مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ، وَقَوْلُهُ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] عَامٌّ فِي الْأَوْلَادِ، مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ.
وَلَفْظُ " الظَّاهِرِ " يُرَادُ بِهِ مَا قَدْ يَظْهَرُ (8) لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. فَالْأَوَّلُ يَكُونُ بِحَسَبِ فُهُومِ (9) النَّاسِ. وَفِي الْقُرْآنِ مِمَّا (10) يُخَالِفُ الْفَهْمَ الْفَاسِدَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْكَلَامُ فِيهِ.
_________
(1) مَعَ أَنَّهُ: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا لِتَسْتَقِيمَ الْعِبَارَةُ.
(2) أ، ب، ص، ر: لَا يُصَلِّي.
(3) أ، ب، م: السَّفَرِ.
(4) ن، م، هـ، و: إِلَّا مِنَ الْأَرْبَعَا.
(5) ر، ص، هـ، و: فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ.
(6) مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
(7) ن، م: عَلَى هَذَا وَبَيَّنَ. .
(8) أ، ب: مَا يَظْهَرُ.
(9) أ، ب: مَفْهُومِ.
(10) أ، ب، و: مَا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/179)

[كلام الرافضي على متعة الحج والنساء والتعليق على كلامه]
فَصْلٌ (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَكَالْمُتْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، فَقَالَ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 196] وَتَأَسُّفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَوَاتِهَا لَمَّا حَجَّ قَارِنًا، وَقَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» " وَقَالَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 24] وَاسْتَمَرَّتْ فِعْلُهُمَا مُدَّةَ زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُدَّةَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ (3) ، وَبَعْضِ خِلَافَةِ عُمَرَ، إِلَى أَنْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا [مُحَلَّلَتَيْنِ] (4) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهَا " (5) .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا مُتْعَةُ الْحَجِّ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهَا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَدَعْوَاهُ (6) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ ابْتَدَعُوا تَحْرِيمَهَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ
_________
(1) ر، هـ، ص: الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ.
(2) فِي (ك) ص 109 (م) .
(3) ن، م، هـ، ر، ص: وَاسْتَمَرَّتْ مُنْذُ زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُنْذُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ؛ أ، ب: وَاسْتَمَرَّتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمُدَّةَ (ب: وَمُنْذُ) خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ك) .
(4) مُحَلَّلَتَيْنِ: فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي (ك) : مُحَلَّلَتَانِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) ن، م، ر، ص، و: إِنِّي مُحَرِّمُهُمَا وَمُعَاقِبٌ عَلَيْهِمَا؛ أ: إِنَّى حَرَّمْتُهُمَا وَمُعَاقِبٌ عَلَيْهِمَا؛ ب: وَأَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ك) . 1
(6) أ، ب: وَدَعْوَاهُمْ.
(4/180)

السُّنَّةِ (1) يَسْتَحِبُّونَ الْمُتْعَةَ وَيُرَجِّحُونَهَا أَوْ يُوجِبُونَهَا. وَالْمُتْعَةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَصَارَ قَارِنًا، أَوْ بَعْدَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ إِحْرَامِهِ لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، أَوْ مُطْلَقًا. وَقَدْ يُرَادُ بِالْمُتْعَةِ (2) مُجَرَّدُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ: يَسْتَحِبُّونَ الْمُتْعَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ الْقُرْآنَ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ، كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَالصَّحِيحُ - وَهُوَ الصَّرِيحُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ - أَنَّهُ إِنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقُرْآنُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ فَالتَّحَلُّلُ (3) مِنْ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ أَفْضَلُ. فَإِنَّ الْأَوَّلَ (4) هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ (5) .
_________
(1) ن، م: أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(2) بِالْمُتْعَةِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بِالتَّمَتُّعِ.
(3) أ، ب: وَإِلَّا فَالتَّحَلُّلُ. .
(4) ن (فَقَطْ) : فَإِنَّ الْأَفْضَلَ.
(5) عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: فِي الْبُخَارِيِّ 2/159 - 160 (كِتَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ. .) قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. . الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ ". وَفِي مُسْلِمٍ 2/879 (كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ. . . ") حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ". . . وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِيَ حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا ". وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/210 - 211 (كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابٌ فِي إِفْرَادِ الْحَجِّ) . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1023 (كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ".
(4/181)

بَلْ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ يُوجِبُ (1) الْمُتْعَةَ، كَمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ، لِمَا ذُكِرَ (2) مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا أَصْحَابَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَإِذَا كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقِينَ عَلَى جَوَازِهَا (3) ، وَأَكْثَرُهُمْ يَسْتَحِبُّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهَا، عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنِ ابْتِدَاعِ تَحْرِيمِهَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: هَبْ أَنَّ عُمَرَ قَالَ قَوْلًا خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، حَتَّى قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ (4) ، قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (5) .
فَأَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ (6) مِنَ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ (7)
_________
(1) أ، ب: مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يُوجِبُ.
(2) أ، ب: لِمَا ذَكَرَهُ.
(3) أ (فَقَطْ) : عَلَى وُجُوبِهَا، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4) وَنَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ: كَذَا فِي (ص) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: نَزَلَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ.
(5) الْحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - فِي الْبُخَارِيِّ 2/144 (كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ التَّمَتُّعِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ مُسْلِمٍ 2/900 (كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ) ؛ سُنَنِ النَّسَائِيِّ 5/120 (كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ التَّمَتُّعِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/429.
(6) وَاحِدٍ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَحَدٍ.
(7) ن: مِنْ غَيْرِهِ، أ، ب: بِقَوْلِهِ.
(4/182)

وَيَتْرُكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الطَّعْنَ فِي (1) أَهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا فَهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّ عُمَرَ أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَةٍ فَهُمْ لَا يُنَزِّهُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقَلُّ خَطَأً مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ مَسَائِلَ الْفِقْهِ الَّتِي ضَعُفَ فِيهَا قَوْلُ أَحَدِهِمَا فَوَجَدُوا (2) الضَّعِيفَ فِي أَقْوَالِ (3) عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَكْثَرَ: مِثْلَ إِفْتَائِهِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، مَعَ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتَةَ عَنْهُ الْمُوَافِقَةَ لِكِتَابِ اللَّهِ تَقْتَضِي أَنَّهَا تَحِلُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ. وَبِذَلِكَ أَفْتَى عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (4) .
وَمِثْلَ إِفْتَائِهِ بِأَنَّ الْمُفَوِّضَةَ يَسْقُطُ مَهْرُهَا بِالْمَوْتِ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا (5) ، كَمَا رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ (6) .
وَقَدْ وُجِدَ مِنْ أَقْوَالِ عَلِيٍّ الْمُتَنَاقِضَةِ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْفَرَائِضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ مِنْ أَقْوَالِ عُمَرَ الْمُتَنَاقِضَةِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالتَّمَتُّعِ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نِزَاعٌ بَيْنَ
_________
(1) أ، ب: عَلِيٍّ.
(2) فَوَجَدُوا: كَذَا فِي (ن) ، (م) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَوُجِدَ.
(3) أ، ب، م: قَوْلِ.
(4) انْظُرِ: الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ 7/473 (ط. مَكْتَبَةِ الْجُمْهُورِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ) .
(5) أ، ب: أَنَّ لَهَا الْمَهْرَ مَهْرَ نِسَائِهَا. .
(6) انْظُرِ الْمُغْنِيَ لِابْنِ قُدَامَةَ 6/721 - 723؛ الْإِصَابَةَ لِابْنِ حَجَرٍ 4/244.
(4/183)

الْفُقَهَاءِ. فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، يَأْمُرُونَ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ [اسْتِحْبَابًا] (1) وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ كَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَمَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجَوِّزُونَ الْفَسْخَ. وَالصَّحَابَةُ كَانُوا مُتَنَازِعِينَ فِي هَذَا، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ صَوَابًا فَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً (2) فَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَلَا يَخْرُجُ الْحَقُّ عَنْهُمْ (3) .
وَإِنْ قَدَحُوا فِي عُمَرَ لِكَوْنِهِ (4) نَهَى عَنْهَا، فَأَبُو ذَرٍّ كَانَ أَعْظَمَ نَهْيًا عَنْهَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُتْعَةَ كَانَتْ خَاصَّةً بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا ذَرٍّ وَيُعَظِّمُونَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوجِبُ الْقَدْحَ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْدَحُوا فِي أَبِي ذَرٍّ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي عُمَرَ دُونَهُ، وَعُمَرُ أَفْضَلُ وَأَفْقَهُ وَأَعْلَمُ مِنْهُ؟ ! (5) وَيُقَالُ: ثَانِيًا: إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُحَرِّمْ مُتْعَةَ الْحَجِّ، بَلْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّ الضَّبِّيَّ (6) بْنَ مَعْبَدٍ لَمَّا قَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ (7) .
_________
(1) اسْتِحْبَابًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) وَ: مَحْظُورًا.
(3) انْظُرِ: الْمُغْنِيَ لِابْنِ قُدَامَةَ 3/399 - 401
(4) لِكَوْنِهِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بِكَوْنِهِ.
(5) أ، ب: وَأَفْقَهُ مِنْهُ وَأَعْلَمُ.
(6) ن، م، و: وَالضَّبِّيِّ.
(7) الْحَدِيثُ عَنِ الضَّبِّيِّ بْنِ مَعْبَدٍ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 5/113 - 114 (كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ الْقُرْآنِ) ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/989 (كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 1/189 - 190 (وَسَمَّى الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر التَّابِعِيَّ: الضَّبِيَّ بْنَ مَعْبَدٍ. وَصَحَّحَ الْحَدِيثَ) وَهُوَ مُكَرَّرٌ: الْأَرْقَامَ: 169، 227، 254.
(4/184)

وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَأْمُرُهُمْ بِالْمُتْعَةِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ نَهَى عَنْهَا (1) . فَيَقُولُ: إِنَّ أَبِي لَمْ يُرِدْ مَا تَقُولُونَ. فَإِذَا أَلَحُّوا عَلَيْهِ قَالَ: أَفَرَسُولُ اللَّهِ (2) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تَتَبِّعُوا أَمْ عُمَرُ؟ (3) .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا (4) أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ، وَلَوْ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ (5) . وَإِنَّمَا كَانَ مُرَادُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ (6) ، وَكَانَ النَّاسُ لِسُهُولَةِ الْمُتْعَةِ تَرَكُوا الِاعْتِمَارَ (7) فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَرَادَ أَلَا يُعَرَّى الْبَيْتُ طُولَ السَّنَةِ، فَإِذَا أَفْرَدُوا الْحَجَّ اعْتَمَرُوا فِي سَائِرِ السَّنَةِ، وَالِاعْتِمَارُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، مَعَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ (8) قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 96] (9) قَالَا: إِتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ
_________
(1) أ، ب: يَأْمُرُ.
(2) أ: أَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ؛ ب: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ؛ ص: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/159 (كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ "؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 8/77 - 78 (وَانْظُرْ تَعْلِيقَ الْمُحَقِّقِ) .
(4) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(5) (5 - 5) : سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (و) .
(6) أ، ب: أَنْ يَأْمُرَ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ.
(7) أ، ب: الْعُمْرَةَ.
(8) ب (فَقَطْ) : وَلِذَلِكَ.
(9) تُوجَدُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ وَرَقَةٌ سَاقِطَةٌ مِنْ نُسْخَةِ (أ) .
(4/185)

أَهْلِكَ (1) : أَرَادَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْ تُسَافِرَ لِلْحَجِّ سَفَرًا وَلِلْعُمْرَةِ سَفَرًا، وَإِلَّا فَهُمَا لَمْ يُنْشِئَا الْإِحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ الْأَهْلِ، وَلَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ.
وَالْإِمَامُ إِذَا اخْتَارَ لِرَعِيَّتِهِ الْأَمْرَ الْفَاضِلَ، فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَكَانَ نَهْيُهُ عَنِ الْمُتْعَةِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: وَأَنَا أُحَرِّمُهُمَا (2) ، كَمَا نَقَلَ هَذَا الرَّافِضِيُّ، بَلْ قَالَ: أَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ كَانَ نَهْيُهُ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ لِلْأَفْضَلِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ (3) ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ نَهَى عَنِ الْفَسْخِ.
وَالْفَسْخُ حَرَامٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. فَالْفَسْخُ يُحَرِّمُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، لَكِنَّ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُ [مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ (4) لَا يُحَرِّمُونَ الْفَسْخَ، بَلْ يَسْتَحِبُّونَهُ، بَلْ يُوجِبُهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِ عُمَرَ] (5) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وَأَمَّا مُتْعَةُ النِّسَاءِ [الْمُتَنَازَعُ فِيهَا] (6) فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ صَرِيحٌ بِحِلِّهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ:
_________
(1) أ، ب: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
(2) ب: أَنَا أُحَرِّمُهُمَا.
(3) (3 - 3) سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(4) وَغَيْرِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) عِبَارَةُ " الْمُتَنَازَعُ فِيهَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4/186)

{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 24، 25] فَقَوْلُهُ: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} يَتَنَاوَلُ كُلَّ (1) مَنْ دُخِلَ بِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ، بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ الَّتِي لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا (2) فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إِلَّا نِصْفَهُ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 21] فَجَعَلَ الْإِفْضَاءَ مَعَ الْعَقْدِ مُوجِبًا لِاسْتِقْرَارِ الصَّدَاقِ، يُبَيِّنُ (3) ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ فِيهِ دُونَ النِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ مَعْنًى، بَلْ إِعْطَاءُ الصَّدَاقِ كَامِلًا فِي الْمُؤَبَّدِ أَوْلَى، فَلَا بُدَّ أَنْ تَدُلَّ الْآيَةُ عَلَى الْمُؤَبَّدِ: إِمَّا بِطْرِيقِ التَّخْصِيصِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا نِكَاحَ الْإِمَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذُكِرَ كَانَ فِي نِكَاحِ الْحَرَائِرِ مُطْلَقًا. فَإِنْ قِيلَ: فَفِي قِرَاءَةِ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قِيلَ: أَوَّلًا لَيْسَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُتَوَاتِرَةً، وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْمُتْعَةَ أُحِلَّتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ.
_________
(1) ب: مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ.
(2) (2 - 2) : سَاقِطٌ مِنْ (ب) وَمَكَانُهُ فِيهَا: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا. .
(3) ب: فَبَيَّنَ.
(4/187)

الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْحَرْفُ إِنْ كَانَ نَزَلَ (1) ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَيْسَ [ثَابِتًا] (2) مِنَ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، فَيَكُونُ مَنْسُوخًا، وَيَكُونُ نُزُولُهُ (3) لَمَّا كَانَتِ الْمُتْعَةُ مُبَاحَةً، فَلَمَّا حُرِّمَتْ نُسِخَ هَذَا الْحَرْفُ، وَيَكُونُ (4) الْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ فِي الْوَقْتِ تَنْبِيهًا عَلَى الْإِيتَاءِ فِي النِّكَاحِ الْمُطْلَقِ. وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ. وَالْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (5) وَاجِبٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا (6) ، [وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى حَلَالًا،] (7) وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى حَلَالٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَأُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، بَلْ قَالَ: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا وَقَعَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ: سَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا، أَوْ كَانَ فِي وَطْءِ شُبْهَةٍ.
وَلِهَذَا يَجِبُ الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِالسُّنَّةِ وَالِاتِّفَاقِ. وَالْمُتَمَتِّعُ إِذَا اعْتَقَدَ حِلَّ الْمُتْعَةِ وَفَعَلَهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ الْمُحَرَّمُ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ؛ فَإِنَّهُ لَوِ اسْتَمْتَعَ بِالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا لَكَانَ زِنًا، وَلَا مَهْرَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةً فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ.
_________
(1) ب: إِنْ كَانَ هَذَا الْحَرْفُ نَزَلَ.
(2) ثَابِتًا: فِي (ب) ، (و) فَقَطْ.
(3) نُزُولُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(4) ب: أَوْ يَكُونُ.
(5) مُسَمًّى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(6) حَلَالًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (هـ) ، (و) ، (ص) ، (ر) .
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/188)

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَهْيِ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ [بَعْدَ الْإِحْلَالِ] (1) . هَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -[لَمَّا أَبَاحَ الْمُتْعَةَ] : (2) إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (* [عَامَ خَيْبَرَ] » (3) ، رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالسُّنَّةِ وَأَحْفَظُهُمْ لَهَا، أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِهِمْ، مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ (4) عَلَى عِلْمِهِمْ وَعَدْلِهِمْ وَحِفْظِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى (5) بِالْقَبُولِ، لَيْسَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ *) (6) .
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ حَرَّمَهَا (7) فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَنَازَعَ رُوَاةُ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَلْ قَوْلُهُ: " عَامَ خَيْبَرَ " تَوْقِيتٌ لِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ؟ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ،
_________
(1) بَعْدَ الْإِحْلَالِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (هـ) .
(3) عَامَ خَيْبَرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) الْمُسْلِمُونَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(5) ب: يُتَلَقَّى.
(6) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ر) ، (هـ) ، (ص) .
(7) هـ، ص، ر: أَنَّهُ حَرَّمَهُمَا.
(4/189)

قَالُوا: إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَامَ الْفَتْحِ. وَمَنْ قَالَ بِالْآخَرِ قَالَ: إِنَّهَا حُرِّمَتْ ثُمَّ أُحِلَّتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ (1) . وَادَّعَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهَا أُحِلَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
فَالرِّوَايَاتُ الْمُسْتَفِيضَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ مُتَوَاطِئَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ بَعْدَ إِحْلَالِهَا. وَالصَّوَابُ أَنَّهَا بَعْدَ أَنْ حُرِّمَتْ لَمْ تُحَلَّ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَمْ تُحَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ (2) ، وَلَمْ تُحَرَّمْ عَامَ خَيْبَرَ بَلْ عَامَ خَيْبَرَ حُرِّمَتْ لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. «وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُبِيحُ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ (3) الْحُمُرِ فَأَنْكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ» ، فَقَرَنَ (4) عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ لَمَّا رَوَى ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُبِيحُهُمَا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ [لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُمَا] (5) .
فَأَهْلُ السُّنَّةِ اتَّبَعُوا (6) عَلِيًّا وَغَيْرَهُ (7) مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِيمَا رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
_________
(1) عِبَارَةُ " ثُمَّ حُرِّمَتْ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(2) ب: وَإِنَّهَا لِمَا حُرِّمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمْ تُحَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ.
(3) ب: الْمُتْعَةَ وَأَكْلَ لُحُومِ. .
(4) ن، م: فَفَرَّقَ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ب) فَقَطْ، وَسَقَطَ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ وَمَكَانُهُ بَيَاضٌ فِيهَا.
(6) ب: يَتَّبِعُونَ؛ ص: تَبِعُوا.
(7) ب: (فَقَطْ) : اتَّبَعُوا عُمَرَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
(4/190)

وَالشِّيعَةُ خَالَفُوا عَلِيًّا فِيمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاتَّبَعُوا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ فِي كِتَابِهِ الزَّوْجَةَ وَمِلْكَ الْيَمِينِ، وَالْمُتَمَتَّعُ بِهَا لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَتَوَارَثَا، وَلَوَجَبَتْ (1) عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَلَحِقَهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الزَّوْجَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا انْتَفَى عَنْهَا لَوَازِمُ النِّكَاحِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ النِّكَاحِ فَإِنَّ (2) انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ. وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ فِي كِتَابِهِ الْأَزْوَاجَ (3) وَمِلْكَ الْيَمِينِ، وَحَرَّمَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} ، {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} ، {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: 5 - 7] .
وَالْمُسْتَمْتَعُ (4) بِهَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، فَتَكُونُ حَرَامًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ. أَمَّا كَوْنُهَا (5) لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا (6) لَيْسَتْ زَوْجَةً فَلِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ النِّكَاحِ [فِيهَا] (7) ، فَإِنَّ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ كَوْنَهُ (8) سَبَبًا لِلتَّوَارُثِ وَثُبُوتِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ [فِيهِ] (9) ، وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَتَنْصِيفِ الْمَهْرِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوَازِمِ.
_________
(1) ب: وَلَوَجَبَ.
(2) ب: لِأَنَّ.
(3) ب: الزَّوَاجَ.
(4) ر، هـ، ص: وَالْمُتَمَتِّعُ.
(5) ن: قَوْلُهَا؛ م: قَوْلُنَا؛ و: لِكَوْنِهَا.
(6) و: لِكَوْنِهَا.
(7) ر، ص: فِيهِ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ) .
(8) ن، م: مِنْ لَوَازِمِهِ كَوْنَهُ.
(9) فِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (هـ) ، (ص) .
(4/191)

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَكُونُ زَوْجَةً لَا تَرِثُ كَالذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ.
قِيلَ: عِنْدَهُمْ نِكَاحُ (1) الذِّمِّيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ إِنَّمَا يَكُونُ (2) عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَهُمْ يُبِيحُونَ الْمُتْعَةَ مُطْلَقًا. ثُمَّ يُقَالُ: نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ سَبَبٌ لِلتَّوَارُثِ، وَلَكِنَّ الْمَانِعَ قَائِمٌ، وَهُوَ الرِّقُّ وَالْكُفْرُ. كَمَا أَنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ لِلْإِرْثِ (3) إِلَّا (4) إِذَا كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا فَالْمَانِعُ قَائِمٌ. وَلِهَذَا إِذَا أُعْتِقَ الْوَلَدُ أَوْ أَسْلَمَ وَرِثَ أَبَاهُ فِي حَيَاتِهِ (5) [وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ الذِّمِّيَّةُ (6) إِذَا أَسْلَمَتْ فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا وَرِثَتْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، [بِخِلَافِ الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا] (7) ، فَإِنَّ نَفْسَ نِكَاحِهَا لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِرْثِ، فَلَا يَثْبُتُ التَّوَارُثُ فِيهِ بِحَالٍ. فَصَارَ هَذَا النِّكَاحُ كَوَلَدِ الزِّنَا الَّذِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ زَوْجٍ (8) فَإِنَّ هَذَا لَا يُلْحَقُ بِالزَّانِي بِحَالٍ، فَلَا يَكُونُ ابْنًا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّسَبُ قَدْ تَتَبَعَّضُ (9) أَحْكَامُهُ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ.
قِيلَ: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَالْجُمْهُورُ (10) يُسَلِّمُونَهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ
_________
(1) ن، م: عِنْدَهُمْ عِنْدَ نِكَاحِ. . .
(2) ب: يَجُوزُ.
(3) ب: لِلتَّوَارُثِ.
(4) إِلَّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، (ص) ، (هـ) ، (و) .
(5) عِبَارَةُ " فِي حَيَاتِهِ ": فِي (ن) ، (م) فَقَطْ.
(6) الذِّمِّيَّةُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، (و) .
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) ن، م: الزَّوْجِ.
(9) ب، ر، هـ، ص: تَبَعَّضَ.
(10) وَالْجُمْهُورُ: كَذَا فِي (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ.
(4/192)

لَهُمْ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ (1) مُنْتَفِيَةٌ فِي الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا، لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ النِّكَاحِ الْحَلَالِ. فَعُلِمَ انْتِفَاءُ كَوْنِهَا زَوْجَةً، وَمَا ثَبَتَ فِيهَا (2) مِنَ الْأَحْكَامِ مِثْلَ (3) لُحُوقِ النَّسَبِ، وَوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَدَرْءِ الْحَدِّ (4) ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَهَذَا يَثْبُتُ فِي وَطْءِ (5) الشُّبْهَةِ. فَعُلِمَ أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَمْتَعِ بِهَا لَيْسَ وَطْئًا لِزَوْجَةٍ، لَكِنَّهُ مَعَ اعْتِقَادِ الْحِلِّ (6) مِثْلُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ (7) . وَأَمَّا كَوْنُ الْوَطْءِ بِهِ حَلَالًا فَهَذَا مَوْرِدُ النِّزَاعِ، فَلَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَنَازِعِينَ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ عَلَى الْآخَرِ بِمَوَارِدِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.

[كلام الرافضي على مَنْعِ أَبي بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا]
فَصْلٌ (8) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (9) : " وَمَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا فَقَالَتْ (10) . يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ وَالْتَجَأَ فِي ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةٍ انْفَرَدَ بِهَا -
_________
(1) ب: الزَّوْجَةِ.
(2) عِنْدَهُ عِبَارَةُ " وَمَا ثَبَتَ فِيهَا " تَعُودُ نُسْخَةُ (أ) .
(3) أ، ب: مِنْ.
(4) أ، ب: الْحُدُودِ.
(5) أ، ب: نِكَاحِ.
(6) ن، م: لَكِنَّهُ مَعَ انْتِفَاءِ مَعَ اعْتِقَادِ الْحِلِّ. .
(7) أ، ب: مِثْلُ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ.
(8) ر، هـ، ص: الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ.
(9) فِي (ك) ص [0 - 9] 09 (م) .
(10) ك: فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ إِرْثَهَا فَقَالَتْ لَهُ
(4/193)

وَكَانَ هُوَ الْغَرِيمَ لَهَا؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ - لِأَنَّ (1) النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ (2) صَدَقَةٌ» " عَلَى أَنَّ مَا رَوَوْهُ عَنْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ (3) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] (4) وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ دُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَّبَ رِوَايَتَهُمْ (5) فَقَالَ تَعَالَى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [سُورَةِ النَّمْلِ: 16] ، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا - يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [سُورَةِ مَرْيَمَ: 5، 6] .

