Advertisement

منهاج السنة النبوية 008

(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) .: " وَأَمَّا عِلْمُ الْكَلَامِ فَهُوَ أَصْلُهُ، وَمِنْ خُطَبِهِ تَعَلَّمَ (2) النَّاسُ، وَكُلُّ (3) النَّاسِ تَلَامِيذُهُ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَذِبٌ لَا مَدْحَ فِيهِ ; فَإِنَّ الْكَلَامَ الْمُخَالِفَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَاطِلٌ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ عَلِيًّا عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَحَدٌ يَسْتَدِلُّ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَيَثْبُتُ حُدُوثُ الْأَجْسَامِ بِدَلِيلِ الْأَعْرَاضِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالْأَجْسَامُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِذَلِكَ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ، وَمَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ، وَيُبْنَى ذَلِكَ عَلَى حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا.
بَلْ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْمِائَةِ الْأُولَى، مِنْ جِهَةِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، كَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ وَأَمْثَالِهِ.
وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ إِنَّمَا كَانَا يُظْهِرَانِ الْكَلَامَ فِي إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ، وَأَنَّ النَّارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ دَخَلَهَا، وَفِي التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا نَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ (4) عَلِيًّا.
_________
(1) فِي (ن) ص 179 (م)
(2) ك: اسْتَفَادَ
(3) ن، س، ب: وَكَانَ.
(4) ن، م: مِنْهُ.
(8/5)

وَلَيْسَ فِي الْخُطَبِ الثَّابِتَةِ عَنْ عَلِيٍّ شَيْءٌ مِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ الْخَمْسَةِ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ إِذَا نُقِلَ عَنْهُ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ. وَقُدَمَاءُ الْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يَكُونُوا يُعَظِّمُونَ عَلِيًّا، بَلْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَشُكُّ فِي عَدَالَتِهِ، وَيَقُولُ: قَدْ فَسَقَ عِنْدَ إِحْدَى (1) الطَّائِفَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا: إِمَّا عَلِيٌّ، وَإِمَّا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُ، وَفِي قَبُولِ شَهَادَةِ عَلِيٍّ مُنْفَرِدَةً قَوْلَانِ لَهُمْ. وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ (2) .
وَالشِّيعَةُ الْقُدَمَاءُ كُلُّهُمْ كَالْهِشَامَيْنِ (3) وَغَيْرِهِمَا، يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ، وَيُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ، عَلَى خِلَافِ قَوْلِ مُتَأَخِّرِي الشِّيعَةِ، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِالتَّجْسِيمِ، وَيُحْكَى عَنْهُمْ فِيهِ شَنَاعَاتٌ، وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (4) .
_________
(1) م: عِنْدَ أَحَدِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) يَقُولُ ابْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ " أُصُولِ الدِّينِ، (ص 290 - 291) : وَقَالَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالنَّظَّامُ وَأَكْثَرُ الْقَدَرِيَّةِ: نَتَوَلَّى عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ عَلَى انْفِرَادِهِمْ، وَنَتَوَلَّى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأَتْبَاعَهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِمْ، وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَ عَلِيٌّ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَوْ شَهِدَ طَلْحَةُ أَوِ الزُّبَيْرُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَوْ شَهِدَ عَلِيٌّ مَعَ طَلْحَةَ عَلَى بَاقَةِ بَقْلٍ لَمْ نَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَاسِقٌ، وَالْفَاسِقُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ " وَانْظُرْ: مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 2/145.
(3) ن، س، ب: كَالْهَاشِمِيِّينَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَالْمَقْصُودُ: هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَهِشَامُ بْنُ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيُّ.
(4) ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي " مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ " 1/106 - 109 مَقَالَاتِ الرَّوَافِضِ فِي التَّجْسِيمِ وَقَسَّمَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى سِتِّ فِرَقٍ وَذَكَرَ تَفْصِيلَ أَقْوَالِهِمْ، ثُمَّ قَالَ 1/109: " وَقَالُوا فِي التَّوْحِيدِ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ. فَأَمَّا أَوَائِلُهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ التَّشْبِيهِ ". وَتَكَلَّمَ الْأَشْعَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ 1/114 - 115 عَلَى قَوْلِ الرَّافِضَةِ فِي أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَقَالَ: إِنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى فِرْقَةُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْإِنْسَانِ اخْتِيَارٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَاضْطِرَارٌ مِنْ وَجْهٍ. وَكَذَلِكَ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا جَبْرَ، كَمَا قَالَ الْجَهْمِيُّ، وَلَا تَفْوِيضَ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ. وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمْ فَهُمْ " يَزْعُمُونَ أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ. وَهَذَا قَوْلُ قَوْمٍ يَقُولُونَ بِالِاعْتِزَالِ وَالْإِمَامَةِ ".
(8/6)

وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ: أَخَالِقٌ هُوَ أَمْ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، لَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.

وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: " إِنَّ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ أَخَذَ عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ".
فَيُقَالُ: إِنَّ [الْحَسَنَ بْنَ] مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ (1) قَدْ وَضَعَ كِتَابًا فِي الْإِرْجَاءِ، نَقِيضَ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ. ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (2) ، وَهَذَا يُنَاقِضُ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ (3) .
_________
(1) فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ بَعْدَ قَلِيلٍ، إِذْ إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحَسَنِ وَعَلَى أَبِي هَاشِمٍ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ.
(2) الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ - لَا وَالِدُهُ - أَوَّلُ مَنْ أَلَّفَ فِي الْإِرْجَاءِ وَهُوَ صَاحِبُ أَقْدَمِ رِسَالَةٍ فِي الْإِرْجَاءِ وَفِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. انْظُرْ: سِزْكِينَ م 1 ج [0 - 9] ص 15 - 16.
(3) أَبُو هَاشِمٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (أَيِ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ " 6/16: ". . عَنِ الزُّهْرِيِّ، ثَنَا: عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَسَنُ ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ الْحَسَنُ أَوْثَقَهُمَا. . . . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: أَحَدُهُمَا مُرْجِئٌ وَالْآخَرُ شِيعِيٌّ " وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ الزُّبَيْرُ: كَانَ أَبُو هَاشِمٍ صَاحِبَ الشِّيعَةِ " وَقَالَ: " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَتْبَعُ - وَفِي رِوَايَةٍ - يَجْمَعُ: أَحَادِيثَ السَّبَائِيَّةِ. . . مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَأَرَّخَهُ الْهَيْثَمُ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ".
(8/7)

وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا هَاشِمٍ هَذَا صَنَّفَ كِتَابًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَلَا أَخَذَهُ عَنْ أَبِيهِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ الْكِتَابُ الَّذِي نُسِبَ إِلَى الْحَسَنِ يُنَاقِضُ مَا يُنْسَبُ (1) إِلَى أَبِي هَاشِمٍ، وَكِلَاهُمَا قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ (2) ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا أَخَذَا هَذَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَيْسَ نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا إِلَى مُحَمَّدٍ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ; فَبَطَلَ الْقَطْعُ بِكَوْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ كَانَ يَقُولُ بِهَذَا وَبِهَذَا.
بَلِ الْمَقْطُوعُ بِهِ (3) أَنَّ مُحَمَّدًا، مَعَ بَرَاءَتِهِ مِنْ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَعْظَمُ بَرَاءَةً، وَأَبُوهُ عَلِيٌّ أَعْظَمُ بَرَاءَةً مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُرْجِئَةِ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَلَا رَيْبَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ تِلْمِيذًا لِأَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ، لَكِنَّهُ
_________
(1) ن، م،: مَا نُسِبَ.
(2) ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَرْجَمَتِهِ لِلْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي " تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ، 2، 320 - 321 أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ، ثُمَّ قَالَ: " وَقَالَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَيُّوبَ: أَنَا أَتَبَرَّأُ مِنَ الْإِرْجَاءِ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَلَامَاهُ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعَ فِي الْإِرْجَاءِ، فَقَالَ لِزَاذَانَ: يَا أَبَا عَمْرٍو لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مُتُّ وَلَمْ أَكْتُبْهُ " وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ الْحَسَنَ تُوُفِّيَ سَنَةَ 99 أَوْ 100 وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي وَفَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْإِرْجَاءَ الَّذِي تَكَلَّمَ الْحَسَنُ فِيهِ غَيْرُ الْإِرْجَاءِ الَّذِي يَعِيبُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْإِيمَانِ وَقَالَ: إِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ فَوَجَدَ أَنَّ الْحَسَنَ يَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ يُرْجِئُ مَنْ كَانَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَنَّهُ يَرَى عَدَمَ الْقَطْعِ عَلَى إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ فِي الْفِتْنَةِ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْإِرْجَاءُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ ".
(3) ن، س، ب: عَنْهُ.
(8/8)

فَارَقَهُ وَرَجَعَ عَنْ جُمَلِ (1) مَذْهَبِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُصُولِ مَذْهَبِهِ، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَسَلَكَ فِيهَا طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ، وَخَالَفَهُمْ فِي الْقَدَرِ وَمَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَنَاقَضَهُمْ فِي ذَلِكَ، أَكْثَرَ مِنْ مُنَاقَضَةِ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ وَضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو، وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ هُوَ مُتَوَسِّطٌ فِي هَذَا الْبَابِ، كَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، حَتَّى مَالَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ جَهْمٍ، وَخَالَفَهُمْ فِي الْوَعِيدِ، وَقَالَ بِمَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ، وَانْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَمْثَالِهِ، وَبِهَذَا اشْتُهِرَ عِنْدَ النَّاسِ.
فَالْقَدْرُ الَّذِي يُحْمَدُ مِنْ مَذْهَبِهِ، (* هُوَ مَا وَافَقَ فِيهِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، كَالْجُمَلِ الْجَامِعَةِ. وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يُذَمُّ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَهُوَ مَا وَافَقَ فِيهِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَخَذَ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْ *) (2) زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ بِالْبَصْرَةِ (3) ، وَعَنْ طَائِفَةٍ بِبَغْدَادَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ فِي الْمَقَالَاتِ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَقَالَ (4) : " بِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ نَقُولُ، وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ ".
_________
(1) ن، م: حَمْلِ.
(2) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ السَّاجِيُّ، مُحَدِّثُ الْبَصْرَةِ فِي عَصْرِهِ، كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ، وُلِدَ سَنَةَ 220 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 307. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 3/299 - 301، الْأَعْلَامِ 3/81.
(4) فِي " الْمَقَالَاتِ " 1/325.
(8/9)

وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ مِنْ أَبْعَدِ الْمَذَاهِبِ عَنْ مَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ (1) - كَهَذَا الْمُصَنِّفِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْإِمَامِيَّةِ - فَإِنَّهُمْ جَمَعُوا أَخَسَّ الْمَذَاهِبِ: مَذْهَبُ الْجَهْمِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ، وَمَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَمَذْهَبُ الرَّافِضَةِ فِي الْإِمَامَةِ وَالتَّفْضِيلِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ الْكَلَامِ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَلَا مَدْحَ فِيهِ. وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ يَنْسُبُونَ قَوْلَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمًا بَاطِنًا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «وَالَّذِي فَلَقَ (2) الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ (3) إِلَى النَّاسِ، إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَكَانَ فِيهَا: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسْرَى، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي الْكِتَابِ» " (4) .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْسُبُ إِلَيْهِ الْكَلَامُ فِي الْحَوَادِثِ، كَالْجَفْرِ وَغَيْرِهِ، وَآخَرُونَ يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ الْبِطَاقَةَ وَأُمُورًا أُخْرَى، يُعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا بَرِيءٌ مِنْهَا.
_________
(1) ن، س، ب: وَالرَّافِضَةُ، م: الرَّافِضَةُ.
(2) ن، س، ب: خَلَقَ.
(3) م: مِمَّا لَمْ يَعْهَدْهُ.
(4) جَاءَ هَذَا الْأَثَرُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ: 1/29 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ) ، 4/68 - 69 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ فِكَاكِ الْأَسِيرِ) ، 9/11، 12 - 13 (كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ الْعَاقِلَةِ، بَابُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ) ، سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ 2/432 - 433 (كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ مَا جَاءَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) ، سُنَنُ النَّسَائِيِّ 8/21 (كِتَابُ الْقَسَامَةِ، بَابُ سُقُوطِ الْقَوَدِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ) ، سُنَنُ الدَّارِمِيِّ 2/190 (كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) ، الْمُسْنَدُ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/35 - 36.
(8/10)

وَكَذَلِكَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ قَدْ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى نُسِبَ إِلَيْهِ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ وَالرُّعُودِ، وَالْبُرُوقِ وَالْقُرْعَةِ، الَّتِي هِيَ مِنَ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ، وَنُسِبَ إِلَيْهِ كِتَابُ " مَنَافِعِ سُوَرِ الْقُرْآنِ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ جَعْفَرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَحَتَّى نُسِبَ إِلَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ " حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ "، فَذَكَرَ قِطْعَةً مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَفَاسِيرِهِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَبْدِيلِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْآيَاتِ بِغَيْرِ مُرَادِهِ (1) .
وَكُلُّ ذِي عِلْمٍ بِحَالِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.
وَكَذَلِكَ قَدْ نَسَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمُ الْكِتَابَ الَّذِي يُسَمَّى " رَسَائِلَ إِخْوَانِ الْكَدَرِ " (2) ، وَهَذَا الْكِتَابُ صُنِّفَ بَعْدَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ ; فَإِنَّ جَعْفَرًا تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذَا الْكِتَابُ صُنِّفَ فِي أَثْنَاءِ الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، لَمَّا اسْتَوْلَوْا عَلَى مِصْرَ، وَبَنَوْا (3) الْقَاهِرَةَ، صَنَّفَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالتَّشَيُّعِ، كَمَا كَانَ يَسْلُكُهُ هَؤُلَاءِ الْعُبَيْدِيُّونَ، الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ وَلِدَ عَلِيٍّ.
_________
(1) انْظُرْ عَنِ الْكُتُبِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي نُسِبَتْ إِلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ مَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرْتُهُ فِيمَا مَضَى 2/464 - 465.
(2) م: الصَّفَا.
(3) س، ب: وَتَبَوَّءُوا.
(8/11)

وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ يَعْلَمُونَ أَنَّ نَسَبَهُمْ بَاطِلٌ، وَأَنَّ جَدَّهُمْ (1) يَهُودِيٌّ فِي الْبَاطِنِ وَفِي الظَّاهِرِ، وَجَدُّهُمْ دَيْصَانِيٌّ مِنَ الْمَجُوسِ، تَزَوَّجَ امْرَأَةَ هَذَا الْيَهُودِيِّ، وَكَانَ ابْنُهُ رَبِيبًا لِمَجُوسِيٍّ ; فَانْتَسَبَ إِلَى زَوْجِ أُمِّهِ الْمَجُوسِيِّ، وَكَانُوا يَنْتَسِبُونَ إِلَى بَاهِلَةَ، عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ مَوَالِيهِمْ، وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَإِلَيْهِ انْتَسَبَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ دُونَ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةَ ; فَإِنَّ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ يَدَّعُونَ إِمَامَةَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ إِمَامَةَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ.
وَأَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ فِي الْبَاطِنِ مَلَاحِدَةٌ زَنَادِقَةٌ، شَرٌّ مِنَ الْغَالِيَةِ، لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، لَكِنْ إِنَّمَا طُرُقُهُمْ عَلَى (2) هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَنِسْبَتُهَا إِلَى عَلِيٍّ مَا فَعَلَتْهُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ وَأَمْثَالُهُمْ، كَذَبَ أُولَئِكَ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ الْكَذِبِ (3) ، فَفَرَّعَهُ هَؤُلَاءِ، وَزَادُوا عَلَيْهِ، حَتَّى نَسَبُوا الْإِلْحَادَ إِلَيْهِ، كَمَا نَسَبَ هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ، مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، يَنْتَسِبُونَ (4) إِلَى عَلِيٍّ، وَهُمْ طُرُقِيَّةٌ وَعَشْرِيَّةٌ وَغُرَبَاءُ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ صَارُوا يُضِيفُونَ إِلَى عَلِيٍّ مَا بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى صَارَ اللُّصُوصُ مِنَ الْعَشْرِيَّةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُمْ كِتَابًا مِنْ عَلِيٍّ، بِالْإِذْنِ لَهُمْ فِي سَرِقَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ، كَمَا ادَّعَتِ الْيَهُودُ الْخَيَابِرَةُ أَنَّ مَعَهُمْ كِتَابًا مِنْ عَلِيٍّ بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ،
_________
(1) ب: حَدَّهُمْ.
(2) م: إِلَى.
(3) س، ب: وَأَمْثَالُهُمْ عَلَيْهِ نَوْعٌ مِنَ الْكَذِبِ.
(4) م، س، ب: يُنْسَبُونَ.
(8/12)

وَإِبَاحَةِ عُشْرِ أَمْوَالِ أَنْفُسِهِمْ (1) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ أَبْرَأِ النَّاسِ مِنْ (2) هَذَا كُلِّهِ.
ثُمَّ صَارَ هَؤُلَاءِ يَعُدُّونَ مَا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَدْحًا لَهُ، يُفَضِّلُونَهُ بِهَا عَلَى الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ، وَيَجْعَلُونَ تَنَزُّهَ أُولَئِكَ مِنْ مِثْلِ الْأَبَاطِيلِ (3) عَيْبًا فِيهِمْ وَبُغْضًا، حَتَّى صَارَ (4) رُؤُوسُ الْبَاطِنِيَّةِ تَجْعَلُ مُنْتَهَى الْإِسْلَامِ وَغَايَتَهُ هُوَ الْإِقْرَارُ (5) بِرُبُوبِيَّةِ الْأَفْلَاكِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْأَفْلَاكِ صَانِعٌ لَهَا وَلَا خَالِقٌ، وَيَجْعَلُونَ هَذَا هُوَ بَاطِنَ دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ تَأْوِيلُهُ، وَأَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَلْقَاهُ عَلِيٌّ إِلَى الْخَوَاصِّ، حَتَّى اتَّصَلَ بِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ عِنْدَهُمُ الْقَائِمُ، وَدَوْلَتُهُ هِيَ الْقَائِمَةُ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ يَنْسَخُ مِلَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُظْهِرُ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِنَةَ الَّتِي يَكْتُمُهَا الَّتِي أَسَرَّهَا إِلَى عَلِيٍّ.
وَصَارَ هَؤُلَاءِ يُسْقِطُونَ عَنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِمُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ، وَيُبِيحُونَ لَهُمُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالْمُنْكَرِ (6) وَغَيْرِ ذَلِكَ.
_________
(1) م: أَمْوَالِ النَّاسِ.
(2) م: عَنْ.
(3) ن: وَيَجْعَلُونَ تَنَزُّهَ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِ الْأَبَاطِيلِ، م: وَيَجْعَلُونَ بَيْنَ أُولَئِكَ مِنْ مِثْلِ الْأَبَاطِيلِ، س: وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِ الْأَبَاطِيلِ، ب: وَيَجْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأَبَاطِيلِ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(4) م، س: صَارُوا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5) م: الِاقْتِدَاءُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(6) ن، س: الْمُمْكِنِ، م: الْمَحْكِيِّ، ب: الْمُنْكَرِ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(8/13)

وَصَنَّفَ الْمُسْلِمُونَ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ كُتُبًا مَعْرُوفَةً ; لِمَا عَلِمُوهُ مِنْ إِفْسَادِهِمُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا، وَصَنَّفَ فِيهِمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، وَطَوَائِفُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ.
وَهُمُ الْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ ظَهَرُوا بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ، وَمَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَأَصْحَابِ الْأَلَمُوتِ (1) وَأَمْثَالِهِمْ.
وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا بِهِ دَخَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (2) وَأَفْسَدُوا الدِّينَ هُوَ طَرِيقُ الشِّيعَةِ ; لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَبُعْدِهِمْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَبِهَذَا وَصَّوْا دُعَاتَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَابِ التَّشَيُّعِ، وَصَارُوا يَسْتَعِينُونَ (3) بِمَا عِنْدَ الشِّيعَةِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَهْوَاءِ، وَيَزِيدُونَ هُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا نَاسَبَهُمْ مِنَ الِافْتِرَاءِ، حَتَّى فَعَلُوا فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالصُّلْبَانِ، وَكَانَ حَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ دِينَ فِرْعَوْنَ، الَّذِي هُوَ شَرٌّ (4) مِنْ دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعُبَّادِ (5) الْأَصْنَامِ.
وَأَوَّلُ دَعْوَتِهِمُ التَّشَيُّعُ، وَآخِرُهَا الِانْسِلَاخُ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ مِنَ الْمِلَلِ كُلِّهَا.
وَمَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْإِسْلَامِ، وَتَقَلُّبَ النَّاسِ فِيهِ ; فَلَا بُدَّ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
_________
(1) انْظُرْ مَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرْتُهُ عَنِ الْأَلَمُوتِ فِيمَا مَضَى 3/445.
(2) ن، س: الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(3) س: يَسْتَغِيثُونَ
(4) م: أَشَرُّ.
(5) ن: وَعِبَادَةِ.
(8/14)

وَهَذَا تَصْدِيقٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: " فَمَنْ» " (1) .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " «لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَارِسُ وَالرُّومُ؟ قَالَ: " وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا هَؤُلَاءِ» ؟ " (2) .
وَهَذَا بِعَيْنِهِ صَارَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّشَيُّعِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ أَخَذُوا مِنْ مَذَاهِبِ الْفُرْسِ، وَقَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ: النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أُمُورًا، وَأَخَذُوا مِنْ مَذَاهِبِ الرُّومِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ مَذْهَبِ الْيُونَانِ، وَقَوْلِهِمْ بِالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أُمُورًا، وَمَزَجُوا هَذَا بِهَذَا، وَسَمُّوا ذَلِكَ بِاصْطِلَاحِهِمْ: السَّابِقَ وَالتَّالِيَ، وَجَعَلُوهُ هُوَ الْقَلَمَ وَاللَّوْحَ، وَأَنَّ الْقَلَمَ هُوَ الْعَقْلُ، الَّذِي يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ، قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ. فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ. فَقَالَ: وَعِزَّتِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ، فَبِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ الثَّوَابُ، وَبِكَ الْعِقَابُ» .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي فَضَائِلِ الْعَقْلِ، كَدَاوُدَ بْنِ
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/628 وَأَوَّلُهُ هُنَاكَ: " لَتَتَّبِعُنَّ. . .
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/365.
(8/15)

الْمُحَبَّرِ (1) وَنَحْوِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ كُذِبَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمْ (2) ، لَكِنْ (3) لَمَّا وَافَقَ رَأْيَ هَؤُلَاءِ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى عَادَتِهِمْ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يُنَاقِضُ مَذْهَبَهُمْ.
فَإِنَّ لَفْظَهُ " أَوَّلَ " بِالنَّصْبِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ» " أَيْ أَنَّهُ قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ خَاطَبَهُ حِينَ خَلَقَهُ، لَا أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ ; وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثْنَائِهِ: " «مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ» " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ قَبْلَهُ غَيْرَهُ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ " يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ "
_________
(1) س، ب: كَدَاوُدَ بْنِ الْمُحِبِّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 1/174 بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِأَسَانِيدِهِ الْمُخْتَلِفَةِ: " هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: الْفَضْلُ رَجُلُ سُوءٍ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَأَمَّا سَيْفٌ فَكَذَّابٌ بِإِجْمَاعِهِمْ " ثُمَّ رَوَى الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ 1/175 وَقَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ثُمَّ رَوَى (1/176) عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ قَوْلَهُ: إِنَّ كِتَابَ الْعَقْلِ وَضَعَهُ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهُمْ: مَيْسَرَةُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، ثُمَّ سَرَقَهُ مِنْهُ دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ فَرَكَّبَهُ بِأَسَانِيدَ غَيْرِ أَسَانِيدِ مَيْسَرَةَ، ثُمَّ سَرَقَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ فَرَكَّبَهُ بِأَسَانِيدَ أُخَرَ، ثُمَّ سَرَقَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى السِّجْزِيُّ فَأَتَى بِأَسَانِيدَ أُخْرَى. وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ 1/177: " وَقَدْ رُوِيَتْ فِي الْعُقُولِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ ". وَانْظُرْ أَيْضًا: اللَّآلِئَ الْمَصْنُوعَةَ لِلسُّيُوطِيِّ 1/129 - 130، الْمَقَاصِدَ الْحَسَنَةَ لِلسَّخَاوِيِّ، ص [0 - 9] 18، 134 ; تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ لِابْنِ عِرَاقٍ الْكِنَانِيِّ 1/213 ; الْفَوَائِدَ الْمَجْمُوعَةَ لِلشَّوْكَانِيِّ، ص 476 ; تَذْكِرَةَ الْمَوْضُوعَاتِ لِلْفَتَنِيِّ، ص 29 - 30 ; كَشْفَ الْخَفَاءِ لِلْعَجْلُونِيِّ 1/236 - 237، 263، الْمَوْضُوعَاتِ لَعَلِيٍّ الْقَارِي، ص 27، 30، سِلْسِلَةَ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ لِلْأَلْبَانِيِّ 1/11. وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي " مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ " 2/20 عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْمُحَبَّرِ. وَانْظُرْ " الصَّفَدِيَّةَ " 1/238 - 239.
(3) س، ب: وَلَكِنْ.
(8/16)

وَالْعَقْلُ الْأَوَّلُ (1) عِنْدَهُمْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ هَذَا. وَقَالَ: " «بِكَ، آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ الثَّوَابُ» " وَهَذَا الْعَقْلُ عِنْدَهُمْ (* هُوَ رَبُّ الْعَالَمِ كُلِّهِ، هُوَ الْمُبْدِعُ لَهُ كُلِّهِ، وَهُوَ مَعْلُولُ الْأَوَّلِ، لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَرْبَعَةُ أَعْرَاضٍ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ *) (2) مُبْدِعُ الْجَوَاهِرِ كُلِّهَا: الْعُلْوِيَّةِ، وَالسُّفْلِيَّةِ، وَالْحِسِّيَّةِ (3) ، وَالْعَقْلِيَّةِ.
وَالْعَقْلُ فِي لُغَةِ الْمُسْلِمِينَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَإِمَّا قُوَّةٌ فِي النَّفْسِ (4) .
وَأَمَّا مَصْدَرُ [الْعَقْلِ] (5) : عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، وَأَمَّا الْعَاقِلُ فَلَا يُسَمَّى فِي لُغَتِهِمُ الْعَقْلَ.
وَهَؤُلَاءِ فِي اصْطِلَاحِهِمُ الْعَقْلُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا، وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَأَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِلَى أَمْرِ وُجُودِهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، إِلَّا النَّفْسَ النَّاطِقَةَ، وَقَدْ أَخْطَئُوا فِي بَعْضِ صِفَاتِهَا (6) .
وَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَالَمَ مَعْلُولٌ عِلَّةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً وَاجِبَةَ الْوُجُودِ، وَإِنَّ الْعَالَمَ لَازِمٌ لَهَا، لَكِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ، وَإِنَّ الْأَفْلَاكَ تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً إِرَادِيَّةً شَوْقِيَّةً لِلتَّشَبُّهِ بِهِ، وَهُوَ مُحَرِّكٌ لَهَا، كَمَا يُحَرِّكُ
_________
(1) الْأَوَّلُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) ن، م: الْحِسِّيَّةِ.
(4) ب: إِمَّا قُوَّةُ النَّفْسِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) الْعَقْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6) انْظُرْ فِي هَذَا: الرِّسَالَةَ " السَّبْعِينِيَّةَ " لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ضِمْنَ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى الْكُبْرَى، نَشَرَهُ فَرَجُ اللَّهِ الْكُرْدِيُّ، مَطْبَعَةُ كُرْدِسْتَانَ الْعِلْمِيَّةُ، الْقَاهِرَةُ، 1329. وَانْظُرْ كِتَابِي: مُقَارَنَةٌ بَيْنَ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، ط. دَارِ الْقَلَمِ، الْكُوَيْتِ، 1395 1975.
(8/17)

الْمَحْبُوبُ الْمُتَشَبَّهُ بِهِ لِمُحِبِّهِ الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُحْدِثَ لِتَصَوُّرَاتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَحَرَكَاتِهِ.
فَقَوْلُهُمْ فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ فِي أَفْعَالِ (1) الْحَيَوَانِ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: حَرَكَةُ الْفَلَكِ هِيَ سَبَبُ الْحَوَادِثِ. فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا تَحْدُثُ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا. وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.
وَهُمْ جَعَلُوا الْعِلْمَ الْأَعْلَى وَالْفَلْسَفَةَ الْأُولَى هُوَ الْعِلْمَ الْبَاطِنَ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ، وَقَسَّمُوا الْوُجُودَ إِلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، ثُمَّ قَسَّمُوا الْأَعْرَاضَ إِلَى تِسْعَةِ أَجْنَاسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا إِلَى خَمْسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ لَهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَصْرِ. وَقَسَّمُوا الْجَوَاهِرَ (2) إِلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ: الْعَقْلُ، وَالنَّفْسُ، وَالْمَادَّةُ، وَالصُّورَةُ، وَالْجِسْمُ.
وَوَاجِبُ الْوُجُودِ تَارَةً يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا، وَهُوَ قَوْلُ قُدَمَائِهِمْ كَأَرِسْطُو وَغَيْرِهِ، وَتَارَةً لَا يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ سِينَا. وَكَانَ قُدَمَاءُ الْقَوْمِ يَتَصَوَّرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أُمُورًا عَقْلِيَّةً، فَيَظُنُّونَهَا ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ، كَمَا يُحْكَى عَنْ شِيعَةِ فِيثَاغُورْسَ وَأَفْلَاطُونَ (3) ، وَأَنَّ أُولَئِكَ أَثْبَتُوا أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً فِي الْخَارِجِ، وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ، وَهِيَ الْكُلِّيَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْأَعْيَانِ، وَأَثْبَتُوا الْمَادَّةَ الْمُجَرَّدَةَ، وَهِيَ الْهَيُولَى الْأَوَّلِيَّةُ، وَأَثْبَتُوا الْمُدَّةَ
_________
(1) س، ب: أَحْوَالِ.
(2) م: الْجَوْهَرَ.
(3) ن، س: وَأَفْلَاطِنَ.
(8/18)

الْمُجَرَّدَةَ، وَهِيَ الدَّهْرُ الْعَقْلِيُّ الْمُجَرَّدُ عَنِ الْجِسْمِ وَأَعْرَاضِهِ، وَأَثْبَتُوا الْفَضَاءَ (1) الْمُجَرَّدَ عَنِ الْجِسْمِ وَأَعْرَاضِهِ.
وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ خَالَفُوا سَلَفَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُثْبِتُوا مِنْ هَذِهِ شَيْئًا مُجَرَّدًا، وَلَكِنْ أَثْبَتُوا الْمَادَّةَ الْمُقَارِنَةَ لِلصُّورَةِ، وَأَثْبَتُوا الْكُلِّيَّاتِ الْمُقَارِنَةَ لِلْأَعْيَانِ، وَأَثْبَتُوا الْعُقُولَ الْعَشَرَةَ. وَأَمَّا النَّفْسُ الْفَلَكِيَّةُ فَأَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُهَا قُوَّةً جُسْمَانِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَنَفْسِ الْإِنْسَانِ.
وَلَفْظُ " الصُّورَةِ " يُرِيدُونَ بِهِ تَارَةً مَا هُوَ عَرَضٌ، كَالصُّورَةِ الصِّنَاعِيَّةِ، مِثْلَ شَكْلِ السَّرِيرِ وَالْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ، وَهَذِهِ عَرَضٌ قَائِمٌ بِمَحَلِّهِ (2) ، وَالْمَادَّةُ هَنَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. وَيُرِيدُونَ بِالصُّورَةِ تَارَةً الصُّورَةَ الطَّبِيعِيَّةَ، وَبِالْمَادَّةِ الْمَادَّةَ (3) الطَّبِيعِيَّةَ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَيَوَانَ وَالْمَعَادِنَ وَالنَّبَاتَ (4) لَهَا صُورَةٌ هِيَ خُلِقَتْ مِنْ مَوَادَّ، لَكِنْ [يَعْنُونَ] (5) بِالصُّورَةِ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَبِالْمَادَّةِ جَوْهَرًا آخَرَ مُقَارِنًا لِهَذِهِ.

وَآخَرُونَ فِي مُقَابَلَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، الْقَائِلِينَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَا ثَمَّ مِنْ حَادِثٍ يُعْلَمُ حُدُوثُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ إِلَّا الْأَعْرَاضَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ حُدُوثَ جَوْهَرٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ.
_________
(1) ن، م، س: الْقَضَاءَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا إِثْبَاتُ الْخَلَاءِ أَوِ الْمَكَانِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْجِسْمِ.
(2) م: بِنَفْسِهِ.
(3) الْمَادَّةَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(4) ب: وَالنَّبَاتَاتِ.
(5) يَعْنُونَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) .
(8/19)

وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ، خَطَأٌ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَادَّةِ الْمَادَّةُ الْكُلِّيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ، وَبِالصُّورَةِ (1) الصُّورَةُ الْكُلِّيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ، وَهُوَ غَلَطٌ ; فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَجْسَامِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ، وَالْكُلِّيَّاتُ لَا تُوجَدُ كُلِّيَّاتٍ (2) إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مُمَيَّزٌ بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ، لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، إِلَّا فِي الذِّهْنِ إِذَا أُخِذَ كُلِّيًّا.
وَالْأَجْسَامُ يَعْرِضُ لَهَا الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ، وَهُمَا مِنَ الْأَعْرَاضِ، لَيْسَ الِانْفِصَالُ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، غَيْرَ الْجِسْمِ الْمَحْسُوسِ يَرِدُ عَلَيْهِ الِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ، وَيُسَمُّونَهُ الْهَيُولَى وَالْمَادَّةَ، وَهَذَا وَغَيْرُهُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (3) .
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ لَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَةَ مَا يَقُولُونَ وَمَا يَقُولُ غَيْرُهُمْ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، حَتَّى يَعْرِفُوا مَا فِيهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ ; فَيَعْلَمُونَ هَلْ هُمْ مُوَافِقُونَ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، أَوْ هُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ. وَمَنْ أَرَادَ التَّظَاهُرَ بِالْإِسْلَامِ مِنْهُمْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْعِبَارَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَيُعَبِّرُ عَنِ الْجِسْمِ بِعَالَمِ الْمَلَكِ، وَعَنِ النَّفْسِ بِعَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَعَنِ الْعَقْلِ بِعَالَمِ الْجَبَرُوتِ، أَوْ بِالْعَكْسِ. وَيَقُولُونَ إِنَّ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ هِيَ الْمَلَائِكَةُ،
_________
(1) ن، م، س: وَالصُّورَةِ.
(2) ن، م: كَلِمَاتٍ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) انْظُرْ مَثَلًا: كِتَابَ " الصَّفَدِيَّةِ " وَكِتَابَ " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " وَكِتَابَ " الرَّدِّ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ ".
(8/20)

وَقَدْ يَجْعَلُونَ قُوَى النَّفْسِ الَّتِي تَقْتَضِي فِعْلَ الْخَيْرِ هِيَ الْمَلَائِكَةَ، وَقُوَاهَا الَّتِي تَقْتَضِي الشَّرَّ هِيَ الشَّيَاطِينَ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ، وَالْكَلَامَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي نُفُوسِ الْأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ فِي الْخَارِجِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَمَا يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمَمْرُورِينَ (1) وَأَصْحَابِ الرِّيَاضَةِ ; حَيْثُ يَتَخَيَّلُ فِي نَفْسِهِ أَشْكَالًا نُورَانِيَّةً، وَيَسْمَعُ فِي نَفْسِهِ أَصْوَاتًا، فَتِلْكَ هِيَ عِنْدَهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، وَذَلِكَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ مُنْفَصِلٌ.
وَلِهَذَا يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، أَوْ أَعْظَمَ مِمَّا كَلَّمَ مُوسَى ; لِأَنَّ مُوسَى كُلِّمَ عِنْدَهُمْ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ فِي نَفْسِهِ، وَهُمْ يُكَلَّمُونَ بِالْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَصَاحِبُ " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَ " الْكُتُبِ الْمُضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا " (2) وَقَعَ فِي كَلَامِهِ قِطْعَةٌ مِنْ هَذَا النَّمَطِ، وَقَدْ كَفَّرَهُمْ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى مُطَالَعَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنْ هُنَا سَلَكَ صَاحِبُ " خَلْعِ النَّعْلَيْنِ " ابْنُ قَسِيٍّ (3) وَأَمْثَالُهُ، وَكَذَلِكَ
_________
(1) ن، س، ب: الْمَمْرُوزِينَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَفِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " وَالْمَرَارَةُ: الَّتِي فِيهَا الْمِرَّةُ. وَالْمِرَّةُ: إِحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ. ابْنُ سِيدَهْ: وَالْمِرَّةُ مِزَاجٌ مِنْ أَمْزِجَةِ الْبَدَنِ. . . وَالْمَمْرُورُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْمِرَّةُ " وَيَقُولُ ابْنُ سِينَا فِي " الْإِشَارَاتِ وَالتَّنْبِيهَاتِ " 3، 4/871 - 872: " وَقَدْ يُشَاهِدُ قَوْمٌ مِنَ الْمَرْضَى وَالْمَمْرُورِينَ صُوَرًا مَحْسُوسَةً ظَاهِرَةً حَاضِرَةً، وَلَا نِسْبَةَ لَهَا إِلَى مَحْسُوسٍ خَارِجٍ، فَيَكُونُ انْتِقَاشُهَا إِذَنْ مِنْ سَبَبٍ بَاطِنٍ أَوْ سَبَبٍ مُؤَثِّرٍ فِي سَبَبٍ بَاطِنٍ ".
(2) وَهُوَ الْغَزَالِيُّ.
(3) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قَسِيٍّ، رُومِيُّ الْأَصْلِ، مِنْ بَادِيَةِ شِلْبَ، اسْتَعْرَبَ وَتَأَدَّبَ وَقَالَ الشِّعْرَ، ثُمَّ عَكَفَ عَلَى الْوَعْظِ وَكَثُرَ مُرِيدُوهُ، فَادَّعَى أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَتَسَمَّى بِالْإِمَامِ. ثَارَ عَلَى دَوْلَةِ الْمُلَثَّمِينَ وَاشْتَرَكَ فِي الْأَحْدَاثِ السِّيَاسِيَّةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ 546 هـ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ، ص. 199 - 203، الْأَعْلَامِ 1/113 - 114. وَكِتَابِهِ " خَلْعِ النَّعْلَيْنِ " طُبِعَ بِبَيْرُوتَ.
(8/21)

ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ " فُصُوصِ الْحِكَمِ " وَ " الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ " ; وَلِهَذَا ادَّعَى أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ، الَّذِي يُوحَى بِهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَالنَّبِيُّ عِنْدَهُ يَأْخُذُ مِنَ الْمَلَكِ الَّذِي يُوحَى بِهِ إِلَى الرُّسُلِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ عِنْدَهُ يَأْخُذُ مِنَ الْخَيَالَاتِ الَّتِي تَمَثَّلَتْ فِي نَفْسِهِ لَمَّا صُوِّرَتْ لَهُ الْمَعَانِي (1) الْعَقْلِيَّةُ فِي الصُّوَرِ (2) الْخَيَالِيَّةِ، وَتِلْكَ الصُّوَرُ (3) عِنْدَهُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ، وَهِيَ بِزَعْمِهِ تَأْخُذُ عَنْ عَقْلِهِ الْمُجَرَّدِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ خَيَالًا ; وَلِهَذَا يُفَضِّلُ الْوِلَايَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَيَقُولُ:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ
وَالْوَلِيُّ عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عَنْ عَقْلِهِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ هُوَ الْأَخْذُ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ (4) ; إِذْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَلَائِكَةٌ مُنْفَصِلَةٌ تَنْزِلُ بِالْوَحْيِ (5) ، وَالرَّبُّ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا مُبَايِنًا
_________
(1) ن، س: وَالْمَعَانِي.
(2) س، ب: الصُّورَةِ.
(3) ب: الصُّورَةُ.
(4) فِي هَامِشِ (س) أَمَامَ هَذَا الْمَوْضِعِ كُتِبَ مَا يَلِي: " تَنَبَّهْ لِهَذَا التَّقْرِيرِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ سَحْقَاتِ (لَعَلَّهَا: سَخَافَاتِ) الْعُقُولِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْقَصِيدَةِ الْمَشْهُورَةِ: وَمَنْ سَاوَى وَلِيًّا مَعْ نَبِيٍّ: نُكَفِّرْهُ بِذَا الْكَلِمِ اللِّحَابِ فَمَا بَالُكَ إِذَا فَضَّلَ الْوَلِيَّ عَلَى النَّبِيِّ! اهـ. مِنْ هَامِشِ الْأَصْلِ ".
(5) ن، س، ب: تُنْزِلُ الْوَحْيَ.
(8/22)

لِلْمَخْلُوقَاتِ، بَلْ هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ، أَوْ مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ (1) الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ عَنِ اللَّهِ، أَوْ نَفْيِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ، أَوْ حَالٌّ فِيهَا، أَوْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
فَهَذَا عِنْدَهُمْ غَايَةُ كُلِّ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ (2) : النُّبُوَّةُ عِنْدَهُمُ الْأَخْذُ عَنِ الْقُوَّةِ الْمُتَخَيَّلَةِ الَّتِي صَوَّرَتِ الْمَعَانِيَ الْعَقْلِيَّةَ فِي الْمُثُلِ الْخَيَالِيَّةِ، وَيُسَمُّونَهَا الْقُوَّةَ الْقُدْسِيَّةَ ; فَلِهَذَا جَعَلُوا الْوِلَايَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ ظَهَرُوا فِي قَالَبِ التَّصَوُّفِ وَالتَّنَسُّكِ وَدَعْوَى التَّحْقِيقِ وَالتَّأَلُّهِ (3) ، وَأُولَئِكَ ظَهَرُوا فِي قَالَبِ التَّشَيُّعِ وَالْمُوَالَاةِ، فَأُولَئِكَ يُعَظِّمُونَ شُيُوخَهُمْ حَتَّى يَجْعَلُوهُمْ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ يُعَظِّمُونَ الْوِلَايَةَ حَتَّى يَجْعَلُوهَا أَفْضَلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهَؤُلَاءِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ، حَتَّى قَدْ يَجْعَلُونَ الْأَئِمَّةَ أَعْظَمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْإِمَامَ أَعْظَمَ مِنَ النَّبِيِّ، كَمَا يَقُولُهُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ.
وَكِلَاهُمَا أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ (4) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ النَّبِيَّ فَيْلَسُوفًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ النَّبِيَّ عَلَى الْفَيْلَسُوفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَيْلَسُوفَ عَلَى النَّبِيِّ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ
_________
(1) ن: يَنْفِي.
(2) ب: وَمَبْنًى.
(3) ن: وَالتَّأَلُّهِ وَذَلِكَ، س، ب: وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
(4) ن: وَكِلَاهُمَا يُبَاطِنَا الْفَلَاسِفَةَ، س، ب: وَكِلَاهُمَا يُبَاطِنَانِ الْفَلَاسِفَةَ، م: وَكِلَاهُمْ أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالشِّيعَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ مِنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ مِثْلَ ابْنِ سِينَا وَابْنِ عَرَبِيٍّ وَغَيْرِهِمَا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا. . إِلَخْ.
(8/23)

مُكْتَسَبَةٌ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ (1) : إِنَّ النُّبُوَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثِ صِفَاتٍ، مَنْ حَصَلَتْ لَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ: أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ حَدْسِيَّةٌ يَنَالُ بِهَا الْعِلْمَ بِلَا تَعَلُّمٍ، وَأَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ قَوِيَّةً لَهَا تَأْثِيرٌ فِي هَيُولَى الْعَالَمِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ يَتَخَيَّلُ بِهَا مَا يَعْقِلُهُ، وَمَرْئِيًّا فِي نَفْسِهِ، وَمَسْمُوعًا فِي نَفْسِهِ.
هَذَا كَلَامُ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ فِي النُّبُوَّةِ، وَعَنْهُ أَخَذَ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي كُتُبِهِ " الْمُضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا ".
وَهَذَا الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرُوهُ يَحْصُلُ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَبِيًّا، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَهَؤُلَاءِ قَالُوا هَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْكَلَامِ (2) فِي النُّبُوَّةِ عَلَى أُصُولِ سَلَفِهِمُ الدَّهْرِيَّةِ، الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، لَا مُفْعُولَةٌ لِفَاعِلٍ بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَأَنْكَرُوا عِلْمَهُ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ ; فَتَكَلَّمَ هَؤُلَاءِ فِي النُّبُوَّةِ عَلَى أُصُولِ أُولَئِكَ.
وَأَمَّا الْقُدَمَاءُ - أَرِسْطُو وَأَمْثَالُهُ - فَلَيْسَ لَهُمْ فِي النُّبُوَّةِ كَلَامٌ مُحَصَّلٌ. وَالْوَاحِدُ (3) مِنْ هَؤُلَاءِ يَطْلُبُ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا، كَمَا كَانَ السُّهْرَوَرْدِيُّ الْمَقْتُولُ يَطْلُبُ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّظَرِ وَالتَّأَلُّهِ، وَسَلَكَ نَحْوًا مِنْ مَسْلَكِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَجَمَعَ بَيْنَ فَلْسَفَةِ الْفُرْسِ وَالْيُونَانِ، وَعَظَّمَ أَمْرَ الْأَنْوَارِ، وَقَرَّبَ دِينَ الْمَجُوسِ الْأَوَّلَ، وَهِيَ نُسْخَةُ الْبَاطِنِيَّةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَانَ لَهُ
_________
(1) س، ب: وَيَقُولُونَ. .
(2) س، ب: فِي الْكَلَامِ.
(3) ن، س، ب: فَالْوَاحِدُ.
(8/24)

يَدٌ فِي السِّحْرِ وَالسِّيمِيَاءِ، فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ بِحَلَبَ فِي زَمَنِ صَلَاحِ الدِّينِ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ سَبْعِينَ، الَّذِي جَاءَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا، وَجَدَّدَ غَارَ حِرَاءٍ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتِدَاءً، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ ذَرِبَ ابْنُ آمِنَةَ (1) حَيْثُ قَالَ: " «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ". ب وَكَانَ بَارِعًا فِي الْفَلْسَفَةِ، وَفِي تَصَوُّفِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ، وَابْنُ عَرَبِيٍّ، وَأَمْثَالُهُمَا كَالصَّدْرِ الْقُونَوِيِّ، وَابْنِ الْفَارِضِ، وَالتِّلِمْسَانِيِّ: مُنْتَهَى أَمْرِهِمُ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَأَنَّ الْوُجُودَ (2) الْوَاجِبَ الْقَدِيمَ الْخَالِقَ هُوَ الْوُجُودُ الْمُمْكِنُ الْمُحْدَثُ الْمَخْلُوقُ، مَا ثَمَّ لَا غَيْرُ (3) وَلَا سِوَى، لَكِنْ لَمَّا رَأَوْا تَعَدُّدَ الْمَخْلُوقَاتِ صَارُوا تَارَةً يَقُولُونَ: مَظَاهِرُ وَمَجَالِي.
فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: فَإِنْ كَانَتِ الْمَظَاهِرُ أَمْرًا وُجُودِيًّا تَعَدَّدَ (4) الْوُجُودُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا حِينَئِذٍ حَقِيقَةٌ. وَمَا هُوَ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ، الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ الْوُجُودَ نَوْعَانِ خَالِقٌ وَمَخْلُوقٌ.
قَالُوا: نَحْنُ نُثْبِتُ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، وَمَنْ
_________
(1) ن،] ، ب: لَقَدْ رَرِبَ (غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) ، م لَقَدْ تَرَدَّبَ (غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) الرَّامِيَةُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ. وَفِي " اللِّسَانِ ": وَقِيلَ: الذَّرِبُ اللِّسَانِ: الشَّتَّامُ الْفَاحِشُ "
(2) عِبَارَةُ " وَأَنَّ الْوُجُودَ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(3) م: لَا غَيْرُهُ.
(4) ن: بِعَدَدٍ. وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م) .
(8/25)

أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحَقِّقًا مِثْلَنَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَلْتَزِمَ (1) الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ يَكُونُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَكْثُرُونَ فِي الدُّوَلِ الْجَاهِلِيَّةِ (2) ، وَعَامَّتُهُمْ تَمِيلُ إِلَى التَّشَيُّعِ، كَمَا عَلَيْهِ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَابْنُ سَبْعِينَ وَأَمْثَالُهُمَا ; فَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى كَشْفِ حَقَائِقِ هَؤُلَاءِ، وَبَيَانِ أُمُورِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَةَ إِشَارَاتِهِمْ، فَلَمَّا يَسَّرَ اللَّهُ أَنِّي بَيَّنْتُ لَهُمْ حَقَائِقَهُمْ، وَكَتَبْتُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ مَا عَلِمُوا بِهِ أَنَّ هَذَا هُوَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِمْ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ بُطْلَانُهُ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وَالْكَشْفِ الْمُطَابِقِ، رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ (3) وَفُضَلَائِهِمْ مَنْ رَجَعَ، وَأَخَذَ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ لِلنَّاسِ تَنَاقُضَهُمْ، وَيَرُدُّونَهُمْ إِلَى الْحَقِّ (4) .
وَكَانَ مِنْ أُصُولِ ضَلَالِهِمْ (5) ظَنُّهُمْ أَنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ، إِمَّا: مُطْلَقٌ لَا بِشَرْطٍ (6) ، (* وَإِمَّا مُطْلَقٌ بِشَرْطٍ، فَالْمُطْلَقُ لَا
_________
(1) م: يَلْزَمَ.
(2) ب: الْجَاهِلَةِ.
(3) م: أَعْيَانِهِمْ، ن: عَيَايِهِمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) ن، س: وَبُرُودَتَهُمْ مِنَ الْحَقِّ، ب: وَبَرَاءَتَهُمْ مِنَ الْحَقِّ: م وَيَرُدُّونَهُمْ مِنَ الْحَقِّ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(5) م: إِضْلَالِهِمْ.
(6) ن، س، ب: إِمَّا مَعْلُولًا بِشَرْطٍ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) .
(8/26)

بِشَرْطٍ *) (1) الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ: فَإِنَّ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُقَيَّدًا مُعَيَّنًا هُوَ مُطْلَقٌ فِي الذِّهْنِ، مُقَيَّدٌ فِي الْخَارِجِ. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الذِّهْنِ (2) شَيْئًا مُطْلَقًا وَهُوَ مُطْلَقٌ حَالَ تَحَقُّقِهِ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ غَالِطٌ غَلَطًا ضَلَّ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ فَهُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ جَمِيعِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ، كَمَا يُوجَدُ الْإِنْسَانُ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ قَيْدٍ. فَإِذَا قُلْتَ: مَوْجُودٌ أَوْ مَعْدُومٌ، أَوْ وَاحِدٌ أَوْ كَثِيرٌ، أَوْ فِي الذِّهْنِ أَوْ فِي الْخَارِجِ - كَانَ ذَلِكَ قَيْدًا زَائِدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ.
وَهَكَذَا الْوُجُودُ تَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ قَيْدٍ ثُبُوتِيٍّ وَسَلْبِيٍّ، فَلَا تَصِفُهُ، لَا بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَلَا الثُّبُوتِيَّةِ.
وَهَذَا (3) هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ، كَأَبِي يَعْقُوبَ السِّجِسْتَانِيِّ صَاحِبِ " الْأَقَالِيدِ الْمَلَكُوتِيَّةِ " وَأَمْثَالِهِ. لَكِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ: يَرْفَعُ (4) النَّقِيضَيْنِ، فَيَقُولُ: لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ أُمْسِكُ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، فَلَا أَقُولُ: مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ (5) ، كَأَبِي يَعْقُوبَ، وَهُوَ مُنْتَهَى تَجْرِيدِ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ.
_________
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) ن، م: فِي الْخَارِجِ. وَفِي (س) فِي الْأَصْلِ: فِي الْخَارِجِ، وَكُتِبَ فِي الْهَامِشِ: لَعَلَّهُ: فِي الذِّهْنِ.
(3) س، ب: وَهَكَذَا.
(4) ن، س: مَنْ لَا يَعْرِفُ يَرْفَعُ، م: مَنْ لَا يَرْفَعُ، ب: مَنْ لَا يُعْرَفُ بِرَفْعِ.
(5) (4 - 4) سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(8/27)

وَابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ يَقُولُونَ: الْوُجُودُ الْوَاجِبُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ دُونَ السَّلْبِيَّةِ، وَهَذَا أَبْعَدُ عَنِ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ مِنَ الْمُقَيَّدِ بِسَلْبِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ.
فَقُلْتُ لِأُولَئِكَ الْمُدَّعِينَ لِلتَّحْقِيقِ: أَنْتُمْ بَنَيْتُمْ أَمْرَكُمْ عَلَى الْقَوَانِينِ الْمَنْطِقِيَّةِ، وَهَذَا الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ النَّقِيضَيْنِ عَنْهُ، لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ (* بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ تَقْدِيرًا، وَإِلَّا فَإِذَا قَدَّرْنَا إِنْسَانًا مُطْلَقًا، وَاشْتَرَطْنَا فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا، وَلَا وَاحِدًا وَلَا كَثِيرًا، لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَارِجِ، بَلْ نَفْرِضُ فِي الذِّهْنِ، كَمَا نَفْرِضُ الْجَمْعَ بَيْنَ *) (1) النَّقِيضَيْنِ، فَفَرْضُ رَفْعِ (2) النَّقِيضَيْنِ كَفَرْضِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ تَارَةً يَصِفُونَهُ بِجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ أَوِ الْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا، كَمَا يَفْعَلُ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَغَيْرُهُ كَثِيرًا (3) ، وَتَارَةً يَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَمَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي كَلَامِ أَصْحَابِ " الْبِطَاقَةِ " وَغَيْرِهِمْ.
فَإِذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ مُبْدِعُ الْعَالَمِ، وَشَرَطُوا فِيهِ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِثُبُوتٍ وَلَا انْتِفَاءٍ (4) - كَانَ تَنَاقُضًا ; فَإِنَّ كَوْنَهُ مُبْدِعًا لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا وَهَذَا.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا مَوْجُودٌ وَاجِبٌ، وَشَرَطُوا فِيهِ التَّجْرِيدَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ - كَانَ تَنَاقُضًا.
_________
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) رَفْعِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(3) م: بِكَثْرَةٍ.
(4) م: بِثُبُوتِ الِانْتِفَاءِ.
(8/28)

وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: مَوْجُودٌ لَا مَوْجُودٌ، وَوَاجِبٌ لَا وَاجِبٌ، وَهَذَا مُنْتَهَى أَمْرِهِمْ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ.
وَلِهَذَا يَصِيرُونَ إِلَى الْحَيْرَةِ وَيُعَظِّمُونَهَا، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُنْتَهَى مَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالْأَئِمَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ.

وَمِنْ أُصُولِ ضَلَالِهِمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ هَذَا تَنْزِيهٌ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَتَى وَصَفُوا بِصِفَةِ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ كَانَ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِذَلِكَ. وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ التَّشْبِيهَ الْمَنْفِيَّ عَنِ اللَّهِ هُوَ مَا كَانَ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، أَوْ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ; بِحَيْثُ يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُمْ، أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا.
فَإِنَّ هَذَا هُوَ التَّمْثِيلُ الْمُمْتَنِعُ الْمَنْفِيُّ بِالْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ، فَيَمْتَنِعُ وَصْفُهُ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ (1) ، وَيَمْتَنِعُ مُمَاثَلَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَهَذَانِ جُمَّاعٌ لِمَا يُنَزَّهُ الرَّبُّ تَعَالَى عَنْهُ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
وَعَلَى هَذَا وَهَذَا دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ (2) .
فَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ فِي الِاسْمِ، كَحَيٍّ وَحَيٍّ، وَمَوْجُودٍ وَمَوْجُودٍ، وَعَلِيمٍ وَعَلِيمٍ - فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَلْزَمُ مَنْ نَفَى هَذَا التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ ; فَإِنَّ كُلَّ
_________
(1) م: النَّقَائِضِ.
(2) وَهُوَ كِتَابُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَطُبِعَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
(8/29)

مَوْجُودَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَحِينَئِذٍ (1) لَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَهُمَا اسْمٌ عَامٌّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى عَامٍّ (2) ، لَكِنَّ الْمَعْنَى الْعَامَّ (3) لَا يُوجَدُ عَامًّا إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَا (4) فِي الْخَارِجِ.
فَإِذَا قِيلَ: هَذَا الْمَوْجُودُ وَهَذَا الْمَوْجُودُ مُشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، كَانَ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ لَا يُوجَدُ مُشْتَرَكًا إِلَّا فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ (5) ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَهُوَ يَخْتَصُّ بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِ نَفْسِهِ، لَا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا الِاشْتِرَاكُ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّشَابُهِ وَالِاتِّفَاقِ، وَالْمُشْتَرَكُ فِيهِ الْكُلِّيُّ لَا يُوجَدُ كَذَلِكَ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الْخَارِجِ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مُتَمَيِّزًا عَنْ نَظِيرِهِ، لَا يَكُونُ هُوَ إِيَّاهُ، وَلَا هُمَا فِي الْخَارِجِ، مُشْتَرِكَانِ فِي شَيْءٍ فِي الْخَارِجِ.
فَاسْمُ الْخَالِقِ إِذَا وَافَقَ اسْمَ الْمَخْلُوقِ، كَالْمَوْجُودِ وَالْحَيِّ - وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاسْمَ عَامٌّ كُلِّيٌّ، وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَوِ الْمُشَكِّكَةِ (6) - لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الرَّبُّ مِنْ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ الْمَخْلُوقُ، بَلْ وَلَا يَكُونُ مَا يَتَّصِفُ بِهِ أَحَدُ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ آخَرُ، بَلْ وُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ
_________
(1) ن: وَحِينَ، س: وَحِينَئِذٍ، م: وَيُعْتَبَرُ.
(2) (2 - 2) : سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(3) م، س، ب: الْقَائِمَ.
(4) م: وَلَا، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) م: لَا فِي الذِّهْنِ وَلَا فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(6) م: وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُشْكِلَةِ. . .، ن: وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَوِ الْمُشْكِلَةِ.
(8/30)

وَوُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ، لَكِنْ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ قَدْ يُمَاثِلُ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَيَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ.
وَأَمَّا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، بَلِ التَّبَايُنُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ خَلْقِهِ فِي صِفَاتِهِ، أَعْظَمُ مِنَ التَّبَايُنِ الَّذِي بَيْنَ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَحْقَرِهَا. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الْعَامُّ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ، فَذَاكَ - كَمَا ذَكَرْنَا - لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا إِلَّا فِي الذِّهْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُتَّصِفَانِ بِهِ بَيْنَهُمَا نَوْعُ مُوَافَقَةٍ وَمُشَارَكَةٍ وَمُشَابَهَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَذَاكَ لَا مَحْذُورَ فِيهِ ; فَإِنَّهُ (1) مَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ وُجُوبٍ وَجَوَازٍ وَامْتِنَاعٍ فَإِنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِهِ، فَالْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ، أَوِ الْعَلِيمُ أَوِ الْحَيُّ، مَهْمَا قِيلَ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ وُجُوبٍ وَامْتِنَاعٍ وَجَوَازٍ، فَاللَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ، بِخِلَافِ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ وَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ وُجُوبٍ وَجَوَازٍ وَاسْتِحَالَةٍ، كَمَا أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يُوصَفُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ مِنْ وُجُوبٍ وَجَوَازٍ وَاسْتِحَالَةٍ.
فَمَنْ فَهِمَ هَذَا انْحَلَّتْ عَنْهُ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، يَعْثُرُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَذْكِيَاءِ، النَّاظِرِينَ فِي الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، فَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِهِمْ فِي الْوُجُودِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ أَكْمَلُهَا فِي التَّعْطِيلِ وَالْإِلْحَادِ.
وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ: إِنَّهُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ (* بِالْقُيُودِ السَّلْبِيَّةِ
_________
(1) ب: فَإِنَّ.
(8/31)

لَا الثُّبُوتِيَّةِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ *) (1) تَارَةً (2) لَا يَعْرِضُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَاهِيَّاتِ، كَمَا يُعَبِّرُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ - بِنَاءًا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْوُجُودَ يَعْرِضُ لِلْمَاهِيَّةِ الْمُمْكِنَةِ. فَإِنَّ لِلنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قِيلَ: إِنَّ الْوُجُودَ زَائِدٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الرَّازِيِّ، وَقَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ النُّظَّارِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: بَلِ الْوُجُودُ فِي الْخَارِجِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْخَارِجِ، لَيْسَ هُنَاكَ شَيْئَانِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ النُّظَّارِ مِنْ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ ظَنَّ الشَّهْرَسْتَانِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَنَحْوُهُمْ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ: إِنَّ لَفْظَ الْوُجُودِ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ هُمْ جَمَاهِيرُ الْخَلْقِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ لَفْظَ " الْوُجُودِ " مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، إِلَّا طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، وَاسْمُ الْوُجُودِ يَعُمُّهُمَا.
لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ يَنْفِي الْأَحْوَالَ، وَيَقُولُ: الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ يَعُودُ إِلَى الْأَقْوَالِ، وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ مَعْنًى كُلِّيٌّ عَامٌّ، لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنَّ الذِّهْنَ لَا يَقُومُ بِهِ مَعْنًى عَامٌّ كُلِّيٌّ.
_________
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) ب: بِأَنْ.
(8/32)

وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَنْ قَالَ: وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ نَفْسُ حَقِيقَتِهِ الْمَوْجُودَةِ، إِنَّمَا هَذَا هُوَ قَوْلٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا جَعَلْنَا الْوُجُودَ عَامًّا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ، أَوِ الْمُتَفَاضِلَةِ (1) الَّتِي تُسَمَّى الْمُشَكِّكَةَ، وَقُلْنَا: إِنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَقَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، كَانَ النَّوْعَانِ قَدِ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، وَهُوَ كُلِّيٌّ مُطْلَقٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ غَيْرُ الْوُجُودِ.
فَمَنْ قَالَ إِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ الْحَقِيقَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ: لَفْظُ الْوُجُودِ يَعُمُّهُمَا، بَلْ يَقُولُ: هُوَ مَقُولٌ عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ.
وَهَذَا غَلَطٌ ضَلَّتْ فِيهِ طَوَائِفُ، كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ.
بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْوُجُودِ كَلَفْظِ الْحَقِيقَةِ، وَكَلَفْظِ الْمَاهِيَّةِ، وَكَلَفْظِ الذَّاتِ وَالنَّفْسِ، فَإِذَا قُلْتُمْ: الْوُجُودُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، أَوْ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ - كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكُمْ: الْحَقِيقَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبَةٍ وَمُمْكِنَةٍ، أَوْ إِلَى قَدِيمَةٍ وَمُحْدَثَةٍ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: الذَّاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، وَالْمَاهِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى هَذَا وَهَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: الشَّيْءُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَقَدِيمٍ وَحَادِثٍ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُلْتُمْ: يَشْتَرِكَانِ فِي الْوُجُودِ أَوِ الْوُجُوبِ (2) ، وَيَمْتَازُ أَحَدُهُمَا
_________
(1) م: وَالْمُتَفَاضِلَةِ.
(2) م: فِي الْوُجُودِ وَالْوَاجِبِ.
(8/33)

عَنِ الْآخَرِ بِالْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَاهِيَّةِ (1) - كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوِ الْحَقِيقَةِ (2) ، وَيَمْتَازُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِالْوُجُودِ أَوِ الْوُجُوبِ (3) .
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْوُجُودِ الْعَامِّ الْكُلِّيِّ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي تَخُصُّهُ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ يُقَالُ: إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْحَقِيقَةِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْوُجُودِ الَّذِي يَخُصُّهُ ; فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا (4) ، كَالْجِنْسِ وَالْعَرَضِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ مُخْتَصًّا مُمَيَّزًا جُزْئِيًّا، كَالْفَصْلِ وَالْخَاصَّةِ. لَكِنْ عَمَدْتُمْ إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَقَدَّرْتُمْ أَحَدَهُمَا فِي حَالِ عُمُومِهِ، وَالْآخَرَ فِي حَالِ خُصُوصِهِ، فَهَذَا كَانَ مِنْ تَقْدِيرِكُمْ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّقْدِيرُ كَمَا أَمْكَنَ فِي الْآخَرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، وَكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا وَمُمَيَّزًا، فَلَا فَرْقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ مَا جَعَلْتُمُوهُ جِنْسًا أَوْ عَرَضًا عَامًّا، وَمَا جَعَلْتُمُوهُ فَصْلًا أَوْ خَاصَّةً، إِلَّا أَنَّكُمْ قَدَّرْتُمْ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَامًّا وَالْآخَرَ خَاصًّا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِذَا قُلْتُمُ: الْمَوْجُودَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِأَمْرٍ آخَرَ.
قِيلَ لَكُمْ: الْمُمَيَّزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودًا (5) خَاصًّا، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهُ
_________
(1) م: وَالْمَاهِيَّةِ.
(2) م: وَالْحَقِيقَةِ.
(3) م: وَالْوُجُوبِ.
(4) ب: مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا.
(5) م: مَوْجُودًا
(8/34)

يَكُونُ شَيْءٌ خَارِجٌ (1) عَنْ مُسَمَّى الْوُجُودِ حَتَّى تُثْبِتُونَ حَقِيقَةً أُخْرَى، وَهَذَا كَمَا إِذَا قُلْنَا: الْإِنْسَانَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَحَدُهُمَا يَمْتَازُ عَنِ الْآخَرِ بِخُصُوصِيَّةٍ أُخْرَى - كَانَ الْمُمَيَّزَ إِنْسَانِيَّتُهُ الَّتِي تَخُصُّهُ، لَمْ يُحْتَجْ أَنْ يُجْعَلَ الْمُمَيَّزُ شَيْئًا غَيْرَ الْإِنْسَانِيَّةِ يَعْرِضُ لَهُ الْإِنْسَانِيَّةُ.
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَنْوَاعَ الْمُشْتَرَكَةَ فِي كُلِّيٍّ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا إِلَّا مَوَادُّ أُخْرَى. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ عَلَى غَلَطِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ فِيمَا غَلِطُوا فِيهِ فِي الْكُلِّيَّاتِ، وَتَقْسِيمِ الْكُلِّيَّاتِ، وَتَرْكِيبِ الْحُدُودِ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَوَادِّ الْأَقْيِسَةِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْيَقِينِيِّ وَغَيْرِ الْيَقِينِيِّ مِنْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: إِذَا قُلْنَا: الْمَوْجُودَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، وَأَحَدُهُمَا لَا بُدَّ أَنْ يَمْتَازَ عَنِ الْآخَرِ. فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي أَمْرٍ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ ; فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي ذَلِكَ وَتَشَابَهَا فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَنَفْسُ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ مُشْتَرَكًا فِيهِ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَا فِي الْخَارِجِ، وَإِلَّا فَنَفْسُ وُجُودِ هَذَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهِ هَذَا.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُلْنَا: لَفْظُ " الْوُجُودِ " (2) مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَوِ الْمُشَكِّكَةِ، وَهِيَ الْمُتَوَاطِئَةُ الَّتِي تَتَفَاضَلُ مَعَانِيهَا، لَا تَتَمَاثَلُ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي أَصْلِ الْمُسَمَّى، كَالْبَيَاضِ الْمَقُولِ عَلَى بَيَاضِ الثَّلْجِ الْقَوِيِّ وَبَيَاضِ
_________
(1) ب (فَقَطْ) : شَيْئًا خَارِجًا. وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ يُوجَدُ شَيْءٌ خَارِجٌ. . إِلَخْ.
(2) س، ب: الْمَوْجُودِ.
(8/35)

الْعَاجِ الضَّعِيفِ، وَالسَّوَادِ الْمَقُولِ عَلَى سَوَادِ الْقَارِ وَعَلَى سَوَادِ الْحَبَشَةِ، وَالْعُلُوِّ الْمَقُولِ عَلَى عُلُوِّ السَّمَاءِ وَعَلَى عُلُوِّ السَّقْفِ، وَالْوَاسِعِ الْمَقُولِ عَلَى الْبَحْرِ وَعَلَى الدَّارِ الْوَاسِعَةِ، وَالْوُجُودِ الْمَقُولِ عَلَى الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ وَعَلَى الْمُمْكِنِ الْمَوْجُودِ بِغَيْرِهِ، وَعَلَى الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَالْقَائِمِ بِغَيْرِهِ، وَالْقَدِيمِ الْمَقُولِ عَلَى الْعُرْجُونِ وَعَلَى مَا لَا أَوَّلَ لَهُ، وَالْمُحْدَثِ الْمَقُولِ عَلَى مَا أُحْدِثَ فِي الْيَوْمِ وَعَلَى كُلِّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَالْحَيِّ الَّذِي يُقَالُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَعَلَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا.
بَلْ أَسْمَاءُ اللَّهِ [الْحُسْنَى] (1) تَعَالَى الَّتِي تَسَمَّى بِهَا خَلْقُهُ، كَالْمَلِكِ، وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، وَالْعَلِيمِ وَالْخَبِيرِ (2) ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ.
فَإِذَا قِيلَ: فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ وَمَعَانِيهَا الْعَامَّةِ - سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَمَاثِلَةً أَوْ مُتَفَاضِلَةً - إِنَّ أَفْرَادَهَا اشْتَرَكَتْ فِيهَا أَوِ اتَّفَقَتْ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَمْ يُرَدْ بِهِ أَنَّ فِي الْخَارِجِ مَعْنًى عَامًّا يُوجَدُ (3) عَامًّا فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ نَفْسُهُ مُشْتَرَكٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةَ اشْتَرَكَتْ فِي هَذَا الْعَامِّ، الَّذِي لَا يَكُونُ عَامًّا إِلَّا فِي عِلْمِ الْعَالِمِ، كَمَا أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يَكُونُ عَامًّا إِلَّا فِي لَفْظِ اللَّافِظِ، وَالْخَطَّ الْعَامَّ لَا يَكُونُ عَامًّا إِلَّا فِي خَطِّ الْكَاتِبِ.
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ عَامًّا شُمُولُهُ لِلْأَفْرَادِ الْخَارِجَةِ، لَا أَنَّهُ (4) نَفْسَهُ شَيْءٌ
_________
(1) الْحُسْنَى: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(2) ن، م: وَالْحَكِيمِ.
(3) (3 - 3) : سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(4) م: أَنَّ.
(8/36)

مَوْجُودٌ يَكُونُ هُوَ (1) نَفْسُهُ مَعَ هَذَا الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ نَفْسُهُ مَعَ هَذَا الْمُعَيَّنِ ; فَإِنَّ هَذَا (2) مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ ابْنَ سِينَا مَذْهَبُهُ أَنَّ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ لِنَفْسِهِ هُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ جَمِيعِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ، لَا بِجَعْلِهِ مُقَيَّدًا (3) بِسَلْبِ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، كَمَا فَعَلَ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْقَرَامِطَةِ [وَغَيْرِهِمْ] (4) ، وَعَبَّرَ ابْنُ سِينَا عَنْ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَقَائِقِ، أَوْ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَاهِيَّاتِ ; (* لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْوُجُودَ يَعْرِضُ لِلْمُمْكِنَاتِ، وَهُوَ يَقُولُ: وُجُودُ الْوَاجِبِ نَفْسُ مَاهِيَّتِهِ.
وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ عِنْدَهُ: هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ سَلْبِ الْمَاهِيَّاتِ *) (5) عَنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ مَاهِيَّةٌ سِوَى الْوُجُودِ الْمُقَيَّدِ بِالسَّلْبِ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ وَجَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَهُ حَقِيقَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا، لَا تُمَاثِلُ (6) شَيْئًا مِنَ الْحَقَائِقِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ يَقُولُونَ: هِيَ مَوْجُودَةٌ بِوُجُودٍ زَائِدٍ عَلَى حَقِيقَتِهَا.
_________
(1) عِبَارَةُ " يَكُونُ هُوَ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(2) عِبَارَةُ " فَإِنَّ هَذَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(3) م: مُقَدَّرًا.
(4) وَغَيْرِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) . وَفِي (س) : وَغَيْرِهِ.
(5) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(6) ن، م، س: لَا يُمَاثِلُ.
(8/37)

وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: الْحَقَائِقُ الْمَخْلُوقَةُ لَيْسَتْ فِي الْخَارِجِ، إِلَّا الْمَوْجُودَ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا ذِهْنِيًّا، وَالْآخِرُ خَارِجِيًّا، فَإِذَا جُعِلَتِ الْمَاهِيَّةُ أَوِ الْحَقِيقَةُ اسْمًا لِمَا فِي الذِّهْنِ، كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَا فِي الْخَارِجِ. وَأَمَّا إِذَا قِيلَ: الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ فَهُوَ الْمَاهِيَّةُ الذِّهْنِيَّةُ، وَإِذَا قِيلَ: الْمَاهِيَّةُ الْخَارِجِيَّةُ فَهِيَ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى.
وَمَذْهَبُ ابْنِ سِينَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ ; فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ الْمَوْجُودَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ، لَمْ يُمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمُجَرَّدِ السَّلْبِ، فَإِنَّ التَّمْيِيزَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُشْتَرِكَيْنِ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْعَدَمِ الْمَحْضِ ; إِذِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الِامْتِيَازُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَكُونُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْمَوْجُودَيْنِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا أَمْرًا ثُبُوتِيًّا، أَوْ مُتَضَمِّنًا لِأَمْرٍ ثُبُوتِيٍّ.
وَهَذَا مُسْتَقِرٌّ عِنْدَهُمْ فِي الْمَنْطِقِ، فَكَيْفَ يَكُونُ وُجُودُ الرَّبِّ مُمَاثِلًا لِوُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ (1) وَلَا يَمْتَازُ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَّا بِعَدَمٍ مَحْضٍ لَا ثُبُوتَ فِيهِ؟
بَلْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ أَيُّ مَوْجُودٍ قُدِّرَ أَكْمَلَ مِنْ هَذَا الْمَوْجُودِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَوْجُودَ مُخْتَصٌّ - مَعَ وُجُودِهِ - بِأَمْرِ ثُبُوتِيٍّ عِنْدَهُ، وَالْوُجُودُ الْوَاجِبُ لَا يَخْتَصُّ عِنْدَهُ إِلَّا بِأَمْرٍ عَدَمِيٍّ، مَعَ تَمَاثُلِهِمَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ.
فَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ مُمَاثَلَةَ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ لِوُجُودِ كُلِّ مُمْكِنٍ فِي
_________
(1) م: الْمَوْجُودِ.
(8/38)

الْوُجُودِ، وَأَنْ لَا يَمْتَازَ عَنْهُ إِلَّا بِسَلْبِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ.
وَالْكَمَالُ هُوَ فِي الْوُجُودِ لَا فِي الْعَدَمِ ; إِذِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا كَمَالَ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يَمْتَازُ عَنِ الْمُمْكِنَاتِ بِسَلْبِ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ، وَتَمْتَازُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ.
وَهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُمْكِنَاتِ فِي الْكَمَالِ وَالْوُجُودِ، وَوَصْفِ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ بِالنَّقْصِ وَالْعَدَمِ.
وَأَيْضًا فَهَذَا الْوُجُودُ الَّذِي لَا يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا بِالْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ (1) يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ ; لِأَنَّهُ إِذَا شَارَكَ سَائِرَ الْمَوْجُودَاتِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ كَانَ هَذَا كُلِّيًّا، وَالْوُجُودُ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَا فِي الْخَارِجِ، وَالْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ الْمَحْضَةُ لَا تُوجِبُ ثُبُوتَهُ (2) فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ مَا فِي الذِّهْنِ هُوَ بِسَلْبِ الْحَقَائِقِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْهُ أَحَقُّ بِسَلْبِهَا (3) عَمَّا فِي الْخَارِجِ، لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي الْخَارِجِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟
فَإِذَا كَانَ الْكُلِّيُّ لَا يَكُونُ إِلَّا ذِهْنِيًّا، وَالْقَيْدُ الْعَدَمِيُّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا، ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا فِي الْخَارِجِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا، لَهُ وُجُودٌ يَخُصُّهُ، فَمَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ.
_________
(1) م: إِلَّا بِأُمُورِ الْعَدَمِ.
(2) م: ثُبُوتًا.
(3) س، ب: لِسَلْبِهَا.
(8/39)

فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ - وَغَيْرِهَا - أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، لَا فِي الْخَارِجِ.
فَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ.
وَلَهُمْ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ لَا (1) بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُعَيَّنًا، فَيَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ، وَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ (2) ، فَيَكُونُ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ الْمُبْدِعُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ: إِمَّا عَرَضًا قَائِمًا بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَإِمَّا جُزْءًا مِنْهَا، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُفْتَقِرًا إِلَى الْمُمْكِنِ عَرَضًا فِيهِ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ فِي الْحَيَوَانَاتِ، لَا تَكُونُ هِيَ الْخَالِقَةَ لِلْحَيَوَانِ، وَلَا الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ الْمُبْدِعَةَ لِلْإِنْسَانِ ; فَإِنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ وَعَرَضَهُ لَا يَكُونُ هُوَ الْخَالِقَ لَهُ، بَلِ الْخَالِقُ مُبَايِنٌ لَهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ ; إِذْ جُزْؤُهُ وَعَرَضُهُ دَاخِلٌ فِيهِ، وَالدَّاخِلُ فِي الشَّيْءِ لَا يَكُونُ هُوَ الْمُبْدِعَ لَهُ كُلِّهِ (3) .
فَمَا وَصَفُوا بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَمْتَنِعُ مَعَهُ (4) أَنْ يَكُونَ خَالِقًا (5) لِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (6) .
_________
(1) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) عِبَارَةُ " وَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ " سَاقِطَةٌ فِي (م) وَمَكَانُهَا بَيَاضٌ.
(3) م: كُلِّيًّا.
(4) م: مِنْهُ.
(5) ن، س جَاهِلًا، ب: جَاعِلًا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(6) م: مَوَاضِعَ أُخَرَ.
(8/40)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ (1) تَعْطِيلُ الْخَالِقِ، وَجَحْدُ حَقِيقَةِ النُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ وَالشَّرَائِعِ، وَيَنْتَسِبُونَ إِلَى مُوَالَاةِ عَلِيٍّ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ، كَمَا تَدَّعِي الْقَدَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا، وَيَدَّعُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ مَأْخُوذَةٌ عَنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَعِلْمُ التَّفْسِيرِ إِلَيْهِ يُعْزَى ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ تِلْمِيذَهُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَفْسِيرِ " الْبَاءِ " مِنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: أَيْنَ الْإِسْنَادُ الثَّابِتُ بِهَذَا النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ فَإِنَّ أَقَلَّ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَجِّ بِالْمَنْقُولَاتِ أَنْ يَذْكُرَ الْإِسْنَادَ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ صِحَّةُ النَّقْلِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ مَا يُذْكَرُ فِي الْكُتُبِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْكَذِبِ (3) .
وَيُقَالُ: ثَانِيًا: أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ ; فَإِنَّ هَذَا الْأَثَرَ الْمَأْثُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا
_________
(1) ن، م، س: الَّذِينَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ. . .
(2) فِي (ك) ص 179 (م) - 180 (م) .
(3) فِي هَامِشِ (س) أَمَامَ هَذَا الْمَوْضِعِ كُتِبَ مَا يَلِي: " صِحَّةُ الْإِسْنَادِ شَرْطٌ لِلِاسْتِدْلَالِ ".
(8/41)

يُذْكَرُ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ بِلَا إِسْنَادٍ. وَهَذِهِ يَرْوِيهَا أَهْلُ الْمَجْهُولَاتِ، الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَيَجْعَلُونَ كَلَامَ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ جِنْسِ كَلَامِهِمْ، كَمَا يَقُولُونَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثَانِ، وَكُنْتُ كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَهُمَا. فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى عُمَرَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَمَا يَنْقُلُونَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ (* لِيَسْأَلَهَا عَنْ عِلْمِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَشُمُّ مِنْ فِيهِ رَائِحَةَ الْكَبِدِ الْمُحْتَرِقَةِ، وَهَذَا أَيْضًا كَذِبٌ، وَعُمَرُ لَمْ يَتَزَوَّجِ امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ *) (1) ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ: تَزَوَّجَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَمَعَهَا رَبِيبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَتَرَبَّى عِنْدَهُ.
وَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ نُقِلَ عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَا شَاءَ اللَّهُ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ عَلِيٍّ. وَابْنُ عَبَّاسٍ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: يَرْوِي عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَرِوَايَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَلَمْ يُخَرِّجْ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ (2) شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَخَرَّجُوا حَدِيثَهُ عَنْ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَيْضًا فَالتَّفْسِيرُ أُخِذَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ (3) : أُخِذَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ
_________
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) م: الصَّحِيحَيْنِ.
(3) ن: عَنْ عُمَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، س، ب: عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) وَهُوَ الصَّوَابُ.
(8/42)

مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا عَنْ عَلِيٍّ شَيْئًا، وَمَا يُعْرَفُ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ تَفْسِيرٌ ثَابِتٌ [عَنْهُ] (1) . وَهَذِهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ مَمْلُوءَةٌ بِالْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالَّذِي فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ قَلِيلٌ جِدًّا.
وَمَا يُنْقَلُ فِي " حَقَائِقِ " السُّلَمِيِّ مِنَ التَّفْسِيرِ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَامَّتُهُ كَذِبٌ عَلَى جَعْفَرٍ، كَمَا قَدْ كُذِبَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ.

