Advertisement

الحسنة والسيئة


الكتاب: الحسنة والسيئة
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: -
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الحسنة والسيئة
المؤلف: شيخ الإسلام ابن تيمية
َقَالَ الشّيخ الإمَام العَالم العَلاّمة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني تغمده الله تعالى برحمته:
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فصل
فى قوله تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] وبعض ما تضمنته من الحكم العظيمة.
هذه الآية ذكرها الله في سياق الأمر بالجهاد، وذم الناكثين عنه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا} [النساء: 71] الآيات إلى أن ذكر صلاة الخوف، وقد ذكر قبلها طاعة الله وطاعة الرسول، والتحاكم إلى الله وإلى الرسول، ورد ما تنازع فيه الناس إلى الله وإلى الرسول، وذم الذين يتحاكمون ويردون ما تنازعوا فيه إلى غير الله والرسول.
فكانت تلك الآيات تبييناً للإيمان بالله وبالرسول؛ ولهذا قال فيها: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
وهذا جهاد عما جاء به الرسول، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحجرات: 15] .
وقال
(1/17)

تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] ، وقال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ} [التوبة: 19-21] . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 10-14] .
وذكر بعد آيات الجهاد إنزال الكتاب على رسول الله ليحكم بين الناس بما أراه الله، ونهيه عن ضد ذلك، وذكره فضل الله عليه ورحمته في حفظه، وعصمته من إضلال الناس له، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وذم من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين، وتعظيم أمر الشرك، وشديد خطره وأن الله لا يغفره ولكن يغفر ما دونه لمن يشاء إلى أن بين أن أحسن الأديان دينُ من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا، بشرط أن تكون عبادته بفعل
(1/18)

الحسنات التي شرعها، لا بالبدع والأهواء، وهم أهل ملة إبراهيم، الذين اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125] .
فكان في الأمر بطاعة الرسول والجهاد عليها اتباع التوحيد، وملة إبراهيم. وهو إخلاص الدين لله، وأن يعبد الله بما أمر به على ألسن رسله من الحسنات.
وقد ذكر تعالى في ضمن آيات الجهاد ذَمَّ من يخاف العدو، ويطلب الحياة، وبين أن ترك الجهاد لا يدفع عنهم الموت، بل أينما كانوا أدركهم الموت، ولو كانوا في بروج مُشَيَّدة. فلا ينالون بترك الجهاد منفعة، بل لا ينالون إلا خسارة الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 77] .
وهذا الفريق قد قيل: إنهم منافقون، وقيل: نافقوا لما كتب عليهم القتال. وقيل: بل حصل منهم جبن وفشل، فكان في قلوبهم مرض، كما قال تعالى: {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} [محمد: 20، 21] وقال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] .
والمعنى متناول لهؤلاء ولهؤلاء ولكل من كان بهذه الحال.
ثم قال: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] .
(1/19)

فالضمير في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ} يعود إلى من ذكر، وهم " الذين يخشون الناس " أو يعود إلى معلوم، وإن لم يذكر، كما في مواضع كثيرة.
وقد قيل: إن هؤلاء كانوا كفاراً من اليهود. وقيل: كانوا منافقين. وقيل: بل كانوا من هؤلاء وهؤلاء. والمعنى يعم كل من كان كذلك، ولكن تناوله لمن أظهر الإسلام وأمر بالجهاد أولى.
ثم إذا تناول الذم هؤلاء، فهو للكفار الذين لا يظهرون الإسلام أولى وأحْرَى.
والذى عليه عامة المفسرين: أن " الحسنة " و " السيئة " يراد بهما النعم والمصائب، ليس المراد مجرد ما يفعله الإنسان باختياره، باعتباره من الحسنات أو السيئات.
فصل
ولفظ " الحسنات " و " السيئات " في كتاب الله يتناول هذا وهذا، قال الله تعالى عن المنافقين: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] ، وقال تعالى: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50] ، وقال تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] وقال تعالى: {إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] ، وقال تعالى في حق الكفار المتطيرين بموسى ومن معه: {فإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ
(1/20)

َإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} ذكر هذا بعد قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130، 131] .
وأما الأعمال المأمور بها والمنهي عنها ففى مثل قوله تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} [القصص: 84] {وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام: 160] ، وقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] ، وقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70] .
وهنا قال: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ولم يقل: وما فعلت، وما كسبت، كما قال: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49] ، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] ، وقال تعالى: {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ} [الرعد: 31] ، وقال تعالى: {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106] وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
(1/21)

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة: 155، 156] .
فلهذا كان قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} و {مِن سَيِّئَةٍ} متناول لما يصيب الإنسان، ويأتيه من النعم التي تسره، ومن المصائب التي تسوءه.
فالآية متناولة لهذا قطعاً، وكذلك قال عامة المفسرين.
قال أبو العالية: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ} قال: هذه في السراء {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} قال: وهذه في الضراء.
وقال السدى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} : قالوا: والحسنة؛ الخصب؛ ينتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان قالوا: {هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} قالوا والسيئة: الضرر في أموالهم، تشائما بمحمد قالوا: {هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} يقولون: بتركنا ديننا، واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله: {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} الحسنة والسيئة {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} قال القرآن.
وقال الوالبي عن ابن عباس: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ} قال: ما فتح الله عليك يوم بدر، وكذلك قال الضحاك.
وقال الوالبي أيضا عن ابن عباس: {مِنْ حَسَنَةٍ} قال: ما أصاب من الغنيمة والفتح فمن الله، قال: " والسيئة " ما أصابه يوم أحد؛ إذ شُجّ في وجهه،
(1/22)

وكسرت رَبَاعيتَهُ.
وقال: أما " الحسنة " فأنعم الله بها عليك، وأما " السيئة " فابتلاك الله بها.
وروى أيضا عن حجاج عن عطية عن ابن عباس: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ} قال: هذا يوم بَدْر {أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} قال: هذا يوم أُحُد. يقول: ما كان من نَكْبَة فمن ذنبك، وأنا قدرت ذلك عليك.
وكذلك روى ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى صالح: {فَمِن نَّفْسِكَ} قال: فبذنبك، وأنا قدرتها عليك. روى هذه الآثار ابن أبى حاتم وغيره.
وروى أيضًا عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير قال: ما تريدون من القدر؟ أما تكفيكم هذه الآية التي في سورة النساء: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} ؟ [النساء: 78] أي: من نفسك، والله ما وكلوا إلى القدر، وقد أمروا به، وإليه يصيرون.
وكذلك في تفسير أبى صالح عن ابن عباس: {إِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} : الخصب والمطر {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} : الجدب والبلاء.
وقال ابن قتيبة: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} قال: الحسنة النعمة، والسيئة: البلية.
وقد ذكر أبو الفرج في قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} و {مِن سَيِّئَةٍ} ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحسنة: ما فتح الله عليهم يوم بدر، والسيئة: ما أصابهم يوم أحد. قال: رواه ابن أبى طلحة وهو الوالبي عن ابن عباس.
قال: والثاني: الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية. قاله أبو العالية.
(1/23)

والثالث: الحسنة: النعمة، والسيئة: البلية. قاله ابن مُنَبِّه. قال: وعن أبى العالية نحوه. وهو أصح.
قلت: هذا هو القول المعروف بالإسناد عن أبي العالية، كما تقدم من تفسيره المعروف الذي يروى عنه هو وغيره، من طريق أبى جعفر الدارى عن الربيع بن أنس عنه وأمثاله.
وأما الثاني فهو لم يذكر إسناده، ولكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون أقوال السلف بلا إسناد، وكثير منها ضعيف، بل كذب لا يثبت عمن نقل عنه. وعامة المفسرين المتأخرين أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف، وطائفة منهم تحملها على الطاعة والمعصية.
فأما الصنف الأول، فهي تتناوله قطعا. كما يدل عليه لفظها وسياقها ومعناها وأقوال السلف.
وأما المعنى الثاني، فليس مراداً دون الأول قطعاً، ولكن قد يقال: إنه مراد مع الأول؛ باعتبار أن ما يهديه الله إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من اللّّه أصابته، وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته، ونفسه التي عملت السيئة. وإذا كان الجزاء من نفسه، فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه.
فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر كما تقدم. وقد روى عن مجاهد عن ابن عباس؛ أنه كان يقرأ: " فمن نفسك وأنا قدرتها عليك ".
(1/24)

فصل
والمعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء مع أنها من سيئات العمل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالصِدْق؛ إن الصدق يهدى إلى البِرِّ، والبر يهدى إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويَتَحَرَّى الصدق، حتى يكتب عند الله صِدِّيقا. وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كَذَّاباً ".
وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، وكذلك السيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 66 68] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِم وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4- 6] ، وقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى} [الروم: 10] ، وقال تعالى: {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} [المائدة: 15، 16] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ
(1/25)

مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الحديد: 28] ، وقال تعالى: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] ، وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138] ، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 201، 202] ، وقال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] ، وقال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] ، وقال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] ، وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [محمد: 1-3] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم} [الأحزاب: 70، 71] ، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] .
قال أبو عثمان النيسابورى: من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} .
(1/26)

قلت: وقد قال في آخر السورة: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
وقال تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 109، 110] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155] ، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} إلى قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} : [الصف: 5 7] ، وقال تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] ، وقال تعالى أيضا: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155] وقال تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] ، وقال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 25،26] ، وقال تعالى في النوعين: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 12،13] ، وقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا
(1/27)

وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 2 4] ، وقال تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 111، 112] ، وقال تعالى: {تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 80، 81] ، وقال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] ، وقال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا َتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 22 26] ، وقال تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ
(1/28)

يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 77] ، وقال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] ، وقال تعالى في ضد هذا: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} إلى قوله: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 20- 23] .
وتوليتهم الأدبار ليس مما نهوا عنه، ولكن هو من جزاء أعمالهم، وهذا باب واسع.
فصل
وإذا كانت السيئات التي يعملها الإنسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت وهى مضرة جاز أن يقال: هي مما أصابه من السيئات وهى بذنوب تقدمت.
وعلى كل تقدير، فالذنوب التي يعملها هي من نفسه، وإن كانت مقدرة عليه؛ فإنه إذا كان الجزاء الذي هو مسبب عنها من نفسه، فعمله الذي هو ذلك الجزاء من نفسه بطريق الأولى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: " نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ".
(1/29)

وقال له أبو بكر رضي الله عنه: علمني دعاء. فقال: " قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه؛ أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم، قُلْه إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك ".
فقد بين أن قوله: {فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] يتناول العقوبات على الأعمال، ويتناول الأعمال، مع أن الكل بقدر الله.
فصل
وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه:
منها: أنهم يقولون: فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه، لا من الله، بل الله قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات، لكن هذا عندهم أحْدَث إرادة فَعَل بها الحسنات، وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات، وليس واحد منها من إحداث الرب عندهم.
والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات، وهم لا يفرقون في الأعمال بين الحسنات والسيئات إلا من جهة الأمر، لا من جهة كون الله خلق الحسنات دون السيئات، بل هو عندهم لم يخلق لا هذا ولا هذا.
لكن منهم من يقول: بأنه يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة ما يكون جزاء، كما يقوله أهل السنة.
لكن على هذا، فليست عندهم كل الحسنات من الله، ولا كل السيئات، بل بعض هذا، وبعض هذا.
الثاني: أنه قال: {كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} [النساء: 78] فجعل الحسنات من عند الله كما جعل
(1/30)

السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء. وقوله بعد هذا: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} و {مِن سَيِّئَةٍ} [النساء: 79] مثل قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} وقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [النساء: 78] .
الثالث: أن الآية أريد بها: النعم والمصائب كما تقدم وليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفى أعمالهم التي استحقوا بها العقاب؛ فإن قوله: {كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} هو النعم والمصائب؛ ولأن قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، حجة عليهم، وبيان أن الإنسان هو فاعل السيئات، وأنه يستحق عليها العقاب. والله ينعم عليه بالحسنات عملها وجزائها فإنه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من الله؛ فالنعم من الله، سواء كانت ابتداء أو كانت جزاء. وإذا كانت جزاء وهى من الله فالعمل الصالح الذي كان سببها هو أيضاً من الله، أنعم بهما الله على العبد.
وإلا فلو كان هو من نفسه كما كانت السيئات من نفسه لكان كل ذلك من نفسه، والله تعالى قد فرق بين نوعين في الكتاب والسنة، كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله: " يا عبادى، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أُوفِّيكُمْ إياها، فمن وَجَد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "، وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ إني هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] ، وقال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] ، وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] ، وقال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] ، وقال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] ، وقال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85] ،
(1/31)

وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] ، وقد أمروا أن يقولوا في الصلاة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمت َعَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين} [الفاتحة: 6، 7] .
فصل
وقد ظن طائفة أن في الآية إشكالا، أو تناقضاً في الظاهر، حيث قال: {كٍلَِ مٌَنً عٌندٌ بلَّهٌ} ثم فرق بين الحسنات والسيئات، فقال: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] .
وهذا من قلة فهمهم، وعدم تدبرهم الآية، وليس في الآية تناقض، لا في ظاهرها، ولا في باطنها، لا في لفظها ولا معناها؛ فإنه ذكر عن المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، الناكصين عن الجهاد، ما ذكره بقوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78] ، هذا يقولونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: بسبب ما أمرتنا به من دينك، والرجوع عما كنا عليه، أصابتنا هذه السيئات؛ لأنك أمرتنا بما أوجبها. فالسيئات هي المصائب، والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هو أمرهم بها.
وقولهم: {مِنْ عِندِكَ} تتناول مصائب الجهاد التي توجب الهزيمة؛ لأنه أمرهم بالجهاد، وتتناول أيضا مصائب الرزق على جهة التشاؤم، والتطير، أي: هذا عقوبة لنا بسبب دينك، كما كان قوم فرعون يتطيرون بموسى وبمن معه،
(1/32)

وكما قال أهل القرية للمرسلين: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] ، وكما قال الكفار من ثمود لصالح ولقومه: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} [النمل: 74] ، فكانوا يقولون عما يصيبهم من الحرب، والزلزال والجراح والقتل، وغير ذلك مما يحصل من العدو: هو منك؛ لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك. ويقولون عن هذا، وعن المصائب السمائية: إنها منك، أي: بسبب طاعتنا لك واتباعنا لدينك، أصابتنا هذه المصائب، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11] .
فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول، وفعل ما بعث به مسبباً لشر أصابه، إما من السماء وإما من آدمي، وهؤلاء كثيرون.
لم يقولوا: {هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} بمعنى: أنك أنت الذي أحدثتها؛ فإنهم يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث شيئا من ذلك، ولم يكن قولهم: {مِنْ عِندِكَ} خطاباً من بعضهم لبعض، بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فهم هذا تبين له أن قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} لا يناقض قوله: {كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} بل هو محقق له؛ لأنهم هم ومن أشبههم إلى يوم القيامة يجعلون ما جاء به الرسول، والعمل به سبباً لما قد يصيبهم من مصائب، وكذلك من أطاعه إلى يوم القيامة.
وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به، ويقولون: ليس هذا مما أمر الله به، ولو كان مما أمر الله به لما جرى على أهله هذا البلاء.
(1/33)

وتارة لا يقدحون في الأصل، لكن يقدحون في القضية المعينة، فيقولون: هذا بسوء تدبير الرسول، كما قال عبد الله بن أُبَيّ بن سلول يوم أُحُد إذ كان رأيه مع رأى النبي صلى الله عليه وسلم ألاّ يخرجوا من المدينة فسأله صلى الله عليه وسلم ناس ممن كان لهم رغبة في الجهاد أن يخرج، فوافقهم، ودخل بيته ولبس لأمَتَه فلما لبس لأمته ندموا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت أعلم، فإن شئت ألاّ نخرج، فلا نخرج فقال:" ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه " [واللأمة: الدرع، وقيل: السلاح. ولأمة الحرب: أداته] يعنى: أن الجهاد يلزم بالشروع، كما يلزم الحج، لا يجوز ترك ما شرع فيه منه إلا عند العجز بالإحصار في الحج.
فصل
والمفسرون ذكروا في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78] هذا وهذا.
فعن ابن عباس، والسدي، وغيرهما: أنهم يقولون هذا تشاؤماً بدينه.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: بسوء تدبيرك يعنى كما قاله عبد الله بن أبى وغيره يوم أحد وهم كالذين {قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] .
فبكل حال قولهم: {مِنْ عِندِكَ} هو طعن فيما أمر الله به ورسوله من الإيمان والجهاد، وجعل ذلك هو الموجب للمصائب التي تصيب المؤمنين المطيعين، كما أصابتهم يوم أحد. وتارة تصيب عدوهم، فيقول الكافرون: هذا بشؤم هؤلاء، كما قال أصحاب القرية للمرسلين: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] ، وكما قال تعالى عن آل فرعون: {فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ
(1/34)

سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] ، وقال تعالى عن قوم صالح: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] .
ولما قال أهل القرية: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [يس: 18، 19] .
قال الضحاك في قوله: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ} يقول: الأمر من قبل الله، ما أصابكم من أمر فمن الله، بما كسبت أيديكم.
وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: معايبكم. وقال قتادة: عملكم عند الله.
وفى رواية غير على: عملكم عند الله ولكنكم {قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} ، أي: تبتلون بطاعة الله ومعصيته. رواهما ابن أبى حاتم وغيره.
وعن ابن إسحاق قال: قالت الرسل: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} أي: أعمالكم.
فقد فسروا " الطائر " بالأعمال وجزائها؛ لأنهم كانوا يقولون: إنما أصابنا ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل وأتباعهم.
فبين الله سبحانه أن طائرهم وهو الأعمال وجزاؤها هو عند الله وهو معهم. فهو معهم لأن أعمالهم وما قدر من جزائها معهم، كما قال تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] ، وهو من الله؛ لأن الله تعالى قدر تلك المصائب بأعمالهم. فمن عنده تتنزل عليهم المصائب، جزاء على أعمالهم لا بسبب الرسل وأتباعهم.
وفى هذا يقال: إنهم يجزون بأعمالهم، لا بأعمال غيرهم؛ ولذلك قال
(1/35)

في هذه الآية لما كان المنافقون والكفار ومن في قلبه مرض يقول: هذا الذي أصابنا هو بسبب ما جاء به محمد، عقوبة دينية وصل إلينا بين سبحانه أن ما أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم.
ففى هذا رد على من أعرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبه تلك المصائب، وعلى من انتسب إلى الإيمان بالرسول، ونسبها إلى فعل ما جاء به الرسول، وعلى من أصابته مع كفره بالرسول ونسبها إلى ما جاء به الرسول.
فصل
والمقصود أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس سبباً لشيء من المصائب، ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سبباً لمصيبة، بل طاعة الله والرسول لا تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيرى الدنيا والآخرة، ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم، لا بما أطاعوا فيه الله والرسول، كما لحقهم يوم أحُد بسبب ذنوبهم، لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ما ابتلوا به في السراء والضراء والزلزال، ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم، لكن امتحنوا به، ليتخلصوا مما فيهم من الشر وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار؛ ليتميز طيبه من خبيثه، والنفوس فيها شر، والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه، قال تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 140، 141] ، وقال
(1/36)

تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 154] ، ولهذا قال صالح عليه السلام لقومه: {طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] .
ولهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم، وما أصابهم في الجهاد من مصائب بأيدى العدو، فإنه يعظم أجرهم بالصبر عليها.
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من غازية يغزون في سبيل الله، فيسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، وإن أصيبوا وأخفقوا تم لهم أجرهم ".
وأما ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب، فذاك يكتب لهم به عمل صالح، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] .
وشواهد هذا كثيرة.
فصل
والمقصود أن قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} [النساء: 78] فإنهم جعلوا ما يصيبهم من المصائب بسبب ما جاءهم به الرسول، وكانوا يقولون: النعمة التي تصيبنا هي من عند الله، والمصيبة من عند محمد، أي: بسبب دينه وما أمر به.
(1/37)