[الْجَوَابُ على كلام الرافضي مَنْعَ أَبي بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا مِنْ وُجُوهٍ]
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ لَا يُعْلَمُ (6) صِحَّتُهُ عَنْهَا، وَإِنْ (7) صَحَّ فَلَيْسَ (8) فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنَ
_________
(1) لِأَنَّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَنَّ.
(2) ك: وَمَا تَرَكْنَاهُ.
(3) ن، م: عَلَى أَنَّ مَا رَوَوْهُ عَنْهُ فَالْقُرْآنُ بِخِلَافِهِ؛ ر، ص: عَلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ عَنْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ ب: عَلَى مَا رَوَوْهُ عَنْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ ك: عَلَى مَا رَوَوْهُ عَنْهُ. وَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ.
(4) ك: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ.
(5) ن، م، رِوَايَتَهُ
(6) أ، ب: نَعْلَمُ.
(7) ن، م: فَإِنْ.
(8) أ، ب: لَيْسَ.
(4/194)

الْبَشَرِ، وَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [كَأَبِيهَا] (1) ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ كَأَبِيهَا، وَلَا هُوَ أَيْضًا مِمَّنْ جَعَلَ اللَّهُ مَحَبَّتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى مَحَبَّةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ، كَمَا جَعَلَ أَبَاهَا كَذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الْأَنْبِيَاءَ عَنْ أَنْ يُوَرِّثُوا دُنْيَا (2) ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَنْ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا وَخَلَّفُوهَا (3) لِوَرَثَتِهِمْ. وَأَمَّا أَبُو الصِّدِّيقِ (4) وَأَمْثَالُهُ فَلَا نُبُوَّةَ لَهُمْ يُقْدَحُ فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، كَمَا صَانَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا عَنِ الْخَطِّ وَالشِّعْرِ صِيَانَةً لِنُبُوَّتِهِ عَنِ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ الصِّيَانَةِ.

الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: " وَالْتَجَأَ فِي ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةٍ (5) انْفَرَدَ بِهَا " كَذِبٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ هَؤُلَاءِ ثَابِتَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ (6) ، مَشْهُورَةٌ يَعْلَمُهَا أَهْلُ
_________
(1) كَأَبِيهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) ن: دِينَارًا.
(3) أ، ب: وَوَرَّثُوهَا.
(4) ب: وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ و: وَأَمَّا قُحَافَةُ؛ هـ، ص: وَأَمَّا الصِّدِّيقُ؛ ر: وَأَمَّا أَبُو قُحَافَةَ.
(5) أ، ب: الثَّانِي قَوْلُهُ وَالْتَجَأَ إِلَى رِوَايَةٍ.
(6) ن، م، و، هـ، ر: وَالْمَسَانِدِ.
(4/195)

الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (1) ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ انْفَرَدَ بِالرِّوَايَةِ، يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ (2) جَهْلِهِ أَوْ تَعَمُّدِهِ (3) الْكَذِبَ.

الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: " وَكَانَ هُوَ الْغَرِيمَ [لَهَا] " كَذِبٌ (4) ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَدَّعِ هَذَا الْمَالَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ صَدَقَةٌ لِمُسْتَحِقِّهَا (5) ، كَمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ (6) حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ. [وَالْعَدْلُ] (7) لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ (8) أَنَّهُ وَصَّى (9)
_________
(1) جَاءَ الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَالْعَبَّاسِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ وَعَائِشَةَ (زَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَطَلْحَةَ) فِي: الْبُخَارِيِّ 4/79 (كِتَابُ فَرْضِ الْخُمْسِ، الْبَابُ الْأَوَّلُ) 5/20 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، بَابُ مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ. . .) ، 5/89 - 90 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ. . .) ، 5/139 - 140 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) ، 7/63 - 64 (كِتَابُ النَّفَقَاتِ، بَابُ حَبْسِ نَفَقَةِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ) ، 8/149 - 150 (كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) ، 9/98 - 100 (كِتَابُ الِاعْتِصَامِ، بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ. .) ، مُسْلِمٍ 3/1376 - 1383 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ حُكْمِ الْفَيْءِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/192 - 199 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/81 - 83 (كِتَابُ السِّيَرِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . وَجَاءَ الْحَدُّ أَيْضًا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَسَيَرِدُ بِنَصِّهِ فِي هَذَا الْجُزْءِ بَعْدَ صَفَحَاتٍ.
(2) وَ: عَلَى غَايَةِ. .
(3) أ، ب: وَتَعَمُّدِهِ.
(4) ن، م: كَانَ هُوَ الْغَرِيمَ كَذِبٌ. .
(5) و، هـ، ص: لِمُسْتَحِقِّيهَا.
(6) ن، م، هـ، ر: كَمَا هُوَ الْمَسْجِدُ؛ ص: كَالْمَسْجِدِ.
(7) وَالْعَدْلُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(8) أ، ب: لِرَجُلٍ.
(9) ن، م: أَوْصَى.
(4/196)

بِجَعْلِ بَيْتِهِ مَسْجِدًا، أَوْ بِجَعْلِ بِئْرِهِ مُسَبَّلَةً، أَوْ أَرْضِهِ مَقْبَرَةً، وَنَحْوِ ذَلِكَ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَشْرَبَ مِنْ تِلْكَ (1) الْبِئْرِ، وَيُدْفَنَ فِي تِلْكَ الْمَقْبَرَةِ. فَإِنَّ هَذَا (2) شَهَادَةٌ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ، وَالشَّاهِدُ دَخَلَ فِيهَا بِحُكْمِ الْعُمُومِ لَا بِحُكْمِ التَّعْيِينِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ خَصْمًا.
وَمِثْلُ هَذَا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ (3) بِحَقٍّ لِبَيْتِ الْمَالِ (4) مِثْلُ كَوْنِ هَذَا الشَّخْصِ (5) لِبَيْتِ الْمَالِ عِنْدَهُ حَقٌّ، وَشَهَادَتُهُ بِأَنَّ (6) هَذَا لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا بَيْتَ الْمَالِ، وَشَهَادَتُهُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِمَا يُوجِبُ نَقْضَ عَهْدِهِ وَكَوْنَ مَالِهِ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَلَوْ شَهِدَ عَدْلٌ بِأَنَّ فُلَانًا وَقَفَ مَالَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ [الشَّاهِدُ] (7) فَقِيرًا.

الرَّابِعُ: أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، بَلْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا، وَلَا انْتَفَعَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ (8) بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ؛ فَهُوَ (9)
_________
(1) أ، ب: ذَلِكَ.
(2) أ، ب، م: هَذِهِ
(3) ن، م: الْمُسْلِمِينَ.
(4) أ، ن، م: بَيْتِ.
(5) ب (فَقَطْ) :. . الْمَالِ عَلَى شَخْصٍ. . .
(6) أ، ب: أَنَّ.
(7) الشَّاهِدُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ؛ ر، هـ، ص: وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
(9) فَهُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/197)

كَمَا لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَصَّى بِصَدَقَةٍ لِلْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.

الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ فِيهِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الرَّاوِي لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَقُبِلَتْ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ (1) ، وَالْمُحَدِّثُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فِي حُكُومَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ (2) ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَتَضَمَّنُ حُكْمًا عَامًّا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّاوِي وَغَيْرُهُ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، كَالشَّهَادَةِ (3) بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنَّ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَاوَلُ الرَّاوِيَ وَغَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَبَاحَهُ (4) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ تَضَمَّنَ (5) رِوَايَةً بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِهَذَا تَضَمَّنَ تَحْرِيمَ الْمِيرَاثِ عَلَى ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَتَضَمَّنَ تَحْرِيمَ شِرَائِهِ لِهَذَا (6) الْمِيرَاثِ مِنَ الْوَرَثَةِ وَاتِّهَابِهِ (7) لِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَتَضَمَّنَ وُجُوبَ صَرْفِ هَذَا الْمَالِ فِي مَصَارِفِ الصَّدَقَةِ.

السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " عَلَى أَنَّ (8) مَا رَوَوْهُ فَالْقُرْآنُ يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى
_________
(1) أ، ب: لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لِلْحَدِيثِ.
(2) (1 - 1) : سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) كَالشَّهَادَةِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: كَالشَّاهِدِ.
(4) ن، م: مَا نَهَى عَنْهُ وَمَا أَبَاحَهُ.
(5) أ، ب: يَتَضَمَّنُ.
(6) أ، ب: سِرَايَةِ هَذَا. . .
(7) أ: وَاتِّهَامِهِ م، ر: وَإِيهَابِهِ. وَفِي " اللِّسَانِ " وَاتَهَبَ: قَبِلَ الْهِبَةَ. وَاتَّهَبْتُ مِنْكَ دِرْهَمًا افْتَعَلْتُ، مِنَ الْهِبَةِ. وَالِاتِّهَابُ: قَبُولُ الْهِبَةِ ".
(8) أَنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/198)

قَالَ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ دُونَهُ [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] .
فَيُقَالُ] : أَوَّلًا: لَيْسَ فِي عُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ [مَا يَقْتَضِي] (1) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُورَثُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} إِلَى قَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 12] ، وَهَذَا الْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَاطَبٌ بِهَا.
وَ " كَافُ " الْخِطَابِ يَتَنَاوَلُ مَنْ قَصَدَهُ الْمُخَاطَبُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمُعَيَّنَ مَقْصُودٌ بِالْخِطَابِ لَمْ يَشْمَلْهُ اللَّفْظُ، حَتَّى ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الضَّمَائِرَ مُطْلَقًا لَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ (2) [فَكَيْفَ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ؟] (3) فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَنْ قُصِدَ بِالْخِطَابِ دُونَ مَنْ لَمْ يُقْصَدْ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَامٌّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، فَإِنَّهُ عَامٌّ لِلْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي كَوْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا (4) .
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) ن، م، و: إِلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْخِطَابِ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) ن، م: بِهَا.
(4/199)

فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّ [الضَّمَائِرَ] (1) ضَمَائِرَ التَّكَلُّمِ (2) وَالْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ لَا تَدُلُّ بِنَفْسِهَا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يُقْتَرَنُ بِهَا (3) ؛ فَضَمَائِرُ الْخِطَابِ مَوْضُوعَةٌ لِمَنْ يَقْصِدُهُ الْمُخَاطِبُ بِالْخِطَابِ، وَضَمَائِرُ التَّكَلُّمِ (4) لِمَنْ يَتَكَلَّمُ كَائِنًا مَنْ كَانَ. لَكِنْ قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْخِطَابَ (5) بِالْقُرْآنِ هُوَ لِلرَّسُولِ (6) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ (7) جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 183] وَقَوْلِهِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [سُورَةِ الْمَائِدَةِ: 6] وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] .
قِيلَ: بَلْ كَافُ الْجَمَاعَةِ فِي الْقُرْآنِ تَارَةً تَكُونُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ، وَتَارَةً تَكُونُ لَهُمْ دُونَهُ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: 7] ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْكَافَ لِلْأُمَّةِ دُونَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
_________
(1) الضَّمَائِرَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) أ: الْمُتَكَلِّمِ.
(3) أ: يُقْرُونَ بِهَا؛ ب: يُقْرَنُ بِهَا.
(4) أ، ب: الْمُتَكَلِّمِ.
(5) ب (فَقَطْ) : الْمُخَاطَبَ.
(6) أ، ب: الرَّسُولُ.
(7) أ، ب: وَالْمُؤْمِنُونَ.
(4/200)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 128] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [سُورَةِ مُحَمَّدٍ: 33] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: 31] (1) وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَافَ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلْ تَنَاوَلَتْ مَنْ أُرْسِلَ (2) . إِلَيْهِمْ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] مِثْلَ هَذِهِ الْكَافَاتِ، فَلَا يَكُونُ فِي السُّنَّةِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ.
وَمِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 3، 4] ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ هُنَا (3) فِي " خِفْتُمْ " وَ " تُقْسِطُوا " وَ " انْكِحُوا " وَ " طَابَ لَكُمْ " وَ " مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأُمَّةَ دُونَ نَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّ [النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (4) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
_________
(1) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تُوجَدُ وَرَقَةٌ لَمْ تُصَوَّرْ مِنْ نُسْخَةِ (م) .
(2) إِلَيْهِمْ: كَذَا فِي (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: إِلَيْهِ.
(3) هُنَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .
(4/201)

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ فِيهَا مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأُمَّةِ (1) ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ خَاطَبَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَذِكْرِ بَعْثِهِ (2) إِلَيْهِمْ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ آيَةُ الْفَرَائِضِ لَمَّا قَالَ: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] ، وَقَالَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] ، ثُمَّ قَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} " [سُورَةِ النِّسَاءِ: 13، 14] ، فَلَمَّا خَاطَبَهُمْ بِعَدَمِ الدِّرَايَةِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ حَالَ الرَّسُولِ، وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَقَادِيرِ الْفَرَائِضِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ اسْتَحَقُّوا الثَّوَابَ، وَإِنْ خَالَفُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (3) اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ (4) ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْطُوا الْوَارِثَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ يَمْنَعُوا الْوَارِثَ مَا يَسْتَحِقُّهُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ الْمَسْلُوبِينَ الدِّرَايَةَ [لَمَّا ذَكَرَ] (5) ، الْمَوْعُودِينَ عَلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الْمُتَوَعِّدِينَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعَدِّي حُدُودِهِ
_________
(1) أ، ب: الْآيَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) ص: بَعْثَتِهِ.
(3) أ، ب: وَإِنْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ ن، م، و: وَإِنْ خَالَفُوا الرَّسُولَ.
(4) أ، ب: الْعَذَابَ.
(5) لَمَّا ذَكَرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (أ) ، (ب) : لَمَّا ذَكَرَهُ.
(4/202)

فِيمَا قَدَّرَهُ مِنَ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي نَظَائِرِهَا.
وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ تَعَدِّي الْحُدُودِ عَقِبَ ذِكْرِ الْفَرَائِضِ الْمَحْدُودَةِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ، وَكَانَ هَذَا نَاسِخًا لِمَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا مِنَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ كَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، [وَرَوَاهُ أَهْلُ السِّيَرِ] (1) ، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ آيَةَ الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا نُسِخَتْ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَبَيْنَ اسْتِحْقَاقِ (2) الْوَصِيَّةِ مُنَافَاةً، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ تَنَافِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، وَالْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَعَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/155 (كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/293 (كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ مَا جَاءَ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ "؛ سُنَنِ النَّسَائِيِّ 6/207 (كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ إِبْطَالِ الْوَصِيَّةِ) وَهُوَ فِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/905 - 906 (كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسِ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/186 - 187 - 238 - 239 (عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ) ، 5/267 (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ) ؛ سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 4/252 - 253.
(2) ب (فَقَطْ) : الْإِرْثِ وَاسْتِحْقَاقِ. .
(4/203)

وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ فَقَالُوا: النَّاسِخُ هُوَ آيَةُ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فَرَائِضَ مَحْدُودَةً، وَمَنَعَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ، فَإِذَا أَعْطَى (1) الْمَيِّتُ لِوَارِثِهِ أَكْثَرَ مِمَّا حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ، فَقَدْ تَعَدَّى حَدَّ اللَّهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا، فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمَحْدُودِ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ مِنَ الْوَرَثَةِ أَوِ الْعَصَبَةِ، فَإِذَا أَخَذَ حَقَّ الْعَاصِبِ فَأَعْطَاهُ لِهَذَا كَانَ ظَالِمًا (2) لَهُ.
وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ عَاصِبٌ (3) : هَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ مَنَعَ الرَّدَّ قَالَ: الْمِيرَاثُ حَقٌّ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَاهُ غَيْرُهُ. وَمَنْ جَوَّزَ الرَّدَّ قَالَ: إِنَّمَا يُوضَعُ الْمَالُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ خَاصٌّ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ رَحِمٌ عَامٌّ وَرَحِمٌ خَاصٌّ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ذُو السَّهْمِ أَوْلَى مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ".
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةُ دَلِيلٍ عَلَى شُمُولِ الْآيَةِ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِثَهُ، كَمَا مَاتَتْ بَنَاتُهُ الثَّلَاثُ فِي حَيَاتِهِ، وَمَاتَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ؟ .
قِيلَ: الْخِطَابُ فِي الْآيَةِ لِلْمَوْرُوثِ دُونَ الْوَارِثِ (4) ، فَلَا يَلْزَمُ إِذَا دَخَلَ أَوْلَادُهُ فِي كَافِ الْخِطَابِ لِكَوْنِهِمْ (5) مَوْرُوثِينَ (6) أَنْ يَدْخُلُوا إِذَا كَانُوا وَارِثِينَ.
_________
(1) ن: وَأَمَّا إِذَا أَعْطَى.
(2) ن، م: كَانَ ظُلْمًا.
(3) ن: لَيْسَ بِغَاصِبٍ؛ و: لَيْسَ بِعَاصِبٍ؛ ص: لَيْسَ عَاصِبٌ.
(4) أ، ب: لِلْمَوْرُوثِ دُونَ الْوَرَثَةِ؛ ر، ص، هـ: لِلْمُوَرِّثِ دُونَ الْوَارِثِ.
(5) كَذَا فِي (ب) فَقَطْ وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لِكَوْنِهِنَّ.
(6) ص: مُوَرِّثِينَ.
(4/204)

(* يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ، [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] فَذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لَا بِضَمِيرِ الْخِطَابِ، وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى (1) الْمُخَاطَبِ بِكَافِ الْخِطَابِ (2) وَهُوَ الْمَوْرُوثُ، فَكُلُّ مَنْ سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوْلَادِهِ وَغَيْرِهِمْ مَوْرُوثُونَ شَمِلَهُمُ النَّصُّ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَارِثًا لِمَنْ خُوطِبَ، وَلَمْ يُخَاطَبْ هُوَ بِأَنْ يُورِثَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَوْلَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ شَمِلَهُمْ (3) كَافُ الْخِطَابِ فَوَصَّاهُمْ بِأَوْلَادِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَفَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَصَّاهَا اللَّهُ فِي أَوْلَادِهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلِأَبَوَيْهَا لَوْ مَاتَتْ فِي حَيَاتِهِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ *) (4) .
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي آيَةِ الزَّوْجَيْنِ قَالَ: (وَلَكُمْ) ، (وَلَهُنَّ) .
قِيلَ: أَوَّلًا: الرَّافِضَةُ يَقُولُونَ: إِنَّ زَوْجَاتِهِ (5) لَمْ يَرِثْنَهُ وَلَا عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَإِنَّمَا وَرِثَتْهُ (6) الْبِنْتُ وَحْدَهَا.
الثَّانِي (7) : أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ (8) مِنْ أَزْوَاجِهِ وَلَهَا مَالٌ حَتَّى يَكُونَ وَارِثًا لَهَا. وَأَمَّا خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَمَاتَتْ بِمَكَّةَ، وَأَمَّا
_________
(1) أ، ب: إِلَى.
(2) عِبَارَةُ " بِكَافِ الْخِطَابِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) ر، ص: وَأَوْلَادُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوْلَادِهِ وَمُوَرِّثُوهُ مِمَّنْ شَمِلَهُمْ.
(4) (* - *) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) ، (هـ) .
(5) أ، ب: أَزْوَاجَهُ.
(6) أ، ب: تَرِثُهُ.
(7) ب (فَقَطْ) : ثَانِيًا.
(8) وَاحِدَةٌ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَحَدٌ.
(4/205)

زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ فَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ نَعْلَمُ أَنَّهَا خَلَّفَتْ مَالًا، وَأَنَّ آيَةَ الْفَرَائِضِ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ. فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 12] إِنَّمَا تَنَاوَلَ مَنْ مَاتَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهَا تَرِكَةٌ، فَمَنْ لَمْ تَمُتْ زَوْجَتُهُ أَوْ مَاتَتْ (1) وَلَا مَالَ لَهَا لَمْ يُخَاطَبْ (2) بِهَذِهِ الْكَافِ.
وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ شُمُولِ إِحْدَى الْكَافَيْنِ لَهُ شُمُولُ الْأُخْرَى، بَلْ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ وَبِالْعَكْسِ. فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ تَنَاوَلَ الْأُمَّةَ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ بِعَادَةِ (3) الشَّرْعِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 37] ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَحَلَّ ذَلِكَ لَهُ؛ لِيَكُونَ (4) حَلَالًا لِأُمَّتِهِ وَلَمَّا خَصَّهُ بِالتَّحْلِيلِ قَالَ: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 50] فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْكَافَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ؟ .
قِيلَ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَالَهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الشَّارِعِ (5) فِي خِطَابِهِ، كَمَا يُعْرَفُ مِنْ عَادَةِ الْمُلُوكِ إِذَا خَاطَبُوا أَمِيرًا بِأَمْرٍ أَنَّ نَظِيرَهُ مُخَاطَبٌ
_________
(1) أ، ب: فَمَنْ لَمْ تَمُتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهَا تَرِكَةٌ أَوْ مَاتَتْ. . .
(2) أ، ب، ن: لَمْ تُخَاطَبْ.
(3) أ، ب: بِعِبَارَةِ.
(4) أ، ب: فَيَكُونُ. 1
(5) ن: الشَّرْعِ.
(4/206)

بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ (1) الْمُسْتَقِرِّ (2) فِي خِطَابِ الْمُخَاطَبِ، كَمَا يُعْلَمُ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ بِالْعَادَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ (3) لِأَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ: أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْخِطَابُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ قَدْ تَنَوَّعَتْ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِيهَا: تَارَةً تَتَنَاوَلُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَارَةً لَا تَتَنَاوَلُهُ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا تَنَاوَلَهُ (4) وَغَايَةُ مَا يَدَّعِي الْمُدَّعِي أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ شُمُولُ الْكَافِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ: الْأَصْلُ مُسَاوَاةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَمُسَاوَاتُهُ لِأُمَّتِهِ فِي الْأَحْكَامِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَهُ خَصَائِصَ كَثِيرَةً خُصَّ بِهَا عَنْ أُمَّتِهِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ لَا يُورَثُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكَرَ اخْتِصَاصُهُ بِهَذَا الْحُكْمِ إِلَّا كَمَا يُنْكَرُ اخْتِصَاصُهُ (5) بِسَائِرِ (6) الْخَصَائِصِ، لَكِنْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطَالِبَ بِدَلِيلِ الِاخْتِصَاصِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمُسْتَفِيضَةَ، بَلِ الْمُتَوَاتِرَةَ [عَنْهُ] (7) فِي (8) أَنَّهُ لَا يُورَثُ، أَعْظَمُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، مِثْلَ اخْتِصَاصِهِ بِالْفَيْءِ (9) وَغَيْرِهِ.
_________
(1) أ، ب: وَالْفَرْقُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَهُنَا تَعُودُ نُسْخَةُ (م) .
(2) ن، م: الْمُسْتَمِرِّ.
(3) ن، م: الْمُسْتَمِرَّةِ.
(4) ب (فَقَطْ) : مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ.
(5) (5 - 5) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(6) أ، ب: كَسَائِرِ.
(7) عَنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(9) أ، ب، م، و: بِالصَّفَى؛ ن: بِالصَّفَا
(4/207)

وَقَدْ تَنَازَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ: هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ؟ كَتَنَازُعِهِمْ فِي الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ، هَلْ كَانَ مِلْكًا لَهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ أُبِيحَ لَهُ مَنْ (1) حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ أَمْ لَا؟ .
وَلَمْ يَتَنَازَعِ السَّلَفُ فِي أَنَّهُ لَا يُورَثُ، لِظُهُورِ ذَلِكَ عَنْهُ وَاسْتِفَاضَتِهِ فِي أَصْحَابِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [سُورَةِ الْأَنْفَالِ: 1] ، وَقَالَ فِي [كِتَابِهِ] (2) : {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سُورَةِ الْأَنْفَالِ: 41] ، [وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ] (3) [سُورَةِ الْحَشْرِ: 7] . وَلَفْظُ آيَةِ الْفَيْءِ كَلَفْظِ آيَةِ الْخُمُسِ، وَسُورَةُ الْأَنْفَالِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ بَدْرٍ، فَدَخَلَتِ الْغَنَائِمُ فِي ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ سَائِرُ مَا نَفَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ. كَمَا أَنَّ لَفْظَ " الْفَيْءِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْغَنَائِمُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ (4) بَخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ.
وَمِنَ الْأَوَّلِ (5) قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ
_________
(1) أ، ب: مَا.
(2) فِي كِتَابِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) أ، ب: الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ. وَالْإِيجَافُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَأَوْجَفَ دَابَّةً: حَثَّهَا.
(5) أ، ب: وَمِنَ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/208)

عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» " (1) . فَلَمَّا أَضَافَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ رَأَى طَائِفَةٌ مِنْ لِعُلَمَاءَ (2) أَنَّ [هَذِهِ] (3) الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَائِرِ أَمْلَاكِ النَّاسِ، ثُمَّ جُعِلَتِ الْغَنَائِمُ بَعْدَ ذَلِكَ لَلْغَانِمِينَ، وَخُمْسُهَا لِمَنْ سَمَّى (4) ، وَبَقِيَ الْفَيْءُ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ (5) ، مِلْكًا لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا فِي الْفَيْءِ، فَإِنَّهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا يُخَمِّسُونَ الْفَيْءَ، وَإِنَّمَا قَالَ بِتَخْمِيسِهِ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ (6)
_________
(1) الْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/119 عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) (كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ) وَنَصُّهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى بَعِيرًا فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ وَبَرَةً بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلَا هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ ". وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ فِي نَفْسِ الصَّفْحَةِ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/109 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ فِي الْإِمَامِ يَسْتَأْثِرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ لِنَفْسِهِ) حَدِيثٌ ثَالِثٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ. وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 6/272 - 273، وَصَحَّحَ الْحَدِيثَ الثَّالِثَ فِي " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ " 2/587 - 588. وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي: الْمُوَطَّأِ 2/457 - 458 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ) . وَالْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/127 - 128، وَهُوَ فِيهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ 5/316 - 319 - 326.
(2) أ، ب: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(3) هَذِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) ن، و: بَقِيَ؛ م: يَفِي.
(5) أ، ب: لِمَنْ سَمَّى بِفَيْءِ الْفَيْءِ أَوْ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(6) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/209)