[فصل كلام الرافضي أن علم الطريقة منسوب إلى علي رضي الله عنه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَأَمَّا عِلْمُ الطَّرِيقَةِ فَإِلَيْهِ مَنْسُوبٌ ; فَإِنَّ الصُّوفِيَّةَ كُلَّهُمْ يُسْنِدُونَ الْخِرْقَةَ إِلَيْهِ ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: أَمَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ، الْمَشْهُورِينَ فِي الْأُمَّةِ بِلِسَانِ الصِّدْقِ، فَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأُمَّةِ فِي الْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الْعِرْفَانِيَّةِ، وَأَيْنَ مَنْ يُقَدِّمُونَهُ فِي الْحَقَائِقِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأُمُورِ عِنْدَهُمْ - إِلَى مَنْ يَنْسُبُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِبَاسَ الْخِرْقَةِ؟
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» " (3) ، فَأَيْنَ حَقَائِقُ الْقُلُوبِ مِنْ لِبَاسِ الْأَبْدَانِ؟
_________
(1) عَنْهُ: زِيَادَةٌ فِي (ب) .
(2) فِي (ك) ص 180 (م) .
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 5/316.
(8/43)

وَيُقَالُ: ثَانِيًا: الْخِرَقُ مُتَعَدِّدَةٌ، أَشْهَرُهَا خِرْقَتَانِ: خِرْقَةٌ إِلَى عُمَرَ، وَخِرْقَةٌ إِلَى عَلِيٍّ، فَخِرْقَةُ عُمَرَ لَهَا إِسْنَادَانِ: إِسْنَادٌ إِلَى أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، وَإِسْنَادٌ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَمَّا الْخِرْقَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى عَلِيٍّ فَإِسْنَادُهَا إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ يَصِلُونَهَا بِمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ ; فَإِنَّ الْجُنَيْدَ صَحِبَ السَّرِيَّ [السَّقْطِيَّ] (1) ، وَالسَّرِيَّ صَحِبَ مَعْرُوفًا الْكَرْخِيَّ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَمَّا الْإِسْنَادُ مِنْ جِهَةِ مَعْرُوفٍ فَيَنْقَطِعُ، فَتَارَةً يَقُولُونَ: إِنَّ مَعْرُوفًا صَحِبَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُونَ لِأَخْبَارِ مَعْرُوفٍ بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ الْمُتَّصِلِ، كَأَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي فَضَائِلِ مَعْرُوفٍ. وَمَعْرُوفٌ كَانَ مُنْقَطِعًا فِي الْكَرْخِ، وَعَلِيُّ بْنُ مُوسَى كَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ الْعُهْدَةِ (2) بَعْدَهُ، وَجَعَلَ شِعَارَهُ لِبَاسَ الْخُضْرَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَأَعَادَ شِعَارَ السَّوَادِ.
وَمَعْرُوفٌ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْتَمِعُ (3) بِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَلَا نَقَلَ عَنْهُ ثِقَةٌ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ، أَوْ أَخَذَ عَنْهُ شَيْئًا، بَلْ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ رَآهُ، وَلَا كَانَ مَعْرُوفٌ بَوَّابَهُ، وَلَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ.
وَأَمَّا الْإِسْنَادُ الْآخَرُ فَيَقُولُونَ: إِنَّ مَعْرُوفًا صَحِبَ دَاوُدَ الطَّائِيَّ، وَهَذَا أَيْضًا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَيْسَ فِي أَخْبَارِهِ الْمَعْرُوفَةِ مَا يُذْكَرُ فِيهَا. وَفِي إِسْنَادِ الْخِرْقَةِ أَيْضًا أَنَّ دَاوُدَ الطَّائِيَّ صَحِبَ حَبِيبًا الْعَجَمِيَّ، وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَقِيقَةٌ.
_________
(1) السَّقْطِيَّ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(2) ن، م: وَلِيَّ الْعَهْدِ.
(3) م: اجْتَمَعَ.
(8/44)

وَفِيهَا أَنَّ حَبِيبًا الْعَجَمِيَّ صَحِبَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ (1) ، وَهَذَا صَحِيحٌ ; فَإِنَّ الْحَسَنَ كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ، كَثِيرُونَ مِثْلَ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، وَمِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَحَبِيبٍ الْعَجَمِيِّ، وَفَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا أَنَّ الْحَسَنَ صَحِبَ عَلِيًّا، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ; فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَجْتَمِعْ بِعَلِيٍّ، وَإِنَّمَا أَخَذَ عَنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، أَخَذَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَقَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَلِيٍّ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ.
وَالْحَسَنُ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقُتِلَ عُثْمَانُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ حُمِلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ، وَالْحَسَنُ فِي وَقْتِهِ صَبِيٌّ مِنَ الصِّبْيَانِ لَا يُعْرَفُ، وَلَا لَهُ ذِكْرٌ.
وَالْأَثَرُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ إِلَى جَامِعِ الْبَصْرَةِ وَأَخْرَجَ الْقُصَّاصَ إِلَّا الْحَسَنَ، كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ قَاصًّا يَقُصُّ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: أَبُو يَحْيَى. قَالَ: هَلْ (2) تَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ:
_________
(1) الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ يَسَارٍ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 110. ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَنْ صَحَّ لَهُ السَّمَاعُ عَنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ عَنْهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا فِيمَا صَحَّ لَهُ السَّمَاعُ عَنْهُمْ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي " الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ م [0 - 9] ق 2 ص 40 - 42، تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 1/71 - 72، مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 1/527، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 2/263 - 270.
(2) هَلْ سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/45)

هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَبُو: اعْرِفُونِي (1) ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ، فَأَخْرَجَهُ (2) مِنَ الْمَسْجِدِ.
فَرَوَى أَبُو حَاتِمٍ فِي كِتَابِ " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " (3) : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ (4) ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: انْتَهَى عَلِيٌّ إِلَى قَاصٍّ وَهُوَ يَقُصُّ، فَقَالَ: أَعَلِمْتَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ الرُّوَاسِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ حُمْرَانَ (5) ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ، فَإِذَا قَاصٌّ يَقُصُّ، فَقَامَ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: يَا هَذَا تَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَتَعْرِفُ مَدَنِيَّ الْقُرْآنِ مِنْ مَكِّيِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. قَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا يَقُولُ: اعْرِفُونِي اعْرِفُونِي اعْرِفُونِي.
وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مُجَلَّدًا فِي مَنَاقِبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (6) ،
_________
(1) ن: أَبُو عَرْفُونِي، م: ابُوا عَنْ فُولِي، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) م: وَأَخْرَجَهُ، س، ب: فَأَخَذَهُ.
(3) لَمْ يَذْكُرْ سِزْكِينُ هَذَا الْكِتَابَ ضِمْنَ كُتُبِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ الْمَخْطُوطَةِ. انْظُرْ: سِزْكِينَ م [0 - 9] ج 1 ص 298.
(4) م: ذُكَيْنٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ " 8/270: " الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَهُوَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ دِرْهَمٍ التَّيْمِيُّ، مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، أَبُو نُعَيْمٍ الْمُلَائِيُّ الْكُوفِيُّ الْأَحْوَلُ " ثُمَّ ذَكَرَ 8/275 اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ وَهِيَ 218 تَقْرِيبًا.
(5) م: بِنُ حَرَّانَ.
(6) وَهُوَ كِتَابُ " فَضَائِلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَدَبِهِ حِكْمَتِهِ نَشْأَتِهِ. إِلَخْ " تَأْلِيفُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، طُبِعَ بِالْقَاهِرَةِ سَنَةَ 1350 وَمِنْهُ نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ فِي أَيَا صُوفْيَا رَقْمُ 1642، انْظُرْ سِزْكِينَ م [0 - 9] ج 4 ص. 10.
(8/46)

وَصَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ لَقِيَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (1) . وَأَخْبَارُ الْحَسَنِ مَشْهُورَةٌ فِي مِثْلِ " تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ ". وَقَدْ كَتَبْتُ أَسَانِيدَ الْخِرْقَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَنَا فِيهَا أَسَانِيدُ، فَبَيَّنْتُهَا لِيُعْرَفَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ.
وَلَهُمْ إِسْنَادٌ آخَرُ (2) بِالْخِرْقَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى جَابِرٍ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ جِدًّا.
وَقَدْ عُقِلَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يُلْبِسُونَ مُرِيدِيهِمْ خِرْقَةً، وَلَا يَقُصُّونَ شُعُورَهُمْ، وَلَا التَّابِعُونَ، وَلَكِنَّ هَذَا فَعَلَهُ بَعْضُ مَشَايِخِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَأَخْبَارُ الْحَسَنِ مَذْكُورَةٌ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ مِنْ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ، يُعْلَمُ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ أَفْرَدَ (3) أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ لَهُ كِتَابًا فِي مَنَاقِبِهِ وَأَخْبَارِهِ.
وَأَضْعَفَ مِنْ هَذَا نِسْبَةُ الْفُتُوَّةِ إِلَى عَلِيٍّ، وَفِي إِسْنَادِهَا مِنَ الرِّجَالِ الْمَجْهُولِينَ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ ذِكْرٌ مَا يُبَيِّنُ كَذِبَهَا.
وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِأَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ، وَلَا يُسْقَى مِلْحًا، وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ بِطَرِيقَةٍ تُسَمَّى الْفُتُوَّةَ، لَكِنْ كَانُوا قَدِ اجْتَمَعَ بِهِمُ التَّابِعُونَ، وَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ، وَتَأَدَّبُوا بِهِمْ، وَاسْتَفَادُوا مِنْهُمْ، وَتَخَرَّجُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَصَحِبُوا مَنْ صَحِبُوهُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ.
_________
(1) ب: مِنْ أَصْحَابِهِ.
(2) س، ب: أَسَانِيدُ أُخَرُ.
(3) م: أَخْرَجَ.
(8/47)

وَأَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانُوا يَأْخُذُونَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْخُذُونَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَأْخُذُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.
وَقَدِ انْتَفَعَ بِكُلٍّ مِنْهُمْ مَنْ نَفَعَهُ اللَّهُ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَطَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، وَسَبِيلٍ وَاحِدَةٍ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (1) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَلَّغَهُمْ مِنَ الصَّادِقِينَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا قَبِلُوهُ، وَمَنْ فَهَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ (2) مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ اسْتَفَادُوهُ، وَمَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَجَابُوهُ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجْعَلُ شَيْخَهُ رَبًّا يَسْتَغِيثُ بِهِ، كَالْإِلَهِ الَّذِي يَسْأَلُهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ، وَيَعْبُدُهُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغِيثُ بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَلَا كَالنَّبِيِّ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ.
فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ دِينُ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 31] .
وَكَانُوا مُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، لَا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، مُتَوَاصِينَ بِالْحَقِّ، مُتَوَاصِينَ بِالصَّبْرِ.
_________
(1) م: وَيُطِيعُونَ رَسُولَ اللَّهِ. . .
(2) س، ب: مِنَ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ.
(8/48)

وَالْإِمَامُ وَالشَّيْخُ وَنَحْوُهُمَا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَبِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ الْحَاجِّ ; فَالْإِمَامُ يَقْتَدِي بِهِ الْمَأْمُومُونَ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، لَا يُصَلِّي عَنْهُمْ (1) ، وَهُوَ يُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا، فَإِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا لَمْ يَتَّبِعُوهُ.
وَدَلِيلُ الْحَاجِّ يَدُلُّ الْوَفْدَ عَلَى طَرِيقِ الْبَيْتِ لِيَسْلُكُوهُ وَيَحُجُّوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَالدَّلِيلُ لَا يَحُجُّ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَخْطَأَ الدِّلَالَةَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ دَلِيلَانِ وَإِمَامَانِ نُظِرَ أَيُّهُمَا كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ اتُّبِعَ. فَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الْآيَةَ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 59] .
وَكُلٌّ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَكَنُوا الْأَمْصَارَ أَخَذَ عَنْهُ النَّاسُ الْإِيمَانَ وَالدِّينَ.
وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَمْ يَأْخُذُوا عَنْ عَلِيٍّ شَيْئًا ; فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ سَاكِنًا بِالْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ إِلَّا كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى نُظَرَائِهِ، كَعُثْمَانَ، فِي مِثْلِ قِصَّةٍ شَاوَرَهُمْ (2) فِيهَا عُمَرُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ، كَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ قَدْ أَخَذُوا الدِّينَ
_________
(1) ن، س، ب: فَيُصَلُّونَ فَصَلَاتُهُ لَا تُصَلَّى عَنْهُمْ. .
(2) ن، س: قِصَّةٍ يُشَاوِرُهُمْ، ب: قَضِيَّةٍ يُشَاوِرُهُمْ.
(8/49)

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَعَمَّارٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ عُمَرُ إِلَى الْكُوفَةِ.
وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ أَخَذُوا الدِّينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَأَهْلُ الشَّامِ أَخَذُوا الدِّينَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبِلَالٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَالْعُبَّادُ وَالزُّهَّادُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ أَخَذُوا الدِّينَ عَمَّنْ شَاهَدُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ. فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ طَرِيقَ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ مُتَّصِلٌ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؟
وَهَذِهِ كُتُبُ الزُّهْدِ، مِثْلُ " الزُّهْدِ " لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَ " الزُّهْدِ " لِابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلِوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَلِهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، وَمِثْلُ كُتُبِ أَخْبَارِ الزُّهَّادِ " كَحِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ " وَ " صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ، فِيهَا مِنْ أَخْبَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ الَّذِي فِيهَا لِعَلِيٍّ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ.

[فصل كلام الرافضي أن علم الفصاحة علي منبعه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " وَأَمَّا عِلْمُ الْفَصَاحَةِ فَهُوَ مَنْبَعُهُ، حَتَّى
_________
(1) فِي (ك) ص 180 (م) .
(8/50)

قِيلَ: كَلَامُهُ فَوْقَ (1) كَلَامِ الْمَخْلُوقِ وَدُونَ كَلَامِ الْخَالِقِ، وَمِنْهُ تَعَلَّمَ الْخُطَبَاءُ ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مِنْ أَخْطَبِ الصَّحَابَةِ (2) ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ خَطِيبًا، وَعُمَرُ خَطِيبًا، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبًا مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ شُعَرَاءَهُ.
وَلَكِنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ فِي الْمَوْسِمِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ يَخْطُبُ مَعَهُ، وَيُبَيِّنُ بِخِطَابِهِ مَا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَبِيُّ اللَّهِ سَاكِتٌ يُقِرُّهُ عَلَى مَا يَقُولُ، وَكَانَ كَلَامُهُ تَمْهِيدًا وَتَوْطِئَةً لِمَا يُبَلِّغُهُ الرَّسُولُ، مَعُونَةً لَهُ، لَا تَقَدُّمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
كَمَا كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ يَخْطُبُ أَحْيَانًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُسَمَّى خَطِيبَ رَسُولِ اللَّهِ.
وَكَانَ عُمَرُ مِنْ أَخْطَبِ النَّاسِ، وَأَبُو بَكْرٍ أَخْطَبَ مِنْهُ، يَعْتَرِفُ لَهُ عُمَرُ بِذَلِكَ (3) ، وَهُوَ الَّذِي خَطَبَ الْمُسْلِمِينَ وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَبَّتَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ النَّاسُ ; لِعَظِيمِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ.
_________
(1) ك: حَتَّى قِيلَ فِي كَلَامِهِ إِنَّهُ فَوْقَ. . .
(2) م: النَّاسِ.
(3) س، ب: يَعْرِفُ لَهُ عُمَرُ بِذَلِكَ.
(8/51)

وَلَمَّا قَدِمَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرَيْنِ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُخَاطِبُ (1) النَّاسَ عَنْهُ، حَتَّى ظَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَنْ عُرِفَ بَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْقَاعِدُ.
وَكَانَ يَخْرُجُ مَعَهُ إِلَى الْوُفُودِ، فَيُخَاطِبُ الْوُفُودَ، وَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ فِي مَغِيبِهِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ هُوَ الَّذِي خَطَبَ النَّاسَ. وَخَطَبَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ خُطْبَةً بَلِيغَةً، انْتَفَعَ بِهَا الْحَاضِرُونَ كُلُّهُمْ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: " كُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ أَحْلَمَ (2) مِنِّي وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا " (3) .
وَقَالَ أَنَسٌ: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَحْنُ كَالثَّعَالِبِ، فَمَا زَالَ يُثَبِّتُنَا حَتَّى صِرْنَا كَالْأُسُودِ.
وَكَانَ زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ مِنْ أَخْطَبِ النَّاسِ وَأَبْلَغِهِمْ، حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ فَأَحْسَنَ، إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَنْ يَسْكُتَ ; خَشْيَةَ أَنْ يَزِيدَ فَيُسِيءَ، إِلَّا زِيَادًا، كَانَ كُلَّمَا أَطَالَ أَجَادَ - أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَدْ كَتَبَ النَّاسُ خُطَبَ زِيَادٍ.
_________
(1) م: يَخْطُبُ.
(2) م: أَحْكَمَ.
(3) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى 1/518، 4/365.
(8/52)

وَكَانَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا، وَكَانَتْ عَائِشَةُ مِنْ أَخْطَبِ النَّاسِ، حَتَّى قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: سَمِعْتُ خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَمَا سَمِعْتُ الْكَلَامَ مِنْ مَخْلُوقٍ أَفْحَمَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ عَائِشَةَ.
وَكَانَ الْخُطَبَاءُ الْفُصَحَاءُ كَثِيرِينَ فِي الْعَرَبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ، وَجَمَاهِيرُ هَؤُلَاءِ لَمْ يَأْخُذُوا عَنْ عَلِيٍّ شَيْئًا.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: " إِنَّهُ مَنْبَعُ عِلْمِ الْفَصَاحَةِ " كَذِبٌ بَيِّنٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَخْطَبَ مِنْهُ وَأَفْصَحَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا.
وَلَيْسَتِ الْفَصَاحَةُ التَّشَدُّقَ فِي الْكَلَامِ، وَالتَّقْعِيرَ فِي الْكَلَامِ (1) ، وَلَا سَجْعَ الْكَلَامِ، وَلَا كَانَ فِي خُطْبَةِ عَلِيٍّ وَلَا سَائِرِ خُطَبَاءِ الْعَرَبِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ تَكَلُّفُ الْأَسْجَاعِ، وَلَا تَكَلُّفُ التَّحْسِينِ الَّذِي يَعُودُ إِلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، الَّذِي يُسَمَّى عِلْمَ الْبَدِيعِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْخُطَبِ وَالرَّسَائِلِ وَالشِّعْرِ.
وَمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 104] وَ {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ} [سُورَةُ الْعَادِيَاتِ: 11] وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ يُتَكَلَّفْ لِأَجْلِ التَّجَانُسِ، بَلْ هَذَا تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَوْزَانِ الشِّعْرِ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ الشِّعْرُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سُورَةُ سَبَأٍ: 13] ،
_________
(1) عِبَارَةُ " وَالتَّقْعِيرَ فِي الْكَلَامِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/53)

وَقَوْلِهِ: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سُورَةُ الْحِجْرِ 49] ، {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [سُورَةُ الشَّرْحِ: 2، 3] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا الْبَلَاغَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} ) [سُورَةُ النِّسَاءِ: 63] ، هِيَ عِلْمُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، فَيُذْكَرُ (1) مِنَ الْمَعَانِي مَا هُوَ أَكْمَلُ مُنَاسَبَةً لِلْمَطْلُوبِ، وَيُذْكَرُ (2) مِنَ الْأَلْفَاظِ مَا هُوَ أَكْمَلُ فِي بَيَانِ تِلْكَ الْمَعَانِي.
فَالْبَلَاغَةُ بُلُوغُ غَايَةِ الْمَطْلُوبِ، أَوْ غَايَةِ الْمُمْكِنِ، مِنَ الْمَعَانِي بِأَتَمِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَيَانِ، فَيَجْمَعُ صَاحِبُهَا بَيْنَ تَكْمِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ، وَبَيْنَ تَبْيِينِهَا بِأَحْسَنِ وَجْهٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ هِمَّتُهُ إِلَى الْمَعَانِي، وَلَا يُوَفِّيهَا حَقَّهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُبَيِّنَةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مُبَيِّنًا لِمَا فِي نَفْسِهِ (3) مِنَ الْمَعَانِي، لَكِنْ لَا تَكُونُ تِلْكَ الْمَعَانِي مُحَصِّلَةً لِلْمَقْصُودِ الْمَطْلُوبِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، فَالْمُخْبِرُ مَقْصُودُهُ تَحْقِيقُ الْمُخْبَرِ بِهِ، فَإِذَا بَيَّنَهُ (4) وَبَيَّنَ مَا يُحَقِّقُ ثُبُوتَهُ، لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي لَا يُحَقِّقُ مَا يُخْبِرُ بِهِ، أَوْ لَا يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ ثُبُوتُهُ.
وَالْآمِرُ مَقْصُودُهُ تَحْصِيلُ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ، فَمَنْ أَمَرَ وَلَمْ يُحْكِمْ مَا أَمَرَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُبَيِّنِ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَمَرَ بِمَا هُوَ حِكْمَةٌ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ.
وَأَمَّا تَكَلُّفُ الْأَسْجَاعِ وَالْأَوْزَانِ، وَالْجِنَاسِ وَالتَّطْبِيقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا
_________
(1) ن، س: فَنَذْكُرُ.
(2) ن، س: وَنَذْكُرُ.
(3) م: نُطْقِهِ.
(4) م: أَثْبَتَهُ.
(8/54)

تَكَلَّفَهُ مُتَأَخِّرُو الشُّعَرَاءِ وَالْخُطَبَاءِ، وَالْمُتَرَسِّلِينَ وَالْوُعَّاظِ، فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ دَأْبِ خُطَبَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْفُصَحَاءِ مِنْهُمْ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَهْتَمُّ بِهِ (1) الْعَرَبُ.
وَغَالِبُ مَنْ يَعْتَمِدُ ذَلِكَ يُزَخْرِفُ اللَّفْظَ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ مَطْلُوبَةٍ مِنَ الْمَعَانِي، كَالْمُجَاهِدِ الَّذِي يُزَخْرِفُ السِّلَاحَ وَهُوَ جَبَانٌ.
وَلِهَذَا يُوجِدُ الشَّاعِرُ، كُلَّمَا أَمْعَنَ فِي الْمَدْحِ وَالْهَجْوِ، خَرَجَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْإِفْرَاطِ فِي الْكَذِبِ، يَسْتَعِينُ بِالتَّخَيُّلَاتِ وَالتَّمْثِيلَاتِ (2) .
وَأَيْضًا فَأَكْثَرُ الْخُطَبِ الَّتِي يَنْقُلُهَا صَاحِبُ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجَلُّ وَأَعْلَى قَدْرًا مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ وَضَعُوا أَكَاذِيبَ وَظَنُّوا أَنَّهَا مَدْحٌ، فَلَا هِيَ صِدْقٌ وَلَا هِيَ مَدْحٌ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ كَلَامَ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ فَوْقَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ، فَقَدْ أَخْطَأَ. وَكَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوْقَ كَلَامِهِ، وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ.
وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ كَلَامِ ابْنِ سَبْعِينَ الَّذِي يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ بَشِيرٍ (3) يُشْبِهُ بِوَجْهٍ مَا كَلَامَ الْبَشَرِ، وَهَذَا يَنْزِعُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَ اللَّهِ مَا فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَيْضًا فَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي كَلَامِ عَلِيٍّ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، لَكِنَّ صَاحِبَ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " وَأَمْثَالَهُ أَخَذُوا كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ
_________
(1) م: مِمَّا يُتَّهَمُ بِهِ. . .
(2) ب: أَوِ التَّمْثِيلَاتِ.
(3) م: تَبْشِيرٍ، ب: بَشَرٍ.
(8/55)

فَجَعَلُوهُ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ، وَمِنْهُ مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ كَلَامٌ حَقٌّ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، وَلَكِنْ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ " الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ " لِلْجَاحِظِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ كَلَامٌ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ، وَصَاحِبُ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " يَجْعَلُهُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَهَذِهِ الْخُطَبُ الْمَنْقُولَةُ فِي كِتَابِ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا عَنْ عَلِيٍّ مِنْ كَلَامِهِ ; لَكَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذَا الْمُصَنَّفِ، مَنْقُولَةً عَنْ عَلِيٍّ بِالْأَسَانِيدِ وَبِغَيْرِهَا. فَإِذَا عَرَفَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَنْقُولَاتِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا - بَلْ أَكْثَرَهَا - لَا يُعْرَفُ قَبْلَ هَذَا، عُلِمَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ، وَإِلَّا فَلْيُبَيِّنِ النَّاقِلُ لَهَا فِي أَيِّ كِتَابٍ ذُكِرَ ذَلِكَ؟ وَمَنِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ؟ وَمَا إِسْنَادُهُ؟ وَإِلَّا فَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ لَا يَعْجِزُ عَنْهَا أَحَدٌ.
وَمَنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِمَعْرِفَةِ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالْمَنْقُولِ بِالْأَسَانِيدِ، وَتَبَيُّنِ صِدْقِهَا مِنْ كَذِبِهَا، عَلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ مِثْلَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْمَنْقُولَاتِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ صِدْقِهَا وَكَذِبِهَا.

[فصل نقل الرافضي قول علي سلوني قبل أن تفقدوني والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " وَقَالَ (2) : سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، سَلُونِي عَنْ طُرُقِ السَّمَاءِ ; فَإِنِّي أَعْلَمُ بِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ ".
_________
(1) فِي (ك) ص 180 (م) .
(2) ك: وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
(8/56)

وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: لَا رَيْبَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَقُولُ هَذَا بِالْمَدِينَةِ، بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، الَّذِينَ تَعَلَّمُوا كَمَا تَعَلَّمَ، وَعَرَفُوا كَمَا عَرَفَ. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لَمَّا صَارَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، لَا يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنَ الدِّينِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ لِيُعَلِّمَهُمْ وَيُفْتِيَهُمْ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ تَأَخَّرَتْ حَيَاتُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِمْ، نَقَلُوا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثَ كَثِيرَةً لَمْ يَنْقُلْهَا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَلَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ نَقْلِهَا ; لِأَنَّ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ قَدْ عَلِمُوهَا كَمَا عَلِمُوهَا.
وَلِهَذَا يُرْوَى لِابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَنَحْوِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنَ الْحَدِيثِ مَالَا يُرْوَى لِعَلِيٍّ وَلَا لِعُمَرَ، وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ ; لِكَوْنِهِمْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُمْ، وَأَدْرَكَهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ أُولَئِكَ السَّابِقِينَ ; فَاحْتَاجُوا أَنْ يَسْأَلُوهُمْ، وَاحْتَاجَ أُولَئِكَ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ وَيُحَدِّثُوهُمْ.
فَقَوْلُ عَلِيٍّ لِمَنْ عِنْدَهُ بِالْكُوفَةِ: " سَلُونِي " هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لَمْ يَقُلْ هَذَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ وَأَمْثَالِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَسْأَلُهُ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ قَطُّ لَا مُعَاذٌ وَلَا أُبَيٌّ وَلَا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَفْتِيهِ الْمُسْتَفْتِي، كَمَا يَسْتَفْتِي أَمْثَالَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ
(8/57)

يُشَاوِرَانِهِ كَمَا يُشَاوِرَانِ أَمْثَالَهُ، فَكَانَ عُمَرُ يُشَاوِرُ فِي الْأُمُورِ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَطِلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي مُوسَى وَلِغَيْرِهِمْ، حَتَّى كَانَ يَدْخُلُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُمْ، مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ.
وَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَدَحَهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سُورَةُ الشُّورَى: 38] .
وَلِهَذَا كَانَ رَأْيُ عُمَرَ وَحُكْمُهُ وَسِيَاسَتُهُ مِنْ أَسَدِّ الْأُمُورِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَهُ مِثْلُهُ [قَطُّ] (1) ، وَلَا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَانْتَشَرَ وَعَزَّ كَظُهُورِهِ وَانْتِشَارِهِ وَعِزِّهِ فِي زَمَنِهِ. وَهُوَ الَّذِي كَسَّرَ كِسْرَى، وَقَصَرَ قَيْصَرَ وَالرُّومَ وَالْفُرْسَ، وَكَانَ أَمِيرُهُ الْكَبِيرُ عَلَى الْجَيْشِ الشَّامِيِّ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَعَلَى الْجَيْشِ الْعِرَاقِيِّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ - بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ - مِثْلُ خُلَفَائِهِ وَنُوَّابِهِ، وَعُمَّالِهِ وَجُنْدِهِ، وَأَهْلِ شِورَاهُ.

وَقَوْلُهُ: " أَنَا أَعْلَمُ بِطُرُقِ السَّمَاءِ مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ ".
كَلَامٌ بَاطِلٌ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، وَلَمْ يَصْعَدْ أَحَدٌ بِبَدَنِهِ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مِعْرَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ هُوَ بِبَدَنِهِ أَوْ بِرُوحِهِ؟ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ بِبَدَنِهِ، فَلَمْ يُنَازَعَ السَّلَفُ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَعْرُجْ بِبَدَنِهِ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا مِنَ الْغُلَاةِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ فَهُوَ مِنَ الضُّلَّالِ، مِنْ جِنْسِ مَنِ اعْتَقَدَ مِنَ الْغُلَاةِ فِي أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ النُّبُوَّةَ، أَوْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ، أَوِ الْإِلَهِيَّةِ.
_________
(1) قَطُّ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(8/58)

وَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ كُلُّهَا كُفْرٌ بَيِّنٌ، لَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا كَاعْتِقَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، أَوْلَادِ مَيْمُونَ الْقَدَّاحِ، الَّذِينَ كَانَ جَدُّهُمْ يَهُودِيًّا رَبِيبًا لِمَجُوسِيٍّ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَوْلَادُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فِيهِمُ الْإِلَهِيَّةَ أَوِ النُّبُوَّةَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ نَسَخَ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْغُلَاةِ يَعْتَقِدُونَ الْإِلَهِيَّةَ أَوِ النُّبُوَّةَ فِي عَلِيٍّ، وَفِي بَعْضِ أَهْلِ بَيْتِهِ: إِمَّا الِاثْنَا عَشَرَ، وَإِمَّا غَيْرُهُمْ.
وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَالنُّسَّاكِ يَعْتَقِدُونَ فِي بَعْضِ الشُّيُوخِ نَوْعًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ أَوِ النُّبُوَّةِ، أَوْ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، [وَيَجْعَلُونَ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلَ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ] (1) ، وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْأَوْلِيَاءَ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَيَعْتَقِدُ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَنَحْوُهُ أَنَّ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَفِيدُ مِنْ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّهُ هُوَ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ.
وَيَعْتَقِدُ طَائِفَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْفَيْلَسُوفَ الْكَامِلَ أَعْلَمُ مِنَ النَّبِيِّ بِالْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ.
فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَنَحْوُهَا هِيَ مِنَ الْكُفْرِ الْمُخَالِفِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهَا شَيْئًا فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ مِنْهُ، كَمَا يُسْتَتَابُ نُظَرَاؤُهُ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَوَرَدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ بَعْدَ قَلِيلٍ فِيهِمَا.
(8/59)

مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِالْكُفْرِ، كَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ إِنْ كَانَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ دَاخِلًا فِي مَقَالَاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ خَفِيَ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ ذَلِكَ لِدِينِ الْإِسْلَامِ: إِمَّا لِكَوْنِهِ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِنَشْأَتِهِ بَيْنَ قَوْمٍ جُهَّالٍ يَعْتَقِدُونَ مِثْلَ ذَلِكَ - فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَجْهَلُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ يَرَى الْوَاجِبَاتِ تَجِبُ عَلَى الْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ، وَأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ - كَالزِّنَا وَالْخَمْرِ - مُبَاحٌ لِلْخَاصَّةِ دُونَ الْعَامَّةِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ قَدْ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّشَيُّعِ، وَالْمُنْتَسِبِينَ إِلَى كَلَامٍ أَوْ تَصَوُّفٍ أَوْ تَفَلْسُفٍ، وَهِيَ مَقَالَاتٌ بَاطِلَةٌ مَعْلُومَةُ الْبُطْلَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، لَا يَخْفَى بُطْلَانُهَا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ.

[فصل كلام الرافضي أن عليا كان مرجع الصحابة في مشكلاتهم والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ (2) الصَّحَابَةُ فِي مُشْكِلَاتِهِمْ، وَرَدَّ عُمَرُ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ، قَالَ (3) فِيهَا: لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ وَحْدَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ لَا وَاضِحِهِ وَلَا مُشْكِلِهِ، بَلْ كَانَ إِذَا نَزَلَتِ النَّازِلَةُ
_________
(1) فِي (ك) ص 180 (م) .
(2) ك: وَإِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجَعَ.
(3) ك: وَقَالَ.
(8/60)

يُشَاوِرُهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيُشَاوِرُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَأَبَا مُوسَى، حَتَّى يُشَاوِرَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ سِنًّا. وَكَانَ السَّائِلُ يَسْأَلُ عَلِيًّا تَارَةً، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ تَارَةً وَعُمَرَ تَارَةً.
وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَكْثَرَ مِمَّا سُئِلَ عَلِيٌّ، وَأَجَابَ عَنِ الْمُشْكِلَاتِ أَكْثَرَ مِنْ عَلِيٍّ، وَمَا ذَاكَ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، بَلْ عَلِيٌّ أَعْلَمُ مِنْهُ، لَكِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا.
فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمَا يَنْقُلُ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ اسْتَفَادَ مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي اسْتَفَادَ مِنْهُ، كَحَدِيثِ صَلَاةِ التَّوْبَةِ (1) وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا عُمَرُ فَكَانَ يُشَاوِرُهُمْ كُلَّهُمْ، وَإِنْ كَانَ (2) عُمَرُ أَعْلَمَ مِنْهُمْ. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْقَضَايَا يَقُولُ فِيهَا أَوَّلًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، كَالْعُمَرِيَّتَيْنِ وَالْعَوْلِ وَغَيْرِهِمَا ; فَإِنَّ عُمَرَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ، أَوِ امْرَأَةٍ (3) وَأَبَوَيْنِ بِأَنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ الْبَاقِي، وَاتَّبَعَهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرُ الْفُقَهَاءِ، كَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ
_________
(1) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ صَلَاةِ التَّوْبَةِ فِيمَا مَضَى 5/513 وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَكَانَهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْمُسْنَدِ، وَأَوَّلُهُ (وَهَذَا نَصُّهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) : كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. . . الْحَدِيثَ.
(2) ن، س، ب: وَكَانَ.
(3) ن، م: وَامْرَأَةٍ.
(8/61)

وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَخَفِيَ وَجْهُ قَوْلِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَأَعْطَى الْأُمَّ الثُّلُثَ، وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ. وَقَوْلُ عُمَرَ أَصْوَبُ ; لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَى الْأُمَّ الثُّلُثَ إِذَا وَرِثَهُ أَبَوَاهُ.
كَمَا قَالَ: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 11] ، فَأَعْطَاهَا الثُّلُثَ إِذَا وَرِثَهُ أَبَوَاهُ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ هُوَ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ (1) يَقْتَسِمَانِهِ كَمَا اقْتَسَمَا الْأَصْلَ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ فَإِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ مَا يَبْقَى أَثْلَاثًا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ رَدَّ عُمَرَ إِلَى قَضَايَا كَثِيرَةٍ قَالَ فِيهَا: لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ ".
فَيُقَالُ: هَذَا لَا يُعْرَفُ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ إِلَّا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، إِنْ صَحَّ ذَلِكَ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا لِمَنْ هُوَ دُونَ عَلِيٍّ.
قَالَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي عَارَضَتْهُ فِي الصَّدَاقِ: رَجُلٌ أَخْطَأَ وَامْرَأَةٌ أَصَابَتْ. وَكَانَ قَدْ رَأَى أَنَّ الصَّدَاقَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ، فَلَا يُزَادُ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَاتِهِ، كَمَا رَأَى كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَقَلَّهُ مُقَدَّرٌ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ. وَإِذَا كَانَ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ. وَالْفَاضِلُ قَدْ بَذَلَهُ الزَّوْجُ وَاسْتَوْفَى عِوَضَهُ (2) ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْتَحِقُّهُ، فَيُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثَمَنُ (3) عَصِيرِ الْخَمْرِ إِذَا بَاعَهُ الْمُسْلِمُ،
_________
(1) ن: هُوَ مِنْ مِيرَاثٍ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ، م: هُوَ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوْجَيْنِ هُوَ مِنْ مِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ.
(2) م: عَرْضَهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) س: فَيُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثَمَنُ. . .، ب: فَيُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَثَمَنِ. . .
(8/62)

وَأُجْرَةُ مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِحَمْلِ الْخَمْرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، عَلَى أَظْهَرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنَّ مَنِ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مُحَرَّمَةً بِعِوَضِهَا، كَالَّذِي يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ بِالْجُعْلِ، أَوْ يَسْتَمِعُ الْمَلَاهِيَ بِالْجُعْلِ، أَوْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْجُعْلِ، إِنْ أُعِيدَ إِلَيْهِ جُعْلُهُ بَعْدَ قَضَاءِ غَرَضِهِ، فَهَذَا زِيَادَةٌ فِي إِعَانَتِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ كَانَ يَطْلُبُهَا بِالْعِوَضِ، فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُ هِيَ وَالْعِوَضُ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إِعَانَتِهِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَإِنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ وَالْمُؤَجِّرِ كَانَ قَدْ أُبِيحَ لَهُ الْعِوَضُ الْخَبِيثُ، فَصَارَ مَصْرُوفُ (1) هَذَا الْمَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعُمَرُ إِمَامٌ عَدْلٌ، فَكَانَ قَدْ رَأَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْمَهْرِ الشَّرْعِيِّ يَكُونُ هَكَذَا، فَعَارَضَتْهُ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ: لِمَ تَمْنَعْنَا شَيْئًا أَعْطَانَا اللَّهُ إِيَّاهُ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَتْ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] ، وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: أَمِنْكَ نَسْمَعُ أَمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: بَلْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. فَقَرَأَتْ عَلَيْهِ الْآيَةَ ; فَقَالَ: رَجُلٌ أَخْطَأَ وَامْرَأَةٌ أَصَابَتْ (2) .
_________
(1) ب: مَصْرِفُ.
(2) ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ 20 مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ (ط. الشَّعْبِ 2/212 - 213) وَأَشَارَ إِلَى رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ لِلْحَدِيثِ وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ مُنَاقَشَةِ الْمَرْأَةِ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثُمَّ رَوَى الْخَبَرَ كَامِلًا وَفِيهِ اعْتِرَاضُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ بَعْدَهُ: " إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ " ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ لِهَذَا الْأَثَرِ. وَالْأَثَرُ مِنْ غَيْرِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُسْنَدِ ط الْمَعَارِفِ) الْأَرْقَامُ 285، 287، 340، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْمُسْتَدْرَكِ وَالسُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (انْظُرْ تَعْلِيقَ أَحْمَدَ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - 2/277 - 278) . وَانْظُرْ كَلَامِي عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ 4/74 (ت 4) .
(8/63)

وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ (1) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فِي حَقِّ عُمَرَ] (2) مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْإِلْهَامِ، بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِمِثْلِهِ، لَا فِي حَقِّ عُثْمَانَ، وَلَا عَلِيٍّ، وَلَا طَلْحَةَ، وَلَا الزُّبَيْرِ (3) .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» " (4) .
قَالَ (5) : وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ، فَقَالُوا فِيهِ، وَقَالَ عُمَرُ فِيهِ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ» " (6) .
وَفِي التِّرْمِذِيَّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ» " (7) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ نَاسٌ (8) مُحَدَّثُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ
_________
(1) ب (فَقَطْ) : فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ. . .
(2) فِي حَقِّ عُمَرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن، (س) ، (ب) .
(3) س، ب: وَلَا فِي الزُّبَيْرِ.
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/56.
(5) أَيِ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً فِي سُنَنِهِ 5/280.
(6) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/191 - 192 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي تَدْوِينِ الْعَطَاءِ) .
(7) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/68.
(8) نَاسٌ: لَيْسَتْ فِي (م) .
(8/64)

يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» " (1) . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مُحَدَّثُونَ: أَيْ مُفَهَّمُونَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الدِّينَ» (2) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى (3) الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ". (* قَالَ مَنْ حَوْلَهُ: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الْعِلْمَ» " (4) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: " «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ *) (5) ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» " (6) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ:
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/20
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/21
(3) س، ب: أَرَى.
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/21.
(5) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(6) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/55.
(8/65)

قُلْتُ: لَوِ اتَّخَذْتُ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ; فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 125] . وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ ; فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [سُورَةُ التَّحْرِيمِ: 5] ; فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ " (1) .
وَهَذَا الْبَابُ فِي فَضَائِلِ عُمَرَ كَثِيرٌ جِدًّا.
وَأَمَّا قِصَّةُ الْحُكُومَةِ فِي الْأَرْغِفَةِ (2) ، فَهِيَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهَا - وَمَا هُوَ أَدَقُّ مِنْهَا - مَنْ هُوَ (3) دُونَ عَلِيٍّ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَفَارِيعِ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّقَائِقِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذِهِ، وَلَيْسُوا مِثْلَ عَلِيٍّ.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقُرْعَةِ (4) فَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (5) ،
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/22.
(2) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَا سَبَقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَكَلَامُ ابْنِ الْمُطَهَّرِ عَنْهَا فِي (ك) ص 180 (م) هُوَ كَمَا يَلِي: " وَأَوْضَحَ كَثِيرًا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ: جَاءَ إِلَيْهِ شَخْصَانِ، كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَمَعَ الْآخَرِ ثَلَاثَةٌ، فَجَلَسَا يَأْكُلَانِ فَجَاءَهُمَا ثَالِثٌ وَشَارَكَهُمَا، فَلَمَّا فَرَغُوا رَمَى إِلَيْهِمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ خَمْسَةً، فَأَبَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَقَلِّ، فَتَخَاصَمَا وَرَجَعَا إِلَى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ قَدْ أَنْصَفَكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّ حَقِّي أَكْثَرُ وَأَنَا أُرِيدُ مِنْهُ الْحَقَّ فَقَالَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَخُذْ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَأَعْطِهِ الْبَاقِيَ ".
(3) عِبَارَةُ " مَنْ هُوَ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(4) قَالَ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي (ك) ص 181 (م) : " وَوَاقَعَ مَالِكَانِ جَارِيَةً لَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَحَمَلَتْ، فَأَشْكَلَ الْحَالُ، فَتَرَافَعَا إِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحَكَمَ بِالْقُرْعَةِ، فَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ -، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، يَعْنِي بِهِ الْقَضَاءَ بِالْإِلْهَامِ ".
(5) الْحَدِيثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/376 - 377 (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ مَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ إِذَا تَنَازَعُوا فِي الْوَلَدِ) وَنَصُّهُ: " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصِمُونَ إِلَيْهِ فِي وَلَدٍ، وَقَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلِيَا، ثُمَّ قَالَ لِاثْنَيْنِ: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلِيَا، ثُمَّ قَالَ لِاثْنَيْنِ: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلِيَا، فَقَالَ: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، إِنِّي مُقْرِعٌ بَيْنَكُمْ فَمَنْ قُرِعَ فَلَهُ الْوَلَدُ وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَهُ لِمَنْ قُرِعَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ أَوْ نَوَاجِذُهُ ". قَالَ الْمُعَلِّقُ: " الْأَجْلَحُ (فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ) اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ، وَغَلِيَا: أَرَادَ بِهِ: صَاحَا. وَأَصْلُهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ " غَلَتِ الْقِدْرُ تَغْلِي غَلَيَانًا. وَفِي نُسْخَةٍ: غَلَبَا (بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَةً أُخْرَى لِلْحَدِيثِ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ فِي: سُنَنِ النَّسَائِيِّ 6/150 - 151 (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ الْقُرْعَةِ فِي الْوَلَدِ إِذَا تَنَازَعُوا فِيهِ. . .) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ 4/373. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي كِتَابِهِ: " نَيْلِ الْأَوْطَارِ " 7/78 - 80، فِي كِتَابِ اللِّعَانِ، بَابِ الشُّرَكَاءِ يَطَئُونَ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ: " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ أَجْوَدَ مِنْ إِسْنَادِ الْمَرْفُوعِ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مَسْنَدِهِ وَقَالَ فِيهِ: فَأَغْرَمَهُ ثُلْثَيْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ لِصَاحِبَيْهِ ". ثُمَّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: " الْحَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَجْلَحِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُعَدُّ فِي الشِّيعَةِ، مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ. وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا صَوَابٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ: الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْهُ. وَالثَّانِيَةُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْهُ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ خَيْرٍ فَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ الْإِرْسَالُ. انْتَهَى وَعَلَى هَذَا لَمْ تَخْلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مِنْ عِلَّةٍ، فَالْأُولَى فِيهَا الْأَجْلَحُ، وَالثَّانِيَةُ مَعْلُولَةٌ بِالْإِرْسَالِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِرْسَالِ هَا هُنَا الْوَقْفُ كَمَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ، لَا مَا هُوَ الشَّائِعُ فِي الِاصْطِلَاحِ مِنْ أَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
(8/66)

لَكِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لَا يَقُولُونَ بِهَذِهِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَنُقِلَ عَنْهُ تَضْعِيفُ (1) الْخَبَرِ ; فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَقِيلَ أَخَذَ بِهِ. وَأَحْمَدُ أَوْسَعُ الْأَئِمَّةِ أَخْذًا بِالْقُرْعَةِ، وَقَدْ أَخَذَ بِقَضَاءِ عَلِيٍّ فِي الزُّبْيَةِ (2) ، وَحَدِيثُهَا أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَخَذَ بِهِ أَحْمَدُ (3) . وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَمَا بَلَغَهُمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، أَوْ بَلَغَهُمْ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ، وَكَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنَ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ، وَمَعْرِفَةِ صِحَّتِهَا مِنْ سَقَمِهَا، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ.
_________
(1) م، س، ب: بِضَعْفِ.
(2) ن: الرُّبْيَةِ، م: بَيْتِهِ، س، ب: الرُّتْبَةِ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ. وَالزُّبْيَةُ - كَمَا شَرَحَهَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُفَيْرَةٌ تُحْفَرُ لِلْأَسَدِ وَالصَّيْدِ، وَيُغَطَّى رَأْسُهَا بِمَا يَسْتُرُهَا لِيَقَعَ فِيهَا.
(3) الْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/24، 25، 236، 327 - 328 وَنَصُّهُ (2/24) : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى قَوْمٍ قَدْ بَنَوْا زُبْيَةً لِلْأَسَدِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ يَتَدَافَعُونَ إِذْ سَقَطَ رَجُلٌ، فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ، ثُمَّ تَعَلَّقَ رَجُلٌ بِآخَرَ، حَتَّى صَارُوا فِيهَا أَرْبَعَةً، فَجَرَحَهُمُ الْأَسَدُ، فَانْتَدَبَ لَهُ رَجُلٌ بِحَرْبَةٍ فَقَتَلَهُ، وَمَاتُوا مِنْ جِرَاحَتِهِمْ كُلُّهُمْ، فَقَامُوا أَوْلِيَاءُ الْأَوَّلِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْآخَرِ، فَأَخْرَجُوا السِّلَاحَ لِيَقْتَتِلُوا، فَأَتَاهُمْ عَلِيٌّ عَلَى تَفِيئَةِ ذَلِكَ، فَقَالَ: تُرِيدُونَ أَنْ تَقَاتَلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ؟ ! إِنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ قَضَاءً إِنْ رَضِيتُمْ فَهُوَ الْقَضَاءُ، وَإِلَّا حَجَزَ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ حَتَّى تَأْتُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونَ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَكُمْ، فَمَنْ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا حَقَّ لَهُ، اجْمَعُوا مِنْ قَبَائِلِ الَّذِينَ حَفَرُوا الْبِئْرَ رُبُعَ الدِّيَةِ وَثُلُثَ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الدِّيَةِ وَالدِّيَةَ كَامِلَةً، فَلِلْأَوَّلِ الرُّبُعُ، لِأَنَّهُ هَلَكَ مَنْ فَوْقَهُ، وَلِلثَّانِي ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلِلثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَأَبَوْا أَنْ يَرْضَوْا. فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَنَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ، وَاحْتَبَى، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنْ عَلِيًّا قَضَى بَيْنَنَا، فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". صَحَّحَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَنَدَ الْحَدِيثِ فِي مَوَاضِعِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: " عَلَى تَفِيئَةِ ذَلِكَ: أَيْ عَلَى أَثَرِهِ ". وَقَالَ: " وَالْحَدِيثُ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ 6/287 ".
(8/68)

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ عَلِيٍّ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا، لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقْضَى الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَعْرِفَةُ الْقَضَايَا بِالْإِلْهَامِ " (1) فَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِلْهَامِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَنْ أُلْهِمَ أَنَّهُ صَادِقٌ حَكَمَ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِلْهَامِ، فَهَذَا (2) لَا يَجُوزُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» " (3) . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْضِي بِالسَّمْعِ لَا بِالْإِلْهَامِ، فَلَوْ كَانَ الْإِلْهَامُ طَرِيقًا لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقَّ بِذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ مَعْرِفَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ ; فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ وَلَا إِقْرَارٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْهَى أَحَدًا أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا يُقْضَى لَهُ، وَلَمَا حَكَمَ فِي اللِّعَانِ بِالْفُرْقَةِ قَالَ: " إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ: " «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» " (4)
_________
(1) وَهُوَ قَوْلُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي التَّعْلِيقِ الْأَسْبَقِ ". . . مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، يَعْنِي بِهِ الْقَضَاءَ بِالْإِلْهَامِ ".
(2) س، ب: وَهَذَا.
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/412.
(4) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 6/100 - 101 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ النُّورِ، بَابُ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ. . .) وَأَوَّلُهُ: " أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ. . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ. . . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ " فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ " وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/369 - 370 (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابٌ فِي اللِّعَانِ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/12 - 13 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ النُّورِ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/668 (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ اللِّعَانِ. وَانْظُرْ نَيْلَ الْأَوْطَارِ 7/67 - 68.
(8/69)

فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ بِالْيَمِينِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِالْبَيِّنَةِ (1) .
وَأَمَّا إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يُلْهَمُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ ; فَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ الْإِلْهَامِ ; فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ كَانَ مُلْهَمًا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي فَعُمَرُ» . وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لِعُمَرَ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَقْضِيَ وَلَا يَعْمَلَ بِمُجَرَّدِ مَا يُلْقَى فِي قَلْبِهِ، حَتَّى يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلَهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ رَدَّهُ (2) .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْحُكُومَةِ فِي الْبَقَرَةِ الَّتِي قَتَلَتْ حِمَارًا (3) ، فَهَذَا
_________
(1) ب: بِالشَّبَهِ.
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ قَلِيلٍ.
(3) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَبْلَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَاقِعَةً أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي (ك) ص. 181 (م) وَنَصُّ كَلَامِهِ: " وَرَكِبَتْ جَارِيَةٌ جَارِيَةً أُخْرَى فَنَخَسَتْهَا ثَالِثَةٌ، فَوَقَعَتِ الرَّاكِبَةُ فَمَاتَتْ، فَقَضَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِثُلُثَيْ دِيَتِهَا عَلَى النَّاخِسَةِ وَالْقَامِصَةِ، وَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - ". وَأَمَّا قِصَّةُ الْبَقَرَةِ فَهِيَ فِي نَفْسِ الصَّفْحَةِ وَنَصُّهَا: " وَقَتَلَتْ بَقَرَةٌ حِمَارًا، فَتَرَافَعَ الْمَالِكَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: بَهِيمَةٌ قَتَلَتْ بَهِيمَةً، لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا: ثُمَّ مَضَيَا إِلَى عُمَرَ، فَقَضَى بِذَلِكَ أَيْضًا. ثُمَّ مَضَيَا إِلَى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: إِنْ كَانَتِ الْبَقَرَةُ دَخَلَتْ عَلَى الْحِمَارِ فِي مَنَامِهِ، فَعَلَى رَبِّهَا قِيمَةُ الْحِمَارِ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحِمَارُ دَخَلَ عَلَى الْبَقَرَةِ فِي مَنَامِهَا فَقَتَلَتْهُ، فَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ -: لَقَدْ قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ".
(8/70)

الْحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، مَعَ احْتِيَاجِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى نَصٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا، فَكَيْفَ يُصَدَّقُ بِشَيْءٍ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ؟ بَلِ الْأَدِلَّةُ الْمَعْلُومَةُ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ.
وَمَعَ هَذَا فَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّهُ، إِذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» " وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ (1) ، وَالتَّصْدِيقِ وَالْعَمَلِ بِهِ.
وَالْعَجْمَاءُ تَأْنِيثُ أَعْجَمَ، وَكُلُّ بَهِيمَةٍ فَهِيَ عَجْمَاءُ، كَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذِهِ إِذَا كَانَتْ تَرْعَى فِي الْمَرَاعِي الْمُعْتَادَةِ، فَأَفْلَتَتْ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِهَا، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى حِمَارٍ فَأَفْسَدَتْهُ، أَوْ
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 2/130 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابٌ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) وَنَصُّهُ: " الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الْبُخَارِيِّ (انْظُرْ فَتْحَ الْبَارِي، الْأَرْقَامَ 2355، 6913) . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " 12/255: " الْعَجْمَاءُ. . . الْبَهِيمَةُ. . . جُبَارٌ: بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، كَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْ مَالِكٍ: مَا لَا دِيَةَ فِيهِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: الْعَجْمَاءُ الدَّابَّةُ الْمُنْفَلِتَةُ مِنْ صَاحِبِهَا، فَمَا أَصَابَتْ مِنَ انْفِلَاتِهَا فَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبِهَا. وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 3/1334 - 1335 (كِتَابُ الْحُدُودِ، بَابُ جُرْحِ الْعَجْمَاءِ. . . .) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/273 (كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ الْعَجْمَاءِ وَالْمَعْدِنِ وَالْبِئْرِ جُبَارٌ) سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/77 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْعَجْمَاءَ جَرْحُهَا جُبَارٌ. . .) سُنَنِ النَّسَائِيِّ 5/33 - 34 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ الْمَعْدِنِ) . وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ.
(8/71)

أَفْسَدَتْ زَرْعًا، لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّهَا عَجْمَاءُ لَمْ يُفَرِّطْ صَاحِبُهَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ، فَعَلَى صَاحِبِهَا الضَّمَانُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ; لِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فِي النَّفْشِ (1) ; وَلِحَدِيثِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فَإِنَّهَا دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْهُ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَفْسَدَتْ مَوَاشِيهُمْ بِاللَّيْلِ، وَقَضَى عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ (2) بِحِفْظِ حَوَائِطِهِمْ (3) .
_________
(1) الْإِشَارَةُ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ. . .) [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ 78، 79] وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِلْآيَتَيْنِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " الْحَرْثُ الَّذِي نَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ إِنَّمَا كَانَ كَرْمًا نَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهِ وَرَقَةً وَلَا عُنْقُودًا مِنْ عِنَبٍ إِلَّا أَكَلَتْهُ، فَأَتَوْا دَاوُدَ، فَأَعْطَاهُمْ رِقَابَهَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَا، بَلْ تُؤْخَذُ الْغَنَمُ فَيُعْطَاهَا أَهْلُ الْكَرْمِ، فَيَكُونُ لَهُمْ لَبَنُهَا وَنَفْعُهَا وَيُعْطَى أَهْلُ الْغَنَمِ الْكَرْمَ فَيُصْلِحُوهُ وَيُعَمِّرُوهُ حَتَّى يَعُودَ كَالَّذِي كَانَ لَيْلَةَ نَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ، ثُمَّ يُعْطَى أَهْلُ الْغَنَمِ غَنَمَهُمْ، وَأَهْلُ الْكَرْمِ كَرْمَهُمْ. وَهَكَذَا قَالَ شُرَيْحٌ وَمُرَّةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ". وَنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي " تَفْسِيرِ غَرِيبِ الْقُرْآنِ " (ص 287) : رَعَتْ لَيْلًا.
(2) م: الْحَائِطِ.
(3) الْحَدِيثُ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/403 - 404 (كِتَابُ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ، بَابُ الْمَوَاشِي تُفْسِدُ زَرْعَ قَوْمٍ (الْحَدِيثَانِ رَقْمُ 3569، 3570) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/781 (كِتَابُ الْأَحْكَامِ، بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي) ، الْمُوَطَّأِ 2/747 - 748 (كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ) . وَقَالَ الْمُحَقِّقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ مُرْسَلًا، وَالْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الثِّقَاتِ، وَتَلَقَّاهُ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، بِالْقَبُولِ، وَجَرَى عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ. قُلْتُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَوْصُولًا فِي. . . " وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/295، 5/435 - 436، 437.
(8/72)

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ، وَجَعَلُوهَا دَاخِلَةً فِي الْعَجْمَاءِ. وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ نَاقَةِ الْبَرَاءِ (1) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا اعْتَدَى، وَأَرْسَلَهَا فِي زَرْعِ قَوْمٍ، أَوْ بِقُرْبِ زَرْعِهِمْ (2) ، أَوْ أَدْخَلَهَا إِلَى إِصْطَبْلِ الْحِمَارِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فَأَتْلَفَتْهُ، فَهُنَا يَضْمَنُ لِعُدْوَانِهِ (3) .
فَهَذِهِ قَضِيَّةُ الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ، إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْبَقَرَةِ لَمْ يُفَرِّطْ، فَالتَّفْرِيطُ
_________
(1) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى 8/146 (ط. الْمُنِيرِيَّةِ 1350) : " وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ فِيمَا جَنَتْهُ فِي مَالٍ أَوْ دَمٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لَكِنْ يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِضَبْطِهِ، فَإِنْ ضَبَطَهُ فَذَاكَ، وَإِنْ عَادَ وَلَمْ يَضْبُطْهُ بِيعَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ " وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ لَيْلًا وَلَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ نَهَارًا. وَهُوَ قَضَاءُ شُرَيْحٍ وَحُكْمُ الشَّعْبِيِّ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ. قَالَ عَلِيُّ (بْنُ حَزْمٍ) : لَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا سَبَقُونَا إِلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ. . فَصَحَّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ حَرَامًا لَيْسَ هُوَ ابْنَ مُحَيِّصَةَ لِصُلْبِهِ، إِنَّمَا هُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، وَسَعْدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْبَرَاءِ، وَلَا أَبُو أُمَامَةَ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنِيفِيِّينَ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ أَنْ يَقُولُوا بِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ ". ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الِاحْتِجَاجَ بِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَرَدَّ ذَلِكَ، وَقَالَ: " وَلَوْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَامَتْ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ".
(2) س، ب: زَرَعَ.
(3) ن: لِعَدَاوَتِهِ.
(8/73)

مِنْ صَاحِبِ الْحِمَارِ، كَمَا لَوْ دَخَلَتِ الْمَاشِيَةُ نَهَارًا فَأَفْسَدَتِ الزَّرْعَ ; فَإِنَّ صَاحِبَ الْحِمَارِ لَمْ يُغْلِقْ عَلَيْهِ الْبَابَ (1) ، كَمَا لَوْ دَخَلَتِ الْبَقَرَةُ عَلَى الْحِمَارِ (2) (* إِنْ كَانَ الْحِمَارُ نَائِمًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطَ بِإِدْخَالِهَا إِلَى الْحِمَارِ كَانَ ضَامِنًا. وَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مُجَرَّدُ اعْتِدَاءِ الْحِمَارِ عَلَى الْبَقَرَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ عَلَى الْحِمَارِ *) (3) بِدُونِ تَفْرِيطِ (4) صَاحِبِهَا كَاعْتِدَاءِ صَاحِبِهَا (5) ، فَهَذَا يُوجِبُ كَوْنَ الْبَهِيمَةِ كَالْعَبْدِ، مَا أَتْلَفَهُ يَكُونُ فِي رَقَبَتِهَا، وَلَا يَكُونُ جُبَارًا، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ نَقَلَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالَ يَكْذِبُونَ مَا يَظُنُّونَهُ مَدْحًا وَيَمْدَحُونَ بِهِ ; فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الْكَذِبِ وَبَيْنَ الْمَدْحِ، فَلَا صِدْقَ وَلَا عِلْمَ وَلَا عَدْلَ، فَيَضِلُّونَ (6) فِي الْخَيْرِ وَالْعَدْلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} [سُورَةُ يُونُسَ: 35] .
_________
(1) س: فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُغْلِقْ عَلَيْهَا الْبَابَ، ب: فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُغْلِقْ عَلَيْهِ الْبَابَ.
(2) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: كَمَا لَوْ دَخَلَ الْحِمَارُ عَلَى الْبَقَرَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَأَحْسَبُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(3) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(4) س: وَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مُجَرَّدُ اعْتِدَاءِ الْحِمَارِ بِدُونِ تَفْرِيطٍ، ب: وَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مُجَرَّدُ اعْتِدَاءِ الْبَقَرَةِ بِدُونِ تَفْرِيطٍ.
(5) عِبَارَةُ " كَاعْتِدَاءِ صَاحِبِهَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(6) ن: يَطِلُّونَ، م: فَطَلُونَ، س، ب: يَظُنُّونَ. وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ.
(8/74)

