Advertisement

منهاج السنة النبوية 005

[الْفَصْلُ الثَّانِي كلام الرافضي على فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]
الْفَصْلُ الثَّانِي (1)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) السَّادِسُ (3) : إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ لَمَّا رَأَوْا فَضَائِلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَمَالَاتِهِ لَا تُحْصَى (4) قَدْ رَوَاهَا الْمُخَالِفُ وَالْمُوَافِقُ (5) ، وَرَأَوُا الْجُمْهُورَ قَدْ نَقَلُوا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَطَاعِنَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَنْقُلُوا فِي عَلِيٍّ طَعْنًا أَلْبَتَّةَ اتَّبَعُوا (6) قَوْلَهُ، وَجَعَلُوهُ إِمَامًا لَهُمْ ; حَيْثُ نَزَّهَهُ الْمُخَالِفُ وَالْمُوَافِقُ (7) وَتَرَكُوا غَيْرَهُ حَيْثُ رَوَى فِيهِ مَنْ يَعْتَقِدُ إِمَامَتَهُ مِنَ الْمَطَاعِنِ مَا يَطْعَنُ فِي إِمَامَتِهِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ هُنَا شَيْئًا يَسِيرًا مِمَّا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ وَنَقَلُوهُ فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَكُتُبِهِمْ (8) ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ: مُوَطَّأِ (9) مَالِكٍ وَصَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (10)
_________
(1) ن، م، و: فَصْلٌ. وَهُنَا تَبْدَأُ نُسْخَةُ (ق) الْمُخْتَصَرَةُ.
(2) و: قَالَ الْإِمَامِيُّ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) 119 (م) ، 120 (م)
(3) السَّادِسُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) . وَفِي (ك) : الْوَجْهُ السَّادِسُ.
(4) ك: أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَمَالَاتِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
(5) و: الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ، ك: الْمُخَالِفُ وَالْمُؤَالِفُ.
(6) ك: ابْتَغَوْا.
(7) ك: وَالْمُؤَالِفُ.
(8) ك: فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ كُتُبِهِمْ، م: فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلِهِمْ.
(9) ك: السِّتَّةِ مِنْ مُوَطَّأِ.
(10) ر، ح، ي: وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، ك: وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ.
(5/5)

وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحِيحِ النَّسَائِيِّ (1) «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] أُنْزِلَتْ (2) فِي بَيْتِهَا وَأَنَا جَالِسَةٌ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (3) قَالَتْ: وَفِي الْبَيْتِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (4) وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (5) فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفَضَائِلَ الثَّابِتَةَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْفَضَائِلِ الثَّابِتَةِ لِعَلِيٍّ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا هَذَا وَذَكَرَ أَنَّهَا فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّهُمْ نَقَلُوهَا فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَكُتُبِهِمْ هُوَ مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ عَلَى عُلَمَاءِ الْجُمْهُورِ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرَهَا، أَكْثَرُهَا كَذِبٌ أَوْ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي فِيهَا لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَلَا عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ
_________
(1) فَوْقَ كَلِمَةِ النَّسَائِيِّ فِي (ك) بَيْنَ السَّطْرَيْنِ كُتِبَ مَا يَلِي: كَأَنَّهُ مِنْ بُقْعَةِ النَّسَاءِ نِسْبَتُهُ إِلَى بَلَدِ النَّسَاءِ، وَفِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/60 يَقُولُ ابْنُ خَلِّكَانَ عَنِ النَّسَائِيِّ: وَنِسْبَتُهُ إِلَى نَسَا بِفَتْحِ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بِخُرَاسَانَ.
(2) ن، م، أ، و: نَزَلَتْ.
(3) ك: النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ.
(4) ن، م: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ك: رَسُولُ اللَّهِ.
(5) ك: وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
(5/6)

وَعُمَرَ *، بَلْ (1) وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِهِ بَلْ هِيَ فَضَائِلُ شَارَكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ * (2) ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهَا خَصَائِصُ لَهُمَا لَا سِيَّمَا فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ؛ فَإِنَّ عَامَّتَهَا خَصَائِصُ لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهَا غَيْرُهُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَطَاعِنِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ عَلَى الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ (3) مَطْعَنٍ إِلَّا وُجِّهَ عَلَى عَلِيٍّ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَاطِلِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ جَعَلُوهُ إِمَامًا لَهُمْ حَيْثُ نَزَّهَهُ الْمُخَالِفُ وَالْمُوَافِقُ (4) وَتَرَكُوا غَيْرَهُ حَيْثُ رَوَى مَنْ يَعْتَقِدُ إِمَامَتَهُ مِنَ الْمَطَاعِنِ مَا يَطْعَنُ فِي إِمَامَتِهِ.
فَيُقَالُ: هَذَا كَذِبٌ بَيِّنٌ ; فَإِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُنَزِّهْهُ الْمُخَالِفُونَ، بَلِ الْقَادِحُونَ فِي عَلِيٍّ طَوَائِفُ مُتَعَدِّدَةٌ وَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْقَادِحِينَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَالْقَادِحُونَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الْغُلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ الْخَوَارِجَ مُتَّفِقُونَ عَلَى كُفْرِهِ وَهُمْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ (5) خَيْرٌ مِنَ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ إِلَاهِيَّتَهُ أَوْ نُبُوَّتَهُ، بَلْ هُمْ - وَالَّذِينَ قَاتَلُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - خَيْرٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرَّافِضَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ الَّذِينَ اعْتَقَدُوهُ إِمَامًا مَعْصُومًا.
_________
(1) بَلْ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) ، (و) ، (ي)
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) .
(3) مِنْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب)
(4) ن: الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ.
(5) كُلِّهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)
(5/7)

وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ (1) لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يَقْدَحُ فِيهِمْ إِلَّا الرَّافِضَةُ، وَالْخَوَارِجُ الْمُكَفِّرُونَ لِعَلِيٍّ يُوَالُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَيَتَرَضَّوْنَ عَنْهُمَا، وَالْمَرْوَانِيَّةُ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ عَلِيًّا إِلَى الظُّلْمِ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً يُوَالُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَقَارِبِهِمْ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا: إِنَّ عَلِيًّا نَزَّهَهُ الْمُؤَالِفُ (2) وَالْمُخَالِفُ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ؟ .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُنَزِّهِينَ لِهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ وَأَفْضَلُ، وَأَنَّ الْقَادِحِينَ فِي عَلِيٍّ - حَتَّى (3) بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ - طَوَائِفُ مَعْرُوفَةٌ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَ الرَّافِضَةِ وَأَدْيَنُ، وَالرَّافِضَةُ عَاجِزُونَ مَعَهُمْ عِلْمًا وَيَدًا؛ فَلَا يُمْكِنُ الرَّافِضَةَ أَنْ تُقِيمَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً تَقْطَعُهُمْ بِهَا، وَلَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الْقِتَالِ مَنْصُورِينَ عَلَيْهِمْ.
وَالَّذِينَ قَدَحُوا فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَعَلُوهُ كَافِرًا وَظَالِمًا لَيْسَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الَّذِينَ يَمْدَحُونَهُ وَيَقْدَحُونَ فِي الثَّلَاثَةِ، كَالْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إِلَاهِيَّتَهُ مِنَ النُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ هُمْ شَرٌّ مِنَ النُّصَيْرِيَّةِ، وَكَالْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ نُبُوَّتَهُ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، كُفْرُهُمْ
_________
(1) وَ (عُثْمَانُ) سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ح) ، (ي) ، (ر) ، (و)
(2) الْمُؤَالِفُ: كَذَا فِي (و) ، فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْمُوَافِقُ.
(3) حَتَّى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)
(5/8)

[بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ] (1) ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ فِي بَشَرٍ الْإِلَهِيَّةَ، أَوِ اعْتَقَدَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، بَلْ كَانَ عَلِيٌّ هُوَ النَّبِيَّ دُونَهُ وَإِنَّمَا غَلَطَ جِبْرِيلُ ; فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَظْهَرُ كُفْرُ أَهْلِهَا لِمَنْ يَعْرِفُ الْإِسْلَامَ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ.
بِخِلَافِ مَنْ يُكَفِّرُ عَلِيًّا وَيَلْعَنُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَمِمَّنْ (2) قَاتَلَهُ وَلَعَنَهُ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ وَبَنِي مَرْوَانَ وَغَيْرِهِمْ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ: يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَيَصُومُونَ رَمَضَانَ، وَيَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَيْسَ فِيهِمْ كُفْرٌ ظَاهِرٌ؛ بَلْ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعُهُ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ مُعَظَّمَةٌ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا أَمْرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ يُدَّعَى مَعَ هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُخَالِفِينَ نَزَّهُوهُ دُونَ الثَّلَاثَةِ؟ .
بَلْ إِذَا اعْتُبِرَ الَّذِينَ كَانُوا يُبْغِضُونَهُ وَيُوَالُونَ عُثْمَانَ وَالَّذِينَ كَانُوا يُبْغِضُونَ عُثْمَانَ وَيُحِبُّونَ عَلِيًّا، وُجِدَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا (3) مِنْ أُولَئِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَالْمُنَزِّهُونَ لِعُثْمَانَ الْقَادِحُونَ فِي عَلِيٍّ أَعْظَمُ وَأَدْيَنُ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م)
(2) ن، م: مِنَ الْخَوَارِجِ مِمَّنْ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(3) خَيْرًا: كَذَا فِي (و) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: خَيْرٌ.
(5/9)

وَأَفْضَلُ مِنَ الْمُنَزِّهِينَ لِعَلِيٍّ الْقَادِحِينَ فِي عُثْمَانَ، [كَالزَّيْدِيَّةِ مَثَلًا] (1) .
فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ وَلَعَنُوهُ وَذَمُّوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ هُمْ أَعْلَمُ وَأَدْيَنُ مِنَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيَلْعَنُونَ عُثْمَانَ، وَلَوْ تَخَلَّى أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ مُوَالَاةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَحْقِيقِ إِيمَانِهِ وَوُجُوبِ مُوَالَاتِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْمُتَوَلِّينَ لَهُ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُقَاوِمَ الْمُبْغِضِينَ لَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْأُمَوِيَّةِ وَالْمَرْوَانِيَّةِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ. \ 510 وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرَّ الَّذِينَ يُبْغِضُونَهُ هُمُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَفَّرُوهُ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ مُرْتَدٌّ عَنِ الْإِسْلَامِ (2) وَاسْتَحَلُّوا قَتْلَهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ حِينًا (3) فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا
فَعَارَضَهُ شَاعِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ:
يَا ضَرْبَةً مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ خُسْرَانَا
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ حِينًا فَأَلْعَنُهُ ... لَعْنًا وَأَلْعَنُ عِمْرَانَ (4) بْنَ حِطَّانَا
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م)
(2) ر: عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
(3) ح، ب: يَوْمًا.
(4) ح: وَأَلْعَنُ أَيْضًا عِمْرَانَ. . .
(5/10)

وَهَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ كَانُوا ثَمَانَ عَشْرَةَ (1) فِرْقَةً؛ كَالْأَزَارِقَةِ أَتْبَاعِ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ (2) وَالنَّجَدَاتِ (3) أَتْبَاعِ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ (4) وَالْإِبَاضِيَّةِ أَتْبَاعِ عَبْدِ اللَّهِ
_________
(1) ثَمَانَ عَشْرَةَ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: ثَمَانِيَةَ عَشْرَةَ.
(2) الْأَزَارِقَةُ أَتْبَاعُ أَبِي رَاشِدٍ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ الْحَنَفِيِّ الْبَكْرِيِّ الْوَائِلِيِّ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، صَحِبَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَنْصَارِ الثَّوْرَةِ عَلَى عُثْمَانَ وَمِمَّنْ وَالَى عَلِيًّا إِلَى أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ فِي حَرُورَاءَ، وَكَانَ جَبَّارًا فَتَّاكًا، وَمِنْ أَشَدِّ الْخَوَارِجِ تَطَرُّفًا، قُتِلَ سَنَةَ 65، وَالْأَزَارِقَةُ يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ، كَمَا يُكَفِّرُونَ الْقَعَدَةَ عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُمْ، وَقَالُوا بِكُفْرِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَخُلُودِهِمْ فِي النَّارِ، وَأَنَّ دَارَ مُخَالِفِيهِمْ دَارُ كُفْرٍ، انْظُرْ عَنْ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ وَالْأَزَارِقَةِ: لِسَانَ الْمِيزَانِ 6/144 - 145، تَارِيخَ الطَّبَرِيِّ 5/528، 565، 566 - 568، 613، 614، الْأَعْلَامَ 8/315، 316، مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/157 - 162، الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/109 - 110، الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 50 - 52 التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ، ص [0 - 9] 9 - 30 الْفِصَلَ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ 5/52 - 53، الْخُطَطَ لِلْمَقْرِيزِيِّ 2/354
(3) ب فَقَطْ: وَالنَّجْدِيَّةَ.
(4) النَّجَدَاتُ أَوِ النَّجْدِيَّةُ أَتْبَاعُ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ 36 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 69 وَكَانَ فِي بَادِئِ أَمْرِهِ مِنْ أَتْبَاعِ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ ثُمَّ خَالَفَهُ وَاسْتَقَلَّ بِمَذْهَبِهِ، اسْتَقَرَّ أَيَّامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْبَحْرَيْنِ وَتَسَمَّى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِينَ إِلَى أَنْ قُتِلَ. وَالنَّجَدَاتُ كَمَا يَقُولُ الْأَشْعَرِيُّ لَا يَقُولُونَ مِثْلَ سَائِرِ الْخَوَارِجِ: إِنَّ كُلَّ كَبِيرَةٍ كُفْرٌ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ عَذَابًا دَائِمًا، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ فَعَلَ صَغِيرَةً وَأَصَرَّ عَلَيْهَا فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَهُوَ مُسْلِمٌ. وَقَالَ النَّجَدَاتُ: لَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا إِمَامًا، إِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَعَاطَوُا الْحَقَّ بَيْنَهُمْ، انْظُرْ عَنْ نَجْدَةَ وَالنَّجَدَاتِ: لِسَانَ الْمِيزَانِ 6/148، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 1/76 الْكَامِلَ لِابْنِ الْأَثِيرِ 4/78 - 80، الْأَعْلَامَ 8/324 - 325، مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/156، 262 - 264، الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ ص [0 - 9] 2 - 54، الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/110 - 112 ; التَّبَصُّرَ فِي الدِّينِ ص [0 - 9] 0 - 31، الْفِصَلَ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، 5/53 الْخُطَطَ لِلْمَقْرِيزِيِّ 2/354.
(5/11)

بْنِ إِبَاضٍ (1) وَمَقَالَاتُهُمْ وَسِيَرُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمَقَالَاتِ وَالْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ، وَكَانُوا مَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُنَاظِرُونَهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَالصَّحَابَةُ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ قِتَالِهِمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ وَلَا كَفَّرَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْغَالِيَةُ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَكَفَّرَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نَفْسُهُ وَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ. وَهَؤُلَاءِ الْغَالِيَةُ يُقْتَلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ (2) عَلِيٌّ حَتَّى قَتَلُوا وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ فَأَخَذُوهَا، فَأُولَئِكَ حَكَمَ فِيهِمْ عَلِيٌّ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَحْكُمُوا (3) فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ.
_________
(1) الْإِبَاضِيَّةُ أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ الْمُقَاعِسِيِّ الْمُرِّيُّ التَّمِيمِيُّ مَنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مُقَاعِسٍ، اخْتَلَفَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي سِيرَتِهِ وَتَارِيخِ وَفَاتِهِ، كَانَ مُعَاصِرًا لِمُعَاوِيَةَ وَعَاشَ إِلَى أَوَاخِرِ عَصْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَتُوُفِّيَ عَلَى الْأَرْجَحِ سَنَةَ 86 هـ. قَالَ الْإِبَاضِيَّةُ: إِنَّ مُخَالِفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كُفَّارٌ غَيْرُ مُشْرِكِينَ، وَدَارُ مُخَالِفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ دَارُ تَوْحِيدٍ، إِلَّا مُعَسْكَرَ السُّلْطَانِ فَإِنَّهُ دَارُ بَغْيٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ كَفَرَ كُفْرَ النِّعْمَةِ لَا كُفْرَ الْمِلَّةِ، وَانْقَسَمُوا إِلَى حَفْصِيَّةٍ وَحَارِثِيَّةٍ وَيَزِيدِيَّةٍ. انْظُرْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ وَالْإِبَاضِيَّةَ: لِسَانَ الْمِيزَانِ 3/248، الْأَعْلَامَ 4/184 - 186 مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/170 - 176، الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/121 - 122 الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ ص 61 - 65، التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ، ص 34 - 35 الْفِصَلَ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ 5/51 الْخُطَطَ لِلْمَقْرِيزِيِّ 2/355، الْإِبَاضِيَّةَ فِي مَوْكِبِ التَّارِيخِ لِعَلِي يَحْيَى مُعَمَّر ط. مَكْتَبَةِ وَهْبَةَ، 1384/1964 الْإِبَاضِيَّةَ فِي دَائِرَةِ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِمُوتِيلِنِسْكِي.
(2) ن، م: يَقْتُلُهُمْ.
(3) ح، ي، ر: لَمْ يَحْكُمْ.
(5/12)

وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ وَالَوْهُ دُونَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الشَّرِّ وَالْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ عَلِيٍّ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الَّذِينَ عَادَوْهُ وَكَفَّرُوهُ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ الْمُبْغِضِينَ (1) لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ شَرٌّ عِنْدَ عَلِيٍّ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ مِنْ جِنْسِ الْمُبْغِضِينَ (2) لِعَلِيٍّ.

[الكلام على حَدِيثُ الْكِسَاءِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْكِسَاءِ فَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ (3) ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (4) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ (5) مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ (6) ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ (7) ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} » [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] .
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ شَرَكَهُ فِيهِ فَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ،
_________
(1) ن، م، و: الْمُتَعَصِّبِينَ.
(2) ن، م، و: الْمُتَعَصِّبِينَ.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ 4/22
(4) 4/1883 كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5) و، ر، ي: مُرَجَّلٌ، وَقَالَ شَارِحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِرْطٌ مُرَحَّلٌ: الْمِرْطُ كِسَاءٌ جَمْعُهُ مُرُوطٌ. الْمُرَحَّلُ هُوَ الْمُوَشَّى الْمَنْقُوشُ عَلَيْهِ صُوَرُ رِحَالِ الْإِبِلِ.
(6) ب فَقَطْ: فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ فِي الْمِرْطِ، وَلَيْسَتْ فِي مُسْلِمٍ.
(7) فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ: كَذَا فِي (و) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَأُدْخِلَ مَعَهُمْ. وَفِي مُسْلِمٍ: فَدَخَلَ مَعَهُ.
(5/13)

فَلَيْسَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَئِمَّةِ؛ بَلْ يَشْرَكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ. ثُمَّ إِنَّ مَضْمُونَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لَهُمْ بِأَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمْ (1) الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَهُمْ تَطْهِيرًا. وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دَعَا لَهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ؛ وَاجْتِنَابُ الرِّجْسِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالطَّهَارَةُ مَأْمُورٌ بِهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 6] . وَقَالَ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 103] .
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 122] .
فَغَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ هَذَا دُعَاءً لَهُمْ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ.
وَالصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ: {الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [سُورَةُ اللَّيْلِ 17 - 21] .
وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّابِقِينَ (2) الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 100] لَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا قَدْ فَعَلُوا الْمَأْمُورَ وَتَرَكُوا الْمَحْظُورَ، فَإِنَّ هَذَا الرِّضْوَانَ وَهَذَا
_________
(1) و، ر، ح، ي: بِأَنْ يُذْهِبَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
(2) ر، ن، م، و، ق: وَأَيْضًا فَالسَّابِقُونَ.
(5/14)

الْجَزَاءَ إِنَّمَا يُنَالُ بِذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ ذَهَابُ الرِّجْسِ عَنْهُمْ وَتَطْهِيرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ بَعْضَ صِفَاتِهِمْ. فَمَا دَعَا بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْكِسَاءِ هُوَ بَعْضُ مَا وَصَفَ بِهِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِسَاءِ بِأَنْ يُصَلِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَدَعَا لِأَقْوَامٍ كَثِيرِينَ (1) بِالْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَنْ دَعَا لَهُ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ.
وَلَكِنَّ أَهْلَ الْكِسَاءِ لَمَّا كَانَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمِ اجْتِنَابَ الرِّجْسِ وَفِعْلَ التَّطْهِيرِ، دَعَا لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، لِئَلَّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ، وَلِيَنَالُوا الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ كلام الرافضي عن قوله تعالي فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً والرد عليه]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ (2)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ: 12] . قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَعْمَلْ (4) بِهَذِهِ الْآيَةِ غَيْرِي، وَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ هَذِهِ الْآيَةِ.
_________
(1) ب، ق: كَثِيرَةٍ، ح: كَثِيرٍ.
(2) ن، م، و: فَصْلٌ.
(3) فِي (ك) 120 م، وَنَصَّ (ك) وَنَحْوُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ إِلَخْ.
(4) ن، م: عَلِيٌّ لَمْ يَعْمَلْ، و: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَعْمَلْ، ك: عَلِيٌّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا عَمِلَ.
(5/15)

وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَكُونُوا عُصَاةً بِتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ مَنْ أَرَادَ النَّجْوَى، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ النَّجْوَى إِذْ ذَاكَ إِلَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَصَدَّقَ لِأَجْلِ الْمُنَاجَاةِ (1) .
وَهَذَا كَأَمْرِهِ بِالْهَدْيِ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَمْرِهِ بِالْهَدْيِ لِمَنْ أُحْصِرَ وَأَمْرِهِ لِمَنْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأَسِهِ بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ لَمَّا مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ وَهَوَامُّ رَأْسِهِ تُؤْذِيهِ (2) . وَكَأَمْرِهِ لِمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ بِعِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَكَأَمْرِهِ لِمَنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ بِإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، وَكَأَمْرِهِ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَغْسِلُوا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَكَأَمْرِهِ إِذَا قَرَءُوا الْقُرْآنَ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.
فَالْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ إِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ إِلَّا فِي حَقِّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤْمَرْ
_________
(1) انْظُرْ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وَفِيهِ: قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نُهُوا عَنْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَتَصَدَّقُوا، فَلَمْ يُنَاجِهِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَدَّمَ دِينَارًا صَدَقَةً تَصَدَّقَ بِهَا، ثُمَّ نَاجَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَشْرِ خِصَالٍ، ثُمَّ أُنْزِلَتِ الرُّخْصَةُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، مَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، هَكَذَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ عَلِيٌّ: مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ غَيْرِي حَتَّى نُسِخَتْ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَمَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً.
(2) وَهَذَا كُلُّهُ فِي آيَةٍ 196 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ] : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) الْآيَةَ وَانْظُرْ تَفْسِيرَهَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَانْظُرْ مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ فِي شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(5/16)

بِهِ غَيْرُهُ. وَهَكَذَا آيَةُ النَّجْوَى ; فَإِنَّهُ لَمْ يُنَاجِ الرَّسُولَ قَبْلَ نَسْخِهَا إِلَّا عَلِيٌّ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ تَرَكَ النَّجْوَى حَرَجٌ. فَمِثْلُ هَذَا الْعَمَلِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا مِنْ خَصَائِصِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ غَيْرَ عَلِيٍّ تَرَكَ النَّجْوَى بُخْلًا بِالصَّدَقَةِ ; لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ فَإِنَّ الْمُدَّةَ لَمْ تَطُلْ. وَفِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ قَدْ لَا يَحْتَاجُ (1) الْوَاحِدُ إِلَى النَّجْوَى، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا كَانَ يَخُصُّ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ هَؤُلَاءِ. كَيْفَ (2) وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ (3) أَنْفَقَ مَالَهُ كُلَّهُ يَوْمَ رَغَّبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّدَقَةِ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ (4) بِنِصْفِ مَالِهِ بِلَا حَاجَةٍ إِلَى النَّجْوَى. فَكَيْفَ يَبْخَلُ أَحَدُهُمَا (5) بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ؟ .
وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ يَا عُمَرُ، فَقُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَالٍ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ، فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (6) .
_________
(1) قَدْ لَا يَحْتَاجُ: كَذَا فِي (و) ، وَفِي (ب) : لَا يَحْتَاجُ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَلَا يَحْتَاجُ.
(2) ح، ب: وَكَيْفَ.
(3) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .
(4) ن، م: وَعُمَرُ قَدْ جَاءَ.
(5) أَحَدُهُمَا: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ أَحَدُهُمْ.
(6) سَبَقَ الْحَدِيثَ فِيمَا مَضَى 2/52
(5/17)

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ تابع كلام الرافضي عن فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ (1)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ] (3) . فَقَالَ: طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ: مَعِي مَفَاتِيحُ الْبَيْتِ، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِيهِ. وَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ عَلِيٌّ (4) : مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ، وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 19] .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا اللَّفْظُ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ (5) كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ، (* بَلْ دَلَالَاتُ (6) الْكَذِبِ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ، مِنْهَا: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ شَيْبَةَ لَا وُجُودَ لَهُ، وَإِنَّمَا خَادِمُ الْكَعْبَةِ هُوَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي
_________
(1) ن، م، و: فَصْلٌ.
(2) فِي (ك) ، 120 (م) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) (م) ، وَفِي (ك) : وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(4) و: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ك: عَلِيٌّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
(5) شَيْءٍ مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) ح: دَلَالَةُ.
(5/18)

طَلْحَةَ (1) . وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلُ الْعَبَّاسِ: لَوْ أَشَاءُ بِتُّ (2) فِي الْمَسْجِدِ فَأَيُّ كَبِيرِ أَمْرٍ فِي مَبِيتِهِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَتَبَجَّحَ بِهِ؟ .
ثُمَّ فِيهِ قَوْلُ عَلِيٍّ: صَلَّيْتُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ. فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانَهُ بِالضَّرُورَةِ ; فَإِنَّ بَيْنَ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ (3) زَيْدٍ وَأَبِي بَكْرَ وَخَدِيجَةَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهُ، فَكَيْفَ يُصَلِّي قَبْلَ النَّاسِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ؟ .
وَأَيْضًا فَلَا يَقُولُ: أَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِيهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ جِدًّا *) (4) .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَيُقَالُ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (5) وَلَفْظُهُ: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ (6) إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ
_________
(1) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَالتَّصْوِيبُ مِنِ الْإِصَابَةِ، وَالِاسْتِيعَابِ، فِي الْإِصَابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ 2/157. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ هَوْذَةَ عَنْ عَوْفٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ فَأَعْطَاهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: دُونَكَ هَذَا فَأَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى بَيْتِهِ. وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: دَفَعَ إِلَيْهِ وَإِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَقَالَ: خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَأْخُذُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا يَوْمَ الْفَتْحِ لِعُثْمَانَ، وَأَنَّ عُثْمَانَ وَلِيَ الْحِجَابَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَوَلِيَهَا شَيْبَةُ، فَاسْتَمَرَّتْ فِي وَلَدِهِ. وَانْظُرِ الِاسْتِيعَابَ، بِهَامِشِ الْإِصَابَةِ 2/155 - 157.
(2) ن، م، ر: لَبِتُّ.
(3) ر، ح، ي: وَبَيْنَ إِسْلَامِ.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(5) 3/1499 كِتَابُ الْإِمَارَةِ بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
(6) أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ: كَذَا فِي مُسْلِمٍ، وَفِي (ب) : أَعْمَلَ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَعْمَلُ فِي الْإِسْلَامِ.
(5/19)

الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهُمْ (1) عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} » [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 19] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ (2) مِنْ خَصَائِصِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا مِنْ خَصَائِصَ عَلِيٍّ، فَإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرُونَ، وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الْوَصْفِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَعْظَمُهُمْ (3) إِيمَانًا وَجِهَادًا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 72] . وَلَا رَيْبَ أَنَّ جِهَادَ أَبِي بَكْرٍ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ جِهَادِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَمَنَّ (4) النَّاسِ عَلَيْنَا فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكْرٍ» (5) .
_________
(1) و: فَهَجَزَهُمْ.
(2) أ، ب: وَهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ.
(3) ح، ر، ب: أَعْظَمُ.
(4) ح: إِنَّ مِنْ أَمَنِّ.
(5) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَبَقَ فِيمَا مَضَى 1/512 - 513 وَالْحَدِيثُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 4/143 ط. الْحَلَبِيِّ 3/477 - 478، 4/211 - 212 عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(5/20)

«وَقَالَ: مَا نَفَعَنِي مَالٌ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ» (1) . وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ مُجَاهِدًا بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ (2) وَأَوَّلُ مَنْ أُوذِيَ فِي اللَّهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوَّلُ مَنْ دَافَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مُشَارِكًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (3) فِي هِجْرَتِهِ وَجِهَادِهِ حَتَّى كَانَ هُوَ وَحْدَهُ مَعَهُ فِي الْعَرِيشِ يَوْمَ بَدْرٍ، «وَحَتَّى أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَمَّا قَالَ: أَفِيكُمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِيكُمُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِيكُمُ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ (4) فَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ. فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ عَدُوَّ اللَّهِ، (5) إِنَّ الَّذِينَ (6) عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ، (7) وَقَدْ أَبْقَى اللَّهُ لَكَ
_________
(1) و: مَا نَفَعَنِي مَالٌ كَمَالِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/36 الْمُقَدَّمَةِ، بَابٌ فِي فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ فَضْلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَصُّهُ: (مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 13/183 وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ الْحَدِيثَ وَخَالَفَ تَضْعِيفَ الْبُوصَيْرِيِّ لَهُ فِي زَوَائِدِهِ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَيْضًا فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ 5/190 وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 16/320 - 321 مُطَوَّلًا.
(2) ن فَقَطْ: إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
(3) ن، م: وَكَانَ مُشَارِكًا لَهُ، و: وَكَانَ مُشَارِكًا لِلرَّسُولِ، ق: وَكَانَ مُشَارِكًا لِرَسُولِ اللَّهِ.
(4) و: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟
(5) أ، م: يَا عَدُوَّ اللَّهِ.
(6) ح، و، ب: الَّذِي.
(7) أ، ب: أَحْيَاءٌ.
(5/21)

مَا يُخْزِيكَ» (1) . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ (2) .

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ نسب الرافضي حديثا موضوعا إلى الإمام أحمد أن علي هو الوصي والرد عليه]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ (3)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (4) : وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «قُلْنَا لِسَلْمَانَ: سَلِ (5) النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ وَصِّيُهُ، فَقَالَ لَهُ (6) سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ وَصِيُّكَ؟ فَقَالَ (7) : يَا سَلْمَانُ، مَنْ كَانَ وَصِيَّ مُوسَى؟ فَقَالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. قَالَ (8) : فَإِنَّ (9) وَصِيِّيَ وَوَارِثِي يَقْضِي (10) دَيْنِي وَيُنْجِزُ مَوْعِدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» (11) .
_________
(1) ق، ب: يُحْزِنُكَ.
(2) عِبَارَةُ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ " وَغَيْرُهُ " مِنْ (ن) ، (م) ، وَسَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/523.
(3) سَقَطَتْ عِبَارَةُ " الْفَصْلُ الْخَامِسُ " مِنْ (و) ، وَفِي (ن) ، (م) (أ) : فَصْلٌ.
(4) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) 120 (م) ، 121 (م) .
(5) ن، ح، ي، ر: أَنْ سَلْ.
(6) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) .
(7) ك: فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(8) ن، م، ح، ب: فَقَالَ: ك: قَالَ قَالَ.
(9) ن، م: إِنَّ: وَسَقَطَتْ مِنْ (ك) .
(10) ك: مَنْ يَقْضِي.
(11) ك: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(5/22)

(* وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ *) (1) كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (2) لَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَأَحْمَدُ قَدْ صَنَّفَ كِتَابًا فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَ فِيهِ فَضْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ لِلتَّعْرِيفِ بِذَلِكَ، (3) وَلَيْسَ كُلُّ مَا رَوَاهُ يَكُونُ صَحِيحًا. ثُمَّ إِنَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَاتٍ مِنْ رِوَايَاتِ (4) ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَزِيَادَاتٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَطِيعِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَاتُ الَّتِي زَادَهَا الْقَطِيعِيُّ غَالِبُهَا كَذِبٌ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، (5) وَشُيُوخُ الْقَطِيعِيِّ يَرْوُونَ عَمَّنْ فِي طَبَقَةِ أَحْمَدَ. وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ جُهَّالٌ، إِذَا رَأَوْا فِيهِ حَدِيثًا ظَنُّوا أَنَّ الْقَائِلَ لِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَيَكُونُ الْقَائِلُ لِذَلِكَ هُوَ الْقَطِيعِيَّ، وَذَاكَ الرَّجُلُ مِنْ شُيُوخِ الْقَطِيعِيِّ الَّذِينَ يَرْوُونَ عَمَّنْ فِي طَبَقَةِ أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ فِي الْمُسْنَدِ زِيَادَاتٌ زَادَهَا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، (6) لَا سِيَّمَا فِي مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (7) فَإِنَّهُ زَادَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةً.
_________
(1) بَدَلًا مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فِي (و) : فَيُقَالُ: هَذَا الْحَدِيثُ.
(2) ذَكَرَ الْحَدِيثَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1/374 - 375 مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقِ، كُلُّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ أَوْ مَوْضُوعَةٌ، وَتَابَعَهُ السُّيُوطِيُّ فِي اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ 1/358 - 359.
(3) وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي حَقَّقَهُ الْأُسْتَاذُ وَصِيُّ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد عَبَّاس، وَأَصْدَرَتْهُ جَامِعَةُ أُمِّ الْقُرَى: 1403/1983 وَسَبَقَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
(4) أ، ب: رِوَايَةِ.
(5) إِنْ شَاءَ اللَّهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(6) ح، ي، ر: ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، و: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
(7) ن، م: فِي مَنَاقِبَ عَلِيِّ، و: فِي مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
(5/23)

[الْفَصْلُ السَّادِسُ تابع كلام الرافضي عن فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]
الْفَصْلُ السَّادِسُ (1)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ (3) «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (4) : قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (5) حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْلِسْ، فَصَعِدَ عَلَى مَنْكِبِي، فَذَهَبْتُ لِأَنْهَضَ بِهِ، فَرَأَى مِنِّي ضَعْفًا، فَنَزَلَ وَجَلَسَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ اصْعَدْ عَلَى مَنْكِبِي. فَصَعِدْتُ عَلَى مَنْكِبِهِ (6) . قَالَ: فَنَهَضَ بِي. قَالَ: فَإِنَّهُ تَخَيَّلَ لِي (7) أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَنِلْتُ أُفُقَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدْتُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ تِمْثَالٌ صُفْرٌ أَوْ نُحَاسٌ (8) ، فَجَعَلْتُ أُزَاوِلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْذِفْ بِهِ. فَقَذَفْتُ بِهِ فَتَكَسَّرَ كَمَا تَنْكَسِرُ (9) الْقَوَارِيرُ، ثُمَّ نَزَلَتْ
_________
(1) ن، م، أ: فَصْلٌ، وَسَقَطَتِ (الْفَصْلُ السَّادِسُ) مِنْ (و) .
(2) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) 121 (م) .
(3) ن: زَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، ك: أَبِي مَرْيَمَ.
(4) ك، و: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(5) ك: أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(6) ح، ر، ب: مَنْكِبَيْهِ.
(7) أ، ب، ق، ي، و، ر: يُخَيَّلُ إِلَيَّ.
(8) ك: تِمْثَالٌ مِنْ صُفْرٍ وَنُحَاسٍ.
(9) ن، ي، ر، ق، ب: تَتَكَسَّرُ، و: يَنْكَسِرُ.
(5/24)

فَانْطَلَقْتُ (1) ، أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسْتَبِقُ حَتَّى تَوَارَيْنَا فِي الْبُيُوتِ خَشْيَةَ أَنْ يَلْقَانَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ» .
وَالْجَوَابُ (2) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ الْأَئِمَّةِ وَلَا خَصَائِصِ عَلِيٍّ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ (3) عَلَى مَنْكِبِهِ، إِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» . «وَكَانَ إِذَا سَجَدَ جَاءَ الْحَسَنُ فَارْتَحَلَهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي» (4) «وَكَانَ يُقَبِّلُ زَبِيبَةَ الْحَسَنِ» (5) . فَإِذَا كَانَ يَحْمِلُ الطِّفْلَةَ وَالطِّفْلَ لَمْ يَكُنْ فِي حَمْلِهِ لِعَلِيٍّ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، [بَلْ قَدْ أَشْرَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ] (6) ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ لِعَجْزِ عَلِيٍّ عَنْ
_________
(1) و: وَانْطَلَقْتُ.
(2) ح، ب: الْجَوَابُ.
(3) بْنِ الرَّبِيعِ، زِيَادَةٌ فِي (ن) (م) .
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 2/182 كِتَابُ التَّطْبِيقِ، بَابُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَجْدَةٌ أَطْوَلَ مِنْ سَجْدَةٍ، وَنَصُّهُ فِيهِ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أُبَيٌّ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ. وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 3/493 - 494.
(5) أ: رَأْسَ الْحَسَنِ، وَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ.
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (أ) فَقَطْ.
(5/25)

حَمْلِهِ، فَهَذَا يَدْخُلُ فِي مَنَاقِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (* وَفَضِيلَةُ مَنْ يَحْمِلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ مِنْ فَضِيلَةِ مَنْ يَحْمِلُهُ - النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - *) (1) كَمَا حَمَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ مَنْ حَمَلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِثْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (2) ، فَإِنَّ هَذَا نَفَعَ النَّبِيَّ (3) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَاكَ نَفَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَفْعَهُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ أَعْظَمُ مِنِ انْتِفَاعِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَالِهِ.

[الْفَصْلُ السَّابِعُ حديث موضوع آخر يذكره الرافضي في فضائل علي والرد عليه]
الْفَصْلُ السَّابِعُ (4)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) : «وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) .
(2) عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/307 كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي مُحَمَّدٍ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ، فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَقْعَدَ تَحْتَهُ طَلْحَةَ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَوْجَبَ طَلْحَةُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 3/12 وَصَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ، سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ 3/91 - 92.
(3) ن، م، ح: أَنْفَعُ لِلنَّبِيِّ، و، ر: نَفْعٌ لِلنَّبِيِّ.
(4) ن، م، و: فَصْلٌ.
(5) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 121 (م) وَيُوجَدُ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ سَطْرَانِ فِي (ك) لَمْ يَرِدَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُمَا: وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ قَالَ لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنَّ زَوْجَكِ أَقْدَمُ أُمَّتِي إِسْلَامًا وَأَكْثَرُهُمْ عِلْمًا وَأَعْظَمُهُمْ حِلْمًا؟ ".
(5/26)

يَاسِينَ (1) ، وَحِزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ (2) ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ» .
الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ وَصَفَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صِدِّيقٌ (3) . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ; فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ (4) يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (5) . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصِّدِّيقِينَ كَثِيرُونَ.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْ مَرْيَمَ ابْنَةِ (6) عِمْرَانَ إِنَّهَا صِدِّيقَةٌ، وَهِيَ امْرَأَةٌ.
_________
(1) مُؤْمِنُ آلِ يَاسِينَ: كَذَا فِي (و) ، (ك) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مِنْ آلِ يَاسِينَ، وَزَادَتْ (ك) : الَّذِي قَالَ (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) [سُورَةُ يس: 20] .
(2) زَادَتْ (ك) : الَّذِي قَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) [سُورَةُ غَافِرٍ: 28] .
(3) ذَكَرْتُ فِي ت 2 ص [0 - 9] 01 مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اثْبُتْ حِرَاءُ، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ) وَبَيَّنْتُ مَوَاضِعَ وُرُودِهِ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْمُسْنَدِ، وَقَدْ سَمَّى الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. انْظُرْ سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 3/94 كِتَابُ الْجِهَادِ بَابٌ فِي السَّلَبِ يُعْطَى للْقَاتِلِ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَانْظُرْ أَيْضًا: الْمُسْنَدُ ط. الْحَلَبِيِّ 4/4، وَالْأَثَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(4) ب فَقَطْ: وَالْفُجُورُ.
(5) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/266
(6) أ، ب، ح: بِنْتِ.
(5/27)

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ» (1) . فَالصِّدِّيقُونَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرُونَ.

[الْفَصْلُ الثَّامِنُ حديث آخر صحيح يذكره الرافضي قال لعلي أنت مني وأنا منك والرد عليه]
الْفَصْلُ الثَّامِنُ (2)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» .
_________
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ 9/218: وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فِي مَوَاضِعِهَا مُفَرَّقَةً فِي فَضْلِ آدَمَ وَفَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ، وَلَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَكِنْ وَجَدْتُ فِي بَابِ فَضْلِ خَدِيجَةَ حَدِيثًا مُقَارِبًا 9/223 هُوَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ ابْنَةُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ. وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَلْفَاظُهُ مُقَارِبَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ 4/158 كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينِ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ في الْأَلْفَاظِ - فِي الْبُخَارِيِّ 4/164 كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) 5/29 كِتَابُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ فَضْلِ عَائِشَةَ 7/75 كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ بَابُ فَضْلِ الثَّرِيدِ، مُسْلِمٌ 4/1886 - 1887 كِتَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ 3/179 - 180 كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الثَّرِيدِ، سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ 2/1091 كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ بَابُ فَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ، الْمُسْنَدُ ط. الْحَلَبِيِّ 4/394، 409.
(2) ن، م، و: فَصْلٌ.
(3) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 122 (م) .
(5/28)

وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا حَدِيثُ (1) صَحِيحٌ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (2) مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، «لَمَّا تَنَازَعَ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ (3) وَزَيْدٌ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرٍ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ. وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي. وَقَالَ لِزَيْدٍ أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» (4) .
لَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ (5) أَوْ قَلَّتْ نَفَقَةُ عِيَالِهِمْ (6) فِي الْمَدِينَةِ (7) جَمَعُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَسَّمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» (8) .
وَكَذَلِكَ قَالَ «عَنْ جُلَيْبِيبٍ (9) : هُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» . فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (10) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَغْزًى (11) لَهُ. فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟
_________
(1) ب: الْحَدِيثَ.
(2) أ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
(3) وَجَعْفَرٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/34.
(5) ن، م، و: إِذَا كَانُوا فِي الْغَزْوِ.
(6) ر، و: أَوْ نَقَصَتْ نَفَقَةُ عِيَالَاتِهِمْ أ: أَوْ نَقَصَتْ نَفَقَتُهُمْ غَنَالِهِمْ. وَهُوَ تَحْرِيفٌ. ن، م: وَنَقَصَتْ نَفَقَةُ عِيَالِهِمْ.
(7) ن، م، و، ي: فِي السَّفَرِ.
(8) سَبَقَ الْحَدِيثُ 4 4/35.
(9) أ: حَبِيبٌ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(10) 4/1918 - 1919 كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ مِنْ فَضَائِلِ جُلَيْبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(11) ح، ب: غَزْوَةٍ.
(5/29)

قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا وَفُلَانًا (1) . ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ: هَلْ (2) تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ. فَطَلَبُوهُ (3) فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلِيٌّ عَلَى سَاعِدَيْهِ، لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (4) قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ فَوُضِعَ (5) فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ غُسْلًا» (6) .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» . لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ، بَلْ قَالَ ذَلِكَ لِلْأَشْعَرِيِّينَ، وَقَالَهُ لِجُلَيْبِيبٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِهِ، بَلْ قَدْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ مَنْ (7) هُوَ دُونَ الْخُلَفَاءِ (8) الثَّلَاثَةِ فِي الْفَضِيلَةِ، لَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ (9) وَلَا عَلَى الْإِمَامَةِ.

[الْفَصْلُ التَّاسِعُ تابع كلام الرافضي عن فضائل علي وقول عمرو بن ميمون والرد عليه]
الْفَصْلُ التَّاسِعُ (10)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (11) : وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي
_________
(1) مُسْلِمٌ: فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا.
(2) ن، م، و، ر، ح، ي، ب: وَهَلْ.
(3) مُسْلِمٌ: فَطُلِبَ.
(4) ح، ب: لَيْسَ لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ر، ي، أ: لَيْسَ لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5) و: فَوَضَعَهُ، مُسْلِمٌ: وَوُضِعَ.
(6) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/35.
(7) ي، ب: مِمَّنْ.
(8) الْخُلَفَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(9) و: الْأَفْضَلِيَّةُ عَلَيْهِمْ.
(10) ن، م، و، أ: فَصْلٌ.
(11) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 122 (م) ، 124 (م) .
(5/30)

طَالِبٍ (1) عَشْرُ (2) فَضَائِلَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ. قَالَ لَهُ (3) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَبْعَثَنَّ رَجُلًا لَا يُخْزِيهِ اللَّهُ أَبَدًا، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، [وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ] (4) ، فَاسْتَشْرَفَ إِلَيْهَا (5) مَنِ اسْتَشْرَفَ. قَالَ (6) : أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (7) ؟ قَالُوا: هُوَ أَرْمَدُ (8) فِي الرَّحَى يَطْحَنُ. قَالَ (9) : وَمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَطْحَنُ.
قَالَ: فَجَاءَ وَهُوَ أَرْمَدُ لَا يَكَادُ أَنْ يُبْصِرَ. قَالَ: فَنَفَثَ (10) فِي عَيْنَيْهِ ثُمَّ هَزَّ الرَّايَةَ ثَلَاثًا وَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ (11) ، فَجَاءَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ. قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ بِسُورَةِ التَّوْبَةِ (12) ، فَبَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ (13) فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَقَالَ: لَا يَذْهَبُ بِهَا إِلَّا رَجُلٌ هُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» .
_________
(1) ابْنِ أَبِي طَالِبٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (ك) : لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(2) عَشْرُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) لَهُ: فِي (و) ، (ك) فَقَطْ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (ي) ، (أ) .
(5) ك: لَهَا.
(6) ح، ب: فَقَالَ.
(7) بْنُ أَبِي طَالِبٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (ي) ، (أ) ، وَفِي (ك) : عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(8) أَرْمَدُ: لَيْسَتْ فِي (ك) .
(9) قَالَ: فِي (و) ، (ك) فَقَطْ.
(10) ك: فَتَفَلَ.
(11) ن، م، و، ر، ق، ي، أ: وَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ك: فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ.
(12) ح، ر، ي، ب، ق: (بَرَاءَةٌ) .
(13) و: فَبَعَثَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلْفَهُ، ك: فَبَعَثَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلْفَهُ.
(5/31)

وَقَالَ لِبَنِي عَمِّهِ (1) : «أَيُّكُمْ يُوَالِينِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قَالَ: وَعَلِيٌّ مَعَهُمْ جَالِسٌ (2) فَأَبَوْا، فَقَالَ عَلِيٌّ (3) : أَنَا أُوَالِيكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ (4) : فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ رَجُلٍ مِنْهُمْ (5) ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُوَالِينِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ فَأَبَوْا، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أُوَالِيكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَقَالَ: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
قَالَ: «وَكَانَ عَلِيٌّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ خَدِيجَةَ» . قَالَ: «وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (6) ثَوْبَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَقَالَ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} » [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] .
قَالَ: «وَشَرَى عَلِيٌّ نَفْسَهُ وَلَبِسَ ثَوْبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَامَ مَكَانَهُ، وَكَانَ (7) الْمُشْرِكُونَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ» .
«وَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (8) بِالنَّاسِ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (9) : أَخْرُجُ مَعَكَ؟ قَالَ (10) : لَا. فَبَكَى عَلِيٌّ، فَقَالَ لَهُ:
_________
(1) ك: وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ لِبَنِي عَمِّهِ.
(2) أ، ب: وَعَلِيٌّ جَالِسٌ مَعَهُمْ.
(3) و، ك: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(4) قَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) ك: عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ.
(6) ك ص 123 م: أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(7) ك: فَكَانَ.
(8) ح، ي، ر، ق، ب: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ك: قَالَ: وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(9) و، ك: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(10) و، ر، أ، ب، ح، ي: فَقَالَ.
(5/32)

أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، لَا (1) يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَّا وَأَنْتَ خَلِيفَتِي» (2) .
وَقَالَ (3) «لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ وَلِيِّي فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي» .
قَالَ: «وَسَدَّ (4) أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» (5) . قَالَ وَكَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ (6) جُنُبًا، وَهُوَ طَرِيقُهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ.
وَقَالَ لَهُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (7) .
وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْفُوعًا «أَنَّهُ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ فِي (بَرَاءَةٌ) إِلَى مَكَّةَ (8) ، فَسَارَ بِهَا (9) ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: الْحَقْهُ فَرُدُّهُ وَبَلِّغْهَا أَنْتَ، فَفَعَلَ (10) . فَلَمَّا (11) قَدِمَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكَى وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَثَ (12) فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُمِرْتُ (13) أَنْ لَا يُبَلِّغَهَا (14) إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي» .
_________
(1) ك: وَلَا.
(2) ك: خَلِيفَتِي فِي الْمَدِينَةِ.
(3) ك: قَالَ: وَقَالَ.
(4) ك: قَالَ: وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: سُدُّوا.
(5) ك: غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(6) ك: فَلْيَدْخُلِ الْمَسْجِدَ.
(7) و: فَإِنَّ مَوْلَاهُ عَلِيٌّ، ك: فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ.
(8) ك: بِالْبَرَاءَةِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ.
(9) ب فَقَطْ: لَهَا.
(10) فَفَعَلَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(11) ك: ص 124 م: وَلَمَّا.
(12) ك: أَحَدَثَ.
(13) أ، ب: وَلَكِنِّي أُمِرْتُ، ك: وَلَكِنْ أَمَرَنِي رَبِّي.
(14) ك: أَلَّا يُبَلِّغَهُ.
(5/33)

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا (1) لَيْسَ مُسْنَدًا، بَلْ هُوَ (2) مُرْسَلٌ لَوْ ثَبَتَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ هِيَ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَوْلِهِ: [ «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ» ] (3) ، لَا يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَّا وَأَنْتَ خَلِيفَتِي. فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَخَلِيفَتُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ غَيْرُ عَلِيٍّ، كَمَا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَلِيٌّ مَعَهُ وَخَلِيفَتُهُ غَيْرُهُ، وَغَزَا بَعْدَ ذَلِكَ خَيْبَرَ وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَخَلِيفَتُهُ بِالْمَدِينَةِ غَيْرُهُ، وَغَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ وَعَلِيٌّ مَعَهُ وَخَلِيفَتُهُ فِي الْمَدِينَةِ (4) غَيْرُهُ، وَغَزَا حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَعَلِيٌّ مَعَهُ وَخَلِيفَتُهُ بِالْمَدِينَةِ غَيْرُهُ، [وَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَعَلِيٌّ مَعَهُ وَخَلِيفَتُهُ بِالْمَدِينَةِ غَيْرُهُ] (5) ، وَغَزَا غَزْوَةَ بَدْرٍ وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَخَلِيفَتُهُ بِالْمَدِينَةِ غَيْرُهُ.
وَكُلُّ هَذَا مَعْلُومٌ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ وَبِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَكَانَ عَلِيٌّ مَعَهُ فِي غَالِبِ الْغَزَوَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: اسْتِخْلَافُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَخْلِفُ إِلَّا الْأَفْضَلَ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ مَفْضُولًا فِي عَامَّةِ الْغَزَوَاتِ، وَفِي عُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ، لَا سِيَّمَا وَكُلُّ مَرَّةٍ كَانَ يَكُونُ الِاسْتِخْلَافُ عَلَى رِجَالٍ مُؤْمِنِينَ، وَعَامَ تَبُوكَ مَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ إِلَّا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ عَذَرَ اللَّهُ، وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ
_________
(1) و: فَيُقَالُ هَذَا.
(2) هُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (و) فَقَطْ.
(4) ح، ب، ي، م، ر: بِالْمَدِينَةِ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/34)

خُلِّفُوا (1) أَوْ مُتَّهَمٍ بِالنِّفَاقِ، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ آمِنَةً لَا يُخَافُ عَلَى أَهْلِهَا، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُسْتَخْلَفُ إِلَى جِهَادٍ كَمَا يَحْتَاجُ فِي أَكْثَرِ الِاسْتِخْلَافَاتِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " «وَسَدَّ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» " فَإِنَّ هَذَا مِمَّا وَضَعَتْهُ الشِّيعَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ (2) ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: " «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا سُدَّتْ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ» " وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ (3) ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: " «أَنْتَ وَلِيِّي فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي» " فَإِنَّ هَذَا
_________
(1) عِبَارَةُ " الَّذِينَ خَلَّفُوا "، سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْمَوْضُوعِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1/364 وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ 1/366 وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ قَابَلُوا بِهَا الْحَدِيثَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهِ فِي: سُدُّوا الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/512 وَالْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ 1/96 - 97 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ 5/4 كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، وَالْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ 4/1855 - 1856 كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ، وَنَصَّ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسْلِمٍ وَذَلِكَ عِنْدَ وُرُودِ الْحَدِيثِ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 5/202 حَدِيثٌ رَقْمُ 3580 كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 4/143 حَدِيثٌ رَقْمُ 2432 وَجَاءَتْ قِطْعَةٌ مِنْهُ 5/254 حَدِيثٌ رَقْمُ 3689.
(5/35)

مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (1) ، وَالَّذِي فِيهِ مِنَ الصَّحِيحِ (2) لَيْسَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ وَلَا مِنْ خَصَائِصِ عَلِيٍّ، بَلْ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، مِثْلَ كَوْنِهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمِثْلَ اسْتِخْلَافِهِ وَكَوْنِهِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَمِثْلَ كَوْنِ عَلِيٍّ مَوْلَى مَنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْلَاهُ (3) فَإِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُوَالٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمِثْلَ كَوْنِ (بَرَاءَةٌ) لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ; فَإِنَّ هَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْهَاشِمِيِّينَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَادَةَ كَانَتْ جَارِيَةً بِأَنْ لَا يَنْقُضَ الْعُهُودَ وَيَحِلَّهَا (4) إِلَّا رَجُلٌ مِنْ قَبِيلَةِ الْمُطَاعِ.

[الْفَصْلُ الْعَاشِرُ كلام الرافضي عن فضائل علي وكلام أَخْطَبُ خَوَارِزْمَ والرد عليه]
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ (5)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (6) : وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَخْطَبُ خَوَارِزْمَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا عَلِيُّ لَوْ أَنَّ عَبْدًا (7) عَبَدَ اللَّهَ - عَزَّ
_________
(1) جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ 1/503 رَقْمُ 521، 1/524 رَقْمُ 868 وَقَالَ الْمُحَقِّقُ 1/503: مَوْضُوعٌ وَفِيهِ مَتْرُوكَانِ مُتَّهَمَانِ بِالْوَضْعِ: طَلْحَةُ وَعُبَيْدَةُ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي حَقِّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1/334، الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 7/213 وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَرَاجِعِ، وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مَوْضُوعٌ.
(2) ن، م: فِي الصَّحِيحِ.
(3) أ، ب: مَوْلَى مَنْ وَالَاهُ.
(4) وَيَحِلَّهَا سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5) ن، م، و، أ: فَصْلٌ.
(6) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 124 (م) 126 (م) .
(7) أ، ب: رَجُلًا.
(5/36)

وَجَلَّ - مِثْلَ مَا قَامَ (1) نُوحٌ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمُدَّ فِي عُمْرِهِ حَتَّى حَجَّ أَلْفَ عَامٍ عَلَى قَدَمَيْهِ (2) ، ثُمَّ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَظْلُومًا، ثُمَّ لَمْ يُوَالِكَ يَا عَلِيُّ؛ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا» .
وَقَالَ رَجُلٌ لِسَلْمَانَ: مَا أَشَدَّ حُبَّكَ لِعَلِيٍّ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا فَقَدْ أَبْغَضَنِي» . وَعَنْ أَنَسٍ (3) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نُورِ وَجْهِ عَلِيٍّ (4) سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَلِمُحِبِّيهِ (5) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا قَبِلَ اللَّهُ عَنْهُ (6) صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ وَقِيَامَهُ وَاسْتَجَابَ دُعَاءَهُ (7) . أَلَا وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ عِرْقٍ مِنْ بَدَنِهِ (8) مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ. أَلَا وَمَنْ أَحَبَّ آلَ مُحَمَّدٍ أَمِنَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فَأَنَا كَفِيلُهُ فِي الْجَنَّةِ (9) مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، أَلَا (10) وَمَنْ أَبْغَضَ آلَ مُحَمَّدٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
_________
(1) ب فَقَطْ: أَقَامَ.
(2) ن، م، و، ح، ي: قَدَمِهِ.
(3) ح، ي، ر، ب: وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
(4) ك: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نُورِ وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(5) ك: يَسْتَغْفِرُونَ لِمُحِبِّيهِ.
(6) أ، ب: مِنْهُ.
(7) و، ر، ي: دَعْوَاهُ.
(8) ك: فِي بَدَنِهِ.
(9) ك: بِالْجَنَّةِ.
(10) أَلَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ح) ، (ي) ، (ر) .
(5/37)

مَكْتُوبًا (1) بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ (2) : «مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ آمَنَ بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ وَهُوَ يُبْغِضُ (3) عَلِيًّا فَهُوَ كَاذِبٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ» .
وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَنَحْنُ جُلُوسٌ ذَاتَ يَوْمٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَزُولُ قَدَمُ (4) عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (5) عَنْ أَرْبَعٍ (6) : عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا (7) أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا (8) أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِمَّ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ (9) ، وَعَنْ حُبِّنَا أَهْلِ الْبَيْتِ (10) . فَقَالَ لَهُ: عُمَرُ فَمَا آيَةُ حُبِّكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ (11) ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (12) وَهُوَ إِلَى جَانِبِهِ (13) فَقَالَ (14) : إِنَّ حُبِّي مِنْ بَعْدِي حُبُّ هَذَا» .
_________
(1) أ، ب، ح: مَكْتُوبٌ.
(2) ن، م، ر، ح، أ، ي: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(3) ك: مُبْغِضٌ.
(4) أ، ب: لَا تَزُولُ قَدَمَا.
(5) أ، ب، و، ي، ح، م، ق: حَتَّى يَسْأَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ك: حَتَّى يَسْأَلَهُ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
(6) عَنْ أَرْبَعٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(7) ب: فِيمَ.
(8) ب، و: فِيمَ.
(9) ن، ي، ر، ح: مِمَّا اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ.
(10) ك: أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
(11) ح، ر، ب، ن، م، ق، أ، ي: مِنْ بَعْدِكَ.
(12) ك، و: عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ن، م، ق، أ: عَلِيٍّ.
(13) م: وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَانِبِهِ.
(14) فَقَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5/38)

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (1) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَدْ سُئِلَ (2) : بِأَيِّ لُغَةٍ خَاطَبَكَ رَبُّكَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟ فَقَالَ: خَاطَبَنِي بِلُغَةِ عَلِيٍّ (3) ، فَأَلْهَمَنِي أَنْ قُلْتُ: يَا رَبِّ خَاطَبْتَنِي أَمْ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ (4) أَنَا شَيْءٌ لَسْتُ كَالْأَشْيَاءِ (5) ، لَا أُقَاسُ بِالنَّاسِ وَلَا أُوصَفُ بِالْأَشْيَاءِ (6) ، خَلَقْتُكَ مِنْ نُورِي وَخَلَقْتُ عَلِيًّا مِنْ نُورِكَ فَاطَّلَعْتُ عَلَى سَرَائِرِ قَلْبِكَ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَى قَلْبِكَ أَحَبَّ مِنْ عَلِيٍّ (7) فَخَاطَبْتُكَ بِلِسَانِهِ كَيْمَا (8) يَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ» .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أَنَّ الرِّيَاضَ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرَ مِدَادٌ وَالْجِنَّ حُسَّابٌ وَالْإِنْسَ كُتَّابٌ مَا أَحْصَوْا فَضَائِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» (9) .
وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْأَجْرَ عَلَى (10) فَضَائِلِ عَلِيٍّ لَا يُحْصَى كَثْرَةً (11) ،
_________
(1) ن، م: وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ.
(2) ح، ب:. . . وَسَلَّمَ يَقُولُ وَقَدْ سُئِلَ.
(3) ك،، و: عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(4) ك: يَا أَحْمَدُ.
(5) م، و: لَيْسَ كَالْأَشْيَاءِ، ك: لَا كَالْأَشْيَاءِ.
(6) عِبَارَةُ: لَا أُقَاسُ بِالنَّاسِ وَلَا أُوصَفُ بِالْأَشْيَاءِ سَقَطَتْ مِنَ الطَّبْعَةِ الْأُولَى وَلَكِنَّهَا فِي (ك) ص [0 - 9] 6.
(7) و: عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ك: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
(8) ك: كَمَا.
(9) و، ك: بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ن، م: عَلِيٍّ.
(10) ح، ب: فِي.
(11) ك: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِأَخِي عَلِيٍّ فَضَائِلَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً.
(5/39)

فَمَنْ ذَكَرَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ مُقِرًّا بِهَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَمَنْ كَتَبَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِيَ لِتِلْكَ الْكِتَابَةِ رَسْمٌ، وَمَنِ اسْتَمَعَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِالِاسْتِمَاعِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى (1) كِتَابٍ مِنْ فَضَائِلِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِالنَّظَرِ، ثُمَّ قَالَ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (2) عِبَادَةٌ، وَذِكْرُهُ عِبَادَةٌ، لَا يَقْبَلُ (3) اللَّهُ إِيمَانَ عَبْدٍ إِلَّا بِوَلَايَتِهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِهِ» .
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ (4) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ (5) : «لَمُبَارَزَةُ عَلِيٍّ (6) لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ (7) وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا بِالسَّبِّ فَأَبَى، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (8) ؟ قَالَ ثَلَاثٌ قَالَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَنْ
_________
(1) أ، ب: فِي.
(2) ك ص 125 (م) ، 126 (م) : عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(3) أ، ب: وَلَا يَقْبَلُ، م: فَلَا يَقْبَلُ.
(4) بْنِ حِزَامٍ، لَيْسَتْ فِي (ك) .
(5) ن، م: أ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ.
(6) أ، ب، ر، ح، ي: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، و: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ك: عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(7) عَبْدِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (ح) .
(8) ك: أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ.
(5/40)

أَسُبَّهُ، لَأَنْ يَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ (1) إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِعَلِيٍّ وَقَدْ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ (2) : عَلِيٌّ تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا تَرْضَى (3) أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ (4) لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا (5) يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا، فَقَالَ (6) : ادْعُوَا لِي (7) عَلِيًّا. فَأَتَاهُ بِهِ رَمَدٌ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ (8) وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَأُنْزِلَتْ (9) هَذِهِ الْآيَةُ: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 61] دَعَا (10) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ (11) أَهْلِي» .