فقال تعالى: قل هذا وهذا من عند الله، لا من عند محمد، محمد لا يأتي لا بنعمة ولا بمصيبة؛ ولهذا قال بعد هذا: {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] قال السدي وغيره: هو القرآن؛ فإن القرآن إذا هم فقهوا ما فيه تبين لهم أنه إنما أمرهم بالخير، والعدل والصدق، والتوحيد. لم يأمرهم بما يكون سبباً للمصائب؛ فإنهم إذا فهموا ما في القرآن علموا أنه لا يكون سبباً للشر مطلقاً.
وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم بالأمر به حسنه ونفعه، وأنه مصلحة للعباد، وليس كما يقول من يقول: قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه، بل فيه مضرة لهم.
فإنه لو كان كذلك لكان قد يصدقه المتطيرون بالرسل وأتباعهم.
ومما يوضح ذلك: أنه لما قال: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} قال بعدها: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} [النساء: 79] ، فإنه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات والمعجزات، وإذا شهد الله له كفى به شهيداً، ولم يضره جحد هؤلاء لرسالته، بما ذكروه من الشبه التي هي عليهم لا لهم، بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتهم حجة على إبطال رسالته، والله تعالى قد شهد له أنه أرسله للناس رسولا، فكان ختم الكلام بهذا إبطالا لقولهم: إن المصائب من عند الرسول؛ ولهذا قال بعد هذا: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] .
(1/38)

فصل
وكان فيما ذكره إبطال لقول الجهمية المجبرة ونحوهم، ممن يقول: إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب، وأنه قد يأمر العباد بما لا ينفعهم، بل بما يضرهم، فإن فعلوا ما أمرهم به حصل لهم الضرر، وإن لم يفعلوه عاقبهم.
يقولون هذا ومثله، ويزعمون أن هذا لأنه يفعل ما يشاء.
والقرآن يرد على هؤلاء من وجوه كثيرة، كما يرد على المكذبين بالقدر.
فالآية ترد على هؤلاء وهؤلاء كما تقدم مع احتجاج الفريقين بها، وهي حجة على الفريقين.
فإن قال نفاة القدر: إنما قال في الحسنة: هي من الله، وفى السيئة: هي من نفسك، لأنه يأمر بهذا، وينهى عن هذا، باتفاق المسلمين.
قالوا: ونحن نقول: المشيئة ملازمة للأمر، فما أمر به فقد شاءه، وما لم يأمر به لم يشأه. فكانت مشيئته وأمره حَاضَّة على الطاعة دون المعصية؛ فلهذا كانت هذه منه دون هذه.
قيل: أما الآية، فقد تبين أن الذين قالوا: الحسنة من عند الله والسيئة من عندك، أرادوا: من عندك يا محمد، أي: بسبب دينك. فجعلوا رسالة الرسول هي سبب المصائب، وهذا غير مسألة القدر.
وإذا كان قد أريد: أن الطاعة والمعصية مما قد قيل كان قوله: {كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} [النساء: 78] حجة عليكم كما تقدم.
وقوله بعد هذا: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] لا ينافى ذلك، بل " الحسنة " أنعم الله بها وبثوابها، و " السيئة " هي
(1/39)

من نفس الإنسان ناشئة، وإن كانت بقضائه وقدره، كما قال تعالى: {مٌن شّرٌَ مّا خّلّقّ} [الفلق: 2] ، فمن المخلوقات ماله شر، وإن كان بقضائه وقدره.
وأنتم تقولون: الطاعة والمعصية هما من إحداث الإنسان، بدون أن يجعل الله هذا فاعلا وهذا فاعلا، وبدون أن يخص الله المؤمن بنعمة ورحمة أطاعه بها؟ وهذا مخالف للقرآن.
فَصل
فإن قيل: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة، والنعم والمصائب مقدرة، فلم فرق بين الحسنات التي هي النعم، والسيئات التي هي المصائب؟ فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان؟
قيل: لفروق بينهما:
الفرق الأول: أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ابتداء بلا سبب منهم أصلا، فهو ينعم بالعافية والرزق والنصر، وغير ذلك على من لم يعمل خيراً قط، وينشئ للجنة خلقاً يسكنهم فضول الجنة، وقد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيراً، ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة برحمته بلا عمل. وأما العقاب، فلا يعاقب أحداً إلا بعمله.
الفرق الثاني: أن الذي يعمل الحسنات، إذا عملها، فنفس عمله الحسنات هو من إحسان الله، وبفضله عليه بالهداية والإيمان، كما قال أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ} [الأعراف: 43] .
وفى الحديث الصحيح: " يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحْصيها لكم
(1/40)

ثم أوفيكم إياها، فمن وَجَد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه ".
فنفس خلق الله لهم أحياء، وجعله لهم السمع والأبصار والأفئدة، هو من نعمته. ونفس إرسال الرسول إليهم، وتبليغه البلاغ المبين الذي اهتدوا به، هو من نعمته.
وإلهامهم الإيمان، وهدايتهم إليه، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل لهم بها الإيمان دون الكافرين؛ هو من نعمته، كما قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 7، 8] .
فجميع ما يتقلب فيه العالم من خيري الدنيا والآخرة، هو نعمة محضة منه، بلا سبب سابق يوجب لهم حقاً، ولا حول ولا قوة لهم من أنفسهم إلا به، وهو خالق نفوسهم، وخالق أعمالها الصالحة وخالق الجزاء.
فقوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النساء: 79] حق من كل وجه، ظاهراً وباطناً على مذهب أهل السنة.
وأما السيئة: فلا تكون إلا بذنب العبد، وذنبه من نفسه. وهو لم يقل: إني لم أقدر ذلك ولم أخلقه، بل ذكر للناس ما ينفعهم.
فصل
فإذا تدبر العبد علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله، فشكر الله، فزاده الله من فضله عملا صالحاً، ونعماً يفيضها عليه.
وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه بذنوبه استغفر وتاب، فزال عنه سبب الشر.
(1/41)

فيكون العبد دائماً شاكراً مستغفراً، فلا يزال الخير يتضاعف له، والشر يندفع عنه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: " الحمد لله " فيشكر الله، ثم يقول: " نستعينه ونستغفره " نستعينه على الطاعة، ونستغفره من المعصية، ثم يقول: " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا " فيستعيذ به من الشر الذي في النفس، ومن عقوبة عمله، فليس الشر إلا من نفسه ومن عمل نفسه، فيستعيذ الله من شر النفس؛ أن يعمل بسبب سيئاته الخطايا، ثم إذا عمل استعاذ بالله من سيئات عمله ومن عقوبات عمله، فاستعانه على الطاعة وأسبابها، واستعاذ به من المعصية وعقابها.
فعِلْمُ العبد بأن ما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه يوجب له هذا وهذا، فهو سبحانه فرق بينهما هنا، بعد أن جمع بينهما في قوله: {كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ} [النساء: 78] .
فبين أن الحسنات والسيئات: النعم والمصائب، والطاعات والمعاصي، على قول من أدخلها في: {مِنْ عِنْدِ اللهِ} .
ثم بين الفرق الذي ينتفعون به، وهو أن هذا الخير من نعمة الله، فاشكروه يزدكم، وهذا الشر من ذنوبكم، فاستغفروه، يدفعه عنكم.
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] ،وقال تعالى: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 1 3] .
والمذنب إذا استغفر ربه من ذنبه، فقد تَأَسَّى بالسعداء من الأنبياء
(1/42)

والمؤمنين، كآدم وغيره. وإذا أصر، واحتج بالقدر، فقد تأسى بالأشقياء، كإبليس ومن اتبعه من الغاوين.
فكان من ذكره: أن السيئة من نفس الإنسان بذنوبه، بعد أن ذكر: أن الجميع من عند الله تنبيهاً على الاستغفار والتوبة، والاستعاذة بالله من شر نفسه وسيئات عمله، والدعاء بذلك في الصباح والمساء، وعند المنام، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أبا بكر الصديق، أفضل الأمة، حيث علمه أن يقول: " اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم ". فيستغفر مما مضى، ويستعيذ مما يستقبل، فيكون من حزب السعداء.
وإذا علم أن الحسنة من الله الجزاء والعمل سأله أن يعينه على فعل الحسنات، بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وبقوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ، وقوله: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] ونحو ذلك.
وأما إذا أخبر أن الجميع من عند الله فقط، ولم يذكر الفرق، فإنه يحصل من هذا التسوية، فأعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه وعن التوبة من ذنوبها، والاستعاذة من شرها، بل وقام في نفسه أن يحتج على الله بالقدر. وتلك حجة داحضة لا تنفعه، بل تزيده عذاباً وشقاء، كما زادت إبليس لما قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] ، وقال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] .
وكالذين يقولون يوم القيامة: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: 57] ، وكالذين قالوا: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148] .
(1/43)

فمن احتج بالقدر على ما فعله من ذنوبه، وأعرض عما أمر الله به، من التوبة والاستغفار، والاستعانة بالله، والاستعاذة به، واستهدائه كان من أخسر الناس في الدنيا والآخرة. فهذا من فوائد ذكر الفرق بين الجمع.
فصل
الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله وينميها، ويثيب على الهم بها، والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها. فيعطى صاحب الحسنة من الحسنات فوق ما عمل، وصاحب السيئة لا يجزيه إلا بقدر عمله، قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] .
الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إليه؛ لأنه أحسن بها من كل وجه كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضى الإضافة إليه.
وأما السيئة فهو إنما يخلقها بحكمة، وهى باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: " والخير بيديك، والشر ليس إليك "، فإنه لا يخلق شراً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلى، أو شر مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه.
وأما الشر الجزئي الإضافي، فهو خير باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يضاف
(1/44)

الشر إليه مفرداً قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] وإما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] .
وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل: فرقة كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كل ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد القبيح.
وفرقة لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة، بل قالت: إذا كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كل شر، ولا يخلق شيئاً لحكمة، وما ثم فعل تنزه عنه بل كل ما كان ممكناً جاز أن يفعله.
وجوزوا أن يأمر بكل كفر ومعصية، وينهى عن كل إيمان وطاعة، وصدق وعدل، وأن يعذب الأنبياء، وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول.
وهذا منكر من القول وزور، كالأول، قال تعالى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] ، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35، 36] ، وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] ونحو ذلك مما يوجب
(1/45)

أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن والمسيء، وأن من جوز عليه التسوية بينهما، فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر عليه.
وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل فيه من الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم، مما لا يقدر قدره إلا الله.
وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شراً كلياً عاما، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً ومصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام.
وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذاباً عليه بالمعجزات التي أيد بها أنبياءه الصادقين؛ فإن هذا شر عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم.
وليس هذا كالملك الظالم، والعدو؛ فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه.
وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم، خير من ليلة واحدة بلا إمام.
وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك ضرر في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو.
وأما من يكذب على الله، ويقول أي يدعى: إنه نبي، فلو أيده الله تأييد الصادق، للزم أن يسوى بينه وبين الصادق.
فيستوي الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار، ويرتفع التمييز بين هذا وهذا، وهذا مما يوجب الفساد العام للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من
(1/46)

أهل البدع، كالخوارج، وأمر بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم والخروج عليهم؛ ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة.
وأما المتنبئون الكذابون، فلا يطيل تمكينهم، بل لابد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 46] ، وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى: 24] ، فأخبر أنه بتقدير الافتراء لابد أن يعاقب من افترى عليه.
فصل
وهذا الموضع مما اضطرب فيه الناس، فاستدلت القدرية النفاة والمجبرة على أنه إذا جاز أن يضل شخصاً، جاز أن يضل كل الناس. وإذا جاز أن يعذب حيواناً بلا ذنب ولا عوض، جاز أن يعذب كل حي بلا ذنب ولا عوض، وإذا جاز عليه ألا يعين واحداً ممن أمره على طاعة أمره، جاز ألا يعين كل الخلق. فلم يفرق الطائفتان بين الشر الخاص والعام، وبين الشر الإضافي، والشر المطلق، ولم يجعلوا في الشر الإضافي حكمة يصير بها من قسم الخير.
ثم قال النفاة: وقد علم أنه منزه عن تلك الأفعال، فإنا لو جوزنا عليه هذا لجوزنا عليه تأييد الكذاب بالمعجزات، وتعذيب الأنبياء وإكرام الكفار، وغير ذلك، مما يستعظم العقلاء إضافته إلى الله تعالى.
فقالت المثبتة من الجهمية المجبرة: بل كل الأفعال جائزة عليه، كما جاز ذلك الخاص، وإنما يعلم أنه لا يفعل بما لا يفعل، أو يفعل ما يفعل بالخبر، خبر الأنبياء عنه. وإلا فمهما قدر جاز أن يفعله، وجاز ألا يفعله، ليس في نفس
(1/47)

الأمر سبب ولا حكمة، ولا صفة تقتضي التخصيص ببعض الأفعال دون بعض، بل ليس إلا مشيئة، نسبتها إلى جميع الحوادث سواء، ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح.
فقيل لهم: فيجوز تأييد الكذاب بالمعجز، فلا يبقى المعجز دليلا على صدق الأنبياء. فلا يبقى خبر نبي يعلم به الفرق، فيلزم مع الكفر بالأنبياء ألا يعلم الفرق، لا بسمع ولا بعقل.
فاحتالوا للفرق بين المعجزات وغيرها، بأن تجويز إتيان الكذاب بالمعجزات يستلزم تعجيز الباري تعالى عما به يفرق بين الصادق والكاذب، أو لأن دلالتها على الصدق معلوم بالاضطرار، كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبين خطأ الطائفتين، وأن هؤلاء الذين اتبعوا جَهْماً في الجبر ونفوا حكمة الله ورحمته، والأسباب التي بها يفعل، وما خلقه من القوى وغيرها هم مبتدعة مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف، مع مخالفتهم لصريح المعقول.
كما أن القدرية النفاة مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف، مع مخالفتهم لصريح المعقول.
فصل
والمقصود هنا الكلام على قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، وأن هذا يقتضي أن العبد لا يزال شاكراً مستغفراً.
وقد ذكر أن الشر لا يضاف إلى الله إلا على أحد الوجوه الثلاثة. وقد تضمنت الفاتحة للأقسام الثلاثة، هو سبحانه: الرحمن الذي وسعت
(1/48)

رحمته كل شيء، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وقد سبقت وغلبت رحمته غضبه، وهو الغفور الودود، الحليم الرحيم.
فإرادته أصل كل خير ونعمة، وكل خير ونعمة فمنه: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] .
وقد قال سبحانه: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ثم قال: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم} [الحجر: 49، 50] ، وقال تعالى: {اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 98] فالمغفرة والرحمة من صفاته المذكورة بأسمائه. فهي من موجب نفسه المقدسة، ومقتضاها ولوازمها.
وأما العذاب، فمن مخلوقاته، الذي خلقه بحكمة، هو باعتبارها حكمة ورحمة. فالإنسان لا يأتيه الخير إلا من ربه وإحسانه وجوده، ولا يأتيه الشر إلا من نفسه، فما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه.
وقوله: {مَّا أَصَابَكَ} إما أن تكون كاف الخطاب له صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس وغيره وهو الأظهر؛ لقوله بعد ذلك: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} [النساء: 79] .
وإما أن تكون لكل واحد واحد من الآدميين، كقوله: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] .
لكن هذا ضعيف، فإنه لم يتقدم هنا ذكر الإنسان ولا مكانه، وإنما تقدم ذكر طائفة قالوا ما قالوه. فلو أريد ذكرهم لقيل: " ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيئة ".
(1/49)

لكن خوطب الرسول بهذا؛ لأنه سيد ولد آدم. وإذا كان هذا حكمه، كان هذا حكم غيره بطريق الأولى والأحرى، كما في مثل قوله: {اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1] ، وقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، وقوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] .
ثم هذا الخطاب نوعان: نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمًْ} [التحريم: 1، 2] .
ونوع قد يكون خطابه خطابا به لجميع الناس، كما يقول كثير من المفسرين: الخطاب له والمراد غيره.
وليس المعنى: أنه لم يخاطب بذلك، بل هو المقدم. فالخطاب له خطاب لجميع الجنس البشري. وإن كان هو لا يقع منه ما نهى عنه، ولا يترك ما أمر به، بل هذا يقع من غيره، كما يقول ولي الأمر للأمير: سافر غداً إلى المكان الفلاني، أي أنت ومن معك من العسكر. وكما ينهى أعز من عنده عن شيء، فيكون نهياً لمن دونه، وهذا معروف من الخطاب.
فقوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} الخطاب له صلى الله عليه وسلم، وجميع الخلق داخلون في هذا الخطاب بالعموم، وبطريق الأولى، بخلاف قوله: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} [النساء: 79] ، فإن هذا له خاصة. ولكن من يبلغ عنه يدخل في معنى الخطاب، كما قال صلى الله عليه وسلم: " بَلِّغوا عني ولو آية "، وقال: " نَضَّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه "، وقال: " ليبلغ الشاهد الغائب "، وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء "، وقد قال تعالى
(1/50)

في القرآن: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] .
والمقصود هنا أن الحسنة مضافة إليه سبحانه من كل وجه، والسيئة مضافة إليه لأنه خلقها، كما خلق الحسنة فلهذا قال: {كُلٌ مِنْ عِندِ اللهِ} . ثم إنه إنما خلقها لحكمة، ولا تضاف إليه من جهة أنها سيئة، بل تضاف إلى النفس التي تفعل الشر بها لا لحكمة، فتستحق أن يضاف الشر والسيئة إليها، فإنها لا تقصد بما تفعله من الذنوب خيراً يكون فعله لأجله أرجح، بل ما كان هكذا فهو من باب الحسنات؛ ولهذا كان فعل الله حسناً، لا يفعل قبيحاً ولا سيئاً قط.
وقد دخل في هذا سيئات الجزاء والعمل؛ لأن المراد بقوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} و {مِن سَيِّئَةٍ} النعم والمصائب كما تقدم لكن إذا كانت المصيبة من نفسه لأنه أذنب فالذنب من نفسه بطريق الأولى، فالسيئات من نفسه بلا ريب، وإنما جعلها منه مع الحسنة بقوله: {كُلٌ مِنْ عِندِ اللهِ} كما تقدم؛ لأنها لا تضاف إلى الله مفردة، بل إما في العموم، كقوله: {كُلٌ مِنْ عِندِ اللهِ} .
وكذلك الأسماء التي فيها ذكر الشر، لا تذكر إلا مقرونة، كقولنا: " الضار النافع، المعطى المانع، المعز المذل " أو مقيدة، كقوله: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22] .
وكل ما خلقه مما فيه شر جزئي إضافي ففيه من الخير العام والحكمة والرحمة أضعاف ذلك، مثل إرسال موسى إلى فرعون، فإنه حصل به التكذيب والهلاك لفرعون وقومه، وذلك شر بالإضافة إليهم، لكن حصل به من النفع العام للخلق إلى
(1/51)

يوم القيامة، والاعتبار بقصة فرعون ما هو خير عام، فانتفع بذلك أضعاف أضعاف من استضر به، كما قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 55] وقال تعالى بعد ذكر قصته: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} [النازعات: 26] .
وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم، شقي برسالته طائفة من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب، وهم الذين كذبوه، وأهلكهم الله تعالى بسببه، ولكن سعد بها أضعاف أضعاف هؤلاء.
ولذلك من شقي به من أهل الكتاب كانوا مبدلين محرفين قبل أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فأهلك اللّّه بالجهاد طائفة، واهتدى به من أهل الكتاب أضعاف أضعاف أولئك.
والذين أذلهم الله من أهل الكتاب بالقهر والصَّغَار [أى: الذل والهوان] ، أو من المشركين الذين أحدث فيهم الصغار، فهؤلاء كان قهرهم رحمة لهم؛ لئلا يعظم كفرهم، ويكثر شرهم.
ثم بعدهم حصل من الهدى والرحمة لغيرهم ما لا يحصيهم إلا الله، وهم دائماً يهتدي منهم ناس من بعد ناس ببركة ظهور دينه بالحجة واليد.
فالمصلحة بإرساله وإعزازه، وإظهار دينه، فيها من الرحمة التي حصلت بذلك ما لا نسبة لها إلى ما حصل بذلك لبعض الناس من شر جزئي إضافي، لما في ذلك من الخير والحكمة أيضا؛ إذ ليس فيما خلقه الله سبحانه شر محض أصلا، بل هو شر بالإضافة.
(1/52)