[فصل قول الرافضي أن عليا كان أشجع الناس والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " الرَّابِعُ: أَنَّهُ كَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَبِسَيْفِهِ ثَبَتَتْ (2) قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ، وَتَشَيَّدَتْ أَرْكَانُ الْإِيمَانِ، مَا انْهَزَمَ فِي مَوَاطِنَ (3) قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ (4) إِلَّا قَطَّ، طَالَمَا (5) كَشَفَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (6) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَفِرَّ كَمَا فَرَّ غَيْرُهُ، وَوَقَاهُ بِنَفْسِهِ لَمَّا بَاتَ عَلَى (7) فِرَاشِهِ، مُسْتَتِرًا بِإِزَارِهِ، فَظَنَّهُ الْمُشْرِكُونَ إِيَّاهُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (8) - فَأَحْدَقُوا بِهِ وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، يَرْصُدُونَ طُلُوعَ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُ ظَاهِرًا ; فَيَذْهَبَ دَمُهُ لِمُشَاهَدَةِ بَنِي هَاشِمٍ قَاتِلِيهِ مِنْ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ، وَلَا يَتِمَّ لَهُمُ الْأَخْذُ بِثَأْرِهِ ; لِاشْتِرَاكِ الْجَمَاعَةِ فِي دَمِهِ، وَيَعُودَ كُلُّ قَبِيلٍ عَنْ قِتَالِ رَهْطِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ
_________
(1) فِي (ك) ص 181 (م) - ص 182 (م) .
(2) ن، م، س: ثَبَتَ.
(3) ك (ص 182 م) : مَوْضِعٍ.
(4) ك: بِسَيْفِهِ.
(5) ك: وَطَالَمَا.
(6) ن، س، ب: النَّبِيِّ.
(7) م: فِي.
(8) ك: وَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ - وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَنَّهُ هُوَ. . . .
(8/75)

سَبَبَ حِفْظِ دَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَمَّتِ السَّلَامَةُ، وَانْتَظَمَ بِهِ الْغَرَضُ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْمِلَّةِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ، وَرَأَوْا (1) الْفَتْكَ بِهِ، ثَارَ إِلَيْهِمْ، فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ حِينَ عَرَفُوهُ (2) ، وَانْصَرَفُوا وَقَدْ ضَلَّتْ حِيَلُهُمْ (3) ، وَانْتَقَضَ تَدْبِيرُهُمْ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مِنْ شُجْعَانِ الصَّحَابَةِ، وَمِمَّنْ نَصَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ بِجِهَادِهِ، وَمِنْ كِبَارِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (4) ، وَمِنْ سَادَاتِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمِمَّنْ قَتَلَ بِسَيْفِهِ عَدَدًا مِنَ الْكُفَّارِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ، بَلْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَذَا فَضْلُهُ فِي الْجِهَادِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَضْلًا عَنْ أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى الْخُلَفَاءِ، فَضْلًا عَنْ تَعْيِينٍ (5) لِلْإِمَامَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ كَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ ".
فَهَذَا كَذِبٌ، بَلْ كَانَ أَشْجَعَ (6) النَّاسِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(1) ك: وَأَرَادُوا.
(2) ن، م، س، ب: حِينَ عَرَفَهُمْ. وَالتَّصْوِيبُ مِنْ (ك) .
(3) ن، س، ب: حِيلَتُهُمْ.
(4) وَالْأَنْصَارِ: لَيْسَتْ فِي (م) .
(5) ب (فَقَطْ) : تُعَيُّنِهِ.
(6) م: كَانَ أَشْجَعَ، س، ب: بَلْ أَشْجَعُ.
(8/76)

وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي (1) عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: " لَنْ تُرَاعُوا ". قَالَ الْبُخَارِيُّ: اسْتَقْبَلَهُمْ وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ» (2) .
وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: " كَانَ إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنَّا " (3) .
وَالشَّجَاعَةُ تُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قُوَّةُ الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ. وَالثَّانِي: شِدَّةُ (4) الْقِتَالِ بِالْبَدَنِ، بِأَنْ يَقْتُلَ كَثِيرًا، وَيَقْتُلَ قَتْلًا عَظِيمًا.
وَالْأَوَّلُ: هُوَ الشَّجَاعَةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ وَعَمَلِهِ.
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ كَانَ قَوِيَّ الْقَلْبِ، وَلَا بِالْعَكْسِ ; وَلِهَذَا
_________
(1) م: عَلَى.
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/39، 52 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ الْحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ، بَابُ مُبَادَرَةِ الْإِمَامِ عِنْدَ الْفَزَعِ، بَابُ السُّرْعَةِ وَالرَّكْضِ فِي الْفَزَعِ) ، 8/13 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبُخْلِ) ، مُسْلِمٍ 4/1802 - 1803 (كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابٌ فِي شَجَاعَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَتَقَدُّمِهِ لِلْحَرْبِ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/117 - 118 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ الْقِتَالِ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/926 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ الْخُرُوجِ فِي النَّفِيرِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/147، 185، 261، 271.
(3) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ - فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/228 (رَقْمَ 1042) ، 2/343 (رَقْمَ 1346) وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْحَدِيثَيْنِ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا بِمَعْنَاهُ 2/64 (رَقْمَ 654) وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَذَلِكَ.
(4) شِدَّةُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(8/77)

تَجِدُ الرَّجُلَ الَّذِي يَقْتُلُ كَثِيرًا وَيُقَاتِلُ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يُؤَمِّنُهُ، إِذَا خَافَ أَصَابَهُ الْجُبْنُ، وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ. وَتَجِدُ الرَّجُلَ الثَّابِتَ الْقَلْبِ، الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِيَدَيْهِ كَثِيرًا، ثَابِتًا فِي الْمَخَاوِفِ، مِقْدَامًا عَلَى الْمَكَارِهِ (1) . وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي أُمَرَاءِ الْحُرُوبِ وَقُوَّادِهِ وَمُقَدَّمِيهِ أَكْثَرَ مِنَ الْأُولَى ; فَإِنَّ الْمُقَدَّمَ إِذَا كَانَ شُجَاعَ الْقَلْبِ ثَابِتًا، أَقْدَمَ وَثَبَتَ وَلَمْ يَنْهَزِمْ، فَقَاتَلَ مَعَهُ أَعْوَانُهُ، وَإِذَا كَانَ جَبَانًا ضَعِيفَ الْقَلْبِ ذَلَّ وَلَمْ يُقْدِمْ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الشَّجَاعَةِ، الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ فِي أَئِمَّةِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ إِلَّا أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، قَتَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ أَحَدًا لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَكَانَ أَشْجَعَ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، حَتَّى إِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَغْلَةٍ، وَالْبَغْلَةُ لَا تَكِرُّ وَلَا تَفِرُّ، وَهُوَ يُقْدِمُ عَلَيْهَا إِلَى نَاحِيَةِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ يَقُولُ:
«
أَنَا النَّبِيُّ لَا (2) كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
»
فَيُسَمِّي نَفْسَهُ، وَأَصْحَابُهُ قَدِ انْكَفُّوا عَنْهُ، وَعَدُوُّهُ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقْدِمٌ عَلَى عَدُوِّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ، وَالْعَبَّاسُ آخِذٌ بِعِنَانِهَا (3) .
وَكَانَ عَلِيٌّ - وَغَيْرُهُ - يَتَّقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ
_________
(1) م: مُقْدِمًا فِي الْمَكَارِهِ.
(2) م: بِلَا.
(3) سَبَقَ حَدِيثُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فِيمَا مَضَى 5/63، 64.
(8/78)

أَشْجَعُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَدْ قَتَلَ بِيَدِهِ (1) ، أَكْثَرَ مِمَّا قَتَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَإِذَا كَانَتِ الشَّجَاعَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ الْأَئِمَّةِ شَجَاعَةَ الْقَلْبِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَشْجَعَ مِنْ عُمَرَ، وَعُمَرَ أَشْجَعَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ مَنْ يَعْرِفُ سِيَرَهُمْ وَأَخْبَارَهُمْ ; فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَاشَرَ الْأَهْوَالَ الَّتِي كَانَ يُبَاشِرُهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى آخِرِهِ، وَلَمْ يَجْبُنْ وَلَمْ يَحْرَجْ وَلَمْ يَفْشَلْ، وَكَانَ يُقْدِمُ عَلَى الْمَخَاوِفِ: يَقِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ، يُجَاهِدُ الْمُشْرِكِينَ تَارَةً بِيَدِهِ وَتَارَةً بِلِسَانِهِ وَتَارَةً بِمَالِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُقْدِمٌ.
وَكَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَرِيشِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْعَدُوَّ يَقْصِدُونَ مَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ثَابِتُ الْقَلْبِ، رَبِيطُ الْجَأْشِ، يُظَاهِرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعَاوِنُهُ، وَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو رَبَّهُ وَيَسْتَغِيثُ وَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ، اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ. . . " جَعَلَ (2) أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ لَهُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ هَكَذَا مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ إِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ» (3) .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ يَقِينِ الصِّدِّيقِ، وَثِقَتِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَثَبَاتِهِ، وَشَجَاعَتِهِ: شَجَاعَةً إِيمَانِيَّةً (4) زَائِدَةً عَلَى الشَّجَاعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.
_________
(1) بِيَدِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(2) س، ب: وَجَعَلَ.
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/130 - 131.
(4) م: إِيمَانٍ.
(8/79)

وَكَانَ حَالُ رَسُولِ اللَّهِ أَكْمَلَ مِنْ حَالِهِ، وَمَقَامُهُ أَعْلَى مِنْ مَقَامِهِ. وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ - كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ - أَنَّ حَالَ أَبِي بَكْرٍ أَكْمَلَ (1) - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَلَا نَقْصَ فِي اسْتِغَاثَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِخَطَلٍ مِنَ الْقَوْلِ مَرْدُودٍ عَلَى مَنْ قَالَهُ، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - جَامِعًا كَامِلًا، لَهُ مِنْ كُلِّ مَقَامٍ ذُرْوَةُ سَنَامِهِ وَوَسِيلَتُهُ، فَيَعْلَمُ أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوَ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابَ قَدْحٍ فِي الْعَقْلِ، وَالْإِعْرَاضَ عَنِ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ الْمُشْرِكِينَ وَيُقِيمَ الدِّينَ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَتَحْرِيضِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِنْصَارَ بِاللَّهِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِهِ وَالدُّعَاءَ لَهُ فِيهِ أَعْظَمُ الْجِهَادِ وَأَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ وَدَفْعِ الْمَحْذُورِ.
وَلِهَذَا كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (2) ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ - وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ - أَخْبَرَ (3) أَصْحَابَهُ بِمَصَارِعِهِمْ، وَقَالَ: " هَذَا مَصْرَعُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهَذَا مَصْرَعُ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهَذَا مَصْرَعُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ،
_________
(1) س، ب: أَكْبَرَ.
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَوَّلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ وَيَقُولُ: " هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ". انْظُرْ مَا سَبَقَ 4/483.
(3) ن، م: قُرَيْشٌ وَقَدْ خَرَجَ وَأَخْبَرَ.
(8/80)

وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ " (1) ، ثُمَّ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى شَيْئًا يَكُونُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَقْضِيَهُ بِأَسْبَابٍ تَكُونُ، وَأَنَّ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَكُونُ الْعِبَادُ مَأْمُورِينَ بِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الِاسْتِغَاثَةُ (2) بِاللَّهِ، فَقَامَ بِمَا يُؤْمَرُ بِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ مَا وُعِدَ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيُطِيعُهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ السَّعَادَةَ فِي الْآخِرَةِ.
وَالْقَلْبُ إِذَا غَشِيَتْهُ الْهَيْبَةُ وَالْمَخَافَةُ وَالتَّضَرُّعُ قَدْ يَغِيبُ عَنْهُ شُهُودُ مَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، مُصَدِّقًا لَهُ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِي اجْتِهَادٍ وَجِهَادٍ بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ (3) ،
_________
(1) لَمْ أَجِدْ حَدِيثًا بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَكِنْ جَاءَ حَدِيثٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مُسْلِمٍ 3/1403 - 1404 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ) فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاوَرَ أَصْحَابَهُ. . إِلَخْ وَفِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ " قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، هَاهُنَا وَهَاهُنَا. قَالَ فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ (أَيْ تَبَاعَدَ) عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ بِمَعْنَاهُ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 2/267، السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ (تَحْقِيقُ مُصْطَفَى عَبْد الْوَاحِدِ) 2/392 - 393، زَادِ الْمَعَادِ 3/173 - 174. عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يُشْبِهُ خَبَرَ رُؤْيَا جُهَيْمِ بْنِ الصَّلْتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 2/270) قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، وَإِنِّي لَبَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتَّى وَقَفَ وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ. . إِلَخْ. وَانْظُرِ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ لِابْنِ كَثِيرٍ 2/398 - 399.
(2) س، ب: الِاسْتِعَانَةُ.
(3) ن، م، س: لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ. وَكُتِبَ فِي هَامِشِ (س) مَا يَلِي: " لَعَلَّ " لَمْ " زَائِدَةٌ مِنْ سَهْوِ النَّاسِخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ - نَاقِلِهِ ".
(8/81)

لَمْ يَمْنَعْ (1) أَنْ يَجِدَ بَعْضَ أَلَمِ الْمَوْتِ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي إِذَا أُخْبِرَ أَنَّ فِي دَوَائِهِ الْعَافِيَةَ، لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَجِدَ مَرَارَةَ الدَّوَاءِ - فَقَامَ مُجْتَهِدًا فِي الدُّعَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَكَانَ هُوَ رَأْسَ الْأَمْرِ، وَقُطْبَ رَحَى الدِّينِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِأَفْضَلَ مِمَّا (2) يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغَاثَةُ كَانَ أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا النَّصْرُ. وَمَقَامُ أَبِي بَكْرٍ دُونَ هَذَا، وَهُوَ مُعَاوَنَةُ الرَّسُولِ وَالذَّبُّ عَنْهُ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّا وَاثِقُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّظَرُ إِلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ، وَهَلْ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ وَالنَّظَرُ إِلَى صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا تَخْتَلَّ، وَتَبْلِيغُ الْمُسْلِمِينَ مَا يَأْمُرُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 40] . وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّاسَ إِذَا لَمْ يَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ.
وَهَذِهِ الْحَالُ كَانَ الْخَوْفُ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ غَيْرِهِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ. وَالْوَزِيرُ مَعَ الْأَمِيرِ لَهُ حَالٌ، وَلِلْأَمِيرِ (3) حَالٌ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ الرَّسُولِ
_________
(1) ب: لَمْ يَمْنَعْهُ.
(2) ن، م، س: مَا.
(3) م: وَالْأَمِينِ، ب: وَالْأَمِيرِ.
(8/82)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْجَعَ مِنْهُ ; وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِهِمْ، حَتَّى أَوْهَنَتِ الْعُقُولَ، وَطَيِّشَتِ (1) الْأَلْبَابَ، وَاضْطَرَبُوا اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ (2) الْبَعِيدَةِ الْقَعْرِ، فَهَذَا يُنْكِرُ مَوْتَهُ، وَهَذَا قَدْ أُقْعِدَ، وَهَذَا قَدْ دُهِشَ فَلَا يَعْرِفُ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ وَمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ يَضِجُّونَ بِالْبُكَاءِ، وَقَدْ وَقَعُوا فِي نُسْخَةِ الْقِيَامَةِ، وَكَأَنَّهَا قِيَامَةٌ صُغْرَى مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى، وَأَكْثَرُ الْبَوَادِي قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الدِّينِ، وَذَلَّتْ كُمَاتُهُ، فَقَامَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَلْبٍ ثَابِتٍ، وَفُؤَادٍ شُجَاعٍ، فَلَمْ يَجْزَعْ، وَلَمْ يَنْكُلْ، قَدْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: " مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 144] ، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَسْمَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا الصِّدِّيقُ (3) ، فَلَا تَجِدُ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَتْلُوهَا، ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَثَبَّتَهُمْ وَشَجَّعَهُمْ.
قَالَ أَنَسٌ: " خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكُنَّا كَالثَّعَالِبِ، فَمَا زَالَ يُشَجِّعُنَا حَتَّى صِرْنَا كَالْأُسُودِ ".
_________
(1) م: أُذْهِبَ الْعُقُولُ وَطَاشَتِ.
(2) الرِّشَاءُ: الْحَبْلُ، أَوْ حَبْلُ الدَّلْوِ وَنَحْوِهِ. . . وَالْجَمْعُ أَرْشِيَةٌ. وَالطَّوِيُّ: الْبِئْرُ الْمَطْوِيَّةُ بِالْحِجَارَةِ، مُذَكَّرٌ، فَإِنْ أُنِّثَ فَعَلَى الْمَعْنَى. .
(3) م: تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ.
(8/83)

وَأَخَذَ فِي تَجْهِيزِ أُسَامَةَ، مَعَ إِشَارَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ، مَعَ إِشَارَتِهِمْ عَلَيْهِ بِالتَّمَهُّلِ وَالتَّرَبُّصِ، وَأَخَذَ يُقَاتِلُ حَتَّى مَانِعِي الزَّكَاةِ، فَهُوَ مَعَ الصَّحَابَةِ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا جَهِلُوا، وَيُقَوِّيهِمْ إِذَا ضَعُفُوا، وَيَحُثُّهُمْ إِذَا فَتَرُوا، فَقَوَّى اللَّهُ بِهِ عِلْمَهُمْ وَدِينَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ - مَعَ كَمَالِ قُوَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ - يَقُولُ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ تَأَلَّفِ النَّاسَ، فَيَقُولُ: عَلَامَ أَتَأَلَّفُهُمْ؟ أَعَلَى دِينٍ مُفْتَرًى؟ أَمْ عَلَى شِعْرٍ مُفْتَعَلٍ؟ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَطُولُ وَصْفُهُ.
فَالشُّجَاعَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنِ الْإِمَامِ لَمْ تَكُنْ فِي أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْمَلَ مِنْهَا فِي أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ. وَأَمَّا الْقَتْلُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ غَيْرَ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ قَتَلَ مِنَ الْكُفَّارِ أَكْثَرَ مِمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ، فَإِنْ كَانَ مَنْ قَتَلَ أَكْثَرَ يَكُونُ أَشْجَعَ، فَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَشْجَعُ مِنْ عَلِيٍّ، فَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ (1) - أَخُو أَنَسٍ - قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ مُبَارَزَةً، غَيْرَ مَنْ شُورِكَ فِي دَمِهِ.
وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَلَا يُحْصِي عَدَدَ مَنْ قَتَلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَقَدِ انْكَسَرَ فِي يَدِهِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَتَلَ أَضْعَافَ مَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ.
وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَعَ الشَّجَاعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ شَجَاعَةٌ دِينِيَّةٌ، وَهِيَ قُوَّةٌ (2) يَقِينِيَّةٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَثِقَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَهَذِهِ الشَّجَاعَةُ لَا تَحْصُلُ بِكُلِّ مَنْ كَانَ (3) قَوِيَّ الْقَلْبِ، لَكِنَّ هَذِهِ تَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ،
_________
(1) ن، م: فَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(2) س، ب: دِينِيَّةٌ وَقُوَّةٌ. . .
(3) س: لَا تَحْصُلُ لَكِنْ مَنْ كَانَ (وَفِي الْهَامِشِ: لَعَلَّهُ: إِلَّا لِمَنْ) ، ب: إِلَّا لِمَنْ كَانَ. .
(8/84)

وَتَنْقُصُ بِنَقْصِ ذَلِكَ، فَمَتَى تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَغْلِبُ عَدُوَّهُ كَانَ إِقْدَامُهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ إِقْدَامِ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَهَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ شَجَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَيْقَنُوا بِخَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: أَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ وَأَنَّ اللَّهَ (1) يَفْتَحُ لَهُمُ الْبِلَادَ.
وَمِنْ شَجَاعَةِ الصِّدِّيقِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (2) عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي (3) عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَهُ عَنْهُ، وَقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 28] (4) .
_________
(1) س، ب: وَاللَّهُ. .
(2) م: بْنَ عُمَرَ.
(3) س، ب: مِنْ. .
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/10 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَابُ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. . .) 5/46 (كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ) ، 6/127 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الْمُؤْمِنِ) ، الْمُسْنَدِ 11/143 - 144 وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ (7: 292) مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَذَكَرَهُ فِي التَّارِيخِ (3: 45 - 46) مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَقَالَ فِي التَّارِيخِ: " انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ " يَعْنِي عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ ذَخَائِرَ الْمَوَارِيثِ 4535) ".
(8/85)

[فصل الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله]
(فَصْلٌ)
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّجَاعَةَ إِنَّمَا فَضِيلَتُهَا فِي الدِّينِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَالشَّجَاعَةُ إِذَا لَمْ يَسْتَعِنْ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ: إِمَّا وَبَالًا عَلَيْهِ إِنِ اسْتَعَانَ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَإِمَّا غَيْرَ نَافِعَةٍ لَهُ إِنِ اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا لَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَشَجَاعَةُ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ، وَخَالِدٍ وَأَبِي دُجَانَةَ، وَالْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي طَلْحَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ شُجْعَانِ الصَّحَابَةِ - إِنَّمَا صَارَتْ مِنْ فَضَائِلِهِمْ لِاسْتِعَانَتِهِمْ بِهَا عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; فَإِنَّهُمْ بِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا مَا حَمِدَ اللَّهُ بِهِ الْمُجَاهِدِينَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجِهَادَ مِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْقِتَالِ بِالْيَدِ (1) ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالدَّعْوَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 51، 52] ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُجَاهِدَ الْكُفَّارَ بِالْقُرْآنِ جِهَادًا كَبِيرًا (2) ، وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ، (* وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْجِهَادُ (3) بِالْعِلْمِ وَالْقَلْبِ وَالْبَيَانِ وَالدَّعْوَةِ لَا بِالْقِتَالِ *) (4) . وَأَمَّا الْقِتَالُ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّدْبِيرِ وَالرَّأْيِ،
_________
(1) بِالْيَدِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(2) (2 - 2) : سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) ن، م، س: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا قِتَالُ الْجِهَادِ. . .
(4) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(8/86)

وَيَحْتَاجُ إِلَى شَجَاعَةِ الْقَلْبِ، وَإِلَى الْقِتَالِ بِالْيَدِ. وَهُوَ إِلَى الرَّأْيِ وَالشَّجَاعَةِ فِي الْقَلْبِ فِي الرَّأْسِ الْمُطَاعِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُقَدَّمَانِ فِي أَنْوَاعِ الْجِهَادِ غَيْرَ قِتَالِ الْبَدَنِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ (1) : " وَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ جِهَادًا وَطَعْنًا فِي الْكُفَّارِ وَضَرْبًا، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ. قَالَ (2) : وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً: أَحَدُهَا: الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاللِّسَانِ. وَالثَّانِي: الْجِهَادُ عِنْدَ الْحَرْبِ بِالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ. وَالثَّالِثُ: الْجِهَادُ بِالْيَدِ فِي الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ. فَوَجَدْنَا الْجِهَادَ بِاللِّسَانِ لَا يَلْحَقُ فِيهِ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ. أَمَّا أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّ أَكَابِرَ الصِّحَابِ أَسْلَمُوا عَلَى يَدَيْهِ، فَهَذَا أَفْضَلُ عَمَلٍ، وَلَيْسَ لَعَلِيٍّ مِنْ هَذَا كَثِيرُ حَظٍّ، وَأَمَّا عُمَرُ: فَإِنَّهُ مِنْ يَوْمِ أَسْلَمَ عَزَّ الْإِسْلَامُ، وَعُبِدَ اللَّهُ عَلَانِيَةً (3) ، وَهَذَا أَعْظَمُ الْجِهَادِ. وَقَدِ انْفَرَدَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ بِهَذَيْنِ الْجِهَادَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا، وَلَا حَظَّ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا.
وَبَقِيَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ الرَّأْيُ وَالْمَشُورَةُ (4) ، فَوَجَدْنَاهُ خَالِصًا لِأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ لِعُمَرَ.
_________
(1) فِي كِتَابِهِ " الْفِصَلِ " 4/211 - 212.
(2) الْفِصَلَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ.
(3) الْفَصْلُ: عَزَّ الْإِسْلَامُ، وَعُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَكَّةَ جَهْرًا، وَجَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِيَدَيْهِ، فَضَرَبَ وَضُرِبَ حَتَّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ، فَعُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَانِيَةً
(4) ن، م، س: وَالْمَشْهُورُ. وَفِي هَامِشِ (س) كُتِبَ: " كَذَا فِي الْأَصْلِ ". وَفِي (ب) : وَالتَّدْبِيرُ. وَالْمُثْبَتُ مِنَ " الْفِصَلِ ".
(8/87)

بَقِيَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الطَّعْنُ وَالضَّرْبُ وَالْمُبَارَزَةُ، فَوَجَدْنَاهُ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْجِهَادِ بِبُرْهَانٍ ضَرُورِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ فِي أَنَّهُ الْمَخْصُوصُ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، فَوَجَدْنَا جِهَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ فِي أَكْثَرِ أَعْمَالِهِ وَأَحْوَالِهِ بِالْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالتَّدْبِيرِ وَالْإِرَادَةِ (1) ، وَكَانَ أَقَلَّ عَمَلِهِ الطَّعْنُ وَالضَّرْبُ وَالْمُبَارَزَةُ، لَا عَنْ جُبْنٍ، بَلْ كَانَ أَشْجَعَ أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً نَفْسًا وَيَدًا، وَأَتَمَّهُمْ نَجْدَةً، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَيُقَدِّمُهُ (2) وَيَشْتَغِلُ بِهِ، وَوَجَدْنَاهُ (3) يَوْمَ بَدْرٍ - وَغَيْرَهُ - كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ لَا يُفَارِقُهُ، إِيثَارًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِذَلِكَ، وَاسْتِظْهَارًا بِرَأْيِهِ فِي الْحَرْبِ، وَأُنْسًا بِمَكَانِهِ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ رُبَّمَا شُورِكَ (* فِي ذَلِكَ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهَذَا الْمَحَلِّ دُونَ عَلِيٍّ، وَدُونَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، إِلَّا فِي النُّدْرَةِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا مَعَ ذَلِكَ فِي *) (4) هَذَا الْقِسْمِ مِنَ (5) الْجِهَادِ، الَّذِي هُوَ الطَّعْنُ وَالضَّرْبُ (6) وَالْمُبَارَزَةُ، فَوَجَدْنَا عَلِيًّا لَمْ يَنْفَرِدْ بِالسُّيُوفِ (7) فِيهِ، بَلْ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ شَرِكَةَ الْعِيَانِ (8) ، كَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ، وَمَنْ (9) قُتِلَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، كَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبِ بْنِ
_________
(1) الْفَصْلُ: وَالْإِدَارَةِ.
(2) الْفَصْلُ: قَدَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
(3) ن، م، س: وَوَجَدْنَا.
(4) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(5) ن، س، ب: فِي.
(6) ن، س، ب: الضَّرْبُ وَالطَّعْنُ.
(7) الْفَصْلُ: بِالْبُسُوقِ.
(8) م، الْفَصْلُ: الْعِنَانِ.
(9) الْفِصَلَ: وَمِمَّنْ. . .
(8/88)

عُمَيْرٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ (1) - يَعْنِي أَبَا دُجَانَةَ - وَغَيْرُهُمَا، وَوَجَدْنَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَدْ شَارَكَاهُ فِي ذَلِكَ بِحَظٍّ حَسَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقَا بِحُظُوظِ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِشُغْلِهِمَا بِالْأَفْضَلِ مِنْ مُلَازَمَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُؤَازَرَتِهِ فِي حِينِ الْحَرْبِ، وَقَدْ بَعَثَهُمَا عَلَى الْبُعُوثِ أَكْثَرَ مِمَّا بَعَثَ عَلِيًّا، وَقَدْ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَبَعَثَ [عُمَرَ] (2) إِلَى بَنِي فُلَانٍ، وَمَا نَعْلَمُ لِعَلِيٍّ بَعْثًا إِلَّا إِلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ فَفَتَحَهُ (3) . فَحَصَلَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ (4) لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَدْ شَارَكَا عَلِيًّا فِي أَقَلِّ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ، مَعَ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمْ ".

[فصل التعليق على قول الرافضي بسيفه ثبت قواعد الإسلام]
(فَصْلٌ)
قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: " بِسَيْفِهِ ثَبَّتَ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ (5) وَتَشَيَّدَتْ أَرْكَانُ الدِّينِ " (6) .
فَهَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ، بَلْ سَيْفُهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءٍ
_________
(1) س، ب: وَسِمَاكُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْإِصَابَةِ " 4/59 أَبَا دُجَانَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: " اسْمُهُ: سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، وَقِيلَ: ابْنُ أَوْسِ بْنِ خَرَشَةَ " وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " الِاسْتِيعَابِ " 4/59. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْإِصَابَةِ " 2/75 صَحَابِيًّا آخَرَ اسْمُهُ " سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ الْأَنْصَارِيُّ " وَقَالَ: " آخَرُ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي دُجَانَةَ ".
(2) عُمَرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) ، (ب) ، وَأَثْبَتُّهَا مِنَ الْفَصْلِ 4/212.
(3) الْفَصْلُ: فَفَتَحَهُ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ قَبْلَهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمْ يَفْتَحَاهُ.
(4) الْفَصْلُ: الْجِهَادِ خَالِصًا. . .
(5) ن، م، س: الْإِيمَانِ. وَسَبَقَتِ الْعِبَارَةُ فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص. 95 وَفِيهَا: الْإِسْلَامِ.
(6) سَبَقَتِ الْعِبَارَةُ مِنْ قَبْلُ وَفِيهَا: أَرْكَانُ الْإِيمَانِ، وَكَذَا هِيَ فِي (ك) .
(8/89)

كَثِيرَةٍ، جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ أَسْبَابِ تَثْبِيتِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا الْإِسْلَامُ لَمْ يَكُنْ لِسَيْفِهِ فِيهَا تَأْثِيرٌ، كَيَوْمِ بَدْرٍ: كَانَ سَيْفًا مِنْ سُيُوفٍ كَثِيرَةٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ غَزَوَاتِ الْقِتَالِ كُلَّهَا كَانَتْ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، وَعَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَشْهَدْ قِتَالَ الرُّومِ وَفَارِسَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لِعَلِيٍّ غَزَاةٌ أَثَّرَ فِيهَا تَأْثِيرًا مُنْفَرِدًا كَثِيرًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كَانَ نَصْرُهُ فِي الْمَغَازِي تَبَعًا لِنَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْحُرُوبُ الْكِبَارُ الَّتِي كَانَ فِيهَا هُوَ الْأَمِيرَ ثَلَاثَةٌ: يَوْمُ الْجَمَلِ، وَالصِّفِّينُ، وَالنَّهْرَوَانُ. وَفِي الْجَمَلِ وَالنَّهْرَوَانِ كَانَ مَنْصُورًا ; فَإِنَّ جَيْشَهُ كَانَ أَضْعَافَ الْمُقَاتِلِينَ لَهُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَسْتَظْهِرْ عَلَى الْمُقَاتِلِينَ لَهُ (1) ، بَلْ مَا زَالُوا مُسْتَظْهِرِينَ عَلَيْهِ إِلَى أَنِ اسْتُشْهِدَ إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، وَأَمْرُهُ يَضْعُفُ، وَأَمْرُ الْمُقَاتِلِينَ لَهُ يَقْوَى.
وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَصْرًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، وَلِمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 51] .
وَكَذَلِكَ انْتِصَارُ غَيْرِ عَلِيٍّ، كَانْتِصَارِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَنْ قَاتَلُوهُ، إِنَّمَا كَانَ نَصْرًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، كَمَا وَعَدَهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ.
_________
(1) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/90)

[فصل التعليق على قول الرافضي ما انهزم علي قط]
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَا انْهَزَمَ قَطُّ ".
فَهُوَ فِي ذَلِكَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَالْقَوْلُ فِي أَنَّهُ مَا انْهَزَمَ، كَالْقَوْلِ فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ مَا انْهَزَمُوا قَطُّ. وَلَمْ يُعْرَفْ لِأَحَدٍ (1) مِنْ هَؤُلَاءِ هَزِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ شَيْءٌ فِي الْبَاطِنِ وَلَمْ يُنْقَلْ، فَيُمْكِنُ أَنَّ عَلِيًّا وَقَعَ مِنْهُ مَا لَمْ يُنْقَلْ.
وَالْمُسْلِمُونَ كَانَتْ لَهُمْ هَزِيمَتَانِ: يَوْمَ أُحُدٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ. وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ انْهَزَمَ، بَلِ الْمَذْكُورُ فِي السِّيَرِ وَالْمَغَازِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ثَبَتَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَلَمْ يَنْهَزِمَا مَعَ مَنِ انْهَزَمَ. وَمَنْ نَقَلَ أَنَّهُمَا انْهَزَمَا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَكَذِبُهُ مَعْلُومٌ. وَإِنَّمَا الَّذِي انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ عُثْمَانُ، وَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. وَمَا نُقِلَ مِنَ انْهِزَامِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِالرَّايَةِ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَمِنَ الْأَكَاذِيبِ الْمُخْتَلَقَةِ الَّتِي افْتَرَاهَا الْمُفْتَرُونَ.
وَقَوْلُهُ: " مَا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ إِلَّا قَطَّ ".
فَهَذَا لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ وَلَا انْتِفَاؤُهُ، وَلَيْسَ مَعَنَا فِي ذَلِكَ نَقْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي خَالِدٍ وَالزُّبَيْرِ، وَالْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي دُجَانَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ وَنَحْوِهِمْ: إِنَّهُ مَا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ إِلَّا قَطَّ، كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي عَلِيٍّ، بَلْ صِدْقُ هَذَا فِي مِثْلِ خَالِدٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ أَوْلَى.
فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «خَالِدٌ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ» (2) . فَإِذَا قِيلَ فِيمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ سُيُوفِهِ: إِنَّهُ مَا
_________
(1) ن، م: لَمْ يُعْرَفْ لِوَاحِدٍ.
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/477.
(8/91)

ضَرَبَ إِلَّا قَطَّ (1) ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الصِّدْقِ، مَعَ كَثْرَةِ مَا عُلِمَ مِنْ قَتْلِ خَالِدٍ فِي الْحُرُوبِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَنْصُورًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَطَالَمَا كَشَفَ الْكُرُوبَ عَنْ وَجْهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".
فَهَذَا كَذِبٌ بَيِّنٌ، مِنْ جِنْسِ أَكَاذِيبِ الطُّرُقِيَّةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ عَلِيًّا كَشَفَ كُرْبَةً عَنْ وَجْهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ، بَلْ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهَمَا كَانَا أَكْثَرَ جِهَادًا مِنْهُ، بَلْ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي طَالَمَا كَشَفَ عَنْ وُجُوهِهِمُ الْكُرَبَ.
لَكِنْ أَبُو بَكْرٍ دَفَعَ عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَضْرِبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ بِمَكَّةَ، جَعَلَ يَقُولُ: " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ "، حَتَّى ضَرَبُوا أَبَا بَكْرٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ مِثْلَ هَذَا.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُشْرِكِينَ أَحَاطُوا بِهِ حَتَّى خَلَّصَهُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عَلِيٌّ بِسَيْفِهِ، فَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، لَكِنَّ هَذَا الرَّافِضِيَّ - وَأَمْثَالَهُ - كَأَنَّهُمْ قَدْ طَالَعُوا (2) السِّيَرَ وَالْمَغَازِيَ الَّتِي وَضَعَهَا الْكَذَّابُونَ وَالطُّرُقِيَّةُ، مِثْلَ كِتَابِ " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " لِلْبَكْرِيِّ الْكَذَّابِ وَأَمْثَالِهِ، مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُذْكَرُ فِي سِيرَةِ الْبَطَّالِ وَدَلْهَمَةَ وَالْعَيَّارِ وَأَحْمَدَ الدَّنِفِ وَالزَّيْبَقِ الْمِصْرِيِّ، وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي يَحْكُونَهَا عَنْ هَارُونَ وَوَزِيرِهِ مَعَ الْعَامَّةِ، وَالسِّيرَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لِعَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ.
وَقَدْ وَضَعَ الْكَذَّابُونَ فِي مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هُوَ
_________
(1) فِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": الْقَطُّ: الْقَطْعُ عَامَّةً ".
(2) م: كَانُوا قَدْ طَالَعُوا.
(8/92)

مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَهَذَا يُصَدِّقُهُ الْجُهَّالُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَبِيتِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَوْفٌ عَلَى عَلِيٍّ أَصْلًا، وَأَشْهَرُ مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ ذَبُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ، لَمَّا وَلَّى أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ مُدْبِرِينَ، فَطَمِعَ الْعَدُوُّ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَرَصُوا عَلَى قَتْلِهِ، وَطَلَبَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ قَتْلَهُ (1) ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ، وَشَجَّ الْمُشْرِكُونَ جَبِينَهُ، وَهَشَّمُوا الْبَيْضَةَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ. وَذَبَّ عَنْهُ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ جَعَلَ يَرْمِي وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَهُ (2) : " «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» " (3) .
وَوَقَاهُ طَلْحَةُ بِيَدِهِ، فَشُلَّتْ يَدُ طَلْحَةَ (4) ، وَقُتِلَ حَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
_________
(1) س: وَطَمَّعَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ قَتْلُهُ، ب: وَطَمِعَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي قَتْلِهِ.
(2) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(3) الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/39 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ الْمِجَنِّ وَمَنْ يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ) وَلَفْظُهُ: " مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 4/1876 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. . .) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/314 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. .) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/47 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابٌ فِي فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. . فَضْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. .) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/91، 220 - 266 - 267.
(4) فِي الْبُخَارِيِّ 5/97 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا. .) عَنْ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ.
(8/93)

وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا أَمَرَ فَاطِمَةَ بِغَسْلِ سَيْفِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: اغْسِلِيهِ غَيْرَ ذَمِيمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنْ تَكُنْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ» وَعَدَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ (1) .

[فصل كلام الرافضي: وفي غزاة بدر والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَفِي غَزَاةِ بَدْرٍ، وَهِيَ أَوَّلُ الْغَزَوَاتِ، كَانَتْ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ (3) ، وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، قَتَلَ مِنْهُمْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا بِانْفِرَادِهِ، وَهُمْ (4) أَعْظَمُ مِنْ نِصْفِ الْمَقْتُولِينَ، وَشَرَكَ فِي الْبَاقِينَ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ الْمُفْتَرَى، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَالِمِينَ بِالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي. وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا أَحَدٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي النَّقْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ وَضْعِ جُهَّالِ الْكَذَّابِينَ، بَلْ فِي الصَّحِيحِ قُتِلَ غَيْرُ وَاحِدٍ لَمْ يَشْرَكْ عَلِيٌّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَمِثْلَ أَحَدِ ابْنَيْ رَبِيعَةَ: إِمَّا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَإِمَّا شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَرَزَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةٌ: عُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَالْوَلِيدُ، فَانْتُدِبَ
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْخَبَرُ فِيمَا مَضَى 4/481، وَهُوَ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 3/106 بِمَعْنَاهُ.
(2) فِي (ك) ص 182 (م) .
(3) ك: مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ.
(4) س، ب: وَهُوَ
(8/94)

لَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَسَمُّوا أَنْفُسَهُمْ (1) . فَقَالُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وَلَكِنْ نُرِيدُ بَنِي عَمِّنَا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَارِبَهُ بِالْبُرُوزِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: " «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ» "، وَكَانَ أَصْغَرَ الْمُشْرِكِينَ هُوَ الْوَلِيدُ، وَأَصْغَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلِيٌّ، فَبَرَزَ هَذَا إِلَى هَذَا، فَقَتَلَ عَلِيٌّ قِرْنَهُ، وَقَتَلَ حَمْزَةُ قِرْنَهُ. قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ عُتْبَةَ، وَقِيلَ: كَانَ شَيْبَةَ. وَأَمَّا عُبَيْدَةُ فَجَرَحَ قِرْنَهُ، وَسَاعَدَهُ حَمْزَةُ عَلَى قَتْلِ قِرْنِهِ، وَحُمِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ (2) .
وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَقْتُلْ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفَرًا دُونَ الْعَشَرَةِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ.
وَغَايَةُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَقَبْلَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَكَذَلِكَ الْأُمَوِيُّ (3) ،
_________
(1) م: نُفُوسَهُمْ.
(2) انْظُرْ هَذَا الْخَبَرَ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 2/177. وَجَاءَ الْخَبَرُ فِي حَدِيثٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/71 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ فِي الْمُبَارَزَةِ) ، الْمُسْنَدِ (ط الْمَعَارِفِ) 2/192 - 194 (حَدِيثٌ رَقْمُ 948) .
(3) اشْتُهِرَ مِنْ مُؤَرِّخِي السِّيرَةِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَيُعْرَفُ بِالْأُمَوِيِّ وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْأُمَوِيُّ (بِالْوَلَاءِ) الدِّمَشْقِيُّ وُلِدَ سَنَةَ 119 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 195، كَانَ عَالِمَ الشَّامِ فِي عَصْرِهِ، مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَمِنْ كُتَّابِ السِّيرَةِ وَالْمَغَازِي، أَلَّفَ حَوَالَيْ 70 كِتَابًا مِنْهَا كِتَابُ " الْمَغَازِي " وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْهُ قِطَعٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. انْظُرْ: شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 1/344، الْأَعْلَامَ 9/143، سِزْكِينَ م [0 - 9] ج [0 - 9] ، ص 98 وَلَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يُحَدِّدُ لَنَا مَنْ يَقْصِدُهُ بِالْأُمَوِيِّ بَعْدَ صَفَحَاتٍ (ص. 116) فَيَقُولُ: وَسَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَرَجَّحْتُ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ مِنَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَوْ مِنَ النُّسَّاخِ. وَالصَّوَابُ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانَ، أَبُو أَيُّوبَ، الْأُمْوَرِيُّ، الْكُوفِيُّ وُلِدَ سَنَةَ 114 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 194 وَلَهُ كِتَابُ " الْمَغَازِي " ذَكَرَهُ سِزْكِينُ م 1 ج 2 ص 97 - 98، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ: وَانْظُرْ أَيْضًا: تَهْذِيبَ التَّهْذِيبِ 11/213 - 214 تَذْكِرَةَ الْحُفَّاظِ 1/325 - 326.
(8/95)

جَمِيعُ مَا ذَكَرُوهُ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وَاخْتُلِفَ فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ، هَلْ قَتَلَهُمْ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، وَشَارَكَ فِي ثَلَاثَةٍ. هَذَا جَمِيعُ مَا نَقَلَهُ هَؤُلَاءِ الصَّادِقُونَ (1) .

[فصل كلام الرافضي: وفي غزاة أحد لما انهزم الناس والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَفِي غَزَاةِ أُحُدٍ لَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَرَجَعَ (3) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرٌ يَسِيرٌ، أَوَّلُهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَجَاءَ عُثْمَانُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ ذَهَبَتْ فِيهَا عَرِيضَةٌ. وَتَعَجَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شَأْنِ عَلِيٍّ (4) ، فَقَالَ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَعْرُجُ إِلَى السَّمَاءِ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَا رِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيُّ
وَقَتَلَ أَكْثَرَ (5) الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، وَكَانَ الْفَتْحُ فِيهَا عَلَى يَدِهِ. وَرَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ (6) : «سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَصَابَنِي
_________
(1) انْظُرْ فِي ذَلِكَ ابْنَ هِشَامٍ 2/365 - 374.
(2) فِي (ك) ص. 182 (م) - 183 (م) .
(3) ك: إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَحْدَهُ ثُمَّ رَجَعَ. . .
(4) ك ص 183 م) : مِنْ ثَبَاتِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(5) ك: وَقَتَلَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَكْثَرَ. .
(6) ك: رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ. .
(8/96)

يَوْمَ أُحُدٍ سِتَّةَ عَشَرَ ضَرْبَةً (1) ، سَقَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ فِي أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ اللِّمَّةِ (2) ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَأَخَذَ بِضَبْعَيَّ، فَأَقَامَنِي، ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ فَقَاتِلْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، فَهُمَا عَنْكَ رَاضِيَانِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَمَا تَعْرِفُ الرَّجُلَ؟ قُلْتُ: لَا وَلَكِنْ شَبَّهْتُهُ بِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَيْكَ (3) ، كَانَ ذَاكَ جِبْرِيلَ» " (4) .
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الْعِظَامِ، الَّتِي لَا تَنْفُقُ إِلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْإِسْلَامَ، وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ بِهَذِهِ الْخُرَافَاتِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا جَرَى فِي الْغَزَوَاتِ، كَقَوْلِهِ: " إِنَّ عَلِيًّا قَتَلَ أَكْثَرَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، وَكَانَ الْفَتْحُ فِيهَا عَلَى يَدِهِ ".
فَيُقَالُ: آفَةُ الْكَذِبِ الْجَهْلُ. وَهَلْ كَانَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ فَتْحٌ؟ بَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ هَزَمُوا الْعَدُوَّ أَوَّلًا، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَكَّلَ بِثُغْرَةِ الْجَبَلِ الرُّمَاةَ، وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَأَنْ لَا يَأْتُوهُمْ سَوَاءٌ غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ صَاحَ بَعْضُهُمْ: أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ! فَنَهَاهُمْ أَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَرَجَعَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ، وَأَمِيرُ الْمُشْرِكِينَ
_________
(1) سِتَّةَ عَشَرَ ضَرْبَةً: كَذَا فِي (ك) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ نَقْلًا عَنْهَا، وَهُوَ خَطَأٌ. وَالصَّوَابُ: سِتَّ عَشْرَةَ ضَرْبَةً.
(2) س، ب: اللِّحْيَةِ.
(3) ن، م، س: عَيْنَاكَ.
(4) ك: فَإِنَّهُ كَانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(8/97)

إِذْ ذَاكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَتَاهُمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَصَاحَ الشَّيْطَانُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ. وَاسْتُشْهِدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ سَبْعِينَ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (1) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ (2) ، وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَفِتْنَةٍ وَتَمْحِيصٍ، وَانْصَرَفَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ مُنْتَصِرًا، حَتَّى هَمَّ بِالْعَوْدِ (3) إِلَيْهِمْ، فَنَدَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمِينَ لِلِحَاقِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ فِي هَؤُلَاءِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 172] ، وَكَانَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنْتَدَبِينَ: أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ، قَالَتْ عَائِشَةُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَبُوكَ وَجَدُّكَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} (4) ، وَلَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، وَقَصَدَ الْعَدُوُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجْتَهَدُوا فِي قَتْلِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ ذَبَّ عَنْهُ
_________
(1) م: فِي الصَّحِيحِ.
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/523، 5/21.
(3) س، ب: بِالْعَدُوِّ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/102 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) وَنَصُّهُ: قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمْ: الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا. قَالَ: " مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ؟ " فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ. وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 4/1880 - 1881 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ. .) ، تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ 144 - 145.
(8/98)

يَوْمَئِذٍ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَعَلَ يَرْمِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَهُ: " «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ سَعْدٍ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ» (1) . وَكَانَ سَعْدٌ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مُسَدَّدَ الرَّمْيَةِ.
وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو طَلْحَةَ رَامِيًا، وَكَانَ (2) شَدِيدَ النَّزْعِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَقَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ فَشُلَّتْ يَدُهُ. وَظَاهَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَقُتِلَ دُونَهُ نَفَرٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي " السِّيرَةِ " فِي النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ (3) : " تَرَّسَ دُونَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ: يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتَّى كَثُرَ فِيهِ النَّبْلُ. وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ دُونَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ، وَيَقُولُ (4) : " «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» "، حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ مَالَهُ نَصْلٌ، فَيَقُولُ: " ارْمِ " (5) .
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/22 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ. . .) ، مُسْلِمٍ 4/1876 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدٍ. . .) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/314 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدٍ. . . سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/47 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابٌ فِي فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ. . .، فَضْلُ سَعْدٍ. . .) الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ رَقْمَ 1495، 1562.
(2) س، ب: فَكَانَ.
(3) فِي: سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 3/87.
(4) ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ يَقُولُ:
(5) ابْنُ هِشَامٍ: ارْمِ بِهِ. وَالْكَلَامُ التَّالِي بَعْدَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 3/86.
(8/99)

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ غَشِيَهُ الْقَوْمُ: " مَنْ رَجُلٌ (1) يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ؟ ". . . فَقَامَ (2) زِيَادُ بْنُ السَّكَنِ فِي نَفَرٍ خَمْسَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ - وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ عُمَارَةُ بْنُ زَيْدِ (3) بْنِ السَّكَنِ - فَقَاتَلُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا، ثُمَّ رَجُلًا، يُقْتَلُونَ دُونَهُ، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ زِيَادٌ أَوْ عُمَارَةُ (4) ، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، ثُمَّ فَاءَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَجْهَضُوهُمْ عَنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَدْنُوهُ مِنِّي» " فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ، فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
قَالَ (5) : " وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَمَى عَنْ قَوْسِهِ (6) حَتَّى انْدَقَّتْ سِيَتُهَا (7) ، فَأَخَذَهَا قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ، وَأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ» (8) . وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَدَّهَا بِيَدِهِ وَكَانَتْ (9) أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدَّهُمَا» " (10) .
_________
(1) رَجُلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) بَعْدَ كَلِمَةِ " نَفْسَهُ " يُوجَدُ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ عِبَارَاتٌ اسْتَغْرَقَتْ سَطْرًا لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ
(3) ابْنُ هِشَامٍ: بْنُ يَزِيدَ.
(4) ن، م، س: زِيَادُ بْنُ عُمَارَةَ.
(5) أَيِ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي " سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 3/87
(6) م: رَمَى بِيَدِهِ عَنْ قَوْسِهِ.
(7) السِّيَةُ: طَرَفُ الْقَوْسِ.
(8) ن، م، س: وَجْنَتَيْهِ.
(9) ابْنُ هِشَامٍ: فَكَانَتْ.
(10) ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا الْخَبَرَ فِي تَرْجَمَةِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فِي " الْإِصَابَةِ " 3/217 وَقَالَ إِنَّ الْوَاقِعَةَ حَدَثَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ: " وَجَاءَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ أَنَّهَا أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى الْعُذْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَوَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَرَدَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ أَصَحَّ عَيْنَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " مِنْ طَرِيقِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَيْنَهُ ذَهَبَتْ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَاءَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّهَا فَاسْتَقَامَتْ. وَسَاقَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ مُطَوَّلَةً مُرْسَلَةً ".
(8/100)

وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْفَعُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِقِتَالِ آخَرِينَ، وَجُرِحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَبِينِهِ، وَلَمْ يُجْرَحْ عَلِيٌّ.
فَقَوْلُهُ: " إِنَّ عَلِيًّا قَالَ أَصَابَتْنِي يَوْمَ أُحُدٍ سِتَّ عَشْرَةَ (1) ضَرْبَةً، سَقَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ فِي أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ " (2) .
كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَأَيْنَ إِسْنَادُ هَذَا؟ وَمَنِ الَّذِي صَحَّحَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَفِي أَيِّ كِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَى نَقْلِهَا ذُكِرَ هَذَا؟ بَلِ الَّذِي جُرِحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ (3) : " فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى فَمِ الشِّعْبِ خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى مَلَأَ دَرَقَتَهُ مِنَ الْمِهْرَاسِ (4) فَجَاءَ
_________
(1) م: سَبْعَةَ عَشَرَ.
(2) س، ب: سَقَطْتُ فِي أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إِلَى الْأَرْضِ.
(3) ابْنُ هِشَامٍ 3/90 - 91.
(4) ن، س: حَتَّى مَلَأَ تُرْسَهُ دَرَقَتَهُ مِنَ الْمِهْرَاسِ، ب: حَتَّى مَلَأَ تُرْسَهُ مِنَ الْمِهْرَاسِ، ابْنُ هِشَامٍ: حَتَّى مَلَأَ دَرَقَتَهُ مَاءً مِنَ الْمِهْرَاسِ. وَفِي " اللِّسَانِ ": الدَّرَقَةُ الْحَجَفَةُ وَهِيَ تُرْسٌ مِنْ جُلُودٍ لَيْسَ فِيهِ خَشَبٌ وَلَا عَقَبٌ ". وَفِي التَّعْلِيقِ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ: " قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْمِهْرَاسُ: مَاءٌ بِأُحُدٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمِهْرَاسُ: حَجَرٌ يُنْقَرُ وَيُجْعَلُ إِلَى جَانِبِ الْبِئْرِ وَيُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ ".
(8/101)

بِهِ رَسُولَ (1) اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا، فَعَافَهُ فَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ، وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَدْمَى (2) وَجْهَ نَبِيِّهِ» " (3) .
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ عُثْمَانَ جَاءَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ " كَذِبٌ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ وَهُوَ يَعْرُجُ:
لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَا ... رِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيُّ (4) ".
كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ ; فَإِنَّ ذَا الْفَقَارِ لَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ، وَلَكِنْ كَانَ سَيْفًا لِأَبِي جَهْلٍ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيْفَهُ
_________
(1) ابْنُ هِشَامٍ: فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ. . .
(2) ابْنُ هِشَامٍ 3/91: دَمَّى.
(3) فِي الْبُخَارِيِّ 5/101 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَا أَصَابَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجِرَاحِ يَوْمَ أُحُدٍ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: " اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَتْ عِبَارَةُ " اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِهِ " مَرْفُوعَةً إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضِمْنَ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 4/209 - 211 (رَقْمَ 2609) فِيهِ أَخْبَارُ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِسْنَادَهُ وَقَالَ: إِنَّ الْحَاكِمَ رَوَاهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ 2/296 - 297 وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالذَّهَبِيُّ وَذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ 2/261 - 262 وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ كَثِيرٍ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي " مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ " 6/110 - 111 وَفِي " الدُّرِّ الْمَنْثُورِ " 2/84 ثُمَّ قَالَ: " وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَقًّا، فِي لَفْظِهِ مَا يُوهِمُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ قَطُّ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ طِفْلًا مَعَ أَبِيهِ بِمَكَّةَ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا، وَنَسِيَ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنْ يَذْكُرَ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِهِ ".
(4) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا مَضَى 50/68 - 69.
(8/102)

ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: " رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذِي الْفَقَارِ فَلًّا فَأَوَّلْتُهُ فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ " فَكَانَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (1) .
وَهَذَا الْكَذِبُ الْمَذْكُورُ فِي ذِي الْفَقَارِ مِنْ جِنْسِ كَذِبِ بَعْضِ الْجُهَّالِ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَيْفٌ يَمْتَدُّ إِذَا ضَرَبَ بِهِ كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَعْلَمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ، لَا سَيْفُ عَلِيٍّ وَلَا غَيْرُهُ. وَلَوْ كَانَ سَيْفُهُ يَمْتَدُّ لَمَدَّهُ يَوْمَ قَاتَلَ مُعَاوِيَةَ.
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي " الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 4/146 - 147. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَعْلِيقِهِ: " إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي التَّارِيخِ 4/11 - 12 مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِأَطْوَلَ مِمَّا هُنَا، وَقَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ، بِهِ ذُو الْفَقَارِ (بِفَتْحِ الْفَاءِ) : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ حُفَرٌ صِغَارٌ حِسَانٌ، وَالسَّيْفُ الْمُفَقَّرُ: الَّذِي فِيهِ حُزُوزٌ مُطْمَئِنَّةٌ عَنْ مَتْنِهِ. الْفَلُّ (بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ) : الثَّلْمُ فِي السَّيْفِ، وَأَصْلُهُ: الْكَسْرُ وَالضَّرْبُ، وَمِنْهُ الْفَلُّ لِلْقَوْمِ الْمُنْهَزِمِينَ " وَوَجَدْتُ أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا فِي سُنَنِهِ 2/939 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ السِّلَاحِ) وَلَفْظُهُ فِيهِ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/267 عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ كَأَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، وَكَأَنَّ ظُبَةَ سَيْفِي انْكَسَرَتْ، فَأَوَّلْتُ أَنِّي أَقْتُلُ صَاحِبَ الْكَتِيبَةِ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ ". وَفِي ابْنِ هِشَامٍ 3/66 - 67: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا. رَأَيْتُ بَقَرًا، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلَمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ "، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " رَأَيْتُ بَقَرًا لِي تُذْبَحُ. قَالَ: فَأَمَّا الْبَقَرُ فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ. وَأَمَّا الثَّلَمُ الَّذِي رَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ " وَلَمْ أَعْرِفْ مَكَانَ الْحَدِيثِ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ.
(8/103)

وَقَالَ بَعْضُ الْجُهَّالِ: إِنَّهُ مَدَّ يَدَهُ حَتَّى عَبَرَ الْجَيْشُ عَلَى يَدِهِ بِخَيْبَرَ، وَإِنَّهُ قَالَ لِلْبَغْلَةِ: " قَطَعَ اللَّهُ نَسْلَكِ " فَانْقَطَعَ نَسْلُهَا. هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ ; فَإِنَّهُ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ بَغْلَةٌ، وَلَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ بَغْلَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بَغْلَتَهُ الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ إِلَى الْأُمَمِ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ (1) : هِرَقْلَ مَلِكِ الشَّامِ، وَإِلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ، وَإِلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ. وَأَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ (2) مِثْلَ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ وَغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَالْجَيْشُ لَمْ يَعْبُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، وَالْبَغْلَةُ لَمْ تَزَلْ عَقِيمًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ تَلِدُ فَعَقِمَتْ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ دَعَا عَلَى بَغْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ تَعُمَّ الدَّعْوَةُ جِنْسَ الْبِغَالِ.
وَمِثْلُ هَذَا الْكَذِبِ الظَّاهِرِ قَوْلُ بَعْضِ الْكَذَّابِينَ: إِنَّهُ لَمَّا سُبِيَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَيْتِ حُمِلُوا عَلَى الْجِمَالِ عَرَايَا، فَنَبَتَتْ لَهُمْ سَنَامَاتٌ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَهِيَ الْبَخَاتِيُّ. وَأَهْلُ الْبَيْتِ لَمْ يُسْبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا حُمِلَ أَحَدٌ مِنْ نِسَائِهِمْ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، وَإِنَّمَا جَرَى هَذَا عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بِسَبَبِ الرَّافِضَةِ، كَمَا قَدْ عَلِمَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ.
بَلْ هَذَا الْكَذِبُ مِثْلُ كَذِبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ الْأَشْرَافَ، وَالْحَجَّاجُ (3) لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، مَعَ ظُلْمِهِ وَفَتْكِهِ بِكَثِيرٍ مِنْ
_________
(1) ن، م، س: إِلَى مُلُوكِ الشَّامِ وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(2) ن، م، س: مَلِكِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(3) وَالْحَجَّاجُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(8/104)

غَيْرِهِمْ، لَكِنْ قَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَكَانَ الْمَلِكُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ فِي وِلَايَةِ بَنِي حَرْبٍ - يَعْنِي مُلْكَ يَزِيدَ - أَصَابَهُمْ شَرٌّ، فَاعْتَبَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، فَنَهَاهُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، حَتَّى إِنَّ الْحَجَّاجَ طَمِعَ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَاشِمِيَّةً، فَخَطَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ابْنَتَهُ، وَأَصْدَقَهَا صَدَاقًا كَثِيرًا، فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى ذَلِكَ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ غَضِبَ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَرَوُا الْحَجَّاجَ أَهْلًا لِأَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَدَخَلُوا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَمَنَعَ الْحَجَّاجَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَوْهُ كُفُؤًا لِنِكَاحِ هَاشِمِيَّةٍ وَلَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي يَنْقُلُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ لَا ضَابِطَ لَهَا، لَكِنَّ مِنْهَا مَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِالْعَقْلِ، وَمِنْهَا مَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِالْعَادَةِ، وَمِنْهَا مَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وَمِنْهَا مَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِطُرُقٍ أُخْرَى.

[فصل كلام الرافضي وَفِي غَزَاةِ الْأَحْزَابِ والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " وَفِي غَزَاةِ الْأَحْزَابِ، وَهِيَ غَزَاةُ الْخَنْدَقِ، لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَمَلِ (2) الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ
_________
(1) فِي (ك) ص 183 (م) - 184 (م) .
(2) عَمَلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/105)

قُرَيْشٌ يَقْدُمُهَا أَبُو سُفْيَانَ وَكِنَانَةُ وَأَهْلُ تِهَامَةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، وَنَزَلُوا مِنْ فَوْقِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 10] ، فَخَرَجَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْمُسْلِمِينَ مَعَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ (1) ، وَجَعَلُوا الْخَنْدَقَ بَيْنَهُمْ، وَاتَّفَقَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْيَهُودِ، وَطَمِعَ الْمُشْرِكُونَ بِكَثْرَتِهِمْ وَمُوَافَقَةِ الْيَهُودِ، وَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ [عَبْدِ] وُدٍّ (2) وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَدَخَلَا مِنْ مَضِيقٍ فِي الْخَنْدَقِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبَا (3) الْمُبَارَزَةَ فَقَامَ عَلِيٌّ وَأَجَابَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ (4) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ عَمْرٌو، فَسَكَتَ. ثُمَّ طَلَبَ الْمُبَارَزَةَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَكُلُّ (5) ذَلِكَ يَقُومُ عَلِيٌّ، وَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ عَمْرٌو، فَأَذِنَ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ، [فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: ارْجِعْ يَا ابْنَ أَخِي فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ] (6) . فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يَدْعُوَكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خَلَّتَيْنِ (7) إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، وَأَنَا أَدْعُوكَ
_________
(1) ك: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ - بِالْمُسْلِمِينَ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ.
(2) ن، م، س، ب: عَمْرُو بْنُ وُدٍّ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ك) وَهُوَ الصَّوَابُ.
(3) ك: وَطَلَبَ.
(4) فَقَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) . وَفِي (ك) : فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ. .
(5) ك: وَفِي كُلِّ. . .
(6) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ مِنْ هَامِشِ (ك) وَسَقَطَتْ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ.
(7) ن، س: أَحَدِ جِبِلَّتَيْنِ، م: أَحَدِ خَلَّتَيْنِ، ك: بِإِحْدَى خَصْلَتَيْنِ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) .
(8/106)

إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ عَمْرٌو: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ. قَالَ: أَدْعُوكَ إِلَى الْبِرَازِ. قَالَ: مَا (1) أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ. قَالَ عَلِيٌّ: بَلْ أَنَا أُحِبُّ (2) أَنْ أَقْتُلَكَ. فَحَمِيَ عَمْرٌو، وَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَتَجَاوَلَا (3) ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ (4) ، وَانْهَزَمَ عِكْرِمَةُ، ثُمَّ انْهَزَمَ بَاقِي الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ. وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَتْلُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: أَيْنَ إِسْنَادُ هَذَا النَّقْلِ وَبَيَانُ صِحَّتِهِ؟
ثُمَّ يُقَالُ ثَانِيًا: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَيْضًا عِدَّةُ أَكَاذِيبَ. مِنْهَا قَوْلُهُ: إِنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ وَأَهْلَ تِهَامَةَ كَانُوا فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَالْأَحْزَابُ كُلُّهُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَمِنْ أَهْلِ نَجْدٍ: تَمِيمٌ وَأَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَمِنَ الْيَهُودِ: كَانُوا قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ. وَالْأَحْزَابُ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ (5) : قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا (6) ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا. وَأَهْلُ نَجْدٍ: تَمِيمٌ وَأَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ. وَالْيَهُودُ بَنُو قُرَيْظَةَ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ (7) وُدٍّ وَعِكْرِمَةَ [بْنَ أَبِي جَهْلٍ] (8) رَكِبَا، وَدَخَلَا مِنْ مَضِيقٍ فِي الْخَنْدَقِ.
_________
(1) ك: النِّزَالِ، قَالَ عَمْرٌو: مَا. . .
(2) ك: قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَكِنِّي أُحِبُّ. . .
(3) ك: وَتَجَادَلَا.
(4) ك: فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَوَلَدَهُ، وَهُوَ خَطَأٌ. انْظُرْ: ابْنَ هِشَامٍ 3/235 - 236.
(5) س، ب: وَالْأَصْنَافُ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَحْزَابٍ. . . .
(6) م: وَحُلَفَاؤُهُمْ.
(7) عَبْدِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8) بْنَ أَبِي جَهْلٍ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(8/107)

وَقَوْلُهُ: إِنَّ عَمْرًا لَمَّا قُتِلَ وَانْهَزَمَ (1) الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ.
هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَارِدِ ; فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ بَقُوا مُحَاصِرِينَ لِلْمُسْلِمِينَ (2) بَعْدَ ذَلِكَ هُمْ وَالْيَهُودُ، حَتَّى خَبَّبَ بَيْنَهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ: رِيحَ الصَّبَا، وَالْمَلَائِكَةَ مِنَ السَّمَاءِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا - إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا - هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا - وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 9 - 12] إِلَى قَوْلِهِ: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 25] .
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا فِيهَا، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا رَدَّهُمُ اللَّهُ بِقِتَالٍ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ الْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ، وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، وَالتَّارِيخِ.
فَكَيْفَ يُقَالُ بِأَنَّهُ بِاقْتِتَالِ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَقَتْلِهِ لَهُ (3) انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «قَتْلُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» . مِنَ الْأَحَادِيثِ
_________
(1) ب: لَمَّا قُتِلَ انْهَزَمَ. .
(2) ن، س، ب: الْمُسْلِمِينَ.
(3) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/108)

الْمَوْضُوعَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، بَلْ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ (1) .
وَهُوَ كَذِبٌ لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُ كَافِرٍ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ عِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ كَانَ قَتْلُهُ أَعْظَمَ مِنْ قَتْلِ عَمْرِو بْنِ [عَبْدِ] (2) وُدٍّ. وَعَمْرٌو هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ مُعَادَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُضَارَّتِهِ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، مِثْلُ مَا كَانَ فِي صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمْثَالِهِمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ. وَعَمْرٌو هَذَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَا عُرِفَ لَهُ شَيْءٌ يَنْفَرِدُ بِهِ فِي مُعَادَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ.
وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ ذِكْرٌ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ وَلَا أُحُدٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَغَازِي قُرَيْشٍ الَّتِي غَزَوْا فِيهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ السَّرَايَا، وَلَمْ يَشْتَهِرْ ذِكْرُهُ إِلَّا فِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ، مَعَ (3) أَنَّ قِصَّتَهُ لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الصِّحَاحِ وَنَحْوِهَا، كَمَا نَقَلُوا فِي الصِّحَاحِ مُبَارَزَةَ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى الثَّلَاثَةِ: مُبَارَزَةُ حَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيٍّ مَعَ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ.
وَكُتُبُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ
_________
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَوْضُوعَ.
(2) عَبْدِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) س، ب: وَمَعَ.
(8/109)

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلِ أَبِي جَهْلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِذِكْرِ رُؤَسَاءِ الْكُفَّارِ، مِثْلِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ، لَا فِي هَؤُلَاءِ وَلَا فِي هَؤُلَاءِ، وَلَا كَانَ مِنْ مُقَدَّمِي الْقِتَالِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَتْلُ مِثْلِ هَذَا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ؟ وَمِنَ الْمَنْقُولِ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الْجَيْشَ لَمْ يَنْهَزِمْ بِقَتْلِهِ، بَلْ بَقُوا بَعْدَهُ مُحَاصِرِينَ مُجِدِّينَ (1) كَمَا كَانُوا قَبْلَ قَتْلِهِ.