وَالْجَوَابُ: أَنَّ أَخْطَبَ خَوَارِزْمَ هَذَا لَهُ مُصَنَّفٌ فِي هَذَا الْبَابِ فِيهِ (12) مِنَ
_________
(1) ك: لَأَنْ يَكُونَ أَحَبُّ.
(2) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) ك: فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ أَمَا تَرْضَى.
(4) أ، ب: يَوْمَ خَيْبَرَ يَقُولُ.
(5) ك: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا.
(6) ك: قَالَ.
(7) ك: ادْعُوَا إِلَيَّ.
(8) أ، و، ب، ق: عَيْنِهِ.
(9) ك: وَلَمَّا نَزَلَتْ.
(10) م، ب: فَدَعَا، ر، ح: وَدَعَا.
(11) ك: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ.
(12) فِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/41)

الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ مَا لَا يَخْفَى كَذِبُهُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالْحَدِيثِ، فَضْلًا عَنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَلَا مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْنِ الْبَتَّةَ (1) . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِمَّا يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهَا مِنَ الْمَكْذُوبَاتِ. وَهَذَا الرَّجُلُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَذْكُرُ مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ، وَنَقَلُوهُ فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَكُتُبِهِمْ؛ فَكَيْفَ يَذْكُرُ مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، وَلَمْ يُرْوَ (2) فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَلَا صَحَّحَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
فَالْعَشَرَةُ الْأُوَلُ (3) كُلُّهَا كَذِبٌ إِلَى آخِرِ حَدِيثِ قَتْلِهِ (4) لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ لَمَّا أَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ بِالسَّبِّ فَأَبَى، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالَ: ثَلَاثٌ قَالَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ يَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ. . . الْحَدِيثَ. فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (5) وَفِيهِ ثَلَاثُ فَضَائِلَ لِعَلِيٍّ لَكِنْ لَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ الْأَئِمَّةِ وَلَا مِنْ خَصَائِصِ
_________
(1) يَقُولُ الْأُسْتَاذُ مُحِبُّ الدِّينِ الْخَطِيبُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مِنْهَاجِ الِاعْتِدَالِ ص 312: أَخْطَبُ خَوَارِزْمَ أَدِيبٌ مُتَشَيِّعٌ مِنْ تَلَامِيذِ الزَّمَخْشَرِيِّ، اسْمُهُ الْمُوَفَّقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ (484 - 568) لَهُ تَرْجَمَةٌ فِي بُغْيَةِ الْوُعَاةِ 401 وَرَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ 722 وَغَيْرِهِمَا. وَكِتَابُهُ الَّذِي كَذَبَ فِيهِ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمُهُ مَنَاقِبُ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ أَبِي الْمُؤَيَّدِ الْمُوَفَّقِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَكِّيِّ الْخَوَارِزْمِيِّ فِي: الْأَعْلَامِ 8/289 وَذَكَرَ الزِّرِكْلِيُّ أَنَّ كِتَابَهُ مَنَاقِبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَطْبُوعٌ.
(2) ن، م، و، ي: وَلَا يُرْوَى.
(3) أ، ب: الْأُولَى.
(4) ن، م، و: إِلَى قَوْلِهِ.
(5) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/501 وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ فِي مُسْلِمٍ 4/1871.
(5/42)

عَلِيٍّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ «وَقَدْ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» . لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ ; فَإِنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهِ. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَتُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي كُلِّ غَزَاةٍ (1) يَتْرُكُ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإِنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعَهُمْ بِالنَّفِيرِ (2) ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا عَاصٍ أَوْ مَعْذُورٌ غَيْرُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَلِهَذَا كَرِهَ عَلِيٌّ الِاسْتِخْلَافَ، وَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ يَقُولُ تَتْرُكُنِي مُخَلَّفًا لَا تَسْتَصْحِبُنِي مَعَكَ؟ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَيْسَ نَقْصًا (3) وَلَا غَضَاضَةً ; فَإِنَّ مُوسَى اسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى قَوْمِهِ لِأَمَانَتِهِ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ أَنْتَ اسْتَخْلَفْتُكَ لِأَمَانَتِكَ عِنْدِي، لَكِنَّ مُوسَى اسْتَخْلَفَ نَبِيًّا وَأَنَا لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَهَذَا تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ فَإِنَّ مُوسَى اسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَ عَلِيًّا عَلَى قَلِيلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُمْهُورُهُمُ اسْتَصْحَبَهُمْ فِي الْغَزَاةِ. وَتَشْبِيهُهُ بِهَارُونَ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنْ تَشْبِيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: هَذَا بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى، وَهَذَا بِنُوحٍ وَمُوسَى ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ أَفْضَلُ مِنْ هَارُونَ، وَكُلٌّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ شُبِّهَ بِاثْنَيْنِ لَا بِوَاحِدٍ، فَكَانَ (4) هَذَا التَّشْبِيهُ أَعْظَمَ مِنْ تَشْبِيهِ
_________
(1) ح، ب، ر: غَزْوَةٍ.
(2) أ، ب: بِالنَّفْرِ.
(3) ن فَقَطْ: بُغْضًا.
(4) ن، م: وَكَانَ.
(5/43)

عَلِيٍّ، مَعَ أَنَّ اسْتِخْلَافَ عَلِيٍّ لَهُ فِيهِ أَشْبَاهٌ وَأَمْثَالٌ مِنَ الصِّحَابِهِ.
وَهَذَا التَّشْبِيهُ لَيْسَ لِهَذَيْنَ فِيهِ شَبِيهٌ، فَلَمْ يَكُنِ الِاسْتِخْلَافُ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَلَا التَّشْبِيهُ بِنَبِيٍّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ] (1) قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا، فَقَالَ: ادْعُوا لِي عَلِيًّا، فَأَتَاهُ وَبِهِ رَمَدٌ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ (2) وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ لِعَلِيٍّ مِنَ الْفَضَائِلِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَلَيْسَ هَذَا الْوَصْفُ مُخْتَصًّا بِالْأَئِمَّةِ وَلَا بِعَلِيٍّ ; فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُحِبُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ وَكُلَّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ وَلَا يَتَوَلَّوْنَهُ وَلَا يُحِبُّونَهُ، بَلْ قَدْ (3) يُكَفِّرُونَهُ أَوْ يُفَسِّقُونَهُ (4) كَالْخَوَارِجِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (5) .
لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ لَا يَتِمُّ عَلَى قَوْلِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ النُّصُوصَ الدَّالَّةَ عَلَى فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ كَانَتْ قَبْلَ رِدَّتِهِمْ ; فَإِنَّ الْخَوَارِجَ تَقُولُ فِي عَلِيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يُطْلِقُ هَذَا الْمَدْحَ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا (6) ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (و) .
(2) ح، ي، ن، م، أ، ب: عَيْنِهِ.
(3) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) أَوْ يُفَسِّقُونَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5) وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: فِي (أ) ، (ب) ، (م) فَقَطْ.
(6) ن، م، و: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يُحِبُّ وَلَا يَرْضَى عَمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا.
(5/44)

الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَبَعْضُ الْمَرْوَانِيَّةِ وَمَنْ كَانَ عَلَى هَوَاهُمْ، الَّذِينَ كَانُوا يُبْغِضُونَهُ وَيَسُبُّونَهُ.
كَذَلِكَ حَدِيثُ الْمُبَاهَلَةِ شَرَكَهُ فِيهِ فَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ (1) ، كَمَا شَرَكُوهُ (2) فِي حَدِيثِ الْكِسَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ (3) لَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ وَلَا بِالذُّكُورِ وَلَا بِالْأَئِمَّةِ، بَلْ يَشْرَكُهُ (4) فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ، فَإِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا صَغِيرَيْنِ عِنْدَ الْمُبَاهَلَةِ، فَإِنَّ الْمُبَاهَلَةَ كَانَتْ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ [سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ] (5) ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ وَلَمْ يُكْمِلِ الْحُسَيْنُ سَبْعَ سِنِينَ، وَالْحَسَنُ أَكْبَرُ مِنْهُ بِنَحْوِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا دَعَا هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ (6) الْأَقْرَبِينَ: الْأَبْنَاءِ (7) وَالنِّسَاءِ وَالْأَنْفُسِ، فَيَدْعُو (8) الْوَاحِدُ مِنْ أُولَئِكَ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ، وَأَخَصَّ الرِّجَالِ بِهِ نَسَبًا.
وَهَؤُلَاءِ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسَبًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَفْضَلَ مِنْهُمْ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يَدْعُوَ أَفْضَلَ أَتْبَاعِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَدْعُوَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (9) أَخَصَّ النَّاسِ بِهِ، لِمَا فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ وَعَلَى ذَوِي (10) رَحِمِهِ الْأَقْرَبِينَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا خَصَّهُمْ فِي حَدِيثِ الْكِسَاءِ.
_________
(1) أ، ب: وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
(2) ر، أ، ب، ح، ي: شَرَكُهُ.
(3) ن، م، و: وَأَنَّ ذَلِكَ. . .
(4) ح، ي، ر، م، شَرِكَهُ، أ: تَشْرَكُهُ.
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7) أ، ب: وَالْأَبْنَاءِ.
(8) أ، ب: فَدَعَا.
(9) مِنْهُمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(10) ر، ح، ي، ب: ذِي.
(5/45)

وَالدُّعَاءُ لَهُمْ وَالْمُبَاهَلَةُ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَدْلِ (1) ، فَأُولَئِكَ أَيْضًا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَدْعُوا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِمْ نَسَبًا، وَهُمْ يَخَافُونَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَخَافُونَ عَلَى الْأَجَانِبِ؛ وَلِهَذَا امْتَنَعُوا عَنِ (2) الْمُبَاهَلَةِ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ (3) عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّهُمْ إِذَا بَاهَلُوهُ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللَّهِ (4) وَعَلَى الْأَقْرَبِينَ إِلَيْهِمْ، بَلْ قَدْ يَحْذَرُ الْإِنْسَانُ عَلَى وَلَدِهِ مَا لَا يَحْذَرُهُ (5) عَلَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا (6) كَانَ مَا صَحَّ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» "، وَقَوْلُهُ: " «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» "، وَقَوْلُهُ: " «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ (7) أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» " لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ، بَلْ لَهُ فِيهِ شُرَكَاءُ، فَلِمَاذَا تَمَنَّى بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ (8) وَعَنْ عُمَرَ؟ .
فَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ بِإِيمَانِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَإِثْبَاتًا لِمُوَالَاتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَوُجُوبَ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ. وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَهُ أَوْ فِسْقَهُ، كَالْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (9) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(1) ن، م: مَبْنَاهَا عَلَى الْأَعْدَاءِ.
(2) أ، ب: مِنْ.
(3) أ: أَنَّهُ.
(4) أ، ب: لَعْنَةُ اللَّهُ، وَفِي اللِّسَانِ الْبَهْلُ: اللَّعْنُ، وَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ، وَبَهَلْتُهُ أَيْ لَعَنْتُهُ.
(5) م، ح، ي، ر: مَا لَا يَحْذَرُ.
(6) ن، م، ب: إِذَا.
(7) هَؤُلَاءِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) ن فَقَطْ: عَنْ سَعِيدٍ.
(9) النَّبِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/46)

وَسَلَّمَ - فِيهِمْ (1) يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (2) وَهَؤُلَاءِ يُكَفِّرُونَهُ وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَهُ، وَلِهَذَا قَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ الْمُرَادِيُّ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ يَحْتَاجُونَ إِلَى إِثْبَاتِ إِيمَانِ عَلِيٍّ وَعَدْلِهِ وَدِينِهِ - لِلرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ - أَعْظَمَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَى مُنَاظَرَةِ الشِّيعَةِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَصْدَقُ وَأَدْيَنُ، وَالشُّبَهُ (3) الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا أَعْظَمُ مِنَ الشُّبَهِ (4) الَّتِي تَحْتَجُّ بِهَا الشِّيعَةُ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مُنَاظَرَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ مَا يَرْمِيهِ بِهِ الْيَهُودُ مِنْ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَلَدُ زِنًا، وَإِلَى نَفْيِ مَا تَدَّعِيهِ النَّصَارَى مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، وَجَدَلُ الْيَهُودِ أَشَدُّ مِنْ جَدَلِ النَّصَارَى، وَلَهُمْ شُبَهٌ لَا يَقْدِرُ النَّصَارَى أَنْ يُجِيبُوهُمْ عَنْهَا، وَإِنَّمَا يُجِيبُهُمْ عَنْهَا الْمُسْلِمُونَ. كَمَا أَنَّ لِلنَّوَاصِبِ شُبَهًا (5)
_________
(1) فِيهِمْ: سَاقِطَةٌ م، (ن) ، (م) ، (و) .
(2) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى أَحَادِيثِ الْخَوَارِجِ فِيمَا مَضَى 1/66 وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ هُنَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْبُخَارِيِّ 4/200 - 201 كِتَابُ الْمَنَاقِبِ بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، مُسْلِمٍ 2/740 - 747 كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ، بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِ، وَانْظُرْ: جَامِعَ الْأُصُولِ لِابْنِ الْأَثِيرِ 10/436 - 440 سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/336 كِتَابُ السُّنَّةِ بَابٌ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/60 - 61 الْمُقَدَّمَةَ، بَابٌ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 3/65، 68، 73، 353، 354 - 355.
(3) ح، ب: وَالشُّبْهَةُ، أ: وَالسُّنَّةُ.
(4) ح، ب: الشُّبْهَةِ، أ: السُّنَّةِ.
(5) ب فَقَطْ: شُبْهَةٌ.
(5/47)

لَا يُمْكِنُ الشِّيعَةَ أَنْ يُجِيبُوا عَنْهَا، وَإِنَّمَا يُجِيبُهُمْ عَنْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُثْبِتَةُ لِإِيمَانِ عَلِيٍّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا رَدٌّ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، كَالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى إِيمَانِ أَهْلِ بَدْرٍ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ; فَإِنَّ فِيهَا رَدًّا عَلَى مَنْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ مِنَ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ خَصَائِصِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِذَا شَهِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَيَّنٍ بِشَهَادَةٍ، أَوْ دَعَا لَهُ بِدُعَاءٍ؛ أَحَبَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَمِثْلُ (1) ذَلِكَ الدُّعَاءِ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْهَدُ بِذَلِكَ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ، وَيَدْعُو بِهِ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ وَكَانَ تَعْيِينُهُ لِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ. وَهَذَا كَالشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ (2) وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ (3) ، وَغَيْرِهِمَا. وَإِنْ كَانَ قَدْ شَهِدَ بِالْجَنَّةِ لِآخَرِينَ. وَالشَّهَادَةُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ
_________
(1) ب فَقَطْ: أَوْ مِثْلُ.
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 1/110 كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 2] حَزِنَ وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ كَلَامًا، آخِرُهُ: فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 3/137، 145 - 146، 287.
(3) رَوَى الْبُخَارِيُّ 5/37 - 38 كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمُسْلِمٌ 4/1930 - 1932 كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ: مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَدِيثًا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِيهِ - وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ -: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ. الْحَدِيثَ. كَمَا رَوَيَا حَدِيثًا آخَرَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا قَوْمٌ - عِنْدَ مُسْلِمٍ: فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَسَأَلَهُ قَيْسٌ عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوَّلَهَا لَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُسْتَمْسِكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ.
(5/48)

وَرَسُولِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ حِمَارٍ الَّذِي ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ (1) ، وَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَكَشَهَادَتِهِ لِعَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ بِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ رِجَالًا، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، أُعْطِي رِجَالًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ وَأَكِلُ رِجَالًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنِ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ» (2) .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَمَّا صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ (3) قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ مَنْزِلَهُ، وَوَسِّعْ (4) مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ (5) ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا (6) كَمَا يُنَقَّى (7) الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» ". قَالَ عَوْفُ بْنُ
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/457 - 458
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/64 - 65
(3) أ، ب: الْمَيِّتِ.
(4) ن، م: وَأَوْسِعْ.
(5) ح، ي، و، ر: بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ.
(6) و، ر، ح، ي: مِنَ الْخَطَايَا.
(7) ن، م، و، ح، ي: كَمَا نَقَّيْتَ.
(5/49)

مَالِكٍ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا (1) ذَلِكَ الْمَيِّتَ (2) . وَهَذَا الدُّعَاءُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ الْمَيِّتِ.

الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ (3)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (4) : " وَعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ (5) قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ (6) يَوْمَ الشُّورَى (7) يَقُولُ لَهُمْ (8) : لَأَحْتَجَّنَّ عَلَيْكُمْ بِمَا لَا يَسْتَطِيعُ عَرَبِيُّكُمْ وَعَجَمِيُّكُمْ تَغْيِيرَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّهَا النَّفَرُ جَمِيعًا أَفِيكُمْ (9) أَحَدٌ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى
_________
(1) أَنَا: زِيَادَةٌ فِي (ي) ، (ر) ، (ب) .
(2) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ 2/662 - 663 كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ 1/46 كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَرَدِ 4/59 - 60 كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ الدُّعَاءِ، الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 6/23.
(3) ن، م، و، أ: فَصْلٌ.
(4) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 126 (م) 130 (م) .
(5) ن: وَايِلَةَ.
(6) عَلَيْهِ السَّلَامُ: فِي (ن) ، (و) ، (ك) ، وَفِي (ر) ، (ي) ، (ق) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(7) يَوْمَ الشُّورَى: كَذَا فِي (ق) فَقَطْ، وَفِي (ك) : فِي الْبَيْتِ يَوْمَ الشُّورَى، فَسَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(8) أ، ب، ق، ر، ح، ي: وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ، و: يَقُولُ.
(9) ك ص [0 - 9] 26 م - 127 م: هَلْ فِيكُمْ.
(5/50)

قَبْلِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ (1) بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ أَخٌ مِثْلُ أَخِي جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ عَمٌّ مِثْلُ عَمِّي حَمْزَةَ أَسَدِ اللَّهِ وَأَسَدِ رَسُولِهِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ زَوْجَةٌ مِثْلُ زَوْجَتِي فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ سَيِّدَةِ نِسَاءِ (2) أَهْلِ الْجَنَّةِ غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ (3) سِبْطَانِ مِثْلُ سِبْطَيِّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَاجَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ مَرَّاتٍ قَدَّمَ (4) بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ (5) صَدَقَةً غَيْرِي (6) ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ (7) مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ (8) ، لِيُبْلِغِ (9) الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» غَيْرِي؟
_________
(1) أ، ب: أَنْشُدُكُمْ.
(2) نِسَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (ق) (أ) ، (ي) .
(3) و، أ، ب، ح، ي، ر، ق: مَنْ لَهُ.
(4) قَدَّمَ كَذَا فِي (ب) ، وَفِي (ك) وَقَدَّمَ وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَقْدَمَ.
(5) نَجْوَاهُ: كَذَا فِي (ب) ، (ك) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ نَجْوَايَ.
(6) ك: مِثْلِي.
(7) ك: فَهَذَا عَلِيٌّ.
(8) ك: مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.
(9) ك: وَلِيُبْلِغِ.
(5/51)

قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ (1) إِلَيْكَ وَإِلَيَّ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّيْرِ (2) فَأَتَاهُ فَأَكَلَ (3) مَعَهُ» غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. (* قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا (4) يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ إِذْ رَجَعَ غَيْرِي مُنْهَزِمًا» غَيْرِي؟ (5) قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا *) (6) . قَالَ: (7) فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَنِي وَكِيعَةَ (8) : «لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا نَفْسُهُ كَنَفْسِي، وَطَاعَتُهُ كَطَاعَتِي، وَمَعْصِيَتُهُ كَمَعْصِيَتِي (9) يَفْصِلُكُمْ (10) بِالسَّيْفِ» غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ
_________
(1) ك: الْخَلْقِ.
(2) ك: وَإِلَيَّ وَأَشَدِّهِمْ لَكَ حُبًّا وَلِي حُبًّا يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّائِرَ.
(3) م: يَأْكُلُ، ك: وَأَكَلَ.
(4) ك: الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا.
(5) أ، ب: عَلَى يَدَيْهِ غَيْرِي، وَسَقَطَتْ غَيْرِي الثَّانِيَةُ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ مَا عَدَا (ن) ، (ق) ، (ك) ، (و) .
(6) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(7) قَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(8) ك: لِبَنِي رَبِيعَةَ.
(9) ك: وَطَاعَتُهُ طَاعَتِي وَمَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتِي.
(10) ن، م: يُعَطِّلُكُمْ.
(5/52)

لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَيُبْغِضُ هَذَا، غَيْرِي» ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ «هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ (1) سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: جِبْرَائِيلُ (2) وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ حَيْثُ جِئْتُ بِالْمَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْقَلِيبِ» غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ «هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نُودِيَ بِهِ مِنَ السَّمَاءِ لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ» غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ «هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَذِهِ (3) هِيَ الْمُوَاسَاةُ، فَقَالَ لَهُ (4) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ مِنِّي (5) وَأَنَا مِنْهُ. فَقَالَ: جِبْرِيلُ (6) وَأَنَا مِنْكُمَا» غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ (7) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ» عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِي (8) ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ:
_________
(1) أ، ر، ن، م، ب، ح: رَجُلٌ.
(2) أ، ح، ب، ن، م، ق، و: جِبْرِيلُ ك ص 128 جِبْرَئِيلُ.
(3) ك: جِبْرَئِيلُ يَوْمَ حُنَيْنَ هَذِهِ، ي: جِبْرَئِيلُ هَذِهِ.
(4) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) ، (و) .
(5) أ، ب: هُوَ مِنِّي.
(6) ي: فَقَالَ لَهُ جِبْرَئِيلُ، ك: فَقَالَ جِبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(7) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(8) ك: عَلَى النَّبِيِّ غَيْرِي.
(5/53)

فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِنِّي قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ وَأَنْتَ تُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِهِ» غَيْرِي؟ (1) قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ «فِيكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذَ (بَرَاءَةٌ) مِنْ أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَزَلَ (2) فِيَّ شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ (3) لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ» (4) غَيْرِي؟ قَالُوا اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ كَافِرٌ» (5) غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ (6) أَنَّهُ «أَمَرَ بِسَدِّ أَبْوَابِكُمْ وَفَتْحِ بَابِي فَقُلْتُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ (7) وَلَا فَتَحْتُ بَابَهُ، بَلِ اللَّهُ سَدَّ أَبْوَابَكُمْ وَفَتَحَ بَابَهُ»
_________
(1) ك: وَتُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ غَيْرِي.
(2) ن، م: هَلْ نَزَلَ.
(3) ك: فَقَالَ إِنَّهُ.
(4) أ، ب: إِلَّا أَهْلِي.
(5) ن، م، ق: إِلَّا مُنَافِقٌ، و، ك: إِلَّا كَافِرًا، أ: إِلَّا كَافِرٌ مُنَافِقٌ.
(6) ك: أَتَعْلَمُونَ.
(7) ن، م، ر: بَابَكُمْ.
(5/54)

غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا (1) .
(* قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ (2) «أَنَّهُ نَاجَانِي (3) يَوْمَ الطَّائِفِ دُونَ النَّاسِ فَأَطَالَ ذَلِكَ، فَقُلْتُمْ نَاجَاهُ دُونَنَا، فَقَالَ: مَا أَنَا انْتَجَيْتُهُ بَلِ اللَّهُ انْتَجَاهُ» ، غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ *) (4) .
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، يَزُولُ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ كَيْفَمَا زَالَ» (5) قَالُوا (6) : اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ (7) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، لَنْ تَضِلُّوا مَا اسْتَمْسَكْتُمْ بِهِمَا، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ وَقَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَاضْطَجَعَ فِي مَضْجَعِهِ غَيْرِي (8) ؟
_________
(1) ن، م، أ، ر، ي: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
(2) أ، ب، ق، ح: هَلْ تَعْلَمُونَ.
(3) ك: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ نَاجَانِي.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(5) ك ص 129 م: مَعَ الْحَقِّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.
(6) ر، و، ح، ي، ب: فَقَالُوا.
(7) ح، ب: هَلْ تَعْلَمُونَ.
(8) ك: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حِينَ هَرَبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: مَنْ يَفْدِينِي بِنَفْسِهِ؟ فَفَدَى لَهُ بِنَفْسِهِ وَاضْطَجَعَ فِي مَضْجَعِهِ غَيْرِي.
(5/55)

قَالُوا: اللَّهُمَّ (1) لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ (2) هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ بَارَزَ عَمْرَو بْنِ عَبْدِ (3) وُدٍّ الْعَامِرِيَّ حَيْثُ (4) دَعَاكُمْ إِلَى الْبِرَازِ غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَزَلَ فِيهِ آيَةُ التَّطْهِيرِ حَيْثُ (5) يَقُولُ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 33] غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ سَيِّدُ الْمُؤْمِنِينَ» (6) غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا سَأَلْتُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا وَسَأَلْتُ لَكَ (7) مِثْلَهُ» غَيْرِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ (8) لَا.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرٍو (9) الزَّاهِدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِعَلِيٍّ
_________
(1) اللَّهُمَّ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(2) ك: بِاللَّهِ رَبِّكُمْ.
(3) عَبْدِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (ي) ، (ق) .
(4) أ، ب: حِينَ.
(5) حَيْثُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(6) ك: أَنْتَ سَيِّدُ الْعَرَبِ الْمُؤْمِنِينَ.
(7) ك: إِلَّا سَأَلْتُ لَكَ.
(8) اللَّهُمَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(9) أَبُو عَمْرٍو: كَذَا فِي (أ) ، (ر) ، (ك) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ أَبُو عُمَرَ.
(5/56)

أَرْبَعُ خِصَالٍ لَيْسَتْ (1) لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُ، هُوَ أَوَّلُ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (2) وَهُوَ الَّذِي كَانَ لِوَاؤُهُ (3) مَعَهُ فِي كُلِّ زَحْفٍ، وَهُوَ الَّذِي صَبَرَ مَعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ (4) ، وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ وَأَدْخَلَهُ قَبْرَهُ (5) .
وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِقَوْمٍ (6) تُشَرْشَرُ أَشْدَاقُهُمْ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ (7) مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَقْطَعُونَ (8) النَّاسَ بِالْغِيبَةِ. قَالَ: وَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ وَقَدْ ضَوْضَئُوا (9) ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ (10) مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ (11) الْكُفَّارُ. قَالَ: ثُمَّ عَدَلْنَا عَنِ الطَّرِيقِ (12) ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ رَأَيْتُ عَلِيًّا يُصَلِّي، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ (13) هَذَا عَلِيٌّ قَدْ سَبَقَنَا. قَالَ: لَا لَيْسَ هَذَا عَلِيًّا (14) . قُلْتُ: فَمَنْ هُوَ (15) قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ
_________
(1) ك: لَيْسَ.
(2) ك: صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(3) م، ح، ي، ر، و: لَوَاهُ، ك: لِوَائِهِ.
(4) ن: خَيْبَرَ، أ: فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ.
(5) ك: وَأَدْخَلَهُ فِي قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، وَأَدْخَلَهُ فِي قَبْرِهِ.
(6) أ: بِأَقْوَامٍ.
(7) أ، ك: يَا جِبْرَائِيلُ.
(8) ك ص 129 م 130 م: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ، و: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَقْطَعُونَ.
(9) أ، ب: بِقَوْمٍ قَدْ ضَوْضَؤُا، ك: بِقَوْمٍ ضؤضؤا.
(10) ي، ك: يَا جِبْرَئِيلُ.
(11) هَؤُلَاءِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(12) ر: عَدَلْنَا الطَّرِيقَةَ، ك: عَدَلْنَا عَنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ.
(13) ي: فَقُلْتُ يَا جِبْرَئِيلُ، ك: فَقُلْتُ لِجِبْرَئِيلَ: يَا جِبْرَئِيلُ.
(14) ك: عَلِيٌّ.
(15) أ، ب: فَمَنْ هَذَا؟
(5/57)

الْمُقَرَّبِينَ وَالْمَلَائِكَةَ الْكَرُوبِيِّينَ لَمَّا سَمِعَتْ فَضَائِلَ عَلِيٍّ وَخَاصَّتَهُ (1) وَسَمِعَتْ (2) قَوْلَكَ فِيهِ: أَنْتَ مِنَى بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، اشْتَاقَتْ إِلَى عَلِيٍّ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مَلَكًا عَلَى صُورَةِ عَلِيٍّ، فَإِذَا اشْتَاقَتْ إِلَى عَلِيٍّ (3) جَاءَتْ (4) إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ فَكَأَنَّهَا قَدْ رَأَتْ عَلِيًّا» .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ نَشِيطٌ: أَنَا الْفَتَى ابْنُ الْفَتَى أَخُو الْفَتَى» . قَالَ: فَقَوْلُهُ: أَنَا الْفَتَى، يَعْنِي (5) هُوَ فَتَى الْعَرَبِ (6) وَقَوْلُهُ ابْنُ الْفَتَى، يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ (7) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 60] وَقَوْلُهُ: أَخُو الْفَتَى، يَعْنِي عَلِيًّا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ جِبْرِيلَ فِي (8) يَوْمِ بَدْرٍ وَقَدْ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ فَرِحٌ (9) وَهُوَ يَقُولُ (10) : «لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ» .
_________
(1) ك: وَمَحَاسِنَهُ.
(2) ن، م، و، ق، ر: سَمِعَتْ.
(3) ن، م: إِلَيْهِ.
(4) ك: جَاءُوا.
(5) يَعْنِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) ك: الْعَرَبِ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ سَيِّدُهَا.
(7) ك: وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(8) فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(9) وَهُوَ فَرِحٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (ق) .
(10) ك: وَقَدْ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ فَرِحٌ مَسْرُورٌ يَقُولُ.
(5/58)

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أَبُو ذَرٍّ، لَوْ صَمَتُّمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ، وَصَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا، مَا نَفَعَكُمْ ذَلِكَ حَتَّى تُحِبُّوا عَلِيًّا (2) .

وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ (3) عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ وَمَا ذَكَرَهُ يَوْمَ الشُّورَى، فَهَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (4) ، وَلَمْ يَقُلْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الشُّورَى شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا مَا يُشَابِهُهُ (5) ، بَلْ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَإِنْ (6) بَايَعْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَتُطِيعَنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ لِعُثْمَانَ. وَمَكَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (7) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُشَاوِرُ الْمُسْلِمِينَ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (8) - وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (9) - عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي
_________
(1) ب: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ح: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(2) ك، و: عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، ر، ي: عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(3) و: فَيُقَالُ قَوْلُهُ.
(4) ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِسْمًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1/378 - 380 وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَانْظُرْ بَاقِيَ كَلَامِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ كَلَامًا مُمَاثِلًا السُّيُوطِيُّ فِي اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ 1/361.
(5) ن، م: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ عَلِيٍّ يَوْمَ الشُّورَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَلَا مَا يُشْبِهُهُ.
(6) أ: وَلَئِنْ.
(7) عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) لَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ فِي مُسْلِمٍ مَعَ طُولِ بَحْثِي عَنْهُ.
(9) 15 - 18 كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ قِصَّةِ الْبَيْعَةِ، وَالْكَلَامُ التَّالِي ص 17 - 18
(5/59)

مَقْتَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (1) : اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ. قَالَ (2) الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ. وَقَالَ (3) طَلْحَةُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي [إِلَى عُثْمَانَ. وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلَتْ أَمْرِي] (4) إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ (5) . فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمْ تَبَرَّأَ (6) مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ. لِيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ (7) ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا آلُوَ (8) عَنْ أَفْضَلِكُمْ. قَالَا: نَعَمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتُ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عَلَيْكَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ. ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ (9) .
_________
(1) ر، و، ح، ي: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
(2) الْبُخَارِيُّ 5/17: فَقَالَ.
(3) الْبُخَارِيُّ: فَقَالَ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ مَا عَدَا (ب) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ.
(5) الْبُخَارِيِّ: إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
(6) ن، ر، أ، ح، ي: يَتَبَرَّأُ.
(7) ن، ر، ح، ي: أَفْضَلَ مَنْ فِي نَفْسِهِ، أ: أَفْضَلَ مِنْ نَفْسِهِ، و: أَفْضَلَ فِي نَفْسِهِ، م: أَفْضَلَ مَنْ هُوَ فِي نَفْسِهِ.
(8) ن، م: عَلِيَّ لَا آلُوَ، عَلِيَّ مِنْ أَنْ لَا آلُوَ.
(9) جَاءَ جُزْءٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ 2/103 كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ 9/78 كِتَابُ الْأَحْكَامِ، بَابُ كَيْفَ يُبَايِعُ الْإِمَامُ النَّاسَ.
(5/60)

وَفِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (1) قَالَ الْمِسْوَرُ (2) : إِنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا. قَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (3) : لَسْتُ بِالَّذِي أَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْأَمْرِ (4) وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ (5) اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ مَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ [حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ ذَلِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ، وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ] (6) يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ (7) اللَّيَالِي، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا (8) عُثْمَانَ. قَالَ الْمِسْوَرُ: طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ (9) مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: أَرَاكَ نَائِمًا؛ فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ (10) بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ، فَشَاوَرَهُمَا (11) ، ثُمَّ دَعَانِي، فَقَالَ: ادْعُ لِي عَلِيًّا، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ [حَتَّى إِبْهَارِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدَهُ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى
_________
(1) بْنِ مَخْرَمَةَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .
(2) عِبَارَةُ " قَالَ الْمِسْوَرُ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) ، وَفِي (و) : قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ.
(3) أ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ب، ح، ي: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، ن، م، ر: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
(4) الْبُخَارِيُّ: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ.
(5) ن، م، أ: إِنْ شِئْتُ.
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (و) ، الْبُخَارِيُّ وَفِي الْبُخَارِيِّ أُولَئِكَ الرَّهْطِ.
(7) ح، ب: فِي تِلْكَ.
(8) ن: فِيهَا بَايَعْنَا.
(9) ح، ب: هَجْعَةٍ.
(10) و، ح، ي: هَذِهِ الثَّلَاثَ أ، ر، ب: فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ.
(11) ح، أ، ب، ر: فَسَارَّهُمَا.
(5/61)

مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ] (1) حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ؛ فَلَمَّا صَلَّى النَّاسُ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَرْسَلَ إِلَيَّ مَنْ (2) كَانَ حَاضِرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إِنِّي (3) قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا. فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (4) وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ أَنْوَاعٌ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي نَزَّهَ اللَّهُ عَلِيًّا عَنْهَا، مِثْلَ احْتِجَاجِهِ بِأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَزَوْجَتِهِ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ. وَلَوْ قَالَ الْعَبَّاسُ: هَلْ فِيكُمْ مِثْلُ أَخِي حَمْزَةَ وَمِثْلُ أَوْلَادِ إِخْوَتِي (5) مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ؟ لَكَانَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ، بَلِ احْتِجَاجُ الْإِنْسَانِ بِبَنِي إِخْوَتِهِ أَعْظَمُ مِنِ احْتِجَاجِهِ بِعَمِّهِ. وَلَوْ قَالَ عُثْمَانُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ تَزَوَّجَ بِنْتَيْ نَبِيٍّ (6) ؟ لَكَانَ مَنْ جِنْسِ قَوْلِ الْقَائِلِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ زَوْجَتُهُ كَزَوْجَتِي (7) ؟ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ الشُّورَى كَمَا مَاتَتْ زَوْجَتَا عُثْمَانَ، فَإِنَّهَا مَاتَتْ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَأَثْبَتُّهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ.
(2) ب: أَرْسَلَ لِمَنْ، الْبُخَارِيُّ: فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ.
(3) ن، م، أ: فَإِنِّي.
(4) ح، ب: عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5) ر، ح: إِخْوَتِي.
(6) ن، م: بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(7) أ، ب: مِثْلَ زَوْجَتِي.
(5/62)

بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (1) .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ لَهُ وَلَدٌ كَوَلَدِي (2) ؟ .
وَفِيهِ أَكَاذِيبُ مُتَعَدِّدَةٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ: «مَا سَأَلْتُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا وَسَأَلْتُ لَكَ مِثْلَهُ» . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ. مِنَ الْكَذِبِ» (3) .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِ شِعَارِ الدِّينِ (4) : وَقَوْلُهُ: «لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي» . هُوَ شَيْءٌ جَاءَ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ يَثِيعَ (5) ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي الرِّوَايَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّفْضِ. وَعَامَّةُ (6) مَنْ بَلَّغَ عَنْهُ غَيْرُ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُعَلِّمُ الْأَنْصَارَ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ. وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَبَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ إِلَى مَكَّةَ. فَأَيْنَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُبَلِّغُ عَنْهُ إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ أَكَاذِيبُ: مِنْهَا قَوْلُهُ: كَانَ لِوَاؤُهُ مَعَهُ فِي كُلِّ
_________
(1) ح، ب: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
(2) أ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدَيْنِ كَوَلَدَيَّ، ب: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ لَهُ وَلَدٌ كَوَلَدِي، ح: هَلْ فِيكُمْ وَلَدٌ كَوَلَدِي.
(3) أ، ب: فَمِنَ الْكَذِبِ.
(4) سَبَقَتْ تَرْجَمَةُ الْخَطَّابِيِّ 1/303 وَلَمْ يَذْكُرْ سزكين فِي تَرْجَمَتِهِ لِلْخَطَّابِيِّ م [0 - 9] ج [0 - 9] ص [0 - 9] 27 - 429 كِتَابَ شِعَارِ الدِّينِ، فَهُوَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَفْقُودَةِ.
(5) أ: زَيْدُ بْنُ بَقِيعٍ، وَذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 2/107 وَقَالَ: زَيْدُ بْنُ يَثِيعَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي ذَرٍّ، مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى أَبِي إِسْحَاقَ، وَسَمَّاهُ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ زَيْدَ بْنَ نُفَيْعٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(6) أ: وَغَايَةُ.
(5/63)

زَحْفٍ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمَعْلُومِ، إِذْ لِوَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَلِوَاؤُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ كَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَأَمَرَهُ (1) رَسُولُ اللَّهِ (2) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَكِّزَ رَايَتَهُ بِالْحُجُونِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (3) : أَهَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُرَكِّزَ الرَّايَةَ؟ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (4) . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وَهُوَ الَّذِي صَبَرَ مَعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ ".
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ «لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسُ آخِذٌ (5) بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ " قَالَ: فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ فَوَاللَّهِ كَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ عَلَيَّ حِينِ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ (6) الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، " وَنَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ وَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَرَمَى بِهَا (7) الْقَوْمَ وَقَالَ: " انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " قَالَ الْعَبَّاسُ: " فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا
_________
(1) وَأَمَرَهُ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَأَمَرَ.
(2) رَسُولُ اللَّهِ: لَيْسَتْ فِي (ح) ، (ب) .
(3) بْنِ الْعَوَّامِ: فِي (ح) ، (س) (ر) ، (ب) فَقَطْ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ فِي الْبُخَارِيِّ 4/53 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ مَا قِيلَ فِي لِوَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَصُّهُ: قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَهَهُنَا أَمَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرَكِّزَ الرَّايَةَ؟
(5) ن، م، و: وَهُوَ آخِذٌ.
(6) و: عَطْفَ.
(7) ح: بِهِ.
(5/64)

أَنْ رَمَاهُمْ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا، حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (1) . وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: " وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ (2) " وَفِيهِ: " قَالَ الْعَبَّاسُ: لَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ " (3) .
وَأَمَّا غُسْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِدْخَالُهُ قَبْرَهُ، فَاشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ بَيْتِهِ،
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ 3/1398 - 1400 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، الْمُسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 3/208 - 210 وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَعْلِيقِهِ: وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ 2/10 - 61 مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ 3: 327، وَزَعَمَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخْرِجَاهُ، وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ الذَّهَبِيُّ بِإِخْرَاجِ مُسْلِمٍ إِيَّاهُ. وَهَكَذَا لَا نَجِدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْعَبَّاسِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَعَلَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَقْصِدُ أَنَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي الْبُخَارِيِّ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا أَيْ: مَا زِلْتُ أَرَى قُوَّتَهُمْ ضَعِيفَةً.
(2) الْحَدِيثُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 4/30 - 31 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ، وَنَصُّهُ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِّبْ. وَالْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ 3/1400 - 1401 الْمَوْضِعِ السَّابِقِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الْبُخَارِيِّ 4/32 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ بَغْلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْضَاءَ 4/43 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ 4/67 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ مَنْ قَالَ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ 5/153 كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) وَانْظُرْ: فَتْحَ الْبَارِي 8/28 - 32.
(3) هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 3/1398 الْمَسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 3/208.
(5/65)

كَالْعَبَّاسِ وَأَوْلَادِهِ، وَمَوْلَاهُ شُقْرَانَ (1) ، وَبَعْضُ الْأَنْصَارِ، لَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ (2) يُبَاشِرُ الْغُسْلَ، وَالْعَبَّاسُ حَاضِرٌ لِجَلَالَةِ الْعَبَّاسِ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَوْلَاهُمْ بِمُبَاشَرَةِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " هُوَ أَوَّلُ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ (3) صَلَّى " يُنَاقِضُ مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

فَصْلٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِعْرَاجِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ وَالْمَلَائِكَةَ الْكَرُوبِيِّينَ لَمَّا سَمِعَتْ فَضَائِلَ عَلِيٍّ وَخَاصَّتَهُ، وَقَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4) : " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ " اشْتَاقَتْ إِلَى عَلِيٍّ فَخَلَقَ اللَّهُ (5) لَهَا مَلَكًا عَلَى صُورَةِ عَلِيٍّ ".
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا (6) مِنْ كَذِبِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَكْذِبُوا، فَإِنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 1] .
_________
(1) شُقْرَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و
(2) أ، ب، ي: لَكِنْ كَانَ عَلِيٌّ.
(3) وَعَجَمِيٍّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) ن، م: وَخَاصَّةً قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، و، ر، ح، ي: وَخَاصَّةً قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(5) لَفْظُ الْجَلَالَةِ لَيْسَ فِي (ح) ، (ر) ، (و) ، (ي) .
(6) و: فَيُقَالُ هَذَا.
(5/66)

[وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] (1) . وَقَالَ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى - مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى - وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [سُورَةُ النَّجْمِ] إِلَى قَوْلِهِ: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [سُورَةُ النَّجْمِ: 12 - 14] إِلَى قَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [سُورَةُ النَّجْمِ: 19] وَهَذَا كُلُّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ.
وَقَوْلُهُ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ " قَالَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ الْغَزَوَاتِ عَامَ تِسْعٍ مِنِ الْهِجْرَةِ. فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ سَمِعُوا قَوْلَهُ: " «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» "؟ .
ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُشْتَرَكٌ، فَكُلُّ الِاسْتِخْلَافَاتِ الَّتِي قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَعْدَ تَبُوكَ كَانَ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُطِيعِينَ (2) يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ. وَغَزْوَةُ (3) تَبُوكَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مُطِيعٌ إِلَّا مَنْ عَذَرَهُ اللَّهُ مِمَّنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْجِهَادِ، فَكَانَ الْمُسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَقَلَّ وَأَضْعَفَ مِنَ الْمُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ وَمَغَازِيهِ وَعُمَرِهِ وَحَجِّهِ، وَقَدْ سَافَرَ [النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (4) مِنَ الْمَدِينَةِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ سَفْرَةٍ، وَهُوَ يَسْتَخْلِفُ فِيهَا مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ، كَمَا اسْتَخْلَفَ فِي غَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ (5) ، وَاسْتَخْلَفَ فِي غَزْوَةِ (6)
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) الْمُطِيعِينَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(3) وَغَزْوَةُ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَفِي غَزْوَةِ.
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5) انْظُرْ فِي ذَلِكَ: جَوَامِعَ السِّيرَةِ لِابْنِ حَزْمٍ، ص [0 - 9] 00
(6) ن، م، و: وَفِي غَزْوَةِ.
(5/67)

بُوَاطٍ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (1) ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ وَخَرَجَ فِي طَلَبِ كَرْزِ بْنِ جَابِرٍ (* الْفِهْرَيِّ اسْتَخْلَفَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (2) ، وَاسْتَخْلَفَ فِي غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَشْهَلِ (3) ، وَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ (4) ، وَاسْتَخْلَفَهُ فِي غَزْوَةِ قَرْقَرَةَ الْكَدْرِ (5) ، وَلَمَّا ذَهَبَ إِلَى بَنِي سَلِيمٍ، وَفِي غَزْوَةٍ (6) حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَغَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَغَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ: وَاسْتَخْلَفَهُ (7) لَمَّا خَرَجَ فِي طَلَبِ اللَّقَاحِ الَّتِي اسْتَاقَهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَنُودِيَ ذَلِكَ (8) الْيَوْمَ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، وَفِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَاسْتَخْلَفَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَاسْتَخْلَفَ
_________
(1) الَّذِي فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 2/248 وَفِي جَوَامِعِ السِّيرَةِ ص [0 - 9] 02 أَنَّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ بُوَاطٍ هُوَ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. وَلَكِنْ يَذْكُرُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 3/246 وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَقَالَ الْمَقْرِيزِيُّ فِي إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ ص 54 وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَقِيلَ: السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
(2) انْظُرْ فِي ذَلِكَ " وَهَذِهِ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى ": الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ 3/247، إِمْتَاعَ الْأَسْمَاعِ ص 54، ابْنَ هِشَامٍ 2/251
(3) فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 3/246، إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ ص 55، ابْنِ هِشَامٍ 2/248، جَوَامِعِ السِّيرَةِ، ص 102: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ فِي غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ.
(4) انْظُرْ فِي ذَلِكَ: جَوَامِعَ السِّيرَةِ ص 107، ابْنَ هِشَامٍ 2/263 - 264
(5) وَتُعْرَفُ بِغَزْوَةِ بَنِي سَلِيمٍ؛ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ 3/46 وَابْنُ حَزْمٍ (جَوَامِعُ السِّيرَةِ) ص 152 وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عَرْفَطَةَ الْغِفَارِيَّ أَوِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَقَالَ الْمَقْرِيزِيُّ فِي إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ ص 107: وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
(6) ن، م: إِلَى بَنِي سَلِيمٍ فِي غَزْوَةِ.
(7) ن، م، أ، ي: وَاسْتَخْلَفَ.
(8) ح، ب: وَنُودِيَ فِي ذَلِكَ.
(5/68)

أَبَا لُبَابَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَغَزْوَةِ السَّوِيقِ، وَاسْتَخْلَفَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي غَزْوَةِ غَطَفَانَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ أَنْمَارٍ، وَاسْتَخْلَفَهُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَ رَوَاحَةَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْمَوْعِدَ، وَاسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بْنَ عَرْفَطَةَ الْغِفَارِيَّ فِي غَزْوَةِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَفِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَاسْتَخْلَفَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا رَهْمٍ (1) فِي عُمْرَةِ (2) الْقَضِيَّةِ *) (3) ، وَكَانَتْ تِلْكَ الِاسْتِخْلَافَاتُ أَكْمَلَ مِنِ اسْتِخْلَافِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَامَ تَبُوكَ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ (4) هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِذِ الْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ (5) .
وَإِذَا قِيلَ: فِي تَبُوكَ كَانَ السَّفَرُ بَعِيدًا.
قِيلَ: وَلَكِنْ كَانَتِ الْمَدِينَةُ وَمَا حَوْلَهَا أَمْنًا، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَدْوٌ يُخَافُ، لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ أَسْلَمُوا، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ذَهَبَ. وَفِي غَيْرِ تَبُوكَ كَانَ الْعَدُوُّ مَوْجُودًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَخَافُ عَلَى مَنْ بِهَا، فَكَانَ خَلِيفَتُهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدِ اجْتِهَادٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي تَبُوكَ (6) .

فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ (7) وَهُوَ نَشِيطٌ: " أَنَا الْفَتَى ابْنُ الْفَتَى أَخُو الْفَتَى» " قَالَ:
_________
(1) ن، م: وَأَبَا رَهْمٍ.
(2) ر، ح: فِي غَزْوَةِ.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(4) ن، م، و: وَكُلُّهُمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ ر، ح، ي: وَكُلُّهُمْ كَانَ.
(5) ن: الِاسْتِخْلَافَاتِ.
(6) ن، م، و: فِي اسْتِخْلَافِ تَبُوكَ، وَسَقَطَتْ عِبَارَةُ " فِي تَبُوكَ " مِنْ: (ح) ، (ي) ، (ر) .
(7) ذَاتَ يَوْمٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5/69)

فَقَوْلُهُ: أَنَا الْفَتَى يَعْنِي فَتَى الْعَرَبِ، وَقَوْلُهُ: ابْنُ الْفَتَى يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِنْ قَوْلِهِ: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 60] ، وَقَوْلُهُ أَخُو الْفَتَى يَعْنِي عَلِيًّا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ جِبْرِيلَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَقَدْ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ فَرِحٌ وَهُوَ يَقُولُ: " «لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ، وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ» ".
فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ (1) مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ الْمَوْضُوعَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (2) ، وَكَذِبُهُ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْإِسْنَادِ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا: أَنَّ لَفْظَ الْفَتَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدْحِ، كَمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّمِّ، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ (3) الشَّابِّ وَالْكَهْلِ وَالشَّيْخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالَّذِينَ قَالُوا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، هُمُ الْكُفَّارُ، وَلَمْ يَقْصِدُوا مَدْحَهُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْفَتَى كَالشَّابِّ الْحَدَثِ (4) .
_________
(1) ن: فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ.
(2) لَمْ أَجِدِ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ، وَأَمَّا الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْهُ وَهُوَ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ، فَوَصَفَهُ بِالْوَضْعِ وَتَكَلَّمَ عَلَى الْكَذَّابِينَ مِنْ رُوَاتِهِ كُلٌّ مِنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1/381 - 382، وَالسُّيُوطِيِّ فِي اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ 1/364 - 365 وَعْلَيِ الْقَارِئِ فِي الْأَسْرَارِ الْمَرْفُوعَةِ ص 384 - 385، وَابْنِ عِرَاقٍ الْكِنَانِيِّ، فِي تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ، 1/385 وَابْنِ الْعَجْلُونِيِّ فِي كَشْفِ الْخَفَاءِ 2/363 - 364.
(3) اسْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4) بَعْدَ كَلِمَةِ الْحَدَثِ يُوجَدُ سَقْطٌ طَوِيلٌ فِي (ح) ، (ي) ، (ر) يَنْتَهِي عِنْدَ عِبَارَةِ: نَفَعَهُ إِيمَانُهُ وَإِنْ أَبْغَضَهُ ص 75
(5/70)

وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَفْتَخِرَ بِجَدِّهِ وَابْنِ عَمِّهِ (1) .
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَاخِ عَلِيًّا وَلَا غَيْرَهُ، وَحَدِيثُ الْمُؤَاخَاةِ لِعَلِيٍّ وَمُؤَاخَاةِ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ. وَإِنَّمَا آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُؤَاخِ بَيْنَ مُهَاجِرِيٍّ وَمُهَاجِرِيٍّ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمُنَادَاةَ يَوْمَ بَدْرٍ كَذِبٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ ذَا الْفَقَارِ لَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِ أَبِي جَهْلٍ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ ذُو الْفَقَارِ مِنْ سُيُوفِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ مِنْ سُيُوفِ الْكُفَّارِ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَهْلُ السُّنَنِ. فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَفَّلَ (2) سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ (3) يَوْمَ بَدْرٍ (4) .
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ كَهْلًا قَدْ تَعَدَّى سِنَّ الْفِتْيَانِ.
_________
(1) ب فَقَطْ: أَوِ ابْنِ عَمِّهِ.
(2) ب فَقَطْ: نَفَلَ.
(3) ب: سَيْفَ ذِي الْفَقَارِ، أ: سَيْف ذو الْفَقَارِ ن: سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ.
(4) الْحَدِيثَ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/60 - 61 كِتَابُ السِّيَرِ بَابُ: فِي النَّفْلِ؛ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/939 كِتَابُ الْجِهَادِ بَابُ السِّلَاحِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي: الْمُسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 4/146 - 147 وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي التَّارِيخِ 4/11 - 12 مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِأَطْوَلَ مِمَّا هُنَا. ذُو الْفَقَارِ بِفَتْحِ الْفَاءِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ حُفَرٌ صِغَارٌ حِسَانٌ، وَالسَّيْفُ الْمُفَقَّرُ: الَّذِي فِيهِ حُزُوزٌ مُطَمَئِنَّةٌ عَنْ مَتْنِهِ.
(5/71)

فَصْلٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي رَوَاهُ الرَّافِضِيُّ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ لَيْسَ مَرْفُوعًا (1) ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، مَعَ أَنَّ (2) نَقْلَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِيهِ (3) نَظَرٌ وَمَعَ هَذَا فَحُبُّ عَلِيٍّ وَاجِبٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّ عُثْمَانَ وَعُمَرَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَأَنْ نُحِبَّ الْأَنْصَارَ.
فَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ» " (4) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» " (5) .

فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (6) : " وَمِنْهَا مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ فِي كِتَابِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ (7) : " «حُبُّ
_________
(1) عِبَارَةُ " لَيْسَ مَرْفُوعًا " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) أ، ب: مَعَ أَنَّهُ.
(3) أ، ب: وَفِيهِ.
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/297
(5) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/296
(6) الرَّافِضِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 130 (م) ، 131 (م) .
(7) ك: عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَالَ، و: عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ.
(5/72)

عَلِيٍّ (1) حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ وَبُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لَا يَنْفَعُ (2) مَعَهَا حَسَنَةٌ» ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ كِتَابَ الْفِرْدَوْسِ (3) فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَاتِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَمُصَنِّفُهُ شِيرَوَيْهِ بْنُ شَهْرَدَارَ الدَّيْلَمِيُّ (4) وَإِنْ كَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ وَرُوَاتِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَمَعَهَا وَحَذَفَ أَسَانِيدَهَا، نَقَلَهَا (5) مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِصَحِيحِهَا وَضَعِيفِهَا وَمَوْضُوعِهَا ; فَلِهَذَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَشْهَدُ الْمُسْلِمُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُولُهُ (6) ; فَإِنَّ حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمُ مِنْ حُبِّ عَلِيٍّ، وَالسَّيِّئَاتُ تَضُرُّ مَعَ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حِمَارٍ (7) فِي
_________
(1) ك: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(2) ك: لَا تَنْفَعُ.
(3) و: فَيُقَالُ أَمَّا كِتَابُ الْفِرْدَوْسِ.
(4) أ، ن، ب، م: شَهْرَيَارُ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَهُوَ شِيرَوَيْهِ بْنُ شَهْرَدَارَ بْنِ شِيرَوَيْهِ بْنِ فَنَاخْسَرُو، وُلِدَ سَنَةَ 445 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 509، مُؤَرِّخٌ وَمُحَدِّثٌ، لَهُ تَارِيخُ هَمَذَانَ وَفِرْدَوْسُ الْأَخْيَارِ وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ فِي الْحَدِيثِ اخْتَصَرَهُ ابْنُهُ شَهْرَدَارَ، وَاخْتَصَرَ الْمُخْتَصَرَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، انْظُرْ تَرْجَمَةَ شِيرَوَيْهِ فِي شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 4/23 - 24، الْأَعْلَامِ 3/268
(5) نَقَلَهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) أ، ب: مَا يَقُولُهُ، وَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَوْضُوعَ وَلَكِنِّي وَجَدْتُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا مُقَارِبًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1 - 37 وَهُوَ: حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْكُلُ السَّيِّئَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا السُّيُوطِيُّ فِي اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ 1/355
(7) و: عَبْدَ اللَّهِ حِمَارًا. ن، م: عَبْدَ اللَّهِ حِمَارٌ.
(5/73)

الْخَمْرِ، وَقَالَ: " إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " (1) . وَكُلُّ مُؤْمِنٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالسَّيِّئَاتُ تَضُرُّهُ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَعُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الشِّرْكَ يَضُرُّ صَاحِبَهُ وَلَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ (2) ، وَلَوْ أَحَبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ; فَإِنَّ أَبَاهُ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يُحِبُّهُ وَقَدْ ضَرَّهُ الشِّرْكُ حَتَّى دَخَلَ النَّارَ، وَالْغَالِيَةُ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ يُحِبُّونَهُ وَهُمْ كُفَّارٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» " (3) . وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ سَرَقَ لَقُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا، وَلَوْ زَنَى أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَوْ كَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا، وَلَوْ قَتَلَ لَأُقِيدَ بِالْمَقْتُولِ وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا. وَحُبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ مِنْ حُبِّ عَلِيٍّ، وَلَوْ تَرَكَ رَجُلٌ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَفَعَلَ الْكَبَائِرَ لَضَرَّهُ ذَلِكَ مَعَ حُبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ مَعَ حُبِّ عَلِيٍّ؟ .
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/457 - 458
(2) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: وَلَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ. . . وَالْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَجَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، 5/23 كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ ذِكْرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ 4/175 كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ بَابُ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ وَنَصُّهُ فِيهِ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ. الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ 8/160 كِتَابُ الْحُدُودِ بَابُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، مُسْلِمٌ 3/1315 - 1316 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/188 كِتَابُ الْحُدُودِ بَابُ فِي الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيِّ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ.
(5/74)

ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُحِبِّينَ لَهُ الَّذِينَ رَأَوْهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ هُوَ دَائِمًا يَذُمُّهُمْ وَيَعِيبُهُمْ (1) وَيَطْعَنُ عَلَيْهِمْ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ فِعْلِهِمْ بِهِ (2) ، وَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبْدِلَهُ بِهِمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَيُبْدِلَهُمْ بِهِ شَرًّا مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا ذُنُوبُهُمْ بِتَخَاذُلِهِمْ فِي الْقِتَالِ مَعَهُ وَمَعْصِيَتِهِمْ لِأَمْرِهِ. فَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ خِيَارَ الشِّيعَةِ وَعَلِيٌّ يُبَيِّنُ أَنَّ تِلْكَ الذُّنُوبَ تَضُرُّهُمْ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا لِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ أُولَئِكَ؟ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا (3) الْقَوْلُ كُفْرٌ ظَاهِرٌ (4) يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ هَذَا مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " «وَبُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ» " فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا فَكُفْرُهُ هُوَ الَّذِي أَشْقَاهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا نَفَعَهُ إِيمَانُهُ وَإِنْ أَبْغَضَهُ (5) .
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ (6) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:] (7) حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ يَوْمًا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ، وَمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَقَوْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَا وَهَذَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» . هُمَا حَدِيثَانِ
_________
(1) وَيَعِيبُهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (م) .
(3) أ، ب: وَبِالْجُمْلَةِ هَذَا.
(4) ظَاهِرٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(5) هُنَا يَنْتَهِي السَّقْطُ الطَّوِيلُ فِي (ح) ، (ر) ، (ي) .
(6) ح، ر: وَمِنْهَا الَّذِي ذَكَرَهُ، ي: وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ.
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) ، (ي) .
(5/75)

مَوْضُوعَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (1) . وَعِبَادَةُ سَنَةٍ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كُلَّ يَوْمٍ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُ حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ شَهْرًا؛ فَضْلًا عَنْ حُبِّهِمْ يَوْمًا.
وَكَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قَامَتْ بِالرُّسُلِ فَقَطْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 165] . وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ الرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ أَوِ الْأَوْصِيَاءِ (2) أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَوِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ النَّارَ " مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ (3) بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ (4) ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ لَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَعْمَلُوا صَالِحًا، وَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا عَلِيًّا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَخْطُرْ بِقُلُوبِهِمْ لَا حُبُّهُ وَلَا بُغْضُهُ.
_________
(1) لَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ. أَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَقَدْ وَصَفَهُ بِالْوَضْعِ وَتَكَلَّمَ عَلَى رُوَاتِهِ الْوَضَّاعِينَ كُلٌّ مِنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ 1/382 - 383 وَالسُّيُوطِيِّ فِي اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ، 1/365 - 366 وَالشَّوْكَانِيِّ فِي الْفَوَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ ص 373. وَلَمْ يَنْقُلِ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَعَادَتِهِ كَلَامَ ابْنِ الْمُطَهَّرِ بِنَصِّهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَهُ هُنَا مُبَاشَرَةً مَعَ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ؛ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْمُطَهَّرِ فِي ك ص 131 (م) ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَوْمًا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ، وَمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِذْ أَقْبَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: أَنَا وَهَذَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.
(2) أَوِ الْأَوْصِيَاءِ: كَذَا فِي (أ) ، (ي) (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَالْأَوْصِيَاءِ.
(3) و: الْمَكْذُوبَاتِ، وَهَذَا الْكَلَامُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي (ك) ، ص 131 (م) بِهَذَا النَّصِّ، وَلَمْ يُفْرِدْهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ كَعَادَتِهِ مِنْ قَبْلُ.
(4) ن، م: أَهْلِ الْعِلْمِ، و: أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
(5/76)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 112] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ 69] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أُولَئِكَ {جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 133 - 136] (1) فَهَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حُبِّ عَلِيٍّ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا - إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [سُورَةُ الْمَعَارِجِ 19 - 22] (2) إِلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [سُورَةُ الْمَعَارِجِ 35] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ حُبُّ عَلِيٍّ.
وَقَدْ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَّةُ وُفُودٍ، وَآمَنُوا بِهِ، وَآمَنَ
_________
(1) ن، م: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) .
(2) جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ كَامِلَةً فِي (أ) ، (ب) ، فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: (هَلُوعًا) إِلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ) .
(5/77)

بِهِ طَوَائِفُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ، وَهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا بِذِكْرِ عَلِيٍّ وَلَا عَرَفُوهُ، وَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى دَعْوَى حُبِّهِ الشِّيعَةُ الرَّافِضَةُ (1) وَالنُّصَيْرِيَّةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَجُمْهُورُهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، بَلْ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ.

فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْعَهْدِ الَّذِي عَهِدَهُ اللَّهُ (2) فِي عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ رَايَةُ الْهُدَى وَإِمَامُ الْأَوْلِيَاءِ، وَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمَهَا لِلْمُتَّقِينَ (3) إِلَخْ (4) .
_________
(1) أ، ب، ت، م، و: الشِّيعَةُ وَالرَّافِضَةُ.
(2) أ، م، ح، ب: عَهِدَ اللَّهُ.
(3) أ، ب، م: الْمُتَّقِينَ.
(4) نَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْمُطَهَّرِ فِي (ك) ص 131: وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ بَيِّنْهُ لِي، فَقَالَ: اسْمَعْ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ، فَقَالَ: إِنَّ عَلِيًّا رَايَةُ الْهُدَى، وَإِمَامُ الْأَوْلِيَاءِ، وَنُورُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا الْمُتَّقِينَ، مَنْ أحَبَّهُ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُ أَبْغَضَنِي، فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ. فَجَاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَبَشَّرْتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَفِي قَبْضَتِهِ، فَإِنْ يُعَذِّبْنِي فَبِذُنُوبِي، وَإِنَّ يُتِمَّ لِيَ الَّذِي بَشَّرْتَنِي فَاللَّهُ أَوْلَى بِي، قَالَ: فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجْلِ قَلْبَهُ، وَاجْعَلْ رَبِيعَهُ الْإِيمَانَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَ إِلَيَّ أَنَّهُ سَيَخُصُّهُ مِنَ الْبَلَاءِ شَيْءٌ لَمْ يُخَصَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَخِي وَصَاحِبِي، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ، إِنَّهُ مُبْتَلًى وَمُبْتَلًى بِهِ، وَرَوَى صَاحِبُ كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: آمَنَ (فِي الْأَصْلِ: أُومِنَ) مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي بِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَنْ تَوَلَّاهُ فَقَدْ تَوَلَّانِي، وَمَنْ تَوَلَّانِي فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: يَا عَلِيُّ مَنْ سَبَّكَ فَقَدْ سَبَّنِي، وَمَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ سَبَّ اللَّهَ أَكَبَّهُ عَلَى مَنْخَرَيْهِ فِي النَّارِ. وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ مِنْ قِبَلِ الْمُخَالِفِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، لَكِنِ اقْتَصَرْنَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ.
(5/78)

فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ (1) وَالْعِلْمُ. وَمُجَرَّدُ رِوَايَةِ صَاحِبِ الْحِلْيَةِ وَنَحْوِهِ (2) لَا تُفِيدُ وَلَا تَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ ; فَإِنَّ صَاحِبَ الْحِلْيَةِ قَدْ رَوَى فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً، بَلْ مَوْضُوعَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (3) ، وَهُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ أَهْلِ (4) الْحَدِيثِ ثِقَاتٌ فِيمَا يَرْوُونَهُ عَنْ شُيُوخِهِمْ، لَكِنَّ الْآفَةَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ. وَهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا فِي النَّقْلِ عَمَّنْ نَقَلُوا عَنْهُ، لَكِنْ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ أَوْ يَغْلَطُ، وَهُمْ يُبَلِّغُونَ عَمَّنْ حَدَّثَهُمْ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَيَرْوُونَ الْغَرَائِبَ لِتُعْرَفَ. وَعَامَّةُ الْغَرَائِبِ ضَعِيفَةٌ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: " اتَّقُوا هَذِهِ الْغَرَائِبَ، فَإِنَّ عَامَّتَهَا ضَعِيفَةٌ ".
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: هُوَ كَلِمَةُ التَّقْوَى. مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ (5) ، فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُ (كَلِمَةً) مِنْ جِنْسِ تَسْمِيَةِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلِمَةَ اللَّهِ (6) وَالْمَسِيحُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَثَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ مَخْلُوقٌ كَمَا خُلِقَ
_________
(1) بِالْحَدِيثِ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(2) وَنَحْوِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ح) ، (ب) ، (ر) .
(3) أ، ب: بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ عَنِ السُّلَمِيِّ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/46 - 47. قِيلَ: كَانَ يَضَعُ الْأَحَادِيثَ لِلصُّوفِيَّةِ، وَانْظُرْ لِسَانَ الْمِيزَانِ 5/140 - 141 وَسَبَقَتْ تَرْجَمَةُ السُّلَمِيِّ 2/465.
(4) ح، ب: وَأَهْلِ.
(5) ن، م: أَنَّهُ كَذِبٌ.
(6) كَلِمَةَ اللَّهِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: كَلِمَةً.
(5/79)

سَائِرُ النَّاسِ.
وَكَلِمَةُ التَّقْوَى مِثْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُصَدِّقُ الْمُؤْمِنُونَ بِمَضْمُونِهَا إِنْ كَانَتْ خَبَرًا (1) ، وَيُطِيعُونَهَا إِنْ كَانَتْ أَمْرًا، فَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
وَكَلِمَةُ التَّقْوَى اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كَلِمَةٍ يُتَّقَى اللَّهُ فِيهَا (2) ، وَهُوَ الصِّدْقُ وَالْعَدْلُ.
فَكُلُّ مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ فِي خَبَرِهِ، وَالْعَدْلَ فِي أَمْرِهِ فَقَدْ لَزِمَ كَلِمَةَ التَّقْوَى. وَأَصْدَقُ الْكَلَامِ وَأَعْدَلُهُ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهُوَ أَخَصُّ الْكَلِمَاتِ بِأَنَّهَا كَلِمَةُ التَّقْوَى.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَمَّارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ كِلَاهُمَا مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ (3) .
_________
(1) أ، ن، م، و: خَيْرًا.
(2) ح، ب، ق: بِهَا.
(3) لَمْ أَجِدْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.
(5/80)

[قول الرافضي " المطاعن في الصحابة كثيرة إلا آل البيت " والرد عليه]
فَصْلٌ (1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : وَأَمَّا الْمَطَاعِنُ فِي الْجَمَاعَةِ فَقَدْ نَقَلَ الْجُمْهُورُ مِنْهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً (3) حَتَّى صَنَّفَ الْكَلْبِيُّ كِتَابًا فِي مَثَالِبِ (4) الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْقَصَةً وَاحِدَةً لِأَهْلِ الْبَيْتِ (5) .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: قَبْلَ (6) الْأَجْوِبَةُ الْمُفَصَّلَةُ عَمَّا يَذْكُرُ مِنَ الْمَطَاعِنِ أَنَّ مَا يُنْقَلُ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمَثَالِبِ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ كَذِبٌ، إِمَّا كَذِبٌ كُلُّهُ، وَإِمَّا مُحَرَّفٌ قَدْ دَخَلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَى الذَّمِّ وَالطَّعْنِ. وَأَكْثَرُ الْمَنْقُولِ مِنَ الْمَطَاعِنِ الصَّرِيحَةِ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْوِيهَا الْكَذَّابُونَ الْمَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ، مِثْلَ أَبِي مُخَنَّفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى (7) ، وَمِثْلُ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الْكَذَّابِينَ. وَلِهَذَا اسْتَشْهَدَ هَذَا الرَّافِضِيُّ بِمَا صَنَّفَهُ هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَكْذَبِ
_________
(1) ي، ر: الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ فَصْلٍ مِنْ (ح) ، (أ) .
(2) عِبَارَةُ " قَالَ الرَّافِضِي " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ، ص 132 (م) ، وَيَسْتَغْرِقُ الرَّدُّ عَلَيْهِ حَوَالَيْ مِائَةِ صَفْحَةٍ مِنْ نُسْخَةِ (ب) 3/19 - 116
(3) ن، م، و: شَيْئًا كَثِيرًا.
(4) ك: كِتَابًا كُلُّهُ فِي مَثَالِبِ.
(5) ك: أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، و: لِأَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
(6) و: فَيُقَالُ قِيلَ.
(7) سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 1/59
(5/81)

النَّاسِ (1) ؛ وَهُوَ شِيعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ (2) . وَعَنْ أَبِي مُخَنَّفٍ، وَكِلَاهُمَا مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذَا: " الْكَلْبِيُّ مَا ظَنَنْتُ (3) أَنَّ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْهُ (4) ، إِنَّمَا هُوَ صَاحِبُ سَمَرٍ وَشُبَهٍ (5) ". وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: " هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْأَسْمَارُ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ فِي الْمُسْنَدِ شَيْئًا، وَأَبُوهُ أَيْضًا كَذَّابٌ ". وَقَالَ زَائِدَةُ وَاللَّيْثُ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ (6) : هُوَ كَذَّابٌ. وَقَالَ يَحْيَى: " لَيْسَ بِشَيْءٍ (7) كَذَّابٌ سَاقِطٌ ". وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ (8) : " وُضُوحُ الْكَذِبِ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْإِغْرَاقِ (9) فِي وَصْفِهِ ".
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا هُوَ صِدْقٌ. وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُمْ فِيهَا مَعَاذِيرُ تُخْرِجُهَا
_________
(1) سَبَقَتْ تَرْجَمَةُ هِشَامٍ الْكَلْبِيِّ فِيمَا مَضَى 1/59 وَتَرْجَمَتُهُ عِنْدَ سزكين م [0 - 9] ج [0 - 9] ص 51 - 57 وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ كُتُبِهِ الْمَوْجُودَةِ كِتَابَ مَثَالِبِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الزِّرِكْلِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَعْلَامِ 9/87 وَبُرُوكِلْمَان فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ 3/30 - 33 وَلَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا جَمِيعًا كِتَابَ مَثَالِبِ الْعَرَبِ، وَذَكَرَ بُرُوكِلْمَان أَنَّ الْكَلْبِيَّ تَكَلَّمَ عَلَى مَثَالِبِ الْأُمَوِيِّينَ، وَذَكَرَ خَبَرَ كِتَابَتِهِ فِي مَثَالِبِ الْأُمَوِيِّينَ الطَّبَرَيُّ فِي تَارِيخِهِ وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الْأُسْتَاذُ أَحْمَد أَمِين فِي ضُحَى الْإِسْلَامِ 2/27 الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ 1317 1952
(2) انْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ مُحِبُّ الدِّينِ الْخَطِيبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ فِي الْمُنْتَقَى ص 318 - 319
(3) و: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَا ظَنَنْتُ.
(4) ن، م: يَرْوِي عَنْهُ.
(5) وَشُبَهٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (أ) ، (ب) ، (ر) : وَسَنَبٍ، وَفِي (ق) ذُنُوبًا وَشُبَهٍ.
(6) ن: سُلَيْمَانُ وَالتَّيْمِيُّ.
(7) عِبَارَةُ " لَيْسَ بِشَيْءٍ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8) ن، و، ر: ابْنُ حِيَّانَ.
(9) ن، أ: الْإِعْرَافُ، و: الِاعْتِرَافُ، ح: التَّعْرِيفُ، ق: الْإِغْرَابُ.
(5/82)

عَنْ أَنْ تَكُونَ ذُنُوبًا، وَتَجْعَلُهَا مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي إِنْ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ.

وَعَامَّةُ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَنْبًا مُحَقَّقًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِيمَا عُلِمَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَسَوَابِقِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ الذَّنْبَ الْمُحَقَّقَ يَرْتَفِعُ عِقَابُهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
مِنْهَا (1) : التَّوْبَةُ الْمَاحِيَةُ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِمَامِيَّةِ (2) أَنَّهُمْ تَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْهُمْ.
وَمِنْهَا: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ لِلذُّنُوبِ ; فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 3] وَمِنْهَا: الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ.
وَمِنْهَا: دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَشَفَاعَةُ نَبِيِّهِمْ، فَمَا مِنْ سَبَبٍ يَسْقُطُ بِهِ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ (3) إِلَّا وَالصَّحَابَةُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَهُمْ أَحَقُّ بِكُلِّ مَدْحٍ، وَنَفْيِ كُلِّ ذَمٍّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ.

[قاعدة جامعة " لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ]
[الكلام فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَتَأْثِيمِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ]
وَنَحْنُ نَذْكُرُ قَاعِدَةً جَامِعَةً فِي هَذَا الْبَابِ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ فَنَقُولُ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزَيْئَاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِلَّا فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ [فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ] (4) .
_________
(1) و: أَحَدُهَا.
(2) و: عَنْ أَئِمَّتِهِمْ.
(3) مِنَ الْأُمَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/83)

فَنَقُولُ: النَّاسُ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَتَأْثِيمِهِمْ وَعَدَمِ تَأْثِيمِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ أُصُولًا جَامِعَةً نَافِعَةً.
الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَعْرِفَ بِاجْتِهَادِهِ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا نِزَاعٌ؟ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَاجْتَهَدَ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْحَقِّ، بَلْ قَالَ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَقَّ (1) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: هَلْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ أَمْ لَا؟ .
هَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ; كُلُّ قَوْلِ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ النُّظَّارِ.
الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلًا يُعْرَفُ بِهِ، يُمْكِنُ كُلَّ مَنِ اجْتَهَدَ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ أَوْ فُرُوعِيَّةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لَا لِعَجْزِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: وَهُوَ قَوْلٌ (2) طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: أَمَّا الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ فَعَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُعْرَفُ بِهَا، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَفْرِغْ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَيَأْثَمُ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَهُمْ فِيهَا مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالْعِلْمِيَّةِ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، مَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ آثِمٌ. وَهَؤُلَاءِ
_________
(1) الْحَقَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(2) ن، م: وَقَوْلُ.
(5/84)

الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَفَرْعِيَّةٍ، وَكُلُّ مَنْ سِوَى الْمُصِيبِ فَهُوَ آثِمٌ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَالْخَطَأُ وَالْإِثْمُ عِنْدَهُمْ مُتَلَازِمَانِ. وَهَذَا قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ (1) إِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَهُ آثِمٌ مُخْطِئٌ كَالْعِلْمِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ فِي الْبَاطِنِ، وَحُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ وَافَقُوا الْأَوَّلِينَ فِي أَنَّ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَانِ (2) ، وَأَنَّ كُلَّ مُخْطِئٍ آثِمٌ، لَكِنْ خَالَفُوهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَقَالُوا: لَيْسَ فِيهَا قَاطِعٌ.
وَالظَّنُّ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَيْلِ النُّفُوسِ إِلَى شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ. فَجَعَلُوا الِاعْتِقَادَاتِ الظَّنِّيَّةَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ [حُكْمٌ مَطْلُوبٌ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا ثَمَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ] (3) أَمَارَةٌ أَرْجَحُ مِنْ أَمَارَةٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ كَالْجِبَائِيِّ وَابْنِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَشْهَرُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا كَثِيرًا [فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ] (4) .
_________
(1) ح، م: الْعِلْمِيَّةَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(2) ن، م، و: يَتَلَازَمَانِ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ن، (م) .
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/85)

وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، يَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ (1) الِاجْتِهَادِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فَهُوَ مُصِيبٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ (2) عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ اللَّهِ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُخْطِئًا وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ فَهُوَ آثِمٌ عِنْدَهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُسْتَدِلَّ قَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ، وَقَدْ يَعْجِزُ (3) عَنْ ذَلِكَ، لَكِنْ إِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ لَا يُعَاقِبُهُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، بَلْ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: قَدْ عُلِمَ بِالسَّمْعِ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُخْتَلِفُونَ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِيَّاتِ، فَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: لَا عَذَابَ فِيهَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّ (4) الشَّارِعَ عَفَا عَنِ الْخَطَأِ فِيهَا، وَعُلِمَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى
_________
(1) ن، م: الْفُرُوعِيَّةِ.
(2) أ، ب: إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ.
(3) ن، م: وَهُوَ يَعْجِزُ.
(4) ن، م: أ،: إِنَّ.
(5/86)

الْمُخْطِئِ فِيهَا. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّ (1) الْخَطَأَ فِي الظَّنِّيَّاتِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ. وَأَمَّا الْقَطْعِيَّاتُ فَأَكْثَرُهُمْ يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ فِيهَا، وَيَقُولُ: إِنَّ السَّمْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤَثِّمُهُ. وَالْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ (2) هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ. وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ.
وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ: هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ، لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا لَا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ (3) ، وَيُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ. وَالْكَافِرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ.
وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ: إِنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يُؤَثِّمُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّةٍ.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ
_________
(1) ن، م: إِنَّ.
(2) و: الْقَنْبُرِيِّ، وَهُوَ خَطَأٌ، انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7/7 - 8 وَفِيهِ: مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
(3) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطَّابِيَّةِ 1/62
(5/87)

مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ. وَانْتَقَلَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى أَقْوَامٍ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَلَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا غَوْرَهُ.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَمَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ (1) فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ، بَلْ وَلَا قَالَهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَهِيَ بَاطِلَةٌ عَقْلًا ; فَإِنَّ الْمُفَرِّقِينَ (2) بَيْنَ مَا جَعَلُوهُ مَسَائِلَ أُصُولٍ وَمَسَائِلَ فُرُوعٍ لَمْ يُفَرِّقُوا (3) بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ صَحِيحٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، بَلْ ذَكَرُوا ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ أَوْ أَرْبَعَةً كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَسَائِلُ الْأُصُولِ هِيَ الْعِلْمِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ فَقَطْ، وَمَسَائِلُ الْفُرُوعِ هِيَ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْعَمَلُ.
قَالُوا: وَهَذَا فَرْقٌ (4) بَاطِلٌ ; فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ فِيهَا مَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، مِثْلَ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ. وَفِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَا لَا يَأْثَمُ الْمُتَنَازِعُونَ فِيهِ، كَتَنَازُعِ الصَّحَابَةِ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ لَا؟ وَمَا أَرَادَ بِمَعْنَاهُ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ: هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ مَعَانِي الْقُرْآنِ
_________
(1) ح: كَمَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ، ب: كَمَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ، أ: كَمَا أَنَّهُ مُحْدَثَةٌ.
(2) ن، م، ر، ح، ي: فَإِنَّ الْفَرْقَ.
(3) و: لَمْ يُفَصِّلُوا.
(4) ن، م: الْفَرْقُ.
(5/88)

وَالسُّنَّةِ: هَلْ أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَذَا وَكَذَا؟ وَكَتَنَازُعِ النَّاسِ فِي دَقِيقِ الْكَلَامِ: كَمَسْأَلَةِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; فَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْفِيرٌ وَلَا تَفْسِيقٌ.
قَالُوا: وَالْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ فِيهَا عِلْمٌ وَعَمَلٌ؛ فَإِذَا كَانَ الْخَطَأُ مَغْفُورًا فِيهَا (1) ، فَالَّتِي فِيهَا عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ فِيهَا مَغْفُورًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَالْفَرْعِيَّةُ (2) مَا لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.
قَالَ أُولَئِكَ: وَهَذَا الْفَرْقُ خَطَأٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَ مَنْ عَرَفَهَا، وَغَيْرُهُمْ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَفِيهَا مَا هُوَ قَطْعِيٌّ بِالْإِجْمَاعِ، كَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ، ثُمَّ لَوْ أَنْكَرَهَا الرَّجُلُ بِجَهْلٍ وَتَأْوِيلٍ لَمْ يَكْفُرْ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، كَمَا أَنَّ جَمَاعَةً اسْتَحَلُّوا شُرْبَ (3) الْخَمْرِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، مِنْهُمْ قُدَامَةُ، وَرَأَوْا أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُمْ، وَلَمْ يُكَفِّرْهُمُ الصَّحَابَةُ حَتَّى بَيَّنُوا لَهُمْ خَطَأَهُمْ فَتَابُوا وَرَجَعُوا.
وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَائِفَةٌ أَكَلُوا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ (4) لَهُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يُؤَثِّمْهُمْ (5) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضْلًا عَنْ تَكْفِيرِهِمْ، وَخَطَؤُهُمْ قَطْعِيٌّ.
وَكَذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَدْ قَتَلَ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ، وَكَانَ خَطَؤُهُ قَطْعِيًّا.
_________
(1) فِيهَا سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) ن، م، و، ي، أ: وَالْفُرُوعِيَّةُ.
(3) شُرْبَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) أ، ر، ح، ب، ي، و: تَبَيَّنَ.
(5) ن، م: ثُمَّ لَمْ يُؤَثِّمْهُمُ.
(5/89)

وَكَذَلِكَ الَّذِينَ وَجَدُوا رَجُلًا فِي غَنَمٍ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ، كَانَ خَطَؤُهُمْ قَطْعِيًّا. وَكَذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمَّا قَتَلَ بَنِي جُذَيْمَةَ وَأَخَذَ (1) أَمْوَالَهُمْ كَانَ مُخْطِئًا قَطْعًا. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ تَيَمَّمُوا إِلَى الْآبَاطِ. وَعَمَّارُ الَّذِي تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ لِلْجَنَابَةِ [كَمَا تَمَعَّكُ الدَّابَّةُ، بَلْ وَالَّذِينَ أَصَابَتْهُمْ جَنَابَةٌ فَلَمْ يَتَيَمَّمُوا وَلَمْ يُصَلُّوا] (2) كَانُوا مُخْطِئِينَ قَطْعًا.
وَفِي زَمَانِنَا لَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا وُجُوبَ الْحَجِّ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، لَمْ يُحَدُّوا عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَشَأُوا بِمَكَانِ جَهْلٍ.
وَقَدْ زَنَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ امْرَأَةٌ فَلَمَّا أَقَرَّتْ بِهِ، قَالَ عُثْمَانُ (3) : إِنَّهَا لَتَسْتَهِلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ (4) أَنَّهُ حَرَامٌ. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ التَّحْرِيمَ لَمْ يَحُدُّوهَا. وَاسْتِحْلَالُ الزِّنَا خَطَأٌ قَطْعًا.
وَالرَّجُلُ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْفَجْرِ فَأَكَلَ، فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَضَاءِ نِزَاعٌ. وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَقَدَ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
_________
(1) و: وَأَكَلَ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(3) ن، م: قَالَ عُمَرُ.
(4) ح، ب: مَنْ لَا يَعْلَمُ.
(5/90)

وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 286] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْتُ (1) . وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْخَطَأِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ (2) ، بَلْ لَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ إِلَّا إِذَا كَانَ (3) أَخْطَأَ قَطْعًا.
قَالُوا: فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُخْطِئَ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ ظَنِّيَّةٍ (4) يَأْثَمُ، فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً هُوَ أَمْرٌ (5) إِضَافِيٌّ بِحَسْبِ حَالِ الْمُعْتَقِدِينَ، لَيْسَ هُوَ وَصْفًا لِلْقَوْلِ فِي نَفْسِهِ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْطَعُ بِأَشْيَاءَ عَلِمَهَا بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالنَّقْلِ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ عِنْدَهُ، وَغَيْرُهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ ذَكِيًّا قَوِيَّ الذِّهْنِ سَرِيعَ الْإِدْرَاكِ عِلْمًا وَظَنًّا (6) فَيَعْرِفُ مِنَ الْحَقِّ وَيَقْطَعُ بِهِ مَا لَا يَتَصَوَّرُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْرِفُهُ لَا عِلْمًا وَلَا ظَنًّا؛ فَالْقَطْعُ وَالظَّنُّ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَبِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ.
وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً لَيْسَ هُوَ صِفَةً مُلَازِمَةً لِلْقَوْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، حَتَّى يُقَالَ: كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ قَدْ خَالَفَ الْقَطْعِيَّ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِحَالِ النَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعْتَقِدِ، وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِفَرْقٍ ثَالِثٍ، وَقَالَ: الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ هِيَ الْمَعْلُومَةُ
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/320
(2) ح، ب: الْقَطْعِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ ظَنِّيَّةٍ وَالظَّنِّيِّ.
(3) كَانَ: زِيَادَةً فِي (أ) ، (ب) .
(4) أَوْ ظَنِّيَّةٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) ، (ي) .
(5) و: فَرْقٌ.
(6) عِلْمًا وَظَنًّا: زِيَادَةٌ فِي (و) .
(5/91)

بِالْعَقْلِ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ (1) اسْتَقَلَّ الْعَقْلُ بِدَرَكِهَا (2) ، فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ مُخَالِفُهَا. وَالْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ هِيَ الْمَعْلُومَةُ بِالشَّرْعِ. قَالُوا: فَالْأَوَّلُ كَمَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ، وَالثَّانِي كَمَسَائِلِ الشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ النَّارِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ بِالضِّدِّ أَوْلَى ; فَإِنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ (3) أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ (4) . فَالْكَافِرُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَافِرًا، وَالْفَاسِقُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَاسِقًا، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْمُسْلِمَ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُؤْمِنًا وَمُسْلِمًا، وَالْعَدْلُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَدْلًا، وَالْمَعْصُومُ الدَّمِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ، وَالسَّعِيدُ فِي الْآخِرَةِ مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالشَّقِيُّ فِيهَا مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ أَنَّهُ شَقِيٌّ فِيهَا، وَالْوَاجِبُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِمِيرَاثِ الْمَيِّتِ مَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَارِثِينَ، وَالَّذِي يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (5) مُبَاحَ الدَّمِ بِذَلِكَ، [وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْفَيْءِ وَالْخُمُسِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ] (6) ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ (* مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ
_________
(1) أ: عَقْلِيَّةٍ.
(2) ن: اشْتَغَلَ الْعَقْلُ بِذِكْرِهَا، اسْتَقَلَّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهَا.
(3) ن: وَالْفُسُوقَ.
(4) ن: الَّتِي يَشْتَغِلُ الْعَقْلُ بِهَا، ر، ح، ي: الَّتِي تَسْتَقِلُّ بِالْعَقْلِ، م: الَّتِي يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ.
(5) وَرَسُولُهُ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/92)

وَرَسُولُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ *) (1) وَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ.

وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ فَمِثْلُ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، مِثْلَ كَوْنِ هَذَا الْمَرَضِ يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ الْفُلَانِيُّ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يُعْلَمُ (2) بِالتَّجْرِبَةِ وَالْقِيَاسِ وَتَقْلِيدِ الْأَطِبَّاءِ الَّذِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ بِقِيَاسٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ. وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَذَا مِمَّا (3) يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ أَوِ اخْتِلَافِهَا، وَجَوَازِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَامْتِنَاعِ بَقَائِهَا ; فَهَذِهِ وَنَحْوُهَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْنُ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا وَعَدْلًا وَفَاسِقًا هُوَ مِنَ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ لَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَيْسَ كَافِرًا، وَمَنْ خَالَفَ مَا ادَّعَى غَيْرُهُ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِعَقْلِهِ كَافِرًا؟ وَهَلْ يَكْفُرُ أَحَدٌ بِالْخَطَأِ فِي مَسَائِلِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَدَقِيقِ الْكَلَامِ؟ .
فَإِنْ قِيلَ: هَؤُلَاءِ لَا يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ خَالَفَ مَسْأَلَةً عَقْلِيَّةً، لَكِنْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَ الْمَسَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ الرَّسُولِ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا (4) : [عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ] (5) ، فَإِذَا أَخْطَأَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ فَيَكُونُ كَافِرًا.
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ح) .
(2) ن: يُعْرَفُ.
(3) ن: هُوَ مِمَّا.
(4) عَلَيْهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) ، (ي) .
(5) عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ: فِي (ح) ، (ر) ، (ي) ، (م) فَقَطْ.
(5/93)

قِيلَ: تَصْدِيقُ الرَّسُولِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ، بَلْ مَا جَعَلَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ أَصْلًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ: إِنَّهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِأَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُعْلَمَ (1) أَنَّ الْأَجْسَامَ مُحْدَثَةٌ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعِلْمِ (2) بِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنَ الْحَوَادِثِ: إِمَّا الْأَعْرَاضُ مُطْلَقًا، وَإِمَّا الْأَكْوَانُ (3) ، وَإِمَّا الْحَرَكَاتُ، وَلَا يُعْلَمُ حُدُوثُهَا (4) حَتَّى يُعْلَمَ امْتِنَاعُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الرَّبَّ غَنِيٌّ، وَلَا يُعْلَمَ غِنَاهُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَزْعُمُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّهَا أُصُولٌ لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِدُونِهَا، هِيَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ إِيمَانَ النَّاسِ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا، بَلْ وَلَا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، وَلَا ذُكِرَتْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْأُصُولَ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ (5) صِدْقُ الرَّسُولِ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ، كَمَا قَدْ بُيِّنَ (6) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا أُصُولًا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِهَا، وَأَنَّ مَعْرِفَتَهَا شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ، أَوْ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ هُمْ مِنْ أَهْلِ
_________
(1) ح، أ، ر، ي: وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ نَعْلَمَ.
(2) بِالْعِلْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) ن، م، ب: الْأَلْوَانُ.
(4) ح: وَلَا نَعْلَمُ حَدَثَهَا.
(5) ر، ح، ي: الَّتِي نَعْلَمُ بِهَا.
(6) ن: تَبَيَّنَ.
(5/94)

الْبِدَعِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أُصُولَهُمْ بِدْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَأَمَّا الْحُذَّاقُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ، مُبْتَدَعَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّهَا تُنَاقِضُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُقَالُ إِنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ، كُفْرًا (1) ، فَهَؤُلَاءِ السَّالِكُونَ هَذِهِ الطُّرُقَ الْبَاطِلَةَ فِي الْعَقْلِ الْمُبْتَدَعَةِ فِي الشَّرْعِ هُمُ الْكُفَّارُ لَا مَنْ خَالَفَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرًا، فَلَا يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ أَقْوَالًا يَجْعَلُونَهَا وَاجِبَةً فِي الدِّينِ، بَلْ يَجْعَلُونَهَا مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ كَفِعْلِ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ مُكَفِّرًا لَهُمْ مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ، كَمَا لَمْ تُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ، مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا، وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ.
وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِالتَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ، وَالتَّأْثِيمِ وَنَفْيِهِ (2) ، وَالتَّكْفِيرِ وَنَفْيِهِ، لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ: قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ كُلَّ مُسْتَدِلٍّ قَادِرًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَيُعَذَّبُ كُلُّ مَنْ
_________
(1) ن: أُصُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) وَنَفْيِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/95)

لَمْ يَعْرِفْهُ، وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، بَلِ اللَّهُ يُعَذِّبُ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، فَيُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَنْبًا قَطُّ، وَيُنَعِّمُ مَنْ كَفَرَ وَفَسَقَ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ الْأَطْفَالَ وَالْمَجَانِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَنْبًا قَطُّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْزِمُ بِعَذَابِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا يَقَعُ، وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَغْفِرَ لِأَفْسَقِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، وَيُعَذِّبَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ عَلَى السَّيِّئَةِ الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، بَلْ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ.
وَأَصْلُ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي كُلِّ حَادِثٍ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَأُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ، وَطَوَائِفُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: أَصْلُ الْإِحْدَاثِ وَالْإِبْدَاعِ كَانَ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ خَلَقَ أَسْبَابًا وَحِكَمًا عَلَّقَ الْحَوَادِثَ بِهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ الْجَبْرِيَّةُ فِي الظُّلْمِ. فَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: الظُّلْمُ فِي حَقِّهِ هُوَ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِنَّهُ مُرِيدٌ لِكُلِّ مَا وَقَعَ، وَقِيلَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ يُعَذِّبُ الْعَاصِيَ، كَانَ هَذَا ظُلْمًا كَظُلْمِنَا، وَسَمَّوْا أَنْفُسَهُمُ الْعَدْلِيَّةَ. وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: الظُّلْمُ فِي حَقِّهِ هُوَ مَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ، فَأَمَّا كُلُّ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فَلَيْسَ بِظُلْمٍ ; فَإِنَّ الظُّلْمَ إِمَّا مُخَالَفَةُ أَمْرِ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ، وَإِمَّا التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ
(5/96)

إِذْنِهِ؛ فَالْإِنْسَانُ يُوصَفُ بِالظُّلْمِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ (1) يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَالرَّبُّ تَعَالَى لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ، وَلَا لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، بَلْ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ، فَكُلُّ مَا يُمْكِنُ فَلَيْسَ بِظُلْمٍ؛ بَلْ إِذَا نَعَّمَ فِرْعَوْنَ وَأَبَا جَهْلٍ وَأَمْثَالَهُمَا مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ، وَعَذَّبَ مُوسَى وَمُحَمَّدًا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ فَهُوَ مِثْلُ الْعَكْسِ، الْجَمِيعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ. وَلَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ يُنَعِّمُ الْمُطِيعِينَ وَأَنَّهُ يُعَذِّبُ الْعُصَاةَ صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ لِخَبَرِهِ الصَّادِقِ، لَا لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ. وَالْأَعْمَالُ عَلَامَاتٌ عَلَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، لَيْسَتْ أَسْبَابًا.
فَهَذَا قَوْلُ جَهْمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَتْبَاعِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا جَوَّزَ هَؤُلَاءِ أَنْ يُعَذِّبَ الْعَاجِزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَلَوِ اجْتَهَدَ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَسْبَابٌ لِلْحَوَادِثِ وَلَا حِكَمٌ، وَلَا فِي الْأَفْعَالِ صِفَاتٌ لِأَجْلِهَا كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا وَمَنْهِيًّا عَنْهَا، بَلْ عِنْدَهُمْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ (لَامُ كَيْ) .
وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَيُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيعَةً فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى عِبَادِهِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى قَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَوَاضِعَ، وَذَكَرْنَا فَصْلًا فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ، لَمَّا تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا نَسَبَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ إِلَى جَمِيعِ (2) أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْإِمَامَةِ وَالتَّفْضِيلِ، بَلْ مِنَ الشِّيعَةِ مَنْ يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا وَبِهَذَا.
_________
(1) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2) جَمِيعِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/97)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَصْوِيبِ الْمُتَنَازِعِينَ: مُصِيبِينَ أَوْ مُخْطِئِينَ، مُثَابِينَ أَوْ مُعَاقَبِينَ، مُؤْمِنِينَ أَوْ كُفَّارًا - هُوَ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا.

وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنِ اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ إِلَّا مَنْ تَرَكَ مَأْمُورًا بِهِ (1) أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ (2) الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ وَافَقُوا فِيهِ السَّلَفَ وَالْجُمْهُورَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَلَبَ وَاجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى الشَّيْءِ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِيهِ، بَلِ اسْتِطَاعَةُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ.
وَالْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ (3) : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَخُصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى الْكُفَّارِ حَتَّى آمَنُوا، وَلَا خَصَّ الْمُطِيعِينَ بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى الْعُصَاةِ حَتَّى أَطَاعُوا.
وَهَذَا مِنْ أَقْوَالِ (4) الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمُ الَّتِي خَالَفُوا بِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ، وَالْعَقْلَ الصَّرِيحَ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَلِهَذَا قَالُوا: إِنْ كُلَّ مُسْتَدِلٍّ فَمَعَهُ قُدْرَةٌ تَامَّةٌ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ.
_________
(1) بِهِ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(2) ن، م: وَهَذَا مِنْ قَوْلِ.
(3) يَقُولُونَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَجْعَلُونَ.
(4) ن، م: مِنْ قَوْلِ
(5/98)

وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ (1) فَكُلُّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ بَعْضُهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا، وَبَعْضُهُمْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ فَيَغْلَطُ، فَيَظُنُّ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ أَنَّهَا جِهَتُهَا، وَلَا يَكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ. لَكِنْ هُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ إِلَيْهَا، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فَعَجْزُهُ عَنِ الْعِلْمِ بِهَا كَعَجْزِهِ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا [كَالْمُقَيَّدِ وَالْخَائِفِ وَالْمَحْبُوسِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا] (2) .
وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَنْ عَصَاهُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ أَوْ فِعْلِ الْمَحْظُورِ. وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذَا وَافَقُوا الْجَمَاعَةَ، بِخِلَافِ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا: بَلْ يُعَذِّبُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي نَفْسِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ الْعَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 15] وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا فِي نَفْيِ الْعَذَابِ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَهُمْ يُجَوِّزُونَ التَّعْذِيبَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: يُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِ رَسُولًا لِأَنَّهُ فَعَلَ الْقَبَائِحَ الْعَقْلِيَّةَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: بَلْ يُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِيحًا قَطُّ كَالْأَطْفَالِ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى:
_________
(1) فِي السَّفَرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/99)

{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ 15] وَقَالَ تَعَالَى عَنِ النَّارِ: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [سُورَةُ الْمُلْكِ 8 - 9] . فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ أَنَّهُ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمُ الْخَزَنَةُ: هَلْ جَاءَهُمْ (1) نَذِيرٌ فَيَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ فَلَمْ يَبْقَ فَوْجٌ يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ.
وَقَالَ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [سُورَةُ ص: 85] فَقَدْ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَمْلَؤُهَا مِنْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَإِنَّمَا أَتْبَاعُهُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ ذَنْبًا لَمْ يُطِعْهُ، فَلَا يَكُونُ مِمَّنْ تُمْلَأُ (2) بِهِ النَّارُ، وَإِذَا مُلِئَتْ بِأَتْبَاعِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فِيهَا مَوْضِعٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ " (3) أَيْ تَقُولُ: حَسْبِي
_________
(1) ن، م: جَاءَكُمْ.
(2) ن، ر، ح، و، ي: تَمْتَلِئُ.
(3) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ 6/138 كِتَابُ التَّفْسِيرِ (سُورَةُ ق، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وَعَنْ أَنَسٍ فِيهِ 8/134 - 135 كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابُ الْحَلِفِ بِعَزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَمَالِهِ، وَعَنْهُ أَيْضًا 9/116 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ 9/134 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) وَجَاءَ الْحَدِيثُ أَيْضًا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ 4/2186 - 2188 كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةُ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، بَابُ النَّارِ يَدْخُلُهَا الْجَبَّارُونَ، وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ط. الْمَعَارِفِ 17/13 - 14 ط. الْحَلَبِيِّ 2/507
(5/100)

حَسْبِي. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ، فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فُضُولَ الْجَنَّةِ.» (1) . هَكَذَا رُوِيَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ غَلَطٌ قَالَ فِيهِ: " «وَأَمَّا النَّارُ فَيَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ» " (2) وَالْبُخَارِيُّ رَوَاهُ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ عَلَى الصَّوَابِ لِيُبَيِّنَ غَلَطَ هَذَا الرَّاوِي، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ غَلَطٌ فِي لَفْظٍ، ذَكَرَ أَلْفَاظَ سَائِرِ الرُّوَاةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الصَّوَابُ، وَمَا عَلِمْتُ وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ إِلَّا
_________
(1) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَفَظُهُ: (وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا) فِي الْبُخَارِيِّ 6/138 - 139 الْمَوْضِعُ السَّابِقُ ; مُسْلِمٍ 4/2186 - 2187 الْمَوْضِعُ السَّابِقُ. وَفِي مُسْلِمٍ 6/2188 عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (يَبْقَى مِنَ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ) وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى جَاءَ فِيهَا: (وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ) وَهِيَ فِي الْبُخَارِيِّ 9/117 الْمَوْضِعُ السَّابِقُ وَفِي مُسْلِمٍ 4/2188 (الْمَوْضِعُ السَّابِقُ) .
(2) لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي الْبُخَارِيِّ مَعَ طُولِ الْبَحْثِ وَلَكِنِّي وَجَدْتُ حَدِيثًا فِيهِ 9/134 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ: (وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا: قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيَرُدُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ) وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ فَتْحِ الْبَارِي 13/436 - 437: وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا، وَأَمَّا النَّارُ فَيَضَعُ فِيهَا قَدَمَهُ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلْقًا إِلَّا هَذَا. انْتَهَى، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ هَذَا الْوَضْعَ مَقْلُوبٌ، وَجَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَكَذَا أَنْكَرَ الرِّوَايَةَ شَيْخُنَا الْبَلْقِينِيُّ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ثُمَّ قَالَ: وَحَمْلُهُ عَلَى أَحْجَارٍ تُلْقَى فِي النَّارِ أَقْرَبُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ذِي رُوحٍ يُعَذَّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَدِيثِ 11/434: جَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي، صَوَابُهُ: (يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ) كَمَا تَقَدَّمَ بِرَقْمِ 4850 حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وَكَمَا فِي رَقْمِ 7384 حَدِيثِ أَنَسٍ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، فَتَبَيَّنَ مِنْهُمَا أَنَّ الرَّاوِيَ هُنَا سَبَقَ لَفْظُهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى النَّارِ، وَيُسَمُّونَهُ فِي مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ الْمُنْقَلِبَ. وَوَجَدْتُ كَلَامَ ابْنِ الْقَيِّمِ الْمُشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِهِ حَادِي الْأَرْوَاحِ إِلَى بِلَادِ الْأَفْرَاحِ ص 385 ط. الْمَدَنِيِّ 1398
(5/101)

وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ (1) الصَّوَابَ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي صَحِيحِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ غَلَطٌ، أَنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنِ الْحُفَّاظِ عَلَى مُسْلِمٍ. وَالْبُخَارِيُّ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ تَخْرِيجَ أَحَادِيثَ، لَكِنَّ الصَّوَابَ فِيهَا مَعَ الْبُخَارِيِّ، وَالَّذِي أُنْكِرَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَأَمَّا سَائِرُ مُتُونِهِمَا فَمِمَّا اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَصْدِيقِهَا وَتَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ لَا يَسْتَرِيبُونَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ - ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 130 - 131]
_________
(1) ر، ح: فِيهَا.
(5/102)

فَقَدْ خَاطَبَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَاعْتَرَفَ الْمُخَاطَبُونَ بِأَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلٌ يَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُنْذِرُونَهُمْ لِقَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ قَالَ: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أَيْ هَذَا بِهَذَا السَّبَبِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ كَانَ غَافِلًا مَا لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، فَكَيْفَ الطِّفْلُ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ؟ .
وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الظُّلْمُ هُوَ الْمُمْتَنِعَ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِظُلْمٍ، بَلْ كَيْفَمَا أَهْلَكَهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ عِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [سُورَةُ الْقَصَصِ: 59] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [سُورَةُ هُودٍ: 117] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [سُورَةُ طه 112] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الظُّلْمُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ، وَالْهَضْمُ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عُقُوبَتَهُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ظُلْمًا وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 286] وَقَوْلِهِ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 164] ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ - مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [سُورَةُ ق 28 - 29] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدَّمَ
(5/103)

بِالْوَعِيدِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (1) ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ - وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [سُورَةُ هُودٍ: 100 - 101] فَهُوَ سُبْحَانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِشِرْكِهِمْ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ تَكُونُ عُقُوبَتُهُ ظُلْمًا تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ - لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ - وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ الزُّخْرُفِ 74 - 76] .
وَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ: إِنْ كَانَ هُوَ الْمُمْتَنِعَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا؟ وَهَلْ أَحَدٌ يَخَافُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ؟ وَأَيُّ تَنْزِيهٍ فِي هَذَا؟ وَإِذَا قِيلَ: هُوَ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قِيلَ: هَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَأَيُّ مَدْحٍ فِي هَذَا مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ عَنِ الْعَالَمِينَ؟ (2) .
(* فَعُلِمَ أَنَّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ مَا هُوَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يُحْمَدُ وَيُثْنَى عَلَيْهِ ; فَإِنَّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ يَقَعُ بِالْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، كَعَامَّةِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْحَمْدِ، وَالشُّكْرُ أَخَصُّ
_________
(1) لِلْعَبِيدِ كَذَا فِي (ن) ، (م) ، (ي) : وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَهُمْ.
(2) ح، ر: عَنِ الْعَالَمِينَ الظَّالِمِينَ و، أ: عَنِ الظَّالِمِينَ.
(5/104)

مِنْ ذَلِكَ، يَكُونُ عَلَى النِّعَمِ، وَالْمَدْحُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؛ وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ فَإِنَّهُ تَنْزِيهٌ وَتَعْظِيمٌ، فَإِذَا سَبَّحَ بِحَمْدِهِ جَمَعَ لَهُ (1) بَيْنَ هَذَا وَهَذَا كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى حَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَمَعْنَى التَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ *) (2) .
وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 26] فَالِاتِّخَاذُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ وَقَدْ نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَعُلِمَ أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَنْهُ. وَالْجَبْرِيَّةُ (3) عِنْدَهُمْ لَا يُنَزَّهُ عَنْ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُ (4) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ فِيهِ: " «فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ. ثُمَّ يُقَالُ: لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا بِطَاقَةً؛ فَتُوضَعُ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ وَالسِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، فَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ وَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ» " (5) فَقَوْلُهُ: ( «لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ» ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُجَازَ بِتِلْكَ
_________
(1) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (م) ، (ر) ، (ح) ، (ي) .
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ جَاءَ فِي (ر) ، (ح) ، (ي) فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ.
(3) ر، ح: وَالْجَبْرِيِّينَ.
(4) وَغَيْرُهُ: زِيَادَةٌ فِي (و) .
(5) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/133 - 134 كِتَابِ الْإِيمَانِ بَابُ فِيمَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ رِوَايَتَيْنِ: رَقْمِ 2776، 2777 وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ الْأُولَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1437 كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ مَا يُرْجَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 11/197 - 200، 12/23 - 24 مُخْتَصَرًا، الْمُسْتَدْرَكُ لِلْحَاكِمِ 1/529 وَقَالَ الْحَاكِمُ: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ) وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا. . الْحَدِيثَ.)
(5/105)

الْحَسَنَاتِ وَتُوزَنْ حَسَنَاتُهُ مَعَ سَيِّئَاتِهِ، كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا يُقَدَّسُ (1) اللَّهُ عَنْهُ ; فَإِنَّهُ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 49] فَهَلْ يُقَالُ: هَذَا النَّفْيُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَعَ أَحَدٍ مَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ أَوْ لَا يَظْلِمُهُمْ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، بَلْ يُحْصِيهَا كُلَّهَا وَيُثِيبُهُمْ (2) عَلَيْهَا؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُثَابُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَلَا يُنْقَصُ شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَأَنَّ عُقُوبَتَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَبَخْسَ حَسَنَاتِهِ ظُلْمٌ يُنَزَّهُ (3) الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [سُورَةُ الْقَلَمِ: 35] وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [سُورَةُ ص: 28] . وَقَالَ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 21] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الْحُكْمِ السَّيِّئِ الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ
_________
(1) ن، م: تَقَدَّسَ.
(2) و: يَحْصُرُهَا كُلَّهَا وَيُثِيبُهُ.
(3) ن، م: تَنَزَّهَ.
(5/106)

فَقَدَ جَوَّزَ مُنْكَرًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; فَإِنَّ قَوْلَهُ: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [سُورَةُ الْقَلَمِ: 35] اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، فَعُلِمَ أَنَّ جَعْلَ هَؤُلَاءِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِاللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ. فَلَوْ كَانَ هَذَا وَضِدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً جَازَ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَهَذَا.
وَقَوْلُهُ: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 136] دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ سَيِّئٌ، وَالْحُكْمُ السَّيِّئُ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَجُوزُ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا. وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، فَقَدْ نَسَبَ إِلَيْهِ الْحُكْمَ السَّيِّئَ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، بَلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّفْضِيلُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ هُوَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْحُكْمِ الْحَسَنِ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ; فَإِذَا جَعَلَ النُّورَ كَالظُّلْمَةِ، [وَالْمُحْسِنَ كَالْمُسِيءِ] (1) ، وَالْمُسْلِمَ كَالْمُجْرِمِ كَانَ هَذَا ظُلْمًا وَحُكْمًا سَيِّئًا يُقَدَّسُ وَيُنَزَّهُ عَنْهُ (2) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 50] . وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ لَوْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ لَكَانَ حَسَنًا، وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حُكْمٌ حَسَنٌ وَحُكْمٌ غَيْرُ حَسَنٍ؛ بَلِ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ. فَكَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا؟ فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حَسَنٌ لَا أَحْسَنَ مِنْهُ؟ وَالْحُكْمُ الَّذِي يُخَالِفُهُ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) ن، م: سَيِّئًا تَنَزَّهَ عَنْهُ.
(5/107)

سَيِّئٌ لَيْسَ بِحَسَنٍ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ صِفَةٌ لِحُكْمِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْحُسْنُ إِلَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ (1) الْأَمْرُ، أَوْ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ؛ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ، وَلَمْ يُقَسَّمَ الْحُكْمُ إِلَى حَسَنٍ وَأَحْسَنَ ; لِأَنَّ عِنْدَهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ الرَّبُّ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ حَسَنٌ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ حُكْمٌ يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 124] (2) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَاسِبُ الرِّسَالَةَ، وَلَوْ كَانَ النَّاسُ مُسْتَوِينَ، وَالتَّخْصِيصُ بِلَا سَبَبٍ، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْعِلْمِ مَعْلُومٌ يَخْتَصُّ بِهِ مَحَلُّ الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ - كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ - أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [سُورَةُ الْقَمَرِ: 41 - 43] ، وَقَالَ: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [سُورَةُ الدُّخَانِ: 37] . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانُوا كُفَّارًا وَقَدْ عَذَّبْنَاهُمْ، فَالْكُفَّارُ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا لَيْسُوا خَيْرًا مِنْ أُولَئِكَ، بَلْ هُمْ مِثْلُهُمْ (3) اسْتَحَقُّوا مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا اسْتَحَقَّهُ أُولَئِكَ، وَلَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ. فَعُلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَيُفَضِّلُ صَاحِبَ الْخَيْرِ فَلَا يُسَوِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ دُونَهُ.
_________
(1) و: إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(2) ن، م، و: رِسَالَاتِهِ.
(3) و: بَلْ هُمْ مِنْهُمْ.
(5/108)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 2] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 4] ، وَالِاعْتِبَارُ أَنْ يَعْبُرَ مِنْهُمْ إِلَى أَمْثَالِهِمْ، فَيَعْرِفَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَمَا فَعَلُوا اسْتَحَقَّ كَمَا اسْتَحَقُّوا وَلَوْ كَانَ تَعَالَى قَدْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَقَدْ لَا يُسَوِّي، لَمْ يُمْكِنِ الِاعْتِبَارُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ (1) مِمَّا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِبَارُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حُكْمِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ (2) ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِبَارِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْكَلَامِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الِاعْتِبَارِ (3) يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ الرَّبَّ يَفْعَلُ هَذَا فِي حُكْمِهِ، فَإِذَا اعْتَبَرُوا بِهَا فِي أَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ لِدَلَالَةِ مُطْلَقِ الِاعْتِبَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلَّا اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى حُكْمِهِ الْخَلْقِيِّ الْكَوْنِيِّ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَهُوَ الَّذِي قُصِدَ بِالْآيَةِ فَدَلَالَتُهَا عَلَيْهِ أَوْلَى؟ .
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الذَّنْبِ مُتَمَاثِلَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ،
_________
(1) و: الْمَعْنَى.
(2) و: الْمَعْنَى.
(3) ح: لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ، ر: يَكُونُ الِاعْتِبَارُ.
(5/109)

بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَشْرَكْهُمَا فِي ذَلِكَ. وَإِذَا قِيلَ: هَذَا قَدْ عُلِمَ بِخَبَرِهِ. قِيلَ: هُوَ لَمْ يُخْبِرْ قَبْلُ بِهَذَا، بَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ حُكْمُهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ سِوَاهُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَيْضًا فَالنُّصُوصُ قَدْ أَخْبَرَتْ بِالْمِيزَانِ بِالْقِسْطِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ إِذَا زِيدَ فِي السَّيِّئَاتِ أَوْ نَقَصَ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَانَ ظُلْمًا يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَزِنُ الْأَعْمَالَ بِالْقِسْطِ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خِلَافَ ذَلِكَ لَيْسَ قِسْطًا، بَلْ ظُلْمٌ (1) تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَا (2) عَدْلٌ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْمُوَازَنَةِ ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ التَّعْذِيبُ وَالتَّنْعِيمُ بِلَا قَانُونٍ عَدْلِيٍّ، بَلْ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْمُوَازَنَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 108] قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ: قَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ عَذَّبَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ. وَقَالَ آخَرُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُمْ بِلَا جُرْمٍ، فَسَمَّى هَذَا ظُلْمًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 42] وَقَوْلِهِ: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 233] ، وَقَوْلِهِ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}
_________
(1) بَلْ ظُلْمٌ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بَلْ ظُلْمًا.
(2) ح: هَذَا.
(5/110)

[سُورَةُ الطَّلَاقِ: 7] ، وَأَمَرَ بِتَقْوَاهُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سُورَةُ التَّغَابُنِ: 16] ، وَقَدْ دَعَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِمْ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 286] فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ (1) .
فَدَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ الْمُجَبِّرَةِ (2) وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ الْمُخْطِئَ وَالنَّاسِيَ، خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَالْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إِمَامٍ وَحَاكِمٍ وَعَالِمٍ وَنَاظِرٍ وَمُنَاظِرٍ وَمُفْتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ فَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ، كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَلَّفَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ إِذَا اتَّقَاهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ الْبَتَّةَ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ الْمُجَبِّرَةِ (3) ، وَهُوَ مُصِيبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ، لَكِنْ قَدْ يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ لَا يَعْلَمُهُ، خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَنِ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ عَلِمَ الْحَقَّ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ؛ بَلْ كُلُّ مَنِ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ.
وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ مَنْ بَلَغَتْهُ (4) دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ، وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ، كَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/320
(2) و: الْجَبْرِيَّةِ.
(3) و: الْجَبْرِيَّةِ.
(4) مَنْ بَلَغَتْهُ: كَذَا فِي (ح) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَنْ بَلَغَهُ.
(5/111)

وَلَا الْتِزَامُ جَمِيعِ شَرَائِعِ (1) الْإِسْلَامِ، لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَمْنُوعًا مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ فَهَذَا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَكَمَا كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، بَلْ وَكَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَهْلِ مِصْرَ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا، وَلَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُمْ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ.
قَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [سُورَةُ غَافِرٍ: 34] .
وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ هُوَ وَإِنْ كَانَ مَلِكَ النَّصَارَى فَلَمْ يُطِعْهُ قَوْمُهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ إِنَّمَا دَخَلَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ. وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ (2) يُصَلِّي عَلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ: خَرَجَ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَقَالَ: " «إِنَّ أَخًا لَكُمْ صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ مَاتَ» " (3) .
_________
(1) ن: شَعَائِرِ.
(2) ب فَقَطْ: أَحَدٌ.
(3) حَدِيثُ نَعْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاتُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ صُفُوفًا رُوِيَ مِنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي: الْبُخَارِيِّ 5/51 كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ مَوْتِ النَّجَاشِيِّ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ 2/656 - 658 كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَانْظُرْ: مِفْتَاحَ كُنُوزِ السُّنَّةِ، (النَّجَاشِيُّ) .
(5/112)

وَكَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرُهَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُهَاجِرْ وَلَمْ يُجَاهِدْ وَلَا حَجَّ الْبَيْتِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَظْهَرُ عِنْدَ قَوْمِهِ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتُهُمْ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ.
وَاللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَبِيِّهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ فِي الزِّنَا لِلْمُحْصَنِ بِحَدِّ الرَّجْمِ، وَفِي الدِّيَاتِ بِالْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي الدِّمَاءِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالنَّجَاشِيُّ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ قَوْمَهُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَكَثِيرًا مَا يَتَوَلَّى الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ قَاضِيًا - بَلْ وَإِمَامًا - وَفِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مِنَ الْعَدْلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ (1) ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عُودِيَ وَأُوذِيَ عَلَى بَعْضِ مَا أَقَامَهُ مِنَ الْعَدْلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ سُمَّ عَلَى ذَلِكَ.
_________
(1) ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (و) عَنْ ذَلِكَ.
(5/113)

فَالنَّجَاشِيُّ وَأَمْثَالُهُ سُعَدَاءُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْتَزِمُوا (1) مَعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْتِزَامِهِ، بَلْ كَانُوا يَحْكُمُونَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي يُمْكِنُهُمُ الْحُكْمُ بِهَا، وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 199] . وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ (2) ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَهَذَا مُرَادُ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ (3) هُوَ الْمُطَاعُ ; فَإِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْجَمْعِ لَمْ يُرَدْ بِهَا وَاحِدٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَثَلَاثِينَ مِنْ أَهْلِ (4) الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا (5) عَلَى دِينِ عِيسَى فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (6) .
_________
(1) و: لَمْ يَلْزَمُوا.
(2) و: وَفِي الصَّحَابَةِ.
(3) ب: وَلَكِنْ.
(4) أَهْلِ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(5) ب: وَكَانُوا.
(6) انْظُرْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: الدُّرَّ الْمَنْثُورَ لِلسُّيُوطِيِّ 2/113؛ وَذَكَرَ مِنْ وُجُوهِ تَأْوِيلِ الْآيَةِ: وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ آمَنُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ وَصَدَّقُوا بِهِ. وَانْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ ط. الْمَعَارِفِ 7/496 - 500، زَادَ الْمَسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 1/532 - 533 وَذَكَرَ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ وُجُوهِ تَأْوِيلِ الْآيَةِ: فِي أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَثَلَاثِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ. وَانْظُرْ: تَفْسِيرَ ابْنِ عَطِيَّةَ: الْمُحَرَّرُ الْوَجِيزُ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، لِلْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ عَطِيَّةَ الْأَنْدَلُسِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 546 هـ، تَحْقِيقُ الْمَجْلِسِ الْعِلْمِيِّ، فَاسَ الْمَغْرِبِ، 1397 1977 ص 327 - 328 وَانْظُرْ: تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ ط. الشَّعْبِ 2/168 - 169.
(5/114)

وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ، مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يُقَالُ فِيهِمْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 199] وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهِجْرَتِهِمْ وَدُخُولِهِمْ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ الْمُجَاهِدِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا لَا يُقَالُ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ: وَإِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّهُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ مَا بَقُوا يُسَمَّوْنَ مُشْرِكِينَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا بِالرَّسُولِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَقْتُولِ خَطَأً: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 92] (1) فَهُوَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَلَكِنْ هُوَ كَانَ قَدْ آمَنَ وَمَا أَمْكَنَهُ الْهِجْرَةُ وَإِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَالْتِزَامُ شَرَائِعِهِ؛ فَسَمَّاهُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ فَعَلَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَخْفُونَ
_________
(1) فِي (ح) ، (ب) : وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ إِلَى قَوْلِهِ: عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَهُوَ خَطَأٌ إِذْ أَنَّهُ يُخَالِفُ تَرْتِيبَ كَلِمَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
(5/115)

بِإِيمَانِهِمْ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنِ الْهِجْرَةِ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا - إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا - فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} سُورَةُ النِّسَاءِ 97 - 99] فَعَذَرَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَضْعَفَ الْعَاجِزَ عَنِ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 75] فَأُولَئِكَ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ إِقَامَةِ دِينِهِمْ، فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْهُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَنْ كَانَ مُشْرِكًا وَآمَنَ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآمَنَ؟ .
وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 92] قِيلَ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ لِبَاسُ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ (1) فِي صَفِّهِمْ (2) فَيُعْذَرُ الْقَاتِلُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الدِّيَةُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
_________
(1) ر، ح، ي، و: مِثْلَ مَنْ يَكُونُ.
(2) ن، م: فِي صِفَتِهِمْ.
(5/116)

وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ. لَكِنَّ هَذَا قَدْ أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَلَا يُعْطَى أَهْلُ الْحَرْبِ دِيَتُهُ (1) ، بَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ. وَسَوَاءٌ عُرِفَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَقُتِلَ خَطَأً، أَوْ ظُنَّ أَنَّهُ كَافِرٌ. وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٍ وَابْنِ زَيْدٍ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إِنَّهَا فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (2) .
فَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مَعْدُودًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهُوَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ أَرَادَ الْعُمُومَ، فَهُوَ كَالثَّانِي. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ مَنْ أَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ ابْنِ سَلَامٍ وَأَمْثَالِهِ ضَعِيفٌ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 199] .
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ ابْنَ سَلَامٍ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، وَقَالَ: " «فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَلِمْتُ (3) أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» " (4) .
_________
(1) ح: دِيَةٌ، ي: الدِّيَةُ.
(2) انْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 114
(3) أ، ب: عَرَفْتُ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/65 كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ بَابُ 15 وَنَصُّهُ: (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/423 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، 2/1083 كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ، بَابُ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/340 - 341 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، 2/275، كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ بَابٌ فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ، الْمُسْنَدُ (ط. الْحَلَبِيِّ 5/451) .
(5/117)

وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ إِنَّمَا نَزَلَ ذِكْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ.
وَثَانِيًا: أَنَّ ابْنَ سَلَامٍ وَأَمْثَالَهُ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَذَلِكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ (1) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أُجُورٌ مِثْلُ أُجُورِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، وَهُمْ مُلْتَزِمُونَ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ فَأَجْرُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْرَ هَؤُلَاءِ كَانَ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَشُكُّ فِيهِمْ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِخْبَارِ بِهِمْ؟ .
وَمَا هَذَا إِلَّا كَمَا يُقَالُ: الْإِسْلَامُ دَخَلَ فِيهِ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا وَمَنْ كَانَ كِتَابِيًّا. وَهَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِأَنَّهُ دِينٌ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فِيهِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ إِمَّا مُشْرِكًا وَإِمَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِمَّا كِتَابِيًّا وَإِمَّا أُمِّيًّا، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذَا؟ .
_________
(1) ب فَقَطْ: إِنَّ.
(5/118)

بِخِلَافِ أَمْرِ النَّجَّاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِمَّنْ كَانُوا مُتَظَاهِرِينَ بِكَثِيرٍ مِمَّا عَلَيْهِ النَّصَارَى ; فَإِنَّ أَمْرَهُمْ قَدْ يَشْتَبِهُ، وَلِهَذَا ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ (1) صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ قَائِلٌ: نُصَلِّي عَلَى هَذَا الْعِلْجِ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ فِي أَرْضِهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. هَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَاشَرُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّجَاشِيِّ (2) .
وَهَذَا بِخِلَافِ ابْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ; فَإِنَّهُ إِذَا صَلَّى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ فِيهِمْ مُنَافِقٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا نَزَلَ (3) فِي حَقِّ ابْنِ أُبَيٍّ وَأَمْثَالِهِ، وَأَنَّ مَنْ هُوَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالنَّجَاشِيِّ.
وَيُشْبِهُ هَذِهِ الْآيَةَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَهْلَ الْكِتَابِ فَقَالَ: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ - لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ - ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ - يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}
_________
(1) النَّجَاشِيُّ: زِيَادَةٌ فِي (ح)
(2) ن، م: الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَانْظُرِ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 112
(3) ر، ح، ي: كَمَا نَزَلَتْ.
(5/119)

[سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110 - 114] . وَهَذِهِ الْآيَةُ (1) قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ (2) . وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَا بَقُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ لَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُهَاجِرُونَ الْمُجَاهِدُونَ، كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: هُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 28] فَهُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
_________
(1) الْآيَةُ: لَيْسَتْ فِي (م) ، (و) .
(2) يَقُولُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الْمُؤْمِنُونَ الْمُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَخُوهُ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَهْ وَأَخُوهُ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِمَّنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّبَعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ: يَعْنِي الْخَارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ اتِّبَاعَ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالتَّصْدِيقَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ دِينِ النَّصَارَى اتِّبَاعَ مَا فِي الْإِنْجِيلِ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ وَبِمَا فِي التَّوْرَاةِ؛ وَكِلَا الْفِرْقَتَيْنِ أَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مُكَذِّبَةٌ، فَذَلِكَ فِسْقُهُمْ وَخُرُوجُهُمْ عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِهِ، الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. وَيَقُولُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي زَادِ الْمَسِيرِ: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: مَنْ أَسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ، يَعْنِي: الْكَافِرِينَ وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.
(5/120)

وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] . وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] ثُمَّ قَالَ: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] ثُمَّ قَالَ: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 111] وَهَذَا عَائِدٌ إِلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ لَا إِلَى أَكْثَرِهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 111] . وَقَدْ يُقَاتِلُونَ وَفِيهِمْ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، يَشْهَدُ الْقِتَالَ مَعَهُمْ وَلَا يُمْكِنُهُ الْهِجْرَةُ، وَهُوَ مُكْرَهٌ عَلَى الْقِتَالِ، وَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ.
كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «يَغْزُو جَيْشٌ هَذَا الْبَيْتَ، فَبَيْنَمَا هُمْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ إِذْ خُسِفَ بِهِمْ ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِيهِمُ الْمُكْرَهُ؟ فَقَالَ: " يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» " (1) .
_________
(1) جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي: الْبُخَارِيِّ 2/149 كِتَابُ الْحَجِّ بَابُ هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَجَاءَ مُطَوَّلًا عَنْهَا فِي: الْبُخَارِيِّ 3/65 - 66 كِتَابُ الْبُيُوعِ، بَابُ مَا ذُكِرَ مَا فِي الْأَسْوَاقِ، وَنَصُّهُ: (يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ؛ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) وَرَوَى النَّسَائِيُّ الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ 5/162 - 163 كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقَيْنِ وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَخَصَّصَ ابْنُ مَاجَهْ بَابًا فِي سُنَنِهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ 2/1350 - 1351 كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ جَيْشِ الْبَيْدَاءِ، ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ حَفْصَةَ وَصَفِيَّةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَعَلَّ فِيهِمُ الْمُكْرَهُ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ. وَالْحَدِيثُ عَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) . 6/318
(5/121)

وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَإِنْ قُتِلَ (1) وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا يُحْكَمُ عَلَى الْكُفَّارِ، فَاللَّهُ يَبْعَثُهُ عَلَى نِيَّتِهِ. كَمَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنَّا يُحْكَمُ لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ (2) وَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، فَالْجَزَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ الظَّوَاهِرِ (3) .
وَلِهَذَا رُوِيَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ مُكْرَهًا. قَالَ: " أَمَّا ظَاهِرُكَ فَكَانَ عَلَيْنَا، وَأَمَّا سَرِيرَتُكَ فَإِلَى اللَّهِ» " (4) .
وَبِالْجُمْلَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَقَدْ آمَنَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْهِجْرَةِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ مَا يَعْجِزُ عَنْهَا، بَلِ الْوُجُوبُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَهُ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مُدَّةً لَمْ يُصَلِّ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَدَاءِ
_________
(1) ن، م، و، أ: قُوتِلَ.
(2) ن: بِالظَّاهِرِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، ح: فِي الظَّاهِرِ بِالْإِسْلَامِ.
(3) ن، م: الظَّاهِرِ.
(4) لَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ ط. الْمَعَارِفِ 5/105 - 106 حَدِيثًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَاءَ فِيهِ أَنَّ أَبَا الْيُسْرِ بْنَ عَمْرٍو أَسَرَ الْعَبَّاسَ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا عَبَّاسُ افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ، وَقَالَ (الْعَبَّاسُ) : إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُونِي، قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا،. . . الْحَدِيثَ، قَالَ أَحْمَد شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: " إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ".
(5/122)

الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فَشَرِبَهَا لَمْ يُحَدَّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ (1) .
وَكَذَلِكَ لَوْ عَامَلَ بِمَا يَسْتَحِلُّهُ مِنْ رِبًا أَوْ مَيْسِرٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ: هَلْ يُفْسَخُ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ كَمَا لَا يَفْسَخُهُ (2) لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ نِكَاحًا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ عَلَى عَادَتِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِبَعْضِ شُرُوطِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ فِي عِدَّةٍ وَقَدِ انْقَضَتْ، فَهَلْ يَكُونُ هَذَا فَاسِدًا أَوْ يُقَرُّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ عَقَدَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ.
وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الشَّرَائِعَ هَلْ تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا؟ أَمْ لَا تَلْزَمُ أَحَدًا (3) إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّرَائِعِ النَّاسِخَةِ وَالْمُبْتَدَأَةِ؟ هَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، هِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ فِي كِتَابٍ لَهُ، وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ الْوَجْهَ الْمُفَرِّقَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ النَّاسِخُ (4) ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِثُبُوتِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِوُجُوبِهَا، أَوْ صَلَّى (5) فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ، هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؟
_________
(1) ب فَقَطْ: الصَّلَوَاتُ.
(2) ب فَقَطْ: نَفْسَخُهُ.
(3) أَحَدًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) .
(4) ح، ر: حَتَّى يَبْلُغَهُ النَّسْخُ.
(5) ن، م: وَصَلَّى.
(5/123)

فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا لَمْ يَعْلَمْ وَجُوبَهُ (1) .
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الْحَبْلُ (2) الْأَبْيَضُ مِنَ الْأَسْوَدِ (3) ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَضَاءِ (4) .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمْكُثُ جُنُبًا مُدَّةً لَا يُصَلِّي، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، كَأَبِي ذَرٍّ، وَكَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَمَّارٍ
_________
(1) ن، م: مَا لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِهِ.
(2) أ، ب، م: الْخَيْطُ.
(3) أ، ب، م: مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي: الْبُخَارِيِّ 6/26 كِتَابُ التَّفْسِيرِ بَابُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) مُسْلِمٌ 2/766 - 767 كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ عَنْ عَدِيٍّ فِي مُسْلِمٍ: قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 187] قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/408 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ وَقْتِ السُّحُورِ، سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 2/5 - 6 (كِتَابُ الصَّوْمِ بَابُ مَتَى يُمْسِكُ الْمُتَسَحِّرُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) .
(5/124)

لَمَّا أَجْنَبَا، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ (1) .
وَلَا شَكَّ أَنَّ خَلْقًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ وَالْبَوَادِي صَارُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى بَلَغَهُمُ النَّسْخُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَهَذَا يُطَابِقُ الْأَصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. فَالْوُجُوبُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ؛ وَالْعُقُوبَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ.
_________
(1) ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ 5/153 - 155 حَدِيثًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِيهِ: فَكَانَتْ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ، فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ؟ فَقَالَ. . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ: (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ) كَمَا ذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ وَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ، فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ وَتَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ) الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ 1/71 كِتَابُ التَّيَمُّمِ، بَابُ الْمُتَيَمِّمِ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟)
(5/125)

[فَصْلٌ كَلَامُ الذَّامِّ لِلْخُلَفَاءِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ هُوَ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ فِي الْأَعْرَاضِ وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى]
فَصْلٌ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ حُكْمَ النَّاسِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَأَنَّ فَاعِلَ السَّيِّئَاتِ تَسْقُطُ عَنْهُ عُقُوبَةُ جَهَنَّمَ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُجْتَهِدِينَ وَهَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُذْنِبِينَ حُكْمًا عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأُمَّةِ، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ (1) رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَإِذَا كَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَمِنَ الْمُذْنِبِينَ (2) يَنْدَفِعُ عَنْهُمُ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَكَيْفَ بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ .
وَنَحْنُ نَبْسُطُ هَذَا وَنُنَبِّهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ فَنَقُولُ: كَلَامُ الذَّامِّ لِلْخُلَفَاءِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - مِنْ رَافِضِيٍّ وَغَيْرِهِ - هُوَ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ فِي الْأَعْرَاضِ، وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنِ الْوَلَايَةِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَفِيهِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ أَيْضًا (3) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّا إِذَا تَكَلَّمْنَا فِيمَنْ هُوَ دُونَ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ الْمُلُوكِ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى الْمُلْكِ، وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي (4) الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ ; فَإِنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ. وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، لَا يُبَاحُ قَطُّ بِحَالٍ.
قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}
_________
(1) ن، م: بِأَصْحَابِ.
(2) ن، ب: وَالْمُذْنِبِينَ.
(3) أَيْضًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4) ن، م: عَلَى.
(5/126)

[سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 8] وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ بُغْضِهِمْ لِلْكَفَّارِ، وَهُوَ بُغْضٌ مَأْمُورٌ بِهِ. فَإِذَا كَانَ الْبُغْضُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ قَدْ نُهِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يَظْلِمَ مَنْ أَبْغَضَهُ (1) ، فَكَيْفَ فِي بُغْضِ مُسْلِمٍ بِتَأْوِيلٍ وَشُبْهَةٍ أَوْ بِهَوَى نَفْسٍ؟ فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ لَا يَظْلِمَ، بَلْ يَعْدِلَ عَلَيْهِ (2) .
وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ مَنْ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَالْعَدْلُ مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْأَرْضِ عَلَى مَدْحِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهِ وَمَحَبَّتِهِمْ. وَالظُّلْمُ مِمَّا اتَّفَقُوا (3) عَلَى بُغْضِهِ وَذَمِّهِ (4) وَتَقْبِيحِهِ، وَذَمِّ أَهْلِهِ وَبُغْضِهِمْ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْكَلَامَ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ (5) ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ الْعَدْلَ مَحْمُودٌ مَحْبُوبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ فِي النُّفُوسِ، مَرْكُوزٌ حُبُّهُ فِي الْقُلُوبِ، تُحِبُّهُ الْقُلُوبُ وَتَحْمَدُهُ، وَهُوَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الَّذِي تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ، وَالظُّلْمُ مِنَ الْمُنْكَرِ الَّذِي تُنْكِرُهُ الْقُلُوبُ فَتُبْغِضُهُ وَتَذُمُّهُ.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 25] (6) . وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ}
_________
(1) ح، ب: مَنْ يُبْغِضُهُ.
(2) ن، م: يُعَذَّبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) ح، ب: مِمَّا اتُّفِقَ.
(4) عَلَى بُغْضِهِ وَذَمِّهِ، كَذَا فِي (ن) ، (م) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عَلَى ذَمِّهِ.
(5) لِابْنِ تَيْمِيَةَ رِسَالَةٌ فِي مَسْأَلَةِ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ، نُشِرَتْ فِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى الرِّيَاضِ 8/428 - 436.
(6) آيَةُ سُورَةِ الْحَدِيدِ لَيْسَتْ فِي ن، (م) .
(5/127)

[سُورَةُ الشُّورَى: 17] . وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 58] .
وَقَالَ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 42] .
وَقَالَ: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 48] فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْقِسْطِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقِسْطَ هُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ الْقِسْطُ، وَالْقِسْطُ هُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 58] فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ بِظُلْمٍ أَبَدًا، وَالشَّرْعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ الْحُكْمُ بِهِ عَدْلٌ كُلُّهُ، لَيْسَ فِي الشَّرْعِ ظُلْمٌ أَصْلًا، بَلْ حُكْمُ اللَّهِ أَحْسَنُ الْأَحْكَامِ (1) .
وَالشَّرْعُ هُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ; فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ، لَكِنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ الشَّرَائِعِ وَالْمَنَاهِجِ، فَيَكُونُ الْعَدْلُ فِي كُلِّ شِرْعَةٍ بِحَسَبِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
_________
(1) ن، م، و، ر: الْحُكْمِ.
(5/128)

{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ - إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ 42 - 44] .
إِلَى قَوْلِهِ: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ - أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ 47 - 50] .
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْقُرْآنِ وَلَا يَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا فَجَعَلَ لِمُوسَى وَعِيسَى مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ (1) ، وَجَعَلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(1) ح، ر: وَالْمَنَاهِجِ.
(5/129)

وَسَلَّمَ - مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ (1) ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ، وَمَنِ ابْتَغَى غَيْرَهُ فَقَدِ ابْتَغَى حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ 44] .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (2) فَهُوَ كَافِرٌ، فَمَنِ اسْتَحَلَّ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا يَرَاهُ هُوَ عَدْلًا مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعٍ لِمَا أَنْزَلَ (3) اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ ; فَإِنَّهُ مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَهِيَ تَأْمُرُ بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَدْلُ فِي دِينِهَا مَا رَآهُ أَكَابِرُهُمْ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ يَحْكُمُونَ بِعَادَاتِهِمُ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَسَوَالِفِ الْبَادِيَةِ، وَكَأَوَامِرِ الْمُطَاعِينَ فِيهِمْ (4) ، وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِهِ دُونَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَسْلَمُوا، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا يَحْكُمُونَ إِلَّا بِالْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ لَهُمُ الَّتِي يَأْمُرُ بِهَا الْمُطَاعُونَ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ، بَلِ اسْتَحَلُّوا أَنْ يَحْكُمُوا بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُمْ كُفَّارٌ، وَإِلَّا كَانُوا جُهَّالًا، كَمَنْ تَقَدَّمَ أَمْرُهُمْ (5) .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
_________
(1) ح، ر: وَالْمَنَاهِجِ.
(2) ر: عَلَى رُسُلِهِ.
(3) و: لِمَا أَنْزَلَهُ.
(4) فِيهِمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5) أَمْرُهُمْ: كَذَا فِي (ن) ، (م) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَمْرُهُ.
(5/130)

وَالرَّسُولِ، فَقَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ 59] .
وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ 65] فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ تَحْكِيمَ (1) اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُلْتَزِمًا لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، لَكِنْ عَصَى وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْعُصَاةِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهَا الْخَوَارِجُ عَلَى تَكْفِيرِ وُلَاةِ الْأَمْرِ الَّذِينَ لَا يَحْكُمُونَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ اعْتِقَادَهُمْ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ هُنَا، وَمَا ذَكَرْتُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْعَدْلِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَلِكُلِّ أَحَدٍ، وَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ عَدْلٌ خَاصٌّ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْعَدْلِ وَأَحْسَنُهَا، وَالْحُكْمُ بِهِ وَاجِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ فِي كُلِّ مَا تَنَازَعَتْ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}
_________
(1) و: بِحُكْمِ.
(5/131)

[سُورَةُ الْبَقَرَةِ 213] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [سُورَةُ الشُّورَى 10] . وَقَالَ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 59] فَالْأُمُورُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأُمَّةِ لَا يُحَكَّمُ فِيهَا إِلَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ (1) بِقَوْلِ عَالِمٍ وَلَا أَمِيرٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مَلِكٍ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَحُكَّامُ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُونَ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ، لَا يَحْكُمُونَ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِذَا حَكَمُوا فِي الْمُعَيَّنَاتِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ بِرَأْيِهِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ ; فَمَنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَمَنْ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» " (2) .
وَإِذَا حَكَمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ ; فَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ (3) فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهَيْنِ (4) .
_________
(1) ن، م، و: الْإِنْسَانَ.
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/312
(3) ح، ر، ي: فَإِنْ أَصَابَ.
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/422.
(5/132)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَ عُمُومِ (1) الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ إِلَّا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَيُرَدُّ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَذَاكَ فِي أَمْرِ الصَّحَابَةِ أَظْهَرُ. فَلَوْ طَعَنَ طَاعِنٌ فِي بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ، مِنْ مَلِكٍ وَحَاكِمٍ وَأَمِيرٍ وَشَيْخٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ كَافِرًا مُعْتَدِيًا عَلَى غَيْرِهِ فِي وِلَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَجَعَلَ غَيْرَهُ هُوَ الْعَالِمُ الْعَادِلُ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ خَطَأٍ وَذَنْبٍ، وَجَعَلَ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ الْأَوَّلَ وَتَوَلَّاهُ كَافِرًا أَوْ ظَالِمًا مُسْتَحِقًّا لِلسَّبِّ وَأَخَذَ يَسُبُّهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ.

وَالرَّافِضَةُ سَلَكُوا فِي الصَّحَابَةِ مَسْلَكَ التَّفَرُّقِ، فَوَالَوْا بَعْضَهُمْ وَغَالَوْا فِيهِ وَعَادَوْا بَعْضَهُمْ وَغَالَوْا فِي مُعَادَاتِهِ وَقَدْ يَسَلُكُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَا يُشْبِهُ هَذَا فِي أُمَرَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ، فَيَحْصُلُ بَيْنَهُمْ رَفْضٌ فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ: تَجِدُ أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ يَتَوَلَّى فُلَانًا وَمُحِبِّيهِ، وَيُبْغِضُ فُلَانًا وَمُحِبِّيهِ، وَقَدْ يَسُبُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالتَّشَيُّعِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 159] . وَقَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 102 - 103] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
_________
(1) ح، ر: وَالْمَقْصُودُ هُنَا إِذَا وَجَبَ فِيمَا بَيْنَ عُمُومِ.
(5/133)

[سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 105 - 107] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ (1) . وَلِهَذَا كَانَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ وَغَيْرُهُ يَتَأَوَّلُهَا فِي الْخَوَارِجِ.
فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ أَنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ جَمِيعًا وَلَا يَتَفَرَّقُوا، وَقَدْ فَسَّرَ حَبْلَهُ بِكِتَابِهِ، وَبِدِينِهِ، وَبِالْإِسْلَامِ، وَبِالْإِخْلَاصِ، وَبِأَمْرِهِ، وَبِعَهْدِهِ، وَبِطَاعَتِهِ، وَبِالْجَمَاعَةِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَنْقُولَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ (2) ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْمُرُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ هُوَ عَهْدُهُ وَأَمْرُهُ وَطَاعَتُهُ، وَالِاعْتِصَامُ بِهِ جَمِيعًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ حَقِيقَتُهُ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ» (3) ".
_________
(1) فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلسُّيُوطِيِّ 2/63: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو نَصْرٍ فِي الْإِبَانَةِ وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ وَاللَّاكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ: قَالَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ. وَأَوْرَدَ اللَّاكَائِيُّ هَذَا الْأَثَرَ فِي كِتَابِ شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ 1/71 - 72 تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ أَحْمَد سَعْد حِمْدَان، دَارِ طَيْبَةَ لِلنَّشْرِ، الرِّيَاضِ 1402.
(2) انْظُرْ وُجُوهَ تَفْسِيرِ حَبْلِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 103] فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ ط. الْمَعَارِفِ 7/70 - 76 زَادِ الْمَسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 1/432 - 433.
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/161 - 162
(5/134)

وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ ظُلْمَ الْمُسْلِمِينَ: أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ، وَحَرَّمَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (1) ".
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ 58] فَمَنْ آذَى مُؤْمِنًا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَمَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَإِذَا آذَاهُ مُؤْذٍ (2) فَقَدْ آذَاهُ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبَ، وَمَنْ كَانَ مُذْنِبًا وَقَدْ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ فَآذَاهُ مُؤْذٍ، فَقَدْ آذَاهُ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبَ، وَإِنْ حَصَلَ لَهُ بِفِعْلِهِ مُصِيبَةٌ.
وَلَمَّا «حَاجَّ مُوسَى آدَمَ (3) ، وَقَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: بِكَمْ وَجَدْتَ مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [سُورَةُ طه 121] قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ (4) ، لَكِنْ غَلَطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَعْنَاهُ، فَظَنُّوا أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ (5) لَا يُلَامُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا بَعْدَ هَذَا: بَيْنَ مُكَذِّبٍ بِلَفْظِهِ وَمُتَأَوِّلٍ لِمَعْنَاهُ تَأْوِيلَاتٍ فَاسِدَةً. وَهَذَا فَهْمٌ
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/319
(2) و، ر، ي: فَآذَاهُ مُؤْذٍ.
(3) آدَمَ: كَذَا فِي (م) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لِآدَمَ.
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/78 - 79.
(5) الذَّنْبَ: كَذَا فِي (ن) ، (ي) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْمُذْنِبَ.
(5/135)

فَاسِدٌ وَخَطَأٌ عَظِيمٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِأَقَلِّ النَّاسِ عِلْمًا وَإِيمَانًا ; أَنْ يُظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَذْنَبَ فَلَا مَلَامَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الذَّنْبِ مُقَدَّرًا عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَعْذِيبِهِ لِقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَمَدْيَنَ، وَقَوْمِ لُوطٍ (1) وَغَيْرِهِمْ.
وَالْقَدَرُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَلَوْ كَانَ الْمُذْنِبُ مَعْذُورًا لَمْ يُعَذَّبْ هَؤُلَاءِ عَلَى ذُنُوبِهِمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مُحَمَّدًا وَغَيْرَهُ مِنْ عُقُوبَاتِ الْمُعْتَدِينَ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ (2) ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُفْسِدِينَ، وَمِنْ قِتَالِ الْكَافِرِينَ، وَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ إِنْصَافِ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَمَا يَقْضِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ عُقُوبَةِ الْكُفَّارِ (3) ، وَالِاقْتِصَاصِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
لَكِنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا يُصِيبُ الْعَبْدَ مِنَ الْمَصَائِبِ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ عَلَيْهِ، يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ لِقَدَرِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [سُورَةُ التَّغَابُنِ 11] . قَالَ عَلْقَمَةُ: هُوَ الرَّجُلُ (4) تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ. وَرَوَى الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّهُ إِذَا ابْتُلِيَ، صَبَرَ وَإِذَا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وَإِذَا ظُلِمَ غَفَرَ.
_________
(1) ن، م، و، ي، أ: وَمَدْيَنَ وَلُوطٍ.
(2) ن فَقَطِ: الْمُعْتَدِينَ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ.
(3) ح، ب: الْكَافِرِينَ.
(4) ح، ر، ب، ي: هُوَ الْعَبْدُ.
(5/136)

وَإِنْ كَانَتِ الْمُصِيبَةُ بِسَبَبِ فِعْلِ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ، فَإِنَّ آدَمَ قَدْ تَابَ مِنَ الْأَكْلِ، فَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مَلَامٌ لِلتَّوْبَةِ، وَالْمُصِيبَةُ كَانَتْ مُقَدَّرَةً، فَلَا مَعْنَى لِلَوْمِ آدَمَ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُؤْذِيَ مُؤْمِنًا جَرَى لَهُ عَلَى يَدَيْهِ (1) مَا هُوَ مُصِيبَةٌ فِي حَقِّهِ.
وَالْمُؤْمِنُ إِمَّا مَعْذُورٌ وَإِمَّا مَغْفُورٌ لَهُ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ مُصِيبَةٌ (2) أَوْ فَوَاتُ غَرَضٍ بِبَعْضِ الْمَاضِينَ يُسْرِعُ بِذَمِّهِ، كَمَا يَظُنُّ (3) بَعْضُ الرَّافِضَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا هُمُ السَّبَبَ فِي مَنْعِ حَقِّهِمْ ظُلْمًا، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ. أَوْ يَقُولُونَ: بِسَبَبِهِمْ ظَلَمْنَا غَيْرَهُمْ، وَهَذَا عُدْوَانٌ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَادِلِينَ مُتَّبِعِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَبِذُنُوبِهِ أُصِيبَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعِيبَ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ بِهِ، لِكَوْنِهِ فِيهِ (4) الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِ تَقْدِيمِهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَدَّمَهُمَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ، كَمَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ أَنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (5) . لِأَبِي بَكْرٍ (* وَعُمَرَ.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ «كَانُوا يَقْرَءُونَ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَوْا عَلَى فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ
_________
(1) ن، أ: عَلَى يَدِهِ.
(2) ن، ر، م: مَعْصِيَةٌ.
(3) ح، و، ر: يَطْعَنُ.
(4) ن، م، ر، ح: لِكَوْنِ فِيهِ.
(5) ح، ب: وَالرَّسُولِ
(5/137)

لِأَصْحَابِهِ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ بَلَاءَكُمْ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، يَقُولُ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» .
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ *) (1) أَنْ يَقُولَ بِسَبَبِ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ (2) اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ فِي التَّأْوِيلِ وَاقْتَتَلُوا، إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يُجْعَلُ الشَّرُّ الْوَاقِعُ فِيهَا بِسَبَبِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ; فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ بَاطِلٌ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ.
قَالَ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالُوا (3) لِرُسُلِهِمْ: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ - قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [سُورَةُ يس 18 - 19] .
وَقَالَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ 131] .
وَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ وَأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُبْطِئُ عَنْهُ {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا - مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 78 - 79] .
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(2) ن، م، ر، ي: بِسَبَبِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَنُزُولِهِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، ح: بِسَبَبِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَنُزُولِهِ بِلِسَانِ الْأَعْرَابِ.
(3) و: أَنَّهُمْ قَالُوا.
(5/138)

وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ هُنَا النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ، كَمَا قَدْ سَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ وَسَيِّئَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ 168] وَقَوْلِهِ: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ 50] .
وَلِهَذَا قَالَ: مَا أَصَابَكَ وَلَمْ يَقُلْ: مَا أَصَبْتَ. وَهَكَذَا قَالَ السَّلَفُ. فَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ (1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْحَسَنَةَ: الْخِصْبُ (2) وَالْمَطَرُ، وَالسَّيِّئَةَ: الْجَدْبُ وَالْغَلَاءُ. وَفِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ عَنْهُ: أَنَّ الْحَسَنَةَ: الْفَتْحُ وَالْغَنِيمَةُ، وَالسَّيِّئَةَ الْهَزِيمَةُ وَالْجِرَاحُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (3) . وَقَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ: مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالسَّيِّئَةُ مَا أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْحَسَنَةُ: الْغَنِيمَةُ وَالنِّعْمَةُ (4) ، وَالسَّيِّئَةُ الْبَلِيَّةُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْحَسَنَةَ: الطَّاعَةُ، وَالسَّيِّئَةَ: الْمَعْصِيَةُ.
وَهَذَا يَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ مُثْبِتَةُ الْقَدَرِ هَذَا حُجَّةٌ لَنَا، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 78] . وَقَالَ نُفَاتُهُ: بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لَنَا لِقَوْلِهِ: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 79] . وَحُجَّةُ كُلِّ فَرِيقٍ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْآخَرِ. وَالْقَوْلَانِ
_________
(1) وَهَكَذَا. . . أَبِي صَالِحٍ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَهَكَذَا قَالَ فِي مَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ.
(2) ر، ح، ي، ب: الْحَسَنَةَ هِيَ الْخِصْبُ.
(3) ح، ب: وَالْجِرَاحُ وَالْهَزِيمَةُ، وَسَقَطَتْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(4) ن، م، و، أ: الْحَسَنَةُ النِّعْمَةُ.
(5/139)

بَاطِلَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ; فَإِنَّ الْمُرَادَ: النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ وَلِهَذَا قَالَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ وَالضَّمِيرُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: عَلَى الْيَهُودِ، وَقِيلَ: عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ. وَلِهَذَا قِيلَ: هَذَا لَا يُعَيَّنُ قَائِلُهُ ; لِأَنَّهُ دَائِمًا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَكُلُّ مَنْ قَالَهُ تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ ; فَإِنَّ الطَّاعِنِينَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ (1) مِنْ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ، بَلْ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أَوْ عِنْدَهُ جَهْلٌ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ، لِظَنِّهِ خَطَأَ صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ هُوَ الْمُخْطِئَ، فَإِذَا أَصَابَهُمْ نَصْرٌ وَرِزْقٌ، قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا يُضِيفُهُ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَهُ. وَإِنْ أَصَابَهُمْ نَقْصُ رِزْقٍ وَخَوْفٌ مِنَ الْعَدُوِّ وَظُهُورِهِ، قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِكَ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْجِهَادِ فَجَرَى مَا جَرَى، وَأَنَّهُمْ تَطَيَّرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا تَطَيَّرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى.
وَالسَّلَفُ ذَكَرُوا الْمَعْنَيَيْنِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِشُؤْمِكَ. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: بِسُوءِ تَدْبِيرِكَ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 78] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، أَمَّا الْحَسَنَةُ فَأَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكَ، وَأَمَّا السَّيِّئَةُ فَابْتَلَاكَ بِهَا. فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا! ؟ وَقَدْ قِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا: لَمْ يَفْقَهُوهُ (2) وَلَمْ يَكَادُوا، وَأَنَّ النَّفْيَ مُقَابِلُ الْإِثْبَاتِ. وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَاهُ فَقِهُوهُ (3) بَعْدَ أَنْ كَادُوا لَا يَفْقَهُونَهُ (4) . كَقَوْلِهِ
_________
(1) ح، ب: الرُّسُلُ.
(2) ح، ب: لَمْ يَفْقَهُوا.
(3) ح، ب: فَقِهُوا.
(4) ن، م: لَا يَفْقَهُوهُ، ح: لَا يَفْقَهُوهُ، ب: لَا يَفْقَهُونَ.
(5/140)

: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 71] ، فَالْمَنْفِيُّ بِهَا مُثْبَتٌ، وَالْمُثْبَتُ بِهَا مَنْفِيٌّ (1) ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الِاسْتِعْمَالِ. وَقَدْ يُقَالُ (2) : يُرَادُ بِهَا هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً ; فَإِذَا صَرَّحْتَ بِإِثْبَاتِ الْفِعْلِ فَقَدْ وُجِدَ، فَإِذَا لَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالنَّفْيِ الْمَحْضِ كَقَوْلِهِ: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} وَ {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} فَهَذَا نَفْيٌ مُطْلَقٌ، وَلَا قَرِينَةَ مَعَهُ تَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مُطْلَقِهَا وَمُقَيَّدِهَا.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِلنُّحَاةِ، وَقَالَ بِكُلِّ قَوْلٍ طَائِفَةٌ. وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ بِعَدَمِ الْفِقْهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} [سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ 7] .
وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ 16] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْقَهُونَ الْقُرْآنَ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ حَدِيثًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، كَمَا قَالَ فِي الْكَهْفِ: {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [سُورَةُ الْكَهْفِ 93] . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ (3) لَا بُدَّ أَنْ يَفْقَهُوا بَعْضَ الْأَقْوَالِ، وَإِلَّا فَلَا يَعِيشُ الْإِنْسَانُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَعَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَفْقَهُونَ بَعْدَ أَنْ كَادُوا لَمْ يَفْقَهُوهُ (4) .
_________
(1) ن، م، و، ر، ي: مُنْتَفٍ.
(2) ن، م: وَقَدْ قِيلَ.
(3) ن، م، أ: أَنَّهُ.
(4) م، أ: كَادُوا لَا يَفْقَهُونَ، ح: كَادُوا لَمْ يَفْقَهُوا.
(5/141)

وَكَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ (1) ، وَهَذَا أَظْهَرُ أَقْوَالِ النُّحَاةِ (2) وَأَشْهَرُهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ فَقِهُوا الْقُرْآنَ لَعَلِمُوا أَنَّكَ مَا أَمَرْتَهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَمَا نَهَيْتَهُمْ إِلَّا عَنْ شَرٍّ، وَأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْمُصِيبَةُ الْحَاصِلَةُ لَهُمْ بِسَبَبِكَ، بَلْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 79] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا (3) كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي حَرْفٍ عِنْدَ اللَّهِ (4) وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [سُورَةُ الشُّورَى 30] ، وَقَوْلِهِ: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ 165] وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} [سُورَةُ الشُّورَى 48] .
وَأَمَّا رِوَايَةُ كَرْدَمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: فَمِنْ نَفْسِكَ، فَمَعْنَاهَا يُنَاقِضُ الْقِرَاءَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا.
وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: " «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» " (5) .
وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ نَسَبَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمُصِيبَةِ إِلَى مَا
_________
(1) م، و، أ، ر: الرَّوِيَّةِ، ي: الرُّؤْيَةِ.
(2) ح، ر، ب: الْأَقْوَالُ لِلنُّحَاةِ.
(3) ن: فَأَنَا.
(4) عِنْدَ اللَّهِ، كَذَا فِي (ن) ، وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م) ، (ن) ، (ي) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عَبْدِ اللَّهِ.
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/139
(5/142)

أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ (1) . فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ بِسَبَبِ تَقْدِيمِهِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَاسْتِخْلَافِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ بِسَبَبِ وِلَايَتِهِمَا، حَصَلَ لَهُمْ (2) مُصِيبَةٌ. قِيلَ: مُصِيبَتُكُمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِكُمْ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [سُورَةُ الطَّلَاقِ 2 - 3] ، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 12] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (3) عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «الْغَيْبَةُ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ". قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (4) ". فَمَنْ رَمَى أَحَدًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ؟ .
وَمَنْ قَالَ عَنْ مُجْتَهِدٍ: إِنَّهُ تَعَمَّدَ الظُّلْمَ وَتَعَمَّدَ (5) مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ بَهَتَهُ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ ذَلِكَ فَقَدِ اغْتَابَهُ، لَكِنْ يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَبَاحَهُ (6) اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ (7)
_________
(1) ن: مَا كَانَ.
(2) ن، م: لَهُ.
(3) ن، م: وَفِي الصَّحِيحِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 4/2001 كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ الْغَيْبَةِ، وَأَوَّلُهُ: أَتَدْرُونَ مَا الْغَيْبَةُ، الْحَدِيثَ وَهُوَ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/370 - 371 كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابٌ فِي الْغَيْبَةِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 3/220 - 221 كِتَابُ الْبَرِّ وَالصِّلَةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغَيْبَةِ، سُنَنَ الدَّارِمِيِّ 2/299 كِتَابُ الرُّقَاقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغَيْبَةِ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 12/132 - 133. 17/95، 105، 19/70.
(5) ح، ب: أَوْ تَعَمَّدَ.
(6) ن: مَا أَبَاحَ.
(7) ن: مَا كَانَ يَكُونُ.
(5/143)

عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ وَالْعَدْلِ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ وَنَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِ الْمُشْتَكِي الْمَظْلُومِ: فُلَانٌ ضَرَبَنِي وَأَخَذَ مَالِي وَمَنَعَنِي حَقِّي وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 148] ، وَقَدْ نَزَلَتْ فِيمَنْ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يُقْرُوهُ، لِأَنَّ قِرَى الضَّيْفِ وَاجِبٌ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ (1) الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَلَمَّا مَنَعُوهُ حَقَّهُ كَانَ لَهُ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَاقِبَهُمْ (2) بِمِثْلِ قِرَاهُ فِي زَرْعِهِمْ وَمَالِهِمْ، وَقَالَ: " نَصْرُهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " (3) لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ (4) مِنَ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ» " (5) .
وَأَمَّا الْحَاجَةُ فَمِثْلُ اسْتِفْتَاءِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا
_________
(1) عَلَيْهِ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(2) يُعَاقِبَهُمْ: كَذَا فِي (ح) ، (ر) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَعْقُبَهُمْ.
(3) أَوْرَدَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ 2/394 - 396 الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ 148 مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَمِنْهَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ أَحْمَدُ بِهِ فِي مَسْنَدِهِ ط. الْحَلَبِيِّ 4/133 عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإِنَّ حَقًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى اللَّيْلَةِ لَيْلَتِهِ، مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ. وَالْحَدِيثُ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُسْنَدِ وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ 2/194
(4) ن، م: بِمَنْعِهِ.
(5) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/128 - 129 كِتَابُ الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ، بَابُ أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا 9/22 كِتَابُ الْإِكْرَاهِ، بَابُ يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخُوهُ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 3/326 - 357 كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ 59 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُؤَدِّبُ، الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 3/99، 201
(5/144)

«قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي وَبَنِيَّ مَا يَكْفِينِي بِالْمَعْرُوفِ. فَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (1) ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا قَوْلَهَا، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْمَظْلُومِ.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ فَمِثْلُ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَمَّا اسْتَشَارَتْهُ فِيمَنْ خَطَبَهَا فَقَالَتْ: خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ. فَقَالَ: " أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ " وَفِي لَفْظٍ: " يَضْرِبُ النِّسَاءَ "، " انْكِحِي أُسَامَةَ» " (2) فَلَمَّا اسْتَشَارَتْهُ حَتَّى تَتَزَوَّجَ (3) ذَكَرَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ مَنِ اسْتَشَارَ رَجُلًا فِيمَنْ (4) يُعَامِلُهُ. وَالنَّصِيحَةُ مَأْمُورٌ بِهَا وَلَوْ لَمْ
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي: الْبُخَارِيِّ 3/79 كِتَابُ الْبُيُوعِ بَابُ مَنْ أَجْرَى الْأَمْصَارَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِمَعْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى كَثِيرَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ فِي ط. الدُّكْتُورِ مُصْطَفَى الْبُغَا: الْأَرْقَامَ: 2328، 3613، 5044، 5049، 5055، 6265، 6742، 6758، وَأَوْرَدَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ عَائِشَةَ 3/1338 - 1339 كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ.
(2) الْحَدِيثُ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي: مُسْلِمٍ 2/1114 كِتَابُ الطَّلَاقِ بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا نَفَقَةَ لَهَا، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/383 كِتَابُ الطَّلَاقِ بَابٌ فِي نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 2/301 - 302 كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ مَا جَاءَ أَنْ لَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 6/411، 412 وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَالْمُوَطَّأِ.
(3) ح، ر، ب: فِيمَنْ تَتَزَوَّجُ.
(4) ن، م، و، ي: مِمَّنْ.
(5/145)

يُشَاوِرْهُ ; فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " ثَلَاثًا. قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " (1) .
وَكَذَلِكَ بَيَانُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ غَلِطَ فِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقِلُ عَنْهُ الْعِلْمَ. وَكَذَلِكَ بَيَانُ مَنْ غَلِطَ فِي رَأْيٍ رَآهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ ; فَهَذَا إِذَا تَكَلَّمَ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَقَصَدَ النَّصِيحَةَ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُثِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِيهِ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَةٍ، فَهَذَا يَجِبُ بَيَانُ أَمْرِهِ لِلنَّاسِ، فَإِنَّ دَفْعَ شَرِّهِ عَنْهُمْ أَعْظَمُ مِنْ دَفْعِ شَرِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ.

وَحُكْمُ الْمُتَكَلِّمِ بِاجْتِهَادِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا، وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِاللِّسَانِ أَوِ الْيَدِ مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُ الصَّوَابَ مَعَهُ، وَقَدْ يَكُونَانِ جَمِيعًا مُخْطِئَيْنِ مَغْفُورًا لَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا نَظِيرَ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الصَّحَابَةِ.
وَلِهَذَا يُنْهَى عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ سَوَاءً كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ (2) ، فَإِذَا تَشَاجَرَ مُسْلِمَانِ فِي قَضِيَّةٍ، وَمَضَتْ وَلَا تَعَلُّقٌ لِلنَّاسِ بِهَا، وَلَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهَا، كَانَ كَلَامُهُمْ فِيهَا كَلَامًا (3) بِلَا عِلْمٍ وَلَا عَدْلٍ يَتَضَمَّنُ أَذَاهُمَا (4) بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ عَرَفُوا أَنَّهُمَا مُذْنِبَانِ أَوْ مُخْطِئَانِ، لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/528
(2) أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ: كَذَا فِي (ن) ، (م) ، (ر) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ.
(3) ن فَقَطْ: ذَكَرَ.
(4) ح، ب: أَذَاهُمْ.
(5/146)

مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مِنْ بَابِ الْغَيْبَةِ الْمَذْمُومَةِ.
لَكِنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (1) أَعْظَمُ حُرْمَةً، وَأَجَلُّ قَدْرًا، وَأَنْزَهُ أَعْرَاضًا. وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ خُصُوصًا وَعُمُومًا مَا لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِمْ، فَلِهَذَا كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي فِيهِ ذَمُّهُمْ عَلَى مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ أَعْظَمَ إِثْمًا مِنَ الْكَلَامِ فِي غَيْرِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ (2) تَسُبُّونَ الرَّافِضَةَ وَتَذُمُّونَهُمْ وَتَذْكُرُونَ عُيُوبَهُمْ.
قِيلَ: ذِكْرُ الْأَنْوَاعِ الْمَذْمُومَةِ غَيْرُ ذِكْرِ الْأَشْخَاصِ الْمُعَيَّنَةِ ; فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا» (3) " وَ " «لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ» " (4) ، وَ " «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» " (5) وَقَالَ: " «الْمَدِينَةُ
_________
(1) ن، م، أ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ي، ر: رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
(2) ن: فَأَنْتُمْ فِيهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَ: فَأَنْتُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/568 - 569
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/568
(5) الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي مُسْلِمٍ 3/1567 كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ، بَابُ تَحْرِيمِ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَعْنِ فَاعِلِهِ وَنَصُّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ عُمَرُ بْنُ وَاثِلَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ: قَالَ: فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَلَدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ 13/141: الْمُرَادُ بِمَنَارِ الْأَرْضِ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَامَاتُ حُدُودِهَا، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/204 - 205 كِتَابُ الضَّحَايَا، بَابُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 2/156 وَالْحَدِيثُ بِمَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي: الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 3/266، 4/292 - 293، 326 - 327
(5/147)

حَرَمٌ (1) مَا بَيْنَ عِيرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثِ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» " (2) .
وَقَالَ: " «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» " (3) وَقَالَ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ» " (4) وَقَالَ: " «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ (5) أَبِيهِ،
_________
(1) ح، م، ب: حَرَامٌ.
(2) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ 3/20 كِتَابُ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ، بَابُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الْبُخَارِيِّ انْظُرْ ط. د. الْبُغَا الْأَرْقَامَ: 3001، 3008، 6374، 6870 وَالْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ 2/994 - 999 كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي مُسْلِمٍ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَمَسْنَدِ أَحْمَدَ.
(3) جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَنَصُّهُ فِي: الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 3/266: (مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ، مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أُمَّهُ، مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ كَمَّهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ، مَلْعُونٌ مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمَلَ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ) وَصَحَّحَ أَحْمَدُ شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثَ الْأُخْرَى رَقْمَ 2817، 2915، 2916، 2917 وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ 3/9 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي حَدِّ اللُّوطِيِّ حَدِيثًا عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَنَصُّهُ: (مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ)
(4) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ 7/159 كِتَابُ اللِّبَاسِ، بَابُ إِخْرَاجِ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَلَفْظُهُ: لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/194 كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُوَ فِي سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 2/280 - 281 كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ، بَابُ لَعْنِ الْمُخَنَّثِينَ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ، الْمُسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 3/305 - 314 وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.
(5) م، و: لِغَيْرِ، ن: مِنْ غَيْرِ.
(5/148)

أَوْ تَوَلَّى (1) غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» " (2) .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ - الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 44 - 45] .
فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ مِنْ ذَمِّ الْأَنْوَاعِ الْمَذْمُومَةِ وَذَمِّ أَهْلِهَا وَلَعْنِهِمْ، تَحْذِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَإِخْبَارًا بِمَا يَلْحَقُ أَهْلَهُ مِنَ الْوَعِيدِ.
ثُمَّ الْمَعَاصِي الَّتِي يَعْرِفُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ عَاصٍ [يَتُوبُ مِنْهَا، وَالْمُبْتَدَعُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ كَالْخَوَارِجِ وَالنَّوَاصِبِ الَّذِي نَصَبُوا الْعَدَاوَةَ وَالْحَرْبَ] (3) لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَابْتَدَعُوا بِدْعَةً، وَكَفَّرُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَيْهَا، فَصَارَ بِذَلِكَ ضَرَرُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ مِنْ ضَرَرِ الظَّلَمَةِ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الظُّلْمَ مُحَرَّمٌ، وَإِنْ كَانَتْ عُقُوبَةُ أَحَدِهِمْ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ قَدْ تَكُونُ أَخَفَّ، لَكِنْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
_________
(1) ن: وَتَوَلَّى، وَ: وَمَنْ تَوَلَّى.
(2) ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ 4/449 - 450 كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَنْتَمِي إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ ثَلَاثَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَصُّهُ: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) ، وَالثَّانِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذَنْ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ) وَالثَّالِثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ أَدْمَجَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ، وَانْظُرْ حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ ج [0 - 9] الْأَرْقَامَ 1454، 1497، 1499، 1504، 1553 وَانْظُرِ الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 5/267 وَقَدْ صَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ 5/233 - 234
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/149)

بِقِتَالِهِمْ، وَنَهَى عَنْ قِتَالِ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ، وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
فَقَالَ: فِي الْخَوَارِجِ: " «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» " (1) .
وَقَالَ فِي بَعْضِهِمْ: " «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِيمَانِ: وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ» " (2) .
وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: " «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تُلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» " (3) أَيْ تُلْقُونَ مَنْ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ بِالْمَالِ وَلَا يُنْصِفُكُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: " «سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَطْلُبُونَ مِنْكُمْ حَقَّكُمْ وَيَمْنَعُونَكُمْ حَقَّهُمْ ". قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَدَّوْا إِلَيْهِمْ
_________
(1) انْظُرْ مَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ عَنْ أَحَادِيثِ الْخَوَارِجِ فِي هَذَا الْكِتَابِ 1/66
(2) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلُهُ - وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ - بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَهَبِيَّةٍ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ. الْحَدِيثَ: وَفِيهِ إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ إِلَخْ، وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ 4/137 كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا الْآيَةَ 9/127 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، مُسْلِمٍ 2/741 - 742 كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/335 كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ بِشَرْحِ السُّيُوطِيِّ 5/65 - 66 كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، 7/108 - 109 كِتَابُ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَّاسِ الْمُسْنِدَ ط. الْمَعَارِفِ 7/308 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/240
(5/150)

حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» " (1) .
وَقَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» " (2) .
وَقَالَ: " «مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» " (3) .
وَقَالَ: " «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشَرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ". قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: " لَا مَا صَلَّوْا» " (4) .
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ، إِلَى أَحَادِيثَ أَمْثَالِهَا.
فَهَذَا أَمْرُهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَهَذَا نَهْيُهُ عَنْ قِتَالِ الْوُلَاةِ الظَّلَمَةِ. وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ بَاغٍ يَجُوزُ قِتَالُهُ.
وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّ الظَّالِمَ الَّذِي (5) يَسْتَأْثِرُ بِالْمَالِ وَالْوِلَايَاتِ لَا يُقَاتِلُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا لِأَجْلِ الدُّنْيَا (6) ، يُقَاتِلُهُ (7) النَّاسُ حَتَّى يُعْطِيَهُمُ الْمَالَ وَالْوِلَايَاتِ، وَحَتَّى لَا يَظْلِمَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ أَصْلُ قِتَالِهِمْ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَلِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَلَا كَانَ قِتَالُهُمْ مِنْ جِنْسِ قِتَالِ الْمُحَارِبِينَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ (8) : " «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ
_________
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/118
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/113
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/112 - 113
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/116
(5) الَّذِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6) الدُّنْيَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(7) ن، م: يُقَاتِلُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(8) ن، م: الَّذِينَ قُتِلَ فِيهِمْ وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5/151)

شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ [دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ] (1) حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» " (2) لِأَنَّ أُولَئِكَ مُعَادُونَ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ يُعِينُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ الْعَدَاوَةُ وَالْحَرْبُ، فَلَيْسُوا وُلَاةَ أَمْرٍ قَادِرِينَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْأَخْذِ، بَلْ هُمْ بِالْقِتَالِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ وَدِمَاءَهُمْ، فَهُمْ مُبْتَدِءُونَ النَّاسَ بِالْقِتَالِ، بِخِلَافِ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَإِنَّهُمْ لَا يَبْتَدِءُونَ بِالْقِتَالِ لِلرَّعِيَّةِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ (3) مَنْ تُقَاتِلُهُ دَفْعًا وَبَيْنَ مَنْ تُقَاتِلُهُ ابْتِدَاءً. وَلِهَذَا هَلْ يَجُوزُ فِي حَالِ الْفِتْنَةِ قِتَالُ الدَّفْعِ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ وَالْمَعَانِي.
وَبِالْجُمْلَةِ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ أَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ يَكُونُ لِطَلَبِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَالِ وَالْإِمَارَةِ، وَهَذَا قِتَالٌ عَلَى الدُّنْيَا.
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (ح) ، (ب) ، (أ) ، وَفِي (ر) : دُونَ دَمِهِ.
(2) لَمْ أَجِدْ عِبَارَةَ: وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَلَكِنْ وَجَدْتُ حَدِيثًا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) وَالْحَدِيثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/339 كِتَابُ السُّنَّةِ بَابٌ فِي قِتَالِ اللُّصُوصِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 2/435، 436 كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ مَا جَاءَ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، زَادَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُنَنَ النَّسَائِيِّ 7/105 - 107 كِتَابُ تَحْرِيمِ الدَّمِ، بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ، بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ دِينِهِ، بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 2/861 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَجَاءَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، فِي الْبُخَارِيِّ 3/136 كِتَابُ الْمَظَالِمِ، بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ، مُسْلِمٍ 1/124، 125 كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابٌ عَنْ أَنَّ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 3/119، 10/43، 11/153، 154
(3) بَيْنَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(5/152)

وَلِهَذَا قَالَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَفِتْنَةِ الْقُرَّاءِ مَعَ الْحَجَّاجِ، وَفِتْنَةِ مَرْوَانَ بِالشَّامِ: هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الدُّنْيَا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ كَالْخَوَارِجِ فَهُمْ يُرِيدُونَ إِفْسَادَ دِينِ النَّاسِ، فَقِتَالُهُمْ قِتَالٌ عَلَى (1) الدِّينِ.
وَالْمَقْصُودُ بِقِتَالِهِمْ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. فَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ قِتَالُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْخَوَارِجِ (2) ثَابِتًا بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا قِتَالُ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ فَكَانَ قِتَالَ فِتْنَةٍ، كَرِهَهُ فُضَلَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ. حَتَّى الَّذِينَ حَضَرُوهُ كَانُوا كَارِهِينَ لَهُ، فَكَانَ كَارِهُهُ فِي الْأُمَّةِ أَكْثَرَ وَأَفْضَلَ مِنْ حَامِدِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَسِّمُ مَالًا فَجَاءَ ذُو الْخُوَيْصِرَةَ التَّمِيمِيُّ، وَهُوَ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، نَاتِئِ الْجَبِينِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ. فَقَالَ: " وَيْحَكَ وَمَنْ (3) يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ " ثُمَّ قَالَ: أَيَأْمَنُنِي (4) مَنْ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَأْمَنُونِي (5) ؟ " فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ: دَعْنِي
_________
(1) عَلَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (و) (ر) (ي) : عَنْ.
(2) م، ب: الْخَوَارِجَ.
(3) ن، م: فَمَنْ.
(4) ب فَقَطْ: وَيْحَكَ أَيَأْمَنُنِي.
(5) م: وَلَا تَأْمَنُونِي فِي الْأَرْضِ.
(5/153)

أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ: " يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَقْوَامٌ يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ» " الْحَدِيثَ (1) .
فَهَذَا كَلَامُهُ فِي هَؤُلَاءِ الْعِبَادِ لِمَا كَانُوا مُبْتَدِعِينَ. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّمَا أُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ جَلَدَهُ الْحَدَّ، فَأُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ مَرَّةً فَلَعَنَهُ رَجُلٌ، وَقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " لَا تَلْعَنْهُ ; فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» " (2) فَنَهَى عَنْ لَعْنِ هَذَا الْمُعَيَّنِ الْمُدْمِنَ الَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، مَعَ لَعْنَةِ شَارِبِ الْخَمْرِ عُمُومًا.
فَعُلِمَ الْفِرَقُ بَيْنَ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ وَالْخَاصِّ الْمُعَيَّنِ، وَعُلِمَ أَنَّ أَهْلَ الذُّنُوبِ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ أَخَفُّ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةٍ يَسْتَحِلُّونَ بِهَا عُقُوبَةَ مَنْ يُخَالِفُهُمْ.
وَالرَّافِضَةُ أَشَدُّ بِدْعَةً مِنَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ يُكَفِّرُونَ مَنْ لَمْ تَكُنِ الْخَوَارِجُ تُكَفِّرُهُ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَكْذِبُونَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ كَذِبًا مَا كَذِبَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، وَالْخَوَارِجُ لَا يَكْذِبُونَ، لَكِنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا أَصْدَقَ وَأَشْجَعَ مِنْهُمْ، وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا أَكْثَرَ قِتَالًا مِنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ أَكْذَبُ وَأَجْبَنُ وَأَغْدَرُ وَأَذَلُّ.
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ فِي الْبُخَارِيِّ 4/200 كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، مُسْلِمٍ 2/744 - 745 كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمُ الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 3/65، 68، 73/353، 354 - 355 وَانْظُرْ جَامِعَ الْأُصُولِ لِابْنِ الْأَثِيرِ 10/436 - 440 سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/60 - 61 الْمُقَدِّمَةُ بَابٌ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ.
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/457 - 458
(5/154)

وَهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِالْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِعَدُوٍّ كَافِرٍ كَانُوا مَعَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا جَرَى لِجَنْكِزْخَانَ (1) مَلِكِ التَّتَرِ (2) الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ أَعَانَتْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (3) .
وَأَمَّا إِعَانَتُهُمْ لِهُولَاكُو ابْنِ ابْنِهِ لَمَّا جَاءَ إِلَى خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ فَهَذَا أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَكَانُوا بِالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْصَارِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (4) ، وَكَانَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ بِبِغَدْادَ (5) الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ مِنْهُمْ (6) ، فَلَمْ يَزَلْ يَمْكُرُ بِالْخَلِيفَةِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَسْعَى فِي قَطْعِ أَرْزَاقِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَضَعْفِهِمْ، وَيَنْهَى الْعَامَّةَ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَيَكِيدُ أَنْوَاعًا مِنَ الْكَيْدِ، حَتَّى دَخَلُوا فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ بِضْعَةَ عَشْرَ أَلْفِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، وَلَمْ يُرَ فِي الْإِسْلَامِ مَلْحَمَةٌ مِثْلَ مَلْحَمَةِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ الْمُسَمَّيْنَ بِالتَّتَرِ، وَقَتَلُوا الْهَاشِمِيِّينَ وَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَغَيْرِ الْعَبَّاسِيِّينَ (7) ، فَهَلْ يَكُونُ مُوَالِيًا لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يُسَلِّطُ الْكُفَّارَ عَلَى قَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ وَعَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؟ .
_________
(1) ن: لِجَنْكِشْخَانَ، ي، ر، أ، م: لِجَنْكِسْخَانَ.
(2) مَلِكِ التَّتَرِ: كَذَا فِي (ن) ، (م) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَلِكِ التُّرْكِ.
(3) انْظُرْ عَنْ غَزْوِ جَنْكِزْخَانَ لِمَنَاطِقَ مِنَ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ أَحْدَاثَ سَنَةِ 617 هـ فِي تَارِيخِ ابْنِ الْأَثِيرِ 12/137 - 153 الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 13/86 - 91 وَقَدْ تُوُفِّيَ جَنْكِزْخَانَ سَنَةَ 624 وَانْظُرْ عَنْهُ: الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ 13/117 - 121 ; دَائِرَةَ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَقَالَةَ بَارُتُولْدَ.
(4) ح، ب: بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
(5) بِبَغْدَادَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(6) الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ مِنْهُمْ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَلْقَمِيِّ.
(7) ن، م: وَغَيْرِهِمْ، وَانْظُرْ مَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، ص 21 (م) وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ مُحِبُّ الدِّينِ الْخَطِيبُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُنْتَقَى مِنْ مِنْهَاجِ الِاعْتِدَالِ ص [0 - 9] 25 - 326 حَيْثُ نَقَلَ عَنِ الْخُوَانَسَارِيِّ فِي كِتَابِهِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ص 578 عِنْدَ تَرْجَمَةِ نَصِيرِ الدِّينِ الطُّوسِيِّ قَوْلَهُ عَنْهُ: وَمَجِيئُهُ فِي مَوْكِبِ السُّلْطَانِ الْمُؤَيَّدِ هُولَاكُو مَعَ كَمَالِ الِاسْتِعْدَادِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ بَغْدَادَ، لِإِرْشَادِ الْعُبَّادِ وَإِصْلَاحِ الْعِبَادِ، وَقَطْعِ دَابِرِ سِلْسِلَةِ الْبَغِيِّ وَالْفَسَادِ، وَإِخْمَادِ ثَائِرَةِ الْجَوْرِ وَالْإِلْبَاسِ، بِإِبَادَةِ دَائِرَةِ مُلْكِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِيقَاعِ الْقَتْلِ الْعَامِّ، مِنْ أَتْبَاعِ أُولَئِكَ الطَّغَامِ، إِلَى أَنْ أَسَالَ دِمَاءَهُمُ الْأَقْذَارَ، كَأَمْثَالِ الْأَنْهَارِ، فَانْهَارَ بِهَا فِي مَاءِ دِجْلَةَ، وَمِنْهَا إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَارِ الْبَوَارِ، وَمَحَلِّ الْأَشْقِيَاءِ وَالْأَشْرَارِ. وَانْظُرْ تَعْلِيقَ الْأُسْتَاذِ مُحِبِّ الدِّينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِي ص 20 مِنَ الْكِتَابِ، وَانْظُرْ تَعْلِيقَهُ فِي هَامِشِ ص 326 - 327 عَلَى ابْنِ الْعَلْقَمِيِّ وَكَلَامَهُ عَلَى دَوْرِهِ فِي تَحْرِيضِ هُولَاكُو عَلَى الزَّحْفِ عَلَى بَغْدَادَ وَخِدَاعِهِ لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ. . . إِلَخْ.
(5/155)

وَهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَتَلَ الْأَشْرَافَ، وَلَمْ يَقْتُلِ الْحَجَّاجُ هَاشِمِيًّا قَطُّ، مَعَ ظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ ; فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَتَلَ نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ غَيْرَ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ هَاشِمِيَّةً، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَمَا مَكَّنَهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ ذَلِكَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَقَالُوا: لَيْسَ الْحَجَّاجُ كُفُوًا لِشَرِيفَةٍ هَاشِمِيَّةٍ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ (1) بِالشَّامِ مِنَ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ لَهُمْ كَلِمَةٌ أَوْ سِلَاحٌ يُعِينُونَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمِنَ النَّصَارَى (2) أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، عَلَى قَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ.
وَالْخَوَارِجُ مَا عَمِلَتْ مِنْ هَذَا شَيْئًا، بَلْ كَانُوا هُمْ (3) يُقَاتِلُونَ النَّاسَ، لَكِنْ مَا كَانُوا يُسَلِّطُونَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
_________
(1) ن: وَكَانَ كَذَلِكَ مَنْ كَانَ.
(2) ن: وَالنَّصَارَى.
(3) هُمْ: فِي (ن) ، (م) ، (أ) فَقَطْ.
(5/156)

وَدَخَلَ فِي الرَّافِضَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ (1) : الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالنَّصِيرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ (2) لَمْ يَكُنْ يَجْتَرِئُ أَنْ يَدْخُلَ عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ، لِأَنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا عُبَّادًا مُتَوَرِّعِينَ، كَمَا قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ [وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ] » " (3) الْحَدِيثَ (4) ، فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ مِنَ الْخَوَارِجِ؟ .
وَالرَّافِضَةُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ مُتَوَرِّعٌ زَاهِدٌ، لَكِنْ لَيْسُوا فِي ذَلِكَ مِثْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَالْمُعْتَزِلَةُ أَعْقَلُ مِنْهُمْ وَأَعْلَمُ وَأَدْيَنُ، وَالْكَذِبُ وَالْفُجُورُ فِيهِمْ أَقَلُّ مِنْهُ فِي الرَّافِضَةِ. وَالزَّيْدِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ خَيْرٌ مِنْهُمْ: أَقْرَبُ إِلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وِالْعِلْمِ (5) ، وَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَصْدَقُ وَلَا أَعْبَدُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَمَعَ هَذَا فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ ; فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ.
وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُونَ هُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا (6) مَا لَا يُنْصِفُ
_________
(1) الْمُنَافِقِينَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(2) أ، ب: مَنْ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (و) وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى أَحَادِيثِ الْخَوَارِجِ فِي الصَّفَحَاتِ السَّابِقَةِ.
(4) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص 150، 154
(5) ن، م، أ: وَالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ.
(6) أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا: كَذَا فِي (ح) ، وَفِي (أ) ، (ي) ، (و) ، (ر) أَنْتُمْ تُنْصِفُونَا، وَفِي (ن) (م) : أَنَّهُمْ يُنْصِفُونَا.
(5/157)