كَالْخِرَقِيِّ. وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَرَوْنَ تَخْمِيسَ الْفَيْءِ، وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: بَلْ (1) هَذِهِ الْإِضَافَةُ لَا تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ مِلْكًا لِلرَّسُولِ، بَلْ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ فَالرَّسُولُ يُنْفِقُهَا فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ [بِهِ] (2) .
كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» " (3) . .
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " تَسَمَّوْا (4) بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا (5) بِكُنْيَتِي، فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ " (6) .
_________
(1) بَلْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) ن، م: فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ؛ ص، ر، هـ، و: فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ.
(3) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 2/206 وَذَكَرْتُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/85. وَنَصُّهُ فِيهِ: " مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ. أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ ". وَالْحَدِيثُ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/482 وَنَصُّهُ فِيهِ: " وَاللَّهِ مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُهُ حَيْثُ أُمِرْتُ ". وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ (فَتْحِ الْبَارِي 6/218) : " وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِنْ أَنَا إِلَّا خَازِنٌ ". وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ: " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي. . الْحَدِيثَ، وَانْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُ فِي " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " 8/278 (ت [0 - 9] )
(4) ب: سَمُّوا.
(5) أ، ب: وَلَا تَكْتَنُوا.
(6) الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/84 - 85 (كِتَابُ فَرْضِ الْخُمْسِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) ؛ مُسْلِمٍ 3/1682 - 1683 (كِتَابُ الْآدَابِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ) . وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: " سَمُّوا (أَوْ: تَسَمَّوْا) بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا (أَوْ تَكْتَنُوا) بِكُنْيَتِي " عَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ وَفِي جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ. انْظُرِ: الْبُخَارِيَّ 4/1860 (كِتَابُ الْمَنَاقِبُ، بَابُ كُنْيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ مُسْلِمًا 3/1682 - 1684 (الْمَوْضِعُ السَّابِقُ) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/399 - 401 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَتَكَنَّى بِأَبِي الْقَاسِمِ، بَابُ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، بَابٌ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا) ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/214 - 215 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْيَتِهِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) الْأَرْقَامَ: 730، 7371، 7372، 8094، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/455، 3/450، 5/364.
(4/210)

فَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَالْمَالُ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هُوَ الْمَالُ الَّذِي يُصْرَفُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الَّتِي مَلَكَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ، فَإِنَّ لَهُمْ صَرْفَهَا فِي الْمُبَاحَاتِ.
وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [سُورَةِ النُّورِ: 33] ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا، إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: آتَاكُمْ [اللَّهُ] (1) مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي مَلَّكَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ (2) ، فَإِنَّهُ لَمْ يُضِفْهَا إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِخِلَافِ مَا أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى إِلَّا فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
فَالْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ؛ لِأَنَّ (3) قِسْمَتَهَا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ لَيْسَتْ كَالْمَوَارِيثِ الَّتِي قَسَّمَهَا اللَّهُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ. وَكَذَلِكَ مَالُ الْخُمُسِ وَمَالُ الْفَيْءِ.
_________
(1) لَفْظُ الْجَلَالَةِ فِي (أ) ، (ب) ، (م) فَقَطْ.
(2) أ، ب: الْعِبَادَ.
(3) ن، م، و: فَإِنَّ.
(4/211)

وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ، فَقَالَ مَالِكٌ [وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ] (1) : مَصْرِفُهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَعَيَّنَ مَا عَيَّنَهُ (2) مِنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ تَخْصِيصًا لَهُمْ بِالذِّكْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مَصْرِفَ الْخُمُسِ مِنَ الرِّكَازِ مَصْرِفَ الْفَيْءِ، وَهُوَ تَبَعٌ لِخُمُسِ الْغَنَائِمِ (3) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ: الْخُمُسُ (4) يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَأَسْقَطَ (5) سَهْمَ الرَّسُولِ وَذَوِي الْقُرْبَى بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ (6) دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: بَلْ مَالُ الْفَيْءِ [أَيْضًا] (7) يُقَسَّمُ [عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ] (8) . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ [الْأَقْوَالِ] (9) كَمَا قَدْ بُسِطَتْ أَدِلَّتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (10) ، وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ.
فَقَوْلُهُ: (11) {لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ، كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْفَالِ: (لِلَّهِ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) ن، م: مَا عَيَّنَ.
(3) و، هـ، ص، ر: الْمَغَانِمِ.
(4) أ، ب: وَالْخُمُسُ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (ص) .
(5) و، هـ، م، ص، ر: سَقَطَ؛ ن: يُسْقِطُ.
(6) أ، ب: قَالَ.
(7) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(8) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ. 1
(9) الْأَقْوَالِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ن) ، (م) . 1
(10) ن، م: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
(11) ن: بِقَوْلِهِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/212)

وَالرَّسُولِ) فَالْإِضَافَةُ (1) لِلرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَسِّمُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وَهَذَا أَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَالْمَلِكُ يَصْرِفُ الْمَالَ فِيمَا أَحَبَّ (2) وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَالْعَبْدُ الرَّسُولُ لَا يَصْرِفُ الْمَالَ إِلَّا فِيمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَكُونُ فِيمَا (3) يَفْعَلُهُ عِبَادَةُ اللَّهِ وَطَاعَةٌ لَهُ (4) ، لَيْسَ فِي قَسْمِهِ مَا هُوَ مِنَ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُثَابُ عَلَيْهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ كُلِّهِ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» " يُؤَيِّدُ (5) ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لِي " أَيْ أَمْرُهُ إِلَيَّ، وَلِهَذَا قَالَ: " «وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» ". وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَمَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكَ وَخُمُسِ خَيْبَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هِيَ كُلُّهَا مِنْ مَالِ (6) الْفَيْءِ الَّذِي (7) لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ فَلَا (8) يُورَثُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُورَثُ عَنْهُ مَا يَمْلِكُهُ.
_________
(1) أ، ب: فَأَضَافَهُ.
(2) أ: فَإِنَّ الْمَلِكَ يَصْرِفُ الْأَمْوَالَ فِيمَا أَحَبَّهُ؛ ب: فَإِنَّ الْمَلِكَ النَّبِيَّ يَصْرِفُ الْأَمْوَالَ فِيمَا أَحَبَّهُ.
(3) أ، ب، م، ص، و، هـ: مَا.
(4) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) ن، م: يُؤَكِّدُ؛ أ، ب: يُرِيدُ.
(6) أ: هِيَ مِنْ مَالِ؛ ب: هُوَ مِنْ مَالِ.
(7) ن، م، و: وَالَّذِي.
(8) أ، ب: وَلَا.
(4/213)

بَلْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ يَجِبُ أَنْ تُصْرَفَ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ. وَكَذَلِكَ قَالَ [أَبُو بَكْرٍ] الصِّدِّيقُ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] (1) . وَأَمَّا مَا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ مَلَكَهُ، كَمَالٍ أَوْصَى لَهُ (2) بِهِ [مُخَيْرِيقُ] (3) وَسَهْمُهُ مِنْ خَيْبَرَ (4) ، فَهَذَا إِمَّا أَنْ يُقَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَالِ الْأَوَّلِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِلْكُهُ، وَلَكِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَالِ حَاجَتَهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ صَدَقَةً وَلَا يُورَثُ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (* «لَا يَقْتَسِمُ (5) وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَمَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ (6) نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» " (7) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ *) (8) : «لَا نُورَثُ مَا
_________
(1) أ: وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ب: وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ن، م، هـ، و، ر، ص: وَكَذَلِكَ قَالَ الصِّدِّيقُ.
(2) كَمَا أَوْصَى لَهُ. . كَذَا فِي (ص) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: كَمَا أَوْصَى لَهُ. .
(3) مُخَيْرِيقُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، وَهُوَ مُخَيْرِيقُ النَّضْرِيُّ الْإِسْرَائِيلِيُّ مِنْ بَنِي النَّضْرِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْإِصَابَةِ " 3/373 " ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ. . . وَكَانَ أَوْصَى بِأَمْوَالِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَى سَبْعُ حَوَائِطَ. . . فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةً ".
(4) ن: حُنَيْنٍ.
(5) أ، ب: لَا تُقَسِّمُ.
(6) أ، ب: بَعْدَ مُؤْنَةِ.
(7) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/12 (كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ) ؛ مُسْلِمٍ؛ 3/1382 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا نُورَثُ. . .) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/198 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَمْوَالِ) ؛ الْمُوَطَّأِ 2/993 (كِتَابُ الْكَلَامِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 13/25 - 26، 17/53 (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/464.
(8) (* - *) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(4/214)

تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ» " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ (1) .
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} ، [سُورَةِ النِّسَاءِ: 3، 4] إِلَى قَوْلِهِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 11] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَاطَبْ بِهَذَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمَثْنَى وَلَا ثُلَاثَ وَلَا رُبَاعَ، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مَأْمُورًا بِأَنْ يُوَفِّيَ كُلَّ امْرَأَةٍ صَدَاقَهَا، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ تَهِبُ نَفْسَهَا لَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى (2) : {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 50] إِلَى قَوْلِهِ: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 50] .
وَإِذَا كَانَ سِيَاقُ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ دُونَهُ لَمْ يَدْخُلْ هُوَ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ.
_________
(1) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ.
(2) ب (فَقَطْ) : كَمَا قَالَ تَعَالَى لَهُ.
(4/215)

فَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْخِطَابُ (1) مُتَنَاوِلٌ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ (2) ، لَكِنْ خُصَّ هُوَ مِنْ آيَةِ النِّكَاحِ وَالصَّدَاقِ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ خُصَّ مِنْ آيَةِ الْمِيرَاثِ، فَمَا قِيلَ فِي تِلْكَ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ وَسَوَاءٌ (3) قِيلَ: إِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ شَمِلَهُ وَخُصَّ مِنْهُ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَشْمَلْهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ (4) مِنَ الْمُخَاطَبِينَ: يُقَالُ مِثْلُهُ هُنَا (5) .

السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا بَيَانُ مَنْ يُورَثُ [وَمَنْ لَا يُورَثُ] (6) ، وَلَا بَيَانُ صِفَةِ الْمَوْرُوثِ وَالْوَارِثِ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَوْرُوثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَارِثِينَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. فَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مِقْدَارِ أَنْصِبَاءِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ إِذَا كَانُوا وَرَثَةً. وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا وَهَؤُلَاءِ كُفَّارًا لَمْ يَرِثُوا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كَافِرًا وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ لَمْ يَرِثُوا بِالسُّنَّةِ وَقَوْلِ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ (7) ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَهُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ كَانَ حُرًّا وَهُمْ عَبِيدٌ. وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ عَمْدًا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ خَطَأً مِنَ الدِّيَةِ. وَفِي غَيْرِهَا نِزَاعٌ.
_________
(1) ن، م، و: فَإِنْ قِيلَ فَالْخِطَابُ.
(2) عِبَارَةُ " فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ " فِي (م) فَقَطْ. وَفِي (ن) : فِي عُمُومِ.
(3) أ، ب، ر، هـ، ص: سَوَاءٌ.
(4) لَيْسَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) .
(5) عِبَارَةُ " يُقَالُ مِثْلُهُ هُنَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(6) وَمَنْ لَا يُورَثُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) (7 - 7) : سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/216)

وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فِي الْمَوْتَى مَنْ يَرِثُهُ أَوْلَادُهُ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَرِثُهُ أَوْلَادُهُ، وَالْآيَةُ لَمْ تُفَصِّلْ (1) : مَنْ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ وَمَنْ لَا يَرِثُهُ، وَلَا صِفَةِ الْوَارِثِ وَالْمَوْرُوثِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا بَيَانُ ذَلِكَ، بَلْ قُصِدَ بِهَا بَيَانُ حُقُوقِ هَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا وَرَثَةً.
وَحِينَئِذٍ (2) فَالْآيَةُ إِذَا لَمْ تُبَيِّنْ مَنْ يُورَثُ وَمَنْ يَرِثُهُ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِ [غَيْرِ] (3) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرِثُ أَوْ لَا يُورَثُ (4) ، فَلَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِهِ هُوَ يُورَثُ بِطُرُقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَهَكَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ (5) بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ فَنَصِفُ (6) الْعُشْرِ» (7) . " فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَبَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ بَيَانَ مَا يَجِبُ فِيهِ أَحَدُهُمَا وَمَا لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَلِهَذَا لَا يُحَتَجُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ.
_________
(1) ن، م، ر، هـ، ص: لَمْ تُفَصِّلْ بَيْنَ. . .
(2) أ، ب: وَرَثَةً حِينَئِذٍ. .
(3) غَيْرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) أ، ب: يَرِثُ وَلَا يُورَثُ.
(5) ن، م: وَمَا يُسْقَى؛ و، ر، هـ: وَمَا سَقَى؛ ص: وَسَقَى.
(6) أ، ب، و: نَصِفُ.
(7) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: الْبُخَارِيِّ 2/126 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ) ؛ مُسْلِمٍ 2/675 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَا فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/145 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ صَدَقَةِ الزَّرْعِ) ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا) . وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ الدَّارِمِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ
(4/217)

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: 275] قُصِدَ فِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا: فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا حَلَالٌ وَالْآخَرَ حَرَامٌ، وَلَمْ يُقْصَدْ فِيهِ بَيَانُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَلَا يُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) يَعُمُّ بَيْعَ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَالْكَلْبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفِ وَمِلْكِ الْغَيْرِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ - كَانَ غَالِطًا.

الْوَجْهُ (1) الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ عَامٌّ، فَإِنَّهُ خُصَّ مِنْهَا الْوَلَدُ الْكَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْقَاتِلُ بِأَدِلَّةٍ هِيَ أَضْعَفُ مِنَ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُورَثُ أَكْثَرُ وَأَجَلُّ مِنَ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُ (2) أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ، وَأَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ (3) الْمُبْتَاعُ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا كَانَتِ الْآيَةُ مَخْصُوصَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، كَانَ تَخْصِيصُهَا بِنَصٍّ آخَرَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. بَلْ قَدْ (4) ذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ يَبْقَى مُجْمَلًا. وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي تَخْصِيصِ (5) عُمُومِ الْقُرْآنِ
_________
(1) الْوَجْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) (2 - 2) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: أَنْ يَشْتَرِطَ.
(4) أ، ب: وَقَدْ.
(5) أ: وَقَدْ تَنَازَعَ فِي تَخْصِيصِ؛ ب: وَقَدْ تُنُوزِعَ فِي تَخْصِيصِ.
(4/218)

إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا [بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] (1) ، فَأَمَّا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ عَوَامِّهِمْ، لَا سِيَّمَا الْخَبَرُ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِهِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ تَلَقَّتْهُ الصَّحَابَةُ بِالْقَبُولِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (2) .
وَالتَّخْصِيصُ بِالنَّصِّ الْمُسْتَفِيضِ وَالْإِجْمَاعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ يَقُولُ: ظَاهِرُ الْآيَةِ الْعُمُومُ (3) ، لَكِنَّهُ عُمُومٌ مَخْصُوصٌ. وَمَنْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الْأَوَّلَ لَمْ يُسَلِّمْ ظُهُورَ الْعُمُومِ إِلَّا فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَرِثُونَهُ، وَلَا يُقَالُ (4) : إِنَّ ظَاهِرَهَا مَتْرُوكٌ، بَلْ نَقُولُ (5) : لَمْ يُقْصَدْ بِهَا إِلَّا بَيَانُ (6) نَصِيبِ الْوَارِثِ، لَا بَيَانُ الْحَالِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْإِرْثُ (7) ، فَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْأَوْلَادِ وَالْمَوْتَى، مُطْلَقَةٌ فِي [الْمَوْرُوثِينَ. وَأَمَّا] (8) شُرُوطُ الْإِرْثِ فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ الْآيَةُ، بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ فِيهِ (9) : لَا تَدُّلُ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ (10) تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 5]
_________
(1) عِبَارَةُ " بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) عِبَارَةُ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) ب (فَقَطْ) : يَقُولُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ.
(4) ب (فَقَطْ) : وَلَا يَقُولُ.
(5) أ، ب، ن، م: يَقُولُ.
(6) أ: إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا بَيَانُ. .؛ ب: إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا بَيَانُ.
(7) أ، ب: الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْإِرْثُ.
(8) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(9) ر، هـ، ص: مُطْلَقَةٌ فِي ذَلِكَ.
(10) ب (فَقَطْ) : كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ. .
(4/219)

عَامٌّ فِي الْأَشْخَاصِ، مُطْلَقٌ فِي الْمَكَانِ وَالْأَحْوَالِ. فَالْخِطَابُ الْمُقَيِّدُ لِهَذَا الْمُطْلَقِ يَكُونُ خِطَابًا مُبْتَدَأً مُبَيِّنًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُنَافِيهِ (1) ، لَا يَكُونُ (2) رَافِعًا لِظَاهِرِ خِطَابٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، فَلَا يُعَارَضُ ذَلِكَ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ عُمُومٌ، وَإِنْ كَانَ عُمُومًا فَهُوَ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ دَلِيلًا لَمَا كَانَ إِلَّا ظَنِّيًّا، فَلَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ؛ إِذِ الظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ.
وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَوْقَاتٍ وَمَجَالِسَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُهُ، بَلْ كُلُّهُمْ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ. وَلِهَذَا لَمْ يُصِرَّ أَحَدٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ عَلَى طَلَبِ الْمِيرَاثِ، وَلَا أَصَرَّ الْعَمُّ عَلَى طَلَبِ الْمِيرَاثِ، بَلْ مَنْ طَلَبَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخْبِرَ (3) بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ عَنْ طَلَبِهِ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِلَى عَلِيٍّ، فَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَقَسَّمَ لَهُ تَرِكَةً.

الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَدْ أَعْطَيَا عَلِيًّا وَأَوْلَادَهُ مِنَ الْمَالِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا خَلَّفَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَالِ. وَالْمَالُ الَّذِي خَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - لَمْ يَنْتَفِعْ وَاحِدٌ [مِنْهُمَا] (4) مِنْهُ بِشَيْءٍ، بَلْ
_________
(1) أ، ب: لَمْ يَتَقَدَّمْ مُنَافِيهِ.
(2) ب (فَقَطْ) : وَلَا يَكُونُ.
(3) أ: شَيْئًا أُخْبِرَ؛ ب: شَيْئًا وَأُخْبِرَ؛ ص: شَيْئًا فَلَمَّا أُخْبِرَ.
(4) مِنْهُمَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(4/220)

سَلَّمَهُ عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَلِيَانِهِ وَيَفْعَلَانِ فِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ. وَهَذَا مِمَّا يُوجِبُ انْتِفَاءَ التُّهْمَةِ (1) عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الظَّلَمَةَ مِنَ الْمُلُوكِ إِذَا تَوَلَّوْا بَعْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ أَوْ رَبَّوْهُمْ (2) ، وَقَدِ انْتَزَعُوا الْمُلْكَ مِنْ بَيْتِ ذَلِكَ الْمَلِكِ، اسْتَعْطَفُوهُمْ وَأَعْطَوْهُمْ لِيَكُفُّوا عَنْهُمْ مُنَازَعَتَهُمْ، فَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُتَغَلِّبَانِ مُتَوَثِّبَانِ، لَكَانَتِ الْعَادَةُ تَقْضِي (3) بِأَنْ يُزَاحِمَا الْوَرَثَةَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوِلَايَةِ وَالتَّرِكَةِ [فِي الْمَالِ] (4) ، بَلْ يُعْطِيَانِهِمْ ذَلِكَ وَأَضْعَافَهُ؛ لِيَكُفُّوا عَنِ الْمُنَازَعَةِ فِي الْوِلَايَةِ. وَأَمَّا مَنْعُ الْوِلَايَةِ وَالْمِيرَاثِ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذَا لَا يُعْلَمُ (5) أَنَّهُ فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَظْلَمِ النَّاسِ وَأَفْجَرِهِمْ. فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرٌ خَارِجٌ عَنِ الْعَادَةِ (6) الطَّبِيعِيَّةِ فِي الْمُلُوكِ، كَمَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْعَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ لِاخْتِصَاصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَمْ يَخُصَّ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَهُوَ النُّبُوَّةُ (7) ؛ إِذِ الْأَنْبِيَاءُ لَا يُورَثُونَ.
_________
(1) أ، ب: التُّهَمِ.
(2) ن: أَوْرَثُوهُمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) ر، ص، هـ: تَقْتَضِي.
(4) فِي الْمَالِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (ر) ، (ص) : وَالشَّرِكَةِ فِي الْمُلْكِ، وَفِي (هـ) : وَالتَّرِكَةِ فِي الْمُلْكِ.
(5) أ، ب: لَا نَعْلَمُ.
(6) أ، ب، م: الْعَادَاتِ.
(7) أ، ب: وَهُوَ الْأَنْزَهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4/221)

الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [سُورَةِ النَّمْلِ: 16] ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى [عَنْ زَكَرِيَّا] (1) : {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [سُورَةِ مَرْيَمَ: 5، 6] ، لَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ اسْمُ جِنْسٍ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ، وَالدَّالُّ عَلَى مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا بِهِ الِامْتِيَازُ. فَإِذَا قِيلَ: هَذَا حَيَوَانٌ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْسَانٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ بَعِيرٌ. وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْإِرْثِ " (2) يُسْتَعْمَلُ فِي إِرْثِ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِقَالِ. قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [سُورَةِ فَاطِرٍ: 32] .
وَقَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: 10، 11] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سُورَةِ الزُّخْرُفِ: 72] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا} [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: 27] .
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: 128] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: 137] .
_________
(1) عَنْ زَكَرِيَّا: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) ن، م: وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ " لَا يَرِثُ ". .
(4/222)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: 105] .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ (1) .
وَهَكَذَا لَفْظُ " الْخِلَافَةِ " وَلِهَذَا يُقَالُ: الْوَارِثُ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ، أَيْ خَلَفَهُ فِيمَا تَرَكَهُ. وَالْخِلَافَةُ قَدْ تَكُونُ فِي الْمَالِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْمُلْكِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْعِلْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [سُورَةِ النَّمْلِ: 16] ، وَقَوْلُهُ: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [سُورَةِ مَرْيَمَ: 6] إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ الْإِرْثِ، لَا يَدُلُّ عَلَى إِرْثِ الْمَالِ. فَاسْتِدْلَالُ الْمُسْتَدِلِّ بِهَذَا الْكَلَامِ عَلَى خُصُوصِ إِرْثِ الْمَالِ جَهْلٌ مِنْهُ بِوَجْهِ الدَّلَالَةِ، كَمَا لَوْ قِيلَ: هَذَا خَلِيفَةُ هَذَا، وَقَدْ خَلَفَهُ - كَانَ دَالًّا عَلَى خِلَافَةٍ مُطْلَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى
_________
(1) بَعْدَ عِبَارَةِ " أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ " تُوجَدُ وَرَقَةٌ نَاقِصَةٌ مِنْ نُسْخَةِ (ر) . وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/432 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ) وَنَصُّهُ فِيهِ: " مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/153 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابٌ فِي فَضْلِ الْفِقْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ) ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/81 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ) ؛ سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/98 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعَالِمِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/196. وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 5/302. وَلِابْنِ رَجَبٍ رِسَالَةٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ طُبِعَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
(4/223)

أَنَّهُ خَلَفَهُ فِي مَالِهِ أَوِ امْرَأَتِهِ أَوْ مُلْكِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْإِرْثِ إِرْثُ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا إِرْثُ الْمَالِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [سُورَةِ النَّمْلِ: 16] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ كَثِيرُونَ غَيْرُ سُلَيْمَانَ، فَلَا يُخْتَصُّ سُلَيْمَانُ بِمَالِهِ.
وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي كَوْنِهِ وَرِثَ مَالَهُ صِفَةَ مَدْحٍ، لَا لِدَاوُدَ وَلَا لِسُلَيْمَانَ، فَإِنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ يَرِثُ أَبَاهُ مَالَهُ (1) ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ فِي بَيَانِ الْمَدْحِ لِسُلَيْمَانَ، وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ.
وَأَيْضًا فَإِرْثُ الْمَالِ هُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ النَّاسِ، كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَدَفْنِ الْمَيِّتِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَصُّ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ؛ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (2) ، وَإِنَّمَا يُقَصُّ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ وَفَائِدَةٌ تُسْتَفَادُ، وَإِلَّا فَقَوْلُ الْقَائِلِ: " مَاتَ فُلَانٌ وَوَرِثَ ابْنُهُ مَالَهُ " (3) مِثْلُ قَوْلِهِ: " وَدَفَنُوهُ " وَمِثْلُ قَوْلِهِ: " أَكَلُوا وَشَرِبُوا وَنَامُوا " (4) وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَصَصِ الْقُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ [عَنْ زَكَرِيَّا] (5) : {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [سُورَةِ مَرْيَمَ: 6] : [لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِرْثَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ شَيْئًا مِنْ] (6)
_________
(1) ن، م: يَرِثُ ابْنُهُ مَالَهُ؛ و: يَرِثُ أَبَاهُ ابْنُهُ مَالَهُ.
(2) عِبَارَةُ " إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: وَوَرِثَ مَالَهُ ابْنُهُ.
(4) أ، ب: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَنَامُوا.
(5) عَنْ زَكَرِيَّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) (و) .
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ. و " شَيْئًا مِنْ " فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(4/224)