[فصل كلام الرافضي: وَفِي غَزَاةِ بَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ عَلِيٌّ رَامِيَ ثَنِيَّةِ والرد عليه]
(فَصْلٌ) (2)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " وَفِي غَزَاةِ بَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ عَلِيٌّ رَامِيَ ثَنِيَّةِ (4) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (5) وَقَتَلَ بَعْدَهُ عَشَرَةً، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: مَا تَذْكُرُهُ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْغَزَوَاتِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ إِسْنَادِهِ أَوَّلًا، وَإِلَّا فَلَوْ أَرَادَ إِنْسَانٌ أَنْ يَحْتَجَّ بِنَقْلٍ لَا يُعْرَفُ إِسْنَادُهُ فِي جَزَرَةِ بَقْلٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (6) ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ؟ !
_________
(1) مُجِدِّينَ: لَيْسَتْ فِي (م) .
(2) فَصْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(3) فِي (ك) ص 184 (م)
(4) ثَنِيَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) . وَفِي (ك) : قُبَّةِ.
(5) ك: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِسَهْمٍ.
(6) س: فِي جَزَرَةٍ يُقْبَلُ مِنْهُ، ب: فِي جُزْئِيَّةٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، م: فِي جَزَرَةِ بَقْلٍ لَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ.
(8/110)

ثُمَّ يُقَالُ: ثَانِيًا: هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْوَاضِحِ ; فَإِنَّ بَنِي النَّضِيرِ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ سُورَةَ الْحَشْرِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَكَانُوا مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُمْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ وَأُحُدٍ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا (1) مَصَافُّ وَلَا هَزِيمَةٌ، وَلَا رَمَى أَحَدٌ ثَنِيَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا، وَإِنَّمَا أُصِيبَتْ ثَنِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ فِي غَزَاةِ بَنِي النَّضِيرِ، قَدْ (2) حَاصَرُوهُمْ حِصَارًا شَدِيدًا، وَقَطَّعُوا نَخِيلَهُمْ.
وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 5] .
وَلَمْ يَخْرُجُوا لِقِتَالٍ حَتَّى يَنْهَزِمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا فِي حِصْنٍ يُقَاتِلُونَ مِنْ وَرَائِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 14] .
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْلَاهُمْ إِجْلَاءً لَمْ يَقْتُلْهُمْ فِيهِ. قَالَ تَعَالَى (3) : {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 2] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 2] .
_________
(1) ن، م، س: فِيهِ.
(2) ن، س، ب: وَقَدْ.
(3) ن، م: لَمْ يَقْتُلْهُمْ، وَفِيهِ قَالَ تَعَالَى. .
(8/111)

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَقْضَهُمُ الْعَهْدَ، وَأَنَّهُمْ أَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِمْ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي دِيَةِ الْقَتِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، قَالَ (1) : " «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ وَبِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ (2) وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ» فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ (3) . وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ (4) ".
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " فَتَحَصَّنُوا فِي الْحُصُونِ، «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ النَّخِيلِ وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: أَيْ مُحَمَّدُ (5) قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخِيلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ !» ".
قَالَ (6) : " وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَدْ بَعَثُوا (7) إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا ; فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ. فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ (8) ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (9) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ
_________
(1) ابْنُ هِشَامٍ 3/200.
(2) ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ.
(3) (3 - 3) كَذَا فِي ابْنِ هِشَامٍ نُسْخَةُ أ. وَفِي الْمُثْبَتِ فِيهَا: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَاسْتَعْمَلَ. . إِلَخْ.
(4) ابْنُ هِشَامٍ: " قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ".
(5) ابْنُ هِشَامٍ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ.
(6) بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً.
(7) ابْنُ هِشَامٍ:. . الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ عَدُوُّ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَوَدِيعَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ، وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا. .
(8) ب: فَتَرَبَّصُوا مِنْ ذَلِكَ نَصْرَهُمْ.
(9) س، ب: الرَّسُولَ.
(8/112)

يُجْلِيَهُمْ (1) وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ (2) ، فَفَعَلَ، فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ (3) ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ ".
قَالَ (4) : " وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ (5) حُدِّثَ: «أَنَّهُمُ اسْتَقَلُّوا بِالنِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْنَاءِ (6) ، مَعَهُمُ الدُّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ، وَالْقَيْنَاتُ (7) يَعْزِفْنَ خَلْفَهُمْ بِزَهْوٍ وَفَخْرٍ (8) مَا رُئِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَيٍّ مِنَ النَّاسِ (9) . وَخَلَّوُا الْأَمْوَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ (10) الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ، إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ (11) ذَكَرَا فَاقَةً وَفَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» " (12) .
_________
(1) س، ب: يُخْلِيَهُمْ
(2) فِي التَّعْلِيقِ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ: " الْحَلْقَةُ: السِّلَاحُ كُلُّهُ، أَوْ خَاصٌّ بِالدُّرُوعِ ".
(3) فِي التَّعْلِيقِ: النِّجَافُ (بِوَزْنِ كِتَابٍ) : الْعَتَبَةُ الَّتِي بِأَعْلَى الْبَابِ ".
(4) فِي ابْنِ هِشَامٍ بَعْدَ سَطْرَيْنِ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ. . .
(5) س، ب: بِأَنَّهُ.
(6) وَالْأَمْوَالِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) . وَفِي ابْنِ هِشَامٍ: وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ.
(7) ابْنُ هِشَامٍ: وَالْقِيَانُ.
(8) ابْنُ هِشَامٍ: خَلْفَهُمْ وَإِنَّ فِيهِمْ لَأُمَّ عَمْرٍو، صَاحِبَةَ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الْعَبْسِيِّ، الَّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ، وَكَانَتْ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي غِفَارٍ، بِزَهَاءٍ وَفَخْرٍ. .
(9) ابْنُ هِشَامٍ: مِنَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ.
(10) ابْنُ هِشَامٍ: عَلَى
(11) ابْنُ هِشَامٍ 3/202 وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ.
(12) ابْنُ هِشَامٍ: ذَكَرَا فَقْرًا فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(8/113)

قَالَ (1) : " وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةَ (2) \ 8 الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ نِقْمَةٍ (3) .، وَمَا سَلَّطَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِمْ (4) .، وَمَا عَمِلَ فِيهِمْ (5) . ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَ [بَنِي] قُرَيْظَةَ (6) . حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَقَسَّمَ أَنْفَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ» (7) .
_________
(1) بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ بِسِتَّةِ أَسْطُرٍ.
(2) ابْنُ هِشَامٍ: وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ. . .
(3) م: نِعْمَةٍ، ابْنُ هِشَامٍ: نِقْمَتِهِ
(4) ن، س، ب: وَمَا سَلَّطَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِمْ؛ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(5) ابْنُ هِشَامٍ: وَمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ
(6) ن، م: وَقُرَيْظَةَ
(7) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/88 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ. . .) ، مُسْلِمٍ 3/1387 - 1388 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنَ الْحِجَازِ) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/214 - 215 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي خَبَرِ النَّضِيرِ) .
(8/114)

[فصل كلام الرافضي وَفِي غَزْوَةِ السِّلْسِلَةِ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ. . . والرد عليه]
(فَصْلٌ) (1)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " وَفِي غَزْوَةِ السِّلْسِلَةِ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْعَرَبِ قَصَدُوا أَنْ يَكْبِسُوا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ (3) ، «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ لِلِوَائِي؟ (4) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا لَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ سَبْعَمِائَةٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ قَالُوا (5) .: ارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ، فَإِنَّا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَرَجَعَ (6) ، فَقَالَ فِي (7) الْيَوْمِ الثَّانِي: مَنْ لِلِوَائِي؟ (8) . فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا (9) .، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الرَّايَةَ، (* فَفَعَلَ كَالْأَوَّلِ، فَقَالَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ (10) : أَيْنَ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا ذَا (11) يَا رَسُولَ اللَّهِ،
_________
(1) فَصْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) فِي (ك) ص. 184 (م) - 185 (م) .
(3) ك: أَنْ يُبَيِّتُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ.
(4) ن، م: لِلْوَادِي
(5) ك: قَالُوا لَهُ
(6) فِي هَامِشِ (ك) : " خَوْفًا مِنَ الْهَلَاكِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) .
(7) ك: فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي. . .
(8) ن، م: لِلْوَادِي
(9) ك: أَنَا لَهُ
(10) ك: فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
(11) ك: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَا ذَا. . .
(8/115)

فَدَفَعَ إِلَيْهِ الرَّايَةَ» *) (1) ، وَمَضَى إِلَى الْقَوْمِ، وَلَقِيَهُمْ (2) بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِفِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} السُّورَةَ (3) . [سُورَةُ الْعَادِيَاتِ: 1] ".
فَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَجْهَلُ النَّاسِ يَقُولُ لَكَ: بَيِّنْ لَنَا سَنَدَ هَذَا، حَتَّى نَثْبُتَ أَنَّ هَذَا نَقْلٌ صَحِيحٌ. وَالْعَالِمُ يَقُولُ لَهُ (4) .: إِنَّ هَذِهِ الْغَزَاةَ - وَمَا ذُكِرَ فِيهَا - مِنْ جِنْسِ الْكَذِبِ الَّذِي يَحْكِيهِ الطُّرُقِيَّةُ، الَّذِينَ يَحْكُونَ الْأَكَاذِيبَ الْكَثِيرَةَ مِنْ سِيرَةِ عَنْتَرَةَ وَالْبَطَّالِ، وَإِنْ كَانَ عَنْتَرَةُ لَهُ سِيرَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وَالْبَطَّالُ لَهُ سِيرَةٌ يَسِيرَةٌ، وَهِيَ مَا جَرَى لَهُ فِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَزْوَةِ الرُّومِ، لَكِنْ وَلَّدَهَا الْكَذَّابُونَ حَتَّى صَارَتْ مُجَلَّدَاتٍ، وَحِكَايَاتِ الشُّطَّارِ، كَأَحْمَدَ الدَّنِفِ وَالزَّيْبَقِ الْمِصْرِيِّ، وَصَارُوا يَحْكُونَ حِكَايَاتٍ يَخْتَلِقُونَهَا عَنِ الرَّشِيدِ وَجَعْفَرٍ، فَهَذِهِ الْغَزَاةُ مِنْ جَنْسِ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، لَمْ يُعْرَفْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذِكْرُ هَذِهِ الْغَزَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَئِمَّةُ هَذَا الْفَنِّ فِيهِ، كَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ إِسْحَاقَ وَشُيُوخِهِ، وَالْوَاقِدِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ (5) .، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَائِذٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَا لَهَا ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا نَزَلَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ.
_________
(1) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) وَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(2) ك: فَلَقِيَهُمْ
(3) السُّورَةَ: لَيْسَتْ فِي (ك)
(4) ب: لَكَ
(5) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: وَسَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمْوَرِيِّ. وَانْظُرْ مَا سَبَقَ ص 95 مِنْ هَذَا الْجُزْءِ
(8/116)

وَبِالْجُمْلَةِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا سِيَّمَا غَزَوَاتُ الْقِتَالِ - مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، مَضْبُوطَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ، مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، فَيَمْتَنِعُ - عَادَةً وَشَرْعًا - أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَاةٌ يَجْرِي فِيهَا مِثْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَنْقُلُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ فُرِضَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، أَوْ فُرِضَ فِي الْعَامِ أَكْثَرُ مِنْ صَوْمِ (1) . شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ، وَكَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غَزَا الْفُرْسَ بِالْعِرَاقِ، وَذَهَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَكَمَا يَمْتَنِعُ أَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.
وَسُورَةُ " وَالْعَادِيَاتِ " فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَهَذَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَظْهَرُ كَذِبُ هَذَا الْقَوْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَاسِبُ قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ " الْعَادِيَاتِ " بِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ عَلِيٍّ، الْمَنْقُولَ عَنْهُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ، أَنَّهُ كَانَ يُفَسِّرُ " الْعَادِيَاتِ " بِإِبِلِ الْحُجَّاجِ وَعَدْوِهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى. وَهَذَا يُوَافِقُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ; فَيَكُونُ عَلَى مَا قَالَهُ عَلِيٌّ يُكَذِّبُ هَذَا الْقَوْلَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُ يُفَسِّرُونَهَا بِالْخَيْلِ الْعَادِيَاتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (2) 208. .
_________
(1) صَوْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(2) ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ 8/486 أَنَّ عَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ فَسَّرَا " الْعَادِيَاتِ " بِأَنَّهَا الْإِبِلُ وَفَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهَا الْخَيْلُ، فَبَلَغَ عَلِيًّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا خَيْلٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي سَرِيَّةٍ بُعِثَتْ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنِ جَرِيرٍ الْخَبَرَ مُفَصَّلًا 8/486 - 487 وَفِي آخِرِهِ: " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَزَعْتُ عَنْ قَوْلِي وَرَجَعْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ". وَانْظُرْ 8/487 زَادَ الْمَسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 9/206 -
(8/117)

وَأَيْضًا: فَفِي هَذِهِ الْغَزَاةِ أَنَّ الْكُفَّارَ نَصَحُوا الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: ارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ ; فَإِنَّا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا خِلَافُ عَادَةِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ.
وَأَيْضًا فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لَمْ يَنْهَزِمَا قَطُّ، وَمَا يَنْقُلُهُ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ مِنَ انْهِزَامِهِمَا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَهُوَ مِنَ الْكَذِبِ الْمُفْتَرَى.
فَلَمْ يَقْصِدْ أَحَدٌ الْمَدِينَةَ إِلَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأُحُدٍ، وَلَمْ يَقْرُبْ أَحَدٌ مِنَ الْعَدُوِّ الْمَدِينَةَ لِلْقِتَالِ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ (1) . .
وَفِي غَزْوَةِ الْغَابَةِ أَغَارَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى سَرْحِ (2) . الْمَدِينَةِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي غَزْوَةِ السِّلْسِلَةِ، فَهُوَ مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَذْكُرُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَكْذَبِهِمْ.
وَأَمَّا غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَتِلْكَ سَرِيَّةٌ بَعَثَ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَمِيرًا فِيهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودِينَ كَانُوا بَنِي عُذْرَةَ (3) .، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَرَابَةٌ ; فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَلَيْسَ لِعَلِيٍّ فِيهَا ذِكْرٌ، وَكَانَتْ قَرِيبًا مِنَ الشَّامِ بَعِيدَةً مِنَ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا احْتَلَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
_________
(1) م: الْحَرْبَتَيْنِ
(2) ن، م: سَرَاحِ
(3) م: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَانَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، ب: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا كَانُوا بَنِي عُذْرَةَ
(8/118)

" «يَا عَمْرُ: أَصَلَّيْتَ (1) . بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ " قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 29] ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ ; لَمَّا بَيَّنَ لَهُ عُذْرَهُ» (2) . .
وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ هَلْ قَوْلُهُ: أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ اسْتِفْهَامٌ، أَيْ: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ الْجَنَابَةِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَطَهَّرَ بِالتَّيَمُّمِ وَلَمْ يَكُنْ جُنُبًا أَقَرَّهُ، أَوْ هُوَ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ جُنُبٌ، وَالتَّيَمُّمُ يُبِيحُ الصَّلَاةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ (3) . الْجَنَابَةَ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ.

[فصل كلام الرافضي على شجاعة علي رضي الله عنه في غزوة بني المصطلق والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (4) .: " «وَقَتَلَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مَالِكًا وَابْنَهُ، وَسَبَى كَثِيرًا، مَنْ جُمْلَتِهِمْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَاصْطَفَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهَا (5) . أَبُوهَا فِي ذَلِكَ
_________
(1) م، س، ب: صَلَّيْتَ
(2) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/141 (كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ؟) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/203 - 204، الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ 1/177. وَقَالَ الْحَاكِمُ: " صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ " وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ 1/181 - 183، وَاسْتَدْرَكَ عَلَى الْحَاكِمِ وَالذَّهَبِيِّ وَقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ فَقَطْ
(3) ن، س، ب: وَلَا يَرْفَعُ
(4) فِي (ك) ص 185 (م)
(5) ك: فَجَاءَ
(8/119)

الْيَوْمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ابْنَتِي (1) . كَرِيمَةٌ لَا تُسْبَى (2) .، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُخَيِّرَهَا (3) .، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ وَأَجْمَلْتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ لَا تَفْضَحِي قَوْمَكِ، قَالَتِ: اخْتَرْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» " (4) -. .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: لَا بُدَّ مِنْ [بَيَانِ] (5) . إِسْنَادِ كُلِّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنَ الْمَنْقُولِ، أَوْ عَزْوِهِ إِلَى كِتَابٍ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. [وَإِلَّا] (6) . فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا وَقَعَ؟ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ يَعْرِفُ السِّيرَةَ: هَذَا كُلُّهُ مِنَ الْكَذِبِ، مِنْ أَخْبَارِ الرَّافِضَةِ الَّتِي يَخْتَلِقُونَهَا ; فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ هَذَا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَلَا سَبَى جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَهِيَ لَمَّا سُبِيَتْ كَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَأَدَّى عَنْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُتِقَتْ مِنَ الْكِتَابَةِ، وَأَعْتَقَ النَّاسُ السَّبْيَ لِأَجْلِهَا، وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقْدَمْ أَبُوهَا أَصْلًا وَلَا خَيَّرَهَا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ (7) . قَالَتْ: «وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ
_________
(1) ابْنَتِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(2) ك: وَلَا تُسْبَى
(3) ك: فَأَمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يُخَيِّرَهَا، وَفِي هَامِشِ (ك) : بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ، فَاخْتَارَتِ الْإِسْلَامَ
(4) ك: فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ
(5) بَيَانِ: زِيَادَةٌ فِي (م)
(6) وَإِلَّا: زِيَادَةٌ فِي (ب)
(7) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/30 (كِتَابُ الْعِتْقِ، بَابٌ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/277
(8/120)

الْمُصْطَلِقِ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، (* [أَوِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ] (1) .، فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً مَلَّاحَةً لَهَا فِي الْعَيْنِ حَظٌّ (2) [تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ. قَالَتْ عَائِشَةُ] (3) .: فَجَاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابَتِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ عَلَى الْبَابِ فَرَأَيْتُهَا كَرِهْتُ مَكَانَهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَإِنَّهُ كَانَ (4) مِنْ أَمْرِي مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، وَإِنِّي وَقَعْتُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ *) (5) .، وَإِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي، وَجِئْتُكَ تُعِينُنِي (6) . فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَهَلْ لَكِ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ؟ " قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أُؤَدِّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ " قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ. فَلَمَّا تَسَامَعَ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ أَرْسَلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ وَأَعْتَقُوهُمْ، وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتْ: فَمَا رَأَيْنَا [امْرَأَةً] (7) . كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا ;
_________
(1) عِبَارَةُ " أَوِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ " فِي (ب) فَقَطْ، وَهِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ
(2) عِبَارَةُ " لَهَا فِي الْعَيْنِ حَظٌّ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) ، وَهِيَ لَيْسَتْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَلَا فِي الْمُسْنَدِ.
(3) عِبَارَةُ " تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ. قَالَتْ عَائِشَةُ فِي (ب) فَقَطْ وَهِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ
(4) ب: وَأَنَا كَانَ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: وَإِنَّمَا كَانَ. .
(5) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س)
(6) ب: وَجِئْتُ تُعِينُنِي، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: فَجِئْتُكَ أَسْأَلُكَ فِي كِتَابَتِي.
(7) امْرَأَةً: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) وَهِيَ فِي (ب) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ
(8/121)

أُعْتِقَ فِي سَبَبِهَا (1) . أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ» (2) .

[فصل كلام الرافضي على شجاعة علي رضي الله عنه في غزوة خيبر والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " وَفِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ (4) . كَانَ الْفَتْحُ فِيهَا عَلَى يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ (5) . إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَانْهَزَمَ، ثُمَّ إِلَى عُمَرَ فَانْهَزَمَ، ثُمَّ إِلَى عَلِيٍّ وَكَانَ أَرْمَدَ (6) .، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ (7) .، وَخَرَجَ فَقَتَلَ مَرْحَبًا، فَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَغَلَّقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَعَالَجَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَلَعَهُ، وَجَعَلَهُ (8) . جِسْرًا عَلَى الْخَنْدَقِ، وَكَانَ الْبَابُ يُغْلِقُهُ عِشْرُونَ رَجُلًا، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ وَنَالُوا الْغَنَائِمَ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَاللَّهِ مَا قَلَعَهُ بِقُوَّةِ خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ وَلَكِنْ بِقُوَّةٍ
_________
(1) ن، م: فِي سَبْيِهَا وَالْمُثْبَتُ مِنْ (س) ، (ب) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ
(2) جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: ابْنِ هِشَامٍ 3/307 - 308، زَادِ الْمَعَادِ (وَاسْمُ الْغَزْوَةِ فِيهِ: غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذَانِ الْمُحَقِّقَانِ: " هُوَ مَاءٌ لِبَنِي خُزَاعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُرْعِ (مَوْضِعٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ) مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَتُسَمَّى غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُوَ لَقَبٌ لِجُذَيْمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمْرٍو، بَطْنٍ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ ". ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقَانِ عَنِ الْحَدِيثِ: " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ". وَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي: الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابْنِ كَثِيرٍ 4/158 - 159 طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 2/64، تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ 2/610، 3/165.
(3) فِي (ك) ص 185 (م) - 186 (م) .
(4) ك: غَزَاةِ
(5) س، ب: وَدَفَعَ الرَّايَةَ فِيهَا
(6) ك: وَكَانَ أَرَمَدَ الْعَيْنِ
(7) م: عَيْنِهِ
(8) ن، س، ب: وَجَعَلَ
(8/122)

رَبَّانِيَّةٍ (1) .، وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ بِوَاسِطَتِهِ ".
وَالْجَوَابُ: بَعْدَ أَنْ يُقَالَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (2) .، أَنْ يُقَالَ: مَنْ ذَكَرَ هَذَا مِنْ عُلَمَاءِ النَّقْلِ؟ وَأَيْنَ إِسْنَادُهُ وَصِحَّتُهُ؟ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِ ; فَإِنَّ خَيْبَرَ لَمْ تُفْتَحْ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَتْ حُصُونًا مُتَفَرِّقَةً، بَعْضُهَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَبَعْضُهَا فُتِحَ صُلْحًا، ثُمَّ كَتَمُوا مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَارُوا مُحَارِبِينَ، وَلَمْ يَنْهَزِمْ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا اقْتَلَعَ بَابَ الْحِصْنِ، وَأَمَّا جَعْلُهُ جِسْرًا فَلَا.
وَقَوْلُهُ: " كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ بِوَاسِطَتِهِ ".
مِنَ الْكَذِبِ أَيْضًا ; فَإِنَّ عَلِيًّا لَيْسَ لَهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ أَثَرٌ أَصْلًا، إِلَّا كَمَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ شَهِدَ الْفَتْحَ.
وَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ تَتَضَمَّنُ هَذَا. وَقَدْ عَزَمَ عَلِيٌّ عَلَى قَتْلِ حَمْوَيْنِ لِأُخْتِهِ أَجَارَتْهُمَا أُخْتُهُ أُمُّ هَانِئٍ، فَأَجَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَجَارَتْ. وَقَدْ هَمَّ بِتَزَوُّجِ (3) . بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ، حَتَّى غَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَرَكَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (4) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (5) : كُنَّا يَوْمَ الْفَتْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى،
_________
(1) ك: وَاللَّهِ مَا قَلَعْتُ بَابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جُسْمَانِيَّةٍ بَلْ بِقُوَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ
(2) م: الْكَذَّابِينَ
(3) ن، س، ب: بِتَزْوِيجِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(4) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ. انْظُرِ الْبُخَارِيَّ 5/145 - 153
(5) الْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 3/1407 - 1408 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ) .
(8/123)

وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى (1) .، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ (2) ". وَبَطْنِ الْوَادِي. فَقَالَ: " «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ» "، فَجَاءُوا (3) يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: " «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟» " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " «انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا» " وَأَحْفَى (4) ". بِيَدِهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: " «مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا» " فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ [لَهُمْ] (5) . أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ (6) ". . قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّفَا، وَجَاءَتِ الْأَنْصَارُ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (7) . مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " لَمَّا سَارَ رَسُولُ
_________
(1) الْمُجَنِّبَتَانِ: هُمَا الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ، وَيَكُونُ الْقَلْبُ بَيْنَهُمَا
(2) ن، م، س: السَّاقَةِ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ " وَفِي التَّعْلِيقِ: " عَلَى الْبَيَاذِقَةِ هُمُ الرَّجَّالَةُ. وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. . . قِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِخِفَّتِهِمْ وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهِمْ
(3) مُسْلِمٌ: فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا. . .
(4) ن، م، س: وَأَكْفَى. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) . وَفِي " مُسْلِمٍ ": أَخْفَى، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي شَرْحِ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ 12/132 (وَلَمْ يَشْرَحْهَا النَّوَوِيُّ) وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ ": " وَمِنْهُ حَدِيثُ الْفَتْحِ: أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا، وَأَحْفَى بِيَدِهِ أَيْ أَمَالَهَا، وَصْفًا لِلْحَصْدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْقَتْلِ
(5) لَهُمْ: فِي (ب) فَقَطْ، وَهِيَ فِي مُسْلِمٍ
(6) قَالَ النَّوَوِيُّ 12/132: " أَيْ مَا ظَهَرَ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلُوهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى: أَسْكَنُوهُ بِالْقَتْلِ كَالنَّائِمِ
(7) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَلَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ فِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ فِي: الْبُخَارِيِّ 5/146 - 147 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ) وَهُوَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي 8/6: عَنْ هِشَامٍ (هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ) عَنْ أَبِيهِ. . . هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُرْسَلًا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ عُرْوَةَ مَوْصُولًا، وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَهُوَ آخِرُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَوْصُولٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ
(8/124)

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ، لَكَأَنَّهَا (1) نِيرَانُ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْرَكُوهُمْ، فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ. فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: " «أَمْسِكْ (2) . أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ (3) . حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ» " فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتِيبَةً كَتِيبَةً (4) . عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ، فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: [هَذِهِ] (5) . غِفَارٌ. قَالَ: مَالِي وَلِغِفَارٍ؟ ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ (6) . ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ، فَقَالَ
_________
(1) م: فَكَأَنَّهَا
(2) الْبُخَارِيُّ 5/147: احْبِسْ
(3) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ (فَتْحِ الْبَارِي 8/8) : " أَيْ أَنْفِ الْجَبَلِ "
(4) م: كَتِيبَةً بَعْدَ كَتِيبَةٍ
(5) هَذِهِ: فِي (ب) فَقَطْ. وَهِيَ فِي " الْبُخَارِيِّ "
(6) : عِبَارَةُ " ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) . وَفِي (ن) ، (م) : ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هِنْدٍ. . . . وَالْمُثْبَتُ مِنَ " الْبُخَارِيِّ "
(8/125)

مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ مَرَّتْ سُلَيْمٌ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا. قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الْأَنْصَارُ (1) عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، مَعَهُ الرَّايَةُ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا (2) يَوْمُ الذِّمَارِ (3) .، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: " «وَمَا قَالَ» ؟ قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: " «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ (4) وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ " ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ» .

[فصل كلام الرافضي على شجاعة علي رضي الله عنه يوم حنين والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) .: " وَفِي غَزَاةِ (6) . حُنَيْنٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَجِّهًا (7) فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
_________
(1) الْبُخَارِيُّ: قَالَ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ. . . .
(2) ن، س: هَذَا وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (م) . وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) ، الْبُخَارِيِّ.
(3) ن، م، س: الدِّمَاءِ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) ، الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ (فَتْحَ الْبَارِي 8/8) : " وَمُرَادُ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الذِّمَارِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، أَيِ الْهَلَاكِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَمَنَّى أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ فَيَحْمِيَ قَوْمَهُ وَيَدْفَعَ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ الْغَضَبِ لِلْحَرِيمِ وَالْأَهْلِ وَالِانْتِصَارِ لَهُمْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمٌ يَلْزَمُكَ فِيهِ حِفْظِي وَحِمَايَتِي مِنْ أَنْ يَنَالَنِي مَكْرُوهٌ "
(4) س، ب: تُعَظَّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ن) ، (م) ، الْبُخَارِيِّ.،
(5) فِي (ك) ص 186 (م)
(6) س، ب: غَزْوَةِ
(7) ك: مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِمْ فِي. . .
(8/126)

فَعَانَهُمْ (1) . أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: لَنْ نُغْلَبَ (2) الْيَوْمَ مِنْ كَثْرَةٍ، فَانْهَزَمُوا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ (3) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا (4) تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [يَضْرِبُ] (5) . بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَرْبَعِينَ نَفْسًا فَانْهَزَمُوا ".
وَالْجَوَابُ: بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، أَمَّا قَوْلُهُ: " فَعَانَهُمْ أَبُو بَكْرٍ " فَكَذِبٌ (6) . مُفْتَرًى، وَهَذِهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قَوْلَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ عَانَهُمْ. وَاللَّفْظُ الْمَأْثُورُ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ. فَإِنَّهُ (7) قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ (8) . قَالَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ " هُوَ كَذِبٌ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي " السِّيرَةِ " (9) 86.: " بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَمِمَّنْ (10) ثَبَتَ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ (11) ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ
_________
(1) تَحْتَ كَلِمَةِ " عَانَهُمْ " فِي " ك " كُتِبَ كَلَامٌ بِالْفَارِسِيَّةِ يَبْدُو أَنَّهُ شَرْحٌ لَهَا. وَعَانَهُمْ: أَيْ أَصَابَهُمْ بِالْعَيْنِ وَحَسَدَهُمْ
(2) ك: لَنْ يَغْلِبُوا. . .
(3) ن، س، ب: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. .
(4) ك: غَيْرُ
(5) يَضْرِبُ: زِيَادَةٌ مِنْ (ك)
(6) م: فَهُوَ كَذِبٌ
(7) فَإِنَّهُ: لَيْسَتْ فِي (م) .
(8) قَدْ: لَيْسَتْ فِي (م)
(9) ابْنُ هِشَامٍ 4/85 -
(10) ابْنُ هِشَامٍ: وَفِيمَنْ. . .
(11) ابْنُ هِشَامٍ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
(8/127)

وَابْنُهُ، وَالْفَضْلُ [بْنُ الْعَبَّاسِ] ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ (1) .، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَعُدُّ فِيهِمْ (2) . قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَلَا يَعُدُّ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ " (3) . هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ عَلِيًّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ [يَضْرِبُ] (4) . بِالسَّيْفِ، وَإِنَّهُ قَتَلَ أَرْبَعِينَ نَفْسًا ".
فَكُلُّ (5) هَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، وَالَّذِي فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ لَمَّا وَافَوْا وَادِيَ حُنَيْنٍ عِنْدَ الْفَجْرِ، وَكَانَ الْقَوْمُ رُمَاةً فَرَمَوْهُمْ رَمْيَةً وَاحِدَةً فَوَلَّوْا، وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَكَانَ شَاعِرًا يَهْجُو النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ الْعَبَّاسُ: " لَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نُفَارِقْهُ " (6) . قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: " «وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَبَّاسَ أَنْ يُنَادِيَ فِيهِمْ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ جَهْوَرِيَّ (7) . الصَّوْتِ، فَنَادَى:
_________
(1) ن، م: وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، ب: وَابْنُهُ الْفَضْلُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ. وَالْمُثْبَتُ مِنَ " ابْنِ هِشَامٍ " وَهُوَ الصَّوَابُ
(2) ابْنُ هِشَامٍ 4/86: وَأَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ بْنِ عُبَيْدٍ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ جَعْفَرٌ، وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَعُدُّ فِيهِمْ
(3) ابْنُ هِشَامٍ: وَلَا يَعُدُّ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ
(4) يَضْرِبُ: زِيَادَةٌ مِنْ (ك)
(5) ب: كُلُّ
(6) هَذِهِ الْعِبَارَةُ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي سَوْفَ أَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَلِيلٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - (ص 162 ن 4) .
(7) ن، م، س، جَوْهَرِيَّ، وَهُوَ خَطَأٌ
(8/128)

يَا أَهْلَ الشَّجَرَةِ: يَا أَهْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: يَعْنِي الشَّجَرَةَ الَّتِي بَايَعُوا تَحْتَهَا، فَذَكَّرَهُمْ بِبَيْعَتِهِ لَهُمْ هُنَاكَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا وَعَلَى الْمَوْتِ (1) . (2) (3) . عَلَيْهِ عَطْفَةَ الْبَقَرِ (4) . عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَاتَلُوا حَتَّى انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ» "، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَرَمَى بِهَا الْقَوْمَ، وَقَالَ: " «انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» " (5) . .
وَكَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
«
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
»
وَهَذَا مَا رَوَاهُ أَهْلُ الصَّحِيحَيْنِ (6) . .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْبَرَاءِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وَحُسَّرٌ (7) إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ
_________
(1) م: عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عَلَى الْمَوْتِ
(2) ، فَتَنَادَوْا: يَا لَبَّيْكَ، وَعَطَفُوا
(3) س، ب: فَعَطَفُوا
(4) س، ب: الْبَقَرَةِ
(5) الْحَدِيثُ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - فِي مُسْلِمٍ 3/1398 - 1400 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 3/208 - 210، الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ 3/327 - 328. وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ وَإِنَّمَا فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(6) تَفْصِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ يَأْتِي فِي الْكَلَامِ التَّالِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -
(7) أَيِ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنَ النَّاسِ خِفَافًا لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " النِّهَايَةِ " 2/307: " خِفَافُهُمْ وَأَخِفَّاؤُهُمْ وَهُمَا جَمْعُ خَفِيفٍ " وَقَالَ: " حُسَّرًا: وَهُمُ الَّذِينَ لَا مَتَاعَ مَعَهُمْ وَلَا سِلَاحَ " وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ 12/118 " الْحَاسِرُ مَنْ لَا دِرْعَ عَلَيْهِ ".
(8/129)

قَوْمٌ رُمَاةٌ، فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ (1) " مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ (2) .، فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ، وَدَعَا، وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ: «
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ» ". قَالَ الْبَرَاءُ: وَكُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَكَانَ الشُّجَاعُ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) .
وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «لَمَّا غَشُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ، وَاسْتَقْبَلَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: " شَاهَتِ الْوُجُوهُ " (4) . فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمْ (5) . اللَّهُ، وَقَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ
_________
(1) قَالَ النَّوَوِيُّ 12/118: " وَأَمَّا الرِّشْقُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمٌ لِلسِّهَامِ الَّتِي تَرْمِيهَا الْجَمَاعَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
(2) قَالَ النَّوَوِيُّ 12/120: " يَعْنِي كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ جَرَادٍ، وَكَأَنَّهَا شُبِّهَتْ بِرِجْلِ الْحَيَوَانِ لِكَوْنِهَا قِطْعَةً مِنْهُ "
(3) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 3/1400 - 1401 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ) وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا: 5/153 (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ. . .) 4/32 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ بَغْلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْضَاءِ) ، 4/43 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ) . وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/117 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ الْقِتَالِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ) الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/289، 304
(4) قَالَ النَّوَوِيُّ 62/122: " أَيْ قَبُحَتْ "
(5) ن، س، ب: وَهَزَمَهُمْ
(8/130)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .

[فصل قال الرافضي الخامس إخبار علي رضي الله عنه بالغيوب والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " الْخَامِسُ: إِخْبَارُهُ بِالْغَائِبِ وَالْكَائِنِ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ لَمَّا اسْتَأْذَنَاهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْعُمْرَةِ قَالَ (3) : لَا وَاللَّهِ مَا تُرِيدَانِ (4) . الْعُمْرَةَ، وَإِنَّمَا تُرِيدَانِ (5) . الْبَصْرَةَ فِي (6) . . وَكَانَ كَمَا قَالَ (7) . وَأَخْبَرَ وَهُوَ بِذِي قَارٍ جَالِسٌ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ: يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ (8) . الْكُوفَةِ أَلْفُ رَجُلٍ، لَا يَزِيدُونَ وَلَا يَنْقُصُونَ، يُبَايِعُونَنِي (9) . عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ آخِرَهُمْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ.
وَأَخْبَرَ بِقَتْلِ ذِي الثُّدَيَّةِ، وَكَانَ كَذَلِكَ.
وَأَخْبَرَهُ شَخْصٌ بِعُبُورِ الْقَوْمِ فِي قِصَّةِ (10) . النَّهْرَوَانِ، فَقَالَ: لَنْ
_________
(1) س، ب: مُسْلِمٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْحَدِيثُ مُطَوَّلًا عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 3/1402 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ) وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 2/219 - 220 (كِتَابُ السِّيَرِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: شَاهَتِ الْوُجُوهُ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/286.
(2) فِي ك ص 186 (م) - 188 (م) .
(3) قَالَ: لَيْسَتْ فِي (ك) .
(4) ك: يُرِيدَانِ
(5) ك: يُرِيدَانِ
(6) (ك) : الْبَصْرَةَ، وَكَتَبَ فَوْقُ " الْغَدْرَةَ " وَعَلَيْهَا عَلَامَةُ التَّصْوِيبِ
(7) ن: وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَا، م: وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ: ك: فَكَانَ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(8) قِبَلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك)
(9) ن، م، س، ك: يُبَايِعُونِي، وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب)
(10) ك: قَضِيَّةِ
(8/131)

يُعْبُرُوا، ثُمَّ أَخْبَرَهُ آخَرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَمْ (1) . يَعْبُرُوا، وَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَمَصْرَعُهُمْ، فَكَانَ كَذَلِكَ.
وَأَخْبَرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ.
وَأَخْبَرَ شَهْرَبَانَ بِأَنَّ اللَّعِينَ يَقْطَعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَصْلُبُهُ (2) ، فَفَعَلَ بِهِ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ.
وَأَخْبَرَ مِيثَمَ التَّمَّارَ (3) . بِأَنَّهُ يُصْلَبُ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ
_________
(1) ب (فَقَطْ) : لَنْ
(2) ن، م، س: وَأَخْبَرَ أَنَّ (س: بِأَنَّ) شَهْرَبَانَ اللَّعِينَ يَقْطَعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَصْلُبُهُ، (ب) وَأَخْبَرَ بِأَنَّ شَهْرَبَانَ اللَّعِينَ يُقْطَعُ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَيُصْلَبُ، ك: وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ مُسْهِرٍ بِأَنَّ اللَّعِينَ يَقْطَعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَصْلِبُ. وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا ذَكَرْتُهُ. وَوَجَدْتُ أَنَّ الْكَشِّيَّ قَدْ ذَكَرَ جُوَيْرِيَةَ بْنَ مُسْهِرٍ الْعَبْدِيَّ فِي " رِجَالِهِ " ص 98 ط. كَرْبَلَاءَ، بِدُونِ تَارِيخٍ وَقَالَ الْمُعَلِّقُ - السَّيِّدُ أَحْمَدُ الْحُسَيْنِيُّ -: " جُوَيْرِيَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الثَّانِي ثُمَّ هَاءٍ. وَمُسْهِرٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَالْعَبْدِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي الْعُبَيْدِ، وَبَنُو الْعُبَيْدِ مُصَغَّرًا بَطْنٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ خَبَّابِ بْنِ قُضَاعَةَ. وَالرَّاجِحُ أَنَّ ابْنَ الْمُطَهَّرِ يَقْصِدُ بِاللَّعِينِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " لِسَانِ الْمِيزَانِ " 2/18 قَالَ: وَقَالَ: " رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ وَجَابِرُ بْنُ الْحُرِّ "، كَمَا ذَكَرَهُ الطُّوسِيُّ فِي رِجَالِ " الطُّوسِيِّ "، ص 37 وَقَالَ: " جُوَيْرِيَةُ بْنُ مُسْهِرٍ: عَرَبِيٌّ كُوفِيٌّ ".
(3) ن، س: مِسْمَارَ التَّمَّارَ، م: مِسْمَرَ التَّمَّارَ، ب: مِسْمَارًا التَّمَّارَ، ك: مِيتَمَ التَّمَّارَ. وَذَكَرَهُ الْكَشِّيُّ فِي " الرِّجَالِ " ص 74 - 81 وَذَكَرَ أَخْبَارًا عَنْ صَلْبِهِ، وَذَكَرَ الْمُعَلِّقُ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ وُرُودِ الْحُسَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " الْإِصَابَةِ " 3/479 وَذَكَرَ أَخْبَارًا عَنْ تَسْمِيَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ دَرَجَتَهَا مِنَ الصِّحَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَلْجَمَ فِي الْإِسْلَامِ. وَنَقَلَ عَنْهُ الزِّرِكْلِيُّ فِي " الْأَعْلَامِ " 8/294 أَكْثَرَ مَا ذَكَرَهُ وَحَدَّدَ سَنَةَ مَقْتَلِهِ 60 هـ. وَذَكَرَهُ الطُّوسِيُّ فِي " رِجَالِ الطُّوسِيِّ " ص 79 وَقَالَ الْمُعَلِّقُ: " مِيثَمُ بْنُ يَحْيَى أَوْ عَبْدُ اللَّهِ التَّمَّارُ النَّهْرَوَانِيُّ، حَالُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، وَقُتِلَ قَبْلَ قُدُومِ الْحُسَيْنِ (ع) إِلَى الْعِرَاقِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَصُلِبَ بَعْدَ أَنْ قُطِعَ لِسَانُهُ "
(8/132)

حُرَيْثٍ (1) عَاشِرَ عَاشِرَةٍ، وَهُوَ (2) أَقْصَرُهُمْ خَشَبَةً، وَأَرَاهُ النَّخْلَةَ الَّتِي يُصْلَبُ (3) . عَلَيْهَا، فَوَقَعَ كَذَلِكَ.
وَأَخْبَرَ رُشَيْدًا الْهَجَرِيَّ (4) بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَصَلْبِهِ، وَقَطْعِ لِسَانِهِ، فَوَقَعَ (5) .
وَأَخْبَرَ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ (6) -. أَنَّ الْحَجَّاجَ يَقْتُلُهُ (7) .، وَأَنْ قَنْبَرًا يَذْبَحُهُ الْحَجَّاجُ فَوَقَعَ.
_________
(1) م، ك: عُمَرَ بْنِ حُرَيْثٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ الْقُرَشِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِيَ أَمْرَ الْكُوفَةِ لِزِيَادٍ ثُمَّ لِابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَاتَ بِهَا، لَهُ 18 حَدِيثًا. وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 85 هـ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: الْإِصَابَةِ 2/524، الْأَعْلَامِ 5/243 - 244.
(2) ك: هُوَ
(3) كَلِمَتَا " الَّتِي يُصْلَبُ " غَيْرُ ظَاهِرَتَيْنِ فِي (ك)
(4) ن، م: رُشْدًا الْهَجَرِيَّ، س: رُشْدًا الْبَحْرِيَّ، ب: رَاشِدًا الْبَحْرِيَّ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ك) وَذَكَرَهُ الطُّوسِيُّ فِي " رِجَالِ الطُّوسِيِّ " ص. 73 وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ شَيْئًا وَذَكَرَهُ الْكَشِّيُّ فِي " الرِّجَالِ " ص. 71 - 73 وَذَكَرَ أَخْبَارَ صَلْبِهِ وَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي " مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ " 2/51 - 52 وَقَالَ عَنْهُ: " قَالَ الْجُوزْجَانِيُّ: كَذَّابٌ غَيْرُ ثِقَةٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: رُشَيْدٌ الْهَجَرِيُّ كُوفِيٌّ، كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ " وَذَكَرَ أَنَّ زِيَادًا قَطَعَ لِسَانَهُ وَصَلَبَهُ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الْأُسْتَاذُ مُحِبُّ الدِّينِ الْخَطِيبُ فِي " الْمُنْتَقَى " ص 520
(5) ك: فَوَقَعَ كَذَلِكَ.
(6) ب: كُهَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَهُوَ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادِ بْنِ نَهِيكٍ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وُلِدَ سَنَةَ 12 وَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ سَنَةَ 82. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 8/447 - 448، شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 1/91 الْأَعْلَامِ 6/93. وَانْظُرْ مَا نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ الْخَطِيبُ عَنْ تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ مِنْ أَخْبَارِ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْتَالَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(7) ك: بِأَنَّ الْحَجَّاجَ يَقْتُلُهُ فَوَقَعَ
(8/133)

وَقَالَ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: إِنَّ ابْنِي الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ وَلَا تَنْصُرُهُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَأَخْبَرَهُ (1) بِمَوْضِعِ قَتْلِهِ.
وَأَخْبَرَ بِمُلْكِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَخْذِ التُّرْكِ الْمُلْكَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ يَسِيرٌ (2) لَا عُسْرَ فِيهِ، لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ التُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ وَالْهِنْدُ (3) وَالْبَرْبَرُ وَالطَّيْلَسَانُ عَلَى أَنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُمْ مَا قَدَرُوا أَنْ يُزِيلُوهُ، حَتَّى يَشِذَّ عَنْهُمْ (4) مَوَالِيهِمْ وَأَرْبَابُ دَوْلَتِهِمْ، وَيُسَلَّطُ (5) . عَلَيْهِمْ مَلِكٌ مِنَ التُّرْكِ يَأْتِي عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ (6) . مُلْكُهُمْ، لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا فَتَحَهَا، وَلَا يُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ إِلَّا نَكَّسَهَا، الْوَيْلُ ثُمَّ (7) الْوَيْلُ لِمَنْ نَاوَأَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَظْفَرَ بِهِمْ (8) ، ثُمَّ يَدْفَعُ ظَفَرَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ عِتْرَتِي، يَقُولُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ (9) .، أَلَا وَإِنَّ الْأَمْرَ (10) كَذَلِكَ ; حَيْثُ ظَهَرَ هُولَاكُو مِنْ نَاحِيَةِ (11) . خُرَاسَانَ.
_________
(1) س، ب: وَأَخْبَرَ
(2) ك: يُسْرٌ
(3) ك: وَالسِّنْدُ وَالْهِنْدُ
(4) ن، س، ب: تَشُدَّ عَلَيْهِمْ، م: تَشْتَدَّ عَنْهُمْ، وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ك)
(5) ك: تُسَلَّطُ
(6) ك: هَذَا
(7) ثُمَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك)
(8) بِهِمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك)
(9) م: وَيَعْتَمِدُ بِهِ
(10) ك: وَكَانَ الْأَمْرُ. . . .
(11) م: نَحْوِ
(8/134)

وَمِنْهُ ابْتَدَأَ (1) مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ حَتَّى بَايَعَ لَهُمْ (2) . أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ ". (3) .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْإِخْبَارُ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ، فَمَنْ هُوَ دُونَ عَلِيٍّ يُخْبِرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَعَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي أَتْبَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَنْ يُخْبِرُ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَلَا هُمْ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا مَوْجُودٌ فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِ زَمَانِنَا.
وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُحَدِّثُونَ النَّاسَ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ. وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُذَيْفَةُ تَارَةً يُسْنِدُهُ وَتَارَةً لَا يُسْنِدُهُ. وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُسْنَدِ.
وَمَا أَخْبَرَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا كُوشِفَ هُوَ بِهِ. وَعَمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ أَخْبَرَ بِأَنْوَاعٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَخْبَارِهِمْ، مِثْلَ مَا فِي كِتَابِ " الزُّهْدِ " لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَ " حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ " وَ " صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ " وَ " كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ " لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالِ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَاللَّالْكَائِيِّ - فِيهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ عَنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَالْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ نَائِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمَا، وَأَبِي الصَّهْبَاءِ، وَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ عَلِيٌّ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ
_________
(1) ن، س، ب: ابْتِدَاءُ.
(2) م: حَتَّى نَازَلَهُمْ، ك: حَيْثُ بَايَعَ لَهُمْ
(3) ن، م، س: ثَابِتٌ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(8/135)

عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ هُوَ الْأَفْضَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَضْلًا عَنِ الْخُلَفَاءِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ لِشَيْءٍ مِنْهَا إِسْنَادًا، (1 وَفِيهَا مَا يُعْرَفُ صِحَّتُهُ 1) (1) .، وَفِيهَا مَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ، وَفِيهَا مَا لَا يُعْرَفُ: هَلْ هُوَ صِدْقٌ أَمْ كَذِبٌ؟
فَالْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ مَلِكِ التُّرْكِ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ ظَفَرَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنِ الْعِتْرَةِ، وَهَذَا مِمَّا وَضَعَهُ مُتَأَخِّرُوهُمْ (2) . .
وَالْكُتُبُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى عَلِيٍّ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فِي الْإِخْبَارِ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ كُلُّهَا كَذِبٌ، مِثْلُ كِتَابِ " الْجَفْرِ " وَ " الْبِطَاقَةِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ. (3) .
وَكَذَلِكَ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ [عِنْدَهُ] (4) . عِلْمٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لَعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (5) . .
وَكَذَلِكَ مَا يُنْقَلُ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ الْبَاطِنِ، كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
_________
(1) (1 - 1) : سَاقِطٌ مِنْ (م)
(2) ن، س، ب: وَهَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ مُتَأَخِّرُهُمْ
(3) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا فِيمَا مَضَى 2/464 - 465
(4) عِنْدَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س)
(5) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص 10
(8/136)

وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِرَابَيْنِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ أَبُثُّهُ لَقَطَعْتُمْ هَذَا الْبُلْعُومَ» " فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ (1) .، لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّ أَبَا هُرَيْرَةَ بِمَا فِي ذَلِكَ الْجِرَابِ، بَلْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظَ مِنْ غَيْرِهِ ; فَحَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ حُذَيْفَةُ: " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ س، ب:. . النَّاسِ مِنْ فِتْنَةٍ. . هِيَ كَائِنَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَا بِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ. . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الرَّهْطِ غَيْرُهُ» (2) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: " «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» " (3) .
وَحَدِيثُ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ (4) . فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَالَ: " «صَلَّى
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 1/31 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ حِفْظِ الْعِلْمِ) وَفِيهِ " وِعَاءَيْنِ " بَدَلًا مِنْ " جِرَابَيْنِ "
(2) الْحَدِيثُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 4/2216 (كِتَابُ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) .
(3) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 8/123 (كِتَابُ الْقَدَرِ، بَابُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، مُسْلِمٍ 4/2217 (كِتَابُ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ)
(4) س، ب: أَبِي زَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَتَرْجَمَةُ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْإِصَابَةِ 2/515، أُسْدِ الْغَابَةِ 6/128 - 129 وَهُوَ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ أَبُو زَيْدٍ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً
(8/137)

بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ خَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» " (1) .
وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، فَلَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَذَلِكَ الْجِرَابُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ: عِلْمِ الْإِيمَانِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، مِثْلِ الْفِتَنِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: فِتْنَةِ الْجَمَلِ، وَصِفِّينَ، وَفِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْفِتَنِ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ حَدَّثَكُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ خَلِيفَتَكُمْ، وَتَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا، لَقُلْتُمْ: كَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: " اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَجَلَسَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ - أَوْ فِيكُمْ - الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - يَعْنِي مِنَ
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 4/2217 (كِتَابُ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ إِخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) .
(8/138)

الشَّيْطَانِ: يَعْنِي عَمَّارًا -؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ - أَوْ فِيكُمْ - صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. . الْحَدِيثَ (1) . .
وَذَلِكَ السِّرُّ (2) كَانَ مَعْرِفَتَهُ بِأَعْيَانِ نَاسٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، هَمُّوا بِأَنْ يَحُلُّوا حِزَامَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ لِيَسْقُطَ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ قَرِيبًا، فَعَرَّفَهُ بِهِمْ، وَكَانَ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ الْمَجْهُولُ حَالُهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ عُمَرُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ ; خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
وَمَعْرِفَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالصَّالِحِينَ بِبَعْضِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا كُلِّهَا.
وَالْغُلَاةُ الَّذِينَ [كَانُوا] (3) . يَدَّعُونَ عِلْمَ عَلِيٍّ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ مُطْلَقًا كَذِبٌ ظَاهِرٌ ; فَالْعِلْمُ بِبَعْضِهَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَالْعِلْمُ بِهَا كُلِّهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ (4) . أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْمُسْتَقْبَلَاتِ أَنَّهُ فِي وِلَايَتِهِ وَحُرُوبِهِ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ كَانَ يَظُنُّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، فَيَتَبَيَّنُ لَهُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا
_________
(1) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي: الْبُخَارِيِّ 5/28 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - 8/62 (كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ، بَابُ مَنْ أُلْقِيَ لَهُ وِسَادَةٌ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/338 - 339 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/449، 450، 450 - 451
(2) ن، م، س: لَكِنْ ذَكَرَ السِّرَّ. . .
(3) كَانُوا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)
(4) ن، م، س: ذَلِكَ
(8/139)

ظَنَّ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إِذَا قَاتَلَ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ يَجْرِي مَا جَرَى لَمْ يُقَاتِلْهُمْ ; فَإِنَّهُ كَانَ لَوْ لَمْ يُقَاتِلْ أَعَزَّ وَانْتَصَرَ (1) .، وَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَعَهُ، وَأَكْثَرُ الْبِلَادِ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، فَلَمَّا قَاتَلَهُمْ ضَعُفَ أَمْرُهُ، حَتَّى صَارَ مَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ فِي (2) . طَاعَتِهِ، مِثْلَ مِصْرَ وَالْيَمَنِ، وَكَانَ الْحِجَازُ دُوَلًا.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا حَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ يَحْكُمَانِ بِمَا حَكَمَا لَمْ يُحَكِّمْهُمَا. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَفْعَلُ بِالْآخَرِ مَا فَعَلَ حَتَّى يَعْزِلَاهُ، لَمْ يُوَلِّ مَنْ يُوَافِقُ عَلَى عَزْلٍ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُ الْحَكَمُ الْآخَرُ (3) .، بَلْ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ أَشَارَ أَنْ يُقِرَّ مُعَاوِيَةَ عَلَى إِمَارَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ لَهُ الْأَمْرُ، وَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ أَحْزَمَ عِنْدَ الَّذِينَ يَنْصَحُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّى أَبَا سُفْيَانَ - أَبَا مُعَاوِيَةَ - نَجْرَانَ (4) .، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَحْسَنَ إِسْلَامًا مِنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُعَاوِيَةَ بِنِفَاقٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَبِيهِ.
وَالصِّدِّيقُ كَانَ قَدْ وَلَّى أَخَاهُ - يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - أَحَدَ الْأُمَرَاءِ فِي فَتْحِ الشَّامِ، لَمَّا وَلَّى خَالِدًا وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا فَتَحُوا الشَّامَ، بَقِيَ أَمِيرًا إِلَى أَنْ مَاتَ بِالشَّامِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، رَجُلًا صَالِحًا
_________
(1) م: لَوْ لَمْ يُقَاتِلْ أَعَزُّ وَأَنْصَرُ، س: لَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَزَّ وَنَصَرَ، ب: لَوْ لَمْ يُقَاتِلْ فِي عِزٍّ وَنَصْرٍ
(2) م: تَحْتَ
(3) انْظُرْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْعَوَاصِمِ مِنَ الْقَوَاصِمِ " عَنْ مَسْأَلَةِ التَّحْكِيمِ وَصِحَّةِ مَا وَقَعَ فِيهَا، وَانْظُرْ تَعْلِيقَاتِ أُسْتَاذِي الْأُسْتَاذِ مُحِبِّ الدِّينِ الْخَطِيبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ص 172 - 181
(4) ن، م، س: وَلَّى أَبَا سُفْيَانَ نَجْرَانَ، أَبَا مُعَاوِيَةَ
(8/140)

أَفْضَلَ مِنْ أَخِيهِ وَأَبِيهِ، لَيْسَ هَذَا هُوَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الَّذِي تَوَلَّى بَعْدَ مُعَاوِيَةَ الْخِلَافَةَ ; فَإِنَّ ذَاكَ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ سُمِّيَ (1) . بَاسِمِ عَمِّهِ، (* فَطَائِفَةٌ مِنَ الْجُهَّالِ يَظُنُّونَ يَزِيدَ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ *) (2) . وَبَعْضُ غَلَّاتِهِمْ (3) يَجْعَلُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنَّ آخَرِينَ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا أَوْ مُرْتَدًّا، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ خَلِيفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ (4) .
وَالْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَعَنَ قَاتِلَهُ - قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا فِي خِلَافَتِهِ بِسَبَبِ خِلَافِهِ (5) ، لَكِنَّهُ هُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يُظْهِرِ الرِّضَا بِهِ، وَلَا انْتَصَرَ مِمَّنْ قَتَلَهُ.
وَرَأْسُ الْحُسَيْنِ حُمِلَ إِلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (6) . .
_________
(1) م: وَلَكِنْ كَانَ يُسَمَّى
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)
(3) م: عُلَمَائِهِمْ
(4) ن، س، ب: خَلِيفَةُ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ، م: خَلِيفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ. وَفِي هَامِشِ (س) ، (ب) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عِبَارَةَ " وَبَنِي الْعَبَّاسِ " زِيَادَةٌ مِنَ النُّسَّاخِ وَالْكَلَامُ يَسْتَقِيمُ بِدُونِهَا.
(5) ن، س، ب: خِلَافَتِهِ.
(6) الْأَثَرُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 5/26 (كِتَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/325 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ. . الْحَسَنِ. . وَالْحُسَيْنِ. . - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/261 الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 8/190
(8/141)

وَأَمَّا حَمْلُهُ إِلَى عِنْدِ يَزِيدَ (1) . فَبَاطِلٌ. وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ (2) . .
وَعَمُّهُ يَزِيدُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ هُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ مَكَانَ أَخِيهِ. وَعُمَرُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ الرِّجَالِ، وَأَحْذَقِهِمْ فِي السِّيَاسَةِ، وَأَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْهَوَى، لَمْ يُولِّ فِي خِلَافَتِهِ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَخْتَارُ لِلْوِلَايَةِ مَنْ يَرَاهُ أَصْلَحَ لَهَا ; فَلَمْ يُوَلِّ مُعَاوِيَةَ إِلَّا وَهُوَ عِنْدُهُ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَارَةِ.
ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ (3) زَادَ عُثْمَانُ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى جَمَعَ لَهُ الشَّامَ. وَكَانَتِ الشَّامُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ: فِلَسْطِينَ، وَدِمَشْقَ، وَحِمْصَ، وَالْأُرْدُنَّ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فُصِلَتْ قِنَّسْرِينَ وَالْعَوَاصِمَ مِنْ رُبْعِ حِمْصَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا عُمِّرَتْ حَلَبُ وَخُرِّبَتْ قِنَّسْرِينُ، وَصَارَتِ الْعَوَاصِمُ دُوَلًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَقَامَ مُعَاوِيَةُ نَائِبًا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَوَلَّى عِشْرِينَ سَنَةً، وَرَعِيَّتُهُ شَاكِرُونَ لِسِيرَتِهِ وَإِحْسَانِهِ، رَاضُونَ بِهِ، حَتَّى أَطَاعُوهُ فِي مِثْلِ قِتَالِ عَلِيٍّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَحَقَّ بِالْجَوَازِ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ، فَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ وِلَايَتُهُ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ غَيْرَهُ كَانَ
_________
(1) م: إِلَى يَزِيدَ
(2) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي " الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " 8/192: " وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهَا فِي رَأْسِ الْحُسَيْنِ هَلْ سَيَّرَهُ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى يَزِيدَ أَمْ لَا، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ سَيَّرَهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ". وَانْظُرِ " الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ " 8/191 - 198
(3) ن، م: ثُمَّ لَمَّا تَوَلَّى عُثْمَانُ. وَفِي (م) شَطْبٌ عَلَى كَلِمَةِ " عُثْمَانَ ".
(8/142)

أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْهُ، أَوْ أَنَّهُ مِمَّنْ (1) يَحْصُلُ بِهِ مَعُونَةٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ فِيهِ ظُلْمٌ، لَكَانَ الشَّرُّ الْمَدْفُوعُ بِوِلَايَتِهِ أَعْظَمَ مِنَ الشَّرِّ الْحَاصِلِ بِوِلَايَتِهِ.
وَأَيْنَ أَخْذُ الْمَالِ، وَارْتِفَاعُ بَعْضِ الرِّجَالِ، مِنْ قَتْلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِصِفِّينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عِزٌّ وَلَا ظَفَرٌ؟ !
فَدَلَّ هَذَا وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا حَازِمِينَ. وَعَلِيٌّ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ، لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا مَا رَآهُ مَصْلَحَةً.
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ الْكَوَائِنَ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ إِقْرَارَهُ عَلَى الْوِلَايَةِ أَصْلَحُ لَهُ مِنْ حَرْبِ صِفِّينَ، الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ بِهَا إِلَّا زِيَادَةُ الشَّرِّ وَتَضَاعُفُهُ، لَمْ يَحْصُلْ بِهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ شَيْءٌ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَكْثَرَ خَيْرًا وَأَقَلَّ شَرًّا مِنْ مُحَارَبَتِهِ، وَكُلُّ مَا يُظَنُّ فِي وِلَايَتِهِ مِنَ الشَّرِّ، فَقَدْ كَانَ فِي مُحَارَبَتِهِ أَعْظَمُ مِنْهُ.
وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ كَثِيرٌ مِمَّا يُبَيِّنُ جَهْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ الْأُمُورَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، بَلِ الرَّافِضَةُ تَدَّعِي الْأُمُورَ الْمُتَنَاقِضَةَ: يَدَّعُونَ عَلَيْهِ عِلْمَ الْغَيْبِ، مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِذَلِكَ، وَيَدَّعُونَ لَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يَزْعُمُونَ مَعَهُ أَنَّهُ كَانَ هُوَ الَّذِي يَنْصُرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَغَازِيهِ، وَهُوَ الَّذِي قَامَ (2) . الْإِسْلَامَ بِسَيْفِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَعَ ضَعْفِ الْإِسْلَامِ.

ثُمَّ يَذْكُرُونَ مِنْ عَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ ضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ ; فَإِنَّ
_________
(1) م: فَإِنَّهُ مِمَّنْ. .
(2) ب: أَقَامَ
(8/143)

أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالٌ يَسْتَعْطِفُ بِهِ النَّاسَ، وَلَا كَانَ لَهُ قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ يَنْصُرُونَهُ، وَلَا مَوَالٍ، وَلَا دَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ، لَا بِرَغْبَةٍ وَلَا بِرَهْبَةٍ. وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى دَفْعِهِ أَقْدَرَ مِنْهُ عَلَى دَفْعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ حَارَبُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَثِيرٍ، فَلَوْ كَانَ (1) . هُوَ الَّذِي دَفَعَ الْكُفَّارَ، وَلَوْ كَانَ (2) . مُرِيدًا لِدَفْعِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَكَانَ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرَ، لَكِنَّهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ فِي حَرْبِهِ لِمُعَاوِيَةَ قَدْ قُهِرَ وَعَسْكَرُهُ أَعْظَمُ، وَتَحْتَ طَاعَتِهِ مَنْ هُمْ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا رَيْبَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْهَرَ مُعَاوِيَةَ وَعَسْكَرَهُ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي نَصَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ كَثْرَةِ الْكُفَّارِ وَضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّتِهِمْ ; لَكَانَ مَعَ كَثْرَةِ عَسْكَرِهِ عَلَى عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ أَقْدَرَ عَلَى قَهْرِ مُعَاوِيَةَ وَجَيْشِهِ مِنْهُ عَلَى قَهْرِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَاتَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَجْمَعُ بَيْنَ تِلْكَ الشَّجَاعَةِ وَالْقُوَّةِ وَبَيْنَ هَذَا الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ، إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ مُتَنَاقِضٌ؟ !
بَلْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُ بِنْصِرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَكَانَ تَأْيِيدُهُ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْظَمَ مِنْ تَأْيِيدِهِ بِغَيْرِهِمَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
_________
(1) ن، م، س: فَلِمَ كَانَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(2) ن، س، ب: وَكَانَ
(8/144)

وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الْمُسْتَقْبَلَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى أَشْيَاءَ مِمَّا فَعَلَهَا، وَكَانَ يَقُولُ: لَقَدْ عَجِزْتُ عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرْ وَأَجْمَعُ الرَّأْيَ الشَّتِيتَ الْمُنْتَشِرْ.
وَكَانَ يَقُولُ لَيَالِيَ صِفِّينَ: يَا حَسَنُ يَا حَسَنُ، مَا ظَنَّ أَبُوكَ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا! لِلَّهِ دَرُّ مَقَامٍ قَامَهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، إِنْ كَانَ بِرًّا إِنَّ أَجْرَهُ لَعَظِيمٌ، وَإِنْ كَانَ إِثْمًا إِنَّ خَطَرَهُ لَيَسِيرٌ. وَهَذَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُونَ.
وَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَضَجَّرُ وَيَتَمَلْمَلُ مِنِ اخْتِلَافِ رَعِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ مَا بَلَغَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ رَأْيُهُ تَرْكُ الْقِتَالِ. وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ الصَّحِيحُ بِتَصْوِيبِ الْحَسَنِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (1) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " (2) . فَمَدَحَ الْحَسَنَ عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ عَنِ الْقِتَالِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الْفِتْنَةِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الِاعْتِبَارِ ; فَإِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلْعَمَلِ بِظُهُورِ ثَمَرَتِهِ، فَمَا كَانَ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ
_________
(1) عِبَارَةُ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/539، 540
(8/145)

وَرَسُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ الْوَاقِعُ عَلَى أَنَّ رَأْيَ الْحَسَنِ كَانَ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ ; لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْعَاقِبَةِ فِي هَذَا وَ [فِي] هَذَا (1) . .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ لِلْحَسَنِ وَأُسَامَةَ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» " (2) . .
وَكِلَاهُمَا كَانَ يَكْرَهُ الدُّخُولَ فِي الْقِتَالِ. أَمَّا أُسَامَةُ فَإِنَّهُ اعْتَزَلَ الْقِتَالَ، فَطَلَبَهُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. كَمَا اعْتَزَلَ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِثْلَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَكَانَ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا فَعَلَهُ الْحُسَيْنُ ; فَإِنَّهُ وَأَخَاهُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُتِلَ الْحُسَيْنُ شَهِيدًا مَظْلُومًا.
وَصَارَ النَّاسُ فِي قَتْلِهِ ثَلَاثَةَ أَحْزَابٍ:
حِزْبٌ يَرَوْنَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمَاعَتِكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» " (3) . . قَالُوا: وَهُوَ جَاءَ وَالنَّاسُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَهُمْ.
وَحِزْبٌ يَرَوْنَ أَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ كُفَّارٌ، بَلْ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إِمَامَتَهُ كَافِرٌ.
_________
(1) ن، م: وَفِي هَذَا وَهَذَا
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/39
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/564
(8/146)

وَالْحِزْبُ الثَّالِثُ - وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - يَرَوْنَ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَتَنَاوَلُهُ بِوَجْهٍ، فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا بَعَثَ ابْنَ عَمِّهِ عَقِيلًا إِلَى الْكُوفَةِ فَبَلَغَهُ أَنَّهُ قُتِلَ بَعْدَ أَنْ بَايَعَهُ طَائِفَةٌ، فَطَلَبَ (1) . الرُّجُوعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ السَّرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَتْهُ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى يَزِيدَ، أَوْ يَتْرُكُوهُ يَرْجِعُ إِلَى مَدِينَتِهِ، أَوْ يَتْرُكُوهُ يَذْهَبُ إِلَى الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ لِيَأْخُذُوهُ أَسِيرًا.
وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ تَمْكِينُهُ مِمَّا طَلَبَ، فَقَاتَلُوهُ ظَالِمِينَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُرِيدًا لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا طَالِبًا لِلْخِلَافَةِ، وَلَا قَاتَلَ عَلَى طَلَبِ خِلَافَةٍ، بَلْ قَاتَلَ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ لِمَنْ صَالَ عَلَيْهِ وَطَلَبَ أَسْرَهُ.
وَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْحِزْبُ الثَّانِي فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنْ أَظْهَرِهَا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِمَّنْ قَاتَلَهُ، حَتَّى وَلَا الْخَوَارِجَ، وَلَا سَبَى ذُرِّيَّةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا غَنِمَ مَالَهُ، وَلَا حَكَمَ فِي أَحَدٍ مِمَّنْ قَاتَلَهُ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ، كَمَا حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، بَلْ عَلِيٌّ كَانَ يَتَرَضَّى (2) . عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ قَاتَلَهُ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ وَفِي أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ مِمَّنْ قَاتَلَهُ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ مُنَادِيَهُ نَادَى يَوْمَ الْجَمَلِ: " لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ،
_________
(1) س، ب:. . طَائِفَةٌ فَبَلَغَ فَطَلَبَ، وَهُوَ خَطَأٌ
(2) س، ب: بَلْ كَانَ يَتَرَضَّى
(8/147)

وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُغْنَمُ مَالٌ " (1) . وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَتْهُ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ، حَتَّى نَاظَرَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَاسْتَفَاضَتِ الْآثَارُ (2) . عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْ قَتْلَى عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ: إِنَّهُمْ جَمِيعًا مُسْلِمُونَ، لَيْسُوا كُفَّارًا وَلَا مُنَافِقِينَ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَكَذَلِكَ عَمَّارٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَحْزَابُ الثَّلَاثَةُ بِالْعِرَاقِ، [وَكَانَ بِالْعِرَاقِ أَيْضًا] (3) . طَائِفَةٌ نَاصِبَةٌ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ تُبْغِضُ عَلِيًّا وَالْحُسَيْنَ، وَطَائِفَةٌ (4) . مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ تُبْغِضُ عُثْمَانَ وَأَقَارِبَهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ» " (5) . . فَكَانَ الْكَذَّابُ الَّذِي فِيهَا هُوَ الْمُخْتَارَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ هُوَ الْمُبِيرَ، وَكَانَ هَذَا يَتَشَيَّعُ لِعُثْمَانَ وَيُبْغِضُ شِيعَةَ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْكَذَّابُ يَتَشَيَّعُ لَعَلِيٍّ، حَتَّى قَاتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَقَتَلَهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ ; فَظَهَرَ كَذِبُهُ.
وَانْقَسَمَ النَّاسُ بِسَبَبِ هَذَا يَوْمَ (6) . عَاشُورَاءَ - الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ - إِلَى قِسْمَيْنِ: فَالشِّيعَةُ اتَّخَذَتْهُ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ يُفْعَلُ فِيهِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ مَا
_________
(1) انْظُرِ الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ 7/245
(2) م: الْأَخْبَارُ
(3) الْعِبَارَةُ بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ، وَأَثْبَتَهَا لِيَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ
(4) م: وَفَاطِمَةَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/69
(6) ب: فِي يَوْمِ
(8/148)

لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ، وَقَوْمٌ اتَّخَذُوهُ (1) بِمَنْزِلَةِ الْعِيدِ، فَصَارُوا يُوَسِّعُونَ فِيهِ فِيهِ: (2) . النَّفَقَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ وَاللِّبَاسِ، وَرَوَوْا فِيهِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً، كَقَوْلِهِ: " «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» " وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) . قَالَ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ: سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ. وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَرْوِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا «أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: جَرَّبْنَاهُ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا.
قُلْتُ: وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ هَذَا مِنْ فُضَلَاءِ الْكُوفِيِّينَ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِمَّنْ سَمِعَهُ وَلَا عَمَّنْ بَلَغَهُ (4) . . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الْحُسَيْنِ، لِيُتَّخَذَ يَوْمُ قَتْلِهِ عِيدًا، فَشَاعَ هَذَا عِنْدَ الْجُهَّالِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ، حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثٍ: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ جَرَى كَذَا وَجَرَى كَذَا، حَتَّى جَعَلُوا أَكْثَرَ حَوَادِثِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، مِثْلَ مَجِيءِ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ وَرَدِّ بَصَرِهِ، وَعَافِيَةِ أَيُّوبَ، وَفِدَاءِ الذَّبِيحِ، وَأَمْثَالِ هَذَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " (5) . وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ هُوَ فِي كِتَابِ " النُّورِ فِي
_________
(1) س، ب: اتَّخَذَتْهُ
(2) سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(3) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا سَبَقَ 2/69، 4/329
(4) ن، س: وَلَا مَنْ بَلَّغَهُ، م: وَإِلَى مَنْ بَلَغَهُ
(5) انْظُرْ: " الْمَوْضُوعَاتِ " 2/199 - 204
(8/149)

فَضَائِلِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ " (1) . وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " وَهُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ. وَابْنُ نَاصِرٍ رَاجَ عَلَيْهِ ظُهُورُ حَالِ رِجَالِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ، وَإِنَّمَا دُلِّسَ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
كَمَا جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ (2) . أُخَرَ، حَتَّى فِي أَحَادِيثَ نُسِبَتْ إِلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَتْ مِنْهُ، مِثْلَ حَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ الْمُذَهَّبِ، عَنِ الْقَطِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى (3) .، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ» " وَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ، لَكِنَّ رِوَايَةَ هَذَا اللَّفْظِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذِبٌ، وَعَزْوُهُ إِلَى الْمُسْنَدِ لِأَحْمَدَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ (4) . ; فَإِنَّ مُسْنَدَهُ مَوْجُودٌ وَلَيْسَ هَذَا فِيهِ.
_________
(1) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي " الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ " 1/420 وَقَالَ عَنْهُ: مُجَلَّدٌ "
(2) م: أَكَاذِيبَ
(3) م: عَنْ أَبِيهِ ابْنِ الْمُثَنَّى
(4) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ كَثِيرَةٌ مُقَارِبَةُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَذَكَرَ بَعْضَهَا السُّيُوطِيُّ فِي " اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ " 1/4 - 7 مِنْهَا. . . عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ، وَمِنْهَا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَخْلُوقٌ غَيْرَ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَلَامُهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ. . . إِلَخْ. وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَيْضًا ابْنُ عِرَاقٍ الْكِنَانِيُّ فِي " تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ " 1/134 - 135، وَعَلِيٌّ الْقَارِئُ فِي " الْأَسْرَارِ الْمَرْفُوعَةِ " ص 57، 259 وَانْظُرْ قَوْلَهُ (ص 479) : وَقَالَ " الْخَلِيلِيُّ فِي كِتَابِ الْإِرْشَادِ) : وَهَذَا مِثْلُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مَنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ حَدِيثَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - "
(8/150)

وَأَحْمَدُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْمِحْنَةِ، وَقَدْ جَرَى لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ مَا اشْتُهِرَ فِي الْآفَاقِ، وَكَانَ يَحْتَجُّ لِأَنَّ (1) . الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِحُجَجٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ قَطُّ، وَلَا احْتَجَّ بِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ؟ ! وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا عُرِفَ عَنْ هَذَا الشَّيْخِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ دَسَّهُ فِي جُزْءٍ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ، فَرَاجَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ، وَالَّذِي صَحَّ فِي فَضْلِهِ هُوَ صَوْمُهُ، وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً، وَأَنَّ اللَّهَ نَجَّى فِيهِ مُوسَى مِنَ الْغَرَقِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَبَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ مَا يُفْعَلُ فِيهِ - سِوَى الصَّوْمِ - بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، لَمْ يَسْتَحِبَّهَا (2) . أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِثْلَ الِاكْتِحَالِ، وَالْخِضَابِ، وَطَبْخِ الْحُبُوبِ، وَأَكْلِ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ، وَالتَّوْسِيعِ فِي النَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَصْلُ هَذَا مِنِ ابْتِدَاعِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ وَنَحْوِهِمْ (3) .
وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ مَا تَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ مِنِ اتِّخَاذِهِ مَأْتَمًا يُقْرَأُ فِيهِ الْمَصْرَعُ، وَيُنْشَدُ فِيهِ قَصَائِدُ النِّيَاحَةِ، وَيُعَطِّشُونَ فِيهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَلْطِمُونَ فِيهِ (4) . الْخُدُودَ، وَيَشُقُّونَ الْجُيُوبَ، وَيَدْعُونَ فِيهِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
_________
(1) م: أَنَّ
(2) م: لَمْ يُبِحْهَا
(3) لِابْنِ تَيْمِيَّةَ رِسَالَةٌ أَجَابَ فِيهَا عَلَى سُؤَالٍ عَمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنَ الْبِدَعِ نُشِرَتْ فِي فَتَاوَى الرِّيَاضِ ج. 25 ص 299 - 317.
(4) فِيهِ: زِيَادَةٌ فِي (ن)
(8/151)

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» " (1) . .
وَهَذَا مَعَ حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالْمُصِيبَةِ، فَكَيْفَ (2) . إِذَا كَانَتْ بَعْدَ سِتَّمِائَةٍ وَنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً؟ وَقَدْ قُتِلَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَأْتَمًا.
وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ (3) فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ - وَكَانَتْ قَدْ شَهِدَتْ قَتْلَهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ، فَيَذْكُرُ مُصِيبَتَهُ وَإِنْ قَدُمَتْ، فَيُحْدِثُ لَهَا اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِهِ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا» " (4) .
فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمُصِيبَةِ إِذَا ذُكِرَتْ، وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا، أَنْ يُسْتَرْجَعَ (5) .، كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 155 - 157] .
وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ نَتْفُ النَّعْجَةِ تَشْبِيهًا لَهَا بِعَائِشَةَ، وَالطَّعْنُ فِي الْجِبْسِ الَّذِي فِي جَوْفِهِ سَمْنٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِعُمَرَ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: يَا ثَارَاتِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ! إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُ يَطُولُ وَصْفُهَا.
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/52، 53
(2) ن، س، ب: فَتَكُونُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(3) ن، م: أَنَّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/551.
(5) ن، س: فِي الْمُصِيبَةِ الِاسْتِرْجَاعُ إِذَا ذُكِرَتْ وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا
(8/152)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الْبِدَعِ فَهُوَ مُنْكَرٌ، وَمَا أَحْدَثَهُ مَنْ يُقَابِلُ بِالْبِدْعَةِ الْبِدْعَةَ، وَيُنْسَبُ إِلَى السُّنَّةِ، هُوَ أَيْضًا مُنْكَرٌ مُبْتَدَعٌ. وَالسُّنَّةُ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ بَرِيَّةٌ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ، فَمَا يُفْعَلُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنِ اتِّخَاذِهِ عِيدًا بِدْعَةٌ أَصْلُهَا مِنْ بِدَعِ النَّوَاصِبِ، وَمَا يُفْعَلُ مِنِ اتِّخَاذِهِ مَأْتَمًا بِدْعَةٌ أَشْنَعُ مِنْهَا، وَهِيَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الرَّوَافِضِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذِهِ الْأُمُورَ س، ب. . . الْأُمُورَ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. .