بَعْضُنَا بَعْضًا. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ أَصْلٌ فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلٍ وَظُلْمٍ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي ظُلْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي ظُلْمِ النَّاسِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ أَعْدَلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَالْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الرَّافِضَةِ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ فُسِّقَ. وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَبْتَدِعُونَ رَأْيًا، وَيُكَفِّرُونَ (1) مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ 110] . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (2) .
وَأَهْلُ السُّنَّةِ نَقَاوَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِسَاحِلِ الشَّامِ جَبَلٌ كَبِيرٌ، فِيهِ أُلُوفٌ مِنَ الرَّافِضَةِ يَسْفِكُونَ دِمَاءَ النَّاسِ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلُوا خَلْقًا عَظِيمًا وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلَمَّا انْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ سَنَةَ غَازَانَ (3) ، أَخَذُوا الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ
_________
(1) وَيُكَفِّرُونَ: كَذَا فِي (ح) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ فَيُكَفِّرُونَ.
(2) وَرَدَ هَذَا الْأَثَرُ فِي: الْبُخَارِيِّ 6/37 - 38 كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، بَابُ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وَنَصُّهُ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ 2/77 ط. دَارَ الشَّعْبِ.
(3) ن، م: فِي غَازَانَ، و: سَنَةَ قَازَانَ، أ: سَنَةَ عَازَابَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ مُحِبُّ الدِّينِ الْخَطِيبُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُنْتَقَى مِنْ مِنْهَاجِ الِاعْتِدَالِ ص 329 ت [0 - 9] مَا يَلِي: سَنَةَ غَازَانَ هِيَ سَنَةُ 699 وَغَازَانُ 670 - 703 هُوَ أَخُو خَدَابِنَدَاهُ 680 - 716 الَّذِي أَلَّفَ لَهُ الرَّافِضِيُّ الْكِتَابَ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ وَبِأَسْلَافِهِ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى خُطْبَةِ هَذَا الْكِتَابِ ص 18 وَالْوَاقِعَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ هِيَ أَنَّ دِمَشْقَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْحِينِ تَابِعَةً لِلْمَلِكَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَكَانَ مَلِكُ مِصْرَ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بْنُ قَلَاوُونَ الَّذِي عَادَ مِنْ مَنْفَاهُ بِالْكَرْكَ بَعْدَ قَتْلِ الْمَنْصُورِ لَاجِينَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ 698 وَكَانَ نَائِبُ السُّلْطَانِ الْمِصْرِيِّ فِي دِمَشْقَ وَبِلَادِ الشَّامِ آقُوشَ الْأَفْرَمَ بَعْدَ أَنْ فَرَّ سَلَفُهُ سَيْفُ الدِّينِ قَبْجَقُ الْمَنْصُورِيُّ إِلَى إِيرَانَ وَالْتَحَقَ بِمَلِكِهَا غَازَانَ الْمَذْكُورِ، فَوَرَدَتِ الْأَخْبَارُ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ 698 بِزَحْفِ غَازَانَ مِنْ إِيرَانَ نَحْوَ حَلَبَ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بْنُ قَلَاوُونَ فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَى غَزَّةَ فِي مُحَرَّمٍ 699 وَلَبِثَ فِيهَا شَهْرَيْنِ يَسْتَعِدُّ وَيُرَاقِبُ حَرَكَاتِ غَازَانَ، وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ 699 وَصَلَ النَّاصِرُ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ الْوَقْتُ شِتَاءَ دِيسِمْبِرَ 1219 م فَتَمَوَّنَ مِنْ دِمَشْقَ بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَالِ وَالْعَتَادِ حَتَّى اقْتَرَضُوا أَمْوَالَ الْأَيْتَامِ، وَزَحَفَ إِلَى الشَّمَالِ، فَالْتَقَى بِالتَّتَارِ فِي وَادِي سَلَمْيَةَ يَوْمَ 27 رَبِيعٍ الْأَوَّلِ 699 وَكَانَتْ مَلْحَمَةً انْكَسَرَتْ فِيهَا جُيُوشُ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَوَاصَلَ غَازَانُ زَحْفَهُ فَاسْتَوْلَى عَلَى بَعْلَبَكَّ وَالْبِقَاعِ، فَنَزَحَ أَعْيَانُ دِمَشْقَ إِلَى مِصْرَ يَتَّبِعُونَ الْمَلِكَ النَّاصِرَ فِي انْسِحَابِهِ، وَبَقِيَتْ دِمَشْقُ بِلَا رُعَاةٍ، وَالْتَفَّ الشَّامِيُّونَ حَوْلَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْخُرُوجَ لِمُقَابَلَةِ غَازَانَ وَطَلَبِ الْأَمَانِ لِلشَّعْبِ، وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ مُحِبُّ الدِّينِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا جَرَى بَيْنَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَغَازَانَ فِي لِقَاءٍ بَيْنِهِمَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَا جَرَى مِنَ التَّتَارِ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى أَوَاسِطِ شَعْبَانَ سَنَةَ 699 انْظُرْ هَامِشَ ص 330 - 332 وَانْظُرْ عَنْ سَنَةِ غَازَانَ أَوْ وَقْعَةِ غَازَانَ: الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ 14/6 - 11.
(5/158)

وَالْأَسْرَى (1) وَبَاعُوهُمْ لِلْكُفَّارِ النَّصَارَى (2) بِقُبْرُصَ، وَأَخَذُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْجُنْدِ، وَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ، وَحَمَلَ بَعْضُ أُمَرَائِهِمْ رَايَةَ النَّصَارَى، وَقَالُوا لَهُ: أَيُّمَا (3) خَيْرٌ: الْمُسْلِمُونَ أَوِ النَّصَارَى؟ فَقَالَ: بَلِ النَّصَارَى. فَقَالُوا لَهُ: مَعَ مَنْ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: مَعَ النَّصَارَى. وَسَلَّمُوا إِلَيْهِمْ (4) بَعْضَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
_________
(1) ح، ب: وَالْأُسَارَى.
(2) ح، ب: لِلْكُفَّارِ وَالنَّصَارَى.
(3) ن، م: مِنْ.
(4) ح: لَهُمْ.
(5/159)

وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا اسْتَشَارَ بَعْضُ (1) وُلَاةِ الْأَمْرِ فِي غَزْوِهِمْ، وَكَتَبْتُ جَوَابًا مَبْسُوطًا فِي غَزْوِهِمْ، وَذَهَبْنَا إِلَى نَاحِيَتِهِمْ وَحَضَرَ عِنْدِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَجَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُنَاظَرَاتٌ وَمُفَاوَضَاتٌ يَطُولُ وَصْفُهَا، فَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَلَدَهُمْ (2) ، وَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، نَهَيْتُهُمْ عَنْ قَتْلِهِمْ وَعَنْ سَبْيِهِمْ (3) ، وَأَنْزَلْنَاهُمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مُتَفَرِّقِينَ لِئَلَّا يَجْتَمِعُوا.
فَمَا أَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ (4) ذَمِّ الرَّافِضَةِ وَبَيَانِ كَذِبِهِمْ وَجَهْلِهِمْ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا أَعْرِفُهُ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ شَرٌّ كَثِيرٌ لَا أَعْرِفُ تَفْصِيلَهُ.
وَمُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الرَّافِضَةِ، إِنَّمَا نُقَابِلُهُمْ بِبَعْضِ مَا فَعَلُوهُ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلَفِهَا وَخَلَفِهَا ; فَإِنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَإِلَى خِيَارِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَجَعَلُوهُمْ شِرَارَ النَّاسِ، وَافْتَرَوْا عَلَيْهِمُ الْعَظَائِمَ، وَجَعَلُوا حَسَنَاتِهِمْ سَيِّئَاتٍ (5) ، وَجَاءُوا إِلَى شَرِّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَهُمُ الرَّافِضَةُ بِأَصْنَافِهَا: غَالِيُّهَا وَإِمَامِيُّهَا وَزَيْدِيُّهَا وَاللَّهُ يَعْلَمُ، وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (6) ، لَيْسَ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ شَرٌّ مِنْهُمْ: لَا أَجْهَلَ وَلَا أَكْذَبَ، وَلَا أَظْلَمَ، وَلَا أَقْرَبَ إِلَى الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَأَبْعَدَ عَنْ حَقَائِقِ
_________
(1) بَعْضُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) و: فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ بَلَدَهُمْ.
(3) ح: وَسَبْيِهِمْ.
(4) ح، ب: فِي.
(5) ح، ب: سَيِّئَاتِهِمْ.
(6) ن، م، أ، و: وَكَفَى بِهِ عَلِيمًا.
(5/160)

الْإِيمَانِ مِنْهُمْ، فَزَعَمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ ; فَإِنَّ مَا سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ كُفَّارٌ، وَهَؤُلَاءِ كَفَّرُوا الْأُمَّةَ كُلَّهَا أَوْ ضَلَّلُوهَا، سِوَى طَائِفَتِهِمُ الَّتِي (1) يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الطَّائِفَةُ الْمُحِقَّةُ، وَأَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَجَعَلُوهُمْ صَفْوَةَ بَنِي آدَمَ.
فَكَانَ مَثَلُهُمْ كَمَنْ جَاءَ إِلَى غَنَمٍ كَثِيرَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَعْطِنَا خَيْرَ هَذِهِ الْغَنَمِ لِنُضَحِّيَ بِهَا، فَعَمَدَ إِلَى شَرِّ تِلْكَ الْغَنَمِ: إِلَى شَاةٍ عَوْرَاءَ عَجْفَاءَ عَرْجَاءَ مَهْزُولَةٍ لَا نَقَى لَهَا (2) ، فَقَالَ: هَذِهِ خِيَارُ هَذِهِ الْغَنَمِ لَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ إِلَّا بِهَا، وَسَائِرُ هَذِهِ الْغَنَمِ لَيْسَتْ غَنَمًا، وَإِنَّمَا هِيَ خَنَازِيرُ يَجِبُ قَتْلُهَا، وَلَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ (3) بِهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ حَمَى اللَّهُ لَحْمَهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " (4) .
وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ: إِمَّا مُنَافِقٌ وَإِمَّا جَاهِلٌ، فَلَا يَكُونُ رَافِضِيٌّ وَلَا جَهْمِيٌّ إِلَّا مُنَافِقًا أَوْ جَاهِلًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكُونُ فِيهِمْ أَحَدٌ عَالِمًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُمْ لِمَا جَاءَ
_________
(1) أ، ح، ر، و: الَّذِينَ.
(2) فِي اللِّسَانِ: النَّقَاوَةُ أَفْضَلُ مَا انْتَقَيْتَ مِنَ الشَّيْءِ، قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: وَجَمْعُ النَّقَاوَةِ نُقًا وَنُقَاءٌ.
(3) ن، م: التَّضْحِيَةُ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/373 كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ مَنْ رَدَّ عَنْ مُسْلِمٍ غَيْبَتَهُ، وَلَفْظُهُ: مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ. أَرَاهُ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمَى لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ. وَالْحَدِيثُ فِي: الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 3/441 وَضَعَّفَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ 6/193.
(5/161)

بِهِ الرَّسُولُ وَكَذِبَهُمْ عَلَيْهِ لَا يَخْفَى قَطُّ إِلَّا عَلَى مُفْرِطٍ فِي الْجَهْلِ وَالْهَوَى.
وَشُيُوخُهُمُ الْمُصَنِّفُونَ فِيهِمْ طَوَائِفُ يَعْلَمُونَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقُولُونَهُ كَذِبٌ، وَلَكِنْ يُصَنِّفُونَ لَهُمْ لِرِيَاسَتِهِمْ عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا الْمُصَنِّفُ يَتَّهِمُهُ النَّاسُ بِهَذَا، وَلَكِنْ صَنَّفَ لِأَجْلِ أَتْبَاعِهِ ; فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ بَاطِلٌ وَيُظْهِرُهُ وَيَقُولُ: إِنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهُوَ مِنْ جِنْسِ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ. وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقٌّ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نِهَايَةِ جَهْلِهِ وَضَلَالِهِ.
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ
وَهُمْ فِي دِينِهِمْ لَهُمْ عَقْلِيَّاتٌ وَشَرْعِيَّاتٌ، فَالْعَقْلِيَّاتُ مُتَأَخِّرُوهُمْ فِيهَا أَتْبَاعُ الْمُعْتَزِلَةِ، إِلَّا مَنْ تَفَلْسَفَ مِنْهُمْ (1) ، فَيَكُونُ إِمَّا فَيْلَسُوفًا، وَإِمَّا مُمْتَزِجًا مِنْ فَلْسَفَةٍ وَاعْتِزَالٍ، وَيُضَمُّ إِلَى ذَلِكَ الرَّفْضُ، مِثْلَ مُصَنِّفِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَمْثَالِهِ، فَيَصِيرُونَ بِذَلِكَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ (2) الْمَحْضِ.
وَأَمَّا شَرْعِيَّاتِهِمْ فَعُمْدَتُهُمْ فِيهَا عَلَى مَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ (3) ، مِثْلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ وَغَيْرِهِمَا.
_________
(1) ن، م: فِيهِمْ.
(2) ح، ب: الْإِسْلَامِ.
(3) ن، م: أَهْلِ الْعِلْمِ.
(5/162)

وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، وَلِأَقْوَالِهِمْ مِنَ الْحُرْمَةِ وَالْقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُمْ، لَكِنْ كَثِيرٌ مِمَّا يُنْقَلُ عَنْهُمْ كَذِبٌ، وَالرَّافِضَةُ لَا خِبْرَةَ لَهَا بِالْأَسَانِيدِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ هُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَشْبَاهِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كُلُّ مَا (1) يَجِدُونَهُ فِي الْكُتُبِ مَنْقُولًا عَنْ أَسْلَافِهِمْ قَبِلُوهُ، بِخِلَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ ; فَإِنَّ لَهُمْ مِنَ الْخِبْرَةِ بِالْأَسَانِيدِ مَا يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
وَإِذَا صَحَّ النَّقْلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (2) فَلَهُ أُسْوَةٌ نُظَرَاؤُهُ كَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] . فَأَمَرَ بِرَدِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
وَالرَّافِضَةُ لَا تَعْتَنِي بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَةِ مُعَانِيهِ وَتَفْسِيرِهِ، وَطَلَبِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهِ. وَلَا تَعْتَنِي أَيْضًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَالْبَحْثِ عَنْ مَعَانِيهِ، وَلَا تَعْتَنِي بِآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، حَتَّى تَعْرِفَ مَآخِذَهُمْ وَمَسَالِكَهُمْ، وَيُرَدُّ (3) مَا
_________
(1) ب فَقَطْ: فَكُلُّ.
(2) ن: عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(3) ح، ب: وَتُرَدُّ.
(5/163)

تُنَازِعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، بَلْ عُمْدَتُهَا آثَارٌ تُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ فِيهَا صِدْقٌ وَكَذِبٌ.
وَقَدْ أَصَّلْتُ لَهَا ثَلَاثَةَ أُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِمَامٌ مَعْصُومٌ بِمَنْزِلَةِ النَّبِيِّ، لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ، وَلَا يُرَدُّ مَا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَيَقُولُونَ عَنْهُ مَا كَانَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَنْقُلُ كُلَّ مَا أَقُولُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَا لَيْتَهُمْ قَنَعُوا بِمَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بَلْ يَأْتُونَ إِلَى مَنْ تَأَخَّرَ زَمَانُهُ كَالْعَسْكَرِيِّينَ فَيَقُولُونَ: كُلُّ مَا قَالَهُ وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَالنَّبِيُّ قَدْ قَالَهُ.
وَكُلُّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ يَعْلَمُ أَنَّ الْعَسْكَرِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ أَمْثَالِهِمَا مِمَّنْ كَانَ فِي زَمَانِهِمَا مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَمْتَازُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَلَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَأْخُذُونَ عَنْهُمْ، كَمَا يَأْخُذُونَ عَنْ عُلَمَاءِ زَمَانِهِمْ، وَكَمَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي زَمَنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَابْنِ ابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدْ أَخَذَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنْهُمْ، كَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ
(5/164)

عَنْ أَمْثَالِهِمْ، بِخِلَافِ الْعَسْكَرِيِّينَ وَنَحْوِهِمَا (1) ; فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ أَهْلُ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفُونَ بِالْعِلْمِ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَيُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا مَا قَالَهُ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْقُرْآنِ وَالْمُتَوَاتِرِ مِنَ السُّنَنِ. وَهَذَا مِمَّا لَا يَبْنِي عَلَيْهِ دِينَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.

[زعم الرافضة أن إِجْمَاعَهم هُوَ إِجْمَاعُ الْعِتْرَةِ وَأن إِجْمَاعُ الْعِتْرَةِ مَعْصُومٌ]
وَأَصَّلُوا أَصْلًا ثَالِثًا: وَهُوَ أَنَّ إِجْمَاعَ الرَّافِضَةِ هُوَ إِجْمَاعُ الْعِتْرَةِ، وَإِجْمَاعُ الْعِتْرَةِ مَعْصُومٌ. وَالْمُقْدِمَةُ الْأَوْلَى كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ. وَالثَّانِيَةُ فِيهَا نِزَاعٌ، فَصَارَتِ الْأَقْوَالُ الَّتِي فِيهَا صِدْقٌ وَكَذِبٌ عَلَى أُولَئِكَ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْآنِ لَهُمْ، وَبِمَنْزِلَةِ السُّنَّةِ الْمَسْمُوعَةِ مِنَ الرَّسُولِ، وَبِمَنْزِلَةِ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَحْدَهَا.
وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْرِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ وَتَصَوَّرَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَمُجُّهُ أَعْظَمَ مِمَّا يَمُجُّ الْمِلْحَ الْأُجَاجَ وَالْعَلْقَمَ، لَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِطُرُقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا سِيَّمَا مَذَاهِبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصَّادِقَةِ الَّتِي لَا رَيْبَ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ جَعَلُوا الرَّسُولَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ هُوَ إِمَامُهُمُ الْمَعْصُومُ، عَنْهُ يَأْخُذُونَ دِينَهُمْ، فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ، وَالِدَيْنُ مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ قَوْلٍ يُخَالِفُ قَوْلَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْلَمِهِمْ، وَهُوَ مَأْجُورٌ فِيهِ عَلَى اجْتِهَادِهِ، لَكِنَّهُمْ لَا يُعَارِضُونَ قَوْلَ اللَّهِ وَقَوْلَ رَسُولِهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا: لَا نَقْلَ نُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا رَأْيَ رَآهُ غَيْرُهُ.
وَمَنْ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّمَا هُمْ وَسَائِطُ فِي التَّبْلِيغِ عَنْهُ: إِمَّا لِلَفْظِ حَدِيثِهِ، وَإِمَّا لِمَعْنَاهُ. فَقَوْمٌ بَلَّغُوا مَا سَمِعُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ، وَقَوْمٌ
_________
(1) ر، ي: وَأَمْثَالِهِمَا.
(5/165)

تَفَقَّهُوا فِي ذَلِكَ عَرَفُوا مَعْنَاهُ، وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.

[الحق لا يخرج عن أهل السنة]
فَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ قَطُّ، وَكُلُّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ خَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ وَمُعْتَزِلِيٍّ وَجَهْمِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ مَنْ خَالَفَ مَذَاهِبَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ يُوَافِقُهُمْ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ الْآخَرَ، فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.

[إجماع الصحابة يغني عن دعوى أي إجماع آخر]
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ يَخْرُجُ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ، وَذُكِرَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَكَلَّمَ عَلَى إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعِ الْعِتْرَةِ؟ .
قِيلَ: لِأَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ لَا يَتَّفِقُونَ إِلَّا عَلَى مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1) وَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ مُغْنِيًا (2) عَنْ دَعْوَى إِجْمَاعٍ يُنَازِعُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةَ بَعْضِ النَّاسِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يَدَّعِي إِجْمَاعَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِجْمَاعًا ; فَإِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ لَا نَصَّ فِيهَا، بَلِ النَّصُّ عَلَى خِلَافِهَا.
[وَكَذَلِكَ الْمُدَّعُونَ إِجْمَاعَ الْعِتْرَةِ يَدَّعُونَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ لَا نَصَّ مَعَهُمْ
_________
(1) ح، ب: مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
(2) ن، م، أ: مُعِينًا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5/166)

فِيهَا، بَلِ النَّصُّ عَلَى خِلَافِهَا] (1) ، فَاحْتَاجَ هَؤُلَاءِ إِلَى دَعْوَى مَا يَدْعُونَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ حُجَّةٌ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحَدِيثِ فَالنُّصُوصُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ عُمْدَتُهُمْ، وَعَلَيْهَا يَجْمَعُونَ إِذَا أَجْمَعُوا، لَا سِيَّمَا وَأَئِمَّتُهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَكُونُ قَطُّ إِجْمَاعٌ صَحِيحٌ عَلَى خِلَافِ نَصٍّ إِلَّا وَمَعَ الْإِجْمَاعِ نَصٌّ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ، يُعْرَفُ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِذَلِكَ النَّصِّ الْآخَرِ. فَإِذَا كَانُوا لَا يُسَوِّغُونَ أَنْ تُعَارَضَ النُّصُوصُ بِمَا يُدَّعَى مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، لِبُطْلَانِ تَعَارُضِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ إِذَا عُورِضَتِ النُّصُوصُ بِمَا يُدَّعَى مِنْ إِجْمَاعِ الْعِتْرَةِ أَوْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ .
وَكُلُّ مَنْ سِوَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنَ الْفِرَقِ فَلَا يَنْفَرِدُ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِقَوْلٍ صَحِيحٍ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ مَا هُوَ حَقٌّ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ، وَإِلَّا فَالْبَاطِلُ الْمَحْضُ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلِهَذَا سُمِّيَ أَهْلُ الْبِدَعِ أَهْلَ الشُّبَهَاتِ، وَقِيلَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.

[أَهْلُ الْكِتَابِ مَعَهُمْ حَقٌّ وَبَاطِلٌ]
وَهَكَذَا أَهْلُ الْكِتَابِ مَعَهُمْ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لَهُمْ: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 42] ، وَقَالَ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 8] ، وَقَالَ عَنْهُمْ: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 150] ، وَقَالَ عَنْهُمْ:
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/167)

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 91] .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا بِدَعًا خَلَطُوهَا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَفَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا (1) شِيَعًا، فَصَارَ (2) فِي كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَهُمْ يُكَذِّبُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي مَعَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَيُصَدِّقُونَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي مَعَهُمْ.
[وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ كُلِّهِمْ ; فَإِنَّ مَعَهُمْ] (3) حَقًّا وَبَاطِلًا (4) ، فَهُمْ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، كُلُّ فَرِيقٍ يُكَذِّبُ بِمَا مَعَ الْآخَرِ مِنَ الْحَقِّ وَيُصَدِّقُ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، كَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ ; فَهَؤُلَاءِ يُكَذِّبُونَ بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُصَدِّقُونَ بِمَا رُوِيَ فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَيُصَدِّقُونَ بِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَكْفِيرِهِ وَتَكْفِيرِ مَنْ يَتَوَلَّاهُ وَيُحِبُّهُ. وَهَؤُلَاءِ يُصَدِّقُونَ بِمَا رُوِيَ فِي فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَيُكَذِّبُونَ بِمَا رُوِيَ فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيُصَدِّقُونَ بِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ التَّكْفِيرِ وَالطَّعْنِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَدِينُ الْإِسْلَامِ وَسَطٌ بَيْنِ الْأَطْرَافِ الْمُتَجَاذِبَةِ. فَالْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ فِي التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَالْيَهُودُ (5) تَصِفُ الرَّبَّ بِصِفَاتِ النَّقْصِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الْمَخْلُوقُ، وَيُشَبِّهُونَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ. كَمَا قَالُوا: إِنَّهُ بَخِيلٌ، وَإِنَّهُ فَقِيرٌ، وَإِنَّهُ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ تَعِبَ. وَهُوَ سُبْحَانُهُ
_________
(1) أ، ي، ر، و: وَصَارُوا.
(2) ح، ب: فَكَانَ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) حَقًّا وَبَاطِلًا: كَذَا فِي (ب) ، فَقَطْ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: حَقٌّ وَبَاطِلٌ.
(5) ن فَقَطْ: فَالنَّصَارَى، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5/168)

الْجَوَّادُ الَّذِي لَا يَبْخَلُ وَالْغَنِيُّ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْقَادِرُ الَّذِي لَا يَمَسُّهُ لُغُوبٌ. وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالْغِنَى عَمَّا (1) سِوَاهُ هِيَ صِفَاتُ الْكَمَالِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ سَائِرَهَا.
وَالنَّصَارَى يَصِفُونَ الْمَخْلُوقَ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا، وَيُشَبِّهُونَ الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
فَالْمُسْلِمُونَ وَحَّدُوا اللَّهَ وَوَصَفُوهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنْ جَمِيعِ صِفَاتِ النَّقْصِ، وَنَزَّهُوهُ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَا بِصِفَاتِ النَّقْصِ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
وَكَذَلِكَ فِي النُّبُوَّاتِ ; فَالْيَهُودُ تَقْتُلُ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَسْتَكْبِرُ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَتُكَذِّبُهُمْ (2) وَتَتَّهِمُهُمْ بِالْكَبَائِرِ. وَالنَّصَارَى يَجْعَلُونَ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ نَبِيًّا وَرَسُولًا، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْحَوَارِيِّينَ: إِنَّهُمْ رُسُلٌ، بَلْ يُطِيعُونَ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ كَمَا تُطَاعُ الْأَنْبِيَاءُ. فَالنَّصَارَى تُصَدِّقُ بِالْبَاطِلِ، وَالْيَهُودُ تُكَذِّبُ بِالْحَقِّ.
وَلِهَذَا كَانَ فِي مُبْتَدِعَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ شَبَهٌ (3) مِنَ الْيَهُودِ، وَفِي مُبْتَدِعَةِ أَهْلِ
_________
(1) ب فَقَطْ: عَمَّنْ.
(2) وَتُكَذِّبُهُمْ: كَذَا فِي (ن) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَتُكَذِّبُ بِهِمْ.
(3) ن، م: شُبْهَةٌ.
(5/169)

التَّعَبُّدِ شَبَهٌ (1) مِنَ النَّصَارَى ; فَآخِرُ أُولَئِكَ الشَّكُّ وَالرَّيْبُ، وَآخِرُ هَؤُلَاءِ الشَّطْحُ وَالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةُ، لِأَنَّ أُولَئِكَ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ فَصَارُوا إِلَى الشَّكِّ، وَهَؤُلَاءِ صَدَّقُوا بِالْبَاطِلِ فَصَارُوا إِلَى الشَّطْحِ، فَأُولَئِكَ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، [يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ، ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ] (2) ، وَهَؤُلَاءِ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.
فَمُبْتَدِعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِمَا ابْتَدَعُوهُ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْعِلْمَ الْمَشْرُوعَ وَيَعْمَلُوا بِهِ، فَانْتَهَوْا إِلَى الشَّكِّ الْمُنَافِي لِلْعِلْمِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ بِالْمَشْرُوعِ، لَكِنْ زَاغُوا فَأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَكَانُوا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ.
وَمُبْتَدِعَةُ الْعُبَّادِ (3) طَلَبُوا الْقُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِمَا ابْتَدَعُوهُ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ إِلَّا الْبُعْدُ مِنْهُ ; فَإِنَّهُ مَا ازْدَادَ مُبْتَدِعٌ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بُعْدًا.
وَالْبُعْدُ عَنْ رَحْمَتِهِ (4) ، هُوَ اللَّعْنَةُ وَهُوَ غَايَةُ النَّصَارَى. وَأَمَّا الشَّرَائِعُ فَالْيَهُودُ مَنَعُوا الْخَالِقَ أَنْ يَبْعَثَ رَسُولًا بِغَيْرِ شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْأَوَّلِ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ. وَالنَّصَارَى جُوَّزُوا لِأَحْبَارِهِمْ أَنْ يُغَيِّرُوا مِنَ الشَّرَائِعِ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ (5) ، فَأُولَئِكَ عَجَّزُوا الْخَالِقَ، وَمَنَعُوهُ مَا
_________
(1) ن، م: شُبْهَةٌ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) ، (ي) وَفِي (ر) : لُجِّيٍّ إِلَى قَوْلِهِ: بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
(3) ن، أ، ر: الْعِبَادَةِ.
(4) ن، م: عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
(5) ن، م: رُسُلَهُ.
(5/170)

تَقْتَضِيهِ قُدْرَتُهُ وَحِكْمَتُهُ فِي النُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ. وَهَؤُلَاءِ جَوَّزُوا لِلْمَخْلُوقِ أَنْ يُغَيِّرَ مَا شَرَعَهُ الْخَالِقُ، فَضَاهَوُا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ (1) .
وَكَذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ ; فَالنَّصَارَى يَعْبُدُونَهُ بِبِدَعٍ ابْتَدَعُوهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. وَالْيَهُودُ مُعْرِضُونَ عَنِ الْعِبَادَاتِ، حَتَّى فِي يَوْمِ السَّبْتِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَتَفَرَّغُوا فِيهِ لِعِبَادَتِهِ، إِنَّمَا يَشْتَغِلُونَ فِيهِ بِالشَّهَوَاتِ. فَالنَّصَارَى مُشْرِكُونَ بِهِ وَالْيَهُودُ مُسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ.
وَالْمُسْلِمُونَ عَبَدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ بِمَا شَرَعَ، وَلَمْ يَعْبُدُوهُ بِالْبِدَعِ. وَهَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْحَنِيفِيَّةُ دِينُ إِبْرَاهِيمَ. فَمَنِ اسْتَسْلَمَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهُ فَهُوَ مُسْتَكْبِرٌ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 48] .
وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 60] .
وَكَذَلِكَ فِي أَمْرِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: فِي الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَاتِ ; فَالنَّصَارَى لَا تُحَرِّمُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْخَبَائِثَ الْمُحَرَّمَةَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، حَتَّى أَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ بِالنَّجَاسَاتِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا يَغْتَسِلُونَ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا يَتَطَهَّرُونَ لِلصَّلَاةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الرَّاهِبُ عِنْدَهُمْ أَبْعَدَ عَنِ الطَّهَارَةِ، وَأَكْثَرَ مُلَابَسَةً لِلنَّجَاسَةِ كَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَهُمْ.
_________
(1) ح: الْمَخْلُوقَاتِ بِالْخَالِقِ، و: الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ.
(5/171)

وَالْيَهُودُ (1) حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ، فَهُمْ يُحَرِّمُونَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَا هُوَ مَنْفَعَةٌ لِلْعِبَادِ، وَيَجْتَنِبُونَ الْأُمُورَ الطَّاهِرَاتِ (2) مَعَ النَّجَاسَاتِ، فَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ لَا يَأْكُلُونَ مَعَهَا وَلَا يُجَالِسُونَهَا، فَهُمْ فِي آصَارٍ وَأَغْلَالٍ عُذِّبُوا بِهَا.
فَأُولَئِكَ (3) يَتَنَاوَلُونَ الْخَبَائِثَ الْمُضِرَّةَ، مَعَ أَنَّ الرُّهْبَانَ يُحَرِّمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، فَيُحَرِّمُونَ الطَّيِّبَاتِ وَيُبَاشِرُونَ النَّجَاسَاتِ، وَهَؤُلَاءِ يُحَرِّمُونَ الطَّيِّبَاتِ النَّافِعَةَ، مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَفْسَدِهِمْ بَوَاطِنَ.
وَطَهَارَةُ الظَّاهِرِ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا طَهَارَةُ الْقَلْبِ، فَهُمْ يُطَهِّرُونَ ظَوَاهِرَهُمْ وَيُنَجِّسُونَ قُلُوبَهُمْ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ مُتَوَسِّطُونَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ. فَهُمْ فِي عَلِيٍّ وَسَطٌ بَيْنِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ. وَكَذَلِكَ فِي عُثْمَانَ وَسَطٌ بَيْنَ الْمَرْوَانِيَّةِ وَبَيْنَ الزَّيْدِيَّةِ. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَسَطٌ بَيْنَ الْغُلَاةِ فِيهِمْ وَالطَّاعِنِينَ عَلَيْهِمْ. وَهُمْ فِي الْوَعِيدِ وَسَطٌ بَيْنِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ. وَهُمْ فِي الْقَدَرِ وَسَطٌ بَيْنِ الْقَدَرِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَبَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ الْمُجْبِرَةِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ. وَهُمْ فِي الصِّفَاتِ وَسَطٌ بَيْنِ الْمُعَطِّلَةِ وَبَيْنَ الْمُمَثِّلَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ سِوَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الْمُتَّبِعِينَ آثَارَ
_________
(1) ح، ر، ي، ب: فَالْيَهُودُ.
(2) ح، ب: الطَّاهِرَةَ.
(3) ب فَقَطْ: وَأُولَئِكَ.
(5/172)

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْفَرِدُونَ عَنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ (1) إِلَّا بِقَوْلٍ فَاسِدٍ، لَا يَنْفَرِدُونَ قَطُّ بِقَوْلٍ صَحِيحٍ. وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَنِ السُّنَّةِ أَبْعَدَ، كَانَ انْفِرَادُهُ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْبَاطِلَةِ أَكْثَرَ. وَلَيْسَ فِي الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ أَبْعَدُ عَنْ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الرَّافِضَةِ.

[أقوال الرافضة التي انْفَرَدُوا بِهِا عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ]
فَلِهَذَا تَجِدُ فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَقْوَالًا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، مِثْلَ تَأْخِيرِهِمْ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْكَوْكَبُ مُضَاهَاةً لِلْيَهُودِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ (2) . وَمَثَّلَ صَوْمَهُمْ قَبْلَ النَّاسِ بِيَوْمَيْنِ، وَفِطْرَهُمْ قَبْلَ النَّاسِ بِيَوْمَيْنِ مُضَاهَاةً لِمُبْتَدِعَةِ (3) أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنِ الصَّوْمِ بِالْهِلَالِ إِلَى الِاجْتِمَاعِ، وَجَعَلُوا الصَّوْمَ بِالْحِسَابِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا تَحْسُبُ وَلَا تَكْتُبُ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ; فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» " (4) .
_________
(1) ن، م: عَنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(2) انْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ السَّيِّدُ سَابِق فِي كِتَابِهِ " فِقْهِ السُّنَّةِ " ط 1365 فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، بَابُ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ص 174 - 176 عَنْ تَعْجِيلِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ مَا أَوْرَدَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 1/277 - 278 فِي ذَلِكَ.
(3) ب فَقَطْ: لِلْمُبْتَدِعَةِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي: الْبُخَارِيِّ 3/27 - 28 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، وَلَفْظُهُ فِيهِ: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ، وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 2/761 كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/398 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ الْأَرْقَامَ: 5017، 5137، 5536، 6041، وَجَمَعَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَصُّهُ فِي: مُسْلِمٍ 2/759 - 760 مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ وَالرِّوَايَاتِ، الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ 3/26 - 27 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَلَفْظُهُ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي نَفْسِ الصَّفْحَةِ.
(5/173)

وَمِثْلَ تَحْرِيمِهِمْ بَعْضَ أَنْوَاعِ السَّمَكِ، مُضَاهَاةً لِلْيَهُودِ فِي تَحْرِيمِ (1) الطَّيِّبَاتِ وَمِثْلَ مُعَاوَنَةِ الْكُفَّارِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْغِيبِ الْكُفَّارِ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ مِنْ فِرَقِ الْأُمَّةِ.
وَمِثْلَ تَنْجِيسِ الْمَائِعَاتِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ دِينِ السَّامِرَةِ وَهُمْ رَافِضَةُ الْيَهُودِ، هُمْ فِي الْيَهُودِ كَالرَّافِضَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالرَّافِضَةُ تُشَابِهُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ; فَإِنَّ السَّامِرَةَ لَا تُؤْمِنُ بِنَبِيٍّ بَعْدَ مُوسَى وَهَارُونَ غَيْرَ يُوشَعَ، وَكَذَلِكَ الرَّافِضَةُ لَا تُقِرُّ لِأَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالصَّحَابَةِ بِفَضْلٍ وَلَا إِمَامَةٍ إِلَّا لِعَلِيٍّ. وَالسَّامِرَةُ تُنَجِّسُ وَتُحَرِّمُ مَا بَاشَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمَائِعَاتِ، وَكَذَلِكَ الرَّافِضَةُ. وَالسَّامِرَةُ لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا ذَبَائِحَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَذَلِكَ الرَّافِضَةُ فَإِنَّهُمْ يُحَرِّمُونَ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُحَرِّمُ أَكْثَرُهُمْ ذَبَائِحَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ عِنْدَهُمْ، وَذَبِيحَةُ (2) الْمُرْتَدِّ لَا تُبَاحُ. وَالسَّامِرَةُ فِيهِمْ كِبَرٌ وَرُعُونَةٌ وَحُمْقٌ وَدَعَاوٍ كَاذِبَةٌ، مَعَ الْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَكَذَلِكَ الرَّافِضَةُ.
_________
(1) ن: تَحْرِيمِهِمُ.
(2) ح، ب: لِأَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ وَعِنْدَهُمْ ذَبِيحَةُ. . . إِلَخْ.
(5/174)

وَالرَّافِضَةُ تَجْعَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ، فَيُصَلُّونَ دَائِمًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، وَهَذَا لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ غَيْرُهُمْ مِنْ فِرَقِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ يُشْبِهُ دِينَ الْيَهُودِ ; فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثٌ (1) .
وَغُلَاةُ الْعِبَادِ يُوجِبُونَ عَلَى أَصْحَابِهِمْ صَلَاةَ الضُّحَى وَالْوِتْرَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ، فَتَصِيرُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُمْ سَبْعًا، وَهُوَ دِينُ النَّصَارَى. وَالرَّافِضَةُ لَا تُصَلِّي جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً لَا خَلْفَ أَصْحَابِهِمْ وَلَا غَيْرِ أَصْحَابِهِمْ وَلَا يُصَلُّونَ إِلَّا خَلْفَ الْمَعْصُومِ، وَلَا مَعْصُومَ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي سَائِرِ الْفِرَقِ أَكْثَرَ مِمَّا يُوجَدُ فِي الرَّافِضَةِ. فَسَائِرُ أَهْلِ الْبِدَعِ (2) سِوَاهُمْ، لَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ إِلَّا خَلْفَ أَصْحَابِهِمْ، كَمَا هُوَ دِينُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ ذَلِكَ بِحَالٍ، فَهَذَا لَيْسَ إِلَّا لِلرَّافِضَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤَمِّنُونَ فِي الصَّلَاةِ هُمْ (3) أَوْ بَعْضُهُمْ وَهَذَا لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ فِرَقِ الْأُمَّةِ، بَلْ هُوَ دِينُ الْيَهُودِ ; فَإِنَّ الْيَهُودَ حَسَدُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّأْمِينِ. وَقَدْ حَكَى طَائِفَةٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُحَرِّمُ لَحْمَ الْإِبِلِ، وَكَانَ ذَلِكَ (4) لِرُكُوبِ عَائِشَةَ عَلَى الْجَمَلِ. وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكُفْرِ ; وَهُوَ (5) مِنْ جِنْسِ دِينِ الْيَهُودِ.
_________
(1) انْظُرْ عَنِ السَّامِرَةِ: الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1/199 - 200، الْفِصَلُ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ 1/177 - 178، 202
(2) ن، م، و، ي: أَكْثَرَ مِمَّا يُوجَدُ فِي سَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ، أ: أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ.
(3) هُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (أ) ، (ب) .
(4) ح، ب: وَذَلِكَ.
(5) ح، ب: فَهُوَ.
(5/175)

وَكَثِيرٌ مِنْ عَوَامِّهِمْ يَقُولُ (1) : إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِرِضَا الْمَرْأَةِ، وَعُلَمَاؤُهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ (2) .
وَهُمْ يَقُولُونَ بِإِمَامٍ مُنْتَظَرٍ مَوْجُودٍ غَائِبٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، وَلَا يُعْلَمُ (3) بِحِسٍّ وَلَا خَبَرٍ، لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ.
وَيَقُولُونَ: أُصُولُ الدِّينِ أَرْبَعَةٌ: التَّوْحِيدُ، وَالْعَدْلُ، وَالنُّبُوَّةُ، وَالْإِمَامَةُ. وَهَذَا مُنْتَهَى الْإِمَامِ عِنْدَهُمُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ مَعْصُومٌ غَائِبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ كَائِنٌ (4) فِي الْأَمْصَارِ، سَيُخْرِجُ (5) الدِّينَارَ مِنْ قَعْرِ الْبِحَارِ، يَطْبَعُ الْحَصَى، وَيُورِقُ الْعَصَا. دَخَلَ سِرْدَابَ سَامِرَا سَنَةَ سِتِّينَ، وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ (6) إِمَّا سَنَتَانِ، وَإِمَّا ثَلَاثٌ وَإِمَّا خَمْسٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ; فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي قَدْرِ عُمُرِهِ، ثُمَّ إِلَى الْآنِ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ. وَدِينُ الْخَلْقِ مُسَلَّمٌ إِلَيْهِ ; فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ كَرَاهَتُهُمْ لِأَسْمَاءٍ نَظِيرِ أَسْمَاءِ مَنْ يُبْغِضُونَهُ (7) ، وَمَحَبَّتُهُمْ لِأَسْمَاءٍ نَظِيرِ أَسْمَاءِ مَنْ يُحِبُّونَهُ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْمُسَمَّى، وَكَرَاهَتُهُمْ لِأَنَّ يُتَكَلَّمَ أَوْ يُعْمَلَ بِشَيْءٍ (8) عَدَدُهُ عَشَرَةٌ لِكَرَاهَتِهِمْ نَفَرًا عَشَرَةً، وَاشْتِفَاؤُهُمْ (9) مِمَّنْ
_________
(1) ح، ب: يَقُولُونَ.
(2) ح، أ، ب، ي، ر، و: أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ.
(3) و: وَلَا يُعْرَفُ.
(4) أ، ب: حَاضِرٌ.
(5) و: يَسْتَخْرِجُ.،
(6) مِنَ الْعُمُرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) (أ) .
(7) أ: يُبْغِضُونَهُمْ.
(8) ن، ر، و، ي: شَيْءٍ، ح، أ: شَيْئًا.
(9) وَاشْتِفَاؤُهُمْ: كَذَا فِي (ب) وَهُوَ الصَّوَابُ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَاشْتِفَائِهِمْ.
(5/176)

يُبْغِضُونَهُ كَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا، بِأَنْ (1) يُقَدِّرُوا جَمَادًا كَالْحَيْسِ (2) ، أَوْ حَيَوَانًا كَالشَّاةِ الْحَمْرَاءِ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعَادُونَهُ، وَيُعَذِّبُونَ تِلْكَ الشَّاةَ تَشَفِّيًا مِنَ الْعَدُوِّ، مِنَ الْجَهْلِ الْبَلِيغِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ إِقَامَةُ الْمَآتِمِ وَالنَّوَائِحِ، وَلَطْمُ الْخُدُودِ، وَشَقُّ الْجُيُوبِ، وَفَرْشُ الرَّمَادِ، وَتَعْلِيقُ الْمُسُوحِ، وَأَكْلُ الْمَالِحِ حَتَّى يَعْطَشَ، وَلَا يَشْرَبُ مَاءً، تَشَبُّهًا بِمَنْ ظُلِمَ وَقُتِلَ، وَإِقَامَةُ مَأْتَمٍ (3) بَعْدَ خَمْسِمِائَةٍ أَوْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ قَتْلِهِ، لَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ.
وَمَفَارِيدُ الرَّافِضَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ كَثِيرَةٌ لَمْ نَقْصِدْ ذِكْرَهَا هُنَا. لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ سِوَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الْمُتَّبِعِينَ لِآثَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْفَرِدُونَ عَنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ بِحَقٍّ، وَالرَّافِضَةُ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةِ فَإِنَّهُمْ أَيْضًا لَمْ يَنْفَرِدُوا (4) عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (* بِحَقٍّ، بَلْ كُلُّ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْحَقِّ فَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ (5) مَنْ يَقُولُ بِهِ، لَكِنْ لَمْ يَبْلُغْ (6) هَؤُلَاءِ مِنْ قِلَّةِ الْعَقْلِ وَكَثْرَةِ الْجَهْلِ مَا بَلَغَتِ الرَّافِضَةُ.
_________
(1) أ: بَلْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) ب فَقَطْ: كَالْجِبْسِ، وَفِي اللِّسَانِ: هُوَ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ.
(3) و: مَأْتَمِهِ.
(4) ح، ب: لَا يَنْفَرِدُونَ.
(5) ب فَقَطْ: أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(6) ح، ر: لَكِنْ مَا يَبْلُغُ، ب: وَلَكِنْ مَا يَبْلُغُ.
(5/177)

[الأقوال التي انفردت بها الطوائف الْمُنْتَسِبة إِلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ]
وَكَذَلِكَ الطَّوَائِفُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ، مِثْلِ الْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّةِ، وَمِثْلُ طَوَائِفِ الْفِقْهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالسُّفْيَانِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالدَّاوُدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مَعَ تَعْظِيمِ الْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ *) (1) ، لَا يُوجَدُ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ وَهُوَ صَوَابٌ، بَلْ مَا مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مَنِ الصَّوَابِ يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ (2) مِنَ الطَّوَائِفِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُونَ بِخَطَأٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، لَكِنْ قَدْ تَنْفَرِدُ طَائِفَةٌ بِالصَّوَابِ عَمَّنْ يُنَاظِرُهَا مِنَ الطَّوَائِفِ، كَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: قَدْ يُوجَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ (3) مِنْهُمْ أَقْوَالٌ انْفَرَدَ بِهَا، وَكَانَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ مَعَهُ دُونَ الثَّلَاثَةِ، لَكِنْ يَكُونُ قَوْلُهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، بِخِلَافِ مَا انْفَرَدُوا بِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً. وَكَذَلِكَ أَهِلُ الظَّاهِرِ كُلُّ قَوْلٍ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ فَهُوَ خَطَأٌ، وَأَمَّا مَا انْفَرَدُوا بِهِ عَنِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ صَوَابٌ فَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ.
وَأَمَّا الصَّوَابُ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَكَثِيرٌ (4) ، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَتْبَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَذَلِكَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ الْمَقْطُوعَ وَمَا أَشْبَهَهُ كَالْجُمْجُمِ وَالْمَدَاسِ. وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ (5) وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: بِأَنَّ (6) الْجِدَّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَكَقَوْلِهِ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) ح، ب، ر، ي، و: غَيْرُهَا.
(3) وَاحِدٍ، فِي (ن) ، (م) فَقَطْ.
(4) ح، ب: فَهُوَ كَثِيرٌ.
(5) ح، ب: الشَّافِعِيِّ.
(6) بِأَنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (ح) ، (ب) : إِنَّ.
(5/178)

يُشْتَرَطُ لَهَا دَوَامُ الطَّهَارَةِ دُونَ ابْتِدَائِهَا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ بِكُلِّ مَا يُزِيلُهَا، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بِأَنَّهَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ.
وَمِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ بِأَنَّ الْخُمُسَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي خُمُسِ الرِّكَازِ (1) : هَلْ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ أَوْ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ (2) ؟ وَإِذَا صُرِفَ مَصْرِفَ الْفَيْءِ فَإِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِخُمُسِ الْغَنِيمَةِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ بِجَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ جَازَتْ مُعَاهَدَتُهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَطُّ أَمْرُ النَّسَبِ، بَلِ الدِّينِ (3) فِي الذِّمَّةِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَحَلِّ الذَّبَائِحِ وَالْمَنَاكِحِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ; فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ إِلَّا فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَحَدٌ بَعْدَ نُزُولِ (4) آيَةِ الْجِزْيَةِ، بَلْ كَانَ جَمِيعُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ قَدْ أَسْلَمُوا.
وَمِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَمِثْلُ مَذْهَبِهِ فِي الْحُكْمِ بِالدَّلَائِلِ (5) وَالشَّوَاهِدِ، وَفِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ
_________
(1) أ: الزَّكَاةِ.
(2) ن، م: الْفَيْءُ وَالزَّكَاةُ.
(3) أ، ر، ح، ي: الَّذِينَ.
(4) بَعْدَ عِبَارَةِ " بَعْدَ نُزُولِ " تُوجَدُ وَرَقَةٌ نَاقِصَةٌ مِنْ مُصَوَّرَةِ (م) .
(5) ن: وَمِثْلُ حُكْمِهِ بِالدَّلَائِلِ.
(5/179)

وَرِعَايَةِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ مَذْهَبِهِ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي أَكْثَرَ ذَلِكَ.
وَمِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعِيبُ هَذَا عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَغَلَطُوا فِي ذَلِكَ، بَلِ الصَّوَابُ قَوْلُهُ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ (1) فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَقَوْلُهُ بِفِعْلِ (2) ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَمِثْلُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي نِكَاحِ الْبَغِيِّ: لَا يَجُوزُ حَتَّى تَتُوبَ. وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الصَّيْدَ إِذَا جُرِحَ ثُمَّ غَابَ أَنَّهُ يُؤْكَلُ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرٌ آخَرُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَوْلُهُ بِأَنَّ صَوْمَ النَّذْرِ يُصَامُ عَنِ الْمَيِّتِ، بَلْ وَكُلُّ الْمَنْذُورَاتِ تُفْعَلُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَرَمَضَانُ يُطْعَمُ عَنْهُ. وَبَعْضُ النَّاسِ يُضَعِّفُ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ (3) ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا غَوْرَهُ (4) .
وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَالْإِزَارَ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلَ بِلَا قَطْعٍ وَلَا فَتْقٍ ; فَإِنَّ هَذَا كَانَ (5) آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
_________
(1) ن: وَهَذَا وَجْهٌ.
(2) أ، ر، ي، ح، ب: تَفْعَلُ.
(3) الصَّحَابَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(4) أ: غَيْرُهُ.
(5) كَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (و) .
(5/180)

وَقَوْلُهُ بِأَنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ وَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْحِمَارِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ.
وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْجَدَّةَ تَرِثُ وَابْنُهَا حَيٌّ. وَقَوْلُهُ بِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَوْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْوَقْفَ إِذَا تَعَطَّلَ نَفْعُهُ بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِ (1) أَحْمَدَ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي (2) مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي إِبْدَالِ الْوَقْفِ، كَإِبْدَالِ مَسْجِدٍ بِغَيْرِهِ، وَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ غَيْرَ مَسْجِدٍ، كَمَا فَعَلَ (3) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ جَوَازُ (4) الْإِبْدَالِ لِلْحَاجَةِ فِي مَوَاضِعَ.
وَقَوْلُهُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْعَبْدِ، وَقَوْلُهُ بِأَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الْإِعَادَةُ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ، وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْقَارِنَ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَقِرَانُهُ أَفْضَلُ (5) مِنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ.
_________
(1) ح، ب: مَذْهَبِ.
(2) فِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(3) و: كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ.
(4) ح، ب، ر: يَجُوزُ.
(5) و: الْهُدَيُ فَهُوَ أَفْضَلُ.
(5/181)

[الحق دائما مع السنة والآثار الصحيحة]
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ إِمَامٍ مِنَ الْمَحَاسِنِ وَالْفَضَائِلِ كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِقْصَائِهِ ; فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ الْحَقَّ دَائِمًا مَعَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآثَارِهِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ (1) طَائِفَةٍ تُضَافُ إِلَى غَيْرِهِ إِذَا انْفَرَدَتْ بِقَوْلٍ عَنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ، لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ الَّذِي انْفَرَدُوا بِهِ (2) إِلَّا خَطَأً، بِخِلَافِ الْمُضَافَيْنِ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ; فَإِنَّ الصَّوَابَ مَعَهُمْ دَائِمًا، وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ دَائِمًا لِمُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ فَإِنَّ الصَّوَابَ مَعَهُمْ دُونَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ ; فَإِنَّ الْحَقَّ مَعَ الرَّسُولِ، فَمَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِسَنَتِهِ وَأَتْبَعَ لَهَا كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ.
وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَنْتَصِرُونَ إِلَّا لِقَوْلِهِ، وَلَا يُضَافُونَ إِلَّا إِلَيْهِ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِسُنَّتِهِ وَأَتْبَعُ لَهَا. وَأَكْثَرُ سَلَفِ الْأُمَّةِ كَذَلِكَ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ كَثِيرٌ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالَّذِينَ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُمْ فِي الْأُمَّةِ هُوَ بِمَا أَحْيَوْهُ مِنْ سُنَّتِهِ وَنُصْرَتِهِ. وَهَكَذَا سَائِرُ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ،، بَلْ سَائِرُ طَوَائِفِ الْخَلْقِ، كُلٌّ حُيِّرَ مَعَهُمْ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ خَطَأٍ أَوْ ذَنْبٍ فَلَيْسَ مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ.
وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةٍ بِاجْتِهَادِهِمْ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي ; فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأٌ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ. كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْمُفَوَّضَةِ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَكِلَاهُمَا (3) أَصَابَ فِيمَا قَالَهُ بِرَأْيِهِ، لَكِنْ قَالَ الْحَقَّ ; فَإِنَّ الْقَوْلَ إِذَا كَانَ
_________
(1) أ، ب، ح، ر، ي: وَأَنَّ كُلَّ.
(2) ح، ب: الَّذِي انْفَرَدَتْ بِهِ.
(3) و: وَكُلٌّ مِنْهُمَا.
(5/182)

صَوَابًا فَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ، فَهُوَ مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأٌ فَاللَّهُ لَمْ يَبْعَثِ الرَّسُولَ بِخَطَأٍ، فَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنَ الشَّيْطَانِ، لَا مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَالْمَقْصُودُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ (1) الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إِلَاهِيَّتِهِ، مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ وَالشَّرْعِ وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَيُثِيبُ فَاعِلَهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْخَلْقِ، فَكُلُّ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ. وَالنَّاسُ لَمْ يَسْأَلُوا الصَّحَابَةَ عَمَّا مَنَّ اللَّهُ خَلْقًا وَتَقْدِيرًا، فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فَمِنْهُ. وَالْعَرَبُ كَانَتْ فِي جَاهِلِيَّتِهَا تُقِرُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: مَا زَالَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا مُقِرَّةً بِالْقَدَرِ (2) . وَقَدْ (3) قَالَ عَنْتَرَةُ:
يَا عَبْلُ أَيْنَ مَنِ الْمَنِيَّةِ مَهْرَبٌ ... إِنْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا
وَإِنَّمَا كَانَ سُؤَالُ النَّاسِ عَمَّا مَنَّ اللَّهُ مِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ وَدِينِهِ وَشَرْعِهِ الَّذِي يَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ وَيُثِيبُ أَهْلَهُ.
وَقَدْ عَلِمَ الصَّحَابَةُ أَنَّ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ وَالدِّينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَإِنْ كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَإِنْ كَانَ يُعْفِي عَنْ صَاحِبِهِ، كَمَا يُعْفِي عَنِ النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ.
وَنِسْيَانُ الْخَيْرِ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 68] .
وَقَالَ فَتَى مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 63] وَقَالَ: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [سُورَةُ يُوسُفَ: 42] .
_________
(1) ر، ح، ي، ب: وَالْمَقْصُودُ هُنَا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ.
(2) ب فَقَطْ: مُقِرَّةً بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
(3) وَقَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(5/183)

وَلَمَّا نَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ فِي الْوَادِي عَنِ الصَّلَاةِ قَالَ: " «هَذَا وَادٍ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» " (1) . وَقَالَ: " «إِنِ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا فَجَعَلَ يُهَدِّيهِ (2) كَمَا يُهَدَّى الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ» " (3) فَإِنَّهُ كَانَ وَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يَكْلَأَ لَهُمُ الصُّبْحَ (4) ، مَعَ قَوْلِهِ: " «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» " (5) وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ
_________
(1) و: شَيْطَانٌ، وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ: 1/471 - 472 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ قَضَائِهَا، وَلَفْظُهُ: (عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ) قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) التَّعْرِيسُ: نُزُولُ الْمُسَافِرِينَ آخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 1/240 كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ بَابُ كَيْفَ يَقْضِي الْفَائِتَ مِنَ الصَّلَاةِ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 18/152 وَأَمَّا لَفْظُ هَذَا وَادٍ حَضَرْنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ، فَانْظُرْ عَنْهُ التَّعْلِيقَ التَّالِي.
(2) ح: يَهُدُّهُ.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْمُوَطَّأِ 1/14 - 15 كِتَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ، بَابُ النُّوَّمِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَنَصُّهُ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ، فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: (إِنِ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ) إِلَخْ، وَفِي التَّعْلِيقِ (هَذَا مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ) .
(4) يَكْلَأَ لَهُمُ الصُّبْحَ: أَيْ يَرْقُبَهُ وَيَحْفَظَهُ وَيَحْرُسَهُ، وَمَصْدَرُهُ الْكِلَاءُ.
(5) هَذِهِ عِبَارَةٌ جَاءَتْ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 1/472 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ، بَابُ قَضَاءِ صَلَاةِ الْفَائِتَةِ وَلَفْظُهُ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمُ) الْحَدِيثَ.
(5/184)

أَرْوَاحَنَا» " (1) . [وَقَالَ لَهُ بِلَالٌ: " أَخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ "] (2) وَقَالَ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» ".
وَمَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 286] قَالَ تَعَالَى " قَدْ فَعَلْتَ " (3) .
وَكَذَلِكَ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ مِنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَإِنْ كَانَ مَغْفُورًا لِصَاحِبِهِ. وَكَذَلِكَ الِاحْتِلَامُ فِي الْمَنَامِ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ فِي الْيَقَظَةِ فَيَرَاهُ فِي الْمَنَامِ» " (4) . فَالنَّائِمُ يَرَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «رُفِعَ
_________
(1) جَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَجَاءَتْ عِبَارَةٌ مُمَاثِلَةٌ فِي حَدِيثِ ذِي مِخْمَرٍ الْحَبَشِيِّ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 4/90 - 91.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (أ) وَفِي (و) : أَخَذَ بِنَفْسِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ وَالْعِبَارَةُ التَّالِيَةُ: (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ) إِلَخْ جَاءَتْ فِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ فِي الْمَوْضِعِ السَّابِقِ 1/471 وَانْظُرْ مَا يَلِي بَعْدَ صَفَحَاتٍ ص 211.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/458
(4) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مُسْلِمٍ 4/1773 كِتَابُ الرُّؤْيَا أَوَّلُ الْكِتَابِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 3/363 كِتَابُ الرُّؤْيَا بَابُ أَنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/416 - 417 كِتَابُ الْأَدَبِ بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 2/1285 كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 14/60، 61 وَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُسْلِمٍ أَوَّلُهَا: (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ) الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ (فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ، وَرُؤْيَا تَخْزِينٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ بِهِ نَفْسَهُ.
(5/185)

الْقَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» " (1) . وَأَعْذَرَهُمُ النَّائِمُ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي تُسْمَعُ مِنْهُ (2) فِي الْمَنَامِ حُكْمٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ تَبَرَّعَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ كَانَ لَغْوًا، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، فَإِنَّ أَقْوَالَهُ قَدْ تُعْتَبَرُ، إِمَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَإِمَّا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فِي مَوَاضِعَ بِالنَّصِّ، وَفِي مَوَاضِعَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَكَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ فِي النَّفْسِ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ تَارَةً وَمِنَ النَّفْسِ تَارَةً. قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [سُورَةُ ق: 16] . وَقَالَ: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [سُورَةُ طه: 120] (3) ، وَقَالَ: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 20] .
وَالْوَسْوَسَةُ مِنْ جِنْسِ الْوَشْوَشَةِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ (4) ، وَمِنْهُ وَسْوَسَةُ (5) الْحِلَى، وَهُوَ الْكَلَامُ الْخَفِيُّ وَالصَّوْتُ الْخَفِيُّ.
_________
(1) الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/197 - 199 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابٌ فِي الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حَدًّا، فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 2/438 كِتَابُ الْحُدُودِ بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/658 كِتَابُ الطَّلَاقِ بَابُ طَلَاقِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ، سُنَنَ الدَّارِمِيِّ 2/171 كِتَابُ الْحُدُودِ بَابُ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 6/100 101 144 وَجَاءَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي الْبُخَارِيِّ 7/46 كِتَابُ الطَّلَاقِ بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرُهُمَا. 8/165 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابٌ لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ.
(2) عِنْدَ عِبَارَةِ الَّتِي تُسْمَعُ مِنْهُ تَعُودُ نُسْخَةَ (م) .
(3) آيَةُ سُورَةِ طه فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(4) الْمُعْجَمَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) .
(5) ن، ر: وَشْوَشَةُ.
(5/186)

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [سُورَةُ النَّاسِ: 1 - 6] . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمَعْنَى: مِنَ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ: مِنَ الْجِنَّةِ وَمِنَ النَّاسِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ النَّاسَ أَوَّلًا تَتَنَاوَلُ الْجِنَّةَ وَالنَّاسَ، فَسَمَّاهُمْ نَاسًا، كَمَا سَمَّاهُمْ رِجَالًا. قَالَهُ الْفَرَّاءُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: مِنْ شَرِّ الْمُوَسْوِسِ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنِّ، وَمِنْ شَرِّ النَّاسِ مُطْلَقًا. قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمَا، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّ (1) الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ الْمُوَسْوِسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَمِنَ النَّاسِ فِي صُدُورِ النَّاسِ، فَأَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (2) .
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 112] .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ
_________
(1) أَنَّ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(2) انْظُرِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي فِي تَفْسِيرِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ زَادَ الْمَسِيرِ 9/279 وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ فَذَكَرَ آيَةَ 112 مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الْقُرْطُبِيُّ قَبْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ: (أَخْبَرَ أَنَّ الْمُوَسْوِسَ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّاسِ قَالَ الْحَسَنُ: هُمَا شَيْطَانَانِ، أَمَّا شَيْطَانُ الْجِنِّ فَيُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، وَأَمَّا شَيْطَانُ الْإِنْسِ فَيَأْتِي عَلَانِيَةً، وَقَالَ قَتَادَةُ، إِنَّ مِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينَ وَإِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ، فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ، رِوَايَةً مُخَالِفَةً لِلْحَدِيثِ هُنَا، وَأَوْرَدَ آيَةَ 112 مِنْ [سُورَةِ الْأَنْعَامِ] .
(5/187)

بِطُولِهِ قَالَ: " «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: " نَعَمْ، شَرٌّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ» " (1) .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 14] . وَالْمَنْقُولُ عَنْ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا قَالَ: إِنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْجِنِّ (2) . فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ: أَنَّهُمْ رُءُوسُهُمْ (3) فِي الْكُفْرِ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ: إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ وَابْنِ السَّائِبِ: كَهَنَتُهُمْ (4) .
وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ وَغَيْرَهُ، وَلَفْظُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ، لِأَنَّهُ قَالَ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 14] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَيْطَانَ (5) الْجِنِّ مَعَهُمْ لَمَّا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَخْلُوا بِهِ (6) ، وَشَيْطَانُ الْجِنِّ هُوَ
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 8/242 كِتَابُ الِاسْتِعَاذَةِ، بَابُ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَهُوَ عَنْهُ فِي: الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 5/178، 179، 265 وَأَوَّلُهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: قُمْ فَصَلِّ. قَالَ: فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ. . . الْحَدِيثَ.
(2) إِنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْجِنِّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: إِنَّهُمْ مِنَ الْجِنِّ
(3) ح، ب: رُؤَسَاؤُهُمْ.
(4) انْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ ط. الشَّعْبِ لِلْآيَةِ 1/76 - 77 زَادَ الْمَسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 1/34 - 35.
(5) شَيْطَانَ، كَذَا فِي (و) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: شَيَاطِينَ.
(6) ن، م، ح، ب: أَنْ يَخْلُوَ بِهِ، و: أَنْ يَخْلُونَهُ.
(5/188)