فصل
الفرق الخامس: أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها كلها أمور وجودية، أنعم الله بها عليه، وحصلت بمشيئة الله ورحمته وحكمته وقدرته وخلقه، ليس في الحسنات أمر عدمي غير مضاف إلى الله، بل كلها أمر وجودي، وكل موجود وحادث فالله هو الذي يحدثه.
وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور به، أو ترك منهي عنه، والترك أمر وجودي. فترك الإنسان لما نهى عنه، ومعرفته بأنه ذنب قبيح، وبأنه سبب للعذاب، وبغضه وكراهته له، ومنع نفسه منه إذا هويته، واشتهته، وطلبته كل هذه أمور وجودية، كما أن معرفته بأن الحسنات - كالعدل والصدق حسنة، وفعله لها أمور وجودية.
ولهذا إنما يثاب الإنسان على فعل الحسنات إذا فعلها محبا لها بنية وقصد فعلها ابتغاء وجه ربه، وطاعة لله ولرسوله، ويثاب على ترك السيئات إذا تركها بالكراهة لها، والامتناع منها، قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] ، وقال تعالى: {مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40،41] ، وقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45] .
وفى الصحيحين عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كُنَّ فيه وَجَد حلاوة الإيمان: من كان اللّّه ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر، بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار ".
(1/53)

وفى السنن عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أوثق عُرَى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله ".
وفيها عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع الله، فقد استكمل الإيمان ".
وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".
وفى الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما ذكر الخلوف قال: " من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "، وقد قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] .
وقال على لسان الخليل: {إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26، 27] ،وقال: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 77] ، وقال: {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78،79] .
فهذا البغض والعداوة والبراءة - مما يعبد من دون الله ومن عابديه - هي أمور موجودة في القلب، وعلى اللسان والجوارح، كما أن حب الله وموالاته
(1/54)

وموالاة أوليائه أمور موجودة في القلب، وعلى اللسان والجوارح، وهي تحقيق قول " لا إله إلا الله "، وهو إثبات تأليه القلب لله حباً خالصاً وذلا صادقاً، ومنع تأليهه لغير الله، وبغض ذلك وكراهته، فلا يعبد إلا الله، ويحب أن يعبده، ويبغض عبادة غيره ويحب التوكل عليه وخشيته ودعاءه، ويبغض التوكل على غيره وخشيته ودعاءه.
فهذه كلها أمور موجودة في القلب، وهي الحسنات التي يثيب الله عليها.
وأما مجرد عدم السيئات، من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها، بل لا يفعلها لكونها لم تخطر بباله، أو تخطر كما تخطر الجمادات التي لا يحبها ولا يبغضها، فهذا لا يثاب على عدم ما يفعله من السيئات، ولكن لا يعاقب أيضاً على فعلها، فكأنه لم يفعلها، فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والمجنون والبهيمة، لا ثواب ولا عقاب.
ولكن إذا قامت عليه الحجة بعلمه تحريمها؛ فإن لم يعتقد تحريمها ويكرهها وإلا عوقب على ترك الإيمان بتحريمها.
فصل
وقد تنازع الناس في الترك: هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والأكثرون على أنه وجودي.
وقالت طائفة كأبي هاشم بن الجبائي: إنه عدمي، وأن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل، لا على ترك يقوم بنفسه، ويسمون " المذمية "؛ لأنهم رتبوا الذم على العدم المحض.
والأكثرون يقولون: الترك أمر وجودي، فلا يثاب من ترك المحظور إلا على ترك يقوم بنفسه. وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه، وهو أن يأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل فيمتنع، فهذا الامتناع أمر وجودي؛
(1/55)

ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده، كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادة غيره، فيعاقب على ذلك.
ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده، فلابد أن يكون عابداً لغيره، يعبد غيره فيكون مشركا. وليس في بني آدم قسم ثالث، بل إما موحد، أو مشرك، أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل؛ النصارى ومن أشبههم من الضلال، المنتسبين إلى الإسلام، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98 100] ، وقد قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] لما قال إبليس: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 39،42] .
فإبليس لا يغوى المخلصين، ولا سلطان له عليهم، إنما سلطانه على الغاوين، وهم الذين يتولونه، وهم الذين به مشركون.
وقوله: {الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} صفتان لموصوف واحد. فكل من تولاه فهو به مشرك، وكل من أشرك به فقد تولاه.
قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60، 61] .
وكل من عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، وإن كان يظن أنه يعبد الملائكة والأنبياء، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلاء
(1/56)

إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 40، 41] .
ولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين ويخاطبونهم، فيظنون أن الذي خاطبهم مَلَك أو نبي، أو وَلِيّ وإنما هو شيطان، جعل نفسه ملكا من الملائكة، كما يصيب عُبَّاد الكواكب وأصحاب العزائم والطلسمات، يسمون أسماء، يقولون: هي أسماء الملائكة، مثل منططرون وغيره، وإنما هي أسماء الجن.
وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء والأولياء والملائكة، قد يتمثل لأحدهم من يخاطبه، فيظنه النبي، أو الصالح الذي دعاه، وإنما هو شيطان تصور في صورته، أو قال: أنا هو، لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو.
وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين، من النصارى ومن المنتسبين إلى الإسلام، يدعونهم عند قبورهم، أو مغيبهم، ويستغيثون بهم، فيأتيهم من يقول: إنه ذلك المستغاث به، في صورة آدمي، إما راكباً، وإما غير راكب. فيعتقد المستغيث أنه ذلك النبي، والصالح، أو أنه سِرّه، أو روحانيته، أو رقيقته أو المعنى تَشَكَّل، أو يقول: إنه ملك جاء على صورته، وإنما هو شيطان يغويه؛ لكونه أشرك بالله ودعا غيره؛ الميت فمن دونه. فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك، فظن أنه يدعو النبي، أو الصالح، أو الملك، وأنه هو الذي شفع له، أو هو الذي أجاب دعوته، وإنما هو الشيطان؛ ليزيده غلواً في كفره وضلاله.
فكل من لم يعبد الله مخلصاً له الدين، فلابد أن يكون مشركاً عابداً لغير الله، وهو في الحقيقة عابد للشيطان.
(1/57)

فكل واحد من بنى آدم إما عابد للرحمن، وإما عابد للشيطان، قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 36 39] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] .
فبنو آدم منحصرون في الأصناف الستة، وبسط هذا له موضع آخر.
فصل
والمقصود هنا أن الثواب والعقاب إنما يكون على عمل وجودي بفعل الحسنات، كعبادة الله وحده، وترك السيئات، كترك الشرك أمر وجودي، وفعل السيئات، مثل ترك التوحيد، وعبادة غير الله أمر وجودي، قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] ، وقال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] ، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] ، وقال تعالى: {للِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} إلى قوله تعالى: {أٍوًلّئٌكّ أّصًحّابٍ بنَّارٌ هٍمً فٌيهّا خّالٌدٍونّ} [يونس: 26،27] وقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون} [الروم: 10] .
(1/58)

فأما عدم الحسنات والسيئات فجزاؤه عدم الثواب والعقاب.
وإذا فرض رجل آمن بالرسول مجملا، وبقي مدة لا يفعل كثيراً من المحرمات، ولا سمع أنها محرمة، فلم يعتقد تحريمها، مثل من آمن ولم يعلم أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا علم أنه حرم نكاح الأقارب سوى أربعة أصناف، ولا حرم بالمصاهرة أربعة أصناف حرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه فإذا آمن ولم يفعل هذه المحرمات، ولا اعتقد تحريمها؛ لأنه لم يسمع ذلك، فهذا لا يثاب ولا يعاقب.
ولكن إذا علم التحريم فاعتقده، أثيب على اعتقاده، وإذا ترك ذلك مع دعاء النفس إليه أثيب ثوابا آخر، كالذي تدعوه نفسه إلى الشهوات فينهاها، كالصائم الذي تشتهي نفسه الأكل والجماع فينهاها، والذي تشتهي نفسه شرب الخمر والفواحش فينهاها. فهذا يثاب ثواباً آخر، بحسب نهيه لنفسه، وصبره على المحرمات، واشتغاله بالطاعات التي هي ضدها، فإذا فعل تلك الطاعات، كانت مانعة له عن المحرمات.
وإذا تبين هذا، فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية، نعمة من الله تعالى وما أحبته النفس من ذلك، وكرهته من السيئات، فهو الذي حبب الإيمان إلى المؤمنين، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
فصل
وأما السيئات، فمنشؤها الجهل والظلم، فإن أحداً لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها.
ولا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها.
(1/59)

وفى الحقيقة، فالسيئات كلها ترجع للجهل، وإلا فلو كان عالماً علماً نافعاً بأن فعل هذا يضره ضرراً راجحاً ولم يفعله؛ فإن هذا خاصية العاقل؛ ولهذا إذا كان من الحسنات ما يعلم أنه يضره ضراراً راجحاً، كالسقوط من مكان عال، أو في نهر يغرقه، أو المرور بجنب حائط مائل، أو دخول نار متأججة، أو رمي ماله في البحر ونحو ذلك، لم يفعله، لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه. ومن لم يعلم أن هذا يضره كالصبي، والمجنون، والساهي، والغافل فقد يفعل ذلك.
ومن أقدم على ما يضره مع علمه بما فيه من الضرر عليه فلظنه أن منفعته راجحة.
فإما أن يجزم بضرر مرجوح، أو يظن أن الخير راجح، فلابد من رجحان الخير، إما في الظن وإما في المظنون، كالذي يركب البحر ويسافر الأسفار البعيدة للربح، فإنه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما سافر، لكنه يترجح عنده السلامة والربح، وإن كان مخطئاً في هذا الظن.
وكذلك الذنوب، إذا جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع، لم يسرق. وكذلك الزاني، إذا جزم بأنه يرجم، لم يزن. والشارب يختلف حاله، فقد يقدم على جلد أربعين وثمانين، ويديم الشرب مع ذلك؛ ولهذا كان الصحيح: أن عقوبة الشارب غير محدودة، بل يجوز أن تنتهي إلى القتل، إذا لم ينته إلا بذلك، كما جاءت بذلك الأحاديث، كما هو مذكور في غير هذا الموضع.
وكذلك العقوبات، متى جزم طالب الذنب بأنه يحصل له به الضرر الراجح لم يفعله، بل إما ألا يكون جازماً بتحريمه، أو يكون غير جازم بعقوبته، بل يرجو العفو بحسنات، أو توبة، أو بعفو الله، أو يغفل عن هذا كله، ولا يستحضر تحريماً، ولا وعيداً فيبقى غافلا غير مستحضر للتحريم، والغفلة من أضداد العلم.
(1/60)

فصل
فالغفلة والشهوة أصل الشر، قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل، وإلا فصاحب الهوى إذا علم قطعاً أن ذلك يضره ضرراً راجحاً، انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فإن الله تعالى جعل في النفس حباً لما ينفعها، وبغضاً لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضرراً راجحاً، بل متى فعلته كان لضعف العقل.
ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل، وذو نُهَى، وذو حِجَى.
ولهذا كان البلاء العظيم من الشيطان، لا من مجرد النفس؛ فإن الشيطان يزين لها السيئات، ويأمرها بها، ويذكر لها ما فيها من المحاسن التي هي منافع لا مضار، كما فعل إبليس بآدم وحواء، فقال: {يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 120، 121] ، وقال: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] .
ولهذا قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 36، 37] ، وقال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] ، وقال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ
(1/61)

عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] .
وقوله: {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} هو بتوسيط تزيين الملائكة والأنبياء والمؤمنين للخير، وتزيين شياطين الجن والإنس للشر، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام: 137] .
فأصل ما يوقع الناس في السيئات الجهل، وعدم العلم بكونها تضرهم ضرراً راجحاً، أو ظن أنها تنفعهم نفعاً راجحاً؛ ولهذا قال الصحابة رضي اللّّه عنهم: كل من عصى الله فهو جاهل، وفسروا بذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] ، كقوله: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54] ، ولهذا يسمى حال فعل السيئات: الجاهلية؛ فإنه يصاحبها حال من حال جاهلية.
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل. ومن تاب قبيل الموت، فقد تاب من قريب.
وعن قتادة قال: أجمع أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل من عصى ربه فهو في جهالة، عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل. وكذلك قال التابعون ومن بعدهم.
قال مجاهد: من عمل ذنباً من شيخ أو شاب فهو بجهالة. وقال: من عصى ربه فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته. وقال أيضاً: هو إعطاء الجهالة العمد.
(1/62)

وقال مجاهد أيضاً: من عمل سوءاً خطأ، أو إثماً عمداً، فهو جاهل، حتى ينزع منه. رواهن ابن أبي حاتم. ثم قال: وروى عن قتادة، وعمرو بن مُرَّة، والثوري، ونحو ذلك: خطأ، أو عمداً.
وروى عن مجاهد والضحاك قالا: ليس من جهالته ألا يعلم حلالا ولا حراما، ولكن من جهالته: حين دخل فيه. وقال عكرمة: الدنيا كلها جهالة.
وعن الحسن البصري: أنه سئل عنها، فقال: هم قوم لم يعلموا ما لهم مما عليهم. قيل له: أرأيت لو كانوا قد علموا؟ قال: فليخرجوا منها، فإنها جهالة.
قلت: ومما يبين ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] ، وكل من خشيه، وأطاعه، وترك معصيته، فهو عالم، كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .
وقال رجل للشعبى: أيها العالم. فقال: إنما العالم من يخشى الله.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} يقتضي أن كل من خشى الله فهو عالم؛ فإنه لا يخشاه إلا عالم.
ويقتضي أيضاً أن العالم من يخشى الله كما قال السلف.
قال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار جهلا.
(1/63)

ومثل هذا الحصر يكون من الطرفين، حصر الأول في الثاني، وهو مطرد، وحصر الثاني في الأول نحو قوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} [يس: 11] ، وقوله: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] ، وقوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 15، 16] .
وذلك أنه أثبت الخشية للعلماء، ونفاها عن غيرهم، وهذا كالاستثناء؛ فإنه من النفي إثبات، عند جمهور العلماء، كقولنا: " لا إله إلا الله "، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 82] ، وقوله: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه} [سبأ: 23] ، وقوله: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] .
وقد ذهب طائفة إلى أن المستثنى مسكوت عنه، لم يثبت له ما ذكر، ولم ينف عنه.
وهؤلاء يقولون ذلك في صيغة الحصر بطريق الأولى، فيقولون: نفي الخشية عن غير العلماء، ولم يثبتها لهم.
والصواب: قول الجمهور، أن هذا كقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 33] فإنه ينفي التحريم عن غير هذه الأصناف ويثبتها لها، لكن أثبتها للجنس، أو لكل واحد واحد من العلماء، كما يقال: إنما يحج المسلمون، ولا يحج إلا مسلم، وذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو شرط؟
ففي هذه الآية وأمثالها هو مقتض، فهو عام؛ فإن العلم بما أنذرت به
(1/64)

الرسل يوجب الخوف. فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات، وترك السيئات، وكل عاص فهو جاهل، ليس بتام العلم. يبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات الجهل، وعدم العلم. وإذا كان كذلك، فعدم العلم ليس شيئا موجوداً، بل هو مثل عدم القدرة، وعدم السمع والبصر، وسائر الأعدام.
والعدم لا فاعل له، وليس هو شيئاً، وإنما الشيء الموجود. والله تعالى خالق كل شيء، فلا يجوز أن يضاف العدم المحض إلى الله، لكن قد يقترن به ما هو موجود.
فإذا لم يكن عالماً بالله، لا يدعوه إلى الحسنات، وترك السيئات.
والنفس بطبعها متحولة، فإنها حية، والإرادة والحركة الإرادية من لوازم الحياة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " أصدَقُ الأسماء حارث وهَمَّام "، فكل آدمي حارث وهمام، أي عامل كاسب، وهو همام، أي: يهم ويريد، فهو متحرك بالإرادة.
وقد جاء في الحديث: " مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فَلاة " [فلاة: أي لا ماء فيها. انظر: القاموس مادة: فلو] ، " ولَلْقَلْبُ أشد تَقَلُّباً من القِدْر إذا استجمعت غلياناً ".
فلما كانت الإرادة والعمل من لوازم ذاتها، فإذا هداها الله، علمها ما ينفعها وما يضرها، فأرادت ما ينفعها، وتركت ما يضرها.
فصل
والله سبحانه قد تفضل على بنى آدم بأمرين، هما أصل السعادة:
أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة، كما في الصحيحين عن
(1/65)

النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جَمْعَاء، هل تحسون فيها من جَدْعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطاناً ".
فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك به شيئاً، ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحى بعضهم إلى بعض من الباطل، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173] .
وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع.
الثاني: أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة وأسباب العلم، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 5] ، وقال تعالى:
(1/66)

{الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 4] وقال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1 3] ، وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] .
ففي كل أحد ما يقتضى معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه ربه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الأولى والآخرة. وجعل في فطرته محبة لذلك، لكن قد يعرض الإنسان بجاهليته وغفلته عن طلب علم ما ينفعه.
وكونه لا يطلب ذلك، ولا يريده، أمر عدمي، لا يضاف إلى الله تعالى فلا يضاف إلى الله لا عدم علمه بالحق، ولا عدم إرادته للخير.
لكن النفس كما تقدم الإرادة والحركة من لوازمها، فإنها حية حياة طبيعية، لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحيا الحياة النافعة الكاملة، وكان ما لها من الحياة الطبيعية موجباً لعذابها، فلا هي حية متنعمة بالحياة، ولا هي ميتة مستريحة من العذاب، قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشقي الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [الأعلى: 9-13] ، فالجزاء من جنس العمل، لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة التي خلق لأجلها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا عديم الإحساس، كان في الآخرة كذلك، فإن مقصود الحياة هو حصول ما ينتفع به الحي ويستلذ به، والحي لابد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة؛ فإن الألم ليس مقصوداً.
كمن هو حي في الدنيا، وبه أمراض عظيمة لا تدعه يتنعم بشيء مما يتنعم به الأحياء، فهذا يبقى طول حياته يختار الموت، ولا يحصل له.
(1/67)

فلما كان من طبع النفس الملازم لها وجود الإرادة والعمل، إذ هو حارث همام، فإن عرفت الحق وأرادته، وأحبته وعبدته، فذلك من تمام إنعام الله عليها. وإلا فهي بطبعها لابد لها من مراد معبود غير الله، ومرادات سيئة تضرها، فهذا الشر قد تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده، وهذا عدم لا يضاف إلى فاعل، ومن كونها بطبعها لابد لها من مراد معبود، فعبدت غيره. وهذا هو الشر الذي تعذب عليه، وهو من مقتضى طبعها مع عدم هداها.
والقدرية يعترفون بهذا جميعه، وبأن الله خلق الإنسان مريداً، لكن يجعلون المخلوق كونه مريداً بالقوة والقبول، أي قابلا لأن يريد هذا وهذا.
وأما كونه مريداً لهذا المعين، وهذا المعين، فهذا عندهم ليس مخلوقاً لله وغلطوا في ذلك غلطاً فاحشاً؛ فإن الله خالق هذا كله.
وإرادة النفس لما يريده من الذنوب وفعلها، هو من جملة مخلوقات الله تعالى؛ فإن الله خالق كل شيء، وهو الذي ألهم النفس التي سواها فجورها وتقواها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " اللهم آت نفسي تقواها، وزَكِّها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ".
وهو سبحانه جعل إبراهيم وآله أئمة يهدون بأمره، وجعل فرعون وآله أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا يُنْصَرون.
لكن هذا لا يضاف مفرداً إلى الله تعالى لوجهين: من جهة علته الغائية، ومن جهة سببه وعلته الفاعلية.
أما الغائية، فإن الله إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير لا شر، وإن كان
(1/68)

شراً إضافياً، فإذا أضيف مفرداً توهم المتوهم مذهب جَهم: أن الله يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد لا لحكمة ولا رحمة، والأخبار والسنة والاعتبار تبطل هذا المذهب.
كما أنه إذا قيل: محمد وأمته يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض، كان هذا ذماً لهم، وكان باطلا. وإذا قيل: يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ويقتلون من منعهم من ذلك، كان هذا مدحاً لهم، وكان حقاً.
فإذا قيل: إن الرب تبارك وتعالى حكيم رحيم، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن ما صنع، وهو أرحم الراحمين، أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل لا يفعل إلا خيراً، وما خلقه من ألم لبعض الحيوانات أو من أعمالهم المذمومة، فله فيها حكمة عظيمة، ونعمة جسيمة كان هذا حقاً، وهو مدح للرب وثناء عليه.
وأما إذا قيل: إنه يخلق الشر الذي لا خير فيه ولا منفعة لأحد، ولا له فيها حكمة ولا رحمة، ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن هذا مدحا للرب، ولا ثناء عليه، بل كان بالعكس.
ومن هؤلاء من يقول: إن الله تعالى أضر على خلقه من إبليس.
وبسط القول في بيان فساد قول هؤلاء له موضع آخر.
وقد بينا بعض ما في خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة، وما لم نعلم أعظم مما علمناه.
فتبارك الله أحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وخير الغافرين، ومالك يوم الدين، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الذي لا يحصى العباد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، الذي له الحمد في الأولى
(1/69)