[فصل قال الرافضي السادس أن عليا رضي الله عنه كان مستجاب الدعوة والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " السَّادِسُ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَجَابَ الدُّعَاءِ (2) . دَعَا عَلَى بُسْرِ بْنِ أَرْطَأَةَ (3) بِأَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَقْلَهُ فَخُولِطَ فِيهِ، وَدَعَا عَلَى الْعَيْزَارِ (4) بِالْعَمَى فَعَمِيَ، وَدَعَا عَلَى أَنَسٍ (5) لَمَّا
_________
(1) فِي (ك) ص 188 (م) - 189 (م) .
(2) م: الدَّعْوَةِ.
(3) ن، م، س، ك: بِشْرَ بْنَ أَرْطَاهْ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) وَهُوَ الصَّوَابُ. وَهُوَ عُمَيْرُ بْنُ عُوَيْمِرِ بْنِ عِمْرَانَ. تَرْجَمَتُهُ فِي " الْإِصَابَةِ 1/152 وَقَالَ: " بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ أَوِ ابْنُ أَبِي أَرْطَاةَ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَنْ قَالَ: ابْنُ أَبِي أَرْطاةَ فَقَدْ وَهِمَ " طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ 7/409، تَهْذِيبَ التَّهْذِيبِ 1/435 - 436، الْأَعْلَامَ 2/23 وَوَفَاتُهُ فِيهِ سَنَةَ 23) .
(4) ك: الْغَيْزَارِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَهُوَ الْعَيْزَارِ بْنِ الْأَخْنَسِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ 5/89 (ط. الْمَعَارِفِ) .
(5) ك: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
(8/153)

كَتَمَ شَهَادَتَهُ بِالْبَرَصِ فَأَصَابَهُ، وَعَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِالْعَمَى فَعَمِيَ " (1) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَمِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، مَا دَامَ فِي الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ. وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ لَا تُخْطِئُ لَهُ دَعْوَةٌ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ» " (2) . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَى الْكُوفَةِ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ سَعْدٍ، فَكَانَ النَّاسُ يُثْنُونَ خَيْرًا، حَتَّى سُئِلَ عَنْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ فَقَالَ: أَمَّا إِذْ أَنْشَدْتُمُونَا سَعْدًا، فَكَانَ لَا يَخْرُجُ فِي السَّرِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ. فَقَالَ سَعْدٌ: " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَعَظِّمْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ " فَكَانَ يُرَى وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، تَدَلَّى حَاجِبَاهُ مِنَ الْكِبَرِ، يَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي يَغْمِزُهُنَّ فِي الطُّرُقَاتِ، وَيَقُولُ: " شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ " (3) .
_________
(1) ك: - فَعَمِيَ، وَدَعَا عَلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ بِعَمَى قَلْبِهِ بَعْدَمَا كَانَ قَدْ عَمِيَ، وَكَانَ فِي زُقَاقِ مَكَّةَ بِلَا عَصًا، فَلَمَّا دَعَا لَمْ يَعُدْ (فِي الْأَصْلِ: لَمْ يَجِدْ) يَهْتَدِي طَرِيقًا.
(2) الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْمُسْتَدْرَكِ 3/500. وَقَالَ الْحَاكِمُ: " هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ هَانِئِ بْنِ خَالِدٍ الشَّجَرِيِّ، وَهُوَ شَيْخٌ ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
(3) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 1/147 كِتَابُ الْأَذَانِ بَابُ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا.) مُسْلِمٍ 1/334 - 335 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) سُنَنِ النَّسَائِيِّ 2/135 (كِتَابُ الِافْتِتَاحِ، بَابُ الرُّكُودِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/264.
(8/154)

وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. فَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أَوْسٍ اسْتَعْدَتْ مَرْوَانَ عَلَى سَعِيدٍ، وَقَالَتْ: " سَرَقَ مِنْ أَرْضِي مَا أَدْخَلَهُ فِي أَرْضِهِ " فَقَالَ سَعِيدٌ: " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَذْهِبْ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا " فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَمَاتَتْ فِي أَرْضِهَا (1) .
وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ فَيَبَرُّ قَسَمَهُ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ: " «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ» " (2) .
وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، نَائِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَائِبُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْبَحْرَيْنِ، مَشْهُورٌ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ. رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ، قَالَ سَهْمُ بْنُ مِنْجَابٍ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ دَارِينَ (3) ، فَدَعَا بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ، قَالَ: سِرْنَا مَعَهُ، وَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، وَطَلَبْنَا الْوُضُوءَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ، فَقَالَ: اللَّهُ يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، إِنَّا عَبِيدُكَ، وَفِي سَبِيلِكَ نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، فَاسْقِنَا غَيْثًا نَشْرَبُ مِنْهُ
_________
(1) الْحَدِيثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 3/1230 - 1231 (كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا) وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) الْأَرْقَامُ 1640 - 1649.
(2) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/482.
(3) قَالَ يَاقُوتٌ فِي " مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ " دَارِينُ فُرْضَةٌ بِالْبَحْرَيْنِ يُجْلَبُ إِلَيْهَا الْمِسْكُ مِنَ الْهِنْدِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا دَارِيٌّ. . . وَفِي كِتَابِ " سَيْفٍ " أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اقْتَحَمُوا إِلَى دَارِينَ الْبَحْرَ مَعَ الْعَلَاءِ الْحَضْرَمِيِّ فَأَجَازُوا ذَلِكَ الْخَلِيجَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . . وَإِنَّ مَا بَيْنَ السَّاحِلِ وَدَارِينَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسَفَرِ الْبَحْرِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ ".
(8/155)

وَنَتَوَضَّأُ مِنَ الْإِحْدَاثِ، وَإِذَا تَرَكْنَاهُ فَلَا تَجْعَلْ فِيهِ نَصِيبًا لِأَحَدٍ غَيْرِنَا. قَالَ: فَمَا جَاوَزْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَإِذَا نَحْنُ بِبِئْرٍ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ تَتَدَفَّقُ. قَالَ: فَنَزَلْنَا فَرَوَيْنَا (1) ، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي (2) ، ثُمَّ تَرَكْتُهَا وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ؟ فَسِرْنَا مِيلًا أَوْ نَحْوَهُ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: إِنِّي نَسِيتُ إِدَاوَتِي (3) ، فَجِئْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكَأَنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ قَطُّ، فَأَخَذْتُ إِدَاوَتِي (4) ، فَلَمَّا أَتَيْتُ دَارِينَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْبَحْرُ، فَدَعَا لِلَّهِ فَقَالَ: اللَّهُ يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، إِنَّا عَبِيدُكَ وَفِي سَبِيلِكَ نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، فَاجْعَلْ لَنَا سَبِيلًا إِلَى عَدُوِّكَ. ثُمَّ اقْتَحَمَ بِنَا (5) الْبَحْرَ، فَوَاللَّهِ مَا ابْتَلَّتْ سُرُوجُنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَجَعْنَا اشْتَكَى الْبَطْنَ فَمَاتَ، فَلَمْ نَجِدْ مَاءً نُغَسِّلُهُ، فَلَفَفْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ، فَدَفَنَّاهُ، فَلَمَّا سِرْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ إِذَا نَحْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ارْجِعُوا نَسْتَخْرِجْهُ فَنُغَسِّلْهُ، فَرَجَعْنَا فَخَفِيَ عَلَيْنَا قَبْرُهُ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَدْعُو اللَّهَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، اخْفِ حُفْرَتِي، وَلَا تُطْلِعْ عَلَى عَوْرَتِي أَحَدًا، فَرَجَعْنَا وَتَرَكْنَاهُ (6) .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ دَعَا بِدَعَوَاتٍ أُجِيبَ فِيهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَازَعَهُ بِلَالٌ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ فِي الْقِسْمَةِ - قِسْمَةِ الْأَرْضِ - فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ " فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطَرِفُ (7) .
_________
(1) ن، م، س: فَتَرَوَّيْنَا.
(2) م: إِدَاوِينَا، س، ب: أَدَوَاتِي، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) س، ب: أَدَوَاتِي.
(4) س، ب: أَدَوَاتِي.
(5) س، ب، مَعَنَا.
(6) ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " صِفَةِ الصَّفْوَةِ " 1/290 (ط. حَيْدَرَ آبَادَ، 1355) .
(7) سَبَقَ ذِكْرُ هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا مَضَى.
(8/156)

وَقَالَ: " اللَّهُمَّ قَدْ (1) كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ وَلَا مُضَيِّعٍ " فَمَاتَ مِنْ عَامِهِ (2) .
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا. وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي " مُجَابِي الدَّعْوَةِ " كِتَابًا (3) ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا، فَتَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الصِّحَّةِ، مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا هُوَ كَذِبٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، كَدُعَائِهِ عَلَى أَنَسٍ بِالْبَرَصِ، وَدُعَائِهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِالْعَمَى.

[فصل قال الرافضي: السابع أنه لما توجه إلى صفين لحق أصحابه عطش شديد والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (4) : " السَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى صِفِّينَ لَحِقَ أَصْحَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَعَدَلَ بِهِمْ قَلِيلًا، فَلَاحَ لَهُمْ دَيْرٌ فَصَاحُوا بِسَاكِنِهِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْمَاءِ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُوتَى مَا يَكْفِينِي (5) كُلَّ شَهْرٍ عَلَى التَّقْتِيرِ لِتَلِفْتُ عَطَشًا،
_________
(1) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " تَارِيخِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " ص. 180 عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَزَادَ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى طُعِنَ فَمَاتَ ".
(3) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ سُفْيَانَ، ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ الْبَغْدَادِيُّ مُحَدِّثٌ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْوَعْظِ وَالْأَخْلَاقِ وَالزُّهْدِ، وُلِدَ سَنَةَ 208 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 281. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: فَوَاتِ الْوَفَيَاتِ 1/494 - 495، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 6/12 - 13، مُعْجَمِ الْمُؤَلِّفِينَ 6/131، الْأَعْلَامِ 4/260 وَتُوجَدُ مِنْ كِتَابِ " مُجَابُو الدَّعْوَةِ " نُسْخَةٌ خَطِّيَّةٌ فِي مَكَّةَ كُوبْرِيلِّي بِتُرْكِيَا رَقْمُ 1584، وَتُوجَدُ مِنْهَا مُصَوَّرَةٌ فِي مَعْهَدِ الْمَخْطُوطَاتِ بِالْجَامِعَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ (تَصَوُّفٌ وَآدَابٌ شَرْعِيَّةٌ رَقْمُ 454) .
(4) فِي (ك) ص 188 (م) - 189 (م) .
(5) م: أُوتَى بِمَا يَكْفِينِي ك: أُوتَى بِمَاءٍ يَكْفِينِي.
(8/157)

فَأَشَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الدَّيْرِ، وَأَمَرَ بِكَشْفِهِ، فَوَجَدُوا صَخْرَةً عَظِيمَةً، فَعَجِزُوا عَنْ إِزَالَتِهَا، فَقَلَعَهَا وَحْدَهُ، ثُمَّ شَرِبُوا الْمَاءَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ (1) الرَّاهِبُ، فَقَالَ (2) : أَنْتَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ؟ فَقَالَ (3) : لَا، وَلَكِنِّي وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ (4) ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الدَّيْرَ بُنِيَ عَلَى طَالِبِ هَذِهِ (5) الصَّخْرَةِ، وَمَخْرَجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِهَا، وَقَدْ مَضَى جَمَاعَةٌ (6) قَبْلِي لَمْ يُدْرِكُوهُ. وَكَانَ الرَّاهِبُ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَهُ، وَنَظَمَ الْقِصَّةَ (7) السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ " (8) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي يَظُنُّهَا (9) الْجُهَّالُ مِنْ أَعْظَمِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلِ الَّذِي وَضَعَ هَذِهِ كَانَ جَاهِلًا بِفَضْلِ عَلِيٍّ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمَمَادِحِ، فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ مِنَ الْمَنْقَبَةِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى صَخْرَةٍ فَوَجَدُوا تَحْتَهَا الْمَاءَ، وَأَنَّهُ قَلَعَهَا. وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي لِخَلْقٍ كَثِيرٍ، عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (10) - أَفْضَلُ مِنْهُمْ، بَلْ فِي الْمُحِبِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ
_________
(1) ك: إِلَيْهِ
(2) م: وَقَالَ، ك: فَقَالَ لَهُ.
(3) ك: أَنْتَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ. .
(4) م: يَدَيْهِ.
(5) ك: عَلَى طَالِبٍ قَالِعٍ هَذِهِ. . .
(6) س، ب: وَقَدْ مَضَى مِنْ تَحْتِهَا جَمَاعَةٌ.
(7) ن، س، ب: الْقَضِيَّةَ.
(8) ك:. . الْحِمْيَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَصِيدَتِهِ الْمُذَهَّبَةِ.
(9) ن، م، س: يَطْلُبُهَا.
(10) س، ب: عَنْهُمْ.
(8/158)

وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَنْ يَجْرِي لَهُمْ أَضْعَافُ هَذَا، وَأَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ إِذَا جَرَى عَلَى يَدِ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَانَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ وَكَرَامَةً لَهُ، فَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ مِنَ الصَّالِحِينَ كَثِيرًا.
وَأَمَّا سَائِرُ مَا فِيهَا، مِثْلَ قَوْلِهِ: " إِنَّ هَذَا الدَّيْرَ بُنِيَ عَلَى طَالِبِ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، وَمَخْرَجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِهَا ".
فَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا تُبْنَى الْكَنَائِسُ وَالدَّيَّارَاتُ وَالصَّوَامِعُ عَلَى أَسْمَاءِ الْمُقْتَدِيَةِ بِسِيَرِ النَّصَارَى، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا يَبْنُونَ مَعَابِدَهُمْ - وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ - إِلَّا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، لَا عَلَى اسْمِ مَخْلُوقٍ.
وَقَوْلُ (1) الرَّاهِبِ: " أَنْتَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ " يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَضَلِّ الْخَلْقِ ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَشْرَبُ الْمَاءَ، وَلَا تَحْتَاجُ [إِلَى] (2) أَنْ تَسْتَخْرِجَهُ مِنْ تَحْتِ صَخْرَةٍ. وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الرَّاهِبَ قَدْ سَمِعَ بِخَبَرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَتَحُوا تِلْكَ الْمَوَاضِعَ، فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولٌ بَعْدَ الْمَسِيحِ، فَمُحَمَّدٌ هُوَ الرَّسُولُ، وَمُعْجِزَاتُهُ ظَاهِرَةٌ بَاطِنَةٌ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ بِمُجَرَّدِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَاءٍ تَحْتَ صَخْرَةٍ، أَوْ لِكَوْنِ الدَّيْرِ بُنِيَ عَلَى اسْمِهِ، وَهُمْ يَبْنُونَ الدَّيَّارَاتِ عَلَى أَسْمَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ لَيْسُوا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَلَا الرُّسُلِ؟ !
وَمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ: " وَلَكِنِّي وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
_________
(1) س، ب: فَقَوْلُ.
(2) إِلَى: لَيْسَتْ فِي (ن)
(8/159)

هُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَدَّعِ هَذَا قَطُّ، لَا فِي خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ وَلَا لَيَالِي صِفِّينَ. وَقَدْ كَانَتْ لَهُ مَعَ مُنَازِعِيهِ مُنَاظَرَاتٌ وَمَقَامَاتٌ، مَا ادَّعَى هَذَا قَطُّ، وَلَا ادَّعَاهُ أَحَدٌ لَهُ. وَقَدْ حَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ، وَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ لِمُنَاظَرَةِ الْخَوَارِجِ، فَذَكَرُوا فَضَائِلَهُ وَسَوَابِقَهُ وَمَنَاقِبَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ أَنَّهُ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، بِدُونِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِنَقْلِهِ لَوْ كَانَ حَقًّا، فَكَيْفَ مَعَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؟ !
فَلَمَّا رَوَوْا فَضَائِلَهُ وَمَنَاقِبَهُ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، [وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ] " (1) .
وَكَقَوْلِهِ عَامَ تَبُوكَ: " «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» " (2) .
وَقَوْلُهُ: " «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» " (3) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهِ، وَلَمْ يَرْوُوا هَذَا مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ [وَلَا ادَّعَاهُ عَلِيٌّ قَطُّ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ] (4) - عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا افْتَرَاهُ الْكَذَّابُونَ.

[فصل قال الرافضي الثامن قتل علي لكفار الجن والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) : " الثَّامِنُ: مَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ; حَيْثُ خَرَجُوا عَنِ
_________
(1) وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 4/289.
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/501 وَأَوَّلُهُ هُنَاكَ: وَأَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ. . . . 5/42.
(3) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ 4/34
(4) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوقَتَيْنِ فِي (م) فَقَطْ.
(5) فِي (ك) ص 189 (م) .
(8/160)

الطَّرِيقِ (1) ، وَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ، بِقُرْبِ (2) وَادٍ وَعْرٍ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ (3) طَائِفَةً مِنْ كُفَّارِ الْجِنِّ قَدِ اسْتَبْطَنُوا الْوَادِيَ يُرِيدُونَ كَيْدَهُ وَإِيقَاعَ الشَّرِّ بِأَصْحَابِهِ، فَدَعَا بِعَلِيٍّ وَعَوَّذَهُ، وَأَمَرَهُ (4) بِنُزُولِ الْوَادِي، فَقَتَلَهُمْ» ".
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ أَوَّلًا: عَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ هَذَا، وَإِهْلَاكُ الْجِنِّ مَوْجُودٌ لِمَنْ هُوَ دُونَ عَلِيٍّ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى عَلِيٍّ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَلَمْ يَجْرِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ هَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ " إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ، أَوْ فِي كِتَابٍ يُعْتَمَدُ عَلَى مُجَرَّدِ نَقْلِهِ، أَوْ صَحَّحَهُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى تَصْحِيحِهِ - فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ [أَنَّ] (5) جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ رَوَوْهُ فَهَذَا كَذِبٌ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ رَوَاهُ مَنْ لَا يَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، فَهَذَا لَا يُفِيدُ.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَاتَلَ الْجِنَّ فِي بِئْرِ ذَاتِ الْعَلَمِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
_________
(1) ك: جُنِّبَ عَنِ الطَّرِيقِ.
(2) ك:. . اللَّيْلُ فَنَزَلَ بِقُرْبِ.
(3) ك: جِبْرَئِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آخِرَ اللَّيْلِ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَنَّ. .
(4) ن، س: وَأَمَرَهُمْ، م فَأَمَرَهُمْ، ك: وَأَمَرَ.
(5) أَنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) .
(8/161)

وَعَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ تَثْبُتَ الْجِنُّ لِقِتَالِهِ، وَلَمْ يُقَاتِلْ أَحَدٌ مِنَ الْإِنْسِ الْجِنَّ، بَلْ كَانَ [الْجِنُّ] (1) الْمُؤْمِنُونَ يُقَاتِلُونَ الْجِنَّ الْكُفَّارَ.
وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَبُو الْبَقَاءِ خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ النَّابُلْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَأَلَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ عَنْ قِتَالِ عَلِيٍّ (2) الْجِنَّ، فَقَالَ: أَنْتُمْ مَعْشَرَ الشِّيعَةِ لَيْسَ لَكُمْ عَقْلٌ، أَيُّمَا أَفْضَلُ عِنْدَكُمْ: عُمَرُ أَوْ عَلِيٌّ؟ فَقَالُوا: بَلْ عَلِيٌّ. فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: " «مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» " (3) فَإِذَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَهْرُبُ مِنْ عُمَرَ، فَكَيْفَ يُقَاتِلُ عَلِيًّا؟ !
وَأَيْضًا فَدَفْعُ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَإِهْلَاكُهُمْ مَوْجُودٌ لِكَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَفِي ذَلِكَ قِصَصٌ يَطُولُ وَصْفُهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُحَارَبَتِهِ لِلْجِنِّ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي الْحَجِّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّهُ حَارَبَهُمْ بِبِئْرِ ذَاتِ الْعَلَمِ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّامِرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا عِمَارَةُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى مَكَّةَ أَصَابَ النَّاسَ عَطَشٌ شَدِيدٌ وَحُرٌّ شَدِيدٌ، فَنَزَلَ
_________
(1) الْجِنُّ: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ وَإِثْبَاتُهَا تَسْتَقِيمُ بِهِ الْعِبَارَةُ.
(2) عَلِيٍّ: فِي (ن) فَقَطْ.
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/55.
(8/162)

رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (* الْحُجْفَةَ مُعَطَّشًا وَالنَّاسُ عِطَاشٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - *) (1) : " هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَمْضِي فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمُ الْقِرَبُ فَيَرِدُونَ بِئْرَ (2) ذَاتِ الْعَلَمِ، ثُمَّ يَعُودُ، يَضْمَنُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَنَّةَ؟ "
فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَفَزِعَ مِنَ الْجِنِّ فَرَجَعَ، ثُمَّ بَعَثَ آخَرَ وَأَنْشَدَ شِعْرًا، فَذُعِرَ مِنَ الْجِنِّ فَرَجَعَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَنَزَلَ الْبِئْرَ وَمَلَأَ الْقِرَبَ بَعْدَ هَوْلٍ شَدِيدٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: الَّذِي هَتَفَ بِكَ مِنَ الْجِنِّ هُوَ سَمَاعَةُ بْنُ غُرَابٍ (3) الَّذِي قَتَلَ عَدُوَّ اللَّهِ مِسْعَرًا شَيْطَانَ الْأَصْنَامِ الَّذِي يُكَلِّمُ قُرَيْشًا مِنْهَا، وَفَزِعَ مِنْ هِجَائِي» .
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ: " وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ مُحَالٌ، وَالْفُنَيْدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَالسَّكُونِيُّ مَجْرُوحُونَ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَوْدِيُّ: وَعِمَارَةٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ " (4) .
قُلْتُ: وَكُتُبُ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ النَّاسُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) وَمَكَانُهُ فِيهِمَا: فَقَالَ: هَلْ. . .
(2) ن، س: بِبِئْرِ
(3) ب: سَمَاعَةُ بْنُ عُزَابٍ.
(4) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " مَعَ طُولِ بَحْثِي فِيهِ، وَلَعَلَّ نُسْخَةَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْكِتَابِ كَانَتْ فِيهَا زِيَادَاتٌ سَاقِطَةٌ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا.
(8/163)

[فصل قال الرافضي التاسع حديث رد الشمس لعلي رضي الله عنه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " التَّاسِعُ: رُجُوعُ الشَّمْسِ لَهُ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالثَّانِيَةُ: بَعْدَهُ. أَمَّا الْأُولَى فَرَوَى جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ (2) يَوْمًا يُنَاجِيهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا تَغَشَّاهُ الْوَحْيُ تَوَسَّدَ فَخِذَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى عَلِيٌّ الْعَصْرَ (3) بِالْإِيمَاءِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: سَلِ اللَّهَ تَعَالَى يَرُدَّ عَلَيْكَ الشَّمْسَ لِتُصَلِّيَ الْعَصْرَ قَائِمًا، فَدَعَا ; فَرُدَّتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الْعَصْرَ قَائِمًا» .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرَاتَ بِبَابِلَ اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ [بِتَعْبِيرِ] دَوَابِّهِمْ (4) ، وَصَلَّى لِنَفْسِهِ (5) فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَصْرَ، وَفَاتَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَ اللَّهَ رَدَّ الشَّمْسِ فَرُدَّتْ. وَنَظَمَهُ الْحِمْيَرِيُّ (6) فَقَالَ:
_________
(1) فِي (ك) ص 189 (م) - 190 (م) .
(2) ك: جِبْرَئِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْوَحْيِ. .
(3) ك (ص 190 م) فَصَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْعَصْرَ.
(4) ن: اسْتَعْمَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ دَوَابَّهُمْ، م: اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ دَوَابَّهُمْ، س، ب: اسْتَعْمَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ دَوَابَّهُمْ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ك) وَمَعْنَاهُ: اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِنَقْلِ دَوَابِّهِمْ عَبْرَ النَّهْرِ.
(5) ك: بِنَفْسِهِ
(6) ك: السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ.
(8/164)

رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَمَّا فَاتَهُ ... وَقْتُ الصَّلَاةِ وَقَدْ دَنَتْ لِلْمَغْرِبِ
حَتَّى تَبَلَّجَ نُورُهَا فِي وَقْتِهَا ... لِلْعَصْرِ ثُمَّ هَوَتْ هُوِيَّ الْكَوْكَبِ
وَعَلَيْهِ قَدْ رُدَّتْ بِبَابِلَ مَرَّةً ... أُخْرَى وَمَا رُدَّتْ لِخَلْقٍ مُعْرِبٍ (1) .
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: فَضْلُ عَلِيٍّ وَوِلَايَتُهُ لِلَّهِ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ (2) ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَفَادَتْنَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى كَذِبٍ وَلَا إِلَى مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ. وَحَدِيثُ رَدِّ الشَّمْسِ لَهُ قَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ، كَالطَّحَاوِيِّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لَكِنِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " (3) فَرَوَاهُ مِنْ كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ (4) بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ (5) ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، (* فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَّيْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: لَا *) (6) . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
_________
(1) ن، س، ب: مُغْرِبِ وَفِي (ك) بَعْدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بَيْتٌ رَابِعٌ هُوَ: إِلَّا لِيُوشَعَ أَوْ لَهُ مِنْ بَعْدِهَا وَلِرَدِّهَا تَأْوِيلُ أَمْرٍ مُعْجِبِ
(2) س، ب: عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ
(3) (3) 1/355 - 357
(4) م: الْمَوْضُوعَاتِ " عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَسَيَرِدُ فِيمَا يَلِي كَمَا أَثْبَتَهُ هُنَا.
(5) ن، م: بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، الْمَوْضُوعَاتِ: بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَسَقَطَتْ " بْنِ الْحَسَنِ " الثَّانِيَةُ مِنْ (ب) .
(6) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنَ " الْمَوْضُوعَاتِ " وَمَوْجُودٌ فِي " تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ " " اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ "، " الْفَوَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ ".
(8/165)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ. فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَرَأَيْتُهَا غَرَبَتْ، ثُمَّ رَأَيْتُهَا طَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ» ". قَالَ أَبُو الْفَرَجِ (1) : " وَهَذَا حَدِيثٌ (2) مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَدِ اضْطَرَبَ الرُّوَاةُ فِيهِ، فَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ (3) ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (4) ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ (5) ، عَنْ أَسْمَاءَ ". قَالَ: (6) " وَفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ضَعَّفَهُ يَحْيَى، وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَيُخْطِئُ عَلَى الثِّقَاتِ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: " وَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْهُ " (7) .
قُلْتُ: وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَسْعُودٍ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَسْمَاءَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْأَشْقَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ (8) ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
_________
(1) ص 356
(2) س، ب: الْحَدِيثُ وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) الْمَوْضُوعَاتِ.
(3) ن، س، ب: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَهُوَ خَطَأٌ
(4) م: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، الْمَوْضُوعَاتِ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ
(5) ن، س، ب: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ خَطَأٌ وَتَرْجَمَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 12/443 الْأَعْلَامِ 5/328
(6) أَيِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَسْطُرٍ.
(7) (7 - 7) هَذِهِ الْعِبَارَاتُ سَاقِطَةٌ مِنَ " الْمَوْضُوعَاتِ ".
(8) ب: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ن) ، (س) وَهُوَ الصَّوَابُ وَتَرْجَمَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 6/206 - 207
(8/166)

الْحُسَيْنِ (1) ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ، عَنْ أَسْمَاءَ (2) ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ (3) : " وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا (4) أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا (5) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا (6) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُشَيْرٍ (7) ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَحَدَّثَتْنِي [أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ حَدَّثَتْهَا] (8) أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. . وَذَكَرَ حَدِيثَ رُجُوعِ الشَّمْسِ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ (9) : " وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ. أَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ (10) ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ (11) : هُوَ وَاهِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا ابْنَ عُقْدَةَ (12) ; فَإِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا يُحَدِّثُ بِمَثَالِبِ الصَّحَابَةِ ". " قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (13) يَقُولُ: ابْنُ عُقْدَةَ لَا يَتَدَيَّنُ بِالْحَدِيثِ، كَانَ يَحْمِلُ شُيُوخًا (14) بِالْكُوفَةِ عَلَى الْكَذِبِ، يُسَوِّي لَهُمْ نُسَخًا، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَرْوُوهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مِنْهُ فِي
_________
(1) ن، س: عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ
(2) الْمَوْضُوعَاتِ 1/356.
(3) الْمَوْضُوعَاتِ: قَالَ: حَدَّثَنَا.
(4) الْمَوْضُوعَاتِ: قَالَ: حَدَّثَنَا.
(5) الْمَوْضُوعَاتِ: قَالَ: حَدَّثَنَا.
(6) الْمَوْضُوعَاتِ: قَالَ: حَدَّثَنَا.
(7) س، ب: بْنِ قَيْسٍ.
(8) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ مِنَ " الْمَوْضُوعَاتِ " وَسَقَطَ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ.
(9) بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً.
(10) ن، س، ب: أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَرِيكٍ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) الْمَوْضُوعَاتِ.
(11) الْمَوْضُوعَاتِ: أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ.
(12) الْمَوْضُوعَاتِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ قُلْتُ: وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَتَّهِمُ بِهَذَا إِلَّا ابْنَ عُقْدَةَ. .
(13) هَذِهِ الْعِبَارَاتُ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " 1/357 بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ بِسَبْعَةِ أَسْطُرٍ وَفِيهِ: وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي غَالِبٍ.
(14) الْمَوْضُوعَاتِ: لِأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ شُيُوخَنَا. . .
(8/167)

غَيْرِ نُسْخَةٍ (1) ، (* وَسُئِلَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ: رَجُلُ سُوءٍ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: " وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ فَرَاهِيجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَدَاوُدُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ *) " (2) .
قُلْتُ: فَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا دُونَ هَذَا.
وَأَمَّا الثَّانِي بِبَابِلَ فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ (3) . وَإِنْشَادُ الْحِمْيَرِيِّ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ قَدِيمٌ، فَقَدْ سَمِعَهُ فَنَظَمَهُ. وَأَهْلُ الْغُلُوِّ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ يَنْظِمُونَ مَا لَا تَتَحَقَّقُ صِحَّتُهُ، لَا سِيَّمَا وَالْحِمْيَرِيُّ مَعْرُوفٌ بِالْغُلُوِّ (4) .
وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا
_________
(1) الْمَوْضُوعَاتِ: وَقَدْ تَيَقَّنَا ذَلِكَ مِنْهُ فِي غَيْرِ شَيْخٍ بِالْكُوفَةِ.
(2) الْكَلَامُ بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَلَكِنِ اخْتَلَفَ تَرْتِيبُهُ وَاخْتَلَفَتْ بَعْضُ أَلْفَاظِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمَوْضُوعُ فِي تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ 1/378 - 382 اللَّآلِئِ الْمَصْنُوعَةِ 1/336 - 338 الْفَوَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ ص 350.
(3) ن، م: أَنَّهُ كَذِبٌ.
(4) أَبُو هَاشِمٍ - أَوْ أَبُو عَامِرٍ - إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُفْرِغٍ الْحِمْيَرِيُّ، شَاعِرٌ رَافِضِيٌّ وُلِدَ سَنَةَ 105 وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ، قِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ 173 وَقِيلَ: سَنَةَ 178 وَقِيلَ سَنَةَ 179. قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ رَافِضِيًّا خَبِيثًا. قَالَ الدَّرَاقُطْنِيُّ: كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ فِي شِعْرِهِ وَيَمْدَحُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَعَدَّهُ الشَّهْرَسْتَانِيُّ مِنَ الْمُخْتَارِيَّةِ الْكَيْسَانِيَّةِ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ الْقَائِلِينَ بِإِمَامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ وَمَذْهَبَهُ فِي: لِسَانِ الْمِيزَانِ 1/436 - 438 فَوَاتِ الْوَفَيَاتِ 1/32 - 36 الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ 10/173 - 174 رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، ص 29 - 31 الْأَعْلَامِ 1/320 - 321 الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ 1/133 - 134.
(8/168)

يَبْنِ، وَلَا رَجُلٌ قَدْ بَنَى بَيْتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سَقْفَهُ (1) ، وَلَا رَجُلٌ اشْتَرَى غَنَمًا - أَوْ خَلِفَاتٍ - وَهُوَ يَنْتَظِرُ (2) وِلَادَهَا. قَالَ: فَغَزَوْا، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ، حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» " الْحَدِيثَ (3) .
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِذَا كَانَتْ قَدْ رُدَّتْ لِيُوشَعَ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ تُرَدَّ لِفُضَلَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟
فَيُقَالُ: يُوشَعُ لَمْ تُرَدَّ لَهُ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ غُرُوبُهَا، طُوِّلَ لَهُ النَّهَارُ، وَهَذَا قَدْ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ ; فَإِنَّ طُولَ النَّهَارِ وَقِصَرَهُ لَا يُدْرَكُ. وَنَحْنُ إِنَّمَا عَلِمْنَا وُقُوفَهَا لِيُوشَعَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَيْضًا لَا مَانِعَ مِنْ طُولِ ذَلِكَ (4) ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَفَعَلَ ذَلِكَ. لَكِنَّ يُوشَعَ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ; لِأَجْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَيَوْمَ السَّبْتِ. وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الَّذِي فَاتَتْهُ الْعَصْرُ إِنْ كَانَ مُفَرِّطًا لَمْ يَسْقُطْ ذَنْبُهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَمَعَ التَّوْبَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى
_________
(1) ن، س: سَقِيفَةً
(2) ن، م: مُنْتَظِرٌ.
(3) كَلِمَةُ " الْحَدِيثُ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) وَالْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَوْضِعَيْنِ فِي: الْبُخَارِيِّ 4/86 (كِتَابُ فَرْضِ الْخُمُسِ، بَابُ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ. . .) 7/21 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ مَنْ أَحَبَّ الْبِنَاءَ قَبْلَ الْغَزْوِ وَجَاءَ هَذَا الْمَوْضُوعُ مُخْتَصَرًا. وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: مُسْلِمٍ 3/1366 - 1367 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً) الْمُسْنَدِ (ط الْمَعَارِفِ) 16/102 - 103
(4) ن، م: لِمَنْ طُوِّلَ ذَلِكَ. . .
(8/169)

رَدٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَلَا مَلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ.
وَأَيْضًا فَبِنَفْسِ غُرُوبِ الشَّمْسِ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِلصَّلَاةِ، فَالْمُصَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُصَلِّيًا فِي الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ عَادَتِ الشَّمْسُ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [سُورَةُ طه: 130] يَتَنَاوَلُ الْغُرُوبَ الْمَعْرُوفَ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ هَذَا الْغُرُوبِ، وَإِنْ طَلَعَتْ ثُمَّ غَرَبَتْ. وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ حَصَلَتْ بِذَلِكَ الْغُرُوبِ، فَالصَّائِمُ يُفْطِرُ، وَلَوْ عَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَقَعُ لِأَحَدٍ، وَلَا وَقَعَتْ لِأَحَدٍ، فَتَقْدِيرُهَا تَقْدِيرُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ ; وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمٍ مِثْلِ هَذَا فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ الْمُفَرِّعِينَ.
وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ الْعَصْرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَصَلَّاهَا قَضَاءً، هُوَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ رَدَّ الشَّمْسِ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: " «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ".
فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا تَفْوِيتَ الصَّلَاةِ فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا نُصَلِّي إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ (1) .
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّوُا الْعَصْرَ بَعْدَ
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/411
(8/170)

غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ عَلِيٌّ بِأَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا صَلَّاهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ ; فَعَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا تُجْزِئُ، أَوْ نَاقِصَةً تَحْتَاجُ إِلَى رَدِّ الشَّمْسِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِرَدِّ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَتْ كَامِلَةً مُجْزِئَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى رَدِّهَا.
وَأَيْضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْعَادَةِ، الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْقُلْهَا إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عُلِمَ بَيَانُ كَذِبِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ كَانَ بِاللَّيْلِ وَقْتَ نَوْمِ النَّاسِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَوَاهُ الصَّحَابَةُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَأَخْرَجُوهُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ (1) مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ (2) ، وَنَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، فَكَيْفَ بِرَدِّ الشَّمْسِ الَّتِي تَكُونُ بِالنَّهَارِ، وَلَا يَشْتَهِرُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْقُلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ نَقْلَ مِثْلِهِ؟ !
_________
(1) م: فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ.
(2) جَاءَتْ أَحَادِيثُ عَدِيدَةٌ ذَكَرَتِ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهَا فِي: الْبُخَارِيِّ 4/206 - 207 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَفِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي: الْبُخَارِيِّ 5/49 (كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ) وَنَصُّ حَدِيثِ أَنَسٍ هُوَ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى، فَقَالَ: " اشْهَدُوا " وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الْجَبَلِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ: أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ أَيْضًا فِي: الْبُخَارِيِّ 6/142 - 143 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، مُسْلِمٍ 4/2158 - 2159 (كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ، بَابُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ) سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/71 - 73 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الْقَمَرِ) وَفِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 5/204، 6/12، 135، (ط الْحَلَبِيِّ) 3/165، 220، 275، 4/81 - 82.
(8/171)

وَلَا يُعْرَفُ قَطُّ أَنَّ الشَّمْسَ رَجَعَتْ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالطَّبِيعِيِّينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ يُنْكِرُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. لَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي الْفَلَكِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُنْكِرُ إِمْكَانَهُ، فَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ ظُهُورُهُ وَنَقْلُهُ أَعْظَمَ مِنْ ظُهُورِ مَا دُونَهُ وَنَقْلِهِ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ وَحَدِيثُهُ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ مَشْهُورٌ؟ فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ بِأَنَّهُ كَذِبٌ لَمْ يَقَعْ.
وَإِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ احْتَجَبَتْ بِغَيْمٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ سَحَابُهَا، فَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ، وَلَعَلَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهَا غَرَبَتْ، ثُمَّ كُشِفَ الْغَمَامُ عَنْهَا.
وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ - فَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لَهُ بَقَاءَ الْوَقْتِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ صُنِّفَ فِيهِ مُصَنَّفٌ جُمِعَتْ فِيهِ طُرُقُهُ: صَنَّفَهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (1) بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَانِيِّ سَمَّاهُ " مَسْأَلَةٌ فِي تَصْحِيحِ رَدِّ الشَّمْسِ وَتَرْغِيبِ النَّوَاصِبِ الشُّمْسِ " (2) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ.
_________
(1) عِبَارَةُ (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ) : لَيْسَتْ فِي (م) .
(2) لَمْ أَجِدْ فِيمَا بَيْنَ يَدِي مِنْ مَرَاجِعَ شَيْئًا عَنِ الْمُؤَلِّفِ أَوْ عَنِ الْكِتَابِ.
(8/172)

قَالَ: " أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى - وَهُوَ الْقَطْرِيُّ - عَنْ عَوْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّهِ - أُمِّ جَعْفَرٍ - عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي الْعَصْرَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ عَلِيًّا [فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ] (1) احْتَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى نَبِيِّهِ (2) ، فَرُدَّ عَلَيْهِ شَرْقَهَا. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى الْجِبَالِ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ غَابَتِ الشَّمْسُ» ".
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُصَنِّفُ: " أُمُّ جَعْفَرٍ هَذِهِ هِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالرَّاوِي عَنْهَا هُوَ ابْنُهَا عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ، أَبُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ هُوَ مُحَمَّدُ (3) بْنُ مُوسَى الْمَدِينِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْقَطْرِيِّ. مَحْمُودٌ فِي رِوَايَتِهِ ثِقَةٌ. وَالرَّاوِي عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ الْمَدَنِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ هَذَا الَّذِي ذُكِرَتْ رِوَايَتُهُ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْأَنْطَاكِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ (4) عَنْهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ حَوْصَاءَ، وَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَفِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالصَّهْبَاءِ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، فَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (م) فَقَطْ
(2) م: نَبِيِّكَ
(3) ن، م، س: مَحْمُودٌ، وَسَبَقَ الِاسْمُ قَبْلَ قَلِيلٍ كَمَا وَرَدَ هُنَا.
(4) س: وَقَدْ رَوَوْا، ب: وَقَدْ رَوَى
(8/173)

وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ عَلِيًّا احْتَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى نَبِيِّهِ، فَرُدَّ عَلَيْهَا شَرْقَهَا. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَعَلَى الْأَرْضِ، فَقَامَ عَلِيٌّ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، وَذَلِكَ فِي الصَّهْبَاءِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ» .
قَالَ: وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِ " تَفْسِيرِ مُتَشَابِهِ الْأَخْبَارِ " مِنْ تَأْلِيفِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.
وَمِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالصَّهْبَاءِ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، فَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَالَ: يَا عَلِيُّ صَلَّيْتَ الْعَصْرَ؟ قَالَ: لَا» . وَذَكَرَهُ. قَالَ: وَيَرْوِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ.
وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَضْرَمِيِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا صَلَّى الْعَصْرَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ - أَوْ خَدَّهُ لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ - فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» " وَذَكَرَهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: " وَرَوَاهُ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ
(8/174)

ابْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» .
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ مَطَرٍ عَنْ فُضَيْلِ (* بْنِ مَرْزُوقٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ " الضُّعَفَاءِ ".
قُلْتُ: وَهَذَا اللَّفْظُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ، فَفِيهِ أَنَّهُ نَامَ فِي حِجْرِهِ *) (1) مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِالصَّهْبَاءِ. وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ مُسْتَيْقِظًا يُوحِي إِلَيْهِ جِبْرِيلُ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَهَذَا التَّنَاقُضُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ; لِأَنَّ هَذَا صَرَّحَ (2) بِأَنَّهُ كَانَ نَائِمًا هَذَا الْوَقْتَ، وَهَذَا قَالَ: كَانَ يَقْظَانَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ ; فَإِنَّ النَّوْمَ بَعْدَ الْعَصْرِ مَكْرُوهٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، فَكَيْفَ تَفُوتُ عَلِيًّا صَلَاةُ الْعَصْرِ؟

ثُمَّ تَفْوِيتُ الصَّلَاةِ بِمِثْلِ هَذَا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَائِزًا، وَإِمَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (3) . فَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَلِيٍّ إِثْمٌ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَيْسَ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَتْهُ الْعَصْرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّاهَا، وَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَكَذَلِكَ لَمْ تُرَدَّ لِسُلَيْمَانَ لَمَّا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) م: صَرِيحٌ.
(3) ن: وَإِمَّا أَنْ لَا يَجُوزَ، س، ب: وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ.
(8/175)

وَقَدْ نَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ تُرْجَعْ لَهُمْ (1) إِلَى الشَّرْقِ.
وَإِنْ كَانَ التَّفْوِيتُ مُحَرَّمًا، فَتَفْوِيتُ (2) الْعَصْرِ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» " (3) .
وَعَلِيٌّ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا الْوُسْطَى، وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ لَمَّا قَالَ: " «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا» " (4) وَهَذَا كَانَ فِي الْخَنْدَقِ وَخَيْبَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ.
فَعَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَفْعَلَ [مَثْلَ] (5) هَذِهِ الْكَبِيرَةِ، وَيُقِرُّهُ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ فَعَلَ هَذَا كَانَ مِنْ مَثَالِبِهِ لَا مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ عَلِيًّا عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ إِذَا فَاتَتْ لَمْ يَسْقُطِ الْإِثْمُ عَنْهُ بِعَوْدِ الشَّمْسِ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي خَيْبَرَ فِي الْبَرِّيَّةِ قُدَّامَ الْعَسْكَرِ، وَالْمُسْلِمُونَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، كَانَ هَذَا مِمَّا يَرَاهُ الْعَسْكَرُ
_________
(1) ن، م: إِلَيْهِمْ.
(2) ن: فَنَقُولُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 5/212، 220
(4) الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/43 - 44 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْهَزِيمَةِ. . .) مُسْلِمٍ 1/436 - 437 (كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، بَابُ الدَّلِيلِ لِمَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ) الْأَحَادِيثُ 202 - 206 سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/286 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الْبَقَرَةِ حَدِيثٌ 4068) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/31، 46، 177، 213.
(5) مَثْلَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8/176)

وَيُشَاهِدُونَهُ. وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَنْ نَقْلِهِ ; فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَقْلِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، فَلَوْ نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ لَنَقَلَهُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ، كَمَا نَقَلُوا أَمْثَالَهُ، لَمْ يَنْقُلْهُ الْمَجْهُولُونَ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ ضَبْطُهُمْ وَعَدَالَتُهُمْ.
وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَثْبُتُ، تُعْلَمُ عَدَالَةُ نَاقِلِيهِ وَضَبْطُهُمْ، وَلَا يُعْلَمُ اتِّصَالُ إِسْنَادِهِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ خَيْبَرَ: " «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولَهُ» " (1) فَنَقَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ (2) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ: (* لَا رَوَاهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ (3) وَلَا أَهْلُ السُّنَنِ وَلَا الْمَسَانِدِ أَصْلًا (4) ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي هِيَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ الْمَشْهُورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَمْ يَرْوِهَا أَهْلُ الصِّحَاحِ *) (5) وَالْمَسَانِدِ، وَلَا نَقَلَهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحُفَّاظِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ! !
وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الْقَطْرِيُّ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ (6) أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ. وَعَوْنٌ وَأُمُّهُ لَيْسَا مِمَّنْ يُعْرَفُ حِفْظُهُمْ وَعَدَالَتُهُمْ، وَلَا مِنَ
_________
(1) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ 4/289
(2) م: وَالْمَسَانِيدِ
(3) ب: أَهْلُ الْحَدِيثِ
(4) أَصْلًا: فِي (ن) فَقَطْ.
(5) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(6) عَنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(8/177)

الْمَعْرُوفِينَ بِنَقْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يُحْتَجُّ (1) بِحَدِيثِهِمْ فِي أَهْوَنِ الْأَشْيَاءِ، فَكَيْفَ فِي مِثْلِ هَذَا؟ وَلَا فِيهِ سَمَاعُ الْمَرْأَةِ مِنْ (2) أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَلَعَلَّهَا سَمِعَتْ مَنْ يَحْكِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ فَذَكَرَتْهُ.
وَهَذَا الْمُصَنِّفُ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ أَنَّهُ ثِقَةٌ، وَعَنِ الْقَطْرِيِّ أَنَّهُ ثِقَةٌ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ (3) أَنْ يَذْكُرَ عَمَّنْ بَعْدَهُمَا أَنَّهُ ثِقَةٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنْسَابَهُمْ. وَمُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ بِنَسَبِ الرَّجُلِ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا ثِقَةً.
وَأَمَّا الْإِسْنَادُ الثَّانِي فَمَدَارُهُ عَلَى فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْخَطَأِ عَلَى الثِّقَاتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ (4) . قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: يُخْطِئُ عَلَى الثِّقَاتِ، وَيَرْوِي عَنْ عَطِيَّةَ الْمَوْضُوعَاتِ (5) . وَقَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ (6) : لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ مَرَّةً: هُوَ ضَعِيفٌ. وَهَذَا لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيهِ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَقَوْلُ سُفْيَانَ: هُوَ ثِقَةٌ، وَقَوْلُ يَحْيَى (7) مَرَّةً: هُوَ ثِقَةٌ (8) ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَلَكِنَّهُ
_________
(1) ن: وَلَا يَحْتَجُّوا، س، ب: وَلَا يَحْتَجُّونَ
(2) س، ب: عَنْ
(3) ن، م، س: وَلَا يُمْكِنُهُ
(4) فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْأَغَرُّ الرَّقَاشِيُّ الْكُوفِيُّ. تَرْجَمَتُهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7/298 - 300 مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/362 - 363 وَقَالَ الذَّهَبِيُّ عَنْهُ: " وَثَّقَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قُلْتُ: وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالتَّشَيُّعِ مِنْ غَيْرِ سَبٍّ "
(5) ذَكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ حِبَّانَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ " 7/299
(6) فِي كِتَابِهِ " الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ " ق [0 - 9] م [0 - 9] ص 75 (ط حَيْدَرَ آبَادَ 1361 1942) .
(7) س، ب: وَيَحْيَى
(8) هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا جَاءَتْ فِي " الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ".
(8/178)

يُخْطِئُ، وَإِذَا رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَا تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَرْوِيَ مَا انْفَرَدَ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ سَمَاعُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا سَمَاعُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ فَاطِمَةَ، وَلَا سَمَاعُ فَاطِمَةَ مِنْ أَسْمَاءَ.
وَلَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ عَدْلٌ ضَابِطٌ، وَأَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْآخَرِ، وَلَيْسَ هَذَا مَعْلُومًا. وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا لَمْ يَرْوِ لَهُ أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ - كَالصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ - وَلَا لَهُ ذِكْرٌ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ، بِخِلَافِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، فَإِنَّ لَهَا حَدِيثًا مَعْرُوفًا، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثٍ مِثْلِ هَذَا؟ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِينَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ.
وَكَوْنُ الرَّجُلِ أَبُوهُ كَبِيرُ الْقَدْرِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَأْمُونِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْهُ. وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ كَانَتْ عِنْدَ جَعْفَرٍ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ، وَلَهَا مِنْ كُلِّ [مِنْ] (1) هَؤُلَاءِ وَلَدٌ، وَهُمْ يُحِبُّونَ عَلِيًّا، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ أَسْمَاءَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي فِي حِجْرِ عَلِيٍّ هُوَ ابْنُهَا، وَمَحَبَّتُهُ لِعَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا عَنْهَا.
وَأَيْضًا فَأَسْمَاءُ كَانَتْ زَوْجَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ مَعَهُ فِي الْحَبَشَةِ، وَإِنَّمَا قَدِمَتْ مَعَهُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا كَانَتْ بِخَيْبَرَ، فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَقَدْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ شَهِدَ خَيْبَرَ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ،
_________
(1) مِنْ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(8/179)

وَازْدَادَ الْعَسْكَرُ بِجَعْفَرٍ وَمَنْ قَدِمَ مَعَهُ مِنَ الْحَبَشَةِ، كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرٍ فِي السَّفِينَةِ، وَازْدَادُوا أَيْضًا بِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَلَمْ يَرْوِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا مِمَّا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ.
وَالطَّعْنُ فِي فُضَيْلٍ وَمَنْ بَعْدَهُ إِذَا تُيُقِّنَ بِأَنَّهُمْ (1) رَوَوْهُ، وَإِلَّا فَفِي إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الرَّاوِيَ الْأَوَّلَ عَنْ فُضَيْلٍ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ الْكُوفِيُّ (2) ، (* قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ (3) : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ الْأَزْدِيُّ: ضَعِيفٌ. وَقَالَ السَّعْدِيُّ: حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ *) (4) غَالٍ مِنَ الشَّاتِمِينَ لِلْخِيرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: رَوَى حَدِيثًا مُنْكَرًا، وَالْبَلَاءُ عِنْدِي مِنْهُ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ ضُعَفَاءِ الْكُوفَةِ يُحِيلُونَ مَا يَرْوُونَ عَنْهُ مِنَ الْحَدِيثِ فِيهِ (5) .
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّالِثُ فَفِيهِ عَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ. قَالَ
_________
(1) م: أَنَّهُمْ.
(2) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: حُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَشْقَرُ الْكُوفِيُّ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ، وَتَرْجَمَتُهُ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 1/531 - 532 تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 2/335 - 337 وَاسْمُهُ الْكَامِلُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: " قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ مَرَّةً عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ "
(3) ن، س، ب: وَقَالَ النَّسَبِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَالتَّصْوِيبُ مِنْ مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 1/531، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 2/337.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(5) فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 1/531: وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ يُحِيلُونَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى حُسَيْنٍ الْأَشْقَرِ، عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِهِ بَعْضَ مَا فِيهِ. وَذَكَرَ لَهُ مَنَاكِيرَ، قَالَ فِي أَحَدِهَا: الْبَلَاءُ عِنْدِي مِنَ الْأَشْقَرِ ".
(8/180)

الْعُقَيْلِيُّ: يُحَدِّثُ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْمَنَاكِيرِ. وَقَالَ الرَّازِيُّ: كَانَ يَكْذِبُ أَحَادِيثَ بَوَاطِلَ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ (1) .
وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ (2) ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ فُضَيْلٍ، وَفِي بَعْضِهَا: " حَدَّثَنَا " (3) فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَالَ: " حَدَّثَنَا " (4) أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَهُ ; فَإِنَّهُ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى التَّشَيُّعِ، الْحُرَّاصِ عَلَى جَمْعِ أَحَادِيثِ التَّشَيُّعِ، وَكَانَ يَرْوِي الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْكَذَّابِينَ، وَهُوَ مِنَ الْمَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا فِيهِ: ثِقَةٌ، وَإِنَّهُ
_________
(1) انْظُرْ تَرْجَمَةَ عَمَّارِ بْنِ مَطَرٍ وَيُكْنَى أَبَا عُثْمَانَ الرَّهَاوِيَّ فِي: مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/169 - 170 لِسَانِ الْمِيزَانِ 4/275 - 276 وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ عَنْ طَرِيقِهِ: " وَقَدْ رَوَى ابْنُ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَمْ تُرَدَّ الشَّمْسُ إِلَّا عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ". وَقَالَ الذَّهَبِيُّ - وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَطَرٍ: هَالِكٌ وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِالْحِفْظِ " وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: يُحَدِّثُ عَنِ الثِّقَاتِ بِمَنَاكِيرَ ". وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فِي " الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ " م [0 - 9] ق 1 ص 394 - وَنَقَلَ كَلَامَهُ الذَّهَبِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ -: " كَانَ يَكْذِبُ ".
(2) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَنْسِيِّ (فِي (م) غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) ، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ، وَسَبَقَ وُرُودُ الِاسْمِ كَذَلِكَ قَبْلَ صَفَحَاتِ (175 - 176) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي الْمُخْتَارِ، وَاسْمُهُ بَاذَامُ الْعَبْسِيُّ انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7
- 53 وَفِيهَا: " وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. . . وَقَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْتُ قَاسِمَ بْنَ قَاسِمٍ السَّيَّارِيَّ سَمِعْتُ أَبَا مُسْلِمٍ الْبَغْدَادِيَّ الْحَافِظَ يَقُولُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى مِنَ الْمَتْرُوكِينَ، تَرَكَهُ أَحْمَدُ لِتَشَيُّعِهِ. . . وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ: كُوفِيٌّ صَالِحٌ يَتَشَيَّعُ، وَقَالَ السَّاجِيُّ: كَانَ يُفْرِطُ فِي التَّشَيُّعِ: وَقَالَ عَنْهُ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/16: ". . . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ شِيعِيًّا مُتَحَرِّقًا ".
(3) ن، م: حَدِيثُنَا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) ن، م: حَدِيثًا.
(8/181)

لَا يَكْذِبُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ أَمْ لَا؟ لَكِنَّهُ كَانَ يَرْوِي عَنِ الْكَذَّابِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ بِلَا رَيْبٍ. وَالْبُخَارِيُّ لَا يَرْوِي عَنْهُ إِلَّا مَا عُرِفَ بِهِ أَنَّهُ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَهُ رِوَايَاتٌ عَنْ فَاطِمَةَ سِوَى مَا قَدَّمْنَا (1) .
ثُمَّ رَوَاهُ بِطَرِيقٍ مُظْلِمَةٍ، يَظْهَرُ أَنَّهَا كَذِبٌ لِمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ مَنُوطَةٌ بِالْحَدِيثِ، فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَفْصٍ الْكَتَّانِيِّ (2) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ (3) الْقَاضِي - هُوَ الْجَعَّانِيُّ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَسْكَرِيُّ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لِعَلِيٍّ حَتَّى رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» .
وَهَذَا مِمَّا لَا يُقْبَلُ نَقْلُهُ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ عَدَالَتُهُ وَضَبْطُهُ، لَا مِنْ مَجْهُولِ الْحَالِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مِمَّا يَعْلَمُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّوْرِيَّ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ، وَلَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ؟ وَأَحَادِيثُ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَهُمْ أَصْحَابٌ يَعْرِفُونَهَا. وَرَوَاهُ خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ فَأُمُّ أَشْعَثَ مَجْهُولَةٌ لَا يَقُومُ بِرِوَايَتِهَا شَيْءٌ.
وَذَكَرَ طَرِيقًا ثَانِيًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
_________
(1) انْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ قَبْلَ قَلِيلٍ.
(2) م: أَبِي جَعْفَرٍ الْكِنَانِيِّ. وَلَمْ أَجِدِ الرَّجُلَ فِيمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ مَرَاجِعَ
(3) م: بْنُ عَمْرٍو.
(8/182)

عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ. . الْحَدِيثَ.
قُلْتُ (1) : وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فِي حُسَيْنٍ الْأَشْقَرِ، فَلَوْ كَانَ الْإِسْنَادُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَالْإِسْنَادُ مُتَّصِلٌ، لَمْ يَثْبُتْ بِرِوَايَتِهِ شَيْءٌ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ؟ وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ وَأَبُوهُ غَالِيَانِ فِي مَذْهَبِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنِ الْمَشَاهِيرِ (2) . وَإِخْرَاجُ أَهْلِ الْحَدِيثِ (3) لِمَا عَرَفُوهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ لَا يُوجِبُ أَنْ يُثْبِتَ مَا انْفَرَدَ بِهِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ هَذَا الْمُصَنِّفَ جَعَلَ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ رِوَايَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. وَهَذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيٍّ لَا بِنْتُ الْحُسَيْنِ.
وَكَذَلِكَ (* ذَكَرَ الطَّرِيقَ الثَّالِثَ عَنْهَا: مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ *) (4) عَلِيٍّ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، «رُفِعَ (5) إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فَجَلَّلَهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَدْبَرَتِ الشَّمْسُ، يَقُولُ: غَابَتْ أَوْ كَادَتْ تَغِيبُ، وَأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اللَّهُمَّ رُدَّ عَلَى عَلِيٍّ الشَّمْسَ، فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى بَلَغَتْ نِصْفَ الْمَسْجِدِ» .
_________
(1) قُلْتُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(2) انْظُرْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَغَيْرَهَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ فِي: مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 3/160، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: 7/392 - 393.
(3) ن، م: الصَّحِيحِ
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(5) ن، م: دُفِعَ.
(8/183)

فَيَقْتَضِي أَنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى قَرِيبِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ. وَفِي ذَاكَ الطَّرِيقِ أَنَّهُ كَانَ بِخَيْبَرَ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا (1) ظَهَرَتْ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: هُوَ وَاهِي الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ.
وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ رَابِعٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْقَاضِي - وَهُوَ الْجَعَّانِيُّ - عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ (2) ، (* عَنْ عَبَّادٍ (3) وَهُوَ الرَّوَاجِنِيُّ *) (4) ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ صَبَاحِ بْنِ (5) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ (6) حُسَيْنٍ الْمَقْتُولِ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: «كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ شَغَلَ عَلِيًّا مَا كَانَ مِنْ قَسْمِ الْمَغَانِمِ (7) ، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا صَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا. فَدَعَا اللَّهَ فَارْتَفَعَتْ حَتَّى تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، فَصَلَّى عَلِيٌّ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ سَمِعْتُ لَهَا صَرِيرًا كَصَرِيرِ الْمِنْشَارِ فِي الْحَدِيدِ» .
وَهَذَا اللَّفْظُ الرَّابِعُ يُنَاقِضُ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ الْمُتَنَاقِضَةَ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ
_________
(1) إِنَّمَا سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(2) ن، س، ب: الْجَعَّانِيِّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَلَمْ أَجِدْ رَاوِيًا بِهَذَا الِاسْمِ وَوَجَدْتُ ثَلَاثَةً اسْمُهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ. انْظُرْ مِيزَانَ الِاعْتِدَالِ 2/386 - 387، تَهْذِيبَ التَّهْذِيبِ 5/131 - 134
(3) ن: الْوَلِيدِيِّ عَبَّادٍ. .، س، ب: بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبَّادٍ، وَهُوَ خَطَأٌ وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ عَبَّادٍ الرَّوَاجِنِيِّ بَعْدَ صَفَحَاتٍ.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)
(5) م: عَنْ.
(6) عِبَارَةُ " أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ. . . " سَاقِطَةٌ مِنْ (م)
(7) ن، م: الْمَغْنَمِ
(8/184)

الْحَدِيثَ لَمْ يَرْوِهِ صَادِقٌ ضَابِطٌ، بَلْ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِمَّا اخْتَلَقَهُ وَاحِدٌ وَعَمِلَتْهُ يَدَاهُ، فَتَشَبَّهَ بِهِ آخَرُ، فَاخْتَلَقَ مَا يُشْبِهُ حَدِيثَ ذَلِكَ. وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ. وَفِي هَذَا أَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا اشْتَغَلَ بِقَسْمِ الْمَغَانِمِ لَا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيٌّ لَمْ يُقَسِّمْ مَغَانِمَ خَيْبَرَ، وَلَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِقِسْمَتِهَا عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ خَيْبَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، سَنَةَ (1) سَبْعٍ، وَبَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، سَنَةَ سِتٍّ. وَهَذَا مِنَ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالْخَنْدَقُ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، إِمَّا سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَفِيهَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 238] ، وَنُسِخَ التَّأْخِيرُ بِهَا (2) يَوْمَ الْخَنْدَقِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ لِلْقِتَالِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ (3) . وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ، بَلْ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِلْقِتَالِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - فَلَمْ يَتَنَازَعِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ قَسْمِ الْغَنَائِمِ ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَفُوتُ، وَالصَّلَاةُ تَفُوتُ.