أَمْوَالِهِمْ بَلْ إِنَّمَا يَرِثُهُمْ ذَلِكَ أَوْلَادُهُمْ وَسَائِرُ وَرَثَتِهِمْ لَوْ وَرِثُوا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ لَا يَطْلُبُ (1) وَلَدًا لِيَرِثَ مَالَهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ يُورَثُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمَالُ إِلَى غَيْرِهِ: سَوَاءٌ كَانَ ابْنًا أَوْ غَيْرَهُ، فَلَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ بِالْوَلَدِ أَنْ يَرِثَ مَالَهُ، كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الْوَلَدِ (2) .
وَهَذَا لَا يَقْصِدُهُ أَعْظَمُ النَّاسِ بُخْلًا وَشُحًّا عَلَى مَنْ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ الْمَالُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا وَقَصَدَ إِعْطَاءَهُ دُونَ غَيْرِهِ، لَكَانَ الْمَقْصُودُ إِعْطَاءَ الْوَلَدِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْوَلَدِ إِلَّا أَنْ يَجُوزَ (3) الْمَالَ دُونَ غَيْرِهِ، كَانَ الْمَقْصُودُ أَنْ لَا يَأْخُذَ أُولَئِكَ الْمَالَ، وَقُصِدَ الْوَلَدُ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَهَذَا يُقَبَّحُ (4) مِنْ أَقَلِّ النَّاسِ عَقْلًا وَدِينًا.
وَأَيْضًا فَزَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُعْرَفْ (5) لَهُ مَالٌ، بَلْ كَانَ نَجَّارًا. وَيَحْيَى ابْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مِنْ أَزْهَدِ النَّاسِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [سُورَةِ مَرْيَمَ: 5] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَأْخُذُوا (6) مَالَهُ [مِنْ بَعْدِهِ] (7) إِذَا مَاتَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُخَوِّفٍ (8) .
_________
(1) أ، ب: وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَطْلُبُ. .
(2) أ، ب: أَحَدٌ غَيْرُهُ؛ ن، م: أَحَدٌ عَنِ الْوَلَدِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) أ، ب: يُحْرِزُ.
(4) أ: وَهُوَ قُبْحٌ؛ ب: قَبِيحٌ.
(5) ن، م: لَمْ يُعْلَمْ.
(6) أ، ب: أَنْ يَأْخُذَ.
(7) مِنْ بَعْدِهِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: بِمُخَوِّفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(4/225)

[كلام الرافضي على منع فاطمة من إرث فدك]
فَصْلٌ. (1)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَلَمَّا ذَكَرَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ أَبَاهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَبَهَا فَدَكَ (3) قَالَ [لَهَا] (4) : هَاتِ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ يَشْهَدُ (5) لَكِ بِذَلِكَ، فَجَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ (6) ، فَشَهِدَتْ لَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَ: امْرَأَةٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا. وَقَدْ رَوَوْا جَمِيعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (7) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أُمُّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَجَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (8) فَشَهِدَ لَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا بَعْلُكِ يَجُرُّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا نَحْكُمُ (9) بِشَهَادَتِهِ لَكِ، وَقَدْ رَوَوْا جَمِيعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ مَعَهُ (10) يَدُورُ [مَعَهُ] (11) حَيْثُ دَارَ لَنْ (12) يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ - عَلَيْهَا
_________
(1) ر، ص، هـ: الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ.
(2) فِي (ك) ص [0 - 9] 10 (م) .
(3) ك: وَلَمَّا ذَكَرَتْ فَاطِمَةُ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَهَبَهَا فَدَكًا.
(4) لَهَا: فِي (أ) ، (ك) . وَفِي (ب) : قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهَا. 1
(5) ك: لِيَشْهَدَ. 1
(6) ن، م، هـ، ص: أُمُّ أَيْمَنَ. 1
(7) عِنْدَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ تَعُودُ نُسْخَةُ (ر) .
(8) ك: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(9) وَلَا نَحْكُمُ: كَذَا فِي (ب) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَا يُحْكَمُ.
(10) مَعَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ. 1
(11) مَعَهُ: فِي (ب) ، (ك) فَقَطْ. 1
(12) لَنْ: كَذَا فِي (و) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَلَنْ.
(4/226)

السَّلَامُ - (1) عِنْدَ ذَلِكَ وَانْصَرَفَتْ (2) ، وَحَلَفَتْ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ وَلَا صَاحِبَهُ (3) حَتَّى تَلْقَى أَبَاهَا وَتَشْكُوَ إِلَيْهِ (4) ، فَلَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ أَوْصَتْ عَلِيًّا أَنْ يَدْفِنَهَا لَيْلًا (5) وَلَا يَدَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَقَدْ رَوَوْا جَمِيعًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا فَاطِمَةُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرِضَاكِ. وَرَوَوْا (6) جَمِيعًا [أَنَّهُ قَالَ] (7) : «فَاطِمَةُ (8) . بِضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي، فَقَدَ آذَى اللَّهَ» . وَلَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ صَحِيحًا (9) حَقًّا لَمَا جَازَ لَهُ تَرْكُ الْبَغْلَةِ الَّتِي خَلَّفَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَيْفِهِ وَعِمَامَتِهِ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، وَلَمَا (10) حَكَمَ لَهُ بِهَا لَمَّا ادَّعَاهَا الْعَبَّاسُ، وَلَكَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنَ الرِّجْسِ مُرْتَكِبِينَ مَا لَا يَجُوزُ (11) ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةٌ. وَبَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ إِلَيْهِ (12) مَالُ الْبَحْرَيْنِ وَعِنْدَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ
_________
(1) عَلَيْهَا السَّلَامُ: فِي (م) ، (ك) فَقَطْ.
(2) ب: فَانْصَرَفَتْ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (أ) .
(3) ك (فَقَطْ) : وَلَا تُصَاحِبُهُ.
(4) ن، م: وَتَشْكُوَ إِلَيْهِ خَصْمَهَا.
(5) م: أَنْ لَا يَدْفِنَهَا إِلَّا لَيْلًا.
(6) أ، ب: وَقَدْ رَوَوْا.
(7) أَنَّهُ قَالَ: فِي (ب) ، (ك) فَقَطْ.
(8) فَاطِمَةُ: كَذَا فِي (ب) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: إِنَّ فَاطِمَةَ
(9) صَحِيحًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(10) أ، ب: لَمَا.
(11) ك: مَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ.
(12) أ، ب، ن، م، و، ص، هـ: جَاءَ إِلَيْهِمْ؛ ك: جَاءَهُ.
(4/227)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي: إِذَا أَتَى مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَثَوْتُ (1) لَكَ، ثُمَّ حَثَوْتُ لَكَ، [ثَلَاثًا] (2) ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَخُذْ بِعَدَدِهَا (3) ، فَأَخَذَ [مِنْ بَيْتِ] (4) مَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ " (5) .

وَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالْكَلَامِ الْفَاسِدِ مَا لَا يَكَادُ يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَلَكِنْ سَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوهًا [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (6) .
أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ ادِّعَاءِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَدَكَ فَإِنَّ هَذَا يُنَاقِضُ كَوْنَهَا (7) مِيرَاثًا لَهَا، فَإِنْ كَانَ طَلَبُهَا (8) بِطْرِيقِ الْإِرْثِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ بِطْرِيقِ الْهِبَةِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ هِبَةً فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَزَّهٌ، إِنْ كَانَ يُورَثُ كَمَا يُورَثُ غَيْرُهُ، أَنْ يُوصَى لِوَارِثٍ أَوْ يَخُصُّهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي صِحَّتِهِ (9) فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ هِبَةً مَقْبُوضَةً، وَإِلَّا فَإِذَا وَهَبَ الْوَاهِبُ بِكَلَامِهِ (10) وَلَمْ يَقْبِضِ الْمَوْهُوبُ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ (11)
_________
(1) ك: حَبَوْتُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) ب: ثُمَّ حَثَوْتُ لَكَ ثَلَاثًا. وَسَقَطَتْ " ثَلَاثًا " مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ إِلَّا (ب) ، (ك) .
(3) بِعَدَدِهَا: كَذَا فِي (ب) ، (ك) ، (ر) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بَعْدَهَا.
(4) مِنْ بَيْتِ: فِي (ب) ، (ك) فَقَطْ.
(5) ك: بَلْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
(6) ن، م: وَلَكِنْ نَذْكُرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ؛ هـ، ص، و: وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوهًا.
(7) أ، ب: كَوْنَهُ.
(8) ن، و: فَإِنْ كَانَتْ طَلَبَتْهَا.
(9) ن، م، هـ: فِي صِحَّةٍ.
(10) أ، ب: بِكَلَامٍ.
(11) الْوَاهِبُ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(4/228)

كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يَهِبُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَكَ لِفَاطِمَةَ وَلَا يَكُونُ هَذَا أَمْرًا مَعْرُوفًا (1) عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تُخَصَّ بِمَعْرِفَتِهِ أُمُّ أَيْمَنَ أَوْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؟ .

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ادِّعَاءَ فَاطِمَةَ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى فَاطِمَةَ (2) ، [وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسُ بْنُ سُرَيْجٍ (3) فِي الْكِتَابِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى عِيسَى بْنِ أَبَانَ (4) لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي بَابِ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَاحْتَجَّ بِمَا احْتَجَّ، وَأَجَابَ عَمَّا عَارَضَ بِهِ عِيسَى بْنَ أَبَانَ، قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ فَاطِمَةَ ذَكَرَتْ لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا فَدَكَ، وَأَنَّهَا جَاءَتْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، فَقَالَ: رَجُلٌ مَعَ رَجُلٍ، وَامْرَأَةٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا! ! قَدْ سَأَلَتْ فَاطِمَةُ أَبَا بَكْرٍ (5) مِيرَاثَهَا وَأَخْبَرَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا نُورَثُ» ، وَمَا
_________
(1) أ، ب: مَشْهُورًا.
(2) أ، ب: كَذِبٌ عَلَى فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي ادِّعَائِهَا ذَلِكَ. وَبَعْدَ ذَلِكَ بَيَاضٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مَا عَدَا نُسْخَةَ (ب) فَلَيْسَ فِيهَا بَيَاضٌ وَلَكِنْ سَقَطَ الْكَلَامُ التَّالِي، وَفِي (م) : " بَيَاضٌ فِي الْأُمِّ كَثِيرٌ ". وَالْمَلَاكُ التَّالِي فِي نُسْخَةِ (و) فَقَطْ.
(3) أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُرَيْجٍ الْبَغْدَادِيُّ، فَقِيهٌ شَافِعِيٌّ، وُلِدَ سَنَةَ 249 وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ 306. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 3/21، 39؛ وَفِيَّاتِ الْأَعْيَانِ 1/49 51؛ سِزْكِينَ م [0 - 9] ج [0 - 9] ص 199؛ الْأَعْلَامِ 1/178 179.
(4) أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ أَبَانَ بْنِ صَدَقَةَ، قَاضٍ مِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ 221. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: الْجَوَاهِرِ الْمُضِيئَةِ 1/401 - 402؛ تَارِيخِ بَغْدَادَ 11/157 160؛ الْأَعْلَامِ 5/283؛ سِزْكِينَ م 1 ج [0 - 9] ص 80، 81.
(5) بَعْدَ كَلِمَةِ فَاطِمَةَ تُوجَدُ إِشَارَةٌ إِلَى هَامِشِ (و) وَلَمْ تَظْهَرِ الْكَلِمَاتُ فِي الْمُصَوَّرَةِ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتَهُ.
(4/229)

حُكِيَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ فَاطِمَةَ ادَّعَتْهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا شَهِدَ بِذَلِكَ.
وَلَقَدْ رَوَى جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ فِي فَدَكَ: " إِنْ فَاطِمَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا وَيَعُودُ عَلَى ضَعَفَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَيُزَوِّجُ مِنْهُ أَيِّمَهُمْ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ حَيَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْرَ صَدَقَةٍ وَقَبِلَتْ فَاطِمَةُ الْحَقَّ (1) ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي رَدَدْتُهَا إِلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (2) .
وَلَمْ يُسْمَعْ أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ادَّعَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
_________
(1) فِي الْأَصْلِ (و) بَعْدَ عِبَارَةِ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إِشَارَةٌ إِلَى الْهَامِشِ، وَلَمْ تَظْهَرِ الْكَلِمَاتُ فِي الْمُصَوَّرَةِ، وَبَعْدَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ: آمِرًا صَرْفَهُ فَاطِمَةَ الْحَقَّ، وَهِيَ عِبَارَةٌ مُحَرَّفَةٌ، وَلَعَلَّ مَا أُثْبِتُهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ.
(2) ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " سِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ " ص 109 110، ط. الْمُؤَيَّدِ، الْقَاهِرَةِ 1331/1921 قِصَّةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ أَرْضِ فَدَكَ الَّتِي وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ وَكَيْفَ رَدَّهَا إِلَى الصَّدَقَةِ. وَأَوَّلُ الْخَبَرِ: قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ (بَيَاضٌ بِالْأَصْلِ) أَنَّ عُمَرَ نَظَرَ فِي مَزَارِعِهِ. . . . وَبَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ فَدَكَ. قَالَ: فَحَدَّثْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ فَدَكُ فَيْئًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَكَانَتْ لِابْنِ السَّبِيلِ، فَسَأَلَتْهُ ابْنَتُهُ إِيَّاهَا فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْطِيَهَا، فَوَلِيَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ. . . فَلَمَّا وَلِيَ مَرْوَانُ الْمَدِينَةَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ رَدَّهَا عَلَيْهِ، فَأَعْطَى عَبْدَ الْمَلِكِ نِصْفَهُمَا وَعَبْدَ الْعَزِيزِ نِصْفَهُمَا، فَوَهَبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ حَقَّهُ لِعُمَرَ وَلَدِهِ. . . فَلَقَدْ وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ وَمَا يَقُومُ بِهِ وَبِعِيَالِهِ إِلَّا وَهِيَ تُغَلُّ كُلَّ سَنَةٍ عَشْرَةَ آلَافٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَحَصَ فَأُخْبِرَ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا. . . فَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا يَقُولُ فِيهِ: إِنِّي نَظَرْتُ فِي أَمْرِ فَدَكَ، فَإِذَا هُوَ لَا يَصْلُحُ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَاقْبِضْهَا وَوَلِّهَا رَجُلًا يَقُومُ فِيهَا بِالْحَقِّ.
(4/230)

أَعْطَاهَا إِيَّاهَا فِي حَدِيثٍ ثَابِتٍ مُتَّصِلٍ، وَلَا أَنَّ شَاهِدًا شَهِدَ لَهَا. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَحُكِيَ؛ لِأَنَّهَا خُصُومَةٌ وَأَمْرٌ ظَاهِرٌ تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ وَتَحَادَثَتْ فِيهِ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا فَاطِمَةَ وَلَا سَمِعْتُ فَاطِمَةَ تَدَّعِيهَا حَتَّى جَاءَ الْبُحْتُرِيُّ بْنُ حَسَّانٍ يَحْكِي عَنْ زَيْدٍ شَيْئًا لَا نَدْرِي مَا أَصْلُهُ، وَلَا مَنْ جَاءَ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِلْمِ: فَضْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنِ الْبُحْتُرِيِّ عَنْ زَيْدٍ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْكِتَابِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ بَعْضِ هَذَا الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ، وَكَانَ الْحَدِيثُ قَدْ حَسُنَ بِقَوْلِ زَيْدٍ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَضَيْتُ بِمَا قَضَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ. وَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَا عَلَى فَاطِمَةَ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ، وَلَوْ لَمْ تُجْرَ فِيهِ الْمُنَاظَرَةُ وَيَأْتِ فِيهَا الرِّوَايَةُ، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَتْ؟ وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِخِلَافِهِ، إِنَّ هَذَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَنَحْوِ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَدَّةِ، وَأَنَّهُ مَتَى بَلَغَهُ الْخَبَرُ رَجَعَ إِلَيْهِ.
وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ لَمْ تَقُلْ: إِنِّي أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي فَمُنِعَتْ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي لَا أَرَى الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ.
قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَرْوِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ (1) ، قَالَ (2) : كَانَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ أَنْ قَالَ: كَانَتْ
_________
(1) تَرْجَمَتُهُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 10/10 11 وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْهُ: " مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ رَأَى أَبَا بَكْرٍ ".
(2) أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ 3/195 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَسَنَدُهُ فِيهِ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ح، وَثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ح، وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ، كُلُّهُمْ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ. . .
(4/231)

لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ (1) ، وَخَيْبَرُ، وَفْدَكُ. فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ. وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُزْءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ، فَمَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ جُزْأَيْنِ.
وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ (2) أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ (3) وَفَدَكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ» ، وَإِنِّي وَاللَّهِ (4) لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
_________
(1) فِي الْأَصْلِ: بَنِي النَّضِيرِ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
(2) الرِّوَايَةُ التَّالِيَةُ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/20 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، بَابُ مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ. . .) . وَسَنَدُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ. .
(3) فِي الْبُخَارِيِّ: فِيمَا (وَفِي رِوَايَةٍ: مِمَّا) أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي بِالْمَدِينَةِ. .
(4) فِي الْبُخَارِيِّ: مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، يَعْنِي مَالَ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ. . .
(4/232)

(1) ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا (2) .
وَرَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. «قَالَ: وَفَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَئِذٍ تَطْلُبُ صَدَقَةَ رَسُولِ اللَّهِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ» ، يَعْنِي مَالَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَالِ.
وَرَوَاهُ صَالِحٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ فِيهِ (3) : فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ. فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَغَلَبَ عَلِيٌّ عَلَيْهَا. وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ
_________
(1) فِي الْبُخَارِيِّ: شَيْئًا مِنْ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ (وَفِي رِوَايَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(2) فِي الْبُخَارِيِّ: بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ. وَذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَقَّهُمْ. فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي.
(3) جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ فِي: مُسْلِمٍ 3/1381 1382 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ) ؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/196 197 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) .
(4/233)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ (1) ، وَأَمْرُهَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ. قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيهَا مَا يُبَيِّنُ أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - طَلَبَتْ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ مِنَ الْمَوَارِيثِ، فَأُخْبِرَتْ بِمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَسَلَّمَتْ وَرَجَعَتْ، فَكَيْفَ تَطْلُبُهَا مِيرَاثًا وَهِيَ تَدَّعِيهَا مِلْكًا بِالْعَطِيَّةِ؟ هَذَا مَا لَا مَعْنًى فِيهِ. وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْكِتَابِ أَنْ يَتَدَبَّرَ، وَلَا نَحْتَجُّ بِمَا يُوجَدُ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ لِرَدِّهِ وَإِبَانَةِ الْغَلَطِ فِيهِ (2) ، وَلَكِنْ حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِفَاطِمَةَ وَقَدْ قَرَأَتْ عَلَيْهِ إِنِّي أَقْرَأُ مِثْلَ مَا قَرَأْتِ (3) وَلَا يَبْلُغَنَّ عِلْمِي أَنْ يَكُونَ قَالَهُ كُلَّهُ. قَالَتْ فَاطِمَةُ: هُوَ لَكَ وَلِقَرَابَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَأَنْتِ عِنْدِي مُصَدَّقَةٌ أَمِينَةٌ، فَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهِدَ إِلَيْكِ فِي هَذَا، أَوْ وَعَدَكِ فِيهِ مَوْعِدًا أَوْ أَوْجَبَهُ لَكُمْ حَقًّا صَدَّقْتُكِ. فَقَالَتْ: لَا غَيْرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: " أَبْشِرُوا يَا آلَ مُحَمَّدٍ وَقَدْ جَاءَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْغِنَى» ". قَالَ
_________
(1) قَالَ مُحَقِّقُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " تَعْرُوهُ: مَعْنَاهَا مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ. وَيُقَالُ: عَرَوْتُهُ وَاعْتَرَرْتُهُ إِذَا أَتَيْتَهُ تَطْلُبُ مِنْهُ. وَنَوَائِبُهُ: النَّوَائِبُ مَا يَنُوبُ الْإِنْسَانُ، أَيْ يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ وَالْحَوَادِثِ ".
(2) فِي الْأَصْلِ: رَدَّهُ وَأَبَانَهُ لِلْغَلَطِ فِيهِ.
(3) فِي الْأَصْلِ: مِثْلَ قَرَأْتِ.
(4/234)

أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقْتِ، فَلَكُمُ الْفَيْءُ، وَلَمْ يَبْلُغْ عِلْمِي بِتَأْوِيلِ هَذِهِ أَنْ أَسْتَلِمَ هَذَا السَّهْمَ كُلَّهُ كَامِلًا إِلَيْكُمْ، وَلَكُمُ الْفَيْءُ (1) الَّذِي يَسَعُكُمْ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَقْبَلُ قَوْلَهَا، فَكَيْفَ يَرُدُّهُ وَمَعَهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَةٌ؟ وَلَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ يَجِدُهُ] (2) .

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُورَثُ فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ أَزْوَاجُهُ وَعَمُّهُ، وَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا رَجُلٍ وَاحِدٍ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُورَثُ فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا رَجُلٍ وَاحِدٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ. نَعَمْ يُحْكَمُ فِي [مِثْلِ] ذَلِكَ (3) بِشَهَادَةِ (4) وَيَمِينِ الطَّالِبِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ [وَفُقَهَاءِ أَصْحَابِ] الْحَدِيثِ (5) . وَشَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا (6) لَا تُقْبَلُ، وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: تُقْبَلُ، وَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ (7) . فَعَلَى هَذَا (8) لَوْ قُدِّرَ صِحَّةُ هَذِهِ الْقِصَّةِ (9) لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ
_________
(1) فِي الْأَصْلِ: الْفَيَا (بِدُونِ نَقْطٍ) .
(2) هُنَا يَنْتَهِي الْكَلَامُ السَّاقِطُ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَالَّذِي يُوجَدُ فِي نُسْخَةِ (و) فَقَطْ.
(3) ن، م: يُحْكَمُ فِي ذَلِكَ.
(4) ر، هـ، ص، و: بِشَاهِدٍ.
(5) ن، م: فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْحَدِيثِ؛ أ، ب: فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَفُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
(6) إِحْدَاهُمَا: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَحَدُهُمَا.
(7) وَغَيْرِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) فَعَلَى هَذَا: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَعَلَى هَذَا.
(9) أ، ب: الْقَضِيَّةِ.
(4/235)

بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا امْرَأَةٍ (1) وَاحِدَةٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُهَمْ لَا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الزَّوْجِ (2) ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَحْكُمُ بِشَاهِدٍ (3) وَيَمِينٍ، وَمَنْ يَحْكُمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَمْ يَحْكُمْ لِلطَّالِبِ حَتَّى يُحَلِّفَهُ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: " فَجَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ فَشَهِدَتْ لَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَ: امْرَأَةٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا. وَقَدْ رَوَوْا جَمِيعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " أُمُّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
الْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا احْتِجَاجٌ جَاهِلٌ مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ (4) يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ لِنَفْسِهِ فَيَحْتَجَّ عَلَيْهَا، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ قَالَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ وَالْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَمْثَالُهُمَا لَكَانَ قَدْ قَالَ حَقًّا، فَإِنَّ امْرَأَةً وَاحِدَةً لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْحُكْمِ بِالْمَالِ لِمُدَّعٍ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ لِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ إِذَا حُكِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ ! .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ جَمِيعًا، فَهَذَا الْخَبَرُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْرَفُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ (5) . وَأُمُّ
_________
(1) ب (فَقَطْ) : وَلَا بِامْرَأَةٍ. .
(2) ن، م: شَهَادَةَ الزُّورِ.
(3) أ: بِشِهَادٍ، ب: بِشَهَادَةٍ.
(4) عِبَارَةُ " مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) أ، ب: وَلَا نَعْرِفُ عَالِمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ رَوَاهُ. وَوَجَدْتُ حَدِيثَيْنِ فِي حَقِّ أُمِّ أَيْمَنَ، الْأَوَّلُ هُوَ: (أُمُّ أَيْمَنَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي) وَضَعَّفَهُ السُّيُوطِيُّ وَالْأَلْبَانِيُّ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 1/389. وَالثَّانِي " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَتَزَوَّجْ أُمَّ أَيْمَنَ " ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُقْبَةَ مُرْسَلًا، وَضَعَّفُهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 5/205. وَأُمُّ أَيْمَنَ اسْمُهَا بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حِصْنٍ انْظُرْ تَرْجَمَتَهَا فِي " الْإِصَابَةِ " 4/415 417 وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ لَهَا: " يَا أُمَّةُ " وَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا يَقُولُ: هَذِهِ بَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْتِي ".
(4/236)

أَيْمَنَ هِيَ أُمُّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ حَاضِنَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهِيَ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ، وَلَهَا حَقٌّ وَحُرْمَةٌ (1) لَكِنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَكُونُ بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " رَوَوْا جَمِيعًا " لَا يَكُونُ إِلَّا فِي خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ، فَمَنْ يُنْكِرُ (2) حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَا يُورَثُ» ، وَقَدْ رَوَاهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمْ جَمِيعًا رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ، إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَعْظَمِهِمْ جَحْدًا لِلْحَقِّ.
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ عَنْ غَيْرِهَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ قَالَ (3) : " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ (4) تَحْتَ الشَّجَرَةِ» " وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ ثَابِتٌ عِنْدَ (5) أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (6) ، وَحَدِيثُ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ (7) . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ يُكَذِّبُونَ مَنْ عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ شَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا (8) شَهَادَةَ امْرَأَةٍ زَعَمُوا أَنَّهُ شَهِدَ لَهَا بِالْجَنَّةِ، فَهَلْ يَكُونُ أَعْظَمُ مِنْ جَهْلِ هَؤُلَاءِ وَعِنَادِهِمْ؟ ! .
_________
(1) أ، ب: حَقُّ حُرْمَةٍ.
(2) أ: يَذْكُرُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. 1
(3) أ، ب: وَقَالَ.
(4) أ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ النَّارَ بَايَعَ؛ ب: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ النَّارَ مِمَّنْ بَايَعَ.
(5) أ، ب: عَنْ.
(6) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 2/28.
(7) أ، ب: وَسَعْدِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَمَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 3/501.
(8) ص: لَا يَقْبَلُونَ.
(4/237)

ثُمَّ يُقَالُ: كَوْنُ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُوجِبُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَغْلَطَ فِي الشَّهَادَةِ. وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَتْ خَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ وَنَحْوُهُنَّ، مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لَكَانَتْ شَهَادَةُ إِحْدَاهُنَّ نِصْفَ شَهَادَةِ رَجُلٍ، كَمَا حَكَمَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ. كَمَا أَنَّ مِيرَاثَ إِحْدَاهُنَّ نِصْفُ مِيرَاثِ رَجُلٍ، وَدِيَتَهَا نِصْفُ دِيَةِ رَجُلٍ (1) . وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَوْنُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُوجِبُ قَبُولَ شَهَادَتِهَا لِجَوَازِ الْغَلَطِ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مِمَّنْ يَكْذِبُ وَيَتُوبُ مِنَ الْكَذِبِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ .

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: " إِنَّ عَلِيًّا شَهِدَ لَهَا فَرَدَّ شَهَادَتَهُ لِكَوْنِهِ زَوْجَهَا " فَهَذَا مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ (2) لَوْ صَحَّ لَيْسَ يَقْدَحُ (3) ، إِذْ كَانَتْ شَهَادَةُ الزَّوْجِ مَرْدُودَةً عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (4) ، وَمَنْ قَبِلَهَا مِنْهُمْ لَمْ يَقْبَلْهَا حَتَّى يُتِمَّ النِّصَابُ إِمَّا بِرَجُلٍ آخَرَ وَإِمَّا بِامْرَأَةٍ مَعَ امْرَأَةٍ (5) ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مَعَ عَدَمِ يَمِينِ الْمُدَّعِي فَهَذَا لَا يُسَوَّغُ.

الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ رَوَوْا جَمِيعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ مَعَهُ يَدُورُ (6) حَيْثُ دَارَ، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ " مِنْ أَعْظَمِ الْكَلَامِ كَذِبًا وَجَهْلًا، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا
_________
(1) ن، م: نِصْفُ دِيَتِهِ.
(2) أ: مَعَ كَوْنِهِ كَذِبَ؛ ب: مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا.
(3) أ، ب: لَمْ يَقْدَحْ.
(4) ن، م: عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(5) ن، م: وَإِمَّا بِامْرَأَتَيْنِ.
(6) ب (فَقَطْ) : يَدُورُ مَعَهُ.
(4/238)

ضَعِيفٍ (1) . فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُمْ جَمِيعًا رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ؟ وَهَلْ يَكُونُ أَكْذَبُ مِمَّنْ يُرْوَى عَنِ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ (2) أَنَّهُمْ رَوَوْا حَدِيثًا، وَالْحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ عَنْ وَاحِدٍ (3) مِنْهُمْ أَصْلًا؟ بَلْ هَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ. وَلَوْ قِيلَ: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، وَكَانَ يُمْكِنُ صِحَّتُهُ لَكَانَ مُمْكِنًا، فَكَيْفَ (4) وَهُوَ كَذِبٌ قَطْعًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ! .
بِخِلَافِ إِخْبَارِهِ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ فِي الْجَنَّةِ، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنَّهُ قَالَهُ، فَإِنَّ أُمَّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ، فَإِخْبَارُهُ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ لَا يُنْكَرُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (5) أَنَّهُ مَعَ الْحَقِّ [وَأَنَّ الْحَقَّ] (6) يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ (7) لَنْ (8) يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ؛ فَإِنَّهُ كَلَامٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ الْحَوْضَ إِنَّمَا يَرِدُهُ (9) عَلَيْهِ أَشْخَاصٌ، كَمَا قَالَ لِلْأَنْصَارِ:
_________
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ لَا فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلَا فِي كُتُبِ الْمَوْضُوعَاتِ.
(2) ن:. . . وَالْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
(3) أ، ب: عَنْ أَحَدٍ.
(4) فَكَيْفَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) ر، هـ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ؛ ص: بِخِلَافِ قَوْلِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
(6) عِبَارَةُ " وَإِنَّ الْحَقَّ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) ن، ب: حَيْثُ دَارَ.
(8) ب (فَقَطْ) : وَلَنْ.
(9) ن (فَقَطْ) : يَرُدُّ.
(4/239)

" «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» " (1) وَقَالَ: " «إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مَا (2) بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى عَدَنَ، وَإِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ وُرُودًا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعَثُ رُءُوسًا الدُّنْسُ ثِيَابًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ (3) السُّدَدِ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَجِدُ لَهَا قَضَاءً» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ (4) .
وَأَمَّا الْحَقُّ فَلَيْسَ مِنَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَرِدُونَ الْحَوْضَ. وَقَدْ رُوِيَ [أَنَّهُ قَالَ] (5) : " «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَلَنْ (6)
_________
(1) الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/33 (كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ: اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) ؛ مُسْلِمٍ 3/1474 (كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظُلْمِ الْوُلَاةِ وَاسْتِئْثَارِهِمْ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/57، 166، 171، 4/42، 292.
(2) ن، و، ص: مِمَّا.
(3) أَبْوَابُ: لَيْسَتْ فِي (ب) فَقَطْ.
(4) لَمْ أَجِدْ حَدِيثًا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَلَكِنِّي وَجَدْتُ حَدِيثًا عَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ أَرْقَامَ 4/47، 48 (كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَوَانِي الْحَوْضِ) ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: " حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا. أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ عَنِ الْحَوْضِ فِي مُسْلِمٍ 4/1799 1800 (كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِفَاتِهِ) فَإِنَّ أَلْفَاظَهُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَتَّفِقُ مَعَهُ إِلَّا فِي أَلْفَاظٍ قَلِيلَةٍ.
(5) أَنَّهُ قَالَ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(6) أ، ب: لَنْ.
(4/240)

يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» (1) ". فَهُوَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ، وَفِيهِ كَلَامٌ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ] (2) .
وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ ثَوَابَ الْقُرْآنِ. أَمَّا الْحَقُّ الَّذِي يَدُورُ مَعَ شَخْصٍ (3) وَيَدُورُ الشَّخْصُ مَعَهُ فَهُوَ صِفَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ لَا يَتَعَدَّاهُ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ صِدْقٌ وَعَمَلَهُ صَالِحٌ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَكُونُ (4) مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ.
وَأَيْضًا فَالْحَقُّ لَا يَدُورُ مَعَ شَخْصٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ دَارَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُمَا دَارَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ يَدَّعُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَوْلَى بِالْعِصْمَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ (5) ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ، عُلِمَ كَذِبُهُمْ، وَفَتَاوِيهِ مِنْ جِنْسِ فَتَاوِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ (6) لَيْسَ هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْهُمْ، وَلَا فِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَرْجُوحَةِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي قَوْلِهِ (7) ، وَلَا كَانَ ثَنَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِضَاهُ عَنْهُ بِأَعْظَمَ مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ
_________
(1) الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَزِيَادِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/328 329، (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/14، 17، 26، 59، 5/181 182، 189، 190. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ".
(2) إِنْ شَاءَ اللَّهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) ب (فَقَطْ) : الشَّخْصِ.
(4) أ، ب: لَمْ يَكُنْ.
(5) وَغَيْرِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (هـ) .
(6) (66) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) أ: مِمَّا قَالُوهُ؛ ب: مِمَّا قَالَهُ.
(4/241)

وَرِضَائِهِ عَنْهُمْ (1) ، بَلْ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَتَبَ عَلَى عُثْمَانَ فِي شَيْءٍ، وَقَدْ عَتَبَ عَلَى عَلِيٍّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ لَمَّا أَبْعَدَ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ (2) . (3) «اشْتَكَتْهُ (4) فَاطِمَةُ لِأَبِيهَا وَقَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، فَقَامَ [رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (5) خَطِيبًا وَقَالَ: " إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُزَوِّجُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنِّي لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي [يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا» ] (6) وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا " ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَقَالَ: " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي " وَالْحَدِيثُ (7) ثَابِتٌ صَحِيحٌ أَخْرَجْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (8) لَمَّا طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلًا، فَقَالَ: " أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ " فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَضْرِبُ فَخْذَهُ وَيَقُولُ: " {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} " (9) .
وَأَمَّا الْفَتَاوِي فَقَدْ أَفْتَى بِأَنَّ (10) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ (11) تَعْتَدُّ
_________
(1) وَرِضَائِهِ عَنْهُمْ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: رِضَاهُ عَنْهُمْ.
(2) ن: (فَقَطْ) بِابْنَةِ
(3) أَبِي جَهْلٍ
(4) ر: اشْتَكَتْ؛ ب: وَاشْتَكَتْهُ.
(5) (44) : زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) .
(6) يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (ص) : مَا أَرَابَهَا.
(7) أ: وَحَدِيثٌ؛ ب: هُوَ حَدِيثٌ.
(8) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص 145.
(9) فِي الصَّحِيحَيْنِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(10) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 2/85.
(11) أ، ب: أَنْ. (11) وَهَى حَامِلٌ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْحَامِلُ.
(4/242)

أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، وَهَذِهِ الْفُتْيَا كَانَ قَدْ أَفْتَى بِهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بِعْكَكٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» " (1) وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. ثُمَّ بِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ فَاطِمَةَ أَمْرٌ لَا يَلِيقُ بِهَا، وَلَا يَحْتَجُّ بِذَلِكَ إِلَّا رَجُلٌ جَاهِلٌ يَحْسَبُ أَنَّهُ يَمْدَحُهَا وَهُوَ يَجْرَحُهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ (2) مَا يُوجِبُ الْغَضَبَ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَحْكُمْ - لَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا - إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ. وَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَغَضِبَ (3) وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ الْحَاكِمَ، وَلَا صَاحِبَ الْحَاكِمِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا يُحْمَدُ عَلَيْهِ (4) وَلَا مِمَّا يُذَمُّ بِهِ الْحَاكِمُ، بَلْ هَذَا إِلَى أَنْ يَكُونَ جُرْحًا أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مَدْحًا. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَا يُحْكَى عَنْ فَاطِمَةَ
_________
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا اللَّفْظَ. وَقِصَّةُ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ الَّتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَهَى حَامِلٌ وَلَمَّا وَضَعَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ وَلَكِنْ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَفْتَاهَا بِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفْتَاهَا بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ حِينَ وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَأَمَرَهَا بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لَهَا. وَالْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْقَمِ عَنْ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ - رِضَى اللَّهِ عَنْهَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/80 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ بَابٌ رَقْمُ 10) ؛ مُسْلِمٍ 2/1122 (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ) ؛ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/332 (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَضَعُ) . وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ فِي " الْإِصَابَةِ " 4/96 أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسُبَيْعَةَ حِينَ أَتَتْهُ: " بَلَى وَلَوْ رَغَمَ أَنْفُ أَبِي السَّنَابِلِ ".
(2) أ، ب، و: وَذَكَرَ.
(3) ب (فَقَطْ) وَرَسُولِهِ فَامْتَنَعَ فَغَضِبَ. . . وَالْمَعْنَى: فَامْتَنَعَ الْحَاكِمُ فَغَضِبَ. . . الْخَ.
(4) ن، م: مِمَّا يَحْمَدُهُ عَلَيْهِ.
(4/243)

وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْقَوَادِحِ كَثِيرٌ مِنْهَا كَذِبٌ وَبَعْضُهَا كَانُوا فِيهِ مُتَأَوِّلِينَ. وَإِذَا كَانَ بَعْضُهَا ذَنْبًا فَلَيْسَ الْقَوْمُ مَعْصُومِينَ بَلْ هُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَهُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَلِفِهَا أَنَّهَا لَا تُكَلِّمُهُ وَلَا صَاحِبَهُ حَتَّى تَلْقَى أَبَاهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَيْهِ، أَمْرٌ لَا يَلِيقُ أَنْ يُذْكَرَ عَنْ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -؛ فَإِنَّ الشَّكْوَى إِنَّمَا تَكُونُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [سُورَةِ يُوسُفَ: 86] ، وَفِي دُعَاءِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَبِكَ الْمُسْتَغَاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ. «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ عَبَّاسٍ: " إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» " الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4 (كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، بَابٌ رَقْمُ 22) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ". وَأَوَّلُهُ فِيهِ: " «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» . . . الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ: (ط. الْمَعَارِفِ) 4/233، 269 270 286 287.، وَلَمْ يَقُلْ: سَلْنِي وَلَا اسْتَعِنْ بِي (1) .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [سُورَةِ الشَّرْحِ: 7، 8] .
ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ (2) إِذَا طَلَبَتْ مَالًا مِنْ وَلِيِّ أَمْرٍ (3) فَلَمْ يُعْطِهَا [إِيَّاهُ] (4) لِكَوْنِهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ عِنْدَهُ، وَهُوَ لَمْ (5) يَأْخُذْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ لِأَحَدٍ مِنْ
_________
(1) ن، م: سَلْنِي وَلَا اسْتَغْفِرْ لِي، أ، ب، هـ: سَلْنِي وَاسْتَعِنْ بِي.
(2) أ، ب: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَرْأَةَ.
(3) أ، ب، ص: وَلِيِّ الْأَمْرِ.
(4) إِيَّاهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) لَمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/244)

أَهْلِهِ وَلَا أَصْدِقَائِهِ بَلْ أَعْطَاهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ الطَّالِبَ غَضِبَ عَلَى الْحَاكِمِ - كَانَ غَايَةَ ذَلِكَ أَنَّهُ غَضِبَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُعْطِهِ مَالًا، وَقَالَ (1) الْحَاكِمُ: إِنَّهُ لِغَيْرِكَ لَا لَكَ، فَأَيُّ مَدْحٍ لِلطَّالِبِ فِي هَذَا الْغَضَبِ؟ لَوْ كَانَ مَظْلُومًا (2) مَحْضًا لَمْ يَكُنْ غَضَبُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا. وَكَيْفَ وَالتُّهْمَةُ عَنِ (3) الْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ أَبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ عَنِ الطَّالِبِ (4) الَّذِي يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ تُحَالُ (5) التُّهْمَةُ عَلَى مَنْ لَا يَطْلُبُ (6) لِنَفْسِهِ مَالًا، وَلَا تُحَالُ عَلَى مَنْ يَطْلُبُ (7) لِنَفْسِهِ الْمَالَ؟ .
وَذَلِكَ (8) الْحَاكِمُ يَقُولُ: إِنَّمَا (9) أَمْنَعُ لِلَّهِ لِأَنِّي لَا يَحِلُّ لِي أَنْ آخُذَ الْمَالَ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ فَأَدْفَعَهُ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، وَالطَّالِبُ يَقُولُ: إِنَّمَا أَغْضَبُ لِحَظِّي الْقَلِيلِ (10) مِنَ الْمَالِ. أَلَيْسَ مَنْ يَذْكُرُ [مِثْلَ] (11) هَذَا عَنْ فَاطِمَةَ وَيَجْعَلُهُ مِنْ مَنَاقِبِهَا جَاهِلًا؟ .
أَوْ لَيْسَ اللَّهُ قَدْ ذَمَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ:
_________
(1) وَقَالَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: قَالَ.
(2) ن، م، أ: مَطْلُوبًا.
(3) أ، ب: عِنْدَ.
(4) ن، م: أَبْعَدُ مِنْهَا عَنِ الطَّالِبِ؛ ب: أَبْعَدُ مِنَ الْتَهَمَةِ عِنْدَ الطَّالِبِ.
(5) أ: بِحَالِ.
(6) أ، ب: مَنْ لَا يَأْخُذُ.
(7) ن، م: عَلَى مَنْ لَا يَطْلُبُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(8) أ، ب: وَكَذَلِكَ.
(9) ن، م: أَنَا.
(10) ر، هـ، ص، و: لِحَظِّي لِقَلِيلٍ؛ ب: لِحَظٍّ قَلِيلٍ.
(11) مِثْلَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/245)

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 58، 59] فَذَكَرَ اللَّهُ (1) قَوْمًا رَضُوا إِنْ أُعْطُوا، وَغَضِبُوا إِنْ لَمْ يُعْطُوا، فَذَمَّهُمْ بِذَلِكَ، فَمَنْ مَدَحَ فَاطِمَةَ بِمَا فِيهِ شَبَهٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَلَّا يَكُونَ (2) قَادِحًا فِيهَا؟ فَقَاتَلَ اللَّهُ الرَّافِضَةَ، وَانْتَصَفَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَلْصَقُوا بِهِمْ مِنَ الْعُيُوبِ (3) وَالشَّيْنِ مَالَا يَخْفَى عَلَى ذِي عَيْنٍ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: فَاطِمَةُ لَا تَطْلُبُ إِلَّا حَقَّهَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا بِأَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَبُو بَكْرٍ لَا يَمْنَعُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا حَقَّهُ فَكَيْفَ يَمْنَعُهُ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ حَقَّهَا؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ شَهِدَا لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يُنْفِقُ مَالَهُ لِلَّهِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ؟ وَفَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَدْ طَلَبَتْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالًا، فَلَمْ يُعْطِهَا إِيَّاهُ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَدِيثِ الْخَادِمِ لَمَّا ذَهَبَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَلَمْ يُعْطِهَا خَادِمًا وَعَلَّمَهَا التَّسْبِيحَ (4) . وَإِذَا جَازَ أَنْ تَطْلُبَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا
_________
(1) لَفْظُ الْجَلَالَةِ لَيْسَ فِي (أ) ، (ب) .
(2) أ: لَا يَكُونُ؛ هـ: أَنْ لَا يَكُونَ؛ ر، ص: إِلَّا أَنْ يَكُونَ؛ ب: أَفَلَا يَكُونُ.
(3) ب (فَقَطْ) : مِنَ الْعَيْبِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/19 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ؛ مُسْلِمٍ 4/2091 2092 (كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، بَابُ التَّسْبِيحِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَعِنْدَ النَّوْمِ) . وَنَصُّ الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَى فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضْجَعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: " عَلِيُّ مَكَانَكُمَا " فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي. وَقَالَ: " أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ خَادِمٍ ". وَالْحَدِيثُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ.
(4/246)

يَمْنَعُهَا [النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (1) إِيَّاهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (2) يُعْطِيَهَا إِيَّاهُ (3) ، جَازَ أَنْ تَطْلُبَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْصُومَةً أَنْ تَطْلُبَ مَا لَا يَجِبُ إِعْطَاؤُهَا إِيَّاهُ. وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءُ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا بِتَرْكِهِ (4) مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا. فَأَمَّا (5) إِذَا قَدَّرْنَا أَنَّ الْإِعْطَاءَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى الْمَنْعِ. وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَنَعَ أَحَدًا حَقَّهُ، وَلَا ظَلَمَ أَحَدًا حَقَّهُ، (6) لَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ إِيصَائِهَا أَنْ تُدْفَنَ لَيْلًا وَلَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، لَا يَحْكِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ وَيَحْتَجُّ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ جَاهِلٌ يَطْرُقُ عَلَى فَاطِمَةَ مَا لَا يَلِيقُ بِهَا، (7) وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ بِالذَّنْبِ الْمَغْفُورِ أَوْلَى مِنْهُ بِالسَّعْيِ الْمَشْكُورِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ عَلَى غَيْرِهِ زِيَادَةُ خَيْرٍ تَصِلُ إِلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ (8) أَفْضَلَ الْخَلْقِ أَنْ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: وَلَا يَجِبُ أَنْ. . .
(3) ن (فَقَطْ) : أَنْ يُعْطِيَهَا حَقَّهَا إِيَّاهُ.
(4) بِتَرْكِهِ: كَذَا فِي (ن) ، (و) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بِتَرْكِ.
(5) أ، ب: أَمَّا.
(6) (66) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) فِي " الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ ": " طَرَقَ الْكَلَامَ: عَرَضَ لَهُ وَخَاضَ فِيهِ. وَفِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " مِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ الَّتِي تُضْرَبُ لِلَّذِي يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ وَيَتَفَنَّنُ فِيهِ قَوْلُهُمُ: اطْرُقِي وَمِيشِي ".
(8) ن: وَلَا يَضِيرُ.
(4/247)

يُصَلِّيَ عَلَيْهِ شَرُّ الْخَلْقِ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَيْهِ [وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ] (1) الْأَبْرَارُ وَالْفُجَّارُ بَلْ (2) وَالْمُنَافِقُونَ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ لَمْ يَضُرَّهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي أُمَّتِهِ مُنَافِقِينَ، وَلَمْ يَنْهَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ عَنِ (3) الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بَلْ أَمَرَ (4) النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ فِيهِمُ الْمُؤْمِنَ وَالْمُنَافِقَ، فَكَيْفَ يُذْكَرُ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهَا وَالِاحْتِجَاجِ لَهَا (5) مِثْلُ هَذَا الَّذِي لَا يَحْكِيهِ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ (6) إِلَّا مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ، وَلَوْ وَصَّى (7) مُوصٍ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ لَمْ تُنَفَّذْ وَصِيَّتُهُ، فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِنْسَانًا لَوْ ظَلَمَهُ ظَالِمٌ، فَأَوْصَى بِأَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الظَّالِمُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا، وَلَا هَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. فَمَنْ يَقْصِدُ مَدْحَ فَاطِمَةَ وَتَعْظِيمَهَا، كَيْفَ يَذْكُرُ مِثْلَ هَذَا الَّذِي لَا مَدْحَ فِيهِ، بَلِ الْمَدْحُ فِي خِلَافِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؟ ! .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَرَوَوْا جَمِيعًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا فَاطِمَةُ إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ، وَيَرْضَى لِرِضَاكِ» " فَهَذَا كَذِبٌ مِنْهُ، مَا رَوَوْا (8) هَذَا
_________
(1) وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ) . وَفِي (ص) ، (ر) وَيُسَلِّمُ.
(2) بَلْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) ن، م، و: وَلَمْ يَنْهَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَنِ. . .
(4) أ، ب: بَلْ قَالَ وَأَمَرَ. . .
(5) ن، م، و: الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
(6) وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَيَحْتَجُّ بِهِ.
(7) ب (فَقَطْ) : أَوْصَى.
(8) ن، م: مَا رُوِيَ. .
(4/248)

عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَا لَهُ إِسْنَادٌ مَعْرُوفٌ (1) عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ. وَنَحْنُ إِذَا شَهِدْنَا لِفَاطِمَةَ بِالْجَنَّةِ، وَبِأَنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنْهَا، فَنَحْنُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ (2) وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعِيدٍ (3) وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ [بْنِ عَوْفٍ] (4) بِذَلِكَ نَشْهَدُ، وَنَشْهَدُ بِأَنَّ (5) اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [سُورَةِ التَّوْبَةِ: 100] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [سُورَةِ الْفَتْحِ: 18] وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَمَنْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَسُولُهُ لَا يَضُرُّهُ غَضَبُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ (6) كَائِنًا مَنْ كَانَ، بَلْ مَنْ (7) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَضِيَ عَنِ اللَّهِ، يَكُونُ رِضَاهُ مُوَافِقًا لِرِضَا اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ رَاضٍ عَنْهُ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ (8) ، وَهُوَ رَاضٍ عَنِ اللَّهِ، فَحُكْمُ اللَّهِ (9) مُوَافِقٌ لِرِضَاهُ،
_________
(1) أ، ب: وَلَا الْإِسْنَادُ مَعْرُوفٌ.
(2) وَعَلِيٍّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) وَسَعِيدٍ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَسَعْدٍ. وَالْمَقْصُودُ بِالْأَوَّلِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَبِالثَّانِي سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
(4) بْنِ عَوْفٍ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) بِذَلِكَ نَشْهَدُ وَنَشْهَدُ بِأَنَّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بِذَلِكَ أَشْهَدُ وَأَشْهَدُ لِأَنَّ.
(6) عَلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) ب (فَقَطْ) : وَلِأَنَّ مَنْ. .
(8) (8 - 8) سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(9) أ: وَهُوَ رَاضٍ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمِ اللَّهِ. . .؛ ب: فَهُوَ رَاضٍ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمِ اللَّهِ. . .
(4/249)

وَإِذَا رَضُوا بِحُكْمِهِ غَضِبُوا لِغَضَبِهِ، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِغَضَبِ غَيْرِهِ (1) لَزِمَ أَنْ يَغْضَبَ لِغَضَبِهِ، فَإِنَّ الْغَضَبَ إِذَا كَانَ مُرْضِيًا لَكَ، فَعَلْتَ مَا هُوَ مُرْضٍ لَكَ، وَكَذَلِكَ الرَّبُّ [تَعَالَى - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى] (2) - إِذَا رَضِيَ عَنْهُمْ غَضِبَ لِغَضَبِهِمْ؛ إِذْ هُوَ رَاضٍ بِغَضَبِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " رَوَوْا جَمِيعًا «أَنَّ فَاطِمَةَ بِضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي آذَى اللَّهَ» " فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بَلْ [رُوِيَ] بِغَيْرِهِ (3) ، كَمَا رُوِيَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ (4) خِطْبَةِ عَلِيٍّ لِابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ، لَمَّا قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقَالَ: «إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يَنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنِّي لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِنَّمَا فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُفْتَنَ (5) فِي دِينِهَا " ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَقَالَ (6) : " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي. وَإِنِّي لَسْتُ أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا " (7) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [فِي الصَّحِيحَيْنِ] (8) مِنْ
_________
(1) ن، م: مَنْ رَضِيَ بِرِضَا غَيْرِهِ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) ن، م، و:: بَلْ غَيْرِهِ.
(4) أ، ب: كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ. . .
(5) أ، ب: تُفْتَتَنَ.
(6) فَقَالَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: قَالَ.
(7) أ، ب: عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا.
(8) فِي الصَّحِيحَيْنِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4/250)

رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ سَبَقَ الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص 145. وَرِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ هِيَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي: مُسْلِمٍ 4/1903 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ) وَفِيهِ. . أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ: «إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: " إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ فِي دِينِهَا ". قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ قَالَ: " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي. وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا» ". قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ 16/24: " قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ إِيذَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنْ تَوَلَّدَ ذَلِكَ الْإِيذَاءُ مِمَّا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا وَهُوَ حَيٌّ، وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ. قَالُوا: وَقَدْ أَعْلَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ لِعَلِيٍّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا ". وَلَكِنْ نَهَى عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِعِلَّتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَذَى فَاطِمَةَ. فَيَتَأَذَّى حِينَئِذٍ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَيَهْلِكُ مَنْ آذَاهُ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى عَلِيٍّ وَعَلَى فَاطِمَةَ. وَالثَّانِيَةُ: خَوْفُ الْفِتْنَةِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ. . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: تَحْرِيمُ جَمْعِهِمَا، وَيَكُونُ مَعْنَى: " «لَا أُحَرِّمُ حَلَالًا» " أَيْ لَا أَقُولُ شَيْئًا يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّهِ، فَإِذَا أَحَلَّ شَيْئًا لَمْ أُحَرِّمْهُ وَإِذَا حَرَّمَهُ لَمْ أُحَلِّلْهُ وَلَمْ أَسْكُتْ عَنْ تَحْرِيمِهِ، لِأَنَّ سُكُوتِي تَحْلِيلٌ لَهُ وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتِ نَبِيِّ اللَّهِ وَبِنْتِ عَدُوِّ اللَّهِ ".، فَسَبَبُ الْحَدِيثِ خِطْبَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ، وَالسَّبَبُ دَاخِلٌ فِي اللَّفْظِ قَطْعًا، إِذِ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ (1) لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ سَبَبِهِ مِنْهُ (2) ، بَلِ السَّبَبُ يَجِبُ دُخُولُهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " «يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» " وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ خِطْبَةَ ابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ عَلَيْهَا رَابَهَا وَآذَاهَا، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
_________
(1) أ، ب: عَلَى السَّبَبِ.
(2) ص: عَنْهُ.
(4/251)

رَابَهُ ذَلِكَ وَآذَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا وَعِيدًا (1) لَاحِقًا بِفَاعِلِهِ، لَزِمَ أَنْ يَلْحَقَ هَذَا الْوَعِيدُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَعِيدًا لَاحِقًا بِفَاعِلِهِ، كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَبْعَدَ عَنِ الْوَعِيدِ مِنْ عَلِيٍّ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا تَابَ مِنْ تِلْكَ الْخِطْبَةِ وَرَجَعَ عَنْهَا.
قِيلَ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ. وَإِذَا جَازَ أَنَّ مَنْ رَابَ (2) فَاطِمَةَ آذَاهَا، يَذْهَبُ ذَلِكَ بِتَوْبَتِهِ، جَازَ أَنْ يَذْهَبَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، فَإِنَّ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ تُذْهِبُهُ الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ وَالتَّوْبَةُ وَالْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ.
وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الذَّنْبَ لَيْسَ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ عَلِيٌّ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - قَدِ ارْتَدَّ عَنْ [دِينِ] (3) الْإِسْلَامِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَزَّهَ عَلِيًّا مِنْ ذَلِكَ. وَالْخَوَارِجُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ ارْتَدَّ فِي حَيَاتِهِ، وَمَنِ ارْتَدَّ فَلَا بُدَّ (4) أَنْ يَعُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوْ يَقْتُلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَا لَمْ يَقَعْ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الذَّنْبُ هُوَ مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سُورَةِ النِّسَاءِ: 48] .
_________
(1) ن (فَقَطْ) ، وَعْدًا.
(2) ص: أَرَابَ.
(3) دِينِ: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) ، (و) .
(4) ب (فَقَطْ) : إِذْ مَنِ ارْتَدَّ فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا بُدَّ. .
(4/252)

وَإِنْ قَالُوا بِجَهْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا الذَّنْبَ كُفْرٌ (1) لِيُكَفِّرُوا (2) بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، لَزِمَهُمْ تَكْفِيرُ عَلِيٍّ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. وَهُمْ دَائِمًا يَعِيبُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، بَلْ (3) وَيُكَفِّرُونَهُمْ بِأُمُورٍ (4) قَدْ صَدَرَ مِنْ عَلِيٍّ مَا هُوَ مِثْلُهَا أَوْ أَبْعَدُ عَنِ الْعُذْرِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ مَأْجُورًا أَوْ مَعْذُورًا فَهُمْ أَوْلَى بِالْأَجْرِ وَالْعُذْرِ، وَإِنْ قِيلَ بِاسْتِلْزَامِ الْأَمْرِ الْأَخَفِّ فِسْقًا أَوْ كُفْرًا، كَانَ اسْتِلْزَامُ الْأَغْلَظِ لِذَلِكَ أَوْلَى.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ: إِنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إِنَّمَا عَظُمَ أَذَاهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَذَى أَبِيهَا، فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَذَى أَبِيهَا وَأَذَاهَا (5) كَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْ أَذَى أَبِيهَا أَوْجَبَ. وَهَذَا حَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّهُمَا احْتَرَزَا عَنْ (6) أَنْ يُؤْذِيَا أَبَاهَا أَوْ يُرِيبَاهُ (7) بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ عَهِدَ عَهْدًا وَأَمَرَ بِأَمْرٍ (8) ، فَخَافَا إِنْ غَيَّرَا عَهْدَهُ وَأَمْرَهُ أَنْ يَغْضَبَ لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَعَهْدِهِ وَيَتَأَذَّى بِذَلِكَ. وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَكَمَ بِحُكْمٍ، وَطَلَبَتْ فَاطِمَةُ أَوْ غَيْرُهَا مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، كَانَ مُرَاعَاةُ حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى، فَإِنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ، وَمَعْصِيَتَهُ مُحَرَّمَةٌ، وَمَنْ تَأَذَّى لِطَاعَتِهِ كَانَ مُخْطِئًا فِي
_________
(1) ص: إِنَّهُ إِذَا أَذْنَبَ كَفَرَ.
(2) ن: فَكَفَّرُوا؛ و، م: وَكَفَّرُوا.
(3) بَلْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) ن (فَقَطْ) : بِالْآخَرِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5) ن، م: بَيْنَ أَذَاهَا وَأَذَى أَبِيهَا.
(6) عَنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(7) أ، ب: يُرِيبَانِهِ.
(8) أ، ب: وَأَمَرَ أَمْرًا.
(4/253)

تَأَذِّيهِ بِذَلِكَ، وَكَانَ الْمُوَافِقُ لِطَاعَتِهِ مُصِيبًا فِي طَاعَتِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ آذَاهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ (1) لَا لِأَجْلِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ حَالَ أَبِي بَكْرٍ فِي رِعَايَتِهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ طَاعَةَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَمْرًا (2) آخَرَ، يُحْكَمُ أَنَّ حَالَهُ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ [وَأَعْلَى] (3) مِنْ حَالِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَكِلَاهُمَا سَيِّدٌ كَبِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ، وَحِزْبِ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ، [وَعِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ] (4) ، وَمِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَمِنْ أَكَابِرِ الْمُقَرَّبِينَ، الَّذِينَ يَشْرَبُونَ بِالتَّسْنِيمِ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: " وَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي " (5) . وَقَالَ: " ارْقَبُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَهْلِ بَيْتِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ (6) .
_________
(1) أ: لِغَرَضٍ لِعَيْنِهِ؛ ب: لِغَرَضٍ بِعَيْنِهِ.
(2) أ، ب، ص، هـ، ر: لَا لِأَمْرٍ.
(3) وَأَعْلَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) أ، ب، ص، ر: إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصِلَ قَرَابَتِي. وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ جُزْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي سَبَقَ إِيرَادُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ وَأَنَّ مَا تَرَكَهُ صَدَقَةٌ (انْظُرْ هَذَا الْجُزْءَ، ص [0 - 9] 95) . وَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ فِي الْبُخَارِيِّ 5/20 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَابُ مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ. .) ، 5/90 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ. .) ، 5/139 - 140 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) . وَهُوَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى وَانْظُرْ مَا سَبَقَ، ص 195.
(6) الْحَدِيثُ عَنْ أَبَى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/21 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ. .، بَابُ مَنَاقِبِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ. .) 5/26 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ. .، بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ. .) .
(4/254)

لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ آذَاهَا، فَلَمْ يُؤْذِهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ، بَلْ لِيُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُوَصِّلَ الْحَقَّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ قَصْدُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَلَهُ فِي أَذَاهَا غَرَضٌ، بِخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ. فَعُلِمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَبْعَدَ أَنْ يُذَمَّ بِأَذَاهَا مِنْ عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ بِمَا لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ (1) حَظٌّ فِيمَا رَابَهَا بِهِ. وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَنْ هَاجَرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ امْرَأَةً يَتَزَوَّجُهَا (2) . وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِي فَاطِمَةَ إِذَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ فَعَلَهُ، وَإِنْ تَأَذَّى مَنْ تَأَذَّى مِنْ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ فِي حَالِ طَاعَتِهِ لِلَّهِ يُؤْذِيهِ مَا يُعَارِضُ (3) طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَهَذَا الْإِطْلَاقُ كَقَوْلِهِ: " «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» (4) ، 16/39 40، 17/107، 18/95؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/467، 471، 511. " ثُمَّ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
_________
(1) ن، م: فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ. .، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) بَعْدَ كَلِمَةِ " يَتَزَوَّجُهَا " يُوجَدُ بَيَاضٌ فِي (ر) ، (ص) ، (هـ) . وَكُتِبَ فِي هَامِشِ (ر) : " قَالَ فِي هَامِشِ الْأَصْلِ: وُجِدَ فِي الْأَصْلِ هَكَذَا ". وَفِي هَامِشِ (ص) : " بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ ".
(3) أ: وَهُوَ حَالُ طَاعَةِ اللَّهِ مَا يُؤْذِيهِ مَا يُعَارِضُ. .؛ ب: فَهُوَ فِي حَالِ طَاعَةِ اللَّهِ يُؤْذِيهِ مَا يُعَارِضُ. وَالْمُثْبَتُ هُوَ الَّذِي فِي سَائِرِ النُّسَخِ إِلَّا أَنَّ فِيهَا. . لَا يُؤْذِيهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4) جَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 9/61 (كِتَابُ الْأَحْكَامِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. .) ؛ مُسْلِمٍ 3/1465، 1466 (كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/138 (كِتَابُ الْبَيْعَةِ، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ) ، 8/243 (كِتَابُ الِاسْتِعَاذَةِ، بَابُ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا) ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، 2/954 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ طَاعَةِ الْإِمَامِ) ؛ الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 13/52، 173 174، 14
(4/255)

: " «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (1) ". فَإِذَا كَانَتْ طَاعَةُ أُمَرَائِهِ أَطْلَقَهَا وَمُرَادُهُ بِهَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، فَقَوْلُهُ: " «مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي» " يُحْمَلُ عَلَى الْأَذَى فِي الْمَعْرُوفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ لِأَنَّ طَاعَةَ أُمَرَائِهِ فَرْضٌ، وَضِدَّهَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ. وَأَمَّا فِعْلُ مَا يُؤْذِي فَاطِمَةَ فَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَعْصِيَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ (2) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ قَدْ (3) فَعَلَ مَا هُوَ أَعْظَمُ (4) مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ أُمَرَائِهِ مَعْصِيَتُهُ، وَمَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ (5) . (* ثُمَّ إِذَا عَارَضَ مُعَارِضٌ وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَلِيَّا الْأَمْرِ، وَاللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي (6) الْأَمْرِ، وَطَاعَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَمَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ (7) ، *) (8) ، فَمَنْ سَخِطَ أَمْرَهُ وَحُكْمَهُ فَقَدْ سَخِطَ أَمْرَ اللَّهِ وَحُكْمَهُ.
ثُمَّ أَخَذَ يُشَنِّعُ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِأَنَّهُمَا رَدَّا أَمْرَ اللَّهِ، وَسَخِطَا حُكْمَهُ، وَكَرِهَا مَا أَرْضَى اللَّهَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يُرْضِيهِ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَمَنْ كَرِهَ طَاعَةَ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَقَدْ كَرِهَ رِضْوَانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَسْخَطُ
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/388.
(2) أ، ب: أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ.
(3) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أَعْظَمُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) ر، و، هـ: مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ.
(6) ب (فَقَطْ) : وَلِيِّ.
(7) ن: وَطَاعَتُهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَعْصِيَتُهُ؛ ب: وَطَاعَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَمَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ.
(8) (**) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(4/256)

لِمَعْصِيَتِهِ، وَمَعْصِيَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ مَعْصِيَتُهُ، فَمَنِ اتَّبَعَ مَعْصِيَةَ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَقَدِ اتَّبَعَ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهَ رِضْوَانَهُ. وَهَذَا التَّشْنِيعُ (1) وَنَحْوُهُ (2) عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَوْجُهٌ مِنْ تَشْنِيعِ الرَّافِضَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ (3) النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ (4) ، وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ كَثِيرَةٌ، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَإِنِ اسْتَأْثَرُوا، وَالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِمْ، وَقَالَ: " «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَونِي عَلَى الْحَوْضِ» " (5) وَقَالَ: " «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» (6) " وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَا ظَالِمَيْنِ مُسْتَأْثِرَيْنِ بِالْمَالِ لِأَنْفُسِهِمَا، لَكَانَ (7) الْوَاجِبُ مَعَ ذَلِكَ طَاعَتُهُمَا وَالصَّبْرُ عَلَى جَوْرِهِمَا.
ثُمَّ لَوْ (8) أَخَذَ هَذَا الْقَائِلُ يَقْدَحُ فِي عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَنَحْوِهِمَا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَصْبِرُوا وَلَمْ يَلْزَمُوا الْجَمَاعَةَ، بَلْ جَزَعُوا وَفَرَّقُوا الْجَمَاعَةَ، وَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ - لَكَانَتْ هَذِهِ الشَّنَاعَةُ أَوْجَهُ مِنْ تَشْنِيعِ
_________
(1) وَهَذَا التَّشْنِيعُ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ كَانَ هَذَا التَّشْنِيعُ.
(2) وَنَحْوُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: أَنَّ.
(4) ن، م: وَلُزُومِ الطَّاعَةِ.
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِيمَا مَضَى فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص [0 - 9] 40.
(6) سَبْقَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِيمَا مَضَى 1/118 وَنَصُّهُ هُنَاكَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ ".
(7) أ، ب: كَانَ.
(8) لَوْ: فِي (ب) فَقَطْ وَإِثْبَاتُهَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ.
(4/257)

الرَّافِضَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا تَقُومُ حُجَّةٌ بِأَنَّهُمَا تَرَكَا وَاجِبًا فِعْلًا مُحَرَّمًا أَصْلًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ قَدْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِنَوْعٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ. وَمَا يُنَزَّهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ إِلَّا وَتَنْزِيهُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْلَى بِكَثِيرٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ شُبْهَةٌ (1) بِتَرْكِهِمَا وَاجِبًا أَوْ تَعَدِّيهِمَا حَدًّا، إِلَّا وَالشُّبْهَةُ (2) الَّتِي تَقُومُ فِي عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ أَقْوَى وَأَكْبَرُ (3) ، فَطَلَبُ الطَّالِبِ مَدْحُ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِمَّا بِسَلَامَتِهِمَا مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِمَّا بِغُفْرَانِ اللَّهِ لَهُمَا، مَعَ الْقَدْحِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِإِقَامَةِ الذَّنْبِ وَالْمَنْعِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ - مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، وَهُوَ أَجْهَلُ وَأَظْلَمُ مِمَّنْ يُرِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِذَا أَرَادَ مَدْحَ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْقَدَحَ فِي عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

الْوَجْهُ الثَّامِنُ (4) : أَنَّ قَوْلَهُ: " لَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ صَحِيحًا حَقًّا لَمَا جَازَ لَهُ تَرْكُ (5) الْبَغْلَةِ وَالسَّيْفِ وَالْعِمَامَةِ عِنْدَ عَلِيٍّ وَالْحُكْمُ لَهُ بِهَا (6) لَمَّا ادَّعَاهَا الْعَبَّاسُ ".
فَيُقَالُ: وَمَنْ نَقَلَ (7) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَكَمَا بِذَلِكَ لِأَحَدٍ، أَوْ تَرَكَا ذَلِكَ
_________
(1) أ، ب: حُجَّةٌ.
(2) أ: وَالسُّنَّةُ ; ب: وَالْحُجَّةُ.
(3) أ، ب، ن، م، و: وَأَكْثَرُ.
(4) الثَّامِنُ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْخَامِسُ.
(5) أ: حَقًّا أَنْ يُخْلِفَ. . ; ب: حَقًّا لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ.
(6) ب (فَقَطْ) : عِنْدَ عَلِيٍّ حِينَ حُكِمَ لَهُ بِهَا.
(7) ن (فَقَطْ) : وَقَالَ وَمَنْ يَقُلْ. .
(4/258)

عِنْدَ أَحَدٍ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُ (1) ، فَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمَا، بَلْ غَايَةُ مَا فِي هَذَا (2) أَنْ يُتْرَكَ عِنْدَ مَنْ يُتْرَكُ \ عِنْدَهُ، كَمَا تَرَكَا صَدَقَتَهُ (3) عِنْدَ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ لِيَصْرِفَاهَا (4) فِي مَصَارِفِهَا الشَّرْعِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَلَكَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مُرْتَكِبِينَ مَا لَا يَجُوزُ ".
فَيُقَالُ لَهُ: أَوَّلًا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ طَهَّرَ جَمِيعَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ. كَيْفَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ فِي (5) بَنِي هَاشِمٍ مَنْ لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا أُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الرَّافِضَةِ، فَإِنَّ (6) عِنْدَهُمْ كُلُّ مَنْ كَانَ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ يُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَلَيْسَ (7) بِمُطَهَّرٍ، وَالْآيَةُ (8) إِنَّمَا قَالَ فِيهَا: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 6]
_________
(1) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُ: كَذَا فِي (ص) . وَفِي (ب) : عَلَى أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لَهُ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ.
(2) أ، ب: بَلْ غَايَةُ هَذَا.
(3) ص: أَنْ تُتْرَكَ عِنْدَ مَنْ تُتْرَكُ عِنْدَهُ كَمَا تُرِكَتِ الصَّدَقَةُ ; أ، ب: أَنْ يُتْرَكَ عِنْدَ مَنْ تُرِكَ عِنْدَهُ، كَمَا تَرَكَا صَدَقَتَهُ.
(4) ن، م: لَيَصْرِفَانِهَا.
(5) أ، ب: أَنَّ مِنْ.
(6) ب (فَقَطْ) : لِأَنَّ.
(7) أ، ب: لَيْسَ.
(8) أ، ب: وَلِأَنَّهُ.
(4/259)

وَقَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 26] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ لَكُمْ وَيَرْضَاهُ لَكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ بِهِ، فَمَنْ فَعَلَهُ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْمُرَادُ الْمَحْبُوبُ الْمَرْضِيُّ (1) ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبُيِّنَ أَنَّ هَذَا أَلْزَمُ (2) لِهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ الْقَدَرِيَّةِ ; فَإِنَّ عِنْدَهُمْ [أَنَّ] (3) إِرَادَةَ اللَّهِ بِمَعْنَى أَمْرِهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا أَرَادَ، فَلَا يَلْزَمُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَطْهِيرَ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ تَطَهَّرَ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُطَهِّرَ اللَّهُ أَحَدًا (4) ، [بَلْ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَطْهِيرَهُ، فَإِنْ شَاءَ طَهَّرَ نَفْسَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُطَهِّرْهَا] (5) ، وَلَا يَقْدِرُ اللَّهُ عِنْدَهُمْ عَلَى تَطْهِيرِ أَحَدٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لِأَنَّ (6) الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ".
فَيُقَالُ لَهُ (7) : أَوَّلًا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفَرْضِ، وَأَمَّا صَدَقَاتُ (8) التَّطَوُّعِ فَقَدْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنِ الْمِيَاهِ الْمُسَبَّلَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْنَا الْفَرْضُ، وَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنَا التَّطَوُّعُ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِصَدَقَاتِ الْأَجَانِبِ الَّتِي هِيَ تَطَوُّعٌ، فَانْتِفَاعُهُمْ بِصَدَقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَولَى وَأَحْرَى ; فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمْ تَكُنْ زَكَاةً مَفْرُوضَةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ (9)
_________
(1) الْمَرْضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) ن، م: لَزِمَ ; ص: إِلْزَامٌ.
(3) أَنَّ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) أ، ب: أَنْ يُطَهِّرَ أَحَدٌ أَحَدًا ; ص: أَنْ يُطَهِّرَ أَحَدًا.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) أ، ب: إِنَّ.
(7) ن، م: لَهُمْ.
(8) أ، ب، ص: صَدَقَةُ.
(9) ن، م، ص، هـ، ر: عَلَيْهِ.
(4/260)

وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْفَيْءِ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْفَيْءُ حَلَالٌ لَهُمْ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ صَدَقَةً، إِذْ غَايَتُهُ (1) أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ أَحَقُّ بِصَدَقَتِهِ ; فَإِنَّ الصَّدَقَةَ [عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ] (2) عَلَى الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ (3) : فِي مُعَارَضَتِهِ بِحَدِيثِ (4) جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيُقَالُ: جَابِرٌ لَمْ يَدَعْ حَقًّا لِغَيْرِهِ (5) يُنْتَزَعُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَيُجْعَلُ لَهُ (6) ، وَإِنَّمَا طَلَبَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ، وَلَوْ لَمْ يَعِدْهُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا وَعَدَهُ بِهِ كَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، فَلِهَذَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى بَيِّنَةٍ. وَمِثَالُ هَذَا أَنْ يَجِيءَ شَخْصٌ إِلَى عَقَارِ بَيْتِ الْمَالِ فَيَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْزَعَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيَدْفَعَهُ إِلَيْهِ بِلَا حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَآخَرُ طَلَبَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمَنْقُولِ (7) الَّذِي يَجِبُ قَسْمَهُ (8) عَلَى الْمُسْلِمِينَ [مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ] (9) ; فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِلَا بَيِّنَةٍ (10) . أَلَا تَرَى أَنَّ صَدَقَةَ
_________
(1) أ، ب: أَوْ غَايَتُهُ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) التَّاسِعُ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: السَّادِسُ.
(4) أ، ب: لِحَدِيثِ.
(5) أ، ب: لِغَيْرٍ.
(6) ص: وَيُبِيحُهُ لَهُ.
(7) ن، م: الْمُنْفَقِ.
(8) ن، م: قِسْمَتُهُ.
(9) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(10) أ، ب: بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
(4/261)

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَوْقُوفَةَ، وَصَدَقَةَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (1) لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ [مِنَ الْمُسْلِمِينَ] أَنْ يَمْلِكَ أَصْلَهَا (2) ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنْ رِيعِهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَالْمَالُ الَّذِي أُعْطِيَ مِنْهُ جَابِرٌ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ أُصُولِ الْمَالِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يُعْطِيَانِ الْعَبَّاسَ [وَبَنِيهِ] (3) وَعَلِيًّا (4) وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَعْظَمَ مِمَّا أَعْطَوْا جَابِرَ [بْنَ عَبْدِ اللَّهِ] (5) مِنَ الْمَالِ الَّذِي يُقَسَّمُ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (6) مَعَهُمَا وَعْدٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ الْجُهَّالِ: إِنَّ جَابِرَ [بْنَ عَبْدِ اللَّهِ] أَخَذَ (7) مَالَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ (8) بَلْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كَلَامُ مَنْ لَا يَعْرِفُ حُكْمَ اللَّهِ، لَا فِي هَذَا وَلَا فِي ذَاكَ، فَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي أُعْطِيَ [مِنْهُ] (9) جَابِرٌ مَالٌ يَجِبُ قِسْمَتَهُ (10) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَجَابِرٌ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ حَقٌّ فِيهِ، وَهُوَ
_________
(1) أ، ب: عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
(2) ن، م: لَا تَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَ أَصْلَهَا ; أ، ب: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُ أَصْلِهَا.
(3) وَبَنِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) ، (و) . .
(4) وَعَلِيًّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ص) . وَفِي (أ) ، (ب) : وَعَلِيٌّ.
(5) ن، م: مِمَّا أَعْطَوْا جَابِرًا.
(6) ن: وَلَمْ يَكُنْ.
(7) ن، م: إِنَّ جَابِرًا أَخَذَ. .
(8) أ، ب: بِلَا بَيِّنَةٍ.
(9) مِنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(10) أ، ب، و: قَسْمَهُ.
(4/262)

أَحَدُ الشُّرَكَاءِ، وَالْإِمَامُ إِذَا أَعْطَى أَحَدَ الْمُسْلِمِينَ (1) مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَعْطَاهُ مَالَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ; لِأَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِعْطَاءَهُمْ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى بَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ أَصْلَ الْمَالِ لَهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ (2) .
نَعَمِ الْإِمَامُ يُقَسِّمُ الْمَالَ بِاجْتِهَادِهِ فِي التَّقْدِيرِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَسِّمُ الْمَالَ بِالْحَثَيَاتِ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْكَيْلِ بِالْيَدِ. وَجَابِرٌ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَهُ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ (3) ، وَهَذَا أَمْرٌ مُعْتَادٌ مِثْلُهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا مَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ، وَمَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ، فَأَعْطَاهُ حَثْيَةً، ثُمَّ نَظَرَ عَدَدَهَا فَأَعْطَاهُ بِقَدْرِهَا مَرَّتَيْنِ، تَحَرِّيًا لِمَا ظَنَّهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَسْمِ، فَإِنَّ
_________
(1) لَا يُعْطِي أَحَدًا ; ب: إِذَا أَعْطَى أَحَدًا.
(2) حَدِيثُ جَابِرٍ نَصُّهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/96 (كِتَابُ الْكَفَالَةِ، بَابُ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا. .) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرِينِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ". فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرِينِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرِينِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِهِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي: كَذَا وَكَذَا. فَحَثَى إِلَيَّ حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُفَصَّلًا وَفِيهِ قَوْلُ جَابِرٍ: " فَحَثَا لِي ثَلَاثًا " فِي الْبُخَارِيِّ 4/90 - 91 (كِتَابُ فَرْضِ الْخُمْسِ، بَابُ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْخُمْسَ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ) ، 4/98 (كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ، بَابُ مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْبَحْرِينِ. .) ; الْمُسْنَدَ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/310.
(3) وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ".
(4/263)

الْوَاجِبَ مُوَافَقَتُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْعِلْمُ وَإِلَّا اتَّبَعَ مَا أَمْكَنَ مِنَ التَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ.
أَمَّا قِصَّةُ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَعْوَاهَا الْهِبَةَ وَالشَّهَادَةَ الْمَذْكُورَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ بِالْقَدْحِ فِيمَنْ يَحْتَجُّونَ لَهُ أَشْبَهَ مِنْهُ (1) بِالْمَدْحِ (2) .

[كلام الرافضي على أبي ذر الغفاري وأبي بكر الصديق والرد عليه]
فَصْلٌ (3) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (4) : " وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْجَمَاعَةِ (5) كُلُّهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَقِّ أَبِي ذَرٍّ: " «مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلَا (6) أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ» ، وَلَمْ يُسَمُّوهُ صِدِّيقًا، وَسَمَّوا أَبَا بَكْرٍ [بِذَلِكَ] (7) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ ".
فَيُقَالُ هَذَا الْحَدِيثُ: لَمْ يَرْوِهِ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ، وَلَا هُوَ فِي
_________
(1) مِنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: بِالْمَدْحِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ; وَ: بِالْمَدْحِ لَهُ.
(3) ر، هـ، ص: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ.
(4) فِي (ك) ص [0 - 9] 11 (م) .
(5) ن، ر، ص: وَقَدْ وَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ ; وَ: وَقَدْ رَوَوْا عَنِ الْجَمَاعَةِ ; ك: وَقَدْ رَوَتِ الْجَمَاعَةُ.
(6) أ، ب: وَمَا.
(7) بِذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (أ) ، (ب) : وَسَمَّوا أَبَا بَكْرٍ صِدِّيقًا.
(4/264)

الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا [هُوَ] (1) فِي السُّنَنِ، بَلْ هُوَ مَرْوِيٌّ فِي الْجُمْلَةِ (2) . وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَصْدَقُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَصْدَقُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْ سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَمِنْ عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] (3) . وَهَذَا خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ [كُلِّهِمْ] (4) مِنَ السُّنَّةِ (5) وَالشِّيعَةِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَعْنَاهَا أَنَّ أَبَا ذَرٍّ صَادِقٌ، لَيْسَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ مِنْهُ. وَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ فِي تَحَرِّي الصِّدْقِ، أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي كَثْرَةِ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْحَقِّ، وَفِي عِظَمِ الْحَقِّ الَّذِي صَدَقَ فِيهِ وَصَدَّقَ بِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ صَادِقُ اللَّهْجَةِ إِذَا تَحَرَّى الصِّدْقَ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ (6) الْأَنْبِيَاءُ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ: مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَعْظَمَ تَصْدِيقًا مِنْ أَبِي ذَرٍّ. بَلْ قَالَ: «أَصْدَقَ لَهْجَةً» ،
_________
(1) هُوَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/334 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي ذَرٍّ. .) وَأَوَّلُهُ: " مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ. . الْحَدِيثَ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ، وَقَالَ عَنِ الْأَوَّلِ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ " وَعَنِ الثَّانِي: (وَهُوَ عَنْ رِوَايَةٍ مُطَوَّلَةٍ) : " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَغَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ " وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابَ فَضْلِ أَبِي ذَرٍّ) ; الْمُسْنَدَ (ط. الْمَعَارِفِ) 10/36 38، 160، 12/32 33. وَضَعَّفَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَسَانِيدَ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ. وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/197 (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ، 6/442 (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) . وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 5/124 وَحَسَّنَ الرِّوَايَةَ الْمُطَوَّلَةَ مِنْهُ فِي نَفْسِ الْمَوْضِعِ.
(3) بْنِ أَبِي طَالِبٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) كُلِّهِمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) ن: مِنَ السُّنِّيَّةِ.
(6) أ، ب: بِمَا حَدَّثَ بِهِ.
(4/265)

وَالْمَدْحُ لِلصِّدِّيقِ (1) (* الَّذِي صَدَّقَ الْأَنْبِيَاءَ، لَيْسَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ صَادِقًا، بَلْ فِي كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَتَصْدِيقُهُ) * (2) لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ صِدْقٌ خَاصٌّ، فَالْمَدْحُ بِهَذَا التَّصْدِيقِ - الَّذِي هُوَ صِدْقٌ خَاصٌّ - نَوْعٌ، وَالْمَدْحُ بِنَفْسِ كَوْنِهِ صَادِقًا نَوْعٌ آخَرُ. فَكُلُّ صِدِّيقٍ صَادِقٌ، وَلَيْسَ كُلُّ صَادِقٍ صِدِّيقًا.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ [عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ] (3) عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (4) ". فَالصِّدِّيقُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَامِلُ فِي الصِّدْقِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَامِلُ فِي التَّصْدِيقِ. وَالصِّدِّيقُ لَيْسَتْ فَضِيلَتُهُ فِي مُجَرَّدِ تَحَرِّي (5)
_________
(1) ن: بِتَصْدِيقِ ; م: بِتَصْدِيقِهِ
(2) (* - *) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) الْحَدِيثُ - بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 8/25 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ; مُسْلِمٍ 4/2013 (كِتَابُ الْبِرِّ، بَابُ قُبْحِ الْكَذِبِ وَحُسْنِ الصِّدْقِ وَفَضْلِهِ) ; سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/224 - 225 (كِتَابُ الْبِرِّ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ) ; سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/407 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ التَّشْدِيدِ فِي الْكَذِبِ) وَأَوَّلُهُ: إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ. . . وَجَاءَ الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/18 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ اجْتِنَابِ الْبِدَعِ وَالْجَدَلِ) ; سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 2/299 - 300 (كِتَابُ الرِّقَاقُ، بَابٌ فِي الْكَذِبِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 5/231، 275، 343. وَفِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ فِي الْجُزْءِ السَّادِسِ مِنْهُ.
(5) م: دَعْوَى.
(4/266)

الصِّدْقِ، بَلْ فِي أَنَّهُ عَلِمَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَصَدَّقَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا كَامِلًا فِي الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَهَذَا الْقَدْرُ لَمْ يَحْصُلْ لِأَبِي ذَرٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ لَمْ يَعْلَمْ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا عَلِمَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ الْمُفَصَّلِ كَمَا حَصَلَ لِأَبِي بَكْرٍ (1) . (* وَلَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ كَمَالِ التَّصْدِيقِ مَعْرِفَةً وَحَالًا (2) . كَمَا حَصَلَ لِأَبِي بَكْرٍ) * (3) ; فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْرَفُ مِنْهُ، وَأَعْظَمُ حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُ، وَأَعْظَمُ نَصْرًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُ، وَأَعْظَمُ جِهَادًا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ الصِّدِّيقِيَّةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُحُدًا، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، [فَرَجَفَ بِهِمْ] (4) ، فَقَالَ: " اسْكُنْ أُحُدُ " وَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ (5) : " لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» (6)
_________
(1) ن (فَقَطْ) : كَمَا حَصَلَ لِأَبِي بَكْرٍ مِنْهُ
(2) أ: وَلَا حَالًا ; ب: وَلَا حَالَ
(3) (**) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) ، (ص) .
(4) فَرَجَفَ بِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) وَقَالَ: كَذَا فِي (م) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَقَالَ.
(6) " الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/9، 11 - 12، 15 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ. .، بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ. . .، بَابُ مَنَاقِبِ عُمَرَ. . .، بَابُ مَنَاقِبِ عُثْمَانَ. . .) ; سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/295 (كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي الْخُلَفَاءِ) ; سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/286 - 287 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ عُمَرَ. .) ; الْمُسْنَدَ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/112. وَجَاءَ حَدِيثٌ بِلَفْظٍ مُقَارِبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مُسْلِمٍ 4/1880 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ) وَنَصُّهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اهْدَأْ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ ". وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/48 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضَائِلِ الْمُقَدَّمَةِ) حَدِيثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَرِيبٌ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَنَصُّهُ: " اثْبُتْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ " وَعَدَّهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ". وَالْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ صَحِيحٌ فِي " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ 2/454 - 458 وَتَكَلَّمَ الْأَلْبَانِيُّ عَلَيْهِ وَعَلَى طُرُقِهِ وَأَسَانِيدِهِ،. وَذَكَرَ أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَبُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 6/196 - 197 (كِتَابُ الْأَحْبَاسِ، بَابُ وَقْفِ الْمَسَاجِدِ) . .
(4/267)

وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ: أَهْوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَخَافُ؟ قَالَ: " لَا يَابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ (1) وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ» " (2) .

[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه " وَسَمَّوْهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ عِنْدَهُمْ " والرد عليه]
فَصْلٌ (3) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (4) : " وَسَمَّوْهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْتَخْلِفْهُ \ `8 (5) فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ عِنْدَهُمْ (6) .، وَلَمْ يُسَمُّوا أَمِيرَ
_________
(1) و: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، بَلْ هُوَ الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَصُومُ.
(2) لَمْ أَعْرِفْ مَكَانَ الْحَدِيثِ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ. . وَوَجَدْتُ الْحَدِيثَ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1404 (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ التَّوَقِّي عَلَى الْعَمَلِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/159، 205.
(3) ر، هـ، ص: الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ.
(4) فِي (ك) ص [0 - 9] 11 (م) .
(5) ك: وَسَمَّوْهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ.
(6) عِنْدَهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ
(4/268)

الْمُؤْمِنِينَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ، مِنْهَا: أَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَالَ لَهُ: «إِنَّ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» .
وَأَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَاتَ وَلَمْ يَعْزِلْهُ، وَلَمْ يُسَمُّوهُ خَلِيفَةً، وَلَمَّا تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ غَضِبَ أُسَامَةُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرَنِي عَلَيْكَ (1) ، فَمَنِ اسْتَخْلَفَكَ عَلَيَّ؟ فَمَشَى إِلَيْهِ هُوَ وَعُمْرُ حَتَّى اسْتَرْضَاهُ، وَكَانَا يُسَمِّيَانِهِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ (2) أَمِيرًا ".

وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَلِيفَةَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مَنِ اسْتَخْلَفَهُ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَهُ (3) . طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةِ [وَنَحْوِهِمْ] (4) . فَإِنْ كَانَ هُوَ (5) الْأَوَّلُ ; فَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ خَلَفَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَخْلُفْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ هُوَ الْخَلِيفَةُ دُونَ
_________
(1) أ، ب: عَلَيْكُمْ.
(2) ك: حَيَاتِهِمَا.
(3) أ، ن: كَمَا قَالَ ; م: كَمَا قَالَتْهُ
(4) وَنَحْوِهِمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) هُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/269)

غَيْرِهِ ضَرُورَةً، فَإِنَّ الشِّيعَةَ وَغَيْرَهُمْ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي (1) صَارَ وَلِيَّ الْأَمْرِ بَعْدَهُ، وَصَارَ خَلِيفَةً لَهُ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ، وَيُقِيمُ فِيهِمُ الْحُدُودَ، وَيُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ (2) الْفَيْءَ، وَيَغْزُو بِهِمُ الْعَدُوَّ (3) وَيُوَلِّي عَلَيْهِمُ الْعُمَّالَ وَالْأُمَرَاءَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَفْعَلُهَا وُلَاةُ الْأُمُورِ.
فَهَذِهِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ (4) إِنَّمَا بَاشَرَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ (5) هُوَ الْخَلِيفَةُ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا قَطْعًا. لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: خَلَفَهُ (6) وَكَانَ هُوَ أَحَقَّ (7) بِخِلَافَتِهِ، وَالشِّيعَةُ يَقُولُونَ: عَلِيٌّ كَانَ هُوَ الْأَحَقَّ (8) لَكِنْ تَصِحُّ خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَيَقُولُونَ: (9) مَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَصِيرَ هُوَ خَلِيفَةً (10) ، لَكِنْ لَا يُنَازِعُونَ [فِي] (11) أَنَّهُ صَارَ خَلِيفَةً بِالْفِعْلِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِهَذَا الِاسْمِ، إِذْ (12) كَانَ الْخَلِيفَةُ مَنْ خَلَفَ غَيْرَهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَأَمَّا إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ
_________
(1) الَّذِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) و (ب) .
(2) أ، ب: عَلَيْهِمْ.
(3) الْعَدُوَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) النَّاسِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(5) ن، م: وَكَانَ.
(6) ن، م: خَلِيفَةٌ.
(7) و: الْأَحَقَّ.
(8) أ: يَقُولُونَ: كَانَ هُوَ الْأَحَقَّ ; ب: يَقُولُونَ كَانَ عَلِيٌّ هُوَ الْأَحَقَّ.
(9) أ: وَيَقُولُ ; ب: وَتَقُولُ ; و: أَوْ يَقُولُونَ.
(10) أ، ب: الْخَلِيفَةَ.
(11) فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) .
(12) أ، ن، م، ص، و: إِذَا.
(4/270)

وَبَعْضُ الشِّيعَةِ، فَمَنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَهْلِ (1) السُّنَّةِ فَإِنَّهُ (2) يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ إِمَّا بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِمَّا بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ. كَمَا أَنَّ الشِّيعَةَ الْقَائِلِينَ بِالنَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، كَمَا تَقُولُهُ الْإِمَامِيَّةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ، كَمَا تَقُولُهُ الْجَارُودِيَّةُ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ (3) وَدَعْوَى أُولَئِكَ لِلنَّصِّ الْجَلِيِّ أَوِ الْخَفِيِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَقْوَى وَأَظْهَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ دَعْوَى هَؤُلَاءِ لِلنَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ، لِكَثْرَةِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى [ثُبُوتِ] خِلَافَةِ (4) أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَدُلَّ عَلَى خِلَافَتِهِ إِلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ، أَوْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَسْتَخْلِفْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَحَدًا إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، فَلِهَذَا كَانَ هُوَ الْخَلِيفَةَ ; فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُطْلَقَ هُوَ مَنْ خَلَفَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوِ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ لَمْ يَثْبُتَا إِلَّا لِأَبِي بَكْرٍ ; [فَلِهَذَا كَانَ هُوَ الْخَلِيفَةَ] . (5) .
وَأَمَّا اسْتِخْلَافُهُ لِعَلِيٍّ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا خَرَجَ فِي غَزَاةٍ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمَا اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ تَارَةً، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَارَةً.
_________
(1) أ: فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ. .، ب: فَمَنْ قَالَهُ مِنْ أَهْلِ.
(2) فَإِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(3) يَقُولُ ابْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ " أُصُولُ الدِّينِ " ص 285: " فَالزَّيْدِيَّةُ وَالْجَارُودِيَّةُ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ بِالْوَصْفِ دُونَ الِاسْمِ ". وَانْظُرْ: مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/133 ; الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/140. .
(4) ن، م: النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى خِلَافَةِ ; أ، ب: النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ الدَّالَّةِ عَلَى خِلَافَةِ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(4/271)

[وَاسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا، وَعُثْمَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَغَطَفَانَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ أَنْمَارٍ، وَاسْتَخْلَفَ فِي بَدْرٍ الْوَعِيدَ بْنَ رَوَاحَةَ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي الْمُرَيْسِيعِ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا لُبَابَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَغَزْوَةِ السَّوِيقِ، وَفِي غَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي غَزْوَةِ بُوَاطٍ، وَفِي غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ أَبَا سَلَمَةَ] (1)
وَاسْتِخْلَافُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَكْثَرَ وَلَا أَفْضَلَ مِمَّنِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ، بَلْ [كَانَ] يَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ فِي كُلِّ غَزْوَةٍ [مِنَ الْغَزَوَاتِ] مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (2) وَالْأَنْصَارِ أَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ تَخَلَّفَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ; فَإِنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ لَمْ يَأْذَنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَحَدٍ بِالتَّخَلُّفِ فِيهَا، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ فِيهَا إِلَّا مُنَافِقٌ أَوْ مَعْذُورٌ أَوِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ عِظَمُ (3) مَنْ تَخَلَّفَ فِيهَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فِيهَا خَرَجَ إِلَيْهِ بَاكِيًا، وَقَالَ: أَتَدَعُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (4 - 4) : (4) ؟ [وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ طَعَنُوا فِي عَلِيٍّ، وَقَالُوا: إِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ لِأَنَّهُ يُبْغِضُهُ] (5) وَإِذَا كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ غَيْرَ عَلِيٍّ عَلَى أَكْثَرَ وَأَفْضَلَ مِمَّا اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ عَلِيًّا، وَكَانَ (6) ذَلِكَ اسْتِخْلَافًا مُقَيَّدًا عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ [فِي مَغِيبِهِ] (7) ، لَيْسَ هُوَ اسْتِخْلَافًا
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (وَ) فَقَطْ. وَفِي الْأَصْلِ: وَفِي غَزْوَةِ الْعِيرَةِ أَبَا مُسْلِمٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. انْظُرِ ابْنَ هِشَامٍ 2/248 ; السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ 2/3610. .
(2) ن، م: بَلْ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ فِي كُلِّ غَزْوَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
(3) م، ص: أَعْظَمُ ب: مُعْظَمُ.
(4) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ن) ، (م) : " وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ بَاكِيًا ".
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ،
(6) ن، م: كَانَ.
(7) فِي مَغِيبِهِ: سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (أ) ، (ب) : فِي غَيْبَتِهِ.
(4/272)

مُطْلَقًا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، لَمْ يُطْلَقْ (1) عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَعَ التَّقْيِيدِ. وَإِذَا سُمِّيَ (2) عَلِيٌّ بِذَلِكَ فَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُسْتَخْلَفِينَ أَوْلَى بِهَذَا الِاسْمِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ.
وَأَيْضًا فَالَّذِي يَخْلُفُ الْمُطَاعَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَفْضَلَ النَّاسِ. وَأَمَّا الَّذِي يَخْلُفُهُ فِي حَالِ غَزْوِهِ لِعَدُوِّهِ، فَلَا [يَجُبُّ أَنْ] يَكُونَ (3) أَفْضَلَ النَّاسِ، بَلِ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنَّهُ (4) يَسْتَصْحِبُ فِي خُرُوجِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ (5) فِي الْمَغَازِي مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ أَفْضَلَ مِمَّنْ يَسْتَخْلِفُهُ (6) ، عَلَى عِيَالِهِ ; لِأَنَّ الَّذِي يَنْفَعُ فِي الْجِهَادِ هُوَ شَرِيكُهُ فِيمَا يَفْعَلُهُ، فَهُوَ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَخْلُفُهُ عَلَى الْعِيَالِ (7 - 7) : (7) ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَاكَ لَيْسَ كَنَفْعِ الْمُشَارِكِ لَهُ (8) فِي الْجِهَادِ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا (9) شَبَّهَ عَلِيًّا بِهَارُونَ فِي أَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ لَا فِي كَمَالِهِ، وَلِعَلِيٍّ شُرَكَاءُ فِي هَذَا الِاسْتِخْلَافِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا ذَهَبَ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ،
_________
(1) أ، ب: وَلَمْ يُطْلَقْ.
(2) وَ: وَإِذَا لَمْ يُسَمَّ ; أ: فَإِذَا لَمْ يُسَمَّ ; ب: فَإِذَا كَانَ يُسَمَّى.
(3) ن: فَلَا يَكُونُ.
(4) أ: بِالْعَادَةِ الْجَارِيَةِ أَنَّهُ، ب: فَالْعَادَةُ الْجَارِيَةُ أَنَّهُ.
(5) إِلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(6) ن: مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ مَنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَسْتَخْلِفُهُ ; م: مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ مَنْ عِنْدَهُ بِمَنْ يَسْتَخْلِفُهُ ; ر، هـ، ص، و: مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَسْتَخْلِفُهُ.
(7) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) أ، ب: كَنَفْعِ ذَلِكَ الْمُشَارِكِ لَهُ.
(9) إِنَّمَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) . وَفِي (أ) : مَا.
(4/273)

فَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى جَمِيعِ قَوْمِهِ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَهَبَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ أَخَذَ مَعَهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الْمَعْذُورَ (1) ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ عَلِيًّا إِلَّا عَلَى الْعِيَالِ وَقَلِيلٍ مِنَ الرِّجَالِ (2) ، فَلَمْ يَكُنِ اسْتِخْلَافُهُ كَاسْتِخْلَافِ مُوسَى لِهَارُونَ، بَلِ ائْتَمَنَهُ فِي حَالِ مَغِيبِهِ، كَمَا ائْتَمَنَ مُوسَى هَارُونَ (3) فِي حَالِ مَغِيبِهِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَيْسَ لِنَقْصِ مَرْتَبَةِ الْمُسْتَخْلَفِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِأَمَانَتِهِ كَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عَلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ خَرَجَ إِلَيْهِ يَبْكِي وَقَالَ أَتَذَرُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنْ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ طَعَنَ فِيهِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ لَيْسَتْ لِنَقْصِ الْمُسْتَخْلَفِ ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ (4) .

[الرد على قول الرافضي أن النبي قال لعلي إِنِ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " أَنَّهُ قَالَ [لَهُ] (5) : «إِنِ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ» " فَهَذَا كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ (6) الْمُعْتَمَدَةِ (7) . وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ
_________
(1) ص، ر: إِلَّا الْمُعْدَمَ الْمَعْذُورَ ; هـ: إِلَّا الْمُعْذَرَ الْمَعْذُورَ.
(2) أ، ب: وَالْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ.
(3) هَارُونَ: كَذَا فِي (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لِهَارُونَ.
(4) أ: لَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى لِهَارُونَ، وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) .
(5) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) ، (هـ) .
(6) أ، ب: فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ
(7) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 1/357 عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: " قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ، مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ، وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ كَانَ كَذَّابًا. وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ: حَفَصٌ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَئِمَّةِ بِالْبَوَاطِيلِ ". وَقَالَ عَنْهُ السُّيُوطِيُّ فِي " الَّلَآلِي الْمَصْنُوعَةِ " 1/342: " قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: بَاطِلٌ، حَفْصٌ كَذَّابٌ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَئِمَّةِ بِالْبَوَاطِيلِ ". وَانْظُرْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: الْفَوَائِدَ الْمَجْمُوعَةَ لِلشَّوْكَانِيِّ، ص 356 - 359 ; تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ 1/382.
(4/274)

الْمَدِينَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَمَعَهُ عَلِيٌّ، وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ لَا هُوَ وَلَا عَلِيٌّ. فَكَيْفَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ؟ فَيَوْمَ بَدْرٍ كَانَ عَلِيٌّ مَعَهُ (1) ، وَبَيْنَ بَدْرٍ وَالْمَدِينَةِ عِدَّةُ مَرَاحِلَ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (2) بِالْمَدِينَةِ، وَعَلِيٌّ كَانَ (3) مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِالتَّوَاتُرِ، وَكَانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (4) مَعَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، «وَقَدْ كَانَتْ أُخْتُهُ أُمُّ هَانِئٍ قَدْ أَجَارَتْ (5) حَمَوَيْنِ لَهَا، فَأَرَادَ عَلِيٌّ قَتْلَهُمَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلَ رَجُلًا أَجَرْتُهُ: فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ (6) ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ لَا هُوَ وَلَا عَلِيٌّ.
_________
(1) أ، ب: كَانَ مَعَهُ عَلِيٌّ.
(2) ن: وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا ; هـ: وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهَا.
(3) ن، م: وَكَانَ عَلِيٌّ.
(4) أ، ب: يَوْمَ الْفَتْحِ.
(5) أ، ب وَكَانَتْ أُخْتُهُ أَجَارَتْ.
(6) الْحَدِيثُ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ فِي: الْبُخَارِيِّ 4/100 (كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ، بَابُ أَمَانِ النِّسَاءِ وَجِوَارِهِنَّ) ، 1/76 - 77 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ. .) ، 8/37 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي زَعَمُوا) ; مُسْلِمٍ 1/498 (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى. . .) ; سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/112 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/342، 343 423 424 425 ; الْمُوَطَّأِ 1/152 (كِتَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ. .، بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى) .
(4/275)

وَكَذَلِكَ يَوْمَ خَيْبَرَ (1) كَانَ قَدْ طَلَبَ عَلِيًّا، فَقَدِمَ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ لَا هُوَ وَلَا عَلِيٌّ.
وَكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَكَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ حَاجًّا فَاجْتَمَعَا بِمَكَّةَ وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَالرَّافِضَةُ مِنْ فَرْطِ جَهْلِهِمْ يَكْذِبُونَ الْكَذِبَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بِالسِّيرَةِ أَدْنَى عِلْمٍ.

[الرد على قول الرافضي أن النبي أَمَّرَ أُسَامَةَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ أَمَّرَ أُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ".
فَمِنَ الْكَذِبِ الَّذِي يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالْحَدِيثِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ فِي [ذَلِكَ] ذَلِكَ: (2) الْجَيْشِ، بَلْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَخْلِفُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي حِينِ (3) . مَرِضَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأُسَامَةُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَدْ عُقِدَ لَهُ الرَّايَةُ قَبْلَ مَرَضِهِ، ثُمَّ لَمَّا مَرِضَ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ إِلَى أَنْ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (4) ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْخُرُوجِ
_________
(1) أ، ب: وَيَوْمَ خَيْبَرَ.
(2) سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (هـ) .
(3) أ، ب: قَدِ اسْتَخْلَفَهُ مِنْ حِينِ.
(4) فِي " إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ " لِلْمَقْرِيزِيِّ 1/536 - 539 (تَحْقِيقُ الْأُسْتَاذِ مَحْمُود مُحَمَّد شَاكِر، ط. لَجْنَةِ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْجَمَةِ وَالنَّشْرِ، الْقَاهِرَةِ، 1941) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَا مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ لِتَوَلِّي إِمْرَةَ الْجَيْشِ وَأَوْصَاهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ ابْتَدَأَ مَرَضُ رَسُولِ اللَّهِ فَصُدِعَ وَحُمَّ، وَعَقَدَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِأُسَامَةَ لِوَاءً بِيَدِهِ، فَخَرَجَ أُسَامَةُ وَعَسْكَرَ بِالْجُرُفِ، وَخَرَجَ النَّاسُ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَّا انْتُدِبَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَتَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: يَسْتَعْمِلُ هَذَا الْغُلَامَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَطَبَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ
مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مَعَ أُسَامَةَ يُوَدِّعُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ، فَمَضَى النَّاسُ إِلَى الْمُعَسْكَرِ فَبَاتُوا لَيْلَةَ الْأَحَدِ، وَنَزَلَ أُسَامَةُ يَوْمَ الْأَحَدِ فَعَادَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَغَدَا مِنْهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفِيقًا، وَجَاءَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ اغْدُ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَوَدَّعَهُ أُسَامَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ مُفِيقٌ ". يَقُولُ الْمَقْرِيزِيُّ: " وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصْبَحْتَ مُفِيقًا بِحَمْدِ اللَّهِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ ابْنَةِ خَارِجَةَ فَأْذَنْ لِي، فَأَذِنَ لَهُ، فَذَهَبَ إِلَى السُّنْحِ، وَرَكِبَ أُسَامَةُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَصَاحَ فِي أَصْحَابِهِ بِاللُّحُوقِ بِالْعَسْكَرِ. . . فَبَيْنَا هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ مِنَ الْجُرُفِ، أَتَاهُ رَسُولُ أُمِّهِ - أُمِّ أَيْمَنَ - تُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَمُوتُ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَانْتَهَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَمُوتُ ". وَانْظُرْ: سِيرَةَ ابْنِ هِشَامٍ 4/291، 298 - 305.
(4/276)

مَعَ أُسَامَةَ قَبْلَ الْمَرَضِ لَكَانَ أَمْرُهُ لَهُ بِالصَّلَاةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، مَعَ إِذْنِهِ لِأُسَامَةَ أَنْ يُسَافِرَ فِي مَرَضِهِ، مُوجِبًا لِنَسْخِ إِمْرَةِ أُسَامَةَ عَنْهُ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُؤَمَّرْ عَلَيْهِ أُسَامَةُ بِحَالٍ؟ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ فِي سَرَايَاهُ (1) ، [بَلْ] وَلَا [فِي] مَغَازِيهِ (2) أَنْ يُعَيِّنَ كُلَّ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ فِي الْغَزْوِ بِأَسْمَائِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْدُبُ النَّاسَ نَدْبًا عَامًّا مُطْلَقًا، فَتَارَةً يَعْلَمُونَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ كُلَّ أَحَدٍ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ وَلَكِنْ نَدَبَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي غَزْوَةِ
_________
(1) أ، ب: فِي السَّرَايَا.
(2) ن، م: فِي سَرَايَاهُ وَلَا مَغَازِيهِ.
(4/277)

الْغَابَةِ (1) ، وَتَارَةً يَأْمُرُ أُنَاسًا (2) بِصِفَةٍ، كَمَا أَمَرَ فِي غَزْوَةِ (3) بَدْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَنْ حَضَرَ ظُهْرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَمَا (4) أَمَرَ فِي غَزْوَةِ السَّوِيقِ بَعْدَ أُحُدٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَهُ إِلَّا مَنْ شَهِدَ أُحُدًا، وَتَارَةً يَسْتَنْفِرُهُمْ نَفِيرًا (5) عَامًّا، وَلَا يَأْذَنُ لِأَحَدٍ فِي التَّخَلُّفِ، كَمَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّةُ خُلَفَائِهِ [مِنْ] (6) بَعْدِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا أَمَّرَ الْأُمَرَاءَ إِلَى الشَّامِ وَغَيْرِهَا يَنْدُبُ (7) النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ (8) ، فَإِذَا خَرَجَ مَعَ الْأَمِيرِ مَنْ رَأَى حُصُولَ الْمَقْصُودِ بِهِمْ سَيَّرَهُ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرْسَلَ إِلَى مُؤْتَةَ السَّرِيَّةَ الَّتِي أَرْسَلَهَا وَقَالَ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (9) لَمْ
_________
(1) ن: الْغَايَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ. يَقُولُ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ 3/293 - 297 أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَقُمْ بِهَا إِلَّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ حَتَّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي خَيْلٍ مِنْ غَطَفَانَ عَلَى إِبِلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ بِالْغَابَةِ (مَوْضِعٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ) ، وَفِيهَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي غِفَارٍ وَامْرَأَةٌ لَهُ فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَأَخَذُوا الْمَرْأَةَ مَعَ الْإِبِلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَلِمَ خَبَرَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَعَلَ يَرْمِيهِمْ وَيَصِيحُ، وَبَلَغَ صِيَاحُهُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَرَخَ بِالْمَدِينَةِ: " الْفَزَعَ الْفَزَعَ " فَتَرَامَتِ الْخُيُولُ إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ وَلَحِقَ النَّاسُ بِالْقَوْمِ وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بِغَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ. وَانْظُرْ: " زَادَ الْمَعَادِ " لِابْنِ الْقَيِّمِ (تَحْقِيقَ شُعَيْبٍ الْأَرْنَؤُوطِ وَعَبْدِ الْقَادِرِ الْأَرْنَؤُوطِ) 3/278 281، ط. بَيْرُوتَ، 1399/1979.
(2) أ، ب، وَ: نَاسًا.
(3) أ، ب: غَزَاةِ.
(4) أ، ب: النَّاسِ وَكَانَ.
(5) أ، ب: نَفْرًا.
(6) مِنْ: فِي (أ) ، (ب) ، (هـ) فَقَطْ.
(7) ن، م: نَدَبَ.
(8) مَعَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(9) هَذِهِ الْعِبَارَةُ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/143 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ) وَنَصُّهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. . الْحَدِيثَ. وَجَاءَ بِمَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 4/90. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَنْ حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ بِالتَّفْصِيلِ فِيمَا يَلِي فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص 478 479.
(4/278)

يُعَيِّنْ كُلَّ مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَلَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ مَكْتُوبِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دِيوَانٍ، وَلَا يَطُوفُ نُقَبَاءُ يُخْرِجُونَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، بَلْ كَانَ (1) يُؤَمِّرُ الْأَمِيرَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ يَحْصُلُ بِهِمُ الْمَقْصُودَ أَرْسَلَهُمْ وَصَارَ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّهُ فِي الْحَجِّ لَمَّا أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يَحُجُّ مَعَهُ، لَكِنْ مَنْ حَجَّ مَعَهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهِ (22) : (2) وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ (3) ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرٌ عَلَيْهِ. وَلَمَّا أَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ (4) بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ، فَأَرْسَلَهُ (5) إِلَى نَاحِيَةِ الْعَدُوِّ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ، لِمَا رَآهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، نَدَبَ النَّاسَ [مَعَهُ] (6) فَانْتَدَبَ مَعَهُ مَنْ رَغِبَ فِي الْغَزْوِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مِمَّنِ انْتُدِبَ مَعَهُ، لَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيَّنَ عُمَرَ وَلَا غَيْرَ عُمَرَ (7) لِلخُرُوجِ مَعَهُ، لَكِنْ مَنْ خَرَجَ مَعَهُ فِي الْغَزَاةِ كَانَ أُسَامَةُ أَمِيرًا عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ،
_________
(1) بَلْ كَانَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَكَانَ.
(2) سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ.
(4) بْنَ يَزِيدَ: لَيْسَتْ فِي (أ) ، (ب) .
(5) ب (فَقَطْ) : وَأَرْسَلَهُ.
(6) مَعَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(7) ن، م: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا عَيَّنَ عُمَرَ وَلَا غَيْرَهُ.
(4/279)

كَانَ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَعَتَّابٌ أَمِيرٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا أَرْسَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدَ وَغَيْرَهُ مِنْ أُمَرَاءِ السَّرَايَا، كَانَ مَنْ خَرَجَ مَعَ الْأَمِيرِ، فَالْأَمِيرُ أَمِيرٌ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ الْخُرُوجَ مَعَهُ، لَا بِأَنَّ (1) النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيَّنَ لِلْخُرُوجِ مَعَ الْأَمِيرِ كُلَّ مَنْ مَعَهُ وَمِنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ وَلَا مِنْ عَادَةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَهَذَا (2) كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامٌ رَاتِبٌ فِي حَيَاتِهِ يُصَلِّي بِقَوْمٍ، فَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ كَانَ ذَلِكَ الْإِمَامُ إِمَامًا لَهُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَفْضَلَ مِنْهُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [وَغَيْرِهِ] (3) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنِّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَنَّ الرَّجُلُ [الرَّجُلَ] (4) فِي سُلْطَانِهِ ; وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (5) فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ ذِي السُّلْطَانِ (6) وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَفْضَلَ مِنْهُ.
_________
(1) أ، ب: لَا أَنَّ.
(2) ن، م: وَلِهَذَا.
(3) وَغَيْرِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) الرَّجُلُ: فِي (ب) فَقَطْ.
(5) الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ فِي: مُسْلِمٍ 1/465 (كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) ; سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/226 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) ; سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1/149 150 (كِتَابُ الصَّلَّاة بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) ; سُنَنِ النَّسَائِيِّ 2/59 (كِتَابُ الْإِمَامَةِ بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) ; سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/313 314 (كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ. .، بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/118، 121 122.
(6) أ: عَلَى الْإِمَامِ ذِي سُلْطَانٍ ; ب، ص: إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ.
(4/280)

وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَوَّلًا أَنَّ الْأَمِيرَ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ. وَتَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالْمُتَوَلِّي: أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: كَمَا تَنَازَعُوا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ هَلْ يُقَدَّمُ الْوَالِي أَوِ الْوَلِيُّ (1) . وَأَكْثَرُهُمْ قَدَّمَ (2) الْوَالِيَ.
وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَدَّمَ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ [بْنُ عَلِيٍّ] أَمِيرَ (3) . الْمَدِينَةِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا السُّنَّةُ لَمَا (4) قَدَّمْتُكَ. وَالْحُسَيْنُ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمِيرِ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَخِيهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ هُوَ الْأَمِيرُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يَؤُمَنَّ الرَّجُلُ [الرَّجُلَ] (5) فِي سُلْطَانِهِ» " قَدَّمَهُ لِذَلِكَ.
وَكَانَ يُقَدِّمُ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي الْمَغَازِي، كَتَقَدُّمِهِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْحَجِّ (6) ; لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا خَلْفَهُ بِاخْتِيَارِهِمْ، وَحَجُّوا مَعَهُ، مَعَ أَنَّهُ (7) قَدْ تَتَعَيَّنُ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُ وَحَجُّهُمْ مَعَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَجِّ إِلَّا أَمِيرٌ وَاحِدٌ وَلِلصَّلَاةِ إِلَّا إِمَامٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ وَلَيْسَ لِلْغَزْوِ إِلَّا أَمِيرٌ وَاحِدٌ (8/8) : (8) خَرَجَ مَعَهُ، وَلَكِنْ فِي الْغَزْوِ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ جَمِيعَ
_________
(1) ن، م، و، هـ، ر: الْوَلِيُّ أَوِ الْوَالِي.
(2) ن، م: يُقَدِّمُ ; ص، ر، هـ، و: قَدَّمُوا.
(3) ن، م: قَدَّمَ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ لِأَمِيرِ ; هـ، و، ر: قَدَّمَ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ لِأَمِيرِ.
(4) ن، م: مَا.
(5) الرَّجُلَ: فِي (ب) فَقَطْ.
(6) أ، ب: وَالْحَجِّ.
(7) أ، ب: مَعَ كَوْنِهِ.
(8) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/281)

النَّاسِ بِالْخُرُوجِ فِي (1) السَّرَايَا، وَلَا يُعَيِّنُ مَنْ يَخْرُجُ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، بَلْ يَنْدُبُهُمْ فَيَخْرُجُ مَنْ يَخْتَارُ الْغَزْوَ. وَلِهَذَا كَانَ الْخَارِجُونَ يُفَضَّلُونَ (2) عَلَى الْقَاعِدِينَ، وَلَوْ كَانَ الْخُرُوجُ مُعَيَّنًا لَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُطِيعًا لِأَمْرِهِ. بَلْ قَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا - دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 95، 96] .
فَأُسَامَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ السَّرَايَا، وَأُمَرَاءُ السَّرَايَا لَمْ يَكُونُوا يُسَمَّوْنَ خُلَفَاءَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَخْلُفُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا خَلَفُوهُ فِي مَغِيبِهِ عَلَى شَيْءٍ كَانَ يُبَاشِرُهُ، بَلْ هُوَ أَنْشَأَ لَهُمْ سَفَرًا وَعَمَلًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ (3) رَجُلًا مِنْهُمْ فَهُوَ مُتَوَلٍّ عَلَيْهِ (4) ابْتِدَاءً لَا خِلَافَةَ عَمَّنْ كَانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَهُ. وَقَدْ يُسَمَّى الْعَمَلُ عَلَى الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى خِلَافَةً، وَيُسَمَّى الْعَمَلُ مِخْلَافًا. وَهَذِهِ أُمُورٌ لَفْظِيَّةٌ (5) تُطْلَقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ.
وَقَوْلُهُ (6) : " وَمَاتَ وَلَمْ يَعْزِلْهُ ".
_________
(1) أ: عَلَى ; ب: مَعَ.
(2) أ، ب: مُفَضَّلِينَ.
(3) أ، ب: عَلَيْهِمْ.
(4) عِبَارَةُ " فَهُوَ مُتَوَلٍّ عَلَيْهِ " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ن) ، (م) : فَهُوَ مُتَوَلٍّ عَلَيْهِمْ.
(5) ن، م: لَطِيفَةٌ.
(6) ب (فَقَطْ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ.
(4/282)

فَأَبُو بَكْرٍ أَنْفَذَ جَيْشَ أُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ أَنْ أَشَارَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِرَدِّهِ خَوْفًا مِنَ الْعَدُوِّ. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ رَايَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ عَزْلَهُ، كَمَا كَانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ، فَيَعْمَلُ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ غَضَبِ أُسَامَةَ لَمَّا تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَمِنَ الْأَكَاذِيبِ السَّمِجَةِ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ أُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَبِي بَكْرٍ وَطَاعَتِهِ لَهُ أَشْهَرُ وَأَعْرَفُ مِنْ أَنْ تُنْكَرَ (1) ، وَأُسَامَةُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ لَا مَعَ عَلِيٍّ وَلَا مَعَ مُعَاوِيَةَ وَاعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ. وَأُسَامَةُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَا مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ، وَلَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ أَنْ يَتَوَلَّاهَا، فَأَيُّ فَائِدَةٍ [لَهُ] (2) فِي أَنْ يَقُولَ مِثْلَ (3) هَذَا الْقَوْلِ لِأَيِّ مَنْ تَوَلَّى الْأَمْرَ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى الْأَمْرَ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ خَلِيفَةً عَلَيْهِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ مَاتَ، فَبِمَوْتِهِ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِلَيْهِ الْأَمْرُ فِي إِنْفَاذِ الْجَيْشِ أَوْ حَبْسِهِ، وَفِي تَأْمِيرِ أُسَامَةَ أَوْ عَزْلِهِ (4) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَعَزْلِهِ. . وَإِذَا قَالَ: [أَمَّرَنِي عَلَيْكَ] (5) فَمَنْ (6) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَنْ. اسْتَخْلَفَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: مَنِ اسْتَخْلَفَنِي عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْكَ. وَإِذَا قَالَ: أَنَا أَمَّرَنِي عَلَيْكَ (7) . قَالَ: أَمَّرَكَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُسْتَخْلَفَ، فَبَعْدَ أَنْ صِرْتُ خَلِيفَةً
_________
(1) ب: تُذْكَرَ.
(2) لَهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) مِثْلَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) أَوْ عَزْلِهِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) .
(5) أَمَّرَنِي عَلَيْكَ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(6) فَمَنْ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) .
(7) أ: أَمَّرَنِي عَلَيْكَ ; ب: إِنَّهُ أَمَّرَنِي عَلَيْكَ.
(4/283)

صِرْتُ أَنَا الْأَمِيرُ عَلَيْكَ (1) ، كَمَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَّرَ عَلَى عُمَرَ أَحَدًا ثُمَّ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَوُلِّيَ عُمَرُ، صَارَ عُمَرُ أَمِيرًا عَلَى مَنْ كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَّرَ عُمَرُ عَلَى عُثْمَانَ أَوْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا أَحَدًا (2) ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ عُمَرُ صَارَ هُوَ الْخَلِيفَةُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ أَمِيرًا عَلَى مَنْ كَانَ هُوَ أَمِيرًا عَلَيْهِ (3) ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّرَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، كَمَا أَمَّرَ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ [لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ] (4) سَنَةَ تِسْعٍ، وَلَحِقَهُ (5) عَلِيٌّ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى عَلِيٍّ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْخَلِيفَةُ، لَكَانَ يَصْلُحُ أَمِيرًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
وَمِثْلَ هَذَا لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَاهِلٌ. وَأُسَامَةُ أَعْقَلُ وَأَتْقَى وَأَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْهَذَيَانِ لِمِثْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا (6) قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ: إِنَّهُ مَشَى هُوَ وَعُمَرُ إِلَيْهِ حَتَّى اسْتَرْضَاهُ، مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمَا قَهَرَا عَلِيًّا وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَمْ يَسْتَرْضِيَاهُمْ (7) ، وَهُمْ أَعَزُّ وَأَقْوَى [وَأَكْثَرُ (8) ] وَأَشْرَفُ مِنْ أَسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَيُّ حَاجَةٍ بِمَنْ قَهَرُوا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ وَسَائِرِ بَنِي
_________
(1) أ، ب: فَبَعْدَ أَنْ صِرْتُ أَنَا خَلِيفَةً فَأَنَا الْأَمِيرُ عَلَيْكَ.
(2) أ، ب: أَمِيرًا.
(3) أ، ب: الْأَمِيرَ عَلَيْهِ.
(4) لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) ص: وَأَلْحَقَهُ.
(6) أ، ب: مِنْ ذَلِكَ.
(7) وَلَمْ يَسْتَرْضِيَاهُمْ: كَذَا فِي (ب) . . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَلَمْ يَسْتَرْضُوهُمْ.
(8) وَأَكْثَرُ: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (هـ) ، (ص) .
(4/284)

عَبْدِ مَنَافٍ، وَبُطُونِ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَالْعَرَبِ، إِلَى أَنْ يَسْتَرْضُوا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَهُوَ مِنْ أَضْعَفِ رَعِيَّتِهِمْ، لَيْسَ لَهُ قَبِيلَةٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، وَلَا [مَعَهُ] (1) مَالٌ وَلَا رِجَالٌ، وَلَوْلَا حُبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ (2) وَتَقْدِيمهُ لَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَأَمْثَالِهِ مِنَ الضُّعَفَاءِ؟ .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُمَا اسْتَرْضَيَاهُ (3) لِحُبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ، فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّهُمْ بَدَّلُوا عَهْدَهُ، وَظَلَمُوا وَصِيَّهُ وَغَصَبُوهُ (4) ، فَمَنْ عَصَى الْأَمْرَ الصَّحِيحَ، وَبَدَّلَ الْعَهْدَ الْبَيِّنَ، وَظَلَمَ وَاعْتَدَى وَقَهَرَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَرْقُبْ فِي آلِ مُحَمَّدٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، يُرَاعِي مِثْلَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَيَسْتَرْضِيهِ؟ وَهُوَ قَدْ رَدَّ شَهَادَةَ أُمِّ أَيْمَنَ وَلَمْ يَسْتَرْضِهَا، وَأَغْضَبَ فَاطِمَةَ وَآذَاهَا، وَهِيَ أَحَقُّ بِالِاسْتِرْضَاءِ. فَمَنْ يَفْعَلُ (5) مِثْلَ هَذَا أَيُّ حَاجَةٍ بِهِ (6) إِلَى اسْتِرْضَاءِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؟ وَإِنَّمَا يُسْتَرْضَى الشَّخْصُ لِلدِّينِ أَوْ لِلدُّنْيَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ دِينٌ يَحْمِلُهُمْ عَلَى اسْتِرْضَاءِ مَنْ يَجُبُ اسْتِرْضَاؤُهُ، وَلَا هُمْ مُحْتَاجُونَ فِي الدُّنْيَا إِلَيْهِ، فَأَيُّ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اسْتِرْضَائِهِ؟ وَلَا هُمْ مُحْتَاجُونَ فِي الدُّنْيَا إِلَيْهِ، فَأَيُّ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اسْتِرْضَائِهِ؟ وَالرَّافِضَةُ مِنْ جَهْلِهِمْ وَكَذِبِهِمْ يَتَنَاقَضُونَ تَنَاقُضًا [كَثِيرًا] (7) بَيِّنًا إِذْ هُمْ (8) فِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ.
_________
(1) مَعَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) أ، ب: لَهُ.
(3) أ، ب: إِنَّهُ اسْتَرْضَاهُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4) ن: وَظَلَمُوا وَصِيَّهُ وَصَيَّغُوهُ ; م: وَظَلَمُوا وَصِيَّتَهُ وَصَيَّغُوهُ، أ: وَظَلَمُوا وَصِيَّهُ وَغَضَّبُوهُ ; ص: وَظَلَمُوا وَصِيَّتَهُ وَأَغْضَبُوهُ.
(5) أ، ب: فَمَنْ فَعَلَ.
(6) أ: أَيُّ حَاجَةٍ لَهُ ; ب: فَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُ.
(7) كَثِيرًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) ب (فَقَطْ) : أَوْ هُمْ.
(4/285)

[زعم الرافضي أن رسول الله سمى عليا فاروق أمته والرد عليه]
فَصْلٌ ر، هـ، ص: الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ. .
قَالَ الرَّافِضِيُّ فِي (1) : " وَسَمَّوْا عُمَرَ الْفَارُوقَ (2) ، وَلَمْ يُسَمُّوا عَلِيًّا [عَلَيْهِ السَّلَامُ] عَلَيْهِ السَّلَامُ: (3) بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ [فِيهِ] (4) : «هَذَا فَارُوقُ أُمَّتِي يَفْرُقُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.» وَقَالَ [ابْنُ] عُمَرَ (5) : مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيًّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (6) ".
فَيُقَالُ: أَوَّلًا: أَمَّا هَذَانِ الْحَدِيثَانِ فَلَا يَسْتَرِيبُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُمَا (7) حَدِيثَانِ مَوْضُوعَانِ مَكْذُوبَانِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُرْوَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي [شَيْءٍ مِنْ] (8) كُتُبِ الْعِلْمِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِسْنَادٌ مَعْرُوفٌ لَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَيْنِ لَا فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلَا كُتُبِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. .

وَيُقَالُ: ثَانِيًا: مَنِ احْتَجَّ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ بِحَدِيثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُسْنِدَهُ، فَكَيْفَ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ؟ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ قَوْلِ الْقَائِلِ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
_________
(1) (ك ; ص 111 (م) .
(2) أ، ب: فَارُوقًا.
(3) فِي: (و) ، (ك) . وَفِي (أ) ، (ب) ، (هـ) ، (ر) ، (ص) : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(4) فِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (هـ) .
(5) ن، م: وَقَالَ عُمَرُ.
(6) عَلَيْهِ السَّلَامُ: فِي (و) ، (ك) فَقَطْ.
(7) ن، م، و: فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُمَا.
(8) شَيْءٍ مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4/286)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَيْسَ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ كُلُّ حَدِيثٍ قَالَ فِي وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " حُجَّةً، وَنَحْنُ نَقْنَعُ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنْ يُرْوَى الْحَدِيثُ بِإِسْنَادِ مَعْرُوفِينَ (1) بِالصِّدْقِ مِنْ أَيِّ طَائِفَةٍ كَانُوا.
لَكِنْ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ لَهُ إِسْنَادٌ، فَهَذَا النَّاقِلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكَذِّبْهُ بَلْ نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ، فَذَلِكَ النَّاقِلُ لَمْ يَعْرِفْ عَمَّنْ نَقَلَهُ. وَمِنَ الْمَعْرُوفِ كَثْرَةُ الْكَذِبِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ (22) : (2) ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَمْ يُعْرَفْ إِسْنَادُهُ؟ .

وَيُقَالُ: ثَالِثًا: مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ مَنْ لَهُ خِبْرَةً أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَعْظَمُ (3) . النَّاسِ بَحْثًا عَنْ أَقْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلَبًا لِعِلْمِهَا، وَأَرْغَبُ النَّاسِ فِي اتِّبَاعِهَا، وَأَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِ [هَوًى] (4) يُخَالِفُهَا، فَلَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ هَذَا، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَوْلَى مِنْهُمْ بِاتِّبَاعِ قَوْلِهِ، فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ قَوْلَهُ إِيمَانًا بِهِ، وَمَحَبَّةً لِمُتَابَعَتِهِ، لَا لِغَرَضٍ لَهُمْ فِي الشَّخْصِ الْمَمْدُوحِ.
وَلِهَذَا يَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ، كَمَا يَذْكُرُونَ مَا قَالَهُ مِنْ فَضَائِلِ عُثْمَانَ، كَمَا يَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ، كَمَا يَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ الْمُهَاجِرِينَ، وَفَضَائِلِ بَنِي
_________
(1) ب (فَقَطْ) : مَعْرُوفٍ.
(2) سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: أَهْلَ الْحَدِيثِ مِنْ أَعْظَمِ.
(4) هَوًى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(4/287)

إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي فَارِسَ وَيَذْكُرُونَ فَضَائِلَ بَنِي هَاشِمٍ (1) وَيَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ [طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، كَمَا يَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ] (2) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ [وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَيَذْكُرُونَ] (3) مِنْ فَضَائِلِ عَائِشَةَ، [كَمَا يَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ] فَضَائِلِ فَاطِمَةَ (4) . وَخَدِيجَةَ، فَهُمْ فِي [أَهْلِ] (5) الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ: يَدِينُونَ (6) بِكُلِّ رَسُولٍ وَكُلِّ (7) كِتَابٍ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا.
فَلَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ: هَذَا فَارُوقُ أُمَّتِي، لَقَبِلُوا ذَلِكَ وَنَقَلُوهُ، كَمَا نَقَلُوا هـ، ر، ص: كَمَا قَبِلُوا وَنَقَلُوا. قَوْلَهُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: " «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ
_________
(1) أ: وَيَذْكُرُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ 000 وَفَضَائِلِ بَنِي هَاشِمٍ (وَفِي الْهَامِشِ: بَيَاضٌ بِالْأَصْلِ) ; ب: وَيَذْك