والآخر، وله الحكم وإليه ترجعون، الذي يستحق الحمد والحب والرضا لذاته، ولإحسانه إلى عباده سبحانه وتعالى يستحق أن يحمد لما له في نفسه من المحامد والإحسان إلى عباده. هذا حمد شكر، وذاك حمد مطلقاً.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما قيل: من أن كل ما خلقه الله فهو نعمة على عباده المؤمنين، يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه، وهو من آلائه؛ ولهذا قال في آخر سورة النجم: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم: 55] ، وفى سورة الرحمن يذكر: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] ونحو ذلك، ثم يقول عقب ذلك: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 28] .
وقال آخرون منهم الزجاج، وأبو الفرج ابن الجوزي: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها ينعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم ما به قوامكم.
وهذا قالوه في سورة الرحمن.
وقالوا في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم: 55] ؟ : فبأي نِعَم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقيل: تشك وتجادل؟ قال ابن عباس: تكذب؟
قلت: قد ضمن {تَتَمَارَى} معنى تكذب؛ ولهذا عداه بالتاء؛ فإن التماري تفاعل من المراء. يقال: تمارينا في الهلال. والمراء في القرآن كفر، وهو يكون تكذيب وتشكيك.
وقد يقال: لما كان الخطاب لهم، قال: {تَتَمَارَى} أي يتمارون، ولم يقل: تميرا؛ فإن التفاعل يكون بين اثنين تماريا. قالوا: والخطاب للإنسان. قيل:
(1/70)

للوليد بن المغيرة؛ فإنه قال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم 36-38] ، ثم التفت إليه فقال: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} تكذب، كما قال: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 14-16] .
ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده، يحمد عليه حمد شكر، وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمداً يستحقه لذاته.
فجميع المخلوقات فيها إنعام على العباد، كالثقلين المخاطبين بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} من جهة أنها آيات للرب، يحصل بها هدايتهم وإيمانهم الذي يسعدون به في الدنيا والآخرة، فيدلهم عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته.
والآيات التي بعث بها الأنبياء وأيدهم بها ونصرهم، وإهلاك عدوهم كما ذكره في سورة النجم: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 50 54] ، تدلهم على صدق الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ما بشروا به وأنذروا به.
ولهذا قال عقيب ذلك: {هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى} [النجم: 56] ، قيل: هو محمد. وقيل: هو القرآن؛ فإن الله سمى كلا منهما بشيراً ونذيراً، فقال في رسول الله: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] ، وقال تعالى في القرآن: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فصلت: 3، 4] ، وهما متلازمان.
(1/71)

وكل من هذين المعنيين مراد، يقال: هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل والكتب الأولى.
وقوله: {مِّنَ النُّذُرِ} أي:من جنسها، أي رسول من الرسل المرسلين.
ففي المخلوقات نعم من جهة حصول الهدى والإيمان، والاعتبار والموعظة بها. وهذه أفضل النعم.
فأفضل النعم نعمة الإيمان وكل مخلوق من المخلوقات فهو الآيات التي يحصل بها ما يحصل من هذه النعمة، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111] ، وقال تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق: 8] .
وما يصيب الإنسان، إن كان يَسُرُّه فهو نعمة بينة، وإن كان يسؤوه فهو نعمة من جهة أنه يُكَفِّر خطاياه، ويثاب بالصبر عليه. ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]
وقد قال في الحديث: " واللَّهِ، لا يَقْضِى اللَّهُ للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سَرَّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر، فكان خيراً له ". وإذا كان هذا وهذا، فكلاهما من نعم الله عليه.
وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر.
أما نعمة الضراء، فاحتياجها إلى الصبر ظاهر، وأما نعمة السراء، فتحتاج
(1/72)

إلى الصبر على الطاعة فيها؛ فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.
وفى الحديث: " أعوذ بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى ".
والفقر يصلح عليه خَلْق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم.
ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين؛ لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء اللذة، وفى الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 9 11] ، ولأن صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر؛ فإن صبر هذا وشكر هذا واجب، إذا تركه استحق العقاب.
وأما صبر صاحب السراء، فقد يكون مستحباً إذا كان عن فضول الشهوات، وقد يكون واجباً، ولكن لإتيانه بالشكر الذي هو حسنات يغفر له ما يغفر من سيئاته.
وكذلك صاحب الضراء، لا يكون الشكر في حقه مستحباً إذا كان شكراً يصير به من السابقين المقربين. وقد يكون تقصيره في الشكر مما يغفر له، لما يأتي به من الصبر؛ فإن اجتماع الشكر والصبر جميعاً يكون مع تألم النفس وتلذذها، يصبر على الألم، ويشكر على النعم. وهذا حال يعسر على كثير من الناس، وبسط هذا له موضع آخر.
(1/73)

والمقصود هنا أن الله تعالى منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر الإنعام به في الابتداء لأكثر الناس، فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، فكل ما يفعله الله فهو نعمة منه.
وأما ذنوب الإنسان، فهي من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة، وهي نعمة على غيره بما يحصل له بها من الاعتبار والهدى والإيمان؛ ولهذا كان من أحسن الدعاء قوله: " اللهم لا تجعلني عبرة لغيري، ولا تجعل أحداً أسعد بما علمتني منى ".
وفي دعاء القرآن: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [يونس: 85] ، و {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [الممتحنة: 5] ، كما فيه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] أي: فاجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ويأتم، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقي.
و" الآلاء " في اللغة: هي النعم، وهي تتضمن القدرة.
قال ابن قتيبة: لما عدد الله في هذه السورة سورة الرحمن نعماءه، وذَكَّر عباده آلاءه ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين، ليفهم النعم ويقررهم بها.
وقد روى الحاكم في صحيحه والترمذي، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها، ثم قال: " مالي أراكم سكوتا؟ لَلْجِنُّ كانوا أحسن منكم رَدّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ".
والله تعالى يذكر في القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته،
(1/74)

ويذكر بآياته التي فيها نعمه وإحسانه إلى عباده، ويذكر بآياته المبينة لحكمته تعالى، وهي كلها متلازمة.
فكل ما خلق فهو نعمة، ودليل على قدرته وعلى حكمته.
لكن نعمة الرزق، والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل أحد؛ فلهذا يستدل بها كما في سورة النحل وتسمى سورة النعم، كما قاله قتادة وغيره.
وعلى هذا، فكثير من الناس يقول: الحمد أعم من الشكر، من جهة أسبابه، فإنه يكون على نعمة وعلى غير نعمة، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان واليد.
فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة، لم يكن الحمد إلا على نعمة، والحمد لله على كل حال؛ لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عباده.
لكن هذا فَهْم من عرف ما في المخلوقات من النعم. والجهمية والجبرية بمعزل عن هذا.
وكذلك كل ما يخلقه، ففيه له حكمة، فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة والجهمية أيضاً بمعزل عن هذا.
وكذلك القدرية الذين يقولون: لا تعود الحكمة إليه، بل ما ثم إلا نفع الخلق فما عندهم إلا شكر، كما ليس عند الجهمية إلا قدرة.
والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد، كالقادر الذي يفعل ما لا ينتفع به، ولا ينفع به أحداً، فهذا لا يحمد.
فحقيقة قول الجهمية أتباع جَهْم أنه لا يستحق الحمد، فله عندهم ملك بلا حمد، مع تقصيرهم في معرفة ملكه.
(1/75)

كما أن المعتزلة له عندهم من الحمد بلا ملك تام؛ إذ كان عندهم يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وتحدث حوادث بلا قدرته.
وعلى مذهب السلف، له الملك وله الحمد تامين، وهو محمود على حكمته، كما هو محمود على قدرته ورحمته.
وقد قال: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ، فله الوحدانية في إلهيته، وله العدل، وله العزة والحكمة.
وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم، فمن قصر عن معرفة السنة، فقد نقص الرب بعض حقه.
والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة، ولا توحيد إلهية، بل توحيد ربوبيته.
والمعتزلي أيضاً لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات، ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة، وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة، من فعل لا لأمر يرجع إليه، بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم، بل سفيه.
وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر، فهو أول الشكر.
والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته، فالشكر بالأعمال هو على نعمته، وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته، فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر.
ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجرداً؛ إذ كان نوعاً من الشكر.
(1/76)

وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد.
ففي الفاتحة الشكرُ والتوحيد، والخطب الشرعية لابد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان؛ فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله، والله أكبر فيها التوحيد والتكبير.
وقد قال تعالى: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65] .
وهل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح، وإن لم يكن باختياره، أو لا يكون الحمد إلا على الأمور الاختيارية، كما قيل في الذم؟ فيه نظر ليس هذا موضعه.
وفى الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: " ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بَعْدُ، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدُّ منك الجد ". هذا لفظ الحديث. " أحق ": أفعل التفضيل.
وقد غلط فيه طائفة من المصنفين، فقالوا: " حق ما قال العبد "، وهذا ليس لفظ الرسول. وليس هو بقول سديد؛ فإن العبد يقول الحق والباطل، بل حق ما يقوله الرب، كما قال تعالى: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} [ص: 84] .
ولكن لفظه: " أحق ما قال العبد " خبر مبتدأ محذوف، أي الحمد أحق ما قال العبد، أو هذا وهو الحمد أحق ما قال العبد.
(1/77)

ففيه بيان: أن الحمد لله أحق ما قاله العباد؛ ولهذا أوجب قوله في كل صلاة، وأن تفتتح به الفاتحة، وأوجب قوله في كل خطبة، وفى كل أمر ذي بال.
والحمد ضد الذم، والحمد يكون على محاسن المحمود، مع المحبة له، كما أن الذم يكون على مساويه، مع البغض له.
فإذا قيل: إنه سبحانه يفعل الخير والحسنات، وهو حكيم رحيم بعباده، أرحم بعباده من الوالدة بولدها أوجب ذلك أن يحبه عباده ويحمدوه.
وأما إذا قيل: بل يخلق ما هو شر محض، لا نفع فيه، ولا رحمة، ولا حكمة لأحد، وإنما يتصف بإرادة ترجح مثلا على مثل، لا فرق عنده بين أن يرحم أو يعذب، وليست نفسه ولا إرادته مرجحة للإحسان إلى الخلق، بل تعذيبهم وتنعيمهم سواء عنده، وهو مع هذا يخلق ما يخلق لمجرد العذاب والشر، ويفعل ما يفعل لا لحكمة ونحو ذلك، مما يقوله الجهمية لم يكن هذا موجباً لأن يحبه العباد ويحمدوه، بل هو موجب للعكس.
ولهذا فإن كثيراً من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم والطعن، ويذكرون ذلك نظماً ونثراً.
وكثير من شيوخ هؤلاء وعلمائهم من يذكر في كلامه ما يقتضي هذا، ومن لم يقله بلسانه فقلبه ممتلئ به، لكن يرى أن ليس في ذكره منفعة، أو يخاف من عموم المسلمين.
وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا.
وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله، ويجعلون الرب ظالماً لهم.
وهو خلاف ما وصف الله به نفسه، في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن
(1/78)

كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] ،وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] ، وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .
كيف يكون ظالماً وهم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض، أو قصر في حقه لكان يؤاخذه، ويعاقبه وينتقم منه، ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه؟ !
ولو قال: إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه، لم يكن هذا عذراً له عندهم باتفاق العقلاء.
فإذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه احتجاجاً بالقدر، فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجاً بالقدر وهو سبحانه الحكم العدل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً؟ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
فقوله: " أحق ما قال العبد ": يقتضي أن حمد الله أحق ما قاله العبد، فله الحمد على كل حال؛ لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان، الذي يستحق الحمد عليه سبحانه وتعالى وإن كان العباد لا يعلمون.
وهو سبحانه خلق الإنسان، وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر لحكمة بالغة، ورحمة سابغة.
فإذا قيل: فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه؟
قيل: كان يكون ذلك خلقاً غير الإنسان، وكانت الحكمة التي خلقها بخلق
(1/79)

الإنسان لا تحصل، وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة: 30] ، وما لم تعلمه الملائكة، فكيف يعلمه آحاد الناس.
ونفس الإنسان خلقت كما قال الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 1921] ، وقال تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] .
فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة، ورحمة عميمة، فكان ذلك خيراً ورحمة، وإن كان فيه شر إضافي كما تقدم فهذا من جهة الغاية، مع أنه لا يضاف الشر إلى الله.
وأما الوجه الثاني من جهة السبب: فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم والإرادة التي تصلح النفس، فإنها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك، وهذا كله من فضل الله وإحسانه، لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها، بل حصل لها من زين لها السيئات من شياطين الإنس والجن مالت إلى ذلك، وفعلت السيئات، فكان فعلها للسيئات مركباً من عدم ما ينفع وهو الأفضل، ووجود هؤلاء الذين حيروها، والعدم لا يضاف إلى الله. وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها؛ خلقهم لحكمة.
فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح هو أحد السببين، وكان الشر المحض الذي لا خير فيه هو العدم المحض، والعدم لا يضاف إلى الله؛ فإنه ليس شيئاً، والله خالق كل شيء كانت السيئات منها بأعتبار [أن] ذاتها في نفسها مستلزمة للحركة الإرادية التي تحصل منها مع عدم ما يصلحها تلك السيئات.
(1/80)

والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها، فهو على وجهين: إن اعترف به إقراراً بخلق الله كل شيء، بقدرته ونفوذ مشيئته، وإقراراً بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، واعترافا بفقره وحاجته إلى الله، وأنه إن لم يهده فهو ضال، وإن لم يتب عليه فهو مصر، وإن لم يغفر له فهو هالك خضع لعزته وحكمته فهذا حال المؤمنين الذين يرحمهم الله، ويهديهم ويوفقهم لطاعته.
وإن قال ذلك احتجاجاً على الرب، ودفعاً للأمر والنهي عنه، وإقامة لعذر نفسه - فهذا ذنب أعظم من الأول. وهذا من أتباع الشيطان، ولا يزيده ذلك إلا شراً، وقد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه؛ ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده، ويستحق أن يرضى العبد بقضائه؛ لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيراً وعدلا، ولأنه لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له " إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ".
فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد والثناء ولأنه محسن إلى المؤمن.
وما تسأله طائفة من الناس، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له ". وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب، فكيف يكون ذلك خيراً؟
وعنه جوابان:
أحدهما: أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث، وإنما دخل فيه ما يصيب
(1/81)

الإنسان من النعم والمصائب، كما في قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ؛ ولهذا قال: " إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له "، فجعل القضاء ما يصيبه من سراء وضراء. هذا ظاهر لفظ الحديث، فلا إشكال عليه.
الوجه الثاني: أنه إذا قدر أن الأعمال دخلت في هذا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ".
فإذا قضى له بأن يحسن، فهذا مما يسره، فيشكر الله عليه.
وإذا قضى عليه بسيئة، فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب منها، فإن تاب أبدلت بحسنة، فيشكر الله عليها، وإن لم يتب ابتلى بمصائب تكفرها فصبر عليها، فيكون ذلك خيراً له. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقضي الله للمؤمن "، والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب، بل يتوب منه، فيكون حسنة، كما قد جاء في عدة آيات: أن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله، لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة.
والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه، ودعاء الله واستغفاره إياه، وشهوده بفقره وحاجته إليه، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو.
فيحصل للمؤمن بسبب الذنب من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك، فيكون هذا القضاء خيراً له.
فهو في ذنوبه بين أمرين: إما أن يتوب فيتوب الله عليه، فيكون من التوابين الذين يحبهم الله.
(1/82)

وإما أن يكفر عنه بمصائب؛ تصيبه ضراء فيصبر عليها، فيكفر عنه السيئات بتلك المصائب، وبالصبر عليها ترتفع درجاته.
وقد جاء في بعض الأحاديث: يقول الله تعالى: " أهْلُ ذِكْرِى أهل مجالستيي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم أي محبهم؛ فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأكَفِّرَ عنهم المعائب ".
وفى قوله تعالى: " من نفسك " من الفوائد: أن العبد لا يركن إلى نفسه، ولا يسكن إليها؛ فإن الشر لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساؤوا إليه؛ فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب فيستغفر منها، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر.
ولهذا كان أنفع الدعاء، وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7] ، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
لكن الذنوب هي من لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب.
ليس كما يقوله طائفة من المفسرين: إنه قد هداه، فلماذا يسأل الهدى؟
وأن المراد بسؤال الهدى: الثبات، أو مزيد الهداية.
(1/83)

بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله. وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك.
فإنه لا يكفى مجرد علمه إن لم يجعله الله مريداً للعمل بعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه، ولم يكن مهتدياً، والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادراً على العمل بتلك الإرادة الصالحة.
فإنه لا يكون مهتدياً إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلا بهذه العلوم والإرادات، والقدرة على ذلك.
ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه.
ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة؛ لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء.
وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن، والمأمورين بهذا الدعاء، ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها في الدنيا والآخرة، فيعلم أن الله بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر.
ومما يبين ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا في القرآن قصة أحد إلا لنعتبر بها، لما في الاعتبار بها من حاجتنا إليه ومصلحتنا.
وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول، وكانا مشتركين في المقتضى للحكم.
فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان في نفوس المكذبين للرسل فرعون ومن قبله لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر
(1/84)

كما قال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43] ، وكما قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52] ، وقال تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] ، وقال تعالى: {يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التوبة: 30] .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتسلكن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْوَ القُذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه ". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ ".
وقال: " لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شِبْراً بشبر، وذراعاً بذراع ". قيل: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: " فمن؟ " وكلا الحديثين في الصحيحين.
ولما كان في غزوة حُنَيْن كان للمشركين شجرة، يقال لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، وينوطونها بها، ويستظلون بها متبركين فقال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: " الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السَّنَنَ، لتركبن سَنَن من كان قبلكم ".
وقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله.
فأعظم السيئات جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس
(1/85)

أن تكون شريكة ونِدا له، أو أن تكون إلها من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبوداً دون الله تعالى، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] ، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، وقال لموسى: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] ، و {اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54] .
وإبليس يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل.
وفى نفوس سائر الإنس والجن شعبة من هذا وهذا، إن لم يعن الله العبد ويهديه، وإلا وقع في بعض ما وقع فيه إبليس وفرعون بحسب الإمكان.
قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون، غير أن فرعون قَدَر فأظهر، وغيره عجز فأضمر.
وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس، وسمع أخبارهم، رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته.
فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة، بحسب إمكانها، فتجد أحدهم يوالى من يوافقه على هواه، ويعادى من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ
(1/86)

عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43] ؟ والناس عنده في هذا الباب كما هم عند ملوك الكفار من المشركين من الترك وغيرهم، يقولون: " يا رباعي" أي: صديق وعدو. فمن وافق هواهم كان ولياً، وإن كان كافراً مشركاً، ومن لم يوافق هواهم كان عدوا، وإن كان من أولياء الله المتقين، وهذه هي حال فرعون.
والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه، لكنه لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الإلهية، وجحود الصانع.
وهؤلاء - وإن كانوا يقرون بالصانع لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته وطاعته المتضمنة ترك طاعتهم، فقد يعادونه، كما عادى فرعون موسى.
وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان، لا يطلب هذا الحد، بل يطلب لنفسه ما هو عنده، فإن كان مطاعاً مسلماً طلب أن يطاع في أغراضه، وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية الله، ويكون من أطاعه في هواه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون، وسائر المكذبين للرسل.
وإن كان عالماً أو شيخاً، أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، حتى لو كانا يقرآن كتابا واحداً كالقرآن، أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها، كالصلوات الخمس؛ فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله والاقتداء به أكثر من غيره، وربما أبغض نظيره وأتباعه حسداً وبغياً، كما فعلت اليهود لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ
(1/87)

وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91] ، وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4] ، وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14] .
ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون، وسلط عليهم من انتقم به منهم، فقال تعالى عن فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] ،وقال تعالى عنهم: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] ؛ ولهذا قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] .
والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، ليذكروه ويشكروه ويعبدوه، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوا الله وحده، وليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، كما أرسل كل رسول بمثل ذلك، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] .
وقد أمر الله الرسل كلهم بهذا، وألا يتفرقوا فيه، فقال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] ، وقال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ
(1/88)

أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 51 53] .
قال قتادة: أي دينكم دين واحد، وربكم رب واحد، والشريعة مختلفة. وكذلك قال الضحاك عن ابن عباس: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: دينكم دين واحد. قال ابن أبي حاتم: وروى عن سعيد بن جبير، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد نحو ذلك. وقال الحسن: بين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال: إن هذه سنتكم سنة واحدة.
وهكذا قال جمهور المفسرين.
والأمة: الملة والطريقة، كما قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون} [الزخرف: 22] ، {مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] ، كما يسمى الطريق: إماماً؛ لأن السالك فيه يأتم به، فكذلك السالك يؤمه ويقصده.
والأمة أيضاً: معلم الخير، الذي يأتم به الناس، كما أن الإمام: هو الذي يأتم به الناس. وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماماً، وأخبر أنه {كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] .
وأمر الله الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحداً، لا يتفرقون فيه، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنا معشر الأنبياء ديننا
(1/89)

واحد "، وقد قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ؛ ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضاً، لا يختلفون، مع تنوع شرائعهم.
فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعاً للرسل: أمر بما أمروا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه، فإن الله يحب ذلك، فيحب ما يحبه الله تعالى، وهذا قصده في نفس الأمر أن تكون العبادة لله تعالى وحده، وأن يكون الدين كله لله.
وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك، فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، فله نصيب من حال فرعون وأشباهه.
فمن طلب أن يطاع دون الله، فهذا حال فرعون، ومن طلب أن يطاع مع الله، فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله. والله سبحانه وتعالى أمر ألا يعبد إلا إياه، وألا يكون الدين إلا له، وأن تكون الموالاة فيه، والمعاداة فيه، وألا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به.
فالمؤمن المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل، ليكون الدين كله لله، لا له، وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه، وسر بوجود مطلوبه.
وإذا أحسن إلى الناس، فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويعلم أن الله قد مَنَّ عليه بأن جعله محسناً، ولم يجعله مسيئاً، فيرى أن عمله لله، وأنه بالله.
وهذا مذكور في فاتحة الكتاب، التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء.
(1/90)

ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها، فإن فيها: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
فالمؤمن يرى أن عمله لله؛ لأنه إياه يعبد، وأنه بالله؛ لأنه إياه يستعين، فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكوراً؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله، كما قال الأبرار: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9] ، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه؛ فإنه قد علم أن الله هو المانّ عليه، إذ استعمله في الإحسان، وأن المنة لله عليه، وعلى ذلك الشخص، فعليه هو أن يشكر الله، إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك أن يشكر الله، إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر، أو غير ذلك.
ومن الناس من يحسن إلى غيره ليَمُنّ عليه، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه، أو نفع آخر، وقد يمن عليه، فيقول: أنا فعلت بك كذا، فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه، ولا عمل لله، ولا عمل بالله، فهو المرائي.
وقد أبطل الله صدقة المنَّان، وصدقة المرائي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [البقرة: 264، 265] .
(1/91)

قال قتادة: {تَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} : احتساباً من أنفسهم. وقال الشعبي: يقيناً، وتصديقاً من أنفسهم. وكذلك قال الكلبي. قيل: يخرجون الصدقة طيبة بها أنفسهم، على يقين بالثواب، وتصديق بوعد الله، يعلمون أن ما أخرجوه خير لهم مما تركوه.
قلت: إذا كان المعطى محتسباً للأجر عند الله، مصدقاً بوعد الله له، طالباً من الله، لا من الذي أعطاه، فلا يمن عليه. كما لو قال رجل لآخر: أعط مماليكك هذا الطعام، وأنا أعطيك ثمنه، لم يمن على المماليك، لاسيما إذا كان يعلم أن الله قد أنعم عليه بالإعطاء.
فصل
الفرق السادس: أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن كانت خلقاً لله فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له، وفطره عليه؛ فإن الله إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له، ودله على الفطرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة "، وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .
فهو لما لم يفعل ما خلق له، وما فطر عليه، وما أمر به من معرفة الله وحده وعبادته وحده عوقب على ذلك، بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي.
قال تعالى للشيطان: {اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا} إلى قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 63 65] ، وقال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ
(1/92)

يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99، 100] ،وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 201، 202] .
فقد تبين أن إخلاص الدين لله يمنع من تسلط الشيطان، ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .
فإذا أخلص العبد لربه الدين كان هذا مانعاً له من فعل ضد ذلك، ومن إيقاع الشيطان له في ضد ذلك، وإذا لم يخلص لربه الدين، ولم يفعل ما خلق له، وفطر عليه، عوقب على ذلك، وكان من عقابه تسلط الشيطان عليه، حتى يزين له فعل السيئات، وكان إلهامه لفجوره عقوبة له على كونه لم يتق الله.
وعدم فعله للحسنات ليس أمراً وجودياً، حتى يقال: إن الله خلقه، بل هو أمر عدمي، لكن يعاقب عليه لكونه عدم ما خلق له، وما أمر به، وهذا يتضمن العقوبة على أمر عدمي، لكن بفعل السيئات لا بالعقوبات التي يستحقها بعد إقامة الحجة عليه بالنار ونحوها.
وقد تقدم أن مجرد عدم المأمور: هل يعاقب عليه؟ فيه قولان:
والأكثرون يقولون: لا يعاقب عليه؛ لأنه عدم محض. ويقولون: إنما يعاقب على الترك، وهذا أمر وجودي.
وطائفة منهم: أبو هاشم قالوا: بل يعاقب على هذا العدم، بمعنى أنه يعاقب عليه كما يعاقب على فعل الذنوب بالنار ونحوها.
(1/93)

وما ذكر في هذا الوجه هو أمر وسط، وهو أن يعاقبه على هذا العدم بفعل السيئات لا بالعقوبة عليها، ولا يعاقبه عليها حتى يرسل إليه رسوله، فإذا عصى الرسول استحق حينئذ العقوبة التامة، وهو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره، بأن يتوب منه، أو بألا تقوم عليه الحجة، وهو كالصبي الذي لا يشتغل بما ينفعه، بل بما هو سبب لضرره، ولكن لا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ، فإذا بلغ عوقب.
ثم ما تعوده من فعل السيئات، قد يكون سبباً لمعصيته بعد البلوغ، وهو لم يعاقب إلا على ذنبه، ولكن العقوبة المعروفة إنما يستحقها بعد قيام الحجة عليه. وأما اشتغاله بالسيئات فهو عقوبة عدم عمله للحسنات.
وعلى هذا، فالشر ليس إلى الله بوجه من الوجوه؛ فإنه وإن كان الله خالق أفعال العباد فخلقه للطاعات نعمة ورحمة، وخلقه للسيئات له فيه حكمة ورحمة، وهو مع هذا عدل منه، فما ظلم الناس شيئاً، ولكن الناس ظلموا أنفسهم.
وظلمهم لأنفسهم نوعان: عدم عملهم بالحسنات، فهذا ليس مضافاً إليه، وعملهم للسيئات خلقه عقوبة لهم على ترك فعل الحسنات التي خلقهم لها، وأمرهم بها، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل.
ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكره الله في خلق الكفر والمعاصي يجعله جزاء لذلك العمل، كقوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا
(1/94)

أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وقال تعالى: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 8 10] .
وهذا وأمثاله بذلوا فيه أعمالا، عاقبهم بها على فعل محظور، وترك مأمور.
وتلك الأمور إنما كانت منهم وخلقت فيهم؛ لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له، ولابد لهم من حركة وإرادة، فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا بالسيئات، عدلا من الله، حيث وضع ذلك موضعه في محله القابل له وهو القلب الذي لا يكون إلا عاملا فإذا لم يعمل الحسنة استعمل في عمل السيئة، كما قيل: نفسك إن لم تشغلها شغلتك.
وهذا الوجه إذا حقق يقطع مادة كلام القدرية المكذبة، والمجبرة الذين يقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، ويجعلون خلقها والتعذيب عليها ظلماً، والذين يقولون: إنه خلق كفر الكافرين ومعصيتهم، وعاقبهم على ذلك لا لسبب ولا لحكمة.
فإذا قيل لأولئك: إنه إنما أوقعهم في تلك الذنوب، وطبع على قلوبهم عقوبة لهم على عدم فعلهم ما أمرهم به، فما ظلمهم، ولكن هم ظلموا أنفسهم.
يقال: ظلمته: إذا نقصته حقه، قال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] .
وكثير من أولئك يسلمون أن الله خلق للعبد من الأعمال ما يكون جزاء له على عمل منه متقدم، ويقولون: إنه خلق طاعة المطيع.
فلا ينازعون في نفس خلق أفعال العباد، لكن يقولون: ما خلق شيئاً من الذنوب ابتداء، بل إنما خلقها جزاء لئلا يكون ظالماً
(1/95)

فنقول: أول ما يفعله العبد من الذنوب هو أحدثه، لم يحدثه الله، ثم ما يكون جزاء على ذلك فاللّّه محدثه، وهم لا ينازعون في مسألة خلق الأفعال إلا من هذه الجهة.
وهذا الذي ذكرناه يوافقون عليه، لكن يقولون: أول الذنوب لم يحدثه الله، بل يحدثه العبد لئلا يكون الجزاء عليه ظلما.
وما ذكرناه يوجب أن الله خالق كل شيء، فما حدث شيء إلا بمشيئته وقدرته، لكن أول الذنوب الوجودية هو المخلوق، وذاك عقوبة على عدم فعل العبد لما خلق له، ولما كان ينبغي له أن يفعله.
وهذا العدم لا يجوز إضافته إلى الله، وليس بشيء حتى يدخل في قولنا: " الله خالق كل شيء "، وما أحدثه من الذنوب الوجودية، فأولها عقوبة للعبد على هذا العدم، وسائرها قد يكون عقوبة للعبد على ما وجد، وقد يكون عقوبة له على استمراره على العدم.
فما دام لا يخلص لله العمل، فلا يزال مشركا، ولا يزال الشيطان مسلطا عليه.
ثم تخصيصه سبحانه لمن هداه بأن استعمله ابتداء فيما خلق له، وهذا لم يستعمله هو تخصيص منه بفضله ورحمته؛ ولهذا يقول الله: {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105] ، ولذلك حكمة ورحمة هو أعلم بها، كما خص بعض الأبدان بقوى لا توجد في غيرها، وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض وجودية، وغير ذلك، من حكمته.
وبتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
(1/96)

فصل
ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] ، وهذا من تمام قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} الآية [الأنعام: 109،110] ، فذكر أن هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة، وهذا عدم الإيمان.
لكن يقال: إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم، وهم قد تركوا الإيمان، وكذبوا الرسول، وهذه أمور وجودية، لكن الموجب للعذاب هو عدم الإيمان، وما ذكر شرط في التعذيب، بمنزلة إرسال الرسول؛ فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما جنسه مباح من أكل وشرب، وبيع وسفر، وغير ذلك وهذا الجنس لا يستحق عليه العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان الواجب عليه.
ومن الناس من يقول: ضد الإيمان هو تركه، وهو أمر وجودي، لا ضد له إلا ذلك.
فصل
الفرق السابع: من الحسنات والسيئات التي تتناول الأعمال والجزاء في كون هذه تضاف إلى النفس، وتلك تضاف إلى الله: أن السيئات التي تصيب الإنسان وهي مصائب الدنيا والآخرة ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه، فانحصرت في نفسه.
(1/97)

وأما ما يصيبه من الخير والنعم فإنه لا تنحصر أسبابه؛ لأن ذلك من فضل الله وإحسانه، يحصل بعمله وبغير عمله، وعمله نفسه من إنعام الله عليه. وهو سبحانه لا يجزي بقدر العمل، بل يضاعفه له، ولا يقدر العبد على ضبط أسبابها، لكن يعلم أنها من فضل الله وإنعامه، فيرجع فيها إلى الله، فلا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ويعلم أن النعم كلها من الله، وأن كل ما خلقه فهو نعمة كما تقدم فهو يستحق الشكر المطلق العام التام، الذي لا يستحقه غيره.
ومن الشكر: ما يكون جزاء على ما يسره على يديه من الخير، كشكر الوالدين وشكر من أحسن إليك من غيرهما؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، لكن لا يبلغ من حق أحد وإنعامه أن يشكر بمعصية الله، أو أن يطاع بمعصية الله؛ فإن الله هو المنعم بالنعم العظيمة، التي لا يقدر عليها مخلوق. ونعمة المخلوق إنما هي منه أيضاً، قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] ، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، وجزاؤه سبحانه على الطاعة والمعصية والكفر لا يقدر أحد على مثله.
فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق، كما قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: 8] ، وقال في الآية الأخرى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان: 15] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " على المرء المسلم
(1/98)

السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الطاعة في المعروف "، وقال: " من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه "، وقال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه إذا عرف أن النعم كلها من الله، وأنه لا يقدر أن يأتي بها إلا الله، فلا يأتى بالحسنات إلا هو، ولا يذهب السيئات إلا هو، وأنه {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر: 2] صار توكله ورجاؤه ودعاؤه للخالق وحده.
وكذلك إذا علم ما يستحقه الله من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار علمه بأن الحسنات من الله يوجب له الصدق في شكر الله، والتوكل عليه.
ولو قيل: إنها من نفسه لكان غلطاً؛ لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل، وما كان لعمله فيه مدخل فإن الله هو المنعم به، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا مَلْجَأ ولا مَنْجَى منه إلا إليه.
وعلم أن الشر قد انحصر سببه في النفس، فضبط ذلك وعلم من أين يؤتى، فاستغفر ربه مما فعل وتاب، واستعان الله واستعاذ به مما لم يعمل بعد، كما قال من قال من السلف: لا يَرْجُوَنّ عَبْدٌ إلا ربه، ولا يَخافنَّ عبد إلا ذَنبه.
وهذا يخالف قول الجهمية ومن اتبعهم، الذين يقولون: إن الله يعذب بلا ذنب، ويعذب أطفال الكفار وغيرهم عذابا دائماً أبداً بلا ذنب.
فإن هؤلاء يقولون: يخاف الله خوفاً مطلقاً، سواء كان له ذنب أو لم يكن له
(1/99)

ذنب، ويشبهون خوفه بالخوف من الأسد، ومن الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله ولا سطوته، بل قد يقهر ويعذب من لا ذنب له من رعيته.
فإذا صَدَّقَ العبد بقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، علم بطلان هذا القول، وأن الله لا يعذبه ويعاقبه إلا بذنوبه، حتى المصائب التي تصيب العبد كلها بذنوبه.
وقد تقدم قول السلف ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أُحُد من الغم والفشل إنما كان بذنوبهم، لم يستثن من ذلك أحد.
وهذا من فوائد تخصيص الخطاب؛ لئلا يظن أنه عام مخصوص.
وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما يصيب المؤمن من وَصَب ولا نَصَب، ولا هَمٍّ ولا حزن ولا غَمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كَفَّر الله بها من خطاياه ".
فصل
الفرق الثامن: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة مذمومة، وصفها بالخبث في مثل قوله: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26] .
قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين. ومن كلام بعضهم: الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين.
وقد قال تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} [إبراهيم: 24] ، {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} [إبراهيم: 26] ، وقال الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل.
(1/100)

فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها.
فمن أراد أن يجعل الحيات والعقارب يعاشرون الناس كالسنانير لم يصلح.
ومن أراد أن يجعل الذي يكذب شاهداً على الناس، لم يصلح.
وكذلك من أراد أن يجعل الجاهل معلماً للناس، مفتياً لهم، أو يجعل العاجز الجبان مقاتلا عن الناس، أو يجعل الأحمق الذي لا يعرف شيئاً سائساً للناس، أو للدواب، فمثل هذا يوجب الفساد في العالم، وقد يكون غير ممكن، مثل من أراد أن يجعل الحجارة تَسْبَح على وجه الماء كالسفن، أو تصعد إلى السماء كالريح، ونحو ذلك.
فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التي ليس فيها من الخبث شيء، فإن ذلك موجب للفساد، أو غير ممكن.
بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت، حتى تصلح لسكنى الجنة.
كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمنين إذا نجوا من النار أي عبروا الصراط وقفوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة ".
وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ".
والتهذيب: التخليص، كما يهذب الذهب، فيخلص من الغش.
(1/101)

فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا الذنوب، فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط؟
وأيضاً فإذا كان سببها ثابتاً فالجزاء كذلك، بخلاف الحسنة، فإنها من إنعام الحي القيوم الباقي، الأول الآخر، فسببها دائم، فيدوم بدوامه.
وإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه، لم يطمع في السعادة التامة، مع ما فيه من الشر، بل علم تحقيق قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، وقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة: 7، 8] .
وعلم أن الرب عليم حليم، رحيم عدل، وأن أفعاله جارية على قانون العدل والإحسان، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يمين الله ملأى، لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى يخفض ويرفع ".
وعلم فساد قول الجهمية، الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل، ولا وضع للأشياء مواضعها، فيصفون الرب بما يوجب الظلم والسفه، وهو سبحانه قد شهد {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] .
ولهذا يقولون: لا ندري ما يفعل بمن فعل السيئات، بل يجوز عندهم أن يعفو عن الجميع، ويجوز عندهم أن يعذب الجميع، ويجوز أن يعذب ويغفر بلا موازنة، بل يعفو عن شر الناس، ويعذب خير الناس على سيئة صغيرة، ولا يغفرها له.
(1/102)

وهم يقولون: السيئة لا تمحى، لا بتوبة ولا حسنات ماحية ولا غير ذلك، وقد لا يفرقون بين الصغائر والكبائر.
قالوا: لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع والخبر، خبر الله ورسوله.
قالوا: وليس في الكتاب والسنة ما يبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات، إلا الكفر، وتأولوا قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ، بأن المراد بالكبائر: قد يكون هو الكفر وحده، كما قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116] .
وقد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره، ممن يقول بمثل هذه الأقوال ممن سلك مسلك جَهْم بن صَفْوان في القَدَر وفى الوعيد، وهؤلاء قصدوا مناقضة المعتزلة في القدر والوعيد.
فأولئك لما قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وأنه يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وسلكوا مسلك نفاة القدر في هذا، وقالوا في الوعيد بنحو قول الخوارج، قالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، لا بشفاعة ولا غيرها، بل يكون عذابه مؤبداً، فصاحب الكبيرة، أو من رجحت سيئاته عندهم لا يرحمه الله أبدا، بل يخلده في النار. فخالفوا السنة المتواترة وإجماع الصحابة فيما قالوه في القدر، وناقضهم جهم في هذا وهذا.
وسلك هؤلاء مسلك جهم، مع انتسابهم إلى أهل السنة والحديث واتباع السلف، وكذلك سلكوا في الإيمان والوعيد مسلك المرجئة الغلاة كجهم وأتباعه.
وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة: نوع في الأسماء والصفات،
(1/103)

فغلا في نفي الأسماء والصفات، ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنية والفلاسفة ونحوهم، ووافقه المعتزلة في نفي الصفات دون الأسماء.
والكلابِيَّة - ومن وافقهم من السالمية، ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية - وافقوه على نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات.
والكَرَّامِيَّة ونحوهم: وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، وأنه يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلما إذا شاء، وفعالاً لما يشاء إذا شاء؛ لامتناع حوادث لا أول لها، وهو عن هذا الأصل الذي هو نفى وجود ما لا يتناهى في المستقبل قال بفناء الجنة والنار.
وقد وافقه أبو الهذيل [هو أبو الهذبل محمد بن الهذبل ين عبد الله ين مكحول العبدي، مولى عبد القيس، شيخ المعتزلة، إشتهر بعلم الكلام وكان خبيث القول فارق إجماع المسلمين، له كتب كثبرة منها كتاب سماه [ميلاس] على إسم مجوسى أسلم على يده، ولد في البصرة سنة 135هـ، وتوفى بسامرا سنة 235هـ] إمام المعتزلة على هذا، لكن قال بتناهى الحركات.
فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهمية.
وأما الكلابية: فيثبتون الصفات في الجملة، وكذلك الأشعريون، ولكنهم كما قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصارى: الجهمية الإناث، وهم مخانيث المعتزلة.
ومن الناس من يقول: المعتزلة مخانيث الفلاسفة.
وقد ذكر الأشعري وغيره هذا؛ لأن قائله لم يعلم أن جهماً سبق هؤلاء إلى هذا الأصل، أو لأنها مخانيثهم من بعض الوجوه، وإلا فإن مخالفتهم للفلاسفة كبيرة جداً.
والشهرستانى يذكر عن شيوخهم: أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة؛ لأن الشهرستانى إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية في الصفات ونحوها مع المعتزلة، بخلاف أئمة السنة والحديث؛ فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية، وهم المشهورون عند السلف والأمة بنفى الصفات.
(1/104)