وَفِي هَذَا أَنَّهَا تَوَسَّطَتِ الْمَسْجِدَ، وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ ; فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ غَرَائِبِ الْعَالَمِ، الَّتِي لَوْ جَرَتْ لَنَقَلَهَا الْجَمُّ الْغَفِيرُ. وَفِيهِ أَنَّهَا لَمَّا غَابَتْ سُمِعَ لَهَا صَرِيرٌ كَصَرِيرِ الْمِنْشَارِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ ; فَإِنَّ هَذَا لَا مُوجِبَ لَهُ أَيْضًا، وَالشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا لَا تُلَاقِي مِنَ الْأَجْسَامِ مَا يُوجِبُ هَذَا الصَّوْتَ الْعَظِيمَ، الَّذِي يَصِلُ مِنَ الْفَلَكِ الرَّابِعِ إِلَى
_________
(1) ن: فِي سَنَةِ. . .
(2) ن، س: وَنُسِخَ بِهَا التَّأْخِيرُ، م: وَنُسِخَ بِهَا الْمُتَأَخِّرُ.
(3) مَعَ أَنَّهُ كَانَ لِلْقِتَالِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَذَا فِي (ب) وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْقِتَالُ أَكْثَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(8/185)

الْأَرْضِ. ثُمَّ لَوْ كَانَ هَذَا حَقًّا لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ عَجَائِبِ الْعَالَمِ الَّتِي تَنْقُلُهَا الصَّحَابَةُ، الَّذِينَ نَقَلُوا مَا هُوَ دُونَ هَذَا مِمَّا كَانَ فِي خَيْبَرَ وَغَيْرِ خَيْبَرَ.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَوْ رُوِيَ بِهِ مَا يُمْكِنُ صِدْقُهُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ هَاشِمِ بْنَ الْبَرِيدِ كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، يَرْوِي عَنْ كُلِّ أَحَدٍ يُحَرِّضُهُ عَلَى مَا يُقَوِّي بِهِ هَوَاهُ (1) ، وَيَرْوِي عَنْ مَثْلِ صَبَاحٍ هَذَا، وَصَبَاحٌ هَذَا لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ. وَلَهُمْ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ صَبَاحُ بْنُ سَهْلٍ الْكُوفِيُّ، يَرْوِي عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنْ أَقْوَامٍ مَشَاهِيرَ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِخَبَرِهِ.
وَلَهُمْ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: صَبَاحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ الْبَجَلِيُّ (2) (* الْأَحْمَسِيُّ الْكُوفِيُّ يَرْوِي عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي عَنِ الثِّقَاتِ الْمَوْضُوعَاتِ.
وَلَهُمْ شَخْصٌ يُقَالُ لَهُ صَبَاحٌ *) (3) الْعَبْدِيُّ (4) قَالَ الرَّازِيُّ: هُوَ مَجْهُولٌ. وَآخَرُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ مُجَالِدٍ، مَجْهُولٌ يَرْوِي عَنْهُ بَقِيَّةُ (5) . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ، هُوَ مِنْ شُيُوخِ بَقِيَّةَ (6) الْمَجْهُولِينَ.
_________
(1) ن: عَنْ كُلِّ أَحَدٍ عَرَضَهُ عَلَى مَا يُقَوِّي بِهِ هَوَاهُ، س: عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (كَلَامٌ مَطْمُوسٌ) يَقْوَى بِهِ هَوَاهُ، ب: عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ غَرَضُهُ وَيَأْتِي بِمَا يُقَوِّي بِهِ هَوَاهُ.
(2) م: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الْبَجَلِيُّ.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)
(4) الْعَبْدِيُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(5) ن، س: ثِقَتُهُ، وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م)
(6) ن، س: ثِقَتِهِ. وَالْكَلِمَةُ مَنْقُوطَةٌ هُنَا فِي (م) : بَقِيَّةَ.
(8/186)

وَحُسَيْنٌ الْمَقْتُولُ: إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَذَلِكَ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ وَاحِدٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَاطِمَةُ أُخْتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَكَانَ هُوَ أَخْبَرَ بِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَهَا مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ أَسْمَاءَ امْرَأَةِ أَبِيهِ، وَغَيْرِهَا، لَمْ يَرْوِهَا عَنْ بِنْتِهِ أَوْ أُخْتِهِ، عَنْ أَسْمَاءَ امْرَأَةِ أَبِيهِ.
وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، بَلْ هُوَ غَيْرُهُ، أَوْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَلَهُمَا أُسْوَةٌ أَمْثَالُهُمَا.
وَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِرِوَايَةِ مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ عَدْلٌ ضَابِطٌ ثِقَةٌ يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ. وَمُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِنِسْبَتِهِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مَنْ كَانَ. وَفِي أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
هَذَا إِنْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ رَوَاهُ، وَإِلَّا فَالرَّاوِي عَنْهُ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيُّ. قَالَ (1) ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ رَافِضِيًّا (* دَاعِيَةً يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنِ الْمَشَاهِيرِ ; فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: رَوَى أَحَادِيثَ أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ فِي فَضَائِلِ *) (2) أَهْلِ الْبَيْتِ وَمَثَالِبِ غَيْرِهِمْ. وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ رَوَى عَنْهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يُعْرَفُ صِحَّتُهُ، وَإِلَّا فَحِكَايَةُ قَاسِمٍ الْمُطَرِّزِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا حَفَرَ الْبَحْرَ، وَإِنَّ الْحَسَنَ أَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ، مِمَّا يَقْدَحُ فِيهِ قَدْحًا بَيِّنًا (3) .
_________
(1) ن: الرَّوَاحِبِيُّ، م: سَقَطَتْ كَلِمَتَا " الرَّوَاجِنِيُّ قَالَ " مِنْهَا.
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) تَرْجَمَةُ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيِّ الْأَسَدِيِّ، أَبُو سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ فِي: مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 2/379 - 380، تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 5/109 - 110 وَفِيهَا هَذِهِ الْأَقْوَالُ مُفَصَّلَةٌ.
(8/187)

قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدْ رَوَاهُ عَنْ أَسْمَاءَ سِوَى هَؤُلَاءِ، وَرَوَى (1) مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عُقْدَةَ، وَكَانَ مَعَ حِفْظِهِ جَمَّاعًا لِأَكَاذِيبِ (2) الشِّيعَةِ. قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: رَأَيْتُ مَشَايِخَ بَغْدَادَ يُسِيئُونَ (3) الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: لَا يَتَدَيَّنُ بِالْحَدِيثِ، وَيَحْمِلُ شُيُوخًا بِالْكُوفَةِ عَلَى الْكَذِبِ، وَيُسَوِّي (4) لَهُمْ نُسَخًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِرِوَايَتِهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَانَ ابْنُ عُقْدَةَ رَجُلَ سُوءٍ (5) . قَالَ ابْنُ عُقْدَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ حَدِيثِ رَدِّ الشَّمْسِ عَلَى عَلِيٍّ: هَلْ ثَبَتَ عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَ لِي: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي عَلِيٍّ فِي كِتَابِهِ أَعْظَمَ مِنْ رَدِّ الشَّمْسِ. قُلْتُ: صَدَقْتَ جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ. قَالَ: [حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ] ، حَدَّثَنِي أَبِي الْحَسَنُ (6) ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَقْبَلَ عَلِيٌّ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَافَقَ
_________
(1) ن، م: وَرَوَاهُ
(2) م: عَالِمَ أَكَاذِيبِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(3) ن، س: يُسِيمُونَ، م: يَبْنُونَ (غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ) ب: يَسْأَمُونَ وَالْمُثْبَتُ مِنْ " مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ " " لِسَانِ الْمِيزَانِ "
(4) ن، س، ب: وَيُسَمِّي، وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمِيزَانِ وَلِسَانِ الْمِيزَانِ.
(5) ابْنُ عُقْدَةَ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ أَبُو الْعَبَّاسِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: شِيعِيٌّ مُتَوَسِّطٌ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقُوَّاهُ آخَرُونَ. . . وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَيَّوَيْهِ: كَانَ ابْنُ عُقْدَةَ يُمْلِي مَثَالِبَ الصَّحَابَةِ، أَوْ قَالَ: مَثَالِبَ الشَّيْخَيْنِ، فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ. . . . مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ 1/136 - 138، لِسَانِ الْمِيزَانِ 1/263 - 266.
(6) ن، م، س، ب: حَدَّثَنِي أَبِي الْحَسَنُ. وَسَيَرِدُ فِيمَا يَلِي مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْخَبَرَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ.
(8/188)

رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ انْصَرَفَ وَنَزَلَ (1) عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَأَسْنَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْنِدَهُ إِلَى صَدْرِهِ حَتَّى أَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ الْعَصْرَ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: جِئْتُ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْكَ، فَلَمْ أَزَلْ مُسْنِدَكَ إِلَى صَدْرِي حَتَّى السَّاعَةَ. فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِبْلَةَ وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عَلِيًّا كَانَ فِي طَاعَتِكَ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَأَقْبَلَتِ الشَّمْسُ وَلَهَا صَرِيرٌ كَصَرِيرِ الرَّحَى حَتَّى رَكَدَتْ فِي مَوْضِعِهَا وَقْتَ الْعَصْرِ، فَقَامَ عَلِيٌّ مُتَمَكِّنًا (2) فَصَلَّى الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَجَعَتِ الشَّمْسُ وَلَهَا صَرِيرٌ كَصَرِيرِ الرَّحَى، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ اخْتَلَطَ الظَّلَامُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ» .
قُلْتُ: بِهَذَا اللَّفْظِ الْخَامِسِ يُنَاقِضُ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الْمُتَنَاقِضَةَ، وَيَزِيدُ النَّاظِرَ بَيَانًا فِي أَنَّهَا مَكْذُوبَةٌ مُخْتَلَقَةٌ ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهَا رُدَّتْ إِلَى مَوْضِعِهَا وَقْتَ الْعَصْرِ، وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ: إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَفِي الْآخَرِ: حَتَّى ظَهَرَتْ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ. وَفِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ مُسْنِدَهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَفِي ذَاكَ أَنَّهُ كَانَ رَأْسُهُ فِي حِجْرِهِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا قَطُّ، وَهُوَ كَانَ أَجَلَّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَرْوِيَ مِثْلَ هَذَا الْكَذِبِ، وَلَا أَبُوهُ الْحَسَنُ رَوَى هَذَا عَنْ أَسْمَاءَ. وَفِيهِ: مَا أَنْزَلَ (3) اللَّهُ فِي عَلِيٍّ فِي كِتَابِهِ أَعْظَمَ مِنْ رَدِّ الشَّمْسِ (4) شَيْئًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ فِي عَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي كِتَابِهِ فِي رَدِّ الشَّمْسِ شَيْئًا (5) .
_________
(1) س: أَوْ نَزَلَ. .
(2) س، ب: مُمْكِنًا
(3) ب: أَسْمَاءَ وَمَا أَنْزَلَ. . .، وَهُوَ خَطَأٌ.
(4) س، ب: فِي كِتَابِهِ فِي رَدِّ الشَّمْسِ، وَهُوَ خَطَأٌ
(5) (5 - 5) سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/189)

وَهَذَا الْحَدِيثُ، إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (1) ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَقَهُ ; فَإِنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ. قَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الْأَثْبَاتِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ (2) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَنْبَأَنَا (3) عَقِيلُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الشَّنَاسِيُّ (4) ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَوْصَاءَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ النَّوْفَلِيُّ (5) ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ فَرَاهِيجَ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ فَرْوٍ (6) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَكَرَهُ. . قَالَ الْمُصَنِّفُ: اخْتَصَرْتُهُ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُظْلِمٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ يُعْرَفُ
_________
(1) كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّنَدَ الْأَخِيرَ لِلْحَدِيثِ يَبْدَأُ هَكَذَا: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي الْحَسَنُ. . . إِلَخْ
(2) هَذِهِ الْأَقْوَالُ ذَكَرَهَا الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَمْرِو بْنِ ثَابِتِ بْنِ هُرْمُزَ الْكُوفِيِّ، يُكَنَّى أَبَا ثَابِتٍ. وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ أَيْضًا: " وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَافِضِيٌّ " وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ فَقَالَ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، كَانَ رَدِيءَ الرَّأْيِ شَدِيدَ التَّشَيُّعِ " انْظُرِ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ ق [0 - 9] م [0 - 9] ص 223، مِيزَانَ الِاعْتِدَالِ 3/249 - 250، تَهْذِيبَ التَّهْذِيبِ 8/9 - 10.
(3) س، ب: فَأَنْبَأَ
(4) ن، م: الشَّاشِيُّ.
(5) ن: النَّوْقَلِيُّ
(6) م: فَرْدٍ
(8/190)

كَذِبُهُ مِنْ وُجُوهٍ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَاوُدُ بْنُ فَرَاهِيجَ مُضَعَّفًا، كَانَ شُعْبَةُ يُضَعِّفُهُ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ لَا يَثْبُتُ الْإِسْنَادُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ فِيهِ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ النَّوْفَلِيَّ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ وَعَنْ عِمَارَةَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحَادِيثُهُ شِبْهُ لَا شَيْءَ، وَضَعَّفَهُ جِدًّا. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكُ [ضَعِيفُ] (1) الْحَدِيثِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا. وَقَالَ أَحْمَدُ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ.
وَإِنْ (2) كَانَ حَدَّثَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيَّ، فَالْآفَةُ مِنْ هَذَا. وَإِنْ كَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ لَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ وَلَا إِلَى ابْنِ حَوْصَاءَ (3) ، فَإِنَّ هَذَيْنِ مَعْرُوفَانِ، وَأَحَادِيثُهُمَا مَعْرُوفَةٌ قَدْ رَوَاهَا عَنْهُمَا النَّاسُ (4) ; وَلِهَذَا لَمَّا رَوَى ابْنُ حَوْصَاءَ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ كَانَ الْإِسْنَادُ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا عَنْهُ، رَوَاهُ بِالْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ، لَكِنَّ الْآفَةَ فِيهِ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وَأَمَّا هَذَا فَمَنْ قَبْلَ ابْنِ حَوْصَاءَ لَا يُعْرَفُونَ (5) . وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْهُ، فَالْآفَةُ بَعْدَهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ ابْنَ مَرْدَوَيْهِ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ فَرَاهِيجَ، وَذَكَرَ ضَعْفَ ابْنِ فَرَاهِيجَ، وَمَعَ هَذَا فَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ فِيهِ الْكَلَامُ أَيْضًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
_________
(1) ضَعِيفُ: زِيَادَةٌ فِي (م)
(2) ن، س، ب: ضَعِيفٌ إِنْ. . .، وَهُوَ خَطَأٌ
(3) س: لَمْ يُثْبِتْهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَلَا إِلَى ابْنِ حَوْصَاءَ، ب: لَمْ يُثْبِتْهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَإِلَّا ابْنُ حَوْصَاءَ. . .
(4) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. فَإِنَّ هَذَيْنِ مَعْرُوفَانِ، وَأَحَادِيثُهُمْ مَعْرُوفَةٌ، قَدْ رَوَاهَا عَنْهُمُ النَّاسُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) ن، م، س: وَلَا يُعْرَفُونَ.
(8/191)

إِسْمَاعِيلَ الْجُرْجَانِيُّ كِتَابَةً، أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْوَاعِظَ أَخْبَرَهُمْ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُنْعِمٍ، أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ (1) ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا رَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، وَقَدْ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَانْتَبَهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: يَا عَلِيُّ صَلَّيْتَ الْعَصْرَ؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ ; كَرِهْتُ أَنْ أَضَعَ رَأْسَكَ مِنْ حِجْرِي وَأَنْتَ وَجِعٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْعُ يَا عَلِيُّ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْكَ (2) الشَّمْسَ. (* فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ أَنْتَ أُؤَمِّنْ (3) . قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ عَلِيًّا فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ ; فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ» *) (4) . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ لِلشَّمْسِ صَرِيرًا كَصَرِيرِ الْبَكَرَةِ، حَتَّى رَجَعَتْ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً.
قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَكَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِ لَا يُعْرَفُونَ بِعَدَالَةٍ وَلَا ضَبْطٍ، وَلَا حَمْلٍ لِلْعِلْمِ (5) ، وَلَا لَهُمْ ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ، وَكَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِ (6) لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إِلَّا وَاحِدٌ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - أَوْ أَكْثَرُهُمْ - كَذَلِكَ، وَمَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ، مِثْلَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ؟ !
_________
(1) عِبَارَةُ " عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(2) س: ادْعُ عَلَيْكَ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْكَ. . ب: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ. .
(3) ب (فَقَطْ) ادْعُ أَنْتَ وَأَنَا أُؤَمِّنُ
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(5) ن، س، ب: وَلَا حَمْلٍ فِي الْعِلْمِ.
(6) ب (فَقَطْ) : الْعِلْمِ وَرِجَالِهِ. . .
(8/192)

وَفِيهِ: أَنَّهُ كَانَ وَجِعًا، وَأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَهَا (1) حِينَ طَلَعَتْ كَصَرِيرِ (2) الْبَكَرَةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ عَقْلًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أُولَئِكَ. وَلَوْ كَانَ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - مَعَ مَحَبَّتِهِ لِعَلِيٍّ وَرِوَايَتِهِ لِفَضَائِلِهِ - لَرَوَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ الْمَعْرُوفُونَ، كَمَا رَوَوْا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَكَرَ الْخَوَارِجَ، قَالَ: " «تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» " (3) ، وَمِثْلَ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» " (4) ، فَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَكَيْفَ لَا يَرْوِي عَنْهُ مِثْلَ هَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا؟ !
وَلَمْ يُحَدِّثْ بِمِثْلِ هَذَا الْحُسَيْنُ وَلَا أَخُوهُ عُمَرُ وَلَا عَلِيٌّ، وَلَوْ كَانَ مِثْلُ هَذَا عِنْدَهُمَا لَحَدَّثَ بِهِ (5) عَنْهُمَا (6) الْمَعْرُوفُونَ (7) بِالْحَدِيثِ عَنْهُمَا ; فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا رِوَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَرْغَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ يَحْيَى السَّامَانِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُسْلِمِ [بْنِ سَعِيدٍ] (8) بِسَامَرَّا (9) سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ،
_________
(1) م: صَوْتًا
(2) ب: كَصَرِيرَةِ
(3) انْظُرْ أَحَادِيثَ الْخَوَارِجِ الَّتِي سَبَقَتْ 1/67 - 68، 3/464، 5/47، 150
(4) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ 4/413 - 420
(5) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(6) ن، م: عَنْهُمْ
(7) س، ب: الْمَعْرُوفُ
(8) بْنُ سَعِيدٍ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(9) س، ب: بِسَامَرَّى وَهِيَ مَدِينَةُ سُرَّ مَنْ رَأَى.
(8/193)

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْكُمَيْتِ، عَنْ عَمِّهِ الْمُسْتَهِلِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي زَيْدِ بْنِ سَهْلَبٍ (1) ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ مُسْهِرٍ (2) ، قَالَتْ (3) : خَرَجْتُ مَعَ عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا جُوَيْرِيَةُ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي، وَذَكَرَهُ. .
قُلْتُ: وَهَذَا الْإِسْنَادُ أَضْعَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ مِنَ الرِّجَالِ الْمَجَاهِيلُ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ أَحَدُهُمْ بِعَدَالَةٍ وَلَا ضَبْطٍ. وَانْفِرَادُهُمْ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي لَوْ كَانَ عَلِيٌّ قَالَهُ لَرَوَاهُ عَنْهُ الْمَعْرُوفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ (4) ، وَلَا يُعْرَفُ حَالُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَلَا حَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهَا، بَلْ وَلَا تُعْرَفُ أَعْيَانُهُمْ، فَضْلًا عَنْ صِفَاتِهِمْ - لَا يَثْبُتُ فِيهِ (5) شَيْءٌ، وَفِيهِ مَا يُنَاقِضُ الرِّوَايَةَ الَّتِي هِيَ أَرْجَحُ مِنْهُ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ كَذِبٌ ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ رَوَوْا مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هُوَ دُونَ هَذَا، وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ [أَحَدٌ] (6) مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.
وَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ، كَمَا صَنَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَضَائِلَهُ، وَصَنَّفَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي فَضَائِلِهِ، وَذَكَرَ فِيهَا أَحَادِيثَ
_________
(1) ن: سَلْهَبٍ
(2) جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ مُسْهِرٍ: كَذَا فِي النُّسَخِ الْأَرْبَعِ، وَهُوَ خَطَأٌ وَسَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ: جُوَيْرِيَةُ بْنُ مُسْهِرٍ قَبْلَ صَفَحَاتٍ وَهُوَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ مُسْهِرٍ الْعَبْدِيُّ.
(3) م: قَالَ.
(4) وَهِيَ لَيْسَتِ امْرَأَةً كَمَا ذَكَرْتُ، وَلَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الرِّجَالِ امْرَأَةٌ اسْمُهَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ مُسْهِرٍ، بَلْ هُوَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ مُسْهِرٍ الْعَبْدِيُّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكَشِّيُّ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَنَقَلَ كَلَامَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي " لِسَانِ الْمِيزَانِ " كَمَا ذَكَرْتُ مِنْ قَبْلُ.
(5) ب: بِهِ.
(6) أَحَدٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) .
(8/194)

كَثِيرَةً ضَعِيفَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا ; لِأَنَّ الْكَذِبَ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ التِّرْمِذِيُّ، مَعَ أَنَّهُ جَمَعَ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ أَحَادِيثَ، كَثِيرٌ (1) مِنْهَا ضَعِيفٌ. وَكَذَلِكَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَجَمَعَ النَّسَائِيُّ مُصَنَّفًا فِي (2) خَصَائِصِ عَلِيٍّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ حَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ (3) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (4) : لَا (5) يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ سَبِيلُهُ الْعِلْمَ التَّخَلُّفُ عَنْ حِفْظِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي رَدِّ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ (6) .
قُلْتُ: أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ رَوَاهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَجْمَعْ طُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ الَّتِي تَدُلُّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ. وَتِلْكَ الطَّرِيقُ رَاوِيهَا مَجْهُولٌ عِنْدَهُ، لَيْسَ مَعْلُومَ الْكَذِبِ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ كَذِبُهُ.
وَالطَّحَاوِيُّ لَيْسَتْ عَادَتُهُ نَقْدَ الْحَدِيثِ كَنَقْدِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; وَلِهَذَا رَوَى فِي " شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ " الْأَحَادِيثَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَإِنَّمَا يُرَجِّحُ مَا يُرَجِّحُهُ مِنْهَا فِي الْغَالِبِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ الَّذِي رَآهُ حُجَّةً، وَيَكُونُ أَكْثَرُهَا مَجْرُوحًا مِنْ جِهَةِ (7) الْإِسْنَادِ لَا يَثْبُتُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُ بِالْإِسْنَادِ
_________
(1) ن، م، س: كَثِيرَةٌ
(2) ن، س، ب: مِنْ
(3) فِي كِتَابِهِ " مُشْكِلِ الْآثَارِ " 2/11، ط حَيْدَرَ آبَادَ الدِّكِنْ، 1333
(4) مُشْكِلُ الْآثَارِ: وَقَدْ حَكَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ. . . . . . .
(5) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب)
(6) مُشْكِلَ الْآثَارِ: عَنْ حِفْظِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ الَّذِي رُوِيَ لَنَا عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَجَلِّ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
(7) ن، م: حُجَّةِ.
(8/195)

كَمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، فَقِيهًا عَالِمًا (1) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: عَوْدُ الشَّمْسِ بَعْدَ مَغِيبِهَا آكَدُ حَالًا فِيمَا يَقْتَضِي نَقْلُهُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَضِيلَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ مُفَارِقٌ لِغَيْرِهِ مِنْ (2) فَضَائِلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ ; فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ رَوَوْا فَضَائِلَ عَلِيٍّ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَذَكَرُوهَا فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ، رَوَوْهَا عَنِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ الثِّقَاتِ الْمَعْرُوفِينَ. فَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا رَوَاهُ الثِّقَاتُ، لَكَانُوا أَرْغَبَ فِي رِوَايَتِهِ، وَأَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى [بَيَانِ] (3) صِحَّتِهِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا أَحَدًا رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ يُعْرَفُ أَهْلُهُ بِحَمْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ (4) عَلَى تَكْذِيبِهِ.
_________
(1) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ سَلَمَةَ الْأَزْدِيُّ الْحَجَرِيُّ الْمِصْرِيُّ الطَّحَاوِيُّ، الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ، وُلِدَ وَنَشَأَ فِي طَحَا مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ. وُلِدَ سَنَةَ 239 وَتُوُفِّيَ بِالْقَاهِرَةِ سَنَةَ 321. مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ " شَرْحُ مَعَانِي الْآثَارِ "، الْمُخْتَصَرُ فِي الْفِقْهِ " وَ " مَنَاقِبُ أَبِي حَنِيفَةَ " وَ " مُشْكِلُ الْآثَارِ " انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 3/808 - 810، الْجَوَاهِرِ الْمُضِيئَةِ 1/102 - 105 وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 1/53 - 55، لِسَانِ الْمِيزَانِ 1/274 - 282، الْأَعْلَامِ 1/197. وَانْظُرْ مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ فِي " لِسَانِ الْمِيزَانِ " 1/277: " وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامًا لِلطَّحَاوِيِّ فِي حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ فَتَعَقَّبَهُ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُبَيِّنَ خَطَأَهُ فِي هَذَا، وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ فِي كَلَامِهِ أَنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ مِنْ صِنَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْكَلِمَةَ بَعْدَ الْكَلِمَةِ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ لَمْ يُحْكِمْهَا ".
(2) ن، م، س: فِي
(3) بَيَانِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (س) ، (ب) .
(4) ن: الْكَبِيرَةِ.
(8/196)

قَالَ: وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو (1) ، أَنْبَأَنَا (2) سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دَرَّاعٍ، قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ (3) مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ (4) فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكُلُّ هَذِهِ أَمَارَاتُ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاهِيرِ، وَهُوَ لَا يُتَّهَمُ عَلَى عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ دَارِ الشِّيعَةِ، وَقَدْ لَقِيَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَسَمِعَ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَتَوَلَّاهُ، وَمَعَ هَذَا أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (5) . وَأَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنَ الطَّحَاوِيِّ وَأَمْثَالِهِ، وَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ النُّعْمَانِ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ: عَنْ غَيْرِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ.
فَيُقَالُ لَهُ: هَبْ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي كَذِبِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى
_________
(1) م: أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ.
(2) س، ب: حَدَّثَنَا. . .
(3) أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ إِمَامُ الْحَنَفِيَّةِ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، أَصْلُهُ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، وُلِدَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ 80 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 150 انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ 13/323 - 423، الْجَوَاهِرِ الْمُضِيئَةِ 1/26 - 32 وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 5/39 - 47 الْأَعْلَامِ 9/4 - 5
(4) عُرِفَ بَاسْمِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ هُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ. تَرْجَمَتُهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 9/492.
(5) ن، م: عَلَى ابْنِ مُحَمَّدٍ النُّعْمَانِ وَهُوَ خَطَأٌ.
(8/197)

صِدْقِ هَذَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ (1) ، فَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا كَرَامَاتٌ، بَلْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ; لِلدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ عَلَى كَذِبِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْحَدِيثِ، مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَرْوُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا كَذَّابٌ أَوْ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ عَدْلُهُ وَضَبْطُهُ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ؟ !
وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا صَحِيحًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَضِيلَةِ عَلِيٍّ، عَلَى الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيزُونَ التَّصْدِيقَ بِالْكَذِبِ، فَرَدُّوهُ دِيَانَةً (2) .

[فصل العاشر كلام الرافضي على كرامات علي رضي الله عنه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " الْعَاشِرُ: مَا رَوَاهُ أَهْلُ السِّيَرِ: أَنَّ الْمَاءَ زَادَ بِالْكُوفَةِ (4) ، وَخَافُوا الْغَرَقَ، فَفَزِعُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (5) ، فَرَكِبَ بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَرَجَ النَّاسُ مَعَهُ، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ [فَصَلَّى] (6) ، ثُمَّ دَعَا وَضَرَبَ صَفْحَةَ (7) الْمَاءِ بِقَضِيبٍ كَانَ فِي يَدِهِ (8) ، فَغَاصَ الْمَاءُ،
_________
(1) ن، س، ب: ذَلِكَ
(2) س، ب: دِيَانَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3) فِي (ك) ص 190 (م) .
(4) م: أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ك: أَنَّ الْمَاءَ زَادَ فِي الْكُوفَةِ.
(5) ك: أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
(6) فَصَلَّى: زِيَادَةٌ مِنْ (ك) .
(7) ن، م، س، ب: صَفِيحَةَ: وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ك)
(8) م: بِقَضِيبٍ كَانَ بِيَدِهِ، ك: بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ.
(8/198)

فَسَلَّمَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ (1) مِنَ الْحِيتَانِ، وَلَمْ يَنْطِقِ الْجَرِّيُّ وَلَا الْمَرْمَاهِيُّ (2) ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْطَقَ اللَّهُ مَا طَهَّرَهُ مِنَ السَّمَكِ، وَأَسْكَتَ مَا أَنْجَسَهُ وَأَبْعَدَهُ " (3) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: [الْمُطَالَبَةُ] بِأَنْ يُقَالَ (4) : أَيْنَ إِسْنَادُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الَّذِي (5) يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَثُبُوتِهَا؟ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْحِكَايَاتِ الْمُرْسَلَةِ بِلَا إِسْنَادٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، لَكِنْ لَا يُفِيدُ شَيْئًا.
الثَّانِي: أَنَّ بَغْلَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِمْ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَكَانَتْ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا. وَهَذَا النَّاقِلُ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا، فَكَيْفَ يُقْبَلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ حِكَايَةٍ لَا إِسْنَادَ لَهَا؟ !
الرَّابِعُ: أَنَّ السَّمَكَ كُلَّهُ مُبَاحٌ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " (6) .
_________
(1) ك: وَسَلَّمَ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ.
(2) ك: الْجِرِّيُّ وَالزَّمَّارُ وَالْمَارَمَاهِيُّ. وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِرِّيِّ وَالْمَارَمَاهِيِّ 1/26 (ت [0 - 9] ) . وَأَمَّا الزَّمَّارُ فَلَمْ أَعْرِفْ مَا هُوَ، وَلَكِنِّي وَجَدْتُ فِي " تَاجِ الْعَرُوسِ ": الزِّمِّيرُ كَسِكِّيتٍ: نَوْعٌ مِنَ السَّمَكِ لَهُ شَوْكٌ نَاتِئٌ وَسَطَ ظَهْرِهِ، وَلَهُ صَخَبٌ وَقْتَ صَيْدِ الصَّيَّادِ إِيَّاهُ وَقَبْضِهِ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُصْطَادُ فِي الْأَوْحَالِ وَأُصُولِ الْأَشْجَارِ فِي الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ ".
(3) ك: فَقَالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنْطَقَ اللَّهُ لِي مَا طَهُرَ مِنَ السُّمُوكِ، وَأَصْمَتَ مَا حَرَّمَهُ وَأَنْجَسَهُ وَأَبْعَدَهُ.
(4) ن، م: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ.
(5) ن، م: الَّتِي.
(6) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/426.
(8/199)

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 96] .
وَقَدْ أَجْمَعَ [سَلَفُ] (1) الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى حِلِّ السَّمَكِ كُلِّهِ. وَعَلِيٌّ مَعَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ يُحِلُّونَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ، فَكَيْفَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْجَسَهُ؟ !
وَلَكِنَّ الرَّافِضَةَ جُهَّالٌ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الْمَكْذُوبَةِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: نُطْقُ السَّمَكِ لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُ فِي الْعَادَةِ، وَلَكِنْ هُوَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ. فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْطَقَ مَا أَنْطَقَ مِنْهَا، وَأَسْكَتَ مَا أَسْكَتَهُ، إِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ، فَأَيُّ ذَنْبٍ لِمَنْ أَسْكَتَهُ اللَّهُ، حَتَّى يُقَالَ: هُوَ نَجِسٌ؟ !
وَمَنْ جَعَلَ لِلْعَجْمَاءِ ذَنَبًا بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْطِقْهَا كَانَ ظَالِمًا لَهَا.
وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَلِ اللَّهُ أَقْدَرَهَا عَلَى ذَلِكَ، فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ (2) .
فَيُقَالُ: إِقْدَارُهُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ - لَوْ وَقَعَ - إِنَّمَا كَانَ كَرَامَةً لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْكَرَامَةُ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالنُّطْقِ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، لَا بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَعَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ فِي إِقْدَارِهَا مَعَ - امْتِنَاعِهَا - كَرَامَةٌ لَهُ، بَلْ فِيهِ تَحْرِيمُ الطَّيِّبَاتِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ لَحْمَهَا طَيِّبٌ (3) ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَاتِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 160] .
_________
(1) سَلَفُ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(2) ن، م، س: فَامْتَنَعَتْ بِهِ.
(3) س، ب: أَطْيَبُ
(8/200)

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَخْلَاقِ الْيَهُودِ، وَمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الرَّافِضَةِ بِبَعِيدٍ.
السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ هُنَا كَانَ حَاصِلًا بِنُضُوبِ الْمَاءِ، فَأَمَّا تَسْلِيمُ السَّمَكِ فَلَمْ يَكُنْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، وَلَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي خَرْقَ الْعَادَةِ لِتَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حُجَّةً وَحَاجَةً، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حُجَّةٌ وَلَا حَاجَةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ انْفِلَاقَ الْبَحْرِ لِمُوسَى كَانَ أَعْظَمَ مِنْ نُضُوبِ الْمَاءِ، وَلَمْ يُسَلِّمِ السَّمَكُ عَلَى مُوسَى. وَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى (1) إِلَى الْخَضِرِ وَكَانَ مَعَهُ حُوتٌ مَالِحٌ فِي مِكْتَلٍ، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ حَتَّى انْسَابَ وَنَزَلَ فِي الْمَاءِ، وَصَارَ الْبَحْرُ عَلَيْهِ سَرَبًا، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مُوسَى وَلَا عَلَى يُوشَعَ. وَالْبَحْرُ دَائِمًا يَجْزُرُ وَيَمُدُّ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ السَّمَكَ سَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَلِيٌّ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى إِثْبَاتِ فَضَائِلِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، الَّتِي تَعْلَمُ الْعُقَلَاءُ أَنَّهَا مِنَ الْمَكْذُوبَاتِ (2) .

[فصل الحادي عشر كلام الرافضي على كرامات علي رضي الله عنه ومخاطبته للثعبان والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " الْحَادِي عَشَرَ: رَوَى جَمَاعَةُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ
_________
(1) مُوسَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) س، ب: الْمَكْذُوبَاتِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
(3) فِي (ك) ص 191 (م) .
(8/201)

عَلِيًّا كَانَ (1) يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، فَظَهَرَ ثُعْبَانٌ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ، وَخَافَ النَّاسُ (2) ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُمْ، فَخَاطَبَهُ، ثُمَّ نَزَلَ (3) . فَسَأَلَ النَّاسُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ حَاكِمُ الْجِنِّ، الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ قِصَّةٌ (4) ، فَأَوْضَحْتُهَا لَهُ، وَكَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يُسَمُّونَ الْبَابَ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ [الثُّعْبَانُ] (5) : " بَابَ الثُّعْبَانِ "، فَأَرَادَ بَنُو أُمَيَّةَ إِطْفَاءَ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ، فَنَصَبُوا عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ قَتْلَى مُدَّةً، حَتَّى سُمِّيَ: بَابَ الْقَتْلَى " (6) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ دُونَ عَلِيٍّ بِكَثِيرٍ تَحْتَاجُ الْجِنُّ إِلَيْهِ وَتَسْتَفْتِيهِ وَتَسْأَلُهُ، وَهَذَا مَعْلُومٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ وَقَعَ، فَقَدْرُهُ أَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا مِنْ أَدْنَى فَضَائِلِ مَنْ هُوَ دُونَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ، لَمْ يَنْقُصْ فَضْلُهُ بِذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يُثْبِتَ فَضِيلَةَ عَلِيٍّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَنْ يَكُونُ مُجْدِبًا (7) مِنْهَا، فَأَمَّا مَنْ بَاشَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَالدِّينِ، الَّذِينَ لَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْخَوَارِقِ، أَوْ رَأَى فِي نَفْسِهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْخَوَارِقِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا يُوجِبُ أَنْ يُفَضَّلَ بِهَا عَلِيٌّ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ هُوَ دُونَ عَلِيٍّ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خَيْرٌ مِنَّا بِكَثِيرٍ،
_________
(1) ك: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيرَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ. . .
(2) ك: فَخَافَ النَّاسُ مِنْهُ.
(3) ك: ثُمَّ ذَهَبَ.
(4) ك: فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ الْجِنِّ، الْتَبَسَ عَلَيْهِ قَضِيَّةٌ. .
(5) الثُّعْبَانُ: زِيَادَةٌ مِنْ (ك)
(6) ك: الْبَابِ فِيلًا مُدَّةً طَوِيلَةً حَتَّى سُمِّيَ بِبَابِ الْفِيلِ.
(7) س، ب: مُحْدِثًا، م: مُحْدِبًا. وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (ن) . وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ
(8/202)

فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يُجْعَلَ مِثْلُ هَذَا حُجَّةً عَلَى فَضِيلَةِ عَلِيٍّ عَلَى الْوَاحِدِ مِنَّا، فَضْلًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ !
وَلَكِنَّ الرَّافِضَةَ - لِجَهْلِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنْ طَرِيقِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ - لَيْسَ لَهُمْ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُتَّقِينَ مَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَهُمْ لِإِفْلَاسِهِمْ مِنْهَا إِذَا سَمِعُوا شَيْئًا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَظَّمُوهُ تَعْظِيمَ الْمُفْلِسِ لِلْقَلِيلِ مِنَ النَّقْدِ، وَالْجَائِعِ لِلْكِسْرَةِ مِنَ الْخُبْزِ.
وَلَوْ ذَكَرْنَا مَا بَاشَرْنَاهُ نَحْنُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ رَآهُ النَّاسُ، لَذَكَرْنَا شَيْئًا كَثِيرًا.
وَالرَّافِضَةُ - لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ - لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ كَثِيرٌ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ (1) ، فَإِذَا سَمِعُوا مِثْلَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَفْضَلِ الْخَلْقِ، بَلْ هَذِهِ الْخَوَارِقُ الْمَذْكُورَةُ - وَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا - يَكُونُ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَعْرُوفِينَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا خَيْرٌ مِنْهُمْ، الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْجَمِيعَ وَيُحِبُّونَهُمْ، وَيُقَدِّمُونَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لَا سِيَّمَا الَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الصِّدِّيقِ وَيُقَدِّمُونَهُ، فَإِنَّهُمْ أَخَصُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِوِلَايَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ.
وَاللَّبِيبُ يَعْرِفُ ذَلِكَ بِطُرُقٍ (2) . إِمَّا أَنْ يُطَالِعَ الْكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ فِي أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، مِثْلَ كِتَابِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَكِتَابِ الْخَلَّالِ، وَاللَّالْكَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِثْلُ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ، مِثْلَ " الْحِلْيَةِ " لِأَبِي نُعَيْمٍ، " وَصَفْوَةِ (3) الصَّفْوَةِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ.
_________
(1) الْأَوْلِيَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) م: بِطَرِيقٍ.
(3) ن: صِفَةِ. .
(8/203)

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاشَرَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ. وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ صَادِقٌ.
فَمَا زَالَ النَّاسُ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَقَعُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَيَحْكِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَهَذَا كَثِيرٌ (1) فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ وَقَعَ لَهُ بَعْضُ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ جُيُوشُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَرَعِيَّتُهَا: لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. مِثْلَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَعُبُورِهِ عَلَى الْمَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِنَّ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ نُضُوبِ الْمَاءِ، وَمِثْلَ اسْتِقَائِهِ، وَمِثْلَ الْبَقَرِ الَّذِي كَلَّمَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي وَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ، وَمِثْلَ نِدَاءِ عُمَرَ: " يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ " وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَسَارِيَةُ بِنَهَاوَنْدَ، وَمِثْلَ شُرْبِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ السُّمَّ.
وَمِثْلَ إِلْقَاءِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ فِي النَّارِ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ النَّارُ بَرْدًا وَسَلَامًا، لَمَّا أَلْقَاهُ فِيهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الْمُتَنَبِّئُ الْكَذَّابُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَخَرَجَ مِنْهَا يَمْسَحُ جَبِينَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ تَكُونُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ بِحَسَبِ حَاجَتِهِمْ، فَمَنْ كَانَ بَيْنَ الْكُفَّارِ أَوِ الْمُنَافِقِينَ أَوِ الْفَاسِقِينَ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِتَقْوِيَةِ الْيَقِينِ ; فَظَهَرَتْ عَلَيْهِ كَظُهُورِ النُّورِ فِي الظُّلْمَةِ.
فَلِهَذَا يُوجَدُ بَعْضُهَا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمَفْضُولِينَ، أَكْثَرَ مِمَّا يُوجَدُ لِلْفَاضِلِينَ ; لِحَاجَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ.
_________
(1) كَثِيرٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/204)

وَهَذِهِ الْخَوَارِقُ لَا تُرَادُ لِنَفْسِهَا، بَلْ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَمَنْ جَعَلَهَا غَايَةً لَهُ وَيَعْبُدُ لِأَجْلِهَا، لَعِبَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَأَظْهَرَتْ لَهُ خَوَارِقَ مِنْ جِنْسِ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ. فَمَنْ كَانَ لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِهَا، كَانَ أَحْوَجَ إِلَيْهَا، فَتَكْثُرُ فِي حَقِّهِ أَعْظَمَ مِمَّا تَكْثُرُ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا ; وَلِهَذَا كَانَتْ فِي التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الصَّحَابَةِ.
وَنَظِيرُ هَذَا فِي الْعِلْمِ: عِلْمُ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِمَعْرِفَةِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ التَّوَصُّلُ إِلَى فَهْمِ كِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَنْحُوَ الرَّجُلُ بِكَلَامِهِ نَحْوَ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَالصَّحَابَةُ لَمَّا اسْتَغْنَوْا عَنِ النَّحْوِ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ مَنْ بَعْدَهُمْ، صَارَ لَهُمْ مِنَ الْكَلَامِ فِي قَوَانِينِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلصَّحَابَةِ ; لِنَقْصِهِمْ وَكَمَالِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ صَارَ لَهُمْ مِنَ الْكَلَامِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَأَخْبَارِهِمْ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلصَّحَابَةِ (1) ; لِأَنَّ هَذِهِ وَسَائِلُ تُطْلَبُ لِغَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ احْتَاجَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاسْتَغْنَى عَنْهُ الصَّحَابَةُ.
وَكَذَلِكَ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ لِمَنْ لَا يَفْهَمُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ لُغَتُهُ فَارِسِيَّةٌ تُرْكِيَّةٌ وَرُومِيَّةٌ، وَالصَّحَابَةُ لَمَّا كَانُوا عَرَبًا اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالْغَرِيبِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَالصَّحَابَةُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ.
فَمَنْ جَعَلَ النَّحْوَ وَمَعْرِفَةَ الرِّجَالِ، وَالِاصْطِلَاحَاتِ النَّظَرِيَّةَ وَالْجَدَلِيَّةَ الْمُعِينَةَ عَلَى النَّظَرِ وَالْمُنَاظَرَةِ، مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، رَأَى أَصْحَابَهَا أَعْلَمَ مِنْ
_________
(1) (1 - 1) سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/205)

الصَّحَابَةِ، كَمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا، عَلِمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ عَلِمُوا الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُمْ مِثْلَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ بَارِعًا فِي الْوَسَائِلِ.
وَكَذَلِكَ الْخَوَارِقُ: كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَارَتْ عِنْدَهُ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، فَيُكْثِرُ الْعِبَادَةَ وَالْجُوعَ وَالسَّهَرَ وَالْخَلْوَةَ ; لِيَحْصُلَ لَهُ نَوْعٌ مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ، كَمَا يَسْعَى الرَّجُلُ لِيَحْصُلَ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّمَا يُعَظِّمُ الشُّيُوخَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، كَمَا تُعَظَّمُ الْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ لِأَجْلِ مُلْكِهِمْ وَمِلْكِهِمْ.
وَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ يَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحَابَةِ ; وَلِهَذَا يَكْثُرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ الْمَنْكُوسِ الْخُرُوجُ عَنِ الرِّسَالَةِ، وَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَقِفُونَ مَعَ أَذْوَاقِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ (1) ، لَا عِنْدَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُبْتَلَوْنَ بِسَلْبِ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، ثُمَّ الْإِيمَانِ.
كَمَا أَنَّ [مَنْ] (2) أُعْطِيَ مُلْكًا وَمَالًا فَخَرَجَ فِيهِ عَنِ الشَّرِيعَةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّبَعَ فِيهِ هَوَاهُ، وَظَلَمَ النَّاسَ - عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ: إِمَّا بِالْعَزْلِ، وَإِمَّا بِالْخَوْفِ وَالْعَدُوِّ، وَإِمَّا بِالْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَيُحِبُّهُ، بَاطِنًا وَظَاهِرًا. فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَتْبَعَ لِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَتْبَعَ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَانَ أَفْضَلَ. وَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ وَالطَّاعَةِ بِلَا خَارِقٍ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى خَارِقٍ.
_________
(1) م، س، ب: وَإِرَادَتِهِمْ
(2) مَنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (س)
(8/206)

كَمَا أَنَّ صِدِّيقَ الْأُمَّةِ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَأَمْثَالَهُمْ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولُ اللَّهِ آمَنُوا بِهِ (1) ، وَلَمْ يَحْتَاجُوا مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْخَوَارِقِ إِلَى مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَمَعْرِفَتِهِمْ.
وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ لَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فِي تَقْرِيرِ الرِّسَالَةِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ طَرِيقَ الْمُعْجِزَاتِ طَرِيقٌ مِنَ الطُّرُقِ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ النُّظَّارِ: (* إِنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْمُعْجِزَةِ، كَانَ كَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْرِفَةَ الصَّانِعِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ (2) .
وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ *) (3) الَّذِينَ يَحْصُرُونَ نَوْعًا مِنَ الْعِلْمِ بِدَلِيلٍ مُعَيَّنٍ يَدَّعُونَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، مِمَّا أَوْجَبَ تَفَرُّقَ النَّاسِ، فَطَائِفَةٌ تُوَافِقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; فَيُوجِبُونَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ مَقْدُوحًا فِي بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ، كَأَدِلَّتِهِمْ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ.
وَطَائِفَةٌ تَقْدَحُ فِي الطُّرُقِ (4) النَّظَرِيَّةِ جُمْلَةً، وَتَسُدُّ بَابَ النَّظَرِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَتَدَّعِي تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَاسْتِغْنَاءَ النَّاسِ عَنْهُ، فَتَقَعُ الْفِتْنَةُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ (5) .
_________
(1) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) انْظُرْ فِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِعُنْوَانِ " قَاعِدَةٌ أَوَّلِيَّةٌ: أَصْلُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَمَبْدَؤُهُ وَدَلِيلُهُ الْأَوَّلُ. . إِلَخْ فِي " مَجْمُوعِ فَتَاوَى الرِّيَاضِ " 2/1 - 97
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(4) م: الطَّرِيقِ
(5) س، ب: بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ
(8/207)

وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ طُرُقَ الْعِلْمِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَقَدْ يُغْنِي اللَّهُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ تِلْكَ الطُّرُقِ الْمُعَيَّنَةِ، بَلْ عَنِ النَّظَرِ بِعُلُومٍ ضَرُورِيَّةٍ تَحْصُلُ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ قَدْ تُعِدُّ النَّفْسَ لِتِلْكَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى تُحَصِّلَ إِلْهَامًا. وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّظَرِ. أَوْ إِلَى تِلْكَ الطُّرُقِ: إِمَّا لِعَدَمِ مَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ، وَإِمَّا لِشُبَهٍ عَرَضَتْ لَهُمْ لَا (1) تَزُولُ إِلَّا بِالنَّظَرِ.
وَكَذَلِكَ [كَثِيرٌ] (2) مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَعْضِ السَّالِكِينَ (3) : مِنَ (4) الصَّعْقِ وَالْغَشْيِ وَالِاضْطِرَابِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَمِنَ الْفَنَاءِ عَنْ شُهُودِ الْمَخْلُوقَاتِ، بِحَيْثُ يَصْطَلِمُ (5) وَيَبْقَى لَا يَشْهَدُ قَلْبُهُ إِلَّا اللَّهَ، حَتَّى يَغِيبَ بِمَشْهُودِهِ عَنْ نَفْسِهِ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا لَازِمًا لَا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ سَلَكَ (6) مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ هُوَ الْغَايَةَ وَلَا مَقَامَ وَرَاءَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَحُ فِي هَذَا، وَيَجْعَلُهُ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ تُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ [يَقَعُ] (7) لِبَعْضِ السَّالِكِينَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْوَارِدِ
_________
(1) م: وَلَا. .
(2) كَثِيرٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (س) ، (ب) .
(3) ن، م، الْمَسَاكِينِ، س: الْمَشَاكِينِ.
(4) ن، م، س: فِي.
(5) قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي " اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ " الْوَارِدَةِ فِي الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ (ط. مَعَ التَّعْرِيفَاتِ لِلْجُرْجَانِيِّ) : " الِاصْطِلَامُ: نَوْعُ وَلَهٍ يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ فَيَسْكُنُ تَحْتَ سُلْطَانِهِ ". وَقَالَ الْقَاشَانِيُّ فِي كِتَابِهِ " اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ " ص 30 (ط. الْهَيْئَةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ تَحْقِيقِ الدُّكْتُور مُحَمَّد كَمَال جَعْفَر، الْقَاهِرَةِ 1981) : " الِاصْطِلَامُ هُوَ الْوَلَهُ الْغَالِبُ عَلَى الْقَلْبِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْهَيَمَانِ "
(6) ن، م، س: سَالَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(7) يَقَعُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(8/208)

عَلَيْهِ، وَضَعْفِ الْقَلْبِ عَنِ التَّمْكِينِ بِحُبِّهِ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ: قَدْ يَكُونُ لِكَمَالِ قُوَّتِهِ وَكَمَالِ إِيمَانِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِضَعْفِ إِيمَانِهِ، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ الْبَطَّالِينَ وَالْفُسَّاقِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ الطُّرُقِ، بَلْ قَدْ يَسْتَغْنِي عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ السَّالِكِينَ، وَلَيْسَ هُوَ الْغَايَةَ، بَلْ كَمَالُ الشُّهُودِ ; بِحَيْثُ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ، وَيَشْهَدُ مَعَانِيَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا يَشْغَلُهُ هَذَا عَنْ (1) هَذَا - هُوَ أَكْمَلُ فِي الشُّهُودِ، وَأَقْوَى فِي الْإِيمَانِ. وَلَكِنْ مَنْ عَرَضَ لَهُ تِلْكَ الْحَالُ [الَّتِي تَعْرِضُ] (2) احْتَاجَ إِلَى مَا يُنَاسِبُهَا. وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ تَعَرُّفَ مَرْتَبَةِ الْخَوَارِقِ وَأَنَّهَا عِنْدَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَيُحِبُّونَ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فِي مَرْتَبَةِ الْوَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا، كَمَا يُسْتَعَانُ بِغَيْرِ الْخَوَارِقِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَيْهَا - اسْتِغْنَاءً بِالْمُعْتَادَاتِ - لَمْ يَتَلَفَّتُوا إِلَيْهَا. وَأَمَّا عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ وَيُحِبُّ الرِّيَاسَةَ عِنْدَ الْجُهَّالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ أَعْلَى الْمَقَاصِدِ.
كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِهِ إِلَّا تَحْصِيلَ رِيَاسَةٍ أَوْ مَالٍ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ، فَهُوَ (3) مَقْصُودٌ عِنْدَهُمْ لِمَنْفَعَتِهِ (4) لَهُمْ، وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي صِفَةِ الْعِلْمِ: إِنَّ (5) طَلَبَهُ لِلَّهِ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ
_________
(1) ب: عَنْهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) الَّتِي تَعْرِضُ: زِيَادَةٌ فِي (م)
(3) ن، م، س: وَهُوَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) ن، م، س: لِمَنْفَعَةٍ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(5) ن، س: بِأَنَّ، م: بِأَنَّهُ.
(8/209)

تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، بِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيَعْبُدُونَهُ، وَيُمَجَّدُ اللَّهُ وَيُوَحَّدُ (1) .
وَلِهَذَا تَجِدُ أَهْلَ الِانْتِفَاعِ بِهِ يُزَكُّونَ بِهِ نُفُوسَهُمْ، وَيَقْصِدُونَ فِيهِ اتِّبَاعَ الْحَقِّ لَا اتِّبَاعَ الْهَوَى وَيَسْلُكُونَ فِيهِ سَبِيلَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَيُحِبُّونَهُ وَيَلْتَذُّونَ بِهِ، وَيُحِبُّونَ كَثْرَتَهُ وَكَثْرَةَ أَهْلِهِ، وَتَنْبَعِثُ هِمَمُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَبِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ (2) ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَذُقْ حَلَاوَتَهُ وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ إِلَّا مَالًا أَوْ رِيَاسَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ حَصَلَ لَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سَلَكَهُ، وَرُبَّمَا رَجَّحَهُ إِذَا كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ عَرَفَ هَذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمَقَاصِدَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا الَّتِي حَصَلَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، أَكْمَلُ مِمَّا حَصَلَ لِعُمَرَ، وَالَّتِي حَصَلَتْ لِعُمَرَ أَكْمَلُ مِمَّا حَصَلَ لِعُثْمَانَ، وَالَّتِي حَصَلَتْ لِعُثْمَانَ أَكْمَلُ مِمَّا حَصَلَ لِعَلِيٍّ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ، وَأَتْبَعَهُمْ لَهُ، وَأَحَقَّهُمْ بِالْعَدْلِ، وَإِيتَاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْدَحْ فِيهِمْ إِلَّا مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ بِالْحَقَائِقِ الَّتِي بِهَا (3) يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَالتَّفْضِيلَ، وَبِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَلِهَذَا مَنْ لَمْ يَسْلُكْ فِي عِبَادَتِهِ الطَّرِيقَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا
_________
(1) عِبَارَةُ " وَيُمَجَّدُ اللَّهُ وَيُوَحَّدُ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) وَلَعَلَّ الصَّوَابَ: بِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيُعْبَدُ، وَبِهِ يُمَجَّدُ اللَّهُ وَيُوَحَّدُ. وَأَوْرَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْأَثَرَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ " جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ " 1/54 - 55 وَرَجَّحَ وَقْفَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عِبَارَةُ: " بِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ. . . إِلَخْ ".
(2) س، ب: وَبِمُقْتَضَاهُ.
(3) بِهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/210)

وَرَسُولُهُ، وَتَعَلَّقَتْ هِمَّتُهُ بِالْخَوَارِقِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ (1) مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ بَعْضِ الْكَائِنَاتِ، أَوْ يَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ يَمْشِي بِهِ عَلَى الْمَاءِ، فَيَظُنُّ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ، وَيَكُونُ سَبَبَ شِرْكِهِ أَوْ كُفْرِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ.
فَإِنَّ هَذَا الْجِنْسَ قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الْمُلْحِدِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، مِثْلَ مَنْ لَا يَرَى الصَّلَوَاتِ وَاجِبَةً، بَلْ وَلَا يُقِرُّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بَلْ يَبْغَضُهُ وَيَبْغَضُ الْقُرْآنَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ كُفْرَهُ، وَمَعَ هَذَا تُغْوِيهِ الشَّيَاطِينُ بِبَعْضِ الْخَوَارِقِ، كَمَا تُغْوِي الْمُشْرِكِينَ، كَمَا كَانَتْ تَقْتَرِنُ بِالْكُهَّانِ وَالْأَوْثَانِ، وَهِيَ الْيَوْمَ كَذَلِكَ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالتُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَشْهُورِينَ فِي الْبِلَادِ الَّتِي فِيهَا الْإِسْلَامُ مِمَّنْ هُوَ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُبْتَدِعٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

[فصل الثاني عشر كلام الرافضي على فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " الثَّانِي عَشَرَ: الْفَضَائِلُ: إِمَّا نَفْسَانِيَّةٌ: أَوْ بَدَنِيَّةٌ: أَوْ خَارِجِيَّةٌ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالشَّخْصِ نَفْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ. وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ جَمَعَ (3)
_________
(1) س: مِنَ الْجِنِّ مِنَ الشَّيَاطِينِ، ب: مِنَ الْجِنِّ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ
(2) فِي (ك) ص 191 (م) - 192 (م)
(3) ك: وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَمَعَ. .
(8/211)

الْكُلَّ. أَمَّا فَضَائِلُهُ (1) النَّفْسَانِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ - كَعِلْمِهِ وَزُهْدِهِ وَكَرَمِهِ وَحِلْمِهِ - فَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى (2) ، وَالْمُتَعَلِّقَةُ بِغَيْرِهِ كَذَلِكَ، كَظُهُورِ (3) الْعُلُومِ (4) عَنْهُ، وَاسْتِيفَاءِ (5) غَيْرِهِ مِنْهُ. وَكَذَا فَضَائِلُهُ (6) الْبَدَنِيَّةُ كَالْعِبَادَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّدَقَةِ. وَأَمَّا الْخَارِجِيَّةُ كَالنَّسَبِ فَلَمْ يَلْحَقْهُ فِيهِ أَحَدٌ ; لِقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (7) - وَتَزْوِيجِهِ إِيَّاهُ بِابْنَتِهِ (8) سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
وَقَدْ رَوَى أَخْطَبُ (9) خَوَارَزْمَ مِنْ كِتَابِ " السُّنَّةِ " (10) بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ زَوَّجَهَا اللَّهُ إِيَّاهُ (11) مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَكَانَ الْخَاطِبُ جِبْرِيلَ (12) ، وَكَانَ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ فِي
_________
(1) ك: أَمَّا فَضْلُ، م: أَمَّا فَضِيلَةُ
(2) ك: فَهِيَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى.
(3) ك: لِظُهُورِ
(4) س، ب: الْعِلْمِ
(5) ن، م: وَاسْتِفْتَاءِ ; ك وَاسْتِفَادَةِ
(6) ك: فَضَائِلُ.
(7) ك: فَكَالنَّسَبِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ أَحَدٌ فِيهِ لِقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
(8) ن، س: بِابْنَتِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ك: بِنْتَهُ وَفِي هَامِشِ (س) كَتَبَ أَمَامَ هَذَا الْمَوْضُوعِ كَتَبَ مَا يَلِي: " قَدْ زَوَّجَ عُثْمَانَ بِابْنَتَيْهِ وَقَالَ لَهُ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْنَاهَا لَكَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عُثْمَانُ أَفْضَلَ. اهـ فِي هَامِشِ الْأَصْلِ ".
(9) م: خَطِيبُ.
(10) ك: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(11) ك: فَاطِمَةَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - زَوَّجَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا. . .
(12) ك (ص 192 م) : جِبْرَئِيلَ.
(8/212)

سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ شُهُودًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شَجَرَةِ طُوبَى: انْثُرِي مَا فِيكِ مِنَ الدُّرِّ وَالْجَوْهَرِ (1) ، فَفَعَلَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُورِ الْعِينِ أَنِ الْقُطْنَ، فَلَقَطْنَ مِنْهُنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (2) ، وَأَوْرَدَ أَخْبَارًا كَثِيرَةً فِي ذَلِكَ.
وَكَانَ أَوْلَادُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَشْرَفَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَ أَبِيهِمْ» (3) . وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ (4) قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ (5) بِيَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ (6) هَذَا الْحُسَيْنُ (7) ، أَلَا فَاعْرِفُوهُ وَفَضِّلُوهُ، فَوَاللَّهِ لَجَدُّهُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ جَدِّ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ (8) ، هَذَا الْحُسَيْنُ جَدُّهُ (9) فِي الْجَنَّةِ، وَجَدَّتُهُ فِي الْجَنَّةِ، (* وَأُمُّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُوهُ فِي الْجَنَّةِ، وَخَالُهُ فِي الْجَنَّةِ وَخَالَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَمُّهُ فِي الْجَنَّةِ،
_________
(1) ك: أَنِ انْثُرِي مَا فِيكِ مِنَ الدُّرَرِ وَالْجَوَاهِرِ. . .
(2) ك: فَلَقَطْنَ فَهُنَّ يَتَهَادَيْنَ بَيْنَهُنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(3) ك: وَكَانَ أَوْلَادُهُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - أَشْرَفَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَبَعْدَ أَبِيهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -.
(4) س، ب: وَعَنْ حُذَيْفَةَ الْيَمَانِيِّ، ك: وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِيِّ.
(5) ن: آخِذًا.
(6) ك: الْحُسَيْنِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
(7) ك: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(8) ك: مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ.
(9) ك: هَذَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَدُّهُ.
(8/213)

وَعَمَّتُهُ فِي الْجَنَّةِ (1) ، وَأَخُوهُ فِي الْجَنَّةِ *) (2) ، وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَمُحِبُّوهُ (3) فِي الْجَنَّةِ، وَمُحِبُّو مُحِبِّيهِمْ فِي الْجَنَّةِ» .
وَعَنْ حُذَيْفَةَ (4) قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ (5) شَخْصًا، فَقَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ (6) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هَذَا (7) مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلْ إِلَيَّ مُنْذُ بُعِثْتُ، أَتَانِي مِنَ اللَّهِ، فَبَشَّرَنِي أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
وَالْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَاضِلًا عَالِمًا، حَتَّى ادَّعَى قَوْمٌ فِيهِ الْإِمَامَةَ ".
وَالْجَوَابُ: أَمَّا الْأُمُورُ الْخَارِجِيَّةُ (8) عَنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَلَا يَحْصُلُ بِهَا فَضِيلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِهَا الْفَضِيلَةُ عِنْدَ اللَّهِ إِذَا كَانَتْ مُعِينَةً عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ لَا الْمَقَاصِدِ، كَالْمَالِ وَالسُّلْطَانِ، وَالْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يُفَضَّلُ بِهَا الرَّجُلُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا إِذَا أَعَانَتْهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِحَسَبِ مَا يُعِينُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 13] .
_________
(1) ك: وَجَدَّتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُوهُ فِي الْجَنَّةِ، وَأُمُّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَمُّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَمَّتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَخَالُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَخَالَتُهُ فِي الْجَنَّةِ. .
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(3) ك: وَمُحِبُّوهُمْ.
(4) ك: وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِيِّ
(5) عِنْدَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(6) ك: هَلْ رَأَيْتَهُ؟
(7) ك: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. هَذَا. . .
(8) ب: الْخَارِجَةُ.
(8/214)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ فَقَالَ: " أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ ". قِيلَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ (1) . قَالَ: " يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ نَبِيِّ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ ".
قِيلَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ (2) . قَالَ: " أَفَعَنْ (3) مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي (4) ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» " (5) .
بَيَّنَ لَهُمْ أَوَّلًا: أَنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ ابْنَ نَبِيٍّ وَلَا أَبَا نَبِيٍّ، فَإِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ آزَرَ، وَهَذَا أَبُوهُ يَعْقُوبُ. وَكَذَلِكَ نُوحٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ إِسْرَائِيلَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا أَوْلَادُهُ أَنْبِيَاءَ، وَهَذَا أَوْلَادُهُ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ.
فَلَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ إِلَّا الْأَنْسَابَ، قَالَ لَهُمْ: فَأَكْرَمُ أَهْلِ الْأَنْسَابِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ فِي وَلَدِ آدَمَ مِثْلُ يُوسُفَ ; فَإِنَّهُ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ.
فَلَمَّا أَشَارُوا إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، قَالَ: " «أَفَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» " بَيَّنَ أَنَّ الْأَنْسَابَ كَالْمَعَادِنِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ كَمَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الْمَعْدِنِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.
_________
(1) ن: نَسَلُكَ.
(2) ن: نَسَلُكَ.
(3) م: فَعَنْ.
(4) ن: تَسَلُونِي.
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/601.
(8/215)

وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُنْبِتُ الذَّهَبَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي تُنْبِتُ الْفِضَّةَ. فَهَكَذَا مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ يَلِدُ الْأَفَاضِلَ، كَانَ أَوْلَادُهُ أَفْضَلَ مِمَّنْ عَرَفَ أَنَّهُ يَلِدُ الْمَفْضُولَ. لَكِنَّ هَذَا سَبَبٌ وَمَظِنَّةٌ وَلَيْسَ هُوَ لَازِمًا ; فَرُبَّمَا تَعَطَّلَتْ أَرْضُ الذَّهَبِ، وَرُبَّمَا قَلَّ نَبْتُهَا ; فَحِينَئِذٍ تَكُونُ أَرْضُ الْفِضَّةِ أَحَبَّ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ أَرْضٍ مُعَطَّلَةٍ. وَالْفِضَّةُ الْكَثِيرَةُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَهَبٍ قَلِيلٍ لَا يُمَاثِلُهَا فِي الْقَدْرِ.
فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْأَنْسَابِ (1) الْفَاضِلَةِ يُظَنُّ بِهِمُ الْخَيْرُ، وَيُكْرَمُونَ لِأَجْلِ ذَلِكَ. فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْ أَحَدِهِمْ (2) خِلَافُ ذَلِكَ، كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْمَظِنَّةِ. وَأَمَّا [مَا] (3) عِنْدَ اللَّهِ فَلَا يَثْبُتُ عَلَى الْمَظَانِّ وَلَا عَلَى الدَّلَائِلِ، إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ هُوَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا يَجْتَزِئُ بِالْمَظِنَّةِ.
فَلِهَذَا كَانَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَهُ أَتْقَاهُمْ (4) . فَإِذَا قُدِّرَ (5) تَمَاثُلُ اثْنَيْنِ عِنْدَهُ فِي التَّقْوَى، تَمَاثُلًا فِي الدَّرَجَةِ، وَإِنْ كَانَ أَبُو أَحَدِهِمَا أَوِ ابْنُهُ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي الْآخَرِ أَوِ ابْنِهِ، لَكِنْ إِنْ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ نَسَبِهِ زِيَادَةٌ فِي التَّقْوَى كَانَ أَفْضَلَ لِزِيَادَةِ تَقْوَاهُ.
وَلِهَذَا حَصَلَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَنَتْنَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَمِلْنَ صَالِحًا، لَا لِمُجَرَّدِ الْمُصَاهَرَةِ، بَلْ لِكَمَالِ الطَّاعَةِ. كَمَا أَنَّهُنَّ لَوْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ لَضُوعِفَ لَهُنَّ الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ; لِقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ.
_________
(1) ن، س، ب: الْأَسْبَابِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(2) س، ب: مِنْ أَحَدٍ.
(3) مَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) .
(4) م: أَزْكَاهُمْ.
(5) قُدِّرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(8/216)

فَإِنَّ ذَا الشَّرَفِ إِذَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ التَّقْوَى، كَانَ تَقْوَاهُ أَكْمَلَ مِنْ تَقْوَى غَيْرِهِ. كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا عَدَلَ كَانَ عَدْلُهُ أَعْظَمَ مِنْ عَدْلِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَصَدَ الْخَيْرَ قَصْدًا جَازِمًا (1) ، وَعَمِلَ مِنْهُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ كَامِلٌ (2) .
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا (3) مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ ". قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: " وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» " (4) .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ: " «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» " (5) . وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
_________
(1) ن، م: حَازِمًا
(2) ن، م، س: أَجْرُ عَامِلٍ.
(3) ن، س: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا، م: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالٌ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 4/26 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ) سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/17 - 18 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُعُودِ مِنَ الْعُذْرِ) ; سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/923 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْجِهَادِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/103، 160، 300، 341. وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 3/1518 (كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ ثَوَابِ مَنْ حَبَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ أَوْ عُذْرٌ آخَرُ) سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ (فِي الْمَوْضِعِ السَّابِقِ) .
(5) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: مُسْلِمٍ 4/2060 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى أَوْ ضَلَالَةٍ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/281 - 282 (كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ لُزُومِ السُّنَّةِ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (ط. الْمَدِينَةِ) 5/149 كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابٌ فِيمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبِعَ أَوْ إِلَى ضَلَالَةٍ) ; سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/75 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 18/3.
(8/217)

وَلِهَذَا لَمْ يُثْنِ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ فِي الْقُرْآنِ بِنَسَبِهِ أَصْلًا: لَا عَلَى وَلَدِ نَبِيٍّ، وَلَا عَلَى أَبِي نَبِيٍّ، وَإِنَّمَا أَثْنَى عَلَى النَّاسِ بِإِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. وَإِذَا ذَكَرَ صِنْفًا وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ ; فَلِمَا فِيهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، لَا لِمُجَرَّدِ النَّسَبِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ - ذَكَرَهُمْ فِي الْأَنْعَامِ - وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَالَ: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 87] . فَبِهَذَا حَصَلَتِ الْفَضِيلَةُ بِاجْتِبَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، لَا بِنَفْسِ الْقَرَابَةِ.
وَقَدْ يُوجِبُ النَّسَبُ حُقُوقًا، وَيُوجِبُ لِأَجْلِهِ حُقُوقًا، وَيُعَلِّقُ فِيهِ أَحْكَامًا مِنَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ، لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ عَلَى الْأَعْمَالِ لَا عَلَى الْأَنْسَابِ.
وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 33] ، وَقَالَ: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 54] ، كَانَ هَذَا مَدْحًا لِهَذَا الْمَعْدِنِ الشَّرِيفِ، لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَدْحِ (1) ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 26] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 113] .
_________
(1) عِبَارَةُ: " لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَدْحِ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/218)

وَفِي الْقُرْآنِ الثَّنَاءُ وَالْمَدْحُ لِلصَّحَابَةِ بِإِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ فِي غَيْرِ آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 100] .
وَقَوْلِهِ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 10] .
وَقَوْلِهِ: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [سُورَةُ الْفَتْحِ: 18] .
وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [سُورَةُ الْفَتْحِ: 4] .
وَقَوْلِهِ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 8 - 9] . وَقَوْلِهِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [سُورَةُ الْفَتْحِ: 29] الْآيَةَ.
وَهَكَذَا فِي الْقُرْآنِ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأُمَّةِ، أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، وَالْمُقْسِطِينَ وَالصَّالِحِينَ، وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا النَّسَبُ فَفِي الْقُرْآنِ إِثْبَاتُ حَقٍّ لِذَوِي الْقُرْبَى كَمَا ذُكِرُوا هُمْ فِي
(8/219)

آيَةِ الْخُمْسِ وَالْفَيْءِ. وَفِي الْقُرْآنِ أَمْرٌ لَهُمْ (1) بِمَا يُذْهِبُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرُهُمْ تَطْهِيرًا. وَفِي الْقُرْآنِ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ بِأَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَفِي الْقُرْآنِ الْأَمْرُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ، وَمَحَبَّةُ أَهْلِهِ مِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ. وَفِي الْقُرْآنِ أَنَّ أَزْوَاجَهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَدْحُ أَحَدٍ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَا الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَلَا ذِكْرُ اسْتِحْقَاقِهِ الْفَضِيلَةَ عِنْدَ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَلَا تَفْضِيلُهُ عَلَى مَنْ يُسَاوِيهِ فِي التَّقْوَى بِذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ مِنِ اصْطِفَاءِ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَاصْطِفَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَذَاكَ أَمْرٌ مَاضٍ، فَأَخْبَرَنَا بِهِ فِي (2) جَعْلِهِ عِبْرَةً لَنَا، فَبَيَّنَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَزَاءَ وَالْمَدْحَ بِالْأَعْمَالِ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ مِنِ اصْطِفَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كُفْرِ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ وَذُنُوبِهِمْ وَعُقُوبَتِهِمْ، فَذَكَرَ فِيهِمُ النَّوْعَيْنِ: الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ.
وَهَذَا مِنْ تَمَامِ تَحْقِيقِ أَنَّ النَّسَبَ الشَّرِيفَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ الْمَدْحُ تَارَةً إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَإِلَّا فَإِنَّ ذَمَّ صَاحِبِهِ أَكْثَرُ، كَمَا كَانَ الذَّمُّ لِمَنْ ذُمَّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَذَلِكَ الْمُصَاهَرَةُ.
قَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ - وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ التَّحْرِيمِ: 10 - 11] .
_________
(1) ن، س، ب: لِذَوِي الْقُرْبَى كَمَا ذَكَرُوهُمْ، وَفِي الْقُرْآنِ آيَةُ الْخُمْسِ وَالْفَيْءِ، وَفِي (ب: وَفِيهِ) أَمْرٌ لَهُمْ. . . وَالْمُثْبَتُ - وَهُوَ الصَّوَابُ مِنْ (م) .
(2) ن، س: فَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ فِي. . .، ب: فَأَخْبَرَ بِأَنَّ فِي. . .
(8/220)

وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَيُقَالُ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْجَمِيًّا، وَالْآخَرُ مِنَ الْعَرَبِ، فَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ مُجْمَلًا: إِنَّ الْعَرَبَ أَفْضَلُ جُمْلَةً، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: " «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى. النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» " (1) .
وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ. النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ» " (2) .
وَلِذَلِكَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَفْنَاءِ الْعَرَبِ [وَالْعَجَمِ] (3) ، وَآخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَهُمَا (4) عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ تَقْوَاهُمَا: إِنْ تَمَاثَلَا فِيهَا تَمَاثَلَا فِي الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ تَفَاضَلَا فِيهَا تَفَاضَلَا فِي الدَّرَجَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَرَجُلٌ مِنَ النَّاسِ أَوِ الْعَرَبِ (5) أَوِ الْعَجَمِ، فَأَفْضَلُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمَا، فَإِنْ تَمَاثَلَا فِي التَّقْوَى تَمَاثَلَا فِي الدَّرَجَةِ، وَلَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ لَا (6) بِأَبِيهِ وَلَا ابْنِهِ، وَلَا بِزَوْجَتِهِ، وَلَا بِعَمِّهِ، وَلَا بِأَخِيهِ.
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/606
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/521
(3) وَالْعَجَمِ: زِيَادَةٌ فِي (م)
(4) ن، م، س: فَهُمْ
(5) ن، س، ب: وَرَجُلٌ مِنْ أَفْنَاءِ قُرَيْشٍ أَوِ الْعَرَبِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(6) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/221)

كَمَا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالطِّبِّ أَوِ الْحِسَابِ، أَوِ الْفِقْهِ أَوِ النَّحْوِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَكْمَلُهُمَا بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ أَعْلَمُهُمَا بِهِ، (* فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ تَسَاوَيَا فِي الْعِلْمِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ بِكَوْنِ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ (1) أَعْلَمَ مِنَ الْآخَرِ. وَهَكَذَا فِي الشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ، وَالزُّهْدِ وَالدِّينِ.
إِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَالْفَضَائِلُ الْخَارِجِيَّةُ لَا عِبْرَةَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى *) (2) ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ الْفَضَائِلِ الدَّاخِلِيَّةِ (3) . وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْفَضِيلَةُ بِالْفَضَائِلِ الدَّاخِلِيَّةِ (4) ، وَأَمَّا الْفَضَائِلُ الْبَدَنِيَّةُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ صَادِرَةً عَنِ الْفَضِيلَةِ النَّفْسَانِيَّةِ.
وَإِلَّا فَمَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَقَاتَلَ وَتَصَدَّقَ، بِغَيْرِ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ لَمْ يُفَضَّلْ بِذَلِكَ ; فَالِاعْتِبَارُ بِالْقَلْبِ.
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» " (5) .
_________
(1) ن: يَكُونُ ابْنَهُ أَوْ أَبِيهِ
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)
(3) ن، س، ب: الدَّاخِلَةِ.
(4) ن، س، ب: الدَّاخِلَةِ.
(5) الْحَدِيثُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: الْبُخَارِيِّ 1/16 (كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ) وَنَصُّهُ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ " وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - فِي: مُسْلِمٍ 3/1219 - 1220 كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ، بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1318 - 1319 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/270 - 274.
(8/222)

وَحِينَئِذٍ فَمَنْ كَانَ أَكْمَلَ (1) فِي الْفَضَائِلِ النَّفْسَانِيَّةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا. وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُنَازِعُونَ (2) فِي كَمَالِ عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْكَمَالِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ أَكْمَلَ مِنَ الثَّلَاثَةِ (3) ، وَأَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا الْبَابُ لِلنَّاسِ فِيهِ طَرِيقَانِ:
مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ عَلَى بَعْضٍ عِنْدِ اللَّهِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ (4) ; فَإِنَّ حَقَائِقَ مَا فِي الْقُلُوبِ وَمَرَاتِبَهَا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ، فَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْخَبَرِ (5) الصَّادِقِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَدْ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلًّا مِنَ الطَّرِيقَيْنِ إِذَا أُعْطِيَ حَقَّهُ مِنَ السُّلُوكِ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ أَكْمَلُ مِنْ عَلِيٍّ. وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نُقَرِّرُ ذَلِكَ فِي عُثْمَانَ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي عُثْمَانَ، كَانَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; فَإِنَّ تَفْضِيلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ لَمْ يُنَازِعْ فِيهِ أَحَدٌ، بَلْ (6) وَتَفْضِيلُهُمَا عَلَى عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ لَمْ يَتَنَازَعْ (7) فِيهِ مَنْ لَهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَدْرٌ: لَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، بَلْ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ [عَلَى
_________
(1) ن، س، ب: أَعْظَمَ
(2) م: لَا يَتَنَازَعُونَ.
(3) م: أَكْمَلَ الثَّلَاثَةِ.
(4) ن، س: إِلَّا بِالتَّوَقُّفِ.
(5) ب: بِخَبَرِ. .
(6) بَلْ سَاقِطَةٌ مِنْ (س) (ب) .
(7) م: لَمْ يُنَازِعْ.
(8/223)

ذَلِكَ] (1) قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، أَعْظَمُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى إِثْبَاتِ شَفَاعَةِ نَبِيِّنَا فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَخُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى إِثْبَاتِ الْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ، وَعَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلَى صِحَّةِ إِجَارَةِ الْعَقَارِ، وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا.
بَلْ إِيمَانُ (2) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَدَالَتُهُمَا مِمَّا (3) وَافَقَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ - مَعَ تَعَنُّتِهِمْ - وَهُمْ يُنَازِعُونَ فِي إِيمَانِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ. وَاتَّفَقَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى تَكْفِيرِ عَلِيٍّ، وَقَدْحُهُمْ فِيهِ أَكْثَرُ (4) مِنْ قَدْحِهِمْ فِي عُثْمَانَ. وَالزَّيْدِيَّةُ بِالْعَكْسِ. وَالْمُعْتَزِلَةُ كَانَ قُدَمَاؤُهُمْ يَمِيلُونَ إِلَى الْخَوَارِجِ، وَمُتَأَخِّرُوهُمْ يَمِيلُونَ إِلَى الزَّيْدِيَّةِ. كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ (5) قُدَمَاؤُهُمْ يُصَرِّحُونَ بِالتَّجْسِيمِ، وَمُتَأَخِّرُوهُمْ عَلَى قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَكَانَتِ الشِّيعَةُ الْأُولَى لَا يَشُكُّونَ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَأَمَّا عُثْمَانُ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُفَضِّلُ عَلَيْهِ عَلِيًّا، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلثَّوْرِيِّ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى لَا تُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (6) عَنْ مَالِكٍ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ، لَكِنْ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ السُّكُوتَ عَنِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ قَوْلًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ (7) عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ
_________
(1) عَلَى ذَلِكَ: زِيَادَةٌ فِي (ب)
(2) ن، م، س: بَلْ عَلَى إِيمَانِ.
(3) س: بِمَا
(4) م: أَعْظَمُ.
(5) ن، م: الرَّوَافِضَ.
(6) م: أَبُو الْقَاسِمِ.
(7) م: أَبُو الْقَاسِمِ.
(8/224)

أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَشُكُّ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ النَّاسِ فَفَضَّلُوا عُثْمَانَ، وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ (1) أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَشَايِخِ الزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ، وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ: كَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَعَلَيْهَا أَصْحَابُهُ (2) .
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَاضَ فِي الدِّمَاءِ كَمَنْ لَمْ يَخُضْ فِيهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ بِهَذَا قَصَدَ وَالِيَ الْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّ، ضَرَبَ مَالِكًا، وَجَعَلَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ سَبَبًا ظَاهِرًا.
وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْكَلَامِ: الْكَرَّامِيَّةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ ; وَلِهَذَا تَنَازَعُوا فِيمَنْ لَمْ يُقَدِّمْ عُثْمَانَ، هَلْ يُعَدُّ مُبْتَدِعًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ كَانَ مَا سِوَاهُ أَوْكَدَ.
وَأَمَّا الطَّرِيقُ التَّوْقِيفِيُّ (3) فَالنَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ: أَمَّا النَّصُّ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ (4) .
_________
(1) م: وَعَلَيْهِ اسْتِقْرَارُ. . .
(2) س، ب: عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
(3) ن، م: التَّوْفِيقِيُّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) سَبَقَ هَذَا الْأَثَرُ بِمَعْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَأَوَّلُهُ هُنَاكَ: كُنَّا نُفَاضِلُ إِلَخْ.
(8/225)

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى فِي سِتَّةٍ، وَأَنَّ ثَلَاثَةً تَرَكُوهُ لِثَلَاثَةٍ: عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَبَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ فِيهَا كَبِيرَ نَوْمٍ (1) يُشَاوِرُ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ (2) بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، حَتَّى أُمَرَاءُ الْأَنْصَارِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى مُبَايَعَةِ عُثْمَانَ بِغَيْرِ رَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ هُوَ الْأَحَقَّ، وَمَنْ كَانَ هُوَ الْأَحَقَّ كَانَ هُوَ الْأَفْضَلَ ; فَإِنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ مَنْ كَانَ أَحَقَّ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَحَقَّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَلَزِمَ: إِمَّا جَهْلُهُمْ، وَإِمَّا ظُلْمُهُمْ. فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ، وَكَانَ غَيْرُهُ أَحَقَّ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ كَانُوا جُهَّالًا، وَإِنْ عَلِمُوهُ وَعَدَلُوا عَنِ الْأَحَقِّ (3) إِلَى غَيْرِهِ، كَانُوا ظَلَمَةً. فَتَبَيَّنَ أَنَّ عُثْمَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ، لَزِمَ: إِمَّا جَهْلُهُمْ وَإِمَّا ظُلْمُهُمْ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ ; لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مِنَّا، وَأَعْلَمُ بِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ فِيهِمَا مِنَّا، وَأَعْلَمُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ مِنَّا، وَلِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ نَكُونَ نَحْنُ أَعْلَمَ مِنْهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، مَعَ أَنَّهُمْ أَحْوَجُ إِلَى عِلْمِهَا مِنَّا ; فَإِنَّهُمْ لَوْ جَهِلُوا مَسَائِلَ أُصُولِ دِينِهِمْ وَعَلِمْنَاهَا نَحْنُ لَكُنَّا أَفْضَلَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
_________
(1) ن، س: كَثِيرًا يَوْمَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ب: كَثِيرًا
(2) ن، س، ب: أَجْمَعَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(3) م: الْأَحْوَالِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، س، ب: الْحَقِّ.
(8/226)

وَكَوْنُهُمْ عَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ ; فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِمْ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونُوا خَيْرَ الْقُرُونِ بِالضَّرُورَةِ. وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ ثَنَاءً (1) يَقْتَضِي غَايَةَ الْمَدْحِ، فَيَمْتَنِعُ (2) إِجْمَاعُهُمْ وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ ضَرَرٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ كُلِّهَا ; فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ ظُلْمًا لِلْمَمْنُوعِ مِنَ الْوِلَايَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ ظُلْمٌ لِكُلِّ مَنْ مَنَعَ نَفْعَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْأَحَقِّ بِالْوِلَايَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ رَاعِيَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرِّعَايَةِ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا، كَانَ مَنْعُهُ مِنْ رِعَايَتِهَا يَعُودُ بِنَقْصِ الْغَنَمِ حَقَّهَا مِنْ نَفْعِهِ.
وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ دَلَّا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَأَنَّ خَيْرَهَا أَوَّلُهَا، فَإِنْ كَانُوا مُصِرِّينَ عَلَى ذَلِكَ، [لَزِمَ] (3) أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَّ الْأُمَمِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ أَوَّلُهَا خَيْرَهَا.
وَلِأَنَّا (4) نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَيْسُوا مِثْلَ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ ظَالِمِينَ مُصِرِّينَ عَلَى الظُّلْمِ، فَالْأُمَّةُ كُلُّهَا ظَالِمَةٌ، فَلَيْسَتْ خَيْرَ الْأُمَمِ.
وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ: مَنْ وَلَّيْتُمْ؟ قَالَ: " وَلَّيْنَا أَعْلَانَا ذَا فُوقٍ وَلَمْ نَأْلُ ". وَذُو الْفُوقِ هُوَ السَّهْمُ (5) ، يَعْنِي أَعْلَانَا سَهْمًا فِي الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ.
_________
(1) م: بِثَنَاءٍ.
(2) ن، ش، ب: فَيَمْنَعُ.
(3) لَزِمَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(4) م: فَإِنَّا. .
(5) فِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " وَالْفُوقُ ": مُشْتَقُّ رَأْسِ السَّهْمِ حَيْثُ يَقَعُ الْوَتَرُ ".
(8/227)

قِيلَ: أَوَّلًا: هَذَا السُّؤَالُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُورِدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ ; لِأَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُمْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَهُنَا مَقَامَانِ: إِمَّا أَنْ يُقَالَ: الْأَفْضَلُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، لَكِنْ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْمَفْضُولِ: إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا لِلْحَاجَةِ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ.
وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هَاهُنَا. أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً ; فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى تَوْلِيَةِ عَلِيٍّ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُنَازِعُ أَصْلًا، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى رَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لِعُثْمَانَ شَوْكَةٌ تُخَافُ، بَلِ التَّمَكُّنُ مِنْ تَوْلِيَةِ هَذَا كَانَ كَالتَّمَكُّنِ مِنْ تَوْلِيَةِ هَذَا. فَامْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ يُمْكِنُ إِلَّا تَوْلِيَةُ الْمَفْضُولِ.
وَإِذَا كَانُوا قَادِرِينَ، وَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ لِلْأُمَّةِ (1) لَا لِأَنْفُسِهِمْ، لَمْ يَجُزْ لَهُمْ (2) تَفْوِيتُ مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ مِنْ وِلَايَةِ الْفَاضِلِ ; فَإِنَّ الْوَكِيلَ وَالْوَلِيَّ الْمُتَصَرِّفَ لِغَيْرِهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا هُوَ أَصْلَحُ لِمَنِ ائْتَمَنَهُ، مَعَ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ سَوَاءً؟
وَأَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِهِ أَشْبَهَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. وَالْخِلَافَةُ كَانَتْ خِلَافَةَ نُبُوَّةٍ، لَمْ تَكُنْ مُلْكًا، فَمَنْ خَلَفَ النَّبِيَّ وَقَامَ مَقَامَهُ كَانَ أَشْبَهَ بِهِ، وَمَنْ كَانَ أَشْبَهَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ، فَالَّذِي يَخْلُفُهُ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأَشْبَهُ بِهِ أَفْضَلُ، فَالَّذِي يَخْلُفُهُ أَفْضَلُ.
_________
(1) ن، م، س: لِلْإِمَامَةِ وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) .
(2) لَهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/228)

وَأَمَّا الطَّرِيقُ النَّظَرِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَالُوا: عُثْمَانُ كَانَ أَعْلَمَ بِالْقُرْآنِ، وَعَلِيٌّ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَعُثْمَانُ أَعْظَمُ جِهَادًا بِمَالِهِ، وَعَلِيٌّ أَعْظَمُ جِهَادًا بِنَفْسِهِ، وَعُثْمَانُ أَزْهَدُ فِي الرِّيَاسَةِ، وَعَلِيٌّ أَزْهَدُ فِي الْمَالِ، وَعُثْمَانُ أَوْرَعُ عَنِ الدِّمَاءِ (1) ، وَعَلِيٌّ أَوْرَعُ عَنِ الْأَمْوَالِ، وَعُثْمَانُ حَصَلَ لَهُ مِنْ جِهَادِ نَفْسِهِ (2) ; حَيْثُ صَبَرَ عَنِ الْقِتَالِ وَلَمْ يُقَاتِلْ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهُ لِعَلِيٍّ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ» " (3) .
وَسِيرَةُ (4) عُثْمَانَ فِي الْوِلَايَةِ كَانَتْ (5) أَكْمَلَ مِنْ سِيرَةِ عَلِيٍّ، فَقَالُوا: فَثَبَتَ أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ عِلْمَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ عِلْمِ السُّنَّةِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: " «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» " (6) .
وَعُثْمَانُ جَمَعَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِلَا رَيْبٍ، وَكَانَ أَحْيَانًا يَقْرَؤُهُ فِي رَكْعَةٍ. وَعَلِيٌّ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ حَفِظَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَمْ لَا؟
_________
(1) م: أَوْرَعُ فِي الدُّنْيَا
(2) م: مِنْ جِهَادِهِ نَفْسَهُ
(3) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/89 (كِتَابُ فَضَائِلِ الْجِهَادِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَجَابِرٍ. حَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ". وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: الْمُسْنَدِ (ط الْحَلَبِيِّ) 6/20، 21، 22.
(4) ن، س: وَسِيمَا ب: وَسِيَرُ.
(5) ن، س، ب: كَانَ وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(6) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/280.
(8/229)

وَالْجِهَادُ بِالْمَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 41] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 20] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 72] (1) .
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يُقَاتِلُونَ دُونَ أَمْوَالِهِمْ ; فَإِنَّ الْمُجَاهِدَ بِالْمَالِ قَدْ أَخْرَجَ مَالَهُ حَقِيقَةً لِلَّهِ، وَالْمُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ يَرْجُو النَّجَاةَ، لَا يُوَافِقُ أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْجِهَادِ ; وَلِهَذَا أَكْثَرُ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ يَهُونُ عَلَى أَحَدِهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ، وَلَا يَهُونُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ مَالِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ جِهَادُهُ بِالْمَالِ أَعْظَمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ جِهَادُهُ بِالنَّفْسِ أَعْظَمَ.
وَأَيْضًا فَعُثْمَانُ لَهُ مِنَ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ بِالتَّدْبِيرِ فِي الْفُتُوحِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهُ لِعَلِيٍّ، وَلَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهُ لِعَلِيٍّ، وَلَهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ يَوْمَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهُ لِعَلِيٍّ، وَإِنَّمَا بَايَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ، وَبَايَعَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْفَضْلِ ; حَيْثُ بَايَعَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
_________
(1) ن، م، س: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصْرًا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) .
(8/230)

وَأَمَّا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ فِي الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ عُثْمَانَ تَوَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَصَدَ الْخَارِجُونَ عَلَيْهِ قَتْلَهُ، وَحَصَرُوهُ وَهُوَ خَلِيفَةُ الْأَرْضِ، وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ رَعِيَّتُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا لَمْ يَقْتُلْ مُسْلِمًا، وَلَا دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقِتَالٍ، بَلْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ.
لَكِنَّهُ فِي الْأَمْوَالِ كَانَ يُعْطِي لِأَقَارِبِهِ مِنَ الْعَطَاءِ مَا لَا يُعْطِيهِ لِغَيْرِهِمْ، وَحَصَلَ مِنْهُ نَوْعُ تَوَسُّعٍ فِي الْأَمْوَالِ، وَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا فَعَلَهُ إِلَّا مُتَأَوِّلًا فِيهِ (1) ، لَهُ اجْتِهَادٌ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ (2) مِنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ مِنَ الْخُمْسِ وَالْفَيْءِ هُوَ لِمَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ بَعْدَهُ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ذَوُو الْقُرْبَى الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ ذَوُو قُرْبَى الْإِمَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْإِمَامُ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَاتِ يَأْخُذُ مِنْهَا مَعَ الْغِنَى. وَهَذِهِ كَانَتْ مَآخِذَ (3) عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْهُ. فَمَا فَعَلَهُ هُوَ نَوْعُ تَأْوِيلٍ يَرَاهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ بِعَطَاءٍ، لَكِنِ ابْتَدَأَ بِالْقِتَالِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَبَدِّئًا بِالْقِتَالِ (4) ، حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ هُوَ مُتَأَوِّلٌ فِيهِ تَأْوِيلًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَؤُلَاءِ بُغَاةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ بِقَوْلِهِ: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 9]
_________
(1) ن، م، س:. . مَا فَعَلَهُ مُتَأَوِّلٌ فِيهِ.
(2) م: طَائِفَةٌ.
(3) ن: مَآخِذَ. وَمَعْنَى الْمُثْبَتِ: أَنَّ هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَخَذَ بِهَا عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(4) بِالْقِتَالِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/231)

لَكِنْ نَازَعَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَازَعَ عُثْمَانَ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} الْآيَةَ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 9] .

قَالُوا: فَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، بَلْ إِذَا وَقَعَ قِتَالٌ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى قُوتِلَتْ. وَلَمْ يَقَعِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ "، رَوَاهُ مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ الْمَعْرُوفِ عَنْهَا (1) .
وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ لَا يَجُوزُ [إِلَّا] أَنْ يَبْتَدِءُوا (2) الْإِمَامَ بِالْقِتَالِ، كَمَا فَعَلَتِ الْخَوَارِجُ مَعَ عَلِيٍّ، فَإِنَّ قِتَالَهُ الْخَوَارِجَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ قِتَالِ صِفِّينَ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَبْتَدِءُوا بِقِتَالٍ، بَلِ امْتَنَعُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ.
_________
(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْأَثَرَ مَرْوِيًّا عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ 8/172 (ط. حَيْدَرَ آبَادَ، 1354) عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَغِبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ السُّيُوطِيُّ فِي " الدُّرِّ الْمَنْثُورِ 6/91 وَقَالَ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ.
(2) ن، س: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَءُوا. .، م لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَأَ. . . وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) .
(8/232)

وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ، كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، يَقُولُونَ: إِنَّ قِتَالَهُ لِلْخَوَارِجِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَأَمَّا قِتَالُ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ فَهُوَ قِتَالُ فِتْنَةٍ.
فَلَوْ قَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ نُقِيمُ الصَّلَاةَ وَنُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَلَا نَدْفَعُ زَكَاتَنَا إِلَى الْإِمَامِ، وَنَقُومُ بِوَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ (1) ، لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ.
وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنَّمَا قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَائِهَا مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَلَوْ قَالُوا: نَحْنُ نُؤَدِّيهَا بِأَيْدِينَا وَلَا نَدْفَعُهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ قِتَالَ فِتْنَةٍ، وَكَانَ مَنْ قَعَدَ عَنْهُ أَفْضَلَ مِمَّنْ قَاتَلَ فِيهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، بَلْ وَالثَّوْرِيِّ، وَمَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ - فِيمَا نَقَلَهُ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ - عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْبُغَاةِ، إِلَّا إِذَا ابْتَدَءُوا الْإِمَامَ بِالْقِتَالِ، وَأَمَّا إِذَا أَدَّوُا الْوَاجِبَ مِنَ الزَّكَاةِ وَامْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِهَا إِلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ.
وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَهَكَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، عَلَى أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى هُمْ قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كِلَيْهِمَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ فِيهِ هُوَ مُتَأَوِّلٌ
_________
(1) م: إِلَى إِمَامٍ يَقُومُ بِوَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(2) فِي هَامِشِ (م) أَمَامَ هَذَا الْمَوْضِعِ كُتِبَ مَا يَلِي: " قِفْ عَلَى بَيَانِ الْوُجُوهِ الَّتِي يُرَجَّحُ بِهَا عُثْمَانُ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَيُرَجَّحُ بِهَا شِيعَةُ عُثْمَانَ عَلَى شِيعَةِ عَلِيٍّ ".
(8/233)

مُجْتَهِدٌ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ وَالدَّلِيلِ، لَيْسَ لَهُمَا عَمَلٌ يُتَّهَمُونَ فِيهِ (1) ، لَكِنَّ اجْتِهَادَ عُثْمَانَ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْمَصْلَحَةِ وَأَبْعَدَ عَنِ الْمَفْسَدَةِ ; فَإِنَّ الدِّمَاءَ خَطَرُهَا أَعْظَمُ مِنَ الْأَمْوَالِ.
وَلِهَذَا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ هَادِيَةً مَهْدِيَّةً سَاكِنَةً، وَالْأُمَّةُ فِيهَا مُتَّفِقَةٌ، وَكَانَتْ سِتَّ سِنِينَ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ أَنْكَرُوا أَشْيَاءَ فِي السِّتِّ الْبَاقِيَةِ، وَهِيَ دُونَ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَى عَلِيٍّ مِنْ حِينِ تَوَلَّى، وَالَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عُثْمَانَ طَائِفَةٌ مِنْ أَوْبَاشِ النَّاسِ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَكَثِيرٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَاتَلُوهُ، وَعُثْمَانُ فِي خِلَافَتِهِ فُتِحَتِ الْأَمْصَارُ وَقُوتِلَتْ (2) الْكُفَّارُ، وَعَلِيٌّ فِي خِلَافَتِهِ لَمْ يُقْتَلْ كَافِرٌ وَلَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةٌ.
فَإِنْ كَانَ مَا صَدَرَ عَنِ الرَّأْيِ، فَرَأْيُ عُثْمَانَ أَكْمَلُ، وَإِنْ كَانَ عَنِ الْقَصْدِ، فَقَصْدُهُ أَتَمُّ.
قَالُوا: وَإِنْ كَانَ عَلِيٌّ تَزَوَّجَ بِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَعُثْمَانُ قَدْ زَوَّجَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَيْنِ مِنْ بَنَاتِهِ، وَقَالَ: " «لَوْ كَانَ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْنَاهَا عُثْمَانَ» (3) "، وَسُمِّيَ ذُو النُّورَيْنِ (4) بِذَلِكَ ; إِذْ لَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ جَمَعَ بَيْنَ بِنْتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُهُ.
_________
(1) ن، م، س، ب: لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ يَتَوَهَّمُونَ فِيهِ، وَهُوَ كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَلَعَلَّ مَا أَثْبَتُّهُ هُوَ الصَّوَابُ.
(2) م: وَقَاتَلَ
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/146.
(4) س، ب: ذَا النُّورَيْنِ ; ن، م: ذِي النُّورَيْنِ وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ.
(8/234)

وَقَدْ صَاهَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ هُوَ دُونَ عُثْمَانَ: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، فَزَوَّجَهُ زَيْنَبَ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ، وَشَكَرَ مُصَاهَرَتَهُ مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى عَلِيٍّ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي فِي أَنْ يُنْكِحُوا فَتَاتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنِّي لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُمْ. وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا، إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا (1) ، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا "، ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي» (2) ".
وَهَكَذَا مُصَاهَرَةُ عُثْمَانَ لَهُ، لَمْ يَزَلْ فِيهَا حَمِيدًا، لَمْ يَقَعْ مِنْهُ (3) مَا يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِيهَا، حَتَّى قَالَ: " «لَوْ كَانَ (4) عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْنَاهَا عُثْمَانَ» ".
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُصَاهَرَتَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْمَلُ مِنْ مُصَاهَرَةِ عَلِيٍّ لَهُ (5) . وَفَاطِمَةُ كَانَتْ أَصْغَرَ بَنَاتِهِ، وَعَاشَتْ بَعْدَهُ، وَأُصِيبَتْ بِهِ، فَصَارَ لَهَا مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَبِيرَةَ الْبَنَاتِ فِي الْعَادَةِ تُزَوَّجُ قَبْلَ الصَّغِيرَةِ، فَأَبُو الْعَاصِ تَزَوَّجَ أَوَّلًا زَيْنَبَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ عُثْمَانُ تَزَوَّجَ بِرُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ.
_________
(1) ن، م: مَا رَابَهَا
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/145
(3) ن، م، س: مِنْهَا.
(4) ن، م: كَانَتْ
(5) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: أَكْمَلُ مِنْ مُصَاهَرَتِهِ لِعَلِيٍّ. وَلَعَلَّ مَا أَثْبَتُّهُ يَسْتَقِيمُ بِهِ الْكَلَامُ.
(8/235)

قَالُوا: وَشِيعَةُ عُثْمَانَ الْمُخْتَصُّونَ بِهِ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ الْمُخْتَصِّينَ بِهِ، وَأَكْثَرَ خَيْرًا، وَأَقَلَّ شَرًّا. فَإِنَّ شِيعَةَ عُثْمَانَ أَكْثَرُ مَا نُقِمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبِدَعِ انْحِرَافُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَبُّهُمْ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ (1) ، لِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مِنَ الْقِتَالِ مَا جَرَى، لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرُوهُ وَلَا كَفَّرُوا مَنْ يُحِبُّهُ.
وَأَمَّا شِيعَةُ عَلِيٍّ فَفِيهِمْ مَنْ يَكَفِّرُ الصَّحَابَةَ وَالْأُمَّةَ وَيَلْعَنُ (2) أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ (3) مِنْ ذَاكَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ.
وَشِيعَةُ عُثْمَانَ تُقَاتِلُ الْكُفَّارَ، وَالرَّافِضَةُ لَا تُقَاتِلُ الْكُفَّارَ، وَشِيعَةُ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زِنْدِيقٌ وَلَا مُرْتَدٌّ، وَقَدْ دَخَلَ فِي شِيعَةِ عَلِيٍّ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَالْمُرْتَدِّينَ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَشِيعَةُ عُثْمَانَ لَمْ تُوَالِ الْكُفَّارَ، وَالرَّافِضَةُ يُوَالُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا عُرِفَ مِنْهُمْ وَقَائِعُ (4) .
وَشِيعَةُ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَدَّعِي فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ وَلَا النُّبُوَّةَ، وَكَثِيرٌ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي شِيعَةِ عَلِيٍّ مَنْ يَدَّعِي نُبُوَّتَهُ أَوْ إِلَهِيَّتَهُ.
وَشِيعَةُ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ إِمَامٌ مَعْصُومٌ، وَلَا مَنْصُوصَ عَلَيْهِ، وَالرَّافِضَةُ تَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ.
_________
(1) م: وَسَبُّهُ عَلَى الْمَنَابِرِ
(2) ن، س، ب: وَلَعَنَهُ.
(3) ن: أَكْبَرُ، س، ب: أَكْثَرُ
(4) ب: كَمَا قَدْ عُرِفَ عَنْهُمْ فِي وَقَائِعَ.
(8/236)

وَشِيعَةُ عُثْمَانَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَتَفْضِيلِهِمَا عَلَى عُثْمَانَ، وَشِيعَةُ عَلِيٍّ الْمُتَأَخِّرُونَ أَكْثَرُهُمْ يَذُمُّونَهُمَا وَيَسُبُّونَهُمَا، وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَمُتَّفِقَةٌ عَلَى بُغْضِهِمَا وَذَمِّهِمَا، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُكَفِّرُونَهُمَا، وَأَمَّا الزَّيْدِيَّةُ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَيْضًا يَذُمُّهُمَا وَيَسُبُّهُمَا، بَلْ وَيَلْعَنُهُمَا، وَخِيَارُ الزَّيْدِيَّةِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَهُ (1) عَلَيْهِمَا، وَيَذُمُّونَ عُثْمَانَ أَوْ يَقَعُونَ بِهِ.
وَقَدْ كَانَ أَيْضًا فِي شِيعَةِ عُثْمَانَ مَنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ ; وَلِهَذَا لَمَّا تَوَلَّى بَنُو الْعَبَّاسِ كَانُوا أَحْسَنَ مُرَاعَاةً لِلْوَقْتِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، لَكِنْ شِيعَةُ عَلِيٍّ الْمُخْتَصُّونَ بِهِ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِإِمَامَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَعْظَمُ تَعْطِيلًا لِلصَّلَاةِ، بَلْ وَلِغَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً، فَيُعَطِّلُونَ الْمَسَاجِدَ، وَلَهُمْ فِي تَقْدِيمِ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، وَتَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ مَا هُمْ أَشَدُّ انْحِرَافًا فِيهِ مِنْ أُولَئِكَ (2) ، وَهُمْ مَعَ هَذَا يُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ مَعَ تَعْطِيلِ الْمَسَاجِدِ ; مُضَاهَاةً لِلْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ !
فَالشَّرُّ وَالْفَسَادُ الَّذِي فِي شِيعَةِ عَلِيٍّ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ الَّذِي فِي شِيعَةِ عُثْمَانَ، وَالْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ الَّذِي فِي شِيعَةِ عُثْمَانَ، (* أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْخَيْرِ الَّذِي فِي شِيعَةِ عَلِيٍّ. وَبَنُو أُمَيَّةَ كَانُوا شِيعَةَ
_________
(1) ن، م، س: الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ
(2) ن، س: أَشَدُّ انْحِرَافًا فِيهِ مِنَ الشِّيعَةِ مِنْ أُولَئِكَ، م: أَشَدُّ انْحِرَافًا فِيهِ عَنِ الشِّيعَةِ مِنْ أُولَئِكَ وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) .
(8/237)

عُثْمَانَ *) (1) ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ وَشَرَائِعُهُ فِي زَمَنِهِمْ أَظْهَرَ وَأَوْسَعَ مِمَّا كَانَ بَعْدَهُمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ".
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: " «اثْنَيْ عَشَرَ أَمِيرًا» ". وَفِي لَفْظٍ: " «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا وَلَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا» ". وَفِي لَفْظٍ: " «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» " (2) .
وَهَكَذَا كَانَ، فَكَانَ الْخُلَفَاءُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، ثُمَّ تَوَلَّى مَنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَصَارَ لَهُ عِزٌّ وَمَنَعَةٌ: مُعَاوِيَةُ، وَابْنُهُ يَزِيدُ، ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَوْلَادُهُ الْأَرْبَعَةُ، وَبَيْنَهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ فِي دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ النَّقْصِ مَا هُوَ بَاقٍ إِلَى الْآنَ ; فَإِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ تَوَلَّوْا عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ فِي زَمَنِهِمْ عَزِيزَةً (3) ، وَالْخَلِيفَةُ يُدْعَى بِاسْمِهِ: عَبْدَ الْمَلِكِ، وَسُلَيْمَانَ، لَا يَعْرِفُونَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَلَا عِزَّ الدِّينِ، وَبَهَاءَ الدِّينِ (4) ، وَفُلَانَ الدِّينِ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الصَّلَوَاتِ (5) الْخَمْسَ، وَفِي الْمَسْجِدِ يَعْقِدُ الرَّايَاتِ وَيُؤَمِّرُ الْأُمَرَاءَ، وَإِنَّمَا يَسْكُنُ دَارَهُ، لَا يَسْكُنُونَ الْحُصُونَ، وَلَا يَحْتَجِبُونَ عَنْ (6) الرَّعِيَّةِ.
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/533 - 534.
(3) ن، س، ب: عَرَبِيَّةً وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(4) م: وَلَا عِزَّ الدَّوْلَةِ وَبَهَاءَ الدَّوْلَةِ.
(5) س، ب: يُصَلِّي بِالصَّلَوَاتِ
(6) ن، س، ب: عَلَى. .
(8/238)

وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ فِي الْقُرُونَ الْمُفَضَّلَةِ: قَرْنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ. وَأَعْظَمُ مَا نَقِمَهُ النَّاسُ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: تَكَلُّمُهُمْ فِي عَلِيٍّ، وَالثَّانِي: تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا.
وَلِهَذَا رُئِيَ عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِمُحَافَظَتِي عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَحُبِّي (1) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. فَهَذَا حَافَظَ عَلَى هَاتَيْنِ السُّنَّتَيْنِ (2) حِينَ ظَهَرَ خِلَافُهُمَا ; فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ. وَهَكَذَا شَأْنُ مَنْ تَمَسَّكَ (* بِالسُّنَّةِ إِذَا ظَهَرَتْ بِدْعَةٌ، مِثْلَ مَنْ تَمَسَّكَ *) (3) بِحُبِّ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ ; حَيْثُ يَظْهَرُ خِلَافُ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ.
ثُمَّ كَانَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَحْمَتِهِ بِالْإِسْلَامِ أَنَّ الدَّوْلَةَ لَمَّا انْتَقَلَتْ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ صَارَتْ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ الْهَاشِمِيَّةَ أَوَّلَ مَا ظَهَرَتْ (4) كَانَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَتْ شِيعَةُ الدَّوْلَةِ (5) مُحِبِّينَ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَعْرِفُ قَدْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَلَمْ يَظْهَرْ فِي دَوْلَتِهِمْ إِلَّا تَعْظِيمُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَذِكْرُهُمْ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ (6) ، وَتَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ، وَإِلَّا فَلَوْ تَوَلَّى - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - رَافِضِيٌّ يَسُبُّ الْخُلَفَاءَ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ لَقَلَبَ الْإِسْلَامَ.
_________
(1) م:. . مُحَافَظَتِي عَلَى الصَّلَوَاتِ وَحُبِّي. .
(2) م: عَلَى هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(4) م: الْهَاشِمِيَّةَ لَمَّا ظَهَرَتْ
(5) م: فَكَانَتِ الدَّوْلَةُ. .
(6) م: وَذِكْرُهُمْ عَلِيًّا بِالْبِرِّ وَالثَّنَاءِ خَلْفَهُمْ.
(8/239)

وَلَكِنْ دَخَلَ فِي غِمَارِ الدَّوْلَةِ مَنْ كَانُوا لَا يَرْضَوْنَ بَاطِنَهُ، وَمَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُمْ دَفْعُهُ، كَمَا لَمْ يُمْكِنْ عَلِيًّا قَمْعُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَكَابِرُ عَسْكَرِهِ، كَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وَهَاشِمٍ الْمِرْقَالِ، وَأَمْثَالِهِمْ.
وَدَخَلَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنَادِقَةِ، وَتَتَبَّعَهُمُ الْمَهْدِيُّ بِقَتْلِهِمْ (1) ، حَتَّى انْدَفَعَ بِذَلِكَ شَرٌّ كَبِيرٌ (2) ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ.
وَكَذَلِكَ الرَّشِيدُ (3) ، كَانَ فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالدِّينِ مَا كَانَتْ بِهِ دَوْلَتُهُ مِنْ خِيَارِ دُوَلِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَأَنَّمَا كَانَتْ تَمَامَ سَعَادَتِهِمْ، فَلَمْ يَنْتَظِمْ بَعْدَهَا الْأَمْرُ لَهُمْ، مَعَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ لَمْ يَسْتَوْلُوا عَلَى الْأَنْدَلُسِ، وَلَا عَلَى أَكْثَرِ الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا غَلَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى إِفْرِيقِيَةَ مُدَّةً، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُمْ.
بِخِلَافِ أُولَئِكَ، فَإِنَّهُمُ اسْتَوْلَوْا عَلَى جَمِيعِ الْمَمْلَكَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَقَهَرُوا جَمِيعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَكَانَتْ جُيُوشُهُمْ جَيْشًا بِالْأَنْدَلُسِ يَفْتَحُهُ، وَجَيْشًا بِبِلَادِ التُّرْكِ يُقَاتِلُ الْقَانَ الْكَبِيرَ (4) ، وَجَيْشًا بِبِلَادِ الْعَبِيدِ (5) ، وَجَيْشًا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي زِيَادَةٍ وَقُوَّةٍ، عَزِيزًا فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ.
وَهَذَا تَصْدِيقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ: " «لَا
_________
(1) ن: يَقْتُلُهُمْ
(2) م: كَثِيرٌ
(3) الرَّشِيدُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب)
(4) م: الْكَثِيرَ.
(5) م: الْعَبْدِ.
(8/240)

يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَا تَوَلَّى اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» " (1) .
وَهَؤُلَاءِ الِاثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي التَّوْرَاةِ ; حَيْثُ قَالَ فِي بِشَارَتِهِ بِإِسْمَاعِيلَ: " وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا ".
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ هُمُ الَّذِينَ تَعْتَقِدُ الرَّافِضَةُ إِمَامَتَهُمْ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ كَانَ لَهُ سَيْفٌ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (2) ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَتَمَكَّنْ فِي خِلَافَتِهِ مِنْ غَزْوِ الْكُفَّارِ، وَلَا فَتْحِ مَدِينَةٍ، وَلَا قَتَلَ كَافِرًا، بَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدِ اشْتَغَلَ بَعْضُهُمْ بِقِتَالِ بَعْضٍ، حَتَّى طَمِعَ فِيهِمُ الْكُفَّارُ بِالشَّرْقِ وَالشَّامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُمْ أَخَذُوا بَعْضَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ (3) ، وَإِنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ كَانَ يُحْمَلُ إِلَيْهِ كَلَامٌ حَتَّى يَكُفَّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَيُّ عِزٍّ لِلْإِسْلَامِ فِي هَذَا، وَالسَّيْفُ يَعْمَلُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَعَدُّوهُمْ قَدْ طَمِعَ فِيهِمْ وَنَالَ مِنْهُمْ؟ !
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَئِمَّةِ غَيْرُ عَلِيٍّ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَيْفٌ، لَا سِيَّمَا الْمُنْتَظَرِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِإِمَامَتِهِ: إِمَّا خَائِفٌ عَاجِزٌ، وَإِمَّا هَارِبٌ (4) مُخْتَفٍ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ لَمْ يَهْدِ ضَالًّا وَلَا أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، وَلَا نَصَرَ مَظْلُومًا، وَلَا أَفْتَى أَحَدًا فِي مَسْأَلَةٍ، وَلَا حَكَمَ
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ، وَسَبَقَ فِيمَا مَضَى 3/533.
(2) الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ هُوَ الْوَحِيدَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي تُوَلَّى الْخِلَافَةَ وَكَانَتْ لَهُ رِئَاسَةُ الدَّوْلَةِ وَالسُّلْطَةِ عَلَى جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ.
(3) ن، م: الْإِسْلَامِ.
(4) م: أَوْ هَارِبٌ. . .
(8/241)

فِي قَضِيَّةٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ وُجُودٌ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ حَصَلَتْ مِنْ هَذَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ بِهِ عَزِيزًا؟ !
(* ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزَالُ عَزِيزًا *) (1) ، وَلَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا (2) ، حَتَّى يَتَوَلَّى اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، [فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِمْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَا عَشَرَ] (3) وَآخِرُهُمُ الْمُنْتَظَرُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ الْآنَ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ عِنْدَهُمْ، كَانَ (4) الْإِسْلَامُ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا فِي الدَّوْلَتَيْنِ الْأُمَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ، وَكَانَ عَزِيزًا وَقَدْ خَرَجَ الْكُفَّارُ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَفَعَلُوا بِالْمُسْلِمِينَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ لَا يَزَالُ عَزِيزًا إِلَى الْيَوْمِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ.
وَأَيْضًا فَالْإِسْلَامُ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ هُوَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَهُمْ أَذَلُّ فِرَقِ الْأُمَّةِ، فَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَذَلُّ مِنَ الرَّافِضَةِ، وَلَا أَكْتَمُ لِقَوْلِهِ مِنْهُمْ، وَلَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا لِلتَّقِيَّةِ (5) مِنْهُمْ، وَهُمْ - عَلَى زَعْمِهِمْ - شِيعَةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَهُمْ فِي غَايَةِ الذُّلِّ، فَأَيُّ عِزٍّ لِلْإِسْلَامِ بِهَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى زَعْمِهِمْ؟ !
وَكَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا أَسْلَمَ يَتَشَيَّعُ ; لِأَنَّهُ رَأَى فِي التَّوْرَاةِ ذِكْرُ الِاثْنَيْ عَشَرَ ; (* فَظَنَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أُولَئِكَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الِاثْنَا عَشَرَ هُمْ *) (6) الَّذِينَ وُلُّوا عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وِلَايَةً عَامَّةً، فَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِهِمْ عَزِيزًا، وَهَذَا مَعْرُوفٌ.
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (س) ، (ب) .
(2) مُسْتَقِيمًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(3) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (س) ، (ب)
(4) م. أَنْ، ب: أَكَانَ
(5) س: لِلنَّفَقَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ب: لِلنِّفَاقِ.
(6) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/242)

وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ (1) الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ قَوَانِينَ الْمَمْلَكَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ، مِثْلَ الْوَزِيرِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ.
وَآخَرُونَ قَالُوا فِيهِ مَقَالَةً ضَعِيفَةً، كَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا أَفْهَمُ مَعْنَاهُ كَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ.
وَأَمَّا مَرْوَانُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ (2) مِنْهُمَا وِلَايَةٌ عَامَّةٌ، بَلْ كَانَ زَمَنُهُ زَمَنَ فِتْنَةٍ، لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا مِنْ عِزِّ الْإِسْلَامِ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ.
وَلِهَذَا جَعَلَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ خِلَافَةَ عَلِيٍّ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَقَالُوا: لَمْ تَثْبُتْ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَقَالُوا: " مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيٍّ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ ". وَاسْتَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ خِلَافَتِهِ بِحَدِيثِ سَفِينَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «تَكُونُ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» ". فَقِيلَ لِلرَّاوِي: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً. فَقَالَ: " كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ " (3) ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ.
_________
(1) سُمِّيَ بِابْنِ هُبَيْرَةَ عِدَّةُ أَشْخَاصٍ، وَلَكِنِّي أُرَجِّحُ أَنَّ الَّذِي يَقْصِدُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرُ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ الذُّهْلِيُّ الشَّيْبَانِيُّ أَبُو الْمُظَفَّرِ عَوْنُ الدِّينِ مِنْ كِبَارِ الْوُزَرَاءِ فِي الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، عَالِمٌ بِالْفِقَهِ وَالْأَدَبِ، وُلِدَ سَنَةَ 499 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 560، كَانَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ تَلَامِيذِهِ وَجَمَعَ مَا اسْتَفَادَهُ مِنْهُ فِي كِتَابٍ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ 5/274 - 287 شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 4/191 - 197 الْأَعْلَامِ 9/222
(2) س، ب: لِأَحَدٍ
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/515، 537.
(8/243)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الِاثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، سَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ فِيهِ، أَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ، فَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْخُلَفَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَعَلِيٌّ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ فِي زَمَنِهِ بِلَا رَيْبٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

[فصل ما ذكره من الفضيلة بالقرابة عنه والرد عليه]
فَصْلٌ
إِذْ تَبَيَّنَ هَذَا، فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِهِ، الَّتِي هِيَ عِنْدَ اللَّهِ فَضَائِلُ، فَهِيَ حَقٌّ. لَكِنْ لِلثَّلَاثَةِ مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهَا.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ بِالْقَرَابَةِ، فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ فَضِيلَةً، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ ; فَإِنَّ الْعَبَّاسَ أَقْرَبُ مِنْهُ نَسَبًا، وَحَمْزَةُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ " «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ» " (1) ، وَهُوَ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْهُ.
وَلِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي الْعَمِّ عَدَدٌ كَثِيرٌ، كَجَعْفَرٍ، وَعَقِيلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ (2) ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْفَضْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَكَرَبِيعَةَ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
_________
(1) ذَكَرَ الْهَيْثَمِيُّ فِي " مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ " 9/268 عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْحَزَوَّرِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ " ثُمَّ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ " قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِيهِ ضَعْفٌ ".
(2) ن، م: وَكَعَبْدِ اللَّهِ.
(8/244)

وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَلَا مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَلَا مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ بِسَابِقَتِهِ، كَحَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ ; فَإِنَّ هَذَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ. وَكَذَلِكَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الَّذِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فَضَائِلِ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ لَا حُجَّةَ فِيهِ، مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ الصَّحِيحَةِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ هَذَا الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنْ ذَكَرَ مَا هُوَ كَذِبٌ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَخْطَبُ (1) خَوَارَزْمَ: أَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَةَ، زَوَّجَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَكَانَ الْخَاطِبُ جِبْرِيلَ، وَكَانَ إِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ شُهُودًا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ.
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ إِيمَانُ الْأَقَارِبِ فَضِيلَةً، فَأَبُو بَكْرٍ مُتَقَدِّمٌ فِي هَذِهِ الْفَضِيلَةِ ; فَإِنَّ أَبَاهُ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَأَبُو طَالِبٍ لَمْ يُؤْمِنْ. وَكَذَلِكَ أُمُّهُ آمَنَتْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْلَادُهُ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ. فَلَيْسَ فِي أَقَارِبِ أَبِي بَكْرٍ - ذُرِّيَّةِ أَبِي قُحَافَةَ - لَا مِنَ الرِّجَالِ وَلَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنْتَهُ، وَكَانَتْ أَحَبَّ أَزْوَاجِهِ إِلَيْهِ. وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا عُمَرُ، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ حَفْصَةُ
_________
(1) م: خَطِيبُ
(8/245)

ابْنَتُهُ بِمَنْزِلِةِ عَائِشَةَ، بَلْ حَفْصَةُ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَعَائِشَةُ كَانَ يَقْسِمُ لَهَا لَيْلَتَيْنِ، لَمَّا وَهَبَتْهَا سَوْدَةُ لَيْلَتَهَا.
وَمُصَاهَرَةُ أَبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا مُصَاهَرَةُ عَلِيٍّ فَقَدْ شَرِكَهُ فِيهَا عُثْمَانُ، وَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنْتًا بَعْدَ بِنْتٍ، وَقَالَ: " «لَوْ كَانَ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْنَاهَا عُثْمَانَ» " ; وَلِهَذَا سُمِّيَ ذُو النُّورَيْنِ ; لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَيْ نَبِيٍّ. وَقَدْ شَرِكَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، زَوَّجَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْبَرَ بَنَاتِهِ زَيْنَبَ، وَحَمِدَ مُصَاهَرَتَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهِ عَلِيٌّ فِي حُكْمِ الْمُصَاهَرَةِ، لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَذَكَرَ (1) صِهْرَهُ هَذَا. قَالَ: " «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي» " (2) .
وَأَسْلَمَتْ زَيْنَبُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِمُدَّةٍ، وَتَأَيَّمَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى أَعَادَهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ: أَعَادَهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: بَلْ جَدَّدَ لَهَا نِكَاحًا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ أَعَادَهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ. هَذَا الَّذِي ثَبَتَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِذَا أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ (3) قَبْلَ زَوْجِهَا، عَلَى أَقْوَالٍ مَذْكُورَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (4) .
_________
(1) س، ب: فَذَكَرَهُ، وَهُوَ خَطَأٌ
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/167.
(3) م: الْمَرْأَةُ
(4) س، ب: الْمَوْضِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(8/246)

[باب الفصل الرابع من منهاج الكرامة في طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر]
[الأول من طرق إثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر النص]
بَابٌ
قَالَ (1) الرَّافِضِيُّ (2) : " الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي إِمَامَةِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ (3) . لَنَا فِي ذَلِكَ طُرُقٌ: أَحَدُهَا: النَّصُّ. وَقَدْ تَوَارَثَتْهُ الشِّيعَةُ (4) فِي الْبِلَادِ الْمُتَبَاعِدَةِ، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ لِلْحُسَيْنِ (5) : " هَذَا إِمَامٌ (6) ابْنُ إِمَامٍ أَخُو إِمَامٍ، أَبُو أَئِمَّةٍ تِسْعَةٍ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ، اسْمُهُ كَاسْمِي (7) ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا» ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: هَذَا كَذِبٌ عَلَى الشِّيعَةِ ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْقُلُهُ إِلَّا طَائِفَةٌ (8) مِنْ طَوَائِفِ الشِّيعَةِ، وَسَائِرُ طَوَائِفِ الشِّيعَةِ تُكَذِّبُ هَذَا. وَالزَّيْدِيَّةُ بِأَسْرِهَا تُكَذِّبُ هَذَا (9) ، وَهُمْ أَعْقَلُ الشِّيعَةِ وَأَعْلَمُهُمْ وَخِيَارُهُمْ. وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ كُلُّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهَذَا، وَسَائِرُ فِرَقِ الشِّيعَةِ تُكَذِّبُ بِهَذَا، إِلَّا الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنْ نَحْوِ سَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْ طَوَائِفِ الشِّيعَةِ.
_________
(1) م: قَوْلُ.
(2) فِي هَامِشِ (م) أَمَامَ هَذَا الْمَوْضِعِ كُتِبَ: " قِفْ: فِي الرَّدِّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي دَعْوَاهُمُ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّةِ " وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ص 193 (م) .
(3) ك: الِاثْنَيْ عَشَرَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -.
(4) ك: وَقَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الشِّيعَةُ
(5) ك: عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَنَّهُ قَالَ لِلْحُسَيْنِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(6) ك: هَذَا ابْنِي إِمَامٌ. . .
(7) ك: اسْمُهُ اسْمِي.
(8) س، ب: طَوَائِفُ.
(9) م: بِهَذَا.
(8/247)

وَبِالْجُمْلَةِ فَالشِّيعَةُ فِرَقٌ مُتَعَدِّدَةٌ جِدًّا، وَفِرَقُهُمُ الْكِبَارُ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ تُكَذِّبُ هَذَا (1) إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، فَأَيْنَ تَوَاتُرُ الشِّيعَةِ؟ !
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا نَقَلَهُ غَيْرُ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ مِنَ الشِّيعَةِ مِنْ نَصٍّ آخَرَ يُنَاقِضُ هَذَا، كَالْقَائِلِينَ بِإِمَامَةِ غَيْرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَبِمَا نَقَلَهُ الرَّاوَنْدِيَّةُ أَيْضًا ; فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ يَدَّعِي مِنَ النَّصِّ [غَيْرَ] (2) مَا تَدَّعِيهِ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: عُلَمَاءُ الشِّيعَةِ الْمُتَقَدِّمُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ نَقَلَ هَذَا النَّصَّ، وَلَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابٍ، وَلَا احْتَجَّ بِهِ فِي خِطَابٍ. وَأَخْبَارُهُمْ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ ; فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا مِنِ اخْتِلَاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا اخْتُلِقَ (3) هَذَا لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا غَائِبٌ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ هَذَا النَّصُّ، بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ وَعُلَمَاؤُهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الشِّيعَةِ، كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمًا يَقِينًا لَا يُخَالِطُهُ الرَّيْبُ، وَيُبَاهِلُونَ الشِّيعَةَ عَلَى ذَلِكَ، كَعَوَامِّ الشِّيعَةِ مَعَ عَلِيٍّ. فَإِنِ ادَّعَى عُلَمَاءُ الشِّيعَةِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَوَاتُرَ هَذَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا أَقْرَبَ مِنْ دَعْوَى عُلَمَاءِ السُّنَّةِ بِكَذِبِ هَذَا.
_________
(1) م: بِهَذَا
(2) غَيْرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) (س) .
(3) م: اخْتَلَفُوا.
(8/248)

الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوَاتُرِ حُصُولَ مَنْ يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ. وَقَبْلَ مَوْتِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ بِإِمَامَةِ هَذَا الْمُنْتَظَرِ، وَلَا عُرِفَ مِنْ زَمَنِ عَلِيٍّ وَدَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ أَحَدٌ ادَّعَى إِمَامَةَ (1) الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَهَذَا الْقَائِمُ. وَإِنَّمَا كَانَ الْمُدَّعُونَ يَدَّعُونَ النَّصَّ عَلَى عَلِيٍّ، أَوْ عَلَى نَاسٍ بَعْدَهُ وَأَمَّا دَعْوَى النَّصِّ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ وَهَذَا الْقَائِمُ فَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ قَالَهُ مُتَقَدِّمًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَقْلُهُ مُتَقَدِّمًا.
السَّادِسُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ رَافِضِيٌّ أَصْلًا، وَإِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا رَافِضَةً فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ. وَمَعَ هَذَا فَأُولَئِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِمُ التَّوَاتُرُ ; لِأَنَّ الْعَدَدَ الْقَلِيلَ الْمُتَّفِقِينَ عَلَى مَذْهَبٍ يُمْكِنُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ. وَالرَّافِضَةُ تُجَوِّزُ الْكَذِبَ عَلَى جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ (2) ، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَنْ نَقَلَ هَذَا النَّصَّ - مَعَ قِلَّتِهِمْ - إِنْ كَانَ نَقَلَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ تَوَاتَرَ بِهِ هَذَا النَّقْلُ انْقَطَعَ التَّوَاتُرُ مِنْ أَوَّلِهِ.
السَّابِعُ: أَنَّ الرَّافِضَةَ يَقُولُونَ: إِنَّ الصَّحَابَةَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بِجَحْدِ النَّصِّ إِلَّا عَدَدًا قَلِيلًا (3) نَحْوَ الْعَشَرَةِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، مِثْلَ عَمَّارٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَالْمِقْدَادِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أُولَئِكَ الْجُمْهُورَ لَمْ يَنْقُلُوا هَذَا النَّصَّ، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَتَمُوهُ - عِنْدَهُمْ - فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُضِيفُوا نَقْلَهُ إِلَى هَذِهِ
_________
(1) ن، م، س: أَئِمَّةَ وَالصَّوَابُ هُوَ الْمُثْبَتُ مِنْ (ب) .
(2) م: عَلَى الْجُمْهُورِ وَالصَّحَابَةِ.
(3) ن، س، ب: عَلَى عَدَدٍ قَلِيلٍ. وَفِي (م) إِلَّا عَدَدٌ قَلِيلٌ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(8/249)

الطَّائِفَةِ. وَهَؤُلَاءِ كَانُوا - عِنْدَهُمْ - مُجْتَمِعِينَ عَلَى مُوَالَاةِ عَلِيٍّ، مُتَوَاطِئِينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَحِينَئِذٍ فَالطَّائِفَةُ الْقَلِيلَةُ الَّتِي يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهَا عَلَى النَّقْلِ لَا يَحْصُلُ بِنَقْلِهَا (1) تَوَاتُرٌ ; لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. فَإِذَا كَانَتِ الرَّافِضَةُ تُجَوِّزُ عَلَى جَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ - مَعَ كَثْرَتِهِمْ - الِارْتِدَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَكِتْمَانَ مَا يَتَعَذَّرُ فِي الْعَادَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِهِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ عَلَى قَلِيلٍ مِنْهُمْ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ (2) بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِكَذِبِ الصَّحَابَةِ إِذَا نَقَلُوا مَا يُخَالِفُ هَوَاهُمْ (3) ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُمْ مَعَ ذَلِكَ تَصْدِيقُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِذَا كَانَ النَّاقِلُونَ [لَهُ] (4) مِمَّنْ لَهُ هَوًى؟
وَمَعْلُومٌ أَنَّ شِيعَةَ عَلِيٍّ لَهُمْ هَوًى فِي نَصْرِهِ، فَكَيْفَ يُصَدَّقُونَ فِي نَقْلِ النَّصِّ عَلَيْهِ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْعُقَلَاءَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ تَعَمُّدًا لِلْكَذِبِ وَتَكْذِيبًا لِلْحَقِّ مِنَ الشِّيعَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ ; فَإِنَّ الْخَوَارِجَ (5) - وَإِنْ كَانُوا مَارِقِينَ - فَهُمْ يُصَدِّقُونَ، لَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ يَتَدَيَّنُونَ بِالصِّدْقِ، وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَالْكَذِبُ عَلَيْهِمْ غَالِبٌ مِنْ حِينِ ظَهَرُوا.
_________
(1) س، ب: لَا يَحْصُلُ بِهَا
(2) ن: تَعَمُّدًا لِلْكَذِبِ
(3) عِبَارَةُ إِذَا نَقَلُوا مَا يُخَالِفُ هَوَاهُمْ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(4) لَهُ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5) س، ب: بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَوَارِجِ. . .
(8/250)

الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ: قَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ أَوَّلَ مَا ظَهَرَتِ الشِّيعَةُ الْإِمَامِيَّةُ الْمُدَّعِيَةُ لِلنَّصِّ فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. وَافْتَرَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ وَطَائِفَتُهُ الْكَذَّابُونَ، فَلَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ ذَلِكَ. فَأَيُّ تَوَاتُرٍ لَهُمْ؟ !
التَّاسِعُ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي نَقَلَهَا الصَّحَابَةُ فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَعْظَمُ تَوَاتُرًا عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنْ نَقْلِ هَذَا النَّصِّ. فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقْدَحَ فِي نَقْلِ جَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ لِتِلْكَ الْفَضَائِلِ ; فَالْقَدْحُ فِي هَذَا أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ الْقَدْحُ فِي هَذَا مُتَعَذِّرًا ; فَفِي تِلْكَ أَوْلَى. وَإِذَا ثَبَتَتْ فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا تِلْكَ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، امْتَنَعَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذَا النَّصِّ، فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُ - لَوْ كَانَ حَقًّا - مِنْ أَعْظَمِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ يَنْقُلُ هَذَا النَّصَّ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ (* تَحْتَاجُ إِلَى تَكْرِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرُسْ نَاقِلُوهَا عَلَيْهَا لَمْ يَحْفَظُوهَا، وَأَيْنَ الْعَدَدُ الْكَبِيرُ (1) الَّذِينَ حَفِظُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ *) (2) كَحِفْظِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَحِفْظِ التَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ إِلَى الرَّسُولِ؟
وَنَحْنُ إِذَا ادَّعَيْنَا التَّوَاتُرَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ: نَدَّعِي تَارَةً التَّوَاتُرَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، كَتَوَاتُرِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَوَقْعَةِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ،
_________
(1) س، ب: الْكَثِيرُ.
(2) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)
(8/251)

وَتَزَوُّجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَائِشَةَ وَعَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى نَقْلِ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ يَحْتَاجُ إِلَى دَرْسٍ، وَكَتَوَاتُرِ مَا لِلصَّحَابَةِ مِنَ السَّابِقَةِ وَالْأَعْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَتَارَةً التَّوَاتُرُ فِي نَقْلِ أَلْفَاظٍ حَفِظَهَا مَنْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِنَقْلِهِ.
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْمَنْقُولَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (1) يُكَذِّبُ مِثْلَ هَذَا النَّقْلِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ (2) مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُكَذِّبُونَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُثْبِتُوا النَّصَّ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَدَدِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِمَّا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا وَلَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا "، ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَنِّي، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: قَالَ: " كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ (3) عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً "، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، قُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: " كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ". وَفِي لَفْظٍ: " «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» " (4) .
_________
(1) م: أَهْلِ السُّنَّةِ.
(2) ن، س، ب: أَنَّهُ.
(3) س، ب: لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ.
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ بِرِوَايَاتِهِ فِيمَا مَضَى 3/533 ت 4.
(8/252)

وَالَّذِي فِي التَّوْرَاةِ يُصَدِّقُ هَذَا. وَهَذَا النَّصُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هَؤُلَاءِ الِاثْنَا عَشَرَ ; لِأَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا» "، وَ " «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَزِيزًا» " وَ " «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا» " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ أَمْرُ الْإِسْلَامِ قَائِمًا فِي زَمَانِ وِلَايَتِهِمْ، وَلَا يَكُونُ قَائِمًا إِذَا انْقَطَعَتْ وِلَايَتُهُمْ. وَعِنْدَ [هَؤُلَاءِ] (1) الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ لَمْ يَقُمْ أَمْرُ الْأُمَّةِ فِي مُدَّةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، بَلْ مَازَالَ أَمْرُ الْأُمَّةِ فَاسِدًا مُنْتَقِضًا (2) يَتَوَلَّى عَلَيْهِمُ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ، بَلِ الْمُنَافِقُونَ الْكَافِرُونَ، وَأَهْلُ الْحَقِّ أَذَلُّ مِنَ الْيَهُودِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ عِنْدَهُمْ وِلَايَةَ الْمُنْتَظَرِ دَائِمَةٌ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى زَمَانٌ يَخْلُو عِنْدَهُمْ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الزَّمَانُ نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَقُومُ فِيهِ أَمْرُ الْأُمَّةِ (3) ، وَنَوْعٌ لَا يَقُومُ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ فِي الْأَزْمَانِ كُلِّهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وَأَيْضًا فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا يَقُومُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا قَامَ الْمَهْدِيُّ: إِمَّا الْمَهْدِيُّ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَإِمَّا مَهْدِيُّ الرَّافِضَةِ، وَمُدَّتُهُ قَلِيلَةٌ لَا يَنْتَظِمُ فِيهَا أَمْرُ الْأُمَّةِ (4) .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» " وَلَوْ كَانُوا مُخْتَصِّينَ بِعَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ لَذَكَرَ مَا يُمَيَّزُونَ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: كُلُّهُمْ مِنْ وَلَدِ
_________
(1) هَؤُلَاءِ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(2) ن: مُنْتَقِصًا
(3) ن، م، س: يَقُومُ فِيهِ مِنَ الْأُمَّةِ. وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَيُبَيِّنُ صَوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) الْعِبَارَاتِ التَّالِيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ.
(4) ن، م، س: لَا يَنْتَظِمُ زَمَانُ الْأُمَّةِ.
(8/253)

إِسْمَاعِيلَ، وَلَا مِنَ الْعَرَبِ، وَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ الْقَبِيلَةَ الَّتِي يَمْتَازُونَ بِهَا، فَلَوِ امْتَازُوا بِكَوْنِهِمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ عَلِيٍّ مَعَ عَلِيٍّ لَذُكِرُوا بِذَلِكَ، فَلَمَّا جَعَلَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مُطْلَقًا عُلِمَ أَنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، بَلْ لَا يَخْتَصُّونَ بِقَبِيلَةٍ، بَلْ بَنُو تَيْمٍ (1) ، وَبَنُو عَدِيٍّ، وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَبَنُو هَاشِمٍ، فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِلِ.

[فصل حديث المهدي كما يرويه الرافضي والرد عليه]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ (2) : عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) : " «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي، اسْمُهُ كَاسْمِي (4) ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا (5) كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا، وَذَلِكَ (6) هُوَ الْمَهْدِيُّ» " (7) .
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ.
_________
(1) م: بَنُو تَمِيمٍ وَهُوَ تَحْرِيفٌ
(2) أَيِ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي (ك) ص 193 وَالْكَلَامُ التَّالِي فِيهِ بَعْضُ اخْتِلَافٍ عَنْ (ك) كَمَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(3) ك: وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ -. .
(4) ك: اسْمُهُ اسْمِي
(5) ك: قِسْطًا وَعَدْلًا
(6) ن، م، س: وَكَذَلِكَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ك: فَذَلِكَ
(7) ك: الْمَهْدِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَرَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ.
(8/254)

كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: " [لَوْ] (1) «لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى يَخْرُجَ فِيهِ رَجُلٌ مِنِّي، أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ (2) .
وَأَيْضًا فِيهِ: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ» " (3) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِيهِ: " «يَمْلِكُ الْأَرْضَ سَبْعَ سِنِينَ» " (4) .
وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْحَسَنِ وَقَالَ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بَاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا " (5) .
_________
(1) لَوْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/95
(3) الْحَدِيثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/151 (كِتَابُ الْمَهْدِيِّ، الْبَابُ الْأَوَّلُ الْحَدِيثُ رَقْمُ 4284 وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: " الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ " فِي سُنَنِهِ 2/1368 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ) وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ " 1/108 وَقَالَ: إِنَّ الْحَكَمَ أَخْرَجَهُ 4/557. . إِلَخْ ".
(4) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/152 (كِتَابُ الْمَهْدِيِّ، الْبَابُ الْأَوَّلُ وَنَصُّهُ فِيهِ " الْمَهْدِيُّ مِنِّي أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ، وَحَسَّنَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 6/22 - 23 وَفِي مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ " لِلتَّبْرِيزِيِّ 3/24 (ت [0 - 9] 0) .
(5) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/153 الْمَوْضِعِ السَّابِقِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ. أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ رَأَى عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رُؤْيَةً، وَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ ".
(8/255)

وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ غَلِطَ فِيهَا طَوَائِفُ: طَائِفَةٌ أَنْكَرُوهَا، وَاحْتَجُّوا (1) بِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ "، وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اعْتَمَدَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِمَّا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ يُونُسَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَالشَّافِعِيُّ رَوَاهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْجَنَدِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ (2) . وَلَيْسَ هَذَا فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الْجَنَدِيِّ، وَأَنَّ يُونُسَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الشَّافِعِيِّ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّ هَذَا هُوَ مَهْدِيهِمْ، مَهْدِيهِمُ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. وَالْمَهْدِيُّ الْمَنْعُوتُ (3) الَّذِي وَصَفَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى
_________
(1) ن، م، س: وَاحْتَجَّتْ
(2) الْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1340 - 1341 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ شِدَّةِ الزَّمَانِ) وَنَصُّهُ فِيهِ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْجَنَدِيُّ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إِدْبَارًا، وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ وَلَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ". وَتَكَلَّمَ الْمُحَقِّقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْحَدِيثِ بِمَا يُفِيدُ تَصْحِيحَهُ، وَخَالَفَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ " (رَقْمُ 77) 1/103 - 105 وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ 4/441 وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ " 1/155، وَذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ الْجَنَدِيَّ مَجْهُولٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ (ابْنُ حَجَرٍ) فِي التَّقْرِيبِ " وَأَنَّ الذَّهَبِيَّ قَالَ فِي " الْمِيزَانِ " إِنَّهُ خَبَرٌ مُنْكَرٌ ثُمَّ قَالَ: " وَقَالَ الصَّغَانِيُّ: مَوْضُوعٌ كَمَا فِي " الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ " لِلشَّوْكَانِيِّ (ص 195) وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ فِي " الْعُرْفِ الْوَرْدِيِّ فِي أَخْبَارِ الْمَهْدِيِّ " 2/274 مِنَ الْحَاوِي عَنِ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي " التَّذْكِرَةِ ": إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ. . وَقَدْ أَشَارَ الْحَافِظُ فِي " الْفَتْحِ ". . إِلَى رَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ لِمُخَالَفَتِهِ لِأَحَادِيثِ الْمَهْدِيِّ ".
(3) ن، م، س: الْمَبْعُوثُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8/256)

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ; وَلِهَذَا حَذَفَتْ طَائِفَةٌ ذِكْرَ الْأَبِ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ (1) حَتَّى لَا يُنَاقِضَ مَا كَذَبَتْ. وَطَائِفَةٌ حَرَّفَتْهُ، فَقَالَتْ: جَدُّهُ الْحُسَيْنُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَمَعْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَجَعَلَتِ الْكُنْيَةَ اسْمًا.
وَمِمَّنْ سَلَكَ هَذَا ابْنُ طَلْحَةَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ " غَايَةَ السُّولِ فِي مَنَاقِبِ الرَّسُولِ " (2) ، وَمِنْ أَدْنَى نَظَرٍ يُعْرَفُ أَنَّ هَذَا تَحْرِيفٌ صَرِيحٌ (3) وَكَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَلْ يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِهِ: " «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» " إِلَّا أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ؟ وَهَلْ يَدُلُّ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى أَنَّ جَدَّهُ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؟
ثُمَّ أَيُّ تَمْيِيزٍ يَحْصُلُ لَهُ بِهَذَا؟ فَكَمْ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُقَالُ فِي أَجْدَادِهِمْ: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَمَا قِيلَ فِي هَذَا؟ وَكَيْفَ يَعْدِلُ مَنْ يُرِيدُ الْبَيَانَ إِلَى مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَيَقُولُ: اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ جَدَّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؟
وَهَذَا كَانَ تَعْرِيفُهُ (4) بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَوِ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ ; لِأَنَّ
_________
(1) س: حَذَفَتْ طَائِفَةٌ ذِكْرَ الْأَبِ مِنْ لَفْظِ الْأَبِ، ب: حَذَفَتْ طَائِفَةٌ لَفْظَ الْأَبِ.
(2) هُوَ أَبُو سَالِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، الْقُرَشِيُّ النَّصِيبِيُّ (مِنْ قُرَى نَصِيبِينَ) الْعَدَوِيُّ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ 582 وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 652، وَزِيرٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ الْكُتَّابِ، وَلِيَ الْوِزَارَةَ بِدِمَشْقَ ثُمَّ تَرَكَهَا وَتَزَهَّدَ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي شَذَرَاتِ الذَّهَبِ 5/259 - 260 ; طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ 8/63 ; الْأَعْلَامِ 7/45 (وَذَكَرَ الزِّرِكْلِيُّ الْكِتَابَ وَاسْمَهُ: مَطَالِبُ السُّولِ فِي مَنَاقِبِ آلِ الرَّسُولِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَخْطُوطٌ) .
(3) س، ب: صَحِيحٌ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) م: يُعَرِّفُهُ
(8/257)

جَدَّهُ عَلَى كُنْيَتِهِ أَبُو الْحَسَنِ - أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَأَبْيَنُ لِمَنْ يُرِيدُ الْهُدَى وَالْبَيَانَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَهْدِيَّ الْمَنْعُوتَ (1) مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، لَا مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ لَفْظُ حَدِيثِ عَلِيٍّ.
الثَّالِثُ: أَنَّ طَوَائِفَ ادَّعَى (2) كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَ الْمَهْدِيَّ الْمُبَشَّرَ بِهِ مِثْلُ مَهْدِيِّ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، الَّذِي أَقَامَ دَعْوَتَهُمْ بِالْمَغْرِبِ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ، وَادَّعَوْا أَنَّ مَيْمُونًا هَذَا هُوَ (3) مِنْ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَإِلَى ذَلِكَ انْتَسَبَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَهُمْ مَلَاحِدَةٌ فِي الْبَاطِنِ، خَارِجُونَ عَنْ جَمِيعِ الْمِلَلِ، أَكْفَرُ مِنَ الْغَالِيَةِ كَالنُّصَيْرِيَّةِ، وَمَذْهَبُهُمْ مُرَكَّبٌ مِنْ مَذْهَبِ الْمَجُوسِ وَالصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ، مَعَ إِظْهَارِ التَّشَيُّعِ، وَجَدُّهُمْ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ كَانَ رَبِيبًا لِرَجُلٍ مَجُوسِيٍّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ دَوْلَةٌ وَأَتْبَاعٌ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، مِثْلَ كِتَابِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ الْهَمْدَانِيِّ، وَكِتَابِ الْغَزَالِيِّ، وَنَحْوِهِمْ.
وَمِمَّنَ ادَّعَى أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ ابْنُ التُّومَرْتِ، الَّذِي خَرَجَ أَيْضًا بِالْمَغْرِبِ، وَسَمَّى أَصْحَابَهُ الْمُوَحِّدِينَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ فِي خُطَبِهِمْ: " الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ "، وَ " الْمَهْدِيُّ الْمَعْلُومُ " الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا
_________
(1) ن، م، س: الْمَبْعُوثَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2) م: ادَّعَتْ.
(3) هُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/258)

وَظُلْمًا. وَهَذَا ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ دُونَ الْحُسَيْنِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَافِضِيًّا، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْخِبْرَةِ بِالْحَدِيثِ مَا ادَّعَى بِهِ دَعْوَى تُطَابِقُ الْحَدِيثَ.
وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِثْلُ عِدَّةٍ آخَرِينَ ادَّعُوْا ذَلِكَ: مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ (1) ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فِيهِ أَصْحَابُهُ، وَهَؤُلَاءِ كَثِيرُونَ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَرُبَّمَا حَصَلَ بِأَحَدِهِمْ نَفْعٌ لِقَوْمٍ، وَإِنْ حَصَلَ بِهِ ضَرَرٌ لِآخَرِينَ، كَمَا حَصَلَ بِمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِ: انْتَفَعَ بِهِ طَوَائِفُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ طَوَائِفُ (2) ، وَكَانَ فِيهِ مَا يُحْمَدُ وَإِنْ كَانَ (3) فِيهِ مَا يُذَمُّ.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ وَأَمْثَالُهُ خَيْرٌ مِنْ مَهْدِيِّ الرَّافِضَةِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الدِّينِ، بَلْ حَصَلَ بِاعْتِقَادِ وُجُودِهِ مِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، مَالَا يُحْصِيهِ إِلَّا رَبُّ الْعِبَادِ.
وَأَعْرِفُ فِي زَمَانِنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، الَّذِينَ فِيهِمْ زُهْدٌ وَعِبَادَةٌ، يَظُنُّ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، وَرُبَّمَا يُخَاطَبُ أَحَدُهُمْ بِذَلِكَ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَيَكُونُ الْمُخَاطِبُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّيْطَانَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ خِطَابٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ.
وَيَكُونُ أَحَدُهُمُ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَيُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ سَوَاءٌ،
_________
(1) ن، س، ب: مِنْهُمْ مَنْ قُبِلَ. وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م) وَرَجَّحْتُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ.
(2) س: وَانْتَصَرَ بِهِ طَوَائِفُ، ب: وَانْضَرَّ بِهِ طَوَائِفُ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ن) وَسَقَطَتِ الْعِبَارَةُ مِنْ (م) .
(3) ب: وَكَانَ.
(8/259)

وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ هُوَ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ ; فَقَدْ وَاطَأَ اسْمُكَ اسْمَهُ، وَاسْمُ أَبِيكَ اسْمَ أَبِيهِ.
وَمَعَ هَذَا فَهَؤُلَاءِ - مَعَ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجَهْلِ وَالْغَلَطِ - كَانُوا خَيْرًا مِنْ مُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ، وَيَحْصُلُ بِهِمْ (1) مِنَ النَّفْعِ مَا لَا يَحْصُلُ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ مَا حَصَلَ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ، بَلْ مَا حَصَلَ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ مِنَ الضَّرَرِ أَكْثَرُ مِنْهُ (2) .

[فصل الثاني قوله يجب في كل زمان إمام معصوم ولا معصوم غير هؤلاء والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " الثَّانِي: أَنَّا (4) قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِمَامٌ مَعْصُومٌ، وَلَا مَعْصُومَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ إِجْمَاعًا " (5) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَنْعُ (6) الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: مَنْعُ طَوَائِفَ لَهُمُ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ (7) .
_________
(1) ن، م، س: بِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(2) ن: وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ إِلَّا مَا حَصَلَ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ، م: لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِنَ الضَّرَرِ إِلَّا مَا حَصَلَ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ، س: وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ إِلَّا مَا حَصَلَ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ، بَلْ مَا حَصَلَ بِمُنْتَظَرِ الرَّافِضَةِ مِنَ الضَّرَرِ أَكْثَرُ مِنْهُ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) .
(3) فِي (ك) ص 193 (م)
(4) ك: أَنَّهُ
(5) ك: هَؤُلَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - إِجْمَاعًا.
(6) ن، س: نَمْنَعُ، ب: نَمْنَعُ.
(7) الْمَعْنَى هُنَا أَنَّ طَوَائِفَ مِنَ الشِّيعَةِ تُنْكِرُ قَوْلَ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ وَتَقُولُ: إِنَّ هُنَاكَ أَئِمَّةً مَعْصُومِينَ غَيْرُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
(8/260)

الثَّالِثُ (1) : أَنَّ هَذَا الْمَعْصُومَ الَّذِي يَدَّعُونَهُ فِي وَقْتٍ مَا لَهُ مُذْ وُلِدَ عِنْدَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ (2) أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ; فَإِنَّهُ دَخَلَ السِّرْدَابَ عِنْدَهُمْ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ خَمْسُ سِنِينَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ آخَرِينَ (3) ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَقَلُّ النَّاسِ تَأْثِيرًا (4) ، مِمَّا يَفْعَلُهُ آحَادُ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، فَضْلًا عَمَّا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ. فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِلْوُجُودِ (5) فِي مِثْلِ هَذَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَعْدُومًا؟ !
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهَذَا الْمَعْصُومِ، أَيُّ لُطْفٍ وَأَيُّ مَنْفَعَةٍ (6) حَصَلَتْ لَهُمْ بِهِ نَفْسِهِ فِي دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ؟ !
وَهَلْ هَذَا إِلَّا أَفْسَدُ مِمَّا يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ فِي الْقُطْبِ وَالْغَوْثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءٍ يُعَظِّمُونَ مُسَمَّاهَا، وَيَدَّعُونَ فِي مُسَمَّاهَا (7) مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ رُتْبَةِ (8) النُّبُوَّةِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ الِانْتِفَاعُ الْمَذْكُورُ فِي مُسَمَّى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ.
_________
(1) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: الثَّانِي الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، الثَّالِثُ. . إِلَخْ وَسَبَقَ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَمَا ذُكِرَ فِي النُّسَخِ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَعَلَّ فِي الْكَلَامِ نَقْصًا أَوْ تَحْرِيفًا، وَرَأَيْتُ أَنَّ حَذْفَهُ أَوْلَى.
(2) ن، س: لَهُ قَدْ وُلِدَ عِنْدَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ب: قَدْ وُلِدَ عِنْدَهُمْ لِأَكْثَرَ مِنْ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (م) وَهُوَ الصَّوَابُ.
(3) ن، م، س وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ آخَرِينَ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) .
(4) ن: تَأْبِيرًا، س، ب: تَأْمِيرًا.
(5) لِلْوُجُودِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(6) م: مَصْلَحَةٍ.
(7) عِبَارَةُ: " وَيَدَّعُونَ فِي مُسَمَّاهَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8) ن: رِيبَةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8/261)

وَكَمَا يَدَّعِي كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَيَاةَ الْخَضِرِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا بِهَذِهِ الدَّعْوَى مَنْفَعَةً: لَا فِي دِينِهِمْ، وَلَا فِي دُنْيَاهُمْ.
وَإِنَّمَا غَايَةُ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ جَرَيَانَ بَعْضِ مَا يُقَدِّرُهُ (1) اللَّهُ عَلَى يَدَيْ (2) مِثْلِ هَؤُلَاءِ. وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ (3) لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ (4) إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ لَوْ كَانَ حَقًّا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَا يَدَّعُونَهُ بَاطِلًا؟ !
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَتَمَثَّلُ لَهُ الْجِنِّيُّ فِي صُورَةٍ، وَيَقُولُ: أَنَا الْخَضِرُ، وَيَكُونُ كَاذِبًا. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ رِجَالَ الْغَيْبِ وَرُؤْيَتَهُمْ إِنَّمَا رَأَوُا الْجِنَّ، وَهُمْ رِجَالٌ غَائِبُونَ، وَقَدْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِنْسٌ. وَهَذَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ تَطُولُ حِكَايَتُهَا مِمَّا تَوَاتَرَ عِنْدَنَا.
وَهَذَا الَّذِي تَدَّعِيهِ الرَّافِضَةُ إِمَّا مَفْقُودٌ عِنْدَهُمْ، وَإِمَّا مَعْدُومٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا مَنْفَعَةَ لِأَحَدٍ بِهِ، لَا فِي دِينٍ وَلَا [فِي] دُنْيَا (5) . فَمَنْ عَلَّقَ بِهِ دِينَهُ بِالْمَجْهُولَاتِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهَا (6) كَانَ ضَالًّا فِي دِينِهِ ; لِأَنَّ مَا عَلَّقَ بِهِ دِينَهُ لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةٌ، فَهَلْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا جَاهِلٌ؟ !
لَكِنَّ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ حَيَاةَ الْخَضِرِ لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ طَاعَتُهُ، مَعَ أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ حَيًّا مَوْجُودًا.
_________
(1) ن، س، ب: مَا يُقَدِّرُ.
(2) م: عَلَى يَدِ.
(3) س، ب: أَنَّهُمْ.
(4) (4 - 4) سَاقِطٌ مِنْ (س) (ب) .
(5) ن: وَلَا دُنْيَا.
(6) س، ب: مَوْتُهَا وَهُوَ تَحْرِيفٌ، ن، م: الْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ وَأَحْسَبُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(8/262)

[فصل الفضائل التي اشتمل كل واحد من الأئمة عليها الموجبة لكونه إماما والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " الثَّالِثُ: الْفَضَائِلُ الَّتِي اشْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهَا الْمُوجِبَةُ لِكَوْنِهِ إِمَامًا ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تِلْكَ الْفَضَائِلَ غَايَتُهَا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَهْلًا أَنْ تُعْقَدَ (2) لَهُ الْإِمَامَةُ، لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ إِمَامًا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَهْلًا، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الرَّجُلُ قَاضِيًا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْإِمَامَةِ ثَابِتَةٌ لِآخَرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ كَثُبُوتِهَا لِهَؤُلَاءِ، وَهُمْ أَهْلٌ أَنْ يَتَوَلَّوُا الْإِمَامَةَ، فَلَا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ، وَلَمْ يَصِيرُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةً.
الثَّالِثُ: أَنَّ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْهُمْ مَعْدُومٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ ; فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَسْكَرِيَّيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِنْ طَبَقَةِ أَمْثَالِهِمَا لَمْ يُعْلَمْ لَهَا تَبْرِيزٌ فِي عِلْمٍ أَوْ دِينٍ، كَمَا عُرِفَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
_________
(1) فِي (ك) ص 193 (م) .
(2) م: أَنْ تُعْتَقَدَ
(8/263)

[باب الفصل الخامس من كلام الرافضي أن من تقدم عليا لم يكن إماما والرد عليه]
بَابٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ (2) مَنْ تَقَدَّمَهُ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ (3) ".
قُلْتُ: وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُبَايِعْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُلْطَانٌ يُقِيمُونَ بِهِ الْحُدُودَ (4) ، وَيُوَفُّونَ بِهِ الْحُقُوقَ، وَيُجَاهِدُونَ بِهِ الْعَدُوَّ، وَيُصَلُّونَ بِالْمُسْلِمِينَ الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ - فَهَذَا بُهْتٌ وَمُكَابَرَةٌ. فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ، وَالرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَتَوَلَّوُا الْإِمَامَةَ لَمْ تَقْدَحْ فِيهِمُ الرَّافِضَةُ.
لَكِنْ هُمْ يُطْلِقُونَ ثُبُوتَ الْإِمَامَةِ وَانْتِفَاءَهَا وَلَا يُفَصِّلُونَ (5) : هَلِ الْمُرَادُ ثُبُوتُ نَفْسِ الْإِمَامَةِ وَمُبَاشَرَتُهَا؟ أَوْ نَفْسُ اسْتِحْقَاقِ وِلَايَةِ الْإِمَامَةِ؟
وَيُطْلِقُونَ لَفْظَ " الْإِمَامِ " عَلَى الثَّانِي، وَيُوهِمُونَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ.
_________
(1) فِي (ك) ص 194 (م) . وَفِي هَامِشِ (ك) أَمَامَ هَذَا الْمَوْضِعِ كُتِبَ مَا يَلِي: " فِي بُطْلَانِ إِمَامَةِ الثَّلَاثَةِ ".
(2) ك: فِي أَنَّ.
(3) ك: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ.
(4) م: الْحَدَّ.
(5) ن: وَلَا يُفَضِّلُونَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8/264)

وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَصْلُحُونَ لِلْإِمَامَةِ، وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَصْلُحُ لَهَا دُونَهُمْ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ أَصْلَحَ لَهَا مِنْهُمْ - فَهَذَا كَذِبٌ، وَهُوَ مَوْرِدُ النِّزَاعِ.
وَنَحْنُ نُجِيبُ فِي ذَلِكَ جَوَابًا عَامًّا كُلِّيًّا، ثُمَّ نُجِيبُ بِالتَّفْصِيلِ.
أَمَّا الْجَوَابُ الْعَامُّ الْكُلِّيُّ فَنَقُولُ: نَحْنُ عَالِمُونَ بِكَوْنِهِمْ أَئِمَّةً صَالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ عِلْمًا يَقِينًا قَطْعِيًّا، وَهَذَا لَا يَتَنَازَعُ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ الرَّافِضَةِ، بَلْ أَئِمَّةُ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورُهَا يَقُولُونَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَّةِ.
وَهَذَا الَّذِي نَعْلَمُهُ وَنَقْطَعُ بِهِ وَنَجْزِمُ بِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا ظَنِّيٍّ. أَمَّا الْقَطْعِيُّ: فَلِأَنَّ الْقَطْعِيَّاتِ لَا يَتَنَاقَضُ مُوجِبُهَا وَمُقْتَضَاهَا. وَأَمَّا الظَّنِّيَّاتُ: فَلِأَنَّ الظَّنِّيَّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يُورِدُهُ الْقَادِحُ فَلَا يَخْلُو عَنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا نَقْلٌ لَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، أَوْ لَا نَعْلَمُ دَلَالَتَهُ عَلَى بُطْلَانِ إِمَامَتِهِمْ، وَأَيُّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ يَصْلُحْ لِمُعَارَضَتِهِ مَا عُلِمَ قَطْعًا.
وَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى ثُبُوتِ إِمَامَتِهِمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْنَا أَنْ نُجِيبَ عَنِ الشُّبَهِ (1) الْمُفَضِّلَةِ، كَمَا أَنَّ مَا عَلِمْنَاهُ قَطْعًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْنَا أَنْ نُجِيبَ عَمَّا يُعَارِضُهُ مِنَ الشُّبَهِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ مَا عُلِمَ أَيْضًا يَقِينًا بِالظَّنِّ، سَوَاءٌ كَانَ نَاظِرًا أَوْ مُنَاظِرًا. بَلْ إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ فَسَادِ الشُّبْهَةِ وَبَيَّنَهُ لِغَيْرِهِ، كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةَ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ
_________
(1) ن، م، س: السُّنَّةِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8/265)

وَتَأْيِيدٍ لِلْحَقِّ (1) فِي النَّظَرِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ. وَسَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَدِلَّةَ الْكَثِيرَةَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ لِلْإِمَامَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَحَقَّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ (2) .

[فصل قال الرافضي الأول قول أبي بكر إن لي شيطانا يعتريني والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : الْأَوَّلُ: " قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: إِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زُغْتُ فَقَوِّمُونِي. وَمِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ تَكْمِيلُ الرَّعِيَّةِ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْكَمَالَ؟ "
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي " يَعْنِي [عِنْدَ] (4) الْغَضَبِ " فَإِذَا اعْتَرَانِي فَاجْتَنِبُونِي لَا أُؤَثِّرُ فِي أَبْشَارِكُمْ (5) ". وَقَالَ: " أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ، فَإِنْ عَصَيْتُ اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ ". وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَعْظَمِ مَا يُمْدَحُ بِهِ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________
(1) ن، س، ب: فِي الْحَقِّ.
(2) ن، م: مِنْ غَيْرِهَا.
(3) فِي (ك) ص 194 (م) .
(4) عِنْدَ: سَاقِطَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ. وَإِثْبَاتُهَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ.
(5) ن، س: أُوثِرُ فِي إِيثَارِكُمْ، م، ب: أُوتِرُ فِي إِيتَارِكُمْ وَوَجَدْتُ هَذَا النَّصَّ فِي كِتَابِ " أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ " لِلْأُسْتَاذِ عَلِيٍّ الطَّنْطَاوِيِّ (ط. الْمَطْبَعَةِ السَّلَفِيَّةِ، الطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ، الْقَاهِرَةِ 1372) نَقْلًا عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُوَافَقَةِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وَنَصُّهُ فِيهِ: " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَمَعِي شَيْطَانٌ يَعْتَرِينِي فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي غَضِبْتُ فَقُومُوا عَنِّي، لَا أُؤَثِّرُ فِي أَشْعَارِكُمْ وَأَبْشَارِكُمْ " فَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(8/266)

الثَّانِي: أَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يَعْتَرِيهِ قَدْ فُسِّرَ بِأَنَّهُ يَعْرِضُ لِابْنِ آدَمَ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَخَافَ عِنْدَ الْغَضَبِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الرَّعِيَّةِ ; فَأَمَرَهُمْ بِمُجَانَبَتِهِ عِنْدَ الْغَضَبِ.
كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» " (1) ; فَنَهَى عَنِ الْحُكْمِ عِنْدَ (2) الْغَضَبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ (3) أَبُو بَكْرٍ، أَرَادَ أَنْ لَا يَحْكُمَ وَقْتَ الْغَضَبِ، وَأَمَرَهُمْ (4) أَنْ لَا يَطْلُبُوا مِنْهُ حُكْمًا، أَوْ يَحْمِلُوهُ (5) عَلَى حُكْمٍ فِي هَذَا الْحَالِ. وَهَذَا مِنْ طَاعَتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: الْغَضَبُ يَعْتَرِي بَنِي آدَمَ كُلَّهُمْ، حَتَّى قَالَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ: " «اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ (6) : أَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً
_________
(1) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْبُخَارِيِّ 9/65 (كِتَابُ الْأَحْكَامِ، بَابُ هَلْ يَقْضِي الْحَاكِمُ أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ) وَلَفْظُهُ: " لَا يَقْضِيَنَّ حُكْمًا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ". وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 3/1342 - 1343 (كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ) . وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ.
(2) ب: فِي.
(3) س، ب: أَرَادَ.
(4) م: فَأَمَرَهُمْ.
(5) ن، م، س: أَوْ يَحْمِلُونَهُ.
(6) ن، م، س: لَنْ تَخْلُفَهُ.
(8/267)

وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (1) .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَغْضَبَاهُ ; فَسَبَّهُمَا وَلَعَنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ (2) أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ مَا أَصَابَ هَذَانِ [الرَّجُلَانِ] (3) . قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا. قَالَ: " أَوَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ . قُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ (4) فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا» (5) "، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: " «إِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ
_________
(1) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْبُخَارِيِّ 8/77 (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً) مُسْلِمٍ 4/2008 - 2009 (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَبَّهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ. . . إِلَخْ) وَجَاءَ حَدِيثٌ مُقَارِبٌ فِي مَعْنَاهُ وَلَفْظِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/298 (كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . وَجَاءَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ الْأَرْقَامُ: 7309، 8184، كَمَا جَاءَ حَدِيثُ سَلْمَانَ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/437.
(2) ن: لِمَنْ، م: أَلِمَنْ
(3) الرَّجُلَانِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4) ن، م: لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ.
(5) الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي مُسْلِمٍ 4/2007 (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. . إِلَخْ) . وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَائِشَةَ مُقَارِبٌ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/52.
(8/268)

أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ (1) لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً» " (2) .
وَأَيْضًا فَمُوسَى رَسُولٌ كَرِيمٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ (3) غَضَبِهِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ (4) .
فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي الرِّسَالَةِ، فَكَيْفَ يَقْدَحُ فِي الْإِمَامَةِ؟ ! مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَ أَبَا بَكْرٍ بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى فِي لِينِهِ وَحِلْمِهِ، وَشَبَّهَ عُمَرَ بِنُوحٍ وَمُوسَى فِي شِدَّتِهِ فِي اللَّهِ. فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشِّدَّةُ لَا تُنَافِي الْإِمَامَةَ، فَكَيْفَ تُنَافِيهَا شِدَّةُ أَبِي بَكْرٍ؟ !
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَصَدَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ (5) أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَأَيُّمَا (6) أَكْمَلُ: هَذَا أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ غَضِبَ عَلَى مَنْ عَصَاهُ، وَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ بِالسَّيْفِ، وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ؟
فَإِنْ قِيلَ: كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ الْقِتَالَ بِمَعْصِيَةِ الْإِمَامِ وَإِغْضَابِهِ.
قِيلَ: وَمَنْ عَصَى أَبَا بَكْرٍ وَأَغْضَبَهُ كَانَ أَحَقَّ بِذَلِكَ، لَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَرَكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، إِنْ كَانَ عَلِيٌّ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: مَنْ عَصَى
_________
(1) م: وَلَيْسَ
(2) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مُسْلِمٍ 4/2009 - 2010 (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. . إِلَخْ) .
(3) ن، م، س: مَنَّ
(4) ذَكَرَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - غَضَبَ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ. .) الْآيَةَ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 154] ، وَقَوْلِهِ: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا. .) [سُورَةُ طه 86] .
(5) ب: احْتِرَازَ.
(6) ن، م: فَإِنَّمَا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8/269)

عَلِيًّا وَأَغْضَبَهُ جَازَ أَنَّهُ يُقَاتِلُهُ، وَمَنْ عَصَى أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْدِيبُهُ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ أَكْمَلُ (1) مِنَ الَّذِي فَعَلَهُ عَلِيٌّ.
وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ رَجُلًا أَغْضَبَ أَبَا بَكْرٍ. قَالَ (2) : فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) . فَلَمْ يَسْتَحِلَّ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ.
وَالْعُلَمَاءُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا سَبَّهُ إِلَّا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي الدِّمَاءِ إِلَّا الرَّسُولُ.
وَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَمَا آذَاهُ بِكَلِمَةٍ، فَضْلًا عَنْ فِعْلٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ امْتَنَعُوا عَنْ بَيْعَتِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَمَا أَزْعَجَهُمْ، وَلَا (4) أَلْزَمَهُمْ بَيْعَتَهُ. فَهَلْ هَذَا كُلُّهُ إِلَّا مِنْ كَمَالِ وَرَعِهِ عَنْ أَذَى الْأُمَّةِ، وَكَمَالِ عَدْلِهِ وَتَقْوَاهُ؟
وَهَكَذَا قَوْلُهُ: فَإِذَا اعْتَرَانِي فَاجْتَنِبُونِي.
الْخَامِسُ: أَنَّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(1) س، ب: أَكْبَرُ.
(2) قَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(3) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي: سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/100 - 102 (كِتَابُ تَحْرِيمِ الدَّمِ، بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَابُ ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الْأَعْمَشِ. .) .
(4) س، ب: وَمَا.
(8/270)

وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ ". قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ (1) فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» " (2) .
وَفِي الصَّحِيحِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَعِي (3) شَيْطَانٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَتْ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَتْ: " وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَلَكِنَّ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ» (4) . وَالْمُرَادُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ: اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ لِي. وَمَنْ قَالَ: حَتَّى أَسْلَمَ أَنَا، فَقَدْ حَرَّفَ مَعْنَاهُ. وَمَنْ قَالَ: الشَّيْطَانُ صَارَ مُؤْمِنًا (5) ، فَقَدْ حَرَّفَ لَفْظَهُ.
وَقَدْ قَالَ مُوسَى لَمَّا قَتَلَ الْقِبْطِيَّ: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [سُورَةُ الْقَصَصِ: 15] ، وَقَالَ فَتَى مُوسَى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 63] . وَذَكَرَ اللَّهُ فِي قِصَّةِ آدَمَ وَحَوَّاءَ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 36] ، وَقَوْلُهُ:
_________
(1) م: إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعَانَنِي عَلَيْهِ.
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى.
(3) م: وَمَعِي. .
(4) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي: مُسْلِمٍ 4/2168 (كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، بَابُ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ. . .) وَنَصُّهُ. . أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا. قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: " مَالَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَمَعِي شَيْطَانٌ؟ . . الْحَدِيثَ، وَهُوَ فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/115
(5) س، ب: مَأْمُونًا.
(8/271)

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 20] .
فَإِذَا كَانَ عَرْضُ (1) الشَّيْطَانِ لَا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فَكَيْفَ يَقْدَحُ فِي إِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ؟ !
وَإِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ مُئَوَّلَةٌ.
قِيلَ لَهُ: فَيَجُوزُ لِغَيْرِكَ أَنْ يَتَأَوَّلَ قَوْلَ الصِّدِّيقِ، لِمَا ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِيمَانِهِ وَعِلْمِهِ، وَتَقْوَاهُ وَوَرَعِهِ. فَإِذَا وَرَدَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُعَارِضُ مَا عُلِمَ (2) . وَجَبَ تَأْوِيلُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " فَإِنَ اسْتَقَمْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زُغْتُ فَقَوِّمُونِي "، فَهَذَا مِنْ كَمَالِ عَدْلِهِ وَتَقْوَاهُ، وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ إِمَامٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَوَاجِبٌ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ تُعَامِلَ الْأَئِمَّةَ بِذَلِكَ، فَإِنِ اسْتَقَامَ الْإِمَامُ (3) أَعَانُوهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ زَاغَ وَأَخْطَأَ بَيَّنُوا لَهُ الصَّوَابَ وَدَلُّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ظُلْمًا مَنَعُوهُ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِذَا كَانَ مُنْقَادًا لِلْحَقِّ، كَأَبِي بَكْرٍ، فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِ ذَلِكَ (4) ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُ الظُّلْمِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْهُ، لَمْ يَدْفَعُوا الشَّرَّ الْقَلِيلَ بِالشَّرِّ الْكَثِيرِ.
_________
(1) ن، س: غَرَضُ.
(2) ن، س، ب: مَا وَرَدَ.
(3) الْإِمَامُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(4) م: فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
(8/272)

وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ: " وَمِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ تَكْمِيلُ الرَّعِيَّةِ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُمُ التَّكْمِيلَ؟ "
عَنْهُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّا (1) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِمَامَ يُكَمِّلُهُمْ وَهُمْ لَا يُكَمِّلُونَهُ أَيْضًا (2) ، بَلِ الْإِمَامُ وَالرَّعِيَّةُ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، لَا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، بِمَنْزِلَةِ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالْقَافِلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَالدِّينُ قَدْ عُرِفَ بِالرَّسُولِ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ الْإِمَامِ دِينٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِيهَا بَيِّنًا أَمَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَيِّنًا لِلْإِمَامِ دُونَهُمْ بَيَّنَهُ لَهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِمُ اشْتَوَرُوا فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لِأَحَدٍ مِنَ الرَّعِيَّةِ دُونَ الْإِمَامِ بَيَّنَهُ لَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الِاجْتِهَادُ، فَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَّبَعُ فِي اجْتِهَادِهِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ، وَالْعَكْسُ مُمْتَنِعٌ.
وَهَذَا كَمَا تَقُولُهُ الرَّافِضَةُ الْإِمَامِيَّةُ فِي نُوَّابِ الْمَعْصُومِ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الْكُلِّيَّاتُ فَلَا بُدَّ فِي تَبْيِينِ الْجُزْئِيَّاتِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَحِينَئِذٍ فَكُلُّ إِمَامٍ هُوَ نَائِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا رَيْبَ فِي عِصْمَتِهِ، وَنُوَّابُهُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ نُوَّابِ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ نُوَّابَهُ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومُوا بِمَا قَامَ بِهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ اسْتِخْلَافَهُمْ، فَإِنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُتَوَلٍّ، سَوَاءٌ وَلَّاهُ (3) الرَّسُولُ أَوْ غَيْرُهُ، وَطَاعَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَطَاعَتِهِ فِي
_________
(1) ن، م، س: أَنْ.
(2) م: وَأَيْضًا.
(3) س، ب: وُلَاةُ.
(8/273)

حَيَاتِهِ، وَلَوْ وَلَّى هُوَ رَجُلًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْوُلَاةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَخْلُوقَيْنِ قَدِ اسْتُكْمِلَ بِالْآخَرِ، كَالْمُتَنَاظِرَيْنِ فِي الْعِلْمِ، وَالْمُتَشَاوِرَيْنِ فِي الرَّأْيِ، وَالْمُتَعَاوِنَيْنِ الْمُتَشَارِكَيْنِ فِي مَصْلَحَةِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا. وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ هَذَا فِي الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُمْكِنَاتِ الْمُحْدَثَاتِ فَاعِلٌ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ، غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ ; لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى الدَّوْرِ فِي الْمُؤَثِّرَاتِ وَالتَّسَلْسُلِ فِيهَا، وَأَمَّا الْمَخْلُوقَانِ فَكِلَاهُمَا يَسْتَفِيدُ حَوْلَهُ وَقُوَّتَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا مِنَ الْآخَرِ، فَلَا دَوْرَ فِي ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَا زَالَ الْمُتَعَلِّمُونَ يُنَبِّهُونَ مُعَلِّمَهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ، وَيَسْتَفِيدُهَا الْمُعَلِّمُ مِنْهُمْ، مَعَ أَنَّ عَامَّةَ مَا عِنْدَ الْمُتَعَلِّمِ مِنَ الْأُصُولِ تَلَقَّاهَا مِنْ مُعَلِّمِهِ. وَكَذَلِكَ فِي الصُّنَّاعِ وَغَيْرِهِمْ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اسْتَفَادَ مِنَ الْخَضِرِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ الْهُدْهُدُ لِسُلَيْمَانَ: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [سُورَةُ النَّمْلِ: 22] وَلَيْسَ الْهُدْهُدُ قَرِيبًا مِنْ سُلَيْمَانَ.
وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ، وَكَانَ أَحْيَانًا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فِي الرَّأْيِ. كَمَا (1) قَالَ لَهُ الْحُبَابُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ: أَهُوَ مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّاهُ، أَمْ هُوَ الْحَرْبُ
_________
(1) كَمَا سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/274)

وَالرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ: " بَلْ (1) هُوَ الْحَرْبُ وَالرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ " فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلِ قِتَالٍ. [قَالَ:] (2) فَرَجَعَ إِلَى رَأْيِ الْحُبَابِ (3) .
وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ، كَانَ قَدْ رَأَى أَنْ يُصَالِحَ غَطَفَانَ عَلَى نِصْفِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، وَيَنْصَرِفَ عَنِ الْقِتَالِ. فَجَاءَهُ سَعْدٌ (4) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا فَسَمْعًا وَطَاعَةً، أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ إِنَّمَا فَعَلْتَ هَذَا لِمَصْلَحَتِنَا، فَلَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا يَنَالُونَ مِنْهَا تَمْرَةً (5) إِلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ، فَلَمَّا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ نُعْطِيهِمْ تَمْرَنَا (6) ، مَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَبِلَ مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ (7) .
وَعُمَرُ أَشَارَ عَلَيْهِ لَمَّا أَذِنَ لَهُمْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي نَحْرِ الرِّكَابِ أَنْ يَجْمَعَ أَزْوَادَهُمْ وَيَدْعُوَ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُ (8) .
وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَرُدَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا أَرْسَلَهُ بِنَعْلَيْهِ يُبَشِّرُ مَنْ لَقِيَهُ وَرَاءَ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِالْجَنَّةِ، لَمَّا خَافَ أَنْ يَتَّكِلُوا، فَقَبِلَ مِنْهُ (9) .
_________
(1) بَلْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) قَالَ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(3) انْظُرْ هَذَا الْخَبَرَ فِي: سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 2/272، السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ 2/402، إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ، ص 77 - 78.
(4) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: سَعِيدٌ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(5) م: ثَمَرَةً
(6) ن، م: ثَمَرَنَا.
(7) انْظُرْ هَذَا الْخَبَرَ فِي: سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ 3/234، السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ 3/201 - 202 إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ، ص 235 - 236.
(8) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى.
(9) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى.
(8/275)

وَأَبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ (1) نَصٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ كَانَ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِمَنْ خَالَفَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا نَازَعَهُ [عُمَرُ] (2) فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَنَازَعُوهُ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَنَازَعُوهُ فِي إِرْسَالِ جَيْشِ أُسَامَةَ - لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ، بَلْ بَيَّنَ لَهُمْ دَلَالَةَ النَّصِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ.
وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً، بَلْ يُقْصَدُ بِهَا الْمَصْلَحَةُ، فَهَذِهِ لَيْسَ هُوَ فِيهَا بِأَعْظَمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَا زَادَهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ إِلَّا شَرَفًا وَتَعْظِيمًا، وَلَمْ تُعَظِّمِ الْأُمَّةُ أَحَدًا بَعْدَ نَبِيِّهَا كَمَا عَظَّمَتِ الصِّدِّيقَ، وَلَا أَطَاعَتْ أَحَدًا كَمَا أَطَاعَتْهُ، مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ أَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا، وَلَا رَهْبَةٍ أَخَافَهُمْ بِهَا، بَلِ الَّذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَايَعُوهُ طَوْعًا، مُقِرِّينَ بِفَضِيلَتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ. ثُمَّ مَعَ هَذَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عَهْدِهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي دِينِهِمْ [إِلَّا] (3) وَأَزَالَ الِاخْتِلَافَ بِبَيَانِهِ لَهُمْ، وَمُرَاجَعَتِهِمْ لَهُ. وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَكَانَ عُمَرُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ عُثْمَانُ.
وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ (4) ، فَلَا قَوَّمَهُمْ وَلَا قَوَّمُوهُ، فَأَيُّ الْإِمَامَيْنِ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الْإِمَامَةِ أَكْثَرَ؟ وَأَيُّ الْإِمَامَيْنِ أَقَامَ الدِّينَ وَرَدَّ الْمُرْتَدِّينَ،
_________
(1) م: فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ.
(2) عُمَرُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3) إِلَّا: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ.
(4) س، ب: فَقَاتَلُوهُ.
(8/276)

وَقَاتَلَ الْكَافِرِينَ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ: (1) كَلِمَةُ الْمُؤْمِنِينَ؟ هَلْ يُشَبِّهُ هَذَا بِهَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ فِي غَايَةِ النَّقْصِ مِنَ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ !

[فصل قال الرافضي الثاني قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " الثَّانِي: قَوْلُ عُمَرَ: كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً، وَقَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهَا، فَمَنْ عَادَ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ. وَكَوْنُهَا فَلْتَةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَنْ رَأْيٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ سَأَلَ وِقَايَةَ شَرِّهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ يَعُودُ إِلَى مِثْلِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ (3) يُوجِبُ الطَّعْنَ فِيهِ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ لَفْظَ عُمَرَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ خُطْبَةِ عُمَرَ الَّتِي قَالَ فِيهَا: " ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ: " وَاللَّهِ لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا " فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً، أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدْ وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، مَنْ بَايَعَ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُبَايِعْ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: أَنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ: " وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا
_________
(1) الْكَلِمَةُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(2) فِي (م) ص 194 (م) .
(3) ك: وَكُلُّ ذَلِكَ.
(8/277)

شِئْتُمْ. فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ (1) أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا، كَانَ - وَاللَّهِ - أَنْ أُقَدَّمَ فَيُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي [ذَلِكَ] (2) مِنْ إِثْمٍ أَحَبَّ إِلَيَّ [مِنْ] (3) أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُسَوِّلَ لِي نَفْسِي شَيْئًا عِنْدَ الْمَوْتِ (4) لَا أَجِدُهُ الْآنَ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ (5) .
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فَجْأَةً لَمْ تَكُنْ قَدِ اسْتَعْدَدْنَا لَهَا وَلَا تَهَيَّأْنَا ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مُتَعَيِّنًا لِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ لَهَا النَّاسُ ; إِذْ كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا، وَلَيْسَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ مَنْ يَجْتَمِعُ النَّاسُ عَلَى تَفْضِيلِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ كَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي أَبِي بَكْرٍ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعَةِ رَجُلٍ دُونَ مَلَأٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتُلُوهُ. وَهُوَ لَمْ يَسْأَلْ وِقَايَةَ شَرِّهَا، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّ الْفِتْنَةِ بِالِاجْتِمَاعِ (6) .

[فصل قال الرافضي الثالث قصورهم في العلم والتجاؤهم في أكثر الأحوال إلى علي والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (7) : " الثَّالِثُ: قُصُورُهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْتِجَاؤُهُمْ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ إِلَى عَلِيٍّ (8) ".
_________
(1) م، س، ب: وَيَدِ.
(2) ذَلِكَ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(3) مِنْ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(4) ن، س: عِنْدَ مَوْتٍ، ب: عِنْدَ مَوْتِي.
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى فِي الْأَصْلِ 1/360 4/435.
(6) ب: بِالْإِجْمَاعِ.
(7) فِي (ك) ص 194 (م) .
(8) ك: وَالِالْتِجَاءُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ إِلَى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(8/278)

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبُهْتَانِ. أَمَّا أَبُو بَكْرٍ: فَمَا عُرِفَ أَنَّهُ اسْتَفَادَ مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا أَصْلًا. وَعَلِيٌّ قَدْ رَوَى عَنْهُ وَاحْتَذَى حَذْوَهُ وَاقْتَدَى بِسِيرَتِهِ. وَأَمَّا عُمَرُ: فَقَدِ (* اسْتَفَادَ عَلِيٌّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَادَ عُمَرُ مِنْهُ. وَأَمَّا عُثْمَانُ: فَقَدْ كَانَ أَقَلَّ عِلْمًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ هَذَا فَمَا كَانَ *) (1) يَحْتَاجُ إِلَى عَلِيٍّ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ شَكَا إِلَى عَلِيٍّ بَعْضَ سُعَاةِ عُمَّالِ عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِكِتَابِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ (2) : لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ.
وَصَدَقَ عُثْمَانُ، وَهَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ وَنُصُبُهَا الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ (3) فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مِنْ أَرْبَعِ طُرُقٍ: أَصَحُّهَا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ (* الَّذِي كَتَبَهُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (4) ، وَعَمِلَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ. وَبَعْدَهُ كِتَابُ *) (5) عُمَرَ (6) .
وَأَمَّا الْكِتَابُ الْمَنْقُولُ عَنْ عَلِيٍّ فَفِيهِ أَشْيَاءُ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ
_________
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(2) س، ب: عَلِيٌّ.
(3) م: التَّوَقُّفِ.
(4) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ (قَالَ النَّابُلْسِيُّ فِي ذَخَائِرِ الْمَوَارِيثِ 3/144 - 145 فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: فِي الزَّكَاةِ وَفِي الْخُمْسِ وَفِي الشَّرِكَةِ وَفِي اللِّبَاسِ وَفِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى) وَهُوَ فِي: الْبُخَارِيِّ 2/116 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ الْعَرَضِ مِنَ الزَّكَاةِ) سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/129 - 131 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابٌ فِي زَكَاةِ السَّائِمَةِ، الْمُسْنَدِ (ط الْمَعَارِفِ 1/183 - 184 (حَدِيثٌ رَقْمُ (72) وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر - رَحِمَهُ اللَّهُ -: " رَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعَ صَحِيحَةٍ ". وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ.
(5) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(6) جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ فِي الزَّكَاةِ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/132 - 134 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ) ; سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 2/66 - 67 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ) ; الْمُوَطَّأِ 1/257 - 259 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ) .
(8/279)

الْعُلَمَاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: " فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خُمُسُ (1) شَاةٍ " ; فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ النُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلِهَذَا كَانَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: إِمَّا مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا خَطَأٌ فِي النَّقْلِ.
وَالرَّابِعُ: كِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، كَانَ قَدْ كَتَبَهُ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى نَجْرَانَ. وَكِتَابُ أَبِي بَكْرٍ هُوَ آخِرُ الْكُتُبِ، فَكَيْفَ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، وَقُضَاتُهُ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَجِئُونَ إِلَيْهِ، بَلْ كَانَ شُرَيْحٌ [الْقَاضِي] (2) وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْقُضَاةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ عَلِيٍّ يَقْضُونَ بِمَا تَعَلَّمُوهُ (3) مِنْ [غَيْرِ] (4) عَلِيٍّ، وَكَانَ شُرَيْحٌ قَدْ تَعَلَّمَ مِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَبِيدَةُ تَعَلَّمَ مِنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَكَانُوا لَا يُشَاوِرُونَهُ فِي عَامَّةِ مَا يَقْضُونَ بِهِ ; اسْتِغْنَاءً بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يَلْتَجِئَانِ إِلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ: كَانَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ، وَالْآنَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ يُبَعْنَ. فَقَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ مَعَ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ (5) أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ.
_________
(1) خَمْسٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) الْقَاضِي: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(3) ن، م، س: يَعْلَمُوهُ.
(4) غَيْرِ: فِي (ب) فَقَطْ.
(5) ن، س: الْجَمَاعَاتِ.
(8/280)

فَهَذَا قَاضِيهِ لَا يَرْجِعُ إِلَى رَأْيِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (1) ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إِنَّمَا مَنَعَ بَيْعَهَا تَقْلِيدًا لِعُمَرَ، لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ. فَإِذَا كَانُوا لَا يَلْتَجِئُونَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكَيْفَ يَلْتَجِئُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهَا، وَفِيهَا مِنَ النُّصُوصِ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي؟ !
وَإِنَّمَا كَانَ يَقْضِي وَلَا يُشَاوِرُ عَلِيًّا، وَرُبَّمَا قَضَى بِقَضِيَّةٍ أَنْكَرَهَا عَلِيٌّ لِمُخَالَفَتِهَا قَوْلَ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، كَابْنَيْ عَمٍّ (2) وَأَخَوَيْنِ (3) أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ قَضَى لَهُ بِالْمَالِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، وَقَالَ: بَلْ يُعْطَى السُّدُسَ، وَيَشْتَرِكَانِ (4) فِي الْبَاقِي. وَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ: زَيْدٍ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ مُقَلِّدِينَ فِي ذَلِكَ أَحَدًا.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ فِي الْجَدِّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَقَوْلُ زَيْدٍ قَالَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الصِّدِّيقِ فَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ جَمَعَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ كِتَابًا كَبِيرًا فِيمَا لَمْ يَأْخُذْ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ; لِكَوْنِ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَتْبَعَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانَ الْمَرْجُوحُ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَرْجُوحِ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَالرَّاجِحُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ أَكْثَرُ، فَكَيْفَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْتَجِئُونَ إِلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ؟ !
_________
(1) ن: لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي رَأْيِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، م: لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي رَأْيِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ.
(2) ن، م، س: كَابْنِ عَمٍّ.
(3) وَأَخَوَيْنِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(4) ن: وَيُشْرَكَانِ.
(8/281)

[فصل قال الرافضي الرابع الوقائع الصادرة عنهم]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " الرَّابِعُ: الْوَقَائِعُ الصَّادِرَةُ عَنْهُمْ (2) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا ".
قُلْنَا: الْجَوَابُ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهَا مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا. وَبَيَانُ الْجَوَابِ (3) عَمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ أَيْسَرُ مِنَ الْجَوَابِ عَمَّا يُنْكَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ لَهُ عِلْمٌ وَعَدْلٌ أَنْ يَجْرَحَهُمْ وَيُزَكِّيَ عَلِيًّا، بَلْ مَتَى زَكَّى عَلِيًّا كَانُوا أَوْلَى بِالتَّزْكِيَةِ، وَإِنْ جَرَحَهُمْ كَانَ قَدْ طَرَقَ الْجَرْحُ إِلَى عَلِيٍّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَالرَّافِضَةُ إِنْ طَرَدَتْ قَوْلَهَا لَزِمَهَا جَرْحُ عَلِيٍّ أَعْظَمَ مِنْ جَرْحِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَمْ تَطْرُدْهُ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ وَتَنَاقُضُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
كَمَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِذَا قَدَحُوا فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ دُونَ نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى، فَمَا يُورِدُ الْكِتَابِيُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ سُؤَالًا إِلَّا وَيَرِدُ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى أَعْظَمُ مِنْهُ، وَمَا يُورِدُ الرَّافِضِيُّ عَلَى إِمَامَةِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا وَيَرِدُ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَمَا يُورِدُهُ (4) الْفَيْلَسُوفُ عَلَى أَهْلِ الْمِلَلِ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِمَّا يَرِدُ عَلَى الْأَقْرَبِ إِلَى الْحَقِّ (5) .
_________
(1) فِي (ك) ص 194 (م) .
(2) ك: مِنْهُمْ.
(3) ن، م: وَبَيَانُ أَنَّ الْجَوَابَ.
(4) س، ب: وَمَا يُورِدُ.
(5) عِبَارَةُ إِلَى الْحَقِّ " سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/282)

وَمِنَ الطُّرُقِ الْحَسَنَةِ فِي مُنَاظَرَةِ هَذَا أَنْ يُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا يُورِدُهُ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ وَمَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهُ ; فَإِنَّ الْمُعَارَضَةَ نَافِعَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ فُهِمَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عُلِمَ الْجَوَابُ عَمَّا يُورِدُ عَلَى الْحَقِّ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْحَيْرَةِ وَالْعَجْزِ عَنِ الْجَوَابِ انْدَفَعَ شَرُّهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ: جَوَابُكَ عَنْ هَذَا هُوَ جَوَابُنَا عَنْ هَذَا.

[فصل قال الرافضي الخامس قوله تعالى " لا ينال عهدي الظالمين " أخبر بأن عهد الإمامة لا يصل إلى الظالم والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 124] أَخْبَرَ بِأَنَّ عَهْدَ الْإِمَامَةِ لَا يَصِلُ إِلَى الظَّالِمِ. وَالْكَافِرُ ظَالِمٌ (2) ; لِقَوْلِهِ: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 254] . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا كُفَّارًا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، إِلَى أَنْ ظَهَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: الْكُفْرُ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ لَمْ يَبْقَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْهُ ذَمٌّ. هَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، بَلْ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 38] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ
_________
(1) فِي (ك) ص 194 (م) .
(2) ظَالِمٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(8/283)

الصَّحِيحِ (1) : " «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» "، وَفِي لَفْظٍ: " «يَهْدِمُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَإِنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» " (2) .
الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِأَفْضَلَ مِمَّنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ (3) ، وَعَامَّتُهُمْ أَسْلَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الَّذِينَ وُلِدُوا عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَلِهَذَا قَالَ (4) أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيًّا (5) مِمَّنْ آمَنَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيًّا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، فَمِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: 26] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ - وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 13 - 14] .
وَقَالَ تَعَالَى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ - قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا} الْآيَةَ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 88 - 89] .
_________
(1) عِبَارَةُ " فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/598 وَأَوَّلُهُ هُنَاكَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ. . .
(3) سَبَقَ هَذَا الْخَبَرُ فِيمَا مَضَى 2/35.
(4) ن، م: كَانَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5) نَبِيًّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/284)

وَطَرْدُ هَذَا: مَنْ تَابَ مِنَ الذَّنْبِ وَغُفِرَ لَهُ (1) لَمْ يَقْدَحْ (2) فِي عُلُوِّ دَرَجَتِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَالرَّافِضَةُ لَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلٌ فَارَقُوا بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ وَدَلَائِلَ الْعُقُولِ، وَالْتَزَمُوا لِأَجْلِ ذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ، كَدَعْوَاهُمْ إِيمَانَ آزَرَ، وَأَبَوَيِ النَّبِيِّ وَأَجْدَادِهِ وَعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُؤْمِنًا مِنْ قُرَيْشٍ: لَا رَجُلٌ وَلَا صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا الثَّلَاثَةُ (3) ، وَلَا عَلِيٌّ، وَإِذَا قِيلَ عَنِ الرِّجَالِ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَالصِّبْيَانُ (4) كَذَلِكَ: عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ.
وَإِنْ قِيلَ: كُفْرُ الصَّبِيِّ لَيْسَ مِثْلَ كُفْرِ الْبَالِغِ.
قِيلَ: وَلَا إِيمَانُ الصَّبِيِّ مِثْلَ إِيمَانِ الْبَالِغِ ; فَأُولَئِكَ يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَهُمْ بَالِغُونَ، وَعَلِيٌّ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَهُوَ دُونَ الْبُلُوغِ.
وَالصَّبِيُّ الْمَوْلُودُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ فِي الدُّنْيَا
_________
(1) س: وَطَرْدُ هَذَا مِنْ بَابِ الذَّنْبِ وَغُفِرَ لَهُ، ب: وَطَرْدُ هَذَا مِنْ بَابِ الذَّنْبِ وَغُفْرَانِهِ لَهُ. .
(2) م: وَلَمْ يَقْدَحْ
(3) ن: وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا الثَّلَاثَةُ.
(4) س، ب: وَالصُّلْبَانُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(8/285)

بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَهَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْبُلُوغِ؟ (1) عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، بِخِلَافِ الْبَالِغِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَكَانَ إِسْلَامُ الثَّلَاثَةِ مُخْرِجًا لَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا إِسْلَامُ عَلِيٍّ، فَهَلْ يَكُونُ مُخْرِجًا لَهُ مِنَ الْكُفْرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِسْلَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهُ مِنَ الْكُفْرِ.
وَأَمَّا كَوْنُ صَبِيٍّ مِنَ الصِّبْيَانِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ لَمْ يَسْجُدْ، فَهُوَ لَمْ يُعْرَفْ ; فَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّ عَلِيًّا أَوِ الزُّبَيْرَ (2) وَنَحْوَهُمَا (3) لَمْ يَسْجُدُوا لِصَنَمٍ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَنَا نَقْلٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ، بَلْ وَلَا مَعَنَا نَقْلٌ مُعَيَّنٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ سَجَدَ لِصَنَمٍ. بَلْ هَذَا يُقَالُ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ قُرَيْشٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَسْجُدُوا لِلْأَصْنَامِ ; وَحِينَئِذٍ فَهَذَا مُمْكِنٌ فِي الصِّبْيَانِ، كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ: أَنَّ أَسْمَاءَ الذَّمِّ: كَالْكُفْرِ، وَالظُّلْمِ، وَالْفِسْقِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ - لَا تَتَنَاوَلُ إِلَّا مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ (* صَارَ مُؤْمِنًا بَعْدَ الْكُفْرِ، وَعَادِلًا بَعْدَ الظُّلْمِ، وَبَرًّا بَعْدَ الْفُجُورِ - فَهَذَا تَتَنَاوَلُهُ أَسْمَاءُ الْمَدْحِ *) (4) دُونَ أَسْمَاءِ الذَّمِّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 124] ، أَيْ:
_________
(1) (1 - 1) سَاقِطٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) م: وَالزُّبَيْرَ.
(3) س، ب: أَوْ نَحْوَهُمَا.
(4) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(8/286)

يَنَالُ الْعَادِلَ دُونَ الظَّالِمِ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ شَخْصًا كَانَ ظَالِمًا ثُمَّ تَابَ وَصَارَ عَادِلًا تَنَاوَلَهُ (1) الْعَهْدُ كَمَا يَتَنَاوَلُهُ سَائِرُ آيَاتِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ.
لِقَوْلِهِ (2) تَعَالَى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ: 22] ، وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} [سُورَةُ الطُّورِ: 17] (3) .
الْخَامِسُ: أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ بَعْدَ إِيمَانِهِ كَافِرٌ، فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. فَكَيْفَ يُقَالُ عَنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ إِيمَانًا: إِنَّهُمْ كُفَّارٌ ; لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سُورَةُ النَّمْلِ: 10 - 11.
السَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} الْآيَةَ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 72 - 73] .
فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَنْ جِنْسِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ ظَلُومٌ جَهُولٌ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْعَذَابِ مَنْ تَابَ. وَنُصُوصُ الْكِتَابِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ لَا بُدَّ أَنْ يَتُوبَ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَسْأَلَةِ الْعِصْمَةِ: هَلِ الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ أَمْ لَا فَيَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ؟ وَالْكَلَامُ فِيهَا مَبْسُوطٌ قَدْ تَقَدَّمَ.
_________
(1) س، ب: يَتَنَاوَلُهُ. .
(2) ب: كَقَوْلِهِ.
(3) م:. . . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
(8/287)

[فصل قال الرافضي السادس قول أبي بكر أقيلوني فلست بخيركم والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " السَّادِسُ: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: " أَقِيلُونِي ; فَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ (2) "، وَلَوْ كَانَ إِمَامًا لَمْ يَجُزْ لَهُ طَلَبُ الْإِقَالَةِ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا: أَوَّلًا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيَّنَ صِحَّتُهُ، وَإِلَّا فَمَا كَلُّ مَنْقُولٍ صَحِيحٌ. وَالْقَدْحُ بِغَيْرِ الصَّحِيحِ لَا يَصِحُّ.
وَثَانِيًا: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ لَمْ تَجُزْ مُعَارَضَتُهُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: الْإِمَامُ لَا يَجُوزُ لَهُ طَلَبُ الْإِقَالَةِ ; فَإِنَّ هَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ طَلَبُ الْإِقَالَةِ إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ؟ بَلْ إِنْ كَانَ قَالَهُ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا (3) إِجْمَاعٌ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ وَلَا نَصٌّ، فَلَا يَجِبُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَهُ فَلَا يَضُرُّ تَحْرِيمُ هَذَا الْقَوْلِ.
وَأَمَّا تَثْبِيتُ كَوْنِ الصِّدِّيقِ قَالَهُ، وَالْقَدْحُ فِي ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَا يُبَالِي مَا يَقُولُ.
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا (4) يَدُلُّ عَلَى الزُّهْدِ فِي الْوِلَايَةِ وَالْوَرَعِ فِيهَا، وَخَوْفِ اللَّهِ أَنْ لَا يَقُومَ بِحُقُوقِهَا. وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا يَقُولُهُ الرَّافِضُةُ: إِنَّهُ كَانَ طَالِبًا لِلرِّيَاسَةِ، رَاغِبًا فِي الْوِلَايَةِ.
_________
(1) فِي (ك) ص 195 (م) .
(2) ك: فَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَعَلِيٌّ فِيكُمْ.
(3) ن، م: مَعْنَاهُ.
(4) ب: وَهَذَا.
(8/288)

[فصل قال الرافضي السابع قول أبي بكر عند موته ليتني سألت رسول هل للأنصار في هذا الأمر حق والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " السَّابِعُ: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْأَمْرِ حَقٌّ؟ وَهَذَا (2) يَدُلُّ عَلَى شَكِّهِ فِي صِحَّةِ بَيْعَةِ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ الَّذِي دَفَعَ الْأَنْصَارَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ لِمَا قَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، بِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " (3) .
وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " (4) فَهُوَ حَقٌّ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الصِّدِّيقَ شَكَّ فِي هَذَا، أَوْ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ فَقَدْ كَذَبَ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي الْخِلَافَةِ نَصِيبٌ؟ فَقَدْ كَذَبَ ; فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الصَّحَابَةِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُشَكَّ فِيهَا ; لِكَثْرَةِ النُّصُوصِ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا النَّقْلِ.
وَإِنْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ، فَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِلصِّدِّيقِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ النَّصَّ،
_________
(1) فِي (ك) ص 195 (م)
(2) وَهَذَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ك) .
(3) ك: بِمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ -: إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ.
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى.
(8/289)

وَاجْتَهَدَ فَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ النَّصَّ. ثُمَّ مِنِ اجْتِهَادِهِ وَوَرَعِهِ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ نَصٌّ يُعِينُهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ (1) ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عِلْمِهِ ; حَيْثُ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ النَّصَّ، وَيَدُلُّ عَلَى وَرَعِهِ ; حَيْثُ خَافَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ، فَأَيُّ قَدْحٍ فِي هَذَا؟ !

[فصل قال الرافضي الثامن قول أبي بكر في مرض موته ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكبسه والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " الثَّامِنُ: قَوْلُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَكْتُ بَيْتَ (3) فَاطِمَةَ لَمْ أَكْبِسْهُ (4) ، وَلَيْتَنِي كُنْتُ فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ ضَرَبْتُ عَلَى يَدِ أَحَدِ (5) الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ هُوَ الْأَمِيرَ، وَكُنْتُ الْوَزِيرَ (6) ; وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِقْدَامِهِ عَلَى بَيْتِ (7) فَاطِمَةَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا فِيهِ " (8) .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَدْحَ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَثْبُتَ اللَّفْظُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَيَكُونَ
_________
(1) ن، م: نَصٌّ بِعَيْنِهِ عَنِ الِاجْتِهَادِ.
(2) فِي (ك) ص 195 (م) .
(3) بَيْتَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) . وَفِي (ك) : بِنْتَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(4) م: لَمْ أَكْتَسِهِ، ك: لَمْ أَكْشِفْهُ.
(5) ن، م: وَلَيْتَنِي كُنْتُ فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ ضَرَبْتُ عَلَى يَدِ أَحَدِ. . .، ك: وَلَيْتَنِي فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ ضَرَبْتُ يَدِي عَلَى يَدِ أَحَدِ.
(6) ك: وَكُنْتُ أَنَا الْوَزِيرَ.
(7) ك: بِنْتِ.
(8) ك:. . فِيهِ، وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْفَضْلَ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ.
(8/290)

دَالًّا دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى الْقَدْحِ، فَإِذَا انْتَفَتْ إِحْدَاهُمَا انْتَفَى الْقَدْحُ، فَكَيْفَ إِذَا انْتَفَى كُلٌّ مِنْهُمَا؟ ! وَنَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَقْدَمْ عَلَى عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذَى، بَلْ وَلَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْمُتَخَلِّفِ عَنْ بَيْعَتِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ كَبَسَ الْبَيْتَ لِيَنْظُرَ هَلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي يُقَسِّمُهُ، وَأَنْ يُعْطِيَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، ثُمَّ رَأَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَهُمْ لَجَازَ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ.
وَأَمَّا إِقْدَامُهُ عَلَيْهِمْ أَنْفُسِهِمْ بِأَذًى، فَهَذَا مَا وَقَعَ فِيهِ قَطُّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِنَّمَا يَنْقُلُ مِثْلَ (1) هَذَا جُهَّالُ الْكَذَّابِينَ، وَيُصَدِّقُهُ حَمْقَى (2) الْعَالَمِينَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الصَّحَابَةَ هَدَمُوا بَيْتَ فَاطِمَةَ، وَضَرَبُوا بَطْنَهَا حَتَّى أَسْقَطَتْ.
وَهَذَا كُلُّهُ دَعْوَى مُخْتَلِقٍ، وَإِفْكٌ مُفْتَرًى، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَرُوجُ إِلَّا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَنْعَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لَيْتَنِي كُنْتُ ضَرَبْتُ عَلَى يَدِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ " فَهَذَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ صِحَّتَهُ، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَخَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
_________
(1) مِثْلَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) .
(2) ن: حَمْقَاءُ.
(8/291)

[فصل قال الرافضي التاسع تجهيز الرسول لجيش أسامة وفيه أبي بكر وعمر وعثمان والرد عليه]
فَصْلٌ
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " التَّاسِعُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جَهِّزُوا جَيْشَ أُسَامَةَ» ، وَكَرَّرَ الْأَمْرَ [بِتَنْفِيذِهِ] (2) ، وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَلَمْ يُنَفِّذْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ (3) مَنْعَهُمْ مِنَ التَّوَثُّبِ (4) عَلَى الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَقْبَلُوا (5) مِنْهُ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ ; فَإِنَّ هَذَا لَا يُرْوَى بِإِسْنَادٍ مَعْرُوفٍ، وَلَا صَحَّحَهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ النَّقْلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْمَنْقُولَاتِ لَا يَسُوغُ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِثُبُوتِهَا، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ أَحَدٍ مَا شَاءَ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ النَّقْلِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي جَيْشِ أُسَامَةَ: لَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُثْمَانُ، وَإِنَّمَا قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ (6) عُمَرُ. وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الصَّلَاةِ حَتَّى مَاتَ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الصُّبْحَ يَوْمَ مَوْتِهِ، وَقَدْ كَشَفَ
_________
(1) فِي (ك) ص 195 (م) .
(2) بِتَنْفِيذِهِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، س) ، (ب) .
(3) ك: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثُمَّ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَرَادَ.
(4) س، ب: الْوَثْبِ.
(5) ك: فَلَمْ يَقْبَلُوهُ. .
(6) فِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(8/292)

سِجْفَ الْحُجْرَةِ، فَرَآهُمْ صُفُوفًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ. فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ هَذَا قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي جَيْشِ أُسَامَةَ؟ !
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ أَرَادَ تَوْلِيَةَ عَلِيٍّ لَكَانَ هَؤُلَاءِ أَعْجَزَ أَنْ يَدْفَعُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكَانَ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ أَطْوَعَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ أَنْ يَدَعُوْا هَؤُلَاءِ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَاتَلَ ثُلُثُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرُ مَعَ عَلِيٍّ لِمُعَاوِيَةَ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَعَهُ نَصًّا، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ نَصٌّ لَقَاتَلَ مَعَهُ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَأْمُرْ عَلِيًّا، فَلَوْ كَانَ عَلِيٌّ هُوَ الْخَلِيفَةَ لَكَانَ يَأْمُرُهُ بِالصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ وَلَمْ يُؤَمِّرْ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَطُّ؟ !
بَلْ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ لِبِلَالٍ: " إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ " (1) ، وَكَذَلِكَ فِي مَرَضِهِ، وَلَمَّا أَرَادَ إِقَامَةَ الْحَجِّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَحُجَّ، وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ تَابِعًا لَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ، بِعَلِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَيَأْمُرُ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ فَيُطِيعُونَهُ، وَقَدْ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ فِي حَجَّةِ سَنَةِ تِسْعٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُؤَمَّرًا عَلَيْهِمْ إِمَامًا لَهُمْ.
_________
(1) سَيَرِدُ هَذَا الْحَدِيثُ مُفَصَّلًا فِيمَا يَلِي فِي هَذَا الْجُزْءِ ص. فَانْظُرْ كَلَامِي عَلَيْهِ هُنَاكَ.
(8/293)

[فصل قال الرافضي العاشر أنه لم يول أبا بكر شيئا من الأعمال وولى عليه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : " الْعَاشِرُ: أَنَّهُ لَمْ يُولِّ (2) أَبَا بَكْرٍ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ، وَوَلَّى عَلَيْهِ " (3) .
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ. بَلِ الْوِلَايَةُ الَّتِي وَلَّاهَا أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْحَجِّ. وَقَدْ وَلَّاهُ غَيْرَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَلَّى مَنْ هُوَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دُونَ أَبِي بَكْرٍ، مِثْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ; فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وِلَايَتَهُ لِكَوْنِهِ نَاقِصًا عَنْ هَؤُلَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ عَدَمَ وِلَايَتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ، بَلْ قَدْ يَتْرُكُ وِلَايَتَهُ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهُ فِي (4) تِلْكَ الْوِلَايَةَ، وَحَاجَتُهُ إِلَيْهِ فِي الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَغَنَائِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْوِلَايَةِ، فَإِنَّهُ هُوَ وَعُمَرُ كَانَا مِثْلَ الْوَزِيرَيْنِ لَهُ. يَقُولُ كَثِيرًا: " دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " وَ " خَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ "، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَسْمُرُ عِنْدَهُ عَامَّةَ لَيْلِهِ.
_________
(1) فِي (ك) ص 196 (م)
(2) ك: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَمْ يُولِّ. .
(3) ب: وَوَلَّى عَلِيًّا، ك: وَوَلَّى غَيْرَهُ.
(4) ن، م، س: مِنْ.
(8/294)

وَعُمَرُ لَمْ يَكُنْ يُوَلِّي أَهْلَ الشُّورَى (1) ، كَعُثْمَانَ (2) ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُمْ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ وَلَّاهُ مِثْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمُعَاوِيَةَ، وَغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهَؤُلَاءِ فِي حُضُورِهِ أَكْمَلُ مِنِ انْتِفَاعِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وِلَايَةٍ يَكْفِي فِيهَا مَنْ دُونَهُمْ.
وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ يَدْخُلُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَلِيهِ عُمَرُ، وَقَالَ لَهُمَا: " «إِذَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى شَيْءٍ لَمْ أُخَالِفْكُمَا» " (3) . وَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْوَفْدُ شَاوَرَهُمَا، فَقَدْ يُشِيرُ هَذَا بِشَيْءٍ، وَيُشِيرُ هَذَا بِشَيْءٍ ; وَلِذَلِكَ شَاوَرَهُمَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ، وَكَانَ مُشَاوَرَتُهُ لِأَبِي بَكْرٍ أَغْلَبَ، وَاجْتِمَاعُهُ (4) بِهِ أَكْثَرَ. هَذَا أَمْرٌ يَعْلَمُهُ مَنْ تَدَبَّرَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي يَطُولُ ذِكْرُهَا.

[فصل قال الرافضي الحادي عشر أن رسول الله أنفذه لأداء سورة براءة ثم رده والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (5) : " الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْفَذَهُ لِأَدَاءِ سُورَةِ بَرَاءَةَ، ثُمَّ أَنْفَذَ عَلِيًّا (6) ، وَأَمَرَهُ بِرَدِّهِ، وَأَنْ يَتَوَلَّى هُوَ ذَلِكَ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ لِأَدَاءِ سُورَةٍ أَوْ بَعْضِهَا، فَكَيْفَ (7) يَصْلُحُ
_________
(1) ن، س: وَعُمَرُ لَمْ يَكُنْ يُوَالِي أَهْلَ الشُّورَى، م: وَعُمَرُ لَمْ يَكُونُوا فِي أَهْلِ الشُّورَى.
(2) س: وَعُثْمَانَ، ب: عُثْمَانَ.
(3) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 6/156 وَنَصُّهُ هُنَاكَ: " لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا ".
(4) س، ب: فَاجْتِمَاعُهُ.
(5) فِي (ك) ص 196 (م) .
(6) ك: ثُمَّ أَنْقَذَ عَلِيًّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَلْفَهُ.
(7) ك: كَيْفَ. .
(8/295)

لِلْإِمَامَةِ الْعَامَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِأَدَاءِ الْأَحْكَامِ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ؟ ! "
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِالتَّوَاتُرِ الْعَامِّ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، لَمْ يَرُدَّهُ وَلَا رَجَعَ، بَلْ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، وَعَلِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ، يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ، وَيَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ كَسَائِرِ مَنْ مَعَهُ.
وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَمْ يَخْتَلِفِ اثْنَانِ فِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي أَقَامَ الْحَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ أَمَرَهُ بِرَدِّهِ؟ !
وَلَكِنْ أَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ (1) لِيَنْبِذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عَهْدَهُمْ ; لِأَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ جَارِيَةً أَنْ لَا يَعْقِدَ الْعُقُودَ (2) وَلَا يَحُلَّهَا إِلَّا الْمُطَاعُ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ م: وَفِي الصَّحِيحِ (3) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: " أَنْ (4) : «لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» " (5) ، وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(1) بِعَلِيٍّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(2) ن، س، ب: الْعُهُودَ.
(3) .
(4) أَنْ سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ ص 475.
(8/296)

وَسَلَّمَ - بِعَلِيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، فَأَذَّنَ عَلِيٌّ مَعَنَا (1) فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ، وَبِأَنْ (2) لَا يَحُجَّ (* بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» . قَالَ: فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ *) (3) عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ - الَّتِي حَجَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْرِكٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ (4) : " وَمَا حَصَلَ فِي حَجَّةِ الصِّدِّيقِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَطَبَ بِالنَّاسِ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ وَالْجَمْعِ الْعَظِيمِ، وَالنَّاسُ مُنْصِتُونَ لِخُطْبَتِهِ، يُصَلُّونَ خَلْفَهُ، وَعَلِيٌّ مِنْ جُمْلَتِهِمْ. وَفِي السُّورَةِ فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ وَذِكْرُ الْغَارِ، فَقَرَأَهَا عَلِيٌّ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ ".
وَتَأْمِيرُهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ هَذَا كَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ؟ " (5) ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الرَّافِضِيَّ وَنَحْوَهُ مِنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ وَسِيرَتِهِ وَأُمُورِهِ وَوَقَائِعِهِ، يَجْهَلُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ مَعْلُومٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالسِّيرَةِ، وَيَجِيئُونَ إِلَى مَا وَقَعَ فَيَقْبَلُونَهُ، وَيُزِيدُونَ فِيهِ وَيُنْقِصُونَ.
وَهَذَا الْقَدْرُ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِضِيُّ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَهُوَ فِعْلُ شُيُوخِهِ وَسَلَفِهِ
_________
(1) ن، م: مَعَنَا عَلِيٌّ.
(2) ن، س: بِأَنْ م: أَنْ.
(3) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(4) لَمْ أَجِدِ الْكَلَامَ التَّالِيَ بِنَصِّهِ فِيمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ: الْفِصَلِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ كَلَامًا مُقَارِبًا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ التَّالِي فِي الْفِصَلِ 4/222.
(5) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/501.
(8/297)

الَّذِينَ قَلَّدَهُمْ، وَلَمْ يُحَقِّقْ مَا قَالُوهُ، وَيُرَاجِعْ (1) مَا هُوَ الْمَعْلُومُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَهُمْ، الْمَعْلُومُ لِعَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: " الْإِمَامَةُ الْعَامَّةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِأَدَاءِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَى الْأُمَّةِ ".
قَوْلٌ بَاطِلٌ ; فَالْأَحْكَامُ كُلُّهَا قَدْ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا، لَا تَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ، إِلَّا كَمَا تَحْتَاجُ إِلَى نَظَائِرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَتْ عَامَّةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهَا عِنْدَ الصَّحَابَةِ مَعْلُومَةً، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا زَمَنَ الصِّدِّيقِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، إِلَّا وَاتَّفَقُوا بَعْدَ النِّزَاعِ بِالْعِلْمِ الَّذِي (2) كَانَ يُظْهِرُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ يَعْلَمُ عَامَّةَ الشَّرِيعَةِ، وَإِذَا خَفِيَ عَنْهُ (3) الشَّيْءُ الْيَسِيرُ سَأَلَ عَنْهُ الصَّحَابَةَ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ (4) ، كَمَا «سَأَلَهُمْ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ (5) ، فَأَخْبَرَهُ مَنْ أَخْبَرَهُ مِنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا (6) السُّدُسَ» (7) .
_________
(1) ن، م، س: رَاجَعَ.
(2) س، ب: بِالَّذِي.
(3) م: عَلَيْهِ.
(4) م: عِلْمٌ مِنْ ذَلِكَ.
(5) س، ب: الْجَدِّ.
(6) س، ب: أَعْطَاهُ.
(7) فِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ 6/261 وَلَنَا مَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ قَالَ: " جَاءَتِ الْجَدَّاتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - شَيْءٌ، وَمَا أَعْلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا وَلَكِنِ ارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْطَاهَا السُّدُسَ ; فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَأَمْضَاهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ".
(8/298)

وَلَمْ يُعْرَفْ لِأَبِي بَكْرٍ فُتْيَا وَلَا حُكْمٌ خَالَفَ نَصًّا، وَقَدْ عُرِفَ لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ (1) ، وَالَّذِي عُرِفَ لِعَلِيٍّ أَكْثَرُ مِمَّا عُرِفَ لَهُمَا (2) .
مِثْلَ قَوْلِهِ فِي [الْحَامِلِ] (3) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِنَّهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ لَمَّا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ: " حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ "، وَلَمَّا قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا السَّنَابِلِ قَالَ: مَا أَنْتِ بِنَاكِحَةٍ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْكِ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ. قَالَ: " كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» " (4) .
وَقَدْ جَمَعَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " خِلَافُ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ " مِنْ أَقْوَالِ عَلِيٍّ الَّتِي تَرَكَهَا النَّاسُ لِمُخَالَفَتِهَا النَّصَّ أَوْ مَعْنَى النَّصِّ جُزْءًا كَبِيرًا.
وَجَمَعَ بَعْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ; فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا نَاظَرَهُ الْكُوفِيُّونَ يَحْتَجُّ بِالنُّصُوصِ، فَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَخَذْنَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَمَعَ لَهُمْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً (5) مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ تَرَكُوهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ، يَقُولُ: إِذَا جَازَ لَكُمْ خِلَافُهُمَا (6) فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى خِلَافِهِمَا (7) ، فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ. وَلَمْ يُعْرَفْ لِأَبِي بَكْرٍ مِثْلُ هَذَا.
_________
(1) س، ب: شَيْءٌ.
(2) ن، م، س: مِنْهُمَا.
(3) الْحَامِلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (س) .
(4) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/243.
(5) ن، م: شَيْئًا كَثِيرًا.
(6) ن، م، س: خِلَافُهَا.
(7) ن، م، س: خِلَافِهَا.
(8/299)

الثَّالِثُ: أَنَّ الْقُرْآنَ بَلَّغَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَصْلُحُ لِتَبْلِيغِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ تَبْلِيغَ الْقُرْآنِ يَخْتَصُّ بِعَلِيٍّ ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْآحَادِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَوْسِمَ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ يَحُجُّ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْمَوْسِمِ: " «أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» " كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (1) . فَأَيُّ حَاجَةٍ كَانَتْ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى أَنْ يُبَلَّغُوا الْقُرْآنَ (2) .

[فصل قال الرافضي الثاني عشر قول عمر إن محمدا لم يمت وهذا يدل على قلة علمه والرد عليه]
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ (3) : " الثَّانِي عَشَرَ: قَوْلُ عُمَرَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَمُتْ، وَهَذَا يَدُلُّ (4) عَلَى قِلَّةِ عِلْمِهِ، وَأَمَرَ بِرَجْمِ حَامِلٍ، فَنَهَاهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ: لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي غَلِطَ فِيهَا وَتَلَوَّنَ فِيهَا ".
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ صَفَحَاتٍ وَفِي الْجُزْءِ السَّابِقِ 7
(2) س، ب: الْقُرْآنَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(3) فِي (ك) ص 196 (م) .
(4) ك: إِنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - لَمْ يَمُتْ، وَهُوَ يَدُلُّ. . .
(8/300)

وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ أَوَّلًا: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» " (1) وَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ لِعَلِيٍّ.
وَأَنَّهُ قَالَ: " «رَأَيْتُ أَنِّي أُتِيتُ بِقَدَحٍ فِيهِ لَبَنٌ، فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ نَاوَلْتُ فَضْلِي عُمَرَ " قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ» (2) .
فَعُمَرُ كَانَ أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ، فَهَذَا كَانَ سَاعَةً، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَوْتُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ كَثِيرًا قَدْ يَشُكُّ الْإِنْسَانُ فِي مَوْتِ مَيِّتٍ سَاعَةً وَأَكْثَرَ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ مَوْتُهُ، وَعَلِيٌّ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أُمُورٌ بِخِلَافِ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ فِيهَا أَضْعَافَ ذَلِكَ، بَلْ ظَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي إِمَامَتِهِ كَفُتْيَاهُ فِي الْمُفَوِّضَةِ الَّتِي مَاتَتْ وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأَمَّا الْحَامِلُ، فَإِنْ كَانَ (3) لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا حَامِلٌ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَمَرَ بِرَجْمِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَأَخْبَرَهُ عَلِيٌّ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ عَلِيًّا أَخْبَرَنِي بِهَا لَرَجَمْتُهَا، فَقَتَلْتُ الْجَنِينَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي خَافَ مِنْهُ.
_________
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى
(2) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى
(3) س، ب: كَانَتْ
(8/301)

وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ جَوَازَ رَجْمِ الْحَامِلِ، فَهَذَا مِمَّا قَدْ يَخْفَى، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ بِقَتْلِ الصَّبِيِّ وَالْحَامِلِ تَبَعًا كَمَا إِذَا حُوصِرَ الْكُفَّارُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