الَّذِي أَمَرَهُمْ بِالنِّفَاقِ وَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا حَتَّى يَخْلُوَ (1) مَعَهُمْ، وَيَقُولُ: إِنَّا مَعَكُمْ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 13] ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ (2) بِذَلِكَ شَيْطَانٌ لَمْ يَرْضَوْهُ.
وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عِنْدَ الْعَرَبِ شَيْطَانٌ. وَفِي اشْتِقَاقِهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ مَنْ شَطَنَ يَشْطُنُ إِذَا بَعُدَ عَنِ الْخَيْرِ، وَالنُّونُ أَصْلِيَّةٌ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي صِفَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
أَيُّمَا شَاطِنٍ (3) عَصَاهُ عَكَاهُ ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالْأَغْلَالِ (4) عَكَاهُ: أَوْثَقُهُ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوَى شُطُونِ ... فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا رَهِينُ (5) وَلِهَذَا قُرِنَتْ بِهِ (6) اللَّعْنَةُ ; فَإِنَّ اللَّعْنَةَ هِيَ الْبُعْدُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالشَّيْطَانُ بَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَيَكُونُ وَزْنُهُ: فَيْعَالًا، وَفَيْعَالٌ (7) نَظِيرُ فَعَّالٍ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُبَالَغَةِ، مِثْلُ الْقَيَّامِ وَالْقَوَّامِ، فَالْقَيَّامُ فَيْعَالٌ، وَالْقَوَّامُ فَعَّالٌ، وَمِثْلُ الْعَيَّاذِ وَالْعَوَّاذِ (8) . وَفِي قِرَاءَةِ عُمَرَ: الْحَيُّ الْقِيَامُ.
_________
(1) أ، ر: حَتَّى يَخْلُوَ.
(2) ن: أَمَرَهُمْ.
(3) و، أ: شَيْطَانٍ.
(4) الْبَيْتُ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِي ط. الْمَعَارِفِ 1/112 وَهُوَ فِي دِيوَانِهِ تَحْقِيقُ د. عَبْدِ الْحَفِيظِ السَّطَلِيِّ ص 445
(5) فِي دِيوَانِ النَّابِغَةِ تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ شُكْرِي فَيْصَل ص 256
(6) ح: قَارَنَتْهُ، ر: قَرَنَتْهُ.
(7) وَفَيْعَالٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(8) و: الْعَيَّادِ وَالْعَوَّادِ، أ: الْعَبَّادِ وَالْقَوَّادِ.
(5/189)

فَالشَّيْطَانُ الْمُتَّصِفُ بِصِفَةٍ ثَابِتَةٍ قَوِيَّةٍ فِي كَثْرَةِ الْبُعْدِ عَنِ الْخَيْرِ، بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ مَرَّةً وَقَرُبَ مِنْهُ أُخْرَى ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْطَانًا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: تَشَيْطَنَ يَتَشَيْطَنُ شَيْطَنَةً، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَاطَ يَشِيطُ لَقِيلَ: تَشَيَّطَ يَتَشَيَّطُ. وَالَّذِي قَالَ: هُوَ مِنْ شَاطَ يَشِيطُ إِذَا احْتَرَقَ وَالْتَهَبَ، جَعَلَ النُّونَ زَائِدَةً وَقَالَ: وَزْنُهُ فَعْلَانُ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ (1) .
وَهَذَا يَصِحُّ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ الِاتِّفَاقُ فِي جِنْسِ الْحُرُوفِ، كَمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ: الْعَامَّةُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَمَى، مَا رَضِيَ اللَّهُ أَنْ يُشَبِّهَهُمْ (2) بِالْأَنْعَامِ حَتَّى قَالَ: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} وَهَذَا كَمَا يُقَالُ السُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السِّرِّ، وَهُوَ النِّكَاحُ. وَلَوْ جَرَتْ عَلَى الْقِيَاسِ لَقِيلَ: سَرِيرَةٌ (3) فَإِنَّهَا عَلَى وَزْنِ فَعِيلَةٍ (4) . وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْحَرْفِ الْمُضَاعَفِ وَالْمُعْتَلِّ، كَمَا يَقُولُونَ: تَقَضَّى الْبَازِي وَتَقَضَّضَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا (5) الْبَازِي كَسَرْ (6) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 259] ، وَهَذِهِ الْهَاءُ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَصْلِيَّةً فَجُزِمَتْ بِلَمْ، وَيَكُونُ مِنْ سَانَهَتْ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَاءَ السَّكْتِ، كَالْهَاءِ مِنْ كِتَابِيَهْ
_________
(1) الْبَيْتُ لِلْأَعْشَى فِي دِيوَانِهِ ط. جَابِرٍ ص 40 وَصَدْرُهُ: قَدْ نَطْعَنُ الْعِيرَ فِي مَكْنُونِ فَائِلِهِ.
(2) أ، و: أَنْ شَبَّهَهُمْ.
(3) أ: سَرِيَّةٌ.
(4) ن، أ، ر: فُعْلِيَّةٍ.
(5) ن، و، ح: إِنِ.
(6) الْبَيْتُ لِلْعَجَّاجِ فِي دِيوَانِهِ ط. د. عَزَّةَ حَسَنْ ص [0 - 9] 8
(5/190)

وَ " حِسَابِيَهْ " وَ " اقْتَدِهْ " وَ " مَالِيَهْ " وَ " سُلْطَانِيَهْ ". وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ يُثْبِتُونَ الْهَاءَ وَصَلًا وَوَقْفًا، وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَحْذِفَانِهَا مِنَ الْوَصْلِ هُنَا وَمِنِ " اقْتَدِهْ " فَعَلَى قِرَاءَتِهِمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَاءَ السَّكْتِ، فَإِنَّ الْأَصْلِيَّةَ لَا تُحْذَفُ، فَتَكُونُ لَفْظَةُ: " لَمْ يَتَسَنَّ "، كَمَا تَقُولُ: لَمْ يَتَغَنَّ، وَتَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ قَوْلِهِمْ: تَسَنَّى يَتَسَنَّى. وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ تَكُونُ مِنْ: تَسَنَّهَ يَتَسَنَّهُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَرِّ السِّنِينَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَاللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَهِ، يُقَالُ (1) : سَانَهَتِ النَّخْلَةُ إِذَا حَمَلَتْ عَامًا. وَحَالَتْ عَامًا فَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لُغَةَ مَنْ جَعَلَ الْهَاءَ أَصْلِيَّةً، وَفِيهَا لُغَتَانِ: يُقَالُ: عَامَلْتُهُ مُسَانَهَةً وَمُسَانَاةً. وَمِنَ الشَّوَاهِدِ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةٍ (2)
وَلَكِنْ عَرَايَا (3) فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ (4) يَمْدَحُ النَّخْلَةَ، وَالْمَقْصُودُ مَدْحُ صَاحِبِهَا بِالْجُودِ، فَقَالَ: إِنَّهُ (5) يُعَرِّيهَا لِمَنْ يَأْكُلُ ثَمَرَهَا، لَا يُرَجِّبُهَا (6) لِتَخْلِيَةِ (7) ثَمَرِهَا (8) وَلَا هِيَ بِسَنْهَاءَ (9) .
وَالْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُونَ فِي الْآيَةِ: مَعْنَاهُ: لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَأَمَّا لُغَةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَصْلَهُ سُنْوَةٌ فَهِيَ مَشْهُورَةٌ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي جَمْعِهَا: سَنَوَاتٌ،
_________
(1) م، ر، ي: يَقُولُ، ح، ب: تَقُولُ.
(2) و: وَلَا رَحَبِيَّهْ، ب، ر: وَلَا رَحَيِيَةٍ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَلَا عَرَبِيَّةٍ.
(3) ن، م، و، أ: عَرَابًا.
(4) أ: الْحَوَايِجِ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْظُورٍ الْبَيْتَ فِي اللِّسَانِ كَمَا أَثْبَتَهُ هُنَا، وَقَالَ إِنَّ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ وَهُوَ سُوِيدُ بْنُ الصَّامِتِ.
(5) أ: بِالْجُودِ وَأَنَّهُ.
(6) أ، ر، ي، ح: لَا يُرَجِّيهَا.
(7) أ، ر: لِتَحْلِيَةٍ، و: لِنَحْلِيَتِهِ.
(8) و: الثَّمَرَةُ.
(9) أ: وَلَا هِيَ مِنْهَا.
(5/191)

وَيُشَابِهُهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الْمَاءُ الْآسِنُ، وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ الْمُنْتِنُ، وَيُشَابِهُهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَصْغَرِ الْحَمَأُ الْمَسْنُونُ، فَإِنَّهُ مِنْ سَنَّ، يُقَالُ: سَنَنْتُ الْحَجَرَ عَلَى الْحَجَرِ إِذَا حَكَكْتُهُ، وَالَّذِي يَسِيلُ بَيْنَهُمَا (1) سَنَنٌ (2) ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُنْتِنًا (3) . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمَسْنُونُ الْمَصْبُوبُ عَلَى سِنَةِ الْوَجْهِ، أَوِ الْمَصْبُوبُ (4) الْمُفَرَّغُ، أَيْ أَبْدَعَ صُورَةَ الْإِنْسَانِ ; فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ خُلِقَ مِنَ الْحَمَأِ (5) الْمَسْنُونِ، وَنَفْسُ الْحَمَأِ لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا صُورَةِ وَجْهٍ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْمُنْتِنُ.
فَقَوْلُهُ: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 15] ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَسَنَ يَأْسِنُ ; فَهَذَا مِنْ جِنْسِ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي السِّينِ وَالنُّونِ وَالنُّونِ (6) الْأُخْرَى، وَالْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ مُتَقَارِبَتَانِ فَإِنَّهُمَا حَرْفَا حَلْقٍ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ إِذَا اشْتَرَكَا فِي أَكْثَرِ الْحُرُوفِ وَتَفَاوَتَا فِي بَعْضِهَا، قِيلَ: أَحَدُهُمَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْآخَرِ، وَهُوَ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ، وَالْأَوْسَطُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْحُرُوفِ لَا فِي تَرْتِيبِهَا، كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ: الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ وَالِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ الْخَاصُّ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَقَوْلِكَ: عَلِمَ يَعْلَمُ فَهُوَ عَالَمٌ.
_________
(1) و: مِنْهُمَا.
(2) ب فَقَطْ: سِنِينٌ.
(3) أ: مَبْنِيًّا ر: سَنَنًا و: مَسْنِنًا.
(4) ن: وَالْمَصْبُوبُ، و: أَيِ الْمَصْبُوبُ.
(5) أ، ب، ن: الْحَمَّاءِ.
(6) وَالنُّونِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(5/192)

وَعَلَى هَذَا فَالشَّيْطَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ، وَعَلَى الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ هُوَ مِنْ بَابِ (1) شَاطَ يَشِيطُ، لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الشِّينِ وَالطَّاءِ. وَالنُّونُ وَالْيَاءُ مُتَقَارِبَتَانِ.
فَهُوَ سُبْحَانُهُ (2) أَمَرَ فِي سُورَةِ النَّاسِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ: شَرِّ الْوَسْوَاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَسْوَسَةُ نَفْسِ الْإِنْسَانِ لَهُ، وَوَسْوَسَةُ غَيْرِهِ لَهُ.
وَالْقَوْلُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ مَبْسُوطٌ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ (3) .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ (4) فِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرْكَهَا لِلَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهُ إِذَا (5) هَمَّ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» " (6) .
_________
(1) بَابِ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(2) ح، ب: فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ.
(3) و: فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: وَالْقَوْلُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ. . . إِلَخْ، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ لَهُ مُصَنَّفًا مُفْرَدًا عَنْ آيَةِ 259 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ مَرَاجِعَ وَمَخْطُوطَاتٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ: وَالْقَوْلُ فِي مَعْنَى السُّورَةِ مَبْسُوطٌ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ، وَيَكُونُ مَقْصُودُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ سُورَةُ النَّاسِ، فَإِنَّ لَهُ رِسَالَةً خَاصَّةً فِي تَفْسِيرِهَا نُشِرَتْ فِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى الرِّيَاضِ 17/509 - 536
(4) ن: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ.
(5) ن، م: وَإِذَا.
(6) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ 8/103 (كِتَابُ الرِّقَاقِ، بَابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ) مُسْلِمٍ 1/117 - 118 كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 4/330 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، [سُورَةُ الْأَنْعَامِ] وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ الدَّارِمِيِّ وَسُنَنِ أَحْمَدَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
(5/193)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ (1) : " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» " (2) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعُ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ - يَعْنِي الْإِقَامَةَ - فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ (3) بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَضِلَّ (4) الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " (5) .
_________
(1) ن، م، و: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ.
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 7/46 كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ، وَأَوَّلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي) الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لِأُمَّتِي، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ 1/116 كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ تَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ. سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/355 كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 6/127 - 128 فِي مَوْضِعَيْنِ كِتَابُ الطَّلَاقِ بَابُ مَنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ مَنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 2/425)
(3) ن: حَتَّى يَحْضُرَ.
(4) ح، ي، ب، و: يَظَلَّ.
(5) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 1/121 كِتَابُ الْأَذَانِ، بَابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ، وَأَوَّلُهُ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، مُسْلِمٍ 1/291 - 292 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَهَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 2/19 كِتَابُ الْأَذَانِ، بَابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 16/42 - 43 ط. الْحَلَبِيِّ 2/460، 522.
(5/194)

فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا التَّذْكِيرَ وَالْوَسْوَاسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُ يُنْسِيهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، وَأَمَرَهُ بِسَجْدَتِي السَّهْوِ، وَلَمْ يُؤَثِّمْهُ بِذَلِكَ. وَالْوَسْوَاسُ الْخَفِيفُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ الْأَغْلَبَ، فَقِيلَ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَامٌّ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ وَسْوَاسٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ (1) بِالْإِعَادَةِ، لَكِنْ يَنْقُصُ أَجْرُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكِ إِلَّا مَا عَقِلْتَ مِنْهَا. وَفِي السُّنَنِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَخَفَّفَهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَلْ نَقَصْتُ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي بَدَرْتُ الْوَسْوَاسَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا، إِلَّا تُسْعُهَا، إِلَّا ثُمُنُهَا، حَتَّى قَالَ: إِلَّا نِصْفُهَا» " (2) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ حَامِدٍ ; فَإِنَّ أَدْنَى مَا ذُكِرَ نِصْفُهَا، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ عُشْرُهَا. وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ لَهُ مَقْصُودَانِ: أَحَدُهُمَا: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، بِحَيْثُ يَنْدَفِعُ عَنْهُ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ الْمُسْتَحَقُّ بِالتَّرْكِ، فَهَذَا لَا تَجِبُ مَعَهُ الْإِعَادَةُ، فَإِنَّ الْإِعَادَةَ يَبْقَى مَقْصُودُهَا حُصُولُ ثَوَابٍ مُجَرَّدٍ، وَهُوَ شَأْنُ
_________
(1) ب فَقَطْ: وَلَمْ يُؤْمَرْ.
(2) الْحَدِيثُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/294 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ مَا جَاءَ فِي نُقْصَانِ الصَّلَاةِ، وَلَفْظُهُ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا) وَحَسَّنَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ 2/65
(5/195)

التَّطَوُّعَاتِ، لَكِنَّ حُصُولَ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ لِلسَّيِّئَاتِ (1) لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْقَبُولِ الَّذِي عَلَيْهِ الثَّوَابُ، فَبِقَدْرِ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِهِ (2) مِنَ السَّيِّئَاتِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا لَا ثَوَابَ فِيهِ لَا يُكَفَّرُ وَإِنْ بَرِئَتْ بِهِ الذِّمَّةُ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ: " «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ (3) ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» " (4) يَقُولُ: إِنَّهُ تَعِبَ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَنْفَعَةٌ، لَكِنْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ (5) ، فَسَلِمَ مِنَ الْعِقَابِ فَكَانَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ خَيْرًا.
وَالصَّوْمُ إِنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِ التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 183 - 184] .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الصِّيَامُ (6) جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ
_________
(1) ن، م، أ: السَّيِّئَاتِ، و: بِالسَّيِّئَاتِ.
(2) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (و) : بِهِ عَنْهُ.
(3) إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي (و) : حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْعَطَشُ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: إِلَّا الْعَطَشُ.
(4) الْحَدِيثُ: مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/539 كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ وَالرَّفَثِ لِلصَّائِمِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِيهِ بِلَفْظِ (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ. . . إِلَخْ، وَهُوَ فِي: سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 2/301 كِتَابُ الرِّقَاقِ بَابٌ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَفْظُهُ: كَمْ مِنْ صَائِمٍ وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 17/35 وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ 18/204 وَصَحَّحَهُ أَيْضًا، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ بِرِوَايَتَيْنِ لَهُ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ 3/174)
(5) ح، ب: لَكِنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ وَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
(6) ح، ب: الصَّوْمُ.
(5/196)

صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» ". وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. قِيلَ: يَقُولُ (1) فِي نَفْسِهِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَقُولُ (2) بِلِسَانِهِ. وَقِيلَ: يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ فَيَقُولُ (3) بِلِسَانِهِ وَالنَّفْلِ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ ; فَإِنَّ صَوْمَ الْفَرْضِ مُشْتَرَكٌ، وَالنَّفْلُ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقُولُ (4) بِلِسَانِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ; فَإِنَّ الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا مَا (5) فِي النَّفْسِ فَمُقَيَّدٌ، كَقَوْلِهِ: " «عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» " ثُمَّ قَالَ: " «مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» " فَالْكَلَامُ الْمُطْلَقُ إِنَّمَا هُوَ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ. وَإِذَا قَالَ بِلِسَانِهِ: إِنِّي (6) صَائِمٌ بَيْنَ عُذْرِهِ فِي إِمْسَاكِهِ عَنِ الرَّدِّ، وَكَانَ أَزْجَرَ لِمَنْ بَدَأَهُ بِالْعُدْوَانِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» " (7) . بَيَّنَ (8)
_________
(1) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/24 - 25 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ فَضْلِ الصَّوْمِ، 9/143 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ، مُسْلِمٍ 2/806 - 807 كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/412 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، فِي بَاقِي كُتُبِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَسُنَنِ الدَّارِمِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُسْنَدِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
(2) ح، ب: يَقُولُهُ.
(3) ح، ب، ر: فَيَقُولُهُ.
(4) ح، ب: يَقُولُهُ.
(5) مَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) ن، م: أَنَا.
(7) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/26 كِتَابُ الصَّوْمِ بَابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، 8/17 - 18 كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/412 كِتَابُ الصَّوْمِ بَابُ الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْمُسْنَدِ.
(8) ح، ب، ر، ي: فَبَيَّنَ.
(5/197)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى الصَّائِمِ الْأَكْلَ لِحَاجَتِهِ إِلَى تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَمَا يُحَرِّمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبِيدِهِ بَعْضَ مَالِهِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ حُصُولُ التَّقْوَى، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ فَقَدْ أَتَى بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَحَبَّةٌ وَرِضًا، فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ (1) عُقُوبَةَ التَّارِكِ.

وَالْحَسَنَاتُ الْمَقْبُولَةُ تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (2) : " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» " (3) وَلَوْ كَفَّرَ الْجَمِيعَ بِالْخَمْسِ (4) لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْجُمُعَةِ، لَكِنَّ التَّكْفِيرَ بِالْحَسَنَاتِ الْمَقْبُولَةِ. وَغَالِبُ النَّاسِ لَا يُكْتَبُ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بَعْضُهَا، فَيُكَفِّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي يَحْتَاجُ إِلَى تَكْفِيرٍ.
وَلِهَذَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّلَاةُ ; فَإِنْ أُكْمِلَتْ وَإِلَّا قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مَنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ (5) الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ (6) كَذَلِكَ» " (7) .
_________
(1) ب فَقَطْ: وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ.
(2) ن، م: فِي الصَّحِيحِ.
(3) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 1/209 كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 1/138 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ وَحَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(4) أ: بِالْجِنْسِ.
(5) و: كُمِّلَتْ بِهِ.
(6) أ: الْأَفْعَالِ، ح، ب: أَعْمَالِهِ.
(7) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1/258 - 259 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُهُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/317 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُتِمُّهَا صَاحِبُهَا، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 1/187 - 189 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الْمُحَاسِبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/458 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّنَّةِ فِيهَا، بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 15/19 - 26 وَقَالَ أَحْمَدُ شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى كَثِيرَةٍ.
(5/198)

وَتَكْمِيلُ الْفَرَائِضِ (1) بِالتَّطَوُّعِ مُطْلَقٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ الْجَزَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَرَكَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ (2) تَطَوُّعٌ سَدَّ مَسَدَّهُ فَلَا يُعَاقَبُ، وَإِنْ (3) كَانَ ثَوَابُهُ نَاقِصًا وَلَهُ تَطَوُّعٌ سَدَّ مَسَدَّهُ فَكَمُلَ ثَوَابَهُ. وَهُوَ فِي الدُّنْيَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يُعِيدَ حَيْثُ تُمْكِنُ إِعَادَةُ مَا فَعَلَهُ (4) نَاقِصًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ (5) ، أَوْ يَجْبُرُهُ بِمَا يَنْجَبِرُ بِهِ، كَسَجْدَتَيِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَكَالدَّمِ الْجَابِرِ لِمَا تَرَكَهُ مِنَ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَمِثْلَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ الَّتِي فُرِضَتْ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ (6) أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهِ، بَلْ هُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ (7) . كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهُ يَوْمَ (8) الْجَزَاءِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ إِلَّا الْحَسَنَاتُ.
وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ
_________
(1) ن، م: الْفَرْضُ.
(2) أ: مِنْ حَسَنَةٍ.
(3) ن: فَإِنْ.
(4) ر، ي: إِلَّا مَا فَعَلَهُ.
(5) ن، م، و، ي، ر: نَاقِصُ الْوَاجِبَاتِ.
(6) ر، ح، ي: إِذَا أَمْكَنَ.
(7) ن: مَطْلُوبٌ مِنْهُ بِهِ.
(8) و: لِيَوْمِ.
(5/199)

عَمْدًا فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مَا دَامَ يُمْكِنُ فِعْلُهَا، وَهُوَ إِعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ. هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، لَكِنَّ مَالِكَ وَأَحْمَدَ يَقُولَانِ: قَدْ يَجِبُ فِيهَا مَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ، وَيَكُونُ سُجُودُ السَّهْوِ عِوَضًا عَنْهُ، وَسُجُودُ السَّهْوِ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَقُولُ: كُلُّ مَا وَجَبَ بَطَلَتِ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. وَسُجُودُ السَّهْوِ عِنْدَهُ (1) لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; فَإِنَّ مَا صَحَّتِ الصَّلَاةُ مَعَ السَّهْوِ عَنْهُ (2) لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَلَا مُبْطِلًا. وَالْأَكْثَرُونَ يُوجِبُونَ سُجُودَ السَّهْوِ، كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَيَقُولُونَ: قَدْ أَمَرَ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ، وَيَقُولُونَ: الزِّيَادَةُ فِي الصَّلَاةِ لَوْ فَعَلَهَا عَمْدًا بَطَلَتِ الصَّلَاةُ بِالِاتِّفَاقِ، مِثْلَ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَةً خَامِسَةً عَمْدًا، أَوْ يُسَلِّمَ عَمْدًا قَبْلَ إِكْمَالِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِذَا فَعَلَهُ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
فَهَذَا سُجُودٌ لِمَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ سَهْوَةٍ دُونَ عَمْدِهِ. وَكَذَلِكَ مَا نَقَصَهُ مِنْهَا ; فَإِنَّ السُّجُودَ يَكُونُ لِلزِّيَادَةِ تَارَةً وَلِلنَّقْصِ أُخْرَى، كَسُجُودِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ عَمْدًا بَطُلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيُوجِبُ (* فِي الصَّلَاةِ مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ (3) لَا (4) عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَيَقُولُ: هُوَ مُسِيءٌ بِتَرْكِهِ، كَالطُّمَأْنِينَةِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ.
_________
(1) ن، م، ر، ح، و، ي: عِنْدَهُمْ.
(2) ن، م: عَنِ السَّهْوِ عَنْهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) و: مَا لَا يُبْطِلُ تَرْكُهُ.
(4) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/200)

وَهَذَا مِمَّا نَازَعَهُ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالُوا: مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ الْمُمْكِنَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَا (1) فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ *) (2) : " «ارْجِعْ فَصَلِّ ; فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» " وَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا طُمَأْنِينَةٌ (3) ، فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ لَمْ يَكُنْ مَا فَعَلَهُ صَلَاةً، بَلْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ. وَالشَّارِعُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (4) لَا يَنْفِي الِاسْمَ إِلَّا لِانْتِفَاءِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ، فَقَوْلُهُ: " «فَإِنَّكَ (5) لَمْ تُصَلِّ» " لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا وَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ تَامَّةً مُقَامَةً الْإِقَامَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 103] فَقَدْ أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا.
وَلِهَذَا لَمَّا أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}
_________
(1) ن، م، ر: وَقَدْ أَخْرَجَاهُ.
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) .
(3) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ أَوَّلُهُ عِبَارَةُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فِي الْبُخَارِيِّ 8/135 - 136 كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابُ إِذَا حَنَثَ نَاسِيًا فِي الْأَيْمَانِ، مُسْلِمٍ 1/298 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 1/185 - 187 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصْفِ الصَّلَاةِ، وَالْحَدِيثُ فِيهَا عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 2، 96 كِتَابُ الِافْتِتَاحِ بَابُ فَرْضِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/336 - 337 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، بَابُ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ.
(4) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(5) ر، ح، ب: إِنَّكَ، ن: لِأَنَّكَ.
(5/201)

[سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 196] أَلْزَمَ (1) الشَّارِعَ فِيهِمَا فِعْلُ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِذَا (2) تُرِكَ بَعْضُهَا فَلَا بُدَّ مِنَ الْجُبْرَانِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْتِ (3) بِالْمَأْمُورِ بِهِ تَامًّا التَّمَامَ الْوَاجِبَ (4) وَإِلَّا فَعَلَيْهِ مَا يُمْكِنُ مِنْ إِعَادَةٍ أَوْ جُبْرَانٍ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ الَّذِي رَآهُ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ أَنْ يُعِيدَ. وَقَالَ: " «لَا صَلَاةَ لِفَذٍّ خَلْفَ الصَّفِّ» " (5) . وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ
_________
(1) أَلْزَمَ: كَذَا فِي (ح) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَزِمَ.
(2) فَإِذَا: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَإِذَا.
(3) إِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ي) ، وَفِي (و) : مَنْ لَمْ يَأْتِ.
(4) ح، ب: الْمَأْمُورُ بِهِ بِإِتْمَامِ الْوَاجِبِ.
(5) لَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَكِنْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/320 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ وَلَفْظُهُ: خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّيْنَا وَرَاءَهُ صَلَاةً أُخْرَى، فَقَضَى الصَّلَاةَ، فَرَأَى رَجُلًا فَرْدًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْصَرَفَ، قَالَ: اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، لَا صَلَاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ، وَجَاءَ فِي التَّعْلِيقِ فِي الزَّوَائِدِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 4/23 مَوَارِدُ الظَّمْآنِ إِلَى زَوَائِدِ ابْنِ حِبَّانَ، ص 116 حَدِيثٌ رَقْمُ 401، 402 ط. السَّلَفِيَّةِ، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ 1/322 وَفِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 2/328 - 329 وَتَكَلَّمَ طَوِيلًا عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ 2/323 - 330 وَتَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْمُسْنَدِ.
(5/202)

رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ جَعَلَ مَا تَرَكَهُ (1) مِنْ ذَلِكَ يُؤَاخَذُ بِتَرْكِهِ (2) فَقَطْ، وَيُحْسَبُ لَهُ مَا فَعَلَ، وَلَا يَكُونُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ (3) : مَنْ فَعَلَهَا وَتَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، بَلْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيُعَاقَبُ عَلَى مَا تَرَكَ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ لِدَفْعِ عُقُوبَةِ مَا تَرَكَ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ سَبَبٌ لِلْعِقَابِ، فَإِذَا (4) كَانَ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الْبَعْضِ لَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ جُبْرَانٌ أَوْ أَمْكَنَ فِعْلُهُ وَحْدَهُ، وَإِلَّا فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ مُفْرَدًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا (5) لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُفْرَدًا طَاعَةً لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ أَوَّلًا.
قِيلَ: هُوَ أَوَّلًا فَعَلَهُ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، أَوْ كَانَ سَاهِيًا، كَالَّذِي يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ، أَوْ يَسْهُو عَنِ الْقِرَاءَةِ وَالسُّجُودِ الْمَفْرُوضِ، فَيُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَا يُعَاقَبُ بِنِسْيَانِهِ وَخَطَئِهِ، لَكِنْ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ أَوَّلًا، كَالنَّائِمِ إِذَا اسْتَيْقَظَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهَا إِذَا أَمْكَنَ، وَإِلَّا صَلَّاهَا أَيَّ وَقْتٍ (* اسْتَيْقَظَ ; فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُؤْمَرُ بِهَا. وَأَمَّا إِذَا أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ *) (6) مُفْرَدًا (7) ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ مُفْرَدًا (8) .
_________
(1) ن، م، ر، ي، و: مَا تَرَكَ، ح: مَنْ تَرَكَ.
(2) أ: بِمَا يَتْرُكُهُ، و: بِمَا تَرَكَهُ.
(3) ن، م، و، أ: يَقُولُ.
(4) ب فَقَطْ: فَإِنْ.
(5) ن، م: فَإِنْ.
(6) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ أ.
(7) ح، ب: مُنْفَرِدًا.
(8) ح، ب: مُنْفَرِدًا.
(5/203)

فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ تَعَمَّدَ أَنْ يَفْعَلَهَا مَعَ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ وُجُوبَهَا.
قِيلَ: هَذَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ ; فَإِنَّهُ عَاصٍ بِهَذَا الْفِعْلِ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ إِثْمُهُ كَإِثْمِ التَّارِكِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا قَدْ (1) يُثَابُ، فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ (2) ثَوَابَ مَنْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا أَمَرَ بِهِ، بَلْ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ: إِنَّ لَهُ عَلَيْهِ ثَوَابًا بِحَسَبِهِ (3) ، لَكِنَّ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: 7 - 8] .
وَالْقُرْآنُ وَذِكْرُ اللَّهِ وَدُعَاؤُهُ خَيْرٌ. وَإِلَّا فَالْمُسْلِمُ لَا يُصَلِّي إِلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ. وَمَعَ هَذَا فَقَدَ يُمْكِنُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ (* اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مُذْنِبٌ لَا عَلَى طَرِيقِ (4) الِاسْتِهَانَةِ (5) وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ، بَلْ عَلَى طَرِيقِ الْكَسَلِ، أَنْ يُثَابَ عَلَى مَا فَعَلَهُ، كَمَنْ تَرَكَ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ الْمَجْبُورَةِ بِدَمٍ، لَكِنْ لَا يَكُونُ ثَوَابُهُ كَمَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ *) (6) غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَفَاضَلُ وَلَا يَنْقُصُ. قَالُوا: لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ مِنْهُ جُزْءٌ ذَهَبَ كُلُّهُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُرَكَّبَ مِنْ أَجْزَاءٍ
_________
(1) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .
(2) عَلَيْهِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) ن، م، أ، ي: يَحْسِبُهُ.
(4) طَرِيقِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) الِاسْتِهَانَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(6) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ)
(5/204)

مَتَى (1) ذَهَبَ مِنْهُ جُزْءٌ ذَهَبَ كُلُّهُ، كَالصَّلَاةِ إِذَا تَرَكَ مِنْهَا وَاجِبًا بَطَلَتْ. وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ تَشَعَّبَتْ بِهِمُ الطُّرُقُ (2) .
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فَقَالُوا: إِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ (3) خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (4) .
_________
(1) ن، م: إِذَا.
(2) يَقُولُ الْأَشْعَرِيُّ فِي مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/198 - 201 إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ مِنَ الْمُرْجِئَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَا يَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ. وَالْإِيمَانُ عِنْدَ الصَّالِحِيَّةِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَيَقُولُ الْأَشْعَرِيُّ: إِنَّ السِّمَّرِيَّةَ أَصْحَابَ يُونُسَ السِّمَّرِيِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ وَالْخُضُوعُ لَهُ وَهُوَ تَرْكُ الِاسْتِكْبَارِ عَلَيْهِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ، فَمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَقَدْ يَكُونُ كَافِرًا لَوْ تَرَكَ خَصْلَةً مِنْهَا، وَقَوْلُ الشِّمْرِيَّةِ أَصْحَابِ أَبِي شِمْرٍ وَالْيُونُسِيَّةُ أَصْحَابُ يُونُسَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا فَهْمٌ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ وَالْخُضُوعُ لَهُ وَالْمَحَبَّةُ لَهُ بِالْقَلْبِ، وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَالْإِقْرَارُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِمْ، وَلَا يُسَمُّونَ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ إِيمَانًا وَلَا بَعْضَ إِيمَانٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ هَذِهِ الْخَصَالُ، مِثْلَ الْفَرَسِ لَا تُسَمَّى بَلْقَاءَ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ، وَالشَّبِيبَةُ مِنْ مُرْجِئَةِ الْخَوَارِجِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِإِصَابَةِ كُلِّ خِصَالِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْخَصْلَةَ مِنَ الْإِيمَانِ قَدْ تَكُونُ طَاعَةً وَبَعْضَ إِيمَانٍ وَلَكِنْ يَكُونُ صَاحِبُهَا كَافِرًا بِتَرْكِ بَعْضِ الْإِيمَانِ.
(3) أ، و: حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 1/93 كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِهِ، وَلَفْظُهُ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالٌ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يُدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ، وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي الْأَلْفَاظِ، فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/84 كِتَابُ اللِّبَاسِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكِبْرِ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/22 - 23 الْمُقَدِّمَةُ بَابٌ فِي الْإِيمَانِ، كِتَابُ صِفَةِ جَهَنَّمَ، بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ لِلنَّارِ نَفَسَيْنِ، وَلَفْظُهُ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ فَلْيَقْرَأْ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذَكَرُهُ السُّيُوطِيُّ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: صَحِيحٌ وَهُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ.
(5/205)

وَعَلَى هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا نَقَصَ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْكَمَالُ وَالتَّمَامُ، وَيَجُوزُ نَفْيُ الِاسْمِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ ذَلِكَ الْكَمَالِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ: إِنْ كَانَ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَهُ، أَوْ كَانَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ مِنْهُ، وَبِذَلِكَ يَصِيرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِثَوَابِ اللَّهِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنِ الْعِقَابِ. وَأَمَّا إِذَا تَرَكَ وَاجِبًا مِنْهُ أَوْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ; فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَى مَا فَعَلَ. وَالْمَنْفِيُّ إِنَّمَا هُوَ الْمَجْمُوعُ لَا كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، كَمَا إِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الْعَشْرَةِ، لَمْ تَبْقَ الْعَشْرَةُ عَشَرَةً، لَكِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ أَجْزَائِهَا.

وَكَذَلِكَ جَاءَتِ السُّنَّةُ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ (1) مِنْهَا وَيُعَاقَبُ عَلَى الْبَاقِي، حَتَّى إِنَّهُ (2) إِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ جُبِرَ مَا تَرَكَ بِالتَّطَوُّعِ، وَلَوْ كَانَ مَا فَعَلَ بَاطِلًا وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْبَرْ بِالنَّوَافِلِ شَيْءٌ. وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ الْمُسِيءِ الَّذِي فِي السُّنَنِ (3) : أَنَّهُ إِذَا نَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ أَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ وَحَجُّهُ إِذَا تَرَكَ مِنْهُ رُكْنًا.
قِيلَ: لِأَنَّ الْبَاطِلَ فِي عُرْفِهِمْ ضِدُّ الصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحُ فِي عُرْفِهِمْ مَا
_________
(1) ح، ب: عَلَى مَا فَعَلَ.
(2) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .
(3) و: حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِي السُّنَنِ فِي الْمُسِيءِ.
(5/206)

حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وَلِهَذَا يَقُولُونَ: الصَّحِيحُ مَا أَسْقَطَ الْقَضَاءَ. فَصَارَ قَوْلُهُمْ: بَطَلَتْ، بِمَعْنَى: وَجَبَ الْقَضَاءُ، لَا بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ فِي الْآخِرَةِ.
وَهَكَذَا جَاءَ النَّفْيُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» " (1) ، وَقَوْلُهُ: " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» " (2) .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 2] ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 15] ; فَإِنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْهُ أَوْ فَعَلَ مُحَرَّمًا
_________
(1) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ 3/136 كِتَابُ الْمَظَالِمِ، بَابُ النَّهْيِ بِغَيْرِ إِذَنْ صَاحِبِهِ، 7/104 كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ، بَابُ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ، 8/157 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ، 8/164 كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابُ إِثْمِ الزُّنَاةِ، مُسْلِمٍ 1/76 - 77 كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الْإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/306 كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 4/127 كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 2/1298 - 1299 كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ النُّهْبَةِ، سُنَنَ الدَّارِمِيِّ 2/115 كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ بَابٌ فِي التَّغْلِيظِ لِمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 13/41 وَنَصُّ الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ 3/136: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ.)
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُسْنَدِ، ط. الْحَلَبِيِّ 3/135 وَأَوَّلُهُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَاطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ. وَهُوَ أَيْضًا فِيهِ 3/154، 210، 251
(5/207)

فِيهِ كَنَفْيِ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: " «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» " (1) . وَقَوْلُهُ لِلْمُسِيءِ: " «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» " (2) . وَقَوْلُهُ لِلْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ: " «لَا صَلَاةَ لِفَذٍّ خَلْفَ الصَّفِّ» " (3) وَقَوْلُهُ: " «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» " (4) .
وَمَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ هَذَا لِنَفْيِ الْكَمَالِ.
قِيلَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ الْكَمَالَ الْمُسْتَحَبَّ ; فَهَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ قَطُّ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ: أَنَّهُ يَنْفِي عَمَلًا فَعَلَهُ الْعَبْدُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْفِيهِ لِتَرْكِ بَعْضِ الْمُسْتَحَبَّاتِ. بَلِ الشَّارِعُ لَا يَنْفِي عَمَلًا إِلَّا إِذَا لَمْ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
_________
(1) و: إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَبِلَفْظِ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 1/147 - 148 كِتَابُ الْأَذَانِ، بَابُ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، مُسْلِمٍ 1/295 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 1/301 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاتِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَفْظُهُ: وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا. وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُسْنَدِ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَلْبَانِيُّ كَلَامًا مُفَصَّلًا فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 2/10 - 12 حَدِيثٌ رَقْمُ 302
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ.
(4) جَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/260 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ، بَابُ التَّغْلِيظِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَرَّةً وَبِلَفْظِ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ 1/245 كِتَابُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 2/337 - 338 وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى رِوَايَاتٍ أُخْرَى لَهُ.
(5/208)

الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ نُفِيَ بِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ، لَكَانَ عَامَّةُ النَّاسِ لَا صَلَاةَ لَهُمْ وَلَا صِيَامَ. فَإِنَّ الْكَمَالَ الْمُسْتَحَبَّ مُتَفَاوِتٌ، وَلَا أَحَدَ يُصَلِّي كَصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفَكُلُّ مَنْ لَمْ يُكْمِلْهَا كَتَكْمِيلِ الرَّسُولِ يُقَالُ: لَا صَلَاةَ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ فَرْضًا مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا يُؤْمَرُونَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَالْإِيمَانُ إِذَا تُرِكَ بَعْضُ فَرَائِضِهِ لَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ؟ .
قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ مُطْلَقًا، بَلْ يُؤْمَرُ بِالْمُمْكِنِ ; فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِعَادَةُ أَعَادَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أُمِرَ أَنْ يَفْعَلَ حَسَنَاتٍ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ أُمِرَ بِالظُّهْرِ فَلَا تَسُدُّ مَسَدَّ الْجُمُعَةِ، بَلِ الْإِثْمُ الْحَاصِلُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ يَزُولُ جَمِيعُهُ بِالظُّهْرِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ عَمْدًا ; فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا مَا دَامَ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ أُمِرَ بِالدَّمِ الْجَابِرِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنْهُ إِثْمَ التَّفْوِيتِ (* مُطْلَقًا، بَلْ هَذَا الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنَ الْبَدَلِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً تَغْسِلُ إِثْمَ التَّفْوِيتِ *) (1) ، كَمَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ تَوْبَةً تَغْسِلُ إِثْمَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ بِحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ فَوَّتَ وَاجِبًا لَا (2) يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ.
وَهَكَذَا نَقُولُ (3) فِيمَنْ تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ، بَلْ كُلَّ مَأْمُورٍ تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ جُزْءًا مِنْ إِيمَانِهِ، فَيَسْتَدْرِكُهُ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ فَاتَ وَقْتُهُ تَابَ وَفَعَلَ حَسَنَاتٍ أُخَرَ غَيْرَهُ.
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ح) .
(2) ح، ب: لَمْ.
(3) ن، م، و: يَقُولُ.
(5/209)

وَلِهَذَا كَانَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يُمْكِنُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْخَاصِّ وَالْمُشْتَرَكِ (1) ، كَمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَ دُخُولِ الْعَصْرِ، وَيُؤَخِّرُ (2) الْعَصْرَ إِلَى الِاصْفِرَارِ ; فَهَذَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ إِثْمُ التَّأْخِيرِ، وَهُوَ مِنَ الْمَذْمُومِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [سُورَةُ الْمَاعُونِ: 4 - 5] وَقَوْلِهِ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [سُورَةُ مَرْيَمَ: 59] ، فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا (3) عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِعْلُهَا فِيهِ هُوَ إِضَاعَةٌ لَهَا وَسَهْوٌ عَنْهَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (4) . وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا: " «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً» " (5) . وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَالْعَصْرَ
_________
(1) و: أَوِ الْمُشْتَرَكِ.
(2) و: أَوْ يُؤَخِّرُ.
(3) فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فَإِنَّ إِضَاعَتَهَا تَأْخِيرُهَا، وَفِي (ن) : فَإِنَّ إِضَاعَتَهَا تَأَخُّرُهَا.
(4) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمِ 14/449 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ، بَابُ كَرَاهِيَةِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ، وَنَصُّهُ: عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةَ خَلْفَ أُمَرَاءَ، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَضَرَبَ فَخْذِي ضَرْبَةً أَوْجَعَتْنِي وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ فَخْذِي وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً) قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ فَخْذَ أَبِي ذَرٍّ وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي: سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/279 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 5/159 وَانْظُرْ: 4/338
(5/210)

إِلَى وَقْتِ الِاصْفِرَارِ. وَذَلِكَ مِمَّا هُمْ مَذْمُومُونَ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ لَيْسُوا كَمَنْ تَرَكَهَا أَوْ فَوَّتَهَا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِتَالِهِمْ، وَنَهَى عَنْ قِتَالِ أُولَئِكَ. «فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ وَيَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ. قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: " لَا، مَا صَلَّوْا» " (1) وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُؤَخِّرُونَهَا وَأَمَرَ أَنْ تُصَلَّى فِي الْوَقْتِ، وَتُعَادَ مَعَهُمْ نَافِلَةً ; فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا لَمْ يُصَلُّوا لَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (2) " مَعَ قَوْلِهِ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (3) : " «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» " (4) .
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/116
(2) الْعَصْرَ: فِي (و) ، (ب) فَقَطْ: وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَفْظِ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ. فِي الْبُخَارِيِّ 1/116 كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً، مُسْلِمٍ 1/424 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: (إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ الْحَدِيثَ) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ 1/112 كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، مُسْلِمٍ 1/425 الْمَوْضِعِ السَّابِقِ وَتَكَلَّمَ الْأَلْبَانِيُّ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ، 1/272 - 275 رَقْمُ 252، 253.
(3) ن، م: فِي الصَّحِيحِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 1/434 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالْعَصْرِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 1/107 كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْعَصْرِ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 1/203 كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ التَّشْدِيدِ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ، وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ 4/31
(5/211)

وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (1) أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» " (2) . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (3) أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» " (4) . وَقَالَ أَيْضًا: " «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» " (5) .

وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» " (6) . فَاتَّفَقُوا
_________
(1) ن، م: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ.
(2) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِلَفْظِ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ إِلَخْ فِي الْبُخَارِيِّ 1/111 كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ، مُسْلِمٍ 1/435 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ، بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، 1/436 بِلَفْظِ: مَنْ فَاتَتْهُ، وَالْحَدِيثُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَفِي كُتُبِ السُّنَنِ وَفِي الْمُوَطَّأِ وَالْمُسْنَدِ.
(3) ن، م: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 1/111 كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 1/191، كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَتَكَلَّمَ الْأَلْبَانِيُّ عَلَى الْحَدِيثِ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ رَقْمُ 255.
(5) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ 1/568 كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ، بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَأَوَّلُهُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ فَقَالَ: وَآخِرُهُ: كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 1/208 كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ، الْمُسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 6/396 - 397.
(6) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ فِي: الْبُخَارِيِّ 1/118 - 119 كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، مُسْلِمٍ 1/477 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدِّارِمِيِّ وَالْمُسْنِدِ وَالْمُوَطَّأِ، وَانْظُرْ إِرْوَاءَ الْغَلِيلِ 1/291 - 293.
(5/212)

عَلَى أَنَّ النَّائِمَ يُصَلِّي إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَالنَّاسِيَ إِذَا ذَكَرَ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَجْعَلُ قَضَاءَ النَّائِمِ وَالنَّاسِي عَلَى التَّرَاخِي، وَمَنْ (1) نَسِيَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا فَهُوَ كَمَنْ نَسِيَهَا، فَلَوْ صَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَعَادَ، كَمَا أَعَادَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا لَمَّا صَلَّوْا بِالنَّاسِ، ثُمَّ ذَكَرُوا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُمْ كَانُوا جُنُبًا فَأَعَادُوا، وَلَمْ يَأْمُرُوا الْمَأْمُومِينَ بِالْإِعَادَةِ.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (2) .
وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَّرَهَا تَأْخِيرًا يَرَى أَنَّهُ جَائِزٌ. كَمَا أَخَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَصَلَّاهَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ (3) فَإِنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِنِسْيَانٍ مِنْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ جَائِزًا إِذَا كَانُوا مَشْغُولِينَ بِقِتَالِ الْعَدُوِّ أَنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ.
_________
(1) ن، م: فَمَنْ.
(2) لَعَلَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 5/240 رَقْمُ 3657 وَلَفْظُهُ، أَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةَ لَيْلًا فَنَزَلْنَا دَهَاسًا أَيْ: سَهْلًا مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا، قَالَ: إِذَنْ تَنَامُ. قَالَ: لَا. فَنَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فِيهِمْ عُمَرُ، فَقَالَ: اهْضِبُوا فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: افْعَلُوا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، فَلَمَّا فَعَلُوا قَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا، لِمَنْ نَامَ مِنْكُمْ أَوْ نَسِيَ. وَصَحِّحْ أَحْمَدُ شَاكِر الْحَدِيثَ، وَانْظُرْ إِرْوَاءَ الْغَلِيلِ، 1/293 وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/179 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا.
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/411
(5/213)

وَالْعُلَمَاءُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يُصَلِّي حَالَ الْقِتَالِ وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ (1) ، وَتَأْخِيرُ الْخَنْدَقِ مَنْسُوخٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا. لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَخَّرَتْ (2) الصَّلَاةَ فَصَلَّوْا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا: لَمْ يُرِدْ مِنَّا إِلَّا الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْعَدُوِّ لَا تَفْوِيتَ (3) الصَّلَاةِ. فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (4) . وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقِيلَ: بَلْ يُؤَخِّرُونَهَا كَمَا فَعَلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَنْ أَخَّرَهَا تَأْخِيرًا يُعْذَرُ بِهِ إِمَّا لِنِسْيَانٍ أَوْ لِخَطَأٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ فَأَخَّرَهَا حَتَّى طَلَعَتْ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ بَاقٍ فَأَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتْ فَإِنَّ هَذَا يُصَلِّي.
وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مَا بَقِيَ تَأْخِيرُهَا جَائِزًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا، وَلَوْ أَخَّرَهَا بِاجْتِهَادِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ (5) ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ
_________
(1) الصَّلَاةَ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(2) ب فَقَطْ: أَخَّرُوا.
(3) أ: وَلَا تَفُوتُ، م: لَا تُفَوَّتُ، ن: وَلَا تَفْوِيتَ.
(4) وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ قَلِيلٍ وَسَبَقَ فِيمَا مَضَى 3/411
(5) ح، ب: أَخْطَأَ بِاجْتِهَادِهِ.
(5/214)

الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: " «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدَ (1) حَبِطَ عَمَلُهُ» " (2) فَإِنَّ هَذَا مُجْتَهِدٌ مُتَأَوِّلٌ مُخْطِئٌ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» " (3) . وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (4) .
وَأَمَّا مَنْ فَوَّتَهَا عَمْدًا عَالِمًا بِوُجُوبِهَا، أَوْ فَوَّتَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا الَّذِي يَعْلَمُ وُجُوبَهُ مِنْهَا ; فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ. فَقِيلَ فِي الْجَمِيعِ: يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَهَا بَعْدَ التَّفْوِيتِ، وَيَجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيُعَاقَبُ عَلَى التَّفْوِيتِ، كَمَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يَقُولُونَ (5) : هُوَ (6) فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَجَبَ (7) إِعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ فَيَجِبُ إِعَادَتُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا مَالُكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَمَا يُعَادُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا بَلْ وَاجِبًا - وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ سُنَّةً - أَمَرُوا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ إِذَا تَرَكَهُ فِي الْوَقْتِ، كَمَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ. وَأَمَّا مَا كَانَ فَرْضًا، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالطَّهَارَةِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ، فَيُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ.
_________
(1) فَقَدَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(2) مَضَى الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ.
(3) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 4/458
(4) الصَّحِيحُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ي) ، (ر) .
(5) أ، ح، و، ر، ي: يَقُولُونَهُ.
(6) هُوَ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(7) ب فَقَطْ: وَجَبَتْ.
(5/215)

وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ. وَصَنَّفَ الْمُزَنِيُّ مُصَنَّفًا رَدَّ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ ثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْهَا هَذِهِ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْمُزَنِيِّ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ (1) وَصَاحِبُهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ. وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنْ (2) فُعِلَتْ كَمَا أُمِرَ بِهَا الْعَبْدُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ كَمَا أُمِرَ بِهَا الْعَبْدُ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ وَاجِبٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُؤَخِّرَهَا عَنِ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ أَوْكَدَ مِمَّا تَرَكَ لَمْ يُعِدْ بَعْدَ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَقْتِ يُمْكِنُهُ تَلَافِيهَا ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَعَ النَّجَاسَةِ أَوْ عُرْيَانًا خَيْرٌ مِنَ الصَّلَاةِ بِلَا نَجَاسَةٍ بَعْدَ الْوَقْتِ، فَلَوْ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُعِيدَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَكُنَّا نَأْمُرُهُ بِأَنْقَصِ مِمَّا صَلَّى، وَهَذَا لَا يَأْمُرُ بِهِ الشَّارِعُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْهَا، فَذَاكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَيُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ.
وَهَذَا الْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا (3) مَا هُوَ رُكْنٌ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ تَتِمُّ بِدُونِهِ (4) ، إِمَّا مَعَ السَّهْوِ وَإِمَّا مُطْلَقًا. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوجِبُ فِيهَا مَا لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ الْإِعَادَةُ بِحَالٍ. فَإِذَا
_________
(1) ن، م: الْبُهْرِيُّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمِيمِيُّ الْأَبْهَرِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ 289 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 375، لَهُ تَصَانِيفُ فِي شَرْحِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالرَّدِّ عَلَى مُخَالِفِيهِ انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَارِيخِ بَغْدَادَ 5/462 - 463، الْأَعْلَامِ 7/98
(2) ن، م: إِذَا.
(3) بَعْدَ عِبَارَةِ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، يُوجَدُ سَقْطٌ طَوِيلٌ فِي نُسْخَةِ (ي) ، يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ نَتِيجَةَ ضَيَاعِ أَوْرَاقٍ مِنَ الْمَخْطُوطَةِ إِذْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ يَبْدَأُ بِعِبَارَةِ بِهِ الشِّرْكُ بَلْ أَرَادَتِ التَّقِيَّ الَّذِي لَا يُقْدِمُ عَلَى الْفُجُورِ، وَوَجَدْتُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي ص 3/73 (ب) .
(4) ر، ح: تَتِمُّ بِهِ.
(5/216)

أَوْجَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيهَا مَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الشَّرْعِ. وَأَحْمَدُ مَعَ مَالِكٍ يُوجِبَانِ فِيهَا مَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْوَاجِبُ إِذَا تَرَكَهُ عَمْدًا أَمَرَهُ أَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ بِالْإِعَادَةِ كَمَا لَوْ تَرَكَ فَرْضًا، وَأَمَّا مَالِكٌ فَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلَانِ فِيمَنْ تَرَكَ مَا يَجِبُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ سَهْوًا، كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَتَرْكِ تَكْبِيرَتَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ قِرَاءَةِ (1) السُّورَةِ وَالْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي مَوْضِعِهِمَا.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ مِنْهَا مَا يُجْبَرُ الْحَجُّ مَعَ تَرْكِهِ، وَمِنْهَا مَا يَفُوتُ الْحَجُّ مَعَ تَرْكِهِ فَلَا يُجْبَرُ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَكَذَلِكَ (2) الصَّلَاةُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْوَقْتِ إِذَا تُرِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى فَاتَ وَقْتُهُ لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ، كَالْجُمُعَةِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ ; فَإِنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ عِبَادَةٌ لَا تُشْرَعُ إِلَّا إِذَا شَرَعَهَا الشَّارِعُ، فَلَا تَكُونُ مَشْرُوعَةً إِلَّا بِشَرْعِهِ، وَلَا وَاجِبَةً إِلَّا بِأَمْرِهِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ (3) لَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَذَلِكَ رَمْيُ الْجِمَارِ لَا تُرْمَى بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى، سَوَاءٌ فَاتَتْهُ (4) لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ (5) . كَذَلِكَ الْجُمُعَةُ لَا يَقْضِيهَا الْإِنْسَانُ سَوَاءٌ فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ
_________
(1) أَوْ قِرَاءَةِ: كَذَا فِي (م) ، (ح) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَقِرَاءَةِ.
(2) ن، م: وَكَذَلِكَ.
(3) ن، م، و: أَوْ غَيْرِهِ.
(4) أ: فَاتَهُ، ن، م: فَاتَتْ.
(5) ن، م: لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، ح: لِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، و، ر: بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
(5/217)

عُذْرٍ (1) ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَوَّتَهَا (2) أَهْلُ الْمِصْرِ كُلُّهُمْ لَمْ يُصَلُّوهَا (3) يَوْمَ السَّبْتِ.
وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَعْذُورَ يُصَلِّيهَا إِذَا أَمْكَنَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» " (4) . وَكَذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ أَمْرَ اللَّهُ الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ وَالْحَائِضَ أَنْ يَصُومُوا (5) نَظِيرَهُ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ.
وَالْوَقْتُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقْتٌ (6) لِجَوَازِ فِعْلِهِمَا (7) جَمِيعًا عِنْدَ الْعُذْرِ، وَإِنْ فُعِلَتَا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَفَاعِلُهُمَا آثِمٌ، لَكِنَّ هَذِهِ قَدْ فُعِلَتْ فِي وَقْتٍ هُوَ وَقْتُهَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، وَنَهَى عَنْ قِتَالِهِمْ، مَعَ ذَمِّهِمْ وَظُلْمِهِمْ. وَأُولَئِكَ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ إِلَى الْعَصْرِ، فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ (8) فَصَارُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى دَائِمًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَدَخَلَ فِي الْوَقْتِ الْمُشْتَرِكِ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْعُذْرِ، مِنْ تَأْوِيلِ الْوُلَاةِ وَتَصْحِيحِ الصَّلَاةِ مَعَ إِثْمِ التَّفْوِيتِ، مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّفْوِيتِ الْمُطْلَقِ ; كَمَنْ يُفْطِرُ شَهْرَ رَمَضَانَ عَمْدًا وَيَقُولُ: أَنَا أَصُومُ فِي شَوَّالٍ، أَوْ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
_________
(1) ن: بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، م: بِعُذْرٍ وَلَا بِغَيْرِهِ.
(2) ح: لَوْ سَهَى.
(3) و: وَكَذَلِكَ لَوْ فَوَّتَ أَهْلُ الْمِصْرِ كُلُّهُمْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يُصَلُّوهَا.
(4) سَبَقَ الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 212
(5) أ، و، ر: أَنْ يَصُومَ، ح، ب: أَنْ تَصُومَ.
(6) وَقْتٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(7) ن، م: فِعْلِهَا.
(8) و: طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ.
(5/218)

عَمْدًا، وَيَقُولُ: أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَيُؤَخِّرُ (1) الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَقُولُ: أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ، أَوْ يُؤَخِّرُ الْفَجْرَ وَيَقُولُ: أُصَلِّيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَهَذَا تَفْوِيتٌ مَحْضٌ بِلَا عُذْرٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ «فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» "، وَقَالَ: " «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» " (2) ، فَلَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْرَاكُ لَمْ يُحْبَطْ عَمَلُهُ. وَقَوْلُهُ: " «وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» " أَيْ صَارَ وِتْرًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ، وَلَوْ كَانَ فِعْلُهَا مُمْكِنًا بِاللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ مَوْتُورًا.
وَقَالَ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ» " (3) فَلَوْ كَانَ فِعْلُهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ صَحِيحًا مُطْلَقًا، لَكَانَ مُدْرِكًا، سَوَاءٌ أَدْرَكَ رَكْعَةً أَوْ لَمْ يُدْرِكْ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا إِثْمٍ، بَلْ يَأْثَمُ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ تُصَلَّى الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا الَّذِي حَدَّهُ، وَأَنْ لَا يُؤَخَّرَ الْعَصْرُ إِلَى مَا بَعْدَ الِاصْفِرَارِ، فَفِعْلُهَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَاجِبٌ بِأَمْرِهِ، وَقَوْلُهُ: " «صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» " (4) . فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْإِدْرَاكَ لَا يَرْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ غَيْرِ الْمَعْذُورِ، بَلْ يَكُونُ
_________
(1) ب فَقَطْ: أَوْ يُؤَخِّرُ.
(2) مَضَى هَذَانِ الْحَدِيثَانِ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 212
(3) ب فَقَطْ: فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ، وَسَبَقَ الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص [0 - 9] 11
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا قَبْلَ صَفَحَاتٍ 5/209 وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ جُزْءٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَجَاءَتْ أَحْيَانًا بِلَفْظِ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَأَحْيَانًا بِلَفْظِ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَجَمَعَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي صَحِيحِهِ 1/448 - 449 كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ، بَابُ كَرَاهِيَةِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، وَهِيَ أَحَادِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ فِي أَوَّلِهَا: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قَالَ: قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: (صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ.) وَفِي آخِرِ حَدِيثِ رَقْمِ 244 قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً) وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِمَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/173 - 174 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ إِذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ عَنِ الْوَقْتِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 1/113 - 114 كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ إِذَا أَخَّرَهَا الْإِمَامُ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/398 - 399 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا إِذَا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا.
(5/219)

قَدْ صَلَّاهَا مَعَ الْإِثْمِ، فَلَوْ كَانَتْ أَيْضًا تُصَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ مَعَ الْإِثْمِ، لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّيهَا عِنْدَ الِاصْفِرَارِ أَوْ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: ذَاكَ أَعْظَمُ إِثْمًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كُلَّمَا أَخَّرَهَا كَانَ أَعْظَمَ إِثْمًا، فَحَيْثُ جَازَ الْقَضَاءُ مَعَ وُجُوبِ التَّقْدِيمِ كُلَّمَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ كَانَ أَعْظَمَ لِإِثْمِهِ.
وَمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ; [فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا] (1) . وَإِذَا أَخَّرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ، كَمَا يَأْثَمُ مَنْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ عَلَى الْفَوْرِ، وَيَصِحُّ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتِ الْعَصْرَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، لَمْ يَكُنْ لِتَحْدِيدِ وَقْتِهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَوْلُهُ: " «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ» " (2) فَائِدَةٌ، بَلْ كَانَتْ تَكُونُ كَالْوَاجِبِ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا أَخَّرَهُ، أَوْ كَانَتْ تَكُونُ كَالْمَغْرِبِ إِذَا أَخَّرَهَا إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَدْ يَجُوزُ، بَلْ يُسَنُّ كَمَا فِي لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، كَمَا يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ فِي هَذَا الْجُزْءِ 5/12
(5/220)

وَأَمَّا فِعْلُ الْعَصْرِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ (1) ، فَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ قَطُّ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ، كَمَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَيِّ حَالٍ بِتَرْكِ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ لِأَجْلِ الْوَقْتِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ، أَوْ بِلَا قِرَاءَةٍ، أَوْ بِلَا إِتْمَامِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، أَوْ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ يُصَلِّي عُرْيَانًا، أَوْ كَيْفَمَا أَمْكَنَ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ مَعَ تَمَامِ الْأَفْعَالِ. وَهَذَا مِمَّا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَامَّتُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْوَقْتَ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ. وَحِينَئِذٍ فَمَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ بِلَا قِرَاءَةٍ، أَوْ عُرْيَانًا مُتَعَمِّدًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إِذَا أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ وَسُتْرَةٍ، كَانَ مَا أُمِرَ بِهِ دُونَ مَا فَعَلَهُ. وَلِهَذَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا أَحَدُهُمَا، وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِلَا قِرَاءَةٍ وَلَا سُتْرَةٍ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا وَيُصَلِّي بَعْدَ الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ وَسُتْرَةٍ.
فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْوِيتَ (2) مَا بَقِيَ اسْتِدْرَاكُهُ مُمْكِنًا، وَأَمَّا الْمَعْذُورُ فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْوَقْتَ فِي حَقِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ، فَمَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ أَوْ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا صَلَّاهَا مَتَى ذَكَرَهَا (3) ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ وَإِذَا قِيلَ: صَلَاتُهُ فِي الْوَقْتِ كَانَتْ أَكْمَلَ.
قِيلَ: نَعَمْ، لَكِنَّ تِلْكَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ، كَمَا نَقُولُ فِي الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ
_________
(1) ح، ب: بَعْدَ الْغُرُوبِ.
(2) ح، ب: التَّوْقِيتَ.
(3) ن، م، و: مَتَى ذَكَرَ.
(5/221)

فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَهِيَ حِينَئِذٍ مَأْمُورَةٌ بِالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتَكُونُ مُصَلِّيَةً لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهَا أَدَاءً، وَكَذَلِكَ إِذَا طَهُرَتْ آخِرَ اللَّيْلِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَكَانَتِ الْمَغْرِبُ فِي حَقِّهَا أَدَاءً كَمَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (1) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ صَحَابِيٍّ خِلَافُهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ يَعْرِفُونَهَا ; فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يَقَعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ الْمَوَاقِيتَ ثَلَاثَةً فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ، وَهَذِهِ مَعْذُورَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ " وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (2) ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ مُشْتَرَكٌ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ.
لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ، وَطَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، كَالْخِرَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، قَالُوا: تَجِبُ النِّيَّةُ فِي الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ لَا لِهَذَا وَلَا لِهَذَا. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ (3) ، وَهُوَ الصَّوَابُ، كَمَا بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (4) .
وَقَضِيَّةُ (5) الْحَائِضِ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الَّذِي أَمَرَ بِهَا
_________
(1) ح، ب: النَّبِيِّ.
(2) بْنِ حَنْبَلٍ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(3) عِبَارَةُ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(4) ن، م: فِي مَوْضِعِهِ.
(5) وَقَضِيَّةُ: كَذَا فِي (أ) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: قِصَّةُ.
(5/222)

فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُمْكِنًا لَكَانَتِ الْحَائِضُ تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ (1) .
فَإِذَا قِيلَ: يُسْقَطُ الْقَضَاءُ عَنْهَا تَخْفِيفًا.
قِيلَ: فَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تُصَلِّيَ قَضَاءً لِتُحَصِّلَ (2) ثَوَابِ الصَّلَاةِ الَّتِي فَاتَتْهَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا مَشْرُوعًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ لَهَا أَنْ تُصَلَّى مِنَ النَّوَافِلِ مَا ; شَاءَتْ فَإِنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ مَأْمُورَةً بِهَا فِي وَقْتِهَا. وَالصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا إِلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْعَبْدَ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَعْذُورًا مِنْ نَائِمٍ وَنَاسٍ وَمُخْطِئٍ، فَهَؤُلَاءِ مَأْمُورُونَ بِهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي، فَلَمْ يُصَلُّوا إِلَّا فِي وَقْتِ الْأَمْرِ، كَمَا أُمِرَتِ الْحَائِضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي الْمُتَعَمِّدِ لِفِطْرِهِ: لَا يَجْزِيهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَلَوْ صَامَهُ.
قَالُوا: وَالنَّاسِي إِنَّمَا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ إِذَا ذَكَرَهَا، لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا فِي وَقْتِهَا، وَكَذَلِكَ النَّائِمُ إِذَا اسْتَيْقَظَ إِنَّمَا صَلَّى فِي الْوَقْتِ.
قَالُوا: وَلَمْ يُجَوِّزِ اللَّهُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، وَلَا يَقْبَلَهَا مِنْهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا أَلْبَتَّةَ. وَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَفِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنَّ صَامَهُ» " (3) قَالُوا: وَإِنَّمَا يَقْبَلُ اللَّهُ صِيَامَهُ فِي غَيْرِ الشَّهْرِ مِنَ الْمَعْذُورِ،
_________
(1) ن، م، و، أ: إِيجَابٍ أَوِ اسْتِحْبَابٍ.
(2) ن، م: لِتَحْصِيلِ.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: الْبُخَارِيِّ 3/32 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/422 - 423 كِتَابُ الصَّوْمِ بَابُ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 2/113 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِفْطَارِ مُتَعَمِّدًا.
(5/223)

كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْحَائِضِ، وَمَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشَّهْرُ فَتَحَرَّى فَصَامَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ الصِّيَامُ، أَمَّا الْمُعْتَمِدُ لِلْفِطْرِ فَلَا.
قَالُوا: وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي جَامَعَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ بِصَوْمٍ، بَلْ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ فَقَطْ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ أَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ ضَعَّفَهُ الْعُلَمَاءُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ (1) . وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الَّذِي يَسْتَقِيءُ عَمْدًا أَنَّهُ يُعِيدُ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْذُورَ الَّذِي اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِقَاءُ، أَوِ الْمَرِيضُ الَّذِي احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَسْتَقِيءَ فَاسْتِقَاءَ ; فَإِنَّ الِاسْتِقَاءَةَ لَا تَكُونُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَإِلَّا فَلَا يَقْصِدُ الْعَاقِلُ أَنْ يَسْتَقِيءَ بِلَا حَاجَةٍ (2) ، فَيَكُونُ الْمُسْتَقِيءُ مُتَدَاوِيًا بِالِاسْتِقَاءَةِ، كَمَا يَتَدَاوَى
_________
(1) انْظُرْ كَلَامَ ابْنِ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي 3/109 - 110 عَنْ حُكْمِ مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ، وَرَأْيَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِيهَا، وَرَأْيَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَتَلْزَمُهُ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَأَعْطَاهُ عَرَقَ فِيهِ تَمْرٌ وَأَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ وَقَالَ لَهُ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 4/88 - 93 وَكَلَامُهُ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ وَمُخَالَفَتُهُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِكَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ 4/150 حَيْثُ قَالَ: وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ تَعْرِفُ أَنَّ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَوْلُ النَّبِيِّ: وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ أَصْلًا.
(2) ن، م: لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
(5/224)

بِالْأَكْلِ، وَهَذَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْقَضَاءُ وَيُؤْمَرُ بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وَبِكُلِّ حَالٍ هَذَا مَعْنَاهُ (1) .
فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ، وَحَدِيثَ: " «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ» " فَتُحْمَلُ أَحَادِيثُهُ عَلَى الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى الِاخْتِلَافِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ (2) دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ حَزْمٍ (3) ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالُوا: وَالْمُنَازِعُونَ لَنَا لَيْسَ لَهُمْ قَطُّ حُجَّةٌ يُرَدُّ إِلَيْهَا عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: لَا يُجِبِ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ ثَانٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ هُنَا أَمْرٌ.
وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فَقَطْ، بَلْ نُنَازِعُ فِي قَبُولِ الْقَضَاءِ مِنْهُ وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، فَنَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَصِّ وَالْمُشْتَرَكِ، الْمُضَيَّقِ وَالْمُوَسَّعِ، كَالْجُمُعَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَكَالْحَجِّ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَكَرَمْيِ الْجِمَارِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا. وَالْوَقْتُ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ مِنْ آكَدِ وَاجِبَاتِهِ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ الْعِبَادَةُ بِدُونِ صِفَاتِهَا (4) الْوَاجِبَةِ فِيهَا؟ .
_________
(1) انْظُرْ كَلَامَ الْأَلْبَانِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 4/51 - 53 وَقَدْ صَحَّحَهُ مَرْفُوعًا وَنَصُّهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمِنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ. عَلَى أَنْ لِلْحَدِيثِ وَجْهًا آخَرَ ضَعِيفٌ، انْظُرْ 4/53
(2) ن، م: وَقَوْلُ.
(3) انْظُرْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنِ اسْتَقَاءَ وَعَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ فِي الْمُحَلَّى 6/175 - 177، 180 - 185
(4) ح، ب: صِفَتِهَا.
(5/225)

وَهُوَ لَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ إِلَّا بَاطِلَةً، وَكَذَلِكَ إِذَا صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ الْمُشْتَرَكِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، مِثْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَالْمَغْرِبَ قَبْلَ الْمَغِيبِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا، مِثْلَ الْأَسِيرِ إِذَا ظَنَّ دُخُولَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَمِثْلَ الْمُسَافِرِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا اجْتَهَدُوا فَصَلَّوُا الظُّهْرَ: قَبْلَ الزَّوَالِ أَوِ الْمَغْرِبَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ; فَهَؤُلَاءِ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُمْ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْمُشْتَرَكِ، كَصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، فَقِيَاسُ الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ، فَإِنَّهُ جَمَعَ لِعُذْرٍ وَهُوَ لَا يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَجْزَأَهُ لِجَوَازِ الْجَمْعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْمَغْرِبِ، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ أَمْثَالِهِ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ وَتَقْدِيمُ الْعَصْرِ، وَتَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ وَتَقْدِيمُ الْعِشَاءِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ إِذَا فُعِلَتْ هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ الْخَاصِّ أَجْزَأَتْهُ.
قَالُوا: فَالنِّزَاعُ فِي صِحَّةِ مِثْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، كَالنِّزَاعِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ [لَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْوَقْتِ] (1) .
قَالَ لَهُمُ الْأَوَّلُونَ: مَا قِسْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَرَمْيِ الْجِمَارَ لَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ فِي الشَّرْعِ بِحَالٍ، لَا لِمَعْذُورٍ وَلَا لِغَيْرِ مَعْذُورٍ (2) . فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مُخْتَصَّةٌ بِزَمَانٍ كَمَا هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِمَكَانٍ.
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2) ن، م، و: وَلَا لِغَيْرِهِ.
(5/226)

وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَيَجُوزُ فِعْلُهَا لِلْمَعْذُورِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَوْقَاتِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ، وَأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا، كَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي تِلْكَ الْعِبَادَاتِ.
قَالَ الْآخَرُونَ: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ وَقْتِهَا لِلْمَعْذُورِ، تَوْسِعَةً مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةً (1) ، وَأَمَّا النَّائِمُ وَالنَّاسِي فَلَا (2) ذَنْبَ لَهُمَا، فَوَسَّعَ اللَّهُ لَهُمَا عِنْدَ الذِّكْرِ وَالِانْتِبَاهِ، إِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُمَا الصَّلَاةُ إِلَّا حِينَئِذٍ. فَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِمُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَفْوِيتِهَا؟ وَالْحَجُّ إِذَا فَاتَهُ فِي عَامٍ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحُجَّ فِي عَامٍ قَابِلٍ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ إِذَا فَاتَهُ جُعِلَ لَهُ بَدَلٌ عَنْهَا وَهُوَ النُّسُكُ. وَالْجُمُعَةُ إِذَا فَاتَتْ صَلَّى الظُّهْرَ. فَكَانَ (3) الْمَعْذُورُ إِذَا فَاتَتْهُ هَذِهِ الْعِبَادَاتُ الْمُؤَقَّتَةُ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِهَا، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ فَجُعِلَ لَهُ الْبَدَلُ أَيْضًا فِي الْحَجِّ، لِأَنَّ الْحَجَّ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ ; فَإِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ جَازَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُفْرِطًا (4) فَإِذَا جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ فَلَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَأْتِيَ هُوَ بِالْبَدَلِ بِطَرِيقِ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى ; فَإِنَّ الدَّمَ الَّذِي يُخْرِجُهُ هُوَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْجُمُعَةُ إِذَا فَاتَتْهُ، فَإِنَّمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ، لِأَنَّهَا الْفَرْضُ الْمُعْتَادُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، لَا لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْجُمُعَةِ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ: إِمَّا
_________
(1) ح، ر: وَرَحْمَةً لَهُمَا.
(2) أ، ب: لِأَنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ لَا.
(3) ن، م، و: وَكَانَ.
(4) ح: مَفْرُوضًا.
(5/227)

الْجُمُعَةُ وَإِمَّا الظُّهْرُ ; فَإِذَا أَمْكَنَهُ (1) الْجُمُعَةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صَلَّى الظُّهْرَ، فَإِذَا فَاتَتِ الْجُمُعَةُ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ. وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا إِذَا فَاتَتِ الْجُمُعَةُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ إِنْ (2) كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الصَّوْمُ، وَأَطْعَمَ هُوَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِيَامِ الْإِنْسَانِ عَنْ وَلِيِّهِ، فَذَاكَ فِي النُّذُرِ، كَمَا فَسَّرَتْهُ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِهَذَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ ; فَإِنَّهُ قَالَ: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» " (3) وَالنَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ (4) عَلَيْهِ، وَأَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا هُوَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ سَاقِطٌ عَنِ الْعَاجِزِ عَنْهُ.
فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَصْلًا، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَدَلٌ، بِخِلَافِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، فَلِهَذَا وَسَّعَ الشَّارِعُ فِي قَضَائِهِمَا لِلْمَعْذُورِ لِحَاجَتِهِ بِهِ إِلَى ذَلِكَ تَوْسِعَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً، وَغَيْرُهُمَا لَمْ يُوَسِّعْ فِي قَضَائِهِ لِأَحَدٍ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ (5) إِلَى قَضَائِهِ لِمَا شُرِعَ مِنَ الْبَدَلِ،
_________
(1) ن، م: أَمْكَنَتْهُ، ح: أَمْكَنَتْ.
(2) ح، ب: إِذَا.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي: الْبُخَارِيِّ 3/35 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ مُسْلِمٍ 2/803 كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ، سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 2/423 - 424 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابٌ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا فِي النُّذُرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
(4) ن، م، و: فَهُوَ.
(5) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/228)

إِمَّا عِبَادَةٌ أُخْرَى كَالظُّهْرِ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَالدَّمِ عَنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَإِمَّا فِعْلُ الْغَيْرِ، كَالْحَجِّ عَنِ الْمَغْصُوبِ وَالْمَيِّتِ.
فَهَذَا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَبَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ وَسَّعَ فِيهِمَا لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ (1) كَمَا يُوَسِّعُ لِلْمَعْذُورِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْقِيَاسَ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّا لَمْ نَقِسْ قِيَاسًا اسْتَفَدْنَا بِهِ حُكْمَ الْفَرْعِ مِنَ الْأَصْلِ ; فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ ثَابِتٌ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْقِيَاسِ مَعَهَا كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ ذَكَرْنَا الْقِيَاسَ لِيَتَصَوَّرَ الْإِنْسَانُ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ فِي هَذَا، كَمَا يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلتَّفْهِيمِ وَالتَّصْوِيرِ، لَا لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ.
وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَقْتِ، حَيْثُ حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَأْخِيرَهَا، بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ. وَالْمَقْصُودُ تَمْثِيلُ الْحُكْمِ بِالْحُكْمِ، لَا تَمْثِيلُ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ، فَيُعْرَفُ (2) أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَا بَقِيَتْ تُقْبَلُ وَلَا تَصِحُّ، كَمَا لَا تُقْبَلُ هَذِهِ وَلَا تَصِحُّ ; فَإِنَّ مِنَ الْجُهَّالِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَهْوَيْنُ (3) أَمْرِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مَنْ فَوَّتَهَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ السُّفَهَاءَ إِلَى تَفْوِيتِهَا.
وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، بَلْ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ فَوَّتَهَا فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَلَكِنَّ تَفْوِيتَ الصَّلَاةِ عَمْدًا مِثْلَ تَفْوِيتِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَمْدًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مِنْ
_________
(1) ن، م: أَنَّ مَنْ وَسَّعَ لِغَيْرِهِ.
(2) ن: فَيُعْلَمُ.
(3) ح، ب: تُوهِيَنُ.
(5/229)

جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا أُصَلِّي صَلَاةَ النَّهَارِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَهُوَ كَمَنْ قَالَ: لَا أَصُومُ رَمَضَانَ (1) إِلَّا فِي شَوَّالٍ، فَإِنْ كَانَ يَسْتَجِيزُ تَأْخِيرَهَا وَيَرَى ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ، فَهُوَ كَمَنْ يَرَى تَأْخِيرَ رَمَضَانَ جَائِزًا. وَهَذَا وَهَذَا يَجِبُ (2) اسْتِتَابَتُهُمَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ تَابَا وَاعْتَقَدَا وُجُوبَ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي وَقْتِهِمَا وَإِلَّا قُتِلَا.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْجُهَّالِ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَ تَأْخِيرِهَا إِلَى اللَّيْلِ بِأَدْنَى شُغْلٍ، وَيَرَى أَنَّ صَلَاتَهَا بِاللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ أَنَّ يُصَلِّيَهَا بِالنَّهَارِ مَعَ الشُّغْلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هَذَا كُفْرٌ (3) . وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَرَى جَوَازَهَا فِي الْوَقْتِ إِلَّا مَعَ كَمَالِ الْأَفْعَالِ، وَأَنَّهُ إِذَا صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ مَعَ كَمَالِ الْأَفْعَالِ كَانَ أَحْسَنَ، وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ تَجْوِيزُ الْقَضَاءِ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّهَا تَصِحُّ وَتُقْبَلُ وَإِنْ أَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ، فَجَعَلُوا فِعْلَهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ كَفِعْلِ الْعَصْرِ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَيْنَهُ. فَلَوْ عَلِمَتِ الْعَامَّةُ أَنَّ تَفْوِيتَ الصَّلَاةِ كَتَفْوِيتِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَاجْتَهَدُوا فِي فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّ رَمَضَانَ يَشْتَرِكُ فِي صَوْمِهِ جَمِيعُ النَّاسِ، وَالْوَقْتُ مُطَابِقٌ لِلْعِبَادَةِ لَا يُفْصَلُ (4) عَنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ شُرُوطٌ كَالصَّلَاةِ. وَالصَّلَاةُ وَقْتُهَا مُوَسَّعٌ، فَيُصَلِّي بَعْضُ النَّاسِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبَعْضُهُمْ فِي
_________
(1) ن: لَا أَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ.
(2) ح: وَهَذَا قَدْ يَجِبُ، ر، م: وَهَذَا يَجِبُ، ب: وَهَذَانِ يَجِبُ.
(3) ن، م: بَلْ هُوَ كُفْرٌ.
(4) ح، ب: لَا يَنْفَصِلُ.
(5/230)

آخِرِهِ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ يَظُنُّ الْجُهَّالُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا إِلَّا مَعَ تِلْكَ الْوَاجِبَاتِ مُطْلَقًا، فَيَقُولُونَ: نَفْعَلُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ بِدُونِ تِلْكَ الْوَاجِبَاتِ.
فَهَذَا الْجَهْلُ أَوْجَبَ تَفْوِيتَ الصَّلَاةِ التَّفْوِيتَ (1) الْمُحَرَّمَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ فَوَّتَهَا: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ، أَوْ تَسْقُطُ عَنْكَ الصَّلَاةُ، وَإِنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَكِنْ يُبَيَّنُ لَهُ أَنَّكَ بِمَنْزِلَةٍ مَنْ زَنَى وَقَتَلَ النَّفْسَ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ عَمْدًا، إِذْ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا مَا بَقِيَ لَهُ جُبْرَانٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. بَلْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَكَيْفَ بِالتَّفْوِيتِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ وَحِينَئِذٍ فَعَلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ أَكْثَرَ مِنْ قَضَائِهَا، فَصَلِّ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً، لَعَلَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِهَا عَنْكَ مَا فَوَّتَّهُ، وَأَنْتِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى خَطَرٍ، وَتَصَدَّقْ فَإِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَلْهَاهُ بُسْتَانُهُ عَنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَتَصَدَّقَ بِبُسْتَانِهِ.
وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لَمَّا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِسَبَبِ الْخَيْلِ، طَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ، فَعَقَرَهَا كَفَّارَةً لِمَا صَنَعَ.
فَمَنْ فَوَّتَ صَلَاةً وَاحِدَةً عَمْدًا فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً عَظِيمَةً، فَلْيَسْتَدْرِكْ بِمَا أَمْكَنَ مِنْ تَوْبَةٍ وَأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ. وَلَوْ قَضَاهَا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ (2) الْقَضَاءِ رَافِعًا إِثْمَ مَا فَعَلَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْقَضَاءُ، يَقُولُونَ: نَأْمُرُهُ بِأَضْعَافِ الْقَضَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ. وَإِذَا قَالُوا: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ تَخْفِيفٌ وَرَحْمَةٌ، كَمَا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ. وَالرَّحْمَةُ وَالتَّخْفِيفُ تَكُونُ لِلْمَعْذُورِ وَالْعَاجِزِ، لَا تَكُونُ
_________
(1) التَّفْوِيتَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2) مُجَرَّدُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) .
(5/231)

لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الْمُتَعَمِّدِينَ لَهَا، الْمُفَرِّطِينَ فِي عَمُودِ الْإِسْلَامِ.
وَالصَّلَاةُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَعَجَزَ عَنْهُ، أَوْ نَذَرَ صِيَامًا أَوْ حَجًّا فَمَاتَ، هَلْ يُفْعَلُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: " «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ أَوْ أُمِّكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ، أَمَا كَانَ يُجْزِي عَنْهُ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: " فَاللَّهُ (1) أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» " (2) . وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَعْذُورِ مِنْ بَنِي آدَمَ ; فَإِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ وَأَكْرَمُ، فَإِذَا كَانَ الْآدَمِيُّونَ يَقْبَلُونَ الْقَضَاءَ عَمَّنْ مَاتَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِهِ أَيْضًا، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُقْضَى حُقُوقُهُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهِيَ أَوْجَبُ مَا يُقْضَى مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنَّ دَيْنَ الْمَيِّتِ لَا يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ قَضَاؤُهُ، لَكِنْ يُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ فِعْلُ مَا وَجَبَ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ نَذْرٍ.
وَالسَّائِلُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنِ الْإِجْزَاءِ وَالْقَبُولِ، لَمْ يَسْأَلْ عَنِ الْوُجُوبِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُجَابَ عَنْ سُؤَالِهِ، فَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَقَبُولِ الْقَضَاءِ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ (3) ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلْمَعْذُورِ (4) . وَأَمَّا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ الْمُفَوِّتُ عَمْدًا (5) فَلَا يَسْتَحِقُّ تَخْفِيفًا وَلَا رَحْمَةً، لَكِنْ إِذَا تَابَ فَلَهُ
_________
(1) ح، ب: إِنَّ اللَّهَ.
(2) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي: مُسْلِمٍ 2/804 كِتَابُ الصِّيَامِ بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 2/110 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(3) وَالرَّحْمَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) (ر) .
(4) ح، ر: لِلْمَعْرِفَةِ.
(5) ح، ب: الْكَبِيرَةِ الْمُتَعَمِّدُ، وَسَقَطَتْ عِبَارَةُ (الْمُفَوِّتُ عَمْدًا) مِنْ (و) .
(5/232)

أُسْوَةٌ بِسَائِرِ التَّائِبِينَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَيَجْتَهِدُ فِي طَاعَةِ (1) اللَّهِ وَعِبَادَاتِهِ بِمَا أَمْكَنَ، وَالَّذِينَ أَمَرُوهُ بِالْقَضَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ (2) لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ [يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِثْمُ، بَلْ يَقُولُونَ: بِالْقَضَاءِ] (3) يَخِفُّ عَنْهُ الْإِثْمُ، وَأَمَّا إِثْمُ التَّفْوِيتِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا فَهُوَ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحْتَاجُ: إِمَّا إِلَى تَوْبَةٍ، وَإِمَّا إِلَى حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، وَإِمَّا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْقُطُ بِهِ الْعِقَابُ.
وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الطَّاقَةِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، كَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ مُدِحَ مِنَ الْأُمَّةِ (4) أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ عَلَى شَيْءٍ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَفَعَ بِهِ قَدْرَهُ، فَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالثَّوَابُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ (5) ، وَالنُّصْرَةُ لِمَنْ نَصَرَهُ، وَالسَّعَادَةُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ (6) عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَالْمُعَلِّمِينَ لِلنَّاسِ دِينَهُ، وَالْحَقُّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ وَأَتْبَعُهُمْ لَهُ أَعَمَلُهُمْ بِسُنَّتِهِ وَأَتْبَعُهُمْ لَهَا، وَكُلُّ قَوْلٍ خَالَفَ قَوْلَهُ فَهُوَ إِمَّا دِينٌ مَنْسُوخٌ وَإِمَّا دِينٌ مُبَدَّلٌ لَمْ يُشْرَعْ قَطُّ.
وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُفَاوَضَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " خَيْرُنَا أَتْبَعْنَا لِهَذَا الدِّينِ " وَعُثْمَانُ يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ] (7) .
_________
(1) ح، ب: طَاعَاتِ.
(2) مِنَ الْعُلَمَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) ر، ح: الْأَئِمَّةِ.
(5) الرَّسُولُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) .
(6) ن: وَسَلَامُهُ، أ: وَالْمَلَائِكَةُ.
(7) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/233)

[فَصْلٌ اللَّهَ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَسَبَّهُمُ الرَّافِضَةُ]
فَصْلٌ
وَلَمَّا قَالَ السَّلَفُ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَسَبَّهُمُ الرَّافِضَةُ (1) ، كَانَ هَذَا كَلَامًا حَقًّا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» " (2) يَقْتَضِي تَحْرِيمَ سَبِّهِمْ، مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالنَّهْيِ عَنْ سَبِّهِمْ عَامٌّ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» " (3) . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 11] فَقَدْ نَهَى عَنِ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالتَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ.
وَاللَّمْزُ: الْعَيْبُ وَالطَّعْنُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 58] أَيْ يَعِيبُكَ وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ، وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 79] وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 49] أَيْ لَا يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَقَوْلِهِ: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} [سُورَةُ النُّورِ: 12]
_________
(1) و: أَمَرَنَا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَسَبُّوهُمْ.
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/21
(3) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/499
(5/234)

وَقَوْلِهِ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 54] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} الْآيَةَ [سُورَةُ الْهُمَزَةِ: 1] وَالْهَمْزُ: الْعَيْبُ (1) وَالطَّعْنُ بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ، وَمِنْهُ هَمَزَ الْأَرْضَ بِعَقِبِهِ، وَمِنْهُ الْهَمْزَةُ وَهِيَ نَبْرَةٌ مِنَ الصَّدْرِ.
وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 19] .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يَمُوتُ. وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لِلْمُنَافِقِينَ حَتَّى نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ (2) . فَكُلُّ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مُنَافِقٌ جَازَ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بِدَعَةٌ أَوْ فِسْقٌ، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ وَالْمُظْهِرِ لِلْفُجُورِ مَصْلَحَةٌ مِنْ جِهَةِ انْزِجَارِ النَّاسِ، فَالْكَفُّ عَنِ الصَّلَاةِ كَانَ مَشْرُوعًا لِمَنْ كَانَ (3) يُؤْثِرُ تَرْكَ صَلَاتِهِ فِي الزَّجْرِ بِأَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ:
_________
(1) ب فَقَطْ: لِعَيْبٍ.
(2) فِي الْبُخَارِيِّ 2/96 - 97 كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ مَا يُكْرِهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَجَاهُ عُمَرُ أَلَّا يَفْعَلَ فَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ: (إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي زِدْتُ عَلَى السَبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا.) قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) إِلَى (وَهُمْ فَاسِقُونَ) [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 84] الْحَدِيثُ وَهُوَ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ النَّسَائِيِّ وَأَحَمْدَ وَانْظُرْ كَلَامَ الْأَلْبَانِيِّ عَلَيْهِ فِي سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ 3/123 - 124
(3) كَانَ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(5/235)

" «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» " (1) وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْغَالِّ: " «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» " (2) وَقَدْ قِيلَ لِسُمْرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ: إِنَّ ابْنَكَ لَمْ يَنَمِ الْبَارِحَةَ. فَقَالَ: أَبَشَمًا (3) ؟ قَالُوا: بَشَمًا. قَالَ: لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ. يَعْنِي: لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ.
وَلِلْعُلَمَاءِ هُنَا نِزَاعٌ: هَلْ يُتْرَكُ (4) الصَّلَاةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ (5) فَقَطْ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» "؟ أَمْ هَذَا التَّرْكُ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَمْ مَشْرُوعٌ لِمَنْ تُطْلَبُ صلَاتُهُ؟ وَهَلِ الْإِمَامُ هُوَ الْخَلِيفَةُ أَوِ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ؟ وَهَلْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِهَذَيْنِ أَمْ هُوَ ثَابِتٌ لِغَيْرِهِمَا؟ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَسَائِلٌ تُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
لَكِنْ بِكُلِّ حَالٍ الْمُسْلِمُونَ الْمُظْهِرُونَ لِلْإِسْلَامِ قِسْمَانِ: إِمَّا مُؤْمِنٌ،
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/265، كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَنَصُّهُ: أَنْ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا وَأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ الْإِمَامِ، مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ، فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 4/53 كِتَابُ الْجَنَائِزِ بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ.
(2) الْحَدِيثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/91 كِتَابُ الْجِهَادِ بَابٌ فِي تَعْظِيمِ الْغُلُولِ، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 4/52 كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ غَلَّ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 2/950 كِتَابُ الْجِهَادِ بَابُ الْغُلُولِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ط. الْحَلَبِيِّ 5/192 الْمُسْتَدْرَكِ 2/127 وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَضَعَّفَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 3/174 - 175 وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ.
(3) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْبَشَمُ: التُّخَمَةُ مِنَ الدَّسَمِ.
(4) ن، م، و: تَرَكَ، أ: تُتْرَكُ.
(5) الْإِمَامِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) .
(5/236)

وَإِمَّا مُنَافِقٌ. فَمَنْ عُلِمَ نِفَاقُهُ لَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ. وَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ (1) صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَإِذَا عَلِمَ شَخْصٌ نِفَاقَ شَخْصٍ لَمْ يُصَلِّ هُوَ عَلَيْهِ، وَصَلَّى (2) عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ نِفَاقَهُ.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَدْ عَرَفَ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى الْفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عُقُوبَةِ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا عَلَى ذَنْبِهِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ ; فَإِنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالشَّارِبَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْعُصَاةِ تُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ، وَمَعَ هَذَا فَيُحْسَنُ إِلَيْهِمْ (3) بِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ; فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، فَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (4) وَإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ (5) .
وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُعَاقِبُ النَّاسَ عَلَى الذُّنُوبِ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ، كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ، وَكَمَا يَقْصِدُ الطَّبِيبُ مُعَالَجَةَ الْمَرِيضِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ» " (6) . . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 6]
_________
(1) ح، ب: عَنْهُ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (و) .
(2) ب فَقَطْ: وَيُصَلِّي.
(3) ح، ب: عَلَيْهِمْ.
(4) عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عَنْ رَحْمَةِ الْخَلْقِ.
(5) ح، ب، ر، أ: لَهُمْ.
(6) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1 كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ كَرَاهِيَةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَنَصُّهُ: إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرُّمَّةِ، وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ النَّسَائِيِّ، 1/36 - 37 كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِطَابَةِ بِالرَّوْثِ، وَأَوَّلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ، وَهُوَ أَيْضًا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/114 كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ، الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ 13/100، 139 وَصَحَّحَ أَحْمَدُ شَاكِر الْحَدِيثَيْنِ
(5/237)

وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ (1) . وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّ نِسَاءَهُ إِنَّمَا كُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ تَبَعًا لَهُ، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَالْأَبِ لَمْ يَكُنْ نِسَاؤُهُ كَالْأُمَّهَاتِ. وَالْأَنْبِيَاءُ أَطِبَّاءُ الدِّينِ، وَالْقُرْآنُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، فَالَّذِي يُعَاقِبُ النَّاسَ عُقُوبَةً شَرْعِيَّةً إِنَّمَا هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ (2) وَخَلِيفَةٌ لَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا يَفْعَلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (3) تَأْتُونَ بِهِمْ فِي الْأَقْيَادِ وَالسَّلَاسِلِ تُدْخِلُونَهُمُ الْجَنَّةَ (4) . أَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ لِبَنِي آدَمَ: فَإِنَّهُمْ يُعَاقِبُونَهُمْ بِالْقَتْلِ (5) وَالْأَسْرِ، وَمَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ، وَسَوْقُهُمْ إِلَى كَرَامَةِ
_________
(1) أَوْرَدَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ 21/77 وَالْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ 14/123 وَابْنُ كَثِيرٍ 6/382.
(2) ح، ب: نَائِبٌ لَهُ.
(3) أ، ب: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، ح: كُنْتُمْ خَيْرًا لِلنَّاسِ.
(4) وَرَدَ هَذَا الْأَثَرُ فِي: الْبُخَارِيِّ 6/37 - 38 كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، بَابُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَنَصُّهُ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ. وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ 2/77 ط. دَارِ الشَّعْبِ.
(5) ن، م، و، أ، ر: بِالْقِتَالِ.
(5/238)

اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، وَإِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَهَكَذَا الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ بَيَانَ الْحَقِّ وَهُدَى الْخَلْقِ وَرَحْمَتَهُمْ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ صَالِحًا. وَإِذَا غَلَّظَ فِي ذَمِّ بِدْعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ (1) كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ مَا فِيهَا مِنَ الْفَسَادِ لِيَحْذَرَهَا الْعِبَادُ، كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ يُهْجَرُ الرَّجُلُ عُقُوبَةً وَتَعْزِيرًا، وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ رَدَعُهُ وَرَدَعُ أَمْثَالِهِ، لِلرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، لَا لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ.
كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ الثَّلَاثَةَ الَّذِي خُلِّفُوا لَمَّا جَاءَ الْمُتَخَلِّفُونَ عَنِ الْغُزَاةِ يَعْتَذِرُونَ وَيَحْلِفُونَ وَكَانُوا يَكْذِبُونَ. وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ صَدَقُوا وَعُوقِبُوا بِالْهَجْرِ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَةِ الصِّدْقِ (2) .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الذَّنْبَ لَا يُوجِبُ كُفْرَ صَاحِبِهِ، كَمَا تَقُولُهُ الْخَوَارِجُ، بَلْ وَلَا تَخْلِيدَهُ فِي النَّارِ وَمَنْعَ الشَّفَاعَةِ فِيهِ، كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ.
الثَّانِي أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يَكْفُرُ، بَلْ (3) وَلَا يَفْسُقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ (4) الْمُخْطِئِينَ فِيهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعَرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا عَنْ (5) أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ
_________
(1) ن، م: وَإِذَا غَلَّظَ ذَمَّ مَعْصِيَةٍ.
(2) انْظُرْ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ 1/65، 4/459
(3) ب: زِيَادَةٌ فِي (ر) ، (و) .
(4) ح، ب: كَفَّرُوا.
(5) ح، ب: وَلَا يُعْرَفُ عُذْرُ.
(5/239)

الْبِدَعِ، الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ، كَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ يَسْلُكُونَ فِي التَّكْفِيرِ ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ أَهْلَ الْبِدَعِ مُطْلَقًا، ثُمَّ يَجْعَلُ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْجَهْمِيَّةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يُوجَدُ (1) فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ (2) وَلَا غَيْرِهِمْ (3) ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ كَفَّرَ كُلَّ مُبْتَدِعٍ، بَلِ الْمَنْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ عَنْهُمْ تُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدِهِمْ (4) أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ قَالَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ لِيُحَذِّرَ، وَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ كُفْرًا أَنْ يَكَفِّرَ كُلَّ مَنْ قَالَهُ مَعَ الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ ; فَإِنَّ ثُبُوتَ الْكُفْرِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، كَثُبُوتِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ، كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُفَّارًا لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ، فَيَكُونُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ (5) : {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 10] يَقْصِدُ كُلَّ (6) مَنْ
_________
(1) ب فَقَطْ: لَا يُوجَدُ وَهُوَ خَطَأٌ.
(2) سَاقِطٌ مَنَّ (أ) ، (ب) .
(3) و: وَهَذَا الْقَوْلُ يُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
(4) ر: قَدْ يَنْقُلُ أَحَدٌ عَنْهُمْ.
(5) ح، ب، ر، و: الْمُسْلِمُ.
(6) كُلَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، (ح) .
(5/240)

سَبَقَهُ مِنْ قُرُونِ الْأُمَّةِ بِالْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ فَخَالَفَ السُّنَّةَ، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَإِنَّهُ مِنْ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ بِالْإِيمَانِ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِنَّهُ مَا مِنْ فِرْقَةٍ إِلَّا وَفِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَيْسُوا كُفَّارًا، بَلْ مُؤْمِنِينَ فِيهِمْ ضَلَالٌ وَذَنْبٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْوَعِيدَ، كَمَا يَسْتَحِقُّهُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ جَعَلَهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ. فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِيهِمْ بِدْعَةٌ، مِنْ جِنْسِ بِدَعِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ. وَأَصْحَابُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ لَمْ يُكَفِّرُوا الْخَوَارِجَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ، بَلْ أَوَّلُ مَا خَرَجُوا عَلَيْهِ وَتَحَيَّزُوا بِحَرُورَاءَ، وَخَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَالَ لَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَنَا (1) وَلَا حَقَّكُمْ مِنَ الْفَيْءِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ فَرَجَعَ نَحْوُ نِصْفِهِمْ، ثُمَّ قَاتَلَ الْبَاقِيَ وَغَلَبَهُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَسْبِ لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وَلَا غَنِمَ لَهُمْ مَالًا، وَلَا سَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ فِي الْمُرْتَدِّينَ، كَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَأَمْثَالِهِ، بَلْ كَانَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ وَالصَّحَابَةِ فِي الْخَوَارِجِ مُخَالِفَةً لِسِيرَةِ الصَّحَابَةِ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَى عَلِيٍّ ذَلِكَ، فَعُلِمَ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ (2) .
قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ (3) : " وَقَدْ وَلِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
_________
(1) أ، ب: مِنْ مَسَاجِدِنَا.
(2) ن، م: عَنِ الْإِسْلَامِ.
(3) سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ فِيمَا سَبَقَ 2/106
(5/241)

قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ مَا رَوَى، وَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَحَكَمَ فِيهِمْ بِأَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَذَلِكَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ".
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَيْضًا: " حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ مُفَضَّلٍ (1) بْنِ مُهَلْهَلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمُشْرَكُونَ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا. فَقِيلَ: فَمُنَافِقُونَ (2) ؟ قَالَ: الْمُنَافِقُونَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ ".
(* وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَيْضًا: " حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سُفْيَانَ (3) ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَنْ دُعِيَ (4) إِلَى الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ يَوْمَ قُتِلَ الْمُشْرِكُونَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا. قَالَ: الْمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ فَنَصَرَنَا عَلَيْهِمْ.
قَالَ: حَدَّثَنَا (5) إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي خَالِدَةَ (6) ، عَنْ
_________
(1) ن، م، و، أ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ.
(2) ح، ب: أَفَمُنَافِقُونَ.
(3) أ، ب: عَنْ عَامِرِ بْنِ شَفِيقٍ.
(4) أ، ر، و: مَنْ دَعَا.
(5) حَدَّثَنَا: زِيَادَةٌ فِي (و) فَقَطْ.
(6) و: عَنِ ابْنِ أَبِي حَلْد.
(5/242)

حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالُوا لِعَلِيٍّ حِينَ قَتَلَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا. قِيلَ: فَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: الْمُنَافِقُونَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ حَارَبُونَا فَحَارَبْنَاهُمْ وَقَاتَلُونَا فَقَاتَلْنَاهُمْ *) (1) .
قُلْتُ: الْحَدِيثُ (2) الْأَوَّلُ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحَانِ فِي أَنَّ عَلِيًّا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْخَوَارِجِ الْحَرُورِيَّةِ أَهْلِ النَّهَرَوَانِ، الَّذِينَ اسْتَفَاضَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ، وَهُمْ يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كَانَ عِنْدَهُمْ كَافِرًا وَدَارُهُمْ دَارُ كُفْرٍ، فَإِنَّمَا دَارُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ هِيَ دَارُهُمْ.
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ: " أَجْمَعَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى تَكْفِيرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (3) ". وَمَعَ هَذَا عَلِيٌّ قَاتَلَهُمْ لَمَّا بَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ فَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ خَبَّابٍ، وَطَلَبَ عَلِيٌّ مِنْهُمْ قَاتِلَهُ، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، وَأَغَارُوا عَلَى مَاشِيَةِ النَّاسِ (4) . وَلِهَذَا قَالَ فِيهِمْ: " قَوْمٌ قَاتَلُونَا فَقَاتَلْنَاهُمْ، وَحَارَبُونَا فَحَارَبْنَاهُمْ " وَقَالَ: " قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ ".
وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُمْ عَلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ ; فَإِنَّهُمْ بُغَاةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، وَهُمْ يَبْدَءُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ، وَلَا يَنْدَفِعُ شَرُّهُمْ إِلَّا بِالْقِتَالِ ; فَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. فَإِنَّ أُولَئِكَ إِنَّمَا مَقْصُودُهُمُ الْمَالُ، (* فَلَوْ
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) ح، ر: وَأَمَّا الْحَدِيثُ.
(3) قَالَ الْأَشْعَرِيُّ فِي مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 1/156 وَأَجْمَعَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى إِكْفَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْ حَكَّمَ. . . .
(4) ح، ب: عَلَى مَاشِيَةٍ فَقَتَلُوا النَّاسَ.
(5/243)

أُعْطُوهُ لَمْ يُقَاتِلُوا، وَإِنَّمَا يَتَعَرَّضُونَ لِبَعْضِ النَّاسِ *) (1) وَهَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ النَّاسَ عَلَى الدِّينِ حَتَّى يَرْجِعُوا عَمَّا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إِلَى مَا ابْتَدَعَهُ هَؤُلَاءِ بِتَأْوِيلِهِمُ الْبَاطِلِ وَفَهْمِهِمُ الْفَاسِدِ لِلْقُرْآنِ. وَمَعَ هَذَا فَقَدَ صَرَّحَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ لَيْسُوا كُفَّارًا وَلَا مُنَافِقِينَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، يَقُولُونَ: " لَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ يَكْفُرُ " (2) فَإِنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ حَقًّا لَهُمْ، بَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ (3) ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى مَنْ يَكْذِبُ (4) عَلَيْهِ، وَلَا يَفْعَلُ الْفَاحِشَةَ بِأَهْلِ مَنْ فَعَلَ الْفَاحِشَةَ بِأَهْلِهِ، بَلْ وَلَوِ اسْتَكْرَهَهُ رَجُلٌ عَلَى اللِّوَاطَةِ (5) ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَكْرِهَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِتَجْرِيعِ خَمْرٍ أَوْ تَلَوَّطَ بِهِ (6) لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ (7) ، لِأَنَّ هَذَا حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ سَبَّ النَّصَارَى نَبِيَّنَا، لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنَّ نَسُبَّ الْمَسِيحَ.
وَالرَّافِضَةُ إِذَا كَفَّرُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُكَفِّرَ عَلِيًّا. وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ يُوَافِقُ ذَيْنَكَ الْحَدِيثَيْنِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمُ النَّهْرَوَانِ أَيْضًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ قَوْلٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ عَلِيًّ يَوْمَ الْجَمَلِ أَوْ يَوْمَ (8) صِفِّينَ رَجُلًا يَغْلُو فِي الْقَوْلِ، فَقَالَ:
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (أ) .
(2) ح، ب، ر، و: إِلَّا مَنْ يُكَفِّرُنَا.
(3) ح: اللَّهِ.
(4) أ، و: كَذَبَ.
(5) ن، م: وَلَوِ اسْتَكْرَهَهُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ، و، ر: وَلَوِ اسْتَكْرَهَهُ رَجُلٌ عَلَى اللُّوطِيَّةِ.
(6) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ح) ، (ر) .
(7) و: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
(8) ح، ب: وَيَوْمَ.
(5/244)

لَا تَقُولُوا إِلَّا خَيْرًا، إِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ زَعَمُوا إِنَّا بَغَيْنَا عَلَيْهِمْ، وَزَعَمْنَا أَنَّهُمْ بَغُوا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ. فَذُكِرَ لِأَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمُ السِّلَاحَ. فَقَالَ: مَا كَانَ أَغْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ سَأَلُوهُ عَمَّنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ مَا هُمْ؟ قَالَ: هُمْ مُؤْمِنُونَ (1) . وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، قَالَ: مَرَّ عَلِيٌّ وَهُوَ مُتَّكِئٌ (2) عَلَى الْأَشْتَرِ عَلَى قَتْلَى صِفِّينَ، فَإِذَا حَابِسٌ الْيَمَانِيُّ مَقْتُولٌ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَذَا حَابِسٌ الْيَمَانِيُّ مَعَهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيْهِ عَلَامَةُ مُعَاوِيَةَ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَهِدْتُهُ (3) مُؤْمِنًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْآنَ هُوَ مُؤْمِنٌ.
قَالَ: وَكَانَ حَابِسٌ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالِاجْتِهَادِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي مَطَرٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: مَتَى يَنْبَعِثُ أَشْقَاهَا؟ قِيلَ: مَنْ أَشْقَاهَا؟ قَالَ: الَّذِي يَقْتُلُنِي. فَضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالسَّيْفِ فَوَقَعَ بِرَأْسِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: لَا تَقْتُلُوا الرَّجُلَ، فَإِنْ بَرِئْتُ فَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ، وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ. فَقَالَ: إِنَّكَ مَيِّتٌ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: كَانَ سَيْفِي مَسْمُومًا (4) .
_________
(1) مُؤْمِنُونَ كَذَا فِي (ن) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ الْمُؤْمِنُونَ.
(2) ن، ح: وَهُوَ يَبْكِي، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) ن: عَلِمْتُهُ.
(4) انْظُرْ خَبَرَ مَقْتَلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ 5/143 - 147
(5/245)

وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ (1) ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ وَهُوَ ابْنُ الْحَكَمِ النَّخَعِيُّ عَنْ رَبَاحِ (2) بْنِ الْحَارِثِ (3) ، قَالَ: إِنَّا لَبِوَادٍ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَكَادُ تَمَسُّ (4) رُكْبَةَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَفَرَ وَاللَّهِ أَهْلُ الشَّامِ (5) . فَقَالَ عَمَّارٌ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَقِبْلَتُنَا وَاحِدَةٌ، وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مَفْتُونُونَ، فَحَقَّ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الْحَقِّ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ رَبَاحِ (6) بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: دِينُنَا وَاحِدٌ، وَقِبْلَتُنَا وَاحِدَةٌ، وَدَعْوَتُنَا وَاحِدَةٌ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ. قَالَ ابْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: لَا تَقُولُوا كَفَرَ أَهْلُ الشَّامِ، قُولُوا: فَسَقُوا، قُولُوا: ظَلَمُوا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: هُوَ كَافِرٌ، خَبَرٌ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ كُفْرَ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ، وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي دَمِ عُثْمَانَ، فَهُوَ لِتَكْفِيرِ عُثْمَانَ أَشَدُّ إِنْكَارًا ".
قُلْتُ: وَالْمَرْوِيُّ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ، أَنْكَرَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ
_________
(1) و: وَبِهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ.
(2) ح، ب: رِيَاحِ.
(3) و: بْنِ الْحَرْبِ.
(4) ن، م، أ: لَتَمَسُّ.
(5) ب فَقَطِ: الشَّأْمِ.
(6) ب فَقَطْ: رِيَاحِ.
(5/246)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ: أَتَكْفُرُ بِرَبٍّ آمَنَ بِهِ عُثْمَانُ؟ وَحَدَّثَهُ بِمَا يُبَيِّنَ بُطْلَانَ ذَلِكَ الْقَوْلِ. فَيَكُونُ عَمَّارٌ: إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ حِينَ بَيَّنَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ (1) قَوْلٌ بَاطِلٌ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُكَفِّرُوا الْخَوَارِجَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَهُمْ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (2) يُصَلُّونَ (3) خَلَفَ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ، وَكَانُوا أَيْضًا يُحَدِّثُونَهُمْ وَيُفْتُونَهُمْ وَيُخَاطِبُونَهُمْ، كَمَا يُخَاطِبُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يُجِيبُ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسَائِلَ، وَحَدِيثُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (4) . وَكَمَا أَجَابَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ عَنْ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ (5) ، وَكَانَ نَافِعٌ يُنَاظِرُهُ فِي أَشْيَاءَ بِالْقُرْآنِ، كَمَا يَتَنَاظَرُ الْمُسْلِمَانِ.
وَمَا زَالَتْ سِيرَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا، مَا جَعَلُوهُمْ مُرْتَدِّينَ كَالَّذِينَ
_________
(1) ر، ح، ب، ن، م: حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ.
(2) مِنَ الصَّحَابَةِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(3) ح، ب: كَانُوا يُصَلُّونَ.
(4) ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ 3/1444 - 1445 كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ ط. الْمَعَارِفِ الْأَرْقَامَ: 1967، 2235، 685، 2812، 2943 وَذَكَرَ أَحْمَدُ شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالشَّوْكَانِيِّ، وَلَمْ أَعْرِفْ مَكَانَ الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ.
(5) ذَكَرَ سَزْكِينُ فِي مَوْضِعَيْنِ م [0 - 9] ، جـ[0 - 9] ص [0 - 9] 30 م [0 - 9] ، ج [0 - 9] ص [0 - 9] : أَنَّ نَجْدَةَ بْنَ عَامِرٍ الْحَرُورِيَّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 69 كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فِقْهِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ أَشَارَ سَزْكِينُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ ذُكِرَتْ فِي الْأَنْسَابِ لِلْبَلَاذُرِيِّ 1/715 وَلِسَانِ الْمِيزَانِ لِابْنِ حَجَرٍ 6/148 وَإِنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَيْنَا قِسْمٌ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاسَلَاتِ فِي الْمُدَوَّنَةِ 3/6، كَمَا كَتَبَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ انْظُرِ الْعِلَلَ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ 1/307.
(5/247)

قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. هَذَا مَعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِتَالِهِمْ (1) فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُمْ " «شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتِيلٍ (2) مَنْ قَتَلُوهُ» " فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ (3) . أَيْ أَنَّهُمْ شَرٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ شَرًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ: لَا الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي قَتْلِ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يُوَافِقُهُمْ، مُسْتَحِلِّينَ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ، مُكَفِّرِينَ لَهُمْ، وَكَانُوا مُتَدَيِّنِينَ بِذَلِكَ لِعَظْمِ جَهْلِهِمْ وَبِدْعَتِهِمُ الْمُضِلَّةِ.
وَمَعَ هَذَا فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ، وَلَا جَعَلُوهُمْ مُرْتَدِّينَ، وَلَا اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، بَلِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيهِمْ، وَسَارُوا فِيهِمُ السِّيرَةِ الْعَادِلَةِ. وَهَكَذَا سَائِرُ فِرَقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ مِنَ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ; وَغَيْرِهِمْ فَمَنْ كَفَّرَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَبْعِينَ فِرْقَةً
_________
(1) مَعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِمْ: كَذَا فِي (ح) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَعَ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِقِتَالِهِمْ.
(2) ن، م، و، أ: قَتْلَى.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/294 كِتَابُ التَّفْسِيرِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَنَصُّهُ: عَنْ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: رَأَى أَبُو أُمَامَةَ رُءُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) إِلَى آخَرَ الْآيَةِ. قُلْتُ لِأَبِي أُمَامَةَ: أَنْتِ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/62 الْمُقَدِّمَةُ، بَابٌ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ الْمُسْنِدَ ط. الْحَلَبِيِّ 5/253، 256 مُطَوَّلًا.
(5/248)

كُلَّهُمْ فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَبْعِينَ فِرْقَةً لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ لَكِنْ حَسَّنَهُ غَيْرُهُ أَوْ صَحَّحَهُ، كَمَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ (1) .
وَلَيْسَ قَوْلُهُ: " «ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» " بِأَعْظَمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 10] وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 30] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ بِدُخُولِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّارَ.
_________
(1) تَكَلَّمْتُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُقَدِّمَةِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ ص [0 - 9] 2 مِنَ الطَّبْعَةِ الْأَوْلَى، وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ حَدِيثٍ رَقْمِ 203 كَلَامًا مُفَصَّلًا، وَالْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/276 كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ شَرْحِ السُّنَّةِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 4/134 - 135 كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ افْتِرَاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 2/1321 كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 16/169 وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ شَاكِر وَأَشَارَ إِلَى تَصْحِيحِ السُّيُوطِيِّ لَهُ، الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ 1/128 وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ الْحَدِيثِ رَقْمِ 204 وَانْظُرْ: سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ 4/276 - 277 سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 4/135، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 2/1322 سُنَنَ الدَّارِمِيِّ 2/241، كِتَابُ السِّيَرِ، بَابٌ فِي افْتِرَاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، الْمُسْتَدْرَكَ، لِلْحَاكِمِ 1/128 الْمَسْنَدَ ط. الْحَلَبِيِّ 3/145، وَانْظُرْ إِلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الْحَدِيثِ فِي الْفِصَلِ 3/292
(5/249)

وَمَعَ هَذَا فَلَا نَشْهَدُ لِمُعَيَّنٍ بِالنَّارِ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ تَابَ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ مَحَتْ سَيِّئَاتَهُ، أَوْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَصَائِبَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلِ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، الَّذِي قَصَدَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، إِذَا أَخْطَأَ وَلَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَعْذِرَهُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْمُتَعَمِّدِ الْعَالِمِ بِالذَّنْبِ ; فَإِنَّ هَذَا عَاصٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ بِلَا رَيْبٍ، وَأَمَّا ذَلِكَ فَلَيْسَ مُتَعَمِّدًا لِلذَّنَبِ بَلْ هُوَ مُخْطِئٌ، وَاللَّهُ قَدْ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.
وَالْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا تَكُونُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرًا مِمَّنْ لَمْ يُعَاقَبُ، كَمَا يُعَاقَبُ الْمُسْلِمُ الْمُتَعَدِّي لِلْحُدُودِ، وَلَا يُعَاقَبُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَالْمُسْلِمُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْهُمْ.
وَأَيْضًا فَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ يَبْقَى صَاحِبُ هَوًى يَعْمَلُ لِهَوَاهِ لَا دِيَانَةً، وَيَصْدُرُ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي يُخَالِفُهُ هَوَاهُ، فَهَذَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ عَلَى هَوَاهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَنْ فَسَقَ مِنَ السَّلَفِ الْخَوَارِجِ وَنَحْوَهُمْ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ - الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 26 - 27] فَقَدْ يَكُونُ هَذَا قَصَدَهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَكَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ (1) الرِّيَاسَةَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ قَدْ يُقَاتِلُهُمْ شَجَاعَةً وَحَمِيَّةً وَرِيَاءً، وَذَلِكَ لَيْسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِأَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُخَاصِمُونَ وَيُقَاتِلُونَ
_________
(1) أ، ب: فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ.
(5/250)

عَلَيْهَا؟ فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ شَجَاعَةً وَحَمِيَّةً، وَرُبَّمَا يُعَاقَبُونَ لَمَّا اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللَّهِ، لَا لِمُجَرَّدِ (1) الْخَطَأِ الَّذِي اجْتَهَدُوا فِيهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَأَنْ أَتَكَلَّمَ فِي عِلْمٍ يُقَالُ لِي فِيهِ: أَخْطَأْتَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِي عِلْمٍ يُقَالُ لِي فِيهِ: كَفَرْتَ ". فَمِنْ عُيُوبِ أَهْلِ الْبِدَعِ تَكْفِيرُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمِنْ مَمَادِحِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ يُخَطِّئُونَ وَلَا يُكَفِّرُونَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِكَفْرٍ كُفْرًا، [وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا] (2) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ وَسَبٌّ لِلْخَالِقِ، وَالْآخَرُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ هَذَا الْعَالِمُ بِحَالِهِ يَكْفُرُ إِذَا قَالَهُ، أَنْ يَكْفُرَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ.
وَالنَّاسُ لَهُمْ فِيمَا يَجْعَلُونَهُ (3) كُفْرًا طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ (4) ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْكُفْرُ تَكْذِيبُ مَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ، ثُمَّ النَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْكُفْرُ هُوَ الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ قَدْ يُجْعَلُ الْجَهْلُ بِالصِّفَةِ كَالْجَهْلِ بِالْمَوْصُوفِ وَقَدْ لَا يَجْعَلُهَا، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحُدُّهُ بِحَدٍّ، بَلْ كُلُّ مَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ جَعَلَهُ كُفْرًا، إِلَى طُرُقٍ أُخَرَ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْكُفْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالرِّسَالَةِ، فَتَكْذِيبُ الرَّسُولِ كُفْرٌ، وَبُغْضُهُ
_________
(1) لِمُجَرَّدِ: كَذَا فِي (أ) ، (و) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ بِمُجَرَّدِ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) ح، ر: يَجْعَلُونَ.
(4) مُتَعَدِّدَةٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5/251)

وَسَبُّهُ وَعَدَاوَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ فِي الْبَاطِنِ كُفْرٌ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَسَائِرِ الطَّوَائِفِ، إِلَّا الْجَهْمَ وَمَنْ وَافَقَهُ كَالصَّالِحِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هَذَا كُفْرٌ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا إِلَّا إِذَا اسْتَلْزَمَ الْجَهْلَ، بِحَيْثُ (1) لَا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالرَّبِّ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ لَا يَتَفَاضَلُ، وَلَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ بَعْضٌ مِنَ الْإِيمَانِ. وَهُوَ خِلَافُ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَخِلَافُ الْوَاقِعِ، وَلِبَسْطِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ تَابَ مِنْ أَهَّلِ الْبِدَعِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ مُتَعَلِّقًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ، فَيَجِبُ أَنَّ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْبَابِ (2) قَاصِدًا لِوَجْهِ اللَّهِ، مُتْبِعًا لِرَسُولِهِ، لِيَكُونَ عَمَلُهُ خَالِصًا صَوَابًا.
قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 111 - 112] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 125] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنَى الْآيَةِ: أَخْلَصَ دِينَهُ وَعَمَلَهُ (3) لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي عَمَلِهِ.
_________
(1) ن: حَتَّى.
(2) ح، ب: فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْبَابِ.
(3) وَعَمَلَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ ن، فَقَطْ.
(5/252)

وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 20] أَخْلَصْتُ عَمَلِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي إِلَى اللَّهِ. وَهُوَ كَمَا قَالُوا، كَمَا قَدْ ذُكِرَ تَوْجِيهُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى يَدُورُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَعِبَادَتُهُ فِعْلُ مَا أَمَرَ، وَتَرْكُ مَا حَظَرَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ إِخْلَاصُ الدِّينِ وَالْعَمَلُ لِلَّهِ. وَالثَّانِي هُوَ الْإِحْسَانُ، وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا ".
وَهَذَا هُوَ الْخَالِصُ الصَّوَابُ، كَمَا قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فِي قَوْلِهِ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [سُورَةُ هُودٍ: 7] . قَالَ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قَالُوا: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: إِنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ: حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا. وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ.