وأهل النفي للصفات والتعطيل لها، هم عند السلف يقال لهم: الجهمية، وبهذا تميزوا عند السلف عن سائر الطوائف.
وأما المعتزلة: فامتازوا بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، لما أحدث ذلك عمرو بن عبيد وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وكان ذلك بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، وبعدهم حدثت الجهمية.
وكان القدر قد حَدَّث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير، بعد موت معاوية؛ ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهما.
وابن عباس مات قبل ابن الزبير، وابن عمر مات عقب موته، وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين.
فبقي الناس يخوضون في القَدَر بالحجاز والشام والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز.
ثم لما حدَّثت المعتزلة - بعد موت الحسن، وتُكلم في المنزلة بين المنزلتين، وقالوا بإنفاذ الوعيد، وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها، وهذا تغليظ على أهل الذنوب - ضموا إلى ذلك القدر؛ فإن به يتم التغليظ على أهل الذنوب، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئاً من نفي الصفات.
إلى أن ظهر الجَعْد بن درهم، وهو أولهم، فضحى به خالد
(1/105)

بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضَحُّوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه. وهذا كان بالعراق.
ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من تِرمِذ، ومنها ظهر رأي جهم.
ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق، أكثر كلاماً في رد مذهب جهم من أهل الحجاز والشام والعراق، مثل إبراهيم بن طَهْمَان [هو أبو سعيد إبراهيم بن طهمان بن شعيب الهروى الخراسانى، حافظ، ولد في هراة وأقام في نيسابور وبغداد، وتوفى سنة 861هـ] وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله ابن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم وابن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهم.
وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا؛ فإنه كان قد أقام بخراسان مدة، واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها مات. وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم في الكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أن لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم، وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه، حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة، فلما ضربوه قامت الشناعة عليهم في العامة، وخافوا الفتنة، فأطلقوه.
وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق
(1/106)

القرآن من جميع الطوائف؛ فجمع له مثل أبى عيسى محمد بن عيسى برغوث، ومن أكابر النجارية أصحاب حسين النجار.
وأئمة السنة - كابن المبارك، وأحمد بن إسحاق، والبخاري وغيرهم - يسمون جميع هؤلاء: جهمية.
وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا المعتزلة. ويظنون أن بشر بن غياث المريسي وإن كان قد مات قبل محنة أحمد، وابن أبى دؤاد ونحوهما كانوا معتزلة وليس كذلك.
بل المعتزلة كانوا نوعاً من جملة من يقول: القرآن مخلوق، وكانت الجهمية أتباع جهم، والنجارية أتباع حسين النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو، والمعتزلة هؤلاء، يقولون: القرآن مخلوق، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن جهماً اشتهر عنه نوعان من البدعة:
أحدهما: نفي الصفات.
والثاني: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة.
وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما.
وأما الأشعري، فوافقه على أصل قوله، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية.
وجهم لم يثبت شيئاً من الصفات لا الإرادة ولا غيرها فهو إذا قال: إن الله يحب الطاعات، ويبغض المعاصي، فمعنى ذلك عنده: الثواب والعقاب.
وأما الأشعري، فهو يثبت الصفات كالإرادة فاحتاج حينئذ أن يتكلم
(1/107)

في الإرادة: هل هي المحبة أم لا؟ وأن المعاصي: هل يحبها الله أم لا؟ فقال: إن المعاصي يحبها الله ويرضاها، كما يريدها.
وذكر أبو المعالي الجويني: أنه أول من قال ذلك، وأن أهل السنة قبله كانوا يقولون: إن الله لا يحب المعاصي.
وذكر الأشعري في الموجز: أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم، أشك في بعضهم.
وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة، فصاروا يوافقون جهماً في مسائل الأفعال والقدر، وإن كانوا مكفرين له في مسائل الصفات، كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، صاحب كتاب " ذم الكلام "، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات. وله كتاب " تكفير الجهمية " ويبالغ في ذم الأشعرية، مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث، وربما كان يلعنهم.
وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول: ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضباً.
ومع هذا، فهو في مسألة إرادة الكائنات، وخلق الأفعال، أبلغ من الأشعرية. لا يثبت سبباً ولا حكمة، بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة.
والحكم عنده هي المشيئة؛ لأن العارف المحقق عنده هو من يصل إلى مقام الفناء، فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق، وجميع الكائنات مرادة له، وهذا هو الحكم عنده. والحسنة والسيئة يفترقان في حظ العبد؛
(1/108)

لكونه ينعم بهذه، ويعذب بهذه. والالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس، ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق.
وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد، كما ذكر ذلك في غير موضع.
وبين لهم الجنيد الفرق الثاني، وهو أنهم مع مشاهدة المشيئة العامة لابد لهم من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما يبغضه. وبين لهم الجنيد، كما قال في التوحيد: هو إفراد الحدوث عن القدم.
فمن سلك مسلك الجنيد، من أهل التصوف والمعرفة، كان قد اهتدى ونجا وسعد.
ومن لم يسلك في القدر مسلكه، بل سوى بين الجميع، لزمه ألا يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين الأنبياء والفساق، فلا يقول: إن الله يحب هؤلاء وهذه الأعمال. ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال، بل جميع الحوادث هو يحبها كما يريدها، كما قاله الأشعري. وإنما الفرق: أن هؤلاء ينعمون، وهؤلاء يعذبون.
والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا بالنسبة إلى المخلوق كان أعقل منهم.
فإن هؤلاء يدعون أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا وهذا.
وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب.
أما في حق العبد، فيلزمهم أن تستوى عنده جميع الحوادث، وهذا محال قطعاً. وهم قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر الأشياء،
(1/109)

أما الفناء عن جميعها فممتنع؛ فإنه لابد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه وبين ما يلذه، فيفرق بين الخبز والتراب، والماء والشراب.
فهؤلاء عزلوا الفرق الشرعي الإيمانى الرحمانى، الذي به فرق الله بين أوليائه وأعدائه، وظنوا أنهم مع الجمع القدري.
وعلى هذا، فإن تسوية العبد بين جميع الحوادث ممتنع لذاته، بل لابد للعبد من أن يفرق؛ فإن لم يفرق بالفرق الشرعي فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ما يرضاه وما يسخطه وإلا فرق بالفرق الطبعي بهواه وشيطانه، فيحب ما تهواه نفسه، وما يأمر به الشيطان.
ومن هنا وقع منهم خلق كثير في المعاصي، وآخرون في الفسوق، وآخرون في الكفر، حتى جَوَّزوا عبادة الأصنام.
ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود، وهم الذين خالفوا الجنيد وأئمة الدين في التوحيد، فلم يفرقوا بين القديم والمحدث.
وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وهو قول أهل الوحدة، كابن عربي الحاتمي، وابن سبعين، والقونوي، والتلمسانى، والبليانى، وابن الفارض، وأمثالهم.
والمقصود هنا: الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب في القدر من أهل الكلام والمتصوفة، الذين وافقوا جهماً في هذا الأصل. وهو بدعته الثانية التي اشتهرت عنه، بخلاف الإرجاء؛ فإنه منسوب إلى طوائف غيره.
فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه
(1/110)

ويمكن فعله، من غير مراعاة حكمة، ولا رحمة ولا عدل، ويقولون: إن مشيئته هي محبته.
ولهذا تجد من اتبعهم غير معظم للأمر والنهي، والوعد والوعيد بل هو منحل عن الأمر الشرعي كله، أو عن بعضه، أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه؛ فإنهم أرادوا أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء، وأن كل ما شاءه فقد أحبه، وأنه يحدث ما يحدثه بدون أسباب يخلقه بها، ولا حكمة يسوقه إليها، بل غايته أنه يسوق المقادير إلى المواقيت.
لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، بل وافقوا جَهْماً، ومن قال بقوله كالأشعري في أنه في نفس الأمر لا حسن ولا سيئ، وإنما الحسن والقبح مجرد كونه مأموراً به ومحظوراً، وذلك فرق يعود إلى حظ العبد، هؤلاء يدعون الفناء عن الحظوظ.
فتارة يقولون في امتثال الأمر والنهي: إنه من مقام التلبيس، أو ما يشبه هذا، كما يوجد في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين.
وتارة يقولون: يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة كما يقوله الشيخ المغربى، إلى أنواع، ليس هذا موضع بسطها.
ومن يسلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهوداً، والفرق على لسانك موجوداً.
(1/111)

ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، بل أفضل منهم، ويدعون بأدعية فيها اعتداء، كما يوجد في جواب الشاذلي، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون أن يكرم الله بكرامات أكابر الأولياء من يكون فاجراً، بل كافراً، ويقولون: هذه موهبة وعطية، يعطيها الله من يشاء، ما هي متعلقة لا بصلاة، ولا بصيام، ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء، وتكون كراماتهم من الأحوال الشيطانية، التي يكون مثلها للسحرة والكهان، قال الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة 101، 102] .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّةِ بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه ".
والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله: القرآن عدل كثير منهم ممن أضله
(1/112)

الشيطان من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ كتاب الله وراء ظهره، واتبع ما تتلوه الشياطين، فلا يعظم أمر القرآن ولا نهيه، ولا يوالى من أمر القرآن بموالاته، ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته، بل يعظم من رآه يأتي ببعض خوارقهم، التي يأتي بمثلها السحرة والكهان بإعانة الشياطين، وهي تحصل بما تتلوه الشياطين.
ثم منهم من يعرف أن هذا من الشيطان، ولكن يعظم ذلك لهواه، ويفضله على طريق القرآن ليصل به إلى تقديس العامة، وهؤلاء كفار، كالذين قال الله تعالى فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51،52] .
وهؤلاء ضاهوا الكفار، الذين قال الله تعالى فيهم: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} الآية [البقرة: 101، 102] .
ومنهم من لا يعرف أن هذا من الشياطين.
وقد يقع في مثل هذا طوائف من أهل الكلام، والعلم، وأهل العبادة، والتصوف، حتى جَوَّزوا عبادة الكواكب والأصنام، لما رأوه
(1/113)

فيها من الأحوال العجيبة، التي تعينهم عليها الشياطين، لما يحصل لهم بها من بعض أغراضهم، من الظلم والفواحش، فلا يبالون بشركهم بالله، ولا كفرهم به وبكتابه إذا نالوا ذلك، ولم يبالوا بتعليم ذلك للناس، وتعظيمهم لهم، لرياسة ينالونها، أو مال ينالونه. وإن كانوا قد علموا أنه الكفر والشرك عملوه، ودعوا إليه، بل حصل عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اعتقاد أن الرسول خاطب الجمهور بما لا حقيقة له في الباطن؛ لأجل مصلحة الجمهور، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والملاحدة والباطنية.
وقد دخل في رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء، وهذا مما ضاهوا به فارس والروم وغيرهم؛ فإن فارس كانت تعظم الأنوار، وتسجد للشمس وللنار. والروم كانوا - قبل النصرانية - مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، فهؤلاء الذين أشبهوا فارس والروم شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى، فإن أولئك ضاهوا أهل الكتاب فيما بُدِّل أو نُسِخ، وهؤلاء ضاهوا من لا كتاب له من المجوس والمشركين، فارس والروم، ومن دخل في ذلك من الهند واليونان.
ومذهب الملاحدة الباطنية: مأخوذ من قول المجوس بالأصلين، ومن قول فلاسفة اليونان بالعقول والنفوس.
وأصل قول المجوس: يرجع إلى أن تكون الظلمة المضاهية للنور هي إبليس، وقول الفلاسفة بالنفس.
فأصل الشر عبادة النفس والشيطان، وجعلهما شريكين للرب
(1/114)

وأن يعدلا به، ونفس الإنسان تفعل الشر بأمر الشيطان. وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى، وإذا أخذ مضجعه: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".
وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، مع قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وقوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]
وقد ظهرت دعوى النفس الإلهية في فرعون ونحوه، ممن ادعى أنه إله مع الله أو من دونه، وظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع اللَّه كالمسيح وغيره.
وأصل الشرك في بنى آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم.
فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح، فإنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً} [نوح: 23،24] وهذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم
(1/115)

نوح، فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم، ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض، ثم صارت إلى العرب، كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره، إن لم تكن أعيانها، وإلا فهي نظائرها.
وأما الشرك بالشيطان فهذا كثير.
فمتى لم يؤمن الخلق بأنه " لا إله إلا الله " بمعنى: أنه المعبود المستحق للعبادة دون ما سواه، وأنه يحب أن يعبد، وأنه أمر أن يعبد وأنه لا يعبد إلا بما أحبه مما شرع، من واجب ومستحب - فلابد أن يقعوا في الشرك وغيره.
فالذين جعلوا الأقوال والأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء، لا يحب شيئاً دون شيء، فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به شيئاً، وبين من يعبد معه آلهة أخرى، وجعلوا الأمر معلقاً بمشيئة، ليس معها حكمة ولا رحمة ولا عدل، ولا فرق فيها بين الحسنات والسيئات، طمعت النفس في نيل ما تريده بدون طاعة الله ورسوله.
ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح، ولم يقيدوا الصلاح بالعلم الصحيح والإيمان الصادق والتقوى، بل جعلوا علامة الصلاح هذه الخوارق، وجوزوا الخوارق مطلقاً، وحكوا في ذلك مكاشفات، وقالوا أقوالا منكرة.
فقال بعضهم: إن الولي يُعْطَى قول: " كن "، وقال بعضهم: إنه لا يمتنع على الولي فعل ممكن، كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال.
وهذا قاله ابن عربي والذين اتبعوه، قالوا: إن الممتنع لذاته مقدور عليه، ليس عندهم ما يقال: إنه غير مقدور عليه للولي، حتى ولا الجمع بين الضدين،
(1/116)

ولا غير ذلك. وزاد ابن عربي: إن الولي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات، والذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو الله وحده.
فهذا تصريح منهم بأن الولي مثل الله، إن لم يكن هو الله.
وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ويقدر على كل ما يقدر الله عليه.
وادعوا أن هذا كان للنبي، ثم انتقل إلى الحسن بن علي، ثم من الحسن إلى ذريته واحداً بعد واحد، حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي، ثم إلى ابنه.
خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم.
وحدثني الثقة من أعيانهم، أنهم يقولون: إن محمداً هو الله.
وحدثني بعض الشيوخ، الذين لهم سلوك وخبرة: أنه كان هو وابن هود في مكة، فدخلا الكعبة، فقال له ابن هود وأشار إلى وسط الكعبة: هذا مهبط النور الأول، وقال له: لو قال لك صاحب هذا البيت: أريد أن أجعلك إلهاً ماذا كنت تقول له؟ قال: فَقَفّ شَعرِي [أي: قمت فَزَعًا. انظر: القاموس، مادة: قفف] من هذا الكلام وانخنست [أي: انقبضت. انظر: القاموس، مادة: خنس] أو كما قال.
ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله: أنه لما دخل الزنج البَصْرة، قيل له في ذلك، فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها لأزالها، ولو سألوه ألا يقيم القيامة لما أقامها، لكنهم يعلمون مواضع رضاه، فلا يسألونه إلا ما يحب.
وهذه الحكاية، إما كذب على سهل وهو الذي نختار أن يكون حقاً أو تكون غلطاً منه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وذلك أن ما أخبر الله
(1/117)

أن يكون فلابد أن يكون، ولو سأله أهل السموات والأرض ألا يكون لم يجبهم، مثل إقامة القيامة، وألا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، وغير ذلك، بل كل ما علم الله أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد في ألا يكون.
لكن الدعاء سبب يقضى الله به ما علم الله أنه سيكون بهذا السبب، كما يقضى بسائر الأسباب ما علم أنه سيكون بها.
وقد سأل الله تعالى من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير، ما هو دون هذا فلم يجابوا؛ لما سبق الحكم بخلاف ذلك، كما سأله إبراهيم عليه الصلاة والسلام - أن يغفر لأبيه، وكما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه، فقيل له: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46] .
وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، قيل له في شأن عمه أبى طالب: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى} [التوبة: 113] ، وقيل له في المنافقين: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] وقد قال تعالى عموما: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقال: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، فمن هذا الذي لو سأل الله ما يشاؤه هو أعطاه إياه؟ !
وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، أخبر أنه: يسجد تحت العرش، ويحمد ربه، ويثنى عليه، فيقال له: " أي محمد، ارفع رأسك، وقل يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تشفع ". قال: " فيُحَدُّ لي حداً، فأدخلهم الجنة "، وقد قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] .
(1/118)

وأي اعتداء أعظم وأشنع من أن يسأل العبد ربه ألا يفعل ما قد أخبر أنه لابد أن يفعله، أو أن يفعل ما قد أخبر أنه لا يفعله؟ وهو سبحانه كما أخبر عن نفسه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ، وقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [غافر: 60] .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من داع يدعو الله بدعوة، ليس فيها ظلم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها ".
فالدعوة التي ليس فيها اعتداء، يحصل بها المطلوب أو مثله. وهذا غاية الإجابة؛ فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعاً، أو مفسداً للداعي أو لغيره، والداعي جاهل، لا يعلم ما فيه المفسدة عليه، والرب قريب مجيب، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئاً بعينه، وعلم أنه لا يصلح للعبد إعطاؤه أعطاه نظيره، كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى.
وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه طائفة من بني عمه أن يوليهم ولاية لا تصلح لهم، فأعطاهم من الخمس ما أغناهم عن ذلك وزوجهم، كما فعل بالفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وقد روي في الحديث: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء "، وهذا حق.
(1/119)

فصل
ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، أوجب هذا ألا يطلب العبد الحسنات والحسنات تدخل فيها كل نعمة إلا من الله، وأن يعلم أنها من الله وحده، فيستحق الله عليها الشكر الذي لا يستحقه غيره، ويعلم أنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] .
فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده، ثم قال: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] ، وهذا إخبار عن حالهم، والجؤار: يتضمن رفع الصوت.
والإنسان إنما يجأر إذا أصابه الضر، وأما في حال النعمة فهو ساكن، إما شاكراً وإما كفوراً: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 53، 54] .
وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع، يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه، وإسباغ النعماء عليه، فيضيف العبد بعد ذلك الإنعام إلى غيره، ويعبد غيره تعالى، ويجعل المشكور غيره على النعم، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 33، 43] ، وقال تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 63، 64] ، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ
(1/120)

مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8] .
وقوله: {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ} أي: نسى الضر الذي كان يدعو الله لدفعه عنه، كما قال: فى سورة الأنعام: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الآيتان: 40،41] .
فذم الله سبحانه حزبين: حزباً لا يدعونه في الضراء، ولا يتوبون إليه، وحزباً يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون إليه. فإذا كشف الضر عنهم أعرضوا عنه، وأشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه.
فهذا الحزب نوعان كالمعطلة، والمشركة حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعو الله ولم يتضرعوا إليه، ولم يتوبوا إليه، كما قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 42، 43] ،وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76] ، وقال تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] ، وقال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21] . وحزب يتضرعون إليه في حال الضراء، ويتوبون إليه، فإذا كشفها عنهم أعرضوا عنه، كما قال تعالى: {وَإِذَا
(1/121)

مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] ، وقال تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَان أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} [فصلت: 51] ، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] ، وقال في المشركين ما تقدم: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 53، 54] .
والممدوح هو القسم الثالث، وهم الذين يدعونه، ويتوبون إليه ويثبتون على عبادته، والتوبة إليه في حال السراء، فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء، وهم أهل الصبر والشكر، كما ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام فقال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87، 88] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص: 34،35] ،وقال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ
(1/122)

بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب} [ص: 21 25] ، وقال تعالى عن آدم وحواء: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 22،23] وقال: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .
وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 148] .
وقوله {قُتِل} أي: النبي قُتِل. وهذا أصح القولين. وقوله: {مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} جملة في موضع الخبر، صفة للنبي صفة بعد صفة أي كم من نبي معه ربيون كثير قُتل، ولم يقتلوا معه، فإنه كان يكون المعنى: أنه قتل وهم معه، والمقصود: أنه كان معه ربيون كثير، وقُتِل في الجملة، وأولئك الربيون {مَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ}
(1/123)

والربيون: الجموع الكثيرة، وهم الألوف الكثيرة.
وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول، وهو ما أصابهم يوم أُحُد، لما قيل: " إن محمداً قد قتل "، وقد قال قبل ذلك: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] وهى التي تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
فإنه عند قتل النبي وموته، تحصل فتنة عظيمة للناس المؤمنين والكافرين وتحصل رِدَّة ونفاق؛ لضعف قلوب أتباعه لموته، ولما يلقيه الشيطان في قلوب الكافرين: إن هذا قد انقضى أمره، وما بقى يقوم دينه، وإنه لو كان نبيا لما قتل وغلب، ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى؛ أنه كم من نبي قتل.
فإن بنى إسرائيل قتلوا كثيراً من الأنبياء، والنبي معه ربيون كثير أتباع له، وقد يكون قتله في غير حرب ولا قتال، بل يقتل وقد اتبعه ربيون كثير، فما وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين، ولكن استغفروا لذنوبهم التي بها تحصل المصائب فما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم وسألوا الله أن يغفر لهم، وأن يثبت أقدامهم، فيثبتهم على الإيمان والجهاد لئلا يرتابوا، ولا ينكلوا عن الجهاد، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] ، وسألوه أن ينصرهم على القوم الكافرين.
(1/124)

سألوا ربهم ما يفعل لهم في أنفسهم من التثبيت، وما يعطيهم من عنده من النصر؛ فإنه هو الناصر وحده، وما النصر إلا من عند الله. وكذا أنزل الملائكة عوناً لهم، قال تعالى لما أنزل الملائكة: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] وقال تعالى: {فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] ، وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى والمصائب من نفس الإنسان وإن كانت بقضاء الله وقدره وجب على العبد أن يشكر ربه سبحانه وأن يستغفره من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك للعبد توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب.
وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع، يقول: " ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد ". فهذا حمد، وهو شكر لله تعالى وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: " اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية خلقاً وقدراً وبداية وهداية
(1/125)

هو المعطى المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، ولتوحيد الإلهية شرعا وأمراً ونهياً وهو أن العباد، وإن كانوا يعطون ملكا وعظمة، وبختا ورياسة في الظاهر أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينجيه ولا يخلصه من سؤلك وحسابك حظه وعظمته وغناه.
ولهذا قال: " لا ينفعه منك " ولم يقل: " لا ينفعه عندك "، فإنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره. فيقول صاحب الجد: إذا سلمت من العذاب في الآخرة فما أبالى، كالذين أوتوا النبوة والملك، لهم ملك في الدنيا وهم من السعداء، فقد يظن ذو الجد الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده أنه كان كذلك، فقال: " ولا ينفع ذا الجد منك "، ضمن " ينفع " معنى " ينجى ويخلص "، فبين أن جده لا ينجيه من العذاب، بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ولا ينفعه جده منك، فلا ينجيه ولا يخلصه.
فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، وتحقيق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين} [الفاتحة: 5] ، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] وقوله: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 8، 9] .
فقوله: " لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ": توحيد الربوبية الذي يقتضى أنه سبحانه هو الذي يسأل ويدعى، ويتوكل عليه.
وهو سبب لتوحيد الإلهية، ودليل عليه، كما يحتج به في القرآن على المشركين؛
(1/126)

فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية ومع هذا يشركون بالله، فيجعلون له أنداداً، يحبونهم كحب الله، ويقولون: إنهم شفعاؤنا عنده، وإنهم يتقربون بهم إليه. فيتخذونهم شفعاء وقرباناً، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُون} [الأحقاف: 27، 28] .
وهذا التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما أحبه وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله صلوات الله عليهم فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما.
وهو يتضمن أن يحب الله حباً لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضى أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه.
فإذا كان الرسول لأجل أنه رسول الله يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، فكيف بربه سبحانه وتعالى؟
وفى صحيح البخاري أن عمر قال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي. فقال: " لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فو الذى بعثك بالحق، إنك لأحب إلي من نفسي. قال: " الآن يا عمر ".
(1/127)

وقد قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] ،وقال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .
فإن لم يكن الله ورسوله، والجهاد في سبيله، أحب إلى العبد من الأهل والمال على اختلاف أنواعه فإنه داخل تحت هذا الوعيد.
فهذا التوحيد توحيد الإلهية يتضمن فعل المأمور وترك المحظور.
ومن ذلك: الصبر على المقدور، كما أن الأول يتضمن الإقرار بأنه لا خالق ولا رازق، ولا معطى ولا مانع، إلا الله وحده، فيقتضى ألا يسأل العبد غيره، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، كما قال تعالى في النوعين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وقال: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] .
وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
أما توحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع
(1/128)

الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم. فإذا كان الله هو رب كل شيء ومليكه، ولا خالق ولا رازق إلا هو، فلماذا يعبدون غيره معه، وليس له عليهم خلق ولا رزق، ولا بيده لهم منع ولا عطاء، بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؟ !
فإن قالوا: ليشفع فقد قال الله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] فلا يشفع من له شفاعة من الملائكة والنبيين إلا بإذنه. وأما قبورهم وما نصب عليها من قباب وأنصاب أو تماثيلهم التي مثلت على صورهم، مجسدة أو مرقومة فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم، فهذا باطل عقلا وشرعا؛ فإنها لا شفاعة لها بحال، ولا لسائر الأصنام التي عملت للكواكب والجن والصالحين، وغيرهم.
وإذا كان الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فما بقى الشفعاء شركاء، كشفاعة المخلوق عند المخلوق؛ فإن المخلوق يشفع عنده نظيره أو من هو أعلى منه، أو دونه بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع إليه ولا بد شفاعته إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب.
وتكون شفاعة الشفيع هي التي حَرَّكَت إرادة المشفوع إليه، وجعلته
(1/129)

مريداً للشفاعة، بعد أن لم يكن مريداً لها، كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريداً لفعله.
وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق، فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله.
فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب، فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب.
والله تعالى وِتْر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه، ولهذا ذكر سبحانه نفى ذلك في آية الكرسي، التي فيها تقرير التوحيد، فقال: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، إذا سجد وحمد ربه، يقال له: " ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيحد له حداً، فيدخلهم الجنة ". فالأمر كله لله، كما قال: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] ،وقال لرسوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ، وقال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] .
فإذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا بإذنه، فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول الشفاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء ".
وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء، وقبل الشفاعة لم يكن هذا مؤثراً فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه سبحانه هو الذي جعل
(1/130)

هذا يدعو وهذا يشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه عليه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما يؤثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله سبباً لما يفعله.
وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، وهو خالق أفعال العباد، كما هو خالق سائر المخلوقات. قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.
ولكن هذا يناقض قول القَدَريِة، فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث، ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله وخلقه، لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلاً لما لم يكن فاعلاً له، فبدعائه جعله مجيباً له وبتوبته جعله قابلا للتوبة، وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة.
وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه.
فإن " الإذن " نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق، وإذن بمعنى الإباحة والإجازة.
فمن الأول: قوله في السحر: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة: 102] فإن ذلك بمشيئة الله تعالى وقدرته، وإلا فهو لم يبح السحر.
والقدرية تنكر هذا " الإذن ". وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن الله.
وكذلك قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ} [آل عمران: 166] ،فإن الذي
(1/131)

أصابهم من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة، إذا كان بإذنه فهو خالق لأفعال الكفار ولأفعال المؤمنين.
والنوع الثاني: قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 45، 46] ،وقوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5] ، فإن هذا يتضمن إباحته لذلك، وإجازته له، ورفع الجُنَاح والحَرَج عن فاعله، مع كونه بمشيئته وقضائه.
فقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، هو هذا الإذن الكائن بقدره وشرعه، ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر؛ فإن السحر وانتصار الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن.
فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقاً لها، وقادراً عليها، ومشيئاً لها، فعنده كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته، وإن كان قد أباح الشفاعة.
وأما الكفر، والسحر، وقتال الكفار، فهو عندهم بغير إذنه، لا هذا الإذن ولا هذا الإذن؛ فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين. وعندهم: أنه لم يشأه ولم يخلقه، بل كان بدون مشيئته وخلقه.
والمشركون المقرون بالقدر يقولون: إن الشفعاء يشفعون بالإذن القَدَرِي، وإن لم يإذن لهم إباحة وجوازاً.
ومن كان مكذباً بالقدر مثل كثير من النصارى يقولون: إن شفاعة الشفعاء بغير إذن، لا قَدَرِي ولا شرعي.
والقدرية من المسلمين يقولون: يشفعون بغير إذن قدري.
(1/132)

ومن سأل الله بغير إذنه الشرعي، فقد شفع عنده بغير إذن قدري ولا شرعي.
فالداعي المأذون له في الدعاء مؤثر في الله عندهم، لكن بإباحته.
والداعي غير المأذون له، إذا أجاب دعاءه، فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الإذن ولا بهذا الإذن، كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره، والله تعالى يقول: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن اللّّه الشرعي، وإن كان خالقاً لفعله كشفاعة نوح لابنه، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبّى بن سلول، حين صلى عليه بعد موته. وقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} قد قلتم: إنه يعم النوعين، فإنه لو أراد الإذن القدري لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر. ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه، وما لا يكون بإذنه، ولو أراد الإذن الشرعي فقط، لزم قول القدرية، وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعي؟
قيل: المنفى من الشفاعة بلا إذن هي الشفاعة التامة، وهى المقبولة، كما في قول المصلى: " سمع الله لمن حمده " أي: استجاب له، وكما في قوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، وقوله {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] ، وقوله: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] ، ونحو ذلك.
فإن الهدى، والإنذار، والتذكير، والتعليم، لابد فيه من قبول المتعلم، فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود، وإلا قيل: علمته فلم يتعلم، كما قيل: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] ، فكذلك الشفاعة.
(1/133)

فالشفاعة مقصودها قبول المشفوع إليه، وهى الشفاعة التامة، فهذه هي التي لا تكون إلا بإذنه، وأما إذا شفع شفيع فلم تقبل شفاعته كانت كعدمها، وكان على صاحبها التوبة والاستغفار منها، كما قال نوح: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] ، وكما نهى الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين، وقال له: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] ، وقال له: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] ، ولهذا قال على لسان المشركين: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 100، 101] .
فالشفاعة المطلوبة هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته، وهذه ليست لأحد عند الله تعالى إلا بإذنه قدراً وشرعا، فلابد أن يأذن فيها، ولابد أن يجعل العبد شافعا، فهو الخالق لفعله، والمبيح له، كما في الداعي هو الذي أمره بالدعاء، وهو الذي يجعل الداعي داعياً، فالأمر كله لله، خلقاً وأمراً، كما قال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] .
وقد روى في حديث ذكره ابن أبى حاتم وغيره أنه قال: " فمن يثق به، فليدعه " أي: فلم يبق لغيره لا خلق ولا أمر.
ولما كان المراد الشفاعة المثبتة هي الشفاعة المطلقة، وهى المقصود بالشفاعة وهى المقبولة، بخلاف المردودة، فإن أحداً لا يريدها، لا الشافع ولا المشفوع له، ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافع والمشفوع له أنها ترد لم يفعلوها. والشفاعة المقبولة هي النافعة، بين ذلك في مثل قوله: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ
(1/134)

إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] وقوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أذن له، وهو الإذن الشرعي، بمعنى: أباح له ذلك وأجازه، كما قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ، وقوله: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] ، وقوله: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] ، ونحو ذلك.
وقوله: {إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} هو إذن للمشفوع له فلا يأذن في شفاعة مطلقة لأحد، بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 108، 109] ، وفيه قولان:
قيل: إلا شفاعة من أذن له الرحمن.
وقيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن، فهو الذي تنفعه الشفاعة.
وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين، لا يذكرون غيره؛ لأنه لم يقل: " لا تنفع إلا من أذن له " ولا قال: " لا تنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له "، بل قال: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ} فهي لا تنفع ولا ينتفع بها، ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] .
ولا يقال: لا تنفع إلا لشفيع مأذون له، بل لو أريد هذا، لقيل: لا تنفع الشفاعة عنده إلا من أذن له، وإنما قال: {لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وهو المشفوع له، الذي تنفعه الشفاعة.
وقوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} لم يعد إلى " الشفعاء " بل عاد إلى المذكورين في قوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} ثم قال: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ} ثم بين أن هذا منتف {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ
(1/135)

قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} [سبأ: 22، 23] ، فلا يعلمون ماذا قال، حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه؟
وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع.
فهذا الإذن هو الإذن المطلق، بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط؛ فإنه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له، إذ قد يأذن له إذناً خاصاً.
وهكذا قال غير واحد من المفسرين. قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين، وكذلك قال السلف في هذه الآية.
قال قتادة في قوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] قال: كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79] ، هو شفاعته يوم القيامة، وقوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} إن الله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.
قال البغوي: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} أذن الله له أن يشفع له، {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} أي: ورضي قوله. قال ابن عباس: يعنى قال: " لا إله إلا الله ". قال البغوي: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن.
وقد ذكروا القولين في قوله تعالى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وقدم طائفة هناك: أن المستثنى هو الشافع، دون المشفوع له، بخلاف ما قدموه هنا.
منهم البغوي، فإنه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له، وقال هناك: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، في الشفاعة، قاله تكذيباً لهم، حيث قالوا: {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] ، قال: ويجوز أن يكون المعنى: إلا لمن أذن له أن يشفع له.
(1/136)

وكذلك ذكروا القولين في قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] ، وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى، ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين، وأنه منقطع.
ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية، وهو يعم النوعين. وذلك أنه سبحانه قال: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ،والشفاعة: مصدر شفع شفاعة. والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى محل الفعل تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه " المفعول به " تارة، كما يقال: أعجبني دق الثوب ودق القَصَّار وذلك مثل لفظ " العلم "، يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] ، وقوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] ، وقوله: {أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ} [هود: 14] ،ونحو ذلك.
والثاني كقوله: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] ، فالساعة هنا: معلومة، لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} . قال موسى: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 51، 52] ، ومثل هذا كثير.
فالشفاعة مصدر، لابد لها من شافع ومشفوع له.
والشفاعة: تعم شفاعة كل شافع، وكل شفاعة لمشفوع له.
فإذا قال: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ} نفى النوعين؛ شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين. فقوله: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن
(1/137)

ورضي له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضي له قولا من المشفوع له، وهى تنفع المشفوع له، فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع، فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه.
والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعاً ولا مشفوعاً له {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] ، فهذا الصنف المأذون لهم، المرضي قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات.
فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} ثم قال: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]
وهنا اشترط الأمرين: أن يأذن له الرحمن، وأن يقول صواباً، والمستثنى يتناول مصدر الفاعل والمفعول، كما تقول: لا ينفع الزرع إلا في وقته، فهو يتناول زرع الحارث، وزرع الأرض، لكن هنا قال: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} والاستثناء مفرغ فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا، وإنما قال: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} ، فإذا لم يكن في الكلام حذف، كان المعنى: لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع؛ فإنهم تنفعهم الشفاعة، ويكون المعنى: أنها تنفع الشافع والمشفوع له.
وإن جعل فيه حذف تقديره: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن كان المصدر مضافاً إلى النوعين، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم، لكونه شافعاً، وإلى بعضهم لكونه مشفوعاً له، ويكون هذا كقوله:
(1/138)

{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ} [البقرة: 177] ، أي من يؤمن، و {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة: 171] ، أي مثل داعي الذين كفروا كمثل الناعق، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به، أي الذي ينعق به، والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم.
فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه، دون الإطناب فيه. وقوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ} [طه: 109] ، إذا كان من هذا الباب، لم يحتج أن الشافع تنفعه الشفاعة، وإن لم يكرمه، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة.
وفى الآية الأخرى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، من هؤلاء، وهؤلاء.
لكن قد يقال: التقدير: لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه فيؤذن لغيره أن يشفع فيه، فيكون الإذن للطائفتين. والنفع للمشفوع له، كأحد الوجهين، أو: ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء، فكما أن الإذن للطائفتين، فالنفع أيضا للطائفتين. فالشافع ينتفع بالشفاعة، وقد يكون انتفاعه بها أعظم من انتفاع المشفوع له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله تعالى على لسان نبيه ما شاء ".
ولهذا كان من أعظم ما يكرم به الله عبده محمداً صلى الله عليه وسلم: هو الشفاعة التي يختص بها، وهى المقام المحمود، الذي يحمده به الأولون والآخرون.
وعلى هذا، لا تحتاج الآية إلى حذف، بل يكون معناها: يومئذ لا تنفع الشفاعة لا شافعاً ولا مشفوعاً {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] .
ولذلك جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بني عبد مناف، لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أملك
(1/139)

لك من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله من شيء ".
وفى الصحيح أيضاً: " لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رُغَاء أو شاة لها يُعَار أو رِقَاع تَخْفِق، فيقول: أغثني، أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله تعالى من شيء ".
فيعلم من هذا: أن قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف: 86] ، و {لَا يَمْلِكُونَ
مِنْهُ خِطَابًا} [النبأ: 37] ، على مقتضاه، وأن قوله في الآية: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ} كقوله صلى الله عليه وسلم: " لا أملك لكم من الله من شيء " وهو كقول إبراهيم لأبيه: {وَمَا أّمْلٌكٍ لَكَ مٌنَ اللهِ مٌن شّيْءٍ} [الممتحنة: 4] .
وهذه الآية تشبه قوله تعالى: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 37، 38] ، فإن هذا مثل قوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، ففي الموضعين اشترط إذنه. فهناك ذكر " القول الصواب " وهنا ذكر " أن يرضي قوله ". ومن قال: الصواب رضي الله قوله، فإن الله إنما يرضي بالصواب.
وقد ذكروا في تلك الآية قولين:
أحدهما: أنه الشفاعة أيضاً كما قال ابن السائب: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه.
والثاني: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قال مقاتل: كذلك قال مجاهد: {لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} قال: كلاماً. هذا من تفسيره الثابت عنه، وهو مِن أعلم أو أعلم التابعين بالتفسير.
(1/140)

قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به. وقال: عرضت المصحف على ابن عباس: أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وعليه اعتمد الشافعي وأحمد والبخاري في صحيحه.
وهذا يتناول الشفاعة أيضاً.
وفى قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} لم يذكر استثناء؛ فإن أحداً لا يملك من الله خطاباً مطلقاً؛ إذ المخلوق لا يملك شيئاً يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه في قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف: 86] ، أن هذا عام مطلق، فإن أحداً ممن يدعى من دونه لا يملك الشفاعة بحال، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكاً لهم، وكذلك قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} هذا قول السلف وجمهور المفسرين.
وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار، لا يملكون مخاطبة الله في ذلك اليوم، قال ابن عطية: قوله: {لَا يَمْلِكُونَ} الضمير للكفار، أي: لا يملكون من إفضاله وإكماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها.
وهذا مبتدع، وهو خطأ محض.
والصحيح: قول الجمهور والسلف أن هذا عام، كما قال في آية أخرى: {وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108] ، وفي حديث التجلي الذي في الصحيح لما ذكر مرورهم على الصراط قال صلى الله عليه وسلم: " ولا يتكلم أحد إلا الرسل، ودعوى الرسل: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ "، فهذا في وقت المرور على الصراط، وهو بعد الحساب والميزان، فكيف بما قبل ذلك؟
وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل، وأولى العزم، وكل يقول: " إن
(1/141)

ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني فعلت كذا وكذا، نفسي، نفسي، نفسي ". فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى تعالى بالشفاعة، فكيف بغيرهم؟
وأيضاً، فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة، وبعد أن ذكر الكافرين، فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 31 38] ،فقد أخبر أن الروح والملائكة يقومون صفاً، لا يتكلمون. وهذا هو تحقيق قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} والعرب تقول: ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئاً، أي: لا أقدر من أمره على شيء، وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره خطابة، ولو بالسؤال.
فهم في ذلك الموطن لا يملكون من الله تعالى شيئاً، ولا الخطاب؛ فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، قال تعالى: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] ، فقد أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء، فكيف غيره؟
وقال مجاهد أيضاً: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} قال: حقاً في الدنيا، وعملا به. رواه والذي قبله عبد بن حميد. وروى عن عكرمة: {وَقَالَ صَوَابًا} قال: الصواب قول لا إله إلا الله.
(1/142)

فعلى قول مجاهد: يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح.
وقوله في سوره طه: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [الآية: 109] ، فإذا جعلت هذا مثل تلك، فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة، وهي الشفاعة في الحسنات وفى دخول الجنة، كما في الصحيحين: " أن الناس يهتمون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا هذا؟ "، فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم.
وفى حديث الشفاعة: " أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن " فهذه شفاعة في أهل الجنة؛ ولهذا قيل: إن هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويشفع غيره في العصاة.
فقوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموماً، وفى أهل الجنة، وفي المستحقين للعذاب. وهو سبحانه في هذه وتلك لم يذكر العمل، إنما قال: {وَقَالَ صَوَابًا} وقال: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} ، ولكن قد دل الدليل على أن القول الصواب المرضي لا يكون صاحبه محموداً إلا مع العمل الصالح، لكن نفس القول مَرضي، فقد قال الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] .
وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] قولين:
أحدهما: أن المستثنى هو الشافع، ومحل [من] الرفع.
والثاني: هو المشفوع له.
قال أبو الفرج: في معنى الآية قولان:
أحدهما: أنه أراد بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ
(1/143)

مِن دُونِهِ} آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزيزاً والملائكة، فقال: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} وهو شهادة أن لا إله إلا الله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. قال: وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة.
والثاني: أن المراد ب {الَّذِينَ يَدْعُونَ} عيسى وعزيراً والملائكة، الذين عبدهم المشركون، لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} وهي كلمة الإخلاص {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الله تعالى خلق عيسى وعزيراً والملائكة. وهذا مذهب قوم، منهم مجاهد.
وقال البغوي: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] ، هم عيسى وعزير والملائكة؛ فإنهم عبدوا من دون الله تعالى، ولهم الشفاعة. وعلى هذا تكون " من " في محل رفع.
وقيل: " من " في محل خفض، وأراد بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ} : عيسى وعزيراً والملائكة، يعنى: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق. قال: والأول أصح.
قلت: قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة، منهم ابن أبى حاتم. روى بإسناده المعروف على شرط الصحيح عن مجاهد قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} عيسى وعزير والملائكة، يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة {إلا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِ} يعلم الحق. هذا لفظه. جعل " شفع " متعديا بنفسه وكذلك لفظ. . . [بياض بالأصل] .
وعلى هذا، فيكون منصوبا، لا يكون مخفوضاً، كما قاله البغوي؛ فإن الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم، ويكون على هذا يقال: شفعته، وشفعت له، كما يقال: نصحته، ونصحت له. و " شفع " أي صار شفيعاً للطالب، أي لا يشفعون طالباً ولا يعينون طالباً {إلا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الله ربهم.
(1/144)

وروى بإسناده عن قتادة {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . الملائكة وعيسى وعزير، أي أنهم قد عبدوا من دون الله، ولهم شفاعة عند الله ومنزلة.
قلت: كلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية: أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقاً، لا يستثنى من ذلك أحد عند الله؛ فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد، ولا قال: لا يشفع لأحد، بل قال: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} وكل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة البتة.
والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله.
وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم لم يعبد كما عبد المسيح، وهو مع هذا له شفاعة، ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون الله دون من لم يدع.
فمن جعل الاستثناء متصلا، فإن معنى كلامه: أن من دعى من دون الله تعالى لا يملك الشفاعة، إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يدعوا من دون الله، لم تذكر شفاعتهم لأحد، وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضاً.
وأيضاً، فقوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} يتناول كل معبود من دونه، ويدخل في ذلك الأصنام؛ فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا.
قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ
(1/145)

وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} [يونس: 18] .
فإذا قيل: إنه استثنى الملائكة والأنبياء، كان في هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله تعالى يشفعون لهم، وهذا مما يبين فساد القول المذكور عن قتادة.
فإنه إذا كان المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء، كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم، إذا كانوا صالحين، والقرآن كله يبطل هذا المعنى؛ ولهذا قال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى} [النجم: 26] ، وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 28] ، فبين أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرب، فعلم أنه لابد أن يؤذن لهم في من يشفعون فيه، وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق.
وأيضاً، فإن في القرآن: إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقاً؛ فإن قوله: {مِن دُونِهِ} إما أن يكون متصلا بقوله: {يملكون} أو بقوله: {يَدْعُونَ} أو بهما. فالتقدير: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه، أو لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا. وهذا أظهر؛ لأنه قال: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} فأخر {الشَّفَاعَةَ} وقدم {مِن دُونِهِ} .
ومثل هذا كثير في القرآن: " يدعون من دون الله " و " يعبدون من دون
(1/146)

الله "، كقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [يونس: 18] ، وقوله: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَّ} [يونس: 106] .
بخلاف ما إذا قيل: لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه؛ فإن هذا لا نظير له في القرآن، واللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه، أو لمن ارتضى، ونحو ذلك. لا يقال في هذا المعنى: " من دونه "؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه؟ لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه.
وأيضاً، فإذا قيل: {الذين يَدْعُونَ} مطلقاً، دخل فيه الرب تعالى؛ فإنهم كانوا يدعون الله، ويدعون معه غيره؛ ولهذا قال: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] .
والتقدير الثالث: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه، وهذا أجود من الذي قبله، لكن يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على الأول.
ومما يضعفهما أن الشفاعة لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} فنفى ملكهم الشفاعة مطلقاً. وهذا هو الصواب. وإن كل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة؛ فإن المالك للشيء هو الذي يتصرف فيه بمشيئته وقدرته، والرب تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فلا يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال، ولا يقال في هذا: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} إنما يقال ذلك في الفعل، فيقال: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
(1/147)

وأما في الملك، فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكا لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع أن يكون خالقاً وربا، وهذا كما قال: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} فنفى الملك مطلقا، ثم قال: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23] ، فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقا يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1، 2] .
ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفياً مطلقاً بغير استثناء، وإنما يقع الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه، كما قال تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] ، وكما قال تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 70] ، وكما قال تعالى: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] ، فلما قال: {مِّن دُونِهِ} نفى الشفاعة مطلقاً، وإذا ذكر {بِإِذْنِهِ} لم يقل: " من دونه " كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3] .
فمن تدبر القرآن تبين له أنه كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
(1/148)

الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ} [الزمر: 23] ، يشبه بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، ليس بمختلف ولا بمتناقض {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً} [النساء: 82] .
وهو " مثاني " يثنى الله تعالى فيه الأقسام، ويستوفيها.
والحقائق إما متماثلة، وهي " المتشابه " وإما مماثلة، وهي: الأصناف والأقسام والأنواع. وهي " المثاني ".
و" التثنية " يراد بها: جنس التعديد، من غير اقتصار على اثنين فقط، كما في قوله تعالى: {ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] ، يراد به: مطلق العدد، كما تقول: قلت له مرة بعد مرة، تريد: جنس العدد. وتقول: هو يقول كذا، ويقول كذا، وإن كان قد قال مرات، كقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جعل يقول بين السجدتين: " رب اغفر لي، رب اغفر لي " لم يرد: أن هذا قاله مرتين فقط، كما يظنه بعض الناس الغالطين، بل يريد: أنه جعل يثنى هذا القول، ويردده، ويكرره، كما كان يثنى لفظ التسبيح.
وقد قال حذيفة رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم إنه ركع نحواً من قيامه، يقول في ركوعه: " سبحان ربى العظيم، سبحان ربي العظيم ". وذكر أنه سجد نحواً من قيامه، يقول في سجوده: " رب اغفر لي، رب اغفر لي ".
وقد صرح في الحديث الصحيح أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران فإنه قام بهذه السور كلها، وذكر أنه كان يقول: " سبحان
(1/149)

ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى ".
فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ: جنس التعداد والتكرار، لا الاقتصار على مرتين، فإن [الاثنين] أول العدد الكثير. فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا اللفظ، لم يقتصر على مرة واحدة، فالتثنية التعديد، والتعديد يكون للأقسام المختلفة.
وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب.
فـ[المتشابه] في النظائر المتماثلة، و [المثاني] في الأنواع. وتكون التثنية في المتشابه، أي هذا المعنى قد ثنى في القرآن لفوائد أخر.
فـ[المثاني] تعم هذا وهذا. وفاتحة الكتاب: هي [السبع المثاني] لتضمنها هذا وهذا، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، فهذا استثناء منقطع. والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين. فلما نفى ملكهم الشفاعة، بقيت الشفاعة بلا مالك لها.
كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها، هل يشفعون في أحد؟ فقال: نعم {مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
وهذا يتناول الشافع والمشفوع له، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فالملائكة والأنبياء والصالحون وإن كانوا لا يملكون الشفاعة لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا، وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين، الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليداً للآباء والشيوخ، كما جاء الحديث الصحيح: " إن الرجل يسأل في قبره:
(1/150)

ما تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى. وأما المرتاب، فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " فلهذا قال: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
وقد تقدم قول ابن عباس؛ يعني من قال: " لا إله إلا الله تعالى " يعنى: خالصا من قلبه.
والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة، كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون في أهل " لا إله إلا الله ".
وقد ثبت في صحيح البخاري: أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: " يا أبا هريرة، لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله تعالى، خالصا من قبل نفسه ".
فبين أن المخلص لها من قبل نفسه، هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه وسلم من غيره ممن يقولها بلسانه، وتكذبها أقواله وأعماله.
فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق، شهدوا " أن لا إله إلا الله تعالى "، كما شهد الله تعالى لنفسه بذلك وملائكته وأولو العلم {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] .
فإذا شهدوا وهم يعلمون كانوا من أهل الشفاعة، شافعين، ومشفوعا لهم.
فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الطويل، حديث التجلي والشفاعة: " حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين
(1/151)

في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار " وذكر تمام الحديث.
وسبب نزول الآية على ما ذكروه مؤيد لما ذكره.
قال أبو الفرج ابن الجوزى: سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ونفراً معه قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن نتولى الملائكة، فهم أحق بالشفاعة من محمد، فنزلت هذه الآية. قاله مقاتل.
وعلى هذا، فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة، فليس توليكم إياهم، واستشفاعكم بهم بالذي يوجب أن يشفعوا لكم؛ فإن أحداً ممن يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة، ولكن {مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فإن الله يشفع فيه.
فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، لا تنال بتولى غير الله؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء ولا الصالحين.
فمن والى أحداً من هؤلاء ودعاه، وحج إلى قبره، أو موضعه، ونذر له، وحلف به، وقرب له القرابين ليشفع له، لم يغن ذلك عنه من الله شيئاً، وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره؛ فإن الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد الله، وإخلاص القلب والدين له، ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك.
فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة يحرم عليهم الشفاعة، فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، ليشفعوا لهم، كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم، الذي به طلبوا شفاعتهم، به حرموا شفاعتهم، وعوقبوا بنقيض قصدهم؛ لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.
(1/152)

وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي فيها شرك، أو هي شرك خالص، كما ظن ذلك المشركون الأولون، وكما يظنه النصارى، ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام، الذين يدعون غير الله، ويحجون إلى قبره أو مكانه، وينذرون له، ويحلفون به، ويظنون أنه بهذا يصير شفيعاً لهم، قال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56،57] .
قال طائفة من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا لا استثناء فيه، وإن كان الله يجيب دعاءهم، ثم قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} ، فبين أن هؤلاء المزعومين، الذين يدعونهم من دون الله كانوا يرجون رحمة الله تعالى ويخافون عذابه، ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة، كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون} [آل عمران: 80] .
وللناس في الشفاعة أنواع من الضلال، قد بسطت في غير هذا الموضع.
فكثير منهم يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له، كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالي وغيره، ويقولون: من كان أكثر صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كان أحق بالشفاعة من غيره، وكذلك من كان أحسن ظناً بشخص، وأكثر تعظيماً له، كان أحق بشفاعته.
(1/153)

وهذا غلط، بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا: نتولى الملائكة ليشفعوا لنا، يظنون أن من أحب أحدا، من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه، كان ذلك سبباً لشفاعته له. وليس الأمر كذلك بل الشفاعة سببها توحيد الله وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له، فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة، كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة؛ فإن الشفاعة من الله مبدؤها، وعلى الله تعالى تمامها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، وهو الذي يأذن للشافع، وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له.
وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده، وأحق الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص " لا إله إلا الله " علماً وعقيدة، وعملاً وبراءة، وموالاة ومعاداة، كان أحق بالرحمة.
والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخَفَّت موازينهم فاستحقوا النار من كان منهم من أهل " لا إله إلا الله " فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته الله في النار إماتة، فتحرقه النار إلا موضع السجود، ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة، ويدخله الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الإخلاص، وهى " لا إله إلا الله " لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين " الحمد " الذي هو رأس الشكر، وبين " التوحيد والاستغفار " إذا رفع رأسه من الركوع فيقول: " ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجَد منك الجد " ثم يقول: " اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما يُنَقى الثوب الأبيض من الدَّنَس " كما رواه مسلم في الصحيح عن أبى سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: " اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما
(1/154)

أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
وروى مسلم أيضا عن عبد الله بن أبى أوفى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرنى بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوَسَخ ".
وقد روى مسلم في صحيحه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " اللهم لك الحمد "، وقال: " وملء الأرض، وملء ما بينهما "، ولم يذْكَر في بعض الروايات؛ لأن " السموات والأرض ". قد يراد بهما العلو والسفل مطلقاً، فيدخل في ذلك الهواء وغيره؛ فإنه عال بالنسبة إلى ما تحته، وسافل بالنسبة إلى ما فوقه، فقد يجعل من السماء، كما يجعل السحاب سماء، والسقف سماء، وكذا قال في القرآن: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4] ،ولم يقل: " وما بينهما " كما يقول: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] .
(1/155)

فتارة يذكر قوله: " وما بينهما " فيما خلقه في ستة أيام، وتارة لا يذكره، وهو مراد؛ فإن ذكره كان إيضاحاً وبياناً، وإن لم يذكره دخل في لفظ " السموات والأرض ". ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقول: " ملء السموات وملء الأرض " ولا يقول: " وما بينهما "، وتارة يقول: " وما بينهما " وفيها كلها: " وملء ما شئت من شيء بعد "، وفى رواية أبى سعيد: " أحق ما قال العبد " إلى آخره، وفى رواية ابن أبى أوْفَى: " الدعاء بالطهارة من الذنوب ".
ففي هذا، الحمد رأس الشكر والاستغفار، فإن ربنا غفور وشكور، فالحمد بإزاء النعمة، والاستغفار بإزاء الذنوب.
وذلك تصديق قوله تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك} [النساء: 79] .
ففي سيد الاستغفار: " أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي "، وفى حديث أبي سعيد: " الحمد رأس الشكر والتوحيد "، كما جمع بينهما في أم القرآن؛ فأولها تحميد، وأوسطها توحيد، وآخرها دعاء، وكما في قوله: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65] .
وفى حديث الموطأ: " أفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله تعالى، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير من قالها كتب الله تعالى له ألف حسنة، وحط عنه ألف سيئة وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلها، أو زاد عليه، ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زَبَد البحر ".
(1/156)

وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة، وفيها: التوحيد والتحميد.
فقوله: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له " توحيد، وقوله: " له الملك وله الحمد " تحميد، وفيها معان أخرى شريفة.
وقد جاء الجمع بين التوحيد، والتحميد، والاستغفار، في مواضع؛ مثل حديث كفارة المجلس: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " فيه: التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار. من قالها في مجلس؛ إن كان مجلس لغط كانت كفارة له، وإن كان مجلس ذكر كانت كالطابع له، وفى حديث أيضا: " إن هذا يقال عقب الوضوء ".
ففى الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد يتوضأ فيَسْبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتحِِت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ". وفى حديث آخر أنه يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
وقد روى عن طائفة من السلف، في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، ونحو هذه الكلمات.
روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: " اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي،فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، فأنت خير الراحمين، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب على، إنك أنت التواب الرحيم ".
(1/157)

فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء، وخاتمة الوضوء فيها التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار.
فالتسبيح، والتحميد، والتوحيد لله تعالى؛ فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو.
والاستغفار من ذنوب النفس، التي منها تأتى السيئات.
وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد، والاستغفار في غير موضع، كقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] ، وفى قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} [هود: 2، 3] وفى قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] .
وفى حديث رواه ابن أبى عاصم وغيره: " يقول الشيطان: أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار، وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بَثَثْت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صُنُعًا ".
و" لا إله إلا الله " تقتضى الإخلاص والتوكل والإخلاص [يقتضى] الشكر، فهي أفضل الكلام، وهى أعلى شعب الإيمان، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " الإيمان بضْعُ وستون أو بضع وسبعون شُعْبَة، أعلاها قول لا إلا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
فـ " لا إله إلا الله " هي قطب رحَى الإيمان، وإليها يرجع الأمر كله.
والكتب المنزلة مجموعة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وهي
(1/158)

معنى " لا إله إلا الله " و " لا حول ولا قوة إلا بالله " هي من معنى " لا إله إلا الله " و " الحمد لله " في معناها، و " سبحان الله والله أكبر " من معناها، لكن فيها تفصيل بعد إجمال.
فصل
وقد ظن بعض المتأخرين: أن معنى قوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أي فمن نفسك؟ وأنه استفهام على سبيل الإنكار. ومعنى كلامه: إن الحسنات والسيئات، كلها من الله لا من نفسك.
وهذا القول يباين معنى الآية، فإن الآية بينة أن السيئات من نفس الإنسان.أي بدونه، وهؤلاء يقولون: ليست السيئات من نفسه.
وممن ذكر ذلك: أبو بكر بن فورك. فإنه قال: معناه: أفمن نفسك؟ يدل عليه قول الشاعر:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب
قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في الخبر المخصوص من غير دلالة، فإن هذا يناقض المقصود. ويستلزم أن كل من أراد أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينقيه، بأن يقدر في خبره استفهاما.ويجعله استفهام إنكار.
وهذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم عليه السلام: {هَذَا رَبِّي} أهذا ربي؟
(1/159)

قال الإنباري: هذا قول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا يضمر إذا كان فارقا بين الإخبار والاستخبار.
وهؤلاء استشهدوا بقوله: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} .
وهذا لا حاجة فيه، لأنه قد تقدم الاستفهام في ألأول الجملة، الشرطية {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} فلم إلى ذكره ثانية. بل ذكره يفسد الكلام. ومثله قوله: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} وقوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} وقوله: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} وهذا من فصيح الكلام وبليغه واستشهدوا بقوله:
لعمرك لا أدري، وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
وقوله:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ...
غلس الظلام من الرباب خيالا؟
تقديره: أكذبتك عينك؟
وهذا لا حجة فيه.لأن قوله فيما بعد "أم بثمان" و "أم رأيت" يدل عل الألف المحذوفة في البيت الأول.وأما الثاني: فإن كانت "أم" هي المتصلة فكذلك. وإن كانت المنفصلة فالخبر على بابه.
وهؤلاء مقصودهم: أن النفس لا تأثير لها في وجود السيئات وليست سببا فيها. بل قد يقولون: إن المعاصي علامة محضة على العقوبة لاقترانها بها. لا أنها سبب لها.وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وللعقل.
(1/160)

والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحدا ولم يعذبه إلا بذنب، فقال هناك: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وقال لهم في شأن أحد: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} وقال تعالى في سورة الشورى أيضا: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ} وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} وقال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ. ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وقال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وقال تعالى: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} وقال تعالى في سورة القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم المثل لما أهلكها بذلك العذاب: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وقال تعالى عن أهل سبأ: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ - إلى قوله - ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ
(1/161)

بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وقال تاعلى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} .
وفي الحديث الصحيح الإلهي: " يا عبادي إنما هي أعمالك أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا: فليحمد الله ومن وجد غير ذلك: فلا يلومن إلا نفسه ".
وفي سيد الاستغفار: " أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي " وقال تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .
والحمد لله وحده، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم. ورضي الله عن الصحابة أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1/162)