وَالْأَمْرُ بِالسُّنَّةِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْبِدْعَةِ هُوَ (1) أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْأَمْرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلِيمًا (2) بِمَا يَأْمُرُ بِهِ ; عَلِيمًا (3) بِمَا يَنْهَى عَنْهُ، رَفِيقًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، [رَفِيقًا فِيمَا
_________
(1) ح، ب: هُمَّا.
(2) ح، ب: عَالِمًا.
(3) ح، ب: عَالِمًا.
(5/253)

يَنْهَى عَنْهُ] (1) ، حَلِيمًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، حَلِيمًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ» " (2) . فَالْعِلْمُ قَبْلَ الْأَمْرِ، وَالرِّفْقُ مَعَ الْأَمْرِ، وَالْحِلْمُ بَعْدَ (3) الْأَمْرِ ; فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْفُوَ مَا (4) لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَلَمْ يَكُنْ رَفِيقًا، كَانَ كَالطَّبِيبِ الَّذِي لَا رِفْقَ فِيهِ، فَيُغْلِظُ عَلَى الْمَرِيضِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَكَالْمُؤَدِّبِ الْغَلِيظِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنْهُ الْوَلَدُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [سُورَةُ طه: 44] .
ثُمَّ إِذَا أَمَرَ وَنَهَى (5) فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْذَى فِي الْعَادَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ وَيَحْلُمَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سُورَةُ: لُقْمَانَ 17] .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ إِمَامُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ لِلَّهِ، وَقَصْدُهُ طَاعَةَ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ (6) . وَهُوَ يُحِبُّ صَلَاحَ الْمَأْمُورِ، أَوْ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ لِنَفْسِهِ وَلِطَائِفَتِهِ، وَتَنْقِيصِ غَيْرِهِ كَانَ ذَلِكَ حَمِيَّةً (7) لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِطَلَبِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ كَانَ عَمَلُهُ حَابِطًا. ثُمَّ إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأُوذِيَ (8) أَوْ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(2) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ.
(3) أ، ب: مَعَ.
(4) ح، ر: فِيمَا.
(5) ح، ر، ب: أَوْ نَهَى.
(6) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (ح) ، (ب) ، (ر) : فِيمَا أَمَرَ بِهِ.
(7) ح، ب، ر: خَطِيئَةً.
(8) ح، ب: أَوْ أُوذِيَ.
(5/254)

نُسِبَ إِلَى أَنَّهُ مُخْطِئٌ وَغَرَضُهُ فَاسِدٌ، طَلَبَتْ نَفْسُهُ الِانْتِصَارَ لِنَفْسِهِ، وَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ، فَكَانَ مَبْدَأُ عَمَلِهِ لِلَّهِ، ثُمَّ صَارَ لَهُ هَوًى يَطْلُبُ بِهِ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى مَنْ آذَاهُ، وَرُبَّمَا اعْتَدَى عَلَى ذَلِكَ الْمُؤْذِي.
وَهَكَذَا يُصِيبُ أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ، وَأَنَّهُ عَلَى السُّنَّةِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ قَدْ صَارَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ هَوًى أَنْ يَنْتَصِرَ جَاهُهُمْ أَوْ رِيَاسَتُهُمْ وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِمْ، لَا يَقْصِدُونَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، بَلْ يَغْضَبُونَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَعْذُورًا لَا يَغْضَبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَرْضَوْنَ عَمَّنْ يُوَافِقُهُمْ (1) ، وَإِنَّ كَانَ جَاهِلًا سَيِّئَ الْقَصْدِ، لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا حُسْنُ قَصْدٍ، فَيُفْضِي هَذَا إِلَى أَنْ يَحْمَدُوا مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَيَذِمُّوا مَنْ لَمْ يَذِمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَتَصِيرُ مُوَالَاتُهُمْ وَمُعَادَاتُهُمْ عَلَى أَهْوَاءِ أَنْفُسِهِمْ لَا عَلَى دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَهَذَا حَالُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَطْلُبُونَ إِلَّا أَهْوَاءَهُمْ، وَيَقُولُونَ: هَذَا صَدِيقُنَا وَهَذَا عَدُوُّنَا، وَبِلُغَةُ الْمُغْلِ: هَذَا بَالٍ، هَذَا بَاغٍ، لَا يَنْظُرُونَ إِلَى مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمُعَادَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمِنْ هُنَا تَنْشَأُ الْفِتَنُ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 39] ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَكَانَتْ فِتْنَةٌ.
وَأَصْلُ الدِّينِ أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ لِلَّهِ، وَالْبُغْضُ لِلَّهِ، وَالْمُوَالَاةُ لِلَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ لِلَّهِ، وَالْعِبَادَةُ لِلَّهِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ، وَالْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّجَاءُ
_________
(1) ح، ب: عَمَّنْ كَانَ يُوَافِقُهُمْ ; و: عَمَّنْ وَافَقَهُمْ.
(5/255)

لِلَّهِ، وَالْإِعْطَاءُ لِلَّهِ، وَالْمَنْعُ لِلَّهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بِمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ، الَّذِي أَمْرُهُ أَمْرُ اللَّهِ، وَنَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وَمُعَادَاتُهُ مُعَادَاةُ اللَّهِ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةُ اللَّهِ، وَمَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ.
وَصَاحِبُ الْهَوَى يُعْمِيهِ الْهَوَى وَيُصِمُّهُ، فَلَا يَسْتَحْضِرُ مَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَطْلُبُهُ، وَلَا يَرْضَى لِرِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَغْضَبُ لِغَضَبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَرْضَى إِذَا حَصَلَ مَا يَرْضَاهُ بِهَوَاهُ، وَيَغْضَبُ إِذَا حَصَلَ مَا يَغْضَبُ لَهُ بِهَوَاهُ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَعَهُ شُبْهَةُ دِينٍ: أَنَّ الَّذِي يَرْضَى لَهُ وَيَغْضَبُ لَهُ أَنَّهُ (1) السُّنَّةُ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ الدِّينُ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ هُوَ الْحَقُ الْمَحْضُ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، بَلْ قَصَدَ الْحَمِيَّةَ لِنَفْسِهِ وَطَائِفَتِهِ أَوِ الرِّيَاءَ، لِيُعَظَّمَ هُوَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ شَجَاعَةً وَطَبْعًا، أَوْ لِغَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الَّذِي يَدَّعِي الْحَقَّ وَالسُّنَّةَ هُوَ كَنَظِيرِهِ، مَعَهُ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ، وَمَعَ خَصْمِهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ؟ .
وَهَذَا حَالُ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، وَكَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَفَسَّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ - وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: 4 - 5] .
وَقَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 213] ، يَعْنِي:
_________
(1) ح، ب، و، ر، أ: هُوَ.
(5/256)

فَاخْتَلَفُوا، كَمَا فِي سُورَةِ يُونُسَ، وَكَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْكُفْرِ (1) . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [سُورَةُ يُونُسَ: 19] فَذَمَّهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَقًّا.
وَالِاخْتِلَافُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَذْمُومًا، كَقَوْلِهِ: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 176] .
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، كَقَوْلِهِ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}
_________
(1) انْظُرْ " تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ " (ط. الشَّعْبِ) لِلْآيَةِ 1/364 - 365 وَفِيهِ: ". . عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، قَالَ: كَانُوا عَلَى الْهُدَى جَمِيعًا، (فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) فَكَانَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ نُوحًا، وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوَّلًا، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) يَقُولُ: كَانُوا كُفَّارًا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ سَنَدًا وَمَعْنًى، لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حَتَّى عَبَدُوا الْأَصْنَامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ.
(5/257)

[سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 253] . لَكِنْ إِذَا أُطْلِقَ الِاخْتِلَافُ فَالْجَمِيعُ مَذْمُومٌ كَقَوْلِهِ: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ} خَلَقَهُمْ [سُورَةُ هُودٍ: 118 - 119] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» ". (1)
وَلِهَذَا فَسَّرُوا الِاخْتِلَافَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَنَّهُ كُلَّهُ مَذْمُومٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: فِي اخْتِلَافِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كُفْرُ بَعْضِهِمْ بِكِتَابِ بَعْضٍ، وَالثَّانِي: تَبْدِيلُ مَا بَدَّلُوا. وَهُوَ كَمَا قَالَ ; فَإِنَّ الْمُخْتَلِفِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَكُونُ مَعَهُ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَيَكْفُرُ بِالْحَقِّ الَّذِي مَعَ الْآخَرِ، وَيُصَدِّقُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي مَعَهُ، وَهُوَ تَبْدِيلُ مَا بُدَّلَ.
فَالِاخْتِلَافُ لَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَ النَّوْعَيْنِ. وَلِهَذَا ذَكَرَ كُلٌّ مِنَ السَّلَفِ أَنْوَاعًا (2) مِنْ هَذَا: أَحَدُهَا: الِاخْتِلَافُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ، فَالْيَوْمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ يَوْمُ (3) الْجُمُعَةِ، فَعَدَلَتْ عَنْهُ الطَّائِفَتَانِ ; فَهَذِهِ أَخَذَتِ السَّبْتَ، وَهَذِهِ أَخَذَتِ الْأَحَدَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/534
(2) أَنْوَاعًا: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ نَوْعًا.
(3) يَوْمُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(5/258)

بَعْدِهِمْ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، النَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى» " (1) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ يُطَابِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 203] .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: " اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» " (2)
وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - هَدَى الْمُؤْمِنِينَ لِغَيْرِ مَا كَانَ فِيهِ الْمُخْتَلِفُونَ ; فَلَا كَانُوا مَعَ هَؤُلَاءِ وَلَا مَعَ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كُلَّهُ مَذْمُومٌ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْقِبْلَةُ. فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَشْرِقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ. وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ.
وَالثَّالِثُ: إِبْرَاهِيمُ. قَالَتِ الْيَهُودُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى كَانَ
_________
(1) جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ: " حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ " الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي: الْبُخَارِيِّ 2/2، 6 كِتَابُ الْجُمُعَةِ، بَابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ، بَابُ هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، 4/177 كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، مُسْلِمٍ 2/585 - 586 كِتَابُ الْجُمُعَةِ، بَابُ هِدَايَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، الْمُسْنَدِ ط. الْمَعَارِفِ الْأَرْقَامُ 7213، 7308، 7395، 8484، 10537 وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ أَيْضًا.
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيث فِيمَا مَضَى 1/19
(5/259)

نَصْرَانِيًّا. وَكِلَاهُمَا كَانَ مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 67] .
وَالرَّابِعُ: عِيسَى. جَعَلَتْهُ الْيَهُودُ لِغَيَّةً (1) ، وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا.
وَالْخَامِسُ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ. آمَنَ هَؤُلَاءِ بِبَعْضٍ، وَهَؤُلَاءِ بِبَعْضٍ.
وَالسَّادِسُ: الدِّينُ. أَخَذَ هَؤُلَاءِ بِدِينٍ، وَهَؤُلَاءِ بِدِينٍ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 113] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ قَالَ: اخْتَصَمَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتِ الْيَهُودُ: لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَكَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ وَعِيسَى. وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، وَكَفَرُوا بِالتَّوْرَاةِ وَمُوسَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي قَبْلَهَا» (2) .
وَاخْتِلَافُ أَهْلِ الْبِدَعِ هُوَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ ; فَالْخَارِجِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ الشِّيعِيُّ عَلَى شَيْءٍ. وَالشِّيعِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ الْخَارِجِيُّ عَلَى شَيْءٍ. وَالْقَدَرِيُّ النَّافِي يَقُولُ: لَيْسَ الْمُثْبِتُ عَلَى شَيْءٍ. وَالْقَدَرِيُّ الْجَبْرِيُّ الْمُثْبِتُ يَقُولُ: لَيْسَ النَّافِي عَلَى شَيْءٍ. وَالْوَعِيدِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَتِ الْمُرْجِئَةُ عَلَى شَيْءٍ. وَالْمُرْجِئَةُ تَقُولُ: لَيْسَتِ الْوَعِيدِيَّةُ عَلَى شَيْءٍ.
بَلْ وَيُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ
_________
(1) ح: ابْنُ بَغِيَّةٍ، ر: بَغِيَّةً.
(2) انْظُرْ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ 1/223 - 224؛ زَادَ الْمَسِيرِ 1/133
(5/260)

الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ. فَالْكُلَّابِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ الْكَرَّامِيُّ عَلَى شَيْءٍ. وَالْكَرَّامِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ الْكُلَّابِيُّ عَلَى شَيْءٍ. وَالْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ السَّالِمِيُّ عَلَى شَيْءٍ. وَالسَّالِمِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى شَيْءٍ.
وَيُصَنِّفُ (1) السَّالِمِيُّ كَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ كِتَابًا فِي مَثَالِبِ الْأَشْعَرِيِّ (2) وَيُصَنِّفُ (3) الْأَشْعَرِيُّ كَابْنِ عَسَاكِرَ كِتَابًا يُنَاقِضُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَذَكَرَ فِيهِ مَثَالِبَ السَّالِمِيَّةِ (4) .
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهَا، لَا سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ قَدْ تَلَبَّسَ بِبَعْضِ الْمَقَالَاتِ الْأُصُولِيَّةِ، وَخَلَطَ هَذَا بِهَذَا فَالْحَنْبَلِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيُّ يَخْلِطُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ شَيْئًا مِنْ أُصُولِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَيُضِيفُهُ إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيُّ يَخْلِطُ بِمَذَاهِبِ أَبِي حَنِيفَةَ شَيْئًا مِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ، وَيُضِيفُهُ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَهَذَا مِنْ جِنْسِ الرَّفْضِ وَالتَّشَيُّعِ، لَكِنَّهُ تَشَيُّعٌ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الطَّوَائِفِ وَالْعُلَمَاءِ، لَا تَشَيُّعٌ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
_________
(1) ح، ب: وَصَنَّفَ.
(2) ذَكَرَ هَذَا الْكِتَابَ سَزْكِينُ م [0 - 9] ج [0 - 9] ص [0 - 9] 6 وَمُؤَلِّفُهُ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَهْوَازِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 446، وَذَكَرَ سَزْكِينُ أَنَّهُ تُوجَدُ نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِيَّةِ بِدِمَشْقَ.
(3) ب فَقَطْ: وَصَنَّفَ.
(4) وَهُوَ كِتَابُ تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، لِأَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 571، وَطُبِعَ الْكِتَابُ بِدِمَشْقَ عَامَ 1347.
(5/261)

وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ قَصْدِهِ تَوْحِيدَ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ، يَدُورُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَّبِعُهُ أَيْنَ وَجَدَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ هُمُ الصَّحَابَةُ، فَلَا يَنْتَصِرُ لِشَخْصٍ انْتِصَارًا مُطْلَقًا عَامًّا، إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِطَائِفَةٍ انْتِصَارًا مُطْلَقًا عَامًّا، إِلَّا لِلصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. فَإِنَّ الْهُدَى يَدُورُ مَعَ الرَّسُولِ حَيْثُ دَارَ، وَيَدُورُ مَعَ أَصْحَابِهِ دُونَ أَصْحَابِ غَيْرِهِ حَيْثُ دَارُوا ; فَإِذَا أَجْمَعُوا لَمْ يُجْمِعُوا (1) عَلَى خَطَأٍ قَطُّ، بِخِلَافِ أَصْحَابِ عَالِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يُجْمِعُونَ (2) عَلَى خَطَأٍ، بَلْ كُلُّ قَوْلٍ قَالُوهُ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ (3) لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً ; فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ (4) لَيْسَ مُسَلَّمًا إِلَى عَالِمٍ وَاحِدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ نَظِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ الرَّافِضَةِ فِي الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ (5) بِهِ الرَّسُولَ، قَبْلَ وُجُودِ الْمَتْبُوعِينَ الَّذِينَ تُنْسَبُ إِلَيْهِمُ الْمَذَاهِبُ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِحَقٍّ يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإِنَّ كُلَّ مَا خَالَفَ الرَّسُولَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ عَلِمَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ مَا يُخَالِفُ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - إِنْ
_________
(1) ح، ب: اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا، ر: أَجْمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا.
(2) ح، ر، و، أ، ب: يَجْتَمِعُونَ.
(3) ب فَقَطْ: مِنَ الْأَئِمَّةِ.
(4) ن، م: رُسُلَهُ.
(5) اللَّهُ: فِي (ح) ، (ب) فَقَطْ
(5/262)

كَانَ حَقًّا - مَأْخُوذًا عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، مَوْجُودًا فِيمَنْ قَبْلَهُ، وَكُلُّ قَوْلٍ قِيلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، مُخَالِفٌ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَلْ قَالُوا خِلَافَهُ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَ أَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ، وَجَاءَهُمُ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَغْيًا. وَلِهَذَا ذَمَّهُمُ اللَّهُ وَعَاقَبَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ مُخْطِئِينَ (1) ، بَلْ كَانُوا قَاصِدِينَ الْبَغْيَ، عَالِمِينَ بِالْحَقِّ، [مُعْرِضِينَ عَنِ الْقَوْلِ وَعَنِ الْعَمَلِ بِهِ] (2) .
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 19] قَالَ الزَّجَّاجُ: اخْتَلَفُوا لِلْبَغْيِ لَا لِقَصْدِ الْبُرْهَانِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [سُورَةُ يُونُسَ: 93] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ - وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ - إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ - ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ - هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 16 - 20] .
_________
(1) ن: مُخْلِصِينَ.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) .
(5/263)

فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ مِنَ الْقُرْآنِ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ مَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ وَالْبَيِّنَاتُ، فَاخْتَلَفُوا لِلْبَغْيِ وَالظُّلْمِ، لَا لِأَجْلِ اشْتِبَاهِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ مَنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كُلِّهِمْ ; لَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُمُ (1) الْحَقُّ ; وَيَجِيئَهُمُ، الْعِلْمُ (2) فَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. ثُمَّ الْمُخْتَلِفُونَ الْمَذْمُومُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَبْغِي عَلَى الْآخَرِ، فَيُكَذِّبُ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ حَقٌّ، وَيُصَدِّقُ بِمَا مَعَ نَفْسِهِ مِنَ الْبَاطِلِ، مَعَ الْعِلْمِ (3) أَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَذْمُومُونَ. وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ (4) كُلُّهُمْ مَذْمُومِينَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; فَإِنَّهُ مَا مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ خَالَفَ حَقًّا وَاتَّبَعَ بَاطِلًا. وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الرُّسُلَ أَنْ تَدْعُوَ إِلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وَهُوَ دِينُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [سُورَةُ الشُّورَى: 13] .
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: 51 - 53]
_________
(1) لَهُمْ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(2) الْعِلْمُ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(3) أ، ب: مَعَ عِلْمِهِ.
(4) الْمُطْلَقُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(5/264)

أَيْ كُتُبًا، اتَّبَعَ كُلُّ قَوْمٍ كِتَابًا مُبْتَدَعًا غَيْرَ كِتَابِ اللَّهِ فَصَارُوا مُتَفَرِّقِينَ مُخْتَلِفِينَ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ لَيْسُوا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي هِيَ الْإِسْلَامُ الْمَحْضُ، الَّذِي هُوَ إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ، الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: 5] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [سُورَةُ الرُّومِ: 30 - 32] ، فَنَهَاهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، وَأَعَادَ حَرْفَ " مِنْ " لِيُبَيِّنَ أَنَّ الثَّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَالْبَدَلُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ، وَمَا قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [سُورَةُ هُودٍ: 110] إِلَى قَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [سُورَةُ هُودٍ: 18 - 119] فَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَا يَخْتَلِفُونَ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمُ الْإِسْلَامُ. كَمَا قَالَ - تَعَالَى - عَنْ نُوحٍ: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سُورَةُ النَّمْلِ: 91] ، وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ:
(5/265)

{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 131 - 132] ، وَقَالَ يُوسُفُ: {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [سُورَةُ يُوسُفَ: 101] . {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [سُورَةُ يُونُسَ: 84] ، وَقَالَ عَنِ السَّحَرَةِ: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 126] .
وَقَالَ عَنْ بِلْقِيسَ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ النَّمْلِ: 44] .
وَقَالَ: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 44] . وَقَالَ: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 111] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ» " (1) . وَتَنَوُّعُ الشَّرَائِعِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ وَاحِدًا وَهُوَ
_________
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ 4/167 كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ بَابُ " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَخَوَاتُ عَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ "، وَرَوَى حَدِيثًا آخَرَ يُقَارِبُهُ، فِي اللَّفْظِ فِي نَفْسِ الصَّفْحَةِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ فِي صَحِيحِهِ 4/1837 كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " (ط. السَّلَفِيَّةِ) ، 6/489 وَالْعَلَّاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الضَّرَائِرُ وَأَصْلُهُ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى كَأَنَّهُ عَلَّ مِنْهَا، وَالْعَلَلُ، الشُّرْبُ بَعْدَ الشُّرْبِ، وَأَوْلَادُ الْعَلَّاتِ الْإِخْوَةُ مِنَ الْأَبِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَالْحَدِيثُ بِمَعْنَاهُ فِي: " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " 4/302 كِتَابُ السُّنَّةِ بَابٌ: فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، " الْمُسْنَدِ " (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/319، 406، 463، 482، 541 تَرْتِيبُ مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ 2/84.
(5/266)

الْإِسْلَامُ، كَالدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَكَانَتِ الْقِبْلَةُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَارَتِ الْقِبْلَةُ الْكَعْبَةَ، وَفِي كِلَا الْحَالَيْنِ الدِّينُ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ.
فَهَكَذَا سَائِرُ مَا شُرِعَ لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَنَا. وَلِهَذَا حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ الْحَقَّ فِي الْقُرْآنِ جَعَلَهُ وَاحِدًا، وَجَعَلَ الْبَاطِلَ مُتَعَدِّدًا.
كَقَوْلِهِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 153] .
وَقَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: 6 - 7] .
وَقَوْلِهِ: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 121] .
وَقَوْلِهِ: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [سُورَةُ الْفَتْحِ: 2] .
وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 257] .
وَهَذَا يُطَابِقُ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمُطْلَقَ كُلَّهُ مَذْمُومٌ، بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 253] . فَهَذَا قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَمَا قَالَ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [سُورَةُ الْحَجِّ: 19] .
(5/267)

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (1) أَنَّهَا نَزَلَتِ فِي الْمُقْتَتِلِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: فِي حَمْزَةَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيٍّ ابْنِ عَمِّهِ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ عَمِّهِ (2) ، وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَارَزَهُمْ: عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ (3) .
وَقَدْ تَدَبَّرْتُ كُتُبَ الِاخْتِلَافِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مَقَالَاتُ النَّاسِ إِمَّا نَقْلًا مُجَرَّدًا، مِثْلَ كِتَابِ الْمَقَالَاتِ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَكِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ لِلشَّهْرِسْتَانِيِّ، وَلِأَبِي عِيسَى الْوَرَّاقِ، أَوْ مَعَ انْتِصَارٍ لِبَعْضِ الْأَقْوَالِ، كَسَائِرِ مَا صَنَّفَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ فَرَأَيْتُ عَامَّةَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمَذْمُومِ. وَأَمَّا الْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ فَلَا يُوجَدُ فِيهَا فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ، بَلْ يَذْكُرُ أَحَدُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ، وَالْقَوْلُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا يَذْكُرُونَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَذْكُرُونَهُ، بَلْ لَا يَعْرِفُونَهُ.
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَذُمُّونَ هَذَا الْكَلَامَ. وَلِهَذَا يُوجَدُ الْحَاذِقُ
_________
(1) فِي الصَّحِيحَيْنِ: كَذَا فِي (ح) ، (ر) ، (و) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: فِي الصَّحِيحِ.
(2) ح، ب: وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ ابْنَيْ عَمَّيْهِ.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ: الْبُخَارِيِّ 6/98 كِتَابُ التَّفْسِيرِ سُورَةُ الْحَجِّ مُسْلِمٍ 4/2323 كِتَابُ التَّفْسِيرِ، بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ 5/401
(5/268)

مِنْهُمُ الْمُنْصِفُ (1) الَّذِي غَرَضُهُ الْحَقُّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ يُصَرِّحُ بِالْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ، إِذْ لَمْ يَجِدْ فِي الِاخْتِلَافَاتِ الَّتِي نَظَرَ فِيهَا وَنَاظِرٌ مَا هُوَ حَقٌّ مَحْضٌ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتْرُكُ الْجَمِيعَ وَيَرْجِعُ إِلَى دِينِ الْعَامَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَجَائِزُ وَالْأَعْرَابُ.
كَمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَقْتَ السِّيَاقِ: " لَقَدْ خُضْتُ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ، وَخَلَّيْتُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَعُلُومَهُمْ، وَدَخَلْتُ فِي الَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ. وَالْآنَ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْنِي رَبِّي بِرَحْمَتِهِ فَالْوَيْلُ لِابْنِ الْجُوَيْنِيِّ، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي ".
وَكَذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ فِي آخِرِ عُمْرِهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى الْوَقْفِ وَالْحَيْرَةِ، بَعْدَ أَنْ نَظَرَ فِيمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ طُرُقِ النُّظَّارِ: أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَسَلَكَ مَا تَبَيَّنَ (2) لَهُ مِنْ طُرُقِ الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالزُّهْدِ، وَفِي آخِرِ عُمْرِهِ اشْتَغَلَ بِالْحَدِيثِ: بِالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
وَكَذَلِكَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ (3) مِنْ أَخْبَرِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْمَقَالَاتِ وَالِاخْتِلَافِ، وَصَنَّفَ فِيهَا كِتَابَهُ الْمَعْرُوفَ بِنِهَايَةِ الْإِقْدَامِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَقَالَ (4) : " قَدْ (5) أَشَارَ عَلَيَّ (6) مَنْ إِشَارَتُهُ غُنْمٌ، وَطَاعَتُهُ حَتْمٌ، أَنْ أَذْكُرَ لَهُ مِنْ مُشْكِلَاتِ (7) الْأُصُولِ مَا أُشْكِلَ عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ (8) ، وَلَعَلَّهُ
_________
(1) ن، م، ر، و: الْمُصَنَّفُ، أ: الْمُتَّصِفُ.
(2) أ، ب: تَيَسَّرَ.
(3) كَانَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب) .
(4) ص 3 تَحْقِيقُ الفرد جيوم.
(5) نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ.
(6) نِهَايَةُ الْإِقْدَامِ: إِلَيَّ.
(7) نِهَايَةِ: أَنْ أَجْمَعَ لَهُ.
(8) نِهَايَةِ. . الْأُصُولِ، وَأَحِلَّ لَهُ مَا انْعَقَدَ مِنْ غَوَامِضِهَا عَلَى أَرْبَابِ الْعُقُولِ.
(5/269)

اسْتَسْمَنَ (1) ذَا وَرَمٍ، وَنَفَخَ فِي غَيْرِ ضَرَمٍ، لَعَمْرِي:
لَقَدْ طُفْتُ (2) الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سَنَّ نَادِمِ
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ إِلَّا حَائِرًا شَاكًّا وَمُرْتَابًا، أَوْ مَنِ اعْتَقَدَ ثُمَّ نَدِمَ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ. فَالْأَوَّلُ فِي الْجَهْلِ الْبَسِيطِ: كَظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، وَهَذَا دَخَلَ فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ جَهِلَ فَنَدِمَ، وَلِهَذَا تَجِدُهُ فِي الْمَسَائِلِ يَذْكُرُ أَقْوَالَ الْفِرَقِ وَحُجَجِهِمْ (3) ، وَلَا يَكَادُ يُرَجِّحُ شَيْئًا لِلْحَيْرَةِ.
وَكَذَلِكَ الْآمِدِيُّ، الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ وَالْحَيْرَةُ.
وَأَمَّا الرَّازِيُّ فَهُوَ فِي الْكِتَابِ الْوَاحِدِ، بَلْ فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ مِنْهُ، يَنْصُرُ قَوْلًا، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ أَوْ مِنْ كِتَابٍ آخَرَ يَنْصُرُ نَقِيضَهُ. وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى الْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ. وَلِهَذَا لَمَّا ذُكِرَ أَنَّ أَكْمَلَ الْعُلُومِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ (4) وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، ذُكِرَ أَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا إِشْكَالٌ (5) . وَقَدْ ذَكَرْتُ
_________
(1) نِهَايَةِ: الْعُقُولِ؛ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِي أَنَّي وَقَفْتُ عَلَى نِهَايَاتِ النَّظَرِ، وَفُزْتُ بِغَايَاتِ مَطَارِحِ الْفِكَرِ، وَلَعَلَّهُ اسْتَسْمَنَ. . .
(2) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي " نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ "، وَجَاءَتِ الْعِبَارَاتُ السَّابِقَةُ فِي دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، 1/159 وَذَكَرْتُ فِي تَعْلِيقِي هُنَاكَ فِي هَامِشِ (ص 2 ط) رَدَّ عَلَيْهِ الْفَقِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ - عَفَى اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ: لَعَلَّكَ أَهْمَلْتَ الطَّوَافَ بِمَعْهَدِ الرَّسُولِ وَمَنْ لَاقَاهُ مِنْ كُلِّ عَالِمِ. فَمَا حَارَ مَنْ يُهْدَى بِهَدْيِ مُحَمَّدٍ وَلَسْتَ تَرَاهُ قَارِعًا سَنَّ نَادِمِ
(3) ح، ر: أَقْوَالَهَا وَحُجَجَهُمْ، ب: أَقْوَالَ الْفِرَقِ وَحُجَجَهَا.
(4) و: فَقَالَ لَمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ، أ: وَلِهَذَا لَمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ.
(5) أ: ذُكِرَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مِنْهَا إِشْكَالٌ، ب، ح: ذُكِرَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهَا إِشْكَالٌ.
(5/270)

كَلَامَهُ، وَبَيَّنْتُ مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَؤُلَاءِ فِي مَوَاضِعَ.
فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْحَقِّ، وَخَلَقَ عِبَادَهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَمَنْ كَمَّلَ فِطْرَتَهُ بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَجَدَ الْهُدَى وَالْيَقِينَ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَنَاقَضْ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَفْسَدُوا فِطْرَتَهُمُ الْعَقْلِيَّةَ وَشِرْعَتَهُمُ السَّمْعِيَّةَ، بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالِاخْتِلَافِ، الَّذِي لَمْ يَهْتَدُوا مَعَهُ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ قَالَ: وَمَنِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى هَذَا الْبَابِ وَمَنِ الَّذِي ذَاقَ هَذَا (1) الشَّرَابَ.
نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالِمِينَ ضَلَالُ وَأَرْوَاحَنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مَنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا وَقَالَ (2) : " لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا. وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ ; اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ (3) : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سُورَةُ فَاطِرٍ: 10]
_________
(1) أ، ب: مِنْ هَذَا، وَكَذَا جَاءَ النَّصُّ فِي " دَرْءِ. . . " 1/160 وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّنِي لَمْ أَجِدْ هَذَا الْكَلَامَ، وَالْكَلَامُ التَّالِي فِيمَا بَيْنَ يَدِي مِنْ كُتُبِ الرَّازِيِّ الْمَطْبُوعَةِ أَوِ الْمَخْطُوطَةِ، وَأَنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَذْكُرُ أَنَّ الرَّازِيَّ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي كِتَابِهِ أَقْسَامِ اللَّذَّاتِ، وَهَذَا الْكِتَابُ مَخْطُوطٌ بِالْهِنْدِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ بروكلمان ضِمْنَ مُؤَلِّفَاتِ الرَّازِيِّ، وَذَكَرْتُ فِي تَعْلِيقِي عَلَى " دَرْءِ. . " أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَذْكُرُ هَذَا النَّصَّ كَثِيرًا فِي كُتُبِهِ، مِثْلَ مَجْمُوعِ فَتَاوَى الرِّيَاضِ 4/71 الْفُرْقَانِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ص 97 مِنْ مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ الْكُبْرَى ط. صُبَيْحٍ، مَعَارِجِ الْوُصُولِ، ص 185 مِنَ الْمَجْمُوعَةِ السَّابِقَةِ.
(2) وَقَالَ: فِي (ح) ، (ر) ، (ب) فَقَطْ.
(3) و، م: الْآيَاتِ: وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5/271)

، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سُورَةُ طه: 5] (1) وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سُورَةُ الشُّورَى: 11] (2) ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سُورَةُ طَه: 110] (3) وَمَنْ جَرَّبٍ مِثْلَ تَجْرِبَتِي، عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي ".
وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ بُحُوثِهِ فِي الطُّرُقِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ سِوَى أَنْ جَمَعَ قِيلَ وَقَالُوا، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهَا مَا يَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا يَرْوِي غَلِيلًا، فَإِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ كُتُبَهُ كُلَّهَا (4) لَمْ يَجِدْ فِيهَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ مُوَافِقَةً لِلْحَقِّ [الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ] (5) الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ، بَلْ يَذْكُرُ فِي الْمَسْأَلَةِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ، وَالْقَوْلُ الْحَقُّ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَذْكُرُهُ. وَهَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، لَيْسَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَلَا يَخْرُجُ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ: فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (6) .
وَهَؤُلَاءِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، بَلْ هُمْ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 176] .
_________
(1) وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، فِي (و) فَقَطْ: وَجَاءَ آيَةُ سُورَةِ طَه قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ فَاطِرٍ فِي " دَرْءِ. . . " 1/160.
(2) وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فِي (ح) ، (ر) ، (ب) فَقَطْ، وَلَيْسَتْ فِي " دَرْءِ. . ".
(3) فِي " دَرْءِ. . . " جَاءَتْ بَعْدَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ آيَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) .
(4) كُلَّهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (أ) .
(5) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(6) ح، ب، ر: فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، وَ: فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ.
(5/272)

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي خُطْبَةِ مُصَنَّفِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي مَحْبَسِهِ (1) فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِيمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ قَالَ (2) : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنَ الرُّسُلِ، بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى (3) ، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ وَالْعَمَى (4) ، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ تَائِهٍ ضَالٍّ (5) قَدْ (6) هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ، وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ (7) النَّاسِ عَلَيْهِمْ.
يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، الَّذِينَ عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبِدْعَةِ، وَأَطْلَقُوا عِنَانَ (8) الْفِتْنَةِ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُتَّفِقُونَ (9) عَلَى مُفَارَقَةِ الْكِتَابِ، (* يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ، وَفِي اللَّهِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ *) (10) ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُلَبِّسُونَ (11) عَلَيْهِمْ ".
_________
(1) ن: حَبْسِهِ.
(2) ص [0 - 9] 2 تَحْقِيقُ النَّشَّارِ، مَجْمُوعَةُ عَقَائِدِ السَّلَفِ، دَارُ الْمَعَارِفِ، الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، 1971، ص 85، تَحْقِيقُ د. عَبْدِ الرَّحْمَنْ عَمِيرَةْ، دَارُ اللِّوَاءِ الرِّيَاضُ 1397/1977.
(3) نُسْخَةُ النَّشَّارِ، وَ: يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى.
(4) ح: الضَّلَالِ وَالْعَمَى، وَسَقَطَتْ كَلِمَةُ الضَّلَالَةِ مِنَ النُّسْخَتَيْنِ الْمَطْبُوعَتَيْنِ.
(5) نُسْخَتَا النَّشَّارِ وَعَمِيرَةَ: ضَالٌّ تَائِهٌ.
(6) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(7) نُسْخَتَا الرَّدِّ: وَأَقْبَحَ أَثَرَ.
(8) نُسْخَتَا الرَّدِّ: عِقَالَ
(9) نُسْخَتَا الرَّدِّ: مُجْمِعُونَ.
(10) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و) .
(11) نُسْخَتَا الرَّدِّ: بِمَا يُشَبِّهُونَ.
(5/273)

وَهُوَ كَمَا وَصَفَهُمْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ; فَإِنَّ الْمُخْتَلِفِينَ أَهْلُ الْمَقَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ: إِمَّا نَقْلًا مُجَرَّدًا لِلْأَقْوَالِ، وَإِمَّا نَقْلًا وَبَحْثًا وَذِكْرًا لِلْجِدَالِ (1) مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يُوَافِقُ بَعْضًا وَيَرُدُّ بَعْضًا، وَيَجْعَلُ مَا يُوَافِقُ رَأْيَهُ هُوَ الْمُحْكَمُ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَمَا يُخَالِفُهُ (2) هُوَ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي يَجِبُ تَأْوِيلُهُ أَوْ تَفْوِيضُهُ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَنْ صَنَّفَ (3) فِي الْكَلَامِ وَذَكَرَ (4) النُّصُوصَ الَّتِي (5) يَحْتَجُّ (6) بِهَا وَيُحْتَجُّ بِهَا عَلَيْهِ ; تَجِدُهُ يَتَأَوَّلُ النُّصُوصَ الَّتِي تُخَالِفُ قَوْلَهُ تَأْوِيلَاتٍ لَوْ فَعَلَهَا غَيْرُهُ لَأَقَامَ الْقِيَامَةَ عَلَيْهِ، وَيَتَأَوَّلُ الْآيَاتِ بِمَا يَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُرِدْهُ، وَبِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَصْلًا (7) ، وَبِمَا هُوَ خِلَافُ (8) التَّفْسِيرِ الْمَعْرُوفِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَخِلَافُ نُصُوصٍ أُخْرَى.
_________
(1) ح: لِلْجَدَلِ.
(2) ن، م، و، أ: وَمَا خَالَفَهُ.
(3) فِي مَكَانِ عِبَارَةِ مَنْ صَنَّفَ بَيَاضٌ فِي (ح) ، (ر) ، وَفِي (أ) فِي كُلِّ مُصَنَّفٍ، وَفِي (ن) ، (م) فِي كُلِّ صِنْفٍ.
(4) وَذَكَرَ: كَذَا فِي (و) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَيَذْكُرُ.
(5) و: الَّذِي.
(6) عِبَارَةُ الَّتِي يَحْتَجُّ مَكَانَهَا بَيَاضٌ فِي (ح) ، (ر) .
(7) ح: لَمْ يُرِدْهُ وَبَعْدَهَا بَيَاضٌ بِمِقْدَارِ كَلِمَةِ الْعِلْمِ، وَبِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَصْلًا مِنَ الْجَهْلِ وَشَابَهَتْ (ر) ، نُسْخَةَ (ح) إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا بَيَاضٌ بَعْدَ عِبَارَةِ (لَمْ يُرِدْهُ وَفِي (أ) : لَمْ يُرِدْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَصْلًا وَفِي (ن) ، (م) ، (و) لَمْ يُرِدْهُ، وَمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ أَصْلًا، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ، وَبَعْدَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ يُوجَدُ كَلَامٌ اسْتَغْرَقَ حَوَالَيْ أَرْبَعَ صَفَحَاتٍ جَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فِي (ب) ، (ح) ، (ر) ، (أ) وَسَأُشِيرُ إِلَى مَكَانِهِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(8) ن، م: وَهُوَ خِلَافُ، ر، ب: وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافُ التَّفْسِيرِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ مَوْجُودَةٌ فِي (ب) فِي مُنْتَصَفِ الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ 3/70
(5/274)

وَلَوْ ذَكَرْتُ مَا أَعْرِفُهُ مِنْ ذَلِكَ لَذَكَرْتُ خَلْقًا، وَلَا اسْتَثْنِي أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ (1) : لَا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْبِدَعِ الْكِبَارِ مِنْ مُعْتَزِلِيٍّ وَرَافِضِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ كَرَّامِيٍّ وَأَشْعَرِيٍّ وَسَالِمِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهَا. هَذَا كُلُّهُ رَأَيْتُهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي بَحْثِهِمْ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَالْقُرْآنِ، وَمَسَائِلِ الْقَدَرِ، وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَالْإِيمَانِ (2) وَالْإِسْلَامِ، وَمَسَائِلِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ (3) فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِنَا غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ (4) " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " وَغَيْرِهِ. وَمِنْ أَجْمَعِ الْكُتُبِ الَّتِي رَأَيْتُهَا فِي مَقَالَاتِ النَّاسِ الْمُخْتَلِفِينَ (5) فِي أُصُولِ الدِّينِ كِتَابُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْمَقَالَاتِ وَتَفَاصِيلِهَا (6) مَا لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَذَكَرَ فِيهِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ بِحَسْبِ مَا فَهِمَهُ عَنْهُمْ. وَلَيْسَ فِي جِنْسِهِ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْهُ، وَمَعَ هَذَا نَفْسُ الْقَوْلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَقَالَ بِهِ الصَّحَابَةُ (7) وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ: فِي الْقُرْآنِ، وَالرُّؤْيَةِ (8) ،
_________
(1) وَ: مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ.
(2) أ، ب: الْأَسْمَاءِ وَأَحْكَامِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) و: وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(4) ح، ب: فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي كُتُبِنَا غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، و: فِي مَوَاضِعَ غَيْرِ هَذَا، وَسَقَطَ الْكَلَامُ فِي (و) ، بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: وَمِنْ أَجْمَعِ الْكُتُبِ.
(5) ن: فِي الْمَقَالَاتِ لِلنَّاسِ الْمُخْتَلِفِينَ.
(6) ح، ب: وَتَفْصِيلِهَا.
(7) و: وَقَالَتِ الصَّحَابَةُ.
(8) ب فَقَطْ: وَفِي الرُّؤْيَةِ.
(5/275)

وَالصِّفَاتِ، وَالْقَدَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ، وَقَدِ اسْتَقْصَى مَا عَرَفَهُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

وَأَمَّا مَعْرِفَةُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ، فَعِلْمٌ آخَرُ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، الْمُخْتَلِفِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ. وَلِهَذَا كَانَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مُتَّفِقِينَ عَلَى ذَمِّ أَهْلِ الْكَلَامِ ; فَإِنَّ كَلَامَهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى تَصْدِيقٍ بِبَاطِلٍ، وَتَكْذِيبٍ بِحَقٍّ (1) ، وَمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ (2) وَالسُّنَّةِ، فَذَمُّوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ وَالضَّلَالِ. وَلَمْ يَذُمَّ السَّلَفُ مَنْ كَانَ كَلَامُهُ حَقًّا، [فَإِنَّ مَا كَانَ حَقًّا] (3) فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، (وَهَذَا لَا يَذُمُّهُ السَّلَفُ الْعَارِفُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ) (4) ، وَمَعَ هَذَا فَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِمْ (5) نَقْضُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَبَيَانُ فَسَادِ قَوْلِهِ، فَإِنَّ الْمُخْتَلِفِينَ كُلُّ كَلَامِهِمْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْبَاطِلِ (6) ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَقْصِدُ بَيَانَ بُطْلَانِ (7) قَوْلِ (8) الْأُخْرَى، فَيَبْقَى الْإِنْسَانُ عِنْدَ دَلَائِلَ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْكِتَابِ.
وَهَذَا مِمَّا مُدِحَ بِهِ الْأَشْعَرِيُّ ; فَإِنَّهُ بَيَّنَ مِنْ فَضَائِحِ الْمُعْتَزِلَةِ وَتَنَاقُضِ
_________
(1) ح: عَلَى تَصْدِيقِ بَاطِلٍ وَتَكْذِيبِ حَقٍّ، ر: عَلَى تَصْدِيقِ بَاطِلٍ وَتَكْذِيبٍ بِحَقٍّ.
(2) و: لِلْكِتَابِ.
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(4) سَاقِطٌ مِنْ (ح) ، (ر) ، (أ) ، (ب) .
(5) كَلِمَةُ كَلَامِهِمْ فِي أَوَّلِ ص 71 وَهُنَا اضْطِرَابٌ فِي تَرْتِيبِ الصَّفَحَاتِ فِي (ب) أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
(6) و: فِيهِ بَاطِلٌ، أ: فِيهِ قَوْلٌ مِنَ الْبَاطِلِ.
(7) بُطْلَانُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (ح) ، (ر) .
(8) قَوْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) .
(5/276)

أَقْوَالِهِمْ وَفَسَادِهَا مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَ الْكَلَامَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ ذَكِيًّا، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُمْ، وَصَنَّفَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَنَصَرَ فِي الصِّفَاتِ طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَبِيرًا بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَتَفْسِيرِ السَّلَفِ لِلْقُرْآنِ. وَالْعِلْمُ بِالسُّنَّةِ الْمَحْضَةِ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا (1) .
وَلِهَذَا يَذْكُرُ (2) فِي الْمَقَالَاتِ مَقَالَةَ الْمُعْتَزِلَةِ مُفَصَّلَةً: يَذْكُرُ (3) قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَمَا بَيْنَهُمْ مِنَ النِّزَاعِ فِي الدِّقِّ وَالْجِلِّ، كَمَا يَحْكِي ابْنُ (4) أَبِي زَيْدٍ (5) مَقَالَاتِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَكَمَا يَحْكِي أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ (6) اخْتِلَافَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيَذْكُرُ أَيْضًا مَقَالَاتِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ (7) ، لَكِنَّ نَقْلَهُ لَهَا (8) مِنْ كُتُبِ أَرْبَابِ الْمَقَالَاتِ، لَا عَنْ مُبَاشَرَةٍ
_________
(1) ن، م، و، أ: مِنْ هُنَا.
(2) ح، ر، ب: ذَكَرَ.
(3) يَذْكُرُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) .
(4) م، ر، ح: كَمَا يُحْكَى عَنْ.
(5) أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي زَيْدٍ النَّفزاوِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ، إِمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فِي عَصْرِهِ، يُلَقَّبُ بِمَالِكٍ الْأَصْغَرِ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ عَلَى أُصُولِ السَّلَفِ فِي الْأُصُولِ، لَا يَدْرِي الْكَلَامَ وَلَا يَتَأَوَّلُ، أَشْهَرُ كُتُبِهِ الرِّسَالَةُ، فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، طُبِعَتْ وَشَرَحَهَا كَثِيرُونَ. وُلِدَ سَنَةَ 310 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 386 انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 3/131، الدِّيبَاجِ الْمُذْهَبِ لِابْنِ فَرْحُونَ، ص 136 - 138، الْأَعْلَامِ 4/230 - 231
(6) أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْقُدُورِيُّ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِئَاسَةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْعِرَاقِ، وَصَنَّفَ الْمُخْتَصَرَ الْمَعْرُوفَ بِاسْمِهِ الْقُدُورِيُّ فِي فِقْهِ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ طُبِعَ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ 362 وَتُوفِّيَ بِهَا سَنَةَ 428 انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/60 - 61، الْجَوَاهِرِ الْمُضِيَّةِ 1/93 - 94، النُّجُومِ الزَّاهِرَةِ 5/24 - 25، الْأَعْلَامِ 1/206
(7) و: وَالرَّافِضَةِ.
(8) أ: لَكِنْ نَقْلًا لَهَا، ب، و: لَكِنْ نَقْلًا لَهَا، ر: لَكِنْ يَعْلَمُ، ح: لَا لِأَنْ يَعْلَمَ.
(5/277)

مِنْهُ لِلْقَائِلِينَ، وَلَا عَنْ خِبْرَةٍ بِكُتُبِهِمْ، وَلَكِنْ فِيهَا تَفْصِيلٌ عَظِيمٌ، وَيَذْكُرُ مَقَالَةَ ابْنِ كُلَّابٍ عَنْ خِبْرَةٍ بِهَا وَنَظَرٍ فِي كُتُبِهِ، وَيَذْكُرُ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ (1) .
فَإِذَا جَاءَ إِلَى (2) مَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ذَكَرَ أَمْرًا مُجْمَلًا، يَلْقَى (3) أَكْثَرَهُ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ (4) ، وَبَعْضَهُ عَمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ مِنْ حَنْبَلِيَّةِ بَغْدَادَ وَنَحْوِهِمْ. وَأَيْنَ الْعِلْمُ الْمُفَصَّلُ مِنَ الْعِلْمِ الْمُجْمَلِ؟ (5) وَهُوَ يُشْبِهُ (6) مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، عَلِمْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَفْصِيلًا (7) ، وَعَلِمْنَا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُجْمَلًا، لِمَا نَقَلَهُ النَّاسُ عَنْ (8) التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَبِمَنْزِلَةِ عِلْمِ الرَّجُلِ الْحَنَفِيِّ أَوِ الشَّافِعِيِّ أَوِ الْمَالِكِيِّ أَوِ الْحَنْبَلِيِّ بِمَذْهَبِهِ الَّذِي عَرَفَ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ، وَاخْتِلَافَ أَهْلِهِ وَأَدِلَّتِهِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ خِلَافِ الْمَذْهَبِ الْآخَرِ (9) ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً مُجْمَلَةً.
_________
(1) عِبَارَةُ مِنْ عِدَّةِ كُتُبٍ سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، وَمَكَانُهَا بَيَاضٌ فِي (ر) .
(2) إِلَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .
(3) سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) .
(4) أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ السَّاجِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ وُلِدَ سَنَةَ 220 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 307، لَهُ كِتَابُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ، انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ 3/299 - 301 الْأَعْلَامِ 3/81
(5) عِبَارَةُ مِنَ الْعِلْمِ الْمُجْمَلِ، سَاقِطَةٌ مِنْ (ح، (ر) ، وَفِي (أ) ، (ب) مِنَ الْأَمْرِ الْمُجْمَلِ.
(6) عِنْدَ عِبَارَةِ وَهُوَ يُشْبِهُ نَعُودُ إِلَى صَفْحَةِ 3/69 مِنْ نُسْخَةِ (ب) حَيْثُ يُوجَدُ الْخَطَأُ فِي تَرْتِيبِ الْكَلَامِ، وَيُوجَدُ خَطَأٌ مُمَاثِلٌ فِي (ح) ، (ر) ، (أ) .
(7) أ، ب: مُفَصَّلًا.
(8) ح، ب: مِنَ.
(9) ح، ب: الْمَذَاهِبِ الْأُخَرِ.
(5/278)

فَهَكَذَا (1) مَعْرِفَتُهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَعْرَفِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُصَنِّفِينَ فِي الِاخْتِلَافِ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ: مِنَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ فُورَكٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ. وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ أَبِي الْمَعَالِي وَذَوِيهِ، وَمِنَ الشَّهْرَسْتَانِيِّ، [وَلِهَذَا كَانَ مَا يَذْكُرُهُ الشَّهْرَسْتَانِيُّ] (2) مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ نَاقِصًا عَمَّا يَذْكُرُهُ الْأَشْعَرِيُّ ; فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ بِذَلِكَ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا.
وَهَذَا كَالْفَقِيهِ الَّذِي يَكُونُ أَعْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِالْحَدِيثِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ. أَوِ الْمُحَدِّثُ الَّذِي يَكُونُ أَفْقَهَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ. وَالْمُقْرِئُ الَّذِي يَكُونُ أَخْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ بِالنَّحْوِ وَالْإِعْرَابِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ النُّحَاةِ. وَالنَّحْوِيُّ الَّذِي يَكُونُ أَخْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ بِالْقُرْآنِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ ذَمِّ الِاخْتِلَافِ فِي الْكِتَابِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ الْقَوْلِيُّ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ الْعَمَلِيُّ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ بِالْيَدِ وَالسَّيْفِ وَالْعَصَا وَالسَّوْطِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الِاخْتِلَافِ.
وَالْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ (3) يَدْخُلُونَ فِي النَّوْعَيْنِ. وَالْمُلُوكُ الَّذِينَ يَتَقَاتَلُونَ (4) عَلَى مَحْضِ الدُّنْيَا يَدْخُلُونَ فِي الثَّانِي. وَالَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْعِلْمِ، وَلَا يَدْعُونَ إِلَى قَوْلٍ ابْتَدَعُوهُ، وَيُحَارِبُونَ عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَهُمْ لَا بِيَدٍ، وَلَا بِلِسَانٍ، هَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَهَؤُلَاءِ خَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ
_________
(1) ح، ر، ب: وَهَكَذَا.
(2) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، فَقَطْ.
(3) ن، م: وَغَيْرُهُمْ.
(4) ن، م: يُقَاتِلُونَ.
(5/279)

لَهُمْ وَلَيْسُوا مَذْمُومِينَ، إِلَّا أَنْ يَدْخُلَهُمْ هَوًى وَعُدْوَانٌ أَوْ تَفْرِيطٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ; فَإِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِالْتِزَامِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ، وَقَدْ شَرَّعَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ نَسْأَلَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ وَأَفْرَضُهُ وَأَجْمَعُهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إِلَى الدُّعَاءِ بِهِ، فَلِهَذَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى الْعَبْدِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ.
فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ هُدِيَ هَدًى مُجْمَلًا، مِثْلُ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ حَقٌّ وَالرَّسُولَ حَقٌّ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّفْصِيلِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ وَيَعْتَقِدُهُ، فَيُثْبِتُهُ أَوْ يَنْفِيهِ، وَيُحِبُّهُ أَوْ يُبْغِضُهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ، وَيَحْمَدُهُ أَوْ يَذُمُّهُ. وَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ سَمِعَ ذَمَّ الْكَلَامِ مُجْمَلًا، أَوْ سَمِعَ (1) ذَمَّ الطَّائِفَةِ الْفُلَانِيَّةِ مُجْمَلًا، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الْأُمُورِ: مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَمَنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فِي الْكَلَامِ، لَمْ يَصِلْ إِلَى الْغَايَاتِ الَّتِي مِنْهَا تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا تَجِدُهُ يَذُمُّ الْقَوْلَ وَقَائِلَهُ بِعِبَارَةٍ، وَيَقْبَلُهُ بِعِبَارَةٍ (2) ، وَيَقْرَأُ كُتُبَ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَشُرُوحَ الْحَدِيثِ، وَفِيهَا تِلْكَ الْمَقَالَاتُ الَّتِي كَانَ يَذُمُّهَا، فَيَقْبَلُهَا مِنْ أَشْخَاصٍ أُخَرَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرُوهَا (3) بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، أَوْ فِي ضِمْنِ تَفْسِيرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
_________
(1) سَمِعَ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(2) عِبَارَةٍ، وَيَقْبَلُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .
(3) وَقَدْ ذَكَرُوهَا: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَذَكَرُوهَا.
(5/280)

وَهَذَا مِمَّا يُوجَدُ كَثِيرًا، وَالسَّالِمُ مَنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ حَتَّى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ (1) يُعَظِّمُ أَئِمَّةً، وَيَذُمُّ أَقْوَالًا، قَدْ يَلْعَنُ قَائِلَهَا أَوْ يُكَفِّرُهُ، وَقَدْ قَالَهَا أُولَئِكَ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُعَظِّمُهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهَا لَمَا لَعَنَ الْقَائِلَ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَكُونُ قَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ قَبِلَهَا مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ (2) تَقْلِيدِيًّا، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ مَنْ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ أَعْظَمَ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ حَقَّقُوا مَا لَمْ يُحَقِّقْهُ أَئِمَّتُهُمْ قَلَّدَهُمْ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَئِمَّةَ أَجَلُّ قَدْرًا وَأَعْرَفُ بِالْحَقِّ (3) وَأَتْبَعُ لِلرَّسُولِ قَلَّدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرِفَ الْحُجَّةَ الْكَلَامِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ وَبَلَغَهُ أَنَّ أَئِمَّةً يُعَظِّمُهُمْ قَالُوا بِخِلَافِهِ أَوْ جَاءَ (4) الْحَدِيثُ بِخِلَافِهِ (5) بَقِيَ فِي الْحَيْرَةِ، وَإِنْ رَجَّحَ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ رَجَّحَ عَلَى مَضَضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَبْنِي عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ بِمَا يَعْرِفُ صِحَّةَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ جَزْمًا ; فَإِنَّ التَّقْلِيدَ لَا يُورِثُ الْجَزْمَ، فَإِذَا جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ قَالَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، جَزَمَ بِذَلِكَ وَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ.
وَعِلْمُ الْإِنْسَانِ بِاخْتِلَافِ هَؤُلَاءِ وَرَدِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ بَعْضُهُمْ فَسَادَ مَقَالَةِ بَعْضٍ، هُوَ مِنْ (6) أَنْفَعِ الْأُمُورِ ; فَإِنَّهُ مَا مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ قَدْ (7) فَضَّلَ مَقَالَتَهُ طَوَائِفُ، فَإِذَا عَرَفَ رَدَّ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى عَلَى هَذِهِ
_________
(1) عِنْدَ عِبَارَةِ حَتَّى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ تَنْتَهِي الْعِبَارَاتُ الَّتِي جَاءَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فِي نُسَخِ (ح) ، (ر) ، (أ) ، (ب) وَنَعُودُ هُنَا إِلَى صَفْحَةِ 3/71 (ب) فِي ثُلُثِهَا الْأَوَّلِ تَقْرِيبًا.
(2) ن، م، و: عَنِ الْمُتَكَلِّمِ، ر: عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(3) وَأَعْرَفُ بِالْحَقِّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(4) ح، و، ب: وَجَاءَ.
(5) أ: بِخِلَافِهَا.
(6) ر: مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَهَذَا مِنْ.
(7) قَدْ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(5/281)

الْمَقَالَةِ عَرَفَ فَسَادَهَا، فَكَانَ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ عَمَّا فِيهَا مِنَ الْمُنْكَرِ وَالْبَاطِلِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا عَرِفَ رَدَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أُولَئِكَ (1) ، فَإِنَّهُ أَيْضًا يَعْرِفُ مَا عِنْدَ أُولَئِكَ مِنَ الْبَاطِلِ، فَيَتَّقِي الْبَاطِلَ الَّذِي مَعَهُمْ. ثُمَّ مَنْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ قَوْلًا ثَالِثًا خَارِجًا عَنِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ بَعْضَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَبَعْضَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَعَرَفَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَعَلَيْهِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَتَمَّ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ، إِذْ هَدَاهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَجَنَّبَهُ صِرَاطَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالضَّلَالِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ، كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنْ مُوَافَقَةِ هَؤُلَاءِ عَلَى ضَلَالِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ عَلَى ضَلَالِهِمْ، نِعْمَةً فِي حَقِّهِ، وَاعْتَصَمَ بِمَا عَرَفَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُجْمَلًا، وَأَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ بِهِ، وَأَنْتَ تَجِدُهُمْ يَحْكُونَ أَقْوَالًا مُتَعَدِّدَةً فِي التَّفْسِيرِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، بَلْ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَحْكِي الْخِلَافَ وَلَا يَعْرِفُ الْحَقَّ.

وَأَمَّا الْخِلَافُ الَّذِي بَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ فَلَا يُحْصِيهِ أَحَدٌ لِكَثْرَتِهِ وَلِتَفَرُّقِهِمْ (2) ، فَإِنَّ الْفَلْسَفَةَ الَّتِي (3) عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَمَنْ نَسَجَ عَلَى مِنْوَالِهِمَا هِيَ فَلْسَفَةُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّعَالِيمِ: الْمَنْطِقِ، وَالطَّبِيعِيِّ، وَمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ (4) . وَالَّذِي (5) يَحْكِيهِ الْغَزَالِيُّ
_________
(1) ح: عَلَى هَؤُلَاءِ.
(2) ح، و، ب: وَتَفَرُّقِهِمْ.
(3) الَّتِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(4) أ، ب: وَمَا بَعْدَ الطَّبِيعِيِّ، ح، و: وَمَا بَعْدَ الطَّبِيعِيَّةِ.
(5) ن، م: هُوَ الَّذِي.
(5/282)

وَالشَّهْرَسْتَانِيُّ (1) وَالرَّازِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِينَا.
وَالْفَلَاسِفَةُ أَصْنَافٌ مُصَنَّفَةٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ. وَلِهَذَا يَذْكُرُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي دَقَائِقِ الْكَلَامِ (2) وَقَبْلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ مَقَالَاتِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيِّينَ (3) ، وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ أَكْبَرُ مِنْ مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ أَقْوَالًا كَثِيرَةً لِلْفَلَاسِفَةِ لَا يَذْكُرُهَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ عَنِ ابْن سِينَا. وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْأَشْعَرِيِّ مِثْلُ أَبِي عِيسَى الْوَرَّاقُ (4) وَالنُّوبَخْتِيُّ (5) وَأَبِي عَلِيٍّ (6) وَأَبِي هَاشِمٍ (7) وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُتُبَ أَهْلِ الْكَلَامِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا رَدُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَدِّ الْمَقَالَةِ الْبَاطِلَةِ لِكَوْنِهَا لَمْ تَخْطُرْ بِقَلْبِهِ، وَلَا هُنَاكَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهَا، وَلَا يُطَالِعُ كِتَابًا هِيَ فِيهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الرَّدَّ، بَلْ قَدْ يُسْتَضَرُّ بِهِ مَنْ عَرِفَ الشُّبْهَةَ وَلَمْ يَعْرِفْ فَسَادَهَا.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي فِي كُتُبِهِمْ ; فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا كَانَ مَذْمُومًا مَمْنُوعًا مِنْهُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ بَاطِلٌ.
_________
(1) ن: يَحْكِيهِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ.
(2) ن، م: دَقِيقِ الْكَلَامِ، وَذَكَرْتُ مِنْ قَبْلُ فِي تَرْجَمَةِ الْبَاقِلَّانِيِّ 1/394 أَنَّ كِتَابَ الدَّقَائِقِ مَفْقُودٌ، وَانْظُرْ سَزْكِينَ م [0 - 9] ج [0 - 9] ص [0 - 9] 7 - 51
(3) وَهُوَ كِتَابٌ مَفْقُودٌ أَيْضًا وَانْظُرْ سَزْكِينَ م [0 - 9] ج [0 - 9] ص 35 - 39
(4) سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 2/501
(5) سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 1/72
(6) أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 1/395
(7) أَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ 1/278
(5/283)

وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُمْ يَذْكُرُونَ مِنْ عُيُوبِ بَاطِلِ غَيْرِهِمْ وَذَمَّهِ مَا قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ تَنَازُعُهُمْ فِي مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. فَالْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: صَاحِبُ الْكَبَائِرِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ. ثُمَّ الْخَوَارِجُ تَقُولُ: هُوَ كَافِرٌ، وَالْمُعْتَزِلَةُ تُوَافِقُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الِاسْمِ. وَالْمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ تَامُّ (1) الْإِيمَانِ، لَا نَقْصَ فِي إِيمَانِهِ، بَلْ إِيمَانُهُ كَإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. وَهَذَا نِزَاعٌ فِي الِاسْمِ. ثُمَّ تَقُولُ فُقَهَاؤُهُمْ مَا تَقُولُهُ الْجَمَاعَةُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ: فِيهِمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَدْخُلُ. كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
فَهَؤُلَاءِ لَا يُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فِي حُكْمِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يُنَازِعُونَهُمْ فِي الِاسْمِ. وَيُنَازِعُونَ أَيْضًا فِيمَنْ قَالَ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْمُرْجِئَةِ تَقُولُ: لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا (2) مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يَدْخُلُهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا جَمِيعُ الْفُسَّاقِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ دُخُولُ بَعْضِهِمْ. وَيَقُولُونَ: مَنْ أَذْنَبَ وَتَابَ لَا يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَيْضًا، فَهُمْ يَقِفُونَ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلِهَذَا سُمُّوا الْوَاقِفَةُ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
فَيَحْتَجُّ أُولَئِكَ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ وَعُمُومِهَا، وَيُعَارِضُهُمْ هَؤُلَاءِ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَعُمُومِهَا. فَقَالَ أُولَئِكَ: الْفُسَّاقُ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَعْدِ، لِأَنَّهُمْ (3) لَا
_________
(1) ن، م: كَامِلُ.
(2) ن، م: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا.
(3) م، و: لِأَنَّهُ.
(5/284)

حَسَنَاتِ لَهُمْ (1) ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27] . وَقَالَ - تَعَالَى -: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 264] . وَقَالَ: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 2] . وَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 28] .
فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَغَيْرُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاضِيَ مِنَ الْعَمَلِ قَدْ يُحْبَطُ بِالسَّيِّئَاتِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مَعَ التَّقْوَى. وَالْوَعْدُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُؤْمِنِ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ (2) ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 2] ، وَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 15] ، وَبِقَوْلِهِ (3) : {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 18] . وَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعْدُ.
وَبِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» " (4) وَقَوْلُهُ: " «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» " (5) وَنَحْوُ ذَلِكَ.
_________
(1) ن: لَا حِسَابَ لَهُمْ.
(2) ب، و: لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.
(3) ح، ر، و: الصَّادِقُونَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَبِقَوْلِهِ ب: الصَّادِقُونَ، وَقَوْلِهِ.
(4) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص 207
(5) جَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 1/99 كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا. الْمُسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 18/100 وَجَاءَ قِسْمٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا) عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي: الْبُخَارِيِّ 9/4 كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا) 9/49 كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، مُسْلِمٌ 1/98 كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا. وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) أَوْ (لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ) فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْمُسْنَدِ، فَهُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/370 كِتَابُ الْبُيُوعِ بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِشِّ، سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ 2/389 كِتَابُ الْبُيُوعِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْغِشِّ فِي الْبُيُوعِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَرِهُوا الْغِشَّ وَقَالُوا: الْغِشُّ حَرَامٌ
(5/285)

وَتَقُولُ الْمُرْجِئَةُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27] الْمُرَادُ بِهِ: مَنِ اتَّقَى الشِّرْكَ. وَيَقُولُونَ: الْأَعْمَالُ لَا تُحْبَطُ إِلَّا بِالْكُفْرِ، قَالَ تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [سُورَةُ الزُّمَرِ 65] وَقَالَ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 5] .
وَيَقُولُونَ: قَدْ قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [سُورَةُ فَاطِرٍ 32 - 33] فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ. وَلَكِنَّ هَذَا لَا أَعْرِفُ بِهِ قَائِلًا مُعَيَّنًا فَأَحْكِيهِ عَنْهُ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْكِيهِ (1) عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَلَطٌ عَلَيْهِ.
_________
(1) ن، م، و، أ: مَنْ يَذْكُرُهُ.
(5/286)

وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [سُورَةُ اللَّيْلِ: 14 - 16] وَقَدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ الْجُهَّالِ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} [سُورَةُ الزُّمَرِ: 16] قَالَ: فَالْوَعِيدُ شَيْءٌ يُخَوِّفُكُمْ بِهِ.
وَيَقُولُونَ: أَمَّا قَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 9] فَهَذِهِ فِي الْكُفَّارِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 8 - 9] . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